الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 7

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء السابع

تتمة القسم الخامس: حتى احد

تتمة الباب الثالث: ما بين بدر و احد

الفصل السادس:جزاء الغادر

اشارة

1-قتل أبي عفك:

كان الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد عاهد اليهود على الموادعة، و عدم تعرض أي من الفريقين للآخر. و لكن ازدياد سرايا المسلمين في المنطقة، و ما تبع ذلك من إجراءات على صعيد بناء المجتمع الجديد و تقويته، قد زاد من قوة المسلمين، و رفع من معنوياتهم، و جعل منهم قوة لها خطرها؛ مع أنه لم يمض بعد عامان على قدومهم كلاجئين، يبحثون عن مأوى و ملجأ و ملاذ.

إذا، فلا بد-برأي اليهود-من تطويق هذا الخطر، و الحد من هذا النفوذ قبل فوات الأوان؛ حتى يتسنى لهم الاستمرار في الاحتفاظ بالتفوق السياسي و الاقتصادي في المنطقة.

و قد بدأت محاولات اليهود في هذا السبيل من أوائل الهجرة، و قبل حرب بدر، ثم كانت حرب بدر و نتائجها المذهلة، فزاد ذلك من مخاوف اليهود، و المشركين، و المنافقين على حد سواء، فصعدوا من نشاطاتهم، و تحدياتهم بشكل ملحوظ كما سنرى.

و قد بدأ اليهود قبل بدر بالتحريض على الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و التعرض لهم بمختلف أنواع الأذى، فكان (أبو

عفك) اليهودي يحرض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول فيه الشعر؛ فنذر سالم بن عمير أن يقتله، أو يموت دونه؛ فذهب إليه فقتله (1). و يبدو أن قتله كان قبل حرب بدر، كما سيظهر من العبارات التالية:

2-قتل العصماء بنت مروان:

فلما قتل أبو عفك، تأففت العصماء بنت مروان (و هي من بني أمية بن زيد، و زوجة يزيد الخطمي) من قتله، فصارت تعيب الإسلام و أهله، و تؤنب الأنصار على اتباعهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تقول الشعر في هجوه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تحرض عليه، و استمرت على ذلك إلى ما بعد بدر. فجاءها عمير بن عوف ليلا لخمس بقين من شهر رمضان المبارك، فوجدها نائمة بين ولدها، و هي ترضع، ولدها-و عمير ضعيف البصر-فجسها بيده؛ فوجد الصبي على ثديها يرضع، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أخرجه من ظهرها، ثم ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أقتلت ابنة مروان؟

قال: نعم.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : لا ينتطح فيها عنزان. أي لا يعارض فيها معارض (2).

هكذا زعم المؤرخون: و إن كنا نشك في صحة ذلك، إذ لا يعقل أن


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 408، و المغازي للواقدي ج 1 ص 174 و 175.

2) راجع ما تقدم في: تاريخ الخميس ج 1 ص 406 و 407، و المغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173.

ينحي ولدها عنها و لا تلتفت إليه، و تبقى ساكنة ساكتة، حتى يضع سيفه في صدرها.

هذا، و قد جاء في شواهد النبوة: أن عمير بن عدي الخطمي سمع أبياتها التي قالتها حين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و التي قالتها في ذم الإسلام و المسلمين، و كان ضريرا، فنذر: لئن رد اللّه رسوله سالما من بدر ليقتلنها.

ففي ليلة قدومه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب إليها عمير فقتلها؛ فلما رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: أقتلت ابنة مروان؟

قال: نعم.

فأقبل «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، و قال: «من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة اللّه و رسوله؛ فلينظر إلى عمير بن عدي» .

فقال عمر: إلى هذا الأعمى؟ بات في طاعة اللّه و رسوله! ! .

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : مه يا عمر، فإنه بصير، أو كما قال (1).

و رجع عمير إلى قومه من بني خطمة؛ فقال لهم: يا بني خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدوني جميعا، و لا تنظرون.

فذلك أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة، و كان من أسلم منهم يستخفي بإسلامه، و يومئذ أسلم رجال منهم بما رأوا من عز الإسلام (2).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 407 و 406 عن شواهد النبوة، و المغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173.

2) راجع ما تقدم في المغازي للواقدي ج 1 ص 173 و 174.

و لعل ما في شواهد النبوة من أن عميرا كان أعمى، و قد جاء هذا على لسان عمر أيضا، قد جاء على سبيل المبالغة؛ لأنه كان ضعيف البصر بالفعل، فإن من الصعب على الضرير أن يقوم بعملية كهذه، و هي نائمة ليلا بين ولدها.

إلا أن يقال: إنه إذا عرف مكانها الذي تنام فيه، فإن بإمكانه تمييز الطفل عن غيره بواسطة تلمس أبدانهم، كما هو صريح الرواية. و لكنها- كما قلنا-تبقى عملية صعبة على الرجل الضرير.

و لذلك فنحن نرجح طريقة المبالغة كما قلنا.

3-قتل كعب بن الأشرف:

قال الواقدي: إن قتل كعب بن الأشرف كان في ربيع الأول في سنة ثلاث.

و خلاصة ما جرى: أن اليهود كانوا يتوقعون: أن يستأصل المشركون شأفة المسلمين و الإسلام، و كان لانتصار المسلمين في بدر وقع الصاعقة عليهم، و ثارت ثائرتهم، و طاشت عقولهم.

قال ابن اسحاق: لما أصيب المشركون في بدر؛ بلغ ذلك كعب بن الأشرف، و كبر عليه قتل من قتل في بدر، و بكاهم، و هجا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه في شعره، و كان يشبب بنساء المسلمين (و أضاف البعض (1): نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا) حتى آذاهم (2).


1) هو ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء ص 71.

2) راجع فيما تقدم: سيرة ابن اسحاق ص 317، و البداية و النهاية ج 4 ص 6، و المغازي ج 1 ص 185، و دلائل النبوة للبيهقي طبعة دار الكتب العلمية ج 3-

فسار إلى مكة، و حرض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على حرب رسول اللّه.

و سأله أبو سفيان: أديننا أحب إلى اللّه أم دين محمد و أصحابه؟ و أينا أهدى في رأيك، و أقرب إلى الحق: إنّا لنطعم الجزور الكوماء، و نسقي اللبن على الماء، و نطعم ما هبت الشمال؟ !

فقال له: أنتم أهدى منهم سبيلا (1).

فلما عاد إلى المدينة، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من لي بابن الأشرف؟

فانتدب له محمد بن مسلمة، و قال: يا رسول اللّه، لا بد لنا أن نقول.

قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.

فذهب إليه هو و أبو نائلة، أخو كعب من الرضاعة، و آخرون. فاجتمع به أبو نائلة، و أظهر له تبرمه من الوضع المعيشي الذي نجم عن قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و طلب منه: أن يبيعه طعاما في مقابل رهن، فطلب ابن الأشرف أن يرهنوه نساءهم، فرفض أبو نائلة، ثم طلب أبناءهم، فرفض أيضا، و عرض عليه رهن السلاح، حتى لا ينكر كعب السلاح إذا جاء مع أصحابه؛ فقبل كعب. و رجع المفاوض إلى جماعته، فجاء بهم، و معهم السلاح، و شيعهم «صلى اللّه عليه و آله» إلى بقيع الغرقد؛

(2) ص 188 و 190، و تاريخ الخميس ج 1 ص 413، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 178، و البحار ج 20 ص 10، و طبقات الشعراء لابن سلام ص 71.


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 6، و السيرة البنوية لابن كثير ج 3 ص 11، دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 191.

و دعا لهم، فلما انتهوا إلى الحصن صاحوا به، فقالت له زوجته-و كان حديث عهد بعرس-: أسمع صوتا يقطر منه الدم.

فقال لها كعب: إن أبا نائلة لو رآه نائما ما أيقظه. و نزل إليهم، فأخذ أبو نائلة رأسه فشمه، و تعجب من طيبه، و كرر ذلك حتى اطمأن كعب.

ثم أخذ بفوديه، و قال: اضربوا عدو اللّه، فخبطوه بأسيافهم، و قتلوه، و جرح منهم بأسيافهم الحارث بن أوس بن معاذ، فتفل «صلى اللّه عليه و آله» على جرحه. فأصبحوا و قد خافت يهود مما جرى لكعب «فليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه» (1)، و ذهبوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فقالوا: قتل صاحبنا غيلة.

فذكر هم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما كان يهجوه في أشعاره و يؤذيه.

قال: ثم دعاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يكتب بينه و بينهم صلحا، قال: أحسبه قال: فذلك الكتاب مع علي (2).

و قال كعب بن مالك بهذه المناسبة أبياتا منها:


1) راجع جميع ما تقدم في المصادر التالية: سيرة ابن اسحاق ص 317-319، و البداية و النهاية ج 4 ص 5-8، و المغازي للواقدي ج 1 ص 188-191، و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 192-200، و تاريخ الخميس ج 1 ص 413-414، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 179 و 180، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 143 و 144.

2) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 204، و طبقات ابن سعد ج 2 ص 23، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 198، و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 192، و تاريخ الخميس ج 1 ص 414.

فغودر منهم كعب صريعافذلت بعد مصرعه النضير (1)

قال العلامة الحسني: «و مع ذلك فلم يتراجعوا عن الدس و التحريض على المسلمين و التصدي لهم، و النيل من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلب منهم النبي أن يكفوا عما هم عليه، و أن يلتزموا بالعهد الذي أعطوه على أنفسهم، حين دخوله المدينة، فلم يزدهم ذلك إلا عتوّا و تماديا في إيذاء المسلمين، و نشر الفساد، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جانبه يوصي المسلمين بالهدوء و ضبط الأعصاب» (2).

و لا بد أن يكون ذلك-لو صح-باستثناء ناقضي العهد من الشخصيات الخطرة، التي كانت تحرض على الإسلام و المسلمين، و تشكل خطرا جديا عليهم، كما يظهر مما يأتي:

ملاحظة: قد تقدم أن الكتاب الذي كتبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينه و بين اليهود قد كان مع علي «عليه السلام» .

و نحن نستثير القارئ ليطرح سؤاله حول السر في أن يكون ذلك الكتاب عند علي «عليه السلام» دون غيره، فهل ذلك يشير إلى خصوصية لعلي «عليه السلام» بالنسبة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المجال السياسي، أو حتى فيما يرتبط بالإمامة من بعده «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

4-قتل ابن سنينة:

و يذكر المؤرخون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: من ظفرتم


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 8.

2) سيرة المصطفى ص 378.

به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي، فقتله، فقال له أخوه حويصة-و لم يكن قد أسلم بعد-: يا عدو اللّه قتلته؟ ! أما و اللّه لرب شحم في بطنك من ماله.

فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك.

قال: فو اللّه، إن كان لأول إسلام حويصة. فاستحلفه على ذلك؛ فحلف له فقال: إن دينا بلغ بك ما أرى لعجب! ثم أسلم (1).

5-قتل أبي رافع:
اشارة

و في جمادى الآخرة من السنة الثالثة (2)، و قيل: سنة أربع (3).

و عند البعض: بعد أحد من دون تعيين.

كان قتل أبي رافع بن الحقيق بخيبر، الذي كان يظاهر ابن الأشرف في معاداته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يؤذي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبغي عليه.

و ذلك أنه: بعد قتل الأوس لابن الأشرف قالت الخزرج: و اللّه لا يذهبون بها علينا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فوقع اختيارهم على ابن الحقيق هذا، المعروف ببغيه و أذاه، و المظاهر لابن الأشرف؛ فاستأذنوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قتله فأذن لهم. فخرج إليه خمسة نفر أو


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 8، و سيرة ابن اسحاق ص 319 و 320، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 200، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 180 و 181.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 182، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 146.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 183، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 148.

ثمانية، عليهم عبد اللّه بن عتيك، فأتوا داره ليلا، فأغلقوا أبوابه على أهله، و كان هو في علية، فاستأذنوا عليه؛ بحجة: أنهم جاؤا يطلبون الميرة (1)، فدخلوا عليه، و أغلقوا باب العلية، فوجودوه على فراشه؛ فابتدروه، فصاحت المرأة؛ فأرادوا قتلها، ثم ذكروا نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل النساء و الصبيان، فقتلوه، و خرجوا. و لكنهم لم يطمئنوا إلى أنه قد مات؛ فأرسلوا أحدهم، فدخل بين الناس، و عرف الخبر منهم، و رجع إليهم فأخبرهم بهلاكه.

ثم رجعوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اختلفوا فيمن قتله، فأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسيافهم، فرأى على سيف ابن أنيس أثر الطعام؛ فقال: هذا قتله (2).

و أضاف ابن الأثير في روايته المفصلة: أن ابن عتيك وصل إلى غرفة أبي رافع المظلمة، فناداه، فأجابه، فضرب جهة الصوت، فصاح؛ فهرب ابن عتيك، ثم عاد إليه، فقال: ما هذا الصوت؟ !

فأجابه: إن رجلا في البيت، فضرب نحو الصوت، فأثخنه، ثم وضع السيف في بطنه، حتى خرج من ظهره، و نزل من درج فوقع، فانكسرت ساقه؛ فعصبها بعمامة؛ ثم جلس عند الباب، ليعرف إن كان قد قتل حقا، فسمع أول الفجر نعيه، فانطلق إلى أصحابه، ثم جاء إلى النبي، فمسح


1) الميرة: الطعام.

2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 287 و 288، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 146 و 147، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 184 و 185، و البحار ج 20 ص 13.

«صلى اللّه عليه و آله» رجله، فكأنه لم يشتكها قط (1).

و قبل المضي في الحديث لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: الإسلام قيد الفتك:
اشارة

إنه ربما يتخيل: أن الاغتيالات التي تحدثنا عنها لا تناسب ما ورد من أن الإسلام قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، حتى ليقال: إن هذا كان هو المانع لمسلم بن عقيل من قتل عبيد اللّه بن زياد في بيت هاني بن عروة (2).

و لكن الحقيقة هي: إن المقصود بالفتك هو القتل غدرا لمن يكون في أمن من ناحيتك. و الغدر أعم من الفتك.


1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 12، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77، و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 2 ص 91، و مجمع الزوائد ج 6 ص 197 و 198، و البحار ج 20 ص 302 و 303، و بهجة المحافل ج 1 ص 193، و المواهب اللدنية ج 1 ص 122 و 123، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 183، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 147 و 148.

2) الجامع الصغير ج 1 ص 124 عن البخاري في التاريخ، و أبي داود و مستدرك الحاكم و مسند أحمد و مسلم و كنوز الحقائق بهامش الجامع الصغير ج 1 ص 96، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 352، و مسند أحمد ج 1 ص 166 و 167، و منتخب كنز العمال بهامش المسند ج 1 ص 57، و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 202 فصل 10، و مناقب ابن شهرآشوب ج 2 ص 318، و مقتل الحسين للمقرم ص 171، و الكامل لابن الاثير ج 4 ص 27، و تاريخ الطبري ج 4 ص 271، و البحار ج 44 ص 344، و عن وقايع الايام عن الشهاب في الحكم و الآداب و لا بأس بمراجعة مشكل الآثار ج 1 ص 78.

وثمة رواية تفيد: أن الفتك لا يجوز إلا بإذن الإمام «عليه السلام» ، و قد حكم على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين «عليه السلام» أن يذبح كبشا. و لو أنه قتلهم بإذن الإمام «عليه السلام» لم يكن عليه شيء (1).

و ذلك لأن الفتك لو شاع لا نعدم الأمن، و سلبت الراحة من كل أحد.

و قد كان عبيد اللّه بن زياد في بيت هاني بن عروة يرى نفسه في أمن من ناحيتهم، و لم يكن ثمة إعلان حرب فيما بينه و بينهم، إنما كان ثمة إرهاصات بالحرب فيما بينه و بين الحسين «عليه السلام» ، و لم يكن ذلك قد اتضح بصورة تامة في ذلك الحين.

و ليس الأمر بالنسبة لليهود كذلك، لأنهم كانوا قد عاهدوا النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» : أن لا يحاربوه و لا يظاهروا عليه عدوه.

و هؤلاء هم الذين آذوا المسلمين، و هجوهم، و حرضوا المشركين عليهم، و ناحوا على قتلى بدر، بل ذهب ابن الأشرف إلى مكة للتحريض عليهم، و شبب بالنساء المسلمات، و حتى بنساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى آخر ما تقدم.

إذا، فقد صار هؤلاء من أظهر مصاديق (المحاربين) ، و ناقضي العهود، و لا بأس بالخدعة على المحارب لقتله؛ فإن (الحرب خدعة) (2).


1) التهذيب للشيخ الطوسي ج 10 ص 213 و 214، و الكافي ج 7 ص 376.

2) المنتقى ج 2 ص 765، و التهذيب ج 6 ص 162 و 163، و المعجم الصغير ج 1 ص 30 و 17، و الوسائل ج 11 ص 102 و 103، و الكافي ج 7 ص 460، و البحار (ط بيروت) ج 97 ص 27 و ج 20 ص 207، و صحيح البخاري ج 4 ص 126 و ج 2 ص 112، و مسند أحمد ج 1 ص 81 و 90 و 113 و 131-

و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» إذا أراد غزوة ورى بغيرها (1)، كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاز لهم أن يقولوا ما شاؤوا حينما ذهبوا إلى قتل ابن الأشرف، و ذلك لأن شر هذا المحارب و فساده في الأرض، و وقوفه في وجه كلمة اللّه، و إقامة العدل و الحق، أعظم من أي قول يقولونه، و أي

(2) -و 134 و 126 و ج 2 ص 214 و 312 و ج 3 ص 244 و 297 و 308 و ج 6 ص 387، و مستدرك الوسائل ج 11 ص 103، و تفسير القمي ج 2 ص 60، و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 378 منشورات جماعة المدرسين، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 945 و 946 و ص 950، و صحيح مسلم ج 5 ص 143، و سنن أبي داود ج 3 ص 43 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 400، و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 193 و 194، و سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من المجلد الثالث ص 317، و مسند أبي يعلى ج 13 ص 482 و ج 4 ص 91 و 384 و ج 3 ص 359 و 464 و ج 1 ص 382 و 423 و ج 12 ص 130 و ج 8 ص 44، و مواضع أخرى أشار إليها في الهامش و إلى مصادر كثيرة أيضا.


1) راجع سنن الدارمي ج 2 ص 219، و معاني الأخبار للصدوق ص 365 و 366، و البحار (ط بيروت) ج 72 ص 369 و ج 21 ص 240 و 241، و التفسير المنسوب للعسكري «عليه السلام» ص 232، و صحيح البخاري ج 2 ص 105، و السنن الكبرى ج 9 ص 150، و نيل الاوطار ج 8 ص 56، و المغازي للواقدي ج 3 ص 990، و صحيح مسلم ج 8 ص 106، و سنن أبي داود ج 3 ص 43، و الطبقات الكبرى 2 لابن سعد ج 2 ص 167 ط صادر، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 542، و مسند أحمد ج 3 ص 456 و 457 و ج 6 ص 387، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 159، و تاريخ الخميس ج 2 ص 123، و تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 110.

أسلوب يتبعونه.

و أخيرا: فهل يشك أحد في أن من يكون في ساحة الحرب، فإن لعدوه أن يختله من خلفه، و يتخلص منه؟ ! .

و من كان محاربا، فليس له أن يأمن عدوه، و ينام قرير العين، فارغ البال!

و يدل على ما قلناه: أن نفس امرأة كعب بن الأشرف قد حذرته، و قالت له: «إنك امرؤ محارب، إن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة» ! !

و مما يدل على ذلك أيضا: أنهم قد احتاجوا إلى تجديد العهد الذي نقضوه، و كتابة عهد آخر كان عند علي أمير المؤمنين، وصي النبي و وارثه، صلوات اللّه و سلامه عليه (1).

جريمة معاوية:

و بعد ما تقدم، فإننا نجد معاوية يحاول-كعادته-أن ينتقص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يظهر ابن الأشرف على أنه قد قتل مظلوما؛ فعن عباية، قال: ذكر قتل كعب بن الأشرف عند معاوية، فقال: كان قتل غدرا.

فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول اللّه «صلى اللّه


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 204، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 23، و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 198، و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 192، و تاريخ الخميس ج 1 ص 414.

عليه و آله» ؟ لا يظلني و إياك سقف بيت أبدا (1).

و حسبنا هنا أن نقول عن معاوية، و مواقفه، و مخزياته: و كل إناء بالذي فيه ينضح.

ب: رعب اليهود:

إن عمليات قتل هؤلاء الأفراد، التي نظمت و نفذت ببراعة فائقة، و ذكاء و عبقرية، قد أرعبت اليهود، و أخافتهم، و لا سيما بعد قتل ابن الأشرف الغادر، حتى إنه (ليس بها يهودي إلا و هو خائف على نفسه) . و حتى قال كعب بن مالك:

فغودر منهم كعب صريعافذلت بعد مصرعه النضير

و قد كان يهود بني النضير أعز من بني قريظة، و غيرهم، ممن كان لا يزال في تلك المنطقة. و كان لهذه الضربة فيهم أثر هام في رعب سائر اليهود آنئذ. و أصبح القضاء على من يغدر من اليهود أسهل و أيسر، فالمسلمون يملكون الجرأة الكافية، و اليهود أصبحوا خائفين على أنفسهم، و القضاء على الخائف المرعوب أسهل و أيسر من القضاء على غيره، و كان ذلك واحدا من مصاديق قوله «صلى اللّه عليه و آله» : (نصرت بالرعب) .

و ذلك أمر طبيعي بالنسبة لمن لا يؤمن بالمعاد، و يعتقد أن جنته هي هذه الدنيا، و أنه إذا فقد حياته، فقد كل شيء، حسبما ألمحنا إليه من قبل.


1) مشكل الآثار ج 1 ص 77.

ج: مع موقف عمير في أصالته و نبله:

1-يلاحظ: أن عمير بن وهب ينحي ولد العصماء عن صدرها، ثم يقتلها.

و هذا يؤكد: على أن الإسلام قد ربى أتباعه على أنه ليس ضد الإنسان، و إنما هو ضد مواقفه و تصرفاته المنحرفة عن الحق، و العدل، و الفطرة.

فهو يريد فقط: أن يقضي على مصدر الخطر على الحق و الفطرة.

و حينما لا يبقى ثمة سبيل إلا القضاء على مصدر الفتنة؛ و حيث يكون آخر الدواء الكي؛ فإنه لا بد أن يكتفى بالحد الأدنى، الذي يتحقق فيه الهدف الأقصى، و هو إقامة الدين و الحق.

2-ثم إننا لنكبر هذا التعقل النادر لعمير في موقف حرج و خطير كهذا، حتى إنه ليملك في هذه اللحظات الحساسة جدا أن يتخذ القرار الحاسم و المبدئي، و كما يريده الإسلام، بعيدا عن كل اضطراب و انفعال، لا سيما و هو ضرير، كما قيل، أو ضعيف البصر.

نعم، إنه يتصرف بهدوء و اطمئنان، و وعي، حتى في أحرج اللحظات، و أكثرها إثارة للأعصاب، و تشويشا للحواس.

و مثل ذلك يقال بالنسبة لا متناعهم عن قتل المرأة التي كادت تفضحهم بصياحها في قضية أبي رافع، حين تذكروا نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل النساء و الصبيان.

و هذه هي الشخصية الإسلامية التي يريدها الإسلام، و استطاع أن يصدر للعالم الكثير من النماذج الحية لها، من أمثال سلمان، و عمار، و أبي ذر، و المقداد، و الأشتر، و فوق هؤلاء جميعا سيدهم، و إمامهم، و أميرهم، أمير

المؤمنين علي «عليه السلام» ، و الأئمة من ولده صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

و يكفي أن نذكر مثالا و قدوة لكل الأحرار، و الذين يعيشون المبدأ بكل وجودهم: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» حينما أراد أن يقتل عمرو بن عبدود، فشتمه عمرو، و تفل في وجهه، قام عنه، حتى ذهب عنه غضبه، ثم عاد إليه فقتله، فعل ذلك ليكون قتله له خالصا للّه، لا يتدخل فيه عنصر حب الانتقام لنفسه، و غضبه لها، و لو بشكل لا شعوري.

هذه من علاه إحدى المعاليو على هذه فقس ما سواها

3-ثم هناك رواية شواهد النبوة، التي تضيف: أن بعض الصحابة قد نفس على عمير هذا الوسام النبوي الذي ناله عن جدارة و استحقاق، و لم يستطع أن يخفي ذلك في نفسه، بل ظهر في فلتات لسانه بتعبير فيه شيء من الجفاء الجارح، دعا الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» إلى محاولة حسم الموقف، ثم التلطيف و التخفيف من وقع تلك العبارة، ثم معاودة التأكيد على جدارة عمير، و استحقاقه للثناء، و عرفان حقه، بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «مه يا عمر، فإنه بصير» .

4-و هناك أيضا موقف آخر لعمير في قومه، الذي أدى إلى أن يعز الإسلام فيهم، و يسلم منهم رجال. فإن في ثقة عمير بنفسه و بدينه، و صلابته في التعبير عن هذه الثقة، حتى لقد صرح لهم: أنه لم يعد يخشى أحدا على الإطلاق-إن في ذلك-ما يجعل كل من يتردد في قبول الإسلام، بسبب خوفه، و ضعف نفسه، يشعر بأن بإمكانه أن يجد في الإسلام نصيرا و معينا و حاميا له، و لم يعد ثمة ما يبرر موقفه السلبي منه.

و لأجل هذا نجد: أن عددا منهم يدخل في الإسلام، حينما شعر بعزة الإسلام و بقوته في تلك القبيلة.

د: ابن الأشرف و أبو سفيان:

و في قضية ابن الأشرف يواجهنا سؤال أبي سفيان لكعب عن الدين الحق، ثم محاولة أبي سفيان الاستدلال على أحقية دينه بما تقدم، من أنهم يطعمون الجزور الكوماء، و يسقون اللبن على الماء الخ.

و نحن هنا نسجل ما يلي:

1-إن ذلك يؤيد ما قدمناه، من أن العرب كانوا يرون في اليهود مصدرا للمعرفة و الثقافة.

و قد استقر ذلك في نفس عمر بن الخطاب، حتى إنه كان يأتي بترجمة التوراة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى أظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» انزعاجه من ذلك، حسبما قدمناه في مدخل هذه الدراسة، حين الكلام حول المرسوم العام، حيث قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب: أمتهوكون أنتم؟ !

هذا بالإضافة إلى أننا و إن كنا نكاد نطمئن إلى أن أبا سفيان لم يكن يجهل بأحقية دين الإسلام، و أنه من أجلى مصاديق قوله تعالى: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ (1)و إنما هو يحارب الإسلام من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية، و امتيازاته غير المشروعة و لا المعقولة، التي كرسها له


1) الآية 14 من سورة النمل.

و لأمثاله العرف الجاهلي الظالم و المنحرف.

الا أننا نعتقد: أن أبا سفيان كان يهدف من سؤاله هذا لابن الأشرف اليهودي إلى خداع البسطاء و السذج من قومه و أتباعه، من أجل ضمان استمرارهم معه في حرب الإسلام و المسلمين، و جديتهم في ذلك.

2-إننا نلاحظ: أن كرم العرب هو أقصى ما استطاع أن يأتي به أبو سفيان كدليل على أحقية دينه.

و قد تقدم في أوائل هذا الكتاب ما يرتبط بقيمة ما عرف عن العرب من ميزات و خصائص فلا نعيد.

ه: تساؤل حائر:

إنهم يذكرون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعلن بشكل عام رغبته في قتل ابن الأشرف، فقال: من لي بابن الأشرف؟

فانتدب له محمد بن مسلمة. ثم يذكرون كيفية احتيالهم عليه، و قتلهم إياه.

و لكن السؤال هنا هو: كيف يعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، ثم لا يصل الخبر إلى مسامع ابن الأشرف عن طريق مشركي المدينة أو يهودها، أو على الأقل منافقيها؟ ! . و كيف جازت عليه حيلتهم بهذه السهولة، و هو يعلم: أنه محارب؟ ! .

و عن محمد بن مسلمة و دوره في قتل ابن الأشرف، تساورنا شكوك و شكوك، فإن من يراجع كتب السيرة يلاحظ: أن ثمة كثيرا من التركيز على دوره في هذه القضية، مع أن من يتأمل في وقائعها لا يجد له كبير أثر فيها، بل الدور الأكبر هو لأبي نائلة. و ابن مسلمة لو كان معهم، فإنما كان كغيره ممن حضر.

كما و يلاحظ: أن ثمة اهتماما في إعطائه بعض الأدوار الهامة في الدفاع عن الإسلام، و الدين. و نحن نشك في ذلك، و لا نستبعد أن يكون للسياسة يد في هذا الأمر، لإظهاره على أنه رجل شجاع، مناضل، مخلص الخ. .

في مقابل الآخرين ممن تهتم السلطة بإيجاد بدائل لهم و عنهم، فإن محمد بن مسلمة كان ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» (1).

و روي: أن عليا «عليه السلام» قال لعمار رحمه اللّه: «ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود» (2)و لعله كان أخا له من الرضاعة.

و في شرح المعتزلي: أنه كان من المهاجمين لبيت فاطمة «عليها السلام» ، و أنه هو الذي كسر سيف الزبير (3)و كان أيضا أحد ثقات الخليفة الثاني و معتمديه، كما نص عليه البلاذري و غيره (4).

كما أن عمر قد بعثه إلى الشام في مهمة قتل سعد بن عبادة كما يقول البعض (5).

و قد عينه عمر لاقتصاص أخبار العمال، و تحقيق الشكايات التي تصل


1) الإمامة و السياسة ج 1 ص 53، و قاموس الرجال ج 8 ص 388، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9.

2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 54، و قاموس الرجال ج 8 ص 388.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 48، و قاموس الرجال ج 8 ص 388.

4) الزهد و الرقائق لابن المبارك ص 179، و راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 267.

5) راجع في كل ذلك: قاموس الرجال ج 8 ص 388.

إلى الخليفة من عماله (1).

و: التنافس القبلي:

و لقد رأينا: أن التنافس القبلي بين الأوس و الخزرج، حينما وظف في خدمة الإسلام و المسلمين آتى ثمارا خيرة. فكان قتل الخزرج لأبي رافع واحدة من تلك الثمار، و كان هو النتيجة البناءة الطبيعية لهذا التنافس، الذي سعى النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تغيير منطلقاته، و أهدافه، لتكون في خدمة الدين و الحق و الخير للإنسان، الفرد و الجماعة على حد سواء.

ز: جهل و غرور ابن الأشرف:

إن غرور كعب بن الأشرف، و اعتداده الزائد بنفسه، حتى ليقول لزوجته عن أبي نائلة: إنه لو وجده نائما لما أيقظه، و الأهم من ذلك جهله بالتغيير الجذري الذي يحدثه الإسلام في نفس و في شخصية الإنسان، هو الذي أوقعه في الفخ الذي نصبه له أولئك المجاهدون البواسل، الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم الحق.

و لو أنه كان قد أدرك ما كان حويصة قد أدركه في أخيه محيصة، و عاش الواقع الحي الذي يواجهه، و حاول أن يتفاعل معه، و تخلى عن عنجهيته و غروره، لما كان ينبغي أن يسبقه حويصة إلى التشرف بالإسلام.


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 267 عن سيرة عمر.

ح: الإسلام و الإنسان:

و قد سبق: أن حويصة حينما عرف أن هذا الدين قد بلغ بأخيه: أنه لو أمره الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بقتل أخيه لقتله، أدرك أحقية هذا الدين، و تشرف بالدخول فيه.

و سبق كذلك: أن أحد الإخوة يبارز أخاه في صفين، و يلقيه على الأرض، و يجلس على صدره ليذبحه، فلما رأى وجهه عرف أنه أخاه، و لكنه بقي مصرا على قتله، رغم تدخل الآخرين لمنعه، و لم يقبل أن يتركه إلا إذا أذن له أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فأذن له، فتركه حينئذ (1).

و هذه الدرجة من اليقين، هي التي دعت عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي إلى: أن يستأذن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في قتل أبيه المنافق، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا مجال لاستقصائها (2).

كما أن هذا اليقين هو الذي أشار إليه عمار بن ياسر رضوان اللّه تعالى عليه، حينما قال عن الجيش الذي جاء لمحاربة أمير المؤمنين «عليه السلام» : «و اللّه لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعرفت أنّا على حق و هم على باطل» (3).


1) صفين للمنقري ص 271 و 272.

2) تفسير الصافي ج 5 ص 180، و الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد و ابن المنذر، و السيرة الحلبية ج 2 ص 64.

3) صفين للمنقري ص 322، و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 27، و قاموس الرجال ج 7 ص 113.

فعمار لم ير النصر العسكري، و القوة العسكرية مقياسا للحق و الباطل، كما هو شأن ضعاف النفوس. بل هو يجعل النصر و الهزيمة رهن الحق و الباطل. فالمحق منتصر دائما، حتى حينما يكون منهزما عسكريا و سياسيا، و المبطل هو المنهزم، و إن كان منتصرا على الصعيد العسكري و السياسي و غير ذلك في ظاهر الأمر.

نعم، إن قضية «حويصة و محيصة» تمثل لنا الشخصية التي يريد الإسلام، و استطاع الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة «عليهم السلام» من بعده: أن يصنعوا منها نماذج متفوقة، تعتبر حب اللّه متفوقا على كل حب، و رابطة العقيدة تسمو على كل رابطة (1).

و لكن لم تستطع سائر الأجهزة التي حكمت باسم الإسلام، و تحت شعار خلافة النبوة، أن تصنع و لو نموذجا واحدا من هذا القبيل، حتى و لو في المستوى الأدنى، إلا إذا كان ذلك عن طريق خداع بعض السذج ببعض الشعارات البراقة، و الأساليب الشيطانية، فينقادون لهم، و يؤخذون بسحرهم.

و هذا ليس هو محط كلامنا، فنحن نتكلم عن الإيمان العميق المدعوم بالعقيدة الراسخة، و المنطلق من الوعي و الفكر، و الرؤية الصحيحة. فإذا لوحظ وجود فرد يتجه في هذا السبيل، فإنك ستجده-حتما-يرتبط بأهل بيت النبوة و معدن الرسالة بنحو من الارتباط و الاتصال.

و بعد ما تقدم، فإننا لا بد أن نفسح المجال أمام الحديث عن المرحلة الثانية، و هي مرحلة الحرب العلنية، فإلى الصفحات التالية. .


1) راجع مقال: الحب في التشريع الإسلامي في كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام.

الفصل السابع: حروب علنية بين المسلمين و اليهود

اشارة

قريش تحرض اليهود على نقض العهد:

قال عبد الرزاق: و كتب كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: «إنكم أهل الحلقة و الحصون، و إنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا و كذا. و لا يحول بيننا و بين خدم نسائكم، و هو الخلاخل-(شيء) -فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير (على)الغدر الخ. .» .

ثم يذكر قضية غدر بني النضير، و ما جرى بينهم و بين المسلمين (1).

و نحن نستقرب أن يكون بنو قينقاع هم أول من استجاب لطلب قريش هذا، لا سيما و أن قريشا قد كتبت لهم بعد بدر، و كان نقض بني قينقاع للعهد بعد بدر أيضا. أما قضية بني النضير فقد كانت في السنة الرابعة بعد أحد، كما يقولون. و سيأتي الكلام حول ذلك في جزء آخر من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

كما أن المؤرخين يقولون: إن بني قينقاع لما كانت وقعة بدر، أظهروا البغي و الحسد، و نبذوا العهد الذي كان بينهم و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن لا يحاربوه، و لا يظاهروا عليه عدوه، نبذوه إلى رسول اللّه «صلى


1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 359.

اللّه عليه و آله» ، و كانوا أول من غدر من اليهود (1).

تصعيد التحدي:

قالوا: و كان بنو قينقاع أشجع و أشهر قوم من اليهود، و أكثر اليهود أموالا و أشدهم بغيا، و كانوا صاغة، و كانوا حلفاء لعبد اللّه بن أبي، و عبادة بن الصامت. فبينما هم على مجاهرتهم و كفرهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوقهم (2)فجلست عند صائغ منهم، لأجل حلي لها؛ فأرادوها على كشف وجهها، فأبت. فعمد الصائغ، أو رجل آخر إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، و هي لا تشعر.

فلما قامت انكشفت سوأتها؛ فضحكوا منها؛ فصاحت، فوثب مسلم على من فعل ذلك، فقتله، و شدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنصر أهل المسلم بالمسلمين، فغضب المسلمون.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «ما على هذا قررناهم» ؛ فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، و قال: يا رسول اللّه، أتولى اللّه و رسوله، و أبرأ من حلف هؤلاء الكفار.

و تمسك ابن أبي بالحلف، و أصر على الرسول «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 408، و السيرة الحلبية ج 2 ص 208، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 2، و المغازي للواقدي ج 1 ص 176 و 177.

2) راجع هذه القضية في: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 137 و 138، و البداية و النهاية ج 4 ص 3 و 4، و السيرة الحلبية ج 2 ص 208.

بتركهم، و قال: «إنه امرؤ يخشى الدوائر، فنزل فيه قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (1)إلى قوله تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ (2)» (3).

فجمعهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سوقهم، و قال لهم: يا معشر يهود، احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النقمة، و أسلموا؛ فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، و عهد اللّه إليكم.

قالوا: يا محمد، إنك ترى أنّا قومك؟ ! و لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة. إنّا و اللّه، لو حاربناك، لتعلمن أنا نحن الناس.

فأنزل اللّه تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلىٰ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ اَلْمِهٰادُ، قَدْ كٰانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتٰا فِئَةٌ تُقٰاتِلُ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ أُخْرىٰ كٰافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ اَلْعَيْنِ وَ اَللّٰهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشٰاءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصٰارِ (4).

و قوله: وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ (5). كذا


1) الآية 51 من سورة المائدة.

2) الآية 56 من سورة المائدة.

3) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 290 و 291 عن: ابن اسحاق، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و ابن عساكر، و ابن أبي شيبة.

4) الآيتان 12 و 13 من سورة آل عمران.

5) الآية 58 من سورة الأنفال.

يقول المؤرخون.

فتحصن بنو قينقاع في حصونهم، فاستخلف «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة أبا لبابة، و سار إليهم، و لواؤه الأبيض (أو راية العقاب السوداء) يحمله أمير المؤمنين «عليه السلام» .

(و قولهم: بيد حمزة ينافيه ما تقدم و سيأتي من الأدلة الكثيرة على أن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مشهد) .

و حاصرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» خمس عشرة ليلة، ابتداء من النصف من شوال السنة الثانية، أو في صفر السنة الثالثة، (و هو بعيد بملاحظة: أنهم إنما غضبوا من انتصار المسلمين في غزوة بدر) .

و قذف اللّه في قلوبهم الرعب، و كانوا أربعمائة حاسر، و ثلاثمائة دارع؛ فسألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يخلي سبيلهم، و يجليهم عن المدينة، و أن لهم نساءهم و الذرية، و له الأموال و السلاح.

فقبل «صلى اللّه عليه و آله» منهم، و فعل بهم ذلك، و أخذ أموالهم و أسلحتهم، و فرقها بين المسلمين، بعد أن أخرج منها الخمس، و أجلاهم عن المدينة إلى أذرعات (بلد بالشام) .

فيقال: إنه لم يدر عليهم الحول حتى هلكوا.

و في نص آخر: أنهم أنزلوا من حصونهم و كتفوا، و أراد «صلى اللّه عليه و آله» قتلهم، فأصر ابن أبي عليه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يتركهم له بحجة أنه امرؤ يخشى الدوائر فلا يستطيع أن يتركهم، و هم أربعمائة حاسر، و ثلاثمائة دارع، قد منعوه من الأحمر و الأسود، على حد تعبيره؛ فاستجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى طلبه و إصراره، و أجلاهم.

و نزل في ابن أبي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (1)إلى قوله تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ (2).

و قبل أن نمضي في الحديث لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: نزول الآية في ابن أبي:

إن نزول قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ في ابن أبي محل شك، و ذلك لما يلي:

1-إن ابن أبي لم يكن مؤمنا، و الآية تخاطب الذين آمنوا.

هذا بالإضافة إلى ذكر النصارى في الآية، و لم يكن للنصارى دور في قضية بني قينقاع.

الا أن يقال: إن الخطاب للمؤمنين، و ذكر النصارى إنما هو لإعطاء قاعدة كلية، و تحذير المؤمنين من موقف يشبه موقف ابن أبي، فما فعله ابن أبي كان سبب نزول الآية في تحذير المؤمنين من موقف كهذا.

2-إن الظاهر بل المصرح به هو أن سورة المائدة قد نزلت جملة واحدة في حجة الوداع سنة وفاته «صلى اللّه عليه و آله» (3)، و قضية بني قينقاع إنما


1) الآية 51 من سورة المائدة.

2) الآية 56 من سورة المائدة.

3) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و الطبراني، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان، و ابن أبي شيبة، و البغوي في معجمه، و ابن مردويه، و أبي عبيدة و غيرهم.

كانت قبل أحد.

فهل تأخر نزول الآية عن مناسبتها ما يقرب من ثماني سنين؟ ! ! .

حقيقة القضية:

و لعل السر في دعوى نزول مجموع الآيات في هذه المناسبة، هو الخداع و التضليل للسذج و البسطاء، و تشكيكهم في قضية الغدير، التي كانت و لا تزال الشوكة الجارحة في أعين شانئي علي «عليه السلام» و مبغضيه.

فالظاهر هو: أن هذه الآيات قد نزلت لتحذير المسلمين من الاتجاه الذي كانت بوادره تظهر و تختفي بين الحين و الآخر، من الاندفاع نحو أهل الكتاب بصورة عامة.

حتى لقد كان الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يواجه بعض ما يعبر عن هذا الاندفاع نحو الثقافة اليهودية، و الخضوع لهيمنة فكر أهل الكتاب عموما! !

و قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في يد عمر (رض) ورقة من التوارة، فغضب، حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ ! و اللّه، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي.

و في رواية: أ مهوكون فيها يا بن الخطاب؟ الخ. .

و في أخرى: أن عمر نسخ كتابا من التوراة بالعبرية، و جاء به، فجعل يقرؤه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).


1) راجع مقدمة ابن خلدون ص 436، و أضواء على السنة المحمدية ص 162، و الإسرائيليات في التفسير و الحديث ص 86، و فتح الباري ج 13 ص 281 عن ابن أبي شيبة و أحمد، و البزار، و مسند أحمد ج 3 ص 387، و غير ذلك من المصادر الكثيرة التي أشرنا إلى طائفة منها في تمهيد الكتاب.

و قد قدمنا هذا الحديث مع مصادره في المدخل لدراسة هذه السيرة، فراجع.

و قد ازداد هذا الاتجاه نحو ثقافة أهل الكتاب، عنفا و قوة بعد وفاة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . و هذا موضوع هام جدا، و متشعب الأطراف؛ حيث إن علامات التأثر بأهل الكتاب قد ظهرت بشكل أو بآخر في كثير من المجالات: العقائدية، و الفكرية، و الفقهية، و غير ذلك.

و قد بحثنا فيما سبق هذا الموضوع، و توصلنا فيه إلى العديد من النتائج المذهلة على صعيد الفكر، و السياسة، و العقيدة، و التشريع. فليراجع.

ب: حول الراية:

إن ما يبدو: هو أن الراية في هذه الحرب كانت سوداء، لأن هذه هي راية حرب، و غضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أهل الكفر و الشرك و الضلال، يقول الكميت مشيرا إلى ذلك:

و إلا فارفعوا الرايات سوداعلى أهل الضلالة و التعدي

و قد كانت رايته «صلى اللّه عليه و آله» يوم فتح مكة سوداء، و كانت راية أمير المؤمنين «عليه السلام» في حربه لأعدائه سوداء أيضا، و لعل في هذا إلماما إلى أن من يحاربهم «عليه السلام» لا يفترقون عمن حاربهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فيما سبق.

و سنشير في أوائل غزوة أحد إلى أن حامل لواء النبي «صلى اللّه عليه

و آله» في جميع حروبه هو أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فكل ما يذكر خلاف ذلك ما هو إلا عربدة و تضليل.

و أما أن راية العقاب كانت قطعة من برد لعائشة، كما ذكره الحلبي (1)، فنحن نشك في ذلك، لأنه هو نفسه قد ذكر في وقعة خيبر: أن «المقريزي لما ذكر رتب الرياسة في الجاهلية، ذكر: أن العقاب كان في الجاهلية راية تكون لرئيس الحرب. و جاء الإسلام و هي عند أبي سفيان، و جاء الإسلام و السدانة و اللواء عند عثمان بن أبي طلحة، من بني عبد الدار» (2).

و العبارة مشوشة كما ترى، و لكنها تدل على أي حال على أن العقاب لم تكن من مرط عائشة. ثم إننا لا ندري لماذا اختار برد عائشة ليكون راية له! ! .

ج: الخمس:

1-و قد تقدم: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد فرق السلاح و الأموال التي غنمها من بني قينقاع على المسلمين، مع أنها كانت مما أفاء اللّه عليه، فهي له دون غيره.

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» آثر أن يفرقها بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، إعانة لهم، و لطفا بهم، و عطفا عليهم.

2-و قالوا: إن خمس بني قينقاع كان أول خمس قبضه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 209 و ج 3 ص 35.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و 36.

3) تاريخ الطبري ج 2 ص 174.

و هذا محل شك أيضا، فقد تقدم قولهم: إنه قد خمس ما غنمه المسلمون من المشركين في غزوة «قرقرة الكدر» . و كذا قيل في غزوة بدر، و في سرية ابن جحش.

و توجيه ذلك بأن المراد هنا: أنه أول خمس قبضه، و فيما تقدم كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يقبض الخمس، و إنما يرده على المسلمين، خلاف الظاهر، خصوصا إذا أثبت البحث العلمي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بقي يقسم الخمس على المسلمين، كما فعل في غزوة حنين، فلعل الرواة قد رووا هذه الأوليات بحسب حضورهم. فالذي حضر هذه الغزوة و رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خمس غنائمها، لعله لم يحضر التي قبلها، و كذا الحال بالنسبة للراوي الآخر في الغزوة الأخرى، فلا بد من التحقيق حول هذا الموضوع.

د: بعض أهداف و نتائج حرب بني قينقاع:

إن حرب المسلمين لبني قينقاع، و هم أشجع اليهود، و أكثرهم مالا، و القضاء عليهم معناه:

1-أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يفسح المجال لهم-كما يقول العلامة الحسني-لأن (يطمعوا به، و يكتلوا حولهم من يشاركهم الرأي من المنافقين و الأعراب) ، لأن صبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، و أمره للمسلمين بالتحمل مهما أمكن، جعل اليهود يظنون: أن هذا ناتج عن ضعف و خور؛ فاستمروا في تحرشاتهم (1).


1) راجع: سيرة المصطفى ص 379.

2-أن يسهل القضاء على الآخرين من الأعداء، ممن هم أقل منهم قوة و عددا، و عدة و مالا، لأنهم إذا رأوا أن أصحاب الشوكة لم يستطيعوا أن يأتوا بشيء، فإنهم سوف يقتنعون بأنهم-و هم الأضعف-أولى أن لا يأتوا بشيء أيضا.

3-إن ما غنمه المسلمون من بني قينقاع، من شأنه أن يزيد من طموح عدد من الناس من المسلمين للقضاء على أعدائهم، و يسهل عليهم الوقوف في وجههم؛ حيث يرتاح بالهم من جهة معاشهم، و لا يبقى ما من شأنه أن يثير مخاوفهم، و يستبد بتفكيرهم.

4-كما أن ذلك: إنما يعني التخلص من عدو داخلي، يعرف مواضع الضعف و القوة، و ربما يكون أخطر من العدو الخارجي بكثير.

5-ثم إن القضاء على اليهود كان يتم على مراحل، و ذلك بطبيعة الحال أسهل و أيسر من القضاء عليهم فيما لو كانوا مجتمعين دفعة واحدة، و في صعيد واحد، يعين بعضهم بعضا، و يشد بعضهم أزر بعض.

6-و المسلمون أيضا، إذا رأوا أنفسهم قد استطاعوا القضاء على أشجع اليهود، و أكثرهم قوة و نفوذا، فإنهم سوف يتشجعون للقضاء على من سواهم، و لا يبقى مجال للخوف و لا للتردد.

ه: الحجاب:

إن قضية المرأة التي أرادوها على كشف وجهها، قد يقال: إنها تدل على أن الحجاب كان مفروضا حينئذ، أي في السنة الثانية للهجرة، مع أن المعروف هو: أن الحجاب قد فرض بعد ذلك بعدة سنين.

إلا أن يقال: إن الحجاب قد كان موجودا في الجاهلية.

أو يقال: صحيح إن فرض الحجاب و إيجابه قد كان في سنة خمس، أو بعدها، لكن الالتزام بالحجاب، على اعتبار أنه محبوب و مطلوب للّه، و أمر راجح و حسن قد كان قبل ذلك بسنين. و ذلك اتباعا لتوجيهات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ترغيباته، و دعواته إلى ذلك، إذ لا يبعد أن يكون تشريع الحجاب قد جاء تدريجا؛ لتتقبله النفوس، و تألفه العادة.

و لا سيما إذا لاحظنا: أنه ربما كان أمرا صعبا على نساء الجزيرة العربية، اللواتي يعشن في جو حار جدا، كما هو معلوم.

و على كل حال، فإن هذا الأمر يحتاج إلى تحقيق، و لسوف نتحدث عنه بشيء من التفصيل فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و: الغرور و الإيمان:

إننا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حتى حينما انتصر على المشركين في بدر ذلك الانتصار الباهر و الساحق، و كذلك حينما انتصر عليهم في غيرها من المواقف الصعبة، فإنه لا ينسب انتصاراته إلى نفسه، أو إلى جيشه.

و لا يسمح لنفسه بأن تتوهم: أنها هي التي انتصرت بالقوة، و العدة، و العدد، أو بالعبقرية الحربية؛ لأنه يعلم أن الانتصار الذي سجل في بدر مثلا، لم يكن في المقاييس المادية انتصارا.

و إنما هو معجزة إلهية، لا يمكن لأحد أن يحترم نفسه إلا أن يذعن إلى هذه الحقيقة، و يسلم بها. و هذا هو ما قرره اللّه تعالى بقوله: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ

اَللّٰهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (1).

كما أنه تعالى قد تعرض لحالة العجب بالنفس في حنين، فقال: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً (2).

بينما نجد بني قينقاع مغرورين بقوتهم و شوكتهم، حتى قالوا له: لو حاربناك لتعلمن: أنا نحن الناس. فأوعدهم اللّه بالهزيمة و الخذلان. و صدق اللّه وعده، فزاد ذلك من يقين المؤمنين و تصميمهم، و من ذل الكافرين و خزيهم.

ز: الاستجابة لابن أبي:

و إن استجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابن أبي في بني قينقاع، كانت تهدف إلى الحفاظ على الجبهة الداخلية من التصدع. و لولا ذلك فلربما كان ينتهي الأمر إلى النزاعات المكشوفة، و المواجهات العلنية، الأمر الذي لم يكن في صالح الإسلام و المسلمين في تلك الفترة؛ فإن الإبقاء على العلاقات الحسنة مع المنافقين في تلك الظروف كان أمرا ضروريا؛ لكسب أكبر عدد منهم في المستقبل، عن طريق التأليف و الترغيب، و كذلك من أبنائهم، ثم توفير الطاقات لعدو أشد و أعتى.

كما أن إجلاء بني قينقاع، كما يعتبر ضربة روحية و نفسية لغيرهم من اليهود، كذلك هو يعتبر إضعافا لابن أبي و من معه من المنافقين. فخسران


1) الآية 123 من سورة آل عمران.

2) الآية 25 من سورة التوبة.

الأعداء متحقق على كل تقدير.

ح: بنو قينقاع تحت الأضواء:

و أما لماذا تجرأ بنو قينقاع على نقض العهد، فالظاهر:

أن ذلك يرجع: إلى غرورهم و اعتدادهم بشجاعتهم، و بكثرتهم، و لعلهم كانوا يتوقعون نصر حلفائهم من الخزرج لهم، كما يظهر من قولهم له «صلى اللّه عليه و آله» : لتعلمن أنا نحن الناس.

ثم هناك اعتمادهم على ما يملكونه من خبرة عسكرية، و معرفة بالحرب، و قد عبروا عن ذلك أيضا بقولهم له «صلى اللّه عليه و آله» : لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب. و إلا، فإننا لا نرى مبررا لأن تعلن قبيلة واحدة الحرب على كثير من القبائل في المدينة، إن كانت لا تملك شيئا من مقومات النصر المحتمل. و لكن كثرتهم و خبرتهم الحربية لم تغن عنهم شيئا، كما أن حلفاءهم من الخزرج لم يفعلوا لهم شيئا، لأن المؤمنين منهم تخلوا عنهم، لأن الوفاء لهم خيانة لعقيدتهم و مبدئهم و إيمانهم، الذي يبذلون أرواحهم في سبيل الحفاظ عليه.

و أما المنافقون منهم فلم يتمكنوا من نصرهم، بسبب ما قذف اللّه في قلوبهم من الرعب، و كون ذلك سوف يتسبب لهم بانشقاقات و خلافات داخلية.

و أقصى ما استطاع ابن أبي أن يقدمه لهم، هو أن يمنع من استئصالهم، مع الاكتفاء بإجلائهم إلى مناطق بعيدة لن يمكنهم الصمود فيها أكثر من سنة، و ليواجهوا من ثم الفناء و الهلاك.

و أما لماذا لم يهب اليهود لنصرة بني قينقاع، فإن ذلك يرجع إلى أنه قد

كان بينهم و بين سائر اليهود عداوة، و ذلك لأن اليهود كما قال ابن اسحاق:

«كانوا فريقين، منهم بنو قينقاع و لفهم (1)، حلفاء الخزرج، و النضير و قريظة و لفهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس و الخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، و خرجت النضير و قريظة مع الأوس يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم. و بأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم و ما لهم، و الأوس و الخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان: لا يعرفون جنة، و لا نارا، و لا بعثا، و لا قيامة، و لا كتابا، و لا حلالا، و لا حراما.

فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم، تصديقا لما في التوراة، و أخذ به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم من أيدي الأوس، و تفتدي النضير و قريظة ما في أيدي الخزرج منهم، و يطلون ما أصابوه من الدماء و قتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم» (2).

و كانوا بذلك مصداقا لقوله تعالى و هو يخاطب اليهود: وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ لاٰ تَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ وَ لاٰ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلاٰءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيٰارِهِمْ تَظٰاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰارىٰ تُفٰادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرٰاجُهُمْ (3)صدق اللّه العلي العظيم.


1) لفهم: أي من يعد فيهم.

2) السيرة النبوية، لابن هشام ج 2 ص 188 و 189.

3) الآيتان 84 و 85 من سورة البقرة.

القسم السادس: حتى الخندق

اشارة

الباب الأول: غزوة أحد. . آثار و نتائج الباب الثاني: أحداث و قضايا الباب الثالث: حتى بئر معونة الباب الرابع: سرية بئر معونة الباب الخامس: غزوة بني النضير

الباب الأول: غزوة أحد. . آثار و نتائج

اشارة

الفصل الأول: قبل نشوب الحرب الفصل الثاني: نصر و هزيمة الفصل الثالث: في موقع الحسم الفصل الرابع: بعد ما هبت الرياح الفصل الخامس: غزوة حمراء الأسد و إلي السنة الرابعة

الفصل الأول: قبل نشوب الحرب

اشارة

أجواء و مواقف:

و في سنة ثلاث-و شذ من قال في سنة أربع (1)في شهر شوال، يوم السبت على الأشهر-كانت غزوة أحد (2)، و هو جبل يبعد عن المدينة حوالي فرسخ. و ذلك أن نتائج حرب بدر كانت قاسية على مشركي مكة، و مفاجأة لليهود و المنافقين في المدينة.

فقريش لا يمكن أن تهدأ بعد الآن حتى تثأر لكرامتها، و لمن قتل من أشرافها. حتى لقد أعلنوا المنع عن بكاء قتلاهم؛ لأن ذلك يذهب الحزن، و يطفئ لهيب الأسى من جهة. و لأنه يدخل السرور على قلوب المسلمين من الجهة الأخرى.

و لكنهم عادوا فتراجعوا عن هذا القرار؛ فسمحوا للنساء بالبكاء، لأن


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 216، و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 419.

2) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 9، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 201، و أنساب الأشراف ج 1 ص 311، و المغازي للواقدي ج 1 ص 199، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 18، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 148، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 186، و السيرة الحلبية ج 2 ص 216، و السيرة النبوية لدحلان (المطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 19 و تاريخ الخميس ج 1 ص 419.

ذلك-بزعمهم-يثير المشاعر، و يذكر الرجال بالعار الذي لحق بهم.

و مضت قريش تستعد لقتال النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعبئ النفوس، و تجهز القوى الحربية لأخذ الثأر، و محو العار. و مضى اليهود الذين أصبحوا يخافون على مركزهم السياسي، و الاقتصادي في المنطقة، و على هيمنتهم الثقافية أيضا يحرضون المشركين على الثأر ممن و ترهم، و أعلنوا بالحقد، و نقض العهد، حتى كال لهم المسلمون ضربات صاعقة، هدت كيانهم، و جرحت و أذلت كبرياءهم و غرورهم.

و من جهة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و من معه من المسلمين؛ فإنهم لن يتخلوا عن قبلتهم، الكعبة، و لن يتركوا قريشا و غطرستها و غرورها، لا سيما بعد تعدّيها عليهم، و ظلمها القبيح لهم، حتى اضطرهم ظلمها و تعدّيها إلى الهجرة من ديارهم، تاركين لها أوطانهم، و كل ما يملكون.

و كذلك، فإن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد حاصر قريشا بمعاهداته للقبائل التي في المنطقة، و موادعاته لها، و أصبح يسيطر على طريق تجارتها، و لم يعد هذا الطريق آمنا لها، و أصبحت ترى نفسها بين فكي (كماشة) ، فلا بد لها إذا من كسر هذا الطوق، و تجاوز هذا المأزق.

و هذا ما عبّر عنه ذلك الزعيم القرشي-كما تقدم في سرية القردة- بقوله لقريش:

«إن محمدا و أصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ لا يبرحون الساحل.

و أهل الساحل قد وادعهم، و دخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، و إن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، و نحن في دارنا هذه فلم يكن لنا بقاء. إنما

نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف، و في الشتاء إلى أرض الحبشة» (1).

جيش المشركين إلى أحد:

و كانت العير التي كانت وقعة بدر من أجلها-و هي ألف بعير كما قالوا-قد بقيت سالمة و محتبسة في دار الندوة. و اتفقوا مع أصحابها على أن يعطوهم رؤوس أموالهم، و هي خمسة و عشرون أو خمسون ألف دينار-على اختلاف النقل-على أن يصرف الربح في قتال المسلمين. و كان كل دينار يربح دينارا، و هو مبلغ هائل في وقت كانت للمال فيه قيمة كبيرة، و القليل منه يكفي للشيء الكثير.

و بعثوا الرسل إلى القبائل يستنصرونهم، و حركوا من أطاعهم من قبائل كنانة، و أهل تهامة، و اشترك الشاعر أبو عزة الجمحي في تحريض القبائل على المسلمين، و كان قد أسر في بدر، و منّ عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشرط أن لا يظاهر عليه.

و قد شارك في ذلك بعد أن ألح عليه صفوان بن أمية، و ضمن له إن رجع من أحد أن يغنيه، و إن أصابه شيء أن يكفل بناته.

و خرجت قريش بحدها وجدها، و أحابيشها و من تابعها.

و أخرجوا معهم بالظعن خمس عشرة امرأة، فيهن هند بنت عتبة، لئلا يفروا، و ليذكرنهم قتلى بدر. يغنين و يضر بن بالدفوف، ليكون أجد لهم في القتال.

و خرج معهم الفتيان بالمعازف، و الغلمان بالخمور، و كان جيش المشركين ثلاثة آلاف مقاتل.


1) المغازي للواقدي ج 1 ص 197، و سيرة المصطفى ص 385.

و قيل: خمسة آلاف.

و نحن نرجح الأول؛ لقول كعب بن مالك:

ثلاثة آلاف و نحن نصيبهثلاث مئين إن كثرنا و أربع (1)

أي: و أربع مئين.

و كان في جيش المشركين سبعمائة دارع، و مئتا فارس على المشهور.

و قيل: مئة، و مئة رام، و معهم ألف-و قيل ثلاثة آلاف-بعير.

و لا يبعد صحته (2)كلهم بقيادة أبي سفيان الذي صار زعيم قريش بعد قتل أشرافها في بدر.

و كان معهم أبو عامر الفاسق، الذي كان قد ترك المدينة إلى مكة مع


1) البدء و التاريخ ج 4 ص 207. نعم يمكن أن يكون عمدة الجيش ثلاثة آلاف، و معهم من العبيد و الخدم-و هم مقاتلون أيضا-ألفان بل في البحار ج 20 ص 117: أن أبا سفيان قد استأجر ألفين من الأحابيش.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 419-422، و السيرة الحلبية ج 2 ص 217 و 218، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 19-21 و 26، و راجع: الوفاء بأحوال المصطفى ص 684، و المغازي للواقدي ج 1 ص 200-204 و 206، و أنساب الاشراف ج 1 ص 312 و 313، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 187-190 و 197، و البداية و النهاية ج 4 ص 10- 16، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 20 و 25 و 26 و 30 و 32، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 64 و 65 و 70 و 71، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 149-151، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 221 و 209، و البحار ج 2 ص 48، و حياة محمد لهيكل ص 254، و سيرة المصطفى ص 391.

خمسين رجلا من أتباعه من الأوس كراهية لمحمد، خرج إلى مكة يحرض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول لهم: إنهم على الحق، و ما جاء به محمد باطل.

فسارت قريش إلى بدر، و لم يسر معهم، و سار معهم إلى أحد.

و كان يزعم لهم: أنه لو قدم على قومه لم يختلف عليه اثنان منهم، فصدقوه، و طمعوا في نصره، و لكن الأمر كان على عكس ذلك كما سنرى.

و كان مع المشركين أيضا: وحشي غلام جبير بن مطعم، الذي وعده سيده بالحرية، إن هو قتل محمدا، أو عليا، أو حمزة بعمه طعيمة بن عدي؛ فإنه لا يدري في القوم كفؤا له غيرهم (1).

فقال وحشي له-أو لهند-: أما محمد؛ فلن يسلمه أصحابه، و أما حمزة فلو وجده نائما لما أيقظه من هيبته، و أما علي فإنه حذر مرس، كثير الالتفات (2).

و سيأتي: أنه تمكن من الغدر بحمزة، أسد اللّه و أسد رسوله.

سؤال و جوابه:

و يرد هنا سؤال: و هو أنهم إذا كانوا قد أخرجوا معهم النساء لئلا يفروا، فلماذا فروا حين حميت الحرب، و تركوا النساء؟ ! .

و الجواب عن ذلك سيأتي حين الكلام عن هذا الموضوع، إن شاء اللّه تعالى.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 217، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 20.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 285.

وصول الخبر إلى المدينة:

و يقولون: إن العباس بن عبد المطلب كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخبره بمسير قريش، و بكيفية أحوالهم، و بعددهم، مع رجل غفاري، على أن يصل إلى المدينة في ثلاثة أيام، فقدم الغفاري المدينة، و سلم الكتاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو على باب مسجد قباء، فقرأه له أبي بن كعب، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بالكتمان (1).

و وقعت الأراجيف بالمدينة، و قال اليهود: إن الغفاري ما جاء بخبر يسر محمدا. و فشا الخبر بخروج المشركين قاصدين المدينة بعدتهم و عددهم، هكذا قالوا.

و لكننا في مقابل ذلك: نجد الواقدي يذكر: أن نفرا من خزاعة فيهم عمرو بن سالم سروا من مكة أربعا، فوافوا قريشا، و قد عسكروا بذي طوى، فلما وصلوا المدينة أخبروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر، ثم انصرفوا، فلقوا قريشا ببطن رابغ على أربع ليال من المدينة.

فقال أبو سفيان: أحلف باللّه، إنهم جاؤوا محمدا فخبروه بمسيرنا، و عددنا، و حذروه منا، فهم الآن يلزمون صياصيهم، فما أرانا نصيب منهم شيئا في وجهنا.

فقال صفوان بن أمية: إن لم يصحروا لنا عمدنا إلى نخل الأوس و الخزرج


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 430، و المغازي للواقدي ج 1 ص 204، و أنساب الاشراف ج 1 ص 314، و السيرة الحلبية ج 2 ص 172، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20، و سيرة المصطفى ص 393، و حياة محمد لهيكل ص 255.

فقطعناه، فتركناهم و لا أموال لهم؛ فلا يختارونها أبدا. و إن أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم و سلاحنا أكثر من سلاحهم، و لنا خيل، و لا خيل معهم، و نحن نقاتل على وتر لنا عندهم، و لا وتر لهم عندنا (1).

و قد يقال: لا مانع من أن يكون الخبر قد وصل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قبل الغفاري، و من قبل هؤلاء معا. و قبل أن نمضي في الحديث نشير في ما يلي إلى بعض النقاط، و هي التالية:

سؤال يحتاج إلى جواب:

و يرد هنا سؤال و هو: كيف قبلت قريش بإقامة العباس في مكة مسلما -إذا صح أنه أسلم في بدر-و قريش لم تكن لترحم أحباءها و أبناءها إذا علمت بإسلامهم، و لا سيما بعد تلك النكبة الكبرى التي أصابتها على يد ابن أخيه في بدر، حيث قتل أبناءها و آباءها و أشرافها؟

إلا أن يقال: إنه كان مسلما سرا، و قد أمره «صلى اللّه عليه و آله» بالبقاء في مكة؛ ليكون عينا له، و لازم ذلك هو أن يتظاهر بالشرك، و أنه معهم، و على دينهم.

و قد تقدمت بعض تساؤلات حول وضع العباس في مكة في غزوة بدر، فلا نعيد.

المشركون و أزمة الثقة:

و يلاحظ هنا: أن أبا سفيان لم يكن يثق بمن هم على دينه، و لا يستطيع


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 205، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 218 و 219.

أن يعتمد عليهم، و لذلك نراه يبادر إلى اتهامهم بأنهم قد أخبروا محمدا بمسيرهم، و عددهم، و حذروه منهم.

و قد أشير إلى هذه الحالة في حديث سدير، قال: قلت لأبي عبد اللّه: إني لألقى الرجل لم أره و لم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك؛ فأحبه حبا شديدا، فإذا كلمته وجدته لي مثلما أنا عليه له، و يخبرني: أنه يجد لي مثل الذي أجد له.

فقال: صدقت يا سدير، إن ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا-و إن لم يظهروا التودد بألسنتهم-كسرعة اختلاط قطر السماء مع مياه الأنهار، و إن بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا-و إن أظهروا التودد بألسنتهم-كبعد البهائم عن التعاطف، و إن طال اعتلافها على مذود واحد (1).

و يمكن أن يستفاد هذا المعنى أيضا من بعض الآيات القرآنية، قال تعالى: وَ لاٰ يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ (2).

و قال تعالى: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (3).

و قال: وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدٰاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰاناً (4).

و موجز القول في سر ذلك: و هو ما أشار إليه الطباطبائي أيضا، الذي سنكتفي بتلخيص كلامه لما فيه من الخصوصيات، و إن كان أصل الكلام


1) سفينة البحار ج 1 ص 204.

2) الآيتان 118 و 119 من سورة هود.

3) الآية 63 من سورة الأنفال.

4) الآية 103 من سورة آل عمران.

قد كان محط نظرنا أيضا: أن الكفار إنما يلتقون على مصالحهم الدنيوية الشخصية، و يتفقون و يختلفون على أساسها؛ و ذلك لأن الإنسان يحب بطبعه أن يخص نفسه باللذائذ و النعم، و على هذا الأساس يحب هذا و يبغض ذاك.

و حيث إنه لا يستطيع أن يلبي كل ما يحتاج إليه من ضروريات حياته؛ فإنه لا بد له من حياة اجتماعية تعينه على ذلك، و يتبادل مع الآخرين ثمرات الأتعاب، حيث إن كل شخص له مؤهلات تجعله يختص ببعض الامتيازات لنفسه: من مال، أو جمال، أو طاقات فكرية، أو نفسية، أو غريزية، أو غير ذلك.

هذه الامتيازات التي تطمح إليها النفوس، و يتنافس فيها البشر عموما. و بسبب الاحتكاكات المتوالية، و ما يصاحبها من وجوه الحرمان، و البغي، و الظلم، و الشح، و الكرم في هذه الأمور التي يتنافسون فيها، فإن العداوات و الصداقات تنتج عن ذلك.

و أما محاولات بذل النعم لفاقديها، فإنها لا ترفع هذه النزاعات و العداوات و غيرها إلا في موارد جزئية. أما الحالة العامة فتبقى على حالها؛ لأن هذا البذل لا يبطل غريزة الاستزادة، و الشح الملتهب، على أن بعض النعم لا تقبل إلا الاختصاص و الانفراد، كالملك، و الرئاسة، فالشرور و الأحقاد التي تتولد عن ذلك باقية على حالها. هذه حالة المجتمع الكافر باللّه، الذي لا يؤمن إلا بالمصلحة الدنيوية الشخصية، و اللذات الحاضرة. و لكن اللّه قد منّ على المسلمين، و أزال الشحّ من نفوسهم: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ

نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (1)و ألّف بين قلوبهم، و ذلك لأنه عرّفهم: أن الحياة الإنسانية حياة خالدة، و أن الحياة الدنيا زائلة لا قيمة لها، و أن اللذة المادية لا قيمة لها، و اللذة الواقعية هي أن يعيش الإنسان في كرامة عبودية اللّه سبحانه، و رضوانه، و القرب و الزلفى منه تعالى، مع النبيين و الصديقين، و هناك اللذة الحقيقية الدائمة، قال تعالى: وَ مٰا هٰذِهِ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ (2).

كما أنه لا يملك أحد لنفسه نفعا و لا ضررا، و لا موتا و لا حياة، بل هو في تصرف اللّه الذي بيده الخير و الشر، و النفع و الضر، و الغنى و الفقر. و كل نعمة هي هبة من ربه، و ما حرم منه احتسب عند ربه أجره، و ما عند اللّه خير و أبقى. و إذ لم يعد للمادة قيمة عند المؤمنين؛ فإن أسباب الضغن و الحقد تزول، و يصبحون بنعمته إخوانا، و لا يبقى في نفوسهم غل، و حسد، و رين (3).

و هكذا يتضح: أن موقف الخزاعيين، و عدم التزامهم بنصر قومهم، و الحفاظ على أسرارهم أمر طبيعي.

كما أن سوء ظن أبي سفيان، و عدم ثقته بهم هو أيضا نتيجة طبيعية للشرك، و عدم الإيمان.

و من كل ذلك نعرف أيضا سر عدم تأثير تشجيع النساء في ثبات المشركين، و لم يمنعهم عار أسر نسائهم من الهزيمة، و تركوهن في معرض


1) الآية 9 من سورة الحشر.

2) الآية 64 من سورة العنكبوت.

3) راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 119-121.

السبي، مع أنهم أخرجوهن لهدف هو عكس ذلك تماما.

و لكن الأمر بالنسبة للمسلمين (الحقيقيين) كان على عكس ذلك تماما كما سنرى.

عنصر السرية لتلافي الأخطار المحتملة:

قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يأمر أبيا بكتمان خبر مسير قريش، و يستفيد من عنصر السرية، كي لا يفسح المجال أمام الحرب النفسية، التي لا بد أن يمارسها اليهود و المنافقون ضد المسلمين؛ و ليفوت الفرصة عليهم، و يحبط مؤامراتهم المحتملة؛ لأنهم في الحقيقة-و هم العدو الواقعي-هم العدو الأخطر، و المطلع على مواطن الضعف و القوة لدى المسلمين. أي أن إعلان الأمر في وقت مبكر لسوف يستدعي إصرارا على معرفة خطة المواجهة مع العدو، و هذا يسهل على المتآمرين و الخونة وضع الخطط اللازمة لإفشال خطة المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.

كما أنه يعطي أعداءهم الفرصة لإعلام قريش بالأمر، و بكل الخصوصيات اللازمة لمواجهة خطة المسلمين و إفشالها، أو على الأقل تكبيد المسلمين أكبر عدد ممكن من الخسائر. و عنصر السرية هذا قد اعتمده النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أكثر من موقف في معركة أحد هذه و في غيرها، كما سنرى.

المشركون في طريق المدينة:
اشارة

و لما انتهت قريش إلى الأبواء، ائتمروا في أن ينبشوا قبر أم محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و قالوا: «فإن النساء عورة؛ فإن يصب من نسائكم أحدا، قلتم: هذه رمة أمك. فإن كان برا بأمه-كما يزعم-فلعمري لنفادينهم برمة

أمه، و إن لم يظفر بأحد من نسائكم، فلعمري ليفدين رمة أمه بمال كثير، إن كان بها برا» (1).

و كانت زعيمة هذا الرأي هند زوجة أبي سفيان، فاستشار أبو سفيان أهل الرأي من قريش، فقالوا: لا تذكر من هذا شيئا؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر و خزاعة موتانا.

و سارت قريش حتى نزلت بذي الحليفة، و سرّحوا إبلهم في زروع المدينة، التي كان المسلمون قد أخلوها من آلة الزرع قبل ذلك، و أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعض العيون لمراقبتهم، و أرسل أيضا الحباب بن المنذر سرّا لمعرفة عددهم و عدتهم، و قال له: إذا رجعت فلا تخبرني بين أحد من المسلمين، إلا أن ترى في القوم قلة، فرجع إليه فأخبره خاليا، و أمره الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالكتمان (2).

و نشير نحن هنا إلى أمرين:

الأول: معرفة النبي صلى اللّه عليه و آله بواقع أصحابه:

إن سبب أمره «صلى اللّه عليه و آله» عينه الذي أرسله إليهم بذلك واضح، فإن معرفة المسلمين بعددهم و عدتهم سوف يثبط من عزائم بعضهم، ممن اعتادوا أن يقيسوا الأمور بالمقاييس المادية، و لم يتفاعلوا بعد مع دينهم و عقيدتهم، بشكل كامل، و لا اطلعوا على تعاليم الإسلام و أهدافه، و ارتبطوا بها عقليا، و وجدانيا، و عاطفيا، و سلوكيا، بنحو أعمق و أقوى، و إنما دخلوا في


1) المغازي للواقدي ج 1 ص 206.

2) المغازي للواقدي ج 1 ص 207 و 208.

الإسلام، إما عن طريق الإعجاب، أو القناعة العقلية. و لم تمض على دخولهم فيه إلا فترة قصيرة جدا.

الثاني: الإفلاس على كل صعيد:

إن ما فكر به القرشيون من نبش قبر أمه «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما يعبر عن مدى الإسفاف الفكري لدى قريش، حتى إنها لتفكر باتباع أبشع أسلوب و أدناه في حربها مع المسلمين. و هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أمور:

أحدها: إفلاسهم على صعيد المنطق و الفكر، و حتى على صعيد الخلق الإنساني، بل و العلاقات و الضوابط المعقولة، في المواجهة مع المسلمين الذين هم القمة في كل ذلك.

الثاني: مدى حقدهم الدفين على الإسلام و المسلمين.

الثالث: مدى عمق الجرح، و عنف الصدمة الساحقة التي تلقتها قريش في بدر، و لا تزال تتلقاها على صعيد طرق قوافل تجارتها إلى الشام، و يحتمل إلى الحبشة أيضا.

النبي صلى اللّه عليه و آله يستشير أصحابه:
اشارة

و يقول المؤرخون: إنه لما نزل المشركون قرب المدينة، و بثّ المسلمون الحرس عليها، و خصوصا على مسجد الرسول، و أراد «صلى اللّه عليه و آله» الشخوص، فجمع أصحابه للتشاور في أمر جيش لم يواجه المسلمون مثله من قبل، عدة و عددا.

و يذكرون أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبرهم برؤيا رآها، رأى

بقرا يذبح، و أن في سيفه ثلمة، و أنه في درع حصينة، فأول البقر: بناس من أصحابه يقتلون.

و الثلمة: برجل من أهل بيته يقتل.

و الدرع: بالمدينة.

و للرواية نصوص أخرى لا مجال لها.

و إذا كانت رؤيا النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الوحي، و كانت هذه الرواية صحيحة؛ فإن ذلك يكون توطئة لإعلامهم بالموقف الصحيح، و أن عليهم أن يلتزموا بتوجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يرتبط بالتخطيط و التنفيذ في المواجهة مع العدو.

و لكنهم اتجهوا في مواقفهم و قراراتهم نحو العكس من ذلك، حيث يقولون: إن ابن أبي قد أشار بالبقاء في المدينة، فإذا أقبل العدو رماه الأطفال و النسوة بالحجارة، و قاتله الرجال بالسكك. و إن أقام في خارج المدينة أقام في شر موضع.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» -كما يقولون-كارها للخروج من المدينة أيضا. و لكن من لم يشهد بدرا، و طائفة من الشباب المتحمسين الذين ذاقوا حلاوة النصر في بدر، و معهم حمزة بن عبد المطلب، و أهل السن، قد رغبوا بالخروج و أصروا عليه، لأنهم-كما يقول البعض-يرون خيل قريش و إبلها ترعى زروعهم، و تعيث فيها فسادا.

و احتجوا لذلك: بأن إقامتهم في المدينة ستجعل عدوهم يظن فيهم الجبن، فيجرؤ عليهم.

و قالوا: (و قد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل؛ فأظفرك اللّه بهم، و نحن

اليوم بشر كثير) .

بعد أن ذكروا: أن هذا أمر قد ساقه اللّه إليهم في ساحتهم.

قال نعيم بن مالك: يا نبي اللّه، لا تحرمنا الجنة؛ فوالذي نفسي بيده لأدخلنها.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : بم؟

قال: بأني أحب اللّه و رسوله، و لا أفر من الزحف.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : صدقت.

و قال له أنصاري: متى نقاتلهم يا رسول اللّه، إن لم نقاتلهم عند شعبنا؟

و قال آخر: إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها لتقول: حصرنا محمدا في صياصي يثرب و آطامها؛ فتكون هذه جرأة لقريش، و ها هم قد وطأوا سعفنا، فإذا لم نذبّ عن عرضنا فلم ندرع؟ ! .

و قال آخر: إن قريشا مكثت حولا تجمع الجموع، و تستجلب العرب في بواديها، و من اتبعها من أحابيشها، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل، و اعتلوا الإبل، حتى نزلوا ساحتنا؛ فيحصروننا في بيوتنا و صياصينا؟ ثم يرجعون وافرين لم يكلموا؟ ! فيجرؤهم ذلك علينا، حتى يشنوا الغارات علينا، و يصيبوا أطلالنا، و يضعوا العيون و الأرصاد علينا. مع ما قد صنعوا بحروثنا، و يجترئ علينا العرب حولنا الخ. .

و ثمة كلام آخر هنا يروى عن حمزة و غيره لا مجال له هنا، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة المصادر.

و أبى كثير من الناس إلا الخروج، فنزل «صلى اللّه عليه و آله» على رأي غالبية الناس، ثم دخل بيته ليلبس لامة الحرب. ففي هذه الأثناء أدركهم

الندم على إصرارهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و استكراههم له، و هو أعلم باللّه و ما يريد، و يأتيه الوحي من السماء.

فلما خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم و قد لبس لامته، ليتوجه مع أصحابه إلى حرب قريش، قالوا: يا رسول اللّه، امكث كما أمرتنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب أن يرجع حتى يقاتل (1).

ثم وعظهم و عقد الألوية، و خرج بجيشه لحرب قريش و جمعها.

و في رواية: أنهم لما صاروا على الطريق قالوا: نرجع.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : ما كان ينبغي لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم.

و ههنا أمور هامة لا بد من التنبيه عليها:


1) راجع جميع ما تقدم في: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 67 و 68، و تاريخ الخميس ج 1 ص 421 و 422، و السيرة الحلبية ج 2 ص 218 و 219، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 188-190، و المواهب اللدنية ج 1 ص 92 و 93، و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 208 و 226. و راجع أيضا: السيرة النبوية لابن اسحاق ص 324، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 150، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 25 و 26، و البداية و النهاية ج 4 ص 12 و 13، و راجع ص 11 و المغازي للواقدي ج 1 ص 208-211 و 214، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 21-23، و سيرة المصطفى ص 395 و 396، و مجمع الزوائد ج 6 ص 107.

ألف: هل النبي صلى اللّه عليه و آله يحتاج إلى رأي أحد؟ !
اشارة

قد تقدم في أوائل هذا الكتاب في فصل «سرايا و غزوات قبل بدر» ، و في نفس موقعة بدر بعض الكلام حول استشارة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه في أمر الحرب.

و نعود هنا للإشارة إلى هذا الأمر من جديد، على أمل أن يضم القارئ ما كتبناه هنا و هناك، و هنالك، بعضه إلى بعض، و يستخلص النتيجة المتوخاة من طرح هذا الموضوع، و الإشارة إلى جوانبه المختلفة فنقول: إنه لا ريب في حسن المشاورة و صلاحها.

و قد ورد الحث عليها في الأخبار الكثيرة.

و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد شاور أصحابه في أكثر من مرة و مناسبة، حتى نزل في مناسبة حرب أحد قوله تعالى: فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ، إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّٰهُ فَلاٰ غٰالِبَ لَكُمْ. . (1).

و عن ابن عباس بسند حسن: لما نزلت: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ ، قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما إن اللّه و رسوله لغنيان عنها، و لكن جعلها اللّه رحمة لأمتي؛ فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، و من تركها لم يعدم غيا (2).


1) الآيتان 159 و 160 من سورة آل عمران.

2) الدر المنثور ج 2 ص 80 عن ابن عدي، و البيهقي في شعب الايمان.

و السؤال هنا هو: إنه إذا كان اللّه و رسوله غنيين عنها، فلماذا يأمر اللّه تعالى نبيه بأن يشاور أصحابه في الأمر؟ ! .

و سؤال آخر، و هو: هل يمكن بضم الآية التي في سورة الشورى: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ (1)، و بضم سائر الروايات التي تحث على الاستشارة-هل يمكن-أن نفهم من ذلك: ضرورة اتخاذ الشورى كمبدأ في الحكم و السياسة، و في الإدارة، و في سائر الموارد و المواقف، حسبما تريد بعض الفئات أن تتبناه، و توحي به على أنه أصل إسلامي أصيل و مطرد؟ ! .

الجواب عن السؤال الأول:

أما الجواب عن السؤال الأول: فنحسب أن ما تقدم في الجزء السابق من هذا الكتاب في فصل سرايا و غزوات قبل بدر، و كذا ما تقدم من الكلام حول الشورى في بدر (2)كاف فيه، و نزيد هنا تأييدا لما ذكرناه هناك ما يلي:

1-قد يقال: إن بعض الروايات تفيد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يستشير أصحابه إلا في أمر الحرب.

فقد روي بسند رجاله ثقات، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص: إن رسول اللّه شاور في الحرب، فعليك به (3).


1) الآية 38 من سورة الشورى.

2) راجع غزوة بدر.

3) مجمع الزوائد ج 5 ص 319 عن الطبراني، و حياة الصحابة ج 2 ص 48 عن كنز العمال ج 2 ص 163 عن البزار و العقيلي و سنده حسن، و الدر المنثور ج 2 ص 90 عن الطبراني بسند جيد عن ابن عمرو.

و إن كنا نرى: أن هذا لا يفيد نفي استشارته «صلى اللّه عليه و آله» في غير الحرب.

2-إن قوله تعالى في سورة آل عمران: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ خاص بالمشاورة في الحرب، لأن اللام في الآية ليست للجنس بحيث تشمل كل أمر، بل هي للعهد، أي شاورهم في هذا الأمر الذي يجري الحديث عنه، و هو أمر الحرب، كما هو واضح من الآيات السابقة و اللاحقة؛ فالتعدي إلى غير الحرب يحتاج إلى دليل.

3-إن الآية تنص على أن استشارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه لا تعني أن يأخذ برأيهم حتى و لو اجتمعوا عليه؛ لأنها تنص على أن اتخاذ القرار النهائي يرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، حيث قال تعالى: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ .

4-لقد ذكر العلامة السيد عبد المحسن فضل اللّه «رحمه اللّه» : أن الأمر في الآية ليس للوجوب؛ و إلا لكانت بقية الأوامر في الآية كذلك، و يلزم منه وجوب العفو عن كبائرهم حتى الشرك. و إذا كان الضمير في الآية يرجع إلى الفارين فهو يعني: أن الشورى تكون لأهل الكبائر من أمته، مع أن اللّه قد نهى رسوله عن إطاعة الآثم، و الكفور، و من أغفل اللّه قلبه (1).

فالحق: أن الأمر وارد عقيب توهم الحظر عن مشاورة هؤلاء، ليبيح


1) راجع: سورة الكهف آية 29، و الأحزاب آية 56، و الدهر آية 34، و أقول: و تنافي أيضا الآية التي في سورة الشورى التي خصت الشورى بالمؤمنين الذين لهم صفات معينة.

مشاورتهم، و معاملتهم معاملة طبيعية (1).

5-إن رواية ابن عباس المتقدمة تفيد: أن استشارته «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه لا قيمة لها على صعيد اتخاذ القرار؛ لأن اللّه و رسوله غنيان عنها، لأنهما يعرفان صواب الآراء من خطئها، فلا تزيدهما الاستشارة علما، و لا ترفع جهلا، و إنما هي أمر تعليمي أخلاقي للأمة؛ بملاحظة فوائد المشورة لهم؛ لأنها تهدف إلى الإمعان في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول المختلفة. فعن علي أمير المؤمنين «عليه السلام» : من استبد برأيه هلك، و من شاور الرجال شاركها في عقولها (2).

و عنه أيضا: الاستشارة عين الهداية، و قد خاطر من استغنى برأيه (3).

و عن أنس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما خاب من استخار، و ما ندم من استشار (4).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

و إذا كانت الاستشارة أمرا تعليميا أخلاقيا، فلا محذور على الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» فيها.

ب: من أهداف استشارته صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه:
اشارة

يقول الشهيد السعيد، الشيخ مرتضى مطهري، قدس اللّه نفسه الزكية: إن


1) راجع: الإسلام و أسس التشريع ص 111-113 للعلامة السيد عبد المحسن فضل اللّه.

2) نهج البلاغة ج 3 ص 192 الحكمة رقم 161.

3) نهج البلاغة ج 3 ص 201 الحكمة رقم 211.

4) الدر المنثور ج 2 ص 90 عن الطبراني في الأوسط، و أمالي الطوسي ص 84.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مقام النبوة، و في حين كان أصحابه يتفانون في سبيله، حتى ليقولون له: إنه لو أمرهم بأن يلقوا أنفسهم في البحر لفعلوا، فإنه لا يريد أن ينفرد في اتخاذ القرار، لأن أقل مضار ذلك هو أن لا يشعر أتباعه بأن لهم شخصيتهم و فكرهم المتميز، فهو حين يتجاهلهم كأنه يقول لهم: إنهم لا يملكون الفكر و الفهم و الشعور الكافي، و إنما هم مجرد آلة تنفيذ لا أكثر و لا أقل، و هو فقط يملك حرية إصدار القرار، و التفكير فيه دونهم.

و طبيعي أن ينعكس ذلك على الأجيال بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، فكل حاكم يأتي سوف يستبد بالقرار، و سيقهر الناس على الانصياع لإرادته، مهما كانت، و ذلك بحجة أن له في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسوة حسنة. مع أنه ليس من لوازم الحكم، الاستبداد بالرأي، فقد استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و هو معصوم-أصحابه في بدر و أحد (1)انتهى.

و نزيد نحن هنا: أن ظروف و أجواء آية: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ تشعر بأنه قد كان ثمة حاجة لتأليف الناس حينئذ، و جلب محبتهم و ثقتهم، و إظهار العطف و الليونة معهم، و أن لا يفرض الرأي عليهم فرضا، رحمة لهم، و حفاظا على وحدتهم و اجتماعهم، و لمّ شعثهم، و جمع كلمتهم، و كبح جماحهم؟ !

فالآية تقول: فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ (2).

فكأنه كان قد بدر من أصحابه أمر سيء يستدعي العفو عنهم و اللين


1) جريدة (جمهوري إسلامي) الفارسية عدد 30 ربيع الأول 1400 ه.

2) الآية 159 من سورة آل عمران.

معهم، و إرجاع الاعتبار إليهم، ليطمئنوا إلى أن ما بدر منهم لم يؤثر على مكانتهم عنده، فلا داعي لنفورهم منه.

يضاف إلى ذلك: أنه حين يكون الأمر مرتبطا بالحرب، فإن الأمر يحتاج إلى قناعة تامة بها، و استعداد لتحمل نتائجها، و إقدام عليها بمحض الإدارة و الإختبار من دون ممارسة أي إكراه أو إجبار في ذلك. .

هذا كله، عدا عما قدمناه حين الكلام على بدر، و على السرايا التي سبقتها، في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع.

الجواب عن السؤال الثاني:

نشير إلى ما يلي:

1-ما قدمناه: من أن قوله تعالى: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ (1)ليس إلا أمرا تعليميا أخلاقيا، و ليس إلزاميا يوجب التخلف عنه العقاب، و إنما يمكن أن يوجب وقوع الإنسان في بعض الأخطاء، فيكون عليه أن يتحمل آثارها، و يعاني من نتائجها.

2-إن الضمير في أَمْرُهُمْ يرجع إلى المؤمنين، و المراد به الأمر الذي يرتبط بهم؛ فالشورى إنما هي في الأمور التي ترجع إلى المؤمنين و شؤونهم الخاصة بهم، و ليس للشرع فيها إلزام أو مدخلية، كما في أمور معاشهم و نحوها، مما يفترض في الإنسان أن يقوم به. أما إذا كان ثمة الزام شرعي ف مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ (2)وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ


1) الآية 38 من سورة الشورى.

2) الآية 36 من سورة الأحزاب.

وَ اَلرَّسُولَ (1). فمورد الحكم، و السياسة، و الإدارة، و غير ذلك، لا يمكن أن يكون شورائيا إلا إذا ثبت أن الشارع ليس له فيه حكم، و نظر خاص.

و قد قال العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» : «و الروايات في المشاورة كثيرة جدا، و موردها ما يجوز للمستشير فعله و تركه بحسب المرجحات.

و أما الأحكام الإلهية الثابتة، فلا مورد للاستشارة فيها، كما لا رخصة فيها لأحد، و إلا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخا لكلام اللّه تعالى» (2).

3-قوله تعالى: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ (3)ظاهر في كون ذلك في ظرف كونه حاكما و واليا عليهم؛ فإن عليه أن يستشيرهم في هذا الظرف. و هذا لا يعني أبدا أن يكون نفس الحكم شورائيا و انتخابيا، بأي وجه.

هذا كله، عدا عن احتمال أن يكون هذا الأمر واردا في مقام توهم الحظر، فلا يدل على أكثر من إباحة المشاورة، و لا يدل على الإلزام بها. و هو احتمال قوي كما أوضحناه في ما سبق.

4-إن القرار النهائي يتخذه المستشير نفسه، و لربما وافق رأي الأكثر، و لربما خالفهم.

و يدل على ذلك قوله تعالى: فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ (4).

و ليس في الآية إلزام برأي الأكثرية، بل و لا برأي الكل لو حصل إجماعهم على رأي واحد.


1) الآية 132 من سورة آل عمران.

2) تفسير الميزان ج 4 ص 70.

3) الآية 159 من سورة آل عمران.

4) الآية 159 من سورة آل عمران.

5-إن هذه الشورى التي دل عليها قوله تعالى: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ (1)ليست لكل أحد، و إنما هي خاصة بأولئك المؤمنين الذين لهم تلك الصفات المذكورة في الآيات قبل و بعد هذه العبارة، و ليس ثمة ما يدل على تعميمها لغيرهم، بل ربما يقال بعدم التعميم قطعا، فقد قال تعالى: فَمٰا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتٰاعُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَ اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوٰاحِشَ وَ إِذٰا مٰا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (2).

فهؤلاء الذين صرحت الآيات بإيمانهم و بحيازتهم لهذه الصفات، هم أهل الشورى دون أحد سواهم (3)، و ليس لغيرهم الحق في أن يشاركهم فيها، لأن ذلك الغير، لا يؤمن على نفسه، فكيف يؤمن على مصالح العباد، و دمائهم، و أموالهم، و أعراضهم؟ ! .


1) الآية 38 من سورة الشورى.

2) الآيات من 36 إلى 39 من سورة الشورى.

3) و احتمال: أن يكون المعنى: ما عند اللّه خير و أبقى لجماعات مختلفة و هم: أ-الذين آمنوا. ب-الذين يجتنبون كبائر الإثم الخ. . هذا الاحتمال خلاف الظاهر هنا، فإن المراد أن الذين يجمعون هذه الصفات هم الذين يكون ما عند اللّه خير و أبقى لهم. و إلا فلو كان أحد ينتصر على من بغى عليه و لكنه غير مؤمن مثلا، فلا شك في أن ما عند اللّه ليس خيرا و أبقى له. و كذا لو كان أمرهم شورى بينهم و هم غير مؤمنين.

و اللافت: أننا لا نجد لعلي «عليه السلام» أي حضور في مواقع الاعتراض أو الاقتراح على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه كان دائما في موقع التسليم لرسول اللّه، و الرضا بما يرضاه صلوات اللّه و سلامه عليهما.

ج: نظرية: خلافة الإنسان، و شهادة الأنبياء:
اشارة

و يقول الشهيد السعيد، السيد محمد باقر الصدر، قدس اللّه نفسه الزكية، ما ملخصه: إن اللّه عز و جل قد جعل الخلافة لآدم «عليه السلام» ، لا بما أنه آدم، بل بما أنه ممثل لكل البشرية، فخلافة اللّه في الحقيقة هي للأمة و للبشر أنفسهم، فقد قال تعالى: وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ (1).

كما أن المراد بالأمانة في قوله تعالى: إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً (2)هذه الخلافة بالذات، و هي التي تعني الإدارة و الحكم في الكون.

و استشهد على ذلك أيضا بقوله تعالى: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنّٰاسِ بِالْحَقِّ (3).


1) الآية 30 من سورة البقرة.

2) الآية 72 من سورة الأحزاب.

3) الآية 26 من سورة ص.

و بقوله تعالى: إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفٰاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ (1).

و بقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنٰاكُمْ خَلاٰئِفَ فِي اَلْأَرْضِ (2).

و رتب على ذلك: أنه بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و فقد الإمام، و تحرر الأمة من الطاغوت، تمارس الأمة دورها في الخلافة الزمنية، و يكون دور المجتهد المرجع هو الشهادة و الرقابة على الأمة.

و قال ما ملخصه: إن اللّه هو رب الأرض و خيراتها، و رب الإنسان و الحيوان، فالإنسان مستخلف على كل ذلك. و من هنا كانت الخلافة في القرآن أساسا للحكم.

و قد فرع اللّه الحكم بين الناس على جعل داود خليفة. و لما كانت الجماعة البشرية هي التي منحت-ممثلة بآدم-هذه الخلافة، فهي إذا المكلفة برعاية الكون، و تدبير أمر الإنسان، و السير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية.

و هذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة، و هو أن اللّه تعالى قد أناب الجماعة البشرية في الحكم، و قيادة الكون و إعماره، اجتماعيا و طبيعيا.

و على هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم، و شرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن اللّه. و في عملية إعداد و تربية الأمة يتولى النبي و الإمام مسؤولية الرقابة و الشهادة على الأمة، و مسؤولية الخلافة؛ ليهيئ الأمة لتحمل مسؤولياتها في الوقت المناسب.


1) الآية 69 من سورة الأعراف.

2) الآية 14 من سورة يونس.

و بعد أن فقد الإمام «عليه السلام» ، بسبب ظروف معينة عرضت لها الأمة؛ فإن المرجع-غير المعصوم-لا بد أن يتولى أمر الخلافة و الشهادة ما دامت الأمة محكومة للطاغوت، و مقصاة عن حقها في الخلافة العامة.

«و أما إذا حررت الأمة نفسها، فخط الخلافة ينتقل إليها؛ فهي التي تمارس الخلافة السياسية و الاجتماعية في الأمة، بتطبيق أحكام اللّه، و على أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني.

و تمارس الأمة دورها في الخلافة في الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ ، وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (1).

فإن النص الأول: يعطي للأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك.

و النص الثاني: يتحدث عن الولاية، و أن كل مؤمن ولي الآخرين. و يريد بالولاية تولي أموره، بقرينة تفريع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عليه.

و النص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين و المؤمنات بصورة متساوية.

و ينتج عن ذلك: الأخذ بمبدأ الشورى، و برأي الأكثرية عند الاختلاف.

و هكذا، وزع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطين بين المرجع


1) الآية 71 من سورة التوبة.

و الأمة، و بين الاجتهاد الشرعي و الخلافة الزمنية» (1)إلى آخر كلامه قدس اللّه نفسه الزكية.

مناقشة ما تقدم:

و نحن نسجل هنا النقاط التالية:

أولا: إن الآية القرآنية التي استدل بها رحمه اللّه تقول: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ يُطِيعُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اَللّٰهُ إِنَّ اَللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (2).

فإذا كان تفريع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر دليلا على أن المراد بالولاية هو تولي أمور بعضهم البعض، كما ذكره قدس اللّه نفسه الزكية، فما هو وجه تفريع إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة على ذلك؟ ! .

و لم لا يفهم من الآية: أنها-فقط-في مقام إعطاء حق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر للمؤمنين جميعا؛ فهي تجعل لهم الولاية بهذا المقدار، لا أكثر؟ ! .

بل لم لا يفهم منها: أنها في مقام إعطائهم حق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بسبب محبة بعضهم بعضا، أو بسبب كون بعضهم تابعا لبعض، و مطيعا له، أو بسبب نصرته له، و نحو ذلك.


1) هذا محصل ما جاء في كتاب: خلافة الإنسان و شهادة الأنبياء للشهيد الصدر، و الفقرات الأخيرة هي في ص 53 و 54.

2) الآية 71 من سورة التوبة.

فقد وردت للولي معان كثيرة، و منها: المحب، و الصديق، و النصير، و الولي: فعيل، بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، قال تعالى: اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ اَلطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمٰاتِ (1).

بل إن من يلاحظ آيات إعطاء الولاية للمؤمنين و سواها من الآيات، يخرج بحقيقة: أن اللّه سبحانه يريد للناس المؤمنين أن يكونوا أمة واحدة، و بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.

و كل هذه الأعضاء للجسد الواحد إنما تحافظ على ذلك الواحد بكل ما تقدر عليه، و ذلك بالدفاع عنه؛ و بالنصيحة لجماعة و لأئمة المسلمين.

فاللّه ولي الذين آمنوا بالتشريع، و حفظ المصالح و الحكم، و للّه الأمر من قبل و من بعد، و للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و للإمام «عليه السلام» الولاية أيضا بجعل من اللّه، بهدف تدبير أمورهم و قيادتهم.

و المؤمنون المرؤوسون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و للإمام «عليه السلام» بعضهم أولياء بعض في النصيحة و حفظ الغيب، و الاهتمام بأمور بعضهم بعضا، و النصرة، و المعونة، فليس معنى الولاية هو الحكومة لكل واحد منهم على الآخر أو على المجتمع، بل ولي المجتمع و الحاكم فيه هو اللّه سبحانه.

و كخلاصة لما تقدم نقول:

إن كل هذه المعاني محتملة في الآية المشار إليها-إن لم يكن من بينها (و هو الأخير) ما هو الأظهر-و ليس فيها ما يوجب تعين كون الولي فيها


1) الآية 257 من سورة البقرة.

بمعنى الحاكم، و المتولي للأمر.

ثانيا: لو كانت هذه الآية تعطي حقا للمؤمنين في أن يحكم بعضهم بعضا؛ فاللازم أن تعطي الآيات الأخرى هذا الحق بالذات للكفار، و تصير حكومتهم على بعضهم البعض شرعية! !

فقد قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهٰاجِرُوا مٰا لَكُمْ مِنْ وَلاٰيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّٰى يُهٰاجِرُوا وَ إِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي اَلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ اَلنَّصْرُ إِلاّٰ عَلىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثٰاقٌ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ إِلاّٰ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي اَلْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ (1).

فبقرينة المقابلة في الآية هنا بين ولاية المؤمنين التي نشأت عنها مسؤوليات النصر و غير ذلك من أمور، تدل على أن المراد بالولاية تولي الأمور، و بين الآية الدالة على ولاية الكفار بعضهم لبعض، تكون النتيجة هي: جعل الحاكمية للكفار أيضا بالنسبة لبعضهم فيما بينهم، لو كان المراد بالولاية هو تولي الأمور كما يريد المستدل أن يقول.

و يؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (2).


1) الآيتان 72 و 73 من سورة الأنفال.

2) الآية 51 من سورة المائدة.

و قوله تعالى: إِنّٰا جَعَلْنَا اَلشَّيٰاطِينَ أَوْلِيٰاءَ لِلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ (1).

و قوله تعالى: إِنَّ اَلظّٰالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ وَ اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ (2).

إلى غير ذلك من الآيات التي بهذا المضمون.

حيث إن المقصود هو النهي عن إطاعة الشياطين، و عن الانصياع لأوامر اليهود و النصارى.

بل إن الآية الأخيرة تنفي الولاية عن المؤمنين، و تخصها باللّه تعالى مع أنها إنما تتحدث عن طبيعة الأمور في الواقع الخارجي و العملي من حيث إن الظالم يهتم بشؤون الظالم، و لا تريد أن تعطي شرعية لولاية الكافر على الكافر. .

كما أنها تريد أن تسلب شرعية ولاية كافر على مؤمن. فلو كان المراد بالولاية الحكم، لكانت ولاية الكفار شرعية كما قلنا.

و هذا مما لا يمكن القول به و لا المساعدة عليه، فلا بد من القول بأن الولاية التي يترتب عليها الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، ليست بهذا المعنى، بل هي بمعنى النصيحة، و حفظ الغيب، و أنها ولاية بهذا المقدار لا أكثر.

و القول: بأن هذه الآيات و نظائرها ناظرة إلى أن من طبيعة الكفار أن يتولى بعضهم بعضا، و ليس في مقام جعل ولاية شرعية لهم.

يقابله القول: بإنه لم لا تكون الآيات التي تتعرض للولاية بين المؤمنين ناظرة إلى نفس هذا المعنى أيضا؟ ! .


1) الآية 27 من سورة الأعراف.

2) الآية 19 من سورة الجاثية.

و إذا كانت آيات ولاية الكفار يراد منها الولاية بمعنى النصرة، و المحبة، و نحو ذلك، فلتكن تلك الآيات لها نفس هذا المعنى أيضا، فإنها كلها لها سياق واحد، و تريد أن تنفي و تثبت أمرا واحدا.

ثالثا: لو سلمنا أن معنى الآية هو: أن كل مؤمن ولي للآخرين.

و سلمنا أن المراد بالولاية: ليس هو حفظ مصالح الأمة الإسلامية بالنصيحة، و المعونة، و حفظ الغيب، و غير ذلك، مع أن ذلك هو الظاهر، و قبلنا بأن المراد بالولاية ولاية الحكومة، فحينئذ لنا أن نسأل: هل يعني ذلك: أن الآية تجعل كل مؤمن حاكما على الآخرين، و محكوما لهم في آن واحد؟

أم أن الآية تريد فقط: أن تعطي للبعض الحق في أن يحكم و يتسلط على البعض الآخر؟ ! . من دون أن يكون للمحكوم حق في ذلك. و بماذا ترجح هذا على ذاك، دون العكس يا ترى؟ ! .

و لو سلمنا: أن الظاهر هو الثاني، فما هي شرائط هذه الحكومة؟ و ما هي ظروفها؟ و ما الذي يجب توفره في هذا الحاكم؟ ! : العلم؟ الاجتهاد؟ العدالة؟ الخ. .

و من الذي يعين هذا الحاكم، و من يختاره؟ هل هو المعصوم؟ أم غيره؟ .

فإن كل ذلك محتمل، و يحتاج الالتزام به إلى دليل غير هذه الآية المباركة.

رابعا: بالنسبة لآيات الاستخلاف في الأرض و الشهادة على الناس نشير إلى:

1-إنه ليس في آية سورة الأحزاب: أن المراد بالأمانة: الخلافة.

و قد قيل: إنها التكاليف.

و قيل: هي العقل.

و قيل: هي الولاية الإلهية.

و قيل: هي معرفة اللّه. إلى غير ذلك من الأقوال (1).

و الجزم بأن المراد هو الخلافة، ثم ترتيب أحكام و استنتاجات معينة على ذلك، ليس بأولى من الجزم بغيره، فلا بد من ترجيح أحد هذه الوجوه بالقرائن. و ليس ثمة ما يوجب الالتزام بخصوص هذا المعنى دون سواه مما ذكر.

بل إن في الآية التي تلي تلك الآية ما يؤيد أن المراد بالآية أمر اعتقادي، أو نحو ذلك، و ليس الخلافة، فقد قال تعالى: إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً، لِيُعَذِّبَ اَللّٰهُ اَلْمُنٰافِقِينَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ اَلْمُشْرِكٰاتِ وَ يَتُوبَ اَللّٰهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً (2).

2-بالنسبة لآية استخلاف آدم، نقول: إنه ليس فيها ما يشير إلى أن المراد هو استخلاف النوع البشري، إلا قول الملائكة: أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ (3)؟ ! .

و هذا لا يدل على أكثر من أن الملائكة قد فهموا: أن هذا المخلوق الجديد (الخليفة) له طبيعة فيها مقتضيات الشر، و تقتضي ما ذكروه، و لا تدل على أن الخلافة قد منحت لكل من له هذه الطبيعة.


1) راجع: تفسير الميزان ج 16 ص 348-352 في تفسير الآية.

2) الآيتان 72 و 73 من سورة الأحزاب.

3) الآية 30 من سورة البقرة.

3-بل إن هناك من يرى: أن الآية ناظرة إلى ولاية المعصومين، فإن الملائكة قد رأوا: أن من يسفك الدماء و يفسد ليس أهلا للخلافة كما أن اللّه قد قرر هذه الخلافة لآدم النبي المعصوم الذي علمه اللّه الأسماء كلها.

4-ثم، ما المراد بهذا الاستخلاف؟ هل هو الحكم و الإمارة؟ أم هو التسليط على الكون و ما فيه في حدود قدراته، و إعطاؤه حق التصرف في ما خلقه اللّه، على قاعدة قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ اِسْتَعْمَرَكُمْ فِيهٰا (1)و لذلك هو يطلب منهم شكر هذه النعمة، و الإيمان باللّه تعالى؟

الظاهر هو الثاني:

و يؤيد ذلك: أن من يطالع آيات الاستخلاف يجد: أن أكثرها ناظر إلى البشر جميعا، مؤمنهم و كافرهم، ثم هي تهدد الكافرين، و تتوعدهم.

و مما يؤيد أن يكون المراد بالخلافة في أكثر الآيات، هو إعمار الكون: أنه إذا كان البشر خلفاء؛ فهم خلفاء على أي شيء؟ !

إنهم خلفاء و وكلاء على غير أنفسهم؛ إذ لا يعقل أن يكون الشيء خليفة على نفسه.

فالبشرية لها خلافة على غيرها مما في الكون. و هذا يؤيد أن يكون معنى الخلافة ليس هو الإمارة.

5-و في مقابل ذلك نجد: أنه تعالى لم يستخلف المؤمنين فعلا، و إنما وعدهم بالاستخلاف حيث قال: وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا


1) الآية 61 من سورة هود.

اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ (1).

فالجمع بين هذه الآية، و الآيات الأخرى، يحتم علينا أن نقول: إن المراد بآيات (خلائف) و نحوها، هو النيابة في إعمار الكون، و التمكين من التصرف في الطبيعة.

و المراد من هذه الآية الأخيرة هو الحكم و السلطان، فهذه الآية أدل دليل على أن الخلافة بمعنى الحكم و السلطان لم تمنح للبشر عامة، و إنما وعد اللّه المؤمنين بها في الوقت المناسب.

و الظاهر: أن ذلك سيكون في زمن ظهور المهدي عليه الصلاة و السلام.

6-إن آية استخلاف داود، و تفريع الحكم بين الناس بالحق على هذه الخلافة، التي لا بد أن يكون معناها الحكم و السلطان، لا تدل على جعل الخلافة لكل البشر؛ فلعل كونه نبيا لم يتلبس بشيء من الظلم أبدا-كما قال تعالى: لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ (2)-له مدخلية في استحقاق هذا المنصب الخطير؛ لأن نيله درجة النبوة، إنما هو لأجل أنه يحمل خصائص معينة -كالعصمة و نحوها-أهلته لذلك الأمر الخطير الذي يتفرع عليه الحكم بالحق.

7-إننا نلاحظ: أنه ليس في جميع الآيات التي استعملت لفظ: (خليفة) ، و مشتقاته ما يدل على أن هذا المستخلف هو خليفة للّه لا لغيره.

بل ذكرت الآيات: أن اللّه تعالى قد جعل خلفاء، و لم تبين: أنهم خلفاء لمن.


1) الآية 55 من سورة النور.

2) الآية 124 من سورة البقرة.

فلعل المراد: أن آدم «عليه السلام» قد جاء لإعمار الأرض، و قد خلف من كان عليها من المخلوقات قبله «عليه السلام» . و على هذا فلا مجال للاستدلال بتلك الآيات على ما أراده رحمه اللّه.

ملاحظة:

إن الاستخلاف في الأرض، ليس معناه جعل جميع المناصب الإلهية لهذا المستخلف. و ليس في هذا اللفظ ما يفيد عموم المنزلة؛ بل هو ينصرف إلى نوع معين من الأمور.

فمثلا لو قيل: فلان استخلف فلانا على أهله؛ أو على الناس فإنه ينصرف إلى الاستخلاف في أمور معينة يمكن الاستخلاف فيها.

و لا يمكن أن يعني ذلك ثبوت كل حق كان لذاك لهذا، فإن الاستخلاف حكم يجري في كل مورد قابل لذلك، أو في الموارد التي ينصرف إليها الكلام بحسب خصوصيات المورد، و بحسب حالات الخطاب.

و لا يمكن أن يتمسك بإطلاق الاستخلاف لإثبات قابلية ما يشك في قابليته.

خامسا: إن قوله تعالى: وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ (1)، يدل على أن الأمور الراجعة لهم هي التي يمكن أن يمارسوا فيها حق الشورى؛ فلا بد أولا من إثبات:

أن مسألة الحكم، و التصرف في أمور الغير حق لهم، ليمكنهم أن يفصلوا فيها عن طريق مبدأ الشورى، و لا يمكن للحكم أن يثبت موضوعه و يوجده،


1) الآية 38 من سورة الشورى.

كما أشرنا إليه آنفا.

بل إن لدينا ما يدل على أن الحكومة ليست حقا للناس، و لا يرجع البت فيها إليهم. و هو ما تقدم حين الكلام عن عرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعوته على القبائل، حيث قال لبني عامر: الأمر للّه يضعه حيث يشاء.

و سيأتي في غزوة بئر معونة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك لعامر بن الطفيل أيضا.

ثم هناك مقبولة-بل صحيحة-عمر بن حنظلة التي تقول: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما» (1).

و كذا قوله: العلماء حكام على الناس، و روايات كثيرة أخرى. و لم يعين في الروايات: أن يكون ذلك في زمن الطاغوت، أو في ما بعد الإطاحة به، و لا صورة رقي الأمة إيمانيا و فكريا، و لا عدمها.

و سادسا: إن هذه الشورى لا يفهم منها إلا مبدأ كلي مجمل. و لا تدل على أنه لو خالف بعض الأمة فيما يراد إجراء مبدأ الشورى فيه: فهل ينفذ حكم الأكثرية على تلك الأقلية؟ أم لا بد من إرضاء الجميع في أي تصرف، و أية قضية؟ و أنه لو تساوت الآراء فماذا يكون مصير الشورى؟ إلى غير


1) الوسائل ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي حديث 1. و الرواية معتبرة جدا؛ فإن عمر بن حنظلة شيخ كبير روى عنه عدد كبير من الثقات الكبار و الأعيان، بل لم يرو عنه ضعيف إلا رجل واحد. و من بين من روى عنه-و هم كثير-من لا يروي إلا عن ثقة-كما قيل-كابن بكير و صفوان الجمال.

ذلك مما يرتبط بشرائط الشورى و حدودها، و مواردها.

و أخيرا: فلو أنه رحمه اللّه استدل على ولاية الفقيه بقول أمير المؤمنين «عليه السلام» : «إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، و أعلمهم بأمر اللّه فيه» . و بصحيحة عمر بن حنظلة المشار إليها آنفا لكان أولى.

فإنها تقرر: أن الحكم حق للفقيه الجامع للشرائط فقط، و لا يحق لغيره أن يتصدى له، حيث قال «عليه السلام» : «فإني قد جعلته عليكم حاكما» .

د: ماذا يريد النبي صلّى اللّه عليه و آله في أحد؟

غالب الروايات، بل كلها متفقة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرجح البقاء في المدينة، و لكن إصرار أصحابه هو الذي دعاه إلى العدول عن هذا الرأي.

و لكن العلامة السيد الحسني «رحمه اللّه» يرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يرى الخروج إلى العدو، عكس رأي عبد اللّه بن أبي بن سلول، و إنما استشارهم «صلى اللّه عليه و آله» ليختبر نواياهم، و يستدل على ذلك بما ملخصه:

أن ملاقاة جيش مكة داخل المدينة سيمكنهم من احتلالها خلال ساعات معدودة؛ لأن المنافقين، و المرتابين من سكان المدينة-و عددهم كثير، و كانوا على اتصال دائم معهم-سيعاونونهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين.

و لا يعقل أن يخلص ابن أبي و من معه من المنافقين و المرتابين من المهاجرين و الأنصار في الدفاع عن محمد «صلى اللّه عليه و آله» و رسالته،

و هم يلتقون مع الغزاة التقاء كاملا.

و كان ابن أبي هو المشير على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالبقاء في المدينة، و وافقه على ذلك شيوخ المهاجرين. و أدرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» الغاية، و لكنه بقي يتظاهر بالموافقة على رأي ابن أبي؛ ليختبر بقية المسلمين، و إن كان فيمن وافق ابن أبي من لا يشك في حسن نيته، كما أنه لا شك في أن فيهم المتآمرين.

و لما اختبرهم «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرف نواياهم، أعلن عن رأيه الذي كان قد انطوى عليه من أول الأمر.

و يرجح ذلك: أنه لما خرج المسلمون إلى أحد رجع ابن أبي في ثلاثمائة و خمسين من أتباعه المنافقين، و بعض اليهود إلى المدينة بلا سبب.

و في رواية: أنه هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بالرجوع، و قال: لا نحارب المشركين بالمشركين.

و ذلك دليل قاطع على سوء نواياهم، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتخوف منهم أن ينضموا إلى المشركين حين احتدام الحرب، و إذا كان في ريب من أمرهم، و هم خارج المدينة؛ فكيف يوافقهم على مقابلة الغزاة في داخلها، و يطمئن إليهم في الدفاع عنها؟ ! .

و إذا كان ابن سلول صادقا في قوله: إنه سيدافع عن المدينة في الداخل، فلماذا رجع من الطريق و هو يعلم: أن جيش النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمس الحاجة إلى المساعدة؟ ! .

إذا، فالخروج من المدينة هو الأصوب، و لو أنه بقي فيها لأصبح خلال

ساعات معدودات تحت رحمة المشركين. إنتهى ملخصا (1).

و يؤيد رأي العلامة الحسني أيضا: المبدأ الحربي الذي أطلقه علي «عليه السلام» حينما قال: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا (2).

و نحن هنا نشير إلى ما يلي:

1-إن أبا سفيان-كما تقدم-كان يخشى أن يلزم أهل يثرب صياصيهم، و لا يخرجوا منها (3).

و هذا يعني: أنهم يعتبرون بقاء المسلمين في المدينة معناه: تضييع الفرصة على قريش، و عدم تمكينها من تحقيق أهدافها. و غاية ما استطاع صفوان بن أمية أن يقدمه لأبي سفيان، كبديل مرض و مقنع، هو أنهم حينئذ سوف يلحقون بأهل المدينة خسائر مادية كبيرة؛ فإنهم إن لم يصحروا لهم عمدوا إلى نخلهم فقطعوه؛ فتركوهم و لا أموال لهم.

إذا، فالموقف الصحيح كان هو البقاء في المدينة، فإن الخسائر المادية يمكن الصبر عليها و تحملها، أما الخسائر في الأرواح، فإنها تكون أصعب و أنكى، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليعدل عن الموقف الصحيح هذا.

2-إن ضرار بن الخطاب كان يخشى مثل ذلك أيضا، لأن الأنصار قتلوا قومه يوم بدر، فخرج إلى أحد، و هو يقول:


1) سيرة المصطفى ص 396-399.

2) نهج البلاغة بشرح عبده ج 1 ص 64.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 205، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 218.

«إن قاموا في صياصيهم فهي منيعة، لا سبيل لنا إليهم، نقيم أياما، ثم ننصرف. و إن خرجوا إلينا من صياصيهم أصبنا منهم؛ فإن معنا عددا أكثر من عددهم، و نحن قوم موتورون، خرجنا بالظعن يذكرننا قتلى بدر، و معنا كراع و لا كراع معهم، و سلاحنا أكثر من سلاحهم، فقضي لهم إن خرجوا الخ. .» (1).

3-لقد رأينا: أن صفوان بن أمية لم يذكر لأبي سفيان شيئا عن احتمال تعاون المنافقين معهم، و تمكينهم من القضاء على الإسلام و المسلمين بسهولة، أو على الأقل كان على أبي سفيان أن يدرك ذلك، و يبتهج له.

4-إن من الواضح: أن ابن أبي، و من معه لم يكن باستطاعتهم الإقدام على مثل تلك الخيانة في تلك الظروف؛ لأن معنى ذلك: أن يذبح من قومه من الخزرج و من المهاجرين أعداد هائلة، و لم يكن بإمكانه أن يسمح بذلك، و لا يوافقه عليه من معه؛ لأنهم قومهم و أبناؤهم، و إخوانهم، و آباؤهم. و لم يكن التخلي عنهم سهلا و ميسورا إلى هذا الحد.

و إذا أرادوا أن يتخلوا عن مثل هؤلاء، و يسلموهم إلى القتل، بعد أن يقدموا هم أيضا العديد من القتلى، فمن يبقى لابن أبي-بعد استئصال هؤلاء-لا سيما بملاحظة قلة سكان المدينة آنئذ؟ ! .

و هل تبقى المدينة مدينة؟ ! .

و هل يمكن لابن أبي أن ينصب نفسه ملكا على من يتبقى له في ظروف كهذه؟ !


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 282، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274.

و هل سوف ينال هذا المنصب حقا؟ !

و هل يستطيع بعد هذا أن يعتمد على إخلاص من معه له؟ !

و هل باستطاعته أن يحتفظ لهم بمكانتهم و بموقعهم في قبال اليهود، الذين كانت العداوة بينهم و بين أهل يثرب متأصلة على مر السنين؟ ! .

و هل يستطيع أيضا أن يقاوم أطماع من حوله من قبائل الغزو و الغارة؟ ! أو حتى أن يستقل في اتخاذ القرار عن قريش؟ !

و هل باستطاعته أن يأمن قريشا، و يطمئن إلى التعامل معها على المدى البعيد، بعد أن أدركت مدى خطر المدينة على مصالحها الحيوية؟ ! .

و هل؟ و هل؟ إلى آخر ما هنالك.

أم أن ذلك ليس في الحقيقة إلا انتحارا سياسيا، لا مبرر له، و لا يقدم عليه أحد، و لا تساعد عليه أي من الموازين و المقاييس حتى الجاهلية منها، فضلا عن العقلائية و الاجتماعية؟ ! .

و لقد كان باستطاعة ابن أبي: أن ينحاز إلى المشركين في المعركة في خارج المدينة، و ذلك-و إن كان أيضا يحمل في طياته أخطارا جمة له و لأصحابه-أقرب إلى تحقيق أهدافه، و أسلم له في الوصول إليها، بملاحظة ما سبق.

و لكن الظاهر: هو أن دوافعه للإشارة بالبقاء هي حب السلامة، و عدم التعرض للأخطار المحتملة ما أمكنه، و حتى لا يتكرر انتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر مرة أخرى.

و لا سيما مع ملاحظة زيادة عدد المسلمين، و حسن عدتهم بالنسبة إلى السابق، كما يفهم من الكلام المتقدم لبعض المشيرين.

يضاف إلى ذلك: أنهم الآن يدافعون عن شرفهم و عرضهم، و بلدهم،

و عن وجودهم، فلا بد أن يكونوا أكثر تصميما و إقداما.

كما أن من الممكن أن يكون التزلف إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» داخلا أيضا في حسابات ابن أبي في بادئ الأمر.

و نلاحظ: أن التزلف، و التظاهر الكلامي بالتدين، و بالغيرة على الإسلام و مصالح المسلمين، يكون لدى المنافقين أكثر من غيرهم.

هذا بالإضافة: إلى أنه لو كان ثمة احتمال من هذا النوع لأشار إليه أبو سفيان، أو صفوان بن أمية، أو ضرار بن الخطاب، أو غيرهم، كما قلنا.

5-بل إن العلامة الحسني نفسه يقول: إن الذين أصروا على البقاء كان من بينهم المخلص و المنافق.

و هذا ينافي قوله الآخر: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يختبر أصحابه، و يكتشف نواياهم.

و إذا، فقد فشل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في محاولاته تلك، فكيف يقول الحسني بعد ذلك: إنه «صلى اللّه عليه و آله» وقف على نوايا الجميع، و محصها تمحيصا دقيقا؟ ! .

و الحقيقة هي: أن إصرارهم على الخروج كان ناشئا عن الأسباب التي ذكروها أنفسهم في كلامهم.

6-ثم إننا لا نوافق العلامة الحسني: على أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعامل مع أصحابه بهذه الطريقة الماكرة-و العياذ باللّه- فيظهر لهم خلاف ما يبطن؟ ! نعوذ باللّه من الزلل و الخطل في القول و العمل.

إلا أن يكون مقصوده «رحمه اللّه» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يظهر لهم

رأيه، بل تركهم يظهرون له ما في نفوسهم من دون أي تحفظ أو حياء، و ليتحملوا هم المسؤولية، ثم ليتألفهم بذلك، حتى إذا اختلفوا كان هو الحاسم للخلاف برأيه الصائب، و موقفه الحكيم.

و أخيرا؛ فإن لنا تحفظا على ما ذكره من أن ابن أبي قد رجع بمن معه من المنافقين، و بعض اليهود.

فإن ذكر اليهود هنا في غير محله، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يحبذ الاستعانة باليهود، كما أنهم هم أنفسهم ما كانوا ليعينوه على قتال عدوه، و لا يرضى قومهم بذلك منهم، إلا إذا كانوا يريدون أن يكونوا في جيش المسلمين عيونا للمشركين.

و لم يكن ذلك ليخفى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا المسلمين، و لعله لأجل ذلك نجده «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض قبولهم في هذه الغزوة بالذات، و أرجعهم كما سنرى.

ه: لبس لامة الحرب يعني القتال:

و قد رأينا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن لبس لامة حربه استجابة لرأي الأكثرية، يرفض الرجوع إلى الرأي الأول، لأن ذلك معناه: أن ينتزع عنه مفهوم خاطئ، يضر بالمصلحة العليا للإسلام و المسلمين، و لا ينسجم مع مركزه كقائد، بل ربما تكون له آثار سيئة و خطيرة على المدى البعيد.

و هذا المفهوم هو أنه رجل ضعيف، تتقاذفه الأهواء و الآراء، و لا يملك اتخاذ القرار؛ بل هو ألعوبة بأيدي أصحابه، و المنتسبين إليه!

كما أن ذلك من شأنه أن يجعل قراراته في المستقبل عرضة للصراعات

الفكرية بين أصحابه، الذين تختلف مستوياتهم فكريا، و اجتماعيا، و سياسيا، و إيمانيا، و غير ذلك.

و يفسح المجال أمام أهل الأطماع، و ظهور الاختلاف، ثم التمزق، و الفشل الذريع. و لا يعود يملك مجتمعا منضبطا، قويا متماسكا، و قادرا على مواجهة الأخطار و المعضلات الجسام التي تنتظره، و المهمات التي لا بد أن يضطلع بها؛ فضلا عن أن يتحمل هذا المجتمع مسؤولية نشر الإسلام و الدفاع عنه في العالم أجمع.

هذا كله، عدا عن أن هذا التردد سوف يقلل من قيمة الوحي في نفوسهم، و يضعف-من ثم-ارتباطهم بالغيب، و إيمانهم به، مع أن هذا ركن أساسي في الدعوة الإسلامية، و في نجاحها، و اطّراد تقدمها.

فليكن هذا الموقف منه «صلى اللّه عليه و آله» درسا لهم، يعلمهم: أنه لا ينبغي لهم أن يعارضوا الوحي الإلهي بعقولهم القاصرة عن إدراك عواقب الأمور.

و من الجهة الأخرى، فإن العدو سوف يرى في هذا التردد ضعفا، و فشلا، و يزيد ذلك في طمعه بالمسلمين، و جرأته عليهم.

و لسوف يجعله ذلك يعتمد أسلوب الضغط على النبي «صلى اللّه عليه و آله» من خلال أصحابه، و يحاول تشويش مواقفه و تمييعها، إن لم يمكن توجيهها إلى ما يوافق مصالحه و أهدافه عن هذا السبيل.

و أخيرا، فإن المعتزلي يرى: أن تردد المسلمين دليل على فشلهم في الحرب، فإن النصر معروف بالعزم و الجد، و البصيرة في الحرب. و أحوالهم هنا كانت ضد أحوالهم في بدر، و أحوال المشركين في بدر كانت ضد

أحوالهم هنا، و لذلك انكسرت قريش في بدر (1).

و نقول:

إن المسلمين لم ينكسروا في أحد، و لم تنتصر قريش. بل هزمت هزيمة نكراء، كما سنرى و الذي حصل للمسلمين إنما كان سببه أفراد معدودون كانوا على فتحة جبل أحد.

و: من الأكاذيب:

و من الأكاذيب التي رأينا أن نذكر القارئ بها:

أولا: ما ورد في رواية نادرة من أن ابن أبي قد أشار بالخروج (2).

و ذلك لا يصح إذ:

1-لا يبقى معنى حينئذ لاحتجاج ابن أبي لرجوعه من وسط الطريق بأنه «صلى اللّه عليه و آله» : خالفه و أطاعهم.

2-إن القرآن يلمح إلى أن المنافقين كانوا يصرون على البقاء في المدينة، فإنه بعد رجوع المسلمين من أحد، و قد قتل منهم من قتل، قال المنافقون: لَوْ أَطٰاعُونٰا مٰا قُتِلُوا (3).

و هؤلاء هم الذين احتجوا لرجوعهم بقولهم: لو نعلم قتالا لا تبعناكم.

ثانيا: يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج إلى أحد من بيت


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 226.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 219.

3) الآية 168 من سورة آل عمران.

عائشة (1).

مع أن من الثابت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا سافر كان آخر عهده بفاطمة، و إذا رجع بدأ ببيت فاطمة أيضا (2).

إلا أن يكون مقصودهم بيت عائشة الذي كان لفاطمة، و استولت عليه عائشة بعد وفاة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» (3).

ثالثا: قولهم: إنه بعد أن استشار النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، دخل بيته، و دخل معه أبو بكر و عمر، فعمماه و لبساه، لا يعبأ به، لضعف مستنده من جهة، و لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يحتاج إلى من يعممه و يلبسه، بل كان باستطاعته أن يمارس ذلك بنفسه من جهة ثانية.

عقد الألوية:

و بعد أن استشار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و خرج


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 213، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 225، و وفاء الوفاء ج 1 ص 284، و تاريخ الخميس ج 1 ص 423 عن ابن الكلبي، و مجاهد، و الواقدي.

2) مسند أحمد ج 5 ص 275، و ذخائر العقبى ص 37 عن أحمد، و أبي عمر، و إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 170 عن أحمد، و البيهقي، و غير ذلك كثير، فإنه لا مجال لتتبعه.

3) قد أوضحنا ذلك في مقال لنا بعنوان: (أين دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بيت عائشة أم في بيت فاطمة؟) فراجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام.

عليهم لابسا لامة حربه، استخلف على المدينة ابن أم مكتوم و عقد الألوية.

فأعطى اللواء أمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما نص عليه البعض (1).

و يقول البعض: إن لواء المهاجرين كان مع علي.

و قيل: مع مصعب بن عمير (2).

و يقال: إنه اللواء الأعظم (3).

و قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل عمن يحمل لواء المشركين، فقيل له: طلحة بن أبي طلحة، فأخذ اللواء من علي و دفعه إلى مصعب بن عمير، لأنه من بني عبد الدار، و هم أصحاب اللواء في الجاهلية (4).

و كان لواء الأوس مع أسيد بن حضير، و لواء الخزرج مع حباب بن المنذر.

و قيل: مع سعد بن عبادة، كذا يقولون.

اللواء مع علي عليه السّلام فقط:

و نقول: لا يصح ما ادعوه من أن اللواء كان مع مصعب بن عمير، أو أنه أخذه من علي، و أعطاه لمصعب.


1) الأوائل لأبي هلال ج 1 ص 183. و الثقات لابن حبان ج 1 ص 224 و 225، و راجع: البحار ج 20 ص 49، و تفسير القمي ج 1 ص 112.

2) مغازي الواقدي ج 1 ص 215، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 227، و تاريخ الخميس ج 1 ص 422.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 426 عن المنتقى.

4) أنساب الاشراف ج 1 ص 317، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 232، و السيرة الحلبية ج 2 ص 220.

و الصحيح هو: أنه كان مع علي «عليه السلام» في أحد، و بدر، و في كل مشهد.

و يدل على ذلك:

1-ما تقدم في غزوة بدر: من أن عليا «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد.

2-عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» أربع ما هن لأحد: هو أول عربي و عجمي صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو صاحب لوائه في كل زحف، و هو الذي ثبت معه يوم المهراس؛ و فر الناس، و هو الذي أدخله قبره (1).

3-عن ابن عباس: كان علي أخذ راية رسول اللّه يوم بدر.

قال (الحكم)الحاكم: و في المشاهد كلها (2).

4-و عن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير و إخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قالوا: كان حاملها علي (ر ض) .

و في نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك إلى إخوانه من القراء، فعرفوه: أنه خائف من الحجاج.

فعاد و سأله، فقال: كان حاملها علي (ر ض) .


1) مناقب الخوارزمي ص 21 و 22، و إرشاد المفيد ص 48، و تيسير المطالب ص 49 و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 111، و تلخيصه للذهبي بهامشه.

2) ذخائر العقبى ص 75، و الرياض النضرة المجلد الثاني، جزء 4 ص 156.

هكذا سمعت من عبد اللّه بن عباس (1).

و في نص آخر عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قال: إنك لرخو اللبب.

فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك: كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه (2).

5-عن جابر: قالوا: يا رسول اللّه، من يحمل رايتك يوم القيامة؟

قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، إلا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب؟ !

و في نص آخر: عبر باللواء بدل الراية (3).

6-و حينما مر سعد بن أبي وقاص برجل يشتم عليا «عليه السلام» ،


1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 137 و صححه و قال: له شاهد من حديث زنفل العرفي، و فيه طول فلم يخرجه الحاكم، و مناقب الخوارزمي ص 258 و 259، و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ط ليدن ج 3 قسم 1 ص 15.

3) هامش ص 180 من احتجاج الطبرسي، و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 172 عن نظام الملك في أماليه، و كفاية الطالب ص 336 و قال: ذكره محدث الشام-أي ابن عساكر-في ترجمة علي «عليه السلام» من كتابه بطرق شتى عن جابر، و عن أنس، و كنز العمال ج 15 ص 119، و راجع ص 135 عن الطبراني، و مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي ص 200، و عمدة القاري ج 16 ص 216، و مناقب الخوارزمي ص 358.

و الناس حوله في المدينة، وقف عليه، و قال: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب؟

ألم يكن أول من أسلم؟

ألم يكن أول من صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

ألم يكن أزهد الناس؟

ألم يكن أعلم الناس؟

و ذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزواته؟ (1).

و ظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات اللّه و سلامه عليه.

7-عن مقسم: أن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب، و راية الأنصار مع سعد بن عبادة، و كان إذا استعر القتال كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما يكون تحت راية الأنصار (2).

8-عن عامر: أن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 500، و صححه على شرط الشيخين هو و الذهبي في تلخيص المستدرك، و حياة الصحابة ج 2 ص 514 و 515. و أظن أن القضية كانت مع سعد بن مالك أبي سعيد الخدري، لأن سعد بن أبي وقاص كان منحرفا عن أمير المؤمنين. و يشير إلى ذلك ما ذكره الحاكم في مستدركه ج 3 ص 499 من أن أبا سعيد قد دعا على من كان ينتقص عليا فاستجاب اللّه له.

2) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288، و راجع: فتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد عن ابن عباس بإسناد قوي.

بن أبي طالب، و كانت في الأنصار حيثما تولوا (1).

و قد يقال: إن هذين النصين الواردين تحت رقم 7 و 8 لا يدلان على أن الراية كانت دائما مع علي «عليه السلام» بصورة أكيدة و صريحة، و إن كان يمكن أن يقال: إن ظاهر هما هو ذلك.

9-عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب (2).

10-قال ابن حمزة: و هل نقل أحد من أهل العلم: أن عليا كان في جيش إلا و هو أميره؟ (3).

11-و في حديث المناشدة: أن عليا «عليه السلام» قال: نشدتكم اللّه، هل فيكم أحد صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منذ يوم بعثه اللّه إلى يوم قبضه، غيري؟ ! .

قالوا: اللهم لا (4).

و بالنسبة لخصوص واقعة أحد نقول:

1-عن علي قال: كسرت يده يوم أحد، فسقط اللواء من يده؛ فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعوه في يده اليسرى، فإنه صاحب لوائي


1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288.

2) أسد الغابة ج 4 ص 20، و أنساب الاشراف ج 2 ص 106 لكن فيه: ميسرة العبسي بدل سعد بن عبادة.

3) الشافي لابن حمزة ج 4 ص 164.

4) المسترشد في إمامة علي «عليه السلام» ص 57.

في الدنيا و الآخرة (1).

2-قد ورد، في احتجاج الإمام الحسن المجتبى صلوات اللّه و سلامه عليه بفضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» على معاوية، و عمرو بن العاص، و الوليد الفاسق، ورد قوله: «و أنشدكم اللّه، ألستم تعلمون: أنه كان صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر، و أن راية المشركين كانت مع معاوية، و مع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد، و يوم الأحزاب، و معه راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معك و مع أبيك راية الشرك الخ. .» ؟ ! (2).

3-قال ابن هشام: «لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت راية الأنصار، و أرسل إلى علي: أن قدم الراية.

فتقدم علي؛ فقال: أنا أبو القصم. فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة، و هو صاحب لواء المشركين منه البراز، فبرز إليه علي، فضربه علي فصرعه (3).

و هذا معناه: أنه «عليه السلام» كان صاحب الراية العظمى، فأمره «صلى اللّه عليه و آله» بالتقدم، ثم طلب منه صاحب لواء المشركين البراز، لأنه إذا قطت الراية العظمى انكسر الجيش و انهزم.

4-و قال القوشجي: في غزاة أحد جمع له الرسول «صلى اللّه عليه


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 434، و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 4 ص 156 عن ابن الحضرمي، و ذخائر العقبى ص 75 بلفظ (ضعوه) .

2) كفاية الطالب ص 336، و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 289، و الغدير ج 10 ص 168 عنه.

3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 78، و تاريخ الخميس ج 1 ص 427.

و آله» بين اللواء و الراية (1).

5-عن أبي رافع قال: كانت راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد مع علي، و راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة (2).

6-و يظهر من بعض الروايات الفرق بين اللواء و الراية، و قد قالوا: إن الراية كانت في يد قصي، ثم انتقلت في ولده حتى انتهت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعطاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعلي في غزاة و دان، و هي أول غزاة حمل فيها راية مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم لم تزل مع علي في المشاهد، في بدر و أحد.

و كان اللواء يومئذ في بني عبد الدار، فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمصعب بن عمير، فاستشهد، و وقع اللواء من يده، فتشوقته القبائل؛ فأخذه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدفعه إلى علي، فجمع له يومئذ الراية و اللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم (3).

و يظهر أن هذا هو مراد القوشجي من كلامه الآنف.

لا فرق بين اللواء و الراية:

و نقول: إن هذه الروايات تنافي ما تقدم عن ابن عباس، و جابر، و قتادة، من أنه «عليه السلام» كان صاحب لوائه «صلى اللّه عليه و آله» في كل زحف.

و قد دلت النصوص المتقدمة على أن عليا «عليه السلام» هو صاحب


1) شرح التجرية للقوشجي ض 486.

2) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 365.

3) الإرشاد للشيخ المفيد ص 48.

لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أيضا صاحب راية رسول اللّه، لو كان ثمة فرق بينهما.

و نحن نشك في ذلك، لأن بعض أهل اللغة ينصون على عدم الفرق (1)، فإن كلا منهما عبارة عما يجعله القائد من الأقمشة في طرف رمح أو نحوه.

و نجد وصف اللواء بالأعظم تارة (2)، و وصف الراية بالعظمى أيضا (3).

إلا أن يقال: إن مصعب بن عمير كان صاحب لواء المهاجرين، فلما استشهد في أحد صار لواؤهم إلى علي، فعلي «عليه السلام» صاحب راية و لواء رسول اللّه، و هو أيضا صاحب لواء المهاجرين. و لعل هذا هو الأظهر.

و قد تقدم بعض الكلام حول هذا الموضوع في غزوة بدر أيضا، فلا نعيد.

عدة و عدد المسلمين:

ثم توجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أحد و معه: ألف رجل، و يقال: تسعمائة، و زاد بعضهم خمسين. منهم مئة دارع. ليس معهم فرس (4).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 147.

2) راجع حياة الصحابة ج 1 ص 431، و تاريخ ابن عساكر ترجمة علي «عليه السلام» بتحقيق المحمودي ج 1 ص 110 و المنتقى.

3) كما في قول ابن أبي الحديد عن هزيمة الشيخين في خيبر: و للراية العظمى و قد ذهبا بها ملابس ذل فوقها و جلابيب

4) وفاء الوفاء ج 1 ص 284 و 285 عن ابن عقبة، و السيرة الحلبية ج 2 ص 221، و فتح الباري.

و قيل: مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» فرسه، و فرس لأبي بردة بن نيار (1).

و قيل: كان معهم فرس واحد (2).

رجوع المنافقين:

و يظهر مما يأتي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج نحو أحد من ثنية الوداع، شامي المدينة.

و رجع ابن أبي مما بين المدينة و أحد بمن معه من المنافقين، و أهل الريب. و كانوا ثلاثمائة رجل، و قال: محمد عصاني و أطاع الولدان؟ سيعلم! !

ما ندري علام نقتل أنفسنا و أولادنا ههنا أيها الناس؟

فرجعوا. و تبعهم جابر بن عبد اللّه الأنصاري يناشدهم اللّه في أنفسهم، و في نبيهم، فقال ابن أبي: لو نعلم قتالا لا تبعناكم، و لو أطعتنا لرجعت معنا.

و قيل: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بالانصراف، لكفرهم (3).

فبقي «صلى اللّه عليه و آله» في سبعمائة من أصحابه، أو ستمائة.

و برجوع ابن أبي سقط في أيدي بني حارثة و بني سلمة، ثم عادوا إلى الموقف الحق، قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاٰ (4)الآية.

و روي بسند رجاله ثقات: أنه بعد أن جاوز النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 190، و السيرة الحلبية ج 2 ص 221.

2) مجمع الزوائد ج 6 ص 117 عن الطبراني، و حياة الصحابة ج 3 ص 769 عن كنز العمال ج 3 ص 135 عن الطيالسي.

3) سيرة مغلطاي ص 49.

4) الآية 122 من سورة آل عمران.

ثنية الوداع، إذا هو بكتيبة خشناء، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : من هؤلاء؟

قالوا: عبد اللّه بن أبي بن سلول في ستمائة من مواليه اليهود.

فقال: و قد أسلموا؟

قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: مروهم فليرجعوا، فإننا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك.

أو: فإننا لا نستعين بالمشركين على المشركين (1).

الخيانة و آثارها:

إن من الطبيعي: أن يكون لا نخذال ابن أبي و رجوعه بمن معه من المنافقين أثر سيء على نفوس المسلمين و معنوياتهم، فإن حدوث الخيانة هذه قد كانت أحد الأسباب الرئيسية لتهيؤ بعض المسلمين نفسيا للهزيمة في المعركة، و هم بنو حارثة، و بنو سلمة.

و قد حكى اللّه ذلك بقوله: إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاٰ (2).

و قد جاءت هذه الخيانة في لحظات حرجة و حساسة، قد مهدت الطريق، و منحت العذر لمن تبقى من المنافقين للفرار في أحرج اللحظات و أخطرها على الإسلام و المسلمين بصورة عامة.


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 283، و تاريخ الخميس ج 1 ص 422 عن الوفاء، و الطبراني في الكبير و الأوسط بسند رجاله ثقات، و ذكر مثل ذلك عن الكشاف و معالم التنزيل و السيرة الحلبية ج 2 ص 220، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 227، و مغازي الواقدي ج 1 ص 215.

2) الآية 122 من سورة آل عمران.

و هذا يؤيد، و يؤكد سلامة موقفه «صلى اللّه عليه و آله» في إرجاعه في غزوة بدر من لم يكن مسلما، و عدم قبوله باشتراك بعض اليهود في حرب أحد، حيث أرجع كتيبتهم كما سلف.

و لذلك شواهد كثيرة في حياته «صلى اللّه عليه و آله» يجدها المتتبع في السيرة النبوية.

و قد أشار اللّه تعالى إلى الأثر السيئ لمواقف المنافقين في العديد من الآيات، فهو تعالى يقول: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلاّٰ خَبٰالاً (1).

و يعطي قاعدة عامة في التعامل مع غير المؤمنين، فيقول: وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ (2)إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه.

و بعد هذا، فإننا نعرف عدم صحة ما روي عن الزهري، قال: «كان يهود يغزون مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فيسهم لهم كسهام المسلمين» (3).

و ما ذلك إلا لأنه قد زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا (4)، و لأن: اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَلطّٰاغُوتِ (5).

و من هذا المنطلق، قال ابن أبي هنا: ما ندري علام نقتل أنفسنا و أولادنا؟ .


1) الآية 47 من سورة التوبة.

2) الآية 113 من سورة هود.

3) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 188، و سنن البيهقي ج 9 ص 53، و نقل عن ابن أبي شيبة.

4) الآية 212 من سورة البقرة.

5) الآية 76 من سورة النساء.

و من جهة ثانية، فإن المنافقين و اليهود كانوا يلتقون مع المشركين في الهدف مرحليا؛ لأنهم جميعا لا يستطيعون أن يروا انتصار الإسلام و المسلمين في المنطقة، لأنهم-و هم الذين لا همّ لهم إلا الدنيا-يرون ذلك يضر بمصالحهم، و بموقعهم السياسي، و الاجتماعي، و الاقتصادي في المنطقة.

و إذا حارب اليهود و المنافقون إلى جانب المسلمين، فإنما يفعلون ذلك إما تمهيدا للخيانة بهم، و إسلامهم إلى أعدائهم، و إما طمعا في المال و الغنائم. و من يقاتل من أجل ذلك، فلا يستطيع أن يقدم على الأخطار، و لا أن يضحي بنفسه، بل إنما يكون مع المسلمين ما دام النصر حليفهم، حتى إذا رأى أنهم في خطر، فإنه لا بد أن يخذلهم في أحرج اللحظات، و هذا ما سوف يؤثر تأثيرا سلبيا على معنوياتهم، و من ثم على مستقبلهم و مصيرهم أيضا.

سؤال و جوابه:

و يبقى سؤال، و هو: أنه إذا كان الحال كذلك، فلماذا يقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» المنافقين في جيش المسلمين مع أن ذلك يشكل خطرا عليهم؟ !

و لماذا لا يفضحهم و يكشفهم للناس؟ !

و إذا كان يمنع اليهود و غيرهم من الكفار من المشاركة، فلماذا لا يتخذ تدبيرا معينا يمنع به المنافقين من الحضور في ساحة الحرب؟ !

و الجواب يتلخص في النقاط التالية:

1-لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» واقعا بين محذورين، كل منهما صعب و خطير.

أحدهما: سلبية خروج المنافقين إلى الحرب، و قد حددها اللّه سبحانه،

حينما قال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلاّٰ خَبٰالاً وَ لَأَوْضَعُوا خِلاٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اَلْفِتْنَةَ (1).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يستر ذلك عليهم ما داموا لم يظهرواهم أنفسهم ذلك، من خلال أفعالهم و مواقفهم، و أقوالهم.

الثاني: سلبية إبقاء المنافقين في المدينة، يسرحون و يمرحون، و ربما يكون الخطر في ذلك أعظم مما لو اصطحبهم معه في الحرب، لأن ذلك يفسح المجال لهم للتآمر، من دون أن يكون ثمة من يستطيع دفع كيدهم، ورد بغيهم.

و ما قضية تبوك إلا الدليل القاطع على ما نقول، حيث اضطر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» إلى إبقاء خليفته و وصيه، و من هو منه بمنزلة هارون من موسى في المدينة، حينما شعر أن تخلف المنافقين عن الخروج إلى تبوك يحمل في طياته أخطارا جساما، لا يمكن لأحد مواجهتها إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أخوه علي «عليه السلام» .

و قد رجح «صلى اللّه عليه و آله» هذا على ذاك ليرد كيدهم، و يفشل مؤامراتهم، و لأجل ذلك كان يخرجهم معه إلى الحرب.

2-ثم إن النفاق قد لا يتخذ صفة العنف، بل يظهر المنافق الإسلام حفاظا على مصالحه، أو لأسباب خاصة أخرى، مع عدم إبائه عن الدخول فيه، و تقبله طبيعيا له، فهو لا يهتم بهدم الإسلام و الكيد له. فتبرز الحاجة- و الحالة هذه-إلى إعطائهم الفرصة للتعرف أكثر فأكثر على تعاليم الإسلام


1) الآية 47 من سورة التوبة.

و أهدافه، و لكي يعيشوا أجواءه من الداخل، و ليكتشفوا ما أمكنهم من أسرار عظمته و أصالته، فتلين له قلوبهم، و تخضع له عقولهم. و لا أقل من أن أبناءهم، و من يرتبط بهم، يصبح أقدر على ملامسة واقع المسلمين، و التفاعل مع تعاليم الإسلام ما دام أنه يعيشها بنفسه، و تقع تحت سمعه و بصره.

و هذا بالذات ما كان يهدف إليه الإسلام من التألف على الإسلام، و إعطاء الأموال و الأقطاع، و حتى المناصب و القيادات لمن عرفوا ب اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (1)، بالإضافة إلى ما كان يهدف إليه من دفع كيدهم و شرهم.

و ما تقدم يفسر لنا السبب الذي جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقبل بوجهه و حديثه على أشر القوم، يتألفهم بذلك، حتى إن عمرو بن العاص ظن بنفسه أنه خير القوم.

ثم صار يسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المفاضلة بين نفسه و غيره، فلما عرف: أنهم أفضل منه، قال: «فلوددت أني لم أكن سألته» (2).

3-إن سكوته «صلى اللّه عليه و آله» عن المنافقين، و قبولهم كأعضاء في المجتمع الإسلامي، إنما يريد به المحافظة على من أسلم من أبنائهم، و إخوانهم، و آبائهم، و أقاربهم، حتى لا تنشأ المشاكل العائلية الحادة فيما بينهم؛ و لا يتعرض المسلمون منهم للعقد النفسية، و المشكلات الاجتماعية،


1) الآية 60 من سورة التوبة.

2) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 15 عن الطبراني بإسناد حسن، و في الصحيح بعضه بغير سياقه. و حياة الصحابة ج 2 ص 706 عن الترمذي في الشمائل ص 25.

التي ربما تؤثر على صمودهم و استمرارهم.

4-و كذلك، فإن اتخاذ أي إجراء ضد المنافقين، لربما يكون سببا في تقليل إقبال الناس على الإسلام، و عدم وثوقهم بمصيرهم، و ما سوف يؤول إليه أمرهم معه فيه، و لا سيما إذا لم يستطيعوا أن يتفهموا سر ذلك الإجراء، و لا أن يطلعوا على أبعاده و خلفياته.

و لسوف يأتي: أن سبب إظهار وحشي للإسلام، هو أنه كان معروفا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه كان لا يتعرض لمن يظهر الإسلام بشيء يسوءه.

5-إن اتخاذ أي إجراء ضد المنافقين، معناه: فتح جبهة جديدة، كان بالإمكان تجنبها، و اضطرار هؤلاء الساكتين ظاهرا، انصياعا لظروفهم، إلى المجاهرة بالعداء، و الإعلان بالتحدي، و هم عدو داخلي كثير العدد، و خطير جدا، يعرف مواضع الضعف، و مواضع القوة، و يكون بذلك قد أعطاهم المبرر للانضمام إلى الأعداء، العاملين ضد الإسلام و المسلمين.

و واضح أن تصرفا كهذا ليس من الحكمة و لا من الحنكة في شيء، لأنه يأتي في ظرف يحتاج فيه الإسلام إلى تمزيق أعدائه و تفريقهم؛ حيث لا يستطيع مواجهتهم جميعا في آن واحد.

و إذا كان المنافقون قد تمكنوا من توجيه ضربة قاسية للمسيرة الإيمانية بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنهم لم يتمكنوا من إطفاء نور اللّه سبحانه. . و بقي الإسلام حيا متوهجا و سيبقى كذلك إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها. .

بقي أمران:

أحدهما: لقد نزلت آيات قرآنية كثيرة تفضح المنافقين، و تظهر أفاعيلهم، و تنقل أقاويلهم، و تبين أوصافهم بدقة و بتفصيل.

كما أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد حاول أن يحد من فعالية المنافقين ما أمكنه، و ذلك بتنبيه الصحابة إلى خططهم و مؤامراتهم، و الكشف عن حقيقتهم و وجودهم، و تحذير الناس منهم، و ذكر أفعالهم و أوصافهم باستمرار، حتى حينما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة. بل لقد اتخذ «صلى اللّه عليه و آله» أحيانا إجراءات عملية ضدهم، كهدم مسجد الضرار، و غير ذلك مما يظهر جليا في الآيات القرآنية الكثيرة، و المواقف النبوية المختلفة.

و هذا بطبيعته يمثل حصانة و مناعة للمسلمين ضد النفاق و المنافقين و مكائدهم.

الثاني: إنه يظهر مما تقدم: أنه كان ثمة كتيبة لليهود بقيادة ابن أبي، و قد أرجعها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الطريق. ثم رجع ابن أبي مع طائفة من المنافقين.

بل يظهر من بعض النصوص: أن المنافقين قد رجعوا من نفس أحد (1).

و الذي نخشاه هو أن تكون هذه الرواية مكذوبة بهدف التغطية على فساد ابن أبي و رجوعه بالمنافقين من وسط الطريق.


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 219، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 230.

إرجاع الصغار:

و قد رد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من استصغرهم، و منعهم من الخروج إلى الحرب، مثل: ابن عمرو بن ثابت، و سمرة بن جندب، و رافع بن خديج ثم سمح «صلى اللّه عليه و آله» لرافع؛ لأنه رام. و كان يتطاول من الشغف على الخروج.

فيقال: إن سمرة قال لزوج أمه: أذن لرافع و ردّني، و أنا أصرعه؟ !

فأمرهما «صلى اللّه عليه و آله» بالمصارعة؛ فصرعه سمرة بن جندب؛ فأذن له أيضا (1).

الريب فيما ينقل عن سمرة: و نحن نرتاب فيما نقل عن سمرة بن جندب، و ذلك لما يلي:

1-إن ابن الأثير يذكر: أن صاحب هذه القضية هو جابر بن سمرة حليف بني زهرة (2)و ليس سمرة بن جندب.

2-إن سمرة لم يكن مستقيما و لا مراعيا للشرع في تصرفاته و مواقفه. فحياة سمرة، و تاريخه، و نفسيته، و روحيته، سواء في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو بعد وفاته، كل ذلك يأبى عن نسبة مثل ذلك إليه.

أما في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإننا نجد: أنه هو صاحب العذق الذي كان في حائط الأنصاري، و بيت الأنصاري في ذلك الحائط


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 191، و السيرة الحلبية ج 2 ص 220، و تاريخ الخميس ج 1 ص 422، و مغازي الواقدي ج 1 ص 216، و شرح النهج ج 4 ص 227.

2) الكامل ج 2 ص 151.

أيضا؛ فكان سمرة يمر إلى نخلته، و لا يستأذن، فكلمه الأنصاري، فأبى، فشكاه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأبى أن يستأذن. فساومه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بذل له ما شاء من الثمن فأبى أيضا. فبذل له نخلة في الجنة في مقابلها، فأبى أيضا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ للأنصاري: إذهب فاقلعها، و ارم بها إليه؛ فإنه لا ضرر و لا ضرار (1).

كما أنه هو نفسه-كما في الروضة-الذي ضرب رأس ناقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» فشجها، فشكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و أما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه قتل من المسلمين ما لا يحصى، حتى إن زياد بن أبيه استخلفه على البصرة، و أتى الكوفة مدة و جيزة، فقتل ثمانية آلاف (3)، كما عن الطبري. و قتل سبعة و أربعين رجلا من بني عدي في غداة واحدة، كلهم قد جمع القرآن (4). و كان يقتل من يتشهد


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78، و الكافي ج 5 ص 292 و 294، و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 233 و 103، و التهذيب ج 7 ص 147، و الوسائل ج 17 ص 340 و 341، و البحار (ط جديد) ج 100 ص 127 و (ط قديم) ج 8 ص 675، و مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 14، و السنن الكبرى ج 6 ص 157، و سنن أبي داود ج 3 ص 315، و الدر المنثور ج 6 ص 357 عن ابن أبي حاتم و راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 8.

2) قاموس الرجال ج 5 ص 8 عن الروضة.

3) تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف بمصر) ج 5 ص 237.

4) قاموس الرجال ج 5 ص 8.

الشهادتين، و يبرأ من الحرورية (1).

و بعد موت زياد أقره معاوية على البصرة ستة أشهر ثم عزله؛ فقال:

لعن اللّه معاوية، لو أطعت اللّه كما أطعت معاوية لما عذبني أبدا (2)و كان يخرج من داره مع خاصته ركبانا فلا يمر بطفل، و لا عاجز، و لا حيوان إلا سحقه هو و أصحابه، و هكذا إذا رجع. فلم يكن يمر عليه يوم إلا و له قتيل أو أكثر (3).

و بذل معاوية له مئة ألف، ليروي: أن آية: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا إلى قوله: وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ (4)نزلت في علي «عليه السلام» ، و أن آية: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ (5)، نزلت في ابن ملجم؛ فلم يقبل، فبذل له مئتي ألف، ثم ثلاثمائة. فلما بذل له أربعمائة ألف، قبل، و روى ذلك (6).

كما أن سمرة هذا قد حضر مقتل الحسين، و كان من شرطة ابن زياد، و كان يحرض الناس على الخروج إلى قتال الإمام الحسين «عليه السلام» (7).

هذا هو سمرة، و هذه هي نفسيته، و أفاعيله، فإن كان حقا هو صاحب


1) قاموس الرجال ج 5 ص 9.

2) تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 5 ص 291.

3) قاموس الرجال ج 5 ص 9 عن الطبري.

4) الآيتان 204 و 205 من سورة البقرة.

5) الآية 207 من سورة البقرة.

6) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 73.

7) راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 8-10 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77 و 78 و 79.

القضية المتقدمة، و هو بعيد في الغاية، فلا بد أن يكون هدفه هو الحرب من أجل المال أو الجاه، و غيره من المكاسب الدنيوية، مهما كانت تافهة و حقيرة.

3-و إن من الأمور التي شاعت و ذاعت، و رواها المحدثون و المؤرخون بشكل واسع قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سمرة، و أبي هريرة، و أبي محذورة: آخركم موتا في النار. فكان سمرة آخرهم موتا (1).

و تأويل ذلك: بأن سمرة قد مات في قدر مملوءة ماء حارا (2)لا يصح، لأنه خلاف الظاهر، فإن ظاهر الكلام: أن المراد هو النار الأخروية، كما هو المتبادر، لا أن موته بسبب أن النار تجعل الماء حارا، ثم يقع فيه؛ فإن ذلك -بالإضافة إلى أنه مجاز لا مبرر له إلا إرادة تبرئة ساحة رجل له أمثال تلك الجنايات و العظائم-لا يصح، إذ لو كان هو المراد لكان الأصح هو التعبير بقوله: (بالنار) ، لا (في النار) ، أو يقول: في الماء الحار، و نحو ذلك.

فهذه الكرامة له، و التي تقول: إنه كان يتشوق للمشاركة في الحرب، رغم صغر سنه، ثم مصارعته لرافع، لا تناسب كل ما أشرنا إليه آنفا، و لا تنسجم مع واقع سمرة و نفسيته.

و لعل سر تكرم محبيه عليه بهذه الفضيلة، هو طاعته الخارقة لمعاوية، و معاونته لابن زياد، و تحريضه على قتل الحسين «عليه السلام» ، و غير ذلك.

و لو أننا قبلنا صدور ذلك منه؛ فإنه-و لا شك-قد انقلب على عقبيه بعد ذلك، و لا تنفعه أمثال هذه الأمور، بعد أن كانت عاقبته هي النار.


1) راجع: قاموس الرجال، و الاصابة ج 2 ص 79، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78.

2) راجع: الاصابة ج 2 ص 79، و الإستيعاب بهامشها ج 2 ص 78.

ملاحظة: و لا يخفى: أن هذا الكلام منه «صلى اللّه عليه و آله» في حق هؤلاء الثلاثة من شأنه أن يسقطهم عن الاعتبار جميعا، إذ لو كان واحد منهم مستقيم الطريقة لم يجز وضعه في دائرة من يحتمل في حقه ذلك.

و هذا أسلوب فذ في إسقاط خطط الذين يريدون تكريس رموز، و أشخاص يريدون أن يقوموا بدور غير مسؤول و يمس مستقبل الأمة، و يؤثر على دينها، و على كل وجودها و لو عن طريق تزوير نصوص الدين و أحكامه، و العبث برسومه و أعلامه.

الحراسة و قصة ذكوان:

و نزل «صلى اللّه عليه و آله» في مكان في الطريق، و عين محمد بن مسلمة في خمسين آخرين لحراسة الجيش.

و يقولون: ثم قال: من يحرسنا الليلة؟

فقام رجل، فقال: أنا.

فسأله عن اسمه، فقال: ذكوان. فأجلسه.

ثم سأل الثانية: فقام رجل، فقال: أنا.

فسأله عن اسمه فقال: أبو سبع. فأجلسه.

و في الثالثة: قام رجل و تسمى بابن عبد القيس، فأجلسه.

ثم أمر بقيام الثلاثة. فقام ذكوان وحده. فسأله عن الباقين.

فأخبره أنه هو صاحب الأسماء الثلاثة، فكان هو الذي حرسه (1).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 422 و 423، و السيرة الحلبية ج 2 ص 221، و مغازي الواقدي ج 1 ص 217، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 228.

قال المعتزلي: قلت: قد تقدم هذا الحديث في غزوة بدر، و ظاهر الحال أنه مكرر، و أنه إنما كان في غزاة واحدة.

و يجوز أن يكون قد وقع الغزاتين، و لكن على بعد (1).

الشك في قصة ذكوان:

و نحن نستبعد قصة ذكوان هذه و ذلك لما يلي: 1-إننا لا نستطيع أن نصدق: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان ساذجا إلى حد أنه لا يستطيع أن يدرك: أن الذي أجابه في المرات الثلاث، بل الأربع، هو شخص واحد، حتى سأله عن الباقين! ! .

2-ثم إننا لم نفهم المبرر لعدم إجابة غير ذكوان من المسلمين الذين يبلغ عددهم حوالي سبعمائة رجل، و فيهم أعظم المؤمنين، و كثيرون من الغيارى على حياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و يفدونه بأرواحهم، و بكل غال و نفيس.

و لم تكن الحراسة تشكل خطرا عظيما و حاسما كما كان الحال بالنسبة لمنازلة عمرو بن ود، بل هي أخفّ مؤونة من ذلك، لأن الخطر فيها يبقى في حدود الإحتمال. و أين كان علي «عليه السلام» عنه في تلك الليلة، مع أنه هو الذي كان يتولى حراسته عادة.

3-إننا لا نفهم المبرر لأمره «صلى اللّه عليه و آله» إياه بالجلوس في المرات الثلاث! ! و لم لم يوافق على طلبه من المرة الأولى؟ ! فإن الخطر منها


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 228 و 229.

ليس في مستوى خطر مواجهة عمرو بن عبد ود العامري. .

4-إن النزول في الطريق، و بيات ليلة فيه موضع شك أيضا إذ لم تكن المسافة بين المدينة و بين جبل أحد كبيرة إلى حد يحتاج معها إلى أن يبيت في الطريق إليه.

الفصل الثاني: نصر و هزيمة

اشارة

التعبئة للقتال:
اشارة

و يقولون: إنه لما وصل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى منطقة القتال، اختار أن ينزل إلى جانب جبل أحد، بحيث يكون ظهرهم إلى الجبل.

ثم عبأ أصحابه، و صار يسوي صفوفهم؛ حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجا، فيؤخره.

و أمرهم أن لا يقاتلوا أحدا حتى يأمرهم.

و كان على يسار المسلمين جبل اسمه جبل عينين، و هو جبل على شفير قناة، قبلي مشهد حمزة، عن يساره (1).

و كانت فيه ثغرة؛ فأقام عليها خمسين رجلا من الرماة، عليهم عبد اللّه بن جبير، و أوصاه: أن يردوا الخيل عنهم، لا يأتوهم من خلفهم.

و في رواية قال: إن رأيتمونا تختطفنا الطير، فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، و إن رأيتمونا هزمنا القوم، و أوطأناهم؛ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم (2).

و حسب نص آخر: احموا ظهورنا؛ فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا،


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 423.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 423 عن البخاري.

و إن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا (1).

و كان شعاره يوم أحد: أمت. أمت.

و يقولون أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ظاهر بين درعين، كما نص عليه الحاكم، و طائفة من المؤرخين.

و يقول الواقدي: إنه كان قد لبس قبل وصوله إلى أحد درعا، فلما وصل إلى ساحة الحرب لبس درعا أخرى، و مغفرا و بيضة (2)فوق المغفر (3).

و من جهة أخرى: فقد عبأ المشركون قواهم، استعدادا للحرب، و أرسل أبو سفيان إلى الأنصار:

خلوا بيننا و بين ابن عمنا؛ فننصرف عنكم؛ فلا حاجة بنا إلى قتالكم، فردوا عليه بما يكره (4).

و نذكر هنا ما يلي:

ألف: المظاهرة بين درعين:

إننا نشك في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ظاهر بين درعين في الوقت الذي يرى فيه أن غالب أصحابه لا درع لهم يحميهم من سيوف المشركين، فضلا عن أن يكون لهم درعان.

و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليميز نفسه عنهم، بل كان من


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 424، عن الطبراني و الحاكم، و السيرة الحلبية ج 2 ص 222.

2) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس. و البيضة: الحذوة.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 219، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 230.

4) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 151.

عادته أن يجعل نفسه كأحدهم.

مع أنه يعلم: أنه هو المستهدف بالدرجة الأولى. و هذه هي أخلاق النبوة. و تلك هي سيماء الأفذاذ من الرجال، و عباد اللّه الصالحين.

إلا أن يقال: إن المسلمين أنفسهم قد أصروا عليه بأن يظاهر بين درعين، من أجل الحفاظ عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما كانوا يقومون بحراسته «صلى اللّه عليه و آله» ليلا من أجل ذلك أيضا. .

و يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل منهم ذلك لتطمئن قلوبهم، و يهدأ روعهم.

و نقول: إن ذلك لا يصح أيضا، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان ملاذا للناس حين الحرب، و كانوا يلجأون إليه في الشدائد و الأهوال.

و لم يكن أحد أقرب منه إلى العدو، و كان يقدم أحباءه و أهل بيته في الحرب، و لا نجد مبررا بعد هذا للمظاهرة بين درعين، لا سيما مع وجود المنافقين، و من في قلوبهم مرض، و مع وجود اليهود و غيرهم من الأعداء، الذين سوف لا يسكتون عن أمر كهذا، بل سوف يستفيدون منه لتضليل الناس، و خداع ضعاف النفوس، و السذج و البسطاء.

و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسجل على نفسه سابقة كهذه أصلا.

ب: المنطق القبلي لدى أبي سفيان:

إن محاولة أبي سفيان استعمال المنطق القبلي حين قال: خلوا بيننا و بين ابن عمنا إنما كانت لتفريق الناس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ ليتمكن من القضاء على حركته من أسهل طريق؛ فلا يتعرض للعداوات الحادة بينه

و بين المدنيين، و لا للخسائر الكثيرة في الأرواح، و لا لتغيير المعادلات السياسية في المنطقة. إلى غير ذلك من الاعتبارات الكثيرة في جو كهذا.

و لكن فأله قد خاب، فقد وجد: أن الإسلام و المسلمين لا يأبهون لمنطق كهذا، و أصبح المسلم أخا للمسلم أيا كان، و من أي قبيلة كانت.

أما أبو سفيان و أصحابه فعدو محارب، حتى و لو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أو غيرهم.

أبو دجانة و السيف:

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ سيفا، و قال: من يأخذ هذا السيف بحقه، فطلبه جماعة، منهم الزبير.

و في نصوص أخرى: أبو بكر، و عمر، و تضيف رواية الينابيع عليا «عليه السلام» أيضا، فلم يعطهم إياه.

فسأله أبو دجانة: ما حقه؟

فقال: أن تضرب به العدو حتى ينحني.

فطلبه أبو دجانة؛ فأعطاه إياه، فجعل يتبختر بين الصفين، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في هذا الموطن.

فقاتل أبو دجانة قتالا عظيما، حتى حمل على مفرق رأس هند-التي كانت تحوش المسلمين بهجماتها-ثم عدل السيف عنها؛ لأنها صرخت، فلم يجبها أحد؛ فكره أن يضرب بسيف رسول اللّه امرأة لا ناصر لها (1).


1) راجع نصوص هذه الرواية المختلفة في: لباب الآداب ص 176، و تاريخ الخميس ج 1 ص 424 و 425، و السيرة الحلبية ج 2 ص 222 و 223 و 225، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 257، و البداية و النهاية ج 4 ص 16 و 17، و فيهما ذكر عمر و الزبير، و مغازي الواقدي ج 1 ص 259، و حياة الصحابة ج 1 ص 575-577 عن غير واحد، و ينابيع المودة، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال لتعدادها.

ملاحظات على هذه الرواية:

و نقول:

1-إن قضية عرضه السيف على أصحابه، و منعه من البعض، و إعطائه لأبي دجانة قد تكون صحيحة.

و لكن ما تقدم عن الينابيع، من ذكر علي «عليه السلام» فيمن لم يعطه «صلى اللّه عليه و آله» السيف في غير محله.

إذ سيأتي: أنه لم يثبت أمام ذلك الجيش الهائل سوى أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه.

و هذا يقرب: أنه «عليه السلام» كان يدرك: أنه لم يكن هو المقصود للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في دعوته للمسلمين لأخذ السيف بحقه؛ لأنه كان يعرف موقعه و دوره في المعركة.

و لنا أن نحتمل هنا-بسبب ما عرفناه و ما ألفناه من هؤلاء الرواة و المحدثين-:

أن إضافة اسم علي في الرواية، قد كانت من أجل الحفاظ على كرامة و شخصية الطالبين و الممنوعين الحقيقيين عن السيف في هذا الموقف. فإنهم لم تكن مواقفهم الحربية تأبى عن مثل هذا، حيث لم تؤثر عنهم مواقف

حربية شجاعة في ساحات الجهاد، بل أثر عنهم العكس من ذلك تماما.

2-إننا لا نفهم: لماذا يرفض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إعطاء السيف للزبير، و لأبي بكر، و عمر، بعد طلبهم إياه، قبل أبي دجانة، و لماذا لا يجربهم، ليظهر مواهبهم و مواقفهم؟ !

و لماذا يواجههم أمام الناس بهذا الرفض الفاضح و القاسي، حتى لقد وجدوا في أنفسهم من منعه لهم؟

و لربما يقال: إنه أراد أن يعطيه أنصاريا؛ ليقتدي به الأنصار.

و جوابه: أنه قد كان اللازم حينئذ: أن يوضح ذلك لهم بكلمة، أو بإشارة، حتى لا يتعرض الممنوعون لسوء ظن الناس بهم، أو حتى لا ينسبوا للفشل و العجز، و تصير كرامتهم في معرض الامتهان.

و إن كنا سنرى: أن هؤلاء الممنوعين لم يكونوا في المستوى المطلوب، و كان أبو دجانة أولى منهم بهذا التكريم، لأن هذه القضية قد جرت لو صحت بعد عودة المسلمين من الهزيمة.

و سيأتي بعض الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

3-إن ما ذكروه: من أن هندا كانت تقاتل المسلمين و تحوشهم قد كذبته أم عمارة رحمها اللّه؛ فراجع (1).

و لا ندري من أين حصلت هند على هذه البسالة النادرة، التي تجعلها في عداد أعظم فرسان التاريخ؟

و لماذا لم يعدها المؤرخون من فرسان الدهر، و شجعان ذلك العصر؟ !


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 272، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 268.

كما أن من المعلوم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كان يوصي سراياه و بعوثه وصايا عديدة، منها: أن لا يقتلوا امرأة، و لا و لا الخ.

4-إن من الواضح مدى التشابه بين ما تذكره هذه القضية عن تبختر أبي دجانة بين الصفين، و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و بين ما كان من تبختر علي «عليه السلام» يوم الخندق، فاعترض عمر على ذلك، و نبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مشيته «عليه السلام» .

فأجابه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الجواب بعينه.

و ستأتي مصادر هذه القضية هناك، و أنها ثابتة بلا ريب.

و يبعد أن تتعدد الواقعة بكل خصوصياتها، كما أنه بعد قضية أبي دجانة في أحد لا يبقى مورد لاعتراض عمر في الخندق، إذ نستبعد عدم اطلاعه على ما جرى في أحد، إن لم يكن هو نفسه الذي اعترض آنئذ كما تعودنا منه في المواقف المختلفة، حتى ليندر أن تجد في التاريخ اعتراضا على النبي لغيره! ! و لا أقل من حضوره و شهوده الأحداث عن قرب، فإنه ممن طلب السيف، و رفض طلبه؛ فإذا كان ما جرى يوم الخندق هو الصحيح، و إذا كان ثمة تبديل و تغيير في الأسماء و الأشخاص فقط؛ فلا عجب، فإنما هي شنشنة نعرفها من أخزم.

و على كل حال، فإن مشية علي «عليه السلام» يوم الخندق، كان الهدف منها هو الافتخار بعظمة و بعزة الإسلام، و ذل أعدائه حتى في حال انتصارهم من جهة، ثم الحرب النفسية لأعدائه، و التأثير على معنوياتهم من جهة أخرى.

نشوب الحرب، و قتل أصحاب اللواء:

و كان أول من رمى بسهم في وجوه المسلمين أبو عامر الفاسق في خمسين ممن معه، بعد أن حاول استمالة قومه من الأوس؛ فردوا عليه بما يكره، فتراموا مع المسلمين، ثم و لوا مدبرين.

و حرض أبو سفيان بني عبد الدار، حاملي لواء المشركين على الحرب، و جعل النساء يضربن بالدفوف، و يحرضنهم بالأشعار.

و طلب طلحة بن أبي طلحة، حامل لواء المشركين البراز، فبرز إليه علي «عليه السلام» فقتله. فسر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و كبر تكبيرا عاليا.

و يقال: إن طلحة سأل عليا «عليه السلام» : من هو؟ . فأخبره.

فقال: قد علمت يا قضم: أنه لا يجسر علي أحد غيرك (1).


1) فعن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان بمكة لم يجسر عليه أحد؛ لموضع أبي طالب، و أغروا به الصبيان، و كانوا إذا خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرمونه بالحجارة و التراب، و شكا ذلك إلى علي «عليه السلام» ، فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذا خرجت فأخرجني معك، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فتعرض الصبيان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان يقضمهم في وجوههم، و آنافهم، و آذانهم، فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم، و يقولون: قضمنا علي، قضمنا علي، فسمي لذلك: (القضم) . راجع: البحار ج 20 ص 52، و تفسير القمي ج 1 ص 114، و أشار إلى ذلك أيضا في نهاية ابن الاثير.

و قد ضربه علي «عليه السلام» على رأسه، ففلق هامته إلى موضع لحيته، و انصرف علي «عليه السلام» عنه، فقيل له: هلا ذففت عليه؟ !

قال: إنه لما صرع استقبلني بعورته؛ فعطفتني عليه الرحم. و قد علمت أن اللّه سيقتله، و هو كبش الكتيبة (1).

و في رواية أخرى: أنه صلوات اللّه و سلامه عليه قال: إنه ناشدني اللّه و الرحم؛ فاستحييت. و عرفت أن اللّه قد قتله (2).

و قيل: إن ذلك كان حينما قتل «عليه السلام» أبا سعيد بن أبي طلحة. و ثمة كلام آخر في المقام لا أهمية له.

قال ابن هشام: «لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت راية الأنصار، و أرسل إلى علي «عليه السلام» : أن قدم الراية، فتقدم علي، و قال: أنا أبو القصم (و الصحيح: أبو القضم) ؛ فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة-و كان صاحب لواء المشركين-منه البراز، فبرز إليه علي «عليه السلام» ، فضربه، فصرعه» . ثم ذكر قصة انكشاف عورته حسبما تقدم (3).

و اقتتل الناس، و حميت الحرب. و حارب المسلمون دفاعا عن دينهم، و عن وطنهم، الذي فيه كل مصالحهم، و يتوقف على حفظه مستقبلهم و وجودهم. حاربوا فئة حاقدة، تريد الثأر لقتلاها في بدر، و هي أكثر منهم


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 226، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 236 و غير ذلك.

2) تاريخ الطبري ج 2 ص 194، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 152، و وفاء الوفاء ج 1 ص 293، و الأغاني ج 14 ص 16.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 427.

عددا، و أحسن عدة.

ثم شد أصحاب رسول اللّه (1)«صلى اللّه عليه و آله» على كتائب المشركين، فجعلوا يضربون وجوههم، حتى انتقضت صفوفهم، ثم حمل اللواء عثمان بن أبي طلحة، أخو طلحة السابق، فقتل، ثم أبو سعيد أخوهما، ثم مسافع؛ ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم أخوه الجلاس، ثم أرطأة بن شرحبيل، ثم شريح بن قانط، ثم صواب، فقتلوا جميعا؛ و بقي لواؤهم مطروحا على الأرض، و هزموا، حتى أخذته إحدى نسائهم، و هي عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته، فتراجعت قريش إلى لوائها، و فيها يقول حسان:

و لو لا لواء الحارثية أصبحوايباعون في الأسواق بالثمن البخس

و يقال: إن أصحاب اللواء بلغوا أحد عشر رجلا (2).

قال الصادق «عليه السلام» ، بعد ذكره قتل أمير المؤمنين «عليه السلام» لأصحاب اللواء: «و انهزم القوم، و طارت مخزوم، فضحها علي «عليه السلام» يومئذ» (3).

كما أن رماة المسلمين الذين كانوا في الشعب قد ردوا حملات عديدة لخيل المشركين، حيث رشقوا خيلهم بالنبل، حتى ردوها على أعقابها.

و قبل المضي في الحديث نسجل هنا ما يلي:
اشارة

.....


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 427.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 427.

3) الإرشاد للمفيد ص 52، و البحار ج 20 ص 87 عنه.

ألف: بنو مخزوم، و أهل البيت عليهم السّلام:

و لعل ما تقدم هو سر حقد خالد بن الوليد المخزومي-الذي كان على ميمنة المشركين في أحد-على أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي قتل عددا من فراعنتهم (1).

و قد تقدم في الجزء السابق حين الكلام عن خطبة علي «عليه السلام» لبنت أبي جهل بعض ما يشير إلى حقد خالد هذا، فلا نعيد.

و قد روى الحاكم، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله:

«إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا و تشريدا، و إن أشد قومنا لنا بغضا: بنو أمية، و بنو المغيرة، و بنو مخزوم» (2).

ب: الزبير و المقداد على الخيل:

و ثمة رواية تفيد: أن الزبير و المقداد كانا على الخيل، و حمزة بالجيش بين يديه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أقبل خالد الذي كان على ميمنة المشركين، و عكرمة بن أبي جهل على الميسرة، فهزمهم الزبير و المقداد، و حمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهزم أبا سفيان (3).

و نحن لا نصدق هذه الرواية؛ فقد تقدم: أنه لم يكن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيل.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 84.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 487.

3) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 152.

و جاء في بعض الروايات:

أنه كان ثمة فرس واحد، أو فرسان: فرس للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الآخر لأبي بردة بن نيار كما تقدم.

إلا أن يقال: إن المراد: أنه كان في مقابل خيل المشركين: الزبير و المقداد. و لكن ذلك بعيد عن سياق الكلام، و لا سيما إذا لم يكن معهما خيل. أما العشرة أفراس التي غنمها المسلمون يوم بدر، فلعلها قد بيعت، أو نفقت، أو كان بعضها في حوزة من لم يشاركوا في حرب أحد، ممن رجع مع ابن أبي أو غيرهم.

ثم إننا لا ندري أين كان علي «عليه السلام» ، الذي قتل نصف قتلى المشركين أو أكثر كما سيأتي؟ ! .

و لماذا لا تتعرض له هذه الرواية، و لا تدلنا على دوره في هذه الحرب؟ ! .

ج: إخلاص علي عليه السّلام و عطفه على كبش الكتيبة:

و أما أن عليا «عليه السلام» انصرف عن قتل حامل لواء المشركين، لأنه قد عطفته عليه الرحم، فلا يمكن أن يصح؛ لأن عليا «عليه السلام» لم يكن ليرحم من حاد اللّه، و رسوله، و كان كبش كتيبة المشركين، الذين جاؤوا لاستئصال شأفة الإسلام و المسلمين.

و نحن نعلم: أن عليا «عليه السلام» كان في كل أعماله مخلصا للّه تعالى كل الإخلاص.

و قد قدمنا الإشارة إلى موقفه حينما قتل عمرو بن عبد ود فلا نعيد.

فالظاهر أن الصحيح: هو أنه ناشده اللّه و الرحم، و استقبله بعورته فانصرف عنه. و هو بلاء تعرض له أمير المؤمنين «عليه السلام» مع غيره

أيضا، كعمرو بن العاص، و بسر بن أبي أرطأة في وقعة صفين، كما هو معلوم.

نعم، لقد انصرف عنهم جميعا، بدافع من كرم النفس، و طاعة اللّه.

فهو حين يقتل قومه يقتلهم طاعة للّه، و حين ينصرف عنهم ينصرف لكرم النفس و النبل و الشرف، و طاعة للّه أيضا. حيث لم يكن ثمة حاجة للتذفيف عليه، مع مشاهدة ما لا يحسن مشاهدته منه-عورته-و قد علم أن اللّه سيقتله من ضربته تلك، التي فلقت هامته إلى موضع لحيته.

و لا ننسى أن نشير هنا إلى أنه إذا بلغ السيف إلى موضع لحيته، فإنه لن يكون قادرا على مناشدة أحد.

د: من قتل أصحاب اللواء:

إن من الثابت: أن عليا أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام، هو الذي قتل جميع أصحاب اللواء و كانوا أحد عشر رجلا، و لا يعتنى بتفصيلات طائفة من المؤرخين في من قتل هذا، و من قتل ذاك، و نستند في ذلك إلى ما يلي:

1-قال الطبري، و ابن الزبير، و غيرهما: «و كان الذي قتل أصحاب اللواء علي، قال أبو رافع: قال: فلما قتلهم أبصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» جماعة من المشركين الخ. .» .

و ستأتي المصادر الكثيرة جدا لهذا النص حين الكلام عن مناداة جبرئيل:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

و قد نص على أنه «عليه السلام» هو الذي قتل أصحاب اللواء عدد جم من المؤرخين و غيرهم (1)، و بعضهم-كالإسكافي-ذكر ذلك في مقام الحجاج و الاحتجاج. و لو كان ثمة مجال لإنكار ذلك، لم يجرؤ على إيراده في مقام كهذا.

3-و عن أبي عبد اللّه، عن أبيه «عليهما السلام» ، قال: كان أصحاب اللواء يوم أحد تسعة، قتلهم علي بن أبي طالب عن آخرهم الخ. . (2).

و يمكن تأييد ذلك بما سيأتي إن شاء اللّه، من أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد قتل نصف بل أكثر قتلى المشركين في معركة أحد. لماذا التزوير؟ ! .

فإذا كان هذا هو الصحيح في هذه القضية، و إذا كنا نلاحظ كثيرا: أنهم في مقام تفصيلاتهم الأخرى في هذا المقام، و في غيره أيضا، يحاولون إعطاء كثير من الامتيازات لأولئك الذين لم تكن لهم علاقات حسنة بأهل البيت «عليهم السلام» . بل كان لغالبهم عداوات كبيرة مع علي و أهل بيته، و علاقات وثيقة بأعدائهم و مناوئيهم.

إذا كان كذلك، فإننا نستطيع أن نعرف سر محاولة صرف الأنظار هنا عن رجل الجهاد الحقيقي، الذي كان و لا يزال شوكة جارحة في أعين أعداء الدين


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293 عن الاسكافي، و ليراجع: آخر العثمانية للجاحظ ص 340، و شرح التجريد للقوشجي ص 486، و مجمع البيان ج 2 ص 513، و البحار ج 20 ص 26 و 49 و 69 و 87، و تفسير القمي ج 1 ص 113، و الإرشاد للشيخ المفيد ص 52، و عن الخصال ج 2 ص 121 و 124.

2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 52، و البحار ج 20 ص 87 عنه.

الحق، الذين يحاربون اللّه و رسوله بالسلاح تارة، و بالكذب و الدعايات المسمومة أخرى، و بالتحريف و التزوير ثالثة، و هكذا.

و من الممكن أن يكون بعض ما ذكروه عن غير علي «عليه السلام» صحيحا أيضا، و أنهم قد قتلوا بعض المشركين.

و لكن من المؤكد: أنه لم يكن لهم دور بهذا المستوى المعروض فعلا، و لا هم قتلوا أصحاب اللواء. و لكن مناوئي أهل البيت «عليهم السلام» قد بدلوا الأسماء كيدا منهم و حقدا.

و من هنا فلا مانع من أن يكون أحدهم، و هو حمزة، قد قتل بطلا من غير أصحاب اللواء من المشركين بأن ضربه بالسيف فقطع يده و كتفه، حتى بلغ مؤتزره، فبدا سحره (أي رئته) ، ثم رجع، و قال: أنا ابن ساقي الحجيج (1).

و لسوف يأتي إن شاء اللّه المزيد من الكلام فيما يرتبط بهذا الموضوع.

ه: مبارزة أبي بكر لولده:

و يقولون: إن أبا بكر دعا ابنه عبد الرحمن للبراز يوم أحد، و كان عبد الرحمن من أشجع قريش، و أشدهم رماية! ! (2).

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «متعنا بنفسك، أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي من بصري، فأنزل اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ


1) السيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 28، و أنساب الاشراف ج 1 ص 54.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 168.

وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ (1)» (2).

و قد ذكرت قصة شبيهة بهذه لأبي بكر و ابنه في يوم بدر أيضا.

لكن فيها: أن عبد الرحمن هو الذي دعا أباه للبراز، و لكن لم يذكر فيها نزول الآية بهذه المناسبة (3).

كما أن أكثر المصادر لم تذكر قوله: أما علمت أنك مني بمنزلة الخ. .

و في بعض السير: أن أبا بكر قال لولده يوم بدر و هو مع المشركين: أين مالي يا خبيث؟ .

فقال له عبد الرحمن كلاما معناه: أنه لم يبق إلا عدة الحرب، التي هي السلاح، و فرس سريعة الجري، و جنان يقاتل عليه شيوخ الضلال (4).

و لنا على ما ذكر ملاحظات:

1-أما بالنسبة لمال أبي بكر الذي طالب به ولده، فيرده قولهم: إن أبا


1) الآية 24 من سورة الأنفال.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 169 و 224 و فيها عن علي ما يؤيد هذا، و العثمانية للجاحظ ص 62 و لم يذكر نزول الآية و كذا في الكامل لابن الاثير ج 2 ص 156، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 256 مثله، و مغازي الواقدي ج 1 ص 257، و ملحق العثمانية ص 330 و 340، و البحار ج 20 هامش ص 103 عن كشف الغمة، و عن المقريزي في الامتاع.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 168، و الإستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 399 و 400 و راجع: غزوة بدر، فقد أشرنا إلى هذه الرواية هناك أيضا.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 169، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 291.

بكر حمل ماله كله حين هاجر من مكة إلى المدينة، حتى إن أباه أبا قحافة لما جاء و سأل: إن كان أبقى لأهله شيئا، اضطرت أسماء لأن تضع الحصى في كيس و تلمسه إياه على أنه نقود (1)و قد تقدم بعض الحديث حول ثروة أبي بكر حين الكلام على قضية الغار، فليراجع ما ذكرناه هناك.

2-و أما نزول الآية في أبي بكر في هذه المناسبة فلا ندري: هل نصدق هذا؟ ! أم نصدق قولهم: إن أبا بكر سمع والده أبا قحافة يذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشر؛ فلطمه لطمة سقط منها، فنهاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أن يعود لمثلها؟ ! .

فقال: و اللّه، لو حضرني سيف لقتلته به فنزلت الآية (2).

و هذا يعني أن الآية مكية و ليست مدنية قد نزلت في أحد، لأن أبا قحافة قد بقي في مكة إلى حين الفتح.

كما أن هذا ينافي ما قيل في تفسير هذه الآية، من أن المراد: الدعوة إلى الحرب، أو إلى القرآن (3).

و مقتضى ما ذكر في قصته: أنه دعاه لترك الحرب، و ليبقى حيا و يمتعهم بنفسه.

3-قال ابن ظفر في الينبوع: «لم يثبت أن أبا بكر دعا ابنه للمبارزة،


1) تقدمت مصادر ذلك في هذا الكتاب في فصل هجرة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» حين الحديث حول شراء أبي بكر للموالي و نفقاته.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 169.

3) راجع الدر المنثور ج 3 ص 176 عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و ابن اسحاق.

و إنما هو شيء ذكر في كتب التفسير» (1).

4-و لما ذكر الجاحظ في عثمانيته هذه الحادثة متبجحا بها، أجابه الإسكافي بقوله: «ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر، فإنه لو تسمعه الإمامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب، لأن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : (إرجع) دليل على أنه لا يحتمل مبارزة أحد، لأنه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه، و أنت تعلم حنو الابن على الأب، و تبجليه له، و إشفاقه عليه، و كفه عنه، لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي.

و قوله: (و متعنا بنفسك) إيذان بأنه كان يقتل لو خرج، و رسول اللّه كان أعرف به من الجاحظ. فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي صلي بالحرب، و مشى إلى السيف بالسيف، فقتل السادة و القادة، و الفرسان و الرجالة» ؟ ! (2).

5-و أخيرا. . فإن عائشة تقول: ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن، غير أن اللّه أنزل عذري (3).

و حتى عذرها هذا لا يمكن أن يكون قد نزل فيها كما أثبتناه في كتابنا حديث الإفك، و في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب. فكيف تكون الآية قد نزلت بهذه المناسبة؟ ! .


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 169.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 294 و ص 281، و ليراجع آخر كتاب العثمانية ص 340 و ليراجع ص 230.

3) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 121، و تفسير ابن كثير ج 4 ص 159، و الدر المنثور ج 6 ص 41، و فتح القدير ج 4 ص 21. و راجع: الغدير ج 8 ص 247.

هزيمة المشركين:

و يقولون: إنه لما قتل أصحاب اللواء، و انتكست راية المشركين، صاروا كتائب متفرقة، و صار أصحاب الثغرة يرمون المشركين، و «اقتتل الناس قتالا شديدا، و أمعن في الناس حمزة، و علي، و أبو دجانة في رجال من المسلمين، و أنزل اللّه نصره على المسلمين، و كانت الهزيمة» (1).

و على حد تعبير الديار بكري: «و قاتل علي في رجال من المسلمين» (2).

و انهزم المشركون، و اتبعهم المسلمون، يضعون السيف منهم حيث شاؤوا، حتى أجهضوهم، و وقعوا ينتهبون العسكر، و يأخذون ما فيه من الغنائم.

و قد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا، قال كل واحد منهم:

و اللّه، إني لأنظر إلى هند و صواحبها منهزمات، و ما دون أخذهن شيء لمن أراده، و لكن لا مرد لقضاء اللّه (3).

و يذكرون هنا أيضا: أن سعد بن أبي وقاص قتل بطلا آخر، رماه بسهم، ثم أخذ يسلبه درعه، فنهض إليه نفر، فمنعوه سلبه، و كان أجود سلب لمشرك درع فضفاضة، و مغفر، و سيف جيد، يقول سعد: «و لكن حيل بيني و بينه» .

و يذكرون كذلك: أن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، قد قتل أحد


1) الكامل لابن الاثير ج 1 ص 153.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 427.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 229، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 239 عنه، و مجمع البيان ج 2 ص 513، و غير ذلك كثير.

فرسان المشركين؛ فنذرت أم المقتول: أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، و جعلت لمن جاءها به مئة من الإبل؛ فلما قتل يوم الرجيع، و أرادوا أن يأخذوا لها رأسه حمته الدبر-أي جماعة النحل و الزنابير-و ثمة تفصيلات أخرى تقال هنا لا مجال لتتبعها.

و سنتكلم عن قضية حماية الزنابير لرأس عاصم في الجزء التالي من هذا الكتاب إن شاء اللّه.

و نحن نشير هنا إلى ما يلي:
ألف: لماذا لم يسب من نساء قريش أحد؟ !

و مع أن الفرصة كانت متاحة لسبي نساء قريش في أحد، و لكن لم يسب أحد منهن.

بل نجد: أنه لم يسب لقريش أحد طيلة حروبها مع المسلمين في مدة عشر سنين. و هذا في الحقيقة لطف إلهي، و نعمة عظيمة على الإسلام و على المسلمين، و ذلك:

أولا: لأن سبي نساء قريش لسوف يوقع بعض المسلمين من المهاجرين في حرج نفسي و اجتماعي، ربما تكون له آثار سيئة على موقعه في الإسلام و المسلمين. بل ربما يوجب ذلك حرجا لبعض المسلمين من الأنصار من أهل المدينة أنفسهم، لأن العلاقات النسبية عن طريق التزويج كانت موجودة بين مكة و المدينة.

حتى إن بعض قتلى اللواء في أحد كانت أمهم أوسية.

ثم إن ذلك سوف يؤثر على موقف كثير من المكيين من الإسلام،

رفضا أو قبولا؛ فإن دخولهم على مجتمع قد عاملهم هذه المعاملة القاسية، في أكثر القضايا حساسية، عاطفيا، و اجتماعيا، «بل ربما توجب لهم-على حد فهمهم و زعمهم-عار الدهر» سوف يكون صعبا جدا، و لا سيما إذا كان لا بد أن يطلب منهم: التعامل مع هذا المجتمع بروح الصفاء، و المحبة و الأخوة. و أنى يمكنهم ذلك بعد الذي كان؟

ثانيا: إنه إذا كان لم يسب لقريش أحد، و لم تستطع أن تنسى ثارات بدر، و أحد، و سائر المعارك. حتى إن حرب صفين-كما قالت أم الخير بنت الحريش-كانت لإحن بدرية، و أحقاد جاهلية، و ضغائن أحدية، و ثب بها معاوية حين الغفلة؛ ليدرك ثارات بني عبد شمس (1).

بل إن مجزرة كربلاء، و فاجعة قتل الإمام الحسين «عليه السلام» و أهل بيته و أصحابه، كانت لها دوافع بدرية، و إحن أحدية أيضا، فقد قال اللعين يزيد بن معاوية:

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا و استهلوا فرحاثم قالوا: يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من أشياخهمو عدلنا ميل بدر فاعتدل

و لما وصل رأس الحسين «عليه السلام» إلى المدينة رمى مروان بالرأس


1) العقد الفريد (ط دار الكتاب) ج 2 ص 115، و صبح الأعشى ج 1 ص 297، و بلاغات النساء ص 57، و في الغدير ج 9 ص 371، و نهاية الأرب ج 7 ص 241.

نحو قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: يا محمد يوم بيوم بدر (1).

و قيل: إن الذي قال هذا هو الأشدق، كما في مثالب أبي عبيدة (2).

هذا كله. . عدا عن واقعة الحرة، و سائر المواقف العدائية لقريش تجاه أهل البيت «عليهم السلام» ، و أصحابهم، و شيعتهم. فلو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد سبى أحدا من قريش؛ فما هي الحالة التي يمكن تصورها لزينب، و سبايا كربلاء؟ ! اللواتي تجر عن الغصص، و واجهن أفظع المصائب و البلايا، على يد يزيد الغادر الأثيم، و أعوانه، أعوان الشيطان؟ !

و مع ذلك نجدهم يقولون: إنه إمام مجتهد، أو إنه كان مجتهدا متأولا مخطئا (3).

مع أنهم يقولون بالتصويب في الاجتهاد. و هل ليزيد حظ من العلم، فضلا عن نيل شرف الاجتهاد؟ ! فإنا للّه و إنا إليه راجعون! ! .

ب: مقارنة:

قال المعتزلي: «قلت: شتان بين علي و سعد، هذا يجاحش (4)على السلب، و يتأسف على فواته، و ذاك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، و هو فارس


1) شرح النهج للمعتزلي تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ج 4 ص 71،72 عن الاسكافي.

2) راجع: الغدير ج 10 ص 264.

3) الفصل لابن حزم ج 4 ص 89، و تاريخ ابن كثير 7 و 279 و 8 و 223 و ج 13 ص 9، و الغدير 9 و 93 و 394 عنهم. و العواصم من القواصم. و كذا قالوا في ابن ملجم أيضا كما ذكره في الغدير عنهم أيضا، فراجع الصفحات المشار إليها.

4) جاحش: دافع و قاتل.

قريش، و صنديدها، و مبارزه؛ فيعرض عن سلبه؛ فيقال له: كيف تركت سلبه، و هو أنفس سلب؟ !

فيقول: كرهت أن أبز السبي ثيابه.

فكأن حبيبا (يعني أبا تمام الطائي رحمه اللّه)عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1)

الهزيمة بعد النصر:

و يقولون: لما رأى أصحاب الثغرة المشركين قد انهزموا، و أن المسلمين يغنمون، اختلفوا، فبعضهم ترك الثغرة للغنيمة.

و في معالم التنزيل: إنهم قالوا: نخشى أن يقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من أخذ شيئا فهو له، و لا يقسم الغنائم-كما لم يقسمها يوم بدر (2).

و قال بعضهم: و كانوا فوق العشرة، أو دونها-: لا نخالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لما سأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التاركين لمراكزهم عن سبب ذلك، قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، قال «صلى اللّه عليه و آله» : بل ظننتم: أنا نغل؛ فلا نقسم لكم. فأنزل اللّه تعالى: وَ مٰا كٰانَ


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237.

2) الظاهر: أن هذه جملة اعتراضية، زادها الرواة تبرعا، و إلا فقد تقدم: أنه «صلى الله عليه و آله» قد قسم الغنائم في بدر، بل لقد ادعوا-و إن كان ذلك كذبا-: أنه «صلى الله عليه و آله» قد أسهم لمن لم يكن قد حضرها، فكيف بغيره؟ فراجع.

لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ (1)الآية.

و قال بعضهم: و أنزل اللّه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيٰا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ (2).

فلما رأى خالد قلة من على الثغرة، و خلاء الجبل، و اشتغال المسلمين بالغنيمة، و رأى ظهورهم خالية، صاح في خيله، فمر بهم، و تبعه عكرمة في جماعة؛ فحملوا على من بقي في الثغرة؛ فقتلوهم جميعا، ثم حملوا على المسلمين من خلفهم. و رأت قريش المنهزمة عودة رجالها للحرب، و رفعت الحارثية لواءهم الذي كان ملقى على الأرض؛ فعادوا إلى الحرب من جديد.

و إذا كان المسلمون قد تفرقوا، و انتقضت صفوفهم، و لم يعودوا صفا واحدا كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، و فقدوا الارتباط بقيادتهم الحكيمة، و هم في طلب المغنم، فمن الطبيعي أن لا يتمكنوا من مقاومة هذه الحملة الضارية، و أن يضيعوا بين أعدائهم، فكان هم كل واحد منهم أن ينجو بنفسه فقد «أهمتهم أنفسهم» على حد تعبير القرآن الكريم. لا سيما و أن أحد المشركين قد قصد مصعب بن عمير و هو يذب عن رسول اللّه، فظن أنه الرسول فقتله، فيقال: إن اللواء كان معه، فأخذه أبو الروم.

و يقال: بل أخذه ملك في صورة مصعب.

و الذي عليه المحققون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه عليا «عليه السلام» ، و قد قدمنا أن الظاهر: هو أن هذا اللواء خاص، و ليس هو لواء


1) الآية 161 من سورة آل عمران.

2) الآية 152 من سورة آل عمران.

الجيش، الذي كان مع علي «عليه السلام» .

و نادى قاتل مصعب-أو غيره-: أن محمدا قد قتل؛ فازداد المشركون جرأة، و هزم المسلمون الذين لم يستطيعوا جمع شملهم، و لم شعثهم. و ثبت علي «عليه السلام» وحده معه «صلى اللّه عليه و آله» ، يدافع عنه.

و خلص العدو إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كلمت شفته، و شج في وجهه، و نشبت حلقتان من الدرع في وجهه الشريف، ودث بالحجارة، حتى وقع لشقه. كذا يقولون.

و يقولون أيضا: إن أبا عبيدة هو الذي انتزع حلقتي الدرع من وجهه الشريف فسقطت ثنيتاه، فكان أحسن الناس هتما.

و قيل: بل انتزعهما أبو بكر.

و قيل: طلحة.

و قيل: عقبة بن وهب (1).

و لا بد أن يكون انتزاعهما بعد عودة المسلمين من هزيمتهم، كما سنرى. كما أن الذي كسر رباعيته «صلى اللّه عليه و آله» لم يولد له ولد، إلا و ابتلي بالهتم، كما يقال.

تصحيح و توضيح:

و قد تصدى الإمام الصادق «عليه السلام» لتصحيح بعض ما كان


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 235، و مغازي الواقدي ج 1 ص 247، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 33، و تاريخ الخميس ج 1 ص 431. و ليلاحظ مدى الاختلاف في هذا! ! .

يشاع حول أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ترك موضعه و تراجع حتى بلغ الغار الذي في جبل أحد، فأوضح «عليه السلام» أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يتزحزح من موقفه و لم يتراجع قيد شعرة.

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد نقص من خلقته شيء، و لم تكسر رباعيته، فقد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أنه قد رد ذلك، فقد قال له الصباح بن سيابة: «كسرت رباعيته كما يقول هؤلاء؟ ! .

قال: لا و اللّه، ما قبضه اللّه إلا سليما، و لكنه شج في وجهه.

قلت: فالغار في أحد الذي يزعمون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صار إليه؟ ! .

قال: و اللّه، ما برح مكانه.

و قيل له: ألا تدعو عليهم؟

قال: اللهم اهد قومي الخ. .» (1).

و لعلهم أرادوا بذلك أن يثبتوا الهزيمة للنبي ليخف العار عن المنهزمين الذين يحبونهم.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله يدعوهم في أخراهم:

و حين هزم المسلمون، جعل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يدعوهم في أخراهم: إلي عباد اللّه، إلي عباد اللّه، إلي يا فلان، إلي يا فلان، و هم يصعدون و لا يلوون، و لا يعرج عليه أحد، و النبل يأتي إليه من كل ناحية.


1) البحار ج 20 ص 96، و إعلام الورى ص 83.

و استمروا في هزيمتهم حتى الجبل، و فيهم: أبو بكر، و عمر، و طلحة، و سعد بن أبي وقاص، و غيرهم. أما عثمان فقد استمر في هزيمته ثلاثة أيام، و ستأتي نصوص ذلك كله بعد صفحات إن شاء اللّه تعالى.

علي عليه السّلام و كتائب المشركين:

و حين انهزم الناس غضب «صلى اللّه عليه و آله» ، و نظر إلى جنبه، فإذا علي «عليه السلام» ؛ فقال: ما لك لم تلحق ببني أبيك؟ !

فقال «عليه السلام» : يا رسول اللّه، أكفر بعد إيمان؟ ! إن لي بك أسوة (1).

و يقول النص التاريخي: كان الذي قتل أصحاب اللواء علي، قاله أبو رافع. و صارت تحمل كتائب المشركين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيقول: يا علي، اكفني هذه؛ فيحمل عليهم، فيفرقهم، و يقتل فيهم.

حتى قصدته كتيبة من بني كنانة، فيها بنو سفيان بن عويف الأربعة فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : اكفني هذه الكتيبة، فيحمل عليها، و إنها لتقارب خمسين فارسا، و هو «عليه السلام» راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة و تمام العشرة منها، ممن لا يعرف بأسمائهم فقال جبريل «عليه السلام» : يا محمد، إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى!

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و ما يمنعه، و هو مني و أنا منه؟ !

فقال جبريل: و أنا منكما. ثم سمع مناد من السماء:


1) البحار ج 20 ص 95 و 107 عن إعلام الورى، و روضة الكافي ص 110.

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

فسئل «صلى اللّه عليه و آله» عنه؛ فقال: هذا جبريل (1).

قال المعتزلي: «. . قلت: و قد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين، و هو من الأخبار المشهورة، و وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق،


1) النص المتقدم في أكثره للمعتزلي في شرح النهج ج 14 ص 250 و 251 عن الزاهد اللغوي غلام ثعلب، و عن محمد بن حبيب في أماليه، و راجع ج 13 ص 293، و راجع الرواية في الأغاني (ط ساسي) ج 14 ص 18، و تاريخ الطبري ج 2 ص 197، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 154، و فرائد السمطين، الباب الخمسون ج 1 ص 257، و مجمع الزوائد ج 6 ص 114 و 122 عن البزار و عن الطبراني، و كنز العمال ج 15 ص 126، و البداية و النهاية ج 6 ص 5، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 365، و تفسير القمي ج 1 ص 116، و البحار ج 20 ص 54 و 95 و 105 و 107 و 102 عن القمي، و علل الشرايع ص 7 باب 7، و الإرشاد ص 46، و اعلام الورى و تفسير فرات ص 24 و 26، و روضة الكافي ص 110، و عيون أخبار الرضا ج 1، و حياة الصحابة ج 1 ص 559، و ربيع الأبرار ج 1 ص 833، و مناقب الخوارزمي ص 103، إلا أن فيه: أن ذلك كان في بدر. و الغدير ج 2 ص 59-61 عن العديد من المصادر، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 106، و تاريخ ابن عساكر ترجمة علي «عليه السلام» بتحقيق المحمودي ج 1 ص 148 و 149 و 150، و في هامشه عن الفضائل لاحمد بن حنبل، الحديث رقم 241، و المعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 318، و غاية المرام ص 457، و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 343، و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 131، و عن علي بن سلطان في مرقاته ج 5 ص 568 عن أحمد في المناقب.

و رأيت بعضها خاليا منها، و سألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة رحمه اللّه عن هذا الخبر، فقال: هذا الخبر صحيح الخ. .» (1).

و بعد أن صد أمير المؤمنين «عليه السلام» تلك الكتائب لم يعد منهم أحد (2).

و أصيب أمير المؤمنين بجراح كثيرة، قال أنس بن مالك: أتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعلي «عليه السلام» يومئذ و فيه نيف و ستون جراحة، من طعنة، و ضربة، و رمية. فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يمسحها و هي تلتئم بإذن اللّه تعالى كأن لم تكن (3).

و قبل أن نتابع حديثنا نسجل ما يلي:
ألف: استشهاد حمزة رضوان اللّه عليه:
اشارة

و بعد قتل أصحاب الألوية، و اشتداد الحرب، قال وحشي: و اللّه، إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس هدا، بسيف ما يبقي شيئا، مثل الجمل الأورق. فاختبأ وحشي خلف شجرة، أو حجر، و رصد حمزة حتى مر عليه، بعد قتله سباع بن عرفطة بن عبد العزى، و قبله أبا نيار، فأتاه من ورائه (4)فدفع عليه حربته، فأصابت ثنته. . فأقبل حمزة نحوه، فغلب، فوقع؛ فلما مات جاءه


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 251.

2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 53، و البحار ج 20 ص 88.

3) البحار ج 20 ص 23، و مجمع البيان ج 2 ص 509.

4) البدء و التاريخ ج 4 ص 201.

وحشي، و أخذ حربته، و شغل المسلمون عن وحشي بهزيمتهم (1).

و رجع وحشي إلى العسكر، و مكث فيه، و لم يكن له بغيره حاجة. و أعطته هند ثوبها و حليها، و وعدته عشرة دنانير بمكة.

نعم، عشرة دنانير لقاتل أسد اللّه و أسد رسوله! ! .

استطراد حول وحشي:

و لما عاد وحشي إلى مكة أعتق.

و يقال: إنه ندم على ما فعل، لأنه لم يعتق (2).

فلما كان فتح مكة هرب إلى الطائف؛ فقيل له: «و يحك، إنه و اللّه لا يقتل أحدا من الناس دخل دينه» فذهب مع الوفد إلى المدينة. و قبل أن يقع نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه شهد شهادة الحق.

فلما رآه النبي «يقال: إنه طلب منه: أن يحدثه كيف قتل حمزة، ففعل» و قال له «صلى اللّه عليه و آله» : غيب وجهك عني، فكان يتنكبه حيث كان؛ لئلا يراه حتى قبضه اللّه (3).

قال ابن اسحاق: فبلغني: أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان.


1) إرشاد المفيد ص 50، و البحار ج 20 ص 84.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 244، و الطبري ج 2 ص 195.

3) راجع في ذلك: تاريخ الخميس ج 1 ص 426، و السيرة الحلبية ج 2 ص 249، و حياة الصحابة ج 1 ص 572، و البداية و النهاية ج 4 ص 18 عن ابن اسحاق. و قال في آخره: و أخرجه البخاري، عن جعفر بن عمر.

فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت: أن اللّه لم يكن ليدع قاتل حمزة. ثم مات غريقا في الخمر (1).

و نعلق على ما تقدم بأمور:

الأول: قد يقال: إن كلمة عمر في حق وحشي تشير إلى أن اللّه تعالى سوف يخذل قاتل حمزة، و لا يمده بالتوفيقات و العنايات و الألطاف؛ بل يطبع على قلبه بما عصى و اعتدى.

و لكن الحقيقة هي خلاف هذا التوجيه، فإن عمر-على ما يظهر-كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فهو يقول: إن اللّه سوف لا يدع قاتل حمزة، بل سوف يلاحقه في كل مكان لينتقم منه بصورة مباشرة، و سوف لا يدعه و شأنه، و لن يفسح له المجال لإصلاح نفسه، و لعمل الخير، و ملازمة التقوى.

إذا، فشرب وحشي للخمر هو نتيجة لهذا التصميم الإلهي على الانتقام من هذا الرجل.

و معنى ذلك: هو أن شربه للخمر كان من فعل اللّه سبحانه، و وحشي كان مجبورا على ذلك.

نقول هذا: لأن لدينا الكثير من الدلائل و الشواهد على أن عمر كان لا يزال يعتقد بالجبر الإلهي، و أن جهود النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم تفلح في قلع هذه الرواسب من نفسه، و نفوس الكثيرين ممن كانوا قد عاشوا في الجاهلية، و تربوا على مفاهيمها و أفكارها.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 249، و تاريخ الخميس ج 1 ص 426، و اسعاف الراغبين، بهامش نور الابصار ص 86.

و قد ذكرنا طائفة من النصوص و المصادر لهذا الموضوع في كتابنا: «أهل البيت في آية التطهير» ، أواخر الفصل الخامس من القسم الأول.

و الذي نعتقده و هدانا إليه القرآن و الإسلام و العقل، هو أن اللّه تعالى لم يكن ليجبر عباده على شيء، و إنما هم يعصون و يطيعون بملء اختيارهم. و لسنا هنا بصدد تحقيق ذلك.

الثاني: إن وحشيا قد أسلم، لأن من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن لا يقتل أصحابه، كما أنه لما طلب عمر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقتل ابن أبي المنافق، أجابه «صلى اللّه عليه و آله» : دعه، لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه (1).

و لما رجعوا من أحد إلى المدينة، و أرجف بهم المنافقون، و أظهروا الشماتة، طلب عمر بن الخطاب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يأمره بقتلهم، فرفض «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؛ لأنه مأمور أن لا يقتل من يتشهد الشهادتين (2).

و حين كان «صلى اللّه عليه و آله» يقسم مالا، اعترض عليه أحدهم بأنه لا يعدل، فغضب «صلى اللّه عليه و آله» حتى احمرت و جنتاه، فقال: و يحك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ ! .

فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ .


1) المصنف ج 9 ص 469 عن ابن المديني، و الحميدي عن ابن عيينة، و أخرجه مسلم. و صحيح البخاري (ط سنة 1309) ج 3 ص 132، و مجمع الزوائد ج 6 ص 231.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 256 و لهذا نظائر أيضا لا مجال لتتبعها ستأتي في أواخر هذا الجزء، أو آخر فصل بعدما هبت الرياح.

فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي (1).

و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» ذلك أيضا حين أراد عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي أن يقتل أباه فراجع (2).

نعم، و هذه هي الخطة الحكيمة و الصحيحة، لأن قتله لأصحابه، معناه:

1-أن لا يرغب أحد بعد في الدخول في الإسلام لأنه لا يرى فيه عصمة لنفسه، و لا يطمئن لمستقبله و وجوده. كما أن من دخل فيه يجد نفسه مضطرا للتخلي عنه، و اختيار طريق الردة، فيما لو صدر منهم أي عمل سيئ أحيانا له مساس بالحالة العامة، أو بشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون ما يقع في نطاق التعدي على حقوق الآخرين و حرماتهم.

2-أن يفسح المجال أمام أعداء الإسلام للقيام بحملة دعائية ضده، و منع الناس من التعرف عليه و الاهتداء بهديه، حيث يطعن أعداؤه عليه بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كسائر الملوك الذين يستفيدون من الناس حتى يحققوا أهدافهم، ثم يقتلون من ناصرهم على الظن و التهمة.

3-إن ذلك ربما يدفع ضعفاء النفوس ممن أظهروا الإسلام إلى التخلي عنه، ابتعادا بأنفسهم عن مواطن الخطر بزعمهم.

4-أضف إلى ما تقدم: أن ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» لربما يتخذ


1) كنز العمال ج 11 ص 295 عن ابن جرير، و البداية و النهاية ج 7 ص 297 و 298 عن أحمد، و مسلم، و النسائي.

2) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و سعيد بن منصور، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل.

من قبل حكام الجور و الانحراف ذريعة لقتل الأبرياء، و التخلص من خصومهم السياسيين، ثم يحتجون بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد فعل ذلك.

5-كما أنه لا يبقى مجال للتعصبات القبلية، التي ربما تؤدي إلى خروج قبيلة بكاملها من الإسلام. و لعله لأجل ذلك نجد أبا سفيان لا يثأر لأبي أزيهر الدوسي، و كان في جواره، و منع ولده من ذلك أيضا، و قال له: «أتريد أن تفرق بين قريش؛ فيقوى علينا محمد؟ لعمري ما بدوس عجز عن طلب ثأرهم» (1).

6-هذا كله، عدا عن أنه «صلى اللّه عليه و آله» لو فعل ذلك، لخسر أبناء المقتولين، و إخوانهم، و كثيرا من عشائرهم، و أصبحت علاقاتهم به لا تقوم على أساس الحب، بل على أساس الخوف من سلطانه، الأمر الذي سوف يدفع الكثيرين منهم للبحث عن منافذ للفرار، و التخلص من هيمنة رجل قتل أحباءهم بالأمس، و لربما تصل النوبة إليهم اليوم أو غدا.

الثالث: إن موقف الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» من وحشي، و قوله له: غيب وجهك عني، إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن وحشيا لم يكن مسلما حقا؛ إذ لا يمكن أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك لمسلم مؤمن؛ بسبب ما كان قد ارتكبه حين كفره، فإن الإسلام يجب ما قبله. و عليه فإن التشهد بالشهادتين، و إن حقن دم وحشي، إلا أنه إنما أسلم حينما رأى البأس، بعد أن أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه. فإسلامه و إيمانه لا ينفعه؛ لأنه في الحقيقة لم يكن مستندا إلى الاختيار، و لا إلى القناعة


1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 323.

الوجدانية و العقلية بهذا الدين.

و أعتقد: أنه لولا شبهة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما قتل مسلما، و ما سوف يوجب ذلك من تبلبل في الأفكار، و من ضرر على الإسلام؛ لكان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقتله. و إن أعماله الشنيعة و القبيحة، و سيرته الخبيثة بعد ذلك لتدل دلالة واضحة على أنه لم يسلم، و إنما استسلم، تماما كما كان الحال بالنسبة لطلقاء مكة، أبي سفيان و أصحابه.

ب: هل يدعو النبي صلّى اللّه عليه و آله على قومه؟ ! :

و قد رووا عن أنس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جعل يمسح الدم عن وجهه، و يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، و هو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل اللّه تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظٰالِمُونَ (1)» (2).


1) الآية 127 من سورة آل عمران.

2) راجع الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 227، و فتح الباري ج 8 ص 171 و ج 7 ص 281، و صحيح البخاري ج 3 ص 16، و تاريخ الخميس ج 1 ص 429 عن ابن اسحاق، و الترمذي، و النسائي، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 4، و مغازي الواقدي ج 1 ص 245، و مجمع البيان ج 2 ص 501، و البحار ج 20 ص 21، و السيرة الحلبية ج 2 ص 234، و الدر المنثور ج 2 ص 70 و 71 عن: ابن أبي شيبة، و أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و ابن جرير، و النسائي، و ابن المنذر، و النحاس في ناسخه، و ابن أبي حاتم، و عبد الرزاق، و البيهقي في الدلائل، و نصب الراية ج 2 ص 129.

و قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» جعل يلعن أبا سفيان، و صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو، و الحرث بن هشام-و أضافت بعض الروايات: عمرو بن العاص-فنزلت الآية، فتيب عليهم كلهم (1).

و قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» همّ أن يدعو عليهم، فنهاه اللّه تعالى بهذه الآية؛ لعلمه بأن فيهم من يؤمن، فكف عن الدعاء عليهم (2).

و نحن نشك في صحة ما تقدم، و ذلك لما يلي:

1-تناقض الروايات المتقدمة.

2-إنهم يقولون: «إن سبب نزول الآية هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقنت في صلاته بعد الركوع، و يدعو على مضر، و في صلاة الفجر يدعو على بعض الأحياء العربية، فنزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ (3)» (4).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 234، و الدر المنثور ج 2 ص 71 عن: أحمد، و البخاري، و الترمذي، و البيهقي في الدلائل، و ابن جرير، و النسائي، و ابن أبي حاتم، و صحيح البخاري ج 3 ص 16، و راجع ج 4 ص 171 و 74 و ج 2 ص 73، و فتح الباري ج 8 ص 170، و نصب الراية ج 2 ص 127 و 129، و نيل الاوطار ج 2 ص 398، و راجع: سنن البيهقي ج 2 ص 207 و 208، و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 227 و 228، و مسند أحمد ج 2 ص 93.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 234 و 241، و تاريخ الخميس ج 1 ص 429، و الدر المنثور ج 2 ص 71 عن ابن جرير.

3) الآية 128 من سورة آل عمران.

4) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن البخاري و مسلم، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و النحاس في ناسخه، و البيهقي في سننه، و مجمع البيان ج 2 ص 501، و البحار ج 20 ص 21 عنه.

و سيأتي ذلك في الجزء الآتي صفحة 329 من هذا الكتاب في فصل القنوت و الدعاء على القبائل.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يلعن فلانا و فلانا من المنافقين، فأنزل اللّه سبحانه الآية (1).

و في أخرى: أن الآية قد نزلت، حينما أساء رجل من قريش الأدب مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث كشف عن أسته بحضرته، فدعا عليه «صلى اللّه عليه و آله» ثم أسلم، فحسن إسلامه (2).

3-إنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال حين شج في وجهه: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون (3).

4-و أخيرا لو كانت الآية المباركة المذكورة نازلة ردا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يبق ثمة مناسبة بينها و بين الآية التي قبلها.

و لم يمكن تفسير هذه الآية تفسيرا معقولا و مقبولا، و خصوصا قوله


1) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن النحاس في ناسخه، و عبد بن حميد و المحلى ج 4 ص 144، و سنن البيهقي ج 2 ص 98 و 207، و المنتقى ج 1 ص 503، و ليس فيه عبارة: (ناسا من المنافقين) و راجع: سنن النسائي ج 2 ص 203، و صحيح البخاري ج 3 ص 74 و ج 4 ص 171، و الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 325 و 326، و مسند أحمد ج 2 ص 147 و 93، و عن شرح معاني الآثار ج 1 ص 242.

2) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن ابن اسحاق، و النحاس في ناسخه.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 432 عن ابن عائذ، و السيرة الحلبية ج 2 ص 256، و مجمع البيان ج 2 ص 501، و البحار ج 20 ص 21 و 96 عنه، و عن إعلام الورى.

تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، فإنه عطف على الآية قبلها، و الآيتان هما:

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خٰائِبِينَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظٰالِمُونَ، وَ لِلّٰهِ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ (1).

و المعنى: أن نصر اللّه لكم ببدر، و إمداده لكم بالملائكة، و غير ذلك من أمور، إنما هو ليقطع اللّه منهم طرفا، و يقلل عدتهم بالقتل و الأسر، أو ليخزيهم و يغيظهم، أو ليتوب عليهم، أو ليعذبهم.

فأما القطع و الكبت؛ فلأن الأمر إليه (أي إلى اللّه) لا لك يا محمد، لتمدح أو تذم، و قد ذكر هذا بنحو الجملة الاعتراضية بين الأقسام المتقدمة.

و أما التوبة و العذاب؛ فلأن اللّه هو المالك لكل شيء؛ فيغفر لمن يشاء، و يعذب من يشاء (2).

فلا ربط للآية إذا بالكلام المنسوب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و لو كان الكلام منفصلا عما قبله كما تقتضيه الروايات المتقدمة، لورد سؤال: إن قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معطوف على ماذا؟ ! (3).

هذا، و يجب أن لا ننسى أن ثمة يدا تحاول أن تثبت الإيمان للأربعة المتقدم ذكرهم، و هم: أبو سفيان، و صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو، و الحرث بن هشام-و لغيرهم من أعوانهم-ممن صارت السلطة فيما بعد إلى


1) الآيات 127-129 من سورة آل عمران.

2) راجع تفسير الميزان ج 4 ص 9.

3) راجع توضيح هذه الآية في الجزء الثامن صفحة 329 من هذا الكتاب، في فصل القنوت و الدعاء على القبائل.

قومهم و أبنائهم. مع أنهم من الطلقاء و المنافقين المؤلفة قلوبهم، و مع أنه قد صدرت منهم أمور تدل على أنهم لم يسلموا، و إنما استسلموا كما سنذكره عن خصوص أبي سفيان في أواخر غزوة أحد إن شاء اللّه تعالى.

استطراد هام:

و مما يلفت النظر هنا قولهم المتقدم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» جعل يلعن صفوان و أبا سفيان الخ. . فنزلت الآية، فتيب عليهم كلهم.

و أعجب من ذلك: أن نجد ابن كثير يدّعي، بالنسبة لدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على معاوية بقوله: «لا أشبع اللّه بطنه، قال: فما شبع بعدها» (1): -يدّعي-أن معاوية قد انتفع بهذا الحديث دنيا و آخرة: أما في الدنيا فكان بعدما يأكل الكثير يقول: و اللّه ما أشبع و إنما إعياء، و هذه نعمة و معدة يرغب فيها كل الملوك.

و أما في الآخرة، فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري، و غيرهما من غير وجه، عن جماعة من الصحابة:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اللهم إنما أنا بشر، و في رواية: اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوت عليه، و ليس لذلك أهلا، فاجعل ذلك كفارة و قربة تقربه بها عندك يوم القيامة.

و في نص: سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة و رحمة.


1) صحيح مسلم ج 8 ص 27، و البداية و النهاية ج 8 ص 119.

أو: فاجعل ذلك له قربة إليك (1).

قال ابن كثير: فركب مسلم من الحديث الأول و هذا الحديث فضيلة لمعاوية، و لم يورد له غير ذلك (2).

و ثمة نصوص منقولة عن مصادر كثيرة حول شبع بطن معاوية لا مجال لإيرادها هنا. و قد علق عليها العلامة الأميني بما هو مفيد فليراجع (3).

أما نحن فنكتفي هنا بالإشارة إلى الحديث الآخر، فنسجل ما يلي:

1-روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: المؤمن لا يكون لعانا (4)و قال، و قد أبى الدعاء على المشركين: إني لم أبعث لعانا، و إنما بعثت رحمة (5)، فلم يلعنهم و لا دعا عليهم.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» لما لعنت جارية ناقتها: لا تصاحبنا ناقة


1) راجع هذه النصوص في: صحيح مسلم ج 8 ص 27، و ج 2 ص 391 كتاب البر و الصلة، و الغدير ج 11 ص 89، و ج 8 ص 252 عنه، و مسند أحمد ج 5 ص 437 و 439، و ج 6 ص 45، و ج 2 ص 390 و 488 و 493، و 496، و ج 3 ص 33 و 391 و 400، و صحيح البخاري ج 4 ص 78، و دلائل الصدق ج 1 ص 416، و راجع: نسب قريش لمصعب ص 219، و أسد الغابة ج 5 ص 485، و المصنف ج 5 ص 214، و ج 11 ص 189، و ج 9 ص 469.

2) البداية و النهاية ج 8 ص 119 و الغدير عنه.

3) راجع: الغدير ج 11 ص 89 و 90.

4) مستدرك الحاكم ج 1 ص 12 و 47، و الغدير ج 11 ص 90 عنه. و بقية المصادر ستأتي في الجزء السادس في فصل القنوت و الدعاء على القبائل.

5) الغدير ج 11 ص 91 و ج 8 ص 252، و صحيح مسلم ج 8 ص 24، و صحيح البخاري ج 4.

عليها لعنة (1)، و روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» ما هو قريب من ذلك حينما سمع رجلا لعن ناقته (2).

و قال سلمة بن الأكوع: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر (3).

و جاء في اللعنة أحاديث كثيرة لا مجال لتتبعها (4).

2-و قد ذكر في الرواية: السباب. مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: سباب المؤمن فسوق.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : المستبان شيطانان يتهاتران و يتكاذبان. و غير ذلك (5).

3-و أما أن النبي بشر يرضى و يغضب، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» هو


1) الغدير ج 11 ص 92، و صحيح مسلم ج 8 ص 23، و راجع: الترغيب و الترهيب ج 3 ص 474، و مسند أحمد ج 6 ص 72 و 258 و 138 و ج 4 ص 429 و 420 و 423، و سنن الدارمي ج 2 ص 288، و سنن أبي داود ج 3 ص 26، و دلائل الصدق ج 1 ص 416 و 417.

2) الترغيب و الترهيب ج 3 ص 474، و الغدير ج 11 ص 92.

3) الغدير ج 11 ص 92، و الترغيب و الترهيب ج 3 ص 472.

4) راجع هذه الأحاديث في الغدير للعلامة الأميني ج 11 ص 89-93 و ج 8 ص 252 عن كثير من المصادر، و دلائل الصدق ج 1 ص 416.

5) الغدير ج 11 ص 91 و ج 8 ص 252 عن البخاري ج 1، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة، و الطبراني، و الحاكم و الدارقطني، و أحمد، و الطيالسي، و الهيثمي، و السيوطي، و المناوي.

نفسه قال لعبد اللّه بن عمرو: أكتب عني في الغضب و الرضا، فوالذي بعثني بالحق نبيا، ما يخرج منه إلا حق، و أشار إلى لسانه (1).

4-و كان «صلى اللّه عليه و آله» كما وصفه أمير المؤمنين لا يغضب للدنيا؛ فإذا أغضبه الحق، لم يعرفه أحد، و لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له (2).

5-و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده (3).

6-و روى البخاري في كتاب الأدب: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن سبّابا، و لا فحّاشا، و لا لعّانا (4).

7-و قد قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (5).

و بعد هذا فإننا نعرف: أنه لا قيمة لقولهم: إن من خصائصه «صلى اللّه


1) الغدير ج 11 ص 91 و ج 6 ص 308 و 309، و سنن الدارمي ج 1 ص 125، و إحياء العلوم ج 3 ص 171 عن أبي داود، و مستدرك الحاكم ج 1 ص 104 و 105، و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) ، و جامع بيان العلم ج 1 ص 85 و راجع: ج 2 ص 62 و 63، و ليراجع أيضا: سنن أبي داود ج 3 ص 318، و الزهد و الرقائق ص 315، و المصنف للصنعاني ج 7 ص 34 و 35 و ج 11 ص 237.

2) الغدير ج 11 ص 92 عن الترمذي في الشمائل.

3) صحيح البخاري ج 1 ص 6.

4) صحيح البخاري ج 4 ص 37 و 38، و دلائل الصدق ج 1 ص 417 و 416، و صحيح مسلم ج 8 ص 24، و الغدير ج 11 ص 91 و ج 8 ص 252.

5) الآية 58 من سورة الأحزاب.

عليه و آله» جواز لعن من شاء بغير سبب (1).

قال المظفر «رحمه اللّه» : نعم ربما يلعن بعض المنافقين و فراعنة الأمة، الذين ينزون على منبره نزو القردة، لكشف حقائقهم؛ إذ يعلم بابتلاء الأمة بهم، كبني أمية الشجرة الملعونة في القرآن. لكن أتباعهم وضعوا الحديث الذي صيروا فيه اللعنة زكاة، ليعموا على الناس أمرهم، و يجعلوا لعن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم لغوا، و دعاءه على معاوية بأن لا يشبع اللّه بطنه باطلا، فجزاهم اللّه تعالى عن نبيهم ما يحق بشأنهم (2).

فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ:

و مما يلفت النظر هنا: أننا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع ما نالته به قريش، كان يقول-و في تلك اللحظات بالذات-: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. و ما ذلك إلا لأنه رجل هادف، و طبيب دوار بطبه، لا يكرههم، و لا يعاديهم، لأنهم عدو، و إنما هو يكره كفرهم، و انحرافهم، و أعمالهم الشاذة، التي تعود أولا و أخيرا بالدمار عليهم و على إخوانهم من بني الإنسان. و لقد كان يذوب حسرة و شفقة عليهم، حتى عاتبه اللّه تعالى بقوله: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (3).

نعم، إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرأف بعدوه، و تذهب نفسه حسرات


1) الغدير ج 11 ص 93 عن الخصائص الكبرى ج 2 ص 244، و المواهب اللدنية ج 1 ص 395.

2) دلائل الصدق ج 1 ص 417، و راجع الغدير ج 11 ص 89-94.

3) الآية 8 من سورة فاطر.

عليه، و يهتم و يبذل كل غال و نفيس في سبيل إنقاذه.

و ليس أشد على الإنسان من أن يعيش قضية شخص، و يعيش مشكلته، و يبذل كل ما في وسعه من أجل إنقاذه، و إذا به يرى ذلك الغير يعاديه و يعلن الحرب عليه، و يعمل على قتله، من أجل أن يحتفظ بذلك الانحراف بالذات، و في سبيل الإبقاء على تلك المشاكل نفسها.

و من أجل ذلك احتاج الأنبياء إلى أعظم مراتب الصبر، كما يظهر من الآيات القرآنية.

و قد أشرنا من قبل إلى أنه في حرب الجمل، حينما حارب علي «عليه السلام» البغاة، خرج صائح يحذر جيش عائشة من سيف الأشتر، و جندب بن زهير (1).

و نرى: أن هذا الصائح إنما فعل ذلك عن رأي علي «عليه السلام» و رضاه، لأنه يريد إعلاء كلمة اللّه تعالى بأقل قدر ممكن من الخسائر؛ لأنه يحب لهم الهداية، و لا يريد أبدا لهم الضلالة و الغواية.

و كان «عليه السلام» -كأخيه-تذهب نفسه حسرات عليهم، كما يظهر من كلماته المرة المعبرة عن غصته و آلامه. هذا، عدا عن أن ذلك من أساليب الحرب النفسية، التي تعجل في كسر شوكتهم، و تحطيم كبريائهم.

لم يثبت في أحد غير علي عليه السّلام:

و أما عن الذين ثبتوا يوم أحد، فنجد الروايات مختلفة جدا، و تذكر


1) لباب الآداب ص 187، و الإصابة ج 1 ص 248، و الجمل ص 194.

أرقاما متعددة من واحد إلى ثلاثين.

و الصحيح هو أن عليا «عليه السلام» وحده هو الذي ثبت يوم أحد، و فر الباقون. و يدل على ذلك:

1-قال القوشجي، بعد أن ذكر قتل علي «عليه السلام» لأصحاب اللواء: فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فضربوه بالسيوف، و الرماح، و الحجر، حتى غشي عليه، فانهزم الناس عنه سوى علي «عليه السلام» ، فنظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد إفاقته، و قال: اكفني هؤلاء، فهزمهم علي عنه، و كان أكثر المقتولين منه (1).

2-و قد قالوا: كان الفتح يوم أحد بصبر علي (ر ض) (2).

و قد يقال: إن هذا النص لا يدل على فرارهم، و إنما هو يدل على عظيم جهاد علي «عليه السلام» و صبره. .

3-عن ابن عباس، قال: لعلي أربع خصال، هو أول عربي و عجمي صلى مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، و هو الذي صبر معه يوم المهراس (أي يوم أحد) ، انهزم الناس كلهم غيره، و هو الذي غسله و أدخله قبره (3).

4-ما سنذكره-بعد الحديث عن موقف علي-من أن من يذكرونهم:


1) شرح التجريد ص 486، و دلائل الصدق ج 2 ص 357 عنه.

2) نور الابصار ص 87، و الإرشاد للمفيد ص 51 و 52، و البحار ج 20 ص 69 و 86 و 87 و 113، و الاحتجاج ج 1 ص 199 و 200.

3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111، و مناقب الخوارزمي ص 21 و 22، و راجع: إرشاد المفيد ص 48، و تيسير المطالب ص 49.

أنهم ثبتوا؛ لا ريب في فرارهم، كما تدل عليه النصوص.

و قبل أن نشير إلى هذه الناحية لا بد من إلماحة موجزة إلى ما يمكن أن يقال حول ثبات علي «عليه السلام» في هذا الموقف.

إنه مني و أنا منه:

إن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن علي «عليه السلام» : إنه مني و أنا منه، لا بد أن نتدبر معناه و مغزاه.

و هو قريب من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : حسين مني و أنا من حسين.

و لعل المراد: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» هو من شجرة النبي، و سائر الناس من شجر شتى، هذه الشجرة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء. و هو «عليه السلام» من طينة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لحمه لحمه، و دمه دمه. و هو من النبي «صلى اللّه عليه و آله» سلوكا، و عقيدة، و مبدأ، و نضالا، و أدبا، و خلوصا، و صفاء، الخ. .

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي صنع عليا، و علمه، و ثقّفه، و أدّبه. و من الجهة الأخرى، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا من علي، حيث إن الوجود الحقيقي للنبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» إنما هو بوجود دينه، و مبدئه، و فكره، و عقيدته، و سلوكه، و مواقفه؛ فهذا النبي هو من علي، و علي «عليه السلام» هو الذي سوف يبعثه من جديد من خلال إحيائه لمبادئه، و فضائله، و آدابه، و علومه، و غير ذلك.

و هكذا كان؛ فلولا علي «عليه السلام» لم يبق الإسلام، و لا حفظ الدين.

حتى إننا نجد أحدهم يصلي خلف علي «عليه السلام» مرة؛ فيقول: إنه

ذكره بصلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

هذه الصلاة التي لم يبق منها إلا الأذان، و حتى الأذان فإنهم قد غيروه (2).

و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم قوله: (إنه مني) ، تماما كما قدم قوله: «حسين مني» ، لأن صناعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم سابقة على إحيائهم لدينه. فثقافة، و فكر، و نفسية، و دين، و خصائص، و آداب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لسوف يبعثها علي و الحسين «عليهما السلام» ؛ و هكذا العكس.

و من هنا صح للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول: أنا و أنت يا علي أبوا هذه الأمة (3).

كما أنه ليس من البعيد أن يكون جبرئيل قد كان يستفيد و يتعلم من النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، و لأجل ذلك قال: و أنا منكما. و قد ناشدهم أمير المؤمنين بهذه القضية بالذات في قضية الشورى (4)، و ذلك يؤكد مغزاها العميق، و مدلولها الهام.


1) راجع مصادر ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب.

2) راجع مصادر ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب.

3) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 2 بحث: الحب في التشريع الإسلامي و بحث آخر في نفس الكتاب حول: الوحدة الإسلامية أسسها و منطلقاتها.

4) البحار ج 2 ص 69، عن الخصال ج 2 ص 121 و 124.

لا سيف إلا ذو الفقار:

و إن مناداة جبرئيل ب «لا سيف إلا ذو الفقار الخ. .» لها مغزى عميق أيضا، فإنها تأتي تماما في مقابل ما فعله الذين فروا و جلسوا يتآمرون-هل يرسلون ابن أبي لأبي سفيان ليتوسط لهم عنده؟

أم أن كونهم من قومهم، و بني عمهم يجعلهم لا شيء عليهم، أم يرجعون إلى دينهم الأول؟ -كما سيأتي-فإن كل ذلك يدل على أن الذي كان سيفه خالصا للّه حقا هو أمير المؤمنين «عليه السلام» فإنه لا سيف خالصا للّه، و في سبيل اللّه، إلا سيفه ذو الفقار.

و هذا السيف هو الذي قال عنه أمير المؤمنين «عليه السلام» في رسالته إلى بعض عماله، يتهدده على تلاعبه بأموال الأمة، مشيرا إلى هذا: «و لأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار» (1). لأنه لا يقتل به إلا مستحقها، و لأجل هذا صار لهذا السيف شرف و مجد، و تفرد بين سائر السيوف بأنه في يد علي الذي هو نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

كما أن أمير المؤمنين «عليه السلام» هو الذي كان اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله، أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه؛ و جراحه الكثيرة جدا شاهد صدق على ذلك.

أما غير علي «عليه السلام» ، فقد كانت نفسه-بدرجات متفاوتة طبعا- أحب إليه من اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله. و لأجل ذلك تخلى عن كل ذلك، حينما رأى نفسه تلك في خطر. بل لقد هم بعضهم بأن يتخلى حتى


1) نهج البلاغة ج 3 ص 74 بشرح عبده الكتاب رقم 41.

عن دينه، حيث قال: «إرجعوا إلى دينكم الأول» ! .

بل نجد البعض يرى: أن عشيرته الكافرة أحب إليه من اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله، و من دينه؛ فنراه يقول: «نلقي إليهم بأيدينا، فإنهم قومنا و بنو عمنا» (1).

و يلاحظ: أن أكثر ذلك الكلام قد كان من المهاجرين على وجه العموم! ! . كما أن أولئك كلهم لا فتوة لهم، و لا رجولة عندهم.

و علي «عليه السلام» وحده هو الفتى، لأنه يملك نفسه، و لا تملكه نفسه، أما هم، فإن نفوسهم تملكهم؛ فتهلكهم.

و لعل مما يشير إلى ما ذكرنا: أننا نجد اللّه تعالى يؤكد في الآيات النازلة في أحد على أنه قد كان ثمة اتجاه إلى امتحان أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» هؤلاء، و تمحيصهم. ثم هو يبين لهم مدى ارتباطهم بنبيهم الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و يبين لهم: أن أمر هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يهمهم، بل هو إن مات أو قتل انقلبوا على أعقابهم.

و نحن نكتفي هنا بذكر الآيات التالية:

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ اَلنّٰاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدٰاءَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ، وَ لِيُمَحِّصَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكٰافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ


1) راجع: السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 33، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 227، و المغازي للواقدي ج 1 ص 280، و راجع: البحار ج 20 ص 27 و غير ذلك.

وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصّٰابِرِينَ، وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ. . (1).

و خلاصة الأمر: أننا نجد هؤلاء يفرون هنا، و لا يثبت إلا علي «عليه السلام» ، و يتركون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عرضة للشدائد و البلايا، و علي «عليه السلام» وحده هو الذي يثبت، و يدفع عن هذا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و يرد عنه، تماما كما كان «عليه السلام» في بدر يحارب، ثم يرجع ليتفقد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم.

و الدليل على أنهم قد أهمتهم أنفسهم، و لم يهتموا بحفظ نفس الرسول: أننا نجدهم-بعد سنوات-لا يعنيهم موت الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في قليل و لا كثير، حتى لقد أخرج ابن سعد، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: جاء علي بن أبي طالب يوما متقنعا متحازنا، فقال له أبو بكر: أراك متحازنا.

فقال علي: إنه عناني ما لم يعنك! ! .

قال أبو بكر: اسمعوا ما يقول، أنشدكم اللّه، أترون أحدا كان أحزن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مني؟ ! (2).

فإن عليا لم يكن يراهم محزونين على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا مهتمين بأمره، و لا حتى حين وفاته، بل لم يكن يعنيهم أمره أصلا، حتى


1) الآيات 140-145 من سورة آل عمران.

2) حياة الصحابة ج 2 ص 84، و كنز العمال ج 7 ص 159 عن ابن سعد.

اضطر أبو بكر إلى هذا الاستشهاد لإنقاذ موقفه. و لا بد أن يكون قد استشهد من هم على رأيه، و على مثل موقفه، من المقربين إليه.

بل نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه يلمح للصحابة: أن غيرهم يحبه أكثر منهم.

فقد روي أنه قال: إن قوما يأتون من بعدي، يود أحدهم أن يفتدي رؤيتي بأهله و ماله (1).

بل إننا نجده «صلى اللّه عليه و آله» يفضل الذين يأتون بعده و لم يروه على أصحابه، كما يظهر من عدد من الروايات (2).

الفارون في أحد:

و مما يدل على أنه لم يثبت غير علي «عليه السلام» : أن من تحاول بعض الروايات التأكيد على ثباتهم لا ريب في فرارهم، فيلاحظ التعمد و الإصرار على ثبات طلحة، و سعد بن أبي وقاص، و غيرهما. و نكتفي هنا بذكر عبارة الشيخ الطوسي رحمه اللّه، حيث قال:

«ذكر البلخي: أن الذين بقوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد، فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا، خمسة من المهاجرين: علي «عليه السلام» ، و أبو بكر، و طلحة، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و الباقون


1) مجمع الزوائد ج 10 ص 66 عن البزار، و حياة الصحابة ج 2 ص 417 عنه.

2) مجمع الزوائد ج 10 ص 66 و 67 عن أبي يعلى و البزار، و أحمد، و حياة الصحابة ج 2 ص 416 و 417.

من الأنصار. فعلي و طلحة لا خلاف فيهما، و الباقون فيهم خلاف» (1).

و في نص آخر: «أفرد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تسعة، سبعة من الأنصار و رجلين من قريش» .

ثم ذكر أن السبعة من الأنصار قد قتلوا أيضا (2).

و رغم ذلك كله نقول: لا ينبغي الريب في أن عليا «عليه السلام» وحده هو الذي ثبت و فر الباقون جميعا؛ حتى طلحة و غيره. و لبيان ذلك، نقول:

فرار سعد:

إن مما يدل على فرار سعد: 1-ما تقدم من أنه لم يثبت سوى علي «عليه السلام» .

2-عن السدي: لم يقف إلا طلحة، و سهل بن حنيف (3).

و لعل عدم ذكر علي «عليه السلام» بسبب أن ثباته إجماعي، لم يرتب فيه أحد.

3-و عند الواقدي: أنه لم يثبت سوى ثمانية، و عدهم، و ليس فيهم سعد. أما الباقون ففروا و الرسول يدعوهم في أخراهم (4).


1) التبيان ج 3 ص 25.

2) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 412 عن أحمد، و راجع ص 415 عن دلائل النبوة للبيهقي بنحو آخر.

3) تاريخ الطبري ج 2 ص 201، و دلائل الصدق ج 3 ص 356 عنه.

4) مغازي الواقدي ج 1 و شرح النهج عنه، و دلائل الصدق ج 2 ص 356 عن الأول.

4-و يعد الإسكافي، و ابن عباس، و غيرهما من ثبت يوم أحد، و ليس فيهم سعد (1).

5-و سلمة بن كهيل يقول: لم يثبت غير اثنين، علي، و أبو دجانة (2).

6-عن سعد، قال: لما جال الناس عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلك الجولة تنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن أستشهد، و إما أن أنجو.

إلى أن قال: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أين كنت اليوم يا سعد؟ !

فقلت: حيث رأيت (3).

فرار طلحة:

و يدل على فراره:

1-جميع ما تقدم في أنه لم يثبت سوى علي «عليه السلام» .

2-و يدل على ذلك أيضا قول سلمة بن كهيل المتقدم.

3-إنتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب، و طلحة بن عبيد اللّه، في رجال من المهاجرين و الأنصار، و قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم؟

قالوا: قتل رسول اللّه.

فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ ! قوموا، فموتوا على مثل ما مات عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) راجع شرح النهج ج 13 ص 293، و آخر العثمانية ص 239.

2) المصدر المتقدم.

3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 26، و دلائل الصدق ج 2 ص 356.

ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل (1).

و يروي السدي: أنه خاف هو و عثمان أن يدال عليهم اليهود و النصارى، فاستأذنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخروج إلى الشام ليأخذ أحدهما العهد لنفسه من اليهود، و يأخذه الآخر من النصارى، فرفض «صلى اللّه عليه و آله» طلبهما (2).

فرار أبي بكر:

و يدل على فراره:

1-جميع ما تقدم في ثبات أمير المؤمنين «عليه السلام» . و ما تقدم في فرار سعد، ما عدا الحديث الأخير المختص بسعد.

2-عن عائشة: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى، ثم قال: ذاك كان


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 199، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 156، و الثقات لابن حبان ج 1 ص 228، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 68، و تاريخ الخميس ج 1 ص 434 عن ابن اسحاق، و سيرة ابن هشام ج 3 ص 88، و الدر المنثور ج 2 ص 81 عن ابن جرير، و قاموس الرجال ج 2 ص 125، و دلائل الصدق ج 2 ص 356 عن الدر المنثور. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 34، و حياة الصحابة ج 1 ص 531 عنه. و لكن قد اقتصر في مغازي الواقدي ج 1 ص 280، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 286 على ذكر عمر فقط، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 314، و سيرة ابن اسحاق ص 330، و الأغاني ج 14 ص 19.

2) نهج الحق ص 306 و 307، و تفسير الخازن ج 1 ص 471، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 68 من دون تصريح بالاسم.

يوم طلحة.

ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد؛ فرأيت رجلا يقاتل مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، يكون رجلا من قومي (1).

و حسب نص آخر، عن عائشة، عن أبيها: لما جال الناس عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد كنت أول من فاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فبصرت به من بعد، فإذا برجل قد اعتنقني من خلفي مثل الطير، يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإذا هو أبو عبيدة.

قال الحاكم: صحيح الإسناد (2).

و لكن ما أراده أبو بكر لم يصل إليه، فإن طلحة كان قد فر أيضا كما فر


1) منحة المعبود في تهذيب مسند الطيالسي ج 2 ص 99، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 155، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 58، و تاريخ الخميس ج 1 ص 431، عن الصفوة، و ابن أبي حاتم، و البداية و النهاية ج 4 ص 29 عن الطيالسي، و كنز العمال ج 10 ص 268 و 269 عن الطيالسي، وابن سعد، و ابن السني، و الشاشي، و البزار، و الدارقطني في الأفراد، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و الطبراني في الكبير و الأوسط، و ابن عساكر، و الضياء في المختارة. و قد صرح في مقدمة الكنز بصحة ما يعزوه لبعض هؤلاء، و حياة الصحابة ج 1 ص 272 عن ابن سعد و عن الكنز عمن تقدم بإضافة ابن حبان، و دلائل الصدق ج 2 ص 359 عن الكنز أيضا.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 27، و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و دلائل الصدق ج 2 ص 359 عن المستدرك، و مجمع الزوائد ج 6 ص 112 عن البزار.

هو، و لكنه فاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبله.

ثم إننا لا نستطيع أن نوافق أبا بكر على هذه الروح القبلية التي كانت تستبد به، و تهيمن على فكره و عقله و روحه، حتى في هذه اللحظات الحرجة و الخطيرة، حيث يتمنى أن يكون رجلا من قومه! ! .

3-قال الأمير أسامة بن منقذ: لما دون عمر الدواوين، جاء طلحة بنفر من بني تميم يستفرض لهم. و جاء أنصاري بغلام مصفر سقيم، فسأل عنه عمر؛ فأخبر أنه البراء بن أنس بن النضر، ففرض له في أربعة آلاف، و فرض لأصحاب طلحة في ستمائة؛ فاعترض طلحة.

فأجابه عمر: «إني رأيت أبا هذا جاء يوم أحد، و أنا و أبو بكر قد تحدثنا: أن رسول اللّه قتل؛ فقال: يا أبا بكر، و يا عمر، ما لي أراكما جالسين؟ !

إن كان رسول اللّه قتل؛ فإن اللّه حي لا يموت الخ. .» (1).

4-قال زيد بن وهب لابن مسعود: و أين كان أبو بكر و عمر؟

قال: كانا ممن تنحى (2).

5-قال المظفر رحمه اللّه ما معناه: إنه كيف يتصور ثبات أبي بكر في ذلك اليوم الهائل، و حومة الحرب الطاحنة التي لم يسلم فيها حتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فضلا عن علي «عليه السلام» كيف يتصور ثباته في ظروف كهذه، و ما أصاب و ما أصيب، و كيف يسلم، و هو قد ثبت ليدفع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» السيوف، و الرماح و الحجارة؟


1) لباب الآداب ص 179، و ليراجع: حياة محمد لهيكل ص 265.

2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 50، و البحار ج 20 ص 84 عنه.

و لا سيما مع ما يزعمه أولياؤه من أنه قرين النبي «صلى اللّه عليه و آله» في طلب قريش له، حتى بذلوا في قتله ما بذلوه في قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم أتراهم ينعون إصبع طلحة، و لا ينعون جراحة أبي بكر؟ ! (1).

6-روى مسلم: أن رسول اللّه قد أفرد في أحد في سبعة من الأنصار و رجلين من قريش (2).

قال الشيخ المظفر: «إن أحد الرجلين علي، و الآخر ليس أبا بكر؛ إذ لا رواية، و لا قائل في ثباته، و فرار سعد أو طلحة» (3).

هذا و قد ذكر في سحّ السحابة: أن الأنصار قد قتلوا جميعا واحدا بعد واحد (4).

و لكن رواية أخرى تقول: إنهم سبعة من الأنصار، و رجل من قريش، و ستأتي الرواية حين الحديث عن عدم ثبات أحد من المهاجرين سوى علي «عليه السلام» .

7-و يرد الإسكافي على الجاحظ بقوله: أما ثباته يوم أحد؛ فأكثر المؤرخين و أرباب السير ينكرونه (5).

8-لقد رووا بسند صحيح، عن ابن عباس؛ في قوله: وَ شٰاوِرْهُمْ فِي


1) راجع: دلائل الصدق للشيخ المظفر ج 2 ص 360.

2) صحيح مسلم ج 5 ص 178 في أول غزوة أحد، و دلائل الصدق ج 2 ص 359، و تاريخ الخميس ج 1 ص 346 عن سح السحابة.

3) دلائل الصدق ج 2 ص 359.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 436.

5) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293، و ليراجع آخر العثمانية ص 339.

اَلْأَمْرِ : أبو بكر و عمر (1).

قال الرازي: «و عندي فيه إشكال؛ لأن الذين أمر اللّه رسوله بمشاورتهم، هم الذين أمره بالعفو عنهم، و يستغفر لهم، و هم المنهزمون؛ فهب أن عمر كان من المنهزمين؛ فدخل تحت الآية، إلا أن أبا بكر ما كان منهم؛ فكيف يدخل تحت هذه الآية» (2).

و أجابه المظفر بقوله: «إن الإشكال موقوف على تقدير ثبات أبي بكر، و هو خلاف الحقيقة. هذا، و الآية ظاهرة في الأمر بمشاورتهم للتأليف، كما يظهر من كثير من أخبارهم، و مثله الأمر بالعفو عنهم، و الاستغفار لهم» (3).

فرار عمر:

و يدل على فراره:

1-ما تقدم في ثبات أمير المؤمنين فقط.

2-ما تقدم في فرار طلحة، و ما جرى بينهم و بين أنس بن النضر.

3-ما تقدم في فرار أبي بكر، في حديث فرض عمر لابن أنس بن النضر.

و كذلك ما ذكره ابن مسعود. ثم ما قاله المظفر. ثم ما قاله مسلم، و علق


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 70، و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، و صححاه على شرط الشيخين، و الدر المنثور ج 2 ص 90 عن الحاكم، و البيهقي في سننه، و ابن الكلبي، و التفسير الكبير للرازي ج 9 ص 67 عن الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار، و دلائل الصدق ج 2 ص 359 عمن تقدم.

2) تفسير الرازي ج 9 ص 67.

3) دلائل الصدق ج 2 ص 359.

عليه المظفر. ثم ما ذكره ابن عباس، و علق عليه الرازي، و أجابه المظفر.

4-ما تقدم في فرار سعد.

5-عن كليب قال: خطبنا عمر، فكان يقرأ على المنبر آل عمران، و يقول: إنها أحدية.

ثم قال: تفرقنا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد؛ فصعدت الجبل، فسمعت يهوديا يقول: قتل محمد.

فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد، إلا ضربت عنقه. فنظرت، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الناس يتراجعون إليه، فنزلت: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ» (1).

و في نص آخر: لما كان يوم أحد هزمناهم (2)، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني: أنزو كأنني أروى (3).

و في لفظ الواقدي: إن عمر كان يحدث، فيقول: لما صاح الشيطان: قتل محمد، قلت: أرقى الجبل كأنني أروية (4).


1) الدر المنثور ج 2 ص 80، و دلائل الصدق ج 2 ص 358، و كنز العمال ج 2 ص 242 عن ابن المنذر، و حياة الصحابة ج 3 ص 497 عن الكنز ج 1 ص 238، و فتح القدير ج 1 ص 388.

2) لعل الصحيح: هزمنا ففررت. كما يقتضيه سياق الكلام.

3) الدر المنثور ج 2 ص 88 عن ابن جرير، و كنز العمال ج 2 ص 242، و دلائل الصدق ج 2 ص 358، و حياة الصحابة ج 3 ص 497، و كنز العمال ج 2 ص 242، و جامع البيان ج 4 ص 95، و التبيان ج 3 ص 25 و 26.

4) شرح النهج ج 15 ص 22.

و نحن هنا لا ندري من أين جاء ذلك اليهودي الملعون، الذي نقل عنه عمر قوله: قتل محمد! ! مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض مشاركة اليهود في هذه الحرب، كما رفض ذلك في غيرها. كما أننا لا ندري كيف نفسر تهديد عمر لهذا اليهودي بالقتل، مع أنه هو نفسه قد فر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أسلمه لأعدائه، فأين كانت حماسة عمر عنه في الدفاع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ضد المشركين؟ ! و لم لم يقتل أحدا منهم؟ و لا حتى طيلة السنوات العشر، في عشرات الغزوات و السرايا التي اشترك فيها؟ ! . إن ذلك لعجيب حقا، و أي عجيب! ! .

6-قال المعتزلي: قال الواقدي: لما صاح إبليس: إن محمدا قد قتل، تفرق الناس.

إلى أن قال: و ممن فر عمر و عثمان (1).

لكن يلاحظ: أن اسم عمر قد حذف من المطبوع من مغازي الواقدي، و أثبته المعلق في هامش الصفحة على أنه قد ورد في بعض نسخ المغازي دون بعض (2).

فليراجع ذلك بدقة، فقد تعودنا منهم مثل هذا الشيء الكثير! !

7-و بعد أن ذكر الواقدي اعتراض عمر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في قضية الحديبية، قال عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» :


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 24، و دلائل الصدق ج 2 ص 358، و راجع: غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 113.

2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 277.

«ثم أقبل على عمر، فقال: أنسيتم يوم أحد؛ إذ تصعدون و لا تلوون على أحد، و أنا أدعوكم في أخراكم» ؟ ! (1).

8-ما سيأتي من عدم قتل خالد لعمر، حينما كان عمر منهزما.

9-و جاءته امرأة أيام خلافته، تطلب بردا من برد كانت بين يديه، و جاءت معها بنت له، فأعطى المرأة، ورد ابنته.

فقيل له في ذلك، فقال: إن أب هذه ثبت يوم أحد، و أب هذه فر يوم أحد، و لم يثبت (2).

10-و قد اعترف عمر برعبه من علي «عليه السلام» حينما تبع الفارين و هو يقول لهم: شاهت الوجوه، و قطت، و بطت، و لطت، إلى أين تفرون؟ إلى النار؟

و يقول: بايعتم ثم نكثتم؟ فواللّه لأنتم أولى بالقتل ممن أقتل الخ. . (3).

و قد اعترف الجاحظ بفرار عمر في عثمانيته أيضا فراجع (4).

11-و على كل حال، فإن فرار عمر من الزحف يوم أحد، و حنين، و خيبر، معروف، و يعده العلماء من جملة المطاعن عليه؛ لأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر الموبقة، و لم يستطع المعتزلي أن يجيب على ذلك، بل اعترف به، و اكتفى بالقول: «و أما الفرار من الزحف، فإنه لم يفر إلا متحيزا


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 24، و دلائل الصدق ج 2 ص 358، و مغازي الواقدي ج 2 ص 609.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 22.

3) البحار ج 20 ص 53، و تفسير القمي ج 1 ص 114 و 115.

4) العثمانية ص 169.

إلى فئة، و قد استثنى اللّه تعالى ذلك؛ فخرج به عن الإثم» (1).

و لكن قد فات المعتزلي: أن ما جرى يوم أحد، لا يمكن الاعتذار عنه بما ذكر، لعدم وجود فئة لهم إلا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و قد تركوه، و فروا عنه، و لأن اللّه تعالى قد ذمهم على هذا الفرار، و علله بأن الشيطان قد استزلهم ببعض ما كسبوا، ثم عفا عنهم، و لو كان لا إثم في هذا الفرار؛ فلا حاجة إلى هذا العفو.

هذا، و قد حقق العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» : أن المراد بالعفو هنا معنى عام، يشمل العفو عن المنافقين أيضا، فراجع (2).

و قد كان ثمة حاجة إلى التسامح في هذا الفرار، لأنه الأول من نوعه، و يأتي في وقت يواجه الإسلام فيه أعظم الأخطار داخليا و خارجيا، مع عدم وجود إمكانات كافية لمواجهتها، و مواجهة آثار مؤاخذتهم بما اقترفوا. و استمع أخيرا إلى ترقيع الرازي الذي يقول: و من المنهزمين عمر، إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين و لم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3). بارك اللّه في هذا الثبات، لكن لا في ساحة المعركة، بل فوق الجبل (! !) .

ثم إننا لا ندري ما الفرق بين أن يكون المنهزم في أول الناس أو في وسطهم، أو في آخرهم؟ !


1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 179 و 180.

2) راجع تفسير الميزان ج 4 ص 51.

3) التفسير الكبير ج 9 ص 51.

و ما الفرق بين أن يبعد في هزيمته و بين أن لا يبعد! ! .

فرار الزبير:

و بعد هذا فلا نرى حاجة لإثبات فرار الزبير في أحد، بعد أن عرفنا أنه لم يثبت سوى أمير المؤمنين «عليه السلام» . أو علي و أبو دجانة، و غير ذلك من نصوص تقدمت مع مصادرها. و إن كان ثمة محاولات لإظهار الزبير على أنه فارس الإسلام، و رجل الحرب الذي لا يبارى و لا يجارى، حتى إننا لنجد عمر بن الخطاب يعتبره يعدل ألف فارس.

و عند مصعب الزبيري! ! : أنه أشجع الفرسان، و علي أشجع الرجالة.

بل و يدعون: أنه قد افتتح إفريقية وحده (1).

مع أن مما لا شك فيه: أن إفريقية قد فتحت على عهد عثمان في سنة سبع أو ثمان و عشرين على يد عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح! ! (2).

و نحن نعرف: أن الهدف هو إيجاد شخصيات بديلة، أو في قبال الإمام علي «عليه السلام» الذي هو أشجع البشر بعد ابن عمه محمد «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره، و يرد كيد الخائنين للحقيقة و التاريخ.

فرار عثمان:

و أما عثمان، فلا يختلف في فراره في أحد اثنان. و هو موضع إجماع المؤرخين، و كان يعير به. و قد رجع بعد ثلاثة أيام، فقال له رسول اللّه «صلى


1) راجع لباب الآداب لأسامة بن منقذ ص 173-175.

2) راجع: تاريخ الطبري و فتوح البلدان.

اللّه عليه و آله» : لقد ذهبتم فيها عريضة! ! (1).

و عن ابن عباس و غيره: إن آية: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ (2)نزلت بعثمان (3).

بل في بعض النصوص: أن طلحة أراد أن يتنصّر، و عثمان أراد أن يتهود (4).


1) راجع: تفسير المنار ج 4 ص 191، و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 244، و فتح القدير ج 1 ص 392، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414، و تفسير التبيان ج 3 ص 26، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 203، و الإرشاد للشيخ المفيد ص 50، و البحار ج 20 ص 84، و البداية و النهاية ج 4 ص 28، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 عن الواقدي لكن مغازي الواقدي المطبوع لم يصرح بالأسماء بل كنى عنها في ج 1 ص 277 لكن في الهامش قال: في (نسخة عمر و عثمان) ، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 158، و السيرة الحلبية ج 2 ص 227، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 55، و الدر المنثور ج 2 ص 88 و 89 عن ابن جرير و ابن المنذر، و ابن اسحاق و راجع: سيرة ابن اسحاق ص 332، و جامع البيان ج 4 ص 96، و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 113، و التفسير الكبير للرازي ج 9 ص 50 و 51، و أنساب الاشراف ج 1 ص 326. و راجع عن فراره يوم أحد و تخلفه يوم بدر: محاضرات الراغب ج 3 ص 184، و مسند أحمد ج 2 ص 101 و ج 1 ص 68، و الصراط المستقيم للبياضي ج 1 ص 91.

2) الآية 155 من سورة آل عمران.

3) الدر المنثور ج 2 ص 88، و فتح القدير ج 1 ص 392، و راجع: جامع البيان ج 4 ص 96.

4) قاموس الرجال ج 5 ص 169.

لم يثبت من المهاجرين سوى علي عليه السّلام:

يقول حسان بن ثابت عن الأنصار، مشيرا إلى فرار المهاجرين:سماهم اللّه أنصارا لنصرهمدين الهدى، و عوان الحرب يستعر

و جاهدوا في سبيل اللّه و اعترفواللنائبات فما خافوا و لا ضجروا

و الناس إلب علينا ثم ليس لناإلا السيوف و أطراف القنا وزر

و لا يهرّ جناب الحرب مجلسناو نحن حين تلظى نارها سعر

و كم رددنا ببدر دونما طلبواأهل النفاق و فينا أنزل الظفر

و نحن جندك يوم النعف من أحدإذ حزبت بطرا أشياعها مضر

فما ونينا و ما خمنا، و ما خبروامنا عثارا و جل القوم قد عثروا (1)

و أخيرا فقد تقدم: أن أبا بكر، و سعدا، و عمر، و عثمان، و طلحة، و الزبير كلهم من المهاجرين.

و هناك نص يقول: إنه لم يثبت أحد من المهاجرين إلا رجل واحد، و سبعة من الأنصار قتلوا كلهم. و لا ريب في أن هذا المهاجري هو علي «عليه السلام» ، للإجماع.

و النص هو: أخرج الإمام أحمد، عن أنس: أن المشركين لما رهقوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد-و هو في سبعة من الأنصار، و رجل من قريش-قال: من يردهم عنا، و هو رفيقي في الجنة؟

فجاء رجل من الأنصار؛ فقاتل حتى قتل.


1) ديوان حسان بن ثابت ص 57.

فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا، و هو رفيقي في الجنة؟ . .

فأجابه أنصاري آخر، و هكذا، حتى قتل السبعة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما أنصفنا أصحابنا (1).

سر الاختلاف في من ثبت:

و بعد، فإننا يمكن أن نفهم: أن رجعة المسلمين إلى المعركة بعد هزيمتهم لم تكن دفعة واحدة، و إنما رجع الأول فرأى عليا، ثم يرجع آخر؛ فيرى عليا و أبا دجانة مثلا، ثم يرجع آخر فيرى خمسة، و هكذا؛ فكل منهم ينقل ما رآه. حتى وصل العدد لدى بعض الناقلين إلى ثلاثين.

كما أن ما يؤثر عن بعض الصحابة من مواقف نضالية؛ لعله قد كان بعد عودتهم إلى ساحة القتال.

ثبات أبي دجانة:

و لعل ذكر أبي دجانة في بعض الأخبار، مرجعه ذلك. و إلا، فإننا نجد ابن مسعود ينكر ثباته، فقد قال: انهزم الناس إلا علي وحده. و ثاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفر، و كان أولهم: عاصم بن ثابت، و أبو دجانة (2).


1) البداية و النهاية ج 4 ص 26، و حياة الصحابة ج 1 ص 533، و تقدمت الرواية عن صحيح مسلم ج 5 ص 178 إلا أن فيه: رجلين من قريش. و كذا في تاريخ الخميس أيضا.

2) قاموس الرجال ج 5 ص 7. و لكن يبدو أن في الإرشاد تحريفا، فراجع ص 50 منه، و قارنها مع ما نقله عنه في البحار ج 20، و قاموس الرجال.

و لكن يعكر على هذه الرواية: أنه قد جاء في المطبوع من كتاب الإرشاد للمفيد: أن أبا دجانة قد ثبت هو و سهل بن حنيف، كانا قائمين على رأسه، بيد كل واحد منهما سيف ليذب عنه (1).

و ثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلا (2).

و نحن لا نستبعد: أن يكون أبو دجانة قد ثبت، و لكن لا كثبات علي «عليه السلام» . و إنما حارب أولا بسيفه، ثم لما فر المسلمون صار يقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، و يترّس عليه (3)، كما تقدم عن سلمة بن كهيل أيضا؛ حيث كان علي «عليه السلام» يصد الكتائب، و يجندل الأبطال، حتى نزل في حقه:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

أو أن أول عائد إليه «صلى اللّه عليه و آله» هو عاصم بن ثابت كما تقدم، فصار هو و سهل بن حنيف يذبان عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن كثر المسلمون.

و بعد عودة المسلمين من فرارهم أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» السيف بحقه، و منعه عمر، و الزبير، و أبا بكر، عقابا لهم، و تقديرا و اهتماما في عودة أبي دجانة إلى ساحة الحرب، و مجال الطعن و الضرب معززا و مكرما.


1) و في ربيع الأبرار ص 833 و 834: أن عمارا كان بين يدي النبي «صلى اللّه عليه و آله» يذب عنه، و المقداد كان عن يمينه «صلى اللّه عليه و آله» .

2) البحار ج 20 ص 83، و الإرشاد للمفيد ص 50.

3) تفسير فرات ص 24 و 25، و البحار ج 20 ص 104 و 105.

إلا أن يقال: إن أبا بكر و عمر لم يعودا إلى الحرب بعد فرارهما أصلا، فلا بد أن يكون عرض السيف على أبي دجانة و عليهم قد كان في المواجهة الأولى.

نظرة في شعر حسان المتقدم

و أمام تصريحات المؤرخين الكثيرة جدا، و المقطوع بصحتها و تواترها، لا يسعنا قبول قول حسان المتقدم، الذي يقول فيه: إن الأنصار قد ثبتوا، و ينسب الفرار إلى خصوص المهاجرين.

إلا أن يكون مراده: أن المهاجرين أو أكثرهم لم يرجعوا إلى ساحة القتال، و استمروا فوق الجبل، و الذين ثابوا إلى الحرب هم خصوص الأنصار.

و لعل كرّة العدو عليهم قد ضعضعتهم، فانهزموا، ثم لما علموا بحياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كروا على عدوهم من دون أن يصعدوا الجبل، و لعل هذا هو الأقرب و الأظهر.

تأويلات سقيمة للفرار:

و يقول البعض هنا ما ملخصه: إن فرقة استمروا في الهزيمة حتى المدينة، فما رجعوا حتى انقضى القتال.

و فرقة صاروا حيارى حينما سمعوا بقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فصار همّ الواحد منهم: أن يذب عن نفسه، و يستمر في القتال إلى أن يقتل.

و فرقة بقيت مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم تراجعت إليهم الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي.

و ما ورد في الاختلاف في العدد، فمحمول على تعدد المواطن في

القصة؛ فقولهم: (فروا) أي بعضهم، أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم (1).

و نحن لا نريد أن نطيل في الرد على ذلك؛ فإن ما تقدم مما دل على أنه لم يثبت إلا فلان، أو فلان و فلان، و أن هذا قد فر، و ذاك كذلك، و هكذا، يدفعه. و إلا لكان الفرار منحصرا في الثلاثة بعثمان و صاحبيه.

كما أنه لو صح ما ذكره فلا يبقى لعتاب اللّه لهم جميعا بقوله: إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاٰ تَلْوُونَ عَلىٰ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرٰاكُمْ (2)معنى و لا فائدة.

لماذا كانت الهزيمة؟ !

1-إن من الواضح: أن السبب الأول لما لحق بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و للهزيمة التي لحقت بالمسلمين، و ما جرى عليهم من النكبات، و القتل الذريع، حتى لقد قتل منهم سبعون، و جرحت أعداد هائلة-أيضا- هو: أنهم عصوا، و تنازعوا، ففشلوا.

قال تعالى: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ (3)بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ وَ تَنٰازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا أَرٰاكُمْ مٰا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيٰا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ (4).

و تصريح القرآن بأنهم قد عصوا و تنازعوا من بعد ما كان النصر منهم


1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 292، و تاريخ الخميس ج 1 ص 430.

2) الآية 153 من سورة آل عمران.

3) الحس: القتل على وجه الاستيصال.

4) الآية 152 من سورة آل عمران.

قاب قوسين أو أدنى، يكذب ما يدّعيه البعض: من أنهم قد تخيلوا انتهاء أمد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن هذا اجتهاد منهم (1).

فإنه لو كان اجتهادا لما كان معصية، مع أن القرآن يصرح بالمعصية. و القول بأن المراد بالمعصية: المخالفة مطلقا، و لو عن اجتهاد؛ خلاف ظاهر كلمة: (عصيتم) . فالنصر كان معهم، و حليفهم حتى تنازع الرماة، لأن بعضهم كان يريد الدنيا، و بعضهم يريد الآخرة.

أضف إلى ذلك: أن أمر الرسول كان صريحا لهم في أن لا يتركوا مراكزهم، حتى يرسل إليهم، حتى و لو رأوهم مهزومين، أو حتى لو رأوهم يغنمون، و لذا قال رفقاؤهم: لا نخالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إنهم تخيلوا انتهاء أمد أمره «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

و هكذا، فقد كانت معصية بعض الرماة، و تنازعهم سببا في كل ما نال المسلمين من كوارث و نكبات آنئذ، قد أشرنا و لسوف نشير إن شاء اللّه الى شطر منها.

2-و أيضا، فقد كان لاغترارهم بأنفسهم، و بكثرتهم، أثر كبير في حلول الهزيمة بهم، فقد قالوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : قد كنت في بدر في ثلاثمئة رجل؛ فأظفرك اللّه بهم، و نحن اليوم بشر كثير، نتمنى هذا اليوم، و ندعو اللّه له، و قد ساقه اللّه إلى ساحتنا هذه (2).


1) البوطي في: فقه السيرة ص 261.

2) المغازي للواقدي ج 1 ص 211، و سيرة المصطفى ص 396.

و قد أشار اللّه تعالى في سورة آل عمران إلى هذا التمني للموت. فراجع الآيات (1).

و واضح: أن الاغترار بالكثرة يفقد العناصر المشاركة شعور الاعتماد على النفس، و يجعلهم يعيشون روح التواكل، و اللامسؤولية.

3-ثم إن اللّه تعالى ما زال يؤيد المسلمين بنصره، حتى عصوا الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، طمعا في الدنيا، و إيثارا لها على الآخرة. فكان لا بد في هذه الحالة من إعادة التمحيص لهم، و ابتلائهم؛ ليرجعوا إلى اللّه تعالى، و ليميز اللّه المؤمن من المنافق؛ و ليزداد الذين آمنوا إيمانا؛ لأن الإنسان ربما يغفل عن حقيقة العنايات الإلهية، و الإمدادات الغيبية، حين يرى الانتصارات تتوالى، فينسب ذلك إلى قدرته الشخصية.

و لأجل ذلك نجد: أنهم حين غلبوا شكوا في هذا الأمر، و قالوا: هَلْ لَنٰا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ؟

فجاءهم الجواب القاطع: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّٰهِ .

نعم، لا بد إذا من إعادتهم إلى اللّه تعالى، و تعريفهم بحقيقة إمكاناتهم، و قدراتهم. و لسوف نعود عن قريب لبحث هذه النقطة إن شاء اللّه تعالى.

و من جهة ثانية، فقد تقدم في غزوة بدر كلام هام للعلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» ، و فيه مقارنة بين بدر و أحد و غيرها، و بيان لسر الانتصار أولا، ثم ما ظهر من أمارات الضعف أخيرا، فليراجع.

4-و إن الانضباطية-خصوصا حين يكون القائد حكيما، فكيف إذا


1) الآيات 143 و 152 و 153 من سورة آل عمران.

كان نبيا-هي أساس النجاح. و لربما تكون مخالفة أفراد معدودين سببا في دمار جيش بكامله، كما كان الحال في قضية أحد.

5-كما أن عناية اللّه تعالى بهم، و تسديده لهم، لا يعني إلغاء جميع الأسباب الطبيعية كلية، كما لا يعني أن هذه العناية، و ذلك الإمداد مطلق غير مشروط؛ بل هو مشروط قطعا بالسعي من قبلهم نحو الهدف الأسمى، و البذل و التضحيات التي تؤهلهم لأن يكونوا موضعا لعنايات اللّه و ألطافه، إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ (1). أو على الأقل لا بد لاستمرار هذه العناية الإلهية من حفظ الحد الأدنى من الارتباط بالقيادة، و تنفيذ أوامرها. و إلا لم يكن لهذه المواقف و الحرب أثرها النفسي، و الاجتماعي، و التربوي المطلوب.

6-قد ظهر مما تقدم: أن الذين تركوا مراكزهم قد ظنوا-أو ظن بعضهم-: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيغلّ، أي يخونهم، فلا يقسم لهم.

و هذا يدل: على أن من بين هؤلاء من لم يكن على درجة حسنة من المعرفة و الوعي، و لربما الإيمان أيضا. و لو كان كذلك، فلا أقل من أن أخلاقياته و روحياته، بما في ذلك الإعراض عن الدنيا و الإيثار، لم تكن بالمستوى المطلوب، إن لم نقل: إنه منافق يظهر الإيمان لأجل مصالح يراها، و يبطن الكفر.

و لعل الآية تشير إلى ظنهم السيء هذا، و تقرعهم عليه بأنه: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ (2).


1) الآية 7 من سورة محمد.

2) الآية 161 من سورة آل عمران.

الفصل الثالث: في موقع الحسم

اشارة

الرعب القاتل:

قد تقدم معنا: أن عمر بن الخطاب قد كان و هو فار مرعوبا من أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي تبع الفارين، و هو يقول لهم: شاهت الوجوه، و قطت، و لطت، و بطت. إلى أين تفرون؟ إلى النار؟

و يقول: بايعتم، ثم نكثتم؛ فواللّه لأنتم أولى بالقتل ممن أقتل الخ. .

و لكنهم قد استمروا في هزيمتهم لا يلوون على شيء، و الرسول يدعوهم في أخراهم. حتى بلغوا الجبل، و بلغوا صخرة فيه.

و فشا في الناس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل؛ فقال بعض المسلمين، من أصحاب الصخرة في الجبل: ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبي؛ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان قبل أن يقتلونا. و قال أناس من المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول.

و في النهر: أن فرقة قالوا: نلقي إليهم بأيدينا، فإنهم قومنا، و بنو عمنا (1).

و هذه الكلمة تدل دلالة واضحة على أن هذه الفرقة كانت من المهاجرين، لا من الأنصار. فجاءهم أنس بن النضر، فقال لهم: إن كان


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 227، و راجع: البحار ج 20 ص 27، و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 96.

محمد قد قتل؛ فما تصنعون بالحياة بعده؟ ! فقاتلوا على ما قاتل عليه، و موتوا على ما مات عليه.

ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، يعني المسلمين. و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المنافقين. ثم قاتل حتى قتل.

و قد تقدمت بعض مصادر هذه القضية حين الكلام عن فرار طلحة.

و قيل: إن حمزة هو الذي قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء النفر، أبو سفيان و أصحابه. و أعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم (1).

و هذا يعني: أن حمزة قد قتل بعد فرار الصحابة عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد تقدم: أنه قد قتل بعد أصحاب اللواء؛ فلا مانع من أن يكون الناس قد انهزموا، فقتله وحشي و هو عائد من بعض حملاته. ثم صار علي «عليه السلام» يدفع كتائب المشركين عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم.

عودة المسلمين إلى القتال:

ثم إن كعب بن مالك كان أول من عرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، رأى عينيه تزهران من تحت المغفر، فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا؛ فهذا رسول اللّه. فأمره النبي بالسكوت؛ لحراجة الموقف و خطورته. ثم صار المسلمون يفيئون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زرافات و وحدانا،


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246.

و جعل «صلى اللّه عليه و آله» يذرهم و يحضهم على القتال؛ فقاتلوا على قلتهم خير قتال.

و لكن الذين كانوا على الجبل فوق الصخرة لم يعودوا-أو أكثرهم-إلى القتال، و لا تركوا مركزهم. و قبل أن نستمر في الحديث عن المعركة الحاسمة، لا بأس بالإلماح إلى بعض المواقف البطولية التي سجلها بعض المسلمين، مع محاولة التركيز على بعض الجوانب الإيجابية فيها، ثم نشير إلى بعض المختلقات في هذا المجال، و لا سيما حول طلحة، و سعد بن أبي وقاص، فنقول:

مواقف و بطولات:
1-مع أنس بن النضر، و ابن السكن و أصحابه:

إن موقف أنس بن النضر ليدل على فهمه العميق للإسلام، و إدراكه أن الإسلام لا يرتبط بالشخص و الفرد، حتى و لا بالنبي نفسه، الذي جاء به من عند اللّه من حيث هو شخص و فرد (1).

تماما على عكس الرؤية التي كانت لدى الذين فروا، حتى انتهوا إلى الصخرة. فالحق-عند أنس هذا-لا يعرف بالرجال، و إنما تعرف الرجال بالحق.

قال أمير المؤمنين: «إنك لم تعرف الحق، فتعرف من أتاه، و لم تعرف


1) و إن كان الارتباط به من حيث هو رسول و قائد حرب، و معلم، أمر ضروري و لا بد منه.

الباطل، فتعرف من أتاه» (1).

و هذه النظرة على درجة من البعد و العمق، فإنه إذا تجسد الدين بالشخص، فإن القضاء على ذلك الشخص يكون كافيا في القضاء على ذلك الدين. و هذه هي إحدى السياسات التي ينتهجها أعداء اللّه و الإنسان في حربهم للّه و رسوله، على مدى الأجيال.

هذا، و لا يقل موقف ابن السكن و الرجال الخمسة الأنصاريين عن موقف أنس؛ فإنه لما تفرق القوم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هاجمه المشركون، قال «صلى اللّه عليه و آله» : من رجل يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه؟

فقام زياد بن السكن-أو ولده عمارة-في خمسة من الأنصار، فقاتلوا حتى قتلوا، ثم جاءت فئة؛ ففرقوا القوم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

2-أبو دجانة:

و قد تقدم: أن أبا دجانة كان أول عائد مع عاصم بن ثابت، و قد ترس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صار يقيه بنفسه من وقع السهام، و هو منحن عليه لا يتحرك، حتى كثر في ظهره النبل، حتى استحق أن يعطيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيفا، و يمنعه غيره ممن فر، إهانة لهم، و تكريما له.

و ما ذلك إلا لأن الإسلام و نبي الإسلام، لا يضيعان عمل عامل، أيا


1) نهج البلاغة الحكمة رقم 262.

كان، و مهما كان. و لا يهتم هذا الدين، و هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» للدعاوى الفارغة التي يطلقها هذا أو ذاك، و إنما يهتمان بتقييم الإنسان على أساس ما يقدمه على صعيد الواقع، و نفس الأمر.

و أبو دجانة قد تعرض للامتحان و نجح فيه. أما غيره؛ فقد أثبت الامتحان عدم جدارته، أو استحقاقه لما يعد نفسه له ممن يتستر خلف دعاوى فارغة لا أكثر و لا أقل، حتى إذا جد الجد رأيته يتعجل الهزيمة، و يكون أبطأ من غيره في العودة، أو لا يعود أصلا إلا بعد حسم الموقف.

فكان لا بد من إعطاء الضابطة للمسلمين جميعا، و إفهامهم: أن الإسلام واقعي بالدرجة الأولى، و أن مصب اهتماماته هو المضمون و المحتوى.

و أنه يقيم الإنسان على أساس أعماله، لا على أساس دعاواه و أقواله، و لا على أسس أخرى، ربما لا يكون له خيار فيها في كثير من الأحيان. فطلحة، و سعد، و أبو بكر، و عمر، و الزبير، و عثمان الخ. . و إن كانوا من المهاجرين الذين ربما يعطون أو يعطيهم الناس امتيازا لذلك؛ و إن كانوا قرشيين؛ و كان لهم بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» صلة من نوع ما بسبب أو نسب. إلا أن كل ذلك إذا لم يكن معه الإخلاص، و إذا لم يكن اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله أحب إليهم من كل شيء حتى من أنفسهم، فإنه يبقى منحصرا في نطاقه الخاص، و لا ينبغي أن يتعداه إلى غيره، بحيث يخولهم الحصول على امتيازات لا يستحقونها.

و أخيرا: فقد ذكر المؤرخون: أن سلمان الفارسي أيضا قد كان يقوم بنفس دور أبي دجانة في حماية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث جعل نفسه وقاية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من وراء ظهره، من سهام

الكفار، و أذاهم، و يقول: نفسي فداء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

3-أم عمارة: و مقام فلان! ! و فلان! !
اشارة

و قاتلت أم عمارة، نسيبة بنت كعب. و كان معها سقاء فيه ماء، فلما رأت قلة من كان مع الرسول، قامت تذب عنه مع هؤلاء القلة، و جرحها ابن قميئة في عاتقها، حينما اعترضته مع آخرين، ممن كان يذب عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

بل لقد روى غير واحد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نظر في أحد إلى رجل من المهاجرين يفر، قد ألقى ترسه خلف ظهره، فناداه: «يا صاحب الترس، ألق ترسك، و فر إلى النار» ؛ فرمى بترسه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان، و فلان» . و أراد ولدها عمارة الفرار، فردته، و أخذت سيفه؛ فقتلت به رجلا؛ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «بارك اللّه عليك يا نسيبة» .

و كانت تقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيديها، و صدرها، و ثدييها (2).

قال المعتزلي: «ليت الراوي لم يكنّ هذه الكناية، و كان يذكر هما باسمهما، حتى لا تترامى الظنون إلى أمور مشتبهة. و من أمانة المحدث أن يذكر الحديث على وجهه، و لا يكتم منه شيئا؛ فما باله كتم اسم هذين


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 436.

2) قاموس الرجال ج 11 ص 38 عن القمي، و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 226 و 269، و مغازي الواقدي ج 1 ص 269 و 273، و تفسير القمي ج 1 ص 116، و البحار ج 20 ص 134 و 54.

الرجلين» ؟ ! (1).

و يرى المجلسي: أن المراد بهما هنا: أبو بكر و عمر، إذ لا تقية في غيرهما؛ لأن خلفاء سائر بني أمية و غيرهم من الخلفاء، ما كانوا حاضرين في هذا المشهد؛ ليكني بذكرهم تقية من أولادهم و أتباعهم (2).

و هذا أيضا هو رأي محمد بن معد العلوي (3).

و نزيد نحن: أن عثمان لما كان قد فر بإجماع المؤرخين؛ فقد اضطروا إلى التصريح باسمه، ثم حاولوا تبرير هذا الفرار بالتوبة عليه، و غفران ذنبه.

و مع ذلك، و مع أننا نجد روايات عديدة تصرح بأن آية: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطٰانُ بِبَعْضِ مٰا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللّٰهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (4)قد نزلت في عثمان، و خارجة بن زيد، و رفاعة بن المعلى، أو في عثمان، و سعد بن عثمان، و عقبة بن عثمان الأنصاريين (5).

فإننا نجد رواية ذكرها ابن اسحاق تقول: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ فلان! ! و سعد بن عثمان، و عقبة بن عثمان (6).

و رواية أخرى عن عكرمة تقول: نزلت في رافع بن المعلى، و غيره من


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 226، و البحار ج 2 ص 133 عنه.

2) البحار ج 20 ص 134.

3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23 و 24.

4) الآية 155 من سورة آل عمران.

5) الدر المنثور ج 2 ص 88 و 89 عن مصادر كثيرة.

6) الدر المنثور ج 2 ص 89 عن ابن جرير، و ابن المنذر.

الأنصار، و أبي حذيفة بن عتبة، و رجل آخر (1).

كما أن الواقدي نفسه قد كنى عن عثمان في فراره ب «فلان» (2).

فترى أنهم يهتمون في التكنية حتى عن عثمان المجمع على فراره، دون غيره ممن تذكرهم الرواية.

و بعد هذا، فكيف لا يكنون عمن هم أعظم من عثمان، و أجل عندهم؟

و يذكر أخيرا: أن لفلان و فلان! ! فرارا آخر في عرض الجبل، حينما جاءهم المشركون، و ندب الرسول المسلمين إلى قتالهم (3)، و قد ردهم اللّه عنهم من دون حاجة إلى ذلك، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى.

كما أن الظاهر: أن ابن عباس قد كنى عنهما، حينما ذكر: أن الناس قد تركوا ثلاث آيات محكمات، و أبوا إلا فلان بن فلان، و فلان بن فلان (4).

جهاد المرأة:

و في إلماحة موجزة هنا نقول: إن من المعلوم: أنه ليس في الإسلام على المرأة جهاد، إلا حينما يكون كيان الإسلام في خطر أكيد.

و لقد أدركت أم عمارة مدى الخطر الذي يتهدد الإسلام، من خلال


1) الدر المنثور ج 2 ص 88 عن ابن جرير.

2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 277 مع هامشه.

3) نفس المصدر ص 295.

4) راجع: المصنف ج 1 ص 379 و 380. و ثمة تعبيرات أخرى عنهما بفلان و فلان. ذكرها في البحار، و روضة الكافي، لا مجال لذكرها هنا.

الخطر الذي يتعرض له النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لذلك فقد اندفعت للدفاع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بنفسها و ولدها، و كل وجودها. و ليت شعري، كيف لم يدرك هذه الحقيقة كبار الصحابة من المهاجرين و الأنصار؟ ! و كيف سمحوا للأنفسهم بالفرار في هذا الظرف الحرج و الخطر جدا على مستقبل الإسلام، الدين الحق؟ ! .

و قد كان المهاجرون يرون لأنفسهم، و يرى لهم الناس امتيازا على غيرهم، و أنهم في موقع المعلم و المرشد. و هم الذين عاشوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و استفادوا من تعاليمه، و رأوا من معجزاته أكثر من غيرهم. و إذا كانت هذه الأنصارية التي لا جهاد عليها، و التي لم تعاشر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم تر من معجزاته و كراماته ما رآه هؤلاء، قد وقفت هذا الموقف الرسالي الرائد دونهم، فمن الطبيعي أن يكون مقامها أفضل من مقام فلان و فلان من كبارهم.

كما أن من الطبيعي أيضا: أن يفر ذلك المهاجري إلى النار، و يكون جهادها طريقها إلى الجنة. كما أننا سوف لا نصدق بعد هذا ما يقال، من أن الفضل إنما هو بطول الصحبة للرسول، أو بغير ذلك من عناوين، بل سوف نصر على أن الفضل-كما قرره القرآن-إنما هو بالتقوى، و العمل الصالح، عن علم و وعي، و عن قناعة وجدانية راسخة.

ملاحظة: و نشير أخيرا: إلى أن خروج أم عمارة إلى أحد لعله كان


1) إذ لم يكن كل المسلمين و لا جلّهم-كما أظهرته حرب أحد-في مستوى وعي أمير المؤمنين «عليه السلام» و أنس بن النضر، و أبي دجانة و أمثالهم.

استثنائيا، و لضرورة خاصة.

و مما يوضح لنا ذلك: أننا نجد امرأة من عذرة استأذنت الرسول في أن تخرج في جيش كذا و كذا، فلم يأذن لها «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فقالت: يا رسول اللّه، إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجرحى و المرضى، أو أسقي المرضى.

قال: لو لا أن تكون سنة، و يقال: فلانة خرجت، لأذنت لك، و لكن اجلسي (1).

و قد تكلمنا حول هذا الموضوع في غير هذا الكتاب. فليراجع (2).

4-أم سليط:

و ممن شارك في حرب أحد أيضا أم سليط، فإنها كانت تزفر القرب، أي تحملها على ظهرها، تسقي الناس منها (3).

5-حنظلة الغسيل:
اشارة

و استشهد في أحد حنظلة بن أبي عامر الفاسق، و كان قد دخل بزوجته


1) حياة الصحابة ج 1 ص 618، و مجمع الزوائد ج 5 ص 323 و قال: رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و رجالهما رجال الصحيح (إنتهى) . و راجع: الاصابة ج 4 ص 487 و 505، و الإستيعاب بهامشها نفس المكان، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 115.

2) راجع: الآداب الطبية في الإسلام فصل التمريض و المستشفى.

3) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 103.

جميلة بنت عبد اللّه بن أبي ليلة أحد، و خرج و هو جنب، حين سمع الهائعة (1)فأعجله ذلك عن الغسل.

بل يقال: إنه كان قد غسل أحد شقيه، فسمع الهائعة؛ فترك غسله، و خرج.

و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخبرهم: أن صاحبهم (حنظلة) لتغسله الملائكة.

كما و يقال: إنه استأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أن يقتل أباه أبا عامر الفاسق، فلم يأذن له (2).

و نقول:

1-إن النبي كما منع حنظلة الغسيل من قتل أبيه، كذلك هو قد منع ابن عبد اللّه بن أبي من قتل أبيه أيضا (3).

و نقول: إنه إذا كان هدف الإسلام هو الحفاظ على إنسانية الإنسان، و تكامله في مدارج الإنسانية، فلا بد أن تكون مواقفه و وسائله منسجمة مع ذلك الهدف الأسمى؛ لأن الوسيلة في نظر الإسلام لا تنفصل عن الهدف، و إنما هي جزء منه.

إذا، فلا بد أن يتعامل مع كل أحد حتى مع أبيه، و ولده، و عشيرته، و ماله، و كل ما يحيط به، تعاملا إنسانيا صحيحا، و منسجما مع أهدافه تلك.


1) الهائعة: الصوت المفزع.

2) الإصابة ج 1 ص 361، و تاريخ الخميس ج 1 ص 427 و 428، و السيرة الحلبية ج 2 ص 240 و 241. و غير ذلك من المصادر الكثيرة.

3) الإصابة ج 1 ص 361.

فإذا كانت علاقته بماله، أو بأبيه، أو بولده سوف تفصله عن هدفه، أو تفرض عليه موقفا يتناقض معه، أو يعيق عن الوصول إليه، فلا بد من رفض تلك العلاقة و تدميرها؛ لأن الإبقاء عليها إنما يعني تدمير الإنسانية، و الخروج عنها إلى ما هو أحط من الحيوان.

و هذا هو ما أشار إليه تعالى في قوله عمن اتخذ إلهه هواه (1): أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (2).

إذا، فلا جامع و لا قدر مشترك بين الإنسان المسلم الذي يعتبر نفسه إنسانا، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، و يتصرف على هذا الأساس؛ و بين غيره ممن رضي لنفسه أن يكون أضل من الأنعام، و يتصرف على هذا الأساس، و مجرد وجود علاقة نسبية بينهما لا يبرر تخلي هذا عن إنسانيته في سبيل إرضاء ذاك.

و أما إذا كانت مواقف ذلك الإنسان المنحرف و تصرفاته تساهم في تدمير الإنسانية أينما كانت، و حيثما وجدت، و القضاء على خصائصها و منجزاتها، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع، أو حتى الأجيال القادمة.

فإن من الطبيعي أن نرى ذلك الولد الإنسان: يهتم بالقضاء على هذا الوالد، و يعمل في هذا السبيل بصدق، و بجدية، و إلا فإنه سيتضح لنا: أن إنسانيته لم تكتمل بعد، أو على الأقل: إن وعيه الإنساني يحتاج إلى تعميق و تركيز. كما أن العاطفة التي تعتبر الوقود الذي يفجر طاقات الإنسان في


1) راجع بحث العصمة في فصل بحوث تسبق السيرة بعد غزوة بدر.

2) الآية 44 من سورة الفرقان.

هذا السبيل، تحتاج إلى شحن و إثارة من جديد.

فلا عجب إذا، أن يستأذن بعض المسلمين في قتل آبائهم المنحرفين، الذين يحاربون دين اللّه تعالى، و إنما العجب من أن لا يفعلوا ذلك؛ لأنهم حينئذ يكونون قد خالفوا مقتضى فطرتهم، و ما يحكم به عقلهم السليم.

هذا الحكم الذي أيده و أكده الإسلام، دين الفطرة (1)حين قال في القرآن الكريم: قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (2).

2-و أما سر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأذن لهم بقتل آبائهم، فقد قدمنا بعض ما يفيد في ذلك حين الكلام عن وحشي، قاتل حمزة، حيث أخبروه: أن محمدا لا يقتل أصحابه.

و نزيدهنا: أن نفس قتل الولد لوالده ليس أمرا طبيعيا، و لا ينسجم مع مشاعر و نفسية الإنسان العادي، الذي لم يترب تربية إلهية، و لم ينصهر في حب اللّه تعالى.

نعم، إذا أخلص ذلك الإنسان للّه، و انقطعت كل علائقه المادية الأرضية؛ فإنه حينئذ يرى ذلك أمرا ضروريا، و ينساق إليه بعقله، و بفطرته، و بعاطفته


1) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 2 بحث: الحب في التشريع الإسلامي.

2) الآية 24 من سورة التوبة.

أيضا. و قليل ما هم.

و لربما يثور الإنسان العادي عاطفيا إذا رأى من قريبه و حبيبه موقفا سيئا يتنافى مع الفطرة و الدين و العقل، و لكن سرعان ما تشده العوامل الأرضية إليها، و يعود ليزن الأمور بالموازين الأرضية المادية من جديد.

و لذلك رأينا: المسلمين ينهزمون جميعا في أحد، و في مواطن أخرى باستثناء أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و يتركون نبيهم، الذي هو في الحقيقة رمز وجودهم.

و هذا يدل: على أن الروابط الأرضية قد شدتهم إليها، و لم يتمكنوا من التخلص منها، و لا التغلب عليها. اللهم إلا من كان في مستوى رفيع من التربية الإلهية؛ و وصل إلى حد: أن أصبح اللّه و رسوله، و جهاد في سبيله، أحب إليه من كل شيء، و ليس هو إلا أمير المؤمنين «عليه السلام» ، كما قلنا.

و لكي لا يعرّض النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الإسلام الذي هو واقعي بالدرجة الأولى هذا الإنسان إلى تجربة قاسية و مريرة، ربما تكون أكبر منه، و قد يخفق في الخروج منها بسلامة و معافاة، فقد أعفاه من هذه الأمور، لطفا به و رفقا. و اللّه هو اللطيف الخبير.

6-بين عبد اللّه بن جحش و ابن أبي وقاص:

و قد دعا عبد اللّه بن جحش ربه: أن يقتل، و يجدع أنفه، و تقطع أذنه حتى إذا لقي اللّه، و سأله: فيم جدع أنفك و أذنك؟ فيقول: فيك، و في رسولك؛ فأمّن له سعد بن أبي وقاص. و هكذا جرى له.

و دعا سعد بن أبي وقاص ربه: أن يقتل أحد المشركين، و يأخذ سلبه؛

فأمّن عبد اللّه على دعاء سعد.

فشتان ما بين سعد و عبد اللّه، فإن عبد اللّه قد جاء يطلب الموت، و جاء سعد يطلب ما يرى أنه يفيد في استمرار تمتعه بمباهج الحياة، و زبارجها و بهارجها.

و نعود فنذكّر هنا بما قاله المعتزلي-و هو يتحدث عن علي «عليه السلام» -: هذا يجاحش على السلب، و يأسف على فواته، و ذاك لا يلتفت إلى سلب عمرو بن عبد ود، و هو أنفس سلب، و يكره أن يبز السبي ثيابه، فكأن حبيبا-يعني أبا تمام-عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتهايوم الكرية في المسلوب لا السلب (1)

و نزيد هنا: أن الذي يجاحش على السلب، و يدعو اللّه أن يقتل مشركا من أجل سلبه، و يأتي إلى الحرب بهذه النفسية، لا يتورع-حين يفوته ذلك، و يواجه خطر الموت-من أن يفر من الحرب، و يترك الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لسيوف المشركين تنوشه من كل جانب و مكان! !

كما أن من تكون الدنيا عنده أهون من عفطة عنز، و لا تساوي الخلافة عنده شسع نعله، و يكون من الرسول و الرسول منه، و لا سيف إلا سيفه، كيف، و لماذا يفر يا ترى؟ !

فلا عجب إذا إذا رأينا هذا يثبت، و يتلقى السيوف بنحره و جسده، و ذاك يفر طلبا للسلامة، و لأجل الاحتفاظ بالحياة.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237 ملخصا.

مواقف و بطولات سعد الموهومة:

و يذكرون لسعد بن أبي وقاص في حرب أحد فضائل و كرامات، و مواقف و بطولات، نعتقد أن يد السياسة قد ساهمت في صنعها، و نذكر على سبيل المثال:

أنهم يقولون: إنه بعد أن عاد المسلمون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دافع سعد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رمى بين يديه بالسهام، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يناوله النبل، و يقول (1): إرم فداك أبي و أمي؛ فرمى دون رسول اللّه حتى اندقت سية قوسه.

و في المشكاة عن علي «عليه السلام» : ما سمعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» جمع أبويه لأحد إلا لسعد (2).

بل يروي البعض: أنه قال له ذلك ألف مرة، لأنه رمى ألف سهم (3).

كما أن ابن عرقة رمى بسهم، فأصاب ذيل أم أيمن، فانكشف، فضحك، فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» سعدا بأن يرمي، و دعا له بأن يسدد اللّه رميته، و يجيب اللّه دعوته؛ فرمى ابن عرقة في ثغرة نحره؛ فانقلب


1) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 241، و السيرة الحلبية ج 2 ص 229، و تاريخ الخميس ج 1 ص 433.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 229.

3) مجمع الزوائد ج 6 ص 113، و مغازي الواقدي ج 1 ص 241، و شرح النهج للمعتزلي ج 14، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 160، و تاريخ الخميس ج 1 ص 433، و السيرة الحلبية ج 2 ص 229، و غير ذلك كثير.

لظهره، و بدت عورته، فضحك «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و لكننا نشك فيما ذكر آنفا، و ذلك بملاحظة النقاط التالية:

1-يقولون: سئل سعد عن سر استجابة دعائه دون الصحابة، فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا و أنا أعلم من أين جاءت، و من أين خرجت (2).

أي لأنه قد جاء في الحديث: أن سر عدم استجابة الدعاء، هو أن من كان مأكله و ملبسه حراما فأنى يستجاب له (3).

فأي ذلك نصدق؟ !

هل نصدق أن استجابة دعائه كانت لدعائه «صلى اللّه عليه و آله» له؟ !

أم نصدق أنها من أجل أنه لم يكن يأكل حراما؟ ! .

و حاول الحلبي أن يجيب: بأن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرجع: إلى أنه دعا له أن يستجاب له بسبب عدم أكله للحرام، و تمييزه للحرام عن غيره! ! (4).

و هو تأويل بارد، كما ترى، و لا نرى حاجة للتعليق عليه.

2-لا ندري إذا كان الوقت يتسع لرمي ألف سهم، و لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له ذلك، و هو يناوله السهام في ذلك الوقت الحرج جدا؟ ! .

و لا ندري أيضا من أين حصل سعد على تلك السهام الألف التي رمى


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 229.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) المصدر السابق.

بها؟ ! ، و هل كانت تتسع كنانته، و كنانة النبي «صلى اللّه عليه و آله» -لو كانت-لهذه الكمية؟ ! .

و لا نعرف أيضا إن كانت تلك السهام تصيب المشركين؛ فيستجاب دعاء الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» له أم لا؟ !

و إذا كانت تصيبهم، فكم قتل سعد؟ و كم جرح؟ ! و لماذا لم ينهزم المشركون لهذه النكبة التي حلت بهم؟ ! .

3-إذا كان سعد مستجاب الدعوة، فلماذا لم يدع اللّه ليفرج عن عثمان حين الحصار؟ أو ليهدي معاوية إلى الحق و التسليم لعلي «عليه السلام» ؛ ليحقن دماء عشرات الألوف من المسلمين، و يجنب الأمة تلك الكوارث العظيمة التي تعرضت لها؟ ! .

و عندما عرض عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» : أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، طلب منه أن يعطيه سيفا يميز بين الكافر و المؤمن (1)فلم لم يدع اللّه أن يعطيه سيفا كهذا؛ فيستجيب اللّه له، ما دام أنه كان مستجاب الدعوة؟ ! .

4-عن ابن الزبير: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قال للزبير-يوم الخندق، حينما أتاه بخبر بني قريظة-: فداك أبي و أمي (2)، فأي الروايتين نصدق؟ ! أم نصدقهما معا؟ ! أم ننظر إليهما معا بعين الشك و الريب، لما نعلمه من تعمد الوضع و الاختلاق لصالح هؤلاء؟ ! أعتقد أن


1) قاموس الرجال ج 4 ص 315 عن صفين لنصر بن مزاحم.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 229.

هذا الأخير هو الأمر المنطقي، و الطبيعي، و المعقول.

و احتمال أنه «صلى اللّه عليه و آله» و إن كان قد قال ذلك للزبير يوم الخندق، لكن عليا «عليه السلام» لم يسمعه، فنقل ما سمعه فقط بالنسبة لسعد، أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أراد تفدية خاصة لا يجدي؛ إذ قد جاء في رواية أخرى قوله: فما جمع «صلى اللّه عليه و آله» أبويه لأحد إلا لسعد (1).

و هذا يدل على أنه يخبر عن علم، و إلا لكان عليه أن يقول: إنه لم يسمع ذلك إلا بالنسبة لسعد، كما أنه لو كان أراد تفدية خاصة لكان عليه البيان.

5-كيف يكون سعد قد قتل حبان بن العرقة في حرب أحد، كما يقول الواقدي، مع أن الواقدي نفسه و غيره يقولون: إن حبان بن العرقة قد رمى سعد بن معاذ في أكحله في غزوة الخندق، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : عرق اللّه وجهك في النار؟ ! (2)فإن حرب الخندق كانت بعد أحد بالاتفاق.

إشارة هامة:

و أما لماذا حشد هذه الفضائل لسعد، فذلك أمر واضح، فإن سعدا قد كان من الفئة المناوئة لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و أهل بيته، حتى لقد كتب «عليه السلام» لوالي المدينة: أن لا يعطي سعدا من الفيء شيئا (3). و حينما دخل عليه سعد يطالبه بعطائه رده مع صاحبيه، بعد كلام طويل، و لم


1) نفس المصدر.

2) مغازي الواقدي ج 2 ص 269 و 525، و تاريخ الخميس ج 1 ص 433، و الإصابة ج 2 ص 37 و 38.

3) إختيار معرفة الرجال ص 39، و قاموس الرجال ج 4 ص 412 و 413 عنه.

يعطه شيئا (1).

و حينما دعاه عمار إلى بيعة سيد الوصيين، أظهر سعد الكلام القبيح (2).

و أيضا فقد صارمه عمار المعروف بجلالة مقامه و علو شأنه (3).

كما أنه قد أخذ من بيت المال مالا و لم يؤده، و عزله عمر عن العراق، و قاسمه ماله (4).

و كان ممن قعد عن علي «عليه السلام» و أبى أن يبايعه، فأعرض عنه «عليه السلام» ، و قال (5): وَ لَوْ عَلِمَ اَللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (6). و سعد هو أحد الستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فوهب حقه لابن عمه عبد الرحمن بن عوف (7).

و شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر بأنه لا يحسن يصلي (8).

إذا، فانحراف سعد عن علي «عليه السلام» ، و ممالأته لأعدائه هو الذي


1) صفين ص 551 و 552، و قاموس الرجال ج 4 ص 313 عنه.

2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 53.

3) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 3 ص 111، و قاموس الرجال ج 4 ص 313 و 314 عنه.

4) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 414 عن الأغاني، و عن أنساب السمعاني.

5) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 315 و 316. و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9.

6) الآية 23 من سورة الأنفال.

7) راجع على سبيل المثال: شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 188.

8) الاوائل ج 1 ص 310، و المصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 360، و في هامشه عن البخاري عن أبي عوانة و العقد الفريد ج 6 ص 249، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 596، و الثقات ج 2 ص 220.

جعل لسعد هذه الشخصية، و رزقه هذه الفضائل و الكرامات. و هذا هو بعينه السر أيضا بما رزقه الكرماء طلحة بن عبيد اللّه من كرامات ستأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه.

و لعل أبا طلحة أيضا قد ارتزق فضائله و كراماته عن نفس هذا الطريق، طريق العداء لعلي «عليه السلام» ، و الانحراف عنه، كما هو معلوم بالمراجعة (1).

كرامات طلحة:

و يذكرون لطلحة بن عبيد اللّه أيضا في أحد كرامات كثيرة، نذكر منها: 1-أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سماه في أحد ب(طلحة الخير) ؛ لأنه أنفق سبعمائة ألف درهم (2).

و لا ندري كيف و علام أنفق طلحة سبعمائة ألف درهم، التي كانت تكفي لتجهيز جيش بكامله، يكون أضعاف أضعاف جيش المسلمين في أحد؟ ! أو ليس قد جهزت قريش جيشا مؤلفا من ثلاثة أو خمسة آلاف مقاتل معهم ثلاثة آلاف بعير، و مئة فرس، و سبعمائة دارع بخمسة و عشرين ألف دينار؟ ! (3). أي بما يساوي ثلث المبلغ الذي يدّعى أن طلحة قد أنفقه؟

و على أبعد الأقوال: إنها أنفقت خمس مئة ألف درهم.

و من الواضح: أن سبعمائة ألف درهم في تلك الأيام تعدل ميزانية دولة


1) راجع: قاموس الرجال للعلامة التستري، و غيره من كتب التراجم.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 432، و السيرة الحلبية ج 2 ص 238.

3) تقدم ذلك في فصل: قبل نشوب الحرب، فراجع.

بكاملها.

و كيف نصدق ذلك، و نحن نرى ابن سعد يروي في الطبقات عن أنس: أن أبا بكر استعمله على الصدقة، فقدم و قد مات أبو بكر، فقال عمر (ر ض) : يا أنس، أجئتنا بالظهر؟

قلت: نعم.

قال: جئتنا بالظهر، و المال لك.

قلت: هو أكثر من ذلك.

قال: و إن كان هو لك. و كان المال أربعة آلاف فكنت أكثر أهل المدينة مالا (1).

فإذا كان أنس أغنى أهل المدينة بالأربعة آلاف، و ذلك في زمان عمر، الذي اتسع فيه الأمر على الناس، و حصلوا على الأموال الكثيرة.

فهل يمكن أن نصدق أن مهاجريا قدم المدينة بلا مال، يصير من الثراء بحيث يبذل سبعمائة ألف درهم بعد فترة و جيزة جدا من قدومه؟ ! . و لا سيما في وقت كان يعاني فيه المسلمون صعوبات جمة، حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يربط الحجر على بطنه من الجوع (راجع حديث الغار، حين البحث في ثروة أبي بكر) .

و لماذا لم تنزل في طلحة آية تشيد بهذه الفضيلة له، كما نزلت في علي «عليه السلام» حينما تصدق بالخاتم في الصلاة (2)و حينما تصدق بأربعة


1) حياة الصحابة ج 2 ص 235، و كنز العمال ج 5 ص 405.

2) تقدمت المصادر لذلك في أواخر الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: هجرة

دراهم؟ ! إلى آخر ما تقدمت الإشارة إليه (1).

و بذلك يعلم أيضا: مدى صحة الأرقام الخيالية التي تذكر عن تجهيز عثمان لجيش العسرة، و غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. و سنتعرض لذلك كله في مواضعه إن شاء اللّه تعالى.

2-و أما روايات شلل إصبع طلحة، و ما أصابه في أحد، فهي متناقضة؛ فلا ندري هل شلت إصبعه؟ أو إصبعاه؟ أو يده؟ أو قطعت إصبعه؟ ! ثم هنالك الخلاف في عدد الجراح التي أصابته.

و نحن لا ننكر أن يكون طلحة قد أصيب ببعض الجراح. لكن ذلك لا يلزم منه عدم فراره.

بل يستظهر المظفر: أن شلل يده قد كان حين الفرار، أو بسبب آخر.

و قد يستظهر ذلك من تعبير الشعبي ب(زعم) في قوله: (و زعم: أن طلحة وقى رسول اللّه بيده؛ فضرب، فشلت) (2)فيظهر أن الشعبي يشك في ما زعم. و أما ما زعمه البعض من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مسح على جسد طلحة، و دعا له بالشفاء، و القوة (3)، فلا ندري ما نقول فيه، و نحن نرى أن يده لم تشف، و لم يستجب اللّه ذلك الدعاء.

و لكن الذي شفي بدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» حقا هو أمير

(2) -الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» حين الحديث عن ثروة أبي بكر.


1) تقدمت المصادر لذلك في أواخر الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: هجرة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» حين الحديث عن ثروة أبي بكر.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 431.

3) دلائل الصدق ج 3 ص 259 بتصرف.

المؤمنين «عليه السلام» كما تقدم.

3-و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وقع في إحدى الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق مكيدة؛ فرفعه طلحة، و أخذ بيده علي «عليه السلام» .

و زاد في الاكتفاء: فقال «صلى اللّه عليه و آله» : من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة (1).

و لا ندري لماذا اختص طلحة الفار من الزحف بهذا الوسام، دون علي «عليه السلام» ، الذي لم يثبت أحد سواه، مع أنهما شريكان في مساعدته «صلى اللّه عليه و آله» على النهوض؟ ! . ثم إن كل من يعثر و يقع، فإن من معه يبادرون إلى مساعدته، و معاونته على النهوض؛ و لا يعتبرون ذلك عملا عظيما يستحق و ساما كهذا.

4-و يقولون: و لما أصاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما أصابه، جعل طلحة يحمله، و يرجع القهقهرى. و كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشعب. أخرجه الفضائلي (2).

و نحن لا نصدق أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تقهقر و فر كما تقهقر غيره، و أخلى ساحة القتال.

و قد تقدم تكذيب الإمام الصادق «عليه السلام» لذلك.

كما أننا لا نرى أن ما جرى للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أفقده القدرة على المشي؛ و لذا فنحن لا نفهم وجه الحاجة لأن يحمله طلحة ثم يضعه ليدافع عنه.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 430.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 437.

كما أننا لا نعرف أين ذهب عنه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه الثلاثون الذين فاؤوا إليه، ثم لحقهم من لحقهم؟ !

و أين كان عنه سلمان، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف، و عمار، و أخوه و وصيه علي بن أبي طالب «عليه السلام» ؟ !

و لم لا يدافعون عنه، و يحمونه من ملاحقة المشركين، حتى يضطر طلحة لأن يرجع القهقرى، و هو حامل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ثم يدافع عنه كلما أدركه أحد من المشركين؟ !

كما أنه لم يثبت تاريخيا عودة من كانوا في أعلى الجبل إلى ساحة الحرب- و طلحة منهم-بل الثابت خلافه، كما سنرى إن شاء اللّه.

إشارة هامة:

و يقولون: «إنه لما كانت وقعة أحد اشتد الأمر على طائفة من الناس، تخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه، و أتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر، أو حدث حادث.

و قال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني في الشام، و أتنصر معه، فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ (1)» (2).


1) الآية 51 من سورة المائدة.

2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 68، و تفسير الخازن ج 1 ص 503، و الدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن السدي. و راجع: و دلائل الصدق ج 3 ص 204، و طرائف ابن طاووس ص 494، و قاموس الرجال ج 5 ص 169 عنه.

و قد روى ابن طاووس في الطرائف، و العلامة في نهج الحق هذه الرواية عن السدي، الذي روى عنه ابن جرير، و ابن أبي حاتم و غيرهما. و قد صرح السدي بأن الرجلين هما عثمان و طلحة. و أنهما استأذنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ألحا عليه في ذلك.

كما أن رواية أخرى عن عكرمة تقول: «كان طلحة و الزبير يكاتبان النصارى و أهل الشام» (1)، فقد صرحت الرواية باسم طلحة في تفسير نفس هذه الآية.

و الرجل الآخر قد اختلف فيه، فقال عكرمة هو الزبير، و قال السدي هو عثمان.

ثم إن لطلحة هذا هنات و هنات، و مواقف عجيبة و غريبة، و يكفي أن نذكر: أن عمر بن الخطاب قد أخبر حين حضرته الوفاة بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مات و هو عليه ساخط، لأنه قال: «إنه سيتزوج نساء النبي من بعده، فنزلت فيه: وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (2)» (3).


1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن جرير، و ابن المنذر.

2) الآية 53 من سورة الأحزاب.

3) الغدير ج 10 ص 127، و تفسير القرطبي ج 14 ص 228، و عن فيض القدير ج 4 ص 290، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 506، و تفسير البغوي ج 5 ص 225، و تفسير الخازن ج 5 ص 225، و تفسير الآلوسي ج 22 ص 74، و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 60 و ج 3 ص 170. و ليراجع الدر المنثور ج 5 ص 214 عن ابن أبي حاتم عن السدي و عن عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن سعد.

و من أراد المزيد، فليراجع قاموس الرجال و غيره؛ ليقف على بعض مواقف طلحة و أفاعيله. و حسبنا ما ذكرناه هنا، و قد يأتي المزيد مما يتعلق بهذا الموضوع إن شاء اللّه.

تجميع القوى، و إعادتها إلى مراكزها:
اشارة

قد ذكرنا فيما تقدم: أنه بعد أن صار الرسول يدعو المسلمين إليه، صاروا يرجعون إليه زرافات و وحدانا، و جاهدوا في اللّه حق جهاده، و حرص النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على أن يرجع بهم إلى مراكزهم الأولى؛ لأن ذلك سوف يجعل الجبل من خلفهم؛ فيخلصون الحرب إلى جهة واحدة (1). تماما كما هي الخطة الأولى. و كانت الجراح قد أرهقت عليا- كما تقدم-حتى بلغت نيفا و ستين جراحة-كما عن أنس بن مالك-بين طعنة، و رمية، و ضربة.

و في رواية: نيفا و أربعين أو نيفا و سبعين. و في رواية: تسعين (2).

و يحتمل أن تكون: كلمتا تسعين و سبعين: إحداهما تصحيف للأخرى لتقارب الرسم فيما بينهما، مع عدم وجود النقط للكتابة في السابق. و يبدو أنه في هذه اللحظات الحرجة، و بعد أن رجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعض من انهزم من أصحابه و بقاء أصحاب الصخرة في موقعهم، خائفين أن تصل إليهم قريش.


1) تفسير القمي ج 1 ص 116، و البحار ج 2 ص 54.

2) مجمع البيان ج 2 ص 509، و البحار ج 20 ص 23 عنه و ص 54 و 70 و 78، و تفسير القمي ج 1 ص 116، و عن الخصال ج 1 ص 368، و عن الخرائج.

نعم، في هذه اللحظات يبدو أن اللّه قد أنزل على القادمين الراجعين إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، التائبين، أمنة نعاسا، لكي يطمئنوا إلى نصر اللّه و لطفه.

أما أصحاب الصخرة، أو كثير منهم، فقد أهمتهم أنفسهم، يظنون باللّه غير الحق ظن الجاهلية. و هؤلاء كانوا-في الأكثر-من المنافقين.

و الخلاصة: أن النعاس في الحرب يكون من الإيمان و الاعتقاد باللّه، و في الصلاة يكون من الشيطان. و هكذا كان؛ فقد بلغ الرسول و تلك الثلة من المسلمين المجاهدين، سفح جبل أحد، و استقروا فيه، و لم يجاوزوه. فأرعب ذلك المشركين، لما رأوه من عودة المسلمين إلى مراكزهم الأولى، و تجميع صفوفهم، و ارتفاع معنوياتهم من جديد. و إن كان لا تزال ثلة منهم فوق الجبل، و هم أصحاب الصخرة، و منهم أبو بكر، و عمر، و طلحة، و غيرهم؛ فخاف المشركون أن يدال المسلمون منهم من جديد، و يفعلوا بهم كما فعلوا في ابتداء الحرب، ففضلوا إنهاء الحرب، و الانسحاب بسلام، و هكذا كان. و حينئذ أعلن أبو سفيان انتهاء الحرب، و أشرف على الجبل، و نادى بأعلى صوته: أعل هبل.

و حيث إن المسألة لم تعد مسألة شخصية، و إنما يريد أبو سفيان أن يعتبر هذا النصر الظاهري و إن كان ينطوي على الرعب القاتل، مؤيدا لدينه و لإلهه هبل، فقد أجابه النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1)-و قيل عمر-: «و قد صرحت بعض


1) الثقات ج 1 ص 231، و مجمع البيان ج 2 ص 509، و البحار ج 20 ص 23 عنه.

الروايات بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علّم عمر ما يقول» (1).

و في رواية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» علّم عليا «عليه السلام» ، فأجابه (2): اللّه أعلى و أجل.

فقال أبو سفيان: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر.

فقال: لا سواء قتلانا في الجنة، و قتلاكم في النار.

و في نص لأبي هلال العسكري: نادى أبو سفيان: أعل هبل.

فقال عمر: اللّه أعلى و أجل.

فقال: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب فقال: إنها (3).

فجواب عمر هذا، و تصديقه لأبي سفيان لا ندري ما يعني به؟ و كيف نفسره؟ ! .

ثم سأل أبو سفيان: إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» حيا، فأمرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن لا يجيبوه.

ثم سأل-كما قيل-عن أبي بكر، و عن عمر، فكذلك (4).

فيقال: إن أبا سفيان قال حينئذ: أما إن هؤلاء قد قتلوا، و قد


1) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 413 عن البخاري.

2) تفسير القمي ج 1 ص 117، و البحار ج 56 عنه و ص 97 عن اعلام الورى و فيه: أن أبا سفيان سأل عليا «عليه السلام» عن حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

3) الأوائل ج 1 ص 184 و 185، و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 412.

4) و إن كنا نشك في ذكرهما هنا: فقد تعودنا أن نجد هذا التعاقب في كثير من الروايات، و لعله بهدف الإيحاء بأن الزعامة بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، و لكن عثمان لم يذكر هنا لغيابه و فراره.

كفيتموهم، و لو كانوا أحياء لأجابوا. فعند ذلك-كما يقولون-لم يملك عمر نفسه، و أخبرهم: أنهم أحياء، فطلب أبو سفيان من عمر أن يأتيه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: إئته، فانظر ما شأنه. فجاءه، فسأله: إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل.

فقال عمر: اللهم لا، و إنه ليسمع كلامك الآن.

قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة، و أبر (1).

ثم واعدهم أبو سفيان بدرا في العام القادم، و انصرف.

و لكن إذا كان عمر بن الخطاب قد أجاب أبا سفيان على قوله: أعل هبل.

و كان ذلك قبل هذا الكلام، فإن أبا سفيان الذي خاطب عمر، و سمع صوته، و رأى مكانه، لا يمكن أن يدّعي: أن عمر قد مات بعد ذلك بدقائق، إلا إذا فرض أنه سمع صوته، و لم يعرفه و لم يره، بسبب وجود موانع من رؤيته له.

و لكنه فرض لا يصح، لأن أبا سفيان قد صرح في كلامه بأنه إنما يخاطب ابن الخطاب بالذات.

و مهما يكن من أمر، فقد جاء علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن انتهت الحرب، فغسل وجهه، و ضمدت جراحه فاطمة «عليها السلام» .


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 440، و وفاء الوفاء ج 1 ص 294، و السيرة الحلبية ج 1 ص 244 و 245، و تاريخ الطبري ج 2 ص 205، و الكامل ج 2 ص 160، و الثقات ج 1 ص 232، و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414 و 415.

و مثّل نساء المشركين في قتلى المسلمين فجدعن الأنوف و الآذان، إلا أنهن لم يمثلن بحنظلة ابن أبي عامر، لأن أباه طلب منهن تركه، فتركنه له. و تشاوروا في نهب المدينة؛ فأشار صفوان بن أمية بالعدم؛ لأنهم لا يدرون ما يغشاهم (1).

و أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» في آثارهم؛ لينظر؛ فإن كانوا قد ركبوا الإبل، و جنبوا الخيل؛ فهم يريدون مكة، و إن كان العكس، فهم يريدون المدينة، فلا بد من مناجزتهم فيها؛ فذهب «عليه السلام» ، و عاد، فأخبره بأنهم جنبوا الخيل، و امتطوا الإبل (2).

و لكن البعض يقول: إن سعد بن أبي وقاص هو المرسل في هذه المهمة، و إنه لما رجع رفع صوته بأنهم قد جنبوا الخيل، و امتطوا الإبل.

فجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشير إليه: خفّض صوتك، فإن الحرب خدعة. فلا تر الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم؛ فإنما ردهم اللّه تعالى.

و يقول الواقدي: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أوصى سعدا بأنه إن رأى القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني و بينك، و لا تفت في أعضاد المسلمين (3).

و نسب مثل ذلك إلى علي «عليه السلام» ، و أنه رفع صوته بالخبر، مع


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 245.

2) راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 232، و تاريخ الطبري ج 2 ص 205 و 206، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 161، و السيرة الحلبية ج 2 ص 244 و 245، و تاريخ الخميس ج 1 ص 440.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 298 و 299، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 32.

أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أوصاه بخلاف ذلك (1).

و نحن نجلّ عليا «عليه السلام» عن أن يكون قد ارتكب مثل هذه المخالفة، فقد تعودنا منه الوعي الكامل، و الطاعة المطلقة للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» في خيبر: إذهب و لا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك. فمشى هنيئة ثم قام و لم يلتفت للعزمة، ثم قال: على ما أ قاتل؟ ! الخ. .

و لعله لأجل هذه الانضباطية المطلقة منه «عليه السلام» في تنفيذ أوامر الرسول نجده «صلى اللّه عليه و آله» ينهى ذلك الذي أرسله في رسالة إلى علي «عليه السلام» ، الذي سار في مهمة عسكرية-ينهاه-عن أن ينادي عليا من خلفه (2).

فهذه القضية بسعد أشبه منها بعلي، و إن كان يمكن أن يكون قد أرسلهما معا.

فمقصود المحرفين هو أن يقولوا: إن المخالفة تصدر من علي «عليه السلام» كما تصدر من غيره، و أنه لا كبير فرق فيما بينهم. و لكن اللّه يأبى إلا أن يظهر الحق، و يتم نوره.

و من جهة أخرى نلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 206 و 207، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 160 و 161.

2) البحار ج 73 ص 223 و 325 ط مؤسسة الوفاء عن قرب الإسناد ص 76، و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 217. و راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 97، و مجمع الزوائد ج 5 ص 305، و عن كنز العمال ج 2 ص 297.

بمعرفته بنوايا جيش الأعداء، و أعطى دلائل تشير إلى تلك النوايا و هي دلائل دقيقة و عميقة، لا يدركها الناس العاديون، حيث جعل ركوبهم الإبل دليلا على أمر آخر. .

و قد استعد لمواجهة كلا الاحتمالين بالقرار المناسب، فكيف ينسبون إليه-و العياذ باللّه-أنه يجهل بأمور بديهية، مثل قصة تأبير النخل و نحوها، مما هو مختلق و مكذوب؟

و نلاحظ أيضا: أن تفرق جيشه من حوله حتى لم يبق معه سوى علي «عليه السلام» لم يضعفه، و لم يفقده القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في مواضع الشدة، فيعلن لعلي بهذا القرار الذي يشير إلى أنه لم يكن في تلك اللحظات الصعبة يفكر بنفسه، بل بما هو أهم و أولى و أكثر حساسية بالنسبة لحفظ الكيان العام ألا و هو حفظ حرمة المدينة من أن ينتهكها الجيش الغازي.

و مهما يكن من أمر، فإنه بعد انتهاء المعركة خرج علي «عليه السلام» حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليشرب؛ فوجد له ريحا، فعافه و لم يشرب. و غسل الدم عن وجهه.

و يقال: إن فاطمة «عليها السلام» كانت تغسل جراحاته و تضمدها، و هو «صلى اللّه عليه و آله» يقول: إشتد غضب اللّه على من أدمى وجه نبيه (1).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 437 عن المواهب اللدنية، و السيرة الحلبية ج 2 ص 237 و 236، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 157 و 158، و تاريخ الطبري ج 2 ص 200 و 201، و مغازي الواقدي ج 1 ص 290، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17، و في السيرة الحلبية ج 2 ص 236 و 237: أن سعدا هو الذي أتاه بالماء، فشرب منه و دعا له. و لكن الصحيح هو أنه علي (عليه السلام) لتضافر الروايات عليه.

و بعد انتهاء الحرب أرسل عليا «عليه السلام» إلى المدينة ليبشر أهلها: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حي سالم (1).

و هنا أمور لا بأس بالإلماح إليها للتتميم، و التوضيح، و التصحيح، و هي:

ألف: فاطمة أم أبيها:

إننا حينما نقرأ هذه الفقرات حول تضميد فاطمة «عليها السلام» جراحات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نتذكر أنها-كما رواه الإمام الصادق «عليه السلام» -كانت تلقب: بأم أبيها (2).

و ما ذلك إلا لأنها كانت بمنزلة الأم في حنانها، و عطفها، و رعايتها له «صلى اللّه عليه و آله» ، و سهرها على راحته و سعادته، و كانت تفرح لفرحه، و تحزن لحزنه.

و من الواضح: أن الأم إنما تتحمل المتاعب، و تصبر على الصعاب في سبيل ولدها، و هي تتمنى حياته. (أما الولد، فإنه إذا رعى شؤون و الديه، و تحمل بعض المتاعب في سبيلهما، فإنما يفعل ذلك و هو يتوقع، أو يتمنى و ينتظر موتهما) .


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 440.

2) راجع: الإستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 380، و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 357، و البحار ج 43 ص 19، و كفاية الطالب ص 369، و البداية و النهاية ج 6 ص 332، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 119، و الاصابة ج 4 ص 377، و أسد الغابة ج 5 ص 520، و مقاتل الطالبيين ص 46، و تهذيب التهذيب ج 12 ص 440 لكنه صحف كلمة (أبيها) ب(ابنها) فراجع.

لقد كانت فاطمة «عليها السلام» ، بمنزلة الأم، لأنها كانت تريد حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، و تريد أن تبقى معه و لا تفارقه، حتى إنها حينما أخبرها، و هو على فراش الموت: أنها أول أهل بيته لحوقا به ضحكت و استبشرت، فراجع كتب الحديث و التاريخ (1).

و قد تحدثنا عن معنى هذه الكلمة: «أم أبيها» في كتابنا «مأساة الزهراء عليها السلام» (2)فراجع.

ب: النبي صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون في الجبل!
اشارة

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما صعد الجبل علت عالية من قريش الجبل؛ فقاتلهم عمر، و رهط من المهاجرين، حتى أهبطوهم من الجبل، و نهض «صلى اللّه عليه و آله» إلى صخرة في الجبل ليعلوها؛ فلم يستطع، فجلس تحته طلحة، و نهض به حتى استوى عليها، و كان بطلحة


1) راجع: حلية الأولياء ج 2 ص 39، و صفة الصفوة ج 2 ص 12، و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 119، و في هامشه عن مصادر كثيرة، و راجع: ينابيع المودة ص 173، و الصواعق المحرقة ص 188، و كنز العمال ج 13 ص 92 و 93، و الاصابة ج 4 ص 378، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 120 و راجع: البداية و النهاية ج 6 ص 332، و صحيح البخاري ج 3 ص 60، و عن مسلم في فضائل الصحابة و عن أبي داود أيضا، و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 361 و 362، و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 266، و إحقاق الحق ج 10 ص 439 حتى ص 452 عن مصادر كثيرة.

2) مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 ص 59-60.

عرج، فتكلف الإستقامة؛ لئلا يشق على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فذهب عرجه (1).

و نقول:

أولا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من معه لم يبلغوا الصخرة، و لا الغار، و لا المهراس، و لا الدرجة المبنية من الشعب، و ذلك لما يلي:

1-لقد صرح الواقدي بأن المسلمين-و لا بد أن يكون المراد المقاتلين منهم-لم يصعدوا الجبل. و كانوا في سفحه، لم يجاوزوه إلى غيره، و كان فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).

2-و في رواية لأحمد: «و جال المسلمون جولة نحو الجبل، و لم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كان تحت المهراس» (3).

3-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبلغ الدرجة المبنية من الشعب (4).

4-قال ابن اسحاق: «فلما انتهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب (ر ض) حتى ملأ درقته من المهراس» (5).

و جاء بالماء، فغسل وجهه كما سيأتي.


1) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 158، و وفاء الوفاء ج 1 ص 297، و السيرة الحلبية ج 2 ص 236 و 237 و 238، و الترمذي و صححه، و الرياض النضرة، و أحمد، و أبو حاتم، و راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 229.

2) مغازي الواقدي ج 2 ص 278.

3) وفاء الوفاء ج 4 ص 315 و ج 3 ص 930.

4) سيرة ابن هشام ج 3 ص 92.

5) سيرة ابن هشام ج 3 ص 90، و وفاء الوفاء ج 4 ص 1243.

5-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يبرح ذلك اليوم شبرا واحدا، حتى تحاجزت الفئتان (1).

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليفر من وجه عدوه، و يصعد إلى الجبل و يعتصم به، و يترك عدوه يصول و يجول كيفما يشاء.

و قد أنزل اللّه في الفارين قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، و ينعى عليهم عملهم ذاك، و يؤنبهم عليه.

كما أننا لا نصدق أن يرتكب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هذا الأمر في الوقت الذي كان يدعو فيه الفارين في أخراهم إلى العودة إلى مراكزهم. و لا يمكن أن تحدثه نفسه بالفرار من الزحف في أي من الظروف و الأحوال.

6-قد تقدم أن الصباح بن سيابة قد سأل الإمام الصادق «عليه السلام» عما يذكرونه من هذا، فهو يقول له «عليه السلام» : «فالغار في أحد الذي يزعمون أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صار إليه؟

قال: و اللّه ما برح مكانه» (2).

ثانيا: قولهم إن عمر و رهطا من المهاجرين قد قاتلوا المشركين حتى أهبطوهم من الجبل، لا ندري أنصدقه؟ !

أم نصدق قول الواقدي: «وصل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الشعب مع أصحابه، فلم يكن هناك قتال» ؟ (3).


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 240، و شرح النهج للمعتزلي، و البحار ج 20 ص 96 عن إعلام الورى.

2) إعلام الورى ص 83، و البحار ج 20 ص 96.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 281.

أم نصدق قولهم: إن سعدا وحده قد ردهم بسهم، قتل به أربعة منهم؟ (1)عجيب! ! أربعة! ! .

و ثالثا: إنهم يقولون: إنه لما رأى أصحاب الصخرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، وضع أحدهم سهما في قوسه، و أراد أن يرميه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال: أنا رسول اللّه، ففرحوا، و فرح بهم؛ لأنه رأى من يمتنع به، و اجتمعوا حوله (2).

و في رواية: لما نادى كعب بن مالك، يبشر الناس بحياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» نهضوا إليه (أي أصحاب الصخرة) فيهم: أبو بكر، و عمر، و علي، و طلحة، و الزبير، و سعد، و الحارث بن الصمة (3).

و نسجل هنا ما يلي:

1-إن ذكر علي هنا غلط عفوي أو عمدي بلا ريب؛ لأنه «عليه السلام» لم يفر مع هؤلاء إلى الجبل، و لا أصعد فيه حتى بلغ الصخرة؛ بل كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يدافع عنه، و يكافح و ينافح. بإجماع المؤرخين.

2-لا ندري ما معنى قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» فرح بهم؛ لأنه رأى من يمتنع به؟ ! فهل منعوه قبل الآن؟ ! و لو كانوا قد منعوه، فما هو المبرر لكونهم على الصخرة فوق الجبل؟ ! . و هل يمتنع بهم.


1) السيرة الحلبية ص 238.

2) تاريخ الطبري ج 2 ص 201 و 202، و تاريخ الخميس ج 1 ص 437.

3) الثقات لابن حبان ج 1 ص 229.

و بعضهم قال لهم-و هم على الصخرة-: يا قوم، إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم، قبل أن يأتوا إليكم؛ فيقتلوكم (1). و بعضهم قال غير ذلك حسبما تقدم! ! .

3-إنه يظهر: أن طلحة لم يكن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا عاد إليه، لا هو و لا سعد، و لا أبو بكر، و لا عمر، و لا الزبير، و لا الحارث بن الصمة بعد فرارهم في الجولة الأولى. و إنما عاد إليه أولئك الثلاثون فقط على الظاهر، أو معهم غيرهم ممن هو غير معروف و لا مشهور.

4-إنه يظهر مما تقدم، و من قول ذلك القائل: ارجعوا إلى قومكم الخ. . و من قولهم: إن عمر مع رهط من المهاجرين! ! قد قاتلوا الذين علوا الجبل، و غير ذلك-يظهر من ذلك-: أن أكثر الذين كانوا على الصخرة فوق الجبل كانوا من المهاجرين، و فيهم بعض الأنصار، و لم يرد ذكر لأنصاري باسمه إلا للحارث بن الصمة، كما تقدم.

5-و لا نريد أن نسمح لأنفسنا بالاسترسال في هذا المجال، حتى لا تتقاذفنا الظنون حول صحة و سلامة نية ذلك الذي أراد أن يرمي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسهمه، بزعم أنه لم يكن عارفا له.

و قد سماه الواقدي: ب(أبي بردة بن نيار) . فلعله كان عن غفلة حقيقية منه. و لعله كان من المنافقين-في بادئ الأمر-فأراد انتهاز هذه الفرصة للتخلص من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بحجة أنه لم يعرفه؛ إذ لا ندري إن كان فيهم بعد من يملك الجرأة على رمي سهم على رجل يحتمل أنه من


1) البداية و النهاية ج 4 ص 23، و تاريخ الطبري ج 2 ص 201.

المشركين بعد أن جرى ما جرى! !

و قد بذل المنافقون محاولات مشابهة، فقد نفّروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناقته ليلة العقبة؛ بهدف قتله.

و لأجل هذا فنحن لا نستطيع أن نوافق عمر بن الخطاب على إخباره أبا سفيان و المشركين بحياة النبي، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نهاه عن ذلك، و في موقع حساس و خطير كهذا! ! .

ج: روايات لم تثبت:

إنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رمى بالنبل، حتى اندقت سية قوسه (1).

و أنكر ذلك البعض على اعتبار أنه «صلى اللّه عليه و آله» لو كان رمى لكان «صلى اللّه عليه و آله» أصاب، و لنقل ذلك إلينا؛ لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله (2).

و يقولون أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قتل أبي بن خلف بحربة طعنه بها.

و نحن نستبعد ذلك أيضا؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يباشر القتل بيده؛ لعلمه بأن أهل بيت المقتول لا تصفو نفوسهم للقاتل عادة، و لا يتبعونه بإخلاص.

و مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يباشر ذلك، فإننا نجد هندا


1) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 157.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 228.

و غيرها يذكرون: أنه قاتل الأحبة، فكيف لو كان باشر قتلهم بيده؟ !

و لكن عليا «عليه السلام» قد تحمل هذه المسؤولية، لأن عدم اتباعهم و محبتهم له، لا يبرر خروجهم من الإسلام، فلو أرادوا أن يحقدوا على الإسلام بسبب ما فعله علي «عليه السلام» لوجدوا أنفسهم أمام تأنيب الضمير، و محاسبة الوجدان، و لكن كرههم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوجب خروجهم عن دائرة الإسلام بالكلية، و اللّه هو العالم بواقع الحال.

د: عمر في قفص الاتهام:

إن لنا هنا أسئلة لا بد أن نوجهها إلى عمر بن الخطاب، و نطلب منه الإجابة عليها بصراحة، و هي التالية:

1-لماذا أخبر أبا سفيان و المشركين بوجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ظرف حرج و حساس كهذا، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نهاه عن ذلك؟

2-قد جاء عن ابن واقد: أن ضرار بن الخطاب الفهري قد ضرب عمر بن الخطاب بالقناة يوم أحد، حينما جال المسلمون تلك الجولة، و قال له: يا بن الخطاب، إنها نعمة مشكورة، و اللّه ما كنت لأقتلك (1).

لماذا ما كان ليقتله؟ أليس هو الذي أذل قريشا كما يدّعون، و عز به الإسلام كما يزعمون و إن كنا قد أثبتنا عدم صحة ذلك.


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 282، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274 و ج 15 ص 20 عن الواقدي و البلاذري و ابن اسحاق، و راجع: طبقات الشعراء لابن سلام ص 63، و فيه أن هذه يد له عند عمر، كان عمر يكافئه عليها حين استخلف. و راجع البداية و النهاية ج 3 ص 107 عن ابن هشام.

أو ليس ضرار هذا كان يطلب الأكابر من الأوس و الخزرج ليشفي بقتلهم غليل صدره؟ ! (1).

ألم يكن أكثر قتلى المشركين في بدر قد قتلوا بيد المهاجرين؟ ! فلم لا يشفي غليله من أكابر المهاجرين، و لا سيما ممن هم مثل عمر بن الخطاب؟ ! .

3-و خالد بن الوليد يحدث و هو بالشام فيقول: لقد رأيتني، و رأيت عمر بن الخطاب رحمه اللّه حين جالوا، و انهزموا يوم أحد، و ما معه أحد، و إني لفي كتيبة خشناء؛ فما عرفه منهم أحد غيري؛ فنكبت عنه، و خشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له، فنظرت إليه موجها إلى الشعب (2).

لماذا هذه المراعاة من خالد لعمر، و محافظته عليه، ثم هو يوجهه إلى الشعب؟ ! و ما هو السر الذي جعل خالدا يهتم في أن لا يلتفت إلى عمر أحد، و هو الذي كان شديدا على المسلمين حسبما تقدم؟ !

و دعوى ابن أبي الحديد: أن سر ذلك هو النسب الذي بينهما، يرده أن رابطة الدين هي الأقوى، أو ليس ابن أبي بكر قد برز لقتال أبيه كما يدّعون؟

4-لماذا يهنئ أبو سفيان عمر بالنصر الذي أحرزوه على المسلمين، و يقول له: «أنعمت عينا، قتلى بقتلى بدر» ؟ ! (3).

و ما معنى قول أبي سفيان له: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب، فأجابه عمر بقوله: إنها. فما هو الذي أيده فيه؛ و وافقه عليه يا ترى؟


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 237.

2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 297، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23.

3) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 366.

و كيف يمكن الربط بين هذه الكلمات و بين قوله: «قتلانا في الجنة، و قتلاكم في النار» ؟ !

هل خشي عمر أن يكون قد سمعه أحد من المسلمين يهنئ أبا سفيان فأراد التعمية عليهم بهذه الكلمات؟ !

أم أنه أراد السخرية بالحقيقة القرآنية الثابتة ليزيد من فرحة أبي سفيان؟ ! أم أنه قصد معنى يخالف ما قصده أبو سفيان؟ ! . . إن سائر القرائن التي بأيدينا لا تؤيد هذا الاحتمال الأخير كما رأينا و سنرى.

5-لماذا كان عمر أبّر لأبي سفيان من ابن قميئة كما تقدم؟ أو ليس ابن قميئة يقاتل أعداء أبي سفيان و يفنيهم، و يقتحم الغمرات، و يواجه السيوف، و النبال، و الرماح في الدفاع عن المشركين بزعامته، و يدافع عن مصالحهم، و يعمل من أجل قهر عدوهم؟ ! و عمر أليس عدوا لأبي سفيان، و نصيرا لعدوه؟ و مقويا له عليه؟ ! .

و قد حاول البعض توجيه ذلك، بأن من الممكن أن يكون أبر بلحاظ صدقه؛ و إخباره بالواقع.

و نقول: إن هذا غير معقول، فإن عبارة أبي سفيان قد صرحت بصدق عمر، كما صرحت ببره، فلو كان المراد بالبر الصدق لم يصح منه التصريح بهما معا.

أو فقل: لم يحسن منه ذلك على الأقل.

فالمراد به: ما يعود بالفائدة عليه، و على جيشه، و هو هنا: تمكنه من الظفر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و قتله، أما قول ابن قميئة فإنه يؤدي إلى نجاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و هذا ما يرى فيه أبو سفيان أعظم

الضرر عليه.

6-لماذا لم يعترض هو، و لا أبو بكر، و لا طلحة، و لا غيرهم من كبار المهاجرين، الذين فروا و كانوا على الصخرة، على من قال: إنه يريد أن يوسط ابن أبي لدى أبي سفيان؛ و طلب منهم الرجوع إلى دينهم الأول؟ ! أو نحو ذلك من كلام، يدل على رغبتهم في الارتداد عن الإسلام، و ممالأة المشركين، و الاتفاق معهم؟ .

أسئلة لا تزال و لسوف تبقى تنتظر الجواب المقنع و المفيد.

العباس في أحد:

في قضية أحد رواية تفيد: أن العباس كان ممسكا بعنان فرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقوده. ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما صعد الجبل، أو أراد أن يصعده نزل عن الفرس، و صعد. و كان يلتفت إلى الجوانب؛ فسألوه عن سبب ذلك؛ فأقبل على علي، فقال: هل عندك خبر من عمك؟ فأخبره علي بما وقع، فبكى «صلى اللّه عليه و آله» هو و الأصحاب (1).

و لكن هذا لا يمكن أن يصح؛ لأن العباس لم يحضر حرب أحد. و تعلل على قريش بما جرى عليه في بدر.

فمن أين جاء و أمسك بعنان فرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و لو كان ذلك صحيحا، كيف قبلت قريش منه أن يعود ليسكن مكة عدة سنوات بعد ذلك؟ ! .


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 436 و 437 عن الينابيع.

فنظن-لو كان لهذه القضية أصل-أن المقصود: هو العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، فإنه قد استشهد يوم أحد رحمه اللّه.

و بكاء الصحابة إنما كان على حمزة عم النبي رحمه اللّه أو على العباس بن نضلة. و لعله هو الذي كان جهوري الصوت؛ فنادى كما يقولون: يا أصحاب سورة البقرة أين تفرون؟ إلى النار تهربون (1).

و يكون الراوي قد حرّف في الرواية اعتمادا على ما هو مرتكز في ذهنه، أو لحاجة في نفسه قضاها! ! . هذا بالإضافة إلى وجود الشك في وجود فرس لدى المسلمين من الأساس، حسبما تقدم.

من مشاهد الحرب:

1-لما كان يوم أحد قال مخيريق الحبر اليهودي: يا معشر يهود، و اللّه لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق.

قالوا: إن اليوم يوم السبت.

قال: لا سبت.

فأخذ سيفه وعدته.

و قال: إن أصبت فمالي لمحمد، يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول اللّه، فقاتل معه حتى قتل، فيقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: مخيريق خير يهود.

2-و أصر عمرو بن الجموح على الخروج إلى الحرب مع عرجه، و دعا اللّه: أن يرزقه الشهادة، و لا يرده خائبا إلى أهله. فاستشهد رحمه اللّه.


1) البحار ج 20 ص 118.

3-و أصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده، فكانت أحسن عينيه، و أحدّهما.

و يقال: إنه هو الذي طلب ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأنه رجل يحب النساء، و يخاف أن تعافه امرأته إذا رأته كذلك.

و قد افتخر بذلك ابن لقتادة، عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إلينا المتوسلون، ثم قال:

تلك المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء، فعادا بعد أبوالا

و يقال: إن كلثوم بن الحصين رمي في نحره بسهم؛ فبصق عليه «صلى اللّه عليه و آله» فبرئ.

و في رواية أخرى: إن عين أبي ذر أصيبت يوم أحد؛ فبصق فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فكانت أصح عينيه (1).

4-و قتل الحارث بن سويد المجدر بن زياد غيلة في أحد؛ لثأر جاهلي له عليه، و كلاهما كان في جيش المسلمين؛ فنزل الوحي على الرسول، و أخبره حبيب بن يساف؛ لأنه كان قد رآه قتله، بخبره؛ فقتله «صلى اللّه عليه و آله» به بعد رجوعه إلى المدينة، و لم يستمع لطلبه بالعفو، و وعده بالتكفير و الدية، كذا يقولون.

5-و قتل سعد بن الربيع. و كان آخر ما قاله في وصية مطولة منه للمسلمين: إنه لا عذر لكم عند رسول اللّه: أن يخلص إلى نبيكم، و فيكم عين تطرف، ثم مات.


1) حياة الصحابة ج 3 ص 617، و مجمع الزوائد ج 8 ص 298 عن أبي يعلى.

و دخل عمر على أبي بكر-و عنده بنت لسعد هذا-و قد طرح لها ثوبا لتجلس عليه، فسأل عمر عنها.

فقال أبو بكر: هذه ابنة من هو خير مني و منك.

قال: و من هو يا خليفة رسول اللّه؟

قال: رجل تبوأ مقعده من الجنة، و بقيت أنا و أنت، هذه ابنة سعد بن الربيع الخ. . (1).

6-و يقولون أيضا: انقطع سيف عبد اللّه بن جحش، فناوله «صلى اللّه عليه و آله» عرجونا فعاد سيفا، و لم يزل أهله يتوارثونه، و يسمى (العرجون) ، حتى بيع لبغا التركي بمائتي دينار.

و يذكر مثل هذا لعكاشة بن محصن في واقعة بدر.

و لكن قد ذكر البعض: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ولي تركة عبد اللّه بن جحش، و أخذ منها سيفه العرجون، فاشترى لأمه مالا بخيبر (2).

و لكن ثمة قصة شبيهة بقصة العرجون بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» (3). فليتأمل فيما هو الحق من ذلك.

فإننا نكاد نطمئن إلى صحة هذه الأخيرة، و ذلك لما تعودناه من أعداء علي «عليه السلام» ، من إغارات على فضائله و كراماته.

7-و يقولون: إن هندا قد اعتلت صخرة مشرفة، فصرخت:


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246، و سيرة ابن هشام ج 3 ص 101.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 424، و المغازي ج 1 ص 291، و شرح المعتزلي ج 15 ص 18.

3) البحار ج 2 ص 78.

نحن جزيناكم بيوم بدرو الحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان لي عن عتبة من صبرو لا أخي، و عمه و بكر

شفيت نفسي، و قضيت نذريشفيت وحشيّ غليل صدري

فشكر وحشيّ على عمريحتى ترم أعظمي في قبري

فأجابتها هند بنت أبان بن عباد بن المطلب بن عبد مناف:

خزيت في بدر، و غير بدريا بنت وقاع عظيم الكفر

صبحك اللّه غداة الفجربالهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفريحمزة ليثي، و علي صقري

إذ رام شيب و أبوك غدريفخضبا منه ضواحي النحر

و نذرك الشر فشر نذر. . . الخ. . . (1).

8-كما أن الجليس بن زيان، سيد الأحابيش، قد مر بأبي سفيان، و هو يضرب بشدق حمزة بزج الرمح، و يقول: ذق عقق (2).

فقال الجليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش، يصنع بابن عمه ما ترون لحما! ! فقال: و ويحك، أكتمها عليّ؛ فإنها كانت زلة (3).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 439، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 50.

2) العقق: الولد العاق. و العقق: البعداء من الأعداء أو قاطعوا الأرحام.

3) الكامل في التاريخ ج 2 ص 160، و السيرة الحلبية ج 2 ص 244، و تاريخ الخميس ج 1 ص 239 عن ابن إسحاق، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 196، و البحار ج 20 ص 97 عن إعلام الورى.

9-و قد تقدم تمثيل قريش بالشهداء من المسلمين أقبح تمثيل.

10-و يقال: إن قزمان الذي كان «صلى اللّه عليه و آله» إذا ذكره يقول: إنه لمن أهل النار (1)، قد حارب في أحد، و قتل سبعة أو ثمانية من المشركين، فجرح، فبشره البعض، فقال: بماذا أبشر؟ فواللّه ما قاتلت إلا عن الأحساب.

و يقال: إنه لما اشتدت جراحته قتل نفسه (2)، و يقال: لم يفعل ذلك.

و يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ قال ما معناه: إن اللّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر (3).

ملاحظات:

و نحن نسجل على ما تقدم باختصار شديد الإشارات التالية: ألف: إن أموال مخيريق، و هي سبعة حوائط (4)، قد أصبحت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن استشهد مخيريق، بمقتضى وصيته نفسه. و لم يكن لليهود أن يأخذوا منها شيئا؛ حيث إنه ليس للكافر أن يرث المسلم.


1) تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 2 ص 531، و تاريخ الخميس ج 1 ص 438، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 93، و المغازي للواقدي ج 1 ص 224 و 263، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 162، و السيرة الحلبية ج 2 ص 239.

2) تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 2 ص 531، و تاريخ الخميس ج 1 ص 438، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 94، و المغازي للواقدي ج 1 ص 224 و 264، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 162، و السيرة الحلبية ج 2 ص 239.

3) المغازي للواقدي ج 1 ص 224، و السيرة الحلبية ج 2 ص 239.

4) الحائط: البستان.

و حيث لم يكن لمخيريق وارث؛ فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون وارثه.

و لسوف يأتي بعض الكلام عن مصير أمواله «صلى اللّه عليه و آله» عند الكلام عن فدك إن شاء اللّه تعالى.

ب: إن موقف مخيريق هذا في أحد يذكرني بموقف الحر الرياحي في كربلاء. فكل منهما قد اتخذ القرار الحاسم في أحرج اللحظات، و أكثرها حساسية. فإن مخيريق قد استطاع أن يتخلى عن كل ما يحيط به من روابط تشده إلى الأرض، و تهيمن عليه، و تمنعه من اتخاذ القرار طيلة تلك المدة الطويلة، و كذلك فعل الحر أيضا. و إن تحكيم العقل، و التخلي عن كل تلك الروابط، و إبعاد سائر تلك المؤثرات، يحتاج إلى جهد نفسي كبير. و بهذا تعرف الرجال، و ما تحمله من فضائل نفسية، و ملكات إنسانية. لأن حالات كهذه تكون الأعصاب فيها عادة في أقصى حالات التوتر، و المشاعر و العواطف في منتهى تأججها. و كل الروابط و المؤثرات الأرضية تكون واضعة كل ثقلها في تصوراته، و نظراته المستقبلية.

و لهذا كان (مخيريق) خير يهود. و لعل الذي سهل على مخيريق اتخاذه قراره الحاسم ذاك، هو قناعاته المترسخة في عمق وجدانه، و التي تستمد عمقها هذا من الإخبارات الصريحة و القاطعة التي يجدها عنده في التوراة و الإنجيل، حتى إن اليهود كانوا يعرفون النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما يعرفون أبناءهم.

ج: إن إصرار عمرو بن الجموح على الخروج إلى الحرب، و إذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، إنما يعني أن عدم الخروج للجهاد رخصة للأعرج لا عزيمة. فإذا بلغ المسلم من النضج الروحي بحيث يعتبر عدم الشهادة له

خيبة، و الشهادة فوزا و نجاحا، ثم هو يندفع إليها بهذا الإصرار، و يعتبرها غاية له، و تتويجا لحياته، فلماذا يحرم منها؟ !

و يجب أن لا ننسى وصية سعد بن الربيع رضوان اللّه عليه «و هو شيخ الأنصار. و قد جعل بيوته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لزوجاته، و قد عرس علي بفاطمة الزهراء «عليهما السلام» في أحد بيوته» التي تعبر عن مدى وعيه و سمو روحه، و هو لا يرى موته نهاية له، إذا كان دين محمد «صلى اللّه عليه و آله» محفوظا؛ فإنه يعتبر نفسه قد فاز بشهادته من جهة، كما أنه يعتبر نصر محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و دين محمد بعد موته نصرا له حتى و هو في قبره أيضا، لأنه يرى نفسه فانيا في هدفه، و جزءا منه؛ فإذا انتصر الهدف، فهو أيضا يكون المنتصر.

د: و إن ما فعله أبو سفيان بجثة حمزة رضوان اللّه عليه، ثم طلبه من الجليس: أن يستر عليه هذه الزلة ليس بعجيب، فإن تصرفات و مواقف أبي سفيان لم تكن تحكمها فضائل نفسية، و لا قناعات عقلية وجدانية، و لا تخضع لقوة إلهية غيبية، و لكنها كانت تخضع للمفاهيم الجاهلية و القبلية، و المصالح الشخصية بالدرجة الأولى، و لذلك هو يعتبرها زلة إذ كان الجاهليون يقبحونها و يرفضونها، و لكنه لا يرى مانعا منها بحسب ما لديه من خصائص نفسية، و مصلحة شخصية.

كما أن عمل أبي سفيان هذا يكذب ما اعتذر به عن المثلة التي لحقت شهداء المسلمين، حيث ادّعى أنه لم يرض، و لم يغضب، و لم يعلم بالتمثيل بالشهداء على أيدي المشركين! ! .

و يكذبه أيضا: أن أبا عامر الفاسق طلب أن لا يمثل بولده حنظلة،

و يترك لأجله فكان له ذلك. و هذا يدل: على أن التمثيل بالشهداء قد كان معلوما لدى الملأ من قريش، و كانوا راضين به.

و لعل أبا سفيان قد كذب هذه الكذبة ليتفادى التمثيل بأصحابه، أو أنها كذبت عن لسانه من محبيه، و من يهمهم أمره.

ه: هذا و ثمة نقاط أخرى فيما تقدم تحتاج إلى إلقاء الأضواء عليها، كقضية قزمان، فإننا نشك في أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر قبل موته أنه من أهل النار، و لعله-لو صحت الرواية-لما علم أنه قتل نفسه، قال: (هو من أهل النار) كما ورد في ذيل رواية الواقدي و المعتزلي (1)فذيل الرواية مقبول، دون صدرها. و كقضية العرجون، فإنها إن لم تكن مع علي «عليه السلام» ، فإننا نظن أنها قد جعلت في مقابل ذي الفقار لعلي «عليه السلام» .

و حسبنا ما ذكرنا هنا، فإن الكلام حول كل ما تقدم يطول.

الصبر في الجهاد:

لقد رأينا في واقعة أحد أن اللّه تعالى قد أنزل آيات في سورة آل عمران ترتبط بالصبر في هذا المقام. و نحن نختار منها الآيات التالية: قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصّٰابِرِينَ (2).

و قال: وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا لِمٰا أَصٰابَهُمْ فِي


1) راجع: المغازي ج 1 ص 263 و 264، و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 161.

2) الآية 142 من سورة آل عمران.

سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ مٰا ضَعُفُوا وَ مَا اِسْتَكٰانُوا وَ اَللّٰهُ يُحِبُّ اَلصّٰابِرِينَ (1).

ثم هناك آيات أخرى في سورة آل عمران تؤنب المؤمنين على عدم صبرهم في أحد، و فيها إشارات لحقائق مهمة في حرب أحد لا مجال لبحثها الآن، غير أننا نكتفي هنا بإشارة موجزة جدا للصبر في الجهاد، فنقول:

الصبر في عرف الاستعمار، و في عرف الحكام الظالمين، و الجبابرة المتكبرين، هو تحمل الذل، و الاستسلام لكل المخططات الهدامة التي تهدم حياة الإنسان، و مستقبله، و قيمه، و أخلاقه، و دينه، تهدمها لتبني على أشلائها عروش الظلم و الخيانة، و ملك الجبارين و المستكبرين. و لقد تسرب هذا المعنى للصبر إلى عقائد بعض المسلمين، عن طريق العلماء المزيفين، الذين جعلوا أنفسهم أداة للاستعمار و لأذنابه، و آلة في يد أولئك الحكام الظالمين، فحوروا دين اللّه على وفق أهداف أسيادهم، و حسبما يخدم مصالحهم، و يؤيد و يسدد سلطانهم.

و لكننا إذا رجعنا-خلوا عن هذه السوابق الذهنية-إلى المنبع الأصفى للإسلام و القرآن العظيم، و إلى مواقف و تعاليم النبي الكريم، و أهل بيته الأطيبين الأطهرين، فإننا نجد: أن للصبر مفهوما يختلف تماما عن هذا المفهوم، بل هو يناقضه و يباينه.

إن الصبر في مفهوم هؤلاء هو تحمل كل المشاق في سبيل الوصول إلى الأهداف النهائية النبيلة لهذا الإنسان، و ينسب لعيسى «عليه السلام» : قوله: إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون (2).


1) الآية 146 من سورة آل عمران.

2) البحار ج 79 ص 137 ط بيروت.

و عن علي «عليه السلام» : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد (1).

و قد قال أمير المؤمنين «عليه السلام» : لا يعدم الصبور الظفر و إن طال الزمان (2).

و نسب إليه أيضا قوله: الصبر سيف لا ينبو، و مطية لا تكبو، و ضياء لا يخبو (3).

و قال «عليه السلام» : لنا حق فإن أعطيناه، و إلا ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السرى (4).

فالصبر في الإسلام هو الصبر على تحمل الأذى في محاربة الظلم، و القضاء عليه (الذي هو أحد هذه الأهداف) .

و لذلك نجدهم في مقام الثبات في الحرب المدمرة، يقولون: وَ لَمّٰا بَرَزُوا لِجٰالُوتَ وَ جُنُودِهِ قٰالُوا رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا وَ اُنْصُرْنٰا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكٰافِرِينَ (5).

و يقولون في مواجهة فرعون: رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَ تَوَفَّنٰا مُسْلِمِينَ (6).

و هذا هو الصبر الذي أراده الحسين «عليه السلام» حينما كانت السيوف و الرماح تأكل أصحابه، و أهل بيته، و هو يقول لهم: صبرا على


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 168.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 191.

3) نهج البلاغة (شرح عبده) ج 3 ص 155.

4) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3.

5) الآية 250 من سورة البقرة.

6) الآية 126 من سورة الأعراف.

الموت يا بني عمومتي (1).

نعم، إن الصبر هو تحمل الآلام و المتاعب في سبيل الوصول إلى الهدف الأسمى كما قلنا، تماما كما فعل نوح و غيره من الأنبياء «عليهم السلام» ، و لا سيما نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و الهدف الأسمى هو العبودية المطلقة للّه تعالى، و رفض كل عبودية لسواه. و هو أمر صعب؛ لأنه لا ينسجم مع هوى النفس، التي تنفر من العبودية، و تميل إلى التحلل من كل القيود. و لذلك كان الصبر عن المعصية، و الصبر على الطاعة، من عزم الأمور، يحتاج إلى جهد، و إلى تعب و مشقة، و قدرة على التحمل.

بل إن كل حق لا بقاء له بدون الصبر، و قد كان صبر الأنبياء و الأوصياء من أهم أسباب بقاء الحق.

كما أن الصبر يدرب على التقوى، و يرفع من مستوى قدرته على قيادة نفسه، لأن الصبر لا يتحقق إلا بأن يقود هو نفسه، لا أن تقوده نفسه؛ و إذا استطاع أن يقود نفسه، و إذا كانت هي أقوى و أعتى من يواجه؛ فإن قدرته على أن يقوم بمهمة قيادة الآخرين، و هدايتهم إلى الصراط المستقيم، و إلى هدى رب العالمين، تكون أعظم و أشد، و أكثر فعالية؛ و لذا قال الصادق «عليه السلام» : الصبر صبران:

صبر على البلاء حسن جميل، و أفضل منه الصبر على المحارم (2).


1) مقتل الحسين للمقرم ص 318 و 322.

2) البحار (ط بيروت) ج 68 ص 95.

و قال أمير المؤمنين «عليه السلام» : من ساس نفسه بالصبر على جهل الناس صلح أن يكون سائسا (1).

و من الأمور الجديرة بالتسجيل بالنسبة للصبر في الحرب، قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اُذْكُرُوا اَللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاٰ تَنٰازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ (2).

فإننا نجد أنه في حين هو يأمرهم بالثبات في الحرب، يأمرهم بأن يذكروا اللّه كثيرا، و ذلك من أجل أن يبقوا محتفظين بالهدف الأسمى الذي يفترض فيهم السعي إليه، و أن يجعلوه نصب أعينهم، و لا يصرفهم الدفاع عن نفوسهم عن ذكر اللّه تعالى.

و طبيعي: أن كثرة ذكر اللّه منهم سوف تذكرهم بأن اللّه بيده كل شيء، و أنه هو الذي ينصرهم على عدوهم، و هو مصدر عزتهم و سعادتهم، فذكرهم للّه سوف يقويهم على الثبات، و يدعوهم إلى طاعته، و طاعة رسوله، و أن لا يتنازعوا، و أن يصبروا؛ فذكر اللّه هو مفتاح النصر في جميع المجالات، ثم الوصول إلى الهدف الأقصى، و هو إقامة دين الحق، و نصر اللّه: إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ (3).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 318.

2) الآيتان 45 و 46 من سورة الأنفال.

3) الآية 7 من سورة محمد.

الفصل الرابع: بعد ما هبت الرياح

اشارة

ما جرى على حمزة و الشهداء:
اشارة

قد تقدم بعض الكلام في كيفية استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضوان اللّه تعالى عليه. و أن أبا سفيان كان يضرب شدق حمزة بزج الرمح، و هو ما ورثه عنه حفيده يزيد لعنه اللّه حيث صار ينكث ثنايا الحسين «عليه السلام» بقضيب و ينشد:

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل

ثم طلب من رفيقه أن يستر عليه هذه الزلة. و علقنا عليها بما سمح لنا به المجال.

بقي أن نشير هنا: إلى أمور و ممارسات أخرى ظهرت بالنسبة إلى الشهداء و هي التالية:

1-إن هندا زوجة أبي سفيان، قد أتت مصرع حمزة؛ فمثلت به، و جدعت أنفه، و قطعت أذنيه و مذاكيره، ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها، و قلائد في عنقها، و استمرت كذلك حتى قدمت مكة. و كذلك فعل النساء بسائر الشهداء الأبرار.

و زادت هي عليهم: أنها بقرت بطن حمزة، و استخرجت كبده فلاكتها،

فلم تستطع أن تسيغها (1).

و يقال: إنها كانت قد نذرت ذلك (2).

فيقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما بلغه إخراجها كبد حمزة قال: هل أكلت منه شيئا؟

قالوا: لا.

قال: إن اللّه قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا (3)، أو: ما كان اللّه ليدخل شيئا من حمزة إلى النار (4).

و ليتأمل بعد فيما يقال حول إسلامها، و إيمانها، ثم الحكم لها بالجنة، كغيرها ممن هم على شاكلتها! ! .

2-و أقبلت صفية لتنظر أخاها، فالتقت بعلي «عليه السلام» ؛ فقال: ارجعي يا عمة؛ فإن في الناس تكشفا، فسألته عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: صالح.

قالت: ادللني عليه حتى أراه؛ فأشار إليه إشارة خفية من المشركين،


1) راجع ما تقدم في: المغازي للواقدي ج 1 ص 286، و السيرة الحلبية ج 2 ص 243 و 244، و تاريخ الخميس ج 1 ص 439، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 204، و المواهب اللدنية ج 1 ص 97.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، و السيرة الحلبية ج 2 ص 243.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 244، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 413 عن أحمد.

4) مسند الإمام أحمد ج 1 ص 463، و تفسير القمي ج 1 ص 117، و مجمع الزوائد ج 6 ص 110 عن أحمد، و البداية و النهاية ج 4 ص 41، و البحار ج 20 ص 55 عن القمي.

-لعلهم كانوا لا يزالون قريبين من هناك، و يخشى كرتهم فيما لو علموا: أن عليا بعيد (1)عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -فأقبلت إليه، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» الزبير بإرجاعها، حتى لا ترى ما بأخيها.

فقالت للزبير: و لم؟

و قد بلغني: أنه قد مثل بأخي، و ذلك في اللّه قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن و لأصبرن إن شاء اللّه. فسمح لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» برؤيته، فنظرت إليه، فصلت عليه، و استرجعت، و استغفرت له. كذا في الإكتفاء (2).

و يقال: إن الأنصار هم الذين حالوا بينها و بين رسول اللّه «صلى اللّه


1) و ليقارن بين الإشارة الخفية من علي «عليه السلام» هنا، و إخبار عمر لأبي سفيان صراحة بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حي. فإن عليا «عليه السلام» يهدف بلا شك إلى الحفاظ على حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لا نريد أن نتهم غيره ممن يدل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يخالف هذا. . فإن اللّه هو العالم بالحقائق.

2) راجع ما تقدم في: مغازي الواقدي ج 1 ص 289، و تاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 442، و حياة الصحابة ج 1 ص 570 و 571، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 198 و 199، و ليراجع تاريخ الطبري ج 2 ص 208 و 207، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 161 و 162، و السيرة الحلبية ج 2 ص 247 و 248، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 101 و 103، و حياة الصحابة ج 2 ص 650 و 651، و مجمع الزوائد ج 6 ص 119 و 120 عن البزار و الطبراني، و كنز العمال ج 15 ص 302.

عليه و آله» (1).

3-و في الصفوة: أنها جاءت بثوبين لتكفين حمزة، فإذا إلى جنبه أنصاري قتيل، قد مثل به، فوجدوا غضاضة و حياء أن يكفنوا هذا، و يتركوا ذاك، فأقرعوا بين الثوبين؛ فأصاب الأنصاري أكبر الثوبين، فكفن حمزة بالآخر، فلف على قدمي حمزة ليف و أذخر (2).

4-و كان لحمزة يوم قتل تسع و خمسون سنة، و صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه، و كبر سبع تكبيرات. ثم صاروا يأتون بالقتلى، و يضعونهم إلى جانبه، فيصلي عليه و عليهم حتى صلى عليه اثنتين و سبعين صلاة. كذا في الطيبي (3).

و لكننا نشك فيما ذكر عن مقدار عمره بملاحظة ما تقدم في حديث إرادة عبد المطلب ذبح ولده عبد اللّه، حين ولد له أولاده العشرة.

كما أننا نجد عليا «عليه السلام» يذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خص حمزة بسبعين تكبيرة (4). فلعله كبر عليه سبعين، ثم صلى عليه سبعين صلاة أخرى.

5-قال ابن إسحاق: و مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -حين رجع إلى المدينة-بدور من الأنصار؛ فسمع بكاء النوائح على قتلاهم، فذرفت


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17، و مغازي الواقدي ج 1 ص 290، و مجمع الزوائد ج 6 ص 119 و 120.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 442.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 242.

4) نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 35.

عينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له.

فأمر سعد بن معاذ، و يقال: و أسيد بن حضير نساء بني عبد الأشهل: أن يذهبن و يبكين حمزة أولا، ثم يبكين قتلاهن. فلما سمع «صلى اللّه عليه و آله» بكاءهن، و هن على باب مسجده أمرهن بالرجوع، و نهى «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ عن النوح، فبكرت إليه نساء الأنصار، و قلن: بلغنا يا رسول اللّه، أنك نهيت عن النوح، و إنما هو شيء نندب به موتانا، و نجد بعض الراحة؛ فأذن لنا فيه.

فقال: إن فعلتن فلا تلطمن، و لا تخمشن، و لا تحلقن شعرا، و لا تشققن جيبا (1).

قالت أم سعد بن معاذ: فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا.

و لعل نهيه «صلى اللّه عليه و آله» لهن عن شق الجيوب و خمش الوجوه، هو لأجل أن لا يوجب ذلك شماتة أعدائهم بهم.

6-و لما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد، كتب إلى عامله بالمدينة


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 254، و تاريخ الخميس ج 1 ص 444 عن المنتقى، و ليراجع كامل ابن الاثير ج 2 ص 167، و تاريخ الطبري ج 2 ص 210، و ليراجع: العقد الفريد، و البداية و النهاية ج 4 ص 48، و مسند أحمد ج 2 ص 40 و 84 و 92، و الإستيعاب ترجمة حمزة. و مسند أبي يعلى ج 6 ص 272 و 293 و 294، و في هامشه عن المصادر التالية: مجمع الزوائد ج 6 ص 120، و عن الطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 10، و عن سنن ابن ماجة ج 3 ص 95 في السيرة و في الجنائز الحديث رقم 1591، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 195، و عن سيرة ابن هشام ج 2 ص 95 و 99.

بذلك، فكتبوا إليه: إنا لا نستطيع أن نخرجها إلا على قبور الشهداء.

فكتب: انبشوهم.

قال جابر: فلقد رأيتهم يحملون على أعناق الرجال، كأنهم قوم نيام. و أصابت المسحاة طرف رجل حمزة، فانبعثت دما.

قال أبو سعيد: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا (1).

7-و مر أبو سفيان بعد إسلامه بأحد، فقيل له: أي يوم لك ههنا.

فقال: و الآن لو وجدت رجالا (2).

8-مر أبو سفيان في أيام عثمان بقبر حمزة، و ضربه برجله، و قال: يا أبا عمارة، إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلاعبون به (3).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 443 عن الصفوة و المنتقى، و المصنف ج 3 ص 547 و ج 5 ص 277، و السيرة الحلبية ج 2 ص 250، و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 264، و مغازي الواقدي ج 1 ص 267 و 268، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 5 قسم 1 و قسم 2 ص 78، و ليراجع حياة الصحابة ج 3 ص 659- 661، و البداية و النهاية ج 4 ص 43، و دلائل أبي نعيم ص 499، و كنز العمال ج 10 ص 270 و ج 8 ص 270، و عن ابن سعد و راجع: فتح الباري ج 3 ص 142، و وفاء الوفاء ج 3 المجلد الثاني ص 938 عن أحمد بسند صحيح، و الدارمي كما في الأوجز ج 4 ص 108، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 291.

2) ربيع الأبرار ج 1 ص 559.

3) قاموس الرجال ج 10 ص 89 و ج 5 ص 116، و الغدير ج 10 ص 83 كلاهما عن شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 51 ط قديم.

و كل ذلك يوضح حقيقة ما يقال عن إيمان أبي سفيان، و ولده معاوية، و زوجته هند! ! !

9-و أما عن شرب حمزة للخمر حين خروجه إلى أحد، فقد أثبتنا أنه كذب، فراجع ما قدمناه حين الكلام حول تحريم الخمر و ذلك في سياق الحديث عن زواج علي «عليه السلام» .

أما نحن فنشير إلى الأمور التالية:

ألف: موقف الرسول صلى اللّه عليه و آله من المثلة بحمزة:
اشارة

إنهم يقولون: إنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها في واقعة أحد، سأل «صلى اللّه عليه و آله» عن عمه حمزة بن عبد المطلب، فالتمسوه، فوجدوه على تلك الحالة المؤلمة، حيث كانت هند أم معاوية، و زوجة أبي سفيان قد مثلت به؛ فجدعت أنفه، و قطعت أذنيه، و بقرت بطنه، و استخرجت كبده، فلاكتها، و لم تستطع أن تسيغها، إلى غير ذلك من ممارسات وحشية تجاه تلك الجثة الطاهرة. -تقدمت الإشارة إليها-فجاء «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقف عليه، فيقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما رآه في تلك الحالة قال:

«لو لا أن تحزن صفية، و تكون سنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع، و حواصل الطير (1).

أو قال: لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى (2)، و لئن أظهرني


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 248، و تاريخ الخميس ج 1 ص 441، و مغازي الواقدي ج 1 ص 289، و مجمع الزوائد ج 6 ص 119، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 196.

2) دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 288.

اللّه على قريش يوما من الدهر في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» (1).

و المسلمون أيضا قالوا: «و اللّه، لئن أظفرنا اللّه بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب» (2).

و يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بكى و شهق، و قال: رحمة اللّه عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أم و اللّه لأمثلن بسبعين منهم مكانك.

فنزل جبريل بقوله تعالى: وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ (3). فعفا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و صبر.

و في رواية، قال: أصبر، و نهى عن المثلة.

و في أخرى: كفر عن يمينه (4).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246، و تاريخ الخميس ج 1 ص 441.

2) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 135، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية و السيرة الحلبية ج 2 ص 246، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 53، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 101، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 161، و سيرة ابن اسحاق ص 335.

3) الآية 126 من سورة النحل.

4) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 135 عن مصادر كثيرة و راجع: التفسير الكبير ج 20 ص 141، و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 201، و جامع البيان ج 14 ص 131، و غرائب القرآن (بهامش جامع البيان) ج 14 ص 132، و التبيان ج 6-

و نقول: إن بكاءه «صلى اللّه عليه و آله» على حمزة لا مانع منه، و أما ما سوى ذلك مما ذكر آنفا، فنحن نشك في صحته. و نعتقد أنه كقضية ممارسة عمل المثلة الشنيع المنسوب له «صلى اللّه عليه و آله» زورا و بهتانا، قد وضع بهدف إظهار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كأحد الناس، الذين يتعاملون مع القضايا من موقع الإنفعال و العصبية للقبيلة و الرحم، و لتبرر بذلك جميع المخالفات التي ارتكبها و يرتكبها الحكام الظالمون.

كما أن ذلك يسقط قول و فعل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن الاعتبار و الحجية، فلا يبقى لما ورد عنه «صلى اللّه عليه و آله» من ذم لمن يحبهم بعض الناس تأثير يذكر.

أما ما نستند إليه في حكمنا على هذه الأقاويل بالوضع و الاختلاق، فهو الأمور التالية:

(4) -ص 440، و مجمع البيان ج 6 ص 393، و لباب التأويل للخازن، و مدارك التنزيل (بهامشه) ج 3 ص 143، و دلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 388، و مجمع الزوائد ج 6 ص 119، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 197، و السيرة الحلبية ج 2 ص 246، و السيرة النبوية لدحلان بهامش الحلبية ج 2 ص 53، و المواهب اللدنية ج 1 ص 97، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 102، و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 2 ص 529، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 161، و سيرة ابن اسحاق ص 335، و مسند أحمد ج 5 ص 135، و تاريخ الخميس ج 1 ص 441، و الروايات بهذه المعاني تجدها في مختلف كتب الحديث و التاريخ التي تتعرض لغزوة أحد، و لا يكاد يخلو منها كتاب كلا أو بعضا، فراجع.

1-إن ذلك لا ينسجم مع روحية و أخلاق و إنسانية النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا ينسجم حتى مع روح التدبير للأمور العامة، من قبل أي إنسان حكيم، مدبر للأمور، و لا مع سياسة الأمم بالمعنى الصحيح و السليم للسياسة. و ذلك لأنه لا مبرر لإبقاء حثة شهيد في الصحراء، تصهرها أشعة الشمس، عرضة للوحوش و السباع و الطير، و لا فائدة في إجراء كهذا.

إذ من الواضح: أن ذلك لا يعتبر انتقاما من قريش، و لا أداء لحق ذلك الشهيد العظيم، إن لم يكن إساءة و إهانة له، بملاحظة أن إكرام الميت دفنه. ثم، أ و ليست إنسانيته «صلى اللّه عليه و آله» و أخلاقه الرفيعة هي التي أملت عليه حتى أن يغيب جثث قتلى المشركين في قليب بدر؛ فكيف بالنسبة لهذا الشهيد العظيم، أسد اللّه و أسد رسوله؟ ! !

و يحاول البعض أن يدّعي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقصد مدلول هذا الكلام، و إنما هو يريد فقط أن يظهر مظلوميته و وحشية الطرف الآخر، أبي سفيان و أصحابه. و لكنها محاولة فاشلة، فإننا نجل النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر كهذا، و لا يجوز نسبته إليه؛ لأن معناه: إمكانية التشكيك في كثير من أقواله، و مواقفه، و أفعاله «صلى اللّه عليه و آله» .

أضف إلى ذلك: أن ما جرى لحمزة «عليه السلام» قد جرى مثله لغيره من الشهداء، و إن كان ما جرى لحمزة «عليه السلام» أفظع و أبشع. فلماذا اختص غضبه «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى لعمه و حسب؟ ! .

ثم إن المفروض بهذا النبي العظيم هو أن يظهر الجلد و الصبر لا الجزع و الحزن، إلا بالنحو المعقول و المقبول، و إلا فما وجه اللوم لغيره ممن فقد

الأهل و الأحبة، إن تجاوز حده، و ظهر منه ما لا ينبغي في مناسبات كهذه؟ !

2-قولهم على لسانه «صلى اللّه عليه و آله» : إنه إن ظفر بقريش فسيمثل بثلاثين مرفوض أيضا؛ إذ هذه جثث قتلى المشركين أمامه، و هي اثنان أو ثمانية و عشرون جثة، بل و أكثر من ذلك، كما يظهر من بعض النصوص، فلماذا لا يمثل بها، و يشفي غليل صدره منها؟ !

و لم لم يبادر المسلمون-بدورهم-إلى التمثيل بتلك الجثث التي تركها أصحابها و فروا خوفا من أن يدال المسلمون منهم، كما فروا من قبل في بدر؟ !

3-أما نزول الآية الكريمة ردا عليه «صلى اللّه عليه و آله» و هي قوله تعالى: وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ فلا يصح أيضا، لأن الآية مكية؛ فإن سورة النحل قد نزلت في مكة، و أحد قد كانت في السنة الثالثة من الهجرة (1).

و القول: بأن سورة النحل كلها قد نزلت في مكة إلا هذه الآيات إنما يستند إلى هذه الروايات بالذات، فلا حجة فيه.

إن قلت: قد تحدثت السورة عن المهاجرين، و هذا يناسب أن تكون السورة قد نزلت بعد الهجرة.

فالجواب: أنه لم يثبت أن المقصود هو الهجرة إلى المدينة فإن الهجرة إلى الحبشة كانت قد حصلت و المسلمون في مكة، فلعلها هي المقصودة.


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 246 عن ابن كثير، و القول بأن الآية مدينة لا عبرة به لأنه يستند إلى هذه الرواية.

و القول: بأن ذلك مما تكرر نزوله (1):

أولا: يحتاج إلى إثبات.

ثانيا: يلزمه أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خالف الحكم الإلهي الثابت، فاحتاج اللّه إلى تذكيره بأن موقفه هذا مخالف لنص تلك الآية التي لديه! ! .

ثالثا: قد روي عن ابن عباس في قوله: فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ قال: هذا حين أمر اللّه نبيه أن يقاتل من قاتله؛ ثم ذكر أنها نسخت ببراءة (2).

و عن ابن زيد، قال: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعة، فقالوا: يا رسول اللّه لو أذن اللّه لانتصرنا من هؤلاء الكلاب؛ فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد (3).

4-إن قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى في هذه المناسبة عن المثلة محل نظر؛ و ذلك لما ورد عن سعيد، عن قتادة، عن أنس-فذكر حديث العرنيين-و في آخره، قال: قال قتادة: و بلغنا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان بعد ذلك يحث على الصدقة، و ينهى عن المثلة (4).

و يقول العسقلاني، عن ابن عقبة في المغازي: «و ذكروا: أن النبي «صلى


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246.

2) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، و ابن مردويه.

3) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

4) راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه) ج 3 ص 31، و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 118 عن البخاري و مسلم و سنن البيهقي ج 9 ص 69، و نيل الأوطار ج 7 ص 151.

اللّه عليه و آله» نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، و إلى هذا مال البخاري، و حكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي» (1).

فكلام قتادة السابق صريح في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى عن المثلة بعد قضية العرنيين، و كانت بعد قصة أحد؛ لأنها كانت في حدود السنة السادسة (2).

أضف إلى ذلك: ما ذكره سعيد بن جبير، الذي أضاف في قصة العرنيين قوله: «فما مثل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل و لا بعد، و نهى عن المثلة» (3).

فمعنى ذلك هو أن رسول اللّه لم يمارس هذا الفعل الشنيع أصلا، كما أنه قد نهى من كان بصدد ممارسته.

و نحن بدورنا لنا كلام في قصة العرنيين هذه، حيث إننا نرفض أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد مثل بهم، و لا سيما بملاحظة ما قدمناه آنفا، عن سعيد بن جبير. و قد أنكر أبو زهرة ذلك أيضا (4).

و كان علي بن حسين ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين قال: لا و اللّه، ما سمل رسول اللّه عينا و لا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم و أرجلهم (5).


1) فتح الباري ج 1 ص 294.

2) راجع: المصنف ج 9 ص 259، و البخاري، و مسلم، و غير ذلك.

3) الإعتبار في الناسخ و المنسوخ ص 208-211، و فتح الباري ج 7 ص 369.

4) أبو حنيفة لمحمد أبي زهرة ص 250.

5) الأم ج 4 ص 162.

و لكن ما يهمنا هنا: هو أن ما ذكروه في قصة العرنيين يتنافى بشكل ظاهر مع كونه «صلى اللّه عليه و آله» نهى عن المثلة في أحد. و لو أغمضنا النظر عن ذلك؛ فإن ما نقلناه عن العسقلاني آنفا يدل على أن نهيه «صلى اللّه عليه و آله» عن المثلة، إنما كان في أواخر أيام حياته؛ لأن سورة المائدة قد كانت من أواخر ما نزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

نعم، يمكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قطع أيدي و أرجل العرنيين من خلاف، لأنهم مفسدون في الأرض. و ذلك هو الحكم الثابت لمن يكون كذلك. ثم زاد الرواة و أصحاب الأغراض على ذلك ما شاؤوا.

5-إنهم يقولون: إن أبا قتادة جعل يريد التمثيل بقريش لما رأى من المثلة؛ فمنعه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و هذا هو المناسب لأخلاقه و سجاياه «صلى اللّه عليه و آله» . أما أبو قتادة فإنه إن صح ما نقل عنه يكون قد تصرف هنا بوحي من انفعاله و تأثره، الناجم عن ثورته النفسية بسبب ذلك المشهد المؤلم.

كما أننا نشك في ما جاء في ذيل هذه الرواية، الذي يذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرّظ قريشا في هذه المناسبة، حتى قال: إنه عسى إن طالت بأبي قتادة المدة أن يحقر أعماله مع أعمالهم (2).

فإننا نعتقد أن هذه التقريظات من زيادات الرواة تزلفا للحكام


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 241، و راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 290 و 291، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17.

2) راجع المصادر المتقدمة.

الأمويين-كما عودونا في مناسبات كثيرة-في مقابل علي «عليه السلام» ، و أهل بيته، لفسح المجال أمام تنقصهم و الطعن بهم، و يكفي أن نتذكر هنا موقف قريش من علي «عليه السلام» و أهل البيت؛ حيث نجده «عليه السلام» يصفها بأسوأ ما يمكن، بسبب موقفها السيئ هذا.

يقول أمير المؤمنين «عليه السلام» : «فدع عنك قريشا، و تركاضهم في الضلال، و تجوالهم في الشقاق، و جماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبلي؛ فجزت قريشا عني الجوازي؛ فقد قطعوا رحمي، و سلبوني سلطان ابن عمي» (1).

هذا و لا بد أن لا ننسى هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي «عليه السلام» : حربك حربي، و سلمك سلمي (2).


1) راجع: نهج البلاغة، شرح عبده، باب الرسائل رقم 36، و باب الخطب رقم 212 و 32، و ليراجع ص 167 و غير ذلك.

2) راجع: مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 50، و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 24، و ينابيع المودة ص 85 و 71، و كنز الفوائد ج 2 ص 179 ط دار الأضواء، و البحار ج 37 ص 72 و ج 40 ص 43 و 177 و 190 ط مؤسسة الوفاء، و روضة الواعظين ج 1 ص 113، و تلخيص الشافي ج 2 ص 135، و راجع ميزان الإعتدال ج 2 ص 75، و راجع لسان الميزان ج 2 ص 483 ففيهما حديث معناه ذلك أيضا، و أمالي الطوسي ج 1 ص 374 و ج 2 ص 100، و أمالي الصدوق ص 343، و راجع إحقاق الحق (الملحقات) للمرعشي النجفي ج 6 ص 440 و ج 4 ص 258 و ج 7 ص 296 و ج 13 ص 70 عن مصادر كثيرة.

و قال علي «عليه السلام» : «اللهم إني أستعديك على قريش (و من أعانهم)؛ فإنهم قد قطعوا رحمي، و أكفأوا إنائي، و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري» (1).

و قال «عليه السلام» : «ما لي و لقريش، و اللّه لقد قاتلتهم كافرين، و لأقاتلنهم مفتونين، و إني لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم» (2).

و لأبي الهيثم بن التيهان كلام جيد حول موقف قريش من علي، من أراده فليراجعه (3).

و فيه يحلل أبو الهيثم سر عداء قريش لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و أنه إنما كان بسبب بغيها و حسدها له، و عدم قدرتها على اللحاق به.

و قد ذكرنا شطرا كبيرا من النصوص الدالة على ذلك مع مصادرها في كتاب لنا بعنوان «الغدير و المعارضون» .

هذا كله. . عدا عما كان في صدور قريش من حقد على بني هاشم عموما، و على الأنصار أيضا. و قد مر في جزء سابق من هذا الكتاب في فصل سرايا و غزوات قبل بدر إلماحة عن موقف قريش من الأنصار فليراجع ذلك هناك.

و أخيرا، قول: إن هذه كانت حالة قريش بعد طول المدة، فكيف يحقر أبو قتادة أعماله مع أعمالها؟ ! و كيف يكون لها ذلك المقام المحمود عند اللّه تعالى؟ ! .


1) راجع: الهامش ما قبل الأخير.

2) راجع: الهامش ما قبل الأخير.

3) الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 316 و 317.

ما هو الصحيح في القضية؟ !

و لعل الصحيح هنا: هو قضية أبي قتادة المتقدمة، و إن كان قد تزيد الرواة فيها تزلفا للحكام، كما أشرنا.

يضاف إلى ذلك: ما رواه غير واحد عن أبي بن كعب (ر ض) ، قال:

لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة و ستون رجلا، و من المهاجرين ستة، منهم حمزة. فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا، لنربينّ عليهم.

فلما كان يوم فتح مكة أنزل اللّه: وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ (1)فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : نصبر، و لا نعاقب، كفوا عن القوم إلا أربعة.

و حسب نص ابن كثير: عن عبد اللّه بن أحمد: فلما كان يوم الفتح، قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم؛ فنادى مناد: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمن الأسود و الأبيض إلا فلانا و فلانا، ناسا سماهم، فأنزل اللّه الخ. . (2).

و عن الشعبي، و ابن جريج ما يقرب من هذا أيضا باختصار (3).


1) الآية 126 من سورة النحل.

2) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن: الترمذي، و حسّنه، و عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند، و النسائي و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه، و الحاكم و صححه، و البيهقي في الدلائل، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 592.

3) تفسير ابن كثير ج 2 ص 592.

و في رواية: أن المسلمين لما رأوا المثلة بقتلاهم قالوا: لئن أنالنا اللّه منهم لنفعلن، و لنفعلن، فأنزل اللّه: وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ الآية، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بل نصبر (1).

لكن ما تذكره هذه الروايات من أن الآية قد نزلت في هذه المناسبة محل نظر، و ذلك لما قدمناه من كونها مكية، و يمكن أن يكون الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عاد فذكرهم بالآية، مبالغة منه «صلى اللّه عليه و آله» في زجرهم عن ذلك، فتوهم الراوي: أن الآية قد نزلت في هذه المناسبة.

و أما القول بأن الآية قد شرعت المثلة، و لكنها رجحت الصبر عليها. . فهو غير صحيح؛ لأن المراد بالعقوبة هو ما بينته الآية الشريفة الأخرى التي تقول: وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ اَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ اَلْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ اَلْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ اَلسِّنَّ بِالسِّنِّ وَ اَلْجُرُوحَ قِصٰاصٌ. . (2)ثم جاءت الروايات التي تنهى عن المثلة لتؤكد هذا المعنى.

ب: هند و كبد حمزة:

قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما بلغه محاولة هند أكل كبد حمزة فلم تستطع أن تسيغها، قال: ما كان اللّه ليدخل شيئا من حمزة النار، أو نحو ذلك.


1) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، و مصنف ابن أبي شيبة، و راجع: البحار ج 20 ص 21 عن مجمع البيان.

2) الآية 45 من سورة المائدة.

قال الحلبي: «أي و لو أكلت منه، أي استقر في جوفها لم تمسها النار» (1).

و هو تفسير غريب و عجيب حقا! ! فإن ظاهر كلامه «صلى اللّه عليه و آله» : أن هندا من أهل النار، و قد أبى اللّه أن يدخل شيئا من حمزة النار.

و لو صح تفسير الحلبي مع حكمهم بأن هندا قد أسلمت و ستدخل الجنة، لكان اللازم أن تسيغ ما أكلته من كبده، و يستقر في جوفها، لأن هندا ستدخل الجنة! ! فلتكن تلك القطعة معها، لتدخل الجنة كذلك! ! .

نعم و هذا ما يرمي إليه الحلبي، فإن له كلاما طويلا في المقام يدخل فيه هندا الجنة. و قد دفعه هواه إلى تفسير كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصورة جعلته يصبح بلا معنى و لا مدلول.

ج: المنع من البكاء على الميت:
اشارة

لقد بكى النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حمزة، و قال: أما حمزة فلا بواكي له.

و بعد ذلك بكى على جعفر، و قال: على مثل جعفر فلتبك البواكي.

و بكى على ولده إبراهيم، و قال: تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي الرب. و بكى كذلك على عثمان بن مظعون، و سعد بن معاذ، و زيد بن حارثة، و بكى الصحابة، و بكى جابر على أبيه، و بشير بن عفراء على أبيه أيضا، إلى غير ذلك مما هو كثير في الحديث و التأريخ (2).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 244.

2) راجع: النص و الإجتهاد ص 230-234، و الغدير ج 6 ص 159-167، و دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 134 و 136 عن عشرات المصادر الموثوقة، -

فكل ذلك فضلا عن أنه يدل على عدم المنع من البكاء، فإنه يدل على مطلوبية البكاء، و على رغبته «صلى اللّه عليه و آله» في صدوره منهم.

و لكننا نجد في المقابل: أن عمر بن الخطاب يمنع من البكاء على الميت و يضرب عليه؛ و يفعل ما شاءت له قريحته في سبيل المنع عنه، و يروي حديثا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مفاده: أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه (1).

مع أننا نجد أنه هو نفسه قد أمر بالبكاء على خالد بن الوليد (2).

(2) -و الإستيعاب (بهامش الاصابة) ترجمة جعفر ج 1 ص 211، و منحة المعبود ج 1 ص 159، و كشف الأستار ج 1 ص 381 و 383 و 382، و الاصابة ج 2 ص 464، و المجروحون ج 2 ص 92، و السيرة الحلبية ج 2 ص 89 و راجع ص 251، و وفاء الوفاء ج 3 ص 894 و 895 و راجع ص 932 و 933، و حياة الصحابة ج 1 ص 571، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 396 و ج 2 ص 313.


1) راجع المصادر المتقدمة و الغدير و غيره عن عشرات المصادر الموثوقة، و كذا منحة المعبود ج 1 ص 158، و في ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 61 عن أبي موسى، و الطبقات لابن سعد ج 3 ص 209 و 346 و 362. و راجع: تأويل مختلف الحديث ص 245.

2) التراتيب الإدارية ج 2 ص 375، و الاصابة ج 1 ص 415، و صفة الصفوة ج 1 ص 655، و أسد الغابة ج 2 ص 96، و حياة الصحابة ج 1 ص 465 عن الاصابة، و المصنف ج 3 ص 559، و في هامشه عن البخاري و ابن سعد و ابن أبي شيبة، و تاريخ الخميس ج 2 ص 247، و فتح الباري ج 7 ص 79، و الفائق ج 4 ص 19، و ربيع الأبرار ج 3 ص 330، و راجع: تاريخ الخلفاء ص 88، و راجع: لسان العرب ج 8 ص 363.

و قد بكت عائشة على إبراهيم (1)و بكى أبو هريرة على عثمان، و الحجاج على ولده (2)و بكى صهيب على عمر (3)و هم يحتجون بما يفعله هؤلاء.

و بكى عمر نفسه على النعمان بن مقرن، و على غيره (4)و قد نهاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن التعرض للذين يبكون موتاهم (5).

كما أن عائشة قد أنكرت عليه و على ولده عبد اللّه هذا الحديث الذي تمسك به، و نسبته إلى النسيان، و قالت: «يرحم اللّه عمر، و اللّه، ما حدث رسول اللّه: إن اللّه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن رسول اللّه «صلى اللّه


1) منحة المعبود ج 1 ص 159.

2) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 ط صادر ص 81، و في الثاني ربيع الأبرار ج 2 ص 586.

3) طبقات ابن سعد ج 3 ص 362، و منحة المعبود ج 1 ص 159.

4) الغدير ج 1 ص 164 و 54 و 155، عن الإستيعاب ترجمة النعمان بن مقرن و الرياض النضرة المجلد الثاني جزء 2 ص 328 و 329 حول بكاء عمر على ابن ذلك الأعرابي حتى بل لحيته.

5) راجع الغدير عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 1 ص 237 و 235 و ج 2 ص 333 و 408، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 190 و 381، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه، و مجمع الزوائد ج 3 ص 17، و الإستيعاب ترجمة عثمان بن مظعون، و مسند الطيالسي ص 351. و راجع: سنن البيهقي ج 4 ص 70، و عمدة القاري ج 4 ص 87 عن النسائي، و ابن ماجة، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 481، و كنز العمال ج 1 ص 117، و أنساب الاشراف ج 1 ص 157، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 399 و 429، و منحة المعبود ج 1 ص 159.

عليه و آله» قال: إن اللّه ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه.

قالت: حسبكم القرآن: وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ (1)» (2).

و في نص آخر، أنها قالت: «إنما مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: إنهم يبكون عليها و إنها لتعذب في قبرها» (3).

و أنكر ذلك أيضا: ابن عباس، و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، و من أراد المزيد، فعليه بمراجعة المصادر (4).

السياسة و ما أدراك ما السياسة؟ ! :

و نشير هنا إلى ما قاله الإمام شرف الدين رحمه اللّه تعالى قال: «و هنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيها «صلى اللّه عليه و آله» ، و خروجها بولديها في لمة من نسائها


1) الآية 164 من سورة الأنعام.

2) راجع صحيح البخاري (ط سنة 1039) ج 1 ص 146، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 381، و إختلاف الحديث للشافعي هامش الأم ج 7 ص 266، و جامع بيان العلم ج 2 ص 105، و منحة المعبود ج 1 ص 158، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 346، و مختصر المزني هامش الأم ج 1 ص 187، و الغدير ج 6 ص 163 عمن تقدم، و عن صحيح مسلم ج 1 ص 342 و 344 و 343، و مسند أحمد ج 1 ص 41، و سنن النسائي ج 4 ص 17 و 18، و سنن البيهقي ج 4 ص 73 و 72، و سنن أبي داود ج 2 ص 59، و موطأ مالك ج 1 ص 96.

3) صحيح البخاري ج 1 ص 147.

4) راجع الغدير، و دلائل الصدق، و النص و الإجتهاد، و غير ذلك.

إلى البقيع يندبن رسول اللّه، في ظل أراكة (1)كانت هناك، فلما قطعت بنى لها علي بيتا في البقيع كانت تأوي إليه للنياحة، يدعى: بيت الأحزان. و كان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة» (2).

و أقول: إن من القريب جدا: أن يكون حديث: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي» قد حرف عن حديث (البكاء على اليهودية المتقدم) ؛ لدوافع سياسية لا تخفى؛ فإن السلطة كانت تهتم بمنع فاطمة «عليها السلام» من البكاء على أبيها.

فيظهر: أن هذا المنع قد استمر إلى حين استقر الأمر لصالح الهيئة الحاكمة، و لذلك لم يعتن عمر بغضب عائشة، و منعها إياه من دخول بيتها حين وفاة أبي بكر، فضرب أم فروة أخت أبي بكر بدرته، و قد فعل هذا رغم أن البكاء و النوح كان على صديقه أبي بكر، و كان هجومه على بيت عائشة، و كان ضربه لأخت أبي بكر. و هو الذي كان يهتم بعائشة و يحترمها، و هي المعززة المكرمة عنده، و يقدر أبا بكر و من يلوذبه، و يحترم بيته بما لا مزيد عليه.

نعم، لقد فعل كل هذا لأن الناس لم ينسوا بعد منع السلطة لفاطمة «عليها السلام» من النوح و البكاء على أبيها.

و ناهيك بهذا الإجراء جفاء و قسوة: أن يمنع الإنسان من البكاء على أبيه، فكيف إذا كان هذا الأب هو النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أعظم، و أكمل، و أفضل إنسان على وجه الأرض. ثم لما ارتفع المانع، و مضت مدة


1) الأراك: نوع شجر.

2) النص و الإجتهاد ص 234.

طويلة، و سنين عديدة على وفاة سيدة النساء «عليها السلام» ، و نسي الناس أو كادوا، أو بالأحرى ما عادوا يهتمون بهذا الأمر، ارتفع هذا المنع على يد عمر نفسه، و بكى على النعمان بن مقرن الذي توفي سنة 21 ه و على شيخ آخر، و سمح بالبكاء على خالد بن الوليد، الذي توفي سنة 21 أو 22 حسبما تقدم.

و هذا غير ما تقدم قبل صفحات عن مصادر كثيرة: من النهي عن خمش الوجوه، و شق الثياب، و اللطم، و النوح بالباطل. فإنه غير البكاء و هياج العواطف الإنسانية الطبيعية. و ذلك لأن الأول ينافي التواضع للّه عز و جل و التسليم لقضائه؛ أما الثاني فهو من مقتضيات الجبلة الإنسانية، و دليل اعتدال سجية الإنسان. و شتان ما بينهما.

التوراة و المنع من البكاء على الميت:

و يبدو لنا أن المنع من البكاء على الميت مأخود من أهل الكتاب؛ فإن عمر كان يحاول هذا المنع في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالذات؛ و لم يرتدع بردع النبي له إلا ظاهرا.

فلما توفي «صلى اللّه عليه و آله» و لم يبق ما يحذر منه، صار الموقف السياسي يتطلب الرجوع إلى ما عند أهل الكتاب، فكان منع الزهراء «عليها السلام» عن ذلك، كما قدمنا.

و قد جاء هذا موافقا للهوى و الدافع الديني و السياسي على حد سواء.

و مما يدل على أن ذلك مأخوذ من أهل الكتاب: أنه قد جاء في التوراة: «يا ابن، ها أنذا آخذ عنك شهوة عينيك بضربة؛ فلا تنح و لا تبك، و لا

تنزل دموعك، تنهد ساكتا، لا تعمل مناحة على أموات» (1).

د: حزن النبي صلّى اللّه عليه و آله على حمزة:

1-إن من الثابت حسبما تقدم، أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حزن على حمزة و بكى عليه، و أحب أن يكون ثمة بواكي له، كما لغيره.

و واضح: أن حزن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هذا و رغبته تلك ليسا إلا من أجل تعريف أصحابه، و الأمة أيضا بما كان لحمزة من خدمات جلى لهذا الدين، و من قدم ثابتة له فيه، و بأثره الكبير في إعلاء كلمة اللّه تعالى.

و يدلنا على ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وصفه-كما يروى-بأنه كان فعولا للخيرات، و صولا للرحم الخ. . (2).

و لأن حزنه «صلى اللّه عليه و آله» عليه كان في الحقيقة حزنا على ما أصاب الإسلام بفقده، و هو المجاهد الفذ، الذي لم يكن يدخر وسعا في الدفاع عن هذا الدين، و إعلاء كلمة اللّه.

و ما ذلك إلا لأن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليهتم بالبكاء على حمزة، و لا ليبكي هو «صلى اللّه عليه و آله» عليه لمجرد دوافع عاطفية شخصية، أو لعلاقة رحمية و نسبية، و إنما هو «صلى اللّه عليه و آله»


1) حزقيال. الإصحاح 24 الفقرة 16-18.

2) راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 97، و السيرة الحلبية ج 2 ص 246، و السيرة النبوية لدحلان، بهامش الحلبية ج 2 ص 53، و الاصابة ج 1 ص 354، و أسد الغابة ج 2 ص 48، و الدر المنثور ج 4 ص 135، و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 288 ط دار الكتب العلمية، و مجمع الزوائد ج 6 ص 119، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 197.

يحب في اللّه و في اللّه فقط، تماما كما كان يبغض في اللّه، و في اللّه فقط.

فهو «صلى اللّه عليه و آله» يحزن على حمزة بمقدار ما كان حمزة مرتبطا باللّه تعالى، و خسارته خسارة للإسلام. و إلا فكما كان حمزة عمه، فقد كان أبو لهب عمه أيضا، و عداوة أبي لهب للرسول «صلى اللّه عليه و آله» لا تدانيها عداوة، فقد كان أبو لهب من أشد الناس عداوة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعظمهم إيذاء له.

و موقفه «صلى اللّه عليه و آله» من أبي لهب معروف و مشهور. و لكننا نجد في المقابل موقفه «صلى اللّه عليه و آله» من (سلمان) الذي كان «صلى اللّه عليه و آله» يحب أن يقال له: «سلمان المحمدي» بدلا من: «الفارسي» (1).

و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» في حقه: «سلمان منا أهل البيت» (2).


1) راجع: البحار ج 22 ص 327 و 349، و سفينة البحار ج 1 ص 646، و قاموس الرجال ج 4 ص 415.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 598، و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 200 و 204، و ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 54، و الإختصاص ص 341، و بصائر الدرجات ص 17، و البحار ج 22 ص 326 و 330 و 331 و 348 و 349 و 374، و سفينة البحار ج 1 ص 646 و 647، و الطبقات لابن سعد ج 1 ص 59، و أسد الغابة ج 2 ص 331، و السيرة الحلبية ج 2 ص 313، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 102، و تاريخ الخميس ج 1 ص 482، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 51، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 568، و المغازي للواقدي ج 2 ص 446، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235، و قاموس الرجال ج 4 ص 415 و 424، و نفس الرحمن ص 34 و 35 و 29 و 43 عن مجمع البيان، و الدرجات الرفيعة ص 218.

قال أبو فراس الحمداني:

كانت مودة سلمان لهم رحماو لم يكن بين نوح و ابنه رحم

2-كما أن نفس كونه «صلى اللّه عليه و آله» شريكا في المصيبة، من شأنه أن يخفف المصاب على الآخرين، الذين فقدوا أحباءهم في أحد، و لا سيما إذا كان مصابه «صلى اللّه عليه و آله» بمن هو مثل حمزة أسد اللّه و أسد رسوله.

حمزة الذي لم يكن ليخفى على أحد موقعه في المسلمين و نكايته في المشركين، و لم يكن ما فعلته هند و أبو سفيان بجثته الشريفة، و أيضا موقف أبي سفيان من قبره الشريف في خلافة عثمان؛ ثم ما فعله معاوية في قبره و قبور الشهداء، بعد عشرات السنين من ذلك التاريخ-لم يكن كل ذلك- إلا دليلا قاطعا على ذلك الأثر البعيد، الذي تركه حمزة في إذلال المشركين، و إعلاء كلمة الحق و الدين. حتى إن أبا سفيان و ولده معاوية لم يستطيعا أن ينسيا له ذلك الأثر، و بقي-حتى قبره-الذي كان يتحداهم بأنفة و شموخ، كالشجا المعترض في حلقي الأب و الابن على حد سواء.

لقد استطاع حمزة أن يحقق أهدافه حتى و هو يستشهد، لأن شهادته جزء من هدفه كما قلنا.

أما أعداء الإسلام فقد باؤوا بالفشل الذريع، و الخيبة القاتلة، و انتهى بهم الأمر إلى أن يكونوا طلقاء هذه الأمة، و زعماء منافقيها، المشهور نفاقهم، و المعروف كفرهم.

ه: موقف أبي سفيان من قبر حمزة:

و إن موقف أبي سفيان من قبر حمزة، ليعتبر دليلا واضحا على كفره،

و أنه لا يزال يعتبر حربه مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» حربا على الملك و السلطان، و المكاسب الدنيوية.

و قد دخل أبو سفيان على عثمان، فقال له: قد صارت إليك بعد تيم و عدي، فأدرها كالكرة، و اجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، و لا أدري ما جنة و لا نار (1).

و كان أبو سفيان كهفا للمنافقين، و كان يوم اليرموك يفرح إذا انتصر الكفار على المسلمين، و يحزن حين يرى كرة المسلمين عليهم (2).

و كفريات أبي سفيان معروفة و مشهورة، و لا مجال لاستقصائها، فمن أرادها فليراجع مظانها (3).

و: مواساة الأنصار للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

و إن مواساة الأنصار للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى في البكاء على حمزة، لهي في الحقيقة من أروع المواساة للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله»


1) الإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 87، و الكنى و الألقاب ج 1 ص 86، و قاموس الرجال ج 10 ترجمة أبي سفيان و ج 5 ص 116 و 117، و الغدير ج 8 ص 278 عن الإستيعاب، و تاريخ الأمم و الملوك (ط دار المعارف) ج 10 ص 58، و مروج الذهب ج 2 ص 343.

2) النزاع و التخاصم للمقريزي ص 18.

3) راجع الغدير، و لا سيما ج 8 ص 278 و 279 و ج 10 ص 79-84 لمعرفة رأي علي في معاوية، و في أبيه، و قاموس الرجال ترجمة أبي سفيان، و الإستيعاب و غير ذلك.

فهم يواسونه بأموالهم و أنفسهم، و حتى في عواطفهم الصادقة، و مشاعرهم النبيلة.

و قد استمروا على صدقهم، و وفائهم، و إخلاصهم له و لرسالته، و لوصيه علي «عليه السلام» ، و أهل بيته «عليهم السلام» إلى آخر لحظة، و لذلك نكبهم الأمويون، و الحكام بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أذلوهم، و حرموهم، كما تقدمت الإشارة إليه.

ز: صبر صفية:

و إن صبر صفية، و اعتبارها: أن ما جرى لحمزة قليل في ذات اللّه تعالى، إنما هو نتيجة للوعي الرسالي الرائد للإسلام، الذي لا يمكن اعتباره محدودا و مقوقعا ضمن طقوس و حركات، أو جذبات صوفية و نحوها.

فالإسلام حياة. و لا يطلب فيه الموت و الشهادة إلا من أجل هذه الحياة.

و الإسلام هو السلام حتى في حال الحرب، و هو الحياة فيما يراه الناس الموت، و الراحة في ما يراه الناس التعب، و السعادة في ما يراه الناس الشقاء و الآلام.

إنه سلام شامل و كامل؛ فإذا بلغ الإنسان هذا السلام الشامل، فهو المسلم الحق.

و هكذا كانت صفية رضوان اللّه تعالى عليها، حتى أصبح ما جرى لأخيها قليلا في ذات اللّه، و صار سلاما لها و عليها.

التعصب:

و لما قتل حمزة رضوان اللّه عليه، بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» فأتاه ببنت حمزة؛ فسوغها «صلى اللّه عليه و آله» الميراث كله (1).

و هذا يدل: على أنه لا ميراث للعصبة على تقدير زيادة الفريضة عن السهام إلا مع عدم القريب، فيرد باقي المال على البنت، و البنات، و الأخت و الأخوات، و على الأم، و على كلالة الأم، مع عدم وارث في درجتهم، و على هذا إجماع أهل البيت «عليهم السلام» ، و أخبارهم به متواترة.

و يدل على ذلك أيضا، قوله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (2)فعن الإمام الباقر «عليه السلام» في هذه الآية: «إن بعضهم أولى بالميراث من بعض؛ لأن أقربهم إليه رحما أولى به.

ثم قال أبو جعفر «عليه السلام» : أيهم أولى بالميت، و أقربهم إليه؟ أمه، أو أخوه؟ أليس الأم أقرب إلى الميت من إخوته و أخواته» ؟ ! (3).

و للتوسع في هذا البحث مجال آخر.

الاختصام في ابنة حمزة:

و يقولون: إن عليا و جعفرا ابني أبي طالب، و زيد بن حارثة، اختصموا


1) التهذيب ج 6 ص 311، و الوسائل ج 17 ص 432.

2) الآية 75 من سورة الأنفال.

3) الوسائل ج 17 ص 434.

في ابنة حمزة، فقال «صلى اللّه عليه و آله» لكل واحد منهم ما أرضاه (1).

و نحن نشك في الحديث من أصله، لأن جعفر كان في واقعة أحد في الحبشة، و قد جاء إلى المدينة في سنة ست من الهجرة.

و دعوى أن الاختصام قد حصل بعد رجوعه تطرح أمامنا سؤالا عن السبب في سكوت زيد بن حارثة عن المطالبة ببنت حمزة كل هذه المدة.

الصلاة على الشهداء و تغسيلهم و دفنهم:

لقد روى بعضهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يصلّ على شهداء (أحد) . و به أخذ الأئمة الشافعية.

و لكن ذلك غير صحيح؛ فقد صرحت الروايات الكثيرة: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى عليهم. و روي ذلك عن بعض أئمة الحديث، و به أخذ الأئمة الحنفية (2).

و الصحيح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى عليهم، و لم يغسلهم، و هو الثابت عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» ، الذين هم سفينة نوح، و باب حطة. و لذا فلا يعبأ بما رواه غيرهم؛ و لذا فنحن لا نطيل الكلام في ذلك.

و لا سيما بعد أن قال (مغلطاي) : «. . و صلى على حمزة و الشهداء من غير غسل. و هذا إجماع؛ إلا ما شذ به بعض التابعين.

إلى أن قال: قال السهيلي: و لم يرو عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه صلى


1) التراتيب الإدارية ج 2 ص 149 و غير ذلك.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 442، و ليراجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 248 و 249.

على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه.

و فيه (نظر) ؛ لما ذكره النسائي من أنه صلى على أعرابي في غزوة أخرى» (1).

و عن عدد التكبير عليهم، و على غيرهم، فقد تقدم في أول هذا الفصل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كبر على حمزة سبعا أو سبعين-كما هو الأصح-. و أما ما يقال: من أن عدد التكبيرات على الميت أربع، فقد أثبتنا بما لا يقبل الشك أنه لا يصح، و أن التكبير على الميت (خمس) لا أربع (2).

و بالنسبة للغسل، فقد قال الديار بكري و غيره: «أجمع العلماء على أن شهداء أحد لم يغسلوا» (3).

و تقدم: أن حنظلة خرج و هو جنب، فأخبر «صلى اللّه عليه و آله» أن الملائكة تغسله.

و يقال أيضا: إن حمزة قد قتل جنبا؛ فرأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الملائكة تغسله (4).

و لكن هذا ينافي ما جاء في بعض النصوص من أنه قتل يوم أحد صائما. و اللّه هو العالم.


1) سيرة مغلطاي ص 50 و 51.

2) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 442، و السيرة الحلبية ج 2 ص 248، و تقدم ذلك عن مغلطاي أيضا.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 248، و مغازي الواقدي ج 1 ص 309، و شرح النهج ج 15 ص 37.

و مهما يكن من أمر؛ فإن الشهداء لم يغسلوا، و إخباره «صلى اللّه عليه و آله» بتغسيل الملائكة لمن مات جنبا، بالإضافة إلى أنه إخبار عن واقع؛ فإنه أيضا ليس لأجل موته بل هو لأجل جنابته؛ لرفع الحزازة التي ربما تحدث في نفس أهله، الذين يعرفون بأنه لم يغتسل من جنابته.

و أما بالنسبة للتكفين؛ فإن الشهيد يدفن في ثيابه، و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كفن حمزة و حنّطه؛ لأنه كان قد جرد، كما روي (1).

و أما عن دفنهم؛ فيقال: إنه قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : ادفنوهم حيث صرعوا (2).

و يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ادفنوا الإثنين و الثلاثة في قبر واحد، و قدموا أكثرهم قرآنا (3).

لماذا تقديم الأقرأ؟

و تقديم أكثرهم قرآنا حتى في هذا المقام، له دلالة هامة هنا، فإن


1) راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 135 عن من لا يحضره الفقيه.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 442 عن الإكتفاء، و ابن اسحاق، و أحمد، و الترمذي، و أبي داود، و النسائي، و الدارمي، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 162 و 163، و في شرح النهج ج 4 ص 262 رواية ناقشها المعتزلي بما لا مجال له.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 442 عن أحمد، و الترمذي، و أبي داود، و النسائي، و شرح النهج ج 15 ص 38، و مغازي الواقدي ج 1 ص 310، و الثقات ج 1 ص 33، و مجمع الزوائد ج 6، و المصنف ج 3 ص 541 و ج 5 ص 272.

أكثرهم قرآنا يفترض به أن يكون هو الأكثر وعيا و بصيرة في أمره، و من ثم يكون إخلاصه للقضية التي يقاتل من أجلها أشد، و ارتباطه بها أعمق. و كلما كان العمل أكثر إخلاصا للّه، كلما كانت قيمته أغلى؛ و ثمنه أغلى، لأنه يستمد قيمته هذه من مدى اتحاده بذلك الهدف، و فنائه فيه.

بل نجد أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتجاوز ذلك، إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يبعث بعثا و هم ذوو عدد، فاستقرأهم؛ ليعرف ما معهم من القرآن؛ فوجد: أن أحدثهم سنا، أكثرهم قرآنا، فأمّره عليهم (1).

فهو «صلى اللّه عليه و آله» يعطي بذلك نظرة الإسلام الصحيحة للعلم و المعرفة الذين يتركان أثرهما الإيجابي حتى بالنسبة لما بعد الموت، و حتى بالنسبة لهؤلاء المتساوين من حيث بذل أغلى ما لديهم في سبيله، و إن لم يكونوا متساوين في درجات معرفتهم، و ثقافتهم، و وعيهم.

و لقد رأينا أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقول-كما يروي لنا أبو سلمة-: إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمهم أقرؤهم و إن كان أصغرهم؛ فإذا أمهم فهو أميرهم (2).

و في هذا دلالة واضحة على أن الملاك في التقديم هو المعرفة الخالصة، التي تؤهل الإنسان لأن يكون أكثر خشية للّه: إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ (3). و ليس هو الجمال، أو الجاه، أو المال، أو النسب، أو غير ذلك؛


1) حياة الصحابة ج 2 ص 54، و الترغيب و الترهيب ج 2 ص 352، و راجع: المصنف ج 5 ص 165 ففيه ما يشير إلى ذلك.

2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 165.

3) الآية 28 من سورة فاطر.

فإن ذلك قد رفضه الإسلام و القرآن رفضا قاطعا و نهائيا.

أنا شهيد على هؤلاء:

و كان طلحة بن عبيد اللّه، و ابن عباس، و جابر بن عبد اللّه، يقولون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى على قتلى أحد، و قال: «أنا شهيد على هؤلاء.

فقال أبو بكر: ألسنا إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، و جاهدنا كما جاهدوا؟

قال: بلى، و لكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئا، و لا أدري ما تحدثون بعدي.

فبكى أبو بكر، و قال: إنا لكائنون بعدك» ؟ (1).

و هذا يدل: على أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن مطمئنا لما ينتهي إليه أمر أصحابه بعده. و لم يكن يعتقد أن مجرد صحبتهم له تدخلهم الجنان، و تجعلهم معصومين، أو أنها تكون أمانا لهم من كل حساب و عقاب، عملوا ما عملوا، و فعلوا ما فعلوا؛ فإن ذلك خلاف ما قرره القرآن الذي يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (2)و قد بحثنا موضوع عدالة الصحابة في موضع آخر (3).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 38، و مغازي الواقدي ج 1 ص 310، و المصنف ج 3 ص 541، و ليراجع ص 575 و ج 5 ص 273.

2) الآيتان 7 و 8 من سورة الزلزلة.

3) راجع الجزء الثاني من كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام.

و ما ذكرناه هناك ما هو إلا رشحة من نهر، و قطرة من بحر. و الأدلة على ما نقول، من أن كل صحابي محاسب على ما عمل، و أن فيهم المؤمن، و المنافق، و العادل، و الفاسق كثيرة جدا، لا مجال لحصرها.

عدد شهداء أحد:

و أما عن عدد الشهداء في أحد، فقد كانوا سبعين: من المهاجرين أربعة، و الباقون من الأنصار (1).

و قيل: أربعة و ستون من الأنصار، و ستة من المهاجرين، و جرح سبعون.

و هذا ما وعدهم به النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر حسبما تقدم.

و أما ما يقال: من أن عدتهم خمس و ستون، فيهم أربعة من المهاجرين، أو أنهم ستة و تسعون.

أو أنهم ثمانون: أربعة و سبعون من الأنصار، و ستة من المهاجرين (2).

فليس بمسموع بعد أن أخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما هو المشهور-بأنه سيقتل من المسلمين بعدة أسرى بدر إن قبلوا بالفداء. وعدة أسرى بدر كانت سبعين كما يقولون (3).


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 300، و السيرة الحلبية ج 2 ص 255، و تاريخ الخميس ج 1 ص 446.

2) راجع: سيرة مغلطاي ص 49 و 50، و تاريخ الخميس ج 1 ص 446، و السيرة الحلبية ج 2 ص 255، و غير ذلك كثير و ليراجع شرح النهج ج 15 ص 51 و 52.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 144.

أما ما عن أنس، من أنه قتل من الأنصار في أحد سبعون، و في بئر معونة سبعون، و يوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون، رواه البخاري (1):

فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأن قتلى أحد كانوا سبعين من الأنصار و المهاجرين معا، لا من الأنصار وحدهم. و لأنه سيأتي في سرية بئر معونة الاختلاف الشديد في عدد أفرادها، و هي تتراوح ما بين العشرة إلى السبعين رجلا (2).

أكثر القتلى من الأنصار:

و يلاحظ هنا: أن أكثر القتلى كانوا من الأنصار، و قد جاء ذلك بصورة لا تتناسب مع عدد المشاركين منهم في الحرب إذا قورن بمن قتل من المهاجرين، إذا أضيف إلى عدد المشاركين منهم أيضا.

و قد أشرنا فيما تقدم: إلى أن قريشا ظلت تحقد على الأنصار، و على أهل البيت «عليهم السلام» عشرات السنين و الأعوام.

و كان يهمها: أن تجزرهم جزرا، و لا يبقى منهم نافخ نار.

و لربما نفهم: أن الأنصار كانوا أكثر اندفاعا إلى الحرب، و أشد تصديا لمخاطرها، لأنهم يدافعون عن وطنهم، و عن عقيدتهم معا.

و قد كان الإسلام فيهم أعرق و أعمق من كثير من المهاجرين، فلا يقاس بهم مسلمو الفتح، فإنهم إنما أسلموا خوفا أو طمعا؛ و لذا فقد كثر فيهم المنافقون و المناوؤون لأهل البيت «عليهم السلام» .


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 146 عن المشكاة.

2) راجع: الجزء الثامن من هذا الكتاب، الباب الرابع: سرية بئر معونة.

و لعل كثيرا من المهاجرين كانوا مطمئنين إلى قبول قومهم لهم، كما يظهر مما تقدم.

كما أن بعض المشاركين في الحرب من هؤلاء و أولئك، لم تكن لديه دوافع عقيدية أيضا، كما هو الحال بالنسبة لمن يقاتلون من أجل السلب، و الغنائم، و غير ذلك.

زيارة القبور:

و يذكرون: أن المسلمين كانوا يتبركون بقبر حمزة، و يستشفون بتربته، و قد صنعوا السبحة منها (1).

و يذكر الواقدي هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يزور قبور شهداء أحد في كل حول، فإذا لقوه رفع صوته يقول: السلام عليكم بما صبرتم؛ فنعم عقبى الدار. و كان أبو بكر يفعل مثل ذلك، و كذلك عمر، ثم عثمان، ثم معاوية.

و نقول: كيف يذكر معاوية هنا، و هو الذي نبش قبور الشهداء من أجل العين التي أجراها؟ ! .

و كانت فاطمة تأتيهم بين اليومين و الثلاثة؛ فتبكي عندهم، و تدعو.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يأمر بزيارتهم، و التسليم عليهم.

و كذا كان يزورهم سعد بن أبي وقاص، و أبو سعيد الخدري كان يزور


1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 69 و 116.

قبر حمزة، و أم سلمة أيضا كانت تزورهم كل شهر؛ و قد أنّبت غلامها لأنه لم يسلم عليهم. و كذا أبو هريرة، و ابن عمر، و فاطمة الخزاعية (1).

و عن السجاد «عليه السلام» : أن فاطمة «عليها السلام» كانت تزور قبر عمها حمزة في الأيام تصلي و تبكي عنده (2).

و قد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا بزيارة القبور. و شواهد هذا البحث كثيرة جدا لا تكاد تحصر، و قد ألفت الكتب، و نظمت البحوث في هذا الموضوع (3).

فليراجعها من أراد التوسع؛ فلا يصغى لمنع بعض الفرق من زيارة القبور، فإن ذلك لا يستند إلى أي دليل معقول أو مقبول.

عدد قتلى المشركين:

و يقال: إنه قد قتل من المشركين في معركة أحد ثمانية عشر رجلا (4).

و قيل: اثنان، أو ثلاثة و عشرون (5).


1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 313 و 314، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 40.

2) المستدرك للحاكم ج 3 ص 28.

3) راجع: شفاء السقام للسبكي، و الغدير ج 5 من ص 166 حتى ص 208، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 28، و وفاء الوفاء ج 3 ص 83 فما بعدها و 931- 933، و تأويل مختلف الحديث ص 197، و غير ذلك.

4) مجمع البيان ج 2 ص 500، و البحار ج 20 ص 22 عنه.

5) سيرة مغلطاي ص 50، و تاريخ الخميس ج 1 ص 447، و السيرة الحلبية، و غير ذلك.

و قيل: ثمانية و عشرون (1).

و قيل: أكثر من ذلك. لأن حمزة قد قتل وحده منهم واحدا و ثلاثين رجلا كما يقولون (2).

أكثر القتلى من علي عليه السّلام:

1-و يروي البعض: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد قتل في أحد اثني عشر رجلا (3).

2-و نعتقد أنه «عليه السلام» قد قتل أكثر من ذلك، لأنه قد قتل أصحاب اللواء بلا شك كما تقدم بيانه، و هم تسعة أو أحد عشر، كما أن المعتزلي يذكر: أن كتائب المشركين صارت تحمل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد قتل من كتيبة بني كنانة أبناء سفيان بن عويف الأربعة. و تمام العشرة منها، ممن لا يعرف بأسمائهم.

و قال: إن ذلك قد رواه جماعة من المحدثين، و يوجد في بعض نسخ ابن إسحاق، و أنه خبر صحيح فراجع كلامه (4).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 54.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 226 و 255، و الإصابة ج 1 ص 354.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 54.

4) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 250 و 251 و في ج 15 ص 54: أن في بعض كتب المدائني أن عليا «عليه السلام» قتل بني سفيان بن عوف، و روى له شعرا في ذلك، فراجع.

3-قال القوشجي: و كان أكثر المقتولين منه (1)(أي من أمير المؤمنين «عليه السلام») .

4-و قال الشيخ المفيد رحمه اللّه تعالى: و قد ذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين، و كان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين «عليه السلام» .

ثم ذكر أسماء اثني عشر من الأبطال المعروفين ممن قتلهم «عليه السلام» (2).

5-و لسوف يأتي: أن قريشا قد عجلت بالمسير عن حمراء الأسد حينما علمت أن عليا «عليه السلام» قادم إليها.

6-و يقول الحجاج بن علاط في وصف قتله «عليه السلام» لكبش الكتيبة، طلحة بن أبي طلحة، و حملاته «عليه السلام» في أحد:

للّه أي مذبب عن حزبهأعني ابن فاطمة المعم المخولا

جادت يداك له بعاجل طعنةتركت طليحة للجبين مجدلا

و شددت شدة باسل فكشفتهمبالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا

و عللت سيفك بالدماء و لم تكنلترده حران حتى ينهلا (3)

و مما يدل على مدى ما فعله أمير المؤمنين «عليه السلام» بقريش في أحد: أن النص التأريخي يؤكد على أن قريشا كانت-بعد ذلك-و إلى عشرات السنين تحقد على علي «عليه السلام» ، و على أهل بيته لذلك.


1) شرح التجريد للقوشجي ص 486.

2) الإرشاد ص 54، و البحار ج 20 ص 88 و 89 عنه.

3) الإرشاد للمفيد ص 54، و البحار ج 20 ص 90 عنه، و هامش ص 50 عن الإمتاع.

و قد ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه الأحقاد لعلي «عليه السلام» (1)ثم ظهرت آثارها في المجازر التي ارتكبها الأمويون في كربلاء و غيرها.

و قد صرحت الزهراء «عليها السلام» بأن ما جرى عليهم بعد شهادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد كان بسبب الأحقاد البدرية و الترات الأحدية (2).

أويس القرني في أحد:

و يقولون: إن أويس القرني قد حضر أحدا، و جرى عليه كل ما جرى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» من كسر رباعيته، و شج وجهه، و وطء ظهره! ! و يدل على أنه قد وطئ ظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» من قبل المشركين قول عمر: فلقد وطئ ظهرك، و أدمي وجهك (3).

و المراد بالوطء: الدوس بالأقدام.

و نحن لا نصدق ذلك أصلا، لأنهم يقولون: إن أويسا لم ير النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصلا، لأنه-كما يقولون-كان مشغولا بخدمة أمه (4).


1) راجع: البحار ج 26 ص 54 و 55، و راجع الطبعة الحجرية من البحار ج 8 ص 151.

2) راجع: المناقب لابن شهراشوب ج 2 ص 203 و في ط أخرى ج 1 ص 381، و البحار ج 43 ص 156.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 255، و 256، و الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 27.

4) الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 27، و الإصابة ج 1 ص 115، و السيرة الحلبية ج 2 ص 256، و راجع القصة في الزهد و الرقائق قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 60.

و روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله: خير التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر (1).

و في مسند أحمد: نادى في صفين رجل شامي: أفيكم أويس القرني؟

قالوا: نعم.

قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: من خير التابعين أويس القرني (2).

فوصفه بالتابعي يشير إلى أنه لم يكن من الصحابة.

بل لقد كان الإمام مالك ينكر وجود أويس القرني من الأساس (3).

و لكنه كلام لا يصح: فقد تواتر أنه شخصية حقيقة، و قد ذكر العلماء و المصنفون أخباره و فضائله في كتبهم و منقولاتهم.

و لعل سبب إنكار وجوده و دعوى: أنه توفي في خلافة عمر (4)هو حضوره مع علي «عليه السلام» في صفين، و استشهاده معه (5).


1) الإصابة ج 1 ص 115 عن مسلم، و لسان الميزان ج 1 ص 472 و 474 و 475، و السيرة الحلبية ج 2 ص 256 بعدة ألفاظ، و مختصر تاريخ دمشق ج 3 ص 162 و 163، و راجع: تيسير الوصول ج 2 ص 167.

2) الإصابة ج 1 ص 116، و لسان الميزان ج 1 ص 475 و راجع ص 474، و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 175، و راجع ص 162.

3) الاصابة ج 1 ص 115، و راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 162، و راجع ص 165 و 166 و 172، و لسان الميزان ج 1 ص 475.

4) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 162 عن ابن سعد، و راجع ص 173 و 174.

5) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 171، و لسان الميزان ج 1 ص 474 و 475.

و لعل أكذوبة: أن المشركين قد وطئوا ظهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءت بهدف الحط من كرامته «صلى اللّه عليه و آله» ، أو إظهار خطورة الموقف، ليخف النقد الموجه للفارين عنه «صلى اللّه عليه و آله» .

مع أن ذلك آكد في ذمهم، و أشد في قبح ما صدر منهم.

صفية و اليهودي:

و يذكر البعض في غزوة أحد (1)قضية قتل صفية لليهودي، و عدم جرأة حسان على قتله، و لا على سلبه.

و لكن الظاهر هو: أن ذلك كان في غزوة الخندق، و لذا فنحن نرجئ الحديث عنه إلى هناك.

بعض الحكم في معركة أحد:

قال السمهودي: قال العلماء: و كان في قصة أحد من الحكم و الفوائد أشياء عظيمة:

منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، و شؤم ارتكاب النهي، لما وقع من الرماة.

و منها: أن عادة الرسل أن تبتلى، و تكون لها العاقبة.

و منها: إظهار أهل النفاق، حتى عرف المسلمون: أن لهم عدوا بين أظهرهم.


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 288، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 16.

و منها: تأخير النصر هضما للنفس، و كسرا لشماختها (1).

ثم ذكر كلاما يشتم منه رائحة الجبر، و هو ما لا نوافقه عليه، و لذلك أهملناه.

من مشاهد العودة إلى المدينة:

1-و عاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون إلى المدينة، و استقبلته أم سعد بن معاذ تعدو، فجاءت حتى نظرت في وجهه، و قالت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، هانت علي كل مصيبة إن سلمت. فعزاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بولدها عمرو.

و في رواية: أنه لما بشرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما للقتلى في الجنة، قالت: رضينا يا رسول اللّه، و من يبكي عليهم بعد هذا؟ ! (2).

2-مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بامرأة من الأنصار، و قد أصيب زوجها، و أخوها، و أبوها مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في أحد؛ فلما نعوهم إليها قالت: ما فعل رسول اللّه؟

قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد اللّه كما تحبين.

قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.

فأشير لها إليه، فلما رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل. يعني هينة.

و في رواية: أنهم استقبلوها بجنائز: ابنها، و أخيها، و أبيها، و زوجها، أو


1) وفاء الوفاء ج 1 ص 295، و تاريخ الخميس ج 1 ص 445.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 254، و مغازي الواقدي ج 1 ص 315 و 316، و تاريخ الخميس ج 1 ص 444.

دلّت على مصارعهم؛ فلم تكترث. و سألت عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فدلّت عليه؛ فذهبت حتى أخذت بناحية ثوبه.

ثم جعلت تقول: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لا أبالي إذا سلمت من عطب (1).

و نقول: إن هؤلاء النسوة قد بلغن من المعرفة و الوعي حدا صرن معه يعتبرن وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» كل شيء بالنسبة إليهن، و كل مصيبة بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» هينة، و لا يبالين إن سلم من عطب. فالرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» هو مصدر الطمأنينة، و عنوان الحياة، و الوجود لهن. و بدونه لا طعم للحياة، و لا معنى للبقاء.

و قد بلغ من يقينهن بما يخبر به الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : أنهن صرن كأنهن يرينه رأي العين، حتى لتقول أم سعد بن معاذ حينما أخبرها بما للشهيد في الجنة: و من يبكي عليهم بعد هذا؟ ! .

و لا يمكن أن نرجع ذلك كله لشخصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قوة تأثيرها، و إنما يرجع ذلك-و لا شك-إلى فطرية تعاليم الإسلام و مبادئه، و انسيابها مع المشاعر و العواطف، حتى لتمتزج بوجود الإنسان، و في كل كيانه، و تسري فيه كما يسري الدم في العروق.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 243 و 251 و 252 و 254، و تاريخ الخميس ج 1 ص 444، و تاريخ الطبري ج 2 ص 210، و الكامل لابن الاثير ج 2 ص 163، و البحار ج 20 ص 98، و اعلام الورى ص 85، و مجمع الزوائد ج 6 ص 115، و حياة الصحابة ج 2 ص 356 عنه، و البداية و النهاية ج 4 ص 47.

علي عليه السّلام يناول فاطمة عليها السّلام سيفه:

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ناول فاطمة «عليها السلام» سيفه، و قال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فواللّه، لقد صدقني اليوم. فجاء علي «عليه السلام» فناولها سيفه، و قال مثل ذلك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف، و أبو دجانة (1).

و لكن ذلك غير صحيح، و ذلك: 1-لأن الذي قتل معظم المشركين، و قتل أصحاب الألوية، و ثبت في أحد، و نادى جبرئيل باسمه، و قتل أبناء سفيان بن عويف الأربعة إلى تمام العشرة، هو علي «عليه السلام» و ليس أبا دجانة، و لا سهل بن حنيف، و لا غيرهما.

2-ثم إن هذه الرواية متناقضة النصوص؛ فعن ابن عقبة لما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيف علي «عليه السلام» مخضبا دما قال: إن تكن أحسنت القتال، فقد أحسنه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، و الحرث بن الصمة، و سهل بن حنيف (2). فأي الروايتين هو الصحيح؟


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 444 عن ابن اسحاق، و السيرة الحلبية ج 2 ص 255، و راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 235، و وفاء الوفاء ج 1 ص 293 عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 24، و تلخيصه للذهبي بهامشه، و صححاه على شرط البخاري، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 35.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 255.

3-لقد رد ابن تيمية قولهم: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى فاطمة «عليها السلام» سيفه، بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقاتل في أحد بسيف (1).

و الصحيح في القضية هو ما ذكره المفيد رحمه اللّه: من أنه بعد أن ناول علي فاطمة سيفه و قال لها: خذي هذا السيف؛ فلقد صدقني اليوم، و أنشد:

أفاطم هاك السيف غير ذميمفلست برعديد، و لا بلئيم

لعمري لقد أعذرت في نصر أحمدو طاعة رب بالعباد عليم

أميطي دماء القوم عنه فإنهسقى آل عبد الدار كأس حميم

قال «صلى اللّه عليه و آله» : خذيه يا فاطمة؛ فقد أدى بعلك ما عليه، و قد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش (2).

فهذه الرواية هي الأنسب و الأوفق بمساق الأحداث، و بأخلاق و سجايا النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

شماتة المنافقين و سرورهم بنتائج أحد:
اشارة

و لما عاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، و بكى المسلمون قتلاهم، سر بذلك المنافقون، و اليهود، و أظهروا الشماتة، و صاروا يظهرون أقبح القول.

و منه قولهم: ما محمد إلا طالب ملك، و ما أصيب بمثل هذا نبي قط، أصيب في بدنه، و أصيب في أصحابه. و عرف المسلمون عدوهم الذي في دارهم، و تحرزوا منه.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 255.

2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 54، و البحار ج 20 ص 88 عنه.

و قالوا أيضا: لو كان من قتل عندنا ما قتل. و جعلوا يخذلون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه، و يأمرونهم بالتفرق عنه. و استأذنه عمر في قتل هؤلاء القائلين من المنافقين و اليهود، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه؟

قال عمر: بلى، و لكن تعوذوا من السيف، و قد بان أمرهم، و أبدى اللّه تعالى أضغانهم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : نهيت عن قتل من أظهر ذلك. و أما اليهود فلهم ذمة فلا أقتلهم (1).

و نحن نشير هنا إلى ما يلي:

ألف: التمحيص:

إن المحن التي أصابت المسلمين في حرب أحد قد ميزت الخبيث من الطيب منهم، و امتاز أدعياء الإيمان و المنافقون عن المؤمنين.

كما و عرفت درجات المؤمنين أنفسهم، و مدى ثبات قدم كل منهم في الإيمان.

قال تعالى في مناسبة غزوة أحد: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ اَلنّٰاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدٰاءَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ (2).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 254، و مغازي الواقدي ج 1 ص 317 و 318، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 43.

2) الآية 140 من سورة آل عمران.

و في ذلك أيضا: تعريف للمؤمنين أنفسهم بقدراتهم الإيمانية، و ملكاتهم النفسية تلك.

فلا بد إذا، أن يسعى المقصرون لجبر ما فيهم من نقص، و تكميل يقينهم، و زيادة وعيهم الرسالي؛ قال تعالى في آيات نزلت بمناسبة أحد: وَ لِيُمَحِّصَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

و يقول: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلىٰ مَضٰاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اَللّٰهُ مٰا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مٰا فِي قُلُوبِكُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ (2).

و خلاصة الأمر: أن ما جرى في أحد قد عرف المسلمين بحقيقة تركيبة مجتمعهم، و أن فيه المؤمن و المنافق، و عرفهم أيضا بطاقاتهم و قدراتهم، و درجاتهم الإيمانية.

و هذا أمر مهم جدا بالنسبة لخططهم المستقبلية، و مهم أيضا بالنسبة لتعاملهم على الصعيد الداخلي مع بعضهم البعض؛ لأن ذلك يجعلهم أكثر دقة، و أشد حيطة، حيث يحسبون لكل شيء حسابه، فلا يأتيهم ما لا يتوقعون، و لا يواجهون المفاجآت المحيرة. الأمر الذي لا بد أن يؤثر في نتائج مواقفهم، و جعلها لصالحهم بنحو أدق و أحكم.

ب: أجواء النفاق و دوافعه:

إن النفاق لا يستدعي دائما: أن يكون المنافق يرغب في هدم هذا الدين


1) الآية 141 من سورة آل عمران.

2) الآية 154 من سورة آل عمران.

الجديد، و يترصد الفرصة لذلك.

بل ربما يكون ذلك خوفا من هذه الدعوة حينما يكون لها قوة و طول.

أو طمعا بنفع عاجل، مادي، أو معنوي.

أو عصبية و حمية لبلد، أو قبيلة.

أو طمعا في أن تنجح الدعوة في التغلب على المصاعب التي تواجهها، و يكون لهذا الشخص المنافق شأن فيها.

أو التزاما بتقليد اجتماعي، ذي طابع معين.

أو حفاظا على مصالح لا يمكن الحفاظ عليها مع مناهضة الدعوة.

إلى غير ذلك مما لا مجال له هنا.

إذن، فيمكن أن يكون نفاق ابن أبي، و كثير من أصحابه، إنما كان من أجل الحصول على ما في الإسلام من مغانم؛ و الابتعاد عما يواجهونه من متاعب و مغارم.

و قد يكون نفاقهم هذا يتخذ اتجاها لا ينسجم مع تسليط المشركين على المدينة، لأن ذلك و لا شك لسوف يلحق الضرر بأولئك المنافقين أنفسهم. و لسوف يلحق الضرر بالتزاماتهم القبلية و الاجتماعية، و بمصالحهم بشكل عام. كما أن تسليط المشركين على بلدهم لا ينسجم مع التقليد الاجتماعي القائم آنذاك، و لا مع غيرتهم و حميتهم، و عصبيتهم.

نعم، ربما تتغير هذه النظرة للمنافق، و يتجاوز كل هذه الموانع، إذا رأى: أن وجوده و مصالحه في خطر في المستقبل.

و إذا رأى أنه لا يمكنه الحفاظ على الحد الأدنى من مصالحه إلا بالتعامل مع أعداء هذه الدعوة؛ فيندفع إلى القيام بأي عمل يحفظ له الحد

الأدنى مما تطمح نفسه إليه، و يسعى من أجل الحصول عليه.

دعني أقتله يا رسول اللّه! !

ثم إننا نجد: أن عمر يستأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قتل هؤلاء المنافقين؛ فلا يأذن له النبي «صلى اللّه عليه و آله» (و قد تقدم حين الكلام عن وحشي، و في موضع آخر بعض ما يرتبط بذلك) .

و نجد مثل ذلك من عمر في خلال حياته مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» الشيء الكثير، و كأمثلة على ذلك نشير إلى:

1-قصته مع الحكم بن كيسان (1).

2-قصته مع أبي سفيان (2)حين فتح مكة.

3-و مع عبد اللّه بن أبي (3).

4-و مع ذي الخويصرة (4).


1) حياة الصحابة ج 1 ص 41، و طبقات ابن سعد ج 4 ص 137.

2) حياة الصحابة ج 1 ص 154، و مجمع الزوائد ج 6 ص 166 عن الطبراني و رجاله رجال الصحيح.

3) المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 469، و حياة الصحابة ج 1 ص 484 عن البخاري، و مسلم، و أحمد، و البيهقي، و البداية و النهاية ج 4 ص 370، و تفسير ابن كثير ج 4 ص 372 عن ابن أبي حاتم، و في فتح الباري ج 8 ص 458: هو مرسل جيد، و صحيح البخاري (ط سنة 1309) ج 3 ص 132.

4) حياة الصحابة ج 2 ص 601، و البداية و النهاية ج 4 ص 362 عن الصحيحين، و مناقب الخوارزمي ص 182.

5-و مع حاطب بن أبي بلتعة (1).

6-و مع ذي الثدية (2)و قيل باتحاده مع ذي الخويصرة، و قيل: لا.

7-و مع شيبة بن عثمان (3).

8-و مع الأعرابي الذي من بني سليم (4).

9-و نجده يطلب في الحديبية أن يمكنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من نزع ثنيتي سهيل بن عمرو، حتى يدلع لسانه.

و في كل ذلك يمنعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يردعه، و يخبره: بأنه لا يرغب في ذلك.

و بالنسبة للحادثة الأخيرة مع سهيل بن عمر و قال له: فعسى أن يقوم مقاما تحمده. فكان مقامه هو ما ستأتي الإشارة إليه (5).

فقد كان له موقف جيد في مكة حين وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) مجمع الزوائد ج 8 ص 303 عن أحمد، و أبي يعلى و البزار، و حياة الصحابة ج 2 ص 463 و 464. و راجع أيضا: و البداية و النهاية ج 4 ص 284 عن أحمد، و البخاري، و الترمذي، و بقية الجماعة ما عدا ابن ماجة، و مناقب الخوارزمي الحنفي ص 74.

2) المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 155، و مجمع الزوائد ج 6 ص 226 عن أبي يعلى. و قد روي هذا الحديث من وجوه كما في مجمع الزوائد.

3) الرياض النضرة المجلد الأول ج 2 ص 353.

4) المعجم الصغير ج 2 ص 64.

5) الإصابة ج 2 ص 93، و الإستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 109 و 110، و تفصيل القضية فيه.

حيث منع أهل مكة من الارتداد و سكّنهم، و عظم الإسلام (1).

و لا ندري كيف خفيت على عمر خطورة تصرف كهذا؟ !

و أن ذلك معناه: نقض الصلح، و إعطاء نظرة سلبية عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عن المسلمين، و فسح المجال للدعاية المغرضة ضدهم، و أنهم لا عهد لهم و لا ذمار. فحتى مع الرسل و المفاوضين يفعلون ذلك الأمر المهين و المشين، الأمر الذي يرفضه حتى العرف الجاهلي، فضلا عن الخلق السامي و النبيل.

كما أننا لا ندري-لو أنه فعل ذلك بسهيل بن عمرو-ماذا سوف يكون شعور ابنه عبد اللّه بن سهيل، الذي هرب من أبيه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و كان يكتم أباه إسلامه؟ ! .

ثم ماذا سوف يكون شعور ابنه الآخر أبي جندل بن سهيل، الذي جاء يرسف في الحديد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية؟ ! أي في نفس الوقت الذي يريد فيه عمر: أن يفعل ما يفعل بأبيه سهيل.

و قد كان سهيل يضرب أبا جندل بغصن شوك. و لكنه مع ذلك قد ضن بهذا الأب أن يصيبه سوء، كما ذكره مصعب الزبيري (2).

نعم، إننا لا ندري لماذا يصر عمر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الأمر، الذي كرر النبي «صلى اللّه عليه و آله» له رأيه فيه مرات عديدة؟ !


1) الإستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 110، و راجع سير أعلام النبلاء ج 1 ص 194.

2) نسب قريش لمصعب ص 319 و 320.

و أوضح له: أنه لا يريد أن يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه. بل لقد قال له في قصة ابن أبي: لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت لها آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته (1).

و إذا كان عمر يغار على مصلحة الإسلام إلى هذا الحد، حتى إنه لينسى كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» له في ذلك مرات عديدة، فلماذا فر في أحد قبل ذلك بقليل، و ترك الإسلام و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في معرض الأخطار الجسام، و الأهوال العظام؟ !

و لما ذا فر في خيبر، و حنين الخ؟ ! .

و لما ذا لم يطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما أمره بأن يقتل ذا الثدية؟ ! (2).

و لعل هذا هو سر قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له في قصة ابن أبي: أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟ مما يوحي بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يشك في صحة عزمه على هذا الأمر كثيرا، و قد أثبت الواقع صحة شكه «صلى اللّه عليه و آله» هذا.

و لماذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يسند هذه المهمة إلى غير عمر، إلا في قصة ذي الثدية، و كانت النتيجة فيها ما هو معلوم؟ ! .

و لماذا لا نجد غير عمر من سائر الصحابة يهتم بهذا الأمر بالخصوص؟ ! .

أسئلة تبقى حائرة، تنتظر الجواب المقنع و المفيد. و أين؟ ! و أنى؟ !


1) البداية و النهاية ج 4 ص 158.

2) راجع القضية في الاصابة ج 1 ص 484 و 485، و قال: إن لقصة ذي الثدية طرقا كثيرة صحيحة.

الفصل الخامس: غزوة حمراء الأسد و إلى السنة الرابعة

اشارة

قريش تفكر في المدينة، ثم تعدل عنها:

لقد كان من الطبيعي: أن يفكر المشركون في المدينة و نهبها، و سلب نسائها، بعد انتهائهم من معركة أحد.

و كان من الطبيعي أيضا أن يحسبوا: أن في المدينة خلقا كثيرا من الأوس و الخزرج لم يحضروا الحرب، و هم مسلمون.

و حتى اليهود، و المنافقون، مثل: ابن أبي و أصحابه، فإن لهم في المدينة أهلا و نساء و عيالا و أطفالا. كما أن لهم بعيال، و أطفال، و نساء، و حتى رجال المسلمين علاقات نسبية، و مصالح مشتركة، لا يمكن التخلي عنها، أو تجاهلها بسهولة.

إذن، فقد كان من الطبيعي أن يجد المشركون مقاومة شديدة في داخل المدينة لو هاجموها.

و أما الذين في خارجها. . فإنهم لن يسكتوا على هذا الأمر، فالرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أصحابه من ورائهم. و إن تحملوا خسائر كبيرة -سبعين قتيلا، و سبعين جريحا-إلا أن من بقي منهم، و هم أكثر من خمسمائة مقاتل، إذا كانت القضية قضية شرف و عرض و مال، و مستقبل؛ فضلا عن كونها قضية دين فلسوف-يستميتون في الدفاع عند ذلك كله. .

و لم تنس قريش بعد: أنها قد هزمت في ابتداء المعركة، و طار بها الرعب في آخرها من هؤلاء بالذات، مع أنها تزيدهم عددا أضعافا كثيرة.

كما لا مجال لمقايسة ما كان عندهم من السلاح و العدة بما كانت تملكه هي من عدة و سلاح.

و لم تنس بعد أيضا: أنها لم تتغلب عليهم إلا بسبب تكتيك حربي، يعتمد على عنصر المفاجأة استطاعت أن تستفيد منه حينما خالف الرماة صريح أوامر قائدهم، مع اشتغال الباقين في الغنائم، الأمر الذي جعلهم آمنين مطمئنين إلى أنه لا عدو بعد يواجههم.

هذا كله، عدا أن قريشا قد كلت في هذه الحرب، و تعبت، و أصبحت قدراتها الآن أقل بكثير مما كانت عليه في بداية الحرب، حيث واجهت الهزيمة أيضا. كما أنها ترغب في الاحتفاظ بهذا الانتصار الشكلي، و لا تريد أن تخاطر به، و تعرضه لاحتمالات الانتكاس و الفشل الفاضح؛ لأن هذا الانتصار الشكلي يتيح لها: أن تبذل محاولات جديدة في تضعيف تأثير مواقف المسلمين الشجاعة السابقة على القبائل في المنطقة، و بالذات على مشركي مكة أنفسهم.

و أخيرا، فلم لا تفكر في أن تتبع الخطة التي اتبعها المسلمون في بدر، حيث لم يتبعوا المشركين حينما هزموهم؟ فلعل ذلك كان لأهداف بعيدة، و حكم غابت عنها، أدركها الآخرون، و لم تستطع هي أن تدركها.

غزوة حمراء الأسد:

و في اليوم الثاني من أحد: «خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأمر

من الوحي-كما في الرواية-إلى حمراء الأسد، موضع على ثمانية أو عشرة أميال من المدينة، حيث ندب أصحابه، قائلا: «ألا عصابة تشد لأمر اللّه، تطلب عدوها؟ فإنها أنكأ للعدو، و أبعد للسمع» (1).

فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل اللّه: وَ لاٰ تَهِنُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ (2)» (3).

المجروحون فقط:

فخرج «صلى اللّه عليه و آله» في ستين راكبا (4)، أو سبعين (5).

و يدل على أن عدتهم سبعون: أن عائشة قالت لعروة بن الزبير: كان أبوك الزبير، و أبو بكر. لما أصاب نبي اللّه ما أصاب، و انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا (6).

و لكن الظاهر هو أن ذكر أبي بكر هنا قد جاء في غير محله، لأن الذين خرجوا في هذه الغزوة كانوا خصوص المجروحين، و كانوا سبعين رجلا كما تقدم.


1) مجمع البيان ج 2 ص 539، و البحار ج 20 ص 39.

2) الآية 139 من سورة آل عمران.

3) راجع: مجمع البيان ج 2 ص 509، و البحار ج 20 ص 22.

4) البدء و التاريخ ج 4 ص 205.

5) مجمع البيان ج 2 ص 539.

6) البداية و النهاية ج 4 ص 50 و 51، و السيرة الحلبية ج 2 ص 257، و الدر المنثور ج 2 ص 102 عن سعيد بن منصور، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و ابن ماجة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الحاكم، و البيهقي في الدلائل.

فقد روى القمي «رحمه اللّه» : أن جبرئيل «عليه السلام» نزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا محمد، إن اللّه يأمرك أن تخرج في أثر القوم، و لا يخرج معك إلا من به جراحة؛ فأمر «صلى اللّه عليه و آله» مناديه أن ينادي بذلك (1).

و يؤيد-أن هؤلاء السبعين هم المجروحون-: قوله تعالى في هذه المناسبة: اَلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مٰا أَصٰابَهُمُ اَلْقَرْحُ (2).

و قد قلنا: إنه إذا كان الذين خرجوا هم المجروحون فقط، فلا معنى لذكر أبي بكر و عمر و غيرهما، ممن لم يكن به جراح في الخارجين إلى حمراء الأسد. و على كل حال، فقد خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالمجروحين من أصحابه، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، و كان حامل لوائه علي «عليه السلام» ، و كانت قريش في الروحاء، على بعد خمسة و ثلاثين أو اثنين أو ثلاث و أربعين ميلا من المدينة حيث تلاوموا هناك فيما بينهم، و قالوا: لا محمدا قتلتم، و لا الكواعب أردفتم. قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا شوكة.

فقال صفوان بن أمية: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا (3)، و قد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان.

أو قال لهم: إن محمدا و أصحابه الآن في حنق شديد مما أصابهم، فواللّه


1) تفسير القمي ج 1 ص 125، و البحار ج 20 ص 64 عنه.

2) الآية 172 من سورة آل عمران.

3) حرب: اشتد غضبه.

ما أمنت إن رجعتم أن يجتمع جميع من كان قد تخلف عن أحد من الأوس و الخزرج، و يطؤوكم و يغلبوا عليكم، و الآن لكم الغلبة الخ. .

فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأراد أن يريهم من نفسه و أصحابه قوة، و أن يرعبهم.

و لكن من أين بلغه ذلك و متى وصل إليه الخبر في خلال ليلة واحدة عن بعد أكثر من أربعين ميلا، إلا أن يكون ذلك عن طريق الوحي؟ !

و قد نصت رواية القمي المتقدمة على أن جبرئيل قد جاء بأمر من اللّه سبحانه إليه يأمره بالمسير إليهم.

و قدّم «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة نفر من أسلم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد و هم يأتمرون بالرجوع، فبصروا بهما، فرجعوا إليهما فقتلوهما.

و مضى «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل حمراء الأسد فدفن الرجلين، و أقام هناك ثلاثة أيام. و أوقد المسلمون نارا عظيمة-خمسمائة نار-فذهب صيت عسكرهم و نارهم إلى كل جانب، فكبت عدوهم بذلك.

و مر معبد الخزاعي-و هو مشرك-بعسكر المسلمين، و هو في طريقه إلى مكة. و كانت خزاعة عيبة نصح لرسول اللّه، مسلمهم و كافرهم، فأظهر تألمه مما أصاب المسلمين في أحد.

فلما بلغ أبا سفيان و أصحابه أخبرهم: أن محمدا يطلبهم في جمع لم ير مثله، و أن هذا علي بن أبي طالب، قد أقبل على مقدمته في الناس (1).


1) البحار ج 20 ص 99، و إعلام الورى ص 86.

و قد اجتمع معه من كان تخلف عنه، و قد ندموا على ما صنعوا، و أنهم يتحرقون عليهم. و أن نواصي الخيل قد تدركهم قبل أن يرتحلوا.

فدب الرعب في قلوب المشركين، و أسرعوا بالرحيل. و التقوا بركب من بني عبد القيس قاصدا المدينة، فوعدهم أبو سفيان أن يعطيهم ما يرضيهم إذا هم أبلغوا رسول اللّه أن قريشا آتية لحربه.

و أرسل معبد يخبر رسول اللّه بحقيقة الأمر.

و بعد إقامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أيام عاد إلى المدينة.

أسيران يقعان في أيدي المسلمين:

و أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» في طريقه ذاك رجلين من قريش، هما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، و أبو عزة الجمحي.

أما أبو عزة فقد كان أسر في بدر، ثم منّ عليه «صلى اللّه عليه و آله» لبناته الخمس، و أخذ عليه العهد أن لا يعود إلى حرب المسلمين، و أن لا يظاهر عليه أحدا. فنقض العهد، و ألّب القبائل، و شارك في معركة أحد.

فلما عادت قريش، و نزلت في حمراء الأسد، ساروا و تركوه نائما، فأدركه المسلمون هناك، و أخذوه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلب الإقالة، فرفض «صلى اللّه عليه و آله» ذلك حتى لا يمسح عارضيه بمكة، و يقول: سخرت من محمد مرتين. ثم أمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا-و قيل غيره-أن يضرب عنقه، ففعل.

و لكن ابن جعدبة قال: ما أسر يوم أحد هو و لا غيره. و لقد كان المسلمون في شغل من الأسر. و لم ينكر قتله.

و قال ابن سلام: «قد قيل: إن النبي لم يقتل أحدا صبرا إلا عقبة بن أبي معيط يوم بدر» (1).

و لكن المشهور هو خلاف ذلك، فهو المعتمد حتى يثبت خلافه.

أما ما ذكره بعضهم من: أن أبا عزة قد أسر يوم أحد.

فالظاهر: أن مقصوده منه ما ذكرناه، لأن حمراء الأسد من تتمة معركة أحد. فلا مجال لإشكال المعتزلي بأن حال المسلمين في أحد لم يكن يساعد على أسر أحد (2).

و أما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، فإنه انهزم في أحد، و دخل المدينة، فأتى منزل عثمان بن عفان، ابن عمه.

فقال عثمان له: أهلكتني و أهلكت نفسك. ثم خبأه في بيته، و ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليأخذ له أمانا.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد علم به من طريق الوحي، فأرسل عليا «عليه السلام» ليأتي به من دار عثمان، فأشارت أم كلثوم زوجة عثمان إلى الموضع الذي صيره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت حمّارة لهم، و انطلقوا به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فشفع فيه عثمان، فقبل منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أجله ثلاثا، و أقسم إن وجده بعدها في أرض المدينة و ما حولها ليقتلنه، فجهزه عثمان، و اشترى له بعيرا.

و سار «صلى اللّه عليه و آله» إلى حمراء الأسد، و أقام معاوية هذا إلى


1) طبقات الشعراء لابن سلام ص 64 و 65.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46.

اليوم الثالث، ليعرف أخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع أخبرهم «صلى اللّه عليه و آله» : أن معاوية بات قريبا، و أرسل زيدا و عمارا، فقتلاه.

و الصحيح عليا و عمارا، كما في رواية الكافي.

و قال البلاذري عن ابن الكلبي: و يقال: إن عليا «عليه السلام» هو الذي قتل معاوية بن المغيرة (1).

و يذكر هنا: أن عثمان قد انتقم من أم كلثوم، لدلالتها على ابن عمه.

بل يقال: إن ما فعله بها كان سببا في موتها في اليوم الرابع، و بات ملتحفا بجاريتها (2).

دوافع حمراء الأسد و نتائجها:

لقد اتضح مما تقدم بعض دوافع غزوة حمراء الأسد، و نتائجها، و للتذكير بذلك نعود فنقول:

لقد عرف الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» : أن نتائج حرب أحد، لولا خروجه إلى حمراء الأسد سوف تكون:


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 333، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 و 47 عن البلاذري، و السيرة الحلبية ج 2 ص 261، و ليراجع الكامل لابن الاثير ج 2 ص 165 ط صادر، و قاموس الرجال ج 10 ص 407 و 408، و البحار ج 20 ص 145، عن الكامل و المعتزلي، و أشار إلى ذلك ابن هشام، و تاريخ الخميس، و السيرة النبوية لابن كثير، و البداية و النهاية ج 4 ص 51 و غير ذلك.

2) الكافي ج 3 ص 251 و 253.

1-أن تستعيد قريش ثقتها بنفسها، و يزيد ذلك من إصرارها على حرب المسلمين، و تصلبها في موقفها تجاههم.

2-أن تستغل ذلك إعلاميا، بحيث تضعف من مكانة محمد «صلى اللّه عليه و آله» في نفوس القبائل، و يزيدون جرأة على مناجزته و مقاومته؛ و يسهل عليهم الاستجابة لدعوة حربه.

3-أن يصبح سلطان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة في معرض التزلزل و الضعف، بعد أن كان قد استقر و أدخل الرعب في نفوس كل مناوئيه في داخلها، سواء من المنافقين أو من اليهود. و قد دل على ذلك شماتة المنافقين، و اليهود، و إظهارهم السرور بما جرى.

4-أن يوجب ذلك تزلزل إيمان ذوي النفوس الضعيفة، و يجعلهم عرضة لاصطياد الآخرين لهم.

5-توقف من كان مهيئا نفسيا للدخول في الدين الجديد عن الدخول فيه، حتى تتضح له الأمور، و ينجلي الموقف. و لا سيما إذا كان إسلامه صوريا من أجل ضمان مصالحه، أو للحصول على مكاسب من نوع ما، حيث لا تبقى ثمة ضمانات للحصول على ذلك، إن لم يكن أصبح يخشى العكس.

و على ضوء ما تقدم:

فقد جاءت حمراء الأسد-التي ربما تبدو للوهلة الأولى غير معقولة- فغيرت الكثير من النتائج المتقدمة، و حولتها لصالح المسلمين، لأن خروج هؤلاء الجرحى في أثر قريش، و هم لا يزيدون على سبعين رجلا على ما

يظهر، في حين لم يكن في هذه الغزوة طمع في مال و لا في غنائم، قد أوضح لكل أحد: أن هؤلاء مستميتون في الدفاع عن دينهم و عقيدتهم؛ و أن جراحهم تلك لم تحل دون إقدامهم على ملاحقة عدوهم؛ فهم يطلبون الموت و يسعون إليه، فالوقوف في وجه هؤلاء إنما يعني الوقوف أمام خيارين:

إما موت هؤلاء، و لا يموتون إلا بعد أن يموت معهم كل من يقدرون عليه، و إما موت عدوهم.

و إذا كان جرحاهم على استعداد لمثل هذا، فما حال غيرهم ممن وراءهم، ممن سوف لن يسكتوا عن إمدادهم و مساعدتهم؟ ! .

و إذا فخروج الجرحى كان هو الأصوب، لأن رهبة العدو تكون أعظم، و خوفه يكون أشد، لأنه يعلم أن وراءهم من لا يحب الحياة أكثر منهم.

و لسوف يدرك عدوهم: أن ما جرى في أحد ليس إلا نتيجة نزوة عارضة ألمت، و يصعب تكررها منهم، بعد الذي أصابهم بسببها.

كما و تصير حجة من يريد التشكيك بقدرتهم الطبيعية على المواجهة- من المنافقين أو اليهود-ضعيفة و واهية، يصعب تقبلها.

إذا، فمواجهة المسلمين و هم في قدرتهم الطبيعية، و حين لا يكون ثمة حالة استثنائية-كما جرى في أحد-سوف يكون عملا انتحاريا، لا مبرر له، و لا منطق يساعده.

و لا سيما بعد أن تعلم المسلمون هذا الدرس الصعب، الذي كلفهم غاليا، فإن احتمال حدوث حالة استثنائية بعده يكاد يلحق بالممتنعات.

و لذلك فقد أوقد المسلمون خمسمائة نار، فكبت اللّه بذلك عدوهم،

و أرجع كل القبائل المحيطة بالمدينة إلى صوابها، و أفهمها: أن عليها أن لا تغتر بما جرى في أحد.

كما أن عليها: أن تعرف: أنه لو كان ما جرى في أحد طبيعيا، لما آثرت قريش الفرار من وجه سبعين من الجرحى. و هي التي ينبغي أن تكون أشد طغيانا و تجبرا، و أكثر إقداما على المسلمين من ذي قبل.

و كان ينبغي-لو كان يمكنها-أن تغتنمها فرصة للقضاء على هذه القلة القليلة، المنهكة، و المثخنة بالجراح. و تقتل مصدر متاعبها و آلامها، و أعني به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما دام أنه في جماعة لا تستطيع أن تدفع عنه، و لا عن نفسها شيئا.

ففي حمراء الأسد هزيمة نفسية و إعلامية لقريش، كما أن في ذلك إعطاء الفرصة لسائر القبائل لتقييم معركة أحد تقييما صحيحا و سليما، بعيدا عن الغرور و التضليل.

و هي أيضا إبطال لكيد المنافقين و اليهود، و تأييد لسلطان المسلمين في المدينة، و ربط على قلوبهم، و رفع لمعنوياتهم.

و هذا معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «فإنها أنكاء للعدو، و أبعد للسمع» .

و يلاحظ أخيرا: أن معبد الخزاعي قد ذكر لقريش: أن عليا قد يدركهم قبل أن يرتحلوا، فدعاهم ذلك إلى التعجيل بالرحيل، قبل أن يدركهم أسد اللّه الغالب الإمام علي بن أبي طالب.

و هذا يؤكد على دوره الفريد و المتميز في إلحاق الهزيمة النكراء بجيش

المشركين في أحد؛ حتى صار يطلبه المشركون بثارات أحدية (1)أضيفت إلى ثاراتهم البدرية، كما ورد التصريح به في أكثر من مورد في تأريخ الصدام فيما بين الحق و الباطل بعد ذلك.

قتل الأسيرين:

و قصة قتل الأسيرين، و ملاحظة موقفه «صلى اللّه عليه و آله» منهما تعطينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعامل كل أحد-بالدرجة الأولى-على أنه إنسان. ثم يقاوم فيه شركه و انحرافه بالأساليب الإنسانية أولا أيضا.

أي أنه يعتبره يحوي سائر الخصائص الإنسانية؛ فيتعامل معه على أساس الصدق، و الوفاء، و الأمانة و غير ذلك من خصائص إنسانية. و ذلك من أجل تشجيع هذه الخصائص، و إعطائها الفرصة للنمو و التكامل، على أمل أن يكون ذلك موجبا لتسهيل مهمته التبليغية و الإقناعية في المستقبل، و من ثم لتلافي الكثير من المشكلات التي لا مبرر لها، و إنما تخلقها النزوات غير الإنسانية، في طريق الدعوة إلى اللّه تعالى، و الإقناع بالحق و الخير.

و لكنه حين يثبت له «صلى اللّه عليه و آله» : أن الطرف الآخر لا ينطلق في مجمل مواقفه من خصائص إنسانية، و إنما من نزوات غير إنسانية، و من شيطنة، و مكر؛ فإنه «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ يقف منه الموقف الحازم الذي لا بد منه. و هو يحسن إليه و إلى مجتمعه حينما يقضي على تلك الروح البهيمية، و النزوات الشيطانية فيه؛ لأن اللّه قد خلقه ليكون إنسانا، لا


1) البحار ج 36 ص 54 و 55 و ج 43 ص 156، و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 203، و في (ط أخرى) ج 1 ص 381، و العوالم ص 250.

ليكون حيوانا، يحمل إنسانيته كل مشقات و متاعب النزوات الحيوانية تلك.

كما أنه يكون قد أحسن لبناته اللواتي لن يكون في صالحهن: أن يكون المشرف على قضاياهن و شؤونهن مخلوقا لا يحمل-أو فقل-: لا أثر في حياته للخصائص و المزايا الأولية للإنسان.

و عليه، فإذا قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يمن على أبي عزة الجمحي في بدر من أجل بناته، ثم رفض ذلك هنا؛ فإنه لا يكون بين كلا موقفيه أي تناقض أو اختلاف؛ بل هو مصيب في الحالتين، و هو قد أحسن لبناته أول مرة، و كان إحسانه لهن في هذه المرة أعم و أعظم.

هذا كله عدا عن أنه «صلى اللّه عليه و آله» يكون قد أعطى المثل الأعلى للمؤمن الواعي و اليقظ، الذي لا يخدع و لا يستغل فإنه: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

(راجع ما تقدم بعد بدر حول خصائص الشيعة) .

وفاة أم كلثوم و ملابساتها:

و يقولون: إن أم كلثوم بنت النبي-بل ربيبته (1)-قد توفيت في سنة تسع. و لكن ما يذكر في سبب وفاتها يؤكد: أنها قد توفيت في سنة ثلاث.

فقد جاء في نوادر جنائز الكافي خبر طويل، تقدم شطر منه قبل صفحات قليلة، و نعود فنلخصه هنا على النحو التالي:

إن عثمان قد آوى الذي جدع أنف حمزة (و هو معاوية بن المغيرة بن أبي


1) كما بيناه في كتابنا: «بنات النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم ربائبه» ، ثم في كتابنا الآخر: «القول الصائب في إثبات الربائب» .

العاص كما تقدم)و خبأه في مكان من داره، و أمر أم كلثوم: أن لا تخبر أباها فقالت: ما كنت لأكتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عدوه.

و خرج عثمان إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و عرف النبي ذلك بواسطة الوحي؛ فأرسل عليا «عليه السلام» ليأتي به؛ فلم يجده؛ فجاء عثمان، و طلب الأمان له بإلحاح، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : إن قدرت عليه بعد ثالثة قتلته؛ فأخذه عثمان، فجهزه، و انطلق.

و بعد ثلاث أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا و عمارا، و ثالثا؛ ليقتلوه؛ لأنه بات قريب المدينة؛ فأتاه علي «عليه السلام» فقتله.

فضرب عثمان بنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: أنت أخبرت أباك بمكانه، فبعثت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مرات تشكو ما لقيت و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يستجيب.

و في الرابعة: أرسل عليا «عليه السلام» ليأتي بها؛ فإن حال بينه و بينها أحد؛ فليحطمه بالسيف، و أقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كالواله إلى دار عثمان، فأخرجها علي؛ فلما نظرت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» رفعت صوتها بالبكاء، و بكى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخذها إلى منزله، و أرتهم ما بظهرها. و بات عثمان ملتحفا بجاريتها. و ماتت في اليوم الرابع.

فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة؛ فخرجت، و نساء المؤمنين معها، و خرج عثمان يشيع جنازتها؛ فلما نظر إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال ثلاث مرات: من أطاف البارحة بأهله، أو بفتاته، فلا يتبعن جنازتها، فلم ينصرف.

فلما كان في الرابعة، قال: لينصرفن أو لأسمين باسمه.

فأقبل عثمان متوكئا على مولى له، فقال: إني أشتكي بطني.

قال: انصرف الخ. . (1).

و نفس هذه القضية ذكرها الواقدي، و البلاذري، و غيرهما، إلى أن انتهى إلى أنهم أصابوه قد أخطأ الطريق، فقتله عمار وزيد.

و ذكروا: أنهم لما جاؤوا ليأخذوه من منزل عثمان، أشارت أم كلثوم إلى الموضع الذي صيره عثمان فيه؛ فاستخرجوه (2).

و لكنهم لا يذكرون القسم الأخير من القضية، لأسباب لا تخفى.

و جزم البلاذري بأن عليا «عليه السلام» هو الذي قتله (3).

و لعل عائشة تشير إلى هذه القضية بالذات، حينما قالت لعثمان عن رقية و أم كلثوم: «و لكن قد كان منك فيهما ما قد علمت» .

فراجع ما ذكرناه: في ما تقدم حينما تحدثنا حول وفاة رقية رحمها اللّه. و إلى ذلك أيضا يشير ما ورد في دعاء شهر رمضان: «اللهم صل على أم


1) راجع: الكافي ج 3 ص 251-253، و قاموس الرجال ج 10 ص 408 و 409 عنه. و راجع: الإستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 301، و الإصابة ج 4 ص 304.

2) راجع: قاموس الرجال ج 10 ص 407-408، و مغازي الواقدي ج 1 ص 333، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 و 47 عن البلاذري، و ليراجع: الكامل لابن الأثير (ط دار صادر) ج 2 ص 165، و بقية المصادر تقدمت قبل حوالي خمس صفحات.

3) أنساب الاشراف ج 5 ص 164، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 47 و 239 و 199 عن الجاحظ.

كلثوم بنت نبيك، و العن من آذى نبيك فيها» (1).

و يلاحظ هنا: أن التعبير ب «بنت نبيك» لا يدل على البنوة الحقيقية، إذ قد يكون المقصود بالبنت: الربيبة، فراجع ما ذكرناه في كتابنا: «بنات النبي أم ربائبه» ، و كتابنا الآخر: «القول الصائب في إثبات الربائب» .

و بعد ما تقدم، فإن كل الأصابع لا بد أن تمتد لتشير إلى عثمان، حينما نقرأ رواية عبد الرزاق التي تقول: إن بعض بناته «صلى اللّه عليه و آله» جاءت تشكو زوجها؛ فأمرها «صلى اللّه عليه و آله» بالرجوع (2)لكن عليا «عليه السلام» -حسبما تقدم حين الكلام على تكنيته بأبي تراب-قد أقسم على أنه لم يغضب فاطمة الزهراء «عليها السلام» و لا أكرهها على أمر حتى قبضها اللّه تعالى. و هي أيضا كذلك.

فكل القرائن تشير إذا، إلى صحة رواية جنائز الكافي؛ و تقوي من مضمونها، الأمر الذي يجعلنا نطمئن إلى أنها رضوان اللّه تعالى عليها قد توفيت بعد واقعة أحد، و بالذات في قضية الذي جدع أنف حمزة سيد الشهداء صلوات اللّه و سلامه عليه؛ و أنها لم تقم مع عثمان إلا قليلا.

ثم إننا لا نستبعد صحة ما نقله في قرب الإسناد عن الصادق «عليه


1) رجال المامقاني ج 3 ص 74، و قاموس الرجال ج 6 ص 406 و 407 و قال: (أقول: أما الدعاء، فذكره الشيخان في المقنعة، و التهذيب، عقيب تسبيح شهر رمضان، و نسبه الأول إلى مجيء الآثار به، لكن ليس في نسخته الفقرة، نعم هي في الثاني) .

2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 11 ص 300، و هامش ص 301 عن سعيد بن منصور.

السلام» :

من أن عثمان لم يدخل بأم كلثوم (1)، و يكون ذلك قرينة على أنها لم تعش معه مدة طويلة، و يقرب ذلك أنها ماتت بعد أحد حسبما تقدم. و لعلها قد تزوجته لأيام قليلة فقط.

و أما أن أسماء بنت عميس قد غسلتها، و هي قد عادت من الحبشة عام خيبر؛ أي في سنة سبع؛ فلعله اشتباه من الراوي.

و يكون المراد: أسماء بنت يزيد الأنصارية؛ لكن الراوي زاد كلمة بنت عميس من عند نفسه جريا على ما استقر في نفسه، بسبب شهرة بنت عميس، و قد تقدم قبل وقعة أحد نظير ذلك في ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» ، فليراجعه من أراد.


1) رجال المامقاني ج 3 ص 73 و 74، و قاموس الرجال ج 10 ص 406 و 407 عن قرب الإسناد و الخصال.

الباب الثاني: شخصيات و أحداث

اشارة

الفصل الأول: أوسمة وهمية لزيد بن ثابت الفصل الثاني: سلمان الفارسي حرا الفصل الثالث: ولادة الإمام الحسين و بعض ما قيل حولها الفصل الرابع: عبرة و مناسبة الفصل الخامس: رجم اليهوديين، حقيقة أم خيال الفصل السادس: من متفرقات الأحداث

الفصل الأول: أوسمة وهمية لزيد بن ثابت

اشارة

بداية:

إننا حين نتحدث عن بعض الشخصيات، و ما ينسب إليها من مواقف و يرتبط بها من أحداث، فإن سبب ذلك يعود إما إلى أهمية ذلك الحدث بالذات، أو لأن مناسبة البحث قد اقتضت ذلك أحيانا، أو من أجل معرفة الدور الذي قامت به تلك الشخصية أو الذي أريد لها: أن تنال شرف انتسابه إليها، لسبب سياسي، أو غيره.

و ليس هدفنا من حديثنا ذاك مجرد مجاراة المؤرخين، و لا تكميل نقص لربما يجد البعض فيه مستمسكا للتقليل من أهمية الكتاب بصورة عامة، و لا غير ذلك مما يدخل في نطاق الشكليات و الهامشيات التي تستند إلى بواعث غير مسؤولة، و لا هي ذات أهمية أو قيمة تذكر.

كما أن ذكرنا للحدث، قد يكون مرده بالإضافة إلى ذلك: الرغبة في تسجيل تحفظ على ما أوردوه على أنه حقيقة و واقع، أو تصحيح خطأ، أو إبراز الجانب السياسي، الذي هيمن على ذلك الحدث، و أثر فيه. أو تسجيل عبرة نجدها جديرة بالتسجيل للاستفادة منها في الموقع المناسب.

هذا بالإضافة إلى أن جمع أطراف البحث، و ملاحقة عناصر متفرقة و وضعها في موضعها يساهم إلى حد كبير في تسهيل التعرف على ملامح

الصورة التي تمس الحاجة للتعرف عليها، و تتشوق النفوس إليها.

هذا، إلى أمور أخرى لا تبتعد كثيرا عن هذا المنحى في مسارها العام.

و على هذا الأساس: فإننا قد أولينا قسطا من الأهمية لمتابعة الأحداث التي ترتبط ببعض الشخصيات التي عاشت في العصر النبوي و بعده و كان لها دور رئيس في صنع الأحداث، و في تهيئة الأجواء و الظروف لها. على أمل أن نكون قد أسهمنا بدورنا في حصحصة الحق، و كشف الزيف، و إزالة الشبهات.

و نبدأ هنا بالحديث عن أمر ذكر: أنه يرتبط بزيد بن ثابت، فعسى أن نجد فيه، و فيما يأتي من فصول ما ينفع و يجدي، فنقول:

الحدث المشكوك:

إن المطالع للتاريخ الإسلامي، و لكتب التراث بصورة عامة، يجد الكثير من الأمور التي أصبح لها من الشيوع و الذيوع بحيث تبدو من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل، و لا يجوز أن تخضع للمناقشة.

و أصبح الكتّاب و المؤلفون يرسلونها إرسال المسلمات و يوردونها مستدلين بها على ما يرونها قادرة على إثباته، أو الدلالة عليه. مع أن نفس هذه القضايا لو أخضعها الباحثون للبحث، و للتحقيق و التمحيص، لخرجوا بحقيقة: أنها من الأمور الزائفة و المجعولة، التي صنعتها الأهواء السياسية، و التعصبات المذهبية، أو العرقية، أو غيرها.

أو على الأقل لوجدوا الكثير مما يوجب الشك و الريب فيها، و من ثم ضعفها، و وهنها، أو لوقفوا على كثير من موارد التحريف و التلاعب فيها.

و قد يجوز لنا القول: إن ما يروى، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرانية أو السريانية، يصلح مثالا لهذا الأمر؛ و لأجل ذلك فقد رأينا من المناسب أن نشير إلى بعض ما تلزم الإشارة إليه في هذه القضية و غيرها، تاركين الحكم في ذلك، نفيا أو إثباتا، إلى القارئ الكريم، الذي يملك كامل الحرية في أن يقبل، و في أن يرد، إذا اقتضى الأمر أيا من الرد، أو القبول، فنقول:

روايات تعلم زيد العبرانية أو السريانية:

تؤرخ بعض المصادر: أنه في السنة الرابعة للهجرة أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن ثابت بتعلم السريانية أو العبرانية، معللا ذلك: بأنه لا يأمن اليهود على كتابه (1)فقد روى الترمذي، عن زيد بن ثابت، قال: أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أتعلم كتاب يهود، قال: ما آمن يهود على كتاب.

قال: فما مر بي نصف شهر، حتى تعلمته له.

قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، و إذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (2).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464، و البداية و النهاية ج 4 ص 91، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 176، و راجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 176، و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 230.

2) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 67،68، و مشكل الآثار ج 2 ص 421، و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 211، و فتوح البلدان للبلاذري ص 583-

و في نص آخر: لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة، قال لي: تعلم كتاب اليهود؛ فإني و اللّه ما آمن اليهود على كتابي (1)و لم يذكر قوله: فلما تعلمته الخ. .

قال الترمذي: و قد روي من غير هذا الوجه، عن زيد بن ثابت، قال: أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن أتعلم السريانية (2).

و في نص آخر: عن زيد بن ثابت، قال: قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنه يأتيني كتب من ناس، لا أحب أن يقرأها أحد؛ فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية، أو قال: السريانية؟

فقلت: نعم.

قال: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة (3).

(2) -و التراتيب الإدارية ج 1 ص 203 و 204، عن البخاري، و عن الطحاوي في مختصره و مسند أحمد ج 5 ص 186.


1) طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115، و منتخب كنز العمال-بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185، و حياة الصحابة ج 3 ص 216 عن أبي يعلى، و ابن عساكر، و سنن أبي داود ج 3 ص 318 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 75 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و صحيح البخاري ج 4 ص 156 و ليس فيه ذكر لمدة تعلمه.

2) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 68.

3) طبقات ابن سعد ج 2 ص 115، و كنز العمال ج 16 ص 9 عن ابن عساكر، و ابن أبي داود في المصاحف، و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31، و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 عن أحمد، و أبي يعلى، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185 و حياة الصحابة ج 3 ص 216، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 120 و 204 و راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 422 و تهذيب الكمال ج 10 ص 28.

و مثله في نص آخر، عن زيد بن ثابت، لكنه جزم بأنه أمره بتعلم السريانية و لم يتردد في ذلك (1).

و في رواية أخرى: عن زيد بن ثابت أيضا، قال: أتي بي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عند مقدمه المدينة، فعجب بي، فقيل له: هذا الغلام من بني النجار، قد قرأ مما أنزل عليك بضع عشرة سورة، فاستقر أني، فقرأت (ق) فقال لي: تعلّم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي، فتعلمته في نصف شهر (2)، إلى آخر ما تقدم في الرواية الأولى.


1) راجع: كنز العمال ج 16 ص 9 عن ابن عساكر و ابن أبي داود، و غيرهما و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 و 447 عن أحمد، و أبي يعلى، و مسند أحمد ج 5 ص 182، و الاصابة ج 1 ص 561، و مشكل الآثار ج 2 ص 421، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 422، و تلخيصه للذهبي-بهامشه، و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 211، و منتخب كنز العمال-بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185، و حياة الصحابة ج 3 ص 350، و الإستيعاب-بهامش الاصابة ج 1 ص 552، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 203 و 204 عن بعض من تقدم، عن ابن أبي داود في المصاحف، و الأحكام الصغرى لأبي بكر ابن شيبة و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 429 و بهجة المجالس ج 1 ص 356.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464،465، و قال: كذا رواه ابن أبي الزناد، و أحمد، و يونس، عن أبي داود و داود بن عمرو الضبي، و سعيد بن سليمان الواسطي، و سليمان بن داود الهاشمي، و عبد اللّه بن وهب، و علي بن حجر، و حديثه عند الترمذي كذا ذكره السخاوي في الأصل الأصيل. و كنز العمال ج 16 ص 8 عن ابن عساكر، و غيره، و مسند أحمد ج 5 ص 186 و الإصابة ج 1 ص 561 عن البخاري و البغوي و أبي يعلى، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 203،204، عن-

و عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان زيد بن ثابت يتعلم في مدارس ماسكة، فتعلم كتابهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا و بدلوا (1).

و قال الكتاني: قلت في بهجة المحافل لابن عبد البر: إنه تعلمها في ثمانية عشر يوما (2).

و قالوا عن زيد بن ثابت: «و كان يكتب بالعربية و العبرانية» (3)، أو «السريانية» (4).

و قال ابن الأثير الجزري: «كانت ترد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب بالسريانية، فأمر زيدا، فتعلمها» (5).

و قال الذهبي: «قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و زيد صبي ذكي

(2) -البخاري. و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 428، و 429 و تهذيب الكمال ج 10 ص 28 و راجع الثقات ج 1 ص 246.


1) كنز العمال ج 16 ص 8،9 عن ابن عساكر، و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 176، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 204 عن ابن عساكر. و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 عن ابن سعد و البداية و النهاية ج 4 ص 91.

2) التراتيب الإدارية ج 1 ص 203 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 429 و بهجة المجالس ج 1 ص 356.

3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 421، و تلخيصه للذهبي بهامش ص 422 منه، و فتوح البلدان للبلاذري ص 583.

4) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 160.

5) أسد الغابة ج 2 ص 222، و عنه في قاموس الرجال ج 4 ص 239، و تنقيح المقال ج 1 ص 462، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 21 عنه أيضا.

نجيب، عمره إحدى عشرة سنة، فأسلم، و أمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يتعلم خط اليهود؛ فجوّد الكتابة، إلى آخره» (1).

المناقشة:

و بعد، فإن لنا على تلكم الروايات ملاحظات عدة، توجب لنا الشك و الريب في سلامتها و صحتها، و نذكر من هذه الملاحظات ما يلي:

ألف: إننا نجدها مختلفة فيما بينها بصورة واضحة، الأمر الذي يشير إلى أنه لا يمكن أن تصح جميعها، فواحدة تقول: إنه أمره بتعلم السريانية، و أخرى: العبرانية، بل لقد وقع الترديد بينهما حتى في الرواية الواحدة.

و رواية تذكر: أنه قد تعلمها في أقل من نصف شهر، و أخرى: أنه تعلمها في خمسة عشر يوما، و ثالثة في سبعة عشر يوما، و رابعة: في ثمانية عشر يوما.

و رواية تقول: إنه أمره بتعلمها لأنه لا يأمن يهود على كتابه، و أخرى تقول: إنه أمره بذلك، لأنه تأتيه كتب لا يحب أن يطلع عليها كل أحد.

و رواية تفيد: أنه قد أمره بذلك حين مقدمه المدينة.

بينما تذكر أخرى: أنه إنما أمره بذلك في السنة الرابعة، و تعلمها حينئذ. هذا كله، مع أن الراوي لذلك كله رجل واحد، و هو المصدر الوحيد لما قاله و يقوله الكتّاب و المؤرخون على الظاهر، في هذا المجال.

ب: إننا نلاحظ: أن الراوي لهذه القضية هو خصوص زيد بن ثابت


1) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 427،428.

بطل القصة نفسه، و لم نجدهم نقلوا ذلك عن غيره، رغم أهمية هذا الأمر و كونه ملفتا للنظر، و رغم أننا نجدهم يسجلون لنا حتى أبسط الحركات التي تصدر عن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

و واضح: أن هذه القضية ترمي إلى إثبات فضيلة لنفس ناقلها، فليلاحظ ذلك.

ج: إننا-رغم تفحصنا-لم نعثر و لو على نص واحد لرسالة واحدة أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو وصلت إليه من غيره تكون مكتوبة بغير العربية.

كما أننا لم نجد حتى و لو إشارة واحدة إلى أية رسالة وصلت إليه من أحد أو أرسلها إلى أحد قيل إنها ترجمت له «صلى اللّه عليه و آله» من أي لغة أخرى إلى اللغة العربية، أو بالعكس.

بل قد وجد عدد من الرسائل المنسوبة إليه «صلى اللّه عليه و آله» في بعض المتاحف و المكتبات الخاصة؛ كان قد أرسلها إلى كسرى، و إلى النجاشي، و إلى المقوقس. و يميل العلماء و المحققون إلى الجزم بأنها هي بعينها، التي كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسلها إليهم.

نعم، لقد وجدت هذه الرسائل و كانت كلها مكتوبة باللغة العربية خاصة، و بالخط العربي، فراجع مجموعة الوثائق السياسية للبروفيسور حميد اللّه لتطلع على صور هذه الرسائل، و راجع أيضا مكاتيب الرسول للعلامة البحاثة الشيخ علي الأحمدي الميانجي «رحمه اللّه» . و غيرهما من الكتب و المصادر.

و مما يدل على ذلك: أن الرواية تنص على أن قيصر قد طلب ترجمانا

ليقرأ له كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

نعم، هناك رسالة واحدة مكتوبة باللغة العبرية، حكم العلماء و الباحثون عليها بصورة قاطعة بالوضع و الاختلاق، فراجع الكتابين آنفي الذكر. فأين ذهبت تلكم الرسائل التي كتبها زيد بن ثابت باللغة العبرية أو السريانية، أو ترجمها منها إلى العربية؟ ! و لماذا لم يشر التاريخ و لو إلى واحدة منها؟ إن ذلك لعجيب حقا؟ ! و أي عجيب! ! !

د: و الأعجب من ذلك: أن بعض المصادر تذكر: أن زيد بن ثابت كان من أكثر كتّاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتابة له (2).

و عبارة ابن عبد البر: «كان كاتبه المواظب له في الرسائل و الأجوبة» (3).

و يذكرون أيضا: أنه كان مختصا بالكتابة إلى الملوك (4)، و أنه كان يكتب له «صلى اللّه عليه و آله» إذا كتب إلى اليهود، و يقرأ له كتبهم.

فإذا كان كذلك فما بالنا نجد اسم كثير من الكتّاب في أسفل الكتب التي كتبوها، فيقول في آخر الكتاب: و كتب فلان، أو: و كتب فلان و شهد، أو نحو ذلك-و هي طائفة كثيرة-و لا نجد اسما لزيد بن ثابت في أي من الكتب التي وصلتنا، إلا على صفة الشاهد على بعض الكتب النادرة جدا.


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 109.

2) تهذيب الأسماء ج 1 ص 29، و الرصف ج 1 ص 148.

3) بهجة المجالس ج 1 ص 356.

4) راجع: التنبييه و الإشراف ص 246، و الوزراء و الكتاب ص 12، و العقد الفريد ج 4 ص 161، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 134، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 202.

نعم، إننا لم نجد له اسما لا على الكتب إلى الملوك، و لا على الكتب إلى اليهود، مع وجود أسماء كثيرين من الكتاب الآخرين على طائفة كبيرة منها. بل لقد وجدنا أسماء آخرين كانوا قد كتبوا إلى الملوك، و إلى اليهود أيضا فليلاحظ: كتاب مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل اليهودي القرظي، فقد كتبه أمير المؤمنين علي «عليه السلام» .

و كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى جيفر، و عبد، ابني الجلندي، و هما من الملوك، و هو بخط أبي بن كعب.

و كتابه إلى المنذر بن ساوى و هو من ملوك البحرين، بخط أبي. و معاهدة يهود مقنا، هي أيضا بخط أمير المؤمنين علي عليه الصلاة و السلام. و كتابه «صلى اللّه عليه و آله» ليهود بني عاديا من تيماء، كتبه خالد بن سعيد.

و كذا كتابه ليهود بني عريض، كتبه خالد بن سعيد أيضا.

و يقال: إن معاوية أيضا قد كتب إلى المهاجر بن أبي أمية، و ربيعة بن ذي الرحب من حضر موت (1).

كما أن كتابه «صلى اللّه عليه و آله» الذي أجاب به النجاشي الأول، قد كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه الصلاة و السلام» (2).

و لعل المتتبع يجد أمثلة كثيرة سوى ما تقدم، فأين كان زيد بن ثابت عن ذلك، و عن سواه يا ترى؟ !


1) راجع فيما تقدم: مجموعة الوثائق السياسية، و مكاتيب الرسول.

2) راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 31.

ه: إننا نجد أن بعض الروايات المتقدمة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علل طلبه من زيد تعلم اللغة العبرانية، أو السريانية، بأنه تأتيه كتب، و لا يحب أن يطّلع عليها كل أحد، فاحتاج إلى أن يأمر زيدا بذلك، مع أنه قد كان آخرون غير زيد بن ثابت يعرفون العبرانية أو السريانية، و فيهم من هو من فضلاء الصحابة و ثقاتهم، و من مثل سلمان الفارسي! الذي هو من أهل البيت، فإنه كان قد قرأ الكتابين (1)، فلماذا لا يعطيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتبه التي لا يحب أن يطّلع عليها كل أحد، ليقرأها له، فإنه لا ريب في أمانته و دينه، و كونه عبدا لذلك القرظي لا يمنعه من ذلك، كما لم يمنعه من حضور حرب بدر و أحد. (كما سيأتي) .

مع أن مراسلاته «صلى اللّه عليه و آله» للملوك قد بدأت بعد ذلك كما هو معلوم من التاريخ.

أضف إلى ذلك: أنه قد تحرر قبل غزوة الخندق، و هي في الرابعة كما هو الظاهر أو في الخامسة على أبعد تقدير كما تحدثنا عن ذلك في كتابنا (حديث الإفك) .

و ستأتي الإشارة إلى ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

و قد تقدم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر زيدا بتعلم تلك اللغة في السنة الرابعة.


1) راجع ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 48، و تاريخ بغداد ج 1 ص 164، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 قسم 1 ص 61، و حلية الأولياء ج 1 ص 187، و قاموس الرجال ج 4 ص 424 و 233 عن الجزري.

أضف إلى ذلك: أنهم يقولون: إن الحبر اليهودي عبد اللّه بن سلام قد أسلم في أول قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، و قد ادعوا نزول الآيات في تقريضه و مدحه، فلماذا لا يقرأ للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ما سوف يأتيه من رسائل؟ !

كما أنهم يقولون: إن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، كان يقرأ بالسريانية (1).

و يقول الدكتور جواد علي: «و منهم مثل زيد بن ثابت من كتب له بالعربية، و بالعبرانية، أو بالسريانية، و ذكر أن بعضهم كان مثل زيد بن ثابت يكتب بغير العربية أيضا» (2).

فلماذا ذكر اسم زيد بن ثابت و لم تذكر أسماء أولئك؟ .

و: قد ذكروا: أن حنظلة بن الربيع كان يقوم مقام جميع كتابه «صلى اللّه عليه و آله» بما فيهم زيد بن ثابت، إذا غاب أحد منهم حتى سمي حنظلة الكاتب (3)، الأمر الذي يشعر بأنه كان أيضا يحسن الكتابة بغير العربية، كزيد.

كما أنه يدل: على أنه كان ينوب عن زيد في الكتابة إلى اليهود، و إلى الملوك. (راجع الهامش) (4).


1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 2 ص 11.

2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 120.

3) التنبيه و الإشراف ص 245، و الوزراء و الكتاب ص 12-13، و العقد الفريد ج 4 ص 161، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 126 و 309 و 131.

4) و لكننا لم نعثر حتى على رسالة واحدة، أو على أي شيء ذكر فيه اسم حنظلة هذا على أنه قد كتبه، و هذا أمر يثير العجب حقا! ! فلعل خصوم أهل البيت «عليهم السلام» قد منحوه هذا الوسام لأنه اعتزل عليا «عليه السلام» و لم يشترك في حروبه.

فإذا كان كذلك، فلماذا لم يعتمد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حنظلة، أو على غيره ممن أشار إليهم الدكتور جواد علي، فإن الحاجة ترتفع بهم، و لا يبقى «صلى اللّه عليه و آله» بحاجة إلى اليهود «الذين كانوا غير مأمونين» لا في الترجمة، و لا في الكتابة.

و يلاحظ هنا: أنهم لم يبخلوا على زيد في هذا المجال، فقد أتخموه بالأوسمة، و أغرقوه بآيات الثناء، و يكفي أن نذكر: أنهم جعلوه عالما، ليس فقط بالعربية قراءة و كتابة، و كذلك بالعبرانية، أو السريانية، و إنما أضافوا إلى ذلك: أنه كان يترجم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالفارسية و الرومية و القبطية و الحبشية (1).

و أنه قد تعلم الفارسية من رسول كسرى، و الرومية من حاجب النبي، و الحبشية من خادم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و القبطية من خادم النبي أو خادمته «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و لا ندري لماذا لم يتعلم الفارسية من سلمان، و الرومية من صهيب و الحبشية من بلال، فإن كلا منهم كان يجيد هذه اللغات بما لا مزيد عليه؟ !

كما لا ندري لماذا لم نجد أية إشارة لكتاب مترجم من هذه اللغات إلى العربية أو من العربية إليها، أو غير ذلك، مما يحتاج إلى الترجمة؟ !


1) راجع: التنبييه و الإشراف ص 246، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 202 عن: (العمدة) للتلمساني، و عن ابن هشام في (البهجة) و عن كتاب: (التعريف برجال مختصر ابن الحاجب) لابن عبد السلام، و عن الإعلام بسيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 133.

2) العقد الفريد ج 4 ص 161، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 202.

ز: لقد روي عن أبي جعفر «عليه السلام» : قال: كان غلام من اليهود يأتي النبي «صلى اللّه عليه و آله» كثيرا حتى استخفه (استحقه) و ربما أرسله في حاجة، و ربما كتب له الكتاب إلى قوم؛ فافتقده أياما فسأل عنه، فقال له قائل: تركته في آخر يوم من أيام الدنيا، فأتاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . (1).

ح: و أخيرا، فلا ندري ما حاجة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الترجمة، مع أن جمعا من المحققين قد أثبتوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف جميع اللغات، فلا يحتاج إلى مترجم و لا إلى غيره، و قد كلم سلمان بالفارسية، و تكلم بغيرها من اللغات أيضا الخ. . (2).

ط: و أما قوله في الرواية: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أمره بذلك حين قدومه المدينة، ثم روايتهم: أنه كان يكتب في الجاهلية (3)، فينافيه قولهم: إنه تعلم الكتابة من أسرى بدر (4).

ملاحظتان:

الأولى: قال العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي الميانجي، بعد أن


1) الأمالي للصدوق ص 356 و البحار ج 78 ص 234 و ج 6 ص 26.

2) راجع التراتيب الإدارية ج 1 ص 208 و 209، و لعل أحسن من تكلم في هذا الموضوع: العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي «رحمه اللّه» في كتابه: مكاتيب الرسول ج 1 ص 15 و 16 فليراجع.

3) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 120.

4) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 133 و 292.

تكلم حول معرفته «صلى اللّه عليه و آله» باللغات، عربيها، و عجميها، و أيد ذلك بنقل المؤرخين و المحدثين أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتكلم مع كل قوم بلسانهم، قال «رحمه اللّه» : «و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى ملوك العجم كقيصر، و كسرى، و النجاشي بلغة العرب، مع أن الجدير أن يكتب إلى كل قوم بلسانهم؛ إظهارا للمعجزة، و استحداثا للألفة؛ فما الوجه في ذلك؟ ! و أي فائدة في الكتابة بالعربية؟ و أي وازع في الترقيم بالعجمية؟ !

و الذي يقضي به التدبر، و ينتهي إليه الفكر: أن الفائدة في ذلك هو حفظ شؤون الملة الإسلامية، و صونا لجانب الاستقلال و العظمة، ألا ترى أن الأمم الراقية المتمدنة يسعون في انتشار لسانهم في العالم، حتى تصير لغتهم لغة عالمية، إعمالا للسيادة، و تثبيتا للعظمة؟

فكأنه «صلى اللّه عليه و آله» يلاحظ جانب الإسلام، و أنه يعلو و لا يعلى عليه، و أن لغة القرآن لا بد أن تنتشر، و تعم العالم، لأن القرآن كتاب للعالم؛ فعظمة القرآن، و عموم دعوته، و عظمة النبي الأقدس «صلى اللّه عليه و آله» ، و رسالته العالمية، تقضي أن يكتب إليهم بلغة القرآن.

فعلى ملوك العالم، و العالم البشري أن يتعلموا لسانه المقدس، و لغته السامية، لغة القرآن المجيد، تثبيتا لهذا المرمى العظيم، و الغرض العالي» (1).

الثانية: و بعد، فإننا لا ننكر أن يكون زيد بن ثابت قد تعلم شيئا من العبرانية أو السريانية، قليلا كان ذلك أو كثيرا، و لكننا نشك في أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب منه ذلك، و نشك كذلك في أن


1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 16 و 17.

يكون قد كتب له «صلى اللّه عليه و آله» بهذه اللغات، أو ترجم له شيئا من الكتب التي أتته، فإن الروايات المتقدمة لا تكفي لإثبات ذلك على الإطلاق بل قدمنا ما يوجب ضعفها و وهنها و لا بد لإثبات ذلك من اعتماد أدلة و شواهد أخرى، لا نراها متوفرة بين أيدينا، من نصوص و مصادر، بل إن ما بأيدينا يؤيد إن لم يكن يدل على خلاف ذلك، كما ألمحنا إليه.

و الظاهر: أن الهدف هو إثبات فضيلة لزيد بن ثابت، و إن كانت كل الدلائل و الشواهد تشير إلى خلافها، ما دام لا يخطر ببال أحد: أن يبحث حول ثبوت ذلك و صحته بنظرهم.

و سنتكلم عن سر تكرمهم بالفضائل لهذا الرجل في آخر هذا الفصل إن شاء اللّه تعالى.

و نذكر من الفضائل التي أضيفت إلى زيد بن ثابت أيضا ما يلي:

علم زيد بالفرائض:

سيأتي: أن عمر و عثمان ما كانا يقدمان على زيد في الفرائض أحدا. و قد خطب عمر الناس، فكان مما قال: «و من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت» (1).

و ادّعوا: أنه كان أعلم أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 272 و 273 و سنن البيهقي ج 6 ص 210، و طبقات ابن سعد ج 2 ص 115، و مجمع الزوائد ج 1 ص 135، و الغدير ج 6 ص 191 و 192، و راجع ج 5 ص 361 و ج 8 ص 64 ففيهما مصادر أخرى.

بالفرائض (أي فرائض الإرث) (1).

و لكننا نقول: إننا نجد في مقابل ذلك:

1-أن مسروقا-و إن كنا نعتقد أن ذلك لدوافع سياسية-يقول عن عائشة: إنه رأى: «أكابر أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسألونها عن الفرائض» (2).

2-إن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» قد رفضوا دعوى أعلمية زيد بالفرائض، فقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، قال: الحكم حكمان: حكم اللّه، و حكم الجاهلية، و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية (3).

3-و قد ألف سعد بن عبد اللّه القمي كتاب: إحتجاج الشيعة على زيد بن ثابت في الفرائض (4).

و قد ذكر ابن شاذان في الإيضاح طائفة من مسائل الإرث لم يوفق زيد للصواب فيها، فليراجعه من أراده (5).


1) تهذيب الأسماء ج 1 ص 201 و راجع المصادر المتقدمة، و ترجمة زيد بن ثابت في مختلف المصادر.

2) الزهد و الرقائق ص 382.

3) التهذيب للشيخ الطوسي ج 6 ص 218، و الكافي ج 7 ص 407، و الوسائل ج 18 ص 11، و قاموس الرجال ج 4 ص 239، و تنقيح المقال ج 1 ص 461 و بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 118.

4) رجال النجاشي ص 178 و قاموس الرجال ج 4 ص 240.

5) الإيضاح ص 315 فما بعدها.

و قال: «. . و أما فرائض زيد، فلم يبق أحد من الصحابة إلا و قد اعترض عليه فيما فرض» .

4-عن سعيد بن وهب، قال: قال عبد اللّه: أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب «عليه السلام» (1).

و هذا هو الحق الذي لا محيص عنه، فإنه «عليه السلام» باب مدينة العلم، و لكن قاتل اللّه السياسة و ألاعيبها.

ملاحظة:

بالنسبة لشهادة الإمام الباقر «عليه السلام» بأن زيد بن ثابت قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية، لعله لأن زيد بن ثابت كان يفتي برأيه، حسب اعترافه فيما سيأتي، و لعل عامة ما كان يفتي به كان خطأ، على حد قوله نفسه، و كذلك وجود بعض الرواسب في نفسه و في فكره و كون دين اللّه لا يصاب بالعقول-لعل كل ذلك-هو السبب في أن زيدا قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية.

و قد جرت بين زيد و بين أمير المؤمنين «عليه السلام» بعض المساجلات في مجال الفرائض لم يستطع زيد أن يقدم الجواب الكافي في مقابل ما بينه له أمير المؤمنين «عليه السلام» في تلك المسألة، فإن مكاتبة (2)


1) أنساب الأشراف ج 2 ص 105، و في هامشه عن: الفضائل لأحمد بن حنبل حديث رقم 11 من فضائل علي، و عن أخبار القضاة ج 1 ص 89 بثلاثة طرق.

2) المكاتبة: الأمة التي يشارطها مولاها و يكاتبها على أن تؤدي له مقدارا معينا من المال، و تنال الحرية عن هذا الطريق.

زنت، و قد عتق منها ثلاثة أرباعها.

فقال «عليه السلام» : يجلد منه بحساب الحرية و يجلد منها بحساب الرق.

و قال زيد بن ثابت: تجلد بحساب الرق.

فاعترض عليه أمير المؤمنين «عليه السلام» بأنه هلا جلدها بحساب الحرية، فإنها فيها أكثر.

فقال زيد: لو كان كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية.

فقال «عليه السلام» : أجل ذلك واجب، فأفحم زيد (1).

و لكن عثمان خالف عليا، و صار إلى قول زيد رغم ظهور الحجة عليه.

و لعل هذه الإرهاصات في علم زيد بالفرائض قد أريد منها أن يعوض عن فشله ذاك بمنحه أوسمة الجدارة مضادة لعلي «عليه السلام» و تنكرا له.

أبو عمر و الراية لزيد في تبوك:

قال أبو عمر: «. . و كانت راية بني مالك بن النجار في تبوك مع عمارة بن حزم، فأخذها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دفعها إلى زيد بن ثابت.

فقال عمارة: يا رسول اللّه، أبلغك عني شيء؟ !

قال: لا و لكن القرآن مقدم، و زيد أكثر منك أخذا للقرآن. و هذا عندي خبر لا يصح، و اللّه أعلم» (2).


1) راجع قاموس الرجال ج 4 ص 240 عن إرشاد المفيد.

2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 552، و الخبر في مستدرك الحاكم ج 3 ص 421، و مغازي الواقدي ج 3 ص 1003، و الإصابة ج 1 ص 561، و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449، و تهذيب الأسماء ج 1 ص 201، و أسد الغابة ج 2 ص 222.

و نزيد نحن هنا: أنه لو كان الأمر كذلك للزم أن يعطي الراية إلى أبي بن كعب، سيد القراء؛ فلماذا خص بها زيدا دونه؟ ! فإن كلا منهما من أبناء مالك بن النجار، فهل كان زيد أقرأ من أبي؟ ! الذي وصفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما في بعض الروايات بأنه أقرأ الأمة (1)، أم أن أبيا تخلف عن غزوة تبوك، فلماذا لم يعامل معاملة المتخلفين، مع أنهم يقولون: إنه شهد بدرا، و المشاهد كلها؟ ! (2).

و لماذا لا يجري النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه القاعدة في سائر الموارد، و ذلك بالنسبة لابن مسعود في المهاجرين، و كذا غيره ممن نص التاريخ على أنهم قد حفظوا القرآن، و جمعوه في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

زيد و جمع القرآن:

و قد أشارت رواية أخذه الراية في تبوك، إلى كثرة أخذ زيد للقرآن، كما أنهم يذكرون لزيد مقاما فريدا بالنسبة لجمع القرآن في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ إذ يقال: «إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة، التي بين فيها ما نسخ، و ما بقي، و كتبها الرسول، و قرأها عليه، و كان يقرئ الناس بها حتى مات، و لذلك اعتمده أبو بكر و عمر، و جمعه، و ولاه عثمان كتب المصاحف» (3).


1) راجع: كتابنا حقائق هامة حول القرآن فصل: ماذا عن جمع القرآن في عهد الخلفاء؟

2) الإصابة ج 1 ص 19.

3) الإتقان ج 1 ص 50 عن البغوي في شرح السنة و راجع تاريخ القرآن للزنجاني ص 39 و 40.

و قال ابن قتيبة: «و كان آخر عرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القرآن على مصحفه» (1).

و صحح أبو عمر حديث أنس: أن زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و نقول: لقد تحدثنا عن دور زيد في جمع القرآن على عهد الخلفاء بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كتابنا «حقائق هامة حول القرآن» و قلنا هناك: إن جمع القرآن قد حصل في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و أثبتنا ذلك بالأدلة الكثيرة.

و قلنا أيضا: إن محمد بن كعب القرظي لم يذكر زيد بن ثابت في عداد من جمع القرآن في عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و قلنا كذلك: إن رواية جمع زيد للقرآن في عهد أبي بكر تعاني من إشكالات أساسية لا مجال لتجاهلها، و أن الصحيح: هو أنه قد جمع مصحفا شخصيا للخليفة، الذي لم يكن يملك مصحفا تاما.

و قال أبو عمر: عن حديث جمع زيد للقرآن في عهد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : «. . و قد عارضه قوم، بحديث ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت: أن أبا بكر أمره في حين مقتل القراء باليمامة،


1) المعارف ص 260 و عنه في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 134، و راجع: البرهان للزركشي ج 1 ص 237.

2) الإستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 552.

بجمع القرآن، قال: فجعلت أجمع القرآن من العسب، و الرقاع، و صدور الرجال، حتى وجدت آخر آية من التوبة مع رجل يقال له: خزيمة، أو أبو خزيمة.

قالوا: فلو كان قد جمع القرآن على عهد رسول اللّه لأملاه من صدره، و ما احتاج إلى ما ذكر» .

قالوا: «و أما خبر جمع عثمان للمصحف؛ فإنما جمعه من الصحف التي كانت عند حفصة من جمع أبي بكر. .» (1)إنتهى كلام أبي عمر.

و أما بالنسبة لشهود زيد للعرضة الأخيرة؛ فإننا نجد في المقابل مصادر كثيرة تذكر: أن ابن مسعود هو الذي شهد العرضة الأخيرة (2).

و على كل حال، فإن تفصيل الكلام في هذا الأمر موجود في كتابنا: «حقائق هامة حول القرآن الكريم» ، فمن أراد المزيد فليرجع إليه.

الفضائل و السياسة:

و بعد، فإننا قد تعودنا من المخالفين لأهل البيت «عليهم السلام» ، ابتداءا من الأمويين ثم العباسيين، محاولاتهم الدائبة للحط من علي «عليه


1) الإستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 552.

2) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 104 و ص 4، و كنز العمال ج 2 ص 224 و 225 عن ابن عساكر، و كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 251 و مجمع الزوائد ج 9 ص 288 عن أحمد، و البزار، و رجال أحمد رجال الصحيح، و فتح الباري ج 9 ص 40 و 41 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 322، و مشكل الآثار ج 1 ص 115 و ج 4 ص 196.

السلام» ، و أهل بيته صلوات اللّه و سلامه عليهم و التستر على فضائله و مزاياه، و إظهار العيب له.

و قد قال المغيرة بن شعبة لصعصعة: «و إياك أن يبلغني عنك: أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، و لكن هذا السلطان قد ظهر و قد أخذنا بإظهار عيبه للناس» (1).

و النصوص الدالة على هذه السياسة كثيرة جدا، بل هي فوق حد الإحصاء.

و من جهة أخرى فإنهم يعملون على إظهار التعظيم الشديد لكل من كان على رأيهم، و يذهب مذهبهم، و يصنعون لهم الفضائل، و يختلقون لهم الكرامات، و ذلك أمر مشهود و واضح، و قد أشرنا إليه غير مرة.

و المراجع لحياة زيد بن ثابت، و لمواقفه السياسية يجد: أنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام. كما و يجد أنه ممن تهتم السلطة برفع شأنهم، و تأكيد فضلهم و نسبة الكرامات إليهم.

الخط السياسي لزيد بن ثابت:

و بعد، فإن الذي يراجع حياة زيد بن ثابت و مواقفه، يجد: أنه كان عثمانيا، و منحرفا عن أمير المؤمنين علي «عليه السلام» . فعدا عن أنه كان له موقف في السقيفة، يؤيد فيه صرف الأمر عن الأنصار إلى المهاجرين، و قد


1) راجع الكامل لابن الأثير ج 3 ص 430 و تاريخ الأمم و الملوك طبع الإستقامة ج 4 ص 144.

أثنى عليه أبو بكر، و مدحه لأجله (1)فإنه: كان أحد الذين لم يبايعوا عليا أمير المؤمنين عليه آلاف التحية و السلام (2).

بل لقد كان زيد بن ثابت مع عمر حينما ذهب للإتيان بعلي «عليه السلام» من بيته لأجل البيعة (3).

و «كان زيد عثمانيا، و لم يشهد مع علي شيئا من حروبه» (4).

و قد قطع أمير المؤمنين «عليه السلام» العطاء عمن لم يشهد معه، و أقامهم مقام أعراب المسلمين (5).

و كان زيد عثمانيا، يحرض الناس على سب أمير المؤمنين «عليه السلام» (6).

و «كان عثمان يحب زيد بن ثابت» (7).

«و الذين نصروا عثمان، كانوا أربعة، كان زيد بن ثابت أحدهم، و لم


1) راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 433 و مسند أحمد ج 5 ص 186 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 و التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 244 عنه.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (طبع دار المعارف) ج 4 ص 430 و 431 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 191.

3) أنساب الاشراف ج 1 ص 585. (قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله») .

4) أسد الغابة ج 2 ص 222 و الإستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 554 و قاموس الرجال ج 4 ص 239 و تنقيح المقال ج 1 ص 462 و راجع الكامل لابن الأثير ج 3 ص 191.

5) دعائم الإسلام ج 1 ص 391-392.

6) سفينة البحار ج 1 ص 575.

7) الإستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 554.

ينصره أحد من الصحابة غيرهم» (1).

و كان على قضاء عثمان (2)، و على بيت المال و الديوان له (3).

و كان عثمان يستخلفه على المدينة (4).

و كان يذبّ عن عثمان حتى رجع لقوله جماعة من الأنصار (5).

و قد قال للأنصار: إنكم نصرتم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فكنتم أنصار اللّه، فانصروا خليفته تكونوا أنصارا للّه مرتين؛ فقال الحجاج بن غزية: و اللّه إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول، إلى آخره.

و في نص آخر: أن سهل بن حنيف أجابه؛ فقال: يا زيد، أشبعك عثمان من عضدان المدينة؟ ! و العضيدة: نخلة قصيرة، ينال حملها (6).


1) الكامل لابن الأثير ج 3 ص 151 و راجع: ص 161، و أنساب الأشراف ج 5: ص 60، و الغدير ج 9 ص 159 و 160 عن المصادر التالية: تاريخ الطبري ج 5 ص 97 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 391 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 168.

2) الكامل لابن الأثير ج 3 ص 187.

3) راجع: الكامل لابن الأثير ج 3 ص 191، و أسد الغابة ج 2 ص 222، و أنساب الاشراف ج 5 ص 58 و 88 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 553 و 554 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 120، و تهذيب الأسماء ج 1 ص 201 و تاريخ الأمم و الملوك (طبع دار المعارف) ج 4 ص 430.

4) راجع: المصادر المتقدمة باستثناء الأول منها. و البداية و النهاية ج 7 ص 347 و شذرات الذهب ج 1 ص 54، و أسد الغابة ج 2 ص 222.

5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451.

6) أنساب الأشراف ج 5 ص 90 و 78، و راجع: الكامل لابن الأثير ج 3 ص 191، و تاريخ الأمم و الملوك (طبع دار المعارف) ج 4 ص 430.

و كان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان، و كان زيد يذب عنه، فقال له قائل منهم:

و ما يمنعك؟ ! ما أقل و اللّه من الخزرج من له من عضدان العجوة ما لك!

فقال زيد: اشتريت بمالي، و قطع لي إمامي عمر، و قطع لي إمامي عثمان.

فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر عشرين ألف دينار؟

قال: لا، و لكن كان عمر يستخلفني على المدينة، فو اللّه، ما رجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة من نخل (1).

و استخلاف عمر له في أسفاره معروف و مشهور (2).

هذا، و قد أعطاه عثمان يوما مائة ألف مرة واحدة (3).

و قد بلغ من ثراء زيد أن خلف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال و الضياع بقيمة مائة ألف دينار (4).


1) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451 و راجع ص 550 و راجع: الإصابة ج 1 ص 562، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434، و أخبار القضاة ج 1 ص 108.

2) راجع في ذلك عدا عما تقدم و سيأتي: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31 و الإصابة ج 1 ص 562، و الإستيعاب بهامشها ج 1 ص 553 و 552 و البداية و النهاية ج 7 ص 347، و شذرات الذهب ج 1 ص 54، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 427 و 43 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، و تهذيب الأسماء ج 1 ص 201، و أسد الغابة ج 2 ص 222.

3) أنساب الاشراف ج 5 ص 38 و 52، و الغدير ج 8 ص 292 و 286.

4) الغدير ج 8 ص 284 عن مروج الذهب ج 1 ص 434.

و كان محل العناية التامة من قبل عمر، فعدا عن استخلافه له في كل سفر يسافره و إقطاعه الحدائق، فإنه كان كاتب عمر (1)، و كان على قضائه و فرض له رزقا (2).

و يكفي أن نذكر هنا عبارة ابن سعد، و ابن عساكر، و هي: «كان عمر- يستخلف زيدا في كل سفر، و قل سفر يسافره و لم يستخلفه، و كان يفرق الناس في البلدان و ينهاهم أن يفتوا برأيهم، و يحبس زيدا عنده-إلى أن قال: و كان عمر يقول: أهل البلد-يعني المدينة-محتاجون إليه، فيما يجدون إليه، و فيما يحدث لهم مما لا يجدونه عند غيره» (3).

«و ما كان عمر و عثمان يقدمان على زيد أحدا، في القضاء و الفتوى، و الفرائض و القراءة» (4).

ثم كان زيد في زمن معاوية على ديوان المدينة، فقد قال ابن قتيبة، عن عبد الملك بن مروان، الذي ولد سنة أربع و عشرين هجرية: «كان معاوية


1) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 448، و أشار إلى كتابته في المعارف ص 260.

2) طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115 و 116، و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451، و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 32، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 435.

3) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116 و 117، و كنز العمال ج 16 ص 7، و حياة الصحابة ج 3 ص 218 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434.

4) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115، و راجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 32، و كنز العمال ج 16 ص 6 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434.

جعله مكان زيد بن ثابت على ديوان المدينة، و هو ابن ست عشرة سنة» (1).

ثم كان عبد الملك بن مروان من الذين يقولون بقول زيد (2).

أما أبوه مروان، فكان قد بلغ من اهتمامه بزيد: أن دعاه، و أجلس له قوما خلف ستر، فأخذ يسأله، و هم يكتبون ففطن لهم زيد، فقال: يا مروان اعذر، إنما أقول برأيي (3).

و أتاه أناس يسألونه، و جعلوا يكتبون كل شيء قاله، فلما أطلعوه على ذلك قال لهم: «لعل كل الذي قلته لكم خطأ، إنما قلت لكم بجهد رأي» (4).

و مع أنه يعترف بأنه إنما يفتي لهم برأيه، فقد بلغ من عمل الناس بفتواه المدعومة من قبل الحكام: أن سعيد بن المسيب يقول: «لا أعلم له قولا لا يعمل به، فهو مجمع عليه في المشرق و المغرب» (5).

فانظر ماذا ترى؟ !

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.


1) المعارف ص 355.

2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452.

3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452، و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 438 و في هامشه عن الطبراني.

4) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452.

5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451، و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل السادس: جزاء الغادر 5-28

الفصل السابع: حروب علنية بين المسلمين و اليهود 29-42

القسم السادس: حتى الخندق

الباب الأول: غزوة أحد. . آثار و نتائج

الفصل الأول: قبل نشوب الحرب 49-120

الفصل الثاني: نصر و هزيمة 121-194

الفصل الثالث: في موقع الحسم 195-252

الفصل الرابع: بعدما هبت الرياح 253-310

الفصل الخامس: غزوة حمراء الأسد، و إلى السنة الرابعة 311-330

الباب الثاني: شخصيات و أحداث

الفصل الأول: أوسمة و همية لزيد بن ثابت 333-362

الفهارس 363-375

2-الفهرس التفصيلي

الفصل السادس: جزاء الغادر

1-قتل أبي عفك:7

2-قتل العصماء بنت مروان:8

3-قتل كعب بن الأشرف:10

4-قتل ابن سنينة:13

5-قتل أبي رافع:14

ألف: الإسلام قيد الفتك:16

جريمة معاوية:19

ب: رعب اليهود:20

ج: مع موقف عمير في أصالته و نبله:21

د: ابن الأشرف و أبو سفيان:23

ه: تساؤل حائر:24

و: التنافس القبلي:26

ز: جهل و غرور ابن الأشرف:26

ح: الإسلام و الإنسان:27

الفصل السابع: حروب علنية بين المسلمين و اليهود

قريش تحرض اليهود على نقض العهد:31

تصعيد التحدي:32

ألف: نزول الآية في ابن أبي:35

حقيقة القضية:36

ب: حول الراية:37

ج: الخمس:38

د: بعض أهداف و نتائج حرب بني قينقاع:39

ه: الحجاب:40

و: الغرور و الإيمان:41

ز: الاستجابة لابن أبي:42

ح: بنو قينقاع تحت الأضواء:43

القسم السادس: حتى الخندق

الباب الأول: غزوة احد. . آثار و نتائج الفصل الأول: قبل نشوب الحرب

أجواء و مواقف:51

جيش المشركين إلى أحد:53

سؤال و جوابه:55

وصول الخبر إلى المدينة:56

سؤال يحتاج إلى جواب:57

المشركون و أزمة الثقة:57

عنصر السرية لتلافي الأخطار المحتملة:61

المشركون في طريق المدينة:61

الأول: معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله بواقع أصحابه:62

الثاني: الإفلاس على كل صعيد:63

النبي صلّى اللّه عليه و آله يستشير أصحابه:63

ألف: هل النبي صلّى اللّه عليه و آله يحتاج إلى رأي أحد؟ !67

الجواب عن السؤال الثاني:68

ب: من أهداف استشارته صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه:70

الجواب عن السؤال الثاني:72

ج: نظرية: خلافة الإنسان و شهادة الأنبياء:75

مناقشة ما تقدم:78

د: ماذا يريد النبي صلّى اللّه عليه و آله في أحد؟88

ه: لبس لامة الحرب يعني القتال:94

و: من الأكاذيب:96

عقد الألوية:97

اللواء مع علي عليه السّلام فقط:98

لا فرق بين اللواء و الراية:104

عدة و عدد المسلمين:105

رجوع المنافقين:106

الخيانة و آثارها:107

سؤال و جوابه:109

إرجاع الصغار:114

الحراسة و قصة ذكوان:118

الشك في قصة ذكوان:119

الفصل الثاني: نصر و هزيمة

التعبئة للقتال:123

ألف: المظاهرة بين درعين:124

ب: المنطق القبلي لدى أبي سفيان:125

أبو دجانة و السيف:126

ملاحظات على هذه الرواية:127

نشوب الحرب و قتل أصحاب اللواء:130

ألف: بنو مخزوم و أهل البيت عليهم السّلام:133

ب: الزبير و المقداد على الخيل:133

ج: إخلاص علي عليه السّلام و عطفه على كبش الكتيبة:134

د: من قتل أصحاب اللواء:135

ه: مبارزة أبي بكر لولده:137

و لنا على ما ذكر ملاحظات:138

هزيمة المشركين:141

ألف: لماذا لم يسب من نساء قريش أحد؟ !142

ب: مقارنة:144

الهزيمة بعد النصر:145

تصحيح و توضيح:147

الرسول صلّى اللّه عليه و آله يدعوهم في أخراهم:148

علي عليه السّلام و كتائب المشركين:149

ألف: استشهاد حمزة رضوان اللّه عليه:151

استطراد حول وحشي:152

ب: هل يدعو النبي صلّى اللّه عليه و آله على قومه؟ ! :157

استطراد هام:161

و لا تذهب نفسك عليهم حسرات:165

لم يثبت في أحد غير علي عليه السّلام:166

إنه مني و أنا منه:168

لا سيف إلا ذو الفقار:170

الفارون في أحد:173

فرار سعد:174

فرار طلحة:175

فرار أبي بكر:176

فرار عمر:180

فرار الزبير:185

فرار عثمان:185

لم يثبت من المهاجرين سوى علي عليه السّلام:187

سر الاختلاف في من ثبت:188

ثبات أبي دجانة:188

نظرة في شعر حسان المتقدم 190

تأويلات سقيمة للفرار:190

لماذا كانت الهزيمة؟ !191

الفصل الثالث: في موقع الحسم

الرعب القاتل:197

عودة المسلمين إلى القتال:198

مواقف و بطولات:199

1-مع أنس بن النضر، و ابن السكن و أصحابه:199

2-أبو دجانة:200

3-أم عمارة: و مقام فلان! ! و فلان! !202

جهاد المرأة:204

4-أم سليط:206

5-حنظلة الغسيل:206

6-بين عبد اللّه بن جحش و ابن أبي وقاص:210

مواقف و بطولات سعد الموهومة:212

إشارة هامة:215

كرامات طلحة:217

إشارة هامة:221

تجميع القوى و إعادتها إلى مراكزها:223

ألف: فاطمة أم أبيها:230

ب: النبي صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون في الجبل!231

ج: روايات لم تثبت:236

د: عمر في قفص الاتهام:237

العباس في أحد:240

من مشاهد الحرب:241

ملاحظات:245

الصبر في الجهاد:248

الفصل الرابع: بعدما هبت الرياح

ما جرى على حمزة و الشهداء:255

ألف: موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله من المثلة بحمزة:261

ما هو الصحيح في القضية؟ !271

ب: هند و كبد حمزة:272

ج: المنع من البكاء على الميت:273

السياسة و ما أدراك ما السياسة؟ ! :276

التوراة و المنع من البكاء على الميت:278

د: حزن النبي صلّى اللّه عليه و آله على حمزة:279

ه: موقف أبي سفيان من قبر حمزة:281

و: مواساة الأنصار للنبي صلّى اللّه عليه و آله:282

ز: صبر صفية:283

التعصب:284

الاختصام في ابنة حمزة:284

الصلاة على الشهداء و تغسيلهم و دفنهم:285

لماذا تقديم الأقرأ؟287

أنا شهيد على هؤلاء:289

عدد شهداء أحد:290

أكثر القتلى من الأنصار:291

زيارة القبور:292

عدد قتلى المشركين:293

أكثر القتلى من علي عليه السّلام:294

أويس القرني في أحد:296

صفية و اليهودي:298

بعض الحكم في معركة أحد:298

من مشاهد العودة إلى المدينة:299

علي عليه السّلام يناول فاطمة عليها السّلام سيفه:301

شماتة المنافقين و سرورهم بنتائج أحد:302

ألف: التمحيص:303

ب: أجواء النفاق و دوافعه:304

دعني أقتله يا رسول اللّه! !306

الفصل الخامس: غزوة حمراء الأسد و إلى السنة الرابعة

قريش تفكر في المدينة ثم تعدل عنها:313

غزوة حمراء الأسد:314

المجروحون فقط:315

أسيران يقعان في أيدي المسلمين:318

دوافع حمراء الأسد و نتائجها 320

و على ضوء ما تقدم 321

قتل الأسيرين 324

وفاة أم كلثوم و ملابساتها 325

الباب الثاني شخصيات و أحداث 331

الفصل الأول: أوسمة وهمية لزيد بن ثابت 333

بداية 335

الحدث المشكوك 336

روايات تعلم زيد العبرانية أو السريانية 337

المناقشة 341

ملاحظتان 348

علم زيد بالفرائض 350

ملاحظة 352

أبو عمر و الراية لزيد في تبوك 353

زيد و جمع القرآن 354

الفضائل و السياسة 356

الخط السياسي لزيد بن ثابت 357

الفهارس 363

1-الفهرس الإجمالي 365

2-الفهرس التفصيلي 367