الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 26

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء السادس و العشرون

ادامة القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة

الباب السادس: أحداث و سرايا. . إلى تبوك. .

اشارة

الفصل الأول: إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه أو يطلقهن

الفصل الثالث: أحداث و قضايا

الفصل الرابع: من سرايا السنة الثامنة

الفصل الخامس: عينية و بنو تميم

الفصل السادس: ترقيع الدلاء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

الفصل السابع: علي عليه السّلام في اليمن

الفصل الثامن: عودة علي عليه السّلام إلى اليمن

الفصل التاسع: علي عليه السّلام في بني زبيد

الفصل العاشر: معاذ و أبو موسى في اليمن

الفصل الحادي عشر: صنم طيء. . و آل حاتم

الفصل الثاني عشر: السرايا ما قبل الأخيرة

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. .

و بعد. .

نتابع حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، و التي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها. . لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام و للمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، و عتاته، و فراعنته، و جباريه.

و تتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين و أوطاس. . و سقوط ثقيف و خثعم في الطائف. .

ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال وفود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، و تأييدهم، و قبولهم بالإسلام دينا، و اعترافهم بمحمد نبيا. .

و الذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب و فصوله هو عرض ما جرى في حنين، و أوطاس، و الطائف. .

و أما الحديث عن الوفود، و عن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء اللّه تعالى. .

فنقول. . و نتوكل على خير مأمول و مسؤول:

الفصل الأول: ابراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب

اشارة

وفاة زينب ربيبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

قال الصالحي الشامي: روى الطبراني مرسلا برجال الصحيح، عن ابن الزبير: أن رجلا أقبل بزينب بنت رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فلحقه رجلان من قريش، فقاتلاه حتى غلباه عليها، فدفعاها، فوقعت على صخرة، فأسقطت و هريقت دما، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءته نساء بني هاشم، فدفعها إليهن.

ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة، فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع، فكانوا يرون أنها شهيدة (1).

و كانت وفاتها في أول سنة ثمان من الهجرة، فغسلتها أم أيمن، و سودة بنت زمعة، و أم سلمة.

و صلّى عليها رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و نزل في قبرها، و معه أبو العاص. و كان جعل لها نعش، فكانت أول من اتخذ لها ذلك (2).


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و المعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 433 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 148 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 31 عن الطبراني.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 31 عن الطبراني و في وفاتها راجع: البحار ج 21 ص 183 عن الكازروني، و المعجم الأوسط ج 6 ص 66 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 34 و 455 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 250 و الإصابة ج 8 ص 152 و أعيان الشيعة ج 3 ص 482 و بشارة المصطفى ص 419 و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 149 و مسند أحمد ج 5 ص 85 و صحيح مسلم ج 3 ص 48 و فتح الباري ج 3 ص 103 و عمدة القاري ج 8 ص 39 و 46 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 75 و المصنف لابن أبي شيبة.

و نقول:

إن لنا على هذا النص ملاحظات عديدة، نذكر منها:

1-قد ذكر: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع هي بنت رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و الحال أننا قد ذكرنا في أوائل هذا الكتاب: أن الدلائل و الشواهد تشير إلى أنها لم تكن بنتا للنبي «صلّى اللّه عليه و آله» على الحقيقة، و إنما كانت تنسب إليه، لأنها تربت عنده في بيته.

و لم نستبعد أن يكون لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بنات أخريات باسم: زينب، و رقية، و أم كلثوم أيضا، و لكنهن متن في حال الصغر، فراجع.

2-لا ندري لماذا لا يصرح ابن الزبير باسم الرجلين اللذين أدركا زينب في الطريق، و روعاها، مع أن التاريخ لم يبخل علينا بهذا الأمر، فإن هبّار بن الأسود هو الذي سبق إليها و روعها بالرمح، و أسقطها على الصخرة، فطرحت ذا بطنها. . و قد أهدر النبي «صلّى اللّه عليه و آله» دمه في فتح مكة، و تقدمت قصته.

3-أما الرجل الذي أقبل بزينب ليسلمها إلى زيد بن حارثة، الذي أرسله النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لاستلامها، فهو نفس زوجها العاص بن الربيع، فلحقه رجال من قريش فيهم: أبو سفيان، و هبّار بن الأسود، فسبق

إليها هبّار، فكان ما كان حسبما أو ضحناه (1).

4-ما زعمه: من أنهم أخذوا زينب من زوجها قهرا، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، غير دقيق، فإن الروايات أيضاّ قد صرحت: بأن أبا سفيان كان حاضرا حين أسقطوها على الصخرة، فألقت ذا بطنها، فبرك حموها كنانة بن الربيع و نثل كنانته بين يديه، و تهددهم، فتكر كر الناس.

ففاوضه أبو سفيان، و أقنعه: بأن ترجع إلى مكة. يسلّها سرا، حتى لا يظن الناس أن إخراجها جهارا كان عن ذل أصابهم، و دليل و هن و ضعف منهم.

فأرجعها إلى مكة، فبقيت عند هند بنت عتبة، ثم انسلت إلى زيد بن حارثة، فقدم بها على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» (2).


1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 42 و 44 و مجمع الزوائد ج 9 ص 216 عن الطبراني و قاموس الرجال ج 10 ص 266 و 267 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 192 و أعيان الشيعة ج 1 ص 251 و ج 7 ص 141 و البحار ج 19 ص 351 و البداية و النهاية ج 3 ص 399 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 516 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 165 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 480 و المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و الإستيعاب ج 4 ص 1536 و 1853 و 1854 و قاموس الرجال ج 12 ص 266 و عيون الأثر ج 2 ص 196 و السيرة الحلبية ج 3 ص 39 و أسد الغابة ج 5 ص 53 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 132 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 444 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 453 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 132.

2) ذخائر العقبى ص 157 و مجمع الزوائد ج 9 ص 215 و راجع: شرح النهج ج 14 ص 192 و 193 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 193 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 23 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 42 و (ط دار الكتب العلمية) ص 45 و أعيان الشيعة ج 1 ص 251 و البحار ج 19 ص 351.

5-و قد ذكرت رواية الطبراني: أنها حين توفيت جعل لها نعش، فكانت أول من اتّخذ لها ذلك.

و لكننا قد ذكرنا حين الكلام عن زواج النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش: أنهم يقولون عن زينب أيضا: أنها حين ماتت صنعوا لها نعشا، و أنها كانت أول من اتخذ لها ذلك.

و قلنا هناك: إن الصحيح، هو: أن أول من صنع لها نعش هي فاطمة الزهراء «عليها السلام» .

6-قد ذكرنا في باب «ما بين بدر و أحد» ، فصل: «شخصيات و أحداث» كلام النقيب أبي جعفر مع ابن أبي الحديد المعتزلي حول موقف النبي «صلّى اللّه عليه و آله» من إسقاط زينب لجنينها، و ما يتوقعه من موقف له «صلّى اللّه عليه و آله» .

و أشرنا هناك إلى موضوع إسقاط الزهراء «عليه السلام» للمحسن، بسبب العدوان عليها في يوم وفاة أبيها «صلّى اللّه عليه و آله» ، بالإضافة إلى أمور أخرى قد يكون الرجوع إليها مفيدا أيضا.

مهلا يا عمر، دعهن يبكين:

و قالوا: لما ماتت زينب بنت (ربيبة) رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : ألحقوها بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يده و قال: مهلا يا عمر، دعهن يبكين، و إياكن و نعيق الشيطان.

إلى أن قال: و قعد رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» على شفير القبر، و فاطمة «عليها السلام» تبكي، فجعل النبي «صلّى اللّه عليه و آله» يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها (1).

و نقول: 1-قد رويت هذه الحادثة في مناسبة وفاة رقية أختها (2).

و الروايات تؤكد على: أن هذا الفعل قد تكرر من عمر أمام رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و كان رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ينهاه و يزجره في كل مرة، و بقي يفعل ذلك بعد وفاة رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لكنه سمح لعائشة بالبكاء على أبيها، و ظل يضرب سائر النساء من أجل ذلك.

و قد ذكر العلامة الأميني «عليه الرحمة و الرضوان» طائفة من هذه


1) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 237 و مجمع الزوائد ج 3 ص 17 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 75 و الغدير ج 6 ص 159 و نيل الأوطار ج 4 ص 149 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 190 و الإستيعاب ج 3 ص 1065.

2) ميزان الإعتدال (ط دار المعرفة) ج 3 ص 129 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 175 و الفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 91 و المجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 27 و مسند أحمد ج 1 ص 335 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 467 و النص و الإجتهاد ص 298 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 473 و مسند أبي داود الطيالسي ص 351 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 398 و ج 8 ص 37 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 251 و الإصابة ج 8 ص 138 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 102 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 357 و مجمع الزوائد ج 9 ص 302 و المعجم الكبير للطبراني ج 9 ص 37.

الموارد في كتابه القيم: «الغدير» ج 6 ص 160-166 فراجعه. .

2-و عن موقف النبي «صلّى اللّه عليه و آله» من فاطمة «عليها السلام» نقول:

ليت النبي الأكرم «صلّى اللّه عليه و آله» كان حاضرا يوم هجموا على بيتها، و أسقطوا جنينها، و أحرقوا بابها، و كشفوا بيتها، و تسببوا باستشهادها مظلومة مكلومة، ليكون «صلّى اللّه عليه و آله» هو الذي يبلسم جراحها، و يكفكف دموعها، و يدافع عنها. .

إبراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و في شهر ذي الحجة من سنة ثمان ولد إبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» من مارية في موضع يقال له: العالية في المدينة، و كانت قابلتها سلمى زوجة أبي رافع، فأخبر زوجها أبو رافع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بولادته، فوهب له عبدا.

و سماه النبي «صلّى اللّه عليه و آله» إبراهيم، و عق عنه يوم سابعه بشاة، و حلق رأسه، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، و أمر بشعره فدفن في الأرض.

و تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه «صلّى اللّه عليه و آله» إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد، و زوجها البراء بن أوس.

و كان «صلّى اللّه عليه و آله» يأتي أم بردة فيقيل عندها، و يؤتى بإبراهيم.

و يقال: دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف (1).

و غارت نساء رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و اشتد عليهن حين رزق منها الولد.

و لما ولدته جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم» (2).

و نقول: إن هناك جزئيات و تفاصيل كثيرة ترتبط بنحو أو بآخر بإبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لكن ربما يكون التعرض لذلك كله بالتحقيق و التحليل غير ممكن، من حيث إنه يستغرق وقتا طويلا و جهدا، و معاناة قد يرى البعض أن يكون صرفهما في أمور أكثر حساسية و أهمية


1) البحار ج 21 ص 183 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و ج 6 ص 127 و فتح الباري ج 3 ص 139 و عمدة القاري ج 8 ص 102 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 267 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 42 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 162 و الإستيعاب ج 1 ص 54 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 136 و أسد الغابة ج 1 ص 38 و ج 7 ص 166 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 699 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 21 و 22 عن ابن سعد، و عن البخاري، و مسلم، و البحار ج 21 ص 183 عن المنتقى للكازروني، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 431 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 710 و أنساب الأشراف ج 1 ص 448-450 و مجمع الزوائد ج 4 ص 329 و عمدة القاري ج 16 ص 100، و أي كتاب تاريخي أو حديثي يتحدث عن السيرة النبوية الشريفة.

أولى و أوجب، و لعل بعضها له مساس قريب بما يهم الناس التعرف عليه، و تمييز الصحيح منه عن غيره. .

و لذلك، فنحن نقتصر هنا على التذكير ببضع نقاط، رأينا أنه لا ضير في التعرض لها هنا.

فنقول:

عائشة: إبراهيم لا يشبه النبي صلّى اللّه عليه و آله:

ذكرت الروايات: أنه أتي النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بإبراهيم يوما و هو عند عائشة، فقال: انظري إلى شبهه.

فقالت: ما أرى شبها.

فقال: ألا ترين إلى بياضه و لحمه؟ !

فقالت: من قصرت عليه اللقاح، و سقي ألبان الضأن سمن و ابيض (1).

و كانت عائشة تقول: «ما غرت على امرأة غيرتي على مارية، و ذلك لأنها كانت جميلة، جعدة الشعر، و كان النبي «صلّى اللّه عليه و آله» معجبا بها، و رزق


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و البداية و النهاية ج 8 ص 70 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 37 و (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 88 و الدر المنثور ج 6 ص 240 عن ابن مردويه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 87 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 39 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و قاموس الرجال ج 12 ص 302 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 336 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 137 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 87.

منها الولد و حرمناه» (1).

و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : «أنه «صلّى اللّه عليه و آله» حجب مارية، و كانت قد ثقلت على نساء النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، و غرن عليها، و لا مثل عائشة» (2).

و عنه أيضا: أن إبراهيم لما هلك، و حزن عليه النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، قالت له عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج.

فبعث النبي «صلّى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» ، و أمره بقتله. .

ثم تذكر الرواية: أنه وجده ما له ما للرجال، و لا ما للنساء.

فقال «صلّى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي صرف عنّا أهل البيت السوء» (3).


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و وفاء الوفاء ج 3 ص 826 و الإصابة ج 4 ص 405 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 311 و قاموس الرجال ج 12 ص 343 عن أنساب الأشراف ج 1 ص 448 و 450 و راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 303 و 304 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 153 و (ط دار صادر) ص 212 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 336 و ج 6 ص 130 و رسالة مارية للشيخ المفيد ص 26 و المنتخب من كتاب أزواج النبي ج 1 ص 57.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 86 و (ط دار صادر) ج 1 ص 135 و الإصابة ج 4 ص 405 و المنتظم ج 3 ص 345 و رسالة مارية للشيخ المفيد ص 26.

3) تفسير القمي ج 2 ص 99 و 100 و ص 318 و 319 و البرهان (تفسير) ج 3 ص 126 و 127 و ج 4 ص 205 و نور الثقلين ج 3 ص 581 و 582 و راجع: البحار ج 22 ص 155 و 154 و 242 و التفسير الصافي ج 3 ص 424 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 581 و تفسير الميزان ج 5 ص 103 و 104 و راجع: علل الشرائع ج 2 ص 267 و عن الخصال ج 2 ص 120-126 و راجع: قاموس الرجال (ط أولى) ج 3 ص 279 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 12 ص 302 و 342 و مجمع البحرين ج 1 ص 82 و جامع الشتات ص 36.

و حديث الخصي، و اتهام بعض الناس لمارية به، مذكور في كثير من المصادر (1).

جبرئيل يبرئ مارية:

عن أنس قال: لما ولد إبراهيم لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» جاء جبرئيل «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» فقال: «السلام


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 450 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 411 412 و الإصابة ج 3 ص 334 و ج 4 ص 411 و 412 و صحيح مسلم ج 8 ص 119 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 39 و 40 و تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي، نفس الجزء و الصفحة، و البداية و النهاية ج 4 ص 273 و ج 3 ص 304 عن أحمد و المحلى ج 11 ص 413 و السيرة الحلبية ج 3 ص 309 و 312 و أسد الغابة ج 5 ص 542 و 544 و ج 4 ص 268 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 154 و 155 و (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 88 و مجمع الزوائد ج 9 ص 161 و ج 4 ص 329 عن الطبراني في الأوسط، و الأمالي للمرتضى ج 1 ص 77 و (ط منشورات مكتبة المرعشي) ص 54 و صفة الصفوة ج 2 ص 78 و 79 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 188 و 189 و البحار ج 22 ص 53 و 167 و 168 و عن أحمد، و الضياء في المختارة و الفائق ج 1 ص 287 و الدر المنثور ج 6 ص 240 و كنز العمال ج 5 ص 454 و أضواء على السنة المحمدية ص 45 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 220 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 236 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 252 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 602 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 219 و جامع الشتات ص 36.

عليك يا أبا إبراهيم» (1).

و في نص آخر: لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، حتى أتاه جبرئيل، فقال: «السلام عليك يا أبا إبراهيم» (2).

و أصرح من ذلك: ما روي: من أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لعمر: «ألا أخبرك يا عمر: إن جبرئيل «عليه السلام» أخبرني أن اللّه عز و جل قد برّأ مارية و قريبها مما وقع في نفسي، و بشرني: أن في بطنها غلاما، و أنه أشبه الخلق بي، و أمرني أن أسميه إبراهيم» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 537 و ج 11 ص 21 و 219 عن ابن سعد، و البحار ج 15 ص 280 و ج 16 ص 120 و 131 و ج 21 ص 183 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 604 و مجمع الزوائد ج 4 ص 329 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 449 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 47 و 135 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 44 و 133 و الإصابة ج 1 ص 318 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 34 و البداية و النهاية ج 5 ص 330 و إمتاع ج 2 ص 148 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 235 و إعلام الورى ج 1 ص 43 و كشف الغمة ج 1 ص 13 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 537 و ج 11 ص 21 عن ابن مندة، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 413 و عمدة القاري ج 16 ص 100 و فيض القدير ج 3 ص 323.

3) كنز العمال ج 11 ص 471 و ج 14 ص 97 عن ابن عساكر بسند حسن، و الإصابة ج 3 ص 335 عن فتوح مصر لابن عبد الحكم، و السيرة الحلبية ج 3 ص 312 و 313 و (ط دار المعرفة) ص 399 و مجمع الزوائد ج 9 ص 162 و الإصابة ج 5 ص 518 و راجع: دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 26 و راجع: رسالة حول خبر مارية ص 28 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 46 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 121.

ثم أكد «صلّى اللّه عليه و آله» على هذا الأمر حتى حين موت إبراهيم، فقد روي: أنه «لما توفي إبراهيم قال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : إن إبراهيم ابني، و إنه مات في الثدي، و إن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة» (1).

فجبرئيل قد أخبر النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ليس فقط بشبه ولده به، بل هو قد أخبره: بأنه أشبه الخلق به، حتى قبل أن يولد.

و لكن عائشة لا ترى أي شبه لإبراهيم برسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و جبرئيل يخبر رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بأن هذا الطفل ابنه، و عائشة تقول لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بعد موت هذا الطفل: إنه ليس ولده، بل هو ابن جريج القبطي. . و تشكك في بنوته له قبل أن يولد أيضا.

و رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يخبر عمر قبل أن تلد مارية ولده: بأن


1) صحيح مسلم ج 7 ص 77 و فتح الباري ج 3 ص 140 و تاريخ الخميس ج 2 ص 146 و عمدة القاري ج 8 ص 103 و الديباج على مسلم ج 5 ص 320 و الجامع الصغير ج 1 ص 330 و كنز العمال ج 11 ص 470 و ج 12 ص 455 و ج 14 ص 98 عن أبي نعيم، و راجع: رسالة حول خبر مارية ص 30 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 205 و فيض القدير ج 2 ص 515 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 290 و معجم المحاسن و المساوئ ص 398 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 139 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 136 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 224 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 613 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 361 و الجمع بين الصحيحين ج 2 ص 655 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 1621 و المنتظم ج 4 ص 11 و راجع: سبل السلام ج 3 ص 217 و المجازات النبوية ص 383 و مسند أحمد ج 3 ص 112 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 76.

جبرئيل قد برّأ مارية مما قذفت به، و بأن الجنين ابنه. .

و عائشة تبقى مصرة على قذف مارية قبل أن تلد ولدها، و بعد ولادتها، و حتى بعد موت ذلك الولد أيضا.

قسوة و جرأة:

و بعد. . فإن عظمة الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» ، و هو أفضل و أشرف و أقدس خلق اللّه تعالى. . من شأنها: أن تجعل الناس جميعا يتريثون في الإقدام على أي موقف، أو التفوه بأية كلمة، أو القيام بأي تصرف في حضوره «صلّى اللّه عليه و آله» . .

و تفرض عليهم حسابات كثيرة في هذا الإتجاه، و يخضعون لهذا الواقع بصورة عفوية، و من دون حاجة إلى توجيه أو دلالة من أحد. .

أضف إلى ذلك: أن موقع النبوة، و قداسة الأنبياء، و علاقة ذلك برضا اللّه تعالى، و بقبول الأعمال، و بالثواب و العقاب يفرض المزيد من الحذر، و مراقبة الإنسان لنفسه، و يحتم عليه السير نحو الإنضباط التام في كل حركة و سكون، و قول و فعل، ما دام أن قيمة أي زلل أو خطل سيكون هو مستقبل الإنسان و مصيره في الدنيا و الآخرة.

و لكننا إذا رجعنا إلى حياة أم المؤمنين عائشة مع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فسنجد: أنها لا تخضع لهذا التقدير، و لم تتأثر بهذا الواقع. . بل هي تبدو شديدة الإندفاع في الإتجاه الآخر، من خلال ما نشهده من جرأة لها على مقام النبوة، ثم من عدم مبالاة في عواقب تعاملها البالغ في القسوة على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بالذات. . بخلاف ما نشاهده لدى

خديجة و أم سلمة و ميمونة مثلا. . من سلوك خاضع لمقام النبوة و الرسالة.

أما سائر أمهات المؤمنين، و خصوصا حفصة و كذلك أم حبيبة. . فكنّ يتأثرن بالأجواء التي تثيرها عائشة نفسها، التي كانت تحرك الأمور باتجاه حالة من التوتر و المشاحنات التي لا مبرر لها، دون أن يردعها عن ذلك ما ينشأ عنه من أذى، بل و من إهانة لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و لأهل بيته الأطهار صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

بل و لعل من أوضح مفردات هذا الواقع قولها لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : إن اللّه يسارع في هواك (1).


1) الدر المنثور ج 5 ص 210 و 211 عن البخاري، و مسلم، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن ماجة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و أحمد، و ابن أبي حاتم، و راجع ما عن ابن سعد أيضا. و راجع: تفسير الصافي ج 4 ص 196 و أحكام القرآن للجصاص ص 479 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 25 و ج 14 ص 208 و 214 و البحار ج 22 ص 181 و فتح القدير ج 4 ص 295 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 245 و مجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج 8 ص 171 و نور الثقلين ج 4 ص 293 و الميزان (تفسير) ج 16 ص 342 و راجع: المبسوط للطوسي ج 4 ص 158 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 49 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 625 و البحار ج 22 ص 181 و صحيح البخاري ج 6 ص 24 و عن مسند أحمد ج 6 ص 261 و عن فتح الباري ج 8 ص 405 و ج 9 ص 142 و عمدة القاري ج 19 ص 119 و ج 20 ص 109 و الديباج على مسلم ج 4 ص 71 و حاشية السندي على النسائي ج 6 ص 54 و تخريج الحاديث و الآثار ج 3 ص 118 و تغليق التعليق ج 4 ص 410 و تفسير جوامع الجامع ج 3 ص 75 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 171 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 282 و احكام القرآن للجصاص ج 3 ص 479 و تفسير البغوي ج 3 ص 538 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 595 و 604 و 606 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 25 و ج 14 ص 208 و 214 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 508 و مصادر كثيرة أخرى.

و قولها: أنت الذي تزعم أنك نبي اللّه (1).

و قولها له أمام أبيها: اقصد (2). أي أعدل (أو قل و لا تقل إلا حقا) .

ثم ما لهجت به النصوص، التي قدمناها عن تصرفات عائشة مع شخص رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بأمر بالغ الحساسية و الخطورة بالنسبة إليه.

و تفصيل ذلك، قولها: كان في متاعي خف و كان على جمل ناج و كان متاع صفية فيه ثقل، و كان على جمل ثقال، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «حولوا متاع عائشة على جمل صفية، و حولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب» .


1) إحياء علوم الدين (ط مصر) ج 2 ص 29 و (ط دار المعرفة) ص 43 و مكاشفة القلوب ص 237 باب 94 ص 237 و المراجعات ص 326 و النص و الإجتهاد ص 418 و فيض القدير ج 3 ص 661 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 33 و راجع: المصنف للصنعاني ج 11 ص 431.

2) إحياء العلوم للغزالي ج 2 ص 35 آداب النكاح، و مكاشفة القلوب ص 238 باب 94 و كنز العمال (ط حيدرآباد) ج 7 ص 16 ح (1020) و المراجعات ص 326 و النص و الإجتهاد ص 417 و الصراط المستقيم ج 3 ص 166 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 625 و الطرائف لابن طاووس ص 292 و عين العبرة للسيد أحمد آل طاووس ص 45 و إحقاق الحق (الأصل) ص 306 و 307.

قلت: يا لعباد اللّه، غلبتنا هذه اليهودية على رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

قالت: فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «يا أم عبد اللّه، إن متاعك فيه خف، و كان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك و حولنا متاعك على بعيرها.

قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

فتبسم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و قال: أو في شك؟

أنت يا أم المؤمنين يا أم عبد اللّه.

قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فهلا عدلت. و سمعني أبو بكر الخ. . (1).

إنها مسألة تمس موقع النبوة أولا، و تمثل طعنة نجلاء في أعماق أعماق روحه، بحربة تقطر بسم الحقد، و الضغينة، و تهدف إلى هدم شرفه، و تقويض كرامته، و النيل من عزه، و مجده الأثيل. .

فالنبي «صلّى اللّه عليه و آله» أغير مخلوق وجد، فما بالها تطعن في عرضه، مرة بعد أخرى، غير آبهة بتواتر الوحي الإلهي، بالتأكيد على طهارة ذلك العرض، و براءته من أي مغمز، و سلامته من أي وليجة. .

و لما ذا لا تكف عن غمزها، و لا يقنعها الوحي الإلهي، و لا يؤثر فيها


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 182 و ج 9 ص 71 عن أبي يعلى بسند لا بأس به، و أبو الشيخ بن حيان بسند جيد قوي عن عائشة، و في هامشه عن: مجمع البيان ج 4 ص 322 و المطالب العالية (1540) و (1927) . و راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 322 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 130.

قول جبرئيل، و لا تأكيد الرسول المسدد و المؤيد «صلّى اللّه عليه و آله» ، الذي لا ينطق عن الهوى؟ !

و ما الذي يدعوها إلى نبذ أبسط قواعد اللياقة و الأدب، مع أشرف و أفضل، و أقدس و أنبل، و أعظم، و أكمل الخلق، و سيد رسل اللّه تعالى؟ !

إن أقوالها مع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» حول ولده إبراهيم بعيدة كل البعد عن أبسط قواعد الأدب، و الإلتزام و الإحترام. . فلما ذا هذا الطعن المتوالي الممعن في القسوة لقلب الإنسانية، الطافح بالرحمة، و المودة، و الحنان، و الغيرة، و الشعور بالكرامة و العزة؟ !

و هل يجرؤ إنسان يدّعي أنه قريب و حبيب على التصريح لمن يحبه، و يتقرب منه، بأن ولده الذي يبكي عليه، و قد مات قبل ساعة أو ساعات ليس ولده الشرعي؟ !

رغم قيام الشواهد لذلك الأب على صحة ولادة ذلك الطفل و شرعيته.

فكيف إذا كان الوحي الإلهي هو الذي يؤكد له هذه الحقيقة، التي يصر الآخرون على إنكارها و تكذيبها، بلا أي شاهد أو مبرر؟ ! . إلا الحسد و الغيرة، و إلا التجني و الإمعان في جرح الكرامة، و إلا الإيذاء. .

مرضعة إبراهيم:

هذا. . و لا نرى أن ثمة تناقضا بين رواية إرضاع أم سيف لإبراهيم، أو رواية إرضاع أم بردة بنت المنذر له. فلعل كل واحدة منهما قد أرضعته برهة من الزمن. و ربما تكون أم سيف قد أرضعته أياما يسيرة، ثم أخذته أم بردة، فإنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد أعطى أم بردة هذه قطعة نخل.

كاد يقع في نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و عن الرواية التي تدّعي: أنه لما ولد إبراهيم كاد يقع في نفس النبي «صلّى اللّه عليه و آله» . . نقول:

إنها لا يمكن أن تصح، لأن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» كان أتقى للّه من أن يقع في قلبه أمر من هذا القبيل. . و هو الذي عرّفه جبرئيل حتى قبل ولادة إبراهيم: بأن مارية تحمل ولدا هو أشبه الناس به. .

يضاف إلى ذلك: أن جبرئيل-كما تقدم-حين ولد إبراهيم قد جاءه، و قال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم. .

ثم إنه «صلّى اللّه عليه و آله» كان يعلم: بأن رمي هؤلاء لمارية لا يستند إلى شاهد و لا يعتمد على دليل. . و يعرف أن من يرمي المؤمنين بشيء من ذلك، لا بد أن يأتي بالشهداء على ما يقول، فإذا لم يأت بالشهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون.

بل هم يستحقون العقاب و النكال على قذفهم هذا. لو لا أن اللّه تعالى لم يرد معاقبتهم في الدنيا، لكي لا يتعرض مقام النبوة الأقدس للريب و الشك و الكيد من أصحاب النفوس المريضة، فيضر ذلك بإيمان الناس إلى يوم القيامة. .

إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون:

و روي: أن إبراهيم ابن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» مات سنة عشر، و جزم به الواقدي، و قال: مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر

ربيع الأول (1).

و قالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهرا (2). و روي ذلك عن غير عائشة أيضا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و 24 و عمدة القاري ج 7 ص 64 و ج 8 ص 103 و 211 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 س 306 و 307 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 91 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 56 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 143 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 145 و ج 34 ص 290 و 291 و ج 60 ص 296 و البداية و النهاية ج 5 ص 332 و الإصابة ج 1 ص 318 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 615 و المجموع للنووي ج 5 ص 58 و ذخائر العقبى ص 155 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 336 و مجمع الزوائد ج 9 ص 162 و فتح الباري ج 3 ص 140.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و 27 و مسند أحمد ج 6 ص 267 و سنن أبي داود ج 2 ص 76 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 139 و الإستيعاب ج 1 ص 56 و 57 و الإصابة ج 1 ص 318 و 319 و المحلى لابن حزم ج 5 ص 158 و نصب الراية ج 2 ص 322 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 236 و فيض القدير ج 1 ص 257 و العلل لابن حنبل ج 1 ص 283 و أحكام الجنائز للألباني ص 79 عن أبي داود، و ابن حزم، و أحمد، و راجع: تاج المواليد للطبرسي (المجموعة) ص 9 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 38 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 336 و عمدة القاري ج 8 ص 211 و عون المعبود ج 4 ص 31 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 49 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 142 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 142 و 143 و ج 3 ص 7 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 145 و 146 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 67 و البداية و النهاية ج 5 ص 322 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 338 و أعيان الشيعة ج 1 ص 223 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 و 615.

و في صحيح البخاري: أنه عاش سبعة عشر شهرا، أو ثمانية عشر شهرا على الشك (1).

و عن البراء، و أنس، و جابر: توفي إبراهيم ابن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» و هو ابن ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا (2).

و قال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهرا و ثمانية أيام (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و الإصابة ج 1 ص 320 و راجع: فتح الباري ج 10 ص 477.

2) تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 135 و 137 و 138 و 144 و راجع: فتح الباري ج 10 ص 477 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 97 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و 332 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 508 و 509 و فيض القدير ج 2 ص 515 الإصابة ج 1 ص 320 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 612 و 614 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 283 و 289 و 304 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 9 و عمدة القاري ج 7 ص 69 و مسانيد أبي يحيى الكوفي ص 22 و 26 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 494 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 255 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 451 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 251 و الإستيعاب ج 1 ص 58 و نصب الراية ج 2 ص 331 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 235 و كنز العمال ج 12 ص 452 و 454 و 455 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 7 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 140 و العلل لابن حنبل ج 2 ص 412 و 565 و 566.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 و الإصابة ج 1 ص 318 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و الإستيعاب ج 1 ص 56 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و عمدة القاري ج 7 ص 69.

و قيل: توفي و هو ابن سنة و عشرة أشهر و ستة أيام (1).

و قيل: مات و هو له إحدى و سبعون ليلة (2).

و روي عن مكحول، و عطاء، و عبد الرحمن بن عوف، و بكير بن عبد اللّه بن الأشج، و قتادة، و أنس: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى النخل الذي فيه إبراهيم «عليه السلام» ، فدخل و إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فلما (مات) ذرفت عينا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول اللّه؟ أو لم تنه عن البكاء؟

قال: «إنما نهيت عن النوح، و عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو و لعب، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجه، و شق جيب، ورنة شيطان» (3).


1) إمتاع الأسماع ج 5 ص 338 و عمدة القاري ج 7 ص 69 و ج 8 ص 103 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395.

2) إمتاع الأسماع ج 5 ص 338.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 22 عن ابن سعد، و مستدرك الوسائل ج 2 ص 456 و 458 و ج 13 ص 94 و البحار ج 79 ص 90 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 470 و 486 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1674 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و كنز العمال ج 15 ص 615 و 616 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و غوالي اللآلي ج 1 ص 89 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 442 و كتاب المجروحين ج 2 ص 245 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و التمهيد ج 24 ص 442 و نصب الراية ج 5 ص 90.

و في رواية: فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرب، و اللّه يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» .

و عن أنس و أبي أمامة: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قال: «تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي اللّه تعالى، و اللّه إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 30 و ج 11 ص 23 عن مسلم، و أبي داود، و ابن سعد، و أحمد، و عبد بن حميد، و الطبراني، و راجع: ابن ماجة، و ابن عساكر، عن أسماء بنت يزيد، و بكير بن عبد اللّه، و راجع: الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 47 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 163 و كشف الغمة (ط ق) ج 1 ص 158 و الكافي للكليني ج 3 ص 262 و دعائم الإسلام ج 1 ص 224 و تحف العقول ص 37 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 280 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 921 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 385 و 460 و 462 و 463 و مكارم الأخلاق ص 22 و ذخائر العقبى ص 153 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 394 و غوالي اللآلي ج 1 ص 89 و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 5 و 93 و 94 و البحار ج 16 ص 235 و ج 22 ص 157 و 264 و ج 24 ص 264 و ج 65 ص 54 و ج 74 ص 140 و ج 79 ص 91 و 101 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 405 و 470 و 471 و 472 و 481 و مسند أحمد ج 3 ص 194 و صحيح البخاري ج 2 ص 84 و صحيح مسلم ج 7 ص 76 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 506 و سنن أبي داود ج 2 ص 64 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و عمدة القاري ج 8 ص 75 و 101 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 553 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 267 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 385 و الإعتبار لابن أبي الدنيا ص 41 و كتاب الهواتف لابن أبي الدنيا ص 38 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 43 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 162 و المعجم الأوسط ج 8 ص 346 و المعجم الكبير ج 24 ص 171 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 198 و الإستذكار ج 3 ص 71 و الإستيعاب ج 1 ص 55 و 57 و 58 و التمهيد لابن عبد البر ج 17 ص 284 و ج 24 ص 443 و تغليق التعليق ج 2 ص 472 و راجع: كنز العمال ج 15 ص 615 و 621 و 625 و فيض القدير ج 2 ص 717 و ج 3 ص 291 و ج 6 ص 473 و كشف الخفاء ج 2 ص 156 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 360 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 74 و ج 4 ص 262 و تفسير القرطبي ج 9 ص 249 و فتح القدير ج 3 ص 48 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 137 و 138 و 140 و 142 و 143 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 و 145 و ج 10 ص 107 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و وفيات الأعيان ج 2 ص 302 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 699 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و 332 و ج 6 ص 305 و ج 7 ص 86 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 223 و 338 و 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 614 و 615.

و عن أنس: لما قبض إبراهيم ابن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لهم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه» ، فأتاه، فانكب عليه، و بكى (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 عن ابن ماجة، و الحكيم الترمذي و راجع: سنن ابن ماجة ج 1 ص 473 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 139 و البداية و النهاية ج 5 ص 331 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 613.

و نقول: إن لنا هنا بعض الوقفات، أو الإيضاحات، و هي التالية:

فضائل ابن عوف:

إن تفويض عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف أمر تعيين الخليفة من بعده، و هو الذي كان يعلم: أن هوى عبد الرحمن كان في عثمان، فاختار عثمان. . كان وراء سعي محبي عمر إلى تعظيمه، و تسطير الفضائل له.

فما دام أنه كان موضع ثقة ذلك الذي منحوه حبهم و إخلاصهم، فلما ذا لا يسعى الفريق الأموي إلى التصدق على عبد الرحمن بن عوف ببعض فتات الفضائل، أو الأدوار التي لا تكلفهم شيئا، لأنها تكون مسروقة من محبي علي «عليه السلام» ، أو من أناس ليس لهم نشاط في تأييد ملكهم و سلطانهم، و لا في إضعاف أمر علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، الذين يرون أن لا بقاء، و لا قرار لحكمهم معهم. .

الحكمة البالغة:

من المعلوم: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن عقيما، فقد ولد له من خديجة «عليها السلام» عدة أولاد، و قد ماتوا جميعا، و لم يبق منهم سوى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام» .

و من المعلوم أيضا: أنه لم يطرأ عليه العقم بعد خديجة «عليها السلام» ، بدليل ولادة إبراهيم «عليه السلام» في أواخر سني حياته «صلّى اللّه عليه و آله» .

ثم إن من المعلوم كذلك: أنه بعد أن ولدت له خديجة و مارية لم يولد له من أي من نساء العرب الأخريات، حتى القرشيات، و لا من نساء سائر الأمم

التي تدّعي لنفسها أحوالا و مقامات، فلم يولد له ممن يتصل نسبها ببني إسرائيل كصفية بنت حيي بن أخطب مثلا، ربما منعا لأي استغلال تضليلي من قبل أولئك الناس، الذين عرفوا بالإنتهازية، و بتحريف الكلم عن مواضعه، و بالمتاجرة حتى بالنصوص المقدسة، حتى إنهم كانوا يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ (1).

و رغم كثرة النساء اللواتي تزوجهن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و قد كن من قبائل مختلفة، فإن اللّه تعالى لم يرزقه ولدا إلا من خديجة، ثم من جارية أهديت إليه من بلاد بعيدة، ليدل ذلك على سرّ إلهي في خديجة و الزهراء «عليهما السلام» ، مفقود في جميع النساء الأخريات، و لا يمكن أن يتوفر في أي ذرية تولد له «صلّى اللّه عليه و آله» منهن.

بل ربما تكون ولادة و بقاء ذرية له من غير خديجة أمرا مضرا بالإسلام بدرجة يصعب على البشر تقدير حجم الخطر و الضرر فيه. .

و لذلك حرم سائر نسائه رغم كثرتهن من الولد. و تلك حكمة بالغة، و تسديد و لطف إلهي بالبشر كلهم، و لعل تصرفات عدد من نسائه «صلّى اللّه عليه و آله» التي تعبر عن طموحات خطيرة، و عن نفسيات غير سليمة تظهر هذه الحقيقة بجلاء، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك. .

النياحة المنهي عنها:

و بعد. . فقد بين «صلّى اللّه عليه و آله» سبب نهيه عن النياحة على الأموات،


1) الآية 79 من سورة البقرة.

فقال-كما روي عنه-: «إنما نهيت عن النياحة، و أن يندب الميت بما ليس فيه» .

ثم قال: «. . و إنما هذه رحمة، و من لا يرحم لا يرحم يا إبراهيم، لو لا أنه حق، و وعد صادق، و يوم جامع. .» (1).

و نقول: 1-إن هذه الكلمات تدلنا على أنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد بكى رحمة منه لإبراهيم.

أي أن هذا البكاء كان استجابة منه «صلّى اللّه عليه و آله» لشعور حرّكته رؤية لحالة ضعف أو عجز، أو نقص وجده في ذلك الطفل تمثل فيما كان يعانيه إبراهيم من جهد أو ألم حين كان يصارع المرض، أو حين كان يجود بنفسه.

فلم يكن البكاء إذن لأجل شيء يعود لشخص رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فهو لا يبكي لأنه يفقد شيئا يشعر أنه بحاجة إلى استمرار


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و التحفة السنية (مخطوط) ص 44 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 385 و ذخائر العقبى ص 155 و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 93 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 470 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و الإستيعاب ج 1 ص 57 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 443 و كنز العمال ج 15 ص 615 و 616 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 138 و كتاب المجروحين ج 2 ص 246 و أسد الغابة ج 1 ص 39 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و الوافي بالوفيات ج 6 ص 68 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 251 و السيرة الحلبية ج 3 ص 394.

احتفاظه به، و لا لأن ذلك يورد عليه نقصا، أو يسبب له عجزا، أو يوجب له ألما، و أذى كشخص.

و إذن، فهذا البكاء لم يكن أنانيا بل هو بكاء إنساني، إذ إن حالة إبراهيم لو وجدت في أي شخص آخر-قريبا كان أو غير قريب-فسيبكي له رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، كما بكى «صلّى اللّه عليه و آله» على عثمان بن مظعون، و على الشهداء في مؤتة، و في مناسبات أخرى. . لأن بكاءه بكاء الرحمة، و ليس بكاء الحرص، أو الشعور بالنقص، أو للإحساس بالخسارة الشخصية.

و ذلك كله يدلنا على كمال النبي «صلّى اللّه عليه و آله» في ميزاته و خصائصه، و في مشاعره، و أحاسيسه، الإنسانية. و على أن النبوة لا تمنع من هذا الكمال، بل هي ترسخه و تؤكده.

2-إن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد أوضح ما قصده حين نهى عن النياحة، و أعطى الضابطة الصحيحة للحزن و للفرح على حد سواء.

فذكر «صلّى اللّه عليه و آله» : أن الحزن لا يبرر إطلاق الدعاوى الفارغة في الهواء، و الكذب، و لا ينبغي أن يفسح المجال ليدخل إلى حياة الناس، و لو على مستوى التعبير عن العاطفة. . و لا يجوز أن يجعل وسيلة لسلو المحزونين، فإن الإحساس بنفع الكذب و لو بهذا المقدار يجرئ الناس على الاستفادة منه في كل موقع يرون أن لهم فيه فائدة شخصية، و تصبح الفائدة الشخصية هي المعيار عندهم في الحلال و الحرام. و تضيع المعايير الواقعية، و يتلاشى تأثيرها.

الصوتان الفاجران الأحمقان:

و قد تضمنت النصوص المتقدمة: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» نهى عن صوتين فاجرين أحمقين: صوت عند نغمة لهو و لعب، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة خمش وجه، و شق جيب، ورنة شيطان» (1).

و عن بكير بن عبد اللّه بن الأشج: أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بكى على ابنه إبراهيم، فصرخ أسامة بن زيد، فنهاه رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال: رأيتك تبكي! !

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : «البكاء من الرحمة، و الصراخ من الشيطان» (2).

و نقول: قد تقدمت الإشارة إلى بكاء الرحمة، و بكاء الفقدان. و أن البكاء الأول مطلوب و محبوب، دون الثاني. و إلى أن النياحة المنهي عنها هي تلك التي تتضمن الأكاذيب و المبالغات غير المقبولة في شأن الميت. .

و قد ذكر النص المشار إليه أعلاه أمورا أخرى في هذا السياق: 1-فذكر النهي عن صوتين وصفهما بالفجور و الحمق. .

فأما الفجور فيهما، فلأنهما يتجاوزان حدود الشرع، و يستخفان العقل،


1) تقدمت مصادر هذا الحديث، و ما بمعناه.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 23 عن ابن سعد، و الجامع الصغير ج 1 ص 495 و كنز العمال ج 15 ص 608 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 139 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395 و فيض القدير ج 3 ص 291.

و يلقيانه على قارعة الطريق، و يسلبانه أي أثر أو دور.

و أما الحمق فيهما، فلأنهما لا يخضعان لأي ضابطة أو ميزان عقلي. بل هما خارجان عن حدود المقبول و المعقول. فمسحة العقل تكون ضعيفة أو تكاد تكون معدومة فيهما، لأنهما إنما يعتمدان على إبعاد العقل عن الساحة، و التوجه نحو الغرائز، و الأهواء لمخاطبتها و استثارتها.

2-و قد اعتبر أن أول صوت أحمق فاجر هو صوت نغمات اللهو و اللعب، حيث يتم إقصاء العقل، و يكون زمام الإنسان بيد هواه، و غرائزه، لأن العقل لا يرضى باللهو و لا باللعب، كما ان المزامير الشيطانية لا تخاطب العقل، لعدم وجود لغة مشتركة بينهما. بل هي تشطنه، و تقيده، و تمنعه من الحركة و من التأثير. .

و قد تقدم: أن الإسلام لا يريد أن تدخل أمثال هذه الأمور إلى حياة الناس، فإن ذلك من شأنه أن يفسدها، و أن يجعلها خاضعة لأمزجة الأشخاص، و أهوائهم، و ميولهم الفردية، و انفعالاتهم.

يضاف إلى ذلك: أن للحياة واقعيتها، و ثباتها، فلا يمكن بناؤها على اللهو و اللعب، و العبث. و لا رسم حدودها وفق ردود فعل الأمزجة، و الأهواء. و لا تحريكها بغير معايير العقل و ضوابطه، و من دون الاعتماد على هدايته و دلالته. .

و هكذا الحال في حالات الحزن حين يرتكز إلى التصرف غير المتوازن، و الذي تفرضه الإنفعالات غير المسؤولة، و التي تنتهي بتصرفات غير مبررة، و لا ينتج عنها إلا الأذى و الخسران، لأنها مجرد حركات هستيرية، تكون ضابطتها عدم الإلتزام بضابطة، و قاعدتها إسقاط كل قاعدة.

و أما حين يتم اللجوء إلى الحركات المصطنعة، كذلك الصراخ الذي صدر عن أسامة بن زيد، ثم يكون المبرر الذي انتحله لنفسه هو رؤيته النبي «صلى اللّه عليه و آله» يبكي ولده إبراهيم، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية و خطورة، فقد تبين أن أسامة قد تجاوز الحدود المقبولة و المعقولة في فهمه لبكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ولده، و أمعن في الإبتعاد عن مراميه و أهدافه حين استنتج منه أمورا ليس فقط لا تتوافق معه، و إنما هي في موقع النقيض منه. .

فشتان ما بين البكاء الناشئ عن الرحمة، و بين الصراخ المصطنع، الخاوي من أية عاطفة، و إنما يقصد به إثارة أجواء من الأسى و الغم، و هي أجواء يجد الشيطان فيها مسرحا لتسويلاته و مجالا لإغواءاته، و جر الناس إلى مزالق و مهالك لم تكن تخطر لهم على بال.

و لذلك قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و الصراخ من الشيطان» .

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل النساء أو يطلقهن

اشارة

النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه: كيف؟ و لما ذا؟ :

قال ابن عباس: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول اللّه عز و جل: وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ (1)، فكنت أهابه، حتى حججنا معه حجة، فقلت: لئن لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله، فلما قضينا (حجنا)أدركناه، و هو ببطن مرو، قد تخلف لبعض حاجاته، فقال: مرحبا بك يا ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ما حاجتك؟

قلت: شيء كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين، فكنت أهابك.

فقال: سلني عما شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئا حين تعلمنا.

فقلت: أخبرني عن قول اللّه تعالى: وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ من هما؟

قال: لا تسأل أحدا أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا يكلم أحدنا امرأته، إنما هي خادم البيت، فإن كان له حاجة سفع برجليها، فقضى حاجته، فلما قدمنا المدينة، تعلمن من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا و يراجعننا، و إني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا و كذا.

فقمت إليها بقضيب فضربتها به.


1) الآية 4 من سورة التحريم.

فقالت: يا عجبا لك، يا بن الخطاب! تريد أن لا تكلم؟ ! فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تكلمه نساؤه.

فخرجت، فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنية، انظري لا تكلمي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا تسأليه، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس عنده دينار و لا درهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، و جلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن، و يدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، و إنها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف، أو من مكة، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا دخل يسلم عليها حبسته حتى تلعقه منها، أو تسقيه منها. و إن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها، حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع.

فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبتها، فأخبرتهن، و قالت: إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير.

ثم إنه دخل على عائشة، فقالت: يا رسول اللّه، أطعمت شيئا منذ اليوم، فإني أجد منك ريح مغافير.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشد شيء عليه: أن يوجد منه ريح شئ، فقال: هو عسل، و اللّه لا أطعمه أبدا.

حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول اللّه، إني لي إلى أبي حاجة، إن نفقة لي عنده، فأذن لي أن آتيه.

فأذن لها.

ثم إنه أرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو فزع، و وجهه يقطر عرقا، و حفصة تبكي، فقال: ما يبكيك؟

فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا؟ ! أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها على فراشي؟ ! ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما و اللّه ما يحل لك هذا يا رسول اللّه.

فقال: و اللّه، ما صدقت: أليس هي جاريتي، قد أحلها اللّه تعالى لي، أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري لا تخبري بذلك امرأة منهن، فهي عندك أمانة.

فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قرعت حفصة الجدار الذي بينها و بين عائشة، فقالت: ألا أبشري، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد حرم أمته، فقد أراحنا اللّه منها.

فقالت عائشة: أما و اللّه، إنه كان يريبني أنه كان يقبل من أجلها، فأنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ (1). ثم قرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ (2)، فهي عائشة و حفصة.

و زعموا: أنهما كانتا لا تكتم إحداهما للأخرى شيئا.

و كان لي أخ من الأنصار إذا حضرت، و غاب في بعض ضيعته، حدثته بما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إذا غبت في بعض ضيعتي، حدثني.


1) الآية 1 من سورة التحريم.

2) الآية 4 من سورة التحريم.

فأتاني يوما و قد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني (1)، فقال: ما دريت ما كان؟

فقلت: و ما ذاك؟ لعله جبلة بن الأيهم الغساني، تذكر.

قال: لا، و لكنه أشد من ذلك، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى صلاة الصبح، فلم يجلس كما كان يجلس، و لم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، و قد اعتزل في مشربته، و قد ترك الناس يموجون و لا يدرون ما شأنه، فأتيت و الناس في المسجد يموجون و لا يدرون.

فقال: يا أيها الناس كما أنتم، ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مشربته، قد جعلت له عجلة، فرقى عليها، فقال لغلام له، أسود، و كان يحجبه: استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي.

فدخلت و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مشربته، فيها حصير و أهب معلقة، و قد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه، و تحت رأسه و سادة من أدم محشوة ليفا، فلما رأيته بكيت.

قال: ما يبكيك؟

قلت: يا رسول اللّه، فارس و الروم، أحدهم يضطجع في الديباج و الحرير.

فقال: إنهم عجلت لهم طيباتهم، و الآخرة لنا.

ثم قلت: يا رسول اللّه، ما شأنك؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك، فقال: اعتزلهن؟

فقال: لا، و لكن كان بيني و بين أزواجي شيء، فأحببت ألا أدخل عليهن


1) أي نتخوف غزو الغساسنة لنا.

شهرا.

ثم خرجت على الناس، فقلت: يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان بينه و بين أزواجه شيء فأحب أن يعتزل.

فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنتي، أتكلمين رسول اللّه، و تغيظينه، و تغارين عليه؟

فقالت: لا أكلمه بعد بشيء يكرهه.

ثم دخلت على أم سلمة، و كانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة.

فقالت: عجبا لك يا عمر بن الخطاب، كل شيء تكلمت فيه، حتى تريد أن تدخل بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين أزواجه، و ما يمنعنا أن نغار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أزواجكم يغرن عليكم.

فأنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً (1)حتى فرغ منها (2).


1) الآية 28 من سورة الأحزاب.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 60 و 61 عن الطبراني، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و أحمد، و الترمذي، و ابن ماجة عن: أنس، و أم سلمة، و جابر، و ابن عباس، و عائشة، و الزهري، و ابن عمر. و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 5 ص 13 من طريق عبد اللّه بن صالح، و عزاه للطبراني في الأوسط، و هو في الصحيحين من حديث عائشة ج 8 ص 656(4912) (6691) و مسلم ج 2 ص 1100 (20/1474) و راجع: صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 4 ص 192 و مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 8-10 و المعجم الأوسط ج 8 ص 324-326 و راجع: فتح الباري ج 9 ص 243-247 و كنز العمال ج 2 ص 535-538.

و روي حديث المغافير عن عائشة بطريقة أخرى، فقد قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحب الحلوى، و يحب العسل. و كان إذا صلى العصر دار على نسائه، فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك، فقيل لى: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه، فقلت: أما و اللّه، لنحتالن له.

فذكرت ذلك لسودة، و قلت: إذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول اللّه، أكلت مغافر؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح؟

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشتد عليه أن يوجد منه ريح، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط. و سأقول له ذلك، فقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل على سودة قالت سودة: و الذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذى قلت لي، و إنه لعلى الباب فرقا منك، فلما دنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلت: يا رسول اللّه أكلت مغافر.

قال: لا.

قلت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحله العرفط.

فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفية، فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول اللّه، ألا أسقيك منه؟

قال: لا حاجة لى به.

قال: تقول سودة: سبحان اللّه، و اللّه لقد حرمناه.

قلت لها: اسكتي (1).

حديث اعتزال النساء بطريقة أخرى:

و قد رووا حديث اعتزال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه بطريقة، أو بطرائق أخرى، فيها الكثير من الخلل و الوهن. . و استعراض جميع تلك الروايات، و بيان وجوه الإشكال فيها يحتاج إلى وقت و جهد لا نرى أننا نستطيع توفير هما في هذا الظرف، فلا بد أن نقتصر على ما يتيسر لنا عرضه، آملين أن نوفق لدراسة هذه القضية في فرصة أخرى، فنقول:

إن أبا بكر و عمر دخلا على النبى «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس و حوله نساؤه، و هو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) مسند أحمد ج 6 ص 59 و صحيح البخاري ج 6 ص 167 و ج 8 ص 64 و صحيح مسلم ج 4 ص 185 و البحار ج 22 ص 229 و سنن أبي داود ج 2 ص 191 و تفسير القرآن العظيم ص 413 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 354 و عمدة القاري ج 20 ص 243 و ج 24 ص 119 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 450 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 76 و عون المعبود ج 10 ص 128 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 85 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 300 و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 55 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 301 و 302 و تفسير البغوي ج 4 ص 362 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 291 و زاد المسير ج 8 ص 49 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 177 و 178 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 413 و 414.

و آله» لعله يضحك.

فقال عمر: يا رسول اللّه، لو رأيت ابنة زيد (امرأة عمر) سألتنى النفقة آنفا، فوجأت عنقها.

فضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدا ناجذه، و قال: هن حولي يسألننى النفقة.

فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، و قام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما ليس عنده؟ !

فنها هما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا.

فقلن نساؤه: و اللّه لا نسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

و أنزل اللّه الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: إنى ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك.

قالت: ما هو؟

فتلا عليها: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً .

قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار اللّه و رسوله، و أسالك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك ما اخترت (1).


1) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن أحمد، و مسلم، و النسائي، و ابن مردويه، و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 328 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 383 و 384 و تفسر القرآن العظيم ج 3 ص 489 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 117 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 406 و ج 11 ص 175 و لباب النقول (ط دار إحياء -العلوم) ص 173 و (ط دار الكتب العلمية)158 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 181 و فتح القدير ج 4 ص 281.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرج إلى الصلاة، فأطال الصحابة الوقوف ببابه، فلم يأذن لهم، و لم يخرج إليهم، فتفرقوا، و تمكن عمر من الدخول، فسأله عن الأمر.

فأخبره بأنهن سألنه ما ليس عنده.

فقال له عمر: يا نبي اللّه قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض، لأنها سألتني ما ليس عندي. .

ثم تذكر الرواية ما جرى. . و فيها: فاخترن أن لا يتزوجن بعده (1).

النبي صلّى اللّه عليه و آله يهجر عائشة:

عن عائشة قالت: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سفر-و في رواية: «حجة الوداع» -و نحن معه، فاعتل بعير لصفية، و كان مع زينب فضل، فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن بعير صفية قد اعتل، فلو أعطيتها بعيرا لك!

قالت: أنا أعطي هذه اليهودية؟ !

فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هجرها بقية ذي الحجة، و محرم، و صفر، و أياما من ربيع الأول، حتى رفعت متاعها و سريرها فظنت


1) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 179-181 و راجع: تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 570 و عمدة القاري ج 13 ص 19.

أنه لا حاجة له فيها، فبينما هي ذات يوم قاعدة نصف النهار، إذ رأت ظله قد أقبل، فأعادت سريرها و متاعها (1).

و عن أبي هريرة قال: هجر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نساءه-قال شعبة: أحسبه قال: شهرا-فأتاه عمر بن الخطاب، و هو في غرفة، و هو على حصير قد أثر الحصير بظهره، فقال: يا رسول اللّه، كسرى يشربون في الذهب و الفضة، و أنت هكذا؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنهم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الشهر هكذا، و هكذا و هكذا، و كسر في الثالثة الإبهام (2).

قال الصالحي الشامي: تنبيهات: الأول: سبب نزول قوله تعالى يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا (3): أن نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» سألنه في عرض


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62 عن الطبراني، و أبي داود بسند جيد و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 4 ص 326 و قال: رواه أبو داود مختصرا، و الطبراني في الأوسط و راجع: مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 323 و المعجم الأوسط ج 3 ص 99 و المعجم الكبير ج 24 ص 71.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62 و قال في هامشه: أخرجه أحمد ج 2 ص 298 و انظر المجمع ج 6 ص 7 و 10/327 و راجع: مسند أحمد (ط دار صادر) ج 2 ص 44 و 81 و مجمع الزوائد (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 7 و 8.

3) الآية 28 من سورة الأحزاب.

الدنيا و متاعها أشياء، و طلبن منه زيادة في النفقة، و أذينه بغيرة بعضهن بعضا، فهجرهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و آلى (أي حلف) لا يقربهن شهرا و لم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه و كانوا يقولون: طلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه، فاستأذن عليه «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم.

الثاني: قال في (زاد المعاد) : و طلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و راجع، و آلى إيلاء مؤقتا بشهر، و لم يظاهر أبدا، و أخطأ من قال: إنه ظاهر خطأ عظيما، و إنما ذكر هنا تنبيها على ذكر خطائه و نسبته إليه ما أمره اللّه تعالى به (1). انتهى.

و نقول: أولا: إن ما ذكره الصالحي الشامي، من أن أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سألنه زيادة في النفقة يأباه صريح الروايات التي تقدمت، و التي تقول: إنهن سألنه النفقة، و قد تقدمت الرواية بذلك آنفا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62.

2) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن مسلم، و النسائي، و أحمد، و ابن مردويه و راجع: فيض القدير ج 2 ص 441 و مسند أحمد ج 3 ص 342 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 406 و ج 11 ص 153 و 154 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 374 و 407 و صحيح مسلم ج 4 ص 187 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 38 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 174 و 175 و شرح مسند أبي حنيفة ص 44 و تفسير البغوي ج 3 ص 526 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 163 و ج 18 ص 192 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 68.

و ذلك يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قصر في أداء ما يجب عليه لهن. و حاشاه من ذلك.

ثانيا: إن اللّه عز و جل قد و عدهن بالرزق الكريم إن أطعن اللّه و رسوله. فقال: وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنٰا لَهٰا رِزْقاً كَرِيماً (1).

و هذا يدل على: أن القضية لم تكن قضية نفقة، و إنما هي قضية طاعة و انقياد. .

ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبادي من تطلب منه حقها بهذا النحو من الشدة، فيعتزلها، و يهم بطلاقها. بل هو يلين لها و يعترف لها بحقها، و لا يحرمها من ليلتها مدة شهر كامل. . فيكون بذلك قد ظلمها، و استأثر بما لا يحق له الاستئثار به. فلما ذا لا يبقى معهن، و يؤدي لهن حقهن؟ ! فإذا صمم على طلاقهن، فإنه يمتنع عن غشيانهن، إلى أن يتمكن من تسريحهن بإحسان، بعد ان يصبح ذلك ممكنا من الناحية الشرعية. .

رابعا: إن عدم تمكنه من الإنفاق لا يستلزم حلفه على طلاقهن، فيمكنه أن يطلقهن، أو أن يطلق من يشاء منهن، من دون حاجة إلى هذا الحلف.

خامسا: إن تصميمه على الطلاق حتى لو كان قد حلف عليه، و اعتزل نساءه لا يستوجب أن ينقطع عن أصحابه، و أن يمتنع من الإذن لهم بالدخول عليه. . و ما إلى ذلك.

سادسا: هل صحيح أنه كان لا يقدر على الإنفاق عليهن جميعا؟ ! أم أنه


1) الآية 31 من سورة الأحزاب.

كان يقدر على الإنفاق على بعضهن؟ !

و في كلتا الصورتين: كيف و من أين كنّ زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» ينفقن على أنفسهن؟ !

هل كن يتسولن في الأزقة و الشوارع؟ ! أم كن ينفقن من أموالهن؟ ! مع علمنا: بأنهن لم يكنّ يملكن أموالا. فما الذي تغير حتى أعرض عن اعتزاله لهن؟ !

النبي صلّى اللّه عليه و آله يضحك لضرب عمر لزوجته؟ :

و ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضحك حين أخبره عمر بن الخطاب: بأنه ضرب زوجته حتى ألصقت خدها بالأرض، أو لأنه وجأ عنقها!

و هذا غريب حقا، فإن المفروض بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يغضب من فعل عمر هذا، و أن يعترض على عمر، و يبادر إلى تأنيبه على هذا الجرم الذي اقترفه، إن لم نقل: إن المطلوب هو أكثر من ذلك أيضا. .

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -حسب زعمهم-حين تخلف عن هذا الواجب، لم يكتف بهذا التخلف، و السكوت عن هذا المنكر، بل هو- حسب روايتهم المزعومة-قد ضحك له، و أفرحه ما صدر من عمر بن الخطاب، من ظلم و عدوان على امرأة ضعيفة، لم يزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوصي بمثيلاتها، حيث يقول-حتى في مرض موته-: أوصيكم بالضعيفين. (يريد النساء و ما ملكت يمينكم) (1).


1) راجع: الكافي ج 7 ص 52 و تحف العقول ص 199 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 255 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 4 ص 14 و مقاتل الطالبيين ص 25 و البحار ج 42 ص 249 و ج 75 ص 100 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 315 و ج 20 ص 248 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 7 ص 294 و ج 11 ص 18 و المعجم الكبير ج 1 ص 102 و شرح النهج ج 6 ص 120 و 121 و نظم درر السمطين ص 146 و البداية و النهاية ج 7 ص 363 و أعيان الشيعة ج 1 ص 533 و المناقب للخوارزمي ص 386 و كشف الغمة ج 2 ص 59 و أهل البيت «عليهم السلام» في الكتاب و السنة لمحمد الريشهري ص 340 موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 7 ص 257 و شرح إحقاق الحق ج 32 ص 654 و راجع: عمدة القاري ج 13 ص 108 و الجرح و التعديل ج 1 ص 197.

على أن ما ذكره عمر لا يتضمن ما يستوجب التبسم، فضلا عن أن يضحك حتى يبدو ناجذه. .

فهل كان ضحكه هذا شماتة بتلك المرأة المظلومة و المستضعفة، و ابتهاجا بهذا الظلم و الطغيان العارم؟ !

حاشا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ألف حاشا. .

ثم إنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يزيد في ضحكه عن التبسم، فلما ذا بلغ الأمر به إلى الضحك حتى بدا ناجذه؟ !

التناسب. . و الإنسجام:

على أن ما تقدم: من أن زوجة عمر اعترضت عليه فيما أمر به غلمانه فضربها، فأخبرته باعتراض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه. . لا يتناسب مع ما زعمته الرواية نفسها، من أنه خرج فدخل على حفصة،

و طلب منها أن لا تطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، إذ ليس عنده درهم و لا دينار. فراجع.

حديث الإعتزال بسبب عائشة و حفصة:

و نجد عمر بن الخطاب يؤكد على: أن اعتزال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه قد كان بسبب عائشة و حفصة، حين تظاهرتا عليه، و لم يذكر لنا سبب ذلك سوى بعض اجتهادات منه، حول أن نساء الأنصار كنّ يراجعن أزواجهن، فتعلمت سائر النساء منهن ذلك (1).

أو أن الموضوع موضوع العسل، الذي ادّعت بعض نسائه: أن فيه ريح مغافير. .

و نقول: 1-إنه إذا كان المذنب هو عائشة و حفصة، فلما ذا اعتزل «صلى اللّه عليه و آله» جميع نسائه؟

ألا يدل ذلك: على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى أن ثمة تواطؤا فيما بينهن على أمر عظيم-و إن كانت عائشة و حفصة هما المحركتان لباقي


1) الدر المنثور ج 6 ص 242 و 243 عن أحمد، و عبد الرزاق، و العدني، و ابن سعد، و البخاري، و مسلم، و عبد بن حميد، و الترمذي، و ابن حبان، و ابن المنذر، و ابن مردويه و عن ابن عباس و راجع: صحيح البخاري ج 6 ص 148 و 149 و فتح الباري ج 9 ص 248 فما بعدها، و عمدة القاري ج 20 ص 180 و عون المعبود ج 14 ص 72 و كنز العمال ج 2 ص 525 و 526 و تفسير الميزان ج 19 ص 339 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 406 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 415.

النساء؟ !

2-يضاف إلى ذلك: أن مجرد مراجعة المرأة لزوجها لا تستدعي هذا الإجراء القوي. .

3-إنه يبدو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان حين انقطع عن المسلمين يريد أن يشرك سائر المسلمين في التصدي لهذا الأمر العظيم، حتى إن جماعة منهم كانوا حول المسجد يبكون.

و هذا معناه: أنه أمر يعنيهم، و يؤثر على حياتهم و دينهم، و ليس مجرد أمر شخصي أو شيء يرتبط بأمور الدنيا.

4-يضاف إلى ذلك: أنه لو صحت قضية المغافير، فذلك يدعوه إلى اعتزال النساء اللواتي شاركن في ذلك، دون النساء اللواتي لم يشاركن فيه. .

5-و حديث مارية، إنما يختص بحفصة، فلما ذا يعتزل سائر النساء من أجل كلام تكلمت به حفصة دون سواها؟ !

6-و قد ذكر لحفصة: أنه يحل له أن يقارب جاريته، فلما ذا عاد و حرم جاريته على نفسه، و هي لا ذنب لها؟ !

7-على أن في روايات ابن عباس عن عمر تناقضا، فهل ذكر عمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه صك وجه، أو وجأ عنق زوجته؟ !

و أن الزوجة التي تعرضت لهذا أو ذاك هي ابنة زيد، أو هي جميلة بنت ثابت.

هجر النبي صلّى اللّه عليه و آله لعائشة:

تقدم عن عائشة: أن بعير صفية في حجة الوداع قد اعتل، فطلب النبي

«صلى اللّه عليه و آله» من عائشة أن تعطيها بعيرا، فقالت: أنا أعطي هذه اليهودية، فهجرها النبي حوالي ثلاثة أشهر. .

و الظاهر هو: أن هذه قضية أخرى حدثت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع زوجاته، و خصوصا عائشة و ما أكثر أمثال هذه القضايا في حياة هذه المرأة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

غير أن ما يؤسف له هو: محاولة جعل بعض نصوص هذه الرواية قادرة على أن توهم قارئها: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعتزل عائشة، إنما اعتزل المرأة التي أهانتها عائشة، فراجع (1).

الإصرار على تضييع الحقيقة:

و الذي يضحك الثكلى روايتهم عن أبي جعفر، أنه قال: قال نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما نساء أغلى مهورا منا.

فغار اللّه لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن تسعة و عشرين يوما، ثم أمره أن يخيّرهن فخيّرهن (2).

و لا ندري كيف صار هذا سببا لهذا التدخل الإلهي القوي، فإن مجرد قولهن: ما نساء أغلى مهورا منا. . إن كان صحيحا في نفسه، فهو لا يوجب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 62.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 192 و الدر المنثور ج 5 ص 195 عن ابن سعد، و راجع: البحار ج 22 ص 212 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 327 و ج 9 ص 387 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 222 و جواهر الكلام ج 32 ص 70 و الكافي ج 6 ص 138.

هذا الإجراء الحازم و الصارم.

و إن لم يكن صحيحا، و ظهر أنه كان في مهور النساء آنئذ ما هو أغلى من مهورهن، فكان يكفي أن يقول لهن: إن هذا القول غير صحيح. .

و لكن الذي نظنه هو: أن هولاء يريدون التعمية على الأسباب الحقيقة التي دعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اتخاذ هذا الإجراء، الذي خلده اللّه تعالى في كتابه الكريم إكراما لنبيه، و إزراء على من اجترأ على مقام النبوة و الرسالة، و أساء إليها. .

الحقيقة المنقوصة:

و في حين فشل الحسن (البصري) في تبيان حقيقة سبب ما جرى، فأبهمه أيما إبهام، فإن قتادة يكاد يقترب من إظهاره، و لعله هو الآخر، عاد فتراجع، ربما لأنه لا يريد أن يعرض نفسه لخطر عظيم، و بلاء جسيم.

فعن الحسن، و قتادة: أن اللّه تعالى أمر نبيه أن يخيرهن في شيء كن أردنه من الدنيا.

و قال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة (1).

و لكن مجرد الغيرة من عائشة لا تكفي، لو لم تكن هناك تصرفات و أقوال هائلة أخرى، قد رافقت ذلك.

و ربما يكون حديث الآيات عن الفاحشة، و التوعد عليها بمضاعفة العذاب في هذه المناسبة حيث قال: يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ


1) الدر المنثور ج 5 ص 195 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و راجع: التبيان ج 8 ص 335 و جامع البيان ج 21 ص 189 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 65.

مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا اَلْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ (1)يقوي و يؤيد رواية القمي حول هذا الأمر، بالإضافة إلى روايات أخرى أشارت إلى: أن النساء قد اتخذن من غيرة-عائشة على ما يظهر-سببا للتعدي إلى ما هو أشرّ و أضرّ، و هو ما أشارت إليه رواية الخدري و جابر، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (2)، فاخترن أن لا يتزوجن بعده (3).

و هذا يشير إلى: أن القضية كانت ترتبط بهذا الأمر، و أعني به أمر الزواج بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أمر يمس شرف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و رسالته و هو ما توضحه الرويات الآتية.

يضاف إلى ذلك: أن هذه الآية الشريفة تظهر بمفردها، و لو لم تعضدها أية رواية أخرى: أن القضية ليست قضية نفقة، فإن عدم النفقة لا يستوجب رفضهن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و ليست قضية غيرة لعائشة أو لحفصة من مارية أو من غيرها، فإن الغيرة معناها إرادة التفرد بالزوج، و رفض مشاركة أمرأة أخرى لها فيه، و هذه الآية تقول: أنهن كنّ لا يردن اللّه و رسوله، بل يردن غير الرسول، و كن لا يردن الآخرة، بل يردن الحياة الدنيا و زينتها، و هذا بدوره يؤكد لنا مضمون رواية القمي الآتية في العنوان التالي. .


1) الآية 30 من سورة الأحزاب.

2) الآية 28 من سورة الأحزاب.

3) الدر المنثور ج 5 ص 194 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 179-181 و راجع: تفير العز بن عبد السلام ج 2 ص 570 و عمدة القاري ج 13 ص 19.

الصحيح في القضية:

و بعد. . فقد أوضح علي بن إبراهيم حقيقة القضية، فقال: لما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غزاة خيبر، و أصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت.

فقال لهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قسمته بين المسلمين على ما أمر اللّه.

فغضبن من ذلك، و قلن: لعلك ترى إن طلقتنا ألاّ نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا؟ !

فأنف اللّه لرسوله، فأمره اللّه أن يعتزلهن.

فاعتزلهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مشربة أم إبراهيم تسعة و عشرين يوما، حتى حضن و طهرن، ثم أنزل اللّه هذه الآية، و هي آية التخيير، فقال:

يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ (1)الآية.

فقامت أم سلمة أول من قامت، فقالت: قد اخترت اللّه، و اخترت رسوله.

فقمن كلهن فعانقنه، و قلن مثل ذلك، فأنزل اللّه: تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ .


1) الآية 28 من سورة الأحزاب.

فقال الصادق «عليه السلام» : من آوى فقد نكح، و من أرجى فقد طلق (1).

و قد أيدت رواية جابر و أبي سعيد الخدري التي تقدمت الإشارة إليها آنفا: أن القضية كانت تدخل في هذا الإتجاه، أعني مسألة زواجهن بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، مما يعني: أن غضب اللّه لرسوله، و غضب النبي لشرف الرسالة، و كرامة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو السبب لهذا الإعتزال. .

و قد لا حظنا في روايات هواة التبرير و التعذير: أنهم يسعون جاهدين لإبهام هذا الأمر. و التحايل على الألفاظ و العبارات من أجل صرف الأنظار إلى جهات أخرى، فظهرت حيرتهم، و بدا عيّهم، و أظهر اللّه الحقيقة على لسان أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، بل إن مصادرهم لم تخل من إشارات إليها، و دلالات عليها كما أوضحناه. .

و يؤيد هذا الذي قلناه: روايات أخرى، يمكن أن يستفاد منها: أن غيرة عائشة التي أشار إليها قتادة، كانت هي التي دعت زينب بنت جحش للتصريح بما كن قد تواطأن عليه، فاستحققن هجران الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهن، حتى يطهرن تمهيدا لفراقهن بالطلاق ليظهر عدوانهن


1) تفسير القمي ج 2 ص 192 و تفسير البرهان ج 3 ص 307 و 308 و الكافي ج 5 ص 388 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 310 و البحار ج 22 ص 198 و جامع أحاديث الشيعة ج 22 ص 92 و التفسير الأصفى ج 2 ص 998 و التفسير الصافي ج 4 ص 185 و 197 و ج 6 ص 38 و 58 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 264 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 294 و راجع: الحدائق الناضرة ج 23 ص 96 و 110 و 113 و جواهر الكلام ج 29 ص 120.

الفاحش عليه، و على كرامته و دينه، فإن شرف الرسالة و الرسول، فوق كل اعتبار.

و يمكن للقارئ الكريم أن يلاحظ الروايات التالية أيضا: 1-روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : «أن زينب قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تعدل و أنت رسول اللّه» ؟

فقالت حفصة: «إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا» .

فاحتبس الوحي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين يوما.

قال: فأنف اللّه تعالى لرسوله، فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً، وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (1).

قال فاخترن اللّه و رسوله، و لو اخترن أنفسهن لبنّ، و إن اختران اللّه و رسوله، فليس بشيء» (2).


1) الآية 28 من سورة الأحزاب.

2) الكافي ج 6 ص 137 و 138 و 139 و المقنع للشيخ الصدوق ص 347 و رسائل المرتضى ج 1 ص 243 و مختلف الشيعة للعلامة الحلي ج 7 ص 340 و 341 و 343 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 100 و ج 25 ص 222 و ج 29 ص 124 و 125 و ج 32 ص 69 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 517 و الإستبصار للشيخ الطوسي ج 3 ص 313 و 314 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 88 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 22 ص 93 و (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 336 و عوالي اللآلي ج 1 ص 307 و البحار ج 22 ص 174 و 212 و 213 و 220 و جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج 22 ص 91 و التبيان ج 8 ص 335 و تفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي ج 3 ص 60 و التفسير الأصفى ج 2 ص 990 و التفسير الصافي ج 4 ص 185 و ج 6 ص 39 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 265 و 266 و البرهان ج 3 ص 307.

2-و في نص آخر عن الإمام الصادق «عليه السلام» : «أن زينب بنت جحش قالت: يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إن خلّى سبيلنا أن لا نجد زوجا غيره.

و قد كان اعتزل نساءه تسعا و عشرين ليلة، فلما قالت زينب الذي قالت بعث اللّه جبرئيل إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا. . (1).

3-و في نص آخر عن أبي بصير، عن أبي جعفر «عليه السلام» : أن زينب لما قالت: إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا، احتبس الوحي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تسعا و عشرين ليلة (2).

4-و عن زرارة، عن أبي جعفر «عليه السلام» نحوه، و فيه: أنه اعتزلهن


1) الحدائق الناضرة ج 25 ص 222 و الأحكام ليحيى بن الحسين ج 1 ص 428 و الكافي ج 6 ص 138 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 309 و البحار ج 22 ص 212 و جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج 22 ص 93 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 266 و البرهان ج 3 ص 307.

2) الكافي ج 6 ص 139 و جواهر الكلام ج 29 ص 125 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 517 و البحار ج 22 ص 220 و التفسير الأصفى ج 2 ص 990 و التفسير الصافي ج 6 ص 39 و البرهان ج 3 ص 307.

في مشربة أم إبراهيم تسعا و عشرين ليلة، ثم دعاهن فخيرّهن، فاخترنه (1).

قضية المغافير دليل سمو و عظمة:

و الذي نلاحظه أخيرا: أن قضية المغافير رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» يعرف أنها قائمة على التجني و الإفتراء، فإنه كان يستشم رائحة العسل بمجرد أن يوضع أمامه، و حين شروعه بتناوله. .

نعم. . رغم معرفته بالحقيقة، و رغم الإهانة الهائلة التي وجهت له، و رغم التعدي السافر على مقام النبوة، و كرامة الأنبياء، فإنه بقي يعامل أولئك الذين فعلوا ذلك كله بهذا الخلق الرضي، و بهذا الإيثار القوي. . رغم أنه أشد الناس رهافة حس، و أعظمهم شعورا بالأذى، و أكثرهم اهتماما بتأييد الدين، و اندفاعا إلى حفظ نواميسه، و صيانة قدسيته. .

و لذلك يقول اللّه تعالى له: كم أنت عظيم الوفاء، و رؤوف و رحيم. . تقابل الإساءة بالإحسان، الخطيئة بالغفران، و الأذى و المساءة بالشفقة و الرضا و الحنان. .

طلاق سودة:

و مما يدخل في سياق نسبة ما لا يليق إلى رسول اللّه، ما زعموه: من أن


1) الكافي ج 6 ص 138 و البرهان ج 3 ص 307 و جواهر الكلام ج 32 ص 70 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 222 و دعائم الإسلام ج 2 ص 267 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 309 و البحار ج 22 ص 212 و جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج 22 ص 93 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 266.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلق سودة بنت زمعة تطليقة، فجلست في طريقه فلما مرّ سألته الرجعة، و أن تهب قسمها لأي من أزواجه شاء، رجاء أن تبعث يوم القيامة زوجته، فراجعها، و قبل ذلك منها.

أو قالت: و اجعل يومي لعائشة، فراجعها (1).

و هناك رواية تقول: إن سودة حين أسنّت فرقت أن يفارقها «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: يا رسول اللّه، يومي لعائشة.

فقبل «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منها (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 59 عن الطبراني بسند فيه ضعف، و مجمع الزوائد ج 9 ص 249 و تاريخ الخميس ج 2 ص 118 و راجع: الإصابة ج 4 ص 338 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 196 عن ابن سعد، و نيل الأوطار ج 6 ص 374 و 375 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 75 و 297 و عمدة القاري ج 12 ص 296 و ج 13 ص 271 و ج 18 ص 192 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 32 و معرفة السنن الآثار ج 5 ص 426 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 119 و نصب الراية ج 3 ص 412 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 67 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 29 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 205 و الدر المنثور ج 2 ص 232 و سبل السلام ج 3 ص 164 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 63 و تهذيب الكمال ج 35 ص 201 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 26 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 267 و الإصابة ج 8 ص 196 و زوجات النبي لسعيد أيوب ص 45.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 170 و 199 و ج 9 ص 65 و 67 و 68 عن أحمد، و أبي داود، و مسلم، و البخاري، عن عائشة. و في هامشه عن: أبي داود (2315) و الحاكم ج 2 ص 189 و البيهقي ج 7/74231 و البخاري ج 5 ص 293 (2688) و ج 9 ص 312(5212) و مسلم ج 2 ص 1085(47/1463) و ج 4 ص 2129(56/2770) . و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 118 و الإصابة ج 4 ص 338 عن الترمذي، و قاموس الرجال ج 12 ص 283 و الدر المنثور ج 2 ص 232 عن الحاكم و صححه، و أبي داود، و ابن سعد، و البيهقي عن عائشة، و عن ابن جرير عن السدي، و عن الطيالسي، و الترمذي، و حسنه، و ابن المنذر و الطبراني، و البيهقي في سننه عن ابن عباس. و راجع: الأحكام ليحيى بن الحسين ج 1 ص 375 و المجموع للنووي ج 16 ص 443 و الشرح الكبير ج 8 ص 170 و المغني لابن قدامة ج 8 ص 165 و 166 و سبل السلام ج 3 ص 164 و فقه السنة ج 2 ص 307 و سنن أبي داود ج 1 ص 474 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 75 و فتح الباري ج 9 ص 274 و عمدة القاري ج 12 ص 296 و ج 13 ص 271 و ج 18 ص 192 و ج 20 ص 69 و 193 و 198 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 320 و عون المعبود ج 6 ص 122 و الإستيعاب ج 4 ص 1867 و تخريج الآحاد و الآثار ج 1 ص 361 و ج 3 ص 119 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 67 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 481 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 633 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 159 و لباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء العلوم) ص 84 و (ط دار الكتب العلمية) ص 73 و تهذيب الكمال ج 35 ص 201 و كتاب المحبر ص 80 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 26 و البداية و النهاية ج 7 ص 162 و عيون الأثر ج 2 ص 382.

و قيل: إن آية: وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً نزلت في قضية سودة (1).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 118 و الإصابة ج 4 ص 338 عن الترمذي، و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 324 و قاموس الرجال ج 12 ص 283 و 284 عن ابن الأثير الجزري و راجع الدر المنثور ج 2 ص 232 و راجع ص 233 عن ابن سعد، و الحاكم و صححه، و أبي داود، و البيهقي عن عائشة، و الطيالسي، و الترمذي، و حسنه، و ابن المنذر، و الطبراني، و البيهقي في سننه عن ابن عباس. و راجع: الشرح الكبير لابن قدامة ج 8 ص 170 و سبل السلام ج 3 ص 164 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 297 و عمدة القاري ج 12 ص 296 و ج 20 ص 193 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 238 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 412 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1079 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 119 و زاد المسير ج 2 ص 202 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 403 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 575 و الدر المنثور ج 2 ص 232 و فتح القدير ج 1 ص 522 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 161 و تهذيب الكمال ج 35 ص 201 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 25 و 26 و البداية و النهاية ج 7 ص 163.

و نص آخر يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يطلقها، فقالت: دعني في أزواجك، و اجعل يومي لعائشة، ففعل «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 70 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 323 و راجع: كشف اللثام (ط ج) ج 7 ص 520 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 220 و سنن الترمذي ج 4 ص 315 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 297 و فتح الباري ج 8 ص 200 و عمدة القاري ج 12 ص 296 و ج 13 ص 271 و ج 18 ص 192 و ج 20 ص 193 و مسند أبي داود ص 349 و المعجم الكبير ج 11 ص 226 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 119 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1079 و 1080 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 354 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 633 و زاد المسير ج 2 ص 202 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 403 و 404 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 575 و الدر المنثور ج 2 ص 232 و فتح القدير ج 1 ص 522 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 161 و قاموس الرجال ج 12 ص 283 و أسد الغابة ج 5 ص 485 و الإصابة ج 8 ص 196.

و صرحت بعض هذه النصوص: بأنها و هبت يومها لعائشة تبتغي بذلك رضا النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نقول: 1-إن ملاحظة الروايات المتقدمة: تظهر مدى الإختلاف فيما بينها، و خصوصا في بيان الدافع لهبتها يومها لعائشة، فهل الدافع لها هو: أنها خافت من أن يطلقها بعد أن أسنت؟ !

أو لأنه طلقها بالفعل؟ !

أو أنه أراد أن يطلقها فعلا؟ !

2-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليطلق امرأة لمجرد أنها أسنت، و قد أسنت خديجة عنده، و لم يطلقها.

3-إنه إن صح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طلق سودة، أو أراد أن يطلقها، فلعله لأمر اقتضى ذلك. .

و لعلها أساءت الأدب معه «صلى اللّه عليه و آله» بسبب حدتها التي كانت فيها، و قد أشارت لها عائشة، و لذلك كانت تسرع فيها اللعنة، كما زعمت عائشة (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 65 عن البخاري، و مسلم، و المجموع للنووي ج 16 ص 442 و سبل السلام ج 3 ص 163 و نيل الأوطار ج 6 ص 374 و مسند أحمد ص 117 و صحيح البخاري ج 3 ص 135 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 296 و الإستذكار ج 5 ص 544 و فيض القدير ج 5 ص 122 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 169 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 231.

2) الإصابة ج 4 ص 338 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 196 و تهذيب الكمال ج 35 ص 201 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 378 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 324 و (ط دار الجيل) ص 1867 و البداية و النهاية ج 8 ص 77.

و الظاهر: أن المقصود هو: أنها كانت كثيرا ما تعمل عملا يوجب المبادرة إلى لعنها. .

و قد تقدم في كتابنا هذا: ما يدل على أنها حين رأت سهيل بن عمرو أسيرا في بدر، و كانت أولا زوجة أخيه السكران بن عمرو، قالت سودة لسهيل: أ أعطيتم بأيديكم؟ هلاّ متم كراما؟

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا سودة، أعلى اللّه و رسوله؟

فاعتذرت له (1).

و أما نزول آية: وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً في قضية سودة، فيرد عليه:

أولا: إن ذلك يستلزم الإنتقاص من مقام النبوة الأقدس.

ثانيا: عن عائشة: نزلت هذه الآية وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ. . في رجل كانت


1) راجع: قاموس الرجال ج 12 ص 283 و أنساب الأشراف ج 1 ص 407 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 89 و تهذيب الكمال ج 35 ص 203 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 131 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 158 و البداية و النهاية ج 3 ص 374 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 472 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 476 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 65 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 22 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 476 و المعجم الكبير ج 24 ص 35 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 188.

تحته إمراة قد طالت حجتها، و ولدت منه أولادا، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها، و لا يقيم لها (1).

و لم يكن لسودة أولاد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد أن يستبدل بها، بل هم يدّعون: أنها فرقت أن يطلقها.

ثالثا: عن مجاهد: إن الآية نزلت في أبي السنابل بن بعكك (2).

رابعا: رووا عن أبي هريرة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة و أحد شقيه ساقط (3).


1) الدر المنثور ج 2 ص 232 عن ابن ماجة، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 634 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 59 و لباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء العلوم) ص 84 و (ط دار الكتب العلمية) ص 73 و تفسير الجلالين ص 299 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 403 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 328 و الإستذكار ج 5 ص 544 و التبيان ج 3 ص 346 و 347.

2) الدر المنثور ج 2 ص 233 عن ابن جرير، و تفسير مجاهد ج 1 ص 177 و راجع: جامع البيان ج 5 ص 417 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 369 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 119 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 307.

3) الدر المنثور ج 2 ص 233 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و عبد بن حميد، و أبي داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن جرير، و ابن ماجة، و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 347 و 471 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 633 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 297 و مسند أبي داود الطيالسي ص 322 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 447 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 159 و المنتقى من السنن المسندة ص 180 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 7 و موارد الظمآن ج 4 ص 246 و كنز العمال ج 16 ص 342 و جامع البيان ج 5 ص 426 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 356 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 370 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 577 و فتح القدير ج 1 ص 522 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 163 و المجموع للنووي ج 16 ص 425 و عوالي اللآلي ج 1 ص 272 و جامع أحاديث الشيعة ج 21 ص 284.

فهل يمكن أن نتصور سودة تخاف من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يميل، أو أن يعرض عنها، و يكون هذا حاله يوم القيامة؟ !

و ألا يعد ذلك من أسباب الطعن في دين من يتوهم في النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؟ !

خامسا: ذكروا: أن آية خوف النشوز و الإعراض من الزوج قد «نزلت في امرأة رافع بن خديج، و هي: بنت محمد بن مسلمة، التي كانت قد أسنت، فتزوج عليها امرأة شابة، فأعجب بها، فطالبته زوجته الأولى، فعرض عليها أن تكون لها ليلة، و لتلك يومان أو ثلاثة، فلم ترض، فطلقها تطليقة، فرضخت لقوله، فراجعها، فشحت نفسها بنصيبها، و لم تطق ذلك، فطلقها الثانية، فشحت نفسها أيضا، ثم رضيت بالصلح، و استقرت على ما عرضه عليها، فلم يستطع هو أن يعدل بينهما، فنزلت: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلاٰ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ (1)» (2).


1) الآية 129 من سورة النساء.

2) تفسير القمي ج 1 ص 154 و 155 و الدر المنثور ج 2 ص 232 عن مالك، و عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم و صححه عن رافع بن خديج، و عن الشافعي، و سعيد بن منصور، و ابن أبي شيبة، و البيهقي عن سعيد بن المسيب، و راجع: الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 543 و التبيان ج 3 ص 346 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 205 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 557 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 641 و تفسير الميزان ج 5 ص 105 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 175 و جامع البيان ج 5 ص 417 و 422 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 206 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 119 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 404 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 379 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 576 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 363 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1081 و كتاب الموطأ ج 2 ص 548 و المدونة الكبرى لمالك ج 2 ص 335 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 106 و البحار ج 101 ص 57 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 308 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 296 و فتح الباري ج 8 ص 199 و عمدة القاري ج 13 ص 271 و ج 18 ص 192 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 238.

رضا النبي صلّى اللّه عليه و آله أم رضا عائشة! !

و قد زعمت بعض الروايات المتقدمة: أن سودة قد و هبت يومها لعائشة، تبتغي بذلك رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و الذي نظنه هو: أنها كانت بذلك تطلب رضا عائشة، لا رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد وجدت في عائشة ما يجعلها تخشى من أي حالة جفاء لها معها.

و يكفي أن نتذكر: كيف لطخت عائشة وجهها بحريرة (نوع من الطعام) كان في قصفة أتت بها عائشة، و ذلك بحضور رسول اللّه، لمجرد أنه

«صلى اللّه عليه و آله» جلس بينهما (1).

بل هي قد صرحت: بأنها كانت تخاف من عائشة لدرجة أنها رضيت بالإقدام على الكذب، و على أذى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرقا منها، أنها كانت قد أمرتها بذلك، فراجع قصة المغافير التي تقدمت (2).

فلعلها رأت: أن من مصلحتها أن ترشو عائشة بأمر تعلم أنه يرضيها، و تستريح من كثير من المشكلات، التي كان يجب أن تتوقعها و تواجهها، و لا تملك حيلة للتخلص منها. .


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 114 و ج 9 ص 70 و ج 11 ص 148 عن النسائي، و أبي بكر الشافعي، و أبي يعلى بسند حسن، و أشار في الهامش إلى مجمع الزوائد ج 4 ص 316، و راجع: مسند أبي يعلى ج 7 ص 449 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 43 و ج 44 ص 90 و كنز العمال ج 12 ص 593 و ج 15 ص 91 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 441 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 291.

2) راجع: مسند أحمد (ط دار صادر) ج 6 ص 59 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 6 ص 167 و ج 8 ص 64 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 4 ص 185 و البحار ج 22 ص 229 و سنن أبي داود ج 2 ص 191 و تفسير القرآن العظيم ص 413 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 354 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 450 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 76 و عون المعبود ج 10 ص 128 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 85 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 300 و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 55 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 301 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 291 و زاد المسير ج 8 ص 49 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 177.

سبب طلاق سودة:

إنه لو صح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طلق سودة، فلا بد أن تكون قد ارتكبت حماقة كبرى بالجرأة على مقامه الأقدس، و تواطئها مع أقرانها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذ ليس من الطبيعي أن يتحملها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلك السنيين الطويلة، و يغض الطرف حتى حينما كانت تؤنب سهيل بن عمرو على فشله مع المسلمين في حرب بدر، و تقول له: هلاّ متم كراما؟ ثم يطلقها لسبب تافه و شخصي بعد ذلك. .

من الذي خدع مليكة الكندية؟ ! :

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تزوج في السنة الثامنة في شهر رمضان مليكة بنت كعب الكندية. و كانت ذات جمال بارع، و كان خالد بن الوليد قد قتل أباها يوم الفتح، فقالت لها عائشة: ألا تستحين؟ ! تتزوجين رجلا قتل أباك؟ !

فقالت: فكيف أصنع؟

فقالت: استعيذي باللّه منه.

فاستعاذت، فطلقها (1).


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 458 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 8 ص 112 و (ط دار صادر) ص 148 و راجع: البحار ج 21 ص 183 عن المنتقى للكازروني، و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 230 و 231 عن ابن سعد، و الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 118 و راجع: قاموس الرجال ج 12 ص 301 و 345 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 101 و وضوء النبي للشهرستاني ج 1 ص 237 و الإصابة ج 8 ص 320 و المنتخب من ذيل المذيل ص 89 و البداية و النهاية 5 ص 320 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 231 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 592 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 333 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 340 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 260.

إننا لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن أمثال هذه الأمور قد تكررت من عائشة، التي لم تسلم من لسانها و من أذاها أي من زوجات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

حتى إنها قد لحقت حتى الأموات منهن في قبورهن، رغم أنها لم تجتمع معهن في بيت الزوجية أبدا.

فقد نالت من أفضل نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي السيدة خديجة في أكثر من مناسبة، و سمعت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الرد الحاسم و القوي الذي لم تكن تتوقعه فيما يظهر. .

و قد تقدم ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.

طلقها قبل أن يدخل بها:

عن عطاء بن يزيد الجندعي، قال: تزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مليكة بنت كعب الليثي في شهر رمضان سنة ثمان، و دخل بها، فماتت عنده (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 231 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 148 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 232 و المنتخب من ذيل المذيل ص 89 و الإصابة ج 8 ص 320.

و نقول: إن هذه الرواية مردودة بما يلي: أولا: بضعف سندها (1).

ثانيا: قال الواقدي: و أصحابنا ينكرون ذلك، و يقولون: لم يتزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كنانية قط (2)و عن الزهري و الكلبي مثله.

ثالثا: قد ذكر أبو معشر استعاذة مليكة من رسول اللّه، و طلاقه «صلى اللّه عليه و آله» لها، و قال: «فجاء قومها، فقالوا: يا رسول اللّه، إنها صغيرة، و إنها لا رأي لها، و إنها خدعت، فارتجعها» .

فأبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستأذنوه أن يتزوجها قريب لها من بني عذرة، فأذن لهم، فتزوجها العذري (3).

أسماء بنت النعمان ضحية أخرى:

و لم تكن مليكة هي الضحية الوحيدة، التي وقعت في هذا الفخ، بل شاركتها في ذلك أسماء بنت النعمان الجونية، فقد أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يتزوجها، فجعلت عائشة و حفصة تصلحان من شأنها، فقالتا لها:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 231.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 231 عن الواقدي، و راجع: قاموس الرجال ج 345 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 149 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 232 و الإصابة ج 8 ص 320.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 230 و 231 عن ابن سعد و الواقدي و راجع المصادر المتقدمة.

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ باللّه منك.

فلما خلا بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قالت له ذلك، فخرج عنها، و أرسلها إلى أهلها، و متعها برازقيتين (نوع من الثياب) و طلقها (1).

و طلاق هذه المرأة هو الأنسب بحالها و الأقرب إلى الرفق بها. فإن بقاءها في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف يمكّن هاتين المرأتين، و غيرهن من النساء اللواتي يتحركن بوحي منها أضحوكة و موضعا للسخرية و الإستهزاء، و في معرض الأذى في أكثر من اتجاه.


1) المستدرك للحاكم ج 4 ص 37 و تلخيص المستدرك (مطبوع بهامشه) نفس الجزء و الصفحة، و الإصابة ج 4 ص 233 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 20 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 145 و 146 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 69 و الأحكام ليحيى بن الحسين ج 1 ص 457 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 276 و النص و الإجتهاد ص 413 و المنتخب من ذيل المذيل ص 106.

الفصل الثالث: أحداث و قضأيا

اشارة

عتّاب بن أسيد يحج بالناس:

و أقام «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب (1).

قالوا: و حج بالناس في تلك السنة-و هي سنة ثمان-عتّاب بن أسيد.

و ذلك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فتح مكة استعمله عليها للصلاة و الحج (2)، فحج بالناس تلك السنة على ما كان عليه الناس في


1) إعلام الورى ص 128 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 243 و البحار ج 21 ص 174 و مجمع البيان ج 9 ص 192 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 32 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 366 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 276 و البداية و النهاية ج 5 ص 6 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 943 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 4.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69 و 77 عن الماوردي في حاويه، في السير و الحج، و راجع: أسد الغابة ج 3 ص 358 و و ج 5 ص 55 و تهذيب الكمال ج 19 ص 283 و الإصابة ج 4 ص 356 و 357 و ج 6 ص 415 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 82 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 936 و إعلام الورى ج 1 ص 243 و فتح الباري ج 8 ص 65 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 491 و الإستيعاب ج 3 ص 1023 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 145 و ج 5 ص 446 و تاريخ خليفة بن خياط ص 56 و المسترشد للطبري ص 129 و البحار ج 28 ص 169 مغني المحتاج ج 4 ص 372 و إعانة الطالبيين ج 4 ص 241.

الجاهلية (1)، ثم كانت غزوة تبوك.

و نقول: قد يقال: لما ذا لم يبق «صلى اللّه عليه و آله» في مكة إلى ذي الحجة الذي أصبح على الأبواب، و لم يكن قد بقي لحلوله سوى أيام قليلة، ليحج هو بالناس؟ ! .

مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين عاد إلى المدينة لم يقم بعمل أساسي، طيلة أكثر من سبعة أشهر.

و قد يمكن أن يكون الجواب: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يتلافى ما كان قد جرى في مؤتة، بإفهام الروم، و خصوصا بعد فتح مكة، و امتداد نشاطه إلى مناطق اليمن: أنه بعد مؤتة لم ينكفىء إلى الداخل، لأنه يشعر بالضعف و العجز عن مواجهتهم، و أن مؤتة لم تفرز لديه شعورا من هذا القبيل، بل توجه إلى الداخل ليهييء أسباب القوة، و ليزيل أعتى قوى الشرك في المنطقة، ثم هو بعد ذلك لم يزل راصدا لتحركات كل من تحدثه نفسه بالعدوان، أو بالإنتقاص من حقه، و حق أهل الإسلام، بل و سائر المستضعفين في الأرض.

صنع المنبر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكروا في جملة أحداث السنة الثامنة: صنع المنبر لرسول اللّه «صلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 70.

«اللّه عليه و آله» بعد أن كان يقف حين يخطب عند جذع كان هناك. فلما ترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» الجذع سمعوا له حنينا. .

و قد تقدمت هذه القضية بشيء من التفصيل في أحداث السنة السابعة للهجرة، فأغنانا ذلك عن الإعادة هنا.

موت النجاشي:

و ذكروا في أحداث السنة التاسعة للهجرة في شهر رجب موت النجاشي ملك الحبشه، و اسمه أصحمة. و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخبر المسلمين بموته في نفس اليوم الذي مات فيه. و صفّهم و صلى عليه، و كبّر عليه أربع تكبيرات، و قال: استغفروا لأخيكم (1).

و لكننا قد تحدثنا عن هذا الأمر في أحداث السنة السابعة. فراجع فصل: شخصيات. . و أحداث إلى عمرة القضاء.

و قلنا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كبر عليه خمسا. . و ذكرنا تفاصيل أخرى تحسن مراجعتها.

بيع بعض المسلمين أسلحتهم:

قالوا: و في السنة التاسعة باع بعض المسلمين أسلحتهم، و قالوا: انقطع الجهاد.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى بن مريم (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 71 و 72 عن البخاري و مسلم.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 72.

و نقول: إن في بيع هؤلاء أسلحتهم دلالة واضحة على قصر نظرهم و عدم التزامهم بتوجيهات قيادتهم، فهم قد باعوا أسلحتهم دون أن يراجعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليستجيزوه بذلك، أو ليعرفوا رأيه فيما يقدمون عليه. .

ثم إن مما يؤكد ضيق أفق تفكيرهم: أنهم ظنوا أن أقصى ما يريده اللّه و رسوله هو: دخول الإسلام إلى مكة و الحجاز، و لا شيء أكثر من ذلك، مع أن اللّه تعالى لم يزل يقول لنبيه الكريم: إنه مرسل للبشرية جمعاء، فقد قال تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ (1)، لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً (2)، إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ لِلْعٰالَمِينَ (3)، وَ مٰا هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ لِلْعٰالَمِينَ (4)، وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ (5)و غير ذلك. .

و دخول جزيرة العرب في الإسلام، و ردّ تحديات سكانها، و سقوط الشرك، و استسلام رموزه لا يعني شمول دعوة الإسلام للعالم كله، و لا يمنع من ظهور تحديات أعتى و أقوى من قبل قوى الإستكبار في دولتي الأكاسرة و القياصرة و سواهما، ممن يمكن أن يجد في نفسه القوة لمواجهة أهل الإيمان.


1) الآية 36 من سورة المدثر.

2) الآية 1 من سورة الفرقان.

3) الآية 27 من سورة التكوير، و الآية 87 من سورة ص، و الآية 104 من سورة يوسف.

4) الآية 52 من سورة القلم.

5) الآية 107 من سورة الأنبياء.

كعب بن زهير في محضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و بعد انصراف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الطائف قدم كعب بن زهير على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأنشده قصيدته التي أولها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يفد مكبول

و أسلم بعد أن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أهدر دمه (1).

و قد روى البيهقي، و أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار، و أبو البركات عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الأسعد الأنباريان، قال: خرج كعب و بجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العراف (العراق) ، فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان، حتى آتي هذا الرجل، يعني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسمع ما يقول.

فثبت كعب، و خرج بجير، فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسمع كلامه فآمن به.

و ذلك: أن زهير بن أبي سلمى-فيما يزعمون-كان يجالس أهل الكتاب، فسمع منهم أنه قد آن مبعث نبي.

و رأى زهير في منامه: أنه قد مد سببا من السماء، و أنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يبعث، و أنه في آخر الزمان لا يدركه، و خبّر بنيه بذلك، و أوصاهم إن أدركوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يسلموا.

و لما اتصل خبر إسلام بجير لأخيه أغضبه ذلك، فقال:


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 297 و 298.

ألا أبلغن عني بجيرا رسالةفهل لك فيما قلت و يحك هل لكا

فبين لنا إن كنت لست بفاعلعلى أي شيء غير ذلك دلكا

على خلق لم تلق (تلف) أما و لا أباعليه و لم تدرك عليه أخا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسفو لا قائل إما عثرت لعا لكا

سقاك بها المأمون كأسا رويةفانهلك المأمون منها و علكا (1)

و في الإستيعاب:

شربت بكأس عند آل محمدو انهلك المأمور فيها و علكا (2)

و بعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنشده إياها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سقاك بها المأمون! صدق، و إنه لكذوب، و أنا المأمون» .

و أهدر دمه، و قال: من لقي كعبا فليقتله، فكتب بجير إلى أخيه يذكر أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أهدر دمه، و قال: من لقي كعبا فليقتله، و ليقول له: النجاء، و ما أراك تنفلت.

ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول اللّه لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه إلا قبل ذلك منه، و أسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم، و أقبل (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 70 و الإصابة ج 3 ص 295.

2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 298.

3) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 298 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 70 و الإصابة ج 3 ص 295.

و ذكر ابن إسحاق: أن بجيرا كتب إليه:

فمن مبلغ كعبا فهل لك في التيتلوم عليها باطلا و هي أحزم

إلى اللّه لا العزى و لا اللات وحدهفتنجو إذا كان النجاء و تسلم

لدى يوم لا تنجو و لست بمفلتمن الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير و هو لا شيء دينهو دين أبي سلمي عليّ محرم

فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، و أشفق على نفسه. و أرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يفد مكبول (1)

قال العسقلاني: و أسلم كعب، و قدم حتى أناخ بباب المسجد، قال: فعرفت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، ثم قلت: الأمان يا رسول اللّه، أنا كعب بن زهير.

قال: أنت الذي تقول، و التفت إلى أبي بكر، فقال: كيف قال.

فذكر الأبيات الثلاثة، فلما قال: فانهلك المأمور، قلت: يا رسول اللّه، ما هكذا قلت، و إنما قلت: المأمون.

قال مأمون و اللّه، و أنشده القصيدة (2). .

إلى أن يقول فيها:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 71 و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 297-299.

2) الإصابة ج 3 ص 295.

نبئت أن رسول اللّه أوعدنيو العفو عند رسول اللّه مأمول

و فيها:

إن الرسول لنور يستضاء بهمهند من سيوف اللّه مسلول

فكساه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بردة له، فاشتراها معاوية من ولده، فهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.

و قد مدح فيها المهاجرين، و لم يذكر الأنصار، و فيها:

في فتية من قريش قال قائلهمببطن مكة لما أسلموا زولوا

فكلمته الأنصار، فصنع فيهم شعرا (1).

و نقول: إن لنا هنا بعض الوقفات و الإيضاحات، و هي كما يلي:

رواية لا تصح:

ذكرت بعض الروايات: أن كعب بن زهير قدم المدينة، فسأل عن أرقّ أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدل على أبي بكر، فأخبره خبره، فمشى أبو بكر، و كعب على أثره، و قد التثم، حتى صار بين يدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: رجل يبايعك.

فمد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يده، فمد كعب يده، فبايعه و أسفر عن وجهه، فأنشده قصيدته. . (2).


1) راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 297 و 298 و الإصابة ج 3 ص 296.

2) الإصابة ج 3 ص 295 و 296.

و هي رواية نشك في صحتها، و ذلك لما يلي: أولا: إن ما تقدم عن العسقلاني يبين: أن كعبا قد وصل مباشرة إلى رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يتوسط له أحد، لا أبو بكر، و لا غيره.

ثانيا: إن الوساطة التي تذكرها هذه الرواية لم يكن لها أثر، حيث إن الرجل جاء ملثما، و قد مشى إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى صار عنده فبايعه، و لم نجد أبا بكر قد شفع له، أو تكلم في أمره، أو هوّن من جرمه، أو دفع أحدا عنه، أو نحو ذلك.

ثالثا: هل صحيح أن أبا بكر كان أرقّ أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فلما ذا إذن أصرّ على حرب الذين لم يعترفوا بخلافته، و سفك دماءهم، و سبى نساءهم، بل أباح تلك النساء لقائد جيشه خالد بن الوليد، ليزني بهن في ليلة قتل أزواجهن، كما جرى لزوجة مالك بن نويرة، حيث زنى خالد بزوجته بعد قتله مباشرة، و اعتبر أبو بكر فاعل ذلك سيف اللّه المسلول على أعدائه، و منحه و سام الإجتهاد، لكي يثيبه على فعله هذا ثوابا واحدا على الأقل.

و لم تتحرك عاطفة أبي بكر، و لم تظهر رقته لرأس مالك بن نويرة، و هو يجعل أثفية للقدر التي كان خالد يهيّيء فيها و ليمة زناه بزوجة ذلك المقتول صاحب الرأس في ليلة قتله.

رابعا: هل كان أبو بكر أرق من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و هل يحتاج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى من يرققه على الآخرين، في حين أنه هو الذي صرحت الآيات: بأن نفسه كانت تذهب حسرات على من يتخذ سبيل الشرك و الإنحراف، حتى لقد خاطبه اللّه تعالى بقوله: فَلاٰ

تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (1)، و قال سبحانه: فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً (2).

إلا أن يقال: إن كعب بن زهير كان لا يعرف الكثير عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

خامسا: قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن بجيرا قد ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أسلم، ثم كتب إلى أخيه كعب بن زهير يخبره بأن من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، إلا قبل ذلك منه، و أسقط ما كان قبل ذلك (3).

فلما ذا يريد ترقيق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لما ذا يبحث عن أرقّ رجل في المدينة؟ ! فإنه كان يعلم أن المشكلة محلولة. .

و إنما قدم كعب إلى المدينة على هذا الأساس.

سادسا: قد يقال: إن كعبا إنما خاف أن يقتله أحد من المسلمين تنفيذا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي أهدر دمه، فكان يحتاج إلى من يحميه من الناس إلى أن يصل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و جوابه: أن هذا غير وارد، فإن المفروض: أن كعبا قد دخل المدينة، و صار يسأل عن أرق الناس، حتى وصل إلى أبي بكر، و لم يقتله أحد. . فلما ذا لا يصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفس الطريقة؟ ! و هل كان وصوله


1) الآية 8 من سورة فاطر.

2) الآية 6 من سورة الكهف.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 70 و الإصابة ج 3 ص 295 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 298.

إلى أبي بكر أيسر من وصوله إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

على أنهم يذكرون: أنه جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» متلثما، و لم يعترضه أحد، فما ذا لو أنه أتى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متلثما من أول الأمر، و قبل أن يوسط أحدا من الناس.

سابعا: قال القسطلاني: إن كعب بن زهير «لما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يذكر خوفه، و إرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه و بينه معرفة، من جهينة. فغدا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: هذا رسول اللّه، فقم إليه و استأمنه.

فقام حتى جلس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوضع يده في يده-و كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه، فقال: يا رسول اللّه، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه، إن انا جئتك به؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : نعم.

قال: أنا يا رسول اللّه كعب بن زهير» .

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار و قال: يا رسول اللّه، دعني و عدو اللّه أضرب عنقه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا نازعا.

قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم (1).

ثم ذكر شطرا من قصيدته حتى انتهى إلى قوله الذي يمدح فيه قريشا


1) المواهب اللدنية (بشرح الزرقاني) ج 4 ص 56-58.

و يهجو الأنصار، و هو:

في عصبة من قريش قال قائلهاببطن مكة لما أسلموا زولوا

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهمضرب إذا عرّد السود التنابيل

قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمرو بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرد السود التنابيل» ، و إنما عنى معشر الأنصار لما كان صاحبهم صنع به، و خص المهاجرين بمدحته، غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار:

من سره كرم الحياة فلا يزلفي مقنب من صالحي الأنصار

الباذلين نفوسهم لنبيهميوم الهياج و فتية الأحبار

و الضاربين الناس عن أحياضهمبالمشرق و بالقنا الخطار

و الناظرين بأعين محمرةكالجمر غير كليلة الأبصار

يتطهرون كأنه نسك لهمبدماء من علقوا من الكفار

لو يعلم الأقوام علمي كلهفيهم لصدقني الذين أماري (1)

فهذا النص يشير إلى أمرين: أحدهما: أن كعب بن زهير قد أعد قصيدته قبل أن يقدم المدينة، و يدخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم تلاها عليه «صلى اللّه عليه و آله» في نفس هذا المجلس، فلا يصح زعم هذا النص أنه قد هجا الأنصار في هذه القصيدة بالذات، لأجل أن أحدهم لما رآه عند النبي «صلى اللّه عليه


1) راجع: المواهب اللدنية (بشرح الزرقاني) ج 4 ص 62.

و آله» قال له: دعني و عدو اللّه أضرب عنقه.

الثاني: إنه يقول: إن كعبا قد نزل على رجل من جهينة كانت بينه و بينه معرفة، فأخذه الجهني إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلا يصح قولهم: إنه نزل على أبي بكر، و إن أبا بكر هو الذي اصطحبه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

لما ذا أهدر النبي صلّى اللّه عليه و آله دم كعب:

و عن سبب إهدار النبي «صلى اللّه عليه و آله» دم كعب بن زهير نقول:

لقد كان للشعر تأثيره العميق، و للشعراء دورهم الحساس في حياة الناس، و في مشاعرهم و فكرهم، و بلورة مواقفهم. فالشاعر يستطيع أن يكون له دوره القوي، و الفاعل-بل و الحاسم أحيانا-في هداية الناس و ضلالهم، و في عزهم و ذلهم، و إلحاق الخزي و العار بهم، لمجرد اختراع اخترعه، أو حديث و همي ابتدعه، أو إفك صنعه، أو بهتان وضعه.

فالشاعر تاجر فاجر، يتاجر بأعراض الناس، و يبتزهم، و يعتدي على كراماتهم بالظلم و الطغيان، و بالإفك و البهتان عليهم في وضح النهار، من دون أن يرمش له جفن، أو أن يتكدر له خاطر. .

و الشاعر يوقظ غرائز الناس و يثيرها، و يستخف عقولهم، و يتلاعب بأهوائهم، و الشاعر معتد أثيم، و عتل زنيم. يقول ما لا يفعل، و يخوض مع الخائضين، و يهيم في ظلمات الجهل، و وهم الهوى مع الهائمين. .

قال تعالى: وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ

وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مٰا لاٰ يَفْعَلُونَ (1).

و كان كعب بن زهير قد شرع يحرك حربة شعره التضليلي، الذي يرتكز إلى الإفك و البهتان، و ينضح بالإثم و العدوان ليسددها إلى قلب الهدى، و عنوان السداد و الرشاد، ليختطف منه نوره الباهر، و وضوحه و بهاءه الظاهر، ليجعله أسيرا بأيدي الأهواء، حيث تتحكم به النفوس الطامحة و هي غارقة في حمأة شهواتها، و رهينة لدى الغرائز الجامحة في نزواتها.

و قد كان خلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» آية من آيات الجمال و الكمال، الذي شهد به القاصي و الداني، و اعترف به العدو و الصديق.

و رغم كل الحقد الذي كان يعتلج في صدورهم، فإن ذلك الخلق الرضي كان يجتذبهم إلى هذا الدين، و يزيل غيظهم، و يذهب بحقدهم، لأنه كان يلامس وجدانهم، و يخاطب عقولهم، و ينسجم مع فطرتهم.

و قد حاول كعب بن زهير: أن يستخف عقول الناس، و يستثير فيهم أهواءهم و غرائزهم، لكي يهيمن على مشاعرهم، و يقيم الحواجز و السدود التي تعزل ضمائرهم و فطرتهم، و تحجبها عن ملامسة ذلك الخلق الرضي، حتى لا يبقى للناس سبيل هداية، و لا بصيص نور رشاد، و لا سداد، من دون أن يقدم أي مبرر لفعله هذا، مهما كان تافها و سخيفا، سوى أن خلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخالف خلق الآباء و من تابعهم، فقال:

على خلق لم تلق (تلف) أما و لا أباعليه و لم تدرك عليه أخا لكا

إن كعب بن زهير قد اقترف بفعله الرخيص هذا أعظم الجرائم،


1) الآيات 24-26 من سورة الشعراء.

و أقبحها، من حيث إنه يريد أن يحرم الناس من الحياة و يسوقهم إلى البوار و الهلاك، في الدنيا و الآخرة، فلما ذا لا يهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه؟ ! و يأمر كل من رآه بأن ينفذ حكم اللّه فيه؟ ! إلا أن يتوب و ينيب إلى اللّه، و يتخلى عن هذا الظلم الظاهر، و العدوان السافر على الناس في أعز شيء لديهم. . فإن مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ اَلنّٰاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا اَلنّٰاسَ جَمِيعاً (1).

معاوية. . و بردة كعب:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: شراء معاوية من ولد كعب بن زهير تلك البردة التي كساها النبي «صلى اللّه عليه و آله» كعبا. و أن الخلفاء كانوا يلبسونها في الأعياد.

و لكن مما لا شك فيه: أن معاوية لم يكن من أهل الإعتقاد برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحد الذي يدعوه للتبرك بآثاره، و الإهتمام بشرائها و توريثها لمن بعده. . كيف! ! و هو الذي أقسم على دفن اسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إسقاطه من الأذان. . فقال حين سمع الأذان: لا و اللّه، إلا دفنا دفنا (2).


1) الآية 32 من سورة المائدة.

2) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 38 و البحار ج 33 ص 169 و 170 و الغدير ج 10 ص 283 و 284 و وضوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 1 ص 208 و عن مروج الذهب ج 3 ص 454 و (ط أخرى) ج 2 ص 341 و الموفقيات للزبير بن بكار 576-577 و النصائح الكافية ص 116 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 238 و (ط دار إحياء الكتب العربية) ج 5 ص 129 و 130 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 47 و 48 و كشف الغمة ج 2 ص 45 و 46 و كشف اليقين للعلامة الحلي ص 474 و 475 و قاموس الرجال ج 9 ص 20 و بهج الصباغة ج 3 ص 193.

و قد كان معاوية من الطلقاء، و من طلاب الدنيا، و قد تآمر على عثمان حتى قتل، و حارب وصي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و يكفيه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا عليه؛ بأن لا يشبع اللّه له بطنا (1).


1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 58 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 22 و شرح الأخبار ج 2 ص 47 و 166 و 536 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 140 و العمدة لابن البطريق ص 456 و الطرائف لابن طاووس ص 504 و عين العبرة لأحمد ابن طاووس ص 59 و الصراط المستقيم ج 3 ص 47 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي ص 78 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 632 و البحار ج 22 ص 248 و ج 33 ص 190 و 194 و 195 و 209 و ج 44 ص 76 و 77 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 465 و 466 و الغدير ج 2 ص 144 و ج 11 ص 79 و 89 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 339 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 118 و 161 و 650 و صحيح مسلم ج 8 ص 27 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 152 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 128 و مسند أبي داود الطيالسي ص 359 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 23 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 176 و أبو هريرة لشرف الدين ص 98 و 202 و شيخ المضيرة لأبي رية ص 208 و معجم رجال الحديث ج 19 ص 215 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 34 و تهذيب الكمال ج 22 ص 344 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 340 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 123 و فتوح البلدان ج 3 ص 582 و تاريخ الأمم و الملوك ج 8 ص 186 و البداية و النهاية ج 6 ص 189 و ج 8 ص 128 و وقعة صفين للمنقري ص 220 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 197 و المناقب للخوارزمي ص 11 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 215 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 123 و 202 و 261.

و قد لعنه و لعن أباه و أخاه، فقال: لعن اللّه الراكب، و القائد، و السائق (1).

فشراء معاوية للبردة إنما هو لأجل أن يتخذ منها شركا يصطاد به قلوب الناس، و يعمّي عليهم الأمور، و ليوحي لهم: بأنه يقدّس الرسول، و يحفظ آثاره، و يتبرك بها.

كعب و قريش. . لا الأنصار:

و قد تقدم: أن كعب بن زهير مدح قريشا في قصيدة بانت سعاد، و لم يذكر الأنصار، فلم يرق ذلك للأنصار، فكلموه في ذلك، فقال فيهم شعرا. .

و ما نريد أن نشير إليه هنا هو: أن ذكر كعب لقريش في قصيدته، و هو يعلم: أن قريشا لم تزل تحارب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى فتح مكة، يشير إلى هيمنة قريش على عقول الناس في المنطقة، و إلى أن أحدا منهم لا يجرؤ على تخطيها.


1) تذكرة الخواص ص 201 و الغدير ج 10 ص 169 عنه، و البحار ج 30 ص 296 و ج 33 ص 208 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 103 و 374 و عن ربيع الأبرار للزمخشري ج 4 ص 400 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 465 و 467 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 175.

و لعله إنما ذكر قريشا في قصيدته لكي يأمن جانبها، و يسلم من غوائل غضبها عليه، حين يمدح عدوها. . كما أن إهمال الأنصار ربما يكون لإرضاء قريش أيضا، لكي لا يثير حفيظتها ضده. .

و هذا يشير أيضا: إلى أن ما حققه المسلمون بقيادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من انتصارات هائلة على اليهود و المشركين و قريش، لم يستطع أن يزيل كل آثار ذلك الإنبهار و الضعف أمام الهيمنة القرشية. . و لعل هذه الآثار قد بقيت إلى ما بعد عشرات السنين من ذلك التاريخ.

مثلهم في ذلك كمثل الذي يكون عبدا لرجل، ثم يعتقه، فإن شعوره بالضعف أمام الذي كان سيده لا يزول بسهولة، بل يبقى عبر السنين و الأحقاب، بعد حصوله على حريته.

و قد لاحظ الإسلام هذه الخصوصية و راعاها في أحكامه التي شرعها لهذه الحالات كما يعلم بالمراجعة. .

عمر. . و الصلاة على ابن أبي:

و في السنة التاسعة، في شهر ذي القعدة، و بعد أن رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك مات عبد اللّه بن أبي، بعد أن مرض عشرين يوما (1).

و قيل: قتل في السنة الخامسة من الهجرة (2).

فعن عمر بن الخطاب، و ابن عباس: أنه لما مات عبد اللّه بن أبي بن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 73 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 90 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 52.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 140.

سلول سأل ابنه عبد اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه.

فلما قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ثب عمر، فأخذ ثوبه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: أعلى عدو اللّه عبد اللّه بن أبي القائل كذا و كذا و القائل كذا و كذا الخ. . ؟ !

(أو قال: يا رسول اللّه، أتصلي على ابن أبي، و قد قال يوم كذا و كذا و كذا؟ ! ثم عدد عليه قوله) .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أخر عني يا عمر!

فلما أكثرت عليه قال: إني خيّرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها (1).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 140 و صحيح البخاري باب ما يكره من الصلاة على المنافقين من كتاب الجنائز ج 2 ص 100 و ج 5 ص 206، و مسند أحمد ج 1 ص 16 و كنز العمال ج 1 ص 247 ح (4403) و (ط مؤسسة الرسالة) ج 2 ص 418 و 419 ح (4392) عمن تقدم، و عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه و غيرهم. و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 199 و الدر المنثور ج 3 ص 264 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن أبي حاتم، و النحاس، و ابن حبان، و ابن مردويه، و أبي نعيم في الحلية، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و البيهقي في الدلائل و راجع: الميزان للطباطبائي ج 9 ص 353 و فتح القدير للشوكاني ج 2 ص 542 و 545 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 379 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 209 و عين العبرة في غبن العترة للسيد أحمد آل طاووس ص 20 و البحار ج 30 ص 572 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 340 و 385 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 188 و سنن الترمذي ج 4 ص 343 و سنن النسائي ج 4 ص 68 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 199 و فتح الباري ج 8 ص 253 و عمدة القاري للعيني ج 8 ص 192 و ج 18 ص 273 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 36 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 638 و ج 6 ص 357 و كنز العمال ج 1 ص 170 و ج 2 ص 6 و 419 و جامع البيان للطبري ج 10 ص 261 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 173 و تفسير البغوي ج 2 ص 317 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 556 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي ج 3 ص 67 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 393 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 154 و تاريخ المدينة لابن شبة النميري ج 3 ص 864 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 90 و 232 و السيرة الحلبية ج 2 ص 24.

و في نص آخر: و مشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي و لجرأتي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اللّه و رسوله أعلم، فو اللّه ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ (1).

و في نص آخر للبخاري: «فلما أراد أن يصلي جذبه عمر، فقال: أليس اللّه نهاك أن تصلي على المنافقين؟

فقال: أنا بين خيرتين» (2).


1) الآية 84 من سورة التوبة.

2) راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 2 ص 76 و راجع: سنن النسائي ج 4 ص 37 و مسند أحمد ج 2 ص 18 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 199 و عمدة القاري ج 8 ص 53 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 621 و ج 6 ص 357 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 447 و الإستيعاب ج 3 ص 941 و تفسير ابن ابي حاتم ج 6 ص 1857 و سبب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 173 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 557 و زاد المسير ج 3 ص 326 و أسد الغابة ج 3 ص 198 و الوافي بالوفيات ج 17 ص 10.

و في نص آخر: فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و أين؟

فقال: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ. . (1).

فقال: فإني سأزيد على سبعين.

فأنزل اللّه: وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ. . الآية. . فأرسل إلى عمر فأخبره (2).

و في نص آخر: لما توفي عبد اللّه بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد اللّه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أتصلي عليه و قد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنما خيرني اللّه تعالى، و قال:


1) الآية 80 من سورة التوبة.

2) راجع: صحيح البخاري باب الكفن في القميص (أبواب الجنائز) و راجع كتاب اللباس. و راجع: الكامل لابن الأثير (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 199 و الدر المنثور ج 3 ص 266 عن الطبراني، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و البخاري، و مسلم، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 140 و راجع: الميزان (تفسير) ج 9 ص 377.

اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً. . و سأزيد على السبعين.

قال: إنه منافق.

فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه تعالى: وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ. . فترك الصلاة عليهم (1).

و في نص آخر عن عمر: «فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره» (2).

و في بعض الروايات: أن ابن أبي هو الذي طلب من النبي «صلى اللّه


1) راجع: صحيح البخاري باب: استغفر لهم أو لا تستغفر، و دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 65 عن الجمع بين الصحيحين، و الدر المنثور ج 3 ص 266 عن البخاري، و مسلم، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل و راجع: إعانة الطالبين ج 2 ص 153 و البحار ج 30 ص 342 و فتح القدير ج 2 ص 390 و الأحكام لابن حزم ج 3 ص 273 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 660 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 42 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 231 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 65 و نهج الحق و كشف الصدق ص 338 و إحقاق الحق (الأصل) ص 284.

2) مسند أحمد ج 1 ص 16 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 209 و سنن الترمذي ج 4 ص 342 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 35 و كنز العمال ج 2 ض 418 و جامع البيان للطبري ج 10 ص 261 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 173 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 556 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 393 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 863 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 979.

عليه و آله» قميصه ليكفن فيه، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» نفث في جلده، و دلاه (و نزل) في قبره (1).

و ربما يكون قد طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك في حياته، ثم أكد ولده هذا الطلب بعد وفاته، و كذلك الحال بالنسبة لما قيل: من أن ابن أبي: أوصى أو طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكفنه و أن يصلي عليه (2).

و نقول: أولا: إن سياق رواياتهم المزعومة تلك يعطي: أن القرآن قد نزل بموافقة عمر، و تخطئة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لا شك في أن هذا من ترهاتهم و أباطيلهم الجريئة، التي تهدف إلى الحط من مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أجل رفع شأن عمر بن الخطاب، فما أشبههم بذلك الذي يحرق البلاد و العباد من أجل أن يشعل سيجارة.

ثانيا: لقد تحدثت الروايات أن عمر يواجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأمر ليس له واقع، و هو: أن اللّه تعالى قد نهاه عن الصلاة على المنافقين. .


1) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 266 عن أبي الشيخ، و ابن ماجة، و البزار، و ابن جرير، و ابن مردويه، و الطبراني، و البيهقي في الدلائل، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 140 و تفسير الميزان ج 9 ص 365 و عمدة القاري ج 8 ص 56 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 93 و جامع البيان ج 10 ص 262.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 140 و الدر المنثور ج 3 ص 266 عن أبي الشيخ، و ابن ماجة، و البزار، و ابن جرير، و ابن مردويه، و الطبراني، و البيهقي في الدلائل. و راجع: تفسير السمرقندي ج 2 ص 79.

و قد رد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك: بأن اللّه تعالى لم ينهه، و إنما خيّر بين أمرين. .

بل تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل عمر، فقال: أين؟

فلما قرأ آية الإستغفار لهم بيّن له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الآية لا تدل على ذلك.

و نحن لا يمكن أن نقبل بأن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخطأ في فهم الخطاب الإلهي، ففسره بغير معناه. .

و الصحيح هو: أن الذي أخطأ في فهم الخطاب الإلهي، هو عمر بن الخطاب نفسه. . و أخطأ خطأ آخر يمس جوهر العقيدة، حين نسب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخطأ في فهم و حي اللّه تبارك و تعالى، أو حين واجهه باتهامه بأنه يخالف أمر اللّه تعالى له بعدم الصلاة على المنافقين.

ثالثا: إن الأخطر من ذلك كله. . أنه لم يقبل من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل أصر على منعه، و أخذ بثوبه، و قام في صدره يصده عما يريد فعله.

بل إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره بأن يؤخر عنه، فلم يفعل، بل أصرّ و أصرّ حتى أكثر عليه، حتى أخبره بأن اللّه تعالى قد خيره. .

فلما ذا لا يمتثل أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يصرّ على فرض رأيه عليه؟ !

أم أنه يرى أن اللّه تعالى قد أخطأ حين خيّر نبيه، و أن عليه سبحانه و تعالى أن يبدل أمره هذا ليوافق رأي عمر؟ !

و لما ذا يقدم بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اللّه تعالى يقول:

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (1).

فهل كان يرى نفسه أعلم من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أن رأيه أصوب من رأيه؟ !

أم أنه يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يفعل المنكر، و يريد أن ينهاه عنه؟ !

رابعا: إن قوله تعالى: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً. . لا يقصد به النهي عن الإستغفار، بل المقصود هو: بيان أن هذا الإستغفار لا ينفع المنافقين، و لا يوجب المغفرة لهم من اللّه في الآخرة.

و لكن ذلك لا يعني أن لا تكون له فوائد و منافع أخرى، كما سنشير إليه عن قريب.

خامسا: إن النهي عن الصلاة على المنافقين إنما نزل بعد قصة الصلاة على ابن أبي بالإجماع (2).

فكيف يتهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه منهي عن الصلاة عليهم.

سادسا: فإنهم يقولون: إنه قد كانت لابن أبي يد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3). و أحب أن يكافئه عليها.

و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب من اللّه أن لا يكون


1) الآية 2 من سورة الحجرات.

2) النص و الإجتهاد ص 188.

3) صحيح البخاري (ط دار المعرفة) ج 4 ص 19 و عمدة القاري ج 8 ص 165 و ج 14 ص 257 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 397 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 94 و تفسير البغوي ج 2 ص 317 و تاريخ الخميس ج 2 ص 140 عن ابن عيينة.

لكافر و لا لمشرك عليه يد يستحق عليها الشكر و المكافأة، فلو كان منافقا لكان مشركا، فكيف تكون له يد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

عمر يندم على ما صدر منه:

و قد روي عن الشعبي: أن عمر كان بعد ذلك يقول: أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط. أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي على عبد اللّه بن أبي، فأخذت بثوبه، فقلت له: و اللّه، ما أمرك اللّه بهذا، لقد قال اللّه لك: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً. . .

قال: «فقال رسول اللّه: خيرني ربي، فقال: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً. . . .» (1).

و اللافت هنا: أن الأمر لا يقتصر على ابن أبي إذ إن الروايات تتحدث عن اعتراضات أخرى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في صلاته على آخرين من الصحابة أيضا، فراجع. . (2).

لما ذا يصلي النبي صلّى اللّه عليه و آله على ابن أبي؟ ! :

و قد ذكرنا فيما سبق: أنه يبدو أن ثمة تضخيما لشأن ابن أبي في موضوع


1) النص و الإجتهاد ص 189 عن كنز العمال برقم (4404) عن ابن أبي حاتم، و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ، و راجع: الدر المنثور ج 3 ص 264 و كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 2 ص 419 و تفسير الميزان ج 9 ص 355 و 365 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1853.

2) راجع: الإصابة ج 4 ص 134 و 185.

النفاق، حتى لقد اعتبروه رأس المنافقين في المدينة، لكي يهونوا بذلك من شأن نفاق غيره.

و الذي يظهر لنا من هذه الواقعة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد بصلاته هذه تحقيق عدة أمور، نذكر منها:

1-أن يكرم عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي «رحمه اللّه» ، و يدفع عنه أذى بعض الناس، الذين كان يروق لهم إذلال أهل الإيمان، بذكر آبائهم بما يراه الناس من أسباب التنقص للأبناء.

2-روي: «أنهم ذكروا القميص، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و ما يغني عنه قميصي و صلاتي؟ و اللّه، إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من الخزرج الخ. .» (1).

و هذا النص يشير إلى: أن الخزرج لم يكونوا كلهم قد دخلوا في الإسلام إلى ذلك الوقت.

3-إن المروي بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا عليه، و لم يدع له (2).


1) الدر المنثور ج 3 ص 266 عن أبي الشيخ، و راجع: فتح الباري ج 8 ص 254 و عمدة القاري ج 18 ص 273 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 398 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 93 و جامع البيان ج 10 ص 262 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 79 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 174 و تفسير البغوي ج 2 ص 317 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 154 و زاد المسير ج 3 ص 326 و تاريخ الخميس ج 2 ص 140 و 141.

2) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 770 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 71 و البحار ج 22 ص 125 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 325 و جواهر الكلام ج 13 ص 50 و المعتبر ج 2 ص 351 و الكافي ج 3 ص 188 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 196 و منتقى الجمان ج 1 ص 276.

و لعلك تقول: إن الدعاء عليه لا ينسجم مع ما ذكر آنفا من أن الغرض هو تكريم ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي. .

و لا مع منع ألسنة السوء من أن تؤذي ابنه.

و لا مع ترغيب الخزرج بالإسلام، حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» ليرجو أن يسلم بسبب إلباسه قميصه أكثر من ألف منهم! !

و الجواب: إن الدعاء لا يجب أن يكون بصورة معلنة و ظاهرة، بحيث يسمعه سائر الناس، فلعله أخفت في صلاته، أو في دعائه عليه فقط.

الفصل الرابع: من سرايا السنة الثامنة

اشارة

بداية ضرورية جدا:

قد نبهنا أكثر من مرة، و نعود على تأكيد التنبيه على أن السرايا التي كان يرسلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مختلف الإتجاهات لم تكن سرايا غازية، تهدف إلى قتل الناس و قهرهم، و تقويض أمنهم، أو سلب حريتهم، و سبي ذراريهم و نسائهم، و الإستئثار بأموالهم و الإستيلاء على ديارهم. .

لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قبل كل شيء نبيا رسولا، و من أهم واجبات الأنبياء و الرسل، هو: إبلاغ الناس بأمر نبوتهم، و إيقافهم على حقيقة دعوتهم، و إقامة الحجة عليهم، فإذا حالت فئة ظالمة بينهم و بين هذا الأمر، فلا بد من ردعها عن ظلمها و بغيها هذا، فإذا لجأت إلى العنف و القتال، و لم يكن بد من التصدي ورد التحدي، فلا بد من إسقاط مقاومتها، إذا توفرت القدرة على ذلك.

و هذا بالذات هو ما كان يجري مع سرايا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد كانت في أكثرها سرايا دعوة، لا سرايا حرب و قتال، و كان باقيها عمليات و قائية، تهدف إلى صد عدوان قد أعد الآخرون له العدة، و جمعوا الجموع للقيام به. .

و هذا حق مشروع؛ إذ لا مجال للإنتظار و التراخي حتى يورد العدو ضربته، و يرتكب جريمته، و يحقق أهدافه، فإن هذا سوء في الرأي، و عجز

في التدبير، و فشل في السياسة، و تفريط في الأمانة، يصل إلى حد الخيانة. .

و قد صرحت النصوص في الموارد المختلفة: بأن السرية الفلانية كانت سرية بلاغ و دعوة، و سنجد في هذا الفصل بعضا من هذه التصريحات أيضا. . فإلى ما يلي من أحداث و مطالب.

سرية الطفيل إلى ذي الكفين:

قال ابن سعد: قالوا: لما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم من خشب، كان لعمرو بن حممة الدّوسي، ليهدمه.

و أمره أن يستمد قومه، و يوافيه بالطائف.

فخرج سريعا إلى قرية، فهدم ذا الكفين، و جعل يحش النار في وجهه و يحرقه، و يقول:

يا ذا الكفين لست من عبّادكاميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوت النار في فؤادكا

و انحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالطائف، بعد مقدمه بأربعة أيام، و قدم بدبابة و منجنيق.

و قال: «يا معشر الأزد من يحمل رايتكم» ؟

فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية، النعمان بن الرازية اللهبي.

قال: «أصبتم» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 210 و السيرة الحلبية ج 3 ص 200 و تاريخ الخميس ج 2 ص 109 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 112 و معجم البلدان ج 4 ص 471 و 472 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 157 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 17 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 229 و البداية و النهاية ج 3 ص 124 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 21 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 258 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 75.

و قد كان ذلك في شوال سنة ثمان (1).

و نقول: 1-قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل في حنين عليا «عليه السلام» لهدم الأصنام، فهدمها، ثم وافاه في الطائف. . فلما ذا لم يهدم ذا الكفين؟

و هذا يجعلنا نشك كثيرا في صحة هذه المزاعم.

2-قولهم: إنه قدم معه أربع مائة رجل سراعا. لو فرضنا أنه صحيح، فهو لا يعني أنهم قد أسلموا، فقد قال مغلطاي: «و قدم معه أربعة مسلمون» (2).

بل كلام مغلطاي هذا يدل على: أن جميع من قدم معه هو أربعة نفر فقط، لا أربع مائة. .

3-و بعد أن أورد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ضربته بغطفان، على يد علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و انقسمت فلو لهم إلى ثلاثة أقسام، فإنه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 210 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 157 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 229.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 109 عن المواهب اللدنية.

«صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى المدد، خصوصا من قوم مشركين؟ ! ما دام أن المشركين أصبحوا في حالة ضعف و انكسار، و لم يتكبد المسلمون في تلك الحرب خسائر يحتاجون معها إلى طلب المدد من غيرهم. .

4-قد أظهرت حرب حنين:

أن الجيش الذي كان يزيد على عشرة الآف مقاتل لم يغن شيئا، بل انهزم كله عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و أن هزيمة المشركين إنما كانت على يد رجل واحد، و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» وحده. . فلما ذا يصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على طلب المدد من الدوسيين المشركين؟ !

سرية ذات أطلاح:

و ذكروا في جملة أحداث سنة ثمان: سرية كعب بن عمير إلى ذات أطلاح من الشام، فأصيب هو و أصحابه (1).

و بما أننا قد تحدثنا عن هذه السرية في الجزء الثامن عشر من هذا الكتاب، فإننا نحيل القارئ على ذلك الجزء، إن أحب الإطلاع على تفاصيل ما جرى. .

بعث قيس بن سعد إلى صداء:

قال ابن إسحاق: لما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الجعرانة


1) البحار ج 21 ص 184 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 36 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 40 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 272 و 273 و راجع: معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 3 ص 893.

سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن، و أمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربع مائة من المسلمين.

فقدم رجل من صداء، فسأل عن ذلك البعث، فأخبر به، فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا رسول اللّه، جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش، فأنا لك بقومي» .

فردهم من قناة.

و خرج الصدائي إلى قومه، فقدم منهم بعد ذلك خمسة عشر (رجلا) فأسلموا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنك مطاع في قومك يا أخا صداء» .

فقال: بل اللّه هداهم. ثم وافاه في حجة الوداع بمائة منهم.

و هذا الرجل هو الذي أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سفر أن يؤذن، ثم جاء بلال ليقيم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن أخا صداء هذا أذّن، و من أذّن فهو يقيم» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 211 عن ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (514) و الترمذي (199) و ابن ماجة (717) و ابن سعد في الطبقات ج 1 ق 2 ص 63 و الطحاوي في معاني الآثار ج 1 ص 142 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 127 و راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 531 و أسد الغابة ج 2 ص 213 و الوافي بالوفيات ج 15 ص 6 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 163 و البداية و النهاية ج 5 ص 98.

و اسم أخي صداء هذا: زياد بن الحارث (1).

و في سياق آخر ذكروا: أنه بعد أن ضمن زياد بن الحارث للنبي «صلى اللّه عليه و آله» إسلام قومه كتب إليهم كتابا، فقدم و فدهم بإسلامهم (2).

و ذكروا أيضا عن زياد هذا: أنه قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و قلت: ألا تؤمرني عليهم؟

فقال: بلى.

فكتب إلى كتابا يؤمرني.

قلت: مر لي بشيء من صدقاتهم، فكتب.

و كان في سفر له، فنزل منزلا، فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، فقال: لا خير في الأمارة لرجل مؤمن.

ثم أتاه آخر، فقال: اعطني.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 211 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 508 و فيض القدير ج 2 ص 530 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 503 و المعجم الكبير ج 5 ص 263 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 263 و المجموع للنووي ج 3 ص 121 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 217.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 349 و الخرائج و الجرائح ج 2 ص 513 و البحار ج 18 ص 34 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 226 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 187 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 1 ص 282 و كنز العمال ج 13 ص 399 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 345 و تهذيب الكمال ج 9 ص 446 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 533 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 161 و البداية و النهاية ج 5 ص 97 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 136.

فقال: من سأل الناس عن ظهر غنى، فصداع في الرأس، و داء في البطن.

فدخل في نفسي من ذلك شيء، فأتيته بالكتابين (1).

و هناك روايات أخرى ذكرت: أن (حبان بن بحّ) الصدائي قال: إن قومي كفروا، فأخبرت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جهز إليهم جيشا، فأتيته، فقلت: إن قومي على الإسلام.

فقال: أكذلك؟

قلت: نعم.

قال فاتبعته ليلة إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما أصبحت، و أمّرني عليهم، و أعطاني صدقتهم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا خير في الأمرة. . قال: إن الصدقة


1) راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 226 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: البحار ج 18 ص 34 و 35 عن الخرائج، و الإستيعاب ج 1 ص 567 و أوعز إليه في الإصابة ج 1 ص 557/2850 و راجع: أسد الغابة ج 2 ص 213 قال: و أخرجه الثلاثة، و المطالب العالية ج 4 ص 11 و السيرة الحلبية ج 3 ص 267 و 268 و كنز العمال ج 7 ص 38 و (في ط أخرى) ج 16 ص 12 و 13 و البداية و النهاية ج 5 ص 83 و مجمع الزوائد ج 5 ص 203 و 204 و حياة الصحابة ج 1 ص 187 و 188 عن بعض من تقدم و عن البيهقي، و أحمد، و الطبراني، و البداية، و البغوي، و ابن عساكر، و مسند أحمد ج 4 ص 169 و مجموعة الوثائق السياسية:277 و (في ط أخرى) :326/242 عن أبي عمر، و ابن الأثير، و راجع: رسالات نبوية ص 19 و معجم القبائل ج 2 ص 636 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 303. و راجع: الخرائج و الجرائح للراوندي ج 2 ص 514.

صداع في الرأس، و حريق في البطن، أو داء.

فأعطيته صحيفتي، أو صحيفة إمرتي و صدقتي» (1).

و نقول: 1-إن الإختلافات بين هذه النصوص ظاهرة بأدنى تأمل، فلا حاجة إلى الإفاضة فيها. .

2-قد يقال: إنه لا مجال لقبول ما ذكر آنفا: من أن زيادا طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤمره على قومه، فأمره عليهم. .

لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يقول جوابا على طلب مشابه لرجلين من الأشعريين: إنّا لا (لن) نستعمل على عملنا من أراده (2)، فكيف


1) راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 227 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: مسند أحمد ج 4 ص 168 و 169 و الإصابة ج 1 ص 303/1555 عن البغوي، و ابن أبي شيبة، و البارودي، و الطبراني، و في الإستيعاب (بهامش الاصابة) ج 1 ص 364: «حيان بن مج الصدائي» ثم أوعز إلى القصة، و أسد الغابة ج 1 ص 365 و المطالب العالية ج 4 ص 6 و مجموعة الوثائق السياسية:326 و مجمع الزوائد ج 5 ص 199. و راجع: و المعجم الكبير ج 4 ص 36 و كنز العمال ج 12 ص 372 و أسد الغابة ج 2 ص 68 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 532.

2) مواهب الجليل ج 8 ص 85 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3692 و مسند أحمد ج 4 ص 409 و صحيح البخاري ج 3 ص 48 و ج 8 ص 50 و صحيح مسلم ج 6 ص 6 و فتح الباري ج 4 ص 363 و ج 8 ص 49 و ج 12 ص 242 و ج 13 ص 120 و عون المعبود ج 8 ص 106 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 13 و 65 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 214 و المعجم الأوسط ج 1 ص 216 و المعجم الكبير ج 20 ص 42 و مسند الشهاب ج 2 ص 177 و الجامع الصغير ج 1 ص 386 و كنز العمال ج 6 ص 47 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 9 ص 216 و الأحكام لابن حزم ج 6 ص 764 و الضعفاء للعقيلي ج 3 ص 190 و لسان الميزان ج 4 ص 324.

يولي زيادا هذا العمل بعد ان طلبه منه زياد؟ !

إلا أن يقال: إن المقصود هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يولي عمله ذلك الشخص الذي يريد أن يتخذ من منصبه ذريعة للحصول على المنافع و الإمتيازات. . و أما من يطلب العمل، لأنه يرى في نفسه القدرة على حل مشكلة، أو إنجاز مهمة لا يعود نفعها إليه كشخص، فلا يقصده النبي «صلى اللّه عليه و آله» بكلمته تلك. .

و لعل مما يشير إلى هذا المعنى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: «من يطلبه» ، أي أنه يسعى جاهدا للحصول عليه و يظهر الحرص، و يجعل كل همه للوصول إليه. .

و ليس المقصود: من طلبه سؤاله و لو مرة واحدة، لعارض عرض اقتضى أن يتبرع بإنجاز مهمة، و تحمل مسؤولية، رأى أنه قادر على تحملها. .

3-و أما طلب زياد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكتب له بشيء من صدقاتهم، فقد جاء مبهما، و لم يبين إن كان المطلوب هو أن يحدد له نسبة من تلك الصدقات، مثل الربع أو النصف، أو نحو ذلك، أو أنه طلب شيئا منها لا يزيد على نفقته، أو أجرة عمله! !

فإن كان المطلوب هو الأول-كما قد يستظهر من سياق الكلام-فإن استجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لطلبه تصبح في منتهى الغرابة، بل

طلبه هذا لا بد أن يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إعفائه من المهمة التي رشح نفسه لها. .

و إن كان المطلوب هو الثاني، فهو مقبول، و معقول. . في بادئ الأمر، غير أننا نقول:

إن المتوقع أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا الأمر، من دون حاجة إلى أن يطلب زياد ذلك منه.

و لعل ما ذكر في آخر الرواية: من أنه حين سمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما سمع جاءه بالكتابين طالبا إعفاءه من مهمته، يؤيد: أن يكون قد طلب الإمارة لنفسه، و طلب من الصدقات أكثر مما يحتاج إليه، و لو على سبيل الأجر الذي يستحقه أمثاله في الأحوال المشابهة.

4-أما رواية حبان بن بحّ فقد ذكرت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليه بصدقة قومه، و بالإمارة عليهم. .

و ذلك غير معقول و لا مقبول، فإن الصدقة ليست للأمير، و لا للعامل وحده، فإن القرآن قد عيّن لها مصارفها، فما معنى أن يكتب له بصدقات قومه؟ !

5-إنه قد يستظهر من رواية حبان بن بح: أن سبب إرسال الجيش إلى الصدائيين أنهم ارتدّوا عن الإسلام، فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمرهم، فجهز لهم جيشا ثم أخبروه بعودتهم إلى دينهم، فصرف ذلك الجيش عنهم.

و لعل سبب المبادرة إلى إرسال الجيش هو: أن شيوع ارتداد أية قبيلة من شأنه أن يترك آثارا سلبية على غيرها، من حيث إنه يجعلهم يستسهلون أمر الإرتداد، خصوصا إذا ظهر لهم أن ذلك لا يحمل لهم أية سلبية أو معاناة. .

و تصبح قضية نشر الدين في مأزق حقيقي، و لا سيما لجهة اختلال الثقة في مجتمع أهل الإيمان، و ترقب الإرتداد من أي كان من الناس، في أي وقت. . الأمر الذي يوجب ضعف، و انحلال رابطة الأخوة الدينية فيما بينهم.

و هذا يوجب المبادرة لمواجهة حالات الإرتداد، لأنها لا يمكن أن توصف بالبراءة أبدا.

فإن من يفعل ذلك، يكون مارس الخديعة أو الخيانة بأبشع مظاهرها. لأنه إما أن يكون هذا المرتد ممن قامت عليه الحجة بالأدلة البرهانية، أو بالقناعة الوجدانية عن طريق المعجزة، فآمن. . فلا مبرر لارتداده بعد هذا، بل ارتداده خيانة للدين، و لأهل الإيمان.

و إما أنه لم يبلغ درجة القناعة الوجدانية، و لا أقنعته الحجة البرهانية، فيكون دخوله في الإسلام في هذه الحال خداعا و تدليسا و نفاقا. و ارتداده بعد ذلك إقرارا عمليا بهذا الخداع. . فلا بد من محاسبته على هذا الأمر أيضا، لأن الأمر خرج عن كونه مسألة شخصية، ليصبح اعتراضا على الدين، و طعنا في حقائقه، و تكذيبا لآياته، و جحودا لمعجزاته. .

6-على أن ثمة تساؤلا يحتاج إلى الجواب المعقول و المقبول، و هو: أنه لما ذا بادر «صلى اللّه عليه و آله» لتجهيز ذلك الجيش، قبل أن يستيقن الأمر بالطرق المعروفة و المألوفة. .

و قد يجاب عن ذلك: بأن نفس مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا، لا يعني أنه أراد أن يوقع بأولئك الناس قبل التثبت من الأمر. . فإن تجهيز ذلك الجيش قد كان علنيا و ظاهرا، و لا بد أن يبلغ خبره إليهم. . فإن كان الخبر صحيحا، فسيكون ردهم على هذا الإجراء هو الإستنفار،

و التهبوء للحرب.

و إن كان الخبر باطلا، فإنهم سيبادرون إلى إظهار الإسلام و تكذيب الخبر، و سيتجنبون المواجهة مع ذلك الجيش.

7-إن تجهيز هذا الجيش قد جاء بمثابة رسالة أريد أن يفهم مراميها و معانيها كل من تسوّل له نفسه أمرا من هذا القبيل.

و يدل على ذلك: أنه بمجرد ان جاء رجل واحد من تلك القبيلة، و تكفل بعودة قومه إلى جادة الصواب. . أو بمجرد أن أخبره حبان بن بحّ بأن قومه على الإسلام، صرف ذلك الجيش عنهم، و أعاده إلى قواعده بسلام و أمان. .

8-و عن الحديث الذي يقول: من سأل الناس عن ظهر غنى، فصداع في الرأس، و داء في البطن، نقول:

إن هذا الحديث لا يبرر انصراف زياد عن أخذ ما طلبه من الصدقة، حتى لو كان غنيا.

فإن زيادا قد طلب إعطاءه نصيبا من صدقات قومه، و بما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاب طلبه، فذلك يعني: أنه أعطاه ما يستحقه، فإن كان فقيرا فإنما يعطيه بمقدار ما يستحقه كما يعطي غيره مع الفقراء. . و إن كان غنيا (أو فقيرا أيضا) فإنه يعطيه ما يستحقه من أجرة على العمل، أو على المهمة التي يتصدى لها. .

و لا يدخل ذلك تحت عنوان: «من سأل الناس عن ظهر غنى» ، إذ المقصود بالسؤال: هو طلب ما لا يستحقه.

و المفروض: أن الأمر ليس كذلك هنا، إذ لو كان كذلك لم يكتب له،

النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء من الصدقات، لأنه لا يعطي أحدا ما لا يستحقه.

فإذا كان قد ردّ كتاب الصدقة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فالمتوقع: أن يسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب ذلك، ثم يوضح له: أنه قد أخطأ في فهم ما يرمي إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس فيما بأيدينا ما يشير إلى سؤال أو جواب للتصحيح أو التوضيح. .

9-أما ما زعمه زياد: من أن أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدأوا في مسيرهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستأخرون و ينقطعون عنه، حتى لم يبق معه أحد غير زياد، و حتى استغرق لحوقهم به وقتا طويلا قد يصل إلى نحو عشر دقائق على أقل تقدير، فهو غير مقبول، بل و لا معقول أيضا، إذ لا يمكن أن نصدق أن يبقي المسلمون نبيهم في ذلك الليل البهيم يسير وحده في صحراء قاحلة لا يجد فيها قطرة من ماء، و ليس فيها حسيس و لا أنيس. مع ما نعلمه من حرصهم على الكون بقربه، و السير في ركابه التماسا للبركة منه. .

10-يضاف إلى ذلك: أن تلك الروايات تضمنت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سار بأصحابه الليل بكامله، من العشاء حتى الفجر. . و هذا أيضا أمر مستغرب. . لا سيما، مع عجز الروايات عن الإفصاح لنا عن وجهة سيره «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنها كانت إلى أي قوم! ! و في أية جهة! ! فإن غزوات النبي «صلى اللّه عليه و آله» معروفة، و مسيره إليها ليس بالأمر المجهول، فقد وصفه الرواة لنا، و سجله المؤرخون، و حفاظ السيرة. .

11-إن الرواية تفيد: أن الأذان قد حصل قبل طلوع الفجر، و انه

«صلى اللّه عليه و آله» لم يرض من زياد بأن يقيم حتى تحقق «صلى اللّه عليه و آله» من طلوع الفجر. . فما هو الداعي إلى هذا التقديم، ما دام أن الأذان بعد تحقق طلوع الفجر لا يفوّت فضيلة الصلاة في أول الوقت؟ !

12-إن زيادا يزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «يا أخا صداء، لو لا أني أستحي من ربي عز و جل لسقينا و استقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء» .

فكيف يستحي «صلى اللّه عليه و آله» من ربه أن يسقي و يستقي هو و من معه، ثم يطلب من زياد أن يدعو من أصحابه من له حاجة في الماء؟ ! أليس هذا سقيا و استسقاء؟ ! فلما ذا يناقض القول بالفعل، بل لما ذا يكون الكلام متناقضا في نفسه، فإن هذا و ذاك مما نجلّ عنه مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إرسال ابن العاص إلى إبني الجلندى:

و في ذي القعدة سنة ثمان بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص إلى جيفر و عبد ابني الجلندى، فأخذ الصدقة من أغنيائهم و ردها على فقرائهم (1).

و نوضح ذلك كما يلي: إن جيفر و عبدا كانا ملكي عمان، و هما ابنا الجلندى بن المستكبر بن


1) البحار ج 21 ص 184 عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 369 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 362 و الكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج 2 ص 272 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 36.

الحراز الأزدي، و لعل الجلندى كان قد شاخ ففوض الأمر إلى ولديه هذين.

و قد بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص إلى ولديه بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام، و لعل أباهما قد اطّلع على هذا الكتاب، أو لعله «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أرسل إلى أبيهما الجلندى نفسه كتابا آخر، فإن ابن إسحاق قد ذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث ابن العاص إليه (1).

و مهما يكن من أمر، فإن نص الكتاب الذي كتبه لهما كما يلي: «بسم اللّه الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد اللّه إلى جيفر و عبد ابني الجلندى: سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد، فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، إني رسول اللّه إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين، و إنكما إن أقررتما بالإسلام و ليتكما، و إن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، و خيلي تحل بساحتكما، و تظهر نبوتي على ملككما» .

و ختم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكتاب، و كتب أبي بن كعب (2).


1) الإصابة ج 1 ص 262 و راجع: الشفاء لعياض ج 1 ص 484 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 364 و 365.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 361 و قال في هامشه: كما في زاد المعاد، و نشأة الدولة الإسلامية، و الوثائق، و دحلان، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 284 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 76 و صبح الأعشى ج 6 ص 365 و 366 و أعيان الشيعة ج 2 ص 14 و (في ط أخرى) ج 1 ص 245 و أعلام السائلين ص 26 و رسالات نبوية ص 133 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 41 عن: صبح الأعشى ج 6 ص 380 و المواهب اللدنية ج 3 ص 404، و راجع: نشأة الدولة الإسلامية ص 331 و زاد المعاد ج 3 ص 62 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 353. و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 18 و ج 4 ق 2 ص 188 و فتوح البلدان ص 87 و (في ط أخرى) ص 104 و الإصابة ج 1 ص 576 في ترجمة زبيد بن الأعور بن جيفر الجلندى الأزدي، و ص 264 في ترجمة جيفر، و ص 262 في الجلندى، و التنبيه و الإشراف ص 240 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 254 و المناقب ج 1 ص 114 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 232 و 272 و 352 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 645 و ج 3 ص 29 و 95 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و حياة الصحابة ج 1 ص 102 و تاريخ الخميس ج 2 ص 116 و 118 و البحار ج 18 ص 138 و ج 21 ص 184 و أسد الغابة ج 1 ص 313 و الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 484 و نسيم الرياض ج 2 ص 447 و شرح الشفاء للقاري (بهامش نسيم الرياض) ج 2 ص 447 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 261 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 201 و الروض الأنف ج 3 ص 304 و المنتظم ج 4 ص 10 و مجموعة الوثائق السياسية 161/76 عن جمع ممن ذكرناه، و عن المواهب اللدنية ج 1 ص 294 و صبح الأعشى، و منشآت السلاطين لفريدون بك ج 1 ص 33 و الوفاء لابن الجوزي ص 741 و كتاب النبي للأعظمي، و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 423 و المصباح المضيء ج 2 ص 306 عن الهدى المحمدي، و مدينة البلاغة ج 2 ص 291 و قال: انظر اشپرنكر ج 3 ص 382 و زاد: يقول المؤلف (حميد اللّه) : رأيت عند بعض الإخوان في باريس في السنة 1400 ه‌ 1980 م فصيلة من جريدة يومية عربية من تونس فيها تصوير أصل مكتوب النبي «عليه السلام» إلى جيفر و عبد ابني الجلندى، و لكن لم يعرف اسم الجريدة و لا تأريخها. و فيما علقت عليه الجريدة التي نشرته: «عثر علماء الآثار على النسخة الأصلية. . . جاء هذا أثناء زيارة الأستاذ الإسماعيلي الرصاصي السفير العماني السابق لدى إيران لبعض البلدان العربية، و قد وجد الأصل في حوزة هاوي آثار و تحف لبناني الجنسية. . . الشخص المذكور رفض تسليم المخطوط لسعادة السفير إلا أنه سمح له بتصويره. و وعدنا سعادة سفير عمان في باريس أن يبحث فيه فجزاه اللّه خيرا.

و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا زيد الأنصاري (و هو قيس بن السكن، و قيل: اسمه ثابت بن قيس، و قيل غير ذلك) و عمرو بن العاص بكتاب منه إلى ابني الجلندى، يدعوهما فيه إلى الإسلام، و قال لهما: إن أجاب القوم إلى شهادة الحق، و أطاعوا اللّه و رسوله، فعمرو الأمير، و أبو زيد على الصلاة، و أخذ الإسلام على الناس، و تعليمهم القرآن و السنن (1).

و قال المسعودي: إن إرسال عمرو إلى جيفر و عبد ابني الجلندى قد كان في السنة الحادية عشرة (2).

و قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أبا زيد الأنصاري بكتابه إلى عبد و جيفر سنة ست، و وجه عمرو سنة ثمان.

و قد أوصى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا زيد (في سنة ثمان) بأن يأخذ


1) فتوح البلدان ص 103 و 104 و (ط مكتبة النهضة) ج 1 ص 92 و تاريخ الكوفة للسيد البراقي ص 265 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 369.

2) التنبيه و الإشراف (ط دار صعب) ص 240 مكاتيب الرسول ج 2 ص 396 عن التنبيه و الإشراف.

الصدقة من المسلمين، و الجزية من المجوس (1).

و قد كانت النتيجة هي: إسلام جيفر و عبد ابني الجلندى، و أسلم معهما خلق كثير (2).

عمرو. . و ابنا الجلندى:

و قد حكى لنا عمرو بن العاص حوارا و تفاصيل زعم أنها جرت له مع جيفر، و عبد ابني الجلندى، و القصة هي التالية:

قال عمرو: فعمدت إلى عبد، و كان أحلم الرجلين، و أسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليك و إلى أخيك بهذا الكتاب.

فقال: أخي مقدم عليّ بالسن و الملك، و أنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك. ثم قال: و ما تدعو إليه؟

قلت: أدعوك إلى اللّه وحده، و تخلع ما عبد من دونه، و تشهد أن محمدا عبده و رسوله.

قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك-يعني العاص


1) راجع: فتوح البلدان ص 105 و نشأة الدولة الإسلامية ص 178.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 520 و ج 3 ص 258 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 352 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 18 و نسيم الرياض ج 2 ص 448 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 78 و الفتوح لابن أعثم ص 104 و نشأة الدولة الإسلامية ص 197 و الإصابة ج 1 ص 264 و ج 3 ص 234 و تاريخ الخميس ج 2 ص 183.

بن وائل-فإن لنا فيه القدرة؟ (1).

قلت: مات و لم يؤمن بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و ودت له لو كان آمن و صدق به، و قد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني إلى الإسلام.

قال: فمتى تبعته؟

قلت: قريبا.

فسألني أين كان إسلامي؟

فقلت: عند النجاشي، و أخبرته أنه قد أسلم.

قال: فكيف صنع قومه بملكه؟

قلت: أقروه و اتبعوه.

قال: و الأساقفة؟

قلت: نعم.

قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح من كذب؟

قلت: و ما كذبت، و ما نستحله في ديننا.

ثم قال: ما أرى هر قل علم بإسلام النجاشي.

قلت له: بلى.

قال: بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟

قلت: كان النجاشي يخرج له خراجا، فلما أسلم النجاشي و صدق بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا و اللّه، و لو سألني درهما واحدا ما أعطيته.


1) كذا في الأصل، و لعل الصحيح هو «القدوة» .

فبلغ هر قل قوله، فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجا، و يدين دينا محدثا؟

فقال هر قل: رجل رغب في دين و اختاره لنفسه ما أصنع به، و اللّه، لو لا الظن (1)بملكي لصنعت كما صنع.

قال: أنظر ما تقول يا عمرو.

قلت: و اللّه صدقتك.

قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به و ينهى عنه؟

قلت: يأمر بطاعة اللّه عز و جل، و ينهى عن معصيته، و يأمر بالبر و صلة الرحم، و ينهى عن الظلم و العدوان، و عن الزنى و شرب الخمر، و عن عبادة الحجر و الوثن و الصليب.

فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» و نصدق به، و لكن أخي أضنّ بملكه من أن يدعه و يصير ذنبا.

قلت: إنه إن أسلم ملّكه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم.

قال: إن هذا لخلق حسن، و ما الصدقة؟

فأخبرته بما فرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الصدقات في الأموال، و لما ذكرت المواشي، قال: يا عمرو، و يؤخذ من سوائم مواشينا


1) كذا في الأصل، و لعل الصحيح هو «الضنّ» ، و يشهد له قول عبد فيما يأتي: «و لكن أخي أضنّ بملكه» .

التي ترعى في الشجر و ترد المياه؟

فقلت: نعم.

فقال: و اللّه، ما أرى قومي في بعد دارهم، و كثرة عددهم يطيعون بهذا.

قال عمرو: فمكثت أياما بباب جيفر، و قد أوصل إليه أخوه خبري، ثم إنه دعاني، فدخلت، فأخذ أعوانه بضبعي، قال: دعوه.

فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني، فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك.

فدفعت إليه كتابا مختوما، ففض خاتمه فقرأه.

ثم دفعه إلى أخيه، فقرأه، ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟

فقلت: تبعوه، إما راغب في الدين، أو راهب مقهور بالسيف.

قال: و من معه؟

قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام، و اختاروه على غيره، و عرفوا بعقولهم مع هدي اللّه إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، فما أعرف أحدا بقي غيرك في هذه الخرجة، و أنت إن لم تسلم اليوم و تتبعه تطأك الخيول، و تبيد خضراؤك، فأسلم تسلم و يستعملك على قومك، و لا تدخل عليك الخيل و الرجال.

قال: دعني يومي هذا، و ارجع إلي غدا.

فلما كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لي، فرجعت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه.

فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب، إن ملكت رجلا ما في يدي، و هو لا تبلغه خيله ههنا، و إن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى.

قلت: و أنا خارج غدا.

فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه، فأصبح، فأرسل إلي، فأجاب إلى الإسلام هو و أخوه جميعا، و صدقا و خليا بيني و بين الصدقة و بين الحكم فيما بينهم، و كانا لي عونا على من خالفني، و أسلما و أسلم معهما خلق كثير (1).

و توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمرو بعمان (2).

و نقول: إن هذه الرواية التي يظهر عمرو فيها نفسه أنه أدار الحوار بصورة راقية، و قوية، و أورد لنفسه جملا تحمل معاني جليلة، و لمعات جميلة، إنها رواية مكذوبة بلا شك، فلاحظ ما يلي:

1-إن عمرو بن العاص لم يكن لا في ذلك الوقت، و لا قبله، و لا بعده


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 370-372 و قال في هامشه: راجع في تفصيل قصة عمرو مع جيفر: السيرة الحلبية ج 3 ص 284 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 75 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 262 و (في ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 18 و ج 4 ق 2 ص 188 و فتوح البلدان للبلاذري ص 104 و نسيم الرياض ج 2 ص 448 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 201 و زاد المعاد ج 1 ص 62 و أعيان الشيعة ج 1 ص 245 و المصباح المضيء ج 2 ص 306-311.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 372 و قال في هامشه: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 520 و ج 3 ص 258 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 352 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 18 و نسيم الرياض ج 2 ص 448 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 78 و الفتوح لابن أعثم ص 104 و نشأة الدولة الإسلامية ص 197 و الإصابة ج 1 ص 264 و ج 3 ص 234 و تاريخ الخميس ج 2 ص 183.

من أهل هذه المعاني، و لا من الذين يقدرون على مثلها.

2-إن روايته قد تضمنت بعض الأكاذيب، كقوله: إن إسلامه كان عند النجاشي في الحبشة، حين ذهب في طلب جعفر و أصحابه، أي قبل الهجرة بحوالي ثماني سنوات. .

و هذا كذب واضح، فإنه أسلم سنة ثمان بعد الهجرة كما تقدم؛ بل إنه هو نفسه قد ذكر ما يناقضه قبله مباشرة، حيث قال: إنه إنما تبع النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل يسير، أي في السنة الثامنة بعد الهجرة مباشرة. . فإن كان قد أسلم منذئذ، فلما ذا تأخر اتباعه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا الوقت؟ !

و هل يمكن أن يعتقد بنبوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يكون مسلما، ثم يحاربه كل هذه السنين؟ !

3-إن ما زعمه من إسلام قوم النجاشي غير ظاهر، فإنهم قد حاربوه، و جرى له معهم أمور يطول ذكرها.

4-و أما حديثه عن هر قل و النجاشي، و أن هر قل لم يطالب النجاشي بالمال الذي كان قد فرضه عليه، فهو لو كان صحيحا لشاع و ذاع، و لبلغ ملك عمان، و لم يخف عليه أمر بهذه الأهمية. .

5-كما أنه لو صح قوله: إنه لو لا أنه يضن بملكه لكان قد أسلم، لا ينسجم مع حربه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مؤتة و في غيرها بتلك الشراسة و الحدة. .

6-و الأهم من ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر بما سيجيب به ابنا الجلندى أيضا، و لكنّ مؤرخيهم تجاهلوا ذلك، و لكن ابن شهرآشوب ذكره لنا، فقال:

و كتب «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابن جلندى و أهل عمان، و قال: أما إنهم سيقبّلون كتابي، و يصدقوني، و يسألكم ابن جلندى: هل بعث رسول اللّه معكم بهدية؟

فقولوا: لا.

فسيقول: لو كان رسول اللّه بعث معكم بهدية لكانت مثل المائدة التي نزلت على بني إسرائيل و على المسيح.

فكان كما قال «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نقول: إننا نذكر هنا ما يلي:

ملاحظة هامة:

ربما يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي كان ينظر إلى الغيب بستر رقيق كان يعلم أن عمرو بن العاص سوف يحاول الإستفادة من مهمة حمله للكتاب لابني الجلندى في تسطير بعض الفضائل لنفسه و الظهور في حالات استعراضيه. . و انتفاخات بهلوانية عن ذلك ليكون إخباره «صلى اللّه عليه و آله» هذا من موجبات إسقاط دعاويه، و إظهار أنه كاذب مفتر فيها، و هذا ما حصل بالفعل.


1) البحار ج 18 ص 138 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 114 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 100.

مهمات أبي زيد و مهمة عمرو:

و قد رأينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وزع المهمات بطريقة لها مغزاها و مرماها.

فهؤلاء أناس يدخلون في الإسلام للتو، فهم بحاجة إلى أن يتذوقوا طعم الإسلام في روحانيته، و في إنشاء العلاقة مع اللّه، و أن يعرفوا شيئا من حقائق هذا الدين، و احكامه، و سننه، و تعاليمه.

و قد كان أبو زيد أقدر على إنجاز هذه المهمة، و أعرف بجزئياتها و تفاصيلها، و أميل إلى تحقيق الغاية المرجوة.

أما عمرو بن العاص فقد لا يهتم بهذا الأمر كثيرا، بل قد يكون أبعد الناس عن المعرفة بتفاصيل الدين، بل و بكلياته أيضا، لأنه قد أسلم أو تظاهر بالإسلام في نفس تلك السنة، فهو يحتاج إلى ما يحتاجون إليه.

و أما الإمارة التي تعني تدبير الأمور الدنيوية، فهو أكثر اندفاعا إليها، و رغبة بها و حرصا عليها. .

يضاف إلى ذلك: أنه لا مجال للإطمئنان إلى أنه كان يملك المواصفات التي تخوله لحمل أمانة الصلاة بالناس. . أو أنه كان أمينا على دين الناس بالقدر الذي يسمح بإفساح المجال له لتعليمهم أحكامه، حتى لو كان على علم بها.

مهاجري و أنصاري:

و كان «صلى اللّه عليه و آله» -كما يقولون-كلما أرسل رجلا من المهاجرين قرنه برجل من الأنصار، و هكذا فعل في هذه المناسبة أيضا.

الجلندى كيف تلقى الدعوة:

و قال: ذكروا أيضا أن الجلندى حين جاءه كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «و اللّه، لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، و لا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، و أنه يغلب فلا يبطر، و يغلب فلا يضجر (يهجر) ، و أنه يفي بالعهد، و ينجز بالموعود (بالوعد) ، و أنه لا يزال سرا قد اطلع عليه يساوى فيه أهله، و أشهد أنه نبي» (1).

ثم أنشد أبياتا منها:

أتاني عمرو بالتي ليس بعدهامن الحق شيء و النصيح نصيح

فقلت له: ما زدت أن جئت بالتيجلندى عمان في عمان يصيح

فيا عمرو قد أسلمت للّه جهرةينادي بها في الواديين فصيح (2)

وقفات مع كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله للجلندى:

و قد تضمن الكتاب المذكور: الكثير من الإشارات و الدلالات التي ينبغي التوقف عندها لاستفادة السلوك و الموقف، و المفهوم الإيماني و السياسي


1) الإصابة ج 1 ص 262 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 637 و الروض الأنف ج 4 ص 250 و الشفا لعياض ج 1 ص 484 و راجع: نسيم الرياض ج 2 ص 447 و 448 و شرح الشفا لملاّ علي القاري (بهامش نسيم الرياض) في نفس الجزء و الصفحة. و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 364 و 365.

2) الإصابة ج 1 ص 262 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 637 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 364 و 365.

منها. و بما أن كتابنا هذا ليس محل ذكر ذلك، فإننا نكتفي بالإلماح إلى ما ذكره بعضهم منها، و هو كما يلي:

ذكر العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» عدة نقاط مفيدة هنا، و هي: 1- «و تظهر نبوتي الخ. . «هذه الجملة تعطينا درسا إضافيا، و معنى حقيقيا كاملا عن السلطنة و الفتوحات الإسلامية، إذ المستفاد منها: أن الفتوحات الإسلامية يجب أن تكون فتحا إلهيا، و ظهورا روحانيا، تحكم على القلوب، و تفتح الضمائر و الصدور، محفوفة بالإيمان، و مشفوعة بالتقوى (قبل أن تكون مغالبة القدرة الظاهرة بالقوة، و رباط الخيل) لا مغالبة على الدنيا، كما قال أمير المؤمنين «عليه السلام» :

«اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منافسة في سلطان، و لا التماس شيء من فضول الحطام، و لكن لنرد المعالم من دينك، و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، و تقام المعطلة من حدودك» (1).

و قال الحسين «عليه السلام» : «إني لم أخرج أشرا و لا بطرا، و إنما خرجت أطلب الإصلاح في أمة جدي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، أريد أن آمر بالمعروف، و أنهى عن المنكر الخ. .» (2).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 366 عن: نهج البلاغة (بشرح عبده) خطبة 129 و شرح النهج للمعتزلي (ط بيروت) ج 8 ص 264 و (البحراني) ج 3 ص 148.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 366 عن: المناقب لابن شهرآشوب (ط قم) ج 4 ص 89 و راجع: مقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 188 و نفس المهموم ص 37 و البحار ج 44 ص 329 و مكاتيب الأئمة «عليهم السلام» ج 2 ص 40 و لمعة من بلاغة الحسين «عليه السلام» ص 106 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 602.

و سلطنة الإسلام سلطنة عقيدة و إيمان، و روحانية و نبوة، و ليست ملكا و إمبراطورية مادية، و الفرق بينهما واضح لمن عقل و تدبر، و كذلك الحكومات التي أسسها الأنبياء العظام، صلوات اللّه عليهم.

و إذا شئت أن تعرف الحقيقة فقس بين فتوحات ملوك العالم، و الفتوحات التي وقعت في عصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لاحظ حكومة علي «عليه السلام» و معاوية، هذا يعفو عن أعدى أعدائه، و ذاك يقتل على الظنة و التهمة» (1).

2-و قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» أيضا: «لأنذر من كان حيا» أي فهما عاقلا، كنى عن العاقل بالحي، إيعازا إلى أن الذي لا يعقل و لا يفهم فهو كما قال تعالى: إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ وَ لاٰ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعٰاءَ (2)و إِنَّ اَللّٰهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشٰاءُ وَ مٰا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ (3).

3-في الكتاب تصريح بعموم دعوته بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إني رسول اللّه إلى الناس كافة» ، و أنه لا تختص نبوته بالعرب، أو أم القرى و من حولها.

4-ثم وعدهما ببقاء ملكهما إن أسلما و ذهابه إن لم يسلما، و أخبر بأن خيله تحل بساحتهما، و تغلب نبوته على ملكهما (4).


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 366 و 367.

2) الآية 80 من سورة النمل.

3) الآية 8 من سورة فاطر.

4) راجع ما تقدم في: مكاتيب الرسول ج 2 ص 365 و 366.

و نضيف إلى ما تقدم:

ألف: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لهما: إني أزيل ملككما، بل قال: إن ملكهما زائل عنهما، و لم يحدد لهما من الذي سيزيله، أو هل سيزول بسبب مرور الزمان، و بسنّة الموت و الحياة؟ ! أو أنه سيزول على يد من يسلبهما إياه! !

ب: و لكنه أشار إلى أن استكبارهما سوف يسقط حرمتهما، و يجعلهما في معرض التحدي، و لا بد أن يواجها الحرب لإسقاط ذلك الإستكبار، و إزالة ما يمارسونه من الظلم و القهر، و التسلط على الآخرين بما يملكونه من قوة. .

ج: إنه لم يقل لهما: إنه هو سيظهر عليهما، بل تجاوز الحديث عن شخصه، و عنهما كأشخاص، ليتحدث عن مقام النبوة المرتبط باللّه، الذي يريدان أن يستبدلاه بموقع الملك و السلطان، و انه إذا كان التحدي بين هذين، فإن الغلبة لا بد أن تكون للنبوة، لأنها هي التي ترتبط باللّه تعالى، و تستمد قوتها منه.

د: و يلاحظ: أنه تحدث عن مقام النبوة، لا عن الرسولية، في إثارة وجدانية، و إيقاظ للشعور الفطري الصافي و الصادق، النابع من أعماق النفس الإنسانية بعيدا عن المؤثرات الخارجية، و الصوارف المادية و الأهوائية. .

بعث المصدقّين:

روى الواقدي، عن الزّهري، و عبد اللّه بن يزيد، عن سعيد بن عمرو، قالا: لما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الجعرّانة قدم المدينة يوم

الجمعة لثلاث ليال بقين من ذي القعدة، فأقام بقية ذي القعدة و ذي الحجة، فلما رأى هلال المحرّم بعث المصدّقين.

فبعث بريدة بن الحصيب إلى سليم و مزينة.

و بعث رافع بن مكيث إلى جهينة.

و بعث عمرو بن العاص إلى فزارة.

و بعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.

و بعث بسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب.

و بعث ابن اللّتبيّة الأزدي إلى بني ذبيان.

و بعث رجلا من بني سعد إلى هذيم على صدقاتهم (1).

سرية إلى بني العنبر:

و في سنة ثمان بعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر، من تميم، فأغار عليهم، و سبى منهم نساء (2).

سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى القرطاء:

و من السرايا التي تذكر هنا سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى القرطاء، و حيث إننا ذكرناها حين ترقيع الدلاء بكتب رسول اللّه «صلى اللّه


1) المغازي للواقدي ج 3 ص 973 و راجع: تاريخ مدينة دمشق (ط دار الكتب العلمية) ج 20 ص 14 و (ط دار الفكر) ج 18 ص 23.

2) البحار ج 21 ص 184 عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 36 و راجع: الكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج 2 ص 273.

عليه و آله، فإننا نكتفي بما ذكرناه هناك، فنرجوا من القارئ الرجوع إلى ذلك الموضع للوقوف على ما جرى.

سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب (الجناب) :

و يقولون: إنه في شهر ربيع الآخر من سنة تسع كانت سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب (و هي أرض عذرة و بلي) (1)و هما قبيلتان من قضاعة.

و قيل: إلى أرض فزارة و كلب، و لعذرة فيها شركة (2).

و قد ذكرها ابن سعد، و تبعه اليعمري و غيره، و لم يبينوا سببها، و لا عدد من ذهب فيها، و لا ما جرى (3).

فهل كان فيها ما يوجب الطعن على بعض من يتّهم الرواة بالتستر عليه، و إبعاد الشبهات عنه؟ أم أنه لم يكن في تلك السرية حدث يستحق الذكر، أو نشاط يحسن التنويه به؟ ! أو يفيد في إعلاء شأن من يهمهم إعلاء شأنه؟ ! إلى غير ذلك من أسباب تدعو إلى الإهمال و الكتمان! !

كل ذلك محتمل و اللّه العالم بحقائق الأمور. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 220 عن ابن سعد و عن العيون، و المورد. و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 164 و عيون الأثر ج 2 ص 240 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 624

2) معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 2 ص 395.

3) راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 50.

الفصل الخامس: عيينة و بنو تميم

اشارة

سرية عيينة إلى بني تميم:

و في سنة ثمان كانت سرية عيينة بن حصن إلى بني العنبر (أو العتير) ، من بني تميم، فأغار عليهم، و سبى منهم نساء (1).

و قيل: إن ذلك كان سنة تسع (2).

و سبب ذلك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث رجلا من بني سعد-هذيم-على صدقاتهم، و أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يأخذ العفو، و يتوقى كرائم أموالهم.

فخرج بشر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، فأمر بجمع مواشي خزاعة، ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليهم خزاعة الصدقة في كل ناحية، فاسكثرت ذلك بنو تميم (لكونهم لئاما) ، فقالوا: ما هذا؟ ! أتؤخذ أموالكم منكم بالباطل؟ فشهروا السيوف.


1) راجع: البحار ج 21 ص 184 عن الكامل لابن الأثير ج 2 ص 182 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 36 و راجع: الكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج 2 ص 273.

2) راجع: فتح الباري ج 5 ص 125 و ج 8 ص 66 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 160 و عيون الأثر ج 2 ص 234 و عمدة القاري ج 18 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 212.

فقال الخزاعيون: نحن قوم ندين بدين الإسلام، و هذا أمر ديننا.

فقال التميميون: لا يصل إلى بعير منها أبدا.

(و في رواية: أن خزاعة و بني العنبر أعانوا بني تميم) (1).

فهرب المصدق، و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر.

فوثبت خزاعة على التميميين، فأخرجوهم من محالهم، و قالوا: لو لا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من محمد «صلى اللّه عليه و آله» حيث تعرضتم لرسوله، تردونه عن صدقات أموالنا، فخرجوا راجعين إلى بلادهم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من لهؤلاء القوم (الذين فعلوا ما فعلوا)» ؟

فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري، فبعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجري، و لا أنصاري. فكان يسير الليل و يكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء قد حلوا (بها)، و سرحوا مواشيهم.

فلما رأوا الجمع ولّوا. فأخذ منهم أحد عشر رجلا، و وجد في المحلة إحدى و عشرين امرأة. كذا في العيون.

و قال محمد بن عمر و ابن سعد، و تبعهما في الإشارة و المورد: إحدى عشرة امرأة و ثلاثين صبيا.

فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحبسوا


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 119.

في دار رملة بنت الحارث. فقدم فيهم عدة من رؤسائهم (1).

فقدم منهم عشرة من رؤسائهم: العطارد بن حاجب بن زرارة، و الزبزقان بن بدر، و قيس بن عاصم، و قيس بن الحارث، و نعيم بن سعد، و عمرو بن الأهتم، و الأقرع بن حابس، و رياح بن الحارث بن مجاشع، فدخلوا المسجد قبل الظهر، و سألوا عن سبيهم، فأخبروهم، فجاؤوهم، فبكى الذراري و النساء.

فرجعوا إلى المسجد، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ في بيت عائشة، و قد أذّن بلال بالظهر، و الناس ينتظرون خروجه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعجلوا خروجه، فنادوا: يا محمد، أخرج إلينا.

فقام إليهم بلال، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخرج الآن.

فاشتهر أهل المسجد أصواتهم، فجعلوا يخفقون بأيديهم.

فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أقام بلال الصلاة، و تعلقوا به يكلمونه، فوقف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معهم بعد إقامة بلال الصلاة مليّا، و هم يقولون: أتيناك بخطيبنا و شاعرنا، فاستمع منا.

فتبسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم مضى فصلّى بالناس الظهر، ثم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 212 عن العيون، و الواقدي، و ابن سعد، و الإشارة و المورد، و الإصابة ج 1 ص 246 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 360 و 361 و المغازي للواقدي ج 3 ص 973-975 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 208 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 51. و راجع: و الطبقات الكبرى ج 2 ص 160 و 161 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 37 و 38 و عيون الأثر ج 2 ص 234 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 216.

انصرف إلى بيته، فركع ركعتين، ثم خرج فجلس في صحن المسجد.

و قدّموا عطارد بن حاجب التميمي، فخطب، فقال: الحمد للّه الذي له الفضل علينا، و الذي جعلنا ملوكا، و أعطانا الأموال، (أو: و وهب لنا أموالا عظاما) نفعل فيها المعروف، و جعلنا أعزّ أهل المشرق، و أكثرهم مالا، و أكثرهم عددا، فمن مثلنا في الناس؟

ألسنا رؤوس الناس و ذوي فضلهم؟ فمن يفاخر فليعدد مثل ما عددنا، و لو شئنا لأكثرنا من الكلام، و لكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا اللّه، أقول هذا لأن يؤتى بقول هو أفضل من قولنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لثابت بن قيس: «قم فأجب خطيبهم» .

فقام ثابت، و ما كان درى من ذلك بشيء، و ما هيأ قبل ذلك ما يقول، فقال:

الحمد للّه الذي السموات و الأرض خلقه، قضى فيهما أمره، و وسع كل شيء علمه، فلم يك شيء إلاّ من فضله، ثم كان ممّا قدّر اللّه أن جعلنا ملوكا، اصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبا، و أحسنهم زيا، و أصدقهم حديثا، أنزل عليه كتابه، و ائتمنه على خلقه، و كان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان، فآمن المهاجرون من قومه، و ذوي رحمه، أصبح الناس وجها، و أفضل الناس فعالا، ثم كنا أول الناس إجابة حين دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنحن أنصار اللّه و رسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فمن آمن باللّه و رسوله منع منّا ماله و دمه، و من كفر باللّه و رسوله جاهدناه في ذلك، و كان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه

للمؤمنين و المؤمنات» .

ثم جلس.

فقالوا: يا رسول اللّه ائذن لشاعرنا.

فأذن له.

فأقاموا الزبرقان بن بدر فقال (أو أن الزبرقان اقام رجلا، فقام فقال) :

نحن الملوك فلاحي يقاربنافينا الملوك و فينا تنصب البيع

و كم قسرنا من الأحياء كلهمعند النهاب و فضل الخير يتّبع

و نحن نطعم عند القحط ما أكلوامن السّديف إذا لم يؤنس القزع

و ننحر الكوم عبطا في أرومتناللنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا

و ذكر بعضهم أبياتا أخرى معها.

قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم ينكرها للزبرقان.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أجبهم يا حسان بن ثابت» ، فقام، فقال:

إن الذوائب من فهر و إخوتهمقد شرعوا سنة للناس تتبع

يرضى بها كل من كانت سريرتهتقوى الإله و بالأمر الذي شرعوا

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمأو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك منهم غير محدثةإن الخلائق فاعلم شرها البدع

لا يرقع الناس ما أوهت أكفهمعند الدفاع و لا يوهون ما رقعوا

و لا يضنون عن جار بفضلهمو لا ينالهم في مطمع طبع

(إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهمأو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا)

إن كان في الناس سباقون بعدهمفكل سبق لأدنى سبقهم تبع

أكرم بقوم رسول اللّه شيعتهمإذا تفرقت الأهواء و الشيع

أعفة ذكرت في الوحي عفتهملا يطمعون و لا يرديهم طمع

كأنهم في الوغى و الموت مكتنعأسد ببيشة في أرساغها فدع

لا فرّح إن أصابوا في عدوهمو إن أصيبوا فلا خور و لا جزع

و إن أصبنا لحي لم ندبّ لهمكما يدبّ إلى الوحشية الذرع

نسموا إلى الحرب نالتنا مخالبهاإذا الزعانف من أطرافها خشعوا

خذ منهم ما أبوا عفوا إذا غضبواو لا يكن همك الأمر الذي منعوا

فإن (في)حربهم فاترك عداوتهمسمّا غريضا عليه الصاب و السّلع

أهدى لهم مدحا قلب يؤازرهفيما أحب لسان حائك صنع

و أنهم أفضل الأحياء كلّهمإن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا

(و في نص آخر: فقام شاعرهم الأقرع بن حابس، فقال:

أتيناك كيما يعرف الناس فضلناإذا خالفونا عند ذكر المكارم

و أن رؤوس الناس في كل معشرو أن ليس في أرض الحجاز كوارم

فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسانا أن يجيبه، فقام، فقال:

بني دارم لا تفخروا إن فخركميعود و بالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون و أنتملنا خول ما بين قن و خادم

فكان أول من أسلم شاعرهم (1).


1) تاريخ الإسلام ج 2 ص 119.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بمنبر، فوضع في المسجد ينشد عليه حسان، و قال: «إنّ اللّه ليؤيد حسان» (بروح القدس ما دافع عن نبيه) .

و خلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائلهم (و هو الأقرع بن حابس) :

تعلمنّ و اللّه أن هذا الرجل مؤيد مصنوع له. و اللّه، لخطيبه أخطب من خطيبنا، و لشاعرهم أشعر من شاعرنا، و لهم أحلم منا.

و أنزل اللّه على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» في رفع أصوات التميميين. و يذكر أنهم نادوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الحجرات، فقال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ إلى قوله: أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ (1)، فردّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأسرى و السبي.

(فلما فرغ القوم أسلموا، جوّزهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (أي أعطاهم الجوائز)، فأحسن جوائزهم) .

و قام عمرو بن الأهتم يومئذ، فهجا قيس بن عاصم، و كانا جميعا في الوفد.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر لهم بجوائز، و كان يجيز الوفد إذ قدموا عليه، و يفضّل بينهم من العطية على قدر ما يرى، فلمّا أجازهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «هل بقي منكم من لم نجزه» .

فقالوا: غلام في الرحل، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أرسلوه نجزه» .


1) الآيات 2-4 من سورة الحجرات.

فقال قيس بن عاصم: إنه لا شرف له.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و إن كان، فإنه وافد و له حقّ» .

فقال عمرو بن الأهتم شعرا يريد قيس بن عاصم:

ظللت مفترشا هلباك تشتمنيعند الرسول فلم تصدف و لم تصب

إنا و سؤددنا عود و سؤددكممخلّف بمكان العجب و الذنب

إن تبغضونا فإن الروم أصلكمو الروم لا تملك البغضاء للعرب

و كانت الجائزة لكل واحد منهم اثنا عشر أو قية و نشا (أي نصفا) (1).

صورة أخرى لما حدث:

قال العسقلاني: عن ابن عباس، قال: أصابت بنو العنبر دماء في قومهم، فارتحلوا، فنزلوا بأخوالهم من خزاعة، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مصدقا إلى خزاعة، فصدقهم، ثم صدق بني العنبر، فلما رأت بنو العنبر الصدقة قد أحرزها و ثبوا فانتزعوها، فقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 360-364 و المغازي للواقدي ج 3 ص 973- 980 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 208 و الإصابة ج 1 ص 246 و 247 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 294 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287-291 و تاريخ الخميس ج 2 ص 119 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 55 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 86 الطبقات الكبرى ج 2 ص 161 و 162 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 38 و 39 و عيون الأثر ج 2 ص 234- 236. و القصيدة في ديوان حسان بن ثابت ص 144 و 145.

و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إن بني العنبر منعوا الصدقة.

فبعث إليهم عيينة بن حصن في سبعين و مائة، فوجد القوم خلوفا، فاستاق تسعة رجال، و إحدى عشرة امرأة، و صبيانا.

فبلغ ذلك بني العنبر، فركب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منهم سبعون رجلا، منهم الأقرع بن حابس، و منهم الأعور بن بشامة العنبري، و هو أحدثهم سنا، فلما قدموا المدينة بهش إليهم النساء و الصبيان، فوثبوا على حجر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في قائلته، فصاحوا به: يا محمد، علام تسبى نساؤنا، و لم ننزع يدا من طاعتك؟

فخرج إليهم، فقال: اجعلوا بيني و بينكم حكما.

فقالوا: يا رسول اللّه، الأعور بن بشامة.

فقال: بل سيدكم بن عمرو.

قالوا: يا رسول اللّه، الأعور بن بشامة.

فحكمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحكم أن يفدى شطر، و أن يعتق شطر (1).

و نقول: إن لنا مع ما تقدم و قفات هي التالية:

خزاعة لا تعين بني تميم:

إنه لا ريب في بطلان الرواية التي ذكرها الديار بكري، من أن خزاعة


1) الإصابة ج 1 ص 246 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 246.

قد أعانت بني تميم على ما أرادوه من منع الصدقة التي جمعت، و أرادت أن ترسلها، و قد غضبت من بني تميم، و أخرجتهم عنها حينما فعلوا ما فعلوا.

إختلاف الروايات:

إن الصورة التي ذكرها العسقلاني تختلف عن تلك التي ذكرناها آنفا، إذ هي تدّعي:

1-أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ الصدقة من خزاعة ثم من بني العنبر، بينما تذكر الرواية الأخرى: أنه لم يأخذ صدقته من بني العنبر.

2-إن هذه الرواية تدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إليهم عيينة في مائة و سبعين رجلا، بينما تقول الرواية الأخرى: إنه بعثه في خمسين رجلا فقط.

3-هذه الرواية تقول: أخذ منهم تسعة رجال، و تقول تلك: بل أخذ منهم أحد عشر رجلا.

4-هذه الرواية زعمت: أن وفدهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان مائة و سبعين رجلا، و تلك تقول: كان وفدهم عشرة رجال، و لكنها ذكرت أسماء ثمانية منهم فقط.

و في نص آخر: كانوا في وفد عظيم، يقال: كانوا سبعين (تسعين) أو ثمانين رجلا (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287 و تاريخ الخميس ج 2 ص 119 و راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1163.

5-إن هذه الرواية ذكرت طلبهم التحكيم، و استجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم. .

و الرواية الأخرى ذكرت حديث الخطباء و الشعراء و لم تشر إلى التحكيم بشيء.

6-إن هذه الرواية ذكرت: أن الحكم كان هو أن يفدى شطر، و يعتق شطر. .

و الرواية الأخرى ذكرت: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد رد الأسرى و السبي.

تاريخ هذه السرية:

إنه يبدو لنا: أنه لا مشكلة في اختلافهم في تاريخ هذه السرية، إذ لعل إرسال عيينة إلى بني العنبر قد كان في سنة ثمان. . ثم كان مجيء وفدهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة تسع، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عاد إلى المدينة من غزوة الفتح و حنين لثلاث ليال بقين من ذي القعدة. .

و من الواضح: أن أحداث هذه السرية تحتاج إلى وقت طويل لعله امتد حتى كان بعضه في سنة تسع أيضا، فهو «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل المصدق إلى خزاعة، ثم جمعوا له الصدقات، ثم اعترض بنو تميم على تسليمها لمبعوث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم عاد الرسول، ثم ارسل عيينة بن حصن إليهم على رأس جيش، فأسر و سبي بعض رجالهم و نسائهم، ثم عاد إلى المدينة، ثم جاء وفدهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و ذلك كله يستغرق وقتا، و ربما يكون ذلك أو بعضه قد حصل في شهر ذي الحجة، و بعضه الآخر قد حصل في شهر المحرم كما قلنا. .

فنتج عن ذلك: أن أشار بعض المؤرخين إلى ما جرى في ذي الحجة سنة ثمان، و أشار بعضهم الآخر إلى ما جرى في المحرم، سنة تسع. .

البغي الذميم:

ثم إن ما فعله بنو تميم لهو من أقبح و أسوأ البغي، حيث تعاورت عليه عناوين السوء و الخزي من جهات عديدة، فهو بغي ذوي القربى، بعد سبق الإحسان من المبغي عليهم، و هو بغي الضيوف اللئام على مضيفيهم الكرام، و هو بغي يقصد به مخالفة أحكام الشريعة، و توفير مال لغير مستحقيه، و حرمان أهله الحقيقين منه، و أهله هم الفقراء و المساكين. . و هو بغي فيه عدوان على نبي بالعدوان على مبعوثه. . فأي بغي ذميم أسوأ و أقبح من هذا؟ ! .

لا مبرر لخوف خزاعة:

و قد يقال: إذا كان البغاة المعتدون هم بنو تميم، فلا مبرر لخوف خزاعة من نشوء أية مشكلة لها مع النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنها تعلم أنه لا يأخذ البريء بذنب المجرم.

و قد يجاب: بأنها ربما خافت من أن يكون مبعوث الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يميز بني تميم عن خزاعة، و لا يدري أن الذين فعلوا ذلك هم ضيوف على خزاعة و ليسوا منها، فظن أن الذين فعلوا ذلك هم طائفة من أصحاب الصدقة أنفسهم. .

فيكون قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما رآه فيتغيظ النبي «صلى

اللّه عليه و آله» عليهم، و يعلن موقعا سلبيا منهم، وفق ظواهر الأمور، التي كان يجب عليه أن يعامل الناس على أساسها. .

فضول يثير القرف، و يلامس المساس بالشرف:

عن ابن عباس: أن بني العنبر التميميين كانوا قد أصابوا دماء في قومهم، فارتحلوا، فنزلوا بأخوالهم من خزاعة (1). . فما معنى أن يمنعوا مبعوث النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قبض صدقة الخزاعيين؟ !

و ما هذه الجرأة على التدخل فيما لا يعنيهم، و ما هذا التعدي على قرار قوم قبلوهم ضيوفا عليهم، و مكّنوهم من العيش معهم بسلام و أمان؟ ! .

ألا يعتبر الإعتداء على قرار خزاعة اعتداء على الكرامة؟ ! و ألا يعد هذا التصرف جبرية و تسلطا على الآخرين بدون حق؟ رغم أن أولئك الآخرين متفضلون عليهم! ! . و محسنون إليهم! ! .

أم أنهم يتهمون الخزاعيين بسوء الرأي، أو بقلة العقل، أو بالجبن و الخور و الضعف؟ ! .

و هل الإلتزام بأحكام الشرع و الدين يعد ضعفا، أو جبنا، أو يمكن اعتباره سوء رأي، و قلة تدبير؟ ! .

هذا شحّ! أم لؤم؟ ! :

إننا قد نتصور: أن يكون أحد من الناس شحيحا، و لكننا لا نستطيع أن نقبل بأن يكون الشحّ هو الصفة المميزة لجماعة من الناس، من دون


1) الإصابة ج 1 ص 246 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 246.

استثناء، مع قبول تلك الجماعة كلها: بأن الشح صفة ذميمة، تجلب لهم العار، و تحط من قدرهم في جميع الأعصار و الأمصار، و لا تجد أحدا يرضى بأن تنسب إليه مهما كانت ظاهرة و راسخة فيه.

أما إذا شحّ إنسان بمال غيره، فذلك مما يستعصي على العقول فهمه، فكيف إذا ظهر ذلك من جماعة أو من عشيرة بكاملها؟

و لما ذا أقدمت تلك الجماعة أو العشيرة على منع أخذ الصدقات من عشيرة غيرها، إلى حد أنها رضيت بمباشرة القتال، و ركوب الأهوال من أجل ذلك؟ ! كما هو الحال بالنسبة لبني تميم حين شحوا بمال قبيلة خزاعة، الذي لا تريد أن تعطيه ترفا و سرفا، و لا جودا و كرما، و إنما انقيادا للحكم الشرعي، و الواجب الإلهي، و الأمر النبوي.

إننا لا نستطيع تفسير هذا الأمر إلا على أساس أن هؤلاء القوم قد بلغوا الغاية و أوفوا على النهاية في النذالة و اللؤم. . و قدموا بذلك أوضح الأدلة و البراهين على أنهم أبعد الناس عن الأدب، و عن الإلتزام بفروض اللياقة، أو الشعور بالكرامة.

كما أن ما فعلوه يدل دلالة واضحة على إغراقهم في الجهل، و الأعرابية، إلى حد يثير القرف و الإشمئزاز. .

أخذ العفو، لا كرائم الأموال:

ثم إن أول ما يطالعنا في هذه السرية هو وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمبعوثه على الصدقات بأن يأخذ عفو المال، و أن يتوقى كرائمه.

و هذا هو العدل و الرفق. فإن أخذ ما فضل من المال، الذي يحبه

الإنسان حبا جما بصورة عفوية، و من دون انتقاء كرائمه يسهّل على صاحب ذلك المال بذله، و يجعله مما تطيب به النفوس، و لا تجد أي حرج في التنازل و صرف النظر عنه.

أما كرائم الأموال، التي يكون لأصحابها تعلق خاص بها، فليس من السهل التنازل عنها، و لا أن تطيب بها النفوس.

و المطلوب في العبادات-و الصدقات منها-هو: أن يقطع الإنسان رابطته بالمال قربة إلى اللّه تعالى، و القربة بهذا المعنى لا تتحقق إذا بقيت القلوب متعلقة بالمال.

على أن بقاء هذه العلقة سيكون من أسباب ظهور الحسد بين الناس. و حدوث درجة من التنافر فيما بينهم، ثم تنامي مشاعر الكراهية، و أن تتجه العلاقة نحو التوتر، و المزيد من الحساسية، لتصبح ثقيلة و مرهقة، و ربما مؤذية أيضا.

فالإخلاص في العبادة، المتمثل بإعطاء الناس صدقات أموالهم بطيب نفس، و قربة إلى اللّه تعالى، و رعاية سنن العدل، بإعطاء كل ذي حق حقه، و من دون أدنى حيف على الشريك الآخر، و تحصين النفوس من مساوئ الشح، و غير ذلك-إن ذلك كله-يحتّم أخذ العفو، و هو ما فضل، و توقي كرائم الأموال، في استيفاء حقوق الفقراء و المساكين من أموال الناس. .

تعهد عيينة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد تعهد عيينة بن حصن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تتبع آثار

«الذين فعلوا ما فعلوا» ، و لو بلغوا يبرين (1)، حتى آتيك بهم إن شاء اللّه، فترى فيهم رأيك، أو يسلموا» (2).

و نقول: إن هذا التعهد قد تضمن الأمور التالية: 1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين انتدب المسلمين لهؤلاء المعتدين قد حصر هدف المواجهة بخصوص «الذين فعلوا ما فعلوا» دون سواهم، فلا يحق لأحد توسعة نطاق عمليات المواجهة لتشمل غير هؤلاء حتى لو كانوا من بني تميم، فضلا عن غيرها.

2-إن عيينة قد تعهد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بملاحقة الفاعلين، لا بهدف قتلهم، بل ليأتي بهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليرى فيهم رأيه. .

3-إنه ليس لرأي عيينة، و لا لرأي غيره فيهم أي قيمة أو أثر.

أعرابي أمير على أعراب:

و قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤمّر عيينة على مهاجري، و لا على أنصاري. بل أمّره على خمسين رجلا من الأعراب.

و يبدو أنصاري. بل أمّره على خمسين رجلا من الأعراب.

و يبدو أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يجعل لعيينة الذي كان أعرابيا جافيا، لم يستقر الإيمان في قلبه، سبيلا على أحد من أهل الإيمان، أو من ذوي السابقة فيه. فإنه كان يعلم: أن أمثال عيينة لا يراعون الآداب،


1) يبرين: رمل معروف في ديار بني سعد بن تميم. راجع: معجم ما استعجم ص 849.

2) تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 260 و 261 و المغازي للواقدي ج 3 ص 974.

و لا يقيمون وزنا لمراتب الفضل في تعاملهم مع الآخرين. .

أما حين يكون الذين تحت يد عيينة من أقرانه، و أشباهه في أعرابيته، فإن تصرفاته تجاههم تأتي منسجمة مع توقعاتهم، و لا تسبب لهم تلك المرتبة من الأذى و الإساءة، التي ستنشأ عنها لو كان المعني بها من هم أكثر وعيا، و أسمى أنفسا، و أنبل أخلاقا. .

هذا كله عدا أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يعطي عيينة أي سبب من اسباب الإستطالة على الآخرين بما ربما يخلعه على نفسه من مظاهر النبل و العظمة، و بما يمنحها من امتيازات، بالإستناد إلى تولية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له على فريق من أهل النصرة و الهجرة.

مدى وفاء عيينة بتعهداته:

و إذا نظرنا إلى النتائج التي انتهت إليها مهمة عيينة، فسنرى أنها قد جاءت قاصرة عن بلوغ المدى الذي تعهد هو لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإبلاغها إياه، فقد تعهد أن يأتي بالذين اقترفوا ذلك الجرم و لو بلغوا ببرين. . و لكنه لم يأت إلا ببضع نساء، و نفير (تصغير نفر) من رجال كانوا قد تخلفوا في البيوت، فلما رأوا الجمع و لوا، فكان عدد الذين أخذوا منهم هو أحد عشر رجلا، و إحد عشرة امرأة، و ثلاثون صبيا. .

أما سائر القوم فكانوا غائبين، و لم يأت بأحد منهم.

و لعل أولئك النفر الذين أخذوا من الرجال كانوا من المسنين و العجزة أيضا، و لعلهم لم يشاركوا في منع رسول النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أخذ صدقات خزاعة.

حبس الأسرى:

و عن مصير الأسرى و السبايا نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبادر إلى اتخاذ أي إجراء في حقهم، فهو لم يقسمهم بين المسلمين، و لا أطلق سراحهم، بل احتفظ بهم، بانتظار مجيء قومهم في طلبهم.

كما أنه حبسهم في دار امرأة، و هذا من شأنه أن يمنع من تطفل المتطفلين عليهم، و تعرّض الناس لهم بما يوجب لهم أي أذى، أو مهانة، أو أي شيء يوجب التهمة.

و هذا يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يسهل عليهم قبول الحق، و الخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه، بطريقة التوجيه نحو أفضل الخيارات، التي تفتح لهم أبواب الهداية، و تدفع بهم نحو سبيل الصلاح و الخير في الدنيا و في الآخرة. و هذا ما حصل بالفعل، كما تقدم.

سوء أدب الرؤساء:

و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن رؤساء تلك القبيلة التي ارتكبت تلك الإساءة قد تصرفوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصورة غير لائقة، و لا مقبولة، فصاروا ينادونه من وراء الحجرات: أن يا محمد، أخرج إلينا.

و قد خلّد اللّه تعالى سبحانه تصرفهم هذا في آية قرآنية إلى يوم القيامة، و قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُنٰادُونَكَ مِنْ وَرٰاءِ اَلْحُجُرٰاتِ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ (1).


1) الآية 4 من سورة الحجرات.

و الذي تحسن ملاحظته هنا هو مايلي: 1-إنهم إنما جاؤوا في حاجة لهم، فالمفروض هو: أن يتبعوا سبيل التلطف، و الرفق في التماسها، مع علمهم بأنهم لا قدرة لهم على مواجهة المسلمين، و لن يتمكنوا من أخذ حاجتهم عنوة.

2-إنهم إنما جاؤوا وافدين و ضيوفا، فالمفروض فيهم: أن يراعوا جانب مضيفهم، و لا يضايقوه، و أن يفسحوا له المجال ليفرغ لهم، و ليتمكن من النظر فيما جاؤوا له.

3-إن مراعاة الأدب في الخطاب، و في السلوك، و عدم اللجاج، من شأنه أن يهيّيء النفوس للإستجابة للمطالب التي تضعف دوافع الإستجابة لها، بل الدواعي متوفرة لرفض الإستجابة. . إلا على سبيل التكرم، و التفضل في أجواء مفعمة بالرضا و بالأريحية.

و من الواضح: أن هؤلاء القوم قد سبقت منهم إساءة قبيحة لمقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، تمثلت بالتعدي الوقح، و الفضول السمج، و التدخل في أمر لا يعنيهم، و لا يرتبط بهم. . حيث انتهى الأمر بإشهار السيوف لمنع مبعوث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من استلام صدقة قبيلة خزاعة، لإيصالها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حسبما تقدم.

4-و يلاحظ: أن اللّه تعالى قد ذكر سوء أدبهم هذا ليتعظ بهم غيرهم، و ليقف الناس على مدى معاناة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و درجة صبره و تحمله، و جليل عفوه، و كريم أخلاقه، و جميل صفاته، ليكون للناس أسوة و قدوة في ذلك كله.

5-و قد وصف اللّه تعالى الذين ينادون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

من وراء الحجرات بأنهم: أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ . .

و هذا معناه: أن من يملك العقل منهم، لا يملك القرار ما دام أن الأكثر لا يعقل، و الذي يملك القرار، فإنه لا يعقل. . و تلك هي المصيبة العظمى التي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يواجهها. فإنه مبتلى بقوم هذا واقعهم، و تلك هي حالهم. . فهم كالسلة التي ليس لها قعر، و هي مصنوعة من القصب أو من الشعر، و يراد لها أن تحمل الماء ليشربه العطاشى المجاهدون من أهل الثغر.

فإن من لا يملك عقلا لا يملك أحد له خطابا، و لا يعرف ما يلقى إليه إن كان خطأ أو صوابا. .

و من معجزات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قد صنع من نفس هؤلاء أمة هي أهدى الأمم، و حضارة هي من أرقى الحضارات. و ظهر منهم بفضل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكثير من العلماء، و الحكماء، و العظماء.

6-و آخر كلمة نقولها هنا: إنه إذا كان الرؤساء لا يملكون العقل و لا الأدب، و لا الخلق الرضي، فما بالك بالأذناب و الأتباع، و الأكثر بعدا عن ممارسة الأمور، و الأكثر استغراقا في الجزئيات و الصغائر، الذين يستضعفهم الرؤساء و الأكابر. .

بدلاّ من الإعتذار:

و قد كنا نتوقع أن يأتي هؤلاء الرؤساء الوافدون بالإعتذارات التي تعيد لهم الإعتبار، و تخفف من قبح ما صدر منهم، و إذ بنا نراهم يبادرون

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإساءة الأدب معه، ثم يطلبون منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يناظرهم، و يفاخرهم! ! و أن يتبارى خطيبه و خطيبهم، و شاعره و شاعرهم! !

و كيف و بماذا يفاخر هؤلاء الأعراب الجفاة، و الجهلاء القساة، و هم الذين اعتدوا بدون مبرر و تدخلوا فيما لا يعنيهم بكل صلف و رعونة على على أمر يعود لمضيفهم على النحو المخزي الذي سبق بيانه. .

و بماذا يفخر هؤلاء الذين جاؤوا ليطالبوا بنسائهم و رجالهم، الذين أسروا بسبب رعونتهم و سوء فعلهم، فصاروا ينادون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الحجرات، و هو أمر لا يصدر إلا عن أعرابي جاهل، لا يعرف شيئا عن قواعد الأدب و اللياقة. .

و قد كان الأجدر بهم أن يخجلوا من أنفسهم، و أن يظهروا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الندم و التوبة، ثم يوسطون أهل الخير و الكرم، و الشهامة و الشمم، عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليرضى عنهم، و يقبل منهم.

و لو لا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان أصبر الصابرين، و أحلم و أكرم العالمين، لطردهم من حضرته، و أعادهم أذلاء مقبوحين. . أو كان قبض عليهم، و قدمهم للعقاب على ما بدر منهم من سوء أدب، و من تعد خسيس على رسوله إلى بني خزاعة من افتئات مضيفهم! !

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» تحمل كل هذا الأذى، و صبر عليهم، و عاملهم بالرفق و اللين، و عفا عنهم، و أعاد إليهم رجالهم و نساءهم، و حفظ لهم ما فرطوا فيه، و أقالهم عثراتهم المتلاحقة، لأنه لا ينطلق في حركته و مواقفه

من ردات الفعل، و من الإنفعالات النفسية، و لا من المصالح الشخصية، و لا من منطلق الرغبة في مواجهة المعتدي بما يستحقه من القصاص و العقوبة، و إنما من واجبه الإلهي، و في دائرة مهمته كنبي و رسول.

و الأهم من ذلك كله، من خلقه الرضي، و إحساسه، و ميزاته و خصائصه التي جعلت نفسه تذهب حسرات على الناس، حتى و هم يحاربونه، و يسعون في سفك دمه، و دم أهل بيته و أصحابه. . فإن كل همه كان منصبا على إنقاذهم من حمأة الجهالة، و من التيه و الضلالة، و أن يغمر أرواحهم، و كل وجودهم نور الإسلام، و يعيشوا روحانيته، و قيمه، و يتخلقوا بأخلاق أهل الإيمان. .

و هذا هو ما يرضيه، و يسعد به «صلى اللّه عليه و آله» . .

الأخلاق تعطي للعقل دوره:

و لعل هناك من يتساءل عن السبب الذي يكمن وراء اقتصار الآيات الكريمة في ملامتها لهؤلاء الناس على خصوص ندائهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الحجرات، مع انه امر يرتبط بشكليات السلوك، و الآداب العامة، التي لا ترقى إلى رجة استباحة سمعة من يتخلف عنها، أو تسجيل ما يوجب له العار إلى يوم القيامة، مع أن جرمهم لا يقتصر على هذا فقد منعوا تحت طائلة التهديد بالقتل من إيصال الحق لأهله كما تقدم، بل يكفيهم سوءا و شرا أنهم لا يزالون يتخذون سبيل الشرك و الضلال. .

و يمكن ان يجاب: بأن مسألة الأخلاق و الآداب في غاية الأهمية، و هي حساسة جدا و أساسية في حياة البشر، و في تعاطيهم مع القضايا، و في وعيهم لأسبابها، و لآثارها، و تلمّس ما يرتبط بها، أو ينشأ عنها. .

بل إن لها دورا في اختيارات الإنسان، و في حصوله على السكينة و الرضا بقضايا الإيمان، و في تفاعله معها، و التأثر بها.

كما أنها تؤثر بشكل قوي في بعث العقول و إيقاظها من سباتها، لتتولى هي هداية الإنسان في حركته في الحياة، على أساس من الإدراك و الوعي، المعتمد على التدبر و التأمل. .

و لأجل ذلك ربط تعالى بين ندائهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وراء الحجرات، و بين العقل، الذي به يزن الإنسان المتوازن أموره، و يأخذ بمشورته و بأحكامه في الإقدام و الإحجام. .

كما و يلاحظ: أن التعبير في الآية قد جاء بصيغة «يعقلون» ، التي تشير إلى الصدور و الفعل. و لم يقل: إنهم لا عقول لهم، أي أنهم لا يستعملون عقولهم.

بل إن الإبتلاء بواحدة من العاهات الأخلاقية قد يؤدي بالإنسان إلى إخراجه عن مقتضيات الفطرة و أحكام العقل، ثم إلى الإمعان في الإبتعاد و الإنحراف عنها، حيث قد يستمر به هذا الإنحراف إلى ان يورده المهالك، و ينتهي به إلى أن يصبح فرعونيا أو إبليسيا في فكره، و نظرته، و في فهمه للقضايا، و في سلوكياته و مواقفه. .

و هذا ما يجعلنا نفهم بعمق سر اهتمام القرآن بالآداب و الأخلاق المستندة إلى المفاهيم الحقة، و إلى القيم و المثل العليا. .

و خلاصة القول: إن الإلتزام بالأدب إنما يكون انطلاقا من مثل و قيم تفرضها و تقتضيها، و هذا الإلتزام يحتاج إلى الوقوف على حقائق تلك القيم و دقائقها و معرفة حدودها و قيودها. و هو إنما يكون بتحريك العقل و إعطائه

دوره و موقعه، و الإلتزام بأحكامه. . فإذا بلغ الإنسان هذه المرتبة، فإن أبواب الخير و الفلاح ستفتح أمامه على مصاريعها في كل مجالات و شؤون الحياة، في الدين و الدنيا. و تكون له السعادة الأبدية و الخلود في النعيم.

مفاخر بني تميم:

و لسنا بحاجة إلى المقارنة، و لا إلى شرح ما فخر به التميميون، و ما أجابهم به ثابت بن قيس. . فإن ما فخر به خطيبهم هو كثرة المال، و كثرة العدد، و الزعامة.

أما خطيب الأنصار، الذي انتدبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد اثنى على اللّه بما هو أهله، و حمده على أن اصطفى لهم رسولا، متصفا بأحمد الأوصاف و أسناها، و أفضلها، و أعلاها.

ثم اعتز بإيمانه و تصديقه و إجابته دعوته، و بنصرته له. .

و لم يذكر كثرة في الأموال و لا في العدد، و لا افتخر بزعامة و لا رئاسة، ثم تعهد بمجاهدة أهل الكفر و الطغيان، و ختم حديثه بالإستغفار لنفسه و للمؤمنين. .

لما ذا ثابت بن قيس؟ ! :

و يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يطلب من رجل مهاجري أن يجيب خطيب بني تميم، ليس لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يرفع من شأن بني تميم حين يرون أنفسهم، و يراهم الناس مقابل رجالات قريش، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يتعامل بهذه الطريقة، حتى لو كان وفد بني تميم يرغب في أن يرى نفسه و يراه الناس مقابل أعظم رجل خلقه اللّه

تعالى، و هو واسطة العقد في جميع مخلوقاته، فضلا عن قريش و بني هاشم، و بني عبد المطلب. و هو الرجل الذي بهر الدنيا و العرب بالإنتصارات الإعجازية التي حققها على العرب و تجاوزتهم إلى الروم، و هو النبي الذي ظهرت معجزاته، و سطعت آياته، و أعجزت العقول دلائله و بيناته.

و إنما الذي دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى انتداب ذلك الأنصاري للإجابة على ترهات بني تميم، هو أنه أراد أن يظهر لهم بالفعل قبل القول: أنه لا يريد أن يفاخرهم بقومه و عشيرته، على الرغم من أن أحدا لا يتوهم أن لبني تميم شأنا يذكر معهم، و ما قياس بني تميم بهم، إلا كقياس حبة من خردل بالنسبة للطود العظيم! !

إنه يريد أن يجعل من استجابته هذه سبيل هداية لهم، و باب سداد و رشاد، ينقذهم مما هم فيه من جهالات و ضلالات، و يعرفهم: أن العزة إنما هي للّه، و من اللّه، و أن الفخر إنما هو بالإيمان به، و بالإلتزام بطاعته، و اجتناب معصيته، و بالجهاد في سبيله.

و لذلك اختار رجلا من الأنصار ليجيب خطيبهم.

و من جهة أخرى، فإنهم إذا كانوا يسيؤن إلى من يضيفهم، و هم خزاعة، و يتسببون بكل هذا الذي يجري، حتى تضطر خزاعة إلى طردهم، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي كان ينزل على الأنصار، قد رفع من شأن مضيفيه حتى جعلهم ملوكا على الناس كما أعلنه خطيبه الأنصاري، و أصبح الأنصار يدافعون عنه، و يضحون بأنفسهم و بأبنائهم من أجله و في سبيله، ثم هؤلاء هم يفاخرون عنه، و يكون جل بل كل فخرهم به و منه. .

فهل أدرك التميميون هذه الحقيقة؟ ! أم أن أكثرهم كانت لهم قلوب لا

يعقلون بها، و لهم أعين لا يبصرون بها، و لهم آذان لا يسمعون بها؟ !

و هل يستطيع بنو تميم أن يجدوا حتى في حلفائهم و ذوي رحمهم، من خزاعة أو غيرها من يدافع و يدفع عنهم، بمستوى دفاع و دفع الأنصار عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . . أم أن ذوي رحمهم قد نبذوهم، و طردوهم و أخرجوهم، من أجل نفس هذا الذي جاء إليه وفد بني تميم، ليناظره و يفاخره؟ !

ابن الأهتم، و ابن عاصم:

و قد ظهر مصداق ما ذكرناه آنفا في نفس مجلس المفاخرة الذي أرادواه في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فيما جرى بين عمرو بن الأهتم، و قيس بن عاصم. . حينما أراد قيس أن يصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن إشراك ابن الأهتم في الجائزة التي أعطاها «صلى اللّه عليه و آله» لوفد بني تميم، بدعوى: أن ابن الأهتم صغير السن لا شرف له. . فأصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» على إجازته و قال: «فإنه وافد، و له الحق» ، و أعطاه مثل ما أعطى القوم اثنتي عشرة أوقية و نصفا.

لكن الواقدي قال: إنه أعطاه خمس آواق فقط، لحداثة سنه (1).

و روى البيهقي عن ابن عباس ما جرى بين الرجلين، فقال: «جلس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قيس بن عاصم، و الزبرقان بن بدر، و عمرو بن الأهتم التميميون. ففخر الزبرقان و قال: يا رسول اللّه، أنا سيد تميم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 291 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 55 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 86.

و المطاع فيهم، و المجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، و أمنعهم من الظلم، و هذا يعلم ذلك. و أشار إلى عمرو بن الأهتم.

فقال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدانيه.

فقال الزبرقان: و اللّه يا رسول اللّه، لقد علم مني غير ما قال، و ما منعه أن يتكلم إلا الحسد.

فقال عمرو بن الأهتم: «أنا أحسدك؟ ! فو اللّه إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض في العشيرة.

و اللّه يا رسول اللّه، لقد صدقت فيما قلت أولا و ما كذبت فيما قلت آخرا، و لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، و إذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، و لقد صدقت في الأولى و الأخرى جميعا» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن من البيان لسحرا» (1).

فإذا كان رؤساء الوفد يسعون لمنع من جاؤوا يفاخرونه من إجازة بعض رفقائهم ببعض المال حسدا منهم لهم، و ضنا بمال غيرهم، أو خشية من أن يعد ذلك امتيازا لذلك البعض، يرفعه بين الناس بحيث يلحقه بهم. .

فهل بعد هذا يمكن ان يتوقع هؤلاء من إخوانهم الإيثار و الفداء، و التضحية بالنفس و المال لدفع الأسواء عنهم؟ ! . . أم أن عليهم أن يتوقعوا من نفس رؤسائهم أن يقذفوا بهم في أتون المكاره و الأسواء، لينعموا هم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 291 و راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1163 و التمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 172 و أسد الغابة ج 4 ص 87 و الوافي بالوفيات ج 14 ص 117 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 220.

بالجاه و المال و بالراحة، و ليحصلوا على المنافع و المناصب من خلال ذلك.

اللّه يؤيد حسان ما دافع عن نبيه:

و قد ورد في الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «إن اللّه يؤيد حسان بروح القدس، ما دافع عن نبيه.

أو قال له: لا تزال-يا حسان-مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» (1).

و لسنا بحاجة إلى تذكير القارئ بأن هذا القيد الوارد في دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحسان، يشير إلى علمه بأن حسانا سوف ينقطع عن هذا النصر، و يتحول عن نصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى نصرة بني أمية، و غيرهم، حين يؤيد غاصبي حق علي «عليه السلام» ، و يخالف أوامر اللّه و رسوله فيه، و يعرّض نفسه لدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه بالخذلان، في قوله «صلى اللّه عليه و آله» في حديث الغدير: «و انصر من نصره و اخذل من خذله» .

و قد نظم ذلك الحديث حسان شعرا، فقال:

و قال: فمن مولاكم و وليكمفقالوا: و لم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا و أنت وليناو لن تجدن منا لك اليوم عاصيا


1) راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 177 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 42 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 49 و 291 و الصوارم المهرقة للتستري ص 336 و البحار ج 10 ص 293 و ج 21 ص 388 و ج 29 ص 69 و ج 37 ص 166 و الغدير ج 2 ص 7 و 34 و 37 و مجمع البيان ج 8 ص 287 و التفسير الصافي ج 4 ص 260 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 393 و مصادر كثيرة أخرى.

فقال له: قم يا علي فإننيرضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليهفكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليهو كن للذي عادى عليا معاديا (1)

هذا. . و قد قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : «و إنما اشترط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الدعاء له، لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف، و لو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق. و مثل ذلك: ما اشترط اللّه تعالى في مدح أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يمدحهن بغير اشتراط، لعلمه أن منهن من يتغير بعد الحال عن الصلاح الذي يستحق عليه المدح و الإكرام، فقال عز قائلا: يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ (2).

و لم يجعلهن في ذلك حسب ما جعل أهل بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» في محل الإكرام و المدحة، حيث بذلوا قوتهم للمسكين و اليتيم و الأسير، فأنزل سبحانه و تعالى في علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين «عليهم السلام» ، و قد آثروا على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم، فقال جل قائلا: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 177 و الاقتصاد للشيخ الطوسي ص 221 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 42 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 291 و كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ص 356 و أقسام المولى للشيخ المفيد ص 35.

2) الآية 32 من سورة الأحزاب.

عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (1)، فقطع لهم بالجزاء، و لم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم، لعلمه باختلاف الأحوال على ما بيناه (2).

و مما يشير إلى انحراف حسان قول المسعودي: «كان حسان عثمانيا منحرفا عن غيره. و كان إليه محسنا، و هو المتوعد للأنصار في قوله:

يا ليت شعري، و ليت الطير يخبرنيما كان شأن علي و ابن عفانا

لتسمعن و شيكا في ديارهماللّه أكبر يا ثارات عثمانا» (3)

و قال ابن الأثير: «بايعت الأنصار عليا «عليه السلام» إلا نفيرا يسيرا، منهم حسان بن ثابت. . و قال رجل لعبد اللّه بن حسن: كيف أبى هؤلاء بيعة علي و كانوا عثمانية؟ !

قال: أما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع؟ ! (4)

الشاعران يفتخران:

و قد افتخر شاعر بني تميم، و هو الزبرقان بن بدر بالإنتهاب عنوة من


1) الآيات 8-11 من سورة هل أتى.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 177 و 178 و البحار ج 21 ص 388 و أعيان الشيعة ج 1 ص 420.

3) مروج الذهب ج 2 ص 347.

4) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 425 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 191 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 4 ص 84 و أعيان الشيعة ج 1 ص 444.

الأحياء، و بنحر الجزور الكوماء، و بإطعام الطعام و الأضياف و النزلاء. .

أما حسان فافتخر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالعفاف الذي ذكره الوحي الإلهي، و بالقناعة حين يثور الطمع المردي، و بالتقوى، و بالشجاعة في ساحات الوغى، من دون أن يفرحهم النصر، و من دون أن يجزعهم أو أن يسقطهم عند المصاب، و بأنهم لا يدبون إلى المغلوبين كما يدب المفترس إلى فريسته ليمزقها، و نحو ذلك من معان، تشير إلى عظمة الإيمان، و سمو نفوس المؤمنين و الصالحين، و إلى الخصال الحميدة، التي تجذرت و نمت في تلك النفوس. .

و قد كان لا بد لهم أن يدركوا، ثم أن يقروا بهذا التفاوت الظاهر بين ما قاله خطيبهم و شاعرهم، و ما قاله خطيب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و شاعره.

و هذا ما حصل بالفعل.

حديث التحكيم:

1-و إن صح حديث التحكيم في السبايا و الأسرى، فإننا نقول: إن من الأمور التي تزيد في وضوح سوء حال هؤلاء القوم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد تحكيم واحد منهم في الأسرى و السبايا. . فيبادرون إلى الرفض، و يقترحون عليه غيره. . و هذه إساءة أخرى تضاف إلى جملة إساءاتهم.

و لعل سبب رفضهم هذا هو: أنهم لا يريدون الإقرار بزعامة ذلك الذي اقترحه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو لا يريدون تكريس زعامته عليهم، رغم أنه منهم! ! و رغم أن الأمر يتعلق بمصير أسراهم و سباياهم.

و هل يعلمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لو ألغى هذا التحكيم، غضبا من تصرفهم السيء هذا، فإن نساءهم سوف تتعرض لخطر

الإسترقاق، و هو الأمر الذي يدّعون أنهم لا يرضون به لأنفسهم، و تأباه لهم غيرتهم و كرامتهم. .

فلما ذا لم يقدّروا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حلمه عنهم، و تفضله عليهم؟ ! بوضعه مصير رجالهم و نسائهم في يد رجل منهم، لا من قبيلة أخرى. بل إن نفس أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإخراج هذا الأمر من يده و يرضى بالتحكيم في هذا الأمر لهو فضيلة عظيمة، و منة، و كرامة لا مثيل لها، فإن أحدا لا يرضى مهما ألحوا عليه-و هو منتصر-بأن يجعل القرار في الأسرى و السبايا الذي هم بيده إلى غيره. . و لا سيما إذا كان هو الذي اعتدي عليه من قبل أولئك الأسرى، و قبائلهم أنفسهم. .

فما بالك بمن يبادر هو إلى ذلك، بل هو يبادر إلى تحكيم نفس المعتدين عليه؟ !

و الأعظم و الأهم من ذلك كله، أن يكون هذا الذي رضوا به حكما، قد حكم بأن يفدى شطر و أن يعتق شطر. .

و لا ندري لما ذا حكم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يعتق ذلك الشطر؟ ! ألا يعد هذا الحكم مجحفا و غير منصف.

و مع غض النظر عن ذلك كله، فإن هذا الحكم يمثل إقرارا من زعيم و حاكم اختاروه هم أنفسهم، بأن هؤلاء الناس رق لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هو بالتالي إقرار بالعدوان و اعتراف بالظلم و الطغيان، فلما ذا يريد هؤلاء الظالمون و المعتدون أن يفاخروا من ظلموه و اعتدوا عليه، و هو يعاملهم بهذا الحلم و الكرم و الإباء و الشمم، و ذلك حين توّج ذلك كله القرار النبوي برد الأسرى و السبي، و العفو عنهم من دون مقابل كما أوضحته الرواية الأخرى. .

عيينة في وفد بني تميم:

و بعد. . فإن النصوص التاريخية قد صرحت: بأن عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس كانا في وفد بني تميم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

مع أن عيينة هو الذي تبرع للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإتيان بهم أسرى إليه، و قد قام بذلك فعلا.

فما معنى: أن ينضم إلى وفدهم، و يأتي معهم؟ !

ألا يدل ذلك على: أنه كان لا يزال على شركه، و على قلة وعيه للأمور، و انتهازيته، و على أعرابيته، و ها قد حن إلى إلفه، و سعى إليهم بظلفه؟ !

غرور بني تميم:

و قد قال بنو تميم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين خرج إليهم: «إن مدحنا لزين، و إن ذمنا لشين، نحن أكرم العرب» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذبتم، بل مدحة اللّه عز و جل الزين، و ذمه الشين، و أكرم منكم يوسف بن يعقوب» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287 عن ابن مردويه، و ابن إسحاق. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 272 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 527 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 377 و البداية و النهاية ج 5 ص 51 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 79.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287 و الدر المنثور ج 6 ص 87 عن ابن مردويه، و ابن إسحاق. و راجع: تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 331 و تفسير الآلوسي ج 26 ص 141 و السيرة الحلبية ج 3 ص 217.

و يظهر من رواية أخرى مروية عن الأقرع بن حابس، و البراء بن عازب: أن الأقرع بن حابس نفسه هو الذي قال ذلك، فقد رويا: أنه جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا محمد، اخرج إلينا. فلم يجبه.

فقال: يا محمد، إن حمدي لزين، و إن ذمي لشين.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ذاك اللّه عز و جل» .

فقالوا: إنّا أتيناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا و خطيبنا.

قال: قد أذنت لخطيبكم، فليقل الخ. . (1).

و نقول: 1-يتجلى غرور هؤلاء القوم بما لا مزيد عليه، حين يضعون أنفسهم في مقام لا يجرؤ أحد على وضع نفسه فيه. فلو سلمنا-و إن كان هذا التسليم لا مبرر له-أن دافعهم للمدح أو الذم ليس هو الهوى و العصبية، و الرعونة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287 و 288 عن أحمد عن الأقرع، عن ابن جرير بسند جيد، و أبي القاسم البغوي، و الطبراني بسند صحيح، و الترمذي و حسنه، و ابن أبي حاتم، و ابن المنذر عن البراء ابن عازب، و الدر المنثور ج 6 ص 86 عن أكثر من تقدم. و راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 108 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 109 و كنز العمال ج 3 ص 810 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 223 و لباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء العلوم) ص 196 و (ط دار الكتب العلمية) ص 179 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 294 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 184 و 185 و ج 10 ص 358 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 253 و الوافي بالوفيات ج 10 ص 280 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 55 و أعيان الشيعة ج 1 ص 241 و ج 3 ص 471 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 86.

و ما إلى ذلك، و قبلنا جدلا أنهم يتحرون الدقة و الأمانة و الصدق فيما يقولون، فإن الكل يعلم أنهم حين يمدحون أو يذمون، إنما يذكرون ما ظهر لهم. . و نحن نعلم علم اليقين أنهم لا يملكون القدرة على كشف الحقائق، و استكناه بواطن الأمور، بل إن اللّه وحده هو العالم بالسرائر، و المطلع على ما في الضمائر و قد يطلع على ذلك أنبياءه. . فكل مدح أو ذم من سواه يبقى في دائرة احتمالات الصدق و الكذب، أو الخطأ و الصواب، أو التمام و النقص. . فلا يمكن أن يكون زينا، و لا شينا.

أما حين يأتي المدح أو الذم من علام الغيوب، و الواقف على ما في الضمائر و القلوب، و الخالق و المدبر و المهيمن و المسيطر، فلا ريب في أنه هو الحق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و لا بد أن يكون مدحه زينا، و ذمه شينا.

2-أما قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «و أكرم منكم يوسف بن يعقوب» إن صح أنه قوله. . فلربما يكون مقصوده إلزامهم بما يلزمون به أنفسهم، و الإحتجاج عليهم بمن لا سبيل لهم إلى إنكاره، مما أخذوه عن أهل الكتاب الذين كانوا يمثلون المرجعية لهم، و عن يوسف «عليه السلام» ، فإنه أكرم منهم، على الرغم مما ينسبه إليه أهل الكتاب من ترهات و أباطيل، فيما يرتبط بعفته، و وفائه، و حفظه للعزيز في عرضه، إلى غير ذلك مما قد يتظاهر بنو تميم بالتنزه عنه. . مع اعترافهم بنبوته.

و تسقط بذلك دعواهم الفضل و الكرامة على سائر العرب. و هم يرون أن العرب أكرم الأمم.

بنو تميم، و الأعور الدجال:

قال ابن إسحاق عن وفد بني تميم: و فيهم نزل من القرآن: إِنَّ اَلَّذِينَ يُنٰادُونَكَ مِنْ وَرٰاءِ اَلْحُجُرٰاتِ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ (1).

و سئل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «هم جفاة بني تميم، لو لا انهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم» (2).

و نقول: إن هذه الرواية لم ترد في أي مصدر يتكفل برواية حديث أهل بيت العصمة، و إذا راجعنا تاريخ بني تميم، فسنجد أنهم كانوا بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -في الأكثر-أعداء لعلي «عليه السلام» ، حتى إن غالبية الخوارج كانوا من بني تميم (3).

و يستظهر الجاحظ: أن بني صريم-و هم من بني تميم-كانوا من الخوارج أيضا (4).

و كل ذلك يجعلنا نظن-أو نحتمل-: أن هذه الرواية قد وضعت مكافأة لبني تميم على بغضهم لعلي «عليه السلام» ، و شكرا لهم على محاربتهم إياه. فليلاحظ ذلك.


1) الآية 4 من سورة الحجرات.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 291.

3) فجر الإسلام ص 256 و قضايا في التاريخ الإسلامي ص 37 و 68 و 71 عن تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 516 و عن العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 3 ص 145 و ضحى الإسلام ج 3 ص 332 و الخوارج و الشيعة ص 74 و تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 397 و دائرة المعارف الإسلامية ج 8 ص 470.

4) البيان و التبيين ج 1 ص 206.

الفصل السادس: ترقيع الدلاء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

ترقيع الدلاء بكتاب الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت عدة سرايا إرسلت إلى جماعات، أو أشخاص، كتب إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام، فرقعوا دلاءهم بكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استهانة منهم به، و سوء خلق و أدب لا مبرر له. .

و اللافت هنا: أن هذه الأحداث المتشابهة في هذا الأمر-أعني ترقيع الدلاء-قد جاءت متقاربة من حيث الزمان، فهل هذا يشير إلى أن بعض الرواة قد و هموا في تحديد من فعل ذلك؟ ! أو أنهم تعمدوا أن يلقوا التهمة على هذا أو ذاك، ليجنبوا الفاعل الحقيقي هذا العار؟ ! . . أو أن هناك من فعل هذا الأمر أولا، ثم تناقله الناس، فراق لبعض الفئات أن تقتدي بمن سبقها إلى هذا الأمر الشنيع؟ ! . .

إن ذلك كله ممكن، و لا مجال لاستبعاده بصورة قاطعة، فإن له نظائر في التاريخ.

و حيث إننا غير قادرين على الحسم في هذا الأمر، فلا بد لنا من اعتماد الإحتمال الأخير، الذي يدعونا للأخذ بهذه الروايات حتى يظهر لنا ما يردعنا عنها، أو يقوي الشبهة في صحة بعض أطرافها. .

و قد جمعنا ما ظهر لنا منها في صعيد واحد، لأن للتفريق آفاته و متاعبه، و مشكلاته، التي ربما يؤثر بعضها على ذهنية القارئ الكريم. .

فإلى ما يلي من مطالب. . و على اللّه نتوكل، و منه نستمد القوة و العون، و السداد و الرشاد. .

بعث الضحاك الكلابي إلى القرطاء:

قال محمد بن عمر، و ابن سعد: سنة تسع (1).

و قال الحاكم: في آخر سنة ثمان (2).

و قال محمد بن عمر الأسلمي: في صفر (3).

و قال ابن سعد: في ربيع الأول و جرى عليه في المورد و الإشارة (4).

قالوا: بعث رسول اللّه صلى «صلى اللّه عليه و آله» جيشا إلى القرطاء، (و هم بطن من بكر) (5)، عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي، و معه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزّج، زج لاوة بنجد، (موضع بناحية


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 215 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 162 و عيون الأثر ج 2 ص 239 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 623.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 215 و 216.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 215 و 216.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 215 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 162 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 43 و عيون الأثر ج 2 ص 239 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 623 و تاريخ الخميس ج 2 ص 120 عن المواهب اللدنية، و الإصابة ج 1 ص 53.

5) شرح المواهب اللدنية ج 3 ص 57.

ضرية) (1)، فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا، فقاتلوهم، فهزموهم.

فلحق الأصيد أباه سلمة، و سلمة على فرس له في غدير بالزّج، فدعا أباه إلى الإسلام و أعطاه الأمان، فسبه و سب دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم، فقتل سلمة و لم يقتله ولده (2).

و قد ذكر ابن حبان: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى القرطاء، فرقعوا دلوهم بكتابه (3).

و في شواهد النبوة: بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» سرية إلى بني كلاب، و كتب إليهم في رق، فلم ينقادوا، و غسلوا الخط عن الرق، و خاطوه تحت دلوهم.

فلما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخبر قال: ما لهم! أذهب اللّه عقولهم! !

فلذا لا يوجد من بني كلاب إلا مختل العقل، و مختلط الكلام، و بعضهم بحيث لا يفهم كلامه (4).

و عند البلاذري: أنه أرسل الضحاك بن سفيان الكلابي في شهر ربيع الأول سنة تسع إلى قوم من بني كلاب، كتب إليهم «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 317.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 215 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 163 و 356 و عيون الأثر ج 2 ص 239 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 623.

3) الثقات ج 2 ص 91.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 120 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 222.

فرقعوا بكتابه دلوهم، فأوقع بهم (1).

و قال ابن حجر في ترجمة سمعان بن عمرو الكلابي: «ذكر أبو الحسن المدائني في كتاب رسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأسانيده، قالوا:

و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى سمعان بن عمرو مع عبد اللّه بن عوسجة، فرقع بكتابه دلوه.

فقيل لهم: بنو المرقع. ثم أسلم سمعان، و قد قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنشده:

أقلني كما أمنت وردا و لم أكنبأسوأ ذنبا إذ أتيتك من ورد

يشير بذلك إلى ورد بن مرداس (2).

جفينة يرقع دلوه أيضا:

و رووا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى جفينة النهدي، أو الجهني، أو الغساني كتابا فرقع به دلوه، فقالت له ابنته: عمدت إلى كتاب سيد العرب، فرقعت به دلوك؟ !

فهرب فأخذ كل قليل و كثير هو له، ثم جاء بعد مسلما (3).


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 382.

2) الإصابة ج 2 ص 80 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 153 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 1 ص 31 و (ط دار صادر) ج 1 ص 280 و رسالات نبوية ص 22 و مجموعة الوثائق السياسية ص 276 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 195. و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 364.

3) مكاتيب الرسول ج 1 ص 203 و قال في هامشه: راجع: البحار 19 ص 166 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 261 و الإصابة ج 1 ص 241/1175 و أسد الغابة ج 1 ص 291 و كنز العمال ج 15 ص 295 عن أبي نعيم، و رسالات نبوية ص 15 و الأمالي للشيخ الطوسي ج 1 ص 397 و مجموعة الوثائق السياسية 174/92 عن قسم من المصادر المتقدمة، و قال: قابل الجرح و التعديل لأبي حاتم الرازي ج 1 ص 21 الرقم (2263) و راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 325 و مجمع الزوائد ج 6 ص 208 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 1457.

سرية إلى رعية السحيمي:

و روي أيضا بسند جيد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى رعية السحيمي كتابا في أديم أحمر، فأخذ كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرقع به دلوه.

فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرية، فلم يدعوا له سارحة و لا رائحة، و لا أهلا و لا مالا إلا أخذوه، و انفلت عريانا على فرس له، ليس عليه سترة حتى انتهى إلى ابنته، و هي متزوجة في بني هلال، و قد أسلمت و أسلم أهلها. و كان مجلس القوم بفناء بيتها، فدار حتى دخل عليها من وراء البيت.

فلما رأته ألقت عليه ثوبا و قالت: مالك؟

قال: «كل الشر نزل بأبيك، ما ترك له رائحة و لا سارحة و لا أهل و لا مال.

قالت: دعيت إلى الإسلام؟

قال: أين بعلك؟

قالت: في الإبل.

فأتاه. قال: ما لك؟

قال: كل الشر نزل بي، ما تركت لي رائحة و لا سارحة، و لا أهل و لا

مال، و أنا أريد محمدا قبل أن يقسم أهلي و مالي.

قال: فخذ راحلتي برحلها.

قال: لا حاجة لي فيها.

قال: فخذ قعود الراعي. و زوده إداوة من ماء.

قال: و عليه ثوب إذا غطى به وجهه خرجت استه، و إذا غطى استه خرج وجهه، و هو يكره أن يعرف، حتى انتهى إلى المدينة، فعقل راحلته. ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكان بحذائه حيث يقبل. فلما صلّى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح قال: يا رسول اللّه، ابسط يدك أبايعك، فبسطها. فلما أراد أن يضرب عليها قبضها إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: ففعل ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا و يفعله.

فلما كانت الثالثة قال: «من أنت» ؟

قال: أنا رعية السحيمي.

قال: فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عضده، ثم رفعه، ثم قال: «يا معشر المسلمين، هذا رعية السحيمي الذي بعثت إليه كتابي فرقع به دلوه» .

فأخذ يتضرع إليه.

قلت: يا رسول اللّه، أهلي و مالي.

قال: «أما ما لك فقد قسم، و أما أهلك فمن قدرت عليه منهم» .

فخرج، فإذا ابنه قد عرف الراحلة و هو قائم عندها، فرجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، هذا ابني.

قال: «يا بلال، أخرج معه فسله أبوك هو؟ فإذا قال: نعم، فادفعه إليه» .

فخرج إليه، فقال: أبوك هذا؟

قال: نعم.

فرجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، ما رأيت أحدا منهما استعبر لصاحبه.

قال: «ذاك جفاء الأعراب» (1).

سرية إلى بني حارثة بن عمرو:

و في مستهل شهر ربيع الأول سنة تسع بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن عوسجة (إلى بني حارثة بن عمرو)يدعوهم إلى الإسلام. فأخذوا الصحيفة، فغسلوها و رقعوا بها أسفل دلوهم، و أبوا أن يجيبوا، فرفع ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ما لهم ذهب اللّه بعقولهم» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 241 و 242 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و مسند أحمد ج 5 ص 285 و 286 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 210 عن الإصابة ج 1 ص 516/2659 في رعية و ص 241 في جفينة الجهني، و أسد الغابة ج 2 ص 176 و 177 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 536 و كنز العمال ج 4 ص 340 عن أحمد، و عبد الرزاق بأسانيد و ص 341 عن ابن أبي شيبة، و ص 342 عن الطبراني، و أعلام السائلين ص 31 و رسالات نبوية ص 18 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 344 و راجع: مجموعة الوثائق السياسية ص 275 و (في ط أخرى) ص 323/235 عن جمع ممن تقدم و عن: إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 44 و تعجيل المنفعة لابن حجر ص 321 و أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 382. و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 31 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 1457 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 77/4635 و ص 78/4636 و مجمع الزوائد ص 205-206.

فهم إلى اليوم أهل رعدة، و عجلة، و كلام مختلط و أهل سفه.

قال محمد بن عمر: قد رأيت بعضهم عييا لا يحسن يبين الكلام.

و قالت أم حبيب بنت عامر منكرة عليهم:

إذا ما أتتهم آية من محمدمحوها بماء البئر فهو عصير (1)

و نقول: لا بأس بملاحظة ما يلي:

سرايا دعوة:

قد صرحت النصوص المتقدمة بما لم نزل نشير إليه، و نذكر القارئ به، و هو: أن سرايا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت إما استباقية، حينما كان يبلغه «صلى اللّه عليه و آله» أن جماعة قد جمعوا و تهيأوا لمباغتة المسلمين بالحرب، و إما لأجل الدعوة إلى الإسلام، فإذا واجهوا الدعاة بالعنف،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 213 عن أبي سعيد النيسابوري في الشرف، و عن دلائل النبوة، و أنساب الأشراف ج 1 ص 382 و الإصابة ج 2 ص 355 و ج 4 ص 446 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 384 و أسد الغابة ج 3 ص 239 و المغازي للواقدي ج 3 ص 982 و 983 و الإمتاع ص 441 و البحار ج 18 ص 16 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 81 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 91 و معجم قبائل العرب ص 83 عن المواهب اللدنية، و مجموعة الوثائق السياسية ص 275 و رسالات نبوية ص 12 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 365 و تاريخ الخميس ج 2 ص 120 عن سيرة مغلطاي، و عن شرف المصطفى للنيسابوري، و عن المواهب اللدنية.

دافعوا عن أنفسهم، و هو حق مشروع لهم.

دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله يناسب منطقهم:

و قد لاحظنا: أن رد بني حارثة بن عمرو، و سائر من تقدم ذكرهم، على كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم قد اتسم بالاستهتار و الخفة، و بالصلف، و بالسفه و الوقاحة، حيث كانوا يأخذون الصحيفة، و بعد أن يغسلوها، يرقعون بها أسفل دلائهم. . فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليهم بأن يبتليهم اللّه بما يتناسب مع نفس فعلهم، و هو خفة العقل، و ظهور الإختلاط و السفه.

و قد أظهر اللّه كرامة نبيه باستجابة دعائه فيهم. . ليكون ذلك عبرة لهم، و لغيرهم ممن يسير في طريق الإستكبار، و العنجهية، و الإستهتار بالحق، و الإستخفاف بأهله.

نعم، لقد جاءت هذه الدعوة النبوية، و استجابتها منسجمة مع طبيعة المنطق الذي و اجهوا به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه كان يتسم بالإستخفاف المتمثل بترقيع دلائهم بكتابه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن تصرفهم هذا تجاه دعوة الحق و الخير و الهدى قد جاء مجانبا للمنطق، و للإنصاف، يتسم بالخفة و الصبيانية، و عدم التعقل، حيث لم يواجهوا الحجة بالحجة، و لا استجابوا لنداء الضمير و الوجدان، الذي يفرض عليهم الخضوع للحق، و الأخذ بأحكامه، و الإستسلام لقضاء الفطرة، و حكم الوجدان. فاستحقوا أن يكونوا في نفس هذا الموقع الذي ارتضوه لأنفسهم، فكانت الدعوة النبوية، التي أعقبتها الإستجابة الإلهية. . تماما كما كان الحال بالنسبة لقوم ثمود، الذين قال اللّه تعالى

عنهم: وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىٰ عَلَى اَلْهُدىٰ. . (1).

لا يوجد إلا مختل:

و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأنه لم يوجد في أولئك القوم، إلا مختل العقل، فيه رعدة و سفه، و اختلاط. .

بل قد زعم الواقدي: أنه رأى بعضهم عييا لا يحسن الكلام.

و نحن لا يخالجنا شك في أن اللّه تعالى قداستجاب لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» دعوته فيهم. . غير أننا نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما يدعو على من أذنب دون سواه. . فما معنى أن يستمر العي و الإختلاط و. . و. . الخ. . في أعقابهم؟ !

و يمكن أن يقال في الجواب: إن ذلك يخضع للسنن الإلهية المودعة في المخلوقات، و لعل منها: أن تبقى آثار العي في أعقابهم من خلال قانون الوراثة للخصال، و للأمراض و العاهات، و انتقال بعض ذلك إلى الذرية بنحو أو بآخر، فإن العرق دساس. .

و ليكن هذا من جملة العقوبات التي يستحقها من يستهينون برسل اللّه تبارك و تعالى.

جفاء الأعراب:

و قد تعجب بلال من عدم استعبار الولد لأبيه، و العكس، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما رآه، و كأنه يريد أن يعبر للنبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الآية 17 من سورة فصلت.

عن شكه في أن يكونا أبا و ابنا، متخذا من عدم استعبار أحدهما للآخر، و هما في محنة دلالة تؤكد شكه هذا. .

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي كان يعرف طبائع الناس و حالاتهم قد أوضح لبلال أن سبب ما رآه، و هو جفاء الأعراب، حيث إن طبائعهم تختلف عن طبائع غيرهم، فإنهم يعيشون قسوة الناس عليهم، بما يمارسونه ضد بعضهم البعض من سلب و نهب، و أسر، و قتل. و يواجهون قسوة الطبيعة عليهم في حرها و بردها، و في شحها بالماء و الكلأ، و قسوة الجهل، و عدم المعرفة بنتائج و آثار كثير من أعمالهم، و بواقعهم.

نعم، إنهم يشاهدون و يعانون من ذلك كله، فيقسمونه على بعضهم البعض، و يهون على الوالد رؤية ولده في مشقة و تعب و جهل و تخلّف، و أن يرى الولد أباه على نفس هذه الحال، ما دام أن الجهد و التعب، و مواجهة المصائب و البلايا يشمل الجميع، و هو جزء من حياتهم اليومية. . فلا غرابة في أن نراهم جفاة قساة في حياتهم العادية، مع القريب و البعيد من دون استثناء.

قتال من يأبى الإسلام:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل الضحاك الكلابي مع جيش إلى القرطاء، فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا، فقاتلوهم.

فقد يستظهر من قوله في سرية القرطاء: «فقاتلوهم، فهزموهم» : أن الإستعداد للقتال كان قائما من كلا الطرفين.

و قد قلنا أكثر من مرة: إن مجرد عدم قبول فئة من الناس الإسلام لا

يدفع الدعاة إلى القتال، لو لم تكن تلك الفئة قد تصرفت بصورة عدوانية نجاه أولئك الدعاة، و قد قال اللّه تعالى لنبيه: اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (1).

و قال جل و علا: وَ لاٰ تَسْتَوِي اَلْحَسَنَةُ وَ لاَ اَلسَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدٰاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (2).

و مما يدل على أن سرايا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت سرايا دعوة أنها كانت قليلة العدد، ضعيفة العدة، و كانت تتعرض للتحدي و للقتل في كثير من الأحيان، و كثيرا ما يكون إرسال سرايا القتال لمعالجة الموقف، أو للرد على العنف و العدوان الذي تحرضت له سرايا الدعوة.

الأصيد. . لا يقتل أباه:

1-و قد ظهرت المباينة بين سلوك الأصيد من جهة، و بين سلوك أبيه من جهة أخرى، حيث إن الأصيد يريد لأبيه النجاة، فيعطيه الأمان في الدنيا، و يطلب منه المبادرة لقبول ما ينجيه في الآخرة، و هو الإسلام. .

و لكن أباه يقابله على ذلك بالشتيمة و السب له ولدينه. . و قد صدق الشاعر حيث يقول:

أريد حباءه و يريد قتليعذيرك من خليلك من مراد


1) الآية 125 من سورة النحل.

2) الآية 34 من سورة فصلت.

2-و حين أصر سلمة على موقفه، لم يبادر ولده إلى إيصال الأذى إليه، بل اكتفى بعرقبة فرسه، أمسك عنه تأدبا، فلحقه المسلمون، فقتلوه. .

3-و لا ندري ما المبرر لسب سلمة لولده، و هو إنما يدعوه إلى ما فيه نجاته و نجاحه، و فلاحه و صلاحه، كما أننا لا ندري ما الذي دعاه لأن يسب دينه، و هو دين الخير و البركات، و القول السديد، و الرأي الحميد، و هو دين الحق و الهدى، و الرشاد و السداد؟ ! فهل نظر في هذا الدين فوجد فيه ما يوجب هذا السبب؟ ! . أم أنه اللجاج و العناد، و الإستكبار و الجحود؟ !

ترقيع الدلاء:

و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن الذين رقعوا دلاءهم بكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تعددوا، فهل كان عامة العرب يعانون من أزمة في دلائهم، فلا يجدون ما يرقعونها به؟ ! حتى جاءتهم كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاغتنم بعضهم الفرصة، و اجترأ على مقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون أن يفكر بالعواقب. و خاف الآخرون من الإقدام على هذا الأمر؟ ! . .

إن الحقيقة هي: أن الأمر لم يكن كذلك، و إنما هو سوء أدب، و أعرابية و قحة، و متجرئة و لا مبالية، تنقاد للهوى، و لا تعيش معنى القيمة و الكرامة الإنسانية إلا في عناوين تتلاءم مع عقلياتها، و عصبياتها، و جهلها، و حاجاتها الشهوانية و الأهوائية.

السحيمي و ابنته:

و قد قرأنا في النصوص المتقدمة قصة السحيمي، و ما جرى بينه و بين

ابنته حينما و صل إليها على تلك الحال المزرية، و المتناهية في السوء و الذلة و الخزي. حتى إنه لم يجرؤ على دخول بيتها من بابه، بل دخل من وراء البيت، كي لا يرى الناس حاله.

و قد أدركت ابنته بمجرد رؤيتها إباه: أنه اتخذ سبيل العناد و اللجاج، و واجه الدعوة إلى الحق بالرد اللئيم و الحاقد، الذي يحتقر حتى أنبياء اللّه و أصفياؤه، من دون ذنب أتوه إليه، سوى الرغبة في إخراجه من الظلمات إلى النور، و من النار إلى الجنة، و من الضلال إلى الهدى. .

و الظاهر: أن ابنته كانت تعرف طبيعة تصرفاته، و ترى أنها بعيدة عن الإتزان، و السداد. فسألته عن حاله، فظهر لها من حاله و مقاله: أن ظنها قد أصاب كبد الحقيقة. و لعل ذلك هو السبب في أننا لا نجد ما يظهر لنا أنها اهتمت لما حصل له. .

جفينة أو رعية:

ثم إننا لا ندري إن كان جفينة هو رعية، و السحيمي هو الجهني. و قد صحف النساخ الكلمات، و الأسماء. . أم أنهما شخصان مختلفان؟ !

و في جميع الأحوال نقول:

إن استغراب بنت جفينة من فعل أبيها بكتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشير إلى: أن ما فعله جهينة لم يكن مستساغا حتى عند الأعراب، البعيدين عن الوعي و الثقافة، و المعروفين بالجفاء و سوء الأدب. بل إن ذلك كان مستهجنا حتى عند النساء منهم، فلا مجال لا دعاء أن يكون جفينة أو غيره قد فعلوا أمرا مستساغا و مرضيا عندهم. .

و لذلك نلاحظ: أن لحن كلام ابنة جهينة يدل دلالة واضحة على إدراكها قبح هذا الأمر، حيث قالت له على سبيل الإنكار: «عمدت إلى كتاب سيد العرب، فرقعت به دلوك» ؟ ! .

و قد أدرك جفينة قبح و خطورة ما صدر منه، فبادر إلى الهرب. .

حتى جاء بعد ذلك مسلما. .

الفصل السابع: علي عليه السّلام في اليمن

اشارة

سرية خالد و علي عليه السّلام، و إسلام همدان:

عن البراء بن عازب قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجبيوا.

ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث علي بن أبي طالب مكان خالد و أمره أن يقفل خالدا، و قال: «مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، و من شاء فليقبل» .

قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا و قرأ عليهم كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلمت همدان جميعا.

فكتب علي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامهم.

فلما قرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه و قال: «السلام على همدان» ، مرتين.

زاد في نصر آخر أنه قال أيضا: نعم الحي همدان ما أسرعها إلى النصر!

و أصبرها على الجهد! فيهم أبدال، و فيهم أوتاد (1).

و عند البخاري عن البراء قال: «فغنمت أواق ذوات عدد» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 235 و 427 عن البيهقي في السنن بإسناد صحيح، و الدلائل، و المعرفة، و عن البخاري مختصرا، و قال في الهامش: أخرجه البيهقي في السنن ج 2 ص 366 و 369 و في الدلائل ج 5 ص 369 و البخاري ج 7 ص 663(4349) و راجع: المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 176 و 177. و أشار في مكاتيب الرسول ج 3 ص 387 إلى المصادر التالبة أيضا: السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 31 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 300 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 131 و 132 و أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 384 و عن فتح الباري ج 8 ص 53 و ينابيع المودة ص 219 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 833 و (في ط أخرى) ج 2 ق 2 ص 55 و البحار ج 21 ص 360 و 363 عن إعلام الورى، و غيره، و ج 38 ص 71 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 129 و الإرشاد للمفيد «رحمه اللّه» ص 28 و البداية و النهاية ج 5 ص 105 و زاد المعاد ج 3 ص 36 و مجموعة الوثائق السياسية ص 132/80 عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 504 و 509 و 510، و حياة الصحابة ج 1 ص 95 و العدد القوية ص 251 و التنبيه و الإشراف ص 238 و ذخائر العقبى ص 109 و تاريخ الخميس ج 2 ص 145 و ملحقات إحقاق الحق ج 18 ص 64 و ج 21 ص 620 عن: الجامع بين الصحيحين ص 731 و نثر الدر المكنون ص 43 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 201 من طرق كثيرة، و التدوين للقزويني ج 2 ص 429 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34.

2) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 110 و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 6.

بغضهم عليا عليه السّلام:

و عن البراء قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليمن جيشين، و أمّر عليا على أحدهما. و على الآخر خالد بن الوليد. و قال: «إذا كان قتال فعلي رضي اللّه تعالى عنه الأمير» .

قال: فافتتح علي حصنا، فغنمت أواقي ذوات عدد، و أخذ علي منه جارية.

قال: فكتب معي خالد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -الذي في جامع الترمذي «يشي به» .

قال الترمذي: يعني النميمة-يخبره.

قال: فلما قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قرأ الكتاب رأيته يتغير لونه، فقال: «ما ترى في رجل يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه تعالى و رسوله» ؟

فقلت: أعوذ باللّه من غضب اللّه تعالى و غضب رسوله، إنما أنا رسول. فسكت (1).

و عن بريدة بن الحصيب قال: «أصبنا سبيا، فكتب خالد إلى رسول اللّه


1) سبل الهدى ج 6 ص 235 عن الترمذي، و قال في هامشه: أخرجه الترمذي ج 4 ص 180. و راجع: نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 285 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 196 و البحار ج 39 ص 11 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 142 و سنن الترمذي ج 3 ص 124 و ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج 1 ص 169.

«صلى اللّه عليه و آله» : «ابعث إلينا من بخمسه» . و في السبي و صيفة هي من أفضل السبي.

فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا إلى خالد ليقبض منه الخمس، و في رواية: ليقسم الفيء، فقبض منه، فخمس و قسم، و اصطفى علي سبية، فأصبح و قد اغتسل ليلا.

و كنت أبغض عليا بغضا لم أبغضه أحدا، و أحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا لبغضه عليا.

فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟

و في رواية: فقلت: يا أبا الحسن، ما هذا؟

قال: ألم تر إلى الوصيفة، فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم في آل علي، فوقعت بها.

فلما قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكرت له ذلك (1).


1) سبل الهدى ج 6 ص 235 و 236 عن أحمد، و البخاري، و النسائي، و الإسماعيلي، و في هامشه قال: أخرجه البخاري في كتاب النكاح (5210) . و راجع: فتح الباري ج 8 ص 52 و نيل الأوطار ج 7 ص 110 و العمدة لابن البطريق ص 275 و نهج السعادة ج 5 ص 284 و مسند أحمد ج 5 ص 351 و مجمع الزوائد ج 9 ص 127 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 102 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 196 و البداية و النهاية ج 5 ص 120 و ج 7 ص 380 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 202 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 11 ص 260 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 630 و ج 23 ص 5 و 274 و 276 و ج 30 ص 272.

و في رواية: فكتب خالد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلت: ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب و أقول: صدق، فإذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد احمر وجهه، فقال: «من كنت وليه فعلي وليه» .

ثم قال: «يا بريدة أتبغض عليا» ؟

فقلت: نعم.

قال: «لا تبغضه، فإن له الخمس أكثر من ذلك» (1).

و في رواية: «و الذي نفسي بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من و صيفة، و إن كنت تحبه فازدد له حبا» (2).


1) سبل الهدى ج 6 ص 236 و راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 110 و العمدة لابن البطريق ص 275 و نهج السعادة ج 5 ص 283 و مسند أحمد ج 5 ص 359 و صحيح البخاري (ط دار المعرفة) ج 5 ص 110 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 342 و فتح الباري ج 8 ص 53 و عمدة القاري ج 18 ص 6 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 145 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 102 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 156 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 194 و 195 و أسد الغابة ج 1 ص 176 و تهذيب الكمال ج 20 ص 460 و البداية و النهاية ج 7 ص 380 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 88 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 86 و ج 16 ص 453 ج 21 ص 532 و ج 23 ص 275 و 276 و 277 و 278 و ج 30 ص 278.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 236 و نيل الأوطار ج 7 ص 111 و العمدة لابن البطريق ص 275 و البحار ج 39 ص 277 و نهج السعادة ج 5 ص 285 و مسند أحمد ج 5 ص 351 و مجمع الزوائد ج 9 ص 127 و فتح الباري ج 8 ص 53 و عمدة القاري ج 18 ص 7 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 136 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 103 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 196 و البداية و النهاية ج 5 ص 121 و ج 7 ص 381 و كشف الغمة ج 1 ص 293 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 202 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 87 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 85 و ج 16 ص 451 ج 21 ص 630 و ج 23 ص 6 و 275 و 276 و ج 30 ص 272.

و في رواية: «لا تقع في علي، فإنه مني و أنا منه، و هو وليكم بعدي» (1).

قال بريدة: فما كان في الناس أحد أحب إلي من علي.

و عن بريدة: بعث «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و خالد بن الوليد كل واحد منهما وحده، و جمعهما، فقال: إن اجتمعتما فعليكم علي.


1) سبل الهدى ج 11 ص 297 و ج 6 ص 236 و قال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج 5 ص 356، و ذكره الهيثمي في المجمع ج 9 ص 128، و المتقي الهندي في الكنز (42942) . و راجع: ذخائر العقبى ص 68 و البحار ج 37 ص 220 و ج 38 ص 326 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 560 و فتح الباري ج 8 ص 53 و عمدة القاري ج 18 ص 7 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 146 و 147 و كنز العمال ج 11 ص 608 و فيض القدير ج 4 ص 471 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 388 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 190 و البداية و النهاية ج 7 ص 380 و كشف الغمة ج 1 ص 294 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 87 و ينابيع المودة ج 2 ص 159 و شرح إحقاق الحق ج 5 ص 288 و 290 و 292 و ج 15 ص 103 و 106 و 107 و ج 20 ص 527 و ج 23 ص 544.

قال: فأخذ يمينا و يسارا، فدخل علي، و أبعد و أصاب سبيا، و أخذ جارية من السبي، قال بريدة: و كنت من أشد الناس بغضا لعلي.

قال: فأتى رجل خالد بن الوليد فذكر أنه أخذ جارية من الخمس، فقال: ما هذا؟

ثم جاء آخر، ثم تتابعت الأخبار على ذلك، فدعاني خالد، فقال: يا بريدة قد عرفت الذي صنع، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فكتب إليه، فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذ الكتاب بشماله، و كان كما قال اللّه عز و جل: لا يقرأ و لا يكتب، و كنت إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي، فطأطأت رأسي، فرأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غضب غضبا لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة و النضير.

فنظر إليّ، فقال: يا بريدة أحبّ عليا، فإنما يفعل ما أمر به، فقمت و ما من الناس أحد أحب إليّ منه (1).


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 128 عن الطبراني في الأوسط. و راجع روايات بريدة على اختلافها في المصادر التالية: شرح الأخبار ج 1 ص 94 و العمدة لابن البطريق ص 198 و الطرائف للسيد ابن طاووس ص 66 و ذخائر العقبى ص 68 و الصراط المستقيم ج 2 ص 59 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 111 و البحار ج 37 ص 220 و ج 38 ص 326 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 32 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 306 و 307 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 223 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 339 و 560 و الغدير ج 3 ص 244 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 564 و نهج السعادة ج 5 ص 277 و 278 و مسند أحمد ج 5 ص 356 و مجمع الزوائد ج 9 ص 128 و فتح الباري ج 8 ص 53 و عمدة القاري ج 16 ص 214 و عمدة القاري ج 18 ص 7 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 146 و 147 و كنز العمال ج 11 ص 608 و فيض القدير ج 4 ص 471 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 388 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 189 و 190 و مناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن مردويه الأصفهاني ص 119 و البداية و النهاية ج 5 ص 104 و ج 7 ص 342 و 344 و 380 و كشف الغمة للشعراني ج 2 ص 114 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 294 و مجمع الفوائد ج 2 ص 68 و المنهل العذب المورود ج 1 ص 114 و مشكل الآثار ج 4 ص 160 و نهج الإيمان لابن جبر ص 483 و 483 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 87 و السيرة الحلبية ج 3 ص 338 و ينابيع المودة ج 2 ص 159 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 3 ص 243 و غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج 5 ص 26 و نظرة في كتاب البداية و النهاية للشيخ الأمينيي ص 93 و شرح إحقاق الحق للمرعشي ج 5 ص 288 و 290 و 291 و 292 و ج 15 ص 103 و 106 و 107 و ج 16 ص 157 و ج 20 ص 527 و ج 21 ص 23 و 144 و ج 22 ص 582 و ج 23 ص 161 و 544 و ج 30 ص 415 و الفضائل لأحمد بن حنبل ج 2 ص 351 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 342 و خصائص أمير المؤمنين علي «عليها السلام» للنسائي (ط التقدم بمصر) ص 25 و تيسير الوصول ج 2 ص 132 و مناقب علي «عليها السلام» للعيني الحيدرآبادي ص 48 و إزالة الخفاء ج 2 ص 449 و قرة العين في تفضيل الشيخين ص 169 و التاج الجامع للأصول ج 3 ص 298.

عن بريدة: أنه لما استلم علي «عليه السلام» الغنائم من خالد بن الوليد في غزوتهم لبني زبيد، حصلت جارية من أفضل السبي في الخمس، ثم

صارت في سهم آل علي، فخرج عليهم علي «عليه السلام» و رأسه يقطر، فسألوه؛ فأخبرهم: أنه وقع بالوصيفة التي صارت في سهم آل علي.

فقدم بريدة في كتاب من خالد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صار يقرؤه عليه بريدة و يصدق (أي بريدة) ما فيه، فأمسك «صلى اللّه عليه و آله» بيده، و قال: يا بريدة أتبغض عليا؟

قال: نعم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تبغضه، و إن كنت تحبه فازدد له حبا، فو الذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة.

و في نص آخر: فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول اللّه غضب غضبا لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة و النضير، و قال: يا بريدة، أحب عليا، فإنه يفعل ما آمره. و كذا روي عن غير بريدة (1).


1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 128 عن الطبراني، و خصائص النسائي ص 102 و 103، و مشكل الآثار ج 4 ص 160، و مسند أحمد ج 5 ص 359 و 350 و 351، و سنن البيهقي ج 6 ص 342 و قال: رواه البخاري في الصحيح، و حلية الأولياء ج 6 ص 294، و سنن الترمذي ج 5 ص 632 و 639، و كنز العمال ج 15 ص 124 و 125 و 126-271، و مناقب الخوارزمي الحنفي ص 92، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 110 و 111 على شرط مسلم، و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه و سكت عنه، و البداية و النهاية ج 7 ص 344 و 345 عن أحمد و الترمذي، و أبي يعلى و غيره بنصوص مختلفة. و الغدير ج 3 ص 216 عن بعض من تقدم، و عن كنز العمال ج 6 ص 152 و 154 و 300، و عن نزل الأبرار للبدخشي ص 22، و الرياض النضرة ج 3 ص 129 و 130، و عن مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 257. و البحر الزخار ج 6 ص 435، و جواهر الأخبار و الآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد و الصفحة، عن البخاري و الترمذي.

و في الرواية التي عند المفيد رضوان اللّه عليه: «فسار بريدة، حتى انتهى إلى باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيه عمر، فسأله عن حال غزوتهم، و عن الذي أقدمه؛ فأخبره: أنه إنما جاء ليقع في علي، و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له؛ فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي» (1).

قال الصالحي الشامي:
تنبيهات:

الأول: قال ابن إسحاق و غيره: غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن مرتين، قال في العيون: و يشبه أن تكون هذه السرية الأولى، و ما ذكره ابن سعد هي السرية الثانية كما سيأتي.

الثاني: قال الحافظ: كان بعث علي بعد رجوعهم من الطائف، و قسمة الغنائم بالجعرانة.

الثالث: قال الحافظ أبو ذر الهروي: إنما أبغض بريدة عليا، لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غلّ.

فلما أعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه أخذ أقل من حقه أحبه.

قال الحافظ: و هو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي رواه


1) إرشاد المفيد ص 93، و قاموس الرجال ج 2 ص 173 عنه.

أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر و زال، و نهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن بغضه.

الرابع: استشكل وقوع علي رضي اللّه تعالى عنه على الجارية.

و أجيب: باحتمال أنها كانت غير بالغ، و رأى أن مثلها لا يستبرأ، كما صار إليه غيره من الصحابة.

أو أنها كانت حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم و ليلة، ثم وقع عليها.

أو كانت عذراء.

الخامس: استشكل أيضا قسمته لنفسه.

و أجيب: بأن القسمة في مثل ذلك جائزة ممن هو شريكه فيما يقسمه، كالإمام إذا قسم بين الرعية و هو منهم، فكذلك ممن نصبه الإمام، فإنه مقامه (1).

ثلاث سرايا أم سرية واحدة؟ ! :

قد ذكر بعض كتّاب السيرة النصوص المتقدمة في موضع واحد، و تحت عنوان واحد. . و قد تابعناه في ذلك مع بعض الإضافات التي رأيناها مفيدة، و سديدة. .

فكان هذا البعض قد فهم أنها تتحدث عن أحداث سفرة واحدة و هي في سفرة علي «عليه السلام» و خالد إلى اليمن. .


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 236.

و ربما يكون ذلك صحيحا بالنسبة لخالد، فإنه هو الذي بقي ستة أشهر في اليمن دفعة واحدة، أما علي «عليه السلام» فربما يكون قد سافر أكثر من مرة، تارة لأجل بني زبيد كما ذكره في الإشارة، أو لمعالجة أمور خالد، أو لغير ذلك. .

و يمكننا أن نعرض فهمنا لما جرى كما يلي:

كان خالد قد سار إلى اليمن، ليدعو أهلها إلى الإسلام، و لعله قد خاض حربا مع بعض الفئات، فأصاب منهم سبيا، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرسل إليه من يقبضه منه، فأرسل عليا «عليه السلام» ، فاصطفى علي «عليه السلام» جاريته من السبي، فأرسل خالد بريدة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليشتكيه. . حسبما تقدم. . أو أنه «عليه السلام» اصطفاها بعد أن أوغل في داخل البلاد و أبعد، و افتتح في طريقه حصنا، و أصاب سبيا، و انضم السبي بعضه إلى بعض، فاصطفى «عليه السلام» من مجموع السبي تلك الجارية، فشكاه بريدة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجابه بما تقدم.

و لعل عليا «عليه السلام» قد عاد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الظاهر، و بقي خالد في بلاد اليمن، لكي يسعى لأسلمة أهلها، فلم يفلح. و لعله قد أساء إلى أولئك الناس، فلم يستجيبوا له-كما سنرى-و بعد ستة أشهر أرسل «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إليه، ليقفله، و يمضي هو إلى اليمن ليدعو أهلها، ففعل ذلك، فأسلمت همدان في ساعة واحدة (1).


1) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 369 و فتح الباري ج 8 ص 52 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 690 و البداية و النهاية ج 5 ص 121 و أعيان الشيعة ج 1 ص 410 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 203 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 235 و 427 السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 319 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 622 و 626.

قبلوا من علي عليه السّلام و رفضوا دعوة خالد:

ثم إنه قد يثور هنا سؤال يقول: لا شك في أن الإسلام الذي دعا إليه علي «عليه السلام» أهل اليمن، هو نفس الإسلام الذي دعا إليه خالد بن الوليد، فلما ذا لم يقبلوا من خالد، رغم أنه بقي هو و من معه ستة أشهر يدعونهم إلى الإسلام؟ ! بينما لما أرسل «صلى اللّه عليه و آله» عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فأقفل خالدا و من معه، ثم ذهب إليهم و صلى بأصحابه، و قرأ عليهم كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أسلمت همدان كلها في ساعة واحدة؟ !

فما هذه المفارقة التي ظهرت في فعل هؤلاء؟ !

و قد حاول البعض أن يجيب على هذا السؤال بما يلي: «كانت التجريدات العسكرية تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة المقاومة التي يبديها أولئك الذين يرفضون الإستجابة للنداءات المتكررة لقبول الإسلام من قبل الدعاة. و بذلك تحمل القوة الحربية رسالة هؤلاء الدعاة السلمية.

و قد بعث خالد بن الوليد في العام العاشر إلى اليمن للقيام بهذا الواجب، و استمر في ذلك ستة أشهر، و لكن جهوده لم تثمر النجاح الذي

كا يريده محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فعززت قوات خالد بجيش يقوده علي بن أبي طالب. و زحف في رمضان من ذلك العام.

و كان لذلك أثره الحاسم الذي برز في النتائج السريعة التي نجمت عنه، فقد قيل: إن كل همدان أسلمت في يوم واحد» (1).

و نقول: إن ما ذكره هذا البعض لا يمكن الموافقة عليه، و ذلك لما يلي: أولا: إن هذا الرجل يريد أن يدّعي: أن هؤلاء الناس قد أسلموا تحت وطأة التهديد، و الجبر، و القهر، و أن الإسلام كان يفرض على الناس بقوة السيف. . و هذا باطل جزما، فإنه لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (2)، و فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (3)، و أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (4)، و غير ذلك كثير. . و القتال الذي كان يجري، إنما كان دفاعيا، أو استباقيا حين يتآمر المشركون، و يتجمعون للانقضاض على المسلمين على حين غرّة.

ثانيا: قد تقدم: أن ذهاب خالد و علي «عليه السلام» إلى اليمن إنما كان سنة ثمان بعد فراغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الفتح و حنين، حيث أرسلهما حين كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يزال بالجعرانة، و لم يكن سنة عشر.


1) راجع: نشأة الدولة الإسلامية، تأليف عون شريف قاسم ص 227 و 240.

2) الآية 256 من سورة البقرة.

3) الآية 29 من سورة الكهف.

4) الآية 99 من سورة يونس.

و لعل الأجدر الإجابة على السؤال المتقدم، بما يلي:

أولا: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب (1)، و إنما أسلم خالد في السنة الثامنة، و هي نفس السنة التي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها إلى اليمن. . في حين أنه هو نفسه بقي يحارب اللّه و رسوله طيلة أكثر من عشرين سنة، رغم أنه يرى المعجزات الإلهية، و يشاهد محاسن الإسلام و هي تتجلى في سلوك المؤمنين، و في أقوالهم، و أفعالهم.

ثم إنه لما رأى سطوع نجمه، و ظهوره على الدين كله و أفول نجم الشرك، و تهاوي أركانه واحدا تلو الآخر، و طمس أعلامه، و سقوط دعاته في حمأة الخزي و الذل و العار، آثر أن يكون مع الكفة الراجحة و الناجحة، ليضمن له موقعا قبل فوات الأوان.

فأظهر الإسلام و لكنه بقي يحمل مفاهيم الشرك، و عقلية الجاهلية، و يعيش طموحاته الشخصية و الفئوية و العشائرية كما أظهرته ممارساته، و سيرة حياته.

فراجع ما فعله بمالك بن نويرة لمجرد رفضه بيعة أبي بكر، فإنه خدعه، ثم قتله و زنى بزوجته في نفس ليلة قتله. .

فشتان بين من يريد الإسلام، ليكون وسيلة للوصول إلى أهدافه و تحقيق مآربه، و نيل غاياته التي يرى أنها هي الأهم و الأغلى عليه. . و بين علي بن أبي طالب «عليه السلام» الذي يرى أن الإسلام هو الأعلى


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 287 و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ج 2 ص 8 و شرح اللمعة للشهيد الثاني ج 1 ص 661.

و الأغلى، و أن عليه أن يضحي بنفسه و ماله و ولده من أجله. .

فإذا دعا خالد الناس إلى الإسلام، فإنه لن يكون الداعي الصادق، و المخلص في دعوته، و لن تخرج كلماته عن الإسلام من قلبه، لتجد سبيلها إلى قلوب الآخرين، وفقا لما قيل: «من القلب إلى القلب سبيل» (1).

ثانيا: لقد خاطب اللّه نبيه بقوله: اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2).

و هذا يدلنا على: أن خالدا لم يدع أهل اليمن بالحكمة، و الموعظة الحسنة، و لا جادلهم بالتي هي أحسن. و لذلك لم يستجيبوا له رغم مرور ستة أشهر على محاولاته، كما أن الناس لم يروا محاسن الإسلام على تصرفات خالد، و من معه، و لم تظهر لهم حقائقه و دقائقه، و لا تلمسوا أهدافه، و مراميه. .

أي أنه لم يكن داعيا إلى اللّه بأفعاله و سلوكه، ليكون مصداقا لقول أهل بيت العصمة: «كونوا دعاة إلى اللّه بغير ألسنتكم» .

بل ربما يكون قد أساء إليهم، و حاول أن يبتزهم في أموالهم أو في أعراضهم، أو أن يفرض عليهم الإستسلام، و الخضوع لأوامره و نواهيه، ليكون إسلامهم مجرد لقلقة لسانية ليس وراءها إيمان و لا اعتقاد. .

أي أنه لم يزد على أن قدم لهم مجرد دعوة لسانية، و لعلها كانت تحمل في ثناياها الكثير من التحديات، و المنفرات لهم.


1) راجع: تفسير الآلوسي ج 23 ص 214.

2) الآية 125 من سورة النحل.

أما علي «عليه السلام» فقد بادر إلى إظهار عبوديته و من معه للّه تعالى، و أظهر لهم أيضا أن الإسلام يجعل من جميع الناس، الذين هم متفرقون عشائريا، و مناطقيا و طبقاتيا في مجتمعاتهم، من الناحية الإقتصادية، و الثقافية، و العرقية و غير ذلك من عناوين أراد اللّه أن تكون من أسباب التكامل و التعاون فيما بين البشر، فجعلت منها الأهواء أسبابا للتمزق، و التفرق، و التشتت و التفتت-أظهر لهم أن الإسلام يجعل منهم-صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص، لهم قائد واحد، و هدف واحد، و اتجاه واحد.

ثالثا: قد نجد في النصوص المتقدمة ما يشير إلى أن خالدا كان هو المشكلة و العائق، حيث إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بإرجاعه، دون جميع من عداه. . فإنه قد خيرهم بين الرجوع معه، و المضي مع علي «عليه السلام» ، و إن كنا لم نستطع أن نتبين طبيعة الإساءة التي صدرت منه، و لا بينت لنا النصوص حقيقة ما صدر منه بالتفصيل. . فلاحظ ما سنشير إليه فيما يلي أيضا. .

إرجاع خالد دون من عداه:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر عليا «عليه السلام» أن يقفل خالدا إليه، أما من معه، فهم بالخيار بين أن يقفلوا معه، و أن يلحقوا بأمير المؤمنين «عليه السلام» . .

و هذا يثير أكثر من علامة استفهام حول خالد، و حول طبيعة أدائه فيما يرتبط بالمهمة التي انتدبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها.

و تتأكد هذه الشبهة إذا لوحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يلزم أحدا

ممن كانوا مع خالد بالمضي، أو بالرجوع. .

و لعل عدم الإلزام هذا يهدف إلى تحقيق فرز طبيعي، و طوعي لمن كان يوافق على مسلكية خالد عمن كان لا يوافقه رأيه، و لا يرضى مسلكيته. و يكون الذين يلتحقون بعلي «عليه السلام» هم هذا الفريق الأخير. .

غير أن النصوص المتوفرة لنا لا تخولنا تحديد طبيعة الخلل الذي ظهر من خالد و من مؤيديه. . و نحن لا نستغرب شحة النصوص هنا، فإن الأمر يتعلق من جهة بخالد بن الوليد سيف السلطة الذي أشهرته في وجه معارضيها، ممن رفض البيعة لأبي بكر. .

و يرتبط بنحو أو بآخر بعلي «عليه السلام» ، الذي غصب حقه، و مورست ضده مختلف اساليب القهر و التزوير، و غير ذلك، و لم يزل مبغّضا لكل الذين تعاقبوا على مقام الخلافة منذ وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى ما بعد المئات من السنين. .

فغنمت أواقي ذوات عدد:

و الذي يقرأ سياق القصة، الذي ذكرناه آنفا وفقا لما ذكره الصالحي الشامي لا يجد فيها ما يشير إلى أن المسلمين قد خاضوا حربا، فما معنى قول البراء: فغنمت أواقي ذوات عدد. .

بل المذكور فيها هو: أن عليا «عليه السلام» صلى بأصحابه، ثم قرأ الكتاب على الناس، فأسلمت همدان. . فممّن غنم البراء تلك الأواقي ذات العدد الكثير؟ و أين جرى ذلك القتال؟ و مع من؟ و من الذي قتل أو أسر فيه؟ و من هم السبايا؟ و ما مصيرهم؟

فالظاهر الذي تعطيه مراجعة النصوص في المصادر الروائية و التاريخية:

أن ثمة خلطا بين الروايات، و الصحيح هو: أن عليا «عليه السلام» قد ذهب في سرية و ذهب خالد في سرية أخرى، و قال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن التقيتما فعلي هو الأمير. .

ثم جرى فتح بعض الحصون على يد علي «عليه السلام» ، و لعل خالدا أيضا قد حصّل بعض السبايا بسبب قتال في مجال آخر. . ثم اصطفى علي «عليه السلام» جاريته، و اشتكى عليه بريدة بتحريض من خالد. أو بمشاركة منه كما تقدم. .

و لعل هذا قد حصل في سرية كانت إلى بعض أطراف اليمن، أو القريبة منها، و هي غير إرسال علي «عليه السلام» و خالد لدعوة أهل اليمن. . حسبما فصلناه. .

سرور النبي صلّى اللّه عليه و آله بإسلام همدان:

إن سرور النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدخول الناس في الإسلام لهو أمر طبيعي يرفضه حرصه «صلى اللّه عليه و آله» على إخراج الناس من الظلمات إلى النور. بالإضافة إلى أن يشعر كل من ينجز عملا يتضمن نجاة النفوس من الهلاك بنشوة خاصة، و لذة غير عادية.

و لكن ما أظهره النبي «صلى اللّه عليه و آله» من سرور حين بلغه إسلام قبيلة همدان كان غير عادي أيضا إذا قيس بما رأيناه منه حين إسلام جماعات أخرى من الناس قد تكون أكثر عددا، و لها موقع قد يتراءى أنه أشد حساسية، و أعظم أهمية. .

فقد سجد «صلى اللّه عليه و آله» ثم رفع رأسه و قال: السلام على همدان. . أكثر من مرة. و أطلق كلمات هامة في حق همدان أيضا. .

و نحن نعلم: أن اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمر، يعكس أهمية ذلك الأمر في تأييد الدين، و نيل رضا رب العالمين، فهل تراه كان ينظر إلى الغيب، و تكشف له الحجب عن موقف مميز لهذه القبيلة، يكون له أثر هام في تأييد دين اللّه، و في نصرة وصيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و وليه تبارك و تعالى؟ !

و إذا راجعنا التاريخ، فإننا لا نجد لهمدان هذا الموقف المميز في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كانت لها مواقف عظيمة بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» طافحة بالتأييد و النصرة في ساحات الجهاد لوصي علي أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام، في صفين و في غيرها، حتى قال «عليه السلام» مادحا لها:

فلو كنت بوابا على باب جنةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام (1)


1) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 1 ص 394 و البحار ج 32 ص 477 و ج 38 ص 71 و أصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص 9 و الغدير ج 11 ص 222 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 552 و الإمام علي بن ابي طالب «عليه السلام» للرحماني الهمداني ص 770 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 556 و 575 و مواقف الشيعة ج 1 ص 390 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 43 و شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 217 و ج 8 ص 78 و تفسير الآلوسي ج 19 ص 149 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 487 و الأعلام للزركلي ج 8 ص 94 و أنساب الأشراف للبلاذري ص 322 و الأنساب للسمعاني ج 5 ص 647 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري ص 25 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 252 و تاريخ الكوفة للسيد البراقي ص 234 و 531 و أعيان الشيعة ج 1 ص 410 و 489 و 505 و 553 و ج 2 ص 515 و ج 4 ص 160 و 366 و ج 7 ص 43 و 243 و 245 و ج 9 ص 234 و وقعة صفين للمنقري ص 274 و 437 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 604 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 2 ص 255 و الخصائص الفاطمية للشيخ الكجوري ج 2 ص 110.

و نذكر مثالين آخرين هنا أيضا من مواقف همدان في نصرة الحق و أهله، و هما:

1-إنه حين أراد أهل الكوفة بعد موت يزيد «لعنه اللّه» أن يؤمروا عليهم الخبيث المجرم عمر بن سعد لعنه اللّه و اخزاه، جاءت نساء همدان، و ربيعة، و كهلان، و الأنصار، و النخع إلى الجامع الأعظم صارخات، باكيات، معولات، يندبن الحسين «عليه السلام» و يقلن: أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسين حتى أراد ان يكون أميرا علينا على الكوفة؟ !

فبكى الناس و أعرضوا عنه (1).

2-إنه حين طعن الإمام الحسن «عليه السلام» دعا ربيعة و همدان. فأطافوا به و منعوه، فسار و معه شوب من غيرهم (2).


1) مروج الذهب ج 2 ص 105 و مقتل الحسين للمقرم ص 246 عنه. و أنصار الحسين «عليه السلام» للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 199 عن المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد) : الكامل (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم و السيد شحاتة -مطبعة نهضة مصر) (غير مؤرخة) ج 1 ص 223.

2) كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 163 و راجع: الأخبار الطوال ص 217 و الإرشاد للمفيد ج 2 ص 12 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 41 و أعيان الشيعة ج 1 ص 569.

لعله يغضب لابنته:

و قد ذكرت بعض نصوص حديث بريدة المتقدم: أنه لما ارتد عمرو بن معديكرب أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إلى بني زبيد، فغنم و سبى، و اصطفى «عليه السلام» جارية، و ذهب بريدة ليشتكي على علي «عليه السلام» .

فسار حتى انتهى إلى باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، و عن الذي أقدمه. فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي «عليه السلام» ، و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.

فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي.

ثم ذكرت الرواية: أن بريدة دخل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و جعل يحدثه بما جرى، فتغير وجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له بريدة: إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم. .

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : و يحك يا بريدة، أحدثت نفاقا! !

إن علي بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحل لي.

إن علي بن أبي طالب خير الناس لك و لقومك، و خير من أخلف بعدي لكافة أمتي.

يا بريدة، احذر أن تبغض عليا فيبغضك اللّه.

قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها الخ. . (1).

و الذي يثير الإنتباه في هذا النص هو الأمور التالية:

1-إن بريدة قدم خصيصا ليقع في علي «عليه السلام» .

و السؤال الظاهر هنا هو: ألم يكن بإمكانه هو و خالد بن الوليد أن يصبرا حتى يقدما مع السرية على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

أم أنهما أرادا أن يتخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إجراء غيابيا في حق علي «عليه السلام» من دون أن يتمكن علي «عليه السلام» من الدفاع عن نفسه؟

أم أن الذي دعاهما للعجلة هو شدة بغضهما لعلي «عليه السلام» ، و قد وجدا الفرصة للتنفيس عن هذا الحقد؟

أم أنهما خافا أن يحن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى صهره، و ابن عمه، لو أن الشكوى كانت بحضوره؟ !

أما في حال غيبته، فإن و طأة هذا الحنين ستكون أخف، و لعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسارع إلى إصدار حكمه ضده، و سيكون التراجع عنه صعبا، أو سيكون تراجعا ضعيفا و ترقيعيا، لا يفي بالغرض، و لا يزيل جميع الآثار و الندوب و التشويهات؟ !

2-إن عليا «عليه السلام» قد بين لهم الحكم الشرعي، فلما ذا، و ما هو


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 160 و 161 و راجع: قاموس الرجال ج 2 ص 288 عنه. و راجع: المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 98 و البحار ج 21 ص 358 و كشف الغمة ج 1 ص 230.

المبرر للوقيعة به عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن اتضح لهم أنه «عليه السلام» لم يخالف حكم اللّه، فإن كانوا يرون خطأ علي «عليه السلام» فيما قال فلما ذا لم يعترضوا عليه، و يفندوا أقواله؟ !

ثم ألم يخطر في بالهم أن يجيبهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفس ما أجابهم به علي «عليه السلام» ؟

و هذا ما حصل بالفعل، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أكد ما قاله لهم علي «عليه السلام» و زاد عليه: أن نصيب علي في الخمس كان أكثر من وصيفة.

3-ما هذا الحرص من عمر بن الخطاب على رؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله» يغضب على علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، من أجل ابنته فاطمة الزهراء «عليها السلام» . .

فهل كان يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يبيح للناس أمرا. . ثم إنه حين يكون الأمر متعلقا بابنته، يغضب و يمنع منه، انطلاقا من هواه و العياذ باللّه؟

و لما ذا لم يقل عمر لبريدة: إن وقيعته بعلي «عليه السلام» لا تجدي، لأن عليا «عليه السلام» قد فعل ما يحل له. . إلا إذا كان عمر بن الخطاب أيضا يجهل هذا الحكم الشرعي؟ ! و هذا ما لا يرضى فريق كبير من الناس بنسبته إلى عمر! !

4-إن عليا «عليه السلام» كان رجلا حييا و ستّيرا و لم يكن من عادته أن يظهر للناس أي شيء يدلهم على طبيعة ممارساته الجنسية، إلا إذا قتضت ضرورات دينية ذلك منه، و قد رأيناه هنا و كأنه يعتمد دفعهم إلى معرفة ما فعله، حيث يخرج على الناس و رأسه يقطر، فدعاهم ذلك إلى سؤاله عن

ذلك، و إذ به يجيبهم بالتفصيل، مصرحا لهم: بأنه قد وقع بتلك الوصيفة التي هي من أفضل السبي، على حد تعبير الروايات، و قد رأوها و عرفوها و لعلهم كانوا يرغبون بها أيضا.

مع أنه كان يستطيع أن يتجنب التصريح بهذا الأمر، فإن الإغتسال قد يكون لأكثر من سبب، أو أن يمتنع عن الإجابة، و يقول: ما أنتم و هذا السؤال؟

خير الناس علي عليه السّلام:

و قد ذكرت رواية المفيد «رحمه اللّه» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لبريدة عن علي «عليه السلام» : إنه خير الناس لبريدة و لقومه، بل هو خير من يخلف بعده لكافة أمته «صلى اللّه عليه و آله» .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أدخل عليا «عليه السلام» إلى قلب بريدة عن طريق الرغبة الطبيعية لكل إنسان باستجلاب المنافع لنفسه و لقومه، و درء المضار و الأسواء عن نفسه و عنهم. .

ثم أطلق «صلى اللّه عليه و آله» دعوته الشاملة لكافة أمته إلى محبة علي «عليه السلام» ، مرتكزا في دعوته تلك على نفس هذه المعادلة التي قدمها لبريدة. .

و بديهي: أن الناس قبل تصفية أرواحهم، و السمو بنظرتهم، و إطلاق عقولهم من أسر الأهواء و الشهوات، ينطلقون في مواقفهم من حبهم و بغضهم، و ارتباطاتهم، و يكون إقدامهم و إحجامهم من منطلقات محسوسة أو قريبة من الحس بالنسبة إليهم، و لا يتفاعلون بعمق مع المثل و القيم الشريفة، و المفاهيم و المعاني الإيمانية العالية، ذات القيمة الروحية و المعنوية.

من أجل ذلك كان لا بد من الرفق بهم، و تيسير الأمور عليهم، بإبراز الجانب الحسي، أو القريب من الحس لتقريبهم من خط الإستقامة على طريق تصفية قلوبهم، و أرواحهم، ليتمكنوا من نيل المعاني السامية، و التفاعل الروحي معها، و الإنصهار في بوتقة الإيمان، و الإنشداد إلى كل حقائقه و دقائقه، و التفاعل معها بكل وجودهم.

ما المبرر لهذا البغض؟ ! :

و قد دلنا بريدة على بغضه الشديد لعلي «عليه السلام» ، حتى لقد ذكر أنه كان يحب البعض لمجرد معرفته بشدة بغضه لأمير المؤمنين «عليه السلام» . . و لكنه لم يذكر لنا أي مبرر لهذا البغض، رغم أن بريدة قد أسلم في أول سني الهجرة، حين مرّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» به-مهاجرا-من مكة، ثم قدم إلى المدينة بعد بدر و أحد (1).

و قيل: إنه أسلم بعد منصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل بدر (2).


1) الإصابة ج 1 ص 146 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 173 و 174 و 175 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 235.

2) سبل السلام ج 1 ص 107 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 400 و ج 2 ص 191 و شرح مسند أبي حنيفة للملا علي القاري ص 103 و فيض القدير ج 1 ص 421 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 27 و تقريب التهذيب ج 1 ص 124 و 378 و الأعلام للزركلي ج 2 ص 50 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 76 و أعيان الشيعة ج 3 ص 560 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 377 و الإصابة ج 1 ص 146 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 173 و 174 و 175.

فبريدة إذن قد عاش مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع علي «عليه السلام» سنوات عديدة، يرى فيها تضحيات علي «عليه السلام» و سلوكه المثالي، و عبادته، و استقامته، و يرى حب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تقديمه له، و يسمع أقواله فيه، فلما ذا استمر على بغضه، و لم يؤثر فيه شيء من ذلك؟ !

ثم جاء هذا التحول الذي يتحدث عنه بريدة، بعد أن وجد نفسه أمام غضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و غضب اللّه سبحانه، الأمر الذي جعله أمام خيار خطير جدا لا قبل له به، فآثر أن يعلن توبته عن هذه الموبقة الكبرى، على الرضا بأن يكون في دائرة الكفر و النفاق، الذي انتقل-بما سمعه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -من الخفاء إلى العلن، و كاد أن يجد نفسه أمام فضيحة مرعبة و هائلة. . تجعله في مواجهة الخزي و العار، و في موضع غضب اللّه و رسوله في الدنيا و الآخرة.

و قد كان بريدة قبل هذه الحادثة يرى أنه قادر على التعلل فيما بينه و بين نفسه بأن له الحق في أن يبغض عليا «عليه السلام» ، إن كان لم يسمع قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه: لا يبغضك إلا منافق، أو ابن زنا، أو نحو ذلك. . ثم أن يزين لنفسه أن جهاد و تضحية علي «عليه السلام» و ما يراه من مواقف له، و ما يسمعه من ثناء نبوي عليه، إنما يجري وفق ظواهر الأمور، و ربما تكون البواطن على خلاف ذلك. .

و لكنه بعد هذا الحدث-الصدمة-لم يعد قادرا على السير في هذا الإتجاه، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبره-و هو كما قال اللّه عز

و جل: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1)-: أن اللّه يبغض مبغض علي «عليه السلام» ، و أن حبه واجب عليه، و أنه ولي كل مؤمن، فلم تعد القضية مقتصرة على ظواهر الأمور، بل هي قد كشفت بواطنها أيضا. .

إختلاف أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ظهر من الروايات التي ذكرناها فيما سبق: أنها تتضمن نصوصا متعددة كلها منسوبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق علي «عليه السلام» . .

و نبادر إلى القول:

إن ذلك الإختلاف لا يقلل من قيمتها، و لا يسيء إلى صدقيتها، و اختلافها لا يؤيد الحكم باختلاقها. لأن من القريب جدا أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك كله، لكن الرواة قد اختزلوا أقواله لدواع مختلفة.

و لعل بعض الإختلاف قد كان بسبب النقل بالمعنى أحيانا، كما أن نسيان الراوي لبعض الفقرات، قد يكون له دور في اقتصار روايته على فقرات دون غيرها. فليلاحظ ذلك.

علي عليه السّلام قابض أم قاسم:

قد اختلفت الروايات المتقدمة في المهمة التي أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» لإنجازها، هل هي قبض الخمس من خالد؟


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

أم قسمة الفيء؟

و لعل الأرجح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسله ليغنم، و ليقبض، و يقسم، إذ لو كان المقصود هو مجرد قبض الخمس، فقد كان بإمكان خالد أن يرسله، أو أن يوصله هو إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دون حاجة إلى الطلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يرسل إليه من يقبضه منه. .

و قد كانت السرايا تقتسم الغنائم، و تحتفظ بالخمس إلى حين قدومها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لم نعهد في أية سرية سوى هذه السرية أن قائد سرية أرسل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطلب منه أن يبعث إليه من يقبض منه خمس الغنائم، و ما أكثر السرايا التي أسر و سبى فيها المسلمون الشيء الكثير، العشرات و المئات، و غنموا في بعضها المئات و الألوف، من الإبل، و الغنم، و غير ذلك. .

فما جرى في هذه الحادثة يعطينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» -لسبب ما- كان قد منع خالدا من التصرف بشيء من السبي و الغنائم. إما لأنه كان يتهمه في أمانته، أو لأنه أراد أن ينبه الناس على أن تأميره على السرية لا يعني صلاحيته لأي أمر آخر قد يحاول أن يرشح نفسه، أو يرشحه محبوه له.

أو لغير ذلك من مقاصد. .

تتابع المخبرين:

و قد صرح النص المذكور عن الطبراني: بأن المخبرين قد تتابعوا على

خالد بما صنعه علي «عليه السلام» ، ثم تتابعت الأخبار.

و هذا يدل على: أن المهتمين بإيصال أخبار علي «عليه السلام» إلى خالد كانوا على درجة كبيرة من الكثرة، و في ذلك إشارة إلى كثرة المتعاطفين مع خالد، و المتحاملين على علي «عليه السلام» . .

و لا بد أن ينتج ذلك أيضا: أن يكون الذين سوف يطلعون على موقف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هذا الأمر سيكونون كثيري العدد جدا، خصوصا بعد انضمام كثير من أهل المدينة إليهم. . و سوف يزداد انتشار خبر بريدة، حين يرى الناس تبدل أحواله تجاه علي «عليه السلام» و تحوله من مبغض حاقد إلى محب مادح و حامد. و لا بد أن يكون ذلك مفيدا جدا في تعريف الناس على ولاية علي «عليه السلام» ، التي أنشأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قوله لبريدة: من كنت وليه فعلي وليه.

أخذ الكتاب بشماله:

و عن أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتاب خالد من بريدة بشماله نقول:

إن لهذا الحديث مغزى عميقا، و دلالة هامة جدا، لأن المروي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه: «كان يمينه لطعامه و شرابه، و أخذه و إعطائه، فكان لا يأخذ إلا بيمينه، و لا يعطي إلا بيمينه، و كان شماله لما سوى ذلك من بدنه، و كان يحب التيمن في كل أموره» (1).


1) مكارم الأخلاق ص 23 و البحار ج 16 ص 237 و سنن النبي للسيد الطباطبائي ص 120 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 1 ص 144 و مستدرك سفينة البحار ج 14 ص 154 و تفسير الميزان ج 6 ص 313 و معجم المحاسن و المساوئ لأبي طالب التبريزي ص 471. و راجع: سنن النسائي ج 8 ص 133 و منتهى المطلب (ط ق) ج 1 ص 306 و مغني المحتاج للشربيني ج 1 ص 55 و فتح المعين ج 1 ص 65 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 90 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 19 و 110 و ج 2 ص 87 و تلخيص الحبير ج 1 ص 419 و مسند أحمد ج 6 ص 94 و 130 و 147 و 210 و صحيح البخاري ج 1 ص 110 و ج 6 ص 197 و ج 7 ص 49 و صحيح مسلم ج 1 ص 156 و سنن أبي داود ج 2 ص 277 و شرح مسلم للنووي ج 3 ص 160 و 161 و مسند أبي داود الطيالسي ج 1 ص 200 و مجمع الزوائد ج 5 ص 171 و ج 10 ص 139 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 5 ص 519 و مشكاة المصابيح للهيثمي ج 2 ص 111 و الفتح الكبير ج 2 ص 364 و عمدة القاري ج 3 ص 31 و ج 4 ص 171 و ج 21 ص 31 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 820 و 821 و مسند ابي يعلى ج 4 ص 478 و الجامع الصغير ج 2 ص 351 و كنز العمال ج 7 ص 124 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 386 و 481 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 411 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 61 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 258 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 93 و ج 9 ص 354 و النهاية في غريب الحديث ج 5 ص 302 و لسان العرب ج 13 ص 458 و مجمع البحرين ج 4 ص 583.

فأخذه كتابه بشماله-و هو ما لم نقرأ و لم نسمع أنه فعله في أي مورد آخر- يدلنا على: أن اللّه سبحانه قد كشف لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» عن مضمون تلك الرسالة، و عرفه أنها تحمل في طياتها أمورا لا خير و لا يمن فيها، بل هي بمثابة قاذورات لا بد من التنزه عنها قولا، و فعلا، و ممارسة، كما لا بد من إرفاقها بدلالات عملية، من شأنها أن تتجذر في عمق الذاكرة، لتبقى العلامة

الفارقة، التي لا مجال للتلاعب بها، أو التحايل عليها، و التي تشير إلى أن ثمة معنى سلبيا لا يتمكن أصحاب الأهواء من التعمية عليه، و تضييع سبل الوصول إليه.

من كنت مولاه فعلي وليه:

و يأتي قوله «صلى اللّه عليه و آله» لبريدة في هذه المناسبة بالذات: «من كنت وليه، فعلي وليه» ، ليدل على أن ما يفعله علي «عليه السلام» في الشأن العام و كل ما يرتبط بالناس، فإنما هو من موقع الولاية، التي بيّن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها ثلاثة أمور:

الأول: أنها من سنخ ولايته «صلى اللّه عليه و آله» . .

الثاني: أن سعتها و امتدادها يوازي سعة و امتداد ولاية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

الثالث: أنها ولاية فعلية، و في عرض ولاية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليست إنشائية، بحيث تكون فعليتها بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما ربما يتوهمه البعض.

علي عليه السّلام يفعل ما أمر به:

و قد صرحت رواية الطبراني المتقدمة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لبريدة حينما وقع في علي «عليه السلام» بسبب الجارية: «أحب عليا، فإنما يفعل ما أمر به» .

و هذا معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الذي دبر هذا الأمر، و ذلك بأمر من اللّه تبارك و تعالى، ربما ليمهد السبيل إلى التقرير

الواضح و الصريح: في أن ولاية علي «عليه السلام» على الناس على حد ولاية النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم.

فإن استدراج خالد و حزبه لإظهار دخائل نفوسهم تجاه علي «عليه السلام» كان مطلوبا. . لتعريف الناس بأن ذلك يغضب اللّه و رسوله. . و ليكون كل موقف يتخذه هؤلاء، و من هم على شاكلتهم إذا كان يتضمن الطعن في علي «عليه السلام» ، و الإنتقاص منه، فإنما يمثل تمردا منهم على وليهم الذي تبلغ حدود ولايته نفس ما بلغته ولاية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليهم. .

و بذلك تكون الحجة قد أقيمت و تمت على هؤلاء و على غيرهم، من اللّه و رسوله، قبل اتخاذهم أي موقف. الأمر الذي يجعل مواقفهم المخالفة قبل حدوثها مدانة و مرفوضة، و ساقطة سلفا، و هي من موجبات غضب اللّه و رسوله، و لا مجال لأي بحث، و لا يصح أي جدل فيها و حولها.

الغضب العظيم:

و قد صرح بريدة: بأنه رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد غضب غضبا لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة و النضير. .

و كيف لا يغضب «صلى اللّه عليه و آله» و هو يرى أن هؤلاء يصرون على الطعن في علي «عليه السلام» ، و على عدم الاستسلام لأمر اللّه و رسوله فيه، رغم مرور السنوات على رؤيتهم لجهاده و تضحياته، و كراماته الظاهرة، و آياته الباهرة، في بدر و في أحد، و في خيبر، و الخندق، و الفتح، و حنين، و ذات السلاسل و غير ذلك، و رغم سماعهم مباشرة، أو من خلال الشياع في الآفاق

ما كان ينزله اللّه تعالى فيه من آيات، و ما يقوله رسوله «صلى اللّه عليه و آله» في حقه «عليه السلام» .

فلما ذا يصمون آذانهم، و يطبقون أعينهم، فلا يرون، و لا يسمعون، و لا يعقلون ذلك كله، و لا يستجيبون لما يريده اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و ذلك هو سر تناهي غضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا الحد، فإن من الواضح: أن عدم الإنقياد للإمام «عليه السلام» و عدم الرضا بالإمامة يوازي هدم أساس الإسلام، و تقويض أركانه.

وفد همدان:

و في سنة تسع، و بعد مرجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك جاء وفد همدان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع وفود و ملوك حمير.

قالوا: «و كان الوافدون من كل بطن سيدهم، فكتب لهم «صلى اللّه عليه و آله» كتابا، و جعل لهم بعض الأراضي «ما أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة» ، فأسلموا، و استعمل مالك بن نمط على من أسلم من قومه، و أمره بقتال ثقيف، فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه» (1).


1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 379 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1360 و الإصابة ج 3 ص 356 و (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 559 و تاريخ الخميس ج 2 ص 195 شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34 و أسد الغابة ج 4 ص 294 و زاد المعاد ج 3 ص 34 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 244-245 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 391 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 482.

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال حين قدوم وفد همدان: «نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، و ما أصبرها على الجهد، و فيهم أبدال، و فيهم أوتاد الإسلام» (1).

و نقول: إن لنا ملاحظات على ما سبق هي التالية: 1-قالوا: «لم تكن همدان تقاتل ثقيفا، و لا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن، و ثقيف بالطائف» (2).

و لذلك رجحوا بل صححوا الحديث المتقدم، عن أن إسلام همدان كان على يد علي «عليه السلام» في اليمن نفسها، لا أنهم وفدوا إلى المدينة و أسلموا فيها (3).

2-استدل الزرقاني على بطلان حديث وفود همدان و إسلامها بنفس حديث إرسال خالد ثم علي «عليه السلام» إلى اليمن، إذ لو كانوا وفدوا إلى المدينة و أسلموا لم يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالدا و لا عليا «عليه


1) أسد الغابة ج 2 ص 51 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 377 و 387 و كنز العمال ج 12 ص 68 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 341 و تاريخ مدينة دمشق ج 15 ص 186 و أعيان الشيعة ج 1 ص 243 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 265.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 195 عن هدى العباد لابن القيم، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34 و السيرة الحلبية ج 2 ص 230 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 265 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 391.

3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34 و السيرة الحلبية ج 3 ص 230.

السلام» إليهم.

و هناك مفارقة أخرى، و هي: أن في حديث البراء: أن بعث خالد و علي «عليه السلام» قد كان في السنة الثامنة بعد قسمة غنائم حنين في الجعرانة، و الوفد إلى المدينة إنما كان في التاسعة بعد تبوك.

فكيف يقال: إنهم أسلموا حين وفدوا إلى المدينة؟ .

ثم جمع بين القولين: بأنه قد يكون الذين أسلموا طائفة من همدان، و الوفد إلى المدينة كان من طائفة أخرى منها، و إن اتحدا في الاسم (1).

و نقول: إن هذا الجمع لا يصح، لأن النص المتقدم يقول: «فأسلمت همدان جميعا» .

إلا أن يقال: لعل المقصود: أن جميع من حضر منها قد أسلم بدعوة علي «عليه السلام» .

و لكن هذا الإحتمال خلاف ظاهر النص، فلا يصار إليه. .

و لعل الأقرب إلى الإعتبار أن يقال: قد تضمن كلام مالك بن نمط في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على أنهم كانوا مسلمين قبل وفودهم إليه، لا أنهم قد وفدوا، ثم أسلموا عنده، فقد قال مالك:

«أتوك على قلص نواج، متصلة بحبال الإسلام، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، من مخلاف خارف، و يام، و شاكر، أهل السّود، و القود. أجابوا دعوة الرسول، و فارقوا الآلهات و الأنصاب، الخ. .» (2).


1) راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34.

2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 244 و (نشر مكتبة علي صبيح بمصر) ج 4 ص 1017 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 101 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 239 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 389 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 299 و معجم ما استعجم ج 3 ص 848 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 1 ص 333.

و مما يدل على ذلك دلالة واضحة أيضا: قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى عمير ذي مرّان و من أسلم من همدان كتابا جاء فيه:

«أما بعد ذلك، فإنه بلغنا إسلامكم، مرجعنا من أرض الروم (أي من غزوة تبوك) فأبشروا، فإن اللّه قد هداكم بهداه. .» .

إلى أن قال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هي زكاة تزكونها عن أموالكم لفقراء المسلمين. .» .

إلى أن قال: «و كتب على بن أبي طالب» (1).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 70 و نقله في مكاتيب الرسول ج 3 ص 393 عن اليعقوبي، و عن: المعجم الكبير ج 17 ص 47 و 48 و أسد الغابة ج 4 ص 147 و رسالات نبوية ص 202 و إعلام السائلين ص 24 و الإصابة ج 3 ص 121 في ترجمة عمير و ج 3 ص 354 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 339 و 340/18479 و نشأة الدولة الإسلامية ص 346. و مجموعة الوثائق السياسية ص 230/111 عن جمع ممن تقدم، و عن: معجم الصحابة لابن قانع خطية كوپرلو ملخصا ورقة:121-ألف، ثم قال: قابل المعارف لابن قتيبة ص 234 و راجع ص 719 عن سبل الهدى و الرشاد للشامي خطية باريس/1992 ورقة: 67-ألف. و أوعز إليه في: أسد الغابة ج 2 ص 145 في «ذي مران» و ج 3 ص 83 في عامر بن شهر، و الإصابة ج 2 ص 251 في عامر بن شهر، و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 493 و الطبقات الكبرى ج 6 ص 18 و 42 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 2414 و الإكليل ج 10 ص 49. و في رسالات نبوية: قال الحافظ و ابن الأثير: أخرج الطبراني-ثم ساق الكتاب، فقال-قال ابن الأثير: أخرجه ابن مندة، و أبو نعيم، و ابن عبد البر، و أخرجه ابن سعد في الطبقات.

فيلاحظ في هذا الكتاب: 1-إنه يذكر: أن إسلام همدان قد بلغه بعد رجوعه من تبوك، و هو يدل على أنهم قد أسلموا في بلادهم قبل وصول وفدهم إليه، بل إن هذا الكتاب نفسه يدل على أنهم قد أسلموا أولا، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكتب لهم هذا الكتاب، و لعلهم قد أرسلوا إليه وفدا بعد وصول هذا الكتاب إليهم. .

2-إن هذا الكتاب كان بخط علي «عليه السلام» ، فلعله كان هو الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامهم.

و لكن السؤال هنا هو: إذا كان علي «عليه السلام» قد ذهب إليهم فور الفراغ من حرب حنين، فإنه قد عاد قبل غزوة تبوك قطعا، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خلفه في المدينة في هذه الغزوة قائلا له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. .» ، فلما ذا أخر إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامهم إلى ما بعد عودته من تبوك؟ !

بل إن النصوص المتقدمة قد صرحت: بأنه لما أسلمت همدان كتب «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامهم، فلما قرأ الكتاب خر «صلى اللّه عليه و آله» ساجدا، و قال: السلام على همدان الخ. .

و يمكن أن يجاب: بأن ذلك و إن كان صحيحا، لكن لعله «صلى اللّه

عليه و آله» كان ينتظر تأكد إسلامهم عمليا، بحيث يظهر ذلك، و يرى الناس صدقهم فيه، و أنه لم يكن عن خوف من علي «عليه السلام» . . فلما بلغه ذلك كتب إليهم بهذا الكتاب.

3-لقد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يستبق الأمور فيما يرتبط بدفع الوساوس و الشبهات عن الناس، و تحصينهم من سوء الظن الذي يسيء إلى صفاء العقيدة، بل قد يسوقهم إلى التشكيك بالنبوة، و الخروج من الإسلام، أو يجعل إسلامهم مشوبا بالنفاق، حين يظنون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حب الدنيا، و الطمع بأموالهم. .

فأفهمهم «صلى اللّه عليه و آله» بما كتبه إليهم عن الصدقات التي تؤخذ منهم: أنه لا مجال لتلك التوهمات في حقه، لأن ذلك مما لا يمكن حصوله، فقد أعلمهم أن هذه الأموال التي يأخذها منهم محرمة عليه و على أهل بيته أيضا.

يضاف إلى ذلك: أنها ملك الغير، و ليس مطلق الغير، بل خصوص الفقراء منهم.

فيتعاضد الحاجز الشرعي المتمثل بحرمة ذلك، مع المانع العاطفي و الإنساني، ما دام أن ذلك المال هو للفقراء، الذين يكون نفس فقرهم حاجزا للإنسان عن العدوان على أموالهم، الأمر الذي يجعل من أي وسوسة شيطانية ظاهرة الفساد، و لا يمكن إفساح المجال لها، إلا ممن يكون في قلبه مرض.

الفصل الثامن: عودة علي عليه السّلام إلى اليمن

اشارة

سرية علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى اليمن المرة الثانية:

قال محمد بن عمر، و ابن سعد، و اللفظ للأول: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا إلى اليمن في شهر رمضان، و أمره أن يعسكر بقناة، فعسكر بها حتى تتامّ أصحابه. فعقد له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لواء، و أخذ عمامته فلفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه. و عممه بيده عمامة ثلاثة أكوار، و جعل له ذراعا بين يديه، و شبرا من ورائه، و قال له: «امض و لا تلتفت» .

فقال علي «عليه السلام» : يا رسول اللّه، ما أصنع؟

قال: «إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، و ادعهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه، فإن قالوا: نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا، فمرهم بالزكاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، و اللّه، لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت» .

فخرج علي «عليه السلام» في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد. فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد من مذحج فرق أصحابه، فأتوا بنهب و غنائم و سبايا، نساء و أطفالا، و نعما و شاء، و غير ذلك.

فجعل علي «عليه السلام» على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي،

فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقى لهم جمعا. ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، و رموا أصحابه بالنبل و الحجارة.

فلما رأى أنهم لا يريدون إلا القتال صف أصحابه، و دفع اللواء إلى مسعود بن سنان السلمي، فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن خزاعي، فقتله الأسود، و أخذ سلبه.

ثم حمل عليهم علي «عليه السلام» و أصحابه، فقتل منهم عشرين رجلا، فتفرقوا و انهزموا، و تركوا لواءهم قائما، و كفّ علي «عليه السلام» عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا و أجابوا.

و تقدم نفر من رؤسائهم، فبايعوه على الإسلام و قالوا: نحن على من وراءنا من قومنا. و هذه صدقاتنا، فخذ منها حق اللّه تعالى.

و جمع علي «عليه السلام» ما أصاب من تلك الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها للّه، ثم أقرع عليها، فخرج أول السهمان سهم الخمس، و قسم علي «عليه السلام» على أصحابه بقية المغنم. و لم ينفل أحدا من الناس شيئا، و كان من كان قبله يعطون خيلهم الخاص دون غيرهم من الخمس، ثم يخبرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك فلا يردّه عليهم، فطلبوا ذلك من علي «عليه السلام» ، فأبى، و قال: الخمس أحمله إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرى فيه رأيه (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 238 و السيرة الحلبية ج 3 ص 206 و الطبقات الكبرى ج 2 ق 1 ص 122 و شرح المواهب اللدنية ج 5 ص 177 عن ابن سعد و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 96 و 97 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 21 ص 627.

و أقام فيهم يقرئهم القرآن، و يعلمهم الشرائع، و كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا مع عبد اللّه بن عمرو بن عوف المزني يخبره الخبر.

فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد اللّه بن عمرو بن عوف إلى علي «عليه السلام» بذلك، فانصرف علي «عليه السلام» راجعا.

فلما كان بالفتق تعجل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخبره الخبر، و خلّف على أصحابه و الخمس أبا رافع، فوافى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة قد قدمها للحج.

و كان في الخمس ثياب من ثياب اليمن، أحمال معكومة، و نعم و شاء مما غنموا، و نعم من صدقة أموالهم. فسأل أصحاب علي «عليه السلام» أبا رافع أن يكسوهم ثيابا يحرمون فيها، فكساهم منها ثوبين ثوبين.

فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي «عليه السلام» ليتلقّاهم ليقدم بهم، فرأى على أصحابه الثياب، فقال لأبي رافع: ما هذا؟

فقال: «كلموني، ففرقت من شكايتهم، و ظننت أن هذا ليسهل عليك، و قد كان من قبلك يفعل هذا بهم» .

فقال: «قد رأيت امتناعي من ذلك، ثم أعطيتهم؟ ! و قد أمرتك أن تحتفظ بما خلّفت، فتعطيهم» ؟ .

فنزع علي «عليه السلام» الحلل منهم.

فلما قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شكوه، فدعا عليا «عليه السلام» ، فقال: «ما لأصحابك يشكونك» ؟

قال: ما أشكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا، و حبست الخمس حتى

يقدم عليك فترى فيه رأيك.

فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نقول: إن هذا النص قد تضمن أمورا عديدة يحسن الوقوف عندها، و هي التالية:

أول خيل دخلت إلى اليمن:

ذكر النص المتقدم: أن خيل علي «عليه السلام» كانت أول خيل دخلت إلى بلاد اليمن.

و هذا يلقي بظلال من الشك على ما تقدم، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل خالدا إلى اليمن، و أنه قد حصل على بعض الغنائم، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرسل إليه من يقبضها منه. .

إلا أن يقال: إنه ليس بالضرورة أن يكون خالد قد حصل على تلك الغنائم من بلاد اليمن، فلعلها حصلت له من مواجهات مع بعض القبائل التي صادفها في طريقه، أو قصدها لغرض الدعوة. .

و لعله حين دخل خالد إلى بلاد اليمن لم يدخلها في خيل قتال. . و لكنه قد تعرض لأهل اليمن ببعض ما يسوءهم، فأثار حفيظتهم، فامتنعوا عن الإسلام. . ثم لما جاءهم علي «عليه السلام» وجدوا فيه نمطا يختلف تماما عن نمط من سبقوه، فقبلوا منه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 239 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 97 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 628.

إمض و لا تلتفت:

إننا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي «عليه السلام» حين وجهه إلى اليمن: «إمض و لا تلتفت» .

و هذه هي نفس الكلمة التي قالها له «عليه السلام» : حين وجهه إلى يهود خيبر، حيث قتل مرحبا، و اقتلع باب خيبر، و فتح الحصن. . و لم نره قال ذلك لعلي «عليه السلام» في غير هذين الموردين.

و قد يقال: إن من نقاط الإشتراك بينهما: أن فتح خيبر، فيه إسقاط لهيمنة اليهود، في تلك المنطقة، و كسر لشوكتهم، و إذلال لهم. . و إسلام اليمن يمثل أيضا ضربة قوية لعنفوان اليهود، الذين كانت لهم هيمنة كبيرة و انتشار واسع في تلك البلاد.

يضاف إلى ذلك: إرادة إظهار مدى طاعة علي «عليه السلام» ، و التزامه بحرفية أوامر النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . . لكي يوازن الناس بين ذلك و بين ممارسات غيره، ممن تكون أهواؤهم، و عصبياتهم هي المهيمنة على تصرفاتهم.

ثم إن هذا التوجيه يشير إلى لزوم الإنضباط التام، و عدم التسامح، و لزوم الكف عن التوسع الإجتهادي في تطبيق الأوامر الصادرة عن القيادة، فكيف إذا كانت هذه القيادة معصومة، و لها مقام النبوة الخاتمة؟ !

ثم إن هذا الأمر يعطي الإيحاء القوي: بأن على الإنسان حين يكلف بمهمة جهادية، و خصوصا إذا كان ذلك من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يشغله أي شأن آخر، و أن يركز كل همه، و يحصر كل تفكيره، في تلك المهمة التي أوكلت إليه، و أن يقطع جميع تعلقاته بأي شيء آخر مهما كان. .

لا تقاتلهم حتى يقاتلوك:

إن الإمام «عليه السلام» حين قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما أصنع؟ فإنما أراد للناس كلهم أن يسمعوا الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و هو يحتم على مبعوثيه: أن لا يقاتلوا الآخرين حتى يقاتلوهم. و إن المهمة منحصرة في الدعوة إلى الإسلام و الإيمان، و أن المطلوب هو هداية الناس إلى اللّه، و إلى سلوك طريق الرشاد و السداد، و الهدى.

و هذا يشير إلى: أن هذا العدد الضخم لأفراد السرية قد كان لأجل أن يحفظ بعضهم بعضا في أسفارهم في البراري و القفار حتى لا يجتري عليهم ضعفاء النفوس، و المتطفلون، و الطامعون ممن يمتهنون السلب و النهب كوسيلة للحصول على ما يعتاشون به، كما هو حال كثير من الناس في تلك الأيام.

التدرج في الدعوة، و الإكتفاء باليسير:

و قد لوحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عليا «عليه السلام» : بأن تكون دعوته للناس على مراحل. .

و لوحظ أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عليا «عليه السلام» بأن يطلب منهم أمورا ثلاثة، بل هو قد منعه من طلب الزائد، أيّا كان نوعه و طبيعته. .

فالمطلوب الأول هو: أن يقولوا: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه. .

فمجرد قول هذه الكلمة يكفي في عدم جواز التعرض لهم بشيء، بل هو لم يسمح بأي من أنواع التدقيق و البحث عما وراء هذا القول، حتى و لا

الإستفهام عن درجة الإيمان و مضمونه. .

فإن قالوا ذلك، فالمطلوب الثاني هو: أن يصلّوا. .

فإن فعلوا ذلك، فالمطلوب الثالث هو: أن يزكّوا. .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حسم الأمر فيما زاد عن ذلك، فقال: و لا تبغ منهم غير ذلك.

و هذا يعني: أن على من يشارك في تلك السرايا أن لا يتوهم أنها من مصادر الرزق، و أنه يباح له سلب أموال الناس تحت غطاء الدين و الدعوة. .

و أن على الذين يدعون للإسلام أن لا يفكروا بأن هؤلاء الدعاة و من وراءهم يطمعون بأموالهم، أو بنسائهم، أو بالهيمنة عليهم. .

ثم إن الشهادة للّه بالوحدانية، و لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» بالرسالة هما من الأمور الإعتقادية القلبية، التي لا يعود نفعها لغير المعتقد بها. . و أما الصلاة فما هي إلا صلة و علاقة بين الإنسان و ربه. . و الزكاة أيضا إنما يعود نفعها للفقراء و المساكين، الذين لا يتحرج الناس في برّهم، و سدّ حاجاتهم. . و لا يجوز للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا لأحد من أهل بيته «صلى اللّه عليه و آله» ، و عشيرته أن يستفيد منها، و لو بمقدار حبة، و ذلك بمقتضى التشريع الإلهي الذي جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

هل أتوا بنهب و سبايا؟ ! :

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «عليه السلام» لما وصل إلى أدنى ما يريد من مذحج، فرق أصحابه، فأتوه بنهب و سبايا الخ. . قبل أن يلقى لهم

جمعا، ثم لقي جمعهم فدعاهم الخ. .

و لكن ذلك موضع ريب كبير، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوصى عليا «عليه السلام» بأن لا يقاتلهم حتى يقاتلوه، فما معنى: أن يقبل من أصحابه السبايا و الغنائم، و النهب الذي جاؤوه به، حيث اغتنموا فرصة غيبة الرجال عن الحي و لم يكن هناك من تعرض عليه الدعوة، فيقبلها، أو يردها؟ ! .

فهل أجاز النبي «صلى اللّه عليه و آله» له الإنتهاب و السبي، و منعه من القتال؟ !

و هل يتوقع أن يتعرض مال شخص للإنتهاب، و عرضه و أطفاله للسبي، ثم يقف مكتوف اليدين؟ ! فلا يعترض! ! و لا يغضب! ! و لا يعتبر ذلك ظلما و تعديا؟ ! ألا يتوقع منه أن يقول: لما ذا لم تسألوني، و لم تعرضوا علي مطالبكم أولا؟ ! فإن رفضتها بلا مبرر، فلكم الحق بانتهاب مالي، و سبي عيالي، و أطفالي؟ !

و هل يصح اعتبار هذا التصرف من مصاديق قوله تعالى: اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ؟ ! (1)أم أنه أبعد ما يكون عن مفهوم هذه الآية؟ !

من أجل ذلك نقول:

لعل في الرواية تحريفا لغاية في نفس يعقوب، أو لعل فيها سقطا أوجب اختلال المعنى. أو لعل فيها تقديما و تأخيرا، بتقدير، أن يكون «عليه السلام»


1) الآية 125 من سورة النحل.

قد واجه رجالهم فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، و رموا أصحابه بالنبل و الحجار، فقاتلهم فهزمهم، و قتل منهم، و تفرق أصحابه إلى مواضع نزولهم فأتوا بسبي و غنائم، ثم كفّ «عليه السلام» عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام مرة أخرى فأسرعوا و أجابوا، و بايعه نفر من رؤسائهم، و ضمنوا له الإسلام وراءهم. .

سيرة علي عليه السّلام في الخمس تخالف سيرة غيره:

و عن سيرة علي «عليه السلام» في الخمس نقول:

لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد من جهة: أن يربي الناس على مفاهيم الشريعة، و على الإلتزام بأحكامها. و يريد من جهة أخرى: أن يكون رفيقا و رحيما بهم، و متألفا لهم على هذا الدين.

و كان الناس آنئذ حديثي عهد بالجاهلية، و لم تستأصل مفاهيمها من نفوسهم، و لهم في الأموال رغبة، و فيهم إليها حاجة بصورة عامة. . و ربما لم تكن القناعة قد تبلورت لديهم في موضوع الخمس، و لعل بعضهم كان يرى: أنه إذا كان-الخمس-للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فالمفروض هو: أن يتنازل عنه لمصلحتهم.

فصاروا يستأثرون به لأنفسهم بصورة منتظمة، فيعطيه قادتهم إلى خيلهم الخاص دون غيرهم، ثم يخبرون النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فلا يرده عليهم. .

و حين لم يفعل ذلك علي «عليه السلام» طالبوه به، فرفض إجابة طلبهم، و حمل الخمس إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فلما رجعوا شكوا عليا «عليه السلام» إليه «صلى اللّه عليه و آله» . . فسأله فأخبره، فسكت «صلى اللّه

عليه و آله» ، و انتهى الأمر عند هذا الحد. .

فنلاحظ هنا: 1-أنه كان من غير اللائق بأولئك القادة أن يتصرفوا بالخمس، من دون إذن من صاحبه، واضعين النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمام الأمر الواقع.

2-إن القائد الذي يولّيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمين على الأموال، و ليس وكيلا في صرفها كيف شاء.

3-إن مطالبة أولئك الناس لقوادهم بأموال ليست لهم، لا مبرر لها. . فكيف إذا بلغ الأمر بهم حد شكاية قائدهم، إذا امتنع عن إعطائهم أموالا لا حق لهم فيها؟ ! .

4-لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يضع حدا لهذا التصرف لاتهم بالبخل و العياذ باللّه. . فلذلك كان لا يطالبهم بما أخذوه مما يعود إليه.

5-لو أن عليا «عليه السلام» لم يبادر إلى وضع حد لهذا التصرف المخالف، لأصبح سنة، و لضاعت الفائدة من تشريع الخمس، و لبطل التشريع من أصله، إذا كان هناك من يريد أن يفهم من هذا السلوك النبوي و سماحته «صلى اللّه عليه و آله» و كرم أخلاقه على أنه نسخ للتشريع بصورة عملية. .

6-إنهم قد اغتنموا فرصة غياب علي «عليه السلام» لمعاودة السعي للحصول على تلك الأموال التي لا حق لهم بها، و كأنهم ظنوا أن غيبته «عليه السلام» تزيل عنه صفة الأمين على ذلك المال و المسؤول عنه. .

7-إن عليا «عليه السلام» قد استعاد الحلل التي كان أبو رافع قد قسمها على أفراد السرية و إن كان أبو رافع قد تحجج ب‌:

ألف: أنه قد خاف من شكايتهم.

ب: أنه ظن أن هذا الأمر يسهل على علي «عليه السلام» .

ج: أن من كان قبل علي «عليه السلام» كان يفعل ذلك. .

و هي حجج واهية: فإنه رجل قد اؤتمن على مال غيره، فلا معنى للخوف من شكاية الناس الذين كانوا معه، إذا كانت شكايتهم على منعهم أمرا لا يستحقونه. .

و قد كان المال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على علي «عليه السلام» أن يوصله إليه، فكيف يسهل عليه إعطاؤه لغير صاحبه؟ !

و فعل غير علي «عليه السلام» إذا كان خطأ، لا يصلح للتأسي به، أو الإستناد إليه. . فإن الخطأ لا ينتج صوابا. .

8-إن هؤلاء الذين يسعون للحصول على مال لا يملكونه، و يغتنمون فرصة غياب الأمين على ذلك المال، ليأخذوه من الذي ائتمنه عليه، بعد أن منعهم هو منه، يريدون أن يستفيدوا من نفس هذا المال في إحرام حجهم، الذي يفترض فيهم: أن يهتموا بأن يبعدوه عن أية شبهة، و عن أي مال يشك في حليته و طيبه. .

علي عليه السّلام المقرئ و المعلم:

و قد تقدم: أن عليا «عليه السلام» أقام في أهل اليمن يقرئهم القرآن، و يعلمهم الشرائع. . و هذا هو ما يطمح إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فإن ما يسعده، و يلذّ له هو إخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم، و من الضلال إلى الهدى، و أن يعيش الناس أحرارا، سعداء برضا اللّه، ملتزمين بشرائعه، إخوانا على سرر متقابلين، لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا

من دون اللّه، و لا يسعى بعضهم للتسلط على بعض، و إذلا له، و الإستئثار بالخيرات و المنافع دونه. .

و لا يريد أن يكون جبارا في الأرض، و لا أن يهيمن على الناس، و تخضع له رقابهم، و لا يبغى الراحة لنفسه بتعبهم، و لا الغنى بفقرهم، و لا عزة بذلهم.

عممه بعمامته، و بيده:

و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تصرف مع علي «عليه السلام» بصورة من شأنها أن تظهر فضله «عليه السلام» و موقعه، حين انتظر حتى تتام أصحابه في معسكرهم.

ثم عقد له لواء، و أخذ عمامته و لفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح.

ثم دفعها إليه. .

ثم عممه بيده عمامة ثلاثة أكوار. و جعل له ذراعا بين يديه، و شبرا من ورائه، ثم أصدر إليه الأمر بالمضي، و عدم الإلتفات. .

و كل ذلك يجعل الناس يعيشون لحظات من الرقابة المتمازجة بمشاعر الإعجاب و الرضا، و الإيغال في آفاق البهاء و الصفاء، و الجمال و الجلال، و المحبة و الرضا.

القاضي و المعلم لأهل اليمن:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى عليا «عليه السلام» عن قتال أحد إلا أن يقاتلوه، و أعطاه تعليماته التي بينت: أن المطلوب هو دعوتهم إلى اللّه تعالى، و أن عليه أن يتدرج في طلب ذلك منهم، و لكنه لم يزد

عن طلب ثلاثة أشياء، كما سلف. .

و صرحت نصوص أخرى: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أرسل عليا «عليه السلام» إلى اليمن قاضيا.

و زعمت: أنه «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : تبعثني إلى قوم و أنا حدث السن و لا علم لي بالقضاء (أو بكثير من القضاء) ، فوضع يده على صدره و قال: إن اللّه سيهدي قلبك، و يثبت لسانك. يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر الخ. . (1).


1) مسند أحمد ج 1 ص 83 و 88 و 149 و (ط دار صادر) ج 1 ص 111 و الطبقات الكبرى (ط دار المعارف بمصر) ج 2 ص 337 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 140 و ذخائر المواريث ج 3 ص 14 و تيسير الوصول (ط نول كشور) ج 2 ص 216 و قضاة الأندلس ص 23 و خصائص الإمام علي «عليه السلام» للنسائي (ط التقدم بمصر) ص 12 و أخبار القضاة لوكيع ج 1 ص 85 و فرائد السمطين، و نظم درر السمطين ص 127 و الشذورات الذهبية ص 119 و طبقات الفقهاء ص 16 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 236 و مناقب علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 248 و الرصف ص 313 و جمع الفوائد من جامع الأصول، و مجمع الزوائد ج 1 ص 259 و فتح المنعم (مطبوع مع زاد المسلم) ج 4 ص 217 و البحار ج 21 ص 360 و 361 و في هامشه عن: إعلام الورى (ط 1) ص 80 و (ط 2) ص 137. و راجع: العمدة لابن البطريق ص 256 و فتح الباري ج 8 ص 52 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 117 و كنز العمال ج 13 ص 125 و البداية و النهاية ج 5 ص 124 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 208 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» ج 1 ص 205 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 65 و ج 20 ص 565 و 571 و ج 22 ص 176 و ج 31 ص 387.

و لذلك اعتبر السكتواري عليا «عليه السلام» أول قاض بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليمن (1).

غير أننا نقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد صرح بما يدل على رسوخ قدم علي «عليه السلام» في العلم في مناسبات كثيرة قبل ذهاب علي «عليه السلام» إلى اليمن، و لم يزل يجهر بذلك على مدى ثلاث و عشرين سنة، فهو عيبة علمه، و هو منه بمنزلة هارون من موسى، و هو مدينة العلم و علي بابها، إلى غير ذلك مما يتعذر جمعه، و إحصاؤه، و قد نزلت فيه «عليه السلام» آيات كثيرة تشير إلى علمه هذا، و يكفي قوله تعالى: . . قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (2).

يضاف إلى ذلك: أنه «عليه السلام» نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنص آية المباهلة، و هل يمكن أن يكون كذلك إذا كان-حسب زعمهم-: إلى أواخر حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرف القضاء؟ ! ! (3).

و يمكن أن يجاب: بأنه «عليه السلام» إنما تكلم بلسان غيره، و عبر عن مكنونات ضمائرهم، لكي يسمعهم و يسمع الأجيال كلها إلى يوم القيامة جواب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، القاطع لكل عذر، و المبدد لجميع الأوهام، و ليبوء هؤلاء بالإثم و الخزي و الخذلان. .


1) محاضرة الأوائل ص 62.

2) الآية 24 من سورة الرعد.

3) و قد ذكر في إحقاق الحق (قسم الملحقات) مئات الأحاديث الدالة على علم الإمام علي «عليه السلام» و فضله فراجع.

الرواية الأقرب إلى القبول:

و بالنسبة لذهاب علي «عليه السلام» إلى اليمن نقول:

لعل الصحيح هو: أنه «عليه السلام» قد ذهب إلى اليمن أولا، فأسلمت همدان كلها على يديه في ساعة واحدة، و انتشر الإسلام في تلك البلاد.

ثم إن أهلها شعروا بحاجتهم إلى من يفقههم في الدين، فوفدوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و طلبوا منه ذلك، فأرسل إليهم عليا «عليه السلام» مرة ثانية، فقد روي: أنه أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ناس من اليمن، فقالوا: ابعث فينا من يفقهنا في الدين، و يعلمنا السنن، و يحكم فينا بكتاب اللّه.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : انطلق يا علي إلى أهل اليمن، ففقههم في الدين و علمهم السنن، و احكم فيهم بكتاب اللّه.

فقلت: إن أهل اليمن قوم طغام، يأتوني من القضاء بما لا علم لي به.

فضرب «صلى اللّه عليه و آله» على صدري، ثم قال: اذهب، فإن اللّه سيهدي قلبك، و يثبت لسانك. فما شككت في قضاء بين اثنين حتى الساعة (1).


1) منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 5 ص 36 و كنز العمال ج 13 ص 113 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 35 و و 40 و 45 و ج 21 ص 634 و ج 22 ص 511 و ج 23 ص 667 و راجع: أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان ج 1 ص 86 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 637.

و قال الطبرسي: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إلى اليمن، ليدعوهم إلى الإسلام، و ليخمس ركازهم، و يعلمهم الأحكام، و يبين لهم الحلال و الحرام، و إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، و يقدم عليه بجزيتهم (1).

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يعلم عليا عليه السّلام القضاء:

و لعل من المهم هنا: أن نشير إلى أن الملاحظ هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعلم عليا «عليه السلام» القضاء، بل اكتفى بالطلب إليه أن لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما. . ثم أخبره بأن اللّه تعالى هو الذي يتولى هداية قلبه، و تثبيت لسانه على الحق و الصواب.

و لا ريب في أن ذلك لن يكون على سبيل القهر و الجبر، بل هو منحة إلهية، تدل على مكانة علي «عليه السلام» عند اللّه تبارك و تعالى، و على أنه «عليه السلام» قد بلغ هذا المقام بجهده و جهاده، فاستحق هذه الهداية الإلهية على قاعدة: وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (2)، وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (3)، وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (4).


1) البحار ج 21 ص 360 و في هامشه عن: إعلام الورى (ط 1) ص 79 و 80 و (ط 2) ص 137.

2) الآية 69 من سورة العنكبوت.

3) الآية 17 من سورة محمد.

4) الآية 11 من سورة التغابن.

قضاء علي عليه السّلام قضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكروا العديد من مفردات الأقضية التي صدرت عن علي «عليه السلام» في اليمن، و منها:

1-قالوا: احتفر قوم بئرا باليمن، فأصبحوا و قد سقط فيها أسد، فنظروا إليه، فسقط إنسان بالبئر، فتعلق بآخر، و تعلق الآخر بآخر، حتى كانوا في البئر أربعة، فقتلهم الأسد، فأهوى إليه رجل برمح فقتله.

فتحاكموا إلى علي «عليه السلام» .

فقال: ربع دية، و ثلث دية، و نصف دية، و دية تامة: للأسفل ربع دية، من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة، و للثاني ثلث دية، لأنه هلك فوقه إثنان، و للثالث نصف دية، من أجل أنه هلك فوقه واحد، و للأعلى الدية كاملة.

فإن رضيتم فهو بينكم قضاء، و إن لم ترضوا فلا حق لكم حتى تأتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيقضي بينكم.

فلما أتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قصوا عليه خبرهم، فقال: «أنا أقضي بينكم إن شاء اللّه تعالى» .

فقال بعضهم: يا رسول اللّه، إن عليا قد قضى بيننا.

قال: «فيم قضى» ؟ فأخبروه.

فقال: «هو كما قضى به» (1).


1) راجع: مسند الطيالسي ص 18 و أخبار القضاة لوكيع ج 1 ص 95 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 111 و ذخائر العقبى ص 84 و تذكرة الخواص ص 49 و القياس في الشرع الإسلامي ص 45 و أعلام الموقعين ج 2 ص 39 و مجمع بحار الأنوار ج 2 ص 57 و ينابيع المودة ص 75 و أرجح المطالب ص 120 و الطرق الحكمية لابن القيم ص 262 عن أحمد، و أبي داود، و النسائي، و ابن ماجة، و الحاكم في صحيحه، و إرشاد الفحول ص 257 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 239 و مسند أحمد ج 1 ص 77 و 152 و مشكل الآثار ج 3 ص 58 و كتاب الديات للشيباني ص 65 و تفريع الأحباب ص 321 و وسيلة النجاة للسهالوي ص 152 و مرآة المؤمنين ص 70 و كنز العمال (ط الهند) ج 15 ص 103 عن الطيالسي، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و ابن منيع، و ابن جرير و صححه، و قرة العينين في تفضيل الشيخين ص 158 و بذل القوة ص 285 و تلخيص التحبير ج 4 ص 30 عن أحمد، و البزار، و البيهقي، و إحقاق الحق (الملحقات) ج 17 ص 493-497 و ج 8 ص 67-70 عما تقدم و عن مصادر أخرى.

2-كان علي «عليه السلام» باليمن، فأتي بامرأة و طأها ثلاثة نفر في طهر واحد، فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟

فلم يقرّا.

ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟

فلم يقرّا.

ثم سأل اثنين، حتى فرغ، يسأل اثنين اثنين غير واحد، فلم يقرّوا.

ثم أقرع بينهم، فألزم الولد، الذي خرجت عليه القرعة، و جعل عليه ثلثي الدية.

فرفع ذلك للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فضحك حتى بدت نواجذه

زاد في نص آخر: و قال: «القضاء ما قضى» .

أو قال: «لا أعلم فيها إلا ما قضى علي» .

أو قال: «حكمت فيه بحكم اللّه» .

أو قال: «لقد رضي اللّه عز و جل حكمك فيهم» (1).

3-عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» ، قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إلى اليمن، فانفلت فرس لرجل من أهل اليمن، فنفح رجلا برجله فقتله، و أخذه أولياء المقتول، فرفعوه إلى علي «عليه السلام» ، فأقام صاحب الفرس البيّنة أن الفرس انفلت من داره فنفح الرجل برجله، فأبطل علي «عليه السلام» دم الرجل.

فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشكون عليا «عليه السلام» فيما حكم عليهم، فقالوا: إن عليا ظلمنا، و أبطل دم صاحبنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن عليا ليس بظلام، و لم يخلق


1) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 373 و سنن النسائي (ط الميمنة بمصر) ج 2 ص 107 و أخبار القضاة ج 1 ص 90 و 91 و 93 و 94 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 207 و ج 3 ص 135 و ج 4 ص 96 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع مع المستدرك) ج 4 ص 96 و ذخائر العقبى ص 85 و القياس في الشرع الإسلامي ص 48 و زاد المعاد لابن القيم (ط الأزهرية بمصر) ج 7 ص 380 و البداية و النهاية ج 5 ص 107 عن أحمد، و أبي داود، و النسائي، و ينابيع المودة ص 211 و 75 و تيسير الوصول ج 2 ص 281 و أرجح المطالب ص 121 و المعجم الكبير ج 5 ص 193 و 194 و فيه: أن عليا «عليه السلام» كتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخبره بذلك. و مسند ابن أبي شيبة ج 2 ص 345 و أخبار الموفقيات ص 363 عن مسند الحميدي، و مرآة المؤمنين ص 71.

علي للظلم، و إن الولاية من بعدي لعلي، و الحكم حكمه، و القول قوله، لا يرد حكمه و قوله و ولايته إلا كافر، و لا يرضى بحكمه و قوله و ولايته إلا مؤمن.

فلما سمع اليمانيون قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في علي «عليه السلام» قالوا: يا رسول اللّه، رضينا بقول علي و حكمه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هو توبتكم مما قلتم (1).

و نقول: إن هناك العديد من الأمور التي تضمنتها هذه النصوص، و يحسن منا لفت النظر إليها هنا، و منها:

شكاية الخصوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

إن المتخاصمين لم يرضوا بقضاء علي «عليه السلام» في الموارد الثلاثة المنقولة آنفا، و لا نرى أن ذلك لسوء نظر، أو لكراهة منهم لشخص علي «عليه السلام» ، بل لأن التخاصم بين الناس يكون عادة بسبب شبهة دخلت على أحد المتخاصمين، أو على كليهما، توجب وقوعه في و هم أن


1) البحار ج 21 ص 362 عن قصص الأنبياء، الأمالي للشيخ الصدوق ص 428 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 322 و البحار ج 21 ص 362 و ج 38 ص 102 و ج 40 ص 316 و ج 101 ص 390 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 343 و عجائب أحكام أمير المؤمنين «عليه السلام» للسيد محسن الأمين ص 42 و قضاء أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 192 عن الكليني، و الشيخ، و عن الصدوق في أماليه. و الكافي ج 7 ص 353.

يكون الحق معه و إلى جانبه. فيبحث عمن يساعده في نيل حقه، أو عمن يدفع عنه خصومة مدعي الحق عنده. وفق ضوابط عقلية، و مسلمات شرعية، أو توافقات أو أعراف اجتماعية مع رعاية قانون العدل و الإنصاف، و عدم الإنقياد للهوى فيما يقضى به. .

و لم يكن هؤلاء الناس قد عرفوا شيئا ذا بال عن علي «عليه السلام» ، و عن جهاده، و تضحياته، و علمه، و الآيات النازلة في حقه، و أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه. . إلا ما ربما يكونون قد شاهدوه منه في تلك المدة اليسيرة التي عاشها بينهم، و هو يعلمهم، و يهديهم، و يرشدهم، و يقضي بينهم بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلعلهم ظنوا: أنه لا يملك الكثير من المعرفة بأسرار القضاء، فطلبوا الإستيثاق من صحة قضائه.

أو أنهم ظنوا: أنه قد ظلمهم في بعض قضائه فيهم. .

فجاءهم الرد الحاسم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الرواية الأخيرة، حيث بين لهم حقيقة علي «عليه السلام» و موقعه، و المقام الذي جعله اللّه تعالى له فيهم، و هو مقام الولاية، و حكم من يردّ حكمه، و قوله، و ولايته. .

علي ليس بظلام:

2-و قد قرر «صلى اللّه عليه و آله» : أن عليا «عليه السلام» ليس بظلام، و لم يخلق علي «عليه السلام» للظلم. . ليكون هذا القول هو الضابطة في شأن من تكون له الولاية على الناس، فإن من يظلم فردا من الناس فلا يؤمن من

أن ينال بظلمه كل فرد فرد منهم، إذ لا خصوصية للفرد الذي ظلم أولا. و لذلك عبّر «صلى اللّه عليه و آله» بكلمة «ظلاّم» .

و المطلوب من الولي هو: إنصاف الناس، و إيصال الخير إليهم، فالظلاّم الذي قد ينال ظلمه كل فرد فرد، و لو على سبيل الإحتمال لا يصلح للولاية. .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» بيّن أن غاية خلق علي «عليه السلام» لم تكن هي الظلم، فهو صاحب الفطرة الصافية التي لا تشوبها أية شائبة، و قد استمرت على هذا الصفاء و النقاء، حيث إنه لا تصدر منه أي من مفردات الظلم، فهو ليس بظلام للأفراد. .

عودة إلى مسألة التربية:
بالنسبة للذين قتلهم الأسد في البئر نقول:

اختلفت الرواية في الحكم الذي صدر عنه «عليه السلام» ، فواحدة تقول: إن للأول ربع الدية، و للثاني ثلثها، و للثالث نصفها، و للرابع الدية كاملة، و جعلها «عليه السلام» على قبائل الذين ازدحموا. .

قال التستري: للأول الربع، لاحتمال استناد موته إلى أربعة أشياء:

أحدها: تضييق المزدحمين، و باقيها إسقاطه لثلاثة رجال فوق نفسه.

و للثاني الثلث، لإحتمال استناده إلى ثلاثة أمور:

أحدها: إسقاط الأول له.

و للثالث النصف، حيث يحتمل استناده إلى أمرين:

أحدهما: إسقاط الثاني له.

و للرابع التمام حيث إن قتله كله مستند إلى الثالث، و جعل الدية على

قبائل المزدحمين لأن الساقطين أيضا كانوا منهم (1).

و جاء في نص آخر أنه «عليه السلام» قال: الأول فريسة الأسد، و غرّم أهله ثلث الدية لأهل الثاني، و غرّم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية. . و غرّم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة (2).

و ذكر التستري: أن الوجه في ذلك: أن هلاك الأول لم يكن مستندا إلى أحد. .

و الثاني كان هلاكه مستندا إلى ثلاثة أمور: جذب الأول، و سقوط الثالث و الرابع فوقه، و كان هو السبب في سقوطهما، فيكون ثلث قتله مستندا إلى الأول فله الثلث.

و الثالث كان ثلث قتله مستندا إلى نفسه بجذب الرابع، فيكون له الثلثان فقط على الثاني.

و الرابع كان جميع قتله مستندا إلى الثالث، فكان عليه تمام ديته (3).


1) قضاء أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 36.

2) راجع: الوسائل (ط الإسلامية) ج 9 ص 176 و قضاء أمير المؤمنين علي «عليه السلام» للتستري ص 35 عن الإرشاد، و عن المشايخ الثلاثة، و المناقب، و مسند أحمد، و أمالي أحمد بن منيع. و راجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 418 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 313 و شرح الأخبار ج 2 ص 331 و الإرشاد للشيخ المفيد ج 1 ص 196 و مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 2 ص 198 و البحار ج 40 ص 245 و ج 101 ص 393 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 338 و 339.

3) قضاء أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ص 35 و 36.

من وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:

1-روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: قال أمير المؤمنين «عليه السلام» : بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليمن و قال لي: يا علي، لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، و أيم اللّه لأن يهدي اللّه على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت، و لك ولاؤه يا علي (1).

قال المجلسي «رحمه اللّه» : قوله «صلى اللّه عليه و آله» : و لك ولاؤه، أي لك ميراثه إن لم يكن له وارث، و عليك خطاؤه (2).

2-روى جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان، عن الفضل بن الفضل الأشعري، عن الرضا، عن آبائه «عليهم السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث عليا «عليه السلام» إلى اليمن، فقال له و هو يوصيه: يا علي، أوصيك بالدعاء، فإن معه الإجابة، و بالشكر فإن معه المزيد، و إياك عن أن تخفر عهدا و تعين عليه، و أنهاك عن المكر، فإنه لا يحيق


1) البحار ج 21 ص 361 عن الكافي ج 5 ص 28 و مختلف الشيعة ج 4 ص 393 و كشف اللثام (ط ج) ج 9 ص 341 و (ط ق) ج 2 ص 276 و جواهر الكلام ج 21 ص 52 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 141 و الوسائل (ط مؤسسة أهل البيت) ج 15 ص 43 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 30 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 30 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 143 و موسوعة أحاديث أهل البيت ج 12 ص 23 و أعيان الشيعة ج 1 ص 418.

2) البحار ج 21 ص 361.

المكر السيء إلا بأهله، و أنهاك عن البغي، فإنه من بغي عليه لينصرنه اللّه (1).

و نقول: إن وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» : بأن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه ثم قوله له: «و أيم اللّه لأن يهدي اللّه على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس و غربت» قد أظهرت: أن الهدف الأول و الأخير هو هداية الناس، و نشر الدعوة.

فلا يصح ما يذكرونه في أكثر السرايا من أنها كانت تبادر إلى الغارة و اغتنام الأموال، و سبي النساء، و الأطفال، و أسر الرجال. . فإن كان قد حصل شىء من ذلك، فهو على سبيل التمرد على أوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، طمعا بالدنيا، و جريا على عادات أهل الجاهلية، و استجابة لدواعي الهوى و العصبية.

2-و من الواضح: أن مجرد أن يسلم رجل على يد شخص ليس من أسباب اختصاصه بإرثه، إلا في موردين:

الأول: أن يكون مولى له. . و ما نحن فيه ليس كذلك، إذ المفروض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب من علي «عليه السلام» أن يدعوهم إلى الإسلام، و لا يبدأ بحربهم، فإن أسلموا كان لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم. .

الثاني: أن يكون ولاؤه له من حيث إنه الإمام المفترض الطاعة،


1) البحار ج 21 ص 361 عن المجالس و الأخبار ص 28 و الوسائل (الإسلامية) ج 4 ص 1088 و جامع أحاديث الشيعة ج 15 ص 193 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 345 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 2 ص 62 و ج 10 ص 414.

و الإمام وارث من لا وارث له. .

و هذا معناه: أن يصبح هذا الحديث من دلائل إمامة علي «عليه السلام» بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

3-إن الوصايا المتقدمة، التي رويت عن الإمام الرضا «عليه السلام» آنفا، عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لا تشير إلى أي أمر بقتال صدر عنه له، و إنما هي في سياق إثارة أجواء و مشاعر سليمة و طبيعية، و التوجيه نحو تنظيم العلاقة مع أهل اليمن، على أساس التوافق، و إبرام العهود، و لزوم الوفاء بها. و لزوم الوضوح و الصدق في التعامل، و الإبتعاد عن المكر و الخداع و ضرورة الإبتعاد عن البغي و التجني، و التزام جادة الإنصاف، و الرفق. .

و قد مهد لذلك كله بالتوجيه نحو اللّه تعالى بالدعاء، و الطلب منه دون سواه، ثم بالشكر له، الذي يجلب معه المزيد من العطاءات الإلهية، و الألطاف و الرحمات و البركات الربانية. .

هدايا علي عليه السّلام من اليمن إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:

روى الكليني عن العدة، عن سهل و أحمد بن محمد جميعا، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن «عليه السلام» قال: سمعته يقول: أهدى أمير المؤمنين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة أفراس من اليمن، فقال: سمها لي.

فقال: هي ألوان مختلفة.

فقال: ففيها وضح؟

قال: نعم، فيها أشقر به وضح.

قال: فأمسكه عليّ.

قال: و فيها كميتان أوضحان.

فقال: أعطهما ابنيك.

قال: و الرابع أدهم بهيم.

قال: بعه، و استخلف به نفقة لعيالك، إنما يمن الخيل في ذوات الأوضاح (1).

و نقول: 1-إننا لسنا بحاجة إلى التدليل على قيمة هذه الهدية و مغزاها من حيث لفت النظر إلى استمرار المسيرة الجهادية، التي تحتاج إلى إعداد القوة التي ترهب العدو. . و ذلك في وقت ظن فيه بعض قاصري النظر من المسلمين أن زمن الجهاد قد انتهى، و انتفت الحاجة إلى السلاح، فباعوا أسلحتهم، حسبما تقدم.

2-إن هذا النص قد تضمن إشارة إلى لزوم إعطاء الألوان و المواصفات الشكلية موقعها و دورها في الإختيار. . و إلى أن لقضية اليمن أيضا أثرها، و أن تجاهلها و إسقاطها من الحساب أمر غير حميد، و رأي ليس بسديد و لا رشيد. .


1) البحار ج 21 ص 361 و ج 61 ص 169 عن الكافي، و المحاسن للبرقي ج 2 ص 631 و الكافي ج 6 ص 536 و من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج 2 ص 285 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 475 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 347 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 855 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 2 ص 377 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 12 ص 339.

علي عليه السّلام في اليمن مرة أخرى:

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» قال: دعاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فوجهني إلى اليمن لأصلح بينهم، فقلت له: يا رسول اللّه، إنهم قوم كثير، و أنا شاب حدث! !

فقال لي: يا علي، إذا صرت بأعلى عقبة فيق فناد بأعلى صوتك: يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرؤكم السلام.

قال: فذهبت، فلما صرت بأعلى عقبة فيق أشرفت على اليمن، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون أسنتهم، متنكبون قسيهم، شاهرون سلاحهم، فناديت بأعلى صوتي: يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمد «صلى اللّه عليه و آله» يقرؤكم السلام.

قال: فلم يبق شجرة، و لا مدرة، و لا ثرى إلا ارتجت بصوت واحد: و على محمد رسول اللّه و عليك السلام.

فاضطربت قوائم القوم، و ارتعدت ركبهم، و وقع السلاح من أيديهم، و أقبلوا مسرعين، فأصلحت بينهم و انصرفت (1).

و نقول: إن لنا مع هذا النص وقفات هي التالية:


1) البحار ج 21 ص 362 عن بصائر الدرجات ص 145 و 146 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 521 و 524 و راجع: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 7 ص 62 و تاريخ جرجان للسهمي ص 387.

عقبة أفيق:

قال الفيروزآبادي: أفيق كامير، قرية بين حوران و الغور، يعني: غور الأردن في أول العقبة المعروفة بعقبة أفيق التي تنزل منها إلى الغور و هي عقبة طويلة نحو ميلين (1).

و السؤال هنا هو: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل عليا «عليه السلام» من المدينة إلى اليمن، فإن اليمن تقع إلى الجنوب من المدينة، و عقبة أفيق تقع في الجهة الشمالية منها، لأنها بين حوران و الغور، فأين هذه من تلك؟ ! و لا سيما مع تصريح الرواية المشار إليها آنفا: بأنه «عليه السلام» لما صار بأعلى عقبة فيق أشرف على اليمن، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوه، مشرعون أسنتهم الخ. .

سفير سلام:

إننا لا نملك ما يؤيد أو ينفي هذه الحادثة، التي يبدو أنها بعثة تهدف إلى الصلح بين فريقين متخاصمين، حيث قالت الفقرة الأخيرة: «فأصلحت بينهم و انصرفت» . فهل هؤلاء الناس مسلمين؟ !

فإن الرواية لم تذكر ذلك كما أنها لم تذكر: أنه «عليه السلام» قد دعاهم إلى الإسلام، أو أنهم هم بادروا إلى إعلان إسلامهم. . و ليس فيها ما يدل على أنهم كانوا قد أرسلوا قبل ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بطلب وساطة. .


1) معجم البلدان ج 1 ص 233 و راجع ج 4 ص 286 و البحار ج 21 ص 363. و راجع: تاج العروس ج 13 ص 7 و ج 13 ص 413.

لما ذا غضب أهل اليمن؟ ! :

إن هذه الرواية قد دلت على: أن لهم موقفا عدائيا من مبعوث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث إنهم جاؤوا باندفاع شديد، و معهم أسلحتهم، و كان دفع شرهم عنه «عليه السلام» بواسطة التدخل الإلهي و بصورة إعجازية.

فلما ذا يندفع الفريقان المتنازعان لمواجهة مبعوث قد جاء ليصلح بينهم؟ !

و لعلك تقول: قد يكون الذين جاؤوا غاضبين، هم أحد الفريقين المتنازعين، و لعلهم اعتقدوا أن هذا المبعوث لن يقف إلى جانبهم في خصومتهم. .

و يجاب: بأن الرواية قد صرحت: بأن أهل اليمن بأسرهم كانوا مقبلين نحوه مشرعين أسنتهم. . فلا يصح هذا التوجيه. .

لعلها جماعة صغيرة:

هل يمكن لأهل اليمن كلهم أن يأتوا لاستقبال علي «عليها السلام» بالسلاح، و يواجهوه بالحرب؟ ! و هل كانت اليمن بمثابة قرية أو مدينة، تستطيع أن تخرج عن بكرة أبيها لمواجهة أحد القادمين؟ !

ألا يدلنا ذلك على: أن مهمة علي «عليه السلام» هي الصلح بين جماعة صغيرة من حيث العدد، و كانت مساكنها متقاربة، و لعلها كانت في بعض نواحي اليمن.

اليمن بلد كبير:

إن الصعود إلى أعلى عقبة أفيق-لو قبلنا أنها كانت في اليمن-هل يعني

الإشراف على بلاد اليمن كلها؟ ! و هل كانت اليمن بقعة صغيرة تظهر معالمها للصاعد إلى أعلى عقبة أفيق؟ !

ألا يدل ذلك على صحة ما قلناه: من أن المطلوب كان الصلح بين جماعة من الناس كانوا يسكنون في ناحية صغيرة؟ !

علي عليه السّلام شاب حدث:

و لا ندري بعد ذلك كله: ما معنى أن يصف علي «عليه السلام» نفسه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه شاب حدث! !

فإن عمر علي «عليه السلام» كان في ذلك الوقت أكثر من ثلاثين عاما. . فمتى يصح وصفه بأنه رجل كامل إذن؟ ! و كيف نصّبه اللّه و رسوله وليا للمؤمنين قبل و بعد هذا التاريخ في مناسبات عديدة؟ !

الفصل التاسع: علي عليه السّلام في بني زبيد

اشارة

سرية علي عليه السّلام إلى بني زبيد:

و قالوا: «وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب، و خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، و قال: «إذا اجتمعتما فعلي الأمير، و إن افترقتما فكل واحد منكما أمير» (1).

فاجتمعا. و بلغ عمرو بن معديكرب مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه (2). فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم، فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني.

فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور، و أنا عمرو بن معد يكرب.

فابتدره علي و خالد، و كلاهما يقول لصاحبه: خلني و إياه، و يفديه بأمه و أبيه.

فقال عمرو إذ سمع قولهما: العرب تفزّع بي، و أراني لهؤلاء جزرا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 386 و 246 عن مناقب الإمام الشافعي لمحمد بن رمضان بن شاكر، و في هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج 4 ص 14 و الإصابة ج 3 ص 18 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 522 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1203 و أسد الغابة ج 4 ص 133.

2) أي مترئّسا على جماعة من قومه.

فانصرف عنهما.

و كان عمرو فارس العرب، مشهورا بالشجاعة. و كان شاعرا محسنا (1).

و قالوا أيضا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن و قال له: «إن مررت بقرية فلم تسمع أذانا، فاسبهم» .

فمر ببني زبيد، فلم يسمع أذانا، فسباهم.

فأتاه عمرو بن معد يكرب، فكلمه فيهم، فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة، فتسلمه خالد. و مدح عمرو خالدا في أبيات له (2).

غرور عمرو بن معد يكرب:

إن عمروا يظن: أن جميع الناس على شاكلته، من حيث حبهم للحياة، و فرقهم من الموت. و لذلك فإن مجرد تقريب احتمالات الموت إليهم يكفي في إيجاد دواعي الإبتعاد عنه لديهم، و البحث عن خيارات أخرى تجعلهم أقرب إلى السلامة و الأمن. .

و إذ به يفاجأ بعكس ما ظنه، فهو قد اعتاد أن يرى القادة يسعون أولا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 246 و 386 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1204 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 569 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 292.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 246 عن ابن أبي شيبة من طرق. و في هامشه عن: كنز العمال (11441) و الإصابة ج 3 ص 18 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 569 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 377 و راجع: كنز العمال ج 4 ص 483.

إلى دفع الذين هم تحت أيديهم، إلى مواجهة الأخطار و درئها عنهم، و أن يجدوا فيهم ما يغنيهم عن التعرض لها و مكابدتها. .

فإن كان ثمة من خطر، فليتوجه إلى أولئك الأتباع، لأن حفظ القائد هو الأهم و الأولى و الأوجب. .

و لكنه يرى الأمر مع هؤلاء القادمين على خلاف ما اعتاده و مارسه، فهو يسمع قادتهم، يتسابقون للتضحية بأنفسهم حبا بسلامة إخوانهم من قادة و غيرهم. .

1-إن غرور عمرو بنفسه، و اعتماده على بعد صيته، و خوف الناس منه، قد انتهى به إلى هذا التراجع و الإنكسار الذليل، دون أن يكلف نفسه عناء خوض معركة، أو بذل جهد في قتال، يعذر فيه بعد استنفاذ القوة و الحيلة. بل لقد آثر رجوع الخوف و الجبن، و الشعور بالضعف و الإنبهار بقوة الطرف الآخر. معلنا أن هؤلاء الذين يواجههم يعتبرونه جزرا. .

و هذا يدل على: أن ما كان قد اكتسبه من سمعة بين العرب في الشجاعة و القتال، كانت تشوبه شائبة التزوير. و لو بالدعايات الفارغة، و التهويلات الباطلة. و لعله كان يبطش ببعض الضعفاء و الجبناء، أو يغدر ببعض الآمنين من الأقوياء، أو يختلق الروايات، و يشيع الخرافات و ينتج الأوهام و الأباطيل، عن بطولات موهومة، و أفاعيل لم يكن لها وجود إلا في مخيلة قائليها. . و لعل كل ذلك قد كان، فقد عرف عمرو بالكذب كما سنرى. .

شجعان و فرسان صنعتهم السياسة:

لقد حاول أعداء علي «عليه السلام» أن يطروا خصومه، و يعظموهم

بما ليس فيهم، و أن يظهروا ميزاته الفريدة في أناس آخرين، ظنا منهم أنهم يطمسون بذلك ذكر علي «عليه السلام» ، و ينقصون من قدره، و يحطون من مقامه. .

و لعل من أمثلة ذلك سعيهم لنسبة البطولات إلى خالد بن الوليد، و إلى الزبير بن العوام، و طلحة، و أبي دجانة، و أضرابهم من الصحابة. .

بل إن إطراءهم لعنترة، و نسج القصص الخيالية حول شجاعته النادرة، لعله يدخل في هذا السياق أيضا. . مع أن عنترة كان رجلا عاديا جدا. . حتى لقد لخص بعضهم واقعه التاريخي بقوله عنه: إنه رجل من بني عبس يلقى الفارس أو الفارسين.

ثم اخترعوا قصص بني هلال، و قصة سيف بن ذي يزن، و قصص ذات الهمة. و فيروز شاه، و بهرام شاه، و المياسة و المقداد. . و. . و. .

و يبدو أن عمرو بن معد يكرب قد حالفه الحظ في هذا المجال أيضا حتى اعتبروه فارس العرب، و أنه مشهور بالشجاعة (1). إلى غير ذلك من أوصاف و ادعاءات. . مع أن الفضل في ذلك كله لعلي «عليه السلام» ، فإن شدة بغضهم له قد دعاهم إلى إطراء غيره من المنحرفين عنه بما ليس فيهم،


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 246 و 386 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 369 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 520 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1204 و أسد الغابة ج 4 ص 133 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 56 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 259 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 525 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 569 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 292.

فصنعوا لهم الفضائل، و اخترعوا لهم المواقف، و جعلوهم من صانعي المعجزات، و نسبوا إليهم الخوارق، دون ان يخافوا من غضب اللّه الخالق.

أسئلة لا تجد لها جوابا:

و قد ادّعت الرواية المتقدمة: أن عمروا انصرف عن علي «عليه السلام» . فهل كان علي «عليه السلام» ، و خالد بن سعيد و من معهما يقصدون بني زبيد؟ ! أم كانوا يقصدون قوما آخرين؟ ! أم كان القصد هو دعوة كل من يصادفونه إلى الإسلام؟ !

فإن كان القصد إلى بني زبيد، فعلى أي شيء اتفقوا مع عمرو و الذين جاؤوا معه حين افترقوا عنهم؟ ! و كيف تركوهم ينصرفون دون دعوة؟ ! و هل لاحقوا بقية القبيلة في مواضع أخرى؟ ! أم اكتفوا بما جرى؟ ! .

و إذا كانوا يقصدون غير بني زبيد، فلما ذا تعرّض لهما عمرو؟ ! ، و لو أنهم هابوه، فما ذا كان سيصنع بهم، هل سوف يأسرهم؟ أم أنه سيسلبهم، أم سيقتلهم؟ ! .

و إن كانوا يقصدون كل أحد إلى اللّه تعالى، فلما ذا لم يبادروا إلى دعوة عمرو، و من معه؟ و لما ذا تركوهم ينصرفون عنهم، دون أن يؤدوا هذا الواجب؟ ! .

سبي بني زبيد:

و عن سبي بني زبيد، نقول:

1-إن مجرد أن لا يسمع المسلمون أذانا من جماعة من الناس لا يسوّغ الإغارة عليهم، و ترويعهم، فضلا عن سبيهم. . مع ملاحظة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يزل يصدر أوامره لمبعوثيه بأن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

و مع أوامره «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» بأن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه (1).

كما أن ذلك لا يتناسب مع لزوم إقامة الحجة على الناس قبل التعرض لهم، و لا مع إيجاب الدعوة إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، فقد قال تعالى لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» : اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (2). .

2-أين كان عمرو بن معديكرب الزبيدي حين سبا خالد بن سعيد بني زبيد؟ ! فإن كان حاضرا، فلما ذا لم يدافع عنهم؟ ! و إن كان غائبا، فهل تغيّظ مما جرى؟ ! أم أنه تلقاه بنفس راضية؟ ! و ما هي ردة فعله لذلك؟ !

النص الأوضح، و الأصح و الأصرح:

و بعد أن ظهرت المفارقات غير المقبولة في النصوص المتقدمة، فإن علينا أن نورد هنا النص الأصح و الأوضح، ثم نشير إلى الخصوصيات الواردة فيه، وفقا لما يقتضيه الحال، فنقول:


1) الكافي ج 5 ص 36 و البحار ج 19 ص 167 و ج 97 ص 34 و ج 101 ص 364 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 502 و النوادر للراوندي ص 139 و مشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص 193 و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 9 ص 44 و 45 و (ط. ق) ج 1 ص 409 و منتهى المطلب (ط. ق) ج 2 ص 904 و رياض المسائل للطباطبائي ج 7 ص 493.

2) الآية 125 من سورة النحل.

قالوا: لما عاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معدي كرب، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أسلم يا عمرو يؤمنك اللّه من الفزع الأكبر.

قال: يا محمد، و ما الفزع الأكبر؟ فإني لا أفزع.

فقال: يا عمرو، إنه ليس كما تظن و تحسب، إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميت إلا نشر، و لا حى إلا مات، إلا ما شاء اللّه، ثم يصاح بهم صيحة أخرى، فينشر من مات، و يصفون جميعا، و تنشق السماء، و تهد الأرض، و تخر الجبال هدا، و ترمي النار بمثل الجبال شررا، فلا يبقي ذو روح إلا انخلع قلبه، و ذكر ذنبه، و شغل بنفسه إلا من شاء اللّه، فأين أنت يا عمرو من هذا؟

قال: ألا إني أسمع أمرا عظيما؛ فآمن باللّه و رسوله، و آمن معه من قومه ناس، و رجعوا إلى قومهم.

ثم إن عمرو بن معدي كرب نظر إلى أبي بن عثعث الخثعمي، فأخذ برقبته، ثم جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية، فانصرف عمرو مرتدا، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، و مضى إلى قومه.

فاستدعى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» و أمّره على المهاجرين، و أنفذه إلى بني زبيد، و أرسل خالد بن الوليد

في الأعراب و أمّره أن يعمد لجعفي (1). فإذا التقيا فأمير الناس أمير المؤمنين «عليه السلام» .

فسار أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و استعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، و استعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري.

فأما جعفي فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين: فذهبت فرقة إلى اليمن، و انضمت الفرقة الأخرى إلى بني زبيد.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فكتب إلى خالد بن الوليد: أن قف حيث أدركك رسولي، فلم يقف.

فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص: تعرض له حتى تحبسه.

فاعترض له خالد حتى حبسه، و أدركه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فعنفه على خلافه.

ثم سار حتى لقي بني زبيد بواد يقال له: كثير (أو كسير) ، فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة؟ !

قال: سيعلم إن لقيني.

قال: و خرج عمرو فقال: من يبارز؟

فنهض إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و قام إليه خالد بن سعيد و قال له: دعني يا أبا الحسن-بأبي أنت و أمي-أبارزه.

فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام» : إن كنت ترى أن لي عليك طاعة


1) جعفي بن سعد العشيرة، بطن من سعد العشيرة، من مذحج، من القحطانية.

فقف مكانك، فوقف.

ثم برز إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فصاح به صيحة، فانهزم عمرو، و قتل «عليه السلام» أخاه و ابن أخيه، و أخذت امرأته ركانة بنت سلامة، و سبي منهم نسوان.

و انصرف أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و خلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، و يؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلما.

فرجع عمرو بن معدي كرب، و استأذن على خالد بن سعيد، فأذن له، فعاد إلى الإسلام، فكلمه في امرأته و ولده، فوهبهم له.

و قد كان عمرو لما وقف بباب خالد بن سعيد وجد جزورا قد نحرت، فجمع قوائمها ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعا، و كان يسمى سيفه الصمصامة، فلما وهب خالد بن سعيد لعمرو امرأته و ولده وهب له عمرو الصمصامة.

و كان أمير المؤمنين «عليه السلام» قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال له: تقدم الجيش إليه، فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه.

فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم و عن الذي أقدمه، فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي «عليه السلام» و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.

فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي «عليه السلام» .

فدخل بريدة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و معه كتاب من خالد بما

أرسل به بريدة، فجعل يقرأه و وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتغير، فقال بريدة: يا رسول اللّه إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقا؟ !

إن علي بن أبي طالب «عليه السلام» يحل له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك و لقومك، و خير من أخلف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة، احذر أن تبغض عليا، فيبغضك اللّه.

قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي، فسخت فيها، و قلت: أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسول اللّه. يا رسول اللّه، استغفر لي فلن أبغض عليا أبدا، و لا أقول فيه إلا خيرا.

فاستغفر له النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» و شرحه: أن عمرو بن معدي كرب خاطب عليا «عليه السلام» حين واجهه:

الآن حين تقلصت منك الكلىإذ حر نارك في الوقيعة يسطع

و الخيل لا حقة الأياطل شزبقب البطون ثنيها و الأقرع

يحملن فرسانا كراما في الوغالا ينكلون إذا الرجال تكعكع

إني امرؤ أحمي حماي بعزةو إذا تكون شديدة لا أجزع


1) البحار ج 21 ص 356-358 عن إعلام الورى (ط 1) ص 87 و (ط 2) ص 134 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 252 و 253 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 159- 161 و كشف اليقين ص 151 و 152 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 98 و 99 و كشف الغمة ج 1 ص 229 و 230.

و أنا المظفر في المواطن كلهاو أنا شهاب في الحوادث يلمع

من يلقني يلقى المنية و الردىو حياض موت ليس عنه مذيع

فاحذر مصاولتي و جانب موقفيإني لدى الهيجا أضر و أنفع

فأجابه «عليه السلام» :

يا عمرو قد حمي الوطيس و أضرمتنار عليك و هاج أمر مفظع

و تساقت الأبطال كأس منيةفيها ذراريح و سم منقع

فإليك عني لا ينالك مخلبيفتكون كالأمس الذي لا يرجع

إني امرؤ أحمي حماي بعزةو اللّه يخفض من يشاء و يرفع

إني إلى قصد الهدى و سبيلهو إلى شرايع دينه أتسرع

و رضيت بالقرآن وحيا منزلاو بربنا ربا يضر و ينفع

فينا رسول اللّه أيد بالهدىفلواؤه حتى القيامة يلمع (1)

و نقول: إن المقارنة بين هذه الرواية، و الروايات التي ذكرناها فيما سبق يظهر مدى انسجام هذه، و مدى ما نال تلك من تزوير و تحوير، هروبا من الإقرار ببعض الحقائق، و سعيا في طمس ما لا يروق لهم ظهوره، و لا تذوق أعينهم طعم النوم حين يسطع نوره.

و مهما يكن من أمر، فإننا نحب لفت النظر إلى ما يلي:


1) البحار ج 21 ص 359 عن الديوان المنسوب لأمير المؤمنين «عليه السلام» ص 79 و 80.

عمرو يرتد في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله:

لقد صرحت الروايات المتقدمة: بأن عمروا ارتد بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لكن هذه الرواية تقول: إنه ارتد عن الإسلام في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين لم يرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالإقتصاص له من قاتل أبيه، لأنه قتله قبل أن يسلم، و قد محا الإسلام ما كان قبله.

و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قبل من عمرو ما طلبه منه، فقد كان يجب أن يقتل عمروا نفسه بالذين كان قد قتلهم قبل إسلامه. .

علي عليه السّلام على المهاجرين، و خالد على الأعراب:

قد صرحت الرواية: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر عليا «عليه السلام» على المهاجرين، و أمّر خالد بن الوليد على الأعراب. . و هذا يتضمن


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 372 و 373 و 377 و الطبقات الكبرى ج 6 ص 526 و تاريخ الأمم و الملوك (بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 3 ص 134 و (ط دار صادر) ج 2 ص 391 و 538 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 377 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 112 و مستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 64 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 281 و الأعلام للزركلي ج 5 ص 86 و البداية و النهاية ج 5 ص 84 و ج 6 ص 364 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1005 و عيون الأثر ج 2 ص 291 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 139 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 386 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 259 و 260.

إشارة لطيفة، لا تخفى على الأريب الخبير، و الناقد البصير.

و يتأكد لنا مضمون هذه الإشارة حين نقرأ: أن عليا «عليه السلام» قد جعل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص. أما خالد بن الوليد فجعل على مقدمته أبا موسى الأشعري.

و شتان ما بين هذين الرجلين، فأبو موسى الأشعري هو الذي قعد بأهل الكوفة عن جهاد الناكثين (1).

و كان علي «عليه السلام» يلعنه مع جماعة آخرين في صلاة الفجر و المغرب (2).

و هو جاثليق هذه الأمة (3).

و هو الذي سلّم على معاوية فقال: السلام عليك يا أمين اللّه (4).


1) راجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 2 ص 384 و ج 2 ص 83.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 126 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 260 و مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 459 و راجع: الغدير ج 2 ص 132 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 611 و طرائف المقال ج 2 ص 141.

3) الخصال ص 575 أبواب السبعين فما فوقها، و البحار ج 31 ص 438 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 36 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 241 و مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 459 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 8 ص 239.

4) تاريخ الأمم و الملوك (بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 5 ص 332 و (ط دار صادر) ج 4 ص 245 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 12 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 12 ص 45.

و هو الذي قال له الأشتر: إنك من المنافقين قديما (1).

و قال عنه حذيفة: أشهد أنه عدو للّه و لرسوله، و حرب لهما في الحياة الدنيا، و يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، و لهم اللعنة، و لهم سوء الدار (2).

و كان حذيفة عارفا بالمنافقين، أسرّ إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم، و أعلمه أسماءهم (3).


1) تاريخ الأمم و الملوك (بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 4 ص 487 و (ط دار صادر) ج 3 ص 501 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 21 و الغارات ج 2 ص 922 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 5 ص 160 و قاموس الرجال ج 11 ص 527.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 314 و راجع: الإستيعاب ج 2 ص 372.

3) قاموس الرجال ج 6 ص 108 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 314 و 315 و راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 165 و تفسير الرازي ج 16 ص 120 و 121 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 262 و تهذيب الكمال ج 5 ص 502 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 68 و البداية و النهاية ج 5 ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 35 و راجع: الهداية الكبرى للخصيبي ص 82 و المسترشد للطبري ص 593 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 100 و العمدة لابن البطريق ص 341 و الصوارم المهرقة ص 7 و 8 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 135 و البحار ج 21 ص 233 و 234 و 247 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 200 و مجمع الزوائد ج 1 ص 109 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 164 و 165 و كنز العمال ج 1 ص 369 و الدر المنثور ج 3 ص 259 و سماء المقال في علم الرجال للكلباسي ج 1 ص 16 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 75 و ج 9 ص 328 و إعلام الورى ج 1 ص 246.

و كان أبو موسى في جملة الذين نفروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناقته ليلة العقبة ليقتلوه (1).

و هو أحد الحكمين الذين يحكمان في هذه الأمة، و قد ضلا و أضلا (2).

و هو سامري هذه الأمة (3). .

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه. .

و لكن خالد بن سعيد بن العاص له مسار آخر، فهو أول من قام إلى أبي بكر و قال له: إتق اللّه، و انظر ما تقدم لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» .

ثم ذكره بقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» يوم بني قريظة: إن علي بن أبي طالب «عليه السلام» إمامكم من بعدي، و خليفتي


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 315 الأمالي للشيخ الطوسي «رحمه اللّه» ص 182 و الدرجات الرفيعة ص 263 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 12 ص 44 و قاموس الرجال ج 11 ص 527 و المسترشد للطبري ص 597 و البحار ج 33 ص 305 و 306 و ج 82 ص 267 و ج 28 ص 100.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 315 و كنز العمال ج 1 ص 217 و 277 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 171 و البداية و النهاية ج 6 ص 241 و ج 7 ص 315 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 203 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 150 و نهج السعادة للمحمودي ج 2 ص 55 و الأمالي للمفيد ص 30.

3) مروج الذهب ج 2 ص 392 و البحار ج 30 ص 208 و اليقين ص 167 و (ط مؤسسة دار الكتاب-الجزائري) ص 444 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 11 ص 306 عن الخصال، و مستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 75 و 386 و شرح العينية الحميرية للفاضل الهندي ص 526.

فيكم الخ. .

ثم إنه تصدى لعمر بن الخطاب حين جاء متهددا، و معه ألفا رجل. . و شكر له علي «عليه السلام» ذلك (1).

و قد امتنع عن بيعة إبي بكر أياما، و قال لبني هاشم في هذه المناسبة: إنكم الطوال الشجر، الطيب الثمر.

و قد اضطغنها عليه عمر، فلم يدع أبا بكر حتى عزله عن ولاية الجند الذي استنفر إلى الشام (2).

إلى غير ذلك من مواقف و حالات له، تنم عن صحة رويته، و حسن طويته، و سلامة دينه، و رسوخ يقينه، فراجع (3).

و لنا ملاحظة أخرى هنا مفادها: أن اختيار المهاجرين ليكونوا سرية لإخضاع عمرو بن معد يكرب الزبيدي المرتد عن الإسلام يراد به: الإيحاء بأن عليه أن لا يتوهم بأن أحدا في الجزيرة العربية قادر على مساعدته، أو أنه سوف يتعاطف معه، فإن الذين كانوا أكثر الناس حرصا على هدم الإسلام قد أصبحوا أنصاره، و العاملين على معاقبة من يجترئ عليه. . و هم أهل مكة بالذات. .


1) الإحتجاج ج 1 ص 99 و 104، و راجع: الخصال ج 2 ص 462 و رجال البرقي، و الدر النظيم ص 442.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 58، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم) ج 3 ص 388 و راجع: السقيفة و فدك للجوهري ص 55 و الدرجات الرفيعة ص 393.

3) راجع: ترجمة خالد بن سعيد بن العاص في قاموس الرجال ج 4 ص 120-127 و تنقيح المقال ج 1 و غير ذلك.

إلا من شاء اللّه:

و قد لاحظنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حين ذكر الصيحة الأولى، و ما ينشأ عنها من أمور هائلة، مثل موت الأحياء، و إحياء الأموات. استثنى من الجملة الأخيرة، بقوله: «إلا ما شاء اللّه» .

فعبّر بكلمة «ما» التي تستعمل، و يراد بها غالبا غير العقلاء، فلعل المراد: الإستثناء لبعض الأموات من غير البشر، من حشرات، أو طيور، أو حيوانات لا يترتب على إحيائها أثر. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» حين ذكر الصيحة الثانية، التي تنشر بها الأموات، و ترمي النار بمثل الجبال شررا، فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه، و ذكر ذنبه، و شغل بنفسه. استثنى من ذلك فقال: «إلا من شاء اللّه» . مستفيدا من كلمة «من» التي تستعمل غالبا للتعبير عن العقلاء، حيث يبدو أنه أراد أن يستثني أنبياء اللّه و أوصيائهم من هؤلاء الذين تنخلع قلوبهم، و تشغلهم ذنوبهم، إذ ليس لدى هؤلاء ذنوب يذكرونها، و لا ما يوجب انشغالهم بأنفسهم. .

عدوانية عمرو بن معد يكرب:

و قد صرح النص المتقدم: أن عمروا حين انصرف مرتدا عن الإسلام أغار على قوم من بني الحارث بن كعب، و مضى إلى قومه. .

و ذلك يشير إلى: وقاحة و جرأة على الدماء، و إلى الإستهانة بكرامات الناس، و الطمع بأموالهم و أعراضهم، بشكل يوجب المبادرة إلى وضع حد له بصراحة و حزم. و هذا ما فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث

أرسل عليا «عليه السلام» للقيام بذلك كما سبق. .

طغيان خالد:

و قد لوحظ: أن خالدا قد تمرد على أمر أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و أظهر أنه إنسان غير منضبط، فعامله علي «عليه السلام» بالحزم و الحكمة، حين أرسل إليه خالد بن سعيد بن العاص، الذي لا يستطيع خالد مناوأته لموقعه و مكانته في قريش، فحبسه. . فلما أدركه أمير المؤمنين عنفه على خلافه. .

و هذا يدلنا على: أن ما جعله النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» كان أوسع من مجرد جعل الإمارة له حين يلتقي بخالد. . بل كان خالد مأمورا بطاعته، و بتنفيذ أوامره أينما كان، سواء التقيا أو افترقا. .

و لو لم يكن الأمر كذلك، فإن خالدا سوف يشتكي عليا «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و يعتبره متعديا عليه، و ظالما له. و لا بد أن نتوقع منه: أن يقدم على معاندة خالد بن سعيد، و الإحتجاج على علي «عليه السلام» ، و لو بأن يقول: إنه لم يؤمر بطاعته، و سيقول للناس: إن عليا «عليه السلام» يظلمه بهذا التعنيف، و إنه لا يحق له أن يفرض عليه تنفيذ أمره.

و لكن خالدا لم يفعل شيئا من ذلك، و لم يعترض، و لم يشك، و لا اعتذر بأنه لم يكن يعلم بأن عليه أن يطيع أوامر علي «عليه السلام» و لا غير ذلك مما ذكرناه. .

هزيمة عمرو، و سبي نسائه! !

و قد صرحت الرواية المتقدمة: بأنه رغم أن قوم عمرو بن معد يكرب، قد حاولوا إثارة حفيظته بقولهم: لعل هذا الوافد يجبره على دفع الإتاوة له،

مع وصفهم لذلك الوافد بكلمة «الغلام» ، المشعرة بتميّز عمرو عليه بالسن، و بالتجربة، و بالموقعية، و ما إلى ذلك. .

ثم وصفوا هذا الغلام ب‌ «القرشي» ليشعر ذلك بغربته، و بالإختلاف معه في العدنانية و القحطانية، و في طبيعة الحياة، فإن هذا الوافد حضري، يفترض أن تكون حياته أقرب إلى الراحة و السعة و الرفاه، أما عمرو و قومه، فإنهم يعيشون حياة البداوة و الخشونة، و يدّعون لأنفسهم الإمتياز بالقدرة على تحمل المكاره و مواجهة الصعاب و الإعتزاز بالشجاعة و بالفروسية و ما إلى ذلك. .

و لكن كل ذلك لم ينفع، بل هو قد زاد من مرارة الهزيمة التي حلت بعمرو، و مما زاد في خزي عمرو أن هزيمته قد جاءت بعد أن استعرض قوته أمام الملأ، قائلا: من يبارز؟

و كان يرى أن الناس يهابونه، و أنه يكفي أن يذكر لهم اسمه حتى تتبدل أحوالهم، و يتخذون سبيل الإنسحاب من ساحة المواجهة، بكل حيلة و وسيلة، و إذ به يرى أن هؤلاء يتنافسون على مبارزته، و على سفك دمه.

و كان الأخطر و الأمرّ، و الأشر و الأضر هو: هزيمة عمرو أمام نفس هذا الغلام القرشي من مجرد صيحة صدرت منه، دون أن يلوح له بسيف، أو يشرع في وجهه رمحا! !

فما هذه الفضيحة النكراء، و الداهية الدهياء؟ !

ثم كان الأخزى من ذلك، و الأمضّ ألما، و الأعظم ذلا أن يقتل هذا الغلام القرشيّ على حد تعبيرهم أخا عمرو و ابن أخيه، و يسبي ريحانة بنت سلامة زوجة عمرو، بالإضافة إلى نساء أخريات.

ثم انصرف أمير المؤمنين «عليه السلام» مطمئنا إلى عدم جرأة عمرو

و غيره على القيام بأية مبادرة تجاه خالد بن سعيد، الذي أبقاه علي «عليه السلام» في بني زبيد أنفسهم، ليقبض صدقاتهم، و يؤمّن من عاد إليه من هرّابهم مسلما.

استجداء عمرو. . و أريحية خالد! ! :

و تواجهنا مفارقة هنا، و هي: أن عمرو بن معد يكرب جاء إلى خالد بن سعيد بن العاص الذي خلّفه علي «عليه السلام» في بني زبيد، فأظهر عودته إلى الإسلام، ثم كلّمه في امرأته و ولده، فوهبهم له.

و لكن هذا المستكبر المغرور بنفسه بالأمس، و الذي جرّ على نفسه هذه الهزيمة الفضيحة، و كان سببا في قتل أخيه، و ابن أخيه، ثم في سبي زوجته و ولده. . لا لشيء إلا لأجل أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لم يجب طلبا ظالما رفعه إليه. .

إن هذا الرجل بالذات يتراجع عن موقفه، و يستعطف ذلك الذي خلّفه ابن عم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في قوم عمرو بن معد يكرب نفسه ليجبي صدقاتهم، و يؤمّن من عاد إليه من هرّابهم مسلما. .

و قد كان هذا الرجل في غنى عن هذا الإستعطاف هنا، و عن الإستكبار هناك. .

و الأغرب من ذلك: أن نجده حتى حين يرى نفسه بحاجة إلى الإستعطاف و الخضوع، و يمارسه، لا يتخلى عن العنجهية و الغرور، و حب الظهور، و إثبات الذات، و إظهار القوة بغباوة و حمق. فإنه لما وقف على باب خالد وجد جزورا قد نحرت، فجمع قوائمها، ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعا. .

ثم وهب سيفه الذي كان يسميه بالصمصامة لخالد بن سعيد، إمعانا

منه في ادّعاء الشدة، و القوة لنفسه. .

و ذلك كله يجعلنا نقول:

لقد صدق من وصفه: بأنه «مائق بني زبيد» (1).

فإن المائق هو: الأحمق في غباء، أو الهالك حمقا و غباوة (2).

بريدة يشكو عليا عليه السّلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت الرواية المتقدمة حديث شكوى بريدة عليا «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بطلب من خالد، و بتحريض من عمر بن الخطاب، و قد غضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، و قد تقدم الحديث عن هذه الرواية فلا نعيد.

ما ذا عن عمرو بن معد يكرب؟ ! :

ثم إننا لا نريد أن نؤرخ هنا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، غير أننا نشير إلى لمحات قد تفيد في توضيح سبب تعظيمهم لهذا الرجل، و تأكيدهم على شجاعته، فنقول:

إن من أهم أسباب ذلك هو مشاركته في فتوح الشام و العراق، كما تظهره كتب التراجم (3).


1) راجع: البحار ج 41 ص 96 عن ابن إسحاق، و مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 2 ص 333.

2) أقرب الموارد ج 2 ص 1252.

3) راجع: الإصابة ج 3 ص 18-20 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 569 و 570.

كما أن ابن عساكر قد ذكر مفردات كثيرة، تفيد في وضوح حجم مشاركته لهم في تلك الفتوحات العزيزة على قلوبهم (1)، حيث قالوا: إن هذا الرجل قد شارك في عامة الفتوح بالعراق (2)، و كانت أكثر فتوحات العجم على يديه (3). .

و قد كتب عمر بن الخطاب إلى قائده النعمان بن مقرن: استشر و استعن في حربك طليحة، و عمرو بن معد يكرب، و لا تولهما من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصناعته (4).

و كان عمر إذا رأى عمرو بن معد يكرب قال: «الحمد للّه الذي خلقنا و خلق عمروا» (5).

و كتب عمر إلى سعد: إني أمددتك بألفي رجل، عمرو بن معد يكرب،


1) راجع: تاريخ دمشق ج 46

2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 520 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1202 و الإصابة ج 3 ص 18 و فيه: أنه شهد فتوح الشام و فتوح العراق.

3) سفينة البحار ج 6 ص 482 و البحار ج 41 ص 96 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 334.

4) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 523 و 538 و (ط دار الجيل) ج 2 ص 773 و ج 3 ص 1205 و الإصابة ج 3 ص 19 عن ابن سعد، و الواقدي، و ابن أبي شيبة، و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 172 و أسد الغابة لابن الأثير ج 3 ص 66 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 113.

5) البحار ج 41 ص 96 عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 333 و سفينة البحار ج 6 ص 482.

و طليحة بن خويلد (1).

مع أن كلا الرجلين كان قد أسلم ثم ارتد، فراجع ترجمتهما (2).

قالوا: «و مع مبارزته جذبه أمير المؤمنين «عليه السلام» و المنديل في عنقه حتى أسلم» (3).

و لأجل ذلك نجده لا يجرؤ على إظهار نفسه في مقابل علي «عليه السلام» ، فكان كثيرا ما يسأل عن غاراته، فيقول: قد محاسيف علي الصنائع (4).

و الصنيع: هو السيف الصقيل المجرب (5).

و قد نجد مبررات كثيرة للشك فيما يزعمونه له من شجاعة و إقدام، لا


1) راجع: الإصابة ج 3 ص 19 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 571 عن الطبراني عن محمد بن سلام الجمحي، و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 385 و المعجم الكبير للطبراني ج 17 ص 45 و مجمع الزوائد ج 5 ص 319.

2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 238 و (ط دار الجيل) ج 2 ص 773 حول طليحة، و الإصابة ج 2 ص 234 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 440، و راجع حول عمرو: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1201 و الإصابة ج 3 ص 18 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 586 و سفينة البحار ج 6 ص 483 عن تنقيح المقال و ثمة مصادر أخرى تقدمت في بعض الهوامش.

3) البحار ج 41 ص 96 عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 334 و سفينة البحار ج 6 ص 482.

4) البحار ج 41 ص 96 عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 334.

5) راجع: أقرب الموارد ج 1 ص 665.

سيما و أنه بعد ارتداده أسره المهاجر بن أبي أمية، و أرسله إلى أبي بكر (1).

و تقدم: أن خالد بن سعيد بن العاص سبى و أسر بني زبيد، و هم قوم عمرو بن معد يكرب و لم يصنع عمرو شيئا.

و الصحيح: أن الذين سباهم هو علي «عليه السلام» كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

كذب عمرو بن معد يكرب:

و يبدو لنا: أن ما يذكرونه عن بطولات عمرو بن معد يكرب قبل إسلامه، لا يعدو أن يكون روايات من نسج خيال عمرو نفسه، فقد عرف عنه: أنه كان يكذب.

فقد رووا: أنه كان يحدث بحديث، فقال فيه: لقيت في الجاهلية خالد بن الصقعب، فضربته و قدوته، و خالد في الحلقة.

فقال له رجل: إن خالدا في الحلقة.

فقال له: أسكت يا سيء الأدب، إنما أنت محدّث، فاسمع أو فقم.

و مضى في حديثه، و لم يقطعه، فقال له رجل: أنت شجاع في الحرب و الكذب معا.

قال: كذلك أنا تام الآلات (2).


1) الإصابة ج 3 ص 18 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 569 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 494 و أسد الغابة ج 4 ص 133 و البداية و النهاية ج 6 ص 364 و خزانة الأدب للبغدادي ج 2 ص 394.

2) تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 389 و قال في هامشه: رواه المعافي بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ج 2 ص 214 و 215 و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 362.

الفصل العاشر: معاذ و أبو موسى في اليمن

اشارة

بعث معاذ، و أبي موسى الأشعري إلى اليمن:

عن أبي بردة مرسلا، و عن أبي موسى الأشعري قال: أقبلت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معي رجلان من الأشعريين. أحدهما عن يميني و الآخر عن شمالي. كلاهما يسأل العمل و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يستاك.

فقال: «ما تقول يا أبا موسى» ؟

أو قال: «يا عبد اللّه بن قيس» ؟

قال: فقلت: و الذي بعثك بالحق، ما أطلعاني على ما في نفسيهما و ما شعرت أنهما يطلبان العمل.

قال: فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفتيه و قد قلصت.

قال: «لن يستعمل على عملنا من يريده، و لكن اذهب أنت يا أبا موسى» .

أو قال: «يا عبد اللّه بن قيس» .

قال أبو موسى: فبعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معاذا إلى اليمن.

قال أبو بريدة: بعث كل منهما على مخلافه.

قال: و اليمن مخلافان، و كانت جهة معاذ العليا و جهة أبي موسى السفلى.

قال أبو موسى: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ادعوا الناس، و بشرا و لا تنفرا، و يسرا و لا تعسرا، و تطاوعا و لا تختلفا» .

قال أبو موسى: يا رسول اللّه، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن.

قال: البتع و هو من العسل ينبذ ثم يشتد، و المزر و هو من الذرة و الشعير ينبذ ثم يشتد.

قال: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطي جوامع الكلم و خواتمه.

قال: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» (1).

و في رواية: فقال: «كل مسكر حرام» (2).

قال: فقدمنا اليمن، و كان لكل واحد مناقبة نزلها على حدة.

قال أبو بردة: فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، و كان كل واحد منهما إذا سار في أرضه، و كان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا، فسلم عليه.

فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس و قد اجتمع إليه الناس، و إذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد اللّه بن قيس، أيّم هذا؟

قال: هذا يهودي كفر بعد إسلامه، انزل. و ألقى له و سادة.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 229 و في هامشه عن: البخاري في كتاب المغازي (4344) و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 99 و صحيح مسلم ج 6 ص 100 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 291 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 197.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 229 و نيل الأوطار للشوكاني ج 9 ص 57 و فقه السنة ج 2 ص 377 و 386 و عون المعبود ج 10 ص 99.

فقال: لا أنزل حتى يقتل.

فأمر به فقتل.

قال: إنما جيء به لذلك، فانزل.

ثم نزل، فقال: يا عبد اللّه، كيف تقرأ القرآن؟

قال: «أتفوّقه تفوّقا.

قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟

قال: أنام أول الليل، فأقوم و قد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب اللّه لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» (1).

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألا اله الا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه.

فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن اللّه عز و جل قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة.

فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.

فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم، و اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها و بين اللّه حجاب» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 229.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 229 و 230 عن البخاري، و مسلم. و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 2 ص 158 و مسلم في كتاب الإيمان (10) انتهى. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 100 و (دار إحياء التراث العربي) ص 115 و 116 و نصب الراية ج 4 ص 418 و ج 2 ص 398 و تاريخ الخميس ج 2 ص 142 و راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 108 و عمدة القاري ج 18 ص 2 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 191.

عن عمرو بن ميمون: أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ سورة النساء، فلما قرأ: وَ اِتَّخَذَ اَللّٰهُ إِبْرٰاهِيمَ خَلِيلاً (1)، قال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم (2).

و نقول: إن مما لا شك فيه أن اليمن بلاد واسعة، و فيها سكان منتشرون في مخاليفها، و لا بد من دعوتهم جميعا إلى دين اللّه، و إبلاغهم كلمة الحق و الهدى. . فيحتاج الأمر إلى نشر الدعاة، و بث الموفدين في كل اتجاه، و لذلك تعددت الوفود، و كثر المبعوثون إليها. . و لعل معاذ بن جبل، و أبا موسى الأشعري كانا في جملة هؤلاء.

و قد صرحت الرواية: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث كلا منهما على مخلافه.

و لكن تبقى لنا على هذه الروايات مؤاخذات، و إيضاحات نذكرها


1) الآية 125 من سورة النساء.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 230 عن البخاري. و راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 109 و عمدة القاري ج 18 ص 5 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 389 و تغليق التعليق ج 4 ص 155 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 573 و الدر المنثور ج 2 ص 230 و البداية و النهاية ج 1 ص 195 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 200 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 239.

على النحو التالي:

ترديدات تثير الشبهة:

إذا كان أبو موسى مترددا في كلا المرتين فيما خاطبه به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا يدري هل قال له: «يا عبد اللّه بن قيس» ، أو قال له: «يا أبا موسى» ، فكيف نطمئن إلى أنه قد حفظ بالفعل سائر أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الدقة، حتى أنه لم يتردد في أية كلمة منها؟ ! بل هو يحفظ و يصف لنا سواكه «صلى اللّه عليه و آله» تحت شفتيه، و قد قلصت! !

اليمن مخلافان:

تقول الرواية: إن اليمن مخلافان، الأعلى و الأسفل، و تقول: كان كل من معاذ و أبي موسى يسير في أرضه، فإذا كان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا، فسلم عليه. .

و تقول: إنه كان لكل واحد منهما قبة نزلها على حدة.

فظاهر الرواية هو: أنهما كانا في موضعين متجاورين، و أن قبتيهما كانتا متقاربتين، و السؤال هو:

أولا: إن اليمن بلاد شاسعة تعد بعشرات الألوف من الكيلومترات المربعة، و ليست مجرد قطعتي أرض متجاورتين، يسير فيهما الراكب جيئة و ذهابا، و يتفقدهما كما يتفقد كرمه أو بستانه، أو جبلا، أو سهلا فسيحا، يعيش فيه.

ثانيا: إذ كانا قريبين إلى هذا الحد، فلما ذا ضربا لأنفسهما قبتين على حدة، فلتكن لهما قبة واحدة، و هذا ينطلق إلى مخلافة في الجهة العليا، و الآخر

ينطلق إلى مخلافه في الجهة السفلى. .

تطاوعا و لا تختلفا:

و قد ذكرت الرواية قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهما: تطاوعا و لا تختلفا.

و نقول: إذا كانت بلاد اليمن مخلافين، و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد عين كل واحد منهما في مخلاف، و لم يكن لأحدهما أي علاقة بعمل الآخر، فلا معنى لأن يختلفا، أو أن يتفقا في شيء. .

إلا أن يكون المقصود هو تحذيرهما من الإختلاف، و هما في الطريق إلى اليمن، حيث شاءت الصدف أن يسيرا إلى تسلم مهمتيهما في وقت واحد. و صادف أن سلكا طريقا واحدا.

قتل اليهودي:

و قد ذكرت الرواية: أن معاذا لم يرض بالنزول حتى قتلوا اليهودي الذي أسلم ثم ارتد.

و نحن نشك في صحة ذلك، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما بعثهما إلى اليمن دعاة لا حكاما، و لم يكن الإسلام قد فشا في تلك البلاد، و لا كان بإمكان مبعوثي النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقتلا يهوديا أسلم ثم ارتد، مع ملاحظة كثرة اليهود في ذلك البلد.

أبو موسى التقي الورع:

و قد ذكرنا عن قريب بعض ما يرتبط بأبي موسى، و أنه جاثليق هذه الأمة و سامريّها، إلى غير ذلك من أمور تدل على سوء العلاقة بينه و بين ربه، و بينه و بين أهل بيت نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . حتى إن عليا «عليه السلام» كان يقنت في الصبح و المغرب بلعنه مع جماعة آخرين إلى أمور كثيرة لا نرى حاجة لإعادتها. .

غير أن هؤلاء يظهرون هذا الرجل بالذات على أنه من أتقى الناس، و أن العلم انتهى إلى ستة هو أحدهم، و أن القضاء إلى أربعة هو أحدهم أيضا، ثم يذكرون هنا قراءته للقرآن هو و معاذ. . فتبارك اللّه الخالق و البارئ الذي مسخ أقواما فجعل منهم القردة و الخنازير، ثم إن هؤلاء يمسخون أبا موسى فيجعلونه من الأتقياء، و أعلم العلماء بعد أن كان على الضد من ذلك.

هنات تجعل فضيلة لمعاذ:

و لهم في معاذ مبالغات، تزيد على مبالغاتهم في أبي موسى الأشعري كما يعلم بالمراجعة.

و قد زعموا هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لمعاذ بن جبل، و هو في اليمن: «إني عرفت بلاءك في الدين، و الذي ذهب من مالك حتى ركبك الدين، و قد طيبت لك الهدية، فإن أهدي لك شيء فاقبل» (1).


1) الإصابة ج 2 ص 445 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 344 و ج 6 ص 108 و راجع: ج 3 ص 427 و كنز العمال ج 16 ص 196 و ج 6 ص 58 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 115 و ج 10 ص 597 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 411 و 432 و 434 و رسالات نبوية ص 268 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 و مجمع الزوائد ج 4 ص 150.

و قد زعموا: أن السبب في هذا السماح هو: أن معاذا كان رجلا سمحا، فركبه الدين، فلزمه غرماؤه، حتى تغيب عنهم أياما في بيته، فأرسله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليمن، و قال له: لعل اللّه يجبرك، و يؤدي عنك (1).

قال عمر: «و كان أول من اتجر في مال اللّه هو، فمكث حتى أصاب، و حتى قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه، و خذ سائره منه.

فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليجبره. و لست بآخذ منه شيئا إلا أن يعطيني.

فانطلق عمر إلى معاذ، فذكر ذلك له، فقال معاذ: إنما أرسلني النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليجبرني، و لست بفاعل.


1) أسد الغابة ج 4 ص 377 و (ط دار الكتاب العربي) ج 4 ص 377 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 358 و حلية الأولياء ج 1 ص 232 و المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 3 ص 274 و راجع: إعانة الطالبين للدمياطي ج 3 ص 79 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 411 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 588 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 431.

ثم أتى معاذ عمر، فقال: قد أطعتك، و أنا فاعل ما أمرتني به، فإني رأيت في المنام أني في حومة ماء قد خشيت الغرق، فخلصتني منه يا عمر الخ. . (1).

و نقول: أولا: لو سلمنا أن حديث جبر معاذ بإرساله إلى اليمن قد صدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يسمعه عمر، و سمعه أبو بكر و معاذ، فالسؤال هو: لما ذا لم يصدق عمر معاذا و لا أبا بكر في ذلك؟ ! بل بقى مترددا أو شاكا! !

ثانيا: إن العسقلاني يذكر مضمون الكتاب الذي يزعمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إلى معاذ في اليمن، يطيّب له فيه الهدية-يذكره- على أنه من قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمعاذ حين أرسله إلى اليمن، لا أنه كتاب أرسله إليه في اليمن! ! (2).

ثالثا: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يبعث كل من ركبه الدين، أو وزعت أمواله على دائنيه إلى بلد من البلاد، ليكون و اليا عليها، مستفيدا من هدايا أهله؟ !

و هل حصل مثل هذا الذي حصل لمعاذ لأي واحد من أولئك الذين ولاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بلدا، أو مخلافا و ما أكثرهم؟ ! .


1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 358 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1405 و المصنف للصنعاني ج 8 ص 269 و كنز العمال ج 5 ص 592.

2) تقدمت مصادر ذلك.

و هل سمح له حين خلّفه في مكة مع عتّاب بن أسيد بأن يقبل الهدية من أهلها، ليجبره بذلك أيضا.

رابعا: ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرسل معاذا واليا على البلاد و العباد، و إنما أرسله ليكون مجرد قاض للجند، و يعلم الناس القرآن، و شرائع الإسلام، و يقضي بينهم، و يقبض الصدقات من عمال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قسم اليمن على خمسة، و هم: المهاجر بن أبي أمية على كندة، و خالد بن سعيد على صنعاء، و زياد بن لبيد على حضرموت، و معاذ على الجند، و الأشعري على عدن، و زبيد و زمعة و الساحل (1).

فإن كانت الهدية تحرم على الولاة كما في الروايات (2)، فإن معاذا لا ولاية له، و إن كانت تحرم على القضاة، فإن حرمتها ليست قابلة للرفع، لأنها تؤثر على سلامة القضاء، و تؤدي إلى التهمة في الأحكام. و إن كان


1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 356 و 357 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1403 و معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 2 ص 702 و عمدة القاري للعيني ج 8 ص 235 و راجع: الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 190 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 393 و 415 و كتاب المحبر للبغدادي ص 126 و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 1 ص 46.

2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 و 556 عن المصادر التالية: صحيح مسلم ج 3 ص 1463 و سنن أبي داود ج 3 ص 134 و البخاري ج 9 ص 36 و عمدة القاري ج 24 ص 124 و فتح الباري ج 5 ص 162 و ج 12 ص 306 و الترمذي في كتاب الأحكام باب 8، و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 163 و كنز العمال ج 6 ص 55 فما بعدها.

قضاؤه خاصا بالجند، و ليس واليا على الناس، فلا حاجة إلى إحلال الهدية له، لأن الهدية تكون حلالا له بصورة طبيعية.

خامسا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد سمح لمعاذ بقبول الهدية، فلماذا تجاوز ذلك، و اتّجر في مال اللّه أيضا؟ ! (1).

و لعل الحقيقة هي: أن هذا الرجل قد عدا على مال اللّه تعالى، فاكتنزه لنفسه، فحاولوا التستر عليه بافتعال هذا الكتاب، و تلك المناسبة. . و قد

أرادوا بذلك مكافأته على مواقفه المؤيدة لسياستهم، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى. .

معاذ في ميزان السياسة:

إن تعظيم هؤلاء و تفخيمهم لمعاذ يفوق حد التصور، و يكفي أن نذكر أنه عندهم «أعلم الأولين و الآخرين، بعد النبيين و المرسلين، و إن اللّه ليباهي به الملائكة» (2).


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 358 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1404 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 و راجع: خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 95 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 2 ص 243 و كنز العمال ج 5 ص 591 و نصب الراية للزيلعي ج 6 ص 198 و قاموس الرجال ج 10 ص 98.

2) المستدرك للحاكم ج 3 ص 271 و كنز العمال ج 12 ص 314 و ج 6 ص 194 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 11 ص 745 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 1 ص 460 و الكشف الحثيث لسبط ابن العجمي ص 178 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 881 و الغدير ج 10 ص 18.

سر تعظيم معاذ بن جبل:

قد قرأنا في النص المتقدم الحديث الذي يذكر شدة معاذ بن جبل على اليهودي الذي أسلم ثم ارتد حتى إنه لم ينزل إليهم حتى قتلوه. .

ثم قرأنا فيه أيضا. . حديثه عن نفسه حول قراءة القرآن، ليدلل بذلك على شدة التزامه بخط التقوى، و مواظبته على الأمور العبادية. .

غير أننا نقول:

ليت شدة معاذ كانت قد اقتصرت على ذلك اليهودي، و لم تتجاوزه إلى أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، حيث شارك معاذ في الهجوم على بيت الزهراء «عليها السلام» فور وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في بعض الروايات: أنه كان على ألف من المقاتلين حين البيعة لأبي بكر و هاجموا عليا «عليه السلام» و أصحابه في المسجد (1).

و رووا: أنه كان من أصحاب الصحيفة التي تعهد كاتبوها بإزالة الإمامة عن علي «عليه السلام» (2).

و روي: أنه حين احتضاره كان يدعو بالويل و البثور، لممالأته على علي


1) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 104 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 242 و البحار ج 28 ص 202 و مواقف الشيعة للأحمدي ج 1 ص 430 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 333 و الدر النظيم ص 446 و نهج الإيمان لابن جبر ص 586 و بيت الأحزان ص 96 و مجمع النورين للمرندي ص 79.

2) كتاب سليم بن قيس (ط النجف) ص 109 و (بتحقيق محمد باقر الأنصاري) ص 345.

«عليه السلام» خصوصا بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و كان مع الذين شهروا سيوفهم و أخرجوا أبا بكر، و أصعدوه منبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تهددوا من يعارضهم بالقتل (2).

و لأجل ذلك تمنى عمر بن الخطاب: لو كان معاذ حيا لا ستخلفه (3).

معاذ بن جبل لم يتول مخلافا:

إن الروايات تنص على: أن معاذا كان أميرا على الجند فقط، و أما أبو موسى فكان أميرا على عدن، و زبيد، و الساحل، فلم يكن إذن معاذ أميرا على أي من مخاليف اليمن، لا الأعلى و لا الأسفل، و لا غير ذلك (4).


1) إرشاد القلوب للديلمي ص 391 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 346 و الصراط المستقيم ج 3 ص 153 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 574 و البحار ج 28 ص 122 و ج 30 ص 128 و ج 31 ص 634 و ج 58 ص 241 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 320 و مستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 412 و مجمع النورين للمرندي ص 204.

2) كتاب الرجال للبرقي ص 66 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 203 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 98 و الصراط المستقيم ج 2 ص 82 و نهج الإيمان ص 586.

3) الإمامة و السياسة ج 1 ص 28 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 249 و تفسير النسفي ج 2 ص 275.

4) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 356 و 357 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1402 و راجع: معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 2 ص 702 و عمدة القاري للعيني ج 8 ص 235 و راجع: الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 190 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 393 و 415 و كتاب المحبر للبغدادي ص 126 و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 1 ص 46.

سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم:

قالوا: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى (حي من)خثعم-قريبا من تربة على يومين من مكة، قال محمد بن عمر: بناحية تبالة، و قال ابن سعد: بناحية بيشة-و أمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها. فأخذوا رجلا، فسألوه، فاستعجم عليهم-أي سكت و لم يعلمهم-و جعل يصيح بالحاضر (1)، و يحذرهم، فضربوا عنقه.

ثم أمهلوا حتى نام الحاضر، فشنوا عليهم الغارة، فخرج إليهم رجال الحاضر، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجراح في الفريقين جميعا، و جاء الخثعميون الدّهم (أي العدد الكثير) ، فحال بينهم سيل أتي، فما قدر رجل واحد منهم يمضي حتى أتى قطبة على أهل الحاضر، و قتل قطبة من قتل منهم، و ساقوا النعم، و الشاء، و النساء إلى المدينة.

و كانت سهمانهم أربعة (أبعرة). و البعير يعدل بعشر من الغنم، بعد أن أخرج الخمس، و كان ذلك في صفر سنة تسع (2).


1) الحاضر: هم القوم النزول على ماء، يقيمون به، و لا يرتحلون عنه.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 214 و السيرة ج 3 ص 204 و المغازي للواقدي ج 3 ص 981 و ج 2 ص 754 و 755 و ج 1 ص 7 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 40 و 41 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 414 عن اللباب ج 1 ص 423 و الأنساب للسمعاني ج 5 ص 51 و نهاية الإرب ص 229 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 331 و جمهرة أنساب العرب ص 390 و 475 و 484 و الإشتقاق لابن دريد ص 520- 522 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 132 و مروج الذهب ج 2 ص 47 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 192 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 162 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 42 و عيون الأثر ج 2 ص 238.

و نقول:

1-قال ياقوت: بيشة: من عمل مكة مما يلي اليمن، من مكة على خمس مراحل، و بها من النخل و الفسيل شيء كثير، و في وادي بيشة موضع مشجر كثير الأسد (1).

2-تبالة بالفتح، قيل: تبالة التي جاء ذكرها في كتاب مسلم بن الحجاج: موضع ببلاد اليمن، و أظنها غير تبالة الحجاج بن يوسف، فإن تبالة الحجاج بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن، و أسلم أهل تبالة و جرش من غير حرب، فأقرهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أيدي أهلهما على ما أسلموا (2).

3-إن الإقتصار على عشرين رجلا في تلك السرية يشير إلى أنها لم تكن سرية قتال، بل سرية دعوة إلى اللّه تبارك و تعالى. لا سيما مع ملاحظة بعد المسافة بين المدينة، و بين الموضع الذي تقصده تلك السرية، فإن عشرين رجلا لا يمكنهم مواجهة المئات من المقاتلين الذين يعيشون في أوطانهم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 529 و معجم البلدان ج 1 ص 628 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 529.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 1 هامش ص 214 و معجم البلدان ج 1 ص 1110 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 9.

و كل وسائل العيش متوفرة لهم، مع معرفتهم التامة بمسالك المنطقة، و شعابها، و مواضع الماء و الكلاء فيها. .

أما أفراد السرية فهم قليلو العدد، و لا يتوفر لهم شيء من ذلك، و لن يكونوا قادرين على مواجهة العشرات من المقاتلين في مثل هذه الظروف الصعبة، و لا يمكنهم الحصول على المدد، و ليس لديهم ما يكفي من العدة و العدد، لو أراد الخثعميون ملاحقتهم بالقتال. و سيكونون عرضة للمهالك و الأخطار.

4-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يبدأ أحدا بقتال قبل الدعوة، و إقامة الحجة، و اتخاذه المدعوين موقف المعاند و المحارب. فكيف ينسب إليه أنه يغير على الآمنين، أو يأمر بالإغارة عليهم إذا لم يكونوا محاربين.

و لم يظهر لنا مما في أيدينا من نصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سبق و دعا خثعما إلى الإسلام، أو أن هذه القبيلة البعيدة عنه هذه المسافات قد أعلنت حربها عليه، أو اعتدت عليه أو أغارت على أطرافه. .

فما معنى: أن يأمر «صلى اللّه عليه و آله» قطبة بن عامر بالإغارة عليهم.

5-إن النص المتقدم قد صرح: بأن قطبة بن عامر حين شن الغارة على خثعم اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل قطبة منهم من قتل. و ساق النعم و الشاء و النساء إلى المدينة. .

و سؤالنا هو: إن المفروض هو: أن الجراح قد كثرت في الفريقين، فما معنى ادّعاء: أن قطبة قد قتل من قتل منهم-بل لقد قال الواقدي: حتى أتى قطبة على أهل الحاضر-و معنى هذا: أنه استأصلهم عن بكرة أبيهم، فهل تفرّد قطبة بقتل

أهل الحاضر دون سائر من معه؟ ! و لما ذا لم يستطع أحد من العشرين الآخرين، الذين كانوا معه أن يقتلوا أحدا من أهل الحاضر، بل اكتفوا بجرحهم؟ ! . .

و لما ذا لم يقتل أحد من العشرين، بل كثرت الجراح فيهم كما كثرت الجراح في أهل الحاضر؟ !

و إذا كان السيل قد حال بين الذين جاؤوا لنجدة أهل الحاضر و بين المغيرين، فقد كان بإمكانهم أن يلاحقوهم بعد ذلك، و حين يتمكنون من تجاوز السيل و لو بعد يوم أو يومين، فإن سير الأثقال، إذا كان فيها الإبل، و الشاء، و الأطفال، و النساء سيكون بطيئا و ثقيلا. . و سوف يتوزع الفرسان العشرون حولها لحمايتها و حفظها من التشتت و الضياع. . و سيحتاج وصولهم إلى المدينة إلى ضعف الوقت الذي يحتاجونه لو لم تكن هذه الأمور معهم.

سرية علقمة إلى ساحل جدة:

قال ابن سعد: في شهر ربيع الآخر (سنة تسع) (1).

و قال محمد بن عمر الأسلمي، و الحاكم: في صفر بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -حسب نص ابن سعد-أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 216 عن ابن سعد. و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 163 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 195 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 460 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 623 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 45 و عيون الأثر ج 2 ص 240.

الشعيبة في ساحل جدة، بناحية مكة في مراكب. فبعث إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علقمة بن مجزّز في ثلثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، و قد خاض إليهم في البحر، فهربوا منه (1).

فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم، فأذن لهم، و أمّر عليهم عبد اللّه بن حذافة.

و عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علقمة بن مجزّز، و أنا فيهم، حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش، و استعمل عليهم عبد اللّه بن حذافة السهمي. و كان من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانت فيه دعابة. فنزلوا ببعض الطريق، و أوقدوا نارا يصطلون عليها و يصطنعون.

فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار.

فقام بعضهم فتحجزوا حتى ظن أنهم و اثبون فيها.

فقال لهم: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم.

فذكروا ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «من أمركم بمعصية اللّه فلا تطيعوه» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 216 عن ابن سعد، و الحاكم، و غيرهما، و السيرة الحلبية ج 3 ص 204 و المغازي للواقدي ج 3 ص 983 و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 42 و 43.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 216 عن ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه ابن ماجة ج 2 ص 955(2863) ، و ابن حبان (1552) ، و ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 1 ص 118 انتهى. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 204 و المغازي للواقدي ج 3 ص 983، و الدر المنثور ج 2 ص 176 و 177 عن البخاري، و مسلم، و أبي داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و البيهقي في الدلائل، و عن أبي شيبة، و أحمد، و أبي يعلى، و ابن خزيمة، و ابن حبان، و الحاكم، و عن الطبراني. و راجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 88.

و عن علي «عليه السلام» قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرية، فاستعمل عليهم رجلا من الأنصار، و أمرهم أن يسمعوا له و يطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا

فجمعوا له.

ثم قال: أوقدوا نارا.

فأوقدوا نارا.

ثم قال: ألم يأمركم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن تسمعوا لي و تطيعوا؟

قالوا: بلى.

قال: فادخلوها.

فنظر بعضهم إلى بعض، و قالوا: إنّا فررنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من النار.

فكان كذلك حتى سكن غضبه، و طفئت النار.

فلما رجعوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا» .

و قال: «لا طاعة في معصية اللّه إنما الطاعة في المعروف» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 216 عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4340) ، و أحمد في المسند ج 1 ص 124، و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 312، و ذكره السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 177 عن ابن أبي شيبة، انتهى. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 204 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 4 ص 44-48 عن الحاكم، و ابن ماجة، و ابن خزيمة و صححه، و أحمد.

و رجع علقمة بن مجزّز هو و أصحابه و لم يلق كيدا.

قول سيدنا علي «عليه السلام» عنه: و استعمل عليهم رجلا من الأنصار (و هم من بعض الرواة، و إنما هو سهمي) (1).

و نقول:

أمير السرية أنصاري أم قرشي؟ ! :

إن علقمة بن مجزّز المدلجي، و مدلج قبيلة من كنانة. . و عبد اللّه بن حذافة السهمي القرشي، و هو من قدماء المهاجرين.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمّر علقمة، ثم إن علقمة أمّر ابن حذافة على الذين يريدون الإسراع في الرجوع إلى أهليهم. .

و بعد ما تقدم نقول:

1-قال البخاري: باب سرية عبد اللّه بن حذافة السهمي، و علقمة بن مجزّز المدلجي. و يقال: إنها سرية الأنصاري. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 216 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 44 و 45 و فتح الباري ج 8 ص 47 و عمدة القاري ج 17 ص 314 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 259 و تهذيب الكمال ج 15 هامش ص 470.

ثم روى (1)عن علي «عليه السلام» قال: بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» سرية، فاستعمل عليها رجلا من الأنصار الخ. . (2).

و في هذا الكلام خلل من جهتين:

إحداهما: أن كلا الرجلين: علقمة بن مجزّز، و عبد اللّه بن حذافة. . لم يكونا من الأنصار، لأن الأنصار هم خصوص الأوس و الخزرج (3).

الثانية: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤمّر عبد اللّه بن حذافة، بل أمّر علقمة. و علقمة هو الذي أمّر ابن حذافة على خصوص الراجعين إلى أهليهم، فما معنى قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر ذلك الرجل الذي أمرهم بدخول النار التي أضرموها؟ !

ثم يقولون: إن المقصود هو: عبد اللّه بن حذافة. .

نزول آية طاعة ولي الأمر في ابن حذافة:

و زعموا: أن قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (4)نزلت في عبد اللّه بن حذافة في هذه


1) يعني البخاري في الأحكام، و في خبر الواحد، و مسلم في المغازي (شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 44) .

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 44 و صحيح البخاري ج 5(ط دار الفكر) ص 107 و عمدة القاري ج 17 ص 314.

3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 47.

4) الآية 59 من سورة النساء.

المناسبة (1). .

و نقول: أولا: إن الآية قد ألزمتهم بطاعة ابن حذافة، و هذا معناه: أنه كان يجب عليهم إطاعة هذا الرجل، و الدخول في تلك النار.


1) صحيح البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة النساء الآية 59) و (ط دار الفكر) ج 5 ص 180 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 6 ص 13 و مسند أحمد (ط دار صادر) ج 1 ص 337 و الدر المنثور ج 2 ص 176 و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 47. و راجع: جامع البيان للطبري ج 5 ص 205 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 988 و أسباب نزول الايات للنيسابوري ص 106 و أحكام القرآن لابن عربي ج 1 ص 573 و زاد المسير ج 2 ص 143 و تفسير الرازي ج 10 ص 144 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 260 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 529 و العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ج 2 ص 895 و تفسير الجلالين للسيوطي ص 244 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 254 و لباب النقول للسيوطي (دار إحياء العلوم) ص 72 و (ط دار الكتب العلمية) ص 60 و فتح القدير للشوكاني ج 1 ص 481 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 353 و الإصابة ج 4 ص 51 و العثمانية للجاحظ ص 116 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 457 و المنتقى من السنن المسندة ص 62 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 131 و سنن النسائي ج 7 ص 155 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 432 و ج 5 ص 222 و ج 6 ص 324 و عون المعبود ج 7 ص 207 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 193 و ج 5 ص 258 و 259 و عمدة القاري ج 18 ص 176 و فتح الباري ج 8 ص 47 و 191 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 223 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 155 و الغدير ج 3 ص 165 و نيل الأوطار ج 8 ص 49.

و هذا يتناقض مع قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف، لا طاعة في معصية الخالق» ، أو نحو ذلك. .

ثانيا: روى ابن جرير: أن الآية المذكورة نزلت في قصة جرت لعمار مع خالد، حيث كان خالد أميرا، فعرسوا قريبا من القوم الذين يقصدونهم، فهربوا غير رجل واحد جاء ليلا إلى عمار، و أخبره أنه مسلم.

فلما أغار خالد لم يجد غير ذلك الرجل، فأخذه و أخذ ماله، فأخبر عمار خالدا أن الرجل قد أسلم، و أنه قد أمّنه، فلم يرض خالد بذلك، فارتفعا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجاز ما فعله عمار، فنزلت (1).

ثالثا: عن ابن عباس: أن المراد بأولي الأمر في الآية: أهل الفقه و الدين، و أهل طاعة اللّه، الذين يعلمون الناس معاني دينهم، و يأمرونهم بالمعروف، و ينهونهم عن المنكر. فأوجب اللّه طاعتهم على العباد (2).


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 48 عن ابن جرير، و فتح الباري، و الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و عن ابن عساكر. و راجع: تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 236 و العجاب في بيان الأسباب لابن حجر العسقلاني ج 2 ص 896.

2) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الحاكم. و راجع: تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 988 و 989 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 123 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 206 و راجع: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 530.

و في نص آخر عنه: هم أهل العلم (1).

و عن جابر: أنهم أولوا الفقه، و أولو الخير (2).

و عن مجاهد: هم الفقهاء و العلماء (3).

و في نص آخر عنه: أنهم أصحاب محمد، أهل العلم، و الفقه و الدين (4).

و عن أبي العالية: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (5)» (6).

و عن الضحاك: هم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هم الدعاة الرواة (7).


1) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن عدي في الكامل. و راجع: جامع البيان للطبري ج 5 ص 206 و 207 و فتح القدير ج 1 ص 482.

2) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و الحاكم الترمذي في نوادر الأصول، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الحاكم و صححه. و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 567.

3) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

4) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر.

5) الآية 83 من سورة النساء.

6) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن أبي شيبة، و ابن جرير. و راجع: تحفة الأحوذي ج 3 ص 194 و عمدة القاري ج 18 ص 176 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 207.

7) تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 989 و الدر المنثور ج 2 ص 177 عن ابن أبي حاتم.

و عن عطاء: أنهم أولوا الفقه و العلم (1).

و كل هذه الأوصاف لا تنطبق على عبد اللّه بن حذافة، و لا على خالد بن الوليد، فما معنى أن يقال: إن الآية نزلت لتلزم الناس، و خصوصا العلماء الفقهاء من أمثال عمار بن ياسر بطاعة هؤلاء؟ !

رابعا: إنه لا معنى لا عتبار دخولهم النار معصية، إذا كانوا يظنون أن أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم بطاعة أميرهم يشمل هذا المورد. . و يظنون أن قوله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ (2)، و قوله تعالى: وَ لاٰ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (3)ناظر إلى غير هذه الصورة. .

و قول الداودي: إن هذه القضية تفيد: «أن التأويل الفاسد لا يعذر به صاحبه» (4)مردود عليه بعد أن ثبت بطلان هذه الروايات، أو أنها قد تعرضت للتحوير و التزوير على أقل تقدير. .

تنبيه ضروري:

و لا بد لنا هنا من لفت نظر القارئ إلى: أن ما ذكرناه من روايات لهم عن نزول آية وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ في خالد، و عمار، إنما أوردناه لإلزام الطرف الآخر به، على قاعدة: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.


1) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم. و راجع: فتح القدير ج 1 ص 481.

2) الآية 195 من سورة البقرة.

3) الآية 29 من سورة النساء.

4) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 46.

نقول هذا لأننا نعتقد بعدم صحة قولهم: إن الآية نزلت لتأمر عمارا بطاعة خالد، ف‌:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد أمضى ما فعله عمار.

ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرض أن يصدر من خالد أي تعريض بعمار، و زجره عن ذلك.

فقد ذكرت الرواية المشار إليها نفسها: أن خالدا قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني؟ ! .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : يا خالد، لا تسب عمارا، فإن من سب عمّارا سب اللّه، و من أغضب عمّارا أبغضه اللّه، و من لعن عمّارا لعنه اللّه (1).

ثم تذكر الرواية: أن خالدا حاول استرضاء عمّار عند ذلك، فراجع (2).

ثالثا: إن الآية لا يمكن أن تنزل من عند اللّه، لتأمرهم بإطاعة خالد باعتبار أنه ولي شرعي. . في الوقت الذي يطلب خالد منهم ما لا يحق له. بل هو يعصي اللّه في ذلك، فهل يمكن أن تأمرهم بإطاعته في مورد يعصي اللّه فيه؟ !


1) فضائل الصحابة للنسائي ص 50 و شرح الأخبار ج 1 ص 411 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 390 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 74 و المعجم الكبير للطبراني ج 4 ص 112 و تهذيب الكمال للمزي ج 25 ص 366.

2) الدر المنثور ج 2 ص 176 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن عساكر. و راجع: خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 23 و جامع البيان للطبري ج 5 ص 206 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 990 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 530 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 65 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 265.

و قد جاء الحديث الصريح عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1).

و لو فرضنا: أنه لم يكن عاصيا، بل كان جاهلا بالحكم الشرعي، فهل تجب طاعته فيما يجهله من أحكام، لتكون نتيجة ذلك هي مخالفتها، كما هو الحال في مثل هذا المورد؟ ! فإن الرجل الذي أعطاه عمّار الأمان كان من المسلمين. فلا يصح أن يسبى و لا يحتاج إلى إجارة عمّار له، و لا إجازة خالد لذلك الجوار، بل لا يحتاج حتى إلى أمان من أحد، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أمر خالدا بمحاربة الكفار و سبيهم. . فعمار لم يخطئ في توجيه الرجل للبقاء في موطنه. و خالد هو الذي أخطأ حينما أسر الرجل، و أخذ ماله و هو مسلم.

و أما لزوم أن تكون الإجارة و الأمان بعلم الأمير. . فليس ثمة ما يثبته إلا ما يدّعيه خالد نفسه. . و إلا، فإن (المسلمين) المؤمنين تتكافأ دماءهم، و هم يد على من سواهم، و يسعى بذمتهم أدناهم (2)، و أيما رجل من المسلمين


1) الدر المنثور ج 2 ص 176 و 177 عن مصادر كثيرة.

2) راجع: الخلاف للشيخ الطوسي ج 4 ص 209 و 272 و ج 5 ص 147 و 522 و المبسوط للشيخ الطوسي ج 7 ص 280 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 353 و 354 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 307 و 325 و 326 و سبل السلام للكحلاني ج 3 ص 234 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 150 و ج 8 ص 108 و الكافي ج 1 ص 403 و 404 و 542 و دعائم الإسلام ج 1 ص 378 و ج 2 ص 404 و الأمالي للصدوق ص 432 و الخصال ص 150 و المجازات النبوية للشريف الرضي ص 17 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 4 ص 131 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 525 و ج 15 ص 67 و 69 و ج 29 ص 75 و 76 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 366 و ج 11 ص 49 و 51 و ج 19 ص 55 و 56 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 45 و ج 18 ص 237 و 238 و الغارات للثقفي ج 2 ص 828 و الأمالي للمفيد ص 187 و البحار ج 2 ص 148 و ج 21 ص 138 و ج 27 ص 68 و 69 و 114 و ج 47 ص 365 و 242 و ج 74 ص 131 و 146 و ج 97 ص 47 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 230 و ج 8 ص 568 و 610 و ج 13 ص 159 و مسند أحمد ج 1 ص 122 و 192 و 211 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 895 و سنن أبي داود ج 1 ص 625 و ج 2 ص 375 و سنن النسائي ج 8 ص 20 و 24 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 335 و 336 و ج 8 ص 29 و 30 و 194 و ج 9 ص 51 و 94 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 141 إضافة إلى مصادر أخرى كثيرة.

أعطى لكافر أمانا و لو بإشارة منه، فإن أمانه ماض له. و لا يستطيع أحد أن يماري في ذلك. .

الفصل الحادي عشر: صنم طيء. . و آل حاتم

اشارة

هدم الفلس-صنم طيء:

قالوا: و في شهر ربيع الآخر من سنة تسع بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» في خمسين و مائة رجل-أو مائتين كما ذكره ابن سعد-من الأنصار على مائة بعير و خمسين فرسا، و معه راية سوداء، و لواء أبيض إلى الفلس، ليهدمه.

فأغاروا على أحياء من العرب، و شنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس و خربوه، و ملأوا أيديهم من السبي، و النعم، و الشاء.

و كان في السبي سفانة أخت عدي بن حاتم، و هرب عدي إلى الشام.

و وجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب، و المخذم-كان الحارث بن أبي شمر قلده إياهما-و سيف يقال له: اليماني، و ثلاثة أدرع.

و استعمل علي «عليه السلام» على السبي أبا قتادة، و استعمل على الماشية و الرثة عبد اللّه بن عتيك.

فلما نزلوا ركك اقتسموا الغنائم و عزلوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» صفيا رسوبا و المخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، و عزل الخمس.

و عزل آل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة.

و مرّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأخت عدي بن حاتم، فقامت إليه

و كلمته: أن يمن عليها.

فمنّ عليها، فأسلمت و خرجت إلى أخيها، فأشارت عليه بالقدوم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقدم عليه (1).

و ذكر ابن سعد في الوفود: أن الذي أغار، و سبى ابنة حاتم هو خالد بن الوليد (2).

و الفلس-بضم الفاء، و سكون اللام-: صنم لطيء و من يليها (3).

و في نص آخر ذكره الواقدي:

أن عليا «عليه السلام» دفع رايته إلى سهل بن حنيف، و لواءه إلى جبار بن صخر السلمي، و خرج بدليل من بني أسد يقال له: حريث، فسلك بهم على طريق فيد (جبل) ، فلما انتهى بهم إلى موضع قال: بينكم و بين الحيّ الذي تريدون يوم تام، و إن سرناه بالنهار وطئنا أطرافهم و رعاءهم،


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 218 و المغازي للواقدي ج 3 ص 984 و 985 و السيرة الحلبية ج 3 ص 205 و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 4 ص 48 و 49 و 50 و تاريخ الخميس ج 2 ص 120 و 121 و الإصابة ج 4 ص 329 و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 69 ص 194-203 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 234-237 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 164 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 624 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 45.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 218 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 322 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 193.

3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 48. و راجع: معجم البلدان ج 4 ص 273 و ج 5 ص 205

فأنذروا الحيّ، فتفرقوا، فلم تصيبوا منهم حاجتكم، و لكن نقيم يومنا هذا في موضعنا حتى نمسي، ثم نسري ليلتنا على متون الخيل، فنجعلها غارة حتى نصبحهم في عماية الصبح.

قالوا: هذا الرأي!

فعسكروا و سرحوا الإبل و اصطنعوا، و بعثوا نفرا منهم يتقصّون ما حولهم، فبعثوا أبا قتادة، و الحباب بن المنذر، و أبا نائلة، فخرجوا على متون خيل لهم يطوفون حول المعسكر، فأصابوا غلاما أسود، فقالوا: ما أنت؟

قال: أطلب بغيتي.

فأتوا به عليا «عليه السلام» ، فقال: ما أنت؟

قال: باغ.

قال: فشدوا عليه.

فقال: أنا غلام لرجل من طيء من بني نبهان، أمروني بهذا الموضع و قالوا: إن رأيت خيل محمد فطر إلينا فأخبرنا، و أنا لا أدرك أسرا، فلما رأيتكم أردت الذهاب إليهم، ثم قلت: لا أعجل حتى آتي أصحابي بخبر بيّن، من عددكم و عدد خيلكم، و رقابكم، و لا أخشى ما أصابني، فلكأني كنت مقيدا حتى أخذتني طلائعكم.

قال علي «عليه السلام» : أصدقنا ما وراءك.

قال: أوائل الحيّ على مسيرة ليلة طرادة، تصبحهم الخيل و مغارها حين غدوا.

قال علي «عليه السلام» لأصحابه: ما ترون؟

قال جبار بن صخر: نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا حتى نصبح

القوم و هم غارون، فنغير عليهم و نخرج بالعبد الأسود ليلا، و نخلف حريثا مع العسكر حتى يلحقوا إن شاء اللّه.

قال علي «عليه السلام» : هذا الرأي.

فخرجوا بالعبد الأسود، و الخيل تعادا، و هو ردف بعضهم عقبة (نوبة) ، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، و هو مكتوف، فلما انهار الليل كذب العبد، و قال: قد أخطأت الطريق و تركتها ورائي.

قال علي «عليه السلام» : فارجع إلى حيث أخطأت.

فرجع ميلا أو أكثر، ثم قال: أنا على خطأ.

فقال علي «عليه السلام» : إنّا منك على خدعة، ما تريد إلا أن تثنينا عن الحيّ، قدموه، لتصدقنا، أو لنضر بن عنقك.

قال: فقدم و سل السيف على رأسه، فلما رأى الشر قال: أرأيت إن صدقتكم أينفعني؟

قالوا: نعم.

قال: فإني صنعت ما رأيتم، إنه أدركني ما يدرك الناس من الحياء، فقلت: أقبلت بالقوم أدلهم على الحيّ من غير محنة و لا حق فآمنهم، فلما رأيت منكم ما رأيت و خفت أن تقتلوني كان لي عذر، فأنا أحملكم على الطريق.

قالوا: أصدقنا.

قال: الحيّ منكم قريب.

فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحيّ، فسمعوا نباح الكلاب و حركة النعم في المراح و الشاء.

فقال: هذه الأصرام (الجماعات) و هي على فرسخ، فينظر بعضهم إلى بعض.

فقالوا: فأين آل حاتم؟

قال: هم متوسطو الأصرام.

قال القوم بعضهم لبعض: إن أفزعنا الحيّ تصايحوا و أفزعوا بعضهم بعضا، فتغيب عنا أحزابهم في سواد الليل، و لكن نمهل القوم حتى يطلع الفجر معترضا، فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضا لم يخف علينا أين يأخذون، و ليس عند القوم خيل يهربون عليها، و نحن على متون الخيل.

قالوا: الرأي ما أشرت به.

قال: فلما اعترضوا الفجر أغاروا عليها، فقتلوا من قتلوا، و أسروا من أسروا، و استاقوا الذرية و النساء، و جمعوا النعم و الشاء، و لم يخف عليهم أحد تغيب فملأوا أيديهم.

قال: تقول جارية من الحيّ و هي ترى العبد الأسود-و كان اسمه أسلم-و هو موثق: ما له هبل، هذا عمل رسولكم أسلم، لا سلم، و هو جلبهم عليكم، و دلهم على عورتكم!

قال يقول الأسود: أقصري يا ابنة الأكارم، ما دللتهم حتى قدّمت ليضرب عنقي.

قال: فعسكر القوم، و عزلوا الأسرى و هم ناحية نفير، و عزلوا الذرية و أصابوا من آل حاتم أخت عدي و نسيات معها، فعزلوهن على حدة.

فقال أسلم لعلي «عليه السلام» : ما تنتظر بإطلاقي؟

فقال: تشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه.

قال: أنا على دين قومي هؤلاء الأسرى، ما صنعوا صنعت.

قال: ألا تراهم موثقين، فنجعلك معهم في رباطك؟

قال: نعم، أنا مع هؤلاء موثقا أحب إلي من أن أكون مع غيرهم مطلقا، يصيبني ما أصابهم، فضحك أهل السرية منه، فأوثق و طرح مع الأسرى.

و قال: أنا معهم حتى ترون منهم ما أنتم راؤن.

فقائل يقول له من الأسرى: لا مرحبا بك، أنت جئتنا بهم!

و قائل يقول: مرحبا بك و أهلا، ما كان عليك أكثر مما صنعت، لو أصابنا الذي أصابك لفعلنا الذي فعلت و أشد منه، ثم آسيت بنفسك.

و جاء العسكر و اجتمعوا، فقربوا الأسرى، فعرضوا عليهم الإسلام، فقال: و اللّه، إن الجزع من السيف للؤم، و ما من خلود.

قال: يقول رجل من الحي ممن أسلم: يا عجبا منك، ألا كان هذا حيث أخذت، فلما قتل من قتل، و سبي منا من سبي، و أسلم منا من أسلم، راغبا في الإسلام تقول ما تقول؟ ! و يحك أسلم و اتبع دين محمد.

قال: فإني أسلم و أتبع دين محمد. فأسلم و ترك، و كان يعد فلا يفي حتى كانت الردة، فشهد مع خالد بن الوليد اليمامة، فأبلى بلاء حسنا.

قال: و سار علي «عليه السلام» إلى الفلس، فهدمه و خربه، و وجد في بيته ثلاثة أسياف: رسوب، و المخذم، و سيفا يقال له: اليماني، و ثلاثة أدراع، و كان عليه ثياب يلبسونه إياها.

و جمعوا السبي، فاستعمل عليهم أبو قتادة، و استعمل عبد اللّه ابن عتيك السلمي على الماشية و الرثة.

ثم ساروا حتى نزلوا ركك (أحد جبال طيء) فاقتسموا السبي، و الغنائم، و عزل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» صفيا: رسوبا و المخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، و عزل الخمس، و عزل آل حاتم، فلم يقسمهم

حتى قدم المدينة.

قال الواقدي: فحدثت هذا الحديث عبد اللّه بن جعفر الزهري، فقال: حدثني ابن أبي عون قال: كان في السبي أخت عدي بن حاتم لم تقسم، فأنزلت دار رملة بنت الحارث، و كان عدي بن حاتم قد هرب حين سمع بحركة علي «عليه السلام» ، و كان له عين بالمدينة، فحذره فخرج إلى الشام.

و كانت أخت عدي إذا مر النبي «صلى اللّه عليه و آله» تقول: يا رسول اللّه، هلك الوالد، و غاب الوافد، فامنن علينا منّ اللّه عليك.

كل ذلك يسألها رسول اللّه «عليه السلام» : من وافدك؟

فتقول: عدي بن حاتم.

فيقول: الفار من اللّه و رسوله؟ حتى يئست.

فلما كان يوم الرابع مرّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم تتكلم، فأشار إليها رجل: قومي فكلميه.

فكلمته، فأذن لها و وصلها، و سألت عن الرجل الذي أشار إليها، فقيل: علي، و هو الذي سباكم، أما تعرفينه؟

فقالت: لا و اللّه، ما زلت مدنية طرف ثوبي على وجهي، و طرف ردائي على برقعي من يوم أسرت حتى دخلت هذه الدار، و لا رأيت وجهه و لا وجه أحد من أصحابه (1).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مضى حتى مرّ ثلاثا.


1) المغازي للواقدي ج 3 ص 985-989. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 194-198 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 23 ص 234-238.

قالت: فأشار إليّ رجل من خلفه: أن قومي فكلميه.

قالت: فقلت: يا رسول اللّه، هلك الوالد، و غاب الوافد، فامنن عليّ، منّ اللّه عليك.

قال: قد فعلت، فلا تعجلي، حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني.

فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ، فقيل: علي بن أبي طالب.

و قدم ركب من بلى، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلت: قدم رهط من قومي.

قالت: و كساني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حملني، و أعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت على أخي، فقال: ما ترين في هذا الرجل؟ !

فقلت: أرى أن نلحق به (1).

و في نص آخر، قالت: يا محمد، أرأيت أن تخلي عنا و لا تشمت بنا أحياء العرب؟ ! فإني ابنة سيد قومي، و إن أبي كان يحمي الذمار، و يفك العاني، و يشبع الجائع، و يكسو العاري، و يقري الضعيف، و يطعم الطعام، و يفشي السلام، و لم يرد طالب حاجة قط. أنا ابنة حاتم طيء.

فقال لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقا، و لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم


1) الإصابة ج 4 ص 329 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 180 عن ابن إسحاق، و ابن الأثير، و أبي نعيم، و الطبراني، و الخرائطي في مكارم الأخلاق، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 205 و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 49 و 50 و أسد الغابة ج 5 ص 475.

الأخلاق (1).

و نقول: إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات، نجملها فيما يلي من مطالب:

من الذي سبى سفانة؟ ! :

قد عرفت: أن الذي جاء بسفانة بنت حاتم هو علي «عليه السلام» .

و لكن ابن سعد يذكر: أن الذي سباها هو خالد بن الوليد، و لا يمكن الجمع بينهما: بأن خالدا كان في جيش علي «عليه السلام» ، لأن جيش علي «عليه السلام» كانوا كلهم من الأنصار (2).

لا بد من هدم الصنم:

لقد كانت المهمة التي أنيطت بأمير المؤمنين «عليه السلام» هي هدم صنم طيئ. . و هذا يمثل تحديا كبيرا لتلك القبيلة و لكل من كان في تلك المنطقة، فإنهم كانوا يلزمون أنفسهم بعبادته، و يصورونه على أنه قادر على


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 205 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 224 و البداية و النهاية ج 2 ص 271 و ج 5 ص 80 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 109 و ج 4 ص 132 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 359 و ج 36 ص 446 و ج 69 ص 202 و 203 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 376 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 194 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 210 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 10 ص 398 و نهج السعادة للمحمودي ج 7 ص 362 و كنز العمال ج 3 ص 664 و الدرجات الرفيعة ص 355.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 50.

أن يضرهم و ينفعهم.

و خير وسيلة لإسقاط هذا الإعتقاد، و إظهار خرافيته و زيفه هو: التعرض لذلك الصنم بالهدم، و هو الحد الأقصى للتحدي، بحيث يقصر عنه كل ما عداه. . و يكون هذا الذي يجري على الصنم أبلغ من كل قول، و أدلّ من أية حجة، و أوفى من كل بيان. .

و ذلك لأن هذا الصنم كان هو الوسيلة للتضليل، و الخداع، و هو السبب في صدّ الناس عن الهدى، و أصبح التحدي منحصرا به، فلا بد أن لا تبقى له أية حرمة، و لا يمثل التعرض له بالهدم تحديا للذين يتخذونه وسيلة ضلال و إضلال، فعليهم أن يرضوا بأن يكون هو المحك و المحل لإختيار الصحة و البطلان. . و يكون من حق كل أحد أن يجعله في موضع الإختيار لإظهار زيف ما يدّعونه له من قدرات، أو تصرفات، لكي يرى الناس بأم أعينهم: أنه يفقد ما يدّعونه له، و تتجلى لهم حقيقته، و كيف أنه لا يضر، و لا ينفع، و لا يبصر و لا يسمع، و لا يضع و لا يرفع، و لا يمنع و لا يدفع. .

فإذا نصب هؤلاء الناس العداء لمن يريد أن يبطل حجتهم، و إظهار بطلان ما يزعمونه لذلك الصنم، و أرادوا أن يواجهوه بالحرب، فذلك يعني: أنهم مصرون على قهر الآخرين، و التسلط عليهم في دينهم و في اعتقاداتهم من دون مبرر.

و هذا ظلم فاحش منهم لا بد من العمل على إسقاطه، و إفساح المجال للآخرين، لممارسة حريتهم في الفكر، و في الإعتقاد و في الممارسة. .

من أجل ذلك نقول:

إن لعلي «عليه السلام» كل الحق في أن يبادر إلى هدم الفلس-صنم

طيء-ليكشف للناس عجزه، و ضعفه، و بطلان ما يزعمونه له من قدرات و تأثيرات، لكي يتحرر الناس من الخرافة، و ليفلتوا من أيدي المستغلين و الظالمين لهم، و المعتدين على كرامتهم الإنسانية، حين رضوا بأن يستخفوا بهم، و أن يدخلوهم في أنفاق مظلمة من الخداع و التضليل، و الضياع. .

و قد كان «عليه السلام» يعلم أن قبيلة طيء لا بد أن تمنع أيا كان من ممارسة هذا الحق الطبيعي في إبطال حجتهم، و تحطيم وسيلة الخداع و الظلم التي في حوزتهم، فاحتاط للأمر و قدم معه عدد قادر على الدفاع، و صد العدوان. و كسر شوكة المعتدي، فجاء بمائة و خمسين، أو مائتي مقاتل. .

التحريف و التزييف:

هذا. . و لا مجال للإصغاء إلى ما زعمته الروايات المشبوهة، من أنهم قد «أغاروا على أحياء من العرب، و شنوا الغارة على محلة آل حاتم الخ. .» ، فإنها تريد أن توحي: بأن مهمة علي «عليه السلام» كانت هي الإغارة على الآمنين، و الحصول على الأسرى و السبايا و الغنائم، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يأمر سراياه بأن لا يقاتلوا أحدا إلا بعد دعوته إلى الإسلام، و إقامة الحجة عليه، فإذا لم يستجب، و اتخذ موقف المعادي، و بادأهم بالعدوان، و واجههم بالحرب، كان عليهم ردّ عدوانه، و حفظ أنفسهم من سوء ما يواجههم به.

و الشواهد على هذا الأمر كثيرة. . و يوجد في ثنايا هذا الكتاب عدد وافر منها، و لا حاجة إلى تكرار ذلك. .

آل حاتم محاربون:

بل إن النصوص التاريخية تشير إلى: أن آل حاتم كانوا مع المسلمين في

حالة حرب.

فقد ذكروا: أن جواسيسهم كانت تراقب تحركات المسلمين، و أن أولئك الجواسيس قد وصلوا إلى المدينة نفسها. و قد عرف عدي بن حاتم رئيس قبيلة طي بمسير المسلمين لهدم صنم عشيرته من جاسوس كان لهم بالمدينة، فغادر المنطقة و ترك عشيرته، و ذهب إلى الشام.

كما أن عليا «عليه السلام» حين سار إليهم وجد عينا لهم على مسيرة يوم من محالهم، و كانت مهمته هي رصد خيل محمد، حتى إذا رآها طار إليهم، و أخبرهم ليأخذوا حذرهم. .

و إذا كانوا مع المسلمين في حالة حرب، فللمسلمين أن يحاولوا أخذهم على حين غرة ليوفروا على أنفسهم خسائر قد تكون جسيمة في الأرواح، و في المعنويات.

و ليس للمحارب: أن ينام، و يقول: يجب على عدوي إذا وجدني أن يقف إلى جانبي و ينتظرني حتى أستفيق من غفوتي، و أغسل وجهي، و آخذ سيفي، و أركب فرسي، و أحركها نحوه في اللحظة التي أحب. .

علي عليه السّلام لا يقسم آل حاتم:

و لقد لفت انتباهنا: أن عليا «عليه السلام» قد عزل خمس غنائم الحرب، ثم قسمها بين المقاتلين، و لكنه لم يقسم آل حاتم.

و هذا يدل على: أنه «عليه السلام» أراد حفظ كرامة أهل الكرامة، و لم يكن يريد إذلال أحد. لأن هذه هي مهمة الإسلام، و عنوان رسالة السماء، و مضمونها العميق، و هو الأمر الذي لم يزل علي «عليه السلام» يجاهد

و يضحي في سبيلها.

الراية السوداء:

و قد أشرنا أكثر من مرة إلى أن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حربه لأهل الكفر و الشرك كانت سوداء، حتى لقد قال الكميت الأسدي «رحمه اللّه» :

و إلا فارفعوا الرايات سوداعلى أهل الضلالة و التعدي (1)

و قد كانت راية علي «عليه السلام» سوداء، و راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة كانت سوداء أيضا.

هروب عدي بن حاتم:

و قد كان عدي بن حاتم سيد القبيلة و رئيسها. فما معنى: أن يهرب إلى الشام بمجرد أن عرف بتحرك علي «عليه السلام» نحو بلاد طيء، و لما ذا لا يبقى في بلده ليواسي عشيرته بنفسه؟ !

ألا يدلنا ذلك على: أنه كان يعرف مسبقا بالنتائج، فهو قد عرف و سمع بما جرى على يد علي «عليه السلام» في خيبر، و أحد، و الخندق، و قريظة، و حنين، و يوم فتح مكة، و ذات السلاسل، و ما إلى ذلك. .

و هو يعرف قدرات طيء، و لا سيما بعد أن لم يعد هناك من يؤمل نصره.

كما أن ذلك يشير إلى إدراكه سخافة عبادة الأصنام، و عدم معقولية الدفاع عنها، و تعريض النفس و الأهل و المال و الولد للأخطار من أجلها و في سبيلها. .


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 432.

و لأجل ذلك اختار دين النصرانية، الذي يزعم أهله أنه سماوي، و رأى أنه أقرب و أولى بالاعتبار من الشرك، و عبادة الأحجار.

و لعله هرب إلى الشام أملا في أن يجد لدى القياصرة-و هم نصارى- ما يمكن أن يعتمد عليه في محاربة الإسلام و أهله. .

اصطفى السيوف للنبي صلّى اللّه عليه و آله، و لمن صارت؟ ! :

1-تقدم: أن عليا «عليه السلام» اصطفى ثلاثة سيوف لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وهب رسوبا، و المخذم لعلي «عليه السلام» . قال: و هما سيفا علي رضي اللّه عنه (1).

2-إنه «عليه السلام» قد اختار السيوف لتكون هي التحفة التي يخص بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأنه يعلم أنه «صلى اللّه عليه و آله» سيد المجاهدين، الباذلين أنفسهم في سبيل اللّه و قائدهم. حيث إنه لا يفكر بالمال و لا بالمغانم، و لا يريد جاها، و لا مقاما دنيويا، و لا يسعى للحصول على متعة بشيء من حطام الدنيا، و إنما يفكر بسعادة الناس في الدنيا و الآخرة، و بهدايتهم إلى طريق الحق و الخير، و بكل ما يعينه على ذلك في ميادين الجهاد و التضحيات، مهما عظمت و جلت. .

تهديد المتهم:

و بعد أن ظهر: أن ذلك الجاسوس قد حاول أن يخدع المسلمين، تهدده


1) شرح المواهب اللدنية ج 4 ص 49.

أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هذا يدل على: جواز إجبار الأسير على الإقرار بأمر يعلم بكتمانه له، إضرارا منه بالمسلمين. .

و ليس فيه دلالة على صحة إجباره على ما يظن أو يحتمل أنه يكتمه.

تعمد أخذ الأسرى:

و قد أظهرت الرواية السابقة: أن المسلمين كانوا يحرصون على مواجهة الرجال المقاتلين من آل حاتم بالحرب، و بهدف استئصال الروح القتالية ضد المسلمين فيهم، لأن ذلك يمنعهم من التفكير بجمع الجموع و العودة إلى الحرب، و يوفر على المسلمين متاعب، و ربما خسائر قد تكون كبيرة أو كثيرة، و كما أن ذلك قد يسهل دخول هؤلاء الناس في الإسلام لكي يسعدوا به. . و هذا هو المطلوب.

قتل الأسرى:

ثم إن هؤلاء الأسرى الذين حاربوا الإسلام و المسلمين، و أرادوا أن أن يطفئوا نور اللّه بالقول، و بالفعل المسلح، و يريدون منع الناس من قبول الهداية الإلهية بعد أن أقيمت الحجة عليهم، و لم يبق لهم أي عذر، و قد أسفر الصبح لذي عينين، لا يستحقون الحياة.

و لو تركوا فلن يكون لهم دور إلا الفساد الإفساد، و التآمر، و التهيئة لمزيد من الحروب و الكوارث.

و لكن الإسلام قد تكرم عليهم حين منحهم فرصة أخيرة، فعرض عليهم الإسلام، فإذا أبوه، فلا بد من تخليص الناس من شرهم. وفق ما يمليه الواجب، و تحكم به جميع الشرايع و الأعراف.

لم يجبها صلّى اللّه عليه و آله إلا في المرة الرابعة:

لقد لا حظنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستجب لطلب سفّانة بنت حاتم بأن يمن عليها بعد أن غاب وافدها. . و كان في كل مرة يقول لها: من وافدك؟ !

فتقول: عدي بن حاتم.

فيقول «صلى اللّه عليه و آله» : الفارّ من اللّه و رسوله؟

و كانت يئست من استجابته، فسكتت في الرابعة، فحرضها علي «عليه السلام» ، على معاودة الطلب، ففعلت، فاستجاب لها. .

فما هي الحكمة من تأجيله «صلى اللّه عليه و آله» الإستجابة لطلبها إلى المرة الرابعة؟ !

و يمكن أن يجاب: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يجعل من ذلك ذريعة للتأكيد على رعونة موقف أخيها عدي بن حاتم، مع التصريح التعليمي لها، و لكل من تبلغه كلماته بالدليل على فساد هذا التصرف من عدي؛ و خروجه عن حدود المعقول و المقبول. فإن الهروب المنسجم مع موازين العقل و العدل هو ما كان إلى اللّه و رسوله، لا الهروب منهما، لأن الهروب إذا كان منهما، فهو طيش و رعونة و افتتان، و إذا كان إليهما فهو حكمة، و روية، و اتزان.

و المتوقع من أمثال عدي، و المناسب لحاله هو: أن يكون أكثر تعقلا، و أفضل روية، إذ لا يمكن أن يجهل عاقل بحقيقة أنه تبارك و تعالى مدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين.

و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

و لعل مما يؤكد صحة ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان في كل مرة يسألها: من وافدك؟ مع أن مما لا شك فيه: أنه قد عرف وافدها منذ الفترة الأولى. و لكنه كان يريد أن تعود إلى التصريح باسمه ليعاود التأكيد على قوله هذا.

وجهها علي عليه السّلام و حرص عليها النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و يبقى أن نشير هنا إلى أمرين:

أحدهما: أن عليا «عليه السلام» الذي أسرها، هو الذي حرضها على معاودة طلب المنّ عليها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و في ذلك دلالة واضحة على مدى حرصه «عليه السلام» على أن يبلغها ما تريد. و يحفظ لها بذلك عزتها و كرامتها، ربما لما كان يتوسمه فيها من-كونها امرأة حازمة تعرف بسداد الرأي و حسن الإختيار، و ذلك سيؤدي بها إلى اختيار الإسلام، ثم تكون سببا في هداية أخيها عدي، كما صدقته الوقائع بعد ذلك، حيث إن أخاها أخذ برأيها، و اختار الإسلام، ثم القدوم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد كان علي «عليه السلام» قد قسّم الغنائم، و عزل السبي، فلم يقسمهم، بل أرسلهم إلى المدينة، كما تقدم.

الثاني: إن تأخير النبي الأعظم و الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليوم الرابع، لا يعني: أن استجابته المتأخرة تختزن الرغبة في أن يعاملها بقسوة، فإنه أجابها بقوله: قد فعلت، فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني.

فلما علم أنها وجدت ذلك كساها و حملها، و أعطاها نفقة. .

و هذا الموقف يشير إلى مدى حرصه «صلى اللّه عليه و آله» على حفظ هذه المرأة، و على رغبته في إكرامها، و على راحتها، و سعادتها. .

لو كان أبوك مسلما لترحمنا إليه:

و قد تقدم: أنها ذكرت أباها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و وصفته بالكرم. و بغير ذلك من أمور جميلة، فقال لها «صلى اللّه عليه و آله» : لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه. .

و هذه هي الكلمة الصادقة و المناسبة لمقتضى الحال، لأنها في حين لم تتضمن إشادة منه «صلى اللّه عليه و آله» بإبيها الذي مات على الشرك، فإنها أيضا لم تجرح عاطفة سفّانة، لأنها لم تتضمن جرحا صريحا: بل اكتفت بالإشارة إلى أن شرك حاتم يمنعه «صلى اللّه عليه و آله» من الترحم عليه ف‌ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (1)كما قال تبارك و تعالى. .

و نريد لفت النظر هنا إلى: أن الروايات قد اختلفت في الصيغة التي وردت على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فبعضها يقتصر على كلمة: «لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه» .

و بعضها يضيف إلى ذلك قوله «صلى اللّه عليه و آله» : يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقا. .

أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. .


1) الآية 13 من سورة لقمان.

و ليس لدينا ما يؤكد صحة صدور هذه العبارات عنه «صلى اللّه عليه و آله» . .

بل إن الرواية التي ذكرت هذه الفقرات قد تضمنت ما يدل على أن ثمة تصرفا مشينا في تلك الرواية، حيث زعمت: أن عليا «عليه السلام» قد وصف بنت حاتم بما لا يعقل صدوره منه.

و أنه «عليه السلام» لما رآها عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعجب بها، و صمم على أن يطلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعلها في فيئه (1)، مع أنه هو الذي سباها، و جاء بها من بلادها إلى المدينة.

سفّانة في الشام، و عدي في المدينة:

و يذكرون هنا أيضا: أن سفّانة قد أسلمت و حسن إسلامها، و غادرت المدينة إلى الشام.

قال عدي: «فو اللّه إني لقاعد في أهلي، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا.

قال: فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي.

فلما وقفت علي قالت: أنت القاطع الظالم، ارتحلت بأهلك و ولدك، و تركت بقية والدك: أختك و عورتك؟ !


1) تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 359 و ج 36 ص 445 و ج 69 ص 202 و 203 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 210 و نهج السعادة ج 7 ص 361 و كنز العمال ج 3 ص 664 و البداية و النهاية ج 2 ص 271 و ج 5 ص 80 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 109 و ج 4 ص 131 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 376.

قال: قلت: يا خية، لا تقولي إلا خيرا، فو اللّه ما لي من عذر، و لقد صنعت ما ذكرت.

قال: ثم نزلت، فأقامت عندي.

قال: فقلت لها، و كانت امرأة حازمة: ما ذا ترين في أمر هذا الرجل؟

قالت: أرى و اللّه أن نلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا، فللسابق إليه فضله، و إن يكن ملكا فلن نذل في عز اليمن، و أنت أنت.

قال: قلت: و اللّه إن هذا الرأي.

قال: فخرجت حتى أقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، فدخلت عليه و هو في مسجده، (و عنده امرأة و صبيان، أو و صبي، و ذكر قربهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى و لا قيصر) ، فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ !

قال: قلت: عدي بن حاتم.

قال أبو عامر في حديثه: فرحب به النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قربه. و كان يتألف شريف القوم ليتألف به قومه.

قال ابن إسحاق في حديثه: فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فانطلق به إلى بيته.

قال: فو اللّه إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة كبيرة ضعيفة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها.

قال: قلت في نفسي و اللّه، ما هذا بملك.

قال: ثم مضى حتى إذا دخل بيته تناول و سادة من أدم محشوة ليفا،

فقدمها إلي، فقال: اجلس على هذه.

قلت: بل أنت فاجلس.

قال: فقال: بل أنت فاجلس عليها.

قال: فجلست عليها، و جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأرض.

قال: قلت: في نفسي ما هذا بأمر ملك.

قال أبو عامر في حديثه: فدخل الإسلام في قلبي، و أحببت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حبا لم أحبه شيئا قط.

قال: و لم يكن في البيت إلا خصاف و وسادة أديم، و قال في حديثه: فلم يجلس عليها و لم أجلس عليها، ثم أقبل علي، فقال:

هيه يا عدي بن حاتم، أفررت أن توحد اللّه؟ و هل من أحد غير اللّه؟

هيه يا عدي بن حاتم، أفررت أن تكبر اللّه؟ و من أكبر من اللّه؟

هيه يا عدي بن حاتم، أفررت أن تعظم اللّه؟ و من أعظم من اللّه؟

هيه يا عدي بن حاتم، أفررت أن تشهد أن لا إله إلا اللّه؟ و هل من إله غير اللّه؟

هيه يا عدي بن حاتم، أفررت أن تشهد أن محمدا رسول اللّه؟

قال: فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول نحو هذا و أنا أبكي.

قال: ثم أسلمت.

قال ابن إسحاق في حديثه: ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم، ألم تك ركوسيا (1).


1) الركوسية: طائفة من النصارى و الصابئين. أقرب الموارد ج 1 ص 428.

قال: قلت بلى.

قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك.

قال: قلت: أجل و اللّه، و عرفت أنه نبي مرسل، يعلم ما يجهل.

و في نص آخر: فقال: «يا عدي، أخبرك ألا إله إلا اللّه، فهل من إله إلا اللّه؟ و أخبرك أن اللّه تعالى أكبر، فهل من شيء هو أكبر من اللّه عز و جل» ؟

ثم قال: «يا عدي أسلم تسلم» .

فقلت: إني على ديني.

فقال: «أنا أعلم منك بدينك» .

فقلت: أنت أعلم مني بديني؟

قال: «نعم» يقولها ثلاثا. «ألست ركوسيا»

فقلت: بلى.

قال: «ألست ترأس قومك» ؟

قلت: بلى.

قال: «أ و لم تكن تسير في قومك بالمرباع» ؟

قلت: بلى و اللّه، و عرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.

قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك» .

قال: ثم قال: لعله يا عدي بن حاتم إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو اللّه لأوشك أن يفيض فيهم-يعني المال- حتى لا يوجد من يأخذه.

و لعله أن يمنعك من ذلك ما ترى من كثرة عدوهم و قلة عددهم، فو اللّه ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور

البيت لا تخاف.

و لعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك و السلطان في غيرهم، و أيم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور من أرض بابل البيض قد فتحت عليهم.

قال: فأسلمت، فكان عدي يقول: مضت اثنتان، و بقيت الثالثة، و و اللّه لتكونن. لقد رأيت القصور البيض من أرض بابل و قد فتحت عليهم، و رأيت المرأة تخرج على بعيرها لا تخاف إلا اللّه حتى تحج هذا البيت من القادسية، و أيم اللّه لتكونن الثالثة، ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه» (1).

في رواية قال: «هل رأيت الحيرة» ؟

قلت: لم أرها و قد علمت مكانها.

قال: «فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار لا تخاف أحدا إلا اللّه عز و جل و الذئب على غنمها» .

قال: فقلت في نفسي: فأين ذعار طيء الذين سعروا البلاد؟

قال: «فلعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى الملك و السلطان في


1) تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 69 ص 200 و 201 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 225 فما بعدها و (نشر مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 1001 و 1002 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 276-278 عن أحمد، و البيهقي، و الطبراني. و راجع: الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 353-354 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 376-377 و البداية و النهاية ج 5 ص 75-77 و عيون الأثر ج 2 ص 287 و 288 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 124-126.

غيرهم و اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» .

و في رواية: «لتفتحن عليهم كنوز كسرى بن هرمز» .

قلت: كنوز كسرى بن هرمز.

قال: «كنوز كسرى بن هرمز» .

و في رواية: «و لئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، و ليلقين اللّه أحدكم يوم يلقاه ليس بينه و بينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، و ينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم، فاتقوا النار و لو بشق تمرة فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة» (1).

قال عدي: فأسلمت، فرأيت وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استبشر، فقد رأيت الظعينة ترحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا اللّه عز و جل، و كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، و لئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 378 و فتح الباري ج 13 ص 72 و البداية و النهاية ج 5 ص 79 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 130.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 378 عن البيهقي، و أحمد، و الطبراني. و راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 176 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 226 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 3 ص 825 و البداية و النهاية ج 5 ص 79 و ج 6 ص 209 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 59 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 130.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الباب السادس: أحداث و سرايا. . إلى تبوك. . الفصل الأول: إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب 9-40

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه أو يطلقهن 41-80

الفصل الثالث: أحداث و قضايا 81-110

الفصل الرابع: من سرايا السنة الثامنة 111-144

الفصل الخامس: عيينة و بنو تميم 145-182

الفصل السادس: ترقيع الدلاء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 183-200

الفصل السابع: علي عليه السّلام في اليمن 201-1242

الفصل الثامن: عودة علي عليه السّلام إلى اليمن 243-276

الفصل التاسع: علي عليه السّلام في بني زبيد 277-302

الفصل العاشر: معاذ و أبو موسى في اليمن 303-332

الفصل الحادي عشر: صنم طيء. . و آل حاتم 333-358

الفهارس:359-372

2-الفهرس التفصيلي

الباب السادس: أحداث و سرايا. . قبل تبوك. . الفصل الأول: إبراهيم ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و ربيبته زينب. . وفاة زينب ربيبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:11

مهلا يا عمر، دعهن يبكين:14

إبراهيم ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:16

عائشة: إبراهيم لا يشبه النبي صلّى اللّه عليه و آله:18

جبرئيل يبرئ مارية:20

قسوة و جرأة:23

مرضعة إبراهيم:27

كاد يقع في نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله:28

إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون:28

فضائل ابن عوف:34

الحكمة البالغة:34

النياحة المنهي عنها:35

الصوتان الفاجران الأحمقان:38

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه أو يطلقهن النبي صلّى اللّه عليه و آله يعتزل نساءه: كيف؟ و لما ذا؟ :43

حديث اعتزال النساء بطريقة أخرى:49

النبي صلّى اللّه عليه و آله يهجر عائشة:51

النبي صلّى اللّه عليه و آله يضحك لضرب عمر لزوجته؟ :55

التناسب. . و الإنسجام:56

حديث الإعتزال بسبب عائشة و حفصة:57

هجر النبي صلّى اللّه عليه و آله لعائشة:58

الإصرار على تضييع الحقيقة:59

الحقيقة المنقوصة:60

الصحيح في القضية:62

قضية المغافير دليل سمو و عظمة:66

طلاق سودة:66

رضا النبي صلّى اللّه عليه و آله أم رضا عائشة! !74

سبب طلاق سودة:76

من الذي خدع مليكة الكندية؟ ! :76

طلقها قبل أن يدخل بها:77

أسماء بنت النعمان ضحية أخرى:78

الفصل الثالث: أحداث و قضايا عتّاب بن أسيد يحج بالناس:83

صنع المنبر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:84

موت النجاشي:85

بيع بعض المسلمين أسلحتهم:85

كعب بن زهير في محضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:87

رواية لا تصح:90

لما ذا أهدر النبي صلّى اللّه عليه و آله دم كعب:95

معاوية. . و بردة كعب:97

كعب و قريش. . لا الأنصار:99

عمر. . و الصلاة على ابن أبي:100

عمر يندم على ما صدر منه:108

لما ذا يصلي النبي صلّى اللّه عليه و آله على ابن أبي؟ ! :108

الفصل الرابع: من سرايا السنة الثامنة بداية ضرورية جدا:113

سرية الطفيل إلى ذي الكفين:114

سرية ذات أطلاح:116

بعث قيس بن سعد إلى صداء:116

إرسال ابن العاص إلى ابني الجلندى:126

عمرو. . و ابنا الجلندى:130

ملاحظة هامة:136

مهمات أبي زيد و مهمة عمرو:137

مهاجري و أنصاري:137

الجلندى كيف تلقى الدعوة:138

وقفات مع كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله للجلندى:138

بعث المصدقّين:

سرية إلى بني العنبر:142

سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى القرطاء:142

سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب (الجناب) :143

الفصل الخامس: عيينة و بنو تميم سرية عيينة إلى بني تميم:147

صورة أخرى لما حدث:154

خزاعة لا تعين بني تميم:155

إختلاف الروايات:156

تاريخ هذه السرية:157

البغي الذميم:158

لا مبرر لخوف خزاعة:158

فضول يثير القرف، و يلامس المساس بالشرف:159

هذا شحّ! أم لؤم؟ ! :159

أخذ العفو، لا كرائم الأموال:160

تعهد عيينة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:161

أعرابي أمير على أعراب:162

مدى وفاء عيينة بتعهداته:163

حبس الأسرى:164

سوء أدب الرؤساء:164

بدلا من الإعتذار:166

الأخلاق تعطي للعقل دوره:168

مفاخر بني تميم:170

لما ذا ثابت بن قيس؟ ! :170

ابن الأهتم، و ابن عاصم:172

اللّه يؤيد حسان ما دافع عن نبيه:174

الشاعران يفتخران:176

حديث التحكيم:177

عيينة في وفد بني تميم:179

غرور بني تميم:179

بنو تميم، و الأعور الدجال:182

الفصل السادس: ترقيع الدلاء بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ترقيع الدلاء بكتاب الرسول صلّى اللّه عليه و آله:185

بعث الضحاك الكلابي إلى القرطاء:186

جفينة يرقع دلوه أيضا:188

سرية إلى رعية السحيمي:189

سرية إلى بني حارثة بن عمرو:191

سرايا دعوة:192

دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله يناسب منطقهم:193

لا يوجد إلا مختل:194

جفاء الأعراب:194

قتال من يأبي الإسلام:195

الأصيد. . لا يقتل أباه:196

ترقيع الدلاء:197

السحيمي و ابنته:197

جفينة أو رعية:198

الفصل السابع: علي عليه السّلام في اليمن سرية خالد و علي عليه السّلام، و إسلام همدان:203

بغضهم عليا عليه السّلام:205

ثلاث سرايا أم سرية واحدة؟ ! :213

قبلوا من علي عليه السّلام و رفضوا دعوة خالد:215

إرجاع خالد دون من عداه:219

فغنمت أواقي ذوات عدد:220

سرور النبي صلّى اللّه عليه و آله بإسلام همدان:221

لعله يغضب لابنته:224

خير الناس علي عليه السّلام:227

ما المبرر لهذا البغض؟ ! :228

إختلاف أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله:230

علي عليه السّلام قابض أم قاسم:230

تتابع المخبرين:231

أخذ الكتاب بشماله:232

من كنت مولاه فعلي وليه:234

علي عليه السّلام يفعل ما أمر به:234

الغضب العظيم:235

وفد همدان:236

الفصل الثامن: عودة علي عليه السّلام إلى اليمن سرية علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى اليمن المرة الثانية:245

أول خيل دخلت إلى اليمن:248

إمض و لا تلتفت:249

لا تقاتلهم حتى يقاتلوك:250

التدرج في الدعوة، و الإكتفاء باليسير:250

هل أتوا بنهب و سبايا؟ ! :251

سيرة علي عليه السّلام في الخمس تخالف سيرة غيره:253

علي عليه السّلام المقرئ و المعلم:255

عممه بعمامته، و بيده:256

القاضي و المعلم لأهل اليمن:256

الرواية الأقرب إلى القبول:259

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يعلم عليا عليه السّلام القضاء:260

قضاء علي عليه السّلام قضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله:261

شكاية الخصوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:264

علي ليس بظلام:265

عودة إلى مسألة التربية:266

من وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:268

هدايا علي عليه السّلام من اليمن إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله:270

علي عليه السّلام في اليمن مرة أخرى:272

عقبة أفيق:273

سفير سلام:273

لما ذا غضب أهل اليمن؟ ! :274

لعلها جماعة صغيرة:274

اليمن بلد كبير:274

علي عليه السّلام شاب حدث:275

الفصل التاسع: علي عليه السّلام في بني زبيد سرية علي عليه السّلام إلى بني زبيد:279

غرور عمرو بن معد يكرب:280

شجعان و فرسان صنعتهم السياسة:281

أسئلة لا تجد لها جوابا:283

سبي بني زبيد:283

النص الأوضح، و الأصح و الأصرح:284

عمرو يرتد في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله:290

علي عليه السّلام على المهاجرين، و خالد على الأعراب:290

إلا من شاء اللّه:295

عدوانية عمرو بن معد يكرب:295

طغيان خالد:296

هزيمة عمرو، و سبي نسائه! !296

استجداء عمرو. . و أريحية خالد! ! :298

بريدة يشكو عليا عليه السّلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:299

ما ذا عن عمرو بن معد يكرب؟ ! :299

كذب عمرو بن معد يكرب:302

الفصل العاشر: معاذ و أبو موسى في اليمن بعث معاذ، و أبي موسى الأشعري إلى اليمن:305

ترديدات تثير الشبهة:309

اليمن مخلافان:309

تطاوعا و لا تختلفا:310

قتل اليهودي:310

أبو موسى التقي الورع:311

هنات تجعل فضيلة لمعاذ:311

معاذ في ميزان السياسة:315

سر تعظيم معاذ بن جبل:316

معاذ بن جبل لم يتول مخلافا:317

سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم:318

سرية علقمة إلى ساحل جدة:321

أمير السرية أنصاري أم قرشي؟ ! :324

نزول آية طاعة ولي الأمر في ابن حذافة:325

تنبيه ضروري:329

الفصل الحادي عشر: صنم طيء. . و آل حاتم هدم الفلس-صنم طيء:335

من الذي سبى سفانة؟ ! :343

لا بد من هدم الصنم

343

من أجل ذلك نقول

344

التحريف و التزييف

345

آل حاتم محاربون

345

علي عليه السّلام لا يقسم آل حاتم

346

الراية السوداء

347

هروب عدي بن حاتم

347

اصطفى السيوف للنبي صلّى اللّه عليه و آله، و لمن صارت؟ !

348

تهديد المتهم

348

تعمد أخذ الأسرى

349

قتل الأسرى

349

لم يجبها صلّى اللّه عليه و آله إلا في المرة الرابعة

350

وجهها علي عليه السّلام و حرص عليها النبي صلّى اللّه عليه و آله

351

لو كان أبوك مسلما لترحمنا إليه

352

سفّانة في الشام، و عدي في المدينة

353

الفهارس

359

1-الفهرس الإجمالي

361

2-الفهرس التفصيلي

363