ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الثالث و العشرون
الفصل الأول: الذين أهدر النبي صلّى اللّه عليه و آله دمهم
الفصل الثاني: أحداث جرت في فتح مكة
الفصل الثالث: تشريعات و أحكام
الفصل الرابع: مكة بعد الفتح بيد عتّاب. . و معاذ
قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهدر دم عدد من الأشخاص لأمور صدرت منهم، قد يصل عددهم إلى عشرين، بين رجل و امرأة. و قد أمر «صلى اللّه عليه و آله» بقتلهم، و لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة (1)، و هم:
1-عبد العزى بن خطل (عبد اللّه بن خطل) .
2-عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح.
3-عكرمة بن أبي جهل.
4-الحويرث بن نقيدر.
5-مقيس بن صبابة.
6-هبار بن الأسود.
7-الحويرث بن الطلاطل الخزاعي.
8-كعب بن زهير.
9-وحشي بن حرب.
10-سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب، بن عبد مناف.
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و مجمع البيان ج 10 ص 557 و البحار ج 21 ص 105 و 131 و تاريخ الخميس ج 2 ص 83 و 90.
11-هند بنت عتبة.
12-أرنب، مولاة ابن خطل.
13-فرتنا. قينة لابن خطل.
14-قريبة. قينة أخرى لابن خطل.
15-أم سعد (1).
16-صفوان بن أمية.
17-الحارث بن هشام.
18-زهير بن أمية، أخو أم سلمة زوج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» (2).
19-عبد اللّه بن ربيعة.
20-زهير بن أبي سلمى.
و ذكر أيضا إسما الرباب و خولة، و يحتمل أن تكون بعض هذه المذكورات أسماء و بعضها ألقاب، و التحقيق في ذلك ليس بالأمر المهم (3).
و هناك أشخاص آخرون أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم، ك:
1-أسيد بن إياس (أناس) .
2-عبد اللّه ابن الزبعرى.
3-هبيرة بن أبي وهب.
و أسباب ذلك لا تبتعد عن الأسباب التي دعت إلى إهدار دم من ذكرنا أسماءهم آنفا، و لذلك فنحن نحيل القارئ على الكتب التي تعرضت لترجمة هؤلاء أو لقضايا تاريخية تتصل بهم.
فظهر أن ما يذكرونه من عددهم، مثل قول بعضهم: أن عددهم أحد عشر رجلا.
و في الإمتاع: ستة نفر، و أربع نسوة (1).
و عند الدياربكري: أحد عشر رجلا، و ستة نسوة (2).
إن ذلك كله يبقى غير دقيق.
و قد يتساءل البعض: عن كيفية التوفيق بين احترام الكعبة و تعظيمها، و اعتبار مكة بلدا آمنا. . و بين أمره «صلى اللّه عليه و آله» بقتل أفراد هذه الجماعة، حتى لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة. فإن تناقض هذين الأمرين يكاد يكون ظاهرا.
و الجواب: أن هذين الأمرين في غاية التوافق و الإنسجام، بل إن الأمر بقتل هؤلاء الناس هو من مفردات تعظيم الكعبة، و حفظ حرمة الحرم.
لأنهم بشركهم، و بصدهم عن سبيل اللّه، و سعيهم في الأرض فسادا، وجدهم و اجتهادهم لإبطال دين اللّه، و قتل الأنبياء و المؤمنين من أجل
نصرة الباطل، و تقويض صرح الحق، و محاربتهم للّه تعالى-إنهم بذلك كله- يمثلون الرجس و الإثم و القاذورات التي لا بد من تطهير بيت اللّه و حرمه منها، فقتلهم حتى لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة تكريم للكعبة، و تكريس لمعنى الطهر و القداسة فيها.
و يتأكد هذا المعنى: إذا كان هؤلاء يتخذون من الكعبة وسيلة لمواصلة إجرامهم في حق أنفسهم، و في حق الإنسانية، و سبيلا للإمعان في تمردهم على اللّه تعالى، و قهر عباده المؤمنين، و إطفاء نور الهداية الإلهية، عن طريق محاربة أنبياء اللّه، و السعي في قتلهم، أو محاصرتهم بالهموم و المتاعب، و البلايا و المصائب.
إن دخول هؤلاء إلى المسجد الحرام لا يرضاه اللّه تعالى، و هو محظور كحظر دخول أي حيوان نجس العين إلى مساجد اللّه سبحانه، فكيف إذا كان ذلك الحيوان يحمل القاذورات في كل جوارحه، و أجزاء جسده.
فإذا كان ذلك الحيوان عقورا، شرسا، ضاريا، و لا يمكن دفع شره عن عباد اللّه إلا بقتله، فلا بد من المبادرة إلى ذلك.
هذا. . و لا بأس بأن نشير هنا إلى بعض ما يرتبط بإهدار دم هؤلاء الناس بصورة تفصيلية، فنقول:
أما عكرمة (1)بن أبي جهل، فإنه إنما أمر بقتله، لأنه كان هو و أبوه أشد
1) العكرمة: هي الأنثى من الحمير.
الناس أذية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان أشد الناس على المسلمين.
و لما بلغه أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهدر دمه فرّ إلى اليمن، فاتبعته امرأته و هي بنت عمه، أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أن أسلمت، فوجدته في ساحل البحر يريد أن يركب السفينة.
و قيل: وجدته في السفينة فردته (1).
و روي: أن عكرمة قال: بلغني أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نذر دمي يوم الفتح، و كنت في جمع من قريش بأسفل مكة-و قد ضوى إلي من ضوى-فلقينا هناك خالد بن الوليد، فأوقع بنا، فهربت منه أريد-و اللّه-أن ألقي نفسي في البحر، و أموت تائها في البلاد قبل أن أدخل في الإسلام، فخرجت حتى انتهيت إلى الشعيبة.
و كانت زوجتي أم حكيم بنت الحارث امرأة لها عقل، و كانت قد اتبعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: يا رسول اللّه، إن ابن عمي قد هرب يلقي نفسه في البحر، فأمنه (2).
و عن سعد بن أبي وقاص، عن عروة: أن عكرمة ركب البحر، فأصابتهم
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و كتاب التوابين ص 123 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 9 و كنز العمال ج 13 ص 542 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 63.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 252 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و راجع البحار ج 21 ص 144 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 225 و المنتخب من ذيل المذيل ص 9.
ريح عاصف، فنادى عكرمة اللات و العزى، فقال أهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا (1).
فقال عكرمة: و اللّه لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم لك عهدا، إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا غفورا كريما، فجاء و أسلم (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 252 و تاريخ الخميس ج 2 ص 91، و البحار ج 9 ص 137 و ج 22 ص 49 و سنن النسائي ج 7 ص 106 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و مجمع الزوائد ج 6 ص 169 و عون المعبود ج 7 ص 248 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 536 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 302 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 101 و شح معاني الآثار ج 3 ص 330 و كنز العمال ج 10 ص 517 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 95 و زاد المسير ج 6 ص 167 و الدر المنثور ج 3 ص 303 و فتح القدير ج 2 ص 436 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 33 و ج 41 ص 59 و أسد الغابة ج 4 ص 5 و الإصابة ج 4 ص 444 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 565 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 111.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 252 عن ابن أبي شيبة، و أبي داود، و النسائي، و البيهقي، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 261 و مجمع البيان ج 8 ص 323 و سنن النسائي ج 7 ص 106 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و عون المعبود ج 7 ص 248 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 303 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 101 و شح معاني الآثار ج 3 ص 330 و كنز العمال ج 10 ص 518 و الدر المنثور ج 3 و فتح القدير ج 2 ص 436 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 33 و أسد الغابة ج 4 ص 5 و الإصابة ج 4 ص 444 و البداية و النهاية ج 4 ص 341 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 565.
و قيل: وقع بصره على دفة السفينة، فرأى عليها مكتوبا: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ (1)و كان معه محك، فأراد أن يمحو به تلك الكتابة فلم يستطع، فعلم أنه كلام الحق جل و علا، فوقع في باطنه تغيّر (2).
و في المشكاة: أن عكرمة هرب حتى قدم اليمن، فسافرت أم حكيم حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، و ثبتا على نكاحهما (3).
و قالوا: إن أم حكيم قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، قد ذهب عكرمة عنك (أو هرب عكرمة منك) إلى اليمن، و خاف أن تقتله، فأمنه يا رسول اللّه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هو آمن» .
فخرجت أم حكيم في طلبه، و معها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنّيه حتى قدمت به على حي من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطا، و أدركت عكرمة و قد انتهى إلى البحر، فركب سفينة، فجعل نوتي يقول له: أخلص أخلص.
قال: أي شيء أقول؟
قال: قل: لا إله إلا اللّه.
قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، و إن هذا أمر تعرفه العرب و العجم حتى النواتي! ! ما الدين إلا ما جاء به محمد، و غيّر اللّه قلبي.
و جاءتني أم حكيم على هذا الأمر، فجعلت تليح إلي و تقول: يا ابن عم، جئتك من عند أبر الناس، و أوصل الناس، و خير الناس، لا تهلك نفسك.
فوقف لها حتى أدركته، فقالت له: إني قد استأمنت لك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأمنك.
فرجع معها، و قالت: ما لقيته من غلامك الرومي، و أخبرته خبره، فقتله، و هو يومئذ لم يسلم.
فلما وافى مكة قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا، مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، و لا يبلغ الميت» (1).
فجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه، و تقول: أنت كافر و أنا مسلمة.
فقال: إن أمرا منعك مني لأمر كبير.
و قالوا: فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عكرمة و ثب إليه -و ما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رداء-فرحا بعكرمة، (زاد في بعض المصادر قوله: مرحبا بمن جاء مؤمنا مهاجرا) (2)، ثم جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقف عكرمة بين يديه، و معه زوجته متنقبة، فقال:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 252 و تاريخ الخميس ج 2 ص 92 و السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و كتاب التوابين ص 123 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 9 و كنز العمال ج 13 ص 542 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 63.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و (ط دار المعرفة) ص 40 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و 92 و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 4.
يا محمد! ! إن هذه أخبرتني أنك أمنتني.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صدقت فأنت آمن» .
قال عكرمة: فإلام تدعو يا محمد؟
قال: «أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و تقيم الصلاة، و تؤتي الزكاة، و تفعل و تفعل» حتى عد خصال الإسلام.
فقال عكرمة: و اللّه، ما دعوت إلا إلى خير و أمر حسن جميل، قد كنت فينا يا رسول اللّه قبل أن تدعونا-إلى ما دعوتنا إليه-و أنت أصدقنا حديثا، و أبرنا برا، ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم قال: يا رسول اللّه، علمني خير شيء أقوله.
قال: «تقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله» .
قال عكرمة: ثم ما ذا؟
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تقول: أشهد اللّه، و أشهد من حضر أني مسلم، مجاهد، مهاجر» . فقال عكرمة ذلك (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 252 و 253 عن الواقدي، و البيهقي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 851 و 852 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 98 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 92 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 9 و 10 و السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و (ط دار المعرفة) ص 40 و راجع: كتاب التوابين ص 124 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 242 و كنز العمال ج 13 ص 543 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 64 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 5 و راجع: البحار ج 21 ص 144 و المنتخب من ذيل المذيل ص 9 و كتاب الأم ج 7 ص 230.
قالوا: فرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امرأته بذلك النكاح الأول (1)و قد أسلمت امرأته قبله.
و عن عطاء قال: أسلم أبو سفيان، و حكيم بن حزام، و مخرمة بن نوفل قبل نسائهم، ثم قدموا على نسائهم في العدة، فردهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك النكاح.
مع أنه قد تقدم: أن رد هند على أبي سفيان بالنكاح الأول كان هو الأول بالنسبة إلى من أسلم، مع أنهم يذكرون: أن حكيم بن حزام قد أسلم هو و أبو سفيان معا في مر الظهران.
و في بعض النصوص: أنه و بديل بن ورقاء قد أسلما قبل أبي سفيان (2).
و أسلمت امرأة صفوان، و امرأة عكرمة قبل أزواجهما، ثم أسلما، فرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نساءهم عليهم، و ذلك أن إسلامهم كان في عدتهن (3).
قالوا: قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعكرمة قائما، و هو بعد
مشرك لم يسلم، و لم يقم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرجل داخل عليه من الناس، شريف و لا مشرف إلا عكرمة (1).
و نقول:
أولا: إن قيام النبي «صلى اللّه عليه و آله» لرجل مشرك، ليس له في الدين أثر و لا مقام، مما لا يمكن قبوله.
فعن إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام» من قام من مجلسه تعظيما لرجل؟
قال: مكروه إلا لرجل في الدين (2).
و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليقدم على عمل المكروه.
ثانيا: ما زعمته الرواية: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم لأحد دخل عليه إلا لعكرمة، غير صحيح، فلاحظ:
1-ما روي من قيامه «صلى اللّه عليه و آله» عند إقبال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و الحسن و الحسين «عليهم السلام» عليه، و تقبيله إياهم (3).
2-كان «صلى اللّه عليه و آله» يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت إليه،
1) شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 304.
2) البحار ج 2 ص 43 و ج 72 ص 466 و المحاسن ج 1 ص 233 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 56 و مشكاة الأنوار ص 237 و منية المريد للشهيد الثاني ص 209 و درر الأخبار ص 38 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2003.
3) البحار ج 27 ص 104 و راجع ج 7 ص 333 و ج 26 ص 238 و ج 38 ص 313 و ج 41 ص 181، و الروضة في المعجزات و الفضائل ص 144 و مدينة المعاجز ج 1 ص 468 و مشارق أنوار اليقين ص 197.
تعظيما لها (1).
3-قام «صلى اللّه عليه و آله» لجعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، فرحا بقدومه (2).
4-قام «صلى اللّه عليه و آله» للأنصار لما وفدوا عليه (3).
ثالثا: لا ندري ما هو الشيء الذي ميّز عكرمة عن غيره، حتى استحق
1) مستدرك الوسائل ج 9 ص 159 و غوالي اللآلي ج 1 ص 434 و البحار ج 43 ص 40 عن مناقب آل أبي طالب، و سنن أبي داود ج 4 كتاب الأدب حديث 5217 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 2 ص 186، و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 113 و مناقب أهل البيت ص 233 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 672 و فضائل الصحابة ص 77 و سنن الترمذي ج 5 ص 361 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 160 و فتح الباري ج 8 ص 103 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 26 و الأدب المفرد ص 209 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 368 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 96 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 403 و نصب الراية ج 6 ص 156 و موارد الظمآن ص 549 و نور العين في مشهد الحسين «عليه السلام» ص 83 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله ص 16 و إعلام الورى ج 1 ص 296 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 151 و ج 11 ص 44 و ينابيع المودة ج 2 ص 55 و اللمعة البيضاء ص 45.
2) مستدرك الوسائل ج 9 ص 159 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 23 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 و غوالي اللآلي ج 1 ص 434 و الوسائل كتاب الحج باب 128 حديث 1.
3) غوالي اللآلي ج 1 ص 434 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 632 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 159 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 23.
هذا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و قد ذكر عكرمة: أنه كان بأسفل مكة مع بعض الأشخاص، فلقيهم خالد بن الوليد، فأوقع بهم.
و هو تعبير يشير إلى: أن خالدا هو المتعمد للإيقاع بهم، و البادئ بذلك، دون أن يكون لدى الطرف الآخر خطة أو نشاط في هذا الإتجاه. .
و سواء أكان هذا الإستنتاج دقيقا أو غير دقيق. على اعتبار أن من الجائز أن يكونوا هم المعتدين، ثم يوقع بهم المعتدى عليهم. . غير أن الحقيقة هي: أن خالدا كان هو المبادر للقتال، مخالفا بذلك أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لا يصح ما ادّعوه لتبرير هذه الفعلة من خالد: بأنهم اجتمعوا بالخندمة لحربه، فقاتلهم و قتلهم.
كما لا يصح قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بذلك. .
بل الصحيح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى خالدا عن القتال، فعصى خالد أمره.
و نرى في الحديث المتقدم عن عكرمة كيف أن عكرمة يعيش الغصة، و يهيمن عليه اليأس، و يصده عمله السيء عن الإيمان باللّه، و يفكر بالإنتحار غرقا، أو بأن يهيم على وجهه، على أن لا يدخل في دين اللّه تعالى. .
و لكن هذا الإستكبار و العناد سرعان ما تحول-حسب زعمهم، و نصوصهم المجعولة-إلى إيمان و هجرة، و فضائل و كرامات، و جهاد
و نفقات، و ما إلى ذلك! !
فهل ترى الأمر بهذه السهولة حقا؟ !
و هل ما رآه من آيات و دلالات كان أعظم و أهم مما كان قد رآه طيلة عشرين سنة سبقت؟ !
إن ذلك يبقى مثارا للريبة بالدوافع التي تدعو لنسج هذه الكرامات و الفضائل لمن لا تدل على حياته قبل إسلامه و بعده على أي تبدل جوهري، في حياته و في ممارساته.
1-و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا.
مع أنهم قد رووا: أنه لا هجرة بعد الفتح، و عكرمة إنما أسلم بعد الفتح، و بعد ما هرب من مكة إلى اليمن. . أو غيرها.
2-و عن إيمان عكرمة نقول:
كيف يصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عكرمة: بأنه مؤمن و هم قد صرحوا في روايات إسلامه: بأنه حين جاء إلى النبي لم يكن قد اسلم، فضلا عن أن يكون قد آمن. و إنما اسلم بعد مجيئه. .
غاية الأمر: أنهم يدّعون: أنه قد وقع في باطنه تغير، و لكنهم اختلفوا في سببه.
فتارة يقولون: إن السبب هو: أن عاصفة ضربتهم في البحر، فطلب منهم النوتي أن يخلصوا (أي أن يقولوا كلمة الإخلاص) .
و تارة يقولون: إنه رأى آية مكتوبة على دفة السفينة، فأراد أن يمحوها، فلم يستطع، فعلم أنه كلام الحق جل و علا.
3-سيأتي قصة منام النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عذق أبي جهل في الجنة، و أنه لما جاءه عكرمة مسلما فرح، و أوّل ذلك العذق به.
فهذه الرواية تفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما عرف بإسلامه بعد ان جاءه. و لو لم يأته مسلما لم يؤول ذلك العذق به.
و لكنهم يناقضون قولهم هذا، فيقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدع على أبي جهل في أول بعثته لأن عكرمة كان في صلبه كما سيأتي. . و أنه أخبر عن إسلام عكرمة قبل الفتح حين طعن مسلما فقتله في بعض الحروب.
و أما نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سب أبي جهل، فإن سب الميت يؤذي الحي (1).
فأولا: إننا لا نعرف السبب في تخصيص أبي جهل بهذا النص الناهي عن التعرض له بالسب، رغم أن العشرات، و المئات، و ربما الألوف من الصحابة كان آباؤهم يحاربون الإسلام، و قد قتلوا، و بقي أبناؤهم يعيشون بين المسلمين. إلا إن كان سب أبي جهل دون سواه هو المرسوم و الشائع و المتداول بين المسلمين! !
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 254 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 56 و 67 و كنز العمال ج 13 ص 541 و ذخائر العقبى ص 194 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1082 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 68.
ثانيا: إن هذا التعليل الذي ذكره، و هو: أن سب الميت يؤذي الحي لا يختص بأبي جهل، و ابنه عكرمة، فلما ذا تأخر إصدار الأمر للمسلمين كل تلك السنين؟ ! و لما ذا سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» كل هذه المدة و هو يرى المسلمين واقعين بهذا الخطأ، و لا يحذرهم منه؟ !
ثالثا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذم أبا جهل بما لا مزيد عليه، فهل يجيز للناس أن ينقلوا أقواله فيه؟ ! أم لا يجيز لهم ذلك؟ !
و إذا نقلوها، فهل يؤذي ذلك أولاده الأحياء أم لا يؤذيهم؟ !
ألا يتوقع أن يكون تأذيهم به أكبر بكثير مما قد يسمعونه من الناس العاديين الذين قد يوصفون بالجهل و سوء الأدب. .
و لكن كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبقى خالدا عبر العصور و الدهور. . و إلى يوم القيامة.
و يكفي أن يقول الناس: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي سماه بأبي جهل، مع أن كنيته هي: أبو الحكم (1).
و رووا: أن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» قد عدّه من الفراعنة (2)، و لم يكن «عليه السلام» ليخالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه، و لا في غيره. .
1) البحار ج 10 ص 37 و ج 17 ص 284 و ج 18 ص 237 عن الإحتجاج ج 1 ص 323 و الثاقب في المناقب ص 110 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 292 و 300 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 50 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 113.
2) البحار ج 10 ص 35 و ج 17 ص 282 عن الإحتجاج ج 1 ص 321 و حلية الأبرار ص 125 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 35 و ج 4 ص 555.
1-إن ملاحظة ما جرى لصفوان، و ما جرى لعكرمة تعطي: أن ثمة تشابها بينهما، فكلاهما قصد اليمن.
و كلاهما يريد أن يلقي بنفسه في البحر.
و كلاهما يأتيه قريب له بالأمان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و كلاهما يدركه و سيطه عند البحر.
و كلاهما يقول له و سيطه: جئتك من عند أبر الناس، و أوصل الناس، و نحو ذلك.
و كلاهما يذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يقول له: إن فلانا زعم أنك أمنتني.
غير أن في قصة صفوان زيادة طلب العلامة، و في قصة عكرمة زيادات، فيما يرتبط بمقامه، و ثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه، و قيامه له، و وصفه بالمؤمن المهاجر، و ما إلى ذلك.
2-إن هناك تناقضات ظاهرة في رواية عكرمة يمكن استخلاصها بالمراجعة و المقارنة.
إن عكرمة بن أبي جهل هو أحد من أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه، حتى لو كان متعلقا بأستار الكعبة، بسبب شدة طغيانه، و عظيم استكباره، و قبيح عدوانه. .
و قد عظموه، و بجلوه بصورة لافتة، حتى ادّعوا: أنه «صلى اللّه عليه
و آله» رأى في منامه أنه دخل الجنة، و رأى فيها عذقا، فأعجبه و قال: لمن هذا؟
فقيل: لأبي جهل.
فشق ذلك عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة.
فلما جاءه عكرمة بن أبي جهل مسلما فرح به، و أوّل ذلك العذق لعكرمة (1).
و أنه حين أسلم قام إليه «صلى اللّه عليه و آله» و اعتنقه، و قال: مرحبا بالراكب المهاجر.
و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يدع على أبي جهل في أول بعثته، لأن عكرمة كان في صلبه (2).
و أنه طعن مسلما فقتله، فضحك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فسئل عن ذلك، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة (3).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و 92 و قاموس الرجال ج 6 ص 325 و سفينة البحار ج 6 ص 333 و الإصابة ج 2 ص 496 عن الترمذي.
2) راجع: تفسير الإمام العسكري ص 513 و 514 و البحار ج 9 ص 279 و ج 17 ص 352 و 353 و الإحتجاج ج 1 ص 36 و قاموس الرجال ج 6 ص 326 و سفينة البحار ج 6 ص 333 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 503.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 93 و كنز العمال ج 11 ص 740 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 160 و ج 41 ص 60.
و نقول:
أولا: حديث الرؤيا منقطع: لأن راويه هو مصعب بن سعد عنه، و مصعب لم يدركه (1)، و حتى لو أدركه فإنه هو راوي ذلك لنفسه، و هو إنما يجر النار إلى قرصه.
ثانيا: كيف يكون مهاجرا-كما ورد في الحديث الآخر-و هم يدّعون: أنه لا هجرة بعد الفتح؟ !
ثالثا: إن عكرمة كان في أول البعثة كبير السن، و في يوم أحد كانت معه زوجته أم حكيم (2). و كان من رؤساء القوم (3). و كان يومئذ على ميسرة المشركين. و كان على الحرس أيضا، و كان خالد بن الوليد على ميمنتهم (4).
و يوم الأحزاب عبر الخندق مع عمرو بن عبدود، و ضرار بن الخطاب الفهري، و هبيرة بن أبي وهب، و نوفل بن عبد اللّه (5).
1) الإصابة ج 2 ص 496.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 216 و البداية و النهاية ج 4 ص 12 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 21.
3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 277 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 319 و أسد الغابة ج 1 ص 222.
4) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 231 و 228 و 235 و راجع ص 240 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 40 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 267.
5) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و 64 و البحار ج 20 ص 202 و 225 و 254 و ج 39 ص 4 و رسائل المرتضى ج 4 ص 117 و 122 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 394 و شرح الأخبار ج 1 ص 296 و الإرشاد ج 1 ص 99 و 102 و الأمالي ج 3 ص 95 و المستجاد في الإرشاد ص 69 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 131 و كشف الغمة ج 1 ص 198.
و في بدر ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح على عاتقه فطرح يده، و ذلك حين رآه قتل أباه أبا جهل (1).
و قتل من المسلمين يوم بدر رافع بن المعلى الزرقي (2)و لكن زياد بن لبيد سلب عكرمة درعه يوم بدر (3).
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 140 و السير الكبير ج 2 ص 600 و كتاب المنمق ص 412 و البداية و النهاية ج 3 ص 351 و نيل الأوطار ج 8 ص 100 و فتح الباري ج 7 ص 231 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 154 و عيون الأثر ج 1 ص 342 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 440 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 250 و الأعلام ج 7 ص 258 و البحار ج 19 ص 337 و 257 و أسد الغابة ج 4 ص 379 و 381 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 463 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 50 و المستدرك ج 3 ص 424 و مجمع الزوائد ج 6 ص 80 و 104 و المعجم الكبير ج 20 ص 177 و الثقات ج 1 ص 171 و الإصابة ج 6 ص 113.
2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 208 و منتهى المطلب (ط ج) ج 2 ص 80 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 503 و تفسير الميزان ج 9 ص 35 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 601 و تاريخ خليفة بن خياط ص 33 و الجرح و التعديل ج 3 ص 480 و الإصابة ج 2 ص 169 و 370 و المعجم الكبير ج 5 ص 20 و أسد الغابة ج 1 ص 357 و ج 2 ص 159 و البحار ج 19 ص 361 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 495.
3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 23 و مواقف الشيعة ج 3 ص 161.
و كان ممن قدم في أسرى بدر (1)و كان من أشراف قريش الذين مشوا إلى أبي سفيان يحرضونه على المسير إلى أحد (2).
رابعا: إنه كان من المناوئين لأمير المؤمنين «عليه السلام» . . و لعل هذا هو السبب في إغداقهم الأوسمة عليه، و نسج الكرامات له.
فقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي: أنه قد ظاهر أعداءه عليه «صلوات اللّه و سلامه عليه» ، و حين هتف الأنصار باسم علي «عليه السلام» قال: «و إن الذى هم فيه من فلتات الأمور و من نزغات الشيطان، و ما لا يبلغه المنى، و لا يحمله الأمل. أعذروا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم. فو اللّه، لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصيّر اللّه هذا الأمر فيه» (3).
1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 199 و 204 و عن مغازي الواقدي ج 1 ص 139.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 213 و 214 و عين العبرة ص 54 و البحار ج 17 ص 180 و ج 19 ص 231 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 464 و تفسير الميزان ج 4 ص 14 و جامع البيان ج 9 ص 323 و أسباب نزول الآيات ص 159 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 320 و تفسير الجلالين ص 419 و الدر المنثور ج 2 ص 67 و لباب النقول ص 99 و فتح القدير ج 2 ص 307 و عيون الأثر ج 1 ص 405 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 187 و البداية و النهاية ج 4 ص 11 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 581 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 19.
3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 24 و مواقف الشيعة ج 3 ص 162 و الإصابة ج 1 ص 698 و 699.
و لما علم صفوان بن أمية أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهدر دمه يوم فتح مكة، هرب مع عبد له، اسمه يسار إلى جدة (1).
و قالوا: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي اللّه، إن صفوان بن أمية سيد قومي و قد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمنه صلى اللّه عليك و سلم.
قال: «هو آمن» .
و في الحلبية: (فأمنه، فإنك أمنت الأحمر و الأسود.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أدرك ابن عمك، فهو آمن.
فقال: أعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطى «صلى اللّه عليه و آله» لعمير عمامته التي دخل بها مكة) (2).
فخرج عمير حتى أدركه-و هو يريد أن يركب البحر-و قال صفوان لغلامه يسار-و ليس معه غيره-: و يحك! ! أنظر من ترى؟
قال: هذا عمير بن وهب.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 93 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 179 و أسد الغابة ج 3 ص 22 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 338 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 584 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 253.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 875 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 584 و الثقات ج 2 ص 54 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 338 و عيون الأثر ج 2 ص 202 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 254.
قال صفوان: ما أصنع بعمير بن وهب، و اللّه ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر علي محمدا.
فلحقه، فقال: يا أبا وهب جعلت فداك، جئت من عند أبر الناس، و أوصل الناس، فداك أبي و أمي، اللّه اللّه في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جئتك به.
قال: و يحك، أغرب عني فلا تكلمني.
قال: أي صفوان، فداك أبي و أمي. أفضل الناس، و أبر الناس، و خير الناس ابن عمك، عزه عزك، و شرفه شرفك، و ملكه ملكك.
قال: إني أخافه على نفسي.
قال: هو أحلم من ذلك و أكرم.
قال: و لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها.
فقال: امكث مكانك حتى آتيك بها.
فرجع عمير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إن صفوان أبى أن يأنس لي حتى يرى منك أمارة يعرفها، فنزع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمامته فأعطاه إياها، و هي البرد الذي دخل فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معتجرا به برد حبرة.
فرجع معه صفوان حتى انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصلي بالمسلمين العصر في المسجد، فلما سلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صاح صفوان: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني ببردك، و زعم: أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا، و إلا سيّرتني شهرين.
فقال: «انزل أبا وهب» .
قال: لا و اللّه حتى تبين لي.
قال: «بل لك تسيير أربعة أشهر» .
فنزل صفوان.
و لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى هوازن (و عند الواقدي و الديار بكري: أرسل إليه يستعير سلاحه، فأعاره سلاحه، مائة درع بأداتها، فقال: طوعا أو كرها.
قال «صلى اللّه عليه و آله» : عارية مؤداة.
فأعاره، فأمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فحملها إلى حنين، فشهد حنينا و الطائف، ثم رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجعرانة، فبينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسير في الغنائم ينظر إليها) .
و فرق غنائمها، فرأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صفوان ينظر إلى شعب ملآن نعما و شاء و رعاء، فأدام النظر إليه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرمقه، فقال: «يا أبا وهب يعجبك هذا الشعب» ؟
قال: نعم.
قال: «هو لك و ما فيه» .
فقبض صفوان ما في الشعب، و قال عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله. و أسلم مكانه (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 253 و 254 عن ابن إسحاق، و البيهقي، و الواقدي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 853-855 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 98 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و تاريخ الخميس ج 2 ص 93 و 94 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 11 و 12 و كنز العمال ج 10 ص 506 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 114 و 115 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 566 و المعجم الأوسط ج 3 ص 152.
و بعد. . فقد حكى اللّه حالة الرعب التي تهيمن على أعداء اللّه من المنافقين، فكيف بالكافرين، فقال: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ (1).
و حالة صفوان بن أمية تجسد مضمون هذه الآية بصورة دقيقة، فقد كان يرى نفسه من الرؤساء و الزعماء الكبار في قومه، و كان يعيش حالة الإستكبار و الجحود، و يمارس الطغيان و التعدي و الظلم، حسب ما يروق و يحلو له. . و إذ به بين ساعة و أخرى يرى نفسه شريدا طريدا هاربا، يستجدي الرحمة من أي كان من الناس.
و يرى: أن كل شيء يلاحقه، حتى أبناء عشيرته، و لذلك فهو يقسم: أن عمير بن وهب، و هو من قومه و عشيرته، جاء يريد قتله، و قد ظاهر عليه محمدا «صلى اللّه عليه و آله» .
مع أن عميرا كان يفكر في الإتجاه الآخر، و قد حصل له على الأمان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو يلاحقه ليعيد السكينة إلى قلبه، و ليحفظ حياته، بل هو يريد أن يراه عزيزا شريفا مكرما برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لذلك قال له، كما تقدم: «عزه عزك، و شرفه شرفك، و ملكه ملكك» .
1) الآية 4 من سورة المنافقون.
و اللافت هنا: أن هذا الرجل المشرك الذي لم يزل يفتئت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يرميه بكل فرية، و يصفه بأنه قاطع الرحم، و بأنه شاعر، و كاهن، و كاذب، و مفرق الجماعة، و سبب الشرور و البلايا، و المصائب و الرزايا. و لا تزال هذه الكلمات تتزاحم في فمه، و تتراكض على لسانه.
و إذ به حين يختار الإسلام يبادر إلى الحديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما يناقض ذلك كله. . فيصفه: بأنه أبر الناس، و أكرمهم، و أفضلهم، و خيرهم. .
و تجده بالغ الحماس لإثبات صحة ما يقول في إسراره و إعلانه، و في سائر المواقف، مهما اختلفت خصوصياتها، و حالاتها، و اقتضاءاتها. .
و اللافت أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يتردد في العفو عن عكرمة، و عن صفوان، و عن غيرهما ممن أهدر دمهم في فتح مكة.
و تجد سهولة ظاهرة في إعطائه الأمان لهم، حتى كأنه ينتظر هذا الطلب، و قد أعد له هذه الإجابة و الإستجابة! !
و لم نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ناقش أحدا في أمر الأمان، أو ذكّر أحدا منهم بما صدر منه، مما اقتضى اعتباره مجرما مهدور الدم.
و قد طلب منه صفوان أن يسيره شهرين، فأعطاه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة أشهر، تفضلا منه «صلى اللّه عليه و آله» و كرما، و سماحة، و فضلا.
و لكن ذلك لا يقلل من قيمة الإجراء الأول، و هو إهدار الدم، الذي
اتخذه في حق ذلك المجرم، بل ذلك إعلان لكل أحد: بأن ثمة جرائم و عظائم تستحق أمثال هذه العقوبات، و لا ترتفع عقوباتها إلا بهذا الأمان، الذي يستبطن انصياعا و اعترافا، و استسلاما، و تخليا عن منطق الجحود، و الطغيان، و خروجا عن صفة العتو و التمرد، و رفضا و إدانة لسبل الجبارين و المفسدين.
فيأتي هذا التفضل النبوي، ليعطي للناس الإنطباع الصحيح عن حقيقة هؤلاء، ليدركوا بعقولهم، و بفطرتهم البون الشاسع بينهم و بين حقيقة الشخصية النبوية الإلهية، التي تعيش روح التقوى، و العمل الصالح في كل مفردات حياتها.
و الذي يثير استغراب الإنسان العاقل و المنصف حقا: أن ترى صفوان بن أمية، و هو من الزعماء و الرؤساء في قومه، لا يستجيب لنداء العقل، و لا ينساق مع قضاء الفطرة، و لا يخضع لما تقتضيه المعجزات الإلهية القاهرة، التي تضطر كل ذي لب، و ضمير، و وجدان حي للانقياد، و التسليم، و الخضوع، و لا لغير ذلك من كرامات حبا اللّه بها نبيه و المؤمنين، أو دلالات و آيات بينات.
إن صفوان يتجاهل ذلك كله، و يرى أنه لا يعني له شيئا، و يصر على العناد و اللجاج و الجحود، و على مواصلة حرب اللّه و رسوله، و المؤمنين. .
ثم يبوء بالفشل، و يواجه الهزيمة الذليلة، و يعيش الخزي بأقسى و أظهر معانيه، حتى استنقذه بعض أهل الإسلام، الذين حاربهم، و بغى-و لم يزل-
الغوائل لهم، و وجد الخلق الرفيع، و أعظم مظاهر الكرم، و الفضل، و البر، و النبل، و السماحة لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين عفا عن جرائمه الكبيرة، التي جعلته مهدور الدم. .
نعم. . إن صفوان لا يرى في ذلك كله: أية دلالة على الحق و الهدى، و لا يدله على بطلان ما يعتقده في أصنامه، التي هي مجرد أحجار، و جمادات و مخلوقات لا تضر و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع، فيعطيها مقام الألوهية و الخالقية، و الرازقية. و لا يدله ذلك على قبح الظلم و الإفساد، و الطغيان، و غير ذلك من جرائم يرتكبها.
و لكنه يهتدي للحق-بزعمه-حين يرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد منحه بعض فضول الحطام في هذه الدنيا الدنية، فيدّعي: أن ذلك قد دله على بطلان أصنامه، و على أن ثمة ألها سواها يستحق أن يعبد، و على وجود حساب و عقاب، و ثواب، و على وجود آخرة، و على صحة نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على رسوليته و. . و. . الخ.
فهو يقول عندما أعطاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعض الإبل التي رمقها بعين الوامق: «ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله. و أسلم مكانه. .» .
فهل عميت بصيرته عن كل تلك الدلالات، و عن جميع المعجزات و الكرامات؟ ! أم انطفأ سراج عقله؟ ! و تلاشت كل و مضات النور في فطرته؟ ! حتى لم يبق إلا رشحات الأطماع، و ومضات الأهواء و الشهوات لتكون هي التي تهدي صفوان من الضلال، و تحفظه من الضياع؟ !
و لكنك مع ذلك كله تجد بعض الناس يعظمون أمثال صفوان،
و يعتقدون عدالته، و إخلاصه.
فما أعجب أمر هؤلاء! ! و ما عشت أراك الدهر عجبا! !
لقد حاولت بعض الروايات: أن تعطي صورة مشرقة عن صفوان قبل إسلامه، ثم تدّعي: أنه قد حسن إسلامه، بعد أن كان من المؤلفة قلوبهم.
غير أن مراجعة تاريخ صفوان، لا تشجع على تصديق ما يذكرونه عنه، فهو قبل أن يتظاهر بالإسلام كان من المعاندين و الجاحدين، الذين يجهدون لإطفاء نور اللّه تبارك و تعالى بماله، و بلسانه، و بيده. .
و إذا تتبعنا أحوال هذا النوع من الناس، فقد لا نعثر على أي واحد منهم يمكن الإطمينان إلى إخلاصه و سلامة دينه، بعد أن أظهر الإسلام.
و يكفي أن نذكر: أن صفوان هو الذي أخرج خمس مائة دينار ليجهز بها جيش المشركين إلى بدر (1).
و هو الذي ضمن لعمير بن وهب قضاء دينه، و أن يضم عياله إلى عياله، على أن يقتل محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ، إذا أصيب في هذا السبيل، ثم جهزه و أرسله إلى المدينة، لينفذ ما تآمرا عليه (2).
1) سفينة البحار ج 5 ص 130 و تفسير القمي ج 1 ص 257 و البحار ج 19 ص 246 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 113.
2) سفينة البحار ج 5 ص 130 و البحار ج 17 ص 296 و ج 10 ص 49-51 و ج 18 ص 140 و ج 19 ص 326 و الإحتجاج ج 1 ص 118-120 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 119 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 113 و المنتتقى للكازروني ص 113 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 316 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 147-149 و الثاقب في المناقب ص 101 و كلمات الإمام الحسين للشريفي ص 185 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 341 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 97 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 200 و مجمع الزوائد ج 8 ص 285 و المعجم الكبير ج 17 ص 56 و 58 و 60 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 154 و كنز العمال ج 13 ص 563 و أسد الغابة ج 4 ص 149 و الإصابة ج 4 ص 603 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 167 و البداية و النهاية ج 3 ص 381 و عيون الأثر ج 1 ص 352 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 486.
و يروى عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: جرت في صفوان بن أمية الجمحي ثلاث من السنن: استعار منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعين درعا حطمية، فقال: أغصبا يا محمد؟
قال: بل عارية مؤداة.
فقال: يا رسول اللّه إقبل هجرتي.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لا هجرة بعد الفتح» (1).
1) المنتقى من السنن المسندة ص 257 و تاريخ المدينة ج 2 ص 482 و قصص الأنبياء للراوندي ص 292 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 350 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 71 و البداية و النهاية ج 4 ص 366 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 66 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 452 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 65 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 308 و لسان العرب ج 3 ص 135 و تاج العروس ج 2 ص 329 و المعجم الكبير ج 3 ص 273 و معرفة علوم الحديث ص 24 و مسند الشهاب ج 2 ص 41 و رياض الصالحين للنووي ص 57 و فيض القدير ج 6 ص 567 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 499 و جامع البيان ج 10 ص 67 و أحكام القرآن ج 2 ص 34 و تفسير القرطبي ج 5 ص 308 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 259 و الدر المنثور ج 6 ص 406 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 221 و فتح القدير ج 1 ص 505 و المحصول ج 4 ص 332 و السير الكبير ج 1 ص 94 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 142 و الطبقات لخليفة بن خياط ص 77 و التاريخ الكبير ج 7 ص 109 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 105 و أسد الغابة ج 1 ص 119 و تهذيب الكمال ج 2 ص 494 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 564 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 160 و الإصابة ج 1 ص 268 و المبسوط للطوسي ج 2 ص 4 و السرائر للحلي ج 2 ص 14 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 1 ص 180 مسند أبي يعلى ج 8 ص 362 و مسالك الأفهام ج 3 ص 17 و مجمع الفائدة ج 7 ص 446 و زبدة البيان ص 314 و جواهر الكلام ج 13 ص 363 و المجموع للنووي ج 19 ص 263 و بدائع الصنائع ج 1 ص 158 و تكملة حاشية المحتار ج 1 ص 361 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 513 و ج 11 ص 248 و الشرح الكبير ج 10 ص 380 و ج 11 ص 208 و كشاف القناع ج 1 ص 574 و ج 3 ص 47 و سبل السلام ج 2 ص 28 و المحلى ابن حزم ج 7 ص 45 و 291 و نيل الأوطار الشوكاني ج 3 ص 193 و ج 8 ص 176 و 177 و 178 و فقه السنة الشيخ سيد سابق ج 2 ص 623 و نهج البلاغة خطب الإمام ج 2 ص 129(ش) و الخصال ص 193 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 261 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 19 ص 95 و (ط دار الإسلامية) ج 13 ص 239 و الخرائج و الجرائح ج 2 ص 545 و المحتضر ص 187 و 321 و عوالي اللآلي ج 1 ص 44 و 162 و البحار ج 19 ص 90 و ج 33 ص 94 و ج 41 ص 170 و ج 66 ص 229 و 230 و ج 76 ص 182 و ج 85 ص 46 و ج 100 ص 176 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 4 و ج 25 ص 552 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 481 و ج 10 ص 486 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 617 و مسند أحمد الإمام ج 1 ص 226 و 355 و ج 3 ص 22 و 468 و 469 و ج 5 ص 187 و سنن الدارمي ج 2 ص 239 و صحيح البخاري ج 3 ص 200 و 210 و ج 4 ص 38 و 253 و ج 5 ص 98 و صحيح مسلم ج 6 ص 28 و سنن الترمذي ج 3 ص 75 و المستدرك الحاكم ج 2 ص 257 و ج 3 ص 18 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 17 و شرح مسلم النووي ج 5 ص 173 و ج 9 ص 123 و ج 13 ص 6 و 7 و 8 و ج 14 ص 209 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 5 ص 250 و فتح الباري ج 1 ص 126 و ج 6 ص 3 و 28 و 132 و 203 و ج 7 ص 178 و 179 و 202 و 216 و 340 و ج 10 ص 155 و 457 و ج 13 ص 173 و عمدة القاري ج 1 ص 29 و 315 و ج 9 ص 15 و ج 14 ص 79 و 80 و 81 و 122 و 225 و ج 15 ص 10 و ج 17 ص 37 الديباج على مسلم للسيوطي ج 3 ص 397 و ج 5 ص 232 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 178 و ج 8 ص 4 و عون المعبود ج 2 ص 204 و عون المعبود ج 7 ص 113 و مسند ابن المبارك ص 133 و مسند أبي داود الطيالسي ص 84 و 130 و 293 و المصنف عبد الرزاق الصنعاني ج 5 ص 309 و ج 8 ص 474 و ج 10 ص 152 و المصنف ابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 539 و 540 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 183 و الآحاد و المثاني للضحاك ج 3 ص 86 ج 4 ص 230 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 362 و المنتقى من السنن المسندة ص 257 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 350 و ج 10 ص 452 ج 11 ص 209 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 273 و ج 10 ص 340 و ج 11 ص 26 و ج 18 ص 262 و 263 و ج 20 ص 325 و معرفة علوم الحديث للنيسابوري ص 24 و مسند الشهاب لابن سلامة ج 2 ص 41 و 42 و الإستذكار لابن عبد البر ج 7 ص 277 و ج 8 ص 226 الإستيعاب ج 1 ص 8 و 106 و ج 2 ص 720 و 723 و 837 و ج 3 ص 1253 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 218 و ج 8 ص 390 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 275 و ج 17 ص 256 و تغليق التعليق لابن حجر ج 2 ص 51 و ج 4 ص 146 و كنز العمال ج 2 ص 370 و 560 و 561 و ج 10 ص 500 و ج 16 ص 654 و 656 و 660 و لتبيان الشيخ الطوسي ج 5 ص 164 تفسير مجمع البيان الشيخ الطبرسي ج 4 ص 499 و تفسير ابن أبي حاتم ج 5 ص 1738 و ج 6 ص 1769 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 34 و ج 3 ص 97 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 84 و تفسير الثعلبي الثعلبي ج 4 ص 375 و تفسير السمعاني ج 1 ص 469 و تفسير البغوي ج 1 ص 469 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 146 و 206 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 557 و ج 5 ص 259 و ج 10 ص 221 و ج 15 ص 213 و ج 29 ص 218 و تفسير القرطبي ج 5 ص 308 و ج 8 ص 58.
و كان راقدا في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تحت رأسه رداؤه، فخرج يبول، فجاء و قد سرق رداؤه، فقال: من ذهب بردائي؟ و خرج في طلبه، فوجده في يد رجل، فرفعه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اقطعوا يده.
فقال: أتقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه؟ فأنا أهبه له.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ألا كان هذا قبل أن تأتيني به.
فقطعت يده (1).
1) الخصال ج 1 ص 193 و البحار ج 76 ص 182 و ج 100 ص 176 و سفينة البحار ج 6 ص 547 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 481 و قاموس الرجال ج 5 ص 126 و راجع: الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 13 ص 239 و ج 18 ص 329 و المصنف الصنعاني ج 10 ص 229 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 627 و شرائع الإسلام ج 4 ص 954 و مسالك الأفهام ج 14 ص 496 و جواهر الكلام ج 41 ص 501 و 552 و جامع المدارك ج 7 ص 136 و 138 و 163 و مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 286 و 313 و الدر النضود ج 2 ص 64 و المحلى ج 11 ص 152 و الكافي ج 7 ص 251 و الإستبصار ج 4 ص 251 و تهذيب الأحكام ج 10 ص 123 و سنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 329 و نصب الراية ج 4 ص 199 و التفسير الصافي ج 2 ص 35.
و يلاحظ: أن هذه السنن التي جرت فيه قد جاءت كلها على خلاف رغباته و توجهاته.
هذا، و قد عاش صفوان أكثر من ثلاثين سنة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم نسمع عنه أنه نصر حقا، أو اعترض على باطل. . رغم أنها كانت فترة مليئة بالأحداث الكبيرة و الخطيرة و الحافلة بالتعديات على الحق و أهله، بدءا مما جرى على أهل البيت «عليهم السلام» حين استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و انتهاء بما كان من معاوية ضد الإمام الحسن المجتبى «عليه السلام» ، و من معه من أهل الدين و الإيمان.
و قد أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دم ابن خطل، و كان اسمه عبد العزى، و كان قد أسلم، فسماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه، و هاجر إلى المدينة، و بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساعيا، و بعث معه رجلا من خزاعة (أو من أسلم، أو من الروم) ، و كان يصنع له طعامه و يخدمه، فنزلا في مجمع-و هو المكان الذي تجتمع الأعراب يؤدون فيه الصدقة-فأمره أن يصنع له طعاما، و نام نصف النهار، و استيقظ،
و الخزاعي نائم، و لم يصنع له شيئا، فعدى عليه فضربه فقتله، و ارتد عن الإسلام، و ساق ما أخذ من الصدقة، و هرب إلى مكة.
(زاد الواقدي قوله: فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟ !
قال: لم أجد دينا خيرا من دينكم) .
و كان يقول الشعر يهجو به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و كانت له قينتان، و كانتا فاسقتين، فيأمرهما ابن خطل أن يغنيا بهجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و عن أنس قال: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة يوم الفتح على رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 223 و 224 و السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و راجع ص 111 و قرب الإسناد ص 61 و المغازي للواقدي ج 2 ص 859 و 860 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 39 و قرب الإسناد ص 130 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 136 و المستجاد من الإرشاد للعلامة الحلي ص 77 و البحار ج 21 ص 105 و 111 و 131 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 110 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 121 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 218 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 7 ص 68 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 25 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 10 ص 472 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 695 و تفسير الميزان ج 20 ص 382 و الإصابة ج 8 ص 279 و فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 46 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 251 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و إعلام الورى ج 1 ص 224 و عيون الأثر ج 2 ص 195 و سبل الهدى و الرشاد الصالحي الشامي ج 5 ص 224.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اقتلوه» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 و قال: رواه مالك و الشيخان، و أشار المعلق في الهامش إلى البخاري 4/59(1846،4286) ، و مسلم 2/989 (450/1357) . و راجع: مغني المحتاج ج 4 ص 43 و كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 423 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 498 و نيل الأوطار ج 5 ص 27 و ج 7 ص 191 و مسند أحمد ج 3 ص 109 و 186 و 231 و 232 و 240 و سنن الدارمي ج 2 ص 73 و صحيح البخاري ج 2 ص 216 و ج 4 ص 28 و ج 5 ص 92 و صحيح مسلم ج 4 ص 111 و سنن أبي داود ج 1 ص 607 و سنن الترمذي ج 3 ص 119 و سنن النسائي ج 5 ص 201 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 177 و ج 6 ص 323 و ج 7 ص 59 و ج 8 ص 205 و ج 9 ص 212 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 131 و عمدة القاري ج 10 ص 205 و ج 14 ص 289 و ج 17 ص 282 و كتاب العلم للنسائي ص 37 و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 536 و الشمائل المحمدية للترمذي ص 64 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 218 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 171 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 245 و 246 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 259 و ج 3 ص 329 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 34 و 37 و المعجم الأوسط للطبراني ج 9 ص 29 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 4 ص 169 و ج 7 ص 137 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 403 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 157 و 159 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 4 ص 211 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 87 و ج 4 ص 255 الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 2 ص 119 و كنز العمال ج 10 ص 521 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 151 و تفسير القرطبي ج 2 ص 352 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 494 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 139 و 140 و تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 1 ص 289 و 432 و ج 2 ص 55 و ج 8 ص 145 و ج 10 ص 349 و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 411 و ج 19 ص 109 و ج 46 ص 324 و ج 55 ص 46 و تاريخ جرجان ص 446 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 150 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 547 و البداية و النهاية ج 4 ص 334 و ج 6 ص 7 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 7 ص 150 و عيون الأثر ج 2 ص 195 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 554 و ج 4 ص 708 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 224 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90.
زاد في نص آخر قوله: إن الكعبة لا تعيذ عاصيا، و لا تمنع من إقامة حد واجب. فقتله سعيد بن حريث، و أبو برزة، و قيل: قتله الزبير، و قيل سعد بن ذؤيب، و قيل: سعيد بن زيد.
قال في النور: و الظاهر اشتراكهم فيه جميعا جمعا بين الأقوال (1).
و قال الواقدي يقال: قتله سعيد بن حريث المخزومي، و يقال: عمار بن ياسر، و يقال: شريك بن عبدة العجلاني، و أثبته عندنا أبو برزة (2).
و قيل: إن الجميع ابتدر قتله، فكان المباشر أبو برزة (3).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 859 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و حديث قتل أبي برزة له رواه ابن أبي شيبة، و أحمد، و ابن المبارك، و البلاذري و غيرهم.
2) المغازي للواقدي ج 2 ص 859 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268 و مقدمة فتح الباري ص 289 و فتح الباري ج 4 ص 52 و عمدة القاري ج 10 ص 207 و راجع البداية و النهاية ج 4 ص 341 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 564 و تاج العروس ج 14 ص 202.
و قال الطبرسي: استبق إليه سعيد بن حريث، و عمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا فقتله (1).
و لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ذي طوى، أقبل ابن خطل من أعلى مكة مدججا بالحديد، على فرس، و بيده قناة. فمر ببنات سعيد بن العاص، فقال لهن: أما و اللّه لا يدخلها محمد حتى ترين ضربا كأفواه المزاد.
قالوا: ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة، فرأى خيل اللّه، و رأى القتال، فدخله رعب، حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة،
1) مجمع البيان ج 10 ص 557 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 10 ص 472 و البحار ج 21 ص 105 و 131 عن إعلام الورى، و المناقب، و نيل الأوطار ج 8 ص 172 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 111 و سنن النسائي ج 7 ص 106 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 169 و عمدة القاري للعيني ج 10 ص 207 و عون المعبود للعظيمآبادي ج 7 ص 248 و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 536 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 302 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 101 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 330 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 404 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 175 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 4 ص 211 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 695 و تفسير الميزان ج 20 ص 382 و الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 303 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 33 و ج 41 ص 58 و أسد الغابة لابن الأثير ج 4 ص 5 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 552 و البداية و النهاية ج 4 ص 341 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 13 ص 110 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 224 و السيرة النبوية ابن كثير ج 3 ص 565.
فنزل عن فرسه، و طرح سلاحه، و أتى البيت، فدخل تحت أستاره، فأخذ رجل من بني كعب سلاحه، و أدرك فرسه عائرا، فاستوى عليه، و لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالحجون، و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بقتله (1).
و لنا توضيحات أو تأملات فيما تقدم، فلاحظ ما يلي من مطالب:
و أول ما يواجهنا في قصة ابن خطل هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غيّر اسمه من عبد العزى إلى عبد اللّه.
و هذا التغيير، الذي يأتي من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المطاع أمره، و النافذ قراره، يعد إحسانا و تفضلا منه «صلى اللّه عليه و آله» على ابن خطل.
يضاف ذلك إلى ما له عليه من فضل و إحسان، بهدايته إلى اللّه تعالى، و دلالته على شرائعه، و إخراجه من الظلمات إلى النور.
و للأسماء إيحاءاتها، و تأثيراتها على النفس، و على المكانة، و النظرة، و السمعة، و في كثير من الجهات، فتغيير الاسم من عبد العزى إلى عبد اللّه لا بد أن ينقل هذا الإنسان إلى أجواء تختلف عن الأجواء التي كان فيها، و لا بد أن يتبع ذلك تبدل في المشاعر لديه، و لدى الآخرين، الذين يتعاملون معه،
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 827 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 224 و السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و (ط دار المعرفة) ص 37 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 276 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 387.
و تبدل في الإيحاءات و في الخلجات، و في الصور التي سوف تفرض نفسها بصورة عفوية، و سينتقل تلقائيا إلى جو جديد، و محيط مختلف في ذلك كله و سواه.
لم يكتف ابن خطل بارتكاب جريمته في حق رفيقه الذي بعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» معه، و كان يخدمه، فقتله لمجرد أنه نام و لم يصنع له الطعام الذي طلبه منه. .
بل زاد على ذلك: بأن ارتد عن الإسلام، و استولى على ما كان في يده من أموال الصدقة، و هرب إلى مكة، و صار يقول الشعر في هجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و يأمر جاريتيه بأن يغنيا بهجائه «صلى اللّه عليه و آله» . .
مع أنه لو اقتصر على الجريمة الأولى، لأمكن أن يكون له مخرج، بأن يعفو ولي المقتول، فيسقط القصاص. و لعل العفو يأتي من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة إذا رأى المصلحة في ذلك، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. .
و لكن شدة خبث سريرة هذا الرجل، و سوء نواياه، قد حجب اللطف الإلهي عنه، و وكله اللّه سبحانه إلى نفسه على قاعدة: فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ (1).
فساقته شقوته إلى الإيغال في طريق الغي، فقد كان من الذين يقول اللّه
1) الآية 5 من سورة الصف.
تعالى فيهم: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاٰ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا عَنْهٰا غٰافِلِينَ (1).
ثم إننا نقول:
1-إن ابن خطل قد ارتكب جرائمه في حرم اللّه تعالى، فاستحق العقوبة عليها، و لا تراعى له حرمة في ذلك، لأنه لم يراع حرمات اللّه في حرم اللّه. و لو أنه ارتكب جرمه خارج الحرم، ثم دخل الحرم متعوذا لكان اللازم هو التضييق عليه حتى يخرج منه، ليؤخذ، و يقام عليه الحد الواجب. . و ذلك واضح لا يخفى.
2-إن دخول ابن خطل تحت أستار الكعبة، يدل على معرفته بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعظم بيت اللّه، و لا يمكن أن يفعل أي شيء يؤدي إلى هتك حرمته، أو المساس بقدسيته. .
و قد فاته: أن تطهير البيت من دنس الشرك و المشركين، و كبح جماح المجرمين، و الذين تجرؤوا على حرمات اللّه، في حرم اللّه، و عند بيته المعظم- إن ذلك-لا يتنافى مع تعظيم البيت و تكريمه، بل هو واجب إلهي، و فرض إنساني و أخلاقي لا بد من تأديته على أكمل وجه و أتمه.
فليس لهؤلاء أن يتوقعوا أن يتركوا يمارسون هتك حرمة بيت اللّه، ثم يتخذون من الكعبة ملاذا و معاذا، يمنع من التصدي لهم لإقامة حدود اللّه
1) الآية 146 من سورة الأعراف.
عليهم، و ردعهم عن معصية اللّه في حرم اللّه.
قال الحلبي الشافعي و ابن إسحاق: «و إنما أمر بقتل عبد اللّه بن أبي سرح (1)، لأنه كان أسلم قبل الفتح، و كان يكتب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الوحي، و كان إذا أملى عليه: سميعا بصيرا، كتب عليما حكيما، و إذا أملى عليه: عليما حكيما، كتب غفورا رحيما.
و كان يفعل مثل هذه الخيانات حتى صدر عنه أنه قال: إن محمدا لا يعلم ما يقول.
فلما ظهرت خيانته لم يستطع أن يقيم بالمدينة فارتدّ و هرب إلى مكة (2).
و قيل: إنه لما كتب: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله: ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ. . تعجب من تفصيل خلق الإنسان فنطق بقوله: فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ (3)قبل إملائه.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اكتب ذلك، هكذا أنزلت.
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 90 و (ط دار المعرفة) ص 36 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و تفسير البغوي ج 4 ص 540 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 553.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 90 و (ط دار المعرفة) ص 36 و تفسير البغوي ج 4 ص 540 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و تفسير القمي ج 1 ص 210 و التفسير الصافي ج 2 ص 139 و تفسير الميزان ج 7 ص 305.
3) الآيات 12-14 من سورة المؤمنون.
فقال عبد اللّه: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إليّ، فارتد و لحق بمكة (1)، فقال لقريش: إني كنت أصرف محمدا كيف شئت، كان يملي عليّ عزيز حكيم. فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم، كل صواب (2). و كل ما أقوله يقول: اكتب، هكذا نزلت.
فلما كان يوم الفتح، و علم بإهدار النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه لجأ إلى عثمان بن عفان أخيه من الرضاعة (3)، فقال له: يا أخي استأمن لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يضرب عنقي.
فغيبه عثمان حتى هدأ الناس و اطمأنوا، فاستأمن له، ثم أتى به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعرض عنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فصار عثمان يقول: يا رسول اللّه، أمنته؟ و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرض عنه.
1) راجع أيضا: الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 40 و فتح القدير ج 2 ص 140 و التفسير الكبير ج 13 ص 84 و تفسير البيضاوي ج 1 ص 391 و الكشاف ج 2 ص 45 و تفسير الخازن ج 2 ص 37 و تفسير النسفي (مطبوع مع الخازن) ج 2 ص 37 و أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 49، و عن جامع البيان، و عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و عبد بن حميد، و أبي الشيخ، و تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و عين العبرة ص 65 و الغدير ج 8 ص 281.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 90 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و راجع: أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 531 و 532 و 358.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 90 و تاريخ الخميس ج 2 ص 91 و أسد الغابة ج 3 ص 173 و تاريخ المدينة ج 2 ص 481 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 2 ص 132 و النصائح الكافية ص 207.
ثم قال: نعم.
فبسط يده فبايعه.
فلما خرج عثمان و عبد اللّه قال «صلى اللّه عليه و آله» لمن حوله: أعرضت عنه مرارا، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» لعباد بن بشر، و كان نذر إن رأى عبد اللّه قتله، أي و قد أخذ بقائم السيف، ينتظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشير إليه أن يقتله، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : «انتظرتك أن تفي بنذرك» .
قال: يا رسول اللّه خفتك، أفلا أومضت إليّ.
فقال: «إنه ليس لنبي أن يومض» .
و في رواية: «الإيماء خيانة ليس لنبي أن يومي» (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 90 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و المغازي للواقدي ج 2 ص 855 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 59 و وضوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 2 ص 417 و عين العبرة للسيد أحمد آل طاووس ص 64 و 67 و البحار ج 32 ص 439 و ج 89 ص 35 و الغدير ج 10 ص 21 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 135 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 120 و 212 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 167 و 173 و المعجم الأوسط للطبراني ج 6 ص 343 و المعجم الكبير ج 6 ص 66 و سنن الدارقطني ج 2 ص 263 و الدرر لابن عبد البر ص 219 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 114 و تفسير القمي ج 1 ص 210 و التفسير الصافي ج 2 ص 139 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 746 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 360 و جامع البيان لابن جرير الطبري ج 10 ص 66 و تفسير البغوي ج 4 ص 540 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 322 و تفسير القرطبي ج 7 ص 40 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 318 و تفسير البحر المحيط ج 4 ص 183 و 184 و البرهان للزركشي ج 1 ص 200 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 141 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 52 و ج 3 ص 214 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 22 و 23 و 25 و 29 و 32 و 35 و أسد الغابة ج 3 ص 174 و تهذيب الكمال للمزي ج 11 ص 114 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 33 و الإصابة ج 4 ص 540 و الأنساب للسمعاني ج 3 ص 243 و فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 262 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 88 و وفيات الأعيان لابن خلكان ج 7 ص 214 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 529 و البداية و النهاية ج 4 ص 340 و 342 و ج 5 ص 372 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 1 ص 128 و ج 2 ق 2 ص 44 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و 480 و ج 7 ص 388 و وقعة صفين للمنقري ص 161 السيرة و النبوية لابن كثير ج 3 ص 563 و 566 و ج 4 ص 689.
فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول اللّه.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين (1).
1) راجع ما تقدم في: سنن أبي داود ج 4 ص 128 و فتح القدير ج 2 ص 141 و أنساب الأشراف ج 5 ص 49 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 100 و أسد الغابة ج 3 ص 173 و الإصابة ج 3 ص 317 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 381 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 918 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 40 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 2 ص 566 و كشف اللثام (ط ج) ج 7 ص 35 و (ط ق) ج 2 ص 11 و المجموع للنووي ج 16 ص 143 و نيل الأوطار ج 8 ص 85 و البحار ج 16 ص 388 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 362 و الغدير ج 8 ص 280 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و الدرر لابن عبد البر ص 219 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 13 و تفسير الميزان ج 17 ص 322 و الدر المنثور ج 5 ص 349 و فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 487.
و قيل: إنه أسلم و بايع و النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمرّ الظهران، و صار يستحيي من مقابلته، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعثمان: أما بايعته و أمنته؟
قال: بلى، و لكن يذكر جرمه القديم فيستحيي منك.
قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» . و أخبره عثمان بذلك، و مع ذلك فصار إذا جاء جماعة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يجيء معهم، و لا يجيء إليه منفردا (1).
قال الواقدي: «قالوا: كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الوحي، فربما أملى عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيكتب عليم حكيم، فيقرأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقول: كذلك اللّه، و يقره.
و افتتن و قال: ما يدري محمد ما يقول. إني لأكتب له ما شئت. هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد. و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا، فأهدر «صلى اللّه عليه و آله» دمه يوم الفتح» (2).
و عند الواقدي: أنه طلب من عثمان أن يحتبسه في مكان مّا، ثم يذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليكلمه فيه، لأنه لو رآه لقتله، لأن جرمه
أعظم جرم، فأصر عليه عثمان أن ينطلق معه.
فلم يرع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا بعثمان آخذ بيد ابن أبي سرح واقفين بين يديه، فكلمه فيه، فأعرض عنه. «و جعل عثمان كلما أعرض عنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بوجهه استقبله، فيعيد عليه هذا الكلام.
فإنما أعرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه.
فلما رأى أن لا يقدم أحد، و عثمان قد أكب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبل رأسه، و هو يقول: يا رسول اللّه، تبايعه فداك أبي و أمي» .
فقال: نعم.
ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ ! أو قال: الفاسق.
فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إليّ يا رسول اللّه؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية، رجاء أن تشير إليّ فأضرب عنقه.
و يقال: قال هذا أبو اليسر (أو أبو البشير) .
و يقال: عمر بن الخطاب.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني لا أقتل بالإشارة، أو إن النبي لا تكون له خائنة الأعين (1).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 855 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 85 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 362 و الغدير ج 8 ص 280 و سنن أبي داود ج 1 ص 607 و ج 2 ص 329 و سنن النسائي ج 7 ص 106 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 45 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 40 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 169 و فتح الباري ج 6 ص 112 و ج 11 ص 8 و عون المعبود ج 7 ص 249 و ج 12 ص 9 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 303 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 102 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 330 و الإستيعاب ج 3 ص 918 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 176 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 3 ص 114 و ج 4 ص 212 و كنز العمال ج 10 ص 518 و تفسير الميزان ج 17 ص 322 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 472 و زاد المسير ج 6 ص 202 و تفسير القرطبي ج 7 ص 40 و ج 15 ص 303 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 110 و الدر المنثور ج 5 ص 349 و فتح القدير ج 4 ص 487 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 174 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 2 ص 504 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 34 و أسد الغابة ج 3 ص 173 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 249 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 553 و الوافي بالوفيات ج 17 ص 101 و البداية و النهاية ج 4 ص 340 و 342 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 44 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 13 ص 111 و عيون الأثر ج 2 ص 195 و السيرة النبوية ج 3 ص 563 و 566 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 418 و ج 11 ص 387.
قال الصالحي الشامي و غيره: و حسن إسلامه بعد ذلك، و ولاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان، و مات و هو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضائها، و كان أحد النجباء، الكرماء، العقلاء من قريش، و كان فارس بني عامر بن لؤي المقدم فيهم (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 224 المغازي للواقدي ج 2 ص 855 و 856 و أنساب الأشراف ج 1 ص 358 و البداية و النهاية ج 4 ص 340 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 563.
إن من يراجع حديث الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم يلاحظ: أن النبي رغم إصداره هذا القرار الحازم الحاسم بقتل هؤلاء سرعان ما يعفو عنهم، و يعطيهم الأمان بمجرد أن يطلب ذلك منه، و لا سيما بعد أن كسرت شوكتهم، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. .
غير أن من بين جميع هؤلاء يوجد استثناء واحد، كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» حريصا على إنفاذ الأمر بقتله أكثر من سائرهم، لو لا تدخل عثمان بن عفان، و عدم التفات من حضر من المسلمين إلى ما كان ينبغي لهم أن يفعلوه لحظة مجيء ابن أبي سرح إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ظل حماية عثمان له. .
فما هو السر لتلك السهولة في العفو و السماح هناك، و الرغبة في إجراء الأمر هنا؟ !
إن الإجابة على هذا السؤال، و إن كانت تحتاج إلى مزيد من البسط و البيان، لكننا سنكتفي بالإلماح إلى بعض النقاط التي تفتح نافذة يستطيع الباحث عن الحقيقة أن يطل منها على الأسباب و المعطيات لكلا موقفيه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنقول:
إن الذي اقتضى إهدار دم هؤلاء هو جرائم و فظائع ارتكبوها، في حق الدين و الإنسانية، لصد الناس عن الحق، و زعزعة أركانه، و تقويض بنيانه. . لكن جرائمهم هذه تختلف فيما بينها، فهناك جرائم رغم بشاعتها، و فظاعتها، تبقى محصورة في نطاقها الخاص، بل ربما يكون الزمن قد تجاوزها، بعد أن ضرب الإسلام بجرانه، و بعد ثبات و رسوخ قواعده و أركانه. .
كما أن بعضها الآخر قد يكون بنفسه سببا لنفرة الناس من فاعله، لأنه يجرح العاطفة الإنسانية، و يصدم الروح، و تتقزز منه النفس.
و من ذلك: إقدام هند بنت عتبة على استخراج كبد الحمزة، و التشفي بقطع أطرافه «عليه السلام» ، و جعلها قلادة تتزين بها.
كما أن بعضها الآخر البشعة و القاسية، قد يرتبط في أذهان الناس بشخص ما، فيكون بنظره حقا له.
كما أن بعض تلك الجرائم يمكن تجاوزه و العفو عنه، لمصلحة أقوى منه تقتضي ذلك. و لعلهم يرون أن قضية هبار بن الأسور مع زينب من هذا القبيل.
بل و كذلك الحال بالنسبة لأولئك الذين هجوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو تغنوا بهجائه، سعيا منهم في توهين أمره «صلى اللّه عليه و آله» ، و صد الناس عن الإيمان به. .
و لكن الحال بعد انتصار الإسلام في مكة قد تغير، و أصبح بالإمكان تجاوز هذه السلبية، بسبب قوة الإسلام، التي قد تفرض على نفس هؤلاء السعي إلى جبر ذلك الكسر، و مدح الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بما هو فيه.
و ليظهر للناس مدى التزوير و التضليل الذي كانوا يمارسونه لصدهم عن الحق، و إضعاف أمر نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في القلوب و النفوس.
و تبقى جريمة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح هي الأشد خطرا، و الأبعد و الأقوى أثرا، من حيث إنها تستهدف النبوة في الصميم، و تثير شبهة لا يقوى الإنسان العادي على دفعها، و لا على التخلص من آثارها. .
و هي شبهة لا يحدها زمن، و لا تنتهي عند جيل من الناس. . بل هي تسري عبر الأجيال إلى آخر الزمان. . حيث إن هذا الرجل قد زعم: أنه يستطيع أن ينزل قرآنا مثل الذي أنزل على محمد «صلى اللّه عليه و آله» .
و زعم أيضا: أنه كان يغيّر في الآيات، و يكتب سميعا بصيرا، بدل حكيما عليما مثلا، و لا يلتفت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى فعله هذا، بل كان يرضى بفعله أحيانا، و لا يفرق بين ما نزل عليه، و بين ما كتبه ابن أبي سرح من عند نفسه. .
و هذه شبهة هائلة، و خبيثة، و سيئة الأثر، لأن الإنسان العادي لا يملك سبيلا إلى دفعها، أو التخلص من الآثار التي تتركها في روحه و وجدانه، إذا ثار لديه احتمال أن يكون ثمة من يقدر على مجارات القرآن، و يغير في كلماته من عند نفسه، و لا شك في أن هذا يؤثر في يقينه، و في صحة إيمانه. و يجعله فريسة سهلة لأصحاب الأهواء، و طلاب اللبانات، و ما أكثرهم! ! .
و قالوا: إن ابن أبي سرح لم يكن يأتي إلى مجلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك.
و زعموا: أنه لا يأتيه حياء، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : الإسلام يجب ما قبله، و أخبروه بذلك. و مع ذلك، فإنه صار يأتي إليه مع الجماعات، و لا يأتيه منفردا. .
و نقول:
إن اتهام ابن أبي سرح بالحياء لا يمكن أن يكون مرضيا و لا مقبولا، فإن تاريخه يشهد بخلاف ذلك.
و لعل الصحيح هو: أنه كان لا يأتي النبي «صلى اللّه عليه و آله» خشية من أن يقتل عنده، و بإيماءة منه إلى بعض أصحابه، لأنه يظن أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنسان غادر لا يؤمن جانبه. أي أنه يقيس النبي «صلى اللّه عليه و آله» على نفسه. .
و يكفي أن نذكر: أنه يقتل حامل رسالة عثمان إليه، فإنه حين جعله عثمان عاملا له على مصر، و شكاه المصريون. أرسل عثمان إليه كتابا ينهاه فيه عما شكاه المصريون من أجله، فأبى أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، و ضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله. . فكان ذلك من أسباب خروج المصريين إلى عثمان. . و تطورت الأمور حتى قتل عثمان (1).
و عن قولهم: إنه وافق ما أنزل اللّه، حين قال: فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ .
نقول:
إنه غير صحيح.
1) الإمامة و السياسة (تحقيق طه محمد الزيني) ج 1 ص 39 و 55 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 256 و قاموس الرجال ج 5 ص 467 و الغدير ج 9 ص 80 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 416 و تاريخ المدينة لابن أبي شبة ج 4 ص 1158.
أولا: لأن الآية المذكورة قد وردت في سورة «المؤمنون» و هي من السور المكية، و استثني منها قوله تعالى: حَتّٰى إِذٰا أَخَذْنٰا مُتْرَفِيهِمْ -إلى قوله- مُبْلِسُونَ (1).
على أنهم قد ادّعو: أن عمر بن الخطاب أيضا قد وافق ربه (أو وافقه ربه) في هذا الجزء من الآية. . فراجع (2). فأي ذلك هو الصحيح؟ ! و إن كنا نعتقد أنهما معا من المكذوبات! !
ثانيا: إن زيد بن ثابت ينقل: «أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أملى آيات خلق الإنسان عليه، فقال معاذ بن جبل: فتبارك اللّه أحسن الخالقين، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال له معاذ: ما أضحكك يا رسول اللّه؟
قال: إنها ختمت: فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ» (3).
1) الآيات 65-77 من سورة المؤمنون، و راجع: الإتقان ج 1 ص 16 و تفسير الشوكاني ج 3 ص 495.
2) الدر المنثور ج 5 ص 6 و 7 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و الطيالسي، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و الطبراني و راجع: عمدة القاري ج 2 ص 284 و تفسير الرازي ج 23 ص 86 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 101 و كنز العمال ج 12 ص 554 و 555 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 112 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 252 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 102 و تاريخ المدينة ج 3 ص 865 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 270.
3) الدر المنثور ج 5 ص 7 عن ابن راهويه، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني في الأوسط، و ابن مردويه مجمع الزوائد ج 7 ص 72 و المعجم الأوسط ج 5 ص 56 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 2 ص 271 و فتح القدير ج 3 ص 479 و تفسير الآلوسي ج 18 ص 16.
و من الواضح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يملي الآية على كل من كان يكتب، بل كان يمليها على أحد الكتاب، أو على من حضر منهم. . فلا معنى للقول بتكرار الحادثة تارة مع معاذ بن جبل، و أخرى مع ابن أبي سرح! !
و قد قرأنا فيما سبق: موقف علي «عليه السلام» من الذين أجارتهم أخته أم هاني بنت أبي طالب، حيث أصر على قتلهم، و لم يرض من أخته أن تجيرهم، حتى اشتكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاءه قبول إجارتها لهم من الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة.
و لكن عثمان ليس فقط لا يبادر إلى تنفيذ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ابن أبي سرح، بل هو يخبؤه في بيته، ثم يأتي به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبدأ في التماس الأمان له، و يعرض عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرة بعد أخرى، و لا يرتدع و لا يتراجع.
حتى اقتنص من النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأمان له على مضض، و بمزيد من المرارة، بل هم ينقلون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بعد أن أعطاه الأمان قد وصفه ب «الكلب» ، و أظهر العتب على من حضره من المسلمين: كيف لا يقتلونه و هم يرون امتناعه عن إعطائه الأمان. .
فما هذه المخالفات الظاهرة من عثمان؟
و لما ذا هذا الإصرار على كسر القرار النبوي بقتل ذلك الكلب على حد تعبير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟
و لما ذا يريد عثمان الحياة لشخص يريد اللّه و رسوله له أن يقتل؟
و أي نفع للإسلام و للمسلمين من حياة من يريد اللّه و رسوله له ذلك؟ !
تقدم قول ابن أبي سرح: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يملي عليه عزيز حكيم، فيقول ابن أبي سرح: أو عليم حكيم، فيقول له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كل صواب.
و نقول:
قد لا يكون الحكم على هذه الرواية بأنها مكذوبة من الأساس صوابا، لأن قول ابن أبي سرح: أو عليم حكيم، ليس من الأوصاف المكذوبة على اللّه تعالى، فإنه عزيز، و عليم، و حكيم حقا بلا ريب، فيكون قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كل صواب، في محله. . لأن هذا و ذاك مما يصح وصف تعالى اللّه به. .
و ليس مقصوده «صلى اللّه عليه و آله» : تصويب كون هذا جزءا للآية، كصوابية كون ذاك جزءا لها.
أما بالنسبة لرواية الكافي عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما «عليهما السلام» قال: سألته عن قول اللّه عز و جل: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىٰ
عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً أَوْ قٰالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (1). قال نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر و هو من كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة هدر دمه و كان يكتب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإذا أنزل اللّه عز و جل: أَنَّ اَللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . كتب: إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، فيقول له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعها فإن اللّه عليم حكيم. و كان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إني لأقول من نفسي مثل ما يجيء به فما يغيّر عليّ، فأنزل اللّه تبارك و تعالى فيه الذي أنزل. -فإن هذه الرواية-لا تنافي ما ذكرناه، فإن المقصود بقوله دعها: هو أن يدع الآية التي أنزلت على ما هي عليه من دون تغيير، فالضمير في قوله دعها يعود إلى الآية الأولى، أي اتركها في مكانها و لا تغير فيها، فإننا نقر أن اللّه عليم حكيم و لكن ليس هذا موقع كلمة عليم التي تريد أن تستبدل بها كلمة عزيز.
أما إذا كان الضمير يرجع إلى الفقرة التي يريد ابن أبي سرح أن يكتبها، فالمقصود بقوله دعها: أي اتركها و أسقطها، فإن هذا الموقع ليس محلا لها، مع العلم أن اللّه عليم حكيم بلا ريب.
و أما ما ذكره الحلبي: من أن عثمان استأمن لابن أبي سرح، ثم جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعرض عنه، فهو:
أولا: كلام متناقض. لأنه إذا كان مقصود عثمان بقوله: قد أمنته، أنه
1) الآية 146 من سورة الأعراف.
أخذ له الأمان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا معنى لأن يعطيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأمان، ثم يعرض عنه مرة بعد أخرى.
ثم يقول: نعم، فيبسط يده فيبايعه. و لا يصح أن يطلب عثمان له الأمان من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، و يصر عليه فيه. .
ثانيا: قد صرحت رواية الواقدي: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أعرض عنه «إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه» .
و قد يسأل سائل: لما ذا لم يقم علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فيقتل ابن أبي سرح، حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرض عنه مرة بعد أخرى؟ ! فإنه لا شك في أن عليا «عليه السلام» كان أعرف الناس بمرادات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و يمكن أن يجاب: بأنه لم يثبت أن عليا «عليه السلام» كان حاضرا في ذلك المجلس، و لكن عمر كان حاضرا جزما، حتى زعموا: أنه كان-كأبي اليسر، أو كعباد بن بشر-يتتبع طرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كل ناحية، رجاء أن يشير إليه ليضرب عنقه. .
كما أن عثمان الذي يصر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يعطيه الأمان، و لا يبالي بإعراض النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه مرة بعد أخرى. كان ينبغي أن يبادر إلى تنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه، لا أن يأتي شافعا له إلى حد الإلحاح. .
و ملامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه على عدم مبادرتهم إلى
قتله تدل على أن لزوم قتله كان على درجة من البداهة و الوضوح، بحيث صح للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرجو مبادرتهم إليه، ثم صح له أن يلومهم على عدم إقدامهم عليه. .
و ذكر عكرمة و الحسن البصري: أن الذين سعوا لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليؤمن ابن أبي سرح هم: أبو بكر، و عمر، و عثمان.
و زعموا: أنه هو الذي نزل فيه قوله تعالى ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هٰاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا فُتِنُوا ثُمَّ جٰاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهٰا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
مع أنه هذه الآية قد نزلت في عمار (2)، أو في غيره من الذين فتنوا عن دينهم (3).
1) الآية 110 من سورة النمل. و الرواية في الدر المنثور ج 4 ص 132 و 133 عن ابن جرير، عن عكرمة، و الحسن البصري. . و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله، و راجع: جامع البيان ج 14 ص 240 و سنن النسائي ج 7 ص 107 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 192 و فتح القدير ج 3 ص 196 و 198.
2) البرهان ج 2 ص 386 و تفسير القمي ج 1 ص 391 و معاني القرآن للنحاس ج 4 ص 107 و 108 و زاد المسير ج 6 ص 120 و تفسير القرآن العظيم ج 10 ص 192 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 162 و 163 تنوير المقياس في تفسير ابن عباس للفيروزآبادي ص 231 و فتح القدير ج 4 ص 195 و تفسير الآلوسي ج 14 ص 239 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 621.
3) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 133 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و البيهقي، و زاد المسير ج 4 ص 363 و تفسير الميزان ج 12 ص 359 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 14.
علما بأن ابن أبي سرح لم يهاجر.
و لم يفتن عن دينه كما جرى لعمار.
و لم يجاهد و لم يصبر.
و إنما افتتن و ارتد.
هذا كله، عدا عن أن هذا يتنافى مع ما أسلفناه، من ادّعائهم أن عمر كان يتتبع طرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علّه يشير إليه بقتله.
و لا ندري ما ذا نقول في رجل يصفه هؤلاء: بأنه من النجباء، الكرماء، العقلاء في قريش. و كان المقدم في بني عامر، و أنه حسن إسلامه، و أنه مات و هو ساجد في صلاة الصبح و. . و. . الخ. . ؟ ! مع أن حياته مليئة بما يدل دلالة واضحة على ضد ذلك، و يكفي أن نشير إلى ما يلي:
إن عثمان ولاه مصر سنة خمس و عشرين، و أعطاه خمس جميع ما أفاءه اللّه على المسلمين في فتح إفريقية (1)، و الذي بلغ من كثرته أن قالوا: إن سهم الفارس في فتح إفريقية بلغ ثلاثة آلاف مثقال ذهبا، و سهم الراجل
1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 26 و 39 و 313 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 362 و اللنص و الإجتهاد ص 402 و الغدير ج 8 ص 259 و 279 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 312 و 384 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 319 و 437 و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 128 و 129 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 88 و 91 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 34 و البداية و النهاية ج 7 ص 170 و فتوح مصر و أخبارها للقرشي المصري ص 299.
ألف مثقال (1).
و قال ابن قتيبة: إن أهل مصر جاؤوا يشكون ابن أبي سرح، عاملهم.
فكتب إليه عثمان يتهدده، فأبى أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، و ضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مائة إلى عثمان، و دخل معهم علي «عليه السلام» ، فكان مما قاله «عليه السلام» لعثمان: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، و قد ادّعوا قبله دما، فاعزله عنهم، و اقض بينهم (2).
عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله تعالى: إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (3)، قال: ذاك عمار.
و في قوله تعالى: وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً (4)قال: عبد اللّه بن
1) قاموس الرجال ج 5 ص 468 و عون المعبود ج 7 ص 247 و الثقات ج 2 ص 245 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 39 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 38-40 و أسد الغابة ج 3 ص 173 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 36 و الإصابة ج 4 ص 95 و 96 و فتوح مصر و أخبارها ص 313 و تاريخ الإسلام ج 3 ص 319 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 129.
2) قاموس الرجال ج 5 ص 467 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 36 و 39 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 148 عن العقد الفريد ج 3 ص 79 و تاريخ الإسلام ج 3 ص 458.
3) الآية 106 من سورة النحل.
4) الآية 106 من سورة النحل.
سعد بن أبي سرح (1).
و كان ابن الزبعرى يهجو المسلمين، و يحرض عليهم كفار قريش و كان من شعراء العرب، و هو الذي تمثّل يزيد «لعنه اللّه» بأبياته التي قالها في غزوة أحد. و ذلك حين جيء إليه برأس الإمام الحسين «عليه السلام» و بالأسارى، فصار ينكت ثنايا الإمام «عليه السلام» بقضيب كان في يده «لعنه اللّه» .
و كان ابن الزبعرى يهجو النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، و يعظم القول فيه، و هو الذي ألقى الفرث و الدم عليه اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصلي، ثم جاء أبو طالب، و سل سيفه، فأمرّ ذلك الفرث على لحاهم و أسبلتهم (2).
1) قاموس الرجال ج 5 ص 468 و أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 106 و الدر المنثور ج 4 ص 132 عن ابن سعد، و البرهان في تفسير القرآن ج 4 ص 386، و تفسير القمي ج 1 ص 390 و تفسير مجمع البيان ج 6 ص 203 و التفسير الأصفى ج 1 ص 664 و التفسير الصافي ج 3 ص 157 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 88 و 90 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 239 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 293 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 3 ص 425 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 522 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 444 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 36 و ج 43 ص 231 و 374 و 375 و فتح القدير ج 3 ص 198 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 250.
2) البحار ج 18 ص 187، و راجع ج 35 ص 126 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 54 و نور البراهين ج 1 ص 404 و أبو طالب حامي الرسول و ناصره ص 215 و الغدير ج 7 ص 388 و الدر النظيم ص 212 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 293 و إيمان أبي طالب للأميني ص 80.
و كان أيضا يهجو أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحرض المشركين على قتالهم.
و يوم الفتح سمع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهدر دمه، فهرب إلى نجران و سكنها (1).
و قال أبو عمر بن عبد البر: إن حسان بن ثابت رماه و هو في نجران ببيت واحد، فما زاد عليه:
لا تعد من رجلا أحلك بغضهنجران في عيش أجد لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلم، و حسن إسلامه (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و حلية الأبرار ج 1 ص 120 و الإستيعاب ج 3 ص 902 و الدرر ص 222 و كتاب التوابين ص 117 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 77 و ج 18 ص 7 و الإصابة ج 4 ص 76 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 412 و أسد الغابة ج 3 ص 159 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 397 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 339 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 250 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و أعيان الشيعة ج 4 ص 78 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 875 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 585 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250 و 295.
2) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 309 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 902 و أسد العابة ج 3 ص 159 و 160 و الإصابة ج 4 ص 76 و الإعلام ج 4 ص 87 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 397 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 875 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 585 و البحار ج 21 ص 106 و راجع: تفسير مجمع البيان ج 10 ص 472.
و قال الصالحي الشامي و غيره:
فأرسل حسان بن ثابت أبياتا يريد بها ابن الزبعري:
لا تعد من رجلا أحلك بغضهنجران في عيش أحذ لئيم
بليت قناتك في الحروب فألفيتخوارة خوفاء ذات و صوم
غضب الإله على الزبعرى و ابنهو عذاب سوء في الحياء مقيم (1).
و ذكر ابن إسحاق البيت الأول فقط.
فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان، خرج إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس في أصحابه، فلما نظر إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «هذا ابن الزبعرى، و معه وجه فيه نور الإسلام» .
فلما وقف على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: السلام عليك يا رسول اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك عبده و رسوله، الحمد للّه الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك، و أجلبت عليك، و ركبت الفرس و البعير، و مشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران، و أنا أريد أن لا أقر بالإسلام أبدا، ثم أرادني اللّه منه بخير، و ألقاه في قلبي، و حببه إلي. و ذكرت ما كنت فيه من الضلالة، و اتباع ما لا ينبغي، من حجر يذبح له
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250 و 251 و المغازي للواقدي ج 2 ص 847 و 848، و الإصابة ج 2 ص 308 و كتاب التوابين ص 117 و تاريخ الطبري ج 2 ص 339 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 353 و إمتاع السماع ج 13 ص 387 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 875 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 585 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 7.
و يعبد، لا يدري من عبده، و لا من لا يعبده.
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله» (1).
و قال عبد اللّه حين أسلم:
يا رسول المليك إن لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغيو من مال ميله مثبور
آمن اللحم و العظام لربيثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيامن لؤي و كلهم مغرور (2)
و قال عبد اللّه أيضا حين أسلم:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 251 و المغازي للواقدي ج 2 ص 848، و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 362 و كتاب التوابين ص 118 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 8 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 388.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250 و 251، و راجع: البحار ج 21 ص 106، عن مجمع البيان ج 10 ص 557 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 734 و ج 6 ص 76 و ج 7 ص 284 و ج 9 ص 190 و البداية و النهاية ج 4 ص 353 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 876 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 585 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 144 و فتح الباري ج 8 ص 446 و التبيان للطوسي ج 8 ص 417 و نور الثقلين ج 5 ص 696 و جامع البيان ج 13 ص 287 و ج 18 ص 253 و تفسير القرطبي ج 13 ص 11 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 208 و 324 و 367 و أسد الغابة ج 3 ص 360 و الإصابة ج 4 ص 76 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 339 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 250.
منع الرقاد بلابل و همومو الليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامنيفيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالهاعيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الذيأسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطةسهم و تأمرني بها مخزوم
و أمد أسباب الردى و يقودنىأمر الوشاة و أمرهم مشؤم
فاليوم آمن بالنبي محمدقلبي و مخطئ هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابهاو دعت أواصر بيننا و حلوم
فاغفر فدى لك والداي كلاهمازللي فإنك راحم مرحوم
و عليك من علم المليك علامةنور أغر و خاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانهشرفا و برهان الإله عظيم
و لقد شهدت بأن دينك صادقحق و أنك في العباد جسيم
و اللّه يشهد أن أحمد مصطفىمستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشمفرع تمكن في الذرى و أروم (1)
و نقول:
إننا لا نناقش في أن يكون ابن الزبعرى و سواه يمدحون رسول اللّه «صلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250-252 و كتاب التوابين ص 120 و تفسير القرطبي ج 6 ص 407 و البداية و النهاية ج 4 ص 354 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 586.
اللّه عليه و آله» بمثل هذه المدائح، أو بما هو أجل و أعظم منها و لكننا نشك كثيرا في صحة ما يدّعى: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أشار إلى وجود نور الإسلام في وجه هؤلاء الذين قضوا عمرهم في حرب هذا الدين، و لم يسلموا إلا بعد أن فقدوا كل أمل بالإنتصار عليه، و بعد أن أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم، و لم يعودوا يأمنون على حياتهم، حتى من أقرب الناس إليهم.
فإن الاستسلام للأمر الواقع، أو التظاهر بالإسلام شيء، و الإسلام الصادق و ظهور نوره في الوجه شيء آخر. .
قالوا: كان الحويرث بن نقيدر يؤذى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد نخس بزينب بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما هاجرت إلى المدينة، فأهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه.
فبينما هو في منزله قد أغلق عليه بابه، سأل عنه على بن أبي طالب «عليه السلام» ، فقيل: هو بالبادية.
فأخبر الحويرث أنه يطلب، فتنحى علي «عليه السلام» عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى آخر، فتلقاه علي «عليه السلام» ، فضرب عنقه (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 224 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و 91 و (ط دار المعرفة) ص 38، و البحار ج 21 ص 131، و المغازي للواقدي ج 2 ص 857، و تاريخ الخميس ج 2 ص 92 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 13 و إمتاع ألسماع ج 1 ص 399 و الإرشاد ج 1 ص 136 و المستجاد من الإرشاد ص 78 و فتوح البلدان ج 1 ص 46 و سنن الدارقطني ج 2 ص 263 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 32 و تهذيب الكمال ج 11 ص 114 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 336 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 250 و عيون الأثر ج 2 ص 195 و البداية و النهاية ج 4 ص 341 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 564 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 44 و كشف الغمة ج 1 ص 218 و نهج الحق و كشف الصدق ص 250.
و قالوا أيضا: كان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة، و أم كلثوم بنتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث، فرمى بهما الأرض (1).
و كان (يؤذي) يعظم القول في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينشد الهجاء فيه، و يكثر أذاه و هو بمكة (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 عن ابن هشام، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و (ط دار المعرفة) ص 38، و تاريخ الخميس ج 2 ص 92، عن الإكتفاء، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 868 و البداية و النهاية ج 4 ص 341 و السيرة لابن كثير ج 3 ص 564 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 451.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، عن البلاذري، و السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 250 و تاريخ الإسلام ج 4 ص 184 و الإرشاد ج 1 ص 136 و عيون الأثر ج 2 ص 195 و إحقاق الحق (الأصل) ص 206 و شرح إحقاق الحق ج 32 ص 306 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 452 و الدرر لابن عبد البر ص 220 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 13 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 44 و أعيان الشيعة ج 1 ص 409 و كشف الغمة ج 1 ص 218 و نهج الحق و كشف الصدق ص 250.
و نقول:
أولا: إن العباس بن عبد المطلب لم يحمل فاطمة و لا سواها من بنات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة إلى المدينة، بل كان علي «عليه السلام» هو الحامل للفواطم من مكة يوم الهجرة.
ثانيا: إن أم كلثوم لم تكن بنتا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كانت ربيبة زوجته من قبل أختها على ما يظهر. . فراجع كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه» ، و كتابنا: «القول الصائب في إثبات الربائب» .
ثالثا: لعل الصحيح هو الرواية التي تقول: إن هذا الرجل كان هو وهبار، و قد نخسا ربيبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسقطت، و أسقطت، حسبما تقدم (1).
و قد لوحظ: أن الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» ، لم يهاجم ذلك الرجل في بيته. و لعل سبب ذلك:
أولا: أنه لم يرد أن يفهم بعض قاصري النظر: أنه «عليه السلام» قد
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 92، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 224، و السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و 91، و المغازي للواقدي ج 2 ص 857، و البحار ج 21 ص 131 و نيل الأوطار ج 8 ص 75 و فتح الباري ج 6 ص 104 و نصب الراية ج 4 ص 263 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 120 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 247 و مقدمة فتح الباري ص 288 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 526 و الإصابة ج 5 ص 51 و الأنساب ج 4 ص 573 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 347 و 348.
نقض قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من أغلق بابه فهو آمن، ثم أن يتخذ المغرضون ذلك ذريعة للتشنيع على الإسلام و أهله، و اتهام علي «عليه السلام» بعدم احترام قرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» . ثم اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه قد شارك في ذلك، من حيث إنه لم يعترض على علي «عليه السلام» فيما فعله، و لا اتخذ إجراء ضده.
مع أن من البديهي: أن النداء بالأمان لمن أغلق باب داره لا يشمل الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم. .
ثانيا: قد يكون «عليه السلام» أراد أن يتجنب إلحاق أي أذى بالآخرين الذين قد يكونون في ذلك البيت، و لو بمقدار إثارة جو من الرهبة و الخوف لديهم. .
فاتجه صلوت اللّه و سلامه عليه إلى أسلوب استدراجي، أخرج ذلك المجرم إلى الشارع، و أجرى فيه أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فقد سأل عنه بنحو أوصل إليه الخبر، بأن ثمة من يبحث عنه، إذ إن من الطبيعي أن يكون بيت الرجل أول هدف للبحث و هو المنطلق، فيفتش البيت أولا، و يسأل عنه ساكنيه، ثم يسأل عنه جيرانه، و ربما بعض أهل عشيرته، و أصدقائه. ثم يواصل البحث وفق المعطيات التي توفرت لديه، بسبب هذه الأسئلة الإستقصائية. .
فلما سأل عنه علي «عليه السلام» بادر المطلوب إلى الإبتعاد عن هذه النقطة الحساسة، و المقصودة و المرصودة، ليكون أكثر أمنا. و أكثر قدرة على الحركة في الإتجاهات المختلفة فإن ابتعاده عن موطن الخطر. يمكّنه من أن يتدبر أمره، وفق ما يتوفر له من معطيات. .
فكان علي «عليه السلام» له بالمرصاد. . و أنزل فيه ما يستحقه من جزاء. .
كان هبار بن الأسود شديد الأذى للمسلمين، و عرض لزينب بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما هاجرت فنخس بها، أو ضربها بالرمح، فسقطت عن راحلتها، فأسقطت، و لم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت (1)، فلما كان يوم الفتح، و بلغه أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهدر دمه، أعلن بالإسلام، فقبله منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عفا عنه (2).
و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «إن لقيتم هبارا هذا فأحرقوه، ثم قال: إنما يعذب بالنار رب النار، إن ظفرتم به فاقطعوا يده و رجله، ثم اقتلوه. فلم يوجد يوم الفتح، ثم أسلم بعد ذلك و حسن إسلامه (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 857 و نصب الراية ج 4 ص 263 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 247 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 44 و الإستيعاب ج 4 ص 1854 و قاموس الرجال ج 12 ص 266 و المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و أعيان الشيعة ج 7 ص 141 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 194 و عيون ألثر ج 2 ص 196 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 38.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و فتح الباري ج 8 ص 9 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 232.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 91 و 92 و (ط دار المعرفة) ص 39 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 93 و الإستيعاب ج 4 ص 1536 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 452 و أسد الغابة ج 5 ص 53 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 138 و عيون الأثر ج 2 ص 196.
و يذكر: أنه لما أسلم، و قدم المدينة مهاجرا جعلوا يسبونه، فذكر ذلك للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «سب من سبك» فانتهوا عنه.
و هذا السياق يدل على: أنه أسلم قبل أن يذهب إلى المدينة.
و في لفظ: و لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته، و قال: يا محمد، أنا جئت مقرا بالإسلام، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله. و اعتذر إليه. أي قال له بعد أن وقف عليه: السلام عليك يا نبي اللّه، لقد هربت منك في البلاد، فأردت اللحوق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك و فضلك في صفحك عمن جهل عليك، و كنا يا نبي اللّه أهل شرك فهدانا اللّه بك، و أنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلي، و عما كان مني، فإني مقر بسوء فعلي.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا هبار، عفوت عنك، و قد أحسن اللّه إليك حيث هداك إلى الإسلام، و الإسلام يجب ما قبله.
و قوله: «مهاجرا» فيه، إنه لا هجرة بعد فتح مكة.
إلا أن يقال: هي مجاز عن مجرد الإنتقال عن محل إلى آخر (1).
غير أننا نقول:
قال الواقدي: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس بالمدينة في أصحابه، إذ طلع هبار بن الأسود-و كان لسنا-فقال: يا محمد، سبّ من سبّك، إني جئت مقرا بالإسلام، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و (ط دار المعرفة) ص 39 و القصة ذكرها الواقدي في مغازيه ج 2 ص 858 و 859 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 93.
له، و أن محمدا عبده و رسوله الخ. .
فقبل منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فخرجت سلمى مولاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: لا أنعم اللّه بك عينا، أنت الذي فعلت و فعلت.
فقال: إن الإسلام محا ذلك.
و نهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن سبه و التعرض له (1).
ثم ذكر الواقدي و غيره، عن جبير بن مطعم: إن هبارا أسلم بعد منصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الجعرّانة، حين فرغ «صلى اللّه عليه و آله» من حنين حيث طلع عليه، و هو جالس في مسجده، فأراد بعضهم القيام إليه، فأشار إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن اجلس، فأسلم هبار و اعتذر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقبل منه.
و عن الزبير بن العوام: «ما رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكر هبارا قط إلا تغيّظ عليه، و لا رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث سرية قط إلا قال: إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يديه و رجليه، ثم اضربوا عنقه.
فو اللّه، لقد كنت أطلبه و أسأل عنه، و اللّه يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقتلته.
ثم طلع على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا عنده جالس، فجعل يعتذر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول: سبّ يا محمد من سبّك
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 857 و شرح النهج ج 14 ص 194 و ج 18 ص 14 و قاموس الرجال ج 10 ص 498 و ج 12 ص 287 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 238.
و أوذي من آذاك، فقد كنت موضعا في سبّك و أذاك، و قد نصرني اللّه و هداني إلى الإسلام.
قال الزبير: فجعلت أنظر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و إنه ليطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار، فقال له: قد عفوت عنك، و الإسلام يجب ما قبله.
و كان يسبّ حتى يبلغ منه فلا ينتصف من أحد.
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حلمه، و ما يحمل عليه من الأذى، فقال: يا هبار سبّ من سبّك (1).
و نقول:
إن في النصوص المتقدمة مواضع للنظر و التأمل، نذكر منها ما يلي:
لا يصح أن يدخل في وهم أحد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد التشفّي الشخصي بهبار، لأنه قد ارتكب جريمته ضد بعض من يخصّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينتسب إليه، و هي زينب التي يدّعي البعض: أنها ابنته على الحقيقة، أو بالتربية-كما هو الحق-.
فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يتخذ مواقفه من هذه المنطلقات، لأنه نبي معصوم. بل هو مسدد و مؤيد، وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (2).
كما أن ما فعله هبار كان جرما عظيما، بجميع المعايير، فلاحظ ما يلي:
1-إن ما أقدم عليه تجاه زينب كان عملا عدوانيا، يهدف إلى منع الناس من ممارسة حرياتهم في أمور تعود إليهم و تخصهم.
2-إنه تعدّ على حدود الشرع و الدين، و تحد للإرادة الإلهية، و سعي في إبطال الحق، و نصرة الباطل.
3-إنه عدوان على إنسان ضعيف، غير قادر على الدفاع عن نفسه، و هو أمر معيب حتى عند أهل الجاهلية، و عبدة الأصنام أنفسهم.
و قد ادّعوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان كلما بعث سرية أمرها بهبار: إن أخذ أن يحرق بالنار، ثم قال: «إنما يعذب بالنار رب النار، اقطعوا يديه و رجليه، إن قدرتم عليه، ثم اقتلوه» (1).
و نقول:
أولا: إن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لا يتردد في أحكامه، و لا يتراجع عنها، بل هو مسدد و مؤيد بالوحي، و لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. . فإنه حين أمر أن يحرق بالنار لم يقل ذلك من عند نفسه؟ !
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 857 و 858 و 859 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 93، و السيرة الحلبية ج 3 ص 92 و (ط دار المعرفة) ص 39 و البحار ج 19 ص 352 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 14 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 238 و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 494 و كنز العمال ج 5 ص 391 و أسد الغابة ج 2 ص 60 و المنتخب من ذيل المذيل ص 39 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 238.
حاشاه! ! . . و إذا كان قد قاله بأمر من اللّه، فما معنى أن يتراجع عنه، ثم يستدل لصحة تراجعه بقاعدة عامة تقول: لا يعذب بالنار إلا رب النار؟ ! (1).
ثانيا: إن أمير المؤمنين «عليه السلام» كما يقولون: قد أحرق عبد اللّه بن سبأ بالنار حين ادّعى ربوبية الإمام «عليه السلام» (2)و لا أحد مثل علي «عليه السلام» يتقيد بأحكام اللّه، و يلتزم بشرعه تبارك و تعالى.
رابعا: قد أحرق أبو بكر الفجأة السلمي، و اسمه أياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل، و كان ذلك هو أحد الأمور الثلاثة التي ندم على فعلها، كما
1) الوسائل ج 18 باب 5 من أبواب اللواط حديث رقم 1 و الباب رقم 3 من أبواب حد اللواط، الحديث رقم 9 و 5.
2) رجال الكشي (ط كربلاء) ص 99 و 100، و خلاصة الرجال للعلامة ص و قاموس الرجال ج 5 ص 461 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 554 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 169 و الهداية الكبرى ص 151 و نوادر المعجزات ص 21 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 227 و مدينة المعاجز ج 1 ص 226 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 67 و الغدير ج 3 ص 94 و تأويل مختلف الحديث ص 70 و اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 323 و خلاصة القوال ص 371 و التحرير الطاووسي ص 345 و نقد الرجال ج 3 ص 109 و جامع الرواة ج 1 ص 485 و طرائف المقال ج 2 ص 96 و مستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 21 و معجم رجال الحديث ج 11 ص 205 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 426 و لسان الميزان ج 3 ص 289 و 290 و أعيان الشيعة ج 1 ص 31 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 646.
صرح به حين حضرته الوفاة (1)
و مجمع الزوائد ج 5 ص 203، و تلخيص الشافي ج 3 ص 170، و تجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص 402، و كشف المراد ص 403، و مفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ، ص 199، و تقريب المعارف ص 366 و 367، و اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص 302، و مختصر تاريخ دمشق ج 13 ص 122، و منال الطالب ص 280، و راجع: الكامل لابن الأثير (حوادث سنة 11 ه) ج 2 ص 146، و الإصابة ج 2 ص 223 و البداية و النهاية ج 6 ص 319، و تاريخ الأمم و الملوك ج 3(حوادث سنة 11 ه) . و راجع المواقف للإيجي ص 403.
.1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 و تاريخ الإسلام للذهبي: ج 1 ص 117 و 118، و إثبات الهداة ج 2 ص 359 و 367 و 368، و العقد الفريد ج 4 ص 268، و الايضاح لابن شاذان ص 161، و الإمامة و السياسة ج 1 ص 18، و سير أعلام النبلاء، (سير الخلفاء الراشدين) ص 17، و مجموع الغرائب للكفعمي ص 288، و مروج الذهب ج 1 ص 414، و ج 2 ص 301، و شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 1 ص 130، و ج 17 ص 168 و 164، و ج 6 ص 51 و ج 2 ص 47 و 46، و ج 20 ص 24 و 17، و ميزان الإعتدال ج 3 ص 109، و ج 2 ص 215، و الإمامة (مخطوط) توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت ص 82. و لسان الميزان ج 4 ص 189، و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 430 و كنز العمال ج 3 ص 125، و ج 5 ص 631 و 632، و الرسائل الإعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص 470، و 471. و منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 2 ص 171. و المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 62 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 90، و 108، عن العديد من المصادر. و النص و الإجتهاد ص 91، و السبعة من السلف ص 16 و 17، و الغدير ج 7 ص 170، و معالم المدرستين ج 2 ص 79، و عن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر) ، و مرآة الزمان. و راجع: زهر الربيع ج 2 ص 124، و أنوار الملكوت ص 227، و بحار الأنوار ج 30، ص 123 و 136 و 138 و 141 و 352، و نفحات اللاهوت ص 79، و حديقة الشيعة ج 2 ص 252، و تشييد المطاعن ج 1 ص 340، و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 32. و الخصال ج 1 ص 171 و 173، و حياة الصحابة ج 2 ص 24، و الشافي للمرتضى ج 4 ص 137 و 138. و المغني لعبد الجبار ج 20 ق 1 ص 340 و 341. و نهج الحق ص 265، و الأموال لأبي عبيد ص 194(و إن لم يصرح بها) .
بل كان أبو بكر يأمر سراياه بإحراق المعارضين له فيما عرف بحروب الردة (1). مع أنها حروب اعتراض على خلافته، لا أكثر.
قد ذكرنا في أوائل هذا الكتاب، و في كتاب: «بنات النبي أم ربائبه» ، و كتاب: «القول الصائب في إثبات الربائب» : أن زينب، و أم كلثوم، و رقية، اللواتي كبرن و تزوجن لم تكنّ بنات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خديجة. .
1) مختصر السيرة ج 1 ص 269 و الإكتفاء ج 3 ص 29 و تفسير غريب ما في الصحيحين ج 1 ص 499 و ج 10 ص 42 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 371 و التمهيد لابن عبد البر ج 5 ص 316 و فيض القدير ج 6 ص 295 و راجع: الوافي بالوفيات ج 13 ص 162 و الغدير ج 7 ص 155 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 240 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 372 و الرياض النضرة ج 2 ص 48 الشرح الكبير ج 10 ص 82 و المغني لابن قدامة ج 9 ص 18 و (ط دار الكتاب العربي) ص 78.
و لكن ذلك لا يمنع من القول: بأنه قد كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بنات يحملن هذه الأسماء بالذات، و لكنهن متن في حال الصغر. .
و إنما توصف هؤلاء بأنهن بنات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسبب أنهن قد عشن في بيته، و تربين عنده. . و يصح أن يطلق على من تتربى في بيت رجل: أنها بنت ذلك الرجل. .
أما من كان يصر على بنوتهن الحقيقية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك الذين ما زالوا يصرون على هذا الرأي، فذلك منهم إما لجهلهم بحقيقة الحال. . إما بسبب عدم تعرضهم للبحث المعمق في هذه المسألة، و إما لأنهم ممن يريدون التقليل من شأن فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، بإيجاد منافسات لها حسب زعمهم (1). و منح شرف المصاهرة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأناس آخرين غير علي «عليه السلام» ، فلعل هذا- بزعمه الفاسد، و رأيه الكاسد-يقلل من شأن علي «عليه السلام» و يحط من مقامه و لو شيئا مّا! ! . .
و لكن مهما قيل في تعظيم هؤلاء البنات، فإن الزهراء «عليها السلام» تبقى تحلّق في عليائها، و لا تدانيها أية امرأة خلقها اللّه تعالى، بل هي أفضل الخلق كلهم، باستثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» بمقتضى
1) إذ لا شك في خطئهم في زعمهم هذا، بل يكون وجود بنات تميزت هي عليهن من شأنه أن يظهر فضلها، و مكانتها-لو صح وجود بنات له «صلى اللّه عليه و آله» غيرها، و الحقيقة هي تعذر إثبات ذلك بصورة علمية و مقبولة. .
ما دل عليه حديث: «لو لا علي لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه» (1).
1) كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 100 عن صاحب كتاب الفردوس، و اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص 96، و بيت الأحزان للشيخ عباس القمي ص 24، و حياة أمير المؤمنين لمحمديان ج 1 ص 107، و مجمع النورين للمرندي ص 27 و 43، و تفسير القمي لعلي بن إبراهيم ج 2 ص 338، و الصحيح من السيرة (الطبعة الرابعة) ج 5 ص 273 عن حياة الإمام الحسن للقرشي ج 1 ص 15 و ص 321 عن تلخيص الشافي ج 2 ص 277، و الأنوار القدسية للشيخ محمد حسين الأصفهاني ص 36 عن المحجة البيضاء ج 4 ص 200، و شرح أصول الكافي للمازندراني ج 7 ص 222، و وسائل الشيعة للحر العاملي ج 20 ص 74 و ج 14 ص 49، و دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري ص 80، و علل الشرائع ج 2 ص 178، و أمالي الصدوق ص 474، و نوادر المعجزات ج 6 ص 84، و تفضيل أمير المؤمنين «عليه السلام» للشيخ المفيد ص 32، و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 2 ص 290، و الفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 408 و ج 3 ص 411، و بحار الأنوار ج 8 ص 6 و ج 43 ص 10 و 107، و شهادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» للشيخ محمود شريفي ص 140، و إعلام الورى ج 1 ص 290، و تسلية المجالس و زينة المجالس ج 1 ص 547، و مناظرات في العقائد للشيخ عبد اللّه محسن ص 268، و الأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي ص 83، و نور البراهين للسيد نعمة اللّه الجزائري ج 1 ص 315، و مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي ج 9 ص 126 و 288، و الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الرحماني الهمداني ص 126 و 334، و مستدرك الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 241، و الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج 23 ص 108، و التهذيب ج 7 ص 470 ح 90 و ص 475 ح 116، و من لا يحضره الفقيه للصدوق ج 3 ص 393، و الكافي للكليني ج 1 ص 461، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 203 و (ط أخرى) ج 1 ص 225، و الخصال ص 414، و المختصر ص 133 و 136، و بشارة المصطفى ص 328، و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 7 ص 1 و 2 و ج 17 ص 35 و ج 19 ص 117 عن عدد من المصادر التالية: مودة القربى للهمداني (ط لاهور) ص 18 و 57، و أهل البيت «عليهم السلام» لتوفيق أبي علم ص 139، و مقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص 95، و (ط أخرى) ج 1 ص 66، و الفردوس ج 3 ص 373 و 513، و السيدة الزهراء «عليها السلام» للحاج حسين الشاكري ص 23، و المناقب المرتضوية لمحمد صالح الترمذي، و كنوز الحقائق للمناوي (ط بولاق- مصر) ص 133، و ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الحنفي ج 2 ص 80 و 244 و 286. لكن أكثر مصادر أهل السنة قد اقتصرت على عبارة لو لا علي لم يكن لفاطمة كفؤ. . و لم تذكر كلمة، آدم فمن دونه.
إنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أهدر دم هبار بن الأسود، و الحويرث بن نقيدر، لأنهما روّعا زينب، أو لأن الحويرث نخس بها الجمل، فوقعت على الأرض، فماذا سيكون موقفه «صلى اللّه عليه و آله» ممن ضرب فاطمة «عليها السلام» ، و أسقط جنينها، و كسر ضلعها، و تسبب لها بعلّتها التي ماتت منها، فكانت صدّيقة شهيدة كما روي؟ ! (1).
فهل سوف يكون «صلى اللّه عليه و آله» راضيا عمن فعل بها ذلك؟ ! ! أم أنه سيعاقبه، بما يستحقه؟ !
1) الكافي ج 1 ص 458 و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 473 و منتقى الجمان ج 1 ص 224 و مشرق الشمسين ص 324 و الصراط النجاة ج 3 ص 441 و مسائل علي بن جعفر ص 325 و الحدائق الناضرة ج 3 هامش ص 296.
و هل العقوبة هي مجرد إهدار الدم؟ ! و الأمر بالإحراق بالنار، بعد قطع اليد و الرجل-كما زعموا-ثم العفو عنه؟ ! ! أم أن الأمر أعظم، و الموقف سيكون أشد و أقسى؟ !
و لا نريد أن نبحث كثيرا لاستكشاف قائل كلمة: «سبّ من سبّك» ، هل هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لتكون كلمة: «سبّ» فعل أمر؟ !
أم هو هبار، و تكون الكلمة «سبّ» فعل ماض مبني للمجهول؟ !
و لكننا نريد أن نقول:
إن الأمر بالسبّ لا يصدر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو الذي يقول-حسبما روي عنه-: لا تسبنّ أحدا. و إن امرؤ سبك بأمر لا يعلمه فيك، فلا تسبه بأمر تعلمه، فيكون لك الأجر، و عليه الوزر (1).
و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن اللّه يبغض اللعّان، السبّاب، الطعّان على المؤمنين، الفاحش
1) البحار ج 73 ص 355 عن كنز الفوائد للكراجكي ص 95 و مسند أحمد ج 5 ص 64 و سنن أبي داود ج 2 ص 266 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 236 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 393 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 487 و المعجم الكبير ج 7 ص 65 و كتاب الدعاء ص 570 و رياض الصالحين ص 384 و العهود المحمدية ص 846 و كنز العمال ج 15 ص 881 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 382 و المنتخب من ذيل المذيل ص 65.
المتفحش الخ. . (1).
و عن الإمام الكاظم «عليه السلام» : ما تسابّ اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل (2).
ثم إن ما تضمنته الروايات المتقدمة: من إشارات إلى تحول هبار من إنسان ساقط في حمأة الجهالات و الضلالات، إلى إنسان فاضل، و منضبط، و صابر و متسامح. . حتى لو فرضنا صحته، فليس ثمة ما يوجب الوثوق بكونه يعبر عن تحول حقيقي في شخصية هبار، فإن من القريب جدا أن يكون ذلك سياسة منه، تهدف إلى أن يجد موقعا مناسبا في هذا المجتمع الجديد، الذي أصبح مقهورا على الإستسلام له، و العيش فيه.
1) البحار ج 65 ص 152 و ج 75 ص 181 عن تحف العقول، و أمالي الصدوق ص 326 و تحف العقول ص 300 و روضة الواعظين ص 370 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 82 و مشكاة الأنوار ص 334 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 431 و تفسير العياشي ج 1 ص 48 و تفسير مجمع البيان ج 1 ص 286 و تفسير الصافي ج 1 ص 152 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 287 و تفسير الميزان ج 1 ص 220 و أعيان الشيعة ج 1 ص 658.
2) البحار ج 75 ص 333 عن الدرة الباهرة، و الدرة الباهرة في الأصداف الطاهرة للشهيد الأول ص 7 و أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ص 305 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 427 و نزهة الناظر و تنبيه الخاطر للحلواني ص 125 و شرح إحقاق الحق ج 19 ص 552.
إننا نظن ظنا قويا: أن يكون ما يزعم من سب المسلمين لهبار أسطورة، نسجها خيال الرواة الذين يريدون التسويق لهبار، و إلا فإن من البعيد جدا أن يتجاهر المسلمون بسبّ الناس، بعد أن نهاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن السب. .
على أنه لو صح ذلك، فإن ما نتوقعه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: أن يجدد نهيه لهم عن السبّ، و أن يعلن لزوم ارتداعهم عن المنكر، لا أن يأمر بمواجهة المنكر بمثله:
و ممن أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم:
أخو أبي جهل لأبويه. و قد أسلم بعد ذلك (1).
و كان قد استجار بأم هاني، و أراد علي «عليه السلام» قتله، فأمضى
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و 93 و راجع: تنوير الحوالك ص 213 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 283 و ج 10 ص 250 و عمدة القاري ج 20 ص 212 و عون المعبود ج 6 ص 56 و تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ص 360 و 361 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 273 و الإكمال في أسماء الرجال ص 54 و الثقات ج 3 ص 72 و تاريخ مديمة دمشق ج 11 ص 471 و 497 و 498 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 140 و الوافي بالوفيات ج 11 ص 192 و البداية و النهاية ج 7 ص 107 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 374.
النبي «صلى اللّه عليه و آله» جوارها، و أسلم زهير بعد ذلك (1).
ذكره الأزرقي بدل زهير بن أمية (2).
11-زهير بن أبي سلمى (3):
12-مقيس بن صبابة (4):
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 81 و 93 و (ط المعرفة) ص 41 و نيل الأوطار ج 8 ص 167 و فتح الباري ج 1 ص 397.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 93 و نيل الأوطار ج 8 ص 167 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 277 و فتح الباري ج 1 ص 297 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 277 و نصب الراية ج 4 ص 247 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 495 و تهذيب الكمال ج 5 ص 298 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 59 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 388 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 249.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 82.
4) راجع: قرب الإسناد ص 61 و (ط مؤسسة أهل البيت) ص 130 و الإرشاد ج 1 ص 136 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 77 و البحار ج 21 ص 105 و 111 و 131 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 651 و سنن النسائي ج 7 ص 106 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 205 و مجمع الزوائد ج 6 ص 169 و 173 و فتح الباري ج 8 ص 9 و الإستذكار ج 4 ص 404 و الدرر ص 191 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 15 و كنز العمال ج 10 ص 517 و 528 و 535 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 695 و تفسير البغوي ج 1 ص 464 و زاد المسير ج 2 ص 173 و تفسير العز بن عبد السلام ص 344 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 153 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 338 و لباب النقول ص 77 و أضواء البيان ج 2 ص 72 و قاموس الرجال ج 10 ص 404 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 33 و ج 41 ص 58 و ج 59 ص 168 و أسد الغابة ج 4 ص 5 و ج 5 ص 42 و 62 و تهذيب الكمال ج 11 ص 114 و الإصابة ج 2 ص 477 و ج 6 ص 373 و الأعلام ج 7 ص 283 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 336 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 553 و البداية و النهاية ج 4 ص 179 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 44 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 204 و ج 13 ص 110 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 583 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 868 و إعلام الورى ج 1 ص 223 و عيون الأثر ج 2 ص 196 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298.
كان أسلم، ثم أتى على رجل من الأنصار فقتله، و كان الأنصاري قتل أخاه هشاما خطأ في غزوة ذي قرد، ظنه من العدو، فجاء مقيس، فأخذ الدية، ثم قتل الأنصاري، ثم ارتد، فقتله نميلة بن عبد اللّه يوم الفتح (1).
و قد قتله بعد أن أخبروه: بأنه مع جماعة يشربون الخمر، فذهب إليه، فقتله بردم بني جمح، و قيل: قتل و هو متعلق بأستار الكعبة (2).
و يقال: خرج و هو ثمل فيما بين الصفا و المروة، فرآه المسلون، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه (3).
كان يؤذي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قتله علي «عليه السلام» ذكره أبو معشر (1).
و هو الشاعر الذي كان يهجو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جاء بعد ذلك فأسلم، و مدحه بقصيدة بانت سعاد. ذكره الحاكم (2).
و تقدم شأنه: في غزوة أحد، و في فتح مكة. هرب إلى الطائف، فلما أسلم أهلها جاء مع وفدهم فأسلم (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 172 و ج 12 ص 70 و فتح الباري ج 8 ص 10.
2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 82 و 94 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و نيل الأوطار ج 8 ص 172 و فتح الباري ج 8 ص 10 و البداية و النهاية ج 4 ص 424 و 428 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 579 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 168 و أسد الغابة ج 4 ص 240 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 538 و الإصابة ج 5 ص 443 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 705.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و السيرة الحلبية ج 3 ص 94، و المغازي للواقدي ج 2 ص 863، و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 250 و راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 101 و المعجم الكبير ج 22 ص 136 و تفسير الميزان ج 4 ص 381 و زاد المسير ج 6 ص 24 و قاموس الرجال ج 10 ص 226 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 405 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 253 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : غيب عني وجهك (1).
زوج أم هاني يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهدر أيضا دمه (2).
مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، و كانت مغنية
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 863، و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و شرح الأخبار ج 1 ص 269 و ج 10 ص 111 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 98 و مسند أبي داود الطيالسي ص 186 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 362 و المعجم الكبير ج 3 ص 148 و الدرجات الرفيعة ص 68 و قاموس الرجال ج 10 ص 426 و الكامل ج 6 ص 112 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 405 و 407 و 409 و 411 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 176 و الأعلام ج 8 ص 111 و البداية و النهاية ج 4 ص 21 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 312 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 592 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 37 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 217 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 538 و شرح إحقاق الحق ج 7 ص 416.
2) شرح معاني الآثار ج 3 ص 331 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 78 و شجرة طوبى ج 2 ص 305.
نواحّة بمكة (1)، و كانت قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الفتح، و طلبت منه الصلة و شكت الحاجة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما كان في غنائك ما يغنيك» ؟
فقالت: إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا الغناء، فوصلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى قريش.
و كان ابن خطل يلقي عليها هجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتغني به. و هي التي وجد معها كتاب حاطب ابن أبي بلتعة.
و قالوا: استؤمن لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأمنها، فأسلمت و عاشت إلى خلافة عمر بن الخطاب، أو إلى خلافة أبي بكر (2).
و قال الواقدي: «أمر بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح أن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 و قرب الإسناد ص 61 و الإصابة ج 8 ص 398 و البحار ج 21 ص 111 و فيه: قرسا و أم سارة، و كانتا قينتين تزنيان و تغنيان بهجاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تحضضان يوم أحد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225، و السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و 81 و 93، و (ط دار المعرفة) ص 22 و راجع: البحار ج 21 ص 93 و 94 و 111 عن مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270، و المغازي للواقدي ج 2 ص 860، و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و 78 و أعيان الشيعة ج 1 ص 276 و فتح الباري ج 8 ص 10 و عمدة القاري ج 17 ص 274 و الدرر ص 220 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 453 و تفسير البغوي ج 4 ص 540 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 336 و عيون الأثر ج 2 ص 196.
تقتل، فقتلت يومئذ» (1).
أو قرينا.
ضد بعيدة. و يقال: هي أرنب السابقة.
و هما قينتان لابن خطل، كانتا تغنيان بهجاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستؤمن لإحداهما-فأسلمت-و قتلت الأخرى، قتلها علي «عليه السلام» (2).
و ذكر عن ابن إسحاق: أن فرتنى هي التي أسلمت، و أن قريبة قتلت (3).
قتلت فيما ذكره ابن إسحاق.
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 860 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 16.
2) البحار ج 21 ص 131، و الإرشاد ج 1 ص 136 و المستجاد من الإرشاد ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 32 و تاريخ الخميس ج 2 ص 94: أما قريبة فقتلت مصلوبة.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 و 226 و السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 860 و فتح الباري ج 8 ص 10 و الإصابة ج 8 ص 279 و البداية و النهاية ج 4 ص 340 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.
و يحتمل-كما قال الحافظ-: أن تكون أرنب، و أم سعد القينتين. و اختلف في اسمهما باعتبار الكنية و اللقب (1).
و هي التي شقت عن كبد حمزة بن عبد المطلب، عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لاكت قلبه (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 95 و فتح الباري ج 8 ص 10.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 225 و السيرة الحلبية ج 3 ص 94 و تاريخ الخميس ج 2 ص 94 و افحتجاج ج 1 ص 265 و سيرة ابن إسحاق ج 3 ص 312 و البحار ج 20 ص 55 و شجرة طوبى ج 2 ص 283 و نهج السعادة ج 3 ص 161 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 607 و فتح الباري ج 7 ص 272 و عمدة القاري ج 17 ص 143 و البداية و النهاية ج 4 ص 42 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 12 و 237 و تفسير القمي ج 1 ص 117 و عيون الأثر ج 1 ص 224 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 378 و التفسير الصافي ج 1 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 407 و النزاع و التخاصم ص 38 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 386 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 214 و تفسير الثعلبي ج 3 ص 146 و تفسير القرطبي ج 4 ص 187 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 166 و النصائح الكافية ص 112 و تقوية الإيمان ص 69 و الأنوار العلوية ص 185 و إحقاق الحق (الأصل) ص 266 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 204 و الدرجات الرفيعة ص 67 و قاموس الرجال ج 12 ص 349 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 12 و الثقات ج 1 ص 230 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 141 و شيخ المضيرة أبو هريرة ص 160 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 159 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 215.
عن هند بنت عتبة، و هي تذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتقول: أنا عاديته كل العداوة، و فعلت يوم أحد ما فعلت من المثلة بعمه و أصحابه، و كلما سيّرت قريش مسيرة فأنا معها بنفسي أو معينة لقريش، حتى إن كنت لأعين كل من غزا إلى محمد، حتى تجردت من ثيابي، فرأيت في النوم ثلاث ليال ولاء بعد فتح مكة:
رأيت كأني في ظلمة لا أبصر سهلا و لا جبلا، و أرى تلك الظلمة انفرجت علي بضوء كأنه الشمس، و إذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدعوني.
ثم رأيت في الليلة الثانية: كأني على طريق يدعوني، و إذا هبل عن يميني يدعوني، و إذا إساف عن شمالي يدعوني، و إذا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين يدي يقول: «هلمي إلى الطريق» .
ثم رأيت في الليلة الثالثة: كأني واقفة على شفير جهنم، يريدون أن يدفعوني فيها، و إذا بهبل يقول: أدخلوها. فالتفت، فأنظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ورائي آخذ بثيابي، فتباعدت من شفير النار، فلا أرى النار، ففزعت (1).
فقلت: ما هذا؟ و قد تبين لي، فغدوت من ساعتي إلى صنم في بيت كنا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 254 و 255 عن الواقدي، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 180 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 177.
نجعل عليه منديلا، فأخذت قدوما، فجعلت أفلذه و أقول: طالما كنا منك في غرور، و أسلمت (1).
و عن عبد اللّه بن الزبير: أن هندا أتت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بالأبطح، فأسلمت، و قالت: الحمد للّه الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتمسني رحمتك يا محمد، إني امرأة مؤمنة باللّه، مصدقة به.
ثم كشفت عن نقابها، فقالت: أنا هند بنت عتبة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «مرحبا بك» .
فقالت: يا رسول اللّه، و اللّه، ما كان على وجه الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من خبائك، و لقد أصبحت و ما على الارض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من خبائك (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255، و السيرة الحلبية ج 3 ص 303 و (ط دار المعرفة) ص 57 و تاريخ الخميس ج 2 ص 89 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 180 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 237 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 184 و الأعلام ج 8 ص 98 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 6.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و السيرة الحلبية ج 3 ص 96. و راجع ص 94، و المغازي للواقدي ج 2 ص 850 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 100 و عن البخاري ج 7 ص 175(3825) و (ط دار الفكر) ج 7 ص 220 و ج 8 ص 109 و صحيح مسلم ج 5 ص 130 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 66 و ج 10 ص 270 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 9 و فتح الباري ج 9 ص 444 و عمدة القاري ج 23 ص 173 و ج 24 ص 235 و مسند الشاميين ج 4 ص 191 و كتاب التوابين ص 123 و تغليق التعليق ج 4 ص 81 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 237 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 179 و 183 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 506 و البداية و النهاية ج 4 ص 365 و ج 7 ص 60 و ج 8 ص 137 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 163 و 389 و 390 و السيرة النبوة لابن كثير ج 3 ص 604.
و عن أبي حصين الهذلي قال: لما أسلمت هند بنت عتبة، أرسلت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهدية-و هو بالأبطح-مع مولاة لها بجديين مرضوفين و قد (1)، فانتهت الجارية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» - فدخلت عليه و هو «صلى اللّه عليه و آله» بين نسائه، أم سلمة و ميمونة، و نساء من بني عبد المطلب-فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك هذه الهدية، و هي تعتذر إليك، و تقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بارك اللّه لكم في غنمكم، و أكثر والدتها» .
و كانت المولاة تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا و والدتها ما لم نكن نرى قبل و لا قريبا، فتقول هند: هذا بدعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بركته.
ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم: أني في الشمس أبدا قائمة، و الظل مني قريب لا أقدر عليه، فلما دنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأيت كأني دخلت الظل (2).
و نحسب: أن من غير الضروري لفت نظر القارئ إلى هذه التلمقات الباردة، و الخيالات الركيكة التي أتحفتنا بها هند بنت عتبة، سعيا منها للسخرية بعقول الناس، و إقناعهم عن طريق بهرجة الكلام تارة، و الإستناد إلى أضغاث الأحلام، و ما تنسجه الأوهام، بزعم: أنه منام أخرى، لإقناعهم بأنها: قد أخلصت الولاء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنها صادقة فيما تنمقه من ثناء عليه، و ما تزوقه من تزلفات له.
و اللافت هنا: أن رواة هذه الأخبار عنها هم: الأمويون تارة. و الزبيريون أخرى. و من يحب هؤلاء و يواليهم، ثالثة.
فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا.
و حسب هند: أنها حين بايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» النساء كانت لا تزال تخشى من أن يعرفها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيطالبها، أو يؤاخذها بما فعلته بحمزة. .
و قد أطلقت في تلك البيعة تعريضات قارصة، و عبارات جارحة، تتضمن الاتهام له، بل و السخرية به «صلى اللّه عليه و آله» ، حسبما أشرنا إليه في ذلك المورد، و قد تغاضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك كله، رغم أنه كان قد اهدر دمها، ثم عفا عنها.
عن عائشة: أن هندا بنت عتبة يوم الفتح، قالت: يا رسول اللّه، إن أبا سفيان رجل مسّيك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟
فقال لها: «لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف» (1).
و في نص أخر: إن أبا سفيان رجل شحيح، و ليس يعطيني ما يكفيني و ولدي، إلا ما أخذت من ماله و هو لا يعلم.
قال: «خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 431 و ج 5 ص 258 عن البخاري، و مسلم. و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 9 ص 507 ح 364 و مسلم ج 3 ص 1338 و ج 7 ص 1714، و راجع: السيرة الحلبيه ج 3 ص 97 و (ط دار المعرفة) ص 47 و سبل السلام ج 3 ص 219 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 102 و ج 8 ص 109 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 67 و فتح الباري ج 9 ص 445 و عمدة القاري ج 13 ص 7 و ج 24 ص 235 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 561 و مسند الشاميين ج 4 ص 191 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 13 ص 136 و 390.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 97 و (ط دار المعرفة) ص 47 الخلاف الشيخ الطوسي ج 4 ص 160 و ج 6 ص 355 و المبسوط للشيخ الطوسي ج 6 ص 3 و جامع الخلاف و الوفاق ص 381 و رسائل الشهيد الثاني (ط ق) ص 300 و كفاية الأحكام للسبزواري ج 1 ص 437 كشف اللثام (ط ج) ج 7 ص 593 و كشف اللثام (ط ج) ج 10 ص 586 و (ط ق) ج 2 ص 114 و 422 و الحدائق الناضرة ج 18 ص 161 و رياض المسائل ج 13 ص 166 و 181 و جواهر الكلام ج 31 ص 302 و ج 41 ص 492 و بلغة الفقيه للسيد محمد بحر العلوم ج 3 ص 283 و العروة الوثقى للسيد اليزدي ج 6 ص 478 و كتاب الأم للشافعي ج 5 ص 93 و 94 و 108 و 114 و مختصر المزني ص 230 و المجموع للنووي ج 18 ص 294 و 300 و ج 20 ص 204 و المبسوط للسرخسي ج 17 ص 39 و حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 6 ص 730 و المغني لابن قدامه ج 9 ص 229 و 239 و ج 11 ص 400 و ص 485 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 9 ص 229 و 270 و ج 11 ص 424 و 456 و 463 و 464 و كشاف القناع للبهوتي ص 563 و ج 6 ص 449 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 92 و ج 11 ص 349 و جواهر العقود للأسيوطي ج 2 ص 170 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 131 و فقه السنة ج 2 ص 170 و 174 و 412 و القواعد الفقهية للبجنوردي ج 3 ص 95 و البحار الأنوار ج 72 ص 232 و كتاب المسند للشافعي ص 266 و 288 و مسند أحمد ج 6 ص 39 و 50 و 206 و سنن الدارمي ج 2 ص 159 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 6 ص 193 و ج 8 ص 116 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 769 و سنن النسائي ج 8 ص 247 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 466 و 477 و ج 10 ص 270 و فتح الباري ج 9 ص 445 و 446 و عمدة القاري العيني ج 21 ص 21 و ج 24 ص 255 و مسند الحميدي ج 1 ص 118 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 244 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 224 و السنن الكبرى النسائي ج 5 ص 378 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 98 و المنتقى من السنن المسندة ص 256 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 68 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 6 ص 101 و 116 و ج 7 ص 369 و 482 و رياض الصالحين للنووي ص 603 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 225 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 556 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 71 و تفسير القرطبي ج 3 ص 163 و التسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج 4 ص 116 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 237 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 471 و ج 70 ص 166 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 298 و أعيان الشيعة ج 1 ص 277 و جامع السعادات للنراقي ج 2 ص 239.
و نقول:
لا ندري إن كانت هند التي تضرب أبا سفيان برجلها، حين عاد من المدينة، و تطلب من قريش: أن تتخذ منه موقفا سلبيا، و تستخدم عبارات قاسية في حديثها عنه، و تحريضها عليه! !
نعم. . لا ندري إن كانت تهتم لمعرفة مشروعية أخذها من ماله، ما يسد خلتها هي و العيال. . أم أنها تعبث، و تتماجن، و تسخر! !
فإن من الواضح: أن الإجابة على السؤال الذي طرحته بديهية لدى أجهل الناس، و أشدهم سذاجة، إذ أي إنسان يجهل: أنه يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها البخيل لتطعم أولادها، مع العلم: بأن مسؤولية أطفالهم تقع على عاتق نفس ذلك الزوج البخيل! ! .
عن سهيل بن عمرو قال: لما دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة و ظهر، اقتحمت بيتي، و أغلقت بابي عليّ، و أرسلت إلى ابني عبد اللّه: أن اطلب لي جوارا من محمد، فإني لا آمن أن أقتل.
(ثم صار يتذكر أفعاله السيئة تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : في بدر و أحد و الحديبيّة) .
فذهب عبد اللّه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه! ! أبي تؤمنه؟
قال: «نعم، هو آمن بأمان اللّه فليظهر» .
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يحد إليه النظر، فلعمري إن سهيلا له عقل و شرف، و ما مثل سهيل جهل الإسلام، و لقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافع له» .
فخرج ابنه عبد اللّه إلى أبيه، فأخبره بما قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال سهيل: كان و اللّه برا صغيرا، برا كبيرا.
فكان سهيل يقبل و يدبر آمنا. و خرج إلى حنين مع رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» و هو على شركه حتى أسلم بالجعرّانة (1).
و نقول:
إن علينا أن نأخذ بنظر الإعتبار أمرين هما:
إنهم قد عظموا سهيل بن عمرو ما ليس فيه، و أطروه بما لا يستحقه، و لعل سبب هذا الكرم منهم عليه هو أنه حين ندم الأنصار على بيعتهم لأبي بكر، هتفوا باسم علي «عليه السلام» ، فقام سهل بن عمرو، فقال:
«يا معشر قريش، إن هؤلاء القوم قد سماهم اللّه الأنصار، و أثنى عليهم في القرآن، فلهم بذلك حظ عظيم، و شأن غالب، و قد دعوا إلى أنفسهم و إلى علي بن أبي طالب، و علي في بيته لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم و إلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم و إلا قاتلوهم، فو اللّه إنى لأرجو اللّه أن ينصركم عليهم، كما نصرتم بهم» .
و قد رد عليهم الأنصار على لسان ثابت بن قيس، حيث قال: «يا معشر الأنصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا، لاسيما من أقوام كلهم موتور، فلا يكبرن عليكم، إنما
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 249 و 250 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 65 و المغازي للواقدي ج 2 ص 847 و 848 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 281 و شرح البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 284 و كنز العمال ج 10 ص 503 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 404 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 233 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 18 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 387.
الرأي و القول مع الأخيار المهاجرين، فإن تكلمت رجال قريش، (و)الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم، و إلا فأمسكوا» (1).
و أما نهي النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: عن أن يحدّوا النظر لسهيل بن عمرو، فهو و إن كان هناك من يريد أن يعتبره مدحا لهذا الرجل. و لكن اعتباره قدحا لعله هو الأقرب و الأصوب. . إذا لوحظ فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الرجل و إن كان ذا عقل و شرف، و لكنه لا ينقاد لعقله، و لا يختار ما يحفظ له شرفه و مكانته، بل هو يختار ما يتوافق مع نزواته و أهوائه، و حميته الجاهلية، فإذا وجد الناس يحدون النظر إليه، فإنه قد ينكص على عقبيه، و يتخذ سبيل المكابرة، و التحدي و الحجود. .
ثانيهما: إن من يكون ذا عقل راحج، و ذا شرف، فإنه يستخدم عقله لحفظ شرفه، فإذا استخدم عقله لإذهاب هذا الشرف، فمعنى ذلك: أنه يفقد عنصرا ثالثا كان بحاجة إليه، ألا و هو عنصر الأخلاق الإنسانية الفاضلة، التي تبعده عن الإستكبار و عن الجحود، و عن العصبيات القبلية و الجاهلية. . و أن يكون حكيما، و منصفا، و متواضعا. فإن ذلك يسهل عليه قبول الحق، و رفض الباطل. . و يدعوه إلى أن لا يتأخر في الدخول إلى
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 23 و 24 و مواقف الشيعة ج 3 ص 162.
الإسلام. و لكن سهيلا بسبب فقده لهذا العنصر الهام قد كابر، و جحد، و تعامى عن الآيات و المعجزات طيلة هذه السنين، بل إنه حتى حين أظهر الإسلام، فإنما انصاع إلى ذلك بداعي الخوف، و ليس استجابة لما يحكم به عقله، و تقضي به فطرته. .
و لأجل ذلك كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتألفه على الإسلام كغيره من المؤلفة قلوبهم، ليقنعه: بأن الإسلام لا يريد له ضرا، و لا يبغي له شرا، بل هو يريد: أن يسوق إليه المنافع، و يحفظ له مصالحه في دائرة الحق، و الصدق، و الإستقامة، و العدل. .
و من الواضح: أن نبذ أحكام العقل، و الإنقياد لسلطان الهوى و الإصرار على الجحود بسبب فقد الخلق الإنساني لا يمكن أن يعد فضيلة للإنسان العادي، فكيف بمن كان ذا عقل و شرف؟ !
كما أن من يكابر و يعاند الحق، فإنما يعاند عقله، و يتناقض مع ذاته. .
و النتيجة التي ننتهي إليها هي: أن العقل و الشرف لا يفيدان، إذا لم يملك الإنسان خلقا إنسانيا رفيعا يدعوه للإلتزام بأحكام عقله، و بمقتضيات فطرته. .
و إبليس لم يكن ينقصه عقل، و لا معرفة، و لا مكانة، فهو يعبد اللّه بين الملائكة، و لكنه كان ينقصه الخلق الرفيع، فإن رذالة أخلاقه هي التي جعلته في حظيرته الإبليسية الشيطانية، لأنها عطلت عقله، و حجبته عن ممارسة دوره.
عن ابن عباس، عن أبيه قال: لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة في الفتح، قال لي: «أين ابنا أخيك عتبة و معتب ابني أبي لهب. لا أراهما» ؟
قلت: تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش.
قال: «ائتني بهما» .
فركبت إليهما بعرنة، فأتيت بهما، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلما و بايعا.
ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخذ بأيديهما، و انطلق بهما حتى أتى الملتزم، فدعا ساعة ثم انصرف، و السرور يرى في وجهه.
فقلت: يا رسول اللّه، سرك اللّه، إني أرى السرور في وجهك، فقال: «إني استوهبت ابني عمي هذين من ربي فوهبهما لي» (1).
و نقول:
أولا: قال العسقلاني عن إسناد هذا الحديث: إنه ضعيف.
ثانيا: إن عتبة بن أبي لهب قد افترسه الأسد قبل الهجرة، بسبب دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 250، عن ابن سعد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 97 و (ط دار المعرفة) ص 48 و الإصابة ج 2 ص 455 و 456 و ج 3 ص 443 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 365 و ج 6 ص 138 و كنز العمال ج 11 ص 737 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 60 و ج 22 ص 202 و ج 62 ص 81 و 259 و المنتخب من ذيل المذيل ص 32.
2) البحار ج 16 ص 309 و ج 17 ص 412 و ج 18 ص 57 و 58 و 241 و ج 62 ص 81 و الغدير ج 1 ص 261 و تخريج الأاديث و الآثار ج 1 ص 378 و ج 3 ص 377 و الكشاف للزمخشري ج 4 ص 22 و شرح شواهد الكشاف ص 453 و سفينة البحار ج 6 ص 136 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 71 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 3 ص 533 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 269 و الدر المنثور ج 6 ص 121 و الإصابة ج 6 ص 413 و الدرجات الرفيعة ص 192 و المعارف ص 125 و الإستغاثة ج 1 ص 65 و عيون الأثر ج 2 ص 373 و مستند الشيعة ج 15 ص 304 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 216 و مواهب الجليل ج 1 ص 258 و سبل السلام ج 2 ص 195 و نيل الأوطار ج 5 ص 98 و ذخائر العقبى ص 164 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 211 و فتح الباري ج 4 ص 34 و عمدة القاري ج 10 ص 81 و الذرية الطاهر النبوية ص 85 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 56 و 57 و ج 2 ص 521 و 526 و تصحيفات المحدثين ج 2 ص 708 و الإستذكار ج 4 ص 152 و كنز العمال ج 12 ص 439 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 285 و ج 3 ص 30 و الفتح السماوي ج 2 ص 548 و فيض القدير ج 3 ص 604 و 607 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 287 و نور الثقلين ج 5 ص 146 و تفسير السمعاني ج 6 ص 158 و تفسير النسفي ج 1 ص 270 و تفسير الرازي ج 11 ص 143 و ج 32 ص 167 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 444 و تفسير ابن السعود ج 3 ص 8 و 9 ص 210 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 63 و ج 15 ص 225 و ج 30 ص 262 و أضواء البيان ج 1 ص 436 و أسد الغابة ج 4 ص 363 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 481 و إعلام الورى ج 1 ص 276 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 468 و الخصائص الفاطمية ج 1 ص 457 و معجم ما استعجم ج 2 ص 696 و شرح المقاصد في علم الكلام ج 2 ص 188 و دلائل النبوة ج 2 ص 338 و 339 بثلاثة طرق، و راجع: إثبات الهداة ج 2 ص 122.
ثالثا: رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل يوم الفتح بين عتبة
و معتب ابني أبي لهب، يقول للناس: هذان أخواي، و ابنا عمي-فرحا بإسلامهما-استوهتبهما من اللّه، فوهبهما لي (1).
قال العسقلاني: و يجمع: بأنه دخل المسجد بينهما، بعد أن أحضرهما العباس (2).
غير أن ما قاله العسقلاني لا يحل مشكلة التناقض بين حديث دخوله «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، و حديث مجيئه «صلى اللّه عليه و آله» للملتزم، و بين الحديث المتقدم، لأن حديث المجيء للملتزم يدل على: أن استيهابهما من اللّه قد حصل بعد دخوله المسجد، و هما معه. .
و هذا الحديث الأخير يدل على: أن استيهابهما من اللّه قد حصل قبل دخوله المسجد. .
على أن ثمة أسئلة أخرى تبقى بحاجة إلى جواب، مثل السؤال عن السبب في هذا الإهتمام بهذين الرجلين دون سواهما، حيث لم يذهب «صلى اللّه عليه و آله» بأحد إلى الملتزم ليستوهبه من ربه؟ !
و سؤال آخر، و هو: ما معنى هذا الإستيهاب؟ !
فإن كان بمعنى: أن يخرجهما اللّه من الشرك إلى الإسلام، و غفران ذنوبهما التي ارتكباها في زمان شركهما، فيرد عليه:
أن المفروض هو: أنهما قد أسلما قبل هذا الإستيهاب. . حسب نص الرواية عن العباس.
و إن كان بمعنى: أن يغفر اللّه تعالى لهما ذنوبها التي يرتكبانها بعد إسلامهما أيضا، ثم يدخلهما اللّه تعالى الجنة. . و إن كانا من أهل النار، لو لا هذا الإستيهاب. . فيرد عليه:
أن هذا غير مقبول و لا معقول؛ إذ لما ذا لا يستوهب غيرهما من سائر أهل النار أيضا؟ !
كما أن ذلك يدخل في دائرة الإغراء بالمعاصي، أو على الأقل يدعو إلى عدم الإهتمام بتجنبها! !
و في جميع الأحوال، لا بد من وجود أمر، أو ميزة في هذين الرجلين، يستحقان هذا العطاء العظيم لأجلها. .
و لا بد أن تكون خصوصية غير عادية، و أن تكون ظاهرة فيهما بحيث يعرفها فيهما كل أحد، و أن يدرك الناس كلهم أنها توجب هذا التكريم و التعظيم. .
و بدون ذلك يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرّض الناس لخطر الكفر و الخروج من الدين، فيما لو ظنوا فيه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لا يقيم العدل، و لا يلتزم بمقتضيات الفطرة، و أحكام العقل.
و نحن لا نعرف، و كذلك لا نظن: أن أحدا من البشر يعرف في أبناء أبي لهب أية خصوصية تستحق الذكر، فضلا عن أن تكون من موجبات هذا العطاء الهائل، الذي لم يفز به غيرهما، رغم أنهما بقيا على عنادهما و على جحودهما و على حربهما له و لدينه كل تلك السنين. .
عن مجاهد عن السائب: أنه كان شارك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح أتاه، فقال:
«مرحبا بأخي و شريكي، كان لا يداري و لا يماري، يا سائب! ! قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تتقبل منك و هي اليوم تتقبل منك» و كان ذا سلف و خلة (1).
و عن السائب بن عبد اللّه، قال: جيء بي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة، فجعل عثمان و غيره يثنون عليّ، فقال رسول اللّه: «لا تعلموني به، كان صاحبي» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 249 و ج 9 ص 16 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و ج 1 ص 236 و ج 2 ص 451 و الإستيعاب ج 3 ص 1288 و راجع: الإصابة ج 2 ص 10 عن أبي داود، و النسائي، عن مجاهد، عن قائد السائب. و راجع: تلخيص الحبير ج 10 ص 404 و مسند أحمد ج 3 ص 425 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 61 و مجمع الزوائد ج 1 ص 94 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 542 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 86 و المعجم الأوسط ج 2 ص 145 و المعجم الكبير ج 7 ص 139 و تخريج الأحاديث الآثار ج 3 ص 29 و نصب الراية ج 4 ص 389 و الوافي بالوفيات ج 24 ص 211 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 16.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 77 و ج 5 ص 249 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و الإصابة ج 2 ص 10 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 19 و مسند أحمد ج 3 ص 425 و مجمع الزوائد ج 8 ص 190 و أسد الغابة ج 2 ص 254.
و نقول:
1-قد اختلفوا في اسم المقصود هنا، هل هو:
السائب بن عبد اللّه.
أو عبد اللّه بن السائب.
أو السائب بن عويمر.
أو قيس بن السائب بن عويمر، حسبما روي عنه؟ (1).
و قول أبو عمر: و هذا أصح ما قيل (2)، يحتاج إلى ما يعضد صحته، و هو غير موجود.
بل الموجود هو: روايات ضعيفة لا تقوم بها حجة، و لا يثبت بها شيء، فإن ما يرويه السائب لنفسه، يبقى موضع التهمة: بأنه يجر النار إلى قرصه، و ما يرويه مجاهد: هو رواية من لم يشهد تلك الأحوال، و لم يكن قد ولد و لا وجد إلا في عالم الخيال.
2-ما معنى قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرجل لم يسلم بعد: مرحبا بأخي؟ ! لمجرد أنه كان قد شاركه في شراء سلعة أو بيعها؟ !
1) الإصابة ج 3 ص 248 عن البغوي، و الحسن بن سفيان، و أبي بشير الدولابي، لكنه قال: أبو قيس. و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 220 و 221 و (ط دار الجيل) ص 1288 و 1289 و الأقوال المشار إليها في السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و (ط دار المعرفة) ص 55 و راجع: الإصابة ج 3 ص 248 و (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 148 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 221 و (ط دار الجيل) ص 1289.
3-إن أبا عمر قد روى الرواية عن قيس بن السائب هكذا: روي عنه أنه قال: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شريكي في الجاهلية، فكان خير شريك، لا يداري، و لا يماري. و يروى: لا يشاري و لا يماري» (1).
و هذا معناه: أن المدح متوجه من قيس بن السائب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي مدح شريكه.
4-عن عبيد اللّه بن السائب، قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة لأبايعه، فقلت: أ تعرفني؟
قال: «نعم، أ لم تكن شريكا لي مرة» ؟ (2).
فلو صحت هذه الرواية، فهي تدل على: أن الشراكة قد حدثت مرة في ذلك العمر الطويل، كما لو أنهما اشتريا جملا أو شاة بمال لهما معا، ثم باعاه، ثم اقتسما ثمنه. و هذا لا يعطي أي امتياز يستحق التنويه به، سوى أن الشريك قد ملك بعض المال، و استطاع أن يتوافق مع شخص آخر على معاملة لهما في السوق. .
5-لو صح أنه كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أخوة و صحبة و شراكة
1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 220 و 221 و الإصابة ج 3 ص 248 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 468 و لسان العرب ج 14 ص 429 و ج 15 ص 278 و تاج العروس ج 1 ص 152 و ج 19 ص 571 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 222 و أسد الغابة ج 2 ص 253 و التاريخ الكبير ج 5 ص 9 و تفسير الرازي ج 24 ص 242.
2) الإصابة ج 2 ص 314 عن البغوي و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 90.
مع أحد لظهر ذلك للناس، و لكان قد شاع و ذاع، فلما ذا لا نجد أية إشارة لهذة الأخوة، و الشراكة في أي مناسبة أخرى، سوى هذه المناسبة؟
و لما ذا عرف عثمان و سواه هذا الرجل، و حسبوا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه، حتى احتاجوا إلى مدحه و الثناء عليه عنده، فإن الصحبة و الشراكة من شأنها أن تظهرا؟ !
لأنه إنما يشاركه في المعاملات الظاهرة مع الناس، و في سوقهم، و كما أن صحبته إنما تعني: أن يكونا معا في كثير من الأوقات، فلما ذا ظن الناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه؟ !
ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكيا مثلهم، يعرف ما و من يعرفون، و ينكر ما و من ينكرون؟ !
و إذا صاحب أحدا و آخاه و شاركه، فإن الناس سوف يرون ذلك، و يطلعون عليه؟ ! .
قالوا: خرج غزي من هذيل في الجاهلية، و فيهم جنيدب بن الأدلع الهذلي، يريدون حي «أحمر باسا» من أسلم. و كان «أحمر باسا» رجلا من أسلم شجاعا لا يرام، و كان لا ينام في حيّه، بل ينام خارجا من حاضره.
و كان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه، و كان الحاضر إذا أتاهم فزع، صرخوا: يا «أحمر باسا» .
فيثور مثل الأسد، فلما جاءهم ذلك الغزي من هذيل، قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر باسا قد قيّل في الحاضر فليس إليهم سبيل، و إن له
غطيطا لا يخفى، فدعوني أتسمع، فتسمع الحس فسمعه، فأتاه حتى وجده نائما، فقتله، وضع السيف على صدره، ثم اتكأ عليه فقتله.
ثم حملوا على الحيّ، فصاح الحيّ: يا أحمر باسا، فلا شيء لأحمر باسا، قد قتل.
فنالوا من الحي حاجتهم، ثم انصرفوا، و تشاغل الناس بالإسلام.
فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع الهذلي مكة يرتاد و ينظر، و الناس آمنون، فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي، فقال: جنيدب بن الأدلع: قاتل «أحمر باسا» ؟
قال: نعم. . فمه؟
فخرج جندب يستجيش عليه حيّه، فكان أول من لقي خراش بن أمية الكعبي فأخبره.
فاشتمل خراش على السيف، ثم أقبل إليه و الناس حوله، و هو يحدثهم عن قتل «أحمر باسا» ، فبينما هم مجتمعون عليه، إذ أقبل خراش بن أمية، فقال: هكذا عن الرجل.
فو اللّه ما ظن الناس إلا أنه يفرج الناس عنه لينصرفوا، فانفرجوا، فحمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه به في بطنه، و ابن الأدلع مستند إلى جدار من جدر مكة، فجعلت حشوته تسيل من بطنه، و إن عينيه لتزنّقان في رأسه، و هو يقول: فعلتموها يا معشر خزاعة؟
فانجعف، فوقع فمات (و هو مشرك) .
فسمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فقال: «يا معشر خزاعة» ، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل، لقد قتلتم قتيلا لأدينّه، إن خراشا
لقتّال-يعيبه بذلك-لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت خراشا (1).
و عند الواقدي: ثم أمر «صلى اللّه عليه و آله» خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته.
قال عمران بن الحصين: فكأني أنظر إلى غنم عفر جاءت بها بنو مدلج في العقل (2).
و عن ابن المسيب: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بني كعب فأعطوا القتيل ماءة من الأبل (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و 256 و 257 عن الواقدي، و ابن أبي شيبة، و في هامشه عن: معاني الآثار ج 3 ص 327، و عن فتح الباري ج 12 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 350 و المغازي للواقدي ج 2 ص 843 و 844 و 845 و تاريخ الخميس ج 3 ص 89 و 90 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و (ط دار المعرفة) ص 57 و نصب الراية ج 6 ص 322 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 263 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 396 و مسند أحمد ج 4 ص 32 و المعجم الكبير ج 22 ص 186 و كنز العمال ج 10 ص 500 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 38 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 872 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 579.
2) المغازي للواقدي ج 2 ص 845.
3) المغازي للواقدي ج 2 ص 846 و مسند أحمد ج 4 ص 32 و فتح الباري ج 4 ص 36 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 327 و المعجم الكبير ج 22 ص 186 و الثقات ج 2 ص 58 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 38 و البداية و النهاية ج 4 ص 350 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 579 و عيون الأثر ج 2 ص 200 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 872.
و عن ابن شريح، خويلد بن عمرو العدوي، عن ابن عباس، و ابن منيع، و ابن أبي عمرو. و عن ابن عمر، و عن أبي هريرة، و عن الزهري، و غيرهم، قالوا: لما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه-و هو مشرك-فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا بعد الظهر، و أسند ظهره إلى الكعبة (1).
و عن أبي هريرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ركب راحلته، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال:
«أيها الناس إن اللّه تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، و يوم خلق الشمس و القمر، و وضع هذين الجبلين، و لم يحرمها الناس، فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر: أن يسفك فيها دما، و لا يعضد فيها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي، و لم تحل لأحد يكون بعدي، و لم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا على أهلها. ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قاتل فيها، فقولوا له: إن اللّه تعالى قد أحلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يحلها لكم.
أيها الناس، إن أعدى الناس على اللّه من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية، «لا يحل أن يحمل السلاح بمكة» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 256، عن البخاري، و مسلم، و أحمد، و البيهقي، و ابن أبي شيبة، و ابن إسحاق، و الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 102 و 103 و (ط دار المعرفة) ص 56.
يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد و اللّه كثر إن نفع، فقد قتلتم قتيلا لأدينّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فديته كاملة، و إن شاؤوا فقتله.
ثم ودى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة. قال ابن هشام: مائة ناقة.
قال ابن هشام: و بلغني أنه أول قتيل وداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قالوا: إن الرجل الذي قتلته خزاعة هو الأقرع الهذيلي من بني بكر (1).
و نقول: إننا نسجل هنا ما يلي:
و قد زعموا-كما تقدم-: أن «الساعة التي أحل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» القتل فيها بمكة، هي: «من صبيحة يوم الفتح إلى العصر» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و 256 و 257، عن ابن أبي شيبة، و المغازي للواقدي ج 2 ص 844 و السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 عن الإكتفاء، و المواهب اللدنية، و راجع: فتح الباري ج 12 ص 181 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 338 و البداية و النهاية ج 4 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 871 و 872 و الإصابة ج 1 ص 611.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 268، عن أحمد، و البيهقي، و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص و السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و (ط دار المعرفة) ص 56 و سبل السلام ج 4 ص 54 و نيل الأوطار ج 8 ص 175 و فتح الباري ج 8 ص 13 و عمدة القاري ج 17 ص 282.
و قد أشرنا إلى بعض الكلام حول هذا الأمر فلا داعي للإعادة.
و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ودى قتيل خزاعة-و لم يكن مسلما- بماءة ناقة.
و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم: أن من قتل قتيلا فعليه مئة كاملة، و إن شاؤوا فقتله.
و ظاهر الكلام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتحدث حتى عما لو كان المقتول غير مسلم.
مع أن الصحيح الثابت هو: أن المسلم لا يقتل بغير المسلم. . بل يعطى: نصف الدية، و لا يعطى الدية كاملة.
و لعل الأقرب إلى الصحة و الإعتبار هو ما ذكروه: من أن خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، و كان له عهد، فخطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به» (1).
و قال: «لا يقتل مؤمن بكافر» (2).
1) المجموع للنووي ج 18 ص 356 و نيل الأوطار ج 7 ص 153 و الغدير ج 8 ص 172 و فتح الباري ج 12 ص 232 و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 110.
2) الخلاف الشيخ الطوسي ج 5 ص 147 و تحرير الأحكام ج 5 ص 456 و الينابيع الفقهية ج 40 ق 1 ص 123 و ق 2 ص 6 و كتاب الأم للشافعي ج 6 ص 26 و 40 و 40 و 113 و ج 7 ص 187 و 275 و 338 و 339 و 340 و مختصر المزني ص 237 و المجموع للنووي ج 18 ص 356 و 357 و المبسوط للسرخسي ج 26 ص 131 و 134 و بدائع الصنائع ج 7 ص 237 و الجوهر النقي ج 8 ص 34 و 100 و تكملة حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 99 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 9 ص 361 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 349 و 353 و 354 و 355 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 39 و 338 و 339 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 2 ص 325 و 326 و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 150 و 151 و 152 و 153 و فقه السنة ج 2 ص 528 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 248 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 263 و عوالي اللآلي ج 1 ص 235 و ج 3 ص 588 و البحار ج 93 ص 81 و ج 97 ص 32 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 207 و الغدير ج 8 ص 168 و 170 و 172 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 122 و 123 و 125 و 127 و اختلاف الحديث للشافعي ص 565 و 566 و مسند أحمد ج 1 ص 119 و 122 و ج 2 ص 180 و 194 و 211 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 888 و سنن أبي داود ج 1 ص 625 و ج 2 ص 368 و 375 و سنن الترمذي الترمذي ج 2 ص 433 و سنن النسائي ج 8 ص 20 و 24 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 141 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 29 و 30 و 31 و 100 و 194 و مجمع الزوائد ج 6 ص 292 و فتح الباري ج 4 ص 73 و ج 12 ص 180 و 231 و 232 و عمدة القاري ج 2 ص 161 و 162 و عمدة القاري ج 10 ص 233 و ج 24 ص 66 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 557 و عون المعبود ج 7 ص 303 و ج 12 ص 145 و 168 و 169 و المصنف ابن أبي شيبة الكوفي ج 6 ص 364 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 217 و 218 و 220 و السنن الكبرى النسائي ج 5 ص 208 و 209 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 424 و 462 و المنتقى من السنن المسندة ص 269 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 26 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 192 و 193 و 194 و المعجم الكبير ج 20 ص 206 و سنن الدارقطني ج 3 ص 100 و معرفة علوم الحديث ص 139 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 6 ص 149 و 155 و 232 و 236 و 266 و 267 و 268 و 269 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 36 و ج 8 ص 121 و 122 و 123 و 124 و 177 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 234 و الكافي لابن عبد البر ص 587 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 227 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 108 و ج 2 ص 337 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 246 و ج 6 ص 329 و 330 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 2 ص 262 و كنز العمال ج 1 ص 92 و 93 و ج 4 ص 435 و ج 11 ص 327 و 336 و ج 14 ص 130 و ج 15 ص 6 و 96 و ج 16 ص 709 و أحكام القرآن لمحمد بن إدريس الشافعي ج 1 ص 275 و 284 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 173 و 174 و 175 و مفردات غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص 350 و تفسير الرازي ج 19 ص 146 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 178 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 148 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 208 و عدة الأصول (ط ج) ج 2 ص 445 و (ط ق) ج 3 ص 11 و معارج الأصول ص 100 و المستصفى للغزالي ص 256 و 325 و المحصول للرازي ج 3 ص 136 و 138 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 98 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 332 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 191 و تهذيب الكمال للمزي ج 26 ص 28 و تاريخ الإسلام الذهبي ج 2 ص 557 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 484 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 310 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 104 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 325 و لسان العرب ج 3 ص 312 و مجمع البحرين الشيخ ج 3 ص 267 و تاج العروس ج 5 ص 145 و نهج الحق و كشف الصدق ص 542 و 543 و تدوين السنة الشريفة للجلالي ص 54.
و لم يقل: إن أهل القتيل إن رضوا بالدية فبها، و إن لم يرضوا بها فلهم
أن يقتلوه. كما تزعم بعض الروايات.
و نوضح ذلك فيما يلي: 1-إن النصوص الكثيرة صرحت: بأنه لا يقتل مسلم (أو مؤمن) بكافر (1). و يشهد لهذا: نفس خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» التي نحن
1) راجع: سنن ابن ماجة ج 2 ص 887 و 888 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 7 و 18 و مسند أحمد ج 1 ص 79 و 119 و 122 و ج 2 ص 211، و كتاب الأم ج 6 ص 33 و 92 و ج 7 ص 255 و سنن النسائي ج 8 ص 23 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 28 و 29 و 30 و 194 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 2534 ح 6517 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 65 و 165 و 169 و الإعتبار للحازمي ص 190 و 189 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 210 و سنن أبي داود ج 4 ص 180 و 181 و نيل الأوطار ج 7 ص 10 و 150 و 152 و 153 و الديات لأبي عاصم ص 27 و 51 و مغني المحتاج ج 4 ص 16 و حواشي الشيرواني ج 8 ص 400 و إعانة الطالبيين ج 4 ص 134 و المغني ج 9 ص 341 و 342 و ج 10 ص 307 و الشرح الكبير ج 9 ص 360 و 361 و ج 10 ص 306 و كشف القناع ج 5 ص 616 و المحلى ج 10 ص 353 و نيل الأوطار ج 7 ص 150 و 152 و 153 و 154 و عوالي اللآلي ج 2 ص 158 و الغدير ج 8 ص 168 و 171 و 172 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 114 و 122 و 125 و كتاب المسند ص 344 و مسند أحمد ج 2 ص 178 و 180 و 192 و سنن الدارمي ج 2 ص 190 و صحيح البخاري ج 1 ص 36 و ج 4 ص 30 و ج 8 ص 45 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 887 و سنن الترمذي ج 2 ص 432 و سنن النسائي ج 8 ص 24 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 28 و 29 و 30 و 33 و 34 و مجمع الزوائد ج 6 ص 293 و فتح الباري ج 4 ص 73 و ج 12 ص 232 و عمدة القاري ج 2 ص 161 و 162 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 557 و المصنف للصنعاني ج 9 ص 404 و ج 10 ص 99 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 363 ج 6 ص 363 و 364 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 220 و مسند ابي يعلى ج 1 ص 351 و ج 8 ص 197 و المنتقى من السنن المسندة ص 201 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 192 و 196 و الأحاديث الطوال ص 150 و المعجم الأوسط ج 3 ص 81 و سنن الدارقطني ج 3 ص 99 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 151 و ج 7 ص 38 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 158 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 281 و نصب الراية ج 4 ص 246 و ج 6 ص 329 و الجامع الصغير ج 2 ص 758 و كنز العمال ج 1 ص 98 و 99 و 375 و ج 5 ص 847 و ج 15 ص 6 و فيض القدير ج 6 ص 58 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 173 و تفسير الثعلبى ج 2 ص 54 و أحكام القرآن لابن عربي ج 2 ص 129 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 247 و ج 6 ص 191 و ج 7 ص 134 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 215 و ج 2 ص 59 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 191 و الأحكام لابن حزم ج 5 ص 641 و الأحكام للآمدي ج 2 ص 258 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 486 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 41 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 148 و تاريخ الإسلام ج 9 ص 390 و البداية و النهاية ج 7 ص 297 و 298 و إمتاع ألأسماع ج 1 ص 393 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 243 و ج 9 ص 212 و السيرة الحلبية ج 3 ص 49 و غريب الحديث ج 2 ص 102 و 106 و 107 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 325 و لسان العرب ج 3 ص 312.
بصدد الحديث عنها، فراجعها فيما تقدم.
2-قد صرحت النصوص الكثيرة أيضا: بأن دية الكافر هي نصف دية المسلم (1).
1) الديات لأبي عاصم ص 51 و سنن النسائي ج 8 ص 45 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 18 و أمالي الطوسي ص 263 و البحار ج 93 ص 81 و ج 97 ص 32 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 29 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 361 و المنتقى من السنن المسندة ص 264 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 26 و الإستذكار ج 8 ص 117 و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 52 و الدراية في تخريج أحاديث الرواية ج 2 ص 274 و نيل الأوطار ج 7 ص 221 و 222 و مسند أحمد ج 2 ص 180 و سنن الترمذي ج 2 ص 433 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 558 و سنن الدارقطني ج 3 ص 102 و التمهيد ج 17 ص 360 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ج 2 ص 246 و نصب الراية ج 6 ص 385 و الجامع الصغير ج 1 ص 652 و كنز العمال ج 16 ص 709 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 300 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 557 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 548.
1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 386 و المغني ج 9 ص 528 و الشرح الكبير ج 9 ص 522 و سبل السلام ج 3 ص 251 و نيل الأوطار ج 7 ص 224 و الغدير ج 8 ص 172 و سنن أبي داود ج 2 ص 386 و مجمع الزوائد ج 6 ص 299 و عون المعبود ج 12 ص 210 و المعجم الأوسط ج 7 ص 309 و التمهيد ج 17 ص 360 و نصب الراية ج 6 ص 386 و الدراية في تخريج أحاديث الرواية ج 2 ص 274 و الجامع الصغير ج 1 ص 652 و كنز العمال ج 15 ص 54 و شرح مسند أبي حنيفة ص 2080 و أضواء البيان ج 3 ص 115.
2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 883 و سنن النسائي ج 8 ص 45 و سنن أبي داود ج 4 ص 184 و 194 و راجع: كتاب الأم ج 7 ص 291 و فقه السنة ج 2 ص 564 و سن الدارقطني ج 3 ص 120.
و لا يعقل أن تكون دية المشرك أكثر من دية الكتابي، فضلا عن أن تصل الى مستوى دية المسلم المؤمن! !
3-على أن نفس تناقض النصوص يشير إلى عدم إمكان الإعتماد على ما زعموه في أمر قاتل «أحمر بأسا» ، فهل أعطي الدية مائة من الإبل؟ ! أم أعطاهم غنما؟ ! و هل خطب و هو مسند ظهره إلى الكعبة؟ ! أم خطب و هو على ظهر راحلته؟ !
4-قوله «صلى اللّه عليه و آله» في الخطبة عن مكة: «و لم تحل لي إلا هذه الساعة» يتناقض مع النصوص الأخرى. .
لأن المفروض: أنها إنما أحلت له ساعة من نهار في أول يوم من أيام الفتح.
و الخطبة المتقدمة تصرح: بأن قتل الهذلي كان في اليوم التالي.
ثم إن الحكم في قتيل المشركين هو: تخيير أهله بين أن يقتلوا القاتل، و بين أن يأخذوا الدية. فلما ذا فرض عليهم الدية، ثم حكم بهذا التخيير على من يأتي بعد ذلك؟ !
و لكن أبا حنيفة خالف في ذلك، فقال: إن دية غير المسلم كدية المسلم (1).
1) راجع: الغدير ج 8 ص 172 عن شرح سنن ابن ماجة في ذيل الحديث المشار إليه، و راجع: الخلاف للطوسي ج 5 ص 265 و جامع الخلاف و الوفاق ص 563 و الينابيع الفقهية ج 40 ق 2 ص 72 و مغني المحتاج ج 4 ص 57 و حواشي الشرواني ج 8 ص 456 و نيل الأوطار ج 7 ص 222 و فقه السنة ج 2 ص 566 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 245 و نصب الراية ج 6 ص 390 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 276 و كنز العمال ج 15 ص 140 و شرح مسند أبي حنيفة ص 209 و تفسير الرازي ج 10 ص 236.
و قد يحق للبعض: أن يحتمل، أو يظن: بأن سبب هذا الخلاف هو السعي إلى تنزيه رأي بعض الخلفاء عن الزلل و الخطل، أو لأجل اعتبار كلامهم تشريعا و سنة، يمكن الأخذ بها حتى حينما تخالف شرع اللّه و سنة رسوله. . و خصوصا إذا كان ذلك الخليفة هو عمر بن الخطاب، فقد قالوا:
إن عمر بن الخطاب قدم الشام، فوجد رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فهمّ أن يقيده، فقال له زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك؟
فجعله عمر دية (1).
و في نص آخر: أن أبا عبيدة اعترض على عمر في قصة مشابهة، فعدل إلى الدية (2).
و لعلهما قصة واحدة، و يكون أبو عبيدة و زيد قد اعترضا معا على عمر. إلا إذا ثبت: أن أحدهما لم يكن مع عمر في سفره إلى الشام.
و في حادثة أخرى: ضرب عبادة بن الصامت ذميا (نبطيا) ، فشجه، لأنه أبى أن يمسك له دابته، فأراد عمر أن يقتص له منه، فقال زيد بن ثابت:
1) راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 100 و الغدير ج 6 ص 133 عن كنز العمال ج 15 ص 94 و 97 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 419 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 154 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 297 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31.
2) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و كنز العمال ج 15 ص 94 و 97 و الغدير ج 6 ص 133.
أتقيد عبدك من أخيك، فترك القود، و قضى عليه بالدية (1).
و في عهد عثمان: تتكرر الحوادث بنفس الطريقة، و تكون لها نفس النتائج، فراجع المصادر (2).
و لعل هذا هو الذي دعا أبا حنيفة للحكم بلزوم كامل الدية في غير المسلمين. .
و قد تقدم: أن ابن هشام زعم: أن هذا القتيل الذي قتلته خزاعة، هو أول قتيل وداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ! !
لكن هذا غير مسلم، فقد تقدم أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد ودى قتيلا هو في خيبر (3)فراجع.
روي في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن
1) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 32 و كنز العمال ج 15 ص 94 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 6 ص 154 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 297 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 31 و الغدير ج 6 ص 133 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 440.
2) راجع: كتاب الأم ج 7 ص 338 و 339 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 33 و 76 و الجوهر النقي ج 8 ص 33 و الغدير ج 8 ص 167 و كتاب المسند ص 344 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 150.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 103 و راجع: عون المعبود ج 12 ص 188 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 317 و حاشية السندي على النسائي ج 8 ص 44.
أبي جعفر «عليه السلام» . و نقله المجلسي عن كتاب المؤمن، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر «عليه السلام» ، قال:
«لما كان يوم فتح مكة، قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب، إن اللّه تبارك و تعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، و التفاخر بآبائها و عشائرها.
أيها الناس إنكم من آدم، و آدم من طين.
ألا و إن خيركم عند اللّه و أكرمكم عليه أتقاكم و أطوعكم له.
ألا و إن العربية ليست بأب والد، و لكنها لسان ناطق، فمن طعن بينكم، و علم أنه يبلغه رضوان اللّه حسبه.
ألا و إن كل دم مظلمة، أو إحنة، كانت في الجاهلية، فهي مطل تحت قدمي إلى يوم القيامة» (1).
و روى عدة من أصحابنا، عن أحمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن
1) البحار ج 21 ص 137 و 138 و ج 64 ص 175 و ج 70 ص 293 عن الكافي ج 8 ص 246 و عن ج 1 ص 403 و 404 عن كتاب المؤمن، و دعائم الإسلام ج 2 ص 199 و معاني الأخبار ص 207 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 339 و مستدرك الوسائل ج 12 ص 89 و ج 14 ص 184 و كتاب الزهد ص 56 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 75 و ج 20 ص 76 و درر الأخبار ص 498 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 60 و لسان العرب ج 15 ص 324 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 286.
أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطب الناس في مسجد الخيف، فقال:
نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها، و حفظها، و بلغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه، و النصحية لأئمة المسلمين، و اللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، و يسعى بذمّتهم أدناهم (1).
و نقول:
قد صرحت الرواية المتقدمة عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام» : بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب الناس بمكة يوم الفتح. .
أما الرواية الثانية عن الإمام الصادق «عليه السلام» فليس فيها ما يدل على: أن ذلك كان في يوم الفتح، فلعل ذلك كان في حجة الوادع.
1) راجع: شرح أصول الكافي ج 7 ص 14 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 525 و ج 29 ص 75 و 76 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 366 و ج 19 ص 55 و 56 و البحار ج 27 ص 68 و 69 و ج 37 ص 114 و ج 67 ص 242 و ج 74 ص 130 و 146 و ج 97 ص 46 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 230 و مكيال المكارم ج 2 ص 235 و أمالي الصدوق ص 432 و تحف العقول ص 43 و الغارات ج 2 ص 828 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 83 و ج 9 ص 126 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 128 و تفسير القمي ج 1 ص 173.
كما أن من القريب جدا: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» ، قد خطب الناس في فتح مكة مرات عديدة، حيث إن إقامته فيها قد امتدت أياما كثيرة، كما تقدم في أوائل الحديث عن فتح مكة. .
فلعل ما روي عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام» يراد به إحدى تلك الخطب.
و من جهة أخرى، فإن التأمل في هذه الخطبة يعطي: أن ثمة أمورا كثيرة كان «صلى اللّه عليه و آله» يتصدى لمعالجتها.
و قد ركزت هذه الخطبة على العصبية العربية، و نخوة الجاهلية، و التفاخر بالآباء، و العشائر.
و بعد أن قدم الدليل العقلي على عدم صحة ذلك، باعتبار: أن الجميع من آدم، و آدم من طين. و لا معنى للتفريق، و لا موجب لتمييز هذا على ذاك، و لا العكس.
و حيث إن التناسل، و الولادة من هذا الأب أو من ذاك، في المكان و الزمان المحدد ليست من الأمور الاختيارية للإنسان، فقد أعطى ضابطة تخضع للإختيار، و يقدر عليها البشر كلهم، و هي: التقوى و العمل الصالح، و الطاعة للّه سبحانه تعالى، لا للطواغيت، و لا للأهواء.
و أما اللغة فإنها هي الأخرى لا تعطي امتيازا، لأنها مجرد وسيلة تعبير، و لسان ناطق، فلا معنى للتعصب لها. حتى لو قلنا: بأن الأبوة و الوالدية تبرر التعصب.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعلن بطلان كل مظلمة، أو إحنة كانت في الجاهلية. و أعلن أنها تحت قدميه إلى يوم القيامة.
و بذلك يكون قد أعطى الضابطة، و رسم المنطلق الصحيح لعلاقات الناس ببعضهم البعض. و أعلن موقفه من منطق الجاهلية، و غسل بذلك أدرانها، و خلص الناس من تبعاتها. .
قالوا: أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم «عليه السلام» ، كان جبريل «عليه السلام» يدله على مواضعها. فلم تحرك حتى كان إسماعيل «عليه السلام» فجددها، ثم لم تحرك حتى كان قصي بن كلاب فجددها، ثم لم تحرك حتى كان يوم الفتح، فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تميم بن أسد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم (1).
و نقول:
إن هذا التسلسل الذي ذكروه فيمن تصدى لتجديد أنصاب الحرم يشير إلى أن هناك أناسا اختارهم اللّه تعالى لهذا الأمر. .
و لعلنا نستطيع أن نفهم من اختيار هؤلاء الأشخاص لذلك أمرين:
أحدهما: أن قصي بن كلاب، و هو أحد آباء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن إنسانا عاديا، بل لعله كان من الأنبياء، بل من ذوي المراتب
1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 203 و ج 5 ص 249 عن الواقدي، و الأزرقي، و المغازي للواقدي ج 2 ص 842 و فقه السنة ج 1 ص 689 و كنز العمال ج 14 ص 113 و الدر المنثور ج 1 ص 122 و 123 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 137 و ج 4 ص 295 و أسد الغابة ج 1 ص 214 و الإصابة ج 1 ص 487 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 395 و عيون الأثر ج 2 ص 202.
العليا فيهم. و قد تقدم في بعض المواضع من هذا الكتاب: أن الحديث الذي يقول: ما زال اللّه ينقلني من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجني من صلب أبي عبد اللّه (1)يدل على أن قصيا كان من الأنبياء أيضا.
الثاني: إن الذين تصدوا لوضع أنصاب الحرم، و لتجديدها هم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و آباؤه الطاهرون. و ليس فيهم أي نبي من غير آبائه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و في هذا إشارة ظاهرة إلى موقع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من هذا البيت، و هذا البلد، و اختصاص إبراهيم، و إسماعيل، و ذريته به. كما أن اقتران اسم قصي باسم هؤلاء الأنبياء العظام يدل على مقامه، و علو درجته أيضا.
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي قال: أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح، فاستسلف من عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة أربعين ألف درهم، فأعطاه، فلما فتح اللّه تعالى هوازن، و غنّمه أموالها ردها، و قال: «إنما جزاء السلف الحمد و الأداء» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 235، و راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 86 و تفسير السمعاني ج 4 ص 71 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 365 و إختيار معرفة الرجال ج 2 ص 448 و معجم رجال الحديث ج 18 ص 132 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 190 و البحار ج 15 ص 3 و ج 37 ص 175 و تفسير فرات ص 505.
و قال له: «بارك اللّه لك في مالك و ولدك» (1).
و عن أبي حصين الهذلي، قال: استقرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ثلاثة نفر من قريش، من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه. و من عبد اللّه بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم. و من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين و مائة ألف درهم، فقسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أصحابه من أهل الضعف.
قال أبو حصين: فأخبرني رجال من بني كنانة كانوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الفتح: أنه قسم فيهم دراهم، فيصيب الرجل خمسين درهما، أو أقل، أو أكثر من ذلك (2).
زاد الواقدي قوله: و من ذلك المال بعث إلى بني جذيمة (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 257 عن الواقدي و نقله في هامشه عن: المغازي الواقدي ج 2 ص 863 و النسائي في البيوع باب 97، و البيهقي في السنن ج 5 ص 355 و أبي نعيم في الحلية ج 7 ص 111 و البخاري في التاريخ ج 5 ص 10 و ابن السني ص 272، و مسند أحمد ج 4 ص 36 و ابن ماجة (2424) و راجع: السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 57 و ج 6 ص 101 و الأذكار النووية ص 310 و سنن النسائي ج 7 ص 314 و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 58 و الإصابة ج 4 ص 70 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و المغازي للواقدي ج 2 ص 863 و 864 و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و المغازي للواقدي ج 2 ص 864 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعد الفقراء من أصحابه بالمال، و لا يمنّيهم به، كما أنه لا ينتظر إلى حين حصول المال عنده ليفرقه عليهم، بل هو حين يرى حاجة أصحابه، يبادر إلى الاستدانة، لسد عوز اهل الحاجة منهم.
و حين أوقع خالد بن الوليد ببني جذيمة بغير حق، بادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إصلاح الخلل، و رتق الفتق من هذا المال الذي اقترضه. و أصبح هو المسؤول عن أدائه كشخص.
فهو «صلى اللّه عليه و آله» حين أخذ المال للفقراء من أصحابه، ثم للمظلومين بسبب عدوان خالد لم يجعل أداء المال المقترض بعهدة بيت المال. و لم يشرك معه أحدا في تحمل مسؤولية الأداء، و لا طالب خالدا و من معه بشيء مما أخذوه، أو أتلفوه، أو تسببوا بنشوء حق فيه، بل تحمل هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» كامل المسؤولية عن الأداء.
على أن ثمة أمرا آخر تحسن الإشارة إليه، و هو أن اقتراض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم أداؤه لما اقترضه، يعطي دروسا للناس في ذلك المحيط الجديد، مفادها:
1-أنه رغم كل هذا الاتساع في النفوذ، و كل هذه النجاحات التي حققها «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يهدف إلى الإحتفاظ بالمال ليكون ذا قوة إقتصادية هائلة.
2-إنه برغم انتصاره العظيم الذي لم تمض بضعة أيام على حصوله لا يأخذ شيئا من أموال هؤلاء الذين حاربوه طيلة كل تلك السنين، و قد هيمن الآن على بلادهم بقوة السلاح، رغم أن له الحق في أخذ تلك الأموال، كما كان له الحق في استرقاق محاربيه منهم، و لكنه لم يفعل ذلك، بل أطلقهم، و لم
يتعرض لأموالهم. رغم حاجة و فقر أصحابه الذين تحملوا المشقات، و عانوا الكثير معه، لكسر شوكة هؤلاء الطغاة و الظالمين و الجبارين.
3-إنه لم يستعمل نفوذه، و لا استفاد من هيبة النصر، و من إطلاق سراح أرقائه لاستدراج هؤلاء الذين ينعمون بعفوه، و يسرحون و يمرحون مستفيدين من حلمه و كرمه-استدراجهم-إلى تقديم هدايا الشكر، و التعبير عن الإمتنان مما لا قوه لديه من عفو و كرم و سماح!
4-و حين أدى إليهم ما اقترضه كان الشعار الذي رفعه هو أن «جزاء السلف الحمد، و الأداء» ، ليكون بذلك قد أعطاهم الأمثولة في أداء الأقوياء، و أنه لا بد أن يكون أداء مع عرفان الجميل، و مع حمد و ثناء.
5-إن هذا الأداء مع الحمد لا بد أن يقنعهم بأنه لا مطمع له بأموالهم، و أنه لا يريد قهرهم و التعامل معهم بجبارية و استكبار. .
6-و آخر كلمة نقولها هي: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يعطيهم درسا عن كيفية تعامل القائد و الرئيس مع مرؤوسيه، و عن أنه لا بد أن يشعر بآلامهم، و يعيش مشاكلهم، و أن يعمل على حلها، مهما كلفه ذلك من تضحيات.
عن أم سلمة قالت: ضفرت رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذي الحليفة أربع ضفائر، فلم يحلّه حتى فتح مكة، و مقامه بمكة حتى حين أراد أن يخرج إلى حنين حلّه، و غسلت رأسه بسدر (1).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 868.
و عن أم هانئ قالت: قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة و له أربع غدائر تعني ضفائر (1).
و نقول:
إن ما نعرفه عن شعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو أنه وفرة لم يبلغ الفرق، فكان إذا طال لم يتجاوز شحمة أذنه (2).
فمن وصف شعره «صلى اللّه عليه و آله» بأنه جمّة، و هو الشعر الذي ينزل على المنكبين، أو لمّة، و هو الشعر الذي يتجاوز شحمة الأذنين، فلعله أخذه من الحديث الذي ذكرناه آنفا، من أنه قد ضفر شعره يوم الفتح أربع ضفائر.
1) و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 57 و ج 8 ص 536 و كنز العمال ج 7 ص 162 و البداية و النهاية ج 6 ص 23 و مسند أحمد ج 6 ص 425 و سنن أبي داود ج 2 ص 288 و سنن الترمذي ج 3 ص 156 و فتح الباري ج 6 ص 416 و ج 10 ص 304 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 389 و 390 و عون المعبود ج 11 ص 163 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 23 و الشمائل المحمدية للترمذي ص 31 و المعجم الكبير ج 24 ص 429 و الطبقات لابن سعد ج 1 ص 429 و السيرة الحلبية ج 3 ص 333 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 160 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1199 و تاريخ بغداد ج 10 ص 438.
2) مكارم الأخلاق ص 70 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 17 عن ابن عساكر، و الجامع للشرايع ص 29 و الحدائق الناضرة ج 5 ص 556 و الينابيع الفقهية ج 2 ص 614 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 129 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 417 و مناقب الإمام أمير المؤمنين ج 1 ص 18 و البحار ج 73 ص 83 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 603 و فتح الباري ج 6 ص 416 و مجمع البحرين ج 4 ص 526.
و نظن أن بعض من يريد هؤلاء الرواة تقديم خدمات لهم من الأمويين، أو الزبيريين، أو من غيرهم كانوا يطيلون شعرهم، و يجعلونه ضفائر، فأرادوا أن لا يعاب ذلك عليهم، فجعلو للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا نصيبا، إذ من أجل عين ألف عين تكرم.
و روي: أنه كان «صلى اللّه عليه و آله» يتمشط و يرجل رأسه بالمدرى، و ترجله نساؤه، و تتفقد نساؤه تسريحه، إذا سرح رأسه و لحيته، فيأخذن المشاطة، فيقال: إن الشعر الذي في أيدي الناس من تلك المشاطات، فأما ما حلق في عمرته و حجته فإن جبريل «عليه السلام» كان ينزل فيأخذه فيعرج به إلى السماء. و لربما سرح لحيته في اليوم مرتين (1).
و من المعلوم: أن الروايات قد صرحت: بأن جسد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رفع إلى السماء بعد استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» بثلاثة أيام (2).
1) مكارم الأخلاق ص 33 و البحار ج 16 ص 248 و ج 73 ص 116 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 11 و راجع: مستدرك الوسائل ج 1 ص 443 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 617 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 1 ص 155.
2) راجع: الرسائل العشر ص 316 و الكافي ج 4 ص 567 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 577 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 173 و الوسائل (ط آل البيت) ج 14 ص 323 و (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 254 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 188 و 189 و المزار للمفيد ص 221 و عوالي اللآلي ج 4 ص 84 و البحار ج 11 ص 67 و ج 22 ص 550 و ج 27 ص 299 و ج 97 ص 130 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 119 و منتقى الجمان ج 1 ص 318 و مجمع البحرين ج 1 ص 231 و راجع: بصائر الدرجات ص 465 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 106 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 259 و الذريعة ج 13 ص 206 و الدر النظيم ص 422.
و إذا كان دفن الشعر، و قلامة الأظفار يستحب دفنهما، و إذا كان جسد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يرفع إلى السماء، فمن الطبيعي أن يتولى جبرئيل رفع هذه الأمور التي تعود إلى جسده الشريف بنحو أو بآخر إلى السماء، لتكون في نفس الموضع الذي يكون فيه جسده الشريف، تكريما له «صلى اللّه عليه و آله» و رفعة شأن.
و من الواضح: أن لكل شيء من جسده «صلى اللّه عليه و آله» كرامة و مقاما، و أن له شأنا يختلف فيه عن غيره.
و قد روي: أن رجلا من ولد الأنصار أتى إلى الإمام الرضا «عليه السلام» بحقة فضة مقفل عليها، و قال: لم يتحفك أحد بمثلها.
ففتحها و أخرج منها سبع شعرات، و قال: هذا شعر النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فميّز الرضا «عليه السلام» أربع طاقات منها، و قال: هذا شعره، فقبل في ظاهره دون باطنه.
ثم إن الرضا «عليه السلام» أخرجه من الشبهة بأن وضع الثلاثة على النار فاحترقت ثم وضع الأربعة فصارت كالذهب (1).
1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 458 و مدينة المعاجز ج 7 ص 235 و 236 و البحار ج 49 ص 59 و 60 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 250 و ج 2 ص 482.
و روي عن عيسى بن موسى العماني، قال: دخل الرضا «عليه السلام» على المأمون فوجد فيه هما.
فقال: «إنى أرى فيك هما» ؟
قال (المأمون): نعم بالباب بدوي، و إنه قد دفع سبع شعرات يزعم أنها من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد طلب الجائزة، فإن كان صادقا و منعت الجائزة فقد بخست شرفي، و إن كان كاذبا و أعطيته الجائزة فقد سخر بي، و ما أدرى ما أعمل به؟
فقال الرضا «عليه السلام» : عليّ بالشعر، فلما رآه سمه، و قال: «هذه أربعة من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الباقى ليس من لحيته» .
فقال المأمون: من أين قلت هذا؟
فقال: عليّ بالنار (و الشعر) .
فألقى الشعر في النار، فاحترقت ثلاث شعرات، و بقيت الأربع التى أخرجها الرضا «عليه السلام» لم يكن للنار عليها سبيل.
فقال المأمون: عليّ بالبدوي.
فأدخل، فلما مثل بين يديه أمر بضرب رقبته. . فقال البدوي: ما ذنبي؟
قال: تصدق عن الشعر.
فقال: أربع من لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ثلاث من لحيتى، فتمكن الحسد في قلب المأمون (1).
1) الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 497 و مدينة المعاجز ج 7 ص 235 و 236 و فرائد السمطين ج 2 ص 208 ح 487 و راجع: مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 421 و البحار ج 49 ص 59 و إثبات الهداة ج 6 ص 154 و شرح إحقاق الحق ج 33 ص 844.
و قالوا: إن غلاما اسمه «جبر» كان قد أسلم على يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كتم ذلك عن أهله فلا يدرون به، فلما ارتد ابن أبي سرح إلى مكة أخبرهم بإسلام ذلك الغلام، فعذبوه أشد العذاب، حتى قال لهم الذي يريدون.
فلما فتح النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكة جاء الغلام فشكا إليه ما لقي بسبب ابن أبي سرح.
قال: فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثمنه، فاشترى نفسه فعتق، و استغنى، و نكح امرأة لها شرف (1).
و نقول:
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حل مشكلة ذلك الغلام، بصورة أساسية من ثلاث جهات:
1-أعطاه ما اشترى به نفسه من جلاديه، الذين عذبوه أشد العذاب، و حصل على نعمة الحرية، و هي من أغلى الأمنيات عنده.
2-أعطاه ما أغناه. .
3-تزوج امرأة لها شرف.
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 865 و 866 و الإصابة ج 4 ص 225 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 5.
و لنا أن نشير أيضا إلى مايلي: 1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشتر ذلك الغلام من صاحبه، بل أعطاه المال، و كان هو اشترى نفسه منه، فعتق بصورة تلقائية، لأن الإنسان لا يملك نفسه.
و لو أن أحدا كان قد اشتراه، فسيبقى بانتظار إنشاء صيغة العتق من قبل ذلك المشتري.
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأخذ ذلك الغلام من صاحبه قهرا.
3-إننا لم نستطع أن نعرف من الذي قام بتعذيب ذلك الغلام. هل هو مالكه نفسه؟ أم آخرون من سائر أهله، أم من غيرهم من فراعنة قريش؟ !
لما فتح «صلى اللّه عليه و آله» مكة جلس عبد الرحمن بن عوف في مجلس جماعة، منهم سعد بن عبادة، فمرّ نسوة من قريش، فقال سعد: قد كان يذكر لنا من نساء قريش حسن و جمال، ما رأيناهن كذلك.
فغضب ابن عوف، وجبه سعدا، فشكاه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فغضب «صلى اللّه عليه و آله» حتى كان وجهه ليتوقد، ثم قال:
«رأيتهن و قد أصبن بآبائهن، و أبنائهن، و إخوانهن، و أزواجهن. خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد، و أبذله لزوج ما ملكت يد» (1).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 867.
و نقول:
إن هذه القضية إن دلت على شيء، فإنها تدل على الأمور التالية:
1-إن سعد بن عبادة الذي رشح نفسه لخلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يوكل الأمر إلى من عينه اللّه و رسوله، فيكون معه، و رهن إشارته، و طوع أمره.
نعم، إن سعدا هذا لا يفكر في مستقبل الإسلام في مكة، و في المنطقة بأسرها. . و في كيفية حمايته، و تقويته، و نشره، و لكنه يفكر في أمور تدعوه إليها شهوته، و يزينها له هواه، و تعبث به من خلالها شياطين الغواية و الإضلال. .
ثم لم يردعه شرفه، و موقعه، و لا منعه دينه و تقواه، من أن يتصفح وجوه النساء حتى لو كن محصنات، ليتبين معالم الجمال في تلك الوجوه، ثم يقارن بين ما يراه و ما سمعه. .
2-ثم يغضب عبد الرحمن بن عوف، و يجبه سعدا، و لا ندري إن كان قد غضب للّه، أو أنه غضب لانتقاص سعد من جمال نساء قريش، حمية للعشيرة، و انسياقا مع العصبية.
3-و إذا أردنا أن نصدق أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال كلمته المتقدمة في هذه المناسبة بالذات، و نحن نشك في ذلك-كما سنرى- فإننا نقول:
إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يغضب من منطق سعد. . و ينتصر لنساء قريش. و لكنه انتصار الأتقياء الأبرار، و الأصفياء الأخيار، حين يحوّل مسار المقارنة، من مقارنة بين أمور مبتذلة و ساقطة، و شكلية، و شهوانية، لتصبح مقارنة بين واقع راهن. حين يقرن إلى معان سامية، و قيم إنسانية نبيلة.
إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقم وزنا لجمال الصورة، و مثار الشهوات.
بل تحدث عن كمال نساء قريش في إنسانيتهن، من حيث أنهن قد بلغن الغاية في الحنان، و لكن على أولادهن، حيث يحتاج أولادهن إلى هذا الحنان الذي يغني أرواحهم، بالعاطفة، و بالرحمة، لا بالقسوة الكاسرة و الشريرة. .
كما أنهن يمثلن القمة في العطاء، و لكنه ليس عطاء عشوائيا يحمل في طياته تبذير المال، و تمزيق ثروة الزوج، بل العطاء للزوج. . الذي يبني الأسرة و يقويها، و يجعل المال متمركزا في الموقع القادر على تحريكه، بحكمة، و روية، و بصورة مؤثرة و منتجة للمزيد من الرخاء، و الراحة من التعب و العناء. .
و الذي نراه: أن هذا الجواب النبوي ربما يكون قد حوّر و زوّر ليصبح في غير الاتجاه الذي انطلق فيه. .
إذ إن الصحيح هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب أم هاني أخت علي «عليه السلام» ، فاعتذرت له بأنها مصابه فتركها، و قال «صلى اللّه عليه و آله» : خير نساء ركبن الإبل، نساء قريش، أحناهن على ولد في صغره، و أرعاهن على زوج في ذات يده (1).
1) مسند أحمد ج 2 ص 269 و 275 و 449 و 502 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 225 و ج 11 ص 232 و 236 و صحيح مسلم ج 7 ص 182 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 152 و المعجم الأوسط ج 4 ص 283 و 295 و ج 5 ص 380 و المعجم الكبير ج 24 ص 436 و 437 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 243 و ج 41 ص 341 و ج 70 ص 115 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 92 و ج 16 ص 80 و مجمع الزوائد ج 4 ص 271 و صحيفة همام بن منبه ص 43 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 303 و مسند الحميدي ج 2 ص 452 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 547 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 459 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 625 و 626 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 353 و 354 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 25 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 163 و 164 و 165 و مسند الشاميين ج 2 ص 128 ج 3 ص 24 و ج 4 ص 166 و 275 و الجامع الصغير ج 1 ص 629 و كنز العمال ج 12 ص 145 و 146 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 121 و جامع البيان ج 3 ص 357 و 358 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 370 و الدر المنثور ج 2 ص 23 و الإصابة ج 8 ص 197 و 485 و المنتخب من ذيل المذيل ص 110 و البداية و النهاية ج 2 ص 71 و ج 5 ص 322 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 596 و لسان العرب ج 14 ص 203 و فقه السنة ج 2 ص 21 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 67 و النوادر للراوندي ص 177 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 48 و صحيح البخاري ج 4 ص 139 و ج 6 ص 120 و 193 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 293 و عمدة القاري ج 16 ص 26 و ج 20 ص 78 و ج 21 ص 22 و الديباج على مسلم ج 5 ص 331 و صحيفة همام بن منبه ص 43 و تغليق التعليق ج 4 ص 35 و 482 و فيض القدير ج 3 ص 656 و تفسير ابن أبي حاتم ج 2 ص 647 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ج 1 ص 433 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 155 و إمتاع السماع ج 6 ص 102 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 376.
عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض عبد الرحمن ابن وليدة زمعة، و قال عتبة: إنه ابني.
فلما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة في الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه، فاحتضنة إليه و قال: ابن أخي و رب الكعبة.
فأقبل به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه.
فقال عبد بن زمعة: يا رسول اللّه، هذا أخي، هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هو» ، أي الولد «لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه، الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و احتجبي منه يا سودة، لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص بالولد» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 و 259 عن البخاري، و في هامشه عن: البخاري ج 5 ص 371(2745) و صحيح مسلم ج 2 ص 1080(36/1457) و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 59 و سنن الدارمي ج 2 ص 153 و سبل السلام ج 3 ص 211 و مسند أحمد (ط دار صادر) ج 6 ص 129 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 39 و ج 5 ص 96 و ج 8 ص 12 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 4 ص 171 و سنن النسائي ج 6 ص 180 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 86 و 87 ج 10 ص 150 و 266 و عمدة القاري للعيني ج 11 ص 167 و 168 و ج 12 ص 32 و ج 17 ص 290 و فتح الباري ج 8 ص 19 و ج 12 ص 27 و مسند الشاميين ج 4 ص 192 و معرفة السنن و الآثار ج 4 ص 479 و البداية و النهاية ج 4 ص 363 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 600 و مسند أبي داود الطيالسي ص 204 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 378 و كنز العمال ج 6 ص 200.
فلم يرها حتى لقي اللّه.
و في بعض الروايات: احتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ (1).
و نقول:
أولا: إن مجرد وجود شبه بين طفل و بين شخص، لا يعني أن يكون لذلك الشخص شأن و علاقة مباضعة توجب انتساب ذلك الطفل إليه، فقد يكون للشبه بعض الأسباب الوراثية، أو التخيلية في حالات معينة، التي ليس منها العلاقة الجنسية بالأم.
ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يتفوه بما يعده الشارع قذفا،
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و (ط دار المعرفة) ص 59 و 378 و سنن النسائي ج 6 ص 181 و فتح الباري ج 12 ص 31 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 181 و حاشية السندي ج 6 ص 180 و 181 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 379 و سنن الدارقطني ج 4 ص 156 و مسند أحمد ج 4 ص 5 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 443 و كنز العمال ج 11 ص 8 و 85.
و لا سيما بعد أن حكم بأن الولد للفراش، و للعاهر الحجر، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يحكم على خلاف ما حكم به الشارع، فما معنى أن ينسب إليه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال لسودة: «فليس لك بأخ» ؟ !
عن جابر: أن رجلا قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الفتح: إني نذرت إن فتح اللّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صل ههنا» .
فسأله، فقال: «صل ههنا» .
فسأله، فقال: شأنك إذن (1).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد الصالحي الشامي ج 5 ص 259 و المجموع للنووي ج 8 ص 473 و المغني لابن قدامه ج 11 ص 352 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 11 ص 365 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 410 و المحلى لابن حزم ج 8 ص 19 و 20 و سبل السلام ج 4 ص 114 و نيل الأوطار للشوكاني ج 9 ص 152 و مسند أاحمد ج 3 ص 363 و سنن الدارمي ج 2 ص 184 و سنن أبي داود ج 2 ص 102 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 304 و 305 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 82 و فتح الباري ج 3 ص 53 و عمدة القاري ج 7 ص 253 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 310 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 88 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 125 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي و ج 7 ص 348 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 170 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 253 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 45 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 1 ص 342 و لسان الميزان لابن حجر ج 2 ص 45.
و في رواية عن بعض الصحابة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و الذي بعث محمدا بالحق، لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس» (1).
و في رواية عن الأرقم: أنه جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسلم عليه، فقال: أين تريد؟
قال: أردت يا رسول اللّه ههنا و أشار بيده إلى حد المقدس.
قال: ما يخرجك إليه، أ تجارة؟ !
قال: قلت: لا، و لكن أردت الصلاة فيه.
قال: فالصلاة ههنا، و أومأ بيده إلى مكة، خير من ألف صلاة، و أومأ بيده إلى الشام (2).
1) سبل الهدى و الرشاد و ج 9 ص 103 و ج 5 ص 259 عن أبي داود، و الحاكم، و أشار في هامشه إلى: مسند أحمد ج 3 ص 363 و أبي داود (3305) ، و البيهقي ج 10 ص 82 و الدارمي ج 2 ص 185 و الطحاوي في المعاني ج 3 ص 115 و البخاري في التاريخ ج 6 ص 170 و الحاكم ج 4 ص 304. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 866 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 1 ص 288 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 3 ص 129 و ج 11 ص 366 و سنن أبي داود ج 2 ص 102 و أضواء البيان ج 5 ص 253 و نيل الأوطار ج 9 ص 153 و مسند أحمد ج 5 ص 373 و كنز العمال ج 12 ص 211 و 257 و ج 14 ص 116 و المغني ج 11 ص 352.
2) راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 5 و اللمع في أسباب ورود الحديث للسيوطي ص 54 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 268 نيل الأوطار ج 9 ص 154 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 504 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 479 و المعجم الكبير ج 1 ص 307 و كنز العمال ج 14 ص 138 و أسد الغابة ج 1 ص 60 و السيرة ج 2 ص 21 و عمدة القاري ج 7 ص 255 و البداية و النهاية ج 5 ص 363 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 672.
و قالت ميمونة، زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، إني جعلت على نفسي، إن فتح اللّه عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تقدرين على ذلك، يحول بينك و بينه الروم.
فقالت: آتي بخفير، يقبل و يدبر.
فقال: لا تقدرين على ذلك، و لكن ابعثي بزيت يستصبح لك به فيه، فكأنك أتيته.
فكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال يشترى به زيت، يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك (1).
و نقول:
1-إننا لا ننكر أن لبيت المقدس فضلا و قيمة، فإن فيه محاريب الأنبياء، و باب حطة، و غير ذلك، و الصلاة فيه تعدل ألف صلاة (2). و هو من
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 866 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 4.
2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 152 و راجع ص 148 و ثواب الأعمال ص 128 و المحاسن ج 1 ص 55 و البحار ج 99 ص 270 عنهما، و عن تهذيب الأحكام ج 3 ص 53 و الجامع للشرايع ص 103 و منتهى المطلب (ط ق) ج 1 ص 386 و نهاية الحكام ج 1 ص 353 و كشف اللثام (ط ج) ج 3 ص 320 و (ط ق) ج 1 ص 201 و الينابيع الفقهية ج 4 ص 888 و المبسوط للسرخسي ج 3 ص 132 و سبل السلام ج 2 ص 216 و نيل الأوطار ج 9 ص 154 و المحاسن ج 1 ص 55 و دعائم الإسلام ج 1 ص 148 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 430 و البحار ج 80 ص 380 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 561 و معجم البلدان ج 5 ص 166 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 108.
قصور الجنة (1).
غير أننا نقول:
لما ذا ينذر هؤلاء لبيت المقدس، و لا ينذرون للكعبة المشرفة، فإنها أشرف و أفضل من بيت المقدس؟ !
2-لما ذا لا يقبل ذلك الرجل ما يامره به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الإستعاضة عن الصلاة في بيت المقدس بالصلاة في مكة المكرمة، و الكعبة الشريفة؟ !
بل إن ميمونة، و هي زوجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تناقش هي الأخرى في صدقية ما أخبرها به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تلتمس المخارج و السبل للتغلب على ما وضعه أمامها من موانع، و لو بأن تأتي بخفير، يقبل و يدبر، و يستطيع أن يوفر لها القدرة على إسقاط ممانعة الروم لها من الوصول إلى بيت المقدس، كما أخبرها به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم هي لا يقر لها قرار حتى اقترح عليها البديل، الذي يكون لبيت المقدس فيه نصيب و موقع، و هو أن ترسل بزيت يستصبح به في بيت
1) البحار ج 96 ص 240 و 380 و ج 99 ص 270 عن الأمالي للشيخ الطوسي ج 1 ص 379 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 545 و الإمالي للطوسي ص 369 و جامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 510 و 561 و تاريخ الكوفة للبراقي ص 67.
المقدس، فهدأت و رضيت.
3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لميمونة: إن نذرها باطل، و لا قال لها: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأنا أمنعك من السفر إلى بيت المقدس من هذا المنطلق.
كما أنه لم يقل لها: إنني زوجك، و أنا أنهاك عن هذا السفر. و بذلك ينحل نذرك.
و لم يقل لها: إن ثمة أخطارا جساما تواجهك في سفرك، فهو سفر غير راجح، و لا مرضي، و لا مستساغ.
بل هو قد ذكر لها: أن هناك مانعا لها من الوفاء بنذرها، و هو حيلولة الروم بينها و بين الوصول إلى بيت المقدس.
و هذا أمر لا يقبل التأويل، و لا يسوغ لها، و لا لغيرها أن تذهب بها الأوهام و الظنون في مذاهب مختلفة، التي قد يوجب بعضها الإخلال بالواجب الديني، أو الإعتقادي.
و عن عبد الرحمن بن الأزهر قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -عام الفتح-و أنا غلام شاب، ينزل عند منزل خالد بن الوليد، و أتي بشارب فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضرب بالسوط، و بالنعل، و بالعصا. و حثا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (عليه) التراب (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 عن ابن أبي شيبة، و دلائل النبوة للبيهقي ج 8 ص 319 و مسند أحمد ج 4 ص 88 و 350 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 184 و تهذيب الكمال ج 16 ص 515 و سنن أبي داود ج 2 ص 362 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 320 و كنز العمال ج 5 ص 492 و تاريخ المدينة ج 2 ص 731.
و عن عائشة: أن امرأة سرقت في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
فقيل: و من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حبّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعون به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «أتكلمني» ؟
و في لفظ: «أتشفع في حد من حدود اللّه» ؟ !
قال أسامة: يا رسول اللّه، استغفر لي.
فلما كان العشي قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطيبا فأثنى على اللّه تعالى بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الناس» .
و في لفظ: «هلك بنو إسرائيل» .
و في لفظ: «الذين من قبلكم» : أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف.
و في لفظ: «الوضيع قطعوه» .
و في لفظ: «أقاموا عليه الحد» ، و الذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
ثم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتلك المرأة (فقطعت) .
و في رواية النسائي: «قم يا بلال، فخذ بيدها فاقطعها» .
فحسنت توبتها بعد ذلك، و تزوجت رجلا من بني سليم.
قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 196 و ج 5 ص 259 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و البيهقي، و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 6 ص 513(3475) و مسلم ج 3 ص 1315(8/1688) و أحمد ج 3 ص 363. و راجع: المحلى ج 10 ص 496 و ج 11 ص 359 و صحيح البخاري ج 4 ص 151 و ج 5 ص 97 و ج 8 ص 16 و سنن النسائي ج 8 ص 73 و 75 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 254 و 267 و 280 و 332 و عمدة القاري ج 17 ص 291 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 334 و البداية و النهاية ج 2 ص 172 و ج 4 ص 364 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 601 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و نيل الأوطار ج 7 ص 311 و سنن الدارمي ج 2 ص 173 و صحيح مسلم ج 5 ص 114 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 851 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 581 و سنن ابن داود ج 2 ص 332 و سنن الترمذي ج 2 ص 442 و عمدة القاري ج 16 ص 60 و ج 17 ص 291 و ج 23 ص 276 و مجمع الزوائد ج 6 ص 259 و عون المعبود ج 12 ص 21 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 171 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 248 و المعجم الأوسط ج 7 ص 272 و معرفة السنن و الآثار ج 6 ص 474 و الإستذكار ج 7 ص 570 و رياض الصالحين ص 331 و 332 و 681 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 414 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 59 و تفسير الآلوسي ج 18 ص 83 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 710 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 26.
و قال الحلبي: «و في كلام بعضهم: كانت العرب في الجاهلية يقطعون يد السارق اليمنى» (1).
و لنا مع ما تقدم وقفات نوردها كما يلي:
إننا بالنسبة لحديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» نقول:
أولا: إن كلمة: «لو» كما يستظهرون من الأمثلة التالية قد يراد منها: بيان عدم وقوع الشرط جزما، كقولك: لو جئتني لأكرمتك.
في حين أن كلمة: «إذا» قد يقصد بها الدلالة على اليقين، بوقوع الشرط، فيترتب الجزاء. كقوله تعالى: إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ اَلنّٰاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللّٰهِ أَفْوٰاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كٰانَ تَوّٰاباً (2).
و كلمة: «إن» قد تستعمل في موارد الشك في وقوع فعل الشرط (3). كما في قولك: إن جاءك فلان فقل له: كذا.
و الحاصل: أن قوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» يراد به الدلالة على عدم وقوع الفعل، و لكنه يرتب الجزاء على فرض الوقوع، في صورة عدم الوقوع.
ثانيا: قال تعالى في القرآن الكريم:
1- قُلْ إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ اَلْعٰابِدِينَ (1). حيث يراد التأكيد على نفي فعل الشرط، و أن اللّه ليس له ولد حتما و جزما.
2-و قال تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (2). و قال تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (3).
فإن المقصود هو: التأكيد على حتمية فعل الجزاء، من قبل منشئه و جاعله. مع العلم بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المعصوم، لا يمكن أن يتقول على اللّه، و لا أن يكون فظا غليظ القلب.
3-و قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ (4). فالمراد: إظهار اليقين و الوثوق بوقوع الجزاء، و هو حبط العمل.
و حديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» من قبيل هذه الآية الأخيرة و ما سبقها.
أي أن المقصود: التأكيد على إجراء أحكام اللّه تبارك و تعالى، و إفهام الناس أنه لا محاباة لأحد في هذا الأمر، حتى لو كان الفاعل هو فاطمة «عليها السلام» ، و إن كان هذا الأمر يستحيل أن يصدر عمن هي معصومة،
و من قد طهرها اللّه تعالى بنص آيات القرآن الكريم.
و ليس المراد: وضع فاطمة «عليها السلام» في دائرة احتمال صدور السرقة منها بالفعل، كما لا يمكن أن يصدر من الأنبياء و الأوصياء، فضلا عن سيد الخلق أجمعين.
و قد زعمت الرواية المتقدمة: أن أحدا لا يجترئ على أن يكلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوى حب رسول اللّه، أسامة بن زيد.
غير أننا نقول:
ألف: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سمى زيد بن حارثة بزيد الحب، و لم يسم أسامة نفسه بذلك (1).
و إنما أطلقوا عليه: أنه الحب ابن الحب (2)، لأنه كان بنظرهم يستحق
1) البحار ج 22 ص 215 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 548 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 213 و تفسير القمي ج 2 ص 172 و التفسير الصافي ج 4 ص 163 و ج 6 ص 10 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 236 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 40 و ج 5 ص 246 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 346 و الدرجات الرفيعة ص 440 و المنتخب من ذيل المذيل ص 50.
2) راجع: الإصابة ج 1 و الإستيعاب (ترجمة أسامة) ، و عمدة القاري ج 2 ص 252 و جزء البغوي ص 16 و مسند أسامة بن زيد ص 33 و 34 و فيض القدير ج 1 ص 618 و الإصابة ج 1 ص 202 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 499 و إكمال الكمال ج 2 ص 8 و تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 51 و 52 و ج 19 ص 351 و تهذيب الكمال ج 1 ص 307 و ج 2 ص 338 و إكمال تهذيب الكمال ج 2 ص 54 و تهذيب التهذيب ج 1 ص 182 و الوافي بالوفيات ج 1 ص 87 و البداية و النهاية ج 4 ص 290 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 308 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 481 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 85 و ج 3 ص 228.
هذا الوسام أكثر من أبيه، لأن الأحداث بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهرت أن له موقفا من علي «عليه السلام» يوجب على مناوئيه أن يكافؤوه عليه، فهو لم يشترك مع علي «عليه السلام» في أي من حروبه (1)، و قد منعه علي «عليه السلام» من العطاء (2). و كان قد تخلف عن بيعته (3)، و إن كان سلّم له بعد ذلك.
ب: بالنسبة لجرأته على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:
لعلها كانت نوعا من الإدلال من أسامة، و هو يرى تعزيز النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بعد استشهاد أبيه زيد، الذي كان يحبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ربما كان يريد أن يحفظه في ولده، فكأن إكرامه لأسامة قد جرأ
1) أسد الغابة ج 1 ص 65 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 681 و أعيان الشيعة ج 3 ص 249 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 351.
2) قاموس الرجال ج 1 ص 468-472 و (ط جماعة المدرسين 1419 ه) ج 11 ص 68 عن الكشي، و البحار ج 34 ص 296 ج 97 ص 52 و رجال الكشي ص 26 و الغارات ج 2 ص 577 و ميزان الحكمة ج 4 ص 2996 و نهج السعادة ج 4 ص 127 و شرح النهج للعتزلي ج 4 ص 102 و الدرجات الرفيعة ص 445 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 97 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 191.
3) البحار ج 32 ص 216 و راجع: أسد الغابة ج 1 ص 65 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 681 و أعيان الشيعة ج 3 ص 249 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 351.
أسامة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أطلق لسانه عنده. و ليس من الضروري أن تكون هذه الجرأة مستحسنة، أو مرضية.
و يشهد لذلك نفس هذه الحادثة، التي كان يكلمه أسامة فيها، و وجهه «صلى اللّه عليه و آله» يتلون تغيظا، حتى انتهى الأمر بملامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له، ثم طلبه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يستغفر له.
و عن جابر قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الفتح يقول: «إن اللّه تعالى حرم بيع الخمر، و الخنازير، و الميتة، و الأصنام» .
فقال رجل: يا رسول اللّه! ! ما ترى في شحوم الميتة، فإنه يدهن بها السفن و الجلود، و يستصبح بها؟
قال: «قاتل اللّه اليهود، إن اللّه لما حرم عليهم شحومهما أخذوها فجمدوها (فجملوها) ، ثم باعوها، و أكلوا ثمنها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 258 عن ابن أبي شيبة، و في هامشه عن: البخاري ج 4 ص 424(2236) و ج 4 ص 414(3223) و مسلم ج 3 ص 1307 (71/1581) و (72/1582) . و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 864 و 865 صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 194 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 5 ص 41 و ج 11 ص 6 و عون المعبود ج 9 ص 274 و تغليق التعليق ج 3 ص 274 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 54 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 395 و 396 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 193 و الدر المنثور ج 3 ص 53 و الخلاف ج 3 ص 186 و جواهر الكلام ج 22 ص 11 و الينابيع الفقهية ج 35 ص 137 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 541 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 396 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 311 و كنز العمال ج 4 ص 170 و منتهى المطلب (ط ق) ج 2 ص 1010 و المجموع ج 14 ص 283 و المغني ج 4 ص 284 و ج 5 ص 513 و الشرح الكبير ج 4 ص 41 و ج 5 ص 462 و المحلى ج 1 ص 121 و ج 9 ص 8 و سبل السلام ج 3 ص 5 و مسند أحمد ج 3 ص 326 و سنن أبي داود ج 2 ص 141 و سنن النسائي ج 7 ص 310 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 12 و ج 9 ص 355 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 284.
و نقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد هنا: أن يعالج ظاهرة الطمع و الحرص، التي ظهرت في الناس، و التي هي من شيم اليهود.
و قد ظهرت بوادر هذا الحرص الذي يجر وراءه ركاما من الشبهات و المشكلات في استقصاء السؤال عن شحوم الميتة، حيث إن الإهتمام بالميتة إلى هذا الحد، ربما يعطي الإنطباع عن أن ثمة علاقة شديدة للناس حتى بالميتة، و بأدق أجزائها. . يصعب التغلب عليها.
و قد يشير إلى ذلك: أنهم صاروا يسألون عن دهن الجلود، و الإستصباح بها مع أنهما ليسا من الضرورات، التي لا يمكن الإستغناء عن الميتة فيها، إذ يمكن أن يستفاد في هذا و ذاك من الشحوم الحلال، التي يأمن الإنسان معها من ملابسة النجاسة الناشئة عن كونها ميتة. فإن هذه الإستفادة من شحوم الميتة تجعل من الصعب تجنب الإرتطام بالنجاسة في كثير من الأوضاع.
و يزيد الأمر سوءا حين لا ينحصر التعاطي مع تلك الشحوم-التي
يستفاد منها-في الذين يعرفون بكونها ميتة. حيث إن التعامل معها سيكون على أساس كونها محكومة بالطهارة الظاهرية. و لا بد أن ينعكس ذلك على أكل الناس و شرابهم، و تعاملهم مع لباسهم، و أوانيهم، التي يستعملونها في سائر شؤونهم الحياتية، و العبادية.
و قد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال في فتح مكة: «إنما بعثت بكسر الدف و المزمار» .
فخرج الصحابة يأخذونها من أيدي الولدان و يكسرونها (1).
و نقول:
قد تقدم بعض الحديث عن هذا الأمر، حين استعرضنا ما قالوه في حديث الهجرة، من أن أهل المدينة قد استقبلوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغناء، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صار يرقص لهم بأكمامه.
غير أننا نشير هنا: إلى بعض ما رووه أو قالوه حول تحريم الضرب على المعازف و الدفوف، و غيرها من آلات الموسيقى. . فمن رواياتهم نذكر ما يلي:
1-في تفسير قوله تعالى: وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (2).
قال ابن عباس و مجاهد: إنه الغناء، و المزامير، و اللهو (3).
1) بهجة النفوس، شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة الأزدي ج 2 ص 74 و الغدير ج 8 ص 72.
2) الآية 64 من سورة الإسراء.
3) راجع: جامع البيان ج 15 ص 81 و (ط دار الفكر) ص 147 و زاد المسير ج 5 ص 48 و الجامع لأحكام القرآن (ط مؤسسة التاريخ العربي) ج 10 ص 288 و ج 14 ص 51 و الغدير ج 8 ص 69 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 49 و (ط دار المعرفة) ص 53 أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 266 و تفسير السمعاني ج 3 ص 258 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 484 و تفسير الأندلسي ج 3 ص 470 و عن تفسير الخازن ج 3 ص 178 و عن تفسير النسفي ج 3 ص 178 و عن تفسير ابن جزي ج 2 ص 175 و عن تفسير الآلوسي ج 15 ص 111.
2-و روي مرفوعا: ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز، (و الحرير) و الخمر، و المعازف (1).
3-عن ابن عباس، و أنس، و أبي أمامة مرفوعا: «ليكونن في هذه الأمة خسف، و قذف، و مسخ. و ذلك إذا شربوا الخمور، و اتخذوا القينات، و ضربوا بالمعازف» (2).
1) السنن الكبرى ج 10 ص 321 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1333 و عن سنن أبي داود ج 4 ص 46 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 2123 و عن أحمد، و أبي نعيم، و المحلى ج 9 ص 59 و نيل الأوطار ج 2 ص 86 و الغدير ج 8 ص 70 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 272 و فتح الباري ج 10 ص 42 و كنز العمال ج 11 ص 134 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 189.
2) الدر المنثور ج 2 ص 324 و المعجم الكبير ج 6 ص 150 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 و عن مسند أحمد ج 2 ص 347 و مجمع الزوائد ج 8 ص 10 و المعجم الأوسط ج 7 ص 77 و المعجم الكبير ج 6 ص 150 و الجامع الصغير ج 2 ص 62 و 229 و 471 و منز العمال ج 5 ص 347 و ج 14 ص 277 و 281 و فيض القدير ج 4 ص 168 و ج 5 ص 503 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 195 و 196.
4-و روي مرفوعا أيضا: «بعثني (رحمة للعالمين و أمرني) بمحق المعازف، و المزامير، و أمر الجاهلية» (1).
5-عن عبد اللّه بن عمر (أو عمرو) في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2).
قال: هي في التوراة. إن اللّه أنزل الحق ليذهب به الباطل، و يبطل به اللعب، و الزفن، و المزامير، و الكبارات (يعني البرابط) و الزمارات (يعني الدف) و الطنابير (3).
6-عن علي «عليه السلام» مرفوعا: تمسخ طائفة من أمتي قردة، و طائفة خنازير، و يخسف بطائفة، و يرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم
1) نيل الأوطار ج 8 ص 111 و الدر المنثور ج 2 ص 323 و جامع بيان العلم ج 1 ص 153 تكملة حاشية رد المحتار ج 1 ص 571 و الشرح الكبير ج 12 ص 48 و الغدير ج 8 ص 70 و مسند أحمد ج 5 ص 268 و مسند ابي داود الطيالسي ص 155 و جزء أشيب ص 39 و المعجم الكبير ج 8 ص 197 و كنز العمال ج 11 ص 443 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 310.
2) الآية 90 من سورة المائدة.
3) السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 222 و الدر المنثور ج 2 ص 317 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 99 و الغدير ج 8 ص 70 و مجمع الزوائد ج 7 ص 19 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 84 و غريب الحديث ج 4 ص 276 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 305 و ج 4 ص 326 و لسان العرب ج 5 ص 152 و ج 13 ص 197 و تاج العروس ج 7 ص 458.
شربوا الخمر، و لبسوا الحرير، و اتخذوا القيان، و ضربوا بالدفوف (1).
7-و عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنما نهيت عن صوتين، أحمقين، فاجرين: صوت عند نغمة لهو، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة: خمش وجوه، و شق جيوب، ورنة شيطان. و نحوه عن أنس مرفوعا (2).
1) الدر المنثور ج 2 ص 324 و الغدير ج 8 ص 71 و كنز العمال ج 15 ص 223.
2) راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 328 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 293 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 266 و نيل الأوطار ج 4 ص 154 و ج 8 ص 268 و فتح القدير ج 4 ص 236 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و تلبيس إبليس ص 233 و كنز العمال ج 15 ص 219 و الدر المنثور ج 5 ص 160 و تذكرة الفقهاء (ط ج) ج 2 ص 119 و الذكرى للشهيد الأول ج 2 ص 49 و التحفة السنية (مخطوط) ص 44 و المغني ج 2 ص 411 و الشرح الكبير ج 2 ص 429 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 454 و 456 و 458 و عوالي اللآلي ج 1 ص 89 و 122 و مكسن الفؤاد ص 93 و البحار ج 79 ص 90 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 486 و ج 17 ص 199 و 204 و الغدير ج 8 ص 69 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1674 و سنن الترمذي ج 2 ص 237 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 40 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 69 و مجمع الزوائد ج 3 ص 17 و فتح الباري ج 3 ص 139 و عمدة القاري ج 8 ص 102 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 76 و عون المعبود ج 13 ص 186 و مسند أبي داود الطيالسي ص 235 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 309 و التمهيد ج 17 ص 284 و ج 24 ص 443 و تخريج الحاديث و الآثار ج 2 ص 176 و نصب الراية ج 5 ص 89 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 172 و كنز العمال ج 15 ص 611 و 616 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 442 و 589 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 207 و فتح القدير ج 4 ص 236 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 138 و كتاب المجروحين ج 2 ص 246 و فتوح مصر و أخبارها ص 124 و سيرة ابن غسحاق ج 5 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 355 و ج 11 ص 22 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 395.
8-عن أبي هريرة، و أنس، و أبي أمامة، و عمران بن حصين، و الغازي بن ربيعة، و عبد الرحمن بن سابط، و صالح بن خالد، يسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسخ قوم في آخر الزمان قردة و خنازير، فقال: «اتخذوا المعازف، و الدفوف، و القينات، و باتوا على شربهم، و لهوهم الخ. .» (1).
9-قال نافع: سمع ابن عمر مزمارا، فوضع إصبعيه على أذنيه، و نأى عن الطريق، و قال لي: يا نافع، هل تسمع شيئا؟
فقلت: لا.
فرفع أصبعيه عن أذنيه، و قال: كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فصنع مثل هذا (2).
1) الدر المنثور ج 2 ص 324 عن ابن أبي الدنيا، و الحاكم، و ابن عدي، و ابن أبي شيبة، و البيهقي، و أبي داود، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1323 و عن المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 560 و 561 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 107 و سنن أبي داود ج 4 ص 46 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 295 و المحلى ج 9 ص 58 و نيل الأوطار ج 2 ص 86 و عمدة القاري ج 21 ص 177 و عون المعبود ج 11 ص 59 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 193 و الغدير ج 8 ص 71.
2) السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 222 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 169 و ج 27 ص 35 و سنن أبي داود ج 2 ص 461 و المغني ج 12 ص 39 و الشرح الكبير ج 12 ص 48 و المحلى ج 9 ص 68 و الغدير ج 8 ص 75 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2313 و عون المعبود ج 13 ص 181 و مسند الشاميين ج 1 ص 186 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 443 و كنز العمال ج 15 ص 227 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 363 و الكامل ج 3 ص 269 و طبقاتن المحدثين بإصبهان ج 4 ص 161 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 437 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 402.
10-عن علي «عليه السلام» مرفوعا: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فذكر منها: إذا اتخذت القينات و المعازف (1).
فذلك كله يدل بوضوح: على أن استعمال المعازف و الدفوف، و نحوها لا يرضاه الإسلام، و لا يقره.
و التفريق بين الموسيقى الكلاسيكية و غيرها لا أثر له في مصادر التشريع، و لا يعرف ذلك بين أهل ذلك الزمان، سواء في ذلك المتشرعة أو غيرهم.
و من رواياتهم المكذوبة و المتناقضة نذكر:
1-استأذن أبو بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و جارية تضرب
1) راجع: الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 428 و تلبيس إبليس ص 249 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و نيل الأوطار ج 8 ص 263 و تحف العقول ص 53 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 382 و أمالي الطوسي ص 516 و البحار ج 6 ص 311 و ج 74 ص 157 و الغدير ج 8 ص 71 و سنن الترمذي ج 3 ص 334 و الجامع الصغير ج 1 ص 119 و العهود المحمدية ص 807 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 53 و تاريخ بغداد ج 3 ص 376.
بالدف، فدخل. ثم استأذن عمر، فدخل. ثم استأذن عثمان، فأمسكت.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إن عثمان رجل حييّ (1).
2-انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بعض غزواته، فجاءته جارية سوداء، فزعمت أنها نذرت: إن رد اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صالحا أن تضرب بين يديه بالدف، و تغني. فأذن لها أن تفي بنذرها، فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثم علي، ثم عثمان، فلما دخل عمر ألقت الدف تحت إستها، و قعدت عليها، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن الشيطان يخاف (ليخاف) منك يا عمر الخ. . (2).
1) مسند أحمد ج 4 ص 353 و 354 و راجع ص 249 و ج 6 ص 155 و 167 و الغدير ج 8 ص 80 و ج 9 ص 274 و صحيح مسلم ج 7 ص 117 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 231 و مجمع الزوائد ج 9 ص 81 و عمدة القاري ج 4 ص 81 و 82 و ج 16 ص 202 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 233 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 565 و 566 و ج 3 ص 1021 و الأدب المفرد ص 131 و كتاب السنة ص 575 و مسند ابي يعلى ج 8 ص 242 و المعجم الكبير ج 6 ص 61 و مسند الشاميين ج 4 ص 259 و كنز العمال ج 11 ص 586 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 83 و 85 و 93 و ج 62 ص 232 و 233 و أسد الغابة ج 2 ص 310 و البداية و النهاية ج 7 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 279 و النهاية في غريب الحديث ص 444 و لسان العرب ج 8 ص 253.
2) أسد الغابة ج 4 ص 64 و نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 58 و مسند احمد ج 5 ص 353 و 354 و سنن البيهقي ج 10 ص 77 و السيرة الحلبية ج 2 ص 62 و (ط دار المعرفة) ص 247 و مصابيح السنة للبغوي، و دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 391 و عن الترمذي ج 2 ص 293 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 131 و الغدير ج 8 ص 64 و 65 و 96 و نيل الأوطار ج 8 ص 271 و سنن الترمذي ج 5 ص 284 و فتح الباري ج 11 ص 510 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 122 و عون المعبود ج 9 ص 100 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 481 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 567 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 315 و نصب الراية ج 4 ص 64 و موارد الظمآن ج 7 ص 99 و الجامع الصغير ج 1 ص 312 و كنز العمال ج 11 ص 574 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 83 و 84 و أسد الغابة ج 4 ص 64 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 259 و إحقاق الحق (الأصل) ص 233.
3-عن جابر: دخل أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يضرب بالدف عنده، فقعد و لم يزجر لما رأى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاء عمر، فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته قال: كف عن ذلك.
فلما خرجا قالت عائشة: يا رسول اللّه، كان حلالا، فلما دخل عمر صار حراما؟ !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا عائشة، ليس كل الناس مرخى عليه (1).
4-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل بيت عائشة، فوجد فيه جاريتين تغنيان، و تضربان بالدف، فلم ينههما عن ذلك، و قال عمر بن
1) نيل الأوطار ج 8 ص 271 و نوادر الأصول ص 138 و الغدير ج 8 ص 64 و 65 و عن مشكاة المصابيح ص 55 و غيره، و كنز العمال ج 4 ص 248 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 95.
الخطاب حين غضب: أ مزمار الشيطان في بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعهما يا عمر، فإن لكل قوم عيدا (1).
و روت عائشة: أن أبا بكر دخل عليها و عندها جاريتان في أيام منى تدفعان و تضربان و النبي «صلى اللّه عليه و آله» متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن وجهه فقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» (2).
5-زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرعى الغنم مع رفيق له، فطلب من رفيقه أن يحفظ له غنمه، ليسمر كما يسمر غيره، ثم جاء إلى
1) اللمع لأبي نصر الطوسي ص 345 و الغدير ج 8 ص 66 عنه.
2) راجع: فقه السنة ج 1 ص 323 و مسند أحمد ج 6 ص 33 و 99 و 127 و 168 و صحيح البخاري ج 2 ص 3 و ج 4 ص 266 و صحيح مسلم ج 3 ص 21 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 612 و سنن النسائي ج 3 ص 195 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 224 و عمدة القاري ج 6 ص 270 و 274 و ج 17 ص 64 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 4 و مسند أبي راهويه ج 2 ص 272 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 552 و مسند ابي يعلى ج 1 ص 50 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 188 و المعجم الكبير ج 23 ص 180 و أمالي الحافظ الأصبهاني ص 57 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 436 و تغليق التعليق ج 2 ص 384 و كنز العمال ج 15 ص 212 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 70 و البداية و النهاية ج 1 ص 320 و قصص الأنبياء لابن كثير ص 93.
مكة، فسمع في اول دار منها عزفا بالدفوف و المزامير، فجلس ينظر، فضرب اللّه على أذنه، فنام، فلم يستيقظ حتى مسته الشمس.
ثم جرى له في الليلة الثانية مثلما جرى له في سابقتها. . ثم لم يهمّ بعدها بسوء حتى أكرمه اللّه برسالته (1).
و نقول:
إن الحديث حول هذه الروايات طويل، و لكننا نذكر هنا بعض الإشارات الخاطفة من ذلك، فنقول:
ألف: إن الروايات الأولى تقول: إن عثمان رجل حييّ، فهل ذلك يعني: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن كذلك، و كذا الحال بالنسبة لأبي بكر و عمر، و هل يرضى اتباعهما و محبوهما بنسبة ذلك إليهم؟ !
يضاف إلى ذلك: أنه إذا كان عثمان رجلا حييا فما شأن الجارية؟ ! هل كانت تعرف ذلك فيه فتراعيه، و تعرف خلافه في غيره، فتعامله وفق ما تعرفه منه؟ !
ب: في الرواية الثانية: يصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعل تلك
1) دلائل النبوة لأبي نعيم ج 1 ص 58 و البداية و النهاية ج 2 ص 287 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 88 و أعلام النبوة للماوردي ص 140 و الكامل في التاريخ ج 1 ص 471 و عن المصادر التالية: عيون الأثر ج 1 ص 44 و السيرة الحلبية ج 1 ص 122 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 279 و البحار ج 15 ص 362 و الغدير ج 8 ص 76 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 207 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 34 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 300 و 360 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 136 و تفسير الرازي ج 31 ص 218.
الجارية أمامه بما يفيد: أنه فعل شيطاني. فكيف رضي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يفعل ذلك بحضرته؟ !
ج: كيف ينعقد نذر في أمر يكون من أفعال الشياطين؟ !
د: في الرواية الثالثة: إشارة إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتستر على أمور قد تكون من الحرام.
ه: في الرواية الرابعة: دلالة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرضى بسماع مزمارة الشيطان، و أن تستعمل في داخل بيته.
و: إنها تدل على حلية سماع مزمارة الشيطان في أيام العيد.
ي: إذا كان ذلك من مزامير الشيطان، و يحل لتينك الجاريتين أن يستمعاه في عيدهما، فإن هذا العيد لم يكن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليحل له سماع مزامير الشيطان.
ك: إن الرواية الخامسة: تدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد همّ بفعل السوء.
ل: و فيها دلالة على أن اللّه قد تدخل لمنعه من ذلك السوء بصورة تكوينية، حيث ضرب على أذنه.
م: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرتدع من المرة الأولى، فأعاد الكرة في الليلة الثانية أيضا.
ن: و آخر ملاحظة نذكرها هنا: أن هذه الروايات رغم انها مكذوبة، فإنها تدل على حرمة الضرب على المعازف و الدفوف، و على أنها من السوء، و أنها مزامير الشيطان، و ما إلى ذلك، و هذا يعني: أن الأولى الإستدلال بها على الحرمة، و أنها من الأمور المفروغ عنها.
هذا و لا بد لنا من العودة لتذكير القارئ الكريم بلزوم مراجعة ما ذكرناه في أوائل هذا الكتاب، في فصل: «حتى المدينة. .» للاطلاع على المزيد مما قد يكون من المفيد الإطلاع عليه.
قال الحلبي الشافعي: و حلل المتعة ثم بعد ثلاثة أيام حرمها.
ففي صحيح مسلم، عن بعض الصحابة: «لما أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المتعة خرجت أنا و رجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة غيطاء» .
و في لفظ: «مثل البكرة العنطنطة، فعرضنا عليها أنفسنا. فقلنا لها: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟
فقالت: ما تدفعان؟
قلنا: بردينا» .
و في لفظ: «رداءينا» .
فجعلت تنظر، فتراني أجمل من صاحبي، و ترى برد صاحبي أحسن من بردي، فإذا نظرت إليّ أعجبتها، و إذا نظرت إلى برد صاحبي أعجبها، فقالت: أنت و بردك تكفيني، فكنت معها ثلاثا» .
و الحاصل: أن نكاح المتعة كان مباحا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، و استمر تحريمه إلى يوم القيامة.
و كان فيه خلاف في الصدر الأول، ثم ارتفع. و أجمعوا على تحريمه، و عدم جوازه.
قال بعض الصحابة: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائما بين الركن و الباب و هو يقول: أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الإستمتاع، ألا و إن اللّه حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخلّ سبيلها، و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» .
لكن في مسلم، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: «استمتعنا على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر، و عمر» .
و في رواية عنه: حتى نهى عنه عمر.
و قد تقدم في غزاة خيبر، عن الشافعي: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، و هو يدل على: أن إباحتها عام الفتح كانت بعد تحريمها بخيبر، ثم حرمت به.
و هذا يعارض ما تقدم: أن الصحيح أنها حرمت في حجة الوداع.
إلا أن يقال: يجوز أن يكون تحريمها في حجة الوداع تأكيدا لتحريمها عام الفتح، فلا يلزم أن تكون أبيحت بعد تحريمها أكثر من مرة، كما يدل عليه كلام الشافعي.
لكن يخالفه ما في مسلم عن بعض الصحابة: «رخص لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها» .
و قد يقال: مراد هذا القائل بعام أوطاس عام الفتح، لأن غزاة أوطاس كانت في عام الفتح كما تقدم.
و ما تقدم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من جوازها رجع عنه.
فقد قال بعضهم: و اللّه، ما فارق ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الدنيا حتى رجع إلى قول الصحابة في تحريم المتعة.
و نقل عنه رضي اللّه تعالى عنه: أنه قام خطيبا يوم عرفة، فقال: أيها الناس، إن المتعة حرام كالميتة و الدم و لحم الخنزير.
و الحاصل: أن المتعة من الأمور الثلاثة التي نسخت مرتين.
الثاني: لحوم الحمر الأهلية.
الثالث: القبلة، كذا في (حياة الحيوان) (1).
و عن سبرة قال: حرم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متعة النساء يومئذ (2). يعني: عام الفتح.
و نقول:
إن زواج المتعة هو من الموضوعات الخلافية المعروفة فيما بين شيعة أهل البيت «عليهم السلام» ، و بين أهل السنة، حيث اتفق الجميع على أن هذا الزواج كان حلالا في أول الإسلام، ثم ادّعى أهل السنة أنه قد نسخ. . و أنكر عليهم الشيعة هذه الدعوى، و ردوها بالأدلة القاطعة، و البراهين الساطعة.
و قد اضطربت روايات أهل السنة في تاريخ نسخ هذا الزواج، و في ناسخه، و كلها اجتهادات تستند إلى دعاوى مدخولة، أو إلى أخبار آحاد، لا تقوم بها حجة، و لا يثبت بها شيء. .
و قد ناقشنا جميع تلك المزاعم و سواها في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق
و دراسة» و هو مؤلف من ثلاثة أجزاء، صادر عن المركز الإسلامي للدراسات، فيمكن الرجوع إليه، لمن أراد التوسع في البحث، و الإستقصاء في البيان.
غير أننا نشير هنا: إلى نبذة يسيرة تفيد في توضيح الأمر فيما يرتبط بخصوص الروايات التي تزعم أن هذا الزواج قد نسخ في فتح مكة.
أما سائر المزاعم التي أوردها الحلبي في عبارته المتقدمة، فقد فندناها بما لا مزيد عليه في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق و دراسة» فمن أراد الوقوف عل ذلك، فليراجع ذلك الكتاب.
أما هنا فنكتفي بما يلي:
1-عن الحارث بن غزية: سمعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة يقول: متعة النساء حرام. ثلاث مرات (1).
2-و قد روي عن سبرة بن معبد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى يوم الفتح عن متعة النساء (2). رواه مسلم.
1) مجمع الزوائد ج 4 ص 266 عن الطبراني، و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 273 و الإستيعاب ج 1 ص 299.
2) راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 204 و سنن الدارمي ج 2 ص 140، و مسند الشافعي ص 255 دون تعيين المناسبة، و كذا في لباب التأويل ج 1 ص 343 و كذا في تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 34 و 35، و علل الحديث للرازي ج 1 ص 420، و كنز العمال ج 22 ص 97 و 96، و جامع الأصول ج 12 ص 134، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 26، و التاج الجامع للأصول ج 2 ص 335، و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 218، و الإستذكار ج 16 ص 289 و 290، و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 389، و مسند أحمد ج 3 ص 404 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و حلية الأولياء ج 5 ص 363 و المعجم الكبير ج 7 ص 112 و 113 و كتاب الأم ج 7 ص 183 و الشرح الكبير ج 7 ص 531 و كتاب المسند للشافعي ص 387 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 327 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 173 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 454 و 464 و معرفة علوم الحديث ص 150 و مسند أبي حنيفة ص 40 و 270 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 341 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 29.
3-و في رواية: أمرنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها (1)رواه مسلم.
4-و في نص آخر رواه مسلم و غيره، عن سبرة أنه قال: أذن لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمتعة، فانطلقت أنا و رجل إلى امرأة من بني عامر، كأنها بكرة عيطاء، فعرضنا أنفسنا عليها، فقالت: ما تعطي؟
فقلت: ردائي.
و قال صاحبي: ردائي.
و كان رداء صاحبي أجود من ردائي، و كنت أشبّ منه، فإذا نظرت إلى رداء
1) البداية و النهاية ج 4 ص 193 و 319، و الإحسان ج 9 ص 457 و هامش ص 454 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366، و راجع المعجم الكبير رقم 6525 و 6526، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 203 و 202 و كشاف القناع ج 5 ص 106 و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و صحيح مسلم ج 4 ص 133 و فتح الباري ج 9 ص 146 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 58.
صاحبي أعجبها، و إذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت و رداؤك يكفيني.
فمكثت معها ثلاثا، ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع، فليخل سبيلها» (1).
و للحديث نصوص أخرى متقاربة يمكن مراجعتها في المصادر المختلفة.
أولا: إن رواية الحارث بن غزية، و كذلك رواية سبرة لا تتلاءم مع
1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و 133، و فتح الملك المعبود ج 3 ص 224، و سنن البيهقي ج 7 ص 202 و 203، و أوجز المسالك ج 9 ص 406، و مسند أحمد ج 3 ص 405. و روايات سبرة حول نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المتعة يوم الفتح توجد في كتاب: التمهيد ج 10 ص 106، و البداية و النهاية ج 4 ص 193 عن البخاري، و أشار إليها الترمذي في الجامع الصحيح المطبوع مع تحفة الأحوذي ج 4 ص 268، و كذا في تحفة الأحوذي نفس الجزء، و الصفحة عن المنتقى، و التفسير الكبير ج 10 ص 51، و نصب الراية ج 3 ص 177، و المنار في المختار ج 1 ص 462، و فقه السنة ج 4 ص 42 و تحريم نكاح المتعة ص 58 و 59 و 61، و مسند الحميدي (ط المكتبة السلفية) ج 2 ص 374 و سنن سعيد بن منصور (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 217 و راجع ص 218، و راجع: حواشي البجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336، و مرقاة المفاتيح ج 3 ص 422 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152 و سنن النسائي ج 6 ص 127 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 329 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 134 و تهذيب الكمال ج 9 ص 84.
الروايات الأخرى التي تقول: إن المتعة قد حرمت عام خيبر، أو أوطاس، أو عمرة القضاء، أو حنين، أو حجة الوداع، أو تبوك.
ثانيا: إنها تتناقض مع الروايات الكثيرة المثبتة في كتب أهل السنة، سواء في ذلك كتب الصحاح و غيرها. . و التي صرحت: بأن عمر هو الذي حرم زواج المتعة، و أن هذا الزواج كان حلالا في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عهد أبي بكر، و شطر من خلافة عمر.
و قد أوردنا في كتابنا: «زواج المتعة: تحقيق و دراسة» أكثر من مائة رواية تدل على بقاء حلية المتعة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثالثا: إن رواية سبرة المتقدمة لا تدل على التحريم، بل هو «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم بتخلية سبيل النساء استعدادا للرحيل. . و لعل هذا هو النص المعقول من رواية سبرة.
و أما الكلمات التي تدل على التحريم المؤبد، فلعلها إضافات متعمدة على الروايات الصحيحة. .
رابعا: هناك تناقضات لا بد من ملاحظتها في نفس رواية سبرة، فهل أعطى المتمتع تلك المرأة بردين أحمرين؟ (1). أم أعطاها بردا واحدا؟ (2).
1) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 133 و 134 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 176 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 112 و نصب الراية ج 3 ص 333 و 337 و تهذيب الكمال ج 8 ص 177 و المنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص 133.
2) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و 132 و 133 و مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 و 406 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 203 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 504 و المنتقى من السنن المسندة ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و 454 و 455 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 108 و 110 و 111 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 451 و 453 و معرفة علوم الحديث ص 176 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 343 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و نصب الراية ج 3 ص 334 و كنز العمال 16 ص 524 و 525 و تفسير الميزان ج 4 ص 292 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 193 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 133 و ج 36 ص 324 و الإصابة ج 3 ص 26 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342.
1) تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 59.
2) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 132 و مسند أحمد ج 3 ص 405 و 406 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 238 و المنتقى من السنن المسندة ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 454 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 452 و معرفة و الإستذكار ج 5 ص 504 و السنن و الآثار ج 5 ص 343 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و المعجم الأوسط ج 2 ص 83 و نصب الراية ج 3 ص 334 و كنز العمال ج 16 ص 525 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 193 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 324 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342 و جامع الخلاف و الوفاق ص 460 و الينابيع الفقهية ج 38 ص 55.
3) راجع: المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152.
أو أنه من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ (1)أو أنه صاحبه؟ (2)أو أنه من قومه؟ (3)أي من جهينة. و جهينة من قضاعة. أو أنه من بني سليم؟ (4)و هم إما بطن من عدنان، أو من قحطان (5).
و هل الوسيم الذي استمتع بالمرأة هو سبرة، و كان برده خلقا؟ أما
1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 405 و تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 70 و ج 20 ص 133 و راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 131 و سنن النسائي ج 6 ص 127 و ج 7 ص 202 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 328 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و المعجم الكبير ج 7 ص 110 و 111 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 108 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 414 و نصب الراية ج 3 ص 334 و تهذيب الكمال ج 9 ص 84.
2) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 صحيح مسلم ج 4 ص 133 و المصنف ج 7 ص 504 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 451 و 453 و كنز العمال ج 16 ص 524 و الإصابة ج 3 ص 26 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25.
3) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 455 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 111 و تفسير الميزان ج 4 ص 292 و صحيح مسلم ج 4 ص 132.
4) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 203 و صحيح مسلم ج 4 ص 133 و معرفة علوم الحديث ص 176 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 133 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 455.
5) راجع: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 261 و 279 و 408 و 444.
الآخر، فكان دميما، و برده جديد؟ أم العكس؟ (1).
خامسا: إن هذه الرواية خبر واحد، و النسخ لا يثبت بأخبار الآحاد، لأنها تنتهي إلى الحارث بن غزية، و سبرة بن معبد، برواية ولده عبد الرحمن بن سبرة عنه، ثم حفيده عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أبيه.
إلا أن حذيفة قد روى هذه الرواية عن الزهري، عن محمد بن عبد اللّه عن سبرة (2).
مع أن المتوقع هو: أن يروي ذلك النسخ عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عشرات الصحابة، لأن رواية سبرة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن هذا التحريم على المنبر، و هو قائم بين الركن و المقام، أو بين الباب و الحجر، أو بين الباب و زمزم، أو نحو ذلك (3).
و من الواضح: أن هذا الأمر مما يهتم الناس لتحليله و لتحريمه على حد سواء.
سادسا: إن حديث سبرة متناقض في نفسه، لأن بعض نصوصه تقول:
1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 405 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264، و قال: رواه أحمد و رجاله رجال الصحيح.
2) تحريم المتعة للمحمدي ص 166 و 167 و راجع: أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 190.
3) راجع: التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 107 و صحيح مسلم ج 4 ص 132 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 61 و التفسير الحديث ج 9 ص 53 و المرأة في القرآن و السنة ص 180 و مصادر كثيرة أخرى.
إن ما جرى من تحليل، ثم تحريم المتعة قد كان عام الفتح (1).
و بعضها الآخر يصرح: بأن ذلك كان في حجة الوداع (2).
1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و صحيح مسلم ج 4 ص 132 و 133 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 202 و 204 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 180 و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 و مسند الحميدي ج 2 ص 374 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 389 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 29 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 328 و مسند عمر بن عبد العزيز ص 175 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 453 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 110 و 111 و 112 و الخلاف للطوسي ج 4 ص 342 و جامع الخلاف و الوفاق ص 460 و الينابيع الفقهية ج 38 ص 55 و المجموع للنووي ج 16 ص 254 و المبسوط للسرخسي ج 5 ص 152 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 7 ص 537 و كشف القناع ج 5 ص 106 و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و 273 و الغدير ج 6 ص 239 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 464 و 465 و مسند أبي حنيفة ص 40 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 341 و الإستذكار ج 5 ص 503 و التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 102 و 103 و نصب الراية ج 3 ص 336 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 58 و كنز العمال ج 16 ص 525 و شرح مسند أبي حنيفة ص 210 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 190 و البداية و النهاية ج 4 ص 220 و 364 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 و 601.
2) جامع الأصول ج 12 ص 135 و التمهيد ج 9 ص 104 و 105 و 106 و 107، و فتح القدير ج 1 ص 449، و الإستذكار ج 16 ص 290 و 291، و البناية في شرح الهداية ج 4 ص 100، و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131، و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و 272، و فتح الباري ج 9 ص 146 و 149، و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 3 ص 204 و 203، و راجع شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 46 عن أبي داود، و عن سنن أبي داود ج 1 ص 283 و ج 2 ص 226 و 227 الحديث رقم (2072) ، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474، و البداية و النهاية ج 4 ص 418 و مسند أحمد ج 3 ص 404 و 405، و تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 34 و 35، و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ ج 5 ص 176 و راجع ص 177، و شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 180 و تاريخ بغداد ج 6 ص 105 و 106 و أوجز المسالك ج 9 ص 407، و المنتقى ج 2 ص 522 عن أحمد، و أبي داود، و السنن الكبرى ج 7 ص 203 و 204، و راجع غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول ج 2 ص 335، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 25، و كنز العمال ج 22 ص 97 و 98 عن ابن جرير، و عبد الرزاق، و إرواء الغليل ج 6 ص 312 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 631 و سنن الدارمي ص 140 و الإحسان ج 9 ص 454 و 455 و كتاب العلوم لأحمد بن عيسى بن زيد ص 12، و السيرة الحلبية ج 3 ص 103، و الهداية في تخريج أحاديث البداية ج 6 ص 508 عن صحيح ابن حبان، و عن المنتقى لابن الجارود ص 234، و مجمع الزوائد ج 4 ص 264 عن أحمد و رجاله رجال الصحيح.
أو في عمرة القضاء (1). فأي ذلك هو الصحيح؟ !
أما حديث: أن هذا الزواج أبيح ثم نسخ، ثم أبيح، ثم نسخ، مرتين أو ثلاثا، أو أكثر، فهو غير صحيح، فإن المتعة قد شرعت بالقرآن، و قام
1) راجع: التمهيد ج 9 ص 108، و نيل الأوطار ج 6 ص 272، و شرح النووي على مسلم ج 9 ص 180 و المجموع للنووي ج 16 ص 254 و عمدة القاري ج 10 ص 166 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 504 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 504 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131.
الإجماع على تشريعها، و دلت على ذلك أيضا الأخبار المتواترة.
و قد ذكرنا: أن جماعات كثيرة من الصحابة و التابعين، و أئمة المذاهب، و علماء السلف قائلون ببقاء تشريعها. . و لكن عمر هو الذي حرمها.
فإذا كانت المتعة قد شرعت بالقرآن، فالسنة لا تنسخ القرآن (1). كما أن
1) المستصفى للغزالي ج 1 ص 124 و (ط دار الكتب العلمية) ص 99 و 100 و 101 و فواتح الرحموت بهامشه ج 2 ص 78، و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 3 ص 139 و راجع ج 4 ص 107 و نهاية السؤل للأسنوي ج 2 ص 579 و 580 و 586 متنا و هامشا، و راجع ج 4 ص 457، و إرشاد الفحول ص 191، و قال: و به جزم الصيرفي و الخفاف، و أصول السرخسي ج 2 ص 67 و 68 و 69، و لباب التأويل للخازن ج 1 ص 343 و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ من الآثار ص 28 و تنقيح الفصول ص 311 و أحكام الفصول لابن خلف الناجي ص 358 و تيسير التحرير ج 3 ص 201 و إرشاد الفحول ص 190 و فواتح الرحموت ج 2 ص 76 و الغدير ج 6 ص 233 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 203 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 206 و المحصول للرازي ج 3 ص 351 و المجموع للنووي ج 15 ص 422 و نيل الأوطار ج 6 ص 152 و فتح الباري ج 5 ص 278 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 261 و تفسير الرازي ج 20 ص 116 و الفصول في الأصول للجصاص ج 2 ص 353 و الإستذكار ج 7 ص 264 و فقه القرآن للراوندي ج 2 ص 370 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 206 و الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 56 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 451 و اللمع في أصول الفقه ص 174 و إختلاف الحديث للشافعي ص 484 و عمدة القاري ج 1 ص 247 و التبيان ج 3 ص 167.
السنة المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد (1).
و قد قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : و القول بأن السنة لا تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة، و جماعة من المتفقهة و أصحاب الحديث، و يخالفه كثير من المتفقهة و المتكلمين (2).
و تعدد النسخ مما لا يعهد في الشرع، و لا يقع مثله فيها (3).
و قال العسقلاني عن روايات النسخ: لا يصح من الروايات شيء بغير
1) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 2 ص 134، و إرشاد الفحول ص 190 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 403 و 451 و نيل الأوطار ج 9 ص 194 و فتح الباري ج 5 ص 207 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 479 و شرح مسلم للنووي ج 4 ص 37 و اللمع في أصول الفقه ص 173 منتهى المطلب (ط ج) ج 2 ص 83 و الينابيع الفقهية ج 12 ص 156 و ج 34 ق 1 ص 271 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 42 و التبيان ج 2 ص 108 و تفسير جوامع الجامع ج 1 ص 181 و نواسخ القرآن ص 27 و تفسير الرازي ج 5 ص 68 و ج 9 ص 232 و ج 10 ص 43 و ج 11 ص 21 و 163 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 204 و عدة الأصول (ط ج) ج 2 ص 531 و الفصول في الأصول ج 1 ص 163 و 196 و ج 2 ص 276 و 321 و المستصفى ص 248 و المحصول ج 3 ص 349.
2) راجع: أوائل المقالات ص 123.
3) راجع: زاد المعاد ج 2 ص 183 و فقه السنة ج 2 هامش ص 42 و المنتقى ج 2 هامش ص 92 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و تفسير النيسابوري (مطبوع بهامش الطبري) ج 5 ص 19 و التفسير الكبير للرازي ج 10 ص 52 و سنن البيهقي ج 7 ص 201 و 207.
علة إلا غزوة الفتح (1).
و روايات الفتح خبر واحد، لا يصح النسخ بها، بالإضافة إلى عاهات و علل أخرى ذكرنا بعضها في كتاب: «زواج المتعة تحقيق و دراسة» فراجعه.
على أن نفس القائلين بنسخ المتعة في زمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يروون: أن الصحابة كانوا يستمتعون على عهد أبي بكر و عمر، حتى نهاهم عمر.
و أما ما نسب إلى ابن عباس: من أنه رجع عنها، إلا في حال الضرورة، فهو لا يفيد شيئا، لأن المفروض: أن الرجوع عنها يقتضي القول بنسخها مطلقا.
مع أنهم ينسبون إليه أنه قال: إنه إنما أحلها حال الضرورة. و أنه لم يرجع عن قوله هذا. و الحال أنهم ينكرون بقاء تشريعها حتى في هذه الحال أيضا.
عن ابن عباس قال: أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين (2).
1) فتح الباري ج 9 ص 146 و 147.
2) سبل السلام ج 2 ص 40 و صحيح البخاري ج 5 ص 95 و فتح الباري ج 7 ص 18 و عمدة القاري ج 17 ص 288 و راجع: معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و فتح الباري ج 2 ص 463 و ج 8 ص 17 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 341 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 149 و 150 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 75 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 416 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450.
و في لفظ: «أقمنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة تسعة عشر نقصر الصلاة» (1).
و عند أبي داود: سبعة عشر (2).
و عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين» (3).
1) سبل السلام ج 2 ص 40 و صحيح البخاري ج 5 ص 95 و عمدة القاري ج 17 ص 288 معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و نصب الراية ج 2 ص 221 و أضواء البيان ج 1 ص 275 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 143 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 عن البخاري، و أبي داود، و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و نصب الراية ج 2 ص 221 و راجع: سبل السلام ج 2 ص 40 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 258 و فتح الباري ج 2 ص 463 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 93 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 149 و 150 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 202 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 207.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و السيرة الحلبية ج 3 ص 104 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 91 و 93 و عون المعبود ج 4 ص 70 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 419 و ج 2 ص 338 و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 209 و الإستذكار ج 2 ص 229 و ج 2 ص 243 و 250 و التمهيد لابن عبد البر ج 16 ص 314 و ج 22 ص 307 و نصب الراية ج 2 ص 224 و 225 و 226 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 212 و كنز العمال ج 7 ص 545 و ج 8 ص 237 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 318 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 277 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و 463 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 143 و 144 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 130 و 138 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 103 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و الغدير ج 8 ص 113 و مسند أحمد ج 4 ص 431 و 432 و سنن أبي داود ج 1 ص 275 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 157 و فتح الباري ج 2 ص 463.
و عن أنس قال: «أقمنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرة نقصر الصلاة» (1).
و قال الشافعي: «قد قصر أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 عن البخاري باب مقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمكة زمان الفتح، و عن صحيح مسلم ج 2 ص 141 ح (15) و (ط دار الفكر) ص 145 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 367 ح (1031) و ج 4 ص 1564 ح (1046) . و راجع: المحلى ج 5 ص 26 و تلخيص الحبير ج 4 ص 444 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 342 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 153 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 202 و الديباج على مسلم ج 2 ص 328 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 400 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 75.
معه عام الفتح» (1).
و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، و ابن عباس: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة» (2).
و عن عراك بن مالك: أقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين ليلة يصلي ركعتين (3).
قال الحلبي: «و بهذا الثاني قال أئمتنا: إن من أقام بمحل لحاجة يتوقعها
1) الأم ج 1 ص 165 و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 153 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 437.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 261 و ج 8 ص 231 عن أبي داود، و النسائي، و صححه الحافظ. و المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و تاريخ الخميس ج 2 ص 90 و أضواء البيان ج 1 ص 276 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 144 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و المجموع للنووي ج 4 ص 360 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 92 و 93 و عون المعبود ج 4 ص 70 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 340 و ج 8 ص 540 و المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 304 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 562 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 434 و البداية و النهاية ج 4 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 599 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 342 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 417 و تلخيص الحبير ج 4 ص 450 و ج 7 ص 355 و سبل السلام ج 2 ص 40 و نيل الأوطار ج 3 ص 256 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 246 و 248 و نصب الراية ج 2 ص 224 و الجوهر النقي ج 3 ص 151 و سنن أبي داود ج 1 ص 275 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 151.
3) المغازي للواقدي ج 2 ص 871 و تلخيص الحبير ج 4 ص 449 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 94 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 201.
كل وقت قصر ثمانية عشر يوما غير يومي الدخول و الخروج، و لعل سبب إقامته المدة المذكورة: أنه كان يترجى حصول المال الذي فرقه في أهل الضعف من أصحابه، فلما لم يتم له ذلك خرج من مكة إلى حنين لحرب هوازن» (1).
و نقول:
1-إن الثابت عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» : أن من نوى إقامة عشرة أيام فإنه يتم الصلاة، أما من بقي مترددا فإنه يقصر الصلاة إلى شهر، ثم يبدأ بالإتمام.
و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن ثمة اختلافا في مدة بقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، ما بين عشرة أيام إلى عشرين يوما.
فإن أخذنا برواية بقائه عشرة أيام، فإن القصر في الصلاة يصبح أمرا طبيعيا إذا كانت العشرة غير تامة.
و إن أخذنا بسائر الروايات: فإن تقصير الصلاة لا بد أن يكون بسبب التردد في مدة البقاء، و توقع الخروج يوما بعد آخر.
فإن اعترض أحد: بأنه كيف يتردد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنتم تقولون: إن اللّه يطلعه على غيبه؟ !
فالجواب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما يتعامل مع الأمور وفق مسارها الطبيعي، لا وفق ما يطّلع عليه بوسائط غير عادية. فإذا علم بعلم الشاهدية: أن فلانا مثلا سارق، فليس له أن يقطع يده إذا لم يشهد شاهدان عليها بالسرقة، أو يقر هو بذلك.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 104.
و كذلك الحال: لو أخبره جبرئيل «عليه السلام» : بأن مقامه بمكة سوف يستمر إلى عشرين يوما. لكن مسار الأمور يعطي: أن يتوقع الخروج يوما بعد آخر. فإن عليه أن يعمل وفق هذا المسار الطبيعي، الذي يجعل الناس عادة في موقع التردد؛ فيأخذ حكم المتردد في الإقامة في عباداته، و معاملاته مع الناس. و غير ذلك.
2-إن ما ذكروه: من أن سبب بقائه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة هو توقع حصول المال الذي اقترضه، ليؤديه لأصحابه. غير سديد:
أولا: لأن أداء دينه لا يحتاج إلى بقائه، إذ يمكنه أن يرجع إلى المدينة، و يرسل به إلى دائنه. خصوصا و أن الذين يعطون الأخماس و الزكوات لم يحملوا أموالهم إلى مكة ليؤدوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الحق الشرعي منها. . و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعتمد في أداء ديونه على غنائم الحرب، و لا كان يخطط لشن غزوات من أجل أدائها منها.
ثانيا: إنه ليس ثمة ما يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد التزم بأداء ذلك المال و هو في مكة، كما لا دليل على أنه التزم بأدائه لهم في هذه المدة الوجيزة، فلعل مهلة الأداء تمتد إلى شهور، أو سنوات.
ثالثا: إن خروجه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حرب هوازن ليس لأجل الحصول على المال، بل لأنها حرب قد فرضت عليه في هذا الوقت، بسبب جمعهم له، و ظهور خطرهم. . على أن حصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المال لا ينحصر بأن يكون عن طريق الغزو، فهناك مصادر أخرى له، مثل الزراعات و التجارات، و الأخماس المترتبة على الناس في أموالهم حسبما ألمحنا إليه.
قالوا: و ولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عتاب بن أسيد، و عمره ثماني عشرة، أو إحدى و عشرون سنة أمر مكة، و أمره «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي بالناس، و هو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة (1).
قال في السيرة الحلبية: «في الكشاف، و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة و قال: «انطلق فقد استعملتك على أهل اللّه. أي و قال ذلك ثلاثا» فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن.
و قال: و اللّه، لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق.
فقال أهل مكة: يا رسول اللّه، لقد استعملت على أهل اللّه عتاب بن أسيد، أعرابيا، جافيا؟ !
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب، فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له، فدخلها، فأعز اللّه به الإسلام، فنصرته للمسلمين على من يريد
1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59.
ظلمهم» (1).
هذا. . و في تاريخ الأزرقي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لقد رأيت أسيدا في الجنة، و أنى. أي كيف يدخل أسيد الجنة.
فعرض له عتاب بن أسيد، فقال: هذا الذي رأيت، ادعوه لي.
فدعي له، فاستعمله يومئذ على مكة، ثم قال: يا عتاب، أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل اللّه، فاستوص بهم خيرا. يقولها ثلاثا.
فإن قيل: كيف يقول عن أسيد إنه رآه في الجنة، ثم يقول عن ولد أسيد إنه الذي رآه في الجنة.
قلنا: لعل عتابا كان شديد الشبه بأبيه، فظن «صلى اللّه عليه و آله» عتابا أباه، فلما رآه عرف أنه عتاب لا أسيد.
و في كلام سبط ابن الجوزي: عتاب بن أسيد استعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل مكة لما خرج إلى حنين و عمره ثماني عشرة سنة.
و في كلام غيره ما يفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما استخلف عتاب بن أسيد و ترك معه معاذ بن جبل بعد عوده من الطائف، و عمرته من الجعرانة.
إلا أن يقال: لا مخالفة، و مراده باستخلافه إبقاؤه على ذلك.
إلى أن قال في السيرة الحلبية: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و 60 و تفسير الثعلبي ج 6 ص 128 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 406 و الإصابة ج 4 ص 357 و لسان الميزان ج 3 ص 270.
رأى في المنام: أن أسيدا والد عتاب واليا على مكة مسلما، فمات على الكفر، فكانت الرؤيا لولده، كما تقدم مثل ذلك في أبي جهل و ولده عكرمة.
و لما ولاه «صلى اللّه عليه و آله» على مكة جعل له في كل يوم درهما، فكان يقول: لا أشبع اللّه بطنا جاع على درهم في كل يوم.
و يروى: أنه قام فخطب الناس، فقال: يا أيها الناس أجاع اللّه كبد من جاع على درهم. أي له درهم، فقد رزقني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» درهما في كل يوم، فليست لي حاجة إلى أحد.
و عن جابر رضي اللّه تعالى عنه: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استعمل عتاب بن أسيد على مكة، و فرض له عمالته أربعين أوقية من فضة» .
و لعل الدرهم كل يوم يحرز القدر المذكور: أي أربعين أوقية في السنة فلا مخالفة (1).
و ستأتي مناقشة هذه الأقاويل إن شاء اللّه تعالى.
و قالوا أيضا: لما حتم قضاء اللّه بفتح مكة، و استوسقت له أمّر عليهم عتّاب بن أسيد، فلما اتصل بهم خبره قالوا: إن محمدا لا يزال يستخف بنا حتى ولى علينا غلاما حدث السن ابن ثماني عشرة سنة، و نحن مشايخ ذوي الأسنان و جيران حرم اللّه الآمن، و خير بقعة على وجه الأرض.
و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعتاب بن أسيد عهدا على مكة
1) السيرة الحلبية ج 4 ص 105 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 59 و 60.
و كتب في أوله:
«من محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جيران بيت اللّه الحرام، و سكان حرم اللّه.
أما بعد. . فمن كان منكم باللّه مؤمنا، و بمحمد رسوله في أقواله مصدقا، و في أفعاله مصوبا، و لعلي أخي محمد رسوله، و نبيه، و صفيه، و وصيه، و خير خلق اللّه بعده مواليا، فهو منا و إلينا. و من كان لذلك أو لشيء منه مخالفا، فسحقا و بعدا لأصحاب السعير، لا يقبل اللّه شيئا من أعماله، و إن عظم و كبر، يصليه نار جهنم خالدا مخلدا أبدا.
و قد قلد محمد رسول اللّه عتاب بن أسيد أحكامكم و مصالحكم، و قد فوض إليه تنبيه غافلكم، و تعليم جاهلكم، و تقويم أود مضطربكم، و تأديب من زال عن أدب اللّه منكم، لما علم من فضله عليكم، من موالاة محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من رجحانه في التعصب لعلي ولي اللّه، فهو لنا خادم، و في اللّه أخ، و لأوليائنا موال، و لأعدائنا معاد، و هو لكم سماء ظليلة، و أرض زكية، و شمس مضيئة، قد فضله اللّه على كافتكم بفضل موالاته و محبته لمحمد و علي، و الطيبين من آلهما، و حكّمه عليكم، يعمل بما يريد اللّه فلن يخليه من توفيقه.
كما أكمل من موالاة محمد و علي «عليه السلام» شرفه و حظه، لا يؤامر رسول اللّه و لا يطالعه، بل هو السديد الأمين.
فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء، و عظيم الحباء.
و ليتوق المخالف له شديد العذاب، و غضب الملك العزيز الغلاب.
و لا يحتج محتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الأكبر هو الأفضل،
بل الأفضل هو الأكبر، و هو الأكبر في موالاتنا و موالاة أوليائنا، و معاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الأمير عليكم، و الرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحبا به. و من خالفه فلا يبعد اللّه غيره» .
قال: فلما وصل إليهم عتاب و قرأ عهده، و وقف فيهم موقفا ظاهرا نادى في جماعتهم حتى حضروه، و قال لهم:
معاشر أهل مكة، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رماني بكم (1)شهابا محرقا لمنافقكم، و رحمة و بركة على مؤمنكم، و إني أعلم الناس بكم و بمنافقكم، و سوف آمركم بالصلاة فيقام بها، ثم أتخلف أراعي الناس، فمن وجدته قد لزم الجماعة التزمت له حق المؤمن على المؤمن، و من وجدته قد بعد عنها فتشته، فإن وجدت له عذرا عذرته، و إن لم أجد له عذرا ضربت عنقه، حكما من اللّه مقضيا على كافتكم، لأطهر حرم اللّه من المنافقين.
أما بعد. . فإن الصدق أمانة، و الفجور خيانة، و لن تشيع الفاحشة في قوم إلا ضربهم اللّه بالذل، قويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، و ضعيفكم عندي قوي حتى آخذ الحق له.
اتقو اللّه، و شرفوا بطاعة اللّه أنفسكم، و لا تذلوها بمخالفة ربكم.
ففعل و اللّه كما قال، و عدل، و أنصف، و أنفذ الأحكام، مهتديا بهدى اللّه، غير محتاج إلى مؤامرة و لا مراجعة (2).
قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : «لا يخفى ما في هذا الكتاب من آثار الكلفة و الصنعة، مع ضعف هذا التفسير في الإنتساب إليه صلوات اللّه و سلامه عليه (و آله) .
هذا مضافا إلى أن يخالف أسلوب كتبه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و قد قال الدميري: «عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاضيا على مكة يوم الفتح» (2).
و الظاهر: أن هذا غير دقيق، فإن الروايات تؤكد أنه أمير، و القضاء من الشؤون التي ترجع إلى الأمير أيضا.
و بعد. . فإن تولية عتاب على مكة و هو قرشي، و عمره ثماني عشرة، أو إحدى و عشرون سنة، ثم تولية أسامة بن زيد على المهاجرين و الأنصار بعد ذلك و عمره ثماني عشرة سنة يثيران أمامنا العديد من الأمور.
و لعل أهمها: أن ذلك يدخل في سياق إبطال التعللات التي يحاول مناوئوا علي «عليه السلام» أن يتذرعوا بها في تمردهم عليه، و ردّ أمر اللّه و رسوله فيه.
فتولية عتاب بن أسيد، على شيوخ قريش، و عتاتها، و المستكبرين فيها، و هو الشاب ذو الثمانية عشر عاما أو أكثر بيسير، الذي تربى في محيط مكة، و ترعرع بين شعابها، و يعرف الناس عنه كل شاردة و واردة، مما لا يستسيغه أولئك الناس، و لا يحبذونه، بل هم يفضلون رجلا شيخا مجربا قرشيا، ظاهر السيادة فيهم، عظيم المقام بينهم.
و إذا كان قد سهل عليهم أن يتجرعوا هذه الكأس، و لو بشيء من المرارة، أو التبرم، و الإستهجان، فذلك لأنه قرشي، و هو منهم و إليهم.
و لو كان من غيرهم، كأن يكون من الأنصار مثلا، فإن المصيبة ستكون عليهم أشد، و البلاء سيكون أعظم.
ثم جاءت تولية أسامة بن زيد على شيوخ المهاجرين و الأنصار في مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع ما لها من ارتباط وثيق بموضوع خلافة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما لها من أثر في إبطال الذرائع التي ربما تكون قد أعدت سلفا و كان عمره أيضا ثمانية عشر عاما، فكانت الضربة القاسية التي استهدفت صميم مشروعهم الإنقلابي على العهود التي أعطوها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على ما أنشأوه من بيعة لعلي «عليه السلام» بالإمامة في يوم غدير خم.
فلم يعد يفيدهم القول: بأن ثمة من هو أسنّ من علي «عليه السلام» ، و الناس لا يرضون بتقديمه عليهم، إذ كيف رضي عتاة قريش بتولية عتاب على مكة. . و كيف رضي شيوخ المهاجرين و الأنصار بتولية أسامة بن زيد عليهم.
فإن أمكن التعلل: بأن قضية أسامة إنما ترتبط بشأن الحرب، و ليس
بالضرورة أن يكون الخبير بالحرب مؤهلا لقيادة الأمة في سائر شؤونها: السياسية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، و لا أن يكون قادرا على حل مشاكلها في سائر المجالات، فضلا عن أن يكون أهلا لمقام الفتوى و القضاء، و تربية الناس، تربية صالحة، و بث المعارف الصحيحة فيهم.
أولا: إن تولية عتاب بن أسيد على مكة لا تختص بالأمور العسكرية، بل هي لإدارة جميع الشؤون السياسية، و الإجتماعية، و غيرها.
ثانيا: إن القيادة العسكرية هي من شؤون الحاكم أيضا. . فإذا كان أسامة، و هو الشاب الذي قد لا يزيد سنّه على ثمانية عشر عاما، أليق ممن يرشحون أنفسهم لخلافة النبوة، و يكون هو الذي يصدر الأوامر إليهم، و يدبر شؤونهم، فما بالك بسائر الشؤون؟ !
و كيف يمكن إثبات جدارة هؤلاء الناس لمقام خلافة النبوة، في الأمور الأعظم أثرا، و الأكثر خطرا؟ !
ثالثا: لو كان السن هو المعيار لقيادة الأمة، لم يصح أن يبعث اللّه أحدا من الأنبياء، و الرسل و لا أنه يجعل أحدا من الناس رسولا أو حاكما للأمة إلا إذا كان أكبر الناس سنا. . و لبطلت نبوة نبينا «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن المفروض: أنه حين صار نبيا، ثم حين صار رسولا كانت هناك فئات كبيرة من الأمة تكبره من حيث السن.
إن عتاب بن أسيد قد أسلم يوم الفتح. و قد كان في المهاجرين المكيين،
من هو أفضل و أورع و أتقى، و أكثر تجربة منه بلا شك. .
و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفس الوقت الذي يريد أن يكون و الي مكة من قريش، فإنه أراده ممن يعيش في مكة. .
و ممن أسلم يوم الفتح بالذات، فإن حقد عتاة قريش عليه أضعف، و حساسيتهم منه تكون أقل. .
و أراده أيضا بهذا السن.
و أراد أن يبقيه لآخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن ذلك يبطل ما سوف يتذرع به نفس هؤلاء، نصرة لأحبائهم لردّ خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام» بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أن من اختاروه كان أكبر سنا من علي، و أن الناس لا يرضون بعلي «عليه السلام» بسبب حداثة سنه، و هذه الذريعة سوف تظهر، على رغم وجود عتّاب أميرا على مكة فعلا.
و مع أمارة أسامة عليهم في المدينة فعلا أيضا. .
و رغم أنهم قد بايعوه يوم الغدير.
و رغم أن توليته «صلى اللّه عليه و آله» من هو أصغر من علي «عليه السلام» سنا، سواء لأمور البلاد، كما هو الحال في مكة، التي هي قلب الإسلام النابض، أو لأمور الجيوش في الحروب، كما في قضية تولية أسامة بن زيد، و بديهي: أن قيادة الجيوش تعني أن تصبح أرواح الناس، و خصوصا الثلة المؤمنة، و مصير البلاد، بل مصير الأمة بأسرها، مرهونة بسياسات هذا القائد، و خططه، و قرارته. .
إن ذلك كله يوضح: أن قضية تولية عتّاب كانت في غاية الأهمية، و في
منتهى الحساسية. .
إن عتّاب بن أسيد قد أسلم يوم الفتح، و توفي يوم موت أبي بكر، و قيل: غير ذلك (1).
و عتّاب أموي نسبا (2).
1) أسد الغابة ج 3 ص 358، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 82 و 191، و الإصابة في تمييز الصحابة ج 2 ص 451/5391، و الطبقات الكبرى ج 5 ص 446 و شرح مسند أبي حنيفة ص 546 و تهذيب الكمال ج 19 ص 282 و 283 و الأعلام للزركلي ج 4 ص 199 و 200 و الإصابة ج 4 ص 356 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 30 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 244 و عون المعبود ج 4 ص 345 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 98 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و الثقات لابن حبان ج 3 ص 304 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 123.
2) الإستيعاب ج 3 ص 1023 و طبقات خليفة بن خياط ص 485 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 181 و ج 37 ص 11 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و أسد الغابة ج 3 ص 308 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و الإصابة ج 5 ص 35 و الأعلام للزركلي ج 4 ص 199 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و اللباب في تهذيب الأنساب ج 2 ص 319 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 612 و ج 3 ص 97 و شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 123 و ج 15 ص 265 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 446 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 403 و المعجم الكبير للطبراني ج 17 ص 161 و تاريخ خليفة بن خياط ص 77 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 595 و عمدة القاري ج 17 ص 158 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 149 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و تفسير الثعلبي ج 2 ص 285 و ج 6 ص 128 و الأحكام لابن حزم ج 7 ص 983 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 67 و ج 3 ص 304 و الدرر لابن عبد البر ص 225 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 181 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 615.
و قد أبقاه أبو بكر على مكة إلى أن مات (1). و هذا يشير إلى مدى التوافق و الإنسجام بين عتّاب و أبي بكر.
و يظهر من إبقاء معاذ معه في مكة لتعليم الناس أحكام دينهم، رغم أن ما يحتاجون إليه هو أبسط الأمور، مثل تعليم الصلاة، و الوضوء، و نحو ذلك: أن عتّابا لم يكن قادرا على القيام بهذه المهمة، بل كان هو بحاجة إلى أن يتعلم من معاذ نفس ما كان أهل مكة يتعلمونه منه، لأنه إنما أسلم كغيره قبل أيام من توليته.
كما أن من يسلم قبل أيام من توليته، فلا مجال للمبالغة في إخلاصه لهذا الدين، و لا في تقواه، و لا في معارفه الإيمانية، و لا. . و لا. . إلا سبيل الادّعاء و التكلف.
1) الأعلام للزركلي ج 4 ص 200 و المعارف لابن قتيبة ص 283 و الكاشف من معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 695 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 612 و ج 3 ص 98 و الوافي بالوفيات ج 19 ص 289 و البداية و النهاية ج 7 ص 41 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10.
و بعد ما تقدم نقول:
قد ذكروا: أن عتّابا قد هدد بقتل المتخلفين عن الجماعة، غير أننا نلاحظ: أن هذا لا يكشف عن شدة تعلق عتّاب بهذا الدين، و لا عن اهتمامه بتطبيق أحكامه، إذ قد يكون داعيه إلى ذلك هو جمع الناس إلى جماعته، و الطمأنينة إلى بسط نفوذه.
ثم إن من غير الطبيعي أن ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه يستدل على صحة اختياره لعتاب، و على أهليته لمقام الولاية، بأنه من أهل الجنة، فإن كون إنسان من أهل الجنة لا يدل على مقدرته، و أهليته لمقام ولاية أمور الناس.
و يدل على ذلك: أن هؤلاء القوم، هم الذين يروون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لأبي ذر: «إني أراك ضعيفا و إني أحب لك ما أحب لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين و لا تولّين مال يتيم» (1).
1) المغني لابن قدامة ج 6 ص 577 و شرح الأزهار ص 308 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 6 ص 590 و جواهر العقود ج 2 ص 281 و نيل الأوطار ج 9 ص 167 و فقه السنة ج 3 ص 580 و البحار ج 22 ص 406 و ج 72 ص 4 و 342 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 583 و مسند أحمد ج 5 ص 180 و صحيح مسلم ج 6 ص 7 و سنن أبي داود ج 1 ص 655 و سنن النسائي ج 6 ص 255 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 91 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 129 و ج 6 ص 283 و ج 10 ص 95 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 210 و عمدة القاري ج 12 ص 19 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 6 ص 255 و السنن الكبرى و النسائي ج 4 ص 113 و أمالي المحاملي ص 389 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 353 و رياض الصالحين للنووي ص 340 و نصب الراية ج 5 ص 41 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 166 و العهود المحمدية ص 893 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 465 و ج 3 ص 42 و الأحكام لابن حزم ج 5 ص 694 و ج 7 ص 986 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 231 و علل الدارقطني ج 6 ص 285 و تاريخ مدينة دمشق ج 66 ص 219 و تهذسي الكمال ج 10 ص 141 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 75 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 377 و أخبار القضاة ج 1 ص 21 و فتوح مصر و أبارها ص 480 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 406 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 103.
و لا يشك أحد في عظمة أبي ذر، و في رفعة مقامه في الجنة.
و أما الحديث عن عزة الإسلام بعتاب بن أسيد، فلم يظهر له وجه، فإن مجرد توليه مكة من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعني أن يعزّ الإسلام به، و أن تأتي البشارة بهذا العز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المنام.
و لا ندري كيف صح للحلبي الشافعي أن يزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يميز بين عتاب و بين أبيه أسيد، لشدة الشبه بينهما.
فأولا: كيف يستطيع أن يثبت الحلبي هذا الشبه الشديد بين الأب و الابن، فإن مجرد الإحتمال لا يجدي في رفع المناقضة.
ثانيا: لنفترض: أن ثمة شبها، و لكن أ ليس الأب شيخا، و عتّاب
شابا؟ ! فهل يعقل أن لا يميز بين الشيخ الكبير و الشاب الذي لا يتجاوز عمره الثمانية عشر عاما، أو أكثر من ذلك بقليل؟ !
ثالثا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخلط بين الأمور إلى هذا الحد، فكيف يمكن أن نطمئن إلى أن هذا الخلط و الإشتباه لم يحصل في ما هو أهم من هذا و ذلك؟ !
و أين هو موقع عصمة الأنبياء، و تسديدهم؟ !
أ ليس يقولون: إن رؤيا الأنبياء وحي أيضا؟ !
فهل يمكن أن يتطرق الخطأ إلى الوحي الإلهي؟ !
و أما وصف أهل مكة: بأنهم أهل اللّه، فلا ندري كيف نفهمه، أو نفسره؟ إذ إنهم قد استسلموا و أصبحوا في قضية الإسلام قبل أيام، و لم يسلم الكثيرون منهم حتى هذه الساعة، و الذين اسلموا منهم لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم. . فكيف صاروا أهل اللّه، و هم على هذه الحالة؟ !
إن ما ذكر في الكتاب المتقدم لأهل مكة، من مدح لعتّاب لا يمكن قبوله، فإن عتابا لا يمكن أن يكون بهذه المثابة التي وضعه فيها الكتاب المذكور، فهو:
1-لم يكن عارفا بأحكام اللّه تعالى، لكي يعلّم جاهلهم.
2-لا يصح وصفه: بأنه سماء ظليلة، و أرض زكية، و شمس مضيئة، ما دام أنه حديث الإسلام و لم يتفقه في الدين.
3-متى بلغ من الفضل و التقى حدا جعله مفضلا على كافة أهل مكة؟ ! مع وجود كثير من المسلمين يعيشون بين أهل مكة منذ سنوات، و خصوصا بعد الحديبية.
4-و كيف و متى ظهر حبه لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» إلى هذا الحد الذي وصفه الكتاب المذكور.
5-على أن في خطبة عتاب فقرات يعرف الناس كلهم أنها لأمير المؤمنين «عليه السلام» (1).
6-يضاف إلى ذلك: أن رواية هذا الكتاب تقول: فلما وصل إليهم عتاب، و قرأ عهده. . مع أن عتّابا كان معهم، و لم يأتهم من خارج بلادهم؟ !
و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل معاذا بمكة مع عتاب، ليفقّه أهلها، و يعلمهم السنن (2).
و نقول:
1-إنه لا شك في أن ما كان يحتاجه أهل مكة في أول إسلامهم هو: تعلم أبسط الأمور، و أوضحها، مثل: الصلاة، و الزكاة، و التطهر من
الجنابة، و دلالتهم على ما هو نجس، و لزوم تطهيره. . و الوضوء، و التيمم، و حرمة الكذب، و النميمة و البهتان. . و سائر المحرمات. . و كيفية الذبح، و الصلاة على الميت، و قراءة القرآن و نحو ذلك.
و لم يكونوا في مستوى يحتاجون فيه إلى المعارف الدقيقة و العالية.
فإبقاء معاذ في مكة ليعلم أهلها أمثال هذه لا يدل على أنه يملك علما، و أن له فضلا يعتد به. .
كما أن هذا لا يدل على استقامته، فضلا عن أن يدل على عدالته. .
و هل هذا إلا مثل إرسال خالد لدعوة الناس إلى الإسلام، و إذ به يرتكب في حقهم أفظع الجرائم، و يبوء بأعظم المآثم. .
ثم إن معاذا-كما يقول سليم بن قيس-كان من الذين كتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على أن يزيلوا الإمامة عن علي «عليه السلام» (1).
و قال الديلمي: إنه حين احتضاره كان يدعو بالويل و الثبور، لممالأته القوم ضد علي «عليه السلام» (2).
1) كتاب سليم بن قيس ص 154 و البحار ج 28 ص 274 و الإحتجاج ج 1 ص 110 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 249 و مستدركات علم الرجال ج 7 ص 436 و الأنوار العلوية ص 288 و غاية المرام ج 5 ص 318 و 336 و نفس الرحمن في فضائل سلمان للميرزا الطبرسي ص 485 و تنقيح المقال ج 3 ص 221 و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 60 و مجمع النورين ص 100 و مدينة المعاجز ج 2 ص 100.
2) البحار ج 28 ص 122 و ج 30 ص 127 و 128 و ج 31 ص 634 و ج 58 ص 241 و مستدركات علم الرجال ج 4 ص 412 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 320 و تنقيح المقال ج 3 ص 221 عن الديلمي، و كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 346 و إرشاد القلوب ص 391 و الصراط المستقيم ج 3 ص 153 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 574 و مجمع النورين ص 204 و عاية المرام ج 4 ص 367 و مدينة المعاجز ج 2 ص 90 و مجمع النورين ص 204 و مدينة المعاجز ج 2 ص 93.
و هو من الجماعة الذين شهروا سيوفهم يوم السقيفة، و مضوا حتى أخرجوا أبا بكر، و أصعدوه المنبر (1).
و هو أول من اتجر في مال اللّه، و ذلك حين ولاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على اليمن، فلما توفي «صلى اللّه عليه و آله» قدم، فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدع له ما يعيشه، و خذ سائره.
فقال أبو بكر: إنما بعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليجبره، و لست آخذا شيئا منه إلا أن يعطيني (2).
قال التستري: «لم يبعثه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأكل مال اللّه، و لا
1) رجال البرقي ص 60 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 98 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 178 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 1 هامش ص 466 و معجم رجال الحديث ج 19 ص 203.
2) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 358 و (ط دار الجيل) ص 1404 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 555 عنه، و المصنف للصنعاني ج 8 ص 268 و 269 و نصب الراية ج 6 ص 198 و كنز العمال ج 5 ص 591 و 592 و قاموس الرجال ج 10 ص 99 و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 430 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 95 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 9.
أجازه في التجارة به» (1).
و من الذي قال لأبي بكر: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما بعثه ليجبره. فلعله بعثه لحفظ الشأن العام، و حفظ أموال بيت المال؟ !
و قالوا: إنه في أحداث البيعة لأبي بكر جاءهم خالد بن الوليد المخزومي، و معه ألف رجل، و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة، و معه ألف رجل، و جاءهم معاذ بن جبل، و معه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع لهم أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب، حتى وقفوا بمسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال عمر: و اللّه، يا أصحاب علي، لئن ذهب فيكم رجل يكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
ثم يذكر كيف أن عمر صار يطوف بالمدينة، و يجمع الناس و يكبسهم، و يستخرجهم من بيوتهم للبيعة.
و بعد ذلك بادر إلى إحراق بيت الزهراء «عليها السلام» (2).
و حين جيء بعلي «عليه السلام» للبيعة-جبرا و قهرا-كان في جملة الجالسين حول أبي بكر بالسلاح (3).
1) قاموس الرجال ج 9 ص 99.
2) الإحتجاج ج 1 ص 200 و (ط دار النعمان) ص 104 و 105 و البحار ج 28 ص 202 و مواقف الشيعة ج 1 ص 430 و 431 و الفوائد الرجالية ج 2 ص 333 و 334 و مجمع النورين ص 79 و 80 و نهج الإيمان لابن جبر ص 586 و بيت الأحزان ص 79 و 95 و 96 و راجع: الصوارم المهرقة ص 58.
3) كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 151 و البحار ج 28 ص 270 و الإحتجاج ج 1 ص 109 و مجمع النورين ص 98 و بيت الأحزان ص 110.
الباب الأول: من فتح مكة إلى حنين. . تسع بعوث و سرايا
الباب الثاني: غزوة حنين. . الهزيمة. . الجريمة. .
الباب الثالث: النصر الإلهي
الباب الرابع: حرب أوطاس. . و حصار الطائف
الباب الخامس: الأنصار. . و السبي. . و الغنائم
الباب السادس: أحداث و سرايا. . إلى تبوك
الباب السابع: الوفادات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
الباب الثامن: وفود لها تاريخ
الباب التاسع: . . إلى حجة الوداع
الباب العاشر: تبليغ سورة براءة و حجة الوداع
الباب الحادي عشر: الغدير في الحديث و التاريخ
الباب الثاني عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده. . أحداث و سياسات
الباب الثالث عشر: دفن الرسول صلّى اللّه عليه و آله حدث و تحقيق
الباب الرابع عشر: السقيفة. . عرض و تحليل. .
الفصل الأول: بعوث و سرايا قبل بني جذيمة
الفصل الثاني: خالد يبيد بني جذيمة
الفصل الثالث: نصوص أخرى أوضح و أصرح
الفصل الرابع: حديث العترة هو القصص الحق
قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل، و هو في مكة العديد من السرايا، التي كانت تهدف إلى إزالة آثار الشرك من المنطقة، و ذلك في اتجاهين:
أحدهما: هدم الأصنام الني كانت مقامة في تلك المناطق، بعد أن أزيل ما كان منها معلقا على الكعبة، و ما كان على المسجد الحرام.
الثاني: دعوة الناس إلى اللّه تبارك و تعالى، وحده لا شريك له.
و قد ذكروا من القسم الأول و الثاني وفق ترتيب المسعودي و غيره ما يلي:
1-سرية خالد بن الوليد في شهر رمضان إلى نخلة اليمانية، لهدم العزّى فيها.
2-سرية عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى سواع، برهاط، فهدمه.
3-سرية سعد بن زيد الأشهلي-هو من الأوس-في هذا الشهر إلى مناة بالمشلل، فهدمه.
4-سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى عرنة.
5-سرية هشام بن العاص إلى يلملم.
6-سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في شوال إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، فهدمه.
7-سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة (1).
و نقول:
هذا ما ذكره المسعودي و غيره هنا. غير أن بعضه محل نظر و إشكال، فإن بعض ما ذكروه و إن كان قد وقع قبل غزوة حنين، و لكن بعضه الآخر مختلف فيه، مع تصريح بعضهم بما يدل على أنه متأخر عن غزوة حنين. و ذلك مثل سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، فإنها وقعت حين أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسير إلى الطائف.
و بعض ثالث مما ذكر لم نجد فيما اطلعنا عليه من المصادر ما يكفي للحكم عليه، بل لم نجد ما يمكّننا من إفراده بالذكر، و ذلك مثل:
ألف: سرية خالد بن سعيد إلى عرنة.
ب: سرية هشام بن العاص إلى يلملم.
و قد أضاف آخرون إلى ما تقدم عدة سرايا ذكروها قبل ذكرهم لسرية خالد إلى بني جذيمة و هي:
9-سرية غالب بن عبد اللّه إلى بني مدلج.
10-سرية عمرو بن أمية الضمري إلى بني الديل.
1) التنبيه و الإشراف ص 233 و 234 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260 و المغازي للواقدي ج 3 ص 873 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 77 و 232.
11-سرية عبد اللّه بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر (1).
و سنحاول إن شاء اللّه ذكر هذه البعوث و السرايا وفقا للترتيب و الترقيم المذكور أعلاه، فنقول:
لقد أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى العزى، ليهدمها، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، و كانت بيتا بنخلة (2).
و كان سدنتها، و حجابها: من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم، و كانت أعظم أصنام قريش و جميع كنانة.
و ذلك: أن عمرو بن لحي كان قد أخبرهم أن الرب يشتي بالطائف عند اللات، و يصيف عند العزى، فعظموها، و بنوا لها بيتا. و كانوا يهدون إليها كما يهدون للكعبة (3).
1) إعلام الورى (ط سنة 1399 ه) ص 119 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء سنة 1412 ه) ج 1 ص 262.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن ابن سعد، و البيهقي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و المغازي للواقدي ج 3 ص 874 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 145 و عيون الأثر ج 2 ص 207 و البحار ج 21 ص 145 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 361 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 597.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن ابن سعد، و الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 19 ج 3 ص 208 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 361 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 597.
و زعموا: أن خالدا ذهب إليها، فقلعها، و استأصلها، فخرجت منها عجوز عريانة، سوداء، ثائرة الرأس، فضربها خالد بسيفه، فقتلها (1).
غير أننا نظن: أن هذه القصة قد تعرضت للتشويه و التحريف، بهدف التمويه على ما بدر من خالد، من مخالفة لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث تذكر النصوص أيضا: أن خالدا لم يقلع العزّى، و لم يهدمها، بل رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره أنه قد قلعها.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : هل رأيت شيئا؟ !
قال: لا.
قال: ما قلعت.
و في رواية قال: إنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها.
فعاد إليها خالد متغيظا و معه المعول، فقلعها، فخرجت منها عجوز الخ. . (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 388 و 489 و راجع: البحار ج 21 ص 145 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 208 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 488 و 489 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 308 و زاد المعاد ج 1 ص 1166 و البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 145 و 146 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 232 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 12 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 و عيون الأثر ج 2 ص 207.
و نص آخر يقول: إن خالدا خرج في ثلاثين فارسا من أصحابه.
قال ابن إسحاق: فلما سمع سادنها السلمي بسير خالد إليها علّق عليها سيفه، و أسند في الجبل الذي هي فيه و هو يقول:
أيا عزّ شدي شدة لا شوى لهاعلى خالد ألقي القناع و شمري
أيا عزّ إن لم تقتلي المرء خالدافبوئي بإثم عاجل أو تنصّري
قالوا: فأتاها خالد، فقطع السمرات، و هدمها، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره.
فقال: «هل رأيت شيئا» ؟
قال: لا.
قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» .
فرجع خالد و هو متغيظ. فلما رأت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل، و هم يقولون: يا عزّى خبليه، يا عزّى عوريه، و لا تموتي برغم.
فخرجت إليه (امرأة عجوز) سوداء، عريانة، ثائرة الرأس مولولة، زاد أبو الطفيل: تحثو التراب على رأسها و وجهها. فضربها خالد و هو يقول:
يا عزّ كفرانك لا سبحانكإني رأيت اللّه قد أهانك
فجزّ لها اثنتين، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره.
فقال: «نعم، تلك العزى قد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 عن أبي الطفيل، و الواقدي، و ابن سعد، و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و المغازي للواقدي ج 3 ص 873 و 874 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 79 و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 232 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 12 و عيون الأثر ج 2 ص 207.
و نلاحظ على هذه الروايات أمورا عديدة:
فأولا: هل كانت هذه العجوز السوداء من الإنس أو من الجن؟ !
و إذا كانت من الجن. . فهل يمكن لخالد أن يقتل الجن بسيفه؟ !
و إذا كانت السيوف الإنسية تقتل الجن. . فلما ذا لم تتجنب تلك الجنية سيف خالد؟ !
و ما هو مصير جثتها بعد قتلها؟ ! هل بقيت ظاهرة للعيان؟ أم اختفت؟ ! و إذا كانت قد اختفت. . فكيف يمكن إثبات صحة قتلها و موتها؟ !
و هل يمكن لخالد في هذه الحال: أن يثبت صحة ما يدّعيه لنفسه من بطولة، و عظمة؟ !
و هل كان أمثال هذه العجوز، يوجدون عند سائر الأصنام، مثل هبل، و اللات، و ودّ، و سواع، و مناة و. . و. . الخ. . ؟ !
و هل ظهرت تلك العجائز على الذين هدموا تلك الأصنام، و اقتلعوها؟ !
ثانيا: لما ذا كذب خالد فيما أخبر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فأخبره بأنه قد هدم العزّى، و الحال أنه لم يهدمها.
ثالثا: لما ذا لم يهدم خالد العزّى في المرة الأولى؟ ! هل لأنه خاف من ان يكون لها تأثير عليه، من حيث أنه يعتقد: بأن لها شأنا و أثرا؟ !
فإن كان الأمر كذلك، فهو يثير أكثر من علامة استفهام حول صحة إيمان خالد، و حول إخلاصه فيما يدّعيه من التخلي عن الشرك، و عبادة غير اللّه تعالى.
رابعا: إنه حين عاد خالد إلى العزّى متغيظا، إن كان تغيظه على العزّى؟ فلما ذا حدث هذا التغيظ منه الآن، و لم يكن حين ذهب إليها ثم رجع؟ !
و إن كان هذا التغيظ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، حيث كشف أمره، و فضحه، فذلك قد يصل إلى حد الكفر و الخروج من الدين. .
و إن كان تغيظ على نفسه، و على ارتكابه ما أوجب الفضيحة و ظهور الكذب، و افتضاح النوايا، فهذا ما لا سبيل إلى تلافيه، بعد ان أوقع نفسه فيه، و لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية، بل هو يقترب في قبحه و في تأثيراته من الخيار الثاني الآنف. .
خامسا: قد تكرر هذا الحديث بعينه بالنسبة لنائلة أيضا، و لكنهم لم يذكروا أن أحدا قتل تلك العجوز. و تقدم ذلك.
و ذكر هذا الحديث بعينه، مع ذكر قتلها بالنسبة لمناة، حيث زعموا: أن سعد بن زيد قتلها أيضا.
و لكن عمرو بن العاص لم ينل هذا الشرف، و لا خرجت له شيطانه، و لا شيطان حين هدم سواعا.
ملاحظة: إننا نظن أنهم أرادوا أن ينسبوا لخالد فضيلة حرب الجن، و هي كرامة ثابتة لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، لكي يرفعوا من شأن خالد، و يقللوا من شأن علي «عليه السلام» ، حيث لا تبقى هذه الفضيلة منحصرة فيه و لا هي من خصائصه و ميزاته على غيره.
ثم إن ما فعله السادن من تعليق السيف برقبة الصنم ليدافع عن نفسه، فيه دلالة ظاهرة على أنه كان مدركا بفطرته، و بعقله سخافة عبادتهم لصنم، لا يضر و لا ينفع، و لا يبصر و لا يسمع. و تصرفه هذا يشير إلى ذكائه، و حسن تخلصه من المسؤولية، و دفع أي اعتراض عليه، أو مؤاخذة له، فيما يرتبط بعدم مبادرته للدفاع عن ذلك الصنم المشؤوم.
و لو أنه كان يؤمن بأن للصنم القدرة على المقاومة، و الدفاع عن نفسه، فإنه يكون في غاية الغباء، و في منتهى السذاجة، و التغفيل. .
إن تسمية هدم العزّى التي كانت مجرد صنم في بيت ببطن نخلة بأنه «سرية» لعله لا يخلو من مسامحة، بل مبالغة، لأجل تعظيم شأن خالد، و تعويضه عن بعض ما فقده في قصة بني جذيمة.
و كذلك الحال في قصة هدم عمرو بن العاص لسواع، فإنه لم يكن هناك أحد من الناس يخشى منه سوى سادنه.
كما أن من الملاحظ: أن الذي حضر هدم العزّى أيضا هو خصوص السادن دون سواه. .
فلعل إرسال ثلاثين رجلا مع خالد قد كان بهدف الحماية من مخاطر الطريق، فلا يتعرض له أحد بسوء.
أو لعله كان لغرض آخر، مثل دعوة بعض القبائل التي قد تصادفهم في الطريق إلى الدخول في هذا الدين.
قال الصالحي الشامي:
ذكر ابن إسحاق و من تابعه، إرسال خالد لهدم العزى بعد سرية خالد إلى بني جذيمة.
و ذكرها محمد بن عمر، و ابن سعد، و البلاذري، و جرى عليه في المورد و العيون، و جزم به في الإشارة قبلها. و ارتضاه في الزهر، و قال: إن في الأول نظرا، من حيث إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، و لا يتجه إرساله بعد ذلك في بعث.
و الذي ذكره غير واحد، منهم الواقدي، و تلميذه محمد بن سعد: أن سرية خالد إلى العزّى كانت لخمس ليال من شهر رمضان، و سرية خالد إلى بني جذيمة كانت في شوال سنة ثمان.
قلت: إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزّى بعد سرية بني جذيمة، فوجهه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رضي عليه، و عذره في اجتهاده (1).
غير أننا نقول:
إن سرية خالد لهدم العزّى لا ربط لها بوجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خالد، بسبب الجريمة التي ارتكبها في حق بني جذيمة. و إنما هي متصلة بسياسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في اقتلاع جذور الشرك من قلوب أولئك الناس الطامحين و المغامرين. أو على الأقل إحراق آخر خيوط
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 196 و 197.
الأمل الذي ربما يراودهم في العودة إلى السقوط في حمأة الشرك، و تلويث النفوس بقاذوراته.
كما أن ذلك يساعد على قطع علاقة الناس السذج و البسطاء بهذا النوع من الناس، الذي يحمل رواسب من هذا النوع، و تكريس علاقتهم بمصدر الوحي، و رمز الفضيلة و الإيمان و التقوى. .
فكان «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يحطم اصنامهم بأيدي خصوص هؤلاء الذين يتعاملون مع القضايا بمنطق انتهاز الفرص، و اقتناصها، ليصبح أمرهم ظاهرا، و ليأمن الناس بوائقهم، التي قد تتجه إلى نحو من العمل السري و التآمري، الذي يريد أن يحفظ معالم الإنحراف، مختزنة في نفوس الضعفاء، و السذج، و البسطاء، ليستفيد منها في الموقع المناسب.
و على هذا الأساس نقول:
إن قولهم: إنه لا يمكن أن يكلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالدا بهدم العزى بعد أن فعل ببني جذيمة ما فعل غير صحيح.
و ذلك لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان سيبعث خالدا لهدم العزّى، و عمرو بن العاص لهدم سواع، حتى لو ارتكب خالد جريمته في حق بني جذيمة. . و حتى لو ظهرت من عمرو بن العاص البوائق و المعاصي.
بل إن ظهور ذلك من هذا أو ذاك يؤكد لزوم اختيارهما لهذه المهمة، كما هو ظاهر لا يخفى.
فما ذكره الصالحي الشامي أو غيره: من أن من الممكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي على خالد، ليصح إرساله لهدم العزّى. . غير صحيح.
و لعل الصحيح هو: أنه كان غاضبا على خالد، فاقتضى هذا الغضب
نفسه، أن يرسله في هذه المهمة. رفقا بالناس، و حفظا للدين، و إقامة للحجة عليه و على أمثاله.
قال الواقدي، و ابن سعد و غيرهما: في شهر رمضان بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص إلى سواع: صنم هذيل بن مدركة، و قيل: لهمدان (1)، و كان على صورة امرأة ليهدمه.
قال عمرو: فانتهيت إليه، و عنده السادن، فقال: ما تريد؟
فقلت: أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أهدمه.
قال: لا تقدر على ذلك.
قلت: لم؟
قال: تمنع.
قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟ ! و يحك، و هل يسمع أو يبصر؟
قال: فدنوت منه فكسرته، و أمرت أصحابه (أصحابي) فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و زاد المسير ج 8 ص 100 و التبيان للطوسي ج 10 ص 141 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 647 و تفسير غريب القرآن ص 213 و تفسير النسفي ج 4 ص 284 و تفسير الرازي ج 30 ص 144 و تفسير البيضاوي ج 5 ص 395 و تفسير البحر المحيط ج 8 ص 335 و تفسير أبي السعود ج 9 ص 40 و السيرة الجلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 18 و لسان العرب ج 8 ص 170 و مجمع البحرين ج 4 ص 481 و تاج العروس ج 11 ص 230.
ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟
قال: أسلمت للّه تعالى (1).
و زعموا: أن هذا الصنم سمي سواعا على اسم سواع بن شيث بن آدم «عليه السلام» ، و قد كان هذا الصنم لقوم نوح «عليه السلام» ، ثم صار لهذيل.
كان برهاط: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة على ساحل البحر يحجون إليه (2).
و بعد ما تقدم فإننا نطلب من القارئ الكريم، أن يلاحظ مايلي:
1-إن الرواة هنا لم يذكروا لنا إن كان مع عمرو بن العاص أحد. فضلا عن أن يذكروا عدد من كان معه حين ذهب لهدم سواع.
2-إن أصحاب الصنم هم الذين هدموا خزانته بأمر من عمرو بن العاص.
3-أين ذهبت الأموال أو التحف، أو الأمتعة التي كانوا يتوقعون وجودها في خزانة الصنم؟ ! فإن الناس كانوا يهدون لأصنامهم أشياء مختلفة.
4-إن عمرو بن العاص يستدل على السادن بدليل كان الأحرى،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 198 عن الواقدي، و ابن سعد، و راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 65 و 66 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 340 و 341 و المغازي للواقدي ج 2 ص 870 و تاريخ الخميس ج 2 ص 96 و 97 و راجع: البحار ج 21 ص 145 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و عيون الأثر ج 2 ص 208 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 209.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 198 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 عن مزيل الخفا.
و الأجدر به أن يستدل هو به على نفسه، فإنه كان إلى الأمس القريب يعبد تلك الأصنام، و يتقرب لها.
5-هل يصح تكليف رجل واحد بمهمة هدم صنم أن يوصف بأنه سرية؟ !
قالوا: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شهر رمضان بعد فتح مكة (1)سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة لهدمها، و كانت (بالمشلل (2)) للأوس و الخزرج، و غسان.
و قيل: مناة لخزاعة. و كانت بقديد. قاله قتادة (3).
و قيل: هي صخرة كانت لهذيل و خزاعة و ثقيف (4).
فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها و عليها سادن. فقال السادن: ما تريد؟
1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و التنبيه و الإشراف ص 233 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 199.
2) المشلل: جبل إلى ناحية البحر، و هو الذي يهبط منه إلى قديد.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 294 و تفسير البغوي ج 4 ص 250.
4) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 99 و تفسير الرازي ج 28 ص 296 و راجع: الأعلام للزركلي ج 8 ص 80 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 117.
قال: هدم مناة.
قال: أنت و ذاك.
فأقبل سعد يمشي إليها، و تخرج إليه امرأة عريانة، سوداء، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، و تضرب صدرها.
فقال السادن: مناة! ! دونك بعض غضباتك.
و يضربها سعد بن زيد الأشهلي فقتلها. و يقبل إلى الصنم معه أصحابه، فهدموه.
و لم يجد في خزانتها شيئا.
و انصرف راجعا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
1-إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة ما ذكرته الرواية آنفا: من أن مناة كانت للأوس، و الخزرج، و غسان. فأين عنها غسان في الشام؟ ! و الأوس و الخزرج في المدينة؟ !
في حين أن المشلل موضع لجهة البحر، و هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد.
2-هل يصح تسمية مهمة هدم صنم بأنه سرية؟ !
3-لما ذا يخلي السادن بين سعد بن زيد و بين الصنم ليهدمه، فلا يمانع،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 199 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و 96 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 146 و 147 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 563 و عيون الأثر ج 2 ص 208 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 209.
أو لا يظهر انزعاجه، أو رأيه و لو بكلمة، أو لا يحذر الفاعل من عواقب ما يقدم عليه كما فعل سادن سواع و العزى؟ !
بل هو يقول للمهاجم: أنت و ذاك.
و لكنه حينما رأى تلك المرأة خرجت إليه، يقول لها: مناة! ! دونك بعض غضباتك.
على أن ثمة سؤالا آخر هنا، و هو: هل كان ذلك السادن يعرف مناة؟ !
و هل كان قد رآها قبل هذه المرة؟ !
و لما ذا لم يكن هذا الأمر قد اشتهر بالجزيرة العربية بأسرها؟ !
4-يلاحظ هنا: أن المرأة العريانة السوداء الخ. . لا تخرج لمواجهة خالد في المرة الأولى حتى عاد إليها، و اقتلعها، فخرجت.
و لكن مناة تخرج لسعد بن زيد بمجرد توجهه نحو الصنم.
5-يلاحظ أيضا: توافق صفات العزى، و حركاتها، مع صفات مناة، و حركاتها، فهي عريانة. . سوداء. . ثائرة الرأس. . تدعو بالويل. . تضرب صدرها. . امرأة.
6-و يلاحظ: أن سعد بن زيد لا يجد في خزانة مناة شيئا أيضا! !
و قد قلنا: إن ما راجعناه من مصادر لا يسمح لنا بتقديم تفاصيل تذكر عن أحداث محتملة حصلت في هاتين السريتين.
و سيأتي الحديث عن هذه السرية قبيل مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف، لأنها كانت بعد حنين.
و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث (و هو في مكة) غالب بن عبد اللّه في سرية دعوة إلى بني مدلج، فقالوا: لسنا عليك و لا معك.
فقال الناس: اغزهم يا رسول اللّه!
فقال: إن لهم سيدا أديبا أريبا، و رب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل اللّه (1).
و نقول:
1-إن ذلك يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بأدق التفاصيل في المحيط الذي يتعامل معه، بل كان أعرف الناس بطبائع الأشخاص و حالاتهم. كما أنه يعرف مدى نفوذهم و تأثيرهم، و يتخذ قراراته على هذا الأساس.
و لكن هل هذه المعرفة كانت مكتسبة له من خلال ما تهيأ له من وسائل عادية؟ ! أم انها مرتبطة بالتسديد، و اللطف الإلهي، و الإمداد الغيبي؟ !
1) إعلام الورى (ط سنة 1399 ه) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 227 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 262 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 73.
إننا نرى صحة هذا الخيار الأخير، و لا نجد فيه أي محذور، فإن التدخل الغيبي الإلهي لإيصال المنافع للبشر، و دفع المضار عنهم أمر مشهود في تاريخ البشر.
و لكن إذا كان يراد بهذا التدخل التوصل إلى سلب الناس القدرة على التصرف، و على الإختيار، أو أخذهم و مؤاخذتهم استنادا إلى معارف حصلت بوسائل غير عادية، و لا تقع تحت قدرتهم، فذلك هو المحذور الذي لا يمكن أن يكون له أي دور في السياسة الإلهية للبشر، أو في التعامل معهم.
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بما ذكره لهم، من معرفته الدقيقة بكل ما من شأنه أن يؤثر على مسار الأمور، بحيث تنتهي إلى ما يحبه المسلمون. . بل هو قد تجاوز ذلك بإخبارهم الغيبي عن مستقبل بني مدلج في هذا الدين، و أنهم سيدخلون فيه، و سيكون منهم الشهداء في سبيل اللّه. . الأمر الذي يصل بالأمور لدى أصحابه إلى درجة اليقين بالنتائج، فلا موضع للتوهم في أن يكون ما يخبرهم به مجرد توقعات يطلقها على سبيل التفاؤل للربط على القلوب، و شحذ العزائم، و إيقاظ الهمم.
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر إلى ما سيفعله سيد بني مدلج! ! هل سوف يسلم؟ ! أم أنه سيبقى على شركه؟ ! لكنه، و هو السيد الأديب الأريب سيمنع قومه من إظهار العداوة، و من إثارة المتاعب، و الدخول في تحالفات، أو في مؤامرات ضد الإسلام و المسلمين، و هذا يكفي مبررا للكف عن بني مدلج. .
4-إن هذا الذي جرى يظهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يريد
حمل الناس على الإسلام، و لا كان يريد أن يستفيد من عنصر القوة إلا حين تلجئه الظروف إلى ذلك، و ذلك حين يعلن الآخرون الحرب على الإسلام و أهله، دون أن تكون هناك أية فرصة لدفع شرهم، ورد عاديتهم إلا بالتوسل بالقوة.
5-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حريصا على ممارسة حقه في دعوة الناس إلى الحق، و تعريفهم، و إبلاغهم بنبوته، و إقامة الحجة عليهم فيها، و فيما يدعو إليه. . ثم يترك الخيار لهم.
و بعث «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن أمية الضمري إلى بني الديل، فدعاهم إلى اللّه و رسوله، فأبوا اشد الإباء، فقال الناس: اغزهم يا رسول اللّه.
فقال: «صلى اللّه عليه و آله» : أتاكم الآن سيدهم قد أسلم، فيقول لهم: أسلموا، فيقولون: نعم (1).
و نقول:
إننا بالإضافة إلى ما قدمناه في الحديث عن غزوة بني مدلج، نقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توقع لأصحابه قرب قدوم سيدهم إليهم، و حتمية تحقق ما يخبرهم به، حيث قال: «أتاكم الآن سيدهم» بصيغة الفعل الماضي الدال على التحقق و الوقوع.
1) إعلام الورى (ط سنة 1399 ه) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 227 و البحار ج 21 ص 140 عنه، و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 262.
ثم أخبر عن إسلام سيد بني الديل قبل قدومه.
ثم توقع أن يكون نفس سيدهم داعية لقومه إلى الدخول في الإسلام، و ذلك سيوفر على المسلمين مشكلات كثيرة، و قد تكون كبيرة أيضا. و سيسهل على بني الديل الدخول في دين اللّه، من دون أي خوف أو وجل، أو توقع إساءة أو ملامة من رئيسهم و سيدهم.
و بعث «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر، فأسلموا، و جاء معه نفر منهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
أما سرية بني جذيمة، فسنفرد حديثا عنها ابتداء من الفصل التالي.
1) راجع المصادر المتقدمة في الهامش.
و ذكروا: أن قصة بني جذيمة قد حصلت بعد الفتح.
قال البلاذري: إنها كانت في شوال (1).
و قالوا: كان بنو جذيمة-و هم قبيلة من عبد القيس أسفل مكة بناحية يلملم-و قد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة، و قتلوا عمّ خالد، فأرسل إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد، بعد أن رجع من هدم العزى، داعيا لا مقاتلا (2).
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 181 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 45 و عمدة القاري ج 17 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 6 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 عيون الأثر ج 2 ص 209 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 197 و 200.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و راجع: البحار ج 21 ص 140 و إعلام الورى ج 1 ص 227 و المبسوط للسرخسي ج 20 ص 143 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 228 فتح الباري ج 8 ص 45 و عمدة القاري ج 17 ص 313 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200.
فاستقبلوه و عليهم السلاح، و قالوا: يا خالد، إنّا لم نأخذ السلاح على اللّه و على رسوله، و نحن مسلمون، فانظر، فإن كان بعثك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساعيا فهذه إبلنا و غنمنا فاغد عليها.
فقال: ضعوا السلاح.
قالوا: إنّا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية، و قد أماتها اللّه و رسوله.
فانصرف عنهم بمن معه، فنزلوا قريبا، ثم شن عليهم الخيل، فقتل و أسر منهم رجالا.
ثم قال: ليقتل كل رجل منكم أسيره.
فقتلوا الأسرى.
و جاء رسولهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره بما فعل خالد بهم، فرفع «عليه السلام» يده إلى السماء و قال: «اللهم إني أبرء إليك مما فعل خالد» .
و بكى، ثم دعى عليا «عليه السلام» ، فقال: اخرج إليهم، و انظر في أمرهم. و أعطاه سفطا من ذهب، ففعل ما أمره، و أرضاهم (1).
1) البحار ج 21 ص 140 و إعلام الورى (ط سنة 1399 ه) ص 119 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 228. و راجع حديث قتل خالد لبني جذيمة في: البداية و النهاية ج 4 ص 359 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و مسند أحمد ج 2 ص 150 و 151 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 368 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 255 و 256 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 61 و المغازي للواقدي ج 2 ص 875 و عن فتح الباري ج 5 ص 45 و صحيح البخاري ج 5 ص 107 و سنن النسائي ج 8 ص 237 و فتح الباري ج 8 ص 45 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 474 و ج 5 ص 177 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 54 و كنز العمال ج 1 ص 317 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 548 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 233 و إحقاق الحق (الأصل) ص 276 و مصادر كثيرة أخرى.
و روى ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه عنهم، و محمد بن عمر عن ابن سعد، قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد-حين افتتح مكة-داعيا و لم يبعثه مقاتلا، و بعث معه ثلاثمائة و خمسين رجلا من المهاجرين و الأنصار (و معه قبائل من العرب) سليم بن منصور، و مدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة (بن عامر بن عبد مناة بن كنانة) فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ما أنتم؟
قالوا: مسلمون، قد صلينا، و صدقنا، و بنينا المساجد في ساحاتنا، و أذّنّا فيها.
قال: فما بال السلاح عليكم؟
قالوا: «إن بيننا و بين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح» .
فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 71 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 66 و 67 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 381 و المغازي للواقدي ج 3 ص 875 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و 98 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و عيون الأثر ج 2 ص 209 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 210.
فقال رجل من بني جذيمة، يقال له: جحدم: «إنه و اللّه خالد. و ما يطلب محمد من أحد أكثر من أن يقر بالإسلام، و نحن مقرون بالإسلام، و هو خالد، لا يريد بنا ما يراد بالمسلمين» (1).
«ويلكم يا بني جذيمة، إنه خالد، و اللّه ما بعد وضع السلاح إلا الأسار، و ما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق، و اللّه لا أضع سلاحي أبدا» .
فأخذه رجال من قومه، فقالوا: «يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا، و وضعت الحرب أوزارها، و أمن الناس» .
فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، و وضع القوم السلاح لقول خالد (2).
و قال أبو جعفر، محمد بن علي رضي اللّه عنهم: فلما وضعوا السلاح أمرهم خالد عند ذلك، فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم (3).
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 876.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و راجع: المنمق ص 259 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 882 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 67 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 341 و شرح الأخبار ج 1 ص 309 و الغدير ج 7 ص 168 و كتاب المنمق ص 216 و 217 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 591.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 882 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 67 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 341 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و 409 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و كشف الغمة ج 1 ص 220 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 591.
و قالوا: فلما كان السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافه.
و المدافة الإجهاز عليه بالسيف.
و في المواهب اللدنية: من كان معه أسير فليقتله.
فأما بنو سليم فقتلوا كل من كان في أيديهم.
و أما المهاجرون و الأنصار فأرسلوا أساراهم (1).
و عن إبراهيم بن جعفر المحمودي، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «رأيت كأني لقمت لقمة من حيس، فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل عليّ يده، فنزعه» .
فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللّه، هذه سرية من سراياك، تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب، و يكون في بعضها اعتراض، فتبعث عليا فيسهله (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 عن أحمد، و البخاري، و النسائي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 عن المواهب اللدنية، و المغازي للواقدي ج 3 ص 876 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 148 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 210.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و 201 عن ابن هشام، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 883 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و الغدير ج 7 ص 169.
قال ابن إسحاق: و لما أبى جحدم ما صنع خالد، قال: يا بني جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه (1).
قال: و حدثني أهل العلم: أنه انفلت رجل من القوم، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل أنكر عليه أحد» ؟
قال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض، ربعة، فنهمه خالد، فسكت عنه.
و أنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه، فاشتدت مراجعتهما.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، أما الأول فابني عبد اللّه، و أما الآخر، فسالم مولى أبي حذيفة (2).
قال عبد اللّه بن عمر في حديثه السابق: «فلما قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكرنا ذلك له، فرفع يديه و قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» . مرتين (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و البداية و النهاية ج 4 ص 359 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 883 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 592.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و راجع المصادر المتقدمة.
قال أبو جعفر، محمد بن علي رضي اللّه عنهم: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه، فقال: «يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، و اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» .
فخرج علي «عليه السلام» حتى جاءهم، و معه مال قد بعث به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فودى لهم الدماء، و ما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه لودى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم و لا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليّ حين فرغ منهم: «هل بقي لكم مال لم يؤد إليكم» ؟
قالوا: لا.
قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال، احتياطا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مما لا يعلم و مما لا تعلمون» .
ففعل، ثم رجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر فقال: «أصبت و أحسنت» .
ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» . ثلاث مرات (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و أشار في هامشه إلى: البخاري ج 4 ص 122، و النسائي ج 8 ص 237 و أحمد في المسند ج 2 ص 151 و البيهقي في السنن ج 9 ص 115. و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 153 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 33 و 34 و الإصابة ج 1 ص 318 و 227 و ج 2 ص 81 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و 148 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 592 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 3 ص 67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و الغدير ج 7 ص 169 و كتاب المنمق ص 217 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و 409 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و الغدير ج 7 ص 168 و 169 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 145 و أسد الغابة ج 3 ص 102 و المغازي للواقدي ج 3 ص 882 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و المنمق ص 259 و 260 و راجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 62 و 63.
و ذكر الواقدي: أن عليا «عليه السلام» جاءهم بالمال الذي أعطاه إياه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فودى لهم ما أصاب خالد، و دفع إليهم ما لهم، و بقي لهم بقية من المال، فبعث علي «عليه السلام» أبا رافع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليستزيده، فزاده مالا، فودى لهم كل ما أصاب (1).
و لما رجع علي «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: ما صنعت يا علي؟ !
فأخبره، و قال: يا رسول اللّه، قدمنا على قوم مسلمين، قد بنوا المساجد بساحتهم، فوديت لهم كل من قتل خالد حتى ميلغة الكلاب الخ. . (2).
و قال بعض بني جذيمة أبياتا يذكر فيها غدر خالد بهم، و منها:
و لو لا مقال القوم للقوم أسلمواللاقت سليم يوم ذلك ناطحا
لما صعهم بشر و أصحاب جحدمو مرة حتى يتركوا البرك ناضحا (1).
قال ابن عبد البر عن قصة خالد هذه: «و خبره في ذلك (بذلك) من صحيح الأثر» (2).
و بعد. . فإن مهمة سرية الدعوة هي التلطف في توضيح الحقائق للناس، و إقناعهم، بإيراد الدلائل و الشواهد التي تقطع كل عذر. .
فما معنى: أن يسأل الرجل عن دينه، هل هو كافر أو مسلم، حتى إذا قال: إن كنت كافرا فمه.
فيقال له: إن كنت كافرا قتلناك.
ثم يقتلونه، من دون أن يعرضوا عليه أي شيء من دعوة الإسلام؟ !
بل إنهم ليقتلونه حتى بعد أن عرفوا: أنه عشق امرأة فلحقها. .
و لم يمهلوه إلا بمقدار أن يلقي عليها نظرة واحدة، ثم يقدموه للقتل.
فعن ابن أبي حدرد الأسلمي، و عن عبد اللّه بن عصام (المزني) عن
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 74 و 75 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 885 و راجع: الإصابة ج 1 ص 645 و معجم البلدان ج 4 ص 214 و كتاب المنمق ص 253 و (نسخة مخطوطة) ص 212 و المماصعة: المضاربة بالسيوف. و البرك: الإبل الباركة.
2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 153 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 428 و النص و الإجتهاد ص 461 و الغدير ج 7 ص 168 و الإكمال في أسماء الرجال للتبريزي ص 56.
أبيه، و عن ابن عباس: قال ابن أبي حدرد: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد.
و قال عصام: لحقنا رجلا فقلنا له: كافر، أو مسلم؟
فقال: إن كنت كافرا فمه؟
قلنا له: إن كنت كافرا قتلناك.
قال: دعوني أقضي إلى النسوان حاجة.
و قال ابن عباس: فقال: إني لست منهم، إني عشقت امرأة، فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم.
و ذكر الواقدي ما ملخصه: أن بني سليم طاردوا غلاما ليقتلوه، فقتل منهم رجلين، و لم يقدروا عليه. ثم ظهر لهم في اليوم التالي، و طلب الأمان، و عرض فرسه، فعرفه بنو سليم أنه غريمهم بالأمس، فناوشوه عامة النهار، حتى أعجزهم، و كر عليهم، ثم عرض عليهم ان يعطوه عهد اللّه و ميثاقه إذا نزل أن يصنعوا به ما يصنعون بالظعن، فإن قتلوهن قتلوه، و إن استحيوهن استحيوه، فأعطوه ذلك. و كانت النساء و الذرية في يد خالد. .
فلما نزل غدروا به، و جعلوه مع الأسرى من الرجال، فطلب منهم أن يأخذوا برمته إلى نسيات هناك، ثم يردونه (1).
قال ابن أبي حدرد: فقال فتى من بني جذيمة-و هو في سني و قد
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 878 و 879.
جمعت يداه إلى عنقه برمة، و نسوة مجتمعات غير بعيد منه-يا فتى.
فقلت: ما تشاء؟
قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
قال: قلت: و اللّه ليسير ما طلبت.
فأخذت برمته، فقدته بها حتى أوقفته عليهن.
فدنا إلى امرأة منهن.
قال ابن عباس: فإذا امرأة طويلة أدماء، فقال: اسلمي حبيش على نفد من العيش.
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكمبحلية أو ألفيتكم بالخوانق
أ لم يك أهلا أن ينول عاشقتكلف إدلاج السرى و الودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاأثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن يشحط النوىو ينأى لأمر بالحبيب المفارق
زاد ابن إسحاق، و محمد بن عمر:
فإني لا ضيعت سر أمانةو لا راق عيني عنك بعدك رائق
سوى أن ما نال العشيرة شاغلعن الود إلا أن يكون التوامق
قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الأخيرين منها له. انتهى.
فقالت: نعم، و أنت فحييت سبعا و عشرا وترا، و ثمانيا (ثمانين) تترى.
قال ابن أبي حدرد: ثم انصرفت به، فضربت عنقه.
و قال عصام: فقربناه، فضربنا عنقه، فقامت المرأة إليه حين ضربت عنقه، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عليه (1).
و قال ابن عباس: فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت.
فلما قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخبره الخبر، فقال: «أما كان فيكم رجل رحيم» ؟ (2).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و 69 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 343 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و 99 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و 202 و المغازي للواقدي ج 3 ص 878-880 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 76 و 77 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 886 و البداية و النهاية ج 4 ص 360 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 595 و عيون الأثر ج 2 ص 210 و المنمق ص 253-255 و 258 و 259 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 46 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 338 و 339 و الإصابة ج 4 ص 49.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202 عن ابن هشام، و عن ابن إسحاق، و ابن سعد، و النسائي، و راجع: البيهقي في الدلائل ج 5 ص 118 و الطبراني في الكبير ج 11 ص 370. و راجع: المغازي للواقدي ج 3 ص 878-880 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و 99 و مجمع الزوائد ج 6 ص 210 و فتح الباري ج 8 ص 46 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 201 و المعجم الأوسط ج 2 ص 196 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 264 و البداية و النهاية ج 4 ص 361 و عيونالأثر ج 2 ص 211 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 597 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 214.
و نحن نكتفي هنا بذكر ثلاثة أمور هي التالية:
إن ما صنعه هذا الفتى من بني جذيمة، يثير إعجاب كل منصف أريب، و عاقل لبيب، يعطي القيمة لصفات الرجولة، و الشجاعة و الشمم، فهو قد دافع عن نفسه دفاع الأبطال، و أعرب عن شجاعة و بسالة رائعة.
ثم هو قد أعرب عن احترامه للعهود و المواثيق، و ألزم نفسه بها، رغم أنه يعرف أن الذين يحاربون، و يطاردونه، إنما يفعلون ذلك عدوانا و تجبرا، و بلا أي مبرر.
و قد كان بإمكان هذا الفتى أن ينجو بنفسه، و لكن محبته لتلك المرأة، و سكونه إلى العهد الذي أخذه من محاربيه، هو الذي دفعه إلى هذا الاستسلام النبيل.
و لكن هذا الفتى لم يلق من محاربيه ما توقعه من وفاء بعهود اللّه و مواثيقه، بل وجد الغدر اللئيم، و الفعل الذميم، مع أن هؤلاء قد وطأوا تلك البلاد على أساس أنهم دعاة للإسلام، و يريدون تقديم صورة مشرقة و مشرّفة عن هذا الدين.
و بعد. . فإن من البديهي: أن للإنسانية سماتها و تجلياتها، التي تتناسب مع حقيقتها. و أن العاطفة و الرحمة الإنسانية هي إحدى هذه السمات،
و توهجها يكون من هذه التجليات. .
و حين تفقد الرحمة، فإن الإنسانية تفقد معناها و مغزاها، و لا بد أن ينتقص تبعا لذلك كل ما يرتبط بذلك من حقوق، و امتيازات، و أن ينحط ما نشأ عنها من مقامات و درجات.
و حين تجلت سمات الإنسانية في علي «عليه السلام» لكل أحد بالتصدق بالخاتم بالصلاة، أعلن اللّه تعالى له أعظم مقام، ألا و هو مقام الولاية العظمى على البشر، في قوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1).
و حين ظهر الخلل في معنى الرحمة الإنسانية في ذلك اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ . جاء الإعلان الإلهي: بأن ذلك من سمات ذلك اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . . و أن ذلك من شأنه ان يخل حتى بالتكوين الفكري و الاعتقادي. . إلى حد انه ينتهي بما يوجب خروجه عن الدين و الإيمان، قال تعالى: أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذٰلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ (2).
و لأجل ذلك. . جاء الإستفهام الإنكاري الذي يشير إلى فقدان سمات الإنسانية لدى هؤلاء، فلا جرم أن تصدر منهم هذه الأعمال الفظيعة و الشنيعة.
عن سلمة بن الأكوع، قال: قدم خالد بن الوليد على النبي «صلى اللّه
عليه و آله» بعد ما صنع ببني جذيمة ما صنع، و قد عاب عبد الرحمن بن عوف على خالد ما صنع.
قال: يا خالد، أخذت بأمر الجاهلية في الإسلام، قتلتهم بعمك الفاكه؟ ! و أعانه عمر بن الخطاب على خالد.
فقال خالد: أخذتهم بقتل أبيك (1).
و في لفظ: فقال: إنما ثأرت بأبيك (2).
فقال عبد الرحمن: كذبت و اللّه، لقد قتلت قاتل أبي (3)، و أشهدت على قتله عثمان بن عفان.
ثم التفت إلى عثمان، فقال: أنشدك اللّه، هل علمت أني قتلت قاتل أبي؟
فقال عثمان: اللهم نعم.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202 و كنز العمال ج 13 ص 223 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 234 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 371.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202 و 203 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 73 و 74 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و عيون الأثر ج 2 ص 210 و راجع: المنمق ص 260 و (مخطوطة) ص 217 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و المغازي للواقدي ج 3 ص 880 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 256 و البداية و النهاية ج 4 ص 359 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593 و 594.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202 و راجع: المنمق ص 260 و المغازي للواقدي ج 3 ص 880 و كنز العمال ج 13 ص 223 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 234 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 371.
ثم قال عبد الرحمن: و يحك يا خالد، و لو لم أقتل قاتل أبي أكنت تقتل قوما مسلمين بأبي في الجاهلية؟
قال خالد: و من أخبرك أنهم أسلموا؟
فقال: أهل السرية كلهم يخبرونا أنك قد وجدتهم بنوا المساجد، و أقروا بالإسلام، ثم حملتهم على السيف.
قال: جاءني رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أغير عليهم.
و عند ابن إسحاق (و قد قال بعض من يعذر خالدا أنه) قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد اللّه بن حذافة السهمي، و قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرك أن تقاتلهم لا متناعهم من الإسلام، انتهى (1).
فقال عبد الرحمن: كذبت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و غالظ عبد الرحمن.
قال ابن إسحاق: فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2). انتهى.
فأعرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن خالد، و غضب عليه،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 203 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 73 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و المغازي للواقدي ج 3 ص 880 و تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 211 و كنز العمال ج 13 ص 223 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 234 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 371.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 202 و 203 عن الواقدي، و أبي سعد النيسابوري في الشرف، و الحاكم في الإكليل، و ابن عساكر، و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و المغازي للواقدي ج 3 ص 880.
و قال: «يا خالد، ذرلي أصحابي، متى ينكأ المرء؟ ينكأ المرء و لو كان لك أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل اللّه لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن» (1).
أو: لم تدرك غدوة أحدهم و لا روحته.
و عند ابن إسحاق: غدوة رجل من أصحابي (2).
و روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: كان بين خالد بن الوليد و بين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه» (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 203 و في هامشه عن: تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 103 و عن كنز العمال الحديث رقم (33497) و المغازي للواقدي ج 3 ص 880 و راجع: كنز العمال ج 11 ص 716 ح (33498) و ج 13 ص 223 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 234 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 7 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 211.
2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 74 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 884 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و (ط دار صادر) ص 256 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 3 ص 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 342 و راجع: شرح الأخبار ج 1 ص 310 و البداية و النهاية ج 4 ص 359 و عيون الأثر ج 1 ص 210 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 211.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 203 عن ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه البخاري في كتاب المناقب (3673) و أحمد في المسند ج 3 ص 11 و البيهقي في السنن ج 1 ص 203 و راجع: الإستيعاب ج 1 ص 8 و 18 و البداية و النهاية ج 7 ص 183 و المحلى لابن حزم ج 1 ص 28 و نيل الأوطار ج 9 ص 229 و 230 و الإيضاح لابن شاذان ص 507 و كتاب الأربعين ص 314 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 167 و مواقف الشيعة ج 2 ص 254 و سنن أبي داود ج 2 ص 404 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 93 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 338 و ج 10 ص 246 و عون المعبود ج 11 ص 333 و كتاب السنة ص 464 و المعجم الأوسط ج 1 ص 212 و التمهيد ج 20 ص 251 و الكفاية في علوم الرواية ص 65 و شرح النهج ج 20 ص 11 و اللمع للسيوطي ص 87 و 88 و كنز العمال ج 11 ص 528 و ج 14 ص 73 و 74.
و لنا مع هذه النصوص وقفات عديدة نذكر منها ما يلي:
و نقول:
تقدم اعتراض عمر و عبد الرحمن بن عوف، و سالم مولى أبي حذيفة، و كذلك عبد اللّه بن عمر على خالد. .
و سيأتي الحديث عن اعتراض عمار عليه أيضا.
غير أن لاعتراض عبد الرحمن بن عوف، و عمار بن ياسر أهمية خاصة هنا. .
فأما بالنسبة لعمار، فلأن له خصوصيته، و مقامه، و موقعه المتميز فيما بين المسلمين، ولدى الصفوة من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سنشير إلى اعتراضه هذا فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
و أما اعتراض عبد الرحمن بن عوف، فأهميته تكمن في أنه يأتي من إنسان له ثأر عند بني جذيمة، علما بأن المقتول هو أبوه. و الأب أقرب إلى الإنسان من العم، فإذا كان من قتل أبوه و هو ولي دمه يؤنب خالدا على ما فعل. . فكيف يمكن أن يعذر خالد فيما أقدم عليه، و ليس هو ولي الدم، و إنما هو مجرد معتد متعمد للباطل، طامح للجريمة؟ !
و هناك أمر آخر، و هو: أن إرسال خالد و ابن عوف لدعوة بني جذيمة و غيرهم إلى اللّه تعالى، من شأنه أن يطمئن أولئك الناس إلى أن أمر الجاهلية قد انتهى، و أن أحدا لا يؤخذ بإحنة، و لا يلاحق بجريرة، و أن المنطقة بأسرها قد دخلت في عهد جديد، ينعم الناس فيه بالأمن، و السلام، و السلامة في الدين، و في الدنيا. .
و لو أن آخرين جاؤوا لدعوة بني جذيمة إلى الإسلام، فإنهم لن يقتنعوا بأن من لهم عندهم ثارات قد تخلوا عن الطلب بها. .
و ذلك كله يظهر: أنه لا مناص من إرسال خالد، و ابن عوف.
قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» عن إرسال خالد إلى بني جذيمة: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إليهم «يدعوهم إلى اللّه عز و جل. و إنما أنفذه إليهم للترة التي كانت بينه و بينهم، و ذلك أنهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة، و قتلوا الفاكه بن المغيرة، عم خالد بن الوليد، و قتلوا أبا عبد الرحمن بن عوف للترة أيضا، التي كانت بينه و بينهم.
و لو لا ذلك ما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالدا أهلا للإمارة
على المسلمين» (1). أي و كان عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يتعامل مع الأمور وفق ظواهرها. . و ليس وفق ما يطلع عليه من غيب، لا يتيسر لغيره الاطلاع عليه. . كما أشرنا إليه غير مرة.
و لكن ما صنعه خالد قد ضيع الأهداف التي توخاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من إرساله. . و خالد هو الذي يتحمل مسؤولية ما صنع، لذلك برئ «صلى اللّه عليه و آله» إلى اللّه من فعله ثلاث مرات.
و لكن عليا «عليه السلام» قد رتق ذلك الفتق، و اصلح ما أفسده خالد، و بيّن لبني جذيمة و للعرب جميعا، و لغيرهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يكون نصيرا للظالمين، بل هو مع المظلوم في السراء و الضراء، و في الشدة و الرخاء، ينصره بيده، و بلسانه، و بماله، و بجاهه، و بكل ما يقدر عليه. .
و قد تقدم في النص المتقدم ذكر:
الغميصاء: و هي موضع في بادية العرب قرب مكة كان يسكنه بنو جذيمة بن عامر.
و قوله: ما أنتم؟ قال: في النهر. الظاهر: أنه سألهم عن صفتهم. أي مسلمون أنتم أم كفار؟ و لهذا أتى بما، و لو أراد غير ذلك لقال: من أنتم؟
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 139 و البحار ج 21 ص 139.
و قد استعمل «ما» فيمن يعقل و هو شائع.
قد يقول قائل: إنه إذا كانت هذه سرية دعوة لا سرية قتال، فلما ذا هذه الكثرة في عدد أفرادها؟ !
و يمكن أن يجاب: بأن سرية الدعوة قد تحتاج ايضا إلى من يحميها من تآمر المتآمرين، و مغامرة الطائشين، و الذين يريدون إثارة الفتن، و يرون ان من مصلحتهم إبقاء التوتر مهيمنا على الاجواء العامة، فيبادرون الى الاخلال بالأمن، ثم يتحينون الفرصة، فقد تأتي الأيام بمفاجآت يمكنهم من خلالها تحقيق بعض ما يصبون إليه. .
على أن الدعوة أيضا قد تحتاج إلى أناس كثيرين يتفرقون في الأحياء، و في القبائل، و في الأرياف، و القرى، و يحاولون إقناع الناس، أفرادا و جماعات، بالحق. . و يقدمون لهم الدلائل و الشواهد المختلفة.
و قد يسأل سائل أيضا: عن السبب في إرسال سرايا للدعوة، في حين أن السرايا الأخرى تتخذ عادة منحى قتاليا، أو استطلاعيا و قائيا. .
و يجاب: بأن فتح مكة قد فرض هذا الإجراء، فلم يعد للمشركين قدرة على المواجهة، فقد أصبح من الضروري تعريف الناس بدعوة الإسلام، لتسهيل إعلانهم الدخول فيه، حتى لا يبقى الناس في ذلك المحيط مذبذبين بين الإتجاهات المختلفة، فإن تحديد انتمائهم أمر مهم جدا في تحقيق الإستقرار النفسي، و الانضباط الإجتماعي و السياسي في المنطقة بأسرها.
إذا كانت البعثات تهدف إلى تحديد هذا الإنتماء، فإن من الضروري: أن تكون بقيادة شخصيات قرشية، بل الأولى هو: أن تكون من الأشخاص الذين يخاف الناس بطشهم، و نكايتهم، لأن الدعوة إذا جاءت من قبل خصوص هؤلاء، فذلك يدعو الناس للإطمينان إلى أن دخولهم في هذا الدين ليس فيه أية خطورة عليهم، و لا يعد مغامرة، و تعريضا لأنفسهم لخطر أخذهم على حين غرة من قبل جبابرة الجاهلية و طغاتها. .
و قد كان خالد هو أحد هؤلاء الذين لا مناص من الإستفادة منهم في هذا المجال. و أية شخصية أخرى، فإنها لا تستطيع أن تقوم بهذه المهمة، و لا توجب الاستجابة لدعوتها أية سكينة أو طمأنينة عند الناس.
و قد أظهر كلام جحدم: أن خالدا كان معروفا بغدراته، و أن الاستسلام له يحمل أخطار الغدر بهم. .
و هذا يدل على: أن غدر خالد، إنما كان سجية له، فلا مجال لأن يحسب ذلك على الإسلام، أو ينسب إليه.
و لعل الذي عزز خوف جحدم بالإضافة إلى معرفته بخالد، و بسجاياه معرفته أيضا: بأن لخالد ثارا جاهليا على بني جذيمة، لا بد أن يطلبه منهم، خصوصا. . و أن خالدا كان حديث الإسلام، و لم يدخل الإسلام عن قناعة و إنما رهبة من عواقب الإصرار على المناوأة، و رغبة بالحصول على شيء من حطام الدنيا.
فمن أجل ذلك كله: دعا جحدم قومه إلى الحذر من استدراج خالد لهم. تمهيدا للإنتقام منهم.
قد تقدم: أن بني جذيمة قد صرحوا: بأنهم مسلمون. فما معنى ادّعاء: أنهم لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، بل قالوا: صبأنا.
فعن ابن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث خالدا إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم و يأسر، و دفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره.
قال ابن عمر: فقلت: و اللّه، لا أقتل أسيري، و لا يقتل أحد من أصحابي أسيره (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 و تاريخ الخميس ج 2 ص 97 عن صحيح البخاري، و المحلى لابن حزم ج 10 ص 368 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 115 و البداية و النهاية ج 4 ص 359 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 593 و المعتصر من المختصر ج 1 ص 216 و الديات للشيباني ج 1 ص 50 و نيل الأوطار ج 8 ص 9 و الطرائف لابن طاووس ص 394 و مسند أحمد ج 2 ص 151 و سنن النسائي ج 8 ص 237 و فتح الباري ج 270 ص 46 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 221 و 222 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 474 و ج 5 ص 177 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 567 و نهج الحق و كشف الصدق ص 322.
و نقول:
إن من الواضح: أن كلمة أسلمنا هي كلمة عربية، لا يجهلها، و لا يعجز عن التلفظ بها أحد من العرب.
و هي ليست اسما لشيء بعينه، و لا هي اشتقاق خاص، يمكن أن يتحاشاه بنو جذيمة، دون غيرهم. . فإن كانوا يتحاشون من استعمال هذه الكلمة، فإن ذلك كان بعد ظهور الإسلام، حيث إن تحاشيهم لها لا يزيد عن تحاشي سائر القبائل العربية، التي حاربت الإسلام و المسلمين.
و حتى لو كان لهم حساسية خاصة، و هجران قوي لهذه الكلمة بالذات، فإن ذلك لا يمنعهم من النطق بها عند الضرورة، و حيث يوجب إصرارهم على تركها قتلهم. . فإن بإمكانهم تقليد الآخرين في نطقها، و لو مثل تقليد غير العربي للعربي في نطق الألفاظ العربية. .
و لنفترض: أنهم رفضوا الإسلام حقا، فبأي حق يقاتلهم خالد، و يقتلهم، و يأسرهم، ثم يقتل الأسرى منهم؟ !
على أنهم يقولون: إن القوم قد صرحوا: بأنهم مسلمون، و بأنهم قد أذنوا و صلوا، و بنوا المساجد في ساحاتهم، فما هو المبرر لقتلهم بعد هذا كله؟ !
إن خالدا يعترف لابن عوف: بأنه قتل بني جذيمة انتقاما منهم، لقتلهم عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف، و لكن ابن عوف يرفض ذلك، و يقول له: إنه قد قتلهم بعمه الفاكه بن المغيرة، و يسكت خالد عن إجابته، حيث لم يجد ما يدافع به عن نفسه.
كما أن الروايات قد صرحت: بأنه قتلهم كان على دفعتين:
الأولى: حين زعم أنهم لم يسلموا.
و الثانية: حين قتل من أسرهم منهم.
و لكن خالدا زعم: أن رسولا قد أتاه بأمر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يطلب منه أن يقتلهم.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد بلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لكنه لم ينصر خالدا، و لم يصدقه فيما ادّعاه، بل أظهر غضبه منه، و أعرض عنه، و انتصر لعبد الرحمن بن عوف. .
على أن الروايات الأخرى قد صرحت بأنهم قالوا: إنهم مسلمون، و إنهم يصلون، و يؤذنون، و قد بنوا المساجد، و قد صلوا مع خالد مرتين. . قبل أن يوقع بهم كما ذكرته الرواية الصحيحة عن الإمام الباقر «عليه السلام» (1).
ثم إن الأسرى كانوا يصلون حتى في حال أسرهم قبل أن يأمر خالد بقتلهم.
قال الواقدي: «و باتوا في وثاق، فكانوا إذا جاء وقت الصلاة يكلمون
1) الأمالي للشيخ الصدوق (ط سنة 1398 ه) ص 152 و 153 و البحار ج 21 ص 142 و ج 101 ص 423 و 424 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 366 و 367 و علل الشرائع (ط سنة 1385 ه) ج 2 ص 473 و 474.
المسلمين، فيصلون ثم يربطون، فلما كان وقت السحر، و المسلمون قد اختلفوا بينهم، فقائل يقول: ما نريد بأسرهم؟ ! نذهب بهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قائل يقول: ننظر: هل يسمعون أو يطيعون، و نبلوهم، و نخبرهم. و الناس على هذين القولين الخ. .» (1).
و قد واجه عبد الرحمن بن عوف خالدا بهذه الحقيقة، و لم يستطع أن ينكرها، فادّعى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بقتلهم.
و قد كذبه عبد الرحمن بن عوف في دعواه هذه.
فلما ذا يتجرأ خالد على مقام النبوة، و ينسب إلى نبي اللّه تعالى الكذب؟ ! و كيف يمكن أن تقول فئة من الناس: إن خالدا من الصحابة العدول، و هو يقتل الأبرياء، و يكذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو يسب أصحابه؟ !
تقدم: أن خالدا قال لعبد الرحمن بن عوف، حين لامه على فعلته: إنما ثأرت بأبيك.
و هذا معناه: أن الأمر لم يكن مجرد حصول اشتباه في فهم كلمة: «المدافة» التي أطلقها خالد-حسب زعمهم-لأصحابه في وقت السحر. . بل كان قتلا مقصودا و متعمدا. .
و مع غض النظر عن ذلك، إذا كان هؤلاء القوم مسلمين، و يصلون
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 876.
و يؤذنون، و قد بنوا المساجد في الساحات، فما هو الداعي إلى أسرهم، و شد أكتافهم، و تسليمهم لأصحابه؟ ! ألا يعد هذا غدرا ظاهرا بهم؟ !
و أ لم يكن بإمكان خالد أن يستغني عن أسرهم بأن يتحقق من صحة ما ادّعوه: من أنهم يصلون، و يؤذنون، و أنهم أقاموا المساجد في ساحاتهم؟ ! فيطلب منهم أن يصلوا أمامه، و أن يؤذنوا، و أن يدلوه على المساجد التي أقاموها ليراها بنفسه.
و أما زعمه: أنه قتلهم انتقاما للفاكه بن المغيرة، فهو غريب و عجيب من إنسان ينسب نفسه إلى الإسلام! ! فإن الفاكه قد قتل في الجاهلية، و هو مشرك مهدور الدم، و لعله كان هو المعتدي عليهم، أو كان قد قتل ثأرا لدم قتيل آخر. و لا شيء يثبت أنه قتل مظلوما.
على أن المؤرخين قد صرحوا: بأن بني جذيمة قد دفعوا دية الفاكه و دية عوف إلى قريش.
فلما ذا يعود عبد الرحمن بن عوف لقتل قاتل أبيه، و هو قد أخذ ديته، ثم يعود خالد لقتل أربع مائة غلام من بني جذيمة (1).
و حتى لو قتل مظلوما، فإن الإسلام يجب ما قبله.
و لو أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤاخذ الناس بما صدر منهم قبل إسلامهم لقتل معظم الناس، بل لوجب قتل الناس كلهم، لأن جريمة الشرك نفسها تقتضي قتلهم. فضلا عما سوى ذلك مما ارتكبوه، أو مارسوه. .
و لنفترض: أن قاعدة الإسلام يجب ما قبله، قد عطلت بالنسبة لمن
1) المنمق ص 164 و 248 و السيرة النبوية ج 4 ص 74.
يقتل مظلوما، إذا أصر ولي الدم على الإنتقام. . فإن ذلك أيضا لا يبرر ما فعله خالد لعدة أسباب:
أحدها: أن خالدا لم يكن ولي دم الفاكه بن المغيرة.
الثاني: أن عليه أن يرفع الأمر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
الثالث: أن عليه أن يقتصر على قتل القاتل نفسه دون سواه،
الرابع: أن لا يتعدى القتل إلى التمثيل أو التعذيب في الكيفية التي يجريها.
1-تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لخالد حين تلاحى مع عبد الرحمن بن عوف دعوا لي أصحابي. أو لا تسبوا أصحابي.
و لعل هذه هي الرواية الصحيحة.
و سواء أكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: دعوا، أو قال: لا تسبوا، فإن خالدا قد تناول شخص ذلك الصحابي، و آذاه بلسانه، و لم يكن خالد يتورع عن سب أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
2-قد يقال: إن هذه الكلمة تشير إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعد خالدا من أصحابه، فضلا عن أن يكف عنهم لسانه، و سبّه.
فدعوى: أن كل من رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مميزا فهو صحابي تصبح موضع ريب.
و يدل على ذلك: أن قوله في الرواية نفسها: إن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم و لا نصيفه، فإن هذا الخطاب يشمل خالدا بلا
ريب، فلو أنه كان هو من الصحابة لم يكن معنى لخطابه بمثل هذا الكلام.
3-إن ابن عوف، و إن كان في ذلك الوقت ممن يصح أن يعد من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن لا يعني بقاءه و كذلك سائر أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» على حال الإستقامة بعد وفاته أيضا.
و يدل على ذلك حديث: ليردن علي الحوض أقوام، فيختلجون دوني، فأقول: رب أصحابي.
فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
و في بعض نصوص الحديث: إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقري،
زاد في بعضها قوله: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (1).
1) راجع ألفاظ الحديث في: صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح) ج 6 ص 69 و 70 و 122 و ج 8 ص 136 و 148 و 150 و 151 و 149 و 169 و 202 و ج 9 ص 58 و 59 و 63 و 64 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 192 و 240 و ج 7 ص 195 و 206 و 207 و 208 و ج 8 ص 87 و صحيح مسلم ج 1 ص 58 و 150 و ج 7 ص 67 و 68 و 70 و 71 و 96 و 122 و 123 و ج 8 ص 157 و مسند أحمد ج 1 ص 235 و 253 و 384 و 402 و 406 و 407 و 425 و 439 و 453 و ج 3 ص 28 و 102 و 281 و ج 5 ص 48 و 50 و 339 و 388 و 393 و 400 و 412 و كنز العمال (ط الهند) ج 11 رقم (1416) و (2416) و (2472) و (ط مؤسسة الرسالة) ج 4 ص 543 و ج 5 ص 126 و ج 11 ص 177 و ج 13 ص 239 و ج 14 ص 358 و 417 و 418 و 419 و 433 و 434 و 435 و 436 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 407 و المغازي للواقدي ج 1 ص 410 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 159 و 160 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 164 و الجمع بين الصحيحين رقم (131) و (267) . و راجع: الإقتصاد للشيخ الطوسي ص 213 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 93 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 131 و 378 و 379 و كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 163 و 270 و شرح الأخبار ج 1 ص 228 و ج 2 ص 277 و كتاب الغيبة للنعماني ص 54 و المسترشد ص 229 و الإفصاح للشيخ المفيد ص 51 و التعجب للكراجكي ص 89 و كنز الفوائد للكراجكي ص 60 و العمدة لابن البطريق ص 466 و 467 و الطرائف لابن طاووس ص 376 و 377 و 378 و الملاحم لابن طاووس ص 75 و الصراط المستقيم ج 2 ص 81 و ج 3 ص 107 و 140 و 230 و عوالي اللآلي ج 1 ص 59 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 65 و 66 و 67 و الصوارم المهرقة ص 10 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 140 و 240 و 262 و 263 و 264 و البحار ج 8 ص 16 و 27 و ج 23 ص 165 و ج 28 ص 19 و 24 و 25 و 26 و 27 و 28 و 29 و 127 و 282 و ج 29 ص 566 و ج 31 ص 145 و ج 37 ص 168 و ج 69 ص 148 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 394 و 395 و النص و الإجتهاد ص 524 و 525 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 103 و الغدير ج 3 ص 296 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 175 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 576 و مواقف الشيعة ج 3 ص 208 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1062 و ج 3 ص 2188 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1016 سنن الترمذي ج 4 ص 38 و ج 5 ص 4 و سنن النسائي ج 4 ص 117 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 501 و ج 4 ص 452 و شرح مسلم للنووي ج 3 ص 136 و ج 4 ص 113 و ج 15 ص 64 و مجمع الزوائد ج 3 ص 85 و ج 9 ص 367 و ج 10 ص 365 و فتح الباري ج 11 ص 333 و ج 13 ص 3 و عمدة القاري ج 15 ص 243 و ج 18 ص 217 و ج 19 ص 65 و ج 23 ص 106 و 137 و 140 و ج 24 ص 176 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 93 و ج 9 ص 6 و 7 و مسند أبي داود الطيالسي ص 343 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 415 و ج 8 ص 139 و 602 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 379 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 365 و تأويل مختلف الحديث ص 217 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 352 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 669 و ج 6 ص 339 و 408 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 35 و 40 و 434 و ج 9 ص 102 و 126 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 344 و المعجم الأوسط ج 1 ص 125 و ج 6 ص 351 و ج 7 ص 166 و المعجم الكبير ج 7 ص 207 و ج 12 ص 56 و ج 17 ص 201 و ج 23 ص 297 و مسند الشاميين ج 3 ص 16 و 310 و ج 4 ص 34 و مسند الشهاب ج 2 ص 175 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 111 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 291 و 292 و 293 و 301 و 308 و ج 19 ص 222 و رياض الصالحين للنووي ص 138 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 241 و تغليق التعليق لابن حجر ج 5 ص 185 و 187 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 449 و فيض القدير ج 5 ص 450 و تفسير جوامع الجامع ج 3 ص 856 و مجمع البيان ج 10 ص 459 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1483 و التفسير الصافي ج 1 ص 369 و ج 5 ص 382 و ج 7 ص 566 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 680 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 195 و تفسير الميزان ج 3 ص 380 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 371 و جامع البيان ج 4 ص 55 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1254 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 382 و تفسير الثعلبي ج 3 ص 126 و ج 10 ص 308 و تفسير السمعاني ج 2 ص 77 و ج 6 ص 290 و تفسير البغوي ج 2 ص 76 و زاد المسير ج 8 ص 320 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 168 و ج 6 ص 361 و 377 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 124 و ج 3 ص 261 و ج 4 ص 595 و الدر المنثور ج 2 ص 349 و ج 5 ص 96 و ج 17 ص 211 و ج 22 ص 45 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 234 و علل الدارقطني ج 5 ص 96 و ج 7 ص 299 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 372 و ج 36 ص 8 و ج 47 ص 117 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 120 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 4 ص 1251 و البداية و النهاية ج 6 ص 231 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 305 و 306 و ج 14 ص 222 و 223 و بشارة المصطفى للطبري ص 217 و الدر النظيم ص 444 و نهج الإيمان لابن جبر ص 583 و العدد القوية للحلي ص 198 و سبل الهدى و الرشاد الصالحي ج 10 ص 96 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 398 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 164 و 165.
و إذا راجعنا نصوص ما جرى من خالد على مالك بن نويرة و أصحابه، و على بني جذيمة، فإننا نشهد ظاهرة مثيرة و هي: أن ثمة تشابها في عرض ما جرى بين القضيتين في عدة مفاصل أساسية.
فقد رأوهم يصلون، و يؤذنون في كلا الواقعتين.
و حبسوا في ليلة باردة، و قتلوا لأن خالدا أمر أصحابهم بأن يدفئوا أسراهم، ففهموا ذلك على أنه أمر بالقتل.
و كلمة «أدفئوا في لغة كنانة تعني القتل» .
و سمع خالد الواعية بعد ان فرغوا منهم.
و اعترض على خالد في قتلهم رجلان، هما: عبد اللّه بن عمر، و سالم مولى أبي حذيفة في بني جذيمة، أو عبد اللّه بن عمر و أبو قتادة في قصة مالك و أصحابه. و قد كره خالد كلامهما في كلتا الحادثتين.
بل إن أبا قتادة قد عاهد اللّه أن لا يشهد مع خالد حربا أبدا بعد قصة مالك بن نويرة.
و تذكر رواية قصة مالك أيضا: سياقا يتوافق كثيرا مع سياق قصة بني
جذيمة، فإن أصحاب خالد واجهوا أصحاب مالك تحت الليل، فأخذ أصحاب مالك السلاح، فقال أصحاب خالد: إنّا مسلمون.
فقالوا: و نحن المسلمون.
قلنا: فما بال السلاح معكم؟
قالوا: فما بال السلاح معكم؟
قلنا: فإن كنتم كما تقولون، فضعوا السلاح.
فوضعوا السلاح لقول خالد الخ. . (1).
و هذا السياق بعينه موجود في قصة بني جذيمة كما تقدم.
فهل سبب هذا التشابه هو: أن محبي خالد أرادوا أن يقرنوا بين أبي بكر في نصرته لخالد و دفاعه عنه، و بين حادثة بني جذيمة، حيث لم يقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالدا حين أوقع بهم؟ !
و قد ظهر في الأبيات المنقولة، خصوصا في البيتين اللذين قال ابن هشام: إن أهل العلم بالشعر ينكرونهما لذلك القائل، ظهر فيها الإقواء، في القافية، فجاءت مرفوعة بدل أن تكون مكسورة، فقراءة المرفوع مكسورا إقواء في الشعر.
إن محبي خالد قد عذروا خالدا فيما فعله ببني جذيمة بأنه اجتهد فأخطأ، رغم اعترافه لعمر: بأن الأمر ليس كذلك، و رغم أنه قد اعترف
1) تاريخ الأمم و الملوك (حوادث سنة 11 ه) ج 3 ص 279 و قد تقدمت مصادر ذلك.
لابن عوف بأنه قد قتلهم استجابة للإحن الجاهلية، فقد قال العامري:
«و إنما أنكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خالد، لأنه لم يتثبت في أمرهم. ثم عذره في إسقاط القصاص، لأن (أي قولهم: صبأنا) ليس تصريحا في قبول الدين. و قد سأل عمر أبا بكر في خلافته قتل خالد بن الوليد بمالك بن نويرة، فقال: لا أفعل، لأنه متأول الخ. .» (1).
فتراه يصرح: بأن هذا هو نفس ما عذره به أبو بكر لقتله مالك بن نويرة و أصحابه. ثم إقدامه على الزنى بزوجة مالك في نفس ليلة قتله، كما تنبأ به مالك نفسه، في نفس ليلة قتله. .
و على كل حال، فقد قالوا: إنه لما بلغ ذلك أبا بكر و عمر، قال عمر لأبي بكر: إن خالدا قد زنى، فاجلده.
قال أبو بكر: لا، لأنه تأول فأخطأ.
قال: فإنه قتل مسلما، فاقتله.
قال: لا، إنه تأول فأخطأ.
ثم قال: يا عمر! ما كنت لأغمد سيفا سله اللّه عليهم (2).
1) بهجة المحافل للعامري ج 1 ص 444.
2) راجع: تاريخ ابن شحنة (روضة المناظر) (مطبوع بهامش الكامل) حوادث سنة 11 ه ج 7 ص 165 و (في ط أخرى لروضة المناظر) ج 1 ص 191 و 192 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 209 و شرح المواقف ج 8 ص 358 و الغدير ج 7 ص 160 و راجع: كنز العمال ج 5 ص 247 و مرآة الجنان ج 2 ص 120 وفيات الأعيان ج 6 ص 15 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 257 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 503 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 42.
و لكن ليت شعري كيف يجيب هؤلاء على الأسئلة التالية:
كيف يصح الإجتهاد مع وجود النص على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يرسله مقاتلا، و إنما أرسله داعيا؟ !
و كيف يصح الإجتهاد، مع النهي الصريح عن قتل المسلمين؟ ! فإنه لا يحل قتل المسلم إلا في كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو تعمده قتل مسلم (1). أو فساد في الأرض (2)، و كل ذلك لم يكن. .
و إذا كان بنو جذيمة لم يحسنوا أن يقولوا: «أسلمنا» ، فقالوا: «صبأنا»
1) راجع: مشكاة المصابيح ج 2 ص 285 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 847 و مصابيح السنة ج 2 ص 502 و الديات لابن أبي عاصم ص 9 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 2521 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 37 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 187 و ج 8 ص 43 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 35 ص 212 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 68 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2499 و سنن أبي داود ج 2 ص 327 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 128 و عمدة القاري ج 18 ص 203 و ج 24 ص 61 و عون المعبود ج 12 ص 5 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 417 و نصب الراية ج 4 ص 109 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 96 و كنز العمال ج 1 ص 87 و 92 و شرح مسند أبي حنيفة ص 359 و كشف الخفاء ج 2 ص 367 و أحكام القرآن ج 2 ص 98 و 292 و أضواء البيان ج 3 ص 134 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 445.
2) كما نصت عليه الآية الكريمة: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (الآية 33 من سورة المائدة) .
-كما زعم أنصار خالد و محبوه-فإن صلاتهم، و أذانهم، و مساجدهم شاهد صدق على إسلامهم.
و لو قيل: إن ذلك لا يمنع من ارتدادهم بعد صلاتهم و أذانهم، فيصح قتلهم. .
فإننا نقول:
قد تقدم: أن خالدا قال لهم: ما أنتم؟
قالوا: مسلمون.
و لو أنهم كانوا قد عادوا إلى الإرتداد، فلما ذا اعترض الناس على خالد حين قتلهم؟ !
و لما ذا غضب عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و لما ذا برئ إلى اللّه من فعل خالد ثلاث مرات؟ !
و لما ذا لامه عمر، و عبد الرحمن بن عوف، و عمار، و عبد اللّه بن عمر، و سالم مولى أبي حذيفة؟ !
و لما ذا لم يقتل أحد من الأنصار أسيره؟ !
و لما ذا يعتذر خالد عن قتلهم: بأنه يريد أخذ ثار عوف؟ !
و لما ذا. . و لما ذا. .
و من جهة أخرى: كيف يمكن لهؤلاء إثبات اجتهاد خالد، و هو كان حديث عهد بالإسلام؟ إلا أن يكون هؤلاء يرون أن الإجتهاد-كالنبوة- مقام إلهي يمنحه اللّه لمن يشاء! !
و أخيرا نقول:
إن زعمهم: أن خالدا تأول فأخطأ، فيه جرأة كبيرة على خالد-بنظرهم
طبعا-و هو ذنب يستغفرون اللّه منه، فقد كان ينبغي أن يقولوا فيه مثل ما قالوه في قاتل علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقد افتروا على ابن ملجم، فزعموا: أنه مجتهد مأجور على ما فعل.
و قال محمد بن جرير الطبري في التهذيب: «و لا خلاف بين أحد من الأمة أن ابن ملجم قتل عليا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه على صواب» (1).
و هذا هو نفس ما عذروا به أبا الغادية قاتل عمار بن ياسر (2).
قال الخطابي: «يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم للعدول عن لفظ الإسلام، و لم ينقادوا إلى الدين، فقتلهم متأولا. و أنكر عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» العجلة، و ترك التثبت في أمرهم، قبل أن يعلم المراد من قولهم: صبأنا» (3).
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 98 و راجع: مغني المحتاج ج 4 ص 124 و تلخيص الحبير ج 4 ص 46 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 484 و الجوهر النقي ج 8 ص 58 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 61 و الغدير ج 1 ص 323 و ج 9 ص 393 و ج 10 ص 341 و المجموع للنووي ج 19 ص 197 و المبسوط للسرخسي ج 26 ص 175 و الشرح الكبير ج 10 ص 76 و النص و الإجتهاد ص 13.
2) المحلى لابن حزم ج 1 ص 484 و الجوهر النقي (مطبوع بهامش سنن البيهقي) ج 8 ص 158 و الغدير ج 1 ص 328 و سماء المقال في علم الرجال للكلباسي ج 1 ص 20.
3) الفصل في الملل و الأهواء و النحل ج 4 ص 161 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 46 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 211 و مرقاة المفاتيح ج 7 ص 487.
و هو كلام بارد، و تأويل فاسد.
فأولا: إن مهمة خالد هي دعوتهم إلى اللّه تعالى، و تقريب مفاهيم الإسلام إلى أذهانهم، و إقامة الحجة عليهم، من خلال الأدلة و الشواهد.
فإن لم يرق لهم الدخول في الإسلام، فليس له أن يقاتلهم، فضلا عن أن يغدر بهم، ثم ياسرهم، و يعرضهم على السيف.
ثانيا: لا ندري كيف يجوز له أو لغيره الإجتهاد في مورد يحكم فيه العقل بلزوم الإحتياط بمراجعة النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . الذي لم يفوض إليه أن يعمل باجتهاده، سواء أخطأ فيه، أم أصاب.
ثالثا: إنه حتى لو أن خالدا لم يستعجل في أمر بني جذيمة، بل تثبت من قصدهم بكلمة «صبأنا» ، و علم أنهم قد رفضوا الإسلام، فإن قرار قتلهم أو استبقائهم لا يعود إليه. فالتثبت في أمرهم، و معرفة مرادهم من كلمة صبأنا لا يفيد في دفع اللوم عن خالد.
رابعا: قد تقدم: أنهم صرحوا بأنهم مسلمون، و صلوا مع خالد عدة صلوات قبل أن يغدر بهم، و بنوا المساجد في الساحات، و رفعوا الأذان، و كانوا بعد أسرهم يطلبون من المسلمين أن يمكنوهم من الصلاة، فكانوا يحلونهم من كتافهم، فإذا صلوا أعادوهم إليه.
خامسا: قد اعترف خالد لعمر، و اعترف لعبد الرحمن بن عوف: بأنه قد قتلهم لأحن، و ثارات، و عصبيات جاهلية.
و اعتراض عبد الرحمن بن عوف على خالد، و جواب خالد له يدل على
أن قتل بني جذيمة لم يكن بسبب الفهم الخاطئ من قبل بني كنانة، فإن خالدا لم يعتذر بذلك، بل اعتذر بأنه أراد أن يقتل قاتل عوف والد عبد الرحمن بن عوف.
كما أن السبب في قتلهم إن كان هو الفهم الخاطئ من قبل بني كنانة، فإن ملامة عبد الرحمن لخالد تصبح بلا معنى، فإن الخطأ في الفهم يعتبر عذرا مقبولا عند الناس.
على أنه لو صح ذلك، فإن اتهام عبد الرحمن بن عوف لخالد بأن ما فعله من أمر الجاهلية، و أنه أراد أن يأخذ بثأر عمه الفاكه بن المغيرة يصبح من البهتان الذي يقتضي مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ردع ابن عوف عنه؛ فإنه من الظلم الظاهر، و من المنكر السافر.
و كل هذا الذي ذكرناه: يجري أيضا بالنسبة لاعتراض ابن عمر و سالم مولى أبي حذيفة. . فقد كان على خالد أن يعتذر لهما: بأنه لا ذنب له فيما جرى. . بل الآخرون هم المخطئون في فهم كلامه، فإن كان ثمة من لوم، فيجب أن يوجه إليهم، إن صح لوم من يخطئ في فهم الكلام الموجه إليه.
إن التناقض الظاهر فيما بين الروايات في عرضها لما جرى لبني جذيمة يشير إلى أن ثمة رغبة في تعمية الأمور، و إثارة الشبهات حول حقيقة و حجم ما جرى، فعسى و لعل، و لعل و عسى يفيد ذلك في إعادة شيء من ماء الوجه لخالد، و لو أمام البسطاء و السذج من الناس.
و نحن لا نريد أن نفيض في إظهار هذه التناقضات، بل نكل ذلك إلى
القارئ الكريم نفسه. فإن وضوح ذلك يدعونا إلى توفير الوقت لما هو أهم، و نفعه أعم.
و زعموا: أنه لما كان وقت السحر، نادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه، و المدافّة: الإجهاز عليه بالسيف.
و نقول:
من الذي قال: إن كنانة و العرب حول مكة تقول: أدفئوا، بمعنى اقتلوا؟
فإننا لم نجد شاهدا على ذلك سوى ما في هذه الرواية.
غير أنهم ذكروا: أن قولهم: أدفأ الجريح بمعنى أجهز عليه، و قالوا: إن هذه لغة يمانية (1).
و بنو مدلج و كنانة كانتا تعيشان في منطقة مكة، و ليستا يمانيتين.
كما أن الأسرى لم يكونوا جرحى، ليقال: إنهم فهموا من هذه الكلمة لزوم الإجهاز على من كان جريحا منهم! !
و قد صرحت الروايات: أن الذين كانوا مع خالد بن الوليدهم:
1-من المهاجرين و الأنصار.
2-من بني سليم بن منصور.
3-و من بني مدلج بن مرة.
1) راجع: أقرب الموارد ج 1 ص 339.
و من الواضح: أن بني سليم بن منصور ينتهون إلى قيس بن عيلان بن مضر. . فأين كنانة من هؤلاء؟ !
و المهاجرون هم عموما من قريش.
و الأنصار هم من الأوس و الخزرج، فالذين كانوا من كنانة هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، و هؤلاء قلة قليلة، يعرفون لغة قريش، و يعرفون أن المتكلم معهم قرشي.
فلو صح: أن أحدا من كنانة ممن كان حاضرا قد وقع في الغلط فعلا، فالمفروض هو: أن ينهاه رفقاؤه عن قتل أسيره، و يعرّفوه معنى كلام خالد.
ثم إننا لا ندري لما ذا اختار خالد وقت السحر ليأمر أصحابه بقتل أسراهم؟ هل كان يريد أن يفرغ من هذا الأمر، و حينما يكون الأتقياء من صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نائمين، لا يشعرون بما يجري، حتى يفرغ من جريمته؟ !
لأن الظاهر: أن خالدا كان يخاف من ثورة كثير من الصحابة ضده، لو أنهم شهدوا تلك الجريمة النكراء، و الفضيحة الصلعاء، و الشنعاء.
و يكفي أن التاريخ لم يستطع أن يصرح لنا إلا باسم رجلين اعترضا على خالد فيما صنع، و من غير المعقول أن يمالئه على هذه الجريمة ثلاث مائة و خمسون رجلا قد صحبوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرفوا و رأوا بعضا من سياساته و مواقفه! !
فمن المتوقع أن يكثر المعترضون عليه، و لو لأجل التنصل من المسؤولية
عما يحدث، و تسجيل موقف رافض، و لو على مستوى الشكليات.
كما أننا نستفيد من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما كان فيكم رجل رحيم؟ ! شاهدا و مؤيدا لما ذكرناه.
فإن الذين مارسوا القتل-على ما يظهر-قد وقع الإختيار عليهم بعناية و دقة. أي أن خالدا قد سلم الأسرى لأناس يعرفهم بالقسوة، و بعدم الرحمة، حسبما أشارت إليه كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
إن من الأمور التي قررها الإسلام، وضع دماء الجاهلية، و عدم أخذ الناس بها. ربما لأنها إنما أريقت لا لأجل إحقاق حق، و إبطال باطل، و إنما انطلاقا من عصبيات مقيتة و ثأرا يأخذ البريء بذنب المسيء، و نصرة لمفاهيم جاهلية و غير إنسانية.
و المتأمل في ما فعله خالد يجد: أنه لا يخرج عن هذا السياق، إن يكن يغرق فيه، و يغرق في و حوله النتنة، و تبتهج روحه لما ينبعث منه من روائح عفنة.
و لا يشك أي مطلع منصف في أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد غضب مما جناه خالد، و لم يكتف بالإعراض، بل شفع ذلك بتكرار البراءة إلى اللّه من فعله ثلاث مرات. ثم هو قد واجهه باللوم على ما بدر منه تجاه عبد الرحمن بن عوف الذي اعترض عليه بسبب ما صدر منه.
غير أن ثمة سؤالا يبقى بحاجة إلى جواب. . و هو:
لما ذا لم يأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» خالدا بجريمته، ما دام أنه قد كان من المؤكد: أنه إنما قتل جماعة من المسلمين، و أنه لم يكن صادقا حينما ادّعى عليهم الكفر. . و أنه قد كذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بادّعائه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمره بقتلهم؟ !
و لعل الصواب أن يتضمن الجواب ما يلي:
إننا لا نريد أن نقول: إن قتل خالد يحبط مسعى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لاستقطاب مستضعفي المنطقة، من حيث إن ذلك سيثير أمام الدعوة الإسلامية ألف مشكلة و مشكلة، حين تتحرك زعامات قريش في إعلام مسموم، يرمي إلى إثارة الشبهات في حقانية هذا الدين، و في صحة قرارات النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لكننا نريد أن نكتفي بالقول: بأن ادّعاء خالد: أن بني جذيمة كانوا كفارا حين قتلهم، قد كان بهدف إيجاد الشبهة في أن يكون قد اشتبه عليه الأمر، فظن كفرهم، فقتلهم.
و هو و إن كان مخطئا في ذلك بلا ريب، إلا أن خطأه هذا لا يبرر الاقتصاص لهم منه. بل هو يوجب أن يديهم إمام المسلمين، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بيت المال.
و قد بادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى دفع الدية لهم، و تعويضهم عن كل ما فقدوه.
و القرائن و الدلالات و إن كانت متضافرة على تكذيب هذه المزعمة. و لكنها مزعمة تكفي لدفع غائلة الاقتصاص من خالد، فإن الحدود تدرأ
بالشبهات.
و قد أشرنا مرات عديدة إلى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يتعامل مع الناس على أساس علم الشاهدية، أو العلم الخاص الذي يمنحه اللّه تعالى إياه، و إنما يتعامل معهم وفق ما تؤدي إليه الوسائل العادية المتوفرة لديهم، فهو يقضي بين الناس بالأيمان و البينات، و بما يوجبه الإقرار، و ما يراه بعينه، و يسمعه بأذنه. .
و توضيح آخر نضيفه هنا، و هو: أن خالدا، و إن كان منهيا عن القتال، لأن سريته سرية دعوة لا سرية قتال. و قد أخطأ في قتاله لبني جذيمة بلا ريب.
و لكن هناك أمران يفرضان تعاملا خاصا، يتناسب مع مقتضياتهما و هما:
أولا: أن المسلم لا يقتل بالكافر. . فادّعاء كفرهم يجعل خالدا الذي قتلهم عمدا في مأمن من القصاص. أي أن هؤلاء، و إن كانوا مسلمين في واقع الأمر، و لكن خالدا يدّعي: أنه إنما قتلهم لظنه فيهم الكفر. . و هذه شبهة توجب دفع القصاص، كما قلنا.
ثانيا: إنه لا يجوز الإقدام على أي تصرف يثير الشبهة في صحة و دقة و صوابية التصرفات، التي تصدر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلا يجوز له أن يفعل ما يوجب شكهم في نبوته، أو اتهامه في عصمته. .
و لعل ذلك هو بعض فوائد عدم السماح له بأن يتعامل مع الناس بعلم الشاهدية.
قال البلاذري، و الواقدي: مكث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
معرضا عن خالد حينا، و خالد يتعرّض له «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحلف ما قتلهم على ترة، و لا عداوة، و إنه لم يسمع منهم تشهّدا.
قال البلاذري: فرضي «صلى اللّه عليه و آله» عنه و سماه بعد ذلك سيف اللّه.
قال الواقدي: فلما قدم علي و وداهم، أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على خالد، فلم يزل عنده من علية أصحابه حتى توفي «صلى اللّه عليه و آله» . .
ثم ذكر حديث: لا تسبوا خالدا، فإنما هو سيف من سيوف اللّه سله على المشركين (1).
و نقول:
قد تحدثنا في موضع سابق من هذا الكتاب عن تسمية خالد ب «سيف اللّه» ، و أنه أمر مكذوب، و أن خالدا إنما سل سيفه على المسلمين في قضية بني جذيمة، و في يوم البطاح حين قتل مالك بن نويرة، و لم نجد له أية نكاية في المشركين، بل كان هو السبب في هزيمة المسلمين في مؤتة، بعد أن كان النصر منهم على أعظم أمبرطورية في ذلك العصر قاب قوسين أو أدنى، ثم كان بعد ذلك الرجل الذي تولى إخضاع المسلمين لأبي بكر، و قتلهم على ذلك بلا رحمة و لا شفقة! !
1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 381 و المغازي للواقدي ج 3 ص 883 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 203 و مجمع الزوائد ج 9 ص 349 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 143 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 243 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 7 و المطالب العالية ج 16 ص 309 و فضائل الصحابة ج 2 ص 815.
و غضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و إعراضه عن خالد، لعله لأجل دلالة الناس عن حقيقة: أن خالدا ليس صادقا فيما يدّعيه.
و أن الشبهة التي أراد أن يتلطى خلفها و إن كانت توجب درء الحد عنه في ظاهر الأمر، و لكنها شبهة قائمة على الخداع و التضليل، و لذلك عامله «صلى اللّه عليه و آله» وفق ما ادّعاه لنفسه من جهة. . ثم بيّن له الحقيقة و الواقع، ليفهمه: أن القبول منه لا يعني أنه قد تمكن من خداع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جهة أخرى، فلا يظنن أنه قادر على التلاعب بقرارات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و التأثير على سياساتهم، بما يدبره من مكائد و مصائد. فهو إنسان مكشوف و معروف لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فلئن دفع عن نفسه القتل بما خادع به النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين هذه المرة، فإنه قد لا يسلم من ذلك فيما لو سولت له نفسه ذلك مرة أخرى.
قال ابن حبيب البغدادي: «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر، فقاتلهم على ماء لهم، يقال له: الغميصاء (1)، فقتل منهم أربع مائة غلام» (2).
و صرح المؤرخون: بأن خالدا أكثر القتل في بني جذيمة (3).
و لكن محبي خالد يسعون بكل قوة لتقليل عدد القتلى، و لكن القتلى كانوا من الكثرة بحيث لم يجدوا مناصا من الإعتراف بذلك، فقد رووا عن رجل من بني جذيمة، مبيض؛ قال: سمعت خالد بن إلياس يقول: بلغنا أنه قتل منهم قريبا من ثلاثين رجلا (4).
و هذا الرقم رغم أنه كثير في نفسه، و لكن حديث ابن حبيب عن قتل
1) الغميصاء: موضع في البادية قرب مكة إلى جهة يلملم.
2) المنمق (ط الهند سنة 1384 ه) ص 248 و (نسخة مخطوطة) ص 209.
3) المنمق ص 252 و 259 و (نسخة مخطوطة) ص 211 و 212 و راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 17 و النص و الإجتهاد ص 460 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 627 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ج 1 ص 266.
4) المغازي للواقدي ج 3 ص 884.
أربع مائة غلام، يدل على كثرة هائلة في عدد القتلى، تجعل من الصعب علينا تصديق كلام منسوب إلى رجل مجهول من بني جذيمة، عن خالد بن إلياس الضعيف في نفسه أيضا، الذي وصفه ابن معين بأنه: ليس بشيء، و لا يكتب حديثه (1).
و قال البخاري: ليس بشيء منكر الحديث (2).
و قال أحمد و النسائي: متروك (3).
و قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث (4).
و قال أبو زرعة: ضعيف ليس بقوي. سمعت أبا نعيم يقول: لا يسوى حديثه فلسين (5).
و قال النسائي مرة: ليس بثقة، و لا يكتب حديثه (6).
1) عمدة القاري ج 5 ص 286 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 408 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 464.
2) عمدة القاري ج 5 ص 286 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 464 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 5 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 68 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 70 و 71.
3) ميزان الإعتدال ج 1 ص 627 و 628 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 70 و 71 و عمدة القاري ج 5 ص 286 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 464 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 3 و الجرح و التعديل ج 3 ص 321 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 5 و بحر الدم للمبرد ص 48 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 68 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 70.
4) تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 42 و نصب الراية للزيلعي ج 1 ص 464 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 70.
5) الجرح و التعديل ج 3 ص 321 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 70.
6) تحفة الأحوذي ج 8 ص 68 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 71.
و ضعّفه أيضا: يعقوب بن سفيان، و ابن عدي، و الترمذي، و ابن شاهين، و الساجي، و محمد بن عمار، و ابن مثنى، و البزار، و ابن حبان، و الحاكم، و النقاش، .
و قال ابن عبد البر: ضعيف عند جميعهم (1).
و لو استطاع محبوا خالد إنكار أصل وجود قتلى لما ترددوا في ذلك.
قد ذكرت هذه الحادثة بمرارة ظاهرة في أشعار عدد من الناس، و قد تركت أثرها في وجدانهم و في مشاعرهم الإنسانية، فراجع بعض ما قيل في ذلك في كتاب السيرة النبوية لابن هشام، و المنمق، و غير ذلك.
و لسنا بحاجة إلى التدليل على فظاعة ما جرى، فإن الحوامل قد أسقطن أجنتهن، و قد محقت تلك القبيلة عن بكرة أبيها، في مالها، و في رجالها، الذين لم ينج منهم إلا الشريد، و إلا الأسرى الذين أطلقهم الأنصار، و بعض من غيرهم. . و كان خالد و بنو سليم هم الأعتى و الأقسى، و الأغلظ أكبادا فإن بني سليم قد قتلوا جميع من كان في أيديهم من الأسرى، و لم يفلت منهم احد. .
و يكفي للتدليل على حقيقة خالد و أعوانه، قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم: «أما كان فيكم رجل رحيم» ؟ !
أما النص الذي ذكره ابن واضح فهو التالي: «بلغ جذيمة: أن خالدا قد
1) تهذيب التهذيب ج 3 ص 70 و 71.
جاء و معه بنو سليم، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح.
فقالوا: إنا لا نأخذ السلاح على اللّه، و على رسوله، و نحن مسلمون.
فانظر ما بعثك رسول اللّه له، فإن كان بعثك مصدقا، فهذه إبلنا و غنمنا، فاغد عليها.
قال: ضعوا السلاح.
قالوا: إنا نخاف أن تأخذنا بإحنة الجاهلية.
فانصرف عنهم، و أذّن القوم و صلوا.
فلما كان السحر شنّ عليهم الخيل، فقتل المقاتلة، و سبى الذرية.
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. و بعث علي بن أبي طالب «عليه السلام» فأدى إليهم ما أخذ منهم، حتى العقال، و ميلغة الكلب. و بعث معه بمال ورد من اليمن، فودى القتلى، و بقيت منه بقية. فدفعها علي «عليه السلام» إليهم على أن يحلوا رسول اللّه مما علم و مما لا يعلم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لما فعلت أحب إلي من حمر النعم.
و يومئذ قال لعلي «عليه السلام» : فداك أبواي.
و قال عبد الرحمن بن عوف: و اللّه، لقد قتل خالد القوم مسلمين.
فقال خالد: إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف.
فقال له عبد الرحمن: ما قتلت بأبي، و لكنك قتلت بعمك الفاكه بن المغيرة (1).
1) تاريخ اليعقوبي (ط صادر) ج 2 ص 61 و راجع المصادر المتقدمة.
و ذكر البلاذري و غيره: أن المال الذي أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» لبني جذيمة كان قد اقترضه، فصرفه في ذلك (1).
و قد تقدم: أنهم ذكروا: أن المال الذي اقترضه من صفوان بن أمية، و حويطب، و ابن أبي ربيعة قد ودى منه قتلى بني جذيمة (2).
و لكن اليعقوبي قال: إنه قد أدى ديات القتلى من مال ورد إليه من اليمن.
و نقول:
قد عرفنا: أن أموال بني جذيمة قد قسمت، و لم يعد يمكن رد اعيانها، فردّ «صلى اللّه عليه و آله» عليهم مثل ما أخذ منهم، حتى لقد أعطاهم عوضا عن ميلغة الكلب، و حبال الرعاة، و ما إلى ذلك.
كما أنه قد أعطاهم ديات قتلاهم. و ديات القتلى تكون في العادة مبالغ كبيرة جدا، قد يحتاج أداؤها إلى التماس المال من أكثر من اتجاه. و قد يحتاج من عليه دية إلى أن يسير في العرب طلبا للمعونة منها، خصوصا إذا تعددت الديات. فكيف إذا بلغت العشرات و المئات، كما هو الحال في قضية بني جذيمة، حيث أكثر خالد من القتل فيهم، حتى ذكر البعض رقم أربع مائة غلام.
مهما اقترض «صلى اللّه عليه و آله» من أموال، فإنه لا يمكن اقتراض ما
يفي بديات عشر معشار هؤلاء.
خصوصا إذا لاحظنا ما يحتاج إليه جيش يزيد على عشرة آلاف مقاتل من نفقات عظيمة.
أما ما ذكروه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ودى القتلى مما اقترضه من صفوان بن أمية و غيره، فهو لا يعدو كونه مجرد مزحة من قائله. خصوصا مع التصريح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقترض ذلك المال ليعين به ضعفاء أصحابه. . و لا شك في أن كثرة هؤلاء الضعفاء ظاهرة، تتناسب مع عدد عشرة آلاف مقاتل، قد جاؤوا من بلاد بعيدة، و ليس لهم مصدر رزق في هذه البلاد، و قد جاؤوا محاربين غير مسالمين، و لا متاجرين.
و أما المال الذي جاء من اليمن، فهو ليس من غنائم الحرب، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن له سرايا، و لا كتائب تعمل في تلك المناطق، بل كان كل ما يمكنه أن يستفيد منه في مجال القتال قد وظفه في تجهيز هذا الجيش إلى مكة و محيطها، ليحسم الأمور فيها، و يدخل المنطقة بأسرها في مرحلة جديدة من التوجهات و الطموحات، و التخطيط، و الحركة، و العمل.
كما أن المفروض هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد بسط سلطته على منطقة اليمن. . و لم يكن له تجار يعملون فيها على تحصيل المال، و إمداده به. .
كما أن اليمن نفسها لم يكن لها ذلك التميّز و التفرد، و الأهمية في إنتاج المال. فقد كانت مناطق الشام، و بلاد الروم، و فارس اكثر أهمية منها من هذه الجهة.
يضاف إلى ما تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يباغت قريشا بالجيوش، و هو إنما يجمع جيوشه من منطقة المدينة و ما هو قريب منها،
و هي تقع لجهة الشام. . و اليمن تقع في الجهة المقابلة بالنسبة لموقعه من مكة، فأي تحرك من جهة اليمن باتجاه المدينة سوف يفتضح أمره لدى أهل مكة، و الحالة أنه يريد أن يباغتهم. .
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد استفاد صداقات في تلك البلاد، و لا أنشأ علاقات مع ملوكها، و مع أصحاب الأموال فيها، تدعوهم لتقديم مبالغ ضخمة له، تسمح بإعطاء عشرات، بل مئات الديات لأهلها.
فإن كان ثمة من مبادرات في هذا الاتجاه، فهي تقتصر على أمور جزئية جدا، و رمزية، مثل: جارية، فرس، غلام، شيء من الطيب، خاتم، حلة، حمار، مكحلة، شيء من العسل و نحو ذلك. . فراجع إحصائيات هدايا ملك الحبشة له. . رغم أنه كان مسلما، و كذلك إحصائيات هدايا المقوقس، أو غيره. . فإنها كلها لا تخرج عن هذا السياق. .
و يبقى السؤال:
من الذي جاءه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا المال الهائل من اليمن، و لما ذا؟ !
إننا إذا استبعدنا احتمال الإمداد الغيبي الإلهي، فلا نجد جوابا مقنعا، و معقولا، و مقبولا إلا أن نقول:
إن هذا يشير إلى: أن الإسلام كان قد فشا في الناس في مناطق اليمن، بصورة طوعية. و كان أولئك المسلمون يرسلون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزكواتهم، و أخماس أموالهم، و صدقاتهم، و سائر ما يتوجب عليهم. .
و من غير البعيد أيضا: أنهم كانوا حين يسمعون بمسيره «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة بهذا الجيش العظيم، الذي يحتاج إلى نفقات كبيرة جدا، و لا بد من المساعدة فيها. . يدعوهم شعورهم بالمسؤولية و الواجب المتمثل بحفظ
الإسلام، و حفظ النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إلى بذل كل غال و نفيس في هذا السبيل، و تخرج المسألة عن كونها مجرد تبرعات و تطوع، لتصبح واجبا عقليا و دينيا و أخلاقيا، لا بد من امتثاله على أكمل و أتم وجه و أوفاه.
و لعل هذا المال كان خليطا من ذلك كله. .
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قضية بني جذيمة قد فدّى عليا «عليه السلام» بأبويه. .
و قد يستفاد من سياق كلام اليعقوبي: أن ذلك كان شائعا و معروفا. . فقد قال: «و يومئذ قال لعلي: فداك أبواي»
فكأن هذا الأمر كان معروفا و شائعا. و قد أراد تعيين زمان حصوله و حسب. .
و مهما يكن من أمر: فإن هذا يكذب ما زعموه: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لسعد في يوم أحد: ارم فداك أبي و أمي.
و أن عليا «عليه السلام» قال: ما سمعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» جمع أبويه لأحد إلا لسعد (1). فإن المقصود: هو سرقة هذه الفضيلة من علي
1) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 241 و السيرة الحلبية ج 2 ص 229 و تاريخ الخميس ج 1 ص 433 و المجموع للنووي ج 19 ص 288 و مسند أحمد ج 1 ص 137 و صحيح البخاري ج 3 ص 228 و ج 5 ص 32 و 33 و ج 7 ص 116 و صحيح مسلم ج 7 ص 125 و سنن الترمذي ج 4 ص 211 و ج 5 ص 314 و فضائل الصحابة للنسائي ص 34 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 96 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 162 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 184 و فتح الباري ج 6 ص 69 و ج 7 ص 66 و عمدة القاري ج 14 ص 142 و 185 و ج 17 ص 148 و 149 و ج 22 ص 204 و الأدب المفرد للبخاري ص 174 و مكارم الأخلاق لابن الدنيا ص 63 و كتاب السنة ص 600 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 61 و ج 6 ص 56 و 57 و 58 و 59 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 334 و ج 2 ص 35 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 447 و مصادر كثيرة أخرى.
«عليه السلام» ، ثم منحها لأي كان من الناس.
و قد أرادوا أن يستعينوا بعلي نفسه في ذلك، و إمعانا منهم في الكيد، و مبالغة في الإيهام و الإبهام.
و زعموا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للزبير يوم أحد و قريظة: فداك أبي و أمي (1).
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 229 و 217 و 327 و 328 عن الشيخين، و الترمذي، و حسّنه، و التاريخ الكبير للبخاري ج 6 ص 139 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 10 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 و حدائق الأنوار ج 2 ص 590 عن الصحيحين، و صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، باب مناقب الزبير، و فضائل الصحابة للنسائي ص 34 و فتح الباري ج 10 ص 469 و عمدة القاري ج 14 ص 142 و ج 16 ص 225 و ج 22 ص 204 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 96 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 510 و ج 8 ص 501 و 503 و كتاب السنة ص 597 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 61 و ج 6 ص 58 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 35 و الإستيعاب ج 2 ص 513 و كنز العمال ج 13 ص 206 و 208 و 210 و 211 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 106 و تاريخ ابن معين ج 2 ص 56 و مصادر كثيرة أخرى.
و قد فات هؤلاء: أن عبد اللّه و آمنة بنت وهب أجل و أعظم عند اللّه من أن يفدّي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهما سعدا و الزبير، اللذين ظهرت منهما المخزيات، و الموبقات، فإن عبد اللّه بمقتضى حديث ابن عباس، و أبي جعفر، و حديث أبي عبد اللّه «عليهما السلام» في جوابه عن قول اللّه عز و جل وَ تَقَلُّبَكَ فِي اَلسّٰاجِدِينَ (1)قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم «عليه السلام» (2). يدل على نبوة عبد اللّه-و لو لنفسه-و لا يمكن أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» فداء لإنسان عادي، يرتكب المعاصي، و يقع في الموبقات.
قال المجلسي عن آباء النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «بل كانوا من الصديقين، إما أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين» (3).
1) الآية 219 من سورة الشعراء.
2) راجع: البحار ج 15 ص 3 و ج 16 ص 204 و ج 86 ص 118 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3019 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 358 و التفسير الصافي ج 4 ص 54 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 69 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 358 و تفسير الميزان ج 15 ص 336 و راجع: مدينة المعاجز ج 1 ص 347 و مجمع الزوائد ج 7 ص 86 و ج 8 ص 214 و إختيار معرفة الرجال ج 2 ص 488 و تفسير السمعاني ج 4 ص 71 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 365 و معجم رجال الحديث ج 18 ص 132 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 235 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 49.
3) البحار ج 15 ص 117.
عن ابن عمر قال: قال عمر لخالد بن الوليد: و يحك يا خالد! ! أخذت بني جذيمة بالذي كان من أمر الجاهلية؟ ! أو ليس الإسلام قد محا ما كان في الجاهلية؟ !
فقال: يا أبا حفص، و اللّه، ما أخذتهم إلا بالحق! أغرت على قوم مشركين، فامتنعوا، فلم يكن لي بد إذا امتنعوا من قتالهم. فأسرتهم، ثم حملتهم على السيف! !
فقال عمر: أي رجل تعلم عبد اللّه بن عمر؟
قال: أعلمه-و اللّه-رجلا صالحا.
قال: فهو أخبرني غير الذي أخبرتني. و كان معك في ذلك الجيش! .
فقال خالد: فإني أستغفر اللّه و أتوب إليه.
فانكسر عنه عمر، و قال: و يحك إئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستغفر لك (1).
و نقول:
إن ما تضمنته هذه الرواية غريب و عجيب.
أولا: لما ذا ينكسر عنه عمر حين اعترف له بجريمته النكراء؟ !
أ ليس المفروض: أن ينشط عمر في لومه و تقريعه، و في المطالبة بالإقتصاص
1) كنز العمال ج 10 ص 589 و 590 عن الواقدي، و ابن عساكر. و نقل عن تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 235 و المغازي للواقدي ج 3 ص 880 و 881 و بغية الطلب في تاريخ حلب لابن عديم الحلبي ج 7 ص 3146.
منه؟ ! تماما كما فعل مع أبي سفيان حين رآه مع العباس في مر الظهران، و كما فعل مع سهيل بن عمرو في الحديبية، و مع حاطب بن أبي بلتعة في المدينة قبل المسير إلى فتح مكة.
ثانيا: إن عمر قد عودنا في المواقف المشابهة التشدد مع هذا النوع من الناس إلى حد التمرد على توجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الإصرار على ما يخالفها، كما جرى في قصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة. و في غيرها مما كان يبادر فيه إلى الطلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يأذن له بضرب عنق هذا و ذاك. .
و لكنه رغم ما كان بينه و بين خالد من كدورات، ظهرت آثارها في بعض الأحيان، فإنه لا يفرّط بخالد في اللحظات الحاسمة، و منها هذه اللحظة، التي لو بادر فيها إلى السعي لإحقاق الحق، و مجازاة خالد، الذي اعترف له بجريمته، لكانت الضربة القاتلة لخالد، و لو على الصعيد الإجتماعي العام. .
ثالثا: قد أظهرت هذه الرواية: أن خالدا كان يكذب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و على عمر، و على عبد الرحمن بن عوف، و على عمار، و ابن عمر، و سالم، و على سائر الناس و كان يحلف لهم الأيمان ليقنعهم بمكذوباته. .
و لكن عمر لم يعترض على خالد في ذلك، و لو بمقدار نصيحة يسديها له، يحذره فيها من عواقب الكذب في الدنيا و الآخرة. .
مع أن عمر كان قد أظهر استبشاعه لجريمة خالد، و أنّبه و أعان عبد الرحمن بن عوف عليه، فلما ذا نشط ضده هناك، ثم تراجع و انكسر هنا؟
رابعا: هل نستطيع أن نستفيد من سير الأحداث: أن عمر بن الخطاب
كان يسعى لانتزاع اعتراف من خالد، من شأنه أن يجعل خالدا رهينة في يده. لكي يحد من عنفوانه معه هو، و طغيانه عليه. . و لم يكن يريد أن يجري أحكام الإسلام فيه. و لا كان يريد أن ينال هذا الظالم جزاءه العادل. .
هل لأن خالدا كان على مثل رأيه في علي «عليه السلام» و حزبه و محبيه، و يمكن أن يكون مفيدا لهم في مشروعهم الذي يخططون له، و يعملون من أجله؟ !
أم لأن خالدا كان من قومه قريش، الذين يتعصب لهم، و يريد أن يحميهم، و أن يحفظهم و ينصرهم، و لو أوغلوا في دماء المسلمين، و هتكوا أعراضهم، و نهبوا اموالهم؟ !
إن الوقائع المختلفة تؤكد على أن كلا هذين الأمرين كانا محط نظر عمر بن الخطاب في أمثال هذه الحالات. .
و قد أجملت بعض الروايات، أو حاولت أن تزوّر القول، حين زعمت: أن المهاجرين و الأنصار لم يقتلوا أسراهم. .
غير أن ملاحظة سائر الروايات، خصوصا سياق روايات الواقدي في مغازيه تعطي: أن الأنصار فقط هم الذين اتخذوا الموقف الحازم و الجازم في هذا الأمر.
و لذلك يلاحظ: أن التنويه بموقفهم كان هو الأصرح و الأقوى. .
بل إن عددا من الروايات قد اقتصرت على ذكر امتناع الأنصار عن قتل أي أسير كان في يدهم. و لم تذكر اسم أحد سوى أفراد قليلين من
غيرهم صرحت بأسمائهم. .
فلاحظ على سبيل المثال قول أياس بن سلمة عن أبيه قال: كنت مع خالد بن الوليد، و كان في يدي أسير، فأرسلته و قلت: اذهب حيث شئت، و كان مع الناس من الأنصار أسارى، فأرسلوهم (1).
فهو يصرح باسم الأنصار، و لم يذكر المهاجرين.
و عن ابن عمر قال: و أرسلت أسيري، و ما أحب أني قتلته، و أن لي ما طلعت عليه شمس أو غربت. و أرسل قومي معي من الأنصار قتلاهم (2).
فقد ذكر: أن خصوص الأنصار هم أرسلوا أسراهم. .
و قد صرح أبو بشير المازني: بأنه أخرج سيفه، ليضرب عنق أسيره، فقال له الأسير: يا أخا الأنصار، إن هذا لا يفوتك، انظر إلى قومك.
قال: فنظرت، فإذا الأنصار طرا قد أرسلوا أساراهم (3).
و يدل على ذلك أيضا ما يلي:
عن خارجة بن زيد: لما نادى خالد بن الوليد في الأسرى يدافّون، وثب بنو سليم على أسراهم، فدافّوهم. و أما المهاجرون و الأنصار فأرسلوا أسراهم. فغضب على من أرسل من الأنصار.
فكلمه يومئذ أبو أسيد الساعدي، و قال: اتق اللّه يا خالد، و اللّه، ما كنا
لنقتل قوما مسلمين.
قال: و ما يدريك؟ !
قال: نسمع إقرارهم بالإسلام، و هذه المساجد بساحتهم (1).
فهذه الرواية و إن كانت قد صرحت: بأن المهاجرين أرسلوا أسراهم أيضا، لكن لا شك بأن فيها بعض التدليس بالنسبة إلى المهاجرين، إذ لما ذا انصب غضب خالد على خصوص الأنصار؟ ! و كان راضيا عن المهاجرين.
ألا يدلنا ذلك على: أن المهاجرين قد فعلوا ما أرضاه، و لو بأن أرسل بعضهم اسراه، و قتل بعضهم من كان بيده؟ !
قال الواقدي: «فأما بنو سليم فقتلوا كل من كان في أيديهم» (2).
و السبب في ذلك هو: أن بني سليم كانوا متغيظين على بني جذيمة في حروب كانت بينهم، ببرزة (3)و غيرها. و كانت بنو جذيمة قد أصابوهم ببرزة، و هم موتورون، يريدون القود منهم، فشجعوا عليه (4).
و بذلك تتلاقى أحقاد بني سليم مع أحقاد خالد بن الوليد، لتكون ثمرتها كارثة إنسانية، و مذبحة بشرية هائلة، تحمل معهما الخزي و العار،
لمرتكبيها، و لكل من أعانهم، أو مالأهم عليها.
و قد صرحت الروايات أيضا: بأنه لما وضع بنو جذيمة السلاح، قال لهم: إستأسروا، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا، و فرقهم في أصحابه (1).
فلما ذا هذا الإجراء يا ترى؟ !
هل هو إجراء إحتياطي من خالد؟ لكي لا يغدر بنو جذيمة بأصحابه، حين يندفعون نحوهم لتكتيفهم؟ !
و أي شيء يمكنهم فعله في هذا المجال؟ ! و أصحاب خالد مسلحون، و لا سلاح لدى بني جذيمة؟ فأية حركة تبدر منهم، فستكون سيوف أصحاب خالد على أتم الإستعداد لاصطلامهم و التهامهم.
أم أن خالدا اراد بهذا الإجراء الإمعان في إذلال بني جذيمة، و التلذذ بذلك ما شاء له هواه، و أتاحه له كيده و حقده؟ !
قد يكون هذا هو الإحتمال الأصوب و الأقرب، و الأنسب بأخلاق أهل الغدر، و الخيانة، و قساة القلوب، و غلاظ الأكباد.
قالوا: و دخل عمار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 200 عن ابن سعد، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 97 و المغازي للواقدي ج 3 ص 876 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و 148 و عيون الأثر ج 2 ص 209 و زاد المعاد ج 3 ص 415 و غير ذلك.
اللّه، لقد حمش قوما قد صلوا و أسلموا. ثم وقع بخالد عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و خالد جالس لا يتكلم، فلما قام عمار وقع به خالد.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : مه يا خالد، لا تقع بأبي اليقظان، فإنه من يعاده يعاده اللّه، و من يبغضه يبغضه اللّه، و من يسفهه يسفهه اللّه (1).
و نلاحظ هنا:
1-إن عمارا لما وقع بخالد كان خالد جالسا. . و لم يكن عمار يخشى جواب خالد، لأن عمارا لا يقول إلا الحق، و لا يلهج إلا بالصدق. و ليس لدى خالد ما يصح أن يجيب به عمارا، فسكت. .
و حين خرج عمار بادر خالد إلى اغتنام الفرصة، فوقع فيه، حين أمن من الجواب الصارم الواضح، و الحازم الفاضح.
فجبهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما تقدم. . و تلك صفعة أخرى استحقها مجرم قاتل، و كاذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
2-يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كنّى عمارا و هو غائب بأبي اليقظان، تكرمة و إجلالا له، و لكنه خاطب خصمه باسمه مع أنه حاضر. . و ذلك إمعانا منه في توهين أمره، و تصغير شأنه. .
يضاف إلى ذلك: أنه أمره بالكف و عدم متابعة الكلام، فقال له: مه يا خالد.
3-إن كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تضمن كشفا عن دوافع خالد تجاه عمار، و أن دافعه فيما يقوله فيه هو العداوة و البغض، و التسفيه.
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 881 و 882.
و أما موقف عمار، فهو بداعي: نصرة الحق، و كبت الباطل، و التماسا لرضا اللّه تعالى.
و يروي محبو خالد قضية بني جذيمة بصورة تختلف تماما عما أثبتته المصادر المختلفة، فعن عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد أن يغير على بني كنانة، إلا أن يسمع أذانا، أو يعلم إسلاما. فخرج حتى انتهى إلى بني جذيمة، فامتنعوا أشد الإمتناع، و قاتلوا و تلبّسوا السلاح؛ فانتظر بهم صلاة العصر و المغرب و العشاء لا يسمع أذانا، ثم حمل عليهم، فقتل من قتل، و أسر من أسر، فادّعوا بعد الإسلام.
قال عبد الملك: و ما عتب عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك و لقد كان المقدم حتى مات.
و لقد خرج معه بعد ذلك إلى حنين على مقدمته. و إلى تبوك.
و بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أكيدر و دومة الجندل. فسبى من سبى ثم صالحهم.
و لقد بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بلحارث بن كعب إلى نجران أميرا و داعيا إلى اللّه، و لقد خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع، فلما حلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأسه أعطاه ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته. فكان لا يلقى أحدا إلا هزمه اللّه تعالى.
و لقد نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين هبط من لفت (1)في حجته، و معه رجل، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من هذا؟
فقال الرجل: فلان.
قال: بئس عبد اللّه فلان!
ثم طلع آخر، فقال: من الرجل؟
فقال: فلان.
فقال: بئس عبد اللّه فلان.
ثم طلع خالد بن الوليد، فقال: من هذا؟
قال: خالد بن الوليد.
قال: نعم عبد اللّه خالد بن الوليد!
و قال رجل من بني جذيمة مبيّض، قال: سمعت خالد بن إلياس يقول: بلغنا أنه قتل منهم قريبا من ثلاثين رجلا. انتهى (2).
و نقول:
هكذا يزور هؤلاء حقائق التاريخ، كرمى لعيون خالد بن الوليد، و من كان خالد في خدمتهم، و يسعى في تأييد و تشييد ملكهم و سلطانهم.
و إليك طائفة من هذه الأكاذيب، التي تضمنتها الرواية المتقدمة، فهم يدّعون زورا:
1-أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر خالدا أن يغير على بني كنانة. مع
أن الروايات تصرح: بأنه بعثه داعيا، و لم يبعثه مقاتلا.
2-و تدّعي: أن بني جذيمة قد امتنعوا أشد الامتناع. . مع أن الروايات تصرح: بأنه طلب منهم وضع السلاح، فوضعوه، و طلب منهم أن يكتف بعضهم بعضا، ففعلوا.
3-تدّعي: أن بني جذيمة قاتلوا. . و الروايات تصرح بضد ذلك.
4-تقول: لقد تلبس بنو جذيمة السلاح.
و نقول:
و لكنهم عادوا فوضعوه لما طلب منهم خالد ذلك، فلما ذا تصر الرواية على التسويق لضد ذلك؟ !
5-و تقول: انتظر بهم خالد صلاة العصر، و المغرب، و العشاء، و لم يسمع أذانا. مع أن الروايات تصرح: برفع الأذان، و بوجود المساجد في ساحاتهم، و كانوا و هم أسرى يصلون عند حضور أوقات الصلاة.
بل الرواية الصحيحة المتقدمة عن الإمام الباقر «عليه السلام» قد صرحت: بأنه قبل أن يغير عليهم نادى خالد بالصلاة، فصلى و صلوا، فلما كان وقت الفجر نادى بها فصلى و صلوا. ثم شن عليهم الغارة.
6-و تدّعي: أنه بعد أن فعل بهم خالد ذلك ادّعوا الإسلام. مع أنهم قد صرحوا: بأنهم مسلمون بمجرد أن سألهم خالد عن حالهم، كما تقدم. .
7-و تقول: إنه ما عتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» على خالد. مع أن الروايات تقول: إنه أعرض عنه، و غضب عليه مدة طويلة. .
8-تقول: إنه إنما قتل منهم ثلاثين رجلا فقط. مع أن ابن حبيب يصرح: بأنه قتل منهم اربع مائة غلام.
9-تقول: كان خالد المقدم عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى مات. . مع أن غضبه على خالد، و إعراضه عنه بعد فعلته هذه، ظاهر في النصوص و الآثار، مع أن هذا الكلام لا شاهد له سوى دعوى قائليه.
أما ما اعتبروه دليلا على تقدم خالد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو ما يلي:
1-خرج بعد ذلك إلى حنين على مقدمته «صلى اللّه عليه و آله» .
2-بعثه «صلى اللّه عليه و آله» إلى نجران أميرا و داعيا إلى اللّه.
3-بعثه إلى تبوك.
4-بعثه إلى أكيدر و دومة الجندل.
5-خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع. فلما حلق «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه ناصيته. فكانت في مقدم قلنسوته. . فكان لا يلقى أحدا إلا هزمه.
6-قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : نعم عبد اللّه خالد بن الوليد.
و نقول:
أولا: سيأتي إن شاء اللّه عدم صحة ما زعموه من إرساله في عدد مما ذكر.
أو أننا على الأقل نملك ما يبرر شكنا في صحة ما ينقل من ذلك. و ليكن ما فعله ببني جذيمة أحد هذه المبررات.
ثانيا: إنه كان لا بد من إرسال رؤوس الشرك و المعروفين بالشراسة و الفتك فيهم، ليكونوا هم الدعاة للناس إلى الدخول في الإسلام، فإن ذلك يوجب سكينة الناس، و اطمئنانهم إلى أنه ليس ثمة من يخشى من صولته، و فتكه، لو أظهر أنه يترصد الفرصة للإنقلاب على الأعقاب. .
و نريد أن نعرض هنا نصوصا هامة. . ثم نلحقها ببعض ما يفيد في جلاء الحقيقة، و في إعطاء الإنطباع السليم عن بعض ما ترمي إليه مواقف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و بياناته، و غير ذلك من أمور هامة و مفيدة، و النصوص هي التالية:
ذكر ابن شهر آشوب قضية إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، فجاء سياقها موافقا-تقريبا-لسياق قضية بني جذيمة، فقال:
«في رواية الطبري: أنه أمر بكتفهم، ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل.
فأتوا بالكتاب الذي أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمانا له و لقومه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قالوا جميعا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد.
و في رواية الخدري: اللهم إني أبرأ إليك من خالد ثلاثا.
ثم قال: «أما متاعكم فقد ذهب، فاقتسمه المسلمون، و لكنني أرد عليكم مثل متاعكم» .
ثم إنه قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث رزم من متاع اليمن، فقال: يا علي، فاقض ذمة اللّه، و ذمة رسوله. و دفع إليه الرزم الثلاث.
فأمر علي «عليه السلام» بنسخة ما أصيب لهم.
فكتبوا، فقال: خذوا هذه الرزمة، فقوّموها بما أصيب لكم.
فقالوا: سبحان اللّه هذا أكبر مما أصيب لنا!
فقال: خذوا هذه الثانية، فاكسوا عيالكم و خدمكم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا، و خذوا الثالثة بما علمتم و ما لم تعلموا، لترضوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما قدم علي «عليه السلام» على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخبره بالذي كان منه، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدت نواجذه، و قال: أدى اللّه عن ذمتك كما أديت عن ذمتي.
و نحو ذلك روي أيضا في بني جذيمة (1).
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد «رحمه اللّه» ، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» ، قال:
بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى حي يقال
1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء سنة 1412 ه) ج 1 ص 150 و 151 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 395 و البحار ج 38 ص 73.
لهم: بنو المصطلق من بني جذيمة. و كان بينهم و بين بني مخزوم إحنة في الجاهلية.
فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخذوا منه كتابا، فلما ورد عليهم خالد أمر مناديا فنادى بالصلاة، فصلى و صلوا. فلما كانت صلاة الفجر أمر مناديه فنادى، فصلى و صلوا. ثم أمر الخيل، فشنوا فيهم الغارة، فقتل، و أصاب.
فطلبوا كتابهم فوجدوه، فأتوا به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حدثوه بما صنع خالد بن الوليد.
فاستقبل القبلة، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.
قال: ثم قدم على رسول اللّه تبر و متاع، فقال لعلي «عليه السلام» : يا علي، إئت بني جذيمة من بني المصطلق، فأرضهم مما صنع خالد.
ثم رفع «صلى اللّه عليه و آله» قدميه، فقال: يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك.
فأتاهم علي «عليه السلام» ، فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم اللّه.
فلما رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: يا علي، أخبرني بما صنعت.
فقال: يا رسول اللّه، عمدت، فأعطيت لكل دم دية، و لكل جنين غرة، و لكل مال مالا.
و فضلت معي فضلة، فأعطيتهم لميلغة كلابهم، و حبلة رعاتهم.
و فضلت معي فضلة، فأعطيتهم لروعة نسائهم، و فزع صبيانهم.
و فضلت معي فضلة، فأعطيتهم لما يعلمون و لما لا يعلمون.
و فضلت معي فضلة، فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول اللّه.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : يا علي، أعطيتهم ليرضوا عني؟ ! رضي اللّه عنك، يا علي، إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي (1).
و في حديث آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث خالدا واليا على صدقات بني المصطلق حي من خزاعة.
ثم ساق الحديث نحو ما تقدم، و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي في آخره: «أرضيتني، رضي اللّه عنك، يا علي، أنت هادي أمتي. ألا إن السعيد كل السعيد من أحبك، و أخذ بطريقتك. ألا إن الشقي كل الشقي من خالفك، و رغب عن طريقتك إلى يوم القيامة» (2).
و في حديث المناشدة يوم الشورى، قال «عليه السلام» :
«نشدتكم باللّه، هل علمتم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ففعل ما فعل، فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبر، فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد»
1) الأمالي للشيخ الصدوق (ط سنة 1389 ه) ص 152 و 153 و (ط مؤسسة البعثة) ص 238 و البحار ج 21 ص 142 و ج 101 ص 423 و 424 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 366 و 367 و علل الشرائع (ط سنة 1385 ه) ج 2 ص 473 و 474 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 486 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 80 و غاية المرام ج 2 ص 76.
2) الأمالي للشيخ الطوسي (ط سنة 1414 ه) ص 498 و البحار ج 21 ص 143 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 219.
ثلاث مرات.
ثم قال: «اذهب يا علي» .
فذهبت، فوديتهم، ثم ناشدتهم باللّه هل بقي شيء؟
فقالوا: إذا نشدتنا باللّه، فميلغة كلابنا، و عقال بعيرنا.
فأعطيتهم لهما (1). و بقي معي ذهب كثير، فأعطيتهم إياه، و قلت: و هذا لذمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لما تعلمون، و لما لا تعلمون، و لروعات النساء و الصبيان.
ثم جئت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبرته، فقال: «و اللّه، ما يسرني يا علي أن لي بما صنعت حمر النعم» .
قالوا: اللهم نعم (2).
و نقول:
قد صرحوا: بأن بني المصطلق بطن من خزاعة، و هو بنو جذيمة، و جذيمة هو المصطلق (3).
و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد غزا بني المصطلق في سنة أربع، أو خمس، أوست، فأسر و سبى، و تزوج منهم جويرية، فأعتق المسلمون كل
1) أي أنه أعطى بني جذيمة مالا لأجل ميلغة الكلب، و عقال البعير.
2) الخصال ج 2 ص 562 و البحار ج 1 ص 141 و 327.
3) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 228 عن السيرة الحلبية ج 2 ص 293 و (ط دار المعرفة) ص 583 و معجم قبائل العرب، و نهاية الإرب، و الروض الأنف ج 2 ص 17. و المنمق ص 127 و 200 و 230 و لب اللباب في تحرير الأنساب ص 246.
من كان بأيديهم من الأسرى منهم، و قالوا: أصهار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فآمنوا، و أخذوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا بإسلامهم (1).
و الذي يبدو لنا: أن إيقاع خالد ببني جذيمة كان لعدة أسباب:
أولها: ما أشارت إليه الروايات: من أنه أراد أن ينتقم لعمه الفاكه بن
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 228 و أشار في هامشه إلى: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 204 و السيرة الحلبية ج 2 ص 293 و صحيح البخاري ج 5 ص 147 و إلى الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 192 و الروض الأنف ج 2 ص 17 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 2 ص 96 و راجع: المجموع للنووي ج 19 ص 306 و تكملة حاشية رد المحتار ج 1 ص 266 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 150 و فقه السنة ج 2 ص 687 و الغارات للثقفي ج 2 ص 817 و البحار ج 20 ص 290 و 296 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3240 و مسند أحمد ج 6 ص 277 و سنن أبي داود ج 2 ص 235 و 236 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 26 و 27 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 75 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 217 و ج 4 ص 37 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 362 و نصب الراية ج 6 ص 550 و موارد الظمآن ج 4 ص 125 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 117 و الثقات لابن حبان ج 1 ص 289 و الإصابة ج 8 ص 73 و المنتخب من ذيل المذيل ص 101 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 264 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 314 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 263.
المغيرة، إنفاذا لوصية أبيه له و لإخوته بذلك (1).
ثانيها: أن خزاعة كانت مكروهة من قبل قريش، لأنها كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلابد أن يوقع بكل من ينتسب إلى خزاعة، التي حالفت من لا تحبه قريش، و من تسعى لإبطال دعوته، و كسر شوكته، و من لم يزل أمرها معه يسير من وهن إلى وهن، حتى اضطرت إلى الاستسلام.
ثالثها: أن نفس طبيعة خالد تميل إلى العدوان، و قهر الناس، و إذلالهم بقسوة و شراسة، و لو عن طريق الغدر و الخديعة، و نقض العهود، و المواثيق. . بل و لو استلزم ذلك الكذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين كان خالد يحاول إسكات الأصوات المرتفعة بالنكير عليه، حيث زعم لعبد الرحمن بن عوف: أنه إنما قتلهم امتثالا لأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الصادر إليه فيهم. . فكذبه عبد الرحمن في هذه الدعوى، و ظهر كذبه فيها أيضا من إعلان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالقول-ثلاث مرات-اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. .
و قد جاء في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي: أن عليا «عليه السلام» أمر بنسخ ما أصيب لهم، فكتبوا. ثم أعطاهم المال.
قال ابن شهر آشوب في آخر قصة أبي زاهر: «و نحو ذلك روي أيضا في
1) المنمق لابن حبيب ص 226 و 246.
بني جذيمة» (1).
و نقول:
إن لكتابة الخسائر العديد من الأهداف و المقاصد، نذكر منها:
1-أن ذلك يمثل ضمانة لحفظ حقوق الناس.
2-إنه يبعد عملية معالجة هذا الأمر عن أجواء الفوضى.
3-إنه يمنع من تحايل البعض للحصول على ما لا حق لهم به.
4-يمثل درسا عمليا في نظم الأعمال و ضبطها.
5-إنه إذا أعطاهم بصورة عشوائية فذلك يفسح المجال أمام ذوي الأغراض السيئة، لإشاعة الإتهام له «عليه السلام» بعدم رعاية العدل و الإنصاف، و قد يزعزع ذلك الثقة لدى بعض الضعفاء ممن لا يملكون الوعي الكافي، و تخدعهم أو تؤثر عليهم الشائعات.
6-قد يهيء ذلك أجواء غير سليمة بين بني جذيمة أنفسهم، حيث قد يتهم بعضهم بعضا في أمر الأموال، و يصير بعضهم يرصد حركة البعض الآخر، و يشيع سوء الظن، و التحاسد فيما بينهم.
7-و الأهم من ذلك كله و سواه: ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري، عن الإمام الرضا «عليه السلام» حين رأى غلمانه و هم يعملون بالطين أواري الدواب (2)، و غير ذلك، و إذا معهم أسود ليس منهم، فسألهم عنه
فقالوا: يعمل معنا، و نعطيه شيأ.
قال: قاطعتموه على أجرته؟ !
فقالوا: لا، هو يرضى منا بما نعطيه.
فأقبل عليهم يضربهم بالسوط، و غضب لذلك غضبا شديدا.
فقلت: جعلت فداك، لم تدخل على نفسك.
فقال: إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة، أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه أجرته.
و اعلم: أنه ما من أحد يعمل لك شيئا بغير مقاطعة، ثم زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك قد نقصته أجرته.
و إذا قاطعته ثم أعطيته أجرته، حمدك على الوفاء، فإن زدته حبة عرف ذلك لك، و رأى أنك قد زدته (1).
فهذا التوجيه الكريم هام جدا، و يتعين الالتزام به في قضية بني جذيمة، التي يراد فيها القضاء عن ذمة اللّه و رسوله، و معالجة آثار كارثة تتجاوز في نتائجها و تبعاتها حدود الخسائر المادية، لتنال الأنفس البريئة، و قتل الأجنة.
هذا بالإضافة إلى روعات النساء، و فزع الصبيان. . و غير ذلك من
1) الكافي ج 5 ص 288 و 289 و البحار ج 49 ص 106 و الحدائق الناضرة ج 21 ص 577 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 19 ص 104 و (ط دار الإسلامية) ج 13 ص 245 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 212 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 15 و درر الأخبار ص 368 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 301 و 302 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 2 ص 301.
أمور لا بد من معالجتها، و سل سخيمة أولئك الناس الذين وقعوا ضحية قضاء الجاهلية، و أحقادها، و إحنها، و عصبياتها البغيضة.
كل ذلك من أجل حفظ إيمان الناس، من أن يتعرض لأي كدورة أو اختلال. . و من أجل إقامة صرح العدل، و إعطاء كل ذي حق حقه. .
و قد يسأل أحدهم: إنه إذا كان بنو جذيمة بأسفل مكة، على ليلة منها نحو يلملم (1). إلى جهة اليمن، فكيف يمكن أن يغزوهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السنة الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. . في حين أن الهيمنة على المنطقة كانت لقريش، و كانت لها تحالفات و ارتباطات مع مختلف القبائل فيها. .
و نحن. . و إن كنا نرى: أن سراياه التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يرسلها في كل اتجاه، قد أضعفت علاقة تلك القبائل بقريش، و زعزعت تحالفها معها، و حولتها في العديد من الموارد إلى تحالفات مع المسلمين، و لكن ذلك لا يصلح جوابا على السؤال عن الوسيلة التي مكنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الوصول إلى هذه المنطقة التي تقع مكة على طريقها، فإن ذلك لا بد أن يكون محفوفا بالمخاطر الكبيرة، إلا إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد سلك إليهم طرقا غير مألوفة، مكنته من أن يتحاشى المرور من المناطق المأهولة.
1) التنبيه و الإشراف ص 234.
و لعل مما يسهل عليه هذا الأمر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى استنفار الناس في المنطقة، و لا كان يريد جمع أعداد كبيرة من المقاتلين، بل كان يكتفي ببضع عشرات، أو مئات، يقدرون على إنجاز المهمات الموكلة إليهم بسرعة، و بمزيد من التكتم و الإنضباط.
على أن من الجائز أن يكون هؤلاء القوم كانوا أولا على ماء المريسيع، قرب قديد، على الساحل بالقرب من مكة. . حيث هاجمهم حين علم بجمعهم في المرة الأولى، و أعلنوا له آنئذ إسلامهم، و أعطاهم بذلك كتابا. . ثم انتقلوا من موضعهم ذاك إلى ماء الغميصاء، بين مكة و يلملم، حيث جرى عليهم من خالد بعد ذلك ما جرى، فإن العرب كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر طلبا للماء و الكلأ، بحسب ما يقتضيه الحال.
هذا. . و قد ذكرت الروايات: الأسباب التي دعت عليا «عليه السلام» إلى إعطاء المال لبني جذيمة، و نحن نعرضها وفق ما أشارت إليه النصوص، كما يلي:
1-أعطى لكل دم دية.
2-رد مثل متاعهم عليهم، و أما نفس المتاع، فقد ذهب، فاقتسمه المسلمون، فلا سبيل إلى رده عينه (و قد ورد ذلك في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهر آشوب: إنه قد روي نحو ذلك في بني جذيمة) .
3-أعطاهم إحتياطا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مما يعلمون،
و مما لا يعلمون.
4-و في نص آخر: أعطاهم على أن يحلوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مما علم، و مما لا يعلم.
5-ليرضوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
6-لروعة نسائهم، و فزع صبيانهم.
7-قضاء، لذمة اللّه، و ذمة رسوله.
8-أعطاهم كسوة عيالهم، و خدمهم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا (كما ورد في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهر آشوب: و نحو ذلك روي أيضا في بني جذيمة) .
9-لكل جنين غرة.
10-لكل مال مالا.
11-لميلغة كلبهم، و حبلة رعاتهم.
و ما نريد أن نقوله هنا هو: أن مجموع هذه النصوص يشير إلى أمور عديدة، كلها على جانب كبير من الأهمية، فلاحظ ما يلي:
ألف: إن ذلك يدل على: أن الذين قتلوا لم يكونوا جميعا من الكبار و البالغين، بل كان فيهم أجنة أيضا، و لذلك أعطى علي «عليه السلام» لكل جنين غرة. و الغرّة-بالضم-عبد أو أمة.
و منه: قضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الجنين بغرة.
و قال الفقهاء: الغرة من العبد الذي ثمنه عشر الدية (1).
1) راجع: مجمع البحرين ج 3 ص 422 و (مكتب نشر الثقافة الإسلامية) ج 3 ص 302.
و زعم بعضهم: أن الغرة من العبيد الذي يكون ثمنه نصف عشر الدية (1).
و في هذا التعبير-أعني قوله: «لكل جنين غرة» -: إشارة ضمنية إلى تعدد، أو كثرة القتلى من الأجنة، حتى ذكرهم أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى جانب ديات البالغين. .
ثم إنه لم يتضح إن كان هناك قتلى من النساء أو لم يكن. . و لكن روعاتهن كانت واضحة.
ب: إن عليا «عليه السلام» قد أعطى مالا لروعات النساء، و عوضا عما أصابهن من الحزن، و صرح: بأن المطلوب هو: أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.
و هذا تأصيل لمعنى جديد لا بد من مراعاته في مجالات التعامل مع الناس، و لم يكن هذا المعنى معروفا، و لا مألوفا قبل هذه الحادثة. . كما أننا لم نجد أحدا قد راعى هذا المعنى في معالجته لآثار العدوان على الآخرين.
و لعل قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : «يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك» .
يشير إلى هذا المعنى، و لا يختص ذلك بموضوع مقادير الديات، أو ما يرتبط بالثأر من غير القاتل الحقيقي.
بل إن الفقهاء و على مدى كل هذا التاريخ الطويل لم يشيروا في فتاواهم، و لو إلى رجحان التعرض لمعالجة هذا النوع من الآثار، و لا رسموا
1) أقرب الموارد ج 2 ص 867 و راجع: عمدة القاري ج 24 ص 67 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 554 و مرقاة المفاتيح ج 7 ص 40 و النهاية في غريب الأثر ج 3 ص 353 و كتاب الكليات ج 1 ص 670 و التعريفات للجرجاني ج 1 ص 208.
له حدودا، و لا بينوا له أحكاما، و لا حددوا له شروطا! !
فهل هذه غفلة كانت منهم؟ !
أم أنهم فهموا: أن ذلك مما يختص بالمعصوم، من نبي و إمام؟ ! أم ما ذا؟ !
ج: يلاحظ: أن عليا «عليه السلام» ، قد بذل لبني جذيمة أموالا من أجل أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.
أي أنه «عليه السلام» قد لاحظ مقدار الحزن، و مقدار الفرح، و أراد أن يكون هذا بقدر ذاك، و لذلك لم يقل: «ليفرحوا بعد ما حزنوا» . بل قال: «ليفرحوا بقدر ما حزنوا» .
د: إن سرد ما اعطاه علي «عليه السلام» لبني جذيمة يصلح أن يكون هو الوصف الدقيق لحقيقة ما جرى على هؤلاء الناس من قتل و سلب و خوف. فهم قد سلبوهم كل شيء. حتى حبلة الرعاة، و ميلغة الكلب، و لم يتركوا لهم حتى كسوة العيال و الخدم. . و أخذوا منهم ما يعلمون، و ما لا يعلمون.
بالإضافة إلى قتل الرجال، و إسقاط الأجنة، و روعة النساء، و فزع الصبيان، و حزن العيال و الخدم.
ه: و قد صرحت الكلمات الواردة في الروايات: بأن عليا «عليه السلام» يريد أن يقضي عن ذمة اللّه و رسوله. أي أن الذين قتلهم خالد، قد كانوا في ضمان ذمة اللّه، و ذمة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
و لعل هذا يؤيد صحة القول: بأنه كان لديهم كتاب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يضمن لهم سلامتهم، و أمنهم، و يعتبرهم في ذمة اللّه و رسوله.
و عدوان خالد عليهم يعتبر إخلالا بهذه الذمة، و هذا يحتم الوفاء بها،
و إعادة الأمور إلى نصابها.
بل قد يقال: إن هذا التعبير يدل على: أنه لو أن أحدا من غير المسلمين اعتدى على بني جذيمة لوجب نصرهم، و تحمل مسؤولية التعويض عليهم كل نقص يعرض لهم، في الأموال و الأنفس على حد سواء. .
و: قد ذكرت النصوص المتقدمة: أنه «عليه السلام» أعطاهم مقدارا من المال، ليرضوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع العلم: بأن السخط على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من موجبات الكفر و الخروج من الدين.
و مع أن السخط و الرضا لا يشترى و لا يعطى بالمال، فكيف نفهم هذا الإجراء منه «عليه السلام» ؟ !
و لعل من المفيد أن نقول في الإجابة عن ذلك:
إن المراد بالرضا هنا ليس ما يقابل السخط، بل المراد به: الشعور بالرضا، بعد الشعور بالحاجة إلى الإنصاف، و بضرورة إيصال حقهم إليهم. .
فإذا رأوا عليا «عليه السلام» قد اعطاهم فوق ما لهم من حق، فلا بد أن يتكون لديهم شعور باستعادة كامل حقوقهم، و بما فوق مستوى الإنصاف و العدل الذي يتوقعونه أو ينتظرونه. .
و هذا معناه: أنه «عليه السلام» لم يشتر رضاهم بالمال. . بل هو قد وفاهم حقهم، حتى تكوّن لديهم الشعور بالرضا بهذا الوفاء.
ز: إن تخصيص جزء من المال لما يعلمون، و ما لا يعلمون. قد يكون من أهم الأمور التي تبلّغهم درجات ذلك الرضا بأكمل وجوهه، و أتمها، فإن هناك أمورا قد يفقدها الإنسان، و لكنها تكون من الصغر، و التفاهة إلى حد يرى أن مطالبته بها تنقص من قدره، و تحط من مقامه، فيعرض عنها.
و لكنه حتى حين يغض النظر عنها قد يبقى لديه شعور بالانتقاص من حقه، أو فقل بعدم بلوغه درجة الإشباع.
فإذا رضخ علي «عليه السلام» له مالا في مقابل تلك الأمور أيضا، فإنه لا يبقى مجال لأي خاطر يعكر صفو الشعور بالإرتواء التام. .
فإذا زاد على ذلك: أن أعطاه أموالا في مقابل ما ربما يكون قد عجز عن استحضاره في ذهنه، فإنه سينتقل إلى مرحلة الشعور بالامتنان. و الإحساس بمزيد من اللطف به، و التفضل عليه، و النظر إليه، و الشعور معه. .
و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر عليا «عليه السلام» بأن يضع قضاء الجاهلية تحت قدميه. . أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلن أن خالدا قد قضى في بني جذيمة بحكم الجاهلية. .
و ذلك يكذب ما زعمه خالد: من أنه قد نفذ أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيهم. . حسبما تقدم. كما كذّبه قبل ذلك حين أعلن ثلاث مرات براءته مما صنع خالد.
و يكذّب أيضا رواية محبي خالد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان راضيا، و لم يعترض على فعله، و لم تسقط منزلته عنده. . فإن النبي الأعظم و الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يرضى بما يكون من قضاء الجاهلية، و لا يمكن أن يرضى بما يعلن أنه بري إلى اللّه منه. .
و في المقابل نجد عليا «عليه السلام» كما يصرح به الإمام الباقر «عليه السلام» : لما انتهى إلى بني جذيمة «حكم فيهم بحكم اللّه» .
و هذا صريح: بأن جميع ما فعله علي «عليه السلام» إنما هو إجراء لحكم اللّه تعالى، و ليس مجرد تبرعات منه «عليه السلام» ، تستند إلى الاستحسان، أو إلى تفاعل أو اندفاع عاطفي آني، أو رغبة أذكتها العصبية للقربى، أو محبة أكدتها علاقة المودة و الإلف بينه و بين ابن عمه نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل ما فعله كان-كما قلنا-إجراء و تنفيذا لحكم اللّه تبارك و تعالى، من دون تأثر بهوى، أو ميل مع عصبية أو عاطفة. .
و يؤكد هذا المعنى: أن المال الذي حمله «عليه السلام» معه إليهم، سواء أكان ملكا شخصيا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو كان من بيت مال المسلمين، لا يجوز له الإسراف و التبذير فيه، فضلا عن تمزيقه و تفريقه وفق ما يقود إليه الهوى، و ما يرجحه الذوق و الاستنساب، و تدعو إليه العاطفة و الإنفعالات الشخصية.
و قد قال رجل من بني جذيمة:
جزى اللّه عنا مدلجا حيث أصبحتجزاءة بؤسى حيث سارت و حلت
أقاموا على أقضاضنا يقسمونهاو قد نهلت فينا الرماح و علت
فو اللّه لو لا دين آل محمدلقد هربت منهم خيول فشلت (1)
و نقول:
إننا نسجل هنا:
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 77 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ص 887.
1-إن هذا القائل قد بيّن أن تمسك بني جذيمة بدين الإسلام هو الذي منعهم من مهاجمة خالد و من معه، و هو الذي دعاهم إلى إلقاء السلاح، ثم القبول بأن يكتف بعضهم بعضا. . و لو لا ذلك لكانت لهم صولات توقع الهزيمة الحتمية على الذين قتلوهم.
2-إن هذا الشعر قد تضمن تصريحا بأن هؤلاء القوم كانوا يلتزمون بدين آل محمد. .
و هذا معناه: أن آل محمد كانوا جزءا من هذا الدين، و كانوا أعلامه، و قادته و رواده، و عنهم تؤخذ معالم الدين و مفاهيمه، و شرائعه. و أن ذلك كان معروفا منذ ذلك الزمن. و لا ندري إن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد سجل عليهم في الكتاب الذي أعطاهم إياه، فقد وجدنا لهذا نظائر في تاريخ الإسلام، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب لأهل مقنا: «و ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم، أو من آل بيت رسول اللّه. .» (1).
3-إن هذه الأبيات قد نسبت دين الإسلام كله إلى آل محمد، فإن الشاعر لم يقل: لو لا محمد.
بل قال: لو لا دين آل محمد.
و في ذلك دلالة ظاهرة على ما قلناه. .
و في مقابل ذلك: لم نجد أحدا يقول: لو لا دين أبي بكر و عمر لكان
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 103 و 106 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 277 و فتوح البلدان للبلاذري (ط سنة 138 ه) ص 67 و (ط مكتبة النهضة المصرية) ج 1 ص 72.
كذا. . لا في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا بعده.
1-إن من أهم الأوسمة التي أعلن عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بما جرى لبني جذيمة، هو قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، حسبما روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» : «أنت مني بمزلة هارون من موسى» (1).
1) الهداية للشيخ الصدوق ص 157 و 158 و 160 و 162 و المقنعة للشيخ المفيد ص 18 و رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 333 و ج 4 ص 76 و الإقتصاد للشيخ الطوسي ص 222 و 225 و الرسائل العشر للشيخ الطوسي ص 114 و إشارة السبق لأبي المجد الحلبي ص 53 و الحدائق الناضرة ج 8 ص 512 و نخبة الأزهار للسبحاني ص 160 و الخلل في الصلاة للسيد مصطفى الخميني ص 130 و كتاب الطهارة للسيد الخميني ج 2 ص 128 و المحاسن للبرقى ج 1 ص 159 و الكافي ج 8 ص 107 و علل الشرائع ج 1 ص 222 و ج 2 ص 474 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 208 و ج 2 ص 210 و الخصال ص 211 و 311 و 554 و 572 و الأمالي للشيخ الصدوق ص 238 و 402 و 491 و 618 و كمال الدين و تمام النعمة ص 278 و معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص 74 و 75 و 77 و 78 و 79 و تحف العقول ص 430 و 459 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 27 و ج 10 ص 41 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 89 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 199 و ج 6 ص 110 و ج 9 ص 122 و ج 12 ص 39 و 41 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 32 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 21 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 367 و كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ص 167 و 195 و 201 و 204 و 299 و 305 و 314 و 322 و 400 و 408 و 414 و 422 و 458 و الغارات للثقفي ج 1 ص 62 و ج 2 ص 745 و 767 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» لمحمد بن سليمان الكوفي ج 1 ص 224 و 301 و 317 و 459 و 499 و 501 و 502 و 503 و 508 و 510 و 511 و 512 و 519 و 520 و 522 و 523 و 524 و 527 و 529 و 534 و 539 و 540 و 541 و ج 2 ص 516 المسترشد للطبري ص 67 و 335 و 440 و 441 و 446 و 454 و 459 و 460 و 621 و دلائل الإمامة للطبري ص 124 و شرح الأخبار ج 1 ص 97 و 319 و ج 2 ص 177 و 186 و 250 و 477 و ج 3 ص 202 و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 92 و 160 و الفصول المختارة للشيخ المفيد ص 28 و 252 و الإفصاح للشيخ المفيد ص 33 و النكت الإعتقادية للشيخ المفيد ص 38 و 42 و النكت في مقدمات الأصول للشيخ المفيد ص 47 و 47 و الإرشاد للشيخ المفيد ج 1 ص 8 و الأمالي للشيخ المفيد ص 19 و الأمالي للسيد المرتضى ج 4 ص 186 و كنز الفوائد ص 274 و 275-283 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 227 و 253 و 333 و 351 و 548 و 555 و 560 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 155 و 162 و 163 و 197 و 216 و 218 و 233 و 247 و 278 و ج 2 ص 8 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 3 و 4 و 190 و ج 2 ص 37 و 219 و 302 و ج 3 ص 44 و 46 و 60 و العمدة لابن البطريق ص 13 و 97 و 126-137 و 144 و 183 و 214 و 258 و 337 و المزار لمحمد بن المشهدي ص 576 و الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص 152 و سعد السعود لابن طاووس ص 43 و إقبال الأعمال ج 1 ص 506 و اليقين لابن طاووس ص 208 و 448 و الطرائف لابن طاووس ص 51-54 و 63 و 151 و 277 و 414 و 521 و الصراط المستقيم ج 1 ص 61 و 101 و 207-323 و ج 2 ص 47 و 64 و 87 و ج 3 ص 78 و المحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 96 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 54 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 98-103 و 190 و 222 و حلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ص 80 و 327 و 338 و 424 و مدينة المعاجز ج 2 ص 420 و البحار ج 5 ص 69 و ج 8 ص 1 و ج 16 ص 412 و 413 و ج 21 ص 142 و ج 25 ص 224 و ج 26 ص 3 و ج 28 ص 45 و 55 و 222 و 350 و ج 29 ص 83 و 606 و ج 31 ص 316 و 333 و 351 و 362 و 368 و 371 و 376 و 414 و 417 و 429 و 433 و ج 32 ص 487 و 617 و ج 33 و 149 و 154 و 176 و 183 و ج 35 و 58 و 275 و ج 36 ص 331 و 418 و ج 37 ص 254-و 305 و ج 38 ص 123 و 240 و 246 و 247 و 331 و 334-338 و 341 و 342 و ج 39 ص 20 و 21 و 28 و 59 و 62 و 85 و ج 40 ص 2 و 9 و 10 و 43 و 78 و 88 و 95 و ج 42 ص 155 و ج 44 ص 23 و 35 و 63 و ج 49 ص 200 و 209 و 229 و ج 64 ص 148 و 194 و ج 68 ص 65 و ج 69 ص 146 و 155 و ج 72 و 445 و ج 82 ص 265 و ج 97 ص 362 و ج 99 ص 106 و ج 101 ص 424 و كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص 79 و 81 و 82 و 137 و 146 و 236 و 239 و 342 و 435 و 443 و مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 106 و 133-135 و 201 و 216 و 220 و 446 و خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 1 ص 52 و 55 و 61 و 72 و 85 و 86 و 92 و 97 و ج 2 ص 213 و ج 7 ص 58 و 75 و 87 و 121 و 179 و 188 و 233 و ج 8 ص 263 و ج 9 ص 106 و 269 و 314 و نهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص 131 و 133 و النص و الإجتهاد ص 491 و 564 و المراجعات ص 200 و 204 و 209 و 210 و 283 و 310 و 389 و سبيل النجاة في تتمة المراجعات لحسين الراضي ص 117 و 213 و 276 و مقام الإمام علي «عليه السلام» لنجم الدين العسكري ص 13 و 18 و 19 و 30 و 33 و الغدير ج 1 ص 39 و 197 و 198 و 208 و 212 و 213 و 297 و 396 و ج 2 ص 108 و ج 3 ص 115 و 201 و 228 و ج 4 ص 63 و 65 و ج 5 ص 295 و ج 6 ص 333 و ج 10 ص 104 و 258 و 259 و فدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصدر ص 27 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 229 و ج 8 ص 231 و ج 10 ص 29 و 30 و 31 و 55 و نهج السعادة ج 1 ص 124 و 160 و 363 و ج 7 ص 471 و الإمام علي «عليه السلام» لحمد الرحماني الهمداني ص 253 و 282 و 307 و 586 و كلمات الإمام الحسين «عليه السلام» للشيخ الشريفي ص 272 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 128 و ج 2 ص 116 و أضواء على الصحيحين للنجمي ص 329 و 344 و معالم المدرستين للعسكري ج 1 ص 296 و 316 و أحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري ج 1 ص 245 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 43 و 564 و مواقف الشيعة ج 1 ص 102 و 305 و 315 و 440 و 454 و ج 2 ص 402 و ج 3 ص 269 و 302 و المناظرات في الإمامة للشيخ عبد اللّه الحسن ص 5 و 101 و 109 و 112 و 116 و 165 و 166 و 169 و 213 و 215 و 237 و 238 و 259 و 332 و 475. و فضائل الصحابة ص 13 و 14 و صحيح مسلم ج 7 ص 120 و سنن الترمذي ج 5 ص 304 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 174 و مجمع الزوائد ج 9 ص 109-111 و الديباج على مسلم للسيوطي ج 5 ص 386 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 161 و مسند أبي داود ص 29 و المعيار و الموازنة للإسكافي ص 219 و 220 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 496 و مسند سعد بن أبي وقاص للدورقي ص 176 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 13 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 172 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 551 و 586-588 و 595 و 596 و مجلسان من إملاء النسائي ص 83 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 44 و 45 و 120-125 و خصائص أميرالمؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 77-79 و 84 و 85 و 89 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 87 و 99 و جزء الحميري ص 28 و 34 و أمالي المحاملي ص 209 و حديث خيثمة بن سليمان الأطرابلسي ص 199 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 369 و المعجم الصغير ج 2 ص 22 و 54 و المعجم الأوسط ج 3 ص 139 و ج 5 ص 287 و ج 6 ص 77 و 83 و ج 7 ص 311 و المعجم الكبير ج 1 ص 146 و 148 و ج 2 ص 247 و ج 4 ص 17 و 184 و ج 11 ص 61 و ج 24 ص 146 و 147 و معرفة علوم الحديث للحاكم ص 252 و فوائد العراقيين للنقاش ص 94 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 59 و 264 و ج 5 ص 248 و ج 6 ص 169 و ج 9 ص 305 و ج 10 ص 222 و ج 13 ص 211 و ج 17 ص 174 و ج 18 ص 24 و درر السمط في خبر السبط ص 79 و نظم درر السمطين ص 24 و 134 و كنز العمال و ج 5 ص 724 و ج 9 ص 167 و 170 و ج 11 ص 599 و 607 و ج 13 ص 106 و 123 و 124 و 151 و 163 و 192 و ج 16 ص 186 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 8 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 384 و 420 و نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص 195 و فتح الملك العلى لأحمد بن الصديق المغربي ص 109 و 154 و إرغام المبتدع الغبي لحسن بن علي للسقاف ص 59 و قاموس شتائم للسقاف ص 198 و دفع الإرتياب عن حديث الباب للعلوي ص 33 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 250 و خصائص الوحى المبين لابن البطريق ص 186 و 243 و 245 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 314 و تفسير القرطبي ج 1 ص 266 و 267 و عدة الأصول (ط. ق) ج 1 ص 170 و رجال النجاشي ص 94 و 233 و 401 و الفهرست لللطوسي ص 74 و نقد الرجال للتفرشي ج 3 ص 176 و الفوائد الرجالية لبحر العلوم ج 4 ص 113 و طرائف المقال للبروجردي ج 2 ص 487 و 569 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 3 ص 64 و 65 و ج 11 ص 96 و ج 18 ص 215 و تهذيب المقال للأبطحى ج 3 ص 489 و ج 5 ص 432 و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 115 و معرفة الثقات للعجلي ج 2 ص 184 و 457 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 47 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 142 و 315 و ج 3 ص 207 و ج 6 ص 68 و 216 و ج 7 ص 39 و طبقات المحدثين بأصبهان لابن حبان ج 4 ص 264 و علل الدارقطني ج 4 ص 313 و 381 و تاريخ بغداد ج 1 ص 342 و ج 4 ص 176 و 291 و ج 5 ص 147 و ج 8 ص 52 و 262 و ج 9 ص 370 و ج 10 ص 45 و ج 12 ص 320 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 349 و ج 13 ص 150 و 151 و ج 18 ص 138 و ج 20 ص 360 و ج 21 ص 415 و ج 30 ص 359 و ج 38 ص 7 و ج 39 ص 201 و ج 41 ص 18 و ج 42 ص 53 و 116 و 143 و 146-148 و 150 و 153-و 157 و 162-175 و 177 و 179 و 180 و 182-185 و ج 54 ص 226 و ج 59 ص 74 و ج 70 ص 35 و 36 و أسد الغابة ج 4 ص 27 و ج 5 ص 8 و ذيل تاريخ بغداد لابن النجار البغدادي ج 4 ص 209 و تهذيب الكمال للمزي ج 5 ص 577 و ج 8 ص 443 و ج 14 ص 407 و ج 20 ص 483 و ج 32 ص 482 و ج 35 ص 263 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 10 و 217 و ج 2 ص 523 و سير أعلام النبلاء ج 7 ص 362 و ج 13 ص 341 و ج 14 ص 210 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 209 و ج 5 ص 160 ج 7 ص 296 و لسان الميزان ج 2 ص 414 و الإصابة ج 4 ص 467 و أنساب الاشراف ص 96 و 106 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري ص 14 و 15 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 80 و ج 2 ص 281 و 328 و البداية و النهاية ج 7 ص 376 و 378 و ج 8 ص 84 و وقعة صفين للمنقري ص 315 و بشارة المصطفى للطبري ص 352 و 374 و 409 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 326 و 331 و المناقب للخوارزمي ص 55 و 61 و 129 و 133 و 140 و 158 و 301 و كشف الغمة ج 1 ص 63 و 79 و 123 و 292 و 342 و ج 2 ص 24 و نهج الإيمان لابن جبر ص 68 و 119 و 379-405 و 531 و 616 و 658 و العدد القوية ص 51 و 247 و كشف اليقين ص 279 و 425 و 459 و 466 و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 101 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 37 و 197 و 296 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 292 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 137 و 156 و 157 و 158 و 162 و 240 و 309 و 404 و 431 و 434 و ج 2 ص 86 و 146 و 153 و 302 و 303 و 386 و ج 3 ص 208 و 211 و 278 و 369 و 403 و اللمعة البيضاء للتبريزي ص 67 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 96 و 117 و 183 و الأنوار العلوية للشيخ جعفر النقدي ص 23 و 328 و 336 و لمحات للشيخ لطف اللّه الصافى ص 43 و مجموعة الرسائل للشيخ لطف اللّه الصافي ج 1 ص 174 و ج 2 ص 329 و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 255 و حياة الإمام الرضا «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 169 و ج 2 ص 266 و 318.
و هي كلمة قالها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأمير المؤمنين «عليه السلام» في أكثر من مناسبة، أشهرها: حين تجهز «صلى اللّه عليه و آله» لغزو تبوك، و تخلف عنه جمع من المنافقين في المدينة انتظارا للفرصة، و أملا بإنجاز مؤامرتهم الشريرة، و سعيا لتحقيق نواياهم المشؤومة.
فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قرر: أن يبقي عليا «عليه السلام» على المدينة مدة غيبته.
فتضايق المتآمرون من المنافقين، و تضايق معهم من لف لفهم، ممن كان عازما على المسير أيضا، لكي يبقوا على مقربة من المستجدات و التحولات، و ليمكنهم التدخل في الوقت المناسب في مسار الأحداث، و انتهاز الفرص
و اقتناصها، إن أمكن. أو دفع ما يرون فيه خطرا على مشاريعهم التآمرية التي يعدون لها العدة. كما أظهرته الوقائع اللاحقة.
و كان إبقاء علي «عليه السلام» في المدينة مخيفا لهم، فحاولوا أن يطلقوا شائعات حول القرار بإبقاء علي «عليه السلام» ، من شأنها أن تمس الكرامة، و تؤذي العنفوان، من قبيل قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» خلّف عليا «عليه السلام» استثقالا له (1).
أو قولهم: خلفه في النساء و الصبيان (2).
1) المسترشد ص 129 و 444 و الإرشاد ج 1 ص 156 و ذخائر العقبى ص 63 و المستجاد من الإرشاد ص 95 و 96 و الصراط المستقيم ج 1 ص 316 و البحار ج 21 ص 208 و 245 و ج 37 ص 267 و الغدير ج 3 ص 198 و المناظرات في الإمامة ص 214 و الثقات ج 2 ص 93 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 31 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 368 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 11 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 946 و كشف الغمة ج 1 ص 227 و عن عيون الأثر ج 2 ص 254 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 12 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 441 و نشأة التشيع و الشيعة ص 109 و كتاب السنة ص 586 و إعلام الورى ج 1 ص 244 و قصص الأنبياء للراوندي ص 349 و شرح الأخبار ج 2 ص 195 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 183 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 378 و الثقات ج 2 ص 93 و كشف اليقين للعلامة الحلي ص 145.
2) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 332 و الإعتقاد على مذهب السلف لأحمد بن الحسين البيهقي ص 205 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 286 و معارج القبول ج 2 ص 471 و مسند فاطمة للسيوطي ص 62 و المعجم لابن المثنى التميمي ص 230 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 229 و تلخيص المتشابه في الرسم ج 2 ص 644 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 627 و تاريخ الأحمدي ص 99 و فضائل الصحابة للنسائي ص 14 و الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ط بيروت) ج 9 ص 41 و الحدائق لابن الجوزي ج 1 ص 387 عن البخاري، و مسلم، و البداية و النهاية ج 5 ص 7.
أو: كره صحبته (1).
أو: مله و كره صحبته (2).
أو: استثقله و كره صحبته (3).
أو: سئمه و كره صحبته (4).
و جاء الرد الإلهي الحاسم و الحازم ليقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
1) المسترشد ص 445 و شرح الأخبار ج 1 ص 97 و مسند ابن الجعد ص 301 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 24 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 175 و أنساب الأشراف ص 94.
2) مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 1 ص 531 و 532 و فضائل الصحابة ص 13 و مسند سعد بن أبي وقاص ص 174 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 44 و 120 و 240 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 76 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 86 و الكامل ج 2 ص 417 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 151 و 152 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 344.
3) مقام الإمام علي «عليه السلام» ص 36 و مكاتيب الرسول هامش ج 1 ص 595 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 117.
4) الإحتجاج ج 1 ص 59 و مدينة المعاجز ج 1 ص 288 و البحار ج 21 ص 223 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 380 و بشارة المصطفى للطبري ص 316.
2-و عن منزلة هارون من موسى نقول:
ألف: إن منزلة هارون من موسى، كما أشارت إليه آيات القرآن الكريم: هي أنه وزيره. و ذلك بجعل من اللّه سبحانه، فإن اللّه جعل هارون وزيرا لموسى: . . وَ جَعَلْنٰا مَعَهُ أَخٰاهُ هٰارُونَ وَزِيراً (1).
أنه شد أزر النبي، و شد عضده.
أنه شريكه في أمر الدين، و نشره، و إبلاغه، و حفظه و في كل شيء سوى النبوة.
أنه من أهله، فقد قال تعالى على لسان موسى «عليه السلام» : وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هٰارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (2).
و قال تعالى: قٰالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ. . (3).
أنه ردء للنبي.
أنه يصدق النبي، فقد قال تعالى حكاية عن موسى: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخٰافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (4).
أنه خليفته في قومه. .
أن مهمته هي الإصلاح في أولئك القوم. .
قال تعالى حكاية عن لسان موسى «عليه السلام» : اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ (1).
ب: قال العلامة الطباطائي «رحمه اللّه» عن نبي اللّه هارون «عليه السلام» : «أشركه اللّه تعالى مع موسى «عليهما السلام» في سورة الصافات: في المنّ، و إيتاء الكتاب، و الهداية إلى الصراط المستقيم، و في التسليم، و أنه من المحسنين، و من عباده المؤمنين (الصافات:114-122)و عده مرسلا (طه: 47)، و نبيا (مريم:53)، و أنه ممن أنعم عليهم (مريم:58)، و أشركه مع من عدهم من الأنبياء في سورة الأنعام في صفاتهم الجميلة، من الإحسان، و الصلاح، و الفضل، و الإجتباء، و الهداية (الأنعام:84-88)» انتهى (2).
ج: ليس المراد بإشراكه في حفظ الدين، و نشره، و تبليغه، ما هو على حد شراكة المؤمنين معه في ذلك من حيث إن وجوب التبليغ و الإرشاد و الدعوة إلى اللّه، و الدفاع عن الحق و الدين و تعليم الأحكام يعم الجميع، فيجب على الناس العاديين و على الأولياء و الأنبياء أيضا. . بل هي شراكة خاصة في كل أمره «صلى اللّه عليه و آله» باستثناء نزول الوحي عليه، و نيل درجة النبوة بصورة فعلية.
و تظهر آثار هذه الشراكة في وجوب طاعته «عليه السلام» ، و في حجية قوله، و في كل ما أعطاه اللّه إياه من علم خاص، و من عرض أعمال العباد عليه، و من طاعة الجمادات له، و من التصرفات و القدرات الخاصة، مثل طي الأرض، و رؤيته من خلفه، و كونه تنام عيناه و لا ينام قلبه، و الإسراء
و المعراج إلى السماوات لرؤية آيات اللّه تبارك و تعالى و ما إلى ذلك.
د: إنه «عليه السلام» من أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأهل يعيشون مع بعضهم بعفوية و شفافية و وضوح، فأهل النبي يشاهدون أحواله، و يطّلعون على أسراره، فإذا كان وزيره، و شريكه منهم، فإن معرفته بكل هذه الأمور المعنوية تكون منطلقة من معرفته الواقعية بكل حالاته و خفاياه، و باطنه و ظاهره. . و لا بد أن يدخل إلى ضمير هذا الوزير و الشريك و إلى خلجات نفسه، و حنايا روحه، و يلامس شغاف قلبه بصفته نبيا مقدسا و طاهرا بكل ما لهذه الكلمة من معنى، و لا يريد لنفسه ردءا و شريكا و وزيرا بعيدا عنه، قد يفرض غموضه احترامه عليه، أو يخشى و يحذر ما يجهله منه. .
إن هذا الإشراف المباشر على حالات هذا النبي، و العيش معه بعفوية الأهل و الأحبة و من دون أن يكون هناك أي داع لتحفظه معهم، أو للتحفظ معه. . يعطي للإنسان السكينة و الطمأنينة إلى صحة الرؤية، و سلامة المعرفة، و واقعيتها، فيترسخ الإيمان بصحة نبوته في العقل، و يتبلور صفاؤه في الوجدان، و يتجذر طهره في أعماق النفس، و ينساب هداه في الروح و الضمير إنسياب الدم في العروق. .
و هذه خصوصية لا يمكن أن توجد إلا لدى الأنبياء «عليهم السلام» ، و من هم في خطهم من الأولياء، و الخلّص من المؤمنين. .
أما من عداهم من أهل الدنيا. . فلا يمكن أن تستقيم لهم الأمور إلا بوضع الحجب، و إنشاء السدود و الحواجز أمام الناس، حتى أقرب الناس إليهم و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم فضلا عن غيرهم. . و منعهم من المعرفة
بحقيقة سلوكهم، و بواقع نواياهم، و بما تكنّه ضمائرهم. . لأن معرفة الناس بذلك سوف تجر لهم الداء الدوي، و البلاء الظاهر و الخفي. .
ه: و أما الأخوّة التي ينشدها النبي في الوزير: فقد تعني فيما تعنيه الأمور التالية:
أولا: المساواة. . و الإشتراك. . و المماثلة في الميزات. . و الشبه في الصفات. .
و لذلك نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما ذكر المؤرخون كان يؤاخي بين كل و نظيره، ممن هو أقرب الناس إليه في الخلق، و في السيرة، و في الطموح، و في المستوى الفكري و العقلي، و سائر الصفات.
مع العلم: بأننا لا نجد ملكا يعترف لأي مخلوق، سواء أكان وزيرا أو قريبا أو حتى ولدا بالمساواة معه في الصفات و الأخلاق، و سائر الميزات. بل هو يعطي لنفسه مقاما متميزا عن الناس كلهم، و يسعى لتعمية الأمر على الناس، و يتوسل إلى ذلك بأساليب شتى من الإبهام و الإيهام، و الإدّعاءات الزائفة، و المظاهر الخادعة.
ثانيا: إن هذا التشابه أو التقارب في الميزات من شأنه: أن يفرض تساويا في الحقوق لكل منهما بالنسبة لأخيه الآخر. . و هذا مرفوض أيضا في منطق أهل الدنيا، فإن الرؤساء و الملوك فيها، إن لم يجدوا لأنفسهم خصوصية، فلا بد من انتحالها، و التظاهر بما يوهم الخصوصية. كما ألمحنا إليه. .
فكيف يمكن أن يرضوا بالمساواة مع غيرهم في الحقوق و المزايا؟ !
و: إن استثناء النبوة في كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن وزارة علي «عليه السلام» يفيد: أن المراد بمنزلة هارون من موسى: هو سائر مراتبها، و مختلف متعلقاتها. أي أن هذا الإستثناء يفيد عموم المنزلة و شمولها لكل
الأمور و الجهات و المراتب، فهو بمنزلته في لزوم الطاعة، و في حجية قوله، و في حاكميته، و في القضاء، و العطاء، و السلم، و الحرب و السفر، و الحضر، و في الحياة، و بعد الممات. . و في كل شيء. .
و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» في هذه المناسبة: «أنت هادي أمتي. ألا إن السعيد كل السعيد من أحبك، و أخذ بطريقتك. ألا إن الشقي كل الشقي من خالفك، و رغب عن طريقك إلى يوم القيامة» (1).
و نقول:
إن هذه الكلمة قد تضمنت ثلاثة أمور هامة و أساسية. . و هي:
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر في هذه المناسبة: أن عليا «عليه السلام» هادي أمته.
و هذا يدل على: أن ما أجراه «عليه السلام» في بني جذيمة ليس مجرد إيصال بعض مال استحقه أولئك الناس عوضا عن متاع سلب منهم، أو ديات لقتلى سقطوا في عدوان تعرضوا له. بل هو أمر يرتبط بالهداية إلى الحق، و تعريف الناس بما يرضي اللّه تبارك و تعالى. .
1) الأمالي للطوسي (ط سنة 1414 ه) ص 498 و البحار ج 21 ص 143 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 219.
فكيف يمكن فهم هذا الأمر من الوقائع التي جرت له «عليه السلام» في مهمته تلك؟
إن الإجابة على هذا السؤال قد تكون من خلال ملاحظة تنوّع العطاءات، و تنوّع أسبابها، حيث أظهرت: أن لروعات النساء، و فزع الصبيان قيمة، و أنه لا بد من أن تودى الأجنة إذا أسقطت في مثل هذه الحالات، و أنه لا بد من بذل الأموال لإبراء ذمة اللّه و رسوله، و لأجل ما يعلمون، و ما لا يعلمون. . و غير ذلك مما تقدم. . و تقدمت بعض الإشارات إلى وجوهه و أسبابه. .
و هي أمور لم تكن واضحة للناس، بل هي قد لا تخطر لأحد منهم على بال. .
و هي تدل على: أنه «عليه السلام» هو الذي يدرك أسرار الشريعة، و دقائقها، و كوامنها، و يعرف أهدافها، و مؤدياتها. .
و لعل مما يوضح ذلك: أنه «عليه السلام» قد أعطى مالا أيضا من أجل أن يرضوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليحفظ بذلك دينهم، و يصون إيمانهم.
و قد بيّن «صلى اللّه عليه و آله» للناس: أن حقيقة السعادة تنال بأمرين:
أحدهما: حب علي «عليه السلام» .
و المقصود هو: حبه «عليه السلام» كما هو، و على ما هو عليه، و هو الذي يرضيه ما يرضي اللّه، و يغضبه ما يغضبه، فالسعيد هو من أحب عليا «عليه السلام» حتى و هو يجري عليه و على أهله و ولده أحكام اللّه تعالى،
و يقيم عليه و عليهم حدوده، و لا تؤثر إقامته لها عليه و عليهم في محبته و في إخلاصه و طاعته له، فهو يحبه حتى و هو يجلده، و حتى و هو يقتص من ولده القاتل. أو يقطع يد ولده السارق.
أما حب علي «عليه السلام» لأنه شجاع مثلا، فهو ليس حبا لعلي «عليه السلام» ، بل هو حب للشجاعة فقط، فهو يحبها حتى لو ظهرت لدى أعداء اللّه و رسوله. و أعداء الإنسانية. . فهذا الحب لا ينفع صاحبه و لا يسعده برضا اللّه تبارك و تعالى.
الثاني: الأخذ بطريقة علي «عليه السلام» . . أي أن العمل الجوارحي يجب أن ينسجم مع المشاعر، و يستجيب لدعوتها أيضا. . فالحب لعلي «عليه السلام» يدعو إلى التأسي و الإقتداء و بدون ذلك، فإن الحب يبقى عقيما، ليس له أي امتداد أو قيمة، أو ما يوجب له البقاء.
غير أن الملاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تحدث عن الأخذ بطريقة علي «عليه السلام» ، و لم يأمر بأن يعمل نفس عمل علي «عليه السلام» بحيث يكون للعمل نفس قيمة و خصوصيات عمل علي «عليه السلام» ، و نفس درجته في الإخلاص، و الخلوص، و المثوبة، و سائر الآثار، بل المطلوب هو: أن يتبع المؤمن سبيله، و طريقته «عليه السلام» ، و إن لم تتحقق المماثلة لها في سائر الخصوصيات و الآثار.
و لذلك نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رتب الشقاء على مخالفة طريقة علي «عليه السلام» ، لا على فقدان الأعمال لخصوصيات و آثار و قيمة، و خصائص عمل علي «عليه السلام» .
و ذلك لطف آخر من اللّه و رسوله بالعباد، و لهذا البحث مجال آخر.
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الباب الثالث: نهايات فتح مكة الفصل الأول: الذين أهدر النبي صلّى اللّه عليه و آله دمهم 7-106
الفصل الثاني: أحداث جرت في فتح مكة:107-150
الفصل الثالث: تشريعات و أحكام 151-198
الفصل الرابع: مكة بعد الفتح بيد عتّاب. . و معاذ 199-218
القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة الباب الأول: من فتح مكة إلى حنين. . تسع بعوث و سرايا. . الفصل الأول: بعوث و سرايا قبل بني جذيمة 223-244
الفصل الثاني: خالد يبيد بني جذيمة 245-292
الفصل الثالث: نصوص أخرى أوضح و أصرح 293-316
الفصل الرابع: حديث العترة هو القصص الحق 317-352
الفهارس:353-366
الباب الثالث: نهايات فتح مكة الفصل الأول: الذين أهدر النبي صلّى اللّه عليه و آله دمهم كذلك نجزي المجرمين:9
اقتلوهم و لو تعلقوا بأستار الكعبة:11
1-عكرمة بن أبي جهل:12
لم يقم النبي صلّى اللّه عليه و آله إلا لعكرمة:18
هل هذا اتهام لخالد؟ ! :21
غصّة عكرمة و يأسه:21
عكرمة مهاجر و مؤمن:22
لا تسبوا أبا جهل:23
تناقضات و تشابه بين قصتي صفوان و عكرمة:25
سر تعظيم عكرمة:25
2-صفوان بن أمية:30
يحسبون كل صيحة عليهم:33
إنقلاب الصورة:34
ما أسرع ما أجاب! ! :34
هذه هي معاييرهم:35
صفوان بن أمية في ميزان الإعتبار:37
3-عبد العزى بن خطل:42
تغيير الاسم إحسان و تفضل:47
الهروب إلى الأمام:48
الكعبة لا تعيذ عاصيا و لا تمنع من إقامة الحد:49
4-عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح:50
ابن أبي سرح أعظم إجراما:57
بين الحياء، و ظن السوء:59
تبارك اللّه أحسن الخالقين:60
عثمان و أخوه، و علي عليه السّلام و أخته:62
كله صواب:63
استأمن له، ثم أتى به:64
أين كان علي عليه السّلام؟ ! :65
الوسطاء لابن أبي سرح:66
مات و هو ساجد:67
5-عبد اللّه بن الزبعرى:69
6-الحويرث بن نقيدر:74
أسلوب استدراجي:76
7-هبار بن الأسود:78
ذنب هبار:81
جرأتهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:82
زينب بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:85
موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من هبار:86
سبّ من سبّك:89
تقوى هبار؟ ! :90
سبّ المسلمين لهبار موضع ريب:91
8-الحارث بن هشام:91
9-زهير بن أمية:91
10-عبد اللّه بن ربيعة:92
11-زهير بن أبي سلمى:92
12-مقيس بن صبابة:92
13-الحويرث بن الطلاطل الخزاعي:94
14-كعب بن زهير:94
15-وحشي بن حرب:94
16-هبيرة بن أبي وهب:95
17-سارة:95
18-أرنب مولاة ابن خطل 97
19-فرتنى:97
20-قريبة:97
21-أم سعد:97
22-هند بنت عتبة:98
تعقيب غير ضروري:102
هند. . و أموال زوجها البخيل:102
الفصل الثاني: أحداث جرت في فتح مكة لا تحدوا النظر إلى سهيل:109
1-سبب تعظيم سهيل بن عمر! ! :110
2-ليس هذا مدحا لسهيل بن عمرو:111
إسلام ابني أبي لهب:113
السائب شريك الرسول صلّى اللّه عليه و آله في التجارة:117
الخطبة الثانية للنبي صلّى اللّه عليه و آله في مكة:120
أحلت لي ساعة من نهار:124
دية القتيل المشرك:125
لما ذا التزوير؟ !132
أول قتيل وداه النبي صلّى اللّه عليه و آله:133
لعلها خطبة أخرى في مكة:133
تجديد أنصاب الحرم:137
النبي صلّى اللّه عليه و آله يقترض أموالا و يقسمها:138
ضفائر أربع! ! أم وفرة؟ ! :141
رفع شعر النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى السماء:143
شعرات النبي صلّى اللّه عليه و آله لا تحترق:144
جبر: الغلام المعذب:146
مظاهر تقوى ابن عبادة:147
لعل ثمة تزويرا:149
الفصل الثالث: تشريعات و أحكام الولد للفراش:153
الصلاة في مكة، و الصلاة في بيت المقدس:155
ضرب شارب خمر:159
لا شفاعة في حد:160
لو سرقت فاطمة لقطعت يدها:162
أسامة حبّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله أم زيد؟ ! :164
أشياء يحرم بيعها:166
كسر الدف و المزمار:168
روايات مكذوبة:173
متعة النساء عام الفتح:179
روايات النسخ يوم الفتح:182
مناقشة روايات النسخ:184
تعدد نسخ تشريع المتعة:190
مدة الإقامة التي يجب فيها القصر:193
الفصل الرابع: مكة بعد الفتح بيد عتّاب. . و معاذ عتاب بن أسيد على مكة:201
كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله للمكيين مع عتّاب:203
الكتاب مصنوع:206
عتّاب قاض، أم أمير؟ ! :206
تولية عتاب على مكة و خلافة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:206
خلاصة و توضيح:208
لا حاجة إلى المبالغة في أمر عتاب:210
تهديد المتخلفين عن الجماعة:212
إستدلالات واهية أخرى:212
النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يعرف الأب من الابن:213
أهل مكة أهل اللّه! ! :214
الشك في كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل مكة:214
معاذ يعلّم أهل مكة:215
من هو معاذ بن جبل؟ ! :216
القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة الباب الأول: من فتح مكة إلى حنين. . تسع بعوث و سرايا. . الفصل الأول: بعوث و سرايا قبل بني جذيمة بداية:225
1-سرية خالد لهدم العزى:227
الحدث في قفص الإتهام:230
السادن. . بين الذكاء و الغباء:232
هل هذه سرية؟ ! :232
قبل قصة بني جذيمة أو بعدها:233
2-هدم سواع:235
3-هدم مناة و قتلها:237
4-سرية خالد بن سعيد إلى عرنة:239
5-سرية هشام بن العاص إلى يلملم:239
6-سرية الطفيل الدوسي إلى ذي الكفين:240
7-سرية غالب بن عبد اللّه إلى بني مدلج:240
8-سرية عمر بن أمية إلى بني الديل:242
9-سرية ابن سهيل بن عمرو إلى بني محارب:243
الفصل الثاني: خالد يبيد بني جذيمة قتل بني جذيمة في النصوص و الآثار:247
ما بهذا أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:255
الغدر. . ثم القتل:256
1-شجاعة. . و نبل:259
2-غدر. . و لؤم:259
أما كان فيكم رجل رحيم:259
المعترضون على الجريمة:260
أهمية اعتراض ابن عوف:264
النبي صلّى اللّه عليه و آله نصير المظلومين:266
توضيحات:266
لما ذا هذا العدد؟ ! :267
لما ذا خالد دون سواه؟ ! :268
خالد معروف بالغدر:268
أسلمنا. . أم صبأنا؟ ! :269
خالد يكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:270
حقيقة دوافع خالد:272
دعوا لي أصحابي:274
هل هذا الخلط متعمد:278
الإقواء في الشعر المنقول:279
اجتهاد خالد:279
اجتهاد خالد عند الخطابي:283
اعتراض ابن عوف و سالم و ابن عمر:284
التناقض و الاختلاف:285
أدفئوا أسراكم:286
النداء عند السحر! ! لما ذا؟ ! :287
فعل خالد من أمر الجاهلية:288
لما ذا لم يعاقب النبي صلّى اللّه عليه و آله خالدا؟ ! :288
غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و إعراضه عن خالد:290
الفصل الثالث: نصوص أخرى أوضح و أصرح أربع مائة قتيل من بني جذيمة:295
القسوة و الغلظة:297
ابن واضح يروي ما جرى:297
الأموال من اليمن! ! :299
تفدية النبي صلّى اللّه عليه و آله عليا عليه السّلام بأبويه:302
لما ذا ينكسر عمر؟ !305
الريب في موقف المهاجرين:307
خالد يغضب على الأنصار فقط:308
أحقاد بني سليم:309
لما ذا يكتّف بعضهم بعضا؟ !310
النبي صلّى اللّه عليه و آله ينتصر لعمار حين يقع في خالد:310
دفاع الأتباع! ! تزوير و اختراع! ! :312
الفصل الرابع: حديث العترة هو القصص الحق نصوص هامة لا بد من التوقف عندها:319
1-ما جرى لأبي زاهر مثل ما جرى لبني جذيمة:319
2-رواية صحيحة عن الإمام الباقر عليه السّلام:320
3-حديثان آخران:322
ذنب بني جذيمة:324
كتابة الخسائر:325
شكوك لا مبرر لها:328
دلالات باهرة في فعل علي عليه السّلام:329
حكم علي عليه السّلام حكم اللّه تعالى:334
فو اللّه، لو لا دين آل محمد:335
أنت مني بمنزلة هارون من موسى:337
أنت هادي أمتي:350
1-علي عليه السّلام هادي أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله:350
2-السعيد من أحب عليا عليه السّلام:351
الفهارس 353
1-الفهرس الإجمالي 355
2-الفهرس التفصيلي 357