ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء التاسع
قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» يجيب على تهديدات عامر بن الطفيل بقوله: «يكفينيك اللّه، و ابنا قيلة» .
و المقصود ب «ابني قيلة» : الأوس، و الخزرج.
و هذه الكلمة تتضمن:
1-إعزازا لجانب الأوس و الخزرج.
2-تحريضا لهما على إسداء النصر ضد العدو، الذي لا مبرر لعدوانه، إلا الحمية الظالمة الخرقاء، حمية الجاهلية، و إلا الانقياد للهوى، و الاستجابة لنزغ الشيطان.
3-إن اعتماده «صلى اللّه عليه و آله» هو على اللّه أولا و بالذات، و لكنه في نفس الوقت يعد العدة، و يعتمد الوسائل المادية في دفع الأخطار المحتملة، و هذا يدلل على واقعية الإسلام، و على أنه لا يتعامل مع الأمور بصورة تجريدية و ذهنية محضة، كما أنه لا يفرط في الاعتماد على القوة المادية، بل هو يعتمد عليها في صراط اعتماده على اللّه سبحانه، فاللّه هو المصدر الأول للقوة.
بل و حتى القوة المادية، إذا لم تنته إلى اللّه فإنها تتحول إلى ركام و حطام
لا أثر له، إن لم نقل: إن له الكثير من الآثار السلبية و الهدامة في كثير من الأحيان، و هذا موضوع حساس و خطير، يحتاج إلى توفر أتم، و وقت أوفى.
و بعد. . فإننا نجد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتبر أبا براء هو المسؤول عما حصل، حينما قال: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا» .
و نحن نشك في ذلك.
فإن الروايات التي روت لنا ما حصل، لعلها متفقة على أن أبا براء، لم تكن له أية علاقة بما حدث، لا من قريب، و لا من بعيد، و قد صرحت بعضها بأنه كان مستاء جدا مما حصل.
بل إن بعضها يصرح: بأنه قد مات أسفا على ما صنع به عامر ابن أخيه. و عليه فيرد هنا سؤال، و هو:
هل إنه لم تبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأخبار على حقيقتها؟
و إذا كان ذلك، فما بال جبرائيل لا يوقفه على حقيقة ما جرى؟ !
أم يعقل أن يكون ما وصل إلينا قد تعمد التعتيم على ما جرى، أو كان محرفا لسبب أو لآخر؟ !
و لعل الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان على علم تام بما حصل، و لكنه أراد تحريض أبي براء ضد مرتكب الجريمة عامر بن الطفيل؛ بالطريقة المشروعة، و المقبولة لدى الناس، فلقد كان أبو براء قد قبل-مختارا و متبرعا-بأن يكون مسؤولا عن حياة أولئك
النفر، و هو الذي بادر إلى إظهار الرغبة بإرسالهم إلى تلك المنطقة، و حينما عبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن مخاوفه من أهل نجد، نجد أبا براء قد قبل أن يجيرهم، ثم يذهب بنفسه، و يخبر أهل نجد بأنه قد أجار أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» .
و لعل من نتائج موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا، ثم مبادرة حسان بن ثابت لتحريض ربيعة بن أبي براء على عامر، أن سأل ربيعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو غيره: إن كانت ضربة أو طعنة لعامر تغسل عن أبيه هذه الغدرة، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : نعم.
فطعنه ربيعة في حياة أبيه، فقتله، «كما في معالم التنزيل» أو فأشواه، كما في المصادر الأخرى.
و تحدثنا الروايات المتقدمة: أن عامر بن الطفيل لم يستطع أن يميز النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بين أصحابه حيث كان جالسا بينهم كأحدهم حتى يسأل عنه هذا و ذاك فيخبرونه.
نعم، و هذه هي أخلاق الإسلام و تعاليمه، و هذه هي تربيته للإنسان، فهو يربي في الإنسان إنسانيته أولا، و يفهمه أن الحكم ليس امتيازا و إنما هو مسؤولية و واجب في إطار قاعدة: لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
فالإسلام يربي في الإنسان روح الرفض و الإدانة لكل الامتيازات الظالمة، التي يجعلها المتزعمون، و أصحاب الثروات و الوجاهات لأنفسهم، لا لشيء إلا لأنهم أبناء فلان، أو لأنهم يملكون القوة، أو المال، أو ما أشبه
ذلك. من دون أن يقدموا لمجتمعهم أدنى ما توجبه عليهم القيم و المثل الإنسانية، و لا حتى أن يعترفوا لغيرهم بأبسط الحقوق، حتى حق الحياة، فضلا عن حق الحرية، و العيش بكرامة.
و يلاحظ هنا: أن عامر بن الطفيل قد ارتكب عملا شنيعا، يرفضه الخلق الإنساني، و يأنف منه حتى أكثر الناس بعدا عن المعاني الإنسانية و الاخلاقية. ألا و هو قتل الرسول، (حامل كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله») و قد جرت عادة العرب قديما «بأن الرسل لا تقتل» (1)كما أنه يخفر ذمة أبي براء، و ما جرت عادة العرب بذلك أيضا.
و هناك جريمة ثالثة، و هي أن قتله للرسول كان غدرا و غيلة و ذلك أمر لا يستسيغه حر يحترم نفسه، و يطمح إلى ما كان يطمح إليه مثل عامر. مع أنه هو نفسه يرسل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب منه دية الرجلين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في طريقه رغم أن عمروا لم يكن يعلم بالعهد الذي أعطاهما إياه الرسول، و رغم أن ما فعله عامر، من شأنه أن ينسف كل العهود و المواثيق، و يعطي حق المعاملة بالمثل الذي تقره جميع الأعراف، و لا تمنع منه الشرائع.
و لكن سماحة الإسلام. . و حرص النبي «صلى اللّه عليه و آله» على أن يعامل الناس بأخلاقه هو، لا على حسب أخلاقهم هم، هو الذي جعله لا
1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260.
يتخذ مواقفه من خلال الانفعالات و المشاعر، التي تنشأ عن إثارات يتعمدها الخصوم في كثير من الأحيان، فإن الإنسان المسلم لا تزله الرياح العواصف، و لا يفقد توازنه، و لا يتخلى عن مبادئه و لا يحيد عن هدفه ليصبح أسير مشاعره الثائرة، و انفعالاته الطاغية و يلبي نداءاتها و يستجيب لإثاراتها.
فنجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسل بدية الرجلين، و لا يذكّر بشيء مما فعله قومهما، بل هو يظهر استياءه من قتل عمرو بن أمية لهما، و يصرح بتصميمه على أن يديهما فور علمه بما جرى عليهما، و قبل أن يرسل إليه عامر بطلب ديتهما.
و بذلك يتميز الإنسان المؤمن عن غيره، يسير كل منهما في خطه الذي ينبغي له، هذا دليله عقله و حكمته، و رائده رضى ربه، و سلامة دينه، و الفوز بالآخرة، و ذاك دليله هواه و رائده شهواته، و هدفه الدنيا، و زخرفها.
و في مقابل ذلك نجد عامر بن الطفيل ينقاد لهواه فيقتل الرسول، و الرسل لا تقتل، و يخفر الذمة، و يستعمل طريقة الختر و الغدر، و كل ذلك شنيع، و فظيع.
و هو كذلك ينقاد لهواه لأنه يرفض أن يكون موته بغدة كغدة البعير، و يأنف أن يكون ذلك في بيت سلولية.
أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو ينسجم مع أخلاقه، كما أنه ينطلق من مبادئه السامية في كل مواقفه و لا يخرجه أي شيء عن توازنه و متانته، لا يزعزع ثباته، و لا تزله الرياح العواصف مهما كانت هوجاء، و عاتية (1).
1) راجع كتاب: محمد في المدينة ص 49.
و من جهة ثانية نلاحظ: أن قبيلة عامر قد رفضت الاستجابة لطلب ابن الطفيل بقتل المسلمين، و ذلك وفاء لذمة أبي براء و جواره.
و لا بد أن يكون موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا مؤثرا في إعطاء صورة حسنة للعامريين، و يفترض البعض أيضا: أن ذلك يزيد في حالة عدم الانسجام فيما بين هذه القبيلة و بين عامر بن الطفيل، الذي ارتكب تلك الجريمة النكراء، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يريد استمالة بني عامر إلى جانبه، و لهذا قرر التدخل في السياسة الداخلية للقبيلة.
و لكننا نقول: إن بعض النصوص تؤكد أن موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا قد كان منطلقا من قيمة أخلاقية، و رسالية، فرضها عليه واقع أن هذين الرجلين كانا من أهل ذمته «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يقتلا من أجل ذنب أتياه، حسبما أشرنا إليه آنفا.
و يضيف ذلك البعض: أنه كان معيبا في حق بني عامر، ترك الرجال يقتلون، و هم تحت حمايتهم، و لهذا كان الشاعر المسلم كعب بن مالك واضحا في هذا الصدد.
إلى أن قال: و لم يكن محمد يستطيع التخلي عن بني عامر قبل التخلي عن كثير من الآمال، و لكن هذا لم يمنعه من أن يصلي و يطلب من اللّه معاقبة عامر (1).
و لكننا نقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا على رعل و ذكوان
1) المصدر السابق.
و عصية، و لم أجد أنه دعا على بني عامر، بل ذكر الواقدي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اللهم اهد بني عامر، و اطلب خفرتي من عامر بن الطفيل (1). و لعل عدم مشاركة بني عامر في الدفاع عمن أجارهم أبو براء، إنما هو من أجل أن لا تحدث انشقاقات خطيرة بينهم و بين غيرهم ممن استجاب لابن الطفيل.
و أما القول بأن تخلي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن بني عامر، معناه التخلي عن كثير من الآمال، فإنه غير واضح، إذ ما ذا يمثل بنو عامر، و ما هو الدور الذي قاموا به، أو يمكنهم أن يقوموا به في نصرته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و ما أقل عقل عامر بن الطفيل، و ما أحقر طموحاته و أحطها، و ما أضيق الأفق الذي يفكر فيه، حينما نجده يفعل الأفاعيل انطلاقا من حالة انفعالية أثارها أمر تافه، و تافه جدا، جعله يرتكب أبشع جريمة، و يخالف كل الأعراف و التقاليد، فيغدر، و يخفر الذمم و يقتل الرسول، و يقتل الكثيرين غيره، و يبادر إلى الزحف نحو المدينة، كل ذلك من أجل أي شيء يا ترى، و في سبيل أية قضية؟ !
إن ذلك كله. . كما ورد في الروايات قد كان من أجل أن صبيا عطس، فشمّته النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأنه حمد اللّه، و يعطس عامر فلا يحمد اللّه، فلا يشمّته رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) المغازي للواقدي ج 1 ص 351.
و ما كان أحراه بأن يستفيد من هذه القضية درسا حياتيا مفيدا، فيتوجه نحو اللّه سبحانه و يعتبر أن العز، و الشرف، و السؤدد بالقرب منه تعالى، و العمل بما يرضاه، و أن كل شيء بدون اللّه فهو حائل زائل، و زخرف باطل، لا قيمة له، فيربي نفسه على ذكر اللّه، و التقرب إليه لينال كل ما يصبو إليه من عز و شرف و حياة و سعادة.
و لكنه يتخلى عن ذلك كله، ليتبع خطوات الشيطان، و يشمخ بأنفه، و ينظر في عطفه، و يصر مستكبرا صادّا عن ذكر اللّه سبحانه، يتخيل أن بإمكانه أن يحصل على شيء بدون اللّه، و بدون اللجوء إليه سبحانه، فتكون النتيجة هي أنه يجلب لنفسه الوبال، و الدمار، و يخسر الدنيا و الآخرة و بئس للظالمين بدلا.
أما مطالب عامر بن الطفيل التي عرضها على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فهي تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: يجسد طموحاته و أطماعه الدنيوية و حبه للتسلط، و الاستئثار، فنجده يساوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما فعله مسيلمة الكذاب فيما بعد (1)-ليقاسمه السلطة على الناس، بزعمه، فيقترح عليه أن يكون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» السهل، و يكون لعامر أهل الوبر، من دون أن يكون لديه أي مبرر لذلك، سوى الغطرسة و الطغيان، و الاعتزاز بألف أشقر
1) فقد كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أما بعد فإن الأرض لي و لك نصفان.
و ألف شقراء و الاعتماد على قوة السيف، الذي يرى فيه المحلل لكل محرم، و يسمح له بارتكاب أي مأثم، و من دون أن يعطي لأولئك الناس الذين يطمح للتسلط عليهم حق الاختيار، الذي يساوي حق الحياة، و كأن الناس سلع تشرى، و تباع و توهب.
هذا عدا عن أنه لا يملك هو نفسه أي امتياز يخوله الاستئثار بشيء من الامتيازات دون غيره، فهو لا يملك العلم النافع، و لا يرفع شعار الهداية لسبيل اللّه و الحق، و الخير، و لا غير ذلك من مقومات.
الثاني: إنه يرشح نفسه لمنصب خطير و هام، ألا و هو خلافة النبوة، و قيادة الأمة و هدايتها. هذا المنصب الذي لم يكن يملك أي شيء من مقوماته: خلقيا، و إنسانيا، و سلوكيا، فضلا عن الامتياز العلمي، و سائر القدرات و المؤهلات الذاتية، التي لا بد من توفرها في من يتصدى لمنصب كهذا.
و لا أدل على ذلك من أنه تثور ثائرته، لأن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يشمّت غلامه الذي حمد اللّه، و لم يشمّته هو، حيث لم يحمد اللّه تعالى.
و بعد هذا. . فكأنه لم يسمع ما أجاب به النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحد بني عامر بن صعصعة، حينما عرض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة نفس ما عرضه هو عليه، فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «إن الأمر للّه، يضعه حيث يشاء» .
فلا مجال لرأي أحد في أمر الإمامة بعده «صلى اللّه عليه و آله» و لا يثبت ذلك بالانتخاب، و لا بالشورى، و لا هو من صلاحيات النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و إنما هو فقط من صلاحيات رب العزة، و خالق الكون دون سواه؛ فهو الذي يختار و منه يصدر القرار، و قد قدمنا بعض ما يرتبط بهذه القضية في
الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: حتى بيعة العقبة، فراجع.
و بعد. . فقد ذكرت الروايات: أن أبا براء، ملاعب الأسنة، قد أرسل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يستشفيه من دبيلة كانت في بطنه، فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جبوبة (و هي المدرة) من تراب، فأمرّها على لسانه ثم دفها بماء، ثم سقاه إياها، فكأنما أنشط من عقال (1).
و في نص آخر: فتفل فيها و قال: دفها بماء، ثم أسقاه إياه ففعل؛ فبرئ، و يقال: إنه بعث إليه بعكة عسل؛ فلم يزل يلعقها حتى برئ (2).
و يذكرنا هذا النص بما قدمناه عن مشركي مكة أيضا، الذين يعلم كل أحد ما لاقاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم، حتى اضطروه إلى الهجرة، فإنهم مع عدائهم له «صلى اللّه عليه و آله» يودعون أموالهم عنده «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى ليضطر إلى إبقاء علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في مكة ثلاثة أيام-حين الهجرة-ليؤدي الودائع و الأمانات إلى أصحابها.
و معنى ذلك هو: أنهم يرون في هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه متصل بالغيب، حتى ليرسلون إليه يستشفونه من أمراضهم، كما و يرون فيه أنه في غاية الأمانة و الرعاية لحقوق الناس، و أموالهم.
الأمر الذي لا بد أن يكشف لهم عن ملكات و فضائل أخلاقية نادرة
لديه «صلى اللّه عليه و آله» و أنه لا مطمع له بمال، و لا بمتاع دنيا.
إذا، فإنهم لا بد أن يتلمسوا التناقض الهائل الذي يجدون أنفسهم فيه، فهم يكرهونه، و يكذّبونه، و يتهمونه، و هم كذلك يرون طهارته، و عفته و صدقه، و أمانته، حتى لقبوه بالصادق الأمين. فيعيشون حالة الصراع الداخلي مع ذاتهم، و مع وجدانهم، و ما أشده من صراع، و ما أعظم البركات التي يحصلون عليها لو انتصر عقلهم و وجدانهم. و ما أخطرها و أشدها دمارا، لو انتصرت المشاعر و الأهواء، و المصالح الشخصية الرخيصة.
و ليراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب في بحث: العوامل المساعدة على انتصار الإسلام و انتشاره ففيه مطالب أخرى ترتبط بهذا المقام.
و لعل هذا الإحساس الوجداني الصريح، الذي أدركه أبو براء من خلال مصادقته له «صلى اللّه عليه و آله» -فإنه كان له صديقا-هو الذي جعل هذا الرجل يتحمس لأن يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاته إلى نجد، ثم يتعهد بأن يكونوا في جواره، و تحت حمايته.
و تواجهنا في الروايات المتقدمة قضية رفضه «صلى اللّه عليه و آله» هدية أبي براء، ملاعب الأسنة، على اعتبار أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقبل هدية مشرك، حتى و لو كان صديقا له.
و قد تقدم في فصل: أبو طالب مؤمن قريش، موارد أخرى في هذا المجال، و هي تدل على: أن ذلك كان نهجا له «صلى اللّه عليه و آله» و يصر على الالتزام به، و التعامل على أساسه.
و نحن في مجال فهم الهدى النبوي في هذا الاتجاه، نشير إلى ما يلي:
ألف: إن من الواضح أن المشركين لا يقيسون الأمور بمقاييس صحيحة، و لا يبنون علاقاتهم مع الآخرين على أساس المثل و القيم و المبادئ عموما.
و إنما ينطلقون في تقييمهم للأمور من نظرة ضيقة، و مصلحية، قائمة على أساس الأهواء، و الطموحات غير المتزنة و لا المسؤولة.
و على هذا، فقلما تجدهم يبادرون إلى إتحاف بعضهم بالهدايا و نحوها من منطلق منطقي، أو من شعور إنساني نقي و بريء، أو من مبادئ إنسانية، و مثل عليا.
و إنما غالبا ما يكون ذلك تزلفا، و تصنعا؛ بهدف الحصول على ما هو أغلى، و ما هو أهم، أو بهدف دفع غائلة من لا يجدون لدفع غائلته وسيلة، و لا عن التصنع و التزلف إليه مهربا، و محيصا.
و لأجل ذلك. . فلو فرض أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل هديتهم. فعدا عن كون ذلك يدخل في نطاق الموادة لهم، و هو ما ينهى عنه القرآن الكريم صراحة؛ فإنه لو أراد بعد ذلك أن يتخذ من انحرافاتهم و جرائمهم موقفا رافضا و مسؤولا، فلسوف يعتبرون ذلك، و يعتبره كل من هو على شاكلتهم، نكرانا للجميل، و كفرانا للنعمة، الأمر الذي يجعل من هذا الأمر مبررا لأية سلبية تظهر على مواقفهم منه فيما يأتي من الأيام.
كما أن رفض النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لهديتهم لا يعتبر مقابلة للإكرام بضده، و لا يعد خلقا سيئا، أو تصرف نابيا.
إذ إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يملك كل الحق في أن يفهمهم أن القضية قضية مصيرية، لا يمكن الإغضاء عنها، و لا التساهل فيها، و لا
تخضع للمساومة، و لا للمداهنة، و لا يمكن التنازل عن أي شيء فيها في مقابل المال و النوال.
و لا سيما إذا كان إعطاء المال أو تقديم الهدية يوزن بميزان جاهلي، مصلحي، حسبما ألمحنا إليه.
ب: و بعد فإن إهداء أبي براء ملاعب الأسنة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قول حامل الهدية حينما رد النبي الهدية: «ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية أبي براء» (1)يدل على أن أبا براء كان رجلا ذا أهمية في مجتمعه الذي يعيش فيه، حتى إن أي مضري لا يجرؤ على رد هديته احتراما و تقديرا له.
فإهداؤه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد ذاع صيته، و ظهرت هيبته في مختلف أرجاء المنطقة آنئذ، و بدأ يتزلف إليه المتزلفون، و يخطب وده الخاطبون.
ج: كما أن الأمر الذي يثير العجب حقا هو: أننا نجد أبا براء ذلك الرجل المعروف و المبجل في محيطه، و الذي لا يرد هديته مضري ليس فقط يتلقى هذه الصدمة الكبيرة، و هي رد هديته من قبل صديقه، بالإذعان و القبول، و إنما هو يطلب من النبي إرسال دعاته إلى بلاد نجد، و يقبل أن يتحمل مسؤولية حمايتهم، و كونهم في جواره.
هذا كله. . عدا عن طلبه الاستشفاء بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و عمله بما أرسل به إليه.
مع أننا نجد ابن أخيه عامرا على العكس من ذلك تماما؛ حيث يثيره
1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72.
تشميت النبي لغلام حمد اللّه، و عدم تشميته له، و هو لم يحمد اللّه. ثم يتنامى به الأمر، و يتعاظم حتى يرتكب تلك الجريمة النكراء، بأسلوب رخيص و لئيم، أقل ما يقال فيه: إنه مجلبة للعار الدائم، و الذل المقيم. . و المخالف حتى لأعراف الجاهلية، فضلا عن مناقضته لكل القيم و المثل و المبادئ الإنسانية.
فإن كان ما فعله أبو براء عن سياسة و دهاء فنعم السياسة تلك، و حبذا هذا الدهاء، و إن كان عن عقل و حكمة فالمجد و الخلود لهذا العقل، و تلكم الحكمة، و إن كان عن قناعة وجدانية و نفحة إيمانية كانت قد بدأت تذكو في نفسه، فما علينا إلا أن نقبل بالرواية القائلة: إنه قد أسلم قبل أن يموت. و نحن نود أن تكون هذه هي عاقبته، و إن كنا لا نملك الدليل القاطع على ذلك.
و بعد. . فقد رأينا النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لا يؤيد ما فعله عمرو بن أمية الضمري، من قتل الرجلين، و إنما يعبر عن إدانته و استيائه من هذا الأمر.
ثم هو يتعهد بأن يدي الرجلين، و يفعل ذلك.
و إذا أردنا أن لا نقبل بكون الرجلين كانا قد أسلما حقيقة بقرينة: أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى دية حرين مسلمين.
فإننا لا بد أن نستفيد من موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا حتى و لو كانا كافرين إدانة صريحة للمنطق الجاهلي القبلي الذي يبيح للإنسان أن
يقتل أيا من أفراد القبيلة الأخرى، لو ارتكب واحد منها جريمة تجاه قريب له فرضا.
فهو «صلى اللّه عليه و آله» يلوم عمرو بن أمية و يدين عمله، و يقول له: بئس ما صنعت، رغم أنه لم يكن يعلم بالعهد، و رغم أن اللذين قتلهما كانا بزعمه مشركين.
و يوضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما يدين المنطق القبلي الجاهلي قوله «صلى اللّه عليه و آله» : رجلين من أهل ذمتي قتلتهما لا لأجل دينهما، حسبما روي.
و تذكر الروايات المتقدمة: أنه بعد أن أراد زيد بن قيس قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حبس اللّه يده، حتى لم يتمكن من سل سيفه،
كانت النتيجة: أن اللّه سبحانه و تعالى يرسل على زيد بن قيس صاعقة، فتحرقه، ثم يموت عامر بن الطفيل من غدة كغدة البعير في بيت سلولية.
و ما ذلك إلا لأن هذين الرجلين قد رأيا بأم أعينهما الآية الظاهرة، و المعجزة القاهرة له «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكنهما يصران على الضلال، و الكفر، و لا يعتبران بما رأياه من كرامة إلهية له «صلى اللّه عليه و آله» ، فكانت النتيجة: أن أصبحا عبرة لمن اعتبر، و خسرا الدنيا و الآخرة، و بئس للظالمين بدلا.
و نجد في الروايات المتقدمة: أن جبار بن سلمى، المشرك، حينما طعن
ابن ملحان الأنصاري سمعه يقول: فزت و اللّه، تحير في فهم مغزى كلامه، فقال في نفسه: ما فاز؟ أليس قد قتلت الرجل؟ !
ثم يسأل عن هذا الأمر بعد ذلك، فأخبروه: أنه الشهادة، فقال: فاز لعمرو اللّه. و كان ذلك سبب إسلامه.
و نحن بدورنا ليس لدينا ما يثبت أو ينفي هذه الرواية، و لكننا نعلم: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما ضربه ابن ملجم على رأسه في مسجد الكوفة، قال: فزت و رب الكعبة (1).
و نقول: إن تحير ذلك المشرك، و قول أمير المؤمنين «عليه السلام» و ذلك المسلم لهذه الكلمة طبيعي جدا.
فإن من يفهم الأمور فهما دنيويا و مصلحيا بحتا، يقيس الربح و الخسران بمقاييس المادة و الماديات و حسب. فلا يمكنه أن يفهم الموت إلا على أنه ضياع و خيبة؛ لأنه يراه عدما و فناء، و خسارة وجود، و نهاية حياة.
أما الإنسان المسلم القرآني؛ فهو يرى في الموت أمرا آخر، و معنى يختلف كليا عن هذا المعنى، و ذلك من خلال التعليم القرآني، الذي هو المصدر الأصفى، و الأدق و الأوفى، ثم التربية النبوية الرائدة، و توجيهات الأئمة و الأوصياء «صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين» .
و لا نريد أن نفيض في ذكر الآيات و الروايات التي تعرضت لحقيقة
1) ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق ج 3 ص 303 تحقيق المحمودي و مقتل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن أبي الدنيا، مطبوع في مجلة تراثنا السنة الثالثة عدد 3 ص 96.
الموت، و بينت موقعه في مسيرة الإنسان و مصيره، و إنما نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:
1-قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفُورُ (1).
2-عن الإمام الحسين «عليه السلام» ؛ في خطبة له في مكة، قبل أن يخرج إلى العراق: خط الموت على ولد آدم، مخط القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهني إلى أسلا في اشتياق يعقوب إلى يوسف (2).
3-و في رواية عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، و يقلع منابت الغفلة، و يقوي القلب بمواعد اللّه، و يرق الطبع، و يكسر أعلام الهوى، و يطفئ نار الحرص» (3).
4-عن الصادق «عليه السلام» : «إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا؛ فإن الميت هو الكافر» (4).
و الآيات و الروايات حول الموت و الحياة كثيرة، فيها الإشارات و الدلائل الجمة إلى كثير من الأمور الهامة و الخطيرة، و نحن نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:
ألف: بالنسبة للآية الكريمة نقول: إننا نلاحظ أنها قدمت ذكر الموت على ذكر الحياة «الموت و الحياة» .
كما أنها صرحت: بأن الموت مخلوق للّه سبحانه، كما أن الحياة مخلوقة له تعالى.
إذا فللموت دوره كما هو للحياة، و ليس هو مجرد فناء و عدم، يظهر معناه و مغزاه من خلال ظهور المعنى المقابل له.
ثم صرحت الآية: بأن السر في خلق هذين العنصرين هو وضع الإنسان على المحك في سوقه نحو الأفضل و الأحسن، و الأكمل، الأمر الذي يفيد: أن لهما دورا في بناء شخصية الإنسان و تكامله.
و ذلك يعني: أنهما مرحلتان يتجاوزهما الإنسان، و لا يتوقف عندهما في مسيرته الظافرة نحو الحياة الحقيقية وَ إِنَّ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوٰانُ (1)، حيث إن بها يبلغ الإنسان مرحلة كماله، و فيها تتساقط الحجب المادية المانعة من الإحساس بالأمور إحساسا واقعيا و حقيقيا و عميقا.
ب: إن الكلمة المروية عن الإمام الحسين «عليه السلام» قد اعتبرت أن الموت بمثابة قلادة على جيد الفتاة، و معنى ذلك هو: أن الموت هو زينة للحياة و يزيد في بهجتها، و يعطيها رونقا، و بهاء و جمالا، و بدونه تكون باهتة خافتة تماما كما هو الحال بالنسبة للقلادة التي تزيد في بهجة و بهاء و جمال الفتاة، و توجب انشداد الأنظار إليها، و تعلق النفوس بها.
و لأجل هذا المعنى جعلها على جيد «فتاة» و ليس «المرأة» . فإن الفتاة هي التي تميل إليها نفوس الطالبين، و تكون موضعا لتنافس المتنافسين.
كما أننا نلاحظ: أنه لم يستعمل كلمة «عنق» هنا و إنما اختار كلمة
1) الآية 64 من سورة العنكبوت.
«جيد» الذي هو من الجودة، و هو تعبير مريح للنفس أيضا، و مثير لكثير من المعاني اللذيذة في أعماقها.
فالموت زينة الحياة، و بهجتها، حينما يثير في الإنسان طموحه إلى ما هو أبعد و أوسع و أعلى و أغلى، و يشد روحه و عقله إلى الآفاق الرحبة، و ملاحقة أسرار الكون و خفاياه، و حقائقه و دقائقه و مزاياه، من أجل أن يسخّر كل ما في الوجود و يستفيد من كل ما تصل إليه يده في مجال إبعاد الشفاء و العناء، و مساعدته على بلوغه مدارج الكمال، و وصوله إلى أهدافه السامية، و تحقيقه مثله العليا، الأمر الذي يحتم عليه التزام الفضائل، و التعالي عن الموبقات و الرذائل.
بالإضافة إلى أن حقيقة الموت، و إدراكها بعمق يمنح هذا الإنسان القدرة على الوقوف في وجه شهواته و يهيمن عليها، لأنه يعطي الحياة الدنيا قيمتها الحقيقية، و يمكّن الإنسان من أن يفهمها بعمق، و يعرف مدى واقعيتها.
حتى ليرى الإنسان المؤمن: أن الموت في بداية الحياة الحقيقية، و أن الخروج من هذه الدنيا المحفوفة بالمخاطر هو السبيل للسلامة من دواعي و طغيان الشهوات، و الراحة من مكافحة النفس الأمارة بالسوء.
فالموت إذا، هو بداية الراحة، و الخير، و الفوز.
و به تتساقط الحجب و تزول الموانع عن الإحساس الحقيقي بالوجود، و الوصول إلى كنه الحقائق.
و هو يمكّن الإنسان من أن يملك نفسه، و يستفيد من وجوده و طاقاته بصورة كاملة.
و لأجل ذلك، فقد كان الموت للإنسان المؤمن أحلى من العسل (1).
و وصف الحسين «عليه السلام» أصحابه فقال: «يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه» (2).
و قال أمير المؤمنين «عليه السلام» : و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه (3).
كما أن الموت يصبح خروجا من سجن قاس و مرهق، فإن الدنيا سجن المؤمن، و القبر حصنه و الجنة مأواه (4). و ما أحلى أن يحصل الإنسان على حريته، و يكون هو سيد نفسه و يواصل انطلاقته نحو اللّه، و يسرح في رحاب ملكوته. وَ إِنَّ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ (5).
أما الكافر فهو يرى الموت فناء و عدما، و ضياعا، فهو كارثة حقيقية بالنسبة إليه، و خسران لنعيم الدنيا، و الدنيا هي جنة الكافر و القبر سجنه، و النار مأواه، حسبما جاء في الحديث الشريف (6).
و بكلمة. . إن الموت هو سر الحياة، و هو يعطي للحياة معناها و قيمتها، و هو سرّ الطموح، و الحركة و البناء، و العمل الهادف المنتج، و هو سر سعي الإنسان نحو كماله و نحو ربه: يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً
فَمُلاٰقِيهِ (1).
و بالموت تتساقط الحجب و الموانع التي تقلل من قدرة الإنسان على الإحساس بالواقع، لأنه إنما يتصل بالواقع عن طريق الحواس المادية، التي لا تسمح بالإحساس بالواقع إلا في مستوى التخيل و التصوير، و لا توصل إلى كنه الحقائق، و الاتصال بأسرار الكون و الحياة.
هذا بالإضافة إلى أن المعاصي تزيد من طغيان الجسد، و ضعف القدرات الروحية، فيتضاءل إحساسه بالحقائق، و يتقاصر فهمه عنها، و لا يعود قادرا على التعامل معها بعمق ذاته و وجوده، و بكنه مواهبه الإلهية.
و كل ما تقدم يفهمنا بعض ما يرمي إليه الحديث الوارد عن الإمام الصادق «عليه السلام» و المتقدم برقم (3) ، و لعل جانبا مما يرمز إليه الحديث رقم (4) اتضح أيضا.
ج: و لكننا نزيد في توضيح خلق الموت هنا، فنقول: إنه إذا كان الموت انتقالا من نشأة إلى نشأة، و تصرفا في الصورة و الشكل، مع بقاء المضمون و الحقيقة و الماهية على ما هي عليه، فإن خضوع الموت لعملية الخلق يصبح بمثابة من الوضوح، لأن الخلق يختزن هذا المعنى أيضا، و يشهد لذلك قوله تعالى: مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ أي وجدت فيها الأشكال و الصور البدائية للإنسان، وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (2)أي لم يوجد فيها ذلك.
و قال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمٰاتٍ
ثَلاٰثٍ (1).
د: بقي أن نشير إلى أن الحكم على الكافر بالموت في الآخرة، إنما هو بملاحظة: أن نفسه و روحه لن تكون قادرة على نيل درجات القرب، و السير في رحاب ملكوت اللّه سبحانه، و الإحساس بعظيم جلاله، و القرب من ساحة قدسه بل يكون الكافر في ظلمات الجحيم، يأتيه الموت من كل مكان، و ما هو بميت، محجوب عن اللّه، و عن رحمته، مشغول بنفسه و آلامه، عن كل شيء آخر.
ه: و بعد. . فإننا بملاحظة بعض ما تقدم نستطيع أن نفهم كيف يكون المؤمنون شهداء على الناس، و أن ندرك بعمق معنى الشهيد و الشهادة.
فإنها من الشهود، الذي هو الوصول إلى الواقع و ملامسته، مع إدراك و وعي له، و إحساس واقعي و وجداني به، ثم معرفة قيمته و حقيقته على ما هو عليه في نفس الأمر.
و من هنا نعرف: أن الشهود يزيد عن الحضور، فإن الإنسان قد يكون حاضرا لحدث ما، و لكنه ليس شاهدا له إذا لم يدركه بعمق راسخ، تشارك فيه قوى الإدراك الباطنية الظاهرية في الوصول و الحصول.
و بما أن الشهادة هي الوصول إلى الحقيقة، مع إدراك و إحساس واقعي بها، بسبب تساقط الحجب، و زوال الموانع المادية، فيستطيع الإنسان حينئذ أن يدرك واقع الحياة و سر الوجود، و حقائقه.
فإنها لا يمكن-يعني الشهادة-أن ينالها الكافر، لأنه محجوب بذنوبه،
1) الآية 6 من سورة الزمر.
و بأعماله، و تكون حياته موتا، أما موته فلا يؤهله إلا لمواجهة مصيره الأسود، حيث تحف به ملائكة العذاب، و تحتوشه زبانية جهنم، و يبقى محجوبا عن ساحة القدس الإلهية، و عن الانطلاق في رحابها، و نيل بركاتها.
كما أن هذه الشهادة تحتاج إلى تربية إلهية، و رعاية ملكوتية، تمنحه المعرفة الحقيقية، و الرؤية الصادقة، و تربية سلوكيا و عاطفيا، و تصفي و تزكي نفسه و روحه، و عمله، و كل وجوده؛ ليكون إنسانا إلهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
نعم، و هذا ما يفسر لنا قوله تعالى: وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدٰاءَ (1).
فإن اللّه هو الذي يربيهم، و يزكيهم، و يؤهلهم لتلقي المعارف، و يكشف عن أبصارهم و بصائرهم ليصلوا إلى درجة الشهود و الخلود، في مقعد صدق عند مليك مقتدر (2).
وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (3).
أما الكفار، ف: لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ (4).
و خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ (5).
و فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ (1).
و: و عملية الجهاد الأكبر ما هي إلا بذل الجهد من أجل الوصول إلى حالة الشهود هذه؛ ليكون الجهاد الأصغر انعكاسا طبيعيا لدرجة الشهود التي يصل إليها الإنسان، و لمدى إدراكه لحقيقة الكون، و الحياة، و إحساسه باللّه سبحانه، و بألطافه، و الحصول على بركاته.
و لأجل ذلك، فقد كان الجهاد بابا من أبواب الجنة، لا يستطيع كل أحد و لوجه و الدخول فيه، بل فتحه اللّه لخاصة أوليائه و ليس كل أوليائه، فهؤلاء الخاصة وحدهم الذين يمكنهم الجهاد، و يستحقون لقب «مجاهد» و يمكنهم أن ينالوا درجة الشهادة، و يكونوا شهداء.
قال علي «عليه السلام» : الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه (2).
و يلاحظ هنا كلمة: «خاصة أوليائه» أي و ليس كلهم.
أما الآخرون، فإنهم لا يستطيعون ذلك، و إن كان يمكن لكل واحد أن يقاتل، و أن يصبح قتيلا.
و بعد كل ما قدمناه، فإننا نفهم بعمق ما جاء على لسان ذلك الرجل «ما فاز؟ ! أليس قد قتلت الرجل» .
ثم نفهم بعمق أيضا قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : فزت و رب الكعبة.
الفصل الأول: النصوص و الآثار الفصل الثاني: قبل أن تدق الطبول الفصل الثالث: القرار و الحصار الفصل الرابع: الجزاء الأوفى الفصل الخامس: كي لا يكون دولة بين الأغنياء الفصل السادس: أراضي بني النضير و الكيد السياسي
هناك بعض الأحداث الهامة، و المواقف الحساسة، التي تحمل في طياتها الكثير من العبر و العظات، و تترك لها آثارا بارزة على منحى و عمق الفكر الإنساني، و الرسالي، و على الفهم الدقيق للمسار العام في خط الرسالة. .
هذا عدا عن التأثير الظاهر لها في البنية العقائدية، و في اللاشعور، و الشعور الوجداني المهيمن على الموقف، و الحركة، و السلوك للإنسان في مختلف مراحله و أدواره، و في كثير من أحواله و أطواره.
و لكن هذه الأحداث و المواقف بالذات، و خصوصا ما كان منها في العهد النبوي الشريف لم تنل قسطها من البحث و التقصي من قبل العلماء و أهل الفكر بل مروا عليها-تقريبا-مرور الكرام، فبدت: و كأنها أمور تافهة و حقيرة، و محدودة و صغيرة، و خيّل إلى الكثيرين: أنها ليس فيها ما ينفع و لا ما يجدي. . فكان طبيعيا أن يبقى الكثير من جوانبها، و حقائقها، و ظروفها و ملابساتها رهن الإبهام، و الإهمال، و كأنها ليست حقيقة ثابتة، و إنما هي محض و هم أو خيال.
و لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن غزوة بني النضير كانت واحدة من هذه الأحداث، التي لها هذه الحالة التي أشير إليها، فهي حدث فريد و متميز، لا
يقل في أهميته عن أي من الأحداث الكبرى في العهد النبوي الشريف. .
و يتضح ذلك بصورة أجلى و أتم من خلال دراستنا لكثير من النصوص و الآثار التي وردت في هذه الواقعة. .
و لا أدل على ذلك من أنهم يقولون: إن سورة الحشر-بتمامها-قد نزلت في هذه المناسبة. . و هذا يبرهن على الأهمية البالغة لهذه الواقعة، و على أنها كانت تمثل تحولا كبيرا و إيجابيا، في مسيرة العمل و العاملين في سبيل اللّه سبحانه من جهة. . كما أنها تعتبر-من الجهة الأخرى-ضربة قاسية و قاصمة لأعداء اللّه، و أعداء دينه من الكافرين. .
فقد كان اليهود-الذين كان بنو النضير أقواهم شوكة، و أشدهم شكيمة، و أعزهم عزة-يعيشون في قلب الدولة الإسلامية، و حيث كان بإمكانهم الاطلاع على أدق دقائقها، و على حقائق خفاياها و نواياها، ثم الوقوف على المستوى الحقيقي و الدقيق لما تملكه من قدرات و إمكانات مادية و معنوية. . و على كل الواقع الذي كان قائما في داخل المجتمع الإسلامي، سواء على مستوى العلاقات و الارتباطات فيما بين فئات ذلك المجتمع، أو سائر المجالات، و مختلف المواقع.
كما أنهم-أعني اليهود-كانوا يملكون أذرعة ظاهرة و خفية، ممتدة هنا و هناك، و في عمق المجتمع الإسلامي الجديد، حتى على مستوى بعض القيادات فيه، و التي كانت تساهم بشكل فعال في صنع القرار، أو في عرقلته و تعطيله. ثم إن لليهود الهيمنة الروحية و الثقافية و العلمية على الأكثرية الساحقة، التي يفترض فيها: أن تكون القاعدة الصلبة، و القوية، التي تعتمد عليها تلك القيادة في تنفيذ القرار، ، و في فعاليته، و قوة تأثيره، ثم في
الحفاظ عليه و حمايته على المدى القريب أو البعيد على حد سواء. .
هذا. . و علينا أن لا ننسى أن اليهود كانوا يملكون قوة كبيرة في حساب الثروات و الأموال. .
و يكفي أن نذكر: أنهم كانوا يملكون من (الحلي) الشيء الكثير، قال بعضهم: إنهم كانوا يعيرونه للعرب من أهل مكة و غيرهم. و كان يكون عند آل أبي الحقيق (1).
و سيأتي في غزوة خيبر: أن آل أبي الحقيق قد قتلوا بسبب ذلك الحلي كما ذكر ذلك غيره أيضا (2).
هذا. . بالإضافة إلى ما كان لليهود من ديون على الناس، قد بلغت حدا جعلهم يجدون فيها حائلا دون تسهيل أمر رحيلهم، لو لا أن تصدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحل هذا المشكل بالصورة التي لم يبق لهم معها أي خيار، حينما أمرهم بالوضع (أي حذف بعض المال) و بالتعجيل في الآجال (3).
و علينا أن لا ننسى: أن هذه الضربة القاسية و القاصمة التي تلقاها اليهود عامة، و بنو النضير بصورة أخص، إنما تمثل إضعافا لواحد من أهم مصادر القوة و التحدي لدى أعداء الإسلام و المسلمين، و لا سيما بالنسبة إلى المشركين، و كل من يتعاطف معهم من القبائل و الطوائف في المنطقة العربية، حيث خسروا واحدا من أهم حلفائهم، و ذوي القوة و النفوذ فيهم.
و قد نجد فيما يأتي من فصول إلماحة أو أكثر إلى هذا الأمر، و إلى غيره من أمور فرض علينا البحث التذكير بها، و الإلماح إليها.
و لذا. . فإننا سوف نكتفي هنا بهذا القدر، و نبدأ-بحول اللّه و قوته- بالحديث عن غزوة بني النضير، حسبما يتهيأ لنا في نطاق مراعاة نسق الكتاب و مستواه، و كثير من الأمور الأخرى التي لا بد لنا من مراعاتها، فيما يرتبط بمقتضيات البحث بصورة عامة. .
فنقول. . و من اللّه نستمد الحول و القوة، و منه نطلب التوفيق و التسديد:
إننا نذكر في البداية نصا لهذه الغزوة، نختاره مما هو بحوزتنا من نصوص، و سوف يكون هذه المرة لابن كثير في سيرته، و في بدايته و نهايته، مع حذف بعض ما رأينا من المناسب حذفه. . ثم نشير في نهاية النص إلى جانب من المصادر و المراجع، التي يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص هذه الغزوة.
فنقول:
قال ابن كثير: عن سورة الحشر في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بني النضير.
و حكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد.
و قد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن عبد اللّه بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به.
و هكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبد اللّه بن
جعفر الرقي، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري، فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة اثنتين.
قال: ثم غزا بني النضير، ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع.
و قال البيهقي: و قد كان الزهري يقول: هي قبل أحد.
قال: و ذهب آخرون إلى أنها بعدها، و بعد بئر معونة أيضا.
قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم، فإنه بعد ذكره بئر معونة و رجوع عمرو بن أمية و قتله ذينك الرجلين من بني عامر، و لم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لهذا قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» .
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للعهد الذي كان «صلى اللّه عليه و آله» أعطاهما، و كان بين بني النضير و بين بني عامر عهد و حلف، فلما أتاهم «صلى اللّه عليه و آله» قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت.
ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه-و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة و يريحنا منه.
فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر و عمر و علي، فأتى رسول اللّه الخبر من السماء بما أراد
القوم، فقام و خرج راجعا إلى المدينة.
فلما استلبث النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
قال الواقدي: فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره و بلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم و يحرضونهم على المقام و يعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، و حمي حيي بن أخطب، و بعثوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنهم لا يخرجون، و نابذوه بنقض العهود. فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم.
قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشرة ليلة.
و قال ابن إسحاق: و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالتهيؤ لحربهم و المسير إليهم.
قال ابن هشام: و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، و ذلك في شهر ربيع الأول.
قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، و نزل تحريم الخمر حينئذ، و تحصنوا في الحصون، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقطع النخيل و التحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد و تعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل و تحريقها؟
قال: و قد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد اللّه بن أبي، و وديعة، و مالك، و سويد، و داعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا و تمنعوا،
فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم و إن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، و قذف اللّه في قلوبهم الرعب فسألوا رسول اللّه أن يجليهم و يكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.
و قال العوفي: عن ابن عباس، أعطى كل ثلاثة بعيرا يعتقبونه (و) وسقا (1). رواه البيهقي.
و روى: من طريق يعقوب بن محمد، عن الزهري، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة، أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثه إلى بني النضير و أمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال.
و روى البيهقي و غيره: أنه كانت لهم ديون مؤجلة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ضعوا و تعجلوا.
و في صحته نظر، و اللّه أعلم.
قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف (2)بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، و منهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلاّم بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق و حيي بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدث: أنهم استقبلوا بالنساء و الأبناء
و الأموال، معهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم بزهاء و فخر، ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم.
قال: و خلوا الأموال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يعني النخيل و المزارع، فكانت له خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف و أبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، و أضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصمة. حكاه السهيلي.
قال ابن إسحاق: و لم يسلم من بني النضير إلا رجلان و هما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش و أبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.
قال ابن إسحاق: و قد حدثني بعض آل يامين أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك و ما همّ به من شأني؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله لعنه اللّه.
قال ابن إسحاق: فأنزل اللّه فيهم سورة الحشر بكاملها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته، و ما سلط عليهم به رسوله، و ما عمل به فيهم.
إلى أن قال ابن كثير: فأسرهم بالمحاصرة بجنوده و نفسه الشريفة ست ليال، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا و صالحوا على حقن دمائهم و أن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم، على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح إهانة لهم و احتقارا، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
إلى أن قال: و قد روى البخاري و مسلم جميعا عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حرق نخل بني النضير و قطع، و هي البويرة، فأنزل اللّه: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا
قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ (1).
و عند البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حرق نخل بني النضير و قطع، و هي البويرة، و لها يقول حسان بن ثابت:
و هان على سراة بن لؤيحريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:
أدام اللّه ذلك من صنيعو حرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بسترو تعلم أي أرضينا نضير
قال ابن إسحاق: و قال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير و قتل كعب بن الأشرف فاللّه أعلم:
لقد خزيت بغدرتها الحبور (2)كذاك الدهر ذو صرف يدور
و ذلك أنهم كفروا بربعظيم أمره أمر كبير
و قد أوتوا معا فهما و علماو جاءهم من اللّه النذير
نذير صادق أدى كتاباو آيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدقو أنت بمنكر منا جدير
فقال: بلى لقد أديت حقايصدقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشدو من يكفر به يخز الكفور
فلما أشربوا غدرا و كفراو جدّ بهم عن الحق النفور
أرى اللّه النبي برأي صدقو كان اللّه يحكم لا يجور
فأيده و سلطه عليهمو كان نصيره نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعافذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم و قد علتهبأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلاإلى كعب أخا كعب يسير
فما كره فأنزله بمكرو محمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النضير بدار سوءأبارهم بما اجترموا المبير (1)
غداة أتاهم في الزحف رهوا (2)رسول اللّه و هو بهم بصير
و غسان الحماة مؤازروهعلى الأعداء و هو لهم وزير
فقال السلم و يحكم فصدواو خالف أمرهم كذب و زور
فذاقوا غب أمرهم و بالالكل ثلاثة منهم بعير
و أجلوا عامدين لقينقاعو غودر منهم نخل و دور
و قد ذكر ابن إسحاق جوابها لسمال اليهودي، فتركناه قصدا.
قال ابن إسحاق: و كان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، و يقال: قالها قيس بن بحر بن طريف الأشجعي:
أهلي فداء لامرئ غير هالكأحل اليهود بالحسي المزنم (1)
يقيلون في جمر العضاة و بدلواأهيضب عودا بالودي المكمم (2)
فإن يك ظني صادقا بمحمدتروا خيله بين الصلا و يرمرم (3)
يؤم بها عمرو بن بهثة إنهمعدو و ما حي صديق كمحرم
عليهن أبطال مساعير في الوغىيهرون أطراف الوشيج المقوم (4)
و كل رقيق الشفرتين مهندتوورثن من أزمال عاد و جرهم
فمن مبلغ عني قريشا رسالةفهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاهم فاعلمن محمداتليد الندى بين الحجون و زمزم
فدينوا له بالحق تجسم أموركمو تسمو من الدنيا إلى كل معظم
نبي تلاقته من اللّه رحمةو لا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمري عسيرةلكم يا قريش و القليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامداإليكم مطيعا للعظيم المكرم
1) الحسي: ما يحسى من الطعام. و المزنم: الرجل يكون في القوم ليس منهم، يريد: أحلهم بأرض غربة في غير عشائرهم، و انظر الروض الأنف ج 2 ص 177.
2) جمر: الأصل خمر. و ما أثبته من ابن هشام، و العضاة: شجر، و أهيضب: مكان مرتفع، و الودي: صغار النخل، و المكمم: الذي خرج كمامه.
3) الصلا: موضع، و يرمرم: جبل.
4) الوشيج: شجر الرّماح.
معانا بروح القدس ينكى عدوهرسولا من الرحمن حقا لم يتلعم
رسولا من الرحمن يتلو كتابهفلما أنار الحق لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كل موطنعلوا لأمر حمه اللّه محكم
قال ابن إسحاق: و قال علي بن أبي طالب، و قال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، و لم أر أحدا يعرفها لعلي:
عرفت و من يعتدل يعرفو أيقنت حقا و لم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء منلدى اللّه ذي الرأفة الأرأف
رسائل تدرس في المؤمنينبهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزاعزيز المقامة و الموقف
فيا أيها الموعدوه سفاهاو لم يأت جورا و لم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذابو ما آمن اللّه كالأخوف
و أن تصرعوا تحت أسيافهكمصرع كعب أبي الأشرف
غداة رأى اللّه طغيانهو أعرض كالجمل الأجنف
فأنزل جبريل في قتلهبوحي إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا لهبأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولاتمتى ينع كعب لها تذرف
و قلن لأحمد ذرنا قليلافإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوادحورا على رغم الآنف
و أجلى النضير إلى غربةو كانوا بدار ذوى أخرف
إلى أذرعات ردافا و همعلى كل ذي ذمر أعجف
و تركنا جوابها أيضا من سمال اليهودي قصدا.
ثم ذكر تعالى حكم الفيء، و أنه حكم بأموال بني النضير لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ملكها له، فوضعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيث أراه اللّه تعالى.
كما ثبت في الصحيحين، عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاصة، فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع و السلاح عدة في سبيل اللّه.
إلى أن قال:
قال الإمام أحمد: حدثنا عارم و عفان، قالا: حدثنا معتمر: سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء اللّه، حتى فتحت عليه قريظة و النضير، قال: فجعل يرد بعد ذلك.
قال: و إن أهلي أمروني أن آتي نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسأله الذي كان أهله أعطوه، أو بعضه، و كان نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه أم أيمن أو كما شاء اللّه.
قال: فسألت النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي و جعلت تقول: كلا و اللّه الذي لا إله إلا هو لا أعطيكهن و قد أعطانيهن أو كما قالت.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لك كذا و كذا.
و تقول: كلا و اللّه.
قال: و يقول لك كذا و كذا، و تقول: كلا و اللّه.
قال: و يقول لك كذا و كذا، حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله، أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به. ثم ذكر ابن كثير و غيره:
حين مر على ديار بني النضير و قد صارت بعدها ليس بها داع و لا مجيب، و قد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام و أظهر صفة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من التوراة.
قال الواقدي: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابها و فكر، ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم، فاجتمعوا.
فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل؟ . و كان لا يفارق الكنيسة و كان يتأله في اليهودية.
قال: رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز و الجلد، و الشرف الفاضل، و العقل البارع، قد تركوا أموالهم، و ملكها غيرهم، و خرجوا خروج ذل، و لا و التوراة ما سلط هذا على قوم قط للّه بهم حاجة، و قد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزهم ثم بيّته في بيته آمنا، و أوقع بابن سنينة سيدهم، و أوقع ببني قينقاع فأجلاهم و هم أهل جد يهود، و كانوا أهل عدة و سلاح و نجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان
منهم رأسه حتى سباهم.
و كلهم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب. يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني و تعالوا نتبع محمدا، و اللّه إنكم لتعلمون أنه نبي قد بشرنا به و بأمره ابن الهيبان أبو عمير و ابن حراش، و هما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه و أمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس و أمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما و دفناهما بحرتنا هذه.
فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم. ثم أعاد هذا الكلام و نحوه، و خوفهم بالحرب و السباء و الجلاء، فقال الزبير بن باطا: قد و التوراة قرأت صفته في كتاب باطا، التوراة التي نزلت على موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا.
قال: فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال: أنت يا كعب.
قال كعب: فلم؟ و التوراة ما حلت بينك و بينه قط.
قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا و عقدنا فإن اتّبعته اتّبعناه و إن أبيت أبينا.
فأقبل عمرو بن سعدى على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال عمرو: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا! رواه البيهقي (1).
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145-156 و البداية و النهاية ج 4 ص 74-81 و النصوص المتقدمة موجودة-كلا أو بعضا-في المصادر التالية: الثقات ج 1 ص 240-243 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و فتوح البلدان قسم 1 ص 18-22 و الوفاء ص 689-213 و التنبيه و الإشراف ص 213 و البدء و التاريخ ج 4 ص 212 و 213 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 422- 431 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460-463 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 و 197 و مجمع البيان ج 9 ص 257-262 و البحار ج 20 ص 157-173 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و 360 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 197 و 198 و 119-123 و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 173 و 174 و حياة الصحابة ج 2 ص 397 و 398 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 199-212 و بهجة المحافل ج 1 ص 213 و شرحه بهامشه، نفس الصفحات و المصنف للصنعاني ج 5 ص 357- 361 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260-263 و أنساب الأشراف قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 1 ص 339 و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 2 ص 550-555 و لباب التأويل ج 4 ص 244 فما بعدها، و مدارك التنزيل بهامشه، نفس الجزء و الصفحة، و تفسير جامع البيان ج 28 ص 19 فما بعدها، و غرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 29 فما بعدها و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 فما بعدها و فتح القدير ج 5 ص 195 فما بعدها و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 فما بعدها و أسباب النزول ص 236-239 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1764 فما بعدها و التفسير الكبير ج 29 ص 278 فما بعدها و زاد المعاد ج 2 ص 110 و 71 و 72 و كذلك في ج 4 ص 498 فما بعدها و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و جوامع الجامع ص 486-488 و تفسير الصافي ج 5 ص 153 فما بعدها و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و الدر المنثور ج 6 ص 187-202 و حبيب السير ج 1 ص 355-356 و مغازي الواقدي ج 1 ص 365-383 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263-270 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 330-344 و عمدة القاري ج 12 ص 43 و ج 17 ص 125 فما بعدها.
و النضير اسم جبل نزلوا به، فسموا باسمه (1).
يقول اليعقوبي، بعد أن ذكر إنذار النبي «صلى اللّه عليه و آله» إياهم بالخروج من ديارهم و أموالهم، فلم يمتثلوا استنادا لوعود ابن أبي و المنافقين: «. . فسار إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد العصر، فقاتلهم، فقتل منهم جماعة، و خذلهم عبد اللّه بن أبي و أصحابه، فلما رأوا: أنه لا قوة لهم على حرب رسول اللّه طلبوا الصلح، فصالحهم على أن يخرجوا من بلادهم و لهم ما حملت الإبل، من خرتي (2)متاعهم. لا يخرجون معهم بذهب، و لا فضة، و لا سلاح» (3).
و قال ابن الجوزي: «فقاموا على حصنهم يضربون بالنبل و الحجارة» (4).
و عند البعض: أنه لما جاء يستعينهم: «هموا بالغدر به، و خرجوا يجمعون الرجال و السلاح» (5).
و سيأتي-حين الحديث عن خراب بيوتهم-ما يدل على ذلك أيضا. .
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49.
2) الخرتي: أردأ المتاع، راجع: لسان العرب ج 2 ص 145.
3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49.
4) الوفاء ص 689 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و سيرة مغلطاي ص 53 و البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني و غيره و زاد المعاد ج 2 ص 71 و مغازي الواقدي ج 1 ص 371 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
5) البدء و التاريخ ج 4 ص 212.
و بعد أن ذكر الواقدي قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحصارهم، قال:
«. . و جعلوا يرمون ذلك اليوم بالنبل و الحجارة، حتى أظلموا، و جعل أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقدمون من كان تخلف في حاجته، حتى تتاموا عند صلاة العشاء. فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدرع، و هو على فرس، و قد استعمل عليا على العسكر، و يقال: أبا بكر.
و بات المسلمون يحاصرونهم، يكبرون حتى أصبحوا.
ثم أذن بلال بالمدينة، فغدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم» (1).
و سيأتي عن قريب: أن بعض النصوص تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حصرهم، و طلب منهم: أن يعطوه عهدا، فأبوا. فقاتلهم يومهم ذاك، ثم غدا على بني قريظة، و دعاهم إلى أن يعاهدوه، ففعلوا، فغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء.
و إنما قاتلهم لأنه كان بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد و مدة، فنقضوا عهدهم (2).
قال السمهودي بعد ذكره رواية ابن إسحاق: «و أصح منه ما رواه ابن
مردويه، بسند صحيح: أنهم أجمعوا على الغدر، فبعثوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، و يلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك.
فاشتمل اليهود الثلاثه على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم، فرجع و صبحهم بالكتائب. فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة، فحاصرهم فعاهدوه. فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء الخ. .» (1).
و في بعض النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أجلهم عشرا-أو ثلاث ليال-فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا أياما يتجهزون، و أرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر، و تكاروا من أشجع إبلا، فأرسل إليهم ابن أبي: أن
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 398 و حياة الصحابة ج 1 ص 296 و 297 و فتح الباري ج 7 ص 255 و قال الكاندهلوي: و أخرجه أيضا أبو داود من طريق عبد الرازق عن معمر بطوله مع زيادة، و عبد الرزاق، و ابن المنذر و البيهقي في الدلائل كما في بذل المجهود ج 4 ص 124 عن الدر المنثور. و عن عبد بن حميد في تفسيره و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 214 و المصنف ج 5 ص 359 و تفسير لباب التأويل ج 4 ص 244 و أسباب النزول ص 237 و الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرازق، و عبد بن حميد، و أبي داود، و ابن المنذر و البيهقي في الدلائل و السيرة الحلبية ج 2 ص 264 و 263 و تفسير القمي ج 2 ص 359.
معه ألفين من قومه، و غيرهم من العرب، يدخلون معهم حصنهم، و يموتون عن آخرهم، و تمدهم قريظة، و حلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي بن أخطب الخ. . (1).
و تذكر بعض النصوص: أنهم حين حاصرهم «صلى اللّه عليه و آله» و قطع نخلهم، قالوا: نحن نخرج من بلادك. .
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا أقبله اليوم. و لكن اخرجوا منها، و لكم دماؤكم، و ما حملت الإبل، إلا الحلقة، فنزلت يهود على ذلك. و كان حاصرهم خمسة عشر يوما. .
إلى أن قال: و تحملوا على ستمائة بعير (2).
و نلاحظ هنا: اختلاف النصوص في مدة الحصار، من خمسة عشر يوما حسبما أشير إليه آنفا. . إلى: ست ليال (3).
1) راجع على سبيل المثال: طبقات ابن سعد ج 2 ص 57.
2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و عمدة القاري ج 17 ص 126 و حول حصرهم خمسة عشر يوما، راجع: الوفاء ص 690 و التنبيه و الإشراف ص 213 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 429 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و سيرة مغلطاي ص 53 و البحار ج 20 ص 165 و 166 عن الكازروني و غيره، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 553 و أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ص 339.
3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 59 و البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن سيرة ابن هشام، و عن الوفاء، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 198 و وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3-
و قيل: خمسا و عشرين (1).
أو ثلاثا و عشرين و فيها نزلت صلاة الخوف (2).
أو نيفا و عشرين (3).
أو قريبا من عشرين (4).
أو عشرين (5).
أو إحدى و عشرين (6).
و من جهة أخرى روي عن بعض أهل العلم: أن بني النضير قد ألقوا الحجر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذه جبرئيل (7).
(3) -ص 220 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و حبيب السير ج 1 ص 355 و المغازي للواقدي ج 1 ص 394 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332.
1) عمدة القاري ج 17 ص 126 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
2) عمدة القاري ج 17 ص 126 و الجامع للقيرواني ص 278 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.
4) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 261.
5) السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
6) البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني و غيره و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و بهجة المحافل ج 1 ص 214 و الكشاف ج 4 ص 498 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل بهامش لباب التأويل ج 4 ص 244.
7) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 423.
و في نص آخر: أنه لما أشرف حامل الصخرة بها أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» جبرائيل بالأمر (1).
و كان الذين ذهبوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير، لا يبلغون عشرة، و هم: أبو بكر، و عمر، و علي، و طلحة، و الزبير، و سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير، و سعد بن عبادة (2).
و في رواية: لما رأوا قلة أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» قالوا: «نقتله، و نأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش» (3).
«و لزم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الدرع فبات فيه» (4).
«و كان سعد بن عبادة يحمل التمر إلى المسلمين» (5).
و لم يغثهم أحد، و لم يقدر ابن أبي أن يصنع شيئا، فجهدهم الحصار، و ضاقت عليهم الأحوال. فأرسلوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقبولهم الجلاء (6).
و بعد حصارهم، و قطع نخلهم قالوا: «يا محمد نخرج من بلادك، و أعطنا مالنا، فقال: لا، و لكن تخرجون و لكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا
1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 365.
2) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و المغازي ج 1 ص 364 و عمدة القاري ج 17 ص 125 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260.
3) السيرة الحلبية ج 2 ص 263.
4) مغازي الواقدي ج 1 ص 372.
5) مغازي الواقدي ج 1 ص 372 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
6) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461.
ذلك، فبقوا أياما ثم قالوا: نخرج و لنا ما حملت الإبل، فقال: لا و لكن تخرجون و لا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه. فخرجوا على ذلك» (1).
و كان منهم جماعة من أولاد الأنصار، لأن المرأة من الأنصار كان إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد، تهوده، فلما أجليت بنو النضير، قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، و أنزل اللّه: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (2)، و هي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام، و إلا. . فإكراه الكفار الحربيين سائغ الخ. . (3).
و قد ذكر البعض: أن ابن يامين قد جعل لرجل عشرة دنانير، ليقتل عمرو بن جحاش (4).
1) تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 2 ص 169 و 170 عنه و راجع حول عدم قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم: لباب التأويل ج 4 ص 244-245 و مدارك التنزيل بهامشه نفس الجلد و الصفحة. و غرائب القرآن، مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33-38 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و تفسير الصافي ج 5 ص 155.
2) الآية 256 من سورة البقرة.
3) السيرة الحلبية ج 2 ص 267 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 عن أبي داود و لباب التأويل ج 1 ص 185 و فتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه و البيهقي في السنن و الضياء في المختارة و الدر المنثور ج 1 ص 328 عنهم و عن ابن مندة في غرائب شعبة و عن النحاس في ناسخه و عبد بن حميد و سعيد بن منصور.
4) مغازي الواقدي ج 1 ص 374.
و ذكر البعض: أن المسلمين قد مشوا إلى بني النضير على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين من المدينة، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على حمار فحسب (1)أو على جمل (2).
و كانت منازلهم بناحية الفرع، و ما يقربها، بقرية يقال لها: زهرة (3).
و تذكر النصوص: أنهم حين ائتمروا بإلقاء الصخرة عليه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، و اللّه، ليخبرن بما هممتم به، و إنه لنقض العهد الذي بيننا و بينه (4).
زاد الواقدي: ألا فو اللّه، لو فعلتم الذي تريدون، ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود، و يظهر دينه (5).
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين قام من بين أصحابه،
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و راجع: ص 261 و ذكر المسافة في فتح القدير ج 5 ص 197. و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11.
2) غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 38 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11.
3) و سيأتي توضيح ذلك مع مصادر أخرى إن شاء اللّه تعالى. .
4) الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و زاد المعاد ج 2 ص 71 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و عمدة القاري ج 17 ص 125.
5) مغازي الواقدي ج 1 ص 365.
و أبطأ، و لم يرجع قال كنانة بن صوريا: جاءه و اللّه الخبر الذي هممتم به (1).
و في نص آخر: أنه قال لهم: هل تدرون لم قام محمد؟ !
قالوا: لا و اللّه، ما ندري، و ما تدري أنت!
قال: بلى و التوراة إني لأدري، قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، و اللّه، إنه لرسول اللّه، و ما قام إلا لأنه أخبر بما هممتم به، و إنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله اللّه حيث شاء.
و إن كتبنا، الذي درسنا في التوراة التي لم تغيّر و لم تبدل: أن مولده بمكة، و دار هجرته يثرب، و صفته بعينها لا تخالف حرفا مما في كتابنا، و ما يأتيكم به أولى من محاربته إياكم، و لكأني أنظر إليكم ظاعنين، يتضاغى (2)صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا و أموالكم، و إنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، و الثالثة لا خير فيها.
قالوا: ما هما؟
قال: تسلمون و تدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم، و أولادكم، و تكونون من علية أصحابه، و تبقى بأيديكم أموالكم، و لا تخرجون من دياركم.
قالوا: لا نفارق التوراة، و عهد موسى.
قال: فإنه مرسل إليكم: أخرجوا من بلدي، فقولوا: نعم، فإنه لا
يستحل لكم دما و لا مالا، و تبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، و إن شئتم أمسكتم.
قالوا: أما هذا فنعم.
قال: أما و اللّه إن الأخرى خيرهن لي، قال: أما و اللّه، لولا أني أفضحكم لأسلمت، و لكن و اللّه، لا تعيّر شعثاء بإسلامي أبدا، حتى يصيبني ما أصابكم، و ابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها، فقال: سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها الخ. .» (1).
ثم أرسل إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة و ذكرهم بما كانوا ذكروه له من علامات النبي الموعود، و المنطبقة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و تستمر الرواية إلى أن تذكر رفض حيي بن أخطب مغادرة بلادهم، فقال له سلام بن مشكم:
لا تفعل يا حيي، فو اللّه، إنك لتعلم و نعلم معك: أنه رسول اللّه، و أن صفته عندنا، و إن لم نتبعه، حسدناه حين خرجت النبوة من بني هارون. فتعال، فلنقبل ما أعطانا من الأمن، و نخرج من بلاده. فقد عرفت أنك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثمر جئنا، أو جاءه من جاء منا إلى ثمره. فباعها و صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا. فكأنّا لم نخرج من بلادنا إذا
1) مغازي الواقدي ج 1 ص 365 و 366 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 426-427 و يوجد ملخص عنه في إعلام الورى ص 88 و 89 و البحار ج 20 ص 163- 169 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و تفسير الصافي ج 5 ص 153.
كانت أموالنا بأيدينا الخ. . (1).
و في نص آخر: «فجاء عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة، ليطرحها عليه، فأمسك اللّه يده، و جاء فأخبره، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راجعا إلى المدينة.
ثم دعا عليا، و قال: لا تبرح مقامك. فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوه و لحقوا به» (2).
كانت تلك طائفة من النصوص الواردة حول قضية بني النضير، و قد حان الآن وقت تسجيل ما يفيد و يجدي في الاستفادة منها، أو في التأييد، أو التفنيد لأي منها، فيما سيأتي في الفصل الثاني.
قد تقدمت في الفصل السابق طائفة من النصوص التي تتحدث عن غزوة بني النضير، أو عن بعض ما يتصل بها، و سنجد فيما يلي من مطالب و فصول كثيرا من النصوص التي اقتضى البحث إيرادها، لسبب أو لآخر. .
و حيث إن لنا الكثير من الوقفات و التساؤلات، بل و تراودنا شكوك قوية حول عدد منها، فإننا نشير إلى شيء من ذلك ضمن البحوث التي أوردناها في هذا الفصل و فيما يليه من فصول، فنقول. .
و من اللّه نستمد العون، و منه نطلب التوفيق و التسديد:
إن أول ما يطالعنا في نصوص قضية بني النضير هو:
إن هناك الكثير من الموارد التي اختلفت فيها النصوص و تناقضت بصورة فاحشة و ظاهرة.
و ما دام: أن المهم هو الإلماح إلى أن الواقع لا يمكن أن يكون هو كل ما تضمنته تلك الروايات و المنقولات، و إنما هو واحد، و واحد فقط. . فإننا نكل أمر تقصي هذه الاختلافات إلى القارئ نفسه، إن وجد ضرورة إلى ذلك.
و لأجل ذلك، فنحن نصرف عنان الكلام إلى التركيز على مفاصل أساسية، نجد أنها بحاجة لمزيد من البحث، و الجهد. و إن كنا قد اكتفينا فيها بما يتناسب في حجمه و مستواه مع سائر بحوث الكتاب و فصوله.
و أول ما نبدأ الحديث عنه هنا هو:
قالوا: إن غزوة بني النضير كانت سنة أربع، في شهر ربيع الأول منها، خرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، ثم راح إليهم عشية الثلاثاء.
و قد جعلها ابن إسحاق بعد سرية بئر معونة. و هذا مذكور في معظم المصادر فلا حاجة إلى تعداد مصادره. .
و لكن قال الزهري، و كذا روي عن عروة و عن عائشة: إنها كانت بعد غزوة بدر بستة أشهر (1).
1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 442-444 و ليراجع في قول الزهري وحده، أو منضما إلى غيره المصادر التالية: الروض الأنف ج 3 ص 350 و المواهب اللدنية ج 1 ص 104 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1765 و سيرة مغلطاي ص 53 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و الجامع للقيرواني ص 278 و 279 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و 334 و الأموال ص 15 و وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 و صحيح البخاري ج 3 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 119 و 197 و الدر المنثور ج 6 ص 187 عن البيهقي في الدلائل، و عن ابن مردويه، و عن الحاكم و صححه. و فتح الباري ج 7 ص 253 و 255 و 256 و مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 و 162 عنه و زاد المعاد ج 2 ص 71 و 110 و البداية و النهاية ج 4 ص 74 و عمدة القاري ج 17 ص 126 و بهجة الحافل ج 1 ص 213 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145 كلاهما عن: البخاري، و البيهقي، و تفسير ابن حبان، و المصنف ج 5 ص 357 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و فتح القدير ج 5 ص 198 و فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و مرآة الجنان ج 1 ص 9.
و هو ما جرى عليه البخاري، و ذهب إليه النووي و غيره (1).
أما نحن فنقول:
إن هذا هو الصحيح، و ذلك للأمور التالية:
1-إنهم يقولون: إن أبا سلمة بن عبد الأسد قد استفاد من أرض بني النضير (2).
و من المعلوم: أن أبا سلمة قد مات قبل شهر ربيع الأول سنة أربع،
1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 223-213 و فتح القدير ج 5 ص 205 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 و جوامع الجامع ص 448. و فتح الباري ج 7 ص 255 حيث استغرب من السهيلي ترجيحه قول الزهري و راجع أيضا: وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و صحيح البخاري ج 3 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122-197.
2) الطبقات الكبرى ج 1 ص 58 و المغازي للواقدي ج 1 ص 380. و قالا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه أرضا تسمى «ويلة» . و وفاء الوفاء ج 4 ص 1157 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
و قبل بئر معونة.
و قال ابن حبان، بعد ذكره غزوة بني النضير مباشرة: «ثم رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، ثم بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا سلمة بن عبد الأسد إلى ماء لبني أسد الخ. .» (1).
2-إنهم يقولون: إن الحارث بن الصمة قد استفاد هو الآخر من أراضي بني النضير (2).
مع أنهم يدعون: أن الحارث هذا قد قتل في بئر معونة، فكيف تكون غزوة بني النضير بعدها؟
هذا. . بالإضافة إلى أننا قد قدمنا: أن تاريخ سرية بئر معونة كان قبل السنة الرابعة، فراجع ما ذكرناه هناك.
و جعل قتله في بئر معونة دليلا على ضعف هذا الخبر (3)، ليس بأولى من العكس، أي جعل استفادته من أراضي بني النضير دليلا على عدم صحة
1) الثقات ج 1 ص 243.
2) مجمع البيان ج 9 ص 260 و تاريخ الخميس ج 1 ص 251 عن المدارك، و عن معالم التنزيل و السيرة الحلبية ج 2 ص 269 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جوامع الجامع ص 487 و التفسير الكبير ج 29 ص 285 و الكشاف ج 4 ص 505 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و راجع ص 14 و 24 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1771 و 1772 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و الروض الأنف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق، و بهجة المحافل ج 1 ص 216 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
3) السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
قتله في بئر معونة. و لا أقل من أنه يدل على تقدم غزوة بني النضير على تلك الغزوة التي يقال: إنه قد قتل فيها. و يتأكد ذلك إذا عرفنا أن أحدهما ليس ناظرا إلى الآخر، مع ملاحظة: أنه لا داعي للجعل و الوضع في أي من الموردين، بالنسبة إلى هذا الرجل بخصوصه.
و لنا هنا ملاحظة و هي: أن ابن التين قد قوى أن تكون غزوة بني النضير بعد سرية بئر معونة، و ذلك استنادا إلى دليل لا يصح، و قد ذكرناه مع جوابه في سرية بئر معونة في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع هناك.
3-إنه لا شك في كون غزوة بني النضير قد كانت قبل حرب الخندق بثمانية أشهر في أقل الأقوال.
و قد قوينا: أن تكون الخندق قد حصلت في السنة الرابعة من الهجرة و ليس في السنة الخامسة منها (1)، فتكون غزوة بني النضير قبلها. .
بل إن ابن إسحاق-الذي ذكر: أن إجلاء بني النضير قد كان بعد أحد أي في السنة الرابعة-قد ذكر: أن فتح قريظة كان مرجعه «صلى اللّه عليه و آله» من الأحزاب (أي الخندق) ، و بينهما سنتان (2).
1) راجع كتابنا: حديث الإفك ص 96-106 و الجزء الثامن من هذا الكتاب حين الحديث عن تحرر سلمان المحمدي (الفارسي) من الرق.
2) مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 عنه و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 و راجع أيضا: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121.
فإذا كان بينهما سنتان (و إذا كانت قريظة التي هي بعد الخندق مباشرة) في السنة الرابعة فلا شك في كون غزوة بني النضير قد حصلت في السنة الثانية، بعد بدر مباشرة، لا بعد غزوة أحد.
4-إن بعض النصوص تذكر: أن سبب غزوة بني النضير هو: أن كفار قريش كتبوا-بعد بدر-إلى اليهود يهددونهم، و يأمرونهم بقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجمع حينئذ بنو النضير على الغدر، و أرسلوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك.
ثم تذكر الرواية كيف: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غدا عليهم بالكتائب فحصرهم، و طلب منهم العهد، فقاتلهم يومه ذاك ثم تركهم و غدا إلى بني قريظة، و دعاهم إلى أن يعاهدوه ففعلوا. فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء (1).
و عند العسقلاني: أن هذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير هو طلبه «صلى اللّه عليه و آله» منهم المساعدة في دية
1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن المنذر و البيهقي: و أبي داود و تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263، و المصنف للصنعاني ج 5 ص 360 و سنن أبي داود ج 3 ص 156 و 157 و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445 و 446 و فتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، و عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و حياة الصحابة ج 1 ص 397 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل بهامشه نفس الصفحة و أسباب النزول ص 236.
العامريين (1).
5-إن عددا من النصوص يذكر: أن كعب بن الأشرف كان لا يزال حيا إلى حين غزوة بني النضير، و أنه قد قتل حينها، أو بعدها. .
و من المعلوم: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان على رأس خمسة و عشرين شهرا من الهجرة، و معنى ذلك هو صحة ما ذكر من أن هذه الغزوة قد كانت بعد ستة أشهر من بدر.
و نذكر من الشواهد على دور كعب في هذه الغزوة ما يلي:
ألف: إن بعض النصوص تقول: إنه لما جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير يستسلفهم في دية العامريين قصد أولا كعب بن الأشرف، فلما دخل عليه قال كعب: مرحبا يا أبا القاسم و أهلا. و قام كأنه يصف له الطعام، و حدث نفسه بأن يقتل رسول اللّه، و يتبع أصحابه، فنزل جبرئيل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره (2).
ب: إن كعب بن الأشرف ذهب إلى مكة في أربعين رجلا، فاجتمع بأبي سفيان، و كان في أربعين رجلا أيضا، و تعاهدا بين الأستار و الكعبة، فنزل جبرائيل بسورة الحشر. فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» محمد بن مسلمة بقتله، فقتله في الليل ثم قصد إليهم، و عمد إلى حصارهم، فضرب قبته في
بني خطمة (1).
ج: و لكن ذكر الشيخ المفيد «رحمه اللّه» و غيره: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان حين قتل أمير المؤمنين «عليه السلام» للعشرة، الذين خرجوا يلتمسون غرة من المسلمين، قال المفيد «رحمه اللّه» :
«و في تلك الليلة قتل كعب بن الأشرف و اصطفى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أموال بني النضير» (2).
و يفهم من الأربلي و غيره أيضا: أن قتل ابن الأشرف كان أثناء حصار بني النضير، فراجع (3).
د: و لكن آخرين يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أمر بقتل كعب حين ذهب إلى بني النضير، يستعينهم في دية العامريين، فاطلع على محاولتهم الغدر به، فانصرف راجعا، و أمر بقتل كعب بن الأشرف ثم أصبح غاديا عليهم بالكتائب، و كانوا بقرية يقال لها زهرة، فوجدهم ينوحون على كعب، فقالوا: يا محمد، واعية إثر واعية، ثم حشدوا للحرب، و في آخره:
1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 169 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 214 و شرحه بهامش نفس الصفحة و لباب التأويل ج 4 ص 244. و البحار ج 20 ص 158 و مجمع البيان ج 9 ص 257 و غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33.
2) الإرشاد للمفيد ص 50 و كذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.
3) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 201 و فتح الباري ج 7 ص 256 و راجع المصادر المتقدمة.
قالوا: ذرنا نبكي سويعة، ثم ائتمر أمرك (1).
و على كل حال، فإن عددا من المؤرخين و المؤلفين قد صرحوا بأن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل ابن الأشرف (2).
ه: و يؤيد ذلك الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» في هذه المناسبة، فمنها قوله «عليه السلام» :
و أن تصرعوا تحت أسيافهكمصرع كعب ابن الأشرف
إلى أن قال:
فدس الرسول رسولا لهبأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولاتمتى ينع كعب لها تذرف
و قلن لأحمد ذرنا قليلافإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوادحور على رغم الآنف
1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 214 عن البخاري و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 عن مسلم و أبي داود و الترمذي، و لباب التأويل ج 4 ص 244 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن معالم التنزيل، و فتح الباري ج 7 ص 256 عن عبد بن حميد في تفسيره و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و التفسير الكبير ج 29 ص 278 و الكشاف ج 4 ص 498 و جوامع الجامع ص 486، و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و المصادر المتقدمة في الهامش السابق و راجع: مجمع البيان ج 9 ص 257 و البحار ج 20 ص 158 و 159 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 عن عبد بن حميد في تفسيره.
و أجلى النضير إلى غربة الخ. . (1)
فإن هذه الأبيات إنما تقرر القصة المذكورة فيما تقدم. .
و: و يؤيد ذلك أيضا: أن البعض يقول: إن آية: فَأَتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا (2)، يقال: نزلت في كعب بن الأشرف (3).
و كذا قوله: وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ ، قيل: بقتل سيدهم كعب بن الأشرف (4).
و معنى ذلك: أن قتل كعب كان سببا في هزيمتهم، و أن قتله قد كان بعد غدرهم، و إعلانهم للحرب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما يفهم من الآيات الشريفة.
ز: و أخيرا، فإن بعض النصوص تقول: -و ذاك أمر غريب حقا-إن كعب بن الأشرف قد اعتزل قتال بني النضير، و زعم: أنه لم يظاهر على
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 207 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 152- 153 و البداية و النهاية ج 4 ص 79.
2) الآية 2 من سورة الحشر.
3) الروض الأنف ج 3 ص 251 و راجع: مجمع البيان ج 9 ص 158 و البحار ج 20 ص 160 عنه و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 34 و مدارك التنزيل المطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 245. و راجع: و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 3 عن أبي صالح، و السدي، و أبن جريج و التفسير الكبير ج 29 ص 279 و راجع: الكشاف ج 4 ص 499 و جوامع الجامع ص 484 و فتح القدير ج 5 ص 195.
4) فتح القدير ج 5 ص 196.
المسلمين، فتركه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم انبعث يهجوه و المؤمنين، ثم سار إلى قريش يستعديهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . (1).
و لعل المراد: أنه اعتزل قتال بدر، و إلا. . فإن بقاءه إلى ما بعد غزوة بني النضير مما تضافرت النصوص التاريخية على خلافه فراجع حكاية مقتله في سيرة ابن هشام، و الطبري، و تاريخ الخميس، و غير ذلك.
6-و سيأتي أنهم يقولون: إن آية: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (2)قد نزلت في غزوة بني النضير، و معلوم أن هذه الآية قد وردت في سورة البقرة، التي نزلت في أوائل الهجرة و يبعد: أن يستمر نزولها إلى ما بعد بدر، حيث نزلت سورة الأنفال.
و لم يرد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: ضعوا هذه الآية في السورة الفلانية، فالظاهر: أنها في جملة الآيات التي نزلت تدريجا، فراجع في كيفية نزول القرآن ما ذكرناه في كتابنا: «حقائق هامة حول القرآن الكريم» ، فصل: الترتيب و النزول.
7-و نشير أخيرا إلى أن الحاكم قد ذكر: أن إجلاء بني النضير و بني قينقاع قد كان في زمان واحد (3).
و بعد ما تقدم، فإن القول: بأن هذه القضية قد حصلت في السنة الرابعة، لا يجتمع مع القول: بأنها كانت متزامنة مع قتل كعب بن الأشرف- كما صدر من البعض (1)-لأن ابن الأشرف قد قتل قبل هذا التاريخ بحوالي سنتين، كما يعلم بالمراجعة لكتب التاريخ و الرواية.
لقد ذكرت معظم المصادر: أن سبب هذه الغزوة هو: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءهم يستعينهم في دية العامريين، اللذين قتلهما بعض أصحابه بعد سرية بئر معونة، فأرادوا الغدر به، فجاءه الخبر من السماء، إلى آخر ما تقدم ذكره.
قال البعض: «و كانوا قد عاهدوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ترك القتال، و على أن يعينوه في الديات» (2).
و لكننا نجد في مقابل ذلك أقوالا أخرى، و هي:
الأول: أن السبب هو أنهم قد طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يخرج إليهم في ثلاثة نفر، ليناقشوه في أمر الدين، و كانوا قد خبأوا الخناجر، فأرسلت إليه امرأة منهم-بواسطة أخيها-تعلمه بخيانتهم فلما أخبره
بالأمر، رجع قبل أن يصل إليهم (1).
و يبدو أن هذه هي نفس الرواية القائلة: إنهم طلبوا إليه أن يخرج إليهم في ثلاثين رجلا، و هم في مثلهم، ثم لما رأوا: أنه لا يمكن التفاهم فيما بين هذا العدد الكبير اقترحوا خروجه «صلى اللّه عليه و آله» في ثلاثة، و منهم كذلك. . و قد كان ذلك بسبب تهديد قريش لهم بعد غزوة بدر (2).
و قد تقدم: أن العسقلاني قد اعتبر هذه الرواية أقوى مما ذكره ابن إسحاق، و وافقه عليه جل أهل المغازي، من أن السبب هو أنه خرج إليهم في دية العامريين (3).
و قد عرفنا فيما تقدم: أن هناك العديد من الدلائل و الشواهد التي تؤكد على أن غزوة بني النضير، قد كانت قبل بئر معونة. .
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462.
2) راجع هذه القضية في: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445 و 446 و المصنف ج 5 ص 359 و 361 و لباب التأويل ج 4 ص 244 و مدارك التنزيل مطبوع بهامشه نفس الصفحة و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و حياة الصحابة ج 1 ص 397 عن فتح الباري، و عن بذل المجهود ج 4 ص 142 عن الدر المنثور و فتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، و عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، و أسباب النزول ص 236 و سنن أبي داود ج 3 ص 156 و 157 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 و السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و أبي داود، و عبد بن حميد، و البيهقي في الدلائل، و وفاء الوفاء ج 2 ص 298.
3) فتح الباري ج 7 ص 255.
فإن العامريين المشار إليهما هما اللذان قتلا بعد بئر معونة، فلا ينسجم ذلك مع ما تقدم. و لا يصح ما ذكره ابن إسحاق، و إن كانا قد قتلا قبل ذلك، و في مناسبة و قضية أخرى، فلا إشكال فيه من هذه الناحية.
الثاني: قيل: إنه إنما ذهب إليهم لأخذ دية العامريين لأن بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر (1)، فيسهل الدفع منهم؛ لكون المدفوع لهم من حلفائهم (2).
و لكن لا ندري لماذا يريد أن يأخذ الدية من حلفاء المقتول، فهل جرت عادة العرب على ذلك؟ !
أم أنه يريد إذلال بني النضير في ذلك؟ !
فإذا كان كذلك، فهل المراد الإيحاء بأن ناقض العهد في الحقيقة هو نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ذلك بغيا منه و تعديا في أمر لا حق له به؟ نعوذ باللّه من الخطأ و الخطل، في القول العمل. .
الثالث: إن البعض يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذهب إلى بني النضير، ليسألهم كيف الدية عندهم، و ذلك للعهد الذي كان بينهم و بين بني عامر (3).
و لا ندري لماذا لم يكتف بإرسال بعض أصحابه إليهم ليسألوهم عن ذلك، و هل كان ثمة اتفاق خاص في مقدار الدية فيما بين بني النضير و بني عامر،
يختلف عن مقدارها لدى سائر الناس الذين يعيشون في تلك المنطقة؟ !
و إذا كان كذلك، فكيف يريد هو أن يدفع خصوص هذا المقدار الذي اتفق عليه هؤلاء، و لماذا لا يدفع المقدار المتعارف عليه فيما بين سائر الناس؟ ! .
و إذا كان يريد أن يدفع المقدار المتعارف عليه بين عامة الناس، فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» يجهل هذا المقدار؟ ! . و إذا كان-و العياذ باللّه- يجهل به، فهل لم يكن أحد من أصحابه، من سائر أهل المدينة، و سائر القبائل و الأقوام الذين يعيشون فيها و حولها، يعلم بمقدار الدية؟ ! حتى يحتاج إلى المسير مع جماعة من أصحابه إلى خصوص بني النضير؟ ! . .
أم أن المقصود هو إظهار: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعرف أحكام الشريعة السابقة-شريعة اليهود خاصة-دون غيرهم من سائر أهل الملل، فلا بد أن يتفضل عليه اليهود، و يعلموه مما عندهم، و يصبح مدينا لهم، هو و شريعته، و كل أتباعه من بعده؟
ثم ليثبت من خلال ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعمل بشريعة اليهود و أحكامهم! !
مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخالفهم في كل شيء حتى لقد عبروا عن استيائهم من أنه يريد أن لا يدع من أمرهم شيئا إلا خالفهم فيه (1).
لا ندري. . و لعل الفطن الذكي يدري. .
فإنا للّه و إنا إليه راجعون. . و لا حول و لا قوة إلا باللّه.
1) راجع حول إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على مخالفة اليهود: الجزء الخامس من هذا الكتاب ص 196.
الرابع: قد تقدم أن بني النضير لما هزم المسلمون في أحد ارتابوا و نقضوا العهد، فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة، و حالفوهم و عاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد، ثم دخل أبو سفيان في أربعين و كعب بن الأشرف في أربعين المسجد، و أخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار و الكعبة.
ثم رجع كعب و أصحابه إلى المدينة، و نزل جبرئيل، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما تعاقد عليه كعب بن الأشرف و أبو سفيان، و أمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، و كان أخاه من الرضاعة (1).
الخامس: ورد في نص آخر ما ملخصه: أنه ذهب مع أصحابه يستقرض مالا من كعب بن الأشرف، فحدث كعب نفسه بقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره جبرائيل، فقام كأنه يقضي حاجة، و عرف: أنهم لا يقتلون أصحابه و هو حي، و أخذ طريق المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب، فأخبر كعبا بذلك، و رجع المسلمون.
فأخبرهم ابن صوريا بأن رب محمد أطلعه على ما همّوا به، و أنه سوف يأمرهم بالجلاء إن لم يسلموا، فاختاروا الجلاء (2).
1) راجع: البحار ج 20 ص 158 و مجمع البيان ج 9 ص 257 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و قد تقدمت بقية المصادر حين الحديث عن تاريخ غزوة بني النضير، فلتراجع هناك.
2) راجع: إعلام الورى ص 88 و 89 و البحار ج 20 ص 163 و 169 و تفسير الصافي ج 5 ص 153 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196.
و قد أسلفنا: أننا نرجح هذه الرواية التي تنص على وجود كعب بن الأشرف، و على دور له في قضية بني النضير، و قد استحق بذلك الدور أن يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتله فقتل.
و لكننا لا ندري حقيقة هذا الدور، فلعل كعبا قد عاقد أبا سفيان على حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم هجا المسلمين، و شبب بنسائهم، ثم حاول نقض العهد حين طلب منه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الوفاء بتعهداته المالية، حيث قد كان ثمة عهد ينص على التعاون في الديات.
و كان ذلك من كعب بالتعاون مع قومه، حين انتدب عمرو بن جحاش لتنفيذ المهمة.
فكان أن تركهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قفل عائدا إلى أصحابه، فأمر بقتل كعب بن الأشرف، ثم غدا على بني النضير بالكتائب.
فإن من الطبيعي أن نجد رسول الإسلام الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يتحمل منهم نقض العهد أكثر من مرة، من أجل أن يقطع لهم كل عذر و تعلل في ذلك، و ليتضح لكل أحد ما بيتوه من مكر و خداع، و ما أبطنوه من ختل و غدر، و يحق اللّه الحق بكلماته، و ليخزي الفاسقين، بفضل صبر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و أناته.
ثم جاء أهل الحديث و الرواية فذكروا كل واحدة مما تقدم على أنها سبب مستقل لما جرى على هؤلاء الغدرة الفجرة، مع الذهول عن أن تكرر ذلك منهم قد جعل من مجموع تلك الأسباب و العوامل سببا واحدا لما حصل. .
و تقدم في الفصل الأول من هذا الباب رواية تقول:
إنهم حين جاءهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و معه بعض أصحابه، فكروا في أن يقتلوه، و يأخذوا من جاء معه من أصحابه أسرى، و يبيعوهم من أهل مكة.
و نحن نشك في هذه الرواية أيضا، فإن أسر من جاء معه و بيعهم إلى أهل مكة، معناه إثارة حرب طاحنة فيما بين بني النضير و بين الأوس و الخزرج، و من معهم من سائر المسلمين، و لن يمكنهم الوصول بهم إلى مكة قبل أن تندر الرؤوس، و تطيح الأيدي، و تخرب البلاد، و تهلك العباد. .
و قد جرب اليهود حظهم مع الأوس و الخزرج فيما سبق، و استطاع هؤلاء أن يخرجوا أولئك من المدينة ليعيشوا حواليها، و في أطرافها.
و قد كان هذا و أمر اليهود مجتمع؛ فكيف تكون الحال بعد أن أجلي منهم بنو قينقاع مع كون العلاقات بين بني قريظة و النضير غير متكافئة و لا طبيعية بسبب التمييز الظالم لبني النضير عليهم، حسبما أوضحناه حين الحديث حول كونهم بمنزلة بني المغيرة في قريش كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
و بعد أن أصبح بنو النضير أضعف ناصرا و أقل عددا، فإن التكفير بهذا الأمر يصبح في عداد المحالات و الممتنعات. .
و ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان، و لا إلى إقامة برهان.
و قد ورد في بعض النصوص: أنهم حين أبلغوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنقض بني النضير للعهد أظهر التكبير، و قال: اللّه أكبر، حاربت يهود. و كبر المسلمون بتكبيره (1).
كما تقدم: أن المسلمين باتوا يحاصرون بني النضير، و يكبرون حتى أصبحوا. .
و نقول: إن إظهار المسلمين للتكبير، و تكبير النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالذات أمر له دلالاته الهامة، و آثاره الظاهرة، و يتضح بعض ذلك ضمن النقاط التالية:
1-لقد كان من الطبيعي أن يتوقع اليهود: أن يواجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون نقضهم للعهد بكثير من القلق، و عدم الارتياح، بل و حتى بالخوف، و بالوجوم الناجم عن الارتباك، و التزلزل. .
و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين قد قابلوا ذلك-و بسرعة غير متوقعة-بموقف لا يمكن أن يخطر لليهود على بال، الأمر الذي من شأنه أن يربكهم، و يوقعهم في حيرة، و يثير لديهم أكثر من سؤال، ثم يزعزع
1) راجع في ذلك ما يلي: الثقات ج 1 ص 242 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و 58 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 20 ص 169 عنه و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 553 و زاد المعاد ج 2 ص 71 و تفسير الصافي ج 5 ص 154 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و المغازي للواقدي ج 1 ص 370 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264 و عمدة القاري ج 17 ص 126.
ثباتهم، و يذكي مخاوفهم، بصورة كبيرة و خطيرة
2-إنه إذا كان يوجد فيما بين المسلمين من ينظر إلى اليهود نظرة إجلال و إكبار، و يكن لهم في نفسه قدرا من الثقة و الاحترام؛ فإن معنى ذلك هو أن نشاطات المنافقين-و على رأسهم عبد اللّه بن أبي-في التخذيل عن حربهم، و الصد عن مواجهتهم، لسوف تجد مجالا واسعا، و لسوف تترك آثارها السلبية على تماسك الصف الإسلامي في مواجهتهم. .
و لعل وجود أبناء للمسلمين في بني النضير لسوف يجعل اتخاذ موقف حازم ضدهم على درجة من الصعوبة بالنسبة لكثير من الآباء، و من يتصل بهم بسبب، أو بآخر.
و لأجل ذلك، فإن توفر جو حماسي جماهيري لسوف يضعف حالة التردد لدى هؤلاء و أولئك، و ينقلهم من أجواء الانسياقات العاطفية، و الاندهاش و الانبهار بالانتفاخات غير الواقعية، التي تؤثر في نشوء حالة من التقديس غير المنطقي-ينقلهم-إلى أجواء الشعور بالقوة، ثم التغلب على عوامل الضعف النفسي من خلال مساعدة العامل الداخلي، بعامل خارجي يعطيه القدرة على الصمود و التصدي، كما و يعطيه المناعة و المصونية من التأثر بعامل العاطفة منفصلا عن الإحساس بالمسؤولية، أو التأثر بعامل التوهمات، و التقديسات، التي لا ترتكز على الدليل المقنع، و لا تقوم على التأمل القاطع لكل الشبهات، و لكل التساؤلات المنطقية التي يثيرها العقل الفطري السليم و الراشد.
و هكذا، فإن هذا العامل المساعد للإحساس الواقعي بالمسؤولية، و القادر على المواجهة الحازمة، القائمة على الدراية و العقل، لسوف يضعف
من قدرة اليهود و المنافقين على التأثير في درجة التصميم على التصدي، أو التأثير في خلخلة الوضع الداخلي، و تمييع الموقف بالاستفادة من عامل العاطفة أو عامل الانبهار القائم على التخيل و التوهم غير المنطقي و لا المسؤول.
3-و إذا كان القرآن الكريم، و النبي الأمي «صلى اللّه عليه و آله» و كذا التاريخ الطويل الزاخر بالأحداث قد قدم للمسلمين صورة تكاد تكون واضحة عن الحالة الأخلاقية الذميمة لليهود، و عن طموحاتهم اللامنطقية و اللامشروعة و التي كانوا يدعمونها بتعاليم دينية مزيفة، و يعملون على تحقيقها بسياساتهم الخبيثة في مجال الإعلام و السياسة، و الاقتصاد، و كل نشاطاتهم الاجتماعية-إذا كان كذلك-فإن صدق هذه النبوءة، المتمثل في بروز صفة الغدر و الخيانة فيهم على صعيد الواقع بصورة ملموسة و ظاهرة للعيان، لسوف يمسح عن أعين الكثيرين غبار الخداع و الانخداع، و لسوف تكون في ذلك آية أخرى تدل على صدق هذا النبي الأكرم، و على حقانية موقفه، و صواب سياساته منهم و يقطع من ثم كل عذر، و يزيل كل شبهة، فقد تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ (1)، وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (2).
هذا، و نجد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتبر تآمرهم على
حياته، و محاولتهم اغتياله، و إن لم ينجحوا في مجال تنفيذ ذلك، نقضا للعهد يبرر مواجهتهم بالموقف الصارم و الحازم.
و واضح: أن اغتيال القيادة الإسلامية هو أجلى مظاهر الخيانة، و أخطرها، و لا يجب أن ننتظر من الخائنين إعلانهم للحرب، و التصدي الفعلي و الظاهر لها، كما ربما يفترضه البعض.
و يحدثنا التاريخ: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عاهد بني النضير، كما عاهد غيرهم، و لعل أبرز عهد عقده هو عهد الحديبية، حيث أمر بكتابة نسختين للكتاب (1)لأن بالكتابة يتم الحفاظ على النص، و يمكن الالتزام به، و يكون مرجعا لا يمكن التشكيك و لا المراء فيه فيما إذا ثار خلاف. و قد اعتبر الإسلام هذه العهود وسيلة لإيقاف الحروب، و للمنع من نشوبها، تتوفر للإنسان المسلم في ظلها حرية التعبير، و حرية العمل و الحركة كما سنرى.
و هذا بالذات هو السر في أننا نجد الإسلام قد أولى العهود و الاتفاقات أهمية بالغة، و رسم لها حدودها، و بيّن بوضوح تام مختلف الأصول و الأهداف التي لا بد من رعايتها، و الحفاظ عليها فيها.
و بديهي: أن دراسة هذا الموضوع بعمق، و الإلمام بجميع جوانبه إسلاميا و تاريخيا، يتطلب بذل جهد كبير، و يحتاج إلى دارسة مستقلة و منفصلة، و إلى وقت يتيح الفرصة للاطلاع على قدر كاف من الآيات
1) آثار الحرب في الفقه الإسلامي ص 659 عن السياسة الشرعية، للبنّا.
الشريفة و النصوص الواردة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة «عليهم السلام» ، ثم دراسة المعاهدات التي عقدت في صدر الإسلام و ظروفها، و لا نجد أنفسنا قادرين على توفير ذلك في ظروفنا الراهنة.
إلا أن ذلك لا يمنع من إيراد إلماحة سريعة، ترتكز-عموما-على بعض ما ورد في هذا المجال في خصوص نهج البلاغة، فنقول:
قال «عليه السلام» في عهده لمالك الأشتر:
«. . و لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك و للّه فيه رضا؛ فإن في الصلح دعة لجنودك، و راحة من همومك، و أمنا لبلادك، و لكن الحذر كل الحذر من عدوك، بعد صلحه؛ فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، و اتهم في ذلك حسن الظن.
و إن عقدت بينك و بين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، و ارع ذمتك بالأمانة، و اجعل نفسك جنة دون ما أعطيت؛ فإنه ليس من فرائض اللّه شيء الناس أشد عليه اجتماعا، مع تفرق أهوائهم، و تشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود.
و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر (1)فلا تغدرن بذمتك، و لا تخيسن بعهدك، و لا تختلن عدوك؛
1) هذا يؤيد بما قدمناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب من أن العرب كانوا أوفياء بعهودهم، و قد فرض عليهم هذا الأمر طبيعة الحياة التي كانوا يعيشونها حيث رأوا: أنه لا يمكنهم العيش بدون ذلك.
فإنه لا يجترئ على اللّه إلا جاهل شقي.
و قد جعل عهده و ذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره؛ فلا إدغال، و لا مدالسة و لا خداع فيه.
و لا تعقد عقدا يجوز فيه العلل، و لا تعولن على لحن قول بعد التأكيد و التوثقة، و لا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر لزمك ترجو انفراجه، و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، و أن تحيط بك من اللّه طلبته، فلا تستقيل فيها دنياك و آخرتك» (1).
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 117 و 118 و معادن الحكمة ج 1 ص 109 و تحف العقول ص 126 و دعائم الإسلام ج 1 ص 350 و البحار ج 8 ص 609 ثم شرحه، و ج 77 ص 240 عن النهج و التحف، و مستدرك الوسائل ج 3 ص 195 و أضاف العلامة المحقق الأحمدي: أن بعضه قد نقل في كنز العمال ج 15 ص 165 و 166 عن الدينوري، و ابن عساكر، و مآثر الإنافة ج 3 ص 6 عن صبح الأعشى، و مفتاح الأفكار. و أشار إليه النجاشي في رجاله ص 7 و ذكر سنده أيضا الشيخ في الفهرست. و قال في معجم رجال الحديث ج 3 ص 222: طريق الشيخ إلى عهد مالك الأشتر صحيح. و ذكره في نهج السعادة ج 5 ص 58 عن جمع ممن تقدم، و قال: روى قطعة منه مسندا في تاريخ الشام ج 38 ص 87 و في النسخة المرسلة ص 193. و ذكر في خاتمة المستدرك ص 218 عن مجلة المقتطف عدد 42 ص 248: أنه نقله عن نسخة السلطان بايزيد الثاني، و في دستور معالم الحكم ص 149 شواهد لهذا العهد، و نقله في مصادر نهج البلاغة عن جمع ممن تقدم، و عن نهاية الإرب للنويري ج 6 ص 19. ثم ذكر في مصادر نهج البلاغة بعضا من شرح هذا العهد، مثل: آداب الملوك لرفيع الدين التبريزي، و أساس السياسة في تأسيس الرئاسة للكجوري الطهراني، و التحفة السليمانية للبحراني، و الراعي و الرعية لتوفيق الفكيكي، و السياسة العلوية لآل مظفر (خطية) . و شرح عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» للمجلسي، و شرح عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» للمولى محمد باقر القزويني، و شرح عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» للميرزا حسن القزويني، و شرح عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» للميرزا محمد التنكابني. و شرح عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» للشيخ هادي القائيني البيرجندي، و شرح الفاضل بدايع نكار المثبت في المآثر و الآثار، و نصايح الملوك لأبي الحسن العاملي. و مقتبس السياسة و سياج الرئاسة للشيخ محمد عبده، انتزع من شرحه و طبع على حدة، و القانون الأكبر في شرح عهد الأشتر للسيد مهدي السويج (مخطوط) و مع الإمام في عهده لمالك الأشتر للشيخ محمد باقر الناصري. و نزيد هنا في ما يرتبط بشروحه، ما أورده السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمته لكتاب الراعي و الرعية ص 8 و 9 و الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة ص 373 و 375 و ج 15 ص 353، حيث أضافا إلى شروح العهد: شرح الحسين الهمداني الموسوم بهدية الحسام لهداية الحكام. و شرح محمد صالح الروغني القزويني، من علماء القرن الحادي عشر، و دستور حكمت. و ترجمه الوصال الشيرازي المتوفى سنة 1274 و نظمه شعرا بالفارسية. و ترجم محمد جلال هذا العهد إلى التركية، و نظمه شعرا بالتركية. فرمان مبارك لجواد فاضل. و عنوان رياست (ترجمة لهذا العهد أيضا للسيد علي أكبر بن سلطان العلماء السيد محمد النقوي اللكنهوي) . هذا كله عدا عن شرح شراح النهج له في ضمنه كالمعتزلي و ابن ميثم و غيرهما. بقي أن نشير إلى أن صاحب الذريعة قد قال في ج 15 ص 262: (نسخة العهد بخط ياقوت المستعصمي موجودة في المكتبة الخديوية بمصر تاريخ فراغها سنة ثمانين و ستمائة كما في فهرسها) .
أما بالنسبة إلى ضرورة الالتزام بالعهود و الوفاء بها، حتى لغير المسلمين، فإن اللّه تعالى يقول: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلىٰ مُدَّتِهِمْ (1).
و يقول سبحانه: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلاً (2).
و يقول: . . وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ (3).
و في آية أخرى: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا (4). فقد جعل اللّه العهد مع الأعداء عهدا للّه سبحانه. .
و بعد. . فإن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد قرر: أن الشرط الأساس في كل عهد هو أن يكون «للّه فيه رضا» كما ورد في عهده «عليه السلام» للأشتر «رحمه اللّه» .
و واضح: أن رضا اللّه سبحانه إنما هو في حفظ مصلحة الإسلام العليا، و كرامة المسلمين، و حريتهم في الدعوة إلى اللّه سبحانه بأمن و دعة و اطمئنان.
و حين يكون الداعي للصلح الذي فيه رضا اللّه سبحانه هو العدو فإن معنى ذلك هو أن العدو قد اعترف بك، و بموقعك، و أصبح على استعداد لأن يقبل شروطك العادلة، و معنى ذلك هو: أنك تكون قد سجلت نصرا
من أقرب طريق و أيسره.
و أما إذا دعاك هذا العدو إلى صلح ظالم و فيه ذل للمسلمين، و وهن على الإسلام، فإن من الطبيعي أن ترفض صلحا كهذا لأنه تسجيل انتصار للعدو من أسهل طريق. .
و ثمة شرط آخر: لا بد من توفره في أي عهد، و ذلك من أجل أن يحتفظ بقيمته، و بفعاليته، في حسم الصراع، ثم من أجل أن لا يوجب عقد العهد ضعفا في موقف المسلمين، و فتح باب التشكيك في حقهم، أو إعطاء فرصة المناورة للباطل.
و هذا الشرط لا بد للجانب المحق من الاهتمام به، و العمل على توفيره بصورة أجلى و أتم، و هو أن: «لا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، و لا تعولن على لحن قول بعد التأكيد و التوثقة» .
أي أنه لا بد أن لا تكون في العهد إبهامات يمكن التشبث بها من قبل العدو، كما أنه لا بد أن يكون نفس العهد هو المعيار و المرجع و الفيصل في الأمور، فلا يعتمد على مواعيد أو لحن قول، فإن ذلك يوجب وهنا في العهد نفسه، و فيه فتح باب النقض، و الخيانة، من دون أن يكون ثمة حرج ظاهر في ذلك.
و ذلك يعتمد على نباهة و دقة ذلك الذي يتصدى لعقد العهد، و هو يتحمل مسؤولية أي تقصير في هذا المجال.
1-و نجد في نص المعاهدة التي كتبها علي أمير المؤمنين «عليه السلام»
فيما بين ربيعة، اليمن، ما يدل على أن العهد ملزم لكل الآخرين الذين ينتمي إليهم المباشرون لعقد العهد. . و ذلك يقطع أي عذر، و يمنع من أي تعلل، أو محاولة خداع.
و هذا مطلب عادل، و سليم، فإن كل الأمور التي تمس حياة المجتمعات، لا يمكن أن يعتمد فيها مبدأ موافقة كل فرد منها و لا سيما مع اختلاف المصالح، و تشتت الآراء، و تباين الأهواء، حسبما ذكر أمير المؤمنين «عليه السلام» في الفقرة المنقولة عنه في عهده للأشتر النخعي «رحمه اللّه» . .
2-إن عتب العاتبين، و غضب الغاضبين، لا يجوز أن يجعل ذريعة لنقض العهد، ما دام أن إرضاء كل أحد غير ممكن، و لا سيما في الأمور المرتبطة بمستقبل الجماعات، و علاقاتها و مواقفها، حتى و لو كان العاتبون و الغاضبون فريقا ثالثا، يريد أن يحصل على مكاسب سياسية أو غيرها، و يكون له دور ما في التحرك السياسي، أو تأثير-إيجابي أو سلبي-على ساحة الصراع.
فإذا كان القانون العام هو عدم نقض العهد بسبب ذلك، فلا بد أن تنقطع أطماع الطامعين، ما دام أن عتبهم لن يجدي نفعا، و لن يؤثر شيئا.
3-إن العهد لا ينقض لأجل استذلال قوم قوما، و لا لمسبة قوم قوما؛ فإن تعرض فريق للاستذلال من قبل فريق آخر، بسبب عقده للعهد، و كذا اتخاذ عقد العهد من قوم وسيلة لتعييرهم و مسبتهم، لا يبرر للعاقدين له نقض عهدهم. .
و إذا. . فإن من يقدم على عهد، لا بد و أن يعلم مسبقا: أنه لا بد له من الوفاء بما عقده، حتى في أشق الأحوال، و أصعبها، فهو إذن عالم بما يفعل،
و مطلع على نتائجه مسبقا، و قد أقدم مختارا على ذلك. . فعليه أن يتحمل نتائج ما أقدم عليه. .
و قد أشار علي أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى ذلك كله في العهد الذي كتبه بين اليمن و ربيعة، فقد جاء فيه:
«. . لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب، و لا لغضب غاضب، و لا لاستذلال قوم قوما و لا لمسبة قوم قوما على ذلك شاهدهم و غائبهم، و سفيههم و عالمهم، و حليمهم و جاهلهم، ثم إن عليهم عهد اللّه الخ. .» (1).
و حين يكون المعاهدون يتمتعون بحماية دولة الإسلام، فإن أموالهم- كأموال المسلمين-لا تمس، بل تبقى لهم، و يمارسون حريتهم التجارية بصورة تامة. .
قال علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في كتاب له إلى عمال الخراج:
«و لا تمسن مال أحد من الناس، مصل، أو معاهد، إلا أن تجدوا فرسا، أو سلاحا الخ. .» (2).
و قد كتب علي أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى بعض عماله: «و اعزز
المسلمين، و لا تظلم المعاهدين» (1).
و كتب أيضا إلى عامل آخر له، يقول:
«أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة و قسوة، و احتقارا و جفوة، و نظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، و لا أن يقصوا و يجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، و داول لهم بين القسوة و الرأفة، و أمزج لهم بين التقريب و الإدناء و الإبعاد و الإقصاء» (2).
و عن نتائج الصلح و العهد، فهي:
1-دعة الجنود.
2-الراحة من الهموم.
3-الأمن لبلاد المسلمين.
و ذلك معناه: أنك أصبحت قادرا على التخطيط للمستقبل لأنك قد ارتحت من همومك، و أصبحت قادرا أيضا على تنفيذ خططك، لأنك تملك الوقت الكافي، و الطاقات الفاعلة، المهيأة للعمل الجاد و الدائب، دونما مانع أو رادع. .
كما أن هذا السلم و الأمن لسوف يجنب بلادك التعرض للأزمات الإقتصادية الحادة، و يحفظ مرافقها الإقتصادية و الحيوية من التدمير، أو
التعطيل، أو صرفها في مواجهة متطلبات الحرب.
هذا، عدا عن حفظ القوى الفاعلة و المؤمنة من أن تتعرض للتدمير، أو للتشويه، ثم ما ينشأ عن ذلك من آثار إجتماعية لا تجهل.
و يجب أن لا ننسى أن حالة عدم الاستقرار، بل و الخوف و عدم الأمن في أحيان كثيرة، من شأنها أن تشل حركة المجتمع في المجالات المختلفة، و تمنعه من أن يقوم بدوره على النحو المطلوب و المؤثر.
ثم هناك الحالة الفكرية و النفسية و كثير من السلبيات الأخرى، التي تنشأ عن ظروف الحرب، و تتفاعل بصورة تصاعدية في كثير من المجالات، و القطاعات. .
و كل ذلك يمثل هموما حقيقية لأي حاكم يشعر بمسؤولياته الإلهية، و الإنسانية تجاه مجتمعه و أمته.
و إذا كان عقد العهد مع العدو لا يعني أن العدو قد تنازل عن كل طموحاته، و صرف النظر عن كل مراداته و خططه، فإنه ربما يكون قد قارب ليجد الفرصة للوثوب، و إيراد الضربة القاصمة. .
فقد جاء النهي عن الاطمئنان لهذا العدو، حيث قد تقدم قول أمير المؤمنين «عليه السلام» في عهده للأشتر: «و لكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه؛ فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم و اتهم في ذلك حسن الظن» .
و قال تعالى: وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ (1).
و بما أن اللّه سبحانه قد جعل عهده و ذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره، فإن الشرط الأساس فيه هو أنه لا إدغال، و لا مدالسة و لا خداع فيه؛ فإذا رأى أن العدو لا يعمل بشروط الصلح و مقتضيات العهد، و إنما هو يتآمر، و يعد العدة للغدر، فإن نفس هذه الأعمال تكون نقضا منه للعهد، و تخليا عن شروطه، فلا معنى حينئذ للالتزام بهذا العهد من طرف واحد، و إنما لا بد من نبذ العهد إليه و معاملته معاملة الخائن المجرم، قال تعالى: وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْخٰائِنِينَ (2).
و عن علي «عليه السلام» : الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه، و الغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه (3).
و بالنسبة إلى بني النضير، فإنهم قد مارسوا الخيانة في أبشع صورها و أفظعها، حين تآمروا على القيادة الإسلامية و الإلهية، فرد اللّه كيدهم إلى
1) الآية 102 من سورة النساء.
2) الآية 58 من سورة الأنفال.
3) نهج البلاغة ج 3 ص 210 الحكمة رقم 259 و غرر الحكم ج 1 ص 60 و روض الأخيار ص 111 و ربيع الأبرار ج 3 ص 375 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 249. و غرر الخصائص الواضحة ص 59 و مصادر نهج البلاغة ج 4 ص 4 و ص 401 عن بعض من تقدم و عن شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 216.
نحورهم، و حفظ اللّه نبيه، و أعز دينه، و أدال المسلمين من أعدائهم، من أسهل الطرق، و أيسر السبل.
و نجد أمير المؤمنين «عليه السلام» قد أوجب على و اليه الوفاء بالعهد، بل هو قد طلب منه أن يجعل نفسه جنة دون ما أعطاه.
و قد علل ذلك: بأنه من الأمور التي اتفقت عليها جميع الناس، رغم تفرق أهوائهم، و تشتت آرائهم، و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم، و ذلك انطلاقا من إحساسهم بضرورة ذلك، حين رأوا: عواقب الغدر الوخيمة، التي من شأنها أن تدمر حياتهم، و تقضي على كل نبضات الراحة و الاستقرار فيها.
و لكنهم قد خالفوا ضميرهم و وجدانهم، و كل المعايير الأخلاقية، و العقلية في تعاملهم مع المسلمين، حيث أجازوا لأنفسهم نقض عهودهم معهم، و تحمل كل ما لذلك من تبعات و نتائج. . و ذلك يدلل على عدم انسجامهم مع قناعاتهم و لا مع فطرتهم في مواقفهم تجاه الإسلام و المسلمين.
و قد اعتبر «عليه السلام» : من يخيس بعهده، و يغدر بذمته، و يختل عدوه، و يجتري على اللّه جاهلا لا يعرف الأمور و مواردها، و لا الصالح من الطالح، و هو شقي أيضا، لأنه بالإضافة إلى أنه يكون متجرئا على اللّه سبحانه في ذلك، فإنه يكون قد جر على نفسه الكثير من المصائب و البلايا نتيجة لسياساته الخاطئة هذه.
و خلاصة الأمر: أن العهد في الإسلام ليس وسيلة للمكر و الخداع
بهدف الإيقاع بالعدو، و إنما هو أمانة ضميرية، ذات قاعدة إيمانية أساسية؛ فلا بد من رعايتها و الوفاء بها و لا يسوغ نقض العهد «بغير حق» حتى و لو كان فيه ما يوجب الضيق كما تقدم في عهد علي «عليه السلام» للأشتر، و روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «لا دين لمن لا عهد له» (1).
و قد مدح اللّه من يفي بعهده فقال: وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا. . (2).
و قد ذم علي «عليه السلام» عمرو بن العاص فقال: «و يسأل فيبخل، و يخون العهد» (3).
و قد ذم «عليه السلام» أهل البصرة بقوله: «و عهدكم شقاق» (4).
و قال «عليه السلام» : «و قد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تغضبون و أنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون» (5).
و قد قال علي «عليه السلام» : «إن الوفاء توأم الصدق، و لا أعلم جنة أوقى منه، و لا يغدر من علم كيف المرجع. و لقد أصبحنا في زمان قد اتخذ
أكثر أهله الغدر كيسا، و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم؟ قاتلهم اللّه. قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة، و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه؛ فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين» (1).
و طبيعي أن ينال العقاب خصوص أولئك الذين ينقضون العهد، و يخونون أماناتهم، و قد أوضح ذلك أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما قال: «مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله، و لذي النصيحة حقه، غير متجاوز متهما إلى بريء، و لا ناكثا إلى وفيّ» (2).
كما أن من الطبيعي: أن يحتاط الحاكم الإسلامي، فلا يترك في أيدي المعاهدين، الذين يعيشون في ظل حكمه، و تحت حمايته، من السلاح و التجهيزات ما يشكل خطرا على أمن الدولة، مع التأكيد على احترام كل ما يعود إليهم من أموال و ممتلكات، و عدم المساس بها في أي حال. قال علي أمير المؤمنين «عليه السلام» : «. . و لا تمسن مال أحد من الناس، مصل و لا معاهد، إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام؛ فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام؛ فيكون شوكة عليه
الخ. .» (1).
و من المعلوم: أن مواقف علي أمير المؤمنين تعتبر التجسيد الدقيق و الحي لمفاهيم الإسلام، و أحكامه، و سياساته. و التاريخ يحدثنا: أنه حين بلغه «عليه السلام» إغارة خيل معاوية على بلاد المسلمين، خطب «عليه السلام» خطبة الجهاد المعروفة، و قد جاء فيها:
«هذا أخو غامد، و قد وردت خيله الأنبار، و قد قتل حسان بن حسان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها.
و لقد بلغني: أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها، و قلبها، و قلائدها، و رعاثها (2)ما تمنع منه إلا بالاسترجاع و الاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم؛ فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا» (3).
و نحن نسجل هنا ما يلي:
1) نهج البلاغة ج 3 ص 90 الرسالة رقم 51.
2) الرعاث: جمع رعثة: القرط، و الحجل: الخلخال، و القلب: السوار.
3) نهج البلاغة، بشرح عبده ج 1 ص 64 و 65 خطبة رقم 26 و الأخبار الطوال ص 211 و 212 و الغارات ج 2 ص 475 و 476 و المبرد في الكامل ج 1 ص 20 و العقد الفريد ج 4 ص 70 و معاني الأخبار ص 310 و أنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 442.
1-إن هذا الموقف منه «عليه السلام» يوضح لنا قيمة الإنسان في الإسلام، و اهتمامه البالغ في الحفاظ على موقعه، و على كرامته و وجوده. حتى إن الرجل الأول في الدولة الإسلامية ليعاني من الألم و الأسى بسبب الاعتداء على كرامة الإنسان ما يجعل الموت أسفا على ما جرى أمرا مقبولا، بل يجعله هو الجدير و اللائق به. ثم هو «عليه السلام» يقرر: أن هذا الحدث لا بد أن يؤثر بهذا المستوى أيضا في كل إنسان مسلم، من كان و مهما كان.
2-إنه يعطي: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» -و هو الذي يمثل نظرة الإسلام الأصيلة-ينظر بعين المساواة إلى كل من هم تحت سلطته، أو تحت حمايته، فهو يتألم للمرأة كما يتألم للرجل، و هو يتألم كذلك للمعاهدة و التي هي على غير دينه، بنفس المستوى الذي يتألم فيه للمسلمة، و هو يطلب موقفا حازما تجاه الاعتداء على كرامتهما معا من كل مسلم، بنفس القوة و الفعالية و التأثير في رفع الظلامة و إعادة الحق إلى نصابه.
3-إنه «عليه السلام» قد حاول إثارة الناس و تحريكهم بأسلوب عاطفي يلامس مشاعرهم و أحاسيسهم؛ فتحدث عن سلب المغيرين حلي النساء المسلمات و المعاهدات، و في ذلك إثارة عاطفية، و تحريك لا شعوري للناس، الذين سوف يسوؤهم الاعتداء على هذا الموجود الذي يمثل جانب الرقة و الحنان في المجتمع.
4-إنه «عليه السلام» إنما توقع من المرء «المسلم» أن يموت أسفا، و اعتبره جديرا بذلك، و حريا به. . و لعل هذا الأمر يشير إلى أن الإسلام هو ذلك الدين الذي يغرس في الإنسان معاني إنسانيته، و يربيه تربية إلهية يحيا بها وجدانه، و تتنامى فيها خصائصه و مزاياه الإنسانية، فيصبح حي
الشعور، صافي النفس، سليم الفكر، إلهي المزايا. .
5-كما و نجده صلوات اللّه و سلامه عليه. . قد أهدر دماء المعتدين، و اعتبر أن أدنى جزاء لهم هو أن ينالهم كلم و جرح، و تهرق دماؤهم، رغم أن ما ارتكز عليه بيانه، و جعله منطلقا له في تقريره هذا الجزء القاسي هو أمر لا يزيد على سلب الحجل و القلب و الرعاث من امرأة مسلمة و أخرى معاهدة.
و ذلك لأن الميزان في العقاب إنما هو درجة الجرأة على اللّه و على المحرمات، ثم ما ينشأ عن ذلك من فساد و إفساد، في البلاد و العباد.
6-إنه «عليه السلام» إنما ركز على الجانب الإنساني؛ فحاول أن يؤكد للناس لزوم نصرة الضعيف، و الدفاع عنه و الحفاظ عليه، و أن ذلك هو مسؤولية كل فرد قادر بالنسبة إليه. . و قد أثار انتباه الناس إلى جانب الضعف هذا حين قال: «ما تمنع منه إلا بالاسترجاع و الاسترحام» . . و ليكن من ثم مبدأ نصرة الضعيف و الدفاع عنه من الأوليات التي يفرضها الوجدان الحي، و الضمير الإنساني.
7-ثم هناك الجانب التربوي، الذي يستهدف تركيز مفهوم العدالة في التعامل، فلا يفرق بين مسلم و معاهد، ثم مفهوم عدم التغاضي عن المعتدين و المجرمين، و عدم التواكل في رد العدوان. إلى غير ذلك مما لا مجال لتفصيله هنا.
و بعد. . فإننا حين نقرأ التاريخ، فما يلفت نظرنا هو تكرر الغدر من اليهود، و استمرارهم في نقض العهود و المواثيق، مرة بعد أخرى، كما كان الحال بالنسبة لبني قينقاع، و بني النضير، و بني قريظة.
و نجد في مقابل ذلك التزاما تاما من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالعهود و المواثيق المعقودة.
و نحن نشير هنا إلى الأمور الثلاثة التالية:
الأول:
بالنسبة لعدم التزام اليهود في عهودهم نقول: إن ذلك طبيعي بالنسبة إلى قوم يزنون الأمور بموازين الربح و الخسارة في الدنيا؛ فإن من كان كذلك لا يلتزم بالصدق-مثلا-لأجل أن له قيمة أخلاقية أو إنسانية، أو لأن فيه رضا اللّه سبحانه و تعالى و إنما يلتزم به لأنه يجلب له نفعا دنيويا ملموسا، أو يدفع عنه ضررا كذلك. . و بدون ذلك؛ فإنه لا يجد مبررا و لا دافعا للالتزام به، بل هو حين يلتزم بصدق لا يشعر بنفعه الدنيوي يجد نفسه متناقضا مع مبدئه، و مع منطلقاته في التفكير و في العمل، التي رضيها لنفسه.
و كذلك الحال بالنسبة لسائر الكمالات و الفضائل الإنسانية، و بالنسبة لكل الالتزامات، و العهود، و المواثيق، التي يفرضها عليه واقع دنيوي معين؛ فإنه إذا تجاوز ذلك الواقع، فسوف لا يجد ما يبرر التزامه بذلك الكمال، و تلك الفضيلة، أو وفاءه بهذا العهد و الميثاق، أو ذاك. بل كل المبررات متضافرة لديه، و كل القناعات حاكمة عليه بلزوم نقضها، و النكث بها، و الالتزام بضدها.
الثاني:
بالنسبة لالتزام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين بعهودهم و مواثيقهم: فقد اتضح: أنهم لا بد أن يكونوا فيها على العكس من اليهود تماما، إذ قد أصبح من البديهي: أن العهد، و الميثاق و كل شيء آخر يفرضه عليهم
الشرع، و العقل، و الإنسانية، إنما يمثل لهم قيمة أخلاقية و إنسانية، وحدا شرعيا، لا بد لهم من الالتزام به، و الوقوف عنده: إن ذلك يمثل جزءا من وجودهم، و من شخصيتهم، و إن الإخلال به سوف يوقعهم في تناقض مع أنفسهم بالدرجة الأولى، و لسوف يجعلهم وجها لوجه مع أحكام العقل، و مقتضيات الفطرة.
الثالث:
أما بالنسبة لموقف المسلمين الصارم و الحازم من ناقضي العهود و المواثيق، فإن ذلك هو ما تفرضه عليهم المسؤوليات الإنسانية و الإسلامية أيضا، بعد أن رضي أولئك المعتدون و الناقضون للعهود بتحمل نتائج عملهم، و أصبحوا و باء يريد أن يغتال فرص الخير من بين أيدي أهلها، و أحق الناس بها.
و ذلك لأن نقض العهود معناه: استخدام مناشئ القوة في سبيل ضرب مواقع الخير، و مناشئه، و تكريس الامتيازات لجهة الشر، و الانحراف، الذي لا بد أن تنال سلبياته، و يمتد و باؤه إلى كل مواقع الخير، و السلامة و يقضي عليها.
فتصبح الحركة لضرب الشر في مواقعه و مناشئه حالة طبيعية يمارسها الإنسان المسلم، و مسؤولية إلهية و إنسانية، و عقلية، و فطرية، يفرضها واقع الحياة، و حق الدفاع عن الوجود، و عن الإنسانية و الفطرة.
الجرأة و مبرراتها:
و بعد كل ما تقدم، فإن السؤال الذي ربما يراود ذهن البعض هو: أنه قد تقدم: أن اليهود، و كل من لا يؤمن بالآخرة، و كذلك كل من يرى: أن الدنيا هي كل شيء بالنسبة إليه. . لا يمكنهم أن يقدموا على الموت و على
التضحية بالنفس إلا في حالات نادرة، تتدخل فيها عناصر من شأنها أن تلقي و لو في فترات قصيرة و خاطفة تأثيرات تلك الرؤية، و ذلك الفهم الخاطئ، لموضوع المعاد و الجزاء، و للآخرة، و انعكاسات ذلك الفكر، أو حيث لا يكون لهم ثمة خيار آخر يمكنهم اللجوء إليه، و الاعتماد عليه.
و معنى ذلك هو: أن اليهود، و كذلك المشركين، سوف لا يكونون قادرين على اتخاذ قرار الحرب، و هم يرون أنها سوف تحرق الأخضر و اليابس؛ فكيف يمكن فهم غدرهم بعهودهم، و نقضهم لمواثيقهم، ثم سعيهم لإثارة الحروب مع الآخرين، ثم تحالفهم مع المشركين و المنافقين لحرب المسلمين؟ ! أليس الأنسب بطريقتهم في التفكير، و الأحرى و الأجدر بهم، في ظل ماديتهم، و عدم إيمان الكثيرين منهم بالآخرة، أن يعيشوا بسلام مع المسلمين، و مع غيرهم، و أن يبتعدوا بأنفسهم عن كل ما يثير، و يوجب تأزما في العلاقات، مع أي طرف كان؟ !
و الجواب:
أن ذلك صحيح في حد نفسه لو لا أن اليهود كانوا واقعين تحت تأثير التصورات و الأمور التالية:
1-إنهم يرون: أن الخطر الذي يتهددهم من جهة المسلمين، أعظم و أشد، و هو حتمي بالنسبة إليهم. . أما الخطر الآتي من قبل نكث العهود، و ما ينشأ عنه من حروب، و مشاكل، فليس-بنظرهم-بهذه الدرجة من الحتمية، و لا هو بهذا المستوى من الخطورة، فقد كانت الحرب نفسها تخضع لاحتمالات إيجابية بالنسبة إليهم سواء على مستوى القرار لديهم-لاحتمال مساعدة المشركين و المنافقين لهم، أو على مستوى القرار لدى الفريق الآخر،
و هم المسلمون-و لا سيما بملاحظة وجود المنافقين فيهم-حيث يرون أن الوضع العام للمسلمين لا يسمح لهم باتخاذ قرار الحرب، الأمر الذي يجعل ارتكاب أخطار الحرب أهون عليهم، و أقرب إلى احتمالات السلامة لهم. أو على مستوى النتائج، و الآثار، بالنسبة لكلا الفريقين على حد سواء.
2-إن المسلمين، و إن كانوا قد أثبتوا-و لا سيما في حرب بدر-أنهم مقاتلون من الدرجة الأولى، و أنهم لا يهمهم شيء سوى رضا اللّه سبحانه. . فإن هذا الامتياز يمكن أن يصبح غير ذي أهمية، حينما تكون ثمة حصون قادرة على جعل كل هذه الكفاءات بدون أثر و لا جدوى، و هو ما أشار إليه سبحانه بقوله: . . وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مٰانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ. . (1).
و من الواضح: أن المسلمين لم يثبتوا بعد: أن لديهم قدرات، و كفاءات لمواجهة حصون اليهود، أو غيرهم.
3-إن اليهود يعتقدون: أنهم أبناء اللّه و أحباؤه، و أنهم شعب اللّه المختار، و معنى ذلك هو: أن دعوة محمد «صلى اللّه عليه و آله» سوف تصبح خطرا أكيدا على امتيازهم هذا الذي يرون فيه مبرر وجودهم، و رمز كل عزتهم، و خلاصة مجدهم.
فكانوا يجدون أنفسهم ملزمين بإضعاف أمر هذه الدعوة، و إسقاطها، بقدر ما هم مكلفون بالحفاظ على حياتهم و وجودهم، و كل خصائصهم.
و هم معنيون أكثر من أي فريق آخر بذلك؛ لأن خسارتهم هذه الورقة، و فقدانهم هذا الأمر إنما يعني خسارتهم لكل شيء.
1) الآية 2 من سورة الحشر.
و ما ذلك إلا لأنهم يزنون الأمور بميزان مادي بحت من جهة و لأن الحالة الشعورية الانفعالية قد أصبحت هي المهيمنة على كل تفكيرهم، و على كل تصوراتهم، و هي التي تحركهم في هذا الاتجاه تارة، و في ذاك الاتجاه من جهة أخرى.
و يحاول البعض أن يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ذهب إلى بني النضير، ليطلب منهم مساعدة لدفع دية العامريين، و لما كانت النضير حليفة عامر؛ فلا شك أن تعقيدات نتجت عن ذلك، و إن كانت المصادر لا تتحدث عنها.
و لربما فكر محمد بأن على اليهود أن يدفعوا أكثر مما يدفعه متوسط سكان المدينة، فراق لليهود أن يدفعوا أقل (1).
و نقول:
إن ملاحظة العبارات الآنفة الذكر تعطينا: أن الهدف هو الإيحاء بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يطلب من بني النضير دفع شيء لم يكونوا ملزمين بدفعه.
و أنه قد أحرجهم بطلبه ذاك، للحلف الذي كان بينهم و بين بني عامر.
و إذا، فبنو النضير يصبحون ضحية أطماع مالية لا مبرر لها، و لا يصح مطالبتهم بها، لا واقعا، و لا أخلاقيا.
1) محمد في المدينة ص 322.
كما أن إحراجهم بسبب الحلف المشار إليه، يصبح عملا لا إنسانيا و لا أخلاقيا.
فكيف إذا كانت المساومة فيما بين المستجدي و الضحية قد بلغت حدا نتجت عنه تعقيدات نزل الوحي الشيطاني بها على هؤلاء رغم أن المصادر لم تتحدث عنها؟ !
و فوق ذلك، فقد بلغ الصلف، و الظلم، و الابتزاز حدا من الدناءة و السوء جعل محمدا-و العياذ باللّه-يفكر في أن يحملهم القسط الأكبر في ديّة رجلين لم يكن لهم في قتلهما يد، لا من قريب، و لا من بعيد، و ينزل الوحي الشيطاني أيضا على هؤلاء ليقول لهم: إن محمدا قد فكر في ذلك، لكن راق لليهود أن يدفعوا أقل.
و لكن اليهود المظلومين (! !) الذين وقعوا في فخ الأطماع الرخيصة (! !) عادوا فاستسلموا لهذا الظلم المقيت (! !) و أعلنوا أنهم على استعداد لإعطاء جواب مرض.
ثم تعاملوا مع هذا الذي يريد أن يبتزهم بأخلاقية عالية و نبيلة، حين طلبوا منه أن يستريح، بينما كانوا يعدون له الطعام.
ثم يتابع هذا الحاقد كلامه عن ذكر إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم يأمرهم بمغادرة المدينة، تحت طائلة الموت في مدة عشرة أيام، على أن يبقى نخلهم لهم؛ و يحتفظوا بنصف المحصول، فيقول:
«إن هذا الإنذار لا يتناسب مع الإهانة، أو الادعاءات الغامضة، بصدد
خيانة مقصودة. .
و مع ذلك، يمكن لهذه الادعاءات: أن لا تبدو غامضة لرجل غربي في أيامنا هذه. فقد كان الفريقان يعلمان كيف عامل بعض المسلمين كعب بن الأشرف. و كان محمد يعلم جيدا-حسب الآراء السائدة في الجزيرة العربية آنذاك-أنه إذا سنحت الفرصة المناسبة انتهزها أعداؤه، و قتلوه. و كان التأخير في إعطاء الجواب لإتاحة الفرصة لقتله، و لهذا اعتبر عملا عدائيا. .» (1).
و نقول:
إننا لم نفهم السبب في وضوح هذه الادعاءات، و خروجها عن الغموض لخصوص الرجل الغربي في أيامنا هذه (! !)
كما أن هذا الباحث (! !) لم يقل لنا: ما هو حجم الإنذار الذي يتناسب مع الإهانة و الخيانة، إذا كان إنذاره «صلى اللّه عليه و آله» لا يتناسب معهما (! !) .
فهل يقصد هذا الباحث (! !) أن المفروض هو أن يكون قتل بني النضير هو الجزاء العادل لخيانتهم، و تآمرهم، و نقضهم للعهد؟
أم أنه يقصد: أن طلب الجلاء منهم مع احتفاظهم بنخلهم، و يكون لهم نصف المحصول، كان جزاء ظالما، لا يصح طلبه من الخائن المتآمر، الناقض للعهود، و المواثيق؟ ! . .
و بعد. . فإن هذا الباحث (! !) يريد أن يوحي لقرائه بأن كعب بن الأشرف قد قتل مظلوما أيضا، و أن المسلمين قد عاملوه بقسوة لا يستحقها.
و لا ندري إن كان قبل أن يظهر تعاطفه مع هذا الرجل قد اطلع على
1) محمد في المدينة ص 322 و 323.
سلسلة خيانات ابن الأشرف، و مواقفه الظالمة، و سعيه الحثيث للإيقاع بالمسلمين، أم لم يطلع على شيء من ذلك. .
و هل يستطيع: أي نظام حكم غربي-يدّعي لنفسه الحضارة و الرقي- في هذا العصر، أن يحكم على أمثال كعب بن الأشرف و يجازيه بأقل مما حكم عليه به المسلمون، و جازوه به؟ ! . .
و بعد كل ما تقدم، لماذا اعتبر هذا الباحث: أن ما يذكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون عن خيانات بني النضير، و تآمرهم، و نقضهم العهد مجرد ادعاءات غامضة؟ ! و ها نحن نراها واضحة وضوح الشمس، و تقدم تفصيلات وافية، مستندها الوحي الإلهي عن خطط اليهود، و مواقفهم.
و لم يستطع اليهود: أن يدفعوا التهمة عن أنفسهم، و لا حاولوا ذلك و لو مرة واحدة.
هذا كله، عدا عما تقدم من أن أخبار المؤامرة و الخيانة قد وصلت إلى المسلمين أيضا عن طريق بعض اليهود أنفسهم (1).
و نكتفي بهذا القدر من الأسئلة، التي لن تجد لها لدى هؤلاء الحاقدين جوابا مقنعا و مفيدا.
فإنما هي: «شنشنة أعرفها من أخزم» .
1) تقدم ذلك مع مصادره حين الكلام عن إخبار المرأة أخاها المسلم عن تآمر اليهود على حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
لقد كان من المتوقع-بعد نقض بني النضير للعهد، و خيانتهم الظاهرة-: أن يكون قرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو حربهم و قتالهم، و إبادة خضرائهم؛ فإن ذلك هو الجزاء العادل لكل خائن و غادر، و لا سيما إذا كان يخطط و يتآمر، ثم يعمل على تنفيذ خططه بضرب الإسلام في الصميم، على مستوى ضرب مقام النبوة و القيادة في أعلى مستوياتها، و أخلص تجلياتها.
و لكن الملاحظ هو: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد آثر أن يعامل بني النضير-كما عامل بني قينقاع قبلهم-بمزيد من الرفق و التسامح، و لعل ذلك يرجع إلى الأمور التالية:
1-إن هؤلاء القوم قد عاشوا دهرا في هذه المنطقة، و أصبحت لديهم الكثير من العلاقات الإقتصادية و التجارية، و غيرها، إلى جانب علاقات الصداقة و المحبة مع سائر أهل البلاد الذين قبل كثير منهم الإسلام دينا و هداهم اللّه للإيمان. .
و إذا. . فقد يعز على الكثيرين ممن لهم معهم علاقات كهذه أن يروهم و قد حاقت بهم المصائب و البلايا، و اختطفت الكثيرين منهم أيدي المنايا، فيعتبرون أنهم قد عوملوا بقسوة بالغة، و بلا شفقة و لا رحمة، و قد كان
يمكن أن يكون الموقف أكثر مرونة و انعطافا و ملاءمة من ذلك.
2-إن الكثيرين من الناس كانوا مبهورين بأهل الكتاب و اليهود بالذات، و ينظرون إليهم على أنهم مصدر العلوم و المعارف، و عندهم الكثير من الخفايا و الأسرار. . و على هذا فقد يفسر ضربهم بقسوة على أنه ناشئ عن حالة من التخوف منهم، أو الحسد و البغي عليهم.
و إذا كان كذلك فلا حرج من أن يتخيلهم المتخيلون شهداء و أبطالا، لا بد من التأسف عليهم، بل و الحنين إليهم. .
3-و من جهة أخرى، فإن رؤية ذلهم و صغارهم، ثم مراقبة ما يصدر منهم خلال ذلك من مواقف ماكرة و غادرة، و من مخالفات صريحة للأعراف، و لأحكام العقل و الفطرة، و الضمير، لسوف يساهم في كشف زيفهم و خداعهم و غشهم للإسلام و للمسلمين.
كما أن رؤية الكرامات الإلهية الظاهرة، و التأييدات الربانية الخفية منه تعالى لنبيه و للمسلمين، و نصره تعالى عليهم لسوف يرسخ حقانية موقف الإسلام، و نبي الإسلام منهم.
هذا. . مع توفر المزيد من الفرص للإنسان المسلم الواعي للتأمل و التدبر في ذلك كله، بعيدا عن الانفعالات و التشنجات، و في منأى عن أعمال التضليل و التزوير، التي ربما يمارسها الكثيرون من المنافقين، و باقي اليهود الذين يتعاطفون معهم.
و من هنا. . فقد جاء قرار إجلائهم عن المدينة ليكون القرار الحكيم و الصائب، و ليكون هو الأوفق و الأنسب و الأقرب لتحقيق الأهداف الإلهية السامية و الكبرى.
و قد أبلغهم النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بقراره هذا، عن طريق رسول أرسله إليهم، ليرى ماذا يكون جوابهم و يعلم الناس حقيقة موقفهم. .
4-كما أن في ذلك التفافا أيضا على المنافقين، و على كل المتربصين بالمسلمين و الإسلام سوءا، من أن يجعلوا ذلك ذريعة للتحريض و التشهير بالإسلام و بنبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . .
إن النص التاريخي يقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أراد أن ينذر بني النضير، قال: ادعوا لي محمد بن مسلمة، فحين أتى أرسله إليهم ينذرهم بوجوب مغادرتهم مساكنهم (1). و لا بد لنا من وقفة هنا، لنعلم السر في اختياره «صلى اللّه عليه و آله» هذا الرجل بالذات-محمد بن مسلمة- ليكون رسوله إلى يهود بني النضير، فنقول: إن الأوس كانوا حلفاء لبني
1) الثقات ج 1 ص 241 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 552، و المغازي للواقدي ج 1 ص 367 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 427. و إرسال محمد بن مسلمة إليهم موجود في مختلف المصادر، فراجع على سبيل المثال: السيرة الحلبية ج 2 ص 264 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و إعلام الورى ص 89 و تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و مجمع البيان ج 9 ص 258 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 147 و البحار ج 20 ص 160 و 164 و 169 عن بعض من تقدم، و عن الكازروني و غيره. و راجع سائر المصادر التي سلفت و ستأتي.
النضير (1)، و لربما كان يدور بخلدهم أن يكون للأوس دور إيجابي لصالحهم، و لا أقل من أن يكون لهم موقف فيه شيء من العطف، و عدم القسوة تجاههم. .
إذا عرفنا ذلك: فإن اختيار رجل من الأوس ليحمل رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم يأمرهم فيها بالجلاء، لسوف يزيد من يأسهم، و يضاعف من تخوفاتهم و هو يمثل ضربة روحية موفقة ساهمت في المزيد من إضعاف معنوياتهم، و جعلتهم يراجعون حساباتهم بجدية، ثم يرضخون للأمر الواقع.
و يكفي أن نذكر شاهدا على ذلك: أنهم حين جاءهم محمد بن مسلمة الأوسي بالخبر، قالوا:
«يا محمد، ما كنا نظن: أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال محمد بن مسلمة: تغيرت القلوب، و محا الإسلام العهود.
فقالوا: نتحمل.
فأرسل إليهم عبد اللّه بن أبي: لا تخرجوا الخ. .» (2).
بل في بعض النصوص: أن محمد بن مسلمة هو الذي تولى إخراجهم من ديارهم (3).
و قال الواقدي: «كان محمد بن مسلمة الذي ولي قبض الأموال
و الحلقة، و كشفهم عنها» (1).
و واضح: أن ذلك أيضا يضاعف ذلهم و خزيهم، و يزيد من آلامهم، و قد كان يفترض فيهم: أن يأخذوا من ذلك عظة و عبرة، و أن يراجعوا حساباتهم بشأن هذا الرسول و دعوته؛ فقد تبين لهم أن الإسلام قد هيمن على القلوب و غيّرها، و محا الإسلام العهود.
و معنى ذلك هو: أن ثمة رعاية إلهية له «صلى اللّه عليه و آله» ، و لدينه، و رسالته الظافرة، و قد تجاوزت هذه الرعاية كل التوقعات، و قلبت جميع الموازين لديهم، و لدى غيرهم من المشركين، الذين كانوا يعيشون في المنطقة، و كانوا يتعاملون مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و مع الدين الذي جاء به من موقع التحدي، و المكابرة، و الجحود. .
فما كان أحراهم بعد أن عاينوا ما عاينوا من آيات بينات، و من كرامات و معجزات، أن يسلموا و يشهدوا لنبي الإسلام بالرسالة و النبوة، و لكنهم لم يفعلوا. . بل جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا.
و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : تقدم إلى بني النضير، فأخذ أمير المؤمنين الراية، و تقدم، و جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحاط بحصنهم (2).
و حسب نص آخر: و حمل لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب (1).
و لكن الواقدي قال: «و قد استعمل عليا «عليه السلام» على العسكر، و قيل: أبا بكر» (2).
و نقول: لا بد من الإشارة هنا إلى أمرين:
الأول: بالنسبة لاستعمال أبي بكر على العسكر، فإنه قول منسوب إلى مجهول، لم يجرؤ الواقدي على ذكر اسمه، و لا مستنده، و نحن نشك في كونه مختلقا و موضوعا على أبي بكر؛ و ذلك لما قدمناه من أن عليا كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر و في كل مشهد (3).
1) الثقات ج 1 ص 242 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و الوفاء ص 689 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني و غيره، و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 74 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 555 و زاد المعاد ج 1 ص 71 و حبيب السير ج 1 ص 355 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264 و 265 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261.
2) المغازي للواقدي ج 1 ص 371 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
3) راجع: ترجمة الإمام علي أمير المؤمنين، من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 154. و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، و الطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 14 و كفاية الطالب ص 336 و في هامشه عن كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، و راجع: هامش ص 180 من احتجاج الطبرسي عن الرياض النضرة ج 2 ص 267 و 202 عن نظام الملك في أماليه. و راجع أيضا: مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي ص 200 و المناقب للخوارزمي ص 258 و 259 و عمدة القاري ج 16 ص 216 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 500 و تلخيصه-
و قد صرحوا: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤمّر على علي أحدا «عليه السلام» (1)، و قد كان «عليه السلام» في غزاة بني النضير، فكيف يكون قد أمّر أبا بكر عليه؟ !
و عدا عن ذلك كله. . فإن أبا بكر لم يكن معروفا بالشجاعة و الإقدام، إن لم نقل: إن الأمر كان على عكس ذلك تماما، حسبما أو ضحناه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، حين الكلام حول حرب بدر، و ما يذكر من شجاعة أبي بكر فيها، لبقائه مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في العريش.
و من الواضح: أن إمارة الجيوش و راياتها إنما تكون بيد الشجعان و أصحاب النجدة، قال علي «عليه السلام» : و هو يحث أصحابه على القتال:
«و رايتكم فلا تميلوها، و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، و المانعين الذمار منكم؛ فإن الصابرين على نزول الحقائق، هم الذين يحفون براياتهم و يكتنفونها؛ حفا فيها، و وراءها، و أمامها، لا يتأخرون عنها فيسلموها، و لا يتقدمون عليها، فيفردوها» (2).
(3) -بهامش نفس الصفحة للذهبي و صححاه على شرط الشيخين و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288 و حياة الصحابة ج 2 ص 514 و 515 و تاريخ الخميس ج 1 ص 434 و فتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد و أسد الغابة ج 4 ص 20 و أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 106 و شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 6 ص 289، و الغدير للعلامة الأميني ج 10 ص 168 عنه.
و لعل الهدف من تلك الأكذوبة التي نسبها الواقدي إلى القيل: هو التشكيك فيما هو حق و صدق فيما يرتبط بعلي «عليه السلام» ، و التخفيف من حدة النقد الموجه إلى أبي بكر، بسبب ما عرف عنه من إحجام عن خوض الغمرات، و الفرار في مواطن الخطر، و التحدي الحقيقي، كما جرى له في أحد و خيبر و غيرهما، مما هو مسطور في كتب الحديث و التاريخ.
الثاني: إن من الواضح: أن حمله «عليه السلام» لراية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قيادته للعسكر لمما يزيد في رعب اليهود، و يهزمهم نفسيا.
كيف لا. . و قد كانت أخبار مواقفه و بطولاته في بدر-و كذا في أحد، لو صح كون غزوة بني النضير بعدها، و قد استبعدناه-قد أرهبت و أرعبت القاصي و الداني، من أعداء اللّه و أعداء رسوله و دينه.
فهو قد قتل نصف قتلى المشركين، و شارك في قتل النصف الثاني في حرب بدر، و في أحد-لو كانت القضية بعدها-كان الفتح و حفظ الإسلام على يديه، و قد آثرت قريش الفرار على البقاء و القرار، حينما علمت أنه «عليه السلام» يلاحقها في غزوة حمراء الأسد، رغم ما كانت تشعر به من زهو و خيلاء بالنسبة للنتائج التي تمخضت عنها حرب أحد.
لما توجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بني النضير عمد إلى حصارهم، فضرب قبته في أقصى بني خطمة من البطحاء.
فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم، فأصاب القبة، فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن تحول قبته إلى السفح، و أحاط بها المهاجرون
و الأنصار. (و عند الواقدي: أنها حولت إلى مسجد الفضيخ) .
فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين «عليه السلام» ؛ فقال الناس: يا رسول اللّه، لا نرى عليا.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أراه (1)في بعض ما يصلح شأنكم.
فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و كان يقال له: عزورا-فطرحه بين يدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كيف صنعت؟
فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريّا شجاعا؛ فكمنت له، و قلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، يطلب منا غرة.
فأقبل مصلتا بسيفه، في تسعة نفر من اليهود؛ فشددت عليه، و قتلته، فأفلت أصحابه، و لم يبرحوا قريبا؛ فابعث معي نفرا فإني أرجو أن أظفر بهم.
فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه عشرة، فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة، و سهل بن حنيف؛ فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن؛ فقتلوهم، و جاؤوا برؤوسهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأمر أن تطرح في بعض آبار بني خطمة.
و كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير.
و في ذلك يقول حسان بن ثابت:
للّه أي كريهة أبليتهاببني قريظة و النفوس تطلع
1) في مغازي الواقدي و السيرة الحلبية: دعوه فإنه في بعض شأنكم.
أردى رئيسهم و آب بتسعةطورا يشلهم (1)و طورا يدفع
و حسب نص الواقدي و دحلان: أن القبة كانت من غرب (ضرب من الشجر) عليها مسوح، أرسل بها إليه سعد بن عبادة فأمر بلالا، فضربها في موضع المسجد الصغير الذي بفضاء بني خطمة و صلى بالناس في ذلك الفضاء، فلما رماها، «عزوك» -كما في الواقدي-بالسهم حولت إلى مسجد الفضيخ.
إلى أن تقول الرواية: فيئسوا من نصرهم، فقالوا: نحن نخرج من بلادك الخ. . (2).
و نحن نسجل هنا الأمور التالية:
إن تحويل النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قبته إلى السفح، حتى لا تنالها يد العدو، يعطينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتحرك من موقع الحكمة و التدبير، وفقا لأحكام العقل و جريا على مقتضيات الفطرة.
و أما المعجزة، و التصرف الإلهي الغيبي، فإنما كان في حالات خاصة، حيث تمس الحاجة لذلك، و تفرضه ضرورة حفظ الإسلام، و رمزه الأول، كما كان الحال بالنسبة لإخبار جبرئيل «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه
و آله» بتآمر بني النضير على حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما ذهب إليهم يستمدهم في ديّة العامريين، حسبما تقدم. .
و كما كان الحال بالنسبة إلى الإمداد بالملائكة في حرب بدر، إلى غير ذلك من موارد فرضت التدخل الإلهي، و حدوث المعجزة و الكرامة، من أجل حفظ الإسلام في منطلقاته الأساسية، و في رموزه الأولى و الكبيرة.
و لعل تحول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى السفح بعد وصول النبل إلى تلك الخيمة كان يهدف إلى تعليم المسلمين هذا الدرس بالذات بالإضافة إلى دروس أخرى تأتي.
إن تحرك أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» لمواجهة الخطر اليهودي إنما جاء من منطلق الإحساس بالمسؤولية، و نتيجة للشعور بالواجب، و الثقة باللّه سبحانه. . حتى و لو لم يصدر الأمر به من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، تفاديا لبعض السلبيات.
و هذا الإحساس و الشعور لم نجده عند سائر الصحابة، الذين كانوا حاضرين مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و شهدوا ما شهده علي «عليه السلام» ، و عاينوا ما عاينه.
إن سرية تحرك أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» ، و عدم إفصاح النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن طبيعة المهمة التي كان أمير المؤمنين بصدد تحقيقها، حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر إلى أن طابعها كان عسكريا أو
استطلاعيا، أو تموينيا، أو غير ذلك. .
إن هذه السرية مطلوبة في كل عمل عسكري-إلا ما كان ذا طبيعة خاصة-ليمكن تحقيق الأهداف المتوخاة من ذلك العمل على النحو الأفضل و الأكمل.
و قد كان من الطبيعي أن يتسرب الخبر في ظروف كهذه إلى بني النضير -لو أفصح به النبي «صلى اللّه عليه و آله» -عن طريق المنافقين، و لعل ذلك يؤدي إلى تفويت الكثير من الفرص، و إلى أن تفقد العملية عناصر هامة من شأنها أن تساعد على إحراز نصر كبير فيها، كأن يتمكن بنو النضير من نجدة سريتهم العاملة، و لا أقل من تمكن المنافقين من مساعدة عناصر السرية اليهودية على الفرار و النجاة، أو الاختفاء في الأمكنة المناسبة لذلك. .
إن قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : «إني رأيت هذا الخبيث جريّا شجاعا؛ فكمنت له، و قلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، فيطلب منا غرة» يعطينا: أنه لا بد من دراسة حالات العدو، و خصائصه النفسية، فإن لذلك أثرا كبيرا في العمل العسكري، و له دور هام في تعيين مستقبل الحرب، و أسلوب حركتها و نتائجها.
إن كلمة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الآنفة الذكر، لتعطينا: أنه لا بد من أن تكون لدى الكوادر القيادية القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يخطط له العدو، و طرح الافتراضات و الخيارات كافة التي يمكن أن يلجأ إليها،
لمواجهتها من موقع الوعي و الدراسة و التخطيط، حتى لا تتحول إلى مفاجأة يتعامل معها من موقع العفوية و الارتجال، وردة الفعل، و الانفعال.
و بعد. . فلم تكن مبادرة أمير المؤمنين لإفشال المخططات المحتملة للعدو إلا إيذانا بضرورة القيام بعمليات وقائية، و ضرب العدو في مواقعه، و بصورة مفاجئة، و قوية، فإن ذلك من شأنه أن يلحق به هزيمة نفسية، فضلا عن الهزيمة العسكرية الساحقة.
إن شعر حسان الآنف الذكر يدل على: أن عليا «عليه الصلاة و السلام» هو الذي آب بالتسعة، و أنه قد قتل بعضهم، و آب بالبعض الآخر أحياء.
و لعل دور العشرة الذين أرسلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه قد اقتصر على أمور ثانوية و هامشية في عملية أسر التسعة، أو قتلهم، و إن الدور المصيري و الأهم إنما كان لأمير المؤمنين «عليه السلام» .
و لأجل ذلك لا يصغى إلى ما ذكره الحلبي، حينما ذكر إرسال العشرة مع علي «عليه السلام» لقتل التسعة فقتلوهم، و طرحوهم في بعض الآبار، حيث قال الحلبي: «. . و في هذا رد على بعض الرافضة حيث ادّعى: أن عليا هو القاتل لأولئك العشرة» (1).
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
و كان من الطبيعي: أن يكون لهذه الضربة تأثير كبير على معنويات بني النضير، و أن يضج الرعب في قلوبهم. فإن تصدي رجل واحد من المسلمين لعشرة منهم، ثم قتل العشرة جميعا، يؤذن بأن المسلمين قادرون على إبادتهم، و استئصال شأفتهم بسهولة و يسر.
و إذا كان يمكن اعتبار حرق الأشجار و قطعها تهديدا، و ممارسة لمستوى من الضغط، قد يتم التراجع عنه، حين يؤول الأمر إلى سفك الدماء، و إزهاق الأرواح، فإن هذا التراجع قد أصبح غير محتمل على الإطلاق، بعد أن باشر المسلمون عملا عسكريا بهذا المستوى، و بهذه الشدة و الصلابة و التصميم.
و لقد باشر هذا الأمر رجل هو أقرب الناس إلى رسول اللّه، و أعرفهم بنواياه و آرائه، و أشدهم اتباعا له. رجل عرفوا بعض مواقفه المرعبة في بدر و ربما في أحد. . و هو علي بن أبي طالب «عليه الصلاة و السلام» .
إذا. . و بعد أن تخلى عنهم حلفاؤهم، و لم يف لهم المنافقون بما و عدوهم به، فإنهم لم يبق لهم إلا هذه الأحجار التي يختبئوون خلفها كالفئران. و لكن إلى أي حد يمكن لهذه الحجارة أن تدفع عنهم، و كيف و أنى لهم برد هجوم الجيش الإسلامي عنها حين يصمم على تدميرها؟ !
فقد جاءهم ما لم يكن بالحسبان، فَأَتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ (1)و «كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير» كما تقدم في النص السابق.
1) الآية 2 من سورة الحشر.
و من جهة أخرى: فإن الضربة الموفقة لا بد أن تقوي من معنويات الجيش الإسلامي. و قد حصنته من أن يصاب بالضعف و الوهن لدى المواجهة الأولى مع عدو لا يرى سبيلا إليه، ما دام بالحصون المنيعة، بالإضافة إلى قدرات قتالية عالية لديه بنظر الكثيرين.
و مما ذكرناه: يتضح معنى العبارة المنقولة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا، حينما سئل عن علي «عليه السلام» حيث يقول: «أراه في بعض ما يصلح شأنكم» .
فإن هذه العملية كان لها أثر كبير في إصلاح شأن المسلمين-كل المسلمين-و إفساد أمر أعدائهم، و دحرهم و كسر شوكتهم، حيث أتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا.
و نلاحظ أيضا: أن الهدف العسكري الذي وضعه علي «عليه السلام» ، هو قتل قائد المجموعة بالذات.
و هذا العمل يعتبر نموذجيا، و ناجحا عسكريا مائة في المائة، فإن حدوث فراغ على مستوى القيادة يزعزع كل الثوابت، و يفقد المجموعة بأسرها كل فاعليتها و حيويتها، و تتحول إلى ركام خاو و رماد خامد.
و يلاحظ: أن شعر حسان قد ذكر: أن هذه القضية وقعت في بني قريظة، لكن الرواية تنص على حدوث ذلك في بني النضير. و هذا تناقض ظاهر، و لعل ملاءمة كلمة: «بني قريظة» لوزن الشعر، أكثر من كلمة «بني
النضير» يؤيد: أن يكون الشعر صحيحا و غير محرّف. .
و لكن هذا المقدار لا يكفي للحكم على الرواية بالتلاعب و التصرف فيها.
و ذلك لأن الرواية قد صرحت: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» في حصار بني النضير قد ضرب قبته في أقصى بني خطمة من البطحاء.
و هذا يعني: أن بني خطمة كانوا يسكنون في مجاورة بني النضير.
و إذا، فمن المفيد: أن نحدد موقع بني خطمة، و بني النضير، و بني قريظة؛ ليتضح من ثم أن حصول التلاعب في الشعر هو الأقرب و الأنسب فنقول:
أما بالنسبة لبني قريظة، فإنهم يقولون: إنهم نزلوا بالعالية على وادي مهزور (1)و ذلك حيث يقع مسجد بني قريظة، الذي هو شرقي مسجد الشمس (أعني مسجد الفضيخ) الذي يقع هو الآخر شرقي مسجد قباء (2)في الحرة الشرقية، المعروفة بحرة و اقم، و تسمى حرة بني قريظة أيضا، لأنهم كانوا بطرفها القبلي (3).
أما بنو النضير، فقد نزلوا بالعالية أيضا على وادي مذينب، و هو شعبة
من سيل بطحان (1).
و قد نقل ابن عساكر و الحموي عن الواقدي: أن منازلهم كانت بناحية الغرس و ما والاها مقبرة بني حنظلة (2)أو خطمة (3).
قال السمهودي: «الظاهر: أنهم كانوا بالنواعم، و تمتد منازلهم و أموالهم إلى ناحية الغرس، و إلى ناحية الصافية، و ما معها من صدقات النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و بعض منازلهم كانت بجفاف، لأن فاضجة (أطم لبني النضير، معجم البلدان ج 4 ص 231) به، و رأيت بالحرة في شرقي النواعم آثار حصون و قرية بقرب مذينب، يظهر أنها من جملة منازلهم» (4).
و أما منازل بني خطمة، فإن المطري يقول: إنها قرب مسجد الشمس بالعوالي (5).
لكن السمهودي قد رد على ذلك بقوله: «و الأظهر عندنا: أنهم بقرب الماجشونية، لقول ابن شبة في سيل بطحان: إنه يصب في جفاف، و يمر فيه، حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة، و الأغرس، و قوله في مذينب: إنه يلتقي هو و سيل بني قريظة بالمشارف، فضاء بني خطمة.
و سيأتي: أن ذلك عند تنور النورة، الذي في شامي الماجشونية، و قد رأيت آثار القرية و الآطام هناك» (1).
إذا عرفت هذا فإننا نقول:
إن الرواية هي الصحيحة، و إن شعر حسان هو الذي تعرض للتلاعب العفوي أو المتعمد؛ و ذلك لأن الرواية قد صرحت-كما صرح غيرها-: بأن فضاء بني خطمة ملاصق للمواقع المحاصرة، لأن السهام كانت قد نالت القبة التي ضربها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أقصى بني خطمة.
و قد كان بنو خطمة قرب بني النضير لا قرب بني قريظة. . و كان الفاصل بين قريظة و النضير شاسعا جدا. فقد كان بنو قريظة جنوبي المدينة شرقي مسجد قباء، و مسجد الشمس، في الطرف القبلي للحرة الشرقية.
أما بنو النضير، فقد كانوا شرقي المدينة المتمايل إلى جهة الشام شمالا. .
و نحن في مقام التدليل على هذين الأمرين: أعني بعد قريظة عن النضير، و قرب بني خطمة من هؤلاء لا أولئك نقسم الكلام إلى قسمين؛ فنقول:
أما بالنسبة لكون بني النضير شرقي المدينة؛ فيدل على ذلك:
أولا: قال ابن كثير: «كانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها، شرقيها» (2).
ثانيا: إن الصافية، و برقة، و الدلال و الميثب متجاورات بأعلى الصورين، من خلف قصر مروان بن الحكم (1).
و هذه المواضع المشار إليها هي من أموال مخيريق، التي أوصى بها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و كان هذا الرجل من بني النضير، و كانت حوائطه سبعة، و هي الأربعة المتقدمة بالإضافة إلى: حسنى، و الأعواف، و مشربة أم إبراهيم.
و قيل: بل هو من يهود بني قينقاع، كان نازلا ببني النضير، و كانت أمواله فيهم، و هي عامة صدقات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و عليه. . فإذا كانت تلك المواضع الأربعة متجاورات بأعلى الصورين، و كانت من أموال بني النضير، فنقول: إنهم يقولون: إن الصورين يقعان في أدنى الغابة، و الغابة في عوالي المدينة من جهة الشام (3).
و حسب نص آخر: أنها كانت على بريد من المدينة على طريق الشام (4). (و الصوران أيضا موقع في البقيع (5)، و البقيع يقع داخل المدينة) ، و ليس هذا الموضع قرب قصر مروان، فلا يتوهم ذلك.
ثالثا: قد صرحوا: بأن مشربة أم إبراهيم، و هي من أموال بني النضير،
من مخيريق، قد كانت في «القف» ، كما أن سائر أموال مخيريق قد كانت بقرب القف أيضا (1).
و معلوم: أن القف يقع في شرقي المدينة، لأن زهرة مما يليه، كما سنرى (2).
رابعا: قد صرحوا: بأن بني النضير كانوا يسكنون في قرية يقال لها: زهرة (3).
و زهرة تقع في شرقي المدينة، و بها تقع الصافية (4)، التي كانت من أموال مخيريق، و صارت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
كما أنهم قد ذكروا: أن زهرة هي الأرض السهلة بين الحرة و السافلة مما يلي القف (5).
و لعل التعبير الأدق، أن يقال: إن زهرة مما يلي طرف العالية، و ما نزل عنها، فهو السافلة و أدنى العالية ميل من المسجد (6).
خامسا: إن سهم عثمان الذي أعطاه إياه رسول اللّه «صلى اللّه عليه عليه
1) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1229 و 1230 و في ج 3 ص 826 عن الإستيعاب.
2) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 978.
3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 460 و البحار ج 20 ص 164 عن الكازروني و غيره، و في هامشه عن: المنتقى في مولود المصطفى ص 125. و راجع أيضا: بهجة المحافل ج 1 ص 214 و لباب التأويل ج 4 ص 244.
4) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 993.
5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1229.
6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1230.
و آله» من بني النضير أيضا (1).
و غافر و البرزتان أيضا، و هما من طعم أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من بني النضير (2)، و في بئر أريس أيضا (3).
و لعل كيدمة هي نفس الجزع الذي بقرب مشربة أم إبراهيم، و المعروف بالحسينيات، (و هو قرية في زهرة) و يعرف بلفظ (كيادم) بصيغة الجمع (4).
ثم إن السمهودي بعد أن ذكر: أن المعروف اليوم هو بئر أريس غربي مسجد قباء، و أنها ليهودي من بني محمم،
قد رد ذلك: بأن ما تقدم من كون سهم عثمان و عبد الرحمن بن عوف من بني النضير موجودا فيها يدل على خلاف ذلك؛ لأن بني النضير و بني محمم لم يكونوا بقباء، لا سيما و أن ابن زبالة يذكر: أن مهزورا يشق في أموال عثمان، يأتي على أريس، و أسفل منه، حتى يتبطن الصورين، فصرفه عثمان مخافة على المسجد الذي في بئر أريس.
و من الواضح: أن الموضع المعروف بقباء لا يمكن وصول شيء من مهزور إليه (5).
سادسا: روي عن جعفر: أن سلمان كان لناس من بني النضير؛ فكاتبوه
على أن يغرس لهم نخلا، ثم أفاءها اللّه على نبيه، فهي الميثب صدقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة (1).
و في رواية أخرى: أن امرأة من بني النضير قد كاتبت سلمان على أن يحيي لها موضعا اسمه «الدلال» ، فأعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فجاء، فجلس على «فقير» ، ثم جعل يحمل إليه الودي؛ فيضعها «صلى اللّه عليه و آله» بيده، فقال: «و الذي تظاهر عندنا: أنها (أي الدلال) من أموال بني النضير، و مما يدل على ذلك: أن مهزورا يسقيها، و لم يزل يسمع أنه لا يسقي إلا أموال بني النضير» (2).
قال السمهودي: «الذي يتحصل من مجموع ما تقدم: أن نخل سلمان الذي غرسه هو «الدلال» و قيل: برقة، و الميثب «و قيل: الميثب» (3).
و قد ذكر السمهودي هنا: أن «الفقير» الذي جلس عليه النبي اسم الحديقة بالعالية، قرب بني قريظة، ثم أورد على ذلك: بأن «الفقير» ليس من صدقات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما هو من صدقات علي «عليه السلام» (4).
و نقول: إننا نلاحظ هنا: أن التعبير الوارد هو: «جلس على فقير» ، فإذا كان هذا اللفظ اسما لحديقة، لم يصح قوله: جلس عليه، بل يقال: ذهب
إليه، و جلس فيه، أو في بعض جوانبه و نواحيه.
و الصحيح هو: أن «الفقير» هو الحفرة التي توضع فيها النخلة حين غرسها، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جلس فوقها بانتظار أن يأتيه سلمان بالودي ليضعه فيها؛ فصح أن يقال حينئذ: جلس على فقير. .
و لكن يبقى إيراد آخر، و هو: أن رواية رواها أحمد و الطبراني و غيرهما تفيد: أن الذي اشترى سلمان هو رجل من بني قريظة (1).
و يدل على ذلك أيضا: نفس كتاب المفاداة الذي صرح باسم ذلك الرجل، و أنه قرظي (2).
و نقول: إنه يمكن أن يكون ذلك القرظي زوجا لمالكة سلمان، التي كانت نضيرية، و كانت أموالها في منطقة قبيلتها، و قد تولى زوجها كتب الكتاب عنها، و ذلك ليس بالأمر الغريب، و لا البعيد عن المألوف.
ألف: و أما بالنسبة للقسم الثاني، أعني قرب بني خطمة من منازل بني النضير، و بعدهم عن منازل بني قريظة، فيدل على ذلك بالإضافة إلى صراحة نفس الرواية التي هي موضع البحث في ذلك:
أولا: قول المسعودي: «كانت منازل بني النضير، بناحية الغرس، و ما
والاها و مقبرة بني خطمة» (1).
ثانيا: تصريحهم بأن بئر غرس، حيث منازل بني النضير، إنما تقع في جهة بني خطمة (2)، فبنو خطمة إذا هم في منطقة زهرة منازل بني النضير. .
ثالثا: إن فضاء بني خطمة يقع شامي الماجشونية-كما ذكره السمهودي (3)- و الماجشونية تقع قرب تربة صعيب و بلحارث، كما أن منازل بني النضير تقع بناحية الغرس، و هي قرب تربة صعيب أيضا (4).
و ذلك يعني: أن بني خطمة كانوا قرب بني النضير، لا قرب بني قريظة.
رابعا: إن ما يدل على بعد بني خطمة عن بني قريظة: أن البويرة التي وقع الحريق فيها قد كانت قرب تربة صعيب و دار بلحارث بن الخزرج، و ليست هي البويرة المعروفة في قبلة مسجد قباء.
و يدل على ذلك ما رواه ابن زبالة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وقف على السيرة التي على الطريق، حذو البويرة؛ فقال: إن خير نساء و رجال في هذه الدور، و أشار إلى دار بني سالم، و دار بلحبلى، و دار بلحارث بن الخزرج.
و هذا الوصف لا يطابق الموضع الذي في قبلة مسجد قباء؛ لبعده
جدا (1).
و قد أكد السمهودي: في غير موضع من كتابه على هذا الأمر، ورد القول بأن البويرة هي في قبلة مسجد قباء، فراجع (2).
بل لقد ذكر البعض: أن البويرة موضع بين المدينة و تيماء (3)و لكن العسقلاني قد زاد على ذلك قوله: «و هي من جهة قبلة مسجد قباء إلى الغرب» (4).
و معلوم: أن تيماء موضع بين المدينة و الشام، و منازل بني قريظة إنما هي قبلي المدينة شرقي مسجد قباء أي في الجهة المقابلة لجهة الشام، فكيف يتلاءم قول العسقلاني هذا مع قوله بأنها إلى جهة تيماء؟ !
و مما يؤكد قول السمهودي المتقدم: أنهم يقولون في قصة إجلاء بني النضير: «فخرجوا على بلحارث بن الخزرج، ثم على الجبلية، ثم على الجسر، حتى مروا بالمصلى، ثم شقوا سوق المدينة، و النساء في الهوادج» (5).
و حين هم اليهود بالغدر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رجع إلى المدينة، و تبعه أصحابه لقوا رجلا خارجا من المدينة، فسألوه: هل لقيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
قال: لقيته بالجسر داخلا (1).
خامسا: و مما يدل على ذلك أيضا: أن وادي مهزور يأتي من شرقي الحرة، و من هكر، و حرة صفة، حتى يأتي على حلاة بني قريظة.
ثم يسلك منه شعيب؛ فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب، ثم يلتقي و سيل بني قريظة بفضاء بني خطمة، ثم يجتمع الواديان: مهزور، و مذينب، فيفترقان بالأموال (2)، و يدخلان في صدقات رسول اللّه كلها إلا مشربة أم إبراهيم، ثم يفضي إلى الصورين على قصر مروان بن الحكم (3).
و نص آخر يقول: إن دار بني أمية بن زيد شرقي دار الحارث بن الخزرج، أي أنهم كانوا قرب النواعم، و يمر سيل مذينب بين بيوتهم ثم يسقي الأموال.
و يشهد لذلك: أن ابن إسحاق ذكر في مقتل كعب بن الأشرف-و كان من بني النضير-أن محمد بن مسلمة و من معه بعد أن قتلوه سلكوا حسب قول ابن مسلمة على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة ثم على بعاث إلى آخره (4).
فقد اتضح من هذا النص: أن فضاء بني خطمة متصل بالأموال و الصدقات (التي هي في زهرة، و من أموال بني النضير) و أن قريظة
منفصلة عن فضاء بني خطمة ببني أمية بن زيد.
و أخيرا: فإن المتحصل مما تقدم هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نصب قبته في أقصى بني خطمة، و كانت نبال المحاصرين تناله، فانتقل إلى السفح، و هناك صلى بأصحابه.
و أن بني النضير كانوا أقرب إلى بني خطمة من بني قريظة. .
و كان بنو قريظة قبلي المدينة شرقي مسجد قباء. أما بنو النضير فكانوا شرقي المدينة إلى جهة الشام و شتان ما بينهما. . و كل ذلك يؤيد أن يكون الشعر هو المحرف، و الرواية هي الصحيحة. .
و يبقى أن نشير هنا: إلى أن ما ذكره الواقدي، و دحلان، من أن المسلمين قد جعلوا القبة أولا عند مسجد بني خطمة، فلما رماها (عزوك) - كما في الواقدي و غيره-اليهودي بالسهم، حولت إلى مسجد الفضيخ:
إن هذا لا يصح، و ذلك:
أولا: لأن مسجد الفضيخ يقع شرقي مسجد قباء، على شفير الوادي، على نشز من الأرض (1).
و قد عرفنا: أن منازل بني النضير بعيدة عن هذا الموضع جدا، كما أن فضاء بني خطمة كان بعيدا أيضا.
1) وفاء الوفاء ج 3 ص 821 و مرآة الحرمين ج 1 ص 418.
إلا أن يقال: إن كون مسجد الفضيخ في قباء موضع شك، و لا يصح، و إنما هو في بني خطمة، و سيأتي ما يدل على هذا حين الكلام عن تحريم الخمر.
ثانيا: إن النصوص تصرح: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب قبته في أقصى بني خطمة، على مرمى سهم من بني النضير. .
و يبعد أن يختط بنو خطمة مسجدهم في أقصى ديارهم، إلى جانب بني النضير.
و تذكر الروايات: أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر المسلمين بقطع نخل بني النضير، و التحريق فيه، و كان ذلك في موضع يقال له: البويرة؛ فناداه اليهود: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، و تعيب من صنعه، فما بال قطع النخل و تحريقها، فأنزل اللّه: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ (1).
1) الآية 5 من سورة الحشر. و أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بحرق و قطع النخيل موجود في المصادر التالية: جامع البيان ج 28 ص 23 و أسباب النزول للواحدي ص 237 و 238 و مسند الحميدي ج 2 ص 301 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 97 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و فتوح البلدان قسم 1 ص 19 و 20 و الجامع الصحيح ج 4 ص 122 و ج 5 ص 408 و مسند أحمد ج 2 ص 8 و 52 و 80 و 86 و 123 و 140 و مسند الطيالسي ص 251 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 و 32 و سنن الدارمي ج 2 ص 22 و المحلى ج 7 ص 294 و وفاء الوفاء ج 1 ص 290 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 429 و سيرة مغلطاي ص 53 و معجم البلدان ج 1 ص 512 و صحيح البخاري ج 3 ص 11 و 128 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 50 و 147 و 149 و 150 و البداية و النهاية ج 4 ص 79 و 77 و الثقات ج 1 ص 242 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197، و الأحكام السلطانية ص 64 و فتح الباري ج 7 ص 254 و 256 و الروض الأنف ج 3 ص 250 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 948 و جوامع الجامع ص 486 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و المغازي للواقدي ج 1 ص 381 و 372 و حبيب السير ج 1 ص 355 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1768 و سنن أبي داود ج 3 ص 38 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 و 6 و 7 عن مسلم و لباب التأويل ج 4 ص 246 و التفسير الكبير ج 29 ص 283 و زاد المعاد ج 2 ص 71 و الكشاف ج 4 ص 501 و تفسير الصافي ج 5 ص 154 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و 333 و 334 و الإكتفاء ج 1 ص 147 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 و صحيح مسلم ج 5 ص 145 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و فتح القدير ج 5 ص 199 و وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و بهجة المحافل ج 1 ص 214 و 215 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و منهاج السنة ج 4 ص 173 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 552 و الأموال ص 15 و مجمع البيان ج 9 ص 257 و غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 36 و البحار ج 2 ص 159 و 165 و 169 و تفسير القمي ج 2 ص 359 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و الدر المنثور ج 6 ص 188 عن بعض من تقدم، و عن سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن مردويه و النسائي و ابن أبي حاتم، و ابن إسحاق، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 310 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 207.
زاد البعض: أن أهل التأويل قالوا: «وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل اللّه: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . (1).
قال ابن شهرآشوب: «أمر بقطع نخلات. .
إلى أن قال: ثم أمسك عن قطعها بمقالهم، و اصطلحوا أن يخرجوا» (2).
و قيل: أحرقوا نخلة، و قطعوا نخلة، و قيل: كان جميع ما قطعوا و أحرقوا ست نخلات» (3).
و نحن نشك في أن يكونوا قد قطعوا هذا العدد القليل من النخل، أو أحرقوه، فإن قطع نخلة واحدة، و حتى ست نخلات، لا يوجب خضوع بني النضير، و قبولهم بالجلاء، و خزي الفاسقين بصورة عامة، كما نصت عليه الآية الكريمة.
كما أنه لا يوجب نزول آية قرآنية تتحدث عن هذا الأمر، و تخلده كأسلوب ناجح في إرعاب العدو و إرهابه. .
فإنه لا بد أن يكون القطع قد بلغ حدا جعلهم يجنحون إلى الاستسلام،
1) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 250 و فتح القدير ج 5 ص 196 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و تعليقات محمد فؤاد عبد الباقي على سنن ابن ماجة ج 2 ص 949.
2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني و غيره، و فتح القدير ج 5 ص 196 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 6 و السيرة الحلبية ج 2 ص 266 و القول الأول ذكره في الأحكام السلطانية ص 64.
و القبول بما يريده الرسول، ثم نزلت آية كريمة تتحدث عن هذا الموضوع، و تفصل الأمر فيه، و تحسم فيه النزاع.
و جزعوا على قطع العجوة، فجعل سلام بن مشكم يقول: يا حيي العذق خير من العجوة، يغرس فلا يطعم ثلاثين سنة، يقطع.
فأرسل حيي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا محمد، إنك كنت تنهى عن الفساد، لم تقطع النخل؟ نحن نخرج من بلادك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا أقبله اليوم الخ. . (1)، «و كانت النخلة ثمن و صيف، و أحب إليهم من وصيف» (2).
و جاء في نص آخر: أن الذي حرق نخلهم و قطعها عبد اللّه بن سلام، و عبد الرحمن بن كعب، أبو ليلى الحراني، من أهل بدر، فقطع أبو ليلى العجوة، و قطع ابن سلام اللون، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لم قطعتم العجوة؟ !
قال أبو ليلى: يا رسول اللّه، كانت العجوة أحرق لهم و أغيظ، فنزل: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا. . (3)الآية. .
فاللينة: ألوان النخل.
و القائمة على أصولها: العجوة.
فنادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد الخ. . (1).
و صرحت بعض النصوص: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل ابن سلام، و أبا ليلى المازني على قطع النخل (2)، أو أمرهما (3)، أو أشار إليهما بذلك (4).
و أضاف الديار بكري قوله: «أما أبو ليلى فكان يقطع أجود أنواع التمر، و هي العجوة، و يقول: قطع العجوة أشد عليهم.
و أما عبد اللّه بن سلام، فكان يقطع أردأ أنواع التمر، و هو تمر يقال له: اللون، و يقول: إني أعلم: أن اللّه سيجعلها للمسلمين الخ. .» (5).
فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، و ضربن الخدود، و دعون بالويل؛ فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما لهن؟ !
1) الثقات ج 1 ص 242 و راجع التفسير الكبير ج 29 ص 283 و حبيب السير ج 1 ص 355 و المغازي للواقدي ج 1 ص 381 و السيرة الحلبية ج 2 ص 265.
2) المغازي للواقدي ج 1 ص 381 و السيرة الحلبية ج 1 ص 265 و الإصابة ج 2 ص 420.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن روضة الأحباب و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 372.
4) حبيب السير ج 1 ص 355.
5) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 372 و ليراجع: الكشاف ج 4 ص 501 و 502 و التفسير الكبير ج 29 ص 283 لكنهما لم يسميا الرجلين.
فقيل: يجزعن على قطع العجوة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن مثل العجوة جزع عليه.
إلى أن قال: فلما صحن صاح بهن أبو رافع: إن قطعت العجوة ههنا، فإن لنا بخيبر عجوة.
قالت عجوز منهن: خيبر يصنع بها مثل هذا.
فقال أبو رافع: فض اللّه فاك، إن حلفائي بخيبر عشرة آلاف مقاتل؛ فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فتبسم.
و نحن نسجل هنا الأمور التالية:
إننا نجد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل ابن سلام-و هو كان من اليهود، من علمائهم-مع ذلك الرجل البدري على قطع نخل يهود بني النضير. . و من الطبيعي أن يكون لذلك أثر ظاهر في بث اليأس في نفوسهم، و في إذلالهم و خزيهم، و يساهم في كسر شوكتهم، و يثير فيهم المزيد من الحنق، و الغيظ و الألم، و هم ذوو الغطرسة، و العنجهية و الخيلاء، كما سيأتي توضيحه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
و نلاحظ هنا: كيف أن ابن سلام قد اختار أردأ أنواع التمر، على الرغم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بقطع النخل بصورة مطلقة، و لم يقيد بشيء، و رغم أنه قد كان من الواضح: أن الهدف من هذا الإجراء هو الضغط على هؤلاء القوم، و إغاظتهم، و إذلالهم، و ذلك إنما يتحقق بقطع ما
له أثر ظاهر في ذلك، كما فهمه و عمل به ذلك الرجل البدري، الذي جعله الرسول إلى جانب ابن سلام.
و لا نريد أن نسترسل في شكوكنا حول ابن سلام هذا و نواياه؛ فنتهمه بالتعاطف مع اليهود الذين كان في وقت ما أحد علمائهم و كبرائهم، حسبما يذكره التاريخ عنه.
و لعل هذه الشكوك تجد لها أكثر من مؤيد و شاهد فيما ينقل عن هذا الرجل من مواقف، و أقوال، و اتجاهات، و أحوال، و لا سيما بعد وفاة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و لسنا هنا في صدد عرض ذلك و استقصائه، فلنكف عنان القلم-إذا- إلى ما هو أهم، و نفعه أعم و أتم.
و من العجيب هنا قول البعض: «لما أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقطع النخيل، و إحراقها ترددوا في ذلك، فمنهم الفاعل، و منهم الناهي، و رأوه من الفساد و عيّرهم اليهود بذلك، فنزل القرآن العظيم بتصديق من نهى، و تحليل من فعل، فقال تعالى: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ (1).
مع أن الآية ظاهرة الدلالة في تأييد أولئك الذين امتثلوا أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن أمره إنما كان بإذن اللّه، و ليس من عند نفسه.
1) بهجة المحافل ج 1 ص 215.
فالآية في الحقيقة قد جاءت لتقريع و تأنيب المخالفين لأمر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . لكن هذا الرجل قد عكس الآية في مفادها و مدلولها، و لم يلتفت إلى المراد منها.
و بعد. . فإننا نجد النصوص التاريخية تكاد تكون مجمعة على أنه «صلى اللّه على و آله» قد حرق النخيل. و لكن الآية الكريمة التي نزلت في هذه المناسبة لم تشر إلى ذلك أصلا، و إنما سجلت القطع فقط. فلربما يكون الأمر منه «صلى اللّه عليه و آله» قد صدر بالقطع دون الحرق، فكان الحرق من بعض المسلمين، اجتهادا منهم، و لعله لم يكن ثمة حرق أصلا، و اللّه أعلم.
لقد أفتى عدد من الفقهاء بحرمة قطع الأشجار في الحرب، إلا في حال الضرورة (1). و حكم كثير من الفقهاء بالكراهة (2).
1) راجع: المهذب لابن البراج (مطبوع ضمن الينابيع الفقهية) كتاب الجهاد ص 88 مقيدا للأشجار ب «المثمرة» و في منتهى المطلب ج 2 ص 909 عن أحمد، و قد حكي القول بعدم الجواز عن الليث بن سعد، و أبي ثور، و الأوزاعي فراجع: فتح الباري ج 5 ص 7 و الجامع الصحيح ج 4 ص 122 و فقه السيرة ص 280 و عن شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 50.
2) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و 413 و راجع: السرائر ص 157 و تحرير الأحكام ج 1 ص 135 و شرائع الإسلام ج 1 ص 312 و القواعد (المطبوع مع الإيضاح) ج 1 ص 357 و الجامع لأحكام الشرائع ص 236 و منتهى المطلب ج 2 ص 909-
و قيد البعض بصورة ما لو رجي صيرورته للمسلمين، و كان مما يقتات به (1).
و قد عرفنا في ما تقدم: أن التاريخ يؤكد على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمر بحرق نخل بني النضير، أو قطعه. و قد تحدث القرآن عن القطع هذا بأسلوب الرضا و القبول، حسبما تقدم.
و روي أيضا: أنهم قد قطعوا الشجر و النخل بالطائف، بالإضافة إلى قطع النخل بخيبر، و روي أيضا قطع شجر بني المصطلق و إحراقه (2).
و عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قرية يقال لها: «أبنى» .
فقال: «ائت أبنى صباحا ثم حرق» . أي بيوتهم و زروعهم، و لم يرد تحريق أهلها (3).
(2) -و الوسيلة (المطبوع ضمن الجوامع الفقهية) ص 696 و الخراج لأبي يوسف ص 210 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 عن الأوزاعي و المبسوط للشيخ الطوسي رحمه اللّه ج 2 ص 11 و عون المعبود ج 7 ص 275 و مجمع الأنهر ج 1 ص 590.
1) الروض الأنف ج 3 ص 350.
2) راجع: تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و راجع أيضا: السرائر ص 157 و الجواهر ج 21 ص 67 و منتهى المطلب ج 2 ص 909 و المبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 11 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 32.
3) سنن ابن ماجة ج 2 ص 948 و هامشه لمحمد فؤاد عبد الباقي، و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 و سنن أبي داود ج 3 ص 38 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و مسند أحمد ج 5 ص 205 و 209.
و في مجال آخر: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بحرق مسجد الضرار و هدمه (1).
و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بتحريق متاع الغال (2).
و روي أنه «صلى اللّه عليه و آله» هم بحرق بيوت تاركي صلاة الجماعة (3).
و قد بلغه «صلى اللّه عليه و آله» : أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك فبعث إليهم نفرا، و أمرهم أن يحرقوا عليهم بيت سويلم (4).
و بعد ما تقدم. . فإن السؤال الذي يتطلب منا الإجابة هنا هو: أنه إذا
1) راجع: زاد المعاد ج 3 ص 17 و التنبيه و الإشراف ص 237 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 309.
2) زاد المعاد ج 2 ص 66 و سنن الدارمي ج 2 ص 231 و الجامع الصحيح ج 4 ص 61 و سنن أبي داود ج 3 ص 69 و مسند أحمد ج 1 ص 22.
3) زاد المعاد ج 3 ص 17 و السنن الكبرى ج 3 ص 55 و 56 و سنن أبي داود ج 1 ص 150 و سنن الدارمي ج 1 ص 292 و مسند أحمد ج 1 ص 292 و 402 و 422 و 449 و 450 و ج 2 ص 224 و 292 و 214 و 319 و 367 و 376 و 377 و 416 و 424 و 472 و 479 و 531 و 539 و ج 5 ص 206 و صحيح مسلم ج 2 ص 123 و 124 و فيض الباري ج 2 ص 191 و صحيح البخاري ج 1 ص 78 و 79 و ج 2 ص 40 و ج 4 ص 159 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 89 و 90 و المعجم الصغير ج 2 ص 57 و ج 1 ص 172. و الجامع الصحيح ج 1 ص 422 و سنن النسائي ج 2 ص 107 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 296 و الموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 150.
4) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 160 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 309.
كان رسول اللّه قد أمر بذلك كله، أو همّ به؛ فكيف نوفق بين أمره هذا و بين فتوى الفقهاء بالحرمة، أو بالكراهة، حسبما تقدم؟ ! ! .
بل لقد ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حين يرسل سرية، يوصيهم بأن لا يقطعوا شجرا إلا أن يضطروا إليها (1).
و عن ثوبان: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «من قتل صغيرا، أو كبيرا، أو أحرق نخلا، أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة لإهابها، لم يرجع كفافا» (2).
أضف إلى ذلك كله: أن اليهود أنفسهم قد اعترضوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه ينهى عن الفساد، فلم يقطع النخل؟ ! و قد تقدم ذلك. .
فقد يقال: في مقام الإجابة على ذلك استنادا إلى رواية ثوبان المتقدمة: أن المنهي عنه هو قطع الشجر المثمر، و على حد تعبير السهيلي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أحرق ما ليس بقوت للناس.
قال السهيلي: «لينة: ألوان التمر، ما عدا العجوة، و البرني؛ ففي هذه الآية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت
للناس، و كانوا يقتاتون العجوة. . (ثم ذكر أهمية العجوة و البرني، ثم قال) : في قوله تعالى: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . (1)(و لم يقل: من نخلة، على العموم) تنبيه على كراهة قطع ما يقتات، و يغذو من شجر العدو. إذا رجى أن يصير إلى المسلمين.
و قد كان الصديق (رض) يوصي الجيوش ألا يقطعوا شجرا مثمرا. و أخذ بذلك الأوزاعي؛ فإما تأولوا حديث بني النضير، و إما رأوه خالصا للنبي «عليه السلام» (2).
و لكننا لا نوافق السهيلي على ما قاله، و ذلك لما يلي:
ألف: بالنسبة لما ذكره في معنى اللينة، نجد كثيرا من أهل اللغة لا يوافقونه على ما ذكره في معناها، فقد:
قال الراغب و غيره: « مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . : أي من نخلة ناعمة، و مخرجه مخرج فعلة، نحو حنطة، و لا يختص بنوع منه دون نوع.
و كذا نقل عن ابن زيد، و عمرو بن ميمون، و مجاهد» (3).
و قال: «سعيد بن جبير، و مالك، و الخليل، و يزيد بن رومان، و رجحه النووي، و كذا قال الفراء و الزهري، و عكرمة، و قتادة، و ابن عباس، و نسب إلى أهل المدينة: اللينة كل شيء من النخل سوى العجوة؛ فهو من اللين،
واحدته لينة» (1).
و قال الزبيدي: كذا عن ابن عباس و مقاتل، و عن الحسن، و مجاهد و عطية: «اللينة-بالكسر-: النخل» (2).
و قيل: هي كل الأشجار (3).
1) راجع: لسان العرب ج 13 ص 393 و 395، و فتح الباري ج 7 ص 257 و عمدة القاري ج 17 ص 128 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 202 و شرح المحافل ج 1 ص 215 و التبيان ج 9 ص 559 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جامع البيان ج 28 ص 22 و فتح القدير ج 5 ص 197، و مجمع البيان ج 9 ص 259 و البحار ج 20 ص 161 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1768 و يلاحظ: أن المذكورين في المتن قد ذكرت أسماؤهم في بعض المصادر دون بعض.
2) راجع: تاج العروس ج 9 ص 338 و فتح الباري ج 7 ص 257 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1768 و عمدة القاري ج 17 ص 126 و إرشاد الساري ج 7 ص 375 و جامع البيان ج 28 ص 22 و 23 و فتح القدير ج 5 ص 199 و 197 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 9 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 408 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جوامع الجامع ص 486 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 و الأحكام السلطانية ص 65.
3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و عمدة القاري ج 17 ص 128 و الأحكام السلطانية ص 65.
و قال سفيان: هي كرام النخل و كذا عن مجاهد، و ابن زيد (1).
و قال آخر، و نسب ذلك إلى مجاهد، و عطية: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ (2): أي من نخل، و النخل كله، ما عدا البرني (3).
و عن مقاتل، هي: «ضرب من النخل يقال لتمرها: اللون، و هي شديدة الصفرة، يرى نواها من خارج، تغيب فيها الأضراس، و كانت من أجود تمرهم، و أحبها إليهم، و كانت النخلة الواحدة ثمن وصيف، و أحب إليهم من وصيف؛ فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم» (4).
و قيل: هي الدقل (5)، إلى غير ذلك من أقوال.
1) عمدة القاري ج 17 ص 128 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و مجمع البيان ج 9 ص 259 و البحار ج 20 ص 161 عنه و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 9 و الأحكام السلطانية ص 65 و التبيان ج 9 ص 559 و مدارك التنزيل بهامش لباب التأويل ج 4 ص 246 و جامع البيان ج 28 ص 23 و غرائب القرآن مطبوع بهامشه ج 28 ص 37 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1768 و التفسير الكبير ج 29 ص 283 و الكشاف ج 4 ص 500.
2) الآية 5 من سورة الحشر.
3) الدر النظيم في لغات القرآن الكريم ص 207 و راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن مجاهد و عطية.
4) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و إرشاد الساري ج 7 ص 375 و راجع: الأحكام السلطانية ص 64.
5) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 1769 و الدقل: نوع من التمر، قيل: هو أردأ أنواعه. راجع: لسان العرب ج 11 ص 246.
ب: قولهم: إنه قطع اللين و ترك العجوة، لا تؤيده النصوص التاريخية. فقد قال دحلان: «. . فقطع لهم نخل يسمى: «العجوة» ، و آخر يسمى: «اللين» ، و كان ذلك أحرق لقلوبهم؛ لأن ذلك خير أموالهم؛ فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، و ضربن الخدود، و دعون بالويل» .
و كذا قال غيره (1).
زاد الحلبي قوله: و كانت العجوة خير أموال بني النضير لأنهم كانوا يقتاتونه (2).
و عن الماوردي: و كانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شق على اليهود قطعها (3).
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» في تفسير اللين: أنها العجوة خاصة (4).
و تقدم: أن أبا ليلى قطع العجوة، و أن ابن سلام قطع اللون، و تقدم أنهم جزعوا على قطع العجوة، فراجع ما جاء تحت عنوان «تفاصيل أخرى في حرق و قطع النخيل» .
ج: و لو قبلنا تفسير السهيلي لكلمة «لينة» فإن ما ذكره لا يحل الإشكال؛ ما دام أنه كان ينهى سراياه عن قطع مطلق الشجر، فكان يقول لهم: «و لا تقطعوا شجرا» ، و لا يختص ذلك بالشجر الذي يقتات منه، و لا
بالشجر المثمر. .
د: و لو قبلنا أيضا أن المراد هو خصوص ما يقتات منه، فإن ما عدا العجوة و البرني كان أيضا مما يقتات به، و يؤكل. . غاية الأمر أن جودة ثمره لم تكن في مستواهما و إنما هو رديء بالنسبة إليهما.
ه: و لو قبلنا كل ما ذكره السهيلي فإننا نقول: إن قوله بكراهة قطع الشجر في صورة ما لو رجي أن يصير للمسلمين، في غير محله؛ فإن النهي عن قطع الشجر مطلق، و لم يقيد بصورة الرجاء المذكور.
نعم، هو قد جاء على لسان الحبر اليهودي عبد اللّه بن سلام، و لم يعلم من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قبله و رضيه.
و: و أما قوله، إن الأوزاعي و أبا بكر: قد تأوّلا حديث بني النضير، أو أنهما رأيا أنه مختص برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حيث منعا من قطع الشجر المثمر مطلقا. فليس في محله أيضا؛ فإنهما قد فهما ذلك من كلامه «صلى اللّه عليه و آله» في نهيه عن قطع الشجر، فحكما بمقتضاه، و لم يخصصا حكمهما هذا بشخص و لا بشيء، و إنما هما قد وجدا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اضطر إلى قطع شجر بني النضير، فأجازا ذلك للضرورة؛ فإن قطع الشجر لأجل الضرورة مما رخص به النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفس وصاياه لسراياه، حسبما ألمحنا إليه (1).
و إذا. . فهما لم يريا أن ذلك من الأحكام المختصة به «صلى اللّه عليه و آله» .
1) قد تقدم ما يفيد في ذلك و راجع أيضا: ج 3 من هذا الكتاب.
لقد نزل القرآن ليرد على الذين عابوا قطع الأشجار، و ليؤكد على أن ذلك كان بإذن من اللّه سبحانه، تماما كما كان ترك ما ترك منها بإذن اللّه تعالى. .
إذا، فلا بد لنا من التعرف على السر الكامن وراء تجويز هذا العمل، و صيرورته مقبولا، بعد أن كان مرفوضا، و مأذونا به بعد أن كان ممنوعا عنه.
فنقول:
إن الذي يبدو لنا هو: أن بني النضير أهل الزهو و الخيلاء، و العزة (1)كانوا يحسون في أنفسهم شيئا من القوة، و المنعة في قبال المسلمين، و يجدون: أن بإمكانهم مواجهة التحدي، فيما لو أتيح لهم إطالة أمد المواجهة، حيث يمكنهم أن يجدوا الفرصة لإقناع حلفائهم بمعونتهم، و لا سيما إذا تحرك أهل خيبر الذين كان لديهم العدة و العدد الكثير، حسبما تقدم في كلمات سلام بن مشكم. كما أن ابن أبي و من معه قد يراجعون حساباتهم، و يفون لهم بما وعدوهم به من النصرة و العون.
و لا أقل من أن يتمكن ابن أبي و أتباعه من إحداث بلبلة داخلية، من شأنها إرباك المسلمين و زعزعة ثباتهم من الداخل.
و قد يمكن لقريش، و لمن يحالفها من قبائل العرب، أن يتحركوا أيضا لحسم الموقف لصالح بني النضير، و صالحهم بصورة عامة.
1) سيتضح ذلك حين الكلام عن كونهم في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، فانتظر.
و لا أقل من أن يتمكن يهود بني النضير من الاحتفاظ بمواقعهم، و بأرضهم و ديارهم، حين يجد المسلمون: أن مواصلة التحدي لهم لن تجدي نفعا، ما داموا قادرين على الاحتماء بحصونهم، و الدفاع عنها مدة طويلة، فيتراجعون عن حربهم، و يتركونهم و شأنهم، من أجل التفرغ إلى ما هو أهم، و أولى.
و إذا كانت قضية بني النضير قد حصلت بعد وقعة أحد-و إن كنا لم نرتض ذلك-فلا بد أن يكون اليهود قد فكروا: أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه قد أصبحوا الآن في موقف الضعف و التراجع. و لعل في تسويف الوقت معهم، في الوقت الذي يحس فيه المسلمون بالفشل و بالكارثة، نتيجة لما نزل بهم في أحد، لسوف يجعلهم يفكرون في انتهاج سبيل السلامة، و الانسحاب من موقع التحدي إلى موقع المساومة، و من سبيل الحرب إلى سبيل السلم، و توفير الأمن، و مراعاة جانب هؤلاء و أولئك، و عدم إثارة العداوات الكبيرة داخل بلادهم، و في قلب مواضعهم و مواقعهم.
و أما إذا كانت قضية بني النضير قد حصلت قبل ذلك، و بعد ستة أشهر من حرب بدر، حسبما قويناه، استنادا إلى العديد من الدلائل و الشواهد:
فلعل يهود بني النضير قد فكروا: أن المسلمين لسوف لا يفرطون بهذا النصر الكبير الذي حققوه، و لعلهم على استعداد لمداراة هؤلاء و أولئك في سبيل الحفاظ على صلابة الموقف و ثباته، و لسوف لا يقدمون على أي عمل من شأنه إحداث خلخلة في بنية مجتمعهم. و لعل اليهود يعتقدون: أن حرب بدر كانت أمرا اتفاقيا صنعته الصدفة، و الحظ السيء للمشركين، و ليس نتيجة قدرات حقيقية كانت لدى المسلمين. و إذا فليس ثمة ما
يخيف، و ليس هنالك ما يثير قلقا.
أما هم-أعني بني النضير-فيجدون في أنفسهم القوة و المنعة، و لهم حلفاء كثيرون، و كثيرون جدا.
و بعد كل ما تقدم، فقد جاء موقف الإسلام، المتمثل في موقف رسوله الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، في دقته، و في ثاقب بصيرته-قد جاء-على خلاف ما يتوقعون، و بغير ما يريدون و يشتهون.
فقد رأى المسلمون، من خلال الموقف النبوي الحازم و القوي: أن النصر في بدر، و كذلك الضربة القاسية التي نزلت في أحد، لا بد أن تعمق فيهم إيمانهم، و ارتباطهم باللّه سبحانه، و تقوي من صمودهم، و تشد من عزائمهم. و قد جعلهم هذا النصر، و تلك المأساة يشعرون بمسؤولية أكبر تجاه الرسالة، حيث أصبحوا في موقع التحدي السافر لكل مظاهر الظلم و الجبروت و الطغيان و مصادره.
و عليهم من الآن فصاعدا أن يطردوا من آفاقهم كل مظاهر الضعف، و أن ينقوا أجواءهم من جميع عوامل التشر ذم و التشتت، و أن يبعدوا عن واقعهم و عن علاقاتهم، جميع مصادر الخلل، و عدم الانسجام.
فالتحدي كبير، و المسؤوليات جليلة و خطيرة، فلا بد من الاستعداد و لا بد من التصدي، بصورة أعمق، و أوثق و أوفق، ما دام أنهم قد وصلوا إلى نقطة اللارجوع، و أصبح الثمن غاليا، و هو دماء زكية، و أرواح طاهرة، و نقية، فالحفاظ على القضية، و على منجزاتها، التي دفعوا ثمنها جزء من وجودهم و من ذواتهم و أرواحهم أمر حتمي، إذ إن التخلي عنها يساوق التخلي عن الحياة و عن الوجود، و عن كل شيء.
و قد اتضح لديهم: أن أي تراجع أمام التحديات الكبيرة الراهنة، لسوف تلحقه تراجعات أعظم، و يستتبع انحسارا أكبر عن كثير من المواضع و المواقع الحساسة، لصالح كل الأعداء و الطامعين، في منطقة العمل و الكفاح الإسلامي المقدس.
كما أن هذا التراجع و الانحسار لسوف يزيد من اشتهاء الآخرين للحصول على المزيد من المكاسب، و يضاعف من تصلبهم و شدتهم في مواجهة المد الإسلامي العارم. و لسوف تنتعش الآمال، و تحيا الأماني، بإضعاف هذا المد تدريجا، ثم القضاء عليه قضاء مبرما و نهائيا في الوقت المناسب. و أما بالنسبة إلى أولئك الذين يميلون إلى الدخول في هذا الدين الجديد، فإنهم حين يرون ضعفه، و تراجعه، و قوة خصومه و شوكتهم، لسوف يجدون في أنفسهم المبررات الكافية للتأني و التريث بانتظار المستجدات، و ما ستؤول إليه الأمور.
و لربما يتشجع الكثيرون أيضا على نقض تحالفاتهم، التي كانوا قد عقدوها مع المسلمين ما دام أن ذلك لن يستتبع خطرا، و لا يصطدم بصعوبات ذات بال.
كما أن الآخرين الذين يعيشون حالة الترقب سوف لا يجدون في أنفسهم حاجة لعقد تحالفات و معاهدات مع المسلمين في هذه الظروف المستجدة.
و أخيرا. . فإننا نضيف إلى كل ما تقدم: أن من الطبيعي أن يكون خوض معركة كبيرة مع اليهود-و ربما مع كثير من حلفائهم، الذين قد يتشجعون لمساعدة اليهود بعد طول المدة، و بعد إحساسهم بقوتهم
و صلابتهم في وجه الحصار، و بضعف في موقف المسلمين-سوف يوجب أن تلحق بالمسلمين خسائر كبيرة، مادية و بشرية، لو أمكن توفيرها لما هو أهم لكان أجدر و أولى.
فإذا استطاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون كسر عنجهية بني النضير و غزوهم قبل أن يستفحل الأمر، و إفهامهم-و من هو على مثل رأيهم-مدى التصميم على المواجهة و التحدي، حتى يفقدوا الأمل بجدوى المقاومة، و ليفهموا-بصورة عملية-أنهم إذا كانوا يطمعون بالبقاء في أرضهم، فإن عليهم أن يقبلوا بها أرضا محروقة، جرداء، ليس فيها أي أثر للحياة، و لا تستطيع أن توفر لهم حتى لقمة العيش التي لا بد منها-هذا فيما لو قدر لهم أن يحتفظوا بالحياة، و يخرجوا أو بعضهم سالمين من هذه الحرب التي جروها على أنفسهم-.
نعم. . إنه «صلى اللّه عليه و آله» إذا استطاع ذلك، فإنه يكون قد وفر على نفسه، و على الإسلام و المسلمين الكثير من المتاعب، و المصاعب، و المصائب، التي ألمحنا إليها.
و هذا هو ما اختاره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فعلا، و بادر إليه عملا. فكان قطع النخيل و حرقه يمثل قطع آخر آمالهم، و تدمير كل أمانيهم، و غاية ذلهم و خزيهم.
و رأوا حينئذ: أن لا فائدة من الاستمرار في اللجاج و التحدي إلا تكبد المزيد من الخسائر، و مواجهة الكثير من النكسات.
و هذا بالذات، هو ما يفسر لنا قوله تعالى في تعليل إذن اللّه سبحانه بقطع النخل: . . وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ .
فقد كان قطع النخل ضروريا و لازما، من أجل قطع آمال بني النضير، و كل آمال غيرهم أيضا، و خزيهم و خزي سائر حلفائهم، و على رأسهم ابن أبي، و من معهم من المنافقين، ثم كل من يرقب الساحة، و يطمع في أن يستفيد من تحولاتها في تحقيق مآربه ضد الإسلام، و المسلمين.
و من هنا نعرف السر في قوله تعالى: . . وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ بدل: «الكافرين» ، من أجل أن يشمل الخزي كل من يسوءه ما جرى لبني النضير، حتى أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، أو بالمودة الكاذبة للمسلمين.
و هذه ما يفسر لنا: الاهتمام الكبير الذي أولاه سبحانه لموضوع قطع النخل، حتى لقد خلده في آية قرآنية كريمة، فإن القضية كانت أكبر من بني النضير، و أخطر، حسبما أوضحناه.
بقي علينا أن نشير هنا إلى أن البعض يذكر: أن المهاجرين هم الذين اختلفوا فيما بينهم حول قطع النخل.
فعن مجاهد، قال: نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل، قالوا: إنما هي مغانم للمسلمين (1).
و نلاحظ: أن هذا بالذات كان رأي عبد اللّه بن سلام، الذي كان يهوديا
1) جامع البيان ج 28 ص 23 و 22 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 و فتح القدير ج 5 ص 196 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و الدر المنثور ج 6 ص 188 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد و ابن المنذر، و البيهقي في الدلائل.
فأسلم، رغم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمره بقطع النخل، فعلل اختياره للرديء بذلك كما ذكرنا.
و لنا أن نتساءل هنا:
لما ذا المهاجرون هم الذين ينهون عن ذلك؟ !
و لما ذا لم يكن فيهم أحد من الأنصار؟
سوى ابن سلام! !
و ربما رجل آخر أيضا! !
فهل أدرك المهاجرون أمرا عجز الأنصار عن إدراكه؟ ! أم أنهم قد اتخذوا هذا الموقف انطلاقا من مصالح رأوا أنها لربما تفوتهم، لو استمر الأمر على النحو الذي خطط له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
أم أنه قد كانت ثمة خلفيات أخرى، لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنها، لسبب، أو لآخر؟ !
و إذا كانت النصوص كلها تقريبا تؤكد على: أن الرسول الأعظم نفسه هو الذي أمر بقطع نخلهم (1). . فإن معنى ذلك هو: أن اعتراض هذا الفريق من المهاجرين قد كان متوجها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذات. و أن الفريق الآخر منهم إنما كان ينفذ أمره «صلى اللّه عليه و آله» .
و لا نملك هنا إلا التذكير بأنه قد سبق لبعض المهاجرين: أن اعترضوا على رسول اللّه، حينما أراد قتل أسرى بدر، و أصروا عليه في ترك ذلك، حتى نزل القرآن مصوّبا رأيه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) قد تقدمت المصادر لذلك.
و لكنهم لم يقنعهم ذلك، رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم: أنه سيقتل بعدتهم فيما بعد، لو تم إطلاق سراحهم. . و هكذا كان.
و قد سجلنا بعض الشكوك و التساؤلات حول موقف بعض المهاجرين في حرب أحد (1)فلا نعيد.
و مهما يكن من أمر، فإننا لا نستطيع أن نفهم موقف هذا الفريق من المهاجرين هنا، و كذلك موقف بعضهم في بدر، و أحد، بصورة ساذجة و لا أن نفسره بطريقة سطحية، ما دام أن الدلائل تشير إلى خلفيات، و دوافع غير معلنة، و لا ظاهرة، يؤثر الوقوف عليها في استجلاء كثير من الحقائق، و الوقوف على بواطن و كوامن كثيرة، و لربما على مبهمات خطيرة، تؤثر على فهمنا العام لكثير من المواقف في حياة العديد من الشخصيات التي كان لها دور مرموق في كثير من الأحداث الخطيرة في التأريخ الإسلامي.
و خلاصة الأمر: أن البحث الموضوعي يقضي بتقصي النصوص و المواقف و استنطاقها، لمعرفة مدى تعاطف بعض المهاجرين مع قومهم المكيين، و مع يهود المدينة، ليمكن لنا تقييم مواقفهم، و فهم معاني كلماتهم، و إشاراتها و مراميها، بصورة أدق و أعمق، و ليكون تصورنا أقرب إلى الواقع، و أكثر شمولية، و أتم و أوفى.
و في إشارة خاطفة نذكّر: بأننا قد تحدثنا عن أن المهاجرين كانوا يشكلون تكتلا مستقلا، له تطلعاته و طموحاته، و له فكره المتميز في آفاقه و في خصائصه، و لا سيما في ما يرتبط بالسياسة و الحكم و التخطيط له.
1) راجع هذا الكتاب ج 8 عنوان: من مشاهد الحرب.
أما الأنصار، فلم يكونوا كذلك، بل كانوا فريقا آخر، يحرم من اهتمامات الحكام، و يستثنى من مختلف الامتيازات، إلا حيث يحرج الحاكم، و لا يجد من ذلك بدا و لا مناصا.
و قد روي عن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب قوله:
«أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم، و يحفظ لهم حرمتهم. و أوصيه بالأنصار، الذين تبوؤوا الدار و الإيمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم» (1).
فيلاحظ: الفرق النوعي فيما يطلبه ثاني الخلفاء ممن يلي الأمر بعده بالنسبة لهؤلاء، و بالنسبة لأولئك.
و على هذا الأساس، و من منطلق هذه الفوارق، جاء قول ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، و الذين تبوؤوا الدار و الإيمان، و الذين جاؤوا من بعدهم: فاجهد: ألا تخرج من هذه المنازل.
و قال بعضهم: كن شمسا، فإن لم تستطع، فكن قمرا فإن لم تستطع فكن كوكبا مضيئا؛ فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا، و من جهة النور لا تنقطع.
و معنى هذا: كن مهاجريا، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصاريا، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم الخ. . (2).
و لا ندري من أين جاءت هذه الطبقية، و كيف قبل الناس هذا التمييز
الذي لا يقوم على تقوى اللّه، و إنما على عناوين و خصوصيات فرضتها طبيعة التحرك في مجال نشر الدعوة و تركيزها؟ و يوضح ذلك أن عمر بن الخطاب حين خطب بالجابية قال: «و من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن اللّه تعالى جعل له خازنا و قاسما.
ألا و إني بادئ بأزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، أنا و أصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا و أموالنا» (1).
و مهما يكن من أمر، فإنك تجد في كتابنا هذا إشارات و نصوصا كثيرة في مواضع مختلفة توضح ما عانى منه الأنصار، و اختص به المهاجرون. و استيفاء البحث في هذا يحتاج إلى توفر تام، و تأليف مستقل.
لقد استدل البعض بقوله تعالى: مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ (2)على جواز الاجتهاد، و على تصويب المجتهدين (3).
كما و استدلوا على جواز الاجتهاد بحضرة الرسول، و على أن كل مجتهد
1) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 20 و حول مصادر تمييز عمر بين الناس في العطاء، و تفضيل بعضهم على بعض راجع كتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي» .
2) الآية 5 من سورة الحشر.
3) فتح القدير ج 5 ص 197 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 عن الماوردي، و عن الكيا الطبري و راجع: غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 28 ص 37 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1769.
مصيب، بالرواية التي تقول:
إن رجلين، أحدهما كان يقطع العجوة، و الآخر اللون، فسألهما «صلى اللّه عليه و آله» فقال هذا: تركتها لرسول اللّه.
و قال هذا: قطعتها غيظا للكفار (1).
و نقول:
إن الاستدلال بما ذكر لا يصح، و ذلك لما يلي:
1-بالنسبة للاستدلال بالرواية على التصويب فقد قال ابن العربي: «و هذا باطل، لأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان معهم، و لا اجتهاد مع حضور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
2-إن الرواية المذكورة لم تصرح بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمضى اجتهادهما أم لا. حيث إنها ذكرت اعتذارهما للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الشأن، فهل أيد هذا الفريق؟ أو ذاك؟ أو لم يؤيد أيا منهما؟ كل ذلك لا دليل عليه، و لا شيء يشير إليه.
3-إنه-لو فرض أن هذا اجتهاد-فإنما هو اجتهاد بالتطبيق، فواحد يرى: أن هذا جائز، لأن فيه نكاية في العدو، و النكاية في العدو، و إغاظته مطلوبة منه و واجب عليه.
و ذاك يرى: أن تقوية المسلمين مطلوبة، و أن في الاحتفاظ بالنخل تقوية
لهم، و عملا بالحكم الشرعي.
فليس ثمة اجتهاد في حكم شرعي كلي من الأحكام الخمسة، و إنما هم مختلفون في تشخيص موضوع الحكم الشرعي أي فيما هو المصلحة لهم، و ما فيه نكاية في العدو.
4-من الذي قال: إن هؤلاء الذين اختلفوا في قطع النخل و عدمه، كانوا قد بلغوا رتبة الاجتهاد؟ فلعل أحدا منهم لم يكن قد بلغ هذه المرتبة الشريفة، و لعل أحد الفريقين قد بلغها دون الآخر، و لعل، و لعل.
5-إنه إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمر بقطع النخل، كما صرحت به النصوص المتقدمة عن مصادر كثيرة جدا، فإن الاستدلال على جواز الاجتهاد و التصويب فيه بالآية الكريمة يصبح في غير محله، و ذلك لأن عدم القطع يصير اجتهادا في مقابل النص، بل هو عصيان لأمر الرسول، و شك في صواب ما يصدر منه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لعله «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم بقطع نوع من النخيل، فلم يعجبهم ذلك، فعصوا الأمر.
6-إن التصويب باطل، و لا يصح، لا عقلا، و لا شرعا، و قد تكلم الأصوليون على هذا الأمر بالتفصيل، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع المطولات (1).
قال السمهودي-كما قال غيره-: «و لما حرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) فوائد الأصول، للشيخ الأنصاري ص 25.
و آله» نخلهم، قال حسان رضي اللّه عنه يعير قريشا من أبيات:
و هان على سراة بني لؤيحريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و لم يكن أسلم حينئذ:
أدام اللّه ذلك من صنيعو حرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزهو تعلم أي أرضينا تضير
أي ستعلم أينا منها ببعد، و أي الأرضين أرضنا أو أرضكم يحصل لها الضير، أي الضرر، لأن بني النضير إذا خرجت أضرت بما جاورها، و هو أرض الأنصار، لا أرض قريش.
و نقل ابن سيد الناس، عن أبي عمرو الشيباني: أن الذي قال البيت المتقدم، المنسوب لحسان هو: أبو سفيان بن الحارث، و أنه لما قال: و عز على سراة بني لؤي، بدل: هان قال: و يروى (بالبويلة) بدل (بالبويرة) و أن المجيب له بالبيتين المتقدمين هو حسان.
و ما قدمناه هو رواية البخاري.
قال ابن سيد الناس: و ما ذكره الشيباني أشبه.
قلت: كأنه استبعد أن يدعو أبو سفيان في حالة كفره على أرض بني النضير، و قد قدمنا وجهه (1). انتهى كلام السمهودي.
و لكننا بدورنا نؤيد ما ذكره ابن سيد الناس، و ذلك لأن تفسير
1) وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و 299 و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215، عن ابن سيد الناس، و الجواب عن ابن حجر و عمدة القاري ج 17 ص 129 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 257 و 258 و معجم البلدان ج 1 ص 512 و 513.
السمهودي للبيت الثاني غير مفهوم، فإن حريق النخل لا يلزم منه لحوق الضرر بأراضي الأنصار.
كما أن تفسيره، الذي ذكره لا يدفع كلام ابن سيد الناس، و ذلك لأن البيت الأول من بيتي الجواب، فيه الدعاء و الطلب من اللّه أن يديم هذا الصنيع.
و ظاهره: أن ذلك الدعاء يصدر من رجل محب و موال و موافق على هذا الحريق.
كما أن من البعيد أن يكون قد وصل خبر حرق النخل إلى مكة، ثم وصل شعر حسان إليهم، و أجابوا عليه بالطلب من اللّه إدامة هذا الأمر من أجل أن تحترق أراضي الأنصار، فإن أمر بني النضير قد فرغ منه خلال أيام.
و من جهة أخرى: فإن البيت الأول يناسبه كلمة و عز؛ لأن سراة بني لؤي- و هم مشركو مكة-يعز عليهم حدوث هذا الحريق في بني النضير، و لا يهون عليهم. . إلا إذا كان يقصد بسراة بني لؤي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من معه.
أو كان يقصد: أن هذا الحريق لا تهتم له قريش و لا يضرها بشيء، فأجابه حسان بأن ذلك سوف يضيرهم قطعا، و لن تتضرر أرض الأنصار منه.
و مهما يكن من أمر، فإنه لم يتضح لنا وجه تقويته لأن يكون البيت الأول لحسان. . و البيتان الآخران لأبي سفيان بن الحارث. .
و لعل كلام ابن سيد الناس أولى بالقبول، و أقرب إلى اعتبارات العقول.
و أخيرا. . فقد قال العيني: في ترجيح قول ابن سيد الناس: «يصلح للترجيح قول أبي عمرو الشيباني، لأنه أدرى بذلك من غيره على ما لا يخفى على أحد» (1).
1) عمدة القاري ج 17 ص 129.
قال تعالى: لاٰ يُقٰاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّٰ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرٰاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَعْقِلُونَ (1).
قد أعطت هذه الآية الشريفة تصورا متكاملا عن حالة أولئك الذين لا يملكون صفة الإيمان، حيث أرجعت هذه الحالة إلى عللها و أسبابها، و ربطتها بمناشئها الحقيقية، بصورة واضحة و دقيقة.
و لا نريد أن نستعرض هنا كل ما تعرضت له الآية تصريحا، أو تلويحا، فإن ذلك يحتاج إلى توفر تام، و تأمل و دقة و جهد، لا نجد لدينا القدرة على توفيره فعلا، و إنما نريد أن نسجل هنا حقيقة واحدة، نحسب أن الإلفات إليها يناسب ما نحن بصدده، و هي:
أن النظرة المادية للحياة، و عدم الإيمان بالآخرة، أو عدم تعمق الإيمان بها يجعل الإنسان يقيس الأمور بمقياس الربح و الخسارة في الدنيا. و هذا- بنظره-هو الذي يعطيها القيمة، أو يفقدها إياها، و لتصبح الحياة الدنيا-
1) الآية 14 من سورة الحشر.
من ثم-هي الغاية، و هي النهاية، و هي كل شيء بالنسبة إلى هذا النوع من الناس، فإذا فقدها، فلا شيء له بعد ذلك على الإطلاق. و يصبح شخصه كفرد هو المعيار و الميزان للصلاح و الفساد، و للحسن و القبيح، و للواجب و الحرام. فهو لا يمارس شيئا و لا يرتبط بشيء إلا بمقدار ما يجر إليه نفعا، أو يدفع عنه شرا و ضرا. و تفقد الحياة الاجتماعية معناها و مغزاها، إلا في الحدود التي تخدم وجود الفرد، و مصالحه، . فهو مع الناس، و إنما لأجل نفسه، و هو وحده لا شريك له، و كل ما في الوجود يجب أن يكون من أجله و في خدمته. و يجب أن يضحى بكل غال و نفيس في سبيله، فهو القيمة لكل شيء، و ليس لأي شيء آخر أية قيمة تذكر.
و على هذا، فإن جميع القيم تسقط، و يبقى هو. فلا معنى للتضحية إلا إذا كانت من الآخرين من أجله، و لا معنى للإيثار إلا إيثار الآخرين له على أنفسهم. و لا معنى للشهادة في سبيل اللّه إلا إذا نالت الآخرين دونه، و لا معنى للحق و للباطل، و للغدر و الوفاء، و للصدق و الكذب و. . و. . الخ. . إلا من خلال ما يجلب له نفعا، أو يدفع عنه ضرا و شرا.
و إذا كان مع الجماعة فإنه لا يشاركهم في شيء، و لا يهمه من أمرهم شيء، بل هو يريد منهم أن يدفعوا عنه، و يموتوا من أجله و في سبيله.
و هذا بالذات ما يفسر لنا قوله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى (1).
نعم. . إن قلوبهم (شتى) بكل ما لهذه الكلمة من معنى لأنهم لا
1) الآية 14 من سورة الحشر.
يفكرون في شيء واحد، و إنما هم يفكرون بأشياء متباينة، و متعددة، بعددهم جميعا. فنفس كل فرد منهم تخضع لفكرين متناقضين فصاحبها يفكر في حفظها، و بقائها، و كل من معه يفكرون في إتلاف هذه النفس من أجل حفظ وجودهم هم دونه.
و هكذا الحال بالنسبة لنفس كل فرد منهم، و إذا فكر أحد منهم بحفظ نفوس الآخرين، فإنما ذلك حين يرى فيه ضمانة لبقائه، و حفظ نفسه هو أولا.
و ذلك يوضح لنا أيضا: السر في أن هؤلاء لا يقاتلون المؤمنين إلا من وراء جدر، أو في قرى محصنة، حسبما أوضحته الآية الشريفة.
و ما ذلك إلا لأن هؤلاء لا يعقلون معنى الحياة و أسرارها، و لا حكمة الخلق و أهداف الوجود. فإن ذلك إنما جاء وفق المعايير و الأحكام العقلية و الفطرية، فهو لا يشذ عنها، و لا يختلف و لا يتخلف عن أحكامها و مقتضياتها.
و لو أنهم فكروا و أطلقوا عقولهم من عقال الهوى، لأدركوا ذلك كله، و لتغيرت نظرتهم للكون و للحياة، و لعرفوا بعضا من أسرار الخلق و الوجود، و لتبدلت المعايير و القيم التي كانت تستند إلى أوهام و خيالات، و تؤكدها و تفرضها الفطرة الخالصة عن الشوائب، و البعيدة عن تجاذب الأهواء.
إذا. . فعدم التزامهم بهدى العقل، و رفضهم الانصياع لأحكامه، هو أصل البلاء، و سبب العناء، و هو ما أكدته الآية الكريمة، التي أرجعت حالتهم التي هي غاية خزيهم و ذلهم إلى ذلك، فهي تقول: ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَعْقِلُونَ (1).
1) الآية 14 من سورة الحشر.
و نلاحظ هنا: أن المعاهدات التي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يبرمها مع اليهود، لم يظهر اليهود فيها وحدة متكاملة، بل كانوا شيعا و أحزابا. فقد عاهد «صلى اللّه عليه و آله» كل قبيلة منهم على حدة: النضير، و قينقاع، و قريظة، و كذلك الحال بالنسبة لخيبر و فدك و غير ذلك، و معنى ذلك هو أنهم كانوا فيما بينهم شيعا و أحزابا.
و يلاحظ أيضا: أن أيا من قبائلهم لم تنهض للدفاع عن القبيلة الأخرى. كما أن أحلافهم من غطفان، و من المنافقين، لم يهبوا لنصر أي من القبائل و الجماعات التي حالفوها و وعدوها النصر، و هو ما نص عليه اللّه تعالى حين قال عنهم: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نٰافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوٰانِهِمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاٰ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لاٰ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاٰ يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبٰارَ ثُمَّ لاٰ يُنْصَرُونَ (1). .
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اَللّٰهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَفْقَهُونَ (2). و قد علم معنى الآيات مما قدمناه.
و عن علي «عليه السلام» أنه قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء، و إن افترقت منازلهم، و الفجرة بعضهم لبعض غششة خونة، و إن اجتمعت
أبدانهم (1).
و كان مما قاله سلام بن مشكم لحيي بن أخطب حول وعد ابن أبي لهم بالنصر:
«ليس قول ابن أبي بشيء، إنما يريد ابن أبي: أن يورطك في الهلكة، حتى نحارب محمدا، ثم يجلس في بيته و يتركك. قد أراد من كعب بن أسد النصر، فأبى كعب، و قال: لا ينقضن العهد رجل من بني قريظة و أنا حي، و إلا فإن ابن أبي قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا و نقضوا العهد، و حصروا أنفسهم في صياصيهم، و انتظروا نصرة ابن أبي، فجلس في بيته، و سار محمد إليهم، فحصرهم حتى نزلوا على حكمه.
فابن أبي لا ينصر حلفاءه، و من كان يمنعه من الناس كلهم، و نحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حربهم كلها، إلى أن تقطعت حربهم، فقدم محمد فحجز بينهم. و ابن أبي لا يهودي على دين يهود، و لا على دين محمد، و لا على دين قومه، فكيف تقبل منه قولا قاله؟
قال حيي: تأبى نفسي إلا عداوة محمد و إلا قتاله. .
قال سلام: «فهو و اللّه جلاؤنا من أرضنا الخ. .» (2).
و يلاحظ من كلام سلام: أنه كان يشك في نوايا عبد اللّه بن أبي تجاههم.
و مما يؤكد هذه التهمة قول الواقدي بعد ذكره إرسال ابن أبي إلى قريظة يطلب منهم نصر إخوانهم من بني النضير، و رفضهم لذلك: «فيئس ابن أبي من قريظة، و أراد أن يلحم الأمر فيما بين بني النضير، و رسول اللّه، فلم يزل
يرسل إلى حيي، حتى قال حيي: أنا أرسل إلى محمد أعلمه: أنا لا نخرج من دارنا و من أموالنا الخ. .» (1). فصدق اللّه العظيم، و صدق رسوله الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و صدق أمير المؤمنين علي «عليه الصلاة و السلام» و صدق الأئمة من ولده صلوات اللّه عليهم أجمعين.
هناك أقوال كثيرة في بيان المراد من قوله تعالى عن بني النضير: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ (2).
و نحن نشير هنا إلى بعضها، فنقول:
قال البعض: «يخربونها من داخل (أي ليهربوا) و يخربها المؤمنون من خارج (أي ليصلوا إليهم) .
و قيل: معنى بأيديهم: بما كسبت أيديهم من نقض العهد، و أيدي المؤمنين، أي بجهادهم» (3).
1) مغازي الواقدي ج 1 ص 368.
2) الآية 2 من سورة الحشر.
3) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 251 و مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 و 161 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و 5 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1766 و راجع: الكشاف ج 4 ص 499 و القول الأول موجود في: التبيان ج 9 ص 558 و كذا في جامع البيان ج 28 ص 20 و راجع: غرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 35 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و مدارك التنزيل بهامش نفس الصفحة.
و لعل هذا القول هو الذي أشار إليه الزجاج، حين قال: معنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك (1).
و كان المسلمون يخربون ما يليهم و يحرقون حتى وقع الصلح (2).
و قال البعض: «كانوا ينظرون إلى منازلهم فيهدمونها، و ينزعون منها الخشب، ما يستحسنونها، فيحملونها على إبلهم، و يخرب المؤمنون بواقيها. .
إلى أن قال: قال ابن زيد: كانوا يقلعون العمد، و ينقضون السقف، و ينقبون الجدر، و ينزعون الخشب حتى الأوتاد، و يخربونها، حتى لا يسكنها المؤمنون، حسدا و بغضا» (3).
و قيل: إن سبب خرابهم لبيوتهم حاجتهم إلى الخشب و الحجارة، ليسدوا بها أفواه الأزقة، و أن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها للمسلمين، و أن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب، و الساج المليح. أما المؤمنون فداعيهم
1) مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 161 عنه، و جوامع الجامع ص 486 و راجع: مدارك التنزيل (بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 245 و فتح القدير ج 5 ص 196 و التفسير الكبير ج 29 ص 281 و الكشاف ج 4 ص 500.
2) مغازي الواقدي ج 1 ص 374.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 266 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 عن الزهري و عروة بن الزبير، و ابن زيد و التفسير الكبير ج 29 ص 281 و 280 و قول ابن زيد في: غرائب القرآن المطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 35 و كذا في فتح القدير ج 5 ص 196.
إزالة متحصنهم و ممتنعهم، و أن يتسع لهم مجال الحرب (1).
و قال القمي: «و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذا ظهر بمقدم بيوتهم، حصنوا ما يليهم، و خربوا ما يليه، و كان الرجل ممن كان له بيت حسن خربه. .» (2).
وثمة أقوال أخرى في المقام، و بعضها يرجع إلى ما تقدم.
منها: قول عكرمة: إن منازلهم كانت مزخرفة، فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، فخربوها من داخل، و خربها المسلمون من خارج (3).
و قول آخر: إنه كلما هدم المسلمون شيئا من حصونهم، جعلوا ينقضون بيوتهم، و يخربونها ليبنوا ما هدم المسلمون (4).
و قول ثالث: إنهم كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها، لتتسع لهم المقاتل، و جعل اليهود ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها، فيتحصنون فيها، و يكسرون ما يليهم، و يرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما كادت اليهود أن تبلغ آخر دورها، و هم ينتظرون المنافقين، حتى يئسوا منهم طلبوا
1) الكشاف ج 4 ص 499 و 500 و مدارك التنزيل، مطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 245 و راجع: غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 35.
2) تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 20 ص 169 و تفسير الصافي ج 5 ص 154 و تفسير البرهان ج 4 ص 313.
3) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 5 و راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 280.
4) فتح القدير ج 5 ص 196 و جامع البيان ج 28 ص 21 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4.
الصلح (1).
وثمة قول رابع: إنهم دربوا الأزقة و حصونها، فنقضوا بيوتهم، و جعلوها كالحصون على أبواب الأزقة، و كان المسلمون يخربون سائر الجوانب (2). إلى غير ذلك من أقوال لا مجال لتتبعها و استقصائها.
تنص الروايات: على أن الرجل من بني النضير كان يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به (3).
و قد فسر البعض هذه الظاهرة، فكتب يقول: «هدم نجاف (4)البيوت يتعلق بعقيدة تلمودية معروفة، هي: أن كل يهودي يعلق على نجاف داره صحيفة تشتمل على وصية موسى لبني إسرائيل: أن يحتفظوا بالإيمان بإله
1) راجع المصادر التالية: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 و الإكتفاء ج 2 ص 147 و الدر المنثور ج 6 ص 187 عن البيهقي في الدلائل، و التفسير الكبير ج 29 ص 280 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و مدارك التنزيل بهامشه، نفس الصفحة، و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و 5 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 35.
2) التفسير الكبير ج 29 ص 280.
3) راجع على سبيل المثال: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 554 و الإكتفاء ج 2 ص 148 و جامع البيان ج 28 ص 21 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 147 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و منهاج السنة ج 4 ص 173 و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 380 و 374 و السيرة الحلبية ج 2 ص 266.
4) النجاف: ما بني ناتئا فوق الباب، مشرفا عليه.
واحد، و لا يبدلوه و لو عذبوا و قتلوا.
فاليهود حين ينزحون عن منازلهم يأخذونها معهم، و هي عادة متبعة عند اليهود إلى يومنا هذا.
و يظهر: أن يهود بلاد العرب كانوا يضعون تلك الصحيفة داخل النجاف، خوفا من إتلاف الهواء، أو مس الأيدي فلما رحلوا عن ديارهم هدموا نجاف البيوت، و أخذوها. .» (1).
و نحن نشك كثيرا في عدد من الروايات التي تقدمت في الفصل الأول من هذا الباب، و في غيره من الفصول، و التي تحاول أن تعطي لغزوة بني النضير طابعا حربيا عنيفا، حتى ليذكر البعض منها: أن المسلمين كانوا يخربون بيوت بني النضير من الخارج ليتسع لهم ميدان القتال، و كان بنو النضير يخربون بيوتهم من الداخل لأجل التحصين بها، و أنهم قد بلغوا أقصى دورهم، و هم على هذه الصفة، إلى غير ذلك من نصوص و روايات تصب في هذا الاتجاه.
فإننا و إن كنا نقول: إنه قد كان ثمة حصار، و قطع للأشجار، و رشق بالنبل من قبل بني النضير، و خراب للبيوت بأيدي بني النضير، و بأيدي المؤمنين، ثم قتل أمير المؤمنين «عليه السلام» عشرة منهم، فدب الرعب في قلوبهم، و اقتنعوا: أن لا طاقة لهم بالحرب، فآثروا الاستسلام و القبول بالجلاء.
1) اليهود في القرآن ص 78 عن كتاب: اليهود في بلاد العرب ص 138 تأليف: ولفنسون.
و أفاء اللّه على رسوله أراضيهم، و سوغه أموالهم.
و لكن الإصرار على إظهار جانب العنف و القتال و الحرب القوية و الضارية من البعض، إنما هو لأجل الإيحاء بأن أرض بني النضير قد فتحت عنوة، و أن المسلمين قد أخذوها عن استحقاق، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» متفضلا عليهم في إعطائهم إياها! !
و معنى ذلك هو: أن المطالبة بها من قبل الورثة الحقيقيين للرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بعد وفاته تصبح بلا معنى، و بلا مبرر ظاهر. . رغم أن القرآن قد صرح: بأن أرضهم كانت فيئا، و أنها خاصة برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ولكن تبرير موقف السلطة، و التعتيم على مظالمها أهم و أولى من الحفاظ على القرآن، و أحكامه، بنظر هؤلاء المتحذلقين، الذين يستخدمون كل وسائل التزوير و التحوير و الإبهام في خدمة أهوائهم و مصالحهم و اتجاهاتهم.
ضيعوا حقها المبين بتزويرو هل عندهم سوى التزوير؟ !
قد ذكرت سورة الحشر-التي يرى المؤرخون و المفسرون: أنها تتحدث عن حادثة بني النضير، الذين أخرجهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» - أن هذا هو أول الحشر لهم. .
و قد اختلفوا في المراد من ذلك.
فروى موسى بن عقبة: أنهم قالوا: إلى أين نخرج يا محمد؟
قال: إلى الحشر.
يعني: أرض المحشر، و هي الشام. .
هذا في الدنيا، و الحشر الثاني يوم القيامة إلى الشام أيضا (1).
و قيل: إن أول الحشر هو إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، و آخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام (2).
و قيل: إنما قال لأول الحشر؛ لأن اللّه فتح على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» في أول ما قاتلهم (3).
و قيل: المراد بالحشر؛ الجلاء، و قد كان بنو النضير من سبط من بني إسرائيل لم يصبهم جلاء.
زاد الطبرسي، و غيره: أن الحشر الثاني هو إخراج إخوانهم من جزيرة العرب (أي على يد عمر بن الخطاب) لئلا يجتمع في جزيرة العرب دينان (4).
1) راجع: مجمع البيان ج 9 ص 258 و إرشاد الساري ج 7 ص 375 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 254 و البحار ج 20 ص 160 عنه و التبيان ج 9 ص 557 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و مدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة، و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 351 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 و 3 و جوامع الجامع ص 486 و راجع أيضا: فتح القدير ج 5 ص 195 و التفسير الكبير ج 29 ص 278 و 279 و بعض من تقدم قد ذكر بعض ذلك دون بعض.
2) فتح القدير ج 5 ص 195 و راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 278 و 279.
3) مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 عنه.
4) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و البيهقي في الدلائل، و أبي داود، و ابن المنذر، و مجمع البيان ج 9 ص 258 و البحار ج 20 ص 160 و الروض الأنف ج 3 ص 251 و بهجة المحافل ج 1 ص 215 و 216 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 34 و الكشاف ج 4 ص 499-
و قيل: إن الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن؛ فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا؛ و تقيل معهم حيث قالوا، و تأكل من تخلف (1).
و قال العيني: «إن بني النضير أول من أخرج من ديارهم» (2).
و نقول: بل أجلي بنو قينقاع قبلهم.
و قال الكلبي: كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب؛ فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، و آخر حشر إجلاء عمر لهم (3).
قال السهيلي، بعد ذكره ما تقدم:
(4) -و جوامع الجامع ص 486 و المصنف ج 5 ص 358 و 359 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و التبيان ج 9 ص 557 عن البلخي، و لباب التأويل ج 4 ص 245 و مدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة و جامع البيان ج 28 ص 19 و 22 و راجع: فتح القدير ج 5 ص 199 و السيرة الحلبية ج 2 ص 268.
1) الروض الأنف ج 3 ص 251 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 216 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و لباب التأويل ج 4 ص 245 و مدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة و راجع: جامع البيان ج 28 ص 20 و غرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 34 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 20 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1764 و التفسير الكبير ج 29 ص 279 و السيرة الحلبية ج 2 ص 268.
2) عمدة القاري ج 17 ص 126.
3) فتح القدير ج 5 ص 195 و الكشاف ج 4 ص 499 و راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 278 و 279 و جوامع الجامع ص 286.
«. . و الآية متضمنة لهذه الأقوال كلها، و لزائد عليها؛ فإن قوله: لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ يؤذن: أن ثمة حشرا آخر؛ فكان هذا الحشر و الجلاء إلى خيبر، ثم أجلاهم عمر من خيبر إلى تيماء، و أريحا، و ذلك حين بلغه التثبت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: لا يبقين دينان بأرض العرب» (1).
كما أن عبد الرزاق الصنعاني، بعد أن ذكر: أن النبي: «صلى اللّه عليه و آله» قد دفع خيبر إلى اليهود، على أن يعملوا بها، و لهم شطرها قال:
«فمضى على ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر، و صدر من خلافة عمر، ثم أخبر عمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال في وجعه الذي مات فيه: لا يجتمع بأرض الحجاز-أو بأرض العرب-دينان؛ ففحص عن ذلك حتى وجد عليه الثبت، فقال:
من كان عنده عهد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فليأت به، و إلا فإني مجليكم.
قال: فأجلاهم» . و كذا ذكر غير عبد الرزاق أيضا (2).
و قد نص المؤرخون: على أن عمر أجلى من يهود من لم يكن معه عهد
1) الروض الأنف ج 3 ص 251 و ستأتي مصادر أخرى.
2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 126 و راجع ج 10 ص 359 و 360 و راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 717 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 371 و البداية و النهاية ج 4 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و عمدة القاري ج 13 ص 306 و فتح الباري ج 5 ص 240 عن ابن أبي شيبة و غيره، و الموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 88 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 67 و راجع وفاء الوفاء ج 1 ص 320.
من رسول اللّه (1).
و نقول:
إن حديث إجلاء عمر لليهود، حين بلغه الثبت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يجتمع بأرض العرب دينان، يحتاج إلى شيء من البسط و التوضيح. .
و قد كنا نود إرجاء الحديث عن هذا الأمر إلى وقعة خيبر، و لكن ما ذكره السهيلي و غيره هنا قد جعلنا نتعجل الإشارة إلى بعض من ذلك. و لكننا قبل أن ندخل في مناقشة هذا الأمر نشير إلى أمرين:
الأول:
إن تصريح الرواية المتقدمة بأن الخليفة قد نفذ ما كان قد سمعه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وجعه الذي مات فيه، يحتاج إلى مزيد من التأمل، بعد أن كان هو نفسه قد قال عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفس ذلك المرض: إنه يهجر، أو غلبه الوجع أو نحو ذلك. . (2).
1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 21 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 224 و الإكتفاء ج 2 ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 415 و البداية و النهاية ج 4 ص 219.
2) الإيضاح ص 359 و تذكرة الخواص ص 62 و سر العالمين ص 20 و صحيح البخاري ج 3 ص 60 و ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 21 و 22 و ج 2 ص 115 و الملل و النحل ج 1 ص 22 و صحيح مسلم ج 5 ص 75 و البدء و التاريخ ج 5 ص 59 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 244 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 192 و 193 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 320 و أنساب-
و صرحت المصادر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، و أنه لا يجتمع فيها دينان، بعد قول عمر الآنف الذكر، و تنازعهم عنده (1).
فمن غلبه الوجع: و من كان يهجر-و العياذ باللّه-لا يوثق بما يقوله، و لا ينبغي الالتزام به، حتى و لو ورد بالطرق الصحيحة و الصريحة. نعوذ باللّه من الزلل و الخطل في القول و العمل. . و عصمنا اللّه من نسبة ذلك لرسوله الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
الثاني:
إنا لا نريد أن نسجل إدانة صريحة للخليفة الثاني، حول ما تذكره الرواية من جهله بآخر أمر صدر من النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، حول وجود الأديان في جزيرة العرب. . بأن نقول: إن ذلك لا يتناسب مع مقام خلافة رسول اللّه «صلى عليه و آله» .
لا. . لا نريد ذلك، لأننا نشك في أن يكون الخليفة قد استند في موقفه
(2) -الأشراف ج 1 ص 562 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 51 و تاريخ الخميس ج 2 ص 164 و مسند أحمد ج 1 ص 355 و 324 و 325 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 62 و السيرة الحلبية ج 3 ص 344. و راجع المصادر التالية: نهج الحق ص 273 و الصراط المستقيم ج 3 ص 6 و 3 و حق اليقين ج 1 ص 181 و 182 و المراجعات ص 353 و النص و الإجتهاد ص 149 و 163 و دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 63-70.
1) راجع المصادر المتقدمة، فقد ذكر عدد منها ذلك، مثل صحيح البخاري و وفاء الوفاء ج 1 ص 319 و 321.
من اليهود إلى قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و نحن نوضح ذلك فيما يلي:
إن من المسلّم به: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين افتتح خيبر قد أبقى اليهود في شطر منها، يعملون فيه، و لهم شطر ثماره، و لكن عمر قد أخرجهم منها إلى تيماء و أريحا (1).
و لكن ما ذكروه في سبب ذلك، من أنه قد فعل امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تدينا منه، و التزاما بالحكم الشرعي، لا يمكن المساعدة عليه، و لا الالتزام به، حيث إننا نشك في ذلك، و ذلك لما يلي:
ألف: لماذا لم يفعل ذلك أبو بكر، فهل لم يبلغه ذلك؟ !
و الذين أبلغوا عمر بن الخطاب لماذا لم يبلغوا سلفه أبا بكر؟ !
ب: قولهم: إن عمر لم يكن يعلم بلزوم إجلاء اليهود، حتى بلغه الثبت عن رسول اللّه ينافيه ما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال:
أخبرني عمر بن الخطاب: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلما (2).
فلما ذا توقف عن إخراجهم، حتى بلغه الثبت عن رسول اللّه؟ ألم يكن هو قد سمع ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، فلماذا لم ينفذ ما سمعه؟ !
و لماذا أيضا لم يخبر عمر نفسه رفيقه و صديقه الحميم أبا بكر بهذا القول منه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
إلا أن يقال: إن هذا لا يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر الخليفة بعده بذلك.
ج: إن ثمة حديثا يفيد: أن سبب إخراج عمر ليهود خيبر هو أنهم اعتدوا على ولده، فقد روى البخاري و غيره:
عن ابن عمر، قال: لما فدع (1)أهل خيبر عبد اللّه بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عامل يهود خيبر على أموالهم، و قال: نقركم ما أقركم اللّه، و إن عبد اللّه بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه، و رجلاه، و ليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا و تهمتنا، و قد رأيت إجلاءهم.
فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا، و قد أقرنا محمد، و عاملنا على الأموال، و شرط ذلك لنا؟ !
فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول اللّه: كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ !
(2) -ص 323 عن ابن جرير في تهذيبه و مسند أحمد ج 3 ص 345 و ج 1 ص 29 و 32 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 359.
1) فدع: شدخ و شقّ شقا يسيرا.
فقال: كانت هذه هزيلة (أي فرحة) من أبي القاسم.
فقال: كذبت يا عدو اللّه.
فأجلاهم عمر الخ. . (1).
و نشير في هذه الرواية إلى أمرين:
الأول: إنها تصرح بأن إجلاء اليهود كان رأيا من عمر، و ليس امتثالا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن الدافع له هو ما فعلوه بولده.
و من الواضح: أن ذلك ليس مبررا كافيا لذلك، فقد سبق لليهود أن قتلوا عبد اللّه بن سهل بخيبر، فاتهمهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون بقتله، فأنكروا ذلك، فوداه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يخرجهم بسبب ذلك (2).
1) صحيح البخاري ج 2 ص 77 و 78 و راجع المصادر التالية: كنز العمال ج 4 ص 324 و عنه و عن البيهقي، و وفاء الوفاء ج 1 ص 320 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 352 و 353 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و 220 و الإكتفاء ج 2 ص 271 و المغازي للواقدي ج 2 ص 716 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 416 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 378 و مسند أحمد ج 1 ص 15 بنص أكثر تفصيلا، كما هو الحال في بعض المصادر الآنفة الذكر و راجع أيضا: زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 79.
2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 369 و 370 و عمدة القاري ج 13 ص 306 و الإصابة ج 2 ص 322 و فيه: أن هذا الحديث موجود في الموطأ و أخرجه الشيخان في باب القسامة، و أسد الغابة ج 3 ص 179 و 180 و الإكتفاء ج 2 ص 270 و المغازي للواقدي ج 2 ص 714 و 715 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58.
الثاني: إن ما نقله عمر لأحد بني الحقيق، لم يكن هو المستند لإخراجهم، بل صرح عمر بأن ذلك كان لرأي رآه بسبب ما فعلوه بولده. . كما أن إخبار النبي هذا ليس فيه ما يدل على أنهم يخرجون بحق أو بغير حق، و لا يفيد تأييد هذا الإخراج و لا تفنيده، و لعل لأجل ذلك لم يستطع أن يستند إليه الخليفة في تبرير ما يقدم عليه.
د: و في بعض المصادر: أضاف إلى ما صنعوه بابن عمر، أنهم غشوا المسلمين (1).
و لا ندري إن كان يقصد: أن غشهم هذا كان بفعل مستقل منهم، أم أن ما فعلوه بابن عمر هو الدليل لهذا الغش؟ !
قال دحلان: «استمروا على ذلك إلى خلافة عمر (رض) ، و وقعت منهم خيانة و غدر لبعض المسلمين، فأجلاهم إلى الشام، بعد أن استشار الصحابة (رض) في ذلك» (2).
و عبارة دحلان هذه، ظاهرة في أن المقصود بخيانتهم و غدرهم: هو نفس ما صدر منهم في حق بعض المسلمين، و هو ابن عمر بالذات، و لا ندري لماذا لم يصرح باسمه و نسبه هنا؟ ! .
ه: و مما يدل على أن إجلاءهم كان رأيا من الخليفة الثاني، ما رواه أبو داود و غيره، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال:
أيها الناس، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عامل يهود خيبر على أنّا نخرجهم إذا شئنا، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود. فأخرجهم (1).
و معنى ذلك: هو أنه لم يكن يرى إخراجهم واجبا شرعيا. كما أنه قد احتج لما يفعله بشرط النبي «صلى اللّه عليه و آله» إبقاءهم بالمشيئة-إذا شئنا-و لا يحتج لذلك بما ثبت له عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، من عدم بقاء دينين في أرض العرب.
مع أنه لو كان هذا هو السبب و الداعي، لكان الاحتجاج به أولى و أنسب.
و مما يؤيد ذلك و يعضده: أن اليهود حين اعترضوا عليه بقولهم: لم يصالحنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على كذا و كذا؟ !
قال: بلى، على أن نقركم ما بدا للّه و لرسوله، فهذا حين بدا لي إخراجكم. فأخرجهم (2).
و: إنه قد أخرج نصارى نجران، و أنزلهم ناحية الكوفة (3).
ز: قد ذكرت بعض الروايات: أن السبب في إجلائهم هو استغناء المسلمين عنهم، و ليس هو وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإخراجهم.
1) سنن أبي داود ج 3 ص 158 و البداية و النهاية ج 4 ص 200 و أشار إليه في فتح الباري ج 5 ص 241 عن أبي يعلى، و البغوي. و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 380 و كنز العمال ج 4 ص 325 عن أبي داود، و البيهقي، و أحمد و راجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 359.
2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 125 و سيأتي الحديث بلفظ آخر بعد قليل تحت حرف: ط.
3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 283.
يقول ابن سعد و غيره: إنه لما صارت خيبر في أيدي المسلمين، لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليهود، يعملونها على نصف ما يخرج منها.
فلم يزالوا على ذلك، حتى كان عمر بن الخطاب، و كثر في أيدي المسلمين العمال، و قووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، و قسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم (1). و قريب من ذلك ذكره ابن سلام أيضا، فراجع (2).
و بعد أن ذكر العسقلاني هذه الرواية، و ذكر رواية عدم اجتماع دينين في جزيرة العرب، ثم رواية البخاري عن فدع اليهود لعبد اللّه بن عمر، قال:
«. . و يحتمل أن يكون كل هذه الأشياء جزء علة في إخراجهم» (3).
و لكنه احتمال غير وارد، فإن ظاهر الروايات: أن السبب في إخراجهم هو خصوص ما تذكره دون غيره، و لا سيما حين يكون الحديث و التعليل في مقام الاحتجاج و الاستدلال و دفع الشبهة، من نفس ذلك الرجل الذي تصدى لذلك.
ح: قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بإجلاء اليهود و النصارى من بلاد العرب، و أنه قال: لا يجتمع ببلاد العرب دينان، أو نحو ذلك، ينافيه:
1-قولهم: -حسبما روي عن سالم بن أبي الجعد-: «كان أهل نجران بلغوا أربعين ألفا، و كان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين، فتحاسدوا بينهم، فأتوا عمر، فقالوا: إنا قد تحاسدنا بيننا، فأجلنا.
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لهم كتابا: أن لا يجلوا، فاغتنمها عمر، فأجلاهم الخ. .» (1).
2-و في نص آخر: إنما أخرج عمر أهل نجران، لأنهم أصابوا الربا في زمانه (2).
3-و عن علي «عليه السلام» : أنه نسب إجلاء أهل نجران إلى عمر أيضا فراجع (3).
إلا أن يقال: إن نسبة ذلك إليه لا يدل على عدم الأمر به من النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
ط: عن ابن عمر: أن عمر أجلى اليهود من المدينة، فقالوا: أقرنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أنت تخرجنا؟ !
قال: أقركم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنا أرى أن أخرجكم، فأخرجهم من المدينة (4).
فلو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمر بإخراجهم لم ينسب عمر إخراجهم إلى رأيه الشخصي.
ي: إنه يرد هنا سؤال، و هو: لماذا يخرجهم من بلاد العرب، و لا يخرجهم من بلاد المسلمين كلها؟ فهل لبلاد العرب خصوصية هنا؟ ! و ما هي هذه الخصوصية سوى التعصب القومي، و التمييز العنصري، و الشعور بالتفوق على الآخرين، بلا مبرر ظاهر؟ .
ك: عن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، قال: أقبل مظهر بن رافع الحارثي إلى أبي بأعلاج من الشام، عشرة، ليعملوا في أرضه، فلما نزل خيبر أقام بها ثلاثا، فدخلت يهود للأعلاج، و حرضوهم على قتل مظهر، و دسوا لهم سكينين أو ثلاثا!
فلما خرجوا من خيبر، و كانوا بثبار، و ثبوا عليه، فبعجوا بطنه، فقتلوه، ثم انصرفوا إلى خيبر، فزودتهم يهود و قوّتهم حتى لحقوا بالشام.
و جاء عمر بن الخطاب الخبر بذلك، فقال: إني خارج إلى خيبر، فقاسم ما كان بها من الأموال، و حاد حدودها، و مورف أرفها (1)، و مجل يهود عنها، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: أقركم ما أقركم اللّه، و قد أذن اللّه في إجلائهم، ففعل ذلك بهم (2).
و في الواقدي: أن عمر خطب الناس، فقال: أيها الناس إن اليهود فعلوا
بعبد اللّه ما فعلوا، و فعلوا بمظهر بن رافع، مع عدوتهم على عبد اللّه بن سهل في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أشك أنهم أصحابه، ليس لنا عدو هناك غيرهم؛ فمن كان له هناك مال؛ فليخرج؛ فأنا خارج فقاسم.
إلى أن قال: إلا أن يأتي رجل منهم بعهد، أو بينة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه أقره، فأقره.
ثم ذكر تأييد طلحة لكلام عمر، ثم قول عمر له: من معك على مثل رأيك؟ !
قال: المهاجرون جميعا، و الأنصار. فسرّ بذلك عمر (1).
ل: قال الحلبي الشافعي بعد ذكره رواية مصالحة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم:
«أي و هذا يخالف ما عليه أئمتنا من أنه لا يجوز في عقد الجزية أن يقول الإمام، أو نائبه: أقركم ما شئنا، بخلاف ما شئتم، لأنه تصريح بمقتضى العقد؛ لأن لهم نبذ العقد ما شاؤوا.
و ذكر أئمتنا: أنه يجوز منه «صلى اللّه عليه و آله» -لا منا-أن يقول: أقررتكم ما شاء اللّه؛ لأنه يعلم مشيئة اللّه دوننا» (2).
و نقول: إن ذلك محل نظر؛ إذ:
1-من الذي قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلم-في هذا المورد
بخصوصه-مشيئة اللّه سبحانه؟ ! .
2-لماذا لا يصح للنبي، و لغيره أيضا، أن يقول ذلك؟ ! أليس حكمهم الجلاء، و قد عادت الأرض إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، لتكون خالصة له؟ فهو يزارعهم في ملكه، و له أن يمنعهم من العمل و السكنى فيها متى شاء. لا أن الأرض لهم، و هو «صلى اللّه عليه و آله» ينتظر نقضهم للعهد، حتى تكون المشيئة إليهم في النقض و عدمه، كما يريد هؤلاء أن يفهموا.
م: إن عمر إنما أجلاهم إلى أريحا و تيماء من جزيرة العرب (1). و قد حاول الحلبي الشافعي دعوى: أن المقصود بجزيرة العرب خصوص الحجاز، و أريحا و تيماء ليستا من الحجاز، و لعله استند في ذلك إلى بعض النصوص التي عبرت بكلمة «الحجاز» بدل «جزيرة العرب» كما يفهم من كلامه ضمنا (2).
و نقول:
أولا: إن الروايات متناقضة، فبعضها قال: اليهود و النصارى.
و بعضها قال: المشركين.
و في بعضها: لا يبقى دينان في جزيرة العرب.
و في بعضها: اليهود.
و من جهة أخرى: فإن بعضها ذكر الحجاز، و بعضها ذكر جزيرة العرب.
و في بعضها أنه قال: أخرجوا اليهود من الحجاز، و أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب (1). و هذا الاختلاف يوجب ضعف الرواية إلى حد كبير.
ثانيا: قال السمهودي: «لم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلاهم من اليمن، مع أنها من الجزيرة» (2)، ثم قال: فدل على أن المراد الحجاز فقط.
و نقول: بل دل ذلك على ضعف الرواية من الأساس لا سيما و أن عددا من الروايات يصرح بأن النبي قال: لا يبقين دينان بأرض العرب، و أرض العرب لا تختص بالحجاز كما هو معلوم.
ثالثا: إن تيماء من الحجاز أيضا، قال ابن حوقل: بينها و بين أول الشام ثلاثة أيام (3).
و هي تقع على ثمان مراحل من المدينة بينها و بين الشام، و هي تعد من توابع المدينة (4).
و مدين التي هي من أعراض المدينة تقع في محاذاة تبوك (5). و تبوك أبعد من تيماء كما هو ظاهر.
و آخر عمل المدينة «سرغ» ، بوادي تبوك، على ثلاث عشرة مرحلة من
المدينة (1).
و قالوا عن سرغ: إنها أول الحجاز، و آخر الشام (2).
بل لقد قال الحرقي: تبوك و فلسطين من الحجاز (3).
و لكن قال السمهودي: إن عمر «لم يخرج أهل تيماء و وادي القرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام.
و يرون: أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، و أن ما وراء ذلك من الشام» (4).
و لكن السمهودي نفسه ينقل عن صاحب المسالك و الممالك و عن ابن قرقول: أنهما قد عدا وادي القرى من المدينة (5).
كما أن ابن الفقيه قد عد دومة الجندل من أعمال المدينة، و وادي القرى تقع فيها (6).
و قال ياقوت و غيره: إن وادي القرى من أعمال المدينة، أيضا (7).
و عدها ابن حوقل و غيره من الحجاز (8).
1) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1233.
2) معجم البلدان ج 3 ص 211 و مراصد الاطلاع ج 2 ص 707.
3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1184.
4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1329.
5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1328.
6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1212 و راجع ص 1328.
7) راجع: مراصد الإطلاع ج 3 ص 1417 و معجم البلدان ج 5 ص 345.
8) صورة الأرض ص 38 و مسالك الممالك ص 19.
و بعد هذا: فإن كلام السمهودي يصبح متناقضا و غير واضح، و إن كان يمكن الاعتذار عنه بأنه ينسب بعض ما يقوله لغيره، و ذلك لا يدل على رضاه و قبوله به.
و لكن هذا الاعتذار إنما يصح في بعض الموارد دون بعض، مع ملاحظة: أننا لم نجده يعترض على ما ينقله عن الآخرين، بل ظاهره أنه مصدق و معترف به.
و قد حاول الحلبي هنا: أن يجعل من أسباب كثيرة سببا واحدا، فوقع في التناقض و الاختلاف، فإنه بعد أن ذكر: عزم عمر على إجلاء اليهود، بسبب ما فعلوه بولده و بعبد اللّه بن سهل، و بمظهر بن رافع، قال:
«فلما أجمع الصحابة على ذلك، أي على ما أراده سيدنا عمر، جاءه أحد بني الحقيق فقال له: يا أمير المؤمنين الخ. .» فذكر القصة المتقدمة و أن عمر لم ينس قول النبي لابن أبي الحقيق حول خروجه.
ثم قال: «ثم بلغه (رض) : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا يبقى دينان في جزيرة العرب و نصوصا أخرى تقدمت» . ثم ذكر أن المراد بالجزيرة خصوص الحجاز.
إلى أن قال: «ففحص عمر عن ذلك حتى تيقنه و ثلج صدره فأجلى يهود خيبر، أي و أعطاهم قيمة ما كان لهم من ثمر و غيره و أجلى يهود فدك، و نصارى نجران، فلا يجوز إقامتهم أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول و الخروج، و لم يخرج يهود وادي القرى و تيماء، لأنهما من أرض الشام لا من
الحجاز» (1).
فهو يقول: إن عمر هو الذي عزم على إجلاء اليهود ثم يقول: إن الصحابة قد أجمعوا. ثم يذكر أنه عرف بأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حول اليهود بعد هذا العزم و بعد ذلك الإجماع، فلما تيقنه و ثلج صدره أجلاهم.
كما أنه يذكر العبارات المتناقضة حول جزيرة العرب و الحجاز، و يدّعي أن المقصود بالجزيرة هو خصوص الحجاز، و لكنه يدّعي أن تيماء و وادي القرى ليستا من الحجاز، مع أن النصوص الجغرافية على خلاف ذلك، حسبما أوضحناه.
ثم يذكر: أنه أعطاهم ثمن أموالهم. . و لا ندري السبب في ذلك إن كان إخراجهم بسبب نقضهم للعهد، فإن ناقض العهد لا يعطى ذلك. .
و أخيرا. . فإنه ادّعى عدم جواز اقامتهم أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول و الخروج، فهل هذا الحكم مأخوذ من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أنه حكم سلطاني متأخر عن زمنه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
و لا ندري كيف أجيز لهم ذلك بعد منعه «صلى اللّه عليه و آله» لهم من البقاء في أرض العرب.
كما أننا لا نعرف: من أين جاء استثناء يومي الخروج و الدخول؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، التي يمكن استخلاصها من مجموع ما ذكرناه.
1) راجع كلامه بطوله في السيرة الحلبية ج 3 ص 58.
و لعلنا لا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن حديث «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» هو من قول عمر، و قد نسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أجل تصحيح ما أقدم عليه عمر من نقض عهد اليهود لأجل ابنه، أو لغير ذلك من أسباب، لم ير فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يوجب ذلك حسبما ألمحنا إليه؛ فقد قال أبو عبيد اللّه القاسم بن سلام:
«حدثنا يحيي بن زكريا بن أبي زائدة، و محمد بن عبيد، عن عبيد اللّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قال: أجلى عمر المشركين من جزيرة العرب، و قال: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» و ضرب لمن قدم منهم أجلا، قدر ما يبيعون سلعهم» (1)انتهى.
فترى في هذا الحديث: أنه قد نسب القول بعدم اجتماع دينين في جزيرة العرب إلى عمر نفسه من دون إشارة إلى رسول اللّه، و لعله الأوفق و الأولى، و قد تقدم ما يشير إلى أن ذلك كان رأيا من عمر، فلا نعيد.
قد تقدم: أن آية لا إكراه في الدين قد نزلت في مناسبة غزوة بني النضير، حيث كان معهم أولاد للأنصار أراد آباؤهم أن يمنعوهم من الخروج معهم فنزلت هذه الآية.
1) الأموال ص 143.
و نقول:
إن ذلك موضع مناقشة و غير مسلّم؛ و إن أصر عليه القرطبي (1).
فأولا: قد روي في سبب نزول الآية:
1-إن سبب نزولها هو وجود أبناء للأنصار في بني النضير، عن طريق الاسترضاع فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإسلام أرادهم أهلوهم على الإسلام فنزلت (2).
2-عن السدي: أنها نزلت في أبي حصين الأنصاري، الذي تنصر ابناه، و مضيا إلى الشام، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يبعث من يردهما، فنزلت (3).
ثانيا: إن منع الأنصار أولادهم من الخروج مع اليهود لا يعني
1) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280.
2) راجع: فتح القدير ج 1 ص 276 عن سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن مجاهد، و عن الحسن، و الدر المنثور ج 1 ص 329 عنهم و عن ابن عقدة في غرائب شعبة و النحاس في ناسخه و عبد بن حميد و سعيد بن منصور، و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 و السيرة الحلبية ج 2 ص 267 و لباب التأويل ص 185.
3) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 و لباب التأويل ج 1 ص 186 و مدارك التنزيل بهامشه ج 1 ص 185 و فتح القدير ج 1 ص 276 عن ابن إسحاق، و ابن جرير عن ابن عباس، و كذا أخرج عبد بن حميد عن عبد اللّه بن عبيدة نحوه، و كذا أخرج أبو داود في ناسخه و ابن جرير و ابن المنذر عن السدي نحوه و الدر المنثور ج 1 ص 329 عنهم جميعا أيضا.
إجبارهم على الدخول في الإسلام، و لم يرد الآباء ذلك من أولادهم، و إنما أرادوا منعهم من الخروج فقط. .
و تقول بعض المصادر: إن بني النضير «تحملوا إلى الشام» كما هو مذكور في بعض الروايات. . أي إلى أذرعات منها (1).
و تذكر مصادر أخرى: أنهم أجلوا إلى خيبر (2).
1) راجع: فتح القدير ج 5 ص 199 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و تفسير الصافي ج 5 ص 153 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 و المغازي للواقدي ج 1 ص 380 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 232 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 358 و 359 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 553 و 554 و التبيان ج 9 ص 557 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 119 و حياة الصحابة ج 1 ص 398 و مدارك التنزيل المطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 244 و جامع البيان ج 28 ص 19 و 20 و 22 و الدر المنثور ج 6 ص 188 و 189 و 187 عن بعض من تقدم و عن: ابن مردويه و البيهقي في الدلائل، و عبد بن حميد، و أبي داود، و ابن المنذر، و الحاكم و صححه. و راجع شعر أمير المؤمنين «عليه السلام» المذكور في الفصل الأول من هذا الباب و في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 208.
2) الثقات ج 1 ص 243 و مرآة الجنان ج 1 ص 9 و التنبيه و الإشراف ص 213 و سيرة مغلطاي ص 53 و الدر المنثور ج 6 ص 188 عن عبد بن حميد، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 233 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 و فيه: أن إجلاءهم إلى أذرعات و نجد، و قيل: إلى تيماء و أريحا، كان على يد عمر.
و تذكر مصادر أخرى: أنهم أجلوا إلى فدك (1).
فقد يتخيل وجود تناقض فيما بين هذه النصوص. .
فإذا ضممنا ذلك إلى نصوص أخرى، فإن هذا التناقض يتأكد، حيث نجد بعضها يقول:
«تحملوا إلى خيبر، و إلى الشام، و ممن سار منهم إلى خيبر، أكابرهم، كحيي بن أخطب، و سلام بن أبي الحقيق، و كنانة بن الربيع، فدانت لهم خيبر» (2).
و قال آخر: «و مضى من بني النضير إلى خيبر ناس، و إلى الشام ناس» (3).
و آخر يقول: «خرجوا إلى أذرعات، و أريحا، و خيبر، و حيرة» (4).
1) التنبيه و الإشراف ص 213. و قد يظهر منه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سمح لهم بالذهاب إلى فدك أيضا، فاختاروا خيبرا.
2) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8.
3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و راجع: أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 و جوامع الجامع ص 486 و مجمع البيان ج 9 ص 255 و البحار ج 20 ص 157 عنه عن مجاهد، و قتادة و الدر المنثور ج 6 ص 99 عن ابن المنذر، و ابن إسحاق، و أبي نعيم في الدلائل، و السيرة الحلبية ج 2 ص 267 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 330 و 333 و وفاء الوفاء ج 1 ص 297 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 201 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 554 و الإكتفاء ج 2 ص 148 و جامع البيان ج 28 ص 19 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و عمدة القارئ ج 17 ص 126 و فتح الباري ج 7 ص 254 و منهاج السنة ج 4 ص 173.
4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.
و بعض آخر يذكر ذلك، من دون ذكر الحيرة (1).
و نص آخر يذكر: أنهم لحقوا بأذرعات بالشام و أريحا، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، و آل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، و لحقت طائفة منهم بالحيرة (2).
و جاء في بعض النصوص قوله: «و طاروا كل مطير، و ذهبوا كل مذهب، و لحق بنو أبي الحقيق بخيبر، و معهم آنية كثيرة من فضة، فرآها النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون، و عمد حيي بن أخطب حتى قدم مكة على قريش، فاستغواهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).
و آخر نص نذكره هو ما قاله البعض: «وقع قوم منهم إلى فدك، و وادي القرى، و خرج قوم منهم إلى الشام» (4).
و نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجلاهم، و سمح لهم بأن يأخذوا ما أقلته الإبل، إلا الحلقة.
1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262.
2) راجع: غرائب القرآن مطبوع بهامش البيان ج 28 ص 33 و التفسير الكبير ج 29 ص 278 و الكشاف ج 4 ص 498 ص 499 و مجمع البيان ج 9 ص 257 و البحار ج 20 ص 209 عنه و بهجة المحافل ج 1 ص 215 و لباب التأويل ج 4 ص 245.
3) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122.
4) تفسير القمي ج 2 ص 359 و البحار ج 20 ص 170 و تفسير الصافي ج 5 ص 154 و تفسير البرهان ج 4 ص 313.
و تذكر بعض النصوص إحصائية لما حصل عليه المسلمون من سلاح، فتقول: «فوجد من الحلقة خمسين درعا و خمسين بيضة، و ثلاثمائة سيف، و أربعين سيفا» (1).
و من الواضح: أن في ذلك قوة للمسلمين الذين يواجهون العدو المتربص بهم ليل نهار و في كل اتجاه.
ثم هو إضعاف لعدوهم، ماديا و معنويا، و له تأثيرات سلبية على معنويات كل أولئك الذين يتعاطفون معهم، و يميلون إليهم.
و من وجهة نظر مبدئية، و عقيدية، فإن السلاح لا يكون إلا للمؤمنين، و هم وحدهم الذين يملكون الحق في السلاح، لأنهم إنما ينصرون به الحق، و يدمرون به الباطل.
أما الآخرون فعلى العكس من ذلك، و لا أقل من أن السلاح-إذا كان بأيدي غير المؤمنين-فإنه تصبح له حالة ردع تلقائية، و تخوف في قلوب المؤمنين الذين لا بد لهم أن يعملوا على نشر الدين، و إعزازه، و استئصال الباطل و إذلاله.
و إن ما جرى لبني النضير، و هم أعز يهود منطقة الحجاز، قد جعل المنافقين، الذين كانوا يلتقون معهم في العداء للإسلام، و الخلاف له و عليه،
1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و الوفاء ص 690 و البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني و غيره، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و زاد المعاد ج 2 ص 72 و مغازي الواقدي ج 1 ص 377 و السيرة الحلبية ج 2 ص 268.
و قد ثقل عليهم إقامة شعائره، و الالتزام بأحكامه، و أن يربوا أنفسهم تربية صالحة، وفقا لأهدافه و مراميه-قد جعلهم-يحسون بالضعف، و يشعرون بأنهم قد خسروا واحدا من أهم حلفائهم و من هم على رأيهم، و لهم نفس أهدافهم و طموحاتهم بالنسبة إلى مستقبل الإسلام و المسلمين. .
فخابت آمالهم، و تبخرت أحلامهم، التي كانوا قد نسجوها، و خدعوا أنفسهم بها. .
إذ إن من الواضح: أن مجاراة المنافقين للمسلمين، إنما كانت-في الأكثر -تهدف إلى الحصول على بعض الامتيازات و المنافع، ثم يديرون ظهورهم إليهم و يواصلون مسيرتهم بالطريقة التي تروق لهم، و بالأسلوب الذي يعجبهم و يحلو لهم. فليس الإسلام و المسلمون سوى وسائل توصلهم إلى تلك المآرب، و تحقق لهم هاتيكم الأهداف. .
و أما أولئك الذين أظهروا الإسلام، لأن ظروفهم و علاقاتهم قد فرضت عليهم ذلك، و كانوا بانتظار زوال ذلك الكابوس، فإنهم أيضا قد تلقوا ضربة هائلة و مخيفة، و هم يرون الإسلام تقوى شوكته، و يتعمق و يتجذر، و يستقطب و يجتاح كل خصومهم، و يدمرهم، أو يقضي على مصادر القوة فيهم.
فكان من الطبيعي أن نجد المنافقين من أولئك و هؤلاء يشتد حزنهم، و يتضاعف كمدهم، و يكبر خوفهم، و لم يخف حالهم على أحد، و سجلهم التاريخ على صفحاته، ليخلد خزيهم، و ذلهم، فذكر المؤرخون: أنه حين
أجلي بنو النضير: «حزن المنافقون عليهم حزنا شديدا» (1).
و نجد فيما حفظه لنا التاريخ من تأوهات، و صرخات مكتومة و ظاهرة لبعض هؤلاء الذين كانوا يتعاطفون مع اليهود، رغم ما يرونه من غدرهم و مجانبتهم للحق-نجد-بعض ما يثير فينا عجبا لا حد له. .
فإن بعض الناس الذين كنا و ما زلنا نرى و نسمع لهم الكثير من المدح و الثناء، و التعظيم و التبجيل، قد عبروا عن عميق احترامهم، و عن تعاطفهم مع أولئك الغدرة الفجرة، أعداء اللّه، و أعداء رسوله، فاقرأ النص التالي، و اعجب ما بدالك:
حينما أجلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بني النضير. .
«قال حسان بن ثابت، و هو يراهم و سراة الرجال على الرحال: أما و اللّه، أن لقد كان عندكم لنائل للمجتدي، و قرى حاضر للضيف، و سقيا للمدام، و حلم على من سفه عليكم، و نجدة إذا استنجدتم.
فقال الضحاك بن خليفة: وا صباحاه، نفسي فداؤكم؛ ماذا تحملتم به من السؤدد و البهاء، و النجدة و السخاء؟
قال: يقول نعيم بن مسعود الأشجعي: فدى لهذه الوجوه التي كأنها
1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 و مغازي الواقدي ج 1 ص 376 و السيرة الحلبية ج 2 ص 267.
المصابيح، ظاعنين من يثرب. من للمجتدي الملهوف؟ و من للطارق السغبان؟ و من يسقي العقار؟ و من يطعم الشحم فوق اللحم؟ ما لنا بيثرب بعدكم مقام.
يقول أبو عبس بن جبر، و هو يسمع كلامه: نعم، فالحقهم حتى تدخل معهم النار.
قال نعيم: ما هذا جزاؤهم منكم، لقد استنصرتموهم فنصروكم على الخزرج، و لقد استنصرتم سائر العرب؛ فأبوا ذلك عليكم.
قال أبو عبس: قطع الإسلام العهود.
قال: و مرّوا و هم يضربون الدفوف و المزامير الخ. . (1).
و نلاحظ هنا:
ألف: إن حسان بن ثابت يمدح بني النضير بأنهم كانوا يسقون المدام! ! و كذلك نعيم بن مسعود الأشجعي. .
و معنى ذلك: هو أن إسلام هؤلاء لم يكن معمقا، و لا راسخا في نفوسهم. و أنهم لا يزالون يهتمون بالمدام (أو العقار) و يتعشقونها، رغم نهي النبي عنها، و نزول القرآن بتحريمها. .
ب: إننا نلاحظ: أن حسان بن ثابت كان مقربا من الهيئة التي حكمت الناس بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما أنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و لم يبايعه، بل يقال: إنه سب
1) مغازي الواقدي ج 1 ص 375.
عليا «عليه السلام» و هجاه (1).
ج: إن الأمور التي تمدح بها هؤلاء الأشخاص اليهود، لا تنطلق-في أكثرها-من قيم إنسانية سامية، و إنما هي الحالات و الأوضاع التي يتطلبها واقع حياتهم، و خصوصيات معيشية في مجتمع لا يملك نظرة بعيدة، و لا تقييما سليما للكون و الوجود، و للحياة و للإنسان. . فلتراجع الفقرات بدقة ليتضح ذلك. .
د: إن هذا التعاطف الذي نراه لا ينطلق من الإحساس الإنساني، و لا من مثل أعلى، و إنما هو ينطلق من حالة هلع و أسف على فوات منافع دنيوية و مادية للمتأسفين بالدرجة الأولى. .
ه: إن تأسف حسان بن ثابت و غيره على بني النضير، رغم أنهم قد رأوا بأم أعينهم ظلمهم و بغيهم، و غدرهم، و مجانبتهم للحق، لأمر يثير العجب حقا.
و لا ندري إن كان ذلك يكفي لعد هؤلاء في جملة الذين عنتهم الآية القرآنية التي تقول: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نٰافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوٰانِهِمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاٰ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ (2).
فهي لا تشمل الذين يفدون اليهود بأنفسهم، و يتأسفون عليهم لما نالهم، و يرون: أنهم لم يعاملوا بما يليق بهم، بل كانوا مظلومين فيما أصابهم.
أم أن الآية لا يجوز أن تتجاوز عبد اللّه بن أبي و أصحابه المجهولين! على اعتبار أن حسانا و سواه من حواريي الحكام بعد النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، لا يفسقون بما يفسق به الآخرون-كما جاء في السيرة الحلبية (1)- و لا تشملهم الآيات التي تشمل غيرهم ممن هم على شاكلتهم و طريقتهم، ما دام أن نفس رضا الحكام عنهم يعطيهم مناعة و صلابة تجعلهم في مأمن من كل العوادي، و ترفعهم عن مستوى هذا البشر العادي. .
إن المراجع لتأريخ التزوير و التحوير لسوف يدرك الحقيقة، و يعرف الغثاء و يميزه عن ذلك الذي يمكث في الأرض مما ينفع الناس.
و قد جاء في رواية عن ابن عمر:
«. . إن يهود بني النضير و قريظة، قتل رجالهم، و قسم نساؤهم، و أموالهم، و أولادهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فآمنهم، و أسلموا. و أجلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يهود المدينة من بني قينقاع، و هم قوم عبد اللّه بن سلام الخ. .» (2).
و واضح: أن ذلك لا يصح بالنسبة إلى بني النضير؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقتل رجالهم، و لا سبى نساءهم و أولادهم، ليقسمها فيما بين المسلمين. و إنما أجلاهم عن أرضهم، و قسم أرضهم بين المسلمين. .
و عليه. . فلا يصح ما ذكره إلا بالنسبة لبني قريظة؛ فإنهم هم الذين
جرى لهم ذلك. .
هذا. . و قد ذكرت هذه الرواية نفسها عن ابن عمر في ذلك المصدر بالذات، و قد فصل فيها ما جرى لبني قريظة، و لبني النضير على نحو أصح. فذكر جلاء بني النضير و قتل بني قريظة، و سبي نسائهم و أولادهم، فليراجعها من أراد (1).
قال الهيثمي:
«باب غزوة بني النضير: عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: جاء جبريل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كلّ أصحابه، و هو يغسل رأسه، فقال: يا محمد، قد وضعتم أسلحتكم، و ما وضعت الملائكة بعد أوزارها. فكف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شعره قبل أن يفرغ من غسله؛ فأتوا النضير؛ ففتح اللّه له.
رواه الطبراني، و فيه نعيم بن حيان، و هو ضعيف، و قد وثقه ابن حبان، و قال: يخطئ» (2).
و سياق الحديث يدل دلالة بينة على أن المقصود هو بنو قريظة؛ فإن هذه القصة إنما حدثت معهم؛ لا مع بني النضير، و لعل هذا من أخطاء نعيم الذي ذكر ابن حبان: أنه يخطئ، و إن كان ثقة. .
و قد جاء في بعض النصوص: «و حملوا النساء و الصبيان، و تحملوا على ستمائة بعير، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش» (1).
و كلمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه تشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف بدقة و بعمق خصائص الفئات و مزاياها، سواء في ذلك أولئك الذين عاش معهم منذ نعومة أظفاره، و هم مشركو مكة، و قبائلها، أو أولئك الذين فرضت عليه الظروف أن يكون له منهم موقف سلبي أو إيجابي.
و إذا رجعنا إلى التاريخ، و نصوصه، فإننا نستطيع أن نعرف وجه الشبه بين بني المغيرة في قريش، و بني النضير في اليهود. .
فقد ذكرت بعض النصوص: أن بني النضير: كانوا من بني هارون (2)، و ذلك مما يزيد في شرفهم و عزهم بالنسبة إلى سائر اليهود، كبني حارثة، و غيرهم، أما بنو قريظة، فإنهم، و إن كانوا من بني هارون أيضا، إلا أن بني
1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 258 و زاد المعاد ج 2 ص 72 و مغازي الواقدي ج 1 ص 375.
2) التنبيه و الإشراف ص 213 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 و فتح القدير ج 5 ص 195 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 و تفسير القمي ج 1 ص 168 و البحار ج 20 ص 166 و 168 و راجع المصادر الآتية في الهامش التالي: و ذكر في السيرة النبوية ج 3 ص 212 ذلك في شعر لعباس بن مرداس. و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1764 و عمدة القاري ج 17 ص 125.
النضير كانوا أكثر منهم مالا، و أحسن حالا، و كانوا ألف رجل، و بنو قريظة سبعمائة، و كانوا إذا قتل نضيري قريظيا، فإنه يدفع نصف الدية و يجبه و يحمم (أي يسود وجهه، و يحمل على جمل، و يكون وجهه إلى ناحية ذنبه، و يطاف به) و إذا قتل قريظي نضيريا، فإنه يدفع الدية كاملة، و يقتل به.
و للنضير القوة و السلاح و الكراع (1).
و من جهة ثانية: فإن من الطبيعي أن ينعكس ذلك على نفسيات بني النضير، و أن يشعروا بالزهو و الخيلاء، حتى إننا لا نجد مبررا لتكذيب النص الذي يقول: «إنهم استقبلوا بالنساء و الأبناء و الأموال، معهم الدفوف، و المزامير، و القيان يعزفن خلفهم بزهاء و فخر، ما رؤي مثله من
1) تفسير البرهان ج 1 ص 472، و راجع: ص 473 و 478 و تفسير القمي ج 1 ص 168 و 169 و البحار ج 20 ص 166 و 168 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 523 و 524 و جامع البيان ج 6 ص 154 و 157 و 164 و 165 و 167 و غرائب القرآن للنيسابوري بهامش جامع البيان ج 6 ص 145 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 60 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 176 و 187 و 191 و التبيان ج 3 ص 521 و راجع: ص 524 و 525 و التفسير الحديث ج 11 ص 107 و مجمع البيان ج 3 ص 194 و فتح القدير ج 2 ص 43 و 44 و التفسير الكبير ج 11 ص 325 و 12 و 6 و عون المعبود ج 12 ص 136 و لباب التأويل ج 1 ص 468 و في ظلال القرآن ج 2 ص 894 و الدر المنثور ج 2 ص 381 و 283 و 284 و 285 و 278 و 288 عن أحمد، و أبي داود، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و عبد بن حميد، و ابن إسحاق، و ابن أبي شيبة و ابن أبي حاتم و الحاكم، و صححه، و البيهقي في سننه.
حي من الناس في زمانهم» (1).
و عند الديار بكري: «فعبروا من سوق المدينة» (2).
و قال ابن الوردي: «فخرجوا و معهم الدفوف و المزامير تجلدا» (3).
و قال الواقدي: «. . ثم شقوا سوق المدينة، و النساء في الهوادج، عليهن الحرير و الديباج، و قطف الخز الخضر، و الحمر، قد صف لهم الناس.
فجعلوا يمرون قطارا في إثر قطار، فحملوا على ستمائة بعير.
إلى أن قال: و مروا يضربون بالدفوف، و يزمرون بالمزامير، و على النساء المعصفرات و حلي الذهب، قال: يقول جبار بن صخر:
ما رأيت زهاءهم لقوم زالوا من دار إلى دار.
و نادى أبو رافع، سلام بن أبي الحقيق-و رفع مسك الجمل-(في الحلبية: أن هذا المسك كان مملوءا من الحلي) و قال: هذا مما نعده لخفض الأرض و رفعها، فإن يكن النخل قد تركناه، فإنا نقدم على نخل بخيبر» (4).
و حسب نص المسعودي: «. . فخرجوا يريدون خيبر، و هم يضربون بالدفوف، و يزمرون بالمزامير، و على النساء المصبغات، و المعصفرات، و حلي
1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 201 و البداية و النهاية ج 4 ص 76 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 148 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 554 و منهاج السنة ج 4 ص 173.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 462.
3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159.
4) المغازي للواقدي ج 1 ص 374 و 375 و السيرة الحلبية ج 2 ص 267.
الذهب، مظهرين بذلك تجلدا» (1).
و لقد كان هذا أمرا متوقعا من فئة لم تزل موضع احترام و تبجيل من اليهود، و لا تريد أن تعترف بالهزيمة، و بكسر شوكتها، و ذهاب عزها، و أفول نجمها.
و قد بلغ هذا العز و المنعة: أن المسلمين ما ظنوا أن يخرجوا من ديارهم، كما صرحت به الآية الكريمة.
و عدا عن ذلك، فقد كان بنو النضير أهل جبروت و قسوة و بغي، و عنجهية، و اعتداد بالنفس، حتى إنهم ليظلمون إخوانهم من بني قريظة، و هم أيضا من بني هارون، ظلما فاحشا و مخالفا لأحكام التوراة الصريحة، و حتى لأحكام أهل الجاهلية أيضا.
ثم لا يوجد بينهم من يأنف من هذا الظلم و يمنع منه، أو يندد به، و يرفضه، لا من رؤسائهم، و لا ممن هم دونهم، من عقلائهم و أهل الدين منهم.
هذا باختصار حال بني النضير في قومهم.
أما حال بني المغيرة في قريش، فإنها أيضا تشبه حالة هؤلاء إلى حد كبير.
فقد كان بنو المغيرة، من بني مخزوم، و كان العدد و الشرف و البيت فيهم (2)، و كانت قريش-فيما زعموا-تؤرخ بموت هشام بن المغيرة (3)، الذي أثنى عليه الكثيرون، و كذا الحارث بن هشام فإنه منهم، و هو موضع الثناء
و التعظيم أيضا (1).
و منهم كذلك الوليد بن المغيرة، الذي هو أحد العظيمين اللذين أشار إليهما اللّه تعالى في الآية الكريمة:
وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ هٰذَا اَلْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (2).
و قد رثى أبو طالب «رحمه اللّه» أبا أمية بن المغيرة فقال:
و قد أيقن الركب الذي أنت فيهمإذا رحلوا يوما بأنك عاقر
فسمي زاد الراكب، و اسمه حذيفة، و كانت عنه عاتكة بنت عبد المطلب (3).
و قد ذكر المعتزلي طائفة كبيرة من رجالهم و أمجادهم في الجاهلية، و شطرا ممن تقلد منهم مناصب جليلة في حكم الأمويين، و غيرهم، فليراجعه من أراد (4).
و إن المتتبع لسيرة رجال بني المغيرة من أمثال خالد بن الوليد، و أبي جهل، و الوليد بن المغيرة و غيرهم ليجد فيهم الكثير من الزهو و الخيلاء، حتى إن خالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة و زنى بامرأته في ليلة قتله، قد عاد إلى أبي بكر، و قد غرز في عمامته أسهما، فانتزعها عمر، فحطمها، ثم قال له: أرئاء قتلت امرءا مسلما، ثم نزوت على امرأته؟ ! و اللّه، لأرجمنك بأحجارك. و القصة معروفة (5).
كما أن شدتهم و قسوتهم و جبروتهم تعتبر من الأمور الظاهرة، و قد عبر أمير المؤمنين «عليه السلام» عنهم بالفراعنة، حين قال:
«. . و قد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس، و فراعنة بني سهم، و جمح، و مخزوم» (1).
فإن فراعنة بني مخزوم كانوا من بني المغيرة، لأنهم هم الذين كان العدد و الشرف و البيت فيهم، كما ألمحنا إليه فيما سبق.
إذا، فلا يجرؤ أحد على مناوأتهم و الرد عليهم، إلا إن كان من بني عبد مناف، الذين لا يدانيهم أحد في الشرف و السؤدد.
هذا كله. . بالإضافه إلى وضعهم المادي المتميز، كما يظهر من ملاحظة حياة الكثيرين منهم.
و هم بالإضافة إلى ذلك كله، أهل سياسة و كياسة، يأنس الإنسان إلى حديثهم، و يستلذ الجلوس إليهم، حيث قد روي أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال:
«أما بنو مخزوم، فريحانة قريش، تحب حديث رجالهم، و النكاح في نسائهم» (2).
و بعد ذلك كله: فقد أصبح واضحا إلى حد ما، سر جعل بني النضير في اليهود بمنزلة بني المغيرة في قريش.
و أخيرا. . فإن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» هو الأسوة و القدوة في كل شيء، و إن معرفته الدقيقة بواقع المجتمع الذي يعيش فيه، و يتعامل معه. . لتعطينا: أن هذه المعرفة لازمة و ضرورية لكل إنسان يصل إلى موقع القيادة، و يفترض فيه أن يتعامل مع الناس، و يسجل موقفا تجاههم؛ فإن العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس (1).
و يقول البعض: إن قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ. . (2). قد نزلت في قضية بني النضير، و محاولتهم الغدر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
و نقول: إننا نشك في ذلك، لما يلي:
أولا: إن نفس هذا القائل قد عاد فذكر بعد بضعة أسطر: أن هذه الآية قد نزلت في قضية غورث بن الحارث (4).
1) تحف العقول ص 356 و البحار ج 75 ص 269.
2) الآية 11 من سورة المائدة.
3) البدء و التاريخ ج 4 ص 212 و تاريخ الإسلام للذهبي ص 221 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و فتح الباري ج 7 ص 255 و السيرة الحلبية ج 1 ص 264.
4) البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 422 و 424 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 و الدر المنثور ج 2 ص 266 عن ابن إسحاق، و أبي نعيم في الدلائل، و ابن المنذر، و ابن جرير و عبد بن حميد.
و ذكرت حوادث أخرى في شأن نزول الآية، فلتراجع في مظانها (1).
و دعوى البعض: جواز تكرار النزول (2)، تحتاج إلى إثبات.
ثانيا: إن سورة المائدة كانت من آخر ما نزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا يعقل أن يحتفظ بهذه الآية عدة سنوات، معلقة في الهواء، حتى تنزل سورة المائدة، فيجعلها فيها (3).
ثالثا: إنهم يقولون: إن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة (4).
إن من الأمور الظاهرة لكل أحد: أن القرآن الكريم، و في نطاق اهتمامه الكبير بتربية الإنسان، و صقل فكره، و عقله، و مشاعره، و كل مناحي وجهات شخصيته، ليجعله إنسانا واعيا، و قويا و غنيا في كل مواهبه، و طاقاته، قد اختار في أسلوبه التربوي المنحى و الأسلوب الواقعي ليتصل به، و يدخل إلى حياته، و ينفذ إلى شخصيته، و إلى عمق وجوده، عن هذا
1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 265 و 267 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 264.
3) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و أبي عبيد في فضائله و النحاس في ناسخه، و النسائي، و ابن المنذر، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه و البيهقي في سننه، و الترمذي و حسنه، و سعيد بن منصور، و ابن جرير.
4) الدر المنثور ج 2 ص 252، فإنهم قد صرحوا بتاريخ نزول سورة المائدة، و صرح بأنها قد نزلت دفعة واحدة كل من: أحمد، و عبد بن حميد، و الطبراني، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان.
الطريق، فإن هذا الأسلوب هو الذي يتصل بالعقل، فيعطيه وضوحا و وعيا و أصالة، و يتفاعل مع الشعور ليمده بالحيوية و الفاعلية، و ينقله إلى رحاب الضمير، ليتربى و يتكامل في ظل الوجدان، و تحت حمايته، ليصبح في حالة متوازنة، مرضية و مقبولة. .
و هذا بالذات هو ما يفسر لنا اهتمام الإسلام بالتركيز على الحدث، ثم ربطه بالحقائق الكلية، بما لها من عموم و شمول، ليصبح ذلك الحدث هو الوسيلة الواقعية لربط هذا الإنسان بتلك الحقائق، و تفاعله معها.
و هكذا. . يتضح: أن القرآن حين يتحدث عن الوقائع و الأحداث، فإنه يفهمنا: أنه لا يريد أن يلقي على الإنسان حقائق مجردة، و منفصلة عن الواقع، و لا تلامسه و لا تلتقي معه، و ذلك حينما تبقى مجرد صورة ذهنية، و تخيلات مثالية باردة، لا تؤثر في المشاعر، و لا تتصل بالعقل، و لا تتفاعل مع الوجدان.
و إنما هو يريدها حركة في الفكر، و ثورة في الشعور، و حالة متوازنة في الوجدان، و تجسيدا واقعيا لكل ذلك على صعيد السلوك و الموقف.
قال تعالى في سورة الحشر: هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مِنْ دِيٰارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ مٰا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مٰانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللّٰهِ فَأَتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي اَلْأَبْصٰارِ (1).
1) الآية 2 من سورة الحشر.
فنجده تعالى ينسب ما جرى لبني النضير إلى نفسه، و يؤكد على ذلك بصور مختلفة. . حتى كأن ما فعله المسلمون ليس بشيء يعتد به في موضوع إلحاق الهزيمة بهذا العدو.
بل إن المسلمين أنفسهم ما كانوا يظنون خروجهم، و لا يتصورونه. كما أن اليهود أنفسهم كانوا مطمئنين إلى أن حصونهم ستمنعهم. و لكن اللّه فتح حصونهم من الداخل، فقذف الرعب في قلوبهم، فلم تنفعهم الحصون المادية شيئا.
و من الواضح: أن الهزيمة من الداخل هي الأساس للهزيمة المادية، فإذا سقطت القلوب، و تهاوت، و قذف فيها الرعب، فلسوف لن تنتفع بأي شيء آخر بعد ذلك، مهما كان قويا و كبيرا.
و نفهم من الآية بالإضافة إلى ما تقدم، ما يلي:
1-إن الحرب النفسية لها دور كبير، بل لها الدور الأكبر في تحقيق النصر الكبير عسكريا، فليلاحظ قوله: و قذف في قلوبهم الرعب.
2-إن العمل العسكري الناجح، لا بد أن يعتمد على مبدأ المباغتة، من النواحي التي لا يحسب العدو لها حسابا.
3-إن الاعتماد على اللّه في تحقيق النصر، إنما يعني إمكانية مواجهة العدو حتى في حالة تفوقه العسكري، و معنى ذلك. . أننا يجب أن لا ننتظر حتى يتحقق التوازن عسكريا و تسليحيا فيما بين قوى الإيمان و قوى الكفر، بل يمكن المبادرة لمواجهته، حتى في صورة عدم التكافؤ في الإمكانات المادية.
4-إن العامل المادي ليس هو القوة الوحيدة، فإن العامل الروحي و المعنوي له قسط منها، فلا بد من أخذه بنظر الاعتبار.
و يذكر النص التاريخي: أن سلام بن مشكم قد نصح حيي بن أخطب بقبول الجلاء من أول الأمر، حيث تبقى لهم أموالهم و نخلهم، فكان مما قاله له:
«إنا إنما شرفنا على قومنا بأموالنا و فعالنا، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنا كغيرنا من اليهود في الذلة و الإعدام» (1).
و نقول:
إن هؤلاء يرون: أن أموالهم هي مصدر عزتهم و عنوان شرفهم. .
و لكن الإسلام يقول: إن مصدر العزة و الشرف و الكرامة هو اللّه سبحانه، فعن الإمام الصادق «عليه السلام» : «من أراد عزا بلا عشيرة، و غنى بلا مال، و هيبة بلا سلطان، فلينتقل عن ذل معصية اللّه إلى عز طاعته» (2).
و «من أراد أن يكون أعز الناس، فليتق اللّه عز و جل» (3)، فإنه «لا عز أعز من التقوى» (4)، و «من برئ من الشر نال العز» (5).
إلى غير ذلك من النصوص، التي تجعل من العز وسيلة لتكامل الإنسان في مدارج إنسانيته، و تهذيب نفسه، و تنزيهها عن كل النقائص،
و إبعادها عن كل ما يشين أو يزري بها.
ثم هي تربط العز بالمنشأ لكل الكمالات، و المصدر لكل فيوضات الخير، و نزول البركات، ألا و هو اللّه سبحانه و تعالى، تقدست أسماؤه، و تباركت ذاته، و تعالت صفاته. .
«. . و في الحديث: يخرج في الكاهنين رجل يدرس القرآن درسا، لم يدرسه أحد قبله، و لا يدرسه أحد بعده، فكانوا يرونه محمد بن كعب القرظي الخ. .» (1).
و نحن بدورنا لا نستطيع قبول هذه الرواية، و لا نرى صحة انطباقها على الشخص المذكور.
فأولا: قد اشتهر كثير من الصحابة بدراسة القرآن، و ذكرت في الروايات أقوال منسوبة إلى النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في حقهم، و أقوال أخرى منسوبة لغيره أيضا تشير إلى تفوقهم على محمد بن كعب في دراسة القرآن، فراجع ما يروونه في حق أبي بن كعب مثلا (2)، و كذا ما
1) الروض الأنف ج 3 ص 251. لكن بعض المصادر الأخرى قد ذكرت هذا الحديث، و لم تذكر فيه عبارة: «لم يدرسه أحد قبله» فراجع: سير أعلام النبلاء ج 5 ص 68 و تهذيب التهذيب ج 9 ص 421 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 501.
2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 49 و راجع ص 50 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 109 و أسد الغابة ج 1 ص 49 و تهذيب التهذيب ج 1 ص 188 و راجع: الإيضاح لابن شاذان ص 323 و 330 و 231 و في هامشه عن طائفة من-
يروونه في حق ابن مسعود (1)، أو علي أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» (2). هذا عدا عما يروونه و يقولونه في حق غير هؤلاء أيضا. . و من
(2) -المصادر، و الجامع الصحيح ج 5 ص 664 و 665 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 82 و مشكل الآثار ج 1 ص 350 و 351 و صحيح البخاري ج 3 ص 147 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 305 و ج 2 ص 224 و تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي بهامشه، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 339 و مسند أحمد ج 5 ص 131 و حلية الأولياء ج 1 ص 251، و ج 4 ص 187 و مجمع الزوائد ج 9 ص 312 و الدر المنثور ج 6 ص 378 و البداية و النهاية ج 7 ص 340.
1) راجع: كشف الأستار ج 3 ص 250 و 249 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 318 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه، و الإيضاح ص 223 و 232 و مجمع الزوائد ج 9 ص 287 و 288 عن أحمد، و أبي يعلى، و البزار، و الطبراني، و صفة الصفوة ج 1 ص 399 و النهاية في اللغة ج 3 ص 371 و مسند أحمد ج 1 ص 445 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 82 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 14 و تفسير القرآن العظيم ج 4(الذيل) ص 28 و الإصابة ج 2 ص 369 و الإستيعاب بهامشه ج 2 ص 320.
2) راجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 16 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 42 و الغدير ج 6 ص 308 عن: طبقات القراء ج 1 ص 546 و عن مفتاح السعادة ج 1 ص 351. راجع: كشف الأستار ج 3 ص 250 و 249 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 318 و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه، و الإيضاح ص 223 و 232 و مجمع الزوائد ج 9 ص 287 و 288 عن أحمد، و أبي يعلى، و البزار، و الطبراني، و صفة الصفوة ج 1 ص 399 و النهاية في اللغة ج 3 ص 371 و مسند أحمد ج 1 ص 445 و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 82 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 14 و تفسير القرآن العظيم ج 4(الذيل) ص 28 و الإصابة ج 2 ص 369 و الإستيعاب بهامشه ج 2 ص 320.
مثل علي أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» ؟ و هو الذي يقول:
«لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت» (1).
ثانيا: إننا لم نفهم المقصود من دارسي القرآن ممن سبقوا محمد بن كعب! ! فهل كان القرآن موجودا قبل الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد درسه الناس، و عرفوه؟ !
فإن محمد بن كعب القرظي، قد أسلم على يدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عاش معه! !
ثالثا: إن ما ذكروه عن محمد بن كعب يلغي دور عبد اللّه بن سلام الذي كان من نفس هؤلاء اليهود، و الذي يروون في حقه-و إن كان ذلك كذبا أيضا-: أنه هو الذي عنده أم الكتاب (2).
مع أن الصحيح: هو أنه علي بن أبي طالب «عليه السلام» (3). و قد تقدم تحقيق ذلك (4).
و لعل سر تعظيم محمد بن كعب يرجع إلى أنه لا بد أن يصبح الخبراء في
1) التراتيب الإدارية ج 2 ص 183، و تفسير البرهان ص 16 عن بشارة المصطفى.
2) الإصابة ج 2 ص 321 و الإستيعاب بهامشه ج 2 ص 383 و الدر المنثور ج 4 ص 69 عن: ابن مردويه، و ابن جرير، و ابن أبي شيبة، و ابن سعد، و ابن المنذر.
3) راجع: شواهد التنزيل ج 1 ص 310 و راجع ص 308 و 307 و راجع: مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي و دلائل الصدق ج 2 ص 135 و نقل عن: العمدة لابن البطريق ص 61 و عن غاية المرام ص 357 و 360 و 104 عن تفسير الثعلبي، و الحبري «مخطوط» و عن الخصائص ص 26.
4) تقدم ذلك في هذا الكتاب فراجع.
القرآن، و الدارسون له، و الواقفون على أسراره و حقائقه هم أهل الكتاب، و خصوصا اليهود، الذين لا بد أن تبقى لهم هيمنتهم العلمية على الناس، و يستمرون في نفث سمومهم، و نشر أضاليلهم، و تتاح لهم الفرص كلها لتحريف هذا الدين، و التلاعب بمفاهيمه و أحكامه، و ليستهدف ذلك التلاعب و التحريف نفس القرآن، الذي هو المنشأ و الأساس لكل حقائق الإسلام و تشريعاته.
و قد ذكر البعض: أن صلاة الخوف قد شرعت في بني النضير، و قيل: في ذات الرقاع (1).
و حيث إننا سوف نتحدث إن شاء اللّه عن هذا الأمر في غزوة ذات الرقاع، حيث يذكرون: أن هذه الصلاة قد شرعت حينها، أو في غزوة الحديبية، كما سنرى، فإننا نرجئ الحديث عنها إلى هناك.
قال اليعقوبي و غيره: «. . و في هذه الغزوة شرب المسلمون الخمر، فسكروا؛ فنزل تحريم الخمر» (2).
و قال ابن الوردي: «نزل تحريم الخمر و هو محاصرهم (قلت) : قال في الروضة: إن غزوة بني النضير سنة ثلاث: و إن تحريم الخمر بعد غزوة أحد و اللّه أعلم» (1).
عن جابر بن عبد اللّه (رض) قال: حاصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، و كان يصلي في موضع الفضيخ ست ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب، و نفر من الأنصار، و هم يشربون فيه فضيخا، فحلوا وقاء السقاء، فهراقوه فيه، فبذلك سمي مسجد الفضيخ (2).
و روى القمي: أنه لما نزل تحريم الخمر خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المسجد فقعد فيه، ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينتبذون فيها، فأكفأها كلها، و قال: هذه كلها خمر، و قد حرمها اللّه، و كان أكثر شيء أكفئ يومئذ من الأشربة الفضيخ، فلذلك سمي المسجد ب «مسجد الفضيخ» (3).
و أكثر من ذلك كله جرأة على اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ما رووه عن ابن عمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أتي بجرة فضيخ بسر، و هو في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ (4).
1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و راجع: أيضا التنبيه و الإشراف ص 213.
2) تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 69 و وفاء الوفاء ج 3 ص 821 عنه و عن ابن زبالة و مرآة الحرمين ج 1 ص 418.
3) البحار ج 63 ص 387 و 388 و ج 76 ص 132 و 131 ط مؤسسة الوفاء.
4) مسند أبي يعلى ج 10 ص 101 و مسند أحمد ج 2 ص 106 و مجمع الزوائد ج 4 ص 12 و ج 2 ص 21.
و الفضيخ: عصير العنب، و شراب يتخذ من بسر مفضوخ، و مسجد الفضيخ هو المعروف بمسجد الشمس.
هذا كله عدا عن روايتهم: أن هناك من كان يهدي لرسول اللّه خمرا عدة سنوات إلى أن حرمت الخمر (1).
و نقول:
أولا: إن تحريم الخمر-كما تقدم في كتابنا هذا-قد كان في مكة. . فإن كان لهذه الرواية حظ من الصحة فلا بد أن يكون الأصحاب قد خالفوا حكم اللّه فيها، و ارتكبوا الحرام، فنهاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، و ما ذكر آنفا عن أبي أيوب و نفر من الأنصار دليل على صحة ذلك.
ثانيا: إن منازل بني النضير لم تكن في جهة قباء، و لا مسجد الفضيخ، و ذلك لأنهم يقولون: إن مسجد الفضيخ يقع في شرقي مسجد قباء، على شفير الوادي، على نشز من الأرض (2).
و قد تقدم: أن منازلهم كانت بعيدة جدا عن هذا الموضع. فراجع ما ذكرناه في هذا الجزء حين الكلام حول شعر حسان بن ثابت في الرواية التي تبين أن فتح بني النضير كان على يد علي حين قتل عشرة منهم و جاء برؤوسهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثالثا: قد روى أحمد في مسنده، عن ابن عمر: أن النبي «صلى اللّه عليه
و آله» أتي له بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ (1).
و نحن. . و إن كنا نكذب بصورة قاطعة شربه «صلى اللّه عليه و آله» للفضيخ-كيف، و قد كانت الخمر و كل مسكر قد حرم في مكة، كما أن الخمر مما قد تسالمت الشرائع على تحريمه (2)و قد رفض شربها عدد من الناس في الجاهلية كما ذكرناه في الجزء السادس من هذا الكتاب، تحت عنوان: أقوال في تحريم الخمر. . -و إن كنا نكذب ذلك-
إلا أننا نقول:
لا مانع من أن يؤتى إليه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فيرفضه و ينهى عنه، و قد يسمى المكان بما يشير إلى ذلك، لأجل استغراب الناس عمل ذلك الرجل الذي أتى إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء قد حرمه منذ بعث، و لا يزال يؤكد تحريمه، و يمنع عنه.
قد علمنا فيما سبق: أنه قد كان فيما بين بني النضير، و بين المسلمين عهد و عقد. . و قد نقض بنو النضير عهدهم هذا، و خانوا و غدروا، فكان من الطبيعي أن يهب المسلمون للدفاع عن أنفسهم، و أن يقاتلوا عدوهم، و أن يلقى هذا العدو جزاء غدره و خيانته. .
و حين رأى بنو النضير: أن الأمور تسير في غير صالحهم، و أنهم قد أخطأوا في حساباتهم خطأ فاحشا، و أن لا أحد يستطيع أن يمنع المسلمين من إنزال العقاب العادل بهم، فإنهم قد رضوا بأن يقدموا أموالهم و أرضهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مقابل الإبقاء عليهم، و عدم قتلهم جزاء غدرهم و خيانتهم و صالحوا النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك؛ فكانت جميع أموالهم و أراضيهم خالصة له «صلى اللّه عليه و آله» يتصرف فيها كما يشاء.
قال السهيلي: «و لم يختلفوا: أن سورة الحشر نزلت في بني النضير، و لا اختلفوا في أموالهم؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل و لا ركاب، و إنما قذف الرعب في قلوبهم، و جلوا عن منازلهم إلى خيبر، و لم يكن ذلك عن
قتال من المسلمين لهم؛ فقسمها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين المهاجرين، ليرفع بذلك مؤونتهم عن الأنصار؛ إذ كانوا قد ساهموهم في الأموال و الديار. غير أنه أعطى أبا دجانة، و سهل بن حنيف لحاجتهما.
و قال غير ابن إسحاق: و أعطى ثلاثة من الأنصار، و ذكر الحارث بن الصمة فيهم» (1).
و عن عمر بن الخطاب، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالصة.
و كان ينفق على أهله منها نفقة سنة، و قال مرة: قوت سنة، و ما بقي جعله في الكراع و السلاح عدة في سبيل اللّه عز و جل (2).
و نقول: لو صح ذلك من فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه يكون تبرعا منه «صلى اللّه عليه و آله» بما هو له، كسائر الأموال التي يملكها الإنسان و يرغب في إنفاقها في مورد خاص.
و قد جاء عن عمر بن الخطاب أيضا قوله: مال بني النضير، كان فيئا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خاصة (3).
1) مسند أحمد ج 2 ص 106 و وفاء الوفاء ج 3 ص 822 عنه، و عن أبي يعلى.
2) الروض الأنف ج 3 ص 251. و حكاية الإجماع حول أموالهم في فتح الباري ج 7 ص 254.
3) مسند أحمد ج 1 ص 25 و فتح القدير ج 5 ص 199 عن الصحيحين و غيرهما، و مسند أبي عوانة ج 4 ص 132 و 140 و صحيح البخاري ج 3 ص 128 و صحيح مسلم ج 5 ص 151 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 335، و الجامع لأحكام-
و كان عمر أيضا يقول: «كانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث صفايا (1)، فكانت بنو النضير حبسا لنوائبه. .» ، ثم ذكر بقية الصفايا (2).
و عبارة بعض المصادر: أنها كانت حبسا لنوائبه (3).
(3) -القرآن ج 18 ص 11 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و فتوح البلدان قسم 1 ص 20 و 34 و الجامع الصحيح ج 4 ص 216 و سنن النسائي ج 7 ص 132 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 393 و سنن أبي داود ج 3 ص 141 و الخراج للقرشي ص 34 و المغني لابن قدامة ج 7 ص 308 و 309 و التبيان ج 9 ص 561 و 562 و راجع: أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1772 و الدر المنثور ج 6 ص 192 عن بعض من تقدم، و عن ابن المنذر، و الأموال ص 14 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 123 و تاريخ المدينة ج 1 ص 208 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و 263 و الإكتفاء ج 2 ص 148 و معجم البلدان ج 5 ص 290 و مدارك التنزيل مطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 247 لكن ليس في المصادر الثلاثة الأخيرة: أن القائل هو عمر.
1) الصفايا: الغنائم التي يختاره الرئيس لنفسه.
2) التبيان ج 9 ص 561 و أنساب الأشراف قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ص 519 و 518 و راجع المصادر التالية: (و لكنها لم تصرح باسم عمر) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 201 و راجع ص 203 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 360 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 555 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 13 و السيرة الحلبية ج 2 ص 268 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و نسب هذا القول إلى الزهري و محمد بن إسحاق في كتاب الخراج للقرشي ص 32.
3) المغازي ج 1 ص 377 و فتح القدير ج 5 ص 199.
و في نص آخر: حبسا لمواليه (1). و لعله تصحيف.
و قال الزهري: «. . و كانت أرض بنو النضير للنبي «صلى اللّه عليه و آله» خالصا، لم يفتحوها عنوة، افتتحوها على صلح الخ. .» (2).
و كان أول أرض افتتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرض بني النضير (3).
«و بقي منها صدقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التي كانت في أيدي بني فاطمة» (4).
«و اصطفى منها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أموال بني النضير، و كانت أول صافية قسمها رسول اللّه بين المهاجرين الأولين (و الأنصار) . و أمر عليا؛ فحاز ما لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فجعله صدقة، و كانت
1) فتوح البلدان قسم 1 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269 عن الإمتاع و فتح الباري ج 6 ص 143 و المغازي للواقدي ج 1 ص 378 و سنن أبي داود ج 3 ص 141 و الدر المنثور ج 6 ص 192 عنه و عن ابن مردويه و الخراج للقرشي ص 34.
2) مسند أبي عوانة ج 4 ص 142.
3) فتوح البلدان قسم 1 ص 17.
4) سنن أبي داود ج 3 ص 157 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121 و وفاء الوفاء ج 3 ص 998 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 361 و الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عدة مصادر و فتح الباري ج 6 ص 140 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 197 و الإرشاد للمفيد ص 50 و تاريخ الخميس ج 1 ص 463.
في يده مدة حياته، ثم في يد أمير المؤمنين «عليه السلام» بعده، و هو في ولد فاطمة «عليها السلام» حتى اليوم» (1).
و أرجع «صلى اللّه عليه و آله» -بعد فتح بني النضير-الأراضي و الأشجار، التي كانت قد وهبت له إلى أصحابها من الأنصار.
و قيل: بل كان ذلك حين فرغ «صلى اللّه عليه و آله» من خيبر (2).
قالوا: «كانت بنو النضير صفيا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالصة له حبسا لنوائبه، و لم يخمسها، و لم يسهم فيها لأحد. و قد أعطى ناسا من أصحابه، و وسع في الناس منها، فكان ممن أعطى الخ. .» (3).
و لكننا نجد بعض الروايات تقول: «إنه «صلى اللّه عليه و آله» خمسها، و ذهب إليه الشافعي، و أعطى منها ما أراد لمن أراد، و وهب العقار للناس،
1) راجع: البحار ج 20 ص 173 و الإرشاد للمفيد ص 50 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 197 و كشف الغمة ج 1 ص 201 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463.
2) راجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 174-176 و صحيح مسلم ج 5 ص 162 و 163 و صحيح البخاري ج 3 ص 11 و ج 2 ص 125 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 و 369 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 25 و 26 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1777 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 336 و فتح الباري ج 7 ص 256 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 270.
3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني، و راجع: تاريخ المدينة ج 1 ص 176 و زاد المعاد ج 2 ص 71.
و كان يعطي من محصول البعض أهله و عياله نفقة سنة، و يجعل ما بقي مجعل مال اللّه» (1).
و لكن دعوى تخميسها لا تصح: فإن الثابت هو أنها لم تفتح عنوة، و أنها مما أفاءه اللّه على رسوله، و الفيء لا يخمس، و إنما تخمس الغنيمة المأخوذة عنوة في الحرب.
إلا أن يكون المراد: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خمس بعض ما أخذ من متاع القوم قبل وقوع الصلح. . فعممه هؤلاء لحاجة في النفس قضيت.
و لعل دعوى التخميس لها تهدف إلى إلقاء الشبهة على مطالبة علي «عليه السلام» و فاطمة «عليها السلام» و العباس بها. مع أن عمر بن الخطاب نفسه يصرح في رواية المطالبة هذه (2)بتركة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما انفرد أبو بكر برواية: نحن معاشر الأنبياء لا نورث و فيما سبق بأن أموال بني النضير كانت من الفيء.
بل لقد ورد: أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول اللّه ألا تخمس ما أصبت من بني النضير؟ كما خمست ما أصبت من بدر؟ !
فقال: لا أجعل شيئا جعله اللّه لي دون المؤمنين بقوله: مٰا أَفٰاءَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرىٰ. . (3)الآية. . كهيئة ما وقع فيه السهمان (4).
قال الواقدي: «إنما كان ينفق على أهله من بني النضير، كانت له خالصة، فأعطى من أعطى منها، و حبس ما حبس، و كان يزرع تحت النخل زرعا كثيرا. و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدخل منها قوت أهله سنة، من الشعير و التمر لأزواجه، و بني عبد المطلب، و ما فضل جعله في الكراع و السلاح، و أنه كان عند أبي بكر و عمر من ذلك السلاح، الذي اشتري على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل على أموال بني النضير أبا رافع مولاه، و ربما جاء رسول اللّه بالباكورة منها. و كانت صدقاته منها، و من أموال مخيريق، و هي سبعة حوائط الخ. . (1).
و نقول: إن لنا على ما تقدم ما يلي:
فإن التعبير عن أموال بني النضير، و عن أموال مخيريق ب «صدقات رسول اللّه» نجده لدى معظم المؤرخين و المؤلفين من إخواننا أهل السنة.
و هو تعبير فني مدروس، قد جاء ليؤكد اتجاها سياسيا فرضه موقف السلطة مما حدث، من أجل تأكيد الحديث المزعوم الذي يقول:
نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.
هذا الحديث الذي أنكره علي و فاطمة «عليهما السلام» و العباس و غيرهم.
1) المغازي للواقدي ج 1 ص 378.
فما كان من الفريق الآخر إلا أن أطلق على ما تركه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من أموال، و عقار اسم: «صدقة» (1)، أو «صدقات» .
و قالوا: «كل ما ترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تصدق به» (2)، ليركزوا ذلك الأمر الذي انفرد به أبو بكر، و أنكره أهل البيت «عليهم السلام» في أذهان الناس بصورة تلقائية و لا شعورية.
أما بالنسبة لقول عمر: إن بني النضير كانت من صوافي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حبسا لنوائبه، فإن ذلك بهدف الإيحاء بأنها لا بد أن تعود إلى بيت المال بعده، أو للخليفة لتكون حبسا لنوائبه أيضا.
و لنا أن نعتبر هذا النحو من التعامل من لطائف الكيد السياسي، و من جملة حبائله. . و لكن ذلك لم يجدهم شيئا في تغيير الحقيقة، فقد عبر الآخرون عن آرائهم بصراحة، و أبطلوا كيد هؤلاء و لم يمكن لأهل المكر و الخداع و الكيد: أن يحققوا من مكرهم هذا شيئا.
كما أننا نلاحظ: أن ثمة تعمدا و إصرارا على أمر آخر، يراد للناس أن يقبلوه و يصدقوه، و هو: أن رسول اللّه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يطعم أهله من أراضي بني النضير، و خيبر، و حوائط مخيريق قوت سنة، ثم يجعل الباقي في الكراع و السلاح.
و قد تقدم ذلك عن عمر بن الخطاب نفسه.
و ليس من البعيد أن يكون سبب ذلك هو إرادة الإيحاء بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يرى نفسه مالكا، بل هو يتعامل مع هذه الأراضي كما لو كانت ترجع إلى بيت مال المسلمين، الأمر الذي يؤكد صدق الحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في دعواهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يورث، و حتى لو كان يورث، فإن تعامله هذا يدل على أنه لم يكن مالكا.
و إذا. . فما وعد به أبو بكر، من أنه يطعم آل رسول اللّه قوت سنة، و يجعل الباقي في الكراع و السلاح، لا يعتبر خروجا عما رسمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بل يكون متبعا له، و مقتديا به؛ فرفض أهل البيت «عليهم السلام» لهذا العرض يصبح بلا مبرر ظاهر، و تكون الزهراء «عليها السلام» هي المخالفة للرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لأحكام الشرع و الدين الحنيف، و تطلب ما ليس لها بحق، و تصر على طلبها هذا، رغم توضيح الأمر لها! .
و لكننا مع ذلك نقول:
إنه حتى لو صح أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يفعل ذلك، و صح أيضا: أن هذا السلاح قد بقي عند أبي بكر و عمر؛ فإنه لا يدل على عدم ملكية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لتلك الأراضي، بعد أن نص القرآن العظيم على ملكيته «صلى اللّه عليه و آله» لها. حيث يمكن أن يكون إنما يفعل ذلك تبرعا، و إيثارا لرضا اللّه سبحانه، و طلبا لمثوبته التي يرغب بها كل مؤمن.
لا سيما و أن القرآن قد حث الناس على أن يجاهدوا في اللّه بأموالهم و بأنفسهم. و من أولى من الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بالمسارعة إلى امتثال أمر اللّه هذا؟ ! .
قال النيسابوري:
«اعترض بعضهم: بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال؛ لأنهم حوصروا أياما، و قاتلوا و قتلوا، ثم صالحوا على الجلاء؛ فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة، لا من الفيء.
و أجاب المفسرون من وجهين:
الأول: إنها لم تنزل في بني النضير، و إنما نزلت في فدك، و لهذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ينفق على نفسه، و على عياله من غلة فدك، و يجعل الباقي في السلاح و الكراع.
الثاني: تسليم أنها نزلت فيهم، و لكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل، و لا ركاب، و لم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، و إنما كانوا على ميلين من المدينة؛ فمشوا على أرجلهم، و لم يركب إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان راكب جمل؛ فلما كانت العاملة قليلة، و لم يكن خيل، و لا ركاب، أجراه اللّه مجرى ما لم يكن قتال ثمة» (1).
و نقول:
1-إن ما ذكره من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يجعل باقي
1) راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 284 و 285، و غرائب القرآن (مطبوع) بهامش جامع البيان ج 28 ص 37 و 38 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و 12 فإنه ذكر ذلك ضمنا و أجاب عنه كذلك، حيث قال: و لم يكن ثمة قتال على التحقيق؛ بل جرى مبادئ القتال، و جرى الحصار الخ. .
غلة فدك في السلاح و الكراع، بعد أن ينفق على نفسه و عياله «صلى اللّه عليه و آله» منها. . محل مناقشة و بحث، فإن من المقطوع به: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى فدكا لابنته فاطمة «عليها السلام» ، و قد استولت عليها السلطة بعد ثمانية، أو عشرة أيام من وفاته «صلى اللّه عليه و آله» .
و قد جريت بين الزهراء «عليها السلام» و بين أبي بكر مناقشات و محاورات انتهت بإصرار الخليفة على ما أقدم عليه، فغضبت الزهراء عليه حتى ماتت، و هي مهاجرة له و لنصيره عمر، و أوصت بأن تدفن ليلا و لا يحضرا جنازتها (1).
ففدك لم تكن في يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لسوف نتحدث عن هذا الأمر بشيء من التفصيل بعد غزوة خيبر إن شاء اللّه تعالى.
2-إنه إذا كانت فدك خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إذا كان قد أنفق غلتها في الكراع و السلاح؛ فإنما فعل ذلك تكرما، و طلبا للأجر و الثواب، و إيثارا منه «صلى اللّه عليه و آله» على نفسه، حسبما ألمحنا إليه، و ليس لأجل أن حكم الفيء هو ذلك-و إن كنا نحتمل قويا أن تكون دعوى ذلك من موضوعات خصوم أهل البيت «عليهم السلام» بهدف التشكيك في أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد نحلها لفاطمة الزهراء «عليها صلوات ربي و سلامه» .
1) ستأتي مصادر ذلك كله إن شاء اللّه، حين الحديث حول فدك بعد غزوة خيبر إن شاء اللّه تعالى. و بالإمكان مراجعة كتاب: أصول مالكيت (فارسي) للأحمدي، و فدك للقزويني، و دلائل الصدق، و غير ذلك.
3-و لربما يؤيد القول بأن سورة الحشر قد نزلت بعد واقعة بني النضير، التعبير بقوله: مِنْ أَهْلِ اَلْقُرىٰ حيث إن وادي القرى قد افتتحت بعد ذلك.
و لكنه تأييد غير تام: فإن الحكم في الفيء عام، و لا يختص بأهل وادي القرى، كما أنه لم يثبت كون المراد بأهل القرى هو وادي القرى، إذ يمكن أن يكون المراد: أهل البلاد مطلقا.
أضف إلى ذلك: أن الآية التالية، المشيرة إلى إعطاء المهاجرين، و عدم تغيظ الأنصار من إعطاء إخوانهم، بل هم يؤثرونهم على أنفسهم، و لو كان بهم خصاصة-إن هذه الآية-تؤيد كون المراد هو بنو النضير، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعط الأنصار من أموالهم شيئا، سوى رجلين أو ثلاثة، كما أوضحناه حين الكلام حول تقسيم أراضي بني النضير، فليراجعه من أراد.
4-إن ما ذكر في الجواب الثاني غير تام، فإن كثرة الخيل و الركاب، و قلتها، و بعد المسافة و قربها لا يؤثر شيئا في حكم الفيء، ما دام أن الملاك هو الأخذ عنوة و عدمه، كما أن كثرة القتال و قلته لا يؤثر في ذلك شيئا.
و عليه. . فالأولى في الجواب: أن يقال: إن القتال الذي كان-إن صح أنه قد كان ثمة قتال-لم يكن به الفتح، و إنما فتحت صلحا، و هذا هو الميزان في الفيء و الغنيمة، فإن كان الفتح صلحا كان فيئا، و إن كان بقتال كان غنيمة، فالحكم تابع للنتيجة، مهما كانت مقدماتها.
هذا. . بالإضافة إلى أن ما أرعب اليهود و جعلهم ييأسون، و حملهم على الصلح لم يكن هو القتال المشار إليه، و إنما كان قطع النخيل، و إحراقه.
ثم كان قتل أمير المؤمنين «عليه السلام» للعشرة هو السبب في استجابتهم للصلح، كما تقدم. .
و أما بالنسبة لما يذكرونه من قتال، فنحن لا نستطيع أن نؤكد صحته، بل القرآن و التاريخ يدلان على عدمه، و إن كنا لا نمانع من أن تكون قد جرت بعض المناوشات اليسيرة، و لكنها لم تكن سبب الفتح قطعا.
لقد هاجر من مكة عدد كبير من الذين أسلموا، و تركوا ما كانوا يملكونه وراءهم، و قد قدم الأنصار لهم كل ما أمكنهم تقديمه من العون و الرعاية، حتى لقد أرادوا أن يقاسموهم أموالهم؛ فمنعهم النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمرهم أن يعملوا في مزارعهم و بساتينهم وفقا لقواعد المساقاة و المزارعة، و هكذا كان (1).
و حين أفاء اللّه على رسوله أموال و أراضي بني النضير، كانت خالصة له «صلى اللّه عليه و آله» ، بمقتضى قوله تعالى: . . مٰا أَفٰاءَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ (2).
و قد روى القرشي عن الكلبي أنه قال: «قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» أموال بني النضير، إلا سبعة حوائط منها، أمسكها و لم يقسمها» (1).
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خيّر الأنصار، بين أن يقسم ما أفاءه اللّه عليه، عليهم و على المهاجرين، و يكون المهاجرون مع الأنصار كما كانوا، و بين أن يخص المهاجرين بها، فيستقلون عن الأنصار، و يرجعون إليهم أراضيهم.
فقال السعدان-سعد بن معاذ، و ابن عبادة-: بل نقسم أموالنا و ديارنا على المهاجرين، و يؤثرونهم بالقسمة أيضا، و لا يشاركونهم فيها، فاقتدى بهما سائر الأنصار، فأنزل اللّه: وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ (2).
فقسمها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين المهاجرين، و أمرهم برد ما كان للأنصار حسب تعبير الحلبي (3).
1) الخراج للقرشي: ص 36.
2) الآية 9 من سورة الحشر.
3) راجع: فيما تقدم، كلا، أو بعضا المصادر التالية: البحار ج 20 ص 171 و 172 و في هامشه عن الإمتاع للمقريزي ص 182 و تفسير القمي ج 2 ص 360 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 و 369 و مجمع البيان ج 9 ص 260 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 175 و السنن الكبرى ج 6 ص 116 و فتح الباري ج 7 ص 256 و وفاء الوفاء ج 1 ص 299 و تاريخ المدينة ج 2 ص 489 و تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 263 و السيرة الحلبية ج 2 ص 268 و 269 و صحيح مسلم ج 5 ص 163 و لباب التأويل ج 4 ص 249 و غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 41 و 42 و فتح القدير ج 5 ص 201-
فكانت أول صافية قسمها «صلى اللّه عليه و آله» بين المهاجرين الأولين (1).
و في بعض المصادر: أن المهاجرين إنما ردوا ما كان للأنصار بعد الفراغ من خيبر (2).
إننا رغم أننا نشك في إرجاع المهاجرين أموال الأنصار، و نحتمل قويا: أن يكون الهدف من هذا الزعم هو تقوية موقف المهاجرين، حيث لا يكون للأنصار-و الحالة هذه-فضل يذكر، إلا أننا نغض النظر عن ذلك فنقول:
يرد هنا سؤال، و هو: أنه إذا كانت أموال بني النضير خالصة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بنص القرآن الكريم، فلماذا يطلب «صلى اللّه عليه و آله» موافقة الأنصار على أن يخص المهاجرين بها؟
أليس هو «صلى اللّه عليه و آله» حر التصرف فيما ملّكه اللّه إياه، يضعه
(3) -و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 25 و 23 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1776 و التفسير الكبير ج 29 ص 287 و الكشاف ج 4 ص 505 و جوامع الجامع ص 487 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و المغازي للواقدي ج 1 ص 379 و الخراج للقرشي ص 33 و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 250 و عمدة القاري ج 15 ص 47 و إرشاد الساري ج 5 ص 210.
حيث يشاء، و يعطيه لمن يشاء! .
و نحن في مقام الإجابة على هذا السؤال نشير إلى ما يلي: 1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن لا يسيء أحد من الأنصار تفسير تصرفه ذاك، فيتوهم: أن ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» بسبب حبه لقومه دونهم، أو لغير ذلك من أسباب.
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يثير في الأنصار حسدا لا مبرر له، أو ما هو أكثر من الحسد، و هم يرون إخوانهم يحصلون على الأموال و الأراضي دونهم، حتى و لو كانوا يعلمون: أن هذا المال ملك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يضعه حيث يشاء، و يعطيه لمن أراد، و يعلمون أيضا: أنه لا ينطلق في إعطائه ذاك من سلبيات يخشون وجودها.
2-إنه يريد للمسلمين جميعا: أن لا يفهموا هذا التصرف على أنه امتياز لهم دون غيرهم، و ليتخذ ذلك أصحاب الأهواء منهم ذريعة للابتزاز، أو لإعمال سياسات ظالمة تجاه إخوانهم من الأنصار، حينما تسنح لهم الفرصة لذلك.
3-إنه يريد للمسلمين جميعا أن يفهموا: أن على القيادة أن لا تستبد بالرأي و بالتصرف، فإن التفاهم، و المشاركة في الرأي، و عدم التفرد فيه، يجب أن يكون هو السمة المميزة للإنسان المسلم.
4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يعلم الأنصار، و يستفيد من ذلك المهاجرون درسا في الإيثار على النفس ما دام أن ذلك من شأنه أن يوثق عرى المودة، و يثير كوامن الحب في مجتمع يشعر أعضاؤه بآلام و مشاكل بعضهم البعض، و يعملون على حلها، و يبذلون جهدهم في هذا السبيل.
5-كما أننا نستفيد بالإضافة إلى ما تقدم الأمور التالية:
ألف: أنه كما أن من مسؤوليات قائد الأمة تصريف أمور الرعية، و رعاية شؤونها، و إدارتها، و هدايتها إلى أفضل السبل و أجداها في دفع الأخطار الكبرى عنها، و حل المعضلات التي ربما تواجهها. .
كذلك فإن من مسؤولياته تربية الأمة تربية صالحة، و رعاية شؤونها الروحية و تزكيتها، و بعث الفضائل و السجايا الكريمة في نفوس أبنائها جماعات و آحادا، ثم إبعاد كل ريب ورين عنها؛ لتكون خالصة خلوص الجوهر، نقية صافية صفاء النور. .
هذا بالإضافة إلى رعاية العلاقات الروحية فيما بين أفراد و جماعات الأمة، لتبقى سليمة و حميمة، و قائمة على أسس قوية و ثابتة من تلك السجايا و السمات و الصفات الراسخة في أعماق الذات الإنسانية. .
فلا يجوز أن يصدر منه أي عمل-حتى و لو كان بملاحظة خصوصيته الفردية، و العادية حلالا و مباحا له-من شأنه أن يلحق أدنى ضرر في البنية الاجتماعية، سواء على المستوى النفسي أو الفكري، أو المادي، أو غير ذلك.
كما أن عليه أن يتكهن بآثار أي عمل يصدر منه، و يقدر ما له من سلبيات و إيجابيات مستقبلية، و على جميع المستويات.
ب: إن ما تقدم يوضح لنا مدى حساسية موقع هذه القيادة، و خطورة مسؤولياتها، و يوضح كذلك: أنه ليس باستطاعة كل أحد؛ أن يتسلم أزمة الحكم، و يتولى مسؤوليات قيادية، إلا إذا اجتمعت فيه خصال و مواصفات ذات طابع معين، من شأنها أن تساعد على تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من الأهداف التي تتوخاها الأمة من قياداتها.
ج: إن ما فعله الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد أفهمنا أنه يفترض في القائد: أن يرعى الشؤون المادية للأمة، و لو من ماله الخاص، حينما لا يكون ثمة مصادر أخرى قادرة على سد حاجاتهم في هذا المجال.
د: و درس آخر نتعلمه من موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا، و هو: أن الإنسان، و إن كان له الحق في أن يتصرف في ماله كيف يشاء، و لكن حينما تنشأ عن هذا التصرف سلبيات من نوع ما، فإن عليه أن يعمل على معالجة تلك السلبيات، و أن يعطي تصرفه مناعات كافية، تحصن الواقع من أن تنشأ فيه تلك السلبيات، أو أن تؤثر أثرها البغيض المقيت، حتى و لو كانت تلك السلبيات ناشئة عن تقصير الآخرين، أو عن سوء تصرفهم، أو عن عدم التزامهم الأكيد بالحدود و القيود التي يفترض التزامهم بها، أو غفلتهم عن ذلك، بل و حتى لو كان ذلك من قبيل الطموحات الباطلة و اللامشروعة، أو التي تستتبع حسدا لا مبرر له لدى الآخرين، أو حقدا كذلك.
ه: إننا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كانت معالجته لسلبيات لا مبرر لها بطريقة بناءة و رائدة، ثم هي زاخرة بالمعاني الإيجابية الكبيرة، التي من شأنها ليس فقط أن تؤثر في الصيانة و الحصانة بدرجة كافية، و إنما هي تساهم بدرجة كبيرة في تكامل الأمة، و في حصولها على المعاني و السجايا الإنسانية، ثم تعميقها و ترسيخها بصورة عملية، لا بمجرد التنظير، و إطلاق الشعارات في الهواء.
و هذا هو الأسلوب الأمثل و الأجدى في بناء الأمة، و تأكيد خصائصها الإنسانية، و سجاياها الكريمة الفضلى.
و يذكر المؤرخون أسماء طائفة من الناس أعطاهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من أراضي بني النضير، بل يرى البعض: أنه لم يعط سوى الأشخاص التالية أسماؤهم و هم:
1-أبو بكر بن أبي قحافة؛ فقد حصل على موضع يقال له: «بئر حجر» (1).
2-عمر بن الخطاب، الذي حصل على موضع يقال له: «جرم» (2).
3-عبد الرحمن بن عوف، الذي حصل على موضع يقال له: «سوالة» ، أو «كيدمة» ، و هو الذي يقال له: «مال سليم» (3).
4-الزبير بن العوام، الذي حصل على أرض يقال لها: «بويّلة» (4).
1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 و مغازي الواقدي ج 1 ص 379 و راجع: فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269 و معجم البلدان ج 5 ص 290.
2) راجع: المصادر المتقدمة باستثناء فتوح البلدان.
3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1296 و ج 3 ص 945 و معجم البلدان ج 4 ص 497 و راجع ج 5 ص 290 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 و مغازي الواقدي ج 1 ص 379 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و راجع: فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
4) طبقات ابن سعد ج 2 ص 58، لكنه ذكر بويلة له و لأبي سلمة بن عبد الأسد، و فتوح البلدان قسم 1 ص 21 و 22 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1157 و إرشاد الساري ج 4 ص 210 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 7 ص 147 عن صبح الأعشى ج 13 ص 105 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269 و نيل الأوطار ج 6 ص 57.
5-صهيب بن سنان، حصل على أرض يقال لها «ضراطة» (1).
6-أبو سلمة بن عبد الأسد، حصل على أرض من بني النضير، عند الواقدي أن اسمها: «بويلة» شاركه الزبير فيها أيضا، كما أشرنا إليه (2).
7-أبو دجانة.
8-و سهل بن حنيف، حصلا على أرض يقال لها: «مال ابن خرشة» (3).
1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و راجع ج 3 ص 104 و مغازي الواقدي ج 1 ص 379 و 380، و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 و مغازي الواقدي ج 1 ص 380 و ذكرا أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه (بويلة) و وفاء الوفاء ج 4 ص 1157 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و السيرة الحلبية ج 2 ص 269.
3) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 380 و 379 و السيرة النبوية ج 3 ص 201 و 202 و تاريخ الخميس ج 1 ص 462 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 555 و التبيان ج 9 ص 563 و الإكتفاء ج 2 ص 148 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 38 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و راجع ص 14 و 24 و راجع: البحار ج 20 ص 171 و تفسير القمي ج 2 ص 360 و في هامش البحار عن الإمتاع ص 182 و مجمع البيان ج 9 ص 260 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1771 و 1772 و التفسير الكبير ج 28 ص 285 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و منهاج السنة ج 4 ص 173 و الخراج للقرشي ص 32 و تفسير البرهان ج 4 ص 313 و جوامع الجامع ص 487 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 و فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و 19 و 21-
9-الحارث بن الصمة، استفاد هو الآخر من ذلك حسبما ذكروه (1).
و عند البعض: الحرث بن أبرهة (2).
و الظاهر: أنه تصحيف.
10-و أعطى-كما زعموا-سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق (3).
(3) -و المصنف ج 6 ص 361 لكنه لم يسم الرجلين، و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جامع البيان ج 28 ص 28 و أشار إليه في سنن أبي داود ج 3 ص 143 و 157 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 و وفاء الوفاء ج 1 ص 299 و تاريخ المدينة ج 2 ص 490 و الكامل في التأريخ ج 2 ص 174 و الدر المنثور ج 6 ص 192 عن ابن مردويه و السيرة الحلبية ج 2 ص 269 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 و أنساب الأشراف (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ص 518 و معجم البلدان ج 5 ص 290.
1) مجمع البيان ج 9 ص 260 و تاريخ الخميس ج 1 ص 251 و 462 عن المدارك، و معالم التنزيل و السيرة الحلبية ج 2 ص 269، و قال: «نظر فيه بعضهم: بأنه قتل في بئر معونة» ، و لباب التأويل ج 4 ص 246 و جوامع الجامع ص 487 و التفسير الكبير ج 29 ص 285 و الكشاف للزمخشري ج 4 ص 505 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و راجع ص 14 و 24 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1771 و 1772 و الروض الأنف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق، و بهجة المحافل ج 1 ص 216 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197.
2) غرائب القرآن، مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 38.
3) تاريخ الإسلام للذهبي (قسم المغازي) ص 112 و تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 11، و المغازي للواقدي ج 1 ص 379، و السيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج 2 ص 269.
11-و أعطى عثمان بن عفان أيضا بعض أراضي بني النضير، في مكان يقال له: الدومة (1).
و نشير هنا إلى نصين غير متوافقين، و هما:
1-ما قاله العيني: «. . و لم يخمس، و لم يسهم منها لأحد، إلا لأبي بكر، و عمر، و ابن عوف، و صهيب بن سنان، و الزبير بن العوام، و أبي سلمة بن عبد الأسد، و أبي دجانة» (2).
فالعيني إذا يرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعط أحدا غير هؤلاء. و لكن التعبير ب «يسهم» فيه شيء من المسامحة؛ لإشعاره بأنها مفتوحة عنوة، و ليس الأمر كذلك.
2-قال ابن شبة: «. . عن محمد بن إسحاق، قال: قسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المهاجرين إلا سهل بن حنيف، و أبي دجانة، و كذا نفرا، فأعطاهما منها» (3).
و قال النسفي: قد أعطى ثلاثة من الأنصار (4). لكنه لم يذكر لنا أسماءهم بالتحديد.
فنجد العيني لا يذكر سهل بن حنيف، و نجد آخرين يذكرون سهلا
و أبا دجانة، و نجد عددا آخر يصر على أنهم ثلاثة من الأنصار، و لعله يقصد الحارث بن الصمة؛ فإنه أنصاري أيضا.
و لكن ابن شبة ذكر سهلا و أبا دجانة، و كذا نفرا من الأنصار.
و معنى ذلك: هو أنه قد أعطى الثلاثة الآنفة أسماؤهم.
مع أن ظاهر النصوص: الحصر بهم، أو بواحد، أو باثنين منهم. فالأولى الاقتصار على ذلك، إلى أن يرد ما يؤيد كلام ابن شبة.
و قد علل اللّه سبحانه عطاء بعض الفئات دون بعض، من الفيء بقوله: وَ مٰا أَفٰاءَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لاٰ رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مٰا أَفٰاءَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ كَيْ لاٰ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ وَ مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ (1).
و نستفيد من هذه الآية الأمور التالية:
الأول: إنه سبحانه قد علل إعطاء الفيء للفقراء اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل بأن لا يكون المال محصورا بين الأغنياء، يتداولونه فيما بينهم.
و هذا يعطي: أن الإسلام يريد أن يمكن الجميع من الحصول على المال، و لا يكون حكرا على جماعة دون غيرها.
1) الآيتان 6 و 7 من سورة الحشر.
أي أنه يريد للمال أن يتحرك، و أن ترتفع الموانع و الحواجز من طريقه و ينطلق من خلال الالتزام بالحكم الإلهي، و الوقوف عند الحدود الشرعية، لتتداوله جميع الأيدي فلا بغي من أحد على أحد، و لا استئثار بشيء دون الآخرين و إنما الإيثار على النفس، و لو مع شدة الحاجة و الخصاصة.
كما أنه يريد للفقير: أن يحصل على المال بصورة مشروعة، و من دون منة من أحد عليه، ما دام أن المال قد أعطاه اللّه إياه، و ليس لأحد من الخلق فيه أي دور.
الثاني: إن الإسلام حين قبل بالملكية الفردية، و جعل القوانين و النظم لحمايتها، و قبل أيضا بملكية الدولة و الجهة، و أعطى المجال لطموحات الإنسان، و قدراته الخلاقة للتعبير عن نفسها، و تأكيد وجودها، فإنه قد قرر إلى جانب ذلك قاعدته، و أعطى ضابطته التي لا مجال لتخطيها في شأن المال بقوله: كَيْ لاٰ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ (1)فإنه يكون بذلك قد قرر الحد الذي يفصل نظام الإسلام الإقتصادي عن النظام الرأسمالي الفاسد، و الذي ينتهي بالمال إلى أن يصبح دولة بين الأغنياء.
و ذلك لأن الإسلام، و إن كان قد قبل بالملكية الفردية، إلا أنه قد حدد مصادر الحصول عليها في جهات معينة، لا يجوز تعديها إلى غيرها. .
كما أنه قد وضع من الأحكام و الضوابط في مختلف شؤون الحياة و جهاتها، ما يمنع من تكدس المال بصورة فاحشة لدى أفراد بخصوصهم.
و قد بين اللّه سبحانه هذا الأصل الأصيل بعبارة واضحة و موجزة
1) الآية 7 من سورة الحشر.
حينما قال: لاٰ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيٰاءِ .
ثم هو قد حرم و أدان، و عاقب على كل عمل من شأنه أن يهدم هذا الأصل، و يضر في مسيرة تحقيقه، أي ما يوجب صيرورة المال دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيٰاءِ ، فحرم الربا، و منع من الاحتكار، و من أكل المال بالباطل، و. . و. . الخ. .
و بما تقدم يتضح أيضا: البون الشاسع فيما بين المذاهب الإقتصادية الأخرى-كالإشتراكية-و بين نظام الإسلام الإقتصادي، كما هو ظاهر لا يخفى.
الثالث: إن ما أفاءه اللّه على رسوله، ليس لأحد أن يدّعي أن له فيه أدنى أثر أو أي دور في تحصيله. فإن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل و لا ركاب، و إنما عاد إلى رسول اللّه بسبب تسليط اللّه رسله على من يشاء، كاليهود الناقضين للعهود و المواثيق.
و معنى ذلك هو أنه ليس لأحد الحق في أن يدّعي: أنه قد تنازل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عن شيء هو له، أو ساهم فيه، و جاء الحكم الإلهي ليأخذه منه، و يعطيه للنبي لمصلحة كامنة في ذلك، كما ربما يتوهم في الزكاة و الخمس، و ذلك لأن اللّه قد صرح بأن تسليط اللّه سبحانه للرسول على أولئك الناس قد كان سببا في حصول ما يسمى بالفيء؛ فالفيء إذا هو نتيجة عمل إلهي، و تصرف رباني في واقع سلطة الرسول و بسطها على أولئك المعاندين.
و أما مناشئ هذه السلطة، و مقوماتها، فيجب أن لا تكون منحصرة في العدة و العدد و الحشود لدى المسلمين، فإن ذلك يتحقق بتأييدات إلهية غيبية،
تساهم فيها معرفة اليهود بنبوّته «صلى اللّه عليه و آله» ، و رؤيتهم لمعجزاته و كراماته، و حبهم للدنيا، و خوفهم من الموت و غير ذلك من أمور.
الرابع: بقي أن نشير إلى أن الآيات قد نصت على أن الفيء للّه، و للرسول، و لذي القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل؛ فكيف نوفق بين ذلك و بين ما هو معلوم من أن الفيء خالص لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
و نقول في الجواب: إن الآيات لم تتعرض لتشريع حكم الفيء، و بيان تقسيماته اللازمة شرعا، من حيث مالكية هؤلاء الأصناف له، و إنما هي تبين قضية في واقعة، يراد توضيح المراد فيها، و إزالة الشبهة عن موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها. ذلك لأن الآيات التالية لتلك الآية، قد بينت: أن المراد بهؤلاء الأصناف هو خصوص المهاجرين منهم، أما الأنصار؛ فإنهم لا يجدون في أنفسهم حرجا في أن يأخذ إخوانهم المهاجرون من الفيء دونهم، رغم ما كان يعاني منه الأنصار من حاجة و خصاصة، بل هم يؤثرونهم على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة.
كما أن الآية الآنفة الذكر قد بينت: أن المراد هو الفيء الحاصل من أهل القرى، لا كل فيء، و ذلك يؤيد أنها في صدد الحديث عن قضية في واقعة، من أجل إبراز ما بها من خصوصيات، و من معان إنسانية هامة، و من دقائق أخرى لا بد من الإلفات إليها، و التنبيه عليها، و ليست في صدد إعطاء الضابطة و القاعدة العامة.
و معنى ذلك هو: أن المراد بيان أن ما فعله النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الفيء الحاصل له من أهل القرى، حيث قسمه على المهاجرين دون
الأنصار، رغم وجود الخصاصة في الأنصار، إنما كان لمصالح اقتضت التخصيص منه «صلى اللّه عليه و آله» . و لا حرج على النبي أو الإمام في أن يلاحظ المصالح، و يقدم قوما على قوم، و يعطي هؤلاء، و يحرم أولئك، لأجل تلك المصالح المقتضية لذلك، و لا يجب عليه أن يساوي بين الناس دائما، فإن المساواة ليست مطلوبة على كل حال، و إنما هي مطلوبة حيث لا مصلحة في الترجيح، و حيث لا توجب تعميق الهوة بين الفئات التي يراد المساواة بينها.
إذا، فلا معنى لاستغلال هذا الأمر للدعاية ضد نبي الإسلام، و اتهامه بالتحيّز و التجني، و لا سيما إذا علمنا أن ما يقسمه إنما هو حقه الشخصي، و هو حر في أن يجعل ما يختص به لمن يشاء، كيف يشاء.
الخامس: لا بد من التذكير أخيرا بأن آية الفيء هنا كآية الخمس في سورة الأنفال، قد ذكرت أصنافا ستة: ثلاثة منهم من قسم الواجب، و هم: سهم اللّه، و سهم الرسول، و سهم ذوي القربى، و ثلاثة لا يجب ذلك فيهم، و هم اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل. .
و من الغريب العجيب أن البعض بعد أن ذكر: أن المراد بذوي القربى في الآية التي في سورة الحشر، و في آية الخمس هم قرابة رسول اللّه، قد علل البعض اختصاصهم بالفيء و الخمس بقوله: «إن كانت الصدقات لا تحل لهم فليس لهم في الزكاة نصيب، و إن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شيء، و فيهم الفقراء الذين لا مورد لهم، فجعل لهم من خمس
الغنائم نصيبا، كما جعل لهم من هذا الفيء و أمثاله نصيبا» (1).
إذا فهذا البعض يرى: أن فقر الفقراء منهم، و حرمانهم من الإرث و الزكاة كان هو السبب في ذلك! !
و نقول: إن كلامه غير صحيح، و ذلك لما يلي:
1-لقد علق هو نفسه في هامش كتابه على كلمة «الفقراء» بقوله: «هناك خلاف فقهي، هل الفقراء من قرابة الرسول هم المستحقون؟ ! أم جميعهم، و الراجح جميعهم» (2).
و معنى ذلك هو: أن فقرهم ليس هو سبب إعطائهم، إذ ليس ثمة خصوصية للفقراء منهم تقتضي ترجيحهم على سائر الفقراء، و إنما السبب في الترجيح هو-فقط-قرابتهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
2-لا ندري كيف حرمهم اللّه هذا المقدار القليل من إرث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم عوّضهم هذه الأموال الهائلة و الطائلة، التي تحصل من الفيء و الغنائم! ! . .
3-ثم إننا لا ندري كيف يحرم شخص واحد و هو الزهراء صلوات اللّه عليها، ثم يعوض جميع قرابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى من لم يكن في طبقتها في الإرث، بل و حتى جميع بني هاشم، و لو لم يكونوا من أولاده «صلى اللّه عليه و آله» و لا من وراثه! !
بل لقد نال هذا التعويض جميع بني هاشم إلى يوم القيامة.
و ما كان أحراه أن يكون لو أنه كان ذلك قد جاء على سبيل الإهتمام بأمور الفقراء و الضعفاء من سائر الناس، فيورّث فاطمة «عليها السلام» ، ثم يتعامل مع جميع بني هاشم على أنهم بعض من غيرهم، فلا يحرمهم من ذاك ليعطيهم من هذا أكثر مما يستحقون، و أضعاف ما به كانوا يطالبون.
أليس في ذلك تضييع لحقوق الكثيرين من الفقراء من غيرهم؟ !
حاشاه أن يصدر ذلك منه، أو أن يفكر فيه.
4-هذا كله عدا عن أن حديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، و الذي تفرد بروايته الخليفة الأول أبو بكر! ! قد أثبت العلماء بالأدلة القاطعة و البراهين الساطعة عدم صحته. و قد رد علي و فاطمة «عليهما السلام» و كثير غيرهما روايته كما ذكرته الروايات الكثيرة و ليس ههنا محل بحث هذا الأمر فمن أراد ذلك، فليراجع كتب العقائد.
و تذكر المصادر: أن السلطة قد استولت على باقي أموال بني النضير، التي احتفظ بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يقسمها بين أصحابه، و قد طالب بها أهل البيت «عليهم السلام» فمنعوا منها ثم إن عمر بن الخطاب قد ردها إليهم، بعد سنين من توليه الحكم.
و لكن حكاية مطالبة أهل بيت النبوة «عليهم السلام» للخليفة الثاني بإرجاعها إليهم، قد تعرضت للدس و التشويه بصورة بشعة و مخجلة.
و نحن نذكر نص الرواية هنا أولا، ثم نشير إلى بعض وجوه التشويه فيها، و إن كانت واضحة و ظاهرة لكل أحد.
يقول النص التاريخي، و هو الذي ذكره مسلم بن الحجاج في صحيحه: «حدثني عبد اللّه بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية: عن مالك، عن الزهري: أن مالك بن أوس حدثه قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب؛ فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير، مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم، فقال لي: يا مالك، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، و قد أمرت فيهم برضخ فخذه فاقسمه بينهم.
قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري.
قال: خذه يا مالك.
قال: فجاء يرفأ، فقال: هل لك-يا أمير المؤمنين-في عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و الزبير، و سعد؟
فقال عمر: نعم، فأذن لهم؛ فدخلوا.
ثم جاء فقال: هل لك في عباس، و علي؟
قال: نعم، فأذن لهما.
فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني و بين هذا الكاذب الآثم، الغادر الخائن!
فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم و أرحهم.
(فقال مالك بن أوس: يخيل إلي: أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) .
فقال عمر: اتّئدا، أنشدكم باللّه الذي بإذنه تقوم السماء و الأرض، أتعلمون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟
قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس، و علي، فقال: أنشدكما باللّه الذي بإذنه تقوم السماء و الأرض، أتعلمون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث، ما تركناه صدقة؟
قالا: نعم.
فقال عمر: إن اللّه جل و عز كان خص رسوله «صلى اللّه عليه و آله» بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره، قال: مٰا أَفٰاءَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ
اَلْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ. . (1)(ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) ، قال: فقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينكم أموال بني النضير فو اللّه، ما استأثر عليكم، و لا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال؛ فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال.
ثم قال: أنشدكم باللّه الذي بإذنه تقوم السماء و الأرض، أتعلمون ذلك؟
قالوا: نعم. ثم نشد عباسا و عليا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟
قالا: نعم.
قال: فلما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال أبو بكر: أنا ولي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما نورث ما تركنا صدقة؛ فرأيتماه كاذبا آثما، غادرا، خائنا، و اللّه يعلم: إنه لصادق بار، راشد، تابع للحق.
ثم توفي أبو بكر، و أنا ولي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و ولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبا، آثما، غادرا، خائنا، و اللّه يعلم: إني لصادق بار، راشد، تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت و هذا، و أنتما جميع، و أمركما واحد، فقلتما: ادفعها إلينا.
فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد اللّه: أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذتماها بذلك.
1) الآية 7 من سورة الحشر.
قال: أكذلك؟ !
قالا: نعم.
قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما؛ فو اللّه، لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة؛ فإن عجزتما عنها؛ فرداها إلي (1).
زاد في نص آخر قوله: فغلب علي عباسا عليها، منعه إياها، فكانت بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم كانت بيد الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم
1) صحيح مسلم ج 5 ص 151-153 و شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج 16 ص 221-223 و راجع ص 229 و راجع: جامع البيان ج 28 ص 26 و 27 و تاريخ المدينة ج 1 ص 202-204 و راجع ص 205 و 206 و 208 و 209 و الصواعق المحرقة ص 35 و 36 و صحيح البخاري ج 3 ص 11 و راجع: ج 2 ص 121 و وفاء الوفاء ج 3 ص 996-998 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 469- 471 و سنن أبي داود ج 3 ص 139 و 140. و راجع ص 144 و البداية و النهاية ج 4 ص 203 و ج 5 ص 287 و 288 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 386 و عمدة القاري ج 14 ص 185 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 136-140 و 132 و 134 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 158. و الأموال ص 17 و 18 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 335 و 336 و لباب التأويل ج 4 ص 246 و 247 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و سنن النسائي ج 7 ص 136 و مسند أحمد ج 1 ص 208 و 209 و 60 و أشار إلى ذلك في الصفحات التالية:25 و 48 و 49 و 162 و 164 و 179 و 191 و كنز العمال ج 7 ص 167 و 168 عن بعض من تقدم و عن: البيهقي و عبد بن حميد، و ابن حبان، و ابن مردويه و الدر المنثور ج 6 ص 193 عمن تقدم و راجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 138 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 403.
الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن.
زاد في نص آخر: ثم عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (1).
قال الزهري: حدثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه، قال: فذكرت ذلك لعروة، فقال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة تقول: أرسل أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان بن عفان إلى أبي بكر، يسأل لهن ميراثهن من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مما أفاء اللّه عليه، حتى كنت أردهن عن ذلك.
فقلت: ألا تتقين اللّه، ألم تعلمن: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: «لا نورث ما تركناه صدقة-يريد بذلك نفسه-إنما يأكل آل محمد من هذا المال» .
فانتهى أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ما أمرتهن به (2).
1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 229 و الطرائف ص 283 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 471 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 155 و وفاء الوفاء ج 3 ص 998 و الصواعق المحرقة ص 36 و صحيح البخاري ج 3 ص 11 و تاريخ المدينة ج 1 ص 202 و 205 و راجع ص 207 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 203 و 204 و ج 5 ص 288 و فتح الباري ج 6 ص 145 و التراتب الإدارية ج 1 ص 402.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 223 و صحيح البخاري ج 3 ص 12 و أنساب الأشراف ج 1(قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») ص 520 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 153 لكن فيه: أنهن أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن الخ. . و مسند أبي عوانة ج 4 ص 145 و راجع ص 143 و طبقات ابن-
قال ابن كثير: «ثم إن عليا و العباس استمرا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان؛ فغلبه عليها علي، و تركها له العباس؛ بإشارة ابنه عبد اللّه (رض) بين يدي عثمان-كما رواه أحمد في مسنده- فاستمرت في أيدي العلويين» (1).
و نقول:
إننا و إن كنا لا نستبعد أن يكون علي «عليه السلام» و العباس «رحمه اللّه» قد طالبا عمر بن الخطاب بأراضي بني النضير، و لكننا نرى: أن حكاية هذه القضية بالشكل الآنف الذكر، لا ريب في كونها مكذوبة و مصنوعة، بهدف تبرئة ساحة الهيئة الحاكمة فيما أقدمت عليه من مصادرة أموال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فور وفاته، و حرمان ابنته «عليها السلام» من إرثه.
و لكن مخترعها، أو فقل الذي حرفها، و صاغها بهذا الشكل، لم يكن ذكيا بالقدر الكافي، و لا له معرفة تؤهله للاحتراس من المؤاخذات الظاهرة و الواضحة؛ تاريخية كانت، أو تفسيرية، أو شرعية، أو غيرها كما سنرى.
و الأبدع من ذلك! ! : أننا نجد الرواية قد ذكرت في كتب الصحاح، التي هي أصح الكتب-عند أصحابها-بعد القرآن. . فكيف خفي أمرها
(2) -سعد ج 2 ص 315 و تاريخ المدينة ج 1 ص 201 و 205 و 207 و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 471 و 472 و الصواعق المحرقة ص 36 و راجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 150 و الموطأ مطبوع بهامش تنوير الحوالك ج 3 ص 154 و البداية و النهاية ج 4 ص 203 و ج 5 ص 288 و فتوح البلدان ج 4 ص 34 و معجم البلدان ج 4 ص 239 و الإيضاح لابن شاذان ص 257-262 و راجع هوامشه.
1) السيرة النبوية ج 4 ص 573 و البداية ج 5 ص 288.
على مؤلفي هذه الكتب، و هم الأئمة الكبار و العارفون، و الضليعون في فنّهم، حسبما يصفهم به أتباعهم و محبوهم، و الآخذون عنهم؟
و قبل أن نشير إلى نقاط الضعف التي في هذه الرواية نذكر القارئ الكريم بأن ما سوف نذكره من نقاط-و إن كان أكثره قد خطر في بالنا- و لكنه أيضا مما قد تنبه له الآخرون، و لذا فإننا سوف نشير إلى هؤلاء الذين سبقونا إلى ذلك، ناسبين الكلام إليهم، بل و معتمدين في أحيان كثيرة في صياغة العبارة عليهم. . فنقول:
و بعد. . فإنه يرد على الرواية المتقدمة:
أولا: أن رواية مسلم تذكر: أن العباس، قال لعمر: «اقض بيني و بين هذا الآثم الغادر الخائن» . و هذا مما لا يتصور صدوره من العباس؛ إذ كيف ينسب هذه الأوصاف إلى من اعتبرته آيه المباهلة نفس النبي الأمين «صلى اللّه عليه و آله» ، و لمن شهد اللّه سبحانه له بالطهارة، و كيف يسبه، و قد علم أن من سبه سب اللّه و رسوله؟
فلا بد أن يكون هذا القول مكذوبا على العباس من المنافقين الذين يريدون سب الإمام الحق، على لسان غيرهم (1).
و نشير هنا إلى ما يلي:
ألف: «استصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا
1) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 33.
الحديث و قال: لعل بعض الرواة و هم فيها» (1).
فالمازري إذا يؤيد و يستصوب تحريف النصوص، و ذلك من أجل الحفاظ على ماء الوجه، أمام الحقائق التاريخية الدامغة؛ فإنهم حينما رأوا: أن كذبها صريح إلى درجة الفضيحة، و رأوا: أنها موجودة في صحاحهم، و تلك فضيحة أخرى أدهى و أمر-نعم حينما رأوا ذلك-التجأوا إلى هذا الأسلوب الساقط و الرذل، ألا و هو التحريف و الإسقاط، كما اعترف به المازري و استصوبه. .
و هذا الأسلوب لا يزال متبعا عند خلف هؤلاء القوم، فنجد الوهابيين يحرفون كتب علمائهم، و غيرها، و كذلك غيرهم من أولئك الذين يخونون دينهم و أمتهم، بخيانتهم أماناتهم (2).
ب: قال العسقلاني: إن المازري قال: «أجود ما تحمل عليه: أن العباس قالها دلالا على علي؛ لأنه كان عنده بمنزلة الولد؛ فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه، و أن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمد.
قال: و لا بد من هذا التأويل، لوقوع ذلك بمحضر الخليفة، و من ذكر معه، و لم يصدر منهم إنكار لذلك، مع ما علم من تشددهم في إنكار المنكر» (3).
و نقول للمازري: مرحبا و أهلا بهذا الدلال الوقح و المشين! فهل كل
من كان بمنزلة الوالد يحق له أن يسب الناس، و يتهمهم بالغدر، و الخيانة، و الإثم؟ ! .
و أيضا. . فإن رواية البخاري تقول: إنهما قد استبا (1)، فهل سب علي «عليه السلام» للعباس كان دلالا أيضا؟ و هل كان علي بمنزلة الوالد بالنسبة للعباس؟ ! .
و هل كان هذا الدلال مما جرت عليه عادة العرب؟ ! .
و هل يصح الردع عن الخطأ بهذا الأسلوب الفاحش و البذيء؟ ! .
ثم إننا لم نعلم ما الذي فعله علي «عليه السلام» بأرض بني النضير حتى استحق الوصف بالغدر و الخيانة؟ !
فهل فعل فيها غير ما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعله؟ !
و لو أنه تعدى في فعله، فهل يكون غادرا، و خائنا؟ ! و لمن يا ترى؟ ! و هل يمكن أن يظن العباس بعلي أو العكس: أنه يرتكب الخطأ الفاحش الذي هو على حد الخيانة و الغدر عن عمد و قصد؟ ! .
أسئلة ننتظر الجواب عنها بصورة منصفة و مقنعة، و هيهات.
و ثانيا: قال العلامة المظفر: «إنه يصرح بأن عمر ناشد القوم و من جملتهم عثمان؛ فشهدوا بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث.
و هو مناف لما رواه البخاري (2)عن عائشة، أنها قالت: أرسل أزواج
النبي «صلى اللّه عليه و آله» عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن مما أفاء اللّه على رسوله، فكنت أنا أردهن، الحديث. . فإنه يقتضي أن يكون عثمان جاهلا بذلك، و إلا لا متنع أن يكون رسولا لهن، إلا أن يظن القوم فيه السوء» .
و هذا أيضا قد أورده المعتزلي الحنفي (1).
و قد حاول المعتزلي الاعتذار عن ذلك، فقال: «اللهم إلا أن يكون عثمان و سعد، و عبد الرحمن، و الزبير، صدقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه، و حسن الظن. و سموا ذلك علما لأنه قد يطلق على الظن اسم العلم» .
ثم ذكر: أنه يجوز أن يكون عثمان في مبدأ الأمر شاكا في رواية أبي بكر، ثم يغلب على ظنه صدقه لأمارات اقتضت تصديقه. و كل الناس يقع لهم مثل ذلك (2).
و نقول:
ألف: إن نفس المعتزلي يقول: إن أكثر الروايات: أنه لم يرو خبر «لا نورث» غير أبي بكر، ذكر ذلك أعظم المحدثين (3).
فمن أين جاءت هذه الإمارات على الصدق. لا سيما مع تكذيب فاطمة له، و هي المطهرة بنص الكتاب العزيز، و كذلك مع إنكار علي و العباس، و غيرهما من خيار الأصحاب و أكابرهم؟ !
و لو كان لديهم أدنى احتمال بصدق الحديث-و لو بأن يحتملوا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أسر به إلى أبي بكر-لما بادروا إلى إنكاره، و استمروا على ذلك، حتى لقد توفيت الصديقة الزهراء «عليها السلام» مهاجرة له لأجل ذلك.
إن المعتزلي و غيره-و الحالة هذه-حين يصدقون حديث لا نورث، فإنهم يكونون قد طعنوا بالقرآن الذي نزه الزهراء، و عليا، و أهل البيت عليهم صلوات ربي و سلامه. .
ب: إن ما ذكر، يبقى مجرد احتمال. و يبقى احتمال أن يكون قد جارى عمر، و شهد بما لا يعلم، قائما و قويا، بعد أن كانت السلطة، التي كان عثمان أحد مؤيديها و معاضديها، تتجه نحو تثبيت دعوى أبي بكر، و زعزعة موقف آل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثالثا: قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر «رحمه اللّه» : «لو كان الذين ناشدهم عمر عالمين بما رواه أبو بكر لما تفرد أبو بكر بروايته عند منازعته فاطمة «عليها السلام» . فهل تراهم ذخروا شهادتهم لعمر، و أخفوها عن أبي بكر، و هو إليها أحوج» ؟ ! (1).
و حول تفرد أبي بكر برواية الحديث، قال ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي:
«. . إن أكثر الروايات: أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدثين. حتى إن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في
1) دلائل الصدق: ج 3 قسم 1 ص 33.
احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.
و قال شيخنا أبو علي: لا تقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة. فخالفه المتكلمون و الفقهاء كلهم، و احتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده: نحن معاشر الأنبياء لا نورث الخ. .» (1).
رابعا: قال العسقلاني-و ذكر ذلك غيره أيضا-: «و في ذلك إشكال شديد، و هو: أن أصل القصة صريح في أن العباس و عليا «عليه السلام» ، قد علما: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث؛ فإن كانا سمعاه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ ! (2)و إن كان إنما سمعاه من أبي بكر، أو في زمنه؛ بحيث أفادهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر» ؟ ! (3).
و قال العيني: «. . هذه القصة مشكلة؛ فإنهما أخذاها من عمر (رض)
1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 227 و راجع ص 245.
2) و قد طالب العباس و فاطمة أبا بكر بالميراث أيضا؛ فراجع في ذلك: صحيح البخاري ج 3 ص 12 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 24 و راجع: الصواعق المحرقة ص 37 و وفاء الوفاء ج 3 ص 996 و تاريخ المدينة ج 1 ص 197 و البداية و النهاية ج 5 ص 285 و ج 4 ص 203 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 472 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 145 و مسند أحمد ج 1 ص 10 و 4 و تلخيص الشافي ج 3 ص 131 و 132 و نهج الحق ص 360.
3) فتح الباري ج 6 ص 145 و راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 33 و راجع: حاشية السندي على صحيح البخاري، و هي مطبوعة بهامشه ج 2 ص 121 و شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224.
على الشريطة، و اعترفا بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ما تركناه صدقة؛ فما الذي بدالهما بعد ذلك حتى تخاصما» ؟ ! (1).
و بعد أن ذكر العلامة المظفر «رحمه اللّه» تعالى، ما يقرب مما ذكره العسقلاني، و أن صريح أحاديث البخاري: أن العباس، و عليا «عليه السلام» قد طلبا الميراث من عمر، مع علمهما بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لا نورث. . قال:
«. . و هو من الكذب الفظيع؛ لمنافاته لدينهما و شأنهما، و كونه من طلب المستحيل عادة؛ لأن أبا بكر قد حسم أمره، و كان أكبر أعوانه عليه عمر، فكيف يطلبان منه الميراث؟ !
و مع ذلك، فكيف دفع لهما عمر مال بني النضير؛ ليعملا به عمله، و عمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر؟ . و هما قد جاءاه يطلبان الميراث، مخالفين لعلمهما، غير مبالين بحكم اللّه و رسوله، حاشاهما؛ فيكون قدحا في عمر» (2).
و احتمال: أن يظنا بأن عمر لسوف ينقض قضاء أبي بكر. .
قد دفعه المعتزلي بقوله: «و هذا بعيد؛ لأن عليا و العباس-في هذه المسألة-يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك، ألا تراه يقول: نسبتماني و نسبتما أبا بكر إلى الظلم و الخيانة؟ .
فكيف يظنان: أنه ينقض قضاء أبي بكر، و يورثهما» ؟ ! (1).
و أجابوا عن ذلك كله بجوابين:
الأول: «كأن المراد: تسألني التصرف فيما كان نصيبك، لو كان هناك إرث» (2).
و على حد تعبير ابن كثير: «. . كأن الذي سألوه، بعد تفويض النظر إليهما-و اللّه أعلم-: هو أن يقسم بينهما النظر، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما يستحقه بالأرض، لو قدر أنه كان وارثا. .
إلى أن قال: و كان قد وقع بينهما خصومة شديدة؛ بسبب إشاعة النظر بينهما.
إلى أن قال: فكأن عمر تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث، و لو في الصورة الظاهرة، محافظة على امتثال قوله: لا نورث، ما تركناه صدقة» .
زاد العيني قوله: «فمنعهما عمر القسم؛ لئلا يجري عليها اسم الملك؛ لأن القسم يقع في الأملاك، و يتطاول الزمان؛ فيظن به الملكية» (3).
أما الهيثمي، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال: «إستباب علي
1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 230.
2) حاشية السندي على صحيح البخاري، مطبوعة بهامشه ج 2 ص 121.
3) راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 288 و عمدة القاري ج 21 ص 17 و راجع فتح الباري ج 6 ص 145، عن إسماعيل القاضي، و عن أبي داود في السنن، قال العسقلاني: و به جزم ابن الجوزي، و الشيخ محيي الدين، و تعجب العسقلاني من جزمهما هذا، فراجع.
و العباس صريح في أنهما متفقان على أنها غير إرث، و إلا. . لكان للعباس سهم، و لعلي سهم زوجته، و لم يكن للخصام بينهما وجه؛ فخصامهما إنما هو لأجل كونها صدقة، و كل منهما يريد أن يتولاها؛ فأصلح بينهما عمر (رض) ، و أعطاها لهما الخ. .» (1).
و قال إسماعيل القاضي: إنما تنازعا-يعني عند عمر-في ولاية الصدقة، و في صرفها كيف تصرف (2).
الثاني: ما أجاب به العسقلاني بقوله: «إن كلا من علي و فاطمة و العباس اعتقد: أن عموم قوله لا نورث، مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض، و لذلك نسب عمر إلى علي و العباس: أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك» (3).
و نقول:
إن ذلك لا يصح، أما بالنسبة لما عدا الجواب الأخير، فلما يلي:
ألف: إننا نقول: لو صح ما ذكروه لكان عمر اقتصر على ذكر هذا المعنى و لم يكن بحاجة إلى المناشدة المذكورة، و الاستدلال على عدم كونها إرثا بحديث لا نورث.
ب: قال العسقلاني: «لكن في رواية النسائي، و عمر بن شبة (4)، من
طريق أبي البخترى، ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، و لفظه في آخره: ثم جئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، و يقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، و اللّه، لا أقضي بينكما إلا بذلك، أي إلا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية. و كذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس نحوه» .
ثم ذكر دعوى أبي داود: أنهما أرادا من عمر أن يقسمها بينهما للانفراد بالنظر فيما يتوليان، و أن أكثر الشراح اقتصروا عليه و استحسنوه ثم تنظر فيه بما تقدم.
ثم إنه بعد ذلك تعجب من ابن الجوزي و من الشيخ محيي الدين، لجزمهما بأن عليا و العباس لم يطلبا إلا قسمة النظر و الولاية. . مع أن السياق صريح في أنهما جاءاه مرتين في طلب شيء واحد، ثم اعتذر بأنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون اللفظ الوارد في البخاري (1).
ج: إن العم لا يرث مع وجود البنت لبطلان التعصيب، كما سيأتي.
د: قول ابن كثير: إنه كان قد وقع بين علي و العباس خصومة شديدة، بسبب إشاعة النظر بينهما محض رجم بالغيب، إذ ليس في الرواية ما يدل على أن سبب الخصومة هو ذلك، و لا حدثنا التاريخ بشيء عن السبب المذكور. بل الأمر على العكس كما تقدم عن العسقلاني.
ه: لم نفهم معنى لهذا التحرج المدعى من قبل عمر، فإنه إذا كان الأنبياء لا يورثون، فإن قسمة النظر بينهما لا تخالف حديث لا نورث-إن
1) فتح الباري ج 6 ص 145.
صح-لا في الظاهر و لا في الباطن، و إذا كان حديث لا نورث باطلا، و كانوا يورثون، فمخالفة الحديث لا ضير فيها و لا حرج.
و: لم نفهم لماذا لا تصح القسمة إلا في الأملاك-كما ذكره العيني- و كيف غفل علي و العباس عن ذلك، و كيف لم يقل لهما عمر، و لا أحد ممن حضر الخصومة: إن القسمة لا تقع في الأملاك؟ ! .
ز: لم نفهم كيف أصبح استباب علي و العباس دليلا على كون أرض بني النضير ليست إرثا؟ أليس الإرث يحتاج إلى القسمة، و قد يقع الخلاف في هذا القسم أو ذاك؟ ! فلعل أحدهما يريد هذه القطعة، و ذاك يريدها أيضا، فيقع الخصام، و يحتاج إلى الفصل بينهما، و إراحة كل منهما من الآخر.
و أما بالنسبة لجواب العسقلاني، فإننا نقول:
ألف: قد صرح المعتزلي الشافعي: بأن خبر أبي بكر يمنع من الإرث مطلقا، قليلا كان أو كثيرا، و لا سيما مع إضافة كلمة: «ما تركناه صدقة» .
و أضاف: «فإن قال قائل: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا، و لا فضة، و لا أرضا، و لا عقارا، و لا دارا. .
قيل: هذا الكلام يفهم من مضمونه: أنهم لا يورثون شيئا أصلا، لأن عادة العرب جارية بمثل ذلك. و ليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئا ما على الإطلاق» (1).
و إن كان لنا تحفظ على إضافته المذكورة، فإن ظاهر قوله: نحن معاشر
1) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224.
الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة الخ. . أنهم ما جاؤوا لأجل جمع حطام الدنيا لأنفسهم، و ليورثوه أبناءهم، و إنما هم زهاد تاركون للدنيا، و لا يجمعون ذهبا و لا فضة ليقع في ميراثهم لمن بعدهم.
ب: قول العسقلاني: إن اعتقاد علي و العباس ظلم من خالفهما يدل على اعتقادهما باختصاص حديث لا نورث ببعض الأموال دون بعض. . لا يصح، إذ كما يمكن أن يكون ذلك لأجل اعتقادهما بما ذكر، كذلك يمكن أن يكون لأجل اعتقادهما بعدم صحة أصل الحديث، و أنه مجعول و مختلق.
و هذا الثاني هو الصحيح؛ لإنكار علي «عليه السلام» ، و فاطمة «عليها السلام» ، و العباس «رحمه اللّه» هذا الحديث من الأساس، و مطالبتهم بتركة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما هو ظاهر لا يخفى.
خامسا: إن العم لا يرث مع وجود البنت، كما هو الحق الذي لا محيص عنه، و إنما ترث البنت الواحدة نصف التركة بالفرض، و النصف الباقي بالرد عليها، و التعصيب يعني توريث العصبة النصف-كالعم-مع البنت، باطل و لا يصح، و قد استدل العلماء على بطلانه بما لا مزيد عليه؛ فليراجع في مظانه (1).
و يبدو: أن توريث العلم-مع البنت الذي هو من التعصيب الباطل- قد نشأ عن إرادة تقوية موقف أبي بكر، و إضعاف موقف فاطمة و علي
1) راجع: جواهر الكلام ج 39 ص 99-105، و تلخيص الشافي ج 1 هامش ص 254-259 و نهج الحق ص 515 و اللمعة الدمشقية ج 8 ص 79 و 80 و الحدائق الناضرة (كتاب المواريث) ص 49-55 و أي كتاب فقهي للشيعة الإمامية تعرض فيه لمسائل الإرث.
«عليهما الصلاة و السلام» .
و يرد هنا سؤال، و هو: أنه إذا كان العباس لا يرث؛ فلما ذا شارك في المطالبة بإرث النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أبي بكر، ثم من عمر؟ ! .
و أجاب السيد ابن طاووس: بأن هذه المطالبة، بل و حتى إظهار الخصومة مع علي في ذلك عند عمر، قد كان لأجل مساعدة علي و فاطمة «عليهما السلام» ، و قطع حجة أبي بكر، و إقامة الحجة على عمر في ذلك. ثم ذكر ابن طاووس هنا قصة الجارية التي قالت للرشيد العباسي: إن عليا «عليه السلام» و العباس كانا في هذه القضية كالملكين، اللذين تحاكما إلى داود في الغنم، حيث أرادا تعريفه وجه الحكم؛ فكذلك أراد علي و العباس تعريف أبي بكر و عمر: أنهما ظالمان لهما بمنع ميراث نبيهما (1).
و قد يجاب عن ذلك: بأن العباس كان يظن في ظاهر الحال أنه يرث النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمومته له، و كان علي «عليه السلام» يرفض ذلك، على اعتبار أن العم لا يرث، فترافعا إلى عمر على هذا النحو ليقيما الحجة عليه.
سادسا: قال الشيخ المظفر «رحمه اللّه» : «إن أمير المؤمنين لو سمع ذلك؛ أي حديث: لا نورث الخ. . فلم ترك بضعة الرسول أن تطالب بما لا حق لها فيه؟ ! أأخفى ذلك عنها راضيا بأن تغصب مال المسلمين؟ ! أو أعلمها فلم
1) راجع: الطرائف ص 283-285.
تبال؟ ! وعدت على ما ليس لها فيه حق! فيكون الكتاب كاذبا، أو غالطا بشهادته لهما بالطهارة، فلا مندوحة لمن صدق اللّه، و كتابه، و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول بكذب هذه الأحاديث» (1).
و قال المعتزلي: «. . و هل يجوز أن يقال: إن عليا كان يعلم ذلك، و يمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ ! خرجت من دارها، و نازعت أبا بكر، و كلمته بما كلمته إلا بقوله، و إذنه و رأيه» ! (2).
سابعا: قال المظفر و المعتزلي: «إن أمير المؤمنين «عليه السلام» و العباس، لو كانا سمعا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما رواه أبو بكر، حتى أقرا به لعمر؛ فكيف يقول لهما عمر: -كما في حديث مسلم-: رأيتما أبا بكر كاذبا، آثما، غادرا، خائنا، و رأيتماني آثما، غادرا، خائنا» (3).
ثامنا: قال العلامة الحلي ما حاصله: إن عمر بن الخطاب قد أخبر: أن عليا و العباس يعتقدان فيه و في أبي بكر بأنهما: كاذبان آثمان غادران خائنان، فإن كان ذلك حقا، فهما لا يصلحان للخلافة، و إن كان كذبا، لزمه تطرق الذم إلى علي و العباس، لاعتقادهما في أبي بكر، و عمر ما ليس فيهما؛ فكيف استصلحوا عليا «عليه السلام» للخلافة؟ مع أن اللّه قد نزهه عن الكذب و الزور و طهره.
و إن كان عمر قد نسب إلى العباس و علي «عليه السلام» شيئا لا
يعلمانه، لزمه تطرق الذم إلى عمر نفسه، لأنه يفتري عليهما، و ينسب إليهما ما لا يعتقدانه.
مع أن البخاري و مسلما ذكرا في صحيحيهما: أن قول عمر هذا لعلي و العباس، قد كان بمحضر مالك بن أوس، و عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و الزبير و سعد. و لم يعتذر أمير المؤمنين عن هذا الاعتقاد الذي نسب إليهما، و لا أحد من الحاضرين اعتذر لأبي بكر و عمر (1).
و أجاب البعض عن ذلك: بأنه قد جاء على لسان عمر على سبيل الفرض و التقدير، و الزعم؛ فإن الحاكم إذا حكم بخلاف ما يرضي الخصم، يقول له: تحسبني ظالما و لست كذلك، و لذلك لم يعتذر علي «عليه السلام» و لا العباس و لا غيرهما ممن حضر (2).
ورد عليه العلامة المظفر «رحمه اللّه» : بأن هذا مضحك، إذ كيف لا يكون على سبيل الحقيقة، و هما إنما يتنازعان عند عمر في ميراث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد سبق رواية أبي بكر و حكمه؟ فإن هذا النزاع بينهما لا يتم إلا بتكذيبهما لأبي بكر في حديثه، و حكمهما عليه بأنه آثم غادر خائن على وجه يعلمان: أن عمر عالم بكذب حديث أبي بكر، و أن موافقته له في السابق كان لسياسة دعته إلى الموافقة، و لو لم يكونا عالمين بأن عمر عالم بكذب حديث أبي بكر، لم يصح ترافعهما إلى عمر من جديد (3).
تاسعا: إن من المعلوم: أن الحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفعوا الحجر إلى زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» (1). كما أن خلفاء بني العباس قد تداولوا البردة و القضيب (2).
و قد قال ابن المعتز مخاطبا العلويين:
و نحن ورثنا ثياب النبيفلم تجذبون بأهدابها
لكم رحم يا بني بنتهو لكن بنو العم أولى بها (3)
فأجابه الصفي الحلي بقوله:
و قلت ورثنا ثياب النبيفكم تجذبون بأهدابها
و عندك لا يورث الأنبياءفكيف حظيتم بأثوابها (4)
و قال الشريف الرضي «رحمه اللّه» :
ردوا تراث محمد ردواليس القضيب لكم و لا البرد (5)
كما أنهم دفعوا آلته و بغلته و حذاءه و خاتمه و قضيبه إلى علي «عليه
1) راجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 129 و 130 و دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 129 و نهج الحق ص 366.
2) تلخيص الشافي ج 3 ص 147 و 148.
3) ديوان ابن المعتز ص 29 و راجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش و الغدير ج 6 ص 52.
4) راجع: ديوان الصفي الحلي و راجع تلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش و الغدير ج 6 ص 53.
5) ديوان الشريف الرضي ج 1 ص 407 و تلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش.
الصلاة و السلام» (1).
و عليه فيرد ما أورده المعتزلي الشافعي هنا حيث قال: «إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يورث؛ فقد أشكل دفع آلته و دابته، و حذائه إلى علي «عليه السلام» ، لأنه غير وارث في الأصل، و إن كان إعطاؤه ذلك لأن زوجته بعرضة أن ترث لو لا الخبر، فهو أيضا غير جائز؛ لأن الخبر قد منع أن يرث منه شيئا، قليلا كان أو كثيرا» .
(ثم ذكر ما تقدم عنه آنفا حين الجواب على ما ذكره العسقلاني، الذي ادّعى: أن عليا «عليه السلام» و العباس توهما: أن «لا نورث» ليست عامة) .
ثم قال: «. . فإنه جاء في خبر الدابة و الآلة، و الحذاء: أنه روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لا نورث، ما تركناه صدقة» ، و لم يقل: «لا نورث كذا و كذا» و ذلك يقضي عموم انتفاء الإرث عن كل شيء» (2).
عاشرا: لقد قال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أأنت ورثت رسول اللّه أم أهله؟ ! .
فقال: لا بل أهله.
فقالت: فأين سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
فقال أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول:
«إن اللّه إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده» .
فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت و ما سمعت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
فنلاحظ: أن الخليفة يعترف بأن أهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرثونه.
و ذلك يكذب دعوى: أن الأنبياء لا يورثون (2). و لكنه عاد فادّعى أنه يعود إليه لأنه قام بعد الرسول.
و لعل قول فاطمة «عليها السلام» أخيرا: فأنت و ما سمعت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ظاهر في أنها تشك في صحة الحديث، و أرجعت الأمر إلى اللّه سبحانه ليحكم في هذا الأمر.
و لنا أن نحتمل: أن السلطة قد سارت في موضوع إرث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بخطوات تراتبية تصعيدية، و ربما تكون هذه القضية للزهراء «عليها السلام» مع أبي بكر من الخطوات في هذا الاتجاه، ثم تلاها غيرها إلى أن انتهوا إلى إنكار إرثها «عليها السلام» من الأساس.
حادي عشر: قد اعترض ابن طاووس على دعوى: أن عليا «عليه
السلام» قد غلب العباس على أرض بني النضير، و قال: إن ذلك غير صحيح.
«لاستمرار يد علي «عليه السلام» و ولده على صدقات نبيهم، و ترك منازعة بني العباس لهم، مع أن العباس ما كان ضعيفا عن منازعة علي، و لا كان أولاد العباس ضعفاء عن المنازعة لأولاد علي في الصدقات المذكورة» .
ثم ذكر «رحمه اللّه» روايتين عن قثم و عن عبد اللّه ابني عباس، يقرّان فيها: أن الحق في إرث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» (1).
و يجب أن لا ننسى مدى حرص الحكام على كسر شوكة علي «عليه السلام» ، و إبطال قوله و قول أهل بيته «عليهم السلام» ، سواء في ذلك أولئك الذين استولوا على تركة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو الذين أتوا بعدهم من الأمويين أو العباسيين.
ثاني عشر: قال العلامة: «كيف يجوز لأبي بكر أن يقول: أنا ولي رسول اللّه، و كذا لعمر، مع أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مات و قد جعلهما من جملة رعايا أسامة بن زيد» (2).
و أجاب البعض: أن المراد بالولي: من تولى الخلافة، فإنه يصبح المتصرف في أمور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعده، و تأمير أسامة عليهما لا يجعلهما من رعاياه، بل هم جميعا من رعايا النبي «صلى اللّه عليه
و آله» (1).
و هو جواب لا يصح: فقد قال الشيخ محمد حسن المظفر «رحمه اللّه» ، ما حاصله: إن الولي للشخص هو المتصرف في أموره؛ لسلطانه عليه و لو في الجملة، كالمتصرف في أمور الطفل و الغائب. و لا يصدق على الوكيل أنه ولي، مع أنه متصرف في أموره. فلا أقل من أن ذلك إساءة أدب معه «صلى اللّه عليه و آله» و لو سلم اعتبار السلطنة في معنى الولي فدعواهما أنها وليا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غير صحيحة، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستصلحهما حين وفاته إلا لأن يكونا في جملة رعايا أسامة، فكيف صلحا بعده للإمامة على الناس عامة و منهم أسامة؟
على أن إضافة الولي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من دون اعتبار السلطنة في معنى الولي، تقتضي ظاهرا: أن تكون الولاية مجعولة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنها من إضافة الصفة إلى الفاعل، لا إلى المفعول، و ذلك باطل بالاتفاق، و إنكار إطلاق الرعية على مثل تأمير أسامة في غير محله (2).
ثالث عشر: قال العلامة الحلي ما حاصله: كيف استجاز عمر أن يعبر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للعباس: تطلب ميراثك من ابن أخيك، مع أن اللّه تعالى يخاطبه بصفاته، مثل يا أيها الرسول، يا أيها النبي، و لم يذكره باسمه إلا في أربعة مواضع شهد له فيها بالرسالة لضرورة تخصيصه و تعيينه. .
و قد قال اللّه تعالى: لاٰ تَجْعَلُوا دُعٰاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعٰاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. . (1).
ثم عبر عمر عن ابنته مع عظم شأنها و شرف منزلتها بقوله: يطلب ميراث امرأته (2).
أضف إلى ذلك: أنه عبر عن أمير المؤمنين «عليه السلام» باسم الإشارة، فقال: «هذا» .
و أجاب البعض:
بأنه: «إنما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث كيف يقسم أن لو كان هناك ميراث، لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام» (3).
و قال آخر: هذا القول من عمر قد جاء على طريق محاورات العرب، و هو يتضمن ذكر علة طلب الميراث، و هو كونه ابن أخيه، و ليس فيه إساءة أدب، و عمر لم يذكر النبي باسمه. .
و بالنسبة للزهراء، فإن الأولى ترك ذكر النساء بأسمائهن في محضر الرجال، فهو متأدب في ترك ذكر اسمها، لا مسيء للأدب بذلك (4).
و لكنها أجوبة لا تصح: فقد قال العلامة المظفر «رحمه اللّه» تعالى، ما
حاصله: إن محاورات العرب إذا اقتضت التوهين برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا بد من تركها، فإنه لا يصح ترك أدب القرآن، و العمل بآداب الأعراب، و أهل الجاهلية. .
و بالنسبة إلى علة الميراث، فإنه لا حاجة إلى ذكرها، و ترك الأدب مع الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . فهل لم يكن علي «عليه السلام» و العباس «رحمه اللّه» أو أحد من الحضور يعلم هذه العلة؟ ! .
هذا. . بالإضافة إلى أنه كان يمكنه ذكر علة الميراث، و مراعاة الأدب معه «صلى اللّه عليه و آله» في آن واحد.
و بالنسبة إلى أن عمر لم يذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» باسمه الشريف، فإن المقصود: أن تكريمه «صلى اللّه عليه و آله» مطلوب، و ليس في عبارته ذلك، و قد قال تعالى: لاٰ تَجْعَلُوا دُعٰاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعٰاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. . .
كما أن تعبيره ب «امرأته» ليس فيه علة الميراث التي هي بنوّتها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و قد كان يمكنه احترام الزهراء «عليها السلام» بذكر بعض ألقابها. و عدم ذكر النساء بأسمائهن لا يحل المشكلة، فقد كان يمكنه تجنب اسمها «عليها السلام» ، و ذكرها ببعض ألقابها المادحة لها (1).
قال العقيلي: «سمعت علي بن عبد اللّه بن المبارك الصنعاني يقول: كان
1) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 127.
زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق، فأكثر عنه، ثم خرق كتبه، و لزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك، فقال: كنا عند عبد الرزاق، فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان الحديث الطويل؛ فلما قرأ قول عمر لعلي و العباس: «فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، و جاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها» .
قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ألا يقول: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .
قال زيد بن المبارك: فقمت، فلم أعد إليه، و لا أروي عنه.
قال الذهبي: «لا اعتراض على الفاروق (رض) فيها، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات» (1).
و قال: «إن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة و البنوة، و إلا. . فعمر (رض) أعلم بحق المصطفى و بتوقيره «صلى اللّه عليه و آله» و تعظيمه من كل متحذلق متنطع.
بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل-عفا اللّه عنه-كيف يقول عن عمر هذا، و لا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق» ؟ ! (2).
و نقول:
1-إن بيان العمومة و البنوة ليس ضروريا هنا، و ذلك لوضوحهما لكل أحد.
2-إن بيانهما و التكلم بلسان قسمة التركات لا يمنع من الإتيان بعبارة تفيد توقير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و احترامه.
3-إن التكلم بلسان قسمة التركات في غير محله، لأن العباس لا يرث؛ لبطلان التعصيب. .
4-إذا صح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يورث، فلا حاجة إلى التحدث بلسان قسمة التركات، لا سيما و أن المطلوب-حسب ما يدّعون- هو قسمة النظر، كما تقدم، و تقدم بطلانه. .
5-إن زيد بن المبارك لا يعود إلى عبد الرزاق، لأنه رآه ينتصر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينتقد عمر على عدم توقيره للنبي «صلى اللّه عليه و آله» . و هذا من ابن المبارك عجيب! ! و عجيب جدا! !
6-إن الذهبي، و غيره يغضبون لعمر، و يشتمون عبد الرزاق لتوهينه عمر، و لا يغضبون لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يقبلون حتى بانتقاد من يتصدى لإهانته «صلى اللّه عليه و آله» .
7-إنهم يطلبون من عبد الرزاق أن يذكر عمر بألقابه، و لا يطلبون من عمر أن يذكر النبي بألقابه التي شرّفه اللّه تعالى بها. . فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.
و بعد. . فإن إلقاء نظرة فاحصة على حياة فاطمة الزهراء «عليها
السلام» ، تعطينا: أنها «صلوات اللّه و سلامه عليها» ، لم تتغير حياتها-بعد فتح بني النضير و خيبر، و ملكها فدكا و غيرها-عما كانت عليه قبل ذلك، رغم غلتها الكثيرة و الوافرة، فهي لم تعمر الدور، و لم تبن القصور، و لا لبست الحرير و الديباج، و لا اقتنت النفائس، و لا احتفظت لنفسها بشيء. و هكذا كانت حال زوجها علي «عليه الصلاة و السلام» رغم توفر الأموال له.
بينما نجد: أن بعض أولئك الذين استفادوا من أموال بني النضير و غيرها قد خلفوا من الذهب و الفضة ما يكسر بالفؤوس، و يكفي أن نذكر هنا:
1-أن الزبير بن العوام بنى داره المشهورة بالبصرة، و فيها الأسواق، و التجارات، و بنى دورا في الكوفة، و مصر، و الإسكندرية، و بلغ ثمن ماله خمسين ألف دينار، و ترك ألف فرس، و ألف مملوك، و خططا بمصر و الإسكندرية، و الكوفة و البصرة (1).
و قالوا: كان للزبير خمسون مليونا و مئتا ألف.
و قيل: بل مجموع ماله سبعة و خمسون مليونا و ست مئة ألف (2).
2-أما عبد الرحمن بن عوف: فقد كان له ألف بعير، و عشرة آلاف
1) مشاكلة الناس لزمانهم ص 13 و حديث الألف مملوك موجود أيضا في: ربيع الأبرار ج 1 ص 830 و راجع: حياة الصحابة ج 2 ص 242 و حلية الأولياء ج 1 ص 90 و جامع بيان العلم ج 2 ص 17 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 345 و راجع: التراتب الإدارية ج 2 ص 397-404 و 24-29.
2) راجع: حياة الصحابة ج 2 ص 244 و البداية و النهاية ج 7 ص 249.
شاة، و مائة فرس، و صولحت إحدى نسائه على ربع ثمن ماله بأربعة و ثمانين ألف دينار (1).
و عن أم سلمة: أن عبد الرحمن بن عوف دخل عليها، فقال: يا أمه، قد خفت أن تهلكني كثرة مالي، و أنا أكثر قريش مالا الخ. . (2).
و حينما مات ابن عوف جيء بتركته إلى مجلس عثمان؛ فحالت البدر بين عثمان و بين الرجل القائم في الجهة الأخرى. و في هذه المناسبة ضرب أبو ذر كعب الأحبار بالعصا على رأسه فكانت النتيجة هي نفي أبي ذر (3).
و بعد إخراج وصاياه كلها، فإنه قد ترك مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس، حتى مجلت أيدي الرجال (4).
3-إن عمر بن الخطاب الذي استفاد هو الآخر من أموال بني النضير و غيرها، كان أيضا يملك ثروة هائلة في أيام خلافته، بل هو يدّعي: أنه كان في مكة من أكثر قريش مالا كما ذكره ابن هشام، حين الحديث عن هجرته
1) راجع: البداية و النهاية ج 7 ص 164 و مشاكلة الناس لزمانهم ص 14 و حديث ربع الثمن هذا موجود في جامع بيان العلم ج 2 ص 16 و 17.
2) كشف الأستار ج 3 ص 172 و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 72 و قال: رجاله رجال الصحيح.
3) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 و مسند أحمد ج 1 ص 63 و حلية الأولياء ج 1 ص 160.
4) البداية و النهاية ج 7 ص 164 و راجع في مقدار تركته مآثر الإنافة ج 1 ص 96 و هناك تفاصيل عجيبة ذكرها في التراتيب الإدارية ج 2 ص 397 حتى ص 405 و 24-29.
هو و عياش بن أبي ربيعة، فقد أصدق إحدى زوجاته أربعين ألف دينار أو درهم (1).
و قيل: عشرة آلاف. و أعطى صهرا له قدم عليه من مكة عشرة آلاف درهم من صلب ماله (2).
كما أن: «ابنا لعمر باع ميراثه من ابن عمر (3)بمائة ألف درهم» (4).
و في نص آخر: أن ثلث مال عمر كان أربعين ألفا، أوصى بها. و إن كان الحسن البصري قد استبعد ذلك، و احتمل أن يكون قد أوصى بأربعين ألفا فأجازوها (5).
لقد كان هذا في وقت كان يعيش الناس فيه أقسى حياة تمر على إنسان، حتى إن بعضهم لم يكن يملك سوى رقعتين، يستر بإحداهما فرجه، و بالأخرى
1) راجع: الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 55، و البحر الزخار ج 4 ص 100 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 405.
2) طبقات ابن سعد ج 3 ص 219 و الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 390، و حياة الصحابة ج 2 ص 256 عن ابن سعد، و عن كنز العمال ج 2 ص 317، و عن ابن جرير، و ابن عساكر.
3) لعل الصحيح: من عمر؛ و ذلك لأن المفروض: أن الوارث هو ابن عمر، فالمورث لا بد أن يكون هو عمر نفسه. و احتمال أن يكون المراد بابن عمر هو عبد اللّه، و يكون أحد أبناء عمر قد باع ميراثه من أبيه إلى أخيه عبد اللّه بمائة الف، هذا الاحتمال بعيد عن مساق الكلام و قد كان ينبغي إلفات النظر إلى ذلك مع العلم بأن هذا الاحتمال، لا يضر بما نريد أن نستفيده من هذا النص، و ذلك ظاهر.
4) جامع بيان العلم ج 2 ص 17.
5) المصدر السابق.
دبره (1).
فهؤلاء يجمعون الأموال، و يتنعمون بها، ثم يرثها عنهم أبناؤهم و زوجاتهم، ليكون لها نفس المصير أيضا.
و في المقابل، فإن عليا أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» ، الذي وقف على الحجاج مائة عين استنبطها في ينبع (2)،
يروى عنه: أن صدقات أمواله قد بلغت في السنة أربعين ألف دينار (3).
1) المصنف لعبد الرزاق ج 6 ص 367 و راجع: ص 268 و السنن الكبرى ج 7 ص 209.
2) أصول مالكيت ج 2 ص 79 عن المناقب ج 2 ص 123 و راجع: البحار ج 41 ص 32 و راجع حول ثورته «عليه السلام» أيضا ج 41 ص 125 ففيه قصة طريفة حول هذا الموضوع و راجع: الوسائل ج 12 ص 225.
3) راجع: كشف المحجة ص 134 و البحار ج 41 ص 26 و 43 و أنساب الأشراف ج 2 ص 117 و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 560 و مسند أحمد ج 1 ص 159 و ينابيع المودة ص 372 عن فصل الخطاب لخواجة پارسا و أسد الغابة ج 4 ص 23 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 199 و مجمع الزوائد ج 9 ص 123 و التراتيب الإدارية، ج 1 ص 407 و تهذيب الأسماء ج 1 ص 346 و صيد الخاطر ص 26 و ملحقات إحقاق الحق ج 8 ص 574 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 72 و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 450 و 451 و حلية الأولياء ج 1 ص 86 و كنز العمال ج 15 ص 159 عن أحمد و أبي نعيم و الدورقي، و الضياء في المختارة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 207. و الرياض النضرة ج 4 ص 208 و عن أرجح المطالب ص 166 و عن ربيع الأبرار و راجع: أصول مالكيت (فارسي) للأحمدي ج 2 ص 74.
و كانت صدقاته هذه كافية لبني هاشم جميعا (1)، إن لم نقل إنها تكفي أمة كبيرة من الناس من غيرهم، إذا لاحظنا أن ثلاثين درهما كانت كافية لشراء جارية للخدمة، كما قاله معاوية لعقيل. و كان الدرهم يكفي لشراء حاجات كثيرة بسبب قلة الأموال حينئذ، و لغير ذلك من أسباب. .
نعم. . إننا نجد عليا «عليه السلام» لم يلبس ثوبا جديدا، و لم يتخذ ضيعة، و لم يعقد على مال، إلا ما كان بينبع، و البغيبغة، مما يتصدق به» (2).
كما أنه لم يترك حين وفاته سوى سبع مائة درهم أراد أن يشتري بها خادما لأهله (3). و قد أمر برد هذه السبع مائة درهم إلى بيت المال بعد وفاته، كما ذكره الإمام الحسن «عليه السلام» في خطبته (4)آنئذ، و عاش و مات، و ما بنى لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة (5).
و باع سيفه و قال: «لو كان عندي ثمن عشاء-أو إزار-ما بعته» (6).
1) كشف المحجة ص 124 و البحار ج 41 ص 26.
2) مشاكلة الناس لزمانهم ص 15.
3) البحار ج 40 ص 340 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 و ينابيع المودة ص 208 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 162 و الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 146 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 48 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 207.
4) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 146.
5) تهذيب الأسماء ج 2 ص 346 و أسد الغابة ج 4 ص 24 و المناقب للخوارزمي ص 70 و البداية و النهاية ج 8 ص 55 و البحار ج 40 ص 322.
6) كشف المحجة ص 124 و راجع: أصول مالكيت ج 2 ص 78-98 عن مصادر كثيرة و البحار ج 41 ص 324.
و يقول عنه معاوية: «و اللّه، لو كان له بيتان، بيت تبن و بيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه» (1).
و كان مصير تلك الأراضي و الأموال و الأملاك، أنه «عليه السلام» تصدق بها، و وقفها على المسلمين، و لم يبق منها شيء حين وفاته «صلوات اللّه و سلامه عليه» (2)، كما هو صريح خطبة ولده السبط حين توفي والده.
و قد قال «عليه السلام» : أنا الذي أهنت الدنيا (3). و قد كان من أهم أسباب انصراف العرب عن علي «عليه السلام» سيرته في المال، حيث لم يكن يحابي أحدا في هذا الأمر (4).
و كذلك كان حال زوجته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء «عليها صلوات ربي و سلامه» ؛ فإنها لم تزل تتصدق بغلة فدك و غيرها، و تنفق الأموال في سبيل اللّه سبحانه، لتعيش هي «عليها السلام» حياة الزهد، و العزوف عن الدنيا، و عن زبارجها و بهارجها.
و حتى هذه الموقوفات و الصدقات؛ فإنها لم تسلم من الظلم و الظالمين، فقد استولى الحكام عليها، و منعوا من استمرار إنفاقها في سبيل اللّه، و من
1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين للحلي ص 475 و كشف الغمة ج 2 ص 47 و ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 58 و 60.
2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 و كشف المحجة ص 126 و البحار ج 4 ص 340.
3) ترجمة الإمام علي (لابن عساكر) بتحقيق المحمودي ج 3 ص 202 و حياة الصحابة ج 2 ص 310 و البداية و النهاية ج 8 ص 5.
4) البحار ج 41 ص 133 عن المعتزلي في شرح نهج البلاغة.
انتفاع الفقراء و المحتاجين بها، و لتصبح بأيدي خصماء أهل البيت من بني أمية، الذين كانوا يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع، على حد تعبير علي «عليه السلام» في خطبته الشقشقية المذكورة في نهج البلاغة.
و كلمة أخيرة نود تسجيلها هنا، و هي: أن بعض الناس يرى في الزهد معنى غير واقعي، و لا سليم.
فيرى: أن الزهد هو: أن يلبس الإنسان الخشن، و يأكل من فضول طعام الناس، و يتخلى عن كل شؤون الحياة، فلا يعمل، و لا يسعى، و لا يكد على عياله، و لا يملك شيئا من حطام الدنيا. . و ذلك لأن عمله، و حصوله على المال إنما يعني: أنه يحب الدنيا، و ليس ذلك من الزهد في شيء.
و إذا كان لا مال لديه، فلا يكون مكلفا بشيء، و لا يتحمل أية مسؤولية مالية، لا تجاه نفسه، و لا تجاه غيره.
و نقول:
إن هذا الفهم للزهد، غير مقبول في الإسلام، بل هو خطأ كبير و خطير، فإن الحصول على المال لا ينافي الزهد ما دام يضعه في مواضعه التي يريدها اللّه، فقد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: نعم المال الصالح للرجل الصالح (1).
فالإسلام يقول: إنك إذا استطعت أن تحصل على المال لتوظفه في قضاء
1) جامع بيان العلم ج 2 ص 16 و مسند أحمد ج 4 ص 197 و 202.
حاجات المؤمنين، و ليكون وسيلة لإحياء الدين، و نشر تعاليمه، و يكون قوة على الأعداء، و سببا في دفع البلاء، فإن ذلك لازم إن لم يكن واجبا شرعيا، يعاقب اللّه على تركه، و على عدم التقيد به. .
غاية الأمر: أنه يقول: لا يجوز أن يتحول هذا المال إلى إله يعبد، و إلى سيد يطاع، و إلى مالك لرقبة صاحبه، فإنه:
«ليس الزهد أن لا تملك شيئا، ولكن الزهد أن لا يملكك شيء» .
و التعبير عن الزهد بأنه حرية و انعتاق قد ورد عنهم «عليهم الصلاة و السلام» فلتراجع كتب الحديث و الرواية (1).
و هذا بالذات هو المنهج الذي سار عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي ملك الفيء و الخمس و غير ذلك، و لكنه لم يصبح مملوكا لما ملكه. . و كذلك الحال بالنسبة إلى بضعته الصديقة الطاهرة، و علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و الأئمة الطاهرين من ولده صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين. .
إن مطالبة علي «عليه السلام» بأموال بني النضير، و مطالبة الزهراء «عليها السلام» بفدك، و بسهمها بخيبر، و بسهمها من الخمس، و بإرثها أيضا من أبيها الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . . و إصرارها على تحدي السلطة في إجراءاتها الظالمة ثم مغاضبتها للغاصبين حتى توفيت، حيث أوصت أن تدفن ليلا-إن ذلك كله-لا يمكن تفسيره على أنه رغبة في حطام الدنيا، و حب
1) راجع: ميزان الحكمة ج 4 ص 263 عن غرر الحكم.
للحصول على المال. . فإن حياتها و هي الصديقة الطاهرة، و الزاهدة، و الفانية في اللّه، حتى إنها كانت تقوم الليل حتى تورمت قدماها. .
و كذلك ما شاع و ذاع حول كيفية تعاملها مع الأموال التي كانت تحصل عليها من فدك و غيرها، و كيف كانت تصرفها-إن ذلك-لخير دليل على ما نقول، و أوضح شاهد عليه.
و هذا بالذات هو ما يجعلنا نتساءل عن السر الكامن وراء تلك المطالبة، و ذلك الإصرار. و لعلنا نستطيع أن نفسر ذلك بما يلي:
1-إن نفس الانتصار للحق، و تأكيده، و رفض الباطل و إدانته أمر مهم و مطلوب و محبوب، و هو من القيم و المثل التي لا بد من الالتزام بها و التأكيد عليها، في مختلف الظروف و الأحوال.
2-إن في موقف فاطمة الزهراء «عليها السلام» في وقت لا يزال فيه الإسلام طري العود، و يمكن أن يصبح فيه السكوت على الانحراف سببا في قبول الناس له على أنه أمر لا يتنافى مع أحكام الشرع و الدين-إن في هذا الموقف-حفاظا على مبادئ الإسلام، و على قوانينه و أحكامه، و صيانة له عن الفهم الخاطئ و عن التحريف. .
3-إن فاطمة «عليها السلام» بموقفها هذا قد أفهمت كل أحد: أنه لا بد من قول الحق، و إطلاق كلمة «لا» في وجه الحاكم، و أنه ليس في منأى عن الحساب و العتاب و العقاب، و أن الانحراف مرفوض من كل أحد حتى من الحاكم، و ليس هو فوق القانون، بل هو حام للقانون، و مدافع عنه، و أن سلطته و حكمه ليس امتيازا له يصول به على الآخرين، و يستطيل به عليهم، و إنما هو مسؤولية، لا بد أن يطالب هو قبل كل أحد بالقيام بها،
و بالالتزام بما يفرض الشرع عليه الالتزام به في نطاقها. .
4-إن الاعتراض حيث لا بد منه حتى على الحاكم، مهما كان قويا و عاتيا، هو مسؤولية كل أحد حتى النساء بالمقدار الذي يمكن، و لا يختص ذلك بالرجال.
5-إن التصدي للمطالبة بالحق و تسجيل الموقف، لا يجب أن ينحصر في صورة العلم بإمكان الحصول على ذلك الحق، أو احتمال ذلك. بل إن ذلك قد يجب حتى مع العلم بعدم إمكان الحصول على شيء. فإن فاطمة «عليها السلام» كانت تعلم بأن مطالبتها لن تجدي شيئا في إرجاع ما اغتصب منها إليها، و لكنها مع ذلك قد سجلت موقفا حاسما و أدانت الانحراف، و تصدت له، و ماتت و هي مهاجرة و غاضبة على أولئك الذين أخذوا حقها، و استأثروا به دونها.
و حتى حين طلب منها أمير المؤمنين أن تستقبلهما، فإنها لم تجب بالقبول، بل قالت له «عليه السلام» : البيت بيتك، و الحرة زوجتك، افعل ما تشاء.
فدخلا عليها، و حاولا استرضاءها و بكيا لديها، و لكنها فضحت خطتهما، و أوضحت لهما، من خلال حملها إياهما على الإقرار بأنهما قد أغضباها، و بأن اللّه يغضب لغضبها، و يرضى لرضاها-أوضحت لهما: أنها لا تزال غاضبة ساخطة عليهما (1)، لا سيما و أنهما ما زالا يصران على غصبها
1) البحار ج 43 ص 198 و 199 و كتاب سليم بن قيس ص 211 و 212 و راجع: كنز العمال ج 5 ص 351 و 352 و الغدير ج 7 ص 228 و 229 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 14 و أعلام النساء ج 4 ص 124 و عن رسائل الجاحظ ص 300.
حقها، و منعها إرثها، و سائر أموالها.
و ذلك لأنها عرفت أن بكاءهما و خضوعهما لها إنما يرمي إلى التأثير عليها عاطفيا، من دون تقديم أي تراجع عن موقفهما السابق، أو تقديم أي اعتذار مقبول عنه.
و معنى ذلك هو: أنهما قد أرادا من وراء استرضائهما إياها «عليها السلام» ، هو أن يصبح بإمكانهما دعوى: أن فاطمة قد رضيت، و طابت نفسها، بل و أقرتهما على ما فعلاه و سلمت لهما بما ادعياه.
و لكن وصيتها بأن تدفن ليلا، ثم تنفيذ هذه الوصية من قبل أمير المؤمنين علي «عليه السلام» قد فوت الفرصة على كل دعوى، و سد السبيل أمام أي تزوير.
فلم يبق أمام أولئك الذين يقدسون هؤلاء الغاصبين و يؤيدونهم إلا الإعلان بالخلاف، و الإصرار على الباطل. بل إن بعضهم لم يستطع إخفاء ما يجنه من حقد وضغينة، فجاهر بالطعن، و الانتقاص، و النيل من مقامها، و حاول-ما أمكنه-تصغير عظيم منزلتها. .
فأنكر بعضهم كونها واجبة العصمة (1)لأجل ذلك، رغم أن الكتاب العزيز قد نص على طهارتها، و على أنها بريئة من أي رجس أو رين. . كما أن الحديث المتواتر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حول أن اللّه يغضب لغضبها (2)يدل على عصمتها كذلك.
و أما لماذا لم يسترجع علي «عليه الصلاة و السلام» فدكا و غيرها مما اغتصب منهم «عليهم السلام» ، مع أنه كان قادرا على ذلك أيام خلافته. .
فقد ذكرت الروايات الواردة عن الأئمة «عليهم السلام» الأسباب التالية:
1-إن الظالم و المظلوم كانا قد قدما على اللّه عز و جل، و أثاب اللّه المظلوم، و عاقب الظالم؛ فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه، و أثاب عليه المغصوب (عن الإمام الصادق «عليه السلام») (1).
2-للاقتداء برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره؛ فقيل له: يا رسول اللّه، ألا ترجع إلى دارك؟ . . فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و هل ترك عقيل لنا دارا، إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما؛ فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولي (عن الإمام الصادق «عليه السلام») (2).
3-لأنّا أهل بيت لا نأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو (يعني: إلا اللّه) ، و نحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم، و نأخذ حقوقهم ممن ظلمهم، و لا نأخذ لأنفسنا (عن الإمام الكاظم «عليه السلام») (3).
(2) -سرايا و غزوات قبل بدر، حين الحديث حول تكنية علي بأبي تراب، و الافتراء عليه بإغضابه لفاطمة «عليها السلام» .
الفصل الأول: غزوة ذات الرقاع. . تاريخ و أحداث
الفصل الثاني: حدث و تشريع
الفصل الثالث: عظات و كرامات أو سياسات إلهية
الفصل الرابع: بدر الموعد
قد اتضح من كل ما ذكرناه في كتابنا هذا: أن جل إن لم يكن كل ما يذكره المؤرخون و المحدثون من نصوص و آثار يحتاج إلى تمحيص و تحقيق وفق المعايير الصحيحة التي تستطيع أن تقرب إلى ما هو الواقع و الصحيح.
و ليست النصوص التي نقلت لنا أحداث غزوة ذات الرقاع مستثناة من هذه الظاهرة. و لأجل ذلك، فنحن نورد منها بعض نصوصها، ثم نختار بعضه لنركز الأضواء عليه، بهدف إعطاء صورة متقاربة الملامح عن الواقع و الحقيقة، حسبما يتيسر لنا في هذا الظرف، فنقول:
إن من الأمور الواضحة: أن ليقظة القائد الفذ، و تنبهه للأمور، و رصدها بدقة و وعي، ثم قدرته على استشفاف المستقبل و استشرافه، دورا كبيرا في إحكام الأمور، و في ترسيخ قواعد الحكم و الحاكمية، ثم في إبعاد الأخطار عن المجتمع الذي يرعاه، و حسن تدبير شؤونه؛ و سلامة التحرك في نطاق تصريف الأمور على النحو الأفضل و الأمثل.
و على هذا الأساس نستطيع أن نتفهم بعمق ما نشهده من مبادرات متكررة للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لضرب أي تجمع أو تحرك
ضد المسلمين، قبل أن يشتد عوده، و لا يعطيه أية فرصة ليتماسك، و يقوى؛ و يستفحل أمره.
و ذلك لأن الانتظار إلى أن تحتشد جموع الأعداء معناه أن يواجه المسلمون صعوبات كبيرة و ربما خطيرة للتخلص من شرهم، و تفويت الفرصة عليهم.
و هذا ما يفسر لنا ما نجده من رصد دقيق من قبل المسلمين لكل القوى المعادية التي كانت معنية بالوجود الإسلامي في بلاد الحجاز. .
ثم نعرف سر السرعة التي كان يظهرها المسلمون في ردة الفعل، و المبادرة إلى حسم الموقف بقوة و حزم، بمجرد تلقيهم أي نبأ يشير إلى وجود حشود، أو استعدادات أو حتى تآمر و تخطيط يستهدفهم.
فيبادرون إلى إرسال السرايا، و تنظيم الغزوات ضد أعدائهم من مجرمين و متآمرين، ثم تكون النتيجة في أغلب الأحيان هي فرار القوى المعادية، و تفرقهم قبل الأشتباك معهم، أو إثر مناوشات يسيرة، تكون الخسائر فيها معدومة أو تكاد، بل و اتفق أن ظفر المسلمون بجميع أعدائهم فقتل من قتل منهم، و أسر الباقون. .
و قد نتج عن ذلك:
1-إن أولئك الأعراب الجفاة، الذين مردوا على شن الغارات، و قطع الطرق، قد أصبحوا يعيشون حالة الرعب و الخوف من المسلمين إلى درجة كبيرة. و كانوا إذا تناهى إليهم ما يشير إلى تحرك المسلمين باتجاهم، فإنهم لا
يجرؤون على الظهور بمظهر التحدي، و لا يتخذون قرارا بالهجوم، أو التصدي للدفاع، و إنما يقررون الفرار إلى رؤوس الجبال، و التمنع فيها، أو التخفي في أي من المسارب و المهارب، حتى و لو أدى ذلك إلى استيلاء المسلمين على أموالهم، و مواشيهم، و حتى على نسائهم و أولادهم أحيانا.
2-أضف إلى ذلك: أن ذلك قد هيأ الجو للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ليعقد تحالفات كثيرة مع كثير من القبائل في ذلك المحيط. و قد نتج عن ذلك، و عن الجهد الذي بذله «صلى اللّه عليه و آله» لرد كيد أعدائهم و إفشال مخططاتهم، بواسطة ما أرسله من سرايا و غزوات. أن تأكدت قوة المسلمين، و ظهرت شوكتهم، و عرف الناس كلهم مدى تصميمهم على تحقيق أهدافهم، و مواصلة طريقهم الرامي إلى نشر هذا الدين، و الدفاع عنه، و بذل كل غال و نفيس في سبيله.
و قد كان من الطبيعي أن ينزعج المكيون لذلك، و أن يضايقهم، و يفقدهم كثيرا من الامتيازات السياسية و العسكرية و غيرها. كما أنه يحد إلى حد بعيد من حريتهم في التحرك لعقد تحالفات واسعة و مؤثرة ضد المسلمين، ما دام أن الكثيرين من سكان المنطقة لن يجرؤوا على عمل من هذا القبيل بسبب هزيمتهم النفسية حسبما تقدم.
3-كما أن ذلك قد هيأ للمسلمين أجواء و مناخات مريحة إلى حد ما استطاعوا فيها مضاعفة نشاطهم الإعلامي، و كان ذلك سببا في انتشار دعوتهم، و بعد صيتها، حتى أصبحت الحديث اليومي للصغير و الكبير في مختلف البلاد، و العباد. و ترسخت هذه الدعوة و امتدت جذورها باطراد، و اطمأن كثير من الناس إليها، و عولوا عليها. و تلمسوا فيها كل المعاني
الخيرة و النبيلة، الموافقة لما تحكم به عقولهم، و تقضي به فطرتهم. و قد ساعد على ذلك ما ظهر لهم من قوة المسلمين، بعد أن بسطوا هيبتهم على المنطقة بأسرها.
يذكر المؤرخون: أن قادما قدم المدينة بجلب له، فأخبر أن أنمارا، و ثعلبة، و غطفان قد جمعوا جموعا بقصد غزو المسلمين. فلما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك استخلف على المدينة عثمان بن عفان، أو أبا ذر الغفاري، و خرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربع مئة رجل. (و قيل: في سبع مئة (1)و قيل في ثمان مئة) (2)، حتى أتى وادي الشقرة. فأقام بها يوما، و بث السرايا، فرجعوا إليه مع الليل؛ و أخبروه: أنهم لم يروا أحدا.
ثم سار «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه حتى أتى محالهم؛ فلما عاينوا عسكره، و لوا عن المسلمين، و كرهوا لقاءهم، فتسنموا الجبل، و تعلقوا في
1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و السيرة الحلبية ج 2 ص 270 و سيرة مغلطاي ص 54 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 201 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 61 و المغازي للواقدي ج 1 ص 396 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و نهاية الأرب ج 17 ص 158 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 271.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 270 و المغازي للواقدي ج 1 ص 396 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264.
قلته، و لحق بعضهم ببطون الأودية.
و لم يبق إلا نسوة، فجاء «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذهن، و فيهن جارية و ضيئة.
و لم يكن قتال (1).
ثم قفل «صلى اللّه عليه و آله» نحو المدينة، و بعث جعال بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته، و سلامة المسلمين (2).
و قدم «صلى اللّه عليه و آله» صرارا يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم.
و صرار موضع على ثلاثة أميال من المدينة، و هي بئر جاهلية على طريق
1) راجع تفصيل غزوة ذات الرقاع أو إجماله في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و أنساب الأشراف ج 1 ص 340 و السيرة النبوية لزيني دحلان ج 1 ص 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و سيرة مغلطاي ص 54 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 271 و حياة محمد لهيكل ص 281 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و الوفاء ص 691 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 و الثقات ج 1 ص 257 و 258 و التنبيه و الإشراف ص 214 و حبيب السير ج 1 ص 356 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 و 215 و المغازي للذهبي ص 201 و المغازي للواقدي ج 1 ص 395 و 396 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 و 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و نهاية الإرب ج 17 ص 158 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و 107.
2) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 و نهاية الإرب ج 17 ص 162 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 و السيرة الحلبية ج 2 ص 273 قال: «و هو الذي تمثل به إبليس لعنه اللّه يوم أحد، حين نادى: إن محمدا قد قتل» .
العراق (1).
و كانت هذه الغزوة بأرض غطفان من نجد.
و كانت غيبته «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الغزوة خمس عشرة ليلة (2).
أما النقاط التي لا بد من بحثها في هذا الفصل، فهي التالية:
1-سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع.
2-تاريخ هذه الغزوة، و لسوف نثبت: أن الصحيح هو أنها قد كانت بعد غزوة الحديبية.
3-ثم نشير بعد ذلك إلى ما يحاول أن يدعيه البعض من أن غزوة ذات الرقاع لم تكن واحدة بل هناك غزوتان كل منهما تحمل هذا الاسم.
4-و بعد ذلك يأتي كلام حول أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما خرج إلى ذات الرقاع قد جعل أبا ذر واليا على المدينة.
5-ثم نذكر قصة يقال: إنها جرت لعباد بن بشر و عمار بن ياسر، حينما
1) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 و المغازي للواقدي ج 1 ص 395 و نهاية الإرب ج 17 ص 162 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371.
2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و سيرة مغلطاي ص 54. و التنبيه و الأشراف ص 214 و نهاية الإرب ج 17 ص 162 و المواهب اللدنية ج 1 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371 و حبيب السير ج 1 ص 357 و المغازي للواقدي ج 1 ص 395 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 61.
كانا يحرسان المسلمين في موضع نزلوه و هم راجعون. مع تعليق تحليلي على الحدث.
6-و لا ننسى أن نذكر قصة غورث بن الحارث، و شكوكنا حولها و مبررات هذه الشكوك، ثم نورد القصة الأقرب إلى القبول في هذا المجال، مع تعليق تحليلي حولها.
و نرجئ الحديث عن بقية النقاط المرتبطة بهذه الغزوة إلى فصل لاحق.
فنحن وفقا لهذا الذي ذكرناه نقول:
قد اختلفت كلمات المؤرخين في سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع. و نحن نجمل الأقوال في ذلك على النحو التالي:
1-سميت بذات الرقاع: لأنه لم يكن في تلك الغزوة ما يكفي لركوبهم في سيرهم إليها، فنقبت أقدامهم من الحفاء، فلفوا عليها الخرق، و هي الرقاع، كما في البخاري و غيره.
2-سميت بذلك لأن المسلمين رقعوا راياتهم فيها.
3-أو لأن الصلاة قد رقعت فيها، لوقوع صلاة الخوف فيها، قاله الداودي.
4-أو لأجل شجرة كانت هناك يقال لها ذات الرقاع.
5-أو لأجل جبل هناك اسمه الرقاع؛ لأن فيه بياضا، و سوادا، و حمرة، و يقع قريبا من النخيل، بين السعد و الشقرة.
6-أو لأجل أن الخيل كان فيها سواد و بياض، كما قاله ابن حبان، مع
احتمال أن يكون ابن حبان قد صحف كلمة «جبل» فقرأها «خيل» كما ذكره البعض (1).
7-أو لأجل كل الأمور السابقة (2).
و تحقيق ذلك ليس بذي أهمية، و إن كنا نستبعد بعض ما ذكر كالقول الثالث لما سيأتي من أن صلاة الخوف قد صليت في غزوات أخرى قبل أو بعد هذه الغزوة، فلا وجه لاختصاص هذه الغزوة بهذه التسمية لأجل ذلك.
كما و نستبعد القول الثاني أيضا بالإضافة إلى أقوال أخرى. و تسمى هذه
1) راجع: فتح الباري ج 7 ص 323 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106.
2) راجع هذه الأقوال أو بعضها في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 53 و تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 و 201 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و الروض الأنف ج 3 ص 253، و المغازي للواقدي ج 1 ص 395. و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و بهجة المحافل ج 1 ص 232 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 232 و فتح الباري ج 7 ص 323 و نهاية الأرب ج 17 ص 158 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 197 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371 و 372. و السيرة الحلبية ج 2 ص 274 و البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و حبيب السير ج 1 ص 356 و 357 و زاد المعاد ج 2 ص 111 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 61، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و 29 و الوفا ص 691 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 227 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و أنساب الأشراف ج 1 ص 334 و الثقات ج 1 ص 258 و التنبيه و الإشراف ص 214 و إعلام الورى ص 89 و البحار ج 20 ص 176.
الغزوة أيضا ب «غزوة الأعاجيب» لما وقع فيها من أمور عجيبة. و تسمى أيضا ب «غزوة محارب» و «غزوة بني ثعلبة» و «غزوة بني أنمار» (1).
و قد اختلفوا في تاريخ غزوة ذات الرقاع.
فقال فريق: هي بعد غزوة بني النضير في السنة الرابعة: في شهر ربيع الآخر، و بعض جمادى الأولى (2).
و حسب قول البعض: إنها بعد غزوة بني النضير بشهرين و عشرين يوما (3).
و قال القيرواني: خرج لخمس من جمادى الأولى، و انصرف يوم الأربعاء لثمان بقين منه (4).
1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 270 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264. .
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و سيرة مغلطاي ص 54 و السيرة الحلبية ج 2 ص 270 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 369 و 370 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 213 و 214 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 و نهاية الأرب ج 17 ص 158 و كتاب الجامع ص 279 و فتح الباري ج 7 ص 321.
3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 عن خلاصة الوفاء و إعلام الورى ص 89 و البحار ج 20 ص 176 و 178 و 177 عن ابن الأثير في الكامل و عن المناقب، و عن إعلام الورى.
4) الجامع ص 279.
و قال آخرون: إنها كانت في شهر محرم (1).
و قيل: كانت بعد غزوة بدر الصغرى (2).
و تردد ابن عقبة في كونها قبل بدر أو بعدها، أو قبل غزوة أحد أو بعدها (3).
و قيل: كانت في سنة خمس (4).
و جعلها أبو معشر في سنتين حينما قال: إنها كانت بعد بني قريظة في ذي القعدة، سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر هذه السنة، و أول التي تليها (5).
1) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 و سيرة مغلطاي ص 54 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 29. و شذرات الذهب ج 1 ص 11 و التنبيه و الإشراف ص 214 و راجع: زاد المعاد ج 2 ص 110 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 و مغازي الواقدي ج 1 ص 395 و نهاية الإرب ج 17 ص 158 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 عن ابن سعد، و ابن حبان و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 270 و فتح الباري ج 7 ص 332.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 363 و 464 و سيرة مغلطاي ص 54.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 464 عن المواهب اللدنية و فتح الباري ج 7 ص 321.
4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 عن ابن سعد، و ابن حبان و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 عنهما و عن أبي معشر، و أنساب الأشراف ج 1 ص 334 و الجامع للقيرواني ص 281 و 279 و سيرة مغلطاي ص 54 و راجع: شذرات الذهب ج 1 ص 11 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 175 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 227 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و الثقات ج 1 ص 257 و 259 و حبيب السير ج 1 ص 356 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و نصب الراية ج 2 ص 249.
5) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106.
و قال بعضهم: إنها كانت بعد خيبر سنة سبع (1). و هو ما ذهب إليه البخاري، و هو ما نذهب إليه أيضا.
و قال الغزالي: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات، قالوا: «و هو غلط واضح، و قد بالغ ابن الصلاح في إنكاره» و قد ذكر ذلك زيني دحلان فراجع (2).
و بعد ما تقدم نقول: إن تشريع صلاة الخوف، و نزول الآية قد كان في الحديبية، ثم بعد ذلك كانت غزوة ذات الرقاع فصلى النبي فيها صلاة الخوف أيضا.
و مستندنا في ذلك ما يلي:
1-سيأتي في هذا الفصل: أن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة الحديبية (3).
و أن الصدوق يروي في الفقيه بسند صحيح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع (4). فتكون
1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 23 و تاريخ الخميس ج 1 ص 463 عن فتح الباري و البخاري و السيرة الحلبية ج 2 ص 270 عن البخاري و عن الشمس الشامي، و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و 109 و غير ذلك.
2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و فتح الباري ج 7 ص 327 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106.
3) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 411.
4) من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 1 ص 260 رقم الحديث 1334 و تفسير البرهان ج 1 ص 411.
متأخرة عن الحديبية.
2-روى أحمد عن جابر قال: «غزا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ست غزوات قبل صلاة الخوف، و كانت صلاة الخوف في السنة السابعة» (1).
و من المعلوم: أن صلاة الخوف قد صليت في غزوة ذات الرقاع، فتكون هذه الغزوة في السنة السابعة بعدها.
لكن عبارة البخاري هكذا: «عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع» (2).
فإن كان المراد: الغزوة السابعة التي حضرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يكن فيها جميعها قتال، كانت هذه الغزوة قبل أحد، و هو غير مقبول، للاتفاق على أن ذات الرقاع لم تكن قبل أحد، و إن كان موسى بن عقبة قد تردد في ذلك. لكن تردده في ذلك لا معنى له، للاتفاق على تأخر صلاة الخوف عن هذا التاريخ، بالإضافة إلى الأدلة التي تقدمت و ستأتي.
و إن كان المراد: الغزوة السابعة من الغزوات التي حضرها الرسول، مما كان فيه قتال، فإنها تكون و الحال هذه بعد خيبر، و هو المطلوب.
و إن كان المراد: السنة السابعة، فهو المطلوب أيضا، و يؤيد إرادة هذا الأخير رواية مسند أحمد المتقدمة (3).
و نحن نرجح هذا الشق الأخير، لما ذكرناه و ما سيأتي.
و أما الاحتمال الثاني، فيرد عليه: أن غزوة ذات الرقاع لم يقع فيها قتال؛ فما معنى جعلها سابعة للغزوات التي وقع فيها قتال.
و الأنسب بالعبارة المنقولة، هو إرادة السنة السابعة، و ذلك بملاحظة عدم وجود لام التعريف في المضاف، حيث قال: «غزوة السابعة» و لم يقل: «الغزوة السابعة» .
و ادعى العسقلاني: أنه لو كان المحذوف هو كلمة سنة لم يحتج البخاري إلى الاستدلال على تأخرها برواية أبي موسى و غيره.
و لعل المراد: غزوة السفرة السابعة.
و نقول:
إن نسبة الغزوة إلى السفرة مما لا يحسن هنا، و نسبتها إلى السنة أنسب و أوضح في التقدير لا سيما مع رواية أحمد المتقدمة، فكلام العسقلاني في غير محله.
و لكن يبقى هنا سؤال، و هو: لماذا يعبر في الرواية عن ذات الرقاع بأنها «غزوة السابعة» مع أن ثمة ما هو أهم منها قد وقع في سنة سبع مثل غزوة خيبر؟ ! .
إلا أن يجاب عن ذلك: بأن ما وقع فيها من أعاجيب و قضايا قد جعلت لها أهمية خاصة بالنسبة لغيرها من الغزوات. لا سيما و أن غيرها قد عرف باسمه الخاص به، و شاع و ذاع أمره بذلك الاسم بالذات. أما بالنسبة لذات الرقاع، فلم يكن الأمر كذلك.
أو فقل: إن من الممكن أن تكون غزوة ذات الرقاع قد حصلت قبل
سائر غزوات سنة سبع، فأطلق عليها اسم غزوة السابعة، ثم جاءت سائر الغزوات، فأطلقوا عليها أسماءها الخاصة بها بعد ذلك، فلم يوجب ذلك تغييرا في اسم هذه الغزوة.
أو فقل: لم يوجب ذلك خللا في فهم المراد من هذه العبارة حين إطلاقها.
3-ما احتج به البخاري من أن أبا موسى الأشعري ذكر أنه قد حضر غزوة ذات الرقاع، فقال: «خرجنا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزاة، و نحن في ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، و نقبت قدماي، و سقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع» (1).
و أبو موسى إنما جاء من الحبشة بعد خيبر، فتكون ذات الرقاع بعد خيبر أيضا.
1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 و فتح الباري ج 7 ص 321 و راجع ص 322 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 372 و 369 و بهجة المحافل ج 1 ص 232 و السيرة الحلبية ج 2 ص 270 و سيرة مغلطاي ص 54 و حبيب السير ج 1 ص 356 و 357. و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 و الروض الأنف ج 3 ص 253 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و السيرة النبوية لزيني دحلان ج 1 ص 264 و صحيح مسلم ج 5 ص 200 و زاد المعاد ج 2 ص 111. لكنه جعل الحديث مؤيدا لا دليلا. و لعله تخيل وجود احتمال أن يكون أبو موسى لا يتحدث عن حضوره هو، بل ينقل ذلك عن بعض الصحابة، مع أن الرواية صريحة بأنه قد نقبت قدماه، و سقطت أظفاره.
1-و يؤيد ذلك: أن عددا من المؤرخين يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلف أبا ذر الغفاري على المدينة حين غزا ذات الرقاع، و أبو ذر إنما قدم المدينة بعد أن مضت بدر، و أحد، و الخندق.
و سيأتي توضيح ذلك مع ذكر المصادر إن شاء اللّه تعالى حين الحديث عن الذي ولاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة في هذه الغزاة.
2-و يؤيد ذلك أيضا: ما روي عن ابن عمر الذي أجازه النبي بالخروج إلى الغزو في وقعة الخندق أنه قال: غزوت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل نجد، فذكر صلاة الخوف (1).
3-و يؤيد ذلك أيضا، قول أبي هريرة: «صليت مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة نجد صلاة الخوف» ، و إنما جاء أبو هريرة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيام خيبر (2).
ألف: إنما جعلنا تولية أبي ذر على المدينة مؤيدا لا دليلا، لأنه سيأتي: أنه
1) راجع: المصادر التالية: صحيح البخاري ج 3 ص 23 و ج 1 ص 110 و فتح الباري ج 7 ص 323 و 321 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 369 و راجع ص 379 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و زاد المعاد ج 2 ص 111 و استدل به. و المواهب اللدنية ج 1 ص 106 و نصب الراية ج 2 ص 244.
2) راجع المصادر المتقدمة.
قد حضر إلى المدينة حينما أسلم سلمان، بسبب ما رآه من علامات النبوة في الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد شهد على كتاب عتق سلمان. كما أن ذلك لا يدل إلا على تأخر غزوة ذات الرقاع عن الخندق، و لا يدل على كونها في السنة السابعة، أو غيرها.
ب: بالنسبة لرواية ابن عمر نقول: إنها لا تدل إلا على أن ذات الرقاع قد كانت بعد الخندق، و لا تدل على أكثر من ذلك.
أضف إلى ذلك: أنه لم ينص على اسم الغزوة، بل ذكر أن ذلك قد حصل في غزوة نجد، فلعل هناك غزوات أخرى قد كانت قبل نجد، و قد صلى فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف أيضا.
إلا أن يقال: إن غزوة نجد المعهودة في كلماتهم منحصرة بذات الرقاع.
ج: و رواية أبي هريرة، يرد عليها نفس ما يرد على رواية ابن عمر.
و قد اتضح من جميع ما تقدم: أنه لا يصغى لقول الدمياطي: إن ما ورد عن أبي موسى في حضوره غزوة ذات الرقاع غلط، لأن جميع أهل السير على خلافه (1).
و ذلك لأن كلام أهل السير لا عبرة به إذا قام الدليل على خطئهم فيه، و قد ثبت عن أهل البيت، و كذلك سائر ما قدمناه من أدلة: أن ذات الرقاع قد كانت في الحديبية، فلا مجال للشك في ذلك، أو التشكيك فيه.
1) فتح الباري ج 7 ص 322 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 106.
و بعد ما تقدم نقول:
قد يقال: إن الراجح هو أن تكون غزوة ذات الرقاع قبل الخندق. و مستند ترجيح ذلك ما يلي:
1-ما روي من أن جابرا قد دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الخندق إلى طعام في بيته، صنعته زوجته لهم في قصة مفصلة ظهرت فيها كرامة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك الطعام (1).
و في غزوة ذات الرقاع لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم شيئا عن تزوج جابر بأي من النساء منذ استشهد أبوه في أحد، حيث سأله، إن كان قد تزوج أم لا، ثم لما أجابه بالإيجاب، عاد فسأله، إن كانت التي تزوجها بكرا أو ثيبا في محاورة جرت بينهما ستأتي إن شاء اللّه.
و قد صرح له فيها: بأنه إنما اختارها ثيبا لأجل أن أباه مات و ترك له أخوات يحتجن إلى من يجمعهن و يمشطهن، و يقوم عليهن (2).
و نقول:
إن هذا النص لا يكفي لمعارضة الأدلة المتقدمة، و ذلك لإمكان المناقشة
1) صحيح البخاري ج 3 ص 21 و ستأتي سائر المصادر في غزوة الخندق إن شاء اللّه.
2) راجع هذه المحاورة في: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 217 و 218 و صحيح مسلم ج 4 ص 176 و بهجة المحافل ج 1 ص 238 و راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 8 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 381 و 383 و المغازي للواقدي ج 1 ص 399-401 و نهاية الأرب ج 17 ص 161 و 162 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 166 و البداية و النهاية ج 4 ص 86 و 87 و الثقات ج 1 ص 258.
في دلالته على المطلوب من حيث أنه يمكن أن يكون جابر قد انفصل عن زوجته الأولى بموت لها أو طلاق، أو تكون قد أصبحت لسبب أو لآخر عاجزة عن القيام بمسؤولياتها تجاه أخواته، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يعلم بذلك، و يعلم أن جابرا قد كان بصدد الزواج من جديد، فجرت المحاورة بينه و بين جابر على النحو المذكور، و كان اعتذار جابر عن اختيار الثيب هو ذلك، و لا يجب أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» عارفا بما تركه أبو جابر من بنات، أو كان «صلى اللّه عليه و آله» عارفا، و لا يمنع ذلك جابرا من جعل ذلك هو العذر لاختياره الثيب للزواج.
قد أشار البيهقي إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين، إحداهما قبل خيبر، و الأخرى بعدها (1).
و قال الذهبي: «و الظاهر أنهما غزوتان» (2).
و نقول:
إن منشأ هذا الاحتمال هو رواية أبي موسى الأشعري السابقة، و قد تقدم: أن أبا موسى قال: «و نحن في ستة نفر بيننا بعير» و هذا يقرب أن يكون أبو
موسى يتحدث عن غزوة ثانية أطلق عليها اسم غزوة ذات الرقاع أيضا.
و لكننا في قرارة أنفسنا نشك في وجود غزوة من هذا القبيل؛ فإنه يبعد أن يقوم بغزوة يكون قوامها ستة نفر فقط لا غير! ! .
و لعل المراد: أن الذين كانوا يعتقبون الجمل مع أبي موسى كانوا ستة أشخاص، في ضمن جيش كثيف يقوده النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة ذات الرقاع.
يظهر من عدد من المؤرخين: أنهم يرجحون أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلف على المدينة في حال غيابه عنها إلى غزوة ذات الرقاع أبا ذر الغفاري، و ليس عثمان بن عفان. لأنهم ذكروا الأول بصورة طبيعية، ثم عقبوا ذلك بالإشارة إلى تولية عثمان بلفظ قيل (1)، و إن ادعى ابن عبد البر: أن عليه الأكثر.
و قد ناقش في أن يكون أبو ذر هو المتولي لها بأن أبا ذر لما أسلم رجع إلى بلاد قومه، فلم يجئ حتى مضت بدر و أحد، و الخندق (2).
و لكن هذه المناقشة موضع نظر:
1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 و السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و زاد المعاد ج 2 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 و البداية و النهاية ج 4 ص 83 و نهاية الأرب ج 17 ص 158 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264.
2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214.
أولا: لأن ثمة ما يدل على قدوم أبي ذر إلى المدينة قبل الخندق، حيث إنه قد شهد على كتاب عتق سلمان و هو مؤرخ في السنة الأولى للهجرة (1).
ثانيا: هناك حديث آخر يذكر فيه أن أبا ذر كان حين قضية سلمان في المدينة، و ذلك حين كان في حائط لمولاته، فجاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، و أبو ذر، و المقداد، و عقيل، و حمزة و زيد بن حارثة، و لم يكن سلمان يعرفهم.
ثم ذكر قصته معهم و العلامات التي وجدها في النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعض أسانيد هذه الرواية صحيح فراجع المصادر (2).
ثالثا: يؤيد ذلك مؤاخاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما بين سلمان و أبي ذر (3).
1) ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 52 و تاريخ بغداد ج 1 ص 170 و راجع كتاب العتق أيضا في: تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199 و مجموعة الوثائق السياسية ص 328 عن الأولين و عن جامع الآثار في مولد المختار محمد بن ناصر الدين الدمشقي، و طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 226 و 227 و نفس الرحمن في فضائل سلمان ص 20 و 21 عن تاريخ كزيده، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 409 عن أكثر من تقدم و قال: «و أوعز إليه في البحار عن الخرائج» .
2) راجع: البحار ج 22 ص 358 و إكمال الدين ج 1 ص 164 و 165 و روضة الواعظين ص 276-278، و الدرجات الرفيعة ص 203 عن إكمال الدين و نفس الرحمن ص 5 و 6 و 22 عن إكمال الدين، و الراوندي في قصص الأنبياء، و روضة الواعظين، و الحسين بن حمدان، و الدر النظيم.
3) راجع: بصائر الدرجات ص 25 و الكافي ج 1 ص 331 و ج 8 ص 162 و الغدير ج 7 ص 35 عنهما. و إختيار معرفة الرجال ص 17 و البحار ج 22 ص 343 و 245 و مصابيح الأنوار ج 1 ص 348 و قاموس الرجال ج 4 ص 418 و نفس الرحمن ص 91.
إلا أن يدّعى: أنه إنما آخى بينهما بعد غزوة الخندق فلاحظ! .
رابعا: إن ما ذكروه إنما يتم بناء على ما قيل من أن غزوة ذات الرقاع قد كانت قبل غزوة الخندق، و أما بناء على ما هو الصحيح من أنها إنما كانت بعد خيبر، فلا يبقى محذور في أن يكون أبو ذر هو الذي ولي المدينة، بعد قدومه إليها بعد الخندق.
و في غزوة ذات الرقاع نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلا، و كانت ليلة ذات ريح، و كان نزوله في شعب استقبله.
فقال: من رجل يكلؤنا هذه الليلة؟ فقام عبّاد بن بشر أو عمارة بن حزم، و قام أيضا عمار بن ياسر، فقالا: نحن يا رسول اللّه نكلؤكم.
و عبارة البعض: انتدب رجل مهاجري، و آخر أنصاري فجلسا على فم الشعب، فقال عبّاد لعمار: أنا أكفيك أول الليل، و تكفيني آخره، فنام عمار، و قام عباد يصلي.
و كان زوج بعض النسوة اللاتي أصابهن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غائبا، فلما جاء و عرف ما جرى، تتبع الجيش، و حلف لا ينثني حتى يصيب محمدا، أو يهريق في أصحاب محمد دما.
فلما رأى سواد عباد قال: هذا ربيئة القوم، ففوّق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عباد، فرماه بآخر، فانتزعه، فرماه بثالث فانتزعه كذلك. فلما غلبه الدم أيقظ عمارا، فلما رأى ذلك الرجل عمارا جلس علم أنه قد نذر به فهرب.
فقال عمار لعباد: ما منعك أن توقظني له في أول سهم يرمي به؟
فقال: كنت أقرأ في سورة الكهف فكرهت أن أقطعها. أضاف في نص آخر: فلما تابع علي الرمي أعلمتك.
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» جعلهما بإزاء العدو فرمي أحدهما بسهم و هو يصلي، فأصابه، و نزفه الدم و لم يقطع صلاته، ثم رماه بثان و ثالث و هو يصيبه و لم يقطع صلاته.
و يقال: إن عبّادا قال معتذرا عن إيقاظ صاحبه: لو لا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما انصرفت و لو أتى على نفسي (1).
و يقال: إن الأنصاري هو عمارة بن حزم (2).
قال الحلبي الشافعي: «و بهذه الواقعة استدل أئمتنا على أن النجاسة الحادثة من غير السبيلين لا تنقض الوضوء؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» علم ذلك و لم ينكره. و أما كونه صلى مع الدم، فلعل ما أصاب ثوبه و بدنه منه قليل. و لا ينافي ذلك ما تقدم في الرواية قبل هذه: فلما غلبه الدم. إذ يجوز
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 271 و 272 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 175 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 228 و 229 و زاد المعاد ج 2 ص 111 و 112 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 218 و 219 و المغازي للواقدي ج 1 ص 397 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 164 و 165 و البداية و النهاية ج 4 ص 85 و 86 و راجع السنن الكبرى ج 9 ص 150 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 358 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 378.
2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 379.
مع كونه كثيرا أنه لم يصب ثوبه و لا بدنه إلا القليل منه» (1).
و نحن و إن كنا لا نملك معطيات كثيرة في مجال البحث حول هذه القضية، إلا أننا نرتاب في أن يكون الذي تعرض للسهام هو خصوص عباد بن بشر، لأننا نشعر من خلال مراجعة ما لدينا من نصوص حول هذا الرجل: أنه كان موضع اهتمام فريق خاص يعنى بتسجيل الكرامات له، فراجع ترجمته (2).
كما أن ما ذكر آنفا لتصحيح صلاة عبّاد بالدماء ليس كافيا في ذلك كما هو ظاهر.
إن من الواضح: أن حرب بدر بكل ظروفها، و أحداثها و ملابساتها قد أقنعت أهل الإيمان بأن الجهاد ليس مجرد إنجاز عسكري يتجلى و يتجسد
1) السيرة الحلبية ج 2 ص 272.
2) الإصابة ج 2 ص 263 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 452- 456 و أسد الغابة ج 3 ص 100 و 101 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 337-340 و في هامشه عن المصادر التالية: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 2 ص 16 و طبقات خليفة ص 58 و تاريخ خليفة ص 113 و التاريخ الصغير ص 36 و الجرح و التعديل ج 6 ص 77 و مشاهير علماء الأمصار ص 113 و الإستبصار ص 220- 222 و تاريخ الإسلام ج 1 ص 370 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 15.
من خلال جهد يبذل في ساحة القتال، تتجلى فيه فاعلية السلاح المتفاعل مع عنصري الشجاعة الذاتية من جهة، و الطموح من جهة أخرى، حيث يرسم معالمهما جهد تربوي، و تعليمي، و شحن روحي و نفسي، بالإضافة إلى تأثير النواحي التنظيمية، و ما يتبع ذلك من تخطيط عسكري مستند إلى الخبرات الواسعة، و الدراسات المعمقة، إلى أن ينتهي الأمر بحسن الأداء، و الدقة في التنفيذ و الالتزام.
إن حرب بدر ثم ما تلاها من حروب و أحداث، و كذلك ما سبقها من ذلك أيضا قد أقنعت أهل الإيمان: بأن الحرب ليست هي مجرد ما ذكرناه آنفا.
و إنما الحرب و الجهاد عبادة و فناء في ذات اللّه، و باب قد فتحه اللّه و لكن ليس لكل أحد، و إنما لخاصة أوليائه، حيث يخرج من عالم و يدخل من ذلك الباب إلى عالم جديد بكل ما لهذه الكلمة من معنى. يعبر الإنسان فيه بوابة الموت ليصل إلى الحياة، و هي الحياة الحقيقية التي يصبح فيها هؤلاء الأموات الأحياء شهداء على الناس؛ لأنهم أصبحوا قادرين على فهم الواقع بعمق، و من دون أية حواجز و موانع تقلل من درجة الإدراك، سواء كانت تلك الحواجز مادية-و لو كانت هي نفس الوسائل التي يستخدمها الإنسان للحصول على العلم بما يحيط به من حوله-أو كانت من نوع الشهوات و الأهواء، و غيرهما مما يمنع من إدراك الأشياء على حقيقتها.
فالصلاة و الجهاد من سنخ واحد. فإذا كانت الصلاة تساعد الإنسان على ممارسة الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس، فإن القتال و الحرب جهاد أصغر يمكّن من دحر العدو الذي يهدف إلى تسديد الضربة إلى الإسلام و المسلمين، أو
يهدف إلى سلب الإنسان المسلم حرية الرأي و حرية الاعتقاد، و حرية التفكير، و حرية الممارسة.
و لأجل هذه السنخية بين الصلاة و بين الجهاد، فإننا لا نستغرب بعد هذا أن يكون أولئك المجاهدون، الذين يقفون في موقع متقدم لحمايته من الأعداء، تنصرف همتهم في هذه المواقع بالذات إلى ممارسة الجهاد الأصغر، و التربية النفسية عن طريق ترويض النفس، و تربيتها بالصلاة التي هي عمود الدين.
فتكون الصلاة و العبادات هي الشغل الشاغل لهم في هذه المواقع بالذات، حيث يرون أنفسهم فيها فيما بين الدنيا و الآخرة، فتلين قلوبهم، و تصبح نفوسهم أكثر شفافية و صفاء، و يصبحون أكثر شجاعة و صبرا و تحملا للمكاره. . و ما قصة عبّاد و عمار المذكورة إلا شاهد صدق على ما نقول.
2-إننا نلاحظ: أن الرجل الذي استهدفه ذلك المشرك بسهامه لم يوقظ رفيقه لانهزامه أمام سهام ذلك العدو الغادر، و إنما من إحساسه بالمسؤولية تجاه ما كلفه به النبي «صلى اللّه عليه و آله» . فهو يوقظه لأنه يريد مواصلة الصمود بذلك، لكي لا يضيع ثغرا من ثغور المسلمين. أي أنه لم يوقظه ليستعين به على الدفع عن نفسه، و ليجد فيه قوة له كفرد، و إنما أراده ليحفظ الإسلام و ثغوره.
و يذكر المؤرخون و المحدثون هنا قصة مفادها: أنه حين تحصن بنو محارب في رأس جبل في غزوة ذات الرقاع قال لهم
غورث بن الحارث: ألا أقتل لكم محمدا؟ !
قالوا: بلى، و كيف تقتله؟ !
قال: أفتك به. أي يقتله على حين غفلة.
فجاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سيفه «صلى اللّه عليه و آله» في حجره، فقال: يا محمد، أرني أنظر إلى سيفك هذا (و كان محلى بفضة) (1)، فأخذه من حجره؛ فاستله، ثم جعل يهزه، و يهم به، فيكبته اللّه (أي يخزيه) ثم قال: يا محمد، أما تخافني؟ !
قال: لا، بل يمنعني اللّه تعالى منك.
ثم دفع السيف إليه «صلى اللّه عليه و آله» فأخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال: من يمنعك مني؟ !
قال: كن خير آخذ.
قال: تشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه. .
قال: أعاهدك على أني لا أقاتلك، و لا أكون مع قوم يقاتلونك.
قال: فخلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبيله؛ فجاء قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس! ! .
زاد في بعض المصادر قوله: و أسلم هذا بعد، و كانت له صحبة (2).
1) راجع: البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 216.
2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 228 و بهجة المحافل ج 1 ص 237 و شرحه مطبوع معه بهامشه و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 و أشار إلى ذلك أيضا في: الوفاء ص 691 و زاد المعاد ج 2 ص 111 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 376 و فتح-
زاد في نص آخر قوله: فلما حضرت الصلاة صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الخوف فكانت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أربع ركعات، و للناس ركعتين (1).
و في بعض نصوص الرواية: أنه لما هم غورث برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» «منعه اللّه عز و جل لذلك، و انكب على وجهه، فنزلت: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ (2)الآية.
و لهذه الرواية نص آخر: لا يختلف كثيرا عما ذكرناه فراجع (3).
قال القسطلاني و غيره: «و ذكر الواقدي في نحو هذه القصة: أنه أسلم،
(2) -الباري ج 7 ص 331 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 316 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 202 و مسند أحمد ج 3 ص 390 و المواهب اللدنية ج 1 ص 107 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 و البداية و النهاية ج 4 ص 84 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264.
1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 376.
2) نهاية الأرب ج 17 ص 160 و البدء و التاريخ ج 4 ص 213 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 163 و 161 و 162 و البداية و النهاية ج 4 ص 84 و 85 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 228 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 216 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 422-424 و الدر المنثور ج 2 ص 266 عن ابن جرير، و ابن إسحاق، و أبي نعيم في الدلائل، و ابن المنذر، و عبد بن حميد و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261.
3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 61 و 62 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 و نهاية الإرب ج 17 ص 160.
و رجع إلى أهله، فاهتدى به خلق كثير» (1).
و هناك قصة أخرى يقال: إنها قد حصلت في هذه الغزوة أيضا، و هي تشبه قصة غورث. و قد استبعد البعض اتحاد القصتين، لاختلاف سياقهما.
و ملخصها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما قفل راجعا إلى المدينة أدركته القائلة يوما بواد كثير العظاه، أي الأشجار العظيمة، التي لها شوك، و تفرق الناس في العظاه يستظلون بالشجر، و نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت ظل شجرة ظليلة.
قال جابر: تركناها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فعلق «صلى اللّه عليه و آله» سيفه فيها؛ فنمنا نومة فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدعونا؛ فجئنا إليه؛ فوجدنا عنده أعرابيا جالسا، فقال:
«إن هذا اخترط سيفي، و أنا نائم، فاستيقظت، و هو في يده مصلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ !
قلت: اللّه.
قال ذلك ثلاث مرات، فشام السيف، و جلس، فلم يعاقبه رسول اللّه» .
و عند مسلم و البخاري، و في فتح الباري: فهدده أصحاب رسول اللّه، فأغمد السيف و علقه (2).
و في رواية أخرى: «أنه جعل يضرب برأسه الشجرة، حتى انتثر دماغه» (1).
زاد في نص آخر قوله: «فأغمد السيف و علقه، فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا» و ذكر صلاة الخوف (2).
و نص آخر يقول: «كان قتادة يذكر نحو هذا و يقول: إن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فأرسلوا هذا الأعرابي، و يتلو: اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ. . (3).
و نقول:
إننا نشك في صحة هذه القصة و تلك، على حد سواء.
و نذكر القارئ: بأن هذه القصة تشبه قصة دعثور، التي يقال: إنها
(2) -مسلم ج 7 ص 62 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 و 163 و البداية و النهاية ج 4 ص 84 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 373-375 و بهجة المحافل ج 1 ص 237 و فتح الباري ج 7 ص 330. و راجع: إعلام الورى ص 78 و 79 و البحار ج 20 ص 175 و 176 عن مجمع البيان ج 3 ص 103. و لكنهما ذكرا: أن ذلك كان في غزوة محارب و بني أنمار. و أنه «صلى اللّه عليه و آله» انصرف لأجل قضاء حاجته، و كان المطر يرش و جاء السيل قبل أن يفرغ من حاجته، فحال الوادي بينه و بين أصحابه. و كان العدو يرونهم، و لا يراهم المسلمون فأرسلوا غورث أو دعثور لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان ما كان من دفع جبرئيل في صدره، فراجع.
كانت في غزوة ذي أمر، بل لقد قال البعض إنهما قضية واحدة (1).
كما أنها تشبه قصة عمرو بن جحاش، التي يقال: إنها قد حصلت في غزوة بني النضير (2).
و قد تحدثنا عن القصة الأولى في الجزء الرابع من هذا الكتاب.
و أشرنا إلى الإشكال في الثانية في فصل: الجزاء الأوفى، تحت عنوان: نزول آية سورة المائدة في بني النضير.
و في الشفاء: «و قد حكيت مثل هذه الحكاية: أنها جرت له يوم بدر، و قد انفرد عن أصحابه لقضاء حاجته، فتبعه رجل من المنافقين، و ذكر مثله» (3).
و نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:
أولا: إن هذه القضايا لا يمكن قبولها؛ لأنها تصور لنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصورة إنسان بسيط و ساذج، لا يفكر بعواقب الأمور، بل يخدعه أعرابي، دون أن يستعمل أي أسلوب متميز، بل هو لا يزيد على أن طلب منه أن يعطيه سيفه، لينظر إليه.
1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 و فتح الباري ج 7 ص 331 و بهجة المحافل ج 1 ص 237.
2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 216 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 و البداية و النهاية ج 4 ص 84 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و 261 و البدء و التاريخ ج 4 ص 212 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121 و فتح الباري ج 7 ص 255 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264.
3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 237.
و معنى ذلك هو أن هذا النبي، الذي يطلب من أي مؤمن عادي أن يكون كيّسا و فطنا، و حذرا (1)، لم يلتزم هو بأبسط قواعد الحذر أو الكياسة و الفطانة، و قد أمر اللّه المؤمنين بالحذر في صلاة الخوف، و أمرهم بذلك أيضا في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبٰاتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً (2).
ثانيا: إن هذا النبي الكريم و العظيم «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمر باتخاذ الحرس للجيش يطوفون به، و كان مواظبا على الاستعانة بهم، و الاعتماد عليهم في غزواته (3).
و أين كان عنه علي «عليه السلام» الذي كان يتولى حراسته بنفسه، في الحضر، و في السفر، و كان في حرب بدر و الحرب قائمة لا يزال يتفقد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في موضعه (4)؟
1) راجع: الخصال ج 1 ص 99 و 100 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 257 و البحار ج 68 ص 339 و ج 64 ص 307.
2) الآية 72 من سورة النساء.
3) راجع في جعل النبي الحرس أفرادا، و جماعات: المغازي للواقدي ج 2 ص 602 و المواهب اللدنية ج 1 ص 93 و تاريخ الخميس ج 1 ص 422 و السيرة الحلبية ج 2 ص 221 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 228 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 151 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 280 و ج 3 ص 249 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 356 و 358.
4) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 275 و 276 عن البيهقي، و عن النسائي في اليوم و الليلة و حياة الصحابة ج 1 ص 502 عنه و عن كنز العمال ج 5 ص 267 عن الحاكم و البزار، و أبي يعلى، و الفريابي.
و كان هو المدافع عنه و الحامي له في حرب أحد، و في غيرها. و كان له في مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسطوانة أمام الحجرة، يجلس إليها لحراسته «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و زعموا: أن غير علي «عليه السلام» أيضا كان يحرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
ثالثا: كيف يترك جيش بأكمله قائدهم، و نبيهم وحيدا فريدا في غابة، تكثر فيها المفاجئات، و لا يلتفت و لو واحد منهم إلى رجل يتسلل إلى موضعه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى يهدد حياته بخطر أكيد؟ ثم ينجيه اللّه منه.
و هل نام الجيش بأكمله في آن واحد؟ !
رابعا: قد ذكرت بعض النصوص ما يفيد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في هذه المناسبة، مع أنه لم يكن -حسبما يستظهر من تلك النصوص-يواجه عدوا يخشاه، بل كان ذلك في طريق عودته إلى المدينة.
و إن كان يظهر من بعض الروايات الأخرى: أن ذلك كان حينما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يواجه أعداءه في غزوة ذات الرقاع.
خامسا: قد ذكرنا فيما سبق أن آية: اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ (1)، قد وردت في سورة المائدة. و هي قد نزلت قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشهرين أو ثلاثة دفعة واحدة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
إلا أن يدّعى: تكرر نزول الآية، و هو يحتاج إلى إثبات، ما دام أنه لا يمكن إبقاء آية معلقة بالهواء عدة سنوات و القرآن ينزل، ثم تنزل سورة، فيأتي بها و يضعها فيها.
سادسا: الآية ذكرت: أن قوما قد هموا أن يبسطوا أيديهم لضرب المسلمين، و هي لا تناسب شخصا واحدا كما هو مورد البحث هنا. و من يدري، فقد تكون هذه الآية قد نزلت في الذين تآمروا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة، لينفروا به ناقته، و يقتلوه.
سابعا (3): يلاحظ مدى التناقض فيما يرتبط بمصير هذا الرجل الذي تقول رواية: إنه ضرب رأسه بالشجرة حتى انتثر دماغه، و أخرى تقول: إنه أسلم و اهتدى به خلق كثير.
1) الآية 11 من سورة المائدة.
2) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 430 و الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و أبي عبيد في فضائله، و النحاس في ناسخه، و النسائي، و ابن المنذر، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البيهقي في سننه، و الترمذي، و حسنه، و سعيد بن منصور، و ابن جرير. و ممن صرح أنها نزلت دفعة واحدة كما في المصدر المتقدم: أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و الطبراني، و محمد بن نصر في الصلاة، و أبو نعيم في الدلائل و البيهقي في شعب الإيمان.
3) راجع ما تقدم في السيرة الحلبية ج 2 ص 273 و 274.
و تناقض آخر: و هو أنه لما دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، وجدوا رجلا جالسا عنده، فأخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى له معه.
و في رواية أخرى: أنهم تهددوه حتى أغمد السيف.
و في النص الأول المتقدم: أنه رد السيف إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و في نص رابع: أن جبريل دفع في صدره فوقع السيف من يده (1).
إلى تناقضات أخرى: يستطيع من يقارن بين نصوص الروايات أن يقف عليها، و يلتفت إليها.
ثامنا: لما ذا يعيد غورث بن الحارث السيف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حسبما ذكرته الرواية الأولى؟ !
هذا كله: عدا عن عدم معقوليته أن يضرب رأسه حتى ينتثر دماغه، سوف يغمى عليه من أول ضربة شديدة يتعرض لها رأسه.
نقول ذلك كله: مع أننا على يقين من أن من الممكن أن يتسلل بعض الناس إلى جهة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، في ظروف معينة. و لكن بغير هذه الطريقة و ليس على حساب كرامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين يكون الهدف هو النيل من شخصيته بصورة أو بأخرى.
و نعتقد: أن القصة الأقرب إلى القبول هي ما رواه أبان، عن أبي بصير،
1) فتح الباري ج 7 ص 330.
عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال:
«نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة، على شفير واد، فأقبل سيل، فحال بينه و بين أصحابه، فرآه رجل من المشركين، و المسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا.
فجاء و شد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسيف، ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ .
فقال: ربي و ربك، فنسفه جبرئيل «عليه السلام» عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخذ السيف و جلس على صدره و قال: من ينجيك مني يا غورث؟ !
فقال: جودك و كرمك يا محمد. فتركه، فقام، و هو يقول: و اللّه، لأنت خير مني و أكرم» (1).
و بعد. . فإنه إذا كان لهذه القصة أصل، و قبلنا منها ما يتوافق مع الضوابط العامة، و مع النظرة الواقعية لشخصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع الظروف التي كانت قائمة آنذاك،
و بعد أن تصبح عناصر القصة في حدود المعقول و المقبول، فإننا إذا أردنا أن نستفيد منها في مجال التقييم و التقويم، فإن ما يمكن أن نقوله هو:
1) الكافي ج 8 ص 127 و البحار ج 20 ص 179 عنه، و إعلام الورى ص 89.
إن اللّه لم يزل يرعى نبيّه، و يظهر له المزيد من الكرامة، و يحوطه بألطافه، و يكلؤه، و يحفظه، و يصونه.
و يلفت نظرنا هنا: تأثير جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الرجل بأن اللّه هو الذي يمنعه منه، في ظرف لم يكن ذلك الرجل يفكر باللّه سبحانه، و لا يخطر في باله أن يتدخل اللّه في موقف كهذا لنصرة أي من الفريقين، و رأى من ثقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» باللّه و اعتماده عليه حتى إنه لم تتطرق ذرة من الخوف إلى قلبه الشريف حتى في موقف كهذا-رأى من ذلك ما أرعبه، و هز كيانه، و أثار أمامه أكثر من سؤال، فتزعزعت الثوابت التي كانت تتحكم في كيانه و تهيمن على وجوده. فلم يعد ثمة ما يحمي له قراره بقتل محمد، و أصبحت اليد الممدودة ليس لها مدد من إرادة، و لا رافد من عزيمة، فكان من الطبيعي أن تسقط، و يسقط السيف الذي كانت تحمله.
ثم لما رأى السيف في يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و رجع إلى كيانه و وجوده، فرآه موزعا و خاويا، و راجع حساباته كلها، فرأى أنه لا يملك أي رصيد يخوله أن يعتمد عليه، و يستند إليه، كان لا بد له من الاعتراف بأن لا أحد يمنع أو يدفع عنه، فما دام اللّه ليس معه، فإنه لا أحد معه، و هذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها و الانصياع لها قبل فوات الأوان، و هكذا كان.
1-الفهرس الإجمالي الفصل الرابع: دلالات و عبر 5-30
الباب الخامس: غزوة بني النضير الفصل الأول: النصوص و الآثار 33-62
الفصل الثاني: قبل أن تدق الطبول 63-110
الفصل الثالث: القرار و الحصار 111-170
الفصل الرابع: الجزاء الأوفى 171-232
الفصل الخامس: كي لا يكون دولة بين الأغنياء 233-264
الفصل السادس: أراضي بني النضير و الكيد السياسي 265-308
الباب السادس: حتى الخندق الفصل الأول: غزوة ذات الرقاع. . تاريخ و أحداث 311-348
الفهارس 349-360
2-الفهرس التفصيلي الفصل الرابع: دلالات و عبر يكفينيك اللّه، و ابنا قيلة:7
النبي صلّى اللّه عليه و آله يحمّل أبا براء المسؤولية:8
شرف التواضع. . و ذل الغطرسة:9
الرسل لا تقتل:10
ديّة الرجلين، لما ذا؟ !12
الأفق الضيق:13
خلافة النبوة:14
المشركون في مواجهة الوجدان:16
رفضه صلّى اللّه عليه و آله هدية ملاعب الأسنة، منطلقاته، و دلالاته:17
المنطق القبلي مرفوض في الإسلام:20
مصير زيد بن قيس، و ابن الطفيل:21
فزت و اللّه:21
الباب الخامس: غزوة بني النضير الفصل الأول: النصوص و الآثار تمهيد ضروري:35
نص ابن كثير:38
قصة عمرو بن سعدى القرظي:48
القتال. . في بني النضير:51
نصوص أخرى حول قضية بني النضير:53
ليخبرن بما هممتم به:58
الفصل الثاني: قبل أن تدق الطبول بداية:65
الاختلافات الفاحشة:65
تاريخ غزوة بني النضير:66
تذكير بما سبق:69
تهافت ظاهر:76
سبب غزوة بني النضير:76
رواية لا يعتمد عليها:82
نقض العهد. . و التكبير:83
نقض العهد و المؤامرة:85
المعاهدات في الإسلام:86
من عهد الأشتر:87
الوفاء بالعهد:90
الشرط الأساس في كل عهد:90
العهود لا تنقض، و هي ملزمة للجميع:91
إحترام أمور المعاهدين:93
المعاهدون لا يجفون و لا يقصون:93
من نتائج الصلح و العهد:94
العهد. . و الحذر:95
الخيانة في حجمها الكبير:96
الوفاء بالعهد ضرورة حياتية:97
الغدر عجز، و عدم ورع:98
الغادر هو الذي يعاقب:99
السلاح في أيدي المعاهدين:99
موقف له دلالاته:100
وفاء اليهودي هو الغريب المستهجن:102
الجرأة و مبرراتها:104
التصوير الحاقد، و التزوير الرخيص:107
مزيد من التجني:108
الفصل الثالث: القرار و الحصار القرار الحكيم:113
لما ذا كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله أوسيا؟ :115
حامل اللواء:117
الفتح على يد علي عليه السّلام:120
1-الحكمة. . و المعجزة:122
2-الشعور بالمسؤولية:123
3-الأسرار العسكرية:123
4-دراسة شخصية العدو:124
5-إستباق مخططات العدو:124
6-العمليات الوقائية:125
7-إرهاصات:125
8-الفتح على يد علي عليه السّلام:126
9-قتل قائد المجموعة:127
10-الإشكال في شعر حسان:127
تحديد المواقع:128
1-بنو النضير شرقي المدينة:130
مناقشة للسمهودي لا تصح:134
مناقشة أخرى وردها:135
2-قرب بني خطمة إلى بني النضير:135
خلاصة أخيرة:139
مناقشة مع الواقدي:139
قطع النخل، أو حرقه:140
عدد النخلات المقطوعة؟ !142
تفاصيل أخرى في حرق و قطع النخيل:143
1-لما ذا ابن سلام؟ !145
2-شكوك تصل إلى حد التهمة:145
البعض لم يفهم الآية:146
3-الحرق أم القطع؟ !147
الحكم الفقهي في قطع الأشجار و حرقها:147
حرق النخيل، و الفساد في الأرض:148
جواب السهيلي، لا يصح:150
ضرورة قطع الأشجار، و حرقها:156
المهاجرون! ! و قطع النخل:161
التصويب في الاجتهاد:165
هذا الشعر لمن؟ !167
الفصل الرابع: الجزاء الأوفى تحسبهم جميعا، و قلوبهم شتى:173
اليهود و المنافقون لا ينصرون حلفاءهم:176
يخربون بيوتهم بأيديهم:178
نجاف الباب و وصية موسى:181
روايات غير موثوق بصحتها:182
لأول الحشر:183
سبب إخراج عمر لليهود:189
دعاوى لا تصح:201
الرواية الأقرب إلى القبول:203
لا إكراه في الدين:203
إلى خيبر، أم إلى الشام؟205
السلاح للمؤمنين فقط:207
حزن المنافقين:208
نماذج مثيرة:210
حسان بن ثابت يتعاطف مع اليهود:210
رواية شاذة لابن عمر:213
رواية أخرى تحتاج إلى إصلاح:214
بنو النضير بمنزلة بني المغيرة:215
ملاحظة:221
نزول آية سورة المائدة في بني النضير:221
التربية القرآنية:222
اللّه هو الذي أخرجهم:223
العز، و الذل. . بماذا؟225
مبالغات لا مبرر لها:226
صلاة الخوف في بني النضير:229
تحريم الخمر في غزوة بني النضير:229
الفصل الخامس: كي لا يكون دولة بين الأغنياء الخيانة و الفداء:235
أموال بني النضير في النصوص و الآثار:235
أموال بني النضير لم تخمس:239
توضيحات للواقدي:241
ألف: التعبير ب «صدقات» و «صوافي» :241
ب: حبائل ماكرة أخرى:242
أموال بني النضير فيء أم غنيمة؟244
الجواب الأمثل:246
المهاجرون. . و أموال بني النضير:247
حكاية قسمة الأراضي:248
محاسبات دقيقة:249
المستفيدون من أراضي بني النضير:253
نصان غير متوافقين:256
كي لا يكون دولة بين الأغنياء 257
لما ذا اختص ذوو القربى بالخمس و الفيء؟261
الفصل السادس: أراضي بني النضير و الكيد السياسي الغاصبون:267
نص الرواية:267
المؤاخذات التي لا محيص عنها:273
سؤال. . و جوابه:285
الانتصار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أم لعمر الفاروق؟ !294
يحسبهم الجاهل أغنياء:296
الزهد. . الحرية:303
الزهراء عليها السّلام. . في مواجهة التحدي:304
لما ذا لم يسترجع علي عليه السّلام ما اغتصب؟ !308
الباب السادس: حتى الخندق الفصل الأول: غزوة ذات الرقاع. . تاريخ و أحداث بداية:313
الرصد الدقيق:313
نتائج و آثار:314
غزوة ذات الرقاع 316
نقاط لا بد من بحثها 318
التسمية بذات الرقاع 319
تاريخ هذه الغزوة 321
الصحيح و المعقول 323
مؤيدات 327
لما ذا مؤيدات؟ ! 327
كلام الدمياطي 328
دليل الرأي الآخر 329
غزوتان أم غزوة واحدة 330
من استخلف النبي صلّى اللّه عليه و آله على المدينة؟ ! 331
تضحيات عباد بن بشر 333
تسجيل تحفظ 335
مع الحدث في مراميه و دلالاته 335
قصة غورث بن الحارث 337
قصة أخرى تشبه قصة غورث 340
القصة الأقرب إلى القبول 346
كيف نفهم هذه القصة؟ ! 347
الفهارس 349
1-الفهرس الإجمالي 349
2-الفهرس التفصيلي 349