الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 18

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثامن عشر

ادامة القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة

تتمة الباب السادس: فتح خيبر

الفصل الرابع: قلع باب خيبر: أحداث و تفاصيل

اشارة

علي عليه السّلام قالع باب خيبر:

و قالوا أيضا: «و قتل علي يومئذ ثمانية من رؤسائهم، وفر الباقون إلى الحصن، فتبعهم المسلمون. فبينما علي يشتد في أثرهم، إذ ضربه يهودي على يده ضربة سقط منها الترس، فبادر يهودي آخر، فأخذ الترس، فغضب علي، فتناول باب الحصن، و كان من حديد، فقلعه، و تترس به عن نفسه» (1).

قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللّه بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-حين بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود-و قد صرحوا بأنه مرحب (2)-فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، و هو يقاتل، حتى فتح اللّه تعالى عليه الحصن.

ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 51.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه (1).

و عن زرارة، عن الإمام الباقر «عليه السلام» : انتهى إلى باب الحصن، و قد أغلق الباب في وجهه، فاجتذبه اجتذابا، و تترس به، ثم حمله على ظهره، و اقتحم الحصن اقتحاما، و اقتحم المسلمون و الباب على ظهره. .

إلى أن قال «عليه السلام» : ثم رمى بالباب رميا الخ. . (2).

قال الديار بكري: ثم لما وضعت الحرب أوزارها ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبرا. . و في هذا قال الشاعر:

علي رمى باب المدينة خيبرثمانين شبرا وافيا لم يثلم (3)

غير أن الحلبي قال: «قال بعضهم: في هذا الخبر جهالة و انقطاع ظاهر.

قال: و قيل: و لم يقدر على حمله أربعون رجلا. و قيل: سبعون.

و في رواية: أن عليا كرم اللّه وجهه لما انتهى إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده سبعون رجلا، فكان جهدا


1) السيرة النبوية لابن هشام {ط المكتبة الخيرية بمصر} ج 3 ص 175 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و راجع: الإصابة ج 2 ص 502 و تذكرة الخواص ص 27 و البداية و النهاية ج 4 ص 185 فما بعدها و ذخائر العقبى {ط مكتبة القدسي} ص 74 و 75 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185-188 و معارج النبوة ص 219 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و مسند أحمد ج 6 ص 8 و تاريخ الخميس ج 1 ص 51 عن المنتقى، و التوضيح، عن الطبراني، و أحمد.

2) البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى ج 1 ص 207 و مدينة المعاجز ج 1 ص 177.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

أن أعادوه إلى مكانه» (1).

و قال القسطلاني: «قلع علي باب خيبر، و لم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد» .

و روى البيهقي من طريقين: عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي-رضي اللّه عنه-عن آبائه، قال: حدثني جابر بن عبد اللّه: أن عليا «عليه السلام» حمل الباب يوم خيبر، حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها، و أنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. رجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم، و هو ضعيف (2).

و في شواهد النبوة: روي أن عليا «عليه السلام» بعد ذلك حمله على ظهره، و جعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن (3).

و هذا إشارة إلى وجود خندق كان هناك، فلما أغلقوا باب الحصن صار أمير


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و الإصابة ج 2 ص 502 و البداية و النهاية ج 4 ص 184 و عن البيهقي، و الحاكم.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 128 و 129 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 212 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 90 و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و راجع: تذكرة الخواص ص 27 و الرياض النضرة {ط محمد أمين بمصر} ج 1 ص 185-188 و معارج النبوة ص 219 و تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن الحاكم، و البيهقي، و البحار ج 21 ص 19 و في هامشه عن المجالس و الأخبار ص 6.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 و راجع: تحف العقول ص 346.

المؤمنين «عليه السلام» إليه، فعالجه حتى فتحه، و أكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين «عليه السلام» باب الحصن فجعله على الخندق جسرا لهم، حتى عبروا، فظفروا بالحصن، و نالوا الغنائم.

فلما انصرفوا من الحصن أخذه أمير المؤمنين «عليه السلام» بيمناه، فدحا به أذرعا من الأرض. و كان الباب يغلقه عشرون رجلا (1).

و قيل: لما قلع علي «عليه السلام» باب الحصن اهتز الحصن، فسقطت صفية عن سريرها، وشجت وجهها.

و قالوا أيضا: إن ضربته «عليه السلام» على رأس مرحب بلغت إلى السرج، فقده نصفين (2).

و خبّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن رميه «عليه السلام» باب خيبر أربعين شبرا، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي نفسي بيده، لقد أعانه عليه أربعون ملكا (3).

قال القسطلاني: قال شيخنا: «قال بعضهم: و طرق حديث الباب كلها واهية، و لذا أنكره بعض العلماء» (4).

و في بعضها قال الذهبي: إنه منكر.

و في الإمتاع: و زعم بعضهم: أن حمل علي كرم اللّه وجهه الباب لا أصل


1) البحار ج 21 ص 16 و ج 41 ص 281 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 128 و عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 126 و مدينة المعاجز ج 1 ص 175.

2) معارج النبوة ص 323 و 219.

3) البحار ج 21 ص 19 و في هامشه عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 78.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن المواهب اللدنية و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

له، و إنما يروونه عن رعاع الناس، و ليس كذلك. ثم ذكر جملة ممن خرجه من الحفاظ» (1).

و نقول: إن لنا مع هذه النصوص العديد من الوقفات، نجملها فيما يلي:

إختلافات لا تضر: أربعون أم سبعون:

و قد يقال: إن اختلاف الروايات في عدد الذين جربوا حمل ذلك الباب، بين ثمانية رجال، و أربعين، و سبعين. . دليل على عدم صحة الرواية، و على أن ثمة من يتعمد الكذب في هذا الأمر.

غير أننا نقول:

إن الاختلاف الذي يضر: هو ذلك الذي يشير إلى تناقض لا مجال للخروج منه و عنه. .

و لكن الأمر هنا ليس كذلك، إذ لعل جميع هذه الروايات صحيحة، على اعتبار: أن محاولات حمل أو قلب ذلك الباب قد تعددت، و فشلت كلها. فأخبر كل واحد من الرواة عن الواقعة التي رآها.

باب واحد، أم بابان في خيبر؟ ! :

و قد يقال أيضا: إن حديث اقتلاع باب خيبر قد جاء بصور مختلفة، حيث إن بعضها ذكر: أن عليا «عليه السلام» اقتلع باب حصن خيبر.

و بعضها يقول: إن ترسه طرح من يده، فوجد عند الحصن بابا، فأخذه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 37.

فترّس به نفسه. فإذا كانت الرواية متناقضة فلا يمكن الأخذ بها. .

و نقول:

أولا: إن تناقض الرواية لا يعني أن جميع نصوصها مكذوبة.

ثانيا: إن من الممكن: أن يكون هناك بابان، ترّس «عليه السلام» بأحدهما عن نفسه، ثم لما انتهى إلى الحصن طرحه، و أخذ باب الحصن بيده، فاقتلعه، وجعله جسرا للمسلمين، ليصعدوا عليه، و هو حامل له. .

و ربما يكون أحدهما: هو الذي لم يستطع الثمانية أن يقلبوه. .

و الآخر: هو الذي عجز عن حمله، الأربعون تارة، و السبعون أخرى. . و ربما يكون أحدهما من الحديد، و الآخر من الحجر، و قد يختلط الأمر على الرواة، فيصفون أحدهما بما يكون للآخر. .

التكبير من السماء:

و قد ذكرت الروايات: أن الناس سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم، و سمعوا نداء يقول:

لا سيف إلا ذوالفقارو لا فتى إلا علي

و قد أشرنا: إلى بعض ما يستفاد من هذا النداء في واقعة أحد، في الجزء السابع من هذا الكتاب {الطبعة الخامسة} ، فلا بأس بمراجعة ما ذكرناه هناك. .

و نضيف هنا أمورا ثلاثة:

أحدها: أن هذا التكبير، و ذلك النداء هما بمثابة إعطاء الدليل الحاسم لكل عاقل يحترم نفسه بحقانية هذا الدين، و بأنه مرعي من رب الأرض و السماء، و لا بد أن يزيد هذا الأمر من صلابة الإنسان المؤمن في الدفاع عن

دينه، و يزيل أي شك، أو ريب من قلبه. .

فلا مجال بعد هذا للتفكير بالفرار من الزحف، و لا مبرر للضعف أمام مظاهر القوة، و لا يصح الانبهار بكثرة الأعداء. . فلا مبرر إذن لأي فرار يحدث، أو ضعف يظهر بعد ذلك، كالذي حدث في حنين و في خيبر، أو في غيرهما.

كما لا مبرر لاستمرار اليهود على عنادهم، و كفرهم، بعد أن رأوا هذه الآية السماوية الظاهرة.

فإصرار هم على الحرب يدل: على أنهم ليسوا طلاب حق و حقيقة، و أنهم لا يتخذون مواقفهم تلك بسبب شبهة عرضت لهم، أو لأنهم بحاجة إلى المزيد من الدلالات على الحق.

بل كل ما في الأمر هو: أنهم ينقادون لشهواتهم، و أن الشيطان يزين لهم أعمالهم، و يعدهم، و يمنيهم، و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا.

الثاني: أن ذلك التكبير و النداء، الذي جاء بعد تحقيق هذا الإنجاز العظيم، يمثل إدانة للذين هربوا، أو ضعفوا، و إعلان أن سيوفهم، ليست سيوفا حقيقية، و أن مظاهر الرجولة، و الفتوة، و القوة فيهم ليست واقعية، فإنه:

لا سيف إلا ذوالفقارو لا فتى إلا علي

الثالث: أن هذا التكبير قد جاء ليكون هو المفردة التي اختيرت لإعلان هذا النصر، و ربما يكون فيه أيضا إلماحة: إلى أن السبب فيما جرى للمسلمين، هو: اغترارهم بكثرتهم، و شعورهم بأنهم قد سجلوا انتصارات عظيمة، حين كانوا دون هذا العدد. . كما في بدر و أحد، و الخندق. . مع أن تلك الإنتصارات لم تكن على أيديهم، بل كانت على يد علي «عليه السلام» بالذات. .

كما أن اليهود قد غرتهم أيضا كثرتهم، و حسن عدتهم، و مناعة حصونهم، و وفرة المال في أيديهم. . رغم أنهم قد رأوا ماذا كان مصير أهل العدة من المشركين، و كذلك من إخوانهم الذين حاربوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و أحد، و الخندق، و قريظة، و قينقاع، و النضير، و غير ذلك. .

و قد كان نصيب هؤلاء و أولئك هو الفرار، و الهزيمة، و البوار، و ظهر لهم جميعا؛ أن كل شيء يعتمدون عليه سوى اللّه ما هو إلا يباب و سراب، فلا شيء أكبر من اللّه، و لا يصح الاعتماد إلا عليه، و لا اللجوء إلا إليه.

و قد جاء هذا البيان الإلهي، بهذه الطريقة الغيبية، ليخاطب وجدان الإنسان و ضميره، و يجعل هذا الوجدان هو الطريق إلى القلب، الذي يوظف المشاعر الإيمانية، و نداء الفطرة، و ما يقدمه العقل من شواهد و دلالات في تمهيد السبيل إليه، و اقتباس الدليل الواضح عليه. .

لا سيف إلا ذو الفقار في خيبر أيضا:

و رووا أيضا: أن عليا «عليه السلام» لما شطر مرحبا شطرين نزل جبرئيل من السماء متعجبا، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ممّ تعجبت؟

فقال: إن الملائكة تنادي في صوامع جوامع السماوات:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي (1)

و ذكر أحمد في الفضائل: أنهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم،


1) البحار ج 21 ص 40 عن مشارق أنوار اليقين، و راجع: حلية الأبرار للبحراني ج 2 ص 162 و إحقاق الحق ج 8 ص 319 و مجمع النورين ص 178 و 194.

و قائلا يقول:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

فاستأذن حسان بن ثابت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينشد شعرا، فأذن له، فقال:

جبريل نادى معلناو النقع ليس بمنجلي

و المسلمون قد أحدقواحول النبي المرسل

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي (1)

قال سبط ابن الجوزي: «فإن قيل: قد ضعّفوا لفظة: لا سيف إلا ذو الفقار.

قلنا: الذي ذكروه: أن الواقعة كانت في يوم أحد.

و نحن نقول: إنها كانت في يوم خيبر» .

و كذا ذكر أحمد بن حنبل في الفضائل: و في يوم أحد، فإن ابن عباس قال: لما قتل علي «عليه السلام» طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين صاح صائح من السماء:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

قالوا: في أسناد هذه الرواية عيسى بن مهران، تكلم فيه، و قالوا: كان شيعيا.


1) راجع: الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 167 و نهج الإيمان لابن جبر ص 177 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 17 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 52 و الغدير ج 2 ص 59 و ج 7 ص 205 و تذكرة سبط ابن الجوزي ص 16.

أما يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء (1).

و قيل: إن ذلك كان يوم بدر. و الأول أصح.

تشكيكهم بقلع باب خيبر:

و حين تصل النوبة إلى تضحيات علي «عليه السلام» و كراماته، فإن الأذهان تتفتق، و المواهب تشرئب، و العبقريات الخارقة تنشط من عقالها. . و البراعة الفائقة تتجلى، و نظارة التنقيب و الاستقصاء تنطلق لتتحرى، و تبحث و تنقب، لتستخرج المدخرات، و لتنثر الجواهر و الدرر من جعبتها، فيقولون لك:

هذا الخبر فيه جهالة، و ذاك فيه انقطاع ظاهر، و ذلك الخبر ضعيف، أو منكر.

بل تجد من يقول: طرق حديث الباب كلها واهية، أو حديث الباب لا أصل له، أو أنه يروى عن رعاع الناس. .

و قد فات هؤلاء الناس:

أولا: إذا ثبت حديث قلع الباب، و غيره من طريق أهل البيت «عليهم السلام» ، فلا نبالي ما يقول فلان، و ما يسطره علان. . لأن أهل البيت «عليهم السلام» أدرى بما فيه، و هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.

و لذلك تجدنا مطمئنين لما عندنا من حقائق لا يخالجنا فيها شك، و لا تأخذنا في التمسك بها و الحرص عليها لومة لائم. .


1) الغدير للأميني ج 2 ص 60 عن تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 16.

ثانيا: إن حديث قلع الباب ثابت حتى من طرق غير أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم الأبرار.

و لبيان زيف تضعيفاتهم لهذا الخبر نقول:

إن الذين روي عنهم حديث قلع علي «عليه السلام» باب خيبر، و أن أربعين أو سبعين رجلا قد عجزوا عن حمله، أو عن قلبه، هم من غير الشيعة، فإن كان ثمة اختلاق لهذا الخبر، فلا تصح نسبته إلى الشيعة. .

ثالثا: إن كون الطريق ضعيفا لا يعني: أن مضمونه لا أصل له. فإن الكذّاب و الوضّاع لا يكون جميع ما يرويه مختلقا و موضوعا. . بل يكون أكثر ما يرويه صحيحا، و لكنه يدخل فيه بعض الموضوعات أو التحريفات، التي تخدم أغراضه. .

و لو كان جميع ما يرويه مختلقا لوجد نفسه في موضع الإفلاس، و لم يجد من يأخذ منه، و عنه. . فما معنى حكمهم الجازم على حديث قلع الباب بالاختلاق و الوضع، أو نحو ذلك؟ !

رابعا: لقد حكموا على بعض طرق الحديث: بأن فيه انقطاعا.

و قالوا عن خبر آخر: إن رجاله ثقات، باستثناء شخص واحد هو ليث بن أبي سليم، مع أنه و إن ضعّف الكثيرون منهم ليثا هذا، و لكن آخرين منهم قد أثنوا عليه، و وصفوه بالصلاح و العبادة، و بغير ذلك، و لم يصفه أحد بالكذب، و لا بالوضع على الإطلاق. .

بل قالوا عنه: إنه ضعيف في الحديث، أو مضطرب الحديث، أو ليّن الحديث، أو نحو ذلك. .

و ذكروا هم أنفسهم أن سبب ذلك: هو أنه اختلط في آخر عمره. فهذا

هو السبب إذن في طعنهم عليه و تضعيفه.

بل إنهم قد وثقوه، و وصفوه بأنه صدوق، و صاحب سنة، و صالح، و عابد و نحو ذلك. .

فذلك يدل على: أنه في نفسه ليس من رعاع الناس، و إليك طائفة من كلماتهم فيه، نأخذها من كتاب تهذيب التهذيب متنا و هامشا.

قال الذهبي: أحد العلماء، كوفي.

و قال ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق، اختلط أخيرا، و لم يتميز حديثه، فترك.

و قال العجلي: جائز الحديث.

و قال عبد الوارث: من أوعية العلم.

و قال ابن معين: منكر الحديث، صاحب سنة.

و قال عثمان ابن أبي شيبة: صدوق ضعيف الحديث.

و قال ابن شاهين: في الثقات.

و قال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيّئ الحفظ، كثير الغلط.

و قال البزار: كان أحد العبّاد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، و إنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، و إلا فلا نعلم أحدا ترك حديثه. .

و قال ابن سعيد: كان رجلا صالحا عابدا. . و كان ضعيفا في الحديث. .

ثم ذكر: أنه كان يسأل عطاء، و طاووسا، و مجاهدا، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.

و قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، و يرفع المراسيل الخ. .

و قال الدار قطني: صاحب سنة، يكتب حديثه، إنما أنكر عليه الجمع بين عطاء، و طاووس، و مجاهد حسب. .

و سئل عنه يحيى، فقال: لا بأس به.

و قال ابن عدي: له أحاديث صالحة، و قد روى عنه شعبة و الثوري، و مع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.

و قال محمد: ليث صدوق، يهم.

و قال فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.

و سأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: ليث عن طاووس أحب إلي من سلمة بن و هرام عن طاووس.

قلت: أليس تكلموا في ليث؟

قال: ليث أشهر من سلمة. و لا نعلم روى عن سلمة إلا ابن عيينة، و ربيعة.

فهذه العبارات و أمثالها قد أفادت: أن اختلاطه في آخر عمره هو السبب في تكلمهم في حديثه، أما هو نفسه فقد و صفوه بأجل الأوصاف كما رأينا. .

فإذا حصل الاطمئنان: بأن ما رواه إنما رواه قبل الاختلاط، خصوصا إذا تأيدت صحته من طرق أخرى، كما في رواية عبد اللّه بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، و كذلك غيرها من الطرق التي ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، و ما أورده في الإمتاع، فإن الرواية تصبح صحيحة، و لا يكون رواتها من الرعاع، و ليس فيها انقطاع و لا جهالة، و لا غير ذلك.

رابعا: قد ذكر العلماء: أن تعدد طرق الحديث يعد من الشواهد التي

توصله إلى درجة الحسن (1).

و قال الزرقاني: «. . و من القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلا» (2).

خامسا: ما معنى وصف رواة هذا الحديث بأنهم من رعاع الناس. . و فيهم جعفر بن محمد، عن آبائه «عليهم السلام» ، و فيهم أبو رافع، و عبد اللّه بن حسن، و سواهم ممن يعتمد عليهم نفس هؤلاء الجارحين، و يصفونهم بالأوصاف الحميدة، و يثنون عليهم الثناء الجميل، و يعظمونهم؟ !

سادسا: إن رواة هذه القضايا، و الذين دوّنوها في مجاميعهم الحديثية و التاريخية-و هم من غير الشيعة-إنما رووها و دونوها باختيارهم، و بمبادرة منهم.

و قد ذكروا لها أسانيد فيها رجال يحترمونهم، و يعتمدون عليهم، و يأخذون عنهم معالم دينهم، فهل من المعقول أن يكذب هؤلاء على علمائهم، و أن ينسبوا لهم الموضوعات، و المختلقات؟ !

فكيف إذا كان هؤلاء الرواة ممن لا يحبون إظهار فضائل علي «عليه السلام» ؟ ! حتى إذا رووا فضيلة له «عليه السلام» ، فإنما يضطرهم إلى روايتها ظهور شهرتها، و ذيوع صيتها، و عدم تمكنهم من تجاهلها، لأن إهمالهم لها يضعف الثقة بعلمهم، و بإحاطتهم، و بصحة معارفهم. .

و لأجل ذلك: يحاولون الإبهام و الإيهام فيها قدر الإمكان، و يسعون إلى


1) راجع: نسيم الرياض ج 3 ص 10 و 11.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 6 ص 490.

إعطاء الأوسمة، و منح الفضائل و الكرامات للفريق المناوئ لعلي «عليه السلام» .

و هذا أمر لا يكاد يخفى على من له أدنى معرفة بالحديث و التاريخ. .

و أخيرا نقول:

و ما أوفق قول الشاعر الآتي بمقامنا هذا:

و مكارم شهد العدو بفضلهاو الفضل ما شهدت به الأعداء

ما قلعته بقوة جسمانية:

ثم إنهم قد رووا أيضا: أن عليا «عليه السلام» قال: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، و لكن بقوة إلهية (1).

و في نص آخر: أن عمر سأل عليا «عليه السلام» قال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعا، و أنت ثلاثة أيام خميصا، فهل قلعتها بقوة بشرية؟ !

فقال «عليه السلام» : ما قلعتها بقوة بشرية، و لكن قلعتها بقوة إلهية، و نفس بلقاء ربها مطمئنة رضية (2).

و جاء في رسالته «عليه السلام» لسهل بن حنيف قوله: «و اللّه، ما قلعت باب خيبر، و رميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية، و لا حركة غذائية، لكنني أيدت بقوة ملكوتية، و نفس بنور ربها مضيئة، و أنا من أحمد كالضوء من الضوء الخ. .» (3).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 51 عن شرح المواقف.

2) البحار ج 21 ص 40 عن مشارق أنوار اليقين.

3) أمالي الصدوق ص 307 و البحار ج 21 ص 26.

و نقول:

1-بالرغم من أن عليا «عليه السلام» قد حقق أعظم إنجاز بفتح خيبر و بقلع باب حصنها، و جعله ترسا و حمله بيده جسرا. . فإنه لا ينسب ذلك إلى نفسه، و لا يدّعي: أنه قد فعل ذلك بقوته الشخصية، و بقدرته الذاتية، بل هو قد نسب ذلك إلى قدرة الخالق جل و علا. . و بذلك يكون قد لقن نفسه، و علّم الناس بصورة عملية درسا في هضم النفس و في التواضع للّه عز و جل، و الإستكانة و الخضوع له.

2-إنه بذلك يكون قد أبعد الناس عن الغلو فيه، من حيث إنه قد أفقدهم أي مبرر لذلك، و قد كان «عليه السلام» مهتما بالحفاظ على صفاء الفكر و نقاء العقيدة لدى كل الآخرين و قد عرّفهم أيضا: أن الأمور لا تؤخذ على ظاهرها، بل لا بد من التأمل و التدبر و التفكر فيها، و وضع الأمور في مواضعها الصحيحة.

3-إنه «عليه السلام» قد أوضح: أن الاطمينان إلى لقاء اللّه سبحانه، و الرضا به هو العنصر المؤثر على صعيد التضحية و الجهاد، أما إذا بقي الإنسان متعلقا بالدنيا و مخلدا إلى الأرض، فإنه لن يتمكن من تحقيق شيء، بل هو سوف يبقى يعيش الضعف، و الهروب، و الفشل الذريع، و الخيبة القاتلة، و الخزي في الدنيا، و الخسران في الآخرة.

و للشعراء كلمتهم:

و بعد، فإننا إذا رجعنا إلى عالم الشعر، فسنجد أنه قد خلد هذه الواقعة بكل تفاصيلها. فآلم ذلك قلوب مناوئي علي «عليه السلام» ، و أقضّ

مضاجعهم.

و نكتفي هنا: بذكر مقطوعة واحدة تذكر فرار الذين فروا من خيبر، و هي مقطوعة من القصيدة البائية لابن أبي الحديد المعتزلي.

ثم نعقب ذلك: بنماذج من الشعر الذي ذكر فيه قلع علي «عليه السلام» باب خيبر، و سوف لا نكثر من ذلك، و لا نتجاوز فيما نختاره موضع الشاهد.

فأما المقطوعة التي أنشدها المعتزلي في بائيته المشهورة، فهي التالية:

و ما أنس لا أنس اللذين تقدماو فرهما و الفرّ قد علما حوب

و للراية العظمى و قد ذهبا بهاملابس ذل فوقها و جلابيب

يشلهما من آل موسى شمردلطويل نجاد السيف أجيد يعبوب

يمج منونا سيفه و سنانهو يلهب نارا غمده و الأنابيب

أحضر هما أم حضر أخرج خاضبو ذان هما؟ أم ناعم الخد مخضوب

عذرتكما إن الحمام لمبغضو إن بقاء النفس للنفس محبوب

ليكره طعم الموت و الموت طالبفكيف يلذّ الموت و الموت مطلوب (1)

و أما القدر اليسير، الذي اخترناه من الكثير مما قيل في قلع علي «عليه السلام» لباب خيبر، فهو ما يلي:

قال ابن حماد العبدي، {و هو من أعلام القرن الرابع} في جملة قصيدة له:


1) الغدير ج 7 ص 201.

و زج بباب الحصن عن أهل خيبرو سقّى الأعادي حتفها و حماها (1)

و قال أيضا:

و أبوهم لباب خيبر أضحىقالعا ليس عاجزا بل جسورا

حامل الراية التي ردها بالأمس من لم يزل جبانا فرورا (2)

و قال أبو القاسم الزاهي {المتوفى سنة 352 ه} :

من أعطي الراية يوم خيبرمن بعد ما بها أخو الدعوى نكص

و راح فيها مبصرا مستبصراو كان أرمدا بعينه الرمص

فاقتلع الباب و نال فتحهو دكّ طود مرحب لما قعص (3)

و قال أبو فراس الحمداني {المتوفى سنة 357 ه} :

من كان صاحب فتح خيبر من رمىبالكف منه بابه و دحاه (4)

و قال بعض الشعراء، في فرارهم، و في فتح اللّه تعالى خيبر على يدي علي «عليه السلام» :

إذا كنتم ممن يروم لحاقهفهلا برزتم نحو عمرو و مرحب

و كيف فررتم يوم أحد و خيبرو يوم حنين مهربا بعد مهرب

ألم تشهدوا يوم الإخاء و بيعة ال‌غدير و كل حضر غير غيب


1) الغدير ج 4 ص 152.

2) الغدير ج 4 ص 166.

3) الغدير ج 3 ص 388.

4) الغدير ج 4 ص 404.

فكيف غدا صنو النفيلي ويحهأميرا على صنو النبي المرجب!

و كيف علا من لا يطا ثوب أحمدعلى من علا من أحمد فوق منكب

إمام هدى ردت له الشمس جهرةفصلى أداء عصره بعد مغرب (1)

و قال القاضي الجليس {المتوفي سنة 561 ه.} في جملة قصيدة يمدح بها عليا «عليه السلام» :

و من هزّ باب الحصن في يوم خيبرفزلزل أرض المشركين و زعزعا (2)

و قال ابن مكي النيلي {المتوفي سنة 565 ه} : من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين «عليه السلام» :

فهزها فاهتز من حولهمحصنا بنوه حجرا جلمدا

ثم دحا الباب على نبذةتمسح خمسين ذراعا عددا

و عبر الجيش على راحتهحيدرة الطاهر لما وردا (3)

و قال علاء الدين الحلي {و هو من أعلام القرن الثامن} ، في قصيدة له:

و دنا من الحصن الحصين و بابهمستغلق حذر المنية موصد

فدحاه مقتلعا له فغدا لهحسان ثابت في المحافل ينشد

إن امرءا حمل الرتاج بخيبريوم الغدير بقدرة لمؤيد

حمل الرتاج رتاج باب قموصهاو المسلمون و أهل خيبر تشهد


1) شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 7 و 8.

2) الغدير ج 4 ص 385.

3) الغدير ج 4 ص 395.

فرمى به و لقد تكلف ردهسبعون شخصا كلهم متشدد

ردوه بعد تكلف و مشقةو مقال بعضهم لبعض أرددوا (1)

و قال أيضا في قصيدة أخرى:

أم يوم خيبر إذ براية أحمدولى لعمرك خائفا متوجلا

و مضى بها الثاني، فآب يجرهاحذر المنية هاربا و مهرولا

هلا سألتهما و قد نكصا بهامتخاذلين إلى النبي و أقبلا

من كان أوردها الحتوف سوى أبيحسن و قام بها المقام المهولا

و أباد مرحبهم و مد يمينهقلع الرتاج و حصن خيبر زلزلا (2)

و يقول زين الدين الحميدي:

جعل الباب معجز القول ثقلاترسه يوم خيبر بنجاء (3)

هذا و قد ذكر الصاحب بن عباد في كتابه «الإبانة» قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» في خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله، و يحبه اللّه و رسوله، كرار غير فرار.

و أنه «عليه السلام» قاتل مرحب، و قالع باب خيبر (4)و ذلك في سياق


1) راجع: البحار ج 21 ص 17 و ج 41 ص 281 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 129 و راجع أيضا: الغدير ج 6 ص 359 و الثاقب في المناقب ص 258 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 126 و مدينة المعاجز ج 1 ص 172.

2) الغدير ج 6 ص 388.

3) الغدير ج 11 ص 241 عن ديوان الحميدي المطبوع سنة 1313 ه.

4) الغدير ج 4 ص 63.

رده على أقوال العثمانية، و طوائف الناصبية، فراجع.

القموص ليس آخر ما فتح:

هذا، و قد صرحت بعض الروايات: بأن حصن القموص ليس هو آخر الحصون التي فتحها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» ، بل هناك قلعة أخرى فتحت بعده، يقول النص:

«و لما فتح علي حصن خيبر الأعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم، و مأكولهم. و لم يكن عليها حرب بوجه من الوجوه.

فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محاصرا لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم، فقال: يا محمد، تؤمنني على نفسي، و أهلي، و مالي، و ولدي، حتى أدلك على فتح القلعة؟

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنت آمن، فما دلالتك؟

قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع؛ فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة، فيخرج و يبقون بلا ماء، و يسلمون إليك القلعة طوعا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أو يحدث اللّه غير هذا و قد أمناك؟ !

فلما كان من الغد ركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغلته، و قال للمسلمين: اتبعوني.

و سار نحو القلعة، فأقبلت السهام و الحجارة نحوه، و هي تمر عن يمنته و يسرته، فلا تصيبه و لا أحدا من المسلمين شيء منها حتى وصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى باب القلعة.

فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الأرض، و قال

للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة» (1).

و نقول:

تستوقفنا هنا أمور عديدة، نكتفي منها بما يلي:

1-إن هذه الرواية إذا صحت، فإنها تكون حجة على اليهود، تفرض عليهم التخلي عن اللجاج و العناد، و توجب عليهم قبول الحق. . و تكون أيضا آية للمسلمين تقوي من ثباتهم، و تربط على قلوبهم. و تعرفهم بأن اللّه سبحانه يرعى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحفظه، و يسهل له العسير، و أن انتصاره ليس متوقفا على أحد منهم، و لا منوطا بهم.

فإذا فروا، فإن فرارهم يحرمهم من الخيرات و البركات، و يوجب لهم المذلة في الدنيا، و الخسران في الآخرة. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعمل بمشورة اليهودي، و استعاض عنها بإظهار هذا الأمر الخارق للعادة، من أجل أن يسهل على الناس تحصيل القناعة بهذا الدين، و الدخول في زمرة أهل الإيمان، و التخلي عن الإستكبار و الجحود. .

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» رغم عدم عمله بمشورة ذلك اليهودي، لكنه لم ينقض الأمان الذي أعطاه إياه، بل هو قد صرح بأنه ملتزم به، و حافظ له. .

4-إننا نحتمل جدا أن تكون هذه القضية هي الرواية الصحيحة التي أوردناها فيما سبق، و ذكرت أن بعض اليهود دل النبي «صلى اللّه عليه و آله» على


1) البحار ج 21 ص 30 و 31 عن الخرايج و الجرايح.

دبول {أي جدول، أو نفق} لليهود تحت الأرض، و أنهم سوف يخرجون منه. .

و ربما تكون أيضا هي الأصل للرواية الأخرى التي تزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سمم لهم المياه التي يشربون منها.

و للرواية الثالثة التي تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رمى حصن النزار بكف من تراب فساخ، و لم يبق له أي أثر. و ذلك بعد قتال و حصار. .

و قد ذكرنا هذه الروايات في تضاعيف كلامنا، في المواضع المناسبة، و ناقشناها هناك بما لاح لنا. و اللّه هو الموفق و الهادي إلى سواء السبيل. .

علي عليه السّلام يفتح خيبر وحده:

إن النصوص المتقدمة تؤكد على: أن عليا «عليه السلام» هو الذي فتح خيبر دون سواه. فقد ذكرت: أنه لما خرج أهل الحصن، بقيادة الحارث أخي مرحب، هاجموا أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» «فانكشف المسلمون، و ثبت علي» (1).

و يقول علي «عليه السلام» مخاطبا يهوديا سأله عن علامات الأوصياء:

إنّا وردنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مدينة أصحابك خيبر، على رجال من اليهود و فرسانها، من قريش و غيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، و الرجال، و السلاح، و هم في أمنع دار، و أكثر عدد، كل ينادي، و يدعو، و يبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه.

حتى إذا احمرت الحدق و دعيت إلى النزال، و أهمت كل امرئ نفسه،


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 37 و المغازي للواقدي ج 2 ص 653 و 654 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 125.

و التفت بعض أصحابي إلى بعض، و كل يقول: يا أبا الحسن انهض.

فأنهضني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، و لا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، و أسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، و لم يكن لي فيها معاون إلا اللّه وحده (1).

و هذا صريح في: أن الذين كانوا مع علي «عليه السلام» قد هربوا عنه، و بقي «عليه السلام» وحده، و بالتالي يكون «عليه السلام» قد أخذ المدينة وحده.

ثم إن في هذا النص الذي ذكرناه إشارات عديدة، منها:

1-أنه «عليه السلام» ذكر: أن اليهود لم يكونوا وحدهم في خيبر، بل كان معهم فرسان من قريش، و من غيرها. و قد بقوا يحاربون معهم إلى النهاية. .

2-أن أعداد مقاتلي خيبر كانت كبيرة جدا، حتى إنه «عليه السلام» يصفهم بأمثال الجبال من الرجال، و الخيل، و السلاح، و بأنهم قد قاتلوا المسلمين بأكثر عدد، و أمنع دار. .

3-أن رغبة اليهود و من معهم في الحرب كانت جامحة و قوية بصورة غير عادية. .

4-أنه يظهر من كلامه «عليه السلام» : أن عدد القتلى من المسلمين لم


1) البحار ج 21 ص 27 عن الخصال ج 2 ص 16.

يكن قليلا، حيث قال: فلم يبرز من أصحابي أحد إلا قتلوه.

5-أن المسلمين قد تضايقوا إلى حدّ أن كلا منهم قد أهمته نفسه.

6-أنهم كانوا يرون: أن أحدا سواه «عليه السلام» لا يستطيع كشف هذه الغمة عنهم، فكانوا يحثونه على مباشرة الحرب رغم ما هو فيه من رمد في العين، و صداع في الرأس.

7-أنه «عليه السلام» قد طحن ذلك العدو طحنا، حتى أدخلهم إلى جوف حصنهم.

8-أنه «عليه السلام» قد اقتلع باب حصنهم، و دخل وحده، و لم يشاركه المسلمون في ذلك، فإن كانوا قد شاركوه فإنما كان ذلك بعد سكون رياح الحرب. .

9-و الأهم من ذلك: تأكيده «عليه السلام» على أنه هو الذي فتح خيبر، و أن أحدا غير اللّه تعالى لم يعنه على ذلك.

فلا يصح قولهم: «و قام الناس مع علي حتى أخذ المدينة» . لأن الناس بعد أن قاموا قد انهزموا أمام اليهود من أهل الحصن.

و لكن حين هاجمهم علي «عليه السلام» ، و أخذ بابا كان عند الحصن، ثم قتل «عليه السلام» مرحبا و سائر الفرسان، انهزم اليهود إلى داخل حصنهم، و اقتلع «عليه السلام» بابه، و هاجمه، فثاب إليه المسلمون، و حمل «عليه السلام» باب الحصن بيده، و صار المسلمون يصعدون عليه، و يمرون إلى الحصن، فلما حصل له ما أراد ألقاه خلف ظهره ثمانين شبرا. .

فلم يساعده المسلمون في الفتح، كما تحاول بعض الروايات أن تدّعيه، بل الحقيقة، كل الحقيقة هي: أن عليا «عليه السلام» قد فتح الحصن وحده،

و من دون مساعدة أحد.

و لأجل ذلك: نسب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفتح إلى علي «عليه السلام» كما تقدم.

كما أن نفس روايات الفتح فيها تصريحات عديدة بأنه «عليه السلام» هو الذي أخذ المدينة، و لا تشير طائفة منها إلى مشاركة أحد له في ذلك، فراجع النصوص في مصادرها تجد صحة ذلك.

بل فيها: أنه «عليه السلام» قد فتح الحصن قبل أن يلحق آخر الناس بأولهم، كما صرحت به بعض الروايات (1).

و في نص آخر: روي عن عبد اللّه بن عمر، قال: «فلا و اللّه ما تتامت الخيل حتى فتحها اللّه عليه» (2).

و تقدم أنهم قالوا في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالى: . . وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (3): «أجمعوا على أنه فتح خيبر، و كان ذلك بيد علي بن أبي طالب بإجماع منهم» .

و هذا، و سواه يجعلنا نعتقد: أن ذلك من الواضحات، فلا حاجة إلى تكثير النصوص و المصادر.


1) الإصابة ج 2 ص 502 و البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى، و مسند أحمد ج 5 ص 358 و الخصائص للنسائي ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 30 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 437.

2) مجمع الزوائد ج 9 ص 123.

3) الآية 18 من سورة الفتح.

تواتر حديث جهاد علي عليه السّلام في خيبر:

لقد روى حديث جهاد علي «عليه السلام» في خيبر جم غفير، و جماعة كثيرة، منهم:

1-علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

2-الحسن المجتبى «عليه السلام» .

3-سهل بن سعد.

4-حسان بن ثابت.

5-بريدة الأسلمي.

6-سويد بن غفلة.

7-أبو ليلى الأنصاري.

8-عبد الرحمن بن أبي ليلى.

9-ابن عباس.

10-عمر بن الخطاب.

11-أنس بن مالك.

12-أبو هريرة.

13-سلمة بن الأكوع.

14-سعد بن مالك.

15-عمران بن حصين.

16-الضحاك الأنصاري.

17-أبو سعيد الخدري.

18-أبو رافع.

19-ابن عمر.

20-جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

21-عامر بن سعد.

22-سعد بن أبي وقاص.

23-حذيفة.

رضي اللّه و رسوله عن علي عليه السّلام:

و يبقى هنا أن نشير إلى قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» حين رجع: رضي اللّه عنك، و رضيت أنا منك. . حيث لا بد لنا من عطفه على قوله حينما بعثه: «فاستبشر بالرضوان و الجنة» . و ذلك بعد أن أخبر «صلى اللّه عليه و آله» بأن جبرئيل «عليه السلام» معه، و أن معه سيفا لو ضرب الجبال لقطعها.

إذن، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يبشره أولا: بالرضوان و بالجنة. و بعد رجوعه يخبره بأنه قد حصل على ما كان قد بشره به، و ذلك ليسمع الناس أولا و أخيرا: أن ما يقوله لهم هو الحق بعينه، و ليس مجرد دعاء يخضع في استجابة اللّه تعالى له للمتغيرات و الطوارئ.

و يلاحظ أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بشره بالرضوان، لا بمجرد الرضا، فهو رضوان تام و شامل لمختلف الحالات، و منبسط على جميع الجهات، و الخصوصيات، و هو أيضا رضوان ليس له حد، بل هو مستغرق لجميع مراتب الرضا.

و لذلك فإنه حين أخبره برضا اللّه تعالى، و رضا رسوله «صلى اللّه عليه

و آله» عنه، فإنما أخبره بالرضا التام، الذي يعني جميع المراتب، و في مختلف الجهات، و جميع الحالات.

و من الواضح: أن هذا الرضا قد استحقه «عليه السلام» من خلال جهد بذله، و عمل أنجزه، و جهاد قبله اللّه تعالى منه. .

و قد اعتبر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ذلك بشارة له. .

أما الآخرون الذين هربوا: فلم يكن رضوان اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» هو المطلوب لهم، أو المهم عندهم، بل كانت أنفسهم هي الأهم بالنسبة إليهم. و لعلهم لا يعدون الحصول على رضا اللّه و رسوله بشارة ذات قيمة لهم. .

و يلاحظ: اختلاف التعبير بين كلمتي عنك و منك، فالرضا الإلهي عدّي بعن، و رضا الرسول عدّي بمن.

كما أن بشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» لم تكن بالنجاة من الأعداء، و لا بغير ذلك مما يطلب في هذه الحياة الدنيا، و إنما بشّره بالرضوان و بالجنة. .

تشريف و تكريم في الأرض و في السماء:

و لإظهار تشريفه و تكريمه «عليه السلام» تولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه إلباسه درعه، و تقليده سيفه ذا الفقار. . و هو السيف الذي أكرمه اللّه تعالى بالنداء بالثناء عليه من السماء في بدر، و في أحد، ثم في خيبر كذلك. .

ثم أعلن «صلى اللّه عليه و آله» : بأن اللّه عز و جل يجعل معه أكرم

ملائكته، و هو جبرئيل، و معه سيف لو ضرب الجبال لقطعها. . و ذلك تعبيرا منه «صلى اللّه عليه و آله» عن اليقين بالنصر، و إظهارا لكرامة علي «عليه السلام» على اللّه سبحانه و تعالى. .

علي عليه السّلام سيد العرب هي الأصعب عليهم:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد شرّف عليا «عليه السلام» بوسام آخر لا نشك في أنه كان هو الأصعب على حاسديه و مناوئيه، الذين لم يكن يهمهم أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» في علي «عليه السلام» ما شاء مما يرتبط بالآخرة، أو في عالم السماء و الملائكة، و كل ما هو غيب. .

بل المهم عندهم: هو ما يؤثر على مشاريعهم الدنيوية، التي يرون أنه هو المانع الأكبر من وصولهم إليها. .

و هذا الوسام هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن: أن عليا «عليه السلام» هو «سيد العرب» ، و هذا يصادم بصورة مباشرة و خطيرة ما كانوا يفكرون فيه؛ لأن سيادته على العرب تعني سيادته عليهم أيضا، لأنهم من العرب. .

و إذا سمع الناس هذا التصريح النبوي، فإنهم سوف لا يرضون بغير علي «عليه السلام» لهم قائدا، و رائدا، و سيدا، و هذا سوف يضيف إلى هموم هؤلاء الطامحين هما جديدا، قد يكون هو الأصعب عليهم في صراعهم مع علي «عليه السلام» . .

و الأمرّ و الأدهى بالنسبة إليهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سد عليهم منافذ التأويل، و أفقدهم القدرة على الإلتفاف، حين بيّن: أن عليهم أن

يفهموا السيادة بمعناها الدقيق، و ليست مجرد نعت اقتضته مصلحة إرضاء علي «عليه السلام» ، و دغدغة عواطفه، ليكون شعارا فضفاضا ينعش النفس بالأحلام، و يلذّها بالتصورات.

و ليس المقصود و صفه «عليه السلام» بالسيادة في أجواء الحرب و القتال، أو السيادة في الفروسية، أو نحو ذلك. .

بل المقصود هو: إثبات سيادته التامة، و الشاملة، تماما كما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» سيد ولد آدم «عليه السلام» .

إستقبال النبي «صلى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام بعد الفتح:

و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» فتح خيبر سر بذلك غاية السرور، فاستقبل عليا «عليه السلام» ، و اعتنقه، و قبّل بين عينيه، و قال: بلغني نبؤك المشكور، و صنعك، رضي اللّه عنك، و رضيت أنا منك (1). أو: بلغني نبؤك المشكور، و صنيعك المذكور، قد رضي اللّه عنك، فرضيت أنا عنك.

فبكى علي «عليه السلام» ، فقال له: ما يبكيك يا علي؟ !

فقال: فرحا بأن اللّه و رسوله عليّ راضيان (2).

و عن علي «عليه السلام» ، قال: قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتحت خيبر: لو لا أن تقول طائفة من أمتي مقالة النصارى في عيسى بن مريم «عليه السلام» لقلت فيك اليوم مقالا، لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك، و فضل طهورك يستشفون به، و لكن حسبك أن


1) معارج النبوة {الركن الرابع} ص 219.

2) البحار ج 21 ص 22.

تكون مني، و أنا منك الخ. . (1).

حسبك أنك مني و أنا منك:

فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يصرح هنا: بأنه قد خشي من غلو بعض الناس في علي «عليه السلام» ، و أن يقولوا فيه كما قالت النصارى في عيسى «عليه السلام» . .

فكان ذلك هو المانع له عن أن يقول فيه مقالا، لا يمر بأحد إلا أخذ من تراب رجليه، و فضل طهوره للاستشفاء به، و لكن حسبك أنك مني، و أنا منك. .

و تفيدنا هذه القضية أمورا عديدة، نذكر منها ما يلي:

1-إن هذا يدل على: أن الناس ما كانوا في المستوى المطلوب، فيما يرتبط بوعيهم لقضايا العقيدة، و حدودها، فكانت البيانات النبوية تراعي حالهم، فلا تصرح لهم إلا بالمقدار الذي لا يوجب أية سلبية من هذه الناحية. .

و ذلك لأن سلامة العقيدة هي الأهم و الأولى بالمراعاة، فلا يصح حشد المعلومات و المعارف، و تكديسها، إذا كان ذلك سيضر بالإعتقاد، بل تبقى المستويات الدنيا، و القناعة بالقليل منها مع السلامة أولى من الكثرة بدونها. .

2-إن هذا يشير إلى: أن ما صدر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق


1) ينابيع المودة {ط بمبي} ص 52.

علي «عليه السلام» لم يكن هو كل ما يعرفه النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» عن علي «عليه السلام» . على قاعدة: يا علي ما عرفك إلا اللّه و أنا.

3-إن لقتل مرحب، و فتح الحصون، و قلع باب خيبر بتلك الطريقة الإعجازية، دلالاته القوية على وجود سمات و ميزات باطنية عالية القيمة لدى أمير المؤمنين «عليه السلام» . و أن الأمر لا يقتصر على موضوع الشجاعة و القدرة الجسدية، و لا ربط له بدرجة الانقياد لأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما أنه لم يكن من منطلق علاقة المحبة النسبية، و علاقة الإلف و التربية و الخصوصية. .

و إنما هناك ما هو أعظم و أولى من ذلك كله. . ألا و هو تلك المعاني التي لو اطلع عليها الناس العاديون، لوجدوا فيها ما يدعوهم إلى الغلو فيه، و إعطائه صفات الإله، تماما كما كان الحال بالنسبة إلى قول النصارى في عيسى «عليه السلام» . و هي تلك المعاني التي تثير الحوافز لديهم لأخذ التراب من تحت قدميه، و أخذ فضل وضوئه للاستشفاء به. .

4-إن هذا يشير إلى أن الاندفاع للاستشفاء بآثار الأولياء، فضلا عن الأنبياء «عليهم السلام» ، و بكل من و ما ينتسب إلى اللّه سبحانه، و ينتهي إليه لهو أمر مركوز في وجدان الناس، و كامن في عمق فطرتهم، و ضميرهم. .

فإذا وجدت مكوناته و توفرت المؤثرات و الحوافز له، فإنه لا بد أن يجد طريقه للظهور على حركات الناس، و تصرفاتهم، بصورة تبرك في فضل الوضوء، و استشفاء بالتراب، أو بأي شيء ينسب إلى مصدر القداسة، و محل البركة. .

5-و لعلك تسأل، عن أنه إذا كان التبرك و الاستشفاء بتراب قدمه، و بفضل وضوئه «عليه السلام» محذورا، فهذا يدل على صحة ما تدّعيه

بعض الفرق من حرمة التبرك بالأشخاص، و اعتبار ذلك من الشرك.

و قد يؤيد مقالتهم هذه: التوطئة لهذا الكلام بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لو لا أن يقول الناس فيك ما قالته النصارى في عيسى.

و نقول في الجواب:

لقد كان الناس-بلا شك-يتبركون بفضل وضوء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يستشفون به، كما دلت عليه النصوص المتواترة التي تعد بالمئات. . و كان هناك من يتبرك بعلي «عليه السلام» أيضا، حتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه. .

و لكنه تبرّك من شأنه أن يكون سببا في المزيد من القرب من اللّه تعالى، و الاستعداد لتلقي البركات و الألطاف الإلهية.

و ليس فيه أية شائبة للشرك، أو الغلو، بل هو محض الصفاء و الطهر، و الخلوص.

و لا يقصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بكلامه هنا هذا المعنى-عدم التبرك-بل هو يريد أن يقول: إن الذين يتبركون بفضل وضوئه، و بآثاره- و هم الآن ثلة من المؤمنين، أو من غيرهم من سائر المسلمين-ربما لو قال كلمته تلك فيه «عليه السلام» تتطور الأمور لديهم إلى حد أن يجدوا في أنفسهم دواعي قوية تدفعهم إلى الغلو إلى حد أن يقولوا فيه ما قالته النصارى في عيسى بن مريم «عليهما السلام» .

و يؤكد ذلك: أن الناس الذين كانوا يتبركون بالرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يكونوا كلهم يتبركون بعلي «عليه السلام» . . فلو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أطلق قوله ذاك في علي «عليه السلام» لتبرك به الناس كلهم، حتى

الذين كانوا لا يتبركون به «صلى اللّه عليه و آله» أيضا. .

6-و يؤيد ما ذكرناه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اقتصر أخيرا على قوله: و لكن حسبك أنك مني، و أنا منك.

حيث إنه لا يريد بكلامه هذا: أنه منه في النسب، أو في المعرفة و العلم، أو أنه قد أسهم في صنع إيمان علي «عليه السلام» و إسلامه، كما أسهم علي «عليه السلام» في إبقاء الإسلام، الذي هو رسالته «صلى اللّه عليه و آله» . .

بل المقصود:

1-ما هو أعمق من ذلك، و أبعد. و هو المعنى الذي ينسجم مع أخذ التراب من تحت قدميه «عليه السلام» ، و أخذ فضل طهوره للاستشفاء به.

2-أن الحقيقة المحمدية و العلوية شيء واحد، و نور واحد، انقسم إلى نصفين، فاختص أحدهما بمقام النبوة. . و اختص الآخر بمقام الولاية، فهما من بعضهما البعض على الحقيقة. .

و قد بينت الأحاديث الشريفة تفاصيل هامة عن هذا الموضوع، فيمكن أن يرجع إليها من أراد الوقوف على ذلك. .

اللمسات الأخيرة:

قال العليمي المقدسي: كان فتح خيبر في صفر على يد علي «عليه السلام» (1).

و عن آية: لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ. . (2)قال جابر: «أولى الناس بهذه الآية علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأنه


1) الأنس الجليل {ط الوهبية} ص 179.

2) الآية 18 من سورة الفتح.

تعالى قال: وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (1)أجمعوا على أنه فتح خيبر. و كان ذلك بيد علي بإجماع منهم» (2).

و في هذه المناسبة يقول حسان بن ثابت:

و كان علي أرمد العين يبتغيدواء فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول اللّه منه بتفلةفبورك مرقيا و بورك راقيا

و قال سأعطي راية القوم فارسامكينا شجاعا في الحروب مجاريا

يحب إلهي و الإله يحبهبه يفتح اللّه الحصون الأوابيا

فخص لها دون البرية كلهاعليا و سماه الولي المؤاخيا (3)

و البيت الأوسط حسب رواية المفيد كما يلي:

و قال سأعطي الراية اليوم صارماكميا محبا للرسول مواليا (4)

و جاء في خطبة الإمام الحسن «عليه السلام» بعد شهادة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قوله: منها قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله، و يقاتل جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، ثم لا ترد رايته حتى يفتح اللّه عليه (5).


1) الآية 18 من سورة الفتح.

2) كفاية الطالب {ط الغري} ص 120 عن الخوارزمي.

3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 19 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 128 و البحار ج 21 ص 16.

4) الإرشاد للمفيد {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 128.

5) راجع: ينابيع المودة {ط أسلامبول} ص 208.

الباب السابع: غنائم و سبايا

اشارة

الفصل الأول: كنز آل أبي الحقيق الفصل الثاني: غنائم و سبايا خيبر الفصل الثالث: أبو هريرة. . و الغنائم الفصل الرابع: لمسات أخيرة. .

الفصل الأول: كنز آل أبي الحقيق

اشارة

كنز آل أبي الحقيق:

و أخذ المسلمون في جملة غنائم غزوة خيبر حلي آل أبي الحقيق، التي كانوا يعتزون بها.

قال محمد بن عمر: كان الحلي في أول الأمر في مسك حمل، فلما كثر، جعلوه في مسك ثور، ثم في مسك جمل، و كان ذلك الحلي يكون عند الأكابر من آل أبي الحقيق، و كانوا يعيرونه العرب (1).

و قال الصالحي الشامي: روى ابن سعد و البيهقي، عن ابن عمر، و ابن سعد-بسند رجاله ثقات-عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى-و هو صدوق سيئ الحفظ-عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما ظهر على أهل خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم و أهليهم، و للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الصفراء و البيضاء، و الحلقة، و السلاح، و يخرجهم، و شرطوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و راجع: السير الكبير للشيباني ج 1 ص 279.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 229 و راجع: شرح مسلم ج 9 ص 221 عن فتح الباري ج 7 ص 367 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 110.

قال ابن عباس: فأتي بكنانة، و الربيع، و كان كنانة زوج صفية، و الربيع أخوه أو ابن عمه، فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة» ؟ (1).

و في الحلبية عن الإقناع: سأل كنانة بن أبي الحقيق.

و قال ابن عمر: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعم حيي: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير» ؟

فقال: و قال ابن عباس: قالا: «هربنا، فلم نزل تضعنا أرض و ترفعنا أخرى، فذهب في نفقتنا كل شيء» (2).

و قال ابن عمر: أذهبته النفقات و الحروب.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «العهد قريب، و المال أكثر من ذلك» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 98 و البحار ج 18 ص 137.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 35 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 137 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 607 و نصب الراية ج 4 ص 253 و موارد الظمآن ص 412 و تاريخ المدينة ج 2 ص 466 و فتوح البلدان ج 1 ص 26 و البداية و النهاية ج 4 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 377.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

و قال ابن عباس: فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنكما إن تكتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما و ذراريكما» ؟ !

فقالا: نعم (1).

و قال عروة و محمد بن عمر، فيما رواه البيهقي عنهما: فأخبر اللّه عز و جل رسوله «صلى اللّه عليه و آله» بموضع الكنز، فقال لكنانة: «إنك لمغتر بأمر السماء» (2).

قال ابن عباس: فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا من الأنصار فقال: «اذهب إلى قراح كذا و كذا، ثم ائت النخل، فانظر نخلة عن يمينك، أو عن يسارك، مرفوعة، فأتني بما فيها» .

فجاءه بالآنية و الأموال، فقومت بعشرة آلاف دينار، فضرب أعناقهما، و سبى أهليهما، بالنكث الذي نكثاه (3).

و قد وجدوا فيه أساور، و دمالج، و خلاخل، و أقرطة، و خواتيم الذهب، و عقود الجواهر، و الزّمرّد، و عقود أظفار مجزع بالذهب (4).

و قال ابن إسحاق: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكنانة بن الربيع، و كان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعلم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و البحار ج 18 ص 137 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 112.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

مكانه، فأتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برجل من يهود، قال ابن عقبة: اسمه ثعلبة، و كان في عقله شيء، فقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك» ؟

قال: نعم.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخربة فحفرت، و أخرج منها بعض كنزهم.

ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الزبير بن العوام، فقال: «عذبه حتى تستأصل ما عنده» .

فكان الزبير يقدح بزنده في صدره، حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة (1).

و في نص آخر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سأل عن المسك، سعية بن عمرو، أو سعية بن سلام بن أبي الحقيق {و هو عم حيي بن أخطب} .

فدفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سعية بن عمرو للزبير، فمسّه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و 43 و البحار ج 21 ص 34 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 244 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 800 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 374.

بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة ههنا.

فذهبوا إلى الخربة، ففتشوها، فوجدوا ذلك الجلد (1).

أيّ ذلك الصحيح؟ !

و في حديث الكنز أسئلة عديدة:

فهل الذي دفن الكنز في الخربة هو كنانة بن أبي الحقيق، حين رأى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فتح حصن النطاة، و تيقن أنه سوف ينتصر عليهم؟

أو أن الذي دفنه هو حيي بن أخطب (2)؟

و هل الذي أعلمه بالكنز هو الوحي؟ أم الرجل اليهودي الذي اسمه ثعلبة؟ أم أنه سعية بن عمرو؟ !

ربما يقال: إن كلا منهما أخبره بقسم منه، فأخبره أحدهما بما في الخربة، و أخبره الآخر بالباقي الذي عند النخلة.

و هل استخرج الكنز كله، أو بعضه؟

و هل سأل سعية، أم سأل كنانة؟

و هل عذب الزبير كنانة، أم عذب سعية؟


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 42 و نصب الراية ج 4 ص 253 و عن عيون الأثر ج 2 ص 143 و فتوح البلدان ج 1 ص 26 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 608 و موارد الظمآن ص 412 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 377 و السنن الكبرى ج 9 ص 137.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

و هل أخبره قبل أن يعذبه بسبب اختلال عقله؟ أم أخبره بعد أن مسه بعذاب؟ .

و هل؟ ! و هل؟ !

التعذيب لماذا؟ !

و يزعمون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر الزبير بتعذيب كنانة، أو سعية.

قال الحلبي: «أخذ منه جواز العقوبة لمن يتهم ليقر بالحق، فهو السياسة الشرعية» (1).

و نقول:

لو قبلنا: أن ابن أبي الحقيق قد عذّب فعلا، فلا ضير في هذا التعذيب الذي لم يكن من أجل قتل محمود بن مسلمة، بل لأنه عالم بأمر كان قد أعطى عهدا بعدم كتمانه، و أنه إن كتم شيئا فقد برئت منه ذمة اللّه تعالى، و ذمة رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .

بل هو قد صرح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه إن وجد الكنز، فله أن يقتله، و أنه راض بهذا القتل. و قد وجد الكنز فعلا.

و كان لهذا الكنز دور قوي في قوة اليهود الروحية و المعنوية، و له أثر كبير في تماسكهم و إصرارهم على باطلهم.

و يكفي أن نذكر: أنه لما جرى إجلاء بني النضير، كان سلام بن أبي


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43.

الحقيق رافعا ذلك الحلي، ليراه الناس، و هو يقول بأعلى صوته: «هذا أعددناه لرفع الأرض و خفضها» (1).

فإن كان ابن أبي الحقيق قد قبل بمبدأ أن يقتل، إن تبيّن أنه كاذب، و قد تبيّن ذلك بالفعل، بعد أن استخرج قسم من الكنز، فلماذا لا يجبر على الإقرار بباقيه، ما دام أنه هو نفسه قد أعطى عهده بذلك؟ !

العهد قريب، و المال أكثر من ذلك:

و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقبل منهم قولهم: إن حليهم أذهبتها النفقات، بالاستناد إلى عدم التناسب بين الحاجات و النفقات التي تلزم في مثل تلك المدة، و بين حجم المال الذي يدّعى أنه قد أنفق.

و هذا يدل: على أن هذا المقدار من عدم التناسب كاف في عدم قبول العذر، و إبقاء التهمة على قوتها، ثم التصرف على أساسها. .

أخذ العهد عليهم من جديد:

و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان قد أخذ منهم في بادئ الأمر عهدا بأن لا يكتموه شيئا، و ببراءة الذمة ممن فعل ذلك. .

و لكنه بعد ظهور هذا الإنكار منهم، عاد فجدد أخذ العهد عليهم، حيث صرحوا بالرضا بالقتل لو ظهر هذا الكنز الذي ينكرون وجوده، و يقدمون المبررات لإنكارهم.

و لعل تجديد أخذ العهد، و الإقرار بالرضا بذلك منهم، من أجل أن لا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 42.

يشعروا: بأنهم قد ظلموا بهذا الاستقصاء الذي يواجهونه، متوهمين أنهم إنما أعطوا العهد على أن يعاملوهم وفق الأحوال العادية. و أما هذا الاستقصاء فهو أمر طارئ، و لو أنهم علموا به، فربما يعيدون النظر في عهدهم ذاك. .

فأراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يزيل حتى هذا الوهم، فقال لهما على سبيل التقرير، و أخذ الرضا: إنكما إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه، استحللت به دماءكما، و ذراريكما؟ !

قالا: نعم. .

و ليلاحظ كلمة: «به» ، التي أسندت هذا الاستحلال، إلى نفس هذا الكتمان الجديد. لتكون هذه الخيانة سببا مستقلا للعقوبة التي رضوا بأن يعرضوا أنفسهم لها، من حيث إنها دليل على حقيقتهم، و على نهجهم الخياني كله، هذا النهج الذي لم يؤثر فيه كل ما جرى و يجري لهم، مما جنوه على أنفسهم، و إنما على نفسها جنت براقش. .

إنك لمغتر بأمر السماء:

و يزيد الأمر وضوحا: أن هؤلاء الناس، رغم أنهم يجدون هذا النبي مكتوبا عندهم في التوراة، و هم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، و يرون المعجزات و الكرامات له رأي العين، و قد اقتلع وصيه علي «عليه السلام» باب حصنهم، و جعله ترسا، و معبرا للمقاتلين، و هو ممسك به، و حامل له. . و لكنهم لا يعتبرون، و لا يؤمنون، و كأنهم يكافحون اللّه تعالى في الأرض، حيث لم يقدروا على مكافحته في السماء.

و المفروض: أن يمنعهم علمهم بصدق هذا النبي من الكذب عليه،

لأنهم يعلمون أن اللّه تعالى يخبر أنبياءه بأمرهم، و يفضح كيدهم. .

فإذا أصروا على ممارسة هذا الكذب، فذلك يعني: أنهم لا يهتمون لغيب اللّه سبحانه، تماما كما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكنانة: «إنك لمغتر بأمر السماء» .

و من كان كذلك، فإنه يكون محاربا للّه سبحانه، لا يصح الرفق به، و لا يجوز العفو عنه. .

الفصل الثاني: غنائم و سبايا خيبر

اشارة

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرضخ للنساء:

قال الحلبي: «و رضخ «صلى اللّه عليه و آله» للنساء، أي و كن عشرين امرأة، فيهن صفية عمته «صلى اللّه عليه و آله» ، و أم سليم، و أم عطية الأنصارية» (1).

و قال ابن إسحاق: و شهد خيبر مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من نساء المسلمين فرضخ لهن من الفيء، و لم يضرب لهن بسهم (2).

و روى ابن إسحاق، عن امرأة من غفار قالت: أتيت رسول اللّه «صلى


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 56 و عن الطبقات الكبرى ج 8 ص 456 و راجع: النهاية ج 2 ص 228.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 56 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144 و راجع: الإيضاح ص 187 و مواقف الشيعة ج 3 ص 389 و كتاب المسند ص 207 و 319 و عن مسند أحمد ج 1 ص 308 و 352 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 197 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 620 و سنن الترمذي ج 3 ص 57 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 332 و ج 9 ص 22 و 30 و المصنف لابن أبي شبة ج 7 ص 667 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 42 و المنتقى من السنن المسندة ص 273 و المعجم الكبير ج 10 ص 336 و نصب الراية ج 4 ص 284 و تاريخ المدينة ج 2 ص 648 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 304 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 232 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 804 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 387.

اللّه عليه و آله» في نسوة من بني غفار فقلن: يا رسول اللّه، قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا-و هو يسير إلى خيبر-فنداوي الجرحى، و نعين المسلمين ما استطعنا.

فقال: «على بركة اللّه تعالى» .

قالت: فخرجنا معه.

قالت: فلما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيبر رضخ لنا من الفيء، و أخذ هذه القلادة فوضعها في عنقي، فو اللّه لا تفارقني أبدا. و أوصت أن تدفن معها (1).

و عن عبد اللّه بن أنيس قال: خرجت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر و معي زوجتي-و هي حبلى-فنفست في الطريق، فأخبرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «انقع لها تمرا، فإذا أنعم بلّه، فامرثه لتشربه» . ففعلت، فما رأت شيئا تكرهه.

فلما فتحنا خيبر أحذى النساء و لم يسهم لهن، فأحذى زوجتي و ولدي الذي ولد (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144 و في هامشه عن مسند أحمد ج 6 ص 380 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 407 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 214 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 204 و عن أبي داود، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 388 و المغازي للواقدي ج 2 ص 686.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144 عن الواقدي، و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 243 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 205، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 388 و المغازي للواقدي ج 2 ص 686.

و عن عمير مولى أبي اللخم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع (1).

و نقول:

إننا لا نستطيع أن نصدق أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي وضع القلادة في عنق تلك المرأة، إلا أن تكون من محارمه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكننا لم نجد ما يدل على ذلك. .

موعدكم جنفا:

عن موسى بن عقبة، عن الزهري: أن بني فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يعينوهم، و سألهم أن يخرجوا عنهم، و لهم من خيبر كذا و كذا، فأبوا عليه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 129 و ج 5 ص 144 عن أبي داود ج 3 ص 75 {2730} و مسند أحمد ج 5 ص 223 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 952 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 327 و ج 2 ص 131 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 53 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 141 و عون المعبود ج 7 ص 286 و مسند أبي داود ص 169 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 228 و موارد الظمآن ص 402 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 666 و ج 8 ص 523 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 365 و كنز العمال ج 4 ص 537 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 162 و المعجم الكبير ج 17 ص 67 و نصب الراية ج 4 ص 285 و إرواء الغليل ج 5 ص 68 و السير الكبير ج 3 ص 896 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 114 و عن أسد الغابة ج 4 ص 139.

فلما أن فتح اللّه خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة، فقالوا: حظنا و الذي وعدتنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حظكم-أو قال: «لكم ذو الرقيبة» ، جبل من جبال خيبر.

فقالوا: إذا نقاتلك.

فقال: «موعدكم جنفا» .

فلما أن سمعوا ذلك من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خرجوا هاربين (1).

و قالوا: كان أبو شييم المزني يقول: لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن، فرجع بنا عيينة، فلما كان دون خيبر عرسنا من الليل، ففزعنا.

فقال عيينة: أبشروا، إني رأيت الليلة في النوم أني أعطيت ذو الرقيبة- جبلا بخيبر-قد و اللّه أخذت برقبة محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما أن قدمنا خيبر، قدم عيينة، فوجدنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح خيبر.

فقال عيينة: يا محمد! أعطني مما غنمت من حلفائي، فإني قد خرجت عنك و عن قتالك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كذبت، و لكن الصياح الذي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 137 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 248 و معجم البلدان ج 2 ص 172 و السيرة الحلبية ج 3 ص 51 و معجم قبائل العرب ج 3 ص 919.

سمعت أنفرك إلى أهلك.

قال: أحذني يا محمد.

قال: «لك ذو الرقيبة» .

قال عيينة: و ما ذو الرقيبة؟

قال: «الجبل الذي رأيت في منامك أنك أخذته» .

فانصرف عيينة.

فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف، و قال: ألم أقل لك: توضع في غير شيء؟ ! فو اللّه، ليظهرن محمد على ما بين المشرق و المغرب. يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن مشكم يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة، حيث خرجت من بني هارون، و هو نبي مرسل، و يهود لا تطاوعني على هذا، و لنا منه ذبحان، واحد بيثرب، و آخر بخيابر (1).

و نقول:

1-إنها للوقاحة الظاهرة أن يرفض الفزاريون طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن لا يعينوا اليهود عليه، ثم لما انتصر على اليهود جاؤوا ليطالبوه بما كان قد ذكره لهم، و رفضوه.

و إن هذا منهم أشبه بالإحتيال المفضوح، بل هو نوع من الإستخفاف بالآخرين، و التسلط عليهم، و كأنهم يظنون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 138 و في هامشه عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 249. و المغازي للواقدي ج 2 ص 675 و السيرة الحلبية ج 3 ص 51 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 240 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 401.

يخضع لهذا النوع من الابتزاز الوقح. . و لا يلتفت إلى وجه المغالطة فيه.

و قد رفض «صلى اللّه عليه و آله» طلبهم، فظنوا: أن التهديد بالقتال يضعف عزيمته، و يشتري السلم معهم بالمال، ففعلوا ذلك، و هددوه بالقتال. . فجاءهم الجواب الصاعق الذي أرعبهم.

2-و أما لماذا هرب الفزاريون حين قال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : موعدكم «جنفا» ؟ فإنما هو لأن أهلهم كانوا مقيمين بموضع قرب المدينة اسمه «حيفاء» أو «حفياء» (1)و قد صحفه الناقلون فصار «جنفا» .

و حينما كانوا ذاهبين لنصرة اليهود، سمعوا صائحا لا يدرون، أمن السماء هو أم من الأرض، ينادي: «أهلكم، أهلكم بحيفاء، فإنكم قد خولفتم إليهم» .

فخافوا على أهليهم، و ألقى اللّه سبحانه الرعب في قلوبهم، فرجعوا إليهم، و لم ينصروا حلفاءهم. .

فكأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين ذكّرهم بذلك، قد أفهمهم أن هذا الأمر مرعي من قبله تعالى، و أنه لا طاقة لهم بحرب اللّه و رسوله. .

و لعل قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم: «موعدكم حيفاء» ، قد أفهمهم بالإضافة إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل بمبدأ القتال، و عدم الخضوع للابتزاز، و أنه قد عقد العزم على غزوهم في عقر دارهم، فليجمعوا، و ليستعدوا ما شاؤوا. .

فلما وجدوا: أن القضية انتهت إلى هذا الحد أرعبهم ذلك، فخرجوا


1) راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 292.

هاربين. . لأنهم رأوا بأم أعينهم ما جرى ليهود خيبر و غيرهم.

3-إن تذكير النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعيينة بمنامه-الذي تضمن: أنه أخذ ذا الرقيبة-قد أفهمه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان على علم بمقالته القبيحة بعد استيقاظه: «قد و اللّه أخذت برقبة محمد» .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد وجه صفعة قوية لعيينة، لم يجد معها بدا من الإنصراف الذليل.

4-إن حديث الحارث بن عوف لعيينة، عن إخبارات اليهود لهم بشأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأنه يظهر على ما بين المشرق و المغرب. . و أنه سيذبحهم مرتين، ثم رؤية الناس صدق هذه الأخبار، و تجسد مضمونها على أرض الواقع-إن ذلك-من شأنه أن يصعّب على هؤلاء الناس الإقدام على مناوأته «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنهم سيجدون في أنفسهم التردد، و النفور من حرب يعلمون مسبقا بنتائجها.

يعفور حمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال الحلبي: و روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما اسمك؟

قال: يزيد بن شهاب، أخرج اللّه من نسل جدي ستين حمارا كلهم لا يركبهم إلا نبي، و قد كنت أتوقعك لتركبني. لم يبق من نسل جدي غيري، و لم يبق من الأنبياء غيرك. قد كنت لرجل يهودي فكنت أعثر به عمدا، و كان يجيع بطني، و يضرب ظهري.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : فأنت يعفور.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يبعثه إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، و إذا خرج صاحب الدار أومأ إليه أن: أجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ألقى بنفسه في بئر، جزعا عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمات (1).

و نقول:

أولا: قالوا: لقد ضعفوا هذا الخبر.

فقال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له، و أسناده ليس بشيء.

و قال ابن الجوزي: لعن اللّه واضعه، فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام، و الإستهزاء به.

و قال العماد ابن كثير: هذا شيء باطل، و لا أصل له من طريق صحيح و لا ضعيف.

و سئل المزي عنه، فقال: ليس له أصل، و هو ضحكة، و قد أودعه كتبهم جماعة، منهم القاضي عياض في الشفاء، و السهيلي في روضه. و كان الأولى ترك ذكره، و وافقه على ذلك الحافظ ابن حجر (2).

غير أن لنا تعليقا على هذا الذي ذكروه، فإننا و إن لم نناقش في ضعف


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 58 و 59 و البحار ج 16 ص 100 و ج 17 ص 404 و 416 و كذا في حياة الحيوان للدميري، و علل الشرائع ج 1 ص 167 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 359 و البحار ج 22 ص 457 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 420.

2) البحار ج 16 ص 8 و السيرة الحلبية ج 3 ص 59.

سند هذا الخبر.

لكن من الواضح: أن ضعفه لا يعني كونه موضوعا و مختلقا.

فما معنى قولهم: لعن اللّه واضعه؟

و قولهم: لا أصل له، و قولهم: هو ضحكة الخ. . ؟ !

و اما قولهم: إنه وضع بقصد القدح في الإسلام، و الإستهزاء به، فلم نعرف وجهه، فإن اللّه تعالى ذكر كلام النملة، و الهدهد مع سليمان، و قال:

وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلاّٰ أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ (1).

و الروايات التي تحدثت عن كلام الحيوانات مع الأنبياء «عليهم السلام» ، و عن بعض التصرفات الهامة لتلك الحيوانات تفوق حد التواتر.

ثانيا: إن عمدة ما يرد على هذا الحديث: هو أنه قد ورد: أن المقوقس هو الذي أهدى يعفورا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

فما معنى قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصابه في خيبر، و كان منه ما تقدم؟ !


1) الآية 38 من سورة الأنعام.

2) البحار ج 16 ص 108 و ج 20 ص 383 و ج 21 ص 48 و عن المنتقى في مولد المصطفى، حوادث سنة سبع، و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 281 و عن السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} ج 3 ص 71 و الإصابة ج 3 ص 531 و ج 4 ص 335 و 404، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 38 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 146 و تاريخ خليفة بن خياط ص 52 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 235 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 307 و عن عيون الأثر ج 2 ص 394 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 406.

الجراب. . و الدجاج:

روى الشيخان عن عبد اللّه بن مغفل، قال: أصبت جرابا.

و في لفظ: دلّي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، و قلت: لا أعطي أحدا منه شيئا، فالتفت فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستحييت منه، و حملته على عنقي إلى رحلي و أصحابي، فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها-و هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري كما في الحلبية- فأخذ بناحيته، و قال: هلمّ حتى نقسمه بين المسلمين.

قلت: لا و اللّه، لا أعطيك.

فجعل يجاذبني الجراب، فرآنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصنع ذلك، فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: «لا أبا لك، خل بينه و بينه» .

فأرسله، فانطلقت به إلى رحلي و أصحابي، فأكلناه (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 143 و في هامشه عن: البخاري ج 6 ص 255 {3153} و عن مسلم ج 3 ص 1393{72/1772} و السيرة الحلبية ج 3 ص 40 عن السيرة النبوية لابن هشام، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 369 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 163. و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 86 و ج 5 ص 55 و 56 و سنن الدارمي ج 2 ص 234 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 612 و سنن النسائي ج 7 ص 236 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 59 و ج 10 ص 9 و مسند أبي داود ص 123 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 682 و ج 8 ص 524 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 71 و نصب الراية ج 4 ص 268 و كنز العمال ج 4 ص 539 و عن الكامل ج 2 ص 276 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 222 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 61 و ج 5 ص 75 و ج 6 ص 227 و عن فتح الباري ج 9 ص 524 و عون المعبود ج 7 ص 264 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 127 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 21.

قال ابن إسحاق: و أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ابن لقيم -بضم اللام، قال الحاكم: و اسمه عيسى العبسي-حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة و داجن (1).

و نقول:

أولا: إذا كان قد دلّي جراب من شحم، فالمفروض: أن يدلّى من فوق الحصن، و نحن لا ندري لماذا يدلّي اليهود جرابا من شحم إلى خارج حصنهم؟ !

فهل هو صدقة منهم؟ أم هدية؟ !

و أي إنسان كان يحب المسلمين إلى حد أنه يرمي لهم بجراب من شحم؟ !

أم أنهم قد استغنوا عن ذلك الشحم، فأرادوا التخلص منه؟ !

و لماذا يتخلصون منه بهذه الطريقة؟ ألم يكن يمكنهم إفراغ محتوياته، بطريقة تمنع من استفادة المسلمين منها؟

و لماذا لم يحذر المسلمون من هذا الجراب؟ أو لماذا لم يحذّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين منه؟ ! فلعلهم قد جعلوا السم في ذلك الشحم، و أرادوا الإيقاع بهم بهذه الطريقة.

ثانيا: ما معنى: أن يواجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صاحب المغانم بهذه العبارة القاسية: «لا أبا لك. .» كما ورد في بعض المصادر؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144.

فهل رأى أنه قد أساء الفعل، حين منع ابن مغفل من الإستقلال بالجراب؟ !

أم أنه كان يمارس وظيفته؟ !

ثالثا: لماذا اختص ابن لقيم بالدجاج و الدواجن في خيبر؟ ! و لماذا لم يعط «صلى اللّه عليه و آله» منها سائر المسلمين؟

و هل كان ابن لقيم مشهورا بتربية الدواجن و الدجاج؟

و من الدواجن الحمير و البغال، و الإبل، و البقر، فهل أعطى ذلك كله لابن لقيم؟ !

و لنفترض: أن المقصود خصوص الدجاج و الطيور، فهل هذا هو ما تفترضه القسمة العادلة بين الشركاء في الغنيمة؟

الغلول في خيبر:

و يقولون: مات صحابي في خيبر، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : صلوا على صاحبكم، و امتنع من الصلاة عليه، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل اللّه.

ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز اليهود، لا يساوي در همين.

و نلاحظ هنا: أولا: إن صحابية هذا الصحابي لم تمنعه من أن يغلّ، و هو أمر محرم. . فما معنى حكم بعض الفئات بعدالة جميع الصحابة؟ !

كما أن صحابيته هذه لم تشفع له عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحرمه من شرف الصلاة عليه. .

ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى على عبد اللّه بن أبي، الذي يصفونه بأنه كان رئيس المنافقين. . فكيف لا يصلي على هذا الرجل الذي دفعه طمعه إلى إخفاء خرز لا يساوي درهمين؟ ! . . فإن ذلك لا يوجب خروجه من الدين! !

و هل كل من فعل محرما لا يصلي عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أم أن ذلك يختص بهذا النوع من الذنوب؟ !

بل إن نفس أن مبادرته «صلى اللّه عليه و آله» إلى فضح ذلك الرجل بعد موته في أمر كهذا، لهو أمر لافت للنظر، و مثير للتساؤلات حول صحة هذه الرواية.

إلا أن يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد بعمله هذا إيقاف الناس على خطورة هذا الأمر الذي قد يرونه هينا، و هو عند اللّه عظيم. و تتأكد الحاجة إلى هذا البيان الحاد، إذا أصبح الغلول ظاهرة مستشرية في الناس، إلى حد أنها تنذر بعواقب و خيمة. .

و لكن هذا يبقى أيضا مجرد احتمال، يحتاج إلى ما يؤكده و يؤيده.

المهاجرون يرجعون المنائح للأنصار:

و عن أنس، قال: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا و ليس بأيديهم شيء، و كان الأنصار أهل أرض و عقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، و يكفوهم العمل و المؤنة.

و كانت أم أنس أعطت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعذاقا لها، فأعطاهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.

فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أهل خيبر، و انصرف إلى

المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا قد منحوهم من ثمارهم، ورد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أمي أعذاقها (1).

و في رواية عن أم أنس، قالت: فسألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، و جعلت تقول: كلا و اللّه الذي لا إله إلا هو، لا يعطيكهن و قد أعطانيهن.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا أم أيمن، اتركي، و لك كذا و كذا» ، و هي تقول: كلا، و اللّه الذي لا إله إلا هو.

فجعل يقول: «لك كذا و كذا، و لك كذا» .

و هي تقول: كلا، و اللّه الذي لا إله إلا هو، حتى أعطاها عشرة أمثالها، أو قريبا من عشرة أمثالها (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 150 و 151 عن الشيخين، و الحافظ، و يعقوب بن سفيان، و صحيح ابن حبان ج 14 ص 192 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 144 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 162 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 26.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 151 و في هامشه: عن البخاري ج 7 ص 474 {4120} و عن مسلم ج 3 ص 1391{70/1771} و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 288 و مسند أحمد ج 3 ص 219. و عن صحيح البخاري ج 3 ص 144{ط دار الفكر} و عن صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 5 ص 163 و عن فتح الباري ج 5 ص 180 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 122 و 124 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 359 و عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 359 و عن الطبقات الكبرى ج 8 ص 225 و تذكرة الحفاظ ج 2 ص 436 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 225 و ج 11 ص 474 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 92 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 154 و المحلى ص 164 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 26.

و نقول:

1-إن هذا الحادثة تفيد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يرجع تلك الأموال إلى الذين كانوا يطالبون بها. .

و لعل هذا الأمر قد صدر من أفراد قليلين، ممن شحت نفوسهم على بعض ما أعطوه من حطام الدنيا.

و نزيد في توضيح ذلك ببيان: أن الذين حكموا الناس بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» هم فريق من المهاجرين، الذين سعوا إلى هذا الأمر، و حصلوا على السلطة، بعد أن استعانوا بآلاف المقاتلين من بني أسلم و غيرهم. و قد ضربوا من أجل ذلك فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، و أسقطوا جنينها، فكانت بذلك صلوات اللّه عليها الصديقة الشهيدة.

و كان قد نافسهم في هذا الأمر الزعيم الخزرجي سعد بن عبادة الأنصاري.

و كان إحسان الأنصار إليهم حينما هاجروا، و نزلوا عليهم من موجبات شعورهم بالضيق، و الإحراج. .

فيظنّ قويا أنهم أشاعوا: أن المهاجرين قد أرجعوا إلى الأنصار ما كانوا قد منحوهم إياه من ثمارهم؛ لكي لا يكون للأنصار فضل عليهم، أو يد عندهم. .

مع أن الحقيقة هي: أن الذين أرجعت إليهم منائحهم هم أفراد قليلون طلبوا من المهاجرين ذلك، فأعاد إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما كانوا قد طلبوه. .

و من غير البعيد أيضا: أن يكون هؤلاء المطالبون هم من أولئك

الأنصار الذين كانوا يؤيدون الفريق المناوئ لعلي «عليه السلام» منذ عهد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و المؤيد للمهاجرين الحاكمين، و الذين استمروا على تأييدهم لهم، و سعيهم لإلحاق الأذى بعلي «عليه السلام» و محبيه، حتى إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . كأسيد بن حضير -قريب أبي بكر-و من هم على شاكلته.

2-و نلاحظ: أن الرواية قد دلت: على قسوة ظاهرة لدى أم أنس، التي رأت بأم عينيها أن أم أيمن-و هي المرأة التي شهد لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنها من أهل الجنة (1)-لا تريد أن تتخلى عن حقها في تلك النخلات، فإن من يعطي شيئا يفقد حقه فيه بعد تصرف الموهوب له فيه ببيع، أو هبة، أو نحو ذلك. .

و استمرت أم أنس على موقفها بالمطالبة، و الإصرار على انتزاعها منها. .

3-إن موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» يدل على أن لا حقّ لأم أنس بتلك النخلات، لأنه قد بذل لأم أيمن عوضا عنها أضعافا حتى رضيت،


1) راجع: قاموس الرجال ج 10 ص 387 عن أنساب الأشراف ج 2 ص 224 و الإستغاثة ج 1 ص 9 و حديث نحن معاشر الأنبياء ص 28 و الطرائف ص 249 و مواقف الشيعة ج 2 ص 406 و تفسير القمي ج 2 ص 155 و اللمعة البيضاء ص 300 و 309 و 839 و عن الإحتجاج ج 1 ص 121 و عن كتاب سليم بن قيس ص 354 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 113 و البحار ج 17 ص 379 و ج 29 ص 116 و 128 و ج 30 ص 352 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 186 و بيت الأحزان ص 133 و الأنوار العلوية ص 292 و مجمع النورين ص 117 و 134 و الإصابة ج 8 ص 359.

و لو كان لها حق بها لانتزعها من أم أيمن، و أعطاها إياها، تماما كما فعل مع سمرة بن جندب حينما قلع النخلة و ألقاها إليه-رغم أنها ملك له-لكنه أصر على أن يدخل إليها من دون استئذان أصحاب الدار التي كانت تلك النخلة فيها، و رفض بيعها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع (1).

موقف شهيد:

و عن شداد بن الهاد: أن رجلا من الأعراب جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فآمن و اتبعه، فقال: أهاجر معك.

فأوصى به النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعض أصحابه.

فلما كانت غزوة خيبر، غنم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا قسمه لهم، و قسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، و كان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟

فقالوا: قسم قسمه لك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فخذه.

فجاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: ما هذا؟


1) الكافي ج 5 ص 292 و 294 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 233 و 103 و التهذيب ج 7 ص 147 و الوسائل ج 17 ص 340 و 341 و راجع: البحار ج 2 ص 267 و ج 22 ص 134 و ج 100 ص 127 و الفائق ج 2 ص 442 و مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 14 و النظم الإسلامية ص 321 عن أبي داود، و عن عون المعبود ج 2 ص 352 و الكنى و الألقاب ج 3 ص 30 و الإيضاح ص 542 و الفصول المهمة في أصول الأئمة ج 1 ص 672 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78 و معجم رجال الحديث ج 9 ص 320.

قال: «قسم قسمته لك» .

قال: ما على هذا اتبعتك، و لكن اتبعتك على أن أرمى ههنا-و أشار إلى حلقه-بسهم، فأموت، فأدخل الجنة.

فقال: «إن تصدق اللّه يصدقك» .

ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحمل، و قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «هو هو» .

قالوا: نعم.

قال: «صدق اللّه، فصدقه» .

فكفنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في جبته، ثم قدمه، فصلى عليه.

و كان مما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك و ابن عبدك، خرج مهاجرا في سبيلك، قتل شهيدا، أنا عليه شهيد» (1).

و نقول:

إن صنيع هذا الرجل يذكّرنا بأم أنس، و هي تصر على انتزاع النخلات من أم أيمن، رغم أنه ليس من حقها ذلك.

و يذكرنا أيضا: بأولئك الذين كانوا السبب فيما جرى على المسلمين في واقعة أحد، حيث جعلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ثغرة في الجبل، ليأمن مباغتة العدو لهم منها. . و أوصاهم بأن لا يتركوها، حتى لو


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و 148 عن النسائي، و البيهقي، و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 16 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 276 و المعجم الكبير ج 7 ص 271 و تهذيب الكمال ج 17 ص 234.

رأوا المسلمين يقتلون. .

فلما دارت الحرب، وفرّ المشركون، و رأوا المسلمين يجمعون الغنائم، تركوا مراكزهم طمعا بالغنيمة، فجاءهم العدو من تلك الثغرة بالذات، و أوقع بالمسلمين هزيمة نكراء، و قتل منهم العشرات، حوالي سبعين رجلا.

و يذكرنا أيضا هذا الموقف: بقول المعتزلي عن سعد بن أبي وقاص في مقارنته مع علي «عليه السلام» :

«هذا يجاحش على السلب، و يأسف على فواته، و ذاك لا يلتفت إلى سلب عمرو بن عبد ود، و هو أنفس سلب، و يكره أن يبز السبيّ ثيابه» (1).

أبو سفيان في خيبر! !

و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطى أبا سفيان بن حرب من غنائم خيبر-و كان شهدها معه-مائة بعير، و أربعين أوقية، وزنها له بلال (2).

و نحن لا نشك في عدم صحة ذلك: لإن أبا سفيان لم يظهر الإسلام إلا في فتح مكة، و ذلك في السنة الثامنة من الهجرة، و لم يحضر خيبر، التي كانت في سنة سبع، بل كان في مكة آنئذ. .

و لعل الصحيح: أنه أعطاه من غنائم حنين.


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237 ملخصا.

2) التراتيب الإدارية ج 1 ص 412 عن الإستيعاب، و الطبقات الكبرى ج 7 ص 406 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 435 و ج 59 ص 67 و ج 6 ص 241 و أسد الغابة ج 5 ص 112.

لكن الرواة صحفوا كلمة حنين، فصارت: «خيبر» ، لتقاربهما في الرسم.

و ربما يكون المقصود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل بعض الأموال إلى مكة، و ذلك حين ابتلي المكيون بالحاجة التي بلغت بهم إلى حد المجاعة، و لعل بعض ما أرسله إليها كان من بقايا غنائم خيبر أيضا.

و لعل هذا هو ما أشير إليه، فيما رواه عبد اللّه بن عمرو الخزاعي، عن أبيه قال: «دعاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان بمكة قبل الفتح، فقال: التمس الخ. .» (1)، و في بعض الروايات بعد الفتح (2).


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 225 و راجع ص 390 و 391 و في {ط أخرى} ج 1 ص 444 عن أبي داود، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 28 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 448 و مسند أحمد ج 5 ص 289، و كذلك في السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 129 و عن عون المعبود ج 13 ص 142 و مكارم الأخلاق ص 120 و في المعجم الكبير ج 17 ص 36 و كنز العمال ج 9 ص 176 و في كشف الخفاء ج 1 ص 69 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 4 ص 296 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 424 و أسد الغابة ج 4 ص 14 و تهذيب الكمال ج 15 ص 369 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 180 و عن الإصابة ج 4 ص 459.

2) مكاتيب الرسول ج 1 ص 28 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 448 و مسند أحمد ج 5 ص 289 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 129 و المعجم الكبير ج 17 ص 36 و كشف الخفاء ج 1 ص 69 و الطبقات الكبرى {ط دار صادر} ج 4 ص 296 و أسد الغابة ج 4 ص 14 و تهذيب الكمال ج 15 ص 369.

خارص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و يقولون: إن عبد اللّه بن رواحة كان خارص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر.

و قد ذكر البعض: أن هناك من ناقش في هذا الحديث، فقال: إنما خرص (1)عليهم عبد اللّه عاما واحدا، ثم استشهد في مؤتة، فكان جبار بن صخر هو الذي يخرص (2).

و نقول:

إن قول ذلك البعض: إن ابن رواحة قد خرص عاما واحدا، ثم مات غير مقبول؛ إذ من القريب جدا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد صالح كثيرا من اليهود في منطقة خيبر و غيرها، على أن يستمروا في العمل بالنخل و يعطوه شطرا من ثمارها، و كان ابن رواحة هو الخارص لثمرة نخيلهم في الأعوام التي سبقت استشهاده. .

فقولهم: إنما خرص عليهم عاما واحدا إنما يصح؛ بالنسبة لأولئك الذين صولحوا في وقعة خيبر. .


1) خرص النخلة: قدّر ما عليها.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 133 و ج 8 ص 397 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 814 و مجمع الزوائد ج 3 ص 76 و المعجم الكبير ج 2 ص 270 و كنز العمال ج 15 ص 540 و عن الإصابة ج 1 ص 559 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 306 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 230 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 384.

صحائف التوراة ردت لليهود:

و لا مجال لقبول ما زعموه: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رد على اليهود صحائف التوراة التي كانت من الغنيمة، حينما طلبوها منه (1). إذ لا يجوز الإبقاء على كتب الضلال، إن كانت هي التوراة المزعومة، التي كتبوها بأيديهم، و قالوا: إنها من عند اللّه تعالى، و ما هي من عنده سبحانه. .

و لو فرض محالا أنهم وجدوا بعض نسخ التوراة الحقيقية، فلا يصح تمكين اليهود منها، لأنهم لا يهتدون بهديها، بل هم يدنسونها، و يثيرون الشبهات حولها.

أنزعت منك الرحمة يا بلال؟ !

قال الطبرسي: «و أخذ علي «عليه السلام» في من أخذ صفية بنت حيي، فدعا بلالا، فدفعها إليه، و قال له: لا تضعها إلا في يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى يرى فيها رأيه.

فأخرجها بلال، و مرّ بها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على القتلى، و قد كادت تذهب روحها، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أنزعت منك الرحمة يا بلال؟ ! ثم اصطفاها لنفسه، ثم أعتقها و تزوجها» (2).

و في نص آخر: أن صفية سبيت هي و بنت عم لها، و أن بلالا مر بهما


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 55 و مصادر كثيرة أخرى.

2) البحار ج 21 ص 22 عن إعلام الورى ج 1 ص 208 و قصص الأنبياء للراوندي ص 345.

على قتلى يهود، فلما رأتهم بنت عم صفية صاحت، و صكت وجهها، و حثت التراب على رأسها.

فلما رآها «صلى اللّه عليه و آله» قال: اعزبوا عني هذه الشيطانة.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» لبلال: أنزعت منك الرحمة يا بلال، حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ ! (1).

و تحسن الإشارة إلى الأمور التالية:

1-هل كان بلال ملتفتا و قاصدا إيذاء هاتين المرأتين بالمرور بهن على قتلاهما؟ ! أم أنه مر من هناك على سبيل الصدفة، باعتبار أن هذا هو الطريق المعتاد له؟ ! أو الذي ينساق الإنسان لسلوكه، لقربه، و سهولته مثلا؟

2-هل صكت تلك المرأة وجهها، و صاحت، و حثت التراب على رأسها بالقرب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى احتاج إلى إبعادها عن مجلسه؟ !

و هل كان مجلسه «صلى اللّه عليه و آله» قريبا من مواضع قتلى اليهود؟

أم أن صياحها، و صكها لوجهها، و. . قد استمر و لم يتوقف إلى أن بلغت مجلسه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . .

فإن كان الأمر كذلك: فلماذا لم يأمرها بلال بالسكوت قبل الوصول؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43 و 44، و راجع: إمتاع الأسماع ص 321 و البحار ج 21 ص 5 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 203 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 224 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 799 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 374 و الأنوار العلوية ص 198 و السير الكبير ج 1 ص 281.

و إن لم تطعه في ذلك، فلماذا يمكّنها من الوصول إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي على تلك الحال؟ ! . .

3-لو صح أن بلالا قد مر بهما على قتلى يهود، فلماذا يفسر ذلك بأنه كان بقصد إيذائهما، و دفعهما إلى الانفعال و البكاء، بهدف التلذذ بآلامهما الشخصية، و ليكون ذلك من مظاهر قسوة القلب كما هو ظاهر؟ فإننا لم نعهد في بلال مثل هذه القسوة البالغة إلى حد أن الرحمة نزعت من قلبه.

فإن كان قد مرّ بهما فعلا من هناك، فلا بد أن يكون ذلك من غير تعمد منه، فلماذا ينسب إليه على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الرحمة قد نزعت من قلبه؟ !

إلا أن يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يقصد إثبات هذه القسوة لبلال، بل أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول له: إن هذا الفعل يشبه فعل من نزعت الرحمة من قلبه، فكان المفروض أن يلتفت إلى ذلك، كما أن عليه عدم الوقوع في المستقبل بما يشبه ما وقع فيه هذه المرة.

4-إن إرسال علي «عليه السلام» صفية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أراد به أن يحفظ لها عزتها و كرامتها على قاعدة: إرحموا عزيز قوم ذل. . كما أنه أراد أن لا يتنافس فيها المتنافسون، و يتحاسد فيها الطامحون و الطامعون. .

دحية يختار صفية:

و قد جاء علي «عليه السلام» بصفية، كما نصت عليه الروايات، و بتعبير آخر: أصاب في خيبر سبايا، اصطفى منهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

صفية بنت حيي، فجعلها عند أم سليم، حتى اهتدت و أسلمت، ثم أعتقها، و جعل عتقها صداقها.

و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» خيّرها بين أن يعتقها، فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم، فيتخذها لنفسه. فاختارت الإسلام، و أن تكون زوجة له «صلى اللّه عليه و آله» . فأعتقها، و تزوجها، و جعل عتقها صداقها.

و زعموا: تارة: أنها وقعت في سهم دحية، ثم ابتاعها «صلى اللّه عليه و آله» منه بتسعة أرؤس.

و زعموا أخرى: أن دحية طلبها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوهبها له (1).

و في البخاري: أنهم لما جمعوا السبي طلب دحية جارية من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية.

فأخذ صفية، فجاء رجل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، أعطيت دحية صفية سيدة قريظة و النضير؟ ! لا تصلح إلا لك.

فقال: ادعوا بها، فجاء بها، فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يأخذ


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43 و البحار ج 38 ص 241 و مسند أحمد ج 3 ص 102 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 98 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 145 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 31 و سنن النسائي ج 6 ص 133 و عن فتح الباري ج 7 ص 360 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 31 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 335 و ج 4 ص 138 و ج 6 ص 442 و عن أسد الغابة ج 5 ص 490 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 232 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 224 و عن عيون الأثر ج 2 ص 137 و 390 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 373.

جارية أخرى من السبي (1).

فأخذ أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (2).

و نحن نرجح الروايات التي تقول: إن عليا «عليه السلام» جاء بها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاصطفاها في جملة ما اصطفاه، فهذا هو المشهور، و المروي، و هو الذي يمكن الإطمينان إليه. .

و لعل دحية قد اختارها أولا قبل إخراج الصفى من الغنيمة، و لم يكن يحق له ذلك، و لم يرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه بهذا التصرف و الإختيار.

بل لعل الأظهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد اصطفاها، و لم يعلم دحية بذلك، ثم جرى التصحيح بإعلامه بالأمر، و رواية البخاري الآنفة الذكر تشهد لهذا و تؤكده. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 43 عن البخاري و في البخاري ج 7 ص 360 و في المغازي باب غزوة خيبر، و في {ط دار الفكر} ج 1 ص 98 و صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 4 ص 146 و مسند أحمد {ط دار صادر} ج 3 ص 102 و نيل الأوطار ج 8 ص 112 و سنن النسائي ج 6 ص 133 و عن فتح الباري ج 7 ص 360 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 335 و ج 4 ص 138 و المحلى ج 9 ص 116 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 31 و البداية و النهاية ج 4 ص 224 و عيون الأثر ج 2 ص 390 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 373.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 43 عن الأم للشافعي، عن الواقدي، و عن فتح الباري {المقدمة} ص 303 و ج 1 ص 405.

صفية و الصفى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و إنما أخذت صفية من حصن القموص، و قيل: كان اسمها زينب، قبل أن تسبى، فلما صارت في الصفى التي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصطفيها: سميت صفية.

و يلاحظ هنا: أولا: لا شك في أن كل ما في هذا الوجود ملك للّه تعالى، يعطيه لمن يشاء، وفق ما تقتضيه حكمته و رحمته، و لطفه، فلا مانع من أن يعطي نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء، كرامة منه تعالى له، و لطفا به، و حضا للناس على محبته، و تعظيمه و تكريمه. .

ثانيا: قد يكون في الغنيمة ما يناسب شأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكون في تخصيصه به مصلحة للناس أنفسهم، من حيث إنه يوجب هداية فريق منهم، أو دفع بلاء عن بعضهم، أو تلافي شحناء، أو نزاع، أو أن فيه إبعادا لهم عن أجواء تهيئ للتحاسد، أو للتنافس الذي لا يقوم على أساس صحيح، أو ما إلى ذلك. .

ثالثا: إن لبعض المقامات شؤونا تناسبها، فلا بد من مراعاتها، بإعطائها ما تستحقه، و الإلتزام بموجباتها، فإن الإنسجام مع المقتضيات الواقعية، يبقى هو الخيار الأصح الذي لا بد من الأخذ به. .

و الكاشف عن هذه المقتضيات؛ هو اللّه تعالى العالم بالحقائق، لأنه هو البارئ و الخالق. فلا بد من الأخذ منه، و الطاعة له فيما يأمر به، و ينهى عنه.

رابعا: أما حديث تسميتها بصفية بعد اصطفاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لها، فهو غير دقيق، لما ورد: من أن دحية بن خليفة الكلبي كان

قد أخذ صفية أولا، فاعترض أحدهم على ذلك، و قال: يا رسول اللّه، أعطيت دحية صفية؟ ! (1).

فهذه العبارة تدل على: أن اسم صفية كان ثابتا لها قبل أن يصطفيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» فراجع.

لماذا اخضرت عين صفية؟ !

قالوا: و لما دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصفية، رأى بأعلى عينها خضرة، فسألها عنها، فأخبرته: أنها قالت لزوجها ابن أبي الحقيق-و هي عروس-: إنها رأت القمر {و الشمس كما في رواية أخرى} في حجرها، أو على صدرها، فلطمها، و قال: تتمني ملك العرب؟ ! . .

و في رواية: أنها رأت ذلك حين نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيبر (2).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 43 عن البخاري و مصادر كثيرة أخرى تقدمت.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 44 و عن الطبقات الكبرى ج 8 ص 121 و السير الكبير ج 1 ص 281 و عن الإصابة ج 8 ص 210 و 211 و عن أسد الغابة ج 5 ص 490 و عن عيون الأثر ج 2 ص 391 و البحار ج 21 ص 6 و 33 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 203 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 224 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 799 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 374 و الأنوار العلوية ص 198 و زوجات النبي ص 100 و مجمع الزوائد ج 9 ص 250 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 441 و المعجم الكبير ج 24 ص 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 215 و موارد الظمآن ص 413 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 221 و فتوح البلدان ج 1 ص 26 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 138 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 608.

و نقول:

1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دخل بصفية، و هو راجع من خيبر إلى المدينة. . و لا شك في أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد رآها قبل ذلك الوقت، و ذلك حين اصطفاها، أو حين جاء بها دحية، و أعطاه غيرها عوضا عنها. فلماذا لم ير الخضرة فوق عينها آنذاك؟ !

2-إن رؤيتها للشمس و القمر، أو للقمر في حجرها، أو على صدرها، لا تشير إلى ملك العرب بشيء، فلماذا لا يفسّر-زوجها-تلك الرؤيا بملك الفرس، أو الروم، أو القبط، أو بنفسه، أو بغيره من ملوك اليهود و عظمائهم؟ !

3-قد اختلفت روايات هذه القضية، فهل هي أخبرت زوجها، فلطمها؟ أم أخبرت أباها فلطمها؟ !

و لا مجال للقول بأنها أخبرت هذا تارة، و ذاك أخرى. . لأن اخضرار العين قد حصل من ضربة واحد منهما، لا من كليهما. .

ثم هل رأت القمر في حجرها؟ ! أم رأت الشمس و القمر على صدرها؟ !

4-إذا صح تفسير رؤية القمر في حجرها بملك العرب، فكيف يمكن تفسير رؤية الشمس و القمر معا على صدرها؟ ! . . فهل تفسر بأنها سوف يتزوجها اثنان؟ ! أم واحد؟ !

5-ذكروا أيضا: أن هذه الحادثة قد حدثت لجويرية زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث رأت قبل زواجها بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن

القمر قد وقع في حجرها (1). . فأي هذين هو الصحيح؟ !

6-إن اخضرار العين يزول خلال أيام، فكيف استمر عشرات الأيام و من حين نزول النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيبر؟ ! كما ذكرته بعض الروايات.

7-لعل الصحيح في هذه القضية: هو ما روي، من أنه حين اقتلع علي «عليه السلام» باب الحصن، اهتز الحصن حتى سقطت لوجهها، فشجها جانب السرير، فأصابها ما أصابها، حسبما تقدم (2).

و هذا الاهتزاز هو مما صنعه اللّه كرامة لعلي «عليه السلام» ، و إمعانا في إقامة الحجة على اليهود.

اعتذار النبي صلّى اللّه عليه و آله من صفية:

و زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لصفية-حينما انتهت إليه-: يا صفية، أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك، إنهم قالوا لي: كذا، و كذا إلخ. .


1) المستدرك للحاكم ج 4 ص 27 و البحار ج 20 ص 290 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 27 و المنتخب من ذيل المذيل ص 101 و البداية و النهاية ج 4 ص 182 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 582 و إعلام الورى ج 1 ص 196 و 197 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 347 و ج 11 ص 210 و 211.

2) البحار ج 21 ص 40 عن مشارق أنوار اليقين، و السيرة الحلبية ج 3 ص 44 و حلية الأبرار ج 2 ص 161 و مدينة المعاجز ج 1 ص 426 و شجرة طوبى ج 2 ص 293 و مجمع النورين ص 177.

و ما زال «صلى اللّه عليه و آله» يعتذر إليها، حتى ذهب ذلك من نفسها (1).

و نقول:

لا ندري إن كان يصح الاعتذار عن فعل واجب أمر اللّه تعالى به؟ !

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يوضح لها الحقيقة، و يخرجها من حالة الجهل، و يسلّ سخيمتها، فإن ذلك لا يصح أن يسمى اعتذارا! !

و إذا كانت قد أسلمت، و اعتقدت بأنه «صلى اللّه عليه و آله» نبي اللّه، الذي لا ينطق عن الهوى، و الذي هو في طاعة اللّه سبحانه و تعالى في كل قول و فعل، فلماذا الإعتذار؟

أليس ذلك كافيا في إقناعها بأن ما فعله حق؟ !

صفية تأبى أولا ثم تطيع:

قالوا: و لما قطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ستة أميال من خيبر، أراد أن يعرس بصفية، فأبت، فوجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفسه.

فلما سار و وصل إلى الصهباء، مال إلى دوحة هناك، فطاوعته. فقال لها: ما حملك على إبائك حين أردت المنزل الأول؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 44 و مجمع الزوائد ج 9 ص 15 و 251 و 252 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 445 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 37 و 38 و المعجم الأوسط ج 6 ص 345 و المعجم الكبير ج 24 ص 67 و كنز العمال ج 13 ص 637 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 385 و فتوح البلدان ج 1 ص 27 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 378 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 215.

قالت: يا رسول اللّه، خشيت عليك قرب يهود (1).

و نقول:

أولا: كيف خشيت عليه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك و هو بين أصحابه، و حوله جيش عرموم يفديه بنفسه، و عنده علي «عليه السلام» قاتل مرحب، و سائر أبطال اليهود، و قالع باب خيبر؟

نعم، هل يمكن أن يصل إليه «صلى اللّه عليه و آله» غريب، ثم لا يسأل أحد ذلك الغريب عن حاله، و عما جاء به؟

ثانيا: لقد أقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقرب اليهود، و في عقر دارهم عشرات الأيام، و قد حاربهم، و انتقم منهم، و شل حركتهم، و لم يتمكنوا من فعل أي شيء ضده. .

فلماذا تخشاهم عليه بعد أن أذلهم، و فرق جمعهم، و أباد خضراءهم، ثم غادرهم، و ابتعد عنهم، و أصبح ظهور كل غريب فيما بين المسلمين مثارا للريبة، و موجبا للمبادرة لاعتقاله، و للتحقيق معه؟ !

حراسة أبي أيوب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و زعموا: أنه لما تزوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصفية بات أبو أيوب تلك الليلة، متوشحا بسيفه يحرسه، و يطوف بتلك القبة، حتى أصبح «صلى اللّه عليه و آله» ، فرأى مكان أبي أيوب، فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول اللّه، خفت عليك من هذه المرأة، قتلت أباها و زوجها، و قومها، و هي حديثة


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 44 و عن الإصابة ج 8 ص 210 و عن الطبقات الكبرى ج 8 ص 121.

عهد بكفر، فبت أحفظك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني (1).

و نقول:

أولا: إن لنا أن نتساءل: أين كان علي «عليه السلام» في تلك الليلة؟ ! و لماذا لم يبادر إلى حراسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! مع أن الخوف عليه «صلى اللّه عليه و آله» -كما قال أبو أيوب-كان على درجة كبيرة من الظهور و الوضوح. .

و قد كان «عليه السلام» يحرسه في المدينة، و في بدر، و لا يغفل عن تفقد أحواله. . كما أنه كان هو الذائد عنه في أحد، و في كل موقع أحسّ فيه بالحاجة إلى ذلك. .

و لماذا لا يطلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هذه الحراسة من أصحابه؟ ! فإن ما قاله أبو أيوب لم يكن ليغيب عنه «صلى اللّه عليه و آله» ! !

ثانيا: إننا لا نستطيع أن نؤكد جدوى حراسة أبي أيوب. . فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان مع زوجته في داخل خيمته، و لا يتسنى، و لا يجوز لأبي أيوب أن يطّلع على ما يجري بينهما، خصوصا في ليلة الزواج. .

و هي إن كانت تبيّت أمرا، فلا بد أن تخفيه عن زوجها، و هو معها. فكيف لا تخفيه عن غيره؟


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 44 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 242 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 802 و عن عيون الأثر ج 2 ص 402 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 402.

و إن استطاعت أن تلحق بزوجها ضررا دون أن يجد الفرصة للدفاع عن نفسه، فستحرص على أن ينتهي الأمر قبل ارتفاع أي صوت. .

و لذلك نقول: إنه سوف لا تنفعه «صلى اللّه عليه و آله» نجدة أبي أيوب، و لا نجدة غيره له، بل هي سوف تأتي بعد فوات الأوان.

الفصل الثالث: أبو هريرة. . و الغنائم

اشارة

أبو هريرة في خيبر:

و عن خزيمة، عن أبي هريرة قال: قدمنا المدينة، و نحن ثمانون بيتا من دوس، فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فقرأ في الركعة الأولى بسورة: «مريم» ، و في الآخرة: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، فلما قرأ: إِذَا اِكْتٰالُوا عَلَى اَلنّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ (1).

قلت: تركت عمي بالسراة له مكيلان، إذا اكتال اكتال بالأوفى، و إذا كال كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا، قال قائل: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، و هو قادم عليكم.

فقلت: لا أسمع به في مكان أبدا إلا جئته، فزودنا سباع بن عرفطة، و حملنا حتى جئنا خيبر، فنجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح النطاة، و هو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح اللّه علينا (2).


1) الآيتان 1 و 2 من سورة المطففين.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 136 و 137 عن مسند أحمد، و تاريخ البخاري، و مجمع الزوائد، و الطحاوي، و الحاكم، و البيهقي، و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 247 و السيرة الحلبية ج 3 ص 49 و المغازي للواقدي ج 2 ص 636 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 20.

و في رواية: فقدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد فتح خيبر، و كلّم المسلمين فأشركنا في سهمانهم.

و روى البخاري، و أبو داود عن أبي هريرة قال: قدمت المدينة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر حين افتتحها، فسألته أن يسهم لي.

قال: فتكلم بعض ولد سعيد بن العاص.

فقال: لا تسهم له يا رسول اللّه.

قال: فقلت: هذا و اللّه هو قاتل ابن قوقل.

فقال-و أظنه أبان بن سعيد بن العاص-: عجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن، يعيرني بقتل امرئ مسلم، أكرمه اللّه على يدي، و لم يهني على يديه (1).

و روى البخاري، و أبو داود عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبانا على سرية من المدينة، قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان و أصحابه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر بعدما افتتحها، و إن حزم خيلهم لليف، فقال: يا رسول اللّه إرضخ لنا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 137 و ج 6 ص 128 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 561{4237} . و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 247 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 208 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 211 و ج 5 ص 82 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 619 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 333 و عون المعبود ج 7 ص 281 و مسند الحميدي ج 2 ص 472 و تاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 4 و عن الإصابة ج 6 ص 356 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 392 و 393 و معجم ما استعجم ج 3 ص 1053.

فقال أبو هريرة: يا رسول اللّه، لا تقسم لهم.

فقال أبان: و أنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضال-و في لفظ-فان.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا أبان الجلس» . فلم يقسم لهم (1).

و نقول:

أولا: إذا كان أبو هريرة و قبيلة دوس و صلوا إلى خيبر، و قد فتح اللّه تعالى على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» النطاة، و الشق، و هو محاصر الكتيبة، فمن المفروض: أن يكون هؤلاء القادمون قد شاركوا في الحصار و القتال في حصن الكتيبة على الأقل. .

و يؤكد ذلك: قول أبي هريرة: «فأقمنا حتى فتح اللّه علينا» ، حسبما تقدم، فإنه ظاهر في مشاركتهم في الفتح. . و ذلك يوجب لهم حقا في الغنيمة.

فلا معنى لقول أبي هريرة بعد هذا: «و كلّم المسلمين، فأشركنا في سهمانهم» .

و لا لقوله: «فسألته أن يسهم لي» .

كما أنه لا معنى لقول بعض ولد سعيد بن العاص: «لا تسهم له يا رسول اللّه» . إذ لا حاجة به إلى أن يكلم المسلمين في ذلك، و ليس لهم أن يمنعوهم من المشاركة في السهمان، ما دام أنهم قد شاركوا في الحصار و القتال. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 137 و ج 6 ص 128 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 561{4238} . و عن صحيح البخاري ج 5 ص 82 و عن فتح الباري ج 6 ص 378 و شيخ المضيرة ص 46 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 236 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 393 و معجم ما استعجم ج 3 ص 1053.

ثانيا: لماذا يقدّم أبو هريرة بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقترح عليه؟ . . و لماذا يصدر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التوجيهات، و الأوامر و الزواجر؟ ! ألا يعدّ هذا من سوء الأدب؟ !

ثالثا: قد صرحوا: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يسهم لأحد غاب عن خيبر إلا لجابر بن عبد اللّه الأنصاري.

فما معنى قولهم: إنه أسهم لأبي هريرة، و من معه؟ ! .

رابعا: قد صرح أبو موسى الأشعري أيضا: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يسهم إلا لأصحاب السفينة، بعد أن استأذن المسلمين في ذلك. .

و الذي نظنه: هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى هؤلاء و أولئك من سهمه من الخمس، أو أنه أعطاهم مما أفاء اللّه عليه، مما هو ملك له في الوطيح و السلالم. و لم يكن ثمة من حاجة إلى استئذان أحد من الناس. .

إسلام أبي هريرة:

و قد ذكروا: أن أبا هريرة أسلم، ثم قدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع الدوسيين الأشعريين في شهر صفر سنة سبع، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، فسار أبو هريرة معهم إليه حتى قدم معه المدينة (1).


1) راجع: الإصابة ج 3 ص 287 و تاريخ الخميس ج 2 ص 42 و طبقات ابن سعد {ط ليدن} ج 6 ص 31 و 78 و البداية و النهاية ج 8 ص 102 و عن سير أعلام النبلاء ج 2 ص 436 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 326 و الإيضاح ص 537 و البحار ج 17 ص 111 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 48 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 13 ص 211 و فتح الباري ج 1 ص 62 و ج 6 ص 402 و ج 12 ص 106 و عن ج 7 ص 391 و 397 و عون المعبود ج 4 ص 197 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 17 و صحيح ابن حبان ج 3 ص 405 و ج 5 ص 424 و ج 6 ص 26 و نصب الراية ج 2 ص 144 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 217 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 15 و 66 و 178 و الثقات ج 2 ص 22 و أسد الغابة ج 2 ص 146 و الأنساب للسمعاني ج 3 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 367 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 179 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 32 و عن المعارف لابن قتيبة ص 177 و الناصريات ص 98 و 237 و منتهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 404 و 408 و المجموع ج 4 ص 63 و 87 و المحلى ج 5 ص 110 و الفصول في الأصول ج 1 ص 175 و نيل الأوطار ج 1 ص 376 و ج 7 ص 206 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 350 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 220 و ج 5 ص 71 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 328 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 293 و تلخيص الحبير ج 4 ص 186 و عدة الأصول {ط قديم} ج 1 ص 336 و الخلاف ج 1 ص 405 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 358 و شيخ المضيرة ص 72 و 111 و مشاهير علماء الأمصار ص 35 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 308 و غريب الحديث ج 4 ص 197.

و نقول:

من المفيد هنا بيان بعض الخصوصيات التي ترتبط بأبي هريرة، و ذلك على النحو التالي:

قد اختلف في اسم أبي هريرة إلى تسعة و ثلاثين قولا (1).


1) قاموس الرجال {ط سنة 1422 ه} ج 11 ص 555 عن صاحب القاموس، و دراسات في علم الدراية لعلي أكبر غفاري ص 208 و سبل السلام ج 1 ص 14 و الإيضاح ص 537 و شرح مسلم للنووي ج 1 ص 67 و شرح سنن النسائي ج 1 ص 7 و طرائف المقال ج 2 ص 149.

و قال بعضهم: اجتمع في اسمه و اسم أبيه أربعة و أربعون قولا (1).

و أما أحاديثه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد ذكر ابن حزم: أن مسند بقية بن مخلد قد احتوى على خمسة آلاف و ثلاث مائة و أربع و سبعين حديثا (2)رغم أنه عاش مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من صفر سنة سبع إلى ذي القعدة من سنة ثمان، ثم أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى البحرين مع العلاء بن الحضرمي، و قد كان عمله في البحرين يقتصر على التأذين للعلاء.

و بقي هناك إلى زمان عمر كما تظهره النصوص (3). فراجع ما ذكره هو


1) شيخ المضيرة ص 43 و عن الإصابة ج 7 ص 351 و عن الكنى للحاكم، و عن الإستيعاب، و تاريخ ابن عساكر.

2) شيخ المضيرة ص 124 و 127 و 32 و تاريخ الخميس ج 2 ص 43 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 44 و 54 و المجموع للنووي ج 1 ص 266 و سبل السلام ج 1 ص 14 و البحار ج 30 ص 704 و ج 31 ص 252 و شرح مسلم للنووي ج 1 ص 67 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 8 و 47 و ج 2 ص 48 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 632 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 68 و النص و الإجتهاد ص 509 و وضوء النبي ج 1 ص 50 و 52 و 216 و وسائل الشيعة {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 40 و ج 4 ص 355 و أمان الأمة من الإختلاف ص 102 و أضواء على الصحيحين ص 99 و أضواء على السنة المحمدية ص 200 و 224 و الفصول في الأصول ج 1 ص 175 و الأعلام ج 3 ص 308 و غريب الحديث ج 4 ص 179.

3) راجع: شيخ المضيرة ص 63-65 و 67 و 68 و 71 عن سير أعلام النبلاء ج 1 ص 265 و ج 2 ص 191 و عن فتح الباري ص 209 و 208 و عن الطبري، و الإصابة ج 4 و النص و الإجتهاد ص 509 و مجمع الزوائد ج 9 ص 376 و المعجم الصغير ج 1 ص 143 و المعجم الأوسط ج 3 ص 15 و تهذيب الكمال ج 22 ص 485 و المعجم الكبير ج 18 ص 95 و عن مقدمة فتح الباري ص 260 و عن الطبقات الكبرى ج 4 ص 362.

عن حضوره حرب العلاء بن الحضرمي مع المرتدين، و ما ادعاه من رؤيته الخوارق التي حدثت للعلاء، و منها مشيه بفرسه على وجه الماء، و راجع أيضا شهادته على قدامة بن مظعون بشرب الخمر هناك، و غير ذلك.

و بذلك يظهر عدم صحة قوله: قدمت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، و أنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، أدور معه في بيوت نسائه، و أخدمه، و أغزو معه، و أحجّ. فكنت أعلم الناس بحديثه (1).

نعم، إن ذلك لا يصح، إذ لماذا يدخله النبي «صلى اللّه عليه و آله» - و هو أغير الناس-على نسائه اللواتي ضرب عليهن الحجاب قبل ذلك بسنوات؟ ! كما أنه لم يقم معه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن مات، أي مدة ثلاث سنين، بل أقام معه سنة و تسعة أشهر على أبعد تقدير (2).


1) الإصابة {ط دار الكتب العلمية} ج 7 ص 359 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 204 و شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية ص 67 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 605 و البداية و النهاية ج 8 ص 116 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 355.

2) و قد تقلّ المدة المذكورة إلى تسعة أشهر أي من شهر صفر سنة تسع إلى شهر ذي القعدة سنة ثمان، و حتى لو قلنا: أنه أقام معه سنة و شهرين فقط إذا لاحظنا الأقوال الأخرى في تاريخ وقعة خيبر، و تاريخ إرسال العلاء إلى البحرين، فإنه لا يصح أن يقول: انه اقام معه إلى أن مات. راجع: شيخ المضيرة ص 63 هامش.

و بذلك يظهر أيضا عدم صحة قوله الآخر: إنه كان مع أبي بكر، أو مع علي «عليه السلام» في الحج سنة تسع (1)، و غير ذلك.

و ربما يقال: إنه و إن ذهب إلى البحرين في ذلك التاريخ، لكن يمكن أن يكون قد عاد إلى المدينة قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و يجاب: بأنه لو كان قد عاد لظهر له أثر أو دور في الأحداث الأليمة


1) راجع: صحيح البخاري، تفسير سورة براءة، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 331 و ج 4 ص 179 و مسند أحمد ج 2 ص 299 و سنن النسائي ج 5 ص 234 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 345 و 346 و عن فتح الباري ج 8 ص 240 و 242 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 265 و الدر المنثور ج 3 ص 209 و شيخ المضيرة ص 109 و إرواء الغليل ج 4 ص 301 و زاد المسير ج 3 ص 266 و المجموع ج 8 ص 223 و ج 19 ص 435 و نيل الأوطار ج 5 ص 29 و العمدة ص 162 و الصوارم المهرقة ص 124 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 97 و ج 4 ص 69 و ج 5 ص 202 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 106 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 435 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 166 و ج 9 ص 185 و 206 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 115 و عن فتح الباري ج 6 ص 200 و ج 8 ص 238 و 242 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 209 و مسند الشاميين ج 4 ص 184 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 159 و جامع البيان ج 10 ص 94 و معاني القرآن ص 153 و زاد المسير ج 3 ص 266 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 69 و فتح القدير ج 2 ص 334 و الأحكام لابن حزم ج 5 ص 611 و عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 169 و سير أعلام النبلاء ج 14 ص 213 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 45 و نهج الإيمان ص 248 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 70.

التي كانت حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم نشاهد له أي شيء من ذلك. .

يضاف إلى ذلك: أنه لو صح هذا الزعم، فهو لا يغير شيئا من حقيقة كونه قد غاب عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مدة، أوجبت نقصا في مقدار صحبته عن الثلاث سنين التي يدعيها لنفسه.

فإذا كان بقية بن مخلد قد روى له خمسة آلاف و ثلاث مائة و أربعا و سبعين حديثا، مع أنه إنما أقام مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه المدة اليسيرة، فما باله لم يرو لنا إلا النزر اليسير عن غيره «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فقد روى عن أبي بكر (142)حديثا، و روى عن عمر (537)و عن علي «عليه السلام» (586)و عن عثمان (146)حديثا الخ. . (1).

هذا، رغم أنه كان ممنوعا من الرواية في زمن عمر (2)، الذي ضربه بالدرة، و قال له: قد أكثرت من الرواية، و أحر بك أن تكون كاذبا على


1) راجع: شيخ المضيرة ص 127-129 و وضوء النبي ج 1 ص 216.

2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 601-603 و البداية و النهاية ج 8 ص 106 و الغدير ج 6 ص 295 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 636 و شيخ المضيرة ص 103 و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 72 و ج 67 ص 343 و الإيضاح ص 536 و البحار ج 36 ص 92 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 246 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 180 و المسائل الصاغانية ص 78 و الإيضاح ص 536 و حلية الأبرار ج 1 ص 25 و كنز العمال ج 10 ص 291 و أضواء على السنة المحمدية ص 54 و 201 و أبو هريرة ص 160 و 188 و عن الإصابة ج 1 ص 69 و تاريخ المدينة ج 3 ص 80.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و عن أبي هريرة، قال: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى قبض عمر، كنا نخاف السياط.

و كان يقول: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث و عمر حي؟ أما و اللّه لأيقنت: أن المخفقة ستباشر ظهري، و نحو ذلك (2). .

و كان عمر سيئ الظن بأبي هريرة، و قد عبر عنه مرة: بأنه عدو اللّه، و عدو المسلمين، و حكم عليه بالخيانة، و أغرمه عشرة آلاف دينار لخيانته بيت مال المسلمين في ولايته على البحرين (3).

ثم أجاز له فيما بعد أن يروي، و لعله بعد أن اطمأن إلى أنه سوف يبقى


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 67 و 68 و الإيضاح ص 495 و 536 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 389 و الغارات ج 2 ص 660 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 296. و راجع: خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 245 و 247 و الغدير ج 6 ص 295 و البحار ج 31 ص 93 و ج 38 ص 239 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 186 و شيخ المضيرة ص 148 و المسائل الصاغانية ص 78 و الحدائق الناضرة ج 5 ص 380 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 180.

2) راجع: شيخ المضيرة ص 104 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 601 و 602 و الغدير ج 6 ص 295 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 636 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 262 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 344 و البداية و النهاية ج 8 ص 115 و تدوين السنة ص 414 و أضواء على السنة المحمدية ص 201.

3) عوالي اللآلي ج 3 ص 87.

ضمن الدائرة المرسومة، التي كان الخليفة يسعى لتكريسها في الناس (1).

و قد قال عمر: إن أكذب المحدثين أبو هريرة (2).

مدى وثاقته في الرواية:

و قد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله: ثلاثة يكذبون على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أبو هريرة، و أنس بن مالك، و امرأة (3).

و عن الجاحظ: إن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن علي «عليه السلام» يوثقه في الرواية، بل يتهمه، و يقدح فيه، و كذلك عمر، و عائشة (4).

و قال أبو جعفر الإسكافي: و أبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير


1) البداية و النهاية ج 8 ص 107. و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 603 و السنة قبل التدوين ص 458 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 54 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 344 و عن الإصابة ج 1 ص 69.

2) مسند ابن راهويه ج 1 ص 55 و السنة قبل التدوين ص 455.

3) الخصال ج 1 ص 190 و الإيضاح ص 541 و البحار ج 2 ص 217 و ج 22 ص 102 و 242 و ج 31 ص 640 و عن ج 108 ص 31 و مجمع رجال الحديث ج 4 ص 151 و ج 11 ص 79.

4) شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 31 عن كتاب التوحيد للجاحظ، و الإيضاح ص 524 و 541 و غير ذلك، و كتاب الأربعين ص 333 و مواقف الشيعة ج 2 ص 274 و الدرجات الرفيعة ص 27.

مرضي الرواية (1).

و عن علي «عليه السلام» : ألا إن أكذب الناس-أو أكذب الأحياء- على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبو هريرة الدوسي (2).

و قال «عليه السلام» مرة أخرى: لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و قال أبو حنيفة: الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا، ثم عد منهم أبا


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 67 و الإيضاح ص 495 و 541 و الغارات ج 2 ص 660 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 296 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 247 و 253 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 186 و شيخ المضيرة ص 148 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 180 و أضواء على السنة المحمدية ص 206 و الحدائق الناضرة ج 5 ص 380.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 247 و الإيضاح ص 60 و 496 و الغارات ج 2 ص 660 و المسترشد ص 170 و الصراط المستقيم ج 3 ص 248 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 296 و البحار ج 33 ص 215 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 160 و 186 و 188 و شيخ المضيرة ص 135 و أضواء على السنة المحمدية ص 204 و المسائل الصاغانية ص 78 و رسائل المرتضى ج 3 ص 284.

3) شيخ المضيرة ص 135 و النصائح الكافية ص 172 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 41 و الإيضاح ص 518 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 327 و مواقف الشيعة ج 2 ص 267 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 24 و الدرجات الرفيعة ص 21.

هريرة، و أنس بن مالك (1).

و الكلام حول هذا الأمر طويل و عريض، فإن كثيرين من الصحابة قد اتهموا أبا هريرة، و طعنوا فيه.

لماذا ولى معاوية أبا هريرة المدينة؟ ! :

و يبدو أن مضامين روايات أبي هريرة هي التي جعلت له مكانة خاصة لدى مناوئي علي «عليه السلام» ، لكثرة ما رواه لهم من ترهات في حقه «عليه السلام» . فقد روى الأعمش: أن أبا هريرة لما قدم العراق مع معاوية عام الهدنة مع الإمام الحسن «عليه السلام» ، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب على صلعته مرارا و قال:

يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على اللّه و رسوله، و أحرق نفسي بالنار؟ و اللّه، لقد سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «إن لكل نبي حرما، و إن حرمي في المدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه، و الملائكة، و الناس أجمعين» و أشهد أن عليا أحدث فيها.

فلما بلغ معاوية قوله أجازه، و أكرمه، و ولاه إمارة المدينة (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 و الإيضاح ص 496 و الغارات ج 2 ص 660 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 296 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 250 و أبو هريرة ص 186 و شيخ المضيرة ص 147 و أضواء على السنة المحمدية ص 205.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 67 عن الإسكافي و شجرة طوبى ج 1 ص 96 و تحف العقول ص 194 و الغارات ج 2 ص 659 و الإيضاح ص 495 و وسائل الشيعة {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 45 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 295 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 255 و النص و الإجتهاد ص 512 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 529 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43 و أضواء على السنة المحمدية ص 216 و نهج السعادة ج 8 ص 486 و وضوء النبي للشهرستاني ص 232 و شيخ المضيرة ص 236 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 179 و حياة الإمام الحسين ج 2 ص 157.

أشهد لقد واليت عدوه:

و روى سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، و يجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال يا أبا هريرة، أنشدك اللّه، أسمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول لعلي بن أبي طالب: «اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه» ؟ !

فقال: اللهم نعم.

قال: فأشهد باللّه، لقد واليت عدوه، و عاديت وليه. ثم قام عنه (1).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 و المناقب للخوارزمي ص 205 و عن فضائل الصحابة للسمعاني و الإيضاح ص 496 و 536 و 537 و الغارات ج 2 ص 658 و 659 و 661 و مناقب أمير المؤمنين ج 2 ص 403 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 296 و البحار ج 37 ص 199 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 230 و النص و الإجتهاد ص 515 و الغدير ج 1 ص 203 و 204 و أضواء على السنة المحمدية ص 217 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43 و شيخ المضيرة ص 237 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 181.

و في نص آخر: أن الأصبغ بن نباتة قد قال الكلمة الآنفة الذكر لأبي هريرة أمام معاوية، حينما أرسله أمير المؤمنين «عليه السلام» برسالة إليه. .

و فيه: قال عن أبي هريرة: «فتنفس أبو هريرة و قال: إنا للّه، و إنا إليه راجعون. فتمعّر وجه معاوية و قال: كف عن كلامك» (1).

و من مظاهر ولائه لمعاوية روايته عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الأمناء ثلاثة: جبريل، و أنا، و معاوية، أو نحو ذلك (2).

و كان-كما يقول عنه زوج ابنته-: إذا أعطاه معاوية سكت، و إذا أمسك عنه تكلم (3).

و كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة، فإذا غضب عليه بعث مروان


1) المناقب للخوارزمي ص 206 و مواقف الشيعة ج 2 ص 322 و تذكرة الخواص ص 85 و قاموس الرجال {ط سنة 1422 ه} ج 11 ص 554 عنه.

2) راجع: البداية و النهاية ج 8 ص 120 و أحاديثه في مدح معاوية كثيرة فراجع: شيخ المضيرة ص 234 و كتاب الغدير للعلامة الأميني ج 5 ص 306 و ج 11 ص 77، و أضواء على السنة المحمدية ص 215 و الكامل ج 1 ص 192 و ج 2 ص 345 و تاريخ بغداد ج 12 ص 8 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 235 و الموضوعات ج 2 ص 17 و تهذيب الكمال ج 1 ص 421 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 126 و ج 3 ص 142 و كتاب المجروحين ج 1 ص 146 و البداية و النهاية ج 8 ص 128 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 130 و الكشف الحثيث ج 1 ص 126 و لسان الميزان ج 1 ص 241 و ج 2 ص 220 و ج 3 ص 265 و ج 4 ص 237 و غير ذلك.

3) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 615 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 34 و البداية و النهاية ج 8 ص 114 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 373 و معرفة الثقات ج 1 ص 405 و شيخ المضيرة ص 219.

و عزله (1).

و كان معاوية يوسط أبا هريرة لحل بعض المشكلات التي تواجهه، فراجع حديث مساعيه لإسكات عبادة بن الصامت عن ذكر مطاعن معاوية، و غير ذلك (2).

و راجع مساعيه مع أبي الدرداء لدى علي «عليه السلام» لإنجاح أمر معاوية، فواجههما عبد الرحمن بن غنم بما أحرجهما (3).

و كذلك حديث ذهابه إلى علي «عليه السلام» مع النعمان بن بشير من قبل معاوية، ليطالباه بتسليم قتلة عثمان، فلم يكترث علي «عليه السلام» به، و وجه كلامه إلى النعمان بن بشير دونه (4).

و أخيرا فقد كان أبو هريرة مع معاوية في صفين، و كان يقول: لأن أرمي فيهم بسهم {يعني في أهل العراق} أحب إلي من حمر النعم (5).


1) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 36 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 613 و عن توليه للمدينة راجع: شيخ المضيرة ص 233 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 372 و البداية و النهاية ج 8 ص 121.

2) راجع: الإستيعاب ج 2 ص 424 و 425 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 4 و 6 و شيخ المضيرة ص 230 و مواقف الشيعة ج 2 ص 450 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 198.

3) الإستيعاب ج 2 ص 414 و شيخ المضيرة ص 198.

4) راجع: شيخ المضيرة ص 231 عن الغارات ج 2 ص 446 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 301.

5) راجع: شيخ المضيرة ص 234 و 236 عن كتاب قبول الأخبار و معرفة الرجال للبلخي {مخطوط} ص 590.

أبو هريرة عضو المجمع العلمي لمعاوية:

و قد أنشأ معاوية مجمعا علميا! ! مكونا من العديد من جهابذة العلم! ! و أفذاذ التاريخ! ! و الأمناء على دين اللّه! ! و على رسالة رسوله! ! و في طليعتهم أبو هريرة! !

فقد ذكر أبو جعفر الإسكافي: «أن معاوية وضع قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي «عليه السلام» ، تقتضي الطعن فيه، و البراءة منه. و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله.

فاختلقوا ما أرضاه، منهم:

أبو هريرة.

و عمرو بن العاص.

و المغيرة بن شعبة.

و من التابعين:

عروة بن الزبير» (1).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 63 و الغارات ج 2 ص 659 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 294 و البحار ج 30 ص 401 و ج 33 ص 178 و 215 و النص و الإجتهاد ص 509 و 597 و أبو طالب حامي الرسول ص 163 و أضواء على السنة المحمدية ص 216 و سماء المقال في علم الرجال ج 1 ص 10 و أبو هريرة لشرف الدين ص 42 و وضوء النبي ج 1 ص 256 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 40 و الإيضاح ص 494 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 254 و شجرة طوبى ج 1 ص 96 و أضواء على الصحيحين ص 98 و شيخ المضيرة ص 199 و 236.

و كان عليه أن يذكر فيهم المسور بن مخرمة، الذي تشارك هو و أبو هريرة في وضع حديث زواج علي «عليه السلام» ببنت أبي جهل-على ما يظهر-بهدف تطبيق قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها. .» على علي أمير المؤمنين «عليه السلام» نفسه، بدل المقصودين الحقيقيين به.

افتتحنا خيبر:

و روى البخاري و مسلم و غير هما عن أبي هريرة، أنه قال: افتتحنا خيبر، و لم نغنم ذهبا، و لا فضة، إنما غنمنا البقر، و الإبل، و المتاع (1).

مع أن أبا هريرة لم يشهد فتح خيبر، بل جاء بعد فتحها. .

فما معنى قوله: افتتحنا، و لم نغنم، و غنمنا؟ !

أبو هريرة أسلم بعد وفاة رقية:

و قال أبو هريرة: دخلت على رقية بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) عن صحيح البخاري ج 5 ص 81 و ج 7 ص 235 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 75 و عن فتح الباري ج 7 ص 374 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 236 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188 و نيل الأوطار ج 8 ص 135 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 21 و أبو هريرة ص 178 و شيخ المضيرة ص 109 و سير أعلام النبلاء ج 18 ص 377 و إثبات عذاب القبر للبيهقي ص 92 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 394 و الديباج على مسلم ج 1 ص 130 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 283 و المحلى ج 7 ص 344 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 317 و ج 9 ص 100 و 137.

امرأة عثمان، و بيدها مشط، فقالت: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من عندي آنفا، رجلت شعره، فقال: كيف تجدين أبا عبد اللّه {يعني عثمان} ؟

قالت: بخير.

قال: أكرميه، فإنه أشبه أصحابي بي خلقا (1).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، واهي المتن، فإن رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة، بعد فتح بدر، و أبو هريرة أسلم بعد فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة (2).

و أما عن شبه عثمان في خلقه برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنحن نحيل القارئ إلى تاريخ عثمان نفسه ليرى بأم عينيه: أنه كلام غير صحيح، فإنه لم يكن من المشبهين برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد قتله صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بسبب أعماله التي خالف فيها سيرته «صلى اللّه عليه و آله» .


1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 48 و تلخيص المستدرك للذهبي {مطبوع بهامشه} نفس الصفحة و الجزء و مجمع الزوائد ج 9 ص 81 و سيرة مغلطاي ص 16 و 17 و منتخب كنز العمال {مطبوع مع مسند أحمد} ج 5 ص 4 عن الحاكم، و ابن عساكر، و المعجم الكبير ج 1 ص 77 و كنز العمال ج 11 ص 590 و ج 13 ص 41 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 30 و 177 و شيخ المضيرة ص 111 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 97 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 376 و الذرية الطاهرة النبوية ص 50 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 282.

2) شيخ المضيرة ص 111 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 48 و تلخيص المستدرك للذهبي {مطبوع مع المستدرك} نفس الجزء و الصفحة.

أبو هريرة في حديث ذي الشمالين:

و قد ادّعى أبو هريرة: أنه كان حاضرا في قصة ذي الشمالين، حيث يقول: «صلى بنا رسول اللّه الظهر، أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أنقصت الصلاة أم نسيت الخ. .» (1).


1) راجع: صحيح البخاري باب 3 من أبواب ما جاء في السهو في الصلاة ج 1 ص 175 و ج 2 ص 66 و ج 8 ص 133 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 87 و سنن الترمذي ج 1 ص 247 أبواب السهو، و فتح الباري ج 3 ص 77 و 83 و المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 488 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 296 و 297 و 299 و مسند أحمد ج 2 ص 234 و 271 و 284 و الموطأ ج 1 ص 93 و 115 و عن كنز العمال ج 8 ص 136 و 214 عن الصنعاني، و ابن أبي شيبة، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 186 و الإصابة ج 1 ص 489 و 429 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 491 و 492 و أسد الغابة ج 2 ص 146 و سنن البيهقي ج 2 ص 231 و النزاع و التخاصم ص 113 و عن سنن النسائي باب ما يفعل من سلم من الركعتين ناسيا ج 3 ص 23، و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 37 و 119 و مجمع الزوائد ج 2 ص 151 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 356 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 200 و 201 و 365 و 366 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 445 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 89 و 178 و شيخ المضيرة ص 111 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 4 ص 32 و منتهى المطلب {ط قديم} ج 1 ص 308 و 417 و كتاب الأم ج 1 ص 147 و ج 7 ص 194 و 204 و المجموع ج 4 ص 77 و 86 و تلخيص الحبير ج 4 ص 109 و مغني المحتاج ج 1 ص 195 و إعانة الطالبين ج 1 ص 242 و فقه السنة ج 1 ص 272 و البحار ج 17 ص 111 و إختلاف الحديث ص 539 و عون المعبود ج 3 ص 221 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 26 و 403 و المعجم الصغير ج 1 ص 112 و نصب الراية ج 2 ص 195 و أضواء على السنة المحمدية ص 286 و الكامل ج 3 ص 120 و 432 و علل الدار قطني ج 10 ص 7 و سير أعلام النبلاء ج 13 ص 46 و غير ذلك.

و نقول:

اجتمعوا-كما يقول الذهبي-: على أن أبا هريرة أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، و ذو اليدين استشهد في بدر (1).

قال أبو رية: «و قد اضطرب أبو هريرة في هذا الحديث، فمرة يقول: صلى بنا إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، و إما العصر.

و تارة يقول: صلى بنا صلاة العصر.

و أخرى يقول: بينما نصلي مع رسول اللّه صلاة الظهر.

و هذه الروايات كلها في البخاري و مسلم، وا أسفا!» (2).

و من الواضح: أن ذا اليدين و ذا الشمالين شخص واحد فراجع (3).

مهمة أبي هريرة في البحرين:

و قد أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبا هريرة إلى البحرين مع آخرين، و لم تصرح لنا كتب التاريخ بسبب إرساله إلى هناك. .


1) تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 186 و راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 109 و طبقات ابن سعد ج 3 ص 119 و البحار ج 17 ص 111 و ج 85 ص 219 و أسد الغابة ج 3 ص 330.

2) شيخ المضيرة ص 112.

3) راجع على سبيل المثال: إرشاد الساري ج 3 ص 267 و مسند أحمد و غير ذلك.

غير أن البعض يقول: «إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إلى البحرين «لينشر الإسلام، و يفقه المسلمين، و يعلمهم أمور دينهم» و أنه «حدث الناس و أفتى» (1).

و قد تقدم: أن غاية ما طلبه-أبو هريرة-من العلاء بن الحضرمي هو: أن يجعله مؤذنا له، و أن لا يسبقه بقول آمين. و ليس في التاريخ أية إشارة إلى سبب إرساله مع العلاء بن الحضرمي إلى تلك البلاد. . كما أننا لم نجد ما يدل على أنه قد حدّث الناس و أفتى. . فلماذا يصنع هؤلاء الناس تاريخا لمن يحبونهم من عند أنفسهم؟ !

أبو هريرة حضر المشاهد كلها:

و زعموا: أن أبا هريرة شهد حروب النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلها (2).

و نقول:

1-إذا كان قد سافر في سنة ثمان إلى البحرين، فلا بد أنه غاب عن المشاهد التي حصلت في غيبته تلك. .

2-يضاف إلى ذلك: أن حضوره تلك المشاهد لم يكن ليغني شيئا، لأنه لم يكن من الأبطال الشجعان، الذين يرهب جانبهم، و تخشى صولتهم، بل كان يعير بفراره في تلك المشاهد.

فعن أبي هريرة نفسه، قال: لقد كان بيني و بين ابن عم لي كلام، فقال:


1) أبو هريرة راوية الإسلام لمحمد عجاج الخطيب ص 107.

2) أبو هريرة راوية الإسلام لمحمد عجاج الخطيب ص 107 و شيخ المضيرة ص 74 و 287.

إلا فرارك يوم مؤتة. فما دريت أي شيء أقوله له (1).

و لعله قد فرّ آنذاك بصورة شنيعة لفتت الأنظار، و ربما يكون ذلك منه بمجرد بدء الحرب، و شروع الأبطال في الطعن و الضرب، و لأجل ذلك لم يجد جوابا يخرجه من الإحراج أمام ابن عمه.

النبي صلّى اللّه عليه و آله خليل أبي هريرة:

و كان أبو هريرة يقول: حدثني خليلي، و سمعت خليلي، فلما سمع علي «عليه السلام» ذلك قال له: «متى كان خليلك يا أبا هريرة» ؟ ! (2).

و نقول:

إنهم يروون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على عدم صحة قوله هذا، فقد رووا عنه «صلى اللّه عليه و آله» قوله: لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا (3).


1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 42 و شيخ المضيرة ص 74.

2) تأويل مختلف الحديث ص 28 و 43 و 44 و 51 و أضواء على السنة المحمدية ص 204 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 189 و شيخ المضيرة ص 134 و المحصول ج 4 ص 325.

3) عن صحيح البخاري ج 1 ص 120 و ج 4 ص 191 و 254 و عن مسند أحمد ج 1 ص 408 و 412 و 434 و 437 و 439 و 455 و 463 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1064 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 211 و عن عيون الأثر ج 1 ص 246 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 201 و عوالي اللآلي ج 3 ص 88 و البحار ج 35 ص 267 و ج 49 ص 191 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 89 و الغدير ج 3 ص 111 و ج 5 ص 311 و ج 8 ص 33 و ج 9 ص 347 و ج 10 ص 130 و فضائل الصحابة ص 3 و سنن الدارمي ج 2 ص 353 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 68 و ج 7 ص 108 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 36 و سنن الترمذي ج 5 ص 270 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 246 و شرح مسلم للنووي ج 1 ص 195 و المحصول ج 4 ص 326 و مجمع الزوائد ج 9 ص 43 و عن فتح الباري ج 7 ص 12 و عن تحفة الأحوذي ج 10 ص 96 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 430 و ج 10 ص 96 و مسند أبي داود الطيالسي ص 39 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 350 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 41 و ج 2 ص 22 و تأويل مختلف الحديث ص 43 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 35 و ج 6 ص 328 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 457 و ج 9 ص 112 و ج 12 ص 178 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 558 و ج 15 ص 270 و المعجم الأوسط ج 1 ص 236 و ج 2 ص 306 و ج 4 ص 334 و ج 6 ص 39 و ج 8 ص 185 و عن المعجم الكبير ج 2 ص 168 و ج 5 ص 220 و ج 10 ص 105 و ج 11 ص 268 و ج 12 ص 93 و ج 22 ص 328 و مسند الشاميين ج 1 ص 544 و الأذكار النووية ص 277 و الجامع الصغير ج 2 ص 437 و كنز العمال ج 4 ص 349 و ج 11 ص 544 و ج 12 ص 507 و فيض القدير ج 5 ص 368 و كشف الخفاء ج 1 ص 33 و الكامل ج 3 ص 206 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 400 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 573 و الدر المنثور ج 3 ص 243 و ج 4 ص 340 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 228 و ج 3 ص 176 و الثقات ج 2 ص 132 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 4 ص 58 و علل الدار قطني ج 5 ص 318 و تاريخ بغداد ج 3 ص 351 و ج 13 ص 65 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 314 و ج 24 ص 8 و ج 28 ص 142 و ج 30 ص 60 و الموضوعات ج 1 ص 366 و أسد الغابة ج 1 ص 296 و ج 3 ص 212 و تهذيب الكمال ج 16 ص 246 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 401 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 201 و ج 3 ص 390 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 142 و ج 10 ص 458 و من له رواية في كتب الستة ج 1 ص 573 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 343 و البداية و النهاية ج 1 ص 195 و ج 5 ص 249 و ج 6 ص 300 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 239 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 454 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 447 و ج 4 ص 244 و ج 9 ص 396 و ج 11 ص 254 و ج 12 ص 234.

و عن جندب: أنه سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى اللّه أن يكون لي منكم خليل (1).

و عن عبد اللّه عنه «صلى اللّه عليه و آله» : إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، و لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، و إن صاحبكم خليل اللّه عز و جل (2).


1) فتح الباري ج 7 ص 14 عن صحيح مسلم ج 2 ص 68 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 13 و الديباج على مسلم ج 2 ص 209 و المعجم الأوسط ج 4 ص 334 و المعجم الكبير ج 2 ص 168 و أحكام الجنائز ص 217 و كنز العمال ج 11 ص 545 و 553 و إرواء الغليل ج 1 ص 318 و شيخ المضيرة ص 134 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 251 و 252.

2) مسند أحمد ج 1 ص 377 و 389 و 395 و 409 و 410 و 433 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 109 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 36 و سنن الترمذي ج 5 ص 269 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 176 و علل الدار قطني ج 5 ص 320 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 401 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 458 و المعجم الأوسط ج 1 ص 236 و المعجم الكبير ج 3 ص 246 و مجمع الزوائد ج 9 ص 45 و كنز العمال ج 4 ص 349 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 573 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 419 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 36 و مسند أبي يعلى ج 9 ص 80 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 335 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 235 و تهذيب الكمال ج 16 ص 246 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 455 و عن البداية و النهاية ج 1 ص 195 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 455.

آخركم موتا في النار:

و آخر ما نذكره عن أبي هريرة: ما رواه-نفسه-لحجر بن عدي: من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له، و لحذيفة، و سمرة بن جندب: آخركم موتا في النار.

قال أبو هريرة: فسبقنا حذيفة، و أنا الآن أتمنى أن أسبقه {يعني سمرة بن جندب} (1).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 78 و البحار ج 34 ص 289 عنه و ج 18 ص 132 و ج 28 ص 36 عن الإستيعاب، و أسد الغابة، و مجمع الزوائد ج 8 ص 290 و جزء أشيب للأشيب البغدادي ص 58 و المعجم الكبير ج 7 ص 177 و المعجم الأوسط ج 6 ص 208 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 263 و النص و الإجتهاد ص 222 و الإيضاح هامش ص 67 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 215 و 219 و الإستيعاب مطبوع مع الإصابة ج 2 ص 78 و التاريخ الصغير ج 1 ص 133 و تهذيب الكمال ج 12 ص 133 و ج 34 ص 257 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 84 و 85 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 207 و ج 12 ص 200 و لسان الميزان ج 7 ص 12 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 95 و البداية و النهاية ج 6 ص 253 و 254 و الشفاء لعياض ج 1 ص 239 و النصائح الكافية ص 76 و الإصابة ج 2 ص 79 و فرحة الغري ص 47.

و لنا هنا ملاحظات: الأولى: أن الصحيح هو: «أبو محذورة» بدلا من «حذيفة» كما هو في سائر المصادر.

الثانية: أنهم يحاولون القول: إن آخرهم موتا هو سمرة بن جندب، مع أنهم يقولون: إن سمرة قد مات سنة ثمانية و خمسين (1).

و قال العسقلاني: مات سنة ستين، و قيل: مات سنة ثمان و خمسين، و قيل: سنة تسع و خمسين، و قيل: في أول سنة ستين (2).

ثم هم يقولون: إن أبا هريرة توفي-على الصحيح-في سنة تسع و خمسين (3).

و قيل: توفي سنة سبع و خمسين، و قيل سنة ثمان (4).


1) الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 2 ص 79 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 455 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 219 و طبقات خليفة ص 97 و التاريخ الكبير للبخاري ج 4 ص 176 و تهذيب الكمال ج 12 ص 134 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 207 و تقريب التهذيب ج 1 ص 395 و عن الإصابة ج 7 ص 303 و كتاب الغيبة ص 126.

2) الإصابة ج 2 ص 79.

3) شيخ المضيرة ص 264 عن شرح صحيح مسلم للنووي، و أبو هريرة لشرف الدين ص 209 عن الواقدي، و ابن نمير، و أبي عبيد، و ابن الأثير، و ابن جرير، و غيرهم.

4) أبو هريرة لشرف الدين ص 211 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 463 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 390.

و هذا يظهر بجلاء: أن الأقوال في تاريخ موت كل من أبي هريرة و سمرة بن جندب متناقضة، فلا مجال للحكم بأن سمرة هو الذي مات آخرا، كما يحاول محبو أبي هريرة أن يصرفوا إليه الأذهان.

قيمة هذا الوسام:

إن ذكر هؤلاء الثلاثة في سياق واحد، و التصريح: بأن آخرهم موتا في النار، يدل دلالة واضحة على أنهم غير مرضيين عند اللّه و عند رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .

إذ إن إطلاق هذه الكلمة يجعل لدى الناس شكوكا قوية تمنع من التعامل معهم جميعا على أساس الوثوق و الاحترام و التكريم.

و هي تفرض على الناس: أن يتجنبوهم، و أن يحتاطوا منهم، للريب المستمر في أمرهم. . و أن يستمر إبهام أمرهم إلى أن يلتحق النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالرفيق الأعلى. .

و هذا معناه: أن هؤلاء الثلاثة جميعا يستحقون هذا الموقف الرافض لهم من الناس، و أنهم لا حرمة لهم عند اللّه تعالى، إذ لو لا ذلك لوجب حفظهم، و إبعاد الشبهات عنهم، و توصية الناس بإحسان الظن بهم، و التأكيد على حقوقهم الإيمانية التي تفرض ذلك كله.

و معرفة الناس بالذي يموت أخيرا، و يقينهم بأنه سوف يدخل النار، لا يكفي للحكم بإيمان رفيقيه؛ بل يبقيان في دائرة الاحتمال.

فإذا ضممنا إلى ذلك: أن إسقاط حرمتهما لا يكون إلا لأمر عظيم ارتكبوه أوجب هذا الإسقاط، و حرمهما من حقوق أهل الإيمان، فإن

النتيجة تكون هي: أن حرمانهما هذا يدل على فقدانهما لصفة الإيمان الموجبة لما حرما منه.

و هذا يعني: أنهما ليسا بعيدين من مصير ثالثهم. .

الثالثة: أن هذا الحديث يدل على عدم صحة ما ادّعوه: من عدالة جميع الصحابة، و ما ادعوه من أن الصحابي مغفور له في الآخرة. .

الرابعة: إن الحديث قال: آخركم موتا في النار، و لم يقل بالنار.

و الفرق بينهما: أن «في» تدل على: أنه سيكون في النار و أن النار هي ظرفه و موقعه.

أما الباء فتدل على السببية، أي: أن سبب موته هو النار؛ لأنه وقع فيها مثلا. و الظرفية إنما هي لما دلت عليه كلمة «آخركم» و هو نفس الشخص.

فلا معنى لقولهم: إن موته يكون فيها.

بل المقصود: أنه هو نفسه يكون فيها، بغض النظر عن موته.

الخامسة: أن هذا القول من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما جاء بهدف نصح الأمة و تحذيرها من هؤلاء الثلاثة.

و نكتفي من الحديث عن أبي هريرة بهذا القدر. . مع أن هناك مؤلفات كثيرة قد خصصت للحديث عنه و عن قضاياه، و أهمها كتاب شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية، و أبو هريرة للعلامة الراحل السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه اللّه. .

الفصل الرابع: لمسات أخيرة

اشارة

معجزات. . و كرامات:

1-روي: أنه لما انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر إلى المدينة، قال جابر: و صرنا على واد عظيم قد امتلأ بالماء، فقاسوا عمقه برمح، فلم يبلغ قعره، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: «اللهم أعطنا اليوم آية من آيات أنبيائك و رسلك» .

ثم ضرب الماء بقضيبه، و استوى على راحلته، ثم قال: سيروا خلفي باسم اللّه، فمضت راحلته على وجه الماء، فاتبعه الناس على رواحلهم؛ فلم تترطب أخفافها، و لا حوافرها (1).

2-عن سلمة بن الأكوع: أنه أصابته ضربة يوم خيبر، قال: فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فنفث فيه {أي في الجرح} ثلاث نفثات، فما


1) البحار ج 16 ص 410 و ج 17 ص 254 و 365 و لكن في ج 10 ص 38 في حنين، و ج 21 ص 30 و 28 عن الخرائج و الجرائح ج 1 ص 54 و 161 و ج 2 ص 912 و عن الإحتجاج ج 1 ص 324 و في الثاقب في المناقب ص 46 في حنين، و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 114 و 189 و في نور البراهين ج 2 ص 462 في حنين، و في نور الثقلين ج 3 ص 384 أيضا في حنين، و ج 4 ص 53 في خيبر، و عن البداية و النهاية ج 6 ص 311.

اشتكيت منها ساعة (1).

3-و ذكرت أمور أخرى في هذه الغزوة، عن طاعة الشجر له «صلى اللّه عليه و آله» : و أنه كان يأمر الشجرة بالانقياد له، فيجرها حتى يصل بها إلى جنب شجرة أخرى، ثم يقضي حاجته، ثم ترجع الشجرتان كل واحدة إلى مكانها (2).

4-و سيأتي في فصل: سم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر: أن كتف الشاة أخبرته «صلى اللّه عليه و آله» بأنها مسمومة.

5-و تقدم ذكر ما جرى لبعض الحصون على يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بالإضافة إلى أمور أخرى تدخل في هذا السياق.

و نقول:

إننا لا نريد أن نخضع كل هذه الأمور إلى التحقيق و البحث العلمي


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 53 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 42 و البحار ج 18 ص 9 و عن مسند أحمد ج 4 ص 48 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 76 و عون المعبود ج 10 ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 94 و 95 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 216 و عن عيون الأثر ج 2 ص 148 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 360 و عن فتح الباري ج 7 ص 364 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 24 و سنن أبي داود ج 2 ص 227 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 439 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 107.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 53 و سنن الدارمي ج 1 ص 13 و مجمع الزوائد ج 9 ص 5 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 435 و كنز العمال ج 12 ص 403 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 371 و البداية و النهاية ج 6 ص 153 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 46 و مسند أحمد ج 4 ص 7.

الدقيق الذي قد يعجز عن الإثبات بسبب عدم توافر الأدلة على ذلك. . تماما كما هو عاجز عن النفي القاطع، فإن عدم توفر الدليل على الإثبات لا يلازم عدم الوقوع فعلا.

و يظهر من النصوص المختلفة: أن بعض هذه الأمور الغيبية قد جاء ابتداء، و من دون أن يكون لإرادة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أي تدخل فيه، مثل إخبار الكتف له بأنها مسمومة. .

و بعضها ظهر منه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتعمد التصرف في الأمور الغيبية، من أجل أمر يتصل بالشأن العام تارة، ثم من أجل أمر يرتبط بنفسه أخرى، مثل إيجاد ساتر له حين قضاء حاجته، فهو يأمر الشجرة بالحركة، و المجيء و الذهاب، و ما إلى ذلك. .

و هذا يشير إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يملك القدرة على التصرف في الشجر، و في غيره من الجمادات، و أن لإرادته دخلا في حركتها، و سكونها. . و هو ما يعبر عنه بعضهم ب «الولاية التكوينية» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بمعنى خضوع الجمادات لإرادته و اختياره «صلى اللّه عليه و آله» .

و علينا أن نذكّر القارئ الكريم: بأن هذه المعجزات و الخوارق قد ظهرت له و هو في خيبر، و بعد فراغه و رجوعه منها أيضا. .

و قد أشرنا أكثر من مرة إلى: أن ما حصل في خيبر ربما كان بهدف طمأنة المسلمين إلى أن اللّه معهم يكلؤهم، و يرعاهم. فلا ينبغي أن ترهبهم كثرة عدوهم و عدته، و حصونه. . و بالنسبة لليهود يريد أن يقيم الحجة عليهم في أمر الإيمان و الجحود، ليهلك من هلك عن بينة، و يحيا من حيي عن بينة.

كما أن الذي حصل بعد فراغهم من خيبر، لعله يهدف إلى إبعاد حالة

الغرور عن المسلمين، و تخيل: أن ما حصل إنما هو نتيجة قدراتهم الذاتية. .

العاقبة السيئة:

و ذكر الحلبي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لرجل من المسلمين: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالا أشد القتال، فارتاب بعض الصحابة، أي كيف يكون من أهل النار مع هذه المقاتلة الشديدة؟ . .

فلما كثرت الجراحات في ذلك الرجل، و وجد ألمها أخرج سهما من كنانته و نحر نفسه، فأخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: قم يا بلال فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، و إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة. . الحديث.

و في رواية: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، و هو من أهل النار، و إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، و هو من أهل الجنة.

و تقدم في غزوة أحد مثل ذلك، و لا بعد في التعدد إن لم يكن من الاشتباه على الراوي (1).

و نقول:

لا نستطيع أن نقبل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يكون قد أخبر عن رجل أنه من أهل النار ما دام أن ظاهره الإسلام، و الاستقامة،


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 54 و البداية و النهاية ج 4 ص 217 و المعجم الأوسط ج 3 ص 356 و المعجم الكبير ج 19 ص 84 و مجمع الزوائد ج 7 ص 213 في حنين. و راجع: فتح الباري ج 7 ص 361 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333.

فلم يكن ذلك من عادته «صلى اللّه عليه و آله» . . بل كان من عادته الستر حتى على من يعرف أنه من المنافقين، إلا إذا كان ثمة حاجة للجوء إلى هذا الإخبار الغيبي، توجب عدم رعاية ظاهر حال الناس.

و لم تذكر لنا الروايات الوجه الذي اقتضى فضح هذا الرجل، و برر خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عادته هذه بالنسبة إليه.

و ربما يكون الأمر قد اشتبه على الراوي، و كان ما حصل هو: مجرد إخباره «صلى اللّه عليه و آله» بأنه من أهل النار بعد ما أخبروه بأنه نحر نفسه، لا قبل ذلك. و اللّه هو العالم.

صفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و علي عليه السّلام في التوراة:

عن عبد اللّه بن أبي أوفى: أنه لما فتحت خيبر قالوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن بها حبرا قد مضى له من العمر مائة سنة، و عنده علم التوراة، فأحضر بين يديه، و قال له: أصدقني بصورة ذكري في التوراة، و إلا ضربت عنقك.

قال: فانهملت عيناه بالدموع، و قال له: إن صدقتك قتلني قومي، و إن كذبتك قتلتني.

قال له: قل، و أنت في أمان اللّه و أماني.

قال له الحبر: أريد الخلوة بك.

قال له: أريد أن تقول جهرا.

قال: إن في سفر من أسفار التوراة اسمك، و نعتك، و أتباعك، و أنك تخرج من جبل فاران، و ينادى بك و باسمك على كل منبر. فرأيت في

علامتك (أن)بين كتفيك خاتما تختم به النبوة، أي لا نبي بعدك، و من ولدك أحد عشر سبطا يخرجون من ابن عمك، و اسمه علي، و يبلغ ملكك المشرق و المغرب، و تفتح خيبر، و تقلع بابها، ثم تعبر الجيش على الكف و الزند، فإن كان فيك هذه الصفات آمنت بك، و أسلمت على يدك.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أيها الحبر، أما الشامة فهي لي، و أما العلامة فهي لناصري علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

قال: فالتفت إليه الحبر و إلى علي «عليه السلام» ، و قال: أنت قاتل مرحب الأعظم.

قال علي «عليه السلام» : بل الأحقر، أنا جدلته بقوة اللّه و حوله، و أنا معبر الجيش على زندي و كفي.

فعند ذلك قال: مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و أنك معجزه، و أنه يخرج منك أحد عشر نقيبا، فاكتب لي عهدا لقومي، فإنهم كنقباء بني إسرائيل أبناء داود «عليه السلام» .

فكتب له بذلك عهدا (1).

و نقول:

1-بغض النظر عن سند هذا الحديث: فإن ثمة بعض علامات الإستفهام حوله، فقد ذكر فيه تهديد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك


1) البحار ج 36 ص 212 و 213 عن روضة الواعظين ص 139 و عن فضائل ابن شاذان، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 257 و اللمعة البيضاء ص 192 و الروضة في المعجزات و الفضائل ص 146.

اليهودي بالقتل. .

كما أن فيه نوع اضطراب، إذ لم نجد مبررا يدعو هذا اليهودي إلى تأخير إسلامه إلى ما بعد إخباره بما في التوراة. حيث يظهر من كلامه: أنه عارف باسمه «صلى اللّه عليه و آله» و نعته، و أتباعه، و بكثير من الأمور التي تجري له. .

فإنه رأى بأم عينيه قلع باب خيبر، و كان بإمكانه أن يسأل عن اسم قالعه، كما أن بإمكانه أن يتحقق من سائر الأمور التي وجدها في التوراة، فلماذا يرفض إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر؟ ! و لماذا يطلب منه الخلوة ليبوح له به، إن كان في نيته أن يسلم إذا وجد صدق هذا الخبر التوراتي؟ !

و من جهة أخرى: فهو تارة يقول للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن في سفر من أسفار التوراة اسمك، و نعتك و أتباعك، و أنك تخرج من جبل فاران، و ينادى باسمك. . ثم يستمر بخطابه إياه على هذا النحو.

و تارة أخرى يقول له: فإن كان فيك هذه الصفات آمنت بك، و أسلمت على يديك. و ها هو يرى بأم عينيه كيف تجري الأمور باتجاه تأكيد صحة ما هو مكتوب عنده في التوراة.

و أما القول: بأنه إنما كان يعدّد له ما وجده في التوراة، دون أن يتعرض لانطباقها عليه، أو عدم انطباقها. . فلما وجد أنها منطبقة عليه أعلن إسلامه، فهو لا يكفي للإجابة على السؤال عن سبب تأخره في رؤية هذا الانطباق.

2-و أما العهد الذي طلبه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكتبه لقومه، فالظاهر: أنه كتب له عهدا يتضمن كونه في أمان اللّه و أمان رسوله «صلى اللّه عليه و آله» و في ذمته. و ذلك وفاء منه «صلى اللّه عليه و آله»

بما كان قد أعطاه إياه من الأمان. . و ليمنع قومه من العدوان عليه بعد عودته «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة.

3-و نشير أخيرا: إلى أن الرواية لم تشتمل على أمر غريب فيما يرتبط ببشارة التوراة برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . بل ذكرت ما هو معروف من ذلك. . خصوصا و أن القرآن قد صرح: بأن اليهود يجدون اسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مكتوبا عندهم في التوراة.

و صرح: بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، و قد قرأنا في الحوادث التاريخية الكثير مما يدل على معرفتهم هذه.

و لكن الرواية تضمنت تفاصيل عن علي «عليه السلام» ، و عما يكون منه في خيبر، فيحتمل أن يكون ذلك الحبر صادقا فيما يدّعيه من قراءته ذلك في التوراة فعلا. . و يكون مقصوده هو التوراة الحقيقية، التي كان أحبار اليهود يتكتمون عليها، و لا يظهرونها لأتباعهم، لأنها تسقط مزاعمهم، و تكذب أباطيلهم. .

و أما احتمال أن يكون قوله ذلك من عند نفسه، حكاية منه لما جرى، و تزلفا منه للمسلمين. . فهو غاية في البعد، لما ظهر من أنه كان صادقا فيما أخبر به؛ لأن الأمر انتهى بإسلامه. و لو كان متزلفا لكان همه أن يخلص نفسه، دون أن يعلن إسلامه، خصوصا بعد أن أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمان، فهو لا يرى نفسه مطالبا بشيء، لا بالإسلام و لا بغيره. .

مراهنات قريش:

روى البيهقي، عن عروة، و عن موسى بن عقبة، و عن الواقدي عن

عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، قالوا: و اللفظ للواقدي:

كان حويطب بن عبد العزى يقول: انصرفت من صلح الحديبية، و أنا مستيقن أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» سيظهر على الخلق، و تأبى حمية الشيطان إلا لزوم ديني، فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي يخبرنا: أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» قد سار إلى خيابر، و أن خيابر قد جمعت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فمحمد لا يفلت.

إلى أن قال عباس بن مرداس: من شاء بايعته، إن محمدا لا يفلت.

قلت: أنا أخاطرك.

فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس.

و قال نوفل بن معاوية الديلمي: أنا معك يا عباس.

وضوى إليّ نفر من قريش، فتخاطرنا مائة بعير أخماسا إلى مائة بعير، أقول أنا و حزبي: يظهر محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

و يقول عباس و حزبه: تظهر غطفان.

و جاء الخبر بظهور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخذ حويطب و حزبه الرهن (1).

و نقول:

يظهر: أن هذا الذي جرى، كان قبل أن يتبيّن لهؤلاء: أن قسما كبيرا من غطفان قد انسحب إلى بلاده، خوفا و رعبا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 129 و تاريخ مدينة دمشق ج 15 ص 357 و عن الإصابة ج 2 ص 125.

و هكذا تظهر آثار صلح الحديبية على روحيات قريش، و على تصرفاتها؛ لتؤكد على يأسها من أن تقف في وجه دعوة الإسلام، و في وجه نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، بل إن حويطبا لا يستيقن بظهوره على قريش و حسب، و إنما بظهوره على جميع الخلق أيضا. .

و إذا كانت قريش تظن فيما سلف: أن في اليهود بعض القوة على المواجهة، فها هي أصبحت تراهن على اندحارهم أمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعطي الضمانات الكبيرة و الكثيرة {مائة بعير} ، للدلالة على صحة يقينها بنصره «صلى اللّه عليه و آله» على أعظم قوة ضاربة في المنطقة، فإن اليهود كانوا عشرة آلاف.

يضاف إلى ذلك: نصف هذا العدد من حلفائهم من غطفان، و بني فزارة. .

و كانوا يملكون كنزا من الذهب يضيق عنه مسك جمل، ولديهم من المزارع و النخيل، و الأرض الواسعة، و المياه الغزيرة. . ما لم يكن لأحد سواهم في تلك المناطق.

و لديهم الحصون الحصينة و الكثيرة. و لم يكن لدى غيرهم مثلها، أو ما يدانيها.

ولديهم من الطعام الذي جمعوه في حصونهم ما يكفيهم الأيام المديدة، و الشهور العديدة. .

ولديهم أنواع من السلاح و العتاد ما لم يكن نظيره لدى المسلمين، لا من حيث النوع، مثل الدبابات، و المنجنيق، و لا من حيث الكمية.

ولديهم الحقد الدفين، و الثارات و الترات التي يطلبونها من رسول اللّه

«صلى اللّه عليه و آله» الذي أنزل ضرباته القاضية بإخوانهم من بني قينقاع، و النضير، و قريظة، جزاء خياناتهم و غدرهم الذي لا ينتهي.

و لديهم أيضا: خوفهم من بطلان هيمنتهم، و سقوط زعامتهم، و عدم قدرتهم على التسويق لترهاتهم، و خداع الناس بأضاليلهم، و خشيتهم من أن تسقط نظرة الناس إليهم.

و يظهر بوار زعمهم للناس: أن لديهم العلوم و المعارف، و أنهم يعرفون أخبار الأمم السالفة، و يقدرون على رصد المستقبل، و التنبؤ بما سوف يحدث. .

ولديهم حسدهم للعرب، لكون النبي الخاتم منهم. .

ولديهم. . ولديهم. .

فإن كل ذلك يزيد من حدة المواجهة بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من معه من المسلمين. .

و لذلك كان عباس بن مرداس السلمي مستيقنا بأن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» لا يفلت من براثن اليهود.

و كان الناس يعرفون ذلك كله، فقد ورد في حديث الحجاج بن علاط، حين سار إلى مكة لأخذ أمواله، و بلغ الثنية البيضاء قوله:

«و إذ بها رجال من قريش يتسمّعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سار إلى خيبر، و قد عرفوا: أنها قرية الحجاز: أنفة، و منعة، و ريفا، و رجالا، و سلاحا، فهم يتحسبون {يتجسسون-ظ-} الأخبار، مع ما كان بينهم من الرهان» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 140 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 51 و 52 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 105 و عن أسد الغابة ج 1 ص 382 و الثقات ج 2 ص 19 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 305 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 245 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 808 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 408.

و لكن قريشا كانت-برغم ذلك كله-مقتنعة: بأن النصر سيكون له «صلى اللّه عليه و آله» ليس على اليهود و حسب، و لا على الجزيرة العربية، وحدها، و إنما على جميع الخلق أيضا. . و لذلك كانت المخاطرة بينهم على مائة بعير، و يأخذ المخاطرون هذا الرهن كله. .

ابن علاط يستنقذ ماله بمكة:

و قالوا: كان الحجاج بن علاط السلمي خرج يغير في بعض غاراته، فذكر له: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، فأسلم، و حضر مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كانت أم شيبة ابنة عمير بن هاشم-أخت مصعب بن عمير العبدري- امرأته، و كان الحجاج مكثرا-له مال كثير-و له معادن الذهب التي بأرض بني سليم، فقال: يا رسول اللّه، ائذن لي، فأذهب فآخذ مالي عند امرأتي، فإن علمت بإسلامي لم آخذ منه شيئا، و مال لي متفرق في تجّار أهل مكة.

فأذن له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، إنه لا بد لي من أن أقول.

قال: «قل» .

قال الحجاج: فخرجت، فلما انتهيت إلى الحرم، هبطت فوجدتهم بالثنية

البيضاء، و إذا بها رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سار إلى خيبر، و عرفوا أنها قرية الحجاز أنفة و منعة، و ريفا، و رجالا، و سلاحا.

فهم يتحسبون {لعل الصحيح: يتجسسون} الأخبار، مع ما كان بينهم من الرهان، على مائة بعير، على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يغلب أهل خيبر أو لا.

فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط عنده-و اللّه-الخبر-و لم يكونوا علموا بإسلامي-: يا حجاج، إنه قد بلغنا: أن القاطع (1)قد سار إلى خيبر، بلد يهود، و ريف الحجاز؟

فقلت: بلغني أنه قد سار إليها، و عندي من الخبر ما يسركم.

فالتبطوا بجانبي راحلتي، يقولون: إيه يا حجاج! !

فقلت: لم يلق محمد و أصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيابر، كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، و جمعوا له عشرة آلاف، فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط، و أسر محمد أسرا.

فقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فنقتله بين أظهرهم، بمن قتل منا و منهم.

و لهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم، و يرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم، و قد صنعوا بكم ما صنعوا.


1) أي قاطع الرحم. كانوا يصفون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك كذبا و زورا، و إمعانا في البغي عليه.

قال: فصاحوا بمكة، و قالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم.

و قلت: أعينوني على جمع مالي على غرمائي، فإني أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد و أصحابه: قبل أن تسبقني التجار إلى ما هناك.

فقاموا فجمعوا إليّ مالي كأحثّ جمع سمعت به.

و جئت صاحبتي فقلت لها: مالي، لعلي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التجار.

و فشا ذلك بمكة، و أظهر المشركون الفرح و السرور، و انكسر من كان بمكة من المسلمين.

و سمع بذلك العباس بن عبد المطلب، فقعد، و جعل لا يستطيع أن يقوم، فأشفق أن يدخل داره فيؤذى، و علم أنه يؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره أن يفتح، و هو مستلق، فدعا بقثم، فجعل يرتجز و يرفع صوته لئلا يشمت به الأعداء.

و حضر باب العباس بين مغيظ و محزون، و بين شامت، و بين مسلم و مسلمة مقهورين بظهور الكفر، و البغي.

فلما رأى المسلمون العباس طيبة نفسه، طابت أنفسهم، و اشتدت منتهم، فدعا غلاما له يقال له: أبو زبيبة.

فقال: اذهب إلى الحجاج، فقل له: يقول لك العباس: اللّه أعلى و أجل من أن يكون الذى جئت به حقا.

فقال له الحجاج: اقرأ على أبي الفضل السلام، و قل له: ليخل لي في بعض بيوته، لآتيه بالخبر على ما يسره، و اكتم عني.

و أقبل أبو زبيبة يبشر العباس، فقال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسه شيء، و دخل عليه أبو زبيبة، و اعتنقه العباس، و أعتقه، و أخبره بالذى قاله.

فقال العباس: للّه عليّ عتق عشر رقاب، فلما كان ظهرا، جاءه الحجاج، فناشده اللّه: لتكتمن علي ثلاثة أيام، و يقال: يوما و ليلة، فوافقه العباس على ذلك.

فقال: إني قد أسلمت، ولي مال عند امرأتي، و دين على الناس، و لو علموا بإسلامي لم يدفعوه إلي، و تركت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد فتح خيبر، و جرت سهام اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» فيها، و انتشل ما فيها، و تركته عروسا بابنة مليكهم حيي بن أخطب، و قتل ابن أبي الحقيق.

فلما أمسى الحجاج من يومه خرج، و طالت على العباس تلك الليالي، و يقال: إنما انتظره العباس يوما و ليلة.

فلما كان بعد ثلاث، و الناس يموجون في شأن ما تبايعوا عليه، عمد العباس إلى حلة فلبسها، و تخلق بخلوق، و أخذ بيده قضيبا، ثم أقبل يخطر، حتى وقف على باب الحجاج بن علاط، فقرعه، فقالت زوجته: ألا تدخل يا أبا الفضل؟

قال: فأين زوجك؟

قالت: ذهب يوم كذا و كذا، و قالت: لا يحزنك اللّه يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذى بلغك.

قال: أجل، لا يحزنني اللّه، لم يكن بحمد اللّه إلا ما أحببنا، فتح اللّه على

رسوله خيبر، و جرت فيها سهام اللّه و رسوله، و اصطفى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به.

قالت: أظنك و اللّه صادقا.

ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش، و هم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل! ! هذا و اللّه التجلد لحر المصيبة.

قال: كلا، و اللّه الذي حلفتم به، لم يصبني إلا خير بحمد اللّه، أخبرني الحجاج بن علاط: أن خيبر فتحها اللّه على رسوله، و جرى فيها سهام اللّه و سهام رسوله.

فرد اللّه تعالى الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، و خرج المسلمون من كان دخل في بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون.

و قال المشركون: (يا لعباد اللّه)انفلت عدو اللّه-يعني الحجاج-أما و اللّه لو علمنا لكان لنا و له شأن، و لم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك (1).

و نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أذن لابن علاط أن يقول ما شاء، فإنه قد حقق أهدافا عديدة، دون أن تتوجه إليه «صلى اللّه عليه و آله» أية


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 139 و 141 عن أحمد، و البيهقي، و ابن إسحاق، و الواقدي عن أنس و غيره، و السيرة الحلبية ج 3 ص 51 و 52 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 304-306 و الثقات ج 2 ص 19-21 و عن السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 407-409 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 806- 808.

مسؤولية أدبية في ذلك، لا سيما و أن ابن علاط لم يخبره بما يريد قوله، حتى لو كان «صلى اللّه عليه و آله» يعلم به عن طريق الوحي الإلهي.

و نذكر ما يرد على هذه القضية و ما يستفاد منها فيما يلي:

1-إننا نشك في بعض خصوصيات الرواية، فقد ذكرت: أن قريشا قد علمت بالأمر بعد ثلاثة أيام من خروج ابن علاط من مكة. .

و المفروض: أن الرهان كان فيما بينهم على مائة من الإبل، و أنهم حين رأوه قالوا: إن عنده العلم اليقين و إنه أخبرهم بأسر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأنه يؤتى به إليهم ليقتلوه. .

فهل أعطى الفريق الذي راهن على انتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» المائة من الإبل للفريق الآخر الذي راهن على انكساره؟ ! أم لا؟ !

فإن كان الرهان لم يؤدّ إلى الرابح فذلك يتنافى مع ما أظهروه من الثقة و الاستبشار بكلام ابن علاط، حتى لقد جمعوا له ماله بأسرع وقت. .

و إن كانوا قد أعطوه فالمفروض: أن يذكر التاريخ ذلك، و أنهم أعطوا الرهان، ثم استرجعوه ليأخذوه هم دون الفريق الآخر.

2-أنه قد مهد لصدمة روحية لقريش تضعف عزيمتها، و توهن قوتها الروحية، و للمحارب أن يضعف عزيمة عدوه بما يراه مناسبا، إذا كان ذلك لا يخالف العهد الذي أبرمه معهم.

3-إن هذا الأمر الذي من شأنه أن يمكن هذا الرجل من جمع ماله بسهولة و يسر، و يمنع من استغلال الظروف، و من استيلائهم على ماله من دون حق، لا يدل على أن الغاية تبرر الواسطة في الإسلام، لأن التعامل إنما هو مع عدو مشرك، يستحل الدم و المال، و ليس مع من يجب حفظ ماله، أو

يرى لغيره حرمة.

4-إن ما قاله الحجاج بن علاط لقريش، قد نشأت عنه حالة من شأنها أن تكشف دخائل الكثيرين ممن كانت هناك حاجة لمعرفة مقدار عداوتهم، أو مقدار محبتهم و ولائهم.

و هذا يفيد أهل الإيمان كثيرا في رسم معالم واضحة لطريقة التعامل مع هؤلاء، و أولئك، لأنه يعطيهم رؤية أوضح في هذا الاتجاه، و قدرة على اتخاذ المواقف المناسبة، حين لا بد لهم من ذلك.

5-غير أن لنا تساؤلا عن السبب الذي دفع الحجاج بن علاط إلى الإسلام، حين سمع بخروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر، و كان خارجا لشن الغارة على الآمنين، و الإيقاع بهم، فإنه-كما تقول الرواية-قد أسلم، ثم توجه إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و حضر معه فتح خيبر.

فلماذا أسلم حين جاءه هذا الخبر بالذات، و لم يسلم قبل ذلك؟ فهل لم تكن دعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وصلته؟ ! أم أنها وصلته، و لم يستجب لها؟ ! أم أنه أحسّ بقوة الإسلام و عزته إلى حد رأى أنه لا مجال بعد لمناوأته؟ ! أم أن في الأمر سرا آخر نجهله؟ !

6-إن هذا المكثر من المال، و الذي له معادن الذهب التي بأرض بني سليم، لا يحتاج في الحصول على رزقه إلى الغارة على الآخرين، و استياق مواشيهم، و أخذ أموالهم، و قتل رجالهم، و سبي نسائهم. إلا إذ كان يمارس حالة البغي، و الظلم، و القسوة، التي كانت تهيمن على تفكيره، و على مشاعره. و من كان كذلك، فإننا لا نتوقع منه أن يدخل في الإسلام بصورة طوعية، و عن قناعة، و رضا.

7-لماذا تكون زوجة الحجاج في مكة، و يكون هو في مناطق بني سليم في محيط المدينة؟ ! فإنه إذا كان قد خرج ليشن الغارة، فذلك يعني: أنه كان مع قومه، و في موضع إقامته. .

و إذا كانت زوجته قد ذهبت إلى مكة لزيارة أهلها، فما معنى: أن يكون المال عندها، و أن لا يتمكن من تحصيله منها؟ !

8-ما معنى طلبه من أهل مكة: أن يجمعوا له أمواله، ليلحق بخيبر قبل أن يسبقه التجار إليها؟ !

فإنه إن كان قد جاء من خيبر إلى مكة، فهو يحتاج إلى حوالي ثلاثة عشر يوما ليقطع الطريق بينهما، و يحتاج في عودته إلى مثل ذلك، يضاف إليها الأيام التي يقضيها في مكة.

فتكون النتيجة: هي مضي حوالي شهر على فتح خيبر، فهل يصبر التجار كل هذه المدة، و لا يبادرون إلى شراء ما يمكن شراؤه من تلك الغنائم؟ !

مع ملاحظة أخرى تزيد الأمر تعقيدا، و هي: أنه إنما ترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد فتح خيبر، و بعد تزوجه ببنت ملكهم، كما صرح به هو نفسه، و هذا إنما حصل في منطقة الصهباء حين عودته «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة.

و هم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعا اللّه تعالى أن يعجل بنفاق غنائم خيبر، قالوا: «فلما عرضناها على البيع رغب فيها الناس رغبة تامة حتى بيعت كلها في يومين» (1).

9-إننا نستغرب من الحجاج بن علاط: أن يعلم أبا زبيبة بالحقيقة،


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 55.

و هو غلام لا يدري إلى أين هواه، فلماذا لم يخف من أن يفشي عليه سره، و يوقعه في المحذور الكبير و الخطير؟ !

و مجرد طلبه منه أن يكتم عليه لا يكفي للاعتماد في مثل هذه المواقع الحساسة و الصعبة.

من استشهد بخيبر من المسلمين:

إننا نذكر هنا قائمة بأسماء المسلمين الذين استشهدوا في خيبر، بالإعتماد على ما ذكره الصالحي الشامي، فنقول:

أسلم الحبشي الراعي: ذكره أبو عمر، و اعترضه ابن الأثير: بأنه ليس في شيء من السياقات أن اسمه أسلم.

قال الحافظ: و هو اعتراض متجه، قلت: قد جزم ابن إسحاق في السيرة برواية ابن هشام: بأن اسم أسلم: الأسود الراعي.

و قال محمد بن عمر: اسمه يسار (1).

و قال الحلبي: الأسود الراعي: كان أجيرا لرجل من اليهود يرعى غنمه، و كان عبدا حبشيا يسمى أسلم، و في الإمتاع: اسمه يسار فجاء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو محاصر خيبر، فقال: يا رسول اللّه، اعرض عليّ الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144 و عن أسد الغابة ج 1 ص 76 و عن الإصابة ج 1 ص 369.

2) السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 726. و راجع: الإصابة ج 1 ص 216 و عن عيون الأثر ج 2 ص 147 و 150 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 806 و عن أسد الغابة ج 5 ص 76 و 123 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و البداية و النهاية ج 4 ص 244.

أنيف-تصغير أنف-بن حبيب بن عمرو بن عوف (1).

أنيف بن واثلة (2).

أوس بن جبير الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، قتل على حصن ناعم، أورده ابن شاهين، و تبعه أبو موسى (3).

أوس بن حبيب الأنصاري. ذكره أبو عمر، و قيل: هو الذي قبله (4).

أوس بن فايذ-بالتحتية و الذال المعجمة-الأنصاري، ذكره أبو عمر: أوس بن فايد (5)-بالفاء و الدال المهملة-أو ابن فاتك، أو الفاكه، من بني


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و عن الإصابة ج 1 ص 288 و عن عيون الأثر ج 2 ص 150 و تاريخ خليفة بن خياط ص 51 و الثقات ج 2 ص 18 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406 و البداية و النهاية ج 4 ص 244.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و عن الإصابة ج 1 ص 288 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 377 و في ج 2 ص 107{أنيف بن وائل} .

3) راجع: أسد الغابة ج 1 ص 141 و عن الإصابة ج 1 ص 294 و 305.

4) الإصابة ج 1 ص 296 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و 4 ص 377 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145.

5) راجع: أسد الغابة ج 5 ص 126 و عن الإصابة ج 1 ص 288 و 305 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و تاريخ خليفة بن خياط ص 51 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

عمرو بن عوف.

و لعلهما واحد، فإن النقط للحروف لم يكن شائعا في الكتابة تلك الأيام.

أوس بن قتادة الأنصاري (1).

بشر بن البراء بن معرور (2).

ثابت بن إثلة-بكسر الهمزة، و سكون الثاء المثلثة-و زاد أبو عمر: واوا في أوله، و لم يوافقوه (3).


1) الإصابة ج 1 ص 305 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 عن ابن إسحاق، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و الثقات ج 2 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و 384 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 149 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 491 و ج 3 ص 406 و المجمع ج 18 ص 385 و مغني المحتاج ج 4 ص 7 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 109 و المحلى ج 11 ص 27 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 81 و البحار ج 17 ص 396 و ج 21 ص 7 و سنن أبي داود ج 2 ص 369 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 219 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 46 و مجمع الزوائد ج 8 ص 296 و ج 9 ص 315 و المعجم الكبير ج 2 ص 34 و رجال الطوسي ص 22 و خلاصة الأقوال ص 79 و رجال ابن داود ص 56 و جامع الرواة ج 1 ص 121.

3) الإصابة ج 1 ص 500 و الثقات ج 2 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

ثقف (1)-و قال محمد بن عمر: ثقاف-بن عمرو بن سميط الأسدي (2).

الحارث بن حاطب، ذكره ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد، و قالا: شهد بدرا، و لم يتعرض له أبو عمر، و لا الذهبي، و لا الحافظ، لكونه استشهد بخيبر. و هو أخو ثعلبة بن حاطب بن عمر بن عبيد الأنصاري الأوسي (3).

ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمر الأسدي، قتل بالنطاة، قتله الحارث اليهودي (4).

رفاعة بن مسروح الأسدي، حليف بني عبد شمس، قتله الحارث


1) الثقات ج 2 ص 17 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و ج 3 ص 985 و عن الإصابة ج 1 ص 525 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 149 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 504 و ج 3 ص 406 و مجمع الزوائد ج 6 ص 155 و المعجم الكبير ج 2 ص 104 و أسد الغابة ج 1 ص 246.

2) الإصابة ج 2 ص 384 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و عيون الأثر ج 2 ص 149 و المعجم الكبير ج 5 ص 66.

3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و ج 3 ص 461 و عن الإصابة ج 1 ص 288 و 305 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عيون الأثر ج 2 ص 149 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

4) الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و ج 3 ص 95 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

اليهودي (1).

سليم بن ثابت بن وقش الأنصاري الأشهلي، ذكره ابن الكلبي، و ابن جرير الطبري (2).

طلحة، ذكره ابن إسحاق، و لم ينسبه، و لم يقف كثير من الحفاظ على نسبه، و لم يذكره محمد بن عمر، و لا ابن سعد، و قال أبو ذر في الإملاء: هو طلحة بن يحيى بن إسحاق بن مليل (3).

قال أبو علي الغساني: لم يخبر ابن إسحاق باسم طلحة هذا.

قلت: و لم أر لطلحة بن يحيى بن إسحاق هذا ذكرا في الإصابة للحافظ، و لا في الكاشف للذهبي (4).

عامر بن الأكوع، و اسم الأكوع: سنان بن عبد اللّه (5).


1) الإصابة ج 2 ص 411 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و الثقات ج 2 ص 17 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و عن عيون الأثر ج 2 ص 149 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

2) راجع: الإصابة ج 3 ص 139 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و أسد الغابة ج 3 ص 347.

3) الإصابة ج 3 ص 436 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145.

5) المغني لابن قدامة ج 9 ص 510 و ج 10 ص 39 و الشرح الكبير ج 9 ص 496 و كشف القناع ج 6 ص 13 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 272 و إرواء الغليل ج 7 ص 301 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 303 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و الأعلام ج 3 ص 251 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 39 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و عن عيون الأثر ج 2 ص 150.

عبد اللّه بن أبي أمية بن وهب، قتل بالنطاة، و ذكره محمد بن عمر، و ابن سعد و لم يذكره ابن إسحاق (1).

عبد اللّه بن هبيب، ذكره ابن إسحاق في رواية البكائي، و جرير بن حازم، و يونس بن بكير، لكن عنده عبد اللّه بن فلان بن وهب، و كذا سماه أبو عمر و جماعة، و ذكر محمد بن عمر: أنه استشهد هو و أخوه عبد الرحمن بأحد، قال الحافظ: و الأول أولى (2).

عدي بن مرة بن سراقة البلوي، طعن بين ثدييه بحربة فمات منها، ذكره محمد بن عمر، و ابن سعد، و أبو عمر (3).

عروة بن مرة بن سراقة الأوسي، ذكره أبو عمر (4).


1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و الإستيعاب ج 2 ص 88 و أسد الغابة ج 2 ص 539 و ج 3 ص 119.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 244 و أسد الغابة ج 3 ص 270 و الإصابة ج 4 ص 316 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 145 و السيرة النبوية لابن هشام ج 5 ص 146 و عن عيون الأثر ج 2 ص 148 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

3) الإصابة ج 4 ص 394 و البداية و النهاية ج 4 ص 244 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و 147 و أسد الغابة ج 3 ص 405 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و الإستيعاب ج 3 ص 66.

4) الإصابة ج 4 ص 406 و الإستيعاب ج 3 ص 53 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و أسد الغابة ج 3 ص 247 و 405 و الثقات ج 2 ص 17 و عن عيون الأثر ج 2 ص 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406.

عمارة بن عقبة بن حارثة الغفاري، رمي بسهم، ذكره ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد، و أبو عمر، و تعقبه الحافظ في كونه استشهد بخيبر بكلام يدل على أنه لم يراجع السيرة في هذا المحل، و لا شك في صحة ما ذكره أبو عمر (1).

فضيل بن النعمان الأنصاري السلمي-بفتح السين-ذكره ابن إسحاق في رواية يونس، و ابن سلمة و زياد، و جزم بذلك محمد بن عمر، و ابن سعد هنا، و قال ابن سعد في موضع آخر: كذا وجدناه في غزوة خيبر، و طلبناه في نسب بني سلمة فلم نجده، و لا أحسبه إلا و هما، و إنما أراد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان، و الطفيل ذكره ابن عقبة في من شهد خيبر (2).

بشر بن المنذر بن زنبر-وزن جعفر- (3).

محمود بن مسلمة، قتل عند حصن ناعم، ألقيت عليه صخرة، قيل: ألقاها عليه مرحب، و قيل: كنانة بن الربيع، و لعلهما اشتركا في الفعل (4).


1) أسد الغابة ج 4 ص 50 و الإصابة ج 4 ص 481 و 482 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و الثقات ج 2 ص 18.

2) الإصابة ج 5 ص 288 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 146 و أسد الغابة ج 4 ص 184.

3) و أسد الغابة ج 5 ص 146.

4) المستدرك للحاكم ج 3 ص 38 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 216 و ج 9 ص 82 و مجمع الزوائد ج 6 ص 151 و 155 و فتح الباري ج 7 ص 365 و المعجم الكبير ج 19 ص 304 و الإصابة ج 6 ص 35 و أسد الغابة ج 4 ص 334 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 793 و 805 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و معجم البلدان ج 5 ص 253 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 298 و عن عيون الأثر ج 2 ص 135 و 149 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 354 و 363 و تاج العروس ج 9 ص 83.

و مدعم الأسود، مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قتل بخيبر، و هو الذي غلّ الشملة يومئذ، و جاء الحديث أنها تشتعل عليه نارا (1).

مرة بن سراقة الأنصاري، ذكره أبو عمر، و تعقبه ابن الأثير: بأن الذي ذكروا أنه شهد خيبر ابنه عروة بن مرة (2).

قال الحافظ: و لا مانع من الجمع (3).


1) أسد الغابة ج 2 ص 181 و ج 4 ص 341 و الإصابة ج 6 ص 49 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و 148 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 471 و صحيح البخاري ج 5 ص 81 و ج 7 ص 235 و سنن أبي داود ج 1 ص 614 و سنن النسائي ج 7 ص 24 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 137 و تركة النبي ص 111 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 140 و ج 5 ص 222 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 282 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 405 و البداية و النهاية ج 4 ص 236 و 241 و 248 و ج 5 ص 341 و عن عيون الأثر ج 2 ص 151 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 394 و 401 و 412 و ج 4 ص 631.

2) المعجم الكبير ج 7 ص 137 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و في الإصابة ج 3 ص 402 قال: حنين بدل خيبر، و في الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 2 ص 408 حنين أيضا. و في مجمع الزوائد ج 6 ص 190 حنين، و في الطبقات الكبرى حنين أيضا، و في أسد الغابة ج 4 ص 350 أحد الذين قتلوا بحنين.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و الإصابة ج 6 ص 62.

قال الصالحي الشامي: و يؤكد كلام ابن الأثير: أن أبا عمر لم يذكره في الدر، بل ذكر ابنه عروة (1).

مسعود بن ربيعة، و يقال: ربيع بن عمرو القاري بالتشديد، ممن استشهد بخيبر (2).

مسعود بن سعد بن قيس الأنصاري الزرقي، ذكره ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد، و نقل أبو نعيم عن ابن عمارة: أنه ذكره فيهم، و خالفه الواقدي-أ ه. نقله الحافظ و أقره. و الذي في مغازي الواقدي: أنه استشهد بخيبر، و أن مرحبا قتله، فاللّه أعلم (3).

يسار، اسم الأسود الراعي، ذكره محمد بن عمر، و ابن سعد. و سماه ابن إسحاق: أسلم (4).

أبو سفيان بن الحارث، كذا في نسخة سقيمة عن الزهري، نقلا عن رواية يونس عن ابن إسحاق، و لم أره في الإصابة (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عن عيون الأثر ج 2 ص 150 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147.

3) مجمع الزوائد ج 6 ص 155 و المعجم الكبير ج 20 ص 332 و الإصابة ج 6 ص 78 البداية و النهاية ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147.

4) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عن عيون الأثر ج 2 ص 147 و 150 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144 و 147 و الإصابة ج 1 ص 215 و 369 و أسد الغابة ج 1 ص 76 و تاج العروس ج 3 ص 628.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 147 و أسد الغابة ج 5 ص 215.

أبو ضياح الأنصاري، اسمه النعمان (1).

القتلى من اليهود:

و قالوا: إن الذين قتلوا من اليهود في غزوة خيبر كانوا ثلاثة و تسعين رجلا (2).

أين هي هذه الأحداث؟ ! :

إن صاحب ديوان أمير المؤمنين «عليه السلام» قد نسب إليه «عليه السلام» مقطوعات عديدة من الأرجاز في مناسبة خيبر. .

و قد ذكر لهذه الأرجاز مناسبات تخص كل واحدة منها. و لم نجد في كتب التاريخ و السيرة شيئا عن تلك المناسبات. فسوّغ لنا ذلك احتمال كون هذه الأرجاز مجعولة. . فعدنا إلى مضامينها، و تأملنا فيها، فلم نجدها تضمنت أية خصوصية تبرر لنا احتمالنا الآنف الذكر، فإنها مجرد تعابير قوية، تدخل في سياق الحرب النفسية للعدو، و ترمي إلى إضعاف عزيمته و إسقاطها. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 144-148 و مجمع الزوائد ج 6 ص 155 و المعجم الكبير ج 22 ص 392 و عن الطبقات الكبرى ج 3 ص 478 و إكمال الكمال ج 5 ص 162 و الأنساب ج 1 ص 328 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 805 و عن عيون الأثر ج 2 ص 149 و عن البداية و النهاية ج 3 ص 394 و ج 4 ص 244 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 406 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 266 و عن أسد الغابة ج 6 ص 178.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 148 و عن عيون الأثر ج 2 ص 147 و البحار ج 21 ص 32 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 107.

فلم نجد بدا من استبعاد ذلك الاحتمال، و استبداله باحتمال أقوى منه، لكونه مؤيدا بنظائر له قد حفل بها التاريخ الإسلامي. ألا و هو أن يدا ما قد سعت إلى إسقاط كثير من الحقائق و القضايا من تاريخ علي «عليه السلام» ؛ لأنها لا تخدم أغراضها، و لا تفيدها في خططها و أهدافها. . و لأجل هذا و ذاك كان لا بد لنا من عرض هذه المقطوعات وفقا لما أورده المجلسي «رحمه اللّه» ، و ذلك كما يلي:

جاء في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» : أن مما أنشده في غزاة خيبر:

ستشهد لي بالكر و الطعن رايةحباني بها الطهر النبي المهذب

و تعلم أني في الحروب إذا التظتبنيرانها الليث الهموس المجرب (1)

و مثلي لاقى الهول في مفظعاتهو قل له الجيش الخميس العطبطب (2)

و قد علم الأحياء أني زعيمهاو أني لدى الحرب العذيق المرجب (3)

الإلتظاء: الإشتعال و الإلتهاب، و قال الجوهري: الأسد الهموس: الخفي الوطء، و «قل» المضبوط في النسخ بالقاف، و لعل الفاء أنسب من قولهم: فل الجيش: إذا هزمهم، و العطبطب لم أجده في اللغة، و في الشرح المهلك، و الزعيم: سيد القوم و رئيسهم، و العذيق تصغير العذق بالفتح و هي النخلة، و هو تصغير


1) الهموس: الوطء الخفي.

2) العطبطب: لعلها مأخوذة من العطب، أي: الموجب لعطب ما يواجهه. و لعل الصحيح: فل-بالفاء.

3) البحار ج 21 ص 35 و في هامشه عن ديوان أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 23 و 24.

تعظيم، و الرجبة: هو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها-لطولها و كثرة حملها-أن تقع. و قد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يرقى إليها، و من الترجيب: أن تعمد بخشبة ذات شعبتين.

و قيل: أراد بالترجيب التعظيم، كل ذلك ذكره في النهاية.

و منه فيها:

أنا علي و ابن عبد المطلبمهذب ذو سطوة و ذو غضب

غذيت في الحرب و عصيان النؤبمن بيت عز ليس فيه منشعب

و في يميني صارم يجلو الكربمن يلقني يلق المنايا و العطب

إذ كف مثلي بالرؤوس يلتعب (1)

و عصيان النؤب، أي: عدم إطاعة نوائب الدهر لي، و غلبتها علي، و المنشعب مصدر ميمي، أو اسم مكان.

و الانشعاب: التفرق، و إذ للتعليل، أو ظرف ل «يلق» .

و منه فيها مخاطبا لياسر و غيره:

هذا لكم من الغلام الغالبمن ضرب صدق و قضاء الواجب

و فالق الهامات و المناكبأحمي به قماقم الكتائب (2)

القمقام: السيد، و العدد الكثير. و الكتيبة: الجيش.

و منه فيها مخاطبا لعنتر و سائر عسكر خيبر:

هذا لكم معاشر الأحزابمن فالق الهامات و الرقاب


1) البحار ج 21 ص 36 و في هامشه عن ديوان أمير المؤمنين ص 24.

2) البحار ج 21 ص 36 و عن ديوان أمير المؤمنين ص 24.

فاستعجلوا للطعن و الضرابو استبسلوا للموت و المآب

صيركم سيفي إلى العذاببعون ربي الواحد الوهاب (1)

استبسل: طرح نفسه في الحرب، و يريد أن يقتل أو يقتل لا محالة.

و المآب: المرجع في الآخرة.

و منه فيها مخاطبا لربيع بن أبي الحقيق:

أنا علي و ابن عبد المطلبأحمي ذماري و أذب عن حسب

و الموت خير للفتى من الهرب (2)

و منه فيها مخاطبا لجماهير أهل خيبر:

أنا علي و ابن عبد المطلبمهذب ذو سطوة و ذو حسب

قرن إذا لاقيت قرنا لم أهبمن يلقني يلق المنايا و الكرب (3)

و منه فيها مخاطبا لمرة بن مروان:

أنا علي و ابن عبد المطلبأخو النبي المصطفى و المنتجب

رسول رب العالمين قد غلببيّنه رب السماء في الكتب

و كلهم يعلم لا قول كذبو لا بزور حين يدء بالنسب

صافي الأديم و الجبين كالذهباليوم أرضيه بضرب و غضب

ضرب غلام أرب من العربليس بخوار يرى عند النكب


1) البحار ج 21 ص 36 و ديوان أمير المؤمنين ص 25.

2) البحار ج 21 ص 36 و ديوان أمير المؤمنين ص 25.

3) البحار ج 21 ص 37 و ديوان أمير المؤمنين ص 25.

فاثبت لضرب من حسام كاللهب (1)

قال الشارح: الدأو و الدأي: الحكاية، و لم أجده فيما عندنا من الكتب، و في القاموس: دأيت الشيء كسعيت: ختلته، و يحتمل أن يكون بالباء الموحدة من الابتداء.

و منه فيها مخاطبا لمرحب:

نحن بنو الحرب بنا سعيرهاحرب عوان حرها نذيرها

تحث ركض الخيل في زفيرها (2)

و منه فيها مجيبا لياسر الخيبري:

تبا و تعسا لك يا بن الكافرأنا علي هازم العساكر

أنا الذي أضربكم و ناصريإله حق و له مهاجري

أضربكم بالسيف في المصاغرأجود بالطعن و ضرب طاهر

مع ابن عمي و السراج الزاهرحتى تدينوا للعلي القاهر

ضرب غلام صارم مماهر (3)

و أيضا في جوابه:

ينصرني ربي خير ناصرآمنت باللّه بقلب شاكر

أضرب بالسيف على المغافرمع النبي المصطفى المهاجر (4)


1) البحار ج 21 ص 37 و ديوان أمير المؤمنين ص 25.

2) البحار ج 21 ص 37 و ديوان أمير المؤمنين ص 61.

3) البحار ج 21 ص 38 و ديوان أمير المؤمنين ص 62.

4) البحار ج 21 ص 38 و ديوان أمير المؤمنين ص 62.

و منه فيها مجيبا لأبي البليت عنتر:

أنا علي البطل المظفرغشمشم القلب بذاك أذكر

و في يميني للقاء أخضريلمع من حافته برق يزهر

للطعن و الضرب الشديد محضرمع النبي الطاهر المطهر

اختاره اللّه العلي الأكبراليوم يرضيه و يخزى عنتر (1)

قال الجوهري: الغشمشم: الذي يركب رأسه لا يثنيه شيء عما يريد و يهوى من شجاعته، و إنما عبر عن السيف بالأخضر، لأنه من الحديد و هو أسود، و العرب يعبر عن السواد بالخضرة، أو لكثرة مائه كما يسمى البحر الأخضر.

و منه فيها، قال: ارتجز داود بن قابوس فقال:

يا أيها الحامل بالترغمماذا تريد من فتى غشمشم

أروع مفضال هصور هيصمماذا ترى ببازل معتصم

و قاتل القرن الجريء المقدمو اللّه لا أسلم حتى تحرم

فأجابه صلوات اللّه عليه:

اثبت لحاك اللّه إن لم تسلملوقع سيف عجرفي خضرم

تحمله مني بنان المعصمأحمي به كتائبي و أحتمي

إني و رب الحجر المكرمقد جدت للّه بلحمي و دمي (2)

الترغم: التغضب. و الغشمشم: الشجاع الذي لا يرده شيء.


1) البحار ج 21 ص 38 و ديوان أمير المؤمنين ص 62 و 63.

2) البحار ج 21 ص 38 و 39 و ديوان أمير المؤمنين ص 127.

و الأروع: الذي يعجبك حسنه.

و الهصور: الأسد، و الهيصم: الأسد، و القوي من الرجال.

و بزل البعير: انشق نابه، و لحاك اللّه أي لعنك اللّه، و يقال: جمل فيه عجرفة، أي قلة مبالاة لسرعته، و فلان يتعجرف عليّ: إذا كان يركبه بما يكره و لا يهاب شيئا، و عجارف الدهر: حوادثه.

و قال الجوهري: الخضرم بالكسر: الكثير العطية، مشبه بالبحر الخضرم و هو الكثير الماء، و كل شيء كثير واسع خضرم.

و المعصم: موضع السوار من الساعد. و الحجر المكرم: الحجر الأسود.

و منه فيها مخاطبا لليهود:

هذا لكم من الغلام الهاشميمن ضرب صدق في ذرى الكمائم

ضرب يقود شعر الجماجمبصارم أبيض أي صارم

أحمي به كتائب القماقمعند مجال الخيل بالأقادم (1)

الكمة: القلنسوة المدورة.

و يقال: سيد قماقم بالضم لكثرة خيره و بالفتح جمع القمقام و هو السيد.

و منه عند قتل الخيبري:

أنا علي ولدتني هاشمليث حروب للرجال قاصم

معصوصب في نقعها مقادممن يلقني يلقاه موت هاجم (2)

قصمت الشيء قصما: كسرته، و اعصوصب القوم: اجتمعوا، و النقع:


1) البحار ج 21 ص 39 و ديوان أمير المؤمنين ص 127.

2) البحار ج 21 ص 39 و ديوان أمير المؤمنين ص 127 و 128.

الغبار، و المقادم: جمع مقدام كمفاتح و مفتاح.

بعض ما قيل من الشعر في غزوة خيبر:

و من الشعر في غزوة خيبر ما قاله كعب بن مالك:

و نحن وردنا خيبرا و فروضهبكل فتى عاري الأشاجع مذود

جواد لدى الغايات لا واهن القوىجريء على الأعداء في كل مشهد

عظيم رماد القدر في كل شتوةضروب بنصل المشرفي المهند

يرى القتل مدحا إن أصاب شهادةمن اللّه يرجوها و فوزا بأحمد

يذود و يحمي عن ذمار محمدو يدفع عنه باللسان و باليد

و ينصره من كل أمر يريبهيجود بنفس دون نفس محمد

يصدق بالإنباء بالغيب مخلصايريد بذاك العز و الفوز في غد (1)

و قال حسان:

بئس ما قاتلت خيابر عماجمعوا من مزارع و نخيل

كرهوا الموت فاستبيح حماهمو أقروا فعل اللئيم الذليل

أمن الموت تهربون فإن ال‌موت موت الهزال غير جميل (2)


1) عن البداية و النهاية ج 4 ص 247 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 412 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 151 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 810.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 151 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 247 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 808 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 411.

الباب الثامن: فتح. . و صلح

اشارة

الفصل الأول: مقاسم خيبر. . بين الصلح و الفتح الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرهم. . و عمر يجليهم الفصل الثالث: فدك و غصبها. . أحداث. . و تفاصيل الفصل الرابع: فدك. . دليل الإمامة

الفصل الأول: مقاسم خيبر. . بين الصلح و الفتح

اشارة

كتاب إسقاط الجزية عن يهود خيبر:

و أظهر اليهود في العصور التالية لعصر الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» كتابا نسبوه إليه «صلى اللّه عليه و آله» جاء فيه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أسقط الجزية عن أهل خيبر. . و في الكتاب شهادة سعد بن معاذ، و معاوية بن أبي سفيان، و فيه إسقاط الكلف، و السخرة و الجزية (1).

و قد اغتر بعض علماء الشافعية بهذا الكتاب، فحكم بإسقاط الجزية عنهم، و منهم أبو علي بن خيرون (2).

و قد جاؤوا بالكتاب في سنة 447 هجرية إلى وزير القائم أبي القاسم علي بن الحسن، فعرضه على الخطيب البغدادي، فحكم بأنه مزور.


1) راجع: المنتظم ج 8 ص 265 و 312 و تذكرة الحفّاظ ج 3 ص 317 و البداية و النهاية ج 5 ص 315 و 317 و راجع: ج 12 ص 101 و 102 و أحكام أهل الذمة لابن القيم ص 7 و 8 و طبقات الشافعية للسبكي ج 3 ص 12-14 و الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص 75 و الخطيب البغدادي ليوسف العش ص 32.

2) البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 250 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 259 و ج 3 ص 740.

و قد حكم بتزوير هذا الكتاب العلامة الحلي «رحمه اللّه» (1).

و ألف ابن كثير كتابا في إبطاله (2)، و قال: إن جماعة حكموا عليه بالبطلان، مثل:

ابن الصباغ المالكي في مسائله.

و ابن حامد في تعليقته.

و ابن المسلمة الذي صنف جزءا مفردا للرد عليه أيضا (3).

و استدلوا على تزويره بما يلي: 1-إنه لم ينقله أحد من المسلمين (4).

2-إن فيه شهادة سعد بن معاذ، و هو إنما استشهد قبل ذلك بزمان، في وقعة بني قريظة، بعد أن حكم فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة.

و ذكر ابن كثير: أنه وقف عليه فرأى فيه شهادة سعد بن معاذ عام


1) مختلف الشيعة ج 1 ص 391 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 259 و ج 3 ص 740 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 250 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415.

2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 697 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 371 و ج 14 ص 22 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 259 و ج 3 ص 740.

3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 740 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 250 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415.

4) مختلف الشيعة ج 1 ص 391 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 250 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 259 و ج 3 ص 740.

خيبر، و قد توفي سعد قبل ذلك بسنتين، و فيه: كتب علي بن أبي طالب و هذا لحن و خطأ (1)لا يصدر عن أمير المؤمنين علي، لأن علم النحو إنما أسند إليه من طريق أبي الأسود الدؤلي عنه.

و يجاب عن هذا: بأن من الجائز أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاهم هذا الكتاب في أوائل الهجرة، أو على الأقل قبل واقعة بني قريظة. . ثم لما نكثوا عهدهم حاربهم. .

3-غير أننا نقول:

إن هذا الجواب أيضا باطل: لأن شهادة معاوية بن أبي سفيان على الكتاب لا يمكن أن تجتمع مع شهادة سعد بن معاذ، لأنه قد أسلم عام فتح مكة، أي بعد موت سعد بن معاذ بعدة سنوات، فكيف يشهد معه على كتاب إسقاط الجزية عنهم؟ !

4-يقول ابن قيم الجوزية: إن إثبات الجزية إنما كان في سنة تسع من الهجرة، فكيف يسقط النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن اليهود أمرا لم يثبت؟ .

و لنا أن نقول في جوابه: إنه إذا ثبت إسقاط الجزية بهذا الكتاب كان ذلك دليلا على ثبوتها قبل سنة تسع.

5-يضاف إلى ذلك: أنه لم يكن في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلف و لا سخرة على اليهود، فما معنى إسقاطها عنهم أيضا؟ . .


1) البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 250 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و 416 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 740 و 741.

و بذلك يظهر: أنه لا قيمة لهذا الكتاب المزعوم، بعد أن كانت كل الدلائل تشير إلى بطلانه. .

الوطيح و سلالم فتحا صلحا:

قال ابن إسحاق: و تدنّى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأموال، يأخذها مالا مالا، و يفتحها حصنا حصنا، حتى انتهوا إلى ذينك الحصنين-أعني الوطيح و سلالم الذي هو حصن بني الحقيق، و هو آخر حصون خيبر-و جعلوا لا يطلعون من حصنهم، حتى همّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينصب عليهم المنجنيق، لما رأى من تغليقهم، و أنه لا يبرز منهم أحد.

فلما أيقنوا بالهلكة-و قد حصرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة عشر يوما-سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصلح، فأرسل كنانة بن أبي الحقيق إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا من اليهود يقال له: شماخ، يقول: «أنزل فأكلمك» ؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم» .

فنزل كنانة بن أبي الحقيق، فصالح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة، و ترك الذرية لهم، و يخرجون من خيبر و أرضها بذراريهم، و يخلون بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين ما كان لهم من مال و أرض، و على الصفراء و البيضاء، و الكراع، و الحلقة، و على البز إلا ثوبا على ظهر إنسان.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و برئت منكم ذمة اللّه و ذمة رسوله إن كتمتموني شيئا» .

فصالحوه على ذلك، فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأموال فقبضها، الأول، فالأول.

و وجد في ذينك الحصنين مائة درع، و أربعمائة سيف، و ألف رمح، و خمسمائة قوس عربية بجعابها (1).

و وجدوا صحائف متعددة من التوراة، فجاءت يهود تطلبها، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بدفعها إليهم (2).

و بذلك يكون الوطيح و سلالم فيئا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ لم يحصل قتال في هذين الحصنين، و ما جرى حين نزول المسلمين هناك، فإنما هو مناوشات مع أفراد.

و نقل الحلبي عن فتح الباري، عن ابن عبد البر: جزمه بأن حصون خيبر فتحت عنوة، و إنما دخلت الشبهة على من قال فتحت صلحا بالحصنين اللذين سلمهما أهلهما لحقن دمائهم، و هو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار و قتال.

هذا كلامه، فليتأمل، فإن بالقتال يخرج عن كونه فيئا (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 204 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 41 و 42. و راجع: البحار ج 21 ص 6 و 32 عن الكازروني في المنتقى في مولد المصطفى، و المغازي للواقدي ج 2 ص 671 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 203 و تفسير الميزان ج 18 ص 297.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 55 و المغازي للواقدي ج 2 ص 680 و 681.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 41 و عن فتح الباري ج 7 ص 366.

و نقول:

لعله يقصد المناوشات الفردية، التي لا يصح اعتبار الفتح مستندا إليها.

هل فتحت خيبر صلحا؟ ! :

إن ظاهر كلام بعضهم: أن خيبر قد فتحت صلحا (1).

و قد نقل في بعض المصادر عن الزهري: الكتيبة أكثرها عنوة (2).

و بعضهم عرض الخلاف في هذا الأمر (3).

و يظهر من بعض التعابير لبعض المؤرخين: أن خيبر قد فتحت كلها عنوة (4).


1) راجع: معجم البلدان ج 2 ص 410 و البحار ج 21 ص 6 و 25 و فتوح البلدان ص 341. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 154 و 155 و الجوهر النقي للمارديني ج 8 ص 121 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 209 و عن فتح الباري ج 5 ص 10 و ج 7 ص 366 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 530 و عون المعبود ج 8 ص 176.

2) النهاية في اللغة {مادة: كتب} ، و لسان العرب ج 1 ص 701 و تاج العروس ج 1 ص 445 و مكاتيب الرسول ج 3 هامش ص 624 و معجم ما استعجم هامش ج 4 ص 1115 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 4 ص 149.

3) البداية و النهاية ج 4 ص 201 و شرح مسلم للنووي ج 1 ص 209 و عن فتح الباري ج 7 ص 366 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 154.

4) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 56 و راجع: فتوح البلدان ص 341 عن الزهري و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 154 و 155 و مكاتيب الرسول ج 3 هامش ص 624 و نصب الراية للزيعلي ج 6 ص 473 و سبل السلام ج 3 ص 78 و نيل الأوطار ج 6 ص 10 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 209 و 212 و ج 11 ص 86 و عن فتح الباري ج 5 ص 303 و عن عون المعبود ج 8 ص 168 و 171 و نصب الراية ج 6 ص 473 و معجم البلدان ج 1 ص 42.

قال اليعقوبي: «ثم كانت وقعة خيبر في أول سنة سبع، ففتح حصونهم، و هي ستة حصون: السلالم، و القموص، و النطاة، و القصارة، و الشق، و المربطة. و فيها عشرون ألف مقاتل. ففتحها حصنا حصنا، فقتل المقاتلة، و سبى الذرية، و كان القموص من أشدها و أمنعها الخ. .» (1).

و يظهر هذا من بعض التعابير في البحار أيضا، حيث قال: «و قد ظهر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل خيبر، و فيها اليهود» .

و في نص آخر: «و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين ظهر على أهل خيبر، و فيها اليهود» (2).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 56.

2) تهذيب الأحكام للطوسي ج 4 ص 146 عن محمد بن مسلم و ج 7 ص 148 عن أبي بصير. و راجع: جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 236 و 237 و ج 18 ص 464 و بلوغ الأماني ج 21 ص 216 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 624 و عن البخاري ج 4 ص 61 و ج 3 ص 71 و كفاية الأحكام للسبزواري ص 80 و جواهر الكلام ج 38 ص 13 و جامع المدارك ج 5 ص 229 و المجموع ج 14 ص 366 و 399 و ج 19 ص 431 و نيل الأوطار ج 6 ص 7 و ج 8 ص 161 و الإستبصار ج 3 ص 110 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 17 ص 330 و عن مسند أحمد ج 2 ص 149 و ج 4 ص 37 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 27 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 36 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 114 و 317 و ج 9 ص 138 و 207 و 224 و ج 10 ص 132 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 209 و عون المعبود ج 8 ص 173 و المصنف لعبد الرزاق ج 6 ص 55 و ج 10 ص 359 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 633 و المنتقى من السنن المسندة ص 166 و نصب الراية ج 4 ص 250 و ج 6 ص 21 و أسد الغابة ج 5 ص 365 و تاريخ المدينة ج 1 ص 181 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 229 و عن عيون الأثر ج 2 ص 146 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 382 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 131 و 142 و ج 9 ص 13.

فإن ظاهر كلمة: «ظهر عليهم» أنه انتصر عليهم.

توجيهات لما سبق:

و قال أبو عمر: إن السبب في هذا الخلاف، هو الحصنان اللذان أسلمهما أهلهما، حقنا لدمائهم. و هو ضرب من الصلح، و لكنه لم يقع إلا بحصار و قتال (1).

و قال آخر: إن الشبهة نشأت من قول ابن عمر: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، و له الصفراء، و البيضاء، و الحلقة، و لهم ما حملت ركابهم، على ألا يكتموا، و لا يغيبوا. .

إلى أن قال: فسبى نساءهم و ذراريهم، و قسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، و أراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها الخ. .

فعلى هذا كان وقع الصلح، ثم حصل النقض منهم، فزال أمر الصلح، ثم منّ عليهم بترك القتل و إبقائهم عمالا بالأرض، ليس لهم ملك. و لذلك


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 154 و 155 و نصب الراية ج 4 ص 252 و فتح الباب ج 9 ص 366.

أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها (1).

و ذكر الحلبي: أن هذين الحصنين-الوطيح و سلالم-هما المرادان بالكتيبة في قول بعضهم: كان «صلى اللّه عليه و آله» يطعم من الكتيبة أهله الخ. . (2).

و نقول:

أولا: إن هذا التفسير للمراد بالكتيبة غير صحيح، حيث سيأتي التصريح منهم بخلاف ذلك، و أن الكتيبة فتحت عنوة، و الوطيح و سلالم فتحا صلحا.

ثانيا: إن ما ذكره أبو عمر لا يصح، إذ يمكن أن يجاب عنه: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: إنه يصالحهم على النصف ما شاء، أي إنه يخرجهم من خيبر متى شاء.

و هذا معناه: أنه لو كان نصف الأرض لهم، لم يجز أن يعلق إخراجهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 154 و راجع: المجموع ج 15 ص 209 و المبسوط ج 23 ص 4 و المحلى ج 8 ص 214 و سبل السلام ج 3 ص 78 و نيل الأوطار ج 8 ص 222 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 167 و عن مسند أحمد ج 2 ص 149 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 55 و 71 و ج 4 ص 61 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 27 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 114 و ج 9 ص 224 و عن فتح الباري ج 4 ص 380 و ج 6 ص 194 و ج 7 ص 366 و ج 12 ص 283 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 530 و عون المعبود ج 8 ص 163 و 177 و ج 9 ص 198 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 55 و ج 8 ص 98 و ج 10 ص 359 و نصب الراية ج 5 ص 306 و المنتقى من السنن المسندة ص 167 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 145 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 293.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 48.

على مشيئته «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن المفروض: أن نصف الأرض لهم، فلا يصح له أن يخرجهم من الأرض متى شاء، و ذلك يدل على أن الفتح كان عنوة. .

إلا أن يكون المقصود بقوله متى شئنا: هو تعليق بقائهم على مشيئته في خصوص النصف الذي هو له، و أما النصف الذي لهم فليس له أي دخل فيه. . و تكون فائدة هذا الاشتراط هي: أن عملهم في الأرض المملوكة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس له وقت يجب الالتزام به.

و لكن هذا التوجيه خلاف الظاهر، حيث إن ظاهره أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقرهم في جميع بلادهم و لا يجليهم عنها كما أجلى بني النضير و قينقاع، و هذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب، حيث برّر بهذه الكلمة إخراجهم من جميع أرض خيبر إلى مناطق أخرى انتقاما لولده عبد اللّه.

هذا بعض ما قالوه في هذا المقام، و نحن نذكر شطرا آخر من أقوالهم، و رواياتهم، لتتضح الصورة و يتحدد لنا ما يريدون أن يصلوا إليه، ثم نعقب ذلك بالقول الفصل، و بيان ما هو المروي و الثابت عن أهل البيت «عليهم السلام» ، و هم أدرى بما فيه، فنقول:

كتاب مقاسم خيبر:

ذكر الواقدي نص كتاب مقاسم خيبر، كما يلي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم:

هذا ما أعطى محمد رسول اللّه لأبي بكر بن أبي قحافة مائة وسق، و لعقيل بن أبي طالب مائة و أربعين، و لبني جعفر بن أبي طالب خمسين

وسقا، و لربيعة بن الحارث مائة وسق، و لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مائة وسق، و للصلت بن مخرمة بن المطلب ثلاثين وسقا، و لأبي نبقة خمسين وسقا، و لركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، و للقاسم بن مخرمة بن المطلب خمسين و سقا، و لمسطح بن أثاثة بن عباد و أخته هند ثلاثين و سقا، و لصفية بنت عبد المطلب أربعين وسقا، و لبحينة بنت الحارث بن المطلب ثلاثين وسقا، و لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أربعين و سقا، و للحصين و خديجة و هند بنت عبيدة بن الحارث مائة وسق، و لأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا، و لأم هاني بنت أبي طالب أربعين وسقا، و لجمانة بنت أبي طالب ثلاثين وسقا، و لأم طالب بنت أبي طالب ثلاثين وسقا، و لقيس بن مخرمة بن المطلب خمسين وسقا، و لأبي أرقم خمسين وسقا، و لعبد الرحمن بن أبي بكر أربعين وسقا، و لأبي بصرة أربعين وسقا، و لابن أبي حبيش ثلاثين وسقا، و لعبد اللّه بن وهب و ابنيه خمسين وسقا، لابنيه أربعين وسقا، و لنميلة الكلبي من بني ليث خمسين وسقا، و لأم حبيبة بنت جحش ثلاثين وسقا، و لملكان بن عبدة ثلاثين وسقا، و لمحيصة بن مسعود ثلاثين وسقا، و أوصى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للرهاويين بطعمة من خمس خيبر بجاد مائة وسق، و للداريين بجاد مائة وسق» (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 694 و راجع: مجموعة الوثائق السياسية 94/17 عنه و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 75 و 76 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 812 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 622 و الروض الأنف للسهيلي ج 4.

كتاب آخر:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم:

ذكر ما أعطى محمد رسول اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» نساءه من قمح خيبر، قسم لهن مائة وسق و ثمانين وسقا، و لفاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خمسة و ثمانين وسقا، و لأسامة بن زيد أربعين وسقا، و للمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا، و لأم رميثة خمسة أوسق. شهد عثمان، و عباس، و كتب» (1).

و الوسق: حمل بعير، و هو ستون صاعا.

و الصاع: أربعة أمداد.

و اختلفوا: في معنى المد فراجع اختلافهم هذا في المصادر المختلفة (2).


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 407 و في {ط أخرى} ص 367 و مجموعة الوثائق السياسية:95/18 عن ابن هشام.

2) راجع: الجواهر ج 15 ص 208 و الطبقات لابن سعد {ط دار صادر} ج 3 ص 407 و مجموعة الوثائق السياسية 95/18 عنها و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 218 و المبسوط للطوسي ج 1 ص 214 و المهذب البارع ج 1 ص 166 و الدروس ج 1 ص 236 و 251 و الجامع للشرائع ص 131 و 139 و الهداية ص 41 و السرائر ج 1 ص 448 و 469 و إرشاد الأذهان ج 1 ص 283 و المؤتلف ج 1 ص 280 و الخلاف ج 2 ص 58 و المقنعة ص 236 و جامع المقاصد ج 2 ص 41 و المعتبر ج 2 ص 533 و جامع الخلاف و الوفاق ص 136 و مجمع الفائدة ج 4 ص 104 و 105 و الحبل المتين ص 26 و كشف اللثام {ط قديم} ج 1 ص 82 و الحدائق الناضرة ج 12 ص 112 و 114 و 115 و غنائم الأيام ج 1 ص 191 و ج 4 ص 96 و الإستبصار ج 1 ص 121 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 136 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 1 ص 339 و عن البحار ج 77 ص 350 و 351 و 354 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 153 و الجامع لأحكام القرآن و ج 3 ص 349 و غريب الحديث ج 1 ص 12 و ج 3 ص 1135.

مقاسم أرض خيبر في مصادر غير الشيعة:

و قد ذكروا أن عمر بن الخطاب قال:

«كانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث صفايا: مال بني النضير، و خيبر، و فدك.

فأما أموال بني النضير فكانت حبسا لنوائبه.

و أما فدك فكانت لأبناء السبيل.

و أما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء: فقسم جزأين منها بين المسلمين، و حبس جزءا لنفسه و نفقة أهله، فما فضل من نفقتهم ردّه إلى فقراء المسلمين» (1).

و قالوا أيضا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ملك من حصون خيبر: الكتيبة، أخذها من خمس الغنيمة (2)، و الوطيح، و السلالم، و هما مما أفاء اللّه عليه، فهذه الثلاثة صارت خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) فتوح البلدان ص 30-40 و الدر المنثور ج 6 ص 192 و 193 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 623 و سنن أبي داود ج 2 ص 23 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 59 و عن فتح الباري ج 6 ص 143 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 302 و كنز العمال ج 4 ص 523 و السير الكبير ج 2 ص 610 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 503 و عن عيون الأثر ج 2 ص 146 و عن السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 269 عن الإمتاع، و عن المغازي للواقدي ج 1 ص 378.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 48 و راجع: ج 3 ص 625 و معجم البلدان ج 4 ص 427.

و زعم الواقدي: أن بعضهم يقول: إن الكتيبة أيضا كانت فيئا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و ذكر البلاذري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قسم نصف خيبر بين المسلمين، فكان سهمه «صلى اللّه عليه و آله» فيما قسم الشق و النطاة، و ما حيز معهما. و كان فيما وقف الكتيبة و السلالم.

فلما صارت الأموال في يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن له من العمال من يكفيه عمل الأرض، فدفعها إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها (2).

أما الزهري فزعم: أن سهم الخمس هو الكتيبة. أما الشق، و النطاة، و سلالم، و الوطيح فللمسلمين. فأقرها في يد اليهود (3).

و عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام خيبر، فلم يغنم ذهبا و لا فضة إلا الإبل، و البقر، و المتاع، و الحوائط.

و في رواية: إلا الأموال و الثياب و المتاع. رواه مالك، و الشيخان، و أبو


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 221 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 351 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1209 و عمدة الأخبار ص 315 و المغازي للواقدي ج 2 ص 670 و 671 و 691 و 692 و الأحكام السلطانية ج 1 ص 200 و غير ذلك.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 112 و معجم ما استعجم ج 4 ص 1313 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142 عن أبي داود {3012} و مكاتيب الرسول ج 3 ص 624 و معجم البلدان ج 2 ص 410 و فتوح البلدان ج 1 ص 28.

3) راجع: فتوح البلدان ج 1 ص 28 و معجم البلدان ج 2 ص 410 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 625 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188.

داود، و النسائي (1).

و قال ابن إسحاق: و كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق و نطاة و الكتيبة. و كانت الشق، و نطاة في سهمان المسلمين، و كانت الكتيبة خمس اللّه، و سهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سهم ذوي القربى، و اليتامى و المساكين، و طعم أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طعم رجال مشوا بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين أهل فدك بالصلح، منهم محيصة بن مسعود، أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منها ثلاثين وسقا من شعير، و ثلاثين وسقا من تمر.

و قسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر و من غاب عنها، و لم يغب عنها إلا جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كسهم من حضرها (2).

و كان وادياها-وادي السريرة، و وادي خاص-هما اللذان قسمت عليهما خيبر.

و كانت نطاة و الشق ثمانية عشر سهما: نطاة من ذلك خمسة أسهم، و الشق


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 141 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 557 {4234} و عن فتح الباري ج 7 ص 374 و تنوير الحوالك ص 384 و نيل الأوطار ج 8 ص 137 عن الموطأ، و صحيح ابن حبان ج 11 ص 188.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142 و السيرة الحلبية ج 3 ص 56 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 626 و عون المعبود ج 7 ص 297 و ج 8 ص 171 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 306 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 810 و عن عيون الأثر ج 2 ص 144.

ثلاثة عشر سهما. و قسمت الشق و نطاة على ألف سهم و ثمانمائة سهم.

و كانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ألف سهم و ثمانمائة سهم، برجالهم و خيلهم، للرجال أربع عشرة مائة، و الخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان، و لفارسه سهم، و كان لكل راجل سهم، و كان لكل سهم رأس، جمع إليه مائة رجل، فكانت ثمانية عشر سهما جمع (1).

فكان علي بن أبي طالب «عليه السلام» رأسا، و الزبير بن العوام رأسا. و سرد ذكر ذلك ابن إسحاق.

ثم قال: ثم قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكتيبة، و هي وادي خاص بين قرابته و بين نسائه، و بين رجال مسلمين و نساء أعطاهم منها. ثم ذكر كيفية القسمة.

و روى أبو داود عن سهل بن أبي خثمة قال: قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيبر نصفين، نصفا لنوائبه و خاصته، و نصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما (2).


1) راجع ما تقدم في: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 141 و 142 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 363 و البداية و النهاية ج 4 ص 201 و البحار ج 21 ص 10 و بلوغ الأماني ج 21 ص 125 و 126 و الكامل ج 5 ص 230 و تاريخ المدينة ج 1 ص 181 و 190 و راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 293 و معجم البلدان ج 4 ص 437.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142 و في هامشه عن أبي داود {3010} و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 450 و نيل الأوطار ج 8 ص 161 و سنن أبي داود ج 2 ص 36 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 317 و عن فتح الباري ج 6 ص 140 و عون المعبود ج 8 ص 177 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 251 و المعجم الكبير ج 6 ص 102 و نصب الراية ج 4 ص 250 و 252 و أحكام القرآن ج 3 ص 576 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 229 و عن عيون الأثر ج 2 ص 141 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 381.

روي أيضا: عن بشير-بضم الموحدة-بن يسار، عن رجال من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما ظهر على خيبر قسمها على ستة و ثلاثين سهما، قسم كل سهم مائة سهم، فكان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و للمسلمين النصف من ذلك، و عزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود، و الأمور و نوائب الناس (1).

زاد في رواية أخرى عنه مرسلة بيّن فيها نصف النوائب: الوطيح و الكتيبة، و ما حيز معهما-زاد في رواية: و السلالم-و عزل النصف الآخر: الشق و النطاة و ما حيز معهما، و كان سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما حيز معهما كسهم أحدهم (2).

قال ابن إسحاق: و كان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري، من بني سلمة-بكسر اللام-و زيد بن ثابت، من بني النجار،


1) سنن أبي داود ج 2 ص 36 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 132 و نصب الراية ج 4 ص 250 و 251 و البداية و النهاية ج 4 ص 229 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 382 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142 و في هامشه عن أبي داود {3012} و فتوح البلدان ص 30 و 40 و الدر المنثور ج 6 ص 192 و 193.

و كانا حاسبين قاسمين (1).

و قال ابن سعد: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغنائم فجمعت، و استعمل عليها فروة بن عمرو البياضي، ثم أمر بذلك فجزئ خمسة أجزاء، و كتب في سهم منها للّه، و سائر السهمان أغفال. و كان أول ما خرج سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتحيز في الأخماس، فأمر ببيع الأربعة الأخماس فيمن يريد، فباعها فروة، و قسم ذلك بين أصحابه.

و كان الذي ولي إحصاء الناس، زيد بن ثابت، فأحصاهم ألفا و أربع مائة، و الخيل مائتي فرس.

و كانت السهمان على ثمانية عشر سهما، لكل مائة سهم، و للخيل أربع مائة سهم، و كان الخمس الذي صار لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعطي منه ما أراه اللّه من السلاح و الكسوة، و أعطى منه أهل بيته، و رجالا من بني المطلب، و نساء، و اليتيم، و السائل.

ثم ذكر قدوم الدوسيين، و الأشعريين، و أصحاب السفينتين، و أخذهم من غنائم خيبر، و لم يبين كيف أخذوا (2).

قال في العيون: و إذا كانت القسمة على ألف و ثمان مائة سهم، و أهل الحديبية ألف و أربعمائة، و الخيل مائتي فرس بأربع مائة سهم، فما الذي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 142 و 143 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 270 و عن عيون الأثر ج 2 ص 144 و تفسير القرطبي ج 16 ص 270.

2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 143 و عن عيون الأثر ج 2 ص 144 و 145 و راجع: شيخ المضيرة ص 280.

أخذه هؤلاء المذكورون؟ (1).

قال الصالحي الشامي: «و ما ذكره ابن إسحاق: من أن المقاسم كانت على الشق، و النطاة، و الكتيبة أشبه، فإن هذه المواضع الثلاثة مفتوحة بالسيف عنوة من غير صلح.

و أما الوطيح و السلالم فقد يكون ذلك هو الذي اصطفاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما ينوب المسلمين، و يترجح حينئذ قول موسى بن عقبة، و من قال بقوله: إن بعض خيبر كان صلحا، و يكون أخذ الأشعريين و من ذكر معهم من ذلك، و يكون مشاورة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهل الحديبية في إعطائهم ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، و إنما هي المشورة العامة، وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ (2)» (3).

الصحيح في موضوع خيبر:

و بعد ما تقدم نقول:

إن الصحيح هو: ما اتفق عليه فقهاء الإمامية استنادا إلى ما ورد عن أهل البيت «عليهم السلام» (4): من أن الأرض المفتوحة عنوة هي للمسلمين قاطبة،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 143 و عن عيون الأثر ج 2 ص 144.

2) الآية 159 من سورة آل عمران.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 143 و عن عيون الأثر ج 2 ص 145.

4) راجع الروايات في: الكافي ج 3 ص 513 و ج 1 ص 539 و 542 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 237 و ج 8 ص 133 و ج 18 ص 466 و 664 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 148 و 119 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 120 و ج 6 ص 124 و مرآة العقول ج 16 ص 26 و الإستبصار ج 3 ص 110 و راجع: النهاية ص 194 و المبسوط ج 1 ص 235 و شرايع الإسلام ج 1 ص 246 و تذكرة الفقهاء {ط جديد} ج 9 ص 185 و إرشاد الأذهان ج 1 ص 348 و مسالك الأفهام ج 3 ص 55 و مجمع الفائدة ج 7 ص 470 و دعائم الإسلام ج 1 ص 386 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 398.

إن كانت محياة حال الفتح. . و الإمام يقبّلها بالذي يراه، كما صنع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، فإنه فتح نصفها عنوة، و نصفها الآخر صلحا، فما فتحه عنوة، فخمسه لأهل الخمس، و أربعة أخماسه لجميع المسلمين.

و ما فتحه صلحا فهو له «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن أهل السنة خالفوا في ذلك، و قالوا: ما فتحه عنوة فهو لخصوص الفاتحين.

و أما ما فتحه صلحا فهو فيء يكون لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ينفق منه على نفسه و عياله (1).

ما حدث في خيبر:

و الذي حدث في خيبر هو كالتالي: لقد أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من النصف الذي فتحه عنوة خمس اللّه، و سهم النبي. و قسم على الهاشميين سهم ذوي القربى، و قد أخذ الكتيبة بهذا العنوان. .


1) المبسوط للطوسي ج 8 ص 133 و راجع: ج 3 ص 29 و ج 1 ص 235 و الخلاف ج 2 ص 67-69 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 427 و التبيان ج 9 ص 563 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 628.

و لذلك كانت سهام بني هاشم أكثر من سهام غيرهم، أي لأن ذلك هو حقهم المفروض، و إعطاء غيرهم من سهمهم إنما هو في صورة ما لو كانت هناك مصلحة عليا للدين و للأمة في ذلك، وفق ما يراه النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

اختلاف السهام:

و يلاحظ: أن ثمة اختلافا في السهام بين بني هاشم أنفسهم. . و لعله لاختلاف مقدار حاجة كل واحد منهم.

و يمكن حل هذا الإختلاف في بعض موارد الرواية في مقدار ما أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» بأن نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى من القمح مقدارا، و من الشعير مقدارا آخر. .

و لذلك ورد في كتاب مقاسم خيبر-الذي نقلناه عن الواقدي-: أنه أعطى أم رميئة خمسة أوسق أو ستا. .

و نقل ابن هشام: أنه أعطاها أربعين وسقا. .

فسبب هذا الإختلاف هو ما ذكرناه. .

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرهم. . و عمر يجليهم

اشارة

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقر اليهود على خيبر:

روى البخاري، و البيهقي عن ابن عمر، و البيهقي عن عروة، و عن موسى بن عقبة: أن خيبر لما فتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سألت يهود رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقرهم فيها على نصف ما خرج منها من التمر، و قالوا: دعنا يا محمد نكون في هذه الأرض، نصلحها، و نقوم عليها.

و لم يكن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا لأصحابه غلمان يقومون عليها، و كانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع و نخل و شيء، ما بدا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في لفظ: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نقركم فيها على ذلك ما شئنا» .

و في لفظ: «ما أقركم اللّه» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 132 و 133 و ج 9 ص 13 و ج 10 ص 437 و في هامشه عن: البخاري ج 5 ص 327{2730} و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 234 و كتاب الأم ج 2 ص 36 و ج 4 ص 187 و ج 7 ص 239 و مختصر المزني ص 47 و المجموع ج 19 ص 440 و روضة الطالبين ج 7 ص 488 و 521 و مغني المحتاج ج 4 ص 243 و 261 و كتاب الموطأ ج 2 ص 703 و تنوير الحوالك ص 530 و المبسوط للسرخسي ج 23 ص 2 و بداية المجتهد ج 2 ص 197 و نيل الأوطار ج 8 ص 208 و فقه السنة ج 3 ص 346 و القواعد و الفوائد ج 1 ص 213 و عوالي اللآلي ج 1 ص 401 و كتاب المسند ص 95 و 222 و السنن الكبرى ج 4 ص 122 و ج 6 ص 115 و ج 9 ص 207 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 209 و 211. و راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 121 و عن فتح الباري ج 5 ص 239 و ج 6 ص 194 و 202 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 123 و ج 5 ص 373 و كنز العمال ج 4 ص 508 و ج 10 ص 462 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 343 و الأحكام ج 6 ص 820 و علل الدار قطني ج 7 ص 290 و سير أعلام النبلاء ج 17 ص 414 و معجم البلدان ج 2 ص 410 و تاريخ المدينة ج 1 ص 177 و فتوح البلدان ج 1 ص 25 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 307 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 249 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 816 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415.

و كان عبد اللّه بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شدة خرص ابن رواحة، و أرادوا أن يرشوا ابن رواحة، فقال:

يا أعداء اللّه، تطعموني السحت؟ و اللّه لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ، و لأنتم أبغض إليّ من عدتكم من القردة و الخنازير، و لا يحملني بغضي إياكم و حبي إياه على أن لا أعدل عليكم.

فقالوا: بهذا قامت السموات و الأرض.

فأقاموا بأرضهم على ذلك.

فلما كان زمان عمر، غشوا المسلمين، و ألقوا عبد اللّه بن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه.

و يقال: بل سحروه بالليل و هو نائم على فراشه، فكوع حتى أصبح كأنه في وثاق، و جاء أصحابه، فأصلحوا من يديه.

فقام عمر خطيبا في الناس، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عامل يهود خيبر على أموالها، و قال: نقركم ما أقركم اللّه، و إن عبد اللّه بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه، و ليس لنا هناك عدو غيرهم، و هم تهمتنا، و قد رأيت إجلاءهم. فمن كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها.

فلما أجمع على ذلك، قال رئيسهم، و هو أحد بني الحقيق: لا تخرجنا و دعنا نكون فيها، كما أقرنا أبو القاسم، و أبو بكر.

فقال عمر لرئيسهم: أتراني سقط عني قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كيف بك، إذا ارفضت بك راحلتك، تؤم الشام يوما، ثم يوما» ؟

و في رواية: «أظننت أني نسيت قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كيف بك إذا خرجت من خيبر، يعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة» .

فقال: تلك هزيلة من أبي القاسم.

قال: كذبت.

و أجلاهم عمر، و أعطاهم قيمة ما لهم من التمر: مالا، و إبلا، و عروضا:

من أقتاب و حبال، و غير ذلك (1).

و سيأتي في أبواب الوفاة النبوية قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» (2).

إجلاء اليهود بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قالوا: إن عمر قد أجلى اليهود من خيبر إلى تيماء، و أريحا، حين بلغه الثبت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «لا يبقين دينان بأرض العرب» (3).


1) المجموع ج 19 ص 430 و صحيح البخاري ج 2 ص 77 و 78 و راجع: كنز العمال ج 4 ص 324 عنه، و عن البيهقي، و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 352 و 353 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و 220 و الإكتفاء ج 2 ص 271 و المغازي للواقدي ج 2 ص 716 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 416 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 378 و مسند أحمد ج 1 ص 15 بنص أكثر تفصيلا، كما هو الحال في بعض المصادر الآنفة الذكر. و راجع أيضا: زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 79 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 133 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 207.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 133 و في هامشه عن: البخاري ج 6 ص 170{3053، 3168،4431} و مسلم ج 3 ص 1257{20/1637} و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 224 و مجمع الزوائد ج 5 ص 325 و عن فتح الباري ج 5 ص 268 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 258 و عن عون المعبود ج 8 ص 46 و المعجم الكبير ج 23 ص 265 و كنز العمال ج 12 ص 304.

3) الروض الأنف ج 3 ص 251 و راجع: مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 و كتاب الأم ج 4 ص 188 و سبل السلام ج 4 ص 62 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 135 و ج 9 ص 208 و نصب الراية ج 4 ص 342 و الجامع الصغير ج 2 ص 396 و كنز العمال ج 7 ص 147 و ج 12 ص 307 و كشف الخفاء ج 2 ص 91 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 240 و 254 و البداية و النهاية ج 5 ص 258 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 471. .

كما أن عبد الرزاق الصنعاني، بعد ما ذكر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دفع خيبر إلى اليهود، على أن يعملوا بها، و لهم شطرها قال:

«فمضى على ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبو بكر، و صدر من خلافة عمر، ثم أخبر عمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال في وجعه الذي مات فيه: لا يجتمع بأرض الحجاز-أو بأرض العرب-دينان؛ ففحص عن ذلك حتى وجد عليه الثبت، فقال:

من كان عنده عهد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فليأت به، و إلا فإني مجليكم.

قال: فأجلاهم» .

و كذا ذكر غير عبد الرزاق أيضا (1).

و قال المؤرخون أيضا: إن عمر أجلى من يهود من لم يكن معه عهد من


1) المصنف للصنعاني ج 4 ص 126 و راجع: ج 10 ص 359 و 360 و راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 717 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 371 و البداية و النهاية ج 4 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و عمدة القاري ج 13 ص 306 و فتح الباري ج 5 ص 240 عن ابن أبي شيبة و غيره، و الموطأ {المطبوع مع تنوير الحوالك} ج 3 ص 88 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 67 و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56.

رسول اللّه (1).

و نقول:

إن حديث إجلاء عمر لليهود، حين بلغه الثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يجتمع بأرض العرب دينان؛ يحتاج إلى شيء من البسط و التوضيح. .

و لكننا قبل أن ندخل في ذلك نشير إلى أمرين:

الأول: إن تصريح الرواية المتقدمة: بأن عمر قد نفذ ما كان سمعه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وجعه الذي مات فيه، غير دقيق، فإن عمر نفسه قد قال عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفس ذلك المرض: إنه يهجر، أو غلبه الوجع، أو نحو ذلك. . (2).


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 21 و راجع: الكامل في التاريخ ج 3 ص 224 و الإكتفاء ج 2 ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و البداية و النهاية ج 4 ص 219 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56.

2) الإيضاح ص 359 و تذكرة الخواص ص 62 و سر العالمين ص 20 و صحيح البخاري ج 3 ص 60 و ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 21 و 22 و ج 2 ص 115 و الملل و النحل ج 1 ص 22 و صحيح مسلم ج 5 ص 75 و البدء و التاريخ ج 5 ص 59 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 244 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 192 و 193 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 320 و أنساب الأشراف ج 1 ص 562 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 51 و تاريخ الخميس ج 2 ص 164 و مسند أحمد ج 1 ص 355 و 324 و 325 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62 و السيرة الحلبية ج 3 ص 344. و راجع المصادر التالية: نهج الحق ص 273 و الصراط المستقيم ج 3 ص 6 و 3 و حق اليقين ج 1 ص 181 و 182 و المراجعات ص 353 و النص و الإجتهاد ص 149-163 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 63-70.

هذا. . و قد صرحت المصادر: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. و أنه لا يجتمع فيها دينان، بعد قول عمر الآنف الذكر، و تنازعهم عنده (1).

فمن غلبه الوجع، و من كان يهجر-و العياذ باللّه-لا يوثق بأقواله، و لا يعتمد عليها، و لا ينبغي الإلتزام بها، حتى لو وردت بالطرق الصحيحة و الصريحة.

و نحن نعوذ باللّه من الزلل و الخطل، في القول و العمل. . و نسأله تعالى أن يعصمنا من نسبة ذلك لرسوله الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

الثاني: إنّا لا نريد أن نسجل إدانة صريحة للخليفة الثاني، حول ما تذكره الرواية من جهله بآخر أمر صدر من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، حول وجود الأديان في جزيرة العرب، بأن نقول: إن ذلك لا يتناسب مع مقام خلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

لا. . لا نريد ذلك، لأننا نشك في أن يكون الخليفة قد استند في موقفه من اليهود إلى هذا القول المنسوب له «صلى اللّه عليه و آله» . .

و نوضح ذلك فيما يلي:

سبب إخراج عمر لليهود:

من المسلّم به: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين افتتح خيبر قد أبقى اليهود في شطر منها، يعملون فيه، و لهم شطر ثماره، و لكن عمر قد


1) راجع المصادر المتقدمة، فقد ذكر عدد منها ذلك، مثل: صحيح البخاري، و وفاء الوفاء ج 1 ص 319 و 321.

أخرجهم منها إلى تيماء و أريحا (1).

و لكن ما ذكروه في سبب ذلك، من أنه قد فعله امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تدينا منه، و التزاما بالحكم الشرعي؛ لا يمكن المساعدة عليه، و لا الإلتزام به، لما يلي:

ألف: لماذا لم يبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه إلى إجلائهم؟ ألم يكن هو الأقدر على ذلك من كل أحد؟ !

ب: لماذا لم يفعل ذلك أبو بكر؟ فهل لم يبلغه ذلك؟ !

و الذين أبلغوا به عمر بن الخطاب، لماذا لم يبلغوا به سلفه أبا بكر؟ !

ج: قولهم: إن عمر لم يكن يعلم بلزوم إجلاء اليهود، حتى بلغه الثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ينافيه ما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال:

أخبرني عمر بن الخطاب: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلما (2)

و مسند أحمد ج 3 ص 345 و ج 1 ص 29 و 32 و المجموع ج 19 ص 430 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 10 ص 622 و كشاف القناع ج 3 ص 155 و سبل السلام ج 4 ص 61 و نيل الأوطار ج 8 ص 222 و فقه السنة ج 2 ص 671 و مسند أحمد ج 1 ص 29 و 32 و ج 3 ص 345 و صحيح مسلم ج 5 ص 160 و سنن أبي داود ج 2 ص 41 و سنن الترمذي ج 3 ص 81 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 192 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 54 و ج 10 ص 359 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 210 و المنتقى من السنن المسندة ص 278 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 69 و ج 13 ص 152 و معجم البلدان ج 5 ص 269.

.

1) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 32 و 129 و صحيح مسلم ج 5 ص 27 و مسند أحمد ج 2 ص 149 و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و السيرة الحلبية ج 3 ص 58 و الروض الأنف ج 3 ص 251 و عن فتح الباري ج 5 ص 241.

2) صحيح مسلم ج 5 ص 160 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 69 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 274 و ج 13 ص 152 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 207 و عن عون المعبود ج 8 ص 192 و مسند ابن الجعد ص 464 و كنز العمال ج 4 ص 507 و ج 12 ص 304 و 306 و الثقات ج 2 ص 222 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 156 و فيه: لإن عشت لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب.

فلماذا توقف عن إخراجهم، حتى بلغه الثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

ألم يكن هو قد سمع ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، فلماذا لم ينفذ ما سمعه؟ !

ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثبتا عنده؟

أو كان لا يرى نفسه ثبتا في الإخبار عنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و لماذا أيضا لم يخبر عمر نفسه رفيقه و صديقه الحميم أبا بكر بهذا القول الذي سمعه مباشرة منه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

إلا أن يقال: إن هذا القول لا يتضمن أمرا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للخليفة من بعده بذلك.

د: إن ثمة حديثا يفيد: أن سبب إخراج عمر ليهود خيبر هو قضية حصلت لهم مع ولده، و قد ذكرناها فيما سبق، غير أننا نعيدها بتمامها من

رواية البخاري و غيره، فقد رووا: أنه لما فدع (1)أهل خيبر عبد اللّه بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عامل يهود خيبر على أموالهم، و قال: نقركم ما أقركم اللّه.

و إن عبد اللّه بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه، و رجلاه، و ليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا و تهمتنا، و قد رأيت إجلاءهم.

فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا، و قد أقرنا محمد، و عاملنا على الأموال، و شرط ذلك لنا؟ !

فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول اللّه: كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ !

فقال: كانت هذه هزيلة {أي مزحة} من أبي القاسم.

فقال: كذبت يا عدو اللّه.

فأجلاهم عمر الخ. . (2).


1) الفدع: زوال المفصل.

2) صحيح البخاري ج 2 ص 77 و 78 و راجع المصادر التالية: كنز العمال ج 4 ص 324 و عنه و عن البيهقي، و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 352 و 353 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و 220 و الإكتفاء ج 2 ص 271 و المغازي للواقدي ج 2 ص 716 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 416 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 378 و مسند أحمد ج 1 ص 15 بنص أكثر تفصيلا، كما هو الحال في بعض المصادر الآنفة الذكر، و راجع أيضا: زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 79 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56.

و نشير في هذه الرواية إلى أمرين: الأول: تصريحها: بأن إجلاء اليهود كان رأيا من عمر، و ليس امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . بل كان الدافع له هو ما فعلوه بولده.

و من الواضح: أن ما فعلوه بابن عمر ليس مبررا كافيا لذلك، فقد سبق لليهود أن قتلوا عبد اللّه بن سهل بخيبر، فاتهمهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون بقتله، فأنكروا ذلك، فوداه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يخرجهم بسبب ذلك (1).

الثاني: أن ما نقله عمر لأحد بني الحقيق، لم يكن هو المستند لإخراجهم، بل هو صرح: بأن ذلك كان لرأي رآه بسبب ما فعلوه بولده. .

كما أن إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا ليس فيه ما يدل على أنهم يخرجون بحق أو بغير حق، و لا يفيد في تأييد هذا الإخراج و لا تفنيده، و لعله لأجل ذلك لم يستطع أن يستند إليه الخليفة في تبرير ما يقدم عليه.

ه: و بعض المصادر: أضاف إلى ما صنعوه بابن عمر، أنهم غشوا المسلمين (2).


1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 369 و 370 و عمدة القاري ج 13 ص 306 و الإصابة ج 2 ص 322 و فيه: أن هذا الحديث موجود في الموطأ، و أخرجه الشيخان في باب القسامة، و أسد الغابة ج 3 ص 179 و 180 و مستدرك الوسائل ج 18 ص 268 و البحار ج 101 ص 404 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 19 ص 114 و الإكتفاء ج 2 ص 270 و المغازي للواقدي ج 2 ص 714 و 715 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 200 و {ط دار إحياء التراث}227 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 352 و فتح الباري ج 5 ص 240 و عمدة القاري ج 13 ص 305 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 378 و 379 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 138 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 609 و موارد الظمآن ص 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 133. .

و لا ندري إن كان يقصد: أن غشهم هذا كان بفعل مستقل منهم، أم أن ما فعلوه بابن عمر هو الدليل لهذا الغش. .

قال دحلان: «استمروا على ذلك إلى خلافة عمر. و وقعت منهم خيانة و غدر لبعض المسلمين، فأجلاهم إلى الشام، بعد أن استشار الصحابة في ذلك» (1).

و عبارة دحلان هذه ظاهرة في الإنطباق على قصة ابن عمر، مما يعني: أنهم اعتبروا ذلك خيانة و غدرا، و كفى بهذا مبررا لما صنعه بهم عمر بن الخطاب.

و: و مما يدل على أن إجلاءهم كان رأيا من الخليفة الثاني: ما رواه أبو داود و غيره، عن ابن عمر، عن أبيه، أنه قال: أيها الناس، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عامل يهود خيبر على أنّا نخرجهم إذا شئنا، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود. فأخرجهم (2).


1) السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 61.

2) سنن أبي داود ج 3 ص 158 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و {ط دار إحياء التراث} ص 228 و أشار إليه في فتح الباري ج 5 ص 241 عن أبي يعلى، و البغوي، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 380 و كنز العمال ج 4 ص 325 و {ط الرسالة} ص 509 عن أبي داود، و البيهقي، و أحمد، و راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 359 و تاريخ الخميس ج 2 ص 56 و المحلى ج 8 ص 229 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 56.

و معنى ذلك: أنه لم يكن يرى إخراجهم واجبا شرعيا، كما أنه قد احتج لما يفعله باشتراط النبي «صلى اللّه عليه و آله» إبقاءهم بالمشيئة حيث قال: «إذا شئنا» و لم يحتج لذلك بما ثبت له عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، من عدم بقاء دينين في أرض العرب.

مع أنه لو كان هذا هو السبب و الداعي، لكان الإحتجاج به أولى و أنسب.

و مما يؤيد ذلك و يعضده: أن اليهود حين اعترضوا عليه بقولهم: لم يصالحنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على كذا و كذا؟ !

قال: بلى. على أن نقركم ما بدا للّه و لرسوله، فهذا حين بدا لي إخراجكم.

فأخرجهم (1).

ز: إنه قد أخرج نصارى نجران أيضا، و أنزلهم ناحية الكوفة (2).

ح: ذكرت بعض الروايات: أن السبب في إجلائهم هو استغناء المسلمين عنهم، و ليس تنفيذا لوصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإخراجهم.

يقول ابن سعد و غيره: إنه لما صارت خيبر في أيدي المسلمين، لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليهود، يعملونها على نصف ما يخرج منها.

فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطاب، و كثر في أيدي


1) المصنف للصنعاني ج 4 ص 125 و راجع تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 178 و سيأتي الحديث بلفظ آخر بعد قليل تحت حرف: ط.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 283 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 222 و تاج العروس ج 3 ص 56 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 202 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث} ج 7 ص 115.

المسلمين العمال، و قووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، و قسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم (1).

و قريب من ذلك ذكره ابن سلام أيضا، فراجع (2).

و بعد أن ذكر العسقلاني هذه الرواية، و ذكر رواية عدم اجتماع دينين في جزيرة العرب، ثم رواية البخاري عن فدع اليهود لعبد اللّه بن عمر، قال:

«. . و يحتمل أن يكون كل هذه الأشياء جزء علة في إخراجهم» (3).

و نقول للعسقلاني: إنه احتمال غير وارد، فإن ظاهر كل رواية: أن السبب في إخراجهم هو خصوص ما تذكره دون غيره، و لا سيما حين يأتي التعليل في مقام الإحتجاج و الإستدلال، و دفع الشبهة، من نفس ذلك الرجل الذي أخرجهم، إذ كان بإمكانه أن يذكر الأسباب الثلاثة، فإن ذلك آكد في الحجة، و أولى في الإقناع.

ط: قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بإجلاء اليهود و النصارى من بلاد العرب، و أنه قال: لا يجتمع ببلاد العرب دينان، أو نحو ذلك.

ينافيه:

1-قولهم: -حسبما روي عن سالم بن أبي الجعد-: «كان أهل نجران بلغوا أربعين ألفا، و كان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين، فتحاسدوا بينهم، فأتوا عمر، فقالوا:


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 114 و عن فتح الباري ج 5 ص 240 و تاريخ المدينة ج 1 ص 188 و معجم البلدان ج 2 ص 410.

2) الأموال ص 142 و 162 و 163 و نيل الأوطار ج 8 ص 209.

3) عن فتح الباري ج 5 ص 240.

إنا قد تحاسدنا بيننا، فأجلنا.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لهم كتابا: أن لا يجلوا. فاغتنمها عمر، فأجلاهم الخ. .» (1).

فإننا نشك في صحة هذه الرواية، لأن مجرد تحاسدهم، لا يدعوهم إلى طلب الإجلاء هذا، خصوصا مع ملاحظة النص التالي.

2-ورد في نص آخر: أن عمر إنما أخرج أهل نجران، لأنهم أصابوا الربا في زمانه (2).

3-و عن علي «عليه السلام» : أنه نسب إجلاء أهل نجران إلى عمر أيضا فراجع (3).

إلا أن يقال: إن نسبة ذلك إليه في قول أمير المؤمنين «عليه السلام» لا يدل على عدم الأمر به من النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ي-عن ابن عمر: أن عمر أجلى اليهود من المدينة، فقالوا: أقرنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أنت تخرجنا؟ !

قال: أقركم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنا أرى أن أخرجكم،


1) كنز العمال ج 4 ص 322 و 323 عن الأموال، و عن البيهقي، و ابن أبي شيبة و راجع: هامش ص 144 من كتاب الأموال، و نيل الأوطار ج 8 ص 216 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 564.

2) الأموال ص 274.

3) راجع: كتاب الخراج للقرشي ص 23 و راجع: كنز العمال ج 12 ص 601 و تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 364.

فأخرجهم من المدينة (1).

فلو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمر بإخراجهم لم ينسب عمر ذلك الإخراج إلى رأيه الشخصي، مع اعترافه لهم بصحة ما نسبوه إليه «صلى اللّه عليه و آله» على سبيل الاعتراض به على عمر. .

ك: يرد هنا سؤال، و هو: لماذا يخرجهم من بلاد العرب، و لا يخرجهم من بلاد المسلمين كلها؟ ! فهل لبلاد العرب خصوصية هنا؟ ! و ما هي هذه الخصوصية سوى التعصب القومي، و التمييز العنصري، و تأكيد الشعور بالتفوق على الآخرين، بلا مبرر ظاهر؟ !

ل: عن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، قال: أقبل مظهر بن رافع الحارثي إلى أبي بأعلاج من الشام، عشرة، ليعملوا في أرضه، فلما نزل خيبر أقام بها ثلاثا، فدخلت يهود للأعلاج، و حرضوهم على قتل مظهر، و دسوا لهم سكينين أو ثلاثا!

فلما خرجوا من خيبر، و كانوا بثبار، و ثبوا عليه، فبعجوا بطنه، فقتلوه. ثم انصرفوا إلى خيبر، فزودتهم يهود و قوّتهم حتى لحقوا بالشام.

و جاء عمر بن الخطاب الخبر بذلك، فقال: إني خارج إلى خيبر، فقاسم ما كان بها من الأموال، و حاد حدودها، و مورف أرفها (2)، و مجل يهود عنها، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم:


1) كنز العمال ج 4 ص 323 عن ابن جرير في التهذيب، و تقدم نحوه عن المصنف للصنعاني ج 4 ص 125.

2) الأرف: جمع أرفة، و هي الحدود و المعالم. راجع: النهاية لابن الأثير ج 1 ص 26 و كنز العمال {ط الرسالة} ج 4 ص 510 و ج 10 ص 461.

أقركم ما أقركم اللّه. و قد أذن اللّه في إجلائهم. ففعل ذلك بهم (1).

و هذا يدل على أن إخراج أهل خيبر لم يكن لأجل قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يجتمع بأرض العرب دينان.

و ذكر الواقدي: أن عمر خطب الناس، فقال: أيها الناس، إن اليهود فعلوا بعبد اللّه ما فعلوا، و فعلوا بمظهر بن رافع، مع عدوتهم على عبد اللّه بن سهل في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أشك أنهم أصحابه، ليس لنا عدو هناك غيرهم؛ فمن كان له هناك مال؛ فليخرج؛ فأنا خارج، فقاسم. .

إلى أن قال: إلا أن يأتي رجل منهم بعهد، أو بينة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه أقره، فأقره. .

ثم ذكر تأييد طلحة لكلام عمر، ثم قول عمر له: من معك على مثل رأيك؟ !

قال: المهاجرون جميعا، و الأنصار. فسر بذلك عمر (2).

ل: قال الحلبي الشافعي بعد ذكره رواية مصالحة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم:

«أي و هذا يخالف ما عليه أئمتنا من أنه لا يجوز في عقد الجزية، أن يقول الإمام، أو نائبه: أقركم ما شئنا، بخلاف ما شئتم، لأنه تصريح


1) كنز العمال: ج 4 ص 324 و 325 عن ابن سعد، و المغازي للواقدي: ج 2 ص 716 و 717 و في السيرة الحلبية: ج 3 ص 57، كما في مغازي للواقدي.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 716 و 717.

بمقتضى العقد؛ لأن لهم نبذ العقد ما شاؤوا.

و ذكر أئمتنا: أنه يجوز منه «صلى اللّه عليه و آله» -لا منا-أن يقول: أقررتكم ما شاء اللّه؛ لأنه يعلم مشيئة اللّه دوننا» (1).

و نقول: إن ذلك محل نظر؛ إذ: 1-من الذي قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلم-في هذا المورد بخصوصه-مشيئة اللّه سبحانه؟ ! فلعل اللّه حجب عنه الغيب لمصلحة في البين.

و حتى لو كان اللّه سبحانه قد أطلع نبيه «صلى اللّه عليه و آله» على مشيئته في هذا المورد بخصوصه أيضا، فإن ظاهر الأمر هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما يتصرف وفق ظواهر الأمور. . و لو كان يستند في ذلك إلى خصوصية غيبية، فاللازم هو أن يعلم الناس بذلك، لكي لا يتابعوه في تصرفه هذا، و لا يفهموا أن لهم الإقتداء به في ذلك أيضا.

2-لماذا لا يصح للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لغيره أيضا أن يقول ذلك؟ ! أليس حكمهم الجلاء، و قد عادت الأرض إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، لتكون خالصة له؟ فهو يزارعهم في ملكه، و له أن يمنعهم من العمل و السكنى فيها متى شاء. إذ ليست الأرض لهم، ليكون «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي ينتظر نقضهم للعهد، كي تكون المشيئة إليهم في النقض و عدمه، كما يريد هؤلاء أن يفهموا، أو أن يدّعوا! !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 57.

م: إن عمر إنما أجلاهم إلى أريحا و تيماء من جزيرة العرب (1).

و قد حاول الحلبي الشافعي الإدّعاء: بأن المقصود بجزيرة العرب: خصوص الحجاز، و أن أريحا و تيماء ليستا من الحجاز.

و لعله استند في ذلك إلى: بعض النصوص التي عبرت بكلمة «الحجاز» بدل «جزيرة العرب» ، كما يفهم من كلامه ضمنا (2).

و نقول:

أولا: إن الروايات متناقضة، فبعضها قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بإجلاء اليهود و النصارى.

و بعضها قال: المشركين.

و في بعضها: لا يبقى دينان في جزيرة العرب.

و في بعضها: اليهود.

و في بعضها أنه قال: أخرجوا اليهود من الحجاز، و أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب (3).

و من جهة أخرى: فإن بعضها: ذكر الحجاز، و بعضها ذكر جزيرة العرب. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 58 و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 209 و 222 و مسند أحمد ج 2 ص 149 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 224 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 212 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 55 و ج 10 ص 359.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 58.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 58 و الأموال ص 142 و 143 و 144 و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و 321 و راجع مصادر الحديث و نصوصه في هوامش الصفحات المتقدمة.

و هذا الإختلاف يوجب ضعف الرواية إلى حد كبير. إذ لا شك في عدم صحة بعض نصوصها. . و لا مجال لتحديد الصحيح منها.

ثانيا: قال السمهودي: «لم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلاهم من اليمن، مع أنها من الجزيرة» (1).

ثم قال: فدل على أن المراد الحجاز فقط.

و قال الشافعي: إنه لا يعلم أحدا أجلاهم من اليمن (2).

و نقول:

بل دل ذلك على ضعف الرواية من الأساس، لا سيما و أن عددا من الروايات يصرح: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يبقين دينان بأرض العرب. و أرض العرب لا تختص بالحجاز كما هو معلوم.

ثالثا: إن تيماء من الحجاز أيضا، قال ابن حوقل: بينها و بين أول الشام ثلاثة أيام (3).

و هي تقع على ثماني مراحل من المدينة، بينها و بين الشام، و هي تعد من توابع المدينة (4).

و مدين التي هي من أعراض المدينة تقع في محاذاة تبوك (5)، و تبوك أبعد من تيماء كما هو ظاهر.


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 321.

2) سبل السلام ج 4 ص 62.

3) صورة الأرض ص 41.

4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1164.

5) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1302 و معجم البلدان ج 3 ص 211.

و آخر عمل المدينة «سرغ» ، بوادي تبوك، على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة (1).

و قالوا عن سرغ: إنها أول الحجاز، و آخر الشام (2).

بل لقد قال الحرقي: تبوك و فلسطين من الحجاز (3).

و لكن السمهودي قال: إن عمر «لم يخرج أهل تيماء و وادي القرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام.

و يرون: أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، و أن ما وراء ذلك من الشام» (4).

و لكن السمهودي نفسه ينقل عن صاحب المسالك و الممالك، و عن ابن قرقول: أنهما عدّا وادي القرى من المدينة (5).

كما أن ابن الفقيه عدّ دومة الجندل من أعمال المدينة، و وادي القرى تقع فيها (6).

و قال ياقوت و غيره: إن وادي القرى من أعمال المدينة أيضا (7).

وعدها ابن حوقل و غيره من الحجاز (8).


1) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1233.

2) معجم البلدان ج 3 ص 211 و مراصد الإطلاع ج 2 ص 707.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1184.

4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1329.

5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1328.

6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1212 و راجع: ص 1328.

7) راجع: مراصد الإطلاع ج 3 ص 1417 و معجم البلدان ج 5 ص 345.

8) صورة الأرض ص 38 و مسالك الممالك ص 19.

و بعد هذا: فإن كلام السمهودي يصبح متناقضا و غير واضح.

و إن كان يمكن الإعتذار عنه بأنه ينسب بعض ما يقوله لغيره، و ذلك لا يدل على رضاه و قبوله به.

و لكن هذا الاعتذار إنما يصح في بعض الموارد دون بعض، مع ملاحظة: أننا لم نجده يعترض على ما ينقله عن الآخرين، بل ظاهره: أنه مصدق له، و معترف به.

دعاوى لا تصح:

و قد حاول الحلبي هنا: أن يجعل من أسباب كثيرة سببا واحدا، فوقع في التناقض و الإختلاف، فإنه بعد ما ذكر عزم عمر على إجلاء اليهود، بسبب ما فعلوه بولده و بعبد اللّه بن سهل، و بمظهر بن رافع، قال:

«فلما أجمع الصحابة على ذلك، أي على ما أراده سيدنا عمر، جاءه أحد بني الحقيق فقال له: يا أمير المؤمنين الخ. .» ، فذكر القصة المتقدمة، و أن عمر لم ينس قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابن أبي الحقيق حول خروجه، و ادّعى ابن أبي الحقيق أنها هزيلة من أبي القاسم.

ثم قال: «ثم بلغه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يبقى دينان في جزيرة العرب، و نصوصا أخرى تقدمت» . ثم ذكر أن المراد بالجزيرة: خصوص الحجاز.

إلى أن قال: «ففحص عمر عن ذلك حتى تيقنه، و ثلج صدره، فأجلى يهود خيبر، أي و أعطاهم قيمة ما كان لهم من ثمر و غيره، و أجلى يهود فدك، و نصارى نجران، فلا يجوز إقامتهم أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول

و الخروج، و لم يخرج يهود وادي القرى و تيماء، لأنهما من أرض الشام، لا من الحجاز» (1).

فهو يقول: إن عمر هو الذي عزم على إجلاء اليهود.

ثم يقول: إن الصحابة قد أجمعوا. ثم يذكر: أن عمر عرف بأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حول اليهود بعد هذا العزم، و بعد ذلك الإجماع، فلما تيقنه و ثلج صدره أجلاهم.

كما أنه يذكر العبارات المتناقضة حول جزيرة العرب و الحجاز، و يدّعي أن المقصود بالجزيرة هو خصوص الحجاز.

و لكنه يدّعي: أن تيماء و وادي القرى ليستا من الحجاز، مع أن النصوص الجغرافية على خلاف ذلك، حسبما أوضحناه.

ثم يذكر: أنه أعطاهم ثمن أموالهم. .

و لا ندري سبب فعله هذا، إن كان إخراجهم بسبب نقضهم للعهد؟ ! فإن ناقض العهد لا يعطى ذلك. .

و أخيرا. . فإنه ادّعى: عدم جواز إقامتهم أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول و الخروج، فهل هذا الحكم مأخوذ من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أنه حكم سلطاني متأخر عن زمنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

و لا ندري ما الدليل المثبت لجواز إقامتهم هذين اليومين-يومي الدخول و الخروج-بعد منعه «صلى اللّه عليه و آله» لهم من البقاء في أرض العرب.


1) راجع كلامه بطوله في: السيرة الحلبية ج 3 ص 58.

إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن استخلاصها من مجموع ما ذكرناه.

الرواية الأقرب إلى القبول:

و لعلنا لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن حديث «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» هو من أقوال عمر نفسه، ثم نسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أجل تصحيح ما أقدم عليه من نقض عهد اليهود لأجل ابنه، أو لغير ذلك من أسباب، لم ير فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يوجب ذلك، حسبما ألمحنا إليه؛ فقد قال أبو عبيد اللّه القاسم بن سلام: «حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، و محمد بن عبيد، عن عبيد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «أجلى عمر المشركين من جزيرة العرب» .

و قال: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» .

و ضرب لمن قدم منهم أجلا، قدر ما يبيعون سلعهم» (1)انتهى.

فترى في هذا الحديث: أنه نسب القول بعدم اجتماع دينين في جزيرة العرب إلى عمر نفسه من دون إشارة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لعل هذا هو الأوفق و الأولى بالقبول.

و يؤيد ذلك: ما تقدم، مما يدل على أن إجلاءهم كان رأيا من عمر، فلا نعيد.

غير أن مما لا شك فيه هو: أن سبب إجلائهم كان شخصيا بحتا، بادر


1) الأموال ص 143.

إليه عمر على سبيل المجازاة لهم على ما ظنه عدوانا على ابنه، مع أن طريقة عمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معهم قبل ذلك تدل على أن هذا العمل في غير محله. فلا يصح نسبته إلى نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد تتأكد وجهة النظر هذه إذا كانت الأرض التي فتحها اللّه على يد علي «عليه السلام» ، و كذلك ما أفاءه اللّه تعالى سبحانه على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، مما فتح من غير قتال، ليكون محاولة لتثبيت المزاعم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يورث! !

الفصل الثالث: فدك و غصبها: أحداث و تفاصيل

اشارة

أمط. . أمط:

لما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر عقد لواء ثم قال: من يقوم إليه، فيأخذه بحقه، و هو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك.

فقام الزبير إليه، فقال: أنا.

فقال: أمط عنه.

ثم قام إليه سعد، فقال: أمط عنه.

ثم قال: يا علي قم إليه فخذه.

فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم، فكانت حوائط فدك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاصا خالصا.

فنزل جبرئيل فقال: إن اللّه عز و جل يأمرك أن تؤتي ذا القربى حقه.

قال: يا جبرئيل، و من قرباي؟ ! و ما حقها؟ !

قال: فاطمة، فأعطها حوائط فدك، و ما للّه و لرسوله فيها.

فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة، و كتب لها كتابا، جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر، و قالت: هذا كتاب رسول اللّه لي و لا بنيّ (1).


1) البحار ج 21 ص 22 و 23 و إعلام الورى ج 1 ص 209 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 291.

و عن أبي سعيد الخدري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذ بحقها؟ !

فجاء فلان، فقال: أنا.

فقال: أمط.

ثم جاء آخر فقال: أنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أمط.

فعل ذلك مرارا بجماعة. .

ثم قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي كرم وجه محمد، لأعطينها رجلا لا يفر.

هاك يا علي.

فانطلق، و فتح اللّه خيبر على يديه.

و في مسند أحمد: حتى فتح اللّه عليه خيبر و فدك، و جاء بعجوتها و قديدها (1).

و في مجمع الزوائد: ذكر أن الزبير طلبها أيضا (2).


1) راجع: تذكرة الخواص ص 25 عن أحمد في الفضائل، و مجمع الزوائد ج 9 ص 124 و مسند أحمد {ط دار صادر} ج 3 ص 16 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 184 و 185 و {ط أخرى} ص 211 و 212 و ذخائر العقبى ص 73-75 و الرياض النضرة ج 1 ص 185-187 و شرح الأخبار ج 1 ص 321 و العمدة لابن البطريق ص 139 و 140 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 104 و 105 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 500 و نهج الإيمان ص 317 و 318 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 352.

2) مجمع الزوائد ج 9 ص 124 و العمدة لابن البطريق ص 142 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 500 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 104 و 105.

و نقول:

إننا نذكر القارئ بالأمور التالية:

ألف: من يأخذها بحقها؟ !

1-من الواضح: أن هذه الحادثة و إن أشبهت حادثة فتح حصن القموص. . من حيث إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض الراية، و لم يعطها إلا لعلي «عليه السلام» ، لكنها قصة أخرى، حصلت بعد الفراغ من خيبر كما تقدم. .

فقوله في رواية الخدري: «فانطلق و فتح اللّه خيبر على يديه» ، غير دقيق، لأن ذلك قد حصل بعد الإنتهاء من خيبر كما صرحت به الروايات الأخرى.

و من الواضح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد بعرض الراية عليهم من جديد: أن يزيد في توضيح أمرهم للناس، و للأجيال، و يعرّفهم أنهم رغم كل فشلهم، و رغم فرارهم بالراية من دون موجب، لا يزالون يطمعون بالمواقع و المناصب. .

2-و يلاحظ أيضا: أن الرواية المتقدمة قد سجلت: عدم مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إعطاء الراية لمن يحب. بل هزها أولا ليثير الهمم، و يذكي الطموح، و يهز مشاعر الإباء و الحفاظ، لدى أهل الحفاظ و النجدة، و ليظهر الطامعون أنفسهم أمام الملأ، و يمهد السبيل إلى إعادة إظهار خيبتهم، و تذكير الناس بما كان منهم.

ثم هو يعلن: أنه لا يريد أن يبادر الناس إلى الإختيار، فعسى و لعل يكون هناك-غير أولئك الفاشلين في حصن القموص-من يستطيع أن

ينال هذا الشرف عن جدارة و استحقاق. . و لعل و عسى أن تكون المبادرة الطوعية إلى هذا الأمر هي الأصلح، و الأكثر ملاءمة لمعنى الخلوص و الإخلاص في هذا العمل الهام و الخطير.

هذا بالإضافة: إلى أنه كانت هناك مصلحة في سدّ أبواب انتحال الأعذار، التي قد لا تتوقف حتى عند اتهام النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بمحاباة أودّائه و أصفيائه، و ذوي قرابته. . أو ما هو من هذا القبيل.

فكان أن بادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى عرض هذه الراية على كل الناس، فعسى و لعل، و لعل و عسى. . و لكن شرط أن لا يكونوا من أولئك الطامحين، و لكن لا إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى، و إنما إلى أمور أخرى، دلت عليها مواقفهم السابقة، فقد أثبتوا بصورة عملية و قاطعة: أن أنفسهم أحب إليهم من اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله.

و يستشرف لها هؤلاء الطامعون، و لكن لا برضا اللّه عز و جل و الجنة، و إنما بالمناصب و المراتب. .

فكان لا بد من صدهم بقوة، و حزم، ليفهم الناس كلهم: أن لا مجال للتفريط بدين اللّه تعالى، و لا يصح إفساح المجال للتلاعب بمصير الناس، و خداعهم عن إسلامهم، بعد أن أظهرت الوقائع سوء صنيعهم، و قبيح فعلهم، الذي من شأنه أن يجرئ الأعداء، و أن يوهن عزم الأولياء. .

3-و قد استدرجهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» للإعلان عن أنفسهم، و إظهار دخائلهم، من جديد حين أخذ الراية، و هزها، و قال: من يأخذها بحقها، فطمع أولئك الذين تخاذلوا بها فيما سبق، و ظنوا: أن الفرصة قد و اتتهم مرة أخرى، و أن بالإمكان استغفال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ،

فضلا عن غيره هذه المرة على الأقل. .

فجاء فلان، و قال: أنا.

و تقدم: أنه الزبير.

فجاءه الرد الحاسم و الحازم، و الصاعق و الماحق منه «صلى اللّه عليه و آله» : أمط. .

ثم جاء الذي بعده و هو سعد، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أمط. .

فعل ذلك مرارا بجماعة، حسبما تقدم.

و لنا أن نتخيل ما كانت تحمله تلك النبرات التي رافقت هذا الرد القوي من دلالات و إيحاءات.

ب: و الذي كرّم وجه محمد صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت الرواية الآنفة الذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أقسم بالذي كرّم وجه محمد، أن يعطي الراية رجلا لا يفر. .

فهل لنا: أن نستفيد من ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد بقسمه هذا، الإشارة إلى أن اللّه تعالى قد كرّم وجه محمد عن أن يعبد غيره سبحانه، و لم يقم وزنا لشيء سواه، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعبد المال، و لا الجاه، و لا الأنا، و لا غير ذلك. .

و قد كرّم اللّه تعالى وجه محمد، فلا يستطيع أحد أن يسخر منه، و لا أن يتذاكى عليه، أو أن يظهره على صورة الساذجين، أو المغفلين. .

و أخيرا. . فإنه صدع بالعاهة التي أسقطت القناع عن وجه من يريد أن يلحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه الشين، حين قال: لأعطينها رجلا لا

يفر، هاك يا علي. .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» تحدث عن نفسه بصيغة الغائب، حيث لم يقل: «و الذي كرّم وجهي» ، و ربما من أجل أن يدل: على أن هذا التكريم الإلهي لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما هو حين كان «صلى اللّه عليه و آله» نورا معلقا بعرشه، و قبل أن تحل روحه في هذا الجسد، و يكون بشرا. .

ج: الزبير طلب الراية أيضا:

و حاولت الروايات المتقدمة: إعطاء بعض الأوسمة للزبير بن العوام، و تدّعي: أن أمه صفية تدخلت لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خوفا على ولدها. .

و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: فداك عم و خال. .

و قد جاء هذا النص نفسه ليدل: على أنه كان من المحرومين من راية العز و المجد، مع التلميح-الذي يرقى إلى حد التصريح-: بأنه كان من الذين فروا و انهزموا بالراية مع من انهزم في خيبر. .

و أظهرت هذه الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض الراية على جماعة، منهم: الزبير، و سعد بن عبادة.

و هذا يدل على: أن هناك جماعة من الناس كانوا يستحقون هذه الفضيحة، التي واجههم بها «صلى اللّه عليه و آله» . . و إنما استحقوا هذه العقوبة القاسية، بسبب أنهم انهزموا بالراية أولا. . و قد أغضبوا اللّه و رسوله في ذلك ثانيا.

حدود فدك:

و فدك: قرية بالحجاز-بينها و بين المدينة يومان، و قيل: ثلاثة-أفاءها

اللّه على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» في سنة سبع للهجرة صلحا، فكانت خالصة له «صلى اللّه عليه و آله» و فيها عين فوارة، و نخل كثير.

روى عبد اللّه بن حماد الأنصاري: أن دخلها كان أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة (1).

و في رواية غيره: سبعين ألف دينار (2).

فدك. . تعني الخلافة:

و قد أصبحت مسألة فدك من المسائل الحساسة عبر التاريخ، و صارت تمثل ميزان الحرارة، الذي يعطي الإنطباع عن طبيعة العلاقة بين الحكام و بين أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، فكانت تارة تؤخذ منهم، و تارة ترد إليهم، كما يظهر من مراجعة كتب التاريخ. .

بل صارت من العناوين الكبيرة لقضية الإمامة، كما تظهره النصوص التالية و غيرها.


1) البحار ج 17 ص 379 و ج 29 ص 116 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 152 و ج 9 ص 478 و مجمع النورين ص 117 و 118 و اللمعة البيضاء ص 300 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 113.

2) كشف المحجة ص 124 و سفينة البحار ج 7 ص 45 و البحار ج 29 ص 123 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 152 و ج 9 ص 478 و مجمع النورين ص 118 و اللمعة البيضاء ص 300.

الإمام الكاظم عليه السّلام و الرشيد:

قال الزمخشري: كان هارون الرشيد يقول لموسى بن جعفر «عليهما السلام» : خذ فدكا حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه.

فقال «عليه السلام» : لا آخذها إلا بحدودها.

قال: و ما حدودها؟

قال: يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردها.

قال: بحق جدك إلا فعلت.

قال: أما الحد الأول فعدن.

فتغير وجه الرشيد، و قال: هيه.

قال: و الحد الثاني سمرقند.

فاربد وجهه.

قال: و الحد الثالث أفريقية.

فاسود وجهه، و قال: هيه.

قال: و الرابع سيف البحر مما يلي الخزر و أرمينية.

قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحول في مجلسي.

قال موسى «عليه السلام» : قد أعلمتك: أنني إن حددتها لم تردها.

فعند ذلك عزم على قتله، و استكفى أمره يحيى بن خالد الخ. . (1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 435 و البحار ج 29 ص 200 و 201 و ج 48 ص 144 و 145 و مجمع النورين ص 124 و اللمعة البيضاء ص 294.

الإمام الكاظم عليه السّلام و المهدي العباسي:

و قبل ذلك: كان الإمام الكاظم «عليه السلام» قد طلب إرجاع فدك من المهدي العباسي، فقال له المهدي: يا أبا الحسن، حدّها إلي.

فقال: حد منها جبل أحد، و حد منها عريش مصر، و حد منها سيف البحر، و حد منها دومة الجندل.

فقال له: كل هذا؟ !

قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إن هذا كله مما لم يوجف على أهله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيل و لا ركاب.

فقال: كثير. و أنظر فيه (1).

فدك لمن؟ !

و قد ذكروا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاها لابنته فاطمة «عليها السلام» ، فلما مات «صلى اللّه عليه و آله» استولى عليها أبو بكر، فاحتجت عليه فاطمة، و قالت له: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نحلنيها.

قال أبو بكر: أريد لذلك شهودا (2).


1) الكافي ج 1 ص 543 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 405 و البحار ج 48 ص 156 و 157 و البرهان ج 2 ص 414 و مجمع البحرين ج 5 ص 283 و الوسائل ج 9 ص 525 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 154 و 155 و ج 5 ص 276 و اللمعة البيضاء ص 293.

2) معجم البلدان ج 4 ص 288 و {ط دار إحياء التراث} ص 238 و راجع: مجمع البحرين ج 5 ص 283 و لسان العرب ج 10 ص 203 و المسترشد ص 501 و الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الرحماني الهمداني ص 737 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 105.

قال الطريحي: «كانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأنه فتحها هو و أمير المؤمنين «عليه السلام» لم يكن معهما أحد» (1).

و قال في نص آخر: «فبعثت إلى علي، و الحسن، و الحسين، و أم أيمن، و أسماء بنت عميس-و كانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة-فأقبلوا إلى أبي بكر و شهدوا لها بجميع ما قالت و ادّعت.

فقال {عمر} : أما علي فزوجها.

و أما الحسن و الحسين فابناها.

و أما أم أيمن فمولاتها.

و أما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فهي تشهد لبني هاشم، و قد كانت تخدم فاطمة، و كل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم.

فقال علي «عليه السلام» : أما فاطمة فبضعة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من آذاها فقد آذى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و من كذبها فقد كذب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أما الحسن و الحسين، فابنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سيدا شباب أهل الجنة، من كذبهما فقد كذب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ كان أهل الجنة صادقين.

و أما أنا فقد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنت مني و أنا منك، و أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و الراد عليك هو الراد علي، و من أطاعك


1) مجمع البحرين ج 5 ص 283 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 152 و التفسير الأصفى ج 1 ص 177 و اللمعة البيضاء ص 293.

فقد أطاعني، و من عصاك فقد عصاني.

و أما أم أيمن فقد شهد لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالجنة، و دعا لأسماء بنت عميس و ذريتها.

قال عمر: أنتم كما وصفتم {به} أنفسكم. و لكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل.

فقال علي «عليه السلام» : إذا كنا نحن كما تعرفون {و لا تنكرون} ، و شهادتنا لأنفسنا لا تقبل، و شهادة رسول اللّه لا تقبل، فإنا للّه و إنا إليه راجعون. إذا ادّعينا لأنفسنا تسألنا البينة؟ ! فما من معين يعين.

و قد و ثبتم على سلطان اللّه و سلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة و لا حجة، وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (1)» (2).

و نقول:

إنه لم يكن يحق لأبي بكر طلب ذلك منها، لأنها كما سنرى مطهرة بنص الكتاب الكريم من كل رجس، فلا يمكن احتمال خلاف ذلك في حقها. .

و لأنها-فدك-كانت في يدها، و كان هو المدّعي الذي يطالب بالبينة، بل لا بد من رد شهادته لأنها تعارض شهادة القرآن، كما قلناه و سنقوله. .

الشهادة المردودة:

و مع ذلك كله: فإنها «عليها السلام» جاءته بالشهود، فكانت أم أيمن الشاهد الأول، فقد رووا: أن أبا بكر قال لها «عليها السلام» : هاتي على


1) الآية 227 من سورة الشعراء.

2) الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص 203-205 و البحار ج 29 ص 197- 199 و اللمعة البيضاء ص 315.

ذلك بشهود.

(قال): فجاءت بأم أيمن.

فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . أنشدك باللّه، ألست تعلم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أم أيمن امرأة من أهل الجنة» ؟ !

فقال: بلى.

قالت: «فأشهد: أن اللّه عز و جل أوحى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فَآتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ (1). فجعل فدكا لفاطمة {فجعل فدكا لها طعمة} بأمر اللّه تعالى.

فجاء علي «عليه السلام» فشهد: بمثل ذلك، فكتب لها كتابا، و دفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال: إن فاطمة «عليها السلام» ادّعت في فدك، و شهدت لها أم أيمن و علي «عليه السلام» ، فكتبته لها.

فأخذ عمر الكتاب من فاطمة «عليها السلام» فتفل فيه، و مزقه! !

فخرجت فاطمة «عليها السلام» باكية {تبكي} ، و هي تقول: مزق اللّه بطنك كما مزقت كتابي هذا.

فلما كان بعد ذلك جاء علي «عليه السلام» إلى أبي بكر و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار، فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة {بنت رسول اللّه حقها و} ميراثها من رسول اللّه و قد ملكته في حياته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !


1) الآية 38 من سورة الروم.

فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهودا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جعله لها، و إلا فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟

قال: لا.

قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادّعيت أنا فيه من تسأل البينة؟

قال: إياك كنت أسأل البينة.

قال: فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها؟ و قد ملكته في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بعده؟ ! و لم تسأل المسلمين بينة على ما ادّعوها شهودا، كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟

فسكت أبو بكر.

فقال عمر: يا علي! دعنا من كلامك. فإنا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، و إلا فهو فيء للمسلمين، لا حق لك و لا لفاطمة فيه! !

فقال أمير المؤمنين «عليه السلام» : يا أبا بكر تقرأ كتاب اللّه؟

قال: نعم.

قال: أخبرني عن قول اللّه عز و جل: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1). فيمن نزلت، فينا أم في غيرنا؟

قال: بل فيكم.


1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

قال {يا أبا بكر} : فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بفاحشة، ما كنت صانعا بها؟

قال: كنت أقيم عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين.

قال {له أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يا أبا بكر} : إذن كنت عند اللّه من الكافرين.

قال: و لم؟

قال: لأنك رددت شهادة اللّه لها بالطهارة، و قبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم اللّه و حكم رسوله، أن جعل لها فدكا و قد قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، و أخذت منها فدكا، و زعمت أنه فيء للمسلمين.

و قد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «البينة على المدّعي، و اليمين على المدّعى عليه» ، فرددت قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : البينة على من ادّعى، و اليمين على من ادّعي عليه.

قال: فدمدم الناس و أنكروا، و نظر بعضهم إلى بعض، و قالوا: صدق و اللّه علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و رجع إلى منزله (1).

وقفات مع ما سبق:

و قبل أن نمضي في الحديث نذكّر القارئ الكريم بما يلي:

ألف: إن أم أيمن حين قررت أبا بكر بما قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 119-123 و راجع: علل الشرائع ج 1 ص 191 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 273.

و آله» في حقها تكون قد أوضحت له، و للناس جميعا: أنه لا يحق له ردّ شهادتها، من ناحية التشكيك في صدقها، لأن ذلك يستبطن التطاول على النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، إذ لا يصح أن يقال: إن من يكون من أهل الجنة يكذب، و يقيم شهادة الزور، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» يقول:

«شاهد الزور لا يزول قدمه حتى توجب له النار» (1). و ذم شاهد الزور في القرآن و في السنة كثير، و لا يحتاج إلى مزيد بيان.

و قد أشار أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى هذا الأمر صراحة أيضا، لكي لا يتعلل أحد بأنه لم يلتفت إليه.

و يلاحظ: أن هذا التحذير قد جاء قبل أداء الشهادة، فلم يعد يمكن الإعتذار منه، أو عنه: بأنه لم يلتفت إلى هذه الخصوصية. .

ب: إن نفس كلام أم أيمن المشار إليه يسد الطريق على أبي بكر فيما يرتبط برد شهادة الحسنين و علي «عليهم السلام» ، فإن القرآن قد شهد لهؤلاء بالتطهير، و بالصدق، فلا معنى للتعليل: بأن هذا أو ذاك يجر النار إلى قرصه، أو ما إلى ذلك. .

فرد شهادة هؤلاء، جرأة على اللّه سبحانه مباشرة، إذ ما الفرق بين أن يكتب في القرآن أن فدكا لفاطمة، و بين أن يقول القرآن: إن فاطمة صادقة مطهرة من كل ريب و شين، فكل ما تدّعيه صحيح و واقع؟ ! . .


1) سفينة البحار ج 4 ص 518 و البحار ج 101 ص 311 و قرب الإسناد ص 41 عن الكافي ج 7 ص 383 ح 2 و أمالي الصدوق ص 389 ح 2 و المبسوط ج 8 ص 105 و 164 و المجموع ج 20 ص 232 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 77.

و قد صرح لهم أمير المؤمنين «عليه السلام» بهذا الأمر، إمعانا في إثبات الحجة عليهم، و دفعا لأي تعلل منهم.

ج: إن رد أبي بكر لشهادة الحسنين و علي «عليهم السلام» فيه جرأة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من جهة أخرى أيضا، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قبل شهادتهم في أمور عديدة. . فقد أشهد الحسنين «عليهما السلام» على كتاب ثقيف (1). و هو أمر مرتبط بشأن و مصير قوم من الناس، و ليس أمرا عاديا، و لا شأنا خاصا.

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» باهل بهما نصارى نجران (2)، و هذا مما أجمعت عليه الأمة.

و هذا معناه: أنهما شريكان في الدعوة، و شريكان في تحمل تبعاتها و آثارها.

و قد شرحنا هذا في كتابنا: «الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام» ، فيمكن الرجوع إليه لمن أراد.

يضاف إلى هذا و ذاك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد بايع لهما في بيعة الرضوان. و لم يبايع صبيا في ظاهر الحال غيرهما (3).


1) الأموال ص 289 و 280 و راجع: طبقات ابن سعد ج 1 ص 33 و {ط دار صادر} ص 284 و 285 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 274 و مكاتيب الرسول {ط سنة 1419} ج 3 ص 58 و 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 373.

2) راجع: طائفة من مصادر ذلك في كتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» ص 21 و 22.

3) الإرشاد للمفيد {ط النجف} ص 219 و 263. و راجع: الإحتجاج {ط النجف} ج 2 ص 245 و البحار ج 50 ص 78 و تفسير القمي ج 1 ص 184 و 185.

و قد استدل المأمون على العباسيين بهذا الأمر، حينما أراد تزويج ابنته للإمام الجواد «عليه السلام» ، فراجع (1).

و حاول البعض زيادة أشخاص آخرين، شاركوا في بيعة الرضوان، مثل ابن جعفر، و ابن عباس (2). .

و لكن رواية ذلك قد جاءت من قبل الذين يهتمون بتأييد الفريق الآخر، و يريدون التشكيك بمواقف و كرامات، و فضائل و ميزات علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، فلا يلتفت إليها، خصوصا مع تصريح المفيد و المأمون: بنفي هذا الأمر عمّن عدا الحسنين «عليهما السلام» ، فراجع


1) راجع فيما تقدم: الإتحاف بحب الأشراف ص 171 و 172 و تحف العقول ص 451 و 453 و الإختصاص ص 98 و 101 و الإحتجاج ج 2 ص 240 و 245 و كشف الغمة ج 3 ص 144 و المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 381 و جلاء العيون ج 3 ص 108 و الصواعق المحرقة ص 204 و نور الأبصار ص 161 و دلائل الإمامة ص 206-208 و روضة الواعظين ص 238 فما بعدها، و الإرشاد للمفيد ص 359 و 360 فما بعدها، و إعلام الورى ج 2 ص 101 فما بعدها، و البحار ج 50 ص 75 عن الإحتجاج، و عن تفسير القمي، و الإمام محمد الجواد لمحمد علي دخيل ص 37 و 41 و أعيان الشيعة ج 2 ص 33 و 34. و الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 253 و 256.

2) ينابيع المودة ص 375 عن فصل الخطاب لمحمد پارسا البخاري، عن النووي على ما يبدو، و ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر بتحقيق المحمودي ص 150 و في هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني، ترجمة الإمام الحسين، الحديث رقم 77 و حياة الصحابة ج 1 ص 250 و مجمع الزوائد ج 6 ص 40 عن الطبراني، و قال: هو مرسل و رجاله ثقات، و العقد الفريد ج 4 ص 384 من دون ذكر ابن عباس.

كتابنا: الحياة السياسية للإمام الجواد «عليه السلام» (1).

هذا كله، مع ما أشار إليه أمير المؤمنين، و سيد الوصيين «عليه السلام» من أن آية التطهير تمنع أبا بكر من طلب البينة من الزهراء «عليها السلام» ، و تحتم عليه قبول كلامها، كما تمنعه من رد شهادة الحسنين «عليهما السلام» ، فضلا عن أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. .

د: و مما زاد الأمر تعقيدا و إحراجا للغاصبين: أن عليا «عليه السلام» قد أظهر أبا بكر أمام المهاجرين و الأنصار في صورة الإنسان المتناقض في قضائه، حين سأله «عليه السلام» عن أنه لو كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادّعى علي «عليه السلام» أنه له، فمن الذي تطلب منه البينة؟ !

فأجاب أبو بكر: بأنه يطلبها من المدّعي. .

فانكشف: أن حكم أبي بكر في قضية فاطمة «عليها السلام» كان على عكس ذلك.

عندها سكت أبو بكر، و أقر عمر: بأنهم غير قادرين على ردّ حجة علي «عليه السلام» . .

و بذلك يكون علي «عليه السلام» قد وضع أبا بكر في مأزق لا خلاص له منه، و أمام خيارين كل منهما ينتهي بفضيحة عظيمة، تضر موقفه، و تظهر أنه مبطل في تقمصه للخلافة. .

فهو إما جاهل بأحكام القضاء-بل بالبديهيات منها-فيحكم تارة بالبينة على المدّعي، و أخرى بالبينة على المدّعى عليه، من دون أن يعرف أيهما


1) الحياة السياسية للإمام الجواد ص 52.

الحق، و أيهما الباطل.

و إما عالم بها، لكنه يتعمد العمل بخلاف ما شرعه اللّه تعالى، لأنه لا يملك الرادع الديني عن مخالفة أحكامه تعالى. .

و إما أنه كان عالما بحكم اللّه تعالى ثم نسيه، فحكم بخلافه. . فلماذا لم يتراجع عنه بعد التعليم و البيان؟ !

و كل ذلك يجعله غير صالح لمنصب القضاء، فكيف يكون صالحا لمقام الخلافة، في حين أن القضاء هو أحد مهمات الخليفة؟ !

ه: و الذي زاد الطين بلة، أن ذلك النص قد أظهر عمر بن الخطاب عاجزا عن مقارعة علي «عليه السلام» الحجة بالحجة. . و لكنه أعلن أنه متشبث برأيه، و دليله هو قوته و سلطانه. . كما ظهر في كلامه.

و: كما يلاحظ: أن عليا «عليه السلام» قد تجاهل عمر تماما، و تابع موجها كلامه إلى أبي بكر و لم يلتفت إليه! !

ز: إن تقرير علي «عليه السلام» لأبي بكر في شأن طهارة فاطمة «عليها السلام» ، و زعم أبي بكر أنه لو شهد الشهود عليها بالفاحشة، لكان أقام عليها الحد. . قد جاء ليؤكد: أن الخليفة غير عارف بأحكام اللّه تعالى، و أن عدم معرفته هذه قد تؤدي به إلى ارتكاب ما يوجب الكفر.

و بذلك يتضح: مدى خطورة هذا الأمر، و أن القضية ليست قضية أموال و أراض، بل هي قضية أن لا يتولى أمر المسلمين من ليس له أية حصانة تمنعه من الوقوع في هذا الخطر العظيم عليه و على الأمة بأسرها.

ح: إن حوار علي «عليه السلام» معهم قد أسهم بصورة قوية في تجلية الأمور للناس، حيث أراهم بأم أعينهم، كيف أن من ينصّب نفسه خليفة

لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك من يرشح نفسه لهذا المقام، ليس فقط لا يملك أدنى الشرائط التي تؤهله لتولي أبسط الأمور، و لو مثل القيمومة على أبنائه، فكيف بخلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل هو يتحلى بالصفات المناقضة و الناقضة لهدف هذا المقام أو ذاك.

ط: روي عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي في المدينة، حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فليأت.

فيأتيه رجال فيعطيهم.

فجاء أبو بشير المازني، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا أبا بشير إذا جاءنا شيء فأتنا.

فأعطاه أبو بكر حفنتين، أو ثلاثا، فوجدوها ألفا و أربع مائة درهم.

و روى البخاري و غيره: أنه لما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جاء مال من قبل علاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي «صلى اللّه عليه و آله» دين، أو كانت له قبله عدة، فليأتنا.

قال جابر: و عدني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطيني هكذا أو هكذا و هكذا، فبسط يده ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمس مائة ثم خمس مائة ثم خمس مائة (1).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد {ط دار صادر} ج 2 ص 317 و 318 و فدك في التاريخ ص 194 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 163 و مجمع الزوائد ج 6 ص 3 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 305 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 109 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 78.

فهذا الرجل-أعني أبا بشير المازني-لم يكن من كبار الصحابة، و ليس له موقع فاطمة «عليها السلام» عند اللّه تعالى و عند رسوله «صلى اللّه عليه و آله» و قد أعطي ألفا و أربع مائة درهم (1)و لم يطلب منه بينة على صحة ما ادعاه.

فلماذا لا تعطى الزهراء «عليها السلام» أيضا بدون طلب بينة؟

و لماذا هم يعرضون أنفسهم إلى غضب اللّه تعالى و غضب رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، بمقتضى ما دلت عليه الآيات و الروايات في حقها؟ .

خصوصا إذا لاحظنا: ما زعموه من القيمة الزهيدة التي زعموها لفدك، و أن عمر بن الخطاب قد اشتراها من اليهود بخمسين ألف درهم فقط! !

ملاحظة: إننا نعتقد: أن تصدي أبي بكر لقضاء دين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إنجاز عداته، قد جاء بهدف إبطال القول الثابت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن عليا «عليه السلام» يقضي دينه، و ينجز عداته بعد مماته «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) صحيح البخاري كتاب الشهادات باب {29} و فدك في التاريخ ص 194 و كنز العمال ج 5 ص 626 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 318 و 319.

2) مصادر الحديث الدال على ذلك كثيرة جدا فراجع: إحقاق الحق {الملحقات} و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 318 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» ج 1 ص 335 و 340 و 341 و 387 و 445 و 497 و ج 2 ص 47 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 396 ج 3 ص 26 و البحار ج 2 ص 226 و ج 5 ص 21 و 69 و ج 22 ص 501 و ج 28 ص 84 و ج 35 ص 184 و ج 38 ص 12 و 19 و 74 و 147 و 327 و ج 39 ص 220 و ج 40 ص 76 و المراجعات ص 308 و 309 و الغدير ج 2 ص 283 و ج 5 ص 351 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 47 و 48 و 56 و 57 و 331 و ينابيع المودة ج 2 ص 77 و 85 و 97 و 163 و 299 و 402.

و قد حصل ذلك بالفعل، فقد روي: أنه لما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أمر علي «عليه السلام» صائحا يصيح: «من كان له عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدة أو دين فليأتني» .

فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك حتى توفي علي «عليه السلام» .

ثم كان الحسن بن علي «عليه السلام» يفعل ذلك حتى توفي.

ثم كان الحسين «عليه السلام» يفعل ذلك. و انقطع ذلك بعده. رضوان اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

قال ابن عون: فلا يأتي أحد من خلق اللّه إلى علي «عليه السلام» بحق و لا باطل إلا أعطاه (1).

فدك للزهراء عليها السّلام:
اشارة

و بعد. . فلا شك في أن فدكا للزهراء «عليها السلام» و الأدلة على ذلك كثيرة. . و قد ألمحت «عليها السلام» إلى هذه الأدلة. . و لكنها ركزت على واحد منها بعينه. .

فما هي هذه الأدلة؟

و لماذا لم تركز احتجاجاتها «عليها السلام» عليها؟ ! بل ركزت على واحد منها؟


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 319.

و نقول في الجواب: إن الأدلة هي التالية:

1-هي في يدها:

لقد كانت فدك في يد فاطمة «عليها السلام» ، و كان فيها وكيلها و عمالها، فكيف و لماذا بادر أبو بكر إلى إخراجهم منها؟

ألم يكن من الأجدر به أن يسأل فاطمة «عليها السلام» عن هذا الأمر؟ !

و لماذا لم يعمل بقاعدة اليد، التي تقول: إن اليد أمارة على الملكية، و للملكية أسبابها، مثل الهبة، و الشراء، و الإرث، و الإحياء، و. . و. .

و قد يقال:

لنفترض: أنه قد غفل عن هذا الأمر.

و يجاب:

أولا: دعوى الغفلة، لا تقبل من الإمام الذي يدّعي لنفسه موقع الخلافة للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و القدرة على الاضطلاع بمهماته، و القيام بوظائفه. . فلا بد أن يكون حافظا للأمة، خصوصا في أمثال هذه الأمور البديهية.

ثانيا: لو أغمضنا النظر عن ذلك حتى لا نحرج الآخرين، فإننا نقول:

لا مجال لادّعاء الغفلة عن مثل هذا الأمر، لأن كونها في يدها، و وكيلها، و عمالها فيها منذ زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يحتم علينا الحكم بأنها لا تزال مالكة لها أو لمنفعتها، و لو عن طريق استئجارها لمدة معلومة، إذ لو لم نقل ذلك فلا بد من أن ننسب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التضييع و التفريط، و العبث، و محاباة أهل بيته. و حاشاه من ذلك كله. .

فكيف يبادر أبو بكر إلى طرد وكيلها و عمالها، قبل أن تستوفي حقها، و منافعها في المدة المصرح بها في العقد؟ !

2-هي عطية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و حين أخبرته أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاها إياها، طالبها بالبينة، مع أن ذا اليد لا يطالب بالبينة، بل المدّعي هو الذي يطالب بها. .

فكان على أبي بكر أن يأتي بشهوده و بيناته. .

على أن البينة هي شهادة على الصدق، و من شهد اللّه له بالصدق، فلا يصح طلب البينة منه. .

فيكون هذا الطلب متضمنا لتكذيب أبي بكر له تعالى في تطهيره لها «عليها السلام» ، و لوازم هذا التكذيب خطيرة.

بل هي أخطر ما يمكن أن يواجهه إنسان مسلم.

3-الخمس لا يختص بفاطمة عليها السّلام:

و ثمة أمر آخر لا بد من الإشارة إليه، و هو: أنه رغم منعهم فاطمة الزهراء «عليها السلام» من الخمس أيضا، فإنها «عليها السلام» لم تجعل هذا الأمر من العناوين التي طالبت بها أبا بكر.

و لعل السبب في عزوفها عن المطالبة بهذا الحق هو: أنه لا خصوصية لها «عليها السلام» في موضوع الخمس بنظر الناس العاديين، إذ يمكن للغاصبين أن يقولوا لهم:

أولا: إن لها و لعلي «عليهما السلام» في هذا الأمر شركاء، و هم سائر بني هاشم، فنحن نعطيكم من الخمس ما لا يوجب تضييعا لحق أولئك.

و ثانيا: قد يقولون للناس أيضا: إن الخمس إنما هو في غنائم الحرب، و لا نسلم بثبوته في جميع الأشياء، و بذلك يتخذ الجدل منحى ماليا، ماديا و دنيويا، و يصبح بلا فائدة و لا عائدة، و لا ينتهي إلى نتيجة. .

و لم تكن الزهراء «عليها السلام» و لا علي «عليه السلام» ممن يهتم لأمر الدنيا.

و بذلك تضيع القضية الأساس و الأهم، التي هي المنشأ و السبب في كل هذا الذي يحدث، و هي قضية الإمامة، و اغتصابهم لها، و عدم توفر أدنى الشرائط فيهم لأبسط مسؤولية يمكن أن توكل لإنسان مهما كان عاديا. .

4-قضية الميراث هي المحور:

ثم تأتي قضية إرث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، التي حرصت الزهراء «عليها السلام» على أن تجعلها المحور، الذي ارتكزت إليه و عليه، في خطبتها في المهاجرين و الأنصار، بعد عشرة أيام من استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قد حاول أبو بكر التخلص و التملص من هذا الأمر، بادعاء أنه سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لا نورث ما تركناه صدقة.

زاد في نص آخر قوله: إنما يأكل آل محمد من هذا المال. .


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 211 و السقيفة و فدك ص 100 و الطرائف لابن طاووس ص 264 و راجع: البحار ج 29 ص 239 و مناقب آل أبي طالب ص 418 و عن بلاغات النساء ج 2 ص 146 و {ط بصيرتي-قم} ص 14 و مواقف الشيعة ج 1 ص 473.

إلى أن تقول الرواية: فهجرته فاطمة، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.

قالت عائشة: و كانت فاطمة «عليها السلام» تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر، و فدك، و صدقته بالمدينة (1).

و نقول:

أولا: الظاهر هو: أن أبا بكر قد فوجئ-في البداية-بهذا الأمر، فإن الجوهري يروي بإسناده عن أبي الطفيل، قال: أرسلت فاطمة «عليها السلام» إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أهله؟

قال: بل أهله (2).

و هذا اعتراف من أبي بكر بحق الزهراء «عليها السلام» فيما ترك، و بأن أهله «صلى اللّه عليه و آله» يرثونه. و لعل أبا بكر قد فوجئ بهذا السؤال، فأجاب بما هو مرتكز لديه، على السجية، و من دون فكر و روية، ثم لما


1) راجع: صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث العربي} ج 4 ص 96 و ج 5 ص 177 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 25 و كنز العمال ج 7 ص 242 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 371 و جامع الأصول ج 10 ص 386 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 301 و راجع: مسند فاطمة للسيوطي ص 15 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 305 و فتح الباري ج 6 ص 140 و مسند أحمد ج 1 ص 6 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 232 و السقيفة و فدك ص 116 و عن تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 346.

2) السقيفة و فدك ص 109 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 218 و 219 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 40 و ج 12 ص 119 و مجمع النورين ص 126 و تاريخ المدينة ج 1 ص 158 و اللمعة البيضاء ص 760.

التفت إلى نفسه صار يجادل في هذا الأمر، و أصر على إنكاره. و جاء بحديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث الخ. .

ثانيا: إن النص القرآني الصادع بإرث الأنبياء «عليهم السلام» لا يدفع بحديث أبي بكر لأكثر من سبب:

1-إن الحديث القرآني عن إرث سليمان لداود و نحوه، قد جاء ليحكي قضية حصلت في السابق مفادها: أن أبناء الأنبياء قد ورثوا آباءهم فعلا. . و لم يرد بصيغة جعل الحكم ليقال: إن هذا الحديث قد نسخ ذلك الحكم القرآني، أو لم ينسخه.

كما أنه لا مجال لجعل حديث أبي بكر مخصصا للنص القرآني، لأن الحديث ليس أخص منه بل هو معارض له، لادّعائه: أن من له صفة النبوة لا يورث، حيث قال: لا نورث، أو نحن معاشر الأنبياء لا نورث الخ. .

و هذا يعني: أن الأنبياء السابقين لم يورثوا أبناءهم بسبب صفة النبوة، و هذا يناقض الآيات القائلة: إن سليمان قد ورث داود، و كذلك غيره من الأنبياء السابقين بالنسبة لآبائهم، فليس المقام من باب التخصيص، بل هو تناقض لا مجال لعلاجه، لا بادعاء النسخ، و لا بغيره. .

2-كيف ورثت عائشة و غيرها من الزوجات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)، فقد طالبت عائشة بالحجرة التي أسكنها إياها رسول اللّه


1) راجع: الإحتجاج ج 2 ص 315 و البحار ج 31 ص 94 و ج 44 ص 155 و ج 47 ص 400 و الخرايج و الجرائح ج 1 ص 244 و اللمعة البيضاء ص 804 و الصوارم المهرقة ص 161 و شجرة طوبى ج 2 ص 429 و كنز الفوائد ص 136 و الإيضاح لابن شاذان ص 261 و الفصول المختارة ص 74.

«صلى اللّه عليه و آله» و أعطيت لها، و لم يطلب منها بينة، كما أنهم دفعوا الحجر إلى نسائه بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و يدّعي خلفاء بني العباس: وراثة ثياب النبي «صلى اللّه عليه و آله» : البردة، و القضيب. و قد تقدم الكلام حول ذلك في جزء سابق في فصل: أراضي بني النضير و الكيد السياسي.

3-روي عن الرضا «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خلف حيطانا بالمدينة صدقة، و خلف ستة أفراس و ثلاث نوق: العضباء، و الصهباء، و الديباج، و بغلتين: الشهباء، و الدلدل، و حماره: اليعفور، و شاتين حلوبتين، و أربعين ناقة حلوبا، و سيفه ذا الفقار، و درعه ذات الفضول، و عمامته السحاب، و حبرتين يمانيتين، و خاتمه الفاضل، و قضيبه الممشوق، و فراشا من ليف، و عباءتين قطوانيتين، و مخادا من أدم. صار ذلك إلى فاطمة «عليها السلام» ما خلا درعه، و سيفه، و عمامته، و خاتمه، فإنه جعله لأمير المؤمنين «عليه السلام» (2).

و يقولون أيضا: إنهم دفعوا آلته «صلى اللّه عليه و آله» ، و بغلته، و حذاءه، و خاتمه، و قضيبه إلى علي «عليه السلام» (3).


1) راجع: كنز الفوائد ص 136 و تلخيص الشافي ج 3 ص 129 و 130 و دلائل الصدق ج 3 ق 2 ص 129 و نهج الحق ص 366.

2) البحار ج 29 ص 210 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 26 ص 103 و كشف الغمة ج 2 ص 118 و اللمعة البيضاء ص 801 عن الفتوح ج 1 ص 420.

3) راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 262 و {ط المطبعة الحيدرية} ص 225 و راجع: اللمعة البيضاء ص 763 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224 و 214 و تلخيص الشافي ج 3 ص 147 و في هامشه أيضا عن: الرياض النضرة.

4-ذكر الحلبي الشافعي: أن في كلام سبط ابن الجوزي: أن أبا بكر كتب لفاطمة «عليها السلام» بفدك، و دخل عليه عمر، فقال: ما هذا؟

فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها.

فقال: بماذا تنفق على المسلمين، و قد حاربك العرب كما ترى؟ ! ثم أخذ الكتاب فشقه (1).

مفردات من الكيد الإعلامي:
اشارة

و بعد ما تقدم، فإننا نذكر هنا: مفردات من الكيد الإعلامي: الرامي إلى تجهيل الناس بالحقائق، من قبل أناس يدّعون الحرص على الدين، و يتظاهرون بأنهم أمناء عليه، فنقول:

1-لا نورث ما تركناه صدقة:

اعتذر أبو بكر عما أقدم عليه من حرمان الزهراء «عليها السلام» من الإرث: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث ما تركناه


1) السيرة الحلبية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 3 ص 362 و راجع: الغدير ج 7 ص 194 و فدك في التاريخ ص 148 عن شرح النهج للمعتزلي، و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 427 و إفحام الأعداء و الخصوم ص 95 و تفسير القمي ج 2 ص 155 عن شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 101 و إنسان العيون في سيرة الأمين و المأمون ص 40 و اللمعة البيضاء ص 747 و 748 و 799 و الأنوار العلوية ص 292 و البحار ج 29 ص 128 و 134 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 186 و بيت الأحزان ص 134 و مجمع النورين ص 120.

صدقة (1).

و نقول:

أولا: إنه لو فرض أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال شيئا من ذلك، فلا بد أن يقوله في الملأ العام و أمام ذوي الشأن لا أن يخص به شخصا بعينه دون سائر الناس، و هو ممن يجر النار إلى قرصه. .

و قد أظهرت بعض النصوص أن ثمة تصرفا متعمدا تعرض له هذا الحديث حتى انقلب معناه رأسا على عقب، و ظهر أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرد المعنى الذي يريدون التسويق له، كما أن ما قاله «صلى اللّه عليه و آله» خال من عبارة: ما تركناه صدقة. . بل فيه فقرة أخرى تعطي المعنى الحقيقي للكلمة.

فقد ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «. . و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، و إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورّثوا العلم؛ فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر» (2).


1) بالتخفيف. و قراء التشديد لحن، لأن التوريث: إدخال أحد في المال على الورثة، كما ذكره الجوهري.

2) الكافي ج 1 ص 34 و راجع: ص 32 و المعتبر ج 2 ص 5 و تحرير الأحكام {ط. ق} ج 1 ص 3 و بلغة الفقيه ج 3 ص 227 و نهج الفقاهة ص 299 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 2 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 387 و جامع المدارك ج 3 ص 99 و مسند أبي حنيفة ص 57 و ثواب الأعمال ص 131 و عوالي اللآلي ج 4 ص 75 و الفصول المهمة ج 1 ص 466 و نهج السعادة ج 7 ص 312 و سنن الدارمي ج 1 ص 98 و أمالي المحاملي ص 330 و البحار ج 1 ص 164 و منية المريد ص 107 و صحيح البخاري ج 1 ص 25 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 81 و سنن أبي داود ج 2 ص 175 و سنن الترمذي ج 4 ص 153 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 290 و كنز العمال ج 10 ص 146 و التاريخ الكبير ص 337 و رياض الصالحين للنووي ص 551 و موارد الظمآن ص 49 و المعالم ص 12 و تفسير الميزان ج 14 ص 23 و تفسير القرطبي ج 8 ص 295 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 564 و تهذيب الأصول ج 3 ص 151 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 247 و ج 38 ص 318 و 319 و ج 50 ص 43 و 44 و 46 و 48 و 49 و تاريخ جرجان ص 204.

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يبين أنهم صلوات اللّه و سلامه عليهم ليسوا بصدد جمع الأموال و تكديسها، حتى إذا ماتوا ورثها منهم من له حق الإرث. بل هم زهاد في الدنيا، عازفون عن زخرفها، مهتمون بالعلم النافع، و لا يريد أيّ منهم من أحد أجرا على جهده و جهاده، لا من مال، و لا من غيره. و ذلك على قاعدة: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرىٰ لِلْعٰالَمِينَ (1).

ثانيا: حتى لو صح أن كلمة: «ما تركناه صدقة» موجودة في الحديث بالفعل، فإن وجودها لا يحتم أن يكون المراد: أن ما يتركه الأنبياء من أموال لا يرثها أحد، لإمكان أن يكون المقصود: أن ما جعلوه «عليهم السلام» صدقة حال حياتهم، لا يدخل في جملة ما يورث. فتكون كلمة «ما» مفعولا به لكلمة «نورث» ، و كلمة «صدقة» منصوبة أيضا بكلمة تركناه.


1) الآية 90 من سورة الأنعام.

فلا يقف قارئها و قائلها على كلمة «نورث» ليستأنف الكلام و يقول: ما تركناه صدقة، برفع كلمة «صدقة» خبرا للمبتدأ، و هو كلمة: «ما» . بل يصلها ببعضها، و ينصب كلمة «صدقة» و لا يرفعها. .

و لا أقل من أن نعترف: بأننا لم نسمع الكلمة من فم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة؛ لنعرف كيف تكلم بها، هل وقف على كلمة نورث؟ ! أم لم يقف؟ !

إذ من الواضح: أن آخر الجملة ليس هو المعيار، لإمكان أن يقف عليه بالسكون. .

و المعيار هو: طريقة إلقاء الكلام، فلعله قد وصل الكلام بعضه ببعض، فيكون المراد هذا المعنى الثاني. . فلا يكون دالا على مراد أبي بكر، و لعله وقف على كلمة: «نورث» ثم استأنف الكلام، فقال: ما تركناه صدقة. . فيكون المراد المعنى الأول.

و من الواضح: أن الآيات و التشريعات، و كذلك القرائن الأخرى تؤيد أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد وصل الكلام.

2-هل المقصود إرث المال؟ !

إن الزهراء «عليها السلام» في خطبتها في المهاجرين و الأنصار قد استدلت بآيات عديدة من القرآن تبين أن فدكا إرث لها، و أن على أبي بكر أن يرجعها إليها على هذا الأساس. .

و لم يدّع أبو بكر و لا أحد من أعوانه أو محبيه، و لا أحد من الصحابة أن

المراد بقوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ (1)، و بقول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2)هو إرث المال.

بل التجأ-أبو بكر-إلى ما زعمه أنه حديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يزد على ذلك. .

و لو كان المقصود بالآيات هو إرث النبوة-كما يزعم بعض أهل الريب -لبادر أبو بكر، و من معه، و ألوف من الصحابة إلى الإعتراض على الزهراء «عليها السلام» في استدلالها هذا. . أو على الأقل لاستفهموا منها عن وجه تفسيرها لهذه الآيات على هذا النحو. .

3-قيمة النخل بتربته:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن عمر بن الخطاب اشترى من أهل فدك نصفها، فقوموا النخل و الأرض، فبلغ قيمة النصف خمسين ألف درهم، أو يزيد. .

و نحن نشك في صحة هذا الخبر، و نرى أنه هو الآخر من مفردات الكيد الإعلامي، الهادف إلى تعمية الأمور في مسألة اغتصاب فدك من أصحابها الشرعيين.

فأولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليصالحهم على أن يكون نصف الأرض لهم؛ لأن الأرض للّه يورّثها من يشاء، و قد جاء الحكم الإلهي ليقول: إن ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب ملك خاص لرسول


1) الآية 16 من سورة النمل.

2) الآيتان 5 و 6 من سورة مريم.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس لأحد فيه أي حق.

فالصحيح هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» تركهم يعملون في الأرض و النخل و أعطاهم نصف الناتج، كما صرحت به النصوص المتقدمة. .

ثانيا: هم يقولون: إن غلة فدك كانت أربعة و عشرين ألف دينار كل سنة (1).

و قيل: سبعون ألفا (2)، فهل يعقل أن تكون غلة كهذه هي لنخل لا تبلغ قيمته مع الأرض خمسة آلاف دينار؟ ! .

بل لقد ورد: أن فيها من النخل ما يعادل نخيل الكوفة في القرن السادس الهجري (3).

و الذي نظنه: أن الهدف من إطلاق هذه الشائعة هو: 1-التقليل من شأن فدك، لكي يصبح من يطالب بها طامعا بشيء زهيد، و ذلك يمهد السبيل لتبرئة أبي بكر من تهمة كونه قد أراد أن يسلب عليا «عليه السلام» قدرته المالية، لأن أبا بكر كان يخشى أن يجمع علي «عليه السلام» الرجال حوله بواسطة ذلك المال، الذي يحصل له من فدك.


1) البحار ج 17 ص 379 و ج 29 ص 116 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 152 و ج 9 ص 478 و مجمع النورين ص 117 و 118 و اللمعة البيضاء ص 300 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 113.

2) كشف المحجة ص 124 و سفينة البحار ج 7 ص 45 و البحار ج 29 ص 123 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 152 و ج 9 ص 478 و مجمع النورين ص 118 و اللمعة البيضاء ص 300.

3) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 236 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 120 و مواقف الشيعة ج 2 ص 437 و اللمعة البيضاء ص 306.

2-الإيحاء بأنه إذا كانت فدك ليست خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل قد اشترى عمر نصفها بمال المسلمين-كما زعمته هذه الرواية-فذلك يعني أن المسلمين شركاء معهم فيها، و قد يكون الحكام الذين يقطعونها لمروان و لغيره، إنما يقطعونهم النصف الذي يرجع أمره إلى الحاكم. . و لكن آل علي «عليهم السلام» يصرون على أخذ ما ليس لهم بحق. .

4-و آت ذا القربى حقه:

و رووا عن الخدري، و عن علي «عليه السلام» ، و ابن عباس، و جعفر بن محمد «عليه السلام» ، و عطية العوفي، و عن علي الرضا «عليه السلام» ، و عن الإمام الباقر «عليه السلام» : أنه لما نزل قوله تعالى: وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ (1)دعا فاطمة «عليها السلام» و أعطاها فدكا.

زاد في بعض الروايات قوله: و العوالي (2).


1) الآية 26 من سورة الإسراء.

2) تفسير العياشي ج 2 ص 287 و 310 و كشف الغمة ج 1 ص 476 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 233 و نور الثقلين ج 5 ص 275 و التبيان ج 6 ص 469 و ج 8 ص 253 و مجمع البيان ج 6 ص 243 و ج 8 ص 63 و ج 4 ص 306 و مجمع الزوائد ج 7 ص 49 و البداية و النهاية ج 3 ص 36 و مناقب علي {لمحمد بن سليمان} و سعد السعود ص 101. و راجع: شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 438 و 439 و 440 و 441 و 442 و 570 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 70 و تفسير فرات ص 239 و 322 و تأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 435 و البحار ج 29 ص 111 و 117 و 113 و 121 و 323 و البرهان ج 3 ص 264 و ج 2 ص 415 و ميزان الإعتدال {مطبعة السعادة} ج 2 ص 228 و السبعة من السلف ص 36 و الدر المنثور ج 2 ص 158 و ج 5 ص 273 و 274 و ج 4 ص 177 و معارج النبوة {ط مطبعة لكنهو} ج 1 ص 277 و إحقاق الحق ج 3 ص 549 و ج 14 ص 618 و منتخب كنز العمال {مطبوع مع مسند أحمد} ج 1 ص 228 و روح المعاني ج 5 ص 58 و كنز العمال ج 2 ص 158 و ج 3 ص 767 و عن الطبراني، و الحاكم في تاريخه، و ابن النجار، و البزار، و ابن مردويه، و أبي يعلى، و ابن أبي حاتم.

قال ابن كثير: «هذا الحديث مشكل، لو صح إسناده، بأن الآية مكية، و فدك إنما فتحت مع خيبر لسنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذن حديث منكر» (1).

و نقول:

هناك عدة أجوبة على هذا الكلام، نذكر منها: أولا: إنهم هم أنفسهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: ضعوا هذه الآية في الموضع الفلاني من السورة الفلانية.

فقد قال الباقلاني و ابن الحصار: «كان جبرئيل «عليه السلام» يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. .» (2).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 36 و {ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 45 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 39 و فتح القدير ج 3 ص 224 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 79.

2) راجع: لباب التأويل للخازن ج 1 ص 8 و مناهل العرفان ج 1 ص 240 و مباحث في علوم القرآن ص 142 عن الإتقان ج 1 ص 62 عن ابن الحصار، و البرهان للزركشي ج 1 ص 256 عن الباقلاني، و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 67 و تفسير الميزان ج 12 ص 130 عن ابن الحصار، و إعجاز القرآن ص 60.

و عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب؛ فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا (1).

و روي قريب من هذا عن عثمان بن عفان أيضا (2).


1) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 272 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 43 و الإتقان ج 1 ص 62 و البرهان للزركشي ج 1 ص 241 و {ط دار الكتب العربية، القاهرة} ج 1 ص 234 و 241 عن الترمذي، و الحاكم. و التمهيد ج 1 ص 213 و تاريخ القرآن للصغير ص 81 عن مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص 34، و عن مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 42 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 10 و بحوث في تاريخ القرآن للزرندي ص 99 و 100 و جامع البيان ج 1 ص 69 و تفسير القرطبي ج 8 ص 62 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 63 و تهذيب الكمال ج 33 ص 288. لكن في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري ج 1 ص 24 و مناهل العرفان ج 1 ص 240 هكذا: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا» ، و في تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: «ضعوا هذه السورة في موضع كذا و كذا من القرآن، و كان جبرئيل «عليه السلام» يقف على مكان الآيات» .

2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 330 و 221 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و غريب الحديث ج 4 ص 104، و البرهان للزركشي ج 1 ص 234 و 235 و راجع: ص 61 و غرائب القرآن {بهامش جامع البيان} ج 1 ص 24 و فتح الباري ج 9 ص 19 و 20 و 39 و 38، و كنز العمال ج 2 ص 367 عن أبي عبيد في فضائله، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن أبي داود، و ابن الأنباري معا في المصاحف، و النحاس في ناسخه، و ابن حبان، و أبي نعيم في المعرفة، و الحاكم، و سعيد بن منصور، و النسائي، و البيهقي، و فواتح الرحموت بهامش المستصفى ج 2 ص 12 عن بعض من ذكر، و الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن بعض من ذكر، و عن أبي الشيخ، و ابن مردويه و مشكل الآثار ج 2 ص 152 و البيان ص 268 عن بعض من تقدم، و عن الضياء في المختارة، و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 2 ص 48 و راجع: بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 103 و مناهل العرفان ج 1 ص 347 و مباحث في علوم القرآن ص 142 عن بعض من تقدم، و تاريخ القرآن للصغير ص 92 عن أبي شامة في المرشد الوجيز، و جواهر الأخبار و الآثار بهامش البحر الزخار ج 2 ص 245 عن أبي داود، و الترمذي، و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 42 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69.

فلا مانع إذن: من أن تكون هذه الآية قد نزلت في سنة سبع، أو بعدها، ثم قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ضعوها في سورة كذا، لحكمة هو أعلم بها.

و لذلك قالوا: إن إطلاق التعبير بأن هذه السورة مكية أو مدنية مبني على الغالب. .

و هذا ما يفسر قولهم أيضا: سورة كذا مكية إلا ثلاث آيات مثلا، و ذلك بحسب ما ظهر لهم من الروايات، التي تيسر لهم الإطلاع عليها.

ثانيا: قد ذكرنا في بحث لنا في كتابنا {مختصر مفيد} حول آية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، و آية: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ


1) الآية 3 من سورة المائدة.

رَبِّكَ (1): أن الظاهر هو: أن السور كلها كانت تنزل دفعة واحدة، باستثناء بعض السور الطوال، فإن قسما كبيرا منها كان ينزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقرؤه للناس، ثم تصير الأحداث التي ترتبط بآيات تلك السور، أو ذلك القسم النازل، و يتوالى حدوثها، فينزل جبرئيل «عليه السلام» مرة أخرى، فيقرؤها على النبي ليقرأها هو «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، و يظهر لهم إعجاز القرآن من حيث إخباره عن الأمور قبل حصولها بأيام، أو بأشهر، أو بسنوات.

و بعبارة أخرى: كانت السور-كسورة المائدة، أو التوبة، أو الأنفال مثلا-تنزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقرؤها على الناس كلها. . ثم يحدث الحدث بعد شهر من ذلك، مثل الذي جرى في حنين، أو بدر، فيأتي جبرئيل مرة ثانية ليأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقراءة الآيات التي ترتبط بذلك الحدث، و التي كانت قد نزلت قبله بأيام أو بأشهر، فيعرف الناس كيف أن اللّه سبحانه و تعالى قد تحدث عن هذا الحدث قبل وقوعه، فيتأكد عندهم: أن هذا القرآن هو من عند عالم الغيب و الشهادة، و يتلمسون صدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا الطريق (2).


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2) و قد ذكرنا بعض الشواهد لهذا البحث في كتابنا: مختصر مفيد ج 4 ص 45.

الفصل الرابع: فدك. . دليل الإمامة

اشارة

الكيد الإعلامي يفرض تزوير الحقائق:

إننا نذكر في هذا الفصل طرفا مما ذكره أنصار الخلفاء الذين غصبوا فدكا من صاحبها الشرعي، بهدف تأييد خلافتهم، و إضعاف أصحاب الحق الشرعيين، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. و سنسعى إلى إطلاق الإشارات التي توضح حقيقة الكيد الإعلامي الذي مارسوه بعيدا عن معنى التقوى، و الأمانة، و الإلتزام بأحكام الشرع، و بالمبادئ الإنسانية، و القيم الأخلاقية. .

فنقول و على اللّه نتوكل، و به نعتصم، و منه نستمد التوفيق، و السداد و الرشاد:

فدك خالصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قد عرفنا فيما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عليا «عليه السلام» إلى فدك، بعد أن عرض الراية على الآخرين، و لم يجد من بينهم من هو أهل لها. .

و لا شك في أن أخبار ما جرى في خيبر، و قتل علي «عليه السلام» فرسانها الأشداء، و منهم مرحب، و قلع باب حصنها الأعظم-لا شك في أن هذه الأخبار-قد سبقت عليا «عليه السلام» إلى أهل فدك، فماتوا خوفا و رعبا، و بادروا إلى عقد الصلح مع أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

و لكننا نجدهم يروون القضية في سياق يستبعد عليا «عليه السلام» نهائيا، و كأنه لم يكن له وجود في خيبر، و يستعيضون عنه بمحيصة بن مسعود.

و نحن لا نريد إنكار أن يكون لمحيصة بعض الدور في ترتيب أمر كتابة كتاب استسلامهم. . و لكنه دور هامشي بلا شك.

إلا أن المغرضين، و هواة التزوير يجعلونه هو الأساس و المحور لكل ما جرى في فدك، فقد قالوا:

لما أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى خيبر فدنا منها، بعث محيصة بن مسعود الحارثي إلى فدك-و هي قرية بخيبر-يدعوهم إلى الإسلام، و يخوفهم أن يغزوهم، كما غزا أهل خيبر، و يحل بساحتهم.

قال محيصة: فجئتهم، فأقمت عندهم يومين، فجعلوا يتربصون و يقولون: بالنطاة عامر، و ياسر، و الحارث، و سيد اليهود مرحب، ما نرى محمدا يقرب حراهم، إن بها عشرة آلاف مقاتل.

قال محيصة: فمكثت عندهم يومين، فلما رأيت خبثهم أردت أن أرجع، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا منا، يأخذون لنا الصلح، كل ذلك و يظنون أن يهود تمتنع.

فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم، و أهل النجدة منهم، ففت ذلك في أعضادهم.

فقدم رجل من رؤسائهم يقال له: نون بن يوشع في نفر من يهود، فصالحوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن يحقن دماءهم، و يجليهم، و يخلوا بينه و بين الأموال، ففعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يقال: عرضوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يخرجوا من

بلادهم، و لا يكون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم من الأموال شيء، فإذا كان أوان جذاذها جاؤوا فجذوها، فأبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقبل ذلك.

و قال لهم محيصة: ما لكم منعة و لا حصون و لا رجال، و لو بعث إليكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مائة رجل لساقوكم إليه، فوقع الصلح بينهم بأن لهم نصف الأرضين بتربتها، و لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصفها، فقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك.

يقول محمد بن عمر: و هذا أثبت القولين.

و أقرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك، و لم يأتهم.

فلما كان عمر بن الخطاب، و أجلى يهود خيبر، بعث إليهم من يقوّم أرضهم، فبعث أبا الهيثم مالك بن التيهان، و فروة بن عمرو بن جبار بن صخر، و زيد بن ثابت، فقوموها لهم-النخل و الأرض-فأخذها عمر، و دفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها، فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد، و كان ذلك المال جاء من العراق، و أجلاهم إلى الشام (1).

و حسب تعبير الدياربكري: «اشترى منهم حصتهم النصف بمال بيت المال» (2).

فكانت فدك خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأنهم لم يجلبوا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 138 و 139 و السيرة الحلبية ج 3 ص 50 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 58 و المغازي للواقدي ج 2 ص 707.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 58.

عليها بخيل و لا ركاب (1).

و قال ابن إسحاق: فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، و فدك خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب (2).

و نقول:

كل فدك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

يظهر من هذا النص: أن فدكا كلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الرواية الأولى، و له نصفها بناء على الرواية الثانية (3).

و الرواية الثانية: مخالفة لما أجمعت عليه الأمة، فلا يلتفت إليها. .

و الصحيح هو النص الذي يقول: إن فدكا كلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن ذلك هو حكم اللّه سبحانه في كل ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فهو له «صلى اللّه عليه و آله» . .

يضاف إلى ذلك: أن الروايات الآنفة الذكر قد صرحت: بأنهم عرضوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجليهم، و يخلّوا بينه و بين الأموال.


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 58.

2) راجع: البحار ج 21 ص 6 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 203 و تفسير الميزان ج 18 ص 298 و تفسير البغوي، تفسير سورة الفتح. و تفسير الثعلبي تفسير سورة الفتح الآية 10، و التنبيه و الإشراف ص 224 و اللمعة البيضاء ص 786 و تاريخ خليفة بن خياط ص 50 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 302 و 303 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 800.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 50 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 138.

ففعل ذلك «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد قال ابن إسحاق: «لما سمع أهل فدك بما صنع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأهل خيبر، بعثوا إلى رسول اللّه يسألونه أن يسيرهم و يحقن لهم دماءهم، و يخلون له الأموال، ففعل. فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، و فدك خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب» .

و في النص الثاني: أنهم عرضوا أن يجليهم، فإذا كان أوان جذاذها جاؤوا فجذوها، فأبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقبل ذلك. .

فما معنى: أن يصالحهم بعد ذلك على أن يكون لهم نصف الأرض بتربتها؟ ! فمن يرضى بالجلاء هل يعطي نصف الأرض بتربتها؟ ! ألا يعد ذلك سفها و تضييعا؟ !

بداية عن تزوير الحقائق:

ذكر الحلبي عن فدك: «أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان ينفق من فدك، و يعود منها على صغير بني هاشم، و يزوج منها أيمهم.

و لما مات «صلى اللّه عليه و آله» ، و ولي أبو بكر الخلافة، سألته فاطمة «عليها السلام» أن يجعلها أو نصفها لها، فأبى. و روى لها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (1).

و قد أصر عمر بن الخطاب في حكايته لما جرى على هذا الأمر، و نحن لا نستغرب أن يصر عمر على أن فدكا كانت فيئا للمسلمين، و لرسول اللّه


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 50.

«صلى اللّه عليه و آله» الحق في أن ينفق منها ما يحتاج إليه و لا حق له في أزيد من ذلك! ! و لا نستغرب أيضا أن يتابع عمر في قوله هذا، أولئك الذين صححوا خلافته، و اعتقدوا إمامته. .

و لكننا نستغرب من طريقة صياغة هؤلاء للحدث، فإنهم يظهرون مهارة لافتة في التعتيم على الحقيقة، و في تجهيل الناس بها. .

و هذه الحقيقة التي ذكرنا طرفا منها في غزوة بني النضير، و نزيد في توضيح ملامح الصورة لحقيقة ما جرى، فنقول:

أهل البيت عليهم السّلام ماذا يقولون؟ !

و نشير في البداية: إلى أن أهل البيت «عليهم السلام» ، و هم أدرى بما في البيت، و هم سفينة نوح التي من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق و هوى، و هم أحد الثقلين اللذين أمرنا اللّه بالتمسك بهما، و الأخذ عنهما، و هم المنزهون المطهرون بنص القرآن-إن أهل البيت «عليهم السلام» -قد ذكروا: أن حكم اللّه تعالى هو: أن كل ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فهو ملك خاص و خالص لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس فيئا للمسلمين، كما زعمه الآخرون المناوئون لهم «عليهم السلام» . .

فدك دليل الإمامة:
اشارة

لقد كانت هناك سلسلة من الأحداث تتابعت في غضون ثلاثة أشهر، كان لكل منها دوره القوي في تاريخ الإسلام، و في مستقبله، و في حفظ أساس الدين، من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جهة، و في السعي إلى الإخلال بأمر اللّه تعالى، و التمرد على توجيهات النبي «صلى اللّه

عليه و آله» من قبل آخرين، من جهة أخرى. .

و قد أجملنا هذه الأحداث في كتابنا: «الغدير و المعارضون» ، و سنحاول هنا أن نذكر جملا من ذلك أيضا. . فنبدأ بالحديث كما يلي:

1-في حجة الوداع:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يسعى-وفقا للتوجيهات و الأوامر الإلهية-إلى تحصين أمر الإمامة، بالتأكيد و النص عليها بمختلف الأساليب البيانية: قولا، و عملا، و تصريحا، و تلميحا، و كناية، و إشارة، و سرا، و جهرا، و ما إلى ذلك. .

و كان الفريق الطامع و الطامح-و هم قريش-يسعون إلى إحباط هذه المساعي، و التشكيك في تلك البيانات و محاصرتها، و إبطال آثارها. .

و قد اتجهت الأمور نحو التصعيد في الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، بصورة قوية و حاسمة. و نحن نذكر هنا سبعة مفاصل أساسية و شاخصة، في هذه الفترة بالذات، فنقول:

لقد كان أول مفصل هام و حساس و أساسي، في يوم عرفة، في حجة الوداع؛ فقد بادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى إبلاغ إمامة علي «عليه السلام» للناس، في موسم الحج هذا، حيث إن الناس-و فيهم من كل الأجناس، و الفئات و المستويات-قد جاؤوا إلى الحج من مختلف البلاد، و اجتمعوا في صعيد واحد، يظهرون التوبة و الندم، و يجأرون بالدعاء للّه تعالى بأن يتقبل منهم. .

فأراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يخطبهم، و يبلّغهم ما أمره اللّه تعالى

بتبليغه، و لما انتهى إلى الحديث عن الإمامة و الأئمة، و شرع فيه، تصدى له الفريق القرشي الطامح، ليفسد عليه تدبيره، و ليمنعه من القيام بما أمره اللّه سبحانه، فصاروا يقومون و يقعدون، و ضجوا إلى حد لم يعد للحاضرين المحيطين به «صلى اللّه عليه و آله» مجال لسماع كلامه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لعلهم قد ظنوا أنهم نجحوا فيما أرادوه كما توحي به ظواهر الأمور.

و لكن الحقيقة هي العكس من ذلك تماما. . فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم: أنهم سوف يغتصبون الخلافة على كل حال. . و لكنه يريد أن يعرّف الأجيال إلى يوم القيامة ذلك. . و أن لا يمكّنهم من التشكيك في أحقية أمير المؤمنين علي «عليه السلام» بها، و في النص عليه و نصبه لهذا الأمر من قبل اللّه و رسوله. .

و لأجل ذلك: فإن الخطة النبوية كانت ترمي إلى التأكيد على هذا الأمر، و فضح الذين يريدون أن يتخذوا من التظاهر بالدين و التقوى ذريعة إلى مآربهم. .

و قد تحقق ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الموقف بالذات، في أقدس البقاع، و أفضل الأزمنة-يوم عرفة-و هم يؤدون فريضة عظيمة، و ركنا من أركان الشريعة، و هم محرمون للّه تعالى، يجهرون بتلبية النداء الإلهي «لبيك اللهم لبيك» . و يعلنون اعترافهم بوحدانيته «لبيك لا شريك لك لبيك» ، و بمالكيته، و بنعمته و فواضله «إن الحمد و النعمة لك و الملك. .» و يقفون في أحد المشاعر المعظمة، و حيث لا همّ لهم إلا الدعاء، و الإستغفار، و طلب الحاجات من اللّه تعالى. . و الإجتهاد في الحصول على رضاه لكي يستجيب لهم، و يكون معهم.

نعم، إنه في هذا الموقف بالذات ظهر للناس جميعا: أنه رغم أمر اللّه تعالى لهم بأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي لا تحبط أعمالهم و هم لا يشعرون، صاروا يضجون إلى حد أنهم أصموا الناس، فلا يستطيع أحد أن يسمع من كلامه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، و صاروا يقومون و يقعدون الخ. .

و حمل الناس، الذين أتوا من كل حي و بلد و قبيلة، في قلوبهم هذه الذكرى المرة، معهم إلى بلادهم، التي يعودون إليها من سفر طويل و شاق، و يتلهف من يستقبلهم لسؤالهم عما رأوه أو سمعوه من أفضل البشر، و أكرم الأنبياء «عليه السلام» ، و أشرف المخلوقات، لم يره الكثيرون منهم إلا هذه المرة اليتيمة، و سيموت «صلى اللّه عليه و آله» بعدها، و تبقى ذكراه في قلب هؤلاء كأعز شيء عليهم، و أثمنه عندهم.

و لا بد أن ينقلوها للناس دائما بحزن، و أسى، و مرارة، و ليتضح لهم أمر عجيب و غريب، و هو: أن صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يوقرون نبيهم الأعظم، و الخاتم، و لا يحترمونه، و لا يطيعونه.

2-غدير خم:

و ربما يمكن لهم أن يعتذروا للناس، و أن يقولوا لهم: لقد حاسبنا أنفسنا، و ندمنا على ما بدر منا، فإنها كانت هفوة عابرة، و قد اعتذرنا، و قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عذرنا. .

ثم استجدت أمور قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» أوجبت أن يعدل هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» عن موضوع إمامة الأئمة، فأعاد الأمر

شورى بين المسلمين. .

و قد يجدون من طلاب اللبانات، و من عبيد الدنيا، من يرغب في تصديق مزاعمهم هذه، فجاءت قضية غدير خم لتقول للناس: لا تقبلوا أمثال هذه الأعذار.

و ذلك لأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمجرد أن انقضت مراسم الحج، ترك مكة فورا، و خرج مع الحجيج العائد إلى بلاده قبل أن يتفرقوا.

و كان رؤوس هؤلاء الطامعين و الطامحين يرافقونه ليعودوا معه إلى المدينة، و بقي في مكة و الطائف، و في كل هذا المحيط أنصار هؤلاء و محبوهم. . و قد ابتعدوا شيئا فشيئا عن المناطق التي تدين لهم بالولاء، و أصبحوا غير قادرين على الإقدام على أية إساءة للرسول «صلى اللّه عليه و آله» . . لأنهم أصبحوا لا يستطيعون مواجهة عشرات الألوف، و هم بضع عشرات من الأفراد، فإن جماهيرهم في مكة و ما والاها لم يأتوا، و لن يستطيعوا أن يأتوا معهم. .

فلما بلغ «صلى اللّه عليه و آله» غدير خم، نزلت الآيات الآمرة له بلزوم إنجاز المهمة التي كلفه اللّه تعالى بها، و نزل معها تهديد صريح لأولئك المعاندين: بأن استمرار اللجاج و العناد سوف يعيد الأمور إلى نقطة الصفر وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ. . (1)، الأمر الذي يعني أنه مستعد للدخول معهم في حرب طاحنة، كحرب بدر و أحد، فاضطر هذا الفريق المناوئ، و الطامح، و الطامع، إلى السكوت.


1) الآية 67 من سورة المائدة.

و بلّغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إمامة علي «عليه السلام» في غدير خم، و تظاهر ذلك الفريق بالطاعة، و قدم البيعة لعلي «عليه السلام» ، حتى قال له أحدهم: بخ بخ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة. .

و لا ندري إن كانت هذه البخبخة انحناء أمام العاصفة؟ ! أم أنها جاءت لتعبّر عن حسرة و ألم، و عن أمور أخرى لا نحب التصريح بها! !

و لكن الباب بقي مفتوحا أمامهم للخروج من هذا المأزق.

يقول هؤلاء للناس: صحيح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نصب عليا «عليه السلام» في غدير خم، و قد بايعناه، و بخبخنا له. . و لكن استجدت أمور بعد ذلك جعلته «صلى اللّه عليه و آله» يعدل عن قراره هذا، و اللّه على ما نقول وكيل، فإننا صحابته المحبون المطيعون المأمونون على ما يأمرنا به.

أو أنهم يقولون: إن هذه الأمور جعلت عليا «عليه السلام» نفسه يستقيل من هذا الأمر. . {و قد سرت شائعة بهذا المضمون فعلا، و تركت آثارها حتى على اجتماع السقيفة نفسه} .

فجاءت قضية:

3-تجهيز جيش أسامة:

لتبين بالفعل لا بالقول: أن هؤلاء الطامحين و الطامعين كانوا لا يطيعون أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى مع إصراره عليهم، و التصريح بغضبه منهم، فهو يأمرهم بالخروج مع جيش أسامة، و يلعن من يتخلف عن ذلك الجيش، و لكنهم يصرون على رفض الخروج معه،

و يتعللون بأنهم يخافون على النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يحدث له حدث في غيبتهم. .

و قد يعتذرون أيضا عن هذه المخالفة: بأنها خطأ فرضته محبتهم له «صلى اللّه عليه و آله» و خوفهم عليه، و لم تكن ناشئة عن روح متمردة، أو غير مبالية.

فجاءت قضية:

4-الصلاة بالناس:

حيث إنهم اغتنموا فرصة مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاحتلوا مكانه في إمامة الصلاة، ربما ليؤكدوا أنهم هم المؤهلون لموقعه «صلى اللّه عليه و آله» من بعده، و ليجعلوا ذلك ذريعة لا دعاء أن من يخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في إمامة الصلاة هو الذي ينبغي أن يخلفه في غير الصلاة أيضا. .

و قد يدّعي بعضهم، أو يدّعي لهم محبوهم أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمرهم بالصلاة، أو أنهم أخبروه فرضي.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبطل تدبيرهم هذا أيضا، و حوّله إلى إدانة لهم، و صار سبّة عليهم، و ذلك بمجيئه-رغم مرضه- محمولا على عاتق علي «عليه السلام» نفسه و شخص آخر. فعزل أبا بكر عن الصلاة، و صلى مكانه.

فهو «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بنفي أن يكون قد أمر أحدا بالصلاة مكانه، أو بالقول: بأنه لا يرضى بصلاة من صلّى في مكانه، بل قرن عدم

رضاه هذا، بالفعل و الممارسة حين جاء و عزله بنفسه، و في وسط صلاته، لكي لا يعتذر أحد بأن أبا بكر حين رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مقبلا آثره و قدّمه. .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد بيّن أن أبا بكر أقدم على ما لا حقّ له فيه، إما من حيث فقدانه لشرائط إمامة الصلاة، أو من حيث إن في الأمر سرا أعظم من ذلك، و هو الإعلان بأنه ليس أهلا لتمثيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه ليس فقط لا يستحق المقام الذي يرشح نفسه له، بل هو لا يستحق السكوت و الستر عليه لو تصدى، و لو لمثل إمامة جماعة في صلاتهم بل لا بد من المبادرة إلى منعه من ذلك، حتى لو أفضى هذا المنع إلى فضيحته، و سقوطه.

و ذلك يدل على: أن هناك أمرا عظيما أوجب سقوط حرمته، و جرّده من حقوقه، فما هو ذلك الأمر العظيم يا ترى؟ . .

و بذلك يظهر: أنه لم تعد هناك حاجة إلى تفهيم الناس أن شرائط إمام الجماعة-و هي العدالة، و صحة القراءة، و نحو ذلك-تختلف عن شرائط الخلافة و الإمامة، إذ لا تحتاج إمامة الجماعة في الصلاة إلى العلم، و لا إلى الشجاعة، و لا إلى أن لا يكون بخيلا أو جافيا. كما أنها لا تحتاج إلى النصب من المعصوم، و لا غير ذلك من أمور كثيرة ذكرتها الآيات و الروايات، و نصت على أنها لا بد منها في الإمامة و الخلافة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و يعتذرون عن ذلك أيضا: بأن هذه المبادرة من أبي بكر قد جاءت عن حسن نية، و سلامة طوية، و لم يقصد بها الإساءة إلى رسول اللّه «صلى اللّه

عليه و آله» ، بل المقصود بها نيل ثواب الصلاة جماعة. .

و لعل عدم الإستئذان في ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أغضبه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن يظن أن الأمور تصل إلى هذا الحد، و لا شك في أنه قد استغفر اللّه تعالى من هذا الخطأ غير المقصود.

فجاءت القضية التالية: لتؤكد عدم صحة أمثال هذه الإعتذارات أيضا:

5-إن الرجل ليهجر:

فقد طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتفا و دواة، لكي يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده، فقال عمر: إن الرجل ليهجر أو غلبه الوجع (1). . فجاءت هذه


1) الإيضاح ص 359 و تذكرة الخواص ص 62 و سر العالمين ص 21 و صحيح البخاري ج 3 ص 60 و ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 21 و 22 و ج 2 ص 115 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 57 و ج 10 ص 361، و راجع: ج 5 ص 438 و الإرشاد للمفيد ص 107 و البحار ج 22 ص 498 و راجع: الغيبة للنعماني ص 81 و 82 و عمدة القاري ج 14 ص 298 و فتح الباري ج 8 ص 101 و 102 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و البدء و التاريخ ج 5 ص 59 و الملل و النحل ج 1 ص 22 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 244 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 192 و 193 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 320 و أنساب الأشراف ج 1 ص 562 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 51 و تاريخ الخميس ج 2 ص 164 و صحيح مسلم ج 5 ص 75 و مسند أحمد ج 1 ص 324 و 325 و 355 و السيرة الحلبية ج 3 ص 344 و نهج الحق ص 273 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62. و حق اليقين ج 1 ص 181 و 182 و دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص 63-70 و الصراط المستقيم ج 3 ص 3 و 6 و المراجعات ص 353 و النص و الإجتهاد ص 149 و 163.

الكلمة لتكون أوضح في الدلالة، و أصرح في التعبير عن جرأة هؤلاء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن مدى تصميمهم على تحقيق طموحاتهم، و الوصول إلى أطماعهم، و عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه تصرفاتهم في هذا الإتجاه. . و عن الحرمات التي يمكن أن تهتك من أجل ذلك. .

حيث إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين طلب في مرض موته: أن يأتوه بكتف و دواة، إنما أراد أن يحرجهم في اللحظة الأخيرة، ليظهروا للناس على حقيقتهم. . و بعد ذلك فإن على الناس أنفسهم أن يعدّوا للأمر عدته، و أن لا تغرهم الإدعاءات الباطلة، و الإنتفاخات الفارغة، و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح بابا يستطيع الداخل فيه أن يصل إلى كنه الأمور، و لو بعد مرور الأحقاب و الدهور، التي تنأى بالحدث عن المشاهدة، و تمعن في إبهامه.

و لعلهم يعتذرون حتى عن مثل هذا الأمر العصي عن الإعتذار، فيقولون:

لقد كانت هذه أيضا هفوة غير مقصودة، في ساعة فوضى مشاعرية غير محمودة، و قد عضنا ناب الندم لأجل ما صدر، و أكلتنا نيران الحسرة بسبب ما بدر، فبادرنا إلى اللّه بالإستغفار، و للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإعتذار، فقبل عذرنا، و مات و هو راض عنا، و حمّلنا للناس و صاياه، و عرّفنا نواياه، و أخبرنا: أن الأمور قد تغيرت، و جاء ما أوجب نقض الهمم، و فسخ العزائم، فيما يرتبط بالبلاغ الذي كان في يوم الغدير.

فجاءت قضية أخرى أوضح و أصرح، و هي:

6-الهجوم على فاطمة عليها السّلام:

لقد جاء هجومهم على بيت الزهراء «عليها السلام» ، و اقتحامه، و ما

لحقها «عليها السلام» من إهانة و ظلم، و اعتداء بالضرب، و إسقاط الجنين، ليسقط كل الأقنعة، بل هي قد تلاشت، و اهترأت، و تمزقت، و أصبحت أو هى و أكثر حكاية لما وراءها حتى من بيت العنكبوت.

خصوصا مع تصريح القرآن بطهارة هذه السيدة المظلومة المعصومة، و بوجوب مودتها، و مع تصريح الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بأن من آذاها فقد آذى اللّه، و هي ابنته الوحيدة، و سيدة نساء أهل الجنة. .

و قد فعلوا ذلك في ساعة دفنها لأبيها، و بالتحديد فوق قبره الشريف، و في مسجده ثم منعوها من البكاء على أبيها و جرعوها الغصص، و ساموها أشد الأذى.

فأعلنت «عليها السلام» غضبها عليهم و هجرتهم إلى أن ماتت، و أوصت أن تدفن ليلا، و لم ترض بحضورهم جنازتها.

و لكننا مع ذلك لا بد أن نقول: قد يمكن لهؤلاء أن يعتذروا للناس البسطاء من ذلك أيضا، فيقولون: لعن اللّه الشيطان، فإن موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أدهش عقولنا، و حير ألبابنا، و أصبحنا نخاف من الذل الشامل، و البلاء النازل. فاندفعنا بحسن نية، و سلامة طوية لتدبير الأمر، و لدفع الفتنة، و للإمساك بالأمور قبل أن ينفرط العقد، و يضيع الجهد، فوقعنا في الهفوات، و ارتكبنا الخطيئات، فها نحن نعترف و نعتذر، و قد سعينا لاسترضاء الزهراء «عليها السلام» ، و رمنا طلب الصفح منها، و لكنها لم تقبل.

غير أن ما صدر منا لا يعني أننا لا نصلح للمقام الذي اضطلعنا به، بل نحن أهل له و زيادة، و قادرون على القيام بأعباء المسؤولية فيه. .

فجاءت القضية الأخيرة، و التي هي:

7-غصب فدك:

لتكون آخر مسمار يدق في نعش ما يدّعونه لأنفسهم من الفلاح و الصلاح، لأنها أبدلت الشك باليقين، و أسفر الصبح لذي عينين، و صرح الزبد عن المخض، و ظهر: أن هؤلاء يفقدون حتى أبسط السمات و المواصفات لمن يفترض فيه أن يتولى شؤون الأمة، و أن مقام خلافة النبوة قد أخذ قهرا، كما أظهرته وقائع ما جرى على الزهراء «عليها السلام» .

و لنفترض: أن هؤلاء الطامحين و الطامعين، و المعتدين و الغاصبين، أنكروا ذلك كله، و زعموا: أنهم أكرموا الزهراء «عليها السلام» ، و لم يضربوها، و لم يسقطوا جنينها، و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم ينص على علي «عليه السلام» ، و لجأوا إلى التشكيك في سند النص المثبت لإمامة علي «عليه السلام» ، أو التشكيك في دلالته، أو حاولوا التشكيك في كل القرائن و الدلالات و التصريحات، و الكنايات، و الحقائق و المجازات، في الآيات و الروايات المثبتة لإمامته «عليه السلام» .

نعم. . لنفترض أنهم أقدموا على ذلك كله، فإن باب المعرفة يبقى مفتوحا على مصراعيه لكل الأجيال، عبر الأحقاب و الأزمان. . و ذلك من خلال قضية فدك بالذات.

لقد أراد هؤلاء أن يأخذوا فدكا، ليقولوا للناس بالفعل قبل القول:

إنهم هم الذين يتبوّؤون منصب خلافة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن ما كان له قد أصبح لهم أيضا، بحكم كونهم خلفاءه، فلهم الحق في أن

يتصرفوا فيما كان يتصرف فيه، و الذي كان من شؤونه أصبح من شؤونهم. .

و اختاروا فدكا لهذا الأمر؛ لأنها هي الأوضح دلالة، و الأعمق أثرا، لأنها في يد بنت الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بالذات، و زوجة الرجل الذي يناوئونه، و يواجهونه. فإن مرت هذه المبادرة بسلام، فإن الناس سوف يقولون: إذا كانت سلطة هؤلاء قد طالت عليا «عليه السلام» نفسه، و بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، فماذا عسى يمكن لغيرهم أن يفعل؟ !

فاستولوا على فدك، و أخرجوا عمال الزهراء «عليها السلام» منها، بعد سنوات من تملكها و التصرف فيها في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . متذرعين بحجج واهية، لا تسمن و لا تغني من جوع.

و لم تطالبهم الزهراء «عليها السلام» بما كان منهم من العدوان عليها و ضربها، و إسقاط جنينها، لأن غاية ما يمكن أن ينتج عن ذلك هو إزجاؤهم الكلام المعسول، و إظهار الأسف، و اصطناع حالات من التواضع، و هضم النفس و الإستعطاف. .

و يرى الناس البسطاء: أنهم بذلك قد أدوا قسطهم للعلى. . و سوف يكون المعتدون سعداء لتحويل القضية برمتها إلى قضية شخصية، تخضع لأمزجة الأفراد و لأخلاقياتهم. و ربما لا يخطر على بال الكثير من الناس القضية الأساس التي كانت السبب في اندفاعهم للعدوان، و قد لا يدور بخلدهم أن هذا لا يكفي، بل لا بد من معاقبة المجرم، و أن من يرتكب جرائم كهذه فهو لا يصلح لمقام الإمامة و الخلافة، و أن ذلك يوجب عليهم أن يتخلوا عن المقام الذي اغتصبوه إلى صاحبه الشرعي، و هو أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

و لأجل ذلك أبقت الزهراء «عليها السلام» على موضوع العدوان عليها بعيدا عن الأخذ و الرد، و عن الحجاج و الإحتجاج. كما أنها لم تستجب لاستدراجاتهم لها فيه، بل أبقت على موقفها الغاضب و الرافض، لكل بحث و مساومة إلا بعد الإعتراف بالحق و إلا بعد إرجاعه إلى أهله. و قد حافظت على هذا الموقف إلى أن لحقت بربها، ليبقى ذلك العدوان ماثلا في وجدان الناس، بعيدا عن الأيدي العابثة، التي تريد إسقاط تأثيره، بصورة أو بأخرى.

و الذي حصل من خلال قضية فدك: هو دلالتها على أنهم ما زالوا يفقدون أبسط الشرائط التي تؤهلهم لأبسط مسؤولية، و من هذه الشرائط المفقودة، شرط الأمانة، فهم غير مأمونين على دماء الناس، كما أظهره فعلهم بالسيدة الزهراء «عليها السلام» .

و غير مأمونين على أعراضهم، كما أوضحه هتكهم لحرمة بيتها، و هي التي تقول: خير للمرأة أن لا ترى رجلا و لا يراها رجل.

و غير مأمونين على أموال الناس، كما أوضحه ما صنعوه في فدك، و في ميراثها. .

فإذا كانوا لا يحفظون أموال و دماء و عرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل يحفظون دماء و أعراض و أموال الضعفاء من الناس العاديين؟ !

و إذا كانوا يجهلون حكم الإرث؛ فقد علمتهم إياه السيدة الزهراء «عليها السلام» .

و بعد التعليم، و التذكير، فإن الإصرار يدل على: فقدانهم لأدنى درجات

الأمانة و العدل.

فهل يمكنهم بعد ذلك كله ادّعاء: أنهم يريدون إقامة العدل، و حفظ الدماء، و الأعراض، و الأموال، و تعليم الناس دينهم، و تربيتهم، و بث فضائل الأخلاق فيهم، و غير ذلك؟

و من جهة أخرى: فإنهم يفقدون المعرفة بأبده البديهيات في الإسلام، و يكفي للتدليل على ذلك أن نذكر الفقرة التالية من خطبتها، حين بلغها اجتماع القوم على منعها فدكا، فدخلت على أبي بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار، و قالت: أيها المسلمون أغلب على إرثي؟

يا بن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ (1).

و قال: فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2).

و قال: وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ (3).

و قال: يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (4).

و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى


1) الآية 16 من سورة النمل.

2) الآيتان 5 و 6 من سورة الأحزاب.

3) الآية 75 من سورة الأنفال.

4) الآية 11 من سورة النساء.

اَلْمُتَّقِينَ (1).

و زعمتم: أن لا حظوة لي، و لا أرث من أبي، و لا رحم بيننا، أفخصكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟

أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟

أولست أنا و أبي من أهل ملة واحدة؟

أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد، و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون. .

ثم قالت «عليها السلام» لأبي بكر: سبحان اللّه، ما كان أبي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن كتاب اللّه صادفا، و لا لأحكامه مخالفا! بل كان يتبع أثره، و يقفو سوره. أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور، و هذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل في حياته، هذا كتاب اللّه حكما عدلا، و ناطقا فصلا، يقول: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2).

و يقول: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ (3).

و بيّن عز و جل فيما وزع من الأقساط، و شرع من الفرائض و الميراث، و أباح من حظ الذكران و الإناث، ما أزاح به علة المبطلين، و أزال التظني و الشبهات في الغابرين. كلا بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل، و اللّه


1) الآية 180 من سورة البقرة.

2) الآيتان 5 و 6 من سورة الأحزاب.

3) الآية 16 من سورة النمل.

المستعان على ما تصفون (1).

و خلاصة القول:

إن الخلافة عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» تعني: أخذ موقعه، و التصدي لمهماته، التي هي تعليم الأمة دينها، و تربيتها تربية صحيحة و صالحة، و تدبير أمورها و قيادتها إلى شاطئ الأمان، و حفظها من أعدائها، و قيادة جيوشها، و القضاء و الحكم فيما اختلفوا فيه، بحكم اللّه و رسوله. . و ما إلى ذلك. .

فإذا كان من يجلسون في موقعه، و ينتحلون مقامه، لا يعرفون هذه الأحكام البديهية، فكيف استحقوا إمامة الأمة. . و كيف يعلّمونها أحكام الدين، و شرائع الإسلام، و فيها ما هو دقيق و عميق، و لا يعرفه إلا الأقلون، و كان مما يقل الإبتلاء به، و هو بعيد عن التداول؟ !

و إذا كانوا لا يعرفون هذه الآيات القرآنية، التي يعرفها حتى الصبيان، فكيف يعلّمون الناس القرآن، و يستخرجون لهم دقائقه و حقائقه؟ !

و إذا كانوا بعد التعليم و البيان من قبل الزهراء «عليها السلام» في خطبتها هذه بالذات، قد عجزوا عن التعلم، فكيف يمكن لهم التصدي لشرح معاني القرآن، و استكناه أسراره؟ !

و إذا كانوا قد عرفوا و أصروا على مخالفة أمر اللّه تعالى، فأين هي عدالتهم اللازمة لهم في أبسط الأشياء، و المطلوب توفرها في كل مسلم


1) الإحتجاج ص 131-149 و البحار ج 29 ص 220-235 و مواقف الشيعة للأحمدي ج 1 ص 459-468 و بيت الأحزان ص 141-151 و الأنوار العلوية ص 293-301 و اللمعة البيضاء ص 694 و مجمع النورين ص 127- 134.

و مؤمن، فضلا عمن يتبوأ منصب خلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أين هي الأمانة على دين اللّه، و على أموال المسلمين، و على مصالحهم و شؤونهم؟ !

و إذا كانوا هم الذين يظلمون الناس في أحكامهم القضائية، فكيف نتوقع منهم أن يحكموا بالعدل في سائر أفراد الأمة؟ !

و إذا كانوا هم الطرف في الدعوى، و السبب في المشكلات، فكيف يكونون هم الحكام و القضاة فيها؟ !

و إذا كانوا يضربون طرف الدعوى و يظلمونه قبل إدلائه بالحجة، و قبل سماعها منه، فكيف نتوقع أن يجرؤ على الإدلاء بحجته، و يقدم أدلته؟ !

و إذا كان هذا الظلم يجري على أقدس إنسان على وجه الأرض، و هو بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و التي يرضى اللّه لرضاها، و يغضب لغضبها، فكيف يكون حال الناس العاديين الذين لا قداسة و لا موقع لهم، و لم يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنهم بأن اللّه يرضى لرضاهم، أو يغضب لغضبهم؟ ! . .

و إذا كانوا قد فعلوا ذلك لجهلهم بأحكام القضاء، فكيف صح أن يتصدوا لهذا المقام الذي هو للعارف بالقضاء؟ !

و إذا كانوا قد فعلوا ذلك تجاهلا و تعمدا لترك ما يجب عليهم، فأين هي العدالة في القاضي؟ أليس اشتراطها فيه من أبده البديهيات، و أوضح الواضحات؟ !

فقضية فدك إذن أوضحت: أن هؤلاء يفقدون الشرائط الأساسية للإمامة و الخلافة، و لا يصلحون لتولي شؤون دجاجة، فضلا عن أن يكون

لهم الحق في الولاية على أحد من البشر، حتى على أولادهم، فكيف يتولون شؤون الأمة بأسرها؟ ! و تكون قيمة ذلك هذا العدوان الظاهر السافر! !

و اللافت هنا: أن هذه الشرائط التي يفقدونها ليست شرائط معقدة، و لا يحتاج الإلتفات إليها، و إدراك صحتها، و لزوم توفرها إلى دراسة و تعمق، و لا إلى أدلة و براهين، و ثقافة و معارف.

بل يكفي لإدراك لزومها في الحاكم، و كذلك لمعرفة فعلية وجودها فيمن يدّعيها، إلى أدنى التفات من أي إنسان، حتى لو كان غير مسلم، و غير موحّد أيضا؛ لأن من البديهيات الأولية لدى البشر أن من يتصدى لإنجاز أمر، فلا بد أن يملك القدرة و الخبرة الكافية فيه. .

و هو ما نسميه هنا بعلم الشريعة. و لا بد أيضا أن يكون أمينا على ما اؤتمن عليه، فلا يحيف، و لا يخون، و لا يظلم فيه. .

و أخيرا: نقول:

لنفترض: أن الإنسان قد يسهو عن بعض الأحكام حتى البديهية، و قد يصدر حكما جائرا أحيانا بسبب غفلة، أو نزوة هوى عرضت، و لكن حين يعود إلى نفسه، و يتهيأ له من ينقذه من غفلته، و يجد الواعظ القريب، و المؤدب اللبيب الذي خالف هواه، و امتثل أوامر مولاه، فإنه يثوب إلى رشده، و يستيقظ من غفلته، و يتوب إلى ربه. .

و لا يضر ذلك في صفة العدالة، و لو كان يضر بها، فإن عودته إلى الطريق المستقيم تصلح ما فسد، و تعيد الأمور إلى نصابها. .

و لكن هؤلاء القوم ليس فقط لم يستيقظوا، بل هم أصروا على اتباع الهوى بعد البيانات الواضحة، و الحجج اللائحة، و التربية الصالحة، و لم يراعوا أية

حرمة، و لم يقفوا عند أي حد حتى حدود المراعاة العرفية، و المجاملات العادية، و هذا خلل أخلاقي كبير، لا يبقي مجالا لإغماض النظر عن الخطأ العارض.

بل هو خطأ مفروض و محمي بشريعة الغاب، و بقانون القوة الغاشمة، و القهر و الظلم. .

الأمر الذي يشير: إلى أن عنصر الأخلاق مفقود أيضا، و هو عنصر هام و ضروري للناس جميعا، فكيف بمن يكون من جملة وظائفه تطهير النفوس، و تربية الأمة على الأخلاق الحميدة، و غرس الفضائل في النفوس، و هدايتها نحو كمالاتها؟ ! . .

فإن هؤلاء يدّعون: أنهم يستحقون أن يكونوا في موقع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يقوموا بوظائفه، و يضطلعوا بمهماته.

و قد بين اللّه سبحانه طرفا من وظائف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ (1).

و بذلك تكون فدك قد حسمت الأمور، و كشفت الحقيقة-كل الحقيقة- للبشر جميعا، و بمختلف فئاتهم و طبقاتهم، و مذاهبهم، و أديانهم. و يبقى الباب مفتوحا أمام الناس كلهم، ليعرفوا الظالم من المظلوم، و المحق من المبطل، و المحسن من المسيء، حتى لو لم تكن هناك نصوص، أو كانت، و ادّعوا أنهم لا يؤمنون بها، وَ يَأْبَى اَللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكٰافِرُونَ (2)، و الحاقدون، و الحاسدون.


1) الآية 2 من سورة الجمعة.

2) الآية 32 من سورة التوبة.

الباب التاسع: بعد سقوط خيبر

اشارة

الفصل الأول: لقاء الأحبة. . قدوم جعفر و المهاجرين الفصل الثاني: المتعة. . و لحوم الحمر الإنسية. .

الفصل الثالث: سم النبي صلّى اللّه عليه و آله في خيبر

الفصل الأول: لقاء الأحبة. . و قدوم جعفر و المهاجرين

اشارة

قدوم جعفر من الحبشة:

كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل مسيره إلى خيبر، أرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، عظيم الحبشة، و طلب منه أن يحمل إليه جعفرا و أصحابه. فجهز النجاشي جعفرا و أصحابه بجهاز حسن، و أولاهم بكسوة، و حملهم في سفينتين (1)، و كانوا ستة عشر نفرا، سوى من توفي، أو رجع قبل ذلك (2).

و أرسل النجاشي معهم ابن أخيه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليخدمه (3).


1) راجع: الطبقات الكبرى ج 1 ص 208 و 259 و ج 4 ص 349 و البحار ج 21 ص 23 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 445 و 450 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 430 و إعلام الورى ج 1 ص 210 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3427 و البداية و النهاية ج 4 ص 206 و سبل الهدى ج 11 ص 365.

2) عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 8 و البداية و النهاية ج 4 ص 206 و 207 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 79 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 589 و عن عيون الأثر ج 2 ص 145 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 391.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 78 و {ط دار إحياء التراث العربي} ج 33 ص 99 و ج 5 ص 356 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 30 و ج 4 ص 658 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 415.

و لما فتح اللّه خيبر، و قدم جعفر بن أبي طالب «عليه السلام» من الحبشة: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مولاه أبا رافع، يتلقاه (1).

و لما رآه قام إليه و استقبله اثنتي عشر خطوة (2)، ضمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى صدره، و قبل ما بين عينيه، و قال:

لا أدري بأيهما أنا أشد فرحا {أو أسرّ، أو أشد سرورا} بفتح خيبر؟ ! أو بقدوم جعفر؟ ! (3).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 133 و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 1 ص 225 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 335.

2) الخصال ج 2 ص 484 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 231 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 12 ص 226 و {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 559 و البحار ج 21 ص 24.

3) السيرة النبوية لابن هشام {ط مكتبة الخيرية-مصر} ج 3 ص 199 و السيرة الحلبية ج 3 ص 48 و 49 و المقنع للصدوق ص 139 و الهداية للصدوق ص 153 و منتهى المطلب {ط. ق} ج 1 ص 359 و الذكرى ص 249 و روض الجنان ص 327 ص 327 و مدارك الأحكام ج 4 ص 206 و ذخيرة المعاد ج 2 ص 349 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 498 و جواهر الكلام ج 12 ص 200 و مصباح الفقيه ج 2 ق 2 ص 523 و العروة الوثقى {ط. ق} ج 2 ص 105 و {ط. ج} ج 3 ص 404 و كتاب الصلاة ج 7 ص 356 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 23 و الخصال ص 77 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 186 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 8 ص 50 و 52 و {ط دار الإسلامية} ج 5 ص 195 و 197 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 227 و المسترشد للطبري ص 333 و مقاتل الطالبيين ص 6 و شرح الأخبار ج 3 ص 204 و ذخائر العقبى ص 214 و الأربعون حديثا للشهيد الأول ص 53 و عمدة الطالب لابن عنبة ص 35 و البحار ج 18 ص 413 و ج 21 ص 23 و 63 و ج 39 ص 207 و ج 88 ص 206 و 208 و 211 و شجرة طوبى ج 2 ص 297 و المستدرك ج 3 ص 208 و 211 و مجمع الزوائد ج 6 ص 30 و ج 9 ص 419 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 516 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 281 و الأحاديث الطوال ص 45 و المعجم الكبير ج 2 ص 108 و 111 و نصب الراية ج 6 ص 152 و 153 و كنز العمال ج 11 ص 665 و 666 و ج 13 ص 323 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 401 و منتقى الجمان ج 2 ص 272 و الدرجات الرفيعة ص 69 و 74 و تهذيب المقال ج 4 ص 187 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 35 و الثقات ج 2 ص 18 و تهذيب الكمال ج 5 ص 53 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 213 و 437 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 56 و التنبيه و الإشراف ص 223 و البداية و النهاية ج 3 ص 91 و 98 و البداية و النهاية ج 4 ص 234 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 40 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 216 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 818 و بشارة المصطفى ص 163 و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 210 و قصص الأنبياء للراوندي ص 345 و كشف الغمة ج 1 ص 383 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 16 و 30 و ج 3 ص 390 و 391 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 136 و ج 11 ص 106 و 107 و ينابيع المودة ج 1 ص 468 و اللمعة البيضاء ص 295.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استقبله اثنتي عشرة خطوة، و قبّل ما بين عينيه، و بكى و قال: ما أدري بأيهما أنا أشد {سرورا} فرحا، بقدومك يا جعفر، أم بفتح اللّه على أخيك خيبر، و بكى فرحا برؤيته (1).


1) راجع: البحار ج 21 ص 24 و الخصال ص 484 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 231 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 12 ص 226 و {ط دار الإسلامية} ج 8 ص 595.

بل جاء في رواية أبي هاشم الجعفري عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر «عليهم السلام» قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على غلوة من معرسه بخيبر (1).

فلما رآه جعفر أسرع إليه هرولة، فاعتنقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حادثه شيئا، ثم ركب العضباء، و أردفه، فلما انبعثت بهما الراحلة أقبل عليه، فقال: يا جعفر يا أخ، ألا أحبوك؟ ألا أعطيك؟ ألا أصطفيك؟

قال: فظن الناس أنه يعطي جعفرا عظيما من المال.

قال: و ذلك لما فتح اللّه على نبيه خيبر، و غنمه أرضها و أموالها و أهلها.

فقال جعفر: بلى فداك أبي و أمي، فعلمه صلاة التسبيح (2). و هي المعروفة بصلاة جعفر.

و في رواية: أن جعفرا لما رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حجل {أي صار يمشي على رجل واحدة} ، إعظاما منه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) أي: تلقاه مقدار غلوة سهم من موضع نزوله «صلى اللّه عليه و آله» راجع: البحار ج 88 ص 193 و درر الأخبار ص 630 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 225.

2) البحار ج 88 ص 193 عن جمال الأسبوع، و مستدرك الوسائل ج 6 ص 225 و درر الأخبار ص 620.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 136 و ج 11 ص 107 و دلائل النبوة ج 4 ص 246 البحار ج 21 ص 23 و راجع: ذخائر العقبى ص 214 و المعجم الأوسط ج 6 ص 234 و كنز العمال ج 13 ص 322 و الدرجات الرفيعة ص 70 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 257 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 276 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 235 و إعلام الورى ج 1 ص 210 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 391.

الوفد القادم مع جعفر:
اشارة

و قدم مع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، من أهل الصوامع، منهم اثنان و ستون من الحبشة، و ثمانية روميون من أهل الشام، و قيل: ثمانون رجلا، منهم ثمانية روميون، و قيل: ثمانون رجلا، أربعون من أهل نجران، و اثنان و ثلاثون من الحبشة، و ثمانية روميون.

فقرأ عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سورة {يس} ، فبكوا، و أسلموا، و قالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! !

و لعلهم هم الذين يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قام يخدمهم بنفسه.

فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول اللّه.

فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين (1).

و نقول:

إن لنا هنا وقفات، هي التالية:

ألف: فتح خيبر و قدوم جعفر، مترابطان:

روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، أنه قال: ما مر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم كان أشد عليه من يوم خيبر، و ذلك أن العرب تباغت


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 49 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 31 و عن عيون الأثر ج 2 ص 425 و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 111 و 112 و الأحاديث الطوال للطبراني ص 64 و البداية و النهاية ج 2 ص 76 و {ط دار إحياء التراث} ج 3 ص 99 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 127.

عليه (1). و قد بلغ جمعهم أربعة عشر ألف مقاتل.

لقد كان فتح خيبر أمرا مهما للغاية، لما كان له من تأثير بالغ في بعث اليأس في قلوب كل القوى المناوئة للإسلام في الجزيرة العربية كلها. .

و كان له أيضا تأثيره القوي في اقتناع قريش بأن عليها أن تحرص على تنفيذ بنود عهد الحديبية، فلا مجال للتعلل، و لا لاختلاق العراقيل، فقد تضاعفت قوة المسلمين عمّا كانت عليه، إن من الناحية الإقتصادية، أو من الناحية العددية، أو لجهة زيادة التحالفات، أو ازدياد النفوذ، و القوة السياسية في المنطقة بأسرها. .

كما أن المسلمين قد تخلصوا من عدو يملك خبرة في إثارة الفتن، و في إثارة الشبهات و الشكوك لدى ضعفاء النفوس، أو الذين لا يملكون القدر الكافي من المعرفة و الوعي الديني و السياسي، و ما إلى ذلك. .

و بفتح خيبر أصبح بالإمكان التفرغ لتركيز المعرفة الدينية في نفوس الناس، و العمل على تصدير هذه المعرفة لسائر الأقطار. . وفقا للمتغيرات التي سوف تأتي بها الرسائل التي بعث بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لملوك الأرض. .

كما أنه بذلك: تكون معظم المفردات المطلوبة لبدء تدفق الناس على الإسلام قد توفرت، و أصبح من الضروري الإستعداد لاستقبال عشرات الألوف، الذين سوف يعلنون دخولهم في هذا الدين بين لحظة و أخرى، بمجرد استكمال بعض العناصر التي ليست أساسية، بل يمكن تصنيفها في


1) علل الشرائع ج 2 ص 172 و البحار ج 21 ص 13 و 180.

عداد الأمور الإجرائية، التي تزيل بقايا المخاوف، بزوال ما تبقى من هيبة قوى الشرك و الكفر في المنطقة بأسرها. .

و كل ذلك يشير: إلى قيمة منجزات حرب خيبر، و دورها في إيصال الأوضاع إلى هذا الحد، و كان قدوم جعفر، و من معه من أرض الحبشة هو التعبير الواضح عن هذه المرحلة، و عن آثار هذا الحسم العسكري العظيم. .

ب: قدوم جعفر قيمة لا تضاهى:

و قد اعتبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفس قدوم جعفر، هو الأمر الذي لا يضاهى من حيث أهميته و قيمته، و هو الموجب لفرحه «صلى اللّه عليه و آله» بدرجة فرحه بفتح خيبر، أو يزيد. .

و نفس القدوم هو المفرح للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لذلك لم يذكر أن سلامة جعفر مثلا، هي سبب سروره، و لا أشار لأي شيء آخر. .

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر: إلى الذين كانوا مع جعفر في الحبشة، و قدموا معه. .

فمجرد قدوم هذا الإنسان يوازي فتح خيبر، أو هو أعظم و أهم من ذلك عند اللّه و رسوله. . مع أن ذلك الفتح قد استوجب جهدا و جهادا، و قدّم فيه شهداء! ! كما أنه أعطى تلك النتائج العظيمة التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة. .

و هذا يدلنا على: أن القيمة-كل القيمة-هي لجعفر من حيث هو إنسان إلهي خالص، لا لقرابته النسبية و كونه ابن عم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا لفروسيته و شجاعته في الحرب، و لا لأي شيء من المزايا

التي تطلب في هذه الحياة الدنيا. .

و الدليل على ذلك: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، و لم يكن ليبخس الناس أشياءهم، فيحكم بأن: استشهاد الشهداء، و تحقيق انتصار بهذا الحجم العظيم؛ أدنى قيمة أو يساوي في قيمته قدوم جعفر، لمجرد كونه ابن عمه، أو لكونه شجاعا، أو صديقا، أو نحو ذلك. . بل هو تعبير عن ميزان القيمة عند اللّه تعالى، و وفقا للمعايير الإلهية الصحيحة. .

و لا نجد في جعفر أية خصوصية توجب منحه هذا الوسام، إلا أنه ذلك الإنسان الإلهي، الذي جسد حقائق الإسلام في عمق وجوده و ذاته، لتصبح تلك الحقائق عقله، و وعيه، و خلقه، و حركته و موقفه، و يصبح كل وجوده فانيا في الإسلام، و يصبح كل الإسلام متجسدا فيه. .

ج: عودة ظفر:

و مع غض النظر عن ذلك كله نقول:

لا شك في أن جعفرا قد عاد ظافرا من بلاد كانت تدين بالنصرانية، حيث استطاع أن يترك فيها أعظم الأثر حين أقنع ملك تلك البلاد بالدخول في الإسلام. و لا شك أيضا في أن إقناع ملك-يملك درجة عالية و متميزة من المعرفة و البصر بالأمور تخوله أن يسوس أمة بأسرها-بأن يدخل في دين جديد يتعرض في تعاليمه و أحكامه لكل تفاصيل حياته و سلوكه، و ربما يؤثر على ما يتمتع به من امتيازات.

نعم، إن اعتناقه لدين له هذه المواصفات يعتبر إنجازا عظيما، إذا قورن

بما جرى لنفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي جاء بهذا الدين مع قومه و عشيرته، و في نفس بلده. .

و قد تزامن قدوم جعفر مع انتصار عظيم جدا على أتباع ديانة أخرى كانت تشكل نموذجا يحتذى بعند بعض العرب، بل كثير منهم كقوة حضارية و إقتصادية و ثقافية، دفعهم إستكبارهم و حبهم للدنيا إلى إنكار المسلمات، و التعالي و الإستكبار عن قبول الواضحات، و شن حرب مدمرة و باغية، فأبار اللّه تعالى كيدهم، و أسقط بغيهم، و دارت الدوائر عليهم.

د: أم بفتح اللّه على يد أخيك:

إن الرواية المتداولة هي تلك التي تقول: «ما أدري بأيهما أنا أسرّ، بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر» ؟ !

و لكن الرواية الأخرى، تقول: «بقدومك يا جعفر، أم بفتح اللّه على يد أخيك خيبر» ؟ !

و نرى أن هذه الرواية: تضمنت خصوصيات هامة جدا، قد يكون هناك من الرواة من لا يحب لفت النظر إليها، و لذلك اختصر الكلام، و أبعد تلك اللطائف و المعاني عن دائرة التداول.

و نذكر من هذه اللطائف ما يلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نسب الفتح إلى اللّه تعالى مباشرة. و في ذلك إعلان بالمزيد من التكريم لعلي «عليه السلام» ، الذي استحق أن ينال شرف تجسيد الإرادة الإلهية، و إجرائها بكل عزم، و حزم، و قوة، و اندفاع. .

2-إن توجيه الخطاب إلى جعفر لهو أمر يسعده، و يبهجه و يلذه،

و يعطيه نفحة من السكينة و الرضا، و الإعتزاز بهذا التكريم الإلهي له. .

3-إن ذكر أخوّة علي «عليه السلام» لجعفر، سوف يثير فيه أيضا شعورا آخر بالرضا و البهجة، و السعادة، لما يتضمنه من الإلماح إلى أن له شراكة في فتح خيبر أيضا، و في الرعاية الإلهية أيضا، من خلال رابطة الأخوة القائمة بينه و بين علي «عليه السلام» ، الذي فتح اللّه تعالى خيبر على يديه. .

4-إن نفس تكريس حقيقة أن يكون الفتح على يد علي «عليه السلام» ، و حرمان كل الآخرين من هذا الشرف العظيم، يعد خدمة عظيمة لهذا الدين، لأن الفتح الإلهي لا يكون على يد من يريد أن يستفيد من هذا الفتح في احتكار الإمتيازات لنفسه أو لفريقه، أو من يريد أن يحقق هذا الفتح، و لو بقيمة أن يظلم الناس، أو أن يتخذ منه ذريعة للإستطالة عليهم، و إذلالهم، أو من أجل تكريس واقع يأمر اللّه تعالى بنقضه و تغييره. .

بل الفتح الذي تصح نسبته إلى اللّه تعالى هو ذلك الذي يكون بيد الأولياء و الأصفياء، و الأتقياء المخلصين، الذين يريدون وجهه في كل فعل، و قول، و موقف.

ه: حقيقة لا بد من الجهر بها:

و بعد. . فإن من يدرس الوقائع التي مرت في تاريخ الإسلام، و بالتحديد في عصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يجد: أن المفاصل الأساسية، و المواقف المصيرية لهذا الدين قد أنجزت على يد خصوص هذا النوع الفريد من الناس، و بالتحديد على يد أهل البيت النبوي الطاهر، و على رأسهم أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

و يبقى سائر الناس في حشودهم، و في عديدهم مجرد كثرات، ليس لها إلا أدوار هامشية، و غير ذات أهمية، حتى إذا أزف وقت تحقيق الإنجاز الكبير، تجدهم يغادرون الساحة، مع حفظ ماء الوجه أحيانا، و بدون ذلك أحيانا أخرى. .

فغزوة بدر مفصل أساسي و حساس، كان العبء الأكبر فيها يقع على كاهل علي «عليه السلام» بالدرجة الأولى، ثم من معه من بني هاشم، مثل حمزة، و غيره من أبناء عبد المطلب. .

و في أحد يكون ثمة كثرة و عديد، و لكنها تنسحب من الساحة بخفة، و ذل، و لا تعود العزة لها إلا بسيف علي «عليه السلام» .

و هكذا جرى في غزوة بني قريظة، و خيبر، و في الخندق، و حنين، و في ذات السلاسل. . و في غير ذلك من المواقف. . التي تظهر فيها التبجحات و الإستعراضات للكثرة التي لا تلبث أن تسقط أمام التحدي، ثم يكون سيف علي «عليه السلام» هو المنقذ و المخلص. .

و في غير حالات الحرب أيضا تبقى المفاصل الحساسة و الأساسية رهينة بتضحيات و جهاد و جهود علي «عليه السلام» ، بالإضافة إلى دفاعه عن الدين بعلومه، و بذل معارفه، و ظهور حجته على كل أعداء الإسلام، و المشككين فيه.

و من نماذج ذلك أيضا: فداء علي «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، في شعب أبي طالب، و في المبيت على الفراش ليلة الغار، و مواقفه في الحديبية، و في تبليغ سورة براءة، و في مختلف المواقف. . فهو الحامي، و المنقذ، و المضحي في سبيل اللّه، و المطيع للّه و لرسوله. .

و كانت احتجاجاته على أهل الملل و النحل بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حله للمعضلات العلمية، و الفقهية، و السياسية، و غير ذلك، دليل صدق على إخلاص علي «عليه السلام» ، و صحة جهاده.

و تبقى الكثرة هي التي تستفيد، و تستغل الظروف، بل و تظلم أهل الحق، و الخير، و تغتصب حقوقهم باسم الدين. و يكون هؤلاء هم العبء الثقيل، و السيف الصقيل، و العدو في صورة الصديق و الخليل، الذي يشغل المخلصين بمؤامراته، و بالأجواء المسمومة التي يثيرها، و بالمتاعب و المشكلات التي يتسبب بها. فإنا للّه و إنا إليه راجعون. .

و: رشحة من أخلاقيات الإسلام:

و في قيام الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه لخدمة الوفد القادم من الحبشة تجسيد عملي لأخلاقيات الإسلام، التي تفرض على الإنسان المؤمن عرفان الجميل لأهله، و إعطاء كل ذي حق حقه. .

و كان يكفي أن يقوم بعض رجالات المسلمين بإكرام ذلك الوفد، و إظهار المزيد من الحفاوة به. . و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يعرف الناس: أن القضية أسمى من أن تكون مجرد مبادلة موقف بموقف، وفق ما تقتضيه المصالح، و الظروف؛ بل هي حالة حقيقية، تدخل في عمق الروح، و في تكوين الذات، لتصبح جزءا من الكيان، و حقيقة كامنة في حنايا وجوده الإنساني. .

و ليصبح ذلك درسا حقيقيا في الدور الذي يجب أن تضطلع به القيم و المثل العليا في حياة البشر، من حيث هيمنتها على الفكر، و على المشاعر،

و على الوجدان، و الضمير الإنساني. .

فإن هذه القيم ليست مجرد وسائل و أدوات توصل إلى الغايات و الأهداف، بل هي وعي و خلق إنساني، متمازج مع الحقيقة الإنسانية، و مرتبط بالواقع الإيماني في العمق. .

هجرتان لمهاجري الحبشة:

قال أبو موسى الأشعري: و دخلت أسماء بنت عميس، و هي في من قدم معنا يومئذ على حفصة زوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زائرة، و قد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، و أسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟

فقالت: أسماء بنت عميس.

فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فغضبت، و قالت: كلا و اللّه يا عمر، كنتم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطعم جياعكم، و يعلم جاهلكم، و كنا في دار {أو أرض} البعداء البغضاء بالحبشة، و ذلك في اللّه و في رسوله.

و أيم اللّه لا أطعم طعاما، و لا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أساله، و اللّه لا أكذب، و لا أزيغ، و لا أزيد على ذلك.

فلما جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قالت: يا نبي اللّه! ! إن رجالا يفخرون علينا، و يزعمون: أنّا لسنا من المهاجرين الأولين.

فقال: «من يقول ذلك» ؟

قلت: إن عمر قال: كذا و كذا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما قلت له» ؟

قالت: قلت له: كذا و كذا.

قال: «ليس بأحق بي منكم، له و لأصحابه هجرة واحدة، و لكم أنتم- أهل السفينة-هجرتان» .

قالت: فلقد رأيت أبا موسى و أصحابه يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم أفرح، و لا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال أبو بريدة: قالت أسماء: و لقد رأيت أبا موسى، و إنه ليستعيد هذا الحديث مني، و قال: لكم الهجرة مرتين (1).

و نقول:

1-مما لا شك فيه: أن عمر بن الخطاب كان يعلم بأن الذين هاجروا إلى الحبشة، قد تركوا أوطانهم، و أهليهم، و أموالهم، و أحباءهم و هاجروا إلى اللّه تعالى فرارا بدينهم، إلى بلاد الغربة، حيث لا يعلمون ما سوف يواجههم فيها من مصائب و بلايا، و نكبات و رزايا. .

و كان يعلم أيضا: أنهم لم يعودوا إلى بلادهم، و أوطانهم، و بيوتهم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 136 و دلائل النبوة ج 4 ص 246 و البداية و النهاية ج 4 ص 306 و راجع: ص 205 عن البخاري، و السيرة الحلبية ج 3 ص 48 و 49 و راجع: الأوائل ج 1 ص 314 و صحيح البخاري {ط سنة 1309 ه} ج 3 ص 35 و صحيح مسلم ج 7 ص 172 و كنز العمال ج 22 ص 206 عن أبي نعيم، و الطيالسي، و فتح الباري ج 7 ص 372 و مسند أحمد ج 4 ص 395 و 412 و حياة الصحابة ج 1 ص 361.

و عشائرهم، بل عادوا إلى بلاد أخرى، ليواصلوا جهادهم ضد أعداء اللّه، معتصمين بالصبر، و بالتوكل عليه.

فما معنى أن يثبت لنفسه امتيازا على أولئك الذين قضوا حوالي خمس عشرة سنة في بلاد الغربة؟ ! . و كيف يكون قد سبقهم إلى الهجرة؟ ! . .

2-لماذا يعمد عمر إلى أسماء بنت عميس ليواجهها بهذا الكلام؟ و يترك جعفر بن أبي طالب نفسه، فلا يقول له ذلك؟ ! . .

أم أنه كان يخشى من أن يسمعه جعفر الجواب الشافي و الكافي، و يسرع في إبطال خطته، التي يريد من خلالها أن يتوصل إلى بعض الأهداف الحساسة؟ . .

أما أسماء فقد يوهم حالها: أنها غير قادرة على دفع هذه الشبهة، و ذلك يهيئ لهذه الشبهة سبيل الإنتشار، و يترتب على ذلك ما يتوخاه لها من نتائج و آثار! !

3-ألا ترى معي: أن هذا الرجل يريد أن يثير الشبهة حول الدلالات الحاسمة لموقف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جعفر زوج أسماء، بعد أن سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعتبر قدومه موازيا لفتح اللّه تعالى خيبر، على يد أخيه علي «عليه السلام» ؟ ! . .

4-كما أنه يريد أن يضعف موقف، و يقلل من أهمية شخص يتوسم فيه أن يكون النصير و العضد القوي لعلي «عليه السلام» ، ذلك الذي يخطط عمر بن الخطاب و حزبه للإستيلاء على حقه في الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

5-إن إجابة أسماء له أوضحت: أنها كانت تتهم الذين يتبجحون

ببقائهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن بعضهم ربما لا يكون مخلصا في اتباعه له «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كان يجري وراء الحصول على شيء من حطام الدنيا.

و لعل ما يشير إلى ذلك أنها صرحت بأن بعض هؤلاء كان يبحث عن الطعام و الغنائم و غير ذلك من المنافع، التي هيأها لهم قربهم من النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لذلك قالت له: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يطعم جائعهم، و يعلم جاهلهم. .

و أما الذين لا مجال للشك في إخلاصهم، فهم الذين لم يكونوا يتوقعون شيئا من ذلك، و هم أولئك الذين كانوا في أرض البعداء البغضاء في الحبشة، و لا غاية لهم إلا رضا اللّه تعالى، و رضا رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .

بل إن بعض هؤلاء قد مارس أبشع أنواع الجرائم في سياق غصبه لمقامات جعلها اللّه تعالى لأهلها و لم يكن اولئك الغاصبون من أهلها.

6-و لعل أسماء قد شعرت: بأن وراء الأكمة ما وراءها، فإن هذا الموقف من عمر لم يكن بلا سبب، فآثرت أن تطلع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه، لتشارك في إفشال أمر ربما يكون قد بيّت بليل. .

7-و اللافت هنا: حلفها لعمر: أنها سوف تكون في نقلها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غاية في الدقة، ربما لتضيع على المتضررين من ذلك فرصة التشكيك في سلامة النقل، ليجدوا من خلال هذا التشكيك السبيل إلى إبطال تبعات هذا التصرف. و لعلهم يتمكنون من مواصلة مشروعهم، الذي أرادوا لهذه المبادرة أن تكون إحدى خطواتهم إليه.

8-و يأتي موقف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الحازم و الحاسم، الذي يقطع الطريق على أي تأويل، و يسد على الآخرين منافذ التخلص و التملص من آثار هذه الفضيحة. .

بل إن ما قاله الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد أكد على عظمة جعفر، و قذف بمناوئيه بعيدا عن ساحة الكرامة، ليعيشوا في ظلمات الفشل و الحسرة، و الندامة. .

9-و لا ندري إن كان عمر بن الخطاب هو المصدر الأساس لمقولة: «سبقناكم بالهجرة» ، إذ أظهرت النصوص: أنه كان هناك فريق كامل يتبنى هذه الفكرة، و يروج لها، و يشيعها، حيث ستأتي الرواية عن أبي موسى الأشعري، لتقول: «فكان أناس يقولون لنا {يعني أصحاب السفينة} : سبقناكم بالهجرة» (1).

الأشعريون. . هم المحور! !
اشارة

روي عن أبي موسى الأشعري، قال: لما بلغنا مخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و نحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا و إخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهم أبو رهم، و الآخر أبو بردة؛ إما قال: في بضع، و إما قال: في ثلاثة أو اثنين و خمسين رجلا من قومي.

فركبنا سفينة-قال ابن مندة: حتى جئنا مكة-ثم خرجنا في بر حتى أتينا المدينة-فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و مصادر أخرى ستأتي في الهامش التالي، فانتظر.

طالب و أصحابه عنده.

فقال جعفر: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثنا، و أمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا.

فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين فتح خيبر، قال: فأسهم لنا، و ما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا من شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر و أصحابه، قسم لهم معنا،

و ذكر البيهقي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سأل الصحابة أن يشركوهم، ففعلوا ذلك (1)، انتهى.

قال: فكان أناس يقولون لنا-يعني أصحاب السفينة-: سبقناكم بالهجرة.

و قبل قدومهم، قال «صلى اللّه عليه و آله» : يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا. فقدم الأشعريون، و ذكر أنهم عند مجيئهم صاروا يقولون: غدا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 عن الشيخين، و الإسماعيلي، و ابن سعد، و ابن حبان، و ابن مندة، و في هامشه: عن البخاري ج 7 ص 553{4230} ، و عن مسلم ج 3 ص 1946 و 1947 حديث {169/2502} ، و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 244، و انظر السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 359 و المغازي للواقدي ج 2 ص 683. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 47 و 48 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 14 و 7 و 9 و البداية و النهاية ج 3 ص 71 و 67 و 69 و 205 عن ابن إسحاق، و أحمد، و أبي نعيم في الدلائل، و فتح الباري ج 7 ص 143 و مجمع الزوائد ج 6 ص 24 عن الطبراني، و حلية الأولياء ج 1 ص 114.

نلقى الأحبة، محمدا و حزبه (1).

و نقول:

إن لنا ههنا وقفات هي التالية:

1-رقة قلوب الأشعريين:

إن الحديث عن رقة قلوب الأشعريين قد روي بنحو آخر، و هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في حقهم: أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، و أرق أفئدة. الفقه يمان، و الحكمة يمانية (2).

فأي القولين هو الصحيح؟ !

أم أن الشك لا بد أن يسري إلى كلا هذين القولين؟ !

مع ملاحظة: أن هذا النص الثاني قد وصفهم بضعف القلوب، لا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 48 و فضائل الصحابة ص 73 و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 543 و زاد المعاد ج 1 ص 1364 مسند أبي يعلى ج 6 ص 454 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 165 و موارد الظمآن ص 526 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 348 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 92 و 93 و تهذيب الكمال ج 15 ص 450 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 384 و الإصابة ص 214 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 273.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 48 و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 502 و 541 و صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 5 ص 122 و صحيح مسلم ج 1 ص 52 و سنن الترمذي ج 5 ص 383 و شرح مسلم ج 2 ص 30 و الديباج على مسلم ج 1 ص 69 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 423 و مسند الشاميين ج 4 ص 284 و الجامع الصغير ج 1 ص 16 و كنز العمال ج 12 ص 48 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 230 و البداية و النهاية ج 5 ص 81 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 134.

برقتها، و ليس في هذا الوصف مدح لهم كما هو ظاهر.

2-إشراكهم في الغنيمة:
اشارة

صرحوا: بأن الدوسيين قد وصلوا إلى خيبر أيضا حين فرغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حصن النطاة، فإن كانوا قد اعتزلوا القتال، فلماذا اعتزلوه؟

و لماذا يعطيهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الغنائم؟

و إن كانوا قد شاركوا في فتح سائر الحصون، فيستحقون من الغنائم مثل ما يستحقه الآخرون. . و لا يحتاج «صلى اللّه عليه و آله» إلى استئذان المسلمين بإشراكهم في الغنيمة. .

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاهم من حصني الوطيح و السلالم، فإنه لم يكن بحاجة إلى الإستئذان من أحد من المسلمين فيهما أيضا، لأنهما كانا خالصين له «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد ذكر موسى بن عقبة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أحذى الأشعريين و الدوسيين من الوطيح و السلالم، اللذين فتحا صلحا «و تكون مشاورة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في إعطائهم، ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، و إنما هي المشورة العامة» (1)، لأن ما يفتح صلحا يكون خاصا و خالصا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن أعطى منه أحدا شيئا فيكون قد أعطاه من ماله، لا من مال المسلمين. .

و لو فرضنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاهم من النطاة و الشق،


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 47 و عن عيون الأثر ج 2 ص 154 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 143.

من الأرض فقط، فلا إشكال أيضا، لأن ذلك للمسلمين جميعا، و لا يحتاج إلى إذن أحد في ذلك. .

و لعلهم أضافوا: مقولة الإستئذان ليصححوا ما يذهبون إليه: من أن ما يؤخذ بالحرب فهو لخصوص الغانمين، سواء أكان أرضا، أم مالا منقولا، أم نخلا و شجرا. .

قسم لجعفر و أصحابه:

و الذي نعتقده: هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما قسم لجعفر و أصحابه دون كل من عداهم.

و يوضح ذلك: ما رواه ابن سعد عن أبي موسى الأشعري نفسه، فقد قال: «قال: فما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب السفينة، جعفر و أصحابه قسم لهم معهم، و قال: لكم الهجرة مرتين: هاجرتم إلى النجاشي، و هاجرتم إليّ» (1).

و روى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس، و المسعودي عن الحكم بن


1) الطبقات الكبرى ج 4 ص 106 و نيل الأوطار ج 8 ص 122 و ذخائر العقبى ص 213 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 243 و صحيح البخارى ج 4 ص 55 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 172 و السنن الكبرى ج 6 ص 333 و عن فتح الباري ج 6 ص 171 و ج 7 ص 372 و 373 و المنتقى من السنن المسندة ص 274 و نصب الراية ج 4 ص 266 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 29 و 32 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 382 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 و مرقاة المفاتيح ج 7 ص 604 و أسد الغابة ج 4 ص 81.

عتيبة: أن جعفرا و أصحابه قد قدموا من أرض الحبشة، بعد فتح خيبر، فقسم لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيبر (1). و لعله «صلى اللّه عليه و آله» أعطى أحد الأشعريين و الدوسيين شيئا من ذلك تفضلا منه و تكرما، و لكنه لم يقسم لهم، و إنما قسم لخصوص جعفر و أصحابه كما ذكرنا.

3-منافسون لمهاجري الحبشة:

و قد لاحظنا على الروايات المتقدمة: أن ثمة رغبة قوية في إيجاد منافسين لأصحاب السفينة، و هم جعفر رضوان اللّه تعالى عليه و أصحابه. .

و نحن نوجز مؤاخذاتنا هذه في ضمن أسئلة لا تجد لها أجوبة مقنعة، فنقول:

زعم أبو موسى الأشعري: أن سفينتهم التي جاءت بهم من اليمن قد ألقتهم إلى النجاشي بالحبشة، فوافقوا جعفرا و أصحابه عنده، و أن جعفرا طلب منهم أن يقيموا معهم، فأقاموا حتى قدموا جميعا، فوافقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد فتح خيبرا. . فأسهم «صلى اللّه عليه و آله» لهم، و ما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر إلا لأصحاب سفينتهم مع جعفر و أصحابه، قسم لهم معهم.

فلم نفهم السبب فيما فعلته تلك السفينة العجيبة بهم، حيث إنهم أرادوها أن تأخذهم إلى الحجاز، فأخذتهم إلى الحبشة! !

فهل أرادت أن تفرض عليهم رحلة سياحية لم يكونوا ليقوموا بها


1) الطبقات الكبرى ج 4 ص 35 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 110.

باختيارهم؟ !

أو أن أصحابها لا يعرفون الخرائط البحرية، و اليمين من اليسار، و لا يفرقون بين الحجاز و الحبشة، بسبب دوار كان ألمّ بهم، و أفقدهم القدرة على التركيز، و على التمييز؟ !

و هل كان النجاشي بانتظارهم على ساحل البحر؟ !

أم أنهم هم الذين سألوا عنه، و قصدوه إلى بلده، و إلى دياره؟ ! و سألوا الناس عنه و عن جعفر؟ !

و لقائل أن يقول: إن عبارة: «ركبنا سفينته حتى جئنا مكة، ثم خرجنا في بر حتى أتينا المدينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي» ، ليس فيها إشكال، و لا يرد عليها سؤال: كيف أن سفينتهم أو صلتهم إلى مكة، ثم ساروا برا حتى و صلوا إلى المدينة؟ !

فما معنى: عودة السفينة إلى الظهور لتأخذهم على غفلة منهم إلى الحبشة؟ !

و ذلك لأن الناقل قد مزج بين الروايات المختلفة، و كان يورد نصا ثم أقحم نصا آخر، ثم عاد إلى النص الأول.

و لكن ذلك و إن كان يمكن أن يكون مقنعا و مقبولا في رد ذلك الإشكال المذكور آنفا، و لكنه لا يدفع شيئا من التساؤلات التي سيأتي شطر منها أيضا، كما أنه لا يجعل قائمة التساؤلات تنتهي عند هذا الحد، خصوصا، و أن أبا موسى قد جعل جعفرا و أصحابه تابعين له و لأصحابه، حتى قال: «قسم لهم معنا» . و كأن هذا التكريم كان لخصوص أبي موسى و أصحابه.

4-لم تصل سفينتهم إلى الحبشة:

و يظهر من العسقلاني: أن أبا موسى و أصحابه لم يصلوا إلى الحبشة، فقد قال عن أبي موسى: «صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعا» (1).

و هذا معناه: أنهم التقوا في الطريق، و أن سفينة جعفر و أصحابه غير سفينة أبي موسى و أصحابه، فما معنى جعلهما سفينة واحدة، و الحديث عنهم جميعا بأسلوب واحد؟ !

5-أبو موسى يعترف:

و ثمة نص آخر يدل: على أن أبا موسى لا ربط له بأهل السفينة، و هو ما تقدم في قضية الصدام الذي جرى بين أسماء بنت عميس و عمر بن الخطاب، حيث إنها بعد أن اشتكت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جاء الموقف النبوي مؤيدا مسددا لها، قالت: «. . و لقد رأيت أبا موسى، و إنه ليستعيد هذا الحديث مني، و قال: لكم الهجرة مرتين» ! ! (2).

6-لم يقسم لمن غاب إلا لجابر:

و بعد. . فقد قال أبو موسى الأشعري: «فأسهم لنا، و ما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا من شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا. .» .

مع أنهم مجمعون: على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أسهم لجابر بن عبد


1) الإصابة ج 2 ص 359.

2) تقدمت مصادر ذلك.

اللّه الأنصاري، و كان غائبا عن خيبر (1).

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بأم حبيبة:

و كان من جملة من قدم معهم من بلاد الحبشة أم حبيبة بنت أبي سفيان. فإنها كانت ممن هاجر الهجرة الثانية للحبشة مع زوجها عبد اللّه بن جحش، فارتد عن الإسلام هناك و تنصر، و مات على ذلك، و بقيت هي على إسلامها. و قد أرسل «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن أمية الضمري في المحرم افتتاح سنة سبع إلى النجاشي ليتزوجها منه «صلى اللّه عليه و آله» .

قالت أم حبيبة: رأيت في المنام، كأن قائلا يقول لي: يا أم المؤمنين، ففزعت، فأولتها: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتزوجني.

قالت: فما شعرت إلا و قد دخلت عليّ جارية النجاشي، فقالت لي: إن الملك يقول لك: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليه أن يزوجك منه، و يقول لك: وكّلي من يزوجك.

فأعطتها بعض الأموال لبشارتها هذه، ثم أرسلت بالوكالة إلى خالد بن سعيد.

فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب و من معه من المسلمين فحضروا، و خطب النجاشي رضي اللّه عنه، فقال:

الحمد للّه الملك القدوس، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و أنه الذي بشّر به عيسى بن مريم «عليه السلام» .


1) قد تقدمت مصادر ذلك فلا نعيد.

أما بعد. . فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلي: أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبنا إلى ما دعا إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أصدقها أربع مائة دينار.

و في لفظ: أربع مائة مثقال ذهب.

و سكب الدنانير بين يدي القوم.

فتكلم خالد بن سعيد بن العاص، فقال: الحمد للّه، أحمده و أستعينه، و أستغفره، و أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بِالْهُدىٰ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ (1).

أما بعد. . فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و زوّجته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فبارك اللّه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و دفع النجاشي الدنانير لخالد بن سعيد، فقبضها منه.

و قيل: إنه أنقدها لها النجاشي على يد جاريته التي بشرتها، فلما جاءتها بتلك الدنانير أعطتها خمسين دينارا.

ثم لما أرادوا أن يقوموا بعد العقد، قال لهم النجاشي: اجلسوا، فإن من سنن الأنبياء «عليهم الصلاة و السلام» إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا ثم تفرقوا.

قالت أم حبيبة: فلما كان من الغد جاءتني جارية النجاشي فردت عليّ جميع ما أعطيتها، و قالت: إن الملك عزم علي أن لا أرزأك شيئا. و قد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر.


1) الآية 9 من سورة الصف.

فجاءت بورس و عنبر و زباد كثير.

قالت: حاجتي إليك: أن تقرئي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مني السلام، و تعلميه أني قد اتبعت دينه.

و كانت كلما دخلت عليّ تقول: لا تنسي حاجتي إليك. ثم أرسل النجاشي أم حبيبة مع شرحبيل بن حسنة (1).

و نقول:

إن ههنا وقفات، كما يلي:

حتى بنت أبي سفيان:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرعى كل من أعلن إسلامه، حتى لو كان بعيدا عنه مئات الأميال. . و حتى لو كان امرأة، و كانت هذه المرأة هي بنت أبي سفيان الذي لم يزل يسعى في سفك دمه «صلى اللّه عليه و آله» بكل حيلة و وسيلة.

مهر أم حبيبة:

ذكر النص المتقدم: أن النجاشي قد ساق إلى أم حبيبة أربع مائة دينار أو أربع مائة مثقال من الذهب. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 49 و 50 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 144 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 195 و المنتخب من ذيل المذيل ص 98 و زوجات النبي لسعيد أيوب عن الحاكم في المستدرك ج 4 ص 21 و الإستيعاب ج 4 ص 44 و الإصابة ج 4 ص 305 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 97.

و نقول:

إن الصحيح هو الأول، فقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال: أتدري من أين صار مهور النساء أربعة آلاف؟

قلت: لا.

فقال: إن أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت في الحبشة. فخطبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ساق إليها عنه النجاشي أربعة آلاف درهم (1).

أم حبيبة لم تكن في مستوى الحدث:

و قد كان المفروض بأم حبيبة، التي شرفها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأن جعلها أما للمؤمنين: أن تكون عند حسن ظنه «صلى اللّه عليه و آله» بها، و أن تحفظه في قرباه، و في أهدافه، و في كل ما يحب. .

و لكن التاريخ يحدثنا عنها بما لم نكن نتوقعه، فإنها انساقت بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بالإتجاه الآخر، فقد ذكروا:

1-أنها بعثت بقميص عثمان مخضبا بدمائه مع النعمان بن بشير إلى أخيها معاوية (2).

2-لما بلغها قتل محمد بن أبي بكر و إحراقه شوت كبشا، و بعثت به إلى


1) الكافي ج 5 ص 382 و قاموس الرجال ج 10 ص 390 عنه وفقه الصادق للروحاني ج 22 ص 142 و الوسائل {ط آل البيت} ج 21 ص 347 و {ط الإسلامية} ج 15 ص 7.

2) مروج الذهب {ط دار الأندلس} ج 2 ص 353 و أنساب الأشراف للبلاذري ص 291 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 282.

عائشة، تشفيا بقتله «رحمه اللّه» ، بطلب دم عثمان.

فقالت عائشة: قاتل اللّه ابنة العاهرة. و اللّه لا أكلت شواء أبدا (1).

3-و حين نزل قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ. . (2)أي تعتزل. كان ممن عزل أم حبيبة (3).

مع من قدمت أم حبيبة؟ !

قد يقال: بوجود تناقض بين ما روي: من أن أم حبيبة قدمت في سفينة جعفر و أصحابه. . و بين نفس ذلك النص الذي يعود، فيقول: إن النجاشي قد أرسلها مع شرحبيل بن حسنة. .

و يجاب بأن المراد: أنها و إن كانت في السفينة، لكن النجاشي جعل مسؤولية رعايتها، و تلبية حاجاتها على عاتق شرحبيل. .


1) تذكرة الخواص ص 107 و حول عدم أكل عائشة للشواء راجع: أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 291 و أحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري عن تذكرة خواص الأمة {ط النجف} ص 114 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 427.

2) الآية 51 من سورة الأحزاب.

3) أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 467 و قاموس الرجال ج 10 ص 391 عنه، و الموسوعة الفقهية الميسرة للشيخ محمد علي الأنصاري ج 1 ص 359 و البحر الرائق ج 3 لابن نجيم المصري ص 383 و فتح الباري ج 9 ص 93 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 329 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 120 و جامع البيان ج 22 ص 31 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 48 و الدر المنثور ج 5 ص 210 و 211 و عن فتح القدير ج 4 ص 295 و عن كتاب المحبر ص 92.

الفصل الثاني: المتعة. . و لحوم الحمر الإنسية

اشارة

النهي عن المتعة في خيبر:
اشارة

و زعموا: أن عليا «عليه السلام» روى عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه: قد نهى عن المتعة و عن لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر (1).


1) راجع النصوص المختلفة لهذا الحديث في المصادر التالية: تاريخ بغداد ج 14 ص 240 و ج 8 ص 461 و ج 6 ص 208 و راجع: منحة المعبود ج 1 ص 309 و تحريم نكاح المتعة للمقدسي ص 23-32 و 40-43 و 70 و 113 و 114 و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ ص 159 و 177 و 178 و فتح الباري ج 9 ص 144 و 145 و 146 و عن ج 11 ص 71 و الموطأ لمالك {مطبوع مع تنوير الحوالك} كتاب النكاح باب نكاح المتعة ج 2 ص 74 و التاج الجامع للأصول ج 2 ص 335 و قال: رواه الخمسة، و مصابيح السنة ج 2 ص 415 و روى النص الثاني في قسم الصحاح، و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 201 و 202 و 206 و 207 و 204 و سنن الدارمي ج 2 ص 140 و بلوغ المرام ص 207 و لم يذكر لحوم الحمر الأهلية و ص 208 قال: أخرجه السبعة إلا أبو داود، و مسند أبي يعلى ج 1 ص 434 و مسند الحميدي ج 1 ص 22 و نيل الأوطار ج 6 ص 269 و 272 و 273 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 180 و 207 و 193 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474 و مسند زيد ص 304 و صحيح مسلم ج 4 ص 134 و 135 و 131 و صحيح البخاري {كتاب المغازي باب غزوة خيبر} ج 3 ص 158 و هداية الباري ص 257 و التفسير الحديث ج 9 ص 53 و 54 و 51 و 52 و فقه السنة ج 2 ص 42 و المنتقى ج 2 ص 519 و 517 و شرح السنة للبغوي ج 5 ص 77 و قال: هذا حديث متفق على صحته، و كتاب العلوم {الشهير بآمالي أحمد بن عيسى بن زيد} ج 3 ص 10 و 11 و البداية و النهاية ج 4 ص 193 و سنن سعيد بن منصور ج 1 ص 218 و أسمى المناقب ص 145 و المرأة في القرآن و السنة ص 180 و 181 عن الخمسة، و لسان الميزان ج 1 ص 442 و تحريم المتعة في الكتاب و السنة ص 151 و 152 و 153 و نكاح المتعة للأهدل ص 321 و تيسير المطالب في أمالي أبي طالب ص 388 و مجمع الزوائد ج 4 ص 265 و 266 و جامع الأسانيد ج 1 ص 85 و بداية المجتهد ج 2 ص 57 و زاد المعاد ج 2 ص 183 و أوجز المسالك ج 9 ص 406 و 407 و فتح الملك المعبود ج 3 ص 226 و 225 و سلم الوصول ج 3 ص 288 و نصب الراية ج 3 ص 177 و السيرة الحلبية ج 3 ص 45 و عون المعبود ج 6 ص 92 و مرقاة المفاتيح ج 3 ص 422 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 501 و التفسير الكبير ج 10 ص 50 و 51 و 52 و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 3 ص 201 و 202 و 203 و 204 عن الستة إلا أبا داود، و عن مجموع الإمام زيد بن علي، و مسند الشافعي ص 254 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 24 و 25 و لم يحدد المناسبة و ص 25 حددها بخيبر، و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 94-99 و 101 و 102 و كنز العمال ج 22 ص 96 و 99 و 97 عن مصادر كثيرة، و شرح الأزهار ج 2 ص 238 في الحاشية و الجامع الصحيح ج 3 ص 430 و ج 4 ص 254 و جامع الأصول ج 12 ص 135 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 804 و 630 و فتح القدير ج 1 ص 449 و الإستذكار ج 16 ص 286 و 287 و مصنف ابن أبي شيبة ج 3 ص 389 و سنن النسائي ج 7 ص 202 و 203 و ج 6 ص 125 و 126 و البناية في شرح الهداية ج 4 ص 98 و 99 و البحر المحيط ج 3 ص 218 و لباب التأويل ج 1 ص 343 و مسند الطيالسي ص 18 و مسند أحمد ج 1 ص 79 و 142 و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 133 و سنن الدراقطني ج 3 ص 257 و حلية الأولياء ج 3 ص 177 و الهداية في تخريج أحاديث البداية ج 6 ص 502 و 503 و مسند أبي عوانة ج 5 ص 160 و 159 و 158 و 157 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131 و ج 2 ص 131 و 132 و جواهر الأخبار ج 4 ص 22 و الإحسان ج 9 ص 450 و 453 و في هامشه عن مصادر كثيرة، و الأم ج 5 ص 79 و شرح الموطأ للزرقاني ج 3 ص 152 و المبسوط للسرخسي ج 3 ص 152 و 153 و غير ذلك.

و ذكر الواقدي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر بخيبر مناديا فنادى: أن رسول اللّه ينهاكم عن الحمر الإنسية، و عن متعة النساء (1).

و في بعض المصادر: أن منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد نادى يوم خيبر: ألا إن اللّه و رسوله ينهاكم عن المتعة.

و نقول:

إن لنا على ما تقدم العديد من الملاحظات، و نذكر منها ما يلي:

1-هي خبر واحد:

إن الرواية المعتمدة في إثبات هذا الأمر منحصرة في علي «عليه السلام» ، برواية ولده محمد عنه «عليه السلام» ، ثم رواية ولدي محمد، و هما الحسن و عبد اللّه عن أبيهما محمد هذا. .

فكيف يمكن أن نصدق هذا في حين أن هذا النداء قد سمعه ألف و خمس مائة رجل أو أكثر؟ !

و مع توفر الدواعي على نقله؟ !


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 661.

فلماذا أحجم هؤلاء كلهم عن نقل ذلك، و انحصر الأمر بعلي؟ ! مع أنهم ينقلون الكثير الكثير من الأمور العادية، و الشخصية التي قد لا يرى الكثيرون ثمة مبررا لنقلها؟ !

و لماذا كتمه علي «عليه السلام» عن كل أحد حتى عن الحسنين «عليهما السلام» إلا عن ولده محمد؟ !

ثم لماذا كتمه محمد نفسه عن الناس جميعا، إلا عن ولديه: عبد اللّه و الحسن؟ !

2-لا يصح النسخ بخبر واحد:

و إذا كان تشريع زواج المتعة ثابتا بالكتاب، في قوله تعالى: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (1).

و ثابتا أيضا بالسنة المتواترة، فإنه لا يصح نسخ هذا التشريع بخبر الواحد، فكيف إذا أضيف إلى ذلك: أن أخبار النسخ متناقضة، و متنافرة بصورة غريبة و عجيبة، كما أوضحناه في كتابنا: «زواج المتعة، تحقيق و دراسة» بأجزائه الثلاثة.

3-حديث الحسن البصري ينفي حديث خيبر بصراحة:

و لو فرضنا-محالا-: إمكان الجمع بين رواية النسخ يوم خيبر، و بين سائر الروايات المثبتة لحلية المتعة بعد خيبر، فكيف يمكن أن نوفق بين حديث علي «عليه السلام» عن نسخها في خيبر، و بين ما روي عن الحسن


1) الآية 24 من سورة النساء.

البصري أنه قال: «ما حلت قط، إلا في عمرة القضاء ثلاثة أيام، ما حلت قبلها و لا بعدها» (1)؟ أو نحو ذلك.

4-إختلاف و تناقض:

قال أبو عمر: «لا خلاف بين أهل السير، و أهل العلم بالأثر، أن نهي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن لحوم الحمر الأهلية إنما كان يوم خيبر، و أما نهيه عن نكاح المتعة، ففيه اختلاف و اضطراب كثير» (2).

5-هذا أمر لا يعرفه أحد:

و يقول السهيلي: «هذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير، و رواة الأثر: أن المتعة حرمت يوم خيبر» (3).


1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 405 و 406 و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 3 ص 202 و كتاب العلوم لأحمد بن عيسى بن زيد ج 3 ص 11 و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 107 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 503 و 504 و تحريم نكاح المتعة ص 63 و السنن الكبرى ج 7 ص 202 و 203 و التفسير الكبير ج 10 ص 51 و راجع: فتح الباري ج 9 ص 146 و صحيح مسلم ج 4 ص 132.

2) الإستذكار ج 16 ص 289.

3) الروض الأنف {ط سنة 1391 ه} ج 4 ص 59 و فتح الباري ج 9 ص 145 عنه، و نقله في السيرة الحلبية ج 3 ص 45 عن بعضهم، و شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 46، و سبل السلام شرح غاية المرام ج 3 ص 268 و أوجز المسالك ج 9 ص 405 و نصب الراية ج 3 ص 178 و 179.

6-ذكر المتعة في خيبر غلط:

و قال أبو عمر بن عبد البر: «. . إن ذكر المتعة يوم خيبر غلط، و الأقرب أن يكون هذا من غلط ابن شهاب و اللّه أعلم» (1). .

و قالوا أيضا: «حرم المتعة يوم خيبر، فجاء بالغلط البين» (2).

و قال أبو عمر أيضا: «إن ذلك غلط» (3).

7-لم يقع في خيبر تمتع بالنساء:

و قال أبو عمر أيضا: «. . إن ذلك غلط، و لم يقع في غزوة خيبر تمتع بالنساء» (4).

و قال ابن القيم: «. . قصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، و لا استأذنوا في ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا نقله أحد في هذه الغزوة، و لا كان للمتعة فيها ذكر البتة، لا قولا و لا تحريما» (5).

و قال أيضا: «. . إن خيبر لم يكن فيها مسلمات، و إنما كنّ يهوديات.


1) التمهيد ج 9 ص 99.

2) المنتقى هوامش ج 2 ص 518.

3) إرشاد الساري ج 6 ص 169 و شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 46، و الغدير ج 6 ص 226، و عن شرح المواهب للزرقاني ج 2 ص 239، و سبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 268، و راجع: أوجز المسالك ج 9 ص 405.

4) المصادر المتقدمة.

5) زاد المعاد ج 2 ص 143 و عنه في سبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 268 و فتح الباري ج 9 ص 147.

و إباحة نساء أهل الكتاب لم يكن ثبت بعد، إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة» (1).

و قال ابن القيم أيضا: «فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر، و لا كان للمسلمين رغبة في الإستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح، و بعد الفتح استرق من استرق منهن، و صرن إماء للمسلمين. .» (2).

و قال ابن كثير: «إن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن، إذ قد حصل لهم الإستغناء بالسباء عن نكاح المتعة» (3).

8-راوي النسخ رافض له:

أشرنا فيما سبق: إلى أن الرواية المعتمدة لنسخ حلية المتعة في يوم خيبر هي المنسوبة لعلي «عليه السلام» . .

و ذكرنا في كتابنا زواج المتعة: أنه «عليه السلام» على رأس القائلين ببقاء مشروعيتها، و المعترضين على تحريم عمر لها.

و قد اشتهر عنه «عليه السلام» الحديث المروي عن شعبة، عن الحكم: «لو لا أن نهى عمر عن المتعة، ما زنى إلا شقي» أو: إلا شفا، أي قليل، فراجع (4).


1) زاد المعاد ج 2 ص 183 و أوجز المسالك ج 9 ص 406 و المنتقى هوامش ج 2 ص 517 و فتح الباري ج 9 ص 147.

2) المصادر المتقدمة.

3) البداية و النهاية ج 4 ص 193. و عن فتح الباري ج 9 ص 171.

4) جامع البيان ج 5 ص 9 بسند صحيح على الظاهر، و كذا المصنف لعبد الرزاق ج 7 ص 500، و منتخب كنز العمال {بهامش مسند أحمد} ج 6 ص 405 و التفسير الكبير للرازي {ط سنة 1357 ه} ج 10 ص 50 و الدر المنثور ج 2 ص 140 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 25 و تفسير النيسابوري {بهامش الطبري} ج 5 ص 17 و البيان للخوئي ص 343 عن مسند أبي يعلى، و دلائل الصدق ج 3 ص 101 و تلخيص الشافي ج 4 ص 32 و الوسائل {ط دار إحياء التراث} أبواب نكاح المتعة ج 21 ص 5 و 11 و 44 و في هامشه عن: نوادر أحمد بن محمد بن عيسى ص 65 و 66 و عن رسالة المتعة للمفيد، و نفحات اللاهوت ص 99، و التهذيب ج 7 ص 250 و مستدرك وسائل الشيعة ج 14 ص 447 و 449 و 478 و 482 و 483 و كتاب عاصم بن حميد الحناط ص 24 و الهداية للخصيبي حديث المفضل ص 109 و كنز العرفان ج 2 ص 148 و الكافي ج 5 ص 448 و الإيضاح ص 443 و الجواهر ج 30 ص 144 عن: النهاية في اللغة لابن الأثير، و الطبري، و الثعلبي، و السرائر ص 312 و تفسير العياشي ج 1 ص 233 و الغدير ج 6 ص 206 و كنز العمال {ط مؤسسة الرسالة} ج 16 ص 522 و 523 و {طبعة الهند} ج 22 ص 96 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 218 و عن أبي داود في ناسخه عن بعض من تقدم، و الإستبصار فيما اختلف من الأخبار ج 3 ص 141 و التفسير الحديث لمحمد عزة دروزة ج 9 ص 54 و المرأة في القرآن و السنة ص 182 و البحار {ط جديد} ج 100 ص 305 و 314 و 315 و {ط قديم} ج 8 ص 273.

9-تعارض فاضح:

و روايات تحريم المتعة يوم خيبر، تتعارض مع روايات تحليلها بعد ذلك في عمرة القضاء، و الفتح، و تبوك، و حنين، و حجة الوداع، و أوطاس.

10-تعدد النسخ مرفوض:

و دعوى: تعدد التحليل و تعدد النسخ. . غير مقبولة، و لم يقل بذلك

أحد من المعتبرين (1).

قال ابن القيم: «لو كان التحريم زمن خيبر للزم النسخ مرتين. و هذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، و لا يقع مثله فيها» (2).

و قال ابن كثير عن روايات النسخ في خيبر، و في الفتح: «فيلزم النسخ مرتين، و هو بعيد» (3).

و على تقدير قبوله: فلا بد من إثباته بدليل قاطع، و لا يكفي فيه خبر الواحد. . فكيف إذا كانت نصوص هذا الخبر متناقضة، و كيف إذا تواردت عليه العلل و الأسقام، حتى لقد اعتبروه غلطا؟

11-تأويل بارد:

ذكروا: أن المقصود بالحديث: أن المحرّم يوم خيبر هو خصوص الحمر الأهلية، أما المتعة، فيراد بيان حرمتها مطلقا، من دون تقييد بكون ذلك في يوم خيبر (4).


1) التفسير الكبير ج 10 ص 52 و تفسير النيسابوري {بهامش جامع البيان} ج 5 ص 19.

2) زاد المعاد ج 4 ص 194 و فقه السنة ج 2 ص 39 و المنتقى هامش ج 2 ص 97.

3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 366 و البداية و النهاية ج 4 ص 194.

4) راجع: مسند الحميدي ج 1 ص 22 و فتح الباري ج 9 ص 145 و 133 و 22 و 123 و 144 و 146 و نيل الأوطار ج 6 ص 273 و السنن الكبرى ج 7 ص 201 و 202 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 336 و 337 و 366 و البداية و النهاية ج 4 ص 194 و أوجز المسالك ج 9 ص 405 و 406 و سبل السلام شرح بلوغ المرام ج 3 ص 368 و شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 46 و التمهيد ج 9 ص 95 و الإستذكار ج 16 ص 288 و 289 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 9 ص 180 و تعليقات الفقي على بلوغ المرام ص 207.

و لكنه تأويل بارد، و توجيه فاسد، إذ لماذا خص المتعة بالذكر، و لم يشر إلى سائر التشريعات مما هو حلال أو حرام؟ !

يضاف إلى ذلك: أن بعض نصوص هذا الحديث تأبى عن هذا التأويل، مثل ما روي عن علي «عليه السلام» : إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، لم يزد على ذلك (1).

و مثل ما روي عنه «عليه السلام» : نهي عن متعة النساء يوم خيبر، و عن أكل لحوم الحمر الإنسية (2).

12-ثنية الوداع. . أكذوبة:

و قال الحلبي: «و يدل لذلك ما قيل: إن ثنية الوداع إنما سميت بذلك؛ لأنهم فيها و دعوا النساء اللاتي تمتعوا بهن في خيبر الخ. .» (3).


1) راجع: التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 97 و تاريخ بغداد ج 8 ص 461 و كتاب العلوم لأحمد بن عيسى ج 3 ص 11 و مجمع الزوائد ج 4 ص 266.

2) صحيح مسلم ج 4 ص 134 و 135 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 176 و 177 و راجع: تاريخ بغداد ج 14 ص 240 و كنز العمال ج 22 ص 97 و تيسير المطالب ص 388 و مجمع الزوائد ج 4 ص 265 و كتاب العلوم لأحمد بن عيسى ج 3 ص 11 و الإعتصام بحبل اللّه المتين ج 3 ص 202 و غير ذلك كثير.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 45.

و يرد عليه:

أولا: زعموا: أن جابرا يروي: أن ذلك-أي وداع النساء المتمتع بهن- قد كان في غزوة تبوك (1).

فأي ذلك هو الصحيح؟ !

ثانيا: ما معنى أن تلحق النسوة المتمتع بهن أولئك الرجال تلك المسافات الطويلة، من خيبر إلى مشارف المدينة، حتى ودّعن أزواجهن في ذلك الموضع بالخصوص؟ ! . .

و ما هي الوسائل التي رجعن عليها إلى بلادهن؟ !

و من الذي أرجعهن؟ !

و هل رجعن و حدهن بلا محام و لا كفيل، في مسير يحتجن في قطعه إلى أيام ثلاثة؟ !

و كيف كان استقبالهن من قبل أهاليهن حين رجوعهن؟ !

ثالثا: كيف استمر ارتباطهن بأولئك الأزواج هذه المدة الطويلة، بعد تحريم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للمتعة؟ ! حتى لقد أطلق النداء بتحريم هذا الزواج في خيبر نفسها؟ ! فكيف و لماذا يعصي أولئك الصحابة


1) الهداية في تخريج أحاديث البداية ج 6 ص 508 و الهيثمي في مجمع الزوائد ج 4 ص 264 عن الطبراني في الأوسط، و وفاء الوفاء ج 4 ص 1168 عن البخاري، و عن ابن شبة، و عن الطبراني في الأوسط أيضا، و نيل الأوطار ج 6 ص 272 عن الحازمي، و البيهقي، و الإعتبار في الناسخ و المنسوخ ص 178 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 179 و عمدة القاري ج 17 ص 247 و التعليق المغني على سنن الدارقطني ج 3 ص 259.

أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهم في ذلك؟ !

و هل سكت «صلى اللّه عليه و آله» عنهم فلم يؤدبهم؟ !

و هل سكت أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» عن تأنيبهم و الإعتراض عليهم؟ !

أم أنهم لم يعلموا بأمرهم؟ !

أم أنهم علموا و كتموا ذلك عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أما الإعتذار عن ذلك: بأن من الممكن أن يكون المقصود هو: تحريم إنشاء عقد متعة جديد دون أن يبطل العقد السابق. .

فهو إنما يدفع بعض هذه التساؤلات. .

و تبقى الأسئلة الأخرى على حالها، و منها السؤال الذي يقول: إن المفروض هو: أن يكون العقد على تلك النسوة محددا بمدة بقاء رجالهن في منطقة خيبر و لا يعقل أن يعقدوا عليهن مدة تطال وقت مغادرتهم تلك البلاد.

و هذا معناه: أن مدة المتعة لا بد أن تكون قد انتهت قبل عودة المسلمين من خيبر. . فلماذا لحقن بهم إلى حدود ثنية الوداع؟ !

فإن كان ذلك من خلال العقد السابق، فالمفروض: أنه قد انتهى، و إن بعقد جديد، فالمفروض: أنه أصبح حراما منهيا عنه.

رابعا: إننا إذا أخذنا بروايات استقبال الولائد للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما هاجر إلى المدينة بالنشيد الذي يقول:

طلع البدر علينامن ثنيات الوداع

وجب الشكر عليناما دعا للّه داع

أيها المبعوث فيناجئت بالأمر المطاع (1)

فإنها تدل على: أن التسمية بثنيات الوداع لم تحدث بعد خيبر، بل كانت موجودة قبل هجرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة.

ربما يكون نهيا تدبيريا:

. . لنفترض صحة رواية النهي عن المتعة و عن لحوم الحمر الإنسية في يوم خيبر، فإننا نقول:

إن النهي عن ذلك-المتعة-لا بد أن يكون تدبيريا، تماما كما كان النهي عن لحوم الحمر الإنسية تدبيريا أيضا؛ لأنهم سوف يحتاجون إلى تلك الحمر من أجل الركوب، و لحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.

فكما أن النهي عنها لم يكن نهي تحريم. . فكذلك الحال بالنسبة للنهي عن التزوج بنساء سوف يتركهن أزواجهن ليعودوا إلى بلادهم بعد قليل، مع احتمال أن يحدث حمل لدى بعضهن، فلا يعرف الأب بأن له ولدا، و لا تستطيع الأم إبلاغ الأب بمولودها منه.

بل إنهم حتى لو تزوجوا بهن زواجا دائما، و في نيتهم طلاقهن أمام الشهود بعد يوم أو أيام مثلا، ثم يسافرون عنهن إلى بلاد أخرى، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» سوف ينهاهم عن فعل ذلك، لنفس السبب الآنف الذكر، و هو الحفاظ على الأولاد، الذين قد يتكونون من زواج كهذا، مع عجز الأم


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 341 و 342 و عن الرياض النضرة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 54 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 233 و فتح الباري ج 7 ص 204 و وفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 244 و ج 4 ص 1172 و 1262 و مصادر ذلك كثيرة.

عن الوصول إلى صاحب النطفة الحقيقي، و لغير ذلك من أسباب.

المجاعة. . و الحمر الإنسية:

روى الشيخان، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الإنسية، فانتحرناها، فلما غلت القدور، نادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن أكفئوا القدور، و لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا (1).

و عن أنس قال: لما كان يوم خيبر، جاء فقال: يا رسول اللّه، فنيت الحمر، فأمر أبا طلحة فنادى: «إن اللّه و رسوله ينهاكم عن لحوم الحمر» ، رواه عثمان بن سعيد الدارمي بسند صحيح (2).

و عن ابن عباس قال: نهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر عن بيع الغنائم حتى تقسم، و عن الحبالى أن توطأ حتى يضعن ما في


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 550 {4221،4223،4225،4226،5525} . و راجع: المجموع للنووي ج 9 ص 7 و نيل الأوطار ج 8 ص 281 و صحيح البخارى {ط دار الطباعة العامرة- إستانبول} ج 5 ص 78 و صحيح مسلم ج 6 ص 63 و 64 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1064 و 1065 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 330 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 542.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و في هامشه عن: عبد الرزاق {8725} و الطبراني في الكبير ج 5 ص 316 و انظر التمهيد لابن عبد البر ج 10 ص 127 و السيرة الحلبية ج 3 ص 46 عن مسلم، و راجع: شرح معاني الآثار ج 4 ص 205.

بطونهن، قال: «لا تسق زرع غيرك» ، و عن لحوم الحمر الأهلية، و عن كل ذي ناب من السباع. رواه الدارقطني (1).

و عن أبي ثعلبة الخشني قال: غزوت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيبر، و الناس جياع، فأصبنا بها حمرا إنسية فذبحناها، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأمر عبد الرحمن بن عوف-في الحلبية: عبد اللّه بن عوف-فنادى في الناس: «إن لحوم الحمر لا تحل لمن يشهد أني رسول اللّه» رواه أحمد، و الشيخان (2).

و عن سلمة قال: أتينا خيبر فحاصرناها حتى أصابتنا مخصمة شديدة- يعني الجوع الشديد-ثم إن اللّه تعالى فتحها علينا. فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون» ؟

قالوا: على لحم.

قال: «على أي لحم» ؟

قالوا: لحم حمر إنسية، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أهرقوها، و اكسروا الدنان» .


1) المعجم الأوسط ج 7 ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و في هامشه عن: الحاكم في المستدرك ج 2 ص 56 و انظر التلخيص الكبير ج 3 ص 7.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و في هامشه عن: البخاري ج 9 ص 653 {5527} و مسلم ج 3 ص 1538{23/1936} و السيرة الحلبية ج 3 ص 46 و راجع: كنز العمال ج 15 ص 275 و اللمع في أسباب ورود الحديث ص 41 و سنن النسائي ج 7 ص 232 و حاشية ابن القيم ج 10 ص 202.

فقال رجل: أو نهريقوها، و نغسلها؟

قال: «أو ذاك» . رواه الشيخان، و البيهقي (1).

و قد علق الحلبي على هذه الرواية بقوله: «و عدوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى هذا الثاني، إما باجتهاد، أو وحي» (2).

و روى محمد بن عمر، عن شيوخه: أن عدة الحمر التي ذبحوها، كانت عشرين أو ثلاثين، كذا رواه على الشك (3).

و قالوا: أصاب المسلمين جوع فوجدوا الحمر الأهلية و كانت ثلاثين قد خرجت من بعض الحصون، و قيل: لم يدخلوها الحصون.

و بتعبير الواقدي: فلم يقدر اليهود على إدخالها، و كان حصنهم له منعة.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و في هامشه عن: البخاري {6331} و مسلم ج 3 ص 1540{33/1802} ، و أحمد ج 4 ص 383 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 200 و السيرة الحلبية ج 3 ص 46 و صحيح البخارى {ط دار الطباعة العامرة -إستانبول} ج 5 ص 72 و ج 7 ص 108 و صحيح مسلم {ط دار الفكر} ج 5 ص 186 و ج 6 ص 65 و المحلى ج 1 ص 108 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 106 و المعجم الأوسط ج 1 ص 78 و المعجم الكبير ج 7 ص 35 و البداية و النهاية ج 4 ص 208 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 346 و اللؤلؤ و المرجان ج 1 ص 584 و نيل الأوطار ج 1 ص 79 و عن فتح الباري ج 12 ص 200 و 237 و عمدة القاري ج 17 ص 233 و ج 22 ص 182 و زاد المعاد ج 1 ص 1073.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 46.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 130 و 131 و عن فتح الباري ج 7 ص 370 و عمدة القاري ج 17 ص 233.

فأخذها رهط من المسلمين فذبحوها، و جعلوا يطبخونها، فمر بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسألهم عنها، فأخبروه.

فنهاهم «صلى اللّه عليه و آله» عن أكلها، حتى إن القدور أكفئت و إنها لتفور (1).

النهي عن لحوم البغال أيضا:

عن جابر: ذبحنا يوم خيبر الخيل و البغال، فنهانا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن البغال و لم ينهنا عن الخيل (2).

و عنه أيضا قال: أطعمنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لحوم الخيل، فذبح قوم من المسلمين خيلا من خيلهم قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ (3).

و لعل هذا يشير: إلى أن الحاجة كانت ماسة إلى الظهر، من أجل حمل الأمتعة، و ركوب المسافات الطويلة، و البغال هي التي تستخدم في ذلك. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 46 و راجع: إمتاع الأسماع ص 317 و المغازي للواقدي ج 2 ص 660 و 661 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 541 و ج 8 ص 524 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 25 و المعجم الكبير ج 1 ص 213 و 214 و أسد الغابة ج 1 ص 96 و ج 5 ص 220 و الإصابة ج 7 ص 160.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 46 عن أبي داود، و راجع: المجموع ج 9 ص 2 و المغني ج 11 ص 66 و الشرح الكبير ج 11 ص 75 و مسند أحمد ج 3 ص 356 و 362 و سنن أبي داود ج 2 ص 206 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 327 و المنتقى من السنن المسندة ص 223 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 583.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 661.

و لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، هي التالية:

خالد بن الوليد و لحوم الحمر:

عن المقدام قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: حضرت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر يقول: حرام أكل الحمر الأهلية، و الخيل، و البغال.

قالوا: و كل ذي ناب من السباع، و مخلب من الطير.

قال الواقدي: الثبت عندنا أن خالدا لم يشهد خيبر. و أسلم قبل الفتح هو و عمرو بن العاص، و عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أول يوم من صفر سنة ثمان (1).

الحاجة إلى الظهر:

قد يقال: إذا ضممنا هذا الحديث إلى الأحاديث المصرحة: بأن النهي إنما كان عن الحمر الأهلية، فقط. . فيمكننا استنتاج أن المقصود بهذا النهي هو: أن لا يقعوا في الظهر الذي يحتاجون إليه في تنقلاتهم، و هم في بلاد نائية عن بلدهم، و هو: البغال و الحمير معا.

أما الخيل: فهم إنما يحتاجون إليها في القتال، فإذا كانت الحرب قد وضعت أوزارها، فلا حرج عليهم في ذبحها إذا احتاجوا إليها.

و يؤيد ذلك: أنهم قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فنيت الحمر.

و في بعض النصوص: التصريح بتعليل النهي: بأنه من أجل أن لا يفنى


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 661 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 219 و نصب الراية ج 6 ص 59.

الظهر (1).

و نص آخر قال: «أمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإكفاء القدور، و لم يقل: إنها حرام. و كان ذلك إبقاء على الدواب» (2).

و عن أبي جعفر «عليه السلام» في أكل لحوم الحمر الأهلية: «نهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنها يوم خيبر. و إنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت، لأنها كانت حمولة الناس. و إنما الحرام ما حرم اللّه عز و جل في القرآن» (3).

الشك في حديث المجاعة:

إن الحديث المتقدم عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، يدل على عدم صحة الحديث عن جوع أصاب المسلمين في خيبر، أو عن مجاعة ألمت بهم.


1) راجع: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 335 و علل الشرائع ص 563 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 24 ص 119 و {ط دار الإسلامية} ج 16 ص 324 و الخلاف للطوسي ج 6 ص 82 و الإستبصار ج 4 ص 75 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 42 و البحار ج 62 ص 176 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 267.

2) الكافي ج 6 ص 246 و راجع: مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي ج 11 ص 159 و رياض المسائل {ط. ق} ج 2 ص 282 و جواهر الكلام ج 36 ص 266 و الإستبصار ج 4 ص 73 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 41 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 16 ص 323.

3) الكافي ج 6 ص 246 و علل الشرائع ص 563 و جواهر الكلام ج 36 ص 266 و 267 و جامع المدارك ج 5 ص 145 ص 563 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 41 و البحار ج 62 ص 176.

و يزيد هذا الأمر وضوحا: أن الأمر بإكفاء القدور لا يخلو سببه من أحد أمرين:

إما لأن الأمر لم يكن قد بلغ بهم حد الإضطرار، المسوغ لذبح الحمر الإنسية. .

أو لأجل أنه قد كانت عندهم أنواع أخرى من الطعام غير اللحم.

إكفاء القدور، لماذا؟ !

و من الواضح: أنهم بذبحهم لتلك الحمر إنما تصرفوا بأموالهم، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بإكفاء القدور معناه: تسويغ إتلاف مال لم يكن يسوغ لهم إتلافه في الحالات العادية. .

فقد يقال: إن السبب في إصداره «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الأمر هو: الخوف على الحمر الأهلية من أن تفنى.

و يجاب عن ذلك: بأنه قد كان بالإمكان أن يسوّغ لهم تناول ما ذبحوه منها، ثم ينهاهم عما عداه، لأن لحوم الحمر الأهلية ليست محرمة في ذاتها كلحوم السباع مثلا. .

إلا أن يقال: إن رغبتهم الجامحة في الطعام جعلت الإكتفاء بمجرد النهي قاصرا عن تحقيق هذا الغرض، فكان من الضروري أن تصاحبه إجراءات قوية و رادعة، إذ لو لا ذلك لاستمروا في المخالفة، ثم اعتذروا و أظهروا الندامة.

و لكن هذا الإعتذار غير مقبول، إذ لا تصح العقوبة قبل الجناية. فكان المناسب أن يسوغ لهم تناول ما ذبحوه، ثم ينهاهم عما عداه.

فالمبادرة إلى هذا القرار الحاسم بالإتلاف تشير إلى أن هناك ما هو أهم من ذلك، مثل أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم و نهاهم، فعصوا، و ربما يكون قد تكرر منهم ذلك، فلم يجد عندهم إلا التمرد و العصيان، فكان لا بد من العقوبة لهم بهذا النحو القوي و المثير.

إجابة غير وافية بالمراد:

و قد يقال: إن السبب في الأمر بإكفاء القدور هو: أنهم انتهبوا ذلك من قوم موادعين لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و الجواب: أن ذلك أيضا لا يكفي مبررا لإصدار هذا الأمر بالإتلاف، فقد كان من الممكن أن يجد لهم عذرا في ذلك، من مثل أنهم كانوا يظنون أولئك القوم من المحاربين.

و لو سلمنا: أنه كان قد عرّفهم بحالهم، فلماذا لا يعطي ما في تلك القدور من اللحم إلى من انتهبت تلك البهائم منهم؟ ! أو يستجيز من أصحابها، و يتركهم يأكلونها، ثم يضمنهم أثمانها لأربابها؟ ! .

يضاف إلى ذلك: أن النص يقول: إن الذي انتهبوه من القوم الموادعين هو الغنم، و ليس الحمر الإنسية.

بل قد يقال: إن هذا-أيضا-يشير: إلى أن الأمر بإكفاء القدور ربما يكون قد تكرر منه «صلى اللّه عليه و آله» في أكثر من مناسبة.

إجابة أخرى مرفوضة:

و أما ما زعموه: من أن الحمر التي ذبحت قد خرجت من بعض حصون اليهود، و لم يكن يحق لهم أن يذبحوها قبل مراجعة النبي «صلى اللّه

عليه و آله» ، أو قبل معرفة الحكم الشرعي في مثل هذه الحالة، لأنها أخذت من دون قتال، أو قبل شروعه. .

فهو أيضا لا يصلح بمجرده مبررا للأمر بإكفاء القدور، إذ إن تلك الحمر تكون في جملة الغنائم، فكان يمكن أن يشترك في أكلها جميع من كان له حق فيها. .

أو تضمين الذين ذبحوها ما يزيد على سهمهم فيها. .

و يتأكد هذا الأمر إذا كانوا قد فعلوا ما فعلوه عن جهالة و تسرع.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يتفقد العسكر:

و قد أظهر النص المتقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يطوف على المعسكر، و يتفقد أحوال الناس فيه، و يشاهد تصرفاتهم، و يصوبهم، أو يخطئهم، و لا يكتفي بإخبار المخبرين، و لا يسكن إلى ما يبلغه إياه من حملهم مسؤوليات القيادة، و إنجاز المهمات، و القيام بالواجبات.

ليس للإجتهاد موضع هنا:

تقدم: أن الحلبي اعتبر التخيير بين كسر الدنان، أو إهراقها و غسلها إما من باب تبدل الإجتهاد، و إما من باب الوحي.

و لكن من الواضح: أن هذا المورد ليس من موارد الإجتهاد في الرأي في حكم شرعي، بل هو أمر تدبيري سلطاني يهدف إلى إظهار الشدة على من بادر إلى ذبح الحمر أولا، ثم المن عليهم بالإستجابة إلى طلب العفو و التخفيف عنهم، تأليفا و سياسة منه «صلى اللّه عليه و آله» لهم.

فالأمران كلاهما صواب، و ليس هناك صواب و خطأ، فإن التشديد ثم

التخفيف مطلوبان معا له «صلى اللّه عليه و آله» .

على أن ما ذكره الحلبي: يستبطن أمرين لا مجال للقبول بهما، بل هما مرفوضان جملة و تفصيلا.

أحدهما: أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجتهد في بعض المواضع، و أن جميع أعماله و أقواله ليست مؤيدة و مسددة بالوحي، و مستندة إليه. .

الثاني: أنه قد يخطئ «صلى اللّه عليه و آله» في اجتهاده و قد يصيب، فلا مجال للإعتقاد بصوابية جميع أقواله و أفعاله «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كلا الأمرين بعيد عن الصواب، و مرفوض جملة و تفصيلا كما هو واضح. .

إكفاء القدور في نهبة خيبر:

و قد رووا: أن الناس انتهبوا غنما في خيبر، فأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بإكفاء القدور، لأن النهبة لا تحل (1).

و نقول:

لا بد أن تكون هذه النهبة قد أصابت أناسا موادعين لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عهد لهم معه، أو أنهم من المسلمين، أو أنهم أناس لم


1) المصنف للصنعاني ج 10 ص 205 المغني ج 10 ص 508 و الشرح الكبير ج 10 ص 393 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1299 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 134 و مجمع الزوائد ج 5 ص 337 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 189 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 49 و المعجم الكبير ج 2 ص 82 و 83 و 84 و كنز العمال ج 4 ص 531 و عن أسد الغابة ج 1 ص 243 و تهذيب الكمال ج 4 ص 391.

يدعهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يقم عليهم الحجة بعد، فليس لهم موقف محدد منه. .

النهي عن أكل لحم الجلالة:

و قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن أكل لحم الجلالة، و عن ركوبها، و الجلالة هي التي تأكل العذرة (1).

و ربما يكون هذا هو ما أشارت إليه الرواية عن ابن أبي أوفى، قال: أصبنا حمرا خارجا من القرية، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أكفئوا القدور بما فيها.

فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: إنما نهى عنها: أنها كانت تأكل العذرة (2).

و ربما يكون ذلك لأنهم انتهبوها من قوم مسلمين، أو موادعين لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلا تحل لهم من أجل ذلك. . حسبما أشرنا إليه آنفا.


1) النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 278 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 46 و 47 و راجع: البحار ج 62 ص 250 عن النهاية، و لسان العرب ج 11 ص 119.

2) مسند أحمد ج 4 ص 381 و راجع: المصنف للصنعاني ج 4 ص 524 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 207.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الرابع: قلع باب خيبر. . أحداث و تفاصيل 5-44

الباب السابع: غنائم و سبايا الفصل الأول: كنز آل أبي الحقيق 47-58

الفصل الثاني: غنائم و سبايا خيبر 59-94

الفصل الثالث: أبو هريرة. . و الغنائم 95-126

الفصل الرابع: لمسات أخيرة 127-160

الباب الثامن: فتح. . و صلح الفصل الأول: مقاسم خيبر. . بين الصلح و الفتح 163-184

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرهم. . و عمر يجليهم 185-210

الفصل الثالث: فدك و غصبها. . أحداث. . و تفاصيل 211-248

الفصل الرابع: فدك. . دليل الإمامة 249-276

الباب التاسع: بعد سقوط خيبر الفصل الأول: لقاء الأحبة. . قدوم جعفر و المهاجرين 279-306

الفصل الثاني: المتعة. . و لحوم الحمر الإنسية 307-332

الفهارس 333-345

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الرابع: قلع باب خيبر. . أحداث و تفاصيل علي عليه السّلام قالع باب خيبر:7

إختلافات لا تضر: أربعون أم سبعون:11

باب واحد، أم بابان في خيبر؟ !11

التكبير من السماء:12

لا سيف إلا ذو الفقار في خيبر أيضا:14

تشكيكهم بقلع باب خيبر:16

ما قلعته بقوة جسمانية:21

و للشعراء كلمتهم:22

القموص ليس آخر ما فتح:27

علي عليه السّلام يفتح خيبر وحده:29

تواتر حديث جهاد علي عليه السّلام في خيبر:33

رضي اللّه و رسوله عن علي عليه السّلام:34

تشريف و تكريم في الأرض و في السماء:35

علي عليه السّلام سيد العرب هي الأصعب عليهم:36

إستقبال النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام بعد الفتح:37

حسبك أنك مني و أنا منك:38

اللمسات الأخيرة:41

الباب السابع: غنائم و سبايا الفصل الأول: كنز آل أبي الحقيق كنز آل أبي الحقيق:47

أيّ ذلك الصحيح؟ !51

التعذيب لماذا؟ !52

العهد قريب، و المال أكثر من ذلك:53

أخذ العهد عليهم من جديد:53

إنك لمغتر بأمر السماء:54

الفصل الثاني: غنائم و سبايا خيبر النبي صلّى اللّه عليه و آله يرضخ للنساء:59

موعدكم جنفا:61

يعفور حمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:65

الجراب. . و الدجاج:68

الغلول في خيبر:70

المهاجرون يرجعون المنائح للأنصار:71

موقف شهيد:75

أبو سفيان في خيبر! !77

خارص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:79

صحائف التوراة ردت لليهود:80

أنزعت منك الرحمة يا بلال؟ !80

دحية يختار صفية:82

صفية و الصفى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:85

لماذا اخضرت عين صفية؟ !86

اعتذار النبي صلّى اللّه عليه و آله من صفية:88

صفية تأبى أولا ثم تطيع:89

حراسة أبي أيوب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:90

الفصل الثالث: أبو هريرة. . و الغنائم أبو هريرة في خيبر:95

إسلام أبي هريرة:98

مدى وثاقته في الرواية:105

لماذا ولى معاوية أبا هريرة المدينة؟ ! :107

أشهد لقد واليت عدوه:108

أبو هريرة عضو المجمع العلمي لمعاوية:111

افتتحنا خيبر:112

أبو هريرة أسلم بعد وفاة رقية:112

أبو هريرة في حديث ذي الشمالين:114

مهمة أبي هريرة في البحرين:115

أبو هريرة حضر المشاهد كلها:116

النبي صلّى اللّه عليه و آله خليل أبي هريرة:117

آخركم موتا في النار:120

قيمة هذا الوسام:122

الفصل الرابع: لمسات أخيرة. . معجزات. . و كرامات:127

العاقبة السيئة:130

صفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و علي عليه السّلام في التوراة:131

مراهنات قريش:134

ابن علاط يستنقذ ماله بمكة:138

من استشهد بخيبر من المسلمين:146

القتلى من اليهود:155

أين هي هذه الأحداث؟ ! :155

بعض ما قيل من الشعر في غزوة خيبر:162

الباب الثامن: فتح. . و صلح الفصل الأول: مقاسم خيبر. . بين الصلح و الفتح كتاب إسقاط الجزية عن يهود خيبر:167

الوطيح و سلالم فتحا صلحا:170

هل فتحت خيبر صلحا؟ ! :172

توجيهات لما سبق:174

كتاب مقاسم خيبر:176

كتاب آخر:178

مقاسم أرض خيبر في مصادر غير الشيعة:179

الصحيح في موضوع خيبر:185

ما حدث في خيبر:186

اختلاف السهام:187

الفصل الثاني: النبي صلّى اللّه عليه و آله يقرهم. . و عمر يجليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله يقر اليهود على خيبر:191

إجلاء اليهود بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:194

سبب إخراج عمر لليهود:197

دعاوى لا تصح:212

الرواية الأقرب إلى القبول:214

الفصل الثالث: فدك و غصبها. . أحداث. . و تفاصيل أمط. . أمط:219

ألف: من يأخذها بحقها؟ !221

ب: و الذي كرّم وجه محمد صلّى اللّه عليه و آله:223

ج: الزبير طلب الراية أيضا:224

حدود فدك:224

فدك. . تعني الخلافة:225

الإمام الكاظم عليه السّلام و الرشيد:226

الإمام الكاظم عليه السّلام و المهدي العباسي:227

فدك لمن؟ !227

الشهادة المردودة:229

وقفات مع ما سبق:232

فدك للزهراء عليها السّلام:240

1-هي في يدها:241

2-هي عطية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:242

3-الخمس لا يختص بفاطمة عليها السّلام:242

4-قضية الميراث هي المحور:243

مفردات من الكيد الإعلامي:247

1-لا نورث ما تركناه صدقة:247

2-هل المقصود إرث المال؟ ! :250

3-قيمة النخل بتربته:251

4-و آت ذا القربى حقه:253

الفصل الرابع: فدك. . دليل الإمامة الكيد الإعلامي يفرض تزوير الحقائق:261

فدك خالصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:261

كل فدك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:264

بداية عن تزوير الحقائق:265

أهل البيت عليهم السّلام ماذا يقولون؟ !266

فدك دليل الإمامة:266

1-في حجة الوداع:267

2-غدير خم:269

3-تجهيز جيش أسامة:271

4-الصلاة بالناس:272

5-إن الرجل ليهجر:274

6-الهجوم على فاطمة عليها السّلام:275

7-غصب فدك:277

الباب التاسع: بعد سقوط خيبر الفصل الأول: لقاء الأحبة. . قدوم جعفر و المهاجرين. . قدوم جعفر من الحبشة:291

الوفد القادم مع جعفر:295

ألف: فتح خيبر و قدوم جعفر، مترابطان:295

ب: قدوم جعفر قيمة لا تضاهى:297

ج: عودة ظفر:298

د: أم بفتح اللّه على يد أخيك:299

ه: حقيقة لا بد من الجهر بها:300

و: رشحة من أخلاقيات الإسلام:302

هجرتان لمهاجري الحبشة:303

الأشعريون. . هم المحور! ! :307

1-رقة قلوب الأشعريين:309

2-إشراكهم في الغنيمة:310

قسم لجعفر و أصحابه:311

3-منافسون لمهاجري الحبشة:312

4-لم تصل سفينتهم إلى الحبشة:314

5-أبو موسى يعترف:314

6-لم يقسم لمن غاب إلا لجابر:314

زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بأم حبيبة:315

حتى بنت أبي سفيان:317

مهر أم حبيبة:317

أم حبيبة لم تكن في مستوى الحدث:318

مع من قدمت أم حبيبة؟ !319

الفصل الثاني: المتعة. . و لحوم الحمر الإنسية. . النهي عن المتعة في خيبر:323

1-هي خبر واحد:325

2-لا يصح النسخ بخبر واحد:326

3-حديث الحسن البصري ينفي حديث خيبر بصراحة:326

4-إختلاف و تناقض:327

5-هذا أمر لا يعرفه أحد:327

6-ذكر المتعة في خيبر غلط:328

7-لم يقع في خيبر تمتع بالنساء:328

8-راوي النسخ رافض له:329

9-تعارض فاضح:330

10-تعدد النسخ مرفوض:330

11-تأويل بارد:331

12-ثنية الوداع. . أكذوبة:332

ربما يكون نهيا تدبيريا:335

المجاعة. . و الحمر الإنسية:336

النهي عن لحوم البغال أيضا:339

خالد بن الوليد و لحوم الحمر 340

الحاجة إلى الظهر 340

الشك في حديث المجاعة 341

إكفاء القدور، لماذا؟ ! 342

إجابة غير وافية بالمراد 343

إجابة أخرى مرفوضة 343

النبي صلّى اللّه عليه و آله يتفقد العسكر 344

ليس للإجتهاد موضع هنا 344

إكفاء القدور في نهبة خيبر 345

النهي عن أكل لحم الجلالة 346

الفهارس 347

1-الفهرس الإجمالي 349

2-الفهرس التفصيلي 351