ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الخامس عشر
1-بعث علي إلى بني سعد
2-بعث زيد بن حارثة إلى أم قرفة
3-سرية ابن عتيك إلى أبي رافع
4-سرية ابن رواحة إلى ابن رزام
5-سرية زيد بن حارثة إلى مدين
و في شعبان سنة ست، بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب «عليه السلام» في مائة رجل إلى بني سعد بن بكر بفدك التي كان بينها و بين المدينة ست ليال، و في لفظ: ثلاث مراحل.
و سببه: أنه بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أن لهم جمعا، يريدون أن يمدوا يهود خيبر، و أن يجعلوا لهم تمر خيبر، فسار «عليه السلام» إليهم، و في الطريق أخذوا رجلا هناك فسألوه، فأقر أنه عين لبني سعد، و أنه مرسل من قبلهم إلى خيبر، يعرض على يهودها نصرهم مقابل التمر. . ثم دلهم على موضع تجمعهم.
فسار علي «عليه السلام» بمن معه، فأغاروا عليهم، و هم عارون بين فدك و خيبر. فأخذوا خمس مائة بعير، و ألفي شاة، و هربت بنو سعد بالظعن.
و عزل علي طائفة من الإبل الجياد، صفى المغنم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فيها ناقة حلوب قريبة عهد بنتاج، تدعى الحفيدة، أو الحفدة لسرعة سيرها.
ثم عزل الخمس، و قسم الباقي على السرية.
و قدم بمن معه المدينة، و لم يلقوا كيدا» (1).
و في نص آخر: أنه قبل أن يصل إليهم نزل «عليه السلام» بمن معه محلا بين خيبر و فدك، فوجدوا به رجلا، فسألوه عن القوم، فقال: لا علم لي، فشدوا عليه، فأقر أنه عين لهم. و قال: أخبركم على أن تؤمنوني، فأمنوه، فدلهم (2).
و يفهم من النص: أن أهل خيبر كانوا يتوقعون الحرب فيما بينهم و بين المسلمين، فكانوا يسعون لإقامة تحالفات مع من يحيط بهم، لضمان أن يكونوا إلى جانبهم و تقوية لموقعهم ضد المسلمين. .
و لكن الحقيقة هي أكثر من ذلك، فإنهم كانوا يجمعون الرجال استعدادا لمهاجمة المدينة.
إذ يلاحظ: أن النص يقول: إن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فإن هذا معناه: أنهم يجمعون الرجال للانضمام إلى اليهود، و ليكونوا معهم في عملية حربية متوقّعة كان اليهود يخططون لها. .
و لا شك في أن تسديد هذه الضربات لمن يدبرون للحرب من شأنه أن
يفقدهم قوتهم الاقتصادية، و أن يهزمهم نفسيا، و يضعف من درجة إصرارهم على الحرب، حين يدب اليأس و تثور أمامهم شكوك قوية في قدرتهم على النيل من هذه القدرة الضاربة، بل قد لا يحصلون إلا على الهزائم، و لا يحصدون إلا الخيبة، و البوار و الخسران. . الأمر الذي لا بد أن يثير أمامهم ضرورة التفكير في السعي إلى تجنب هذه الحرب التي تتنامى احتمالات خسرانهم فيها. .
و في شهر رمضان من سنة ست، بعث «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن حارثة إلى أم قرفة، فاطمة بنت ربيعة بن زيد الفزاري، بناحية وادي القرى، على سبع ليال من المدينة.
و كان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، و معه بضائع لأصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما كانوا بوادي القرى لقيه أناس من فزارة، من بني بدر، فضربوه، و ضربوا أصحابه، و ظنوا: أنهم قتلوا، و أخذوا ما كان معهم.
فقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره، و نذر زيد أن لا يغسل رأسه من جنابة حتى يغزو بني فزارة. فلما برئ من جراحته، بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و أمره بأن يكمن بأصحابه بالنهار، و يسير بهم بالليل، ففعل، و كان معه دليل من بني فزارة.
فعلم بنو فزارة بالأمر، فراقبوا الطريق. و لكن الدليل-حين لم يبق لهم إلى بني فزارة سوى مسيرة ليلة-ضل الطريق الذي كان بنو فزارة يرصدونه،
بواسطة ناظر لهم، ينظر لهم من رأس جبل مشرف مسيرة يوم في الصباح، و يقول لهم: اسرحوا، فلا بأس عليكم. و ينظر لهم مسيرة ليلة مساء، و يقول لهم: ناموا، فلا بأس عليكم. فحين ضل الدليل عن الطريق من مسيرة ليلة، أوصلهم إلى مقصدهم من طريق آخر.
فحمدوا خطأهم الذي وقعوا فيه، و كمن زيد لهم تلك الليلة. ثم صبحهم هو و أصحابه، فكبروا، و أحاطوا بالحاضر، و أخذوا أم قرفة، و كانت ملكة و رئيسه.
و في المثل يقال: أمنع و أعز من أم قرفة؛ لأنه كان يعلق في بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا، كلهم لها محرم. و هي زوجة مالك بن حذيفة بن بدر.
و أخذوا ابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر.
و عمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة، و هي عجوز كبيرة، فقتلها قتلا عنيفا، حيث ربط برجليها حبلين، ثم ربطهما بين بعيرين، ثم زجرهما، فذهبا بها، فقطّعاها.
و قدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقام إليه عريانا-كما يزعمون-يجر ثوبه حتى اعتنقه، و قبّله، و سأله، فأخبره بما ظفره اللّه به (1).
و لقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سلمة بن الأكوع، فطلب منه
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 12 و السيرة الحلبية ج 3 ص 179-181 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و 99 و 100 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 91 و عن عيون الأثر ج 2 ص 108.
الفتاة المذكورة، فأعطاه إياها، فأهداها «صلى اللّه عليه و آله» إلى خاله، الذي كان في مكة.
و هناك العديد من النقاط التي لا بد لنا من الوقوف عندها، للتصحيح تارة، و للتوضيح أخرى، و ذلك على النحو التالي:
ورد في صحيح مسلم و غيره، عن سلمة بن الأكوع: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا بكر ليشن الغارة على بني فزارة في وادي القرى.
قال سلمة: «و خرجت معه، حتى إذا صلينا الصبح، أمرنا، فشنينا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر-أي جيشه-من قتل. و رأيت طائفة فيهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فأدركتهم، و رميت بسهم بينهم و بين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، و فيهم امرأة-أي و هي أم قرفة-عليها قشع من أدم-أي فروة-خلقة، معها ابنتها من أحسن العرب.
فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر (رض) ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا، فقدمنا المدينة، فلقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة للّه أبوك. (أي كان قد وصف لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جمالها) .
فقلت: هي لك يا رسول اللّه، فبعث بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين» (1).
و نقول:
إن الكلام مشكوك فيه، فإن ابن إسحاق، و ابن سعد، و غيرهما يقولون: إن أمير السرية التي أخذت فيها أم قرفة، و ابنتها، هو زيد بن حارثة. .
و احتمل البعض-جمعا بين الأمرين-: أن يكون هناك سريتان، اتفق فيهما لسلمة بن الأكوع أن أصاب في كل واحدة منهما بنتا لأم قرفة، فأخذهما منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوهب إحداهما لخاله المكي، و هي السرية التي كان أميرها زيد بن حارثة، و فدى بالأخرى أسرى المسلمين في مكة، و هي السرية التي كان أبو بكر أميرها. .
و نقول:
إن هذا الوجه و إن كان يحل مشكلة بنت أم قرفة و لكنه لا يحل مشكلة أم قرفة نفسها، فإنها لا يمكن أن تؤسر و تقتل في كلتا السريتين.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 179 و 180 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و 100 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 118 عن عيون الأثر ج 2 ص 154 و مسند أحمد ج 4 ص 46 و صحيح مسلم ج 5 ص 151 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 611 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 129 و شرح صحيح مسلم ج 12 ص 68 و سنن النسائي ج 5 ص 202 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 200 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 15 و نصب الراية ج 4 ص 259 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 92 و البداية و النهاية ج 4 ص 251 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 417 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 226 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 288.
و لأجل استبعاد التوافق في جميع الخصوصيات لم يرتض الحلبي ذلك: إذ من البعيد أن تتعدد أم قرفة، و أن يكون لكل واحدة بنتا من أحسن العرب. و أن يأسرهما معا ابن الأكوع، ثم يطلبهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يرسلهما أيضا إلى مكة.
و الغريب في الأمر: أن يترك ابن الأكوع هذه الوليدة، التي هي من أجمل نساء العرب، فلا يكشف لها ثوبا حتى يرجع بها إلى المدينة، و يطلبها منه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مرتين أو ثلاثا حين لقيه في السوق في يومين، فهل كان هذا نتيجة ورع من ابن الأكوع؟ !
أم أنه كان لا إرب له في النساء؟
أم أن اللّه صرفه عن ذلك؟ !
و لماذا يصرفه اللّه عن امرأة ستصبح لأحد مشركي مكة؟ ! . .
و ذكروا: أن زيد بن حارثة أمر بقتل أم قرفة، لأنها كانت تسب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 180 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 99 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 287 و البداية و النهاية ج 5 ص 237 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1035 و عن عيون الأثر ج 2 ص 103 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 434.
و ذكروا في كيفية قتلها ما تقدم: من أنهم ربطوا حبلين برجليها، و ربطوهما إلى بعيرين، و زجروهما فشقاها نصفين. .
و لكننا لا يمكن أن نصدق ذلك، فقد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن المثلة، إما في غزوة أحد-حسبما تقدم في الحديث عنها-و إما في قضية أصحاب اللقاح، حسبما تقدم في سرية كرز بن جابر. .
و لا نرى أن زيدا يرضى بمخالفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مخالفة صريحة، و لو أنه رضي بذلك فسيجد في جيشه من يعترض عليه، و يشتكيه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لا بد أن يصدر منه «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على عدم رضاه بهذا الأمر، إن لم يصل الأمر إلى تأنيب الفاعلين، و تقبيح ما صدر منهم.
و قد زعم ابن الأكوع: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب منه بنت أم قرفة فوهبها له. . فأرسلها إلى مكة ففدى بها جماعة من المسلمين. .
مع أن رواية أخرى تقول: إنه فدى بها مسلما واحدا (1).
و نص آخر يقول: إنه أرسلها هدية إلى خاله، حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بمكة (2).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 180.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 180 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 100 و عن الإصابة ج 4 ص 197 و 251 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 71 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 287 و البداية و النهاية ج 5 ص 237 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1035 و عن عيون الأثر ج 2 ص 104 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 434.
مع أن سلمة قد قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما طلب منه الجارية: «رجوت أن أفدي بها امرأة منا في بني فزارة، فأعاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكلام في مرتين، أو ثلاثا، فعرف أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريدها، فوهبها له. .» .
و في نص آخر: «لقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السوق، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة.
فقلت: يا رسول اللّه، قد أعجبتني، و ما كشفت لها ثوبا.
فسكت، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السوق، و لم أكشف لها ثوبا، فقال: يا سلمة هب لي المرأة للّه أبوك.
فقلت: هي لك يا رسول اللّه الخ. .» (1).
فما هذا الإصرار من النبي «صلى اللّه عليه و آله» على استيهاب جارية يريد صاحبها أن يفدي بها أسيرة من أقاربه؟ !
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 92 و 100 و مسند أحمد ج 4 ص 46 و 51 و صحيح مسلم ج 5 ص 151 و سنن أبي داود ج 1 ص 611 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 129 و شرح صحيح مسلم ج 12 ص 68 و سنن النسائي ج 5 ص 202 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 200 و المعجم الكبير ج 7 ص 15 و نصب الراية ج 4 ص 259 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 118 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 92 و البداية و النهاية ج 4 ص 251 و عن عيون الأثر ج 2 ص 154 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 417.
و لماذا يعيد «صلى اللّه عليه و آله» الكلام مرتين أو ثلاثا؟ ! مع أن فداء الأسير من الأقارب-خصوصا إذا كانت امرأة-أولى من الهدية إلى الخال المقيم على الشرك في مكة. . خصوصا، و أنه قد كان بالإمكان أن يهيء له هدية أخرى تكون من مال نفس المهدي، لا من مال رجل آخر لم يتنازل عن جاريته إلا بعد الإصرار و ربما حياء و خجلا من رسول اللّه! !
و لا ندري، لماذا أصر «صلى اللّه عليه و آله» على الاستيهاب و لم يعرض عليه أن يبيعها له! ! ألم يكن هو الأولى و الأنسب بمقامه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
قالوا: و لما قدم زيد بن حارثة المدينة جاء إلى بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قرع الباب، فخرج إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عريانا، يجر ثوبه. و اعتنقه، و قبله و سأله، فأخبره بما ظفّره اللّه تعالى به (1).
و نقول:
1-إنه ليس هناك أي داع لخروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى زيد على هذه الحالة، إذ ليس ثمة ما يشير إلى وجود أمر مستعجل، أو غير
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 181 و الجامع الصحيح ج 4 ص 174 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 434 و نصب الراية ج 6 ص 154 و كنز العمال ج 10 ص 569 و الجامع لأحكام القرآن ج 15 ص 361 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 99 و 427 و عيون الأثر ص 108 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 91 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 366 و عن فتح الباري ج 11 ص 51.
عادي يمنعه من تناول ثوبه، و وضعه على عاتقه في ثوان قليلة.
2-هل كان «صلى اللّه عليه و آله» يستقبل، و يقبل و يعانق كل عائد من الغزو، و خصوصا بهذه الحرارة؟ و بهذه العجلة؟ !
أم أنه كان يعانق و يقبل خصوص المنتصر الذي جاء بالغنائم و الأسرى؟
أم أن هذه خصوصية لزيد بن حارثة دون كل من عداه، حتى علي بن أبي طالب «عليه السلام» ؟ ! الذي لم يجد هذه المعاملة حينما عاد من فتح خيبر، أو حينما عاد من قتل عمرو بن عبدود العامري. . أو في فتح حنين، أو في حرب بدر، و أحد. . و غير ذلك.
أم أن لهذه الغزوة-غزوة أم قرفة-خصوصية عنده «صلى اللّه عليه و آله» ؟ و ما هي تلك الخصوصية؟ !
3-إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشد حياء من العذراء في خدرها، فكيف يخرج إلى زيد بن حارثة عريانا يجر ثوبه، ثم يعانقه و يقبّله. .
4-لماذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» عريانا هل كان يغتسل؟ أو كان يمارس حقه الطبيعي مع زوجته؟ ! أو كان بصدد تبديل ملابسه؟ !
إن ذلك كله مما يأنف الناس من الإيحاء به للآخرين، أو أن يسوقهم إلى أن يتصوروه عنهم، فكيف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و في شهر رمضان من سنة ست، كانت سرية عبد اللّه بن عتيك، لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي بخيبر.
و قيل: كان ذلك في ذي الحجة سنة خمس.
و قيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث.
و كان أبو رافع ممن حزّب الأحزاب يوم الخندق.
و أرسل «صلى اللّه عليه و آله» مع ابن عتيك أربعة رجال هم: عبد اللّه بن أنيس، و أبو قتادة، و خزاعي بن الأسود، و مسعود بن سنان. و أمرهم بقتله، فقتلوه (1).
و قد تقدم الحديث عن هذه السرية في أوائل الجزء السادس، فراجع.
قالوا: و في شوال من سنة ست، كانت سرية عبد اللّه بن رواحة إلى أسير (أو اليسير) بن رزام (أو رازم) اليهودي بخيبر.
و سببها: أنه لما قتل أبو رافع ابن أبي الحقيق، أمّرت يهود عليها أسيرا هذا، فسار في غطفان و غيرهم يجمع لحرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 12 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 173 و البحار ج 20 ص 13 و 203 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 23 و ج 5 ص 26 و 28 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 222 و ج 9 ص 80 و عن مقدمة فتح الباري ص 288 و عن فتح الباري ج 7 ص 262 و 263 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 408 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 204 و 205 و دلائل النبوة ص 125 و الثقات ج 1 ص 247 و أسد الغابة ج 1 ص 81 و 83 و ج 4 ص 358 و عن الإصابة ج 1 ص 223 و تاريخ المدينة ج 2 ص 465 و 467 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 78 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 184 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و 158 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 541 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 746 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 102 و 104.
ليغزوه في عقر داره بزعمه، فبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؛ فوجه ابن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سرا، فسأل عن خبره، و عربه، ثم رجع، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك. .
فندب «صلى اللّه عليه و آله» الناس، فانتدب مع ابن رواحة ثلاثون رجلا، فساروا إلى أسير، فقالوا له: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثنا إليك لتخرج إليه، يستعملك على خيبر، و يحسن إليك، فاستشار اليهود، فأشاروا عليه بعدم الذهاب، و قالوا: ما كان محمد ليستعمل رجلا من بني إسرائيل.
قال: بلى قد ملّ، الحرب.
فخرج معهم في ثلاثين رجلا من اليهود، مع كل رجل من المسلمين رديفه من اليهود، فلما كانوا بقرقرة ضربه عبد اللّه بن أنيس بالسيف، فسقط عن بعيره، و مالوا على أصحابه فقتلوهم غير رجل، و لم يصب من المسلمين أحد.
ثم قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: قد نجاكم اللّه من القوم الظالمين (1).
و في نص آخر: أن ابن أنيس حمل اليسير على بعيره، فلما صاروا بقرقرة، على ستة أميال من خيبر، ندم اليسير على مسيره إلى رسول اللّه «صلى اللّه
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 15 و السيرة الحلبية ج 3 ص 183 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 111 و 112 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 92 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 596 و عن عيون الأثر ج 2 ص 109.
عليه و آله» ، ففطن به ابن أنيس، و هو يريد السيف، فاقتحم به، فضربه بالسيف، فقطع رجله، و ضربه اليسير بمخرش في يده، فأمّه. .
ثم قتلوه مع أصحابه غير رجل واحد أعجزهم هربا.
فلما قدم ابن أنيس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تفل على شجته، فلم تقح، و لم تؤذه (1).
قال: و قطع لي قطعة من عصاه، فقال: امسك هذه معك، علامة بيني و بينك يوم القيامة، أعرفك بها؟ فإنك تأتي يوم القيامة متخصرا.
فلما دفن عبد اللّه بن أنيس، جعلت معه على جلده، دون ثيابه (2).
و نقول:
إننا نسجل هنا النقاط التالية:
إن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» حين سمع بسعي أسير بن رزام لجمع غطفان لحربه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبادر إلى اتخاذ القرار بمهاجمته، بل أرسل من يتثبت له من هذا الأمر.
فلما تأكد له صحته، بادر لتسديد ضربته الوقائية، التي اقتصرت على
تدمير موقع الخطر دون سواه، فعمل على التخلص من خصوص الساعي في تأليب الناس و جمعهم لحرب المسلمين، و هو ابن رزام نفسه، أما قومه، فلم يردهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . لاحتمال أن يكون لهم عذرهم في الانقياد لأسير، و الانخداع بما كان يقدمه لهم من مبررات. .
و هذا في الحقيقة: إحسان من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و إعطاء الفرصة لهم لإعادة النظر في الأمور بروية و تعقل.
و هذا يدلنا: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن همه إرسال عصابات القتل، و السلب، و النهب في كل اتجاه، كما ربما يراد الإيحاء به، أو التسويق له، بل كان يريد دفع شر الأعداء عن أهل الإسلام، حينما يتضح له بصورة قاطعة أنهم بصدد تسديد ضربتهم للإسلام و المسلمين.
و ما ذكروه لأسير بن رزام: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يستعمله على خيبر، غير ظاهر الوجه، لأن المفروض: أن هذه السرية كانت سنة ست، أي قبل فتح حصون خيبر بمدة طويلة، إلا إذا كان المقصود هو استعماله على حصون خيبر، التي كانت بيد اليهود، و هم لم يكونوا تحت سيطرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
بل كان جعله على خيبر يكون من قبيل تحصيل الحاصل، لأن المفروض حسب زعم الرواية: أن يهود خيبر قد أمّروا أسير بن رزام عليهم بعد قتل ابن أبي الحقيق، فما معنى هذا العرض؟ !
فلعل الصحيح: هو أن هذه السرية قد كانت بعد فتح خيبر، و يكون
اليهود الذين تفرقوا في البلاد، أو أبقاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليعملوا في أرض خيبر قد جعلوا عليهم ابن رزام، فسعى لنقض العهد، و جمع الجموع لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فجاءه ابن رواحة في ثلاثين رجلا، و كان ما كان، من تطميعه بالولاية على خيبر من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . ثم انتهى الأمر بقتله، و قتل من معه. .
و أبقي «صلى اللّه عليه و آله» اليهود على أعمالهم في خيبر؛ لأنهم لم يشاركوا ابن رزام في مساعيه. .
و لعل هذا أولى بالقبول من القول: بأن القضية قد حصلت قبل خيبر، و أن المقصود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يجعله على غطفان، و غيرها من القبائل الساكنة في تلك المناطق.
أو أنهم أرادوا طمأنته إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأبى من أن يكون أميرا على خيبر، بل هو يعطيه أيضا تفويضا بذلك، و يستعمله عليها، فقبل ابن رزام، المتوجس خيفة من الحرب ذلك منهم، لأنه رأى أنه قد ضمن السلام و السلامة، و أبعد عن مخيلته شبح الحرب، و كابوسها المخيف و المرعب الذي رأى بعض فصوله في حروب المسلمين مع بني قينقاع، و النضير، و مع المشركين في بدر و في أحد.
و قد يهوّن عليه تصديق هذه المقولة: ما دخل في وهمه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ملّ الحرب (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 183.
و لكن في نص آخر قال أسير بن رزام: «بلى قد مللنا الحرب» (1).
و هذا يؤيد: أنه كان يريد أن يتخلص من شبح الحرب، التي ملها الناس من حوله.
و في جميع الأحوال نقول: إن الأرجح هو أن تكون هذه السرية قد حصلت بعد فتح خيبر حسبما أوضحناه.
و ذكروا: أنهم حين ساروا برفقة أسير بن رزام «حمل عبد اللّه بن أنيس أسير بن رزام على بعيره، قال عبد اللّه بن أنيس: فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار، و ندم أسير، و أهوى بيده إلى سيفي، ففطنت له، و دفعت بعيري، و قلت: أغدرا أي عدو اللّه؟ !
فدنوت منه لأنظر ما يصنع، فتناول سيفي. فغمزت بعيري، و قلت: هل من رجل ينزل يسوق بنا؟ !
فلم ينزل أحد.
فنزلت عن بعيري، فسقت بالقوم، حتى انفرد لي أسير، فضربته بالسيف، فقطعت مؤخرة الرجل، و اندرت عامة فخذه و ساقه، و سقط عن بعيره، و في يده مخرش الخ. .» (2).
و نقول:
إن هذا النص و أمثاله على درجة كبيرة من الغموض بل هو موضع شك و ريب أيضا. . فإنه إذا كان ابن أنيس قد فطن لغدر ابن رزام، و صرح فعله عن غدره هذا، فمن المتوقع أن يحتاط أسير لنفسه، و يتباعد عن مرافقه، و يفر منه، و أن يعلن عزمه على العودة من مسيره ذاك.
و من جهة ثانية، نقول:
قد روي أن قتل أسير كان على يد عبد اللّه بن رواحة فراجع (1).
و من جهة ثالثة، نقول:
كيف لم يسمع أحد من المرافقين، و هم ما يقرب من ستين رجلا ما قاله ابن أنيس لرفيقه؟ . .
كما لم يروا ما دار بينهما من تجاذب للسيف! ! و ثمة أسئلة أخرى تحتاج إلى الإجابة هنا، و هي التالية:
كيف صار اليهود ردفاء للمسلمين؟ ! ألم يكن لدى ذلك الرئيس المطاع أعني أسير بن رزام و لدى سائر من معه، خيل، أو إبل يركبونها، حتى احتاجوا إلى الارتداف خلف أناس، كانوا إلى ما قبل ساعة يسعون لجمع الناس لحربهم؟ ! .
و هل فكر أولئك اليهود الرؤساء بكيفية رجوعهم، من مسيرهم ذاك؟ و هل سوف يرجعون سيرا على الأقدام؟ أم على الخيل؟ أم على الإبل؟ !
و على أية خيل أو إبل سيعودون إلى بلادهم؟ .
1) البداية و النهاية ج 4 ص 252 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 418.
و إذا لم يكن هناك ارتداف و كان كل واحد منهم يركب بعيره الخاص به، فكيف وصلت يد أسير بن رزام إلى سيف ابن أنيس؟ .
و هل جاء ابن رواحة و من معه في مهمتهم تلك على الخيل؟ أم على الإبل؟
فإن كانوا جاؤوا على الخيل، فمن أين جاءت الإبل؟ و إن كانوا جاؤوا على الإبل، فهل الإبل هي المراكب المناسبة لمهمات كهذه؟ .
و عن قصة قتل ابن أبي الحقيق نقول:
قد تقدم: أن ابن عتيك هو الذي قتله، و قد أصيب ابن عتيك، و بانت يده فمسح النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليها فلم تكن تعرف من اليد الأخرى (1).
و عن قصة العصا التي أعطاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابن أنيس، نقول:
أولا: إن نفس هذه الدعوى قد ادّعاها ابن أنيس لنفسه في قضية قتل سفيان بن خالد، حيث زعم: أنه هو الذي أنجز هذه المهمة، و أعطاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» العصا ليعرفه بها، ثم جعلها بين كفنه و جلده. .
فهل تكررت هذه الواقعة كما يحلو للبعض أن يتخيل؟ !
فإن كان الأمر كذلك، فإن نفس الحلبي الشافعي ربما تتشوق للسؤال
1) البحار ج 10 ص 46 و ج 17 ص 294 و ج 20 ص 303 و راجع أيضا: مسند أبي يعلى ج 2 ص 206 من له رواية في مسند أحمد ص 241 و غير ذلك.
عن حكمة تكرير ذلك له، و تخصيصه بهذه المنقبة دون بقية الصحابة.
ثانيا: لا ندري لماذا يحتاج ابن أنيس إلى علامة تعرّف النبي «صلى اللّه عليه و آله» به! ! فهل يحتاج النبي حقا في معرفته لابن أنيس إلى علامة؟ !
و لماذا لا يعرفه إذا رآه، من حيث إنه يحفظ صورة وجهه في ذاكرته؟ !
أم أن ذاكرته «صلى اللّه عليه و آله» سوف تضعف حين يدخله اللّه الجنة؟ !
و إذا كان الأمر كذلك، فما هي العلامات التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يعرف بها نساء أصحابه.
إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تحتاج إلى جواب. .
قالوا: و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن حارثة إلى مدين، فأصاب سبيا من أهل ميناء، و هي السواحل، فبيعوا، ففرقوا بين الأمهات و أولادهن. فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم يبكون، فقال: ما لهم؟ !
فأخبر خبرهم.
فقال: لا تبيعوا إلا جميعا (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 15 و السيرة الحلبية ج 3 ص 183 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 96 و دعائم الإسلام ج 2 ص 60 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1051 و عن عيون الأثر ج 2 ص 106.
و نقول:
إن لنا تحفظا على هذه السرية، يتلخص في أن «مدين» هي قرية شعيب، و قد سميت باسم مدين بن إبراهيم، و كان بينها و بين مصر ثمان مراحل (1). و لكنها لم تكن في سلطة فرعون.
و في معجم ما استعجم: أنها بلد بالشام، معلوم، تلقاء غزة. و هو منزل جذام، و شعيب النبي المبعوث إلى أهل مدين أحد بني وائل، من جذام (2).
و السؤال هو:
كيف استطاع زيد أن يخترق كل تلك التجمعات السكانية، و كانت كلها معادية له و لدينه، و يقطع هذه المئات من الأميال، و لا يعارضه أحد من أهل الشرك و الكفر، الذين كانوا في تلك المفاوز و القفار النائية، و التي قد يكون لقيصر الروم حساسية خاصة تجاه غزوها، كما ظهر في قضية غزوة مؤتة.
ثم هو يحارب أهل مدين، و يأسر النساء و الأطفال من أهل ميناء، ثم لا ينجد هؤلاء المنكوبين أحد من أهل نحلتهم، و من هم على دينهم. .
إننا، و إن كنا لا نستطيع أن نعتبر هذه التساؤلات دليلا قاطعا على النفي، و لكنها ترشد إلى لزوم التريث في الحكم القاطع بصحة هذه النقولات.
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بعدم التفريق بين الأم و ولدها في البيع. و الذي نريد أن نوجه النظر إليه هو:
أن هناك اختلافا في النظرة إلى هذا الكائن الإنساني، و في مبررات تكريمه، أو إهانته، ينشأ عنها اختلاف في التعامل معه في هذا الاتجاه أو ذاك أيضا.
فقد تعطى القيمة للإنسان على أساس العصبيات العرقية أو القومية، و قد تبنى العلاقة بالإنسان على أساس المنفعة و المصلحة، أو اللذة العاجلة. و ما إلى ذلك. .
و هناك من يعطي القيمة للإنسان استنادا إلى مجرد كونه كائنا بشريا و حسب.
و لكن القيمة في الإسلام تستند إلى عنصرين أساسيين:
أحدهما: كونه بشرا و نظيرا لك في الخلق.
و الثاني: كونه أخا لك في الدين.
و فقد أحد هذين العنصرين لا يلغي الحق الثابت له من خلال توفر العنصر الآخر. . و إن اختلفت طبيعة هذا الحق الثابت، بالنسبة إلى كل واحد منهما. .
و على هذا الأساس نقول:
إنه إذا فقد الالتزام الديني لدى الإنسان، و اتجه نحو ممارسة العدوان، فإن ذلك، و إن كان يسلبه الحق الذي ينشأ عن الالتزام الديني، و لكنه لا يستطيع أن يسقط الحق الثابت له بالاستناد إلى بشريته، و إلى نوع خلقته و تكوينه.
فمن يؤسر أو يسبى، نتيجة ظروف الصراع معه، من أجل امتلاك حرية
التدين التي يسعى لسلبها منك، و إن كان يحرم الحقوق التي تثبتها الأخوة الدينية، و لكن الحقوق التي يثبتها له كونه نظيرا في الخلق، لا يمكن إسقاطها. .
و لذلك نهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن التفريق بين الأم و ولدها، و فرض أن لا يباعا إلا جميعا، حسبما تقدم.
و لهذا نقول:
إن نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن هذا التفريق ليس مجرد قرار شخصي، أو نتيجة توهج عاطفي، بل هو حكم إلهي مستند إلى مبرراته الموضوعية، و ينطلق من طبيعة النظرة إلى الحقوق، و إلى مناشئها. .
و في شهر رمضان من سنة ست استسقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل المدينة فمطروا، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أصبح الناس مؤمنا باللّه، كافرا بالكواكب.
و ذلك لأن الناس كانوا قد قحطوا، فطلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يستسقي لهم، فخرج، و معه الناس يمشون بالسكينة و الوقار، إلى المصلى، فصلى بهم ركعتين، يجهر بالقراءة فيهما، و قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و سبح اسم ربك الأعلى، و الثانية بفاتحة الكتاب، و هل أتاك حديث الغاشية. .
ثم استقبل الناس بوجهه، و قلب رداءه، لكي ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، و رفع يديه، و كبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: اللهم اسقنا و أغثنا غيثا مغيثا، و حياء ربيعا. . الخ. .
فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبع أيام بلياليهن، فأتاه المسلمون، و قالوا: يا رسول اللّه، قد غرقت الأرض، و تهدمت البيوت، و انقطعت السبل، فادع اللّه تعالى أن يصرفها عنا.
فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو على المنبر حتى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة بني آدم. ثم رفع يديه، ثم قال:
حوالينا، و لا علينا، اللهم على رؤوس الظراب، و منابت الشجر، و بطون الأودية، و ظهور الآكام.
فتصدعت عن المدينة حتى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط، تمطر مراعيها، و لا تمطر فيها قطرة (1).
ثم قال: للّه أبو طالب، لو كان حيا لقرت عيناه، من الذي ينشدنا قوله! فقام علي «عليه السلام» ، فقال: يا رسول اللّه، كأنك أردت:
و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في نعمة و فواضل
كذبتم و بيت اللّه يردى محمدو لما نقاتل دونه و نناضل
و نسلمه حتى نصرع حولهو نذهل عن أبنائنا و الحلائل
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أجل.
فقام رجل من كنانة يترنم، و يذكر هذه الأبيات:
لك الحمد و الشكر ممن شكرسقينا بوجه النبي المطر
دعا اللّه خالقنا دعوةإليه و أشخص منه البصر
و لم يك إلا كقلب الرداءو أسرع حتى رأينا المطر
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 14 و راجع: مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 82 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 92 و 431 و عن فتح الباري ج 2 ص 425 و 426 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 440 و 444 و السيرة الحلبية ج 3 ص 234 و بحار الأنوار ج 20 ص 300 و الأحاديث الطوال ص 71 و كتاب الدعاء للطبراني ص 597 و راجع: المعجم الأوسط ج 7 ص 321.
دفاق الغرائل جم البعاقأغاث به علينا مضر
و كان كما قاله عمهأبو طالب أبيض ذو غرر
به اللّه يسقيه صوب الغمامو هذا العيان لذاك الخبر
فمن يشكر اللّه يلق المزيدو من يكفر اللّه يلق العبر (1)
و نقول:
إن لنا ههنا وقفات، هي التالية:
إن مراجعة النصوص التاريخية يفيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد استسقى أكثر من مرة، إحداها حين رجع من تبوك في سنة تسع، بطلب من وفد بني فزارة (2).
و سيأتي الحديث عنها في موضعه إن شاء اللّه تعالى، و بيان ما فيها من روايات مكذوبة تضمنت التجسيم، و نسبة الضحك إلى اللّه سبحانه، و غير ذلك من أكاذيب، و ترهات و أباطيل، و فيها أيضا الكثير من الجرأة و الوقاحة،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 14 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 440 و 441 و السيرة الحلبية ج 3 ص 232 و 235 و أمالي المفيد ص 305.
2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 143 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 92 و ج 1 ص 297. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و البداية و النهاية ج 6 ص 105 و 96 و ج 5 ص 103 و عن فتح الباري ج 2 ص 420 و عن عيون الأثر ج 2 ص 306 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 171.
فيما ينسبونه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه تنبأ بأن أبا لبابة يقوم عريانا، يسد ثعلب مربده و غير ذلك. .
و اللافت هنا: أن الناس حين استمر المطر أسبوعا كاملا طلبوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أن يدعو اللّه بأن يكف بعضا من ذلك عنهم، فدعا اللّه بقوله: «اللهم حوالينا و لا علينا» ، فانجابت السحابة عن المدينة، و استمر المطر ينهمر على أطرافها. .
و تحكى هذه الحادثة في مختلف وقائع الاستسقاء، التي رويت. . و هي شاهد على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استجاب لهم، و تصدى للتصرف في أمور التكوين، و لكن بطريقة الطلب من اللّه تعالى، فجاءت الاستجابة الإلهية متوافقة مع إرادته «صلى اللّه عليه و آله» . و لتكن هذه القضية شاهدا لما اصطلح عليه العلماء، بالولاية التكوينية للمعصوم، و التي تعني أن تكون إرادته «عليه السلام» في سلسلة العلل لحدوث أمثال هذه الأمور.
و قد أوضحنا هذا الأمر في كتابنا خلفيات كتاب مأساة الزهراء «عليها السلام» ، فيمكن للقارئ أن يرجع إليه و يطلع عليه. .
و قد ذكرت بعض الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين استسقى رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، و دعا. . و كان لا يرفع يديه في
شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء (1).
و نقول:
أولا: إن رواية الاستسقاء التي تقدم ذكرها لم تذكر: هل أنه «صلى اللّه عليه و آله» في الركعة الأولى قد كبر بعد قراءة الحمد و السورة خمس تكبيرات، و قنت خمس قنوتات، و لا أنه قد كبر في الركعة الثانية أربع تكبيرات و قنت أربع قنوتات، مع أن هذا هو ما يميز هذه الصلاة عما عداها، لأنها ليست مجرد ركعتين كصلاة الصبح، و لا شيء أكثر من ذلك.
ثانيا: إن الأحاديث دلت على أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان يرفع يديه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 232 و مسند أحمد ج 2 ص 370 و ج 3 ص 181 و سنن الدارمي ج 1 ص 361 و عن صحيح البخاري ج 2 ص 21 و ج 4 ص 167 و صحيح مسلم ج 3 ص 24 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 260 و سنن النسائي ج 3 ص 158 و 249 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 327 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 210 و 357 و شرح صحيح مسلم ج 6 ص 190 و عن فتح الباري ج 2 ص 342 و 422 و شرح سنن النسائي ج 3 ص 158 و الديباج على مسلم ج 2 ص 469 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 232 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 370 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 311 و 333 و 339 و 347 و 399 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 333 و ج 3 ص 147 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 113 و كتاب الدعاء ص 595 و سنن الدارقطني ج 2 ص 55 و 63 و نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص 177 و إرواء الغليل ج 3 ص 141 و عن الكامل ج 6 ص 373 و تاريخ بغداد ج 2 ص 74 و تاريخ مدينة دمشق ج 52 ص 15 و تهذيب الكمال ج 24 ص 389 و سير أعلام النبلاء ج 13 ص 253 و ذكر أخبار أصفهان ج 1 ص 141 و البداية و النهاية ج 6 ص 100.
في الدعاء كثيرا، و قد ذكر الصالحي الشامي أنه يوجد في صحيحي البخاري و مسلم، أو في أحدهما: نحو ثلاثين حديثا صرح بذلك (1). . فكيف بما في غيرهما من كتب الحديث و السيرة؟ !
و قد ذكر الشهرستاني: أنه لما أصاب أهل مكة ذلك الجدب العظيم، و أمسك السحاب عنهم سنتين أمر عبد المطلب ولده أبا طالب أن يحضر المصطفى «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو رضيع في قماط. فوضعه على يديه، و استقبل الكعبة، و رماه إلى السماء، و قال: يا رب، بحق هذا الغلام (2).
و رماه ثانيا و ثالثا، و كان يقول: بحق الغلام، اسقنا غيثا مغيثا، دائما هاطلا.
فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء، و أمطر حتى خافوا على المسجد.
و أنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي، الذي منه:
و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل
ثم ذكر أبياتا من القصيدة (3).
و لكن من يلاحظ لامية أبي طالب يجد أنها تشير إلى أحداث وقعت بعد نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . الأمر الذي يدل على أنه رحمه اللّه لم ينظمها دفعة واحدة، بل هو قد نظم بعض مقاطعها في زمن أبيه عبد المطلب، ثم أتمها في أزمنة لاحقة، بعد بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
هذا. . و قد روي: أن أبا طالب استسقى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا في صغره، لما تتابعت عليهم السنون، فأهلكتهم، فخرج به «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي قبيس، و طلب السقيا بوجهه، فسقوا، فقال يمدحه «صلى اللّه عليه و آله» :
و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة الأرامل (1)
و الظاهر: أنه كرر إنشاد هذه الأبيات، بعد أن كان قد قالها حين استسقاء عبد المطلب به.
و روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة، قال: «قدمت مكة، و قريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات و العزى.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 489 عن ابن سعد، و الطبراني، و شرح الأخبار ج 3 ص 223 و أمالي المفيد ص 304 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 59 و العمدة ص 412 و الطرائف ص 301 و الصراط المستقيم ج 1 ص 334 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 495 و حلية الأبرار ج 1 ص 84 و البحار ج 19 ص 3 ص 255 و ج 35 ص 166 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 53 و أبو طالب حامي الرسول ص 106 و 108 و 111 و الغدير ج 7 ص 339.
و قائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى.
فقال شيخ و سيم، حسن الوجه، جيد الرأي: أنى تؤفكون، و فيكم بقية إبراهيم، و سلالة إسماعيل؟ !
قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟
قال: إيها.
فقاموا بأجمعهم، وقمت معهم، فدققنا عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به، فثاروا إليه، فقالوا: يا أبا طالب، أقحط الوادي، و أجدب العيال! فهلم فاستسق لنا! !
فخرج أبو طالب، و معه غلام، كأنه شمس دجنة، تجلت عليه سحابة قتماء، و حوله أغيلمة. فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، و ما في السماء قزعة. فأقبل السحاب من ههنا و ههنا، فأغدق و اغدودق، و انفجر له الوادي، و أخصب النادي و البادي.
و في ذلك يقول أبو طالب:
و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة الأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في نعمة و فواضل
و قال ابن سعد: حدثنا الأزرق، حدثنا عبد اللّه بن عون، عن عمرو بن سعيد: أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، يعني النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يابن أخي قد عطشت. و ما قلت له ذلك، و أنا أرى عنده شيئا إلا الجزع، قال: فثنى وركه.
ثم قال: يا عم عطشت؟
قلت: نعم.
فأهوى بعقبه إلى الأرض، فإذا أنا بالماء، فقال: اشرب، فشربت.
و له طرق أخرى، رواها الخطيب، و ابن عساكر» (1).
و قد صرحت الروايات أيضا: بأن عمر بن الخطاب استسقى بعد وفاة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و توسل بالعباس عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه غيره من بني هاشم، و طلب العباس من الناس أن لا يخالطوهم و قال مخاطبا عمر بن الخطاب: «لا تخلط بنا غيرنا» .
فكان من دعاء عمر بن الخطاب في الاستسقاء قوله: اللهم إنا توجهنا (أو نتوسل، أو نتقرب) إليك بعم نبيك (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 137 و راجع: إرشاد الساري ج 2 ص 227 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 119 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 و السيرة الحلبية ج 1 و المواهب اللدنية ج 1 ص 48 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 86 و 124 و الغدير ج 7 ص 346 عن أكثر من تقدم و عن طلبة الطالب ص 42 و أبو طالب حامي الرسول ص 183 و 184.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 7 ص 274 و ج 14 ص 51 و اقتضاء الصراط المستقيم ص 338 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 334 و مآثر الأنافة ج 1 ص 91 و فتح الباري ج 2 ص 411 و 412 و 413 و كنز العمال ج 16 ص 120 و 123 و 124 و 30 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 279 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 99 و تذكرة الفقهاء ج 1 ص 167 و الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 256 و البيان و التبيين ج 3 ص 279 و ذخائر العقبي ص 200 و 236 و الأغاني ج 11 ص 81 و العقد الفريد ج 4 ص 64 و النهاية لابن الاثير ج 2 ص 33 و ج 4 ص 94 و الأسماء و الصفات للبيهقي ج 1 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 319 و ج 4 ص 19 و ج 3 قسم 1 ص 232 و ج 5 ص 107 و ربيع الأبرار ج 1 ص 119 و 134 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 3 ص 182 و الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 380 و أسد الغابة ج 3 ص 111 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 94 و السيرة الحلبية ج 2 ص 52 و ينابيع المودة ص 306 و السنن الكبرى ج 3 ص 352 و الرصف للعاقولي ص 400 و عن البحار ج 2 ص 34 و ج 5 ص 25 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 538 و تأويل مختلف الأحاديث ص 235 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 338 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 111 و المعجم الأوسط ج 3 ص 49 و الفائق في غريب الحديث ج 3 ص 115 و الدرجات الرفيعة ص 96 و تاريخ خليفة بن خياط ص 96 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 355 و 356 و 358 و 359 و 361 و 363 و تهذيب الكمال ج 14 ص 228 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 91 و 93 و 97 و تاريخ المدينة ج 2 ص 738 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 150 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 103.
و ذلك كله، و كثير سواه يوضح لنا: أن مشروعية التوسل بالأنبياء، و الأولياء «عليهم السلام» كانت من المرتكزات الأولية لدى المسلمين، يعرفها الكبير و الصغير فيهم، فلا معنى و لا مبرر لمكابرة أهل الباطل، و خصوصا الناصبة منهم، بالإصرار على المنع من ذلك، و اعتباره شركا أو كفرا! !
و بعد. . فإن الكل يعلم: أن من يعاشر إنسانا مدة طويلة، و يطلع على حالاته المختلفة، و يتلمس فيه الضعف و القوة، و المرض، و الصحة، و الملالة،
و الضجر، و الأريحية و الانشراح، و الحزن، و السرور.
و يراه في حالات الغضب و الرضا، و التبذل و الترسل، و الانقباض، و الانبساط، و الجدية، و الترسم، و اللعب، و اللهو، و العمل، و المثابرة، و النشاط، و الكسل، و الفراغ، و الشغل، و ما إلى ذلك، فإن كل من يرى هذه الحالات في إنسان ما، سوف تتضاءل و تنكمش، و قد تتلاشى و تندثر الهالة التي ربما تبهر الناس في ذلك الإنسان، حتى إنه قد لا يبقى لديه سوى بعض الإعجاب بلفتة جمال هنا، أو بلمحة ذكاء هناك! !
و لكن الأمر بالنسبة لأبي طالب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان مختلفا تماما، فقد كان اطلاع أبي طالب على جميع أحوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أدق خصوصياته يزيد من درجات تقديسه له، و يضاعف مراتب إعجابه به، و انبهاره بأنوار حقيقته، و تجليات فضائله، و ميزاته، إلى الحد الذي يجعل ذلك الشيخ الكبير يرى هذا الفتى اليافع وسيلته إلى اللّه و شفيعه، الذي يبلغه حاجاته، و رائده و قائده، و مثله الأعلى، حتى إنه ليستسقي به مرة بعد أخرى، و ينشئ به قصيدته اللامية التي بهرت بأنوارها الساطعة، و بلألائها اللامع كل من سمعها، أو قرأها. بل هي قد أخذت بمجامع القلوب، و هيمنت على المشاعر، و أنست بباهر أنوارها حتى القلوب التي غرقت في ظلمات النصب و الانحراف عن بني هاشم، و كل من له بهم أدنى صلة أو رابطة، حتى إن ابن كثير يصف هذه القصيدة العصماء، بقوله:
«قلت: هذه قصيدة عظيمة، بليغة جدا، لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه. و هي أفحل من المعلقات السبع، و أبلغ في تأدية المعنى فيها
جميعها إلخ. .» (1).
و بعد، فإن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : للّه در أبي طالب: إنما يريد به أن در أبي طالب و عطاءه هذا، كان خالصا للّه تعالى.
و هو كلام فيه المزيد من الثناء، و التأكيد على صحة ما رتبه عليه من نتيجة، و هي أن أبا طالب لو كان حيا لقرت عيناه برؤية استجابة اللّه دعاء نبيه، و ظهور المعجزة على يديه.
و هذا يدل على حرص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن تقر عين أبي طالب حتى و هو في قبره، بظهور الإيمان و الإسلام على أهل الشرك و الإلحاد و الطغيان.
و ما دام أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحب لهذه القصيدة أن تذكر في محافل أهل الإيمان، فإنني أحب أن أثبتها هنا: ليرغم بها أنف الشانئ و الناصب، و لتقر بها عين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عين أبي طالب، و عين ابنه أسد اللّه الغالب. و عين من هو لشفاعته طالب، و القصيدة هي التالية:
خليلي ما أذني لأول عاذلبصغواء في حق و لا عند باطل
خليلي إن الرأي ليس بشركةو لا نهنه عند الأمور التلاتل
و لما رأيت القوم لا ود فيهمو قد قطعوا كل العرى و الوسائل
و قد صارحونا بالعداوة و الأذىو قد طاوعوا أمر العدو المزايل
و قد حالفوا قوما علينا أظنّةيعضون غيظا خلفنا بالأنامل
1) البداية و النهاية (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1413 ه) ج 3 ص 74.
صبرت لم نفسي بسمراء سمحةو أبيض عضب من تراث المقاول
و أحضرت عند البيت رهطي و إخوتيو أمسكت من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجهلدى حيث يقضي نسكه كل نافل
و حيث ينيخ الأشعرون (1)ركابهمبمفضى السيول من أساف و نائل
موسّمة الأعضاد أو قصراتهامحبّسة بين السّديس و بازل
ترى الودع فيها و الرّخام و زينةبأعناقها معقودة كالعثاكل (2)
أعوذ برب الناس من كل طاعنعلينا بسوء أو ملح بباطل
و من كاشح يسعى لنا بمعيبةو من ملحق في الدين ما لم نحاول
و ثور و من أرسى ثبيرا مكانهو راق ليرقى في حراء و نازل
و بالبيت ركن البيت من بطن مكةو باللّه إن اللّه ليس بغافل
و بالحجر المسود إذ يمسحونهإذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل
و موطئ إبراهيم في الصخرة وطأةعلى قدميه حافيا غير ناعل
و أشواط بين المروتين إلى الصفاو ما فيهما من صورة و تماثل
و من حج بيت اللّه من كل راكبو من كل ذي نذر من كل راجل
و بالمعشر الأقصى إذا عمدوا لهألال إلى مفضى الشراج القوابل
و توقافهم فوق الجبال عشيةيقيمون بالأيدي صدور الرواحل
و ليلة جمع و المنازل في منىو ما فوقها من حرمة و منازل
و جمع إذا ما المقربات أجزنهسراعا كما يفزعن (1)من وقع وابل
و بالجمرة الكبرى إذا صمدوا لهايأمون قذفا رأسها بالجنادل
و كندة إذ ترمي الجمار عشيةتجيز بها حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما احتلفا لهو ردا عليه عاطفات الذلائل
و حطمهم سمر الرماح مع الظبىو إنقاذهم ما ينتقي كل نابل
و مشيهم حول البسال و سرحهو سلميّه و خد النعام الجوافل (2)
فهل فوق هذا من معاذ لعائذو هل من معيذ يتقي اللّه عادل
يطاع بنا أمر العداودّ أننايسد بنا أبواب ترك و كابل
كذبتم و بيت اللّه نترك مكةو نظعن إلاّ أمركم في بلابل
كذبتم و بيت اللّه نبزى (3)محمداو لما نطاعن دونه و نناضل
أبيت بحمد اللّه ترك محمدبمكة أسلمه لشر القبائل
و قال لي الأعداء قاتل عصابةأطاعوه، و ابغه جميع الغوائل
نقيم على نصر النبي محمدنقاتل عنه بالظبي و العواسل (4)
و نسلمه حتى نصرع حولهو نذهل عن أبنائنا و الحلائل
و ينهض قوم بالحديد إليكمنهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
و حتى نرى ذا الضغن يركب ردعه (1)من الطعن فعل الأنكب المتحامل
و إنا لعمر اللّه إن جد ما أرىلتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفي فتى مثل الشهاب سميدعأخي ثقة حامي الحقيقة باسل
شهورا و أياما و حولا مجرما (2)علينا و تأتي حجة بعد قابل
و ما ترك قوم-لا أبا لك-سيدايحوط الذمار غير ذرب مواكل
و أبيض يستسقى الغمام بوجههثمال (3)اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في رحمة و فواضل
لعمري لقد أجرى أسيد و بكره (4)إلى بغضنا إذ جزآنا لآكل
جزت رحم عنا أسيدا و خالداجزاء مسيء لا يؤخر عاجل
و عثمان لم يربع علينا و قنفذو لكن أطاعا أمر تلك القبائل
أطاعا أبيا و ابن عبد يغوثهم (5)و لم يرقبا فينا مقالة قائل
كما قد لقينا من سبيع و نوفلو كل تولى معرضا لم يجامل
فإن يلفيا أو يمكن اللّه منهمانكل لهما صاعا بصاع المكايل
و ذاك أبو عمرو أبى غير بغضناليظعننا في أهل شاء و جامل (1)
يناحي بنا في كل ممسى و مصبحفناج أبا عمرو بنا، ثم خاتل
و يؤلي لنا باللّه ما إن يغشنابلى قد تراه جهرة غير حائل
أضاق عليه بغضنا كلّ تلعةمن الأرض بين أخشب فمجادل (2)
وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنابسعيك فينا معرضا كالمخاتل
و كنت امرءا ممن يعاش برأيهو رحمته فينا و لست بجاهل
فلست أباليه على ذات نفسهفعش يا بن عمي ناعما غير ماحل
و عتبة لا تسمع بنا قول كاشححسود كذوب مبغض ذي دغاول
و قد خفت إن لم تزدجرهم و ترعوواتلاقي و نلقى منك إحدى البلابل
و مر أبو سفيان عني معرضاكما مر قيل من عظام المقاول
يفر إلى نجد و برد مياههو يزعم إني لست عنهم بغافل
و أعلم أن لا غافل عن مساءةكذاك العدو عند حق و باطل
فميلوا علينا كلكم إن ميلكمسواء علينا و الرياح بهاطل
يخبرّنا فعل المناصح أنهشفيق و يخفي عارمات الدواخل
أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدةو لا عند تلك المعظمات الجلائل
و لا يوم خصم إذ أتوك ألدةأولى جدل مثل الخصوم المساجل
أمطعم إن القوم ساموك خطةو إني متى أوكل فلست بوائل (1)
جزى اللّه عنا عبد شمس و نوفلاعقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرةله شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوابني خلف قيضا بنا و الغياطل
و نحن الصميم من ذؤابة هاشمو آل قصي في الخطوب الأوائل
و كان لنا حوض السقأية فيهمو نحن الذرى منهم و فوق الكواهل
فما أدركوا زحلا و لا سفكوا دماو ما خالفوا إلا شرار القبائل
بني أمة مجنونة هندكيةبني جمح عبيد قيس بن عاقل
و سهم و مخزوم تمالوا و ألبواعلينا العدى من كل طمل و خامل
و حث بنو سهم علينا عديّهمعدي بن كعب فاحتبوا في المحافل
يعضّون من غيظ علينا أكفهمبلا ترة بعد الحمى و التواصل
و شأيظ كانت في لؤي بن غالبنفاهم إلينا كل صقر حلاحل
و رهط نفيل شر من وطأ الحصىو ألأم حاف من معد و ناعل
فعبد مناف أنتم خير قومكمفلا تشركوا في أمركم كل واغل
فقد خفت إن لم يصلح اللّه أمركمتكونوا كما كانت أحاديث وائل
1) الوائل: الملتجي.
لعمري لقد وهّنتم و عجزتمو جئتم بأمر مخطئ للمفاصل
و كنتم حديثا حطب قدر فأنتمألان حطاب أقدر و مراجل
ليهن بني عبد المناف عقوقهاو خذلانها و تركها في المعاقل
فإن يك قوم سرهم ما صنعتمستحتلبوها لقحة غير باهل
فأبلغ قصيا أن سينشر أمرناو بشّر قصيا بعدنا بالتخاذل
و لو طرقت ليلا قصيا عظيمةإذن ما لجأنا دونهم في المداخل
و لو صدقوا ضربا خلال بيوتهملكنا أسى عند النساء المطافل
فإن تك كعب من لؤي تجمعتفلا بد يوما مرة من تزايل
و إن تك كعب من كعوب كبيرةفلا بد يوما أنها في مجاهل
و كنا بخير قبل تسويد معشرهم ذبحونا بالمدى و المقاول
فكل صديق و ابن أخت نعدهلعمري وجدنا غبّه غير طائل (1)
سوى أن رهطا من كلاب بن مرةبراء إلينا من معقّة خاذل
بني أسد لا تطرقنّ على القذىإذا لم يقل بالحق مقول قائل
و نعم ابن أخت القوم غير مكذبزهير حساما مفردا من حمائل
أشمّ من الشّم البهاليل ينتميإلى حسب في حومة المجد فاضل
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمدو إخوته دأب المحب المواصل
1) لعمري وجدنا عيشه غير زائل. خ-ل.
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلهاو زينا على رغم العدو المخابل (1)
فمن مثله في الناس أي مؤملإذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائشيوالي إلها ليس عنه بغافل
و أيده رب العباد بنصرهو أظهر دينا حقه غير زائل
فو اللّه لولا أن أجيء بسبةتجر على أشياخنا في المحافل
لكنا تبعناه على كل حالةمن الدهر جدا غير قول التهازل
و داستكم منا رجال أعزةإذا جردوا أيمانهم بالمناصل
لقد علموا أن ابننا لا مكذبلدينا و لا يعنى بقول الأباطل
رجال كرام غير ميل نماهمإلى العز آباء كرام المخاصل (2)
وقفنا لهم حتى تبدد جمعهمو حسّر عنا كل باغ و جاهل
شباب من المطّلّبين و هاشمكبيض السيوف بين أيدي الصياقل
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهمضواري أسود فوق لحم خرادل
و لكننا نسل كرام لسادةبهم يعتلي الأقوام عند التطاول
سيعلم أهل الضغن أيي و أيهميفوز و يعلو في ليال قلائل
و أيهم مني و منهم بسيفهيلاقي إذا ما حان وقت التنازل
و من ذا يمل الحرب مني و منهمو يحمد في الآفاق في قول قائل
فأصبح منا أحمد في أرومةتقصر منها سورة المتطاول
كأني به فوق الجياد يقودهاإلى معشر زاغوا إلى كل باطل
وجدت بنفسي دونه و حميتهو دافعت عنه بالذرى و الكلاكل
و لا شك أن اللّه رافع أمرهو معليه في الدنيا و يوم التجادل
كما قد أري في اليوم و الأمس جدهو والده رؤياهما خير آفل (1)
1) راجع المصادر التالية لتجد أكثر هذه القصيدة، أو بعض أبياتها: خزانة الأدب للبغدادي ج 2 ص 59-75 و الروض الأنف ج 1 ص 174-180 و بحار الأنوار ج 35 ص 165-167 و الغدير ج 7 ص 338-340 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 172-176 و البداية و النهاية ج 3 ص 53-57 و ديوان شيخ الأبطح أبي طالب للمهزمي العبدي ص 2-12 و الدرة الغراء ص 120- 135، و راجع: سيرة ابن إسحاق ص 156 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 319 و 320 و الملل و النحل للشهرستاني ج 2 ص 249 و إيمان أبي طالب ص 18-22 و 37 و إرشاد الساري ج 2 ص 27 و الحماسة لابن الشجري ص 17 و 18 و بلوغ الإرب للآلوسي ج 1 ص 326 و 327 و الحجة ص 298 و تاريخ الإسلام للذهبي، و مجمع البيان ج 4 ص 288 و زهرة الأدباء للنقدي و التبيان ج 3 ص 108 و الكافي ج 1 ص 449 و غير ذلك كثير.
الباب الأول: حتى بيعة الرضوان الباب الثاني: عهد الحديبية. . وقائع و آثار الباب الثالث: سرايا و قضايا بين خيبر و الحديبية الباب الرابع: دعوة ملوك الأرض
الفصل الأول: من المدينة. . إلي عسفان الفصل الثاني: من عسفان. . إلي الحديبية الفصل الثالث: حابس الفيل. . و حقوق الحيوان الفصل الرابع: تعمد صنع المعجزة الفصل الخامس: اتصالات. . و مداولات الفصل السادس: عثمان في مكة
الحديبية بتخفيف الياء، تصغير حدباء، و هي اسم بئر أو شجرة، سمي باسمها المكان الذي تقع فيه، قرية قريبة من مكة، أكثرها واقع في الحرم، و هناك المسجد المعروف بمسجد الشجرة، و بين الحديبية و المدينة تسع مراحل و بينها و بين مكة مرحلة واحدة، أي تسعة أميال (1).
و مجمل الحديث في أمر الحديبية: أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» رأى في منامه: أنه دخل مكة هو و أصحابه، آمنين، محلقين رؤوسهم، و مقصرين. و أنه دخل البيت، و أخذ مفتاحه، و أدى عمرته، و عرّف مع المعرفين (2)(أي جعل على الناس عرفاء) .
فلما أخبر «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بما رأى فرحوا، و ظنوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذاك. ثم أخبرهم أنه يريد الخروج للعمرة، فتجهزوا
للسفر، و استنفر «صلى اللّه عليه و آله» العرب إلى ذلك و أهل البوادي من الأعراب حول المدينة، من أسلم: من غفار، و جهينة، و مزينة، و أسلم، ثم خرج «صلى اللّه عليه و آله» معتمرا.
و كان خروجه من منزله بعد أن اغتسل ببيته، و لبس ثوبين، و ركب راحلته القصوى من عند بابه، و أحرم هو و غالب من معه من ذي الحليفة، بعد أن صلى ركعتين في المسجد هناك. و بعض أصحابه أحرم بالجحفة. ثم ركب راحلته، من باب المسجد، و انبعثت به و هو مستقبل القبلة.
و كان خروجه «صلى اللّه عليه و آله» في ذي القعدة.
و قيل: خرج في شهر رمضان.
و خرجت أم سلمة، و أم عمارة، و أم منيع، و أم عامر الأشهلية، و معه المهاجرون و الأنصار، و من لحق بهم من العرب، و أبطأ عنه كثير منهم و سلك طريق البيداء.
و ساق «صلى اللّه عليه و آله» معه الهدي، سبعين بدنة. و بعد أن صلى الظهر في ذي الحليفة أشعر عدة منها، و هي موجهات إلى القبلة في الشق الأيمن من سنامها. ثم أمر ناجية بن جندب (و في معالم التنزيل: ناجية بن عمير) فأشعر الباقي، و قلدهن، أي علق برقابهن كل واحدة نعلا.
و أشعر المسلمون بدنهم، و قلدوها.
و كان الناس سبع مائة رجل.
و قيل: ألفا و أربع مئة.
و هناك أقوال أخر سوف نشير إليها إن شاء اللّه تعالى.
و سار حتى بلغ عسفان (1).
و قبل أن نتابع الحديث عن هذا الحدث الكبير نلقي نظرة على بعض الخصوصيات و الأمور التي تذكر من بداية خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة إلى حين وصوله إلى عسفان.
فنقول:
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 9 و 10 و تاريخ الخميس ج 2 ص 16 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 321 و 322 و البداية و النهاية ج 4 ص 175 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 72 و المنتظم ج 3 ص 267 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 86 و المغازي للواقدي ج 2 ص 517 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 270 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 169 و جوامع السيرة النبوية لابن حزم ص 164 و الإكتفاء ج 2 ص 233. و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 34 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) (ط سنة 1410 ه) ص 364 و 365 و البدء و التاريخ ج 4 ص 224 و عيون الأثر (ط سنة 1406 ه) ج 2 ص 113 و 114 و السيرة النبوية لدحلان (ط سنة 1415 ه) ج 1 ص 481 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33 و 34، و راجع: النص و الإجتهاد ص 166 و مسند أحمد ج 4 ص 323 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 235 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 290 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 174 و المعجم الكبير ج 20 ص 16 و نصب الراية ج 4 ص 238 و جامع البيان ج 26 ص 124 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 200 و 209 و تاريخ خليفة بن خياط ص 48 و أسد الغابة ج 2 ص 93 و الإصابة ج 1 ص 425 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 313.
و أول ما ما يواجهنا من ذلك هو دلالات هذا التحرك الجديد، الذي يدلنا على الأمور التالية:
1-إن خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» محرما، معظما للبيت، زائرا له، من شأنه أن يطمئن أهل مكة، و من حولها إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد الحرب في تحركه هذا، و أن بإمكانهم أن يشعروا بالأمن من هذه الجهة.
و لكن ذلك لا يمنع من أن يعتبر هذا التحرك في الوقت ذاته تحديا لزعماء الشرك، و إقداما جريئا، بل هو الغاية التي ما بعدها غاية في الجرأة. . على أمر يستبطن كسر عنفوان الشرك، و هو يدل على شعور المسلمين بالقوة و العزة، إلى حد أنهم يقتحمون على عدوهم داره، و لا يخشونه.
2-و فيه أيضا تأكيد على حق الناس بمقدساتهم، و بممارسة عباداتهم بحرية تامة، وفق ما يعتقدونه و حسبما ثبت لهم.
3-و فيه أيضا إظهار لقريش على أنها باغية و معتدية، و أنها لا تملك من المنطق و الحجة ما يبرر لها ذلك، بل حجتها في هذا البغي هو ما تتوسل به من قوة و قهر، و ما تمارسه من ظلم و عدوان. .
4-و الأهم من ذلك هو كسر هيبة الشرك و المشركين، و قريش بالذات في المنطقة كلها، و إفساح المجال للناس للاعتقاد بأن بإمكانهم التفكير بعيدا عن الضغوط التي يمارسها عليهم الآخرون، و أن بإمكانهم أن يختلفوا مع قريش و أن يخالفوها إذا وجدوا الحق في خلافها.
5-إن الناس حين يشعرون بقوة هذا الدين، فإنهم إن لم يتجرأوا على الدخول فيه، سوف تكون لهم الجرأة على الدخول في تحالفات معه، خصوصا
القبائل القريبة من المدينة، و سيتريثون كثيرا في اتخاذ قرار التحالف مع أعدائه، و الدخول إلى جانبهم، في حروبهم ضده.
و قد ذكرت النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأى في المنام: أنه دخل مكة هو و أصحابه آمنين، محلقين رؤوسهم، مقصرين، و أنه دخل البيت، و أخذ مفتاحه، الخ. .
و قد تحققت رؤيا الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و لكن في عام آخر و قد أشار القرآن إلى ذلك حين قال: لَقَدْ صَدَقَ اَللّٰهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ فَعَلِمَ مٰا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً .
كما أن في القرآن حديثا عن الرؤيا و عن تأويلها، في أكثر من موضع. و ذلك مثل: ما حكاه سبحانه عن رؤيا إبراهيم عليه و على نبينا و آله أفضل الصلاة و السلام: أنه يذبح ولده إسماعيل و تأويلها. و رؤيا يوسف أحد عشر كوكبا، و الشمس و القمر و تأويلها.
و من المعلوم: أن رؤيا الأنبياء «عليهم السلام» هي طرائق الوحي الإلهي إليهم.
و تحدث القرآن الكريم أيضا: عن رؤيا صاحبي السجن و تأويل يوسف الصديق «عليه السلام» لها.
و رؤيا عزيز مصر سَبْعَ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاٰتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يٰابِسٰاتٍ . . ثم تأويل يوسف لهذه الرؤيا. .
فالرؤيا و تأويلها، و ارتباطها بالواقع الخارجي، أمر ثابت لا مرية فيه، و لا شبهة تعتريه إذا كانت رؤيا من نبي أو وصي، و قد تصدق و قد تكون أضغاث أحلام، إذا كانت من غيره.
نعم. . إن ذلك كله مما لا مجال لدفعه، و لا للنقاش فيه. . و في النصوص القرآنية، و النبوية، و كذلك ما روي عن الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» ، الكثير مما يؤيده و يدل عليه. .
و قد ذكروا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان كثير الرؤيا. و لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (1). و ما ذلك إلا لأن الرؤيا هي من
1) البحار ج 58 ص 182 و ج 18 ص 195 و 227 و ج 70 ص 103 و مكارم الأخلاق ص 292 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 42 و النص و الإجتهاد ص 420 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 21 و أضواء على الصحيحين ص 242 و مسند أحمد ج 6 ص 153 و 232 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 3 و ج 6 ص 87 و ج 8 ص 67 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 97 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 183 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 6 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 2 ص 197 و فتح الباري ج 12 ص 318 و الديباج على مسلم ج 1 ص 182 و مسند أبي داود الطيالسي ص 207 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 321 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 314 و راجع كتاب الأوائل لابن أبي حاتم ص 88 و الذرية الطاهرة النبوية ص 34 و أسباب نزول الآيات ص 5 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 20 ص 118 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 25 و ج 4 ص 564 و الدر المنثور ج 6 ص 368 و الثقات ج 1 ص 49 و أسد الغابة ج 1 ص 18 و ج 5 ص 436 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 1117 و سير أعلام النبلاء ج 17 ص 630 و البداية و النهاية ج 3 ص 5 و 7 و 9 و 142 و ج 4 ص 258 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 476 و ج 2 ق 2 ص 6 و العدد القوية ص 341 و عن عيون الأثر ج 1 ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 385 و 387 و 404 و ج 2 ص 106 و ج 3 ص 429 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 15 و 16 و ج 2 ص 228 و 232.
طرائق الوحي للأنبياء «عليهم السلام» ، حسبما تقدم.
و الرؤيا هي من وسائل هداية البشر، و تذكيرهم باللّه، و هي رحمة إلهية لهم، و لأجل ذلك تجد أنه حتى الذي لا يبالي كثيرا بأمور دينه يحدثك عن أنه رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو رأى أحد الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» ، أو رأى الجنة، أو النار، أو غير ذلك مما من شأنه أن يذكّره باللّه، و بالآخرة.
كما أن الكثير من هؤلاء يتأثرون بما يرونه فيتوب بعضهم إلى اللّه تعالى، و يؤوب إليه سبحانه، و يعيد النظر في حساباته.
و قد ورد في الأحاديث الشريفة ما يدل على ذلك أيضا، فقد روي عن الإمام أبي جعفر «عليه السلام» : أن الرؤيا الصالحة من البشارات المقصودة في قوله تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ اَلْبُشْرىٰ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا. . (1).
و عن فائدة الرؤيا و دورها في هداية الناس، و في تذكيرهم نقول:
روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: «إذا كان العبد على معصية اللّه عز و جل، و أراد اللّه به خيرا، أراه في منامه رؤيا تروعه، فينزجر بها عن تلك المعصية، و إن الرؤية جزؤ من سبعين جزءا من النبوة» (2).
و يدل على خصوصية التدبير الإلهي فيما يتعلق بارتباط الرؤيا بالواقع، و صدقها تارة، و عدم صدقها أخرى ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال للمفضل:
«فكر يا مفضل في الأحلام، كيف دبر الأمر فيها! ! فمزج صادقها بكاذبها؛ فإنها لو كانت كلها تصدق، لكان الناس كلهم أنبياء. .
و لو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلا لا معنى له.
فصارت تصدق أحيانا، فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يتحذر منها. و تكذب كثيرا، لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد» (1).
و جاء في الحديث الذي ذكر قصة الحسن بن عبد اللّه، و أنه اهتدى على يد أبي الحسن موسى بن جعفر صلوات اللّه و سلامه عليه، قوله: «و كان قبل ذلك يرى الرؤيا الحسنة، و ترى له، ثم انقطعت عنه الرؤيا. فرأى ليلة أبا عبد اللّه «عليه السلام» فيما يرى النائم؛ فشكى إليه انقطاع الرؤيا، فقال: لا تغتم، فإن المؤمن إذا رسخ في الإيمان رفع عنه الرؤيا» (2).
و هذا يشير إلى أن الهداية إذا تمت لم يعد للرؤيا حاجة.
و هذا في غير ما يراه الأنبياء «عليهم السلام» ، حيث إن رؤياهم صلوات اللّه و سلامه عليه من طرائق الوحي إليهم، حسبما أشرنا إليه.
عن الحسن بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن «عليه السلام» ، قال: إن الأحلام لم تكن فيما مضى من أول الخلق، و إنما حدثت.
فقلت: و ما العلة في ذلك؟ !
فقال: إن اللّه عز ذكره بعث رسولا إلى أهل زمانه، فدعاهم إلى عبادة اللّه و طاعته.
فقالوا: إن فعلنا كذا، فما لنا؟ ! فو اللّه، ما أنت بأكثرنا مالا، و لا بأعز عشيرة.
فقال: إن أطعتموني أدخلكم اللّه الجنة، و إن عصيتموني أدخلكم اللّه النار.
فقالوا: و ما الجنة؟ و ما النار؟ !
فوصف لهم ذلك، فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟ !
فقال: إذا متم.
فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما و رفاتا. .
فازدادوا له تكذيبا، و به استخفافا.
فأحدث اللّه عز و جل فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا، و ما أنكروا من ذلك.
فقال: إن اللّه عز و جل ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا. هكذا تكون
أرواحكم إذا متم، و إن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان (1).
و آخر كلمة نقولها هنا هي: أن الكثيرين ممن قد يظن ظان بأنهم قد عاشوا في بيئة الانحراف، و لم يصل إلى مسامعهم النداء الإلهي، و لم يكن هناك من يذكّرهم باللّه تعالى، و يخوّفهم من عقابه، و يرشدهم إلى جزيل ثوابه، و يعرّفهم على فواضل نعمائه، و بديع صنعه، و باهر آياته و آلائه. . و يلفت نظرهم إلى ألطافه و رحماته، و نعمه، و بركاته. .
إن هؤلاء لا يمكن الجزم بأن اللّه تعالى لم يرهم في منامهم، أو في يقظتهم، ما يرشدهم إليه، و يدلهم عليه. . فإن للّه الحجة البالغة، و البراهين الساطعة، و الآيات البينات، و الدلالات الباهرات. .
و لسنا بحاجة إلى التأكيد على: أن من المعجزات الكبرى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هي رؤياه في مناسبة الحديبية، التي كانت هي الإطلاقة القوية، و هي العامل الأعمق تأثيرا في صناعة هذا الحدث الفريد، الذي غيّر وجه التاريخ. .
لقد بدأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» كل إنجازه العظيم، و كل عملية التغيير بهذه الرؤيا، التي أثرت على روحيات أصحابه و معنوياتهم، و نقلتهم إلى أجواء
1) البحار ج 58 ص 189 و 190 و ج 6 ص 243 و ج 14 ص 485 و الكافي ج 8 ص 90 و شرح أصول الكافي ج 11 ص 474 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 410 و قصص الأنبياء للجزائري ص 515.
جديدة فيها الكثير من الصور الرائعة، التي باتت تراود خواطرهم، و يحتاج الربط فيما بينها إلى نظام علاقات تتبلور فيه خصائصها، و تنسجم فيه ميزاتها، و تتعانق ملامحها، و تتجاذب أطياف السعادة آفاقها الرحبة. .
و هذه الرؤيا بالذات، و طريقة تداولها، هي التي أربكت حركة النفاق و فضحت المنافقين. .
و وضعت إيمان أهل الإيمان على المحك، فنجح من نجح عن جدارة و استحقاق.
و أخفق من أخفق عن تقصير، و عن قلة تدبير، و خطل رأي، و خمول ضمير. .
هذا بالإضافة إلى أن هذه الرؤيا قد جرّت أهل الشرك و الكفر إلى مزالق خطيرة، لم يحسبوا لها حسابا، و وضعتهم في مواقع الحيرة و التيه، حتى أظهر اللّه الحق، و أهل الحق. و فتح اللّه لنبيه فتحا مبينا، فتح به القلوب، و أزال كل رين و ريب منها و عنها، و كشف عن الأبصار و عن البصائر كل الغشاوات، و بطلت الترهات، و فضحت الأضاليل، و الأباطيل، و أسفر الصبح لذي عينين.
فكانت هذه الرؤيا-المعجزة-هي الحجة البالغة، و البرهان القاطع، و البلسم الشافي، و للّه الحمد. .
و عن الحركة العملية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نقول:
1-إنهم يقولون: قد اغتسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل
الشروع في السفر، و لبس ثوبين، و ركب راحلته من عند باب بيته. .
و لعل هذه التصرفات التي لم تعهد منه في سائر أسفاره، هي للتأكيد على أن هذا السفر يختلف عن غيره مما سبقه، فهو سفر له حرمته، و له مراسمه الخاصة به، التي تتوافق مع حالة التعظيم و التقديس لبيت اللّه عز و جل، من حيث إنه يمهد لإطلالة على واحة من العبادات الروحية بما يناسبها من حركات، و تصرفات. .
و قد ظهر من رؤياه التي أخبر بها أصحابه، و من إعلانه لوجهة سيره، أن الهدف هو أداء مراسم العمرة، ما يؤكد هذه الحقيقة، و يزيل أي احتمال في أن تكون هناك أهداف قتالية، و عمليات حربية. .
بل إن قوله في رؤياه: إنه يعرّف مع المعرّفين، أي أنه يحضر عرفة، دليل قاطع على أن المراد ليس هو العمرة، و إنما هو أداء مراسم الحج التي تتضمن الوقوف بعرفات. و ليس في العمرة ذلك.
فإخباره لهم: أنه يريد العمرة دليل على أن هذا السفر ليس هو التعبير لتلك الرؤيا التي أخبرهم بها. فما معنى امتناعهم عن الإحلال حينما أمرهم بذلك؟ ! و ما معنى استدلالهم عليه بتلك الرؤيا التي تضمنت إسقاط دعواهم هذه بصورة دقيقة و صريحة؟ !
و قد أكد هذه الأجواء أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أحرم من ذي الحليفة، و صلى بالمسجد الذي بها ركعتين، و ركب من باب المسجد هناك، و انبعثت به راحلته، و هو مستقبل القبلة، و أشعر البدن هناك و هي موجهات إلى القبلة، و قلدها، و كذلك فعل المسلمون معه.
فهذه الأجواء كلها تشير إلى أنه لا يريد حرب أحد، فإن المحرم لا يحارب.
2-و كل ذلك يجعل مشركي مكة أمام خيار صعب، و محرج، فإن البيت للناس كلهم، و هؤلاء القوم قد جاؤوا لزيارة بيت ربهم، فكيف يمكن دفعهم عنه، فضلا عن مواجهتهم بالحرب؟ ! بل كيف يمكن منعهم من تأدية مناسكهم، و لو من دون قتال؟ !
إن ذلك سيفضح قريشا بين العرب، و سوف يقلل من مستوى الثقة بها، و سيظهر المسلمين أنهم مظلومون و ممنوعون من أبسط حقوقهم. .
خصوصا، و أن هذا الإجراء قد جاء في الأشهر الحرم التي يمنع القتال فيها، من كل أحد. و قد كانت قريش بالذات بحاجة إلى هذه الأشهر، من أجل مراجعة علاقاتها مع المحيط الذي تعيش فيه، ثم من أجل تجاراتها في موسم الحج، و التأكيد على ارتباطاتها، و علاقاتها و تحالفاتها مع القبائل الوافدة. . ليكون لها بذلك بعض القوة في حربها مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» الذي لم يزل يسجل عليها النصر تلو النصر، و لم تزل تخسر مواقعها لصالحه، و ينحسر نفوذها عنها ليحتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مواقع هذا النفوذ، و لكن دون أن تتمكن من انتزاع تلك المواقع منه، لأنه يحتلها بالدين، و بالإيمان، و يكون التزام الناس معه من موقع التقديس له، و الطاعة للّه تعالى، لا لأجل المصالح الفردية، و الفئوية، أو القبلية، و لا لغير ذلك من غايات دنيوية. .
3-و الأمرّ و الأدهى بالنسبة لقريش: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءها بجموع كثيرة من العباد، و من مختلف القبائل، و من كثير من البلاد، ليكونوا شهودا على ما تمارسه من ظلم و اضطهاد ليس ضد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و حسب، و إنما ضدهم جميع الذين أتوا معه، لا لذنب أتوه إليها،
بل لمجرد أنهم يقولون: ربنا اللّه. .
و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
و قيل: أبا رهم، كلثوم بن الحصين.
و قيل: نميلة بن عبد اللّه الليثي. .
و قيل: استعمل ابن أم مكتوم و أبا رهم جميعا، فكان ابن أم مكتوم على الصلاة، و كان أبو رهم حافظا للمدينة (1).
و نقول:
إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل ابن أم مكتوم على المدينة عدة مرات. . مع أن هذا الرجل كان ضريرا، فاختيار هذا الرجل الضرير بالذات يشير إلى أن كونه أعمى لا يسلب منه الأهلية للتصدي للأمور حتى الحساسة منها، إذا كان فقد بصره، أو ابتلاؤه بأية عاهة أخرى، لا يمنع من قيامه بما يوكل إليه من مهام. فما معنى تعطيل طاقاته، و هدر قدراته لأجلها؟ !
و ربما يزيد هذا الأمر وضوحا إذا كان قد تصدى ابن أم مكتوم للصلاة و غيرها من شؤون الناس. . و أوكل أمر الحراسة و الحفظ إلى أبي رهم، فإنه لا يشترط سلامة النظر في إمامة الجماعة، و لا في تقريب وجهات النظر لحل
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 9 و السيرة النبوية لدحلان (ط سنة 1415 ه) ج 1 ص 181 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 172 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 33.
خلافات الناس. .
و الذي نلاحظه هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفر العرب، و الأعراب حول المدينة بما فيهم أسلم و غفار، و جهينة، و مزينة. .
و قد حدثنا عكرمة في تفسير قوله تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ. . (1).
أن المراد بهذه الآية: جهينة، و أشجع، و أسلم، و غفار (2)و زاد بعض المفسرين مزينة (3).
1) الآية 101 من سورة التوبة.
2) الدر المنثور ج 3 ص 271 عن ابن المنذر و تفسير النسفي ج 2 ص 142 و السراج المنير للشربيني ج 1 ص 646 و البحار ج 22 ص 41 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 114 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 91 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 208 و فتح القدير ج 2 ص 401، و ورد ذلك أيضا في: أسباب النزول للواقدي ص 174 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 8 ص 240، و قال المعتزلي في شرح النهج: و ليست هذه الآية عامة في كل الأعراب بل خاصة ببعضهم و هم جهينة و أسلم، و أشجع، و غفار، فراجع: ج 13 ص 181.
3) جوامع الجامع ج 1 ص 627 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 240 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 97 و روح البيان ج 3 ص 493 و مجمع البيان ج 5 ص 66 و راجع: فتح القدير ج 2 ص 398 و 401 عن عكرمة، بإضافة مزينة، و البحار ج 22 ص 41 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 114 و أسباب نزول الآيات ص 174 و الدر المنثور ج 3 ص 271 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 208.
و هذا هو ما قاله المفسرون أيضا، و زاد الثعالبي على هؤلاء: مزينة، و عصية، و لحيان (1)
فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا هذه القبائل و غيرها للمشاركة معه في سفره ذاك، فإن ذلك يستبطن رفع مستوى الأمن لسكان المدينة في مدة غيابه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه إذا كان لكل تلك القبائل جماعات تحت سمع و بصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن الذين يبقون في ديارهم منهم سوف لن يجرؤوا على مهاجمة المدينة، و هم يعلمون أن طائفة من قبيلتهم عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و تحرك المنافقين في غيابه «صلى اللّه عليه و آله» ليس بالأمر المستبعد ففي غزوة تبوك اضطر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يبقي عليا «عليه السلام» مكانه في المدينة خوفا من أن يتحرك المنافقون في غيبته حركة خطيرة على مستوى الأمن العام للمدينة و أهلها. .
هذا كله. . لو فرضنا: أن الذين رافقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عمرته تلك هم خصوص الخلّص من مؤمني تلك القبائل، أو خليطا منهم و من المنافقين، أما إذا كان المنافقون هم الذين رافقوه «صلى اللّه عليه و آله» لأسباب، و مطامع معينة، فإن احتمالات مهاجمة الباقين الذين هم في الأكثر مؤمنون ستصبح ضئيلة، و بلا مبرر.
و النتيجة-على كلا الحالين-هي: أن هذا التدبير النبوي كان على درجة كبيرة من الأهمية، و الواقعية.
1) تفسير الثعالبي ج 2 ص 150.
و سيكون من يتولى المدينة في غياب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غير مطالب بكثير من الجهد في الحراسة و الحفظ. .
ذكرت النصوص: أن جماعات من الأعراب الذين كانوا حول المدينة، و كذلك غيرهم قد تثاقلوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، خشية من قريش أن يحاربوه، أو أن يصدوه عن البيت، كما صنعوا، و قالوا: أنذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، و قتلوا أصحابه، فنقاتلهم؟ !
و اعتلّوا بالشغل بأهاليهم و أموالهم، و أنه ليس لهم من يقوم بذلك فأنزل اللّه تعالى تكذيبهم في اعتذارهم هذا، فقال: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. . (1).
و ذكرت النصوص أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سلك طريق البيداء، و مر فيما بين مكة و المدينة بالأعراب من بني بكر، و مزينة، و جهينة، فاستنفرهم فتشاغلوا بأموالهم، و قالوا فيما بينهم: يريد محمد يغزو بنا إلى قوم معدين في الكراع و السلاح، و إنما محمد، و أصحابه أكلة جزور، لن يرجع محمد و أصحابه من سفرهم هذا أبدا، قوم لا سلاح معهم و لا عدد (2).
و نقول:
1-ظاهر كلامهم هذا: أنهم أناس يحبون أنفسهم، و يهتمون بمصالحهم، و أن إيمانهم ليس خالصا، و لا صحيحا، لأنهم قد اتخذوا
قرارهم بعدم المسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين وجدوا أن أعداءه أقوياء إلى حد أنهم غزوه في عقر داره، و قتلوا أصحابه. .
2-إنهم قد صرحوا: بأن دعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم للعمرة هي في واقعها دعوة لهم للمشاركة في الحرب.
3-إنهم يريدون الإبقاء على خط الرجعة إلى التفاهم مع قريش، إن كانت هي المنتصرة في نهاية الأمر، مع كونهم آمنين جانب المسلمين لإظهارهم: أنهم على دينهم.
و لكن اللّه قد فضحهم بما أنزل من آيات تحكي قصتهم، و تشير إلى مكرهم هذا، و تدل عليه، لكي لا يظنوا أنهم قد خدعوا اللّه و رسوله، و لكنه سبحانه لم يوصل الأمور إلى نقطة اللاعودة، بل هو يبقي الباب مفتوحا، و المجال مفسوحا أمامهم لإعادة النظر في حساباتهم، مقدما لهم: بإخباراته الغيبية عما أسروه من تزوير و تدبير ماكر، الدليل المقنع لهم: بأن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، متصل باللّه العالم بالسرائر، و الواقف على ما في القلوب و الضمائر، ليسهل عليهم أمر التوبة و العودة إليه.
قالوا: «و كان الناس سبع مائة رجل.
و قيل: كانوا أربع عشرة مائة.
و قيل: خمس عشرة.
و قيل: ست عشرة.
و قيل: كانوا ألفا و ثلاث مائة.
و قيل: و أربع مائة.
و قيل: و خمس مائة و خمسة و عشرين.
و قيل: ألف و سبع مائة.
و قيل: ألف و ثمان مائة» (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 9 و تاريخ الخميس ج 2 ص 16 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 322 و المواهب اللدنية (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 266 و 267 و جوامع السيرة النبوية لابن حزم ص 164 و المنتظم ج 3 ص 167 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) (ط سنة 1410 ه) ص 364 و 365 و 366 و البدء و التاريخ ج 4 ص 224 و عيون الأثر (ط سنة 1406 ه) ج 2 ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 321 و 313 و السيرة النبوية لدحلان (ط سنة 1415 ه) ج 1 ص 481 و 482 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 171 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 169-173 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 70 و 71 و مسألتان في النص على علي ج 2 ص 24 و مسند أحمد ج 4 ص 323 و 48 و 290 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 290 و 291 و ج 1 ص 66 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 174 و نصب الراية ج 4 ص 238 و جامع البيان ج 26 ص 124 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 197 و 200 و 209 و الدر المنثور ج 6 ص 244 و 68 و البداية و النهاية ج 4 ص 188 و 194 و 195 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 170 و ج 5 ص 62 و 63 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 190 و ج 6 ص 25 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 235 و ج 6 ص 326 و ج 9 ص 223 و عن فتح الباري ج 6 ص 467 و ج 7 ص 339 و ج 10 ص 88 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 127 و ج 14 ص 479 و دلائل النبوة ص 120 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 179 و ج 2 ص 99 و 100 و تاريخ خليفة بن خياط ص 48 و 49 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 286 و 288 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 512 و تأويل مختلف الحديث ص 219 و دلائل النبوة ص 121 و نظم درر السمطين ص 71 و كنز العمال ج 12 ص 367 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 436.
و نقول:
قد يقال: إن الرواية القائلة: إن الذين ساروا معه كانوا سبع مائة رجل هي الراجحة، فقد روى البخاري، و غيره عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «اكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام، فكتب حذيفة بن اليمان له ألفا و خمس مائة رجل» .
و في رواية: و نحن ما بين الست مائة إلى السبع مائة.
قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية (1).
و إنما رجحنا رواية السبع مائة، لأن المفروض: أن كثيرا من العرب و كذلك غيرهم من الأعراب حول المدينة، و كذلك جماعات من أهل المدينة أنفسهم، لم يسيروا معه «صلى اللّه عليه و آله» في وجهه ذاك، حسبما قدمناه. .
مع ملاحظة: أن كثيرين ممن أسلموا كانوا في أرض الحبشة آنئذ.
و مع ضرورة إبقاء جماعة قادرة على حراسة المدينة في غيابه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 116 و صحيح مسلم ج 1 ص 91 و مسند أحمد ج 5 ص 384 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1337 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 251 و 252 و ج 1 ص 220-223 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 15 ص 69.
و يبقى أمام الباحث أمر هام، و هو أنه لابد من اكتشاف العناصر الأساسية، التي من خلالها انطلق القرار النبوي بدعوة الناس إلى العمرة، و الخروج من المدينة بمعظم العناصر القادرة على الحماية، و المؤثرة في حسابات القوة و الضعف، حتى خلت المدينة أمام الطامعين و الطامحين، و الحاقدين و الموتورين من قبائل الشرك في المنطقة. .
و خلت أيضا أمام يهود خيبر، الذين يبعدون عنها حوالي ثمانين ميلا، و الذين قد يقال: إنهم كانوا قادرين على دخول الحرب مع الإسلام و المسلمين بعشرة ألاف مقاتل، إن لم يكن من اليهود وحدهم، فمنهم و من القبائل المتحالفة معهم في المنطقة. .
و اليهود من أشد الناس حقدا على الإسلام، بعد أن رأوا ما حل بإخوانهم بني النضير، و قينقاع، و قريظة. .
فكيف أمكن أن يتخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» قراره بالخروج بأكثر المقاتلين إلى هذه المسافات البعيدة، و ترك المدينة في هذا المحيط المعادي، الذي يتربص بها الدوائر؟ ! .
و لعلنا نستطيع أن نجيب على هذه التساؤلات على النحو التالي: 1-أما بالنسبة لقبائل العرب المحيطة بالمدينة فإن السرايا الكثيرة التي حركها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قبل الحديبية مباشرة لضرب القوة المعادية، و المتآمرة و المتربصة بهم شرا قد حسمت الأمور مع هؤلاء الأعداء، بصورة تامة. . و قد أضعفتهم و شلت حركتهم من الناحية الاقتصادية. . و أرعبتهم، و أسقطت كبرياءهم، و جعلتهم يعيشون حالة اليأس من إمكانية
النيل من هذه القوة الضاربة، و أدركوا أن التمادي في التصدي لها لا يفيد إلا تعريض أنفسهم للمزيد من النكبات، و البلايا، و الرزايا.
فالرأي الصواب هو: أن ينأوا بأنفسهم عن التعرض لها، حتى حينما تخلو ربوعها من المقاتلين، لأن مهاجمتهم للمدينة سوف يصاحبه تعرضهم لمن تبقّى فيها من النساء، و الأطفال، و سبيهم، و استلاب أموالهم، ذلا شاملا، و عقابا صارما و حازما، لا طاقة لأحد به، فقد عوّدهم المسلمون: أنهم يلاحقون من يعتدي عليهم، و ينزلون به القصاص العادل و لا يستطيع أن يفوتهم في كل زمان و مكان. .
2-و أما بالنسبة لليهود فالأمر لا يختلف عن ذلك أيضا. .
و قد جرب إخوانهم من بني النضير، و قينقاع و قريظة، نقض العهود، و التحدي و التعدي على المسلمين، فنزلت بهم الضربات الماحقة و الساحقة، في مرات ثلاث، كانت كل واحدة أقسى عليهم من سابقتها. .
و لا يزال يهود خيبر، و تيماء و غيرهما يعيشون الهلع من أن يكون مصيرهم هو نفس مصير أولئك. . و قد نبههم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصورة قوية و حاسمة حينما جربوا القيام بخطوات عملية تؤدي إلى توجيه ضرباتهم للمسلمين، فقد أنزل المسلمون ضربتهم القاضية بزعمائهم الغادرين، الذين تصدوا لهذا الأمر. . فقتلوا أبا رافع سلام بن أبي الحقيق و أسير بن رزام. . و غيرهما ممن تقدم الحديث عنهم في هذا الكتاب.
3-و من جهة أخرى، فإن التجارب قد أظهرت لهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يترك لهم و لا لغيرهم ثغرة ينفذون منها تمكنهم من الإيقاع بالمسلمين بسهولة، بل هو يراعي أدق التفاصيل، و لا يهمل الاحتياط لأي طارئ.
و أظهرت الوقائع في بدر، و أحد، و الخندق و غيرها: كيف تحول ما كان يراه الناس يتعرض للبوار و الدمار، و الفناء المحتم، إلى نصر مؤزر، و فتح مبين، و مدهش.
من أجل ذلك كله: فإنهم كانوا غير مستعدين للمغامرة معه، بل لابد من حساب الأمور بدقة، و لا بد لهم من رصد خططه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لا تنتهي الأمور إلى مفاجآت ماحقة لهم. .
كما أن عليهم أن يعرفوا: أن القوة الضاربة و المقاتلة لم يصبها أي وهن أو ضعف، بل هي لو عرفت أنهم قد اعتدوا على من خلّفوه من نساء و أطفال و أموال، سوف يتضاعف حماسها، و اندفاعها لإنزال أقسى الضربات بهم. و قد رأى الناس من هذا الجيش العجائب في الحالات العادية، فكيف إذا تطورت الأمور على هذا النحو المثير.
و ذلك كله يوضح: أن لا خوف على المدينة من أحد في غياب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لو استمرت غيبته شهرا، أو شهرين أو أكثر. . فلا معنى لخوف الأعراب، و لا معنى لأن يتصوروا أن محمدا و أصحابه اكلة جزور لقريش، و أنه لن يرجع هو و أصحابه من سفره هذا إلا إذا كان ثمة من يبث الشائعات، و يخوف الناس لمصلحة قريش.
لقد اعتقد كثير من المنافقين: أنه ليس من مصلحتهم أن يكونوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سفره ذاك، لأن ظواهر الأمور تشير إلى: أن مشركي مكة لن يمكّنوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دخول مكة،
و أن الحرب واقعة بينهم و بين المسلمين لا محالة. . و ليس من مصلحتهم تعريض أنفسهم لأخطار جسام في مناطق بعيدة عن بلادهم؛ لأن الدائرة ستدور على المسلمين؛ من أجل ذلك صاروا يتعللون بأعذار واهية تتعلق بأشغالهم، و بأموالهم، و أهليهم. .
و لكن بعضهم قد خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك السفر ربما اعتمادا على علاقاته بمشركي مكة، و إحساسه بالأمن من جهتهم، لو أنهم انتصروا في الحرب. . مع شعوره بضرورة الحضور؛ لأن زعامته و موقعه لا يسمح له بالتخلف، و يجعله محرجا أمام أقرانه، و أمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ربما لغير ذلك من أسباب. .
قالوا: «و لم يكن مع المسلمين سلاح إلا السيوف في القرب. و السيوف هي سلاح المسافر، و قال عمر بن الخطاب:
أتخشى يا رسول اللّه من أبي سفيان، و أصحابه، و لم تأخذ للحرب عدتها؟ !
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لست أحب أن أحمل السلاح معتمرا. و كان معهم مائتا فرس» (1).
و ذكر الطبري: أنه لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالهدي، و انتهى إلى ذي الحليفة (و هو موضع مسجد الشجرة، حيث يحرم أهل المدينة، يقع على بعد ستة أميال من مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله») قال
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 9 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 173.
عمر: يا رسول اللّه، تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح و لا كراع؟
قال: فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعا و لا سلاحا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل الخ. .
ثم ذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل خالدا إلى عكرمة، فحاربه فهزمه حتى أدخله حيطان مكة (1).
و نقول:
أولا: إن هذا الكلام غير صحيح لأن خالدا لم يكن قد أسلم حينئذ بل كان لا يزال على الكفر، و يحارب مع أهل مكة، و يقود جيوشهم. و كان طليعة خيل المشركين و معه مائتا فارس في الحديبية (2).
ثانيا: قد صرحت النصوص: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأخذ معه من السلاح إلا السيوف في القرب (3)، و هي سلاح المسافر.
و نقول أيضا:
1-إن من الواضح: أن ما يقوله و ما يفعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حجة و دليل، على الأحكام، و على السياسات، و على الاعتقادات، و على المفاهيم، و على كل ما يمكن استفادته منه بطرق الاستفادة و الدلالة التي يرضاها العقلاء بما هم عقلاء. و لم تزل البيانات الإلهية و النبوية تتوالى
و تؤكد قولا و عملا على أن للبيت حرمته، و لمكة شرفها، و مكانتها.
و هذا بالذات هو ما يفسر لنا قوله «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب، حين سأله عن ذلك: لست أحب أن أحمل السلاح معتمرا. .
و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أبدى أي تسامح في هذا الأمر-و لو بإظهار السلاح في حال اعتماره-لوجدت الظلمة و الطغاة لا يكتفون بحمل السلاح، و إخافة الناس، و إنما هم يسفكون الدم الحرام، و يستحلون البلد الحرام في الشهر الحرام! ! بسبب، و بدون سبب! !
2-إن اللافت هنا: هو مطالبة عمر بن الخطاب نبي الرحمة بإشهار سلاحه، و الاستعداد للحرب، في حين أننا لم نجد غيره قد طالب بمثل ذلك. . فهل خاف عمر على نفسه من بطش قريش؟ !
أم أنه رأى أن عدم الاستعداد للحرب يخالف طريقة العقلاء الذين يحتاطون في مثل هذه المواقف؟ ! فأراد أن يعرف إن كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» تدبير آخر، يستطيع أن يدفع به غائلة قريش، و يحبط مساعيها العدوانية؟ !
أو أنه اعتقد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان غافلا حقا عن هذا الأمر الخطير، فأراد أن يوجه نظره إليه، ليعدّ للحرب عدتها قبل فوات الأوان، و قبل أن يحدث ما لم يكن بالحسبان؟ !
أو أنه احتمل أن في الأمر سرا، و أن الأمور تسير وفق تدبير غيبي و معجزة إلهية. . فأراد أن يطمئن إلى واقعية هذا الاحتمال. .
إننا نترك تحديد ما هو الراجح من هذه الاحتمالات إلى القارئ الكريم الذي سوف يختار ما يتوافق مع ما عرفه في هذا الرجل من خصائص، و من
طبائع، و سمات.
و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث من ذي الحليفة عينا له من خزاعة، يقال له: بسر بن سفين، يخبره عن قريش (1)و جعل عباد بن بشر في عشرين راكبا من المهاجرين و الأنصار طليعة له (2).
و قد كان بسر بن سفين حديث عهد بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال، فاختاره عينا لأن من رآه لا يظن به ذلك لعدم اشتهار إسلامه.
و الاستفادة من العيون و الأرصاد لمعرفة تحركات العدو، و التحرز من أن يأخذهم العدو على حين غفلة هو مقتضى الحزم و الحكمة.
و أما جعل الطلائع، فللأمن من غائلة الكمائن، من أجل أن تشاغل الطليعة ذلك الكمين، حتى إذا بلغ الخبر الجيش، فإنه يتأهب لمعالجة الموقف، بالقوة اللازمة، و الخطة المناسبة. .
و في بعض المحال أقبلوا نحو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان
بين يديه ركوة يتوضأ منها، فقال: ما لكم؟ !
قالوا: يا رسول اللّه، ليس عندنا ماء نشربه، و لا ماء نتوضأ منه إلا ما في ركوتك.
فوضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده في الركوة. فجعل الماء يفور من بين أصابعه الشريفة أمثال العيون (1).
قال جابر: فشربنا، و توضأنا، و لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (2).
و قالوا: «و إنما لم يخرجه «صلى اللّه عليه و آله» بغير ملابسة ماء في إناء، تأدبا مع اللّه تعالى؛ لأنه المنفرد بابتداع المعدومات من غير أصل» (3).
و نقول:
إن إظهار الكرامة الإلهية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليس أمرا عشوائيا، بحيث يكون بمناسبة و بلا مناسبة. . بل هو أمر هادف، يراد منه أيضا الربط على القلوب، و صيانة الإيمان من التعرض للاهتزاز في مواجهة التحديات الكبرى، و الكوارث و الأزمات الحادة، التي تتمخض عن نكبات تزعزع و تزلزل، و تبعث اليأس و الهزيمة في النفوس.
ثم يراد منه أيضا: إزالة الشبهة، في حين تحجز المحاذير المختلفة عن التصريح ببعض الحيثيات و الغايات لبعض المواقف، بسبب حساسية
الظرف تارة، و لتلافي سوء استفادة الأعداء من ذلك أخرى، و ربما يكون ذلك بسبب عدم توفر المستوى المطلوب من الوعي، و عدم توفر حسن تقدير الأمور، و العجز عن التدقيق في مناشئها و في غاياتها، و إدراك ذلك و توظيفه في حركة الواقع بصورة سليمة و قويمة. .
فلا يبقى ثمة من وسيلة تحفظ للمؤمنين إيمانهم، حين تختلط عليهم الأمور سوى أن يتلمسوا بوجدانهم، و يشعروا بكل وجودهم، و أن يحسوا بكل قواهم الباطنية، و يشاهدوا بأم أعينهم حقيقة اللطف الإلهي، و الكرامة الربانية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليكون هذا الارتباط بالغيب عن طريق الحواس الظاهرية هو الضمانة لحفظ التوازن في الباطن. . بعد أن عجزت عقولهم عن الإمساك بأسباب هذا التوازن، بسبب فقدها لبعض ما يفيدها في ذلك. .
و قد كانت الأمور في غزوة الحديبية-بما تفرضه الخصوصيات و الأحوال -تتجه نحو اتخاذ قرار يصعب فهمه على الكثيرين، و يصعب أيضا توضيح مناشئه و غاياته. . و نتائجه. كما أن أصحاب الأهواء و الأغراض الدنيئة، و خصوصا من أهل النفاق، قد يجدونها فرصة سانحة لإشاعة شبهاتهم، و نشر أباطيلهم، بنحو يصعب رتق الفتق الذي قد يتمكنون من إحداثه، بسبب استغلالهم السيء لظرف صعب و دقيق.
و قد أظهرت الوقائع: أنه حتى الذين يزعمون أنهم في مواقع القرب من موقع القرار قد أعلنوا تشكيكا خطيرا، حين كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يكتب الكتاب في الحديبية حسبما سيأتي توضيحه. . فكانت هناك سياسات إلهية دقيقة تقضي بحفظ وحدة الناس، و ترسيخ إيمانهم، و تقوية
يقينهم، و قد بدأت بإخبار الناس بأمر الرؤيا التي رآها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بدخوله مع أصحابه مكة على النحو الذي وصفه لهم.
و لكن كانت هناك أمور أيضا لابد من إبقائها على حالة من الغموض، ليمكن الوصول إلى أفضل النتائج، و حفظ مستوى الاندفاع لدى أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» و من جاء معه، و إثارة أجواء تتسم بالقوة و التفاؤل فيما بينهم، و كذلك إثارة أجواء صعبة، و حساسة لدى مشركي قريش، تختلط فيها الحيرة بالدهشة، مع إثارة جو من الإبهام و الغموض، الذي لا يسمح لقريش بالكثير من المناورة و الحركة. .
و من هذه الأمور: أن لا يخبرهم في بداية الأمر بأن الذي رآه سوف لا يتحقق في مسيره ذاك، بل هو سيتحقق في وقت لا حق. .
و طبيعي أن يكون لظهور هذا التأجيل في تحقق الرؤيا لأصحابه وقعا غير عادي، قد لا يمكنهم معه حفظ ذلك المستوى من الصفاء و الاندفاع، و الحيوية، و السكينة و الطمأنينة. . التي تمكنهم من متابعة الموقف بقوة و فاعلية. مع ملاحظة: أنه لا توجد أية مصلحة في كشف كل الحقيقة لهم، بل قد يكون ضرر ذلك عظيما و جسيما.
فكان لا بد من تدخل الغيب الإلهي، و السعي إلى تجسيده لهم، لكي يتلمسوه و يحسوا به بوجدانهم، و مشاعرهم، و بكل كيانهم و وجودهم، ليكون هو الحافظ و الحامي لهم، من تسويلات نفوسهم، و من وسوسات الشياطين، و من كيد المنافقين.
فكان نبع الماء من بين أصابعه الشريفة هو أحد مفردات ربطهم بذلك الغيب كما هو ظاهر.
و ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم الهدي. و سار، فلقي في طريقه طائفة من بني نهد، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا. و أهدوا له لبنا من نعمهم.
فقال: لا أقبل هدية مشرك.
فابتاعه المسلمون منهم (1).
و نقول:
قد تقدمت الإشارة: إلى هذا الأمر في الفصل الذي تحدثنا فيه عن أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه. .
و نعود فنذكر القارئ هنا: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عاش في كنف عبد المطلب أولا، ثم في كنف أبي طالب، و قد كان لهما الأيادي البيضاء عليه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلولا أنهما كانا على رأس أهل الإيمان في زمانهما لم يجعل اللّه تعالى لهما نعمة عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، تستحق الجزاء منه «صلى اللّه عليه و آله» .
و الذي يثير العجب هنا: أنه رغم كون أبي بكر مسلما، و رغم كون النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقبل الهدية من المسلم، فإنه لم يقبل الناقة من أبي بكر في ليلة الهجرة إلا بالثمن، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان بأمس الحاجة إليها، ليتمكن من النجاة عليها من كيد قريش.
فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» يخشى من أن يمنّ عليه أبو بكر بهذا العطاء؟ ! . .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34.
أم أنه قد أشفق على أبي بكر أن يرزأه شيئا من ماله؟ ! . .
أم أنه وجد في هذا المال شبهة، فأراد أن يتحرز من الارتطام بها؟ !
أم أن للقضية منحى آخر، لا بد من صرف النظر عن إظهاره، و التدقيق في البحث عنه؟ ! . .
لا ندري، غير أننا نقول:
إننا لسنا بحاجة إلى أن ننتظر المزيد من الدلالات و الإشارات إلى واقع الأمر لكي ندري! !
و حين التقى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببني نهد، ابتاع المسلمون-كما زعموا-منهم ثلاثة أضبة، فأكل منها قوم قبل أن يحرموا، و أما المحرمون، فسألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنها، فقال: «كلوا، فكل صيد البر لكم حلال في الإحرام، تأكلونه، إلا ما صدتم، أو صيد لكم» (1).
و نقول:
أولا: إن الرواية قد صرحت: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أباح لهم أن يأكلوا ما سألوه عنه، معللا ذلك بأن أكل صيد البر حلال في الإحرام، إلا ما صادوه أو صيد لهم. .
و لكن يجب أن يكون مفهوما: أن في الرواية درجة من الإبهام، إذ ليس فيها تصريح بما أباح لهم أكله. . بل جاء الجواب في كلامه «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 34.
و آله» تابعا للسؤال، و لم يذكر في الرواية أية صيغة للسؤال المطروح.
فإن كانوا قد قالوا له: هل يجوز لنا أن نأكل الضب و نحن محرمون؟ فإن الجواب يكون هو أن أكل الضب مباح حال الإحرام. .
و إن كانوا قد قالوا: هل يجوز لنا أكل الصيد حال الإحرام؟ فالجواب يكون بإباحة ذلك لهم.
و المناسب لطبيعة الحال هو السؤال الثاني؛ لأنهم إنما يشكّون في جواز أكل الصيد حال الإحرام، سواء أكان ضبا أم غيره، فليس لخصوصية كونه ضبا أية مدخلية في شكهم هذا، بل الإحرام هو السبب في شكهم بجواز أكل ما يصطاد لهم. و لأجل ذلك جاء الجواب موافقا لهذه الحقيقة، حيث قال: كل صيد البر لكم حلال في الإحرام، إلا ما صدتم أو صيد لكم. .
و يشهد لذلك قوله: «كل صيد البر لكم حلال» فإن المقصود حلية الصيد الذي يكون جامعا لشرائط الحلية في نفسه، إذ لا إشكال في عدم حلية أكل لحم الخنزير، حتى لو اصطاده المحلون منهم.
ثانيا: روى مسلم، عن ابن عباس، قال: أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سمنا، و أقطا، و أضبا، فأكل من السمن و الأقط، و ترك الضب تقذرا الخ. . (1).
فإذا كانت قذارة الضب إلى هذا الحد، فإن ذلك يجعله من الخبائث التي لا يجوز أكلها. .
1) صحيح مسلم ج 6 ص 69 و راجع: سنن ابن ماجة (مطبوع بحاشية السندي) ج 2 ص 296 و 297 و راجع: صحيح البخاري (ط المكتبة الثقافية) ج 9 ص 197.
خصوصا إذا علمنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أخبر بأن ما يهم بمدّ يده إليه، هو ضب؛ رفع يده، و لم يأكل.
و قد زعموا: أنه سئل عن ذلك، فقال: لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه (1).
و لأجل ذلك قالوا: إن من يقول بحرمته يقول: كان هذا (يعني عدم التحريم) قبل نزول قوله تعالى: . . وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ. . و الضب من جملته، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يستقذره (2).
ثالثا: قد رووا أيضا عن جابر، قال: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بضب، فأبى أن يأكل منه، و قال: لا أدري، لعله من القرون التي مسخت (3).
و عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، إنا بأرض مضبة، فما تأمرنا؟ أو فما تفتينا؟
قال «صلى اللّه عليه و آله» : ذكر لي: أن أمّة من بني إسرائيل مسخت.
فلم يأمر، و لم ينه.
قال أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك قال عمر: إن اللّه عز و جل لينفع به غير واحد، و إنه لطعام عامة هذه الرعاء، و لو كان عندي لطعمته، إنما عافه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).
1) راجع: صحيح مسلم ج 6 ص 68 و سنن الدارمي ج 2 ص 128 و عن البخاري (ط المكتبة الثقافية) ج 7 ص 176 و ص 129، كتاب الصيد و الذبائح باب 33 و الموطأ كتاب الإستئذان، و أحمد في مسنده، و النسائي، و أبي داود.
2) حاشية السندي على سنن ابن ماجة ج 2 ص 297.
3) صحيح مسلم ج 6 ص 70 و راجع: سنن ابن ماجة (بحاشية السندي) ج 2 ص 296.
4) صحيح مسلم ج 6 ص 70 و راجع: سنن ابن ماجة (بحاشية السندي) ج 2 ص 297.
و سأل عنه أعرابي النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرتين، فلم يجبه، و أجابه في الثالثة، فقال: يا أعرابي، إن اللّه لعن، أو غضب على سبط من بني إسرائيل، فمسخهم دواب، يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها، و لا أنهى عنها (1).
و عن ثابت بن وديعة، قال: أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بضب، فقال: أمة مسخت (2).
و في توضيح ذلك نقول:
ألف: إنه يستوقفنا هنا زعمهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا أدري، لعله من القرون التي مسخت. . فإننا لا نشك في كونه كلاما محرفا؛ لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معصوم عن النسيان، و عن القول بغير علم. . و لم يكن اللّه تعالى ليحجب عن نبيه علما ينفعه، أو تحتاج الأمة إلى معرفة حكمه، فلا معنى لما يذكرونه من إحجامه «صلى اللّه عليه و آله» عن الأمر و النهي، استنادا إلى عدم معرفته بالحقيقة. و لا معنى لاعترافه بالجهل في أمر يحتاج الناس إلى معرفة حكمه، و تحديد الموقف منه.
ب: إننا نستطيع أن نقول: إن المسوخ، و إن كانت لا تعيش أكثر من ثلاثة أيام، بعد مسخها، و لكن المهم هو أن تلك المخلوقات التي مسخت على صورتها، يراعى في أحكامها هذه الحقيقة، و من ذلك عدم جواز أكلها.
ج: و عن المسخ على صورة الضب نقول: روي عن النبي «صلى اللّه
عليه و آله» : أن رجلا من الأعراب كانت خيمته على ظهر الطريق، و كان إذا مرت به قافلة تسأله عن الطريق إلى مقصدها، يرشدها إلى خلاف ذلك المقصد، فإن أراد القوم المشرق ردهم إلى المغرب، و إن أرادوا المغرب ردهم إلى المشرق، و تركهم يهيمون (1).
و هذا يناسب ما يقال عن الضب من أنه لا يهتدي لجحره، و يضرب في تحيره المثل. . و قد كان الرجل الممسوخ لا يرشد الناس إلى طريقهم، و يشير عليهم بما يحيرهم، و يتركهم يهيمون.
د: و أخيرا. . فإن الرواية التي ذكرناها قد ذكرت عن عمر بن الخطاب: أنه كان يصر على تحليل أكل الضب، و إقناع الناس بذلك، و تذليل الصعوبات أمامهم فيه.
و لعل رغبته هذه هي التي دعت الآخرين إلى ترجيح فتوى التحليل، و التخفيف من حدة دلالة النصوص المانعة، و اللّه هو العالم.
و الرجوع إلى أهل البيت «عليهم السلام» في مثل هذه الأمور، و في كل الأمور هو الصحيح، و هو المتعيّن، فإن أهل بيت النبوة أدرى، و الاتباع لهم أصوب و أحرى.
و رووا: أنه أهدي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حمار وحشي و هو بالأبواء، أو بودّان، فرده على صاحبه، فلما رأى ما في وجهه، قال: إنّا لم نرده
1) البحار ج 62 ص 227 عن الإختصاص.
عليك إلا أنّا حرم (1).
و أهدى بعض الأعراب من ودان: معيشا، و عترا، و ضغابيس، فجعل «صلى اللّه عليه و آله» يأكل الضغابيس و العتر، و أعجبه، و أدخل على أم سلمة منه الخ. . (2).
و نقول:
إن كان المراد بالضغابيس هو صغار الثعالب، فلا شك في عدم صحة هذه الرواية؛ لأن أكل الثعلب حرام.
و إن كان المراد بها الضبع، أو أية دابة أخرى يحرم أكلها فكذلك.
و أما إن كان المراد بها صغار القثاء (3)، أو غيره من النباتات التي تؤكل، فلا إشكال. .
و أما العتر، فإن كان المراد به الذبيحة، فإن الذابح إذا كان مشركا، فلا يجوز الأكل من ذبيحته أيضا. .
قال الشيخ المفيد: روى إبراهيم بن عمر، عن رجاله، عن فايد مولى عبد اللّه بن سالم، قال: لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عمرة الحديبية نزل الجحفة، فلم يجد بها ماء، فبعث سعد بن مالك بالروايا، حتى
إذا كان غير بعيد رجع سعد بالروايا، فقال: يا رسول اللّه، ما أستطيع أن أمضي، لقد وقفت قدماي رعبا من القوم!
فقال له النبي «عليه و آله السلام» : اجلس.
ثم بعث رجلا آخر، فخرج بالروايا حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الأول رجع، فقال له النبي «عليه السلام» : «لم رجعت» ؟ .
فقال: و الذي بعثك بالحق، ما استطعت أن أمضي رعبا.
فدعا رسول اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهما فأرسله بالروايا، و خرج السقاة و هم لا يشكون في رجوعه، لما رأوا من رجوع من تقدمه.
فخرج علي «عليه السلام» بالروايا حتى ورد الحرار (1)فاستقى، ثم أقبل بها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لها زجل (2).
فكبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و دعا له بخير» (3).
و نقول:
1-إن هذين الرجلين اللذين أرسلهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالروايا لم يثبتا أمام هواجس الخوف التي انتهابتهما، و لم يلقيا بالا، و لا أعارا اهتماما لكل تلك المعجزات التي أظهرها لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) الحرار: جمع حرة، و هي أرض ذات أحجار سود نخرة. الصحاح ج 2 ص 626.
2) الزجل: رفع الصوت الطرب. لسان العرب ج 11 ص 302.
3) الإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 121 و 122 و البحار ج 20 ص 359 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 623 و كشف الغمة ج 1 ص 210 و الإصابة ج 3 ص 199 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 88 و كشف اليقين ص 139.
و آله» . . حيث يفترض أن يدفعهما التفكر فيها، و التفاعل معها إلى خوض اللجج، و بذل المهج في سبيل تحقيق ما رغب إليهما النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» في تحقيقه، فكانت نفساهما أحب إليهما من اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله.
و كان علي «عليه السلام» على العكس منهما، قويا في ذات اللّه، مؤثرا رضا اللّه و رسوله على كل ما في هذه الدنيا من زبارج و بهارج.
2-إن هذه الحادثة تذكّرنا بما جرى بعد ذلك في خيبر، حينما ذهب الرجلان-أبو بكر أولا، و عمر ثانيا-بأمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لمناجزة اليهود، ثم رجعا منهزمين مع من معهما، يجبن بعضهم بعضا.
و يذكّرنا أيضا: بما جرى قبل ذلك في بني قريظة، حيث ذهب نفس الرجلين أيضا-أعني أبا بكر و عمر-لمناجزة اليهود، ثم رجعا مع من معهما منهزمين، يجبن بعضهم بعضا.
3-و إن كتمان اسم الرجل الثاني الذي أرسله «صلى اللّه عليه و آله» بالروايا، و رجع خائفا منهزما بأوهامه و هواجسه، يثير فضولنا، و تأخذنا الاحتمالات و الظنون فيه يمينا و شمالا. . خصوصا مع ما عرفناه و ألفناه من تستر هؤلاء القوم على أسماء من يحبونهم، حين يجدون أن التصريح بها يضر بسمعتهم و بمكانتهم.
قالوا: و لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الجحفة أمر بشجرة، فقمّ ما تحتها، فخطب الناس، فقال: «إني كائن لكم فرطا، و قد تركت فيكم
ما إن أخذتم به لن تضلوا أبدا: كتاب اللّه، و سنة نبيه» (1).
و نقول:
إن كان هذا هو حديث الثقلين الشائع و الذائع، الذي أحرج أهل السنة، فأخرجهم عن جادة الإنصاف و الاعتدال فهو النص المحرف له، أو هو نص آخر، يشبهه، زعموا: أنه هو، من أجل إبطال الحق، و تأييد الباطل. فخاب فألهم، و طاش كلمهم. و توضيح هذا الأمر يحتاج إلى بعض التفصيل، الذي لا مجال له في سياق كهذا، غير أننا نقول:
الظاهر: أن كلمة «الثقلين» هي بفتح الثاء المشددة و القاف بعدها.
قال ابن حجر الهيثمي: «سمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القرآن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و في هامشه عن البخاري ج 4 ص 12 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 861 و الحديث في الموطأ (بشرح السيوطي) ج 2 ص 208 كتاب القدر و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 603 و فيض القدير ج 3 ص 340 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 93 و تنبيه الغافلين ص 43 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 302 و الكامل ج 4 ص 69 و الضعفاء للعقيلي ج 2 ص 251 و العلل ج 1 ص 9 و كمال الدين ص 235 و البحار ج 23 ص 132 و كنز العمال ج 1 ص 173-187 و الجامع الصغير ج 1 ص 505 و 506 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 114 و الجامع لأخلاق الرواة ج 1 ص 166 و سنن الدارقطني ج 4 ص 160 و العهود المحمدية ص 635 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 4 ص 68 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 403 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 103 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 59.
و عترته ثقلين، لأن الثّقل كل نفيس خطير مصون. و هذان كذلك، إذ كل منهما معدن العلوم الدينية، و الأسرار و الحكم العلية، و الأحكام الشرعية؛ و لذا حث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الاقتداء و التمسك بهم، و التعلم منهم.
و قيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعايتهما» (1).
أو رعاية حقوقهما، قال الشريف الرضي في المجازات النبوية: تسمية الكتاب و العترة بالثقلين، و واحدهما ثقل، و هو متاع المسافر الذي يصحبه إذا رحل، و يسترفق به إذا نزل، فأقام عليه الصلاة و السلام الكتاب و العترة مقام رفيقيه في السفر، و رفاقه في الحضر، و جعلهما بمنزلة المتاع الذي يخلفه بعد وفاته (2).
إنه لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية، و الحكم بأنها هي حديث الثقلين المعروف و هي رواية: «كتاب اللّه، و سنة نبيه» بل المعتمد عند جهابذة العلم و الرواية هو حديث الثقلين المروي بأسانيد صحيحة، و له نصوص متقاربة، منها ما ورد في صحيح مسلم، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في غدير خم:
«يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب. و إني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب اللّه فيه الهدى و النور، خذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به-فحث على كتاب اللّه و رغب فيه، ثم قال: و أهل بيتي. أذكّركم اللّه في أهل بيتي،
أذكّركم اللّه في أهل بيتي الخ. .» أو نحو ذلك (1).
1) صحيح مسلم ج 7 ص 123 و تيسير الوصول ج 1 ص 16 و النهاية في اللغة لابن الأثير ج 3 ص 177 و الصواعق المحرقة، و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 621 و 622 و الطرائف ص 114-122 و مسند أحمد ج 5 ص 182 و 189 و 190 و ج 4 ص 371 و 366 و ج 3 ص 17 و 26 و 14 و 59 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 148 و 110 و 109 و 533 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) و الدر المنثور ج 2 ص 60 و المعجم الكبير ج 5 ص 186 و 187 و ج 3 ص 63 و 66 و نوادر الأصول ص 68 و كنز العمال (ط أولى) ج 1 ص 48 و تهذيب الكمال ج 10 ص 51 و تحفة الأشراف ج 2 ص 278 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 258 و سنن الدارمي ج 2 ص 310 و السنة لابن أبي عاصم ص 629 و 630 و السنن الكبرى ج 2 ص 148 و مصابيح السنة ج 2 ص 205 و البداية و النهاية ج 5 ص 206 و 209 و ج 7 ص 9 و كشف الأستار عن زوائد البزار ج 3 ص 221 و سمط النجوم العوالي ج 2 ص 502 و تهذيب اللغة للأزهري ج 9 ص 78 و لسان العرب ج 4 ص 538 و مجمع الزوائد ج 9 ص 156 و 163 و ترجمة الإمام أمير المؤمنين من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 45 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 308 و نظم درر السمطين ص 231 و 232 و المنهاج في شرح صحيح مسلم ج 15 ص 180 و فيض القدير ج 3 ص 14 و شرح المواهب اللدنية ج 7 ص 5 و 8 و المرقاة في شرح المشكاة ج 5 ص 600 و نسيم الرياض في شرح الشفاء ج 3 ص 410 و عن أشعة اللمعات في شرح المشكاة ج 4 ص 677 و ذخائر العقبى ص 16 و غرائب القرآن ج 1 ص 347 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 24 و الخصائص للنسائي ص 30 و كفاية الطالب ص 11 و 130 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 194 و أسد الغابة ج 2 ص 12 و ج 3 ص 147 و حلية الأولياء ج 1 ص 355 و تذكرة الخواص ص 332 و العقد الفريد و السراج المنير في شرح الجامع الصغير ج 1 ص 321 و شرح الشفاء للقاري (مطبوع بهامش نسيم الرياض) ج 3 ص 410 و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج 1 ص 96 و 101 و ج 2 ص 390 و ج 5 ص 95 و عن تفسير الرازي ج 3 ص 18 و عن تفسير النيسابوري ج 1 ص 349 و تفسير الخازن ج 1 ص 257 و ج 4 ص 94 و 21 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 113 و ج 3 ص 485 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 130 و فضائل الصحابة ص 22 و تحفة الأشراف ج 11 ص 263 و 255 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 30 و ج 10 ص 114 و مسند ابن الجعد ص 397 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 114 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 51 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 297 و 303 و مسند ابن خزيمة ج 4 ص 63 و المعجم الصغير ج 1 ص 131 و 135 و المعجم الأوسط ج 3 ص 374 و ج 4 ص 33 و الغدير ج 1 ص 30 و 176 و ج 3 ص 297 و ج 10 ص 278 و فدك في التاريخ ص 98 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 508 و ج 3 ص 86 و أمان الأمة من الاختلاف ص 126 و 130 و 132 و 135 و نهج السعادة ج 3 ص 96 و ج 8 ص 417 و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 106 و 108 و درر الأخبار ص 40 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 358 و 553 و مواقف الشيعة ج 1 ص 33 و ج 3 ص 474 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 5 و تفسير العياشي ج 1 ص 5 و تفسير القمي ج 1 ص 173 و ج 2 ص 345 و التبيان ج 9 ص 474 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 267 و ج 9 ص 340 و كشف اليقين ص 188 و 426 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 6 و ج 12 ص 232 و 396 و تفسير جوامع الجامع ج 1 ص 411 و التفسير الصافي ج 1 ص 21 و ج 2 ص 69 و تفسير الميزان ج 1 ص 12 و ج 3 ص 86 و ج 16 ص 319 و ج 17 ص 45 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 262 و شواهد التنزيل ج 2 ص 42 و اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 85 و ج 2 ص 484 و 485 و الدرجات الرفيعة ص 451 و الضعفاء للعقيلي ج 2 ص 250 و ج 4 ص 362 و الكامل ج 6 ص 67 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 258 و ج 41 ص 19 و ج 54 ص 92 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 365 و كشف الغمة ج 2 ص 172 و نهج الإيمان ص 202 و حياة الإمام الحسين للقرشي ج 1 ص 79 و حياة الإمام الرضا للقرشي ج 1 ص 9 و لمحات في الكتاب و الحديث و المذهب للصافي ص 137 و مجموعة الرسائل ج 1 ص 56 و 189 و ج 2 ص 47 و 49 و 51. و راجع: بصائر الدرجات ص 433 و 434 و دعائم الإسلام ج 1 ص 28 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 34 و 68 و الخصال ص 66 و الأمالي للصدوق ص 500 و كمال الدين و تمام النعمة ص 64 و 234 و 235 و 236 و 238 و 239 و 240 و 278 و معاني الأخبار ص 90 و شرح أصول الكافي ج 1 ص 34 و ج 5 ص 166 و الوسائل ج 1 ص 2 و ج 18 ص 19 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 355 و ج 7 ص 255 و ج 11 ص 374 و كتاب سليم بن قيس ص 201 و مسند الرضا ص 68 و 210 و مناقب أمير المؤمنين ج 1 ص 148 و ج 2 ص 112 و 115 و 116 و 117 و 135 و 136 و 137 و 140 و المسترشد للطبراني الشيعي ص 559 و دلائل الإمامة ص 20 و الهداية الكبرى ص 18 و شرح الأخبار ج 1 ص 99 و ج 2 ص 379 و 502 و ج 3 ص 12 و مائة منقبة ص 161 و الإرشاد ج 1 ص 233 و الأمالي للمفيد ص 135 و الأمالي للطوسي ص 162 و 255 و 548 و الإحتجاج ج 1 ص 191 و 216 و 391 و ج 2 ص 147 و 252 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 3 و العمدة لابن البطريق ص 68 و 69 و 98 و 102 و 118 و التحصين ص 636 و سعد السعود لابن طاووس ص 228 و إقبال الأعمال ج 2 ص 242 و الطرائف لابن طاووس ص 114 و 115 و مشكاة الأنوار ص 11 و الصراط المستقيم ج 2 ص 32 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 363 و 364 و 365 و 367 و الفصول المهمة في أصول الأئمة ج 1 ص 549 و حلية الأبرار ج 2 ص 328 و مدينة المعاجز ج 2 ص 382 و بحار الأنوار ج 2 ص 100 و 104 و 226 و 285 و ج 5 ص 21 و ج 10 ص 369 و ج 16 ص 337 و ج 22 ص 311 و 476 و ج 23 ص 107 و 108 و 109 و 113 و 117 و 526 و ج 23 ص 133 و 134 و 136 و 140 و 141 و 145 و 146 و 147 و ج 24 ص 324 و ج 25 ص 237 و ج 28 ص 262 و 287 و ج 30 ص 588 و ج 31 ص 376 و 415 و ج 35 ص 184 و ج 36 ص 315 و 331 و 338 و ج 37 ص 114 و 129 و ج 47 ص 399 و ج 86 ص 13 و 27 و نور البراهين ج 1 ص 384 و كتاب الأربعين للماحوذي ص 41 و 68 و العوالم (الإمام الحسين) ص 605 و 734 و مناقب أهل البيت ص 82 و 173 و 171 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 27 و 28 و 30 و 58 و ج 2 ص 3 و 8 و 47 و النص و الإجتهاد ص 13 و المراجعات ص 72 و 73 و 262 و السقيفة للمظفر ص 188، و راجع: كتب اللغة مادة ثقل، مثل: القاموس المحيط، و تاج العروس، و المناقب المرتضوية ص 96 و 97 و 100 و 472 و مدارج النبوة لعبد الحق الدهلوي ص 520. و نقله: الشيخ محمد قوام الدين الوشنوي في حديث الثقلين عن أكثر من تقدم، و عن الصواعق المحرقة ص 75 و 78 و 99 و 90 و 136 و عن ينابيع المودة ص 18 و 25 و 30 و 32 و 34 و 95 و 115 و 126 و 199 و 230 و 238 و 301 و إسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 10 و عن فردوس الأخبار للديلمي و نقله صاحب العبقات عن عشرات المصادر الأخرى، فراجع حديث الثقلين ص 22-29 فراجع.
و قد ذكر السخاوي: أن حديث الثقلين هذا مروي عن:
1-أبي سعيد الخدري.
2-زيد بن أرقم.
3-جابر.
4-حذيفة بن أسيد الغفاري.
5-خزيمة بن ثابت.
6-سهل بن سعد.
7-ضميرة.
8-عامر بن أبي ليلى.
9-عبد الرحمن بن عوف.
10-عبد اللّه بن عباس.
11-عبد اللّه بن عمر.
12-عدي بن حاتم.
13-عقبة بن عامر.
14-علي «عليه السلام» .
15-أبي ذر.
16-أبي رافع.
17-أبي شريح الخزاعي.
18-أبي قدامة الأنصاري.
19-أبي هريرة.
20-أبي الهيثم بن التيهان.
21-أم سلمة.
22-أم هاني بنت أبي طالب.
23-رجال من قريش (1).
1) حديث الثقلين للوشنوي ص 13 عن الإستجلاب لشمس الدين السخاوي.
و قد زاد صاحب العبقات على ما تقدم؛ الأسماء التالية: 24-الحسن بن علي «عليه السلام» .
25-سلمان الفارسي (المحمدي) .
26-حذيفة بن اليمان.
27-زيد بن ثابت.
28-عبد اللّه بن حنطب
29-جبير بن مطعم
30-البراء بن عازب
31-أنس بن مالك
32-طلحة بن عبيد اللّه
33-سعد بن أبي وقاص
34-عمرو بن العاص
35-سهل بن سعد
36-أبا أيوب الأنصاري
37-فاطمة الزهراء «صلوات اللّه و سلامه عليها»
38-أبا ليلى الأنصاري (1).
و قد صرحوا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال هذا القول في
1) حديث الثقلين ص 14 عن عبقات الأنوار المجلد الخاص بحديث الثقلين.
مواطن عديدة، فقد قاله في عرفة في حجة الوداع، و قاله في المدينة في مرضه الذي توفي فيه. و قاله في غدير خم، و قاله بعد انصرافه من الطائف (1).
و قد صرحوا: بأنه مروي عن نيف و ثلاثين صحابيا (2).
و قد ظهر مما تقدم: أنه مروي عن ما يقرب من أربعين.
و قد اعتبر ابن حجر الهيثمي الحديث المروي عن ثمانية من الصحابة متواتر (3)، فكيف إذا كان مرويا عن ثمانية و ثلاثين صحابيا؟ ! أو أكثر حسبما ذكرناه.
إن من الواضح: أن حديث: «كتاب اللّه و عترتي» متواتر.
و أما حديث: «و سنتي» فليس كذلك، فلو كانا متعارضين لوجب تقديم المتواتر.
على أن حديث «كتاب اللّه و عترتي» لا ينافي حديث «و سنتي» . . بل هما حديثان مستقلان لا يضر أحدهما بالآخر، و لو سلمنا ارتباطهما فهو ارتباط لا يضر، حيث يكون أحدهما موضحا، أو مقيدا للآخر، و يكون المعنى:
أن سنة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» التي يوصي بها هي التي تنقلها العترة، و هي التي تحفظ من الضلال؛ لأن العترة معصومة، عن الخطأ
و السهو و النسيان، و عن كل نقص و عيب، و خلاف. .
أما السنة التي يأتي بها أمثال: أبي هريرة أو سمرة بن جندب، أو كعب الأحبار، أو عمرو بن العاص، أو معاوية و أضرابهم، فلا يؤمن عليها من أن تكون قد تعرضت للتحريف، أو التزييف. .
فيكون في هذين الحديثين دلالة على الحجة، و على طريق ثبوتها. .
1-و حديث الثقلين نفسه يدل على عصمة العترة «عليهم السلام» ، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» جعلها عدلا للقرآن، في كون التمسك بها يوجب الأمن من الضلال، فلو كانوا «عليهم السلام» يسهون، أو يخطئون، أو ينسون، أو يكذبون-و العياذ باللّه-أو يحتمل ذلك في حقهم لم يكن التمسك بهم من موجبات الأمن من الضلال عن الحق. .
2-قد أكد هذا الحديث أن هذه العصمة لهم ثابتة و مستمرة إلى حين الورود على الحوض، و هو يدل على بقائهم في موقع الهداية للأمة ما دامت الدنيا باقية، و ذلك إنما يكون ببقائهم فيها بصورة فعلية، و على قيد الحياة، تماما كما هو الحال بالنسبة لبقاء القرآن. .
3-إن هذا لا يكون إلا ببقاء إمامتهم و حضورهم. . و ليكن هذا أحد الإرشادات إلى حياة الإمام المهدي «عليه السلام» إلى أن يرث الأرض و من عليها.
قال الهيثمي: «في أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك إلى يوم القيامة. كما أن الكتاب العزيز
كذلك» (1).
4-يضاف إلى ذلك: أنه لو جاز عليهم الخطأ لفارقوا القرآن، مع أن هذا الحديث يقول: إنهما لن يفترقا حتى يردا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحوض. .
5-إن التعبير بأن القرآن و العترة لن يفترقا. . يعطي: أن القرآن يكون مع العترة و يصدقهم، و لا يكون مع غيرهم في مقابلهم أبدا، و أنه لا يتضمن أي شيء يخالف أقوالهم، و أفعالهم، كما أنهم هم أيضا لا يفارقون القرآن. .
و هذا معناه: أن القرآن و السنة يحتاجان إلى حافظ و مبين، يشرحهما، و يبين ناسخهما من منسوخهما، و المحكم من المتشابه فيهما، و يكشف عن غوامضهما، و ينفي تحريفات المبطلين عنهما. .
6-لو كان الرجوع إلى الكتاب و السنة من دون رجوع للعترة يحفظ الأمة من الضلال، لم يختلف الناس بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يتفرقوا إلى عشرات الفرق، و لم يختلفوا في أحكامهم و اعتقاداتهم و. . و. . الخ. .
كما أنه لو كان الرجوع إلى الكتاب و السنة من دون العترة كافيا، لم يبق معنى لقوله تعالى: . . فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ (2)فإنه إذا وجب السؤال، و جاء الجواب، فلا بد من الأخذ به، و العمل على طبقه،
و هذا يستلزم ثبوت العصمة للمسؤول، إذ لولا ذلك لجاز أن يخطئ في الإجابة، و لا معنى لإيجاب الأخذ بالخطأ، و لا لإيجاب العمل به. .
و من الواضح: أن المقصود بالعترة ليس جميع أقارب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل المراد بهم قد بيّنه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «و عترتي أهل بيتي» كما صرحت به النصوص الكثيرة لحديث الثقلين.
و ذلك يشير: إلى ما ورد في آية التطهير، التي أثبتنا أن المراد بأهل البيت «عليهم السلام» فيها هم: «أهل بيت النبوة» و قد دل حديث الكساء، و حديث الأئمة بعدي اثنا عشر و غيرهما، على أنهم: فاطمة، و علي، و الحسنان. . ثم الأئمة التسعة من ذرية الحسين «عليهم السلام» ، فراجع كتابنا: «أهل البيت في آية التطهير» .
و أخيرا: فقد قال السمهودي: «و هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلا للتمسك من أهل البيت و العترة الطاهرين في كل زمان» (1).
و قد ذكر العلامة الوشنوي كلاما يفيد في توضيح هذا المعنى فراجع (2).
في هذا الفصل نذكر أولا النصوص التي ذكرها المؤرخون و كتّاب السيرة، ثم نعقبها ببعض التوضيحات، أو التصحيحات، أو المناقشات، التي نرى أن من المفيد الاطلاع عليها. .
و النصوص هي التالية:
قال الصالحي الشامي و غيره: روى الخرائطي في الهواتف، عن ابن عباس، قال: لما توجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد مكة عام الحديبية، قدم عليه بشر بن سفيان العتكي، فقال له: «يا بشر، هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري» ؟ (1).
فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، إني لأطوف بالبيت في ليلة كذا و قريش في أنديتها، إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس-ليلة أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمسير-بصوت أسمع أهل مكة:
هيوا لصاحبكم مثلي صحابتهسيروا إليه و كونوا معشرا كرما
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و 37 و الإصابة ج 1 ص 429.
بعد الطواف و بعد السعي في مهلو أن يحوزهم من مكة الحرما (1)
شاهت وجوهكم من معشر تكللا ينصرون إذا ما حاربوا صنما
فارتجت مكة، و اجتمع المشركون، و تعاقدوا ألا يدخل عليهم بمكة في عامهم هذا.
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «هذا الهاتف سلفع. شيطان الأصنام يوشك أن يقتله اللّه (تعالى) إن شاء اللّه عز و جل» .
فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتا، و هو يقول:
شاهت وجوه رجال حالفوا صنماو خاب سعيهم ما قصّر الهمما
إني قتلت عدو اللّه سلفعةشيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما
و قد أتاكم رسول اللّه في نفرو كلهم محرم لا يسفكون دما (2)
قالوا: و لما بلغ المشركين خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راعهم ذلك، فاجتمعوا و تشاوروا، فقالوا: أيريد محمد أن يدخلها علينا في جنوده معتمرا، فتسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، و بيننا و بينه من الحرب ما بيننا؟ ! و اللّه لا كان هذا أبدا و منا عين تطرف.
ثم قدموا خالد بن الوليد في مائتي فارس إلى كراع الغميم، و استنفروا من أطاعهم من الأحابيش، و أجلبت ثقيف معهم، و خرجوا إلى بلدح، و ضربوا بها القباب و الأبنية، و معهم النساء و الصبيان، فعسكروا هناك، و أجمعوا على منع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من دخول مكة و محاربته،
و وضعوا العيون على الجبال، و هم عشرة أنفس يوحي بعضهم إلى بعض الصوت الخفي: فعل محمد كذا و كذا، حتى ينتهي إلى قريش ببلدح (1).
و رجع بشر بن سفيان الذي بعثه «صلى اللّه عليه و آله» عينا له من مكة، و قد علم خبر مكة و القوم، فلقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغدير الأشطاط وراء عسفان فقال: يا رسول اللّه! ! هذه قريش سمعت بمسيرك، فخرجوا و معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، و قد نزلوا بذي طوى، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا، و هذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدمها إلى كراع الغميم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، و إن أظهرني اللّه تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، و إن لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوة، فما تظن قريش؟ فو اللّه لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني اللّه تعالى به حتى يظهره اللّه (تعالى) أو تنفرد هذه السالفة (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 356 و السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 و النص و الإجتهاد ص 167 و الكامل ج 2 ص 75 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 87 و مسند أحمد ج 4 ص 323 و كنز العمال ج 4 ص 439 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 209 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 272، و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و عن عيون الأثر ج 2 ص 115 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 605 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 313.
ثم قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسلمين، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«أما بعد: يا معشر المسلمين، أشيروا عليّ، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم» ؟ .
و قال: «فإن قعدوا، قعدوا موتورين محروبين، و إن يأتونا تكن عنقا- و في لفظ: عينا-قطعها اللّه، أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه» ؟ .
فقال أبو بكر (رضي اللّه عنه) : اللّه و رسوله أعلم، يا رسول اللّه إنما جئنا معتمرين، و لم نجئ لقتال أحد، و نرى أن نمضي لوجهنا، فمن صدنا عن البيت قاتلناه.
و وافقه على ذلك أسيد بن الحضير.
و روى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه، و محمد بن عمر عن شيوخه: أن المقداد بن الأسود (رضي اللّه عنه) قال بعد كلام أبي بكر:
إنّا و اللّه يا رسول اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فسيروا على اسم اللّه» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 111 و كنز العمال ج 10 ص 484 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 109 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 331 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 264 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 217 و المعجم الكبير ج 20 ص 10 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 225.
و دنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، فصف خيله فيما بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين القبلة، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» عباد بن بشر فتقدم في خيله، فقام بإزائه، فصف أصحابه، و حانت صلاة الظهر، فأذن بلال، و أقام، فاستقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» القبلة، و صف الناس خلفه، فركع بهم ركعة و سجد، ثم سلم، فقاموا على ما كانوا عليه من التعبئة.
فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرّة، لو حملنا عليهم أصبنا منهم. و لكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم و أبنائهم.
فنزل جبريل بين الظهر و العصر بهذه الآية: وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاٰةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً وَ لاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كٰانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً (1).
1) الآية 102 من سورة النساء.
فحانت صلاة العصر، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف (1).
روى البزار بسند رجاله ثقات، عن أبي سعيد الخدري مختصرا، و محمد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 38 و ج 8 ص 250 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 607 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 518 و البحار ج 20 ص 348 و ج 83 ص 110 و النص و الإجتهاد ص 165 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 59 و 60 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 254 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 505 و مسند أبي داود الطيالسي ص 192 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 351 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 596 و المنتقى من السنن المسندة ص 68 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 318 و المعجم الكبير ج 5 ص 213 و 214 و 215 و 216 و سنن الدارقطني ج 2 ص 47 و كنز العمال ج 8 ص 415 و تفسير القمي ج 2 ص 310 و التبيان ج 3 ص 311 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 177 و التفسير الصافي ج 1 ص 494 و ج 5 ص 33 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 606 و تفسير الميزان ج 5 ص 64 و ج 18 ص 264 و جامع البيان ج 5 ص 338 و 349 و معاني القرآن ج 2 ص 179 و أحكام القرآن ج 2 ص 331 و عن أسباب نزول الآيات ص 120 و زاد المسير ج 2 ص 182 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 364 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 561 و تفسير الجلالين ص 285 و الدر المنثور ج 2 ص 211 و 214 و لباب النقول ص 70 و فتح القدير ج 1 ص 509 و تهذيب الكمال ج 34 ص 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 93 و 94 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 157.
بن عمر عن شيوخه، قالوا: لما أمسى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «تيامنوا، في هذا العصل.
و في رواية اسلكوا ذات اليمين بين ظهور الحمض، فإن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة» (1).
كره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يلقاه، و كان بهم رحيما، فقال: «تيامنوا فأيكم يعرف ثنية ذات الحنظل» ؟
فقال بريدة بن الحصيب الأسلمي: أنا يا رسول اللّه عالم بها.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اسلك أمامنا» .
فأخذ بريدة في العصل-قبل جبال سراوع-قبل المغرب، فو اللّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، فسلك بريدة بهم طريقا وعرا أجرل (2)بين شعاب، و سار قليلا تنكّبه الحجارة،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37 و مسند أحمد ج 4 ص 328 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 178 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 218 و عن فتح الباري ج 5 ص 243 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 331 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 217 و المعجم الكبير ج 20 ص 10 و إرواء الغليل ج 1 ص 55 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 195 و تفسير الميزان ج 18 ص 465 و جامع البيان ج 26 ص 127 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 226 و أسد الغابة ج 4 ص 198 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 330.
2) أجرل: الجرل الحجارة. و قيل: الشجر مع الحجارة، أنظر لسان العرب ج 1 ص 603.
و تعلقه الشجر، و صار حتى كأنه لم يعرفها قط.
قال: فو اللّه، إني كنت أسلكها في الجمعة مرارا، فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي، فسار بهم قليلا، ثم سقط في خمر الشجر، فلا يدري أين يتوجه، فنزل عمرو بن عبدنهم الأسلمي، فانطلق أمامهم حتى نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الثنية، فقال: هذه ثنية ذات الحنظل» ؟
فقال عمرو: نعم يا رسول اللّه.
فلما وقف به على رأسها تحدر به.
قال عمرو: فو اللّه إن كان لتهمني نفسي وحدها، إنما كانت مثل الشراك فاتسعت لي حين برزت، فكانت فجاجا لاحبة. و لقد كان الناس تلك الليلة يسيرون جميعا معطفين من سعتها يتحدثون، و أضاءت تلك الليلة حتى كأنا في قمر (1).
و روى مسلم عن جابر مختصرا، و أبو نعيم عن أبي سعيد، و ابن إسحاق عن الزهري، و محمد بن عمر عن شيوخه.
قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان سرنا من آخر الليل حتى أقبلنا على «عقبة ذات الحنظل» .
قال جابر: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من يصعد ثنية المرار، فإنه يحطّ عنه ما حطّ عن بني إسرائيل؟ (2).
1) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية و النهاية ج 4 ص 165.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 39 و الكافي ج 8 ص 322 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 448 و البحار ج 20 ص 365 و ج 83 ص 111 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 31 و عن صحيح مسلم ج 8 ص 123 و الديباج على مسلم ج 6 ص 139 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 247 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 394 و المعجم الأوسط ج 3 ص 178 و كنز العمال ج 10 ص 384 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 65 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 203 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 229.
فكان أول من صعد خيل من الخزرج، ثم تبادر الناس بعد.
و قال أبو سعيد: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «مثل هذه الثنية الليلة كمثل الباب الذي قال اللّه تعالى لبنى اسرائيل: . . وَ اُدْخُلُوا اَلْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ. . (1)» (2).
و قال ابن إسحاق: إن المسلمين لما أن خرجوا من الأرض الصعبة، و أفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قولوا نستغفر اللّه و نتوب إليه» . . فقالوا ذلك.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «و اللّه إنها للحطّة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها» (3).
قال أبو سعيد: ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يجوز هذه الثنية الليلة أحد إلا غفر له» .
فلما هبطنا نزلنا فقلت: يا رسول اللّه، نخشى أن ترى قريش نيراننا.
فقال: لن يروكم (4).
فلما أصبحنا صلى بنا صلاة الصبح، ثم قال: «و الذي نفسي بيده لقد
غفر للركب أجمعين إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر التقت عليه رحال القوم ليس منهم» (1).
و قال جابر: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» (2).
قال أبو سعيد: فطلب في العسكر فإذا هو عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، و الرجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر، يظن أنه من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقيل لسعيد: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: كذا و كذا.
فقال له سعيد: ويحك! ! اذهب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستغفر لك (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 39.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37 و عن صحيح مسلم ج 8 ص 123 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 83 و الديباج على مسلم ج 1 ص 139 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 247 و 248 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 394 و المعجم الأوسط ج 3 ص 178 و كنز العمال ج 1 ص 102 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 202 و 203 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 229 و 230 و ج 35 ص 85 و مناقب أهل البيت ص 462 و سنن الترمذي ج 5 ص 358 و مجمع الزوائد ج 9 ص 161 و معرفة علوم الحديث ص 216 و ضعيف سنن الترمذي ص 518.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و 36 عن مسلم في صفات المنافقين رقم (12) و البيهقي في دلائل النبوة ج 4 ص 109 و ذكر ابن كثير في التفسير ج 4 ص 202 و صاحب الجمل أن هذا المنافق هو: الجد بن قيس.
و قال جابر: فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
فقال: و اللّه، لأن أجد ضالتي أحب إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم (1).
و قال أبو سعيد: فقال: بعيري و اللّه، أهم من أن يستغفر لي.
إذا هو قد أضل بعيرا له، فانطلق يطلب بعيره بعد أن استبرأ العسكر، و طلبه فيهم، فبينا هو في جبال سراوع إذ زلقت به نعله، فتردى فمات، فما علم به حتى أكلته السباع.
قال أبو سعيد: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ: «سيأتيكم أهل اليمن كأنهم قطع السحاب. هم خير أهل الأرض» (2).
و نقول:
إن لنا على النصوص المتقدمة ملاحظات عديدة، بعضها للتوضيح، و بعضها للتصحيح، نذكر منها ما يلي:
1) و عن صحيح مسلم ج 8 ص 123 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 83 و الديباج على مسلم ج 6 ص 139 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 248 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 394 و المعجم الأوسط ج 3 ص 178 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 202 و 203 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 229 و 230.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36-40. و في المصادر بعض النصوص، فراجع: مسند أحمد ج 4 ص 82 و مجمع الزوائد ج 10 ص 54 و فتح الباري ج 8 ص 77.
و أما عدول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الطريق، و عدم مواجهته طليعة المشركين التي كانت بقيادة خالد. فلعله يرجع إلى عدة أسباب. .
منها: أنه لم يرد أن يواجه تلك الطليعة لكي يتجنب أي اشتباك معها، يمكن أن يدفع بالأمور إلى حيث تصبح الحرب مع قريش أمرا مفروضا لا يمكن تجنبه، و قد يمكن لقريش أن تشيع: أن أصحابه، أو بعضهم هم الذين تسببوا بنشوب الحرب.
و منها: أن ذلك يمثل ضربة لعنفوان قوى الشرك، حيث إن طلائعهم، و كذلك عيونهم المنتشرة في كل مكان لم تغن عنهم شيئا. .
و منها: أنه لا يريد أن يشعر المشركون بأنهم قادرون على التحكم بقرار الحرب، و أنهم قد فرضوا عليه أن يتحرك وفق ما رسموه له، مما يعني: أن خططهم ناجحة من الناحية العسكرية.
و منها: أنه يريد أن يربك حركتهم العسكرية، و يعرفهم: أنهم غير قادرين على التحكم في مسار الأمور، مما يعني: أن أخطار المواجهة معه لا يمكن الاستهانة بها. . و أنهم لا يستطيعون ضمان النجاح في أي شيء. .
قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة:
أن الخزاعي الذي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عينا له على قريش قد عاد إليه، فقال: «إني تركت كعب بن لؤي، و عامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، و هم مقاتلوك، و صادوك عن البيت.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أشيروا عليّ، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم، فنصيبهم؟ فإن قعدوا الخ. .» (1).
فالذي جمع الجموع-وفق ما قاله هذا النص-هو قبائل عامر و كعب ابنا لؤي. . مع أن أبا سفيان هو الذي يجمع الجموع، و يريد أن يقاتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يصده عن البيت. . فما معنى نسبة هذا الأمر إلى هؤلاء بهذا التهويل و المبالغة؟ !
على أن المذكور في النص الآخر هو قريش، و أن استشارته أصحابه إنما هي حين قدم خالد بمن معه. .
و أما الحديث عن صرخة شيطان الأصنام «سلفع» (2)فهو حديث غريب و عجيب (3)، إذ فيه:
أولا: أن الأبيات المنسوبة إلى «سلفع» في غاية الركاكة و السقوط، و البيت الثاني منها ليس له لون، و لا طعم، و لا رائحة. .
1) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 366.
2) مسند أحمد ج 4 ص 328 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 218 و ج 10 ص 109 و عن فتح الباري ج 5 ص 242 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 330 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 171 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 217 و جامع البيان ج 26 ص 126 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 37.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و الإصابة ج 1 ص 151.
و كذلك الحال بالنسبة للأبيات الأخرى، إذ لا نجد معنى مقبولا أو معقولا لقوله في البيت الأول: «ما قصر الهمها» .
ثانيا: لماذا لم يقتل هذا الهاتف شيطان الأصنام قبل هذه الحادثة، فلم يقتله في حرب بدر، أو قبل الهجرة، أو في أحد، أو في حمراء الأسد، و الخندق، أو غير ذلك؟ !
و لماذا لم يكن سلفع الشيطان يخبر أهل مكة بتحركات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ضدهم؟ !
ثالثا: كيف علم بسر (أو بشر) بن سفيان الذي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ذي الحليفة إلى مكة عينا له: أن صرخة الشيطان كانت ليلة مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم؟ و كيف حضر في مكة ساعة هذه الصرخة؟ ! مع أن بسر بن سفيان لم يكن في مكة حين مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها؟ ! .
ولو فرضنا: أنه كان فيها، فكيف جاء من مكة كل هذه المسافة قبل أن يجاوز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذا الحليفة.
و إذا كان قد عاد إليه، و كانت عودته قبل قتل سلفع، حتى أبلغه بصرخته، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يوشك أن يقتله اللّه. . فلماذا تأخر قتل سلفع، كل هذه المدة؟ !
رابعا: إن بسر بن سفيان هو الذي يحدث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الأحداث، و هو الذي يقول: فبلغ النبي ذلك، فأخبر أن هذا سلفع يوشك أن يقتله اللّه إن شاء اللّه.
ثم قال: فبينما هم كذلك إذ صوت الهاتف الثاني الذي أخبرهم بأنه قتل
سلفعا، فما معنى قوله: فبينما هم كذلك؟ !
هل معناه: أنهم كانوا لا يزالون في مجالسهم و أنديتهم؟ !
فكيف يكون ذلك الخبر قد وصل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليقول في حق سلفع ما قال؟ !
فإن ظاهر قوله: بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه بلغه بالطرق العادية.
خامسا: إن كلام سلفع لم يتضمن أي خبر لقريش عن تحركات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يخبرهم في شعره بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقصدهم بالحرب، أو أنه يقصد دخول مكة.
بل غاية ما فيه: أنه يطلب منهم أن يجهزوا جيشا يشتمل على ضعف أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أن يسيروا إلى حربه، فما معنى قول الرواية: إنهم لما سمعوا ذلك الشعر «ارتجت مكة، و اجتمع المشركون، و تعاقدوا: أن لا يدخل عليهم بمكة في عامهم هذا» ؟ !
سادسا: إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد إعلام قريش بمسيره، لكي يفاجئها بالأمر، و يجعلها أمام الأمر الواقع، ليربكها، و يشعرها بالعجز، و الضعف، حيث يكون قد وجه لها صدمة روحية، حتى إذا استجاب لمطالبها، فإنه يكون في موقع المتفضل الرحيم بها. .
نعم. . إذا كان الأمر كذلك. . فلماذا يتدخل هذا الهاتف الثاني ليفسد خطط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو ليؤثر سلبا عليها، و ذلك حين أخبر أهل مكة بمسيره «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و أنه على حال الإحرام. و ما إلى ذلك؟ !
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن قريشا و من تابعها من ثقيف، و غيرها من القبائل قد تجمعوا في مكان يقال له: (بلدح) ، و عسكروا هناك، و وضعوا العيون على الجبال، و تستمر الرواية لتقول: إن بسر بن سفيان الذي لقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بغدير الأشطاط، وراء عسفان قد قال للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» : إنهم «قد نزلوا بذي طوى» .
و من الواضح: أن (بلدح) هو واد غربي مكة-كما يقول ياقوت (1).
و أما ذو طوى، فهو: واد في طريق التنعيم إلى مكة (2).
و يستوقفنا هنا: قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب، فإن هم أصابوني الخ. .
و نقول:
إن نظرة منصفة إلى واقع الحال تعطينا: أن هذا الكلام من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما هو إلا رسالة ذات مغزى عميق و دقيق، يريد
الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يوصلها إلى الناس، من أجل سوقهم نحو هدف يريد أن يصل إليه، و أن يحصل عليه. .
أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بدأ كلامه بما يلتقي مع ما يعانيه الناس العاديون من شدائد اقتصادية، و ضغوطات عاطفية، و اجتماعية و أمنية، و خسائر في الأنفس، و في الأموال، و في العلاقات. . و غير ذلك. .
حيث قال عن قريش: «لقد أكلتهم الحرب» ! ! . . مع ما في ذلك من إظهار درجة من العطف على هؤلاء الذين يظلمون أنفسهم، و يظلمون غيرهم، و هم قريش، أو على الأقل، فيه إيحاء، بأن من الممكن التجاوز عما مضى، و أن الأمور بينه و بين قريش لم تصل إلى نقطة اللا رجوع. .
ثم قدم خيارات يجد فيها من يتعرض لهذه المعاناة متنفسا مقبولا و حلا معقولا، ينسجم مع ما يصبو و يشتاق إليه، حب السلامة و الراحة. .
و لكن من الواضح: أن هذه الخيارات و إن كانت سوف تؤثر على مستوى ثقة العرب بقريش، و على علاقاتهم بها، و لكنها خيارات واقعية، تحمل معها الخلاص من العناء و الشقاء، و البلاء و ما يجري على قريش و المشركين. فإنما على نفسها جنت براقش. . و تلك هي نتائج الإثم و البغي و العدوان.
يضاف إلى ذلك: أن الأخذ بهذه الخيارات، من شأنه أن يوزع القوى، فيسهل على المظلومين مواجهة الظلم، لأن القوى حين تكون متفرقة فإنها لا تملك نفس القوة حين تكون مجتمعة، فإنه إذا قضي على قوة العرب الذين هم حول قريش فلن تنفع قريشا قوتها. . خصوصا مع تنامي قوة الإسلام،
و اتساع رقعته، و ازدياد نفوذه.
و الخلاصة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقدم لقريش خيارات، لو عملت بها، فسوف تجد نفسها في أحضان الإسلام، و لن تقوى على مقاومته، و لا تجد مناصا من الدخول فيه، و سوف تكون بأمس الحاجة إلى حمايته، و الاستظلال بظله. .
فالأمور التي طرحها «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن تجاهلها، بل لا بد أن يعلق في أذهان الناس شيء منها، و يثير ذلك بلابل في صدورهم، و تبدأ من ثم الاقتراحات التي تنسجم مع أجواء تلك الخيارات، فتضعف العزائم عن خوض الحروب، و تنقاد النفوس لقبول حلول تقرّبهم من أجواء السلم، و القبول بما كان مجرد تخيله يعد جريمة و خيانة، و عارا عندهم. .
و قد كانت المبادرة إلى العمرة، و إلى الإحرام، و سوق الهدي، تهدف إلى إثارة هذه الأجواء، حيث فرض عليهم الرضا بأن يعاهدوه و يصالحوه. . و رضوا أيضا بأن يدخل إلى الحرم، و يحج البيت في سنة لاحقة. . مع أن التفكير الذي كان سائدا إلى تلك اللحظة هو لزوم قتله، و كل من معه. . فالتنزل و القبول بما هو أدنى من ذلك يعتبر إنجازا عظيما.
و لا شك في أن الخيارات السابقة التي طرحها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحدثنا عنها آنفا قد أسهمت في إثارة هذه الأجواء التي ساعدت على الوصول إلى تلك النتائج الباهرة و الفتح العظيم. .
1-و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشار أصحابه في هذه
المناسبة أيضا و قد أظهرت هذه المشورة أنه لم يكن لدى المسلمين ميل للقتال، و لا كانوا يتسترون بالإحرام، و يضمرون العدوان، حينما تمكنهم الفرصة. و قد كان لابد من تسجيل و إظهار هذه الحقيقة للأجيال، فلم يعد يمكن للذين لا يؤمنون أن يقولوا: إن أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا تعكس ما في ضميره، لأنه رجل سياسي، و منطق السياسة التي درجوا عليها، هو المكر و الخداع، و انتهاز الفرص السانحة.
2-إننا نعتقد: أن مشورة أبي بكر بعدم القتال، كانت تنسجم مع سياساته الرامية إلى تعزيز قريش، و حفظ عنفوانها، و عدم المساس برموزها، كما ظهر من مشورته في حرب بدر، سواء بالنسبة لأصل الحرب، أم بالنسبة لسعيه لإنقاذ أسرى قريش من القتل.
3-و كان لهذه التدخلات أثرها الضاغط على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المثير فيما بين المسلمين سلبيات كبيرة و متنوعة، من حيث تأثيرها على مستوى الثقة و القناعة، و من ثم على الطاعة و الانقياد و الرضا من قبل عامة المسلمين بقرارات النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
4-لقد كان موقف المقداد في بدر و في الحديبية، الذي هو الإعلان بالتسليم المطلق لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو الموقف الصحيح و الصائب، الذي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد له أن يتنامى و أن يشيع و يتأكد و يتجذر فيما بين المسلمين. ليصبح خلقهم و سجيتهم الظاهرة في كل حين، و كل وقت، و في كل موقف.
5-إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : أترون أن نميل على ذراري هؤلاء؟ يراد به إظهار الخلق النبيل و السامي لأهل الإيمان، و أنهم يتعاملون مع
الأمور بمنطق المبادئ و القيم، لا بمنطق الأهواء و الغرائز، وردات الفعل. فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أوضح: أن هناك قبائل قد انضمت إلى قريش لتحارب معها، و تركوا ذراريهم خلفهم بلا حام و لا كفيل. و هذا خطأ فادح، لأن المفروض بالمحارب: أن يحسب حساب عدوه، و لا يدع ماله، و عياله يقعان في معرض الاستباحة! ! فها هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرض الأمر على من معه، و يستدرجهم بسؤاله لهم إلى الإعلان بأنهم طوع إرادته، و رهن إشارته، ليرى الناس كيف يعفّ و يعفو و لا يقدم على أي عمل يتناقض مع مبادئه و دينه رغم قدرته عليه.
إن موقف المقداد هو الموقف الصحيح، فإن الإعلان بالطاعة- خصوصا-في مثل هذه المواقف أمر مطلوب؛ حسبما أوضحناه، كما أنه يدخل الرعب و اليأس في قلوب الأعداء، و تضعف توقعاتهم بزعزعة وحدة الذين جاؤوا لحربهم. .
أما جواب أبي بكر، فهو يعني: أن في أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من يتجرأ عليه، و يبادر إلى رسم الطريق له، و يطلب منه أن يكون بأمره، و رهن إشارته و يجعل نفسه في موقع من يعرف الرأي الصائب، و يتوهم أنه قد عرف ما لم يعرفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و هذا الأمر يطمع العدو في المسلمين، و يدفعه إلى التفكير في التدخل في سياساتهم، بإلقاء الآراء المختلفة إليهم ليثير البلبلة في أفكارهم، و يلقي الشبهات لديهم في صوابية قرارات القيادة، و مدى إدراكها لما يجب فعله أو يجب تركه. و هذا خلل خطير و كبير تداركه المقداد «رحمه اللّه» ، و رضي عنه و أرضاه.
و قد حاول البعض أن يدّعي: «أن في عامة تصرفات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، ما يدل على مشروعية الشورى، و ضرورة تمسك الحاكم بها.
و عمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا يدل على طبيعة هذه الشورى، و المعنى الذي شرعت من أجله. فالشورى في الشريعة الإسلامية مشروعة، و لكنها ليست ملزمة. و إنما الحكمة منها استخراج وجوه الرأي عند المسلمين، و البحث عن مصلحة قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض، أو استطابة لنفوسهم.
فإذا وجد الحاكم في آرائهم ما سكنت نفسه إليه، على ضوء دلائل الشريعة الإسلامية و أحكامها أخذه، و إلا كان له أن يأخذ بما شاء، شرط أن لا يخالف نصا في كتاب و لا سنة، و لا إجماعا للمسلمين. .
و لقد وجدنا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» استشار أصحابه في الحديبية، و أشار عليه أبو بكر بما قد علمت.
قال له: إنك يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.
و لقد وافقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر، و مضى مع أصحابه، متوجها إلى مكة حتى إذا بركت الناقة، و علم أنها ممنوعة، ترك الرأي الذي كان قد أشير به عليه.
و أعلن قائلا: و الذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها.
و حينئذ تحول العمل عن ذلك الرأي الذي أبداه أبو بكر إلى أمر
الصلح و الموافقة على شروط المشركين، دون أن يستشير في ذلك أحدا» .
إلى أن قال: فهذا «يدل أيضا على أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها، لا للإلزام أو التصويت على أساسها» (1).
و نقول:
إن لنا على هذا الكلام عدة ملاحظات، نذكر منها ما يلي: 1-إنه ليس في تصرفات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على ضرورة تمسك الحاكم بالشورى، بل غاية ما تدل عليه: أنه يباح للحاكم أن يمارسها.
2-إنه ليس في تصرفاته «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على ضرورة تمسك الحاكم بالشورى، بل غاية ما تدل عليه: أنه يباح للحاكم أن يمارسها.
2-إنه ليس في تصرفاته «صلى اللّه عليه و آله» ما يدل على أن الحاكم ملزم بالأخذ بما يشيرون به عليه، فقد يأخذ بمشورة أحدهم، و قد لا يأخذ بمشورة أحد منهم أصلا، بل يأخذ برأي نفسه.
3-إن حكمة ممارسة الشورى لا تنحصر بما ذكره ذلك البعض، بل قد تشمل إظهار نوايا بعض من يدلون بآرائهم فيها، لكي يعرف الناس تلك النوايا، ليمكنهم تمييز المخلص من غيره، و الذكي من الغبي، و الشجاع من الجبان، و. . و. .
4-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن بحاجة إلى رأي أحد؛ لأنه عقل الكل، و مدبر الكل، و فوق الكل. و لا يمكن أن يختص أحد بعلم شيء دونه. . فاستشارته للناس لا يمكن أن تكون لأجل معرفة الصواب من الخطأ، أو لأجل علم اختص به سواه.
1) فقه السيرة (ط دار الفكر) ص 324 و 325.
5-إن من أعظم الموبقات و الجرائم في حق النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» هو القول بإمكان أن يأخذ برأي يخالف نصا في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، فإن هذا يدل على انتفاء صفة العصمة عنه، و من موجبات فقد الثقة بما يقول و يفعل. .
و هذا القائل الذي نحن بصدد مناقشة كلامه ليس فقط لم يستثن النبي «صلى اللّه عليه و آله» من هذه المقولة، بل هو قد صرح: بأنه قاصد له فيها، حيث قال بعد حوالي أربع صفحات في إشارة منه إلى عباراته الآنفة الذكر، و موضحا مراده فيها ما يلي:
«قد علمت فيما سبق: أن تصرفات النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا تكتسب قوة الحكم الشرعي، إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها، أو التأكيد لها. و لقد أقرّ الكتاب كل بنود المصالحة إلا ما يتعلق برد النساء إلى بلاد الكفر، فلم يقرّه، و ذلك على فرض دخوله في بنود الاتفاقية و شروطها» (1).
على أننا لم نفهم وجها لقوله: مخالفة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للسنة، فإن السنة هي نفس قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» و فعله و تقريره. .
كما أننا لم نفهم الوجه في مخالفة النبي «صلى اللّه عليه و آله» للإجماع، و كيف يمكن أن يتحقق ذلك.
و هذا يسقط الحقيقة التي تقول: إن قول الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و فعله و تقريره حجة بنفسه على العباد، كما أنه يثير الشك و الشبهة في ما يصدر عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يحتاج نفس قوله و فعله إلى مراجعة على
1) فقه السيرة ص 329.
أهل الاختصاص و الاجتهاد لإجراء مقارنة بينه و بين الآيات، و الاطلاع على الإجماعات التي قد تكون في حياته، أو تنشأ بعد وفاته، ليتم عرض كلامه عليها، و قياسه عليها! !
6-و أما ما زعمه هذا القائل: من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ برأي أبي بكر أولا، ثم لما بركت الناقة، و علم أنها ممنوعة ترك ذلك، و تحول إلى أمر الصلح و الموادعة.
فهو غير صحيح: فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شاورهم، و سمع مشورة أبي بكر، و مشورة المقداد، ثم قال: امضوا على بركة اللّه، فليس في كلامه أية دلالة على ما عقد العزم عليه، بل بقي متمسكا بقوله: إنه لم يأت لقتال أحد، بل جاء للعمرة و زيارة البيت، و قال: «إن قريشا قد نهكتهم الحرب، و أضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، أو يخلو بيني و بين الناس، و إن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، و إلا فقد جمّوا الخ. .» .
فلماذا ينسب هذا الرجل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمرا لم يكن؟
و لماذا يريد أن يظهر الخطأ و التقلب و الاختلاف في مواقف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» . . من دون أي شاهد أو دليل إلا ما تنسجه يد التعصب لفريق بعينه، حتى لو أدى ذلك: إلى الاستهانة به «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و قد تقدم أيضا زعمهم: أن خالدا دنا حتى نظر إلى رسول اللّه، فأمر
«صلى اللّه عليه و آله» عباد بن بشر فتقدم في خيله، فقام بإزاء خالد، فصف أصحابه، و حانت صلاة الظهر، فصلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم ركعة، ثم قاموا الخ. . (1).
و نقول:
إننا نشك في صحة ذلك، استنادا إلى ما يلي: أولا: إن خالد بن الوليد لا يجرؤ على التقدم إلى حد أن يصف خيله قبالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذا كان معه مائتا راكب فقط، و كان المسلمون أضعاف هذا العدد. .
ثانيا: ما معنى: أن يصل خالد و يصف خيله بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بين القبلة؟ !
و أين كانت خيل المسلمين في هذه اللحظة؟ !
و كيف لم تبادر للوقوف في وجهه بمجرد ظهوره؟ !
و لماذا لم تمنعه من أن يصف خيله؟ !
ثالثا: إذا كانت خيل المسلمين بقيادة عباد بن بشر قد اصطفت بإزاء خالد، فمعنى ذلك: أن المسلمين ملتفتون إلى عدد أفراد من معه، عارفون بمواقعه، مراقبون له.
1) الدر المنثور ج 2 ص 211 عن عبد الرزاق، و سعيد بن منصور، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و عبد بن حميد، و أبي داود، و النسائي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الدارقطني، و الطبراني، و الحاكم و صححه، و البيهقي عن أبي عياش الزرقي. و في الدر المنثور: عن الترمذي و صححه، و ابن جرير عن أبي هريرة، و في الدر المنثور أيضا ج 2 ص 213 عن البزار، و ابن جرير، و الحاكم و صححه عن ابن عباس.
فما معنى قول خالد، حين رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصلي بمن معه: «قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم، أصبنا منهم» ؟ .
رابعا: أين كان علي بن أبي طالب «عليه السلام» عن ساحة القتال آنئذ؟ !
و لماذا قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عباد بن بشر، و لم يقدم عليا، الذي كانت تخشاه قريش كل الخشية؟ !
ألم يكن علي «عليه السلام» هو القائد العام في تلك الغزوة، كما كان في غيرها؟ !
خامسا: إن الآية القرآنية تقول: حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (1)، و على هذا الأساس نقول:
ما معنى قول خالد عن صلاة العصر: إنها أحب إلى المسلمين من أنفسهم و أبنائهم؟ !
فهل أمر اللّه للناس بالمحافظة على الصلاة الوسطى يجعل هذه الصلاة أحب إلى المسلمين من أنفسهم و أموالهم، ثم تصبح الصلوات الأخرى أقل أهمية من هذه الصلاة؟ ! . .
سادسا: ما معنى: أن يركع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم ركعة، و يسجد و يسلم في صلاة الظهر؟ ! فهل أصبحت صلاة الظهر ركعة واحدة؟ ! أم أن هذه هي صورة صلاة الخوف؟ !
و إذا كانت صلاة الخوف، فما معنى قولهم: إن آية صلاة الخوف قد
1) الآية 238 من سورة البقرة.
نزلت في صلاة العصر، لا في صلاة الظهر؟ !
سابعا: بالنسبة لنزول آية صلاة الخوف في هذه المناسبة نقول:
إن هناك روايات تعارض الرواية المذكورة، فقد: 1-روي عن سليمان اليشكري: أنه سأل جابر بن عبد اللّه عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ !
فقال جابر بن عبد اللّه: و عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم الخ (1).
2-عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى صلاة الخوف يوم بطن نخلة (2).
قال ياقوت الحموي: بطن نخل: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة (3).
3-و عن ابن عباس أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد صلاها بذي قرد. . (4)و قد تقدم ذلك.
1) الدر المنثور ج 2 ص 211 عن ابن جرير، و عبد بن حميد، و شرح معاني الآثار ج 1 ص 317 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 136 و جامع البيان ج 5 ص 334 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 227.
2) الدر المنثور ج 2 ص 212 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و المعجم الكبير ج 12 ص 195 و جامع البيان ج 5 ص 344.
3) معجم البلدان ج 1 ص 449 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 604 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 423 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 22.
4) الدر المنثور ج 2 ص 212 عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و الحاكم و صححه.
4-عن عائشة، و عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلاها في غزوة ذات الرقاع (1).
و هذا هو المروي عن أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» (2).
5-عن جابر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاها و هو محاصر بني
1) الدر المنثور ج 2 ص 212 عن أبي داود، و ابن حبان، و الحاكم و صححه، و البيهقي، و مالك، و الشافعي، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة، و الدارقطني و دعائم الإسلام ج 1 ص 199 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 516 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 170 و عوالي اللئالي ج 2 ص 62 و البحار ج 20 ص 176 و 178 و ج 83 ص 112 و اختلاف الحديث ص 527 و مسند أحمد ج 6 ص 275 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 51 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 265 و شرح صحيح مسلم ج 6 ص 128 و عن فتح الباري ج 7 ص 321 و 326 و 327 و الديباج على مسلم ج 2 ص 425 و عون المعبود ج 4 ص 81 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 503 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 303 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 124 و نصب الراية ج 2 ص 294 و 295 و موارد الظمآن ص 155 و كنز العمال ج 8 ص 419 و إرواء الغليل ج 2 ص 292 و جامع البيان ج 5 ص 341 و أحكام القرآن ج 1 ص 544 و ج 2 ص 330 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 368 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 560 و أسد الغابة ج 1 ص 22 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 291 و 293 و الثقات ج 1 ص 258 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 424 و 607 و إعلام الورى ج 1 ص 189 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 180 و 181 و 185 و ج 12 ص 60.
2) تفسير البرهان ج 1 ص 411 عن من لا يحضره الفقيه.
محارب بنخل (1).
و بعد ما تقدم نقول:
كيف يصح قول مجاهد: إنه «صلى اللّه عليه و آله» صلى صلاة الخوف بعسفان، و المشركون بضجنان، «فلم يصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف قبل يومه و لا بعده» ؟ ! (2).
و كيف يمكن الاطمئنان إلى صحة ما ورد في تلك الرواية، من أن صلاة الخوف قد نزلت في غزوة الحديبية سنة ست؟ !
ثامنا: إننا إذا أردنا أن نلزم هؤلاء الناس بما ألزموا به أنفسهم، فإننا نقول:
إنهم هم أنفسهم قد صرحوا: بأن صلاة الخوف قد نزلت في السنة السابعة (3)، أي بعد غزوة الحديبية، بسنة. فما معنى دعواهم هنا: أنها شرعت و نزلت الآية في غزوة الحديبية. .
تاسعا: إن دعواهم: أن صلاة العصر كانت أحب إلى المسلمين من
1) الدر المنثور ج 2 ص 213 عن الدارقطني و ص 214 عن ابن جرير، و ابن أبي شيبة.
2) الدر المنثور ج 2 ص 214 عن ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 350.
3) الدر المنثور ج 2 ص 214 عن أحمد، و مسند أحمد ج 3 ص 384 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 51 و مجمع الزوائد ج 2 ص 196 و عن فتح الباري ج 7 ص 324 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 31 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 181 و ج 8 ص 252 و ج 8 ص 252 و ج 12 ص 63.
أنفسهم و أبنائهم، لم نجد ما يثبتها في التاريخ العملي، الذي يمكّن خالدا من انتزاع هذه الصورة عنهم، و التصريح بها أمام جيشه. .
يضاف إلى ذلك: أنه إذا كانت آية: حٰافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوٰاتِ وَ اَلصَّلاٰةِ اَلْوُسْطىٰ. . هي المنشأ لما قاله عن صلاة العصر، فإننا نقول:
إن المروي عن أهل البيت «عليهم السلام» هو: أن المقصود بالصلاة الوسطى هو: صلاة الظهر (1).
و إذا أخذنا بالرواية التي تقول: إن الإمام الصادق، و كذلك الإمام الباقر «عليهما السلام» قد قرأ: «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى، و صلاة العصر، و قوموا للّه قانتين» (2).
فأضاف «عليه السلام» كلمة «و صلاة العصر» لأجل التفسير و البيان، و ربما ليعلمنا: بأن هذا التفسير قد أنزله اللّه تعالى، و ليس قرآنا، بل هو بمثابة الحديث القدسي، الذي هو من عند اللّه تعالى، و لكنه ليس من القرآن. .
فنقول:
إن هذه الرواية تجعل صلاة الظهر في مستوى صلاة العصر، فما معنى كونها أحب إلى المسلمين من أنفسهم و أبنائهم؟ ! .
و لعل الرواية الأقرب إلى الإعتبار هي: تلك التي رواها علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الإمام الصادق «عليه السلام» :
أنها نزلت لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحديبية، يريد مكة.
فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس، كمينا، يستقبل رسول اللّه، فكان يعارض النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الجبال.
فلما كان في بعض الطريق، و حضرت صلاة الظهر، فأذن بلال، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم، و هم في الصلاة لأصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، و لكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى، و هي أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم.
فنزل جبرئيل «عليه السلام» على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصلاة الخوف في قوله: وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ. . الآية (1).
فليس في هذه الرواية أي شيء مما أوجب الإشكال على الرواية الأخرى التي ناقشناها آنفا. . سوى هذه العبارة الأخيرة، التي قد يفهم منها أن الآية قد نزلت و أن تشريع صلاة الخوف قد حصل في هذه المناسبة. . مع أن هناك رواية عن أهل البيت «عليهم السلام» تصرح: بأن ذلك قد كان في غزوة ذات الرقاع (2).
و يمكن تجاوز هذا الإشكال إذا كان المراد: أن جبرئيل «عليه السلام» قد نزل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره بنية المشركين، و أن
تكليفك يا محمد الآن هو: أن تعمل بالآية المباركة التي أنزلناها عليك في غزوة ذات الرقاع. . و ليس المراد أن تشريع هذه الصلاة قد بدأ في الحديبية.
و لكن يبقى التساؤل الذي سجلناه حول قول خالد، عن صلاة العصر: إنها أحب إليهم من ضياء عيونهم. . فما هذه الخصوصية لصلاة العصر، و من الذي عرّف خالدا هذا الأمر عن المسلمين. هذا ما لم نستطع أن نهتدي إلى وجهه. و اللّه هو العالم بالحقائق.
و قد لو حظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أوضح للناس، أو أظهر في العديد من المواضع: الرعاية الغيبية لهم، و أخبرهم بالعديد من القضايا التي لا تعرف إلا بالإخبار الإلهي، و التوقيف. . مثل ما تقدم، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخبر المسلمين: أن قريشا لن ترى نيرانهم حين جاوز ثنية ذات المرار، و قد تقدم الحديث عن أن ثنية الحنظل قد اتسعت للمسلمين، فكانت فجاجا لاحبة (أي واسعة) ، بعد أن كانت ضيقة مثل الشراك.
و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر لهم: أن هذه الثنية مثل باب حطة لبني إسرائيل، و أخبرهم عن رجل لم يكن من المسلمين، و هم يظنونه مسلما مثلهم، و هو موجود بينهم. و غير ذلك مما تقدم.
فإن ذلك كله و سواه مما ذكرناه في الفصل السابق و مما سيأتي، ما هو إلا توطئة للتقليل من وقع المفاجأة التي سوف يسقط فيها الكثيرون، و ذلك حين يظهر لهم: أنه سوف لن يدخلوا المسجد في عامهم هذا. . و أنهم قد أخطأوا حين ظنوا: أن ما أخبرهم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف
يتحقق في نفس هذا المسير. .
و قد فاجأهم هذا الأمر، إلى حد: أنهم امتنعوا من طاعة أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالإحلال في مواضعهم، و التأهب للعودة كما سنرى. .
و لعله لولا ما رأوه من مزيد عناية اللّه تعالى بهم، و من معجزات و كرامات إلهية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتجاوز الأمر حدود الشك إلى ما هو أعظم و أدهى، و أشر و أضر على دينهم و يقينهم.
تقول النصوص: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أخبرهم بأن خالد بن الوليد قد وصل في خيل لقريش إلى الغميم-طليعة لقريش- و لم يظهر من إخباره هذا أنه قد تلقى ذلك من العيون. . و إن كان ذلك محتملا-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سلك طرقا معينة استطاع باختياره لها أن يفاجئ خالد بن الوليد، حتى لتقول الرواية: «فو اللّه، ما شعر بهم خالد، حتى إذا هم بقترة-أي بغبار-الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش» .
و هذه المفاجأة من شأنها أن ترهب خالدا و من معه، و أن تربكهم بحيث يفلت زمام المبادرة من يدهم. .
و قد ظهر مما تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بالمسالك، مطّلعا على المفاوز، بأسمائها و مواصفاتها، فهو يأمر أصحابه بسلوك فجاج معينة، و يوجه مسيرتهم في اتجاهات محددة، و لكنه مع ذلك يطلب من بريدة أن يكون هو الدليل للناس. و يحمل هذا التصرف من الدلالات و المعاني ما لا يخفى. .
لكن رواية سلوك المسلمين إلى ثنية ذات الحنظل قد تضمنت فقرة نرى أنها مقحمة في الرواية، لأسباب لا تخفى، فقد قالت الرواية: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه:
اسلكوا ذات اليمين بين ظهور الحمض، فإن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة.
«كره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يلقاه، و كان بهم رحيما» .
و نقول:
صحيح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان رحيما، و لكن بالمؤمنين. أما المشركون المحاربون للّه و لرسوله و لدينه، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» كان شديدا عليهم. و لا يتساهل معهم، إلا بمقدار ما يكون ذلك ضروريا لدفع أذاهم عن أهل الإيمان، و تأليفهم على الإسلام. و قد وصف تعالى المؤمنين بقوله: . . أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ. . (1).
فما معنى حشر هذه الكلمة المنسوبة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الموضع؟ !
ثم إن من الواضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأت قريشا محاربا، و إنما جاء معتمرا، محرما، فلا مكان للحديث عن الرحمة لقريش. .
كما أن الاستفادة من عنصر المفاجأة من شأنه أن يسقط مقاومة العدو، و يضيّع عليه فرصة تسديد ضربته، و يجعله في حالة ضياع و ارتباك. و من
1) الآية 29 من سورة الفتح.
شأن هذا: أن يحفظ للمسلمين هيبتهم و قوتهم، و هيمنتهم، و يصون لهم سلامتهم.
و من جهة ثالثة: إن خالدا و من معه-أنفسهم-كانوا يعرفون أن لقاء المسلمين في ساحة الحرب لن يكون في مصلحتهم، خصوصا بملاحظة الفارق الكبير في حجم القوة فيما بين الفريقين، فإن المسلمين كانوا أضعاف المشركين، و فيهم علي «عليه السلام» الذي عرفوه في بدر، و في أحد، و الخندق، و. . فهل تراهم يجازفون بأرواحهم في مثل هذه الأحوال؟ !
إن غاية ما تستطيع هذه الطليعة فعله هو مشاغلة المسلمين لبعض الوقت، و إعاقة حركتهم إلى أن تأتي قريش و حلفاؤها إلى نجدتها. .
و قد رووا أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى ثنية ذات المرار صفة باب حطة الذي كان لبني إسرائيل، و أن من يصعدها يحط عنه ما يحط عن بني إسرائيل. و أنه لا يجوز أحد في تلك الليلة هاتيك الثنية إلا غفر له. . و أنه قد غفر للركب أجمعين إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر الخ. .
و نقول:
إن لنا تساؤلات ههنا لا بد من طرحها، نذكر منها ما يلي: 1-لقد قال تعالى: وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هٰذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهٰا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ اُدْخُلُوا اَلْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنٰا عَلَى اَلَّذِينَ
ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ (1).
و قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن كل ما كان في الأمم السالفة سيكون في هذه الأمة مثله.
و في نص آخر: لتركبن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، و مطابق النعل بالنعل، حتى لو دخل أولئك جحر ضب لدخل هؤلاء فيه.
و في بعض الروايات: لا تخطئون طريقهم، و لا يخطئكم سنة بني إسرائيل (2).
1) الآيتان 58 و 59 من سورة البقرة.
2) راجع هذه الأحاديث في: البحار ج 5 ص 22 و ج 13 ص 180 و ج 22 ص 390 و ج 24 ص 350 و ج 28 ص 7 و 30 و 282 و 2 و ج 29 ص 450 و ج 36 ص 284 و ج 51 ص 253 و ج 52 ص 110 و ج 53 ص 72 و 141 و التاج الجامع للأصول ج 1 ص 43 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 893 و إعلام الورى ج 2 ص 93 و السيرة النبوية ج 3 ص 616 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و اللمعة البيضاء ص 396 و دعائم الإسلام ج 1 ص 1 و الإيضاح ص 426 و المسترشد ص 229 و أمالي المفيد ص 135 و الصراط المستقيم ج 3 ص 107 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 185 و راجع: المستدرك للحاكم ج 4 ص 455 و مجمع الزوائد ج 7 ص 261 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 634 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 286 و الجامع الصغير ج 2 ص 401 و كنز العمال ج 11 ص 134 و تفسير العياشي ج 1 ص 303 و مجمع البيان ج 7 ص 405 و ج 10 ص 308 و التفسير الصافي ج 2 ص 26 و نور الثقلين ج 1 ص 606 و مسند أحمد ج 3 ص 74 و الإعتصام بالكتاب و السنة ج 8 ص 151 و 57 و الميزان (تفسير) ج 2 ص 108 و ج 3 ص 380 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2
و في رواية أخرى: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما خرج إلى خيبر (و في حديث إلى حنين) مر على شجرة، يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم.
فقالوا: يا رسول اللّه، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة. و الذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم (1).
و هذا معناه: أن موضوع باب حطة المذكور هنا سيقع مشابها لما كان في بني إسرائيل، حيث تذكر الروايات: أن بني إسرائيل قد أخطأوا خطيئة، فأحب اللّه أن ينقذهم منها، إن تابوا، فقال لهم:
إن انتهيتم إلى باب القرية، فاسجدوا و قولوا حطة. تنحط عنكم خطاياكم.
(2) -ص 235 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 273 و ج 8 ص 97 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 364 و ج 4 ص 523 و الدر المنثور ج 6 ص 56 و التاريخ الكبير ج 4 ص 163 و الثقات ج 6 ص 191 و البداية و النهاية ج 4 ص 372 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 46.
1) عولي اللآلي ج 1 ص 314 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 266 و مسند أحمد ج 5 ص 218 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 94 و الصراط المستقيم ج 3 ص 107 و سنن الترمذي ج 3 ص 322 و سنن أبي داود الطيالسي ص 191 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 369 و مسند الحميدي ج 2 ص 375 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 634 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 346 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 30 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 243 و 244 و البيان في تفسير القرآن ص 221 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 893 و البداية و النهاية ج 4 ص 372 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 616.
فأما المحسنون، ففعلوا ما أمروا به.
و أما الذين ظلموا فزعموا: «حنطة حمراء» الخ. . (1).
أي أنهم بدل أن يقولوا: حطة.
قالوا: حنطة حمراء، تجاهلا و استهزاء.
و المراد بقولهم: «حطة» هو: حط عنا ذنوبنا يا اللّه.
و تطبيق ذلك على أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية، معناه: أن جماعة الخلص من المؤمنين هم الذين أطاعوا اللّه و رسوله في قضية الحديبية، أما الذين ظلموا فبدّلوا قولا غير الذي قيل لهم، و لم يقبلوا ما جاءهم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استخفوا به. فإعطاء و سام المغفرة للجميع لا يتلاءم مع ما أخبر اللّه و رسوله به من أن قوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف يفعلون مثل فعل بني إسرائيل. .
2-إن من الواضح: أن مجرد مسيرهم وفق دلالة الدليل، و وصولهم إلى ثنية المرار لا يكفي لاعتبار ذلك بمثابة باب حطة. بل هذا بمثابة خروج بني إسرائيل من أرض التيه، و نجاتهم منها. .
1) البحار ج 9 ص 185 و ج 13 ص 180 و 181 و 183 و 187 عن قصص الأنبياء و راجع: مجمع البيان ج 1 ص 118-120 و مجمع الزوائد ج 6 ص 314 و فتح الباري ج 8 ص 229 و تفسير الإمام العسكري ص 260 و 545 و مجمع البيان ج 1 ص 230 و جوامع الجامع ج 1 ص 180 و التفسير الصافي ج 1 ص 136 و التفسير الأصفى ج 1 ص 39 و كنز الدقائق ج 1 ص 255 و جامع البيان ج 1 ص 433 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 103 و الدر المنثور ج 1 ص 71 و البداية و النهاية ج 1 ص 379 و قصص الأنبياء للجزائري ص 299.
فلا بد أن يتعرضوا لا متحان يشبه ما تعرض له بنو إسرائيل، فإذا اجتازوه، استحقوا المغفرة للخطايا، تماما كما استحقها الذين أمروا بأن يدخلوا باب حطة سجدا، و أن يطلبوا حط الذنوب عنهم. و هذا ما لم يحصل من المسلمين بعد، فلماذا يبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يمنحهم هذه المغفرة؟ ! في حين أن المغفرة تحتاج إلى التوبة، و لم يظهر منهم بعد الذنب، ما يدل على التوبة، أو يشير إليها.
3-لقد كان بين المسلمين أيضا أناس من المنافقين، و قد اعتبروا عبد اللّه بن أبي كان رأسهم و قد حضر أيضا الحديبية، فهل غفر اللّه له أيضا؟ ! كما هو صريح العبارة المؤكدة على أن المغفرة قد نالت كل الحاضرين بدقة تامة، باستثناء رجل واحد، هو راكب الجمل الأحمر؟ !
و يدل على حضور ابن أبي في غزوة الحديبية قولهم: إن قريشا بعثت في الحديبية إلى أبي بن سلول، إن أحببت أن تدخل فتطوف في البيت، ففعل، فقال له ابنه عبد اللّه: يا أبت أذكرك اللّه ألا تفضحنا في كل موطن؛ تطوف، و لم يطف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
فأبى حينئذ، و قال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و في لفظ: إن لي في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسوة حسنة.
فلما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امتناعه (رض) أثنى عليه بذلك (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و ستأتي بقية المصادر لذلك إن شاء اللّه تعالى.
كما أن الجد بن قيس كان في ذلك الجمع أيضا. و كان يرمى بالنفاق، و قد قالوا: إنه نزل في حقه في غزوة تبوك ما يدل على نفاقه.
بل هم يقولون: إنه حين جرت بيعة الرضوان تخلف عنها، و لم يتخلف عنها غيره.
قال بعض من حضر: كأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، يستتر بها من الناس (1).
فلماذا لم يستثنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ممن غفر له من الحاضرين في الحديبية؟ !
بل إننا نلاحظ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أخذ البيعة في الحديبية من بعض من حضر ثلاث مرات. . أو مرتين كما كان الحال بالنسبة لسلمة بن الأكوع و غيره. .
و البعض. . و إن كان يعتبر ذلك فضيلة لسلمة، و يظنه تنويها بشجاعته التي أظهرها في غزوة ذي قرد. .
إلا أننا نشك كثيرا في صحة هذا التعليل، فإنهم يقولون: إن كثيرين من الصحابة كانوا أفضل من ابن الأكوع، و لأجل ذلك هم لا يرضون بتفضيل ابن الأكوع على ما يدّعون أنهم العشرة المبشرون بالجنة، و هم يرون: أن أبا بكر، و عمر، و عثمان، و عليا «عليه السلام» ، أفضل من سلمة بن الأكوع بمراتب.
و أما شجاعة سلمة. . فلا شك في أنها لا تصل إلى مستوى شجاعة أبي
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و ستأتي مصادر أخرى لذلك إن شاء اللّه.
دجانة، أو زيد بن حارثة، أو ابن رواحة، أو الزبير، أو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» . فلماذا خصه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأخذ البيعة منه ثلاث مرات دون هؤلاء، و دون غيرهم، من أصحاب المواقف المشهورة؟ !
على أننا قد قدمنا: أن ما يذكرونه عنه في غزوة ذي قرد لا يصح، و الشواهد كلها على خلافه. .
من أجل ذلك كله و سواه نقول: إننا لا نجد تفسيرا مقبولا أو معقولا لطلب البيعة منه أكثر من مرة. إلا أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتخوف من نكثه، فأراد أن يحرجه بذلك أمام المئات من صحابته. . و أن يشير له: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» عالم بدخيلة نفسه، فعليه أن يلزم حده، و يقف عنده.
لسوف نتحدث في هذا الفصل عن الاختيار الإلهي لموضع الحديبية، و حبس اللّه ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هناك، و منعها من مواصلة سيرها، ثم نتبع ذلك بفصول تعنى بمتابعة الأحداث التي سبقت و رافقت و لحقت كتابة المعاهدة المعروفة ب «صلح الحديبية» . . التي اعتبرها اللّه سبحانه فتحا مبينا، و نصرا مؤزرا. .
و سوف نحاول أن لا يكون حديثنا ذا اتجاه واحد، أي أننا لا نريد أن نستغرق في بيان الحيثيات، و الدوافع، و النتائج السياسية لمعاهدة الهدنة، كما أننا لا نريد الاكتفاء بسرد الأحداث، وفقا لما ورد في الروايات الحديثية و التاريخية. . بل نريد أن نعزز ذلك أيضا بالإشارة إلى كل ما يستفاد من حركة الأحداث التي سبقت، و رافقت، ثم لحقت هذا الحدث الهام. سواء في ذلك، ما له مساس بالنواحي العقائدية، أم السلوكية، أم التاريخية، و غير ذلك.
بالإضافة إلى محاولة كشف مواقع الزيف و التزوير في المواضع المختلفة، بالمقدار الذي يسمح به المجال.
فمن أجل ذلك نورد بعض النصوص المتوفرة لدينا وفق ما هي عليه في مصادرها.
ثم نعقب ذلك ببعض التوضيحات، أو التصحيحات، أو الإثارات التي نحسب أنها ستكون مفيدة و سديدة إن شاء اللّه تعالى. .
فنقول:
قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سار من المدينة، فلما دنا من الحديبية وقعت يدا راحلته على ثنية تهبط في غائط القوم (1)، فبركت راحلته، فقال-و في رواية: فقال الناس-: حل، حل.
فأبت أن تنبعث، و ألحت، فقال المسلمون: خلأت القصواء (2).
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما خلأت القصواء؛ و ما ذاك لها بعادة.
و في لفظ: بخلق. و لكن حبسها حابس الفيل عن مكة.
ثم قال: و الذي نفس محمد بيده، لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمات اللّه تعالى إلا أعطيتهم إياها.
ثم زجرها، فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه.
و في رواية: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد، ظنون، قليل الماء الخ. . (3).
1) الغائط: المكان المطمئن الواسع.
2) خلأت الناقة: يراد: أنها حرنت، كما تحرن الفرس.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40 و السيرة الحلبية ج 3 ص 11 و 12 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) (ط دار الكتاب العربي) ص 367 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 و المنتظم ج 3 ص 268 و جوامع السيرة النبوية ص 164 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 324 و المواهب اللدنية (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 267 و 268 و في هامشه عن سنن أبي داود رقم الحديث 2765 و مسند أحمد ج 4 ص 323 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 212 و 591 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 275 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 314 و 315 و الكامل في التاريخ ج 2 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 96 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 178 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 218 و عن فتح الباري ج 8 ص 243 و عون المعبود ج 7 ص 316 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 332 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 513 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 218 و المعجم الكبير ج 20 ص 10 و كنز العمال ج 10 ص 484 و 489 و إرواء الغليل ج 10 ص 55 و مجمع البيان ج 9 ص 195 و تفسير الميزان ج 18 ص 265 و جامع البيان ج 26 ص 127 و زاد المسير ج 7 ص 160 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و الثقات ج 1 ص 297 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 226 و البداية و النهاية ج 4 ص 198.
و نقول:
إن لنا هنا وقفات، هي التالية:
لقد ظهرت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسيره هذا معجزات، و كرامات إلهية و قد رآها، و عاش أجواءها جميع الذين كانوا معه في ذلك المسير، و كلها تدل: على أن اللّه تعالى يرعى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ،
و يسدده في ما هو بصدده، و هي تقطع لمن كانوا معه، و لغيرهم كل عذر، و تزيل عنهم كل شبهة و ريب، و تفرض عليهم التسليم و الانقياد له «صلى اللّه عليه و آله» .
و لكن ما جرى لناقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حسبما ذكرناه آنفا، قد جاء ليعالج الأمر بطريقة مختلفة، وضعت فيها النقاط على الحروف، و انتقل من التلميح إلى التصريح، في نفس الأمر الذي عصاه فيه أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» .
فإن الفيل الذي حبس، في قضية أبرهة عند دخول مكة يستجيب لأمر حابسه، و هو اللّه سبحانه، كما أن أمر اللّه هو الذي حبس ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن الاستمرار في السير لدخول مكة فكان ما أراه سبحانه. .
فما معنى إصرار أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» على الدخول في أمر تدخّل اللّه مباشرة لمنعه، و إلغائه. . فإن هذا الإصرار منهم يدخل تصرفهم هذا في عداد التمرد السافر على اللّه تعالى، بعد البيان الصادق، و التأكيد المتلاحق، تلميحا تارة، و تصريحا أخرى، بالقول و بالعمل و الممارسة. .
و هذا معناه: أنه لم يكن هناك أي مبرر لامتناع الأصحاب عن إطاعة أمر اللّه تعالى لهم بالإحلال من إحرامهم، بالحلق أو التقصير، و الرجوع، حتى انتهى الأمر، بافتضاح المتمردين على أمر اللّه و رسوله أيما فضيحة. .
و يزيد من قباحة فعلهم هذا: أنهم بإحرامهم للعمرة إنما يعلنون، بصورة عملية: أنهم بصدد طاعة اللّه سبحانه، و أنهم زاهدون في هذه الدنيا، و لا تهمهم أنفسهم، و أنهم تائبون من كل ما بدر منهم من ذنوب، مستسلمون إلى اللّه
سبحانه في كل ما يختاره لهم، فما معنى أن يعودوا للتمرد عليه و على رسوله؟ ! و ما معنى أن يعصوا أوامره؟ ! و أن يشكوا في دينهم شكا لم يشكوا مثله قبل ذلك، و لا بعده، كما صرح به بعضهم؟ !
و كيف يطيعون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسير للعمرة، و لا يطيعون أمره في الإحلال منها؟ !
و الذي يزيد الأمر خطورة و تعقيدا، أن المسلمين حتى حين أحلوا و حلقوا رؤوسهم، قد ظهر منهم أنهم كانوا مرغمين على هذا الإحلال، حتى إنهم حين كانوا يحلقون رؤوس بعضهم كاد بعضهم أن يقتل بعضا بالجراحات، من شدة غمهم و ارتباكهم، و عظيم غيظهم. .
و لا شك بأن قرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو السبب فيما حدث لهم من هم و غم، و أن غضبهم كان منه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث لم يرضوا بما رضيه اللّه و رسوله لهم.
فأين هذا من قول زينب صلوات اللّه و سلامه عليها في مناسبة ما جرى على أقدس الخلق، و هو الإمام الحسين «عليه السلام» و من معه، و صحبه في كربلاء: «رضا اللّه رضانا أهل البيت» .
و حين سألها ابن زياد كيف رأيت صنع اللّه بأخيك، قالت: ما رأيت إلا جميلا، و غير ذلك كثير. .
فيا ساعد اللّه قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على هذا المصاب الجلل، الذي أظهر بوضوح: كيف أنه ما أوذي نبي بمثل ما أوذي «صلى اللّه عليه و آله» .
و من جهة أخرى: فإن اللّه سبحانه قد صرح: بأن من جملة أسباب منع
المسلمين من دخول مكة على حال الحرب، هو وجود أناس مؤمنين في مكة، لم يكن المسلمون يعرفون بإيمانهم، و كان دخولهم مكة سوف يلحق الضرر بهم.
قال تعالى: هُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ اَلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لاٰ رِجٰالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسٰاءٌ مُؤْمِنٰاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اَللّٰهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشٰاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (1).
قد قرأنا في حديث هجرة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لما هاجر إلى المدينة، و دخلها، اعترض بنو سالم طريقه، و طلبوا منه أن يقيم عندهم، فقال لهم «صلى اللّه عليه و آله» مشيرا إلى ناقته:
«خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، و قال أيضا مثل ذلك لبني بياضة، و بني ساعدة، و بني الحارث بن الخزرج، و بني النجار. . فلما بركت عند باب مسجده «صلى اللّه عليه و آله» في مربد لغلامين من بني النجار، نزل عنها، و بنى هناك مسجده» (2).
1) الآية 25 من سورة الفتح.
2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 343 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 161 و البحار ج 19 ص 123 و الغدير ج 7 ص 270 و الثقات ج 1 ص 134 و أسد الغابة ج 2 ص 368 و الإصابة ج 3 ص 170 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 116 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 343 و عن عيون الأثر ج 1 ص 255 و راجع حديث الهجرة في أي كتاب تاريخي شئت.
و هذا يعطي: أن هناك حيوانات لها خصوصيتها، و لها مهماتها، التي رصدها اللّه تعالى لها. . فتأتيها الأوامر بتلك المهام، فتنفذها بدقة، بالطرق التي يسرها لها اللّه تعالى.
و قد كانت ناقة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» التي هاجر عليها، و التي ركبها في الحديبية من هذا النوع المميز و الكريم.
و يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يقل: إنها مأمورة، بل قال: حبسها حابس الفيل، و قصة ذلك الفيل هي التالية:
روى أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ما جرى بين عبد المطلب و أبرهة، و فيه: «. . فردت عليه إبله، فانصرف عبد المطلب نحو منزله، فمر بالفيل في منصرفه، فقال له: يا محمود.
فحرك الفيل رأسه.
فقال له: أتدري لم جاؤوا بك؟ !
فقال الفيل برأسه: لا.
فقال عبد المطلب: جاؤوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك؟ !
فقال برأسه: لا.
فانصرف عبد المطلب إلى منزله، فلما أصبحوا غدوا الخ. .» (1).
1) البحار ج 15 ص 158 و 159 و الكافي ج 1 ص 446 و 447 و 448 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 179 و 180 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 356 و نور الثقلين ج 5 ص 670.
و إن إشارته «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى الفيل، و إلى حابسه تعطينا:
أولا: إن اللّه تعالى هو الذي تولى منعه عن دخول مكة، و ليس المانع هو الخوف من قريش.
ثانيا: لقد كان المطلوب هو أن يدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة بصورة لا ينشأ عنها أية مشكلة. . حتى لو كان دخوله حقا له، و حتى لو ظلموه بمنعه عن ممارسة هذا الحق. .
فالدخول الذي ينتهي بالقتال و كسر حرمة البيت مرفوض، حتى لو كان المانع من هذا الدخول ظالما. .
و قد حبس اللّه الفيل ليشير إلى حرمة هذا البيت، و لتقوم الحجة بذلك على أبرهة و من معه الذين ينكرون حرمته، و يسعون لإسقاطها، حتى إذا أهلكهم اللّه تعالى أهلكهم عن بينة.
ثالثا: لقد كان حبس ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من موجبات زيادة يقين أهل الإيمان، و من موجبات تعظيمهم بيت اللّه سبحانه، و تأكيد حرمته في قلوبهم. .
و نوضح ذلك كما يلي: لقد ذكرت الروايات: أنه لما بركت ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ادّعى أصحابه أنها حرنت. . رد عليهم «صلى اللّه عليه و آله» بالإشارة إلى أن لكل ناقة خلقا، و أن ذلك ليس لها بخلق، ثم صرح: بأن السبب إلهي غيبي، و هو: أن حابس الفيل هو الذي حبسها.
و نريد أن نتوقف قليلا عند هذه الإشارة النبوية المباركة و الهادية، لنطل منها على بعض اللمحات في قضية أصحاب الفيل. . فنقول:
إن هذه القضية قد أصبحت مفصلا تاريخيا هاما لدى الإنسان العربي، و المكي بصورة خاصة، و قد كان لها عميق التأثير في روحه و في وجدانه. حتى جعلها مبدءا لحساب التاريخ للمواليد، و للأحداث الصغيرة و الكبيرة، و الحقيرة و الخطيرة.
و عام الفيل هو العام الذي ولد فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أرخ به مولده «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك في السابع عشر من شهر ربيع الأول.
و قد خلد القرآن هذا الحدث الفريد في سورة قرآنية، اسمها سورة الفيل، و هي التالية:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ اَلْفِيلِ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبٰابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجٰارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (1).
و الأبابيل: هي الفرق أو الجماعات المتفرقة زمرة زمرة. و هي جمع لا واحد له. .
و طير أبابيل: أي فرق متتابعة متجمعة.
و السجيل: الطين. و قال البيضاوي: الطين المتحجر.
1) الآيات 1-5 من سورة الفيل.
و ملخص القضية:
أن ملك اليمن قد صمم على مهاجمة الكعبة و هدمها، فجاء أبرهة إلى مكة في جيش كثيف، قيل إنه حوالى ستين ألف مقاتل، و معه فيل أبيض عظيم الخلقة لم ير مثله، و يقال: كان معه فيلة كثيرة أخرى أنهى بعضهم عددها إلى ألف فيل! !
و إنما أدخلوا عنصر الفيلة في جيشهم، لأنهم يرون أن هذه الفيلة العظيمة الخلقة قادرة على عدم الجدران، حين تنطحها برأسها، و تقوضها بأنيابها الطويلة و البارزة. و هي أيضا مصدر تخويف و إرهاب للآخرين، و من وسائل إظهار الشوكة و العظمة و العزة لأصحابها. .
و حين حلّ هذا الجيش في هذه المنطقة فرّ أهل مكة إلى الجبال، و بقي عبد المطلب. و ربما شخص آخر. . فاستولى أبرهة على إبل لعبد المطلب، فجاء عبد المطلب إليه، فعظمه أبرهة و بجله لهيبته. لأنه كان رجلا جليلا و جميلا و مهيبا، فطالبه بإبله، فأظهر أبرهة أنه كان يتوقع منه أن يطالبه بالرجوع، فمطالبته بأمر شخصي أفقده المكانة التي كانت له لديه.
فقال عبد المطلب: إنه هو رب الإبل، و للبيت رب يمنعه.
فلما انصرف عبد المطلب مرّ على الفيل الأعظم، فسأله إن كان يدري لماذا جاؤوا به إلى هذه الأرض، فأشار إليه الفيل برأسه: أنه لا يعلم. . فأخبره أنهم يريدون هدم الكعبة، فهل هو فاعل، فأشار برأسه: أنه لا يفعل ذلك.
ثم بدأ أبرهة هجومه على مكة و الحرم، فلما وصلوا إلى الحرم امتنع
الفيل الأعظم من دخوله، و بعد عدة محاولات فاشلة هاجموا ذلك الفيل بسيوفهم، و قتلوه.
ثم جاءت من جهة البحر جماعات من الطيور تشبه طير الخطاف، و كانت تطير قريبة من الأرض و يحمل كل واحد منها ثلاثة أحجار من الطين اليابس، أحدها في منقاره. . و الآخران في رجليه. . فلاحق ذلك الجيش، و صار يرميهم بتلك الأحجار، فكان الحجر يقع على رأس الرجل، فيخرق مغفره حديدا كان أو غيره، و يخرق الرأس و البدن، حتى يخرج من دبر ذلك الرجل. بل يضرب الأرض، و يحدث فيها أثرا أيضا.
و قد ذكّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس بهذا اللطف الإلهي، و بهذه المعجزة الربانية التي تجلت فيما جرى لأصحاب الفيل. . مؤكدا بذلك العديد من الحقائق، التي كان الناس يحتاجون إلى تلمسها بصورة حية، و عميقة. . و منها:
1-التأكيد على معنى التوحيد، و تعميق الاعتقاد باللّه الواحد الأحد القادر، و القاهر. . الذي لا يعجزه شيء، و لا يلغي إرادته أحد، مهما كان جبارا و عاتيا.
2-إبطال ما يزعمونه لأصنامهم من تأثير في حياة الناس، مهما كان ضئيلا، و ضعيفا، و لو على مستوى الوهم و التخيل. فإنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها، و لا يمكنها منع الآخرين من تحطيمها، و من التصرفات المختلفة فيها. . فضلا عن أن تكون لها قدرة على سحق جبروت الجبارين،
و إبطال كيد الظالمين.
3-و لابد أن يتذكر الناس كلهم قول عبد المطلب لأبرهة، الذي هزّ كيانه، و تطامن له كبرياؤه: إن للبيت رب يمنعه.
4-إن عبد المطلب حين انصرف من عند أبرهة مرّ بالفيل، فقال له: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاؤوا بك؟ !
قال الفيل برأسه: لا.
فقال: عبد المطلب جاؤوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك؟
فقال برأسه: لا. فانصرف عبد المطلب إلى منزله (1).
إن على الناس أن يتذكروا ما قاله عبد المطلب للفيل، حيث ناداه باسمه «محمود» ، أو وصفه بهذا الوصف. ثم امتناع ذلك الفيل عن دخول الحرم للتعرض للكعبة، الأمر الذي اوجب انفجار غضب سائقيه عليه، فقطعوه بسيوفهم. .
5-إن في هذا الأمر إلماحا إلى: أن موضوع الإيمان باللّه، و الخضوع لإرادته، أو التمرد عليه، لا يختص بالبشر، بل هو يشمل سائر مخلوقات اللّه تبارك و تعالى، كما أشرنا إليه أكثر من مرة في هذا الكتاب و في غيره، و أوردنا له الشواهد الكثيرة من كتاب اللّه، و من النصوص عن المعصومين «عليهم السلام» ، و من الوقائع التاريخية المختلفة. .
1) نور الثقلين ج 5 ص 670 و 671 و 675 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 507 و 508 و كنز الدقائق ج 14 ص 446 و 447 و 438 و 440 و 441 و الكافي ج 1 ص 447 و 448 و ج 4 ص 216 و تفسير القمي ج 2 ص 442-444.
6-قد ظهر أن عبد المطلب كان يعلم: أن الفيل يفهم ما يقول. و أنه سوف يجيبه على سؤاله. .
و كان يعلم أيضا: أن الفيل هو الذي يختار أن يفعل، و يختار أن لا يفعل.
7-إن الأمر الذي لابد من التأمل فيه هو: أن الكثير من الناس يخاطبون الحيوانات، و لكنها لا تجيبهم. و لنا أن نطمئن إلى أن هذا الفيل لا يجيب آنئذ غير عبد المطلب لو خاطبه، فهل لعبد المطلب خصوصية في إيمانه؟ ! أو مع اللّه تخوله مخاطبة الحيوانات، و تفرض عليها أن تستجيب له، و تجيبه؟ !
و ما هي تلك الخصوصية؟ !
أهي خصوصية النبوة التي وردت في حديث عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مفاده: أن اللّه لم يزل ينقل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه من أبيه عبد اللّه؟ !
8-اللافت هنا: أن الناس كلهم قد تركوا مكة في قصة الفيل، و اعتصموا بالجبال المحيطة باستثناء عبد المطلب، الذي أقام على سقايته، و شيبة بن عثمان بن عبد الدار الذي أقام على حجابته (1).
و يفهم من روايات أخرى: أن عبد المطلب بقي وحده (2).
9-و نلاحظ: أن اللّه تعالى لم يرسل على أصحاب الفيل ريحا صرصرا عاتية، و لم يخسف بهم الأرض، و لا أصابهم بصاعقة. و لا أرسل عليهم
حاصبا من السماء، و لا أخذهم الطوفان، و لا غير ذلك. .
كما أنه لم يرسل عليهم و حوشا ضارية، كالأسود أو الذئاب. و لا سلط عليهم النسور و العقبان. . و لا أي طير آخر يعد في جملة الجوارح؛ لأن ذلك كله يمكن التماس تأويلات و تفسيرات طبيعية له، قد تضعف من درجة الوعي لمضمونه الصحيح، و تفصل علاقته بالغيب، و تلحق ضررا بالغا بالقناعة بأنه فعل رباني، و تدخل إلهي مباشر.
فقد يزعم زاعم: أن الجوع و الصدفة هما اللذان جمعا هذه الوحوش في هذا المكان و الزمان.
و أن الطوفان قد جاء: نتيجة زلزال عظيم حدث في قاع البحر.
و أن الحاصب قد كان: نتيجة اصطدام بعض الكواكب السيارة ببعضها حتى تناثرت مكوناتها، فوصلت إلى الأرض في هذا الموقع دون سواه حفنة قاتلة.
و أن الخسف قد حصل: بسبب تحرك أو انزلاق الصفائح الصخرية و سواها في الفجوات التي تكون عادة في أعماق الأرض.
و أن الصاعقة: عبارة عن نيازك ضلت طريقها، فأصابت هذا الموقع أو ذاك.
و ذلك كله من شأنه أن يقلل من قيمة حادثة الفيل، أو يحدّ من تأثيرها في هداية البشر.
بل أرسل عليهم طيورا صغارا كالخطاف (1)-كما صرحت به النصوص-
1) تفسير البرهان ج 4 ص 507 و الصافي ج 5 ص 376 و الكافي ج 4 ص 216 و مختصر تفسير ابن كثير ج 3 ص 677 و 678 و البحر المحيط ج 8 ص 512 و النهر المادي من البحر (بهامش البحر المحيط) ج 8 ص 511 و كنز الدقائق ج 4 ص 441 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 192 و 196 و تفسير القاسمي ج 7 ص 390 و نور الثقلين ج 5 ص 671 و حاشية الصاوي على الجلالين ج 4 ص 354.
تقصدهم دون سواهم من الناس الحاضرين في ذلك المحيط. و قد استطاعت أن تقضي على ذلك الجيش المجهز بكل عناصر القوة، بوسائل بسيطة جدا لا يمكن أن تلحق أدنى أذى بالغير، فضلا عن أن تكون سببا في قتله، أو أن تخترق جسمه و ما يلبسه من حديد، و غيره.
ثم إن هذه الطيور الضعيفة تكرر غاراتها على أهدافها، مرة بعد أخرى، في إشارة و دلالة واضحة على القصد و العمد منها فيما تمارسه من فعل، و أنها تنفذ أمرا موكلا إليها، تعرف حدوده و آثاره، و آفاقه بدقة.
10-إن الطيور العادية، لم تعرف بقدرتها على الأذى، حتى و هي مستقرة على المواضع الصلبة. . و ما شأن الأذى الذي يمكن أن تلحقه طيور عادية بمخلوق قوي كالإنسان، خصوصا إذا كان قد تسلّح بمختلف أنواع الأسلحة، و تدرّع بكثير من الموانع التي تجعله قادرا على مواجهة أي طارئ.
و لذلك نقول: إن هذا التأثير الخارق، لابد أن يعطي القناعة بأن الأمر غير عادي، و أنه أمر إلهي بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
11-و بعد أن أصبحت هذه الطيور الصغيرة، و الضعيفة معلقة في الهواء، تطير بين الأرض و السماء، فإنها ستكون أضعف تأثيرا، و أكثر و هنا، لأنها لا تكاد تستمسك في حال طيرانها، حين تكون في أعماق الجو، حتى لو
سكنت الرياح، بل حتى لو ساعدها هبوبها، و خف و سهل عليها التنقل في كل ساح و ناح.
12-إن هذه الطيور التي يزداد ضعفها في حال طيرانها، لا تملك قوة تمكنها من قذف محمولاتها إلى حد تستطيع معه إلحاق الأذى بمن تصطدم به مقذوفاتها تلك، بل هي عاجزة عن ذلك تماما. .
هذا لو قلنا: إنها تستطيع حمل ما يكون له وزن يعتد به، خصوصا في حال طيرانها، إذا أخذنا بنظر الاعتبار مدى فعالية الوسائل التي جهزت بها لتحقيق طيرانها هذا. .
بل إنها حتى لو استطاعت أن تقذف بما تحمله، باتجاه أي هدف كان، فإن طبيعة هذا المقذوف تأبى أن يكون له أي تأثير على الغير، بل يرتد تأثيره على نفسه بتلاشيه و تفرق أجزائه.
13-ثم إن هذه الطيور قد حملت معها أشياء لا يمكن مقارنتها بما كان لدى جيش أبرهة من وسائل الوقاية و الدفاع، أو الهجوم و الاندفاع. فالطيور كانت تحمل حبات صغيرة جدا كالعدسة (1)ليست من جنس الحديد و لا الفولاذ، و لا من الحجارة القاسية، و لا حتى من الخشب، أو نحو ذلك، بل هي من الطين الذي لا يتحمل الصدمة، بل هو الذي يتأثر بها، و لا يؤثر بالأجسام الأخرى شيئا، خصوصا إذا كانت أجساما صلبة كالعظام، أو الحديد، الذي جعل خوذة للمقاتل، أو نحو ذلك. .
1) تفسير البرهان ج 4 ص 507 و التبيان ج 10 ص 410 و الصافي ج 5 ص 377 عن الكافي، و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 192 و نور الثقلين ج 5 ص 671.
كيف و قد صرحت تلك النصوص: بأن تلك الأحجار الطينية كانت تخرق الحديد و العظام، و كل تلك الأجسام، من أعلى الهام لتخرج من دبره، ثم تخرق الأرض من تحته، على أن هذه الأحجار حتى لو كانت كبيرة و صلبة، و حتى لو كانت حديدية أو مقذوفة من رجال أقوياء، فإنها لا تترك هذا الأثر الذي تركته هذه الأحجار الطينية المقذوفة من عصافير في حال طيرانها.
14-فلا مجال للمقارنة بين قدرة الطير على قذف حبة من طين و بين ما كان لدى أبرهة من عدة و عديد، و من عضلات و حديد، و من هامات و ضخامات-على حد ضخامة فيله المسمى ب «محمود» (1)، و هو الفيل الأعظم.
و قيل: إن الأمر لم يقتصر عليه، بل جاء بفيلة كثيرة (2).
1) راجع: تفسير الجلالين (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 352 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 4 ص 353 و 354 و 355 و الكشاف ج 4 ص 797 و النكت العيون (تفسير الماوردي) ج 6 ص 340 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 53 و الصافي (تفسير) ج 5 ص 377 عن الأمالي و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 191. و راجع: مختصر تفسير ابن كثير ج 3 ص 676 و نور الثقلين ج 5 ص 670 و 671 عن الكافي، و البرهان ج 4 ص 507 و 508 و كنز الدقائق ج 14 ص 438 و 440 و 441 و الكافي ج 1 ص 447 و 448 و ج 4 ص 216.
2) تفسير المراغي ج 30 ص 242 و راجع: التبيان ج 10 ص 410 و نور الثقلين ج 5 ص 508 عن قرب الإسناد و كنز الدقائق ج 14 ص 438 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 4 ص 353.
و حددها بعضهم بثمانية فيلة (1).
و قيل: باثني عشر فيلا (2).
بل قيل: إنه جاء بألف فيل (3)، مع ستين ألف مقاتل.
نعم لا مجال للمقارنة بين هذا كله، و سواه، و بين طير ضعيف لا يملك سلاحا ظاهرا، بل يملك ثلاث حبات فقط! ! من الطين! ! يعجز عن قذفها، فيرميها، بمعنى أنه يتركها و يتخلى عنها، لتؤول إلى السقوط و الهبوط.
15-و كانت المعجزة الأكبر، و البرهان الأظهر هي امتناع الفيل عن دخول الحرم رغم محاولاتهم المتكررة معه، حتى انتهى الأمر بهم أن قتلوه بأسيافهم (4).
و ذلك يشير إلى لزوم تعظيم الكعبة و تفخيمها، و إعزازها و تكريمها، و ذلك قضاء إلهي، و توجيه رباني. كما أن ذلك قد أكد في نفوس الناس هيبة الحرم و الكعبة، و تأكدت حرمتها، و عرف الناس رعاية اللّه لها، فزادها اللّه بهذا تشريفا و كرامة و عزا.
1) النكت و العيون (تفسير الماوردي) ج 6 ص 340 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 193 و البحر المحيط ج 8 ص 512 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 4 ص 353 و الكشاف ج 4 ص 797.
2) مختصر تفسير ابن كثير ج 3 ص 676 و البحر المحيط ج 5 ص 502 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 4 ص 353 و 354 و الكشاف ج 4 ص 797.
3) البحر المحيط ج 5 ص 512 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 353 و الكشاف ج 4 ص 797.
4) راجع الصافي (تفسير) ج 5 ص 376.
16-ثم كانت النتائج الباهرة، بانتصار الإرادة الإلهية القاهرة، و خزي الجبارين، و بوار كيد الظالمين و ذل المستكبرين. حتى جعلهم اللّه عبرة للمعتبرين، و ذكرى للذاكرين و الحمد للّه رب العالمين.
17-و خلاصة القول: إن ما جرى لأصحاب الفيل لا مجال لفهمه و لا لتفسيره إلا على اساس الغيب، و الرجوع إلى اللّه تعالى فيه. . فإنه لا ينسجم أبدا مع الشرك أو الإلحاد، و لا مع الإنكار لقدرة اللّه تبارك و تعالى، أو الانتقاص منها، أو انتقاصها.
ثم هو يهيء الناس لقبول دعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي ولد في عام الفيل بالذات، حيث إن الناس قد شهدوا تلك المعجزة العظيمة، و هم في أول وعيهم، أو في عنفوان شبابهم، و لا زالوا على قيد الحياة، و صاروا هم عقلاء القوم و كبارهم، و أصبح الأمر و النهي إليهم و بيدهم، و هم الشيوخ المجربون و الملأ المكرمون، و هم مهما كابدوا و عاندوا، فإنهم لا يقدرون على مواصلة هذا العناد، و المكابرة، أمام هذه المعرفة الوجدانية العميقة و الراسخة. .
و بذلك يكون سبحانه قد سهل على الناس أمر الإيمان، و أقام الحجة عليهم من أيسر السبل و أوضحها، و أبين الدلالات و أصرحها.
لا شك في أن للحيوانات أخلاقا، و أنها تختلف فيها، و أن اختلافها في خلقها يوجب اختلافا في سلوكها. .
و لسنا بحاجة إلى إيراد الكثير من النصوص الدالة على أن لدى الحيوانات
أخلاقا مختلفة، و يكفي أن نحيل القارئ إلى ما روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» أنه قال: «في الديك الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء: معرفته بأوقات الصلاة، و الغيرة، و السخاء، و الشجاعة، و كثرة الطروقة» (1).
كما أن من أخلاق الغراب الطمع، فقد روى مهزم: أنه قال: دخلت على أبي عبد اللّه «عليه السلام» فذكرت الشيعة، فقال: يا مهزم، إنما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته. .
إلى أن قال: و لا يطمع طمع الغراب (2).
و قال «عليه السلام» : «تعلموا من الغراب ثلاث خصال: إستتاره بالسفاد، و بكوره في طلب الرزق، و حذره» (3).
و أمثال ذلك كثير، و هو ذائع و شائع، و الحر تكفيه الإشارة. فإن هذه حقيقة أثبتتها التجارب، و أظهرتها الوقائع. .
هذا. . و قد ذكرت الروايات: أن بعض الحيوانات يكون ذات طبع شيطاني، و بعضها الآخر بخلافه.
و يشهد على ذلك: أن عليا «عليه السلام» أمر أصحابه بأن يعقروا أو يعرقبوا الجمل الذي كانت تركبه عائشة، و قال «عليه السلام» : «ما أراه
يقاتلكم غير هذا الهودج: اعقروا الجمل-و في رواية-عرقبوه، فإنه شيطان. .» (1).
و كان سلمان (المحمدي) قبل ذلك يضرب ذلك الجمل إذا رأه، فيقال: يا أبا عبد اللّه، ما تريد من هذه البهيمة؟
فيقول: ما هذا بهيمة! (2)و لكن هذا عسكر بن كنعان الجني (3).
و عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: «اشتروا عسكرا بسبع مائة درهم. و كان شيطانا» (4).
و قد ذكر أهل المعرفة بالخيل أمورا كثيرة عن أخلاقها، و تصرفاتها، و مع غض النظر عن ذلك كله، فإن الروايات قد تحدثت عن: أن
1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 346 و البحار ج 32 ص 182 و 201 و شجرة طوبى ج 2 ص 324 و رسائل المرتضى للشريف المرتضى ج 4 ص 36 و راجع: أمالي المفيد ص 59 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 240 و البحار 32 ص 187 و ص 201 و ج 60 ص 328 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 253 و المناقب للخوارزمي ص 188 و الأنوار العلوية للنقدي ص 220 و 207.
2) راجع: البحار ج 22 ص 382 عن اختيار معرفة الرجال ص 9 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 220.
3) راجع: البحار ج 22 ص 382 و ج 32 ص 147 و اختيار معرفة الرجال (ط مؤسسة أهل البيت) ج 1 ص 58 و معجم رجال الحديث ج 9 ص 200.
4) البحار ج 22 ص 383 عن اختيار معرفة الرجال ص 11 و البحار ج 32 ص 147 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 220.
للحيوانات التي كانت عند المعصومين «عليهم السلام» آدابا و أخلاقا، و تصرفات مميزة، و فريدة، و النصوص الدالة على ذلك كثيرة جدا.
و من أمثلة ذلك: ما رواه هارون بن موسى، فقد قال: كنت مع أبي الحسن «عليه السلام» في مفازة، فحمحم فرسه، فخلى عنه عنانه، فمر الفرس يتخطى إلى أن بال وراث و رجع، فنظر إليّ أبو الحسن، و قال: إنه لم يعط داود شيئا إلا و أعطي محمد و آل محمد أكثر منه (1).
و نلاحظ أيضا: أن للبهائم درجات متفاوتة من حيث مستويات شعورها، و إدراكها، غير أن هناك أمورا تشترك فيها جميع الحيوانات.
فقد روي عن الحسين بن علي «عليه السلام» ، أنه قال: «ما بهمت البهائم منه، فلم تبهم عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك و تعالى، و معرفتها بالموت، و معرفتها بالأنثى و الذكر، و معرفتها بالمرعى الخصب (2). و سيأتي
1) البحار ج 49 ص 57 و ج 27 ص 270 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 174 و الإختصاص ص 299 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 447 و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 205.
2) البحار ج 61 ص 50 و 51 و 3 و الكافي ج 6 ص 539 و الوسائل ج 8 ص 350 و 351 و 352 و 353 و 354. و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 288 و الأمالي للشيخ الطوسي 594 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 200 و الخصال ص 260 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 446 و منتقى الجمان ج 3 ص 104 و التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 212 و الفصول المهمة ج 3 ص 401.
المزيد مما يدل على ذلك إن شاء اللّه.
و قد صرح القرآن الكريم بحشر الوحوش، فقال: وَ إِذَا اَلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، و صرحت الروايات: بأن اللّه حين يحشر الحيوانات يوم القيامة سوف يقتص للجماء من القرناء (1).
و الحشر، و الإقتصاص إنما يكون من المذنب المدرك.
ثم إن علمها بموتها و إن كان يستلزم وجود درجة من الشعور و الإدراك لديها، و لكنه يبقى محدودا، و ليس في مستوى ما لدى البشر من ذلك.
فقد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عن علي «عليه السلام» : «لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم سمينا قط» (2).
1) راجع: البحار ج 61 ص 4 و 6 و ج 7 ص 256 و 257 و 272 و 90 و 91 و 92 و 276 و ج 46 ص 76 و ج 58 ص 4 و 6 و راجع: تفسير المنار ج 7 ص 397 و جامع البيان ج 7 ص 120 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 518 و نور الثقلين ج 1 ص 592 و الدر المنثور ج 3 ص 11 و التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 218 و المجازات النبوية ص 99 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 187 و مجمع الزوائد ج 10 ص 352 و الرحلة في طلب الحديث 117 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 290 و مجلس في حديث جابر ص 41 و كشف الخفاء ج 2 ص 399 و التبيان ج 10 ص 250 و مجمع البيان ج 4 ص 49 و ج 10 ص 249 و 277 و ج 3 ص 297 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 206 و زاد المسير ج 3 ص 26 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 420 و ج 19 ص 229 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 136 و تفسير الجلالين ص 167 و فتح القدير ج 5 ص 388 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 316.
2) راجع: البحار ج 61 ص 46 و 51 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 27 و 188 و ميزان الحكمة ج 4 ص 2972 و مسند الشهاب ج 2 ص 314 و الجامع الصغير ج 2 ص 430 و كنز العمال ج 15 ص 552 و 570 و فيض القدير ج 5 ص 400 و كشف الخفاء ج 2 ص 154.
كما أن مما يشير إلى وجود درجة من الإدراك لدى الحيوانات، ما حكاه اللّه تعالى عن الهدهد و عن النملة مع سليمان، فقد قال تعالى:
. . قٰالَتْ نَمْلَةٌ يٰا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ لاٰ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضٰاحِكاً مِنْ قَوْلِهٰا وَ قٰالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ. . (1).
و قال تعالى عن الهدهد:
وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقٰالَ مٰا لِيَ لاٰ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ اَلْغٰائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذٰاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ،
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقٰالَ أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَهٰا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهٰا وَ قَوْمَهٰا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ فَهُمْ لاٰ يَهْتَدُونَ، أَلاّٰ يَسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْءَ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مٰا تُخْفُونَ وَ مٰا تُعْلِنُونَ، اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ،
قٰالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكٰاذِبِينَ، اِذْهَبْ بِكِتٰابِي هٰذٰا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مٰا ذٰا يَرْجِعُونَ،
قٰالَتْ يٰا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتٰابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللّٰهِ
1) الآيتان 19 و 20 من سورة النمل.
اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، أَلاّٰ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ (1).
و قال تعالى: وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ وَ اَلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (2).
و في هذه الآيات دلالات هامة، و كثيرة، و متنوعة. و هي تحتاج في بيان ما ظهر لنا منها إلى جهد فائق، و تأليف مستقل. .
1-و نكتفي هنا بالقول بأن قصة الهدهد: تدل في جملة ما تدل عليه:
على أن التكليف يتوجه للطير.
و أنه يصدق و يكذب.
و يطيع، و يعصي.
و يعاقب على المخالفة.
و يستدل و يحتج.
كما أنها تدل على:
أنه ينتقل من المجهول إلى المعلوم.
و يعرف أنواع العبادات.
و يميز بين صحيحها و فاسدها.
و يكتشف ملكا جديدا.
و يميّز بين الملك و الرعية.
و يدرك الفرق بين الذكر و الأنثى.
ثم هو يعرف حجم و عظمة ما اكتشفه و عرفه، و أنه عرش، و أنه عظيم.
ثم هو يعرف الشمس، و يعرف أن عبادة أولئك الناس كانت لها.
ثم هو يستدل على فساد عبادتهم، و بطلان أديانهم.
و يعرف السماء و الأرض.
و يعرف أن اللّه تعالى يخرج الخبء في السموات و الأرض.
2-أما النملة فقد أدركت أيضا الخطر المتوجه إليها.
و عرفت بأن هناك جيشا في منطقتها، و عرفت اسم قائد الجيش، و عرفت أن الجيش و كذلك القائد سوف لا يشعر بوجودها لو حطمها.
ثم هي أعطت لمثيلاتها الأوامر المناسبة، للتحرز من ذلك الخطر الداهم.
و سمع سليمان «عليه السلام» ما قالته، و تبسم ضاحكا من قولها.
هذا كله، عدا عن أن للحيوانات عباداتها و طاعاتها.
و قد تحدثت الآيات و الروايات عن تسبيح الطير، و الوحوش، و الكلاب، و حيوانات البحار.
قال تعالى: . . وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لاٰ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً غَفُوراً (1).
و قد روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، أنه قال: قال أمير المؤمنين «عليه السلام» : «لا تضربوا الدواب على وجوهها، فإنها تسبح بحمد
1) الآية 44 من سورة الإسراء.
ربها» (1).
و روي عن الإمام الحسين «عليه السلام» ذلك مفصلا، فراجع (2).
و قد ذكرت الروايات: آثار تركها للتسبيح، فعن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : «ما يصاد من الطير إلا ما ضيّع التسبيح» (3).
و قد ورد في النهي عن الغناء على الدابة، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : «أما يستحي أحدكم أن يغني على دابته و هي تسبح» (4).
1) راجع: البحار ج 14 ص 4 و ج 27 ص 273 و ج 57 ص 171 و ج 61 ص 3 و 10 و 11 و 23 و 29 و 46 و الثاقب في المناقب ص 165 و مدينة المعاجز ج 5 ص 205 و فيض القدير ج 4 ص 673 و ج 5 ص 576 و التبيان ج 7 ص 268 و تفسير مجمع البيان ج 7 ص 104 و البداية و النهاية ج 6 ص 317.
2) راجع: البحار ج 61 ص 27.
3) راجع: وسائل الشيعة ج 6 ص 6 و ج 8 ص 350 و 351 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 65 و البحار ج 61 ص 24 و 46 و 25 عن العياشي و تفسير القمي، و قرب الإسناد، و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 22 و 23 و 33 عن الكافي، و من لا يحضره الفقيه و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 146 و كنز العمال ج 2 ص 253 و الدر المنثور ج 4 ص 184 و فتح القدير ج 3 ص 232 و زاد المسير ج 5 ص 30 و الأصول الستة عشر ص 77 و الفصول المهمة ج 2 ص 128 و المحاسن ج 1 ص 294.
4) البحار ج 61 ص 204 و 206 و ج 73 ص 291 و ج 46 ص 245 و 246 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 248 و الوسائل ج 8 ص 306 و 307 و المحاسن ص 627.
و نهى عن ضرب وجوه الدواب؛ لأنها تسبح بحمد اللّه (1).
و النصوص التي تشير إلى ذلك كثيرة، لا مجال لاستقصائها.
و عن أبي ذر: «تقول الدابة: اللهم ارزقني مليك صدق يرفق بي، و يحسن إليّ، و يطعمني و يسقيني، و لا يعنف عليّ» (2)و نحوه غيره.
و عن الإمام الكاظم «عليه السلام» : «ما من دابة يريد صاحبها أن يركبها إلا قالت: اللهم اجعله بي رحيما» (3)و غير ذلك مما دل على: أن الحيوانات تكلمت بأمور ذات مغزى إيماني، يفيد في توضيح ما نرمي إليه.
لقد أولى الإسلام أهمية بالغة لسلامة الحيوانات و راحتها، و لذلك مظاهر مختلفة من التعامل و سمات متفاوتة من الرعاية، و كمثال على ذلك نذكر هنا: أنه قد روى الحاكم في الإكليل بسند صحيح: أنه حينما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» سائرا إلى فتح مكة و كان فيما بين العرج و الطلوب، نظر إلى كلبة تهر عن أولادها، و هنّ حولها يرضعنها، فأمر جميل بن سراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش، و لا لأولادها (4).
و بالمناسبة: فإننا نورد هنا بعض ما ورد في الحديث الشريف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن الأئمة المعصومين صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، مما يرتبط بالرفق بالحيوان، و يصح أن يكون نموذجا لقانون شامل في هذا المجال، مع تأكيدنا على: أننا قد لا نوفق لاستقصاء ذلك، بل قد يفوتنا منه الكثير.
فنقول: و اللّه هو الموفق و المسدد. .
لقد أوصت النصوص الشريفة الواردة عن المعصومين بما يلي: 1-الرفق بالبهائم.
2-أن لا توقف و عليها أحمالها (1).
3-أن لا تسقى بلجمها (2).
4-أن لا تحمّل فوق طاقتها.
1) دستور معالم الحكم ص 71 و كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 34 و 35 و 36 و السنن الكبرى ج 6 ص 221 و 122 و الجامع الصغير. و راجع فيه و فيما سبقه أيضا نفس المصادر بالإضافة إلى: المحاسن ج 2 ص 361 و البحار ج 61 ص 203 و الوسائل ج 8 ص 350 و 351 و 394 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 300 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 292 و مكارم الأخلاق ص 263 و ميزان الحكمة ج 1 ص 712 و التفسير الصافي ج 2 ص 119 و نور الثقلين ج 1 ص 715 و المحجة البيضاء ج 4 ص 71 و المعرفة و التاريخ ج 1 ص 339 و مسند أحمد ج 4 ص 181.
2) دستور معالم الحكم ص 71.
5-أن لا تقف و عليها جهازها (1).
6-أن لا يقف على ظهورها (2).
7-أن لا يكلف الدابة من المشي ما لا تطيقه (3).
1) البحار ج 7 ص 276 و ج 61 ص 203 و المحاسن ج 2 ص 361 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 292 و الوسائل ج 8 ص 394 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 300 و مكارم الأخلاق ص 263 و التفسير الصافي ج 2 ص 119 و نور الثقلين ج 1 ص 715.
2) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 35 و 36 عن أبي داود، و أحمد، و الطبراني، و غير ذلك. و راجع: مستدرك الحاكم ج 1 ص 444 و ج 2 ص 100 و عون المعبود ج 2 ص 332 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 50 و الوسائل ج 8 ص 350 و 351 و 352 و سنن أبي داود ج 3 ص 27 و سنن الدارمي ج 2 ص 286 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 255 و البحار ج 73 ص 271 و ج 61 ص 201 و 220 و 210 و 202 و 205 عن الكافي و المحاسن، و من لا يحضره الفقيه، و الخصال، و أمالي الصدوق، و نوادر الراوندي، و منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 648 و التحفة السنية ص 342 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 142 و جواهر الكلام ج 31 ص 395 و جامع المدارك ج 4 ص 490 و 491 و فقه الصادق ج 22 ص 348 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 286 و 287 و الخصال ص 330 و مكارم الأخلاق ص 262 و 263 و الفصول المهمة ج 3 ص 348 و 349 و المحاسن ص 633 و الكافي ج 6 ص 539 و 537 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 164 و كتاب النوادر ص 121.
3) راجع: البحار ج 61 ص 201 و 202 و 205 و 210 و 227 عن الكافي، و المحاسن، و الخصال، و من لا يحضره الفقيه، و أمالي الصدوق، و الوسائل ج 8 ص 350 و 351 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 350 و 351 و مسالك الأفهام ج 8 ص 503 و جواهر الكلام ج 31 ص 397 و فقه الصادق ج 22 ص 348 و سبل السلام ج 4 ص 199 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 142 و جامع المدارك ج 4 ص 490.
8-أن يكون أول ما يبدأ به حين وصوله للمنزل هو: أن يقدم الماء و العلف للدابة (1).
و ورد الأمر أيضا بما يلي: 9-أن ينظف مرابضها (2).
1) منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 648 و 996 و التحفة السنية ص 343 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 142 و مستند الشيعة ج 13 ص 349 و جواهر الكلام ج 5 ص 116 و ج 31 ص 394 و 395 و العروة الوثقى (ط قديم) ج 2 ص 415 و ج 4 ص 334 و جامع المدارك ج 4 ص 490 و فقه الصادق ج 22 ص 347 و المحاسن ج 2 ص 627 و 633 و الكافي ج 6 ص 537 و دعائم الإسلام ج 1 ص 347 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 286 و الخصال ص 330 و أمالي الصدوق ص 597 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 162 و الوسائل ج 8 ص 350 و 351 و ج 15 ص 240 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 260 و ج 15 ص 222 و مكارم الأخلاق ص 262 و كتاب النوادر ص 120 و الفصول المهمة ج 3 ص 348 و البحار ج 59 ص 201 و 202 و 205 و 210 و تفسير الميزان ج 13 ص 122.
2) البحار ج 61 ص 150 و المحاسن ص 641 و الكافي ج 6 ص 544 و الوسائل ج 8 ص 372 و 375.
10-مسح رعام الغنم. أي: ما يخرج من أنوفها (1).
11-إماطة الأذى عنها (2).
12-أن يسقي ذوات الأرواح إذا عطشت، حتى لو كانت من الهوام، و من غير مأكول اللحم (3).
13-أن لا يحبسها (4).
1) المحاسن ج 2 ص 642 و 641 و البحار ج 61 ص 150 و ج 80 ص 326 و تاج العروس ج 8 ص 314 و مجمع الزوائد ج 2 ص 27.
2) كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 22 و 113 و 114 و مجمع الزوائد ج 2 ص 27 و ج 4 ص 69 و البحار ج 61 ص 150 و المحاسن ص 641 و 642 و الكافي ج 6 ص 544 و النهاية في اللغة ج 2 ص 92 و 93 و 95.
3) راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 9 ص 40 و 41 و 43 و البحار ج 62 ص 65 و ج 73 ص 351 و سنن البيهقي ج 8 ص 14 و سنن أبي داود ج 3 ص 24 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 511 و 512 و 515 و 516 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 252 و مسند أحمد ج 2 ص 507 و 521 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 51 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 44 و شرح صحيح مسلم ج 14 ص 242 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 423 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 110 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 376.
4) مسند أبي يعلى ج 10 ص 346 و المبسوط ج 6 ص 47 و الذكرى ص 246 و مسالك الأفهام ج 8 ص 498 و كشف اللثام (ط جديد) ج 7 ص 611 و الحدائق الناضرة ج 7 ص 271 و رياض المسائل ج 2 ص 168 و جواهر الكلام ج 31 ص 395 و سبل السلام ج 3 ص 9 و نيل الأوطار ج 7 ص 144 و فقه السنة ج 3 ص 468 و دعائم الإسلام ج 2 ص 126 و الوسائل ج 8 ص 397 و ج 19 ص 6 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 303 و مكارم الأخلاق ص 129 و عوالي اللآلي ج 1 ص 154 و البحار ج 58 ص 218 و 267 و 268 و ج 59 ص 64 و ج 70 ص 163 و ج 98 ص 378 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 523 و ميزان الحكمة ج 1 ص 317 و مسند أحمد ج 2 ص 188 و 261 و 269 و 286 و ج 2 ص 217 و 457 و 479 و 501 و 507 و 519 و ج 3 ص 374 و 351 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 182 و ج 3 ص 77 و ج 4 ص 100 و 152 و سنن الدارمي ج 2 ص 330 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 31 و ج 7 ص 43 و ج 8 ص 35 و 98 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 402 و ج 2 ص 1421 و سنن النسائي ج 3 ص 139 و 149 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 324 و ج 5 ص 214 و ج 8 ص 13 و شرح صحيح مسلم ج 6 ص 207 و ج 14 ص 240 و مجمع الزوائد ج 1 ص 116 و ج 10 ص 190 و عن فتح الباري ج 6 ص 254 و مسند الطيالسي ص 199 و 242 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 284 و مسند ابن أبي الجعد ص 177 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 14 و 147 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 252 و الأدب المفرد ص 87 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 574 و 580 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 316 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 305 و ج 12 ص 438 و ج 16 ص 534 و المعجم الأوسط ج 1 ص 169 و ج 7 ص 273 و المعجم الكبير ج 24 ص 95 و مسند الشاميين ج 3 ص 120 و ج 4 ص 278 و مسند أبي حنيفة ص 142 و إثبات عذاب القبر ص 71 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 320 و رياض الصالحين للنووي ص 623 و موارد الظمآن ص 157 و الجامع الصغير ج 1 ص 646 و العهود المحمدية ص 397 و كنز العمال (ط سوريا) ج 7 ص 823 و ج 8 ص 425 و 428 و ج 15 ص 38 و ج 16 ص 8 و فيض القدير ج 3 ص 698 و كشف الخفاء ج 1 ص 403 و إرواء الغليل ج 3 ص 128 و ج 7 ص 240 و كنز الدقائق ج 1 ص 157 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 216 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 175 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 282 و ج 67 ص 351 و ج 4 ص 374 و تهذيب الكمال ج 2 ص 59 و ج 31 ص 153 و سير أعلام النبلاء ج 4 ص 554 و ج 12 ص 501 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 184 و البداية و النهاية ج 2 ص 169 و النصائح الكافية ص 89.
1) البحار ج 61 ص 267 و ج 62 ص 64 و 65 و ج 73 ص 351 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 13 و 14 و الوسائل ج 8 ص 397 و دعائم الإسلام ج 2 ص 126 و مسند أحمد ج 2 ص 188 و ج 3 ص 374 و عن صحيح مسلم ج 3 ص 31 و سنن النسائي ج 3 ص 139 و 149 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 6 ص 207 و عن فتح الباري ج 6 ص 254 و شرح سنن النسائي ج 3 ص 139 و مسند الطيالسي ص 244 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 574 و 580 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 316 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 439 و مسند أبي حنيفة ص 142 و إثبات عذاب القبر ص 71 و موارد الظمآن ص 157 و كنز العمال ج 7 ص 823 و 829 و ج 8 ص 425 و إرواء الغليل ج 3 ص 128.
2) راجع: البحار ج 61 ص 4 و 306 و 270 و 8 و ج 62 ص 15 و 328 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 158 و سنن الدارمي ج 2 ص 84 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 450 و 451 و نيل الأوطار ج 8 ص 295 و فقه السنة ج 3 ص 309 و دعائم الإسلام ج 2 ص 175 و مسند أحمد ج 4 ص 389 و سنن النسائي ج 7 ص 239 و مجمع الزوائد ج 4 ص 30 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 214 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 73 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 214 و المعجم الكبير ج 7 ص 317 و ج 22 ص 245 و مسند الشهاب ج 1 ص 312 و موارد الظمآن ص 263 و كنز العمال ج 15 ص 37 و 40 و فيض القدير ج 6 ص 250 و التاريخ الكبير ج 4 ص 277 و الكامل ج 3 ص 189 و ج 5 ص 82 و تاريخ بغداد ج 8 ص 11 و أسد الغابة ج 5 ص 118 و تهذيب الكمال ج 8 ص 298 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 134 و الإصابة ج 6 ص 532 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 169 و 184.
16-أن لا يتخذ أحد شيئا فيه روح غرضا، ليرميه بسهامه (1).
1) المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 397 و 368 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 454 و البحار ج 73 ص 359 و ج 61 ص 268 و 282 و مجمع الزوائد ج 5 ص 265 و ج 4 ص 31 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1063 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 34 و عون المعبود ج 3 ص 59 و سنن أبي داود ج 3 ص 100 و فتح الباري ج 9 ص 554 و عن مقدمة فتح الباري ص 374 و سنن الدارمي ج 2 ص 83 و عن البخاري ج 7 ص 121 و 122 و نيل الأوطار ج 8 ص 249 و مسند أحمد ج 1 ص 216 و 273 و 297 و 285 و 274 و 280 و 340 و 345 و ج 2 ص 86 و 141 و سبل السلام ج 4 ص 86 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 73 و سنن الترمذي ج 3 ص 18 و سنن النسائي ج 7 ص 238 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 70 و 71 و شرح صحيح مسلم ج 1 ص 114 و ج 13 ص 108 و الديباج على مسلم ج 5 ص 24 و شرح سنن النسائي ج 7 ص 238 و مسند الطيالسي ص 341 و مسند ابن أبي الجعد ص 85 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 72 و 73 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 21 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 181 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 422 و المعجم الأوسط ج 2 ص 46 و 314 و المعجم الكبير ج 11 ص 219 و 220 و 352 و ج 12 ص 73 و ج 20 ص 386 و الكفاية في علم الرواية ص 140 و الأذكار النووية ص 353 و رياض الصالحين للنووي ص 632 و عن الجامع الصغير ج 2 ص 707 و 729 و كنز العمال ج 4 ص 351 و فيض القدير ج 6 ص 448 و 503 و تاريخ ابن معين للدوري ج 2 ص 208 و العلل ج 2 ص 85 و التاريخ الكبير ج 1 ص 206 و ضعفاء العقيلي ج 3 ص 96 و الكامل ج 5 ص 342 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 3 ص 478 و تاريخ بغداد ج 5 ص 438 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 420 و الموضوعات ج 1 ص 151 و تهذيب الكمال ج 22 ص 513 و تهذيب التهذيب ج 8 ص 164.
17-أن لا تطرق الطيور ليلا، فإن الليل أمان لها (1).
18-أن لا تؤخذ فراخ الطير من أوكارها حتى تنهض، أو حتى يريش و يطير (2). فإن الفرخ في ذمة اللّه ما لم يطر.
19-أن لا تصبر البهائم (3).
1) مجمع الزوائد ج 4 ص 30 و كنز العمال (ط الهند) ج 21 ص 2 و راجع: ج 16 ص 239 عن الكافي و التهذيب، و الإستبصار ج 4 ص 64 و البحار ج 59 ص 286 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 436 و الحد الفاصل للرامهرمزي ص 259. و أما ما نقل عن الإمام الرضا «عليه السلام» : فقد قيل له: جعلت فداك، ما تقول في صيد الطير في أوكارها و الوحش في أوطانها ليلا، فإن الناس يكرهون ذلك؟ فقال: لا بأس بذلك. فهو ناظر إلى إرادة نفي تحريم ذلك، فلا ينافي ما ذكرناه.
2) الأشعثيات ص 75 و الوسائل ج 16 ص 239 و 240 و 241 و في هوامشه عن الكافي (الفروع) ج 2 ص 143 و عن التهذيب ج 2 ص 342 و ج 9 ص 22 و راجع: مستدرك الوسائل ج 3 ص 63 و الإستبصار ج 4 ص 65 و الكافي ج 6 ص 216.
3) نيل الأوطار ج 8 ص 249 و 250 و دعائم الإسلام ج 2 ص 175 و المجازات النبوية ص 408 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 158 و البحار ج 62 ص 328 و مسند أحمد ج 3 ص 117 و 171 و 191 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 228 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 72 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1063 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 183 و المعجم الأوسط ج 2 ص 331 و رياض الصالحين ص 633 و موارد الظمآن ص 263 و الجامع الصغير ج 2 ص 700 و 704 و سنن أبي داود ج 1 ص 643 و سنن النسائي ج 7 ص 238 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 234 و 334 و ج 10 ص 24 و شرح صحيح مسلم ج 13 ص 107 و مجمع الزوائد ج 4 ص 108 و ج 5 ص 265 و عن فتح الباري ج 9 ص 529 و الديباج على مسلم ج 5 ص 24 و حاشية السندي على النسائي ج 7 ص 238 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 170 و ج 5 ص 39 و عون المعبود ج 8 ص 8 و مسند الطيالسي ص 275 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 454 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 633 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 72 و المنتقى من السنن المسندة ص 226 و اللمع في أسباب ورود الحديث ص 65 و كنز العمال ج 5 ص 393 و ج 15 ص 39 و فيض القدير ج 3 ص 243 و ج 6 ص 441 و 431 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 391 و الدر المنثور ج 2 ص 223 و فتح القدير ج 1 ص 518 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 391.
20-و أن لا يمثّل بها (1).
1) راجع في هذا و في سابقه: كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 274 و مجمع الزوائد ج 5 ص 265 و سنن الدارمي ج 2 ص 83 و عون المعبود ج 3 ص 4 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 70 و دعائم الإسلام ج 2 ص 173 و 175 و البحار ج 61 ص 282 و ج 62 ص 328 و 329 و ج 46 ص 252 و عن البخاري ج 7 ص 121 و سنن الترمذي ج 4 ص 23 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 225. و راجع في النهي عن المثلة بالحيوان المصادر التالية أيضا: البحار ج 62 ص 30 و ج 61 ص 282 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 63 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 454 و كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 36 و 37 و 38 و 67 عن أحمد و البيهقي، و النسائي، و الطبراني، و نهج البلاغة الرسالة رقم 47 و لسان العرب ج 11 ص 615، و النهاية في اللغة، و مستدرك الوسائل ج 3 ص 70 و 71 و ج 2 ص 59 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 170 و النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 294 و تاج العروس ج 8 ص 111 و مسند أحمد ج 1 ص 338 و ج 2 ص 43 و 103 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 234 و نصب الراية ج 3 ص 223 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 633 و ج 6 ص 434 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 182 و الكامل ج 2 ص 152 و بداية المجتهد ج 1 ص 300 و سبل السلام ج 4 ص 47 و نيل الأوطار ج 6 ص 334 و ج 7 ص 335 و ج 8 ص 251 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 346 و علل الشرايع ج 2 ص 484 و موارد الظمآن ص 263 و السير الكبير ج 3 ص 1029 و تنزيه الأنبياء ص 218.
21-و جاء الأمر بذبح الدابة، و أن لا تعرقب، إذا حرنت في أرض العدو (1).
22-أن يأمن الطير ما دام في وكره (2).
أي أن صيده و هو في وكره ممنوع، سواء أكان مكثه في وكره بالليل، أم في النهار.
1) وسائل الشيعة ج 16 ص 307 و 308 و ج 8 ص 396 و ج 5 ص 52 و الكافي ج 5 ص 49 و التهذيب ج 6 ص 173 و ج 9 ص 82، و البحار ج 61 ص 222 و 23 و ج 94 ص 25 عن الكافي و عون المعبود ج 2 ص 333 و سنن أبي داود ج 3 ص 29 و المحاسن ج 2 ص 634 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 301 و ج 16 ص 157.
2) البحار ج 62 ص 275 و الوسائل ج 16 ص 239 و 240 و 241 و 117 و راجع: مستدرك الوسائل ج 3 ص 63 و دعائم الإسلام ج 2 ص 168.
23-لا ينتف الريش إذا كان الحيوان حيا (1).
24-لا يحرق الحيوان (2).
25-أن يقلّم الذي يحلب الحيوان أظافره، حتى لا يؤذي ضرع الحيوان بأظافره حال الحلب (3).
26-أن لا يجر الحيوان بأذنه، و إنما برقبته (4).
و من وصايا علي «عليه السلام» لجابي الزكاة: 27-أن لا يفرق بين الناقة و بين ولدها في أخذ الزكاة (5).
1) البحار ج 61 ص 223 عن أمالي الطوسي، و عن ثواب الأعمال، و السنن الكبرى ج 8 ص 13.
2) البحار ج 61 ص 267 و ج 73 ص 329 و ج 30 ص 515 و الوسائل ج 12 ص 220 و ج 8 ص 379 و منتهى المطلب (ط ق) ج 2 ص 924 و الحدائق الناضرة ج 18 ص 100 و نيل الأوطار ج 8 ص 139 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 5 و الأمالي للصدوق ص 510 و مكارم الأخلاق ص 425 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 507 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 141 و شرح صحيح مسلم ج 12 ص 218 و عن فتح الباري ج 6 ص 130 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 24 و عون المعبود ج 7 ص 273 و السير الكبير ج 3 ص 1045.
3) مسند أحمد ج 3 ص 484 و مجمع الزوائد ج 5 ص 259 و 168 و ج 8 ص 196 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 273 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 14 و راجع: المعجم الكبير ج 5 ص 67 و كنز العمال ج 15 ص 423 و أسد الغابة ج 2 ص 163 و 367.
4) سنن ابن ماجة ج 2 ص 1059.
5) نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69.
28-أن لا يلح عليها بالحلب، حتى لا يتضرر ولدها (1).
29-أن يفرق ركوبه على ما معه من الدواب، و لا يحصره بواحدة منها (2).
30-أن يريح الجمل الذي يتعب، و يرفق به (3).
31-أن يراعي حال الجمل الذي نقب خفه و تخرق (4).
32-أن يراعي حال الجمل الذي يغمز في مشيته (5).
33-أن لا ينفّر بهيمة، و لا يفزعها.
34-أن لا يتعبها (6).
1) نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و الوسائل ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
2) نفس المصادر السابقة.
3) نفس المصادر السابقة.
4) نفس المصادر السابقة.
5) نفس المصادر السابقة.
6) ذكر هذه الخصوصية أيضا في: كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 37 و نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط ق) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و الوسائل ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
1) نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و الوسائل ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 ونهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
2) نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى الطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و الوسائل ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
38-أن لا يعدل بها عن مواضع النبات إلى جوادّ الطرق (1)فإن جادة الطريق لا نبات فيها.
39-أن يروحها في الساعات (2).
40-أن يمهلها عند ما تمر بالمياه القليلة أو بالأعشاب (3).
1) ذكر هذه الخصوصية أيضا في: البحار ج 61 ص 201 و 202 و ج 25 ص 210 و 211 و ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و الوسائل ج 6 ص 89 و 92 و 91 و ج 8 ص 324 و 350 و 351 و نهج البلاغة ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و (ط أخرى) ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و الكافي ج 3 ص 537 و الوسائل ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 25 الوصية رقم 25 و راجع: الكافي ج 3 ص 536 و 537 و المقنعة للشيخ المفيد ص 542 و 256 و السرائر ص 107 و مستدرك الوسائل (ط حجرية) ج 1 ص 516 و (ط مؤسسة أهل البيت) ج 7 ص 69 و ج 6 ص 89 و 91 و روضات الجنات ج 8 ص 122 و ربيع الأبرار الباب 52 باختلاف يسير، و البحار ج 93 ص 90 و 91 و ج 8 ص 733 ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 و الغارات ج 1 ص 128-130 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
1) الوسائل ج 8 ص 354 و 353 و 356 و 350 و 351 و 357 ج 6 ص 89 و 91 و البحار ج 61 ص 210 و 215 و 213 و 317 ج 33 ص 525 و ج 41 ص 127 و ج 94 ص 91 عن أمالي الصدوق، و عن من لا يحضره الفقيه، و عن الكافي، و الجامع للشرايع ص 398 و الكافي ج 6 ص 538 و ج 3 ص 537 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 286 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 164 و مكارم الأخلاق ص 263 و نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 25 و المقنعة ص 256 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 69 و الغارات ج 1 ص 128 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 1 ص 481 و تذكرة الفقهاء (ط حجرية) ج 1 ص 232 و ج 5 ص 247 و مدارك الأحكام ج 5 ص 210 و ذخيرة العبادة ج 3 ص 454 و جواهر الكلام ج 15 ص 334 و نهج السعادة ج 8 ص 114 و ميزان الحكمة ج 30 ص 1933 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 152 و منتقى الجمان ج 2 ص 420.
2) الوسائل ج 8 ص 324 و 350 و 351 و 353 و 354 و ج 6 ص 350 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 64 و البحار ج 61 ص 201 و 202 و 203 و 204 و 205 و 210 و 212 و 213 و ج 73 ص 271 عن الكافي ج 6 ص 538 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 287، و المحاسن ج 2 ص 628 و 633 و الخصال ص 618، و أمالي الصدوق ص 597، و نوادر الراوندي، و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 407 و 408 و ج 4 ص 640 و كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 36 و 37 و 38 و 67 و سنن أبي داود ج 3 ص 26 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 255 و 254 و عون المعبود ج 2 ص 331 و ج 7 ص 166 و الجامع للشرايع ص 398 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 996 و الموسوعة الفقهية الميسرة ج 3 ص 239 و مكارم الأخلاق ص 263 و تحف العقول ص 108 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 54 و ميزان الحكمة ج 1 ص 713 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 437 و نيل الأوطار ج 8 ص 250 و شرح صحيح مسلم ج 14 ص 96 و فقه السنة ج 3 ص 509 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 300 و الجامع الصغير ج 1 ص 240 و فيض القدير ج 2 ص 207 و إرواء الغليل ج 7 ص 242 و تفسير الميزان ج 13 ص 121 و التحفة السنية ص 330 و 343 و تفسير العياشي ج 2 ص 294 و نور الثقلين ج 3 ص 168.
43-أوصى الإمام السجاد «عليه السلام» بالجمل الذي حج عليه مرارا، أن يدفن بعده إذا مات، حتى لا تأكل لحمه السباع (1).
1) راجع: البحار ج 61 ص 206 و راجع ص 204 و 212 و 215 و ج 46 ص 70 و 71 و ج 93 ص 386 و المحاسن ج 2 ص 635 و عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 191 عن الإرشاد للمفيد (ط مكتبة الآخندي) ص 240 و الوسائل ج 8 ص 353 و 354 و 395 و 396 عن المحاسن، و من لا يحضره الفقيه، و الإرشاد، و ثواب الأعمال ص 50، و الخصال ص 518 و المحجة البيضاء ج 4 ص 235 و شرح الأخبار ج 3 ص 554 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 188 و درر الأخبار ص 328 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 209 و نور الثقلين ج 1 ص 715.
44-إذا ركب الدابة، فعليه أن يحملها على ملاذّها (1).
45-أن يعطيها حقها من المنازل (2).
46-أن لا يركبها إلا إذا كانت صحيحة سالمة (3).
47-أن لا يتخذها كراسي للحديث في الطرق و الأسواق (4).
و على حد تعبير بعضهم: أن لا يجعل الحيوان المتصرف (أي المتحرك) بمنزلة الجماد الثابت، و الشيء النابت.
أي أن عليه: أن لا يفرض على الحيوان الوقوف، و عدم الحركة.
فقد قال الشريف الرضي: «و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام، و قد مر على قوم وقوف على ظهور دوابهم و رواحلهم، يتنازعون الأحاديث،
1) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 35 عن الدارقطني في الأفراد، و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 198 و الجامع الصغير ج 1 ص 100 و فيض القدير ج 1 ص 468.
2) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 35.
3) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 35 و 37 عن الطبراني، و مستدرك الحاكم، و أحمد، و أبي داود، و صحيح ابن خزيمة، و ابن حبان و غير ذلك.
4) المجازات النبوية ص 437 و ميزان الحكمة ج 1 ص 712 و مسند أحمد ج 3 ص 439 و 440 و مجمع الزوائد ج 8 ص 107 و ج 10 ص 140 و الجامع الصغير ج 1 ص 146 و فيض القدير ج 1 ص 161 و تفسير الميزان ج 13 ص 122 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 45 و الدر المنثور ج 4 ص 111 و 183 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 388 و 387 و بغية الباحث ص 270 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 142 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 437 و المعجم الكبير ج 20 ص 193 و موارد الظمآن ص 491 و ذيل تاريخ بغداد ج 5 ص 96 و الإصابة ج 1 ص 282 و البحار ج 61 ص 205 و 214.
فقال عليه الصلاة و السلام:
«لا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق و الأسواق، فرب مركوب خير من راكبه» .
و هذه استعارة، كأنه عليه الصلاة و السلام شبّه الدواب و الرواحل في حالة إطالة الوقوف على ظهورها، بالكراسي التي يجلس عليها، لأنها تثبت في مواضعها، و لا تزول إلا بمزيل لها، فنهى عليه الصلاة و السلام أن يجعل الحيوان المتصرف بمنزلة الجماد الثابت، و الشيء النابت» (1).
48-أن لا يسمها في وجوهها و في خدها (2)، و إنما في أذنها.
49-أن يرفق في السير إذا سار بها في أرض مخصبة، و يسرع السير إذا
1) المجازات النبوية ص 437.
2) المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 407 و كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 36 و 37 و 38 عن أحمد، و مسلم، و الترمذي، و أبي داود، و الطبراني، و عبد الرزاق، و الدارقطني في المؤتلف، و البارودي، و ابن قانع، و ابن السكن، و ابن شاهين، و أبي نعيم، و سعيد بن منصور، و راجع: عون المعبود ج 2 ص 332 و البحار ج 61 ص 202 و 228 و 205 و 215 و 226 و 227 و 210 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 458 و الوسائل ج 8 ص 354 و 355 و 353 و سنن أبي داود ج 3 ص 26 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 255 و عن فتح الباري ج 9 ص 579 و عن البخاري ج 7 ص 126 و المحاسن ج 2 ص 633 و 627 و جامع المدارك ج 4 ص 490 و فقه الصادق ج 22 ص 347 و الكافي ج 6 ص 537 و الفصول المهمة ج 3 ص 349 و تفسير الميزان ج 13 ص 122 و المبسوط ج 1 ص 261 و البيان ص 201 و مجمع الفائدة ج 4 ص 227 و الحدائق الناضرة ج 25 ص 142 و أمالي الصدوق ص 597 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 189.
1) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 35 عن البزار، و سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 237 و راجع: البحار ج 61 ص 213 و ج 73 ص 279 و ج 72 ص 62 و الوسائل ج 8 ص 331 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 256 و مجمع الزوائد ج 5 ص 257 و سنن أبي داود ج 3 ص 28 و عون المعبود ج 2 ص 333 و عن صحيح مسلم ج 3 رقم 1525 و الجامع للشرايع ص 398 و المحاسن ج 2 ص 361 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 290 و مكارم الأخلاق ص 262 و الجامع الصغير ج 1 ص 103 و 104 و فيض القدير ج 1 ص 474 و 480 و شرح أصول الكافي ج 8 ص 336 و مسند أحمد ج 2 ص 337 و شرح صحيح مسلم ج 13 ص 68 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 161 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 144 و رياض الصالحين للنووي ص 435 و الكامل ج 3 ص 35 و سنن الترمذي ج 4 ص 220 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 119 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 252 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 420 و 422 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 55 و موارد الظمآن ص 242 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 73 و ج 16 ص 136.
2) راجع: مجمع الزوائد ج 5 ص 265 و كشف الأستار ج 2 ص 274 و راجع: البحار ج 61 ص 223 و 224 و ج 100 ص 191 و الوسائل ج 8 ص 382 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 48 و 55 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 24 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 170 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 456 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 317 و الكامل ج 2 ص 181 و الفصول المهمة ج 3 ص 254 و 352 و المحاسن ج 2 ص 634.
51-أن لا يحرّش فيما بينها (1)إلا الكلاب.
و فسره المجلسي: بأن المراد: تحريش الكلب على الصيد، لا تحريش الكلاب على بعضها.
52-أن يهيء للبهيمة الضالة، مكانا و يطعمها و يسقيها (2).
1) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 37 عن الترمذي، و أبي داود، و راجع: البحار ج 61 ص 223 و 226 و 227 و ج 97 ص 191 و المحاسن ص 634 و 628 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 60، و السرائر ج 3 ص 563 المستطرفات، و الكافي ج 6 ص 554، و سنن أبي داود ج 1 ص 577 و ج 3 ص 36 و عون المعبود ج 2 ص 331 و ج 7 ص 165 و الوسائل ج 8 ص 382 و مسند ابن أبي الجعد ص 313 و الأدب المفرد ص 263. و راجع: المعجم الأوسط ج 2 ص 331 و الكامل ج 3 ص 191 و 238 و ج 6 ص 6 و الجامع للشرايع ص 397 و نيل الأوطار ج 8 ص 249 و فقه السنة ج 3 ص 511 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 287 و كنز الفوائد ص 294 و عوالي اللآلي ج 1 ص 171 و الفصول المهمة ج 3 ص 352 و 353 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 255 و مواقف الشيعة ج 3 ص 201 و ميزان الحكمة ج 1 ص 714 و سنن الترمذي ج 3 ص 126 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 22 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 299 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 454 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 389 و المعجم الكبير ج 11 ص 70 و الجامع الصغير ج 2 ص 683 و فيض القدير ج 2 ص 452 و ضعيف سنن الترمذي ص 195.
2) البحار ج 41 ص 118 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 111 و دعائم الإسلام ج 2 ص 497 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 134 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 133.
1) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 37 و (ط سوريا) ج 13 ص 382 عن الطبراني و البحار ج 61 ص 111 و ميزان الحكمة ج 1 ص 712 و مسند أحمد ج 1 ص 204 و 205 و سنن أبي داود ج 1 ص 574 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 100 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 13 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 437 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 159 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 159 و رياض الصالحين للنووي ص 437 و العهود المحمدية ص 395 و تفسير الإمام العسكري ص 639 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 384 و ج 5 ص 176 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 374 و أسد الغابة ج 3 ص 134 و تهذيب الكمال ج 1 ص 237 و ج 6 ص 165 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 457 و البداية و النهاية ج 6 ص 151 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 512 و ج 12 ص 405.
2) الوسائل ج 8 ص 371 عن معاني الأخبار ص 82 و كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 68 و 69 و 71 عن أحمد و البيهقي، و أبي داود، و ابن جرير و التحفة السنية ص 339 و نيل الأوطار ج 7 ص 372 و 375 و 377 و فقه السنة ج 1 ص 497 و القواعد و الفوائد ج 1 ص 397 و ج 2 ص 383 و الطرائف ص 213 و نهاية الدراية ص 186 و مسند أحمد ج 2 ص 406 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 31 و صحيح مسلم ج 7 ص 31 و سنن أبي داود ج 2 ص 231 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 135 و 216 و شرح صحيح مسلم ج 1 ص 35 و ج 14 ص 213 و فتح الباري (المقدمة) ص 139 و ج 10 ص 134 و 135 و 136 و 206 و الديباج على مسلم ج 5 ص 237 و عن عون المعبود ج 10 ص 290 و 291 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 404 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 303 و 307 و 310 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 482 و 484 و المعجم الأوسط ج 4 ص 12 و فيض القدير ج 6 ص 561 و كشف الخفاء ج 2 ص 379 و الفصول في الأصول ج 3 ص 131 و العلل ج 3 ص 200 و التاريخ الكبير ج 2 ص 2701 و تهذيب الكمال ج 35 ص 69 و الإصابة ج 1 ص 66 و 67 و البداية و النهاية ج 8 ص 113.
فعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يورد ذو عاهة على مصح.
و أما الروايات التي تحدثت عن أنه لا عدوى و لا طيرة (1)فلعله يراد بها: المنع من أن يصل في ذلك إلى حد الوسواس. .
و إلا فقد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» : ما يدل على عدوى بعض الأمراض، مثل الجذام، و الطاعون، فراجع (2).
مع ملاحظة: أن بعض ما كان يظنه الناس معديا لم يكن معديا في واقع الأمر، فلعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين قال: لا عدوى، أو من الذي عدى الأول (3)ناظر إلى خصوص المرض الذي سأله السائل عنه.
55-أن يؤخر حمل الدابة (4).
56-أن تكون الأحمال على ظهور الدواب متعادلة غير مائلة (5).
1) راجع على سبيل المثال: كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 68-73 و سائر المصادر السابقة.
2) كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 68 و 69 و 70 عن أحمد، و البخاري، و ابن خزيمة، و الطحاوي، و ابن حبان، و البيهقي و راجع: سائر المصادر السابقة.
3) راجع: كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 68-73.
4) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 292 و الوسائل ج 8 ص 394 و البحار ج 61 ص 215.
5) البحار ج 61 ص 204 و الوسائل ج 8 ص 394 عن المحاسن، و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 292 و المحاسن ج 2 ص 361.
57-أن لا يجلس على الدابة متوركا (1).
58-النهي عن إعطاء القنبرة للصبيان يلعبون بها (2).
59-كان الإمام السجاد «عليه السلام» يتعمد أن يزرع، لتنال القنبرة من الطير من ذلك الزرع (3).
60-أن يبقي في الصحراء ما يقع من الخوان لتنال منه هوام الأرض (4).
61-أن لا يركب على الدابة ثلاثة أشخاص (5).
1) البحار ج 61 ص 214 عن الكافي، و الوسائل ج 8 ص 352 عن الكافي و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 287 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 648 و التحفة السنية ص 342 و العروة الوثقى (ط قديم) ج 2 ص 415 و ج 4 ص 334 و الكافي ج 6 ص 539 و مكارم الأخلاق ص 263 و كتاب النوادر ص 121.
2) الوسائل ج 16 ص 249 عن الكافي (الفروع) ج 6 ص 225 و عن التهذيب ج 9 ص 19 و كشف اللثام (ط قديم) ج 2 ص 264 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 609 و مسند الإمام الرضا ج 2 ص 317 و شرح اللمعة ج 7 ص 284 و مسالك الأفهام ج 12 ص 46 و مجمع الفائدة ج 11 ص 184 و جواهر الكلام ج 36 ص 313 و جامع المدارك ج 5 ص 155 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 123 و البحار ج 58 ص 303.
3) الوسائل ج 16 ص 250 والكافي (الفروع) ج 6 ص 225 و مجمع الفائدة ج 11 ص 184 و أمالي الطوسي ص 688 و البحار ج 61 ص 304 و ج 100 ص 67 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 123.
4) المحاسن ج 2 ص 445 و الكافي ج 6 ص 301 و الوسائل ج 16 ص 499 و الفصول المهمة ج 2 ص 440 و البحار ج 63 ص 429.
5) الوسائل ج 8 ص 363 و 572 عن الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و المحاسن
62-أن لا ينام على الدابة، فإن ذلك يسرع في دبرها (1). (أي في ظهور التقرحات، و الجروح في ظهرها) .
63-أن لا يلعنها (2).
64-أن لا يشتمها (3). بأن يقول لها: قبح اللّه وجهك مثلا.
(5) -و الخصال، و البحار ج 61 ص 203 و 219 و ج 73 ص 357 و 157 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 22 و كنز العمال ج 9 ص 195 و سنن أبي داود ج 3 ص 27 و فتح الباري ج 10 ص 332 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 49 و المحاسن ج 2 ص 627 و الكافي ج 6 ص 541 و علل الشرايع ج 2 ص 583 و الخصال ص 99.
1) الوسائل ج 8 ص 353 عن المحاسن، و الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التحفة السنية ص 342 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 58 و كشف الغطاء ج 2 ص 423 و جواهر الكلام ج 18 ص 169 و العروة الوثقى (ط قديم) ج 2 ص 417 و ج 4 ص 337 و المحاسن ج 2 ص 375 و الكافي ج 8 ص 349 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 297 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 491 و مكارم الأخلاق ص 253 و البحار ج 13 ص 423 و ج 73 ص 271 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 83 و قصص الأنبياء ص 370.
2) راجع: عون المعبود ج 2 ص 331 و سنن الدارمي ج 2 ص 288 و البحار ج 61 ص 212 و 203 و الوسائل ج 8 ص 353 و سنن أبي داود ج 3 ص 26 و السنن الكبرى ج 5 ص 254 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 287 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 51 و كتاب الدعاء ص 577 و المعجم الكبير ج 18 ص 189 و مكارم الأخلاق ص 263 و ميزان الحكمة ج 4 ص 2784.
3) راجع: البحار ج 73 ص 329 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 64 و الوسائل ج 8 ص 351 و 353 و جواهر الكلام ج 31 ص 394 و التحفة السنية ص 343 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 164 و الفصول المهمة ج 3 ص 349.
65-عليه أن يسمن دوابه، و أن تكون فارهة (1).
66-نهي عن ضراب الجمل للناقة، و ولدها طفل، إلا أن يتصدق بولدها، أو يذبح (2).
67-أن لا يضرب الدابة إذا عثرت (3)، و في رواية أخرى: نفرت (4).
1) راجع: البحار ج 61 ص 215 عن الكافي، و السنن الكبرى ج 8 ص 14 و الوسائل ج 8 ص 346 و مستدرك الوسائل (ط حجرية) ج 2 ص 49 و الدروس ج 1 ص 129 و الذكرى ص 20 و ميزان الحكمة ج 4 ص 288.
2) البحار ج 61 ص 224 و الوسائل ج 12 ص 173 و الكافي ج 6 ص 254 و 255 و ج 5 ص 309 و جواهر الكلام ج 22 ص 467 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 378 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 252 و مسند الشاميين ج 2 ص 232 و ج 4 ص 134 و الثقات ج 5 ص 327.
3) البحار ج 61 ص 205 و 206 و 214 و 219 و ج 76 ص 245 و المحاسن ج 2 ص 627 و 633 و الكافي ج 6 ص 538 و 539 و الوسائل ج 8 ص 357 و 633 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 996 و التحفة السنية (مخطوط) ص 343 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 165 و الكامل ج 4 ص 336 و تهذيب الكمال ج 14 ص 149 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 375 و أصول السرخسي ج 2 ص 344 و السير الكبير ج 1 ص 56 ورد المحتار لابن عابدين ج 4 ص 348.
4) البحار ج 61 ص 202 و الأمالي للصدوق ص 597 و الوسائل ج 8 ص 351 و منتهى المطلب (ط قديم) ج 2 ص 648 و التحفة السنية (مخطوط) ص 343 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 286 و تأويل مختلف الحديث ص 50 و مجمع البحرين ج 3 ص 121 العروة الوثقى ج 2 ص 415 و ج 4 ص 343 و مكارم الأخلاق ص 263 و الفصول المهمة للعاملي ص 349.
و نرجح الرواية التي تقول: إضربوها على العثار و لا تضربوها على النفار، لأنها قد عللت ذلك بالقول: فإنها ترى ما لا ترون. أي: أن نفورها لم يكن بلا سبب، بل لأنها قد رأت أمرا لا ترونه انتم.
و أما عثارها فيدل على خمولها و تكاسلها فيما يطلب منها الجد فيه. .
و قد يؤيد ذلك: بما ورد من جواز ضربها إذا لم تمش فيك كما تمشي إلى مذودها.
68-أن لا يقول للدابة إذا عثرت: تعست (1).
69-أن لا يستقصي حلب الدابة حتى لو لم يكن لها ولد، بل يبقي شيئا في ضرعها، فإن ذلك يوجب در الحليب (2).
70-أن لا يجز نواصي الخيل، و لا أعرافها، و لا أذنابها (3).
1) الوسائل ج 8 ص 352 و 356 و البحار ج 61 ص 169 و 209 و التحفة السنية (مخطوط) ص 343 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 287 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 164.
2) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 311 و 322 و 339 و سنن الدارمي ج 2 ص 88 و البحار ج 73 ص 348 و ج 61 ص 148 و معاني الأخبار ص 284 و النهاية في اللغة ج 2 ص 25 و المجازات النبوية ص 250 و نهج البلاغة (شرح عبده) الرسالة رقم 25 و السنن الكبرى ج 8 ص 14 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 33 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 365 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 269.
3) مكارم الأخلاق ص 264 و البحار ج 61 ص 173 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 245 و مسند أحمد ج 4 ص 184 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 573 و مسند الشاميين ج 1 ص 268 و كتاب أمثال الحديث ص 153 و كنز العمال ج 14 ص 181 و الدر المنثور ج 3 ص 197 و أسد الغابة ج 3 ص 363.
71-أن لا يصري الضرع (1).
و التصرية: ترك ذات الدر أن لا تحلب أياما ليجتمع اللبن في ضرعها، فيرى غزيرا.
غير أن هذا النهي قد لا يكون لأجل الرفق بالدابة، و إنما لأنه يستبطن تدليسا، أو غشا للمشتري. .
72-أن لا يطأ بها زرعا، لكي لا تعثر (2).
73-أن لا يطيل الركوب على الدابة بغير حاجة، و ترك النزول للحاجة (3).
74-أن يهتم بحفظها حتى لا تضيع و تتلف (4).
1) دعائم الإسلام ج 2 ص 30 و مستدرك الوسائل ج 13 ص 304 و شرح مسلم للنووي ج 10 ص 165 و مسند الطيالسي ص 329 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 20 و مجمع البحرين ج 2 ص 607 و الخلاف ج 3 ص 102 و 126 و تذكرة الفقهاء (ط قديم) ج 1 ص 526 و مجمع الفائدة ج 8 ص 443 و الحدائق الناضرة ج 19 ص 93 و مختصر المزني ص 82 و تلخيص الحبير ج 8 ص 333 و المغني ج 4 ص 233.
2) مكارم الأخلاق ص 349 و 263 و البحار ج 73 ص 291.
3) البحار ج 61 ص 219 و السنن الكبرى ج 5 ص 255.
4) مستدرك الوسائل ج 3 ص 50 عن دعائم الإسلام.
75-أن لا يربط قوائم الدابة بعضها ببعض، ثم يتركها لترعى (1).
فقد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كره الشكال في الخيل.
و قد فسروا الشكال: بكون رجلي الفرس محجلتين بأن يكون فيهما بياض، و هو كلام غير دقيق، فقد اختلفت أقوالهم من حيث إن الشكال هل يكون في يد و رجل، أو يكون في رجل واحدة، أو في رجلين و يد، أو في يدين و رجل.
و نقول:
إن ما ذكروه في معنى الشكال: هو المعنى المجازي للشكال، و معناه الحقيقي هو: العقال. و لم يظهر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قصد المعنى المجازي، بل الظاهر هو: إرادة معناه الحقيقي، أي أنه ربط قوائم الفرس ببعضها البعض.
و هو معنى صحيح، فلماذا لجأوا إلى المعنى المجازي، و تركوا المعنى الحقيقي للعبارة؟ !
76-أن لا يصفّر بالغنم، إذا كانت ذاهبة إلى مرعاها (2).
1) معاني الأخبار ص 284 و البحار ج 61 ص 197 و ج 73 ص 348 و سنن الترمذي ج 3 ص 121 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 533 و المعجم الأوسط ج 7 ص 234 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 213 و التاريخ الكبير ج 4 ص 156 و غريب الحديث ج 3 ص 18 و الصحاح ج 5 ص 1737 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 496 و لسان العرب ج 11 ص 359.
2) البحار ج 61 ص 150 و الوسائل ج 8 ص 371 و المحاسن ص 642 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 24.
77-أن لا يقتل النحل، و النمل، و الصرد، و الخطاف، و الهدهد، و غيرها مما ورد النص بخصوصه (1).
78-أن لا يسقي البهائم الخمر (2)و غير ذلك مما لا يحل أكله أو شربه. .
79-أن يجلس على الولايا، أو يضطجع عليها، ربما لكي لا يعلق بها الشوك أو التراب، فتضر الدابة حين توضع على ظهرها (3).
80-إذا كان يأكل طعامه، فليطعم منه الحيوان الذي ينظر إليه (4).
1) الجامع للشرايع ص 384 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 265 و ج 4 ص 9 و أمالي الصدوق ص 512 و الوسائل ج 8 ص 353 و مكارم الأخلاق ص 427 و البحار ج 61 ص 215 و 267 و ج 73 ص 331 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 507 و ج 10 ص 7 و 222 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 144 و المعجم الكبير ج 12 ص 304 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 172 و الكامل ج 6 ص 101 و فتح العزيز ج 7 ص 489 و تلخيص الحبير ج 7 ص 489.
2) النهاية ص 592 و المهذب ج 2 ص 433 و السرائر ج 3 ص 132 و مختلف الشيعة ج 8 ص 346 و البحار ج 63 ص 499 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 432 و الدر المنثور ج 2 ص 325 و طبقات المحدثين بإصبهان ج 2 ص 331 و ج 3 ص 589 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 9 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 133 و ج 2 ص 247.
3) المصنف للصنعاني ج 11 ص 32 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 378.
4) البحار ج 43 ص 352 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 516 و مستدرك الوسائل ج 7 ص 197 و ج 8 ص 295 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 155 و ميزان الحكمة ج 1 ص 92.
81-أن لا يغني في حال ركوبه الدابة (1).
82-أن لا ينزي حمارا على عتيقة (2). و المراد بالعتيقة: الفرس العربية.
83-أن يقلد الخيل، و لا يقلد الدابة الأوتار (3).
1) البحار ج 61 ص 204 و 206 و ج 73 ص 291 و ج 46 ص 245 و 246 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 248 و الوسائل ج 8 ص 306 و 307 و المحاسن ص 627.
2) البحار ج 61 ص 224 و 225 و ج 16 ص 366 و ج 27 ص 50 و ج 70 ص 321 و ج 77 ص 270 و 303 و ج 100 ص 59 و الوسائل ج 1 ص 343 و ج 6 ص 187 و ج 12 ص 173 و الرسالة السعدية ص 93 و مصباح المنهاج ج 3 ص 280 و مسند زيد بن علي ص 463 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 33 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 334 و ج 8 ص 301 و ج 13 ص 186 و مسند الرضا لداود الغازي ص 144 و سنن النبي ص 273 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 212 و صحيفة الرضا ص 94 و 5 و الدروس ج 3 ص 183 و الكافي ج 5 ص 309 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 252 و تفسير الميزان ج 6 ص 330 و حياة الإمام الرضا ج 1 ص 248 و مجمع البحرين ج 3 ص 117.
3) البحار ج 61 ص 210 و المجازات النبوية ص 259 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 260 و دعائم الإسلام ج 1 ص 345 و كتاب النوادر ص 122 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 245 و مسند أحمد ج 3 ص 352 و ج 4 ص 345 و سنن أبي داود ج 1 ص 576 و سنن النسائي ج 6 ص 218 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 330 و مجمع الزوائد ج 5 ص 259 و 261 و عن فتح الباري ج 6 ص 99 و حاشية السندي على النسائي ج 6 ص 218 و عن عون المعبود ج 7 ص 161 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 706 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 37 و مسند أبي يعلى ج 13 ص 115 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 274 و المعجم الأوسط ج 9 ص 13 و المعجم الكبير ج 22 ص 381 و مسند الشاميين ج 1 ص 430 الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 344 و الجامع الصغير ج 1 ص 640 و كنز العمال ج 16 ص 422 و ج 12 ص 328 و فيض القدير ج 3 ص 682 و 683 و كشف الخفاء ج 1 ص 398 و أحكام القرآن ج 3 ص 89 و 502 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 37 و الدر المنثور ج 3 ص 196 و 198 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 384 و 386 و النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 99 و ج 5 ص 148 و لسان العرب ج 3 ص 366 و ج 5 ص 274 و مجمع البحرين ج 3 ص 540 و تاج العروس ج 2 ص 475.
و أما ما ورد: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن أن تقلد الدابة الأوتار، و أمر بقطع قلائد الخيل (1)، فقد يكون ذلك النهي لأجل أنها قد قلدت الأوتار التي كان «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى عنها.
84-أن لا يسفد الفحل أنثاه على ظهر الطريق، إلا أن يواريا، بحيث لا يراهما رجل و لا امرأة (2).
و قد أظهرت الشروط المعتبرة في الذبح، الكثير من الحالات التي يجب مراعاتها، و التي تدخل في سياق الرفق بالحيوان، و منها ما يلي:
1) البحار ج 61 ص 217 و حياة الحيوان ج 1 ص 288.
2) المحاسن ص 634 و البحار ج 61 ص 225 و 226 و ج 100 ص 78 عنه و عن نوادر الراوندي و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 252 و المهذب البارع ج 3 ص 186 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 473 و الوسائل ج 8 ص 381 و ج 14 ص 94 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 286 و ج 14 ص 288 و مكارم الأخلاق ص 236 و كتاب النوادر ص 119 و عوالي اللآلي ج 3 ص 305.
85-أن يخفي السكين عن الحيوان (1).
86-أن لا تراه البهيمة و هو يحدّ شفرته، لذبحها (2).
87-أن يسرع في عملية الذبح (3).
1) ميزان الحكمة ج 3 ص 2500 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 231 و 233 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 280 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 553 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 493 و المعجم الوسط ج 4 ص 53 و المعجم الكبير ج 11 ص 63 و نصب الراية ج 6 ص 46 و العهود المحمدية ص 211 و 394 و 721 و كنز العمال ج 6 ص 265 و فيض القدير ج 6 ص 175 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 77.
2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 231 و المعجم الكبير ج 12 ص 289 و كنز العمال (ط الهند) ج 6 ص 137 و 265 و البحار ج 62 ص 316 و 328 و مستدرك الوسائل ج 5 ص 63 و المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 105 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 493 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 280 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 553 و عون المعبود ج 8 ص 8 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1058 و العهود المحمدية ص 394 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 77.
3) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 108 و ج 4 ص 123 و سنن النسائي ج 7 ص 230 و السنن الكبرى ج 3 ص 65 و مسالك الأفهام ج 11 ص 491 و جواهر الكلام ج 36 ص 134 و نيل الأوطار ج 9 ص 18 و البحار ج 62 ص 316 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1059 و السنن الكبرى ج 9 ص 280 و نصب الراية ج 6 ص 47 و الجامع الصغير ج 1 ص 95 و العهود المحمدية ص 212 و 721 و فيض القدير ج 1 ص 446 و الكامل ج 4 ص 148 و تاريخ بغداد ج 8 ص 49 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 479.
88-أن لا يفصل رأس الذبيحة.
89-أن لا يشرع بسلخ جلدها قبل خروج الروح (1).
90-أن يسقي الحيوان الذي يريد ذبحه قبل ذبحه (2).
فقد روي أن الإمام السجاد «عليه السلام» مر على قصاب يذبح كبشا، فقال له: هل سقيت؟ !
91-أن لا يذبح ذات الجنين لغير علة (3).
92-أن لا يذبح ذات الدر. أي التي تحلب، بغير سبب (4).
1) البحار ج 62 ص 328 و الجواهر ج 36 ص 123 و مستدرك الوسائل (ط مؤسسة أهل البيت) ج 3 ص 66 و 570 و ج 16 ص 135 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 490 و كشف اللثام ج 2 ص 260 و مستند الشيعة ج 15 ص 437 و مختلف الشيعة ج 8 ص 302 و فتاوى ابن الجنيد ص 314.
2) مسالك الأفهام ج 11 ص 491 و التحفة السنية ص 307 و رياض المسائل (ط قديم) ج 2 ص 276 و مستند الشيعة ج 15 ص 448 و جواهر الكلام ج 36 ص 133 وفقه الصادق ج 24 ص 44 و البحار ج 62 ص 315.
3) دعائم الإسلام ج 2 ص 177 و مستدرك الوسائل و البحار ج 62 ص 329.
4) سنن ابن ماجة ج 2 ص 1062 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 117 و شرح صحيح مسلم ج 13 ص 214 و مجمع الزوائد ج 10 ص 318 و دعائم الإسلام ج 2 ص 177 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 158 و البحار ج 62 ص 329 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 440 و تركة النبي ص 66 و المعجم الكبير ج 19 ص 252 و 258 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 208 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 31 و إكرام الضيف ص 52 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 80 و ج 11 ص 37 و ج 11 ص 42 و رياض الصالحين للنووي ص 274 و الجامع الصغير ج 1 ص 446 و كنز العمال ج 6 ص 332 و ج 7 ص 194 و 196 و فيض القدير ج 3 ص 153 و 154 و جامع البيان ج 30 ص 367 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 175 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 583 و الدر المنثور ج 6 ص 389 و فتح القدير ج 5 ص 490.
93-أن يرسل إذا ذبح و لا يكتف. (و هذا في الطير خاصة) .
94-أن لا يقلب السكين إذا ذبح، ليدخلها تحت الحلقوم، و يقطعه إلى فوق.
95-أن لا يمسك يد الغنم و رجله إذا ذبحه، بل يمسك صوفه و شعره.
96-أن يعقل البقر، و يطلق الذنب، إذا ذبحها.
97-أن يشد أخفاف البعير إلى آباطه، و يطلق رجليه إذا نحره (1).
98-أن لا يذبح الشاة عند الشاة، و لا الجزور عند الجزور، و هو ينظر إليه (2).
1) راجع في هذه الموارد: الوسائل ج 16 ص 255 و الكافي (الفروع) ج 6 ص 229 و فقه الصادق ج 44 ص 60 و كشف الرموز ج 2 ص 355 و النهاية ص 584 و مسالك الأفهام ج 11 ص 386 و مجمع الفائدة ج 11 ص 131 و كفاية الأحكام ص 247 و رياض المسائل (ط قديم) ج 2 ص 276 و مستند الشيعة ج 15 ص 445 و جواهر الكلام ج 36 ص 132 و جامع المدارك ج 5 ص 127 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 55 و البحار ج 62 ص 300.
2) الوسائل ج 16 ص 258 و الكافي ج 6 ص 230 و التهذيب ج 9 ص 56 و 80 و مختلف الشيعة ج 8 ص 305 و 552 و إيضاح الفوائد ج 4 ص 138 و الدروس ج 2 ص 416 و المهذب البارع ج 4 ص 174 و مسالك الأحكام ج 11 ص 490 و مجمع الفائدة ج 11 ص 133 و كشف اللثام (ط قديم) ج 2 ص 260 و التحفة السنية ص 307 و رياض المسائل ج 2 ص 276 و مستند الشيعة ج 15 ص 451 و جواهر الكلام ج 36 ص 137 و جامع المدارك ج 5 ص 128 و عوالي اللآلي ج 2 ص 321 و ج 3 ص 460.
1) الوسائل ج 16 ص 267 و 258 و راجع ص 276 و التهذيب ج 9 ص 55-60 و البحار ج 10 ص 256 و ج 62 ص 314 و 328 و كشف الرموز ج 2 ص 353 و المهذب البارع ج 4 ص 172 و شرح اللمعة ج 7 ص 231 و مجمع الفائدة ج 11 ص 118 و 129 و 134 و كشف اللثام (ط قديم) ج 2 ص 259 و مستند الشيعة ج 15 ص 435 و جواهر الكلام ج 36 ص 135 و جامع المدارك ج 5 ص 121 و 128 و فقه الصادق ج 24 ص 42 و الكافي ج 6 ص 229 و 233 و دعائم الإسلام ج 2 ص 175 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 134 و عوالي اللآلي ج 2 ص 320 و ج 3 ص 458 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 280 و عن فتح الباري ج 9 ص 527 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 21 و 283.
2) الوسائل ج 16 ص 275 و 274 و عن الكافي (الفروع) ج 2 ص 149 و 148 و عن التهذيب ج 2 ص 353 و جامع المدارك ج 5 ص 124 و مسالك الأفهام ج 11 ص 489 و كشف اللثام (ط قديم) ج 2 ص 260 و رياض المسائل (ط قديم) ج 2 ص 276 و جواهر الكلام ج 36 ص 134 و المبسوط ج 1 ص 393 و منتهى المطلب ج 2 ص 759 و مستند الشيعة ج 15 ص 450 و نيل الأوطار ج 5 ص 217.
101-أن لا يجر الحيوان إلى الذبح بعنف (1).
102-أن لا يجره برجله إلى الذبح (2).
103-أن ينزله و يضجعه برفق قبل الذبح (3).
104-أن يستعمل السكين الحادة (4).
105-أن لا يقطع النخاع قبل خروج الروح (5).
1) مسالك الأفهام ج 11 ص 491 و التحفة السنية ص 307 و رياض المسائل (ط قديم) ج 2 ص 276 و مستند الشيعة ج 15 ص 448 و جواهر الكلام ج 36 ص 133 و فقه الصادق ج 24 ص 44 و البحار ج 62 ص 315 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 640 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1059 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 493 و العهود المحمدية ص 394 و فيض القدير ج 6 ص 175.
2) المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 640 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 493 و العهود المحمدية للشعراني ص 394 و فيض القدير ج 6 ص 175.
3) دعائم الإسلام ج 2 ص 179 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 132 عنه.
4) مستند الشيعة ج 10 ص 448 و كشف اللثام (ط قديم) ج 2 ص 258 و دعائم الإسلام ج 2 ص 174 و البحار ج 62 ص 327 و المعجم الأوسط ج 2 ص 179 و الكامل ج 6 ص 426 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 131.
5) راجع: مستدرك الوسائل ج 16 ص 131 و المصنف للصنعاني ج 4 ص 492 و 463 و الوسائل ج 16 ص 258 و 167 و راجع ص 276 و في هامشه عن الكافي ج 2 ص 147 و 148 و عن التهذيب ج 2 ص 351 و 352 و 353 و البحار ج 10 ص 256 و ج 62 ص 327 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 333 و إيضاح الفوائد ج 4 ص 137.
106-أن لا يذبح شيئا من الحيوان قد رباه (1).
107-أن لا يذبح الحيوان الذي كان قد اقتناه (2).
و الفرق بين هذا و سابقه واضح، فإن الإقتناء قد يحصل، و لو لم يكن هناك تربية له، لأن تربية الحيوان معناها: أن يكون قد أخذه منذ صغره، و صار يرعاه إلى أن يكبر، و أما الإقتناء: فهو شراء الحيوان و الإحتفاظ به مدة من الزمن.
108-أن لا يكون الذبح هو جزاء المملوك الصالح، فلا يذبح الدابة إذا خدمت خدمة حسنة زمانا (3).
1) الوسائل ج 16 ص 308 و ج 10 ص 175 عن تهذيب الأحكام، و الكافي، و مستدرك الوسائل ج 3 ص 69، و مجمع الفائدة ج 11 ص 165 و ج 7 ص 315 و الحدائق الناضرة ج 17 ص 213 و مستند الشيعة ج 12 ص 369 و مسالك الأفهام ج 12 ص 34 و مدارك الأحكام ج 8 ص 87 و ذخيرة المعاد ج 3 ص 679 و جواهر الكلام ج 19 ص 230 و ج 36 ص 293 و جامع المدارك ج 2 ص 479 و فقه الصادق ج 12 ص 122 و الكافي ج 4 ص 544 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 393 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 452 و ج 9 ص 83.
2) الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 208 و الجامع الصغير ج 2 ص 689 و كنز العمال ج 4 ص 98 و فيض القدير ج 6 ص 406 و شرح الأسماء الحسنى ج 1 ص 276 و الكامل ج 3 ص 135.
3) راجع: البحار ج 61 ص 112 و 137 و ج 17 ص 402 عن الطبراني و الثاقب في المناقب ص 78 و العهود المحمدية ص 396 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 405 و بصائر الدرجات ص 371 و الإختصاص ص 300.
109-أن يجير الطير إذا استجار به، فإذا دخل منزلك طائر فلا تذبحه (1).
110-أن لا يركلها برجله ليعجل خروج نفسها (2).
111-أن لا يحرك الذبيحة من مكانها حتى تفارق الروح (3).
قد كان هذا الذي ذكرناه غيضا من فيض، مما يمكن استخلاصه من النصوص المختلفة، من ضوابط و أحكام، و نصائح و توجيهات، تحدد نظرة الإسلام إلى المخلوقات، و تبين طريقة التعامل معها في الحالات المختلفة. .
نسأل اللّه أن يوفق العاملين لاستخلاص ذلك كله من مصادره، و عرضه بالطريقة اللائقة به، ليكون ذلك طريقة عمل، و نهج حياة، و سبيل نجاة.
1) الوسائل ج 16 ص 248 و ج 2 ص 1012 و مختلف الشيعة ج 8 ص 291 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 264 و إيضاح الفوائد ج 4 ص 148 و مسالك الأفهام ج 12 ص 45 و التحفة السنية ص 305 و الحدائق الناضرة ج 5 ص 6 و مستند الشيعة ج 15 ص 280 و ج 36 ص 312 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 81 و الفصول المهمة ج 2 ص 420 و البحار ج 75 ص 109.
2) مختلف الشيعة ج 8 ص 302 و فتاوى ابن الجنيد ص 314.
3) مستند الشيعة ج 15 ص 448 و روضة الطالبين ج 2 ص 476.
قالوا: إنه لما بركت ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسماة ب «القصواء» في ذلك المكان، نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأقصى الحديبية على ثمد (1)من ثمادها ظنون (2)قليل الماء يتبرّض (3)الناس ماءه تبرّضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه.
فاشتكى الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قلة الماء، و في لفظ: «العطش» ، فانتزع سهما، من كنانته، فأمر به، فغرز في الماء، فجاشت بالرّواء حتى صدروا عنها بعطن (4).
1) الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له.
2) الظنون: أي الشحيحة، أو القليلة الماء.
3) يتبرّضون الماء: ينتظرون خروجه، و هو قليل.
4) العطن: مبرك الإبل حول الماء، و المراد: أنهم قد رووا، أو رويت إبلهم حتى بركت حول الماء راجع: البحار ج 20 ص 331 و مسند أحمد ج 4 ص 329 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 178 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 219 و عن فتح الباري ج 5 ص 245 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 332 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 513 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 218 و المعجم الكبير ج 20 ص 10 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 300 و عن كنز العمال ج 10 ص 490 و إرواء الغليل ج 1 ص 55 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 195 و تفسير الميزان ج 18 ص 265 و جامع البيان ج 26 ص 127 و زاد المسير ج 7 ص 160 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 76 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 96 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 226 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 274 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 198 و ج 6 ص 106 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 609 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 330 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40 و ج 7 ص 370 و ج 9 ص 449.
قال المسور: و إنهم ليغترفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر.
قال محمد بن عمر: و الذي نزل بالسهم ناجية بن الأعجم-رجل من أسلم، و يقال: ناجية بن جندب و هو سائق بدن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد روي: أن جارية من الأنصار قالت لناجية و هو في القليب:
يا أيها الماتح دلوي دونكاإني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا و يمجدونكا
فقال ناجية و هو في القليب:
قد علمت جارية يمانيهأني أنا الماتح و اسمي ناجيه
و طعنة ذات رشاش واهيهطعنتها تحت صدور العاديه (1)
1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 91 و البحار ج 18 ص 37 و أسد الغابة ج 5 ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 776 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40.
قال محمد بن عمر: حدثني الهيثم بن واقد، عن عطاء بن مروان، عن أبيه قال: حدثني أربعة عشر رجلا ممن أسلم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه ناجية بن الأعجم، يقول: دعاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين شكي إليه قلة الماء، فأخرج سهما من كنانته، و دفعه إليّ، و دعا بدلو من ماء البئر، فجئته به، فتوضأ فمضمض فاه، ثم مجّ في الدلو- و الناس في حر شديد-و إنما هي بئر واحدة، قد سبق المشركون إلى بلدح فغلبوا على مياهه، فقال: «انزل بالدلو فصبها في البئر، و أثر ماءها بالسهم» . ففعلت، فو الذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني، و فارت كما تفور القدر، حتى طمت و استوت بشفيرها، يغترفون من جانبها حتى نهلوا من آخرهم.
و على الماء يومئذ نفر من المنافقين، منهم عبد اللّه بن أبي.
فقال أوس بن خولى: ويحك يا أبا الحباب! ! أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شيء؟
فقال: إني قد رأيت مثل هذا.
فقال أوس: قبحك اللّه، و قبح رأيك!
فأقبل ابن أبي يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا أبا الحباب: أنّى رأيت مثلما رأيت اليوم» ؟
فقال: ما رأيت مثله قط.
قال: «فلم قلته» ؟
فقال ابن أبي: يا رسول اللّه استغفر لي، فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه: يا
رسول اللّه استغفر له، فاستغفر له (1).
فقال عمر: ألم ينهك اللّه-يا رسول اللّه-أن تصلي عليهم أو تستغفر لهم؟ !
فأعرض عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أعاد عليه، فقال له: «ويلك إني خيّرت فاخترت، إن اللّه يقول: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاٰ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ. . (2).
فلما مات عبد اللّه، جاء ابنه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، إن رأيت أن تحضر جنازته.
فحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قام على قبره، فقال له عمر: ألم ينهك اللّه أن تصلي على أحد منهم» (3).
1) تفسير القمي ج 1 ص 302 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 248 و تفسير الميزان ج 9 ص 356 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 41 و كتاب سليم بن قيس ص 239 و البحار ج 38 ص 326. و قد ورد: أنه لما أكثر عليه عمر بن الخطاب، قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن قميصي لا يغني عنه من اللّه شيئا، و إني أؤمل أن يدخل في الإسلام بسببه كثير» ، فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج. (تفسير السراج المنير ج 1 ص 612 للخطيب الشربيني و أسباب النزول للواحدي ص 193 و روح المعاني للآلوسي ج 10 ص 154) .
2) الآية 80 من سورة التوبة.
3) تفسير الميزان ج 9 ص 35 و تفسير القمي ج 1 ص 302 و تفسير الصافي ج 2 ص 364 و كتاب سليم بن قيس ص 239 و البحار ج 22 ص 97 و ج 30 ص 148 و ج 31 ص 633.
و روى ابن إسحاق، و محمد بن عمر، عن البراء بن عازب (رضي اللّه عنهما) قال: أنا نزلت بالسهم.
و روى أحمد، و البخاري، و الطبراني، و الحاكم في الإكليل، و أبو نعيم عن البراء بن عازب، و مسلم عن سلمة بن الأكوع، و أبو نعيم عن ابن عباس، و البيهقي عن عروة، قال البراء: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالحديبية أربع عشرة مائة، -و الحديبية: بئر-فقدمناها و عليها خمسون شاة ما ترويها فتبرضها، فلم نترك فيها قطرة.
قال ابن عباس: و كان الحر شديدا، فشكى الناس العطش، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتاه، فجلس على شفيرها، ثم دعا ب «إناء» .
و في لفظ: ب «دلو» فتوضأ في الدلو، ثم مضمض و دعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن و ركابنا.
قال البراء: و لقد رأيت آخرنا أخرج بثوب خشية الغرق، حتى جرت نهرا (1).
و قال ابن عباس، و عروة: ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، و هم جلوس على شفيرها.
و روى البخاري في المغازي، و في الأشربة، عن جابر بن عبد اللّه، عن سلمة بن الأكوع (رضي اللّه عنهما) قالا: عطش الناس يوم الحديبية و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين يديه ركوة.
و قال جابر في رواية: و قد حضر العصر، و ليس معنا ماء غير فضلة،
1) قال الصالحي الشامي: أخرجه البخاري 7/505(4150) .
فجعل في إناء، فأتي به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما لكم» ؟
قالوا: يا رسول اللّه، ليس عندنا ماء نتوضأ به، و لا نشرب إلا ما في ركوتك. فأفرغتها في قدح، و وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده في القدح، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا و توضأنا، فقال سالم بن أبي الجعد: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟
قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (1).
1) قال الصالحي الشامي: أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم 4152 و راجع فيما تقدم: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40-42 و ج 9 ص 448 و الإصابة ج 3 ص 541 و السيرة الحلبية ج 3 ص 11 و 12 و المنتظم ج 3 ص 268، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و 274 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 324 و 325 و المواهب اللدنية ج 1 ص 268 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 367 و 375 و 376 و 377 و 378 و 379 و 380 و 381 و 382 و سنن الدارمي ج 1 ص 14 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 26 و نظم درر السمطين ص 71 و عن كنز العمال ج 12 ص 367 و مسند أحمد ج 3 ص 329 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 512 و صحيح ابن خزيمة ج 1 ص 66 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 481 و دلائل النبوة ص 121 و جامع البيان ج 26 ص 93 و جامع أحكام القرآن ج 16 ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 436 و البداية و النهاية ج 4 ص 195 و ج 6 ص 106 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 286 و عن عيون الأثر ج 2 ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 325. و راجع: نهاية الإرب ج 17 ص 222 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 98.
قالوا: و لما ارتحلوا أخذ البراء بن عازب ذلك السهم، فجف الماء (1).
و لنا مع ما تقدم عدة وقفات، هي التالية:
قرأنا في النصوص السابقة:
أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يكتفي بالدعاء ليزيد لهم ذلك الماء القليل. بل هو ينتزع سهما من كنانته، و يطلب منهم أن يغرزوها في موضع خروج الماء. ثم تجري عملية غرزه، على يد أحدهم، الذي اعتبر ذلك بمثابة فضيلة له، و أرادوا من التاريخ أن يسجلها له. .
و ليكون ذلك تخليدا لهذه الكرامة الإلهية الظاهرة لرسوله الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . .
و اختيار هذه الطريقة في استنباط الماء له مراميه و دلالاته، و لعل مما يشير إليه هو الأمور التالية:
1-إنه يظهر بوضوح تام: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تصدى للتصرف التكويني بصورة عملية، بطريقة تدلل على أن ذلك من شؤونه و داخل تحت إرادته و اختياره. و ليس هو مجرد دعاء قد استجاب اللّه تعالى له في خصوص هذا المورد و انتهى الأمر. . و قد تكون هناك مصلحة في الاستجابة له في موضع آخر و مناسبة أخرى، و قد لا تكون.
2-إن استمرار وجود السهم في البئر أمام أعين المستفيدين من مائه
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 91 و البحار ج 18 ص 38.
سوف يبقي القضية ماثلة أمام أعينهم، و سيعطيهم ذلك النفحة الروحية الغامرة التي يحتاجون إليها، خصوصا في هذا الأمر الذي سيواجهون فيه المفاجآت التي تمس غرورهم، و يحتاجون في إعادة توازنهم الروحي إلى مثل تلك النفحات.
3-إن المعرفة الحسية تبقى أقوى تأثيرا في الناس العاديين، من المعرفة التصورية، خصوصا مع بقاء مكونات هذه المعرفة ماثلة للعيان مدة من الزمن. و مع اقترانها بحركات متنوعة، و أعمال مختلفة، و جهد جسدي لإنتاجها، و لو من خلال الذين حملوا ذلك السهم، و نزلوا به إلى البئر و غرسوه فيها. .
4-و يعزز هذا الأمر و يقويه و يرسخه في وجدان الناس، السعي لتسجيل ذلك الحدث المرتبط بالغيب في الشعر العربي الذي يلامس مشاعر الإنسان و أحاسيسه، حتى لو كان الذين يبذلون تلك المحاولة يريدون توظيفها في مجالات، لا يحق لهم التعرض لها، و لا المساس بها.
قد رأينا: أن الروايات قد اختلفت في من نزل بالسهم إلى البئر، هل هو البراء بن عازب، أو ناجية بن الأعجم، أو ناجية بن جندب، أو خالد بن عبادة الغفاري؟
و قد لاحظنا: أن ثمة تسابقا في نسبة ذلك الأمر إلى هذا، أو ذاك،
و أنشدت أسلم أبياتا من الشعر، نسبتها لناجية (1).
و زعمت أسلم أيضا: أن جارية من الأنصار قالت شعرا في ذلك (2).
و لعل سبب هذا التسابق هو ظنهم: أن ذلك يتضمن إثبات فضيلة لفاعله. فأراد كل فريق أن يجر النار إلى قرصه، و ينسب الفضل إلى نفسه. .
غير أننا نتوقف هنا عند أمرين:
الأول: أن ثمة شكا كبيرا في صحة ما زعموه، من نزول أي من الناس إلى تلك البئر.
فقد روي أيضا: أن الناس لما لم يبق في العين قطرة-و كان الحر شديدا- شكوا العطش، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتى تلك البئر، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء أو بدلو، فتوضأ فيه، ثم مضمض، و دعا، ثم صبه فيها (3).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و أسد الغابة ج 5 ص 5 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 776.
2) الإصابة ج 3 ص 541 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 325 و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40 و أسد الغابة ج 5 ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 315 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 91 و البحار ج 18 ص 37.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 41 و 73 و 74 و ج 9 ص 449 عن البخاري، و أحمد، و الطبراني، و مسلم، و أبي نعيم، و الحاكم في الإكليل، و البيهقي، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 375 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 123 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 91 و البحار ج 18 ص 37 و ج 20 ص 346 و 357 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 230 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 183.
و في نص آخر عن ناجية بن جندب: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نزل على الحديبية، و هي تنزح، فألقى فيها سهما أو سهمين من كنانته، ثم بصق فيها، ثم دعا فعادت عيونها (1).
و عن أوس بن خولي: توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها، و انتزع السهم، ثم وضعه فيها.
و عن عروة: توضأ في الدلو، و صبه في البئر، و نزع سهما من كنانته، فألقاه فيها، ففارت (2).
فذلك كله يدل على: أنه لم يرسل أحدا إلى البئر، لا بالدلو، و لا بالسهم، بل هو «صلى اللّه عليه و آله» الذي جاء إلى البئر، و ألقى فيها هذا، و صب فيها ذاك، و بصق فيها. .
الثاني: لنفترض صحة الرواية التي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كلف شخصا بأمر السهم و الدلو.
1) الإصابة ج 3 ص 541 عن الحسن بن سفيان في مسنده، و عن ابن مندة في المعرفة، و ابن السكن، و الطبراني، و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 517 و المعجم الكبير ج 2 ص 179 و عن كنز العمال ج 10 ص 476 و 477 و تاريخ الجرجاني ص 163.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 73 و ج 9 ص 449 و راجع: المنتظم ج 3 ص 268 و جوامع السيرة النبوية ص 164 و 165 و تاريخ الإسلام للذهبي ص 376 و 377 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و البحار ج 18 ص 37 و عن فتح الباري ج 5 ص 245.
إلا أننا نقول:
إن ذلك لا يحمل معه منح أي و سام أو فضيلة لذلك الشخص، و لا يدل على الاعتراف له بشيء من الفضل و الكرامة، ما لم يصاحب ذلك إشارة أو دلالة أخرى تظهر هذه الخصوصية فيه. .
بل ربما يكون هناك من الدلالات ما يشير إلى: أن من كلفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك هو الذي يحتاج إلى تثبيت اليقين، و إزالة الريب عن قلبه. .
و على هذا الأساس نقول:
إنه لا دليل على: أن من كلف بغرس السهم في البئر، كان من هذا الفريق أو من ذاك، حتى نجد شواهد أخرى تشير إلى ذلك.
و يظهر من النصوص السابقة: أن العيون الغزيرة و المياه الكثيرة قد كانت في بلدح، حيث نزل المشركون. . أما الحديبية فكانت المياه شحيحة فيها، و إنما هي بئر واحدة (1).
و ما أشبه الليلة بالبارحة فإن المشركين في بدر، كانوا على عيون الماء، و لم يكن لدى المسلمين ماء. . و قد سقى اللّه المسلمين الماء بالمعجزة في بدر، و في الحديبية كان المشركون على العيون الغزيرة و العذبة. . و المسلمون كانوا بلا ماء، فسقاهم اللّه تعالى بالمعجزة أيضا.
1) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 376 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 180 و البحار ج 20 ص 346 و عن فتح الباري ج 5 ص 245 و مجمع البيان ج 9 ص 183.
ثم كانت النتائج بين بدر و الحديبية متشابهة، فقد نصر اللّه المسلمين فيهما معا، و كان لهم في الحديبية أعظم الفتح. و هكذا كان الحال في بدر.
و قد اختلفوا في الشخص الذي تولى مهمة غرس السهم في بئر الحديبية.
فالبراء بن عازب يقول: أنا نزلت بالسهم (1).
و روي: أن خالد بن عبادة الغفاري (2)قال ذلك عن نفسه.
و روي: أن الذي نزل به هو ناجية بن الأعجم. . حسبما روي عنه أنه قاله (3).
و رواية أخرى تقول: إنه ناجية بن جندب، سائق بدن رسول اللّه «صلى
1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 315 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار إحياء التراث) ج 1 ص 484 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 41 و 73 و الإصابة ج 3 ص 541 و السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و جوامع السيرة النبوية ص 165 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 قسم 2 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 324 و أسد الغابة ج 1 ص 172 و ج 5 ص 4 و عن عيون الأثر ج 2 ص 116 و عن فتح الباري ج 5 ص 245.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 73 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و عن فتح الباري ج 5 ص 245.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40 و 41 و راجع ص 40 و الإصابة ج 3 ص 541 و السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و عن فتح الباري ج 5 ص 245 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 315 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 609.
اللّه عليه و آله» (1).
و قد يمكن ترجيح: أن يكون اسم الذي نزل إلى البئر هو ناجية و ذلك استنادا إلى أبيات الشعر المتقدمة، التي صرح فيها باسم ناجية. .
غير أننا نقول:
أولا: إن غاية ما يدل عليه هذا الشعر هو: أن الماتح للناس كان اسمه ناجية. . و قد يكون الماتح هو نفسه الذي نزل بالسهم، و قد يكون الماتح شخصا، و الذي نزل بالسهم شخصا آخر.
غير أن مما لا شك فيه: أن ناجية كان في البئر حين قيل هذا الشعر، و أنه قد كان ثمة حاجة إلى استخراج الماء من البئر، قبل أن يفيض منه إلى خارجه.
ثانيا: إن ثمة تناقضا يثير الشبهة في صحة أصل نزولهم، فالشعر يقول: إن ناجية بن جندب كان يمتح الماء للناس، و كان الناس يمدحونه و يمجدونه على ذلك.
بينما رواية ناجية بن الأعجم تقول: إن الماء فاض، حتى كاد يغمره قبل أن يتمكن من الخروج من البئر، و صار الناس يفترقون من جانبها حتى نهلوا عن آخرهم. . فلم تكن هناك حاجة لوجود ماتح أصلا.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 40 و الإصابة ج 3 ص 541 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و البداية و النهاية ج 4 ص 189 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 275 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 776 و عن عيون الأثر ج 2 ص 115 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 315 و عن فتح الباري ج 5 ص 245 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 315.
كما أن رواية البراء قد صرحت: بأن البئر فاضت حتى جرت نهرا.
و قال بعضهم: إن وجه الجمع بين تلك الروايات المتناقضة في من نزل بالسهم، هو: أنهم جميعا قد تعاونوا على ذلك (1).
إن صحة هذا الجمع تتوقف على الصعوبة البالغة في النزول إلى البئر، بحيث يحتاج النازل إليها إلى مساعدة، مع أنه لا دليل يثبت ذلك.
و لو فرضنا: صحة ذلك، و أنهم عاونوا حامل السهم على النزول، فهل يصح قول كل واحد منهم: إنه هو الذي نزل بالسهم؟ ! . .
أما قول الزرقاني: تعاونوا على ذلك بالحفر و غيره. فهو غير ظاهر الوجه.
فما معنى هذا الكلام؟ ! أو ليست الحفرة كانت موجودة؟ ! و كانت بئرا واحدة، حسبما صرحوا به؟ ! . .
أم أن تلك البئر كانت قد ردمت، و كانت بحاجة إلى حفر جديد؟ ! فلماذا كان الناس حولها و يتبرضونها؟ ! و لماذا لم تصرح الروايات بغير تثوير موضع الماء بالسهم؟ ! و لماذا؟ ! و لماذا؟ !
ثم إن الروايات قد ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توضأ، و مضمض فاه، ثم مج في الدلو، و بعثها فصبت في البئر، و أثير ماؤها
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 73 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 484 و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 181 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 206 و عن فتح الباري ج 5 ص 245.
بالسهم (1).
و نقول:
1-إن في هذا الحديث تأكيدا على قداسة أشخاص اختارهم اللّه، و اصطفاهم، و اجتباهم، و على أن لمباشرة هؤلاء الأشخاص للأشياء تأثيرا في نمائها، و في حلول البركة فيها. .
2-إن هذا الفعل من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستبطن دعوة عفوية للناس إلى أن يكون كل همهم هو تزكية نفوسهم، و تطهيرها، لتكتسب طرفا من هذه القداسة، التي يعلمون أنها وليدة ذلك الطهر، و لو في بعض مراتبها. . و أنها صنيعة هذا القرب من اللّه، و رهينة رضاه. .
3-هذا كله بالإضافة إلى ما أشرنا إليه مرات كثيرة من أن ظهور هذه المعجزات و الكرامات هام جدا في الربط على قلوب المؤمنين، و في قطع دابر التسويلات الباطلة التي يثيرها المنافقون. و يخدعون بها الكثيرين من البسطاء الطيبين و الغافلين أو من الهمج الرعاع الذين يميلون مع الريح، و لا يميّزون الصحيح الصريح، من المريض و القبيح. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 41 و 73 و السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و جوامع السيرة النبوية ص 165 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 324 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 315 و راجع: كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 303 و 304 و البحار ج 18 ص 31-38 و مسند أحمد ج 4 ص 290 و البداية و النهاية ج 6 ص 16 و المغازي للواقدي ج 2 ص 588 و عن البخاري ج 4 ص 234 و ج 5 ص 156 و عن فتح الباري ج 6 ص 425 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 215.
و الكلمة المنسوبة إلى ابن أبي في هذا الموقف و هي قوله: «قد رأيت مثل هذا» وجدت آذانا صاغية، تلقفتها، و تركت لها أثرا في قلوبهم، و دمرت أو فقل اخترقت جدار السكينة في نفوسهم. .
و عن استغفار الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لابن أبي، حين طلب منه أن يستغفر له، نقول:
قد يقال: أنه لا يصح، و ذلك لما يلي:
أولا: إنه لا ريب في أن المنافق مشرك في واقعه و حقيقته، فإن كان ابن أبي منافقا، فالمفروض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا به، فكيف يستغفر له، و قد أنزل اللّه النهي عن الإستغفار للمشركين. .
ثانيا: إنه حتى لو لم تكن آية النهي عن الإستغفار للمشركين قد نزلت آنئذ، فإن المنع من ذلك كان ثابتا في دين الحنيفية، التي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتعبد بها، فلم يكن يجوز له أن يفعل ذلك، حتى لو كان ذلك المشرك غير مظهر لشركه. .
و قد قال تعالى مشيرا إلى ذلك: وَ مٰا كٰانَ اِسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّٰ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ فَلَمّٰا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّٰهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ (1).
ثالثا: إنهم يزعمون: حسبما تقدم في الجزء السابق: أن النبي «صلى اللّه
1) الآية 114 من سورة التوبة.
عليه و آله» قد نهى عن الاستغفار لأمه في غزوة بني لحيان، و قد كان ذلك قبل الحديبية.
بل هم يزعمون: أن قوله تعالى: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. . (1)قد نزلت قبل الهجرة بثلاث سنوات (2).
و لم تقيّد الرواية هذا النهي بما يوجب التفريق بين المشرك المستتر بشركه، و المشرك المعلن به. .
غير أننا نقول:
إنه لابد من تقييد هذه الآية و سواها، بأن المقصود هو: الشرك المعلن دون سواه، لأن المطلوب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو معاملتهم بما يوجبه ظاهر حالهم. . لا بما علمه «صلى اللّه عليه و آله» من خلال علمه الخاص، و هو علم النبوة. .
فإذا كانوا يعلنون أنهم على الإسلام، يمارسون شعائره، فلا يجوز إنكار ذلك عليهم، و لا فضح أمرهم، و ذلك تأليفا لهم على الإسلام، و لكي يعيشوا في أجوائه، ليدخل الإيمان في قلوبهم بصورة تدريجية، و ليمكن أيضا لأبنائهم و عشائرهم و من يلوذ بهم، أو يتصل بهم أن يعيشوا مع المسلمين، و ليروا بأم أعينهم محاسن هذا الدين، كما هو ظاهر.
فالنهي عن الاستغفار للمشرك، إنما هو بالنسبة للمعلن بشركه، لا
للمتستر به. .
و لو أراد أن يتنكر للمنافقين لم يكن معنى لوضع سهم المؤلفة قلوبهم، و ذلك واضح لا يخفى.
و قد ذكروا: أن جماعة من المنافقين قد حضروا في الحديبية. .
و قد صرحت الروايات المتقدمة، و كذلك الرواية الآتية تحت عنوان «التوحيد، و الاعتقاد بالأسباب» و كذلك روايات أخرى، أشرنا إليها في الفصل السابق-صرحت جميعها-: بوجود المنافقين مثل ابن أبي، و الجد بن قيس و غيرهما في غزوة الحديبية، و بأنهم قد صدرت منهم أمور دعت الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» إلى اتخاذ مواقف تناسب الحال. .
و قد قرأنا آنفا: أن ابن أبي كان على الماء في نفر من المنافقين، و أنه سئل عن المعجزة التي أظهرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -فيما يرتبط بفيضان الماء-فادّعى أنه رأى مثل هذا. . ثم اعترف لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لم ير مثله قط.
و أنه طلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يستغفر له، فاستغفر «صلى اللّه عليه و آله» له (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 41 و السيرة الحلبية ج 3 ص 12 و كتاب سليم بن قيس ص 239 و البحار ج 38 ص 326 و ج 22 ص 97 و ج 30 ص 148 و ج 31 ص 633 و تفسير القمي ج 1 ص 302 و التفسير الصافي ج 2 ص 364 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 248.
و نقول:
إنه إذا كان هؤلاء المنافقون قد حضروا الحديبية، و إذا كانت بيعة الرضوان قد حصلت في هذه المناسبة، و بايع جميع من كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -بمن فيهم المنافقون-و إذا كانوا جميعهم يدخلون الجنة باستثناء صاحب الجمل الأحمر حسبما تقدم، فإن السؤال الذي يلح بطلب الإجابة الصحيحة و الصريحة هو التالي:
إنه بناء على ذلك، و بناء على قول أهل السنة بعدالة جميع الصحابة، استنادا إلى آيات بيعة الشجرة و هي قوله تعالى:
لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (1).
و قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اَللّٰهَ يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اَللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (2).
فإن ابن أبي و جميع من حضر في الحديبية ممن هم على شاكلته، لابد أن يحكم بصحة إيمانهم استنادا إلى ذلك. و لا يجوز لأهل السنة إطلاق القول بنفاقه أصلا، فضلا عن دعواهم: أنه كان رأس المنافقين في المدينة.
و يؤكد هذا الأمر و يزيده وضوحا لنا، و تعقيدا بالنسبة إلى أصول أهل السنة: أنهم يقولون: إن اللّه سبحانه قال لرسوله «صلى اللّه عليه و آله»
بالنسبة للمنافقين: وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ (1).
و بعد ما تقدم: فإنه يرد على أهل السنة سؤال آخر، و هو: إذا لم يكن هؤلاء هم المنافقون! فمن المقصود بالآيات التي تحدثت عن المنافقين في سورة «المنافقون» و «البقرة» و «التوبة» و في «آل عمران» و. . و. . و تحدث عنهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مناسبات كثيرة كما يظهر من مراجعة كتاب الدر المنثور و غيره من كتب التفسير بالمأثور، فضلا عن غيرها من كتب الحديث و التاريخ، و ما إلى ذلك؟ !
و بناء على ما تقدم نقول:
إن هناك حلولا لهذه المعضلة، نذكر منها ما يلي:
1-أن يأخذوا بمذهب أهل البيت «عليهم السلام» في عدد التكبير في صلاة الميت حيث رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يكبر على المنافقين أربعا، و على صحيحي الإيمان خمسا. .
2-أن يعترفوا: بأن آية بيعة الرضوان لا تدل على عدالة جميع من بايع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل على عدالة خصوص المؤمنين منهم، و لا بد من معرفة صحة الإيمان في كل واحد منهم بدليل آخر. .
و مما يزيد هذا الاستدلال إشكالا: أن الآية الأخرى قد أشارت إلى احتمالات نكث البيعة من قبل بعض من بايع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
3-أن يتراجعوا عن الحكم بنفاق ابن أبي، و الجد بن قيس، و غيرهما
1) الآية 84 من سورة التوبة.
ممن حضر الحديبية، و يحكموا بأنهم أصحاب إيمان صحيح. .
فإذا اختاروا هذا الحل، فإنهم يكونون قد خالفوا حقيقة ثابتة من الناحية التاريخية، و عليهم بالإضافة إلى ذلك أن يبيّنوا لنا من هو المقصود بالآيات التي وردت في سورة «المنافقون» ، و في سورة «البقرة» ، و في سورة «آل عمران» ، و في سورة «التوبة» و. . و. . ؟ ! و من هم المقصودون بكلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الشأن؟ !
ثم إن عليهم إذا ادّعوا عدم نفاق ابن أبي: أن يبيّنوا لنا سبب سعي عمر لمنع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الصلاة على ابن أبي، و لماذا لم يستجب له الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» حين طلب منه عمر الامتناع عن ذلك؟ !
و زعموا: أن أبا سفيان قال لسهيل بن عمرو: قد بلغنا أنه ظهر بالحديبية قليب (1)فيه ماء. فقم بنا ننظر إلى ما فعل محمد. فأشرفا على القليب، و العين تنبع تحت السهم، فقالا: ما رأينا كاليوم قط. و هذا من سحر محمد قليل (2).
و صرحت نصوص أخرى: بأن قريشا قد جاءت إلى الحديبية، لا خصوص أبي سفيان.
و نقول:
إن كان ذلك قد حصل قبل الصلح، فيرد عليه:
أن أبا سفيان لا يجرؤ على المجيء إلى الحديبية إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها، خصوصا مع وجود تلك الجموع معه، فإنهم لن يسكتوا عن وجود رجلين غريبين يظهران فيما بينهم، بل لابد أن يتعرفوا عليهما، فإذا عرفوهما فسيكون لهم شأن معهما، و أي شأن.
و إن كان ذلك قد حصل بعد الصلح، و بعد ارتحال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من معه من المسلمين. .
فيرد عليه: أنهم يقولون: إن البراء بن عازب قد انتزع ذلك السهم من موضعه، و ذلك حين ارتحال الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين عنه. . فجف الماء كأن لم يكن هناك شيء (1).
و لكننا مع ذلك نقول:
إن أبا سفيان كان يعرف الحديبية، و أنها لا ماء فيها، فإذا كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ألف و أربع مائة أو خمس مائة رجل، و معهم رواحلهم و دوابهم، و ربما طائفة من النساء، فلا بد أن يحتاجوا إلى الكثير من الماء الذي يعرف أنه غير متوفر في الحديبية.
و هذا يقرّب إلى الذهن أن يكونوا قد سمعوا بأمر البئر، و بمعجزة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دفعهم ذلك إلى الذهاب إلى هناك بعد رحيله «صلى اللّه عليه و آله» ، فرأوا أنها قد غارت أيضا، لكي يتبين لهم أن
1) نفس المصادر السابقة.
البركات مرهونة به «صلى اللّه عليه و آله» .
و لكن عنادهم، دفعهم إلى الجحود، و اعتبار ذلك من السحر.
و لعلهم أرادوا إطلاق هذه الشائعة، لكي لا يتأثر الناس بما سمعوه عن معجزات و كرامات حصلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
روى الشيخان و أبو عوانة، و البيهقي عن زيد بن خالد «رضي اللّه عنه» قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى بنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟
قلنا: اللّه و رسوله أعلم.
قال: قال اللّه عز و جل: «أصبح من عبادي مؤمن و كافر، فأما المؤمن: من قال: مطرنا برحمة اللّه و بفضل اللّه، فهو مؤمن بي و كافر بالكواكب.
و أما من قال: مطرنا بنجم كذا-و في رواية: بنوء كذا و كذا-فهو مؤمن بالكواكب كافر بي» (1).
1) الديباج على مسلم ج 1 ص 89 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 417 و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 28 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 229 و البداية و النهاية ج 4 ص 194 و زاد المسير ج 7 ص 249 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 8 ص 521 و المغازي ج 2 ص 589 و 590 و موسوعة التاريخ الاسلامي ج 2 ص 611 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 42 و راجع: تذكرة الفقهاء (ط جديد) ج 4 ص 223 و الذكرى للشهيد الأول ص 252 و مغني المحتاج ج 1 ص 326 و نيل الأوطار ج 1 ص 337 و نيل الأوطار ج 4 ص 160 و الوسائل ج 8 ص 272 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 195 و الجواهر السنية ص 169 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 158 و عن صحيح البخاري ج 2 ص 23 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 357 و مسند أبي الجعد ص 423 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 229 و صحيح ابن حبان ج 3 ص 503 و الأذكار النووية ص 182 و كنز العمال ج 3 ص 636 و إرواء الغليل ج 3 ص 144 و زاد المسير ج 7 ص 294 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 427 و ج 3 ص 333.
و في نص آخر: أصبح الناس رجلان مؤمن باللّه كافر بالكواكب، و كافر باللّه مؤمن بالكواكب.
قال محمد بن عمر: و كان ابن أبي بن سلول قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشعرى.
و روى ابن سعد، عن أبي المليح، عن أبيه، قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن صلوا في رحالكم (1).
1) راجع النصوص المتقدمة في: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 42 و قال في هامشه: أخرجه البخاري 5/259(4147) و أخرجه مسلم في الإيمان (125) و البيهقي في دلائل النبوة 4/131. و نضيف نحن المصادر التالية: المنتظم ج 3 ص 273 و السيرة ج 3 ص 25 و مسند أحمد ج 5 ص 74 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 302 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 71 و عون المعبود ج 3 ص 273 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 137 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 80 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 435-348 و المعجم الأوسط ج 8 ص 346 و المعجم الكبير ج 1 ص 188 و 189 و موارد الظمآن ص 123 و عن كنز العمال ج 8 ص 309 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 105 و التاريخ الكبير ج 2 ص 21 و عن عيون الأثر ج 2 ص 125.
و نقول:
إن الأمر هنا يحتاج إلى بعض التوضيح، و ذلك على النحو التالي:
لقد كان العرب يعتقدون: أن الأنواء هي التي تحدث المطر، أو الريح.
و الأنواء ثمانية و عشرون في كل سنة.
و النوء عبارة عن غروب نجم مع الفجر، و طلوع رقيبه من المشرق من أنجم المنازل، و ذلك يحصل في كل ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة-النجم المعروف-فإن لها أربعة عشر يوما.
و كان هذا الاعتقاد راسخا في العرب، و كان لابد من إزالته. ليصح الاعتقاد بالتوحيد، و تزول عنهم رواسب الشرك، و عوارضه. .
و لم يزل القرآن يصرح بأن اللّه هو الذي ينزل الغيث، و هو الذي يزجي السحاب، و يرسل السماء عليهم مدرارا، و هو الذي يرسل الرياح.
فقال تعالى: يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً (1).
و قال: إِنَّ اَللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسّٰاعَةِ وَ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ (2).
و قال: وَ هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مٰا قَنَطُوا (1).
و قال: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يُزْجِي سَحٰاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكٰاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاٰلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشٰاءُ يَكٰادُ سَنٰا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصٰارِ (2).
و عن الرياح يقول: وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيٰاحَ لَوٰاقِحَ (3).
و يقول: وَ هُوَ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (4).
و يقول: وَ مَنْ يُرْسِلُ اَلرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (5).
و يقول: اَللّٰهُ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَيَبْسُطُهُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَيْفَ يَشٰاءُ (6).
و قد حفلت كتب الحديث و التاريخ و غيرها بالنصوص الواردة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و التي تدين هذا الاعتقاد، و تدعو للتخلص منه. .
و هذا المورد الذي نحن بصدد الحديث عنه هو أحد مفردات الدعوة، حيث أخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن اللّه سبحانه: أن من يقول
مطرنا بنجم كذا، أو بنوء كذا، فهو كافر باللّه.
و ليس المراد هنا: كفر النعمة، كما يحاول البعض أن يدّعي، بل المراد الكفر الحقيقي، لأنه يريد أن يذكر لهم منطق أهل الجاهلية، لكي يقرر: أن القول: بأن الفاعل الحقيقي للمطر و للريح هو النوء الفلاني، كفر صريح لا يلتقي مع الإيمان بشيء.
و قد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «لو أمسك اللّه المطر عن الناس سبع سنين، ثم أرسله، لأصبحت طائفة كافرين، قالوا: هذه بنوء الدبران» أو المجدح كما ورد في الروايات (1).
مع أن انقطاع المطر عنهم سبع سنين يدل على: أن الأنواء لا تأثير لها، لأن الأنواء موجودة طيلة هذه السنين السبع كلها. و لم يؤثر وجودها في نزول المطر.
و قد ذكر السيوطي في كتابه: «الدر المنثور» ج 6 ص 162-164 أحاديث كثيرة عن عشرات المصادر، صريحة بإدانة-و بعضها يصرح بكفر- من يصرّ على أن التأثير في المطر هو للأنواء، فراجع.
1) البحار ج 55 ص 329 و راجع ص 327-330 و الدر المنثور ج 6 ص 163 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 25 و البرهان (تفسير) ج 4 ص 283 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 500 و مسند أحمد ج 3 ص 7 و راجع: سنن النسائي ج 3 ص 165 و مسند الحميدي ج 2 ص 331 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 564 و ج 6 ص 230 و راجع: مسند أبي يعلى ج 2 ص 482 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 501 و كتاب الدعاء ص 298 و موارد الظمآن ص 160 و عن كنز العمال ج 3 ص 636 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 274 و التاريخ الكبير ج 7 ص 55 و تهذيب الكمال ج 19 ص 290.
و اللافت هنا: أنه رغم كثرة تعرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإدانة هذا الاعتقاد فقد نقل عن عمر بن الخطاب أنه قال: مطرنا كذا.
و اعتذر عنه الحلبي: بأنه لعله لم يبلغه النهي عن ذلك (1).
و لكن من الواضح: أن عمر كان حاضرا في الحديبية، كما صرح به الحلبي نفسه.
و ربما يقال: إن هذا الاعتذار يبقى مجرد احتمال.
و هناك احتمال آخر، و هو: أنه قد قال ذلك على سجيته، متأثرا بما كان يعتقده في الجاهلية. .
و لعل من ذكر: أن المراد هو: كفر النعمة، و أن النهي ليس نهي تحريم بل هو نهي كراهة (2)قد أراد حفظ ماء الوجه للخليفة الثاني في قوله هذا. .
و اللّه هو العالم بحقيقة الحال.
و أهدى عمرو بن سالم، و بسر بن سفيان الخزاعيان بالحديبية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غنما و جزورا، و أهدى عمرو بن سالم لسعد بن عبادة جزرا-و كان صديقا له-فجاء سعد بالجزر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره أن عمرا أهداها له، فقال: «و عمرو قد أهدى لنا ما ترى، فبارك اللّه في عمرو» .
ثم أمر بالجزر أن تنحر و تقسم في أصحابه، و فرق الغنم فيهم عن آخرها، و شرك فيها، فدخل على أم سلمة من لحم الجزور كنحو ما دخل على رجل من القوم.
و شرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شاته، فدخل على أم سلمة بعضها، و أمر «صلى اللّه عليه و آله» للذي جاء بالهدية بكسوة (1).
و نقول:
إنه لم يظهر من نصوص التاريخ إسلام عمرو بن سالم، أو بسر بن سفيان الخزاعي فإن كانا أو أحدهما ما زال على الشرك، فإن قبول هديتهما
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 42 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 611.
يتنافى مع ما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه لا يقبل هدية مشرك. و قد تقدم ذلك في الفصل الذي تحدثنا فيه عن إيمان أبي طالب، فراجع.
فقبوله «صلى اللّه عليه و آله» هديتهما يدل على تقدم إسلامهما. و يدل على ذلك أيضا، ما صرحت به هذه الرواية، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا لعمرو بقوله: «فبارك اللّه في عمرو» .
لما اطمأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالحديبية: جاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، منهم: عمرو بن سالم، و خراش بن أمية، و خارجة بن كرز، و يزيد بن أمية. و كانوا عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتهامة، منهم المسلم، و منهم الموادع. لا يخفون عنه بتهامة شيئا.
فلما قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سلموا، فقال بديل بن ورقاء: جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي، و عامر بن لؤي، قد استنفروا لك الأحابيش و من أطاعهم، قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، و النساء و الصبيان، يقسمون باللّه لا يخلون بينك و بين البيت حتى تبيد خضراؤهم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنّا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه، إن قريشا قد أضرت بهم الحرب و نهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، و يخلون فيما بيننا و بين الناس-و الناس أكثر منهم.
فإن أصابوني فذلك الذي أرادوا.
و إن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا و قد جمّوا.
و إن هم أبوا فو اللّه لأجهدن على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، و لينفذن اللّه تعالى أمره» .
فوعى بديل مقالة رسول اللّه، و قال: سأبلغهم ما تقول: و عاد و ركبه إلى قريش، فقال ناس منهم: هذا بديل و أصحابه، و إنما يريدون أن يستخبروكم، فلا تسألوهم عن حرف واحد.
فلما رأى بديل أنهم لا يستخبرونه قال: إنّا جئنا من عند محمد، أتحبون أن نخبركم عنه؟
فقال عكرمة بن أبي جهل، و الحكم بن أبي العاص: ما لنا حاجة بأن تخبرونا عنه، و لكن أخبروه عنا: أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدا، حتى لا يبقى منا رجل.
فأشار عليهم عروة بن مسعود الثقفي بأن يسمعوا كلام بديل، فإن أعجبهم قبلوه، و إلا تركوه، فقال صفوان بن أمية، و الحارث بن هشام: أخبرونا بالذي رأيتم و سمعتم.
فقال بديل لهم: إنكم تعجلون على محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، إنه لم يأت لقتال، إنما جاء معتمرا، و أخبرهم بمقالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال عروة: يا معشر قريش، أتتهمونني؟
قالوا: لا.
قال: ألستم بالوالد؟ !
قالوا: بلى.
قال: ألست بالولد؟
قالوا: بلى.
و كان عروة لسبيعة بنت عبد شمس القرشية.
قال: «ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ لنصركم، فلما تبلّحوا علي نفرت إليكم بنفسي، و ولدي، و من أطاعني؟
قالوا: قد فعلت، ما أنت عندنا بمتهم.
قال: إني لكم ناصح، و عليكم شفيق، لا أدخر عنكم نصحا، فإن بديلا قد جاءكم بخطة رشد لا يردها أحد أبدا، إلا أحد شر منها. فاقبلوها منه، و ابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، و أنظر إلى من معه، و أكون لكم عينا آتيكم بخبره.
فبعثته قريش إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا محمد، تركت كعب بن لؤي، و عامر بن لؤي على أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، قد استنفروا لك الأحابيش و من أطاعهم، قد لبسوا جلود النمور، و هم يقسمون باللّه لا يخلون بينك و بين البيت حتى تجتاحهم، و إنما أنت و من قاتلهم بين أحد أمرين أن تجتاح قومك، و لم يسمع برجل اجتاح قومه و أهله قبلك. أو بين أن يخذلك من ترى معك، و إني و اللّه لا أرى معك وجوها، و إني لا أرى إلا أوباشا.
و في رواية: فإني لأرى أوشابا (1)من الناس، لا أعرف وجوههم و لا أنسابهم، و خليقا أن يفروا و يدعوك.
1) الأوشاب: الأوباش، و الأخلاط من الناس، انظر المعجم الوسيط 2/1045.
و في رواية: و كأني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك، فتؤخذ أسيرا، فأي شيء أشد عليك من هذا؟
فغضب أبو بكر-و كان قاعدا خلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: امصص بظر اللات، أنحن نخذله، أو نفرّ عنه؟ !
فقال عروة: من ذا؟
قالوا: أبا بكر.
فقال عروة: أما و اللّه لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجيبنك.
و كان عروة قد استعان في حمل دية، فأعانه الرجل بالفريضتين و الثلاث، و أعانه أبو بكر بعشر فرائض.
فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة.
و طفق عروة كلما كلّم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مس لحية النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المغيرة بن شعبة قائم على رأسه «صلى اللّه عليه و آله» بالسيف، على وجهه المغفر-لما قدم عروة لبسها-فطفق المغيرة كلما أهوى عروة بيده ليمس لحية النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقرع يده بنعل السيف و يقول: اكفف يدك عن مس لحية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل ألا تصل إليك، فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه.
فلما أكثر عليه غضب عروة و قال: ويحك! ! ما أفظك و أغلظك!
و قال: ليت شعري! ! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك؟ و اللّه لا أحسب فيكم ألأم منه، و لا أشر منزلة.
فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» .
فقال عروة: و أنت بذلك يا غدر، و اللّه ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ إلا أمس، لقد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر.
و جعل عروة يرمق أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعينه، فو اللّه ما يتنخم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، و إذا توضأ كادوا يقتتلوا على وضوئه، و لا يسقط شيء من شعره إلا أخذوه، و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدّون النظر إليه، تعظيما له.
فلما فرغ عروة من كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ورد عليه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مثل ما قال لبديل بن ورقاء، و كما عرض عليهم من المدة. فأتى عروة قريشا، فقال:
يا قوم، إني وفدت إلى الملوك: كسرى، و قيصر، و النجاشي، و إني و اللّه ما رأيت ملكا قط أطوع فيما بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، و اللّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، و ليس بملك.
و اللّه ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، و إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه أيهم يظفر منه بشيء، و لا يسقط شيء من شعره إلا أخذوه، و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدون النظر إليه تعظيما له، و لا يتكلم رجل منهم حتى يستأذن، فإن هو أذن له تكلم، و إن لم يأذن له سكت.
و قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، قد حرزت القوم.
و اعلموا أنكم إن أردتم منهم السيف بذلوه لكم.
و قد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعتم صاحبهم، و اللّه لقد رأيت معه نساء ما كن ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم، فأتوه يا قوم، و اقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف أن لا تنصروا على رجل أتى زائرا لهذا البيت، معظما له، معه الهدي ينحره و ينصرف.
فقالت قريش: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور، أو غيرك تكلم بهذا؟ و لكن نرده عامنا هذا، و يرجع إلى قابل.
فقال: ما أراكم إلا تصيبكم قارعة.
فانصرف هو و من تبعه إلى الطائف.
فقام الحليس-و هو بمهملتين، مصغّر-بن علقمة الكناني و كان من رؤوس الأحابيش، و في نص آخر: كان يومئذ سيد الأحابيش (1)فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته.
فلما أشرف على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا فلان من قوم يعظمون البدن، و في لفظ: الهدي، و يتألهون، فابعثوها له» .
فبعثت له.
فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي عليها قلائدها، قد أكلت أوبارها من طول الحبس، ترجّع الحنين، و استقبله الناس يلبون قد أقاموا
1) الأحابيش هم: بنو الهون بن خزيمة، و بنو الحرث بن عبد مناف، و بنو المصطلق. سموا بذلك لأنهم تحالفوا تحت جبل بمكة اسمه حبشي.
نصف شهر، و قد تفلوا و شعثوا، صاح و قال: سبحان اللّه «ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت! ! أبى اللّه أن تحج لخم، و جذام، و كندة، و حمير، و يمنع ابن عبد المطلب، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، هلكت قريش و ربّ الكعبة. إن القوم إنما أتوا عمّارا» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أجل يا أخا بني كنانة» .
و ذكر ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد: أنه لم يصل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما رأى ذلك إعظاما لما رأى.
فيحتمل أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاطبه من بعد.
فرجع إلى قريش، فقال: إني رأيت ما لا يحل منعه، رأيت الهدي في قلائده، قد أكل أوباره، معكوفا عن محله، و الرجال قد تفلوا، و قملوا أن يطوفوا بهذا البيت.
و اللّه ما على هذا حالفناكم، و لا عاقدناكم، على أن تصدوا عن البيت من جاءه، معظما لحرمته، مؤديا لحقه. و ساق الهدي معكوفا أن يبلغ محله.
و الذي نفسي بيده لتخلّنّ بينه و بين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.
فقالوا: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به، و في لفظ: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك، كل ما رأيت من محمد مكيدة.
فقام مكرز-بكسر الميم، و سكون الكاف، و فتح الراء-بن حفص. فقال: دعوني آته.
فلما طلع ورآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «هذا رجل غادر» و في لفظ: «فاجر» .
فلما انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلّمه بنحو ما كلم به بديلا و عروة، فرجع إلى أصحابه، فأخبرهم بما ردّ عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و تستوقفنا في النصوص المتقدمة أمور كثيرة، لابد من الاكتفاء بالإشارة الموجزة إلى بعضها، وفق ما يتيسر لنا، فنقول:
لقد ذكر النص المتقدم: أن حليس بن علقمة لم يستطع أن يرضى بالمفارقة الظاهرة، و التي هي غير منطقية و لا معقولة، و هي: أن تمنع قريش ابن عبد المطلب من زيارة بيت اللّه، و تسمح لأشتات قبائل العرب بذلك، مثل لخم، و جذام، و حمير، و كندة! !
1) راجع النصوص المتقدمة في: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 43-46 و راجع السيرة الحلبية ج 3 ص 13-16 و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 145 و 146 و الدر المنثور ج 6 ص 76-78 و السنن الكبرى ج 9 ص 220 و الكافي ج 8 ص 323 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 95 و الخراج لأبي يوسف ص 210 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 7 ص 134 و رسالات نبوية ص 170 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 39 و 40 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 202 و 203 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 274 و عن عيون الأثر ج 2 ص 116 و البداية و النهاية ج 4 ص 190 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 778 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 316.
فعبد المطلب كان و بقي رمزا عظيما بالنسبة للعرب، و لم يكن يمكن لأحد أن يستهين بموقعه، أو أن يتجاهل مكانته عند اللّه تعالى، أو أن ينكر تقواه و قداسته، خصوصا و أنه سيد مكة، بل سيد العرب، و لم يزل اسمه مرتبطا بالقداسات، و الكرامات، و الاستقامة على خط الخير و الصلاح، و السداد و الفلاح. .
و قد ظهر لابن عبد المطلب و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذات أكثر مما ظهر لجده من معجزات، و كرامات و قداسات. و ها هو قد جاء على صفة و حالة تظهر و تجسد ما هو عليه من التقوى و الارتباط باللّه، و تعظيم البيت. . و ذلك بصورة عملية قوية، و قادرة على أن تحضر عبد المطلب نفسه إلى الذاكرة، بل إلى المشاهدة بعين الباطن، و الضمير و الوجدان.
فانتفض وجدان الحليس، و انطلق ينذر بإعادة النظر في كل العقود و العهود التي كانت بين الأحابيش و بين قريش. . بل هو يتجاوز ذلك إلى أن يتهدد و يتوعد بأن ينفر مع الأحابيش كلها لنصرة محمد «صلى اللّه عليه و آله» . .
و على قريش أن تأخذ هذا التهديد بعين الاعتبار، فإن عروة بن مسعود الثقفي قد سبق الحليس في اتخاذ موقف رافض لهذه السياسة الظالمة، و انسحب و من تبعه إلى بلاده. .
و هذا بالذات هو بعض ما تخشاه قريش، و يؤرقها، و يقض مضاجعها.
قد ظهر من النصوص المتقدمة:
أن عروة بن مسعود، و إن كان في يوم الحديبية لا يزال مشركا، و لكنه
كان يطرح الأمور مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفق تحليله الذي كان يراه منطقيا و معقولا. .
فهو قد اعتبر نصرة الأوشاب-و هم الخليط غير المتجانس-لا تنتهي إلى نتيجة؛ لأنهم يندفعون إلى الأمور كأفراد استنادا إلى إحساسهم الداخلي، بما يحققه لهم هذا الاندفاع من نتائج، فإذا كان يرى نفسه فردا منقطعا عن عشيرته، فسوف يرى من هذه النتائج ما يتناسب مع حجمه كفرد. فإذا وازن بينها و بين الثمن الذي قد يدفعه من أجلها، ألا و هو نفسه التي هي أعز ما في الوجود عليه، فسيرى أنه مغبون في هذه الصفقة، فتدعوه نفسه للفرار.
أما إذا كانت له عشيرة تشاركه في هذه الاهتمامات، أو كان لديه رصيد معنوي يرى نفسه مطالبا بحفظه، و بالدفاع عنه، فإنه يشعر بوجود من و ما تتوفر لديه حوافز الدفاع عنه و حفظه.
و سوف تختلف نظرته إلى طبيعة المنافع التي سوف يحصل عليها، حيث سيرى أنها أصبحت بحجم عشيرته كلها. فإذا كبرت في عينه النتائج، و تضاءلت احتمالات الخسارة، و أصبح هناك شعور أكبر بالأمن، فإن الاندفاع في الحرب، و الإصرار على تحقيق النصر فيها سوف يكون أكبر، و احتمالات حصول هذا النصر أكثر و أوفر. .
و لكن قد غاب عن ذهن عروة بن مسعود: أن الإيمان باللّه سبحانه، و بالجنة و النار، و بالثواب و العقاب، و أن ترسيخ حب اللّه، و حب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و حب الحق، و حب الإيمان و تنامي ذلك في القلب و في الروح-إن ذلك-لابد أن يضاعف من اندفاع الناس للدفاع عما يحبون، و أن يسهل عليهم ما يصيبهم في هذه الحياة الدنيا، إذا كان يوجب
لهم الأمن و الفوز و الفلاح في الآخرة. .
بل إن ذلك كله يجعل هذا الإنسان ليس فقط لا يهتم بالحفاظ على نفسه و حياته، و إنما هو يلتذ و يسعد حين يضحي بالنفس و المال، و الولد، على قاعدة: «فزت و رب الكعبة» ، كما أن طعم الموت لابد أن يصبح لديه أحلى من العسل. .
ثم هو لابد أن يحزن، و يبكي، و يتحسر إذا فاته ذلك.
و بذلك يظهر: أن رابطة العشيرة، و المصلحة، و حمية الجاهلية، و ما إلى ذلك سوف لا يبقى لها تأثير يذكر في الدفع، أو في الرفع. .
و قد أثبتت الوقائع في بدر و سواها هذه الحقيقة بما لا مزيد عليه.
و قد حاول ابن مسعود أن يقدم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معادلة ترتكز إلى المنطق العشائري، و إلى القيم الجاهلية، في مغازيها و مراميها، و ذلك حين طالبه بالنظر في خيارين كلاهما مرفوض عشائريا و جاهليا، و هما:
1-أن يحتاج قومه بالحرب، و هذا أمر لا ترضاه العقلية العشائرية، و تعتبره من موجبات العار الذي لا يقدم عليه أحد يلتزم بهذا المنطق، قال عروة: أن تجتاح قومك، و لم يسمع برجل اجتاح قومه، و أهله قبلك.
2-أن تكون نتيجة الحرب هي: أن يفر عنه أصحابه الذين هم أشواب (1)من الناس، فيأسره قومه، و هذا أمر لا يرضاه لنفسه، فإن الأسر عار و ذل أيضا. .
1) أي خليط.
و اللافت هنا: أن عروة قد استند في حصر الأمر بهذين الخيارين إلى أن قريشا قد أظهروا الحقد و التصميم على حربه، و لبسوا جلود النمور، و هم يقسمون باللّه أن لا يخلوا بينه و بين البيت. .
و يا ليت عروة بن مسعود يتذكر: أولا: إن قريشا أهل محمد «صلى اللّه عليه و آله» و قومه، فلماذا يلبسون لابن عشيرتهم و لمن هو في جملة أهلهم جلود النمور، و لماذا يحقدون عليه، و يصرون على حربه، فإن المفروض هو: أن يعالج المنطق القبلي هذه الظاهرة، و أن يقضي عليها، و أن يزول حقدهم عليه، و ممانعتهم و منعهم إياه من دخول حرم اللّه لنفس هذا السبب، و هو كونهم أهله، و عشيرته. .
ثانيا: إن ما يريدون منعه منه و عنه ليس لهم فيه حق، فإنه بيت اللّه، و هم مجرد خدم و سدنة لهذا البيت، و لا يرضى حتى منطقهم الجاهلي بمنع أحد من حجه أو من عمرته، أو من زيارة بيت ربه سبحانه و تعالى. .
ثالثا: إن هؤلاء الأهل و العشيرة قد ظلموا أخاهم و سيدهم، و أقدس رجل فيهم، و أخرجوه و من معه من بلده و أهله، و ماله، من غير ذنب أتاه إليهم. . و قد آذوه و حاولوا قتله، و استئصال شأفته، و إبادة خضرائه في حروبهم ضده. . فلماذا فعلت قريش ذلك؟ ! . .
مع أنه-حسب منطق ابن مسعود-: لم يسمع برجل اجتاح قومه و أهله قبلهم. . فلماذا جرّت باؤهم في ذلك كله. . و لم تجر باء محمد «صلى اللّه عليه و آله» هذه المرة؟ ! و لو بمقدار أن يسمحوا له بزيارة بيت ربه، ثم يرجع عنهم من دون قتال، و لا حتى جدال. .
رابعا: لو أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من معه أصروا على
زيارة البيت، فهل ستقاتله قريش، أم ستتركه؟ !
إن كلام عروة بن مسعود نفسه صريح في أنها ستقاتله، بصورة متعدية و ظالمة، فلماذا لم يوجه عروة إليها نفس هذا الكلام. . قبل أن يأتي رسولا من قبلها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسوّق لا ستمرار هذا الظلم، و يباركه، و يدعمه بظلم فاحش آخر؟ ! . .
لقد كان عليها أن تخضع لهذا المنطق، الذي جاءت لتطالب الآخرين بالخضوع له، و تكف عن القتال، و تمكن زوار البيت الحرام من الزيارة و العمرة.
أما موقف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكان حازما، و لكنه لم يكن عدوانيا، بل هو عين الإنصاف و العدل، و هذا بالذات هو ما كان يثير حفيظة قريش، حيث وجدت نفسها في موقع العناد و اللجاج من دون أن يكون لديها أي مبرر مقبول أو معقول، حتى أمام شركائها في الرأي و الموقف، و حلفائها ضد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من هم على دينها. فإن ما كان يقوله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: إننا جئنا لزيارة بيت ربنا، فمن صدنا عنه قاتلناه.
فهو لم يطالب إلا بحق يقرّ له به كل أحد، و لا مجال للمراء فيه، و هو حق عام يطالب به جميع الناس قريشا بالذات، فمن أنكر هذا الحق على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا بد أن ينكره على نفسه أولا.
من هنا نجد: أن جميع من جاؤوا من قبل قريش إلى النبي «صلى اللّه
عليه و آله» لم يكن لديهم حجة يعتصمون بها، فكانوا يلجأون إلى محاولة تخويفه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين من عاقبة دفع الأمور باتجاه الحرب. .
ثم كانت حصيلة مساعيهم: أنهم يرجعون إلى قومهم ليواجهوهم بنفس المنطق الذي سمعوه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و ذلك بدءا من بديل بن ورقاء الخزاعي الذي قال لقريش: إنكم تعجلون على محمد، إنه لم يأت لقتال، إنما جاء معتمرا، ثم أخبرهم بمقالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حسبما تقدم.
مرورا بعروة بن مسعود الذي قال لهم: قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
و كذلك الحليس بن علقمة، الذي قال لقريش حين رجع إليها: ما على هذا حالفناكم، و لا عاقدناكم، على أن تصدوا عن البيت من جاءه معظما لحرمته، مؤديا لحقه الخ. .
و انتهاء بمكرز بن جابر، الذي رجع إلى قريش، و لم يجد لديه ما يحمله إليها، سوى ما قاله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له. .
فاتضح بذلك كله:
أن الأمر قد انتهى بتصدع صفوف أهل الشرك. . و ظهور الخلاف العميق فيما بينهم. إلى حد أن زعماء أقوياء في صفوفهم هم الذين يسعون لإقناع قريش بقبول عروض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعلنون أن خطته
خطة رشد و صلاح. .
و هي نتيجة ذات أهمية فائقة، و حاسمة أيضا.
و قد ظهر الخلاف بينهم حين قرر بديل بن ورقاء، أنهم يعجلون على محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن اتهامهم إياه بأن حركته هذه حركة عدوانية اتهام باطل، فهو لم يأت لقتال أحد.
ثم إن عروة بن مسعود أيد بديلا فيما قاله. .
ثم عرض عليهم أن يحقق لهم في صحة أقوال بديل. فلما رضوا بذلك، و ذهب في مهمته تلك، عاد إليهم بما يزيد في إضعاف موقفهم، و زعزعة ثباتهم. و يزيد من خوفهم و رعبهم. خصوصا و هو يصف لهم طاعة أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» له، و تعظيمهم إياه، و أن هذا التعظيم، و تلك الطاعة هي لرجل ليس ملكا مع أنها فوق تعظيم أتباع الملوك-بمن فيهم كسرى و قيصر-لملوكهم. .
بل إنه يتوقع حتى من النساء، اللواتي كنّ في ذلك الجمع دفاعا عن محمد «صلى اللّه عليه و آله» ضاريا مستميتا. . و هذا ما لا يسعد قريشا، و لا يؤنسها، بل هو يدفع بها إلى حالة من الخوف تصل إلى حد الرعب.
ثم هو يصف لهم كيف كان أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» يتبركون بشعره، أو بكل آثاره. . حتى إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. و كيف يبادرون لامتثال أوامره، و يذكر لهم كيف يخفضون أصواتهم عنده، و لا يحدّون النظر إليه، و غير ذلك.
و لا شك في أنه سيصيبهم الذهول لهذا الوصف، الذي إذا رجعوا إلى أنفسهم، فإنهم لا يجدون شيئا منه فيما بينهم، بل هم يجدون النقيض و المباين
له. . و هذا ما يجعلهم يدركون حجم الصعوبات التي سوف يواجهونها لو دخلوا معه في أي صراع. و يزيد في رعبهم من الأخطار التي تنتظرهم معه. .
ثم يعلن عروة بن مسعود رأيه لهم، و هو: أن الرشد في قبول ما عرضه عليهم محمد «صلى اللّه عليه و آله» . .
ثم كانت الحجة الأقوى التي استند إليها هي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما جاء زائرا للبيت، معظما له، و معه الهدي. . فخافت قريش من تأثير هذا المنطق، و قالوا له: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور. .
و كانت النتيجة هي: انفصاله هو و من تبعه عن قريش، و انصرافه إلى الطائف.
ثم زاد هذا التصدع في صفوف أهل الشرك حين رجع الحليس-و هو من رؤوس الأحابيش-إلى قريش من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بموقف حازم، ليقول لها: «و اللّه ما على هذا حالفناكم، و لا عاقدناكم على أن تصدوا عن البيت من جاءه معظما لحرمته، مؤديا لحقه، و ساق الهدي. معكوفا أن يبلغ محله.
و الذي نفسي بيده، لتخلّن بينه و بين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد» .
فقالوا: كف عنا يا حليس، حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. .
و في سياق آخر نلاحظ ما يلي:
1-إن ما ذكره عروة بن مسعود عن تبرك الصحابة بوضوء رسول اللّه
«صلّى اللّه عليه و آله» ، و بشعره، و حتى بنخامته (1)، ما هو إلا واحد من مئات الشواهد الدالة على مشروعية التبرك بالأنبياء و الأولياء، و بآثارهم.
كما أنه يدل على: أن لنفس جسد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قداسة و بركة، و هذا لا يختص بالأنبياء «عليهم السلام» ، بل يشمل غيرهم من الأولياء و الأصفياء و من سعد بالاصطفاء و الاجتباء.
و لا نريد أن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع، فإن المناسبة لا تقتضي ذلك، غير أننا نشير إلى: أن جواز التبرك و عدمه إنما يؤخذ من النصوص الواردة عن المعصوم «عليه السلام» ، و ليس هو من الأمور التي تحكم أو تتحكم بها العقول. .
و ذلك: لأن التبرك معناه طلب: البركة-التي هي النماء و الزيادة-من
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 19 و كنز العمال (ط الهند) ج 10 ص 311-315 عن مصادر كثيرة و مسند أحمد ج 4 ص 323 و 324 و 329 و 330 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 336 و السيرة الحلبية ج 3 ص 13-16 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 328 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 219 و البحار ج 17 ص 32 و 33 و ج 20 ص 332 و 343 و المغازي للواقدي ج 2 ص 598 و عن البخاري ج 3 ص 254 و 255، و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 20 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 43 و 42 و ج 10 ص 38 و عن الشفاء لعياض ج 2 ص 37 و عن شرح الشفا لملا علي القاري ج 2 ص 67 و عن كنز العمال ج 16 ص 236 و المعجم الكبير ج 20 ص 12 و إرواء الغليل ج 1 ص 56 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 212 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 227 و البداية و النهاية ج 4 ص 199 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 332.
مكامنها و مناشئها، سواء أكانت زيادة مادية أم معنوية، مع إحراز كونها قابلة للانتقال و الاكتساب. .
و هذا و ذاك إنما يطلب من قبل الخالق، الذي هو الفاعل و الجاعل. .
فإذا أخبرنا اللّه و رسوله: أن البركة حاصلة في شخص رسوله، أو وليه، أو في القرآن الكريم، أو في الحجر الأسود.
و أخبرنا أيضا: أنها قابلة للانتقال، و الاكتساب، فلا بد من أخذ ذلك منه، و قبوله عنه، و لا يصح رده بالقياسات العقلية الناقصة، و لا يجوز دفعه بالحدسيات و الظنون، فإن اللّه سبحانه يريد أن تعبده مخلوقاته حسبما يرسمه لهم، و يريده منهم. . و ليس لهم في ذلك أي خيار.
2-و من جهة ثانية، فإن ما جرى في الحديبية، من تبرك الصحابة بشعر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و بفضل وضوئه، و غير ذلك قد أرعب قريشا، و اضطرها لإعادة النظر في حساباتها.
3-إن ما جرى في الحديبية ليس هو الدليل الوحيد على جواز التبرك، بل هناك مئات من الشواهد، و الدلائل، و النصوص التي تؤكد ذلك. . فمجموعها هو الدليل القاطع و هو من حيث الغزارة و الكثرة أضعاف أضعاف ما يتحقق به التواتر. . فلو جاز التشكيك في ذلك كله، و رده، و رفضه، و اعتباره شركا، فإن الأمر يصبح دائرا بين أمرين:
أحدهما: أنه يمكن الشك في كل الثوابت، و المتواترات من الشرع الشريف، فلا مجال لإثبات شيء منها، حتى ما هو من قبيل أن صلاة الظهر أربع ركعات! !
الثاني: أن يكون تبركهم حاصلا و ثابتا فعلا، و كان ذلك من الشرك،
فلا بد من الحكم على كل من مارس ذلك أنه قد دخل في دائرة الشرك، و ارتكاب المعاصي الكبيرة.
و هل يمكن لأحد أن يدين أعاظم الصحابة، و ينسبهم إلى الشرك و الكفر، بل هو يدين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، الذي قبّل الحجر الأسود، و تبرك بعلي «عليه السلام» ، و سكت عن جميع الذين كانوا يمارسون التبرك بشعره، و بوضوئه، و بكثير من الأمور العائدة إليه (1). . و قبل هذا الشرك منهم، و أعانهم عليه، حينما كان يوزع شعره عليهم في الحديبية ليتبركوا به؟ ! !
قلنا إن التبرك معناه: طلب النماء و الزيادة و الخير بتقديم وسيلة يحبها اللّه تعالى، فيستجيب للطالب من أجلها، و أنبياء اللّه «عليهم السلام» ، يحب اللّه تعالى أشخاصهم، و يحب أيضا كل ما يتعلق بهم، أو ينسب إليهم من آثار و غيرها، فإذا جعلها الطالب وسيلته إلى اللّه سبحانه، فإنه تعالى يتحفه بما طلب، و ينعم عليه بهباته و يخصه ببركاته. .
هذا. . و لا يختص الاستشفاء و التبرك بذات النبي أو الولي بصورة ما إذا
1) الوسائل ج 9 ص 404 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 507 و ج 5 ص 373 و المعجم الأوسط ج 5 ص 191 و رياض الصالحين ص 139 و البيان في تفسير القرآن ص 469 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 و 488 و المحاسن ج 2 ص 521 و عن البحار ج 63 ص 230 و شرح مسلم ج 13 ص 224 و عن فتح الباري ج 9 ص 432 و عن عون المعبود ج 10 ص 183 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 207 و سير أعلام النبلاء ج 11 ص 212.
كان حيا؛ لأن وفاته لا توجب انقطاع تأثيره، كما يريدون أن يدّعوا؛ فإن حرمة النبي و الولي عند اللّه بعد وفاته هي نفسها في حياته، و لأجل ذلك يتوسل به أهل الحاجات، و يتبرك بقبره و بآثاره طلاب الخيرات و البركات، و يستشفى بتربته و بشعره، و بعصاه و سواها، من لم يجد له من آلامه سبيل نجاة. .
و منهم من أوصى: أن يوضع من شعر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أظفاره في كفنه بعد موته (1).
و قد رووا: أن أم سلمة كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في جلجل لها (أي ما يشبه القارورة) فكان إذا أصاب أحدا من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء، فجعلت الشعرات في الماء ثم أخذوا الماء، يشربونه للاستشفاء، و التبرك به (2).
و حين كانت أم سلمة تنشف عرقه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعصره في قواريرها، سألها النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فقالت: نرجو بركته لصبياننا.
قال: أصبت (3).
1) الطبقات الكبرى ج 5 ص 406 و ج 7 ص 25 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 143 و ج 11 ص 337 و ج 16 ص 487 و تهذيب التهذيب ج 11 ص 366.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 23 و تاريخ الخميس ج 2 ص 23 و مسند أحمد ج 6 ص 296 و صحيح البخاري ج 7 ص 57 و فتح الباري ج 10 ص 298 و تاريخ المدينة ج 2 ص 618.
3) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 83 و ج 7 ص 82 و مسند أحمد ج 3 ص 221 و 226 و فتح الباري ج 11 ص 60 و البداية و النهاية ج 6 ص 29.
لقد ذكروا فيما تقدم: أن المغيرة كان قائما على رأس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسيف، و أنه منع عروة بن مسعود من أن يلمس لحية النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و قد ردوا على هذه الرواية بما روي: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى عن القيام على رأس الجالس.
ثم أجابوا: بأن الممنوع هو: ما كان منه على وجه العظمة و الكبر. أما قيام المغيرة، على رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» فكان بقصد الحراسة، و نحوها من ترهيب العدو (1).
و نقول:
إن هذا غير مقبول:
أولا: لأن الحراسة و ترهيب العدو لا يحتاجان إلى هذا القيام، لإمكان حصولهما بأساليب و طرائق أخرى غير القيام على رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: إن المنهي عنه هو نفس هذا المظهر، الذي هو من مظاهر الكبر و العظمة، و إن لم يكن الجالس متكبرا و لا طالبا للعظمة. . فهو نظير التشبه بالكفار و أهل الفسوق، فإن ما يبغضه اللّه هو السعي لإيجاد الشبه، بالإضافة إلى ظهور نفس هذا الشبه أيضا، فإن اللّه لا يرضى أن يظهر رسم
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 74 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 346 و فتح الباري ج 5 ص 249 و عون المعبود ج 7 ص 317 و ج 12 ص 265.
الصليب على ثياب المسلمين؛ و إن كانوا لم يقصدوا ذلك، بل قصدوا مجرد لبس الثوب للتستر به. و هكذا الحال بالنسبة لمن يتمثل له الرجال «صفوفا» .
و في نص آخر: «قياما» ، فليتبوء مقعده من النار (1).
و كما أرادوا أن يمنحوا المغيرة بن شعبة هذا الوسام، من أجل أن يكافئوه على خدماته لمعاوية، و معونته لمناوئي علي «عليه السلام» ، و مشاركته لهم في
1) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 346 و فتح القدير ج 4 ص 430 و رواية «قياما» في: إعانة الطالبين للدمياطي ج 3 ص 305 و ج 4 ص 219 و القواعد و الفوائد للشهيد الأول ج 2 ص 161 و 284 و البداية و النهاية ج 8 ص 134 و ج 10 ص 386 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 348 و تاريخ بغداد ج 2 ص 171 و ج 11 ص 361 و تهذيب الكمال ج 20 ص 351 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 467 و ج 13 ص 140 و لسان الميزان ج 2 ص 426 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 65 و الأمالي للطوسي ص 538 و مكارم الأخلاق ص 471 و مشكاة الأنوار ص 358 و البحار ج 71 ص 90 و ج 73 ص 38 و الجامع الصحيح ج 4 ص 184 و مجمع الزوائد ج 8 ص 40 و فتح الباري ج 11 ص 41 و 42 و المعجم الأوسط ج 4 ص 282 و المعجم الكبير ج 19 ص 351 و 352 و الجامع الصغير ج 2 ص 553 و العهود المحمدية للشعراني ص 834 و فيض القدير ج 6 ص 41 و كشف الخفاء ج 2 ص 220 و نظم المتناثر في الحديث المتواتر للكتاني ص 223 و اللمعة البيضاء ص 546 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 399 و 633 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2004 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 25 و الوسائل ج 8 ص 560 و مسند أحمد ج 4 ص 100 و سنن أبي داود ج 2 ص 525 و أحكام القرآن ج 3 ص 123 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 219.
الهجوم على بيت فاطمة «عليها السلام» ، و على ضربه لها حتى أدماها، و ألقت ما في بطنها، استذلالا منه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مخالفة منه لأمره، و انتهاكا لحرمته (1).
بالإضافة إلى أفاعيل و مواقف معروفة له، ذكر العلامة التستري بعضها، فراجع (2).
و هكذا يقال بالنسبة لما رووه، من أن الضحاك بن سفيان كان يقوم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسيفه (3). فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يرضاه من المغيرة أو الضحاك، أو من غيرهما، و سيرته «صلى اللّه عليه و آله» خير شاهد على هذه الحقيقة. .
غير أننا لا نستبعد: أن يكون المغيرة قد حضر ذلك المجلس، على حالة معينة، و اختارها هو لنفسه، و أنه قد تحرش بعروة، و ضايقه، حتى نفد
1) الإحتجاج ج 1 ص 414 و البحار ج 43 ص 197 و ج 44 ص 83 و ج 31 ص 645 و مرآة العقول ج 5 ص 321 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 64 و العوالم (حياة الإمام الحسن) ص 225 و اللمعة البيضاء ص 870 و بيت الأحزان ص 116 و صحيفة الإمام الحسن للفيومي ص 270 و مجمع النورين ص 81.
2) راجع: قاموس الرجال (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 194-200
3) التراتيب الإدارية ج 1 ص 346 عن الإستيعاب و نور النبراس، و الروض الأنف، و الإصابة ج 2 ص 207 عن البغوي، و ابن قانع، و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 207 و أسد الغابة ج 3 ص 36 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 558 و عن كنز العمال ج 13 ص 442 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 416.
صبره. و وجّه إليه تلك الكلمات اللاذعة. .
و اللافت: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعترض على عروة في ما نسبه إلى المغيرة. . بل اكتفى بالتبسم، ثم بإخباره بقرابته له و موقعه منه. . فهل رأى-و هو نصير المظلومين الأول-أنه لا يحق له الدفاع عن المغيرة و لو بكلمة واحدة، تبين: أنه لا يحق لعروة أن يصفه بأنه ألأم و أشر رجل، و بأنه شديد الفظاظة و الغلظة؟ ! أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى أن عروة محق في موقفه، و صادق فيما وصف به المغيرة؟ !
و حين نقرأ كلمات أبي بكر التي واجه بها عروة بن مسعود، فإننا سوف نعجب كثيرا منها، حيث إنها:
1-جاءت على طريقة غير مألوفة في الخطابات التي تكون بمحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث تضمنت كلمات لا يليق التفوه بها في محضره الشريف.
2-إنه لم يكن هناك أي داع إلى دفع الأمور بهذا الاتجاه، حتى لو لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حاضرا في ذلك المجلس. . فإن كلمة «امصص بظر اللات» (1)، أو نحوها إنما جاءت ردا على قول عروة: إن
1) البحار ج 20 ص 331 و مسند أحمد ج 4 ص 324 و 329 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 219 و عن فتح الباري ج 5 ص 248 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 335 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 514 و المعجم الكبير ج 20 ص 11 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 196 و تفسير الميزان ج 18 ص 266 و ج 6 ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 227 و ج 60 ص 26 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 275 و البداية و النهاية ج 4 ص 190 و 199 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 616 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 778 و عن عيون الأثر ج 2 ص 117 و ج 3 ص 317 و 331.
أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينصرونه في الحرب، بل يخذلونه، و هو تحليل مقبول لدى أهل الجاهلية و لا يحتاج أبو بكر في الإجابة عليه إلى استخدام هذه التعابير.
3-إن مبادرة أبي بكر إلى الكلام في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من دون إذن منه، غير مقبولة، خصوصا مع ملاحظة: أن اللّه سبحانه قد قال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).
و لعل عدم مبادرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للاعتراض على أبي بكر، يعود إلى أنه لم يرد أن يكسره أمام زعيم من زعماء الشرك. .
4-و أما قول أبي بكر: أنحن نخذله، فإن كان يقصد به غيره من المسلمين، فهو صحيح؛ لأن هناك من لا يخذل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المسلمين.
و إن كان يريد أن يدخل نفسه في جملة من لا يخذل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن الوقائع لا تشجع على قبول هذا منه، و الكل يعلم: أنه و أكثر المسلمين باستثناء علي «عليه السلام» قد فروا عنه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد. .
1) الآية 1 من سورة الحجرات.
و في بدر كان الذي يصلى بنار الحرب، و يعالج الطعن و الضرب، غير أبي بكر بالتأكيد، فإنه احتمى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه كان يرى: أن المكان الأكثر أمنا هو الموضع الذي فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . الذي كان الناس يلوذون به إذا حمي الوطيس.
و في يوم الخندق لم يجرؤ على الإتيان بأي حركة خوفا من عمرو بن عبد ود، مع أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: من لعمرو و أضمن له على اللّه الجنة، فلم يجرؤ على مبارزة عمرو أحد سوى أمير المؤمنين «عليه السلام» .
و في غزوة بني قريظة أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر بالراية، فعاد بها مهزوما أيضا. .
ألا يعتبر ذلك كله خذلانا منه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فما معنى قوله لسهيل: أنحن نخذله؟ ! .
و أما خذلانه له بعد الحديبية، خصوصا في خيبر و يوم حنين، فحدث عنه و لا حرج.
بقي أن نشير: إلى أننا نشك في ما ذكرته الروايات من سخاء لافت لأبي بكر، حيث ذكر عروة بن مسعود-فيما يزعمون-: أنه أعانه في دية بعشر فرائض. . و ذلك لما يلي:
1-إن أبا بكر قد ترك أباه و ابنته حين الهجرة من دون نفقة، حتى اضطرت ابنته إلى أن تضع كيسا فيه حصى لكي يتلمسه أبو قحافة، و يظن
أنه أموال تركها أبو بكر لعياله (1).
2-إننا لم نعهد عن أبي بكر: أنه كان يملك فرائض، يمكنه أن يتخلى عنها لغيره بلا مقابل، بل كل ما ذكروه عنه هو: أنه كان عنده أربعة آلاف درهم، حملها معه إلى المدينة، و ذكرنا: أن ذلك لا يصح، فراجع ما ذكرناه في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
3-إن عروة بن مسعود كان من عظماء المشركين، بل قد زعموا: أنه أحد الرجلين اللذين عنتهما الآية الكريمة: وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا اَلْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (2). . و الرجل الآخر هو الوليد بن المغيرة (3).
1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 133 و كنز العمال (ط الهند) ج 22 ص 209 و (ط دار الفكر) ج 16 ص 681 و البداية و النهاية ج 3 ص 179 و الأذكياء لابن الجوزي ص 219 و مجمع الزوائد ج 6 ص 59 عن أحمد، و رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق، و قد صرح بالسماع، و عن الطبري، و حياة الصحابة ج 2 ص 173 و 174 و الغدير ج 8 ص 58 و مسند أحمد ج 6 ص 35 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 5 و المعجم الكبير ج 24 ص 88 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 13 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 236 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 239.
2) الآية 21 من سورة الزخرف.
3) راجع: قاموس الرجال ج 6 ص 301 و تحف العقول ص 465 و الإحتجاج ج 1 ص 26 و 27 و 31 و سعد السعود ص 76 و عدة الداعي ص 112 و البحار ج 9 ص 149 و 270 و 273 و عن فتح الباري ج 6 ص 224 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 55 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 64 و ج 18 ص 296 و التبيان ج 9 ص 195 و مجمع البيان ج 9 ص 79 و نور الثقلين ج 4 ص 597 و 598 و 222 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 196 و جامع البيان ج 25 ص 83 و 84 و 85 و معاني القرآن ج 6 ص 350 و زاد المسير ج 7 ص 95 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 305 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 137 و الدر المنثور ج 3 ص 300 و ج 6 ص 16 و لباب النقول ص 115 و فتح القدير ج 4 ص 553 و 555 و أسد الغابة ج 3 ص 406 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 603.
فهل كان هذا الرجل العظيم، و السيد في قومه، فقيرا إلى حدّ أنه كان لا يملك مقدار دية كان قد حملها، مع أنهم يقولون: إن الفقير لا يسود في العرب، إلا أن أبا طالب ساد فقيرا.
4-قد يقال: إن عروة و إن كان غنيا، و رئيسا، و لكن الغنى و الرئاسة لا يجب أن يكونا بحيث يستطيع أن يتخلى عن مائة من الإبل في دية حملها، فيحتاج في جمع قسم منها إلى الاستعانة بغيره. .
و نجيب: ليت شعري لو جاز أن يكون عظيم القريتين بهذه المثابة فلماذا لم يطلب المعونة من أقرانه، فإن المناسب لسيد قومه، و أحد عظيمي القريتين أن لا يستعين بأقل و أذل بيت في قريش، حسبما ذكرته النصوص، فراجع ما قاله أبو سفيان حينما بويع أبو بكر (1).
و ما قاله أبو بكر لأبي قحافة، حين رفع أبو بكر صوته على أبي سفيان (2).
1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 451 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 78 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 326 و تاريخ الأمم و الملوك (ط ليدن) ج 2 ص 44 و النزاع و التخاصم ص 19 و كنز العمال (ط الهند) ج 5 ص 383 و 385 عن ابن عساكر، و عن أبي أحمد الدهقان في حديثه. و أنساب الأشراف ج 1 ص 588.
2) النزاع و التخاصم ص 19 و الغدير ج 3 ص 253.
فإن ذلك كله، صريح في: ذل و مهانة قبيلة تيم، التي ينتسب إليها أبو بكر.
و كذلك الشعر الذي قاله عوف بن عطية في قبيلتي تيم و عدي (1).
و ما ذكره معاوية في رسالته لزياد (2).
لقد كان من الطبيعي أن يأنف من ذلك، و يرفضه و يأباه حتى لو ألح عليه أبو بكر بقبوله، و قدم له الالتماس تلو الالتماس، و الرجاء بعد الرجاء؟ ! . .
5-إن هذا العطاء الجزيل من أبي بكر، و هو عشرة فرائض، مقابل الواحدة، و الاثنتين، و الثلاث التي كان يعطيه إياها الآخرون، يجعل أبا بكر في مصاف أجواد العرب مثل حاتم الطائي، و زيد الخيل، و لا بد أن يطير ذكره في البلاد، و يسمع به و يتداول أخبار جوده الصغير و الكبير من العباد، و لكننا لم نر أي أثر لذلك فيما قرأناه من فصول التاريخ.
6-و يزيد الأمر وضوحا: أن الذي أحسن إليه أبو بكر هذا الإحسان العظيم الذي لا ينسى. لا يعرف أبا بكر و لا يميزه عن غيره، بل يسأل عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكيف لا يعرف العظماء أقرانهم؟ !
و كيف نسي عروة هذا المتفضل عليه بهذه السرعة؟ !
ألم يكن من المفترض: أن تصبح صورته محفورة في قلبه، لا يمحوها منه مر الأيام و الليالي، و كر العصور و الدهور؟ ! . . و لا سيما إذا كان فراقه له لم يطل أكثر من ست سنوات، و ذلك على كبر السن، و اكتمال الملامح و ثباتها. . لا في أيام الطفولة أو الشباب، ليكون التغيير في الملامح سببا في اشتباه الأمر عليه.
و لنفرض: أن الملامح قد تغيّرت، فهل تغيّر عليه صوته أيضا؟ !
7-لنفترض: أن أبا بكر كان يملك أموالا، و أنه كان رئيسا، و. . و. . فإن ذلك: لا يبرر تصديقنا بحديث معونته لعروة بن مسعود بعشر فرائض.
و نحن نرى: أنه لم يجرؤ على إنفاق درهمين لينال شرف مناجاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى نزل العتاب الإلهي له، و لغيره من الصحابة؛ باستثناء علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي كان هو الوحيد الذي عمل بآية النجوى. . قال تعالى:
يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نٰاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقَةً ذٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقٰاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تٰابَ اَللّٰهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَللّٰهُ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ (1).
1) الآيتان 12 و 13 من سورة المجادلة. و راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 120 و الأوائل ج 1 ص 297 و تلخيص الشافي ج 3 ص 235 و 237 و مناقب أمير المؤمنين ج 1 ص 188 و 191 و المسترشد ص 356 و الإحتجاج ج 1 ص 181 و العمدة ص 186 و الطرائف ص 40 و 41 و البحار ج 67 ص 29 و ج 29 ص 15 و ج 35 ص 379 و النص و الإجتهاد ص 371 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 274 و نظم درر السمطين ص 90 و كنز العمال ج 2 ص 521 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 329 و تفسير القمي ج 2 ص 357 و تفسير فرات الكوفي ص 470 و خصائص الوحي المبين ص 165 و نور الثقلين ج 5 ص 265 و شواهد التنزيل ج 2 ص 312 و 325 و فتح القدير ج 5 ص 191 و إعلام الورى ج 1 ص 370. و راجع فصل هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين الحديث عن ثروة أبي بكر.
قال الصالحي الشامي: قال محمد بن إسحاق، و محمد بن عمر، و غيرهما: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قريش خراش بن أمية على جمل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقال له: الثعلب، ليبلغ عنه أشرافهم بما جاء له، فعقر عكرمة بن أبي جهل الجمل، و أرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يكد، فأخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما لقي (1).
و روى البيهقي عن عروة قال: لما نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحديبية فزعت قريش لنزوله إليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى قريش، فقال: يا رسول اللّه، إني
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 16 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 46 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 452 و جامع البيان ج 26 ص 111 و الثقات ج 1 ص 298 و البداية و النهاية ج 4 ص 891 و عن عيون الأثر ج 2 ص 118 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 318.
أخاف قريشا على نفسي، و قد عرفت قريش عداوتي لها، و ليس بها من بني عديّ من يمنعني، و إن أحببت يا رسول اللّه دخلت عليهم.
فلم يقل له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا.
فقال عمر: يا رسول اللّه، و لكني أدلك على رجل أعز بمكة مني، و أكثر عشيرة و أمنع، و إنه يبلغ لك ما أردت: عثمان بن عفان! !
فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عثمان، فقال: «اذهب إلى قريش و أخبرهم: أنّا لم نأت لقتال، و إنما جئنا عمّارا، و ادعهم إلى الإسلام» .
و أمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين و نساء مؤمنات، فيدخل عليهم، و يبشرهم بالفتح، و يخبرهم: أن اللّه تعالى-و شيكا أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان.
فانطلق عثمان إلى قريش، فمر عليهم ببلدح، فقالوا: أين تريد؟
فقال: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، و إلى اللّه جل ثناؤه، و تدخلون في الدين كافة، فإن اللّه تعالى مظهر دينه، و معز نبيه.
و أخرى: تكفون، و يكون الذي يلي هذا الأمر منه غيركم، فإن ظفر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فذلك ما أردتم، و إن ظفر كنتم بالخيار بين أن تدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو تقاتلوا و أنتم وافرون جامّون. إن الحرب قد نهكتكم و أذهبت الأماثل منكم.
و أخرى: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخبركم: أنه لم يأت لقتال
أحد، إنما جاء معتمرا، معه الهدي، عليه القلائد، ينحره و ينصرف (1).
فقالوا: قد سمعنا ما تقول، و لا كان هذا أبدا، و لا دخلها علينا عنوة، فارجع إلى صاحبك، فأخبره أنه لا يصل إلينا (2).
و لقيه أبان بن سعيد (3)، فرحب به أبان و أجاره، و قال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه، فحمل عثمان على السرج، و ردف
1) أخرجه ابن سعد ج 2 ق 1 ص 70 و البيهقي في الدلائل ج 4 ص 133 و جامع البيان ج 26 ص 111 و عين العبرة ص 24 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 200 و 201 و الثقات ج 1 ص 299 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 78 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 278 و البداية و النهاية ج 4 ص 191 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 618 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 780 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 318 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 46 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 254 و عن عيون الأثر ج 2 ص 119 و كنز العمال ج 10 ص 482.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 16 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 46 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 79 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 619 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 88.
3) أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. . قال البخاري، و أبو حاتم الرازي، و ابن حبان: له صحبة و كان أبوه من أكابر قريش و له أولاد نجباء أسلم منهم قديما خالد و عمرو، فقال فيهما أبان الأبيات المشهورة التي أولها: ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد لما يفتري في الدين عمرو و خالد الإصابة 1/10.
وراءه، و قال:
أقبل و أدبر لا تخف أحدابنو سعيد أعزة الحرم
فدخل به مكة، فأتى عثمان أشراف قريش-رجلا رجلا-فجعلوا يردون عليه: إن محمدا لا يدخلها علينا أبدا، و دخل على قوم مؤمنين من رجال و نساء مستضعفين بمكة فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: قد أظلكم حتى لا يستخفى بمكة اليوم بالإيمان، ففرحوا بذلك، و قالوا: اقرأ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» السلام (1).
و لما فرغ عثمان من رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قريش قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف.
فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و أقام عثمان بمكة ثلاثا يدعو قريشا.
و قال المسلمون-و هم بالحديبية، قبل أن يرجع عثمان-: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما أظنه طاف بالبيت و نحن محصورون» .
و قالوا: و ما يمنعه يا رسول اللّه و قد خلص إليه؟
قال: «ذلك ظني به، ألاّ يطوف بالكعبة حتى نطوف» .
و عند ابن جرير، و ابن أبي حاتم، عن سلمة بن الأكوع-مرفوعا-: «لو مكث كذا و كذا سنة ما طاف حتى أطوف» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 47 و السيرة الحلبية ج 3 ص 16.
فلما رجع عثمان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال المسلمون له: اشتفيت من البيت يا أبا عبد اللّه؟ !
فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي! فو الذي نفسي بيده لو مكثت مقيما بها سنة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لقد دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت.
فقالوا: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعلمنا، و أحسننا ظنا (1).
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأمر أصحابه بالحراسة بالليل، فكانوا ثلاثة يتناوبون الحراسة: أوس بن خولي-بفتح الخاء المعجمة و الواو -و عباد بن بشر، و محمد بن مسلمة.
و كان محمد بن مسلمة على حرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة من الليالي، و عثمان بن عفان بمكة. و قد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، و قيل: أربعين، عليهم مكرز بن حفص، و أمروهم أن يطوفوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» رجاء أن يصيبوا منهم أحدا، أو يصيبوا منهم غرة.
فأخذهم محمد بن مسلمة، فجاء بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أفلت مكرز، فخبّر أصحابه، و ظهر قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم: أنه رجل غادر (2).
و كان رجال من المسلمين قد دخلوا مكة بإذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم:
كرز بن جابر الفهري، و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، و عبد اللّه بن حذافة السهمي، و أبو الروم بن عمير العبدري، و عياش بن أبي ربيعة، و هشام بن العاص بن وائل، و أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، و عمير بن وهب الجمحي، و حاطب بن أبي بلتعة، و عبد اللّه بن أبي أمية. قد دخلوا مكة في أمان عثمان (1).
و قيل: سرا، فعلم بهم فأخذوا.
و بلغ قريشا حبس أصحابهم الذين مسكهم محمد بن مسلمة، فجاء جمع من قريش إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه حتى تراموا بالنبل و الحجارة، و أسر المسلمون من المشركين-أيضا-اثني عشر فارسا، و قتل من المسلمين ابن زنيم-و قد أطلع الثنية من الحديبية-فرماه المشركون فقتلوه (2).
و بعثت قريش سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى، و مكرز بن حفص، فلما جاء سهيل، و رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه: سهل أمركم (3).
فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس أصحابك، و ما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا له كارهين حين بلغنا، و لم نعلم به، و كان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة، و الذين أسرت آخر مرة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي» .
فقالوا: أنصفتنا.
فبعث سهيل و من معه إلى قريش بالشّييم-بشين معجمة مصغر-بن عبد مناف التيمي، فبعثوا بمن كان عندهم: و هم عثمان، و العشرة السابق ذكرهم.
و أرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابهم الذين أسرهم.
(3) -و البحار ج 20 ص 333 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2245 و مسند أحمد ج 4 ص 330 و صحيح البخاري ج 3 ص 181 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 220 و فتح الباري ج 5 ص 251 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 337 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 510 و الأدب المفرد ص 196 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 222 و عن كنز العمال ج 10 ص 478 و إرواء الغليل ج 1 ص 57 و مجمع البيان ج 9 ص 197 و جامع البيان ج 26 ص 125 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 213 و الدر المنثور ج 6 ص 77 و الجرح و التعديل ج 4 ص 245 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 228 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 194 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 276 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 199 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 333.
و قبل وصول عثمان و من معه بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن عثمان و من معه قد قتلوا، فكان ذلك حين دعا إلى البيعة (1).
و لنا مع ما تقدم وقفات، هي التالية:
1-إن أول ما نلاحظه في النص المتقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث خراش بن أمية رسولا لقريش، على جمل له «صلى اللّه عليه و آله» ، اسمه ثعلب.
و كأن إعطاءه خصوص هذا الجمل يهدف إلى تسهيل الأمر على قريش بتقديم العلامة التي تجعلهم يتيقنون بكونه رسولا من قبله «صلى اللّه عليه و آله» من دون حاجة إلى التماس القرائن و الدلالات على ذلك. إذ قد تطول المدة، و تتراكم الشائعات، و تثور الظنون حول هذا الوافد، بأن يكون عينا، و يريد أن يحمي نفسه بهذا الادعاء. . و يتعرض-من ثم-للمضايقة و الأذى.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 46-48 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 167 عن ابن إسحاق و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 221 و راجع: الطبقات الكبرى ج 1 ص 461 و حياة الصحابة ج 2 ص 397 و 398 عن كنز العمال ج 1 ص 84 و 56 و ج 5 ص 288 عن ابن أبي شيبة و الروياني، و ابن عساكر، و أبي يعلى، و السيرة الحلبية ج 3 ص 18 و 19 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 364 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 40 و 41 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 203 و عن عون المعبود ج 7 ص 289 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 77 و التنبيه و الإشراف ص 221.
2-إن إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» رسولا من قبله إلى قريش، يخبرهم بما جاء له، دليل قاطع على حقيقة نواياه، و أن مجيئه إلى مكة ليس مبادرة قتالية، لأن الهدف لو كان هو القتال، لكان التستر على الأمر، و مفاجأة قريش، هو الأسلوب الأمثل، و الطريقة الفضلى للنجاح فيما يقصده.
3-إن ما فعله عكرمة بن أبي جهل، قد جاء على خلاف ما تفرضه الأعراف و السنن حتى الجاهلية منها، فإن قتل الرسل عار، و العدوان عليهم رعونة غير مقبولة. .
فما معنى: أن يعقر جمل هذا الرسول، و ما هو المبرر لمحاولة قتله؟ ! .
و لأجل ذلك: لم يرتض الأحابيش هذه التصرفات، بل بادروا إلى منع القتل عن ذلك الرسول، ربما منعا للعار، و ربما حفاظا على أنفسهم، حتى لا يتعاطف الناس مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» . .
مما لا شك فيه: أن حقد قريش على علي أمير المؤمنين «عليه السلام» كان هائلا و عظيما. و قد أمره أبو طالب، و ليس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأن ينام في فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» على مدى ثلاث سنوات، حين حصرهم المشركون في شعب أبي طالب. من أجل أنه إذا فكرت قريش باغتياله «صلى اللّه عليه و آله» ، كان هو الفداء له، و الضحية دونه.
ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمره: بأن ينام في فراشه ليلة
الهجرة، فبادر إلى ذلك طائعا مسرورا، و لم يسأل عما سيصيبه من جراء ذلك، بل قال له: أو تسلم يا رسول اللّه؟
فقال: نعم.
فخر ساجدا للّه شكرا، حسبما تقدم بيانه في هذا الكتاب.
مع أن الرجال المتعطشين لدمه حاضرون خلف الباب، شاهرين سيوفهم بأيديهم، و هم ينتظرون اللحظة الموعودة، لينزلوا ضربتهم به، و لا مجال لتحاشي ذلك.
و كانت هذه هي سيرة علي «عليه السلام» و طريقته طيلة حياته مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فقد كان متفانيا في الذب عنه، و في الطاعة له. و كان السامع المطيع الذي لا يسأل، و لا يناقش، و لا يقترح، و لا يتردد، بل يكون كالسكة المحماة دائما. .
و ليت شعري لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمر عمر بن الخطاب بالمبيت في مكانه ليلة الهجرة، فهل كان سيمتثل أمره؟ ! أم كان سيعتذر عن ذلك بأن قريشا سوف تقتله، و ليس هناك من يدفع عنه من بني عدي، أو من غيرهم؟ ! .
و في الحديبية لم يطلب منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يصل إلى حد ما طلبه من أمير المؤمنين ليلة الهجرة، من حيث درجة الخطورة على حياته. . بل طلب منه أن يكون رسولا، يتمتع بحصانة الرسل، الذين يعتبر الإعتداء عليهم عارا و عيبا عند العرب، و عند سائر الأمم.
و كان قد أرسل غيره في هذه المهمة، و عاد سالما، و منع المشركون أنفسهم سفهاءهم من الاعتداء عليه، مستدلين بهذه الحجة نفسها و هي: أن
الرسل لا تقتل! ! . .
و لكن عمر بن الخطاب يرفض طلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذا، و لا يقدم تعليلا يرتبط بالشأن العام، أو بالقضية التي يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعالجها، فهو لم يقل مثلا: إن ذهابي قد لا يحقق المطلوب الذي ترمي إلى تحقيقه. .
بل هو قد اعتذر بأمر شخصي بحت. ليس له منشأ يقبله العقلاء الذين يعيشون أجواء التضحية في سبيل مبادئهم، بل لا يقبله حتى عقلاء أهل الشرك، و الكفر أيضا، لأنه إنما يستند إلى شعوره بالهلع و الخوف، مع أن هذا الخوف لا يبرر ذلك، فإنه حتى لو كان له منشأ واقعي، لم يكن ينبغي أن يدفعه إلى التمرد على إرادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
بل كان المطلوب هو: أن يندفع لاكتساب هذا الشرف العظيم، و لينال هذا الفوز، الذي طالما حلم به الأولياء، و الأصفياء، و الأتقياء. .
و مع غض النظر عن ذلك كله، نقول:
إنهم يدّعون: أن الإسلام قد عزّ بإسلام عمر، و أنه قد كانت له بطولات عظيمة، و مواجهات رائعة مع المشركين قبل الهجرة، انتهت بانكسار شوكتهم. و عز الإسلام في مكة إلى حد أن مكّن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أن يطوف بالبيت، و يصلي الظهر معلنا (1).
فإذا كانت قريش قد خافت من عمر، و هو في مكة، و ذلك قبل
1) راجع ما ذكروه حول بطولات عمر في فصل: حتى الشعب، و ذلك حين الحديث عن إسلامه.
الهجرة، فكيف لا تخاف منه، و قد أصبح خلفه جيوش جرارة، فيها رجال شداد و سيوف حداد، جربت حظها معها، و عرفت مدى فاعليتها، و له فيها أيضا قبيلة و عشيرة، و عمر لم يزل هو عمر، لم يتغير و لم يتبدل، فليستعمل نفس صولاته السابقة، حيث لم يكن له نصير يمكنه أن يفكر فيه، أو أن يحامي عنه كما هو الحال الآن! ! .
و اللافت هنا: أننا نجده يشرح الأمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى كأنه يرى أن تلك الأمور قد غابت عن ذهنه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أنه كان جاهلا بها من الأساس. .
و الأدهى و الأمر: أنه يقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : و لكني أدلك يا رسول اللّه على رجل أعز بمكة مني. . فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» جاهلا بوجود عثمان، و بموقعه العشائري بين أهل مكة؟ ! فيحتاج إلى من يدله عليه، و ينبهه إلى مكانته بينهم، و موقعه فيهم؟ !
و ثمة دلالات أخرى في كلمات عمر بن الخطاب، التي حاول من خلالها أن يتملص و يتخلص من المهمة التي كلفه بها النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فلاحظ ما يلي:
تقدم أن عمر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : قد عرفت قريش عداوتي لها. و نقول:
إن عداوة قريش لعمر هي كعداوتها لأي فرد آخر من المسلمين، بل قد
تكون عداوتها له هي الأقل و الأضعف، كما أظهرته لنا وقائع في حرب أحد حيث طفت على السطح أمارات عديدة تشير إلى أن ثمة عطفا من مقاتلي قريش و قادتها على عمر بن الخطاب و محبة منهم، و سعيا منهم لحفظه. .
و قد قال ضرار بن الخطاب لعمر بعد أن ضربه بالقناة: «و اللّه ما كنت لأقتلك» (1).
و كانت هذه يدا له عند عمر، كان عمر يكافؤه عليها حين استخلف (2).
كما أن عمر قد أخبر أبا سفيان بوجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم حيا، رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد طلب منه أن لا يفعل (3). فظهر أنه يتعمد الدلالة عليه، في أخطر الأوقات، و أصعب الحالات. .
يضاف إلى ذلك: أن خالد بن الوليد لقي عمر بن الخطاب في أحد، و ما معه أحد، فنكب عنه، و خشي أن يؤذيه أحد ممن كان معه، فأشار إليه بأن يتوجه إلى الشعب لينجو منهم (4).
1) مغازي الواقدي ج 1 ص 282 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274 و ج 15 ص 20 عنه و عن البلاذري، و ابن إسحاق، و طبقات الشعراء لابن سلام ص 63 و راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 107 عن ابن هشام، و البحار ج 20 ص 135 و 138 و مناقب أهل البيت ص 332 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 393 و 397.
2) طبقات الشعراء لابن سلام ص 63.
3) راجع: فصل: في موقع الحسم، من هذا الكتاب.
4) المغازي للواقدي ج 1 ص 279 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23 و مناقب أهل البيت ص 332.
و في حرب أحد أيضا: هنأه أبو سفيان على ما اعتبره نصرا له في الجولة الأولى، حيث قال له: أنعمت عينا، بقتلى بدر (1).
و قال أبو سفيان له: إنها قد أنعمت يابن الخطاب.
فقال: إنها (2).
و اعتبره أبو سفيان آنئذ أبر من ابن قميئة الذي كان يقاتل المسلمين مع أبي سفيان.
ثم إنه لم يعترض يوم أحد على الخائفين، المنهزمين الذين اقترحوا توسيط عبد اللّه بن أبي لدى أبي سفيان، و ذلك بعد أن صعدوا على الصخرة التي في الجبل (3).
أما في حرب بدر، فكانت مشورة عمر مثل مشورة أبي بكر، و هي: أن قريشا ما آمنت منذ كفرت، و ما ذلت منذ عزت، و لم يخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» على هيئة الحرب. . فترك الحرب هو الرأي.
فلماذا هذا التخذيل الشديد منه عن الحرب، و إظهار عزة قريش، حتى زعما: أنها ما ذلت منذ عزت؟ ! و لماذا يحاولان إشاعة درجة من الخوف لدى المسلمين؟ !
و هنا يعود السؤال من جديد: أين هي عداوة قريش لعمر بن الخطاب؟ ! و أين هو نضال عمر بن الخطاب ضد قريش؟ ! . .
و أما قول عمر: «و ليس بها من بني عدي من يمنعني» ، فقد تضمن اعترافا بأن قبيلته غير قادرة على منعه، إما عجزا منها و ذلا، و إما لأنه لم يكن لديه فيها صديق، و لا محب، و نرجح الأول، حيث ذكرنا في حديث إسلامه: أن عوف بن عطية يقول:
و أما الألأمان بنو عديو تيم حين تزدحم الأمور
فلا تشهد بهم فتيان حربو لكن أدن من حلب و عير
إذا رهنوا رماحهم بزبدفإن رماح تيم لا تضير (1)
قد ذكر المؤرخون: أنه لم يكن في بني عدي سيد أصلا (2).
و أن عمر قد قال لأبي عبيدة في الشام: «إنا كنا أذل قوم، فأعزنا اللّه بالإسلام» (3).
و يقول معاوية عن قبيلتي تيم و عدي: «ليس في قريش حيان أذل منهما، و لا أنذل» (4).
و قال أبو سفيان للعباس يوم فتح مكة: «لقد أمر أمر بني عدي بعد-
و اللّه-قلة و ذلة» (1).
و راجع ما قاله خالد بن الوليد لعمر حول هذا الأمر (2).
و ذلك كله يؤكد لنا: أن ما يدّعونه من أن الإسلام قد عز بعمر، و أنه قد ناضل قريشا حينما أسلم، لو صح-و هو غير صحيح جزما-فلا بد أن يكون بالاستناد إلى قوته الشخصية و بطشه، و أنه لم يفعل ذلك بالاستناد إلى قبيلته، و لا بالاعتماد على نفوذها و زعامتها. .
غير أننا نقول: أين كان هذا البطش عنه في أحد، و الخندق، و حنين، و خيبر، و قريظة و. . و. . ؟ ! و لماذا فر في مختلف المشاهد الصعبة، و لم يظهر شيئا من هذا في أي منها؟ !
و لماذا لا يعتمد على نفسه و على قوته الشخصية أيضا في حمل رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قريش؟ خصوصا مع علمه: بأن الاعتداء على حامل الرسالة عيب عند العرب، و هذا يوفر له درجة من الطمأنينة و الأمن حسبما أوضحناه. .
ثم يأتي قول عمر، في آخر كلامه: «و إن أحببت يا رسول اللّه دخلت عليهم» ليكون بمثابة رصاصة الرحمة القاتلة لكل احتمال يمكن أن يكون في
صالح عمر بن الخطاب، لأن هذه الكلمة قد أظهرت: أنه يريد أن يجعل المسؤولية عن أي شيء يواجهه في مسيره ذاك تقع على عاتق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكأنه قال له: أنا أرفض طلبك طائعا، بالاستناد إلى شواهد و أدلة، و لكني أنفذه مرغما.
يضاف إلى ذلك: أن هذا يستبطن أكثر من إشارة و دلالة أخرى، و منها: أن لا يكون لدى هذا المرغم أي ثواب فيما يقوم به، و أنه لو تعرض لأي خطر في مهمته تلك، فإنه يكون قد خسر نفسه في الدنيا و الآخرة، حيث سيكون مجرد قتيل، و لا يكون شهيدا، و أن على أهله و ذويه أن يتوجهوا إلى من أرغمه على هذا الفعل الذي سوف ينتهي إلى هذه النتيجة و يطالبوه بدمه، و بكل ضرر لحق به. .
و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يرضى بذلك، بل يريد أن يجعل المسؤولية على عاتق عمر نفسه، و أن يفتح أمامه باب الرحمة الإلهية و الفوز العظيم، و يمكّنه من أن يختار الدخول من خصوص هذا الباب، فإن اختار أن يقصد التقرب إلى اللّه تعالى، و سعى في نيل رضوانه، كانت له المثوبة العظيمة، سواء تعرض لعدوان أعداء اللّه، أم نجا منهم. .
و إن اختار أن يقوم بالعمل بهدف الحصول على الشهرة و المقام في الدنيا، و نحو ذلك، فذلك شأنه، و يكون هو المقصر في حق نفسه.
و لأجل ذلك: سكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يجب عمر على كلامه بشيء، و كان لا بد له من صرف النظر عن الموضوع، و البحث عن غيره لهذه المهمة.
و قد طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من عثمان: أن يذهب إلى مكة، و منحه الفرصة لنيل الثواب، إن نوى القربة إلى اللّه تعالى، و قصد نصر الدين، و عز الإسلام.
أما إن نوى بذهابه الحصول على السمعة و الشهرة، و اكتساب المقامات الدنيوية، فسيكون جزاؤه دنيويا، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحب لأحد من أصحابه ذلك، بل هو يريد أن يكونوا في منتهى الطهر و النزاهة و الإخلاص، و الترفع عن الدنيا. .
و طلب من عثمان أمورا ثلاثة هي:
أولا: أن يخبر قريشا بما قصده «صلى اللّه عليه و آله» من مجيئه هذا، و أنه إنما جاء معتمرا زائرا لبيت ربه.
ثانيا: أن يدعوهم إلى الإسلام.
ثالثا: أن يدخل على رجال مؤمنين و نساء مؤمنات، و يبشرهم بالفتح القريب و بأن اللّه تعالى سيظهر دينه قريبا في مكة، و سيتمكن أهل الإيمان من إظهار دينهم فيها.
و إننا نسجل هنا أمرين:
الأول: بالرغم من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلم قريشا بما جاء له بواسطة بديل بن ورقاء، و بواسطة عروة بن مسعود، ثم من طريق الحليس، و كذلك من خلال مكرز بن حفص. .
لكن ذلك كله لم يره كافيا، حتى أرسل إليهم خراش بن أمية.
و قد تعمد أن يحمله على جمل له، يعرف أهل مكة: أنه له، و هو يذكّرهم بحروبهم ضده، و قد أراد «صلى اللّه عليه و آله» لهذا الجمل أن يدخل مكة.
و كان عقر عكرمة بن أبي جهل لهذا الجمل بالذات، لأنه عرف أنه جمل النبي نفسه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من أجل أن راكبه رسول من قبل هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالذات. . إن ذلك كله قد جعل الناس يتسامعون بهذا الأمر، و أن يفشو و يشيع في مكة، و يتردد خبره فيها من أدناها إلى أقصاها. فيشعر الناس كلهم بأن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» قريب منهم، و أن رسوله بينهم، و أن جمله يعقر في بلدهم و أن هذا الجمل قد أخذ منهم! !
و لكن ذلك أيضا لم يكن كافيا و لا مقنعا، فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن تطول مدة وجود رسوله في مكة، و أن يكون معه عشرة آخرون، لابد أن يلتقوا أيضا بآخرين، من أقرانهم، و معارفهم، و أن يشعر الناس بواقع الرحمة، و بالحنان و الرفق بينهم و بين هؤلاء الوافدين. و أن يترددوا إلى بيوت مكة، و أن يتحركوا ذهابا و إيابا في شعابها. . فإن ذلك كله كان مطلوبا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يدخل ضمن خطته في دفع الأمور باتجاه الحسم، الذي تخشاه قريش كل الخشية، و تأباه-من ثم-كل الإباء. .
و كان ما أراده اللّه و رسوله. . و خاب اولئك الظالمون الجبارون و الجاحدون.
الثاني: قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب من عثمان أن يدخل بيوت المؤمنين في مكة، و يبشرهم بقرب ظهور الإسلام في هذا البلد.
و الذي نلاحظه هنا هو الأمور التالية:
1-أنه طلب من عثمان: أن يدخل بيوت هؤلاء المؤمنين و المؤمنات ليروا شخصه بعنوان: أنه مرسل من قبل نبيهم، حاضرا بينهم، ماثلا أمام أعينهم، يسمعون كلامه، و يسمع كلامهم، و لا يبقى الأمر في مستوى اللمحات البعيدة، التي يتسترون على ما تحمله من حنين إلى ذلك النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . .
2-إن في هذا إشارة لهم: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عالم بهم، مهتم بأمرهم، يشعر بآلامهم، و يعيش قضيتهم، و ليسوا غائبين عن فكره و عن اهتمامه. .
3-إن الأمر قد صدر إلى عثمان: أن يدخل على النساء أيضا، و هنّ العنصر الذي يستضعفه الناس، خصوصا في الجاهلية، و بالأخص لدى أهل الاستكبار و الجحود و الطغيان منهم. .
فكان لا بد من الربط على قلوب هؤلاء النسوة، و الشد من عزائمهن، و تقوية يقينهن، و إعطائهن جرعة من الصبر، و تمكينهن من تلمس خيط من الأمل، في ليل عذابهن الطويل. .
4-إن بشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بالفتح، و بقرب ظهور الإسلام في مكة، من شأنه: أن يبعث في المسلمين هناك حياة جديدة، و يدفعهم لمضاعفة جهدهم في نشر الدعوة، و اجتذاب الناس إلى هذا الدين. .
5-كما أن دخول رسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، و دعوتهم الناس إلى الإسلام سوف يشجع الخائفين، لتجاوز خوفهم، و ينبه الغافلين
إلى أن ثمة معادلات جديدة قد ظهرت، و أن عليهم أن لا يصموا آذانهم عن هذا النداء، و أن لا يتجاهلوا هذه الدعوة، فقد أظهرت الأيام: أن الأمور غير مستتبة لقريش، و أن كلمتها ليست هي الأخيرة، ليس فقط في المحيط الذي حولها، و إنما في داخل مكة أيضا. .
و سوف تظهر نتائج ذلك كله بصورة سريعة، و تتجلى على شكل أحداث تتلاحق و تتسارع، بحيث تفقد قريش معها كل اختيار، حتى تجد نفسها أسيرة واقع، لم يكن يخطر في بالها، أو يمر في خيالها أن تنتهي الأمور إليه. .
و النصوص، و إن اكتفت بالقول: إن عثمان قال لقريش: كذا و كذا. .
و لكن هناك نصا آخر يصرح: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لهم معه كتابا بذلك (1).
و قد يكون ما يذكرونه عن عثمان، من أنه قال: كذا و كذا، إنما أرادوا به التعبير عن مضمون هذا الكتاب.
و لعل إرسال الكتاب المدون إليهم هو الأولى، و ذلك لأن ذلك معناه: زيادة درجة الأمان لحامله، حيث يرى الناس: أنه مجرد رسول، و بذلك يقطع الطريق على اتهامه بأنه يتجاوز حدود ما أوكل إليه. .
كما أن الكتاب يكون أوثق في إقامة الحجة عليهم، و أشد وقعا على نفوسهم، و هو يشكل نقطة ارتكاز تستقر عليها اللفتة الذهنية حين تتحرك
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 16.
الحوافز للالتفات إلى هذا الحدث، و تذكّره. .
هذا. . و قد أظهرت الوقائع: أن عشيرة عثمان هي التي كانت تتولى كبر المواجهة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلا يمكن أن تتساهل في أمره «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يصح قول عمر فيهم، حيث لم يجد عثمان عندها عزة و لا نصرا، بل احتاج إلى من يحميه و يجيره منها، فكان أبان بن سعيد بن العاص. . هو الذي أجاره.
و وجدت قريش: أن التعدي على عثمان سيعتبر تعديا على من أجاره، و من شأن هذا الأمر-لو حصل-: أن يؤدي إلى الإنقسام في صفوف أهل الشرك، و قد كانوا بأمسّ الحاجة إلى تحاشي ذلك بكل ثمن.
و هذا الأمر يدل: على عدم صحة ما ذكره عمر بن الخطاب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما زعم: أن عثمان أقدر منه على تحقيق مراده «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأن له عشيرة تمنعه.
و يزيد هذا الأمر وضوحا: أن عشيرة الرجل هي التي كانت تتولى تعذيبه إذا أسلم؛ لأن تعذيب سائر القبائل له كان يواجه بالرفض، و يثير المشاكل فعشيرة عثمان لا تمنعه بل ترى نفسها ملزمة بأذاه لكي لا تتهم بممالأة عناصرها، في مقابل التشدد مع غيرهم. .
و الذي يراجع النصوص المختلفة يلاحظ:
أن خطاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقريش، و جميع رسائله لها، و كل
ما قاله لمبعوثيها، قد جاء على نسق واحد، و له مضمون واحد، لم يتغير. و قد أشرنا إلى هذا المضمون في فصل سابق. .
و نعود، فنذكّر القارئ الكريم بما يلي:
1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يجدد دعوته لهم إلى الإسلام، ليظهر لهم: أن ما فعلوه-رغم فظاعته و بشاعته-لم يوجب استبعاد خيار الدعوة هذا. . و هو بذلك يفهمهم: أن الفرصة لا تزال سانحة أمامهم، و أن بإمكانهم أن يفكروا في هذا الاتجاه أيضا. .
2-إن الدعوة لهم إنما كانت إلى الإسلام الذي هو دين اللّه تعالى، و ليس في هذا أي إذلال لهم، فإنه لم يدعهم للاستسلام له و إلى طاعته كشخص. . بل دعاهم ليكون هو و إياهم مسلمين للّه تعالى، و في طاعته سبحانه.
3-ثم عرض عليهم «صلى اللّه عليه و آله» : أن يكفوا عنه، و أن ينتظروا نتائج ما يجري بينه و بين غيرهم، و هي دعوة تتلاءم مع ميل نفوسهم إلى السلامة، و الدعة. . مع ما في ذلك من أنهم قد يشعرون بالحاجة إلى توفير فرصة لهم لتجميع القوى و اكتساب القدرات.
فالتروي في الأمر مطلوب، حيث إن الناس إن ظفروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسيحصل القرشيون على مطلوبهم، دون أن يخسروا شيئا، و إن كانت الأخرى فسيكونون هم في أوج قوتهم، و في حالة جمام و راحة، و سيكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون في حالة ضعف و إنهاك، و تصبح الفرصة أمامهم أكبر، و احتمالات النجاح أوفر و أكثر. .
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم لهم دليلا حسيا على صوابية ما يعرضه عليهم، حين ذكر لهم: أن الحرب قد نهكتهم، و أذهبت الأماثل منهم.
4-ثم بيّن لهم أيضا: أن هناك ما يوجب المزيد من ضعف مصداقيتهم عند العرب، حيث يرى الناس: أن حربهم معه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الظرف، و ضمن دائرة هذه العروض التي يطرحها عليهم لا مبرر لها، بل هي حرب ظالمة، و عدوانية. و العدوان و الظلم فيها يأتي من قبلهم. . فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأت لقتال، بل هو قد جاء ليمارس حقه، الذي يقر له به القريب و البعيد، و العدو و الصديق، إذ لم يكن في نظام زيارة البيت، و الحج إليه، اشتراط: أن يكون ثمة انتقاء قرشي لزائريه، و معظّميه، بل كان لكل من يرى لهذا البيت حرمة و قداسة، الحق في زيارته و تعظيمه. .
5-ثم هو من جهة أخرى: يقدم الدليل الحسي، الذي يلامس المشاعر، و يتصل بالروح، و القلب، و الذي لا بد أن يصارع نوازع الهوى، و يرفض الاستسلام لإملاءاتها، و يثير حالة صراع داخلي، ربما يكون القلب و الروح و الضمير هو المنتصر فيها. .
و الدليل الذي نتحدث عنه هو هذا الإحرام المعقود، و هذه البدن التي أشعرها المحرمون، و ساقوها لينحروها في المحل الذي أذن اللّه تعالى بنحرها فيه. .
و كان جواب قريش دائما هو رفض جميع هذه العروض، و أنها لا ترضى بأن يدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليها مكة رغما عنها. و هي بذلك تتناقض مع كل الدلائل التي تشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأت لقتال، و لا يريد التوسل بالقوة لدخول مكة. .
و لكن قريشا تطرح الأمور بهذه الطريقة التضليلية انسياقا مع كبريائها، و توسلا لتحقيق مآربها. .
و قد أوجب ذلك تصدعا قويا في صفوف الشرك، و ظهرت الإنقسامات، و تجلى الضعف، كما أظهرته الوقائع في الحديبية و بعدها. .
و قد زعموا: أن السبب في دعوة الناس إلى بيعة الرضوان هو الشائعة التي سرت في الناس: من أن عثمان قد قتل في مكة. .
فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس إلى البيعة. .
و نقول:
إن كون سبب البيعة هو هذه الشائعة موضع شك كبير، لأنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بايع عن عثمان أيضا. . و ذلك بأن وضع-أو ضرب-إحدى يديه على الأخرى، و قال: «اللهم إن هذه عن عثمان الخ. .» (1).
فإن صح هذا، فهو يدل على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الناس كانوا يعلمون بحياة عثمان، فكيف يزعم الزاعمون: أن شائعة قتله كانت السبب في أخذ البيعة من الناس؟ !
و دعوى: جواز أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرف بحياته بعد البيعة، ليس لها شاهد يؤيدها، بل هي مجرد توهم و اقتراح لعله من
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 17 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 588 و الإصابة ج 4 ص 378 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 34 و الصراط المستقيم ج 3 ص 34.
المحبين لعثمان. .
و إذا كان سهيل بن عمرو قد شاهد بيعة الرضوان (1)، كما يستفاد من بعض النصوص، فلماذا لم يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن عثمان حي يرزق، و أنه لا داعي للقلق عليه؟ ! و لماذا لم يسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو أحد من المسلمين عنه؟ !
على أننا نقول:
لماذا لا يكون سبب بيعة الرضوان هو: الشائعة التي سرت عن قتل العشرة الذين أرسلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة لملاقاة أهاليهم، و دخلوا في أمان عثمان كما يزعمون.
أو أن سببها هو: الضغط على قريش لإطلاق سراحهم، بعد أن احتجزتهم.
كما أن من أسباب البيعة: استكبار قريش عن قبول طلب المسلمين زيارة بيت ربهم، و قضاء نسكهم و عمرتهم. أو غير ذلك من أمور ستأتي الإشارة إليها، أوجبت إظهار القوة أمام قريش و المشركين، و أن عليهم أن لا يتوهموا أن القضية هي مجرد هوى، أو قرار شخصي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد يعارضه فيه طائفة من أصحابه، أو على الأقل لا يوافقه عليه كثير ممن وافقوه في مسيره ذاك.
و الذي نميل إليه: أن كل هذا الذي يقال عن شائعة قتل عثمان، و عن البيعة عنه، و غير ذلك من أمور، هو-كما تؤيده الدلائل و الشواهد-مما
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 51.
حاكته يد السياسة، التي لم تستطع أن تحفظ تسلسل الأحداث، و لا تمكنت من اكتشاف الخلل فيما يذاع و يشاع، و ينشر، هنا و هناك، من قبل المحبين و المتزلفين، و قديما قيل: لا حافظة لكذوب.
فكيف إذا اجتمع الكذّابون على أمر، و صار كل واحد منهم يدبلج ما يحلوله، من دون تنسيق أو تطبيق على ما تنتجه قرائح الآخرين؟ ! . .
و قد زعموا أيضا: أنه لما بلغ المسلمين: أن عثمان قد احتبس في مكة، احتبس المسلمون سهيل بن عمرو مبعوث قريش (1).
و نقول:
إننا نشك في ذلك: فإن سهيل بن عمرو إنما جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معتذرا عما فعله سفهاؤهم، و أن ما جرى لم يكن عن رأي ذوي الرأي فيهم. .
و الظاهر: أن سهيلا قد وصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وقت البيعة و رأى ما جرى بأم عينيه، فناسب ذلك إطلاق شائعة من هذا القبيل.
و لا ندري مدى صحة حديث امتناع عثمان عن الطواف بالبيت، و أن قريشا عرضت ذلك عليه، فرفض أن يسبق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 16 عن شرح الهمزية لابن حجر.
و سبب شكنا في هذا الحديث يرجع إلى ما يلي:
1-إنهم يزعمون: أن عثمان لم يستطع دخول مكة إلا بجوار، فما معنى أن تشتد عليه قريش هنا، ثم تسمح له بالطواف بالبيت بعد ذلك؟ !
2-إنهم يزعمون: أن قريشا قد حبست عثمان، رغم الجوار الذي أعطاه إياه أبان بن سعيد بن العاص.
و هذا يتنافى معذلك الرفق الذي شملته به.
3-لو أغمضنا النظر عن هذا و ذاك، فإننا نقول:
إنهم يذكرون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر أصحابه: أن عثمان لم يطف بالبيت، و لا يطوف، فإن كان قد علم ذلك بواسطة الغيب، فلماذا لم يعلم بواسطة الغيب أيضا، بسلامة عثمان من القتل، و بكذب الشائعة التي انطلقت حول ذلك؟ ! و لماذا بادر إلى عقد بيعة الرضوان استنادا إلى شائعة كاذبة؟ !
و إن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم بهذا الأمر استنادا إلى معرفته بنفسية عثمان، و بطريقة تفكيره. . فذلك يحتاج إلى إثبات و شاهد.
4-من الذي قال: إن عثمان كان يعرف كيف يؤدي مناسك العمرة كما حددها الإسلام؟ !
فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للناس حينما دخل مكة: «خذوا عني مناسككم» (1).
1) مختلف الشيعة للعلامة الحلي ج 4 ص 53 و 183 و 290 و 301 و 352 و الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج 16 ص 102 و 186 و ج 17 ص 14 و 76 و 245 و رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي (ط جديد) ج 6 ص 216 و 432 و 504 و 534 و 552 و ج 7 ص 79 و 94 و مستند الشيعة للمحقق النراقي ج 12 ص 71 و 216 و 219 و 299 و ج 13 ص 32 و جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج 18 ص 55 و ج 19 ص 22 و 103 و 111 و 132 و 248 و 313 و 396 و 422 و ج 35 ص 443 و المجموع لمحيي الدين النووي ج 8 ص 21 و 30 و 31 و 97 و 155 و 235 و 237 و تلخيص الحبير لابن حجر ج 7 ص 292 و 293 و 303 و 370 و 388 و 405 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 51 و البحر الرائق لابن نجيم المصري ج 3 ص 42 و 43 و المغني لعبد اللّه بن قدامة ج 3 ص 414 و 440 و 442 و 446 و 451 و 472 و 474 و 476 و 529 و 530 و سبل السلام لابن حجر العسقلاني ج 2 ص 201 و 203 و 208 و 209 و 212 و نيل الأوطار للشوكاني ج 3 ص 378 و ج 5 ص 43 و 55 و 110 و 119 و 125 و 126 و 144 و 154 و فقه السنة للشيخ سيد سابق ج 1 ص 650 و 712 و 734 و شرح صحيح مسلم للنووي ج 9 ص 21 و ج 8 ص 220 و فتح الباري ج 1 ص 193 و 419 و ج 3 ص 388 و 397 و 398 و 431 و 456 و 461 و 464 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 479 و 551 و عون المعبود ج 5 ص 182 و 233 و 251 و 311 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 136 و فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج 1 ص 100 و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 379 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 98 و 117 و 121 و 348 و 355 و 371 و فتح القدير للشوكاني ج 1 ص 161 و 204 و الفصول في الأصول للجصاص ج 2 ص 33 و ج 3 ص 232 و الأحكام لابن حزم ج 3 ص 300 و أصول السرخسي لأبي بكر السرخسي ج 1 ص 12 و 14 و ج 2 ص 27 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 6 ص 343 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 42 و البداية و النهاية ج 5 ص 203 و 234 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 475 و عوالي اللآلي ج 1 ص 215 و ج 4 ص 34 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 125 و إرواء الغليل ج 4 ص 316 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 39 و ج 2 ص 183 و 400 و 416 و 429 و 431 و ج 3 ص 5 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 367 و 427.
فتعلم الناس منه كيفية الاعتمار، و كيفية الحج حينئذ، و لم يكن قد حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معلنا قبل هذا، ليكون عثمان قد حج معه، و لا دليل يدل على أنه قد تعلم منه ذلك شفاها.
5-و مما يلقي ظلالا من الشك على هذه الأقوال أيضا: أن الكلام كله يتمحور حول عثمان، مع أنهم يقولون: إن عشرة أشخاص قد دخلوا معه في أمانه، و لم نجد أحدا قد سألهم، أو سأل عنهم: هل طافوا حول الكعبة أم لم يطوفوا؟ ! أو على الأقل لم يحدثنا التاريخ بشيء من ذلك.
6-إن الظن المنسوب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يصب في هذه المرة أيضا، و ذلك لأن ما ظنه من طاعة عثمان و تقيّده بأوامره، قد خيّبه عثمان حين عصى أمره «صلى اللّه عليه و آله» الناس و عثمان منهم أن يحلقوا رؤوسهم، فلم يستجب له «صلى اللّه عليه و آله» و كان كما يقول السهيلي: وحده، و معه أبو قتادة (و نظن أن الصحيح: هو (و معه عمر) ، لأن عمر المعارض الحقيقي، بل هو رأس المعارضة) .
نعم، إن عثمان و هذا الرجل أو ذاك، وحدهما اللذين عصيا أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصرا على التقصير، و وصفهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم قد شكّوا (أي في دينهم) (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 23.
و نرجح: أن يكون سبب بيعة الرضوان ليس ما زعموه حول عثمان، و إنما هو:
إظهار مدى تصميم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حقه الذي تنكره عليه قريش.
و الضغط عليها من أجل فك أسر العشرة الذين احتجزتهم.
و تكذيب ما تحاول التسويق له، من أن الذين مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينصرونه.
و لغير ذلك من أسباب يدخل بعضها في سياق التربية لأصحابه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يفيد في إعطاء الانطباع الواضح، و إشاعة الأجواء التي يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» إشاعتها في محيط الشرك من خلال ذلك.
و ذكرت النصوص التي قدمناها: أن محمد بن مسلمة كان على الحرس في إحدى الليالي فأسر حوالي خمسين رجلا، و أفلت مكرز بن حفص. . فظهر مصداق قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن مكرز: إنه رجل غادر.
و نقول:
إنه لا مانع من أن يكون مكرز بن حفص رجلا غادرا، و لا نريد أن ننفي أن يكون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد وصفه بذلك. فقد يكون ذلك صحيحا في نفسه.
و لكننا نقول: حفاظا منا على الحق و الحقيقة، و على مقام رسول اللّه
«صلى اللّه عليه و آله» ، من أن ينسب إليه ما يكون موضع شبهة:
إن ما زعموه مصداقا لقوله «صلى اللّه عليه و آله» لا يصلح لذلك؛ لأن المفروض: أنه لم يكن بين مكرز بن حفص، و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» عهد و عقد يلزم مكرزا بعدم مهاجمة المسلمين، و بعدم نصب الكمائن لهم، و تحين الفرص للإيقاع بهم، بل هو يرى: أنه في حالة حرب معهم، فإذا جاء في خمسين رجلا ليصيب منهم أحدا، أو غرّة، فإن فعله هذا لا يكون هو المصداق لقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنه: إنه رجل غادر. .
و مما يدلل على صحة ما قلناه: أن الرواية نفسها تذكر: أن قريشا بعثت مكرز بن حفص نفسه مع سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزى ليخلّصوا أولئك النفر الخمسين الذين أسروا، و ليقولوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن الذين قاتلوه، و الذين حبسوا أصحابه في مكة كانوا من سفهائهم. و لم يكن ذلك بقرار من ذوي الرأي فيهم.
فإن صح أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك.
و صح أن يكون مكرز قد جاء مع المهاجمين.
و صح أنهم قد أسروا.
و صح أن الذي أسرهم هو محمد بن مسلمة، و لم يكن المقصود هو: تهيئة الأجواء لمنح محمد بن مسلمة و ساما ليكافئه به محبوه على مهاجمته بيت الزهراء «عليها السلام» ، مع من هاجمها بعد وفاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
نعم. . لو صح ذلك كله، فإنه لا بد من البحث عن مفردات غدر مكرز بن حفص في غير هذه الواقعة.
و قد ذكر لنا التاريخ غدرا من مكرز، و لكن ليس بالمسلمين، و إنما
بالمشركين. . و لسنا هنا بصدد البحث عن أمر كهذا. .
هذا و قد ذكرت النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أجاب مكرز بن حفص بنفس ما أجاب به عروة بن مسعود، و بديل بن ورقاء، و الحليس. .
و يظهر من الروايات أيضا: أن مكرزا قد جاء بعد هؤلاء. .
و لكننا نقول:
قال اليعقوبي: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبى أن يكلم مكرزا، و قال: هذا رجل فاجر، فبعثوا إليه الحليس بن علقمة (1).
و عدم تكليم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمكرز بن حفص هو الأنسب بالوصف الذي أطلقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» على هذا الرجل، و هو: أنه فاجر.
كما أن ظاهر كلام اليعقوبي هو: أن إرسال الحليس إنما كان بعد إرسال مكرز، و هذا هو الأنسب أيضا، حيث يتوقع أن يكون البديل عن الرجل الفاجر رجلا يتأله، و يعظم البيت، و يؤمن بالشعائر. .
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أسماء عشرة أشخاص دخلوا مكة بإذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و قد اختلفوا في طريقة دخولهم، هل كان
1) راجع: تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج 2 ص 54.
سرا؟ ! أم دخلوا في أمان عثمان؟ !
و نرجح: أن يكون دخولهم سرا، لتصريح الرواية: بأنهم «أخذوا» ، فإنهم لو كانوا قد دخلوا في أمان عثمان فلماذا أخذتهم قريش؟ و إذا كان قد بدا لها أن تأخذهم، فلماذا لم يبد لها أن تأخذ عثمان معهم؟ ! و لم يكن في عثمان ما يميزه عنهم عندها، بل قد يكون أخذه هو الأولى بالنسبة إليها و لا سيما مع تكفل كل قبيلة بالتصدي لمن يسلم من أبنائها، حسبما تقدم.
و إذا كان عثمان قد دخل في جوار أبان، فلماذا لم يطلب منه أن يجير رفقاءه معه؟ ! و هل من المروءة أن يؤمن نفسه، و يترك رفقاءه؟ !
و إذا كانوا قد دخلوا في أمانه و في جواره، فكيف رضي من أجارهم أن يؤخذوا؟ !
و قد تقدم: أنه ليس ثمة ما يدل على: أن أحدا منهم قد طاف بالبيت، و لا ظهر في شيء من النصوص التي بين أيدينا: أن قريشا قد سمحت لهم بذلك، فرفضوه أو قبلوه، كما يزعمونه بالنسبة لعثمان. .
و لم يظهر أيضا من النصوص: أنهم شاركوا عثمان في أي نشاط، فلم تشر إلى ذهابهم معه لزيارة بيوت المؤمنين، أو دخولهم على زعماء قريش لإبلاغ رسالة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و هذا كله يقرب احتمال أن يكونوا قد دخلوا إلى أهاليهم سرا، فكانوا عندهم، فنمي أمرهم إلى قريش، فأخذتهم.
و من أهم ما حدث في هذه الأثناء: أن أعدادا من الأرقاء و العبيد الذين
كانوا في مكة، و بعضا من المستضعفين من قريش، كانوا قد لحقوا بالمسلمين قبل عقد الصلح، فكتبت قريش إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعيدهم إليها و جاء في الكتاب:
«و اللّه، ما خرجوا إليك رغبة في دينك، و إنما خرجوا هربا من الرق» .
فرفض النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلبهم و قال: «هم عتقاء اللّه. .»
و طلب منه سهيل بن عمرو ذلك أيضا، و قال له: قد خرج إليك ناس من أبنائنا و أرقائنا، و ليس بهم فقه في الدين و إنما خرجوا فرارا من أموالنا و ضياعنا، فارددهم إلينا. .
فقال ناس: صدقوا يا رسول اللّه، ردهم إليهم.
فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك، و قال:
«ما أراكم تنتهون، يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم، من يضرب رقابكم على هذا، و أبى أن يردهم.
قال: هم عتقاء اللّه» (1).
1) راجع: جامع الأصول ج 9 ص 223 و البحار ج 21 ص 168 و ج 20 ص 264 و 244 عنه و عن إعلام الورى ص 191، و سنن أبي داود ج 1 ص 612 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 125 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 229 و ج 10 ص 308 و عون المعبود ج 7 ص 263 و كنز العمال ج 10 ص 473 و المنتقى من السنن المسندة ص 275 و المعجم الأوسط ج 4 ص 316 و نصب الراية ج 4 ص 16 و 17 و 309.
و حسب نص آخر:
قالوا: «و في هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: يا محمد، إن أرقاءنا لحقوا بك، فارددهم علينا.
فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: لتنتهن-يا معشر قريش-أو ليبعثن اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه للإيمان، يضرب رقابكم على الدين.
فقال بعض من حضر: يا رسول اللّه، أبو بكر ذلك الرجل؟ !
قال: لا.
قيل: فعمر؟ !
قال: لا، و لكنه خاصف النعل في الحجرة.
فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل! ! فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» . .» .
و روى جماعة هذا الحديث عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و قالوا فيه: إن عليا قص هذه القصة، ثم قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: من كذب عليّ معتمدا فليتبوأ مقعده من النار.
و كان الذي أصلحه أمير المؤمنين من نعل النبي «صلى اللّه عليهما و آلهما» شسعها، فإنه كان انقطع، فخصف موضعه، و أصلحه» (1).
1) الإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 122 و 123، و أشار في هامشه إلى: كفاية الطالب ص 96 و مصباح الأنوار ص 121 و باختلاف يسير في سنن الترمذي ج 5 ص 297 و إعلام الورى ص 191 و في (ط أخرى) ص 372 و تاريخ بغداد ج 1 ص 133 و المستدرك على الصحيحين ج 4 ص 298 و البحار ج 20 ص 360 و 364 و ج 32 ص 301 و ج 36 ص 33 و ج 38 ص 247 و الإفصاح ص 135 و العمدة لابن البطريق ص 224 و عوالي اللآلي ج 4 ص 88 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 241 و درر الأخبار ص 174 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 239 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 623 و المناقب للخوارزمي ص 128 و كشف الغمة ج 1 ص 211 و نهج الإيمان ص 523 و كشف اليقين ص 106.
1-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد غضب إلى هذا الحد، انتصارا منه لأناس مستضعفين، ظلمهم أسيادهم بحرمانهم من حق الحرية الإعتقادية و الدينية.
و لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هو يهدد قريشا، التي كانت ترى نفسها سيدة المنطقة العربية بأسرها، و ترى أن لها الحق-من موقعها الديني، و كذلك من موقع مالكيتها لأولئك الأرقاء-أن يكون القرار الأول و الأخير بالنسبة لأرقائها بيدها، لا ينازعها فيه أحد. .
و الناس يعترفون لها بهذا و ذاك، و يقرونها على ما تزعمه لنفسها. .
نعم، إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لا يعترف لها بشيء مما تزعمه لنفسها و يزعمه الناس لها في هذا الاتجاه و ذاك، و إنما هو يعطي لنفسه الحق في شن حرب كاسحة، و مدمرة، يريد لها أن تنتهي بضرب رقاب نفس هؤلاء الأسياد المتسلطين، حتى لو كانوا من قريش، أو كانوا سدنة البيت،
لمجرد ضمان حرية الفكر و العقيدة حتى لمن هم عبيد أرقاء لهم، و قد اشتراهم أولئك الناس بأموالهم.
2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يهدد قريشا بطريقة تجد فيها الشواهد على جدية ذلك التهديد، و أنه يسير باتجاه التنفيذ، حيث صرح لها: بأن من يتولى تنفيذ هذا القرار هو من نفذ مهمات مشابهة بكل دقة و أمانة و حزم. . و لم تزل تشهد قريش و المنطقة بأسرها آثار جهده و جهاده، طاعة للّه و لرسوله. .
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يصوغ هذا التهديد بطريقة تستدعي طرح الأسئلة لمعرفة المزيد من الأوصاف، أو تدعو للتصريح باسم هذا الذي أشار إليه. .
4-و لا ندري، فلعل طرح اسمي أبي بكر، و عمر، ليجيب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفي أن يكونا مرادين في كلامه، قد جاء من قبل شخص يريد أن يسمع الناس هذا التصريح، لقطع دابر الكيد الإعلامي الذي قد يمارسه ذلك الحزب الذي عرف بالانحراف عن علي «عليه السلام» منذ بدايات الهجرة، و ربما قبل ذلك أيضا.
و لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرّف بعض أهل السر عنده بما يدبره هؤلاء في الخفاء، مما له مساس بمستقبل الدين و الأمة، فكان بعض أهل السر يشعرون بأنه لا بد من إيضاح الأمور للناس بطريقة أو بأخرى ليتحملوا مسؤولياتهم، بعد أن تكون الحجة عليهم قد تمت. .
5-و يسجل النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا الوسام الرائع لأمير المؤمنين «عليه السلام» في إطار فريد و رائع، حين بيّن أن هذا الذي يستطيع أن يضرب رقاب قريش على الدين ليس ممن يرغب في شيء من حطام
الدنيا، و ليس هو ممن يميّزون أنفسهم عن الآخرين. . و هو إنسان لا يمدح بكثرة المال، و لا بشيء مما يمدح به الآخرون. و لا يحتاج في استحضار صورته إلى أي إطار تظهر عليه الألوان، و الأشكال، و الزخرفات، بل هو يظهر في صورته و هو يخصف نعلا. . و هي صورة لا يتوقعون ظهور الحاكم و الرئيس فيها في أي من الظروف و الأحوال.
و اللافت: أن هذا النعل الذي يخصفه ليس له، و إنما هو لغيره، إنه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . الأمر الذي يشير إلى طبيعة نظرته لنفسه، و يؤكد صحة ما يلهج به، حيث يقول: أنا عبد من عبيد محمد (1).
6-إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «هم عتقاء اللّه» يستبطن أمرين:
أحدهما: أنه ليس هو المسؤول عنهم، و لا المطالب بهم، بل هم الذين خرجوا و فروا من سلطان قريش، و ليس لقريش أن تطالبه بأن يبسط سلطتها على أرقائها، و لا استنابته بملاحقتهم كلما هربوا منها.
و بنود صلح الحديبية لا تشمل هؤلاء؛ لأنهم قد هربوا من قريش قبل عقده، و الصلح إنما يعالج الحالات التي تحدث بعد توقيعه.
الثاني: أن إسلامهم هو الذي أعتقهم، فإن العبد إذا أسلم في دار الحرب قبل مولاه، فالمروي: أن ذلك من أسباب عتقه. خصوصا إذا خرج
1) الكافي ج 1 ص 90 و شرح أصول الكافي ج 3 ص 130 و 131 و الإحتجاج ج 1 ص 313 و عوالي اللآلي ج 1 ص 292 و الفصول المهمة في أصول الأئمة ج 1 ص 168 و البحار ج 3 ص 283 و نور البراهين ج 1 ص 430 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 64 و ميزان الحكمة ج 1 ص 144 و ج 4 ص 3207 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 233.
إلى دار الإسلام قبله (1).
و هؤلاء قد أسلموا و خرجوا إلى دار الإسلام قبل أسيادهم، و هذا معناه: أنه لا سلطة لقريش عليهم لأنهم خرجوا عن صفة الرق. فلا يجوز لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يرجعهم إليه، أو أن يساعد على ذلك؛ لأن ذلك عدوان عليهم و مصادرة لحرياتهم، بل أصبح من واجبه «صلى اللّه عليه و آله» الدفاع عنهم و المنع من ظلمهم و من استعبادهم.
و بعد ما تقدم نقول:
إن المبرر المعقول و المقبول هو: أن يكون السبب القريب في الدعوة إلى بيعة الرضوان:
1-أخذ قريش لعشرة من المسلمين دخلوا مكة. .
2-إرسال جماعات ليلية تسعى لاختطاف أشخاص، أو القيام باغتيالات، قد يكون بعضها بالغ الخطورة، و قد أخذ المسلمون منهم خمسين رجلا.
3-حصول مناوشات و صدامات بين جماعة من المشركين و المسلمين، انتهت بأسر اثني عشر رجلا من المشركين. .
1) سنن البيهقي ج 9 ص 229 و 230 و راجع: تهذيب الأحكام ج 6 ص 152 و النهاية للطوسي ص 295 و الوسائل كتاب الجهاد ج 11 ص 89 و التنقيح الرائع ج 3 ص 256 و السرائر ج 2 ص 10 و 11 و مسالك الأفهام ج 10 ص 357 و 358 و شرائع الإسلام كتاب العتق و كتاب الجهاد، و كنز العرفان (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 129 و عوالي اللآلي ج 3 ص 187.
4-قتل ابن زنيم، الذي اطلع الثنية من الحديبية، فرماه المشركون فقتلوه. ثم إصرار قريش: على أنها لن تمكّن المسلمين من دخول مكة. .
5-إصرارها على استعادة هؤلاء الأرقاء الذين أسلموا و التحقوا بالمسلمين، حيث أراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يفهم قريشا: أنه على استعداد للدخول في الحرب من أجل هؤلاء.
6-الضغط على قريش لتستجيب إما لتمكينهم من زيارة بيت ربهم، أو ترضى بإعطاء العهد، و الوعد لهم بذلك في السنة القادمة.
فمن أجل كل ذلك جاءت الدعوة إلى بيعة الرضوان، التي تعطي الانطباع لقريش عن أن المسلمين يد واحدة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن غير ذلك من أمور.
و لا ندري كم كان عدد النساء اللاتي حضرن في الحديبية، غير أن مما لا شك فيه، هو: أن أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» البيعة منهن له العديد من الدلالات. . و هي التالية:
1-إنه يؤكد على حقيقة: أن الحرب حين تكون مصيرية، فإن مشاركة النساء، و حتى الأطفال تصبح أمرا لا بد منه، و لا غنى عنه.
2-إنه عدا عن أن ذلك يتضمن تكريما لعنصر المرأة، فإنه يعد إعلانا بأن عليها أن تشارك في حماية المجتمع الإيماني، بما تقدر عليه مما يتناسب مع طبيعة تكوينها و قدراتها، و لا تخرج عما قرره الشارع لها من طريقة حياة، و ما شرعه لسلوكها من أحكام. .
3-إن ذلك يظهر تصميم المجتمع الإيماني على الحصول على حقوقه، و يشير إلى قريش بحقيقة: أن الأمر ليس صراعا على النفوذ، بهدف الحصول على مكاسب لفريق يريد أن يجعل من نفسه حاكما و مهيمنا. .
بل القضية أكبر من ذلك، و أخطر، فإن المجتمع الإيماني يرى: أنه إنما يطالب بحقوقه من حيث إن عناصره يحملون صفة الإنسانية، فكل من له هذه الصفة فلا بد من أن ينال حقوقه بغض النظر عن خصوصياته الفردية، مثل اللون، أو العرق، أو السن، أو غير ذلك.
و قد عبّر عن ذلك عروة بن مسعود، حين قال لقريش: «و اللّه لقد رأيت معه نساء ما كنّ ليسلمنه على حال» (1).
و هذا يفسر لنا: أخذه «صلى اللّه عليه و آله» البيعة منهن بالطريقة التي تناسب حالهن، و تراعي الأحكام الشرعية معهن، فقد قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» :
«و كان أمير المؤمنين «عليه السلام» المبايع للنساء عن النبي «عليه السلام» . و كانت بيعته لهن يومئذ: أن طرح ثوبا بينه و بينهن، ثم مسحه بيده. فكانت مبايعتهن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بمسح الثوب، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمسح ثوب علي بن أبي طالب «عليه السلام» مما يليه. .» (2).
و قد قرأنا فيما سبق: أنه لما جاء سهيل بن عمرو ورآه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . قال لأصحابه: سهل أمركم.
و هذا يستبطن أحد أمرين، أو كليهما، و هما: 1-أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد مجرد التفاؤل بالاسم، من حيث إن كلمة سهيل مأخوذة من السهولة، بغض النظر عن طبيعة سهيل بن عمرو في نفسه.
2-أن يكون سهيل بن عمرو بالذات سهلا في تعامله مع الآخرين. .
هذا، و قد جاء في النصوص: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحب الفأل الحسن، و يكره الطيرة (1).
و الفأل ضد الشؤم، و هو: أن يسمع كلاما أو يرى أمرا فيستبشر به، و يتوقع لأجله أمرا حسنا، كما لو سمع كلمة يا سالم، فيتوقع السلامة، أو
1) راجع: مكارم الأخلاق، الطبعة الأولى ج 1 ص 191 و البحار ج 92 ص 2 و 3 و في ج 74 ص 165: إن اللّه تعالى يحب الفأل الحسن، و عوالي اللآلي ج 1 ص 291 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1760 و ج 3 ص 2348 و مسند أحمد ج 2 ص 332 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 117 و عن فتح الباري ج 10 ص 181 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 225 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 49 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 230 و موارد الظمآن ص 346 و الجامع الصغير ج 5 ص 294 و كنز العمال ج 7 ص 136 و ج 10 ص 115 و فيض القدير ج 5 ص 294 و كشف الخفاء ج 1 ص 66 و معجم البلدان ج 5 ص 102 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 117 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 293.
رأى ما يسر، فيتوقع السرور فيما يتوجه إليه، و يسعى له.
و قد روي عن علي «عليه السلام» قوله: «تفأل بالخير تنجح» (1).
و عنه «عليه السلام» : العين حق، و الرقى حق، و السحر حق، و الفأل حق، و الطيرة ليست بحق (2).
و قد تفأل عبد المطلب بحليمة السعدية، بالحلم و السعد، و قال: بخ بخ، خلتان حسنتان: حلم و سعد (3).
و تفأل الإمام السجاد «عليه السلام» بالقرآن الكريم لتعيين اسم زيد، حين اختلاف أصحابه في تعيين اسم ولده (4).
و قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كثير التفأل، و قد تفاءل في الحديبية بسهولة الأمر، حين جاءه سهيل بن عمرو كما تقدم (5).
و عن أنس: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : رأيت ذات ليلة فيما
1) غرر الحكم رقم 4466 و عيون الحكم و المواعظ ص 199 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2348.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 472 و نهج البلاغة، قسم الحكم، الحكمة رقم 400.
3) البحار ج 15 ص 388 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 104.
4) البحار ج 46 ص 191 و ج 88 ص 243 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 171 و ج 8 ص 104 و السرائر ج 3 ص 638 و مستدرك الوسائل ج 4 ص 305 و مستطرفات السرائر ص 638.
5) راجع: البحار ج 20 ص 333 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 222 و جامع البيان ج 26 ص 125 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 277.
يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب. فأولت الرفعة لنا في الدنيا، و العاقبة في الآخرة، و أن ديننا قد طاب (1).
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى خسرو أبرويز، يدعوه إلى الإسلام، فمزق كتابه، و أرسل إليه قبضة من تراب، فتفاءل «صلى اللّه عليه و آله» بتمزق ملك كسرى، و بأن المسلمين يملكون أرضهم (2).
و في مقابل التفأل التطير، الذي ذكر في القرآن أيضا في سورة الأعراف، الآية 131 و في سورة النمل الآية 47 و في سورة يس الآية 18: حين كانت بعض الناس في الأمم السالفة يزعمون لأنبيائهم أنهم تطيروا بهم، من أجل إسقاط دعوتهم.
فكان جواب الأنبياء: أن هذا التطير، لا يجعل الحق باطلا، و لا يصلح عذرا لعدم الإيمان، و أن أعمالهم هي التي توجب لهم الشقاء و العذاب عند اللّه تعالى و تجر الشر إليهم، و ليس هو ما يتطيرون به.
و قد أمرت الأخبار الكثيرة بدفع شؤم التطير بالتوكل، و بالدعاء.
و قد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله: الطيرة على ما
1) البحار ج 18 ص 122 عن إعلام الورى و ج 58 ص 221 و مسند أحمد ج 3 ص 213 و 286 و صحيح مسلم ج 7 ص 57 و سنن أبي داود ج 2 ص 482 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 239 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 391 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 388 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 236 و كنز العمال ج 15 ص 385 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 180 و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 527 و عن الإصابة ج 4 ص 428 و عن إعلام الورى ج 1 ص 90.
2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 55 و في طبعة أخرى ج 1 ص 79.
تجعلها، إن هونتها تهونت، و إن شددتها تشددت، و إن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا (1).
و عنه «عليه السلام» : كفارة الطيرة التوكل (2).
و هناك حديث عن الإمام الكاظم «عليه السلام» ، عدّ فيه موارد الطيرة للمسافر، و أنها سبعة، و قال في آخره: فمن أوجس في نفسه منهن شيئا، فليقل: اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي، فاعصمني. فيعصم من ذلك (3).
و يمكن أن يستفاد من ذلك: أن للحالات النفسية تأثيراتها في الأمور
1) الكافي ج 8 ص 197 الخبر رقم 234 و الوسائل ج 8 ص 262 و ج 15 ص 585 و البحار ج 55 ص 310 و 322 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 262 و الفصول المهمة ج 3 ص 282 و نور البراهين ج 2 ص 278 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 619 و تفسير الميزان ج 11 ص 78 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1760 و ج 3 ص 2354 و نور الثقلين ج 4 ص 382.
2) الكافي ج 8 ص 198 و الوسائل ج 8 ص 262 و ج 15 ص 584 و نور الثقلين ج 4 ص 382 و الميزان (تفسير) ج 19 ص 78 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 262 و الفصول المهمة ج 1 ص 537 و نور البراهين ج 2 ص 277 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1760 و ج 3 ص 2354 و 2716 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 293.
3) المحاسن ج 2 ص 348 و الكافي ج 8 ص 315 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 269 و الوسائل ج 8 ص 263 و مكارم الأخلاق ص 242 و البحار ج 55 ص 326 و ج 73 ص 225 و الجواهر ج 18 ص 152 و الكنى و الألقاب ج 1 ص 293 و الخصال ص 272 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 439 و نور البراهين ج 2 ص 278 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 620 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2354 و نور الثقلين ج 4 ص 383.
فإن من يتفأل بالخير، يتعامل مع الأمور بروح منشرحة، و نفس مطمئنة و واثقة، و يعيش السكينة، و الثقة باللّه سبحانه بما قسمه له و اعتباره خيرا، حتى و إن كان الناس يجدون فيه مرارة و ألما، فيرضى بهذا الألم. و يتمثل له فيه الرضا الإلهي، و يجد فيه الخير و المثوبة، و رفعة الدرجة و الزيادة. فهو لا ينظر إليه بعين المقت و الرفض، و الوجل و الخوف. .
بل يراه على أنه باب للخير و الفلاح في الدنيا و الآخرة.
أما المتشائم المتطير فهو يرى: أن الأشياء من حوله ضده، و لها دور في تقويض سعادته، و هدم كيانه، فهو لا يأنس بها، بل يعاديها، و يمقتها، و لا يرى أن اللّه تعالى هو المؤثّر و المبدّل و المغيّر، بل يرى أنها هي الأقوى.
و بعد. . فإن لانشراح الروح و الشعور بالسكينة و البهجة و الرضا تأثيره في الأشياء التي تحيط بالإنسان، حتى في الهواء، و الشجر، و النبات، و غيرها، و كذلك الحال بالنسبة للكآبة و الحزن، و التردد و الخوف، و ما إلى ذلك.
و قد يمكن تأييد ذلك: بما دلت عليه الآيات و الروايات الكثيرة، من أن للمعاصي و الطاعات تأثيراتها في المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، و في كثير من الأشياء حوله، و من ذلك ما دل على ظهور الأسواء، و المفاسد، مثل قوله: ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ. . (1).
و روي: إذا كثر الزنى كثر موت الفجأة (2). و غير ذلك كثير.
1) الآية 41 من سورة الروم.
2) المحاسن ج 1 ص 107 و الكافي ج 2 ص 374 و ج 5 ص 541 و علل الشرايع ج 2 ص 584 و أمالي الصدوق ص 385 و ثواب الأعمال ص 252 و تحف العقول ص 51 و روضة الواعظين ص 420 و 463 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 40 و الوسائل ج 11 ص 513 و ج 14 ص 231 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 107 و عن البحار ج 70 ص 369 و 372 و ج 76 ص 27 و ج 88 ص 328 و ج 97 ص 46 و 72 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 130 و ج 9 ص 208 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 135 و ج 3 ص 570 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1161.
و من ذلك أيضا: ما دل على زيادة النماء و البركات، كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (1).
و قد ادّعى سهيل بن عمرو-فيما يمكن أن يعتبر اعتذارا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو هو تنصل من المسؤولية-: أن قتال بعض المشركين للمسلمين، و حبس الذين حبسوا في مكة، قد كان بغير علم زعماء قريش. و لم يكن عن رأي ذوي الرأي فيها. بل هو قد ادّعى أنهم كانوا كارهين لذلك كله، و أن السفهاء هم الذين أقدموا عليه. .
ثم طلب سهيل إطلاق سراح من أسرهم المسلمون أول مرة، و من أسروهم في المرة الثانية، و لم يشر بشيء إلى مصير المحبوسين في مكة.
فجاء الرد ليؤكد على ضرورة إطلاق سراح من حبستهم قريش أيضا. . و أن على قريش أن تكون هي البادئة بإطلاق سراح من احتجزتهم. .
و ذلك يتضمن أمرين:
أحدهما: التعبير عن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في موقع
1) الآية 96 من سورة الأعراف.
القوة، و هو يملي إرادته على عدوه.
الثاني: إرغام قريش على الاعتراف-و لو ضمنا-: بأنها معتدية و ظالمة. . و أن ما كان من المسلمين إنما هو مجرد دفاع ورد اعتداء. .
و كان ما أراده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث بدأت قريش بإرسال من كان عندها أولا. . لأن سهيلا أرسل الشييم بن عبد مناف التيمي وحده إلى قريش، و لم يطلق سراح أحد معه، فبعثت قريش بمن كان عندها. .
و ثبت بذلك ما أراده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانت كلمة اللّه هي العليا، و كلمة الذين كفروا هي السفلى. .
و كان سهيل بن عمرو من أشراف قريش، و قد أسر يوم بدر، و كان أعلم الشفة العليا، أي مشقوقها، فقال عمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، انزع ثنيتيه، فلا يقوم خطيبا عليك أبدا.
فقال: دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقاما نحمده عليه (1).
فكان ذلك المقام هو: أنه لما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ارتجت مكة، و أراد أهلها أن يعودوا إلى الشرك، فقام سهيل بن عمرو
1) أسد الغابة ج 2 ص 371 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 82 و عن الإصابة ج 2 ص 93 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 109 و 110 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 484 و شرح نهج للمعتزلي ج 14 ص 172 و راجع: كنز العمال ج 5 ص 409 و كتاب المنمق ص 218.
خطيبا، فقال: «يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم، و أول من ارتد، و اللّه، إن هذا الدين ليمتدن امتداد الشمس و القمر، من طلوعهما إلى غروبهما الخ. .» (1).
فتراجع أهل مكة عما كانوا قد هموا به.
و نسجل هنا الملاحظات التالية:
1-إنه حين يعرض عمر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما عرضه إنما يفهم الآخرين: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -بنظره-كغيره من الطغاة و الجبابرة، الذين يمارسون الانتقام من خصومهم بقسوة بالغة، و بوحشية ظاهرة. . فهو لا يرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مبعوث رحمة للعالمين، و قد كانت نفسه تذهب حسرات حتى على من كانوا يحاربونه، و يسعون في سفك دمه. .
فما هذه النظرة العمرية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و متى تخلص منها صاحبها؟ ! أم بقيت تعيش في نفسه، و تتغلغل في أعماقه؟ !
لا ندري. . و لا بد لمن يريد أن يدري أن يتتبع حياة هذا الرجل ليجد من الشواهد و الدلائل ما يفيد في استخلاص الحقيقة، و وضوح الأمر. .
2-إن عمر بن الخطاب قد طالب بقلع ثنيتي سهيل، لأنه كان أعلما،
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 82 و أسد الغابة ج 2 ص 371 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 172.
أي: مشقوق الشفة العليا (1).
و الأعلم إذا قلعت ثنيتاه، فإنه يصبح عاجزا عن النطق.
3-إننا لم نفهم سر مطالبته بهذه العقوبة لسهيل، و لم يطالب بعقوبات مماثلة أو متنوعة لغيره من أسرى بدر، فهل كانت له على سهيل ثارات قديمة، و قد أراد أن يأخذها منه بهذه الطريقة؟ أم كان لدى سهيل شيء من الفصاحة، فأراد أن يسلبه ذلك حسدا منه له؟ ! . .
إن التاريخ لم يفصح عن شيء يفيد في تحديد الداعي لهذا الطلب الغريب و العجيب.
4-إن سهيل بن عمرو لم يقم خطيبا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فما معنى تعليل عمر لطلبه هذا بقوله: فلا يقوم عليك خطيبا أبدا؟ !
5-لماذا يقدم عمر الاقتراحات على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من دون أن يطلب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» منه ذلك، و من دون أن يستأذنه بالكلام في محضره. . فضلا عن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أذن له بالاقتراح، أو طلب المشورة منه في هذا الأمر بأي شيء آخر! !
6-إن هذا الحديث لابد أن يعتبر من دلائل نبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث أخبر بما يكون من سهيل قبل أن يسلم سهيل، و قبل أن تظهر أية بادرة منه تشير إلى أن لديه شيئا من الميل إلى الإسلام، بل كان يخوض أخطر حرب ضد هذا الدين و أهله، و كل واقعه و ما هو فيه يشير إلى المزيد من اللجاج و العناد. .
1) يقابله الأملح، و هو مشقوق الشفة السفلى.
يضاف إلى ذلك: أن ما أشار إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما تحقق بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فليس له صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله الطاهرين، أية مشاركة في صنع المناسبة، لا من قريب و لا من بعيد. . فهو إخبار غيبي بكل ما لهذه الكلمة من معنى. .
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الفصل الخامس: بعوث و سرايا (قبل خيبر)5-30
الفصل السادس: حديث الاستسقاء 31-52
القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة. . الباب الأول: حتى بيعة الرضوان الفصل الأول: من المدينة. . إلى عسفان 57-110
الفصل الثاني: من عسفان. . إلى الحديبية 111-154
الفصل الثالث: حابس الفيل. . و حقوق الحيوانات 155-222
الفصل الرابع: تعمد صنع المعجزة 223-252
الفصل الخامس: إتصالات. . و مداولات 253-286
الفصل السادس: عثمان في مكة 287-340
الفهارس:341-345
الفصل الخامس: بعوث و سرايا (قبل خيبر) 1-بعث علي عليه السّلام إلى بني سعد:7
2-بعث زيد بن حارثة إلى أم قرفة:9
وقفات للتوضيح و التصحيح:11
أمير الغزوة: أبو بكر. . أم زيد؟ !11
ما كشف ابن الأكوع لها ثوبا:13
القسوة و البشاعة في قتل أم قرفة:13
مصير بنت أم قرفة:14
سوء أدب و وقاحة:16
3-سرية ابن عتيك إلى أبي رافع:17
4-سرية ابن رواحة إلى ابن رزام اليهودي:18
ألف-التثبت في الأمر:20
ب-استعمال أسير على خيبر:21
ج-من هو الغادر؟23
د-ابن أنيس و قصة العصا:25
5-سرية زيد بن حارثة إلى مدين:26
تحفظ على سرية مدين:27
إحترام المشاعر الإنسانية:28
الفصل السادس: حديث الاستسقاء. . حديث الاستسقاء:33
الاستسقاء أكثر من مرة:35
اللهم حوالينا و لا علينا:36
لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء:36
عبد المطلب يستسقي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:38
أبو طالب يستسقي بالرسول صلّى اللّه عليه و آله ثلاث مرات:39
عمر يتوسل و يستسقي بعترة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:41
نظرة أبي طالب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:42
القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة. . الباب الأول: حتى بيعة الرضوان الفصل الأول: من المدينة. . إلى عسفان. . الحديبية: اسما و موقعا:59
التحرك نحو الحديبية:59
وقفات مع ما تقدم:61
الخروج إلى العمرة:62
فائدة المنامات:63
لماذا الصدق و الكذب في الرؤيا؟ ! :66
إذا تم الإيمان رفعت الرؤيا:66
سبب وضع الرؤيا:67
رؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هي المحور:68
إستنفار العرب. . و مراسم السفر:69
عامل النبي صلّى اللّه عليه و آله على المدينة:72
أسلم و غفار، و سائر العرب:73
لماذا تثاقل الأعراب عنه؟ !75
عدد المسلمين:76
هل المدينة في خطر؟ !79
حضور المنافقين في الحديبية:81
هذا هو سلاحهم:82
عين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:85
نبع الماء من بين أصابعه صلّى اللّه عليه و آله:85
لا أقبل هدية مشرك:89
هل يجوز أكل لحم الضب؟ ! :90
أكلات محرمة على المحرم و على غيره:94
علي عليه السّلام ساقي العطاشى في الجحفة:95
حديث الثقلين:97
1-الثقل: بفتح القاف، أم بسكونها:98
2-النص الصحيح و الصريح:99
رواة الحديث من الصحابة:103
حديث الثقلين متواتر:105
و سنتي و عترتي متوافقان:106
أسرار في حديث الثقلين:107
من هم العترة؟ !109
الفصل الثاني: من عسفان. . إلى الحديبية. . بداية:113
إطلاق الصرخة في مكة:113
النبي صلّى اللّه عليه و آله يشاور أصحابه:116
صلاة الخوف:117
النبي صلّى اللّه عليه و آله يخالف العدو في الطريق:118
تعقيبات على النصوص المتقدمة:123
لماذا عدل عن الطريق؟ ! :124
من الذي يجمع الجموع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ !124
سلفع شيطان الأصنام:125
بلدح أم ذو طوى؟ :128
خيارات لو أن قريشا تلجأ إليها! !128
النبي صلّى اللّه عليه و آله يستشير أصحابه:130
الشورى في الحديبية:133
عباد بن بشر. . و صلاة الخوف:136
الرواية الأقرب إلى الاعتبار:142
إتساع الثنية للمسلمين:144
النبي صلّى اللّه عليه و آله عارف بالأمور و يستعين بالعارفين:145
هل كان النبي صلّى اللّه عليه و آله رحيما بالمشركين؟ ! :146
بنو إسرائيل، و باب حطة:147
الفصل الثالث: حابس الفيل. . و حقوق الحيوانات بداية:157
خلأت القصواء:158
الحجة البالغة:159
مقارنة. . و استنتاج:162
حابس الفيل:163
لماذا شبهها بقضية حبس الفيل؟ ! :164
أهمية قصة الفيل:165
موجز عن هلاك جيش أبرهة:166
عبر وعظات:167
للحيوانات أخلاق:175
أخلاق شيطانية:176
أخلاق رضية:177
تفاوت درجاتها في الشعور و الإدراك:178
طاعات و عبادات الحيوانات:182
الرفق بالحيوان في الإسلام:184
قانون الرفق بالحيوان:185
نهاية المطاف:222
الفصل الرابع: تعمد صنع المعجزة تعمد صنع المعجزة:225
النبي صلّى اللّه عليه و آله يصنع المعجزة:231
لا حاجة إلى التنازع:232
مياه بلدح، و مياه الحديبية:235
من الذي نزل بالسهم؟236
توضأ، و تمضمض، ثم مج في الدلو:238
إستغفار الرسول صلّى اللّه عليه و آله لابن أبي:240
المنافقون في الحديبية:242
أبو سفيان على بئر الحديبية! :245
التوحيد، و الإعتقاد بالأسباب:247
إعتقاد العرب بالأنواء:249
القرآن: الغيث و الريح بيد اللّه:249
سعي الرسول صلّى اللّه عليه و آله لاقتلاع هذا الاعتقاد:250
الفصل الخامس: إتصالات. . و مداولات. . هدايا قبلت:255
إتصالات و مداولات:256
بيانات للتوضيح أو التصحيح:263
مفارقة لا يرضاها حليس:263
تحليل ابن مسعود ليس دقيقا:264
المنطق القبائلي، و المنطق الإيماني:266
عنادهم و موقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:268
تصدع صفوف المشركين:269
تبرك الصحابة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:271
التبرك لا يختص بالأحياء:274
المغيرة قائم بالسيف خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:276
امصص بظر اللات لغة مرفوضة:279
سخاء أبي بكر:281
الفصل السادس: عثمان في مكة. . خراش رسول النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى مكة:289
عثمان إلى مكة:289
على جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:296
عمر بن الخطاب يرفض طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله:297
دلالات أخرى في كلمات عمر:300
عداوة عمر لقريش:300
عمر يعترف بواقع عشيرته:303
إن أحببت دخلت عليهم:304
عثمان إلى مكة:306
أساليب و نتائج:306
رسالة شفوية، أم كتاب؟ ! :309
عثمان بحاجة إلى من يجيره:310
رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى قريش:310
جواب قريش:312
بيعة الرضوان و شائعة قتل عثمان:313
شائعة احتباس سهيل بن عمرو 315
حديث طواف عثمان 315
ما هو سبب البيعة إذن؟ ! 319
أسرى قريش 319
مكرز بن حفص مرة أخرى 321
مسلمون دخلوا مكة، فأخذوا 321
هم عتقاء اللّه 322
لا، و لكنه خاصف النعل 324
و نلاحظ هنا ما يلي 325
مبرر الإعلان عن بيعة الرضوان 328
النساء. . و البيعة 329
النبي صلّى اللّه عليه و آله يتفاءل بالاسم 331
تبادل الأسرى 336
موقف كريم لسهيل بن عمرو 337
الفهارس 341
1-الفهرس الإجمالي 343
2-الفهرس التفصيلي 345