ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء العاشر
إننا لاستكمال الحديث عن الأمور المرتبطة بغزوة ذات الرقاع نتحدث في هذا الفصل عن عدة أمور بالترتيب التالي:
1-إنهم يقولون: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، و صلاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه فيها، و هي أول صلاة خوف في الإسلام.
و نحن نرى: أن ذلك غير سليم، و أن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية، و هي قبل ذات الرقاع.
بل قد يقال: إنها قد شرعت قبل الحديبية أيضا.
2-ثم نشير إلى الاختلافات الواردة في كيفية صلاة الخوف.
3-و نتحدث أيضا بإجمال عما يقال عن عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق، لأنها لم تكن شرعت آنئذ. .
4-ثم نعقب ذلك بفلسفة تحليلية لتشريع صلاة الخوف في حدود ما تسمح به المناسبة.
5-ثم نتوجه إلى الحديث عن قصر الصلاة، حيث يقال: إن ذلك قد حدث في غزوة ذات الرقاع أيضا.
6-ثم نستطرد في الحديث إلى موضوع آخر يرتبط بقصر الصلاة، و هو ما اشترطته الآية للقصر، من كونه في مورد خوف الفتنة، و ذلك من أجل بيان المراد من هذا الشرط، ثم المبرر لإدراجه في الآية الشريفة.
7-و لا ننسى أن نستطرد أيضا إلى موضوع قصر عثمان للصلاة في منى و عرفات في أيام الحج، و ما نشأ عن ذلك و ما انتهى إليه.
و نذكر أيضا: أعذارا و توجيهات لهذا الأمر لا يمكن أن تصح، و لا يصح الاعتماد عليها.
8-ثم نختم الحديث عن هذا الموضوع بالإشارة إلى أن القصر في السفر رخصة أم عزيمة؟ من أجل أن يتضح المقصود من آية القصر، حيث إن الحديث عن القصر فيها إنما هو بصيغة: ليس عليكم جناح أن تقصروا.
9-و أما الحديث عن أن آية التيمم قد نزلت في غزوة ذات الرقاع أيضا فنرجئه إلى الحديث عن غزوة المريسيع بعد الخندق، حيث يتم التعرض له هناك إن شاء اللّه تعالى. .
هذه خلاصة ما سوف نتحدث عنه في هذا الفصل. و أنت ترى: أنه كله حديث عن تشريعات ادّعي أنها قد حصلت في غزوة ذات الرقاع، ثم استطرادات مفيدة في نطاق الحديث عن هذه التشريعات.
و نحن نرجو أن يكون فصلا مفيدا للقارئ و ممتعا له في نفس الوقت. . فإلى ما يلي من مطالب، و من اللّه نستمد العون و القوة، و عليه نتوكل. .
يقال: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، حيث إنه
«صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة واجه جمعا من الأعداء «فتقارب الجمعان، و لم يكن بينهما حرب. و قد خاف بعضهم بعضا، من غير أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس» (1).
و هي أول صلاة خوف في الإسلام (2).
و نقول:
1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و 29 و السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 200 و المغازي للواقدي ج 1 ص 396 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 24 و 25 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 227 و أنساب الأشراف ج 1 ص 340 و راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 و تفسير البرهان ج 1 ص 411 عن من لا يحضره الفقيه و الثقات ج 1 ص 258 و زاد المعاد ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 و راجع: نصب الراية ج 2 ص 246 و 247 و راجع صحيح مسلم {باب صلاة الخوف} ج 2 ص 214 و نهاية الأرب ج 17 ص 158 و المواهب اللدنية ج 1 ص 107 و الدر المنثور ج 2 ص 212 و 213 عن أبي داود، و ابن حبان، و الحاكم و صححه و البيهقي، و عن مالك، و الشافعي، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و الدارقطني.
2) حبيب السير ج 1 ص 357 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 61 و المواهب اللدنية ج 1 ص 107 و الجامع ص 279 و راجع المصادر المتقدمة أيضا، فبعضها قد ذكر ذلك و نصب الراية ج 2 ص 248 و 249 عن الواقدي و غيره.
1-قولهم: إنها أول صلاة خوف صليت في الإسلام لا تؤيده الروايات على اختلافها؛ فقد ذكروا-و إن كنا قد رددنا ذلك فيما يأتي-: أن صلاة الخوف إنما شرعت في غزوة بني النضير (1)و هي قبل غزوة ذات الرقاع قطعا.
2-و من جهة أخرى ثمة روايات تقول: إن آيات صلاة الخوف قد نزلت في غزوة عسفان، فصلى بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف.
و في رواية الترمذي و ابن جرير: أن جبرئيل هو الذي علّم النبي «صلى اللّه عليه و آله» كيف يصليها، و ذلك بين ضجنان، و عسفان. و عسفان كانت بعد الخندق (2).
1) راجع هذا القول في: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و التنبيه و الإشراف ص 214 و حبيب السير ج 1 ص 357 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 215 و نهاية الأرب ج 17 ص 159 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 370 و صحيح البخاري ج 3 ص 23 و فتح الباري ج 7 ص 325 و بهجة المحافل ج 1 ص 232.
2) الدر المنثور ج 2 ص 211 و 213 عن المصادر التالية: عبد الرزاق، و سعيد بن منصور، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و عبد بن حميد، و النسائي، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الدار قطني، و الطبراني، و الحاكم، و صححه، و البيهقي، و الترمذي، و ابن جرير. و عن البزار عن ابن عباس، و عن أبي عياش الزرقي، و أبي هريرة، و مجاهد و فتح الباري ج 7 ص 327 و السيرة الحلبية ج 2 ص 271-
3-و سأل سليمان اليشكري جابر بن عبد اللّه عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟ .
فقال جابر بن عبد اللّه: و عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل. .
ثم ذكر ما جرى، و صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم صلاة الخوف، ثم قال: فأنزل اللّه في إقصار الصلاة (1).
و لكن قال ياقوت: «إن نخلا موضع بنجد، من أرض غطفان مذكور في غزاة ذات الرقاع» (2).
و عن السمهودي، أنه قال: «حتى نزل نخلا، و هي غزوة ذات الرقاع» (3).
و قال السمهودي أيضا: «و كأن أبا حاتم رأى اتحادهما، فلم يذكر ذات
(2) -و نصب الراية ج 2 ص 248 و مسند أحمد ج 4 ص 59 و في هامش نصب الراية عن سنن أبي داود ج 2 ص 11 و 12 و سنن البيهقي ج 3 ص 257 و راجع: سنن النسائي ج 3 ص 174 و الجامع الصحيح ج 5 ص 243 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 504 و 505 و جامع البيان ج 5 ص 156 و سنن الدار قطني ج 2 ص 59 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 337 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 326.
الرقاع، و هي بنخل عند بعضهم، فلذلك لم يذكرها أيضا» (1).
و نقول: إن هذا اشتباه واضح، فإن نخلا إذا كانت بنجد لم يكن ثمة مناسبة بينها و بين عير قريش الآتية من الشام، فالمراد إذن هو النخل التي من جهة الشام دون سواها.
4-و عن مجاهد أنه قال: بالنسبة لصلاة الخوف في عسفان: «فلم يصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف قبل يومه، و لا بعده» (2).
5-عن جابر قال: غزا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ست غزوات قبل صلاة الخوف، و كانت صلاة الخوف في السنة السابعة (3).
فالقول بأنها في ذات الرقاع، و ذات الرقاع في السنة الرابعة، لا يصح.
و المعتمد عندنا في هذا المجال هو: الرواية التي رواها علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الإمام الصادق «عليه السلام» : «فإنها نزلت لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحديبية، يريد مكة، فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في ماءتي فارس كمينا يستقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (فكان يعارض رسول اللّه)على الجبال.
فلما كان في بعض الطريق، و حضرت صلاة الظهر، فأذن بلال، فصلى
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس.
فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم و هم في الصلاة لأصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، و لكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى هي أحب إليهم من ضياع أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم.
فنزل جبرئيل «عليه السلام» على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصلاة الخوف في قوله: وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ. . (1).
و لا يعارض ذلك ما رواه ابن بابويه في الفقيه بسند صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في ذات الرقاع؛ فإن هذه الرواية ليس فيها: أن جبرئيل قد نزل بصلاة الخوف آنئذ، و لا أن الآية قد نزلت أيضا في غزوة ذات الرقاع. و إن كان الإمام «عليه السلام» بعد أن ذكر كيفية صلاته «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه صلاة الخوف، قد أورد الآية، مظهرا بذلك موافقة فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمضمونها، فراجع (2).
فتشريع صلاة الخوف قد كان في الحديبية التي كانت في سنة ست ثم صلاها «صلى اللّه عليه و آله» مرة أخرى بأصحابه في غزوة ذات الرقاع، التي كانت في السنة السابعة حسبما قدمنا.
قد اختلفت رواياتهم في كيفية صلاة الخوف التي صلاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مغازيه، حتى ليقول البعض:
«قد رويت صلاة الخوف على ست عشرة صورة كلها سائغ فعله» (1).
و قال آخر: «و وراء ذلك من الكيفيات المتباينات، و الخلافات المتعددات بحسب اختلاف الروايات، ما يطول ذكره، و يعز حصره» (2).
و قد أغنانا ذلك عن ذكر التناقضات الكثيرة و الاختلافات الفاحشة بين الروايات المختلفة.
و الحل الأمثل: هو الرجوع إلى أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، فإنهم هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما، و هم سفينة نوح، من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق و هوى.
و قد ذكروا: أن صلاة الخوف في ذات الرقاع كانت قصرا (3).
و قد زعم البعض: أن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، و إلا لكان صلاها حينئذ، لأنهم حبسوه عن صلاة الظهرين و العشاءين
فصلاهن جميعا، و ذلك قبل نزول صلاة الخوف (1).
و نقول: إن هذا الاستدلال لا يصح: إذ لعل العدو كان في جهة القبلة فصلاها المسلمون إيماء أو كان الوضع الحربي لا يسمح بالصلاة جماعة بسبب تلاحم المقاتلين، و المناوشة بينهم، حيث يكفي في هذه الحالة التهليل و التسبيح، و التحميد، و الدعاء، كما حدث في صفين ليلة الهرير (2).
و سيأتي: عدم صحة ما يذكرون حول هذا الأمر في موضعه إن شاء اللّه تعالى. .
و لربما يراود ذهن البعض سؤال: عن السبب في الإصرار على الصلاة جماعة حتى في حال الحرب، إذ أن بالإمكان أن يصلي المسلمون فرادى متفرقين، مع الاحتفاظ بمواجهة العدو بالكثرة العددية في ساحة القتال. خصوصا مع اتساع الوقت لأداء الصلاة بصورة متوالية من العناصر، بحيث لا يخل ذلك بالحالة التي يتخذونها تجاه العدو بهدف إرهاقه، أو دفع شره.
و للإجابة على هذا السؤال: لا بد لنا من الإشارة إلى أن هذا أمر مقصود للّه عزوجل، لأنه يمثل مطلبا أساسيا في أكثر من اتجاه.
فهو من جهة يمثل إصرار المسلمين على الجهر بمعتقداتهم، و ممارسة
حقهم بحرية التعبير عنها، و حرية ممارسة شعائرهم الدينية. رضي الناس ذلك أم أبوا.
كما أنه يمثل إظهارا للالتزام بالقيادة المثلى، و الاقتداء بها، و التلاقي عليها و معها لتكون رمز وحدة الأمة، من خلال وحدة الهدف، ثم وحدة الموقف، و انتهاء بوحدة المصير.
و من جهة أخرى: فإن هذا المظهر العبادي الوحدوي التنظيمي و وحدة الشعار، لا بد أن يثير لدى الأعداء أكثر من سؤال يرتبط بالموقف السياسي و العسكري، الذي يتخذه ذلك العدو، و يتحرك و يتعامل معهم على أساسه و من خلاله، حتى إذا ما راجع حساباته في هذا السبيل، فلسوف يجد أنه لم يكن منطقيا، و لا منصفا في عدائه لهم، و لا في مواقفه منهم، التي اتخذها انطلاقا من عدم قناعته بما اقتنعوا به، أو فقل: من عدم قبوله بما هم عليه. فهل عدم اقتناع شخص بأفكار، و معتقدات، و قناعات، شخص آخر، يعطيه الحق في تدمير ذلك الشخص و استئصاله من الوجود؟ ! . .
و هل إذا قال هؤلاء: ربنا اللّه، و ليس الصنم الفلاني، يستحقون أن يواجهوا بالحرب و بالحرمان و بالقطيعة، و بجميع أشكال الاضطهاد و التنكيل؟ ! .
إن صلاة الخوف هذه لسوف تقنع هذا العدو بالذات أن ما يحاربهم من أجله، و يصرون هم عليه، إنما يعنيهم هم أولا و بالذات، و ليس له هو حق في اتخاذ أي موقف سلبي منهم لأجل أمر يخصهم و يرجع إليهم، ف لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (1)فإن الدين يقوم على أساس القناعات و على أساس
1) الآية 256 من سورة البقرة.
المشاعر، و عقد القلب، و إحساسه بالأمن، و استشعاره الإيمان.
و لا يمكن أن يفرض هذا على أحد، و لا يتحقق الإكراه فيه.
و لا يملك أحد أن يصادر حرية الآخرين في أن يعتقدوا ما شاؤوا، و لا يمكنه أن يمنعهم من ممارسة كثير مما يريدون ممارسته.
بل إن هذا يخضع للمنطق و للبرهان و للدليل أولا، مع إعطاء دور رئيس لتكوّن عامل الثقة، و الصراحة و الصدق و الإنصاف، و الحرية، و غير ذلك مما هو ضروري في مجال التحرك الواعي و المسؤول في مجال الدعوة لتحقيق الاستجابة الحقيقية و الواعية و المسؤولة.
فصلاة الخوف شعار، و موقف، و بلاغ، و دعوة، و تصميم، و وحدة، و خلوص، و التفاف حول القيادة، و تربية، و تعليم، و تحد، ثم هي حرب نفسية و سلاح قاطع.
و ليس ثمة رسالة أبلغ منها للعدو، ليعرف أن هؤلاء الناس قد بلغوا من إصرارهم على مواقفهم، و تمسكهم بمبادئهم، و فنائهم فيها، حدا يجعلهم يرون قضيتهم، و دينهم و دعوتهم، هي الأهم من كل شيء، و أن حياتهم، و كل شيء يملكونه لا بد أن يكون لها و من أجلها، و في سبيلها، و هم يمارسون ذلك عملا، و يقدمون على البذل و العطاء في سبيله، بكل رضا و محبة، و صفاء و سخاء.
و من جهة ثانية: إن ذلك يؤكد للإنسان المسلم مدى أهمية الصلاة، حتى إنها لا تترك بحال، حتى للغريق المشرف على التلف، و حتى للمقاتل الذي يواجه الأخطار الكبرى على حياته و وجوده. .
و تأتي الصلاة في هذه الحال بالذات-حال الخوف-لتربط الإنسان
بمصدر الأمن، و السلام، و الطمأنينة للقلوب، و انسجام المشاعر و تلاقيها، ليعيش الإنسان في الآفاق الملكوتية روح الطهر و الخلوص، ليصبح قادرا على التخلص مما يربطه بهذه الدنيا، و يشده إلى الأرض ليخلد إليها، و يحجبه ذلك عن مصدر القدرة، و عن الانطلاق في رحابه، و في آفاق ملكوته، و معاينة آلائه، و تلمسها، و التصديق بها.
و قالوا: إن الصلاة قد قصرت في غزوة ذات الرقاع (1)حيث نزل قوله تعالى: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ اَلْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (2).
و نقول: إن الكلام هنا في عدة جهات، نذكر منها ما يلي:
إن القول: بأن ذلك كان في غزوة ذات الرقاع، تقابله الرواية التي تقول: إن ذلك قد كان في غزوة عسفان.
فقد روي: «عن مجاهد، في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ
اَلصَّلاٰةَ (1)، قال: أنزلت يوم كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المشركون بضجنان، فتوافقوا فصلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه صلاة الظهر أربعا، ركوعهم و سجودهم، و قيامهم معا جمعا. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم، و أثقالهم، فأنزل اللّه: فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ (2).
فصلى العصر، فصف أصحابه صفين ثم كبر بهم جميعا، ثم سجد الأولون لسجوده، و الآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم كبر بهم و ركعوا جميعا، فتقدم الصف الآخر، واستأخر الصف المتقدم، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، و قصر العصر إلى ركعتين» (3).
و نقول: إن هذه الرواية صريحة في أن آية قصر الصلاة قد نزلت بعد أو حين تشريع صلاة الخوف، و ثمة روايات أخرى يظهر منها أنهم يتحدثون عن آية القصر و يقصدون منها صلاة الخوف فقط (4)، و لعل هذا قد نشأ عن كونهما قد نزلتا في زمان واحد.
1) الآية 198 من سورة البقرة.
2) الآية 102 من سورة النساء.
3) الدر المنثور ج 2 ص 210 عن عبد الرزاق، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 5 ص 156 و المصنف ج 2 ص 504.
4) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 210 عن عبد الرزاق عن طاووس، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن السدي و المصنف ج 2 ص 517 و غيرها و جامع البيان ج 5 ص 154.
و قد تقدم: أن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية، ثم صلاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذات الرقاع، التي كانت بعدها، فمعنى ذلك: أن قصر الصلاة قد شرع في الحديبية أيضا، أو بعدها و ذلك واضح لا يحتاج إلى بيان.
لكن ثمة رواية تقول: إن نزول الآية، و تشريع صلاة القصر قد كان قبل نزول آية صلاة الخوف بسنة؛ فشرع القصر على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين سأله تجار يضربون في الأرض عن كيفية صلاتهم، فراجع (1).
فيكون تشريع القصر، قبل غزوة الحديبية بسنة!
و من الأمور التي تساءل بعض الناس عنها هو: أن آية القصر إنما تتحدث عن إيجاب القصر بشرط خوف الفتنة من قبل الذين كفروا، مع أن القصر ثابت مع خوف الفتنة و بدونه.
و قد حاول البعض الهروب من هذا الإشكال بدعوى: أن القصر لم يذكر في القرآن أصلا (2).
1) الدر المنثور ج 2 ص 209 و جامع البيان ج 5 ص 155 عن علي «عليه السلام» ، و بهجة المحافل ج 1 ص 228.
2) سنن النسائي ج 3 ص 117 و سنن البيهقي ج 3 ص 136 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 339 و مجمع البيان ج 5 ص 136 و الدر المنثور ج 2 ص 209 و 210 عنهم و عن عبد بن حميد، و ابن حبان، و ابن أبي حاتم. و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 444 و المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 258 و الموطأ {المطبوع مع تنوير الحوالك} ج 1 ص 162 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 518 و مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 65 و 66.
و بعض آخر: كعائشة، و سعد بن أبي وقاص، ادعوا: أن الواجب هو القصر في حال الخوف فقط، أما في حال الأمن، فكانا يتمان في السفر (1).
و روي عن عائشة خلاف ذلك أيضا (2).
و قد يحلو للبعض أن يدعي: أن القرآن قد نسخ بالسنة، حيث إن القرآن نص على القصر في حالة الخوف، ثم نسخ ذلك بقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث جعله «صلى اللّه عليه و آله» في مطلق السفر (3).
إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.
و نقول: إن مجرد كون القرآن قد نص على القصر في مورد خوف الفتنة، ثم جاء تعميم ذلك إلى مطلق السفر على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يوجب اعتبار ذلك من قبيل نسخ القرآن بالسنة، إذ قد يكون القرآن قد ذكر لهم ما كان محلا لابتلائهم، أو أورد ذلك مورد الغالب؛ فإذا كان القرآن قد
1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 110 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و نصب الراية ج 2 ص 118 و 189 و نيل الأوطار ج 3 ص 249 و راجع: الجامع الصحيح ج 2 ص 430 و عن عائشة في المصنف للصنعاني ج 2 ص 515 و راجع أيضا: الأم ج 1 ص 159.
2) راجع: الأم ج 1 ص 159 و صحيح مسلم ج 2 ص 142 و 143 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 515 و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 446 و 447 و الدر المنثور ج 2 ص 210 عن بعض من تقدم و عن البخاري، و مالك، و عبد بن حميد، و أحمد، البيهقي في سننه.
3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 227 و 228.
بيّن قسما مما يجب فيه القصر، ثم بينت السنة باقي الموارد، فليس ذلك من قبيل النسخ، بل هو إما من باب إلقاء الخصوصية، أو من باب التعميم، و التتميم، إذ ليس فيه إلغاء للحكم الثابت بالقرآن.
و قد أشارت الروايات إلى ذلك أيضا، فقد روي: أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، و قد أمن الناس.
فقال له عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك؛ فقال: صدقة تصدق اللّه عليكم، فاقبلوا صدقته (1).
و عن أبي العالية، قال: «سافرت إلى مكة، فكنت أصلي بين مكة و المدينة ركعتين، فلقيني قراء أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ !
1) الدر المنثور ج 2 ص 209 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و أحمد و مسلم و النسائي و أبي داود، و الترمذي، و ابن ماجة، و ابن الجارود، و ابن خزيمة، و الطحاوي، و ابن جرير ج 5 ص 154 و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و النحاس في ناسخه، و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 448 و 450 و نصب الراية ج 2 ص 190 و صحيح مسلم {باب صلاة المسافر} ، ج 2 ص 143 و سنن أبي داود ج 2 ص 3 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 176 و مسند أحمد ج 1 ص 25 و 36 و سنن النسائي ج 3 ص 116 و 117 و الجامع الصحيح {كتاب التفسير} ج 5 ص 242 و 243 و بهجة المحافل ج 1 ص 227 و 228 و سنن البيهقي ج 3 ص 134 و 140 و 141 و سنن الدارمي ج 1 ص 354 و مصابيح السنة ج 1 ص 460 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 415 و المصنف ج 2 ص 517 و الأم ج 1 ص 159.
قلت: ركعتين.
قالوا: أسنة أو قرآن؟ !
قلت: كل ذلك سنة و قرآن. صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ركعتين.
قالوا: إنه كان في حرب.
قلت: قال اللّه: لَقَدْ صَدَقَ اَللّٰهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ (1).
و قال: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاٰةِ (2)فقرأ حتى بلغ: فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ (3)» (4).
و من الأمور التي طعن بها الصحابة و المسلمون على عثمان بن عفان (5): أنه أتم الصلاة بمنى و بعرفات، فخالف بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي قصر الصلاة فيهما، و كذلك أبو بكر و عمر، و عثمان نفسه عدة
سنوات أيام خلافته (1).
و قد كان ابن عمر بعد أن يتم خلف عثمان، يعيد صلاته بعد أن يرجع إلى بيته (2)أما ابن مسعود الذي اعترض على عثمان، لفعله ذاك، فإنه عاد فصار يصلي أربعا، بحجة أن الخلاف شر (3)و كذلك تماما كان من عبد
1) راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 126 و 189 و صحيح مسلم ج 2 ص 145 و 146 و الموطأ {مطبوع مع تنوير الحوالك} ج 1 ص 314 و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 103 و نصب الراية ج 2 ص 192 و 187 و سنن النسائي ج 3 ص 120 و 118 و مسند أحمد ج 1 ص 378 و ج 2 ص 148 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 516 و 518 و سنن البيهقي ج 3 ص 136 و 126 و 144 و 153 و سنن أبي داود ج 2 ص 199 و الأم ج 7 ص 175 و ج 1 ص 159 و نيل الأوطار ج 3 ص 249 و المحلى ج 4 ص 270. و راجع: الجامع الصحيح ج 2 ص 228 و 230 و ج 3 ص 229 و كنز العمال ج 8 ص 151 و 152 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 322 و سنن الدارمي ج 1 ص 354 و ج 2 ص 55 و 56 و أنساب الأشراف ج 5 ص 39، و الكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و الغدير ج 8 ص 99 فما بعدها.
2) المحلى ج 4 ص 270 و الموطأ {مطبوع مع تنوير الحوالك} ج 1 ص 164.
3) الأم ج 1 ص 159 و ج 7 ص 175 و سنن البيهقي ج 3 ص 144 و الغدير ج 8 ص 100 عنهم و صحيح البخاري ج 1 ص 126 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و المصنف ج 2 ص 516 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 104.
الرحمن بن عوف، فإنه ناقش عثمان أولا، ثم تابعه و عمل بعمله أخيرا (1).
و لكن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» وحده الذي أصر على الرفض، فقد روي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان و هو بمنى، فأتى علي، فقيل له: صل بالناس.
فقال: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يعني ركعتين.
قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين-يعني-عثمان-أربعا. فأبى (2).
و لكن معاوية حين قدم حاجا صلى الظهر ركعتين، فجاءه مروان بن الحكم، و عمرو بن عثمان فقالا له: «ما عاب أحد ابن عمك بأقبح مما عبته به.
فقال لهما: و ما ذاك؟ !
قالا: له: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة؟
قال: فقال لهما: ويحكما، و هل كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع أبي بكر، و عمر.
قالا: فإن ابن عمك قد أتمها، و إن خلافك إياه له عيب.
1) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 302 و أنساب الأشراف ج 5 ص 39 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 140 و الغدير ج 8 ص 98-102 عنهم.
2) المحلى ج 4 ص 270 و حاشية ابن التركماني على سنن البيهقي مطبوعة بهامش السنن ج 3 ص 144، و الغدير ج 8 ص 100.
قال: فخرج معاوية إلى العصر، فصلاها بنا أربعا» (1).
و قال ابن عباس، بعد أن ذكر صلاة عثمان شطرا من خلافته قصرا: «ثم صلاها أربعا، ثم أخذ بها بنو أمية» (2).
قد ذكروا أعذارا كثيرة للخليفة، و نحن نختار منها نموذجا، و نحيل القارئ في الباقي إلى المصادر فنقول:
1-لقد اعتذر الخليفة نفسه بأنه إنما فعل ذلك لأنه تأهل بمكة لما قدمها (3).
و قال العسقلاني: «هذا الحديث لا يصح لأنه منقطع، و في رواته من لا يحتج به، و يرده الخ. .» (4).
و يرده أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يسافر بزوجاته، و يقصر (5).
1) مسند أحمد ج 4 ص 94 و مجمع الزوائد ج 2 ص 156 و عن أحمد و الطبراني، و قال: رجال أحمد موثقون.
2) الغدير ج 8 ص 101 و كنز العمال ج 8 ص 154 عن عبد الرزاق و الدارقطني.
3) فتح الباري ج 2 ص 470 عن أحمد و البيهقي و مسند أحمد ج 1 ص 62 و أنساب الأشراف ج 5 ص 39 و مجمع الزوائد ج 2 ص 156 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 322 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و زاد المعاد ج 1 ص 129 و فيه: أنه كان قد تأهل بمنى، و أحكام القرآن ج 2 ص 254.
4) فتح الباري ج 2 ص 470.
5) راجع المصدر السابق.
و قال العلامة الأميني: «ما المسوغ له ذلك، و قد دخل مكة محرما؟
و كيف يشيع المنكر، و يقول: تأهلت بمكة مذ قدمت؟ و لم يكن متمتعا بالعمرة-لأنه لم يكن يبيح ذلك أخذا برأي من حرمها كما يأتي تفصيله- حتى يقال: إنه تأهل بين الإحرامين، بعد قضاء نسك العمرة، فهو لم يزل كان محرما من مسجد الشجرة، حتى أحل بعد تمام النسك بمنى» . .
إلى أن قال: «و قد صح من طريق عثمان نفسه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قوله: «لا ينكح المحرم، و لا ينكح، و لا يخطب» (1).
ثم ذكر «رحمه اللّه» نصوصا أخرى: حول عدم جواز التزوج حال الإحرام فلتراجع (2).
هذا بالإضافة: إلى أنه لا معنى للحكم بالإتمام للمسافر إذا تزوج امرأة في بلد ما لأن المرأة هي التابعة للرجل و ليس العكس.
و لو كان حكم عثمان الإتمام لأنه تزوج امرأة هناك، فلماذا يتم سائر الناس الذين يأتمون به؟ ! و لماذا يصر على علي «عليه السلام» بالإتمام حينما أراده على الصلاة مكانه؟ !
و لماذا يصرون على معاوية بالعمل بسنة عثمان، ثم يستمر بنو أمية على
1) ذكر في الغدير ج 8 ص 104، المصادر التالية: الموطأ ج 1 ص 321 و في طبعة أخرى 254 و الأم ج 5 ص 160 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 64 و 65 و 68 و 73 و صحيح مسلم ج 1 ص 935 و سنن الدارمي ج 2 ص 38 و سنن أبي داود ج 1 ص 290 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 606 و سنن النسائي ج 5 ص 192 و سنن البيهقي ج 5 ص 65 و 66.
2) الغدير ج 8 ص 104 و 105.
ذلك؟ !
و لماذا يصلي ابن مسعود و عبد الرحمن بن عوف بأصحابه تماما، لأن الخلاف شر؟ !
و لماذا؟ . و لماذا؟ ! . .
2-و ثمة عذر آخر، و هو أنه إنما أتم في منى و عرفة، لأنه كان له مال بالطائف (1).
و هو اعتذار لا يصح أيضا، لأن وجود ملك أو دار في مكة فضلا عن الطائف لا يوجب الإتمام. و قد قصر الصحابة الذين حجوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يأمرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإتمام، و لا أتموا بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
هذا بالإضافة إلى أن الذين ائتموا به لم يكن كلهم لهم أملاك هناك.
و لماذا يصر هو على علي «عليه السلام» ، و يصر بنو أمية على الإتمام بعد ذلك؟ ! و لماذا؟ ! و لماذا؟ !
3-و اعتذر أيضا بأنه خاف أن يظن أهل اليمن و الأعراب المقيمون: أن الصلاة للمقيم ركعتان (3).
1) أنساب الأشراف ج 5 ص 39 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 322 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 140 و سنن أبي داود ج 2 ص 199.
2) الأم ج 1 ص 165 و سنن البيهقي ج 3 ص 153.
3) راجع: أنساب الأشراف ج 5 ص 39 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 322 و زاد المعاد ج 1 ص 129 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و الكامل في التاريخ ج 3-
و لكن هذا العذر غير مقبول أيضا، إذ قد كان يمكن تعليم الناس على الحكم الشرعي بأسلوب آخر.
كما أن هذا الفعل قد يوجب أن يظن أهل اليمن، و الأعراب: أن الصلاة في السفر أربع ركعات.
أضف إلى ذلك: أن رسول اللّه لم يفكر في تعليم الناس بهذه الطريقة، مع أنه كان يوجد في زمنه أعراب، و كان أهل اليمن يحجون في عهد أسلاف عثمان أيضا.
و قد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مكة، بعد أن صلى ركعتين: «أتموا الصلاة يا أهل مكة فإنا سفر أو قال: يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر» (1).
و روي أن عمر أيضا كان يفعل و يقول ذلك فراجع (2).
4-إن منى أصبحت قرية و صار فيها منازل، فتأول عثمان أن القصر إنما هو في حال السفر (3).
(3) -ص 103 و سنن أبي داود ج 2 ص 200 و سنن البيهقي ج 3 ص 144 و نيل الأوطار ج 2 ص 260 و كنز العمال ج 8 ص 152 عن البيهقي و ابن عساكر و الغدير ج 8 ص 100 و المصنف ج 2 ص 518.
و نقول: معنى هذا: أن عثمان كان لا يعرف حكم القصر، و أنه كان يظن أن القصر إنما يجب في حال المشي في الصحراء فقط، فإذا بلغ المسافر قرية و نزل فيها، فإنه يتم حينئذ، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قصر في مكة نفسها، و قد كانت مكة بلدا كبيرا و معمورا أكثر من منى و عرفات بمراتب.
5-إنه أقام بها ثلاثا و المقيم يتم (1).
و هو عذر واه إذ إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أقام في مكة ما يقرب من عشرة أيام، و لم يزل يصلي فيها قصرا (2).
6-إنه كان قد نوى الإقامة بعد الحج، و الاستيطان بمنى و اتخاذها دار الخلافة ثم بدا له بعد ذلك (3).
و على حسب نص آخر: أنه قد نوى الإقامة بعد الحج (4).
و الجواب عن ذلك: أولا: ما قاله العسقلاني من أن سنده مرسل.
ثانيا: إن الإقامة في مكة على المهاجرين حرام (5).
ثالثا: و لو صح ذلك أيضا، فلماذا يتم سائر الناس؟ .
و لماذا يقتدي به الأمويون؟
و لماذا يصر هو على علي «عليه السلام» بالإتمام؟ !
و لما ذا كان قصر معاوية عيبا له، و لماذا؟ و لماذا؟ !
7-إن الإمام حيث نزل فهو عمله و محل ولايته، فكأنه وطنه (1). و الأسئلة الآنفة الذكر آتية هنا. هذا بالإضافة إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان إمام الخلائق، فلماذا لم يتم؟ ! (2).
و قد قصر أبو بكر و عمر، و عثمان نفسه شطرا من ولايته.
8-إن التقصير في السفر رخصة لا عزيمة (3)كما اعتذر به المحب الطبري.
و نقول: أولا: إن ذلك لا يصح، بسبب ورود أحاديث كثيرة دالة على أن التقصير في السفر حكم إلزامي، و لا يجزي الإتمام عنه، بل لا بد من إعادة الصلاة لو صلى تماما في موضع القصر عمدا (4).
ثانيا: لو كان ذلك رخصة فلماذا يصر عثمان على الإتمام، حينما طلب من علي أمير المؤمنين أن يصلي بالناس؟ ! و لماذا يصر الأمويون بعد ذلك على العمل بسنة عثمان، و ترك سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
ثالثا: لماذا يصر عثمان على الإتمام في هذا المورد بالذات، دون سائر
الأسفار؟ .
و لماذا ينكر عليه الصحابة ذلك، و يعترضون عليه فيه؟ !
و لماذا لم يعتذر هو بهذا العذر لهم بالذات ليسكتهم عنه؟ ! بل اعتذر عن ذلك بأنه رأي رآه (1).
قد تخيل البعض أن القصر في السفر رخصة، و لعل منشأ فهمهم هذا هو أن الآية قد قررت ذلك بعبارة: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا (2).
قال العامري: «ظاهرها يدل على أن رخصته مشروطة بالخوف، و دلت السنة على الترخيص مطلقا. .
إلى أن قال: ثم لا يبعد أن يبيح اللّه الشيء في كتابه بشرط، ثم يبيحه على لسان نبيه بانحلال ذلك الشرط، الخ. .» (3).
و قد قال بعض الفقهاء: بأن التقصير رخصة، فراجع (4).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 322 و الغدير ج 8 ص 101 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 140 و البداية و النهاية ج 7 ص 154 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و 104.
2) الآية 101 من سورة النساء.
3) بهجة المحافل ج 1 ص 227.
4) راجع كنز العرفان ج 1 باب صلاة الخوف، و القصر في السفر، و غير ذلك من كتب الفقه.
و لكن هذا التخيل مردود.
أولا: للأخبار الكثيرة الدالة على أن التقصير في السفر عزيمة و ليس رخصة، و كلام الرسول مفسر للقرآن، و مبين لمعناه، و قد ذكر العلامة الأميني «رحمه اللّه» طائفة منها (1).
ثانيا: لقد كان من الواضح: أن الكثيرين سوف لن تطيب نفوسهم بترك ركعتين من الصلاة، و يرون في هذا الأمر تضييعا للأهداف الإلهية و تساهلا في امتثال أوامره تعالى، فجاء التعبير بلا جناح ليدفع هذا الوهم، و ليطمئنهم إلى أنه لأغضاضة عليهم، لو فعلوا ذلك، و لا نقص و لا حرج فيه.
و قالوا في هذه الغزوة: نزلت آية التيمم (2).
و قيل: بل شرع التيمم في غزوة بني المصطلق.
و قيل: في غزوة أخرى (3).
و نحن نرجئ الحديث عن ذلك إلى غزوة بني المصطلق؛ فإلى هناك.
و هذا الفصل يتعلق ببعض ما يقال: إنه حصل في ذات الرقاع، و هي الأمور التالية:
1-إلقاء الأضواء على قضية شراء النبي «صلى اللّه عليه و آله» جملا من جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و ذلك في طريق العودة من هذه الغزوة، و ظهور كرامة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنسبة لاستعادة ذلك الجمل قوته، بعد أن كان في آخر الركب.
ثم سوغ «صلى اللّه عليه و آله» جابرا الجمل و ثمنه. بالإضافة إلى حديث جرى بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و جابر في طريق العودة إلى المدينة. . ثم إلقاء الأضواء على القيمة الحقيقية لهذين الحدثين بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال.
2-ثم نتحدث عن قضية أخرى لجابر مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ترتبط بقضاء دين كان على عبد اللّه والد جابر، و هي قضية مثيرة و قد تحدثنا عن بعض دلالاتها الهامة بصورة موجزة أيضا.
3-و نذكر أيضا ما قاله النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة، حينما جاء رجل بفرخ طائر، فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي
الذي أخذ فرخه، و ألقينا الأضواء على هذه الحادثة حسبما اقتضته المناسبة.
4-ثم تكلمنا عن قصة أخرى يقال: إنها حدثت في هذه الغزوة حيث جاءت أعرابية إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بابن لها، ليعالجه، فاستجاب «صلى اللّه عليه و آله» لطلبها، مع إلماحة إلى بعض دلالات هذه القضية بصورة موجزة أيضا. .
5-ثم نشير إلى قصة أخرى في هذه الغزوة ظهرت فيها كرامة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث أكل أصحابه من ثلاث بيضات نعام، و شبعوا. و البيض في القصعة كما هو، مع إشارة موجزة إلى بعض ما يستفاد من هذا الحدث.
6-و ينتهي بنا المطاف إلى الحديث عن قضية أخرى يقال: إنها قد حدثت في هذه الغزوة، و هي قصة ذلك الجمل الذي جاء يستعدي على صاحبه، فبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تفريج كربه، و حل مشكلته.
7-ثم استطردنا إلى الحديث عن الكرامات و المعجزات و عن لزوم معرفة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بلغات البشر، و ظهر لنا: أن ذلك كله و سواه من التصرفات المتميزة و الملفتة إنما هي مقتضيات طبيعية لقيادته «صلى اللّه عليه و آله» -و كذلك الإمام «عليه السلام» -لمسيرة البشرية نحو كمالها المنشود، و نحو تحقيق الأهداف الإلهية من الخلق كله. .
و قد اقتضى ذلك: أن نشير بصورة موجزة إلى جهات أخرى ترتبط بهذا البحث أو تنتهي إليه؛ فإلى ما يلي من مطالب.
و من اللّه نستمد العون، و القوة، و هو الهادي إلى سواء السبيل.
يقول المؤرخون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في طريقه إلى المدينة اشترى من جابر جملا بأوقية، و اشترط له ظهره إلى المدينة، و استغفر له في الطريق خمسا و عشرين مرة، و في الترمذي سبعين مرة.
زاد ابن سعد: و سأله عن دين أبيه فأخبره به (1).
و تفصيل ذلك: أن جابرا كان على جمل ثقال في سفر، في آخر القوم؛ فمر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: من هذا؟ !
فقلت: جابر بن عبد اللّه.
قال: فما لك؟ !
قلت: إني على جمل ثقال.
قال: أمعك قضيب؟
قلت: نعم.
قال: أعطنيه، فضربه، فزجره؛ فكان من ذلك المكان من أول القوم.
قال: بعنيه.
قلت: بل هو لك يا رسول اللّه.
قال: بل بعنيه؛ فقد أخذته بأربعة دنانير، و لك ظهره إلى المدينة.
فلما قدمت المدينة، قال: يا بلال، اقضه و زده.
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 61.
فأعطاه أربعة دنانير و زاده قيراطا.
قال جابر رضي اللّه عنه: و أعطاني الجمل و سهمي مع القوم (1).
و في لفظ عن جابر قال: دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، فدخلت إليه، فعلفت الجمل في ناحية البلاط، فقلت: يا رسول اللّه، هذا جملك.
فخرج «صلى اللّه عليه و آله» فجعل يطوف بالجمل، قال: الثمن و الجمل لك (2).
و حسب نص آخر قال جابر: «و تحدثت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟
قال: قلت: يا رسول اللّه، بل أهبه لك.
قال: لا، و لكن بعنيه.
قال: قلت: فسمنيه يا رسول اللّه.
قال: قد أخذته بدرهم.
قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول اللّه.
قال: فبدرهمين.
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و راجع دلائل النبوة لأبي نعيم ص 375 و 376 و راجع: الثقات ج 1 ص 258 و 259 و راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 218 و أشار الذهبي إلى قصة الجمل في تاريخ الإسلام. و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 160 و 161 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 107 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 166 و لا بأس بمراجعة صحيح مسلم ج 4 ص 176.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 273.
قال: قلت: لا.
قال: فلم يزل يرفع لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثمنه، حتى بلغ الأوقية.
قال: قلت: فقد رضيت يا رسول اللّه؟
قال: نعم.
قلت: فهو لك.
قال: قد أخذته.
ثم قال: يا جابر، هل تزوجت بعد؟ (1).
قال: قلت: نعم يا رسول اللّه.
قال: أثيبا أو بكرا؟ !
قلت: لا، بل ثيبا.
قال: أفلا جارية تلاعبها و تلاعب؟ .
قال: قلت: يا رسول اللّه، إن أبي أصيب يوم أحد، و ترك بنات له سبعا (2)فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن، و تقوم عليهن.
1) في الواقدي ذكر هذه المحادثة بعد قصة شرائه الجمل منه.
2) في الواقدي: تسع بنات. و في صحيح مسلم ج 4 ص 176: و ترك تسع بنات أو سبع و في شرح بهجة المحافل ج 1 ص 238 تسعا أو ستا و جمع بين هاتين الروايتين بأن منهن ثلاث متزوجات، لم يعدهن في رواية الست و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 381-383 و راجع صحيح مسلم ج 4 ص 177 و 176 و راجع صحيح البخاري ج 2 ص 7 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 238 و شرحه بهامش نفس الجزء و الصفحة.
قال: أصبت إن شاء اللّه أما إنا لو قد جئنا صرارا {موضع على ثلاثة أميال من المدينة} أمرنا بجزور؛ فنحرت و أقمنا عليها يومنا ذاك، و سمعت بنا، فنفضت نمارقها (1).
قال: قلت: و اللّه يا رسول اللّه ما لنا من نمارق.
قال: إنها ستكون؛ فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا.
قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجزور فنحرت، و أقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دخل و دخلنا.
قال: فحدثت المرأة الحديث، و ما قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قالت: فدونك، فسمع و طاعة.
قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ثم جلست في المسجد قريبا منه.
قال: و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرأى الجمل، فقال: ما هذا؟ .
قالوا: يا رسول اللّه، هذا جمل جابر جاء به.
قال: فأين جابر؟
قال: فدعيت له.
قال: يا بن أخي، خذ برأس جملك فهو لك.
و دعا بلالا، فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية.
قال: فذهبت معه، فأعطاني أوقية، و زادني شيئا يسيرا.
1) النمارق: الوسائد الصغيرة.
قال: فو اللّه ما زال ينمى عندي، و يرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة (1).
و في نص آخر: «ثم قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبلي، و قدمت بالغداة؛ فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد، فقال: الآن حين قدمت؟
قلت: نعم.
قال: فدع جملك، و ادخل فصل ركعتين.
قال: فدخلت فصليت ركعتين الخ. .» (2).
ثم ذكر هبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الجمل، و ثمنه له.
و في بعض روايات مسلم عن جابر: أن هذه القضية قد حصلت له، و هم مقبلون من مكة إلى المدينة (3).
إن المراجع لنصوص هذه الرواية يجد: أن فيها العديد من موارد الاختلاف و التناقض، خصوصا فيما يرتبط بقيمة جمل جابر.
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 217 و 218 و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 399-401 و نهاية الأرب ج 17 ص 161 و 162 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 166 و البداية و النهاية ج 4 ص 86 و 87.
2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 382 و صحيح مسلم ج 4 ص 177 و صحيح البخاري ج 2 ص 7 و بهجة المحافل ج 1 ص 238 و 239.
3) بهجة المحافل ج 1 ص 237.
فقيل: اشتراه منه بأوقية (1)و هي أربعة دنانير.
قال الأشخر اليمني: «و هي أكثر الروايات، كما نقله البخاري عن الشعبي» (2).
و قيل: بأوقيتين (3).
و قيل: بثلاث (4).
و قيل: بأربع (5).
و قيل: بخمس (6).
و قيل: بست أواق (7).
و قيل: بثمان مئة درهم (8).
و قيل: بخمسة دنانير (9).
1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و الثقات ج 1 ص 259 و الروض الأنف ج 3 ص 355 و بهجة المحافل ج 1 ص 239.
2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 239.
3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 239.
4) راجع: المصدر السابق.
5) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و الروض الأنف ج 3 ص 355 و بهجة المحافل ج 1 ص 239.
6) راجع: المصادر الثلاثة المتقدمة.
7) بهجة المحافل ج 1 ص 239.
8) المصدر السابق.
9) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و الروض الأنف ج 3 ص 355.
و قيل: بدينارين و درهمين (1).
و قيل: بعشرين دينارا (2).
و حملها البعض على أنها كانت دنانير صغارا (3).
و قيل: بأربعة دنانير، بعد أن أعطاه درهما ممازحا له (4).
و هذا القول الأخير: لا ينافي القول بأنه اشتراه بأوقية، لأن ذلك في معنى الأوقية (5).
و الروايات تصرح: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» زاد جابرا على ثمن جمله.
و تصرح بعض الروايات: بأنه قد زاده قيراطا.
فقال جابر: «لا تفارقني زيادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فحفظه حتى أصيب منه يوم الحرة، ففيه التبرك بآثار الصالحين» (6).
قيل: إن قصة جمل جابر قد كانت في غزوة ذات الرقاع حسبما تقدم.
و بعض الروايات تقتصر على القول بأنها كانت في رجوعه من مكة إلى المدينة (1).
و قيل: كانت في رجوعه من غزوة تبوك (2)، و هي متأخرة عن غزوة ذات الرقاع.
و قد يناقش في ذلك: بأن سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» له عن كونه قد تزوج أو لا، و اعتذاره لتزوجه ثيبا بأنه قد لاحظ حال أخواته، اللواتي تركهن له أبوه المستشهد في أحد يدل على أنه إنما تزوج بعد مقتل أبيه في أحد، و لم يؤخر ذلك إلى غزوة تبوك.
إلا أن يقال: إنه قد يكون تزوج أكثر من مرة، و تكون مشكلة أخواته موجودة في المرتين، أو يكون قد تأخر زواجه طيلة هذه المدة، و إن كان ذلك بعيدا.
و إننا حين نراجع قصة جمل جابر، فإننا نجد فيها: 1-ملامح غنية من الخلق الرفيع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لما انطوت عليه من لطف ورقة، و محبة و أريحية ظاهرة، تظهر لنا: أن علاقاته «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه إنما كانت من منطلق الحب و العطف و الصفاء و المودة، مع إجلال منهم له و إكبار، و تقديس.
2-إننا نجد الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» في هذه القصة-كما
هو في غيرها-يعيش آلام الآخرين، و يشاركهم الشعور بها. و قد كان والد جابر بن عبد اللّه قد استشهد في حرب أحد، و أصبح جابر هو المسؤول عن الأسرة بعد أبيه، و كان عليه أن يختار للزواج امرأة تستوعب و تتفهم الواقع الذي استجد نتيجة لذلك، و تشاركه في معالجته بأحسن وجه و أتمه.
و قد ظهرت رقة حال جابر، من الجهة المالية و المعيشية، في أن الجمل الذي أعده لهذه الأسفار البعيدة و الشاقة كان من الضعف بحيث أصبح في آخر الركب.
و لم يكن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالذي يغفل عن تفقد حال أصحابه، و الوقوف عليها عن كثب ليشاركهم حياتهم حلوها و مرها.
و ها هو يجد جابرا على جمله الضعيف المكدود في آخر الركب.
3-إن من الملاحظ: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كان يسير مع الناس، و في أواخرهم أحيانا، فيعرف حال أصحابه في مسيرهم ذاك بصورة أتم و أوفى. و لم يكن ليقتصر على حملة الأخبار إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان يندفع للتعرف على الأمور بنفسه، و من دون أي وسائط، ربما تؤثر التوجهات السياسية و الارتباطات الاجتماعية و غيرها على مستوى دقتهم، و استيعابهم لسائر الخصوصيات التي يكون الوقوف عليها مفيدا بل و ضروريا في كثير من الأحيان.
هذا كله: لو فرض أن هؤلاء النقلة على درجة من الحيطة الدينية و الورع و الصفاء، و الوفاء. و قد لا يكون الكثيرون منهم كذلك بالفعل.
4-قد لا حظنا: أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل مع جابر-بأسلوب رضي و سليم-إلى حياته الخاصة، بل و إلى أعماقها، فعرف
السر الذي لأجله أقدم جابر على التزوج بامرأة ثيب.
و عرف ما يعاني منه جابر من ضغط الظروف، و ما يتحمله من مسؤولية نجمت عن فقد أبيه و وجود أخواته السبع.
ثم عرف أيضا: أن جابرا لا يملك شيئا من النمارق، أو غيرها مما يتنعم به المتنعمون.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يترك توصية جابر بأن يعمل عملا كيسا، يتسم بالعقلانية و التدبير.
كما أنه قد أفسح في آماله و طموحاته حينما أخبره: أن حالته لسوف تتغير، و تتحسن من الناحية المعيشية، و لسوف يملك حتى النمارق في المستقبل، و ما عليه من أجل الحصول على ذلك، و الوصول إليه إلا أن يعمل عملا كيسا.
5-إن عرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جابر شراء بعيره بطريقة فيها نوع من المداعبة له، ليفتح قلبه، و ليسقط حواجز الرهبة لديه، إنما أراد أن يجعل منه ذريعة لإيصال مال إليه، يستعين به على مصاعب الحياة، و على إحداث تغيير أساسي فيها، و لكن بطريقة لا تبقي مجالا للتساؤل و لا للاعتراض من أحد، بخلاف ما لو بادر إلى تقديم هذا المال إلى جابر دون مبرر ظاهر.
6-و لا نريد أن نترك الحديث عن هذه القضية دون الإلماح إلى أن ذلك يعطينا درسا دقيقا و رائعا عن طبيعة العلاقات التي تربط بين القائد و الرعية؛ فهي ليست علاقات السيد و المسود، و الأمير و المأمور، أو القوي و الضعيف أو ما إلى ذلك.
و إنما هي علاقات الإنسان بالإنسان من خلال الإحساس بالمسؤولية
و الواجب الإلهي و الإنساني.
و نزيد ذلك توضيحا حين نقول: إن سلوك النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا من جهة ذاته ليس تواضعا منه و لا هو إحسان و تفضل فقط، و إنما هو مقتضى إنسانيته الكاملة و هو عمل بواجبه الإلهي، و الإنساني، و إن كان من جهة قياسه بما هو خارج عن مقام ذاته يعد من التواضع و الإحسان و التفضل في أعلى درجاتها، و أوضح تجلياتها.
وفقنا اللّه للسير على هدى النبوة، و التأسي برسوله الأكرم الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .
قال الواقدي: و حدثني إسماعيل بن عطية بن عبد اللّه بن أنيس، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه، قال:
لما انصرفنا راجعين (1)فكنا بالشّقرة، قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا جابر ما فعل دين أبيك؟ !
فقلت: عليه، انتظرت يا رسول اللّه أن يجذّ نخله.
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إذا جذذت فأحضرني.
قال: قلت: نعم.
ثم قال: من صاحب دين أبيك؟
فقلت: أبو الشحم اليهودي له على أبي سقة {جمع وسق} تمر.
1) أي من غزوة ذات الرقاع.
فقال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فمتى تجذها؟
قلت: غدا.
قال: يا جابر، فإذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، و ألوان التمر على حدتها.
قال: ففعلت، فجعلت الصيحاني على حدة، و أمهات الجرادين على حدة، و العجوة على حدة، ثم عمدت إلى جماع من التمر، مثل نخبة، و قرن، و شقحة، و غيرها من الأنواع، و هو أقل التمر، و جعلته حبلا واحدا، ثم جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فخبرته، فانطلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه علية أصحابه، فدخلوا الحائط و حضر أبو الشحم.
قال: فلما نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى التمر مصنفا، قال: اللهم بارك له.
ثم انتهى إلى العجوة؛ فمسها بيده و أصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: ادع غريمك. فجاء أبو الشحم.
فقال: اكتل.
فاكتال حقه كله من حبل واحد و هو العجوة، و بقية التمر كما هو.
ثم قال: يا جابر، هل بقي على أبيك شيء؟
قال: قلت: لا.
قال: و بقي سائر التمر؛ فأكلنا منه دهرا، و بعنا، حتى أدركت الثمرة من قابل، و لقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما كان على أبي من الدين الخ. . (1).
1) مغازي الواقدي ج 1 ص 401 و 402.
و في وقفة قصيرة مع هذا الحدث نلمح باختصار شديد إلى النقاط التالية: 1-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا ينسى أولئك الصفوة الأبرار، الذين استشهدوا في سبيل اللّه سبحانه، فيسعى لحل العقد و المشكلات التي ربما تكون لا تزال عالقة، و بحاجة إلى حل.
فها هو يريد إبراء ذممهم من حقوق الناس و ديونهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، لكي تطيب سمعتهم و يذكرهم الناس بالإجلال و الإكبار، و من دون أي حزازة، أو غضاضة.
ثم لتطيب نفوس أبنائهم، و أقاربهم، و يزول شعورهم بالحرج أمام الناس و في أنفسهم، حتى يواجهوا انفراجا في حالتهم المعيشية، التي تتسم بشيء من الضيق و الصعوبة.
2-رغم أن ذلك الدائن لعبد اللّه والد جابر كان رجلا من اليهود، إلا أننا لم نجد ترددا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمر إرجاع المال إليه، و لا أخذ بنظر الاعتبار مواقف اليهود الحاقدة على الإسلام و على المسلمين، و مؤامراتهم و كيدهم، و التي كان و لا يزال هو و المسلمون يعانون منها.
و قد يكون من أسباب ذلك-بالإضافة إلى أن هذا هو حكم الإسلام، و هذه هي أخلاقياته، حتى مع أعدى أعدائه، و هو ينطلق في ذلك مما يملكه من قيم و مبادئ إنسانية و إلهية سامية و مقدسة-هو:
أنه يريد بذلك أن يقيم حركة التعامل فيما بين الناس على أسس و ضوابط ثابتة، يمكن للناس أن يعتمدوا عليها، و يرجعوا إليها و أن يطمئنوا إلى هذا الثبات فيها ليمكنهم التحرك الفاعل و المؤثر بالفعل،
و التخطيط لبناء الحياة في المستقبل. إذ بدون هذا الثبات، و من دون وضوح ضوابط التعامل، فإن الحياة تصبح قلقة، و غير مشجعة على القيام بمبادرات ذات طابع حيوي و شمولي.
3-إن والد جابر قد استشهد في حرب أحد، و كانت هذه القضية قد جرت حين رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة ذات الرقاع التي كانت بعد الحديبية، حسبما أثبتناه فيما سبق.
و معنى ذلك هو: أنه قد مضت عدة سنوات، و لم يستطع جابر أن يقضي دين أبيه، و لعله قد قضى شطرا من ذلك الدين في السنوات و المواسم السابقة.
نعم، تمضي عدة سنوات، و لا ينسى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الدين، الذي لم يستطع جابر أن يتخلص منه، و لم تسنح الفرصة بعد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا للمبادرة إلى ذلك!
4-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل أن يكون وفاء دين عبد اللّه من نفس النخلات التي كانت له، و لم يبادر إلى تقديم أية ضمانة في أن يتم وفاؤها من بيت مال المسلمين. إذ إن عبد اللّه كان قد استفاد من ذلك المال، ولديه ما يمكن الاعتماد عليه في وفاء ذلك الدين. و استشهاده لا ينقل هذا الحق عن ماله ليصبح حقا على بيت مال المسلمين.
5-إن طريقة وفاء دين عبد اللّه قد أخذت صفة الكرامة الإلهية من اللّه لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما ظهرت البركة في التمر، حتى ليقول جابر، بعد أن استوفى ذلك اليهودي حقه من خصوص العجوة التي هي أفضل أنواع التمر:
«و بقي سائر التمر؛ فأكلنا منه دهرا و بعنا، حتى أدركت الثمرة من قابل، و لقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما كان على أبي من الدين» .
6-و نلفت النظر هنا إلى أن طريقة تعامل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع هذه القضية تشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخطط لإظهار هذا الأمر، بطريقة تجسيد الواقع. حيث نجد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطط ليكون الحدث في البستان نفسه، و لم يقنع بأن يؤتى بالثمرة إلى البيت.
ثم هو يأمره بتقسيم التمر كل قسم على حدة.
ثم هو يلمس العجوة بيده الشريفة، و كذا سائر الأنواع.
ثم يجلس في وسط التمر. .
بالاضافة إلى: أنه لا يأتي وحده، بل يأتي و معه علية أصحابه، و ليس خصوص الأشخاص العاديين منهم. ثم يشهد الجميع هذا التكريم لجابر، و يشهدون هذه الكرامة الإلهية التي أظهرها اللّه على يد رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .
إلى غير ذلك من دروس و عبر يمكن استفادتها من هذا الحدث. فصلى اللّه على رسوله و على الأئمة الميامين من آله و سلم تسليما كثيرا.
و في هذه الغزوة أيضا جاء رجل بفرخ طائر فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه، فعجب الناس من ذلك.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أتعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه،
فطرح نفسه رحمة لفرخه. و اللّه، لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه (1).
و ما يلفت في هذه الرواية-على تقدير صحتها، و لا نرى داعيا للوضع فيها-هو أننا نجده «صلى اللّه عليه و آله» يستفيد حتى من مناسبة كهذه ليقوم بدوره في تعريف أصحابه على أمر يلزمهم أن يعرفوه بعمق و صفاء. و ذلك من خلال الاستفادة من أسلوب التجسيد الظاهر للحقيقة التي يراد اطلاعهم عليها، و إقناعهم بها. حيث يكون ذلك أوقع في النفس مما لو اكتفى بأسلوب التعليم النظري و المجرد، خصوصا إذا أدركنا: أن هذا التجسيد قد ترك أثره النفسي فيهم، و أثار فيهم انفعالات ظهرت على شكل تعجب من رحمة ذلك الطائر بولده، فكان لا بد من الاستفادة من هذه الحالة النفسية و توظيفها لصالح الإدراك الشعوري بالحقيقة التي يراد لهم لمسها، بروحهم و بمشاعرهم بالدرجة الأولى، ثم بعقلهم في مرحلة لاحقة.
و روي: أنه في هذه الغزوة جاءت امرأة بدوية بابنها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت له: يا رسول اللّه، هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان، ففتح فاه فبزق فيه، و قال: اخسأ عدو اللّه أنا رسول اللّه.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لها: شأنك بابنك، لن يعود إليه
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 274 و المغازي للواقدي ج 1 ص 398 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 165 و البداية و النهاية ج 4 ص 86 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 379.
شيء مما كان يصيبه. فكان كذلك (1).
و ذكرت هذه القصة في غزوة المريسيع أيضا (2)التي ستأتي في حوادث السنة السادسة.
و نقول: 1-إن هذه الأعرابية قد جاءت بولدها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليداويه لها. منساقة في ذلك بدافع من إحساسها الفطري بما لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قداسة و طهر، و كرامة على اللّه سبحانه، و بأنه مصدر للبركات و الكرامات.
و قد استجاب «صلى اللّه عليه و آله» لها، و عالج ولدها بطريقة تكرس هذا الشعور لديها، ولدى كل من حضر و عاين ما يجري، حيث تفل في فم ولدها، و أخبرها بالنتيجة بصورة قطعية.
و ذلك يكذب ما يريد البعض أن يدعيه من أنه صلى اللّه عليه و آله مجرد طارش و رسول، أبلغ الناس رسالة و انتهى، و لا شيء سوى ذلك.
ثم يقولون: إن القداسة إنما هي لرسالته و ليست له، فلا داعي للغلو فيه، و لا للتبرك بآثاره.
2-إن ذلك يشير أيضا: إلى أن على الناس أن يعوا: أن للأمور المعنوية و الروحية دورها في دفع البلايا التي يتعرض لها الإنسان كما أن عليهم أن يؤمنوا بأن ما يعتري الإنسان من أعراض و أمراض، ليس كله ناشئا عن
تحولات مادية فيه، و لا يمكن تفسيره كله على هذا الأساس. فإن هناك قوى خفية تشارك أيضا في التأثير في حياة الإنسان و في سلامته. و إن معالجة آثار تصرفاتها لا يكون من خلال الوسائل المادية في أحيان كثيرة، بل لا بد من وسائل أخرى قد لا يؤمن بها كثير من الماديين.
و يذكر المؤرخون في حوادث هذه الغزوة: أن رجلا جاء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بثلاث بيضات من بيض النعام، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لجابر: دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات.
قال جابر: فعملتهن، ثم جئت بهن في قصعة، فجعلنا نطلب خبزا، فلم نجد، فجعل «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز، حتى انتهى كل إلى حاجته، أي إلى الشبع، و البيض في القصعة كما هو (1).
و ذكرت هذه القصة في غزوة المريسيع (2).
و نقول: و فيها أيضا: كرامة ظاهرة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و ربما يكون ظهور هذه الكرامات ضروريا من أجل أن لا يغتر المسلمون بأنفسهم، فيرون: أن ما يحققونه من انتصارات على أعدائهم، ثم ما يحصلون عليه من مكاسب، مادية، و معنوية، و شوكة، و نفوذ، على مستوى المنطقة بأسرها، إنما كان بالدرجة الأولى بسبب هذه الألطاف الإلهية، التي يشملهم اللّه بها، و ليس التأثير مقتصرا
على قدراتهم الذاتية، و حسن تدبيرهم في الاستفادة منها في الوقت المناسب، و في المحيط المناسب.
و من جهة ثانية، فإن من الواضح: أن وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين ظهرانيهم، لا ينبغي أن يؤثر على نوع و مستوى العلاقة التي يجب أن تحكم نظرتهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلا يجوز أن يعتادوا عليه، إلى درجة أن يصبح رجلا عاديا فيما بينهم، بل لا بد من الاحتفاظ بذلك الشعور العفوي لديهم و الذي يؤكد على ارتباطه «صلى اللّه عليه و آله» بالغيب، بالمصدر الأول جل و علا. .
فتأتي هذه الكرامات لتحدث التصحيح في مسار تعاملهم معه و نظرتهم إليه؛ لأن هذا التصحيح ضروري، و لا بد منه، إذا أريد لكل كلمة و موقف منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يحدث الأثر العميق و الدقيق في روح الإنسان، و في مشاعره، و في سلوكه، فضلا عن أن يحدث التغيير الجذري في تكوينه الفكري و العقيدي بصورة عامة.
و لأجل ذلك قلنا: إن ظهور هذه الكرامات كان ضروريا من فترة لأخرى حسبما تقتضيه المصلحة الإيمانية و الإسلامية في مختلف المجالات، و على جميع المستويات. و هذا واضح لا يكاد يخفى على أحد.
و في هذه الغزوة أيضا-كما يقولون-: جاء جمل حتى وقف عنده «صلى اللّه عليه و آله» و رغا، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بأن هذا الجمل يستعديه على سيده، {يزعم: أنه كان يحرث عليه منذ سنين، و أنه أراد
أن ينحره} و قال «صلى اللّه عليه و آله» : إذهب يا جابر إلى صاحبه، فأت به.
قال جابر {رض} : فقلت: لا أعرفه.
قال: إنه سيدلك عليه.
قال جابر: فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه، فجئته به، فكلمه «صلى اللّه عليه و آله» في شأن الجمل (1).
و نقول: قد ذكرت هذه القصة أيضا في غزوة بني المصطلق {المريسيع} (2).
و نحن نسجل هنا النقاط التالية: 1-قد ذكرت هذه الرواية: أن الناس كانوا يحرثون على الإبل في ذلك الزمان و لا ندري مدى صحة ذلك.
2-إن هذه الرواية تؤكد ما ورد في الروايات المتواترة، التي قد تعد بالمئات، و تؤكد على ما للحيوانات من حقوق يلزم مراعاتها، و الالتزام بها. و قد ألف سماحة العلامة الحجة الشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» كتابا قيما لم يطبع بعد، و لنا في هذا المجال كتاب باسم «حقوق الحيوان في الإسلام» فيمكن الرجوع إليه. .
3-قد أوضحت هذه الرواية: و دلت الروايات الكثيرة غيرها على أن
النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف ألسنة الحيوانات عموما. و قد فهم ما قاله الجمل، الذي جاء إليه «صلى اللّه عليه و آله» ليشتكي سيده الذي كان يحرث عليه منذ سنين، و الآن يريد أن ينحره الخ. .
و نجد في كتب الحديث و التاريخ الشيء الكثير مما يتحدث عن كرامات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، منذ ما قبل بعثته، و حتى وفاته، مثل تسليم الحجر و الشجر عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تسبيح الحصى في كفيه.
و كذلك امتثال الشجر أوامره، و شهادته له، و مجيء الشجرة إليه لتظله، و تسلم عليه، و تأمين أسكفة الباب، و حوائط البيت على دعائه، و تسبيح الطعام بين أصابعه.
و إخبار الشاة له بأنها مسمومة و شكوى البعير له قلة العلف، و كثرة العمل.
و شكوى بعض الطيور له «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بيضه أو فراخه، و سجود البعير و الغنم له و تكليم الحمار له، و شهادة الجمل عنده: أنه لصاحبه الأعرابي دون من ادعاه، و سؤال الظبية أن يخلصها لترضع ولدها و تعود، و غير ذلك (1).
و من جهة ثانية: فقد دلت النصوص الكثيرة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف لغات البشر أيضا، و قد تكلم بعدد منها في مناسبات عديدة (2).
1-السؤال الأول: و السؤال الذي يواجهنا بادئ ذي بدء هو: هل إن هذه القضايا و كثيرا غيرها مما زخرت به المجاميع الحديثية و التاريخية، و غيرها، لا بد من تصنيفها في عداد الكرامات و المعجزات، و خوارق العادات، التي تهدف إلى مواجهة الإنسان المكابر أو الشاك بالصدمة التي توصد أمامه كل أبواب التملص و التخلص، و التجاهل للواقع، و دلائله الظاهرة، و أعلامه الباهرة، و حججه القاهرة؟ ! .
أم أن الأمر يتعدى ذلك ليصب في خانة تجلي السنن و النواميس الحقيقية التي تحكم المسار العام فيما يرتبط بتبلور الشخصية القيادية الواقعية في نطاق هيمنة هذه القيادة على المسار الواقعي العام، من خلال تلك النواميس، و على أساسها؟ !
علما بأن ذلك لا يقلل من قيمة تلك الكرامات و المعجزات، بل هو يجليها بصفتها ضرورة حياتية في نطاق الهداية الإلهية التامة على أساس نواميس الواقع و مقتضياته.
2-السؤال الثاني: و ثمة سؤال آخر نعرض له هنا، و هو: أنه إذا كان النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يعرف جميع اللغات؛ فلماذا يصر على مراسلة عظيم فارس، و عظيم الروم و ملك الحبشة، و المقوقس، و غيرهم بخصوص اللغة العربية؟ !
و هل ثمة خلفيات سياسية، أو تشريعية دينية أو غيرها وراء هذا
التمسك باللغة العربية؟ !
و أكثر من ذلك: أننا نجد الإسلام لا يرضى في عباداته، و في موارد معينة أخرى بغير اللغة العربية. فلا تصح الصلاة مثلا باللغات الأخرى، من أي كان من الناس: العربي، و الرومي، و الحبشي، و الفارسي، و غيرهم. فما هو السر و الدافع إلى هذا الإلزام و الالتزام، يا ترى؟ ! .
و نحن في مقام الإجابة على هذين السؤالين، نقدم الحديث و الإجابة على ثانيهما؛ فنقول: 1-الإجابة على السؤال الثاني: إنه يفترض في كل حضارة تستهدف إحداث تغييرات حقيقية و جذرية في المجالات الحياتية المتنوعة من سياسية و اقتصادية، و اجتماعية، و فكرية، و غيرها و حتى في بناء الشخصية الإنسانية، و التأثير و التغيير في مشاعر الإنسان، و أحاسيسه، و عواطفه، فضلا عن خصائصه و مزاياه، و كل وجوده،
نعم. . إنه يفترض في هكذا حضارة أن تفرض على الشعوب و الأمم التي تريد أن تحيا في ظلها هيمنة فكرها، و ثقافتها، و أن تزرع فيها مصطلحاتها و تعابيرها الخاصة بها، ذات الإيحاءات و المداليل المعينة و الهادفة، و تنفذ من خلال هذه المصطلحات و على أساس ذلك الفكر، و بروافد من تلك الثقافة إلى مناطق اللاوعي في الأحاسيس و المشاعر، و في القلوب و الضمائر لتلك الأمم و الشعوب. و تتغلغل في أعماقها؛ لتصبح جزءا لا يتجزء من وجودها، و من شخصيتها، و من كيانها العتيد.
بل لقد رأينا: أنه حتى الدول لا تألو جهدا في فرض لغتها، و عاداتها، و مفاهيمها على الشعوب التي تهيمن عليها.
و إذا كان اللّه سبحانه قد أرسل نبيه إلى جميع الأمم فلا بد-و الحالة هذه-من أن تهيمن لغة القرآن، و ثقافة الإسلام و الإيمان على العالم بأسره. لأن القرآن كتاب العالم، و دستور البشرية جمعاء، و لعل هذا هو الذي يفسر لنا بعض ما ورد في الحث على تعلم اللغة العربية و تعليمها فراجع.
2-الإجابة على السؤال الآخر: أما الإجابة على السؤال الآخر، و هو أول السؤالين المتقدمين، فإننا نقول:
الأول: من الواضح: أن هناك معجزات قد ظهرت للنبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و للأنبياء السابقين، و كذلك للأوصياء، حينما كانوا يواجهون التحدي الوقح من أهل الشرك و العناد؛ بحيث لو لم تظهر المعجزة، أو الكرامة لاستطاع أولئك الشياطين أن يثيروا الشبهات المضعفة للدعوة؛ و الموجبة لزعزعة درجة الطمأنينة و الوثوق لدى كثير ممن آمن بها و اطمأن إليها، أو يحدث نفسه بذلك.
فتأتي المعجزة لتثبت أولئك، و تشجع هؤلاء، و لتسحق أيضا كبرياء المستكبرين، و تكسر شوكتهم، و يكون بها خزي المعاند، و بوار كيد الماكر و الحاقد.
الثاني: و ثمة معجزات و كرامات، و خوارق عادات أكرم اللّه بها أنبياءه و أولياءه تشريفا لهم، و تجلة و تكريما، و إعزازا لجانبهم. و قد يستفيد منها
المؤمن القوي سموا و رسوخ قدم في الإيمان، و يتثبت بها ضعيف الإيمان، فيزداد بصيرة في الأمر، و تسكن نفسه، و يطمئن قلبه، على قاعدة قوله تعالى: قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (1).
و على قاعدة: سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا (2).
الثالث: ذلك القسم الذي ظهر فيه: أنه يتعامل فيه مع المخلوقات من موقع المدبر، و الراعي، و الحافظ لها، من موقع أنها جزء من التركيبة العامة، حيث لا بد من التعامل معها على هذا الأساس.
و هذا القسم الأخير هو الذي يعنينا البحث عنه هنا.
فنقول: إن اللّه سبحانه قد أراد لهذا الإنسان أن يدخل إلى هذا الوجود، ليقوم بدور هام فيه. و قد اختار اللّه له هذه الأرض ليتحرك عليها، و ينطلق فيها و منها.
و كان عليه أن يستفيد مما خوله اللّه إياه من طاقات و إمكانات لإعمارها، و بث الحياة فيها، بل و الهيمنة و التسلط على كل ما في هذا الكون، و تسخيره، و الاستفادة مما أودعه اللّه فيه من طاقات و قدرات، من خلال تفعيل نواميسه الطبيعية و إثارة دفائنه و كوامنه و توظيفها في مجالات البناء الإيجابي، و الصحيح، الذي يسهم في إسعاد هذا الإنسان، و في تكامله،
و نموه المطرد في مختلف جهات وجوده، حتى في جوانبه النفسية و الروحية، و الفكرية، و العقيدية، فضلا عن النواحي الأخرى، من اجتماعية و اقتصادية و غيرها.
كل ذلك وفقا للخطة المرسومة في نطاق التربية الربانية، و الإعداد و المواكبة المستمرة لهذا الإنسان في تحركه نحو الأهداف الإنسانية و الإلهية السامية و النبيلة العليا، و هو دائب الكدح إلى اللّه، و من أجله و في سبيله، لا غير، و ليس إلا.
يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ. . (1).
و لكي يتضح ما نرمي إليه بصورة أوفى و أصفى، نذكر هنا آيات قرآنية أشارت إلى أن جميع ما في هذا الكون مسخر للبشر.
و آيات أخرى، تتحدث عن وجود درجة من الشعور و الإدراك لدى المخلوقات، من حيوانات و غيرها.
بالإضافة إلى نماذج من التعامل الإيجابي و آفاقه، و ما يترتب على ذلك، فنقول:
لقد أشارت الآيات القرآنية إلى تسخير الموجودات للإنسان، و يتضح ذلك بالتأمل في الآيات التالية:
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ اِسْتَعْمَرَكُمْ فِيهٰا. . (2).
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً. . (1).
وَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ. . (2).
. . وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْأَنْهٰارَ، وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهٰارَ، وَ آتٰاكُمْ مِنْ كُلِّ مٰا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا. . (3).
وَ هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهٰا. . (4).
ثم إن الإنسان يريد أن يتعامل مع كون ليس جمادا بقول مطلق، و إنما كل الموجودات فيه تمتلك درجة من الشعور و الإدراك، و إن كنا لا نعرف كنهه و لا حدوده.
و قد تحدث القرآن عن السماوات، و الأرض، و الجبال و الطير و كل الموجودات، بطريقة تركز هذا المعنى، و تدفع أي تشكيك أو ترديد فيه. فلنقرأ معا الآيات التالية:
قال تعالى مخاطبا نبيه موسى «عليه السلام» : قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ
إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. . (1).
و قال تعالى: إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً (2).
و قال سبحانه عن داود: إِنّٰا سَخَّرْنَا اَلْجِبٰالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرٰاقِ، وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّٰابٌ (3).
و قال في آية أخرى عن داود أيضا: يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ. . (4).
و المراد بالتأويب ترجيع التسبيح على ما يظهر.
و قال تعالى: وَ يُسَبِّحُ اَلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ (5).
و قال: وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ (6).
و قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ اَلسَّمٰاوٰاتُ اَلسَّبْعُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لاٰ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً غَفُوراً (7).
و تسبيح ما في السماوات و الأرض، مذكور في عدة آيات (8).
1) الآية 143 من سورة الأعراف.
2) الآية 72 من سورة الأحزاب.
3) الآيتان 18 و 19 سورة ص.
4) الآية 10 من سورة سبأ.
5) الآية 13 من سورة الرعد.
6) الآية 6 من سورة الرحمن.
7) الآية 44 من سورة الإسراء.
8) راجع: الآيتان 1 و 24 من سورة الحشر و الآية 1 من سورة التغابن و الآية 1 من سورة الصف و الآية 1 من سورة الجمعة و الآية 1 من سورة الحديد.
و قال سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا اَلْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ (1).
و قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ وَ اَلنُّجُومُ وَ اَلْجِبٰالُ وَ اَلشَّجَرُ وَ اَلدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنّٰاسِ (2).
و قال جل و علا: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلطَّيْرُ صَافّٰاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاٰتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ (3).
فكل ما تقدم يشير بوضوح: إلى أن هذه المخلوقات تملك حالة شعورية و إدراكية معينة، و ليست مجرد جمادات أو حيوانات خاوية من ذلك بصورة نهائية.
و هذا ما يفسر لنا: أننا نجد أن اللّه قد تعاطى معها بطريقة تكرس هذا الفهم، و ترسخه، و لا تبقي مجالا لأي تشكيك أو ترديد فيه.
فإذا كان اللّه سبحانه قد سخر المخلوقات لهذا الإنسان، واتضح أن هذه المخلوقات تمتلك صفة الشعور و الإدراك، و لها أعمال عقلانية و مرتبطة بالشعور و مستندة إليه فإننا نذكر هنا نموذجا قرآنيا حيا، و واقعيا لهذا التسخير تجلت فيه طريقته، و أبعاده و مجالاته بصورة ظاهرة. حيث ذكرت
الآيات أن اللّه سبحانه قد سخر الريح، و الطير، و الجبال، و الجن لسليمان و داود «عليهما السلام» . بالإضافة إلى هيمنتهما بدرجة ما على نواميس الطبيعة التي تفيد الهيمنة عليها في تحقيق الغايات التي يتم السعي لها، و التحرك باتجاهها، كما أشار إليه اللّه سبحانه حين تحدث أنه تعالى قد ألان الحديد لداود.
فلنقرأ ذلك كله في الآيات التالية: قال تعالى: . . وَ سَخَّرْنٰا مَعَ دٰاوُدَ اَلْجِبٰالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ وَ كُنّٰا فٰاعِلِينَ، وَ عَلَّمْنٰاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شٰاكِرُونَ، وَ لِسُلَيْمٰانَ اَلرِّيحَ عٰاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلىٰ اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا وَ كُنّٰا بِكُلِّ شَيْءٍ عٰالِمِينَ، وَ مِنَ اَلشَّيٰاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَ كُنّٰا لَهُمْ حٰافِظِينَ (1).
إِنّٰا سَخَّرْنَا اَلْجِبٰالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرٰاقِ، وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّٰابٌ (2).
و قال تعالى عن سليمان: فَسَخَّرْنٰا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخٰاءً حَيْثُ أَصٰابَ، وَ اَلشَّيٰاطِينَ كُلَّ بَنّٰاءٍ وَ غَوّٰاصٍ، وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفٰادِ (3).
و إذا راجعنا سورة النمل، فإننا نجد فيها نماذج فذة عن تعاطي سليمان
و داود مع ما آتاهما اللّه سبحانه في هذا المجال. و أول ما يواجهنا في الحديث عنهما «عليهما السلام» هو أنه تعالى قد وفر لهما الأدوات الضرورية للتعامل مع هذه المخلوقات في نطاق رعايتها و هدايتها و توجيهها. فنجدها تبدأ الحديث بأن اللّه قد آتاهما علما، و علّما منطق الطير، و أوتيا من كل شيء، ثم ذكرت الآيات نماذج تطبيقية لهذا العلم، و للمعرفة بجميع الألسنة، ثم لتأثير ما آتاه اللّه سبحانه في إدارة الأمور، و توجيهها و رعايتها و الهيمنة عليها بصورة حيوية و بناءة و إيجابية، لا تأتي إلا بالخير، و لا تؤدي إلا إلى الفلاح.
. . وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ عِلْماً وَ قٰالاَ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي فَضَّلَنٰا عَلىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ وَ قٰالَ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ، وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ وَ اَلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتّٰى إِذٰا أَتَوْا عَلىٰ وٰادِ اَلنَّمْلِ قٰالَتْ نَمْلَةٌ يٰا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ لاٰ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضٰاحِكاً مِنْ قَوْلِهٰا (1).
ثم تحدثت الآيات عن قصته «عليه السلام» مع الهدهد، و الدور الذي قام به، ثم ما كان من الإتيان بعرش بلقيس، بواسطة ما كان لدى ذلك الآتي به من علم من الكتاب. و أن ذلك قدتم قبل أن يرتد طرف سليمان إليه.
1) الآيات 15-19 من سورة النمل.
و قد أظهرت الآيات المتقدمة كيف تم توظيف كل القدرات المادية و غيرها في تحقيق رضا اللّه سبحانه، و بناء الحياة و تكاملها باتجاه الأهداف الإلهية و وفقا للخطة المعقولة و المقبولة له تعالى. بدءا من قصة تبسم سليمان من قول النملة، مرورا بقصة الهدهد، و الإتيان بعرش بلقيس بتلك الطريقة المثيرة، ثم تنكير عرشها لها، و انتهاءا بأمرها بدخول الصرح الذي حسبته لجة، مع أنه صرح ممرد من قوارير.
و قد تجسد ذلك كله من خلال حاكمية و إمامة سليمان عليه و على نبينا و آله الصلاة و السلام، و رعايته و هدايته التامة و الشاملة.
و قد كانت هذه الهداية و الرعاية مستندة إلى علم آتاه اللّه إياه، و الى إمكانات ذات صفة شمولية: وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . فلم يكن ثمة أي قصور في القدرات الذاتية، فقد علم سليمان منطق الطير، و أوتي من العلم ما يكفيه في مهمته الكبيرة و الخطيرة.
كما أنه لم يكن ثمة نقص في الإمكانات المادية، كما أشرنا. و كان سليمان أيضا يحظى برعاية اللّه تعالى له، و لطفه به، و تسديده و تأييده إلى درجة العصمة.
فلم يبق و الحالة هذه إلا المبادرة إلى القيام بالدور المرصود له في نطاق الاستفادة الواعية و الإيجابية و البناءة من كل المخلوقات المسخرة لهذا الإنسان، و توجيهها لتؤدي دورها في الحياة كاملا غير منقوص. .
و هذا ما حصل بالفعل، فكانت المعجزة الكبرى، و كان الإنجاز العظيم، و هذا ما سوف يتحقق بصورة أكثر رسوخا و شموخا و عظمة في عهد ولي الأمر قائم آل محمد «عليهم الصلاة و السلام» .
إنه ما دام أن المفروض بالإنسان هو أن يتعاطى مع جميع المخلوقات التي سخرها اللّه تعالى له، فقد كان لا بد من أن يخضع تعامله هذا و كذلك تعامله مع نفسه، و مع ربه، و مع كل شيء لضوابط تحفظه من الخطأ و من التقصير، أو التعدي.
و لقصور الإنسان الظاهر، فقد شاءت الإرادة الإلهية، من موقع اللطف و الرحمة أن تمد يد العون له، و هدايته في مسيرته الطويلة المحفوفة بالمزالق و الأخطار هداية تامة تفضي به إلى نيل رضا اللّه سبحانه، و تثمر الوصول إلى تلك الأهداف الكبرى و السامية و تحقيقها، و هي إعمار الكون وفق الخطة الإلهية، التي تريد من خلال ذلك بناء إنسانية الإنسان، و إيصاله إلى اللّه سبحانه، حيث يصبح جديرا بمقامات القرب منه تعالى، حيث الرضوان و الزلفى.
و إذا كان كذلك فإنه يصبح واضحا: أن المثل القرآني الذي يتمثل في تجربة سليمان و داود «عليهما السلام» ، إنما أراد أن يجسد ولو بصورة مصغرة هذه الحقيقة بالذات ليتلمس هذا الإنسان الأهداف الإلهية، و هي تتجسد واقعا حيا، ملموسا، و ليس مجرد خيالات، أو شعارات، أو آمال و طموحات غير عقلانية، و لا مسؤولة.
و هي أيضا تجسد معنى القيادة المطلوبة و الصالحة لتحقيق هدف كهذا، حتى إن طائرا، و هو الهدهد، يضطلع بدور حيوي و في مستوى ملك بأسره، و أحد الحاضرين في مجلس سليمان يأتي بعرش بلقيس-بواسطة العلم الذي عنده من الكتاب-قبل أن يرتد الطرف.
كما أن هذه الشواهد القرآنية، و تلك الكرامات و المعجزات النبوية،
و منها قصة الجمل التي هي مورد البحث، قد رسخت هذه الحقيقة، سواء بالنسبة لدور الإنسان في الكون، و تعاطيه معه، أو بالنسبة إلى حقائق راهنة لا بد أن تأخذ دورها و حقها، و يحسب حسابها على مستوى التخطيط، و على مستوى الممارسة، أو بالنسبة إلى الدور الذي لا بد لهذه القيادة أن تضطلع به، في مقام الرعاية التامة، و الهداية العامة، و ما يتطلبه ذلك من طاقات و من إمكانات، و مواصفات قيادية خاصة و متنوعة، لا تحصل إلا بالرعاية و التربية الإلهية لها، و لا تكون إلا في نبي أو في وصي.
و تصبح معرفة لغات الحيوانات، و الوقوف على كثير من أسرار الخلقة، و نواميس الطبيعة ضرورة لا بد منها لهذه القيادة، التي لا بد أن ترعى، و توازن، و تربي، و تحفظ لكل شيء حقه، و كيانه، و دوره في الحياة. حيث لا بد لها من التدخل المباشر في أحيان كثيرة لحسم الموقف، و لحفظ سلامة المسار.
كما لا بد لها من توجيه الطاقات و الاستفادة منها في الوقت المناسب و في الموقع المناسب، بصورة قويمة و سليمة، كما كان الحال بالنسبة لنبي اللّه داود، و نبي اللّه سليمان عليهما و على نبينا محمد و آله الصلاة و السلام.
و بذلك يتضح: أنه لا بديل عن قيادة المعصوم، إذ أن كل القيادات الأخرى إذا كانت عادلة لن يكون لها أكثر من دور الشرطي الذي ينجح في درء الفتنة حينا، و يفشل أحيانا.
أما إذا كانت قيادة منحرفة، فهناك الكارثة الكبرى، التي عبرت عنها الكلمة المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي «عليه الصلاة و السلام» ، حيث يقول:
«أسد حطوم، خير من سلطان ظلوم، و سلطان ظلوم، خير من فتنة تدوم» (1).
و قد اتضح أيضا: أن وجود الإمام المعصوم في كل عصر و زمان أمر حتمي و ضروري حتى ولو كان غائبا و مستورا، لأن هذا الإمام لسوف يحفظ و يرعى كثيرا من المواقع و المواضع في هذا الكون المسخر للإنسان، التي لو لا حفظها و رعايتها لوقعت الكارثة و لساخت الأرض بأهلها.
و بذلك نعرف السر في أن الروايات قد ذكرت: أنه لو بقيت الأرض بغير إمام، أو لو أن الإمام رفع من الأرض و لو ساعة لساخت بأهلها، و ماجت كما يموج البحر بأهله (2).
و أصبح واضحا معنى الرواية التي تقول: و أما وجه انتفاع الناس بي في غيبتي؛ فكالشمس إذا جللها عن الأنظار السحاب.
و اتضح أيضا: سر معرفة الأئمة بعلوم الأنبياء، و بألسنة جميع البشر، و بألسنة أصناف الحيوان أيضا (3)، إلى غير ذلك من خصائص و تفصيلات في علومهم «عليهم السلام» و في حدود ولايتهم و رعايتهم لهذا الإنسان في هذا الكون الأرحب.
1) البحار ج 75 ص 359 عن كنز الفوائد للكراجكي، و راجع: دستور معالم الحكم ص 170 و غرر الحكم و درر الكلم ج 1 ص 437 و ج 2 ص 784.
2) راجع بصائر الدرجات ص 488 و 489 و الكافي ج 1 ص 179 و 198 و الغيبة للنعماني ص 139 و 138.
3) راجع كتاب بصائر الدرجات ففيه تفاصيل واسعة حول علوم الأئمة «عليهم السلام» في جميع المجالات، و راجع أيضا: البحار للعلامة المجلسي، و الكافي ج 1 و غير ذلك كثير.
كانت حرب أحد قد تمخضت عن نتائج مادية تختلف تماما عن نتائجها المعنوية و السياسية.
فعلى صعيد الخسائر مني المسلمون بخسائر كبيرة، حيث قتل منهم العشرات، حينما خالف الرماة الذين كانوا على فتحة الجبل أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له بالبقاء في أماكنهم، فسنحت الفرصة للمشركين، و أوقعوا بالمسلمين، و قتلوا منهم عددا كبيرا من الناس.
و لكن هذه النتيجة لا تمثل كل الواقع، و لا يمكن اعتبارها معيارا تقاس عليه سائر النتائج، التي تمخضت عنها تلك الحرب، على صعيد الربح و الخسارة و التأثير في الواقع النفسي لكلا الفريقين، ثم في الواقع السياسي و العسكري.
حيث إن النتائج كانت في هذه المجالات لصالح المسلمين، إذ انتهت المعركة بهزيمة حقيقية فاحشة مني بها المشركون في الجهات الثلاث جميعا، أي من الناحية العسكرية، و النفسية، و على صعيد الحالة السياسية في المنطقة بصورة عامة.
غير أن أبا سفيان قد حاول أن يقوم بمبادرة إعلامية جريئة تحفظ
للمشركين بعض هيبتهم، و تعيد إليهم شيئا من معنوياتهم حيث أعلن: أن المعركة التالية، و التي قد تكون هي الحاسمة، سوف تكون بعد عام من تاريخ غزوة أحد.
و قد نسي أو تناسى: أن نفس هذا الإعلان ليس في الحقيقة إلا إعلان فشلهم في تحقيق الأهداف التي كانوا يسعون إلى تحقيقها من خلال خوضهم هذه الحرب.
ثم كانت حركة المسلمين السريعة في مطاردتهم عقب انتهاء غزوة أحد، بمثابة فضيحة مخزية للمشركين، لا سيما و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر أن تكون هذه المطاردة مقتصرة على خصوص جرحى أحد، بقيادة علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .
و بعد مرور نحو عام، و اقتراب الموعد الذي ضربه أبو سفيان كان لا بد من التحرك. و كانت نتيجة هذا التحرك، المزيد من الخزي لأبي سفيان، و كل معسكر الشرك و البغي، و المزيد من العزة و الشوكة للمسلمين، و للإسلام في ظل قيادة نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
فما الذي جرى في بدر الموعد؟ ! و ما الذي نتج عنه؟ .
هذا ما سوف نتعرض له في ما يلي من مطالب. .
يذكر المؤرخون: أن غزوة بدر الصغرى {الموعد} {الثالثة} ، قد كانت في هلال ذي القعدة في السنة الرابعة.
و قيل: في شوال.
و قد غاب فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ست عشرة ليلة.
و المقصود هو: بدر الصفراء، التي كانت سوقا للعرب في الجاهلية. يجتمعون فيها في كل عام لمدة ثمانية أيام، ابتداء من أول ذي القعدة، ثم يفترقون (1).
و قد ربح المسلمون فيها في تجارتهم في سوق بدر، في هذه المناسبة بصورة ملفتة، كما سنرى.
و أما قول موسى بن عقبة: إنها كانت في شوال سنة ثلاث (2)فلا يصح، لأنها كانت لأجل تنفيذ طلب أبي سفيان بعد انتهاء حرب أحد بأن يلتقوا للحرب في بدر، بعد عام. و أحد إنما كانت في السنة الثالثة كما هو معلوم (3).
1) راجع في جميع ما ذكرناه، كلا أو بعضا: مغازي الواقدي ج 1 ص 384 و تاريخ الخميس ج 1 ص 465 و السيرة الحلبية ج 2 ص 275 و سيرة مغلطاي ص 53 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 59 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 204 و نهاية الأرب ج 17 ص 154. و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 229 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و أنساب الأشراف ج 1 ص 339 و التنبيه و الإشراف ص 214 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 169 و 172 و البداية و النهاية ج 4 ص 87 و 89 و 93 و 94 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 388.
2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 275 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 و البداية و النهاية ج 4 ص 89 و الدر المنثور ج 2 ص 101.
3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 و البداية و النهاية ج 4 ص 89.
كما أن الأشبه: أنها كانت في ذي القعدة، أو قبل ذلك لأن أحدا كانت في ذي القعدة، و كان بينهما سنة (1).
و الصحيح: أنها كانت في شعبان كما سيأتي في غزوة الخندق.
يذكر المؤرخون: أن أبا سفيان لما أراد أن ينصرف من أحد نادى: يا محمد، الموعد بيننا و بينكم موسم بدر الصغرى لقابل، إن شئت نلتقي بها فنقتتل.
و عن مجاهد-كما في الوفاء-أنه قال: يا محمد، موعدكم بدر، حيث قتلتم أصحابنا.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب: قل: نعم، إن شاء اللّه. فافترق الناس على ذلك.
ثم يذكر المؤرخون وقائع غزوة بدر الموعد.
و نحن من أجل أن نلمّ بأكثر الخصوصيات التي قيلت في هذه الغزوة و عنها، نجمع شتات كلمات الرواة و المحدثين، و نقلة الأخبار و المؤرخين، و نؤلف بينها، ثم نشير في نهاية ذلك إلى المصادر التي قد يكون فيها أكثر الذي ذكرناه، أو بعضه.
فنقول: لما مضى على أحد ما يقرب من عام، و قرب الموعد الذي ضربه أبو سفيان، كره الخروج و خاف من عواقبه، ثم قر رأيه بعد المشاورة على
1) راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 154.
الخروج شيئا يسيرا، ثم يعود، فخرج في أهل مكة، حتى نزل مجنّة، من ناحية الظهران.
يقال: عسفان. و كان في ألفي رجل، و معهم خمسون فرسا.
و يقول البعض: إنه بعد أن خرج إلى عسفان أو مجنة ألقى اللّه الرعب في قلبه، فبدا له في الرجوع.
فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، و قد قدم معتمرا؛ فطلب منه: أن يلحق بالمدينة، و يثبط المسلمين، و يعلمهم: أن أبا سفيان في جمع كثير، و لا طاقة لهم بهم، و وعده أن يعطيه عشرة-و عند الواقدي: عشرين-من الإبل، يضعها على يدي سهيل بن عمرو، و يضمنها سهيل له. و حمله على بعير.
و مما قاله له، بعد أن ذكر له: أن هذا عام جدب: «قد بدا لي أن لا أخرج إليها، و أكره أن يخرج محمد و لا أخرج؛ فيزيدهم ذلك جراءة؛ فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب الي من أن يكون من قبلي» .
و بعد ضمان سهيل بن عمرو الإبل لنعيم، خرج مسرعا، حتى أتى المدينة؛ فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فسألهم فأخبروه بما يريدون، فقال لهم: «بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم و قراركم، فلم يفلت منكم إلا الشريد، فتريدون أن تخرجوا و قد جمعوا لكم عند الموسم؟ ! و اللّه، لا يفلت منكم أحد» .
و جعل يطوف بهذا القول في أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فكره أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخروج.
و زاد الواقدي قوله: «حتى نطقوا بتصديق قول نعيم، أو من نطق منهم.
و استبشر بذلك المنافقون و اليهود، و قالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع» . حتى بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و تظاهرت به الأخبار عنده، حتى خاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يخرج معه أحد.
فجاء أبو بكر بن أبي قحافة {رض} ، و عمر بن الخطاب {رض} ، و قد سمعا ما سمعا، فقالا: يا رسول اللّه، إن اللّه مظهر دينه، و معز نبيه. و قد وعدنا القوم موعدا، و نحن لا نحب أن نتخلف عن القوم، فيرون. أن هذا جبن منا عنهم؛ فسر لموعدهم؛ فو اللّه، إن في ذلك لخيرة.
فسر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، ثم قال: «و الذي نفسي بيده، لأخرجن ولو وحدي» .
قال عثمان: «لقد رأيتنا و قد قذف الرعب في قلوبنا فما أرى أحدا له نية في الخروج» .
فأما الجبان، فإنه رجع، و تأهب الشجاع للقتال، و قالوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
و استخلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة عبد اللّه بن رواحة (أو عبد اللّه بن أبي سلول) (1)و حمل لواءه الأعظم علي بن أبي طالب، في ألف و خمس مائة رجل. و الخيل عشرة أفراس.
قال الواقدي (2): «فرس لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فرس لأبي
بكر، و فرس لعمر، و فرس لأبي قتادة، و فرس لسعيد بن زيد، و فرس للمقداد، و فرس للحباب، و فرس للزبير، و فرس لعباد بن بشر» .
و خرجوا ببضائع لهم و تجارات.
و قالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و إن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا. فجعلوا يلقون المشركين، و يسألون عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يريدون أن يرهبوا المسلمين.
فيقول المؤمنون: حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
و في نص آخر: قال لهم المنافقون: قد قتلوكم عند بيوتكم، فكيف إذا أتيتموهم في بلادهم، و قد جمعوا لكم، و اللّه لا ترجعون أبدا.
و مهما يكن من أمر، فإنهم لما قربوا من بدر قالوا لهم: إنها امتلأت من الذين جمعهم أبو سفيان، يرعبونهم و يرهبونهم، و نزلت آية: اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ إِنَّ اَلنّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. . (1)فلما بلغوا بدرا و جدوا أسواقا لا ينازعهم فيها أحد (و في الحلبية (2)فأنزل اللّه: اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ. . ). .
و قال مجاهد و عكرمة: في هذه الغزوة نزل قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ. . (3).
و عند أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة حمراء الأسد.
و بلغ المسلمون بدرا ليلة هلال ذي القعدة. و الصحيح في شعبان.
و قد أقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بها ثمانية أيام، ينتظر أبا سفيان.
و باع المسلمون تجاراتهم و بضائعهم في سوق بدر، و أصابوا بالدرهم درهمين.
و قد سمع الناس بمسيرهم، و ذهب صيت جيشهم إلى كل جانب، فكبت اللّه بذلك عدوهم.
و انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
أما المشركون فرأى لهم أبو سفيان أن يخرجوا، فيسيروا ليلة أو ليلتين، ثم يرجعون؛ فإن كان محمد قد خرج احتجوا بأن السنة كانت سنة جدب، و إن لم يخرج كانت هذه لهم عليه.
فخرجوا، و هم ألفان، و معهم خمسون فرسا، حتى انتهوا إلى مجنّة، و هو سوق معروف بناحية الظهران، و قيل: إلى عسفان، ثم رجعوا.
و في نص آخر: أن ابن حمام قدم على قريش، فأخبرهم بمسير المسلمين إلى بدر، فأرعب أبو سفيان، و رجع إلى مكة. فسماهم أهل مكة: جيش السويق. أي خرجوا يشربون السويق.
و بلغ المشركين خروج المسلمين إلى بدر و كثرتهم، و أنهم كانوا أصحاب الموسم، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: نهيتك أن تعد القوم، و لم تسمع كلامي. قد اجترؤوا علينا و رأوا: أنّا قد أخلفناهم، ثم أخذوا بالكيد و التهيؤ لغزوة الخندق.
كانت تلك الصورة مأخوذة من نصوص ذكرت هنا و هناك في المصادر
المختلفة (1)أوردناها في سياق واحد، لتكون الصورة التي يرسمها لنا المؤرخون أكثر انسجاما، و استجماعا للملامح الضرورية التي يريدون توجيه الأنظار إليها.
و قد ذكروا أيضا: أن عبد اللّه بن رواحة، أو حسان بن ثابت قد قال في جملة أبيات له:
وعدنا أبا سفيان وعدا لم نجدلميعاده صدقا و قد كان وافيا (2)
1) راجع في جميع ما تقدم، كله أو بعضه: تاريخ الخميس ج 1 ص 465 و 466 و السيرة الحلبية ج 2 ص 275-277 و حبيب السير ج 1 ص 356 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 59 و 60 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و سيرة مغلطاي ص 53 و حياة محمد لهيكل ص 279 و 280 و مغازي الواقدي ج 1 ص 484-490 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 220 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 203 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و الوفاء ص 690 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 175 و نهاية الأرب ج 17 ص 154 و 155 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 229 و 230 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و أنساب الأشراف ج 1 ص 340 و الثقات ج 1 ص 244 و 245 و التنبيه و الإشراف ص 214 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 169 و البداية و النهاية ج 4 ص 87-89 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 384-388 و الدر المنثور ج 2 ص 101 و 103 و 104 عن عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، و سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن المنذر.
2) راجع: البدء و التاريخ ج 4 ص 214 و أنساب الأشراف ج 1 ص 340 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 221 و مغازي الواقدي ج 1 ص 389 و نهاية الأرب ج 17 ص 156 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 170.
و لنا هنا مناقشات و شكوك في بعض ما ذكروه، كما أن لنا بعض الإيضاحات و التحليلات التي ربما تكون مفيدة هنا، و نحن نذكر ذلك فيما يلي من مطالب، فنقول:
قد تقدم قولهم: إن آية: اَلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مٰا أَصٰابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ إِنَّ اَلنّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزٰادَهُمْ إِيمٰاناً وَ قٰالُوا حَسْبُنَا اَللّٰهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوٰانَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (1). . قد نزلت في مناسبة بدر الموعد؛ لأن المسلمين قالوا ذلك.
و لكننا لا نستطيع قبول ذلك؛ فعدا عن تناقض الروايات في مكان نزولها: في المدينة، أو في الطريق إلى بدر، أو في بدر نفسها، كما تقدم، نسجل الأمور التالية:
الأول: قال العسقلاني، بالنسبة لآية: اَلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِلّٰهِ: «و الصحيح: أن هذه الآية نزلت في شأن حمراء الأسد، كما نص عليه العماد بن كثير» (2).
و قد روى المحدثون و المؤرخون، و المفسرون: أنها نزلت في حمراء الأسد، فراجع ما رووه عن: ابن عباس، و الحسن، و ابن جريج، و عائشة، و أبي السائب، و السدي، و قتادة، و أنس، و من طريق العوفي. و عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد
بن عمرو بن حزم (1).
و روي أيضا عن أبي رافع بطرق كثيرة، و كذا عن أبي مريم.
و عن جابر، عن الإمام الباقر «عليه السلام» : أنها نزلت في علي «عليه السلام» في حمراء الأسد (2).
الثاني: إن سياق الآيات لا يتلاءم مع غزوة بدر الصغرى، فهي تمدح الذين استجابوا للّه و الرسول من بعد ما أصابهم القرح. و ذلك إنما يناسب غزوة حمراء الأسد؛ حيث إن الذين قاموا بها هم خصوص أولئك الذين جرحوا في حرب أحد.
أما في بدر الصغرى، فكان قد مضى عام بكامله على تلك الجراح. و لم يكن في بدر الصغرى نفسها حرب و لا جراح.
الثالث: إن هذه الآيات تتمدح أولئك الذين قال لهم الناس: إن الناس
1) تجد هذه الروايات كلها في الدر المنثور ج 2 ص 101-103 و قد نقلها بدوره بصورة متنوعة عن المصادر التالية: ابن إسحاق، و ابن جرير، و البخاري، و مسلم، و أحمد، و سعيد بن منصور، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و الحاكم، و ابن أبي حاتم، و البيهقي في الدلائل، و ابن ماجة، و النسائي و الطبراني، و عبد بن حميد، و الخطيب، و ابن مردوية.
2) تفسير البرهان ج 1 ص 326 و الدر المنثور ج 2 ص 103 عن ابن مردويه. و قد يكون ثمة مبرر لاحتمال أن يكون ثمة تعمد لدعوى نزول الآيات في بدر الموعد، من أجل إبعاد هذا الأمر عن أن يكون فيه تكريم لعلي «عليه السلام» ، و إشادة بمواقفه الرسالية و الجهادية. و قد تعودنا من هؤلاء الشيء الكثير الذي يصب في هذا الاتجاه، كما هو معلوم.
قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا. مع أن الروايات التي تتحدث عن قصة بدر الصغرى، قد صرح كثير منها بأن أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كرهوا الخروج إلى بدر الموعد، حتى نطقوا بتصديق قول نعيم بن مسعود، الذي كان يخذلهم و يخوّفهم، و استبشر المنافقون و اليهود، حتى بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، و تظاهرت به الأخبار عنده، حتى خاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يخرج منهم أحد.
حتى قال «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي نفسي بيده، لأخرجن و لو وحدي.
و قال عثمان بن عفان: لقد رأيتنا و قد قذف الرعب في قلوبنا، فما أرى أحدا له نية في الخروج. .
و يذكر البعض: أن نعيم بن مسعود قدم المدينة: «و أرجف بكثرة جموع أبي سفيان. أي و صار يطوف فيهم، حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين، و لم يبق لهم نية في الخروج، و استبشر المنافقون، و اليهود، و قالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع.
فجاء أبو بكر، و عمر، إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد سمعا ما أرجف به المسلمون، و قالا له: يا رسول اللّه، إن اللّه مظهر نبيه، و معز دينه، و قد وعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن. فسر لموعدهم، فو اللّه إن في ذلك لخيرة.
فسر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك ثم قال: و الذي نفسي بيده، لأخرجن، و إن لم يخرج معي أحد، فأذهب اللّه عنهم ما كانوا يجدون، و حمل
لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب الخ. .» (1).
و نقول: إن ما يذكر هنا من موقف لأبي بكر و عمر لا يتلاءم مع سائر مواقفهما في مناسبات كهذه، فراجع موقفهما في غزوة بدر مثلا، ثم موقفهما في الأحزاب، و خيبر، و غيرها. بالإضافة إلى فرارهما في المواطن، و منها غزوة أحد، و هي الغزوة التي ضرب فيها الموعد لبدر الصغرى هذه! !
و قد تقدم: أن المسلمين كرهوا الخروج، و تظاهرت بذلك الأخبار عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى خاف أن لا يخرج معه أحد، و قال: و الذي نفسي بيده لأخرجن، و لو لوحدي.
و قال عثمان بن عفان: لقد رأيتنا، و قد قذف الرعب في قلوبنا فما أرى أحدا له نية في الخروج. فكلام عثمان نكرة في سياق النفي يشمل حتى عمر و أبابكر، فلا يتلاءم مع ما يذكر من موقفهما هنا.
فإن صح ما نقل عن الشيخين هنا، و لا أراه يصح، فإننا نجد أنفسنا أمام احتمالين، لا بد أن يكون أحدهما هو السبب و نرجح ثانيهما، و هما:
الأول: أن يكونا قد رأيا تصميم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المسير، إلى درجة عرفا أنه «صلى اللّه عليه و آله» لن يتراجع عن قراره بأي ثمن كان، و لو كان وحده.
فموقفهما هذا لن يكون له أثر في ذلك، و لسوف يكون مفيدا في تسجيل موقف إيجابي لهما، يمكن أن يكون مفيدا لهما في تحسين موقعهما عند
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 276 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265.
النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و لا سيما بعد فرارهما في أحد، و بعد مشورتهما المتخاذلة في بدر.
الثاني: إنهما ربما يكونان قد وقفا من نعيم بن مسعود، أو من غيره على حقيقة أمر أهل مكة، و أنهم خائفون من مواجهة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين بالحرب، لا سيما مع ما نلمحه من وجود قدر من التفاهم و الانسجام في المواقف أحيانا، كما تقدم في غزوة بدر، حول الاستشارة في الحرب، ثم في قصة الأسرى، و بعد ذلك في غزوة أحد حينما وضعنا بعض علامات الاستفهام حول تحركات الخليفة الثاني.
و الخلاصة: أنهما إذا كانا قد علما بحقيقة أمر المشركين، فهما يعلمان مسبقا: أن خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إلى بدر الموعد لن يشكل أي خطر على مشركي قريش، إلا من الناحية الإعلامية و السياسية و النفسية. كما أنهما نفسيهما سوف لا يواجهان أي خطر يخشيانه، و لو في ضمن زحمة المعركة، كما قد حصل في أحد.
إننا-و إن كنا نقدر الواقدي في حدود معينة، و نراه منصفا شيئا ما، و هو من حيث نقله ينقل سيرة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» -بصورة أفضل و أدق مما ينقلها البعض، و لكننا نعتب عليه أحيانا-ليس لأجل إيراده ما ثبت بالدليل القاطع زيفه، أو التزيد فيه من الرواة، فإن ذلك أمر مألوف و معروف، و لم ينج منه مؤلف في قضايا التاريخ و غيرها-بل لأجل وقوعه أحيانا-كغيره-في المتناقضات، أو فريسة لأصحاب الأهواء، و أهل
الزيغ من الحاقدين و الموتورين، و قد وقع هنا في هذا الخطأ بالذات، حين صور لنا أن المشركين كانوا يعيشون أفراح التأهب لحرب بدر الموعد، و كان المسلمون يعيشون الأتراح، و يهيمن عليهم الرعب و الخوف و الجبن، فهو يقول عن المشركين:
«و تهيأوا للخروج، و أجلبوا. و كان هذا عندهم أعظم الأيام، لأنهم رجعوا من أحد و الدولة لهم، طمعوا في بدر الموعد أيضا بمثل ذلك من الظفر» (1).
و يقول عن المسلمين: «فيقدم القادم على أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيراهم على تجهز، فيقول: تركت أبا سفيان قد جمع الجموع، و سار في العرب ليسير إليكم لموعدكم، فيكره ذلك المسلمون، و يهيبهم ذلك» (2).
و نقول: قد ذكرنا في بداية الحديث: أن المشركين لم ينتصروا في أحد، بل انهزموا هزيمة نكراء.
و قد اتضح لديهم: أن ما جرى على المسلمين آنئذ لن يتكرر في المستقبل، لأن ذلك إنما نشأ عن عدم الانضباطية لدى الرماة، الذين كانوا يحرسون في الجبل، و لم يكن بسبب ضعف في القدرات الحربية، و لا لجبن في المقاتلين، أو خور في عزائمهم، و لا بسبب تفرق الأهواء، و لا لأجل نقص في كفاءة القيادة.
و إنما هو مجرد خطأ شخصي أعقبته حركة قتالية فريدة، تجلت فيها كفاءات لا يمكن مواجهتها، في أي زمان أو مكان، و لا سيما من علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، ثم بعض من لحقه من الصحابة الأخيار.
فلا معنى إذن: لابتهاج المشركين بحرب، لو كانت تشبه حرب أحد، فذلك يعني الدمار الكامل و الشامل لهم.
و أما بالنسبة لحالة المسلمين، التي تحدث عنها الواقدي، فنحن لا نوافق المؤرخين، و لا المحدثين على ما ذكروه من خوف شامل في المسلمين من مواجهة المشركين في بدر الموعد؛ إذ لم يكن ثمة مبرر لذلك، لا سيما بعد أن حقق المسلمون انتصارات رائعة و مثيرة على المشركين في بدر و أحد، رغم خطأ الرماة الذي تسبب بحدوث كارثة.
ثم إنهم بجهود علي «عليه السلام» تلافوا الخطأ و هزموا عدوهم.
هذا بالإضافة إلى انتصاراتهم على اليهود، ثم تحركهم في المنطقة بصورة زادت من هيمنتهم و نفوذهم، و جعلتهم أكثر قوة و شوكة و ثقة بالمستقبل.
و لنا أن نتساءل: إذا كان المسلمون ارتعبوا حتى خاف النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يخرج معه أحد، فكيف ارتفع هذا الخوف عنهم، حتى خرج من الشجعان معه ألف و خمس مئة رجل، مع أن الذين خرجوا معه إلى أحد؛ ليدافعوا عن بلدهم المدينة، كانوا ألف رجل {رجع منهم ثلاث مئة مع ابن أبي} مع الإشارة إلى أن عدد المسلمين لم يكن يزيد عن الخارجين معه إلا يسيرا.
و هل يمكن أن يذكر لنا التاريخ اسم واحد من أولئك الذين تخلفوا عن الخروج خوفا و جبنا؟ !
أما مشركو مكة فقد تقلص نفوذهم في المنطقة بدرجة كبيرة، و تشكك كثير من الناس في قدرتهم على تحقيق نصر حاسم على المسلمين بسهولة، لا سيما بعد الهزائم سياسيا و عسكريا التي لحقت بهم حسبما أشرنا إليه، ثم ما تتعرض له قوافلهم التجارية، و عدم قدرتهم على توفير الأمن لها، بالإضافة إلى توسع منطقة نفوذ المسلمين و تحالفاتهم، على حساب ما كان لهم من نفوذ و تحالفات.
و لعل ما يقال: عن رعب في المسلمين و تلكّؤ قد أريد له أن يجسد المصداق للآيات التي تتحدث عن تخويف الناس لهم، مع أن الآيات تذكر تكذيبا لهذه الشائعة، و أن هذا التخويف قد زاد المسلمين إيمانا و تصميما، و مع أن الآيات إنما نزلت في غزوة حمراء الأسد.
و لعله قد أريد ترتيب أجواء مناسبة، ليقدّم أبو بكر و عمر مشورتهما بلزوم المواجهة، لتظهر شجاعتهما دون سائر المسلمين، و ليعوضهما ذلك بعض ما كانا قد فقداه في حالات سابقة.
و لعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد و الهداية.
و قد قرأنا فيما تقدم: أن نعيم بن مسعود الأشجعي، قد ذهب إلى المدينة بهدف تخذيل المسلمين عن الخروج إلى بدر الموعد. و لعل تردد المشركين إلى المدينة بتجاراتهم، و متابعة شؤونهم و مصالحهم، هو من الأمور الواضحة و البديهية تاريخيا.
و ربما يحمل ذلك بعض السلبيات للمسلمين أحيانا، كما لوحظ في هذه
المرة، التي قام فيها نعيم بدور مخرب، و مضر جدا.
و لكن من الواضح: أن الإسلام و هو يريد للآخرين، الذين يناوئونه أن يعيدوا النظر في مواقفهم، فترة بعد أخرى، فكان بعيدا عن أجواء التشنج يفسح لهم المجال للتعامل مع المسلمين بصورة مباشرة، ليلتمسوا بأنفسهم و بصورة عملية و ميدانية محاسن الإسلام، و آدابه، و سياساته، و كل آفاقه بحرية تامة، و من دون الاعتماد على الشائعات، و لا على الإعلام الموجه الذي قد يتحفظ الكثيرون تجاهه، لأنهم قد يتخيلونه غير قادر على أن يعكس بعض الواقعيات بدقة و أمانة.
ثم إن هذا التعامل الطبيعي و الحر من شأنه أن يزيل عقدا كثيرة ربما لا يمكن إزالتها بدونه، بل هي قد تزيد رسوخا و تجذرا، و تتراكم حولها و فيها الأدران إلى درجة كبيرة و خطيرة، إذا كانت الأبواب موصدة أمامهم، و لا يعرفون عن الإسلام و المسلمين إلا نتفا قد تتسرب-لسبب أو لآخر- فتصل إليهم سليمة أو مشوهة، حسب الظروف.
و بعد. . فإن الإسلام واثق من كل ما لديه، و ليس ثمة شيء محرج له على الإطلاق، لا في المجال العقيدي، و لا التشريعي، و لا السلوكي، و لا في دائرة الدوافع و النوايا، و لا في محيط المرامي و الأهداف، و لا في غير ذلك من مجالات.
و أما ما ينشأ عن التعامل مع المشركين من سلبيات أحيانا، فإنه يمكن تلافيه، و لا أقل يمكن التقليل من آثاره و أخطاره من خلال تحصين الأمة بالوعي، و بالإيمان، و بالتربية الصالحة في مختلف المجالات. بالإضافة إلى الدور الأساسي و المحوري، الذي تقوم به القيادة المؤهلة-وحدها-لأن
تهدي الأمة، و تقودها إلى الفلاح، و السداد و النجاح، و هي قيادة الأنبياء، و الأئمة المعصومين «عليهم الصلاة و السلام» .
و قد ذكر في ما تقدم: أن هناك من يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلف عبد اللّه بن أبي بن سلول على المدينة، حين سار إلى بدر الموعد.
و نحن نشك: في صحة ذلك و نرجح أن يكون ابن رواحة هو المستخلف عليها، كما ذكرته نصوص كثيرة أخرى؛ إذ من البعيد أن يستخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأس النفاق، ذلك الرجل الذي كان يميل إلى المشركين و اليهود أكثر مما كان يميل إلى المسلمين، و لم تزل تظهر منه فلتات و كلمات خطيرة، لو أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجازيه عليها، لم يكن جزاؤه أقل من القتل؛ و إنما استخلف «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» في غزوة تبوك خوفا من تحرك المنافقين فيها كما سنرى إن شاء اللّه.
إلا أن يقال: إن من الممكن أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يتألفه بذلك، كما كان يتألف غيره بإسناد بعض المهام إليهم.
قال الواقدي: «و أقبل رجل من بني ضمرة، يقال له: مخشي بن عمرو- و هو الذي حالف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومه، حين غزا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ودّان في المرة الأولى-فقام-و الناس مجتمعون في سوقهم، و أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر أهل ذلك الموسم-فقال: يا محمد، قد أخبرنا: أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم
إلا أهل الموسم!
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ ليرفع ذلك إلى عدوه من قريش: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان، و قتال عدونا، و إن شئت مع ذلك-نبذنا إليك، و إلى قومك العهد، ثم جادلناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا.
فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم، و نتمسك بحلفك. و سمع بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي، فانطلق سريعا، و كان مقيما ثمانية أيام، و قد رأى أهل الموسم، و رأى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سمع كلام مخشي؛ فانطلق حتى قدم مكة، فكان أول من قدم بخبر موسم بدر. فسألوه فأخبرهم بكثرة أصحاب محمد، و أنهم أهل ذلك الموسم، و ما سمع من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للضمري.
و قال: محمد في ألفين من أصحابه الخ. .
قال البيهقي: فأفزعهم ذلك، ثم يذكر ملامة صفوان بن أمية لأبي سفيان» (1).
و قد يستشف البعض من هذه القضية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أحس من مخشي بن عمرو: أنه قد قال ذلك على سبيل الاستهزاء و السخرية؛ فقابله النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأسلوب (2).
و من الواضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لينقض العهد، و لا يباشر حربا مع أحد إلا إذا اضطرته الظروف و كان مع ذلك لين الطبع كريم النفس، قد بلغ الغاية من النبل و الأخلاق الكريمة، حتى أنزل اللّه فيه: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (1).
و بعبارة أخرى: إنه إنما اتخذ هذا الموقف من أجل أن يعيد إلى ذلك الرجل توازنه، و ليفهمه: أن الأمور أعمق و أخطر من أن يتلاعب و يستخف بها قاصرو النظر، الذين لا يشعرون بالمسؤولية، و لا يحسنون فهم الأمور.
و نقول: إن كلام مخشي بن عمرو لا يوحي بأنه كان في مقام الاستهزاء، غير أن من الواضح: أن هذا الرجل، كان يسعده أن يرى المسلمين و قد أبيدت خضراؤهم، و قتلت رجالهم، و سبيت نساؤهم، و لعله صدق ما بلغه من ذلك، ثم فوجئ بعكس ما كان يتوقعه و سمع به. فجاء ليعرف السر في ذلك، و كأنه كان على قناعة بأن مشركي مكة قادرون على ذلك، و أن المسلمين على درجة كبيرة من الضعف و الوهن في قبال المشركين.
و ربما يكون ما جرى في أحد، الذي لم ينقل إليه، و الى سائر الناس، في صورته الحقيقية قد عزز هذه القناعة لديه، لأنه إنما وقف على نتائج حرب أحد، و لم يعرف ملابساتها، و أنها لم تكن نتيجة ضعف حقيقي في عزيمة المسلمين، و لا لتخاذل منهم في ساحة الحرب و الجهاد، و بذل المهج، و خوض اللجج في سبيل اللّه سبحانه، كما أنه لم يكن لأجل قوة متميزة في
1) سيرة المصطفى ص 455.
جانب عدوهم جعلته ينتزع النصر انتزاعا استنادا إلى قوة السيف، و السنان، و ثبات في العزيمة، و شجاعة في الجنان، كما ربما يحاول القرشيون أن يشيعوه.
فأراد رسول اللّه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» : أن يبدد هذه الغشاوة عن بصره و بصر كل من يسمعون، أو سوف يبلغهم هذا القول، و يواجهه بالحقيقة الناصعة، و يقول له: إنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط قادرا على سحق قريش بكل ما لديها من حشد و عتاد و قوة، و إنما هو على استعداد لمواجهتها و معها كل من يلتقون معها و يشاركونها الموقف و الرأي، و البغي على الإسلام و المسلمين.
و قد أساءت قريش لنفسها حينما صورت للناس ضآلة أمر المسلمين، و ضعفهم، فها قد انكشفت للناس أكاذيبها، و رأى الناس حتى القادمون من تجار و غيرهم بأم أعينهم قوة المسلمين، و عزتهم.
فإذا كان مخشي، قومه، بل و كذلك سائر القبائل التي حضرت ذلك الموسم التجاري الواسع، قد تحركت في نفوسهم نوازع خيانية، أو خالجتهم أحاسيس حول ضعف المسلمين، أو شعروا: أن لقريش بعض القوة بسبب ما جرى في أحد، فإن عليهم أن يتأكدوا من صحة تصوراتهم و معلوماتهم قبل أن يقدموا على أي عمل، أو يتخذوا أي قرار.
فهناك أمور قد خفيت عليهم حتما و جزما. و ما جرى في أحد لا يمكن أن يكون معيارا و ميزانا، و لا يفيدهم شيئا في حسابات الربح و الخسارة، و النصر و الهزيمة، و القوة و الضعف.
فقولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أراد بذلك مقابلة حالة الاستهزاء و السخرية بالتهديد بنقض العهد لا يصح، فإن جوابه «صلى اللّه عليه و آله»
لا يتلاءم و هذا الأمر؛ و ذلك لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى لمخشي و قومه حرية التصرف في هذا الاتجاه، واكتفى هو بالاحتفاظ لنفسه بحق. المقابلة بالموقف الحازم و الحاسم لو نقض الآخرون عهدهم. و ذلك ظاهر لا يخفى.
إن من الواضح: أن ما أقدم عليه أبو سفيان في نهاية حرب أحد، حيث قطع على نفسه وعدا بلقاء المسلمين بعد عام في بدر الصغرى، كان خطأ فاحشا، و رأيا فطيرا، تعوزه البصيرة بالأمور، و الواقعية في النظرة و في الموقف.
و ذلك لأن المسلمين، بعد ما جرى في أحد، قد أصبحوا أكثر تصميما على توجيه ضربة موجعة و قوية لكبرياء قريش، بعد أن وترتهم في حرب أحد، التي لا بد أن يكون المسلمون قد استفادوا منها الدروس و العبر، و لن يسمحوا أبدا بتكرر الخطأ الذي وقعوا فيه فيها، مهما كان الثمن.
و قد أدرك أبو سفيان خطأه الكبير ذاك، و لكن بعد فوات الأوان، و كان صفوان بن أمية قد نبهه إلى ذلك فلم يلتفت إليه.
و ذلك لأن المشركين، و إن كانوا قد فاجأوا المسلمين في بلادهم، و لم يجدوا الفرصة للإعداد و الاستعداد، و لكن المشركين لم يحققوا ما حققوه في تلك الحرب نتيجة لتنامي قدراتهم القتالية، و لا لأجل ضعف في المسلمين. و ذلك لأن القوى و إن لم تكن متكافئة بين الفريقين من حيث العدد و العدة، إلا أن حرب بدر قد أثبتت للجميع: أن ذلك ليس هو الفيصل في الحرب، و ليس هو الذي يقرر نتائجها.
هذا بالإضافة إلى أن حرب أحد نفسها قد أثبتت للمشركين: أن نتائج هذه الحرب-لو استمرت-لن تكون أفضل من نتائج حرب بدر، لو لا الخطأ الذي ارتكبه الرماة على الجبل حيث جعلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» هناك ليمنعوا من حصول أي تسلل محتمل للعدو فتركوا مراكزهم، من أجل الحصول على بعض الغنائم، ثم تسلل المشركون من ذلك الموضع بالذات، و أوقعوا بالمسلمين الذين كانوا قد انصرفوا عن الحرب إلى جمع الغنائم، حسبما أو ضحناه في غزوة أحد في جزء سابق.
و حتى بعد أن بدأ المسلمون يستعيدون وضعهم القتالي، فإن المشركين أحسوا بالخطر الداهم، فآثروا ترك ساحة القتال و الانصراف إلى مكة.
فلو كان بإمكانهم تسجيل نصر حاسم، فلن يجدوا المسلمين في حالة أضعف من الحالة التي هم عليها الآن، و قد كان يهمهم جدا إنهاء أمر المسلمين، و القضاء عليهم نهائيا و الى الأبد.
و حتى حينما كان أبو سفيان يطلق و عوده باللقاء في بدر من العام المقبل، متبجحا بما تحقق لهم في معركة أحد، فإنه لم يكن في موقع يمكنه من حسم الأمر لصالحه و لصالح المشركين آنئذ.
و قد أدرك في وقت متأخر: أن الخطأ الذي وقع فيه المسلمون في أحد ربما لن يتكرر في المستقبل، مع إدراكه أن أي حرب سيخوضها ضد المسلمين، سوف يكون المسلمون فيها أكثر استبسالا و أعظم بلاء من ذي قبل.
كما أنهم سوف يكونون أكثر التزاما بأوامر قيادتهم الإلهية، بعد أن صح لهم أن تلك القيادة لا تنقصها الحكمة و لا الشجاعة، و لا التدبير، و قد لمسوا صوابية مواقفها، و بعد نظرتها إلى الأمور، و دفعوا ثمن التساهل في الالتزام
بأوامرها غاليا، و غاليا جدا.
و من هنا: فإننا لا نفاجأ إذا رأينا المسلمين يصرون على الاحتفاظ بزمام المبادرة، و على الهيمنة العسكرية على المنطقة.
و كان لا بد لأبي سفيان من الاحتفاظ بماء الوجه، و لو شكليا، و لكنه فشل في ذلك، حتى اضطر إلى أن يتراجع، و يخلف في وعده، متذرعا بما لا يخفى على أحد وهنه و عدم واقعيته. حتى إن أهالي مكة أنفسهم كانوا يتندرون بما حدث، و يسمون جيشهم المهزوم روحيا و نفسيا، بأنهم جيش السويق، أي أنهم خرجوا لشرب السويق في الطريق، لا للحرب، و القتال.
و لو كان العام عام جدب فعلا، فلماذا خرج أبو سفيان بهذا الجيش الكثيف من مكة؟ ألم يكن يدري حين جهز جيشه بهذا الجدب الذي زعمه، ثم اكتشفه بعد أن قطع مسافة من الطريق، و بلغ إلى مجنّة من ناحية مرّ الظهران؟ ! .
و إذا كانت بدر تستضيف الكثيرين الذين يأتونها من مناطق مختلفة، لأجل السوق؛ فإن حضور المسلمين في هذا السوق على هذه الصورة الملفتة و المثيرة، لسوف يكون له تأثيره القوي على الناس الذين يعيشون في المناطق على اختلافها. خصوصا إذا لاحظ الناس هذا الإصرار من المسلمين على لقاء عدوهم، حتى إنهم لينتظرون ثمانية أيام، ثم يتخلف عدوهم عن الحضور، رغم أنه كان هو الطالب و الراغب بمناجزة المسلمين و قتالهم في هذا الموضع.
و إذا كان هذا العدو هو مشركو مكة؛ بما لها من هيبة، و نفوذ، و ليس عدوا عاديا من سائر القبائل، فإن القضية سوف تصبح أكثر حساسية بالنسبة لأولئك الناس، و لسوف يكون لها أكثر من مغزى عميق و دقيق، و أكثر من أثر سلبي و إيجابي على مشاعرهم و أحاسيسهم، و على نظرتهم إلى المستقبل، بصورة عامة.
و هكذا: فإن الكل سوف يدرك أن ما جرى في أحد لم يؤثر و لم يغير في المعادلة شيئا، إن لم نقل: إنه قد كانت له آثار سلبية على المشركين، و إيجابية على المسلمين كما هو ظاهر.
إن البعض قد رأى: أنه من غير المعقول أن يحمل المسلمون معهم إلى بدر بضائع للتجارة، ما داموا ذاهبين إلى القتال، و إلى منطقة يجتمع فيها خلائق من الناس الذين يلتقون مع قريش في أهدافها، و في عقائدها و مواقفها تجاه الإسلام و المسلمين.
إذن. . فموضع لقاء المسلمين بالمشركين ليس هو بدر التي هي سوق للعرب.
كما أنهم قد ذهبوا إلى الحرب بلا بضائع، و ليس لأجل البيع و الشراء (1).
و نقول: إننا لا نستطيع أن نوافق هذا الباحث على رأيه المشار إليه، و ذلك لأن
1) راجع: سيرة المصطفى ص 454.
سوق بدر لم يكن المجتمعون فيه مستدعين لخوض حرب تحتاج إلى تجهيزات كثيرة و متنوعة، من خيول و دروع و أعتدة مختلفة.
كما أن سيطرة الجيش الإسلامي على الموقف سوف تمنحه الفرصة للتعامل مع الآخرين و عقد الصفقات التجارية بكل طمأنينة و ثقة.
أضف إلى ذلك: أن جهاز الاستخبارات الإسلامي كان من القوة بحيث إنه كان يرصد أي تحرك يحصل في مختلف أنحاء الجزيرة العربية على اتساعها و ترامي أطرافها، و ينهيه إلى الرسول الأكرم في الموقع المناسب.
و يدل على ذلك: أنا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يفاجئ أعداءه، الذين يتآمرون، و يتأهبون لقتاله، و هم غارون، و قبل أن تصدر منهم أية بادرة أو أن يجدوا الفرصة لأي تحرك و التفاف، و لو من خلال إعادة تنظيم أمرهم، و لم شعثهم.
فجهاز الاستخبارات هذا لا يعجز عن رصد حالة الناس في تلك السوق. كما أنه لا يعجز عن موافاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الوقت المناسب بحقيقة نوايا قريش، و ما أزمعت عليه من كيد و مكر إعلامي فاشل.
و من الجهة الأخرى: فإن المسلمين كانوا و ما زالوا رغم حروبهم مع أعدائهم منفتحين حتى على أولئك الأعداء في النواحي التجارية و الإنمائية.
حتى إننا لنجد تجار المشركين لا يزالون يترددون على المدينة بتجاراتهم المختلفة.
و يحدثنا التاريخ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه كان يشجع هذا التوجه بصورة عامة. كما أوضحناه في كتابنا: السوق في ظل الدولة
الإسلامية، فراجع.
و يكفي أن نذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أطلق الصناع و أصحاب الحرف في خيبر لينتفع بهم المسلمون، كما سيأتي حين الحديث عن غزوة خيبر.
فالجيش الإسلامي إذن لا بد أن يقدم نموذجا من الوفاء و التضحية و الانضباطية أولا. كما أنه في نفس الوقت يقيم علاقات تجارية مع الآخرين، و يتعامل معهم بطريقة سليمة و عفوية، و بريئة، من خلال إحساسه بالثقة و بالقوة و الثبات.
أضف إلى ذلك: أن المسلمين كانوا يشكون في وفاء أبي سفيان بالوعد، قال: موسى بن عقبة: «و خرجوا ببضائعهم، و قالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و إن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا» (1).
و من يدري فلعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد طلب من المسلمين ذلك، من أجل خدمة تلك العلاقات و الروابط بالذات، و من أجل أهداف تدخل في نطاق الحرب الإعلامية و النفسية للأعداء، و إعطاء فرص إيجابية إلى أولئك الآخرين الذين كانوا ينتفعون من هذه الفرص لتركيز قناعاتهم، و تبلور مفاهيمهم عن الإسلام و المسلمين، الأمر الذي ستكون له إيجابياته في المستقبل.
إيضاحات: 1-دومة الجندل: مدينة بينها و بين دمشق خمس ليال، و تبعد عن المدينة
1) تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 203 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 171 و البداية و النهاية ج 4 ص 89 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 385.
خمس عشرة أوست عشرة ليلة. و هي بقرب تبوك (1).
و قيل: دومة الجندل: اسم حصن (2).
2-صاحب دومة الجندل هو أكيدر بن عبد الملك الكندي، و هو يدين بالنصرانية، و هو في طاعة هرقل ملك الروم (3).
3-هذه الغزوة أول غزوات النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الروم (4).
4-قال المقدسي عن سنة خمس من الهجرة: «و هي سنة الزلازل» (5).
صرح البعض: بأن دومة الجندل كانت في أواخر السنة الرابعة (6).
و قال بعض آخر: إنها كانت بعد غزوة ذات الرقاع بشهرين و أربعة أيام (7).
و ثالث يقول: إن الخندق كانت في السنة الرابعة، و دومة الجندل بعدها
1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 عن ابن سعد، و السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و سيرة مغلطاي ص 54 و نهاية الأرب ج 17 ص 163 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 62 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 23 و التنبيه و الإشراف ص 214 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 469.
3) التنبيه و الإشراف ص 215 و حبيب السير ج 1 ص 357.
4) البدء و التاريخ ج 4 ص 214.
5) التنبيه و الإشراف ص 215.
6) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 277.
7) نقله في تاريخ الخميس ج 1 ص 469.
في الخامسة (1).
و الأكثرون على أنها كانت في السنة الخامسة في شهر ربيع الأول منها (2).
و عند ابن سعد: في شهر ربيع الأول على رأس تسعة و أربعين شهرا من مهاجره (3).
قال البعض: «أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدنو إلى أدنى الشام، و قيل له: إنها طرف من أفواه الشام؛ فلو دنوت لها كان ذلك مما يفزع قيصر الخ. .» (4).
1) تاريخ مختصر الدول ص 95.
2) راجع ما يلي: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 177 و 178 و البداية و النهاية ج 4 ص 92 و نقل عن الواقدي: أنها في ربيع الآخر. و تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و الجامع للقيرواني ص 281 و سيرة مغلطاي ص 54 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و شذرات الذهب ج 1 ص 11 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 232 و أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و حبيب السير ج 1 ص 357 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و المغازي للواقدي ج 1 ص 402 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266.
3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 62 و نهاية الإب ج 17 ص 163 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108.
4) مغازي الواقدي ج 1 ص 403 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 177 و البداية و النهاية ج 4 ص 92 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 390.
و قال بعض آخر: إنهم كانوا يعترضون المسافرين إلى المدينة و تجارهم (1).
غير أن جمعا آخر من المؤرخين يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» سمع أن جمعا من قضاعة و غسان تجمعوا بكثرة في دومة الجندل. و كان بها سوق عظيم، و تجار، بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنهم يظلمون من مر بهم. و أنهم يريدون أن يدنوا من المدينة.
فاستخلف «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري -و عند المسعودي: استخلف ابن أم مكتوم-و خرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من أصحابه.
فكان يسير الليل و يكمن النهار، و معه دليل من بني عذرة يقال له مذكور. و قد نكب عن طريقهم، فلما كان بينه و بين دومة يوم قال الدليل: يا رسول اللّه، إن سوائمهم ترعى عندك؛ فأقم حتى أنظر.
و سار مذكور حتى وجد آثار النعم؛ فرجع و قد عرف مواضعهم؛ فهجم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ماشيتهم؛ فأصاب من أصاب، و هرب من هرب في كل وجه.
و جاء الخبر إلى دومة الجندل، فتفرقوا، و رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و في نص آخر: و نذر به القوم، فتفرقوا؛ فلم يجد إلا النعم و الشاء، فهجم على ماشيتهم و رعاتهم فأصاب من أصاب، و هرب من هرب في كل وجه، و جاء الخبر أهل دومة، فتفرقوا.
1) التنبيه و الإشراف ص 215.
و نزل «صلى اللّه عليه و آله» بساحتهم، فلم يلق بها أحدا؛ فأقام بها أياما، و بث السرايا، و فرقها؛ فرجعوا و لم يصادفوا منهم أحدا و رجعت السرية بالقطعة من الإبل.
فرجع «صلى اللّه عليه و آله» ، و دخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر، فكانت غيبته خمسا و عشرين ليلة (1).
و قال المقدسي: «إن التجار و السابلة شكوا أكيدر الكندي عامل هرقل عليها، فسار إليها في ألف رجل، يسير الليل و يكمن النهار، و أحس بذلك أكيدر فهرب، واحتمل الرحل، و خلى السوق، و تفرق أهلها، فلم يجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحدا، فرجع» (2).
كانت تلك صورة عما يقوله المؤرخون عن هذه الغزوة قد جمعنا
1) راجع ما تقدم كله أو بعضه في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 62 و السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و سيرة مغلطاي ص 54 و حياة محمد لهيكل ص 281 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و الوفاء ص 691 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 232 و الثقات ج 1 ص 260 و التنبيه و الإشراف ص 215 و حبيب السير ج 1 ص 357 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 212 و المغازي للواقدي ج 1 ص 403 و نهاية الأرب ج 17 ص 163 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و البداية و النهاية ج 4 ص 92 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 177 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 390 و 391.
2) البدء و التاريخ ج 4 ص 214 و أشار إليه الذهبي في تاريخ الإسلام {المغازي} ص 212{السابلة: عابر و السبيل} .
شتاتها، و ألفنا بين متفرقاتها و مختلفاتها، فراجع المصادر التي في الهوامش.
و قبل أن نواصل الحديث نتوقف قليلا لنسجل بعض الملاحظات و التحفظات فنقول:
قولهم: إن مدة غيبته «صلى اللّه عليه و آله» عن المدينة في هذه الغزوة كانت خمسا و عشرين ليلة لا يصح.
لأنهم يقولون: إن دومة الجندل تبعد عن المدينة مسافة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة (1)، فالذهاب و الإياب منها و إليها لسوف يستغرق أكثر من شهر.
يضاف إلى ذلك: أنه كان يسير الليل و يكمن النهار، فقد يحتاج المسير إليها و الحالة هذه إلى أكثر من ذلك أيضا.
هذا بالإضافة إلى أنهم يقولون: إنه أقام بها أياما يبث السرايا، فكيف تكون مدة غيبته عن المدينة خمسا و عشرين ليلة فقط؟ ! .
قد ادّعى البعض، كابن هشام: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رجع قبل أن يصل إلى دومة الجندل (2).
و قد يكون لنا الحق في أن نشك في صحة هذا القول، ما دام أنه يعطي انطباعا سلبيا عن حالة المسلمين، فإن الرجوع لا بد أن يكون لأحد سببين، أو كليهما، و كلاهما مرفوض.
و هما: الأول: إنه خاف من التعرض لقيصر، فإنه قد راجع حساباته في الطريق؛ فأدرك أن هذا في غير صالحه؛ فآثر الرجوع، و لو تسبب ذلك بنوع من الشعور بالضعف لدى المسلمين، و سوف يؤكد ذلك هيبة ملك الروم في نفوسهم، و هذا مما لا يمكن قبوله في حق النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
الثاني: إنه قد أحس بأن المدينة تتعرض لخطر من نوع ما في حال غيابه عنها، سواء من داخلها، من قبل المنافقين و اليهود و غيرهم ممن لم يسلم حتى الآن، أو من خارجها، من قبل قريش و من معها من المشركين المتربصين حول المدينة، و في سائر المناطق.
و هذه أيضا نقطة ضعف أخرى، كان من المفروض أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد حسب حسابها، و أعد العدة لمواجهتها، قبل أن يخرج من المدينة. فلا يمكن أيضا قبول هذا السبب لما يتضمنه من نسبة القصور أو التقصير-و العياذ باللّه-إلى ساحة قدس النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و إذا صح أنه رجع و لم يبلغها، فالأظهر أنه قد بلغه أن أهلها قد عرفوا بمسيره إليهم، فتنحوا عنها إلى جهة غير معلومة، بحيث لم يعد ثمة فائدة من المسير إليهم.
لكن الذي يعترض طريق قبول ذلك هو تلك التفاصيل الكثيرة و الدقيقة التي يذكرها المؤرخون مما كان قد حصل في غزوة دومة الجندل.
و لا سيما مع تصريحهم، بأنه لما كان بينه و بين دومة الجندل يوم، قال الدليل: يا رسول اللّه الخ. . و تصريحهم بأنه أقام أياما يبث السرايا في النواحي.
فالأقرب أن يقال: إن هؤلاء الذين ادّعوا: أنه قد رجع قبل أن يبلغها قد غلطوا في ذلك و ليس الغلط من مثل هؤلاء بعزيز.
و نسجل هنا ما يلي: ألف: إننا نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يختار المسير ليلا و الكمون نهارا، ليمكن له مفاجأة العدو، و أخذه على حين غرة، فيحقق بذلك الغرض من دون أن يتكبد المسلمون خسائر كبيرة، لو أن المشركين كانوا مستعدين للحرب، عارفين بمسير المسلمين إليهم.
و يكون بذلك قد قدم لنا أيضا مثلا في التدبير الحربي السليم، الذي يوفر مزيدا من الفرص لتسجيل النصر الحاسم، من خلال الاستفادة من عنصر التخفي في التحرك نحو الهدف المطلوب.
ب: إن تحرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، كان بهدف الحفاظ على حرية حركة الناس، و ضرب مصدر المتاعب حينما أصبحت طرق المواصلات و الإمدادات و التموين، الذي يأتي عن طريق التجارة مع المناطق الشمالية كسورية و ما والاها غير آمنة. إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تحرك ليصبح طريق الناس آمنا، و ليمكنهم من أن يتواصلوا و ينفع بعضهم بعضا من خلال نقل التجارب و المعارف، و نقل المنتجات، و غير ذلك.
و هذا يشير إلى أن حق الحرية هذا مقدس، و لا يمكن المساس به من أي كان، و أنه لا يمكن للحاكم العادل أن يقف تجاه انعدام الأمن موقف اللامبالاة، و يعتبر أن ذلك لا يعينه، و إنما هو مسؤولية غيره، بل عليه أن يبادر إلى تحمل مسؤولية حماية حرية الناس في تحركاتهم، و ترددهم بتجاراتهم و غيرها، رغم أن ذلك يحمل في طياته خطر الاصطدام بعامل هرقل عظيم الروم، ثم بهرقل ذاته من بعده.
ج: يضاف إلى ما تقدم: أن ما جرى في بدر الموعد، قد أعطى المسلمين المزيد من النشاط، و جعلهم يتحركون بصورة أكثر حيوية و فاعلية، حينما توجهوا إلى شمال الجزيرة، بعد أن توطدت هيبتهم في الجنوب بسبب ما جرى في غزوتي بدر الموعد، و حمراء الأسد، و غيرهما.
و معنى ذلك هو: أنهم قد عطفوا نظرهم إلى منطقة يعتبر قيصر الروم فيها هو الأقوى، و الأعظم نفوذا، و لا يتوقع القيصر أن تنشأ في جزيرة العرب حركة تجترئ عليه، أو تسمح لنفسها بالتفكير بالتطاول على هيبته و سلطانه.
د: و الأكثر وقعا و تأثيرا في هذه الغزوة: أن نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما وصل إلى دومة الجندل، وفر أولئك الأشرار منها، قد بقي يبث السرايا و البعوث عدة أيام في مختلف الاتجاهات، بحثا عن أولئك الأشرار الهاربين.
و معنى ذلك هو: أن هذا الهجوم قد كان مدروسا بعناية، و هدوء، و يراد له أن يترك آثاره في المنطقة كلها، و لم يكن ثمة تسرع في اتخاذ القرار فيه، و لا كان ناشئا عن اندفاع عاطفي، أو ما أشبه ذلك.
ه: إن سرعة تحرك جيش بهذه الكثافة إلى بلد يبعد عنه مسيرة أيام كثيرة و ثقته بنفسه، و اطمئنانه إلى عدم جرأة أحد على العبث بالأمن في بلده من بعده، ليدل على مدى ثقة هذا الجيش بنفسه و بقدراته، و على أنه قادر على تسديد ضربته لكل من تسول له نفسه أن يتآمر أو يشارك في التآمر ضده، و عليه أن يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على التحالف مع أعدائه و مناوئيه.
و إذا كان المسلمون أقوياء، فلسوف تتشوف نفوس الكثيرين للتحالف معهم، و الوقوف إلى جانبهم، و العيش في كنفهم.
و لا أقل من أنهم سوف يسعون لإقامة علاقات طبيعية معهم. أما التحالف مع الأعداء، و مشاركتهم في مناوأة المسلمين، فإنه يصبح أكثر صعوبة خصوصا من القبائل التي لا تتوفر لديها أعداد ضخمة و كافية لحماية نفسها من قوة لها هذا النشاط، و بهذا الحجم و المستوى.
و هذا من شأنه أن يضعف أمر قريش، و يقلل من الفرص المتاحة لجمع الحشود، و تحزيب الأحزاب لمواجهة المد الإسلامي العارم.
و: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين و هم يحاولون أن يقللوا من الخسائر البشرية ما أمكنهم، فإنهم يعتمدون طريقة الضغط السياسي و الروحي، على الخصم، و كذلك إضعافه اقتصاديا بصورة رئيسية باستيلائهم على مواشيهم و أموالهم، الأمر الذي يضعف مقاومتهم، و قدرتهم على تنظيم المؤامرات، و بذل الأموال لتجييش الجيوش لحرب المسلمين.
و ليس ذلك لأجل حب السلب و النهب، و جمع الأموال، و الشاهد على ذلك: أننا نجده «صلى اللّه عليه و آله» يجعل فداء أسير من أسرى المشركين
تعليم عشرة أطفال من المسلمين القراءة و الكتابة، رغم شدة حاجة المسلمين لأقل شيء من المال. و قد تقدم ذلك في غزوة بدر.
كما أننا نراه «صلى اللّه عليه و آله» حين يرتكب خالد بن الوليد جريمة في حق بعض القبائل-و ذلك حينما أرسل خالدا لدعوة بني جذيمة، فآمنهم، فلما وضعوا السلاح أمر بهم فكتفوا، ثم عرضهم على السيف-نراه «صلى اللّه عليه و آله» لما بلغه ذلك تبرأ من فعل خالد، ثم أرسل عليا «عليه السلام» فودى لهم الدماء، و ما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي ميلغة الكلب (1).
قال العلامة الحسني: «إن أخبار هذه الغزوة أكثرها عن الواقدي، و أخباره في الغالب من نوع المراسيل، و من البعيد أن يترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة قرابة شهر كامل، كما يدّعي المؤلفون في السيرة، إلى مكان بعيد مسافة تزيد عن خمسة عشر يوما، و الأعراب من حولها لا يزالون على الشرك، و هم يترقبون المسلمين، و يستغلون الفرصة المناسبة للوقيعة بهم. و من ذا يمنعهم من المدينة إذا غاب عنها النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع ألف من أصحابه و فيها من المنافقين ما لا يقل عددا عن المسلمين و كانوا على اتصال دائم بقريش و أحلافها من المشركين؟
1) راجع: الغدير ج 7 ص 169 عن سيرة ابن هشام ج 4 ص 53-57 و عن تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 145 و عن أسد الغابة ج 3 ص 102 و عن الإصابة ج 1 ص 318 و ج 2 ص 81 و عن البخاري كتاب المغازي.
من البعيد أن يتركها ليغزو أطراف الجزيرة المتاخمة لحدود الشام في مثل هذه الظروف إلا أن يكون مأمورا بذلك من اللّه سبحانه» (1).
و نقول: 1-إننا لا نستطيع أن نوافق على ما ذكره العلامة الحسني «رحمه اللّه» ، لأن ذلك لو كان، لكان مانعا من التحرك نحو أي من المناطق الأخرى، قريبة كانت أو بعيدة. فإن كثيرا من الغزوات كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يغيب فيها أياما كثيرة. فقد غاب في غزوة بدر الموعد ست عشرة ليلة، منها ثمانية أيام أقامها في بدر، و الباقي في الطريق ذهابا و إيابا، و كانت غيبته في ذات الرقاع خمس عشرة ليلة، و كانت غيبته في غزوة بني المصطلق ثمانية و عشرين يوما.
فقد كان بإمكان الأعداء أن يغتنموا فرصة غيابه للإغارة على المدينة، بصورة سريعة و خاطفة، أو احتلالها، لا سيما مع وجود اليهود و المنافقين، و المشركين فيها و حولها.
2-و من جهة ثانية، فإن سير الأحداث يعطي: أن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كانت له أجهزة استخبارات قوية و فاعلة لا يفوتها رصد أية تحركات أو تجمعات مريبة، بل و حتى المؤامرات و النوايا أحيانا. و قد كانت مبثوثة في مختلف الأنحاء و الأرجاء قريبة كانت أو بعيدة كما ألمحنا إليه فيما سبق.
و من الواضح: أن مهاجمة المدينة في غياب الرسول «صلى اللّه عليه
1) سيرة المصطفى ص 457.
و آله» يحتاج إلى جمع قوى كثيرة من مختلف القبائل و لن يخفى ذلك على عيون الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
3-أضف إلى ذلك: أن النبي كان قد عقد تحالفات و معاهدات كثيرة في المنطقة، كما أنه قد عقد تحالفات مع سكان المدينة أنفسهم، يلزمهم فيها الدفاع و النصر، خصوصا إذا هوجم، فكيف إذا هوجموا؟
4-و حين يظعن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المدينة، فإنه لا يخليها نهائيا، بحيث لا تبقى فيها أية قوة عسكرية قادرة على ضبط الوضع داخليا، و الدفاع ضد العدو الخارجي قدر الإمكان لو دهمهم أمر، و إلى أن يأتي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و يمسك هو بزمام المبادرة.
5-مضافا إلى أن ضرب المدينة في غياب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يحسم الأمر، بل هو سوف يعرض من تسول له نفسه و يقدم على ذلك إلى العقاب الصارم، الذي لن يكون قادرا على دفعه عن نفسه. فإن الكل كانوا أصغر من أن يجرؤوا على ذلك، بعد أن عجزت قريش و فشلت ذلك الفشل الذريع. و لم يكن لأي من القبائل ما كان لقريش من قوة و شوكة، و نفوذ و منعة في المنطقة بأسرها.
و يذكر المؤرخون: أن تحكيم الحكمين قد كان بدومة الجندل (1).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و صفين ص 535 و 538 و 540 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 2 ص 248 و راجع: مروج الذهب ج 2 ص 352 و مصادر ذلك كثيرة جدا فلتراجع كتب التاريخ، حين الحديث حول قضية صفين، ثم التحكيم.
و في كتاب الخوارج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «مررت مع أبي موسى بدومة الجندل، فقال: حدثني حبيبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه حكم في بني إسرائيل في هذا الموضع حكمان بالجور، و أنه يحكم في أمتي حكمان بالجور في هذا الموضع.
قال: فما ذهبت الأيام حتى حكم هو و عمرو بن العاص فيما حكماه، قال: فلقيته.
فقلت: يا أبا موسى قد حدثتني عن رسول اللّه.
فقال: و اللّه المستعان. كذا أورده المجد» (1).
و يذكر المؤرخون: أنه لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من دومة الجندل وادع عيينة بن حصن الذي كانت أرضه قد أجدبت: أن يرعى بتغلمين و ما والاه إلى المراض، و كان ما هناك قد أخصب، و هو موضع بينه و بين المدينة ستة و ثلاثون ميلا على طريق الربذة (2).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 469 و ذكر هذه القصة أيضا و إن لم يصرح بأن التحكيم كان و سيكون في دومة الجندل كل من: المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 392 و شرح نهج البلاغة للمعنزلي ج 13 ص 315 و راجع ص 316 و راجع: قاموس الرجال ج 6 ص 108 و 109.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 63 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 163 و سيرة مغلطاي ص 54 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 232.
و سيأتي: أنه لما سمن حافره، و انتقل إلى أرضه أغار على لقاح (1)رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغابة. .
و غني عن القول هنا: إن عيينة بن حصن كان لا يزال هو و من معه على الشرك و الكفر، الذي كان يناوئ الدعوة الإسلامية بكل الوسائل.
و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين سمح له بما سمح يطمع في الحصول على أي نفع من قبله، فلم يكن يريد في مقابل ذلك مالا، و لا كان يريد منه أن ينصره على عدوه، و يتقوى به على مناوئيه، لا في مال، و لا رجال.
كما أن عيينة لم يكن يملك قوة خارقة للعادة، بحيث يخشاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ينصاع لما يطلبه منه.
كما أننا نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يحاول استغلال حاجة عيينة و من معه، ليفرض عليهم شروطا، و يحصل على امتيازات سياسية، أو مادية، أو غير ذلك. بل هو لم يطلب حتى السماح لدعاته بأن يطرحوا مع الناس هناك قضية الإسلام و الإيمان، فضلا عما هو أبعد من ذلك.
بل تصرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على أساس ما لديه من مثل و قيم، و قناعات و منطلقات إيمانية و إنسانية، و من ثوابت أخلاقية و دينية.
فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يرى أن الحرب إنما تهدف إلى منع قوى
1) اللقاح: النياق الحلوب الغزيرة اللبن.
الهيمنة و الاستكبار من فرض إرادتها، و مصادرة حرية الآخرين في الفكر و في الإيمان. و إلى دفع غائلة العدو الذي يريد سحق قوى الخير، و نسف قواعد الإيمان. و ليس للحرب أي دور حين تجري الأمور بصورة طبيعية. فإن السلاح الذي يعتمد عليه الإسلام هو الدليل القاطع و البرهان الساطع، و الدعوة إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الجدال بالتي هي أحسن. .
بل إن كل الجرائم التي ارتكبها مشركو قريش في حق الإسلام و المسلمين لم تمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إرسال الأموال إلى مكة، حين علم أن أهلها يعانون من ضائقة كبيرة بسبب الجدب.
و لم يكن منطلقه في ذلك، و لا في موقفه هنا من عواطف ثاثرة، تتحرك باندفاع و بعنفوان بصورة غير واعية و لا متزنة في الحالات الطارئة. بل منطلقه «صلى اللّه عليه و آله» هو القيم و المثل العليا، و كل المعاني الإنسانية الصافية و النبيلة، فليس ثمة تناقض بين الأحاسيس و المشاعر، و بين الموقف الرسالي و المبدئي.
بل إن مشاعره «صلى اللّه عليه و آله» و أحاسيسه قد نمت و تربت في ظل مبادئه و قيمه و من خلالها، فمنها تنطلق و إليها تنتهي، و على أساسها تقوم و تدوم.
الباب الأول: التحضيرات لغزوة الخندق
الباب الثاني: معركة الخندق
الباب الثالث: غزوة بني قريظة
الباب الرابع: غزوة المريسيع
الباب الخامس: حديث الإفك
الباب السادس: زواج زينب و أحداث أخرى بعد المريسيع
الباب السابع: سرايا و غزوات بين المريسيع و الحديبية
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسٰاءُ وَ اَلضَّرّٰاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتّٰى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتىٰ نَصْرُ اَللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ نَصْرَ اَللّٰهِ قَرِيبٌ (1).
قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جٰاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيراً، إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا، هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً، وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً .
وَ إِذْ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لاٰ مُقٰامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ اَلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنٰا عَوْرَةٌ وَ مٰا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّٰ فِرٰاراً، وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطٰارِهٰا ثُمَّ سُئِلُوا اَلْفِتْنَةَ لَآتَوْهٰا وَ مٰا تَلَبَّثُوا بِهٰا إِلاّٰ
1) الآية 214 من سورة البقرة.
يَسِيراً، وَ لَقَدْ كٰانُوا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ مِنْ قَبْلُ لاٰ يُوَلُّونَ اَلْأَدْبٰارَ وَ كٰانَ عَهْدُ اَللّٰهِ مَسْؤُلاً قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْفِرٰارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَ إِذاً لاٰ تُمَتَّعُونَ إِلاّٰ قَلِيلاً، قُلْ مَنْ ذَا اَلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اَللّٰهِ إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لاٰ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَلِيًّا وَ لاٰ نَصِيراً، قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذٰا جٰاءَ اَلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشىٰ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَإِذٰا ذَهَبَ اَلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدٰادٍ أَشِحَّةً عَلَى اَلْخَيْرِ أُولٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً، يَحْسَبُونَ اَلْأَحْزٰابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ اَلْأَحْزٰابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بٰادُونَ فِي اَلْأَعْرٰابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبٰائِكُمْ وَ لَوْ كٰانُوا فِيكُمْ مٰا قٰاتَلُوا إِلاّٰ قَلِيلاً، لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اَللّٰهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللّٰهَ كَثِيراً، وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً، مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً، لِيَجْزِيَ اَللّٰهُ اَلصّٰادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ اَلْمُنٰافِقِينَ إِنْ شٰاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً، وَ رَدَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنٰالُوا خَيْراً وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً، وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظٰاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مِنْ صَيٰاصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (1).
1) الآيات 9-27 من سورة الأحزاب.
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ، اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ، إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ، اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ .
و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و بعد. .
فان حديثنا في هذا القسم سيكون-إن شاء اللّه-عن غزوة الأحزاب: «الخندق» و هي الغزوة التي سميت سورة قرآنية باسمها بسبب أهميتها البالغة. .
و حيث إن الحديث عن هذه الغزوة سوف يتخذ منحى تحقيقيا و تتبعيا، بالإضافة إلى وقفات تحليلية سريعة و مقتضبة، و متناثرة هنا و هناك، فسيكون من الصعب على القارئ لملمة أطراف الحديث و جمع شتات المطالب، و ربط بعضها ببعض و لو في حدود الخطوط العامة للحدث. و لأجل ذلك رأينا أن نذكر نصا مختصرا لهذه الغزوة يكاد يقتصر على عناوينها العامة.
فنقول:
إنه في السنة الرابعة-كما هو الأقوى-أو في الخامسة-سار عدد من اليهود إلى مكة و استنفروا أهلها لقتال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و استئصال المسلمين. واتصلوا أيضا بقبيلة غطفان، و قبائل عربية أخرى و حرضوهم على حرب محمد، و وعدوهم بالأموال؛ فساروا و هم ألوف كثيرة إلى المدينة لإنجاز هذا المهم.
فبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» خبرهم، حفر خندقا حول المدينة من الجهة المكشوفة منها. و جعل للخندق أبوابا، و جعل على الأبواب حرسا.
و قد شارك النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه في حفر الخندق، و ظهرت له «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ كرامات و معجزات، سنذكرها في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.
و قد عسكر «صلى اللّه عليه و آله» إلى جنب جبل سلع، و جعل الخندق بينه و بين الأحزاب، و جعل النساء و الصبيان في بعض حصون المدينة، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم. و كان لواء النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع علي «عليه السلام» .
و لما وافى الأحزاب فوجئوا بالخندق، و نزلوا في الجهة الأخرى منه، و حاصروا المسلمين.
و ذهب حيي بن أخطب اليهودي إلى بني قريظة، و لم يزل بهم حتى نقضوا العهد مع المسلمين.
فلما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك أرسل إليهم من يثبت له الأمر فرجعوا إليه و أخبروه بأن ما بلغه صحيح؛ فاشتد الأمر على المسلمين
و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، و عظم البلاء، و نجم النفاق، و كثر الخوض، و بلغت القلوب الحناجر.
و قال المنافقون و الذين في قلوبهم مرض: مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً .
و كان أمير المؤمنين «عليه السلام» على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم. و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحرس بنفسه بعض مواضع الخندق.
و لم يكن بين المسلمين و المشركين قتال إلا الرمي بالنبل و الحصا. و كان المشركون يتناوبون على الخندق، فلا يمكنهم عبوره و المسلمون يمنعونهم بالنبل و الحجارة.
و أصيب يومئذ سعد بن معاذ «رحمه اللّه» بسهم، رماه به حبان بن العرقة.
و قيل: رماه به أبو أسامة الجشمي، أو خفاجة بن عاصم.
فجعل سعد «رحمه اللّه» في خيمة رفيدة، التي كانت تداوي فيها الجرحى. و يبدو أن جماعات من المسلمين قد تركوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و فروا، و اختبأوا في حديقة هناك و فيهم عمر بن الخطاب و طلحة، و قد كشفت عائشة أمرهم، و ذلك بعد إصابة سعد بن معاذ.
كما إن النصوص تؤكد على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بقي في ثلاث مئة من المسلمين.
بل في نص آخر: إنه لم يبق مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوى اثني عشر رجلا فقط.
و قد تحدثت الآيات القرآنية عن هؤلاء الفارين، فراجع سورة الأحزاب.
و مهما يكن من أمر: فقد انتدب فوارس من المشركين فأتوا مكانا ضيقا من الخندق، و أكرهوا خيلهم على عبوره، فعبره عكرمة بن أبي جهل، و عمرو بن عبد ود، و ضرار بن الخطاب الفهري، و هبيرة بن أبي وهب، و حسل بن عمرو بن عبدود، و نوفل بن عبد اللّه المخزومي.
فخرج أمير المؤمنين «عليه السلام» في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها. و طلب عمرو بن عبد ود البراز فلم يبرز إليه أحد من المسلمين، و خافوا منه خوفا شديدا، لما يعرفون من شجاعته و فروسيته، و كان يعد بألف فارس. و طلب عليّ «عليه السلام» من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأذن له بمبارزته فلم يأذن له.
فكرر النداء، و أنشد الشعر، و عيّر المسلمين المحجمين عنه فطلب علي الإذن مرة أخرى فلم يأذن له الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما كان في المرة الثالثة، و لم يبادر إلى ذلك سوى علي «عليه السلام» أذن له النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عممه و دعا له، و قال: برز الإيمان كله إلى الشرك كله. فبارزه علي «عليه السلام» فقتله. و قتل ولده حسلا، و نوفل بن عبد اللّه، وفر الباقون.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «ضربة علي يوم الخندق تعدل {أو أفضل من} عبادة الثقلين إلى يوم القيامة» .
و زعمت بعض الروايات: أن الذي قتل نوفلا هو الزبير، و سيأتي الإشكال في ذلك.
و تزعم بعض الروايات: أن نعيم بن مسعود قد ساهم في إحداث
الفتنة بين بني قريظة و بين المشركين.
و لكن الظاهر: هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي ألقى فيما بينهم بذور الخلاف و الشك كما سنوضحه.
ثم أرسل اللّه سبحانه الريح على المشركين فكانت تكفأ قدورهم، و تطرح خيامهم، و تعبث بكل ما يحيط بهم، و قذف اللّه في قلوبهم الرعب، فعادوا بالخزي و الخيبة، و الرعب يلاحقهم، و كفى اللّه المؤمنين القتال.
و قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ: الآن نغزوهم و لا يغزوننا، فكان كما قال. .
و في هذا القسم تجد التفصيل لكل ذلك، مع بعض التحقيق و التكذيب و التصديق، و التعديل و التحليل، حسبما يقتضيه المقام فإلى ما يلي من مطالب و فصول:
الفصل الأول: الأحزاب إلي المدينة
الفصل الثاني: الخندق في خطة الحرب و الدفاع
الفصل الثالث: حفر الخندق: أحداث و دلالات
الفصل الرابع: كرامات في نطاق السياسة الإلهية
الفصل الخامس: جيش المسلمين و جيش المشركين في المواجهة
الفصل السادس: غدر بني قريظة
الفصل السابع: معنويات الجيشين و الرعب و الخوف أيام الحصار
لقد كان لتوالي الحروب في المنطقة فيما بين المسلمين من جهة و بين أعدائهم من اليهود و المشركين و من تبعهم من جهة أخرى، و انشغال المسلمين الدائم بهذه الحروب تأثير قوي على حالة المسلمين الإقتصادية، حيث اختلت الحياة التجارية و الحرفية و ظهرت عوارض خطيرة فيما يختص بالشأن الزراعي، حيث كانت الزراعة بمثابة العمود الفقري للإقتصاد بالنسبة لأهل المدينة على الخصوص.
و قد بدأت بوادر الحاجة الملحة في النواحي المعيشية، و شحة المواد الغذائية تظهر بصورة و بأخرى في هذا المجتمع الإسلامي الصغير الناشئ، و المحاط بالأعداء، و المستهدف بالشر و السوء من كل ناحية و مكان.
و بعد أن خاض المسلمون عدة حروب، و مروا بأزمات كثيرة في أكثر من اتجاه، و بعد كسر شوكة بني النضير، و كشف خياناتهم و إفشال مؤامراتهم، و بعد غزوة ذات الرقاع و غيرها. . جاء تأجيل المشركين للحرب في بدر الموعد بسبب رعبهم و خوفهم ثم استفادة المسلمين تجاريا من سوق بدر بهذه المناسبة أمرا يبعث على الإرتياح، و يثير البهجة و الأمل، و الشعور لديهم بإمكانية تحسن الأوضاع المعيشية، حيث يتوفر الوقت الكافي لإعادة
تنظيم مواسمهم الزراعية، و الإنتعاش إقتصاديا في مجالات أخرى من حرفية، و تجارية و غيرها في أجواء يهيمن عليها السلام و الأمن، و الطمأنينة النسبية.
هذا بالإضافة إلى توفر الوقت لمواجهة المشكلات التي خلفتها الحروب السابقة، فردية كانت أو اجتماعية، و محاولة وضع الحلول المناسبة لها، أو التخفيف من وطأتها. و عسى و لعل يمكنهم أيضا ترتيب العلاقات بمن يحيطون بهم في المنطقة بصورة أكثر حميمية و صفاء، و صياغتها بصورة أكثر قوة و ثباتا عنها من ذي قبل.
ثم إنهم بعد وفوق كل ذلك يصبحون أقدر على ممارسة دور الإعلام المركز و الهادئ للدعوة الإلهية التي يحملونها، و يقومون بواجبهم في نشرها، لتقوم على أسس متينة و رصينة من القناعات العقلية و الوجدانية، و لتثمر من ثم حياة في الفكر، و يقظة في الضمير و مسؤولية و طهرا في الوجدان.
فجاءت حرب الأحزاب المفاجئة لتبدد كل هذه الآمال، و لتزيد من قسوة الظروف، و مرارة المعاناة، و لتكون الكابوس المخيف و المخيف جدا. خصوصا بما تميزت به من حشد بشري هائل، و إعداد و استعداد لم تعرفه المنطقة من قبل. مع هذا الإجماع المستقطب تقريبا على العداء لهم من مختلف القبائل و الديانات و الشعوب التي تعيش في المنطقة. يصاحبه اطمينان إلى التعاطف و التأييد من كل الآخرين من أي الديانات، أو الفئات كانوا، في جزيرة العرب، أو في خارجها.
ثم إن حركة الأحزاب قد جاءت محرجة للمسلمين إلى درجة كبيرة و خطيرة من الناحية العسكرية و الاستراتيجية الحربية، لأنها اتخذت صفة
هجوم شامل عليهم، من مختلف المواضع و المواقع، إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ .
يقابل ذلك: ضعف ظاهر لدى المسلمين، في العدة و في العدد، و اختراق خطير من قبل الأعداء لصفوف أهل الإيمان، من خلال قوى النفاق التي كانت تتغلغل داخل جسم هذا المجتمع الإسلامي الصغير و الناشئ.
هذا كله، بالإضافة إلى المشاكل المعيشية و الحياتية على مستوى الفرد و الجماعة. سواء تلك المشاكل الناشئة عن الحروب و المواجهات مع الأعداء، أو المشاكل التي تنشأ عادة من صياغة حياة اجتماعية لفئات تعاني أصلا من تناقضات كثيرة فيما بينها، بسبب اختلافها في مستوياتها و في حالاتها الطبيعية و العارضة، و بسبب وجود الكثير مما هو من مخلفات الجاهلية الرعناء.
و لا ننسى هنا الإشارة إلى ضعف تأثير العامل القبلي لدى الفريق الإسلامي، لأن المسلمين كانوا لا يشكلون تيارا قبليا زاخرا و هادرا ذالون واحد، لأنهم عبارة عن مجموعات صغيرة من قبائل شتى، فيبقى الشعور و العصبية للقبيلة هو العامل الأضعف تأثيرا على صعيد رص الصف، و تقوية البنية، و تأكيد اللحمة الداخلية. و إنما الحالة الإيمانية و الدينية وحدها هي التي توحدهم، و تشد من أزرهم، و تشحذ فيهم الهمم، و تبعث فيهم روح الإباء و الشمم. و قد كانت هذه الروح في بدايات تكوينها لدى الكثيرين منهم فلم تكن مؤهلة للصمود كثيرا و طويلا في المواضع الصعبة و الخطيرة.
و أخيرا. . نشير إلى أن تحزيب الأحزاب قد انطلق من خلال قناعة تامة،
و من شعور أكيد بأن قوة المسلمين قد بلغت حدا لم يعد يمكن القضاء عليها إلا بحشد كامل و شامل لكل القدرات و القوى المادية و المعنوية على مستوى المنطقة بأسرها. و هذا ما حصل بالفعل، كما سنرى. و يمكرون و يمكر اللّه، و اللّه خير الماكرين.
لقد ذكر المؤرخون-و النص في أكثره للواقدي-: أنه لما أجلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يهود بني النضير، ساروا إلى خيبر. و كان بها من اليهود قوم أهل عدد و جلد {و ليس لهم من البيوت و الأحساب ما لبني النضير} فخرج عدد من اليهود، بعضهم من بني وائل و الباقون من بني النضير، و هم بضعة عشر رجلا، أو حوالي عشرين، خرجوا إلى مكة يدعون قريشا واتباعها إلى حرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» . و كان ذلك في السنة الرابعة، أو الخامسة أو السادسة للهجرة.
و هؤلاء هم-كما ورد في النصوص المختلفة-: حيي بن أخطب، و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، و هوذة بن الحقيق، و هوذة بن قيس الوائلي {أو الوالبي كما في الإرشاد} و هو أوسي من بني خطمة، و ابو عامر الراهب أو أبو عمار، -الوائلي-أو أبو عمارة الوالبي، كما عند المفيد في نفر من بني والبة.
و زاد البعض: سلام بن مسلم.
و أضاف آخر: «حوج بن عامر، و أبا رافع، و الربيع بن أبي الحقيق» (1).
1) راجع: جامع البيان ج 5 ص 86 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 513 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 408 فقد ذكر أبا عمار و حوج بن عمرو.
و أضاف غيره: «سلام بن أبي الحقيق، لكن عند ابن الأثير: عبد اللّه بن سلام بن أبي الحقيق» .
قال المفيد: «فصاروا إلى أبي سفيان لعلمهم بعداوته لرسول اللّه، و تسرعه لقتاله، فذكروا له ما نالهم منه. و سألوه المعونة على قتاله، فقال: إنا لكم حيث تحبون، فاخرجوا إلى قريش، فادعوهم إلى حربه، واضمنوا النصرة لهم، و الثبوت معهم حتى تستأصلوه. فطافوا على وجوه قريش، و دعوهم إلى حرب النبي» .
و يستمر الواقدي و غيره فيقولون: فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا.
أو قالوا: سنكون معكم عليه، حتى نستأصله و من معه.
قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم و نزعكم؟
قالوا: نعم. جئنا لنحالفكم على عداوة محمد و قتاله.
قال أبو سفيان: مرحبا و أهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
زاد في نص آخر قوله: «و لكن لا نأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا، حتى نطمئن إليكم؛ ففعلوا» (1).
قال النفر: فأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها، أنت فيهم، و ندخل نحن و أنت بين أستار الكعبة، حتى نلصق أكبادنا بها ثم نحلف
1) و يقال: إن ذلك أيضا قد كان في مرة سابقة، و ذلك حين جاء كعب بن الأشرف و من معه، يطلبون منهم المسير إلى حرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين. و ربما يكون ذلك قد حصل مرة واحدة، لكن الأمر قد اشتبه على الرواة. و اللّه هو العالم بحقيقة الحال.
باللّه جميعا: لا يخذل بعضنا بعضا، و لتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل، ما بقي منا رجل.
ففعلوا، فتحالفوا على ذلك، و تعاقدوا.
ثم قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم رؤساء أهل يثرب و أهل العلم و الكتاب الأول، فسلوهم عما نحن عليه و محمد: أينا أهدى؟ !
قالت قريش: نعم.
فقال أبو سفيان: يا معشر اليهود، أنتم أهل الكتاب الأول و العلم، أخبرونا عما أصبحنا فيه نحن و محمد، ديننا خير أم دين محمد؟ ! فنحن عمّار البيت، و ننحر الكوم {أي الناقة عالية السنام} ، و نسقي الحجيج، و نعبد الأصنام.
قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق، إنكم لتعظمون هذا البيت و تقومون على السقاية، و تنحرون البدن (1)، و تعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه. فأنزل اللّه في ذلك: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلاٰءِ أَهْدىٰ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (2). فاتّعدوا لوقت وقتوه.
و في نص آخر: «فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أجمعوا لذلك و اتّعدوا له» .
فقال صفوان بن أمية: يا معشر قريش، إنكم قد وعدتم هؤلاء القوم لهذا الوقت و فارقوكم عليه، ففوا لهم به! لا يكون هذا كما كان وعدنا محمدا
بدر الصفراء، فلم نف بموعده، و اجترأ علينا بذلك. و قد كنت كارها لميعاد أبي سفيان يومئذ.
فخرجت اليهود حتى أتت غطفان (و قيس عيلان)و أخذت قريش في الجهاز، و سيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها، و ألّبوا أحابيشهم و من تبعهم.
ثم خرجت اليهود حتى جاؤوا بني سليم، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش، ثم ساروا في غطفان، فجعلوا لهم تمر خيبر سنة، و ينصرونهم و يسيرون مع قريش إلى محمد، إذا ساروا.
فأنعمت بذلك غطفان، و لم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن.
قال ابن خلدون: و خرج بهم عيينة بن حصن على أشجع (1).
1) المغازي للواقدي ج 1 ص 441-443، و ذكرت هذه النصوص باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 512 و 513 و عيون الأثر ج 2 ص 55 و حبيب السير ج 1 ص 359 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 178 و الثقات ج 1 ص 264 و 265 و الدر المنثور ج 2 ص 172 عن ابن إسحاق، و ابن جرير و جامع البيان ج 5 ص 86 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 225 و 226 و إعلام الورى ص 90 و تفسير القرآن الكريم ج 2 ص 513، و الوفاء ص 692 و أنساب الأشراف ج 1 ص 343. و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 398 ففيه نصوص تختلف عن الذي ذكرناه و راجع ص 408 و 409 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 233 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 233 فما بعدها و البداية و النهاية ج 4 ص 94 و 95 و جوامع السيرة النبوية ص 148 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 و 182 و البدء و التاريخ ج 4 ص 216 و 217 و تجارب الأمم ج 1 ص 149 و نهاية الأرب ج 17 ص 166 و 167 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 29 و السيرة الحلبية ج 2 ص 309 و 310 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 188 و 189 و تفسير القمي ج 2 ص 176-188 و البحار ج 20 ص 216-233 و 197 و 250 و 251 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 262 و 263 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 216-218 و حدائق الأنوار ج 2 ص 584 باختصار، و الإرشاد للمفيد ص 50 و 51 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 201 و 202 و مجمع البيان ج 8 ص 340.
و ذكر البعض: أن كنانة بن أبي الحقيق جعل نصف تمر خيبر لغطفان في كل عام (1).
و ذكروا أيضا: أن قريشا كتبت إلى رجال من بني سليم، بينهم و بينهم أرحام، استمدادا لهم، فأقبل أبو الأعور بمن تبعه من بني سليم مددا لقريش. ثم كتب اليهود إلى حلفائهم من بني سعد أن يأتوا إلى إمدادهم (2).
و حسب نص البلاذري: «و كان عيينة بن حصن الفزاري أسرع القوم إلى إجابتهم، ثم أتوا بني سليم بن منصور فسألوهم مثل ذلك فأنجدوهم
1) الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158، لكن ذكرت مصادر أخرى: أنهم جعلوا لهم تمر خيبر سنة، فراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 217 و أنساب الأشراف ج 1 ص 343 و السيرة الحلبية ج 2 ص 310. و راجع أيضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و المغازي للواقدي ج 2 ص 443 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و فتح الباري ج 7 ص 301 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و راجع: الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 159 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 398 و 399.
و ساروا في جميع العرب ممن حولهم، فنهضوا معهم. فخرجت قريش في من ضوى إليها و لافها من كنانة و ثقيف و غيرهم و لحقتهم أفناء العرب عليه قادتها و كبراؤها» (1).
و يستمر الواقدي فيقول: و خرجت قريش و من تبعها من أحابيشها أربعة آلاف.
و عقدوا اللواء في دار الندوة.
زاد في بعض المصادر قوله: «و حمله عثمان بن أبي طلحة، و قائد القوم أبو سفيان» .
و قادوا معهم ثلاث مئة فرس، و كان معهم من الظهر ألف بعير، و خمس مئة بعير.
و أقبلت سليم فلاقوهم بمر الظهران، و بنو سليم يومئذ سبع مئة يقودهم سفيان بن عبد شمس، حليف حرب بن أمية، و هو أبو أبي الأعور، الذي كان مع معاوية بن أبي سفيان بصفين.
لكن عند القمي: أن قائدهم هو عباس بن مرداس. و خرج أيضا الأقرع بن حابس في قومه.
و خرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب.
و خرجت بنو أسد، و قائدها طلحة {طليحة ظ} بن خويلد الأسدي.
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 343.
و خرجت بنو فزارة و أوعبت (1)، و هم ألف يقودهم عيينة بن حصن. و نص آخر يقول: «خرجت غطفان و قائدها عيينة بن حصن» .
و خرجت أشجع و قائدها مسعود بن رخيلة {أو مسعر بن زحيلة أو جبلة} و هم أربع مئة، و لم توعب أشجع.
(و عند المفيد: و وبرة بن طريف في قومه من أشجع).
و خرج الحارث بن عوف يقود قومه بني مرة، و هم أربع مئة (2).
1) أوعب القوم: خرجوا كلهم إلى الغزو.
2) المغازي للواقدي ج 1 ص 444 و ذكر ذلك باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: الإكتفاء ج 2 ص 159 إعلام الورى ص 90 وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 233 و 236 و الوفاء ص 692 و 693 و الثقات ج 1 ص 265، و عيون الأثر ج 2 ص 55 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 190 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 178 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 231 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 189 و راجع: جوامع السيرة النبوية ص 148 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 233 و 234 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 و البداية و النهاية ج 4 ص 95 و راجع ص 102 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و الإمتاع ج 1 ص 218 و 219 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 513 و 514 و الإرشاد للمفيد ص 51 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و تفسير القمي ج 2 ص 177 و البحار ج 20 ص 217 عنه و ص 197 و 251 و مجمع البيان ج 8 ص 340 و نهاية الأرب ج 17 ص 167 و عيون الأثر ج 2 ص 56 و محمد في المدينة ص 54 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 301 و شرح الأخبار ج 1 ص 291.
و وافى الأحزاب المدينة بعد أن فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من حفر الخندق (1). و كان الذين وافوا من قريش، و سليم، و غطفان، و أسد عشرة آلاف بقيادة أبي سفيان؛ فنزلت قريش برومة، و وادي العقيق في أحابيشها، و من ضوى إليها من العرب، و نزلت غطفان بالزغابة إلى جانب أحد.
و جعلت قريش تسرح ركابها في وادي العقيق، في عضاهه و ليس هناك شيء للخيل إلا ما حملوه معهم من علف، و كان علفهم الذرة. و سرحت غطفان إبلها إلى الغابة، في أثلها و طرفائها.
و قدموا في زمان حصد الناس زرعهم قبله بشهر. و أدخلوا حصادهم، و أتبانهم. و كانت غطفان ترسل خيلها في أثر الحصاد-و كانت خيل غطفان ثلاث مئة-فيمسك ذلك من خيلهم لكن إبلهم كادت تهلك من الهزال. و كانت المدينة ليالي قدموا جديبة (2).
1) تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 262 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و حدائق الأنوار ج 2 ص 587 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 197 و غير ذلك.
2) المغازي للواقدي ج 2 ص 444. و راجع إجمال أو تفصيل ذلك في: الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و الثقات ج 1 ص 266 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 190 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 231 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 236 و 237 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 و 198 و البداية و النهاية ج 4 ص 102 و 103 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 525 و 526 و تفسير القمي ج 2 ص 179 و 180 و البحار ج 20 ص 221 و عيون الأثر ج 2 ص 58.
و يقول نص آخر: نزلت كنانة برومة، و غطفان بالزغابة إلى نقمي (1). و عند البعض: نزلت قريش بمجتمع السيول من رومة، بين الجرف و زغابة. و نزل عيينة في غطفان و من معه من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان {أو ذنب نقمي}(2).
و نص آخر يقول: نزلت قريش بمجتمع السيول من رومة، بين الجرف و رباعة (3)و لعله تصحيف: زغابة.
أما القمي فقال: نزلت قريش و حلفاءها من كنانة بالعقيق و نزلت فزارة بالزغابة و نزلت سليم و غيرهم حصن بني ذبيان (4).
و لنا فيما تقدم العديد من المناقشات و التحفظات، كما أنه يحتاج إلى بعض الإيضاحات. و نحن نذكر فيما يأتي نماذج لكلا هذين الأمرين، فنقول:(5)-ج 3 ص 197 و 198 و البداية و النهاية ج 4 ص 102 و 103 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 525 و 526 و تفسير القمي ج 2 ص 179 و 180 و البحار ج 20 ص 221 و عيون الأثر ج 2 ص 58.
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 455.
2) الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و فتح الباري ج 7 ص 307 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و فيه: أنه واد بجانب أحد. و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 109 و فيه: نزلوا بنقمين. و جوامع السيرة النبوية ص 149.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 483.
4) تفسير القمي ج 3 ص 180 و البحار ج 20 ص 221 عنه.
5) الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و فتح الباري ج 7 ص 307 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و فيه: أنه واد بجانب أحد. و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 109 و فيه: نزلوا بنقمين. و جوامع السيرة النبوية ص 149.
لقد اختلف المؤرخون في تاريخ غزوة الخندق.
فقالت طائفة منهم: إنها كانت سنة خمس من الهجرة.
ذهب إلى ذلك: الواقدي و ابن إسحاق، و المقريزي، و الطبري، و ابن الأثير، و البيهقي، و الذهبي، و ابن حبيب، و ابن الكازروني و المقدسي، و ابن القيم، و ابن حجر، و ابن العماد، و المسعودي.
و كذا روي عن عروة، و قتادة و أحمد، و غيرهم كثيرون، كما يتضح من المصادر في الهامش (1).
1) لكي تجد القول بأن هذه الغزوة كانت في السنة الخامسة، إما بصورة قول تبناه المؤلف أو يذكره بلفظ قيل، راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 440 و 441 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 224 و 241 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 395 و البدء و التاريخ ج 4 ص 217 و صححه، و شذرات الذهب ج 1 ص 11، و مختصر التاريخ ص 42 و المختصر في اخبار البشر ج 1 ص 134 و عيون الأثر ج 2 ص 55 و 64 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 178 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 233 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 188 و 195 و تفسير القمي ج 2 ص 176 و البحار ج 20 ص 216 و 208 عنه و نقله في ص 271 عن إعلام الورى لكن الموجود في إعلام الورى أنها في الرابعة. و المحبر ص 113 و مروج الذهب ج 2 ص 219 و الثقات ج 1 ص 264 و وفاء الوفاء ج 1 ص 300 و حبيب السير ج 1 ص 359 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 262 و بهجة المحافل ج 1 ص 262 بلفظ: قيل. و إمتاع الأسماع ج 1 ص 216 و الجامع للقيرواني ص 279 و 281 و التنبيه و الإشراف ص 115 و أنساب الأشراف ج 1 ص 343 و مجمع البيان ج 8 ص 208 و نهاية الأرب ج 17 ص 166 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 302 عن ابن إسحاق و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 561 و نسبه إلى الجمهور. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 93 و 94 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 و 181 و تاريخ الخميس ج 1 ص 479 و 480 عن ابن إسحاق و فتوح البلدان ج 1 ص 23 و صفة الصفوة ج 1 ص 455-459 و الطبقات الكبرى ج 2 ق 2 ص 47 و ج 4 ق 1 ص 60 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 367 و سيرة مغلطاي ص 56 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و الرصف ج 1 ص 60 بلفظ قيل. و راجع: جوامع السيرة النبوية ص 148 و تاريخ الإسلام للذهبي و المغازي ص 205 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 289 و 290.
أما اليعقوبي فيقع في الغلط، حيث يقول: إن الخندق كانت «في السنة السادسة، بعد مقدم رسول اللّه بالمدينة بخمسة و خمسين شهرا» (1).
فإن عدد الأشهر المذكور يقتضي أن تكون في السنة الخامسة لا السادسة، كما هو ظاهر.
و ثمة فريق آخر يقول: إن هذه الغزوة كانت في السنة الرابعة و هو ما ذهب إليه مالك، ورواه أحمد في مسنده عنه.
و ذهب إليه أيضا: ابن العربي، و عياض، و ابن حزم، و ابن الديبع، و الصاحب بن عباد و ابن حبيب، و صححه ابن خلدون، و النووي في الروضة و قوّاه البخاري ورواه موسى بن عقبة عن الزهري، و به قال
1) تاريخ اليعقوبي {ط دار صادر} ج 2 ص 50.
الفاكهاني في رياض الأفهام، و يعقوب بن سفيان (1).
بل قال ولي الدين العراقي: «المشهور أنها في السنة الرابعة» (2).
و مقتضى هذا القول: أن أبا سفيان قد خرج لبدر الموعد في شعبان ثم
1) راجع المصادر التالية، فإنها قد ذكرت هذا القول في: عنوان المعارف في ذكر الخلائف ص 12 و جوامع السيرة النبوية ص 148 و قال: الثابت أنها في الرابعة بلا شك. و المحبر ص 113 و صحيح البخاري ج 3 ص 20 و فتح الباري ج 7 ص 302 و البداية و النهاية ج 4 ص 93 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 و إعلام الورى ص 90 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و شرح صحيح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري ج 8 ص 64 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 و 33 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و تاريخ مختصر الدول ص 95 و وفاء الوفاء ج 1 ص 300 و تاريخ الإسلام {المغازي} للذهبي ص 205 و 244 عن ابن عقبة عن ابن شهاب، و عروة عن ابن عقبة، و النووي. و شذرات الذهب ج 1 ص 11 عن النووي. و راجع: الجامع للقيرواني ص 279 و 281 عن مالك، و سيرة مغلطاي ص 56 و بهجة المحافل ج 1 ص 262 و عيون الأثر ج 2 هامش ص 55 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 393 و 395 و 400 و 394 و مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 76 و مرآة الجنان ج 1 ص 9 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و السيرة الحلبية ج 2 ص 328 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 216 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 561 و حدائق الأنوار ج 1 ص 52 متنا و هامشا عن الدرر في اختصار المغازي. و السير للقرطبي ص 179 و ذهب إليه العاقولي في الرصف ج 1 ص 60.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110.
عاد و خرج إلى الخندق في شوال السنة الرابعة، كما ذهب إليه البعض (1).
و عند الواقدي: أنها كانت في ذي القعدة.
و قد حاول البيهقي الجمع بين هذين القولين، فقال: «قلت: لا اختلاف بينهم في الحقيقة، و ذلك لأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قاتل يوم بدر لسنتين و نصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين و نصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين و نصف من مقدمه المدينة.
فمن قال سنة أربع، أراد: بعد أربع سنين، و قبل بلوغ الخمس.
و من قال: سنة خمس، أراد: بعد الدخول في السنة الخامسة و قبل انقضائها (2).
و نقول: إن الظاهر هو صحة قولهم: إن غزوة الخندق كانت في السنة الرابعة، وفقا لما اعتادوه من التاريخ، و لا حاجة إلى وجه الجمع الذي ذكره البيهقي و لا لغيره، و ذلك لما يلي:
1-لقد قوّى البخاري القول بأنها كانت في السنة الرابعة بقول ابن عمر: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرضه يوم أحد، و هو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، ثم عرضه يوم الخندق، و هو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. .
و من المعلوم: أن أحد كانت في سنة ثلاث.
و قد استدل بهذا أيضا: النووي، و ابن حزم، و ابن خلدون و غيرهم (1).
و قد احتمل البعض: أن يكون ابن عمر في غزوة أحد أول ما طعن في الرابعة عشرة، و في الأحزاب كان قد استكمل الخامسة عشرة. و بهذا أجاب البيهقي (2).
1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 20 و ج 2 ص 69 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 29 و 33 و جوامع السيرة النبوية ص 148 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 205 و 244 و فتح الباري ج 7 ص 302 و شرح صحيح مسلم للنووي {مطبوع بهامش إرشاد الساري} ج 8 ص 64 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 94 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 105 و أنساب الأشراف ج 1 ص 343 و 344 بإضافة كلمة: «و أشف منها» . و المغازي للواقدي ج 2 ص 453 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 310 و 311 و مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 17 و صحيح مسلم ج 6 ص 30 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 850 و السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 561 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 396 و الجامع الصحيح للترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل و المرأة ج 3 ص 632 و 633 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 241 و 242 و الغدير ج 10 ص 4 عن البخاري، و فتح الباري، و عن عيون الأثر ج 2 ص 6 و 7 و عن تاريخ الطبري ج 2 ص 296.
2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و فتح الباري ج 7 ص 302 و السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 244 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 94 و السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 561 و راجع دلائل النبوة للبيهقي ج 3 هامش ص 395.
ثم أيد البعض هذا الاحتمال: بأن أبا سفيان قال للمسلمين، حين انتهت حرب أحد: موعدكم العام المقبل ببدر.
ثم لم يأت إلى بدر في ذلك الموعد، بسبب الجدب. و خرج إليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في شعبان سنة أربع، و رجع، و لم يلق كيدا. و هي الغزوة المسماة ببدر الموعد.
فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد ذلك بشهرين لأجل غزوة الخندق (1).
و يؤيد ذلك أيضا: قول البعض: «كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين (2).
و نقول: لو صح ما ذكروه لكان الفرق بين أحد التي هي في شوال السنة الثالثة، و الخندق التي هي في ذي القعدة السنة الخامسة سنتين و شهرا، و هذا يعني: ان ابن عمر كان عمره في الخندق ست عشرة سنة.
فإذا جاز أن يقول: إنه ابن أربع عشرة سنة، لأنه كان أول ما طعن فيها، كان عليه أن يقول: إنه كان في الخندق ابن ست عشرة سنة، لأنه كان طعن فيها أيضا بصورة أوفى، و ذلك ليجري الكلام في صدره و ذيله على نسق واحد.
و لكان على عمر بن عبد العزيز و عمر بن الخطاب أن يجعلا العطاء لمن بلغ ست عشرة سنة، استنادا إلى قضية ابن عمر المذكورة، فكيف فرضا إلى ابن خمس عشرة سنة استنادا إلى ذلك؟ ! (1).
و قد صرح ابن حزم: بأنه قد صح أنه لم يكن بين أحد و الخندق إلا سنة واحدة فقط و أنها قبل دومة الجندل بلا شك (2).
أما قولهم: إنه لا يعقل أن يأتوا المدينة بعد شهرين من بدر الموعد،
فجوابه: إن ذلك معقول، إذا كان التعلل من قبل المشركين بالجدب كان جبنا منهم، و هروبا من المواجهة، ثم لما وجدوا الرجال و الأموال، و جمعوا عشرة آلاف مقاتل أو أكثر بكثير، فلا شيء يمنعهم عن انتهاز الفرصة، في أي من الظروف و الأحوال.
2-و مما يدل على أن غزوة الخندق كانت سنة أربع، قولهم: إن أبا زيد بن ثابت قد قتل يوم بعاث، و كان عمر زيد حينئذ ست سنين، و كانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين (3)و كان عمر زيد حين قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة إحدى عشرة سنة (4).
1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 311 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 و البداية و النهاية ج 4 ص 94.
2) جوامع السيرة النبوية ص 148.
3) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 و شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و راجع: تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 عن الواقدي.
4) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 عن زيد نفسه، و تهذيب التهذيب ج 3 ص 399-
ثم يقولون: إن أول مشاهد زيد الخندق (1)لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجازه يوم الخندق (2)و هو ابن خمس عشرة سنة (3).
و يروى عن زيد قوله: أجازني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الخندق و كساني قبطية (4).
و عنه: أجزت يوم الخندق، و كانت وقعة بعاث و أنا ابن ست سنين (5).
و عنه: لم أجز في بدر، و لا في أحد، و أجزت في الخندق (6).
(4) -و الثقات ج 3 ص 136 و صفة الصفوة ج 1 ص 704 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 427 و 428 و تهذيب الكمال ج 10 ص 25 و 27 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 200 و 201 و الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 1 ص 551 و شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449.
1) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 و شذرات الذهب ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و راجع: تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 عن الواقدي.
2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 و مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31 و كنز العمال ج 10 ص 281 عن الطبراني و ص 284 عن ابن عساكر.
3) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و مجمع الزوائد ج 9 ص 345.
4) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 432 و في هامشه عن الطبراني و تهذيب الكمال ج 10 ص 29 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449.
5) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 433 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و تهذيب الكمال ج 10 ص 30.
6) الإصابة ج 1 ص 561.
و توفي زيد سنة ثمان و أربعين، و عمره تسع و خمسون سنة (1).
و قال الواقدي: مات سنة خمس و أربعين، و هو ابن ست و خمسين سنة (2)و كل ذلك يؤيد ما قلناه، و يدل عليه.
و أورد بعضهم: على كون الخندق في السنة الرابعة، بأن من المعلوم: أن غزوة بني قريظة قد كانت في السنة الخامسة، و معلوم أنها كانت عقيب الخندق (3).
و أجيب عن ذلك: بأن الخندق يمكن أن تكون قد استمرت إلى أواخر الرابعة (4)، لا سيما إذا صح قولهم: إنهم استمروا في حفر الخندق شهرا (5)و أن الحصار قد استمر شهرا أيضا (6)مع ملاحظة: أن ابن سعد يقول: إن الخندق قد كانت في شهر ذي القعدة (7).
هذا، بالإضافة إلى حصاره «صلى اللّه عليه و آله» الطويل لبني قريظة حسبما سيأتي. بعد ما تقدم نقول: إنه لا حاجة إلى الإفاضة في بيان خطأ قول البعض: أن الخندق كانت سنة خمس باتفاق المؤرخين باستثناء ابن خلدون (8).
1) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 و تهذيب الكمال ج 10 ص 31.
2) صفة الصفوة ج 1 ص 704 و 705.
3) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 و السيرة الحلبية ج 2 ص 228 و 229.
4) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 و راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 229
5) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4.
6) ستأتي الأقوال في ذلك، حينما نتكلم عن مدة حفر الخندق في هذه الغزوة
7) السيرة الحلبية ج 2 ص 228، و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 440.
8) محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تأليف محمد رضا ص 227.
و ذكرت النصوص الآنفة الذكر: أن الأحزاب قدموا المدينة في زمان حصد الناس زرعهم قبله بشهر، و أدخلوا حصادهم و أتبانهم.
و كانت غطفان ترسل خيلها في أثر الحصاد-و كان خيل غطفان ثلاث مئة-فيمسك ذلك من خيلهم. لكن إبلهم كادت تهلك من الهزال، و كانت المدينة ليالي قدموا جديبة (1).
و من جهة ثانية: فإن غزوة بني قريظة كانت بعد الخندق مباشرة.
و يذكر الزهري: أن أبا لبابة الذي خان اللّه و رسوله فيها، قد ارتبط في المسجد في حر شديد (2)و كان يوما صائفا (3).
و معنى ذلك هو: أن الأحزاب قد قدموا المدينة في أواسط فصل الصيف، أو أواخره، لأن الحصاد يكون عادة في أوائل فصل الصيف لا سيما في بلاد الحجاز المتميزة بشدة الحر فيها.
و هذا يلقي ظلالا من الشك على ما يزعمونه من أن غزوة الخندق كانت «في أيام شاتية» (4)أو «في برد شديد» (5)أو «في زمن شات، و ليال باردة
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 444 و الإمتاع ج 1 ص 219 و سبل الهدى و الرشاد و غير ذلك من مصادر تقدمت.
2) المغازي للواقدي ج 2 ص 507.
3) المغازي للواقدي ج 2 ص 514.
4) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162.
5) الجامع للقيرواني ص 281 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 و البداية و النهاية ج 4 ص 95 و 96 عن البخاري.
كثيرة الرياح» (1).
و سيأتي: أن عائشة كانت تدفئ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم يحفرون الخندق، كما يزعمون.
و ستأتي: سائر النصوص و المصادر لذلك، حينما نتكلم عن أسباب هزيمة الأحزاب و عن حفر الخندق.
إلا أن يقال: أن الحصاد قد يستمر إلى الخريف، فلا مانع من البرد و الشتاء حينئذ.
و بالمناسبة؛ فإن كتاب «التقويم التطبيقي لألف و خمس مئة سنة هجرية قمرية و ميلادية» (2). قد ذكر: أن أول شهر شوال للسنة الرابعة الهجرية يوازي يوم 6 من شهر آذار سنة 626 م، و أول شهر ذي القعدة يوازي يوم 4 من شهر نيسان، و أول ذي الحجة يوازي 4 أيار.
أما في سنة خمس؛ فإن شوال و ذاالقعدة، و ذاالحجة توازي 23 شباط حتى 23 أيار.
و هذا التطبيق يخالف ما ذكره المؤرخون في تاريخ غزوة الخندق.
أما بناء على ما ذكره الواقدي فواضح، لأننا قدمنا أن مقتضى كلام الواقدي هو أن غزوة الخندق قد حصلت في أواخر الصيف و أن انصراف
الأحزاب من الخندق كان في الخريف.
و أما بناء على ما ذكره الآخرون، فإن من الواضح: أنهم يذكرون: أن الأحزاب قد انصرفوا في ليلة باردة شاتية، و أن انصرافهم كان في أواخر ذي الحجة، أي في أواخر شهر أيار.
و من الواضح: أن الجو في الحجاز، و في المدينة لا يكون في هذا الوقت باردا و لا شاتيا فضلا عما يذكرونه من برد كان يقاسيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم يحفرون الخندق-كما سيأتي-في شوال أو في ذي القعدة. فإن الجو في المدينة يكون في هذه الأيام في أعدل أحواله، كما هو معلوم من حال منطقة الحجاز لكل أحد.
قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن الحارث بن عوف قد شارك في حرب الخندق. و لكن قد روى الزهري، و كذلك بنو مرة خلاف ذلك، فذكروا: أنه لما أجمعت غطفان على السير أبى الحارث بن عوف المسير، و قال لقومه:
«تفرقوا في بلادكم، و لا تسيروا إلى محمد، فإني أرى أن محمدا أمره ظاهر. و لو ناوأه من بين المشرق و المغرب؛ لكانت له العاقبة؛ فتفرقوا في بلادهم، و لم يحضر واحد منهم» (1).
و في نص آخر: أنه قال لعيينة بن حصن، و لقومه من غطفان: «يا قوم أطيعوني، و دعوا قتال هذا الرجل، و خلوا بينه و بين عدوه من العرب»
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 443 و راجع: الإكتفاء ج 2 ص 159.
فغلب عليهم الشيطان، و قطع أعناقهم الطمع، و نفذوا لأمر عيينة على قتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طلحة في من اتبعه من بني أسد الخ. . (1).
و قال المقريزي و الحلبي الشافعي: «و قيل: لم تحضر بنو مرة» (2).
لكن الواقدي يصر على: أن بني مرة قد شهدوا الخندق، بقيادة الحارث بن عوف، و هجاه حسان شعرا.
و ذكروا: أنه كان بينه و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» جوار.
و قال الواقدي: «فكان هذا أثبت عندنا: أنه شهد الخندق في قومه. و لكنه كان أمثل تقية من عيينة» (3).
و قال الواقدي أيضا: «لم يحضر الخندق الحارث بن عوف و لا قومه. و يقال: حضرها الحارث بن عوف.
قال ابن واقد: و هو أثبت القولين عندنا» (4).
و قد ذكرت بعض النصوص أيضا: أبا رافع اليهودي في جملة من حرض المشركين و حزّب الأحزاب في غزوة الخندق (5).
و نقول: إن أبا رافع قد قتل كما يقولون في السنة الثالثة في جمادى الآخرة منها (1)، و ذلك بعد قتل ابن الأشرف، و قيل بعد أحد، و قيل في السنة الرابعة (2).
و لكن من الواضح: أن ذلك كان قبل وقعة الخندق، التي كانت في أواخر الرابعة، و استمرت حتى الخامسة، هي و غزوة بني قريظة، كما رجحناه، أو كانت في السنة الخامسة.
و لو كان أبو رافع حيا في غزوة الخندق، لكان المناسب أن يذكر مقتله بعد الخندق، لا بعد أحد، فراجع و لاحظ كلماتهم.
و قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن أبا الأعور السلمي كان قائد بني سليم في غزوة الأحزاب ضد المسلمين (3).
و لكن الظاهر: هو صحة ما ذكره الواقدي و غيره، من أن أبا الأعور السلمي هو الذي حضر مع الأحزاب في حرب الخندق (4).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 182 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 146.
2) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 148 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 183.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و مجمع البيان ج 8 ص 340 و نهاية الأرب ج 17 ص 180 و البحار ج 20 ص 197 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و البدء و التاريخ ج 4 ص 217 و الإكتفاء ج 2 ص 159.
4) راجع المغازي للواقدي ج 2 ص 444 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 218.
و يدل على ذلك: قول قيس بن سعد للنعمان بن بشير: إنه لم يكن مع معاوية غيره و غير صويحبه مسلمة بن مخلد (1)كما سيأتي. فلو كان أبو الأعور صحابيا لم يصح قول قيس هذا. فيظهر أن الراوي، أو الناسخ قد أسقط كلمة {أبا} الأولى، إما اشتباها أو سهوا، أو لحاجة في نفسه قضاها.
و الذي نخشاه هو: أن يكون هذا الإسقاط قد جاء لخدمة هدف سياسي من نوع ما، كأن يكون هو دعوى أن أبا الأعور قد لقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و رآه، و ذلك بهدف الإيحاء بصحة دعوى كون أبي الأعور من الصحابة، و ذلك تدعيما لموقف معاوية بتكثير عدد الصحابة معه، و إيجاد شبهات حول بغيه على إمام زمانه.
و لكن مراجعة كتب الرجال و التراجم توجب المزيد من الشك و الريب في هذا الأمر، فقد قال العسقلاني: «قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: أدرك الجاهلية، و لا صحبة له و حديثه مرسل، و تبعه أبو أحمد العسكري. و ذكره البخاري في من اسمه عمر. و لكن لم يذكره في الصحابة. .» .
إلى أن قال: «و قال ابن حبان في ثقات التابعين: يقال له صحبة» (2)و نقل ابن منظور عن ابن عساكر قوله:
«يقال: له صحبة. و يقال: لا صحبة له» (3).
و الذي يلفت نظرنا هنا: هو توثيقهم لأبي الأعور (1)، رغم تصريحهم بأنه كان أشد من عند معاوية على علي «عليه السلام» ، و كان علي «عليه السلام» يدعو عليه في القنوت في آخرين (2).
بل لقد قال ابن الأثير: «كان من أعيان أصحاب معاوية، و عليه كان مدار الحرب بصفين» (3).
فمقام أبي الأعور لدى معاوية و خدماته لعرش الشام و ضديته مع علي «عليه السلام» قد جعل الكثيرين ممن يسيرون في هذا الاتجاه يهتمون بصياغة الفضائل له، لأنها ستكون في نهاية الأمر فضائل لمعاوية نفسه. و لعلهم أرادوا أن يلبسوه ثوب الصحبة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أجل تكثير الصحابة عند معاوية، بهدف إيجاد شبهات حول بغيه على إمام زمانه، كما قلنا.
و قد تعودنا من هذا النوع من الناس محاولات من هذا القبيل، تهدف إلى تقليل عدد الصحابة مع علي «عليه السلام» ، و زيادتهم مع خصومه، حتى ليروون عن الشعبي أنه قال: «من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر
إلا أربعة فكذبه. كان علي و عمار في ناحية، و طلحة و الزبير في ناحية» (1).
و يظهر أن أمير المؤمنين «عليه السلام» و أصحابه قد التفتوا إلى هذا الأمر و لذلك نجدهم يتحدثون عن حضور الصحابة معهم، و يعطون ارقاما دقيقة في هذا المجال.
فقد رووا: أن ناسا من قراء أهل الشام لحقوا بعلي «عليه السلام» فقال عمرو بن العاص لمعاوية عن علي «عليه السلام» في جملة كلام له: «و إنه قد سار إليك بأصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» المعدودين، و فرسانهم، و قرائهم، و أشرافهم، و قدمائهم في الإسلام، و لهم في النفوس مهابة الخ. .» .
فجمع معاوية أجناد أهل الشام و خطبهم، فبلغ عليا «عليه السلام» ذلك، فأمر الناس فجمعوا.
قال أبو سنان الأسلمي: «و كأني أنظر إلى علي متوكئا على قوسه، و قد جمع أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنده، فهم يلونه و (كأنه) أحب أن يعلم الناس: أن أصحاب رسول اللّه متوافرين عليه، فحمد اللّه ثم قال الخ. .» (2).
و قال سعيد بن قيس في خطبة له: «و قد اختصنا اللّه منه بنعمة فلا نستطيع أداء شكرها، و لا نقدر قدرها: أن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا، و في حيزنا؛ فو اللّه الذي هو بالعباد بصير: أن لو كان قائدنا حبشيا مجدعا إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا؛ لكان ينبغي لنا أن
تحسن بصائرنا الخ. .» (1).
و يقول الأشتر في صفين: «و أنتم مع البدريين، قريب من مائة بدري، و من سوى ذلك من أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» . .» (2)
و قد كان لهم أثر عظيم في الحرب و لا سيما الأنصار منهم كما اعترف به معاوية، فراجع (3).
و قد قالوا: كان مع علي «عليه السلام» ثمان مئة رجل ممن بايع النبي «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة.
و عن سعيد بن جبير: كان مع علي رضي اللّه عنه يومئذ ثمان مئة رجل من الأنصار، و تسعمائة ممن بايع تحت الشجرة.
و عن الأعمش: كان معه ثمانون بدريا، و ثمان ماءة من أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» (4).
و قال الزبير بن بكار: «شهد صفين مع أمير المؤمنين «عليه السلام» من أهل بدر سبعة و ثمانون رجلا، منهم سبعة عشر رجلا من المهاجرين، و سبعون من الأنصار، و أما من باقي الصحابة فكان معه ألف و ثمان مئة، منهم تسعون رجلا بايعوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة» (5).
و يعترف معاوية بأن المهاجرين و الأنصار كانوا مع علي «عليه السلام» ، فهو يقول لابن عباس: «فاذكروا علي بن أبي طالب و محاربته إياي، و معه المهاجرون و الأنصار الخ. .» (1).
و قال قيس بن سعد للنعمان بن بشير: «انظر أين المهاجرون و الأنصار و التابعون بإحسان، الذين رضي اللّه عنهم، ثم انظر: هل ترى مع معاوية غيرك و صويحبك؟ ! الخ. .» (2).
و المراد بصويحبه: مسلمة بن مخلد.
لقد تحدثت النصوص التاريخية المتقدمة عن قوله تعالى:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلاٰءِ أَهْدىٰ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً، أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً، أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ فَإِذاً لاٰ يُؤْتُونَ اَلنّٰاسَ نَقِيراً، أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ. . (3).
فذكرت: أن هذه الآيات قد نزلت في هؤلاء اليهود الذين ذهبوا إلى مكة، و إلى سائر القبائل ليحرضوهم على قتال النبي «صلى اللّه عليه و آله» فجمعوا الجموع، و حزّبوا الأحزاب، فكانت غزوة الخندق.
و نقول:
إننا نشك في أن تكون هذه الآية قد نزلت في هذه المناسبة و ذلك لما يلي: 1-هناك روايات تقول: إن هذه الآية قد نزلت في مناسبة أخرى سبقت غزوة الخندق. و ذلك لما ذهب كعب بن الأشرف إلى قريش، يحرضهم على غزو المسلمين، فسألوه عن أن أي الفريقين أهدى، فأجابهم بما يقرب مما سبق.
و ذكروا أيضا: أنهم طلبوا منه أن يسجد لأصنامهم، ليطمئنوا إلى أنه لا يمكر بهم؛ ففعل، مجاراة لهم.
و ظاهر بعض النصوص الأخرى: أن هذه الآيات قد نزلت في مكة قبل الهجرة حيث ذكرت نزول سورة الكوثر في هذه المناسبة أيضا، و هي إنما نزلت قبل الهجرة (1).
1) الدر المنثور ج 2 ص 171-173 عن الطبراني، و البيهقي في الدلائل عن عكرمة عن ابن عباس. و عن سعيد بن منصور، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلا. و عن أحمد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس. و عن عبد الرزاق، و ابن جرير عن عكرمة. و عن ابن جرير عن مجاهد. و عن عبد بن حميد، و ابن جرير عن السدي، عن ابي مالك. و عن البيهقي في الدلائل، و ابن عساكر في تاريخه عن جابر عن عبد اللّه. و عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن قتادة و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 249 و مجمع البيان ج 3 ص 59 و التفسير الكبير ج 10 ص 128 و التبيان ج 3 ص 223 و 224 و 225 و البحر المحيط ص 271 و النهر الماد من البحر {مطبوع بهامش البحر المحيط} ج 3 ص 271 و الكشاف {ط دار الفكر} ج 1 ص 532 و جامع البيان ج 5 ص 85 و 86 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 513 و فتح القدير ج 1 ص 478 و 479 و تفسير الخازن ج 1 ص 368 و مدارك التنزيل للنسفي {مطبوع بهامش تفسير الخازن} ج 1 ص 369.
إلا أن يقال: إنها مما تكرر نزوله.
2-قيل: كان أبو برزة كاهنا في الجاهلية، فتنافس إليه ناس ممن أسلم، فنزلت الآية. عن عكرمة (1).
إن القصة التي يحكيها المؤرخون قد فرضت وجود فريقين هما: جماعة اليهود، و المشركون.
و قد سأل المشركون اليهود عن الأهدى؟ هم أم المسلمون؟
فأجابهم اليهود: أنتم أولى بالحق.
مع أن الآية تفرض الفريقين يتحدثان عن فريق ثالث أشير إليه بقولهم: هٰؤُلاٰءِ أَهْدىٰ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (2).
أي أن اليهود قالوا للمشركين: هؤلاء أهدى، و لم يقولوا لهم: أنتم أهدى. فلا ينطبق مدلول الآية على روايات المؤرخين، سواء رواية كعب بن الأشرف، أو حيي بن أخطب، أو رواية أبي برزة الآنفة الذكر.
إلا أن يقال: في الآية التفات من الخطاب بالضمير إلى الإشارة بكلمة هؤلاء، و الالتفات موجود في القرآن.
و النكتة المسوغة لهذا الالتفات هي: أن اللّه سبحانه قد قال: وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا. . فجاء بصيغة المضارع ليفيد: أن هذا النهج في التعامل مستمر في هذا النوع من الناس. و ليست القضية قضية مضت و ذهبت، قد
تكون لها ظروفها و مبرراتها، فلا تمثل خطأ مستمرا لهؤلاء الناس.
فلما عبر تعالى عما حدث بصيغة المضارع، فإنه لم يعد بالإمكان أن يقول: «أنتم أهدى» ، لأن الخطاب لما صار فعليا فيحتمل فيه أن يكون موجها لهؤلاء الناس الذين يسمعون الآية من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخاطبهم «صلى اللّه عليه و آله» بها، و يحتمل أن يكون خطابا للكافرين أيضا.
فهو من قبيل ما لو قلت لرجل: زيد قال لعمرو: أنت رجل فاسق، فكلمة أنت رجل فاسق يحتمل فيها أن تكون موجهة لمخاطبك أنت، و يحتمل أن تكون موجهة لعمرو.
إذن. . فلا بد في الآية من التصرف في خطاب أولئك الناس و الإتيان بالمضمون بطريقة تدفع هذا الالتباس.
و هكذا كان، فإنه تعالى استخرج مضمون كلامهم و هو أن هؤلاء أي الكفار المشركين الذين خاطبهم أهل الكتاب {و هم غير من يخاطبهم النبي بالقرآن فعلا} أهدى من المؤمنين.
فاتضح: أن الآية لا تنافي سياق الحدث التاريخي الذي هو مورد البحث.
لقد رأى اليهود عن كثب كيف أن المسلمين يزدادون قوة و يزداد الإسلام انتشارا باستمرار.
و يرون أن نفوذهم كمصدر وحيد للمعارف بدأ ينحسر و يتلاشى و ها هو الإسلام ينتقد ما يدّعيه اليهود من ذلك و يفنده، و يبيّن الصحيح من
المزيف منه. و هو بذلك يزلزل مكانتهم، و يفقدهم الشيء الذي كانوا و لا يزالون يعتزون و يفتخرون و يتسامون به على الناس.
و يبطل مزعمتهم بأنهم شعب اللّه المختار، و يرفع شعار: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ و لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
فاحترقت قلوبهم بالغيظ و طفحت بالحقد، و تآمروا على هذا الدين و نقضوا عهودهم التي قطعوها على أنفسهم، و جرّوا على أنفسهم البلاء و العناء. و كانت واقعة بني قينقاع، ثم واقعة بني النضير.
و هم يريدون أن يأخذوا بثأرهم حسب زعمهم، و لكنهم يدركون عجزهم عن ذلك بأنفسهم، فالتجأوا إلى تأليب قريش و العرب الموتورين من الإسلام، و الطامعين بتحقيق مكاسب مالية و غيرها من حرب كهذه.
و يقول القاضي النعمان ما ملخصه: إن يهود المنطقة، و هم أهل نعم و أموال، و أصحاب رياسة، قد أزعجهم انتشار الإسلام، لأنهم رأوا أنهم يفقدون هيمنتهم على المنطقة و على أهل الشرك الذين يكذبون بالبعث، فجحدوا رسول اللّه و شككوا الآخرين ما أمكنهم بنبوته.
فلما كان من أمر أحد ما كان، ندموا على عدم المساعدة على حرب محمد، لأنهم رأوا أنها كانت فرصة، و لو أقام المشركون على الحرب لظفروا بالمسلمين؛ فأرسلوا إلى أبي سفيان و وعدوه النصر، فوجد أنها فرصة. و طلب منهم أن يعلنوا للناس بتكذيب محمد، لأن الناس يركنون إليهم، لأنهم أهل كتاب.
فمضى وجوههم و ساداتهم إلى مكة، و شهدوا للمشركين بأنهم أهدى من محمد سبيلا، فوثقوا بهم، و مشوا معهم إلى قبائل العرب ليقنعوهم
بحرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» و استئصاله، و تعاقدوا على ذلك الخ. . (1).
قد اتضح مما تقدم: أن اليهود كانوا هم الذين خططوا لحرب الخندق، و اتصلوا بقريش و بغطفان، و سائر القبائل، و حرضوهم، و شجعوهم، و ساعدوهم على التفاهم و الإتفاق ثم المبادرة إلى غزو النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و المسلمين في المدينة و بذلوا لهم من أموالهم ثلث ثمار خيبر أو أكثر من ذلك.
و قد بدا واضحا من سير الأحداث: أن اليهود أشد حقدا و حنقا على الإسلام و المسلمين. و أنهم رغم كل الآيات و الحقائق التي كانوا يعرفونها و يشاهدونها لم يستطيعوا أن يتفاعلوا مع هذا الدين، و لا تذوقوا طعم الإيمان به. إلا أفراد قليلون منهم وفقهم اللّه لنيل هذه الكرامة و الفوز بهذا الشرف العظيم من أمثال مخيريق الشهيد السعيد رحمة اللّه تعالى عليه و رضوانه.
ثم إنهم منذ دخل الإسلام إلى المدينة لم تجتمع لهم كلمة على حربه، لأنه دخل قويا عزيزا بتحالفه مع القبائل ذات النفوذ في المنطقة، و لا سيما الأوس و الخزرج. ثم لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عقد تحالفات معهم بين الحين و الآخر.
و لم يزل اليهود في موقع الضعف و الهوان في قبال عز الإسلام و منعته،
1) شرح الأخبار ج 1 ص 288-291.
و نفوذه و شوكته.
فالتجأوا منذ اللحظة الأولى إلى مناوأته بأساليب التآمر و الغدر و الخيانة، و إذكاء الفتن، و إثارة النعرات العرقية و غيرها، و كان هذا هو السبيل الذي اختاروه لأنفسهم، بعد أن صدوا عن سبيل اللّه، و اتخذوا آيات اللّه هزوا.
أما المشركون فإنهم حين يستجيبون لليهود، فإنما يستجيبون لإنقاذ سمعتهم، و استعادة هيبتهم التي اهتزت و أصيبت بنكسة قوية بسبب تخلفهم عن بدر الموعد، لدواعي حقد دفين يعتل في نفوس الكثيرين منهم، أو إلى نوازع الطمع و الجشع و حب الحصول على شيء من حطام الدنيا كتمر خيبر، لدى كثيرين آخرين، كما و يستجيب فريق آخر لنداء الشيطان، الذي يزين لهم أعمالهم و يعدهم و يمنيهم، و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فيصرون على الجحود و على الإستكبار و العتو و العلو. و إن ربك لبالمرصاد.
و لكن حين يفرض الإيمان و الإسلام نفسه عليهم، فإنك تجد الأمر لا يصل في صعوبته و تعقيده إلى الدرجة التي نجدها عند اليهود رغم وضوح الأمر لدى اليهود.
حتى إنهم ليعرفون هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما يعرفون أبناءهم، و يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، و ليس الأمر بالنسبة للمشركين كذلك، إلا أنهم يرون المعجزات و الكرامات، و يقيم «صلى اللّه عليه و آله» عليهم الحجة، حتى لا يبقى عذر لمعتذر، و لا حيلة لمتطلب حيلة.
هذا، و من المضحك المبكي هنا: أننا نجد اليهود يريدون أن ينتصروا على محمد و المسلمين بواسطة قريش و القبائل العربية، و قريش تريد أن تحقق هذا
الهدف بالذات بالإفادة من خيانة اليهود، و مساعدة قبائل غطفان و غيرها.
أما غطفان و غيرها من القبائل العربية: فتريد الحصول على المال و لكن بالاعتماد على جهد القريشي و كيد اليهودي. و لم يكن اهتمامها باستئصال شأفة الإسلام و المسلمين يصل إلى درجة اهتمام قريش و اليهود بذلك-كما ربما يظهر من بعض المؤلفين.
أما أهداف الحرب: فهي كما يظهر من كلامهم السابق استئصال محمد و من معه، و لكننا إذا أردنا تحديد ذلك بدقة، فإننا نقول:
لقد حدد علي «عليه السلام» هدف الأحزاب و العرب من الحرب و قال: «إن قريشا و العرب تجمعت، و عقدت بينها عقدا و ميثاقا، لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول اللّه، و تقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب» (1).
و نعتقد: أن هذا الكلام هو الأقرب و الأنسب فيما يرتبط بتحديد الهدف الأقصى للحرب، فإن كلامهم المتقدم في النصوص التي أوردناها، و إن كان ينص على استئصال محمد و من معه، إلا أن استئصال جميع من مع النبي من الأوس و الخزرج، و سائر قبائل العرب لن يكون سهلا و لا ميسورا لهم. و لا يمكن لهم أن يقدموا على إذكاء نار قد لا يمكنهم إطفاء لهيبها على مدى أجيال و لسوف ينالهم منها الشيء الكثير و الخطير كما هو معلوم. .
1) الخصال {باب السبعة} ج 2 ص 368 و البحار ج 20 ص 244 و شرح الأخبار ج 1 ص 287 و الإختصاص ص 166 و 167.
أما قتل محمد و بني عبد المطلب، فهو الأسهل و الأيسر، و به يتحقق المطلوب، و لماذا يذهبون إلى أبعد من ذلك؟ !
غير أن من الواضح: أن هذا لن يقنع اليهود، لأن هدفهم هو استئصال محمد و جميع من معه. و لعل ذلك يفيدهم في إعادة بسط هيمنتهم و نفوذهم على يثرب و على المنطقة.
أما غطفان و سائر القبائل فيهمها تمر خيبر بالدرجة الأولى، اما استئصال محمد و المسلمين فلا ترى فيها أية سلبية، بل هو أمر محبوب بالنسبة إليها و مطلوب.
قد قرأنا فيما سبق: أن اليهود يقولون للمشركين: «جئنا لنحالفكم على عداوة محمد و قتاله» .
فأجابهم أبو سفيان: «مرحبا و أهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد» .
و الذي نريد أن نلفت النظر إليه هنا: هو أن هؤلاء الناس لم يكلفوا أنفسهم حتى تلطيف عباراتهم، و عقلنة تصريحاتهم. بل أظهروا كل ما يضمرونه من سوء دونما رادع من خلق، أو وازع من عقل أو شرف أو منطق.
فلم يقولوا لأهل مكة مثلا: إننا جئنا لأجل أن نتدارس الأمور، بموضوعية و إنصاف، ثم بحكمة و بمسؤوليه، واضعين في حسابنا الحفاظ على المصالح الاجتماعية العامة، و توفير الأمن و الاستقرار للناس، و تجنيبهم
مآسي الحروب و سلبياتها على جميع الأصعدة، و في مختلف الاتجاهات، و إعطاء الناس الفرصة لبناء حياتهم بناء سليما، ثم الإعداد لمستقبلهم، في ظلال من السلام و الأمن، و فراغ البال و اطمئنان الخاطر.
كما إنهم قد أخفوا ما يضمرونه من الطموح إلى تحقيق مكاسب سياسية، و امتيازات على صعيد النفوذ و الهيمنة على المنطقة، أو فيما هو أوسع منها.
و لم يعترفوا أيضا: أن مصالحهم الدنيوية، و ما فيها من أموال و تجارات و مواقع و مناصب و لذائذ، لها دور في اندفاعهم إلى حرب محمد و من معه، لظنهم أنهم سوف يخسرون الكثير مما سيتأثرون به لأنفسهم على حساب غيرهم من الناس المستضعفين و المحرومين.
بل غاية ما صرّحوا به: هو أن دافعهم ليس إلا الأحقاد و الضغائن، و العداوات الباطلة، و البغي و الحسد، بل لا مبرر ظاهر سوى أنهم لا يريدون لهؤلاء الناس أن يقولوا: ربنا اللّه، و ليس ربنا الحجارة، و لا يريدون أن يتخذوا الطواغيت أربابا من دون اللّه.
و صدق اللّه تعالى حيث يقول: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنّٰاسِ عَدٰاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا. . (1).
قد عرفنا: أن اليهود إنما قدموا مكة ليتحالفوا و يتعاقدوا مع المشركين
1) الآية 82 من سورة المائدة.
على استئصال محمد «صلى اللّه عليه و آله» و من معه حسب زعمهم، حيث قالوا لقريش: «نحن معكم حتى نستأصل محمدا» أو «سنكون معكم حتى نستأصله و من معه» .
كما أنهم و هم يقررون ما يتعاقدون عليه، قالوا: «و لتكون كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل» .
و ذلك يعني: 1-أن هدفنا المعلن هو استئصال شأفة الإسلام و المسلمين.
2-أنهم مصممون على تحقيق هذا الهدف بأسلوب الحرب حتى آخر رجل منهم.
3-أن هذه المبادرة منهم قد جاءت عن طريق خيانتهم لعهودهم و مواثيقهم التي كانوا قد أبرموها مع نفس الذين يريدون استئصالهم، مع العلم بأن ذلك الطرف لم يزل وفيا بعهده حافظا لمواثيقه معهم، و لم يحدث أن خان أو تردد في عهد مع أي فريق منهم، و لم يسئ إليهم و لا إلى غيرهم بشيء إلا ما يجرونه هم على أنفسهم بخياناتهم المتتالية، و هم يرتكبون هذه الخيانة رغم أنهم قد رأوا بأم أعينهم عواقب خيانة بني قينقاع، ثم خيانة بني النضير، و أكثرهم نضيريون، كما تقدم.
4-أن مبرر هذا الإجرام العظيم و البشع هو مجرد الحسد و الحقد منهم. بالإضافة إلى مكاسب سياسية، و اجتماعية و غيرها يحلمون بتحقيقها على المدى البعيد من خلال فرض هيمنتهم على المدينة و على غيرها بصورة و بأخرى.
فلم يكن الهدف عقيديا و لا إنسانيا و لا أخلاقيا. بل هم قد داسوا
بأقدامهم الإنسانية و الأخلاق و حتى مبادئهم و عقيدتهم التي يدّعون أنهم ينتسبون إليها و هذا هو منتهى الإسفاف، و غاية التردي في حمأة الجريمة و البغي.
و بعد. . فإن الملفت للنظر هنا: أننا نجد اليهود يفقدون صفة الأخلاقية و المبدئية في مواقفهم، و في مجمل تحركهم في مواجهة الإسلام و المسلمين، و كذلك نجد المشركين، خصوصا أبا سفيان، لا يختلف عن اليهود في ذلك.
فأبو سفيان يحاول أن يخدع قومه في حركته الهادفة إلى دفعهم إلى مواجهة الإسلام، حيث إن اليهود يتصلون به أولا، ثم يتفق معهم على دعوة الناس إلى استئصال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حين يطلبون ذلك من الناس علنا يظهر أبو سفيان بمظهر من يسمع هذا الكلام لأول مرة! !
ثم إنهم يصرحون: بأنهم جاؤوا للتحالف على العداء لمحمد، فلم يكن هذا المجيء، لمحاولة فهم دعوة هذا الرجل، و التعامل معه و معها بإنصاف و بموضوعية، و تعقل و تدبر كما أسلفنا.
كما أنهم يفضلون الاتصال أولا بأبي سفيان، و لم يكن المبرر لذلك إلا أنهم يعلمون بعداوته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تسرعه لقتاله فهم يريدون إذن توظيف حالة الحقد غير المسؤول لدى أبي سفيان، و حالة التسرع اللاواعي عنده لصالح تحقيق الأهداف التي يرمون إلى تحقيقها.
أضف إلى ما تقدم: أنهم لا يتورعون عن ارتكاب جريمة التضليل الإعلامي و التعليمي، و مخالفة قناعاتهم، و حتى أصول دينهم في هذا السبيل.
فهم يقررون للمشركين أن الشرك أهدى من التوحيد و أن دعوى الجاهلية خير من الهدي الإلهي.
هذا كله عدا عن استخدامهم المال أيضا كوسيلة لتحريك بعض الفئات لحرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» و من معه.
و إذا صحت الرواية التي تقول: إن أبا سفيان قد طلب من اليهود أن يسجدوا للأصنام، لأن قريشا خافت من مكرهم، فاستجاب اليهود و سجدوا للأوثان، و كذلك فعل كعب بن الأشرف و من معه، حين جاؤوا في مرة سبقت حرب الخندق لتحريض المشركين على حرب محمد-إذا صح ذلك-فإن الأمر يصبح في غاية الوضوح:
1-حيث يكون اليهود قد أسقطوا عن وجوههم جميع الأقنعة، و تجاوزوا كل حد، و كل الأرقام القياسية في سحق المثل و القيم، و المبادئ الأخلاقية و الإنسانية و أثبتوا أنهم و صوليون بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
و الغريب في الأمر: أننا نجدهم يعتمدون على الإيمان و المواثيق لإحكام أمرهم مع المشركين، و للحصول على الحد الأدنى من الاطمئنان و الوثوق ببعضهم البعض، رغم أنهم قد مارسوا-عمليا-أساليب من شأنها أن تنسف كل عوامل الثقة و لو بمستواها الأضعف و الأدنى.
و إلا، فهل يمكن أن يكون المشركون قد وثقوا باليهود لمجرد أنهم قد رأوهم يسجدون للأوثان؟ !
و هل اعتقد المشركون: أن اليهود قد تركوا يهوديتهم، و دخلوا في الشرك؟ !
و إذا كانت الإجابة بالنفي، فما معنى وثوقهم بأيمانهم و مواثيقهم؟ ! و ما معنى اطمينانهم إلى عدم مكرهم بهم، و خديعتهم لهم؟ !
أليست نفس استجابتهم لطلب المشركين بالسجود للأوثان دليلا على أنهم لا عهد، و لا ميثاق، و لا أيمان لهم؟ بل هي دليل على أنهم يخادعونهم و يمكرون بهم، و يريدون استخدامهم فيما يريدون بأية صورة كانت، و بأي ثمن كان؟ !
ألم يدرك المشركون: أن وثوقهم باليهود استنادا إلى ذلك معناه أنهم يخدعون أنفسهم؟ ! و يظهرون للملأ: أنهم على درجة كبيرة من الرعونة و السذاجة؟ !
2-و مما يزيد في ضراوة هذه الشكوك: أننا نجد اليهود، حين سألهم المشركون عن ذلك، قد طلبوا من المشركين أن يعرضوا عليهم دينهم و دين محمد، ليحكموا لهم أو عليهم.
فلما عرضوا ذلك عليهم أصدروا حكمهم لصالح دين المشركين، و أنهم أولى بالحق كما تقدم.
و السؤال هنا هو: هل صحيح أن اليهود كانوا لا يعرفون دين المشركين، الذين يعيشون بينهم و يتعاملون معهم منذ عشرات السنين؟ !
و هل كان المشركون أعرف بأمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» و بدعوته من اليهود، و هو يعيش بين ظهرانيهم، و قد عقدوا معه التحالفات و خاضوا معه الحروب، و لم يزل يدعوهم إلى دينه و يحتج عليهم و قد جاؤوا ليحرضوا الناس على حربه و استئصاله؟ !
3-و الأغرب من ذلك أن يخطر ببال أحد من المشركين و غيرهم: أن يجيب اليهود، الذين جاؤوا للتحريض على استئصال محمد، بغير ما أجابوا به! !
4-و الأعجب من ذلك: أن يعتبر الشرك دينا يصلح للمقارنة مع ما جاء به النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» من عند اللّه تعالى.
بقي أن نشير أخيرا: إلى هذا السخاء الذي تجلى في اليهود حتى جعلوا تمر خيبر سنة، أو نصفه كل سنة، لغطفان لتوافق على المشاركة في الحرب ضد الإسلام.
و لا ندري ما هو الدافع لهم للإقدام على هذه الخطوة؟ فهل كان هذا يستبطن غدرا و نقصا كما هو معروف عن اليهود؟ أي أنهم بعد أن يتخلصوا من عدوهم الأقوى و الأخطر بنظرهم يرفضون الوفاء بما تعهدوا به لغطفان.
و هل فكرت غطفان في هذا الأمر بصورة جدية و واقعية؟ !
و ما هو المبرر لهذه العداوة الراسخة من اليهود للاسلام و لنبي الإسلام؟ !
و كيف نفسر هذا السخاء الذي لا نظير له من قوم لم نعرف عنهم إلا المزيد من الحرص على المال و على الدنيا، و إلا الشح المزري، و البخل المشين؟ !
هذا السخاء قد جاء من أجل استئصال أناس لم يروا منهم إلا الوفاء و الصدق، و النبل و الالتزام بالقيم الإنسانية و المثل العليا! !
إن التفسير الوحيد المعقول لذلك هو: أنهم يشعرون أن الإسلام يمثل خطرا يتهدد دنياهم و امتيازاتهم، و هو يتناقض بصورة عميقة و أساسية مع ما يفكرون به، و يخططون له من استغلال لثروات البلاد، و إذلال و استعباد للعباد.
فلماذا إذا: لا يضحون ببعض المال من أجل إزاحة هذا الكابوس الجاثم على صدورهم؟ فإذا تمكنوا من ذلك، فإنهم سوف يستقبلون الدنيا
العريضة بكل ما لديهم من خطط ماكرة، و أساليب شيطانية، تجعلهم يتحكمون بكل مقدرات الأمم، و يهيمنون على كل نبضات الحياة فيها؟ !
إن من الواضح: أنه لم يكن لقوى الكفر قيادة موحدة، ترسم الخطة، ثم تتخذ القرار، ثم تعمل على تنفيذه، بل كانت لهم قيادات متعددة و مختلفة. و ذلك من شأنه أن يضعف أمرهم، و يوهن وحدتهم، مع وجود فرص تساعد على إلقاء الخلاف فيما بينهم و إذكاء روح التنافس، و إشاعة روح التشكيك ببعضهم البعض كما حصل لبني قريظة.
كما أن من البديهي: أنه لم يكن بإمكان كل قبيلة أن تستقل بعداوة محمد و قتاله، و كانت كل قبيلة تخشى من مواجهة المؤمنين وحدها.
فكان لا بد من تفاهم القبائل فيما بينها لتحصيل إجماع على الاجتماع على قتال محمد و صحبه.
فبادر اليهود إلى العمل لتحصيل هذا الإجماع، على أمل أن يحسموا الأمر لمصالحهم، و يكونون بذلك قد ثأروا لأنفسهم، و تصبح-من ثم-لهم هم الكلمة الأولى و الأخيرة في المدينة على الأقل، و يكون لهم النفوذ و التأثير القوي في المنطقة بأسرها. .
ثم إنه قد كان من جملة العوامل التي ساعدت على تجييش الجيوش و تحزيب الأحزاب، هو الوعود المالية السخية للناس، إذا نفروا لحرب المسلمين.
حتى لقد رفض بنو مرة نصيحة الحارث بن عوف، إذ قد «غلب عليهم
الشيطان، و قطع أعناقهم الطمع» (1).
و قد أظهر النص المتقدم: أن قريشا-و الظاهر: أن المقصود هو الزعماء منها-أرادت خداع السذج و البسطاء من الناس بالاستفادة من حالة الانبهار بأهل الكتاب، التي كانت لدى عامة الناس في المنطقة العربية، و التي كانت حين ظهور الإسلام تعاني من الجهل الذريع، الذي مكّن لشياطين أهل الكتاب أن يصوروا لهم: أنهم هم مصدر العلوم و المعارف، و هم المرجع الموئل و المفزع للناس فيما يهمهم من أمور الدين، و المعارف الدينية.
و استطاع أهل الكتاب أن يمسكوا بعواطف الناس، البسطاء و السذج و الجهلة، باستخدام طريقة التهويل و الإحالة على الغيب الذي يضعف أقوى الناس أمامه إذا كان يلامس مصيره و مستقبله بصورة أو أخرى.
و الملفت هنا: أن يستغل زعماء قريش هذه الفرصة للاستفادة من هذا الانبهار من أجل سوق الناس بالإتجاه الذي يريدون، و يرون أنه يحقق لهم مأربهم، و يوصلهم إلى أهدافهم الشريرة.
فيطلبون من الناس: أن يسألوا اليهود عن الأهدى من الفريقين: أهم بشركهم و ضلالاتهم؟ أم محمد «صلى اللّه عليه و آله» و ما جاء به من عند ربه من الهدى؟ و يأخذ أبو سفيان هنا زمام المبادرة ليلقي سؤاله بطريقة فنية
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480
و ذكية، حينما ضمّن كلامه خليطا من الأمور التي ترضي آنئذ غرور الإنسان العربي و القرشي على وجه الخصوص، بملاحظة طبيعة حياته، و عاداته و موقعه، ككونهم ينحرون الجزور الكوماء، و يسقون الحجيج، و كونهم عمّار البيت، ثم هم يعبدون الأوثان.
فيفهم اليهود ما يرمي إليه و يناغمونه الكيد و التزوير، و يحكمون لهم بأنهم أولى بالحق من محمد بالاستناد إلى نفس ما أراد أبو سفيان أن يستندوا إليه و ألقى إليهم به.
و يستوقفنا هنا: ما قاله الحارث بن عوف لقومه، و هو ينهاهم عن المسير إلى حرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها نصيحة مهمة تعبر عن إدراك حقيقي لما يجري، ثم هو يقيّم الواقع بصورة متوازنة، و عاقلة، حيث عبر لهم عن اعتقاده أن أمر الإسلام ظاهر و غالب، و لو ناوأه ما بين المشرق و المغرب لكانت له العاقبة.
و نعتقد: أنه قد أدرك هذا الأمر بحسن تقديره للأمور، و هو يراقب ما يطرح هذا الدين للناس من مفاهيم و تشريعات، و ما يمارسه من تدابير و سياسات تنسجم مع أحكام العقل و الفطرة السليمة، و مع الخلق السامي و النبيل. ثم هو يرى الواقع السياسي، و كل التحولات التي تستجد على المنطقة بصورة مطّردة و مستمرة، و يرى أن هذا الدين لا يزال ينتشر، و يتجذر، و يترسخ و تتنامى هيبته و تتأكد هيمنته، رغم كل الكيد الذي يواجهه به أعداؤه، و كل الحقد الذي يعامله به مناوئوه.
إن إلماح صفوان بن أمية إلى ما جرى في بدر الموعد، ليدل دلالة واضحة على: أن المسلمين قد سجلوا فيها نصرا مؤزرا للإسلام و هزيمة روحية و سياسية ساحقة لكبرياء الكفر و الشرك، ليس في مكة و حسب، و إنما في المنطقة بأسرها.
و لكن من دون أن يكلف ذلك المسلمين أية تضحيات، بل هم قد ربحوا في تجاراتهم في سوق بدر، حسبما تقدم بيانه.
ربما يفهم من كلام البعض: أن الحارث بن عوف كان يرتبط مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بجوار، لكنه اعتبره أحسن تقية من عيينة بن حصن.
و لعل السر في ذلك هو: أن الحارث، و إن كان قد نقض الجوار، الذي قد يقال: إنه يعني الالتزام بعدم الاعتداء، حفظا للجوار، مع أن البعض كالزهري، و بني مرة ينكرون أن يكون الحارث قد فعل ذلك، و يصرون على أنه لم يحضر حرب الخندق، إلا أن عيينة قد زاد على ما فعله الحارث: أنه لم يحفظ الجميل، بل جازى الإحسان إليه بالإساءة، و لكنها إساءة جاءت على درجة كبيرة من القبح، لأنها تضمنت خروجا على كل الأعراف، و القيم، و حتى أعراف الجاهلية.
فقد تقدم: أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كان قد سمح لعيينة، حينما أجدبت أرضه: أن يرعى في منطقة نفوذ و سيطرة و حاكمية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، لينقذهم من الخطر الذي يتهددهم، و يساعدهم على التغلب على
المشكلة الحياتية التي يعانون منها، رغم أنهم كانوا يختلفون معه «صلى اللّه عليه و آله» ، من جهة أنهم كانوا على شركهم و ضلالهم. ففعل «صلى اللّه عليه و آله» ذلك من دون أي مقابل، و دون أن يسجل لنفسه أي امتياز.
و قد عرف عن العرب: أنهم يعتزون ببعض المعاني التي يرون فيها شيئا من القيمة، مثل: حسن الجوار، و حفظه، و الوفاء بالعهد، و مقابلة الإحسان بمثله، و يعتبرون ذلك هو الرصيد الذي يؤهلهم لاحتلال مواقع إجتماعية متميزة، حتى إذا ما تبين لهم أن أحدا لا يملك شيئا من هذا الرصيد، فإنه يبوء بذل العمر، و عار الدهر، و هو عندهم ساقط و مرذول، أو هكذا زعموا.
و لكن الأمور عند هؤلاء الناس قد انعكست الآن، حيث أصبح العداء للإسلام و لنبي الإسلام هو العمل الصالح عندهم الذي يبيح لهم كل محرم، و تتهاوى و تسقط معه كل قيمهم و مثلهم، التي يعتزون بها، و يعطون الأوسمة و الامتيازات من خلالها و على أساسها.
فنقض العهود، و خفر الجوار، و الإساءة لمن أحسن، و كل خزي و عار لم يعد مهما عندهم إذا كان ذلك في قبال محمد «صلى اللّه عليه و آله» و ضد الإسلام و المسلمين. بل إن هذه المخازي قد أصبحت أوسمة لهم، و من دواعي تأكيد شخصيتهم، و بسط هيمنتهم بزعمهم.
و إلا، فكيف نفسر احتفاظ عيينة بن حصن، و كثيرين من أمثاله، بمواقعهم الاجتماعية، و هم قد أثبتوا أكثر من مرة أنهم لا يملكون شيئا من هذه المعاني التي قبلها العرب، و تبنوها، و تغنوا و افتخروا بها.
و قبل أن نخلص إلى نهاية القول، نقول: إن من الطبيعي للإنسان الذي يحتفظ بميزاته و خصائصه الإنسانية أن يشعر بالامتنان تجاه من يحسن إليه،
و يشعر بالاحترام و التقدير تجاه من يحسن جواره و كذلك تجاه من يتعامل معه بطريقة أخلاقية و إنسانية، حتى و لو كان يختلف معه في الرأي، و في العقيدة و الدين.
فإذا أراد أن يكون له موقف يختلف عن هذا، فلا بد أن يتناقض أولا مع نفسه، و يقوم صراع حاد مع تلك الخصائص النبيلة، و لن يكون قادرا على اتخاذ ذلك الموقف إلا بعد أن يتم التغلب عليها و قهرها.
و تختلف صعوبة اتخاذ القرار، و الموقف هذا باختلاف درجات البشاعة و الشين فيه، إلا إذا فرض: أن تلك المعاني الإنسانية قد تناهى بها الضعف، بسبب ممارسات سابقة، حتى بلغت درجة فقدت معها تأثيرها و فاعليتها. و أصبح الإنسان بذلك على درجة كبيرة من الصلف و اللامبالاة، و الوقاحة، و تحول إلى مجرم محترف، لا يبالي أي شيء يرتكب و يقترف، كما كان الحال بالنسبة لعيينة بن حصن، الذي هو موضع البحث.
و أخيرا: فإن عيينة بن حصن هذا هو الذي يروى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» وصفه بالأحمق المطاع، و كان من المؤلفة قلوبهم، و قد ارتد عن الإسلام بعد ذلك، و قاتل تحت قيادة طليحة بن خويلد الذي ادّعى النبوة. فلتراجع ترجمته في كتب الرجال و التراجم.
و الملفت للنظر هنا: أننا نجد المشركين يشكون في صحة ما هم عليه، كما أن طلب أبي سفيان من اليهود تصديق ما هم عليه يشير إلى طغيان هذه الشكوك إلى درجة كبيرة حتى احتاجوا إلى تسكينها و طمأنة الناس و تثبيتهم.
1-إن معرفة الإنسان بعدوّه تجعله أقدر على التعاطي معه من موقع القوة و الحزم، من خلال ما تهيئ له تلك المعرفة من قدرة على رسم الخطة السليمة، ثم التنفيذ الدقيق و الواعي.
و لا تقتصر هذه المعرفة المؤثرة على معرفة عناصر الضعف و القوة في العدة و في العدد، و سائر النواحي العسكرية، و الامتيازات الحربية. بل تتعداها إلى الإشراف على خصائص شخصية العدو و المعرفة بطبائعه، و أخلاقياته، و مبادئه و مفاهيمه، و عاداته و تقاليده و مستواه الفكري و العلمي، و ما إلى ذلك، مما له دور و تأثير في اتخاذ القرار العسكري، أو تسجيل الموقف على الصعيد السياسي، أو التعامل في مجال السلوك، و هكذا على الصعد كافة. ثم انعكاسات ذلك كله على التحرك باتجاه حشد الطاقات، و رسم الخطط، و الإعداد و الاستعداد للمواجهة و التصدي.
فإن التعامل مع العدو الذي يلتزم بالعهود و المواثيق، يختلف عنه مع من عرف أن من طبيعته الغدر، و عدم الوفاء. كما أن التعامل مع من يلتزم بعهده لدوافع دينية و عقيدية و مبدئية يختلف عن التعامل مع من يلتزم بذلك لدوافع أخرى. . و هكذا الحال في سائر النواحي و مختلف المواضع و المواقع.
2-و نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف تماما حقيقة ما يفكر به المشركون، و اليهود و المنافقون، و سائر القوى التي تحيط به. ثم هو يعرف طبيعة تركيبتهم السياسية و الاجتماعية و واقعهم الثقافي و الإقتصادي. ثم هو يعرف نهجهم، و أساليبهم و طموحاتهم و طريقتهم في الحياة.
و قد أثبتت له التجربة الحسية في أكثر من موضع و موقع ما ينطوون عليه من غدر و خيانة، و من روح أنانية و تآمرية حاقدة و شريرة و غير ذلك من أوضاع و حالات.
و هذا الواقع العدائي، و الروح التآمرية، و تلك الأعمال الخيانية التي كانت تهيمن على أعداء اللّه و الإنسانية، قد فرضت على النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين أن يعيشوا حالة الحذر القصوى، فكان أن بث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عيونه و أرصاده في طول البلاد و عرضها في الجزيرة العربية، هذا بالإضافة إلى ما كان يلمسه «صلى اللّه عليه و آله» من التسديد بالوحي و الألطاف الإلهية به «صلى اللّه عليه و آله» و بالمسلمين في الفترات الحرجة و الخطيرة.
و هذا ما يفسر لنا ما نشهده من معرفة النبي التامة بواقع ما يجري حوله، فلم يكن ليفاجئه أمر داهم، بل كان هو الذي يفاجئ أعداءه و يباغتهم. فهو إما يسبقهم بتوجيه الضربة الأولى لهم، و إما بمواجهته لهم بالخطة التي تبطل كيدهم، و تفشل مؤامراتهم، و مكرهم السيّئ، و لا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله.
و هذا بالذات هو ما حصل في حرب الخندق، حيث فاجأ المشركين بحفر الخندق حول المدينة، و تحصين سائرها، الأمر الذي أحبط خطتهم،
و تسبب لهم بالفشل الذريع، و الخيبة القاتلة و المريرة.
3-أما معرفة أعداء النبي «صلى اللّه عليه و آله» به فهي تختلف في مضمونها، و في آثارها و نتائجها عن معرفته بهم، فإنهم و إن كانوا يعرفون نبوّته و صدقه و أمانته، و لا يشكّون في حقانية ما جاء به. إلا أنهم يجهلون الكثير الكثير من آثار الإسلام، و الإيمان، و لا يعرفون الكثير عما يحدثه الالتزام بتعاليمه و شرائعه من تغييرات عميقة في فكر و روح الإنسان و في شخصيته، و في كل وجوده.
نعم. . إنهم يعرفون صدق هذا النبي، و صحة نبوته، و حقانية ما جاء به، إلى درجة أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، و يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل.
أما المشركون، فقد عاش النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم، و عرفوه طفلا و يافعا، و شابا و مكتهلا، و هم الذين سموه بالصادق الأمين، و رأوا منه الكثير من المعجزات و الكرامات و الخوارق، و عاينوا و سمعوا منه من الحجج ما يقطع كل عذر، و يزيل كل شبهة و ريب، حتى لم يعد أمامهم إلا البخوع و التسليم، أو الاستكبار و الجحود على علم، فألزموا أنفسهم بالخيار الثاني، كما حكاه اللّه تعالى عنهم: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا. . (1).
فكان من نتيجة ذلك: أن أصبح محض الحق يواجه محض الكفر و الجحود و ظهر بذلك صحة قوله «صلى اللّه عليه و آله» حين برز علي «عليه
1) الآية 14 من سورة النمل.
السلام» لعمرو بن عبد ود الذي وضع المشركون فيه كل آمالهم: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله» .
و لا عجب بعد هذا إذا تعاون أهل الشرك و الأوثان مع اليهود مدّعي التوحيد. بل لا عجب إذا رأينا هؤلاء اليهود، الذين يدّعون أنهم يعبدون اللّه، يشهدون لأهل الأوثان بأنهم أهدى من أهل التوحيد رغم أن ذلك يستبطن اعترافا من اليهود ببطلان دينهم و عقيدتهم! !
و بعد ما تقدم: فإننا نستطيع أن نتفهم بعمق السبب في أن هذه الحرب فيما بين المسلمين و أعدائهم لا بد أن تكون مريرة و قاسية و تتميز بالشمولية و الاتساع، و العمق. ثم برسوخ آثارها على كل صعيد ما دام أن أعداء الإسلام يرون ضرورة أن تستنفذ جميع الطاقات المتوفرة لديهم للهدم و للاستئصال، و الإبادة الشاملة، فإن الهدف منها هو استئصال محمد و من معه.
وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ (1).
و يقول المؤرخون: إنه لما فصلت قريش من مكة إلى المدينة خرج ركب من خزاعة إلى النبي فساروا من مكة إلى المدينة أربعا فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر. و ذلك حين ندب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس، و أخبرهم الخبر و شاورهم في أمرهم، و أمرهم بالجد و الجهاد، و وعدهم النصر، إن هم صبروا و اتقوا، و أمرهم بطاعة اللّه و طاعة رسوله.
1) الآية 30 من سورة الأنفال.
و شاورهم «صلى اللّه عليه و آله» -و كان يكثر من مشاورتهم في الحرب -فقال: أنبرز لهم من المدينة؟ أم نكون فيها و نخندقها علينا؟ أم نكون قريبا و نجعل ظهورنا إلى الجبل؟ ! فاختلفوا.
(زاد المقريزي قوله: و كان سلمان الفارسي يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يهم بالمقام بالمدينة (1)و يريد أن يتركهم حتى يردوا ثم يحاربهم على المدينة و في طرقها فأشار بالخندق).
فقال سلمان: يا رسول اللّه! إنا إذ كنا بأرض فارس، و تخوفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك يا رسول اللّه أن نخندق؟ !
فأعجب رأي سلمان المسلمين، و أحبوا الثبات في المدينة.
فركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرسا له، و معه نفر من أصحابه من المهاجرين، و الأنصار، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه: أن يجعل سلعا-جبل معروف بسوق المدينة-خلف ظهره و يخندق على المذاد، إلى ذباب، إلى راتج.
فعمل يومئذ الخندق. و ندب الناس، و خبرهم بدنو عدوهم، و عسكرهم إلى سفح سلع (2).
و اختصر ذلك المفيد و ابن شهر آشوب، فقالا: «فلما سمع النبي «صلى
1) لا ندري من أين فهموا: أنه كان يرى ذلك، و لو كان حقا يرى ذلك فلا ندري من أين فهموا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يهم بالمقام في المدينة؟ ! .
2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 444 و الإمتاع ج 1 ص 219 و 221 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و ألمح إلى ذلك في: الثقات ج 1 ص 265 و 266 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 514 و 515.
اللّه عليه و آله» باجتماعهم استشار أصحابه، فاجتمعوا على المقام بالمدينة و حربهم على أنقابها» (1).
و لنا مع هذا الذي يذكره المؤرخون وقفات، و هي التالية:
قد تقدم: أن ركبا من خزاعة قدم إلى المدينة في مدة أربعة أيام فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمسير الأحزاب إليه.
و لكننا نجد نصا آخر عن علي «عليه السلام» يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بذلك من جهة جبرئيل «عليه السلام» «فخندق على نفسه و من معه» (2).
و لا نستبعد أن يكون كلا الأمرين قد حصل.
و قد ذكرنا فيما سبق: أن خزاعة كانت ترتبط مع الهاشميين بحلف عقده معها عبد المطلب «رحمه اللّه» ، و قد بقيت وفية لهذا الحلف و كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد أشرنا فيما سبق: إلى أنها قد دفعت ثمن هذا الوفاء غاليا فيما بعد وفاة رسول اللّه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فجزى اللّه أنصار اللّه، و أنصار رسوله خير جزاء و أوفاه. إنه ولي قدير، و بالإجابة حري و جدير.
إن السياق المذكور آنفا يدل: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي بادر إلى اقتراح حفر الخندق، ثم لما اختلف المسلمون، فتكلم سلمان الفارسي «رحمه اللّه» بطريقة بيّن لهم فيها وجه الحكمة في اعتماد إجراء كهذا، فأعجبهم ذلك حينئذ، فقبلوه و اجتمعت كلمتهم عليه.
و لكن كلمات كثير من المؤرخين قد أظهرت: أن سلمان هو المشير بحفر الخندق (1)من دون أن تشير إلى أي تحفظ في ذلك.
و هذا هو ما استنتجه بعض المشركين حين فوجئوا بالخندق (2).
1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 300 و ج 4 ص 1206 و الثقات ج 1 ص 266 و التنبيه و الإشراف ص 216 و سيرة مغلطاي ص 56 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 178 و الوفاء ص 693 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و 479 و الروض الأنف ج 3 ص 276 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 و أنساب الأشراف ج 1 ص 343 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 134 و ج 1 ص 198 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 234 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و فتح الباري ج 7 ص 301 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و البحار ج 20 ص 251 و 218 و 197 و ج 41 ص 8. و مجمع البيان ج 8 ص 340 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و تفسير القمي ج 2 ص 177 و إعلام الورى {ط دار المعرفة} ص 99 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 152 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و بهجة المحافل ج 1 ص 263 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 514 و حدائق الأنوار ج 2 ص 515 و الإرشاد للمفيد ص 51 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و مختصر التاريخ ص 43 و حبيب السير ج 1 ص 359 و سعد السعود ص 138.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530 و تفسير القمي ج 2 ص 182 و بحار الأنوار ج 20 ص 224 و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و نهاية الأرب ج 17-
بل قال مسكويه: «فأشار سلمان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه» لما رآه يهم بالمقام بالمدينة، و يدبر أن يتركهم حتى يردوا، ثم يحاربهم على المدينة و في طرقها: أن يخندق. ففعل ذلك» (1).
لكن مؤرخين آخرين قد عبّروا عن شكهم في هذا الأمر، فقال بعضهم: «استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» سلمان-فيما يزعمون-بأمر الخندق» (2).
و قال آخرون: «فحفر الخندق. قيل: أشار به سلمان» (3). و في مقابل ذلك نجد ابن إسحاق و كذا غيره ينسب حفر الخندق إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لا يشير إلى مشورة سلمان، لا من قريب و لا من بعيد (4).
(2) -ص 173 و راجع: الإرشاد للمفيد ص 52 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و إعلام الورى {ط دار المعرفة} ص 100 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 315. و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 484.
1) تجارب الأمم ج 1 ص 149.
2) البدء و التاريخ ج 4 ص 217 و راجع: إعلام الورى ص 90.
3) راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و البداية و النهاية ج 4 ص 95 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 و 183 و راجع قول ابن هشام في السيرة النبوية ج 3 ص 235 و راجع: جوامع السيرة النبوية ص 150.
4) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226 و جوامع السيرة النبوية ص 148 و عيون الأثر ج 2 ص 55 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 189 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 عن ابن عقبة و ص 409 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 234 و شرح الأخبار ج 1 ص 292.
بل إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب في رسالته الجوابية لأبي سفيان: «و أما قولك من علّمنا الذي صنعنا من الخندق، فإن اللّه ألهمني ذلك» (1).
و كل ذلك يجعلنا نميل إلى أن كلام الواقدي قد جاء أكثر دقة في هذا المجال. و هو يفسر لنا السر في كلام ابن إسحاق من جهة، و كلام غيره المقابل له من جهة أخرى.
أما أولئك الذين ظهر منهم التردد في ذلك فلعلهم لم يقفوا على كلام الواقدي، و لم يتمكنوا من الجمع بين كلام ابن إسحاق و هو الحجة الثبت في السيرة، و بين كلام غيره.
و لا نخفي هنا إعجابنا بهذا الوعي من سلمان المحمدي، حيث بادر في الوقت المناسب إلى تقديم تبرير لأولئك الناس الذين اختلفوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يتوافق مع طريقة تفكيرهم، حيث قرر لهم: أن الخندق المقترح من شأنه أن يحد من فاعلية الخيل في الحرب، و يدفع غائلتها، و يصبح الجهد الشخصي للأفراد هو الذي يقرر مصير الحرب و نتائجها.
فكان أن استجاب المسلمون لاقتراح حفر الخندق، و أعلنوا موافقتهم عليه، و تحملوا مسؤولية الخيار و الاختيار، و هذا بالذات هو ما أراده الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
1) الإمتاع ج 1 ص 240 و خاتم النبيين ج 2 ص 942.
و قد رأينا: أن عددا من المؤرخين قد زعم أن الخندق حفر بإشارة سلمان، و إن كنا نرجح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي بادر إلى اقتراحه فاختلف المسلمون، فكان دور سلمان أن بيّن لهم وجه الحكمة في ذلك، حسبما تقدم بيانه عن الواقدي. .
و مهما يكن من أمر فقد ظهر: أن المشركين قد فوجئوا بالخندق و قالوا عنه: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها (1)، و لعل الأنظار قد اتجهت إلى سلمان الفارسي منذئذ.
و سواء أكان ذلك بمشورة سلمان أم لم يكن فإن ما نريد أن نؤكد عليه هو أن الإسلام لا يمنع من الاستفادة من تجارب الآخرين و من خبراتهم في المجالات الحياتية البناءة، فقد روي: أن «الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا أحق بها و أهلها» و في معناه غيره (2).
نعم. . إن المؤمن أحق بالحكمة من غيره، ما دام أن ذلك الغير قد يستفيد منها لتقوية انحرافه، و تأكيد موقعه المناوئ للحق و للأصالة و الفطرة.
و قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أطلق الصناع و أصحاب
الحرف في خيبر لينتفع بهم المسلمون (1).
و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» المشركين في بدر، الذين لا يجدون ما يفتدون به: أن يعلم الواحد منهم عشرة من أطفال المسلمين القراءة و الكتابة، و يطلق سراحهم في مقابل ذلك (2).
و لكن هذه الاستفادة مشروطة: بأن لا تنشأ عنها سلبيات أخرى كما لو كان ذلك يعطي لأولئك المنحرفين فرصة لتضليل الناس و جرهم إلى مهالك الانحراف، أو يعطيهم بعض النفوذ و الهيمنة أو يجرئهم على التدخل في الشؤون الخاصة بالمسلمين، و ما إلى ذلك.
و هكذا، فإنه يصبح واضحا: أن المرفوض إسلاميا هو التبعية للآخرين و الانبهار الغبي بهم، و تقليدهم على غير بصيرة. و أما الاستفادة الواعية من منجزاتهم الحيوية لبناء الحياة، و التغلب على مصاعبها، بصورة تنسجم مع أحكام الشرع، و من دون أن تنشأ عنه سلبيات خطيرة، فذلك أمر مطلوب، و لا غضاضة فيه.
و حتى لو كان الخندق بإشارة سلمان من الأساس، و كان سلمان قد
1) راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 75 و ستأتي إن شاء اللّه بقية المصادر في غزوة خيبر.
2) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 247 و تاريخ الخميس ج 1 ص 395 و السيرة الحلبية ج 2 ص 193 و الروض الأنف ج 3 ص 84 و الطبقات الكبرى ج 2 ق 1 ص 14 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 348 و ج 1 ص 48 و 49 عن السهيلي، و عن المطالع النصرية في الأصول الخطية، لأبي الوفا نصر الهوريني، و عن الإمتاع للمقريزي ص 101.
استفاد ذلك من بيئته و قومه، الذين ما كانوا على طريقة الإسلام و لا على دين الحنيفية، فلا ضير و لا غضاضة في قبول مشورته. بل الغضاضة في ترك العمل بتلك المشورة إذا كانت موافقة للصواب و يتسبب الإعراض عنها بوقوع المسلمين في مأزق، و هم في غنى عنه و لا مبرر للوقوع فيه. مع وجود مخرج ليس في العمل به حرج و لا تنشأ عنه أية سلبيات يرغب عنها.
هذا، و لا نرى أننا بحاجة إلى التذكير بمبررات مشاورة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، في أمر الحرب، فقد تحدثنا عن ذلك، و عن أسبابه و آثاره الإيجابية في أوائل غزوة أحد.
غير أننا نشير هنا: إلى أننا نلمح في طريقة مشاورة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه خصوصيتين رائعتين تجلتا لنا في النص الذي ذكره الواقدي.
إحداهما: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي بادر إلى اقتراح حفر الخندق ثم انتظر مبادرة سلمان الإقناعية، متعمدا أن تسير الأمور بهذه الطريقة، سياسة منه «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه، و ترويضا لعقولهم، و إعدادا لهم ليبادروا إلى تحمل المسؤولية، و لغير ذلك من أمور.
الثانية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» في نفس الوقت الذي يمارس فيه أسلوب المشاورة بهدف تحسيس أصحابه بالمسؤولية و إفهامهم-عملا، لا قولا فقط- أنهم الجزء الحركي و الفاعل و المؤثر حتى على مستوى التخطيط، و القرارات المصيرية، و أن القضية قضيتهم، بما يعنيه ذلك كله من ارتفاع ملموس في مستوى وعيهم و تفكيرهم السياسي، و العسكري، و غير ذلك من أمور كانت
محط نظره «صلى اللّه عليه و آله» ،
نعم. . إنه في هذا الحين بالذات يطرح أمامهم خيارات من شأنها أن تخرجهم من حالة الضيق و الحرج، و تفتح أمامهم نوافذ جديدة على آفاق رحبة من التدبير العسكري، الذي يحفظ لهم وجودهم، و يبعد عنهم شبح الهزيمة المرة، أو التعرض لحرب تحمل معها أخطار القتل الذريع، دون أن يجدوا في مقابل ذلك أيا من تباشير النصر، أو التفاؤل به.
قد تحدثنا في غزوة أحد في الفصل الأول منها، في فقرة: ما هو رأي النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أحد، ما يفيد الاطلاع عليه في فهم إيجابيات البقاء في المدينة، و التمنع فيها، فيرجى مراجعة ما ذكرناه هناك.
أما هنا، فنقول: إنه لم يطل الأمر بالمسلمين، حيث إنهم سرعان ما أدركوا: أن حفر الخندق هو ذلك التدبير الذكي الرائع الذي فوّت على عدوهم ما كان يحلم به من منازلتهم و مكافحتهم إلى درجة إلحاق الهزيمة بهم ثم استئصالهم و إبادة خضرائهم، و تقويض عزهم.
و قد أعطى الخندق المسلمين القدرة على ممارسة التسويف في الوقت، و هو الأمر الذي لم يكن المشركون قادرين على تحمل التسويف فيه إلى أجل غير مسمى.
و قد رأى المسلمون بأم أعينهم: 1-كيف أن عدوهم لم يستطع الصبر طويلا، بسبب بعده عن مصادر الإمداد البشري و التمويني، مع ملاحظة محدودية طاقاتهم التموينية، لعدم
إمكان توفير مدخرات كافية لهذا العدد الهائل من الناس، و لكل ما معهم من خيل و ظهر كانوا بحاجة إليه في حربهم. فإن منطقة الحجاز لم تكن قادرة -بحكم طبيعة حياة الناس فيها-على توفير هذا النوع من القدرات و الإمكانات بهذا المستوى الكبير و الحجم الهائل-و لا أقل من أن المشركين لم يفكروا مسبقا بإيجاد خطوط تموين لحرب طويلة الأمد، و لا خططوا أبدا لمثل هذه الحرب، كما أنهم لم يعتادوا حروبا كهذه و لا ألفوها، فمن الطبيعي -و الحالة هذه-أن يملوا حربا كهذه، و ينصرفوا عنها.
2-إن هذا الخندق قد استطاع أن يحفظ لهم وجودهم و كرامتهم، فلم يسجل عليهم عدوهم نصرا و قد كبت اللّه به عدوهم وردهم بغيظهم لم ينالوا شيئا مما كانوا يحلمون به، دون أن يكلف ذلك المسلمين خسائر تذكر، و حرم المشركين بذلك من إمكانية إشراك أعداد ضخمة في المواجهات مع المسلمين.
3-ثم وجد المسلمون أنفسهم بعد ذلك أمام فرص أكبر، و حظ أوفر من ذي قبل، و استمروا يواصلون جهدهم و جهادهم للحصول على المزيد من أسباب القوة، و المنعة، و العمل على إضعاف عدوهم و تقويض هذا التوافق فيما بين فئاته لصالح بقاء هذا الدين، و ترسيخ دعائمه و أركانه.
4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جمع بين أن خندق على المدينة و بين جعل جبل سلع خلف ظهر المسلمين-كما سنرى-فيكون بذلك قد استفاد من الموانع الطبيعية، ثم أحدث مانعا مصطنعا من الجهة الأخرى، لتكتمل خطته بحرمان العدو من أية فرصة للنيل من صمود المسلمين، أو إحداث أي إرباك، أو تشويش، أو خلخلة، أو مناطق نفوذ و تسلل في صفوفهم.
و أخيرا: نجد نصا عن سلمان الفارسي يصرح فيه بالمبررات لحفر الخندق، فهو يقول: «يا رسول اللّه، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.
قال: فما نصنع؟
قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم في المطاولة. و لا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه. فإنّا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنادهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.
فنزل جبرئيل «عليه السلام» على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: أشار سلمان بصواب (1).
و آخر ما نقوله هنا: أن حفر الخندق قد أفهم المسلمين: أنه ليس من الضروري أن يبقى الإنسان أسير الأفكار و العادات و الأساليب المتداولة في المحيط الذي يعيش فيه، فإذا كان باستطاعته أن يبتكر أساليب، و يحدث وسائل جديدة، تمكنه من تحقيق أهدافه على النحو الأفضل و الأمثل، فعليه أن يبادر إلى ذلك، و يكسر حاجز الإستغراب و الإستهجان و الرهبة، و يتحرر من عقدة الحفاظ على القديم، أو على العادة و التراث لمجرد أنه قديم و تراث، و من موقع الجمود، و الخواء و التقوقع.
أما إذا كان هذا القديم يمثل الأصالة، و العمق و الانتماء، و يعيد للإنسان هويته الحقيقية، و يحول بينه و بين التخلي عن خصائصه الإنسانية
1) تفسير القمي ج 2 ص 177 و البحار ج 20 ص 218.
الأصيلة، فذلك القديم يكون هو الجديد النافع، في مقابل كل ما هو غريب، أو يجر الإنسان إلى غربة حقيقية، تبعده عن واقعه و تجرده من خصائصه الإنسانية الأصيلة، ليعيش في الظلام و الضياع حيث الشقاء و البلاء، و حيث الوحشة و الوحدة و الغربة، بكل ما لهذه الكلمات من معنى؛ فالتجديد الإيجابي البناء هو الأصالة ذاتها.
أما التجديد الذي يفقد الإنسان أصالته، فهو الذي يمثل العودة إلى الوراء، و هو حقيقة التغرب و الإنحطاط، و السقوط و التراجع. و هو بالتالي الكارثة الحقيقية و المدمرة له إن في الحاضر أو في المستقبل.
أضف إلى ما تقدم: أن التعارف فيما بين الشعوب المختلفة حين ينتهي إلى توظيف حصيلة تجاربها الحياتية لاستكمال سماتها الأصيلة للحياة بكل امتداداتها و على مختلف المساحات في الآفاق الرحبة، فإن هذا التعارف يصبح ضرورة لا بد منها و لا غنى عنها لأية أمة تريد لنفسها الخير و السعادة و الفلاح. و تريد كذلك أن تستثمر ذلك كله في خط التقوى و العمل الصالح. و في صراط حصحصة الحق ليكون هو الملاذ، و الرجاء، في كل شدة و رخاء.
و قد قال تعالى: . . وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ. . (1).
قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ركب فرسا و خط لهم الخندق
1) الآية 13 من سورة الحجرات.
و قد بينت النصوص التاريخية لنا مواضع الخندق و خصوصياته و مواصفاته بشيء من التفصيل، و نحن نذكر طائفة من هذه النصوص فنقول:
قال الواقدي: «كان الخندق ما بين جبل بني عبيد بخربى، إلى راتج. قال: و هذا أثبت الأحاديث عندنا» (1).
و في نص آخر: «من المذاد، إلى ذباب، إلى راتج» (2).
و عند القمي: «فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بمسحه من ناحية أحد إلى راتج» (3).
و في نص أكثر تفصيلا: «حفر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخندق طولا، من أعلى وادي بطحان، غربي الوادي، مع الحرة، إلى غربي مصلى العيد، ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين، اللذين في غربي الوادي. و مأخذه قول ابن النجار» .
إلى أن قال: «و الحاصل: أن الخندق كان شامي المدينة، من طرف الحرة
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 450-452 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 312.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515 و المغازي للواقدي ج 2 ص 445 و الثقات ج 1 ص 266.
3) تفسير القمي ج 2 ص 177 و بحار الأنوار ج 20 ص 218 و قال الطبرسي في مجمع البيان ج 8 ص 342 و عنه في بحار الأنوار ج 20 ص 203 «كان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق: المذاد» .
الشرقية، إلى طرف الغربية» (1).
و روي بسند معتبر، عن عمرو بن عوف قال: «خط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخندق عام الأحزاب من أجم الشيخين {السمر} طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد {المداحج}» (2).
و المذاد بطرف منازل بني سلمة، مما يلي مسجد الفتح، و منازلهم في جهة الحرة الغربية (3).
قال السمهودي: «سيأتي أن الشيخين أطمان شامي المدينة بالحرة الشرقية، أما المداحج فلا ذكر لها في بقاع المدينة» (4).
و أقول: لعل كلمة «المداحج» تصحيف لكلمة «المذاد» ، و لعل كلمة: «السمر» ، تصحيف لكلمة «الشيخين» .
«و ذكروا: أن الخندق له أبواب، فلسنا ندري أين موضعها» (5).
1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1204 و الفقرة الأخيرة ص 1206 أيضا و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و العبارة الأخيرة في السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3.
2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 235 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 418 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515.
3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1205.
4) المصدر السابق.
5) المغازي للواقدي ج 2 ص 452 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 312 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.
و حسب نص آخر: «جعل له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبوابا، و جعل على الأبواب حرسا» (1).
و لكن كعب بن مالك قد أشار إلى وجود خندقين، فهو يقول:بباب خندقين كأن أسداشوابكهن يحمين العرينا (2)
و يقول ضرار بن الخطاب:
كأنهم إذا صالوا وصلنابباب خندقين مصافحونا (3)
و قال الفرزدق:
بدر له شاهد و الشعب من أحدو الخندقان و يوم الفتح قد علموا (4)
و ذكر القمي: أن عدد الأبواب كان ثمانية (5)
«و الخندق فيه قناة، يأتي من عين قباء إلى النخل الذي بالسنح، حوالي مسجد الفتح.
و في الخندق نخل أيضا. و انطمّ أكثره، و تهدمت حيطانه» (6).
1) المصادر السابقة، و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 554 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 267 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1206.
3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 266.
4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 174.
5) تفسير القمي ج 2 ص 179 و عنه في بحار الأنوار ج 20 ص 220.
6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1204 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481.
و ذكروا أيضا: أنه قد «بلغ طول الخندق نحوا من خمس آلاف ذراع و عرضه تسعة أذرع، و عمقه سبعة أذرع» (1).
و نحن إذا راجعنا الواقع الجغرافي للمدينة، فإنه يتضح: أن الخندق قد ضرب على المدينة في مواقع من الجهة الغربية و الشمالية أما الجهة الشرقية و الجنوبية فقد شبكت بالبنيان، و لم يخندق المسلمون عليها.
و لعل ذلك يرجع إلى أن المواقع التي تستوعب ألوف الفرسان، و تصلح أن تكون ساحة حرب و نزال هي المنطقة الواقعة بالقرب من ثنيات الوداع شمال غرب المدينة حتى تنتهي بجبل أحد. و هي منطقة واسعة و مسطحة و مكشوفة، و ليست فيها عراقيل مهمة، و هي المنطقة التي حفر الخندق فيها.
أما سائر المناطق حول المدينة فلم تكن تصح لذلك، و لا سيما بالنسبة لجيوش كبيرة تعد بالألوف، من فرسان و رجالة، بالإضافة إلى ما يتبع هذه الجيوش من دواب و خيول تحمل أزوادهم و أمتعتهم، و تحمل الرجالة منهم أيضا في سفرهم الطويل.
ذلك لأن سائر المناطق حول المدينة كان فيها من الجبال و الأودية، و من التضاريس و الأشجار و الحجارة ما يحد من قدرة تلك الجيوش الغازية على الحركة الفاعلة، و المؤثرة، و يفقدها الكثير من الامتيازات الحربية، و يحرمها من الاحتفاظ بزمام المبادرة، و يفوّت عليها نصرا تطمع إلى تحقيقه.
1) الرسول العربي و فن الحرب لمصطفى طلاس ص 240 و 241 و السيرة النبوية للندوي ص 281.
و يوضح ذلك: أنه كانت توجد في الجهة الشرقية حرة واقم و في الجهة الغربية حرة الوبرة، و هي مناطق و عرة فيها صخور بركانية و تمثل حواجز طبيعية، و كان في جهة الجنوب أشجار النخيل و غيرها بالإضافة إلى الأبنية المتشابكة، و كل ذلك لا يتيح لجيش المشركين أن يقوم بنشاط فاعل و قوي ضد المسلمين.
و حيث إن بعض المواضع في جهتي الشرق و الجنوب كان يمثل النقطة الأضعف من غيرها، الأمر الذي يحمل معه احتمالات حدوث تسلل تكتيكي للعدو، يهدف إلى إرباك الوضع العسكري و النفسي للمسلمين، فقد كان لا بد من سد تلك الثغرة، و رفع النقص، و تفويت الفرصة على العدو، حتى لا يضطر المسلمون لتوزيع قواهم و بعثرتها هنا و هناك بطريقة عشوائية، أو من شأنها أن تضعف فيهم درجة الصمود و التصدي في ساحة الصراع الحاسم في ميدان الكر و الفر الأول و الأساس.
فكان أن بادر المسلمون إلى تشبيك المدينة بالبنيان و ذلك في مواقع الضعف المشار إليها. و هذه الإجراءات كلها قد حالت دون استخدام قوات كبيرة في مهاجمة المدينة إلا من جهة الخندق، و هي قد أصبحت مشلولة بسبب حفر الخندق تجاه العدو فيها.
غير أن هذا الذي ذكرناه: لا يعني أن يمر القادم من مكة على ثنية الوداع، و هي الجهة الشمالية للمدينة. فإن طريق المسافرين، الذين تضمهم في الغالب قوافل صغيرة محدودة العدد، ليس كطريق الجيوش الضخمة التي تضم ألوفا كثيرة من الناس و من وسائل النقل المختلفة، حسبما ألمحنا إليه.
و بذلك يتضح: أن من الممكن أن نتفهم أنه لا مانع من أن تأتي الجيوش إلى جهة ثنية الوداع من جهة الشام، و لكن المسافرين يأتون من طريق آخر. و لا يمر القادم من مكة على ثنية الوداع و لا يراها، كما جاء في النص التاريخي (1).
يقول مصطفى طلاس: «و بحفر الخندق استطاعت قيادة الجيش الإسلامي أن تعزل قوات العدو عن مكان التجمع الرئيسي للقوات المدافعة عن المدينة، و أن تحول بينها و بين اقتحام مداخل المدينة، لأن هذه المداخل أصبح من الممكن حراستها بعد حفر الخندق.
و قد أفادت قوات الثورة الإسلامية من مناعة جبل سلع، الذي كان إلى يسارها و إلى الخلف، كما أفادت من و عورة حرة الوبرة لحماية جناحها الأيسر، و من و عورة حرة واقم لحماية جناحها الأيمن، و من الحرة الجنوبية و جبل عسير لحماية المؤخرة» (2).
و كان سائر المدينة مشبكا بالبنيان، شبكوها من كل ناحية، و هي كالحصن (3).
قال في خلاصة الوفاء: «كان أحد جانبي المدينة عورة، و سائر جوانبها
مشبكة بالبنيان و النخيل، لا يتمكن العدو منها» (1).
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» : «اختار ذلك الجانب المكشوف للخندق، و جعل معسكره تحت جبل سلع» (2).
و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» : قد سد الثغرات التي يمكن للعدو أن يتسلل منها ليحدث إرباكا خطيرا في معسكر المسلمين.
ثم جعل للخندق أبوابا، و جعل على الأبواب حرسا، بطريقة تمنع من التسلل، و من التواطؤ عليه كما سنرى.
ثم اختار الجانب المكشوف للخندق، و جعل معسكره تحت جبل سلع، مستفيدا منه كمانع طبيعي يصعب على العدو اجتيازه لمهاجمة المسلمين.
و قال المؤرخون: «و جعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدو عليهم» (3).
الأقوال في مدة حفر الخندق و هي التالية:
كان حفر الخندق: ستة أيام و حصنه (1).
و قيل: بضع عشر ليلة (2).
و قيل: شهرا أو قريبا من شهر.
قال البعض: و هو أثبت (3).
و وقع عند موسى بن عقبة: أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين ليلة (4).
و عند الواقدي: أربعا و عشرين (5).
و جزم النووي في الروضة: أنهم حفروه في خمسة عشر يوما (6).
و صرح القمي: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فرغ من حفر الخندق قبل
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 454 و سيرة مغلطاي ص 56 و الوفا ص 693 و تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و حبيب السير ج 1 ص 360 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 224 و نهاية الأرب ج 17 ص 170 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1204 و 1208 و 1209 و 1205.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1209.
3) المصدر السابق و وفاء الوفاء ج 4 ص 1209 عن الهدى لابن القيم و كذا في المواهب اللدنية ج 1 ص 111 و فتح الباري ج 7 ص 302.
4) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و عنه و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 314 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1208 راجع فتح الباري ج 7 ص 32.
5) المصادر السابقة و عيون الأثر ج 2 ص 57 و وفاء الوفاء ج 1 ص 1208 و 1209.
6) راجع: المصادر السابقة في الهامش ما قبل السابق.
قدوم قريش و الأحزاب بثلاثة أيام (1).
و نقول: إن الأرقام التي تقول: إنهم أقاموا يعملون في الخندق عشرين يوما أو شهرا أو نحو ذلك، يبدو أنها بعيدة عن الصواب، لأن المفروض أن ركب خزاعة قد خرج إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن فصلت قريش من مكة إلى المدينة، و بقي أربعا حتى وصل إليها، و أبلغ الرسول بالأمر. .
و لنفترض: أن مسير قريش إلى المدينة قد استغرق أربع أضعاف الأربعة أيام المذكورة، فتكون قد وصلت إلى المدينة خلال ستة عشر يوما فمع حذف الأربعة أيام الأولى لمسيرة ركب خزاعة فإنه يبقى اثنا عشر يوما تم حفر الخندق فيها، فكيف يقال: إن العمل في الخندق قد استمر عشرين أو أربعا و عشرين أو ثلاثين يوما؟ !
هذا. . و لكن يمكننا أن نخفي دهشتنا و إعجابنا بهذا الإنجاز الضخم و السريع جدا، مع ملاحظة ضعف الوسائل و الإمكانات المتوفرة للعاملين في حفر الخندق آنئذ، بالإضافة إلى وجود المثبطين عن العمل، كما سنرى.
فحيا اللّه هذه الهمم، و بورك لهم جهادهم المبارك و الرائد تحت قيادة و في طاعة رسول الإسلام الأعظم و الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد اتضح من خلال النصوص المتوفرة لدينا: أن العدو و إن كان قد فرض
1) تفسير القمي ج 2 ص 179 و البحار ج 20 ص 221.
على النبي و على المسلمين معركة غير متكافئة من حيث العدد و العدة، و اختار هو التوقيت لحشد جيوشه و تحزيب أحزابه.
و لكنه بمجرد وصوله إلى المدينة: فقد زمام المبادرة ليصبح في يد النبي و المسلمين بصورة نهائية. فأصبح «صلى اللّه عليه و آله» يتحكم بمسار الحرب، و هو يفرض على عدوه الموقع الذي يريد، في هذا المكان أو في ذاك، و لا يملك عدوه أية وسيلة للتغيير في المواقع و المواضع فلا يمكنه أن يجر المسلمين إلى هذا الموقع أو إلى ذلك الموقع.
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» أصبح يتحكم بالزمام و التوقيت للحرب، و لا يستطيع عدوه أن يهاجمه في وقت لا يرغب هو بدخول الحرب فيه.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أصبح قادرا على اختيار الوسيلة الحربية التي تلائمه، و تنسجم مع ظروفه و قد أسقط العتاد و العدة الحربية للعدو من الخيول و غيرها من الفاعلية المؤثرة و أصبحت عبئا على العدو، لا بد أن يهيئ العدو لها ظروف بقائها و صيانتها من التلف في مصابرته على الحصار الطويل، الذي كان يستنزف طاقته و صبره، حتى انتهى الأمر به إلى هزيمة مخزية، كما سيتضح.
و هذه هي ثمرة التخطيط الواعي و المسؤول، و ثمرة الإدراك الواعي للواقع و للظروف المحيطة، التي كان لا بد من التعامل معها و التغلب على سلبياتها، و الاستفادة من إيجابياتها على النحو الأكمل و الأفضل و الأمثل.
إن من الواضح: أن حفر خندق بهذا الحجم حول مدينة كبيرة، ليس بالأمر السهل، و لا سيما بالنسبة لأناس لم يقوموا بعمل ضخم طيلة حياتهم، خصوصا مع بدائية الوسائل و محدوديتها، حتى اضطروا لاستعارة بعضها من يهود قريظة، كما سنرى. هذا بالإضافة إلى انقطاع المسلمين عن العمل في سبيل لقمة العيش، فانقطعت موارد أرزاقهم فكان من الطبيعي أن يعاني المسلمون من هذا الأمر من متاعب كبيرة، و شدائد لا تطاق، و ذلك من ناحيتين:
إحداهما: في نفس هذا العمل الشاق و الكبير، و ما يحتاج لإنجازه في فرصة محدودة و قصيرة جدا، من جهد مضن لم يعتد هؤلاء الناس على أقل القليل منه، و لا واجهوا نظيره، و لو مرة واحدة طيلة حياتهم.
الثانية: في الضائقة المالية التي كانوا يعانون منها، التي تتجلى فيما يصفه لنا المؤرخون من حالة الضعف و الجهد، و الخصاصة و الجوع في تلك الظروف بالذات. .
و قد يحاول البعض أن يقول: إن هذه الضائقة لم تنل جميع الناس آنئذ، لأن الناس-كما يروى الواقدي و المقريزي-قد كان كثير منهم في وفرة
معقولة في تلك الفترة، لأن مجيء الأحزاب كان بعد انتهاء موسم الحصاد، و قد أدخل الناس غلاتهم و أتبانهم، و لا يزال معظمها موجودا لدى أصحابها.
أضف إلى ذلك: أن بعض الروايات الآتية التي تحكي لنا قصة جابر تقول: إن الذين احتاجوا للإصابة من طعام جابر كانوا ثلاث مائة، أي حوالي ثلث المشاركين في حفر الخندق؛ فالباقون لم يكونوا بحاجة ماسة إلى طعام، أو لعل أكثرهم كان كذلك.
و نقول: إن هذه المحاولة غير كافية لإثبات ذلك، إذ قد صرح المؤرخون: أن العام كان عام جدب، و لم يكن ثمة غلات في مستوى يؤثر في تغيير ظاهرة الفقر و الخصاصة و الجوع، التي كانت مهيمنة على عامة الناس آنئذ. و لو كان ثمة غلات بهذا الحجم لبادر أصحابها إلى تقديمها طوعا إلى هؤلاء الناس. بل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يأمرهم ببذلها لإخوانهم، و لا سيما في ظروف الحرب هذه.
و لكنا قد رأيناهم: يتسابقون إلى دفع أذى الجوع عن شخص النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتسابقون إلى نيل بركاته و الفوز برضاه.
إلا أن ذلك: لا يمنع من أن يكون لدى المنافقين قسط من تلك الأموال، كانوا يضنون بها و يبخلون عن بذلها و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه.
و نحن نذكر هنا: طائفة من النصوص التاريخية المرتبطة بحفر الخندق،
متوخين فيها-قدر الإمكان-تبويبها و تقسيمها، حسبما يتهيأ لنا، ثم نعقب ذلك ببعض ما يرتبط بما أجمل منها أو أشكل، و من اللّه نستمد القوة و الحول فنقول:
و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعار من بني قريظة آلة كثيرة، من مساح و فؤوس و مكاتل، يحفرون بها الخندق، و هم يومئذ سلم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و يكرهون قدوم قريش (1).
و نقول: لا ندري مدى صحة هذا القول، بعد أن كان رسول اللّه-حسبما تقدم، حين الكلام حول إيمان أبي طالب-يدعو اللّه أن لا يجعل لكافر و لا لمشرك عنده يدا أو نعمة إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر عليهم المعونة بهذا المقدار، إن دهمهم عدو، حسبما تقدم في معاهدته «صلى اللّه عليه و آله» مع يهود المدينة. فلا تبقى لهم بذلك منة على أحد، بل للّه المنة عليهم، و إنما يعملون بما أخذ عليهم العمل به.
قال الواقدي: «و كل بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه فكان المهاجرون يحفرون من جانب راتج إلى ذباب، و كانت الأنصار تحفر من
1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 445 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515 و الإمتاع ج 1 ص 220 و راجع وفاء الوفاء ج 4 ص 1207.
ذباب إلى جبل بني عبيد» .
و في نص آخر: إلى خربي (1).
و في نص آخر: و خندقت بنو عبد الأشهل عليها بما يلي راتج إلى خلفها، حتى جاء الخندق من وراء المسجد، و خندقت بنو دينار من عند خربي إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم (2).
و من جهة أخرى: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قطع الخندق أربعين ذراعا بين كل عشرة (3).
و قال القمي: «جعل على كل عشرين خطوة، و ثلاثين خطوة قوم من المهاجرين و الأنصار يحفرونه» (4).
و في نص آخر يقول: «و جعل لكل قبيلة حدا يحفرون إليه» (5).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 446 و 450 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 220 و حدائق الأنوار ج 2 ص 585 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 313 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1205.
2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 450 و 451 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1205.
3) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 235 و البحار ج 20 ص 189 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 215 و مجمع البيان ج 2 ص 427 و 341 و بهجة المحافل ج 1 ص 263 و شرحه مطبوع بهامشه، و قال: رواه الطبري و الطبراني، و الحاكم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 152 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 418 و فتح الباري ج 7 ص 305 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1205 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192.
4) تفسير القمي ج 2 ص 177 و عنه في بحار الأنوار ج 20 ص 218.
5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.
لكن القطب الراوندي يقول: «قسمه بين المهاجرين و الأنصار بالذراع فجعل لكل عشرة منهم عشرة أذرع» (1).
و قد شارك النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين في حفر الخندق كما صرحت به النصوص التاريخة، و ذلك رغبة في الأجر و لينشط المسلمين (2).
و قد أجهد المسلمون أنفسهم، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكابد معهم (3)النصب و الجوع و قد استمرت هذه المشاركة حتى فرغ من حفر الخندق (4).
و كان «صلى اللّه عليه و آله» يضرب مرة بالمعول، و مرة يغرف بالمسحاة التراب، و مرة يحمل التراب بالمكتل، قال أبو واقد: و لقد رأيته يوما بلغ منه، فجلس، ثم اتكأ على حجر على شقه الأيسر، فذهب به النوم، فرأيت أبا بكر
1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 152 و البحار ج 18 ص 32 عنه.
2) راجع ما يلي: المغازي للواقدي ج 2 ص 445 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 189 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 95 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 220 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 234 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و عيون الأثر ج 2 ص 55 و 57 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 409 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1407 و الإكتفاء ج 2 ص 159 و فتح الباري ج 7 ص 301.
3) بهجة المحافل ج 1 ص 263 و حدائق الأنوار ج 2 ص 585.
4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50.
و عمر واقفين على رأسه ينحيان الناس أن يمروا به فينبهوه، و أنا قريب منه، ففزع، و وثب فقال: إلا أفزعتموني؟ !
فأخذ الكرزن {الفأس} يضرب به، و إنه ليقول:
اللهم إن العيش عيش الآخرةفاغفر للأنصار و المهاجرة
اللهم العن عضلا و القارهفهم كلفوني أنقل الحجارة (1)
و كان «صلى اللّه عليه و آله» يحمل التراب على ظهره، أو على عاتقه (2)حتى إن التراب على ظهره و عكنه (3)و ربما كان يحفر معهم حتى يعيا، ثم يجلس حتى يستريح.
و جعل أصحابه يقولون: يا رسول اللّه، نحن نكفيك.
فيقول: أريد مشاركتكم في الأجر (4).
و عن أم سلمة بسند صحيح-عند أحمد-: «كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعاطيهم اللّبن يوم الخندق، و قد اغبر شعر صدره» (5).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 453 و السيرة الحلبية ج 2 ص 312 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 518 و راجع المواهب اللدنية ج 1 ص 111.
2) راجع: حدائق الأنوار ج 2 ص 585 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 516.
3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515 و في المغازي للواقدي ج 2 ص 449 عن أنس: على صدره و بين عكنه. {العكن: ما انطوى و تثنى من لحم البطن} .
4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1207 عن تفسير الثعلبي.
5) فتح الباري ج 7 ص 308 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 516 و عن أبي يعلى و أحمد برجال الصحيح.
و في نص آخر ذكره البخاري و غيره: «رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه-و كان كثير الشعر-فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة:
و اللّه لو لا اللّه ما اهتديناو لا تصدقنا و لا صلينا
فانزلن سكينة عليناو ثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد بها صوته: أبينا، أبينا (1).
و قد سجل العسقلاني تحفظا هنا، فهو يقول: «ظاهر هذا أنه كان كثير شعر الصدر، و ليس كذلك فإن في صفته «صلى اللّه عليه و آله» أنه كان دقيق المسربة، أي الشعر الذي في الصدر إلى البطن. فيمكن أن يجمع أنه كان مع دقته كثيرا» (2).
1) راجع المصادر التالية في: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 85 و البداية و النهاية ج 4 ص 96 عن الصحيحين، و صحيح البخاري ج 3 ص 21 باب غزوة الخندق. و صحيح مسلم-الجهاد و السير، باب غزوة الأحزاب. و فتح الباري ج 6 ص 46 و ج 7 ص 308 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 245 و بهجة المحافل ج 1 ص 263 و المواهب اللدنية ج 1 ص 111 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و السيرة الحلبية ج 2 ص 312 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 222 و 223 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 579 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 517 و راجع: حدائق الأنوار ج 2 ص 585 و 586 و مجمع البيان ج 8 ص 341 و بحار الأنوار ج 20 ص 199 و نهاية الأرب ج 17 ص 169 و المغازي للواقدي ج 2 ص 449 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 413 و 414 و كنز العمال ج 10 ص 281 و الغدير ج 7 ص 206 عن ابن كثير و عن طبقات ابن سعد.
2) فتح الباري ج 7 ص 308.
و لكنه جمع غير ظاهر الوجه، بعد أن كان التعبير الوارد في الرواية يأباه. و لكن المهم عند هؤلاء هو تصحيح رواية البخاري بأي ثمن.
و قد صرح القمي: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان هو البادئ في حفر الخندق، فهو يقول: و أخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه و أمير المؤمنين «عليه السلام» ينقل التراب من الحفرة، حتى عرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عيي، و قال:
لا عيش إلا عيش الآخرةاللهم اغفر للأنصار و المهاجرة
فلما نظر الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحفر اجتهدوا في الحفر، و نقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر، و قعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون و الأنصار يحفرون إذ عرض لهم الخ. .» (1).
قال القاضي النعمان: «و كان علي صلوات اللّه عليه و شيعته أكثر الناس عناء، و فيه عملا. و كان في ذلك من الأخبار ما يطول ذكره» (2).
قد عرفنا فيما سبق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان هو البادئ في حفر الخندق، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يحفر، و علي «عليه السلام» ينقل
التراب من الحفرة، و قد استمرت مشاركة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم في العمل حتى انتهوا من الخندق.
و أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يضرب مرة بالمعول، و مرة يغرف التراب بالمسحاة، و مرة يحمل التراب بالمكتل على ظهره، أو على عاتقه.
و كان «صلى اللّه عليه و آله» يعاطيهم اللّبن، الأمر الذي يدل على أنه كان ثمة بناء في الخندق.
أضف إلى ذلك أنهم يقولون: إنهم كانوا يحملون المكاتل على رؤوسهم، و إذا رجعوا بها جعلوا فيها الحجارة، يأتون بها من جبل سلع، يسطرونها مما يليهم كأنها حبال التمر و كانت الحجارة من أعظم سلاحهم، يرمونهم بها.
و القوم يرتجزون، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول:
هذي الجمال لا جمال خيبرهذا أبر ربنا و أطهر (1)
و ما كان في المسلمين يومئذ أحد إلا يحفر في الخندق، أو ينقل التراب و كان أبو بكر و عمر لا يتفرقان في عمل، و لا مسير و لا منزل، ينقلان التراب في ثيابهما من العجلة، لم يكن مكاتل لعجلة المسلمين (2).
و قال جابر: و عمل الناس يومئذ كلهم، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» ،
و جعلت الأنصار ترتجز و تقول:
نحن الذين بايعوا محمداعلى الجهاد ما بقينا أبدا
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و في لفظ آخر: فيجيبهم:
اللهم لا خير إلا خير الآخرةفاغفر للأنصار و المهاجرة (1)
و كان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره فأعانه، حتى كمل الخندق (2).
و عن أنس قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الخندق، فإذا المهاجرون و الأنصار يحفرون في غداة باردة، و لم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب و الجوع.
و في نص آخر: فلما رآهم يحملون التراب على متونهم، و ما بهم من نصب و جوع، قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرةفاغفر للأنصار و المهاجرة
فقالوا مجيبين له:
1) المغازي للوادي ج 2 ص 452 و 453 و راجع كنز العمال ج 10 ص 290 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و حدائق الأنوار ج 2 ص 585 و 586 و صحيح البخاري {المغازي} باب غزوة خيبر و صحيح مسلم، الجهاد و السير-باب غزوة الأحزاب و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 410 و 411 و 412 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 392 و عن مسلم باب غزوة الأحزاب و عن البخاري و غير ذلك.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 516.
نحن الذين بايعوا محمداعلى الجهاد ما بقينا أبدا (1)
و بعد ما تقدم نقول:
قالوا: و أبطأ عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عن المسلمين في عملهم ذاك رجال من المنافقين، و جعلوا يورون بالضعيف من العمل.
و حسب نص آخر: تخلف طائفة من المنافقين، يعتذرون بالضعف. و تسلل عنه «صلى اللّه عليه و آله» جماعة من المنافقين إلى أهليهم بغير علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه تعالى في ذلك:
. . قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوٰاذاً فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ .
ثم كان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لا بد منها يستأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيقضي حاجته، ثم يعود، فأنزل اللّه تعالى:
إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذٰا كٰانُوا مَعَهُ عَلىٰ أَمْرٍ جٰامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّٰى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ. .
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 و البداية و النهاية ج 4 ص 95 و 96 و بهجة المحافل ج 1 ص 263 و المواهب اللدنية ج 1 ص 111 و تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 516 و 517 و صحيح البخاري ج 3 ص 20 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 410 و 411 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 245 و عن فتح الباري ج 7 ص 392.
و اللواذ: الإستتار بالشيء عند الهرب (1).
و هناك الذين كانوا يتسللون زاعمين أن بيوتهم عورة-أي مكشوفة للغزاة، و معرّضة للإحتلال (2)-و ليس الأمر كذلك.
و لنا مع ما تقدم وقفات، نشير إليها فيما يلي من مطالب:
و من الواضح: أن تحديد المسؤوليات، و تقسيم المهام على العاملين من شأنه أن يرفع من درجة الإحساس بالمسؤولية، الأمر الذي يفرض على العاملين قدرا أكبر من الدقة و التحري، الذي ينعكس على العمل إتقانا و تناسقا و جمالا.
هذا عدا عن أنه يذكي روح التنافس البنّاء و الهادف، الذي يؤدي إلى
1) راجع ما تقدم كلا أو بعضا، في المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226 و 227 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 159 و 160 و الكامل في تاريخ ج 2 ص 179 و 178 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 234 و السيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 312 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و عيون الأثر ج 2 ص 55 و 56. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 95 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و راجع ص 112 و 113 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و الدر المنثور ج 5 ص 60 عن ابن إسحاق، و ابن المنذر، و البيهقي في الدلائل و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 522 و 523 و تهذيب سيرة ابن هشام ج 3 ص 189 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 409.
2) سيرة المصطفى ص 496.
نشوء نوع من الرقابة العفوية، التي تنتهي إلى الانضباط، و إلى الإسراع في الإنجاز.
و من جهة ثانية: فإنه يقطع الطريق على أولئك الكسالى و الإتكاليين، ممن يضعف لديهم الشعور بالمسؤولية، و يريدون أن يفيدوا و يستفيدوا من جهد الآخرين، دون أن يقدموا هم أنفسهم أي جهد، أو أن يبذلوا أي عناء. و منعهم من ثم من التواكل المؤدي إلى الفشل، و إلى التضييع و البلبلة و الاختلاف.
و قد روي عن علي عليه الصلاة و السلام: أنه كتب في وصيته للإمام الحسن، صلوات اللّه و سلامه عليه: «و اجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك» (1).
كما أن عدم تحديد المسؤوليات يؤدي إلى تخلخل في البنية الداخلية، نتيجة للإحساس بالغبن لدى من تفرض عليه ظروف عمله أن يكون هو الذي يتحمل عبء إنجاز ما فرّط الآخرون في إنجازه. و عسى و لعل أن يتجه الفرقاء إلى إثارة الأسئلة و الشكوك، ثم إلى التراشق بآلتهم لتبرير حالة الضعف القائمة بسبب ذلك.
و علينا بعد ذلك كله: أن نتوقع ظهور عوارض الخلل و الضعف في أية خطة ترسم و تعتمد، و تفقد الكثير من حيويتها و فاعليتها في مجال التطبيق و التنفيذ.
كما أن توزيع الحصص على العاملين بهذه الطريقة يضمن تحقق المساواة
1) نهج البلاغة بشرح عبده، آخر وصية الإمام الحسن رقم {31} ج 3 ص 63.
و العدل في تحمل مشاق العمل، فلا يعمل هذا أكثر من ذاك. و إذا استطاع التفوق على أقرانه في العمل، فإن ذلك يظهر للآخرين و يتجلى امتيازه على سائرهم، كما سنقرؤه بالنسبة لسلمان الفارسي، الذي ظهرت قوته في العمل، فتنافس فيه المهاجرون و الأنصار.
أما المتواكل المتخاذل: فلا مجال للتستر عليه، إذا كان يريد أن يتوانى في عمله و يتواكل فيه. و قد فضح القرآن الكريم المنافقين، الذين اتبعوا هذا السبيل كما تقدم.
هذا كله: بالإضافة إلى أن قسمة العمل على النحو المتقدم من شأنها أن تؤثر في زرع روح التفاؤل بإمكانية إنجاز هذا العمل الضخم و تقلل من رهبته في صدور العاملين، حينما تنحسر النظرة إلى ذلك العمل الهائل لتصبح في مدى أذرع يسيرة يتعاون على إنجاز العمل فيها عشرة من المؤمنين.
قد تقدم: بعض ما يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتمثل ببعض الشعر، أو ينشد مع الصحابة ما ينشدون، و نزيد هنا:
قال دحلان و غيره: عن سهل بن سعد: كنا مع النبي في الخندق ننقل التراب على أكتافنا، فقال «صلى اللّه عليه و آله» :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرةفأكرم الأنصار و المهاجرة
و هو من كلام ابن رواحة، و أصله:
لا هم إن العيش عيش الآخرة. . . . . .
فنطق به النبي «صلى اللّه عليه و آله» :
اللهم لا عيش الخ. .. . . . .
لأنه يعسر عليه النطق بالشعر، و إن كان من قول غيره (1).
و عن أبي عثمان النهدي، أو سلمان: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين ضرب في الخندق قال:
باسم الإله و به بديناو لو عبدنا غيره شقينا
يا حبذا ربا و حب دينا (2). . . . . .
قال دحلان: «و هو من كلام بعض أصحابه يتمثل به. أو من كلامه بناء على أن الرجز ليس بشعر. أو أن الشعر شرطه أن يكون مقصودا كونه شعرا موزونا. أما إذا خرج موزونا بلا قصد، فلا يسمى شعرا» (3).
و نقول: إن بعض الناس حسبما تقدم، و كما هو مذكور في كتب التفسير، في
1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 عن البخاري و السيرة الحلبية ج 2 ص 312 و راجع البداية و النهاية ج 4 ص 96 عن البخاري و مسلم و الحديث في نهاية الأرب أيضا ج 17 ص 169 و صحيح البخاري ج 3 ص 20 و فيه: فاغفر للمهاجرين و الأنصار.
2) المواهب اللدنية ج 1 ص 111 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و السيرة الحلبية ج 2 ص 312 و الإمتاع ج 1 ص 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 517 و البداية و النهاية ج 4 ص 96 و 97 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 414 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 186 و فتح الباري ج 7 ص 304.
3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3.
تفسير قوله تعالى: وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ اَلشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ (1).
يريد أن يدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير قادر على التفوه بكلام موزون، أو أن الرجز ليس بشعر. أو ما إلى ذلك. .
و لكنها دعاوى ليست على درجة من القوة و الاستقامة، فإن المراد بالآية الكريمة وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ اَلشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ. . : أنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس بشاعر، بمعنى أنه ليس لديه ملكة الشعر، لا أنه يعسر عليه التكلم بشعر غيره و النطق به.
و لا حاجة بعد هذا إلى دعوى: أن الرجز ليس بشعر، كما لا حاجة إلى اشتراط القصد أو عدمه في إيراد الشعر الموزون. فإن النظر هو إلى ملكة الشعر الذي يتضمن الانسياق وراء الأوهام و التخيلات، و المبالغات، و التصويرات غير الواقعية بالإضافة إلى الوزن و الموسيقى، وفقا لما أشار إليه تعالى بقوله: وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ، وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مٰا لاٰ يَفْعَلُونَ (2)
و قد ذكرت رواية أبي واقد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال:
اللهم العن عضلا و القارةهم كلفوني أنقل الحجارة
و ليس هذا الكلام واضح المأخذ و المغزى، إلا أن تكون هاتان القبيلتان: عضل و القارة، قد قامتا بنشاط واسع في تحزيب الأحزاب فاق نشاط اليهود و قريش حتى صح أن ينسب «صلى اللّه عليه و آله» إلى هاتين القبيلتين حتى نقل الحجارة للخندق.
و ليس فيما بأيدينا من نصوص ما يدل على ذلك أو يشير إليه من قريب و لا من بعيد.
و ما أروع هذا التنويع في المهمات التي تصدى الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لها في حفر الخندق، حيث لم يقتصر على نوع واحد من العمل فيه، بل شارك «صلى اللّه عليه و آله» كل العاملين في أعمالهم و أذاق نفسه الشريفة مبلغ جهدهم، فصدق بذلك الخبر، و تجلت المواساة بأبهى صورها، و تجسدت الأمثولة الرائدة بأروع و أدق و أصدق معانيها.
و من الأمور التي تلفت النظر هنا: أن البعض يحاول أن يفرغ هذه التضحية الرائعة، و الأمثولة الفريدة للنبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» من معناها و مغزاها، فيدّعي رجما بالغيب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يرى الشدة في حمل الحجارة (1)، رغم صراحة رواية أبي واقد المتقدمة: أن أبا واقد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قد بلغ منه، و على حد تعبير نص
1) الزهد و الرقائق ص 256.
آخر: «و هو «صلى اللّه عليه و آله» يكابد معهم»
و في نص ثالث: و ربما كان يحفر حتى يعيا، ثم يجلس حتى يستريح.
و في نص رابع: «حتى عرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عيي» . و كل ذلك قد تقدم مع مصادره.
و لا ننسى أن نلفت نظر القارئ هنا: إلى مضمون الشعر الذي كان يترنم به العاملون في الخندق، و ما يتضمنه من ربط لهم بالآخرة و بما يرجو المؤمنون تحقيقه من فوز و فلاح فيها.
كما أنه يحمل في ثناياه مقارنة عفوية فيما بين الدنيا و العيش فيها، و تفضيل عيش الآخرة عليه. ثم يشاركهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ترديد هذا الشعر، فتكون مشاركة للوجدان و للإحساس، و يتعمق لدى هذا الإنسان الكادح المجاهد الشعور باللّه سبحانه، و بألطافه و مواهبه، و ما أحوجهم في هذا الظرف العصيب بالذات إلى إحساس كهذا.
و قد كان لمشاركة النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه تأثير كبير في إثارة الحماسة لدى العاملين في حفر الخندق. و قد أذكيت هذه الحماسة أيضا معرفتهم بتحرك الأعداء باتجاه المدينة، و إحساسهم بالخطر الذي يتهددهم.
لقد أجمع المؤرخون: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد شارك في
حفر الخندق.
و تتفق هذه النصوص: على أنها كانت مشاركة فعالة و حقيقية و جدية. و ما نريد أن نلفت النظر إليه هنا هو:
ألف: إن هذه المشاركة لم تكن شكلية، و مجرد تمثيل، كما عهدناه و ألفناه من رؤساء الجمهوريات و الوزراء و كبار المسؤولين في عصرنا الحاضر، حيث يضرب أحدهم بالمعول مثلا ضربات أمام الجماهير في احتفال تكريمي ليظهر على شاشات التلفزيون، و على صفحات الجرائد في استعراض إعلامي مزيف، يهدف إلى تكريس زعامته و نفوذه، و لا شيء غير ذلك، ثم يتابع رقابته على العمل و العاملين من موقع الأمر، من قصره المنيف، أو من برجه العاجي الزاهر. فجاءت مشاركة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» في حفر الخندق بصيغة المعاناة الحقيقية و الصادقة، التي تمثل الأسوة في المعاناة الكادحة لا مجرد الرمز و المثال.
و لنسمع النشيد العفوي و الصادق:
لئن قعدنا و النبي يعمللذاك منا العمل المضلل
يقول البعض: «إن التاريخ لم يدون لنا غير حادثة مفردة عن شخصية كان لها سلطان روحي و زمني أيضا على أمة من الأمم. و مع ذلك فقد عملت مثل عامل عادي، و جنبا إلى جنب مع أتباعها في ساعة الحرج الوطني العظيم» (1).
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 447 و راجع: الإمتاع ج 1 ص 221 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399.
ب: إن مشاركته «صلى اللّه عليه و آله» في حفر الخندق تجسد عمليا المساواة بين جميع فئات المجتمع، و تخرجها عن أن تكون مجردة شعار يراد له أن يبقى في حدود إثارة المشاعر، في النشاط الإعلامي الجماهيري، دون أن يجاوز ذلك ليصبح حياة و حركة، نهجا و سلوكا.
فالمساواة في نظر الإسلام نهج و سلوك، و خلق إسلامي و إنساني رفيع و نبيل، تنطق من خلاله و على أساسه مثل و قيم في جهات حياتية شتى.
و لأجل ذلك: نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشارك أصحابه في حفر الخندق مشاركة حقيقية، فهو يتعب كما يتعبون، و يرتجز كما يرتجزون، و يجوع كما يجوعون، و يشاركهم حلو العيش و مره، و يشترك معهم في تحمل المتاعب و مواجهة المصاعب و يكون أكثرهم عناء، و أعظمهم غناء.
ج: إن هذه المشاركة منه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن عن تواضع يريد من ورائه نيل رضاهم من خلال المواساة التي يتلمسونها في مشاركته تلك. بل هي منطلقة بالإضافة إلى ذلك من قناعة راسخة بالقيم و المبادئ، و بالمثل الإسلامية و الإنسانية، التي تجعل ذلك عبادة إلهية، و عبودية له سبحانه و تعالى، تلك العبادة و العبودية التي لا تستثني و لا تجامل و لا تحابي أحدا أيا كان.
د: و من الواضح: أن ارتباط النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالناس لم يكن من نوع الروابط التي تقوم بين الزعيم و بين قاعدته الجماهيرية، و لا كانت هي رابطة حاكم و رعية، و إنما كانت رابطة الأبوة المسؤولة و الواعية، التي يدفعها إحساسها الأبوي لتريد الخير لمن هم تحت تكفّلها من موقع الوعي و التدبير، لا من موقع العاطفة الهوجاء، و لا من منطلق التفكير المصلحي، الذي يريد أن يستفيد من ذلك لتكريس زعامته، أو كسب امتيازات
سياسية، أو اجتماعية أو غيرها.
و لأجل ذلك كانت مواساته «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه في حالات الجوع، ثم مشاركته لهم في تلبيته لدعوة جابر لتناول الطعام؛ رغم أن جابرا لم يجد في بيته إلا ما يكفي بضعة أشخاص. و لكن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا الجميع و أطعم الجميع.
و قال المؤرخون أيضا: عن كعب بن مالك قال: جعلنا يوم الخندق نرتجز و نحفر، فعزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليّ أن لا أقول شيئا!
فقلت: هل عزم على غيري؟ !
قالوا: حسان بن ثابت.
قال: فعرفت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما نهانا لوجدنا له، و قلته على غيرنا، فما تكلمت بحرف حتى فرغنا من الخندق.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ: لا يغضب أحد مما قال صاحبه، لا يريد بذلك سوءا إلا مما قال كعب و حسان فإنهما يجدان ذلك (1).
و عند البيهقي: نهاهما أن يقولا شيئا يحفظان به أحدا (2).
و كان جعيل بن سراقة رجلا صالحا، و كان دميما قبيحا. و كان يعمل معهم في الخندق، و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد غير اسمه يومئذ و سماه
عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون و يقولون:
سماه من بعد جعيل عمراو كان للبائس يوما ظهرا
و جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقول شيئا، بل يقفي معهم فقط، و يقول: عمرا، ظهرا (1).
قال الحلبي: «و سياق أسد الغابة يدل على أن هذا الذي غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اسمه و سماه عمرا غير الجعيل المذكور» (2).
و نشير نحن هنا إلى ما يلي:
إن هذه النصوص التي ذكرناها: قد أظهرت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اتخذ قرارا حاسما يمنع حسان بن ثابت و كعب بن مالك من إنشاد أو قول شيء حين حفر الخندق، و الذي يظهر لنا من ثنايا الكلمات هو: أن حسانا و كعب بن مالك لم يلتزما بالضوابط الأخلاقية و الإسلامية فيما قالاه و أنشداه، بل هما قد تجاوزا الحد، و أغضبا الآخرين، و يشير إلى ذلك:
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 16 و المغازي للواقدي ج 2 ص 447 و 448 متنا و هامشا، و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 409 و 410 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 227 و 228 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 234 و 235 و البداية و النهاية ج 4 ص 95 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 و بهجة المحافل ج 1 ص 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و 312 و الإمتاع ص 222 و أسد الغابة ج 1 ص 290 و قال: أخرجه أبو موسى و الإصابة ج 1 ص 240.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 512 و راجع: أسد الغابة ج 1 ص 290.
1-أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختص هذين الرجلين بالمنع، و لم يعزم على أحد غيرهما.
2-كما أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ: لا يغضب أحد مما قال صاحبه لا يريد بذلك سوءا الخ. . صريح في أنه قد قيل ثمة ما يوجب الغضب، حتى احتاج الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» للتدخل لتلطيف الأجواء، و سل الخيمة
3-و لعل قصة جعيل بن سراقة هي أحد الشواهد على هذا التعدي على الآخرين، حيث كان من الطبيعي أن ينزعج هذا الرجل، الذي وصف بالقبح و الدمامة من ارتجازهم الشعر في حقه، و يعد ذلك نوعا من العبث و الاستهانة به، و الاحتقار له.
و من هنا: فإننا نشك كثيرا في قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جعل يقفي معهم، و يقول: عمرا، ظهرا. .
مع أننا نلاحظ على النص المذكور: أنه قد ألمح إلى أن سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن إنشادهم الشعر في حق جعيل كان ملفتا للنظر، حيث يقول النص: «فجعل رسول اللّه لا يقول شيئا، بل يقفي معهم فقط» .
و بعد ما تقدم نقول: إننا نلمح في النصوص المتقدمة محاولة للتحريف و التصرف في النص بهدف التعتيم على حقيقة ما جرى؛ حيث حاول أن يصوّر لنا: أن منع حسان و كعب من قول شيء إنما كان لأجل قدرتهما على قول الشعر، و قلته على غيرهم.
مع أن القضية: ما كانت تتطلب الكثير من قول الشعر آنئذ، بل يكفي البيت أو البيتان ليرددهما الآخرون مدة طويلة، وفقا لما حفظه لنا التاريخ في
هذه المناسبة، بالإضافة إلى أن الكثيرين كانوا يجيدون الشعر مثل كعب و حسان.
و لم يكن ثمة داع لتحاسد القوم في أمر كهذا في مناسبة كهذه، و لا كان اللازم هو أن يحسدوا حسانا و كعب بن مالك في سائر المناسبات، و يمنعهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» من هجاء المشركين، و من نظم الشعر في كثير من المناسبات الأخرى.
و لم نجد في ما بين أيدينا من نصوص تاريخية أن حدث ما يشبه هذه القضية في أي مناسبات أخرى، لا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا مع غيره.
و ذلك يجعلنا نطمئن إلى حدوث تجاوز منهما للحد أوجب أن يقف النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» منهما هذا الموقف الحازم و الحاسم.
فليتأمل في تاريخ حياة هذين الرجلين، فقد يجد المتتبع فيها الكثير مما لا يحسن و لا يجمل، و قد تقدم في أواخر الحديث عن غزوة بني النضير شيء غريب صدر من حسان، و ربما تأتي الإشارة لأشياء أخرى صدرت منه و من غيره. و اللّه هو المسدد و الهادي.
«كان زيد بن ثابت ممن ينقل التراب، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حقه: أما إنه نعم الغلام، و غلبته عينه، فنام في الخندق.
فأخذ عمارة بن حزم سلاحه، و هو نائم.
فلما قام فزع على سلاحه، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : يا بار، (يا أبا رقاد)قد نمت حتى ذهب سلاحك؟
ثم قال: من له علم بسلاح هذا الغلام؟ !
فقال عمارة: أنا يا رسول اللّه، هو عندي.
فقال: ردّه عليه و نهى أن يروع المسلم و يؤخذ متاعه لاعبا» (1).
و كان المسلمون قد انكشفوا يريدون يطيفون بالخندق و يحرسونه، و تركوا زيدا نائما و لا يشعرون به.
و نقول: لا ندري مدى صحة ما ينسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قاله في حق زيد بن ثابت، دون سائر من كانوا ينقلون التراب من شباب و غيرهم، من دون مبرر ظاهر، أو سبب معقول، أو فعل متميز من زيد على من سواه، يستدعي أن يخلع عليه النبي الأوسمة، و يخصه بالتقاريض و المدائح.
غير أننا نعلم: أن زيدا كان ممن تهتم السلطة بأمره، و تعمل على رفعة شأنه، و تخصيصه بكل غال و نفيس ما وجدت إلى ذلك سبيلا، لأنه كان من أعوانها بل من أركانها كما أشرنا إليه في فصل تعليم زيد اللغة العبرانية، فلا نعيد.
و يقولون: إن المسلمين جعلوا إذا رأوا في الرجل فتورا ضحكوا منه. و تنافس الناس يومئذ في سلمان الفارسي و كان قويا عارفا بحفر الخنادق، فقال المهاجرون: سلمان منا. .
و قالت الأنصار: هو منا و نحن أحق به.
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 213 و الإمتاع ج 1 ص 222 و الإصابة ترجمة زيد بن ثابت و المغازي للواقدي ج 2 ص 448.
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قولهم، فقال: «سلمان رجل منا أهل البيت» (1).
«و لقد كان يومئذ يعمل عمل عشرة رجال، حتى عانه {أي أصابه بالعين} يومئذ قيس بن أبي صعصعة فلبط به {أي صرع و سقط إلى الأرض} فسألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: مروه فليتوضأ له، و ليغتسل به، و يكفأ الإناء خلفه ففعل، فكأنما حل من عقال» (2).
و حسب نص آخر أوضح و أصرح: «روي أنه كان يعمل في الخندق عمل الرجلين.
و في رواية: كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من الخندق، و عمقها أيضا خمسة أذرع، فعانه قيس بن صعصعة، فصرع و تعطل من العمل، فأخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان، و يجمع
1) المغازي للواقدي ج 1 ص 446 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 235 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 263 و سيرة المصطفى ص 495 عن الطبري و تاريخ الخميس ج 1 ص 482 السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و الإمتاع ج 1 ص 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515 و البداية و النهاية ج 4 ص 99 و مجمع البيان ج 2 ص 427 و ج 8 ص 341 و البحار ج 20 ص 189 و 198 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 400 و 418 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 598 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1205 و راجع ص 1207 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192.
2) المغازي للواقدي ج 1 ص 447 و الإمتاع ج 1 ص 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 515.
وضوءه في ظرف، و يغتسل سلمان بتلك الغسالة و يكفأ الإناء خلف ظهره، ففعل، فنشط في الحال كما ينشط البعير من العقال» (1).
و قصة التنافس في سلمان و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «سلمان منا أهل البيت» مذكورة في العديد من المصادر، فلتراجع في مظانها (2).
و نص آخر يقول: إنه حين حفر الخندق كان المسلمون ينشدون سوى سلمان، فرأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فدعا اللّه تعالى: أن يطلق لسان سلمان، و لو ببيتين من الشعر، فأنشد سلمان ثلاثة أبيات هي:
ما لي لسان فأقول شعراأسأل ربي قوة و نصرا
على عدوي و عدو الطهرامحمد المختار حاز الفخرا
حتى أنال في الجنان قصرامع كل حوراء تحاكي البدرا
فضج المسلمون، و جعلت كل قبيلة، تقول: «سلمان منا» .
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و السيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 314 و راجع: الإمتاع ج 1 ص 221 و المغازي للواقدي ج 2 ص 447.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 قسم 1 ص 59 و البداية و النهاية ج 4 ص 99 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 235 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 و البحار ج 2 ص 189 عن مجمع البيان ج 2 ص 427 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و أسد الغابة ج 2 ص 331 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 54 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 200 و نفس الرحمن ص 34 و 35 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 598.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «سلمان منا أهل البيت» (1).
و نقول: إننا نشك في صحة ذلك كله، و ذلك للأمور التالية: أولا: إنه عدا عما في هذه الأبيات الأخيرة من الهنات، لا نجد المبرر المذكور لدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسلمان كافيا في تبرير ذلك، لأن الذين كانوا ينشدون الشعر، ما كانوا ينشدون من نظمهم، بل كان الناظم واحدا من الناس، و الباقون يرددون المنظوم بطريقة معينة و وقع خاص يتناسب مع الحالة التي يعيشونها، و قد كان باستطاعة سلمان أن يردد ذلك النشيد مع المرددين، من دون حاجة إلى أن ينظم شعرا، كما صورته لنا الرواية.
و ثانيا: إن ما ذكروه في سبب إطلاق هذه الكلمة النبوية الخالدة في حق سلمان: «سلمان منا أهل البيت» لا يعدو أن يكون أمرا عاديا بل و تافها.
لأن معناه: أن تكون قضية الاستفادة من قوة سلمان البدنية موضع تنافس الفرقاء، و قد حسم النبي «صلى اللّه عليه و آله» نزاعهم، بتحويل سلمان إلى القسم الذي كان يعمل هو «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته فيه فكانت تلك الكلمة إيذانا بذلك.
و هذا معناه: أن تفقد هذه الكلمة قيمتها و أهميتها. و هكذا الحال بالنسبة لحكاية إطلاق لسان سلمان بالشعر، ثم تنافس الفرقاء فيه فجعله
1) راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 85 و قاموس الرجال ج 4 ص 424 و الدرجات الرفيعة ص 218 و نفس الرحمن ص 43.
«صلى اللّه عليه و آله» جزءا من فئة تحسن التكلم بالعربية، و تحب أن تكرمه و تشجعه، لأنه نطق بلغتها.
إذن. . فلم يكن هذا الوسام لسلمان قد استحقه لعلمه، أو لدينه أو لمواقفه، أو لغير ذلك من أمور تدخل في نطاق صفات و أعمال الخير و الصلاح فيه.
و بعد هذا: فلا يبقى مبرر لما نلاحظه في كلمات الأئمة «عليهم السلام» من تركيز على هذا الوسام، و تأكيد لواقعيته و مصداقيته فيه رضوان اللّه تعالى عليه.
كما لا معنى لاستدلال ابن عربي على عصمة سلمان بهذه الكلمة المأثورة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حقه، باعتبار أن أهل البيت معصومون مطهرون، بنص آية التطهير (1).
و لعل الصحيح في القضية، الذي ينسجم مع وقائع التاريخ و مع ما عهدناه من سياسات انتهجها الحكام طيلة عشرات السنين هو النص التالي:
«إن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه دخل مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات يوم، فعظموه، و قدموه، و صدروه، إجلالا لحقه، و إعظاما لشيبته، و اختصاصه بالمصطفى و آله.
فدخل عمر، فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب؟ !
1) راجع: سلمان الفارسي، للعلامة السبيتي ص 40 و نفس الرحمن ص 32 كلاهما عن الفتوحات المكية
فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبر، فخطب، فقال: إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربي على العجمي، و لا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى. سلمان بحر لا ينزف، و كنز لا ينفد، سلمان منا أهل البيت» (1).
و هكذا يتضح: أن سلمان المحمدي قد تعرض لمحاولة تحقير و امتهان، من قبل رائد «التمييز العنصري» بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي شاع و ذاع عنه أنه لم يحب تزويج سلمان. و كان يكره الفرس و يمقتهم و قد حرمهم من أبسط الحقوق (2)فانتصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لسلمان، و أدان المنطق الجاهلي، و التمييز العرقي و العنصري، بصورة صريحة، و قوية و قاطعة.
روي في صحيح مسلم، عن أبي قتادة: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، فجعل يمسح رأسه و يقول:
بؤس ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية» (3).
لكن القمي قد فصل ذلك حيث قال: «قوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. . (1)، نزلت في عثكن {عثمان} يوم الخندق. و ذلك أنه مر بعمار بن ياسر، و هو يحفر الخندق، و قد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع كمه على أنفه و مر، فقال عمار:
لا يستوى من يبتني المساجدايظل {فيصلي} فيها راكعا و ساجدا
كمن يمر بالغبار حائدايعرض عنه جاحدا معاندا
فالتفت إليه عثكن، فقال: يا ابن السوداء إياي تعني؟
ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال له {أي عثمان} : لم ندخل معك لتسبّ أعراضنا.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قد أقلتك إسلامك فاذهب. فأنزل اللّه: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. . الخ. .» (2).
و قد تقدم في جزء سابق حين الحديث عن بناء مسجد المدينة: أن ذلك قد حصل في تلك المناسبة في قضية حصلت بين عمار و عثمان.
و نقول: إننا لا نريد أن ندخل في موضوع تحقيق الحق في كون ذلك قد حصل في البناء الأول للمسجد أو الثاني، أو في حفر الخندق، فإن تحقيق ذلك ليس له كبير أهمية ما دام أن أصل القصة، و كلمة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» مما لا شك فيه، و لا شبهة تعتريه، و قد أجمع عليه المحدثون
و المؤرخون، بل و المسلمون قاطبة و أصبح من المسلمات. غير أننا نذكّر القارئ هنا بأمر هام، و هو:
أن طريقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة الأطهار «عليهم السلام» في التربية و التعليم لها مرتكز أساس، و هو الإعتماد على بلورة المعايير و المنطلقات الأساسية في النهج الفكري و العقيدي للناس بصورة عامة، ثم تفويض أمر اختيار ما يتناسب مع تلك المعايير، و يتطابق مع هاتيك الضوابط إلى الناس أنفسهم، فنجد الناس مثلا هم الذين يقومون بعملية التعرف على الإمام، بما لديهم من ضوابط و معايير يمارسون تطبيقها بأنفسهم، و توصلهم إلى الإمام الحق، بصورة قويمة و سليمة، من دون حاجة إلى التنصيص عليه بالاسم، كما كان الحال حينما أوصى الإمام الصادق «عليه السلام» إلى خمسة أحدهم الإمام الكاظم «عليه السلام» ، حيث عرف الشيعة أن الإمام لا يمكن أن يكون ذلك الحاكم الظالم، كما لا يمكن أن يكون هو زوجة الإمام، ثم لا يمكن أن يكون هو الولد الأكبر مع إشراك الأصغر في الوصية (1).
و الأمر في قصة عمار أيضا من هذا القبيل، حيث قدم النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» للناس آنئذ ضابطة يعرفون بها فريق البغاة، و يميزونه عن غيره، دون أن يصرح «صلى اللّه عليه و آله» بالاسم أو بالأسماء، الأمر الذي قد يحمل معه سلبيات كثيرة و متنوعة بشكل أو بآخر. .
و من الواضح: أن لهذه التربية الفكرية و لصياغة الشخصية الإسلامية
1) راجع: البحار ج 47.
بهذه الطريقة آثارا إيجابية كبيرة و هامة جدا. و ذلك لما ينتج عنها من حصانة و مناعة لدى الإنسان المسلم في مقابل محاولات الخداع و التضليل التي ربما يتعرض لها من قبل أهل الدعوات الفاسدة و المشبوهة، و يصبح في مأمن من الوقوع في شراكهم التي ينصبونها له و لأمثاله. .
كما إنها تجعله قادرا على نقل المفاهيم التي يؤمن بها إلى الآخرين بالطريقة المنطقية و المقبولة و المعقولة.
ثم هي تمكنه من أن ينأى بنفسه عن أن يكون من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، و يسيرون في ركاب كل قبيل، دون وعي أو تأمل في الأمور و في عواقبها. .
أضف إلى ذلك: أنها تخرج الإنسان المسلم عن دائرة التلقين الأعمى، ليصبح قادرا على التفاعل مع الفكرة، أو مع أية قضية تعرض عليه، و لكن لا من موقع التأثر و الانفعال العاطفي أو اللاشعوري، بل من موقع التأمل و التروي و الوعي و الضبط و الانضباط بكل ما لهذه الكلمات من معنى دقيق، و عميق.
و هذا بحث هام و متشعب، يحتاج إلى توفر تام، من أجل حشد الشواهد و الدلائل الكثيرة و المتنوعة للاستفادة منها كطريقة عمل و منهج حياة، و سبيل صلاح و إصلاح، إن شاء اللّه تعالى. .
قد تحدثنا في الجزء السابق، في غزوة ذات الرقاع: عن معرفة الأنبياء و الأوصياء بلغات البشر، بل منطق الطير و سائر الحيوانات.
و تحدثنا أيضا هناك: عن الكرامات التي نقلت عن نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و عن الأئمة الأطهار و عن الأنبياء «عليهم السلام» السابقين و غيرهم، مما أشار القرآن إلى بعض منه أيضا.
و قد ذكرنا ثمة توضيحا لا غنى عن المراجعة إليه، من أجل جعل الأمور في نصابها في نطاق فهم هذه الكرامات و المعجزات التي سجل لنا القرآن و التاريخ و الحديث منها العشرات و المئات في مختلف الشؤون و المجالات.
فنرجو من القارئ الكريم: أن لا ينسى مراجعة ما كتبناه هناك، و بدون ذلك، فإن فهم هذه القضايا ليس فقط سوف يكون ناقصا، و إنما قد يكون غير واقعي و لا دقيق.
لقد كان المسلمون يواجهون يوم الخندق أعظم تحد واجهوه سواء من حيث العدد، أو من حيث العدة، بالإضافة إلى حالة الحصار التي يعانون منها.
ثم يتعاظم إحساسهم بالخطر الذي يتهددهم: و هم يجدون أمارات الغدر و الخيانة قد ظهرت، لدى أولئك الذين كان لهم معهم عهود و مواثيق، فلم تعد العهود قادرة على إعطاء أدنى شعور بالأمن و السكون إليها. كما أن كل ما عمله النبي و المسلمون من إحسان، و ما اتخذوه من مواقف إنسانية قد اتضح أنه لم يمنع من تلقوا ذلك الإحسان من أن يحالفوا العدو، و ينقلبوا على ما أحسن إليهم ليقابلوه بالإساءة، فيكتشف المسلمون أنهم مجموعة من الذئاب، و السباع الشرسة، التي تفقد كل المعاني الإنسانية، و كل الشيم التي يعتز بها الإنسان العربي، و يفتخر بها.
ثم هناك وجود المنافقين فيما بين المسلمين، الذين كانوا ينخرون في جسم الأمة، و يعملون على تمزيقها، و زرع الشكوك القاتلة، و إيجاد الريب المهلك فيها.
فتأتي هذه الكرامات: لتكون صمام الأمان لهذه القلوب الخائفة، و المفجوعة، و ليربط اللّه بها على قلوبهم، و لتزيد في يقينهم و بصيرتهم، و تشد من عزيمتهم.
قال الشيخ محمد أبي زهرة: «إن الآيات المادية قد تؤثر في أولئك الماديين الحسيين، و خصوصا إذا كانت في موطن الفزع، فإنها إذا جاءت من غير سبب يألفونه و يعرفونه، فإنها قد تأخذ عقولهم إلى التفكير السليم، و تخلعها من الوثنية، إذ يدخل إليها نور الحق شيئا فشيئا، و النور كلما دخل أشرق، و إذا أشرق اتجهوا إلى الحق و طلبوه» (1).
1) خاتم النبيين ج 2 ص 944.
و يلاحظ هنا: أن بعض هذه الكرامات قد اقترن بإخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» للمسلمين بأن البلاد سوف تفتح عليهم حتى الإمبراطوريات العظمى التي كانت تحكم العالم آنئذ، و هما إمبرطوريتا الروم و فارس.
و إذا جاء الخبر من الصادق المصدق، الذي يعتقد المسلمون أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، في حالة مواجهة الأخطار الكبرى و المصيرية، فإنه يكون أكثر رسوخا في النفس، و أعظم أثرا في إثارة الهمم و شحذ العزائم.
و نحن نشير هنا: إلى طائفة من هذه الكرامات، بقدر ما يفسح لنا به المجال، فنقول:
يقول المقريزي و غيره: «و ضرب بالكرزن، فصادفت حجرا، فصل الحجر {أي ترددت صوته في صليل الفأس} ، فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقيل: مم تضحك يا رسول اللّه؟ !
قال: أضحك من قوم يؤتى بهم من المشرق في الكبول {الكبل القيد العظيم} ، يساقون إلى الجنة و هم كارهون» (1).
و الظاهر: أن هذا إشارة لأهل فارس.
و من الواضح: أن هذه البشارة منه «صلى اللّه عليه و آله» للمسلمين إنما
1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 223 و المغازي للواقدي ج 2 ص 449 و كنز العمال ج 10 ص 285 عن ابن النجار.
يراد منها أن تعطيهم انطباعا بصورة عفوية و تلقائية بأن هذه الدعوة مستمرة و باقية، فلا يهولنهم جمع قريش و الأحزاب لهم:
فما ذلك إلا: «سحابة صيف عن قليل تقشع» .
عن جابر بن عبد اللّه قال: أصبح الناس كدية يوم الخندق، فضربوا فيها بمعاولهم حتى انكسرت، فدعوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا بماء فصبه عليها، فعادت كثيبا أهيل.
و في نص آخر-ذكره البخاري و غيره-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قام و بطنه معصوبة بحجر و لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا الخ. . (1).
و يبدو أن هذه قضية أخرى غير قضية سلمان الآتية التي أخبر «صلى
1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 452 و صحيح البخاري ج 3 ص 21 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 228 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 160 و إعلام الورى ص 90 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 234 و 246 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 186 و البداية و النهاية ج 4 ص 97 و 98 عن ابن إسحاق، و أحمد، و البخاري و البيهقي، و إمتاع الأسماع ج 1 ص 224 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 519 و حدائق الأنوار ج 2 ص 591 و مجمع البيان ج 8 ص 341 و البحار ج 20 ص 198، و نهاية الأرب ج 17 ص 170 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 415 و 416 و 423 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 358 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و المواهب اللدنية ج 1 ص 111 و جوامع السيرة النبوية ص 148.
اللّه عليه و آله» المسلمين فيها عن الفتوح التي يفتحها اللّه عليهم.
و من الأمور التي يذكرها المؤرخون هنا: قضية الصخرة التي واجهت المسلمين و هم يحفرون الخندق و كانت سببا في أن يخبر النبي المسلمين بأخبار غيبية تحققت فيما بعد.
و نحن نذكر النص التاريخي للرواية أولا، ثم نشير إلى بعض ما يرتبط به، فنقول:
كان سلمان، و حذيفة و النعمان بن قرن، و عمرو بن عوف، و ستة من الأنصار يعملون في أربعين ذراعا فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول، فأعلموا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر.
و في نص آخر يقول فيه عمرو بن عوف: فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب (و الظاهر: أن الصحيح: تحت ذباب) (1)أخرج اللّه من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا، و شقت علينا.
فطلبوا من سلمان أن يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمرها؛ فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، و إما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطه.
فرقى سلمان إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ضارب عليه قبة
1) ذباب: جبل بجبانة المدينة. و هو الجبل الذي عليه مسجد الراية. واسمه ذوناب أيضا. راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 482.
تركية فأخبره فهبط مع سلمان و بطنه معصوب بحجر، و لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا، و التسعة على شفير الخندق.
و في نص آخر عن سلمان، قال: ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت عليّ و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قريب مني، فلما رآني أضرب، و رأى شدة المكان عليّ أخذ المعول، و ضربها به ضربة فصدعها، و برق منها برق أضاء منها بين لابتي المدينة، فكبر «صلى اللّه عليه و آله» تكبيرة، و كبر المسلمون.
ثم ضربها ثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك أيضا، فصدعها.
فأخذ بيد سلمان ورقى، فسأله سلمان عن الأمر الذي رآه ورآه المسلمون، و عن تكبير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبرهم «صلى اللّه عليه و آله» : أنه بالبرقة الأولى أضاءت له قصور الحيرة و مدائن كسرى، و أخبره جبرئيل بأن أمته ظاهرة عليها.
و في الثانية أضاءت له القصور الحمر من أرض الروم، و أخبره جبرئيل بأن أمته ظاهرة عليها.
و في الثالثة أضاءت له قصور صنعاء، و أخبره جبرئيل: بأن أمته ظاهرة عليها فابشروا، فاستبشر المسلمون و قالوا:
الحمد للّه موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر.
فقال المنافقون، و منهم معتب بن قشير: ألا تعجبون من محمد؟ ! يمنيكم و يعدكم الباطل، و يخبركم بأنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، و مدائن كسرى، و أنها تفتح لكم، و أنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل القرآن: وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
1) الآية 12 من سورة الأحزاب.
2) للرواية نصوص مختلفة. فراجعها على اختلافها في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و 483 و راجع ص 484 و عيون الأثر ج 2 ص 58 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1207 و فتح الباري ج 7 ص 350 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و 4 و 5 و الأمالي للشيخ الصدوق ص 258 و حبيب السير ج 1 ص 360 و السيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 314 و 318 و بحار الأنوار ج 20 ص 253 و 219 ص 189 و 190 و ج 18 ص 32 و مجمع البيان ج 2 ص 427 و 328 و ج 8 ص 341 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 400 و راجع ص 417 و 419-421 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 235 و 236 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 519 و 520، عن أحمد، و الشيخين، و ابن سعد و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي نعيم، و الطبراني و البيهقي، و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 228 و حدائق الأنوار ج 1 ص 53 و الخصال ج 1 ص 162 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و 160 و إعلام الورى ص 90 و كنز العمال ج 10 ص 281 و الروض الأنف ج 3 ص 277 و صحيح البخاري ج 3 ص 21 و الخصائص الكبرى للسيوطي {ط الهند} ج 1 ص 228 و الوفاء ص 693 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 246 و 234 و البداية و النهاية ج 4 ص 99 و 97 و 98 و 100 و 101 و 102 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 598 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 191-195 و المغازي للواقدي ج 2 ص 452 و المواهب اللدنية ج 1 ص 111-112 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 432 و عن سنن النسائي ج 2 ص 65 و عن ابن إسحاق و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 51 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 و تفسير القمي ج 2 ص 178 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 152 و فيه أن المسلمين هم الذين رأوا تلك البلاد.
و قيل: إن قائل ذلك هو عبد اللّه بن أبي بن سلول (1).
و في نص آخر: أن المنافقين قد قالوا ذلك عند مجيء الأحزاب (2).
و هذا هو ما نرجحه، لأن سياق الآيات إنما يناسب حالة الشدة التي عانى منها المسلمون بعد مجيء الأحزاب، و حدوث الحصار كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى.
و يظهر من نص للطبراني: أن هذه القضية قد حدثت بعد قصة دعوة جابر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل الخندق للطعام (3)كما سيأتي.
و صرح القمي: بأن هذه القضية قد كانت في اليوم الثاني من بدء حفر الخندق (4).
و ذكر نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» «جعل يصف لسلمان أماكن فارس، و يقول سلمان: صدقت يا رسول اللّه، هذه صفتها، أشهد أنك رسول اللّه.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هذه فتوح يفتحها اللّه بعدي يا سلمان» (5).
و عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق «عليه السلام» : لما حفر
رسول اللّه الخندق مروا بكدية، فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المعول من يد أمير المؤمنين «عليه السلام» ، أو من يد سلمان، فضرب بها ضربة، فتفرق بثلاث فرق.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لقد فتح اللّه عليّ في ضربتي هذه كنوز كسرى و قيصر.
فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا كنوز كسرى و قيصر، و ما يقدر أحدنا يخرج يتخلى (1).
و المراد بأحدهما و صاحبه: هو أبو بكر و عمر، و لم يذكر اسميهما صراحة تقية.
و نقول: لكن هذه الرواية: تخالف ما تقدم عن ابن الوردي و زيني و دحلان، من أن الذي قال ذلك: هو معتب بن قشير، أو عبد اللّه بن أبي.
و يقولون أيضا: كان عمر بن الخطاب يضرب يومئذ بالمعول فصادف حجرا صلدا، فأخذ «صلى اللّه عليه و آله» منه المعول، و هو عند جبل بني عبيد فضربه، فذهبت أولها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة إلى الشام، ثم ضرب ثالثة فذهبت برقة نحو المشرق، و كسر الحجر عند الثالثة.
1) بحار الأنوار ج 20 ص 270 و 271 عن الكافي.
فكان عمر بن الخطاب يقول: و الذي بعثه بالحق، لصار كأنه سهلة {رمل ليس بالدقاق} .
و كان كلما ضرب ضربة يتبعه سلمان ببصره، فيبصر عند كل ضربة برقة، فسأله عن ذلك، فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» : أنه رأى في الأولى قصور الشام، و في الثانية قصور اليمن، و في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن. و جعل يصفه لسلمان؛ فصدقه سلمان، و شهد له بالرسالة.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : هذه فتوح يفتحها اللّه عليكم بعدي يا سلمان لتفتحن الشام، و يهرب هرقل إلى أقصى مملكته، و تظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد و لتفتحن اليمن، و ليفتحن هذا المشرق، و يقتل كسرى بعده.
قال سلمان: فكل هذا قد رأيت (1).
و نقول: إن هذا النص-كما ترى-يخالف جميع النصوص الأخرى الواردة في كتب الصحاح، و المسانيد، و في كتب التاريخ، التي سجلت لنا هذا الحدث الهام.
حيث إنه يذكر: أن عمر بن الخطاب هو الذي صادف الحجر الصلد، الذي ضربه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فبرقت البرقات الثلاث.
مع أن النصوص التي أوردتها سائر المصادر المعتبرة بالأسانيد الموثوقة: قد
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 450 و 449 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 223 و اشار إليه في سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 519 و 520 عن الواقدي و وفاء الوفاء ج 4 ص 1208.
نصت على أن القضية بجميع فصولها و خصوصياتها، و جزئياتها قد كانت مع سلمان الفارسي.
بل قد ذكر النص الذي أوردناه أولا: أسماء ثلاثة ليس عمر بن الخطاب أحدهم. ثم صرح بأن الستة الباقين جميعهم من الأنصار.
بل إن نفس هذا النص الذي ذكرناه آنفا، و الذي أراد حشر اسم الخليفة الثاني في هذه القضية، قد عاد و التزم جانب سلمان، بمجرد أن أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» المعول ليضرب به ذلك الحجر و لم يعد لعمر فيه أي دور يذكر.
و كل ذلك يعطينا: أن ذكر اسم الخليفة الثاني هنا قد جاء سهوا من الراوي، و لعل ثمة حاجة في النفس قضيت.
و بعد، فإن سيطرة القيادة النبوية الشريفة على الموقف و إشرافه «صلى اللّه عليه و آله» على كل تحرك و تصرف، و استتباب حالة الانضباط التام لدى الفئات التي كانت تعمل معه و تحت قيادته، له تأثير كبير في حسم الموقف، وفقا لما ترسمه القيادة و يحقق أهدافها.
و قد تجلت الهيمنة القيادية للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في أكثر من مجال في غزوة الأحزاب.
و قد قرأنا آنفا: أنهم حين ظهرت الكدية و الصخرة، قالوا: إنهم ما كانوا يتجاوزون ما خطه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبدا، رغم أن المعدل قريب.
و تقدم أيضا: أن أحدا لم يكن يترك موضعه و عمله لحاجة يريدها إلا أن يأذن له النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . و هذا هو ما طالب به أمير المؤمنين «عليه السلام» بعض أصحابه في صفين، حين قال له: طاعة إمامك أوجب عليك من مبارزة عدوك، و نجد أمثال هذه الكلمة في مغزاها و مرماها الكثير في مختلف المواضع و المواقع.
و هذا الانضباط هو الضمانة للنجاح في أية خطة ترسم، إذ إن القبول بالانسياق وراء الاجتهادات المختلفة يفقد القيادة الثقة بإمكانية تحقيق أية خطة تضعها للمواجهة، ثم هو يفسح المجال لتمرير بعض الخدع التي تفيد الأعداء، و تهيئ لهم الظرف الملائم لتسديد ضرباتهم الموجعة، و الخطيرة في أحيان كثيرة.
أضف إلى ذلك: ما يمكن أن ينشأ عن ذلك من منافسات ثم من نزاعات، إلى أن ينتهي الأمر إلى التراشق بالتهم و تصدع الصف الواحد، الذي يفترض أن يكون كالبنيان المرصوص.
و لم ينس المسلمون بعد، ما أصابهم في حرب أحد حيث تسبب الرماة و الذين تركوا مراكزهم على ثغرة الجبل بكارثة حقيقية مني بها المسلمون كما سبق بيانه.
و مهما يكن من أمر: فإن الانضباط في غزوة الأحزاب، و التقيد بأوامر النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد هيأ الفرصة لتحقيق النجاح الكبير الذي غير مسار تاريخ المواجهة مع المشركين، حتى قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : الآن نغزوهم و لا يغزوننا كما سيأتي ذلك مع مصادره في الفصل الأخير من هذا الباب إن شاء اللّه.
نقول هذا رغم أننا نجد المنافقين: يحاولون التملص من تحمل مسؤولياتهم، و يختلقون الذرائع و الحجج المختلفة لذلك، و لكن ذلك كان يتم وفقا لقوانين الانضباط أيضا، فقد كانوا يورون بالضعيف من العمل، و كانوا يستأذنون لحاجات وهمية، و ما إلى ذلك، و لكنه كله كان تحت سمع و بصر القيادة و في نطاق علمها، و سيطرتها على الموقف كما هو معلوم.
إننا حين نقرأ هذه القضية نشعر: أن المسلمين كانوا يواجهون أكبر تجمع لقوى الشرك، و يتهيأون للدفاع عن وجودهم و حياتهم و هم يشعرون بعظيم الخطر الداهم، و تختلف في نفوسهم عوامل اليأس تارة، و عوامل الرجاء تارة أخرى.
و لعل المنافقين، و من وراءهم اليهود، قد أسهموا بتضعيف عوامل الرجاء بما أشاعوه و أذاعوه مما يؤكد و يقوي حالة التشاؤم إلى درجة اليأس لدى الكثيرين ممن لم ترسخ لهم بعد قدم في الإيمان و التسليم، و التوكل.
فتأتي قصة رؤية قصور الحيرة و الروم و صنعاء، و مدائن كسرى حينما ضرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» تلك الصخرة المستعصية في الخندق ضربات ثلاثا-تأتي-لتعيد للمسلمين ثقتهم بأنفسهم و بربهم، و تطلعاتهم و نظراتهم القوية و الثاقبة للمستقبل، و يبتعد حينئذ تلقائيا شبح الخوف المذل و الاستسلام الخانع لعوامل اليأس، التي لو تمكنت و ترسخت فيهم لجرتهم إلى مزالق الذل، و لكان ذلك سببا في ذهاب ريحهم و سقوطهم في حمأة الهوان، و البوار.
إذ إن الحادثة قد استنبطت: أن ما هم فيه ما هو إلا «سحابة صيف عن قريب تقشع» و أنهم سيخرجون من هذه الضائقة التي يواجهونها مرفوعي الرأس، ليواصلوا مسيرتهم الظافرة من نصر إلى نصر، و من فتح إلى فتح، حتى ينتهي بهم الأمر إلى فتح الفتوح، حيث تفتح لهم البلاد، و تدخل العباد في دينهم أفواجا، و يملكون كنوز كسرى و قيصر، حسبما أخبرهم به الرسول «صلى اللّه عليه و آله» منذ فجر دعوته في مكة.
و مما يدخل في هذا السياق: ما روي من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم الخندق لأصحابه: لئن أمسيتم قليلا، لتكثرن، و إن أمسيتم ضعفاء لتشرقن، حتى تصيروا نجوما يهتدى بكم، و بواحد منكم (1).
و ذلك كله يوضح لنا: سر اطمئنان المؤمنين بنصر اللّه لما رأوا الأحزاب و قد أحاطوا بالمدينة، و ضيقوا عليها الخناق، فلم ينهزموا أمام كل تلك الحشود، و ما وهنوا لما أصابهم، بل واجهوا ذلك بكل صلابة عزم، و بكل تصميم قاهر، تحدث اللّه عنه سبحانه حينما قال:
وَ لَمّٰا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزٰابَ قٰالُوا هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً (2)» (3).
أما المنافقون، فاتخذوا ما أخبر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذريعة
للمزيد من السخرية، و التندر و الاستهزاء، الذي يعبر عن انهزامهم النفسي و الروحي أمام القوى الغازية قال تعالى: وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً (1).
و قضية وليمة جابر في الخندق تروى بنصوص مختلفة نلخصها فيما يلي: قال جابر: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحفر، و رأيته خميصا و رأيت بين عكنه الغبار؛ فاستأذن من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يذهب إلى بيته، فأذن له فعاد إلى امرأته-و اسمها سهيلة بنت مسعود الأنصارية- فاتفق معها على أن يصلحا ما عندهما، و هو مد من شعير، و عناق {شاة} أو شويهة غير سمينة. ثم يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطعام.
فذهب ليدعوه مع رجل أو رجلين؛ فسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عما عنده فأخبره؛ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كثير طيب.
ثم دعا أهل الخندق جميعا، و قال لهم: إن جابرا قد صنع لهم سورا؛ فأقبلوا معه.
قال جابر: فقلت: و اللّه إنها الفضيحة.
فأتيت المرأة فأخبرتها {أي بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءها بالجند أجمعين، أو قد جاءك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه أجمعون} .
فقالت: أنت دعوتهم، أو هو دعاهم؟
1) الآية 12 من سورة الأحزاب.
فقلت: بل هو دعاهم.
قالت: دعهم، هو أعلم.
و في نص آخر: أنها سألته إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سأله عما عنده.
فأجابها بالإيجاب، فقالت له ذلك.
و ذكرت نصوص أخرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أقبل و أمر أصحابه، فكانوا فرقا عشرة عشرة، ثم قال اغرفوا و غطوا البرمة، و أخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه. ففعلوا، فجعلوا يغرفون، ثم يغطون البرمة، ثم يفتحونها فلا يرون أنها نقصت شيئا، و يخرجون الخبز من التنور، ثم يغطونه فما يرونه ينقص شيئا؛ فأكل الجميع حتى شبعوا.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : كلوا و اهدوا، فإن الناس أصابتهم مجاعة شديدة فأكلنا و أهدينا.
و في نص آخر: فلم نزل نأكل و نهدي يومنا ذلك أجمع، فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب ذلك.
و لهذه الرواية: نصوص تختلف من حيث التفصيل و الإختصار، لم نر حاجة إلى إيرادها، و يمكن لمن يريد ذلك أن يراجع المصادر التي في الهامش (1).
1) راجع النصوص المختلفة لهذه القضية في: المغازي للواقدي ج 2 ص 452 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 186-190 و تفسير القمي ج 2 ص 178 و 179 و بحار الأنوار ج 20 ص 219 و 220 و 198 و 199 و ج 18 ص 26 ج 7 و ص 32 حديث 25 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 416 و 415 و 427 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 31 و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 234 و 235 و السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و 330 و صحيح البخاري ج 3 ص 21 و البداية و النهاية ج 4 ص 97-99 عن البخاري، و أحمد، و البيهقي، و ابن أبي شيبة، و مسلم، و ابن إسحاق و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 520 و 521 عمن تقدم، و عن الحاكم و الطبراني و حدائق الأنوار ج 1 ص 212 و ج 2 ص 592 و شرح الشفاء للقاري {ط سنة 1264} ج 1 ص 245 و 246 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و 58 و دلائل النبوة لابن نعيم ص 358 و 360 و الشفاء ج 1 ص 291 و إعلام الورى {ط دار المعرفة} ص 36 و صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 27 و 152-154 و إثبات الهداة ج 2 ص 88.
و قد صرحت بعض المصادر: بأن الذين أكلوا عند جابر كانوا ألف رجل، و هم جميع أهل الخندق.
و قيل: كانوا ثلاث مئة، و قيل: ثمان مئة، و قيل: تسع مئة (1).
و في بعض النصوص: حتى شبع المسلمون كلهم.
1) البداية و النهاية ج 4 ص 98 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 188 و 189 و 190 عن البخاري و ابن أبي شيبة و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 521 و 564 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 360 و الشفاء ج 1 ص 291 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 424 و 426 و عن فتح الباري ج 7 ص 395، و راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 229 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 161 و إعلام الورى ص 90 و السيرة الحلبية ج 2 ص 233 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 234 و 235 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 و 135 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و 58 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و حدائق الأنوار ج 1 ص 53 و 212 و ج 2 ص 592.
زاد ابن شهر آشوب: فلم يكن موضع للجلوس، فكان يشير إلى الحائط، و الحائط يبعد، حتى تمكنوا، فجعل يطعمهم بنفسه (1).
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟
فدلوه على رجل، فذهب إلى بيته، و لكنه كان في الخندق يعالج نصيبه، فأرسلت إليه امرأته، فأقبل يسعى، فذبح لهم جديا كان عنده فأكل منه عشرة، ثم ذهبوا، و جاء عشرة آخرون فأكلوا.
«ثم قام «صلى اللّه عليه و آله» و دعا لربة البيت، و سمت عليها، و على أهل بيتها» (2).
و أرسلت أم متعب {أو أم عامر} الأشهلية بقعبة فيها حيس (3)إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في قبته مع أم سلمة، فأكلت حاجتها، ثم خرج بالقعبة فنادى مناديه: هلم إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى
1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 360 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 188 و راجع: الخرائج و الجرائح ج 1 ص 154 و 155 و البحار ج 18 ص 32 حديث 25 و المناقب لابن شهراشوب ج 1 ص 103.
2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 193 و 194 و البداية و النهاية ج 4 ص 101 و 100 عن الطبراني، و راجع: فتح الباري ج 7 ص 305.
3) الحيس: طعام متخذ من التمر و السمن، و الدقيق و الفتيت.
نهلوا، و هي كما هي (1).
و بعث أبو طلحة إنسانا بأقراص من الشعير تحت إبطه، ففتها «صلى اللّه عليه و آله» و أطعم منها ثمانين (2).
و مما ذكره في هذا السياق: أن ابنة بشير بن سعد (3)جاءت بحفنة من تمر إلى أبيها و خالها عبد اللّه بن رواحة؛ فرآها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هي تلتمس أباها و خالها، فأخذ ذلك منها في كفه فما ملأتها، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب.
ثم أمر جعال بن سراقة، فصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء؛ فاجتمعوا، فجعلوا يأكلون منها، و جعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، و أنه ليسقط من أطراف الثوب (4).
1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 235 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 522 عن ابن عساكر، و المغازي للواقدي ج 2 ص 477 و السيرة الحلبية ج 2 ص 330.
2) حدائق الأنوار ج 2 ص 592 و سنن الدارمي ج 1 ص 21 و 22{المقدمة} .
3) هي أخت النعمان بن بشير.
4) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 228 و 229 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 521 و 522 عن أبي نعيم، و ابن إسحاق و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 160 و 161 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و 161 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 235، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 190 و 191 و البداية-
عن معاوية بن الحكم قال: لما أجرى أخي علي بن الحكم فرسه فدق جدار الخندق ساقه، فأتينا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على فرسه، فقال: بسم اللّه، و مسح ساقه، فما نزل عنها حتى برئ (1).
ألف: و يلفت نظرنا في قصة جابر: أن جابرا قد تصرف وفق ما وجد أنه متوفر لديه من معطيات مادية، حيث رأى أن ما عنده لا يكفي إلا لعدد يسير من الأشخاص، و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليجعل نفسه أسيرة للأسباب المادية في حدودها الظاهرة.
بل تجاوز ذلك ليتعامل مع مسبب الأسباب، و مفيض الوجود مباشرة، و هو اللّه سبحانه، و لم يكن اللّه ليبخل على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» في وقت يحتاج فيه هؤلاء الناس إلى الشعور برعاية اللّه سبحانه لهم.
و حتى مع إغماض النظر عن ذلك كله، في الأسوة و القدرة، لم يكن
(4) -و النهاية ج 4 ص 99 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 235 و جوامع السيرة النبوية ص 148 و السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 427 و دلائل النبوة لابي نعيم ص 433 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و المغازي للواقدي ج 2 ص 476 و بحار الأنوار ج 20 ص 247 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 110 و 123 و فيه: أنها أخت عبد اللّه بن رواحة و كذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 102.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 522 عن الطبراني، و أبي القاسم البغوي.
ليميز نفسه عن الناس، بل هو سوف يواسيهم بنفسه فيما قل و كثر، و فيما صغر و كبر. و ذلك هو ما تمليه عليه التعاليم و المبادئ التي جاء بها من عند اللّه جل و علا.
و الذي يستأثر بإعجابنا العميق هو تلك اللفتة الواعية من زوجة جابر، و التي تظهر لنا أيضا مدى إيمان هذه المرأة و مدى تسليمها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . كما أنها تحكي لنا طبيعة و نوعية و سنخ اعتقادها بهذا الرسول الكريم و العظيم.
و ذلك حينما أخرجت زوجها جابرا من حيرته المحرجة بسؤالها له: إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بمقدار الطعام المتوفر عندهم، فأجابها بالإيجاب، فقالت: اللّه و رسوله أعلم.
و من يدري فلعل النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد عرف أن هذا الإخلاص من جابر و زوجته، ثم الإيثار منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حبه لأصحابه، و إقدامه على تقسيم هذا القليل من الطعام معهم، ثم إخلاص صحابته الأخيار في دفاعهم عن أنفسهم، و عن كرامتهم، و شرفهم و دينهم، و نبيهم، و هذه المتاعب الكبيرة، و المصاعب الخطيرة التي تواجههم، بالإضافة إلى أن اللّه سبحانه لن يخيب نبيه و وليه و صفيه،
نعم. . إن ذلك كله إذا اقترن بأن اللطف الإلهي لا بد أن يظهر في هذه الفترة العصيبة بالذات ليطمئن المؤمنون إلى نصر اللّه سبحانه، فإن زيادة الطعام الذي قدمه جابر، حتى ليأكل المسلمون كلهم حاجتهم منه، تصبح أمرا مقبولا و معقولا، و في محله. .
زعم الشعراني: «أنه شاهد شيخه الشيخ محمد الشنّاوي، و قد جاء من الريف، و معه نحو خمسين رجلا، و نزل بزاوية شيخه الشيخ محمد السروي، فتسامع مجاورو الجامع الأزهر بمجيئه، فأتوا لزيارته، فامتلأت الزاوية، و فرشوا الحصر في الزقاق.
ثم قال لنقيب شيخه: هل عندك طبيخ؟ !
قال: نعم، الطبيخ الذي أفعله لي و لزوجتي.
و قال له: لا تغرف شيئا حتى أحضر.
ثم غطى الشيخ الدست بردائه، و أخذ المغرفة، و صار يغرف إلى أن كفى من في الزاوية، و من في الزقاق. و هذا شيء رأيته بعيني» (1).
و نحن إذا قارنّا بين هذا الكلام و بين قضية وليمة جابر، فإننا نجد أن هذا النص أراد أن يعطي الشناوي نفس الكرامة التي ثبتت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين استجاب لدعوة ذلك الرجل الصالح «رحمه اللّه» .
و الذي يستوقفنا هنا: ثقة الشنّاوي بحصول الكرامة له، و كأنه يمارس عملا عاديا لا يشك في انتهائه إلى النتيجة التي يريدها. تماما كما كان الحال بالنسبة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في الخندق.
و ليت شعري لماذا لم يشتهر أمر الشنّاوي في الآفاق، و تسير به الركبان من بلد إلى بلد، و يصبح قبره كقبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة المنورة تشد إليه الرحال، و تقصده النساء و الرجال من أقصى بلاد المعمورة؟
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 331.
مع أننا نجدهم يقصدون زيارة قبور أناس صالحين لم تظهر لهم حتى و لو كرامة واحدة من هذا القبيل! !
قد تحدثت النصوص التي سلفت في هذا الفصل، و في غيره من الفصول، عن المعاناة التي كان يتعرض لها المسلمون بسبب شحة الأقوات في تلك السنة بالذات حيث: «كان المسلمون قد أصابهم مجاعة شديدة، و كان أهلوهم يبعثون إليهم بما قدروا عليه» (1).
و ذكر نص آخر: أن حفر الخندق كان في زمان عسيرة، و عام مجاعة حتى أن الأصحاب كانوا يشدون على بطونهم الحجر من الجهد و الضعف الذي بهم من الجوع، و يقول البخاري: إنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا، و كذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و في نص آخر: «يأتون بملء كفي شعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، و القوم جياع، و هي بشعة في الحلق، و لها ريح منتن» (3).
1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 235 و المغازي للواقدي ج 2 ص 476.
2) راجع مصادر حديث جابر الذي أوردناه في فقرة: كرم و كرامة. و راجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 329 و تاريخ الخميس ج 1 ص 482.
3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 و البداية و النهاية ج 4 ص 96 عن البخاري، و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 245 و صحيح البخاري ج 3 ص 20 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 517 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 412 و عن فتح الباري ج 7 ص 397.
و يقول أبو طلحة: «شكونا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الجوع، و رفعنا عن بطوننا عن حجر، حجر، فرفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن بطنه حجرين» (1).
و يقول نص آخر: «و كانوا في قر شديد و جوع» (2).
و عن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال: «كنا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة، و معها كسرة خبز، فدفعتها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال النبي عليه و على آله الصلاة و السلام: ما هذه الكسرة؟ !
قالت: قرصا خبزتها للحسن و الحسين، جئتك منه بهذه الكسرة.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث (3).
و لنا هنا وقفات:
لقد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن صوم الوصال، فقالوا له: ما لك تواصل يا رسول اللّه؟ !
قال: إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني.
قال ابن حبان: و يستدرك بهذا الحديث على بطلان ما ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان يضع الحجر على بطنه، لأنه كان يطعم و يسقى من ربه إذا واصل. فكيف يترك جائعا مع عدم الوصال، حتى يحتاج إلى ربط الحجر على بطنه؟ !
قال: و إنما لفظ الحديث: الحجز، بالزاي، و هو طرف الإزار. فصحفوا، و زادوا لفظ الجوع.
و أجيب: بأنه «لا منافاة، كان «صلى اللّه عليه و آله» يطعم و يسقى إذا واصل في الصوم، أي يصير كالطاعم و الساقي، تكرمة له. و لا يحصل له ذلك دائما، بل يحصل له الجوع في بعض الأحايين، على وجه الابتلاء الذي يحصل للأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، تعظيما لثوابهم» (1).
أضف إلى ذلك: أن توجه ابن حبان هذا، و دعواه تصحيف كلمة الحجز بالحجر لا تتلاءم مع ما تقدم عن علي «عليه السلام» ، و لا مع ما تقدم عن جابر في قصة اندفاعه لتهيئة طعام للنبي «صلى اللّه عليه و آله» لما رآه خميصا، و لا مع ما ذكر في قصة سلمان حينما طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعالج الصخرة.
و يلفت النظر هنا: أنه رغم كل ما كان يعانيه المسلمون من جهد و ضعف و جوع، و برد-كما يقولون-فإن ذلك لم ينل من عزمهم، و لم يؤثر
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 329.
على إرادتهم، و لا هزمهم روحيا. بل استمروا في تصميمهم على تنفيذ قرارهم بالمواجهة، و لم يحملهم ذلك على الدخول في أي مساومة، و تقديم أية تنازلات.
و لا شك: في أن للعامل الإيماني دوره الحساس في هذا المجال، و لعل العامل الأهم هنا: هو توفر القيادة الحكيمة و الواعية و الحازمة، المرتبطة باللّه سبحانه، المتمثلة بشخصية النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
قد تعودنا من أولئك الذين يتعاقبون على كراسي الحكم: أن يكونوا من أصحاب الأموال الطائلة، و أهل الثراء الفاحش، مع السعي الحثيث منهم للتمتع بمباهج الحياة، و التقلب في ملذاتها، و اهتمام ظاهر بما فيها من زينة، و بهارج، في حين تكون شعوبهم تعاني من النصب و الحرمان، و من الحاجة و الخصاصة بدرجة قبيحة و مزرية.
إن لم نقل: إن الكثيرين من هؤلاء الحكام هم الذين يمتصون دماء شعوبهم، و يعبثون بمقدراتها، و يختلسون كل ما قدروا عليه من أموالها.
أما نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» : فإنه على عكس ذلك تماما، فها هو في أيام الخندق يربط الحجر، و لا يستأثر نفسه بشيء من حطام الدنيا. بل إنه حتى حينما يرغب أحدهم في استضافته على الشيء القليل جدا في هذا الظرف العصيب بالذات، لا يرضى «صلى اللّه عليه و آله» إلا أن يشاركه المسلمون جميعا في ضيافته تلك، فيبارك اللّه سبحانه في ذلك الطعام، و تكون الكرامة من اللّه سبحانه لرسوله الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم نجد عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» خير من يتأسى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسير على نهجه، و ينسج على منواله. فإنه رغم أنه كان قد أنشأ-بكديده، و بعرق جبينه-الكثير من الضياع و البساتين، لكنه لم يكن يستفيد منها بتحسين وضعه المعيشي، و لا أحدثت تغييرا في حياته الخاصة، بل كان يتصدق بها و يوزعها على الفقراء و المحتاجين، و قد أوقف عامتها على جهات البر المختلفة، ثم لم يزل يلبس الخشن، و يأكل الجشب إلى أن توفاه اللّه سبحانه.
و حسبك ما كتبه لعثمان بن حنيف: يلومه على حضوره وليمة دعي إليها:
قال «عليه السلام» : «ألا و إن لكل مأموم إماما يقتدي به، و يستضيء بنور علمه، ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه، ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع، و اجتهاد، و عفة و سداد. فواللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادخرت من غنائمها وفرا، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، و لهي في عيني أوهى و أهون من غصة مقرة» (1).
إلى أن قال: «و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القز. و لكن هيهات أن يغلبني هواي، و يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، و لعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، و لا عهد له بالشبع.
أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى، و أكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:
1) الأتان الدبرة: التي عقر ظهرها فقل أكلها. مقرة: مرة.
و حسبك داء أن تبيت ببطنةو حولك أكباد تحن إلى القد
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها، أو المرسلة، شغلها تقممها (1)، تكترش (2)من أعلافها، و تلهو عما يراد بها» .
إلى أن قال: «و كأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب، فقد قعد به الضعف على قتال الأقران، و منازلة الشجعان. ألا و إن الشجرة البرية أصلب عودا، و الروائح الخضرة أرق جلودا، و النباتات العذية (3)أقوى وقودا، الخ. .» (4).
قال البلاذري: «بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر، فندب المسلمين إلى قتال الأحزاب، و خرج فارتاد لعسكر المسلمين» (1). و كان خروجه بعد أن استخلف على المدينة ابن أم مكتوم (2).
و حسب نص الصالحي الشامي: «ركب فرسا و معه عدة من المهاجرين و الأنصار فارتاد موضعا، و كان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، و يخندق الخ. .» (3).
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 343.
2) راجع: الثقات ج 1 ص 266 و التنبيه و الإشراف ص 216 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 و العبر ج 2 ق 2 ص 29 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 و البداية و النهاية ج 4 ص 103 و 102 و تاريخ الخميس ج 1 ص 481 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و 314 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 216 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 523 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و المغازي للواقدي ج 2 ص 441 و عيون الأثر ج 2 ص 57.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 414 و 415.
و كان خروجه «صلى اللّه عليه و آله» لثمان خلون من ذي القعدة، أو شوال، حسبما تقدم، و يقال: إن خروجه «صلى اللّه عليه و آله» كان في يوم الإثنين (1).
و اختار «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الموضع المكشوف للخندق، و جعل معسكره تحت جبل سلع (2)أو سفح سلع، أو سطح سلع، أو جعل سلعا وراء ظهره، و الخندق بينه و بين القوم (3).
يقول البعض: «فلو أن العدو عبر الخندق لقدمت سلع للمدافعين
1) راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 170 و غير ذلك من المصادر السابقة و اللاحقة
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 481 السيرة الحلبية ج 2 ص 315.
3) راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة، و في: البداء و التاريخ ج 4 ص 217 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و 300 و ج 4 ص 1204 و المغازي للواقدي ج 2 ص 454 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 29 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و 163، و أنساب الأشراف ج 1 ص 343 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 237 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و فتح الباري ج 7 ص 307 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 415 و 514 و 523 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 190 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 و بهجة المحافل ج 1 ص 264 و المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 125 و البداية و النهاية ج 4 ص 102 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 200 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و سعد السعود ص 138.
نفس المزايا التي حصلوا عليها في أحد» (1).
و يستفاد مما تقدم: أن موقعهم كان عند سلع من جهة الشام و المغرب (2).
«و ضربت له «صلى اللّه عليه و آله» قبة من أديم أحمر، على القرن في موضع مسجد الفتح» (3).
و تقدم في الفصل السابق، حين الكلام عن قصور الروم و فارس: أنها قبة تركية.
و على حد تعبير الواقدي: «و ضرب قبة من أدم، و كانت القبة عند المسجد الأعلى الذي بأصل الجبل، جبل الأحزاب» (4).
و نسجل هنا: ألف: إنه يستفاد من هذا و مما تقدم-مع أن بعض النصوص ذكرت: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جعل معسكره سطح {أو سفح} سلع-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار من السفح موضعا مشرفا، و مرتفعا نسبيا يمكنه من مراقبة الوضع بدقة، ثم المبادرة إلى اتخاذ القرار اللازم في الموضع المناسب.
ب: إنه إذا كان المشركون إنما يفكرون بالدنيا، و يرون العزة بما
يحصلون عليه من حطامها، فإن رؤيتهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مكان مشرف عليهم، و هو في قبة ذات لون متميز من أدم أحمر، سيكون مغيظا لهم، و سيزيد من حسرتهم و حنقهم، حين يرغمون على التراجع، و هم يجرون أذيال الخيبة و الخسران، و قد خلفوا وراءهم قتلى من رؤسائهم و أبطالهم، كما سنرى.
ثم عرض «صلى اللّه عليه و آله» : الجيش، و هو يحفر الخندق.
فعن أبي واقد الليثي قال: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرض الغلمان، و هو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز، ورد من رد.
و كان الغلمان يعملون مع الذين لم يبلغوا و لم يجزهم، و لكن لما لحم الأمر، أمر من لم يبلغ أن يرجع إلى أهله، إلى الآطام مع الذراري.
إلى أن قال: فكان ممن أجاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ ابن عمر و هو ابن خمس عشرة، و زيد بن ثابت و هو ابن خمس عشرة، و البراء بن عازب و هو ابن خمس عشرة (1)، و أبا سعيد الخدري و لم يردهم.
و يقال: إنه أجازهم قبل ذلك» (2).
قال العسقلاني: «عرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال
للنظر في هيبتهم و ترتيب منازلهم و غير ذلك» (1).
و مهما يكن من أمر فقد أصبحت المدينة بسبب حفر الخندق كالحصن، حسبما تقدم (2).
و يذكر المؤرخون كافة تقريبا، و هم يتحدثون عن غزوة الخندق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل النساء و الصبيان في الآطام (3).
قال الواقدي: «و رفع النساء و الصبيان في الآطام، و رفعت بنو حارثة الذراري في أطمهم، و كان أطما منيعا. و كانت عائشة يومئذ فيه.
و رفع بنو عمرو بن عوف النساء و الذرية في الآطام، و خندق بعضهم حول الآطام بقباء، و حصن بنو عمرو بن عوف و لفها، و خطمة، و بنو أمية، و وائل، و واقف فكان ذراريهم في آطامهم» (4).
و يذكر المؤرخون: أنهم بعد أن حفروا الخندق، و حصنوه «جعل له رسول
اللّه أبوابا (1)و جعل على الأبواب حرسا، من كل قبيلة رجلا، و عليهم الزبير بن العوام، و أمره إن رأى قتالا أن يقاتل» (2).
و في نص آخر: «و جعل على كل باب رجلا من المهاجرين، و رجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه» (3).
و تقدم: أن أبواب الخندق كانت ثمانية.
و أما لماذا اختار النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أن تكون تركيبة الحرس على أبواب الخندق بهذا الشكل، فربما يكون السر فيه: هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد أن يقطع الطريق على أي تفكير تآمري، من خلال اتصالات سرية فيما بين المشركين و المنافقين أو غيرهم، للتواطؤ على المسلمين. و لو عن طريق الإغراء بالمال، أو الاحتيال، أو التغفيل، حيث يتمكنون من إحداث ثغرة أو أكثر، من شأنها أن تعرض المسلمين للخطر الكبير.
و حين يكون الحرس من كل قبيلة رجلا، فإن الرقابة على بعضهم البعض تصبح طبيعية، و لن يعود من السهل فتح علاقة مشبوهة مع أي
منهم، و يصبح احتمال تواطؤهم أبعد، و اتفاقهم على الخيانة يكون أصعب و أعقد.
و يلفت نظرنا هنا: ذلك النص الذي بيّن فيه اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمشاركة الأنصار للمهاجرين في هذا الأمر.
و نحن نعلم: أن إمكانية اختراق مشركي أهل مكة للمهاجرين أسهل و أيسر، لأنهم إخوانهم و أبناؤهم، و لم نزل نجد في المهاجرين من يحابي قومه و يهتم بعدم إلحاق المزيد من الأذى بهم بدءا من حرب بدر، حسبما أوضحناه هناك في قضية فداء الأسرى.
بل لقد وجدنا حتى زوجة النبي «صلى اللّه عليه و آله» تخرج عن وقارها، و تندفع لتحرض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، فراجع ما ذكرناه هناك أيضا عن سودة بنت زمعة.
و تجد في كتابنا هذا، و في كتاب «الغدير و المعارضون» شواهد كثيرة و غزيرة و مثيرة عن مواقف قريش من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته. و لا نرى حاجة لإعادة التذكير بها هنا.
و إن جعل النساء و الذراري في مواضع حصينة، و تجميعهم في أماكن معينة يعتبر إجراء حكيما، لأنه يوفر على المسلمين معاناة حالة التوزع في الاهتمامات، و انتشارها، و يركزها في نقطة أو نقاط محددة يمكن التركيز عليها في الرعاية الأمنية، و تسهيل تقديم المعونة الفاعلة و المؤثرة و السريعة، وفق خطة مرسومة في الوقت المناسب لو فرض تعرضها لأي خطر من قبل الأعداء.
ثم هي تمكن هؤلاء الضعفاء من أن يفيدوا من مناعة تلك الآطام للدفع عن أنفسهم بدلا من بيوت واهنة لا تساعد على حمايتهم، و لا تدفع عنهم في شيء.
و بذلك لم يعد النساء و الأطفال منتشرين على مساحات واسعة، بصورة تجعلهم هدفا سهلا لكل عابث، و عرضة لأطماع الأعداء و السفهاء، الأمر الذي يوجب إرباكا نفسيا لدى القوى التي يفترض فيها أن تصب كل اهتماماتها على نقطة واحدة، و واحدة فقط، و هي دفع العدو، و إبطال كيده، و إلحاق الهزيمة المخزية به.
و قد يمكن للعدو-لو لم تجعل الذراري و النساء في الآطام-أن يستفيد من الوضع القائم، فيعتدي أو يتظاهر بالاعتداء على المواقع المختلفة المنتشرة على مساحة المدينة بأكملها، و ذلك بهدف زعزعة حالة الاتحاد و الانسجام لدى الجيش الإسلامي، ليتمكن من إنزال ضربته القاصمة في الوقت المناسب.
و قد كان بنو قريظة يعرفون تفاصيل مسالك المدينة، لأنهم من أهلها، فقيامهم بأي تسلل إليها سوف يربك الوضع في ساحة القتال بصورة كبيرة و خطيرة.
و قد كان المسلمون يعرفون ذلك، فكانوا يعيشون حالة القلق لو لا هذا الإجراء الذي اتخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و مما زاد في الربط على القلوب، و تهدئة المشاعر، و استقرار الحالة النفسية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل حراسا يطوفون في المدينة، حتى أصبح واضحا ليهود بني قريظة و لغيرهم: أن أي تحرك سوف ينتهي بنكسة
خطيرة لهم.
و قد كان في التجربة التي قام بها بعضهم للوصول إلى حصن حسان الذي كانت فيه النساء، و انتهت بقتل ذلك الرجل على يد زينب بنت جحش عبرة لهم و بلاغ.
أما بالنسبة لعقد ألوية الحرب، فإننا نقول: ألف: بالنسبة للمشركين، فالمؤرخون يقولون: إنهم عقدوا لواءهم في دار الندوة، و حمله عثمان بن أبي طلحة، و قائد القوم أبو سفيان (1).
ثم وافى المشركون المدينة، فأنكروا أمر الخندق، و قالوا: ما كانت العرب تعرف هذا (2).
ب: بالنسبة للمسلمين، يقول المؤرخون: «و كان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، و لواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، و كان «صلى اللّه عليه
1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و الإمتاع ج 1 ص 218 و عيون الأثر ج 2 ص 56 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 513.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 530، و المغازي للواقدي ج 2 ص 470 و تفسير القمي ج 2 ص 182 و بحار الأنوار ج 2 ص 224 و نهاية الأرب ج 17 ص 173 و الإرشاد للمفيد ص 52 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 202 و إعلام الورى {ط دار المعرفة} ص 100.
و آله» يبعث الحرس على المدينة، خوفا على الذراري من بني قريظة» (1).
و نقول: إننا لا نهتم لتحريفات المؤرخين هذه، حيث نراهم يتجاهلون الحقيقة الدامغة إرضاء لأسيادهم، و انسياقا مع أهوائهم و عصبياتهم و تعصباتهم البغيضة.
فها هم يهملون هنا ذكر صاحب الراية العظمى للجيش كله و صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد، و هو علي أمير المؤمنين «عليه السلام» مع تصريحهم باسم حامل لواء المهاجرين، و حامل لواء الأنصار.
و نقول هنا: 1-إنه قد تقدم في حرب أحد في فصل: قبل نشوب الحرب، و في بدر أيضا، طائفة من النصوص التي تضافرت و تواترت في كتب السيرة و التاريخ و الحديث بالأسانيد الصحيحة و الموثوقة: أن عليا «عليه السلام» هو صاحب لواء وراية النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد، و تقدم أن ذلك من فضائله و خصائصه التي اشتهر بها. و هذه حقيقة مؤلمة لمبغضي و شانئي عليّ «عليه السلام» و لأجل ذلك فهم يحاولون تجاهلها، و الدس الرخيص للتشكيك بها، و لو وسعهم الجهر بإنكارها لبادروا إلى ذلك.
1) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و راجع ص 481 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524، و نهاية الأرب ج 17 ص 170 و عيون الأثر ج 2 ص 58.
2-و قد ورد في احتجاج الإمام الحسن المجتبى «عليه السلام» على معاوية و ابن العاص، و الوليد الفاسق قوله: «ثم لقيكم يوم أحد، و يوم الأحزاب و معه راية رسول اللّه و معك و مع أبيك راية الشرك» (1).
3-روى الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس، قال: «كانت راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع علي «عليه السلام» في المواقف كلها: يوم بدر، و يوم أحد، و يوم حنين، و يوم الأحزاب، و يوم فتح مكة. و كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها، و يوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي «عليه السلام» (2).
و هذا يدل على أن قولهم: كانت راية المهاجرين يوم الأحزاب مع زيد بن حارثة غير صحيح.
و يقول المؤرخون: كان شعار المهاجرين أيام الخندق: «يا خيل اللّه» (3).
و قالوا أيضا: كان شعار أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم
الخندق و بني قريظة: حم، لا ينصرون (1).
و نقول: لقد رأينا: أن شعار المسلمين في حروبهم مع أعدائهم، سواء في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو في زمن علي «عليه السلام» في حروبه مع البغاة هو: «حم، لا ينصرون» ، و كذا عبارة: «يا منصور أمت» .
و هاتان الكلمتان لهما دلالاتهما و إيحاءاتهما في ظرف كهذا حيث إنهما تزرعان الطموح إلى النصر في قلب و روح المقاتل المسلم فيزداد جرأة على القتال و إقداما على التضحية، و يتذرع بالصبر الجميل على ما يواجهه من مكاره يترقب الفرج و الفوز بعدها بمزيد من الطمأنينة و الثقة و يكون تحركه في ساحة القتال و الحالة هذه تحرك الواثق، الذي يريد من خلال تفعيل طاقاته القتالية بحكمة و حنكة و تعقل أن يتجاوز هذا الواقع، الذي يرى فيه
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 483 عن ابن هشام و ص 485 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و الكافي ج 5 ص 47 و نهاية الأرب ج 17 ص 178 و المغازي للواقدي ج 2 ص 474 و عيون الأثر ج 2 ص 62 عن ابن هشام، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 194 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 271 و 272 عن الترمذي، و أبي داود و الوسائل ج 11 ص 105 و الكافي ج 5 ص 46 و 47 و كنز العمال ج 10 ص 291 و جوامع السيرة النبوية ص 150 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 169 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و قال: «لعل المراد بالمسلمين الأنصار، فلا يخالف ما في الإمتاع، و كان شعار المهاجرين: يا خيل اللّه» . و نقول: إن هذا التوجيه لا يمكن المساعدة عليه.
وضعا إستثنائيا و نشازا، لا تساعد على استمراره عوامل طبيعية و مقبولة.
ثم إن هذا الشعار، حين يبدأ بواحدة من مفردات الحروف المقطعة التي اختص بها القرآن، فإنه يكون قد أوحى مسبقا لهذا الإنسان المؤمن بصدق هذا الوعد الإلهي، الذي يتلفظ به هو نفسه و يطلقه شعارا له في هذا الوقت بالذات الذي يحتاج إليه عمليا. فهو شعار يتجه نحو الواقع ليتجسد حقيقة ملموسة له، و يساهم هو في صنعها و في بلورتها.
و الأمر الملفت للنظر هنا: أن يكون هذا اليقين قد أيقظته في نفسه كلمة حم، التي هي رمز التحدي الفكري كما تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب مفصلا و قد اقترن هذا التحدي الفكري بالتحدي بالعنف و القتال، كنتيجة طبيعية لعجز قوى الشرك، و هزيمتها المخزية و النكراء في مجال الفكر و المثل و القيم.
و أما بالنسبة للمشركين، فالأمر سيكون على عكس ذلك تماما، فإنهم حين يسمعون هذه الكلمة {حم، لا ينصرون} لسوف يتمثلون حالة العجز و السقوط و الهزيمة بكل أنحائها، و بكل مجالاتها، و لسوف تزرع هذه الكلمة اليأس و الفشل في نفوسهم، فإنها كانت رمز التحدي القرآني لهم و لكل من هو على شاكلتهم، بالإضافة إلى إيحاءات أخرى-ألمحنا إليها فيما سبق-كانت إيجابية بالنسبة لقوى الإيمان و لسوف تكون معكوسة و سلبية بالنسبة لقوى الشرك و الطغيان.
فليتأمل المتأمل فيما ذكرناه، و ليتدبره كيف يتحول إلى الضد من ذلك على قوى الشرك، حتى لا نضطر إلى إعادة تفصيلية له.
غير أننا نلمّح هنا إلى نقطة واحدة نضيفها إلى ما سبق، و هي: أن هذا
الشعار يقول: «لا ينصرون» بصيغة المبني للمجهول و لم يقل: «لا ينتصرون» ففيه إلماح إلى أن المشركين لا يملكون معطيات النصر في أنفسهم فلا بد أن ينتظروا النصر من غيرهم، و ليس ثمة ناصر لهم و لا معين، فهزيمتهم حتمية لفقدهم مقومات النصر من الجهتين. فالمشرك يرى العجز و الفشل الفكري و العقيدي بكلمة حم. كما أنه يتمثل الخواء من أي من القدرات و الطاقات التي تخوله أن يصنع نصرا. فهو مهزوم في الحالتين، و المؤمن يأتيه النصر من اللّه، و هو على يقين من هذا النصر. فاجتمع على قوى الشرك عاملان من عوامل الضعف و لقوى الإيمان عاملان من عوامل القوة.
هذا عدا عن أن الصيغة صيغة إخبار، تعطي: مزيدا من الثقة بتحقق ذلك، حتى كأنه أمر واقع و ملموس، يصح الإخبار عنه بهذه الدرجة من الجزم و الثبات و الطمأنينة.
و لسوف يتيقن المشركون صدق هذا الوعد، ما دام أنه هدي قرآني استقر في نفوسهم: إنهم أعجز و أصغر من أن يشككوا في أي من آياته و حقائقه.
و هذا درس نافع نستفيده من هذا الشعار. نسأل اللّه التوفيق للتوفر على دراسة هذا الموضوع بصورة أتم و أوفى، و أوضح و أجلى و أصفى، و هو الموفق و الهادي إلى سواء السبيل.
هذا و قد اختلفت كلمات المؤرخين في عدة و عدد الجيش الإسلامي الذي واجه الأحزاب في حرب الخندق.
فأما بالنسبة للعدة، فقد ذكر ابن سعد: «أنه كان مع المسلمين ستة
و ثلاثون فرسا» (1)و أما بالنسبة إلى العدد فنشير إلى الأقوال التالية:
1-قيل كان المسلمون سبع مئة، و هو قول ابن إسحاق (2).
و قد حكم البعض على ابن إسحاق بأنه: «و هم في ذلك» و غلط. و زعم ابن القيم: أن منشأ الغلط هو ارتكاز عدد من خرج معه «صلى اللّه عليه و آله» في أحد (3).
2-قيل: كانوا ألفا أو نحوها، و هو صريح رواية البخاري و مسلم عن جابر. و صرح به قتادة أيضا (4).
3-و قيل: تسع مئة أضاف ابن خلدون قوله: «و هو راجل بلا شك» .
و قال ابن حزم: «و هو الصحيح الذي لا شك فيه، و الأول و هم» (5).
1) المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 عن ابن سعد، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و المغازي للواقدي ج 2 ص 457.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 و السيرة الحلبية ج 2 ص 314 عن ابن إسحاق. و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 224 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و راجع ص 565 و تفسير القمي ج 2 ص 177 و البحار ج 20 ص 218 عنه و زاد المعاد ج 2 ص 117.
3) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 224 و زاد المعاد ج 2 ص 117.
4) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و فتح الباري ج 7 ص 301 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 565 و حدائق الأنوار ج 1 ص 212 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 394.
5) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 225 و جوامع السيرة النبوية ص 149.
يريد بالأول: القول بأنهم كانوا ألفا.
4-و ذهب أكثر المؤرخين إلى أنهم كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها (1).
و نقول: ألف: إننا نحتمل قويا: أن يكون القول الثالث هو نفس قول ابن إسحاق، لكن النساخ صحّفوا سبعمئة بتسعمئة، لتقارب رسم الخط في الكلمتين، و عدم
1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 224 و 225 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 200 عنه، و راجع هذا القول في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 56 و التنبيه و الإشراف ص 216 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و ج 4 ص 1204 عن المطري عن ابن إسحاق و الثقات ج 1 ص 266 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و الوفاء ص 693 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ج 2 ص 233 و 236 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 236 و 237 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 و البداية و النهاية ج 4 ص 102 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 و 483 و بهجة المحافل ج 1 ص 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 314 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 524 و 565 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 197 و شرح النهج للمعتزلي {منشورات دار مكتبة الحياة} ج 4 ص 267 و البحار ج 20 ص 272 عن المناقب و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و 58 و التهذيب سيرة ابن هشام ص 190 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 و البدء و التاريخ ج 4 ص 217 و مختصر التاريخ ص 43 و حبيب السير ج 1 ص 359 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و فتح الباري ج 7 ص 301 و 307 و سعد السعود ص 138.
وجود النقط في السابق، و ما أكثر ما يقع الاشتباه و الاختلاف بين سبع و تسع، من أجل ذلك.
ب: إننا نرجح قول ابن إسحاق، و إن حكم عليه البعض، كالحلبي و غيره، بأنه قد وهم أو غلط في ذلك.
و لو تنزلنا عن ذلك، فإننا نأخذ بالقول الثاني، أما القول بأنهم كانوا ثلاثة آلاف، فلا مجال للاعتماد عليه، و ذلك للأمور التالية:
1-ما تقدم في قصة إطعام جابر لأهل الخندق جميعا و كانوا سبع مئة رجل، أو ثمان مئة، أو ألف رجل. فراجع حديث جابر المتقدم في الفصل السابق، و راجع المصادر التي أشير إليها في الهامش هناك.
2-روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» شهد الخندق في تسع مئة رجل (1). و يحتمل أن تكون كلمة تسع تصحيفا لكلمة سبع أيضا.
3-روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام. فكتب حذيفة بن اليمان له ألفا و خمس مئة رجل.
و في نص آخر: و نحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة.
قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية (2).
و يرى البعض: أن المسلمين كانوا في أحد بعد رجوع المنافقين سبع مئة
رجل، و بين أحد و الخندق سنة أو أكثر بقليل، و يبعد أن يزيد المسلمون خلال سنة واحدة هذه الزيادة الكبيرة، بحيث يصلون إلى ثلاثة آلاف (1).
و ما جرى في الخندق يوضح: أن عدد سكان المدينة لا يصل إلى الخمسة آلاف نسمة بما في ذلك الأطفال و النساء.
و وافى المشركون المدينة، و أحاطوا بها من جميع جهاتها و اشتد الحصار على المسلمين (2). و قد اختلفت الأقوال في عدد المشركين، و ذلك على النحو التالي:
1-قال المسعودي: «سارت إليه قريش، و غطفان، و سليم، و أسد، و أشجع، و قريظة، و نضير، و غيرهم من اليهود، فكان عدة الجميع أربعة و عشرين ألفا، منها قريش و أتباعها أربعة آلاف» (3).
2-و قال ابن شهر آشوب: «كانوا ثمانية عشر ألف رجل» (4).
3-و قال ابن الدبيع: كانوا أحد عشر ألفا (5).
و ذكر في موضع آخر: أنهم كانوا عشرة آلاف. و لعله حين عد معهم
بني قريظة ذكر الرقم الأول، و حين غض النظر عنه عدهم عشرة آلاف.
4-إن عدد جيش المشركين بجميع فئاته كان عشرة آلاف: قريش و كانوا أربعة آلاف، و من أجابهم من بني سليم، و أسلم، و أشجع، و بني مرة، و كنانة، و فزارة، و غطفان (1).
5-إنهم كانوا مع يهود بني قريظة و النضير زهاء اثني عشر ألفا (2).
6-و لكننا نجد آخرين من المؤرخين يتحدثون عن هذا الأمر بطريقة تؤيد أحد القولين الأولين، فقد قال ابن الوردي و غيره:
«أقبلت قريش في أحابيشها، و من تبعها من كنانة في عشرة آلاف، و أقبلت غطفان و من تبعها من أهل نجد» ثم ذكر انضمام بني قريظة
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن ابن إسحاق و المغازي للواقدي ج 2 ص 444 و 445 و تفسير القمي ج 2 ص 177 و 176 و عيون الأثر ج 2 ص 57 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و بحار الأنوار ج 20 ص 217 و نهاية الأرب ج 17 ص 168 و البدء و التاريخ ج 4 ص 217 و سيرة مغلطاي ص 56. و راجع: الوفاء ص 693 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 233 و 236 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 و راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 29 و فتح الباري ج 7 ص 301 و 307 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و 4 و بهجة المحافل ج 1 ص 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 311 و حدائق الأنوار ج 2 ص 587 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 514 و منها ج السنة ج 4 ص 170.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 484.
إليهم (1).
7-ثم هناك من يقول: إن عدد جيش الأحزاب كان أربعة آلاف فقط (2).
و لا نشك في أن هذا القول ناظر إلى حشود قريش، أو أن بعض المؤرخين رآهم يذكرون أن عدد الجمع القريشي كان هذا المقدار فتوهم أنه يقصد بيان عدد الجيش كله.
و أما بالنسبة لعدة أهل الشرك، فقد قال المسعودي: إنه كان «معهم ثلاث
1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 197 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 و راجع المصادر التالية: الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 231 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 236 و 237 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 و البداية و النهاية ج 4 ص 102 والبدء و التاريخ ج 4 ص 217 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و مختصر التاريخ ص 43 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و فتح الباري ج 7 ص 307 و مجمع البيان ج 8 ص 341 و 342 و البحار ج 20 ص 200 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 190 و وفاء الوفاء ج 1 ص 301.
2) راجع هذا القيل في: وفاء الوفاء ج 1 ص 301 و فتح الباري ج 7 ص 301 و السيرة الحلبية ج 2 ص 310 و 311 و تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 394 عن قتادة.
مئة فرس، و ألف و أربع مئة بعير، و قائدهم أبو سفيان صخر بن حرب» (1).
و ذكر آخرون: أنه كان معهم ألف و خمس مئة بعير، و ثلاث مئة فرس (2).
و ذكر الديار بكري: أنهم كانوا أربعة آلاف معهم ثلاث مئة فرس و ألف بعير، و عند غيره: ألف و خمس مئة بعير (3).
و يظهر من المقريزي: أنه كان مع المشركين بالإضافة إلى ألف و خمس مئة بعير: ثلاث مئة فرس مع قريش، و ثلاث مئة أخرى مع غطفان (4).
و في كلام حيي بن أخطب لكعب بن أسد: «و الخيل ألف فرس و سلاح كثير» (5).
و صرح النويري: أن غطفان و فزارة كان معهما ألف بعير (6).
و من الواضح: أن لا مجال لتحديد الرقم الحقيقي لذلك كله و لا لغيره. لكن مما لا شك فيه: أن هذا العرض للنصوص و الأقوال يوضح مدى التفاوت فيما بين عدة و عدد المسلمين، و أعدائهم من الأحزاب الذين
1) التنبيه و الإشراف ص 216.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 310 و 311 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و الإمتاع ج 1 ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 513 و نهاية الأرب ج 17 ص 167 و حبيب السير ج 1 ص 359.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 و عيون الأثر ج 2 ص 56 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 233 و لم يذكر عدد الإبل.
4) إمتاع الأسماع ج 1 ص 218 و 219.
5) المغازي للواقدي ج 2 ص 455.
6) نهاية الأرب ج 17 ص 167.
جاؤوا من كل حدب و صوب.
و قد كان من الواضح: أن تفوق المشركين في العدد و العدة، ثم ما كان من تحالفهم مع بني قريظة الذين كانوا في الجهة الأخرى للمدينة،
أضف إلى ذلك: هذا الإجماع الحاصل من مختلف القبائل العربية،
و كذلك بسبب الإعلام المسموم الذي أعقب حرب أحد، و صوّر لأهل الشرك أنهم قد حققوا فيها نصرا كبيرا،
و بسبب الحقد الذي يتغلغل في نفوس الكثيرين منهم على الإسلام و المسلمين،
نعم. . إنه بسبب ذلك كله، و سواه مما لم نذكره، كان جيش الشرك يعيش في بدايات حصاره للمسلمين حالة من الانتعاش الروحي، و الشعور بالقوة و التفوق، و بإمكانية تحقيق بعض ما كانوا يصبون إليه.
و لكن الأمر لم يدم على هذا الحال طويلا فقد تبخرت الآمال و حل محلها الشعور بالخيبة، و تلاشت حالة الانتعاش، لتخلفها حالة التململ و الشعور بالضيق.
حتى إذا جاءت ضربة علي القاصمة لجيش الشرك، تبدل كل شيء ليواجه هذا الجيش حالة من الرعب و الخوف، و تصبح تلك الكثرة في العدد و في العدة عبئا ثقيلا، و مصدر متاعب لذلك الجيش بالذات. فقد أصبحت العدة من أفراس و من وسائل نقل-أبعرة-بسبب طول المدة، و بسبب الجدب أمرا يحسن التخلص، أو على الأقل يحسن التخفيف منه و تحجيمه.
كما إن إجماع القبائل لم ينجح في توحيد القيادة لهم، و لا استطاع أن يحجب الروح القبلية، و يمنعها من الهيمنة على مسيرة التحرك، حتى في مواقع القتال.
فكانت كثرة هذا الجيش تستبطن التمزق، و كان تكثّر الانتماءات في الولاء و الطاعة، يحمل معه بذور الفساد و الإفساد، و الخلاف و الشقاق لأتفه الأسباب.
أضف إلى ما تقدم: أن الإعلام المزور و المسموم قد أوجب انتفاخا كاذبا، و أذكى توقعات كبيرة، يعلم قادة الأحزاب أنفسهم أنهم أعجز عن أن ينالوها، أو أن يحققوا أدناها.
و بعد ما تقدم: فهل يمكن لجيش كهذا أن يقوم بتجربة حربية ضد المسلمين، مع أنه لا يمكن ضمان نتائجها، لا سيما بعد أن عرف و رأى ميدانيا أن الأمور قد أصبحت على غاية من التعقيد و الخطورة، و لم يكن قد حسب لكل هذه المستجدات أي حساب؟
و بعد كل ما تقدم: فإن علينا أن لا ننسى أن تلك القبائل كانت تفتقر إلى ترسيخ عامل الثقة فيما بينها. و لم تكن ثمة ضمانات حقيقية لوفاء بني قريظة للمشركين، و لا العكس، مع علمهم: أن الذي يجمع كل هذه المتفرقات هو الخوف من التفرق، و ليس شيئا غير ذلك. .
و أما بالنسبة لجيش أهل الإيمان فإن الأمر يختلف تماما، فهو يرى أن وجوده معرض للاستئصال و الفناء، و لا بد له من الدفاع، و لن يجد ملجأ له
إلا بذل الجهد، و إلا الجهاد من أجل البقاء.
كما أن هذا الجيش ينطلق في حركته و في جهاده من قاعدة إيمانية تجمع بين متفرقاته، و تؤلف بين مختلفاته.
و هو و إن كان قد تعرض-في بادئ الأمر-لهزة من نوع ما حين صار المنافقون و ضعفاء الإيمان يتسللون و يتركون مواضعهم بأعذار مختلفة، و لكن حزم القيادة، و هيمنتها، و حسن تدبيرها لم يفسح المجال للتأثر بالشائعات، و استطاعت هذه القيادة، حين فضحت أمر هؤلاء المنافقين بالوحي القرآني، و حين ظهرت الكرامات الباهرة على يدها، و أطلقت البشارات بالنصر الأكيد، استطاعت أن تعيد للجو الإيماني صفاءه و نقاءه، و تحصنه من كل ما من شأنه أن يشيع روح التخاذل، و يزرع اليأس و الخوف في نفوس المخلصين و المؤمنين، و قطعت الطريق على أي كان، من أن يتخذ موقفا، أو يتصرف تصرفا من شأنه أن يعطي للعدو أية فرصة من أي نوع كانت.
و عن علي «عليه السلام» قوله: «فقدمت قريش، فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة و فينا الضعف، ترعد و تبرق، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدعوها إلى اللّه عزوجل، و يناشدها بالقرابة و الرحم، فتأبى، و لا يزيدها ذلك إلا عتوا» (1).
1) الخصال ج 2 ص 68، باب السبعة، و البحار ج 20 ص 244.
و نقول: ليس غريبا على قريش هذا العتو، و هذه الغطرسة، ما دامت تقيس الأمور بمقاييس مادية، و ترى القوة في أنفسها، و الضعف في المسلمين، الذين جاءت لاستئصالهم، و إبادة خضرائهم، و لكن هذا العتو و تلك الغطرسة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها الضعف و الخنوع، و الخيبة القاتلة، كما سنرى.
و ليس غريبا أيضا: أن نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من موقع الشعور بالمسؤولية يعتمد الأسلوب الإنساني، و يستثير العاطفة الناشئة عن صلات القربى و لحمة النسب، و التي تكون لها هيمنة حقيقية على الإنسان و لا بد أن تجتاح هزاتها الجامحة كل كيانه، و كل وجوده. ثم هو «صلى اللّه عليه و آله» يقرن ذلك بالدعوة إلى اللّه عز و جل، الذي هو مصدر الخير و القوة و البركات.
و يقال: إن أبا سفيان كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مهددا إياه بما جمعه من الأحزاب لقتاله، و لعله قد كتب هذا الكتاب بعد وصوله إلى المدينة و حصول المواجهة، و الكتاب هو:
أما بعد. . فإنك قد قتلت أبطالنا، و أيتمت الأطفال، و أرملت النساء، و الآن قد اجتمعت القبائل و العشائر يطلبون قتالك، و قلع آثارك و قد جئنا إليك نريد نصف نخل المدينة، فإن أجبتنا إلى ذلك و إلا أبشر بخراب الديار، و قلع الآثار.
تجاوبت القبائل من نزارلنصر اللات في بيت الحرام
و أقبلت الضراغم من قريشعلى خيل مسومة ضرام
فرد عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالرسالة التالية:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، و صل كتاب أهل الشرك و النفاق، و الكفر و الشقاق، و فهمت مقالتكم، فواللّه، ما لكم عندي إلا أطراف الرماح، و شفار الصفاح. فارجعوا ويلكم عن عبادة الأصنام، و أبشروا بضرب الحسام، و بفلق الهام، و خراب الديار، و قلع الآثار، و السلام على من اتبع الهدى» (1).
قال الشيخ محمد أبي زهرة: «و نشك في نسبة هذا الكتاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما فيه من السجع» (2).
و لا نرى: أن السجع في الكتاب يبرر الشك فيه، فإن خطب الزهراء، و خطب علي «عليهما السلام» لم تخل من ذلك، كما يظهر لمن راجعها.
يقول المؤرخون: إن بني قريظة كانوا أصحاب حصون بالمدينة و موضعهم من المدينة على قدر ميلين، و هو الموضع الذي يسمى: بئر بني المطلب، و عددهم سبع مئة مقاتل (1).
و صاحب عقدهم و عهدهم كعب بن أسد القرظي، و كان وادع رسول اللّه على قومه و عاهده.
و كان حيي بن أخطب سيد بني النضير، يقول لقريش في مسيره معهم: إن قومي بني قريظة معكم، و هم أهل حلقة وافرة، و هم سبع مئة مقاتل و خمسون مقاتلا.
فلما دنوا قال له أبو سفيان: ائت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم و بين محمد (2).
فلما جاء حيي إلى بني قريظة كرهوا دخوله إلى دارهم، فكان أول من لقيه غزال بن سموأل، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد.
هذه قريش قد حلت وادي العقيق، و غطفان بالزغابة.
قال غزال: جئتنا-و اللّه-بذل الدهر.
قال حيي: لا تقل هذا.
ثم توجه إلى باب كعب بن أسد فدق عليه (1)، فأغلق كعب دونه باب الحصن، و قال: بيني و بين محمد عقد، و لن أنقض ما بيني و بينه.
و في نص آخر: «لم أر منه إلا وفاء و صدقا» .
زاد الواقدي: «و اللّه، ما أخفر لنا ذمة، و لا هتك لنا سترا، و لقد أحسن جوارنا» .
و عند البيهقي: «لم أر رجلا أصدق و لا أوفى من محمد و أصحابه، و اللّه، ما أكرهنا على دين، و لا غصبنا مالا الخ. .» .
فقال حيي: افتح الباب أكلمك.
فقال كعب: ما أنا بفاعل.
فقال: و اللّه، إن أغلقت دوني الباب إلا على جشيشتك (2)أن آكل معك منها.
فأحفظه حتى فتح له، فقال: ويحك يا كعب {جئتك بعز الدهر، و ببحر طام} جئتك بقريش على قادتها و سادتها، حتى أنختهم بالمدينة، و جئتك بغطفان على قادتها و سادتها، و قد عاهدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا و من معه. فتأبّى كعب، و قال: جئتني بذل الدهر، بجهام هراق ماؤه
و برعد و ببرق ليس فيه شيء.
زاد الواقدي قوله: «و أنا في بحر لجي لا أقدر على أن أريم داري، و مالي معي و الصبيان و النساء» فدعني و محمدا، و ما أنا عليه، فلم أر منه إلا وفاء و صدقا.
فلم يزل يفتله في الذروة و في الغارب، حتى أعطاه عهدا من اللّه و ميثاقا أن يكون معه، على أنه إن رجعت تلك الجموع خائبة و لم يقتلوا محمدا: أن يرجع معه إلى حصنه، يصيبه ما أصابه. و نقض كعب ما بينه و بين رسول اللّه، و برئ مما كان عليه له (1).
1) راجع: تجارب الأمم ج 1 ص 149 و المغازي للواقدي ج 2 ص 455 و 456 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 و بهجة المحافل ج 1 ص 265 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 و المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 483 و 484 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و حبيب السير ج 1 ص 360 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 و 232 و تهذيب سيرة ابن هشام ج 3 ص 190 و 191 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و السيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 315 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 226 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 400 و 401 و 428 و 329 و راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 303 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 526 و 527 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و البحار ج 20 ص 200 و 201 و 221 و 223 و نهاية الأرب ج 17 ص 170 و 171 و عيون الأثر ج 2 ص 59 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 237 و البداية و النهاية ج 4 ص 103 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 179 و 181 و الإكتفاء ج 2 من 163 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 198 و 199 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 236 و 237.
«و مزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد، و جمع رؤساء قومه و هم: الزبير بن مطا {باطا} ، و شاس {نباش} بن قيس، و عزال بن ميمون {سموأل} ، و عقبة بن زيد {و كعب بن زيد} و أعلمهم بما صنع من نقض العهد، و شق الكتاب الذي كتبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلحم الأمر لما أراد اللّه من هلاكهم. و كان حيي بن أخطب في اليهود يشبه بأبي جهل في قريش» .
و عند القمي: غزال بن شمول و ياسر بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الزبير بن باطا (1).
و قال البعض: إن الزبير بن باطا كان شيخا كبيرا، مجربا، قد ذهب بصره، و قد قال لهم: إنه قرأ التوراة، و وجد فيها: أنه يبعث نبي في آخر الزمان في مكة، و يهاجر إلى المدينة، و ذكر لهم صفته.
فادّعى حيي بن أخطب: أن هذا النبي هو من بني إسرائيل و هذا من العرب. و لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا لأن اللّه قد فضلهم على الناس جميعا، ثم ادّعى أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ساحر، و لم يزل حتى أقنعهم بنقض العهد، فنقضوه (2).
و يقول نص آخر: «و وعظهم عمرو بن سعدى، و خوفهم سوء فعالهم،
و ذكرهم ميثاق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عهده، و قال لهم: إن لم تنصروه، فاتركوه و عدوه، فأبوا، و خرج إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بني قريظة بنو سعنة: أسد، و أسيد و ثعلبة، فكانوا معه، و أسلموا.
و أمر كعب بن أسد حيي بن أخطب: أن يأخذ لهم من قريش، و غطفان رهائن تكون عندهم» (1)، «لئلا ينالهم ضيم، إن هم رجعوا و لم يناجزوا محمدا، قالوا: و تكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم: فنازلهم حيي على ذلك، فعند ذلك نقضوا العهد، و مزقوا الصحيفة التي فيها العقد، إلا بني سعنة» (2).
«و بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك فغمه غما شديدا، و فزع أصحابه» (3)، و يقال: إن الذي أبلغ النبي ذلك هو عمر بن الخطاب، فاشتد الأمر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و شق عليه ذلك (4)، فقال: حسبنا اللّه، و نعم الوكيل.
فبعث سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، و خوات بن جبير، و عبد اللّه بن رواحة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و البداية و النهاية ج 4 ص 103 و راجع ص 13 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401.
2) البداية و النهاية ج 4 ص 103.
3) تفسير القمي ج 2 ص 181 و بحار الأنوار ج 20 ص 223 عنه.
4) السيرة الحلبية ج 2 ص 316. و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و المغازي للواقدي ج 2 ص 457.
و بعض النصوص: «لم تذكر الأخيرين و ذكرت بدلهما أسيد بن حضير» (1)يستخبرون الأمر، فوجدوهم مكاشفين بالغدر، و النيل من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فشاتمهم سعد بن معاذ و كانوا أحلافه، و انصرفوا.
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم إن وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا، لئلا يفتوا في أعضاد الناس، فلما جاؤوا إليه قالوا: يا رسول اللّه، عضل و القارة. يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع» (2).
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 316 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و المغازي للواقدي ج 2 ص 458 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و تفسير القمي ج 2 ص 181 و بحار الأنوار ج 20 ص 223 عنه، و فيهما: «فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لسعد بن معاذ، و أسيد بن حصين، و كانا من الأوس. و كانت بنو قريظة حلفاء للأوس» ، و الظاهر: أن كلمة «حصين» هي تصحيف: حضير. و ذلك كثير.
2) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 29 و 30 و راجع المصادر التالية: بهجة المحافل ج 1 ص 265 و المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و زاد المعاد ج 2 ص 117 و جوامع السيرة النبوية ص 149 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 237 و عيون الأثر ج 2 ص 59 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 232 و 233 و السيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 317 و إمتاع الاسماع ج 1 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و تهذيب سيرة ابن هشام ص 191 و 192 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 429 و 430 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 103 و 104 و تفسير القمي ج 20 ص 181 و بحار الأنوار ج 20 ص 223 و 201 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و المغازي للواقدي ج 2 ص 458 و 459.
و قال ابن إسحاق و آخرون: «إن الذي شاتمهم هو سعد بن عبادة. و كان رجلا فيه حدة، فقال ابن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا و بينهم أربى من المشاتمة» (1).
و الذي شاتم ابن عبادة هو نباش بن قيس (2).
و قال أسيد بن حضير لكعب: «أتسب سيدك يا عدو اللّه؟ ! ما أنت له بكفؤ يا بن اليهودية، و لتولينّ قريش إن شاء اللّه منهزمين، و تتركك في عقر دارك، فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا» (3).
و قال موسى بن عقبة: «فدخلوا معهم حصنهم، فدعوهم إلى الموادعة و تجديد الحلف، فقالوا: الآن و قد كسر جناحنا و أخرجهم؟ {يريدون بني النضير} . و نالوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا و اللّه ما جئنا لهذا، و لما بيننا أكبر من المشاتمة.
ثم ناداهم سعد فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا و بينكم يا بني قريظة،
1) راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 عن البغوي، و تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و عيون الأثر ج 2 ص 59 و السيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 317 عن الشيخين و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 201 و المغازي للواقدي ج 2 ص 458. و نقل في البداية و النهاية ج 4 ص 104 عن ابن إسحاق عكس ذلك.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 227 عن ابن عقبة، و الواقدي، و ابن عائذ، و ابن سعد.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و 528 و المغازي للواقدي ج 2 ص 458.
و أنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمرّ منه.
فقالوا: أكلت. . . (1)أبيك.
فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم و أحسن» .
إلى أن قال: «فأمرهم بكتمان خبرهم» (2).
و عند القمي: أنه لما رجع سعد بن معاذ و أسيد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أخبراه بنقض قريظة، قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لعناء، نحن أمرناهم بذلك» ، و ذلك أنه كان على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عيون لقريش يتجسسون خبره (3).
و في نص آخر: أنهم لما قالوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : عضل و القارة، قال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللّه أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» (4).
أو قال: «أبشروا بنصر اللّه و عونه» (5).
1) كلمة يستقبح التصريح بها.
2) البداية و النهاية ج 4 ص 104 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 403.
3) تفسير القمي ج 2 ص 181 و البحار ج 20 ص 223 عنه.
4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و السيرة الحلبية ج 2 ص 317 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 104 و مجمع البيان ج 8 ص 342 و بحار الأنوار ج 20 ص 201 و عيون الأثر ج 2 ص 6 و زاد المعاد ج 2 ص 118 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 237.
5) إمتاع الأسماع ج 1 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 528 و المغازي للواقدي ج 2 ص 459.
زاد البعض قوله: «إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق، و آخذ المفتاح و ليهلكن كسرى و قيصر، و لتنفقن أموالهم في سبيل اللّه. يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب، ثم تقنع الخ. .» (1).
و يقول الحلبي إنه قال: «نصرة اللّه و عونه، و تقنع بثوبه و اضطجع، و مكث طويلا، فاشتد على الناس البلاء و الخوف حين رأوه «صلى اللّه عليه و آله» اضطجع، ثم رفع رأسه و قال: أبشروا بفتح اللّه و نصره» (2).
ثم إنه قد بقيت لنا مع النص المتقدم وقفات.
و نحن نلخصها في المطالب التالية:
أول ما يستوقفنا هنا: الطريقة التي أحبط بها حيي مقالة الزبير بن باطا حول نبي تحدثت عنه التوراة، يبعث في مكة، و يهاجر إلى المدينة.
فإنه ضرب على الوتر الحساس لدى اليهود، حين طرح لهم مقولة: أن هذا النبي لا بد أن يكون إسرائيليا، مستندا إلى مقولة ترتكز على النزعة العنصرية لدى اليهود، حيث قال لهم: لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل الخ. .
و قد أشرنا إلى هذا الموضوع بصورة أوسع في كتابنا: «سلمان الفارسي
في مواجهة التحدي» .
و قد اتضح أيضا: أن اليهودي حين يلتزم بعهده، فإنه لا ينطلق في ذلك من شهامة، و لا كرامة و لا نبل، و لا لأجل أنه يلتزم بشرف الكلمة. . و إنما لأنه يرى أن نقضه له سوف يلحق به ضررا من نوع ما؛ فإذا اطمأن إلى عدم وجود ضرر في ذلك فإنه يبادر إليه، دونما وازع أو رادع.
و قد رأينا: أن كعب بن أسد ينقض العهد حين تخيل أنه سيحقق ما يتمناه من استئصال محمد «صلى اللّه عليه و آله» و من معه، واقتنع بأن القوة التي حشدتها الأحزاب كافية في تحقيق هذه الأمنية، و أن المستقبل الرغيد و السعيد سيكون بانتظاره، و أصبح على الأبواب.
ويلفت نظرنا هنا: الطريقة التي أثار فيها حيي بن أخطب حفيظة كعب بن أسد حتى فتح له، حيث اتهمه بأنه لا يفتح له خوفا من أن يأكل من طعامه؛ ففتح له حينئذ الباب، الذي كان باب الخزي و الخسران، و الذل الأبدي، و البوار في الدنيا و الآخرة.
و لكن كعبا هذا: رغم اعترافه بأنه لم ير من النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا الوفاء و الصدق، و غير ذلك فإنه ينقض العهد معه، حبا للدنيا، و طمعا بها فكان له الدمار و الهلاك.
و حسبك بهذا دلالة على تفاهة تفكير هؤلاء الناس، و سفاهة عقولهم، و تناقضهم السافر في مواقفهم.
أما ما قدمه من امتياز لكعب بن أسد و لبني قريظة ليثير شهيتهم لنقض العهد، و الدخول معهم في حرب محمد فهو استئصال محمد و من معه.
و قد اشترط كعب لنفسه إن لم يتحقق هذا الهدف أن يواجه حيي بن أخطب معه كل السلبيات التي تنشأ عن عدم استئصال محمد و من معه، حيث شرط عليه أن يدخل معه حصنه، و يصيبه ما أصابه فقبل حيي بن أخطب ذلك.
و ذلك يوضح لنا: صوابية القرار الذي اتخذه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بتنفيذ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، و هو الحكم الذي أعطاه بنو قريظة أنفسهم موافقتهم المسبقة عليه، بل هم الذين اقترحوا تحكيم سعد بن معاذ فيهم.
و سيأتي بحث هذا الموضوع في غزوة بني قريظة إن شاء اللّه تعالى.
و لم يكن كعب بن أسد يرى في كل تلك الجموع قدرة على تحقيق الهدف الذي تسعى له، أو يشفي الغليل، و ما هي إلا رعد و برق فارغ، و سراب خادع.
و لعل مما ساعد على تكوّن تلك النظرة لديه هو ما جرى في حرب بدر و أحد، و قينقاع، و النضير، و غيرها. مع رؤيته وجود فرق كبير فيما بين قدرات المسلمين في السابق و في اللاحق. فقد تنامت قدراتهم، و اتسع نفوذهم، و تأكدت هيمنتهم على المنطقة بأسرها. كما أن الخطة التي اتبعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مواجهة الأحزاب قد كانت على مرأى
و مسمع من بني قريظة، و هم يعرفون: أنها خطة ناجحة إلى حد كبير، و لا يمكن اختراقها، و تحقيق فجوة فيها بسهولة.
و إذا كان كعب يعترف بوفاء و صدق محمد، و بسائر المواقف النبيلة و الإنسانية لنبي الإسلام، فإنه يكون قد اعترف ضمنا بالخيانة و بالغدر، فهل كان حقا قد شعر بالذنب و بتأنيب الضمير؟ !
لو كان قد شعر بذلك حقا لبدرت منه بادرة تراجع أو ندم و لكن اللّه لا يوفق كل ظلوم كفار، و لن يكون لغادر فلاح، و لا لخائن نجاح. و المصير الذي انتهى إليه بنو قريظة خير شاهد على ذلك.
لقد رأينا فيما سبق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل أكثر من شخص واحد لكشف خبر بني قريظة. و لعل ذلك يرجع إلى أن الجماعة تكون في مناسبات مشحونة بالتوتر أكثر تدبرا للأمور في المواقع التي تشهد تصعيدا خطيرا، و على درجة كبيرة من الحساسية. و يمكن لبعضهم أن يستعين بالبعض الآخر، و يسدده و يعضده، لو كان ثمة ما يقتضي اتخاذ موقف أو القيام بمبادرة من نوع ما.
كما أن ذلك يجعل الخبر الذي يأتي به هؤلاء، ليتخذ على أساسه قرارات في غاية الخطورة، ترتبط بمستقبل و مصير أمة من الناس، يجعله أكثر دقة، و وضوحا، و أبعد عن اللبس، و عن احتمالات تدخل الأهواء في صياغته و في أدائه. بالإضافة إلى أنه يقطع العذر لمن يريد أن يغدر و يمكر، ثم يجنب
نفسه عواقب هذا الغدر و المكر، حتى تلوح له بوادر فشله، و خيبته. إذ لا بد أن يحيق به مكره السيئ، و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
و الملفت للنظر هنا بالذات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يختار لهذه المهمة أناسا عاديين، بل يختار لها الرؤساء و الكبراء الذين يحترمهم رؤساء بني قريظة. و قد اختار «صلى اللّه عليه و آله» أن يكونوا جميعا من الأنصار، و فيهم خصوص سعد بن معاذ، سيد الأوس، و سعد بن عبادة سيد الخزرج، لكي يلمس اليهود وجود التفاهم و الانسجام الكامل، و العميق و الراسخ فيما بين هاتين القبيلتين، اللتين لهما تاريخ طويل من الصراع. ثم ليستمعوا من هذين الزعيمين، و خصوصا من سعد بن معاذ، ما يزيل لهم كل شبهة و يدفع أي لبس أو تشكيك في حقيقة موقفهما.
مع ملاحظة: أن بين بني قريظة و بين الأوس حلف و عهد، يلزمهم الوفاء به. ثم إن هذه البادرة منه «صلى اللّه عليه و آله» ما هي إلا تعبير لهم عن حسن النية، و تدخل في سياق تهيئة الأجواء لهم ليعودوا عن قرارهم الخياني، إذا كانوا يطمعون بوفاء سعد و قبيلته لهم، و هم الذين يفترض بهم أن يعيشوا معهم بعد رحيل الأحزاب، و عليهم أن يفكروا بأن لا يحرقوا السفن وراءهم، فإن ذلك سوف يحرمهم من السلامة في نهاية المطاف.
و قد طلب «صلى اللّه عليه و آله» من رسله إلى بني قريظة: أن يستعملوا طريقة الرمز في تأدية المعلومات إليه، إذا كانت تلك المعلومات ذات طابع خاص يميزها بالخطورة و الحساسية، و كان للجهر بها أثر سلبي على المعنويات.
كما أن ذلك يفرض أن يكون الذين يتم اختيارهم لمهمات من هذا القبيل لديهم المؤهلات الكافية لاختيار أسلوب الرمز المناسب مع قدرتهم على تصنيف المعلومات نفسها وفقا للخطة التي ترسمها القيادة.
و حين بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» خبر نقض بني قريظة للعهد، الذي من شأنه أن يهد العزائم، و يثير حالة من الهلع في صفوف أهل الإسلام فإنه يعلن بالتكبير، الذي يؤذن بالغلبة و الفلاح و النجاح، ثم يبشرهم بالنصر الأكيد الساحق، و بالسيطرة على العالم بأسره.
و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يذكر لهم مضمون البشارة إلا بعد أن اضطجع و تقنع بثوبه، و طال انتظارهم له، واشتد عليهم البلاء و الخوف فجاءت البشارة لتبخر ذلك الخوف، و تكشف البلاء، و ليفهمهم أن كلامه هذا ليس لمجرد التطمين و رفع المعنويات.
و قد أشرنا فيما سبق: إلى أن وصفهم لسعد بن عبادة بالحدة ليس له ما يبرره، و يبدو أن ذلك من تزييفات الحاقدين على سعد، لإقدامه على طلب الخلافة في يوم السقيفة، و هو ذنب يصعب أن يغفره له الآخرون، و إن كان أبو بكر قد استطاع بما لديه من حنكة و دهاء أن يقلب الأمور رأسا على عقب، و يفوز هو بالأمر كما يعلمون.
كما أن سعدا هو والد قيس نصير عليّ و الحسن، و المجاهد بين أيديهما في سبيل اللّه.
و قد ذكر أسيد بن حضير فيما سبق كبديل عن بعض الشخصيات التي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لكشف خبر بني قريظة ثم أعطوه دورا هاما جدا، و هو أنه قد أخبر بني قريظة بتفاصيل ما سوف يجري لهم، و قد تحقق ما قال حرفا فحرفا، و كأنه يقرؤه في كتاب.
و نحن لا نصدق كل ذلك عن أسيد، الذي كان يحظى بعناية خاصة من قبل بعض التيارات؛ لأنه كان قريب أبي بكر، و كان له دور هام في توطيد أمر أبي بكر في يوم السقيفة، و كان أحد المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام» و كان للسلطة اهتمام ظاهر به، و سعي لتسطير الفضائل و الكرامات له، و منحه الأوسمة، بسبب و بلا سبب (1).
عن عبد اللّه بن الزبير، قال: كنت يوم الأحزاب، أنا و عمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت، فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف!
قال: رأيتني يا بني؟ !
قلت: نعم.
قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: من يأت قريظة، فيأتيني بخبرهم؟ !
1) راجع كتابنا «حديث الإفك» -فصل: الفضائل و السياسة.
فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبويه، فقال: «فداك أبي و أمي» (1).
و في رواية أخرى: أن عمر بن الخطاب لما أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنقض بني قريظة للعهد، قال «صلى اللّه عليه و آله» : من نبعث يعلم لنا علمهم؟ !
فقال عمر: الزبير بن العوام.
فكان أول من بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الناس، الزبير بن العوام، فقال: اذهب إلى بني قريظة، فذهب الزبير فنظر، ثم رجع، فقال: يا رسول اللّه، رأيتهم يصلحون حصونهم، و يدربون طرقهم، و قد جمعوا ماشيتهم.
فذلك حين قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن لكل نبي حواريا و حواريي الزبير ابن عمتي.
1) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 و السيرة الحلبية ج 2 ص 217 و راجع ص 327 و 328 كلاهما عن الشيخين. و قال الترمذي: حديث حسن و التاريخ الكبير للبخاري ج 6 ص 139. و قول الزبير الأخير: موجود في السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 10 و كذا في سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 562 لكنه لم يصرح ببني قريظة و حدائق الأنوار ج 2 ص 590 عن الصحيحين، و ليس فيهما تصريح ببني قريظة أيضا. و فيه: أنه لما قال له الزبير: أنا. قال: إن لكل نبي حواري و إن حواريي الزبير، و راجع: صحيح البخاري كتاب أصحاب النبي، باب مناقب الزبير.
ثم تذكر القصة إرسال السعدين إلى بني قريظة (1).
و نقول: إن هذه الرواية لا تصح، و ذلك للأمور التالية: أولا: إنها تخالف سائر الروايات و تناقضها؛ لأنها مجمعة على أن السعدين هما اللذان جاءا بخبر نقض بني قريظة للعهد.
و حاول البعض توجيه ذلك، و رفع التنافي فقال: «لا منافاة بين إرسال الزبير و إرسال هؤلاء، لاحتمال أنهم أرسلوا دفعة، أو بعد إرساله، و خص هؤلاء القوم بالإرسال لأنهم حلفاؤهم، فيحتمل أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه حياء من حلفائهم، فغلبت عليهم الشقوة» (2).
و قال الحلبي: «و لعل هذا-أي إرسال السعدين و من معهما-كان بعد إرسال الزبير إليهم ليأتي بخبرهم، هل نقضوا العهد استثباتا للأمر» (3).
و نقول: إن احتمال إرسال الزبير بعد تلك الجماعة ليس له ما يبرره، إذ إن إخبار هؤلاء الكبار كان يكفي في ثبوت هذا الأمر لديه «صلى اللّه عليه و آله» .
و أما إرسال الزبير قبلهم، فهو أيضا في غير محله، إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» عازما من أول الأمر على إرسال تلك الجماعة، إذ إن إرساله لا يفيد شيئا في حصول اليقين له «صلى اللّه عليه و آله» ، أما مجرد الاحتمال فقد
حصل بإخبار عمر له أولا حسبما تقدم.
ثانيا: أضف إلى ما تقدم: أننا لم نفهم السر في أن الزبير حين أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليأتيه بخبرهم، قد تردد إليهم مرتين أو ثلاثا، ألم تكن المرة الأولى كافية لوقوفه على حقيقية أمرهم؟ ! و لماذا الترديد بين المرتين و الثلاث، فهل نسي ولده عبد اللّه عدد المرات التي رصدها و سأل أباه عنها؟ !
ثالثا: إننا لم نعرف وجه تسمية الأطم ب «أطم حسان» ، مع أن النساء كن في أطم بني حارثة، إلا أن يكون قد أراد الإشارة إلى أن جبن حسان قد تجلى في هذا الأطم بالذات، ثم اشتهر به بسبب ذلك، و لكن ذلك-على كل حال-يحتاج إلى إثبات.
رابعا: قال ابن عبد البر: «ثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبويه مرتين: يوم أحد، و يوم بني قريظة، فقال: «ارم فداك أبي و أمي» .
فقال: و لعل ذلك كان في أحد: «إن لكل نبي حواريا، و إن حواريي الزبير الخ. .» (1).
خامسا: إن ابن الزبير كان يوم الخندق طفلا صغيرا، لا يعقل مثل هذه الأمور، فلا يصح أن يسأل أباه هذا السؤال، ثم يجيبه أبوه بذلك الجواب الذي لا يدرك مغزاه إلا ذو الحجى، و لا يخاطب به طفلا صغيرا، عمره على أبعد الأقوال أربع سنوات، أو سنتان و نصف سنة-كما هو قول الأكثر-
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 317.
فضلا عن القول الذي يذكر: أنه ولد في أحد، أو في الخندق بالذات، و لتوضيح ذلك نقول:
رغم أنهم يقولون: إن ابن الزبير كان أول مولود في الإسلام من المهاجرين (1)، مع وضوح خطأ الرازي في قوله: إنه أول مولود ولد في الإسلام (2)-رغم ذلك-فإنهم قد اختلفوا في تاريخ ولادته، على النحو التالي:
1-فريق يقول: إن أسماء حملت بعبد اللّه في مكة، و خرجت مهاجرة إلى المدينة، فلما دخلت المدينة نزلت قباء، فولدته بقباء (3).
2-و بعضهم أطلق القول في ولادته، فقال: ولد عام الهجرة، أو ما
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 231 و الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 2 ص 301 و 302 و تهذيب الأسماع ج 1 ص 266 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 363 و 365 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 548 و تلخيصه للذهبي {مطبوع بهامشه} و تاريخ الصحابة ص 150 و تهذيب الكمال ج 14 ص 509 و راجع: أسد الغابة ج 3 ص 161 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 170 و 171 و 172 و البداية و النهاية ج 3 ص 230 و السيرة الحلبية ج 2 ص 89 و 80 و التبيين في أنساب القريشيين ص 257 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 213 و الإصابة ج 2 ص 309 و 310.
2) الجرح و التعديل ج 5 ص 56 و خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 197.
3) تاريخ الصحابة لابن حبان ص 150 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 3 ص 301 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 و التاريخ الكبير ج 5 ص 6 و حلية الأولياء ج 1 ص 333 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171 و التبيين في أنساب القريشيين 257 و السيرة الحلبية ج 2 ص 79 و الثقات ج 3 ص 212 و الجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص 240 و نسب قريش لمصعب ص 237.
يقرب من هذه العبارة، و بعضهم ذكر ذلك بلفظ قيل (1).
3-و نجد الآخرين يقولون: إنه ولد في شوال السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة (2).
و القائلون بهذا القول هم الأكثر (3).
لكن عبارة عدد منهم هكذا: هاجرت به أمه و هي حامل، فولد بعد الهجرة بعشرين شهرا (4).
1) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 230 و وفيات الأعيان ج 3 ص 71 و مستدرك الحاكم و تلخيصه للذهبي ج 3 ص 548 و الإصابة ج 2 ص 309، و راجع: سيرة أعلام النبلاء ج 3 ص 363 و أسد الغابة ج 3 ص 163 و تهذيب الكمال ج 14 ص 509 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 213 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 166 و أنساب الأشراف ج 5 ص 375.
2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 551 و الإصابة ج 2 ص 309 عن الواقدي و من تبعه، و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 363 و خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 197 و تهذيب الأسماع ج 2 ص 266 و المحبر ص 275 و 276 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 231 و أسد الغابة ج 3 ص 161 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171 عن الزبير بن بكار و السيرة الحلبية ج 2 ص 80 عن الواحدي و غيره.
3) تهذيب التهذيب ج 5 ص 214 و الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 3 ص 551.
4) راجع: الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 2 ص 301 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 213 و راجع: أسد الغابة ج 3 ص 161 و تهذيب الكمال ج 14 ص 509 و البداية و النهاية ج 3 ص 230 و المحبر ص 275 و 276 و الجمع بين رجال الصحيحين لابن العسقلاني ج 1 ص 240.
قال العسقلاني: «لا يتجه إلا بتقدير أن يكون قد أقام في بطنها نحو سنتين، و لم أر من صرح بذلك» (1).
و لعل هذا هو السبب في أنه قد استظهر أن يكون القول بولادته في أول سنيّ الهجرة أقرب إلى الصحة، و إن كان الأكثر على خلافه (2).
4-و يؤيد القول بأنه قد ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا، و أنه قد ولد في السنة الثانية قولهم: إنه قتل في السنة الثلاث و سبعين، و له اثنتان و سبعون سنة (3).
5-إنهم يقولون: إن النعمان بن بشير ولد قبل ابن الزبير بستة أشهر، على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة (4).
و قال الذهبي: ولد سنة اثنتين (5).
و قالوا أيضا: إن النعمان هذا قد ولد قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه
1) تهذيب التهذيب ج 5 ص 213 و 214 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 80.
2) تهذيب التهذيب ج 5 ص 214.
3) الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 2 ص 303 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 198 و ج 24 ص 190 و وفيات الأعيان ج 3 ص 74 و الجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص 240 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 359 و طبقات ابن سعد {ط دار صادر} ج 5 ص 43.
4) البداية و النهاية ج 3 ص 230 و الإصابة ج 3 ص 559 و الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 3 ص 151 و تهذيب التهذيب ج 10 ص 448 و 447 و المحبر ص 276 و تهذيب الأسماع ج 2 ص 129.
5) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 411 و تهذيب التهذيب ج 10 ص 448.
و آله» بثمان سنين و سبعة أشهر.
و قيل: ست سنين. و الأول أصح.
و قال ابن الزبير: النعمان أكبر مني بستة أشهر. و هو أول مولود للأنصار بعد الهجرة (1). و ذلك يعني أن ابن الزبير قد ولد في السنة الثالثة.
6-إنهم يقولون: إن ابن الزبير يكبر مروان بن الحكم بأربعة أشهر (2). و مروان ولد في الثالثة يوم أحد كما عن مالك، أو في الرابعة، أو يوم الخندق-كما عن ابن عبد البر-أو في الثانية. فراجع ترجمة مروان في كتب السير و التراجم (3). .
7-و يقولون أيضا: كان لابن الزبير حين موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثمانية سنين و أربعة أشهر (4).
و لعل قول ابن إسحاق: كان له تسع سنين (5)، لا ينافي ذلك؛ إذا كان قد
1) أسد الغابة ج 5 ص 22.
2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 476.
3) راجع على سبيل المثال: الإصابة ج 3 ص 477 و 478 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 87 و أسد الغابة ج 4 ص 348 و تهذيب التهذيب ج 10 ص 91 و 92 و الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 3 ص 425 و البداية و النهاية، و تاريخ الأمم و الملوك {ط دار المعارف} ج 5 ص 611 و طبقات ابن سعد {ط دار صادر} ج 5 ص 36 و في مختصر تاريخ دمشق ج 24 ص 184 و 179: أن عمر مروان حين موت النبي كان ثمانية سنين. و راجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 192
4) راجع: تهذيب الكمال ج 14 ص 509 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 364 و مختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171.
5) الإصابة ج 2 ص 301 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 514.
قال ذلك على سبيل التقريب، لا التحديد. .
8-قال العسقلاني عن عمر بن أبي سلمة: «ولد بالحبشة في السنة الثانية. و قيل: قبل ذلك. و قبل الهجرة إلى المدينة.
و يدل عليه قول عبد اللّه بن الزبير: كان أكبر مني بسنتين الخ. .» (1).
و جزم ابن عبد البر بأنه ولد في الثانية، و عند الذهبي: ولد في أواخرها (2).
9-و أخيرا: فقد روى البخاري عن عروة: أن الزبير أركب ولده عبد اللّه يوم اليرموك فرسا و هو ابن عشر، و وكل به رجلا (3).
و قد كانت وقعة اليرموك سنة 13 ه أو 15 ه. و عليه الجمهور (4). و يدل عليه كتاب الصلح الذي كتبه خالد للنصارى حينما أراد النهوض إلى اليرموك، و قد أرخه بسنة خمس عشرة (5). فتكون ولادة ابن الزبير في السنة الثالثة أو الخامسة، و هو ما أيدته بعض الشواهد المتقدمة، خصوصا قولهم
1) الإصابة ج 2 ص 518 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 456.
2) الإستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 2 ص 475 و راجع: الثقات ج 3 ص 263 و الجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص 339 و المحبر ص 293 و راجع: تهذيب التهذيب ج 7 ص 456 و تهذيب الأسماء ج 2 ص 16
3) صحيح البخاري ج 3 كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 365.
4) عمدة القاري ج 17 ص 90 و ذكر هذا التاريخ في مصادر كثيرة، فراجع على سبيل المثال: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 191 و إرشاد الساري ج 6 ص 252 و فتح الباري ج 7 ص 233.
5) فتوح البلدان ص 130 و البداية و النهاية ج 7 ص 21.
في ولادة مروان. و قد اعتذر العسقلاني و غيره عن قصة اليرموك هذه: بأنها قد جاءت على سبيل إلغاء الكسر (1).
و لكنه اعتذار واه، لأن إلغاء خمس أو ثلاث سنوات، من أصل خمس عشرة سنة، بعيد و مستهجن، خصوصا إذا كان في مقام التحديد، من أجل إظهار فضيلة و خصوصية خاصة للزبير، و لو سلمنا، فإنما يقبل هذا الاعتذار بعد ثبوت كون سن عبد اللّه هو عشر سنين، و هو لم يثبت.
بل الظاهر: خلافه كما قلنا.
و قد ذكرت إحدى الروايات السابقة: أن ابن إسحاق و بعضا آخر يقولون: إن سعد بن عبادة هو الذي شاتم بني قريظة، و كان رجلا فيه حدة، و نقول:
1-قد روي عن ابن إسحاق ما يخالف ذلك، و أن الذي شاتمهم هو ابن معاذ.
2-إن قول أسيد بن حضير لكعب بن أسد: أتسب سيدك يا عدو اللّه، يشير إلى: أن الذي شاتمهم هو ابن معاذ، لأنه هو الذي كان بينه و بينهم حلف، و يحسن وصفه بأنه سيدهم. أما ابن عبادة فحاله معهم حال سائر الناس.
إلا أن يقال: إن مراده بالسيد هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.
أو أن يقال: إنه إنما قال ذلك لإظهار عظمة ابن عبادة و امتيازه عليهم،
1) فتح الباري ج 7 ص 233 و عمدة القاري ج 17 ص 91 و إرشاد الساري ج 6 ص 253.
بالإسلام، و بأنه رئيس قومه. و الذي نستقر به هو: أن المشاتمة قد حصلت لكلا الرجلين، فابن معاذ شتم من قبل كعب بن أسد، و ابن عبادة شتم من قبل شاس {نباش} بن قيس حسبما تقدم، ثم قال أحدهما للآخر: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا و بينهم أربى من المشاتمة.
و يذكر النص التاريخي: أنه لما نقض بنو قريظة العهد «بلغ عمر بن الخطاب نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخبرهم» (1).
و نقول: إن لم تكن هذه القضية كاذبة، فإننا لا ندري ما السبب في أن ذلك بلغ خصوص عمر بن الخطاب دون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و دون كل المسلمين الآخرين؟ فهل كان لعمر جواسيس لدى بني قريظة يخبرونه بكل مواقفهم و تحركاتهم؟ أم أنه علم ذلك من جهة المشركين؟
إننا نعترف بالعجز عن إدراك الحقيقة، و ليس في النصوص التي بين أيدينا ما يكشف لنا عن هذا الأمر. .
و لا نريد أن نذكر القارئ بما ذكرناه في غزوة أحد، و بما سيأتي في هذه الغزوة من أن رموز الشرك، كخالد بن الوليد، و ضرار بن الخطاب كانوا يتحاشون إيصال الأذى إلى عمر بن الخطاب، و لا ندري سر و سبب ذلك،
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 527 و بقية المصادر تقدمت تحت عنوان: لا بد من التثبت.
لا سيما و أنهم يصرحون له بأنهم يتخذون ذلك يدا لهم عنده.
هذا بالإضافة: إلى قضايا أخرى لا مجال للتذكير بها الآن، رغم أن أهل الشرك إلى أن انقضت غزوة الخندق، كانوا يعتقدون أن بالإمكان اقتلاع الإسلام و استئصاله من جذوره، و كانوا يهتمون بقتل كل من تصل إليه أيديهم، و لا سيما من بني هاشم، كحمزة و عبيدة بن الحارث، و عليّ «عليه السلام» و غيرهم. فلماذا يريدون قتل هؤلاء، و لا يريدون قتل غيرهم من رجالات الإسلام؟
و يذكر البعض: «أنه لما خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الأحزاب قال عبادة بن الصامت: يا رسول اللّه، إن معي خمس مئة رجل من اليهود، و قد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو. .
فأنزل اللّه تعالى: لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ (1)» (2).
و نقول: إن هذا الكلام لا يصح.
أولا: لأن ظاهر الآية يأبى الانطباق على واقعة من هذا القبيل فإنها تزجر عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، و لم يكن عبادة يريد أن
يتخذهم أولياء من دون المؤمنين، بل هو يريد أن يشركهم في الدفاع عن أهل الإيمان، حبا منه بسلامة المؤمنين. فهذا التحذير القوي، و استثناء حالة مصانعتهم تقية، و التنصيص على أنه يواليهم من دون أهل الإيمان يبعد القضية عن أن تكون في شأن عبادة.
ثانيا: من أين يأتي عبادة بخمس مئة يهودي ليقاتلوا معه؟ فقد أجلى بنو قينقاع و بنو النضير عن ديارهم، و لم يكونوا ليدافعوا عن الإسلام، بل كانوا هم المحرضين للأحزاب على حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين. و بنو قريظة قد نقضوا العهد، و أصبحوا مع الأحزاب.
و يستفاد من كلام الواقدي: أنه قد كان ثمة ما يشبه العريش-عريش بدر-لأبي بكر فيذكر: أن أبا بكر كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» «في قبة من أدم مضروبة في أصل الجبل، عند المسجد الذي في أسفل، معه أبو بكر، و المسلمون على خندقهم يتناوبون» (1).
فجاء عمر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أخبره بنقض بني قريظة للعهد.
لكن قد تقدم: أن ذلك لا يصح، أو على الأقل يشك كثيرا في صحته. و قد تحدثنا في غزوة بدر عن عدم صحة قصة العريش المزعوم لأبي بكر و النبي «صلى اللّه عليه و آله» فراجع ما ذكرناه هناك. .
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 457.
و لسنا ندري لماذا ترك أبو بكر الناس يتناوبون على خندقهم؟
أليس هو خندقه أيضا؟
و لماذا استثناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليكون معه دون كل من عداه؟ !
و كيف لم يعترض على ذلك أي من الناس الذين كانوا يقومون بواجباتهم في الحفظ و الحراسة و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يفعل ذلك أيضا؟ !
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الفصل الثاني: حدث و تشريع 5-34
الفصل الثالث: عظات و كرامات أو سياسات إلهية 35-74
الفصل الرابع: بدر الموعد 75-128
القسم السابع: من الخندق إلى الحديبية الباب الأول: التحضيرات لغزوة الخندق
الفصل الأول: الأحزاب إلى المدينة 133-186
الفصل الثاني: الخندق في خطة الحرب و الدفاع 187-214
الفصل الثالث: حفر الخندق: أحداث و دلالات 215-250
الفصل الرابع: كرامات في نطاق السياسة الإلهية 251-280
الفصل الخامس: جيش المسلمين و جيش المشركين في المواجهة 281-308
الفصل السادس: غدر بني قريظة 309-338
الفهارس 339-352
الفصل الثاني: حدث و تشريع ماذا في هذا الفصل؟ !7
صلاة الخوف:8
الرواية الأقرب إلى القبول:12
كيفية صلاة الخوف:14
صلاة الخوف في غزوة الخندق:14
صلاة الخوف لماذا؟ ! :15
قصر الصلاة:18
تاريخ قصر الصلاة:18
القصر في حالتي الأمن و الخوف:20
إتمام عثمان للصلاة في منى و عرفات:23
الصامدون و المتزلفون:24
معاوية و الأمويون، و سنة عثمان:25
أعذار لا تصح:26
التقصير رخصة أم عزيمة:32
نزول آية التيمم:33
الفصل الثالث: عظات و كرامات أو سياسات إلهية ماذا في هذا الفصل؟ !37
جمل جابر:39
اختلافات الرواية في مقدار ثمن الجمل:43
الزيادة المباركة:45
تاريخ قصة جمل جابر:45
القيمة الحقيقية لهذا الحدث:46
كرامة و تكريم:49
مع الحدث في دلالاته و خصوصياته:51
رحمة اللّه بعباده:53
النبي صلى اللّه عليه و آله يعالج ابن الأعرابية:54
كرامة أخرى لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:56
جمل يستعدي على صاحبه:57
معرفة النبي صلى اللّه عليه و آله بلغات البشر، و الحيوان و الجماد، و الشجر:58
سؤالان يحتاجان إلى جواب:60
الإجابة و التوضيح:61
تسخير المخلوقات للإنسان في الآيات القرآنية:64
الشعور و الإدراك لدى المخلوقات:65
نماذج حية من تسخير الموجودات العاقلة:67
قصة سليمان و داود نموذج فذ:68
آيات من سورة النمل:69
مع آيات سورة النمل:70
إعادة توضيح و بيان:71
النقاط على الحروف:72
الفصل الرابع: بدر الموعد بداية الحديث عن بدر الموعد:77
تاريخ غزوة بدر الموعد:78
النص التاريخي لبدر الصغرى:80
آيات سورة آل عمران:86
مواقف لا بد من التأكد من صحتها:88
الأفراح و الأتراح:90
المجتمع المفتوح:93
استخلاف ابن أبي على المدينة:95
قوة الإسلام:95
لا بد من الندم:99
الإنتظار ثمانية أيام:101
الإتجار في بدر الموعد:102
غزوة دومة الجندل:104
تاريخ هذه الغزوة:105
هذه الغزوة:106
مدة غيبته صلى اللّه عليه و آله عن المدينة:109
رجوع النبي صلى اللّه عليه و آله قبل بلوغ دومة! !109
التوجيه الأقرب:110
دومة الجندل حقيقة أم خيال؟ ! :114
ذكريات أبي موسى الأشعري في دومة الجندل:116
موادعة عيينة بن حصن الغادر:117
حكومة القيم، أم حكومة المشاعر؟ !118
القسم السابع: من الخندق إلى الحديبية آيات حول غزوة الخندق:123
تقديم:125
موجز عن غزوة الخندق:126
الباب الأول: التحضيرات لغزوة الخندق الفصل الأول: الأحزاب إلى المدينة تمهيد و بيان:135
تحزيب الأحزاب في روايات المؤرخين:138
تجمع القوى:143
الأحزاب إلى المدينة:145
مناقشات و إيضاحات:146
تاريخ غزوة الخندق:147
غزوة الخندق في زمن الحصاد:156
هل أخطأ التقويم التطبيقي؟ !157
مشاركة الحارث بن عوف في الخندق:158
أبو رافع قتل بعد أحد:159
هل كان أبو الأعور في الخندق؟ ! :160
توثيق أبي الأعور! ! :162
آية سورة النساء متى و فيمن نزلت:165
توضيح و تصحيح:167
تحريض اليهود:168
الداء الدوي:170
أهداف الحرب:172
الأحقاد هي المحرك:173
يريدون ليطفئوا نور اللّه سبحانه:174
الإيمان و المواثيق لا تجدي:176
تمر خيبر:179
تأثير المال في تحزيب الأحزاب:180
الإرهاب الفكري و الخداع للسذج:181
الحارث بن عوف ينصح قومه:182
عقدة بدر الموعد:183
عيينة بن حصن و المعاني الإنسانية:183
شك المشركين:185
الفصل الثاني: الخندق في خطة الحرب و الدفاع المفاجأة:189
المشورة، و التخطيط:192
من أخبر النبي صلى اللّه عليه و آله بمسير الأحزاب؟ !194
من المشير بحفر الخندق؟ !195
وعي سلمان:197
لو كان الخندق بإشارة سلمان:198
طريقة استشارته صلى اللّه عليه و آله أصحابه:200
الخندق في إيجابياته الظاهرة:201
بين الأصالة و التجديد:203
أين كان الخندق و ما هي مواصفاته؟ !204
1-موضع الخندق:205
2-جعل الأبواب للخندق:206
3-خصوصيات و مواصفات أخرى:207
الموقع الجغرافي للخندق:208
تشبيك المدينة بالبنيان:210
مدة حفر الخندق:211
زمام المبادرة بيد من؟ !213
الفصل الثالث: حفر الخندق: أحداث و دلالات شدائد و متاعب:217
حفر الخندق في روايات المؤرخين:218
المساحي و المكاتل:219
تقسيم العمل في الخندق:219
النبي صلى اللّه عليه و آله يشارك في حفر الخندق:221
علي عليه السلام و شيعته أعظم الناس عناء:224
و ثمة تفاصيل أخرى:224
عمل المنافقين في الخندق:227
1-توزيع المهام على العاملين:228
2-النبي صلى اللّه عليه و آله و الشعر:230
3-دور عضل و القارة:232
4-الأمثولة المواساة:233
5-المتحذلقون الأغبياء:233
6-لا عيش إلا عيش الآخرة:234
7-الحماسة و المثابرة:234
8-الأسوة الحسنة:234
منع حسان و كعب بن مالك من الشعر:237
الكلمة المسؤولة القرار الحاسم:238
زيد بن ثابت:240
سلمان منا أهل البيت:241
الصحيح في القضية:245
تقتلك الفئة الباغية:246
الفصل الرابع: كرامات في نطاق السياسة الإلهية مما سبق:253
الكرامات و المعجزات في الخندق:253
نبوءة صادقة للنبي صلى اللّه عليه و آله:255
كرامة أخرى لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:256
قصور الروم و فارس:257
نص آخر يخالف ما سبق:261
القيادة الحازمة، و الإنضباط أساس النجاح:263
مدائن كسرى و قصور الروم و صنعاء:265
الأمل بالنصر:266
كرم و كرامة:267
قضية أخرى فيها كرامة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:270
كرامة أخرى للنبي صلى اللّه عليه و آله:271
يطعم الجيش كله حفنة من تمر:271
كرامة أخرى لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:272
بين نظرتين:272
التزوير الرخيص:274
الجهد، و الضعف و الجوع:275
الأولى: النبي صلى اللّه عليه و آله و صوم الوصال:276
الثانية: العزم و الثبات:277
الثالثة: الخصاصة و الجوع:278
الفصل الخامس: جيش المسلمين و جيش المشركين في المواجهة الإعداد و الإستعداد:283
مقر القيادة:285
عرض النبي صلى اللّه عليه و آله الخارجين إلى الحرب:286
النساء و الأطفال في الآطام:287
الحرس على أبواب الخندق:287
تركيبة الحرس مثار تساؤل:288
الذراري و النساء في الآطام:289
عقد الألوية للحرب:291
شعار الحرب:293
عدة و عدد المسلمين:296
عدد المشركين:300
عدة جيش الشرك:302
معنويات جيش الشرك:304
جيش أهل الإيمان:305
الغطرسة القرشية:306
رسالة تهديد من أبي سفيان:307
الفصل السادس: غدر بني قريظة بنو قريظة ينقضون العهد:311
لا بد من التثبت:315
النزعة العنصرية لدى اليهود:319
وفاء اليهود:320
طريقة حيي للتأثير على كعب بن أسد:320
دوافع نقض العهد:321
جهام بلا ماء:321
الشعور بالذنب و الخيانة:322
221
التربية القرآنية
222
اللّه هو الذي أخرجهم
223
العز و الذل. . بما ذا؟
225
مبالغات لا مبرر لها
226
صلاة الخوف في بني النضير
229
تحريم الخمر في غزوة بني النضير
229
الفصل الخامس:
كي لا يكون دولة بين الأغنياء
233
الخيانة و الفداء
235
أموال بني النضير في النصوص و الآثار
235
أموال بني النضير لم تخمس
239
توضيحات للواقدي
241
ألف: التعبير ب «صدقات» و «صوافي»
241
ب: حبائل ماكرة أخرى
242
أموال بني النضير فيء أم غنيمة؟
244
الجواب الأمثل
246
المهاجرون. . و أموال بني النضير
247
حكاية قسمة الأراضي
248
محاسبات دقيقة
249
المستفيدون من أراضي بني النضير
253
نصان غير متوافقين
256
كي لا يكون دولة بين الأغنياء.
257
لما ذا اختص ذوو القربى بالخمس و الفيء؟
261
الفصل السادس:
أراضي بني النضير و الكيد السياسي
265
الغاصبون
267
نص الرواية
267
المؤاخذات التي لا محيص عنها
273
سؤال. . و جوابه
285
الانتصار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أم لعمر الفاروق؟ !
294
يحسبهم الجاهل أغنياء
296
الزهد. . الحرية
303
الزهراء عليها السّلام. . في مواجهة التحدي
304
لماذا لم يسترجع علي عليه السّلام ما اغتصب؟ !
308
الباب السادس
حتى الخندق
309
الفصل الأول:
غزوة ذات الرقاع. . تاريخ و أحداث
311
بداية
313
الرصد الدقيق
313
نتائج و آثار
314
غزوة ذات الرقاع
316
نقاط لا بد من بحثها
318
التسمية بذات الرقاع
319
تاريخ هذه الغزوة
321
الصحيح و المعقول
323
مؤيدات
327
لما ذا مؤيدات؟ !
327
كلام الدمياطي
328
دليل الرأي الآخر
329
غزوتان أم غزوة واحدة
330
من استخلف النبي صلّى اللّه عليه و آله على المدينة؟ !
331
تضحيات عباد بن بشر
333
تسجيل تحفظ
335
مع الحدث في مراميه و دلالاته
335
قصة غورث بن الحارث
337
قصة أخرى تشبه قصة غورث
340
القصة الأقرب إلى القبول
346
كيف نفهم هذه القصة؟ !
347
الفهارس
349
1-الفهرس الإجمالي
349
2-الفهرس التفصيلي
349