الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 6

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء السادس

ادامة القسم الخامس: حتى احد

تتمة الباب الاول: معركة بدر

الفصل الثالث: الغنائم و الأسرى

اشارة

قسمة الغنائم:

و غنم المسلمون من المشركين مئة و خمسين من الإبل، و عشرة أفراس، و عند ابن الأثير: ثلاثين فرسا، و متاعا، و سلاحا، و أنطاعا، و أدما كثيرا (1).

و اختلف المسلمون في هذه الغنائم: هل تختص بالمهاجرين، أو تتعداهم إلى من كان خلفهم من الجيش يقوم بمهمات أخرى. فأرجأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» تقسيم الغنائم بسبب هذا الخلاف، و جمع الغنائم، و سلمها لعبد اللّه بن كعب، و أمرهم بمعاونته في حملها و حفظها، و نزل قوله تعالى-كما يقال-:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفٰالِ قُلِ اَلْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2).

و لم يقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الغنائم إلا و هو في طريقه إلى المدينة، و ذلك من أجل أن تخف حدة الخلاف فيما بين أصحابه، و تعود إليهم حالتهم الطبيعية، بعيدا عن نزوات آمالهم الدنيوية.


1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 102 و 103، و السيرة الحلبية ج 2 ص 183، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 118.

2) الآية 1 من سورة الأنفال.

فقسمها بينهم آنئذ، و لم يخرج منها الخمس.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يأخذ الخمس في بدر:

و أما لماذا لم يأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخمس من غنائم بدر؟

فلعله لأنه أراد-بإذن من اللّه، و سماحة من نفسه، و من أولي القربى-: أن يعطي المحاربين سهاما أوفر، تأليفا لهم و ترغيبا، خصوصا و أنها أول حرب يخوضونها ضد المشركين، و لا سيما بعد أن رأى حرصهم على الحصول على المال في هذه المناسبة بالذات، كما أشرنا إليه، و سيأتي توضيح ذلك أكثر حين الحديث عن الأسرى.

و نظير ذلك ما ورد من أن الحسنين «عليهما السلام» قد طالبا أباهما أيام خلافته بالخمس، فقال لهما «عليه السلام» : هو لكم حق، و لكنني محارب معاوية، فإن شئتم تركتم حقكم منه (1).

كما أن من الممكن أن يكون عدم أخذه للخمس لأجل أن آية الخمس لم تكن قد نزلت بعد، مما يعني: أن تشريع الخمس قد تأخر عن غزوة بدر، حتى إننا نجد من يقول: إن أول خمس خمسه كان في غزوة بني قينقاع (2).

و لكننا لا نطمئن إلى صحة ذلك، لأن بعض النصوص تفيد: أن أول خمس أخذه «صلى اللّه عليه و آله» كان في سرية عبد اللّه بن جحش أي قبل بدر بأشهر.

بل نجد أن ابن عساكر يذكر في حديث مناشدة علي «عليه السلام»


1) السنن الكبرى ج 6 ص 363.

2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 211.

لأصحاب الشورى قوله:

«نشدتكم باللّه، أفيكم أحد كان يأخذ الخمس مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يؤمن أحد من قرابته غيري و غير فاطمة؟

قالوا: اللهم لا» (1).

فهذا النص يدل على أن تشريع الخمس كان في مكة في بدء الدعوة، و حتى قبل أن يسلم أحد من أهل بيته «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن في هذا النص إشكال، و هو أن جعفر «رحمه اللّه» قد أسلم في بدء الدعوة أيضا، و حمزة قد أسلم في حدود السنة الرابعة أو الخامسة، و كذلك أبو طالب، أي قبل ولادة فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها. و يمكن أن يجاب عن ذلك:

أولا: إن أبا طالب لم يكن ثمة بحاجة للمال، و كذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» و خديجة. و قد كانوا في الشعب ينفقون من أموال خديجة، و أبي طالب، كما تقدم.

و أما جعفر، فلم يعلم: أنه كان يستحق من الخمس، فلعله كان مليا من المال؛ كما أنه كان يعيش في بلاد الحبشة و كذا حمزة فلعله كان مليا أيضا.


1) ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 3 ص 90، و راجع ص 95، و راجع: مناقب الخوارزمي ص 225، و فرائد السمطين ج 1 ص 322. و في هامش ترجمة الإمام علي ج 3 ص 88/89 مصادر كثيرة لحديث المناشدة. و راجع أيضا: الضعفاء الكبير ج 1 ص 211 و ليس فيه كلمة (قبل أن يؤمن أحد من قرابته) و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362.

و ثانيا: يمكن أن يكون الخمس قد شرع في بدء البعثة، و قبل أن يسلم أحد من أهل بيته «صلى اللّه عليه و آله» ، فخمست خديجة أموالها؛ فنال عليا من ذلك ما ناله، و بعد أن ولدت فاطمة صارت تشاطر عليا في الخمس.

و لا يلزم من ذلك النص أن تكون فاطمة قد ولدت في أول البعثة، أو قبلها، كما ربما يتوهم.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرد الخمس على أصحابه أيضا:

و كما أنه لم يأخذ الخمس في بدر، فإنه لم يأخذه في غيرها أيضا. فقد ورد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رد الخمس على أصحابه في قصة حنين، حيث: «تناول (أي النبي «صلى اللّه عليه و آله») من الأرض و برة من بعير، أو شيئا، ثم قال: و الذي نفسي بيده، ما لي مما أفاء اللّه عليكم و لا مثل هذه إلا الخمس، و هو مردود عليكم» (1).

فهذا كان حال النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهم، و لكن غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استأثر بالفيء و منعه أهله، بل حرم ورثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ميراثه، كما هو معلوم. و لسوف نتكلم حول تشريع الخمس في الأرباح و الأموال، في فصل مستقل يأتي إن شاء اللّه، بعنوان: «بحوث ليست غريبة عن السيرة» .


1) الموطأ ج 2 ص 14 المطبوع مع تنوير الحوالك، و الأموال لأبي عبيد ص 444 و 447، و الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 122، و مسند أحمد ج 5 ص 316 و 319 و 326، و الثقات ج 2 ص 78.

إكتفاء الناس في عهد علي عليه السّلام:

أخرج أبو عبيد، و غيره: «أن أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» أعطى العطاء في سنة ثلاث مرات. ثم أتاه مال من أصبهان.

فقال: اغدوا إلى عطاء رابع، إني لست بخازنكم، فقسم الحبال، فأخذها قوم، وردها قوم، فأكرههم على أخذها» (1).

و هذا يعني: أن الناس قد وصلوا في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى درجة من الكفاية، حتى إنهم ليردون بعض العطاء.

و كيف لا يصلون إلى هذه الدرجة، و أمير المؤمنين «عليه السلام» هو الذي يقول: «أنا أهنت الدنيا» ؟ (2).

و سيرته في بيت مال المسلمين أشهر من أن تحتاج إلى بيان؟ ! .

بينما نجد في عهد غيره: أن البعض ربما لا يجد ما يستر به نفسه، سوى رقعتين، يجمع إحداهما على فرجه، و الأخرى على دبره، فكان يدعى: ذا الرقعتين (3).

ملاحظة هامة: الخمس، و الطبقية:

و قد يطرح هنا سؤال، و هو: هل صحيح أن تشريع الخمس لآل


1) الأموال لأبي عبيد ص 384، و كنز العمال ج 4 ص 378 و 318، و حياة الصحابة ج 2 ص 236، و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 3 ص 181، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 132.

2) البداية و النهاية ج 8 ص 5 عن البغوي، و حياة الصحابة ج 2 ص 310.

3) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 267، و راجع 268، و سنن البيهقي ج 7 ص 209.

الرسول معناه تبني مبدأ الطبقية، و الالتزام به؟ ! بل هو قبول بمبدأ التمييز العنصري، كما يحلو للبعض أن يقول؟ .

و الجواب: أن المستفاد من الروايات أن الخمس ملك للّه و لرسوله، و للإمام «عليه السلام» ، و الباقون من الأصناف المذكورة في الآية إنما هم موارد صرفه.

و في الحقيقة، فقد اعتبر اللّه فقراء العترة من عائلة الإمام «عليه السلام» ، فإن لم تكفهم سهامهم أتمها من عنده، و إن بقي من سهامهم شيء كان الباقي للإمام «عليه السلام» ، و يصرف الإمام الخمس فيما ينوبه مما فيه حفظ كيان الدين و حفظ شؤون المسلمين.

و المال الذي يعطى لهؤلاء لا يعني سوى سد حاجتهم المادية، بعد أن حرمت عليهم الزكاة، كما كانت الزكاة لسد الحاجة المادية لغيرهم، من دون أن تعطي لذلك الغير أي إمتياز.

غير أن في إعطاء هذا الخمس لهؤلاء تكريما للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تأكيدا على قدسيته و مكانته في نفوس الناس، مع عدم الانتقاص من حق و لا من مكانة أحد، الأمر الذي يعطي للناس زخما عقيديا، و من ثم سلوكيا تحتاج إليه الأمة.

و يلاحظ اهتمام القرآن في هذا الأمر في غير مورد، كقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (1).


1) الآية 2 من سورة الحجرات.

ثم إنه تعالى قد أمر الناس بالصلاة و التسليم على رسوله الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» و ليس ذلك إلا لأجل أنه تعالى يريد أن يستفيد من ذلك في خدمة الدين و الإنسان و الإنسانية.

أضف إلى ما تقدم: أن هذا الإعطاء ليس بلا حدود و لا قيود، بحيث يوجب أن تتكدس الأموال عند طائفة معينة، مع حاجة الآخرين إليها. فلا يعطى لكل إلا بمقدار مؤونة سنته، و ما يرفع حاجته، كما في الروايات و الفتاوى. كما أن أمر سهم الإمام بيد الإمام أو المجتهد، و كذا سهم السادة على بعض الفتاوى.

أما بالنسبة إلى الزكاة فليس الأمر كذلك، إذ يمكن إعطاء مبالغ ضخمة منها لمستحقها، بحيث ينتقلون من الفقر إلى الغنى دفعة واحدة.

و من جهة ثانية، فإن الخمس-إلى جانب أمور أخرى-قد ساهم مساهمة فعالة في حفظ الدين على مدى التاريخ، فهو الذي حفظ ارتباط الناس بالمرجعية الدينية، و ساهم في بعث الثقة المتبادلة فيما بينهم و بينها، و ساعد الناس على التغلب على آثار إهمال، و اضطهاد الحكام لهم، و سد الكثير من حاجاتهم، و ساهم في إنشاء المؤسسات التي تخدم المجتمع، و ترفع من مستواه روحيا، و ماديا و فكريا، و جعل بإمكان القيادة الدينية، و كذلك القاعدة الشعبية: أن تعيش حرة في تفكيرها، و في مواقفها، من دون ارتباط بالحاكم الجائر، أو خضوع له، و لم يعد بإمكانه أن يمارس ضدهم أي ضغط يرونه في غير صالح الدين، و لا أن يستعملهم أداة لتحقيق مآربه، و الوصول إلى غاياته. فهم لا يستمدون مكانتهم و اعتبارهم، و لا لقمة عيشهم منه، و لا يفرض عليهم أي ارتباط به، إلا في حدود الروابط العقيدية و الدينية.

و من هنا نعرف مدى تأثير الخمس في نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، بقيادة زعيمها آية اللّه العظمى، و القائد الديني السيد روح اللّه الموسوي الخميني (قده) ، بالإضافة إلى العوامل الأخرى، التي ساهمت أيضا في هذا النجاح.

و من جهة ثالثة، فإن حفظ هذا الدين يتطلب ذلك، إذ إنه يساهم في إيجاد الشعور بالمسؤولية المباشرة عن حفظ هذا الدين و الدفاع عنه لدى فئة بعينها.

و من الطبيعي أن تكون أقرب الفئات إلى الشعور بهذه المسؤولية الكبرى هم أهل بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ بدافع من الشعور الطبيعي. و يزيد هذا الشعور و يذكيه، و يجعلهم أكثر اندفاعا إلى التضحية في سبيله جعل هذا الخمس بمثابة ضمانة لهم، و لعوائلهم، و وسيلة لتلبية حاجاتهم، التي تفرضها مسؤولياتهم تلك.

و من هنا فإننا نجد حتى العقائد الفاسدة، و الدعوات المريبة، كالوهابية التي هي من أسخف العقائد، قد استطاعت بالاستفادة من هذا النوع من العصبية أن تفرض وجودها، و تحتفظ ببقائها؛ حيث وجدت من يعتبرون أن وجودهم مرهون بوجودها، و رأوا أن العصبية لها و الحفاظ عليها مما لا بد منه في بقاء ملكهم و سلطانهم.

و من ذلك كله يتضح أن العقيدة الحقة أولى بالاستفادة من ذلك، و لكن في سبيل الخير و الحق، فجاء هذا التدبير الإلهي ليحفظ لها وجودها، و يساعد على بقائها، و يخفف من الأخطار الجسام التي سوف تواجهها.

و قد رأينا: أن المذاهب التي لم يرض عنها الحكام، حينما و وجهت بأدنى مقاومة أو معارضة، كان مصيرها التلاشي و الاندثار، لعدم وجود

ضمانات بقاء لها. أما مذهب أهل البيت، الذي هو رسالة اللّه الصافية، فإن فيه الكثير من الضمانات التشريعية و العملية التي تساعد على استمراره و بقائه في وجه أعتى القوى الظالمة، و الحاقدة، حتى و لو استمر الاضطهاد له و لأتباعه القرون و القرون، كما قد كان ذلك بالفعل.

و ليكن ذلك هو أحد الأدلة على عظمة هذا الدين، و على شمولية و صفاء الإسلام الحنيف.

بعض المتخلفين، و غنائم بدر:
ألف: طلحة، و سعيد بن زيد:

و يقولون هنا: إن طلحة و سعيد بن زيد لم يحضرا بدرا، و ذلك لأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسلهما ليتجسسا له خبر العير؛ فرجعا إلى المدينة بعد خروجه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بدر، فخرجا إليها، فوجداه قد عاد منها؛ فضرب لهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسهميهما من الغنائم (1).

و لكن ذلك لا يصح، و ذلك لما يلي:

1-إننا نجد نصا آخر يقول: إنهما كانا في تجارة إلى الشام، فقد ما بعد رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة بدر، فضرب لهما «صلى اللّه عليه و آله» بسهميهما بعد رجوعهما (2).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 147 و 185 و غيره.

2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 339،340، و التنبيه و الأشراف ص 205، و لكنه ذكره بلفظ قيل. و الإصابة ج 2 ص 229، و الإستيعاب بهامشها ص 219.

و لكن الشق الأخير من النص لا يصح، إذ لماذا يضرب لهما بسهميهما دون سائر من تخلف؟ !

و هل لمن لا يحضر غزاة حق في غنائم تلك الغزاة شرعا؟ !

و كيف رضي المسلمون إعطاء هذين الرجلين، دون غيرهما ممن تخلف عن الحرب لعذر، أو لغيره؟ ! .

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتسامح مع المسلمين في الأموال؛ فإنما كان يتسامح معهم بأمواله هو، لا بأموال غيره. كما أنه كان يتسامح مع من حضر الحرب، دون من لم يحضر.

2-إن السيوطي-تبعا لغيره-لا يقر بهذه الفضيلة لهما، بل ينكرها على كل من عدا عثمان، فهو يقول: و ضرب لعثمان يوم بدر، و لم يضرب لأحد غاب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر، قال الخطابي: هذا خاص بعثمان، لأنه كان يمرض ابنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و حتى بالنسبة لعثمان فسنرى أن ذلك أيضا لا يصح.

3-لقد جاء في حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأصحاب الشورى و فيهم طلحة و عثمان قوله: «أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، و سهم في الغائب؟

قالوا: لا» (2).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 185.

2) ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 3 ص 93، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362، و الضعفاء الكبير ج 1 ص 211 و 212.

و يمكن أن يكون إعطاؤه سهما في الغائب من جهة أنه يكون في مهمة قتالية حينئذ؛ أو أنه أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» من سهمه الذي كان يرده على المقاتلين. هذا بالإضافة إلى أنه لم يتخلف إلا في غزوة تبوك.

فقد نص الزمخشري في فضائل العشرة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك، فدفع لكل واحد منهم سهما و دفع لعلي كرم اللّه وجهه سهمين، ثم ذكر اعتراض زائدة بن الأكوع، و جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» له بأن جبرائيل كان يقاتل في تبوك، و أنه قد أمره بأن يعطي عليا «عليه السلام» سهمين (1).

و نلاحظ هنا: أن جعفر بن أبي طالب كان له أيضا سهم في الحاضر، و سهم في الغائب، فقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» أنه قال: ضرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه، و أجره (2). و ذلك لا ينافي ما تقدم بالنسبة لعلي «عليه السلام» ، فإن الذين ناشدهم علي «عليه السلام» لم يكن فيهم غير علي له هذه الخصوصية، فلا يمنع أن يكون جعفر أيضا-الذي لم يكن معهم آنئذ، لأنه قد استشهد في مؤتة-قد كانت له هذه الخصوصية أيضا. .

ب: عثمان بن عفان:

و يقولون: إن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد أسهم لعثمان بن عفان في غنائم بدر، لأن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد أمره بالتخلف ليمرّض


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 142.

2) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 216.

زوجته رقية بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فضرب له «صلى اللّه عليه و آله» بسهمه و أجره، و عدوه من جملة البدريين (1).

و نحن لا نصدق ذلك لما يلي:

1-ما تقدم من مناشدة علي «عليه السلام» لأصحاب الشورى، و فيهم عثمان.

2-إن ثمة رواية أخرى تقول: إنه تخلف عن بدر، لأنه كان مريضا بالجدري (2)، فأي الروايتين نصدق؟ !

3-لماذا يضرب له بسهمه، دون سائر من تخلف لعذر، و كيف لم يعترض المسلمون المتخلفون على هذا الأمر، و يطالبونه بحقوقهم؛ و كيف رضي المسلمون المحاربون بذلك أيضا؟ و هل كل من تخلف على مريض يحق له أن يأخذ من الغنائم التي تحصل في الحرب التي لم يحضرها؟

4-إن بعض نصوص رواية عثمان تذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خلف أسامة بن زيد مع عثمان لأجل رقية. و أنه-يعني أسامة-قد كان له دور من نوع ما حينما جاء الخبر بانتصار المسلمين في بدر، مع أن أسامة لم يكن له من العمر حينئذ أكثر من عشر سنين! ! . و لم يضرب له النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسهمه كعثمان! .

5-إننا نجد: أن عبد الرحمن بن عوف يعيّر عثمان بتخلفه عن بدر، فقد لقي الوليد بن عقبة؛ فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 146 و 147 و 185 و أي كتاب تاريخي آخر.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 185 و 146.

فقال له عبد الرحمن: أبلغه: أني لم أفر يوم عينين-قال عاصم: يقول: يوم أحد-و لم أتخلف يوم بدر. و لم أترك سنة عمر.

فخبر الوليد عثمان.

فيقولون: إنه اعتذر عن تخلفه يوم بدر بتمريضه رقية (1).

و بمثل ذلك اعتذر ابن عمر-كما يقولون-لرجل كان يعترض على عثمان بمثل ذلك (2).

و لكن ما ذكر من الاعتذار لا يجدي؛ إذ كيف خفي هذا العذر على صحابي كبير، كعبد الرحمن بن عوف، ثم على ذلك الرجل الطاعن على عثمان؟ ! .

و إذ كان قد ضرب له بسهمه و أجره؛ فهذه فضيلة كبرى، لا يمكن أن تخفى على ابن عوف الذي كان حاضرا في بدر و أحد، لا سيما و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يوم المؤاخاة قد آخى بين عبد الرحمن و عثمان، فكيف يعيره عبد الرحمن بما هو فضيلة له، و هو الذي زف له الخلافة، و آثره


1) مسند أحمد ج 1 ص 68 و راجع ص 75، و الأوائل 1 ص 305 و 306، و محاضرات الأدباء للراغب المجلد الثاني ص 184، و الدر المنثور ج 2 ص 89 عن أحمد، و ابن المنذر، و البداية و النهاية ج 7 ص 207، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 و 22، و مغازي الواقدي ج 1 ص 278، و الغدير ج 9 ص 327، و ج 10 ص 72 عن أحمد و ابن كثير و عن الرياض النضرة ج 2 ص 97.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 98، و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 629، و مسند أحمد ج 2 ص 101، و البداية و النهاية ج 7 ص 207 عن البخاري و الغدير ج 10 ص 71 عن الحاكم و ص 70 عن أحمد، و عن صحيح البخاري ج 6 ص 122.

بها على سيد و خير الأمة بعد نبيها علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ؟ ! .

أم أنهم قد افتروا عليه في ذلك، و طعنوا عليه بما كان الأجدر بهم أن يمتدحوه عليه؟ ! .

6-و حينما أشخص عثمان ابن مسعود من الكوفة، و قدم المدينة، و عثمان يخطب على منبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رآه عثمان قال: ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه، يقيء، و يسلح.

فقال ابن مسعود: لست كذلك، و لكن صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر، و يوم بيعة الرضوان (1)فهو يعرض بعثمان الذي تغيب عن هذين الموطنين معا.

7-و كذلك فقد دخل على سالم بن عبد اللّه رجل، فطعن على عثمان بمثل ما تقدم من عبد الرحمن بن عوف، و من ذلك الرجل مع ابن عمر (2).

فكيف خفيت هذه الفضيلة المزعومة لعثمان على هؤلاء جميعا يا ترى؟ !

8-و أخيرا، فإننا نستبعد أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خلفه على ابنته ليمرضها؛ فإن الظاهر: أن عثمان لم يكن مهتما كثيرا لحال رقية، و لا لمرضها-و هو الذي قارف (3)ليلة وفاتها-و منعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من النزول في قبرها كما سيأتي في بحث وفاة رقية إن شاء اللّه تعالى.

و نرجح: أنه قد تخلف عن بدر في جملة من كرهوا الخروج مع النبي


1) أنساب الأشراف ج 5 ص 36 و الغدير ج 9 ص 3 عنه و ص 4 عن الواقدي.

2) الغدير ج 10 ص 70 عن الرياض النضرة ج 2 ص 94.

3) قارف: قارب، و قارف الذنب: قاربه.

«صلى اللّه عليه و آله» . كما تقدم في أول الحديث عن بدر.

الغارات على الفضائل:

ثم إن ثمة رواية تقول:

إن أبا أمامة بن ثعلبة كان قد أجمع الخروج إلى بدر، و كانت أمه مريضة، فأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمقام على أمه، و ضرب له بأجره و سهمه، فرجع «صلى اللّه عليه و آله» من بدر، و قد توفيت، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قبرها (1).

فنلاحظ أنه لا فرق بين هذه الرواية، و بين ما روي بالنسبة لعثمان. فأي الروايتين قد حرفت و غيرت لصالح الرواية الأخرى، و أبدلت الشخصيات فيها لصالح الآخرين؟ !

و إننا بعد أن قدمنا ما في رواية عثمان من الإشكال؛ و بعد أن كان ثمة جهاز يهتم بوضع الفضائل لشيخ بني أمية، حتى ليكتب معاوية إلى الآفاق في ذلك، فإننا نرجح أن رواية أبي أمامة هي التي أغار محترفو التحريف و التزوير عليها، ليعوضوا عثمان عما فاته من شرف حضور حرب بدر، و ليذهبوا بالسمعة السيئة التي أثارها موقفه من رقية، التي ماتت من جراء ما صنعه بها. ثم قارف ليلة وفاتها، و لم يرع لها، و لا لمن رباها و لا لولي نعمتها حرمة، و لا إلا و لا ذمة.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 147، و راجع: الإصابة ج 4 ص 9 عن أبي أحمد الحاكم، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 4، و أسد الغابة ج 5 ص 139.

و لكن يبقى إشكال إعطاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» سهما من الغنائم لغير علي «عليه السلام» كما في حديث المناشدة السابق.

إلا أن يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطاه من الخمس الذي كان رده «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، كما قدمنا.

أو أنه «عليه السلام» قد ناشد الحاضرين و منهم عثمان بذلك، فكلامه صحيح بالنسبة إليهم، أما غيرهم، كجعفر رحمه اللّه، فليس في كلامه «عليه السلام» ما يثبت ذلك أو ينفيه عنه، كما تقدم.

(قسمة الاسرى ويلاحظ هنا:)
قتل أسيرين:
اشارة

و قد أسر من المشركين سبعون رجلا كما تقدم، و قيل: واحد و سبعون رجلا (1)و تحرك «صلى اللّه عليه و آله» نحو المدينة، فلما بلغ الصفراء أمر أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» بأن يضرب عنق أسيرين هما: عقبة بن أبي معيط، ذو السوابق السيئة المعروفة مع المسلمين و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، و النضر بن الحارث (2)، الذي يعذب المسلمين في مكة.

و قيل: بل قتل «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أسرى: هم عقبة، و النضر، و المطعم بن عدي (3).

فقال عقبة: يا محمد، ناشدتك باللّه و الرحم.


1) العلل و معرفة الحديث ج 1 ص 4.

2) و قد نص على أن عليا هو الذي ضرب عنق النضر بن الحارث في سيرة ابن هشام ج 2 ص 298 عن الزهري و غيره، و راجع: الأغاني ط ساسي ج 1 ص 10.

3) العلل و معرفة الحديث ج 1 ص 3.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : و هل أنت إلا علج من أهل صفورية؟

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: و أنت من قريش؟ ما أنت إلا علج-أو يهودي-من أهل صفورية، لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له، حن قدح ليس منها، قدمه يا علي، فاضرب عنقه. فقدمه علي؛ فضرب عنقه (1).

و في رواية: أن عقبة قال أيضا: يا محمد، من للصبية؟

قال: النار (2).

و عند السهيلي: أن الذي قال: حن قدح ليس منها، هو عمر بن الخطاب (3).

و قد كان لعقبة هذا موقف سيئ تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة؛ فأوعده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إن هو وجده خارجا من جبال مكة، أن يضرب عنقه صبرا (4). و هكذا كان.


1) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 65، و السيرة الحلبية ج 2 ص 187 و 186، و البحار ج 19 ص 260 و 347، و مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 205، و تفسير القمي ج 1 ص 269، و الواقدي، و ذكر ابن هشام في سيرته ج 2 ص 298، قتل علي «عليه السلام» له، بلفظ: قيل.

2) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 205 و 352 و 356، و ربيع الأبرار ج 1 ص 187، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 131، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 298 و الأغاني ط ساسي ج 1 ص 10 و 11.

3) الروض الأنف ج 3 ص 65.

4) راجع: الغدير ج 8 ص 273 و 274 عن ابن مردويه، و أبي نعيم في الدلائل بإسناد صححه السيوطي.

و يلاحظ هنا:

ألف: نسب عقبة:

إن سر قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له: إنه علج من أهل صفورية، هو أنهم يقولون: إن أمية جد أبيه كان في صفورية، فوقع على أمة يهودية لها زوج، فولدت أبا عمرو-و هو ذكوان-على فراش اليهودي، لكن أمية استلحقه بنفسه بحكم الجاهلية.

و قيل: كان ذكوان عبدا لأمية، فتبناه؛ فلما مات أمية خلف ذكوان على زوجته.

و عند السهيلي: يقال: كان أمية قد ساعى أمة، أو بغت له أمة؛ فحملت بأبي عمرو؛ فاستلحقه بحكم الجاهلية (1).

و قد قال الفضل بن العباس، مجيبا الوليد بن عقبة بن أبي معيط على أبيات له:

أتطلب ثارا لست منه و لا لهو أين ابن ذكوان الصفوري من عمرو؟

كما اتصلت بنت الحمار بأمهاو تنسى أباها إذ تسامى أولي الفخر (2)

و سأل معاوية دغفلا النسابة-و كان كبير السن-عن أمية جده، فقال: نعم، رأيته أخفش أزرق دميما، يقوده عبده ذكوان.

فقال: ويحك، كف؛ فقد جاء غير ما ذكرت، ذاك ابنه.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 87، و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 65.

2) الغدير ج 9 ص 155 عن الطبري ج 5 ص 151.

فقال: أنتم تقولون ذلك (1).

و لكن ما جاء في تفسير القمي، من قوله «صلى اللّه عليه و آله» له: لأنت في الميلاد أكبر من أبيك، يدل على أن عقبة كان من نطفة رجل آخر، و ذلك الرجل من أهل صفورية؛ و أنه كان ينسب إلى أبي معيط زورا و كذبا.

و قد قال الإمام الحسن «عليه السلام» للوليد بن عقبة، مثل كلمة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لأبيه عقبة؛ فراجع (2).

و يقول الزمخشري: «إن أبا معيط نفسه كان علجا من أهل صفورية، و من الأردن، قدم به أبو عمرو بن أمية بن عبد شمس؛ فادعاه» (3).

و حين أراد علي «عليه السلام» جلد الوليد في الخمر في عهد عثمان، فسبه الوليد، فقال له عقيل بن أبي طالب: «يا فاسق، ما تعلم من أنت؟ ألست علجا من أهل صفورية؟ قرية بين عكا و اللجون أعمال الأردن، كان أبوك يهوديا منها» (4).

ب: النار للصبية:

و نجد أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حكم بالنار للصبية، الذين منهم الوليد الفاسق، الذي كان واليا لعثمان على الكوفة؛ فشرب الخمر، و زادهم


1) الروض الأنف ج 3 ص 65، و السيرة الحلبية ج 2 ص 187.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 293 عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، و راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 119.

3) ربيع الأبرار ج 1 ص 178.

4) تذكرة الخواص ص 206.

في الصلاة و هو سكران! ! و هو من الصحابة! ! . فليتأمل إذا في دعوى البعض عدالة كل صحابي، و قد تكلمنا عن هذا الموضوع بصورة موجزة في بعض بحوثنا (1).

و يعتبر قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا عن الصبية بمثابة إخبار عن الغيب الذي أطلعه اللّه عليه، حيث عرفه تعالى أنه ليس في أولئك الصبية أحد يستحق الكرامة و النعمة. و لكن قد شاءت السياسة و العصبية تحكيم هؤلاء الصبية في أموال الناس و أعراضهم و دمائهم، و جعلهم الحكام، و المخططين للسياسة في الخلافة المغتصبة من أصحابها الشرعيين. ثم احتلوا مكانا عظيما في عقائد الناس؛ حيث فرضوا على الناس لزوم الاعتقاد بعدالة هؤلاء؛ مهما اجترحوا من السيئات و كانوا من الآثمين! ! .

ج: الطعن في نسب عقبة! :

تقدم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعقبة بن أبي معيط: إنما أنت علج من أهل صفورية، أو نحو ذلك-مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن سبابا و لا فاحشا، و لا متفحشا-، و لعل السبب في ذلك هو من أجل أن يعلم الناس بعدم صوابية ما يدّعيه، و عدم صحة تقريب الهيئة الحاكمة لأبنائه، و قد ولتهم جلائل الأعمال، على أساس هذه القربى المدعاة، و ليجعلوا من ثم مال اللّه دولا، و عباده خولا، و ليكونوا مصدرا للفتن و المؤامرات، كما كان الحال بالنسبة للوليد الفاسق، و غيره من الولاة


1) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام الجزء الثاني.

و المقربين للهيئة الحاكمة باسم الدين و الإسلام. على أن حكمها لم يكن إلا حكم القبيلة و العشيرة، و حكم الجاهلية بالتعبير الأدق و الأوفى.

د: إنكار قتل النضر بن الحارث في بدر:

و يذكر ابن سلام: أن ابن جعدبة الذي كان ينكر قتل أبي عزة الجمحي صبرا: «كان ينكر قتل النضر بن الحارث في يوم بدر صبرا، فقال: أصابته جراحة؛ فارتث منها، و كان شديد المداوة، فقال: لا أطعم طعاما، و لا أشرب شرابا ما دمت في أيديهم، فمات.

فأخبرت أبي سلاما بقول ابن جعدبة في أبي عزة، فقال: قد قيل: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقتل أحدا صبرا إلا عقبة بن أبي معيط يوم بدر» (1)، و لكن هذا يخالف ما هو ثابت عن المؤرخين، و لا نرى داعيا للوضع و الاختلاق فيه.

و لذا فلا نرى للعدول عن النصوص التاريخية الثابتة مبررا و لا مجالا.

و أما بالنسبة لأبيات قتيلة أخت النضر بن الحارث التي قالتها بهذه المناسبة، و التي فيها قولها مخاطبة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» :

ما كان ضرك لو مننت و ربمامن الفتى و هو المغيظ المحنق

و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رق لها لما أنشدته إياها و دمعت عيناه، و قال لأبي بكر: لو كنت سمعت شعرها ما قتلته.

أما هذا فقد قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يغمز في


1) طبقات الشعراء لابن سلام ص 64 و 65.

أبيات قتيلة بنت الحارث، و يقول: إنها مصنوعة (1).

أضف إلى ذلك: أن ما نقل عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعقل أن يصدر منه، فإن هذه الأبيات لم تكن لتغير من تصميمه، و هو يمتثل أمر اللّه، و لا يعمل إلا حسب ما يقتضيه التكليف الواجب.

و لعل المقصود هو تلطيف الجو بالنسبة للمنتسبين إلى عقبة، و إعادة شيء من الاعتبار إليهم عن هذا الطريق.

مصير الباقين من الأسرى:

قالوا: و لما رأى الأنصار ما جرى للنضر و لعقبة، خافوا أن يقتل «صلى اللّه عليه و آله» جميع الأسارى، فقالوا: يا رسول اللّه، قتلنا سبعين، و هم قومك و أسرتك أتجذ أصلهم؟ هبهم لنا يا رسول اللّه، و خذ منهم الفداء و أطلقهم.

و كان أبو بكر يرجح أخذ الفداء أيضا، و قال: أهلك، و قومك، استأن بهم، و استبقهم، و خذ فدية تكون لنا قوة على الكفار.

أو قال: هؤلاء بنو العم، و العشيرة، و الإخوان.

فكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذ الفداء حتى رأى ذلك سعد بن معاذ في وجهه، فقال: يا رسول اللّه، هذه أول حرب لقينا فيها المشركين، و الإثخان في القتل أحب إلينا من استبقاء الرجال.

و قال عمر: يا رسول اللّه، كذبوك، و أخرجوك؛ فقدمهم و اضرب


1) زهر الآداب ج 1 ص 66.

أعناقهم، و مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، و مكني من فلان أضرب عنقه، و مكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر.

و نزل في هذه المناسبة قوله تعالى: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1).

و لما رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» إصرارهم على أخذ الفداء أخبرهم: أن أخذ الفداء سوف تكون عاقبته هو أن يقتل من المسلمين بعدد الأسرى، فقبلوا ذلك و تحقق ما أوعدهم به «صلى اللّه عليه و آله» في واقعة أحد، كما سنرى (2).

و تقرر الأمر على الفداء، و جعل فداء كل أسير من ألف إلى أربعة آلاف، و صارت قريش تبعث بالفداء أولا بأول. و أعطى «صلى اللّه عليه


1) الآيتين 67 و 68 من سورة الأنفال.

2) راجع هذه النصوص في المصادر التالية، و إن كان كثير منها يذكر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مال إلى قول أبي بكر، و بعضها يذكر أنه لم يرد إلا قتلهم فراجع: الطبري ج 1 ص 169، و السيرة الحلبية ج 2 ص 190، و صحيح مسلم ج 5 ص 157، و البحار ج 19، و أسباب النزول للواحدي ص 137، و حياة الصحابة ج 2 ص 42، و كنز العمال ج 5 ص 265 عن أحمد و مسلم، و الترمذي، و أبي داود، و ابن أبي شبية، و أبي عوانة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و البيهقي. و الدر المنثور ج 3 ص 201- 203، و مشكل الآثار ج 4 ص 291 و 292، و مغازي الواقدي ج 1 ص 107 و 108، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 136.

و آله» كل رجل من أصحابه الأسير الذي أسر، فكان هو يفاديه بنفسه (1).

و في بعض النصوص: أن سهيل بن عمرو جاء بفداء أسرى بدر، فطلب منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يخبره بما تريد قريش في غزوه (2).

هذا بعض ما نطمئن إلى صحته من النصوص التاريخية هنا.

لو نزل العذاب ما نجا إلا ابن الخطاب:

و لكننا نجد روايات أخرى تقرر عكس ما ذكر آنفا، و تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» مال إلى رأي أبي بكر، بل و انزعج من مشورة عمر، فنزل القرآن بمخالفته و موافقة عمر، فلما كان من الغد، غدا عمر على رسول اللّه، فإذا هو و أبو بكر يبكيان؛ فسأل عن سبب ذلك، فقال الرسول «صلى اللّه عليه و آله» : إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب.

و عن ابن عباس، عن ابن عمر؛ أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، و أنزل اللّه: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ. . (3).


1) المصنف ج 5 ص 211.

2) المصدر السابق.

3) راجع: المصادر المتقدمة جميعا، و فواتح الرحموت بهامش المستصفى للغزالي ج 2 ص 267، و تاريخ الخميس ج 1 ص 393، و المستصفى للغزالي ج 2 ص 365، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 169.

و نحن لا نصدق ما ذكر آنفا، و لدينا من الأدلة ما يكفي لإثبات بطلانها. و لعل هذه الروايات هي التي جرأت بعض الجهلة الأفاكين ممن ينتحل الإسلام، ليكتب و يقول: قد أخطأ الرسول في موقفه من أسرى بدر، و نزل الوحي مصححا خطأه.

قال تعالى: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ (1).

و مستندنا في تكذيب ذلك كله ما يلي:

أولا: لماذا ما نجا من العذاب إلا عمر؟

و ما ذنب سعد بن معاذ ليعذب؟

أليس هو من الموافقين لعمر، كما نص عليه غير واحد، بل كان هو المبتدئ بهذا الرأي على حد تعبير المعتزلي؟ (2)

و ما ذنب ابن رواحة؟ أليس هو من الموافقين لعمر أيضا؟ (3).

و لا يعقل أن يكون قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا (4).


1) قضايا في التاريخ الإسلامي لمحمود إسماعيل ص 20.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 175 و 176، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 126، و السيرة الحلبية ج 2 ص 192، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 281، و تاريخ الخميس ج 1 ص 381، و مغازي الواقدي ج 1 ص 110 و 106.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 297، و تاريخ الطبري ج 2 ص 170، و الروض الأنف ج 3 ص 83، و أسباب النزول للواحدي ص 137، و تاريخ الخميس ج 1 ص 393، و السيرة الحلبية ج 2 ص 192، و حياة الصحابة ج 2 ص 43 عن الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و الترمذي، و أحمد.

4) الآية 67 من سورة الأنفال.

و قوله: لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1)خطابا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ إذ لم يكن «صلى اللّه عليه و آله» طالبا لعرض الدنيا، و لا مستحقا لذلك العذاب العظيم؛ لأن معنى ذلك هو أن اللّه تعالى قد أمره بأمر، و بينه له، ثم خالفه، و العياذ باللّه، فإن الالتزام بهذا هو من أعظم العظائم، و جريمة من أكبر الجرائم (2).

و مما يدل على أن اللّه تعالى قد أبلغ نبيه أن اللازم هو قتل الأسرى: «أن حل الفداء كان قد علم من واقعة عبد اللّه بن جحش، التي قتل فيها ابن الحضرمي؛ فإنه أسر فيها عثمان بن المغيرة، و الحكم بن كيسان، و لم ينكره اللّه تعالى. و ذلك قبل بدر بأزيد من عام» (3).

و معنى ذلك أنه قد كانت ثمة أوامر خاصة بالنسبة لأسرى بدر بينها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه، و لكنهم قد أصروا على مخالفتها، فاستحقوا العذاب العظيم، ثم عفا اللّه عنهم، رحمة بهم، و تألفا لهم.

و يدل على ذلك أيضا: أنه قد جاء في بعض النصوص: «أن جبرائيل نزل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر، فقال: إن اللّه قد كره ما صنع قومك، من أخذ الفداء من الأسارى.

و قد أمرك أن تخيرهم: بين أن يقدموهم و يضربوا أعناقهم، و بين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.


1) الآية 68 من سورة الأنفال.

2) راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 59.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 192.

فذكر ذلك «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه، فقالوا: يا رسول اللّه، عشائرنا و إخواننا (1). بل نأخذ فداءهم، فنتقوى به على عدونا، و يستشهد منا عدتهم» (2).

فما تقدم يدل على أن تخييرهم هذا إنما كان بعد تأكيدهم على رغبتهم في أخذ الفداء، و ظهور إصرارهم عليه، فأباح لهم ذلك.

و بعد ما تقدم نقول: لقد نص البعض على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مال إلى القتل (3).

و ذكر الواقدي أن الأسرى قالوا: لو بعثنا لأبي بكر، فإنه أوصل قريش لأرحامنا، و لا نعلم أحدا آثر عند محمد منه؛ فبعثوا إليه فجاءهم فكلموه، فوعدهم أن لا يألوهم خيرا، ثم ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فجعل يفثؤه ويلينه، و عاوده بالأمر ثلاث مرات، كل ذلك و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يجيب (4).

و بعد ما قدمناه فهل يصح قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جلس يبكي على نفسه مع أبي بكر، و أنه لو نزل العذاب لم ينج منه سوى عمر بن الخطاب؟ ! .


1) هذه الكلمة تشير إلى أن الذين قالوا ذلك هم من المهاجرين.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 393 عن فتح الباري، عن الترمذي، و النسائي، و ابن حبان، و الحاكم بإسناد صحيح، و مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 210، و البداية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 298، و طبقات ابن سعد ج 2 ص 14 قسم 1.

3) راجع على سبيل المثال: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 136.

4) مغازي الواقدي ج 1 ص 107 و 108.

ثانيا: لو سلمنا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يميل إلى رأي أبي بكر من أول الأمر، و أنه جلس يبكي مع صاحبه-كما ذكروه في مصادرهم-فلماذا يقول لعمر: لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة. إذ كيف لا يكون هو مع من استحق العذاب، و هو الذي وافقهم، و هوي ما هويته نفوسهم؟ !

و ثالثا: إن الالتزام بما ذكروه معناه تكذيب قوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

كما أنه لا يبقى معنى-و الحالة هذه-لأمر اللّه تعالى للناس بإطاعة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قال: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (2)حتى إذا امتثلوا الأمر الإلهي و أطاعوه يؤنبهم، ثم يتهددهم. لقد كان يجب أن يتوجه التأنيب و التهديد للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و المدح و الثناء لهم، لأنهم عملوا بوظيفتهم.

و رابعا: إن مجرد الإشارة على الرسول بالفداء لا تستوجب عقابا، إذ غاية ما هناك: أنهم قد اختاروا غير الأصلح. و إذا، فلا بد أن يكون ثمة أمر آخر قد استحقوا العقاب لمخالفته، و هو أنهم حين أصروا على أخذ الفداء قد أصروا على مخالفة الرسول، و التعلق بعرض الحياة الدنيا في مقابل إرادة اللّه للآخرة-كما قال تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ (3)- بعد بيان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بصورة صريحة، إذ لا عقاب قبل


1) الآيتين 3 و 4 من سورة النجم.

2) الآية 59 من سورة النساء.

3) الآية 67 من سورة الأنفال.

البيان، ثم المخالفة.

و لكن اللّه تكرم و تفضل عليهم، و غفر لهم هذه المخالفة، و أباح لهم أخذ الفداء تأليفا لهم، على ما فيه من عواقب وخيمة. و قد بلغ من حبهم لعرض الدنيا أنهم قبلوا بهذه العواقب أيضا.

بل يمكن أن يكون إصرار بعض المهاجرين على أخذ الفداء يرجع إلى أنهم قد صعب عليهم قتل صناديد قريش، حيث كانت تربطهم بهم صداقات و مصالح و وشائج رحم، و قد استهوى موقفهم هذا جماعة من البسطاء و السذج من سائر المسلمين الحاضرين.

فهذا التعاطف مع المشركين من قبل البعض، ثم حب الحصول على المال، قد جعلهم يستحقون العذاب العظيم، الذي إنما يترتب على سوء النيات، و على الإصرار على مخالفة الرسول، و النفاق في المواقف و الأقوال و الحركات، لا سيما مع وجود رأي يطالب بقتل بني هاشم الذين أخرجهم المشركون كرها و نهى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن قتلهم.

مع ملاحظة: أنه لم يشترك من قوم صاحب ذلك الرأي أحد في حرب بدر.

و أما الخطأ في الرأي مجردا عما ذكرناه فلا يوجب عقابا.

و ثمة كلام آخر في تفسير آخر (1)قد أضربنا عن ذكره لعدم استقامته.

و خامسا: إنه قد جاء: أنه لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين؛ فأصابوا من الغنائم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي-يعني من السابقين-إذا غنم هو


1) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 55 و 60.

و أصحابه جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء على كلها. فأنزل اللّه عز و جل: لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلاٰلاً طَيِّباً (1)و قد قوى الطحاوي هذه الرواية في شأن نزول الآية فراجع (2).

الرسول صلّى اللّه عليه و آله يخطئ في الاجتهاد.

و بعد بطلان ما ذكروه و نسبوه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بطلان أن تكون الآية عتابا له «صلى اللّه عليه و آله» ، يعلم عدم صحة استدلالهم بهذه الآية على جواز الاجتهاد و الخطأ فيه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. و ما نسبوه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باطل و لا يصح. هذا عدا عن الأدلة القاطعة الدالة على أن كل ما يصدر منه «صلى اللّه عليه و آله» حق، و موافق للحق و الشرع، و وفق أوامر إلهية قاطعة.

بين رأي عمر، و رأي ابن معاذ:

لقد روى الطبري عن محمد بن إسحاق، قال: لما نزلت هذه الآية: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ (3).

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لو نزل عذاب من السماء لم ينج


1) الآيتين 68 و 69 من سورة الأنفال.

2) مشكل الآثار ج 4 ص 292 و 293.

3) الآية 67 من سورة الأنفال.

إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا رسول اللّه، الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال (1).

و لعل هذا هو الصحيح؛ و لكن قد حرف لصالح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، لأهداف لا تخفى.

و إنما قلنا: إنه هو الصحيح؛ لأنه أسد الآراء، و هو الموافق لمراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أما رأي عمر، فقد كانت تعوزه الدقة و الموضوعية، كما سنرى إن شاء اللّه، و كذلك سائر الآراء، فإنها لم تكن صادرة عن نوايا سليمة، و لعلها أو بعضها كانت بإيحاء و طلب من المشركين أنفسهم، كما تقدم عن الواقدي.

و أما أبو بكر و غيره من الأنصار، فقد تقدم أنهم أصروا على أخذ الفداء، طمعا بالمال، و طمعا في أن يخففوا من حدة عداء قريش لهم. و أيضا لأن فيهم الإخوان و الأهل و العشيرة-على حد تعبير أبي بكر-و لأن هذا الأخير قد وعد الأسرى بأن يبذل جهده لصالحهم، كما تقدم عن الواقدي.

و قد حاولوا أن يقنعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بوجهة نظرهم، و لو بالأساليب العاطفية، كقولهم له: «أهلك، و قومك، و أسرتك، أتجذ أصلهم» . كما أن أبا بكر قد أقام دليلا مصلحيا على ذلك، و هو أن يتقوى المسلمون بما يأخذونه من الفداء.

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ظل يكره ذلك، و لا تقنعه أقوالهم؛ فإن رأي ابن معاذ هو الصحيح، مضافا إلى اعتبارات أخرى، لم تكن لتخفى


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 171، و راجع: الثقات ج 1 ص 169.

على النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و نزلت الآية الشريفة لتصوب موقف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم ترخص لهم في أخذ الفداء، بعد أن قبلوا بالعواقب الوخيمة لذلك، حتى بأن يقتل منهم بعدد من يفدى من المشركين.

قتل الأسرى هو الأصوب:

لا شك في أن الأصوب كان قتل أسرى المشركين، و ذلك للأمور التالية:

1-إن المأسورين كان فيهم عدد من سادات قريش، و من هم رأس الأفعى، و قد حاربوا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، و أخرجوهم من ديارهم، و واجهوهم بشتى أنواع الإهانات و الأذى، و هؤلاء الناس هم المستكبرون الذين لا يرتدعون و لا يرجعون إلى دين، بل يصرون على استئصال شأفة الإسلام و لا يقبلون بأي خيار منطقي يعرض عليهم.

و بعد الذي نالهم من ذل الهزيمة، و ذل الأسر، قد أصبحوا أكثر حقدا على الإسلام و المسلمين. و لسوف يعاني المسلمون منهم-لو بقوا أحياء- الأمرين حسبما أشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث أوعد المسلمين إن هم فادوهم: أن يقتل منهم بعددهم.

2-و قد ظهر صحة ذلك، من الدور الهام الذي كان لهم بعد ذلك في وقعة أحد و غيرها، الأثر البارز في إلحاق الأذى بالمسلمين باستمرار في المراحل المختلفة. و ما أحسن قول سعد بن معاذ: «إنها أول حرب لقينا فيها المشركين، و الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال» .

و يرى البعض: أن اللّه تعالى يريد بالتأكيد على قتل الأسرى: «أن يفهم

المسلمين: أن النظرة إلى المال مرفوضة، مهما كانت الظروف، إلا إذا كانت في خدمة الهدف الأعظم و هو الدين» .

3-إن قتلهم جزاء أعمالهم إن لم يقبلوا الإسلام يكون أيضا ضربة عسكرية و روحية موفقة لقريش، و إضعافا لشوكة المشركين بصورة عامة، و تشريدا لمن خلفهم من اليهود و من مشركي العرب، من غطفان، و هوازن، و ثقيف، و غيرهم.

و قد اتضح للجميع أنه إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يحابي قومه على حساب دينه و عقيدته، و قد قتلهم؛ لأنهم أرادوا أن يمنعوه من أداء رسالته، و يطفئوا نور اللّه؛ فإنه سوف لا يحابي غيرهم، إذا أرادوا أن يطفئوا نور اللّه، و أن يقفوا في وجه دعوته و دينه.

و هذا سوف يؤثر في بث اليأس في قلوب اليهود، و قريش و المشركين في جزيرة العرب كافة، و لسوف يسهل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يقنعهم بأن من الأفضل لهم أن يتركوا محاولاتهم العدوانية جانبا؛ فإن الوقوف في وجه الدعوة سوف لا يكون حصاده إلا الدمار و الفناء لهم.

4-ثم إن قتلهم سوف يطمئن الأنصار إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوف لن يصالح قومه، و لن يعود إليهم ما داموا مصرين على شركهم. و بالتالي فهو لن يترك الأنصار و لن يتخلى عنهم، لأنه يعتبر- انطلاقا من تعاليم دينه-أن رابطة الدين هي الأقوى، و لا قرابة فوق قرابة العقيدة، و لا نسب و لا رحم فوق نسب الإسلام و الإيمان.

و لذلك فلا مجال لأن تساور الوساوس و المخاوف نفوس الأنصار، و هي ما عبروا عنه في بيعة العقبة، و بعد ذلك في فتح مكة، من أنه ربما

يصالح قومه، أو ربما أدركته رغبة في قومه.

مع موقف عمر من الأسرى:

إننا نلاحظ:

1-إن عمر بن الخطاب يطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يضرب علي «عليه السلام» عنق أخيه عقيل، و يضرب حمزة عنق أخيه العباس، و يعتبرهم أئمة الكفر.

و هو طلب غريب حقا: كما أن سكوته عن فراعنة و زعماء قريش أغرب و أعجب! ! و لا سيما و هو يسمع الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» يأمر الجيش-و عمر من و مع الجيش-بعدم قتل بني هاشم و هؤلاء بالذات، و بعض من غيرهم، لأنهم خرجوا مكرهين. هذا عدا عن أنه كان يعرف دفاعهم عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، و دخولهم معه الشعب، و تحملهم المشاق و المتاعب في سبيله.

2-قد تقدم: أنه لم يشهد معركة بدر أحد من بني عدي (1)و هم قبيلة عمر، إذا فلسوف تكون الضربة في جلد غيره؟ . و ماذا يهم لو قتل الناس كلهم ما دام هذا الرجل لا يخاف على قومه و أهله.

و من هنا نعرف: أن ما أضافه بعضهم، حين ذكره لقول عمر: و مكني


1) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 143، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 271، و مغازي الواقدي ج 1 ص 45، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 121، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 314، و تاريخ الخميس ج 1 ص 375، و أي كتاب تاريخي شئت، إذا كان يذكر بدرا و رجوع من رجع عنها قبل نشوب الحرب.

من فلان، فأضاف كلمة: «قريب لعمر» ، كما يظهر من مراجعة الروايات التي تذكر كلام عمر هذا.

لا يصح، إذ لم يكن أحد من أقارب عمر في بدر، إلا إذا كانت قرابة من ناحية النساء، و هي ليست بذات أهمية لديهم آنئذ لو كانت.

و على كل حال، فقد سبقنا العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه إلى إساءة الظن بعمر من هذه الناحية، و ذلك حين فتح مكة، حتى إنه ليقول له -حين أكثر في شأن أبي سفيان، و أصر على قتله-: «لا، مهلا يا عمر، أما و اللّه، أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، و لكنك عرفت: أنه من رجال بني عبد مناف» (1).

3-إن من الواضح: أن قتل الأقارب أمر مستبشع، تنفر منه النفوس، و لربما يوجب ذلك ابتعاد الناس عن الإسلام، و منعهم حتى من التفكير في الدخول في دين يكلفهم بمباشرة قتل إخوانهم. بل و قد يدفع ضعفاء النفوس من المسلمين إلى الارتداد، إذا رأوا أنفسهم مكلفين بقتل أحبائهم و آبائهم بأيديهم، مع إمكان أن يقوم غيرهم بهذا الأمر.

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يقتل أسيرا هرب:

قال الواقدي: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أقبل من بدر و معه أسارى المشركين، كان من بينهم سهيل بن عمرو مقرونا إلى ناقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما صار من المدينة على أميال اجتذب نفسه فأفلت، و هرب، فقال


1) مجمع الزوائد ج 6 ص 67، عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح، و حياة الصحابة ج 1 ص 154.

«صلى اللّه عليه و آله» : من وجد سهيل بن عمرو فليقتله، و افترق القوم في طلبه، فوجده النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأعاده إلى الوثاق و لم يقتله.

و قد علل الشريف الرضي رحمه اللّه ذلك، بأن الآمر لا يدخل تحت أمر نفسه، لأن الآمر فوق المأمور في الرتبة أو يستحيل أن يكون فوق نفسه (1).

و نقول: إن كلام الرضي صحيح بالنسبة إلى شمول الإنشاء لنفس الآمر، و لكن يبقى: أن ملاك الأمر بقتل سهيل إذا كان موجودا، فلماذا لم يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى قتله، و لو بأن يأمر بعض أصحابه بذلك؟ إذ إن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليقتل أحدا بيده الشريفة، حسبما ستأتي الإشارة إليه.

فلا بد من القول بأن وجدان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» له دونهم، قد جعل من غير المصلحة أن يقتل ذلك الرجل.

أنين العباس في الوثاق:

و على كل حال، فقد كان من جملة الأسرى عباس و عقيل. و قد سهر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي اللّه؟

قال: أنين العباس.

فقام رجل من القوم؛ فأرخى من وثاقه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما بالي ما أسمع أنين العباس؟

فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئا.


1) راجع: حقائق التأويل ج 5 ص 111.

فقال: «فافعل ذلك بالأسارى كلهم» (1).

و هذه هي الرواية القريبة و المعقولة، التي تمثل عدل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و دقته في مراعاة الأحكام الإلهية، و صلابته في الدين. و هي المناسبة لمقامه الأسمى، و ما عرف عنه من كونه لا تأخذه في اللّه لومة لائم. لا تلك الروايات التي تمثل النبي «صلى اللّه عليه و آله» متحيزا إلى أقاربه، و أنه هو الذي طلب منهم أن يرخوا من وثاق العباس فقط؛ فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليرفق بأقاربه، و يعنف بغيرهم. و الرواية التي تقول هذا لم ترد على الوجه الصحيح و الكامل.

إلا أن يقال: إن علم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه قد خرج مكرها، فكان ذنبه أخف من ذنب غيره، يبرر أن يتصرف تجاهه بهذا النحو.

و نقول: إن الأمر و إن كان كذلك إلا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عدله إنما يقتضيان أن يعامل العباس كغيره من الأسرى و لا يفسح أي مجال للإيراد و الإشكال. و لذلك نرى أنه لما قال له العباس إنه خرج مستكرها، قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «أما ظاهر أمرك فقد كنت علينا» كما سيأتي عن قريب.

و الظاهر: أن مكان العباس كان قريبا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فمنعه أنينه من الراحة، لا أنه كان يعطف عليه خاصة دون غيره من الأسرى.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 390، و صفة الصفوة ج 1 ص 510. و عند عبد الرزاق في المصنف ج 5 ص 353: أن أنصاريا قال له «صلى اللّه عليه و آله» : أفلا أذهب فأرخي عنه شيئا؟ قال: إن شئت فعلت ذلك من قبل نفسك، فانطلق الأنصاري، فأرخى عن وثاقه، فسكن «صلى اللّه عليه و آله» و نام و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 410.

فداء العباس و إسلامه:

و غنم المسلمون من العباس عشرين أو أربعين أوقية ذهبا-و الأوقية أربعون مثقالا-فطلب أن تحسب من فدائه. فقال «صلى اللّه عليه و آله» : فأما بشيء خرجت تستعين به علينا؛ فلا نتركه لك.

قالوا: و ذلك لأنه خرج بها ليطعم بها المشركين (1).

و أمره «صلى اللّه عليه و آله» بمفاداة نفسه، و عقيلا، و نوفل ابني أخيه؛ فأنكر أن يكون له مال.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أعط ما خلفته عند أم الفضل، فقلت لها: إن أصابني شيء، فأنفقيه على نفسك و ولدك. فسأله من أخبره بهذا، فلما عرف أنه جبرائيل قال: محلوفة (2)، ما علم بهذا أحد إلا أنا و هي، أشهد أنك رسول اللّه.

فرجع الأسارى كلهم مشركين، إلا العباس و عقيلا و نوفل كرم اللّه وجوههم، و فيهم نزلت هذه الآية. قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ اَلْأَسْرىٰ إِنْ يَعْلَمِ اَللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال للعباس: يا عباس، إنكم خاصمتم اللّه فخصمكم (4).


1) أسباب النزول للواحدي ص 138، و السيرة الحلبية ج 2 ص 198.

2) المحلوفة: القسم.

3) الآية 70 في سورة الأنفال، و الرواية معتبرة السند في تفسير البرهان ج 2 ص 94، و راجع: تفسير الكشاف ج 2 ص 238، و غير ذلك.

4) البحار ج 19 ص 258، و تفسير القمي ج 1 ص 268.

و في رواية أخرى: أنه لما طلب منه الفداء ادعى: أنه كان قد أسلم، لكن القوم استكرهوه.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : اللّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما تقول حقا؛ فإن اللّه يجزيك عليه، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا (1).

و هذا يدل على أنه لا مجال لدعوى: أن العباس كان قد أسلم قبل بدر سرا، كما عن البعض (2). إلا إذا أراد أن يستند في ذلك إلى دعوى العباس نفسه، و هي دعوى لم يقبلها منه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و مما يدل على أنه لم يكن في بدر مسلما عدا ما تقدم: أنه لما أسر يوم بدر أقبل المسلمون عليه، يعيرونه بكفره باللّه، و قطيعة الرحم، و أغلظ له علي القول: فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا، و لا تذكرون محاسننا؟

فقال له علي: ألكم محاسن؟

قال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، و نحيي الكعبة، و نسقي الحاج، و نفك العاني.

فأنزل اللّه تعالى: مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (3).


1) المصدران السابقان، و تاريخ الخميس ج 1 ص 390، و السيرة الحلبية ج 2 ص 198.

2) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 308، و السيرة الحلبية ج 2 ص 188 و 198، و طبقات ابن سعد ج 4 ص 20 قسم 1.

3) الآية 17 من سورة التوبة. و الحديث في: أسباب النزول للواحدي ص 139، و ليراجع الدر المنثور ج 3 ص 219 عن ابن جرير، و أبي الشيخ عن الضحاك، لكن الآية هي آية سقاية الحاج الآتية.

و في رواية أخرى: أنه قال: لئن سبقتمونا بالإسلام و الجهاد و الهجرة، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، و نسقي الحاج؛ فأنزل اللّه تعالى: أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ اَلْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ الآية (1).

و لكن هذه الآية، و الآية السابقة، في الرواية المتقدمة هما في سورة التوبة، التي نزلت في أواخر سني حياته «صلى اللّه عليه و آله» أي بعد بدر بعدة سنوات.

فلعل ما ذكرته الروايتان لم يكن في بدر، بل كان يوم فتح مكة، و يكون تصريح الرواية السابقة ببدر من اشتباه الرواة.

لكن يرد على ذلك: أن العباس لم يؤسر يوم الفتح، فلماذا يغلظ له علي «عليه السلام» ؟

إلا أن يقال: لعل ذلك قد كان قبل إعلان النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالكف، و إعطاء الأمان لهم.

و في نص آخر: أن الأنصار كانوا يريدون قتل العباس؛ فأخذه الرسول منهم، «فلما صار في يده: قال له عمر: لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، و ما ذاك إلا لما رأيت رسول اللّه يعجبه إسلامك» (2).


1) الآية 19 من سورة التوبة. و الحديث في: أسباب النزول للواحدي ص 139، و الدر المنثور ج 3 ص 218 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و أبي الشيخ.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 298 عن الحاكم، و ابن مردويه، و حياة الصحابة ج 2 ص 244 و 245 عن كنز العمال ج 7 ص 69 عن ابن عساكر.

بل لقد جاء أنه لم يظهر للعباس إسلام إلا عام الفتح (1).

و هذا التعبير هو الأقرب إلى الصواب؛ فإنه إن كان قد أسلم في بدر: كما يدل عليه ما تقدم، و لا سيما رواية تفسير البرهان المعتبرة سندا. فإنما أسلم سرا، و كان يتظاهر للمشركين بما يرضيهم، حفاظا على مصالحه، و أمواله، و علاقاته، فإن قريشا لم تكن تتحمل وجود مسلم بينها هذه السنوات الطويلة، و حروبها مع محمد قائمة على قدم و ساق، يقتل أبناءها و إخوانها، و يعور عليها طريق متجرها، و يذلها بين العرب، و لا سيما إذا كان ذلك المسلم هو عم ذلك الرجل و قريبه.

و صداقته مع أبي سفيان لم تكن لتسمح له بالبقاء في مكة، فإن القرشيين قد نكلوا بأحبائهم فكيف يسكتون عن أصدقائهم؟ و شروط قريش على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الحديبية أدل دليل على شدتها في هذا الأمر، و عدم تسامحها فيه على الإطلاق.

نعم، ربما يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمره بالمقام بين أظهرهم ليكون عينا له.

و يقال: إنه كان يكتب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بأخبارهم، و قد أخبره بحرب أحد على ما يظن. و لكن ذلك لا يدل على إسلام العباس، نعم، هو يدل على نصحه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لو بدافع الرحم و الحمية، فلا بد أن يعرف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ذلك له، و يكافئه عليه.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 199.

إشارة:

و ما دمنا في الحديث عن العباس، فلا بأس بالإشارة إلى أن من الملاحظ: أنه كان يهتم في المال، و يحب الحصول عليه.

و لقد رأيناه يطالب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمال، لأنه أعطى فداءه و فداء عقيل في بدر. فقد جاء: أنه جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» مال من البحرين، و صار يقسمه، فجاء العباس، فقال: «يا رسول اللّه، إني أعطيت فدائي، و فداء عقيل (رض) يوم بدر، و لم يكن لعقيل مال، أعطني هذا المال» . فأعطاه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و تضيف بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما زال يتبعه بصره «حتى خفي علينا عجبا من حرصه» (2).

و ليلاحظ أسلوبه للحصول على بقية من المال، بقيت بعد القسم بين الناس في الرواية التالية:

أخرج ابن سعد: أنه بقي في بيت مال عمر شيء، بعد ما قسم بين الناس، فقال العباس لعمر و للناس: أرأيتم، لو كان فيكم عم موسى «عليه السلام» أكنتم تكرمونه؟


1) صحيح البخاري ج 1 ص 55 و 56، و ج 2 ص 130، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 329 و 330، و تلخيصه للذهبي بهامشه، و صححاه، و طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 9، و السيرة الحلبية ج 2 ص 200، و حياة الصحابة ج 2 ص 225، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 88 و 89.

2) صحيح البخاري ج 1 ص 55 و 56، و ج 2 ص 130، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 89.

قالوا: نعم.

قال: فأنا أحق به، أنا عم نبيكم «صلى اللّه عليه و آله» .

فكلم عمر الناس؛ فأعطوه تلك البقية التي بقيت (1).

و على كل حال، فقد حصل على ما كان يتمناه، حتى لينقلون عنه قوله حينما أعطاه «صلى اللّه عليه و آله» : أما أحد ما وعد اللّه فقد أنجز لي، و لا أدري الأخرى: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ اَلْأَسْرىٰ إِنْ يَعْلَمِ اَللّٰهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّٰا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ (2)هذا خير مما أخذ مني، و لا أدري ما يصنع بالمغفرة (3).

مؤامرة على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و كان قد أسر لعمير بن وهب ولد، فاتفق عمير مع صفوان بن أمية سرا على أن يقدم عمير المدينة، و يغتال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مقابل أن يقضي صفوان دين عمير.

و تكاتما على هذا الأمر، و شحذ عمير سيفه و سمه، و قدم المدينة؛ فأذن له الرسول بالدخول، فخاف منه عمر؛ فأخذ بحمالة سيفه في عنقه، ثم دخل به على الرسول.


1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 20، و حياة الصحابة ج 2 ص 234، و تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 251.

2) الآية 70 من سورة الأنفال.

3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 329، و تلخيصه للذهبي و صححاه، و طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 9، و السيرة الحلبية ج 2 ص 220، و حياة الصحابة ج 2 ص 225.

فلما رآه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعمر: أرسله يا عمر. فأرسله، فاستدناه، ثم سأله عما جاء به؛ فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم- يعني وهبا-فأحسنوا فيه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : فما بال السيف؟

قال: قبحها اللّه من سيوف، و هل أغنت شيئا؟ !

فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» بما جرى بينه و بين صفوان في الحجر؛ فأسلم عمير.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : فقهوا أخاكم في دينه، و أقرئوه القرآن، و أطلقوا أسيره، ففعلوا ذلك.

ثم لحق عمير بمكة يدعو إلى اللّه، و يؤذي المشركين بإذن منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حلف صفوان ألا يكلمه، و لا ينفعه بنافعة (1).

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من قلائد زينب:

و بعثت زينب بنت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» -بل ربيبته-بفداء زوجها أبي العاص بن الربيع، و كان من جملة ما بعثت به قلائد كانت خديجة جهزتها بها.

فترحم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» على خديجة، ورق لزينب رقة شديدة، و طلب من المسلمين أن يطلقوا لها أسيرها؛ ففعلوا. و أطلقه «صلى اللّه عليه و آله» مقابل أن يرسل إليه زينب بسرعة. فوفى بما وعد و أرسلها (2)،


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 317 و 318.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 308، و تاريخ الأمم و الملوك ط الإستقامة-

و جرى لها حين هجرتها ما سوف نشير إليه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

سؤال يحتاج إلى جواب:

و يرد هنا سؤال: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» عاطفيا حقا إلى حد تدفعه رقته إلى إطلاق أسير كان يمكن للمسلمين أن يساوموا عليه، و يحصلوا على ما يقويهم ضد عدوهم؟ !

و هل مجرد تربيته لزينب تكفي لهذا الموقف المتميز له منها؟

و هل كان يرغب في مراعاة جانب من يمت إليه بصلة أكثر من الآخرين؟

و هل هذا ينسجم مع رسالته و سجاياه و أخلاقه؟ !

الجواب: لا، فإن ثمة مصلحة في هذا الموقف، تعود على الإسلام و المسلمين بالنفع و بالخير العميم. و إلا لكان موقفه «صلى اللّه عليه و آله» من هؤلاء لا يختلف عن موقفه من غيرهم، ممن على شاكلتهم. و موقفه من عمه أبي لهب لعنه اللّه ليس بعيدا عن أذهاننا. و كذا موقفه من عمه العباس.

و نرى: أن في موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» هنا تأكيدا على أن الإسلام يحترم و يقدر مواقف الآخرين و خدماتهم. و خديجة من هؤلاء الذين استحقوا منه هذا التقدير، فكان منه «صلى اللّه عليه و آله» هذا الموقف ممن تحبهم خديجة.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يهتم بإكرام صديقات خديجة، فكان «صلى

(2) -ج 2 ص 164، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 134، و البحار ج 19 ص 241، و دلائل النبوة ط دار المكتبة العلمية ج 3 ص 154، و تاريخ الإسلام للذهبي (قسم المغازي) ص 46.

اللّه عليه و آله» يرسل لهن ما يهدى إليه باستمرار، حتى إن عائشة أم المؤمنين أسمعته ما يكره في حقها رحمها اللّه (1)لأجل ذلك.

و لو أن هذه الخدمات كانت من غير خديجة، لكان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» نفس هذا الموقف، أي إنه سوف يشجع كل ما يكون في هذا الاتجاه، من أي كان، و على أي مستوى كان.

أضف إلى ذلك: أن هذه مناسبة يستطيع فيها «صلى اللّه عليه و آله» إنقاذ نفس من مقاساة العناء و الآلام و تخليصها من بين المشركين، ألا و هي زينب رحمها اللّه، فلم لا يفعل؟ !

هذا كله عدا عن أنه لم يطلق أبا العاص من غير فداء، فقد أرسلت زينب بالفداء، فما هو المبرر لإمساكه؟

أستاذ المعتزلي و قضية زينب:

و يقول ابن أبي الحديد المعتزلي عن رقته «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الموقف: «قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري-(و قد قرظه المعتزلي في موضع آخر) - (2)رحمه اللّه هذا الخبر؛ فقال: أترى أبا بكر


1) تقدمت المصادر لذلك في فصل: بيعة العقبة حين الكلام حول غيرة عائشة.

2) فقد وصفه في شرحه للنهج ج 12 ص 90 بأنه: «لم يكن إمامي المذهب، و لا كان يبرأ من السلف، و لا يرتضي قول المسرفين من الشيعة» و وصفه في ج 9 ص 248 بأنه كان: «منصفا، وافر العقل» . و نقل في هامش البحار ج 19 عنه أنه وصفه بالوثاقة و الأمانة، و البعد عن الهوى و التعصب، و الإنصاف في الجدال، مع غزارة العلم، وسعة الفهم، و كمال العقل.

و عمر لم يشهدا هذا المشهد؟

أما كان يقتضي الكرم و الإحسان أن يطيب قلب فاطمة بفدك، و يستوهب لها من المسلمين؟ !

أتقصر منزلتها عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن منزلة زينب أختها، و هي سيدة نساء العالمين؟ ! !

هذا إن لم يثبت لها حق، لا بالنحلة، و لا بالإرث» (1).

فداء الأسير تعليم الكتابة:

قال المقريزي: «و كان في الأسرى من يكتب، و لم يكن في الأنصار من يحسن الكتابة، و كان منهم من لا مال له، فيقبل منهم أن يعلم عشرة من الغلمان، و يخلي سبيله؛ فيومئذ تعلم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من غلمان الأنصار.

أخرج الإمام أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر، لم يكن لهم فداء؛ فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة.

ثم ذكر المقريزي قصة من ضربه معلمه، ثم قال: و قال عامر الشعبي: كان فداء الأسرى من أهل بدر أربعين أوقية؛ فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين؛ فكان زيد بن ثابت ممن علم» (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 191.

2) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 48 و 49 عن المطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الدين الهوريني، و عن السهيلي و مسند أحمد ج 1

و نقول:

إن جعل فداء الأسرى هو تعليم عشرة من أطفال المسلمين، ليعتبر أول دعوة في التاريخ لمحو الأمية، سبق الإسلام بها جميع الأمم. و قد أتى الحكم بن سعيد بن العاص النبي؛ فسأله عن اسمه؛ فأخبره فغير «صلى اللّه عليه و آله» اسمه إلى عبد اللّه، و أمره أن يعلم الكتاب بالمدينة (1).

و ذلك يعبر عن مدى اهتمام الإسلام بالعلم في وقت كانت فيه أعظم الدول كدولة الأكاسرة تمنع بصورة قاطعة من تعليم القراءة و الكتابة لأحد من غير الهيئة الحاكمة، حتى إن أحد التجار قد عرض أن يقدم جميع الأموال اللازمة لحرب أنوشيروان مع قيصر الروم على أن يسمح له بتعليم ولده (2).

بل لقد كانت بعض الفئات العربية تعد المعرفة بالكتابة عيبا كما أشرنا إليه فيما سبق (3)في المدخل لدراسة السيرة فراجع.

و هذا الإسلام قد جاء ليطلق أعدى أعدائه، في أدق الظروف،

(2) -ص 247، و الإمتاع ص 101، و الروض الأنف ج 3 ص 84، و تاريخ الخميس ج 1 ص 395، و السيرة الحلبية ج 2 ص 193، و طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 14، و نظام الحكم في الشريعة و التاريخ الإسلامي (الحياة الدستورية) ص 48.


1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 174، و الإصابة ج 1 ص 344 عنه.

2) خدمات متقابل إسلام و إيران ص 283 و 284 و 314، و راجع ص 310 عن شاهنامه فردوسي ج 6 ص 258-260.

3) الشعر و الشعراء ص 334، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 248.

و أخطرها في مقابل تعليمهم لعشرة من غلمان المسلمين، مع أنه ربما تكون الاستفادة من فداء هؤلاء الأسرى، أو استخدامهم في مهمات المسلمين، أو جعلهم وسيلة للضغط السياسي على قريش، له أهمية كبيرة بالنسبة لهذا المجتمع الناشئ، الذي يولد في مجتمع يرفضه، و يحاول القضاء عليه، و أمامه طريق طويل و شاق من النضال و الكفاح من أجل الحياة و البقاء، و إقامة الدولة الإسلامية، و نشر تعاليم رسالة السماء.

معاملة الأسرى:

و يلاحظ: أن المسلمين الذين ذاقوا الأمرين على أيدي المشركين، يظفرون الآن بعدوهم، و يصير أولئك الذين عذبوهم بالأمس، و أخرجوهم من ديارهم، و سلبوهم أموالهم، و قطعوا أرحامهم-يصيرون-أذلاء في أيديهم، و تحت رحمتهم.

فماذا تراهم صانعين بهم؟

أو بأي نحو و كيفية سوف يأخذون بثاراتهم منهم؟

التوقعات كثيرة، و لكن ما جرى كان مخالفا لكل التوقعات؛ فهم لم يحاولوا أن يأخذوا بثاراتهم، و لا اغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم؛ بل صدر الأمر لهم من القائد الأعظم بكلمة واحدة: استوصوا بالأسرى خيرا. فأطاعوا الأمر، و شاركوهم في أموالهم حتى كان أحدهم يؤثر أسيره بطعامه (1).


1) راجع: الطبري ج 2 ص 159، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 131، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 299 و 300، و مغازي الواقدي ج 1 ص 119، و تاريخ الخميس ج 1 ص 388.

هذه من علاه إحدى المعاليو على هذه فقس ما سواها

سودة بنت زمعة تحرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و مما يثير فينا الدهشة و العجب هنا: أن نجد سودة بنت زمعة تحرض المشركين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و على المسلمين. فإنها حين جيء بأسارى بدر و رأت «سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت: فلا و اللّه ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت:

أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم؟ ألا متم كراما؟ !

فو اللّه ما أنبهني إلا قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من البيت: «يا سودة، أعلى اللّه و على رسوله تحرضين؟ !

قالت: قلت: يا رسول اللّه، و الذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه: أن قلت ما قلت» (1).

و تشير بعض النصوص إلى سلبيات في حياتها مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث إليها بطلاقها، فناشدته أن يراجعها، فجعلت يومها و ليلتها لعائشة، التي كانت تثني عليها، حتى قالت: ما من الناس أحد أحب إلي أن أكون في مسلاخه من سودة الخ. . (2).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 307.

2) الإصابة ج 4 ص 338 و غير ذلك كثير.

الفصل الرابع: نهاية المطاف

اشارة

أهل بدر مغفور لهم:

و يذكرون: أنه حينما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز لفتح مكة، كتب حاطب ابن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة يحذرهم، و أعطاه امرأة لتوصله إليهم.

فأخبر جبرائيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، فأرسل عليا و نفرا معه إلى روضة خاخ (موضع بين مكة و المدينة) ليأخذوا الكتاب منها، فأدركوها في ذلك المكان، و فتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا، فهموا بالرجوع.

فقال علي «عليه السلام» : و اللّه ما كذبنا و لا كذّبنا، و سل سيفه، و قال لها: أخرجي الكتاب و إلا لأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها.

فرجعوا بالكتاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأرسل إلى حاطب فسأله عنه، فاعترف به، و ادّعى: أنه إنما فعل ذلك لأنه خشيهم على أهله، فأراد أن يتخذ عندهم يدا فصدقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عذره.

لكن عمر بن الخطاب قد رأى: أن حاطبا قد خان اللّه و رسوله، فطلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يضرب عنق حاطب، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

أليس من أهل بدر؟ لعل-أو إن-اللّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة. أو فقد غفرت لكم (1).


1) راجع: البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 110، و ج 3 ص 39 و 129 و ط مشكول كتاب المغازي، غزوة بدر و ج 9 ص 23، و فتح الباري ج 6 ص 100، و ج 8 ص 486 و ج 7 ص 237، عن أحمد، و أبي داود، و ابن أبي شيبة، و البداية و النهاية ج 4 ص 284، و ج 3 ص 328 عن الخمسة، ما عدا ابن ماجة، و مجمع الزوائد ج 8 ص 303، و ج 9 ص 303 و 304 و ج 6 ص 162 و 163 عن أحمد، و أبي يعلى، و البزار، و حياة الصحابة ج 2 ص 463 و 364 عن بعض من تقدم، و السيرة الحلبية ج 2 ص 203 و 192، و مجمع البيان ج 9 ص 269 و 270، و تفسير القمي ج 2 ص 361، و الإرشاد للمفيد ص 33 و 34 و 69، و صحيح مسلم ج 4 ص 1941 ط دار إحياء التراث العربي، و المغازي ج 2 ص 797 و 798، و أسباب النزول ص 239، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 47، و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 58، و ج 17 ص 266، و سنن أبي داود ج 3 ص 44 و 45 و 48، و التبيان للطوسي ج 9 ص 296، و أسد الغابة ج 1 ص 361 و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 203، و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 93 و 439 و 440، و السنن الكبرى ج 9 ص 146، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 39 و 41، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 421 و 422، الجامع الصحيح ج 5 ص 409 و 410، و مسند الشافعي ص 316، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 97، و تفسير فرات ص 183 و 184، و لسان العرب ج 4 ص 557، و المبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 15، و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 48 و 49، و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 143 و 144، و كنز العمال ج 17 ص 59، و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 371، و البحار ط بيروت ج 72 ص 388، و ج 21 ص 125 و 119 و 120 و 136 و 137 و (ط حجرية) ج 8 ص 643 عن إرشاد المفيد، و إعلام الورى، و تفسير القمي، و تفسير فرات، و عون المعبود ج 7 ص 310 و 313، و الدرجات الرفيعة ص 336، و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 115، و عمدة القارئ ج 14 ص 254، و تاريخ الخميس ج 2 ص 79، و ترتيب مسند الشافعي ج 1 ص 197، و المحلى ج 7 ص 333، و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 50 و 51، و أحكام القرآن للجصاص ج 5 ص 325، و جامع البيان ج 28 ص 38-40، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 242، و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 180، و الإصابة ج 1 ص 300، و البرهان في تفسير القرآن ج 4 ص 323 و الاعتصام بحبل اللّه المتين ج 5 ص 500 و 501، و الصافي (تفسير) ج 5 ص 161، و نهج السعادة ج 4 ص 28، و معجم البلدان ج 2 ص 335، و المواهب اللدينة ج 1 ص 149، و بهجة المحافل ج 1 ص 188 و 400. و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 15 ص 69، و عن تفسير الثعالبي ج 4 ص 289، و عن منهاج البراعة ج 5 ص 106.

قال الحلبي: «و هو يفيد: أن ما يقع منهم من الكبائر لا يحتاجون إلى التوبة عنه؛ لأنه إذا وقع يقع مغفورا. و عبر فيه بالماضي مبالغة في تحققه.

و هذا كما لا يخفى بالنسبة للآخرة، لا بالنسبة لأحكام الدنيا. و من ثم لما شرب قدامة بن مظعون الخمر في أيام عمر حد، و كان بدريا» .

و قال الحلبي أيضا: «و في الخصائص الصغرى، نقلا عن شرح جمع الجوامع: أن الصحابة كلهم لا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم» (1).

و رووا عنه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا قوله: لن يدخل النار أحد شهد بدرا (2).م.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 203 و 204، و راجع: فتح الباري ج 7 ص 237 و 238.

2) فتح الباري ج 7 ص 237 و سنده صحيح على شرط مسلم.

و نقول:

إذا كان شرب البدري للخمر لا يضر، و لا يحتاجون للتوبة من الكبائر، فليكن الزنى حتى بالمحارم غير مضر لهم أيضا، و كذلك تركهم الصلاة، و سائر الواجبات و غيرها! . و ليكن أيضا قتل النفوس كذلك. و لقد قتلوا عشرات الألوف في وقعتي الجمل و صفين، و قتلوا العشرات، سرا و جهرا، غيلة و صبرا. فإن ذلك كله لا يضر، و لا يوجب لهم فسقا، و لا عقابا! !

أضف إلى ذلك: أن ابن أبي مغفور له، لأنه أيضا قد شهد بدرا حسبما روي (1).

و إذا صح ما ذكروه عن أهل بدر، فلا يبقى معنى لتكليف البدريين بالشرائع و الأحكام، و لماذا يتعبون و يشقون، ما دام أن دخول الجنة حاصل و مضمون لهم، فليتنعموا في حياتهم الدنيا، و ليستفيدوا من لذائذها حلالا أو حراما! ! .

أما دفاع علي «عليه السلام» عن الحق، و إمعانه في قتل الناكثين و القاسطين و المارقين، بعد أن تناسوا أقوال الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و إخباراته الصادقة عن هذه الفئات الضالة، فقد اعتبروه جرأة منه على الدماء، و أن سببه هو ما سمعه من أن اللّه رخص لأهل بدر في أن يفعلوا ما شاؤوا! ! (2).


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 335.

2) راجع: البخاري ج 9 ص 23 ط مشكول، و فتح الباري ج 7 ص 238، و الغارات ج 2 ص 568 و 569، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 100.

ثم إننا لا ندري لماذا يعاقب البدري في الدنيا، إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد منع عمر من عقاب حاطب الذي خان اللّه و رسوله، و كتب للمشركين بأسرار المسلمين، و احتج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهذا المنع-حسبما يدّعون-ببدرية حاطب؟ !

و إذا كان اللّه قد غفر لهذا البدري، فلماذا يعاقب في الدنيا؟ !

أليس عقابه حينئذ يكون بلا ذنب جناه؟

و لا خطيئة اقترفها؟ !

و الحقيقة هي أن الحلبي: لما رأى عمر قد أقام الحد على قدامة، اضطر إلى عدم إسقاط العقاب الدنيوي عن أهل بدر، و لو لا ذلك لكنا رأيناه يسقطه أيضا، محتجا بإسقاط النبي «صلى اللّه عليه و آله» له عن حاطب. و لكن و بعد أن كان المعني هو عمر بالذات، فلا بد من بناء الفقه و الأحكام على أساس فعله، و عدم الالتفات إلى فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قوله و تقريره! !

نعم، لقد استنبط الحلبي كل هذه الأحكام من الحديث الشريف الذي عبر بكلمة: «(لعل) فليت شعري: كم كان سوف يستنبط من الأحكام لو أنه ثبت لديه الجزم بالمغفرة لهم كما ذكرته رواية أخرى» ؟ ! .

و لكن الحقيقة هي أن حديث المغفرة لأهل بدر-لو صح-فلم يكن فيه كلمة «اعملوا ما شئتم» . و المغفرة إنما هي بالنسبة لما سبق لهم من ذنب، و إذا كانت هذه الفقرة ثابتة كان المراد بها: فليستأنفوا العمل، فلسوف يجازون بحسب ما يعملونه فيما يأتي، لا أن المغفرة تكون بالنسبة لما سوف يقترفونه بعد ذلك أيضا.

و لو كان قوله: «اعملوا ما شئتم» ثابتا و يراد به المغفرة للذنوب الآتية

أيضا، لاحتج به قدامة على عمر، ليدرأ الحد عن نفسه. و لاحتج أيضا بموقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حاطب، كما أن من الصعب على عمر نفسه أن يقدم على مخالفة أمر نبوي بهذا الوضوح و المعروفية (1).

هذا كله بالإضافة إلى أن شيوع هذه الفقرة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما لها من هذا المعنى الذي يدعيه هؤلاء، يلائم المصالح السياسية في أحيان كثيرة، الأمر الذي يقوي الظن بأن للسياسة يدا في تأكيد و نشر هذا المعنى.

من هم أفضل من أهل بدر؟ !

و نسجل هنا: أننا نجد سعد بن أبي وقاص يكاد يفضل جيشه في حرب المدائن على أهل بدر، فيقول: «و اللّه، إن الجيش لذو أمانة، و لو لا ما سبق لأهل بدر لقلت و أيم اللّه: على فضل أهل بدر، لقد تتبعت من أقوام هنات و هنات فيما أحرزوا، و ما أحسبها و لا أسمعها من هؤلاء القوم» (2).

بل إن كعب بن مالك يفضل ليلة العقبة على بدر، و إن كانت بدر أذكر في الناس منها (3).

نعم، هذا هو شأن بدر عندهم، و شأن غيرها. و لكنهم لم يحكموا لغير


1) راجع حول عدالة الصحابة كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 2.

2) حياة الصحابة ج 3 ص 758 عن تاريخ الطبري ج 3 ص 138.

3) البداية و النهاية ج 5 ص 23 عن البخاري، و أبي داود، و النسائي و نحوه، مفرقا و مختصرا، و روى الترمذي بعضه، و البيهقي ج 9 ص 33، و حياة الصحابة ج 1 ص 475 عمن تقدم، و عن الترغيب و الترهيب ج 4 ص 366.

البدريين بالجنة، لأنه ليس فيهم من يهتمون بالمغفرة له و بإدخاله إلى الجنة. أو تفرض السياسة تبرير أعماله و مواقفه المخالفة للإسلام، و القرآن، و الإنسانية! رغم أن سعدا حسب النص المذكور آنفا يرى أن في أهل بدر من صدرت منهم هنات و هنات أنزلت من مقامهم، و خففت من ميزانهم. و هو على حق في ذلك، فإن لكثير من أهل بدر مواقف و أفاعيل غريبة و عجيبة، لسنا هنا في صدد الحديث عنها.

ابن الجوزي و حديث المغفرة للبدريين:

و يعجبني هنا ما قاله ابن الجوزي، في تعليق له على حديث المغفرة لأهل بدر، فهو يقول: «نعوذ باللّه من سوء الفهم، خصوصا من المتسمين بالعلم.

روى أحمد في مسنده: أنه تنازع أبو عبد الرحمن السلمي، و حيان بن عبد اللّه، فقال أبو عبد الرحمن لحيان: قد علمت ما الذي حدا صاحبك- يعني عليا-قال: ما هو؟

قال: قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لعل اللّه اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.

و هذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن، حين ظن أن عليا «عليه السلام» إنما قاتل و قتل اعتمادا على أنه قد غفر له.

و ينبغي أن يعلم: أن معنى الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت، فقد غفرت لكم.

فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك، أتراه لو وقع من أهل بدر -و حاشاهم-الشرك؛ إذ ليسوا بمعصومين، أما كانوا يؤاخذون به؟

فكذلك المعاصي.

ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى: أن مآلكم إلى الغفران.

ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه فعل ما لا يجوز اعتمادا على أنه سيغفر له؟ ! حوشي من هذا. و إنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق.

و لا يختلف العلماء: أن عليا رضي اللّه عنه لم يقاتل أحدا إلا و الحق مع علي.

كيف و قد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم أدر الحق معه كيفما دار.

فقد غلط أبو عبد الرحمن غلطا قبيحا، حمله عليه أنه كان عثمانيا» (1)إنتهى.

عودة خيبة:

مهما يكن من أمر، فقد رجع المحاربون المشركون إلى مكة بأسوأ حال من الحنق و الغيظ، فنهاهم أبو سفيان عن النوح على قتلاهم، و منع الشعراء من ندب القتلى؛ لئلا يخفف ذلك من غيظهم، و يقلل من عداوتهم للمسلمين. و حتى لا يبلغ المسلمين حزنهم، فيشمتوا بهم.

و حرم أبو سفيان الطيب و النساء على نفسه، حتى يغزو محمدا. و كذلك كان موقف زوجته هند، التي اعتزلت فراشه و امتنعت عن الطيب.

و لما رجع المشركون طلبوا من أصحاب العير: أن يواسوهم في تلك


1) صيد الخاطر ص 385.

العير، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ فَسَيُنْفِقُونَهٰا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً (1).

و قيل: نزلت هذه الآية في المطعمين في غزوة بدر، الذين كانوا ينحرون الجزر حسبما تقدم، و لعله هو الأنسب و الأوفق بمفاد الآية.

عودة ظفر:

و أرسل النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» يبشر أهل المدينة بالنصر المبين، فلم يصدق البعض ذلك في بادئ الأمر، ثم تأكد لديهم أنه حق، ففرح المؤمنون، و استقبلوا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فرحين مسرورين.

و يقولون: إن زيد بن حارثة كان هو البشير، فلم يصدقه الناس حتى اختلى بولده أسامة، و أكد له ذلك.

و هذا لا يصح، لأن أسامة كان حينئذ طفلا، لا يتجاوز عمره العشر سنوات.

و في الطريق إلى المدينة فقد المسلمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقفوا. فجاء «صلى اللّه عليه و آله» و معه علي «عليه السلام» .

فقالوا: يا رسول اللّه، فقدناك؟

فقال: إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه، فتخلفت عليه (2).

و يقال: «إنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم المدينة حينما كانوا مشغولين بدفن زوجة عثمان، كما سيأتي الحديث عنه في فصل ما بين بدر و أحد إن شاء اللّه.


1) الآية 36 من سورة الأنفال.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 188.

و قدم الأسارى المدينة بعد قدومه «صلى اللّه عليه و آله» بيوم؛ ففرقهم بين المسلمين، و قال: استوصوا بهم خيرا. إلى أن فداهم أهل مكة.

ثم أرسل «صلى اللّه عليه و آله» عبد اللّه بن رواحة مبشرا إلى أهل العالية-ما كان من جهة نجد من المدينة. و في الطبقات العالية هم بنو عمرو بن عوف، و خطمة، و وائل-بما فتح اللّه على رسوله و على المسلمين، و بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة-ما كان في جهة تهامة» (1).

بعض نتائج حرب بدر:

لقد تقدم الكثير مما يمكن استخلاصه في هذا المقام. فلا نرى حاجة إلى الإطالة فيه، فنحن نكتفي هنا بلمحة خاطفة ضمن النقاط التالية:

1-إن قريشا التي كانت تحب الحياة قد واجهت في بدر ضربة روحية قاسية جدا؛ و أصابها هلع قاتل، و هي ترى أن حياتها مع هؤلاء المسلمين قد أصبحت في خطر حقيقي. و قد كان لهذا الخوف و الهلع أثر لا ينكر على حروبها اللاحقة مع المسلمين؛ فإن الخائف اللجوج بطبيعته، يتخذ الاحتياطات كافة لتأمين النصر لنفسه مع احتفاظه بالحياة.

و لذا، فقد حاولت قريش في حملاتها اللاحقة أن تكون أكثر دقة و تركيزا، و أوسع حشدا و استعدادا، من أجل القضاء على هذه الحركة التي تراها تهدد مصالحها و امتيازاتها في المنطقة، إجتماعيا، و سياسيا، و إقتصاديا، و غير ذلك.


1) راجع: التراتيب الإدارية ج 1 ص 382.

2-و من الجهة الأخرى فقد قويت نفوس المسلمين بذلك، و عادت لهم الثقة بأنفسهم بصورة ظاهرة، و شجعهم هذا الانتصار غير المتوقع على مواجهة ما كان إلى الأمس القريب يرعبهم حتى احتماله، فضلا عن التفكير فيه، أو مواجهته. و قد كان هذا الانتصار في المستوى الذي صعب على بعض أهل المدينة التصديق به.

نعم، لقد زادهم هذا الانتصار إيمانا، و يقينا، و ثقة بدينهم و نبيهم. و لا سيما بملاحظة حجم الخسائر التي مني بها عدوهم.

3-و لقد أعانتهم تلك الغنائم التي حصلوا عليها إلى حد كبير على مواجهة مشاكلهم الإقتصادية الملحة، كما أنها فتحت شهية الطامعين، و جعلتهم على استعداد للمشاركة، بل و يتطلعون إلى نظائرها في المستقبل.

4-ثم إنه قد أصبح ينظر إلى المسلمين في المنطقة على أنهم قوة فعالة، لا بد أن يحسب حسابها، و هابتهم القبائل، و بدأت تخطب و دهم، و تتقرب إليهم، و لم يعد من السهل عليها أن تنقض ما أبرمته معهم من معاهدات.

بل و أصبحت تتوقع لهم انتصارات أخرى أيضا، حتى ليقول اليعقوبي عن وقعة ذي قار، التي كانت بعد بدر بأربعة أشهر:

«و أعز اللّه نبيه، و قتل من قريش، فأوفدت العرب وفودها إلى رسول اللّه، و حاربت ربيعة كسرى. و كانت وقعتهم بذي قار، فقالوا: عليكم بشعار التهامي، فنادوا: يا محمد، يا محمد. فهزموا جيوش كسرى» (1).

و بعد هذا، فإن من الطبيعي: أن يترك ذلك أثرا على محاولات قريش


1) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 46.

للتحالف مع القبائل ضد المسلمين، و يخفف من تحمس كثير منها إلى عقد مثل هذه التحالفات معها.

النجاشي يفرح لنتائج بدر:

و لما أوقع اللّه تعالى بالمشركين يوم بدر، و استأصل وجوههم و رؤساءهم، عرف النجاشي بالأمر من عين له، ففرح فرحا شديدا، و جلس على التراب، و لبس ثيابا خلقة، لأنه أراد شكر اللّه لأجل هذه النعمة، و بشر المسلمين بذلك (1).

كلمة أخيرة:

و نشير هنا أيضا: إلى أن من إعجاز الإسلام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد حارب أعتى القوى بأشواب (2)من الناس، لا تشدهم و لا تجمعهم أية رابطة سوى رابطة الدين، و أمامهم عدو تشده إلى بعضه البعض عصبيات و أواصر مختلفة، و مصالح مشتركة، و ليس من الطبيعي أن يتحقق النصر لقوم هم أشواب من الناس على فئة تكون على عكس ذلك تماما، و لأجل ذلك قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الحديبية: «و إن تكن الأخرى (أي الحرب) فإني لأرى وجوها، و أرى أشوابا من الناس، خليقا أن يفروا عنك» (3).

و هذا النوع من الناس هم الذين اعتبرهم أمير المؤمنين «عليه السلام»


1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 476 و 477.

2) أشواب: أخلاط.

3) المصنف ج 5 ص 335.

الغوغاء، الذين إذا اجتمعوا ضروا، و إذا تفرقوا نفعوا (1).

و إن حربه لأعتى القوى و أكثرها تلاحما و تعاضدا بأشواب من الناس، لم يكن في معركة واحدة، ليقال: إنها ربما تكون صدفة، خاضعة لبعض العوامل و الظروف الاستثنائية، بل استمر ذلك عدة سنوات. و لعل إلى ذلك يشير قوله تعالى: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (2).

موقف معاوية من أهل بدر:

و أخيرا. . فإننا نجد لمعاوية موقفا سياسيا من أهل بدر، و ذلك في قضية التحكيم في صفين، حينما رفض أن يحكم رجلا من أهل بدر، و قال: «لا أحكم رجلا من أهل بدر» (3).

و لعل ذلك يرجع إلى أنه كان يعلم: أن كثيرا منهم كان ملتزما بأحكام الشريعة، صلبا في ذات اللّه، و يرفض المساومة و المداهنة في الدين.

و قبل الحديث عن أحداث ما بين بدر و أحد، لا بأس بأن نتكلم عن بعض الموضوعات التي ترتبط بما تقدم بنحو من الارتباط و الاتصال، و ذلك في ضمن الفصل التالي.


1) نهج البلاغة، الحكم ص 199.

2) الآية 63 من سورة الأنفال.

3) أنساب الأشراف ج 3 ص 23.

الباب الثاني: بحوث ليست غريبة عن السيرة

اشارة

الفصل الأول: بعض خصائص الشيعة

الفصل الثاني: أبو بكر في العريش، و شجاعة أبي بكر

الفصل الثالث: ذو الشمالين، و سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله

الفصل الرابع: الخمس بين السياسة و التشريع

الفصل الأول: بعض خصائص الشيعة

بعض خصائص الشيعة:

تقدم معنا في غزوة بدر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أصحابه بأن لا يبدأوا المشركين بقتال.

و قلنا هناك: إن أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» كان يأمر أصحابه أن لا يبدأوا أعداءه بقتال.

فقد جاء أنه «عليه السلام» نادى في الناس يوم الجمل: لا يرمين رجل بسهم، و لا يطعن برمح، و لا يضرب بسيف، و لا تبدأوا القوم بالقتال، و كلموهم بألطف الكلام.

قال سعيد: فلم نزل وقوفا حتى تعالى النهار؛ حتى نادى القوم بأجمعهم: يا ثارات عثمان إلخ. . و بذلك أيضا أوصى «عليه السلام» أصحابه في صفين (1).

و أوصى الإمام الحسين «عليه السلام» أصحابه في كربلاء.


1) سنن البيهقي ج 8 ص 180، و حياة الصحابة ج 2 ص 503 عنه، و راجع: تذكرة الخواص ص 72 و 91، و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 45، و ج 2 ص 490، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 240، و مناقب الخوارزمي ص 183.

نعم، و قد:

1-صار ذلك شعار الشيعة، فإنهم كانوا لا يبدأون أحدا بقتال أيضا. قال الجاحظ، و هو يتحدث عن كردويه الأقطع الأيسر (و هو من بطارقة سندان الشجعان) و كان لا يضرب أحدا إلا حطمه، و كان إذا ضرب قتل، قال الجاحظ: «كان كردويه مع فتكه و إقدامه يتشيع؛ فكان لا يبدأ بقتال حتى يبتدأ» (1).

2-كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أسر أبا عزة الجمحي في بدر، ثم من عليه لأجل بناته الخمس، و أخذ عليه العهد أن لا يعود إلى حرب المسلمين، و أن لا يظاهر عليه أحدا. لكنه عاد فنقض العهد، و ألب القبائل، و شارك في معركة أحد، فأسر، و طلب العفو، فرفض النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلبه؛ حتى لا يمسح عارضيه في مكة و يقول: إنه سخر من محمد مرتين.

و لسوف نتعرض لهذه القضية في آخر غزوة حمراء الأسد إن شاء اللّه.

و بذلك يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب المثل الأعلى للمؤمن اليقظ، الذي لا يخدع، و لا يستغل، و لا مجال لأن يسخر منه أحد؛ فهناك الكلمة المروية عن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و التي لا يجهلها أحد: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» (2).

و قد شهد معاوية للحسين و أبيه أنهما لا يخدعان، و ذلك حينما قال


1) البرصان و العرجان و العميان و الحولان للجاحظ ص 333.

2) مسند أحمد ج 2 ص 115 و 373، و راجع: فيض الباري ج 4 ص 396.

لعبيد اللّه بن عمر: «إن الحسين بن علي لا يخدع، و هو ابن أبيه» (1).

و لقد ورث شيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» هذه الخصيصة عن إمامهم الذي ورثها عن مؤدبه و مربيه النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد عرفوا على مر الزمن باليقظة المتناهية، و النباهة العالية، بالإضافة إلى صفات نادرة أخرى.

و كشاهد على ذلك نشير إلى ما ذكره التنوخي من أن الحسن بن لؤلؤ قد قال لمن أراد أن يحتال عليه: «أتعاطي علي، و أنا بغدادي، باب طاقي، وراق، صاحب حديث، شيعي، أزرق، كوسج؟» (2).

3-و اشتهر الشيعة أيضا: بالدقة و التحري في أمور دينهم، فقد كان أسد بن عمرو على قضاء واسط، فقال: «رأيت قبلة واسط رديئة جدا، و تبين لي ذلك، فتحرفت فيها.

فقال قوم من أهل واسط: هذا رافضي.

فقيل لهم: ويلكم، هذا من أصحاب أبي حنيفة، كيف يكون رافضيا» (3).

و قد تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب: أن الجاحظ يذكر: «أن بني أمية قد حولوا قبلة واسط» .

و يقول: «فأحسب أن تحويل القبلة كان غلطا» (4).


1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 57.

2) نشوار المحاضرات ج 5 ص 13 و 14، و راجع: المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 140.

3) تاريخ بغداد ج 7 ص 16، و نشوار المحاضرات ج 6 ص 36.

4) رسائل الجاحظ ج 2 ص 16، و راجع الجزء الأول من هذا الكتاب.

و قلنا: إن الظاهر هو أنها قد حولت إلى بيت المقدس؛ لأن عبد الملك قد بنى القبة على الصخرة، و أمر الناس بالحج إليها، و الطواف حولها، و السعي، و النحر، و غير ذلك من أمور الحج.

و قلنا: إننا نستقرب جدا أن يكون استحباب التياسر في القبلة لخصوص أهل العراق، مرده ذلك، و أنه حكم وقتي من دون إلزام فيه، لئلا يقع المؤمنون في حرج في مقابل السلطة الغاشمة.

4-لقد كان الشيعة معروفين بشدة الغيرة على نسائهم، و لذلك نجد زكريا القزويني يقول عن أهل المدائن: «أهلها فلاحون، شيعة، إمامية، و من عاداتهم: أن نساءهم لا يخرجون نهارا أصلا» (1).

و هذا الأمر موجود حتى الآن في بعض مدن الشيعة في إيران، كما في قصبة خسرو شاه من توابع تبريز، فإنك لا تكاد تجد امرأة في شوارع المدينة نهارا أصلا. كما ذكره لي بعض أهل العلم.

و ليس هذا إلا اقتداء منهم بسيدتهم الزهراء «صلوات اللّه و سلامه عليها» ، التي كانت لا تخرج إلا ليلا، إلا إذا اضطرت إلى ذلك لخصومة سياسية أو إثبات حق، أو نحو ذلك.

5-لقد كان حجر بن عدي و أصحابه معروفين بأنهم: «ينتقدون على الأمراء، و يسارعون في الإنكار عليهم، و يبالغون في ذلك» (2). و هذا هو مذهب الشيعة، و هذه هي عقيدتهم. على عكس غيرهم ممن يوجب


1) آثار البلاد و أخبار العباد ص 453.

2) البداية و النهاية ج 8 ص 54 عن ابن جرير و غيره.

السكوت و التسليم.

6-و من خصائصهم-يعني حجر بن عدي و أصحابه-: أنهم «يتشددون في الدين» (1)حتى لقد جعل ذلك من أسباب الطعن عليهم.

7-و رغم اضطهاد الحكام للشيعة، فإنهم كانوا في بغداد أهل يسار (2).

و الظاهر: أن مرد ذلك إلى أنهم كانوا يبر بعضهم بعضا، في مقابل حرمان الحكام لهم، و اضطهادهم إياهم. فكانوا يهتمون بقضاء حاجات بعضهم البعض، و حل مشاكلهم، و تيسير أمورهم.

8-و من خصائصهم كذلك بعد صيتهم (3)، أي شيوع ذكرهم الحسن، و هذا يعني أنهم كانوا مستقيمين في سلوكهم، و مواقفهم، و علاقاتهم، و غير ذلك.

9-و من ذلك أيضا: محافظتهم على الصلاة في أول وقتها، و يدل على ذلك قصة المأمون مع يحيى بن أكثم، و في آخرها قال له المأمون: «إن الشيعة أشد رعاية لأوقات الصلاة من المرجئة» (4).

و أما غيرهم، فقد روى مالك عن القاسم بن محمد، أنه قال: ما أدركت الناس إلا و هم يصلون الظهر بعشي (5).

و قال الجاحظ: «و تفخر هاشم عليهم (أي على بني أمية) بأنهم: لم


1) المصدر السابق.

2) أحسن التقاسيم ص 41.

3) المصدر السابق.

4) الموفقيات للزبير بن بكار ص 134، و راجع: عصر المأمون ج 1 ص 445.

5) موطأ مالك، (مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 27.

يهدموا الكعبة، و لم يحولوا القبلة، و لم يجعلوا الرسول دون الخليفة، و لم يختموا في أعناق الصحابة، و لم يغيروا أوقات الصلاة» (1).

و هذا يدل على مدى تأثر الناس بسيرة و روحية حكامهم الأمويين.

10-و من خصائص الشيعة العلم و الفقه.

11-الجود و الكرم. و يدل على هذا، و على سابقه: ما روي من أنه دخل عبد اللّه بن صفوان على عبد اللّه بن الزبير، و هو يومئذ بمكة فقال: أصبحت كما قال الشاعر:

فإن تصبك من الأيام جائحةلا أبك منك على دنيا و لا دين

فقال: و ما ذاك يا أعرج؟

فقال: هذا عبد اللّه بن عباس يفقه الناس، و عبيد اللّه أخوه يطعم الناس، فما أبقيا لك؟

فأحفظه ذلك، فأرسل صاحب شرطته، عبد اللّه بن مطيع، و قال له: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها اللّه، فنصبتماها؟ بددا عني جمعكما، و من ضوى إليكما من أهل الدنيا، و إلا فعلت و فعلت.

فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، و اللّه ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه، أو طالب فضل. فأي هذين تمنع؟ ! فقال أبو الطفيل:

لا در در الليالي كيف تضحكنامنها خطوب أعاجيب و تبكينا

و مثل ما تحدث الأيام من غيريا ابن الزبير عن الدنيا تسلينا


1) آثار الجاحظ ص 205.

كنا نجيء ابن عباس فيقبسناعلما، و يكسبنا أجرا و يهدينا

و لا يزال عبيد اللّه مترعةجفانه، مطعما ضيفا و مسكينا

فالبر، و الدين، و الدنيا بدارهماننال منها الذي نبغي إذا شينا

إن النبي هو النور الذي كشفتبه عمايات باقينا و ماضينا

و رهطه عصمة في ديننا و لهمفضل علينا و حق واجب فينا

و لست فاعلمه أولى منهم رحمايا بن الزبير و لا أولى به دينا

ففيم تمنعهم عنا و تمنعناعنهم و تؤذيهم فينا و تؤذينا

لن يؤتي اللّه من أخزى ببغضهمفي الدين عزا و لا في الأرض تمكينا (1)

فابن الزبير يعتبر راية العلم، و راية الجود من الروايات الترابية التي اكتسبها أتباع أبي تراب منه «صلوات اللّه و سلامه عليه» .

12-و من خصائص الشيعة ابتعادهم عن العصبية، فقد قال كثير عزة، حينما قتل آل المهلب بالعقر: ما أجل الخطب! ، ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف، و ضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، ثم انتضحت عيناه باكيا.

فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فدعا به، فلما دخل عليه قال: «عليك بهلة اللّه، أترابية و عصبية» ؟ ! (2).

و موقف أهل البيت «عليهم السلام» من العصبيات، و من التمييز القبلي


1) الأغاني ط ساسي ج 13 ص 168، و أنساب الأشراف أيضا ج 3 ص 32.

2) الأغاني ج 8 ص 6.

و العنصري، معروف و واضح. و الموقف المغاير من غيرهم واضح أيضا.

و هذا موضوع طويل الذيل، لا مناص لنا من إرجاء الإفاضة فيه إلى فرصة أخرى (1).

13-و كذلك، فإن من خصائص الشيعة «رضوان اللّه تعالى عليهم» ، الابتعاد عن الشراب، فقد ذكروا أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد على نبيذ لهم، و فيهم منصور النمري؛ فأبى منصور أن يشرب معهم، فقالوا: إنما تعاف الشراب لأنك رافضي (2).

و قال الجاحظ: «لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصي غزو الروم و نسك الخراساني الحج إلى أن قال: و نسك الرافضي ترك النبيذ و زيارة المشهد» (3).

14-قال الزمخشري: «ليلة الغدير معظمة عند الشيعة، محياة فيهم بالتهجد؛ و هي الليلة التي خطب فيها رسول اللّه بغدير خم على أقتاب الإبل، و قال في خطبته: من كنت مولاه فعلي مولاه» (4).

15-و من خصائص الشيعة براعتهم في الأدب و الشعر.

16-و من خصائصهم أيضا الفاعلية و الحيوية، و النشاط في مجال العمل على مستوى التغيير في الأمة.

و يدل على هذا الأمر و سابقه قول ابن هاني الأندلسي في مدحه لأبي


1) راجع كتابنا «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي» .

2) الأغاني ج 12 ص 23.

3) محاضرات الراغب المجلد الثاني ج 4 ص 418.

4) ربيع الأبرار ج 1 ص 84 و 85.

الفرج الشيباني:

شيعي أملاك بكر إن هم انتسبواو لست تلقى أديبا غير شيعي

من أنهض المغرب الأقصى بلا أدبسوى التشيع و الدين الحنيفي (1)

17-و مما يمتاز به شيعة أهل البيت الفصاحة الظاهرة، و سلامة المنطق، حتى إن نطقهم بالضاد العربية كان معروفا و متميزا (2).

18-و الإكثار من العبادة و الصلاة أمر عرف به الشيعة أيضا، و نذكر هنا: أنه لما أرسل عبيد اللّه بن زياد معقلا، ليكشف له خبر مسلم بن عقيل انطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم. و جعل لا يدري كيف يتأتى الأمر. ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد، فقال في نفسه: «إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، و أحسب هذا منهم» .

ثم ذكر كيف احتال حتى كشف الأمر (3).

19-و من ميزاتهم أيضا: الجمع بين الصلاتين، بحيث تكون صلاة العصر بعد الزوال بقليل (4).

20-و قال إبراهيم بن هاني: «من تمام آلة الشيعي: أن يكون وافر الجمة صاحب بازيكند» (5).


1) راجع: ديوان ابن هاني، الطبعة الأولى. لكن في طبعة سنة 1405 ه. ق، دار بيروت ص 381: من أصلح، بدل من أنهض.

2) روضات الجنات ج 1 ص 244.

3) الأخبار الطوال ص 235.

4) مقاتل الطالبيين ص 467.

5) البيان و التبيين ج 1 ص 95.

بازيكند: بفتح الزاي و الكاف، و ضم الياء: نوع من الثياب.

21-عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، أنه قال: «إن أبي حدثني: أن شيعتنا أهل البيت كانوا خيار من كانوا منهم؛ إن كان فقيه كان منهم، و إن كان مؤذن كان منهم، و إن كان إمام كان منهم، و إن كان صاحب أمانة كان منهم؛ و إن كان صاحب وديعة كان منهم. و كذلك كونوا، حببونا إلى الناس، و لا تبغضونا إليهم» (1).

22-قال المعتزلي، و هو يتحدث عن سجاحة خلق أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و بشر وجهه، و طلاقة المحيا، و التبسم، و لين الجانب و التواضع: «و قد بقي هذا الخلق متناقلا في محبيه و أوليائه إلى الآن. كما بقي الجفاء، و الخشونة، و الوعورة في الجانب الآخر. و من له أدنى معرفة بأخلاق الناس و عوائدهم يعرف ذلك» (2).

23-و عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: «إن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي، فيكون زينها، أداهم للأمانة، و أقضاهم للحقوق، و أصدقهم للحديث، إليه وصاياهم و ودائعهم، تسأل العشيرة عنه؛ فتقول: من مثل فلان، إنه لأدانا للأمانة، و أصدقنا للحديث» (3).

24-و قال الإمام الصادق «عليه السلام» لشيعته-فيما روي عنه-: «دعوا رفع أيديكم في الصلاة، إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة، فإن


1) البحار ج 74 ص 162 و 163، و صفات الشيعة للشيخ الصدوق ص 28.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 26.

3) الكافي ط قديم ج 8 ص 678.

الناس قد شهروكم بذلك» (1).

25-و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: «إن أصحاب علي «عليه السلام» كانوا المنظور إليهم في القبائل، و كانوا أصحاب الودايع، مرضيين عند الناس، سهار الليل، مصابيح النهار» (2).

26-و قال المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس لأبي مروان الجزيري مرة يثني عليه و على أدبه: «للّه درك، قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد» (3).

27-و من الأمور التي يعرف بها الشيعة هو أنهم يتختمون باليمين فقد ذكر إسماعيل البروسوي في عقد الدرر: «أن السنة في الأصل التختم في اليمين لكن لما كان ذلك شعار أهل البدعة (أي الشيعة) و الظلمة، صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا» (4).

و بعد أن ذكر الراغب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتختم بيمينه قال: و أول من تختم في يساره معاوية، و قيل:

قالوا: تختم في اليمين و إنمامارست ذاك تشبها بالصادق

و تقربا مني لآل محمدو تباعدا مني لكل منافق


1) البحار ج 75 ص 215، و الكافي ج 8 ص 7.

2) البحار ج 65 ص 180 ط مؤسسة الوفاء، و في هامشه عن مشكاة الأنوار ص 62 و 63.

3) بدائع البدائه ص 356، و نفح الطيب ج 3 ص 95.

4) الغدير ج 10 ص 211 عن روح البيان ج 4 ص 142.

الماسحين فروجهم بخواتماسم النبي بهن و اسم الخالق (1)

28-و قالوا: السنة تسطيح القبور، و لكن لما صار شعار الرافضة كان الأولى مخالفتهم إلى التسنيم (2).

29-و عن الزرقاني: كان بعض أهل العلم يرخي العذبة من قدام، من الجانب الأيسر. و لم أر ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، و لما صار شعارا للإمامية ينبغي تجنبه لترك التشبه بهم (3).

30-قد حكم الزمخشري بكراهة الصلاة على أهل البيت مستقلا لأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (4).

31-و قال العسقلاني: «اختلف في السلام على غير الأنبياء «عليهم السلام» بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل يشرع مطلقا و قيل تبعا، و لا يفرد لواحد، لكونه صار شعارا للرافضة» (5).

32-و مسك الختام نقول: قال الراغب: «إذا قيل أمير المؤمنين مطلقا


1) محاضرات الراغب، المجلد الثاني ج 4 ص 473 و 474.

2) رحمة الأمة باختلاف الأئمة (مطبوع بهامش الميزان للشعراني) ج 1 ص 88 و راجع: المغني لابن قدامة ج 2 ص 505 و مقتل الحسين للمقرم هامش ص 464 عنهما و عن المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ج 1 ص 137 و الوجيز للغزالي ج 1 ص 47 و المنهاج للنووي ص 25 و شرح تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 560 و عمدة القاري ج 4 ص 248 و الفروع لابن مفلح ج 1 ص 481.

3) مقتل الحسين للمقرم هامش ص 465 عن شرح المواهب ج 5 ص 13.

4) الكشاف ج 3 ص 558.

5) فتح الباري ج 11 ص 146.

فهو أمير المؤمنين «علي بن أبي طالب» (1).

هذا ما حضرنا الآن مما يرتبط بهذا الموضوع، و نأمل التوفيق لإتحاف القارئ بالمزيد من خصائصهم الحميدة، و خصالهم الفريدة، رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين.


1) محاضرات الأدباء، المجلد الثاني جزء 3 ص 341.

الفصل الثاني: أبو بكر في العريش، و شجاعة أبي بكر

اشارة

أبو بكر في العريش، و شجاعة أبي بكر:

لقد رووا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» سأل عن أشجع الناس، فقالوا له: أنت، فرفض ذلك، و قرر هو نفسه: أنه لما كان يوم بدر جعلوا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عريشا، فقالوا: من يكون مع رسول اللّه لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ .

«فو اللّه ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، شاهرا بالسيف على رأس رسول اللّه، لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس» (1).

قال الحلبي الشافعي: «و به يرد قول الشيعة و الرافضة: أن الخلافة لا يستحقها إلا علي، لأنه أشجع الناس» . ثم استدل هو و دحلان على أشجعية أبي بكر: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر عليا بأنه يقتل على يد ابن ملجم، فكان إذا دخل الحرب، و لاقى الخصم، علم أنه لا قدرة له على قتله، فهو معه كالنائم على فراشه. أما أبو بكر؛ فلم يخبر بقاتله، فكان إذا دخل


1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 36 و 37، و مجمع الزوائد ج 9 ص 47 و قال: فيه من لم أعرفه، و البداية و النهاية ج 3 ص 271 و 272 عن البزار و حياة الصحابة ج 1 ص 261 عنهما، و السيرة الحلبية ج 2 ص 156 و الفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 122، و عن الرياض النضرة ج 1 ص 92.

الحرب لا يدرون هل يقتل أو لا، و من هذه حالته يقاسي من التعب ما لا يقاسيه غيره.

و مما يدل على شجاعته تصميمه على حرب مانعي الزكاة، مع تثبيط عمر له عن ذلك.

و أنه حين توفي الرسول «صلى اللّه عليه و آله» طاشت العقول، و أقعد علي، و أخرس عثمان، و كان أبو بكر أثبتهم.

و أما كونه لم يشتهر عنه في الحروب ما اشتهر عن علي؛ فلأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يمنعه عن مبارزة الشجعان (1).

و يقول دحلان: «إن الشجاعة و الثبات في الأمر هما الأهمان في أمر الإمامة، لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه إلى قتال أهل الردة و غيرهم» (2).

و قالوا أيضا: «أبو بكر كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» على العريش يوم بدر، مقامه مقام الرئيس، و الرئيس ينهزم به الجيش، و علي مقامه مقام مبارز، و المبارز لا ينهزم به الجيش» (3).

هذا كل ما عند القوم من الأدلة على أشجعية أبي بكر من سائر الصحابة، حتى علي «عليه السلام» .


1) راجع فيما تقدم: الفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 123-125، و السيرة الحلبية ج 2 ص 156، و عن تفسير القرطبي ج 4 ص 222.

2) الفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 124-126.

3) تاريخ بغداد للخطيب ج 8 ص 21، و المنتظم لابن الجوزي ج 6 ص 327، و راجع: العثمانية للجاحظ ص 10.

عدم صحة ما تقدم:
اشارة

و نحن نقطع بعدم صحة كل ما تقدم، أو عدم دلالته، و بيان ذلك عدا عما تقدم من عدم صحة قضية العريش من أساسها ما يلي:

ألف: فرار أبي بكر في المواقف:

لقد أقر دحلان بأن الشجاعة و الثبات هما الأهمان في أمر الإمامة. و نحن نجد أبا بكر يفر في غير مشهد. و فراره في خيبر و حنين و أحد معروف، و لسوف يأتي ذكر مصادره في تلك الغزوات، و عن فراره في غزوة خيبر (1)قال ابن أبي الحديد المعتزلي المعترف بخلافة أبي بكر يذكر فراره هو و عمر:

و ما أنس لا أنس اللذين تقدماو فرهما و الفر قد علما حوب

و للراية العظمى و قد ذهبا بهاملابس ذل فوقها و جلابيب

إلى أن قال:


1) أما بالنسبة لفراره في غزوة أحد، فسيأتي ذلك مع مصادره الكثيرة جدا في الجزء السادس من هذا الكتاب. و بالنسبة لفراره في حنين سيأتي أيضا في غزوة حنين. و أما بالنسبة لفراره في غزوة خيبر، فهو أيضا سيأتي مع مصادر كثيرة. و قد رواه البزار بسند صحيح، و رواه أيضا الطبراني، و الإيجي، و البيضاوي، و ابن عساكر فراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 124، و المواقف كما في شرحه ج 3 ص 276، و أقره شراحه، و المطالع ص 483، عن البيضاوي في طوالع الأنوار، و ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 82، و الغدير ج 7 ص 204. و سيأتي المزيد إن شاء اللّه تعالى.

أحضرهما أم حضر أخرج خاضبو ذان هما أم ناعم الخد مخضوب

عذرتكما إن الحمام لمبغضو إن بقاء النفس للنفس مطلوب

ليكره طعم الموت و الموت طالبفكيف يلذ الموت و الموت مطلوب

و قال أيضا:

و ليس بنكر في حنين فرارهففي أحد قد فر قدما و خيبرا

و نقول لابن أبي الحديد: بل يلذ الموت لمن بلغ الدرجات العالية من اليقين و المعرفة بجلال و عظمة اللّه، و ما أعده لعباده الصالحين و المجاهدين في سبيله، و الناصرين لدينه. و كلمات أمير المؤمنين «عليه السلام» حول الموت في سوح الجهاد خير شاهد على ذلك.

و فر أبو بكر أيضا في أحد.

و يقول الإسكافي: إنه لم يبق معه حينئذ سوى أربعة بايعوه على الموت، و ليس أبو بكر من بينهم (1)و سيأتي ذكر ذلك في غزوة أحد مع مصادره الكثيرة إن شاء اللّه تعالى.

و جبن أيضا في الخندق عن مبارزة عمرو بن عبد ود، و فر أيضا في حنين؛ حيث لم يبق معه «صلى اللّه عليه و آله» سوى علي «عليه السلام» ، و العباس، و أبي سفيان بن الحارث، و ابن مسعود (2).

و الخلاصة: أن أبا بكر قد شهد المشاهد كلها، و ليس فقط لم تؤثر عنه أية بادرة تدل على شجاعة و إقدام، و لم يبارز، و لم يقتل، و لا جرح أحدا، بل


1) الغدير ج 7 ص 206 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 123.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293.

ثبت عنه ما يدل على عكس ذلك تماما و هو الفرار في أكثر من موقف.

و كان يجبن الناس باستمرار، و يشير بترك الحرب و بعد هذا، فهل يعقل أن يكون رجل له هذه المواصفات شجاعا؟ .

و إذ كان له عذر في بدر، حيث جعلوه مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في العريش-المكذوب! -لا يفارقه؛ فأين كان عنه في أحد، و حنين، و خيبر، و غيرها؟ حينما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجد نفسه محاطا بالمشركين، الذين يريدون إطفاء نور اللّه عز و جل. فهل كان أبو بكر في تلك الوقائع في عريش رئاسته، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الجندي المحارب بين يدي رئيسه أبي بكر، الذي ينهزم الجيش بانهزامه؟ ! .

و أين كان في خيبر حينما كشف ياسر اليهودي المسلمين، حتى انتهى إلى موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قاتل «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه. و أرسل إلى علي «عليه السلام» الذي كان في المدينة لرمد عينيه؛ فجاءه.

و قتل مرحبا، و فتح اللّه على يديه خيبرا، و كان ما كان مما هو معروف و مشهور.

و في أحد خلص العدو إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدثّ (1)بالحجارة حتى وقع لشقه، و شج في وجهه، إلى آخر ما جرى. إلى غير ذلك من أمور.

و أما قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يمنعه من القتال، فهل منعه في أحد و حنين، و خيبر، و سائر المشاهد؟ و هل كان يمنعه، ثم يباشر هو بنفسه القتال، حتى يتعرض للإصابة بجسده الشريف؟ ! . كل ذلك دفاعا عن الرئيس، أبي بكر ابن أبي قحافة؟ ! .


1) دث: رمي بالحجارة.

و أخيرا، فقد قال الإسكافي عن أبي بكر: إنه «لم يرم بسهم قط، و لا سل سيفا، و لا أراق دما، و هو أحد الأتباع غير مشهور و لا معروف، و لا طالب و لا مطلوب» .

و خلاصة كلام الإسكافي الطويل: أنه لا يمكن قياس أبي بكر برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا جعله رئيسا يهلك الجيش بهلاكه؛ لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو صاحب الجيش، و الدين الجديد.

و هو الذي يراه عدوه و صديقه: أنه السيد و الرئيس، و هو الذي أحنق قريشا و العرب بدينه الجديد، ثم وترهم بقتل رؤسائهم و أكابرهم. و هو الذي يرتبط به مصير الأمة و مصير المحاربين. .

أما أبو بكر، فلا أثر له هنا، و لا كان أعداء الإسلام يقصدونه بالقتل، و إنما هو كأي مهاجري آخر، مثل عبد الرحمن بن عوف، و عثمان، و غيرهما. بل كان عثمان أبعد منه صيتا، و أشرف مركبا، فلم يكن قتله في إحدى تلك المعارك ليضعف الإسلام، و لا تعفى آثاره؛ فكيف يجعل كرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي كان وقوفه وقوف رعاية و تدبير، و ظهر و سند، يحرس أصحابه، و يدبر أمورهم، و يعين مواقفهم، و توجب سلامته الطمأنينة لهم؟

و لو كان في أول المحاربين، لا نشغلت نفوسهم بمصيره، و شغلهم الاهتمام به عن عدوهم، و لا يكون لهم فئة يلجأون إليها، و من يكون قوة و عدة لهم، يعرف مواضع خللهم، و إذا رأى مصلحة في إقدامه بنفسه أقدم.

و لو كان أبو بكر شريكا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة و كانت العرب تطلبه مثله لصح قولهم. و أما و هو أضعف المسلمين جنانا، و أقلهم عند العرب ترة، و لا حارب أبدا، بل هو أحد الأتباع، فكيف يجوز أن يجعل بمقام و منزلة

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

ثم ذكر الإسكافي قصة مبارزته لولده عبد الرحمن في أحد، و اعتبر أن قول الرسول «صلى اللّه عليه و آله» له: أمتعنا بنفسك، كان لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب و ملاقاة الرجال، و أنه لو بارز لقتل. ثم ذكر قوله تعالى: وَ فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (1)، و آيات أخرى، و أضاف أنه لو كان الجبان و الضعيف يستحقان الرئاسة لتركهما الحرب، لكان حسان بن ثابت أحق بها.

و لقد كانت قريش تريد قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولا و علي «عليه السلام» ثانيا، لأنه أشبه الناس به، و أقربهم إليه، و أشدهم دفعا عنه، لأن قتل علي «عليه السلام» يضعف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكسر شوكته. و قد وعد جبير بن مطعم غلامه و حيشيا بالحرية إن هو قتل محمدا، أو عليا، أو حمزة، و لم يذكر أبا بكر، و لمقاربة حال علي «عليه السلام» لحال النبي «صلى اللّه عليه و آله» وجدنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخاف و يحذر عليه، و يدعو له بالسلامة و الحفظ. إنتهى كلام الإسكافي باختصار (2).

و قد فات الإسكافي أن يذكر بحال أبي بكر حين رأى سراقة مقبلا يجر رمحه، و سراقة رجل واحد لم تذكر عنه شجاعة (3).

وفاته أن يشير أيضا: إلى أنه لو صحت هذه المكرمة العظيمة لذكرها أبو


1) الآية 95 من سورة النساء.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 278-284.

3) تقوية الإيمان ص 42.

بكر، أو أحد مناصريه في السقيفة، حيث كان في أشد الحاجة إلى ذلك آنئذ. .

ب: حراسة أبي بكر للنبي صلّى اللّه عليه و آله:

و أما حديث أنه وقف بالسيف على رأس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يهوي أحد من المشركين بسيفه إلا أهوى إليه؛ فلا يمكن أن يصح أيضا و ذلك للأمور التالية:

1-إنه رغم ضعف إسناد هذه الرواية (1)يكذبها قولهم المشهور: إن سعد بن معاذ كان مع جماعة من الأنصار يحرسون الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في العريش، و يضيف البعض إليهم عليا أيضا (2).

و لعلهم ذكروا عليا «عليه السلام» لما تقدم، من أنه كان لا يغفل عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان يقاتل قليلا ثم يأتي إليه ليفتقده.

و إذا كان النبي و أبو بكر في داخل العريش، و هؤلاء مع ابن معاذ يحرسونهما في خارجه، فكيف وصل إليه المشركون، و كان إذا أهوى أحدهم إليه أهوى إليه أبو بكر بالسيف؟ .

ثم أليس حال هؤلاء الحراس أشد من حال أبي بكر، الذي يوجد من يدافع عنه في الخارج، و هو مطمئن البال في الداخل؟ ! .

2-يقول الأميني: أضف إلى ذلك: أن حراسة النبي لا تختص بأبي بكر، و لا بابن معاذ، فقد حرسه غيره في مواقع و غزوات أخرى، كبلال، و ذكوان، و سعد بن أبي وقاص بوادي القرى؛ و ابن أبي مرثد ليلة وقعة


1) ضعف إسنادها الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 461.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 271، و السيرة الحلبية ج 2 ص 156 و 161.

حنين، و الزبير يوم الخندق، و محمد بن مسلمة يوم أحد، و المغيرة يوم الحديبية، و أبي أيوب الأنصاري ببعض طريق خيبر. و قد استمرت هذه الحراسة إلى أن نزل قوله تعالى في حجة الوداع: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1)، فترك الحرس. هذا كله على فرض تسليم حراسة أبي بكر له (2).

و ما تقدم و إن كان ربما يكون للنقاش في بعضه مجال، إلا أن السمهودي قال و هو يتحدث عن «أسطوان المحرس» :

«قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة، قال: سألت جعفر بن عبد اللّه بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب، فقال: إن هذه المحرس، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يحرس النبي صلى اللّه عليه و آله» (3).

3-و يقول الأميني أيضا: إنه لو كان حديث سيف أبي بكر في حراسته للنبي «صلى اللّه عليه و آله» صحيحا، لكان أبو بكر أولى و أحق بنزول القرآن في حقه من علي، و حمزة، و عبيدة، الذين نزل فيهم: هٰذٰانِ خَصْمٰانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (4)الآية.

و قوله تعالى: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ (5).


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2) الغدير ج 7 ص 202. و نقل ما ذكر عن: عيون الأثر ج 2 ص 316، و المواهب اللدنية ج 1 ص 383، و السيرة الحلبية ج 2 ص 334، و شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 204.

3) وفاء الوفاء ج 1 ص 448.

4) الآية 19 من سورة الحج.

5) الآية 23 من سورة الأحزاب.

و لكان أحق من علي بقوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ (1)، و غير ذلك من الآيات.

و كان حقا على رضوان الذي نادى يوم بدر:

لا سيف إلا ذو الفقارو لا فتى إلا علي

أن ينوه باسم أبي بكر و سيفه المشهور على رأس رسول اللّه، حيث لم يجرؤ أحد سواه على القيام بذلك، و به حفظ رسول اللّه و الدين (2).

ج: أبو بكر في ساحة الحرب:

قولهم: إنه كان في العريش ينافيه:

1-قولهم الآخر: إنه كان على الميمنة، أو في الميمنة، يوم بدر (3).

2-و ينافيه قولهم إن ولده عبد الرحمن قال له: يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك (4).

3-و ينافيه أيضا قولهم: إن عبد الرحمن دعا يوم بدر إلى البراز، فقام إليه والده أبو بكر ليبارزه، فقال له الرسول: متعنا بنفسك (5). و قد تقدم


1) الآية 62 من سورة الأنفال.

2) راجع: الغدير ج 2 ص 46-51، و ج 7 ص 202 و 203 بتصرف.

3) مغازي الواقدي ج 1 ص 58 و البداية و النهاية ج 3 ص 275.

4) الروض الأنف ج 3 ص 64، و في مستدرك الحاكم ج 3 ص 475، و حياة الصحابة ج 2 ص 332 و 333 عن الكنز ج 5 ص 374: أن ذلك كان يوم بدر.

5) سنن البيهقي ج 8 ص 186، و حياة الصحابة ج 2 ص 332 و 333 عن الحاكم عن الواقدي.

تعليق الإسكافي على هذه القضية. و ستأتي أيضا في واقعة أحد إن شاء اللّه تعالى.

د: حرب الناكثين و القاسطين:

و أما عن إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأمير المؤمنين «عليه السلام» بمحاربته للناكثين و القاسطين، و بقتل ابن ملجم له؛ فهو مع خصمه كالنائم على فراشه كما يدعون، فلا يفيدهم شيئا، و نكتفي هنا بتسجيل النقاط التالية:

1-إن الإسكافي يقول: إن إخباره «صلى اللّه عليه و آله» إياه بقتال الناكثين و القاسطين إنما كان بعد أن وضعت الحرب أوزارها، و دخل الناس في دين اللّه أفواجا، و وضعت الجزية، و دان العرب قاطبة له (1).

2-و أما إخباره «صلى اللّه عليه و آله» بأنه سوف يستشهد على يد ابن ملجم، فإنما قال له ذلك في غزوة العشيرة، حينما كناه بأبي تراب: إن أشقى الأولين و الآخرين يخضب لحيته من رأسه، لكنه لم يعين له وقت ذلك، فلعله بعد شهر، و لعله بعد سنوات.

3-إن من الممكن أن يحصل البداء في هذا الأمر، على اعتبار: أن الإخبار إنما كان عن تحقق المقتضي، من دون تعرض للموانع.

4-و لو سلمنا ذلك، فكيف يكون كالنائم على فراشه، مع أنه يمكن أن يتعرض بل تعرض بالفعل للجراح الكثيرة في أحد و غيرها بالإضافة إلى إمكانية تعرضه «عليه السلام» لكسر، أو لقطع بعض أعضائه؟


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 287.

فهل تأكد لدى هؤلاء: أنه كان في مأمن من كل ذلك، حتى أصبح عندهم مع خصمه كالنائم على فراشه؟ ! . و لماذا كان المسلمون يتمدحون شجاعته، و يقرضها اللّه و رسوله في غير مقام، كما في خيبر و أحد و بدر و غيرها. و لماذا يعتبرونها امتيازا له، و من أسباب فضله و عظمته عندهم؟ فلو كان ذلك صحيحا لكان الكل أشجع من علي حتى النساء.

5-إنهم يروون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال للزبير: إنه سيقاتل عليا و هو له ظالم، و نزل في حق طلحة قوله تعالى:

وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ (1).

و يروون أيضا قصة أحجار الخلافة التي يدّعون: أن أبا بكر كان في المقدمة فيها، و غير ذلك من الروايات الكثيرة جدا في حق كثير من الصحابة.

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه كان يعلم: بأن هذا الدين سيظهر؛ و لسوف يدخل «صلى اللّه عليه و آله» مكة ظافرا، و سيحصل المسلمون على كنوز كسرى و قيصر. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. فهل بطل بذلك جهادهم؟ ! و ذهب فضلهم، و تقلصت شجاعتهم؟ !

ه: حرب مانعي الزكاة:

و أما حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، فلم يكن بنفسه، و إنما بغيره، و من أجل الحفاظ على مكانته و موقعه في الحكم. و ذلك لأنهم أنكروا عليه


1) الآية 53 من سورة الأحزاب.

تصديه للخلافة، و أخذه ما ليس له بحق، و كذلك كان الحال في قتال من أطلقوا عليهم كلمة «أهل الردة» .

و واضح: أن العناد في الرأي لا يدل على الشجاعة في القتال. فربما تجد الجبان يصر على رأيه الذي سوف ينفذه غيره أكثر من الشجاع.

و: ثباته حين وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و أما عن ثباته حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فنشير إلى ما يلي:

1-يقول العلامة الأميني رحمه اللّه تعالى: إنه إذا كان الميزان في الشجاعة هو ما ذكر من ثباته عند موته «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن أبا بكر يكون أشجع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، فإنه لم يثبت عند موت جماعة عاديين، كعثمان بن مظعون، حين قبله و هو يبكي، و له شهيق، و الدموع تتحادر على خديه (1).

و عثمان أيضا كان أشجع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لأن موت زوجته، ابنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يمنعه عن مقارفة النساء ليلة وفاتها، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يبكي على ابنته (2).


1) الغدير ج 7 ص 214 عن: سنن البيهقي ج 3 ص 406، و حلية الأولياء ج 1 ص 105، و الإستيعاب ج 2 ص 495، و أسد الغابة ج 3 ص 387، و الإصابة ج 2 ص 464، و سنن أبي داود ج 2 ص 58، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 481. و ثمة مصادر أخرى ذكرها العلامة الأحمدي في كتابه: التبرك ص 355 فراجع.

2) الغدير ج 2 ص 214 و ج 3 ص 24 عن: الروض الأنف ج 3 ص 24، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، و الإستيعاب ج 2 ص 748، و صححه، و الإصابة ج 4 ص 304 و 489.

2-إن ما ذكروه من تخبيل عمر، و إخراس عثمان، و إقعاد علي الخ. . إن صح، كان مانعا عن خلافتهم-على حد قول دحلان-لأنهم ما كان لهم تلك الشجاعة و الثبات في الأمران، اللذان هما الأهمان في أمر الإمامة، فكيف قبلوا بخلافتهم، و هم فاقدون لأهم أمر يحتاج إليه في الإمامة؟ . و عن إقعاد علي «عليه السلام» نقول:

كيف؟ و قد قضى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجره، و هو الذي تولى غسله، و كفنه، و دفنه دونهم، فنراه ما قعد عن ذلك، و لا تقاعس عنه.

3-إن ما ذكر من ثبات أبي بكر حين موته «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما يكون دليلا لو كان لموت النبي «صلى اللّه عليه و آله» أثر عليه، و هو قد تحمل ذلك الأثر، و قاوم تلك الصدمة.

مع أننا نجد أمير المؤمنين «عليه السلام» يواجهه بحقيقة: أن موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعنيه، حتى اضطر أبو بكر إلى الاستشهاد بالناس على حزنه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و على كل حال؛ فإن ما ذكروه لإثبات أشجعية أبي بكر لا يفيد شيئا في إثباتها، و لا يسمن و لا يغني من جوع.


1) حياة الصحابة ج 2 ص 84، و كنز العمال ج 7 ص 159 عن ابن سعد.

الفصل الثالث: ذو الشمالين، و سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

ذو الشمالين:

قد تقدم أن ذا الشمالين قد استشهد في بدر.

و لكن ثمة رواية تنافي ذلك، و ملخصها: أن أبا هريرة ادعى؛ أنه حضر مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصلي الظهر أو العصر؛ فسلم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في ركعتين، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو، و كان حليفا لبني زهرة: أخففت-أو أقصرت-الصلاة أم نسيت؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما يقول ذو اليدين؟ .

قالوا: صدق يا نبي اللّه.

فأتم بهم الركعتين اللتين نقص.

و للرواية نصوص أخرى مختلفة، ففي بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أجاب ذا اليدين بقوله: كل ذلك لم يكن.

و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» وقف متكئا على خشبة المسجد مغضبا، و خرج سرعان من الناس يخبرون بقصر الصلاة.

و في بعضها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قام يمشي، فلحقه أبو بكر و عمر

و ذو اليدين (1).

و في بعض الروايات: صلى بهم الصبح ركعة، فلما أخبره ذو الشمالين بذلك أخذ بيده يطوف به بين الصفوف، يسألهم. ثم صلى «صلى اللّه عليه و آله» بالناس ركعة واحدة و سجد سجدتي السهو، ثم سلم.

و في الصحيحين: أنه لما اعترض الخرباق عليه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و شهد بعض الصحابة بصحة الاعتراض، قام «صلى اللّه عليه و آله» غضبان يجر رداءه، فدخل الحجرة، ثم خرج عليهم، ثم صلى ركعتين فسلم، و سجد سجدتين. و كان ذلك في صلاة الظهر أو العصر.

و عند البزار: أنه بعد أن أتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاته، دخل على بعض نسائه، فلحقه ذو اليدين، فسأله إن كانت الصلاة قصرت أم لا، فأخذ بيده، فخرج إلى القوم الذين كانوا صلوا معه، فسألهم، فأجابوه حسبما تقدم.

و قد وردت هذه الرواية في كتب الشيعة بأسانيد صحاح أيضا.


1) صحيح البخاري الباب الثالث من أبواب ما جاء في السهو في الصلاة، و صحيح مسلم في أبواب السهو، و فتح الباري ج 3 ص 77 حتى ص 83، و البخاري بهامشه، و مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 2 ص 296 و 297 و 299، و مسند أحمد ج 2 ص 271 و 284 و 234، و موطأ مالك ج 1 ص 115، و نقل عن كنز العمال ج 4 ص 215 و 214 عن عبد الرزاق و ابن أبي شيبة، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 186، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 491/492، و الإصابة ج 1 ص 489 و 429، و أسد الغابة ج 2 ص 146، و سنن البيهقي ج 2 ص 231، و سنن النسائي باب ما يفعل من سلم من الركعتين ناسيا و تكلم و غير ذلك.

و قد رواها سماعة بن مهران، و الحسن بن صدقة، و سعيد الأعرج، و جميل بن دراج، و أبو بصير، و زيد الشحام، و أبو سعيد القماط، و أبو بكر الحضرمي، و الحرث بن المغيرة.

و نقول:

أولا: الروايات مضطربة، و غير متوافقة، كما يعلم بالمراجعة إلى مصادرها و المقارنة فيما بينها. و معنى ذلك هو أنها لا يمكن أن تكون كلها صحيحة.

و ثانيا: قال النووي بعد أن ذكر بعض نصوص الرواية: «و أشباه هذه الألفاظ المصرحة بأن أبا هريرة حضر القصة، و هو مسلم. و قد اجتمعوا على أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر، سنة سبع من الهجرة، بعد بدر بسبع سنين.

و كان الزهري يقول: إن ذا اليدين هو ذو الشمالين، و إنه قتل ببدر، و إن قصته في الصلاة كانت قبل بدر الخ. .» (1).

أضف إلى ذلك: أن شعيب بن مطير قد أخبر عن أبيه: أنه التقى بذي اليدين و حدثه بما جرى في صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أن مطيرا متأخر جدا و لم يدرك زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و قد صرح بأن ذا اليدين هو ذو الشمالين في رواية وردت عن الإمام


1) تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 186، و راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 109، و حول قتل ذي الشمالين في بدر راجع: طبقات ابن سعد ج 3 ص 119.

2) راجع تهذيب الأسماء ج 1 هامش ص 186.

الصادق «عليه السلام» (1).

و كذا ورد في مصادر أخرى (2). كما أن بعض الروايات الأخرى قد جمعت بين اللقبين (3)فراجع.

و عليه، فحكم صاحب الإستيعاب و غيره على القول باتحادهما أنه غلط؛ إستنادا إلى رواية أبي هريرة المتقدمة (4).

في غير محله، بل العكس هو الصحيح: أي أن الظاهر: هو أن أبا هريرة هو الذي تصرف في الرواية، و جعل نفسه مع الحاضرين لتلك الصلاة.

و أما رواية عمران بن الحصين، الدالة على أن ذا اليدين هو الخرباق، فلا تنافي ما ذكرناه، إذ يجوز أن يكون الخرباق لقبا لذي الشمالين.

و وصفهم: الخرباق بالسلمي لا يضر؛ لأن سليما كان أحد أجداد ذي


1) الكافي للكليني ج 3 ص 357، و الوسائل ج 5 ص 311، و الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 109 و 110.

2) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 118، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 385.

3) هي رواية مسند أحمد، و كنز العمال عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و المصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 296 و 271 و 274 و 297 و 299، و راجع إرشاد الساري ج 3 ص 267 و نقل قول الجوهري باتحادهما. في الإستيعاب في ترجمة ذي اليدين، و كذا في الطبري، و شرح موطأ مالك للسيوطي، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 1 ص 186، و غير ذلك.

4) الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 491، و أسد الغابة ج 2 ص 142 و 145 و 146، و راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 385 عن التوشيح و الإرشاد و الفتح و غيرهم من شروح البخاري.

اليدين أو ذي الشمالين (1).

و قد صرح ابن قتيبة باتحادهما، و قال: و قد يقال: إن اسمه الخرباق.

في القاموس: «ذو اليدين الخرباق» (2).

و ثالثا: إن الروايات التي بين أيدينا تذكر أحداثا و تصرفات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» تؤدي إلى أن تنمحي صورة الصلاة؛ و من المقطوع به: أن محو صورة الصلاة يوجب بطلانها؛ لا سيما إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد استقبل الناس بوجهه-كما في بعض الروايات-فإن استدبار القبلة، و لو ساهيا مبطل للصلاة.

لكن رواية الكليني قد صرحت: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» ما برح من مجلسه (3).

هذا كله لو قلنا: إن الكلام الاختياري لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة أيضا.

و رابعا: كيف قال «صلى اللّه عليه و آله» : كل ذلك لم يكن؟ ! فإنه إذا كان يجوز على نفسه السهو، كان الأنسب أن يقول: ظني أن ذلك لم يكن.

إلا أن يقال: إنه إنما أخبر عن اعتقاده، حيث إنه كان جازما بعدم وقوع السهو. و خطاب ذي اليدين له لم يوجب أي شبهة لديه، بل بقي جازما مصرا على موقفه، إلا أنه لما رأى إصرار ذي اليدين عاد و شك في الأمر.


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 118، و الإصابة ج 1 ص 489، و أسد الغابة ج 2 ص 141 و 145.

2) راجع: التراتيب الإدارية ج 2 ص 385.

3) الكافي ج 3 ص 356.

و خامسا: لماذا قام غضبان يجر رداءه؟

فهل غضب من قول ذي اليدين؟

فإن كان لأجل أنهم واجهوه بالحقيقة فهو لا يليق بشأنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان لأجل أنه رآهم قد افتروا عليه، و اتفقوا على تكذيبه، و نسبة ما لا يليق به إليه، فلماذا عاد و أتم الصلاة بهم، و سجد سجدتي السهو؟ !

سادسا: لم نفهم كيف صحت الصلاة التي دخل في أثنائها إلى الحجرة ثم عاد، و نحو ذلك.

روايات السهو عند الشيعة:

و أخيرا، فإن الروايات عن أهل البيت في هذا الموضوع عديدة، و منها خمس معتبرات من حيث السند، لكن ليس فيها ما يوجب الإشكال بما تقدم، و قد كتب التستري رسالة في هذا الموضوع طبعت في أواخر ج 11 من كتاب قاموس الرجال، فليراجعها من أراد.

و لكن قد روى الشيخ في التهذيب عن زرارة قال: سألت أبا جعفر «عليه السلام» : هل سجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سجدتي السهو قط؟

فقال: لا، و لا يسجدهما فقيه.

ثم روى أحاديث تضمنت سهو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر؛ فإن الأخبار التي قدمناها من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سها، فسجد، فإنها موافقة للعامة (1).


1) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 107.

و قد أورد على هذه الروايات، بأنها من أخبار الآحاد روتها الناصبة و المقلدة من الشيعة؛ فلا يصح الاعتماد عليها للاعتقاد؛ لأنه يكون من أتباع الظن (1).

لماذا كان ما كان؟ !

و قد يمكن للبعض أن يقول: إن ما حصل كان إسهاء من اللّه، بمعنى أن اللّه تعالى قد تصرف بنفس نبيه، لا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سها فعلا، بسبب طبيعته البشرية، و يمكنه أن يوجه هذا الإسهاء بأن من الممكن أن يسهي اللّه نبيه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لمصلحة تقتضي ذلك، و حاله حاله من الجلالة و الرسالة بما يلي:

1-أن لا يغلو الناس فيه فيؤلهونه، أو يثبتون له بعض الصفات التي ليست له.

أو فقل: إنه تعالى يريد أن يعرفهم: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ما هو إلا بشر مثلهم. فكل صفة تخرج به عن هذا تصبح في غير محلها، و لا يمكن قبولها.

2-إن اللّه تعالى أراد أن يفقههم، كما في رواية الحسن بن صدقة، التي رواها الكليني (2).

3-إن اللّه تعالى هو الذي أنساه رحمة للأمه؛ ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعير؟ !


1) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 113.

2) الكافي ج 3 ص 356.

و قيل له: ما تقبل صلاتك. فمن دخل عليه اليوم ذاك، قال: قد نسي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صارت أسوة إلخ (1).

و قد ورد شبيه ذلك في نومه «صلى اللّه عليه و آله» عن صلاة الصبح في السفر، إن صحت الرواية.

و نحن نرى أنها غير صحيحة، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

قصور هذه التوجيهات:

و لكنها توجيهات لا تكفي، فإن التعيير بذلك إنما يصح ممن لا يقع منه سهو أصلا، أما من حاله في ذلك حال الآخرين فلا يقبل ذلك منه.

و أما بالنسبة للغلو في الرسول فمن الممكن أن يدفع ذلك بطرق أخرى لا يلزم منها محذور.

فقد كان يمرض و يصح، و يحزن، و يبكي، و يبتسم، و يأكل الطعام، و يمشي في الأسواق، و يموت أو يقتل. . الخ.

و كذلك الحال بالنسبة إلى تعلم أحكام الإسهاء فإن ذلك ممكن بدون أن يبتلى به النبي ككثير من الأحكام الأخرى.

هذا بالإضافة إلى وجود مفسدة في هذا السهو، و هو فقدان الثقة بتعليم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بكل ما جاء به.

إيراد و جوابه:

و توضيح هذا الإيراد الأخير كما يلي:


1) الكافي ج 3 ص 357.

لربما يقال: إن فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قوله، و تقريره، حجة. و قضية الإسهاء تنافي ما اتفق عليه المسلمون من حجية فعله، بل و تنافي حجية قوله أيضا. و هذا يبطل الوثوق به، و الاعتماد عليه؛ و هو مناف لحكمة النبوة و الرسالة (1).

و يمكن أن يجاب عن ذلك، بأنه إنما ينافي حجية فعله و قوله لو أقر على سهوه و أخذ الناس الحكم الخطأ عنه، و أما إذا لم يقره اللّه عليه، بل بينه له و للناس بنحو ما، فإنه لا مانع منه، لا عقلا و لا شرعا (2).

أما نحن فنقول: إن أحدا لا ينكر قدرة اللّه تعالى على التصرف بنبيه، و لكننا نقول: إن حصول هذا الأمر أعني: إنساء اللّه تعالى لنبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لمصلحة يراها، يصطدم بمقولة: إن هذا ما هو إلا إحالة على مجهول، و ما ادعي من عدم إقرار اللّه تعالى له على السهو لا يكفي في حفظ كرامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الاطمئنان إلى ما يصدر عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، بما يكون له طابع الفورية و عدم المهلة، حيث لا تبقى فرصة لظهور الخلاف. كما أن ذلك يسيء إلى قداسة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنظر الناس، و ذلك ظاهر لا يخفى.

هذا و لا بأس بالتعرض هنا إلى العصمة عن السهو و النسيان و الخطأ، ثم العصمة عن الذنوب، و أنها جميعا هل هي اختيارية أم لا؟ !

فالبحث يقع في ناحيتين:


1) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 384-386.

2) راجع: فتح الباري ج 3 ص 81.

إحداهما: العصمة عن النسيان، و السهو، و الخطأ.

و الأخرى: العصمة عن الذنب.

فنقول:

العصمة عن السهو و الخطأ و النسيان اختيارية:

أما العصمة عن السهو و الخطأ و النسيان، فهي اختيارية على ما يظهر، و ما جرى في قضية الصلاة-لو صح-فإنما هو إنساء من اللّه له «صلى اللّه عليه و آله» ؛ لمصلحة اقتضت ذلك لا نسيان منه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يمكن تقريب ذلك بما يلي:

1-إن من يمرن نفسه على ألا ينسى، أو على الضبط و التدقيق، يصير أقدر على الحفظ، و عدم النسيان، و تقل نسبة خطئه بالمقايسة مع غيره ممن لا يبالي بالشيء حفظه أو نسيه، زاد فيه، أو نقص منه. فإذا كان ذلك الأمر من اختصاصه، كان احتمال النسيان أو الخطأ فيه أقل. و كلما كان اهتمامه فيه أكثر، كلما كان نسيانه له و خطؤه فيه أقل أيضا. و هذا الأمر يدرك بالوجدان، و يعلم بالتجربة.

و هذا صادق بالنسبة إلى الإنسان العادي، الذي نعرفه و نألفه. كما أنه كلما كانت الملكات و المدارك، و القوى النفسية، و الفكرية و غيرها قوية لدى الشخص، فإنه يكون أيضا أكثر سيطرة على ذاكرته، و تصرفاته؛ و يقل احتمال الخطأ، و السهو، و النسيان عنده. كالأم المرضعة، فإن ذهولها عما أرضعت من الأمور التي لا يمكن أن تحصل في العادة.

و نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» هو القمة في كل شيء. فهو

الإنسان الأول الذي يمثل خلافة اللّه الحقيقية على وجه الأرض. و هو الإنسان الذي كان فانيا في اللّه، و ليس له هم، و لا هدف إلا رضى اللّه سبحانه، و تحقيق أهدافه تعالى على وجه الأرض، فمن الطبيعي أن لا يصل إليه أحد، و لا يدانيه مخلوق في الضبط و الحفظ، و لا سيما فيما يتعلق بهدفه الأسمى، و في عبادته لربه، و طاعته له لا سيما و هو يراه حاضرا و ناظرا. و ذلك أمر واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

هذا بالإضافة إلى أن ما يبذله النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جهد في سبيل حفظ الدين و أحكامه، يصبح سببا في أن يفيض اللّه تعالى عليه من ألطافه و يمده بالتسديد و التأييد، وفقا للوعد الصادر عنه حيث يقول تعالى: وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (1)، و قوله تعالى: وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ (2)و قوله تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً (3).

2-هناك بعض الأمور التي توجب النسيان، و بمقدور كل أحد أن يتجنبها، و من ثم يجنب نفسه و لا يعرضها لآثارها. و قد ذكرت بعض الروايات طائفة منها.

فمثلا: ذكر مما يوجب النسيان أكل الجبن، و قراءة كتابة القبور و أكل الكزبرة، و كثرة شرب الماء، و العبث ببعض الأعضاء، و كثرة الهم الناشئ في الأكثر من كثرة الذنوب، و نحو ذلك.


1) الآية 69 من سورة العنكبوت.

2) الآية 40 من سورة الحج.

3) الآية 29 من سورة الأنفال.

و هناك أمور تزيد في الذاكرة، كعملية التذكر، و كأكل الزبيب، و أمور أخرى لا مجال لذكرها. و واضح أن القدرة على السبب تعبير قدرة على مسببه؛ فيمكن أن يكلف الإنسان بأن لا ينسى الشيء الفلاني؛ أو أن يزيد من نسبة حفظه و ضبطه، باعتبار قدرته على سبب ذلك. و التكليف بالمسبب الذي لا يقدر عليه الإنسان إلا بقدرته على سببه كثير في الشرع.

3-إن ثمة آيات كثيرة تلوم على النسيان، بل في بعضها وعيد بالعقاب عليه، أو جعل العقاب في الآخرة في مقابل النسيان الحاصل في الدنيا. و نذكر على سبيل المثال الآيات التالية:

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيٰاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهٰا وَ نَسِيَ مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ (1)فإن سياق الآية، و التعبير ب «ذكر» لا يناسب إرادة التجاهل من كلمة «نسي» ، كما يريد أن يدعيه البعض، و كذلك الحال في الآيات التالية.

فالمراد هو الغياب عن الذاكرة، بسبب التساهل و الإعراض، و عدم الاهتمام.

يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ وَ نَسُوا حَظًّا مِمّٰا ذُكِّرُوا بِهِ (2).

فَالْيَوْمَ نَنْسٰاهُمْ كَمٰا نَسُوا لِقٰاءَ يَوْمِهِمْ هٰذٰا (3).

وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ (4).

نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ (5).


1) الآية 57 من سورة الكهف.

2) الآية 13 من سورة المائدة.

3) الآية 15 من سورة الأعراف.

4) الآية 19 من سورة الحشر.

5) الآية 67 من سورة التوبة.

أَ تَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (1).

فَذُوقُوا بِمٰا نَسِيتُمْ لِقٰاءَ يَوْمِكُمْ هٰذٰا (2).

و كذا قوله تعالى: رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا (3).

فإن هذا الطلب إنما يصح بعد فرض صحة المؤاخذة على النسيان و الآيات في هذا المجال كثيرة، و لا مجال لنقلها كلها.

كما أننا نجد بعض الآيات تنهى عن النسيان، و النهي لا بد أن يكون عن أمر مقدور.

قال تعالى: وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا (4).

و قال تعالى: وَ لاٰ تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (5).

و إرادة الترك في الآيتين لا ينافي ما ذكرناه، فإن المقصود به هو الترك عن نسيان ناشئ عن التساهل، و عدم الاهتمام، مع العلم بأن بإمكان المكلف أن لا ينسى، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب، و حينئذ فالعقاب على نسيان من هذا القبيل ليس قبيحا عقلا (6).

و يقول البعض عن السهو: إنه «يمكن التحرز منه» (7).


1) الآية 44 من سورة البقرة.

2) الآية 14 من سورة السجدة.

3) الآية 286 من سورة البقرة.

4) الآية 77 من سورة القصص.

5) الآية 237 من سورة البقرة.

6) راجع: أوثق الوسائل ص 262.

7) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 117.

وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً

و قد نرى أن اللّه قد أشار إلى اختيارية النسيان حين قال: وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (1).

فإن هذه الآية التي تتحدث عن نسيان آدم للميثاق الذي أخذ عليه قبل نشأته «عليه السلام» من الطين، بالإقرار بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» و المراد بالنسيان الترك أي أن النسيان ناشئ عن عدم القدرة على الإحتفاظ بالأمر، بسبب عدم العلم به، فإن من يعلم شيئا لا تصح عزيمته على الاحتفاظ به، فوقع في النسيان بمقتضى هذه الآية الكريمة.

و دليل آخر على اختيارية النسيان و هو قوله «صلى اللّه عليه و آله» : رفع عن أمتي النسيان، حيث إنه رفع امتنان و تسهيل. و الرفع إنما يكون لما يقبل الجعل و الوضع و هو المؤاخذة، و المؤاخذة إنما تكون على أمر اختياري و مقدور و لو بواسطة القدرة على سببه، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب كما قلنا.

العصمة في التبليغ و في غيره:

و بعد ما تقدم نشير إلى أنه إذا ثبتت صفة العصمة له، و تحققت فيه، فلا يختص ذلك في مورد دون مورد، لأن الملكة لا تتبعض و لا تتجزأ، و لا يصح ما قالوه من أنه «صلى اللّه عليه و آله» معصوم في التبليغ فقط. و ذلك ظاهر لا يخفى.


1) الآية 115 من سورة طه.

العصمة عن الذنب اختيارية أيضا:

سؤال يحتاج إلى جواب:

يعتقد المسلمون عموما (1)بعصمة جميع الأنبياء «صلوات اللّه عليهم» ، و يزيد شيعة أهل البيت «عليهم السلام» على ذلك: إعتقادهم بعصمة الأئمة الاثني عشر «عليهم السلام» . و ذلك لأنه يجب اتباعهم، و الاقتداء بهم؛ و لا يعقل تجويز ذلك فضلا عن إيجابه، إذا كانت المعاصي تصدر منهم؛ لأن معنى ذلك هو تجويز ارتكاب المعاصي نفسها، و هو غير معقول، لأنها تخرج حينئذ عن كونها معاصي من جهة، و لأن ذلك ينافي حكمة و سر إرسال الأنبياء «عليهم السلام» من الجهة الأخرى.

و لسنا هنا بصدد بيان التفاصيل الكاملة، و البحث الشامل للأقوال المختلفة حول هذه القضية. و إنما نريد هنا-فقط-أن نجيب على السؤال التالي:

هل عصمة الأنبياء و الأئمة «عليهم السلام» تعني: -كما يرى البعض- أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا الذنب، و لا يقدرون على غير الطاعة، فهم مجبرون على الطاعة، مقهورون على الابتعاد عن المعاصي؟ ! .

و إذا كانوا مجبرين على ذلك، فما هو وجه الفضل لهم؟ !

و لماذا لم نجبر نحن على مثله؟ !


1) و إن كان بعضهم يناقش في عموم العصمة. و لكن الشيعة يعتقدون بعصمتهم «عليهم السلام» و تسديد اللّه تعالى لهم من حين ولادتهم إلى حين وفاتهم، و ليس في خصوص وقت النبوة.

و لماذا يعرضنا اللّه تعالى للوقوع فيما لا يرضى، ثم يعاقبنا على ذلك بالعذاب في النار، و حرماننا من الجنة؟ ! .

ثم إن من يكون مجبرا على الطاعة، و على الابتعاد عن الذنب، هل يحسن إثابته بالجنان، و إبعاده عن العقاب و العذاب بالنيران؟ ! .

الجواب:

إن العصمة عن الوقوع في الذنوب و المعاصي اختيارية، و الكلام حول هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل، فنقول:

الإسلام و الفطرة:

إن من يدرس تشريعات الإسلام و يتدبر تعاليم السماء، يخرج بحقيقة قاطعة؛ و هي: أن تلك التعاليم و التشريعات منسجمة كل الانسجام مع طبيعة الإنسان و فطرته، لو لم تطغ على تلك الفطرة عوامل غريبة عنها وافدة عليها. حتى إنك لتجد بعض من عاش في الجاهلية-كجعفر بن أبي طالب، على ما رواه عنه في الأمالي (1)و آخرين غيره-قد حرم على نفسه الكذب، و شرب الخمر، و الزنى، و عبادة الأوثان.

كما أن قيس بن الأسلت قد فارق الأوثان، و اغتسل من الجنابة، و أمر بتطهر الحائض من النساء، و أمر بصلة الرحم إلخ (2). و عبد المطلب أيضا كان يأمر أولاده بترك الظلم و البغي، و يحثهم على مكارم الأخلاق،


1) سيأتي في فصل: شخصيات و أحداث حين الحديث حول تحريم الخمر أسماء طائفة ممن حرموا الخمر على أنفسهم.

2) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 190 و 191.

و ينهاهم عن دنيئات الأمور؛ و كان يعتقد بالآخرة، و يوحد اللّه سبحانه، و تؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها، و جاءت بها السنة، منها الوفاء بالنذر، و المنع من نكاح المحارم، و قطع يد السارق، و النهي عن قتل الموؤودة، و تحريم الخمر، و الزنى، و أن لا يطوف بالبيت عريان (1).

و لقد صرح القرآن، و تعهد و التزم بأن يكون هذا الدين هو دين الفطرة، بحيث لو ثبت منافاة أي من تشريعاته و تعاليمه لفطرة الإنسان لأمكن رفضه، و الحكم عليه بأنه غريب و دخيل، و ليس من تعاليم السماء في شيء. قال تعالى:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ (2).

و ما ذلك إلا لأن الإنسان-على حد تعبير العلامة الطباطبائي رحمه اللّه تعالى-: «. . مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه، و رفع حوائجه، و تهتف له بما ينفعه و ما يضره في حياته.

قال تعالى: فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا (3).

فالدين الإسلامي هو ذلك النظام الذي يهدي الإنسان و يدله على ما فيه خيره و سعادته، و يجنبه ما فيه شقاؤه و بلاؤه؛ و هو يوافق ما ألهمه اللّه لنفس الإنسان، و عرفها إياه، و ينسجم معه؛ و يحتضن العقل، و يحفظه،


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 4، و السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 1 ص 21.

2) الآية 30 من سورة الروم.

3) الآية 8 من سورة الشمس.

و يسدده من أن يزل أو أن يميل في إدراكاته و أحكامه، نتيجة لطغيان الهوى، أو تزيينات النفس لشهواتها حتى لقد قيل: العقل شرع من داخل، و الشرع عقل من خارج.

و لأجل ذلك نرى القرآن يعبر عمن لا يتبع الهدى، و لا يسير على المنهاج القويم بقوله:

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (1).

و قال تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ (2)صدق اللّه العلي العظيم.

فهو يعتبر أن من أطاع هواه، و اتبعه، و لم يهتد بهدى العقل، و لم يسمع الأوامر و الزواجر الإلهية الموافقة لهدى العقل-يعتبره-كالأنعام، التي تسيرها غريزتها و شهواتها، و لا عقل لها تستنير بنوره، و تهتدي بهديه؛ و لا تنساق وراء شرع يرشدها إلى أحكام العقل.

بل لقد اعتبره أضل من الأنعام، لأن الأنعام إذا تصرفت على خلاف مقتضيات العقل البشري، كما لو افترست، أو خربت، أو أتلفت، فإنها لا تلام و لا تحاسب، لأنها إنما تصرفت بما يتوافق مع جبلتها و غريزتها و فطرتها، و شهوتها؛ لأن ذلك هو الذي يسيرها، و يهيمن على سلوكها؛ و لا


1) الآية 44 من سورة الفرقان.

2) الآية 179 من سورة الأعراف.

عقل لها لتهتدي بهديه، و تسترشد برشده. أما إذا تصرفت تصرفا عقلانيا أحيانا، كما لو رأينا الذئب لا يعتدي على الشاة، و السنور لا يلاحق الفأرة مثلا، فلسوف نتعجب من ذلك، و نتناقله في مجالسنا، لأن ذلك على خلاف ما عهدناه من فطرته و جبلته، و غريزته، و إن لم يكن بدافع من عقله، لأنه لا عقل له، و إنما بسبب الدربة، و العادة، و الإلف.

أما الإنسان، فإنه لو ظلم، أو كذب، أو اغتاب، أو أتلف؛ أو فعل غير ذلك مما هو في غير مصلحته، و على خلاف الدين، و العقل، فإنه يكون قد تصرف على خلاف مقتضيات فطرته و جبلته، و انحرف عن مساره، و خرج عن إنسانيته، فهو إذن أضل من الأنعام.

أضف إلى ذلك: أننا حين نرى الأنعام لا تقتحم ما يضرها، و نرى الإنسان لا يتورع عن اقتحام ما يضره، و يهدم سعادته، استجابة لشهوته و هواه، و غريزته، فلا بد أن نقول: إن الأنعام-و لا شك-أهدى منه و أرشد.

فاتضح مما تقدم: أن الإنسان مجبول على السعي إلى ما ينفعه، و الابتعاد عما يضره، و أن أحكام الإسلام موافقة للفطرة و للطبيعة الإنسانية، و أن ابتعاد الإنسان عما يضره و يشقيه، و سعيه إلى ما فيه سعادته و راحته أمر فطري فيه، لا يمكنه التخلف عنه، و لا التخلص منه.

و لأجل ذلك نجد: أن الإنسان العاقل و إن لم يكن مؤمنا-نجده- بحكم فطرته لا يقدم على الأمور التي يقطع بضررها و فسادها؛ فهو لا يقدم-مختارا-على شرب السم مثلا؛ بل هو لا يتواجد في أمكنة يعلم أن تواجده فيها سوف يلحق به ضررا بالغا من نوع ما؛ و لا يقدم على قتل

ولده، أو ما شاكل، إلا إذا قهر على ذلك و غلب عليه جسديا، أو كان ثمة ما يهيمن على عقله، كنوم أو غضب، أو غير ذلك، مما يمنع عقله من التأثير و الفعالية، و من السيطرة على الموقف.

بل و حتى الطفل فإننا نراه يتجرأ على النار، و لكنه بعد أن تؤلمه، و يتيقن ذلك، لا يقترب منها باختياره، ألا أن تغلبه قدرة قاهرة، أو يسيطر على عقله سلطان النوم، أو أي سلطان قاهر آخر.

إذن فالبشر العقلاء، حتى من لا يؤمن باللّه منهم، و حتى الأطفال، معصومون عن شرب السم، و عن الإلقاء بالنفس بالنار، و عن كل ما يدركون إدراكا قاطعا ضرره، و سوءه؛ إلا إذا كان ثمة قوة قاهرة تغلب إرادتهم أو تزين لهم، و تخدعهم، أو تهيمن على عقولهم و تمنع من فعاليتها، و تفقدها سيطرتها على الموقف.

عناصر لابد منها في العصمة:

و بالتأمل فيما تقدم يتضح: أن امتناع الطفل عن النار، و العقلاء عن تناول السم، يرتبط بالأمور التالية:

الأول: أن الإنسان مفطور على انتقاء ما يكرس راحته و سعادته و تكامله، و الابتعاد عما يوجب ضرره و بلاءه و شقاءه.

الثاني: إدراك واقع معين، ثم تقييمه على ذلك الأساس بشكل قاطع و نهائي.

الثالث: قوة العقل، و سيطرته على الموقف، و تحكمه بكل القوى و الدواعي النفسية و الشهوية، و قاهريته لها، و توجيهها إلى ما فيه خير

الإنسان و صلاحه و راحته و سعادته.

الرابع: الاختيار و الإرادة، و عدم التعرض للقهر الجسدي، الذي ينتهي إلى سلب الاختيار منه، و تعطيل إرادته.

فإذا تحققت هذه الأمور، فإن الإنسان يكون معصوما عن الوقوع في ذلك الشيء الذي أدرك بشكل قاطع ضرره و بلاءه، و يرى نفسه ملزما بالسعي نحو ما يوجب تكامله و رقيه و تأكيد إنسانيته.

و لا يمكن أن نتصوره بعد تكامل تلك العناصر المتقدمة فيه، إلا أن يسير على النهج القويم، و الطريق المستقيم، فاعلا لما أدرك خيره و صلاحه، تاركا لما أدرك ضرره و بلاءه، من كان، و مهما كان.

و إذا كان الناس مختلفين في درجات إدراكهم، سعة و عمقا، و في مستويات تفكيرهم، و قوة و ضعف سيطرة عقولهم على سائر القوى الباطنية الكامنة فيهم، من الشهوات و الغرائز، و مختلفين من حيث نوعية المدركات أيضا-إذا كانوا كذلك-فإن من الطبيعي أن تكون درجات عصمتهم متفاوتة، و مواردها مختلفة، كل بحسب مدركاته، و قناعاته، و كفاءاته، و قواه الكامنة فيه. و لذلك تجد العلماء في الأكثر أكثر التزاما من غيرهم، بل ربما تجد من بينهم من لا تكاد تصدر منه أيه مخالفة طول حياته، و ذلك لكثرة مدركاتهم، و لاختلاف نوعية، و كيفية، و عمق الإدراك لديهم، بالنسبة إلى غيرهم.

بل إن اللّه قد أوجب على كل إنسان أن يكون معصوما، و ذلك لأنه قد كلف كل البشر بالطاعات كلها، و الاجتناب عن كل المعاصي، و هذا التكليف يدل على أن بوسع كل مكلف أن لا يرتكب أية معصية أبدا، لأن

القدرة شرط في صحة التكليف و إلا لكان عليه أن يستثني، و يقول: اجتنبوا عن كل المعاصي إلا واحدة أو اثنتين مثلا، لأنكم لا تقدرون عليها.

و هذا الاستثناء يخرج ذلك المورد عن أن يكون معصية من الأساس. و قد يكون أمثال سلمان الفارسي، و أبي ذر، و المقداد، و عمار، و الشيخ المفيد، و الصدوق مثلا معصومين عن ارتكاب أية معصية أو مخالفة عن عمد و قصد.

نعم، ربما يكون الفرق بين هؤلاء، و بين النبي و الإمام: أن النبي و الإمام عليهم أفضل الصلاة و السلام لا تخطر في باله المعصية أصلا، و لا يشتاق إليها، لا نكشاف الواقع له، و رؤيته مفسدته و مصلحته رأي العين، هذا بالإضافة إلى أنه أوسع و أعمق معرفة بجلال و عظمة اللّه تعالى و ملكوته و أشد إحساسا بحضور اللّه معه، بخلاف سائر المكلفين؛ فإنهم قد لا يعرفون علل كثير من الأحكام، و لا اطلاع لهم على عظمة و جلال و ملكوت اللّه بنسبة اطلاع الأئمة و الأنبياء «عليهم السلام» ، فقد يشتاقون إلى بعض المعاصي، و لكنهم يمتنعون عنها تعبدا و طاعة للّه ليس إلا.

و خلاصة الأمر: أن مستويات الناس مختلفة؛ فتختلف درجات التزامهم، و العلماء عادة يكونون أكثر التزاما؛ و إن كان ربما يوجد من بينهم من يضعف عقله أمام شهواته و غرائزه، فيضعف التزامه، و تقل نسبة معصوميته عنها في غيره، و هؤلاء قليلون جدا بل ربما لا يوجدون في العلماء الحقيقيين، و لذا نجد اللّه تعالى يتمدحهم بذلك فيقول: إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ (1).


1) الآية 28 من سورة فاطر.

التوضيح و التطبيق:

إن الأنبياء، ثم الأئمة «عليهم السلام» ، بسبب التوفيقات و العنايات الإلهية و فوق كل ذلك بسبب الوحي و الاتصال بالسماء، و بسبب أنهم إنما انتقلوا من الأصلاب الشامخة إلى الأرحام المطهرة، فلم يرثوا إلا الصفات الحميدة و الكمالات الفريدة. نعم بسبب ذلك صاروا هم القمة في سعة إدراكهم لآثار و مناحي السلوك الإنساني، و القمة أيضا في إدراك الواقع الذي يواجهونه، و ما يترتب عليه من آثار و نتائج، إن سلبا و إن إيجابا على المدى البعيد و القريب على حد سواء، إدراكا حقيقيا لا يقبل الشك و لا الترديد.

و هم القمة في الملكات و القوى الفكرية و النفسية الفاضلة، و هم أحكم الناس حكمة، و أعقلهم عقلا، و أشجعهم شجاعة، و أكمل الخلق، و أفضلهم في كل الصفات الكريمة، و الأخلاق النبيلة العالية، و لأنهم أيضا لا يمكن أن يشذوا عن مقتضيات الفطرة، و سنن الجبلة الإنسانية. و حين يكون عقلهم من القوة بحيث لا تستطيع سائر القوى الباطنية من الشهوات و الغرائز أن تخدعه، و تسيطر عليه، بل هو الأقوى دائما، و هو الذي يتحكم بها، و ينظمها، و يسيرها، و يهيمن عليها.

فإذا كان الأنبياء و الأئمة «عليهم السلام» كذلك، فإنهم-و لا شك- سوف يكونون معصومين بحسب فطرتهم و جبلتهم عن الإقدام على أي ذنب أو عمل مشين، كما لا يقدم الطفل على النار، و العقلاء على تناول السم، و على أي شيء يرونه مضرا بشخصيتهم، و بوجودهم، و بمصيرهم، و مستقبلهم.

فكمال العقل إدراكه لما يضر و ينفع، و للحسن و القبح، و معرفته باللّه

سبحانه، و عظمته و جلاله، و إحاطته و قدرته، و حكمته و تدبيره، ثم معرفته بصدور الأمر و النهي، مع عمق الإيمان لديه بالمعاد، و بالعقاب و الثواب.

نعم، إن ذلك كله، بالإضافة إلى ما قدمناه، يجعل من الإقدام على فعل المعصية و القبيح أمرا غير متصور و لا مقبول لحصول المنافرة و المضادة بينه و بينها، و لأجل ذلك فإننا إذا عرفنا شخصا و وقفنا على كل حالاته، و ملكاته، و قدراته، و أفكاره، و طموحاته، فإننا لا نصدق عليه ما ينسب إليه من أفعال لا تتناسب مع ما عرفناه عنه. و كلما تأكد لدينا رسوخ ذلك في نفسه، و في فكره، و اطلعنا على مستوى قدراته؛ فإن تصديقنا بصدور ما لا ينسجم مع ذلك يصبح أبعد و أصعب.

و بعدما تقدم، فإنه إذا كان الإنسان في صدد الابتعاد عن القبيح، و الالتزام بالحسن؛ فإن التوفيقات الإلهية، و العنايات الربانية سوف تشمله. وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ (1)، إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً (2)، وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (3).

و لسوف يختار اللّه من هؤلاء الثلة أكملهم عقلا، و أفضلهم نفسا، و أجمعهم لخصال الخير و الكمال، و لكن علمه تعالى بهم، و اختياره لهم ليس فيه جبر لهم على أي شيء من فعل أو قول كما هو واضح.

و عليه؛ فلا يلزم من العصمة الجبر و القهر، بحيث يكون المعصوم غير


1) الآية 40 من سورة الحج.

2) الآية 29 من سورة الأنفال.

3) الآية 17 من سورة محمد.

قادر على فعل المعصية تكوينا، بل هي بمعنى أنها لا تصدر منه، و على حسب التعبير العلمي: إنه لا يكون فيه مقتضي للمعصية، و لا توجد فيه علتها المؤثرة، بل لا يخطر في باله ارتكابها أصلا، فيستحيل صدورها منه بهذا المعنى ليس إلا.

و هذا كما نقول: يستحيل أن يرمي الطفل نفسه في النار فإنه ليس بمعنى أنه لا يمكنه ذلك، لأن ذلك مقدور له بالبداهة؛ و لكن بمعنى أنه لا يفعل ذلك و لا يقدم عليه أصلا.

و كما نقول: يستحيل أن يصدر الظلم من اللّه، و لا نقصد: أنه لا يقدر عليه، إذ لا شك في أن اللّه تعالى يقدر على تعذيب أطوع الناس له.

و إنما نقصد أنه لا يفعله؛ لأنه ينافي حكمته، و لا ينسجم و لا يليق بشأنه و ذاته تعالى شأنه.

و بعد كل ما تقدم، فإن اختيار اللّه لبعض عباده، و إظهار المعجزة على يده، يكشف لنا عن أكمليته و عن عصمته، إذ لا يعقل أن يختار اللّه لقيادة الأمة و هدايتها من تصدر منه الذنوب و المعاصي، حسبما أشرنا إليه.

أفضل الخلق محمد صلّى اللّه عليه و آله:

و مما قدمناه نستطيع أن نفهم لماذا كان نبينا «صلوات اللّه و سلامه عليه» أفضل الخلق أجمعين، حتى الأنبياء و المرسلين؛ فإنه، و إن كان الكل معصومين عن الذنوب، و كلهم كان يدرك آثار الذنوب و عواقبها و آثارها، و لهم معرفة و اطلاع على جلال و عظمة و ملكوت اللّه تعالى أكثر من غيرهم، و لكن نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كان أكثر عمقا و أصالة في إدراكه

لتلك الآثار، و أبعادها، و انعكاساتها على كل الأجيال، في مختلف الآجال، و على ذلك الجلال اللامتناهي، و العظمة التي لا تقاس.

و ما ذلك إلا لأنه كان الرجل الأكمل و الأفضل و الأول في كل شيء: في عقله، في حكمته، في عمق إدراكه، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في كل صفاته الحميدة التي هي صفات الإنسان الأول و المثال و القدوة.

إذا، فيكون هو الأفضل من الكل، لأن عصمته أكثر عمقا و أصالة، و أبعد أثرا، و أوسع أفقا. و على ذلك فهو أكثر تفاعلا و انسجاما مع اللّه في عباداته، و أشد خشية له تعالى.

علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل:

كما أننا حين نواجه الحديث القائل: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل (1)، لا نستطيع أن نعتبره ناظرا إلى هؤلاء العلماء الذين نعرفهم و نعيش معهم، و الذين لا يمتنع أو فقل: يحتمل أن تصدر منهم بعض الهفوات، و يرتكبوا بعض الصغائر، إذ من غير المعقول أن يكون هذا الرجل الذي يحتمل في حقه أن يذنب، مثل ذلك المعصوم، الذي لا يحتمل في حقه ذلك و لا يصدر منه، أو لا يخطر بباله الذنب أصلا.

و توجيه ذلك بأن المراد: أنهم مثلهم من حيث المعرفة و العلم وسعة


1) البحار ج 2 ص 22 و غوالي اللآلي ج 4 ص 77 و التحرير للعلامة الحلي ص 3 للعلامة الحلي ص 3 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 320 و الصراط المستقيم ج 1 ص 213 و راجع ص 131 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 413 و منية المريد ص 182 و راجع اوائل المقالات ص 178.

الأفق، لأنهم اطلعوا على ما لم يطلع عليه أولئك الأنبياء من أنواع المعارف الدينية، و التاريخية و غيرها.

هذا التوجيه لا ينسجم مع منطق القرآن، الذي يجعل ملاك الموازنة، ثم التفاضل هو التقوى و العمل الصالح: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (1).

و في الحديث القدسي ما معناه: «لأدخلن الجنة من أطاعني و لو كان عبدا حبشيا، و لأدخلن النار من عصاني و لو كان سيدا قرشيا» .

فلا بد أن يكون المقصود بالعلماء الذين هم مثل أنبياء بني إسرائيل أو أفضل منهم، أناسا معصومين كأولئك الأنبياء، و يزيدون عليهم بإدراكهم و رؤيتهم رأي العين أثر كل حركة، و كل تصرف على الأجيال و على الأمة. هذا مع كونهم قد عاصروا، و عرفوا، و اطلعوا على تواريخ و عقائد و تحولات عصور و أمم، و واجهوا ظروفا و مشاكل مختلفة، تزيد على ما واجهه، و عرفه أنبياء بني إسرائيل. بالإضافة إلى أنهم يملكون الطاقات و القدرات الهائلة التي تؤهلهم لاستيعاب كل المعارف، و كل الأحداث و إدراكها، و التفاعل معها، و معرفة أبعادها و آثارها، مهما دقت أو جلت، قربت أو بعدت، و لتصير عصمتهم أكثر عمقا و أصالة، و أكثر دقة، و أبعد أثرا، حسبما فصلناه.

و لم نجد في التاريخ أناسا من هذا القبيل ألا أولئك الذين جعلهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أحد الثقلين، و عدلا للكتاب العزيز؛ و أوجب على الأمة التمسك بهم، و الاهتداء بهديهم، و الائتمار بأوامرهم،


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

و الانزجار بزواجرهم. الأمر الذي كشف لنا عن عصمتهم، و هم الأئمة الاثنا عشر، الذين أولهم أمير المؤمنين علي، و آخرهم المهدي «صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين» .

و أما حديث «علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل» ، فلعل المقصود به: أنهم مثلهم في حفظ الشريعة، و الوحي و الدين، فإنهم أمناء اللّه تعالى في أرضه، و حجته في بلاده على عباده (1).


1) راجع: الصراط المستقيم ج 1 ص 131.

الفصل الرابع: الخمس بين السياسة و التشريع

اشارة

الخمس:

كنت قد وعدت القارئ الكريم بإيراد بعض التوضيحات حول تشريع الخمس في عهد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و حيث إن العلامة البحاثة الشيخ علي الأحمدي دام تأييده قد تصدى لبحث هذا الموضوع، فنحن سوف نستفيد قدر الإمكان مما أورده و مع زيادات، و إضافات في المتون و المصادر، و المراجع بحسب ما رأينا أنه يناسب المقام، فنقول:

قال تعالى: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ (1).

معنى الغنيمة:

يرى علماء بعض فرق المسلمين: أن الغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار في ميدان الحرب و القتال.

و يرى الشيعة تبعا لأئمتهم «عليهم السلام» : أنها-كما فسرها اللغويون -هي مطلق المال المأخوذ بلا بدل.

قال اللغويون: الغنم: الفوز بالشيء من دون مشقة. و غنم الشيء، فاز


1) الآية 41 من سورة الأنفال.

به. و الاغتنام: إنتهاز الفرصة. و غنم الشيء غنما: فاز به بلا مشقة، و ناله بلا بدل.

و عند الراغب: أن الغنم إصابة الشيء و الظفر به؛ ثم استعمل في كل مظفور به (1). هذا ما ذكره اللغويون في المقام.

و إذا راجعنا استعمالات كلمة «غنم» في الأحاديث، و الخطب، فسوف نجد: أنها تستعمل في مطلق الحصول على الشيء. و حسبك شاهدا على ذلك قول علي «عليه السلام» : «من أخذ بها لحق و غنم» (2). و «يرى الغنم مغرما و الغرم مغنما» (3)و «اغتنم من استقرضك» (4)و «الطاعة غنيمة الأكياس» (5).

و في الحديث: «الرهن لمن رهنه له غنمه و عليه غرمه» (6)و «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» (7).

و قال تعالى: فَعِنْدَ اَللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ (8).


1) راجع: لسان العرب، و أقرب الموارد، و مفردات الراغب، و القاموس، و نهاية ابن الأثير، و معجم مقاييس اللغة، و تفسير الرازي، و غير ذلك من كتب اللغة.

2) نهج البلاغة الخطبة رقم 118.

3) المصدر، الحكمة رقم 150.

4) المصدر، الكتاب رقم 31.

5) المصدر، الحكمة رقم 331.

6) نهاية ابن الأثير مادة «غنم» .

7) نفس المصدر.

8) الآية 94 من سورة النساء.

و في الدعاء عند إعطاء الزكاة عنه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اجعلها مغنما و لا تجعلها مغرما» (1)و «غنيمة مجالس الذكر الجنة» (2)و في وصف الصوم: «هو غنم المؤمن» (3).

إلى كثير مما لا يمكن حصره و استقصاؤه.

و عليه فالغنم في اللغة: هو مطلق الحصول على الشيء.

و أما قيد «بلا مشقة» ، الذي أضافه البعض؛ فهو يخالف موارد الاستعمال السابقة و غيرها. و التزام المجاز فيها يلزم منه أن تكون أكثر استعمالات هذه الكلمة في الموارد المجازية.

بل إن نفس آية الخمس في القرآن الكريم قد أطلقت على كل ما يغنم، و من جملته ما يحصل في الحرب بعد مشقة.

و أما ما ذكره البعض (4)من أن هذه الكلمة كانت في الأصل لمطلق الغنيمة، ثم اختصت بغنائم الحرب. فلا يصح أيضا؛ لأننا نجد أن استعمالات هذه الكلمة في الحديث الشريف لا تختص في ذلك، بل هي في غيره أكثر، و عليه أدل. و مع فرض الشك فلا بد من الحمل على المعنى اللغوي.

إذا فالآية الشريفة تدل على وجوب الخمس في مطلق ما يحصل عليه الإنسان، و يظفر به، و لو لم يكن من ميدان الحرب مع الكفار. و قد اعترف


1) سنن ابن ماجة (كتاب الزكاة) الحديث رقم 1797.

2) مسند أحمد ج 2 ص 177.

3) راجع: مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 84 و 85.

4) هو العلامة السيد مرتضى العسكري في مقدمة مرآة العقول.

القرطبي: بأن اللغة لا تقتضي تخصيص الآية بغنائم الحرب. و لكنه قال: إن العلماء قد اتفقوا على هذا التخصيص (1).

و معنى كلامه: أنهم قد اتفقوا على خلاف ظاهر الآية، و خلاف المتبادر منها.

الخمس في كتب النبي صلّى اللّه عليه و آله و رسائله:

كما أن كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و رسائله إلى القبائل لتؤكد و تؤيد: أن الخمس كما يجب في غنائم الحرب يجب في غيرها، و أن المراد من الغنيمة هو المعنى الأعم؛ فلاحظ ما يلي:

1-وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبني عبد القيس، الذين قالوا له «صلى اللّه عليه و آله» : «إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في أشهر حرم و بيننا و بينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا و ندخل به الجنة، و سألوه عن الأشربة.

فأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بأربع، و نهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان باللّه وحده.

قال: أتدرون ما الإيمان باللّه وحده؟

قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

قال: شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صيام رمضان، و أن تعطوا من المغنم الخمس، و نهاهم


1) تفسير القرطبي ج 8 ص 1.

إلخ» (1).

و واضح: أن عبد القيس كانت قبيلة ضعيفة لا تجرؤ على الخروج من ديارها إلا في الشهر الحرام؛ و لا تستطيع حربا و لا قتالا.

و يؤيد ذلك أيضا: أن المغنم إنما يكون تحت اختيار القائد و الأمير، و هو المسؤول عنه؛ فيأخذ منه الخمس و يرسله، و يقسم الباقي على الأفراد، و ليس له ارتباط بالأفراد أنفسهم. و ظاهر كلامه «صلى اللّه عليه و آله» المتقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم بأوامر تختص بالفرد و تكون من وظائفه التي لا بد أن يمارسها باستمرار أو بكثرة، كالإيمان، و الصلاة، و الزكاة. و كذلك الخمس؛ فإنه أيضا على حدها، و لا يختلف عنها.

2-و كتب «صلى اللّه عليه و آله» لعمرو بن حزم، حينما أرسله إلى اليمن، كتابا مطولا جاء فيه: «و أمره أن يأخذ من المغانم خمس اللّه» (2)


1) البخاري ط مشكول ج 1 ص 22 و 32 و 139، و ج 2 ص 131 و ج 5 ص 213، و ج 9 ص 112، و صحيح مسلم ج 1 ص 36، و سنن النسائي ج 2 ص 333، و مسند أحمد ج 1 ص 228 و 361، و ج 3 ص 318، و ج 5 ص 36، و الأموال لأبي عبيد ص 20، و الترمذي باب الإيمان، و سنن أبي داود ج 3 ص 330، و ج 4 ص 219، و فتح الباري ج 1 ص 120، و كنز العمال ج 1 ص 20 و ص 19 رقم 6.

2) تاريخ ابن خلدون ج 2، و تنوير الحوالك ج 1 ص 157، و البداية و النهاية ج 5 ص 76، و سيرة ابن هشام ج 4 ص 242، و كنز العمال ج 3 ص 186، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 2 ص 517، و الخراج لأبي يوسف ص 77، و مسند أحمد ج 2 ص 14 و 15، و ابن ماجة ج 1 ص 573 و 575 و 577، و سنن الدارمي ج 1 ص 281 و 385، و ج 2 ص 161-195، الإصابة ج 2 ص 532، و سنن أبي-

و الكلام في هذه الفقره لا يختلف عن الكلام في سابقتها.

3-و كتب «صلى اللّه عليه و آله» لبني عبد كلال اليمانيين، مع عمرو بن حزم، يشكرهم على امتثالهم ما أمرهم به فيما سبق بواسطة عمرو بن حزم نفسه، و يقول: «فقد رجع رسولكم، و أعطيتم من الغنائم خمس اللّه عز و جل» (1).

و واضح: أننا لم نجد في التاريخ: أن حروبا قد جرت بينهم و بين غيرهم بعد إسلامهم، و أنهم قد غنموا من تلك الحروب غنائم، و خمسوها، و أرسلوها مع عمرو بن حزم.

4-و كتب «صلى اللّه عليه و آله» لقبيلتي سعد هذيم من قضاعة، و جذام: «و أمرهم: أن يدفعوا الصدقة و الخمس إلى رسوليه: أبيّ، و عنبسة،

(2) -داود ج 2 ص 98 و 99، و الدر المنثور ج 2 ص 253، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 248 و 249، و الترمذي ج 3 ص 17. و عن: رسالات نبوية ص 204، و الطبري ج 2 ص 388، و فتوح البلدان للبلاذري ص 80، و أعلام السائلين ص 45، و مجموعة الوثائق السياسية ص 175، و فريدون ج 1 ص 34، و إهدلي ص 68، و الإمتاع للمقريزي ص 139.


1) الأموال لأبي عبيد ص 21، و سنن البيهقي ج 4 ص 89، و كنز العمال ج 3 ص 186 و 252 و 253 عن الطبراني و غيره، و مستدرك الحاكم ج 1 ص 395، و الدر المنثور ج 1 ص 343، و مجمع الزوائد ج 3، و عن تهذيب ابن عساكر ج 6 ص 273 و 274، و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 89، و مجموعة الوثائق السياسية ص 185 عن إهدل ص 67 و 68 عن ابن حبان، و المبعث ص 141.

أو من أرسلاه» (1).

مع أن هذه القبيلة قد أسلمت جديدا و لم تخض حربا بعد، ليكون المراد خمس المغانم.

5-و قد أوجب «صلى اللّه عليه و آله» الخمس في ست عشرة رسالة أخرى، بل أكثر، كان قد أرسلها إلى القبائل و رؤسائها، و هي: قبيلة بكاء، و قبيلة بني زهير، و حدس، و لخم، و بني جديس، و للأسبذيين، و بني معاوية، و بني حرقة، و بني قيل، و بني قيس، و بني جرمز، و لأجنادة و قومه، و قيس و قومه، و لمالك بن أحمر، و لصيفي بن عامر شيخ بني ثعلبة، و الفجيع و من تبعه، و نهشل بن مالك رئيس بني عامر، و لجهينة بن زيد، و ذكر أيضا في رسالة لليمن، و لملوك حمير، و لملوك عمان (2).


1) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 23 و 24، و مجموعة الوثائق السياسية ص 224، و مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 102 و 103.

2) راجع هذه النصوص في المصادر التالية: أسد الغابة ج 4 ص 175 و 271 و 328، و ج 5 ص 40 و 389 و ج 1 ص 300، و الإصابة ج 3 ص 338 و 199 و 573، و ج 1 ص 53 و 247 و 278، و ج 2 ص 197، و طبقات ابن سعد ج 1 ص 274 و 279 و 66 و 269 و 271 و 268 و 270 و 284، و ج 7 قسم 1 ص 26، و ج 5 ص 385، و رسالات نبوية ص 237 و 102 و 103 و 131 و 253 و 138 و 188 و 134، و مجموعة الوثائق السياسية ص 121 و 264 و 273 عن أعلام السائلين و 98 و 99 و 252 و 250 و 216 و 196 و 138 و 232 و 245 و 180، و كنز العمال ج 2 ص 271 و ج 5 ص 320، و ج 7 ص 64 عن الروياني و ابن عساكر و أبي داود، كتاب الخراج و طبقات الشعراء للجمحي ص 38، و سنن البيهقي ج 6 ص 303، و ج 7 ص 58، و ج 9 ص 13، و مسند-

نظرة في تلك الرسائل:

و ربما يقال: إن المراد بكلمة: «مغنم و غنائم، و مغانم» الواردة في تلك الرسائل هو خصوص غنائم الحرب. و لكن ذلك لا يصح؛ و ذلك لما يلي:

1-إن إعلان الحرب و قيادتها و تدبيرها كان آنئذ من شؤون الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، أو من نصبه. ثم من تولى الأمر بعده من الخلفاء، أو من نصبوه؛ و لم يكن لأي من القبائل أن تتخذ قرار الحرب من عند نفسها؛ و لا يحدثنا التاريخ عن نشاط حربي مستقل لهم؛ و لو كان، فالمناسب أن يكتب «صلى اللّه عليه و آله» بذلك إلى أمرائهم و قوادهم، الذين يتولون إخراج خمس الغنيمة، و إرساله إليه، ثم تقسيم الباقي على أهله.

(2) -أحمد ج 4 ص 77 و 78 و 363، و سنن النسائي ج 7 ص 134، و الأموال لأبي عبيد ص 12 و 19 و 20 و 30، و الإستيعاب ترجمة عمر بن تولب، و ج 3 ص 38، و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 55 و 68 عن شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 382، و صبح الأعشى ج 13 ص 329، و مجموعة الوثائق عن إعلام السائلين و نصب الراية، و مغازي ابن إسحاق، و مصنف ابن أبي شيبة، و معجم الصحابة، و المنتقى، و ميزان الاعتدال، و لسان الميزان، و اليعقوبي، و أموال ابن زنجويه. و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64، و البداية و النهاية ج 5 ص 46 و 75، و ج 2 ص 351 عن أبي نعيم، و تاريخ الطبري ج 2 ص 384، و فتوح البلدان للبلاذري ص 82، و السيرة الحلبية ج 3 ص 258، و سيرة ابن هشام ج 4 ص 258 و 260، و سيرة زيني دحلان ج 3 ص 30، و المصنف ج 4 ص 300، و طبقات الشعراء لابن سلام ص 38، و مجمع الزوائد ج 8 ص 244.

2-لقد كانت تلك القبائل تعيش في الحجاز، و الشام، و البحرين، و عمان، و أكثرها كان من القبائل الصغيرة، التي لا تقوى على حرب أحد، ليطلب منها إعطاء خمس غنائم حروبها.

3-لو كان المراد خمس غنائم الحرب، لكان معنى ذلك هو السماح لكل أحد بأن يشن حربا على العدو، في أي زمان أو مكان شاء، و هذا من شأنه أن يحدث الفوضى، و يتسبب بمشاكل كبيرة و خطيرة على الدولة الإسلامية. و لا يصدر مثل هذا التشريع عن عاقل، مدبر و حكيم. مضافا إلى أننا لا نجد في التاريخ شيئا من هذه الفوضى الناشئة عن ممارسة تشريع كهذا.

4-قد تقدم: أن هذه الرسائل تتعرض لجملة من الأحكام التي ترتبط بالأفراد، كالإيمان باللّه، و بالنبي، و إعطاء الزكاة، و الخمس، الأمر الذي يجعلنا نكاد نطمئن إلى أن الخمس لا يختلف عن تلك الأحكام في ماهيته؛ و أنه مما تعم البلوى به للأفراد؛ لا أنه حكم نادر، لا يرتبط بهم فعلا، و لا يتفق لهم ربما في عقود بل قرون كثيرة من الزمن.

في السيوب الخمس:

و كتب «صلى اللّه عليه و آله» رسالة لوائل بن حجر، و فيها: «في السيوب الخمس» (1).


1) أسد الغابة ج 3 ص 38، و الإصابة ج 2 ص 208، و ج 3 ص 413، و البحار ج 96 ص 83 و 190 و الإستيعاب هامش الإصابة ج 3 ص 643، و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 73، و العقد الفريد ج 1 باب الوفود، و البيان و التبيين، و الوسائل كتاب الزكاة باب تقدير نصاب الغنم، و معاني الأخبار ص 275، و شرح الشفا للقاري ج 1 ص 18، و تاريخ ابن خلدون ج 2، و السيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 3 ص 94، و الفائق للزمخشري ج 1 ص 14، و عن: المعجم الصغير ص 243، و رسالات نبوية ص 67 و 297، و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 58 و 59، و مجموعة الوثائق السياسية ص 205 و 206 عن المواهب اللدنية، و الزرقاني، و مادة سيب في نهاية ابن الأثير، و لسان العرب، و تاج العروس، و نهاية الإرب و غريب الحديث لأبي عبيد في مادة: قيل و سيب، و طبقات ابن سعد ج 1 ص 287.

قال الزيلعي: «السيب العطاء، و السيوب الركاز» (1).

و تجد تفسير السيوب بالعطاء في مختلف كتب اللغة.

و لنا أن نتساءل: لماذا خصوا السيوب بالركاز الذي هو أحد أفراد السيب، و السيب عام و مطلق؟ ! و هل ذلك سوى الاجتهاد في اللغة، و التحوير و التزوير الباطل؟ ! . من أجل أن يتحاشوا تشريع الخمس في مطلق المغانم! .

كما أنهم قد خصوه بالمال المدفون بالجاهلية. و لا ندري سر ذلك أيضا، فإن لفظ سيوب لا اختصاص له في ذلك قطعا. كما أنه قد كان مستعملا في الجاهلية أيضا، و لا يعقل أن يعتبره أهل الجاهلية: أنه المال المدفون في الجاهلية! ! .

و الظاهر: أنهم أرادوا أن يوهمونا بأنه بذلك يصير غنيمة من الكفار، الذين يجب حربهم، ليوافق مذهبهم في الخمس.


1) تبيين الحقائق ج 1 ص 288(الركاز: ما ركزه اللّه أي أحدثه و دفنه في المعادن من ذهب أو فضة أو غيرها.

و نحن نقول: إن كتب اللغة تنص على أن السيب هو المهمل، و السائبة هي الحيوان بلا صاحب و مراقب. و قد كانت الناقة تسيب في الجاهلية أي تهمل.

و في الحديث: كل عتيق سائبة.

و هذا يقرب: أن يكون المراد بالسيوب: كل متروك و مهمل، لا يدخل في حاجة الإنسان فيجب فيه الخمس.

و ثمة دليل آخر أيضا:

و كتب «صلى اللّه عليه و آله» إلى بعض قبائل العرب: «إن لكم بطون الأرض و سهولها، و تلاع الأودية، و ظهورها، على أن ترعوا نباتها، و تشربوا ماءها، على أن تؤدوا الخمس» (1).

و سياق الكلام ظاهر ظهورا تاما في أن المراد ليس خمس غنائم الحرب، إذ لا مناسبة بين ذلك و بين جعل بطون الأرض و سهولها و تلاع الأودية و ظهورها لهم، ثم بين رعي نباتها، و شرب مائها، و بين الخمس، إلا أن يكون خمس ما يحصلون عليه من ذلك الذي جعله لهم.

و يؤيد ذلك و يؤكده: أنه قد ذكر بعد الخمس هنا زكاة الغنم أيضا، و أنهم إذا زرعوا فلسوف يعفون من زكاة الغنم. و الظاهر أن ذلك ترغيب لهم بالزراعة.


1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 2 ص 167، و عن مجموعة الوثائق السياسية ص 219، و رسالات نبوية ص 228، و كنز العمال ج 7 ص 65، و جمع الجوامع مسند عمرو بن مرة و نقله في مقدمة مرآة العقول ج 1 عن نهاية ابن الأثير، و عن ابن منظور في لسان العرب في كلمة: صرم.

الخمس في المعدن و الركاز:

ثم إن من الثابت عندهم: أن «في الركاز الخمس» و كذا في المعادن (1).


1) الأموال لأبي عبيد ج 33 ص 337 و 473 و 477 و 476 و 468 و 467، و نصب الراية ج 2 ص 382 و 381 و 380، و مسند أحمد ج 2 ص 228 و 239 و 254 و 274 و 314 و 186 و 202 و 207 و 285 و 319 و 382 و 386 و 406 و 411 و 415 و 454 و 456 و 467 و 475 و 482 و 493 و 495 و 499 و 501 و 507، و ج 3 ص 354 و 353 و 336 و 356 و 335 و 128، و ج 5 ص 326، و كنز العمال ج 4 ص 227 و 228، و ج 19 ص 8 و 9، و ج 5 ص 311، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 56 و مجمع الزوائد ج 3 ص 77 و 78، و عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و عن أحمد و البزار، و مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 128 و 66، و ج 4 ص 117 و 64 و 65 و 116 و 300، و ج 6 ص 98 عن خمس العنبر، و مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 97 و 96، و مغازي الواقدي ص 682، و سنن البيهقي ج 4 ص 157 و 156 و 155، و ج 8 ص 110، و المعجم الصغير ج 1 ص 120 و 121 و 153، و الطحاوي ج 1 ص 180، و سنن النسائي ج 5 ص 44 و 45، و البخاري ط مشكول ج 2 ص 159 و 160 في باب في الركاز الخمس، و في باب من حفر بئرا في ملكه و ط سنة 1309 ه. ج 4 ص 124، و الهداية شرح البداية ج 1 ص 108، و خراج أبي يوسف ص 26، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 839 و 803، و سنن أبي داود ج 3 ص 181، و ج 4 ص 196، و شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 321، و كتاب الأصل للشيباني ج 2 ص 138، و سنن الدارمي ج 1 ص 393 و ج 2 ص 196، و نيل الأوطار ج 4 ص 210، و الموطأ ج 1 ص 244 و ج 3 ص 71 (مطبوع مع تنوير الحوالك) ، و منحة المعبود ج 1 ص 175، و الترمذي ج 1 ص 219 و ج 3 ص 138، و صحيح مسلم ج 5 ص 127 و 11 و 225، و العقد الفريد و نهاية الارب، و الإستيعاب، و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 207، و تاريخ بغداد ج 5 ص 53 و 54، و مصابيح السنة ط دار المعرفة ج 2 ص 17، و المسند للحميدي ج 2 ص 462، و مسند أبي يعلى ج 10 ص 437 و 461 و 459، و ج 11 ص 202 و في هامشه عن مصادر كثيرة جدا.

و يذكر الأصطخري: أنهم كانوا يأخذون خمس المعادن (1).

و قد عد غير مالك و أهل المدينة المعدن من الركاز الذي يجب فيه الخمس، و اعتبروه كالغنيمة (2).

و يقول أبو عبيد: إنه بالركاز أشبه (3).

و قد كتب عمر بن العزيز لعروة، يسأله عن رأي السابقين في الخمس، فأجابه عروة: بأن العنبر بمنزلة الغنيمة، يجب أن يؤخذ منه الخمس (4).

و يقول الشيباني: إن الركاز و المعدن يجب فيهما الخمس، و هما من المغنم (5).

و قد خمس علي «عليه السلام» الركاز في اليمن كما سنرى.

و عن جابر: «ما وجد من غنيمة ففيها الخمس» و يقرب منه ما عن ابن جريج (6).


1) مسالك الممالك ص 158.

2) راجع: الأموال لأبي عبيد ص 472.

3) الأموال ص 474.

4) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 4 ص 64/65.

5) كتاب الأصل للشيباني ج 2 ص 138.

6) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 4 ص 116.

و أخيرا، فقد جاء: أن من أخذ شيئا من أرض العدو، فباعه بذهب أو فضة أو غيره، فإنه يخمس (1).

و كل ما تقدم ليس من غنائم الحرب كما هو معلوم، و قد حكم بثبوت الخمس فيه، فما معنى تخصيص الآية بغنائم الحرب؟ ! !

و حسبنا ما ذكرناه هنا، فإن فيه مقنعا و كفاية لمن أراد الرشد و الهداية.

لطيفة:

و من الطريف أن نذكر هنا: أن أبا بكر قد أوصى بخمس ماله، و قال: «أوصي بما رضي اللّه به لنفسه، ثم تلا: وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» (2).

جباة الخمس:

و يظهر: أنه كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» جباة للخمس، كما كان له جباة للصدقات، و قد أرسل عمرو بن حزم إلى اليمن، و قدم عليه بأخماس بني عبد كلال اليمنيين، و أرسل إليهم يشكرهم على ذلك.

و أرسل عليا «عليه السلام» ليأخذ خمس غنائم الحرب من خالد بن الوليد (3).


1) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 179 و 181، و ج 9 ص 67 و تحف العقول ص 260.

2) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 9 ص 66.

3) نصب الراية ج 2 ص 382، و مصنف عبد الرزاق ج 4 ص 116، و مجمع الزوائد ج 3 ص 78، و راجع: البحار ج 21 ص 360 عن إعلام الورى.

بل و يقول ابن القيم إنه «صلى اللّه عليه و آله» : «ولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن، و القضاء بها» (1).

و معلوم: أن أهل اليمن قد أسلموا طوعا، و لم يكن بينهم و بين غيرهم حرب.

و قد خمس علي «عليه السلام» الركاز في اليمن (2).

و كان محمية بن جزء رجلا من بني زبيد استعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الأخماس (3).

و القول بأن المراد: أنه أرسل عليا «عليه السلام» على الصدقات إلى اليمن.

يدفعه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يولي بني هاشم الصدقات. و قصة عبد المطلب بن ربيعة، و الفضل بن العباس مشهورة (4).

بل كان يمنع حتى مواليه من تولي ذلك، فقد منع أبا رافع من ذلك، و قال له: «مولى القوم من أنفسهم، و إنا لا تحل لنا الصدقة» (5).


1) راجع: البداية و النهاية.

2) زاد المعاد ج 1 ص 32، و راجع: سنن أبي داود ج 3 ص 127 باب كيف القضاء.

3) الأموال لأبي عبيد ص 461.

4) مجمع الزوائد ج 3 ص 91، و أسد الغابة ترجمة: عبد المطلب بن ربيعة، و نوفل بن الحارث، و محمية، صحيح مسلم ج 3 ص 118 باب تحريم الزكاة على آل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سنن النسائي ج 1 ص 365، و سنن أبي داود، و الأموال لأبي عبيد ص 329، و مغازي الواقدي ص 696 و 697، و تفسير العياشي ج 2 ص 93.

5) سنن أبي داود كتاب الزكاة ج 2 ص 212، و الترمذي كتاب الزكاة ج 3-

مواضع الخمس في الكتاب و السنة:

لقد نصت آية الخمس في الكتاب العزيز على أن الخمس للّه و لرسوله، و لذوي قرباه، و لليتامى، و للمساكين، و أبناء السبيل. و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعطي ذوي قرباه من الخمس إلى أن قبض (1).

و أما اليتامى و المساكين في الرواية؛ فقد روي عن علي بن الحسين «عليه السلام» أنه قيل له: إن اللّه تعالى قال: وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ ؟ (2).

فقال: أيتامنا و مساكيننا (3).

و في روايات أئمة أهل البيت «عليهم السلام» : أن سهم اللّه و رسوله و سهم ذي القربى للإمام «عليه السلام» ، و سهم اليتامى لبني هاشم، و المساكين و أبناء السبيل منهم (4)، و بنو هاشم هم بنو عبد المطلب (5).

و يشترك في الخمس الذكر منهم و الأنثى؛ فيقسم نصف الخمس على

(5) -ص 159، و النسائي كتاب الزكاة ج 1 ص 366، و مجمع الزوائد ج 3 ص 90 و 91، و كنز العمال ج 6 ص 252-256، و أمالي الطوسي ج 2 ص 17، و البحار ج 96 ص 57، و سنن البيهقي ج 7 ص 32.


1) راجع: تفسير الطبري ج 15 ص 504 و 506 و بهامشه تفسير النيسابوري ج 15، و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 65 و 61، و الأموال لأبي عبيد ص 22 و 447 و 453 و 454.

2) الآية 7 من سورة الحشر.

3) تفسير النيسابوري بهامش الطبري، و تفسير الطبري ج 15 ص 7.

4) راجع: الوسائل ج 9 ص 356 و 358 و 359 و 361 و 362.

5) الوسائل ج 9 ص 358 و 359، و مقدمة مرآة العقول للعسكري ج 1 ص 116 و 117.

الطوائف الثلاث إذا كانوا فقراء، لقرابتهم من رسول اللّه، و لافتقارهم إلى ذلك في مؤنتهم.

و لا يكفي انتسابهم إلى عبد المطلب بالأمومة و يكفي الانتساب بالأبوة.

و من طريق غير أهل البيت عليهم السّلام نذكر:

هناك رواية واردة في الصحاح، تبين موضع الخمس في عصر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي:

عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر-و في رواية: حنين-وضع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» سهم ذي القربى في بني هاشم، و بني المطلب، و ترك بني نوفل، و بني عبد شمس. فانطلقت أنا و عثمان بن عفان حتى أتينا النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقلنا: يا رسول اللّه، هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم؛ للموضع الذي وضعك اللّه به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم و تركتنا، و قرابتنا واحدة؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنا و بني المطلب لا نفترق-و في رواية النسائي: إن بني المطلب لم يفارقوني-في جاهلية و لا إسلام، و إنما نحن و هم شيء واحد، و شبك بين أصابعه (1).


1) صحيح البخاري باب غزوة خيبر ج 3 ص 36 و ط سنة 1311 ج 4 ص 111 و ج 6 ص 174، و سنن أبي داود ج 3 ص 145 و 146، و تفسير الطبري ج 15 ص 5، و مسند أحمد ج 4 ص 81 و 85 و 83، و سنن النسائي ج 7 ص 130 و 131، و سنن ابن ماجة ص 961، و مغازي الواقدي ج 2 ص 696، و أموال أبي عبيد ص 461 و 462، و سنن البيهقي ج 6 ص 340-342، و السيرة الحلبية ج 2 ص 209، و المحلى ج 7 ص 328، و البداية و النهاية ج 4 ص 200، و شرح النهج ج 15 ص 284، و مجمع الزوائد ج 5 ص 341، و نيل الأوطار ج 8 ص 228 عن البرقاني و البخاري و غيرهما، و الإصابة ج 1 ص 226، و بداية المجتهد ج 1 ص 402، و الخراج لأبي يوسف ص 21، و تشييد المطاعن ج 2 ص 818 و 819 عن زاد المعاد، و الدر المنثور ج 3 ص 186 عن ابن أبي شيبة، و البحر الرائق ج 5 ص 98، و تبيين الحقائق ج 3 ص 257، و نصب الراية ج 3 ص 425 و 426 عن كثيرين. و مصابيح السنة ج 2 ص 70، و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 312، و فتح القدير ج 2 ص 310، و لباب التأويل ج 2 ص 185، و مدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 2 ص 186، و الكشاف ج 2 ص 221. و نقل ذلك عن المصادر التالية: الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 12، و فتح الباري ج 7 ص 174، و ج 6 ص 150، و تفسير المنار ج 10 ص 7، و ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 125 و 126، و إرشاد الساري ج 5 ص 202.

و بعد ما تقدم، فإننا نذكر هنا ملخصا لما ذكره بعض الباحثين (1)مع بعض التقليم و التطعيم، فنقول:

الخمس في عهد أبي بكر:

إذا لا حظنا طبيعة العصر الذي عاش فيه أبو بكر، فإننا نجد: أن السياسة قد اتجهت نحو إرسال جيوش لإخضاع الفئات المعارضة للحكم الجديد، و التي لم تقبل بيعة أبي بكر. فوضع الخمس حينئذ و سهم ذوي القربى في السلاح و الكراع.

فقد ذكر المؤلفون: أن الصحابة بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» قد


1) هو العلامة السيد مرتضى العسكري حفظه اللّه.

اختلفوا؛ فقالت طائفة سهم الرسول للخليفة بعده، و قالت طائفة: سهم ذوي القربى، لقرابة الرسول، و قال آخرون: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. فأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع و السلاح.

و في سنن النسائي، و الأموال لأبي عبيد: فكانا في ذلك خلافة أبي بكر و عمر.

و في رواية: فلما قبض اللّه رسوله رد أبو بكر نصيب القرابة في المسلمين فجعل في سبيل اللّه.

و قريب منه رواية أخرى تضيف عمر إلى أبي بكر. إلى غير ذلك من الروايات (1).

و يوضح ذلك ما روي عن جبير بن مطعم: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقسم لبني عبد شمس و لا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسم لبني هاشم و بني المطلب. و أن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعطيهم» الخ. . (2).

الخمس في عهد عمر:

و في زمن عمر اتسعت الفتوح، فازدادت الثروات، و وزعوا الخمس


1) راجع في ذلك كله و غيره مما يرتبط بالموضوع سنن النسائي ج 2 ص 179، و كتاب الخراج ص 24 و 25، و الأموال لأبي عبيد ص 463، و جامع البيان للطبري ج 15 ص 6، و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 62 و 60، و سنن البيهقي ج 6 ص 342-343، و سنن أبي داود بيان مواضع الخمس، و مسند أحمد ج 4 ص 83، و مجمع الزوائد ج 5 ص 341.

2) مسند أحمد ج 4 ص 83.

على المسلمين، و أراد عمر أن يعطي بني هاشم شيئا من الخمس، فأبوا أن يأخذوا إلا كل سهمهم؛ فأبوا عليهم ذلك، و حرموهم منه؛ فقد جاء في جواب ابن عباس لنجدة الحروري حين سأله عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ .

قوله: «هو لنا أهل البيت، و قد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، و يخدم منه عائلنا، و يقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا. و أبى ذلك فتركناه عليه» .

و مثل ذلك روي عن علي أيضا، و أن عمر عرض عليهم البعض، و قال: إنه لم يبلغ علمه: أنه إذا كثر يكون كله لهم، فأبوا إلا الكل (1).


1) راجع الحديث في: الخراج لأبي يوسف ص 21 و 24، و مغازي الواقدي ص 697، و الأموال لأبي عبيد ص 465 و 467، و سنن النسائي ج 2 ص 178 و 177، و ج 7 ص 129 و 128، و شرح معاني الآثار ج 3 ص 235 و 220، و مسند الحميدي رقم 532، و الجامع الصحيح (السير) رقم 1556، و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 63، و لسان الميزان ج 6 ص 148، و صحيح مسلم ج 5 ص 198 باب النساء الغازيات يرضخ لهن، و مسند أحمد ج 10 ص 225، و ج 1 ص 320 و 308 و 248 و 249 و 294 و 224، و مشكل الآثار ج 2 ص 136 و 179، و مسند الشافعي ص 183 و 187، و حلية أبي نعيم ج 3 ص 205، و تفسير الطبري ج 10 ص 5، و سنن أبي داود ج 3 ص 146 كتاب الخراج، و سنن البيهقي ج 6 ص 344 و 345 و 332، و كنز العمال ج 2 ص 305، و المصنف ج 5 ص 228 و راجع ص 238، و المحاسن و المساوئ ج 1 ص 264، و وفاء الوفاء ص 995، و الروض الأنف ج 3 ص 80، و مسند أبي يعلى ج 4 ص 424، و ج 5 ص 41 و 42.

الخمس في عهد عثمان:

و أعطى عثمان خمس فتوح أفريقيا مرة لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (1)و في الغزوة الثانية أعطاه لمروان بن الحكم. و قال في ذلك أسلم بن أوس الساعدي، الذي منع من دفن عثمان في البقيع.

و أعطيت مروان خمس العبادظلما لهم و حميت الحمى (2)

و قد نقم الناس عليه لأمرين:

أولهما: أن الخليفتين قبله و إن كانا قد أخذا ذلك من مستحقيه، إلا أنهما كانا يضعان تلك الأموال في النفقات العامة، و قد خصصها عثمان لأقربائه.

الثاني: أن سيرة هؤلاء الذين كان يعطيهم هذه العطايا الهائلة من مال لا يستحقونه كانت سيئة جدا، و كانوا معروفين بالانحراف، و عدم الاستقامة.

سيرة علي عليه السّلام في الخمس:

و قد سئل أبو جعفر الباقر «عليه السلام» عن علي «عليه السلام» : كيف صنع في سهم ذوي القربى حين ولي أمر الناس؟ !

قال: سلك به سبيل أبي بكر و عمر.

قلت: و كيف، و أنتم تقولون ما تقولون؟


1) راجع تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 79 و 80، و تاريخ ابن الأثير ط أوربا ج 3 ص 71، و شرح النهج ج 1 ص 67.

2) راجع في ذلك الكامل ج 3 ص 71، و الطبري ط أوربا قسم 1 ص 2818، و ابن كثير ج 7 ص 152، و فتوح أفريقيا لابن عبد الحكم ص 58 و 60، و البلاذري ج 5 ص 25 و 27 و 28، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 156 و الأغاني ج 6 ص 57.

فقال: ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه.

قلت: فما منعه؟

قال: كره و اللّه أن يدعى عليه خلاف أبي بكر و عمر (1).

و في سنن البيهقي: أن حسنا، و حسينا، و ابن عباس، و عبد اللّه بن جعفر (رض) سألوا عليا (رض) نصيبهم من الخمس، فقال: هو لكم حق، و لكني محارب معاوية، فإن شئتم تركتم حقكم منه (2).

فعلي «عليه السلام» إذا لم يغير شيئا مما فعله أبو بكر و عمر في الخمس، لأن ذلك يؤلب الناس عليه، و يدعون عليه خلاف أبي بكر و عمر. و إذا كان يريد حرب معاوية؛ فإن الأمر يستوجب هذا الأمر الأهم، و تأجيل المهم إلى وقت لا يكون فيه العمل به ذا مضاعفات خطيرة.

الخمس في عهد معاوية:

لقد حرم بنو هاشم من الخمس منذ زمن معاوية، الذي صار يصطفي لنفسه الصفراء و البيضاء، و لا يقسم بين المسلمين منه ذهبا و لا فضة.

فعن علي بن عبد اللّه بن عباس، و أبي جعفر محمد بن علي «عليهما


1) الأموال لأبي عبيد ص 463، و الخراج ص 23، و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 63، و سنن البيهقي ج 6 ص 323، و أنساب الأشراف ج 1 ص 517، و تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 217، و كنز العمال ج 4 ص 330 عن أبي عبيد، و عن ابن الأنباري في المصاحف.

2) سنن البيهقي ج 6 ص 363.

السلام» ، قالا: «ما قسم علينا خمس منذ زمن معاوية إلى اليوم» (1).

و لما أمر عمر بن عبد العزيز بدفع شيء من الخمس إلى بني هاشم، اجتمع نفر منهم، و كتبوا إليه يشكره، لصلته رحمه و فيه: إنهم لم يزالوا مجفوين منذ كان معاوية (2).

كما أن زيادا كتب إلى والي خراسان من قبله، الحكم بن عمرو الغفاري، يقول له عن الغنائم الكثيرة التي أصابوها: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين كتب أن يصطفى له الصفراء و البيضاء، و لا تقسم بين المسلمين ذهبا و لا فضة» .

و زاد الطبري: «الروائع» (3)على الصفراء و البيضاء.

و لكن الحكم رفض ذلك، و قسم الغنائم، فأرسل إليه معاوية من قيده، و حبسه، فمات في قيوده، و دفن فيها، و قال: إني مخاصم (4).

حتى عهد عمر بن عبد العزيز:

و بقي الخمس في أيدي الأمويين يتصرفون فيه تصرف المالك، حتى كان عهد عمر بن عبد العزيز، فحاول أن يعيد للهاشميين بعض حقوقهم


1) طبقات ابن سعد ج 5 ص 288 ط أوربا.

2) نفس المصدر.

3) مستدرك الحاكم و تلخيصه للذهبي بهامشه ج 3 ص 442، و طبقات ابن سعد ط أوربا ج 7 ص 18، و الإستيعاب ج 1 ص 118، و أسد الغابة ج 2 ص 36، و الطبري ط أوربا ج 2 ص 111، و ابن الأثير ط أوربا ج 3 ص 391، و الذهبي ج 2 ص 220، و ابن كثير ج 8 ص 47.

4) تهذيب التهذيب ج 2 ص 437، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 442.

لمصلحة يراها، فقسم فيهم بعض ذلك، و وعدهم: أنه إن بقي لهم أعطاهم جميع حقوقهم (1).

لكن هذه المحاولة-كعهد عمر بن عبد العزيز نفسه-سرعان ما انتهت و بطل مفعولها، و عادت الأمور لتسير في نفس الاتجاه الذي رسمه لها أعداء علي «عليه السلام» و أعداء أهل بيته، كما يعلم بأدنى مراجعة لكتب السير و التاريخ.

آراء فقهاء أهل السنة في الخمس:

و لقد تضاربت آراء فقهاء أهل السنة تبعا لما فعله الخلفاء:

قال ابن رشد: و اختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة.

إحداها: أن الخمس يقسم على خمسة أقسام على نص الآية، و به قال الشافعي.

و القول الثاني: إنه يقسم على أربعة أقسام.

و القول الثالث: إنه يقسم اليوم ثلاثة أقسام، و إن سهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذي القربى سقط بموت النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و القول الرابع: إن الخمس بمنزلة الفيء يعطى منه الغني و الفقير.

و الذين قالوا يقسم أربعة أقسام أو خمسة اختلفوا في ما يفعل بسهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سهم القرابة بعد موته، فقال قوم: يرد على سائر الأصناف الذين لهم الخمس.


1) راجع ذلك في طبقات ابن سعد ج 5 ص 281،285،287،289، و الخراج ص 25، و سنن النسائي باب قسم الفيء ج 2 ص 178.

و قال قوم: بل يرد على باقي الجيش.

و قال قوم: بل سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للإمام، و سهم ذي القربى لقرابة الإمام.

و قال قوم: بل يجعلان في السلاح و العدة، و اختلفوا في القرابة من هم (1).

أما ابن قدامة فقد ذكر: أن أبا بكر قسم الخمس على ثلاثة أسهم، و ذكر أن هذا هو قول أصحاب الرأي، أبي حنيفة و جماعته، فإنهم قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة أقسام: اليتامى، و المساكين، و أبناء السبيل و أسقطوا سهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بموته، و سهم قرابته أيضا.

و قال مالك: الخمس و الفيء واحد، يجعلان في بيت المال.

ثم قال ابن قدامة: «و ما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية؛ فإن اللّه تعالى سمى لرسوله و قرابته شيئا، و جعل لهما في الخمس حقا، كما سمى الثلاثة الأصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب. و أما حمل أبي بكر و عمر (رض) على سهم ذي القربى في سبيل اللّه، فقد ذكر لأحمد فسكت، و حرك رأسه، و لم يذهب إليه. و رأى أن قول ابن عباس و من وافقه أولى؛ لموافقته كتاب اللّه و سنة رسوله صلى اللّه عليه و آله» (2).

و رأى أبو يعلى، و الماوردي: أن تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد


1) بداية المجتهد حكم الخمس ج 1 ص 401.

2) المغني لابن قدامة ج 7 ص 351 باب قسمة الفيء و الغنيمة.

الخلفاء (1).

أهل البيت عليهم السّلام و شيعتهم و قضية الخمس:

يقسم الخمس عند أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم إلى ستة أقسام، ثلاثة منها للّه و لرسوله، و لذوي قرباه، يقبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه الأسهم في حياته، و يعود أمرها إلى الأئمة الاثني عشر من أهل بيته بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . و الأسهم الأخرى هي لفقراء بني هاشم، و أبناء سبيلهم، و يتاماهم، مع وصف الفقر.

و قالوا أيضا: يجب إخراج الخمس من كل مال فاز به المسلم من جهة العدى أو غيرهم. و لا يتوقف شيعة أهل البيت عند هذا، بل يستدلون أيضا بالأحاديث الكثيرة الدالة على ذلك، الواردة عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» ، الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم، و هم سفينة نوح، و باب حطة، هدانا اللّه جميعا إلى المزيد من محبتهم و التمسك بهم و متابعتهم في أقوالهم و أفعالهم و ما ذلك على اللّه بعزيز.


1) الأحكام السلطانية للماوردي باب قسم الفيء ص 126، و الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 125.

الباب الثالث: ما بين بدر و أحد

اشارة

الفصل الأول: شخصيات و أحداث

الفصل الثاني: فاطمة و علي عليهما السّلام و مناوؤهما

الفصل الثالث: قضايا و أحداث في المجال العام

الفصل الرابع: غزوات و سرايا

الفصل الخامس: غدر اليهود و الإغتيالات الهادفة

الفصل الرابع: جزاء الغادر

الفصل الرابع: حروب علنية بين المسلمين و اليهود

الفصل الأول: شخصيات و أحداث

اشارة

تمهيد:

لقد لاحظنا الأحداث التي بين بدر و أحد، فوجدناها تنقسم إلى قسمين:

أحدهما: يسير في الاتجاه الشخصي بحسب الظاهر، بمعنى أنه يدور حول أحداث مرتبطة بشخصيات معينة، و لكنها في نهاية المطاف لا بد أن تؤثر على الجو العام، أو استفيد منها للتأثير فيه بنحو، أو بآخر.

الثاني: الأحداث التي تصب في سير الاتجاه العام مباشرة، كالحروب، و الاغتيالات، و نقض العهود، و ما شاكل.

و نحن نتحدث عن كلا القسمين، و نقدم الحديث عن القسم الأول فنقول: إن الحديث سوف يشمل البحوث التالية:

1-وفاة رقية زوجة عثمان، و الملابسات التي اكتنفت ذلك.

2-زواج عثمان بأم كلثوم، ربيبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

3-هجرة زينب، ربيبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما يرتبط بذلك.

4-زواج أمير المؤمنين بالزهراء «عليهما السلام» : ظروفه و ملابساته، و مناقشة بعض ما يذكر في ذلك. و يدخل في ذلك:

ألف: البحث حول أسطورة زواجه «عليه السلام» ببنت أبي جهل.

باء: البحث حول تأريخ تحريم الخمر.

و البحث في موضوع زواج علي «عليه السلام» و توابعه نفرده في فصل مستقل سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

5-أم سلمة في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

6-زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بحفصة.

7-زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت خزيمة.

8-سر تعدد زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» .

9-ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» .

و تمر في خلال ذلك مناقشات لا بد منها لما قيل أو يقال، مما لا مجال لتجاهله و التجاوز عنه، فنقول:

1-وفاة رقية:
اشارة

قيل: إن رقية ربيبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد توفيت في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة في شهر رمضان، يوم النصر ببدر.

و قيل: بل إن زيد بن حارثة جاء بشيرا بالنصر في حين كان عثمان واقفا على قبرها يدفنها.

و قال النووي: إنها توفيت في ذي الحجة (1).

و نحن نرجح: أنها توفيت بعد رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» من بدر، و ذلك استنادا إلى ما يلي:


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 406.

1-إن رواية: أن عثمان تخلف عن بدر ليمرضها محل شك، و ذلك لما تقدم من تعيير عبد الرحمن بن عوف، و ابن مسعود و غيرهما له بتخلفه عن بدر، فكيف خفي عليهم عذره، بل و فضله إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب له بسهمه و أجره كما يقولون.

هذا عدا عن الرواية التي تقول: إنه تخلف لأنه كان مريضا بالجدري. و قد تقدم كل ذلك و سواه في وقعة بدر، فلا نعيد.

2-لقد ذكر النووي: أنها توفيت في شهر ذي الحجة بعد بدر (1).

و ذكر ابن قتيبة: أنها توفيت لسنة و عشرة أشهر و عشرين يوما من مقدمه «صلى اللّه عليه و آله» المدينة (2).

و هذا معناه: أنها توفيت في شهر محرم. و هو يعضد ما ذكره النووي آنفا، و إن كان هذا أكثر دقة و تحديدا.

3-لقد روى ابن سعد، و غيره: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال حينما توفيت رقية: الحقي بسلفنا عثمان بن مظعون، فبكت النساء على رقية، فجاء عمر بن الخطاب، فجعل يضربهن إلى أن قال: فقعدت فاطمة على شفير القبر تبكي، فجعل يمسح عن عينها بطرف ثوبه (3).

و ردّ الواقدي هذه الرواية: بأن رقية قد توفيت، و النبي «صلى اللّه عليه


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 406.

2) ذخائر العقبى ص 163.

3) راجع: طبقات ابن سعد ج 8 ص 24 و 25، و الإصابة ج 4 ص 304، و وفاء الوفاء ج 3 ص 895، و منحة المعبود في تلخيص مسند الطيالسي ج 1 ص 159، و ليراجع قاموس الرجال ج 10 ص 439 عن الكافي.

و آله» غائب في بدر، فلعل المراد غير رقية، أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أتى قبرها بعد قدومه، و بكاء النساء عليها بعد ذلك (1).

و لكن هذا لا يمكن قبوله، فإن الرواية الآنفة صحيحة السند، و يعضدها ما تقدم و ما سيأتي.

و ردها استنادا إلى ما شاع من تمريض عثمان لها، لأجل تأكيد ما استقر في نفوسهم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب لعثمان بسهمه و أجره، ليس بأولى من العكس، مع وجود التهمة في مستندهم هذا، كما تقدمت الإشارة إليه في وقعة بدر.

4-و قد جاء بسند صحيح على شرط مسلم، عن أنس: لما ماتت رقية بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال «صلى اللّه عليه و آله» : لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة. فلم يدخل عثمان القبر (2).

و في لفظ آخر ذكره البخاري، عن أنس، قال: شهدنا دفن بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل منكم من أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، فنزل في قبرها (3).


1) راجع المصادر المتقدمة.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، و تلخيصه هامش نفس الصفحة للذهبي، و سكت عنه، و ليراجع: الإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 301، و الإصابة ج 4 ص 304، و فتح الباري ج 3 ص 127، و مسند أحمد ج 3 ص 270 و 229، و عن تاريخ البخاري الأوسط، و الروض الأنف ج 3 ص 127.

3) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 1 ص 152 و 146، و مشكل الآثار ج 3-

و حكم جمع بأن ذكر رقية في الرواية و هم، أو خطأ، استنادا إلى ما تقدم من كون رقية قد توفيت، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بدر (1).

و جوابه كجواب سابقه. و ليس هذا بأولى من العكس، بل العكس هو المتيقن، حسبما قدمنا آنفا، و في وقعة بدر.

و المراد بالمقارفة هنا: المجامعة، كما جزم به ابن حزم و غيره.

كلام ابن بطال و غيره:

و قد علق ابن بطال على حديث المقارفة هذا بقوله: «أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يحرم عثمان النزول في قبرها.

و قد كان أحق بها؛ لأنه كان بعلها. و فقد منهم علقا لا عوض منه؛ لأنه حين قال «عليه السلام» : «أيكم لم يقارف الليلة أهله» سكت عثمان، و لم يقل:

(3) -ص 202 و 204، و الإصابة ج 4 ص 304، و الإستيعاب بهامشها ج 4 ص 301، و المعتصر من المختصر لمشكل الآثار ج 1 ص 113 و 114، و سنن البيهقي ج 4 ص 53، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، و مسند أحمد ج 3 ص 126 و 228، و ذخائر العقبى ص 166، و المصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 414، و عن تاريخ البخاري.


1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 301، و نهاية ابن الأثير ج 4 ص 46، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 26، و الإصابة ج 4 ص 304 و 489 عن أبي عمر و ابن سعد، و عن البخاري و لكن قد رأينا أن البخاري لم يصرح بأنها أم كلثوم، نعم قد ذكر الرواية في رقية في تاريخه، ثم ناقشها بما ذكروه. و المواهب اللدنية ج 1 ص 197 عن البخاري، و فتح الباري ج 3 ص 127 عنه و 126 عن غيره، و الروض الأنف ج 3 ص 127، و ذخائر العقبى ص 166.

أنا؛ لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، و لم يشغله الهم بالمصيبة، و انقطاع صهره من النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن المقارفة؛ فحرم بذلك ما كان حقا له، و كان أولى به من أبي طلحة و غيره، و هذا بين في معنى الحديث.

و لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كان علم ذلك بالوحي؛ فلم يقل له شيئا؛ لأنه فعل فعلا حلالا، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله، حتى حرم ما حرم من ذلك، بتعريض دون تصريح» (1).

و قال ابن حبيب: «إن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان: أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة؛ فتلطف «صلى اللّه عليه و آله» في منعه النزول في قبر زوجته بغير تصريح» (2).

و للعلامة الأميني ههنا كلام جيد ذكر فيه: أن النبي الداعي للستر على المؤمنين، و الداعي للإغضاء عن العيوب، و الناهي عن التجسس بنص القرآن العظيم عما يقع في الخلوات، يخرج هنا عن سجيته، و يخالف طريقته (3)، و يعرض بعثمان هذا التعريض الذي فضحه و حرمه مما هو حق له. الأمر الذي يدل على أن ما اقترفه عثمان كان أمرا عظيما، لا مجرد كونه فعل أمرا حلالا، ربما يكون قد اضطر إليه بسبب طول مرض زوجته، كما قد يحلو للبعض (4)أن يعتذر؛ فإن ذلك لا يستدعي من النبي «صلى اللّه عليه


1) الروض الأنف للسهيلي ج 3 ص 127 و 128.

2) فتح الباري ج 3 ص 127.

3) المراد: أن الشارع هو الذي أوجب على رسول اللّه أن يبادر للتصدي و المواجهة.

4) المصدر السابق.

و آله» أن يقف هذا الموقف الحازم (1). انتهى ملخصا.

و نقول:

لعل عثمان قد ارتكب في حق رقية ذنبا عظيما جدا لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنه، بل نجد نصا في الكافي يقول: إن رقية لما قتلها عثمان، وقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قبرها؛ فرفع رأسه إلى السماء، فدمعت عيناه، و قال للناس: إني ذكرت هذه و ما لقيت؛ فرققت لها، و استوهبتها من ضمة القبر (2).

و لعل مما يشير إلى ذلك، ما رواه في تقريب أبي الصلاح، عن تاريخ الثقفي: أن عثمان لما خطب، و قال: ألست ختن النبي على ابنتيه؟

أجابته عائشة: بأنك كنت ختنه عليهما، و لكن كان منك فيهما ما قد علمت (3).

و بعد كل ما تقدم، فهل يمكن أن نصدق: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنه لو كان عنده ثالثة، أو عشرة، أو أربعون أو. . لكان زوجها لعثمان؟ ! (4).

أكاذيب و أباطيل:

و الأكاذيب و الأباطيل ههنا كثيرة، نشير منها إلى ما يلي:

1-هناك رواية تقول: إنه بعد موت رقية، رأى النبي «صلى اللّه عليه


1) الغدير ج 8 ص 233.

2) قاموس الرجال ج 10 ص 439.

3) قاموس الرجال ج 10 ص 440 عن تقريب ابن الصلاح.

4) راجع: الغدير ج 8 ص 233 و 234.

و آله» عثمان مهموما لهفان (أو أنه يبكي بكاء شديدا) ؛ فسأله «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فقال: و هل دخل على أحد ما دخل عليّ؟ .

ماتت ابنة رسول اللّه التي كانت عندي، و انقطع ظهري، و انقطع الصهر بيني و بينك، فبينما هو يحاوره إذ قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا عثمان، هذا جبريل «عليه السلام» يأمرني عن اللّه أن أزوجك أختها أم كلثوم، على مثل صداقها، و على مثل عشرتها؛ فزوجه إياها (1).

عجيب! ! أو ليس هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الذي حرم عثمان من الدخول في قبر رقية؛ لأنه رفث إلى جارية في نفس ليلة وفاتها؟ !

أو ليس عثمان هو الذي عيرته عائشة بأنه كان منه في رقية و أختها ما قد علم؟ ! .

أو ليس هو الذي قتل رقية، حسبما جاء في رواية الكافي؟ ! .

2-و رواية أخرى مفادها: أن أبا هريرة دخل على رقية، فأخبرته: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان عندها آنفا، و سألها «صلى اللّه عليه و آله» كيف تجد عثمان، فقالت: بخير.

قال: أكرميه فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا (2).


1) راجع: مستدرك الحاكم ج 4 ص 49، و أسد الغابة ج 5 ص 612 و 613 عن ابن المسيب، و ذخائر العقبى ص 165 و 166 عن ابن عباس و أبي هريرة، و قال: أخرجهما الفضائلي.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 48، و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، و مجمع الزوائد ج 9 ص 81، و سيرة مغلطاي ص 16 و 17، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 4 عن الحاكم، و ابن عساكر.

و نحن لا نزيد هنا على ما قاله الحاكم، و أيده الذهبي في تلخيصه: «هذا حديث صحيح الإسناد، واهي المتن، فإن رقية ماتت سنة ثلاث (1)من الهجرة عند فتح بدر، و أبو هريرة إنما أسلم بعد فتح خيبر» (2).

هذا مع غض النظر عن المناقشة الكبيرة في أن يكون عثمان من أشبه أصحابه به خلقا؛ فإن المراجعة لسيرة عثمان و أخلاقه و سلوكه، لا يمكن أن تؤيد هذا بوجه من الوجوه، و نحيل القارئ إلى مورد واحد يكشف عن خلق عثمان، و هو قضيته مع عمار بن ياسر حين بناء المسجد. .

هذا كله مع غض النظر عما ظهر منه أيام خلافته من أمور نقمها الصحابة عليه، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن قتلوه من أجلها.

و ثمة روايات أخرى حول عثمان و زواجه برقية و أم كلثوم، تعرض لها العلامة الأميني في الغدير، فمن أرادها فليراجعها (3). فإنه رحمه اللّه قد جاء بما هو كاف و شاف، فجزاه اللّه خير جزاء و أوفاه.

كلمة أخيرة حول رقية و عثمان:

و يذكرون أخيرا: أن رقية كانت قبل عثمان متزوجة بابن أبي لهب، و قد فارقته بالطلاق.

وثمة رواية تقول: إن المبادرة للطلاق كانت من جانب آل أبي لهب،


1) الصحيح: سنة اثنتين.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 48، و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة.

3) راجع: الغدير ج 5 ص 326، و ج 9 ص 351 و 352 و 303 و 372 و 374، و موارد أخرى لا مجال لذكرها.

انتقاما منها و من أبيها، لأنها صبت إلى دينه. و هذه الرواية هي المعروفة.

و لكننا نجد في مقابل ذلك، رواية حسنة الإسناد تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي طلب من عتبة طلاق رقية؛ و سألته رقية ذلك، فطلقها (1).

و نحن و إن كنا لا نستغرب خبث نفوس آل أبي لهب، و لا يبعد أن تكون قد تعرضت عندهم للأذى، و لربما يستفاد ذلك من طلبها هي الطلاق، إلا أننا ربما نجد في هذه الرواية الثانية: دلالة على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يسعى إلى أن لا يقر مسلمة مع مشرك، إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

و مهما يكن من أمر، فإن عثمان قد تزوجها بعد طلاق ابن أبي لهب لها. . و يظهر أن ذلك كان في الإسلام؛ كما تدل عليه الروايات المتقدمة (2).

و إن كان البعض يحاول أن يدّعي أنه تزوجها في الجاهلية (3)و لكن ما تقدم يدفعه.

و يدفعه أيضا أن ابن شهرآشوب يذكر: أن عثمان قد عاهد أبا بكر أن يسلم إذا زوجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» رقية (4)، و كانت رقية ذات جمال


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و 217 عن الطبراني. قال الهيثمي: و فيه زهير بن العلاء، ضعفه أبو حاتم، و وثقه ابن حبان، فالإسناد حسن.

2) راجع: ذخائر العقبى ص 162، و المواهب اللدنية ج 1 ص 197 عن الدولابي، و تاريخ الخميس ج 1 ص 406.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 275 عن الدولابي.

4) مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 22.

رائع (1)، و من أحسن البشر (2).

فلعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» زوجه إياها تألفا له على الإسلام، فأسلم.

و يكون معنى قولهم-و إن كان ذلك بعيدا-إنه كان قد تزوجها في الجاهلية: أنه تزوجها في جاهليته هو، ثم أسلم، وفاء بعهده لأبي بكر.

و لسوف يأتي بعض الكلام حول هذا أيضا، حين الكلام عن زواج علي «عليه السلام» بفاطمة إن شاء اللّه.

2-زواج عثمان بأم كلثوم:

قال البعض: إن عثمان قد تزوج بأم كلثوم في ربيع الأول من سنة ثلاث، و بنى بها في جمادى الآخرة (3).

و لكن روي عن الصادق «عليه السلام» : أن أم كلثوم ماتت و لم يدخل بها عثمان (4).

و كان أبو بكر و عمر قد خطبا أم كلثوم، فلم يزوجهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (5)، فلما ماتت رقية خطب عثمان حفصة بنت عمر، فأبى عمر


1) المواهب اللدنية ج 1 ص 197، و ذخائر العقبى ص 162.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، و تلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة.

3) الإصابة ج 4 ص 489، و الإستيعاب بهامشها ج 4 ص 487.

4) رجال المامقاني ج 3 ص 73 و 74 عن قرب الإسناد، و قاموس الرجال ج 10 ص 406، و قريب منه خبر الخصال كما في ص 407 من القاموس للتستري.

5) مستدرك الحاكم ج 4 ص 49.

أن يزوجه، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فتزوج هو حفصة، و زوج عثمان أم كلثوم (1).

و عن عائشة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» جاء أم كلثوم بعد ثلاث، فسألها عن زوجها، فقالت: خير رجل.

فقال: أما إنه أشبه الناس بجدك إبراهيم، و أبيك محمد.

و نقول: إنه عدا عن الرواية المتقدمة المروية عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، التي ترفض أن يكون عثمان قد دخل بأم كلثوم؛ فإنهم أيضا قد حكموا على خبر عائشة هذا بأنه: موضوع (2).

هذا كله مع غض النظر عما تقدم، من أن أخلاق عثمان لم تكن توافق أخلاق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن الصحابة إنما قتلوه لأجل ذلك.

و أما سؤال: إنه كيف يزوجه أم كلثوم و هو قد عرف سوء معاملته لرقية؟

فسيأتي جوابه حين الكلام على تعدد زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» . و لسوف يأتي إن شاء اللّه في أواخر غزوة أحد بعض ما يتعلق بمعاملة عثمان لأم كلثوم، حين الكلام عن سبب وفاتها رحمها اللّه تعالى.

3-هجرة زينب ربيبة النبي صلّى اللّه عليه و آله:
اشارة

إنه بعد شهر من وقعة بدر كانت هجرة زينب ربيبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة. حيث أرسل «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن حارثة،


1) ذخائر العقبى ص 165، و المواهب اللدنية ج 1 ص 197. و قال: أخرجه الخجندي.

2) لسان الميزان ج 2.

و أنصاريا آخر ليأتيا بها. كما أن زوجها كان قد أمرها بأن تهاجر إلى أبيها، وفاء بالشرط الذي شرطه لها حينما أسر في بدر.

و خرج بها جهارا ليسلمها إلى زيد؛ فأنف القرشيون خروجها من بينهم على هذه الحالة؛ فخرجوا في طلبها؛ فأدركوها بذي طوى؛ فسبق إليها هبار بن الأسود، فروعها بالرمح، و كانت حاملا، فأهراقت الدم، و لما رجعت طرحت ذا بطنها.

و في نص آخر: أنه دفعها، فسقطت على صخرة، فأسقطت، و أهراقت الدماء؛ فلم يزل بها مرضها حتى ماتت (1)فبرك حموها كنانة بن الربيع، و نثل كنانته؛ و تهددهم، فتكركر الناس عنه، ففاوضه أبو سفيان؛ فكان مما قاله له:

«قد عرفت مصيبتنا و نكبتنا، و ما دخل علينا من محمد أبيها؛ فيظن الناس إذا أنت خرجت بابنته جهارا: أن ذلك عن ذل أصابنا، و أن ذلك منا و هن و ضعف» .

ثم طلب منه أن يرجعها إلى مكة، ثم يسلها سرا؛ فقبل منه ذلك، و عاد بها، ثم أخرجها ليلا، و سلمها إلى زيد، فقدم بها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و في نص آخر: أنه لما أرجعها بقيت عند هند بنت عتبة؛ فكانت تقول لها: هذا بسبب أبيك. فأرسل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» زيد بن حارثة،


1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 44، و قاموس الرجال ج 10 ص 446، و مجمع الزوائد ج 9 ص 216، و قال: رواه الطبراني، و هو مرسل، و رجاله رجال الصحيح.

و معه خاتمه علامة لها، فأعطاه إلى راعي أبي العاص؛ فأوصله إليها، فسألته عن مكانه، ثم خرجت إليه ليلا، فقدم بها على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و في عام الفتح أرجع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» زينب إلى زوجها، كما سيأتي إن شاء اللّه.

و قد أهدر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» دم هبار بن الأسود و رفيقه، بسبب ما جرى لزينب، كما ورد في رواية صحيحة على شرط السنن (2). و كما هو معروف و مشهور.

و قبل أن نمضي في الحديث، لا بد من تسجيل النقاط التالية:

ألف: ما جرى لزينب، و ما جرى لفاطمة عليها السّلام:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «قلت: و هذا الخبر أيضا قرأته على النقيب (3)أبي جعفر رحمه اللّه؛ فقال: إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سلم أباح دم هبار بن الأسود، لأنه روع زينب؛ فألقت ذا بطنها؛ فظهر الحال: أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها.

فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إن فاطمة روعت؛ فألقت المحسن؟ ! .

فقال: لا تروه عني، و لا ترو عني بطلانه؛ فإني متوقف في هذا الموضع؛


1) راجع في هذه الرواية: ذخائر العقبى ص 157، و مجمع الزوائد ج 9 ص 212.

2) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 331.

3) قد تقدم في غزوة بدر حين الكلام عن فداء الأسرى، حينما أرسلت زينب بالقلائد بعض ما يعبر عن شخصية أبي جعفر هذا، فراجع.

لتعارض الأخبار عندي فيه» (1).

و هكذا، فلقد خاف أبو جعفر: من أن يتعرض لما تعرض له غيره ممن يروي فضائل أمير المؤمنين، و أهل البيت «عليهم السلام» لقد خاف على نفسه، أو لا أقل على مكانته و اعتباره و مستقبله العلمي. و لا سيما إذا كانت هذه الرواية تتضمن إباحة دم عدد من كبار الصحابة؟ ! الذين لبعض الناس فيهم حسن ظن و تعلق عاطفي، و محبة ظاهرة.

ب: أين روايات إسقاط المحسن؟ ! :

و ليت شعري، أين هي تلك الأخبار في إسقاط المحسن، التي قال عنها أبو جعفر: إنها موجودة و متعارضة؟ ! فها نحن لا نجد لها عينا و لا أثرا في كتبهم و مؤلفاتهم اليوم، إلا القليل مما هو من قبيل هذا التعبير الذي نحن بصدد الحديث عنه.

أليس ذلك يعني: أن هذه الأخبار قد أسقطت، و قضي عليها، كغيرها من الكثير مما رأوه يضر بمصالحهم و بعقائدهم؟ ! و إن كان قد بقي حتى الآن الكثير النافع، و القاطع لكل عذر، و لا مجال لأحد أن ينكره، أو أن يشكك فيه مما ليس فيه حرج بالغ، أو خزي فاضح.

و لأجل قضية إسقاط المحسن حرفوا كتاب: «المعارف» لابن قتيبة، فقد قال ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588 ه:

«و في معارف القتيبي: «أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي» (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 193.

2) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج 3 ص 358.

و قال الكنجي الشافعي، المتوفى سنة 685 ه: و زاد على الجمهور، و قال: إن فاطمة «عليها السلام» أسقطت بعد النبي ذكرا، كان سماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محسنا، و هذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل، إلا عند ابن قتيبة» (1).

و لكن الموجود في كتاب المعارف لابن قتيبة، المطبوع سنة 1353 ه. صفحة 92 هكذا: «و أما محسن بن علي؛ فهلك و هو صغير» . و هكذا في سائر الطبعات المتداولة الآن، فلماذا هذا التحريف، و هذه الخيانة للحقيقة و للتاريخ يا ترى؟ ! (2).

و نسب المقدسي: إسقاط فاطمة لمحسن بسبب ضرب عمر لها إلى الشيعة (3). و هو الذي يظهر من الذهبي و العسقلاني أيضا (4).

و لكن النظّام قد أعلن رأيه في هذه القضية بشكل جعل من الصعب على الشهرستاني تجاهله، فقال عن النظام، إنه قال: «إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، و كان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها» (5).


1) كفاية الطالب ص 413.

2) و ليراجع كتاب: بانوى كربلاء (فارسي) (ط سنة 1339) هامش ص 18 و 19، و دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام (للمؤلف) ج 1 ص 29.

3) البدء و التاريخ ج 5 ص 20.

4) ميزان الاعتدال ج 1 ص 139، و لسان الميزان ج 1 ص 268.

5) الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 57(ط سنة 1387 ه.) و المطبوع بهامش الفصل في الملل و النحل ج 1 ص 73 مع تصريحه باسم «المحسن» في هذه الطبعة.

و ذكر البغدادي قول النظام بضرب عمر لفاطمة، و ترك التصريح بأنها أسقطت جنينها (1).

ج: عروة يتنقص فاطمة عليها السّلام، و موقف السجاد عليه السّلام منه:
اشارة

و قد روى عروة بن الزبير ما جرى لزينب، عن عائشة، و في آخر كلامها العبارة التالية: «فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: هي أفضل بناتي، أصيبت فيّ.

قال: فبلغ ذلك علي بن الحسين زين العابدين؛ فأتى عروة، فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه، تتنقص فيه حق فاطمة؟ !

فقال عروة: ما أحب أن لي ما بين المشرق و المغرب: أن أتنقص فاطمة حقا هو لها، و أما بعد، فلك أن لا أحدث به أبدا» (2).

لقد كان لا بد لعروة من إنكار: أنه كان يتنقص فاطمة، و لو بأن يجعل المسؤولية تتوجه إلى عائشة نفسها؛ لأن تنقص فاطمة «عليها السلام» علنا، معناه الكفر الصريح، و تكذيب القرآن و لم يكن ذلك مقبولا، و لا مستساغا


1) الفرق بين الفرق ص 147 و 148.

2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 43 و 44، و صححه على شرطهما، و تلخيص المستدرك للذهبي، و قال: إنه حديث منكر. و البداية و النهاية ج 3 ص 331، و ذخائر العقبى ص 158، و مجمع الزوائد ج 9 ص 212 و 213، عن الطبراني في الكبير، و في الأوسط بعضه، و رواه البزار، و رجاله رجال الصحيح، و حياة الصحابة ج 1 ص 379 عن المجمع، و تاريخ الخميس ج 1 ص 274، و مختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 267، و مشكل الآثار ج 1 ص 45.

عند عامة المسلمين، رغم الدعايات الواسعة التي حاولت الحط من كرامة و شأن أهل البيت، و تعظيم و رفع أعدائهم و مناوئيهم.

و لا نريد أن نزيد هنا شيئا على موقف السجاد «عليه السلام» ، فإنه قد أوضح لنا بما لا مجال معه للشك المرمى و الهدف من روايتهم تلك. و قام «عليه السلام» ليؤدي رسالته في نصرة الحق و أهله.

مع الطحاوي في تمحلاته:

و لكن ما يلفت نظرنا هنا هو: أن الطحاوي يحاول أن يؤكد على صحة ما كذبه الإمام السجاد «عليه السلام» ، و أن يجد له التأويل و المخرج، حتى لقد حكم بأن تفضيل زينب على سائر بناته «صلى اللّه عليه و آله» إنما هو حينما كانت فاطمة «عليها السلام» صغيرة، و لم تكن بهذه المنزلة، ثم وفقت فاطمة إلى الأعمال الصالحة، و ما وهب لها من الذرية؛ فصارت أفضل (1).

و نقول:

إن ما نعرفه: هو أن فاطمة إنما فضلت على نساء العالمين بنفسها، و بعملها، و جهادها هي، لا بما وهب لها من الذرية؛ فإن مجرد أن يكون للإنسان ذرية صالحة لا يجعل له امتيازا، ما لم يكن هو بنفسه شريفا و كريما و فاضلا، فإن أكرمكم عند اللّه أتقاكم.

كما أننا نعرف: أن الطحاوي نفسه يذكر: أن فاطمة لم تكن حينئذ صغيرة، لأنه يقول: إنها توفيت و عمرها 25 سنة (2)، مما يعني أن عمرها كان


1) مشكل الآثار ج 1 ص 46 و 47.

2) مشكل الآثار ص 47 و ليراجع ص 51.

حين هجرة زينب 17 سنة.

و الغريب هنا أنه يقول: إن كون فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام، لا ينافي فضل فاطمة، لأنه يجوز أن يكون ذلك قبل بلوغ فاطمة (1)، مع أنه هو نفسه يقول: إن فاطمة كانت أكبر من عائشة بسبع سنين، لأن النبي توفي و عمر عائشة 18 سنة عنده، و كان عمر فاطمة 25 سنة عنده (و قد قدمنا نحن أن العكس هو الصحيح، فراجع مباحث أول من أسلم، حول سبق عائشة إلى الإسلام، و مباحث العقد على عائشة، و انتقالها إلى بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .) .

ثم أليس البلوغ هو بلوغ تسع سنين؟

و قد كان عمر فاطمة يزيد حينئذ على تسع سنين على جميع الأقوال؟ ! .

كما أن آية التطهير قد نزلت بعد هجرة زينب بحوالي سنتين فقط، و قد شملت فاطمة دون زينب و عائشة.

و على كل حال، فإننا لا نستغرب على الطحاوي و لا على غيره هذه التناقضات و الغرائب، فإنما هي «شنشنة أعرفها من أخزم» .

مصاب فاطمة عليها السّلام:

و بعد، فإن ما أصاب فاطمة بعد وفاة أبيها «صلى اللّه عليه و آله» قد زاد على كل مصائب من سواها من النساء، فقد ضربت «عليها السلام» ، و أسقط جنينها، و هجموا على بيتها ليحرقوه، و قد بقي أثر الضرب في كتفها


1) المصدر السابق ص 53.

كمثل الدملج إلى أن توفيت.

و يذكر ابن سعد أنها أوصت أن لا يكشف كتفها (1).

و قد روي قول الإمام الحسن «عليه السلام» للمغيرة بن شعبة: أنت ضربت أمي فاطمة حتى أدميتها، و ألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

ثم منعوها من البكاء على أبيها «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى الكثير الكثير من الظلم الذي حاق بها بشتى أنواعه.

و هكذا يتضح: أنهم قد انتقموا لأنفسهم شر انتقام، و لعل رده لهما -حين خطباها-قد ترك هو الآخر آثاره على نفسية هؤلاء الناس، و رحم اللّه الذي يقول:

تلك كانت حزازة ليس تبراحين ردّا عنها و قد خطباها

4-أم سلمة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:
اشارة

و في شوال السنة الثانية بعد بدر (3)و قيل: قبل بدر (4)، و قيل: في شوال


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 27 ط صادر، و ج 8 ص 18 ط ليدن.

2) البحار ج 43 ص 197 عن الاحتجاج، و مرآة العقول ج 5 ص 321، و العوالم ص 225.

3) الإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 421 و 422، و تاريخ الخميس ج 1 ص 466 عن السمط الثمين عن أبي عمر، و ذكره مغلطاي في سيرته بلفظ قيل.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 466، و راجع سيرة مغلطاي ص 55.

السنة الرابعة (1)تزوج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بأم سلمة، أفضل نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد خديجة، و أول مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة، و عادت إلى مكة ثم كانت أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة أيضا (2).

و نحن نرجح: أنها دخلت بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» كزوجة له في السنة الثانية، و قد حضرت زفاف علي بفاطمة «عليهما السلام» الذي جرى في ذي الحجة من السنة الثانية، و ذلك لما ذكرناه فيما يأتي، حين الكلام حول حضور أم سلمة زواج فاطمة «عليها السلام» ، فليراجع ما ذكرناه هناك.

و على كل حال، فقد خطب أم سلمة أولا أبو بكر، فردته، ثم خطبها عمر فردته؛ ثم خطبها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت: مرحبا برسول اللّه الخ. . (3)و ذكرت له أنها غيرى، و أنها مصبية (4)، فرد النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلا عذريها، و تزوجها.

عمر أم سلمة حين الزواج:

و الظاهر أنها حين تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن قد بلغت الخامسة و العشرين من عمرها، لأنهم يقولون: إنها توفيت في أوائل


1) التنبيه و الإشراف ص 213، و سيرة مغلطاي ص 55 و غيره كثير.

2) راجع على سبيل المثال: الإصابة ج 4 ص 459، و تاريخ الخميس ج 1 ص 466.

3) طبقات ابن سعد ج 8 ص 62، و المواهب اللدنية ج 1 ص 204، و لم يذكر غير أبي بكر، و أسد الغابة ج 5 ص 58، و الإصابة ج 4 ص 459.

4) مصبية: ذات صبي.

خلافة يزيد لعنه اللّه، سنة اثنين و ستين، و لها أربع و ثمانون سنة (1)فيكون عمرها حينما هاجرت إلى الحبشة حوالي 15 سنة.

الكمال و الجمال:

و عذر أم سلمة المتقدم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنها تغار، و بأنها مصبية، يدل على كمال عقلها، و حسن أدبها، و على أنها كانت تحسب للعواقب حسابها، فإن غيرتها لربما توقعها فيما لا تحب، و تكون سببا في أذى النبي، أو عدم راحته. و كونها مصبية لربما يعيقها عن القيام بواجباتها تجاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على النحو الأكمل و الأفضل.

و قد كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، و العقل الراجح، و الرأي الصائب (2).

و كانت من أجمل الناس (3).

و لأجل ذلك نجد عائشة تقول: لما تزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أم سلمة حزنت حزنا شديدا؛ لما علمت من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها؛ فرأيت و اللّه أضعاف ما وصفت من الحسن و الجمال، فذكرت ذلك لحفصة، و كانتا يدا واحدة إلخ (4).


1) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362.

2) الإصابة ج 4 ص 459، و حديث الإفك ص 161 عنه.

3) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362، و المواهب اللدنية ج 1 ص 205.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 467، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 66، و الإصابة ج 4 ص 459 عنه.

ثم ذكرت أن حفصة قد حاولت التخفيف من هموم رفيقتها في هذا المجال.

و لكن الظاهر: أن ذكر حفصة هنا كان في غير محله، لأن الظاهر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها بعد أم سلمة كما سيأتي. فلا بد أن تكون قد ذكرت لها ذلك، حين لم تكن حفصة زوجة له «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أن غير حفصة هي صاحبة القضية مع عائشة.

و ثمة موارد أخرى تدخل في هذا المجال، ذكرها ابن سعد في طبقاته و غيره لا مجال لإيرادها.

أم سلمة على العهد:

لقد كانت أم سلمة خير زوج لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بقيت بعده على العهد، لم تغير و لم تبدل، و قرت في بيتها كما أمرها اللّه، و ناصرت وصي رسول اللّه، و عادت أعداءه و محاربيه، حتى ليذكر البيهقي: أن عائشة دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل، و قد كانت أم سلمة حلفت ألا تكلمها أبدا، من أجل مسيرها إلى محاربة علي بن أبي طالب.

فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين.

فقالت: يا حائط، ألم أنهك؟ أ لم أقل لك؟ !

قالت عائشة: فإني أستغفر اللّه و أتوب إليه، (كيف تتوب إليه، و هي عندما جاءها نعي علي أعتقت غلامها، و أظهرت الشماتة، و تكلمت بالكلام السيء في حقه «عليه السلام» (1)كلميني يا أم المؤمنين.


1) راجع: الموفقيات ص 131، و الجمل ص 83 و 84، و مقاتل الطالبيين ص 42 و 43، و قاموس الرجال ج 10 ص 475.

قالت: يا حائط، ألم أقل لك؟ ! ألم أنهك؟ !

فلم تكلمها حتى ماتت إلخ (1).

و لأم سلمة كلام قوي واجهت به عائشة بعد حرب الجمل و قبلها. و لها كتاب إلى علي «عليه السلام» حول خروج عائشة و إرسال ابنها سلمة إلى علي ليحارب معه عدوه، فليراجع ذلك من أراده (2).

و بالمناسبة فإن ابن أم سلمة الذي أرسلته إليه اسمه «عمر» ، و قد كان واليا لأمير المؤمنين «عليه السلام» على فارس و البحرين؛ و كان معه يوم الجمل (3).

وفاة أم سلمة:

و قد كانت أم سلمة رحمها اللّه آخر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» وفاة. فقد توفيت في خلافة يزيد لعنه اللّه تعالى.

و لا يصح قول البعض كالواقدي و غيره (4): إنها توفيت سنة تسع و خمسين، و صلى عليها سعيد بن زيد، أو أبو هريرة (5).

نعم، لا يصح؛ و ذلك للأمور التالية:


1) المحاسن و المساوي للبيهقي ج 1 ص 481.

2) راجع: قاموس الرجال ترجمة أم سلمة.

3) قاموس الرجال ترجمة عمر بن أبي سلمة.

4) راجع: ترجمة أم سلمة في طبقات ابن سعد ج 8، و المواهب اللدنية ج 1 ص 205، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362.

5) كما ذكره أبو عمر في الإستيعاب، و ابن الكمال، و ابن الأثير.

أولا: إن سعيد بن زيد قد توفي في سنة خمسين، أو إحدى و خمسين (1)فكيف يكون قد صلى على أم سلمة التي توفيت بعد ذلك-كما صرح به هو نفسه-بسنوات؟

و أما أبو هريرة، فإنه توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع و خمسين، فبالنسبة للقولين الأولين لا ريب في أنه قد توفي قبلها، و أما بالنسبة للأخير، فيبقى الأمر محتملا؛ و لسوف يندفع هذا الاحتمال من خلال الأدلة التالية.

و ثانيا: إننا لا نرتاب في أن أم سلمة قد توفيت في خلافة يزيد، و ذلك استنادا إلى ما يلي:

1-إن من المعروف و الثابت، أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أودع عند أم سلمة قارورة فيها من تراب كربلاء، فإذا رأتها فاضت دما؛ فقد قتل الحسين «عليه الصلاة و السلام» .

و هكذا كان، فقد عرفت استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» ، حينما فاضت هذه القارورة دما (2).

قال ابن كثير: «و الأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله» (3).

2-روى الطبراني بسند رجاله ثقات: أنها رحمها اللّه توفيت زمن يزيد


1) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362، و الإصابة ج 4 ص 460.

2) راجع مصادر هذه القضية في كتاب: «سيرتنا و سنتنا» للعلامة الأميني، فإنه مشحون بالمصادر لها. و السجود على الأرض للعلامة الأحمدي ص 112 و 113 و 114، ففيه مصادر كثيرة أيضا.

3) البداية و النهاية ج 8 ص 215.

بن معاوية سنة اثنتين و ستين (1).

3-و قال الذهبي: إنها عمرت حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد؛ فوجمت لذلك، و غشي عليها، و حزنت عليه كثيرا، و لم تلبث بعده إلا يسيرا، و انتقلت إلى اللّه تعالى (2).

4-عن شهر بن حوشب، قال: أتيت أم سلمة أعزيها بالحسين (3).

5-رأت أم سلمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المنام، و أخبرها بأن الحسين «عليه السلام» قد قتل (4).

6-قالوا: و قد روي بسند رجاله رجال الصحيح: أنها سمعت الجن تنوح على الحسين «عليه السلام» (5).

7-عن شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة (تقول)حين جاء نعي الحسين بن علي، لعنت أهل العراق؛ فقالت: قتلوه، قتلهم اللّه إلخ. . ثم تذكر حديث الكساء (6).


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 246.

2) مقتل الحسين للمقرم ص 355 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 202.

3) مقتل الحسين للمقرم ص 355 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 207 و ج 3 ص 283.

4) تهذيب التهذيب ج 2 ص 356، و تاريخ الخلفاء ص 208، و أمالي ابن الشيخ الطوسي ج 1 ص 89، و مقتل الحسين للمقرم ص 355 عنهما و عن ذخائر العقبى ص 148، و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 316.

5) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 208، و مجمع الزوائد ج 9 ص 199 عن الطبراني، و حياة الصحابة ج 3 ص 742 عنه.

6) شواهد التنزيل ج 2 ص 73 و 74 و 75 و 76 و راجع ص 77 و في هامشه، -

8-و روى مسلم في صحيحه: أن الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، و عبد اللّه بن صفوان، دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية؛ فسألا عن الجيش الذي يخسف به. و كان ذلك حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعة الحرة سنة ثلاث و ستين (1).

و أخيرا، فإن من الذين قالوا بوفاتها في خلافة يزيد: الذهبي-كما تقدم- و رجحه ابن كثير كما تقدم أيضا، و ابن أبي خيثمة، و ابن حبان، و أبو نعيم، و اليافعي، و ابن عساكر، و صححه (2)، و غيرهم.

و لعل الهدف من الإصرار على أنها قد توفيت سنة تسع و خمسين، هو تكذيب تلك الفضيلة التي ثبتت للإمام الحسين «عليه السلام» ، و التي تظهر بشاعة و فظاعة تلك الجريمة التي ارتكبها يزيد، و من معه من الأمويين و أذنابهم.

5-حفصة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و في السنة الثالثة، و قال أبو عبيدة في الثانية، في شهر شعبان، عقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حفصة بعد انقضاء عدتها، بعد وفاة زوجها

(6) -و مسند أحمد ج 6 ص 298، و المعجم الصغير ج 1 ص 65. و راجع البحار ج 45 ص 199 عن الطرائف لابن طاووس ص 26 ج 1، و مشكل الآثار ج 1 ص 335.


1) الإصابة ج 4 ص 460.

2) راجع: الإصابة ج 4 ص 460، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362، و مرآة الجنان ج 1 ص 137، و البداية و النهاية ج 8 ص 215، و تاريخ الخميس ج 1 ص 467، و غير ذلك.

السابق خنيس بن حذافة، المقتول في بدر، أو أحد، أو بعدها.

و الأرجح الأول؛ أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد عليها في السنة الثالثة، لأن بعض الروايات تصرح بأن عمر قد عرض حفصة على عثمان «متوفى رقية بنت النبي» (1).

و رقية إنما توفيت بعد بدر، أو في ذي الحجة-كما تقدم و هو الذي رجحناه.

و تقول بعض الروايات: إن عمر عرض حفصة على عثمان و أبي بكر، فلم يجيباه إلى ما طلب، فشكا ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: إن اللّه عز و جل قد زوج عثمان خيرا من ابنتك، و زوج ابنتك خيرا من عثمان.

و هذه الرواية و إن كانت صريحة في أن أم كلثوم أفضل من حفصة، و تلقي ظلالا من الشك حول ما ينسب إلى حفصة من الفضل، بالإضافة إلى أن سيرة حياتها و سلوكها مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و بعده، تجعل الباحث يميل إلى ضد ذلك الذي ينسبه محبوها إليها.

إلا أننا نجد: أن عرض عمر ابنته على أبي بكر، و عثمان، غير مألوف، و لا معروف من الآباء، و لا ينسجم مع طبيعة العربي، و غروره، و حساسيته تجاه قضايا المرأة بشكل خاص، و بالأخص من قبل عمر، الذي أظهر حساسية متميزة في هذا المجال، حتى لقد حرم زواج المتعة، الذي لم يكن


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 57 و 58، و ليراجع الإصابة ج 4 ص 273، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 268 و 300.

معروفا و لا مألوفا في الجاهلية، و لذا فنحن نرى أن الرواية الأصوب و الأقرب هي التي تقول:

«لما توفيت رقية خطب عثمان ابنة عمر حفصة؛ فرده، فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا عمر، أولا أدلك على خير من عثمان؟ ، و أدل عثمان على خير له منك؟ !

قال: نعم يا نبي اللّه.

قال: تزوجني ابنتك، و أزوج عثمان ابنتي، خرجه الخجندي» (1).

و يلاحظ: أنه لم يذكر في هذه الرواية: أن اللّه قد زوجه حفصة، و زوج عثمان أم كلثوم.

و عدم ذكره هو الأقرب للصحة؛ فإن زينب بنت جحش كانت تفتخر على نساء النبي بأن اللّه هو الذي زوجها، أما هن فزوجهن أولياؤهن.

و لو كان اللّه قد زوج حفصة حقا لم يكن لكلام زينب هذا مجال، و لاعترض عليها نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك.

و هكذا، فإن الشواهد تتضافر على تأييد هذه الرواية الأخيرة. و لسوف يأتي أيضا كلام مهم آخر عن زواجه «صلى اللّه عليه و آله» من حفصة، حين الكلام عن سر تعدد زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» .

6-زينب بنت خزيمة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:
اشارة

و في شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة، و بعد تزوجه «صلى اللّه عليه


1) المواهب اللدنية ج 1 ص 97، و ذخائر العقبى ص 165.

و آله» بحفصة، تزوج «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت خزيمة و ماتت بعد شهرين، أو ثلاثة من اقترانها به، فهي أول زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» موتا بعد خديجة «صلوات اللّه و سلامه عليها» .

و قبل أن نمضي في الحديث لا بأس بأن نتوقف قليلا لنلقي نظرة، و لنتأمل في الدوافع التي دعت النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» إلى تكثير زوجاته؛ فنقول:

سر تعدد زوجاته:

الاتهام الباطل:

قد يحلو لبعض المغرضين و الحاقدين: أن يسجل على رسول الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ملاحظة غير واقعية، تتلخص في أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما تزوج عدة نساء استجابة لرغبة جنسية جامحة، كان يعاني منها.

و لكننا، إذا درسنا هذه الناحية بعمق و وعي، فإننا نخرج بنتيجة حاسمة تعطينا: أن هذا الكلام محض خيال زائف، ليس له منطق يساعده، و لا دليل يعتمد عليه، و ذلك بملاحظة ما يلي:

1-إن حب الرجل للمرأة أمر طبيعي، و لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» رجلا إنسانا؛ فطبيعي أن يميل إلى المرأة، و يشعر بالمتعة معها. و لكن أول ما يطالعنا في هذا المجال في حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، هو أننا نلاحظ: أن أكثر زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» كن ثيبات: إما مطلقات، أو ترملن من أزواجهن قبله «صلى اللّه عليه و آله» .

فلو كان «صلى اللّه عليه و آله» يهتم بأمور الجنس؛ لكان باستطاعته أن يتزوج خيرة الفتيات الأبكار؛ و لوجد أولياءهن يفتخرون بمصاهرته لهم. و هو الذي حث و حبذ و أثنى على الزواج بالأبكار، و رغب فيه بشكل واضح و ملموس.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مكة بقي 25 سنة مع زوجته خديجة، المرأة الوفية، التي كانت تكبره سنا، كما يقولون.

و لم يتزوج عليها في حياتها أحدا، مع أن تعدد الزوجات كان مألوفا لدى الناس آنئذ.

3-إننا نجده يرفض عرض قريش عليه التزويج بأي النساء شاء، في مقابل أن يلين في موقفه، و يخفف من مواجهته لآلهتهم و عقائدهم.

4-و ملاحظة رابعة نضيفها و هي: أن نساءه «صلى اللّه عليه و آله» كن على كثرتهن من قبائل شتى، لا تكاد تجد منهن اثنتين من قبيلة واحدة، إلا من اللواتي لم يدخل بهن.

5-ثم إن جميع زوجاته باستثناء خديجة، إنما دخلن بيت الزوجية عنده حينما كان في المدينة المنورة، أي بعد أن تجاوز سن الخمسين، و بعضهن تزوجهن «صلى اللّه عليه و آله» قبل وفاته بمدة قليلة.

6-و أيضا، فإن هذا التعدد لم يشغل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن واجباته، و لا أخرجه عن اتزانه، و لا طغى على وقته و نشاطه، و تاريخ حياته «صلى اللّه عليه و آله» يشهد: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يهتم بهذه الأمور، بل كان مثال العفاف و الطهر البالغ، و لم يلوث نفسه بأي مما كانت الجاهلية تبيحه، و تشيع في مجتمعه ممارسته، و لم يستطع أحد من أعدائه

أن يصمه بشيء من ذلك.

7-و أخيرا، فإن ما يجب الالتفات إليه هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خيّر زوجاته بين الرضا بحياة التقشف معه، و بين الطلاق و الفراق، فلو كان زواجه بهن بسبب طغيان الغريزة الجنسية لديه، لكان يجب أن يحتفظ بهن في جميع الأحوال، و لا يفرط بهن لمجرد حبه لحياة التقشف و الزهد.

فهل استيقظ فيه «صلى اللّه عليه و آله» الشعور الجنسي في المدينة بالذات، و بعد شيخوخته، و في أواخر عمره؟ !

و هل استيقظ هذا الشعور على خصوص النساء اللواتي ترملن؟ أو طلقهن أزواجهن؟ ! .

أو هل أراد حقا أن يتذوق نساء القبائل المختلفة في الجزيرة العربية؟ ! .

و لماذا اختص ذلك بالعربية دون غيرها؟ ! .

الدوافع الحقيقية:

و بعدما تقدم، فإننا إذا أردنا أن نجيب على التساؤل حول السبب في كل ذلك، و دوافعه، و آثاره، فإننا نقول:

إن زواجه «صلى اللّه عليه و آله» المتعدد هذا، قد كان لدوافع سياسية، و أحكامية، و إنسانية؛ و انطلاقا من مصلحة الإسلام العليا.

و توضيح ذلك قدر الإمكان يكون في ضمن النقاط التالية:

1-إن بعض موارد ذلك الزواج كانت دوافعه إنسانية بحتة، لكون تلك المرأة قد أسلمت و هاجرت، ثم توفي أو قتل عنها زوجها، و لا سبيل لها إلى الرجوع إلى أهلها المشركين؛ لأنها لا تستطيع أن تقاوم ضغوطهم

النفسية و المادية عليها.

هذا إن لم تتعرض للتعذيب الجسدي الوحشي، فيما لو أرادت أن تحتفظ بدينها و عقيدتها فيما بينهم، و لا معيل و لا كفيل لها في هذا المجتمع الجديد، كما كان الحال بالنسبة لسودة بنت زمعة التي كانت مسنة، و يزيد عمرها على الخمسين عاما، و كذا الحال بالنسبة لزينب بنت خزيمة.

هذا بالإضافة إلى أن تأيمها سيطلق الألسنة و الأهواء في حقها و في اتهامها، و يجعلها تتعرض لضغوط، و حتى إلى إغراءات، ربما لا تناسبها و لا تناسب موقعها و مصيرها في هذا المجتمع الغريب عنها. هذا إن لم يؤد ذلك إلى أزمات نفسية، و حتى قبلية لا مبرر لها.

فخير كافل، و خير معين، و حافظ و ولي لها، هو النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، إلا إذا وفق اللّه و تزوجها بعض خيار أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين يكون ثمة من يقدم على ذلك.

2-إن زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بجويرية قد نشأ عنه: -كما يقولون-أن يطلق المسلمون مئة أهل بيت، و عند دحلان مئتين من الأسرى من قبيلتها، فأسلم من قومها خلق كثير، على حد تعبير المؤلفين في السيرة النبوية (1).

و سيأتي ذلك إن شاء اللّه مع مصادره في جزء آت من هذا الكتاب. فهذا نوع من التأليف للناس على الإسلام، و الترغيب فيه، كما كان «صلى اللّه عليه و آله» يتألفهم بطرق أخرى كبذل المال لهم، و تزويجهم، و توليتهم


1) سيرة المصطفى ص 467.

بعض الأمور، و غير ذلك.

بل نجد عمرو بن العاص يذكر لنا نوعا من التأليف لم يكن يخطر على بالنا؛ يقول عمرو: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبل بوجهه و حديثه على أشر القوم، يتألفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه و حديثه علي، حتى ظننت أني خير القوم. .» .

ثم ذكر أنه سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن نفسه، و فلان، و فلان، فأخبره: أنهم أفضل منه، فيقول عمرو: «فلوددت أني لم أكن سألته» (1).

3-إن زواجه بزينب بنت جحش قد كان لضرورة اقتضاها التشريع، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد تبنى زوجها زيد بن حارثة، و كان العرب يعتقدون: أن آثار التبني هي نفس آثار البنوة الحقيقية، فيحل له، و يحرم عليه، و يرث، و يعامل-تماما-كالابن الحقيقي بلا فرق.

و لم يكن مجال لقلع هذا المفهوم الخاطئ إلا بالإقدام على عمل أساسي لا مجال للريب، و لا للتأويل فيه. فكان زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من زوجة ابنه بالتبني هو الوسيلة الفضلى لقلع هذا المفهوم الخاطئ من أذهانهم، و هكذا كان.

4-لقد جاء الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لهداية الناس و إرشادهم، و لا بد لهم من الإيمان به، و التسليم لأمره و نهيه. بل لا بد أن تكون له مكانة و محبة في نفوسهم تزيد على محبتهم لكل شيء آخر، حتى


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 15 عن الطبري بأسناد حسن، و في الصحيح بعضه بغير سياقه، و حياة الصحابة ج 2 ص 706 عن الترمذي في الشمائل ص 25.

المال، و الولد، و النفس، بنص القرآن الكريم:

قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (1).

و لكن، و بعد أن اضطر «صلى اللّه عليه و آله» إلى مواجهتهم بالحرب، و قهرهم، و تمكن من السيطرة عليهم، صار بين كثير من القبائل التي كان عدد من زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» ينتمي إليها، و بين المسلمين، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» على رأسهم، حروب و قتلى، و كان لقضية الثار و الدم عند العربي أهمية خاصة، كما ألمحنا إليه من قبل.

نعم، بعد ذلك كله، مست الحاجة إلى اتباع أساليب كثيرة من أجل تأليفهم و إيجاد علائق من نوع معين، تفرض عليهم، أو على الأقل على الكثيرين منهم-و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يهمه حتى الفراد الواحد-: أن يرتبطوا به، و يتعاملوا معه تعاملا واضحا، و من موقع الثقة المتبادلة. و يقطع الطريق عليهم في أي موقف سلبي منه، و من دعوته.

و بعد أن يتمكن من شحنهم روحيا و عقائديا، يكون قد مهد الطريق للقضاء على الأحقاد و الإحن، ليمكن-من ثم-العمل يدا واحدة من أجل هدف واحد، و في سبيل واحد.

و لهذا نجده «صلى اللّه عليه و آله» يتحمل من بعض تلك النسوة أذى


1) الآية 24 من سورة التوبة.

كثيرا، و يواجه صعوبات جمة معها، و لكنه لا يبادر إلى قطع العلاقة معها نهائيا، لأنه يتعامل مع زوجاته من موقعه السياسي الحرج، لا من جو بيت الزوجية (1).

5-و كشاهد على ما تقدم نذكر: أن زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بحفصة مثلا كان-على ما يظهر-زواجا سياسيا؛ و يمكن أن يتضح ذلك من كلام أبيها عمر لها، حين طلقها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أراد طلاقها مرة ثانية، حينما تظاهرت هي و عائشة عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اعتزلهما، فقد قال عمر لابنته:

«و اللّه، لقد علمت: أن رسول اللّه لا يحبك، و لو لا أنا لطلقك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

كما و يرى البعض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يساوي بين أبي بكر و عمر من جهة المصاهرة لكل منهما (3).

و معنى كلامه هذا هو أن الدافع للزواج بحفصة كان سياسيا، و ليس هو الرغبة الجنسية الجامحة، كما يدعون.

و كذا الحال بالنسبة لزواجه بعائشة، حيث تزوجها من أجل الاحتفاظ بولاء أبيها و أبنائه إلى جانبه.

و حينما طلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حفصة في المرة الأولى،


1) راجع كتاب: حديث الإفك ص 165 للمؤلف.

2) صحيح مسلم ج 4 ص 165، و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 190.

3) مع المفسرين و المستشرقين في زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش ص 104.

حثا عمر على رأسه التراب، و قال ما يعبأ اللّه بعمر، و ابنته بعدها، فراجعها النبي، رحمة لعمر (1).

فهذا الموقف الشديد لعمر من طلاق ابنته، جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يضطر إلى مراجعتها من جديد! !

و قد ذكرها عمر بهذا الأمر حينما أراد «صلى اللّه عليه و آله» طلاقها في المرة الثانية فقال: «إنه قد كان طلقك مرة، ثم راجعك من أجلي» أو قال: إن النبي طلقك و راجعك من أجلي، أو نحو ذلك (2).

و بعد ما تقدم يتضح: أنه لا يصح قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما راجعها، لأن جبرائيل أمره بمراجعتها، لأنها صوامة قوامة (3).

خصوصا و أن الصوامة القوامة لا تجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يضطر إلى طلاقها مرتين، ثم يراجعها من أجل أبيها.

و قد يتضح للبعض: أن تلفيق رواية زواج علي «عليه السلام» من بنت أبي جهل، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب أن يطلق ابنته إذا أصر على


1) أسد الغابة ج 5 ص 426، و الإصابة ج 4 ص 273، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 269، و مجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني.

2) راجع هذه النصوص في: أسد الغابة ج 5 ص 426، و مجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني و رجاله رجال الصحيح، و الإصابة ج 4 ص 273 عن أبي يعلى، و راجع سيرة مغلطاي ص 48.

3) طبقات ابن سعد ج 8 ص 58 و 59، و مجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن البزار و الطبراني، و أسد الغابة ج 5 ص 425، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 269، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 238.

ذلك، قد جاء بهدف حفظ ماء الوجه لعمر فيما جرى له في قصة طلاق النبي «صلى اللّه عليه و آله» لابنته حفصة.

كذبة مفضوحة:

و من الكذب الواضح هنا: ما روي أنه لما طلقها النبي «صلى اللّه عليه و آله» اغتم الناس؛ و دخل عليها خالها عثمان بن مظعون، و أخوه قدامة، فبينما هو عندها، و هم مغتمون إذ دخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حفصة، و قال: يا حفصة، أتاني جبريل «عليه السلام» آنفا، فقال: إن اللّه يقرؤك السلام، و يقول لك: راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، و هي زوجتك في الجنة.

و ثمة نص قريب من هذا، و رجاله رجال الصحيح (1)كما يدّعون.

و هذا من الكذب الواضح؛ فإن عثمان بن مظعون قد توفي قبل زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بها بمدة، و قضية الطلاق إنما حصلت في قضية لها مع مارية التي قدمت إلى المدينة سنة سبع، أو ثمان.

و قد قلنا: إن الصوامة القوامة لا يعهد منها أن تؤذي النبي إلى حد يضطر معه إلى طلاقها مرتين. و التي تؤذي النبي لا يعقل أن تكون معه في الجنة، و اللّه تعالى يقول: وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اَللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (2).


1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني في الأوسط، و في السند من لم يعرفهم، و في ص 245 ما يقرب من هذا النص، و قال: إن رجاله رجال الصحيح. و تاريخ الخميس ج 1 ص 416 و 417، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 58.

2) الآية 61 من سورة التوبة.

و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً مُهِيناً (1).

و بعد هذا، فلا يمكن أن نصدق: أن يأتي جبرائيل فيأمره بمراجعة من هذه حالها، ثم يحكم-علاوة على ذلك-لها بالجنة (2).

لماذا لم يطلق النبي صلّى اللّه عليه و آله عائشة؟ !

و قد يتساءل البعض فيقول: إذا كان الزواج بعائشة و حفصة، و. . و. . سياسيا، فلماذا لم يطلقهن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن قوي الإسلام، ليرتاح الناس من كثير من البلاءات التي حدثت بسببهن بعده، و بذلك لا يبقى مجال لادّعائهن الحظوة عنده «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يبقى لهن تلك المكانة التي مكنتهن من خوض حرب الجمل، و غير ذلك؟ !

و الجواب:

إن قوة الإسلام السياسية و العسكرية، و انتشاره الواسع في آخر حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعني قدرته على طلاق هؤلاء النسوة. . ثم مواجهة الكيد الذي سوف ينشأ عن ذلك. .

و يدل على ذلك: أن فتح مكة قد أعطى ذلك الفريق قوة و جماهير تتعصب لهم، بحيث تمكنوا من منع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من تبليغ ولاية علي «عليه السلام» في يوم عرفة. .


1) الآية 57 من سورة الأحزاب.

2) راجع بعض قضاياها في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ترجمتها في كتاب قاموس الرجال، و كتاب عائشة للعلامة العسكري و غير ذلك.

كما أنهم لم يمتثلوا أوامر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهم، بالخروج في جيش أسامة. بل إنهم قد تجرؤوا على الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» في حديث رزية يوم الخميس، حتى قالوا: إن النبي ليهجر. كما أنهم قد حشدوا الألوف من الذين ساعدوهم على الانقلاب المسلح ضد علي «عليه السلام» في نفس يوم دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

إلى غير ذلك مما يظهر: أن عامة من أسلم بعد فتح مكة كان يلتقي مع هذا الفريق في طموحاته و أهدافه و سياساته، و أن هذا الفريق قد أصبح أقوى بكثير مما كان عليه قبل ذلك. .

الزواج السياسي احتقار للمرأة:

ربما يقال: إن الزواج السياسي من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو من قبل الإمام الحسن «عليه السلام» من جعدة بنت الأشعث، إهانة للمرأة، و تحقير لها، و امتهان لكرامتها كإنسان.

و الجواب:

أولا: إن النساء يختلفن من حيث الكرامة و القيمة باختلاف حالاتهن، و بمقدار التزامهن بخط الإسلام و الأحكام، ففاطمة و مريم، «عليهما السلام» و امرأة فرعون و خديجة، و أم سلمة (رحمهن اللّه) لسن مثل امرأة نوح و امرأة لوط، فالمرأة التي ترضى لنفسها أن تكون في موقع الإهانة لا تكون إهانتها إهانة للجنس.

و ثانيا: إنه إذا كان الزواج بامرأة ما سببا لهداية جماعة من الناس، أو دفع ضرر عن الإسلام، أو عن المسلمين، فإنه يكون تكريما للمرأة، و تشريفا

لها، لا سيما إذا كان ذلك من نبي أو وصي.

فاعتبار ذلك إهانة للمرأة ليس له ما يبرره.

7-ولادة الإمام الحسن عليه السّلام:
اشارة

و ولد الإمام الحسن عليه الصلاة و السلام في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة، على ما هو الأقوى؛ و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم أن يلفوه في خرقة بيضاء؛ فأخذه «صلى اللّه عليه و آله» و قبله، و أدخل لسانه في فيه، يمصه إياه، و أذن في أذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، و حلق رأسه، و تصدق بوزن شعره ورقا (أي فضة) ، و طلى رأسه بالخلوق (1).

ثم قال: يا أسماء، الدم فعل الجاهلية (2). أي أن طلي رأس المولود بالدم إنما هو من فعل الجاهلية.

و سأل عليا «عليه السلام» ، إن كان قد سماه.

فقال «عليه السلام» : ما كنت لأسبقك باسمه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما كنت لأسبق ربي باسمه.

فأوحى اللّه إليه: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى؛ فسمه باسم ابن هارون.

قال: و ما كان اسمه؟


1) الخلوق: نوع من الطيب.

2) راجع: البحار ج 43 ص 239، و تاريخ الخميس ج 1 ص 418، فيظهر: أنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فهو «صلى اللّه عليه و آله» هنا ينهى عن ذلك.

قال: شبر.

قال: لساني عربي.

قال: سمه: «الحسن» ، فسماه الحسن (1).

و هذا يدفع قولهم: إنهم سموا الحسن أولا، حربا (2)، أو حمزة؛ فإن عليا «عليه السلام» في أدبه و فضله لم يكن ليسبق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تسميته. و عق «صلى اللّه عليه و آله» عن الحسن بكبشين.

و قيل: بكبش.

و قيل: إن فاطمة «عليها السلام» هي التي عقت عنه، و هو بعيد، مع وجود أبيها و زوجها عليهما الصلاة و السلام.

بقي أن نشير هنا إلى ما يلي:

ألف: ذكر أسماء بنت عميس هنا:

إنه قد ورد في عدد من الروايات ذكر لأسماء بنت عميس، بمناسبة


1) البحار ج 43 ص 241، و علل الشرايع ج 1 ص 137، و معاني الأخبار ص 57، و تاريخ الخميس ج 1 ص 418، و غير ذلك. و ليراجع مناقب ابن شهر آشوب، عن مسند أحمد، و تاريخ البلاذري، و فردوس الديلمي. و يقول بعض المحققين: إنه لم يجد في التوراة اسم شبر و شبير لابني هارون، و قد ذكرت قصة أبناء هارون مفصلا.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 418 عن أحمد، و ابن أبي حاتم، و البحار ج 43 ص 254 و 255 عن كشف الغمة، و الأخبار الدخيلة ص 13، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 25.

ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» (1). مع أن أسماء قد كانت حين ولادته «عليه السلام» في الحبشة، و قد أرضعت هناك ابن النجاشي، فعظمت منزلتها لدى أهل تلك البلاد (2).

و نقول:

إن هذه الزيادة قد حصلت من الرواة، حيث زادوا كلمة: «بنت عميس» تبرعا من عند أنفسهم، جريا على عادتهم، لأنها هي الأعرف عندهم.

و المقصود هنا: هو أسماء بنت يزيد الأنصارية، و ليس هذا الاشتباه إلا في بعض الروايات، فإن رواية عيون أخبار الرضا (3)لا تحريف فيها.

و قد اشتبه الأمر على المحقق التستري هنا (4)بسبب اشتباهه في كيفية قراءة الخبر، فإن السجاد «عليه السلام» يروي عن أسماء بنت عميس، و هي تروي عن فاطمة، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية.

و الكلام في الرواية تارة يكون للسجاد، فيكون مراده بنت عميس، و أخرى يكون لبنت عميس، فيكون مرادها أسماء الأنصارية.

كما أن قولها في الرواية: «فدفعته» قرأه المحقق التستري بصيغة المتكلم، على اعتبار أن التاء فيه ضمير في محل رفع فاعل، مع أنها ساكنة، و هي تاء التأنيث، فراجع الرواية، و تأمل.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 418، و ذخائر العقبى، و البحار ج 43 ص 255.

2) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 81.

3) الأخبار الدخيلة ص 13 و 14 عن العيون ص 195.

4) راجع: الأخبار الدخيلة ص 13 و 14.

باء: الحسن و الحسين عليهما السّلام اسمان جديدان:

لقد ذكر البعض: أن العرب ما كانوا يعرفون اسمي: «الحسن و الحسين» إلى حين تسمية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهما بهما، لا الذين كانوا من ولد نزار، و لا اليمن، مع سعة أفخاذهما، و كثرة ما فيهما من الأسامي، و إنما يعرف فيها «حسن و حسين» على وزن سعد، و سعيد. فهما اسمان قد ادخرهما اللّه لهما (1).

جيم: إرضاع أم الفضل للحسن عليه السّلام:

لقد رووا: أن أم الفضل، زوجة العباس، قالت: قلت: يا رسول اللّه صلى اللّه عليك، رأيت في المنام: كأن عضوا من أعضائك في حجري.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : تلد فاطمة غلاما، فتكفليه؛ فوضعت فاطمة الحسن «عليهما السلام» ، فدفعه إليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأرضعته بلبن قثم بن العباس (2).

و نحن نشك في هذه الرواية:

أولا: لأن العباس لم يكن قد هاجر حينئذ إلى المدينة. و كانت زوجته معه في مكة.


1) البحار ج 43 ص 252 و 253 عن المناقب عن أبي الحسين النسابة، و تاريخ الخميس ج 1 ص 418، و ليراجع أسد الغابة أيضا.

2) راجع: البحار ج 43 ص 242 و 255، و تاريخ الخميس ج 1 ص 418 و 419 عن الدولابي و البغوي في معجمه، و الإصابة ج 3 ص 227 و ج 4 ص 487 عن ابن سعد بسند جيد، و قاموس الرجال ج 7 ص 284 عن نسب مصعب الزبيري.

و ثانيا: إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلا (1).

و قد رويت هذه القضية تقريبا مع أم أيمن، و أنها أرضعت الحسين «عليه السلام» ، إلا أن فيه بدل في حجري: «في بيتي» (2)فلعل هذه الرواية هي الصحيحة، ثم نسبت إلى أم الفضل من قبل العباسيين، الذين يهمهم إثبات أمر كهذا لمن ينتسبون إليه.


1) راجع: الإصابة ترجمة قثم.

2) البحار ج 43 ص 242 و 243 عن أمالي الصدوق، و عن المناقب، و قال: أخرجه القيرواني في التعبير، و صاحب فضائل الصحابة، و المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 70، و روضة الواعظين ص 154.

الفصل الثاني: فاطمة و علي عليهما السّلام و مناوؤوهما

اشارة

إقتران الزهراء بعلي عليهما السّلام:

و تزوج أمير المؤمنين بفاطمة الزهراء بنت رسول اللّه «صلوات اللّه عليهم أجمعين» في شهر رمضان من السنة الثانية، و بنى بها في ذي الحجة من نفس السنة (1). هذا هو المعتمد و المشهور.

و قيل: في السنة الأولى، و قيل: في الثالثة بعد أحد، و قيل غير ذلك. و تبعا لاختلافهم في ذلك نجدهم يختلفون في تاريخ ولادة الحسنين «عليهما السلام» .

و كان عمرها حين زواجها «عليها السلام» تسع سنين، و قال آخرون غير ذلك. و قد تقدم تحقيق تاريخ ولادتها، و أنه بعد البعثة بخمس سنين، فلا حاجة لإطالة الكلام في ذلك.

و من الطريف هنا: أن البعض-كمغلطاي-يناقض نفسه، فيذكر أنها تزوجت بأمير المؤمنين «عليه السلام» بعد أحد، و عمرها 15 سنة.

و لكنه يعود فيذكر في نفس الصفحة: أنها توفيت و لها تسع و عشرون سنة.


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 411.

و يضيف: و قيل ثلاثون، و قيل خمس و ثلاثون! ! (1).

و على كل حال، فإن كثيرا من المؤرخين يناقضون أنفسهم حينما يذكرون تاريخ ولادتها، و وفاتها، و سنة زواجها، و مقدار عمرها، و مراجعة بسيطة مع مقارنة خير شاهد و دليل على ما نقول.

و هذا يدلنا: على أن ذلك ليس من قبيل الصدفة، فقد كان ثمة تعمد للتلاعب في مقدار عمرها الشريف، و لذلك دوافع و أهداف لا مجال للإفاضة فيها.

و الحقيقة-و قد أشرنا إلى ذلك غير مرة-: أن عائشة هي التي كان لها ذلك السن العالي. أما فاطمة «عليها السلام» فقد توفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عمرها 18 سنة، فعكسوا الأمر لحاجة في أنفسهم قضيت.

و قد تقدم تحقيق ذلك.

حديث الزواج:
اشارة

و لقد خطب أبو بكر و عمر (رض) فاطمة أولا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنها صغيرة، فخطبها علي؛ فزوجها منه.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه (2).


1) راجع: سيرة مغلطاي ص 17. و القول الأخير يدل على أنها ولدت قبل البعثة بحوالي 12 سنة و لم يقل بذلك أحد.

2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 167 و 168، و سكت عنه الذهبي في تلخيص المستدرك، و سنن النسائي ج 6 ص 62، و الخصائص للنسائي ص 114، و تذكرة الخواص ص 306 و 307، و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 345.

و ثمة نص آخر يفيد: أن أشراف قريش قد خطبوا فاطمة، فردهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و منهم عبد الرحمن بن عوف (1)، بإشارة من أبي بكر و عمر عليه، و كان قد خطبها أبو بكر فرده «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم خطبها عمر فرده أيضا (2).


1) البحار ج 43 ص 108 و 140 عن ابن بطة في الإبانة و عن غيره، و كفاية الطالب ص 302 و 303، و كشف الغمة ج 1 ص 368.

2) صحيح ابن حبان، مخطوط في مكتبة: «قبو سراي» في إستانبول، و سنن النسائي ج 6 ص 62، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 167، لم يتعقبه الذهبي، و السيرة الحلبية ج 2 ص 206، و تاريخ الخميس ج 1 ص 361، و كفاية الطالب ص 304، و فضائل الخمسة ج 2 ص 133، و الرياض النضرة ج 3 ص 142 و 145 و عن ابن عساكر ص 79 عن أبي الحسن بن شاذان، و عن علي بن سلطان في مرقاته ج 5 ص 574 في الشرح، و ليراجع ص 142-145. و البحار ج 43 ص 107 و 108 عن البلاذري في التاريخ، و ابن شاهين في فضائل الأئمة ص 125 و 136 و 140 و قال في ص 108: «قد اشتهر في الصحاح بالأسانيد عن أمير المؤمنين، و ابن عباس، و ابن مسعود، و جابر الأنصاري، و أنس بن مالك، و البراء بن عازب، و أم سلمة، بألفاظ مختلفة، و معاني متفقة: أن أبا بكر، و عمر، خطبا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة مرة بعد أخرى، فردهما» . و كذلك فليراجع: ذخائر العقبى ص 27-30، و دلائل الصدق ج 2 ص 289-292، و أسد الغابة ج 5 ص 520، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 365، و طبقات ابن سعد ج 8 ص 11، و مجمع الزوائد ج 9 ص 204 عن البزار، و الطبراني، و رجاله ثقات و ص 205 عن الطبراني أيضا، و شرح النهج ج 13 ص 228 و ليراجع ص 227 و قال: «و قد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة، منهم: أسماء بنت عميس، و أم-

و قد قيل لعلي-و تصرح طائفة من الروايات أن أبا بكر و عمر، بعد أن ردهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» قصدا عليا «عليه السلام» إلى محل عمله، فقالا له (1)-: لم لا تخطب فاطمة؟ .

فخطبها «عليه السلام» إلى النبي؛ فزوجه إياها.

و صرح «صلى اللّه عليه و آله» غير مرة: بأنه إنما زوجه إياها بأمر من السماء (2)، كما صرحت به المصادر الكثيرة.

و جاء أن سعد بن معاذ، أو أم أيمن، أو جماعة من الأنصار، قد طلبوا منه «عليه السلام» أن يخطب فاطمة (3).

و لا مانع من أن يكون الكل قد طلبوا منه ذلك لما يرون من مكانته و قرباه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بالإضافة إلى أهليته في نفسه.

و قد عاتب الخاطبون النبي «صلى اللّه عليه و آله» على منعهم، و تزويج علي «عليه السلام» ، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و اللّه، ما أنا منعتكم

(2) -أيمن، و ابن عباس، و جابر بن عبد اللّه» و الصواعق المحرقة ط سنة 1375 ه ص 139 و 140 و 161 عن أحمد، و ابن أبي حاتم، و أبي الخير القزويني و الحاكمي، و أبي داود السجستاني، و كشف الغمة ج 1 ص 353 و 364 عن علي و أم سلمة و سلمان، و مناقب الخوارزمي ص 247، و جلاء العيون ج 1 ص 158 عن أمالي الشيخ، و كنز العمال ج 15 ص 199 و 286 و 288 عن ابن جرير، و أبي نعيم، و قال: إن الدولابي صححه في الذرية الطاهرة.


1) راجع: المصادر المتقدمة؛ فإن كثيرا منها قد صرح بذلك.

2) راجع: المصادر المتقدمة؛ فإن كثيرا منها قد صرح بذلك.

3) راجع: المصادر المتقدمة فإن كثيرا منها قد صرح بذلك.

و زوجته، بل اللّه منعكم و زوّجه (1). .

و قد ورد عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفؤ» (2).

و في كيفية زفافهما «صلوات اللّه و سلامه عليهما» في الأول، أو في السادس من ذي الحجة تفصيلات تظهر ما لهما «عليهما السلام» من الفضل و المزية (3). و كذلك هي تعبر عن البساطة التي تميز بها زفاف بنت أعظم إنسان على وجه الأرض، على رجل هو أعظم و أفضل الناس بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى لقد جاء: أن فراشهما كان إهاب كبش ينامان عليه ليلا، و يعلف عليه الناضح نهارا (4).

و قبل أن نمضي في الحديث، لا بد من التعرض لبعض ما يرتبط بهذا الموضوع، فنقول:

ألف: ميزات هذا الزواج:

يقول العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين، و هو يتحدث عن ميزات


1) البحار ج 43 ص 92.

2) كنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير ج 2 ص 75 عن الفردوس للديلمي، و كشف الغمة ج 2 ص 98، و البحار ج 43 ص 141-145 و ينابيع المودة ج 2 ص 67 و 80 و 244 و 286.

3) حياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 15.

4) راجع: ذخائر العقبى ص 325، و حياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 86 و 87 و الزهد و الرقائق ص 355، و مجمع الزوائد ج 9 ص 209.

هذا الزواج:

«و كانت أولى هذه الميزات: أنه زواج في السماء، و بأمر من اللّه تعالى، قبل أن يكون نسبا أرضيا، و مجرد ارتباط عاطفي، و يكفينا في ذلك ما حدثنا به الخليفة عمر بن الخطاب إذ قال: «نزل جبريل فقال: يا محمد، إن اللّه يأمرك أن تزوج فاطمة ابنتك من علي» (1).

«و كان ثاني هذه الميزات: أن اللّه تعالى قد جعل الذرية النبوية الطاهرة محصورة بهذا الزواج المبارك، و من طريق هذين الزوجين.

و في ذلك يقول الخليفة عمر بن الخطاب: «سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: كل نسب و سبب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي و نسبي، و كل بني أنثى فعصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة فإني أبوهم، و أنا عصبتهم» (2).

«ثم كان ثالث هذه الميزات: أن الزهراء «عليها السلام» وحيدة محمد، التي لم يكن لها أخت في النسب الأبوي. أما زينب، و رقية، و أم كلثوم-و قد اشتهرن بكونهن بنات محمد-فهن بنات خديجة (رضي اللّه عنها) من زوجيها الأولين، و لم يؤيد التحقيق التاريخي المتعمق بنوتهن لمحمد» (3).

و نقول:

إن التحقيق يدل على أنهن ربيبات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لخديجة،


1) ذخائر العقبى ص 30، و راجع شرح نهج البلاغة ج 9 ص 193.

2) ذخائر العقبى ص 169، و قريب منه ما في شرح نهج البلاغة ج 12 ص 106.

3) كان ما تقدم هو كلام الشيخ آل ياسين في كتابه الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» سيرة و تاريخ ص 27.

و لسن بناته و لا بناتها كما تقدم.

و قد حققنا ذلك في كتاب لنا مستقل، بعنوان: «بنات النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم ربائبه» ، فراجع.

ب: لست بدجال:

لقد روى غير واحد: أن عليا خطب فاطمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : هي لك يا علي، لست بدجال.

و في نص آخر: خطب أبو بكر فاطمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «هي لك يا علي لست بدجال» (1).

و بما أن في هذه الكلمة تعريضا صريحا بمن خطبها قبل أمير المؤمنين، فقد حاول ابن سعد، و البزار جعل التاء في «لست» للمتكلم، فقال ابن سعد: «و ذلك أنه كان قد وعد عليا بها قبل أن يخطب إليه أبو بكر و عمر» (2).

و قال البزار: «معنى قوله: لست بدجال يدل على أنه كان وعده، فقال: إني لا أخلف الوعد» .

و قال الهيثمي: رجاله ثقات إلا أن حجرا (ابن عنبس) لم يسمع من


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 12، و مجمع الزوائد ج 9 ص 204 عن البزار، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 365 عن العقيلي، و الطبراني. و روى الحديث في الإصابة ج 1 ص 374 عن الطبراني بنفس السند و نفس الراوي مع حذف كلمة «لست بدجال» و هذا يعبر عن مدى إنصاف و أمانة العسقلاني في النقل! ! ! .

2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 12.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نحن نقول: إن كلام كل هؤلاء لا يصح، و ذلك:

أولا: لأن العقيلي قد روى هذا الحديث بنص آخر يظهر منه أن التاء للمخاطب لا للمتكلم، فقال: عن حجر بن عنبس قال: لما زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة من علي قال: لقد زوجتك غير دجال (2).

و الظاهر: أن الرواية خطاب لفاطمة «عليها السلام» ، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن ينفي أن يكون قد زوج فاطمة رجلا دجالا، و ليس يريد أن ينفي عن نفسه كونه دجالا.

كما أنه لو كان يريد أن ينفي عن نفسه الخلف بالوعد، لكان الأنسب أن يقول: لست بمخلف وعدي أو نحو ذلك لأن كلمة دجال، التي تعني الاختلاق، لا تناسب خلف الوعد.

و حتى لو كان الكلام خطابا لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، فإنه يريد به أيضا نفي كون الخاطب دجالا. هذا هو الأنسب بالمقام، و الأوفق بإجراء الكلام.

و حكم السيوطي على هذا الحديث بالوضع؛ لمكان موسى بن قيس، لا اعتبار به؛ لأنه استند في ذلك إلى كلام العقيلي فيه، و اتهامه له بالرفض-و العقيلي هو الذي يوثق عمر بن سعد قاتل الإمام الحسين «عليه السلام» ! ! .

و موسى بن قيس قد وثقه كل من تعرض له سوى العقيلي، فليراجع


1) مجمع الزوائد ج 9 ص 204.

2) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 365، و الضعفاء الكبير ج 4 ص 165.

كلام ابن معين، و أبي حاتم، و أبي نعيم، و أحمد، و ابن شاهين، و ابن نمير (1).

و أما حجر بن العنبس، فقولهم: لم يسمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا ندري مستنده، و نحن نرى: أنه يروي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد عاصره، بل لقد أدرك الجاهلية، و ذكره الطبراني في الصحابة (2)، بل لماذا لا تكون نفس روايته هذه دليلا على سماعه منه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما يجعل نظائر المقام دليلا على ذلك؟ !

و لكن الحقيقة هي: أن ذنب حجر الوحيد هو: أنه حضر مع علي «عليه السلام» الجمل و صفين، و لهؤلاء اهتمام خاص في تقليل عدد الصحابة الذين كانوا مع أمير المؤمنين، و تكثير غيرهم، و لربما نشير إلى هذا الأمر بنوع من التفصيل في موقع آخر إن شاء اللّه تعالى.

و ثانيا: لقد نصت العديد من المصادر المتقدمة: على أنه لم يكن يخطر في بال أمير المؤمنين «عليه السلام» خطبة فاطمة «عليها السلام» ، و أنه لما عرض عليه أبو بكر و عمر ذلك قال: لقد نبهتماني لأمر كنت عنه غافلا، ثم ذهب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فخطبها، فأجابه. و هذا يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد وعده بها.

و ثالثا: إن الروايات تنص على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أجاب أبا بكر و عمر، بأنه ينتظر بها القضاء. فلو كان قد سبق منه وعد لعلي «عليه السلام» ، لكان الأنسب أن يقول لهما: إنها مخطوبة، أو إنني وعدت بها فلانا.


1) تهذيب التهذيب ج 10 ص 366 و 367.

2) الإصابة ج 1 ص 374.

إذا، فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرض بغير علي «عليه السلام» هنا، ممن له علاقة قريبة بهذا الأمر.

و الغريب في الأمر: أننا نجد عليا «عليه السلام» نفسه يعرض بغيره في هذا الموضوع بالذات؛ ف «عن أسماء بنت عميس: أنها قالت: قيل لعلي: ألا تتزوج بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: ما لي صفراء و لا بيضاء، و لست بمأبور-بالباء الموحدة، يعني غير الصحيح في الدين-و لا المتهم في الإسلام» (1).

و هذا يدل على أن تزويج النبي «صلى اللّه عليه و آله» لربائبه قد كان لمصلحة الدين و الدعوة بالدرجة الأولى، كتزوجه «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه كما تقدم توضيحه. و حينما طلب منه سعد بن معاذ: أن يخطب فاطمة، قال له: «ما أنا بأحد الرجلين: ما أنا بصاحب دنيا يلتمس ما عندي، و قد علم ما لي صفراء و لا بيضاء، و ما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه- يعني يتألفه-إني لأول من أسلم» (2).

و إذا كنا نعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يلتمس الدنيا، فلا بد أن يكون ذلك تعريضا بعثمان، حيث قد تقدم: أنه كان قد عاهد أبا بكر على أن يسلم إذا زوجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» رقية، التي كانت ذات جمال رائع.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 207، و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 486، و النهاية في اللغة ج 1 ص 14.

2) مجمع الزوائد ج 9 ص 207، و مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 486، و مناقب الخوارزمي ص 243، و كثير من المصادر المتقدمة، حين ذكر خطبة أبي بكر و عمر لفاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها.

ثم هو تعريض بأولئك الذين كانوا يملكون أموالا، و كانوا يظنون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يزوجهم لأجل ذلك، فكان نصيبهم الرد و الخيبة. ثم أشار «عليه السلام» إلى ملاك الشرف و التفضيل بقوله: إني لأول من أسلم. و لأجل ذلك زوجه اللّه و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد قدمنا: أن رد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأولئك المعروفين عن فاطمة، كان له أثر كبير في نفوسهم، حتى لقد قال أحد الأشراف العلويين الحسنيين في قصيدته المشهورة:

تلك كانت حزازة ليس تبراحين ردا عنها و قد خطباها

ج: ترهات أبي حيان:

و من الأمور الطريفة هنا: أن أبا حيان التوحيدي-الناصبي المعروف- يروي عن أبي حامد المرو الروذي رسالة شفهية من أبي بكر لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، و فيها:

«و لقد شاورني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الصهر؛ فذكر فتيانا من قريش، فقلت له: أين أنت من علي؟

فقال: إني لأكره ميعة شبابه، وحدة سنه.

فقلت: متى كنفته يدك، و رعته عينك حفت بهما البركة، و أسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك، و ما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء و لا لو جاء، و لكني قلت ما قلت، و أنا أرى مكان غيرك،

و أجد رائحة سواك، و كنت إذ ذاك خيرا منك الآن لي» (1).

عجيب! ! و أين كانت هذه الرواية عن أنظار المؤرخين، و كيف أجمعت كلمتهم، و تضافرت و تواترت رواياتهم على مخالفتها و تكذيبها.

و قد كفانا ابن أبي الحديد المعتزلي مؤونة البحث في هذه الرواية، و بين الكثير من إمارات الوضع و الاختلاق فيها، فمن أراد فليراجعه (2).

د: ما يقال عن موقف فاطمة عليها السّلام من الزواج:
اشارة

و ذكر الحلبي: أنه لما استشار الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة «بكت، ثم قالت: كأنك يا أبت إنما ادخرتني لفقير قريش؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي بعثني بالحق، ما تكلمت في هذا حتى أذن لي اللّه فيه من السماء.

فقالت فاطمة (رض) : لقد رضيت ما رضي اللّه و رسوله» (3).

ثم هناك روايات تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما رأى تغيرها خشي أن يكون ذلك من أجل أن عليا «عليه السلام» لا مال له، فراجع المصادر


1) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 276. و صبح الأعشى ج 1 ص 287، و نهاية الأرب ج 7 ص 220، و عن محاضرة الأبرار ج 2 ص 102-115، و نشرها إبراهيم الكيلاني مع رسالتين لأبي حيان في دمشق سنة 1951.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 285-287.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 206، و ليراجع: كشف الغمة ج 1 ص 267 عن مناقب الكنجي، و كنز العمال ج 15 ص 95، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 129، و مجمع الزوائد ج 9 ص 112، و نزهة المجالس ج 2 ص 226، و تاريخ بغداد ج 4 ص 195.

الكثيرة المتقدمة في أول الحديث عن هذا الموضوع.

و عن ابن إسحاق: أن عليا لما تزوج فاطمة، قالت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : زوجتنيه أعيمش، عظيم البطن؟

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لقد زوجتكه و إنه لأول أصحابي سلما الخ. . (1).

و نحن لا نصدق كل ذلك. أما:

أولا: فلأن رواية الحلبي تدل على سوء ظن فاطمة «صلوات اللّه و سلامه عليها» بأبيها الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي أبر و أتقى، و أجل من أن يحتمل في حقها ذلك. و هي التي لو لم يخلق علي «عليه السلام» لم يكن لها كفؤ على وجه الأرض، و قد أذهب اللّه عنها الرجس، و طهرها تطهيرا، إلى غير ذلك مما يدل على مقامها السامي، الذي نالته بفضل عمق إدراكها، و حسن معرفتها، و عظيم تقواها.

و ثانيا: إن الذي يطالع سيرة فاطمة «عليها السلام» و حياتها، يخرج بحقيقة لا تقبل الشك، و هي: أنها لم تكن تقيم لحطام الدنيا وزنا أبدا، أليست هي التي طحنت حتى مجلت يدها؟ ثم قبلت بالتسبيح عوضا عن الخادم الذي كانت بأمس الحاجة إليه؛ ليرفع عنها بعض ما تعانيه و تتعرض له؟ ! .

أليست هي التي بقيت ثلاثة أيام طاوية هي و زوجها، و ولداها، و فضة، و آثرت اليتيم، و المسكين، و الأسير بالطعام؟ !


1) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 490، و أخرجه الطبراني، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 104، و راجع ما ذكره المحمودي في هامشه.

أليست هي التي رضيت بإهاب كبش تنام عليه هي و زوجها ليلا، و يعلفان عليه ناضحهما نهارا؟ ! .

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه و استقصائه.

الرواية الصحيحة:

و الرواية الصحيحة التي تنسجم مع سيرة و روح و نفسية الزهراء «صلوات اللّه و سلامه عليها» ، و تنسجم مع نفسيات و خطط القرشيين، هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لابنته في رابع يوم زفافها: «كيف أنت يا بنية، و كيف رأيت زوجك؟ !

قالت له: يا أبت خير زوج، إلا أنه دخل علي نساء من قريش، و قلن لي: زوجك رسول اللّه من فقير لا مال له.

فقال لها: يا بنية، ما أبوك بفقير، و لا بعلك بفقير» .

ثم ذكر «صلى اللّه عليه و آله» لها فضائل علي «عليه السلام» و مناقبه (1).

و روى ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» سأل فاطمة عن حالها، فقالت: لقد طال أسفي، و اشتد حزني، و قال لي النساء: زوجك أبوك فقيرا لا مال له (2).


1) مناقب الخوارزمي ص 256 و 205، و كشف الغمة ج 1 ص 362 عن المناقب، و ليراجع: البحار ج 43 ص 99 عن تفسير القمي، و جلاء العيون ج 1 ص 170 و 171 عنه أيضا.

2) نعم، إنها تتألم و تحزن لهذا الإسفاف في التفكير، و لهذه النفوس المريضة، و لهذه الروح الشريرة التآمرية.

فقال لها: أما ترضين أني قد زوجتك أقدم أمتي سلما، و أكثرهم علما، و أفضلهم حلما؟

قالت: بلى، رضيت يا رسول اللّه.

و في رواية أخرى ذكرها المعتزلي، زاد فيها: و ما زوجتك إلا بأمر من السماء، أما علمت: أنه أخي في الدنيا و الآخرة؟ (1).

و قد ذكر ذلك العبدي الكوفي في شعره فقال:

إذ أتته البتول فاطم تبكيو توالي شهيقها و الزفيرا

اجتمعن النساء عندي و أقبلنيطلن التقريع و التعييرا

قلن إن النبي زوجك اليوم فقيراعليا بعلا معيلا فقيرا

إلى آخر الأبيات (2).

بل إن ثمة ما يدل على أن تعييرهن إياها قد كان بعد سنوات من زواجها، و هذا هو الراجح، لأن نساء قريش الحاقدات إنما كثرن بعد بدر، و أحد، و الخندق.

ففي رواية الخوارزمي: أنها «عليها السلام» أقبلت و قد حملت الحسن و الحسين «عليهما السلام» على كتفيها و هي تبكي بكاء شديدا، قد شهقت في بكائها.

فقال لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما يبكيك يا فاطمة، لا أبكى اللّه عينيك؟


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 226 و 227.

2) راجع الغدير ج 2 ص 317 و 318 و العبدي عاش في عهد الإمام الصادق «عليه السلام» .

فقالت: يا رسول اللّه، و ما لي لا أبكي و نساء قريش قد عيرنني، فقلن لي: إن أباك زوجك من رجل معدم لا مال له.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تبكي يا فاطمة؛ فو اللّه، ما زوجتك أنا، بل اللّه زوجك به الخ. . (1).

نعم، و إذا عرف السبب بطل العجب.

فإن القرشيين بما فيهم نساؤهم، كانوا-في الأكثر-أعداء لعلي و آل علي «عليهم الصلاة و السلام» ، منذ فجر الإسلام، و حتى قبل ظهور الإسلام؛ فإن العداء كان موجودا بين الهاشميين، الذين كانوا-عموما-ملتزمين إجتماعيا، و يحترمون أنفسهم، و لهم من الفضائل و المزايا ما يجعل غيرهم، ممن لم يكن لديه روادع دينية أو وجدانية، ينظر إليهم بعين الحنق و الشنآن، و الإحن و الأضغان.

ثم جاء الإسلام، فكان بنو هاشم-و لا سيما أبو طالب و ولده-أتباعه و حماته، و المدافعين عنه بكل غال و نفيس، ثم كانت الضربة التي تلقتها قريش في بدر، و كان لعلي «عليه السلام» الحظ الأوفر، و النصيب الأكبر حينئذ في إذلال قريش، و تحطيم كبريائها، و كذلك في أحد، و الخندق و غيرهما.

إذن، فمن الطبيعي: أن نجد نساء قريش يحاولن إيجاد المتاعب في بيت علي «عليه السلام» ، و إثارة الفتنة بين علي و زوجته الطاهرة صلوات اللّه و سلامه عليها.

و فاطمة هي التي تشكوهن للرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) مناقب الخوارزمي ص 205، و راجع ص 256 أيضا.

بعد أن تعلن: أن زوجها خير زوج، و يكون ذلك سببا في أن يظهر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بعض فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» .

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» يبين لهم: أن المقياس ليس هو المال و الحطام، و إنما هو الدين و العلم، و الفضائل النفسية و الأخلاقية.

و بعد. . فإن أتباع القرشيين و الأمويين لا يزالون إلى يومنا هذا يهتمون بتنقص أهل البيت «عليهم السلام» ، و حتى فاطمة «عليها السلام» ، فانظر على سبيل المثال ما جاء في الموسوعة العربية الميسرة، «مادة فاطمة» .

و فيها: أنها «عليها السلام» لم يكن لها أي دور سياسي أو إجتماعي (! !) و أنها كانت ضعيفة! و أن الشيعة قد نسجوا لها الفضائل حتى لقد فضلوها على عائشة! !

و قد سبق لأمثال هؤلاء أن تنقصوها هي و زوجها في شعرهم أيضا، حتى اضطر الشاعر العظيم الحسين بن الحجاج، المتوفى سنة 391 ه إلى التصدي للرد عليهم، فهو يقول في جوابه لابن سكرة:

فكان قولك في الزهراء فاطمةقول امرئ لهج بالنصب مفتون

عيرتها بالرحا و الزاد تطحنهلا زال زادك حبا غير مطحون

و قلت: إن رسول اللّه زوجهامسكينة بنت مسكين لمسكين

كذبت يا ابن التي باب أستها سلسالأغلاق بالليل مفكوك الزرافين

ست النساء غدا في الحشر يخدمهاأهل الجنان بحور الخرد العين (1)


1) الغدير ج 4 ص 89، و أعيان الشيعة ج 25 ص 108 لكن فيه: أنه يرد بهذه الأبيات على مروان بن أبي حفصة.

فجزاك اللّه يا ابن الحجاج عن ابنة رسول اللّه، و عن أبيها، و زوجها خير الجزاء و أوفاه، و بارك اللّه في هذا الإخلاص لهم و لقضاياهم، و آمنك اللّه يوم الفزع الأكبر من كل خوف، إنه خير مأمول، و أكرم مسؤول.

مقارنة:

و لا بد لنا أخيرا من أن نلفت النظر إلى أنه لا بأس بالتأمل، و إمعان النظر و المقارنة، بين ما يذكرونه عن مواقف سيئة لفاطمة «عليها السلام» تجاه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و أنها قد رفضته أولا؛ لأنه فقير، و بين ما يذكرونه عن عثمان و زوجته، و أنها لما سئلت عنه قالت: «خير زوج. .» . مع أن القضية كانت على العكس تماما؛ فإن عثمان هو الذي كان يعامل زوجته معاملة غير مرضية، كما قدمنا، و فاطمة هي التي قالت عن زوجها: إنه خير زوج، و نساء قريش هن اللواتي حاولن الفتنة كما عرفت.

و لكن السياسة قد اقتضت عكس المواقف، و تزييف الحقائق؛ لحاجات في أنفسهم لا تخفى.

ه: أم سلمة و بنت عميس في زواج فاطمة عليها السّلام:

قد يقال: إنه يشك في رواية أسماء هذه من ناحيتين:

1-لقد ورد ذكر أم سلمة في بعض روايات تزويج فاطمة «عليها السلام» ، مع أن أم سلمة إنما دخلت بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» كزوجة له بعد هذا التزويج.

2-و ورد أيضا في عدد من الروايات ذكر لأسماء بنت عميس في هذه المناسبة، مع أن أسماء كانت حينئذ مع زوجها جعفر بن أبي طالب ذي

الجناحين في الحبشة، و لم تأت إلى المدينة إلا عام خيبر.

و نقول: يمكن الإجابة عن ذلك:

أولا: بأن المقصود هو أسماء بنت يزيد الأنصارية، و لكن شهرة بنت عميس، و أنس ذهن الرواة باسمها جعلهم يضيفون عمدا من عند أنفسهم للتوضيح-بزعمهم-أو عن غير عمد تبعا لسليقتهم، كلمة: «بنت عميس» . و بهذا أجاب أيضا الكنجي الشافعي (1).

و قد حصل نظير هذا الخلط بين الاسمين في رواية أخرى، تقدم الكلام حولها حين الكلام على ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» ، فإلى هناك.

و يرى الأربلي: أن التي حضرت زفاف فاطمة «عليها السلام» ، فإلى هناك.

و يرى الأربلي: أن التي حضرت زفاف فاطمة «عليها السلام» هي سلمى بنت عميس أخت أسماء، لكن الرواة بدلوا اسمها باسم أختها لشهرتها، أو سها راو فتبعوه (2).

و ثانيا: و من جهة ثانية، فلو فرضنا أن أم سلمة لم تكن موجودة فإننا نقول: إن أسماء بنت يزيد هذه كانت تكنى بأم سلمة أيضا، فلعلهم كانوا تارة يعبرون عنها بأسماء، و أخرى يعبرون عنها ب «أم سلمة» فلا يبقى ثمة إشكال.

و ثالثا: إن من الممكن: أن تكون أم سلمة قد حضرت زفاف فاطمة «عليها السلام» في ذي الحجة من السنة الثانية؛ لأن أبا عمر صاحب الإستيعاب يقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تزوجها في السنة


1) كفاية الطالب ص 307 و 308، و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 73 عنه.

2) كشف الغمة ج 1 ص 316 و 317.

الثانية في شوال بعد بدر، بل قيل قبل بدر أيضا (1).

و لربما يؤيد ذلك: أن بعض الروايات تصرح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان حين تزويج فاطمة في بيت أم سلمة.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» كلما تزوج بامرأة بنى لها بيتا. و لو كان قد تزوجها في الرابعة لم يكن لها بيت في السنة الثانية.

و احتمال أن يكون المراد: «الذي صار فيما بعد بيتا لها» .

مخالف لظاهر الرواية التي تكاد تكون صريحة في أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعامل معها كزوجة، بل نجد بعض الروايات تصرح بأن أم سلمة كانت حينئذ زوجة له «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و لسوف يأتي الحديث عن تاريخ زواج أم سلمة عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

و: هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان:

و يقولون: إن عثمان رأى درع علي «عليه السلام» تباع في السوق ليلة عرسه؛ فدفع لغلام أربعمائة درهم، و أرسله إليه، و أقسم عليه أن لا يخبره بذلك، ورد الدرع معه.

فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس، في كل كيس أربعمائة


1) راجع: الإستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 421 و 422، و تاريخ الخميس ج 1 ص 466، عن السمط الثمين، و سيرة مغلطاي، و غير ذلك.

2) البحار ج 43 ص 126 عن كشف الغمة، و مناقب الخوارزمي ص 248 و 249 و 253.

درهم، مكتوب على كل درهم: «هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان» .

فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فقال: هنيئا لك يا عثمان.

و لا شك في أن هذا كذب محض؛ فقد ذكر الحلبي: أن في فتاوى الجلال السيوطي: أنه سئل: «هل لهذه القصة أصل؟

فأجاب عن ذلك كله: بأنه لم يصح (1). أي و هي تصدق بأن ذلك لم يرد، فهو من الكذب الموضوع» .

و قال ابن درويش الحوت: كذب شنيع (2).

و العجيب هنا: أننا لم نجد لتلك المئة و ستين ألف درهم أثرا في المتاحف العالمية، و لا تداولها الناس، و لا احتفظوا بها تبركا و تيمنا بأنها من: «ضرب الرحمن لعثمان بن عفان» ! ! .

مع أنهم قد احتفظوا بشعر نبيهم، و حتى بالخرق التي مست جسده، و المواضع التي صلى فيها؛ فهل كان نبيهم أعز عليهم من ربهم؟ ! أو حتى من عثمان؟ ! و هو الذي تؤيده السياسة على مر العصور، أما النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقد كانت ثمة محاولات لطمس اسمه، و محو آثاره، كما اتضح في الجزء الأول من هذا الكتاب.

و كم كنت أود لو أنني أرى خط الرحمن، كيف هو؟ و أقارن بينه و بين قواعد الخطوط الموجودة على الأرض؛ لكي أرى إن كان يستطيع أن


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 206، و للرواية نص آخر يخالفها كثيرا في مناقب الخوارزمي ص 252، و الغدير ج 9 ص 376.

2) الغدير ج 5 ص 322 و ج 9 ص 376.

يضارع ما أنتجه الخطاطون البارعون من مخلوقاته؟ ! ! .

و لست أدري أيضا: أين كان الأمويون عن هذه الفضيلة العظيمة، لشيخهم و خليفتهم؟ ! . و لم لم يظهروا تلك الدراهم للمباهاة بها؟ أو على الأقل: لم لم يذكروا الناس بدعوات النبي «صلى اللّه عليه و آله» له؟

حسب الرواية الأخرى التي تقول: إن عثمان قد اشترى الدرع من علي، فجاء به علي «عليه السلام» و بالمال إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا له بدعوات. مع أنهم كانوا بأمس الحاجة إلى ذلك، في صراعهم ضد علي «عليه السلام» ، و ضد الصحابة الأخيار، الذين كانوا في المدينة حين قتل عثمان، و لم يحركوا ساكنا، أو أنهم شاركوا في قتله، أو في التأليب عليه.

و لربما نتكلم عن نفقات عثمان في مثل هذا السبيل حين الكلام عن تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك إن شاء اللّه، كما أننا قد ألمحنا إلى ذلك من قبل، حين الحديث حول وقف بئر رومة.

ز: أخوة علي عليه السّلام:

و جاء أنه لما تزوج علي فاطمة «عليهما السلام» ، أمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا أن لا يحدث حدثا حتى يأتيه، ثم جاء «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أثم أخي؟ ! .

فقالت أم أيمن: يا رسول اللّه، هذا أخوك و زوجته ابنتك؟ !

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» آخى بين أصحابه و آخى بين علي و نفسه.

قال: إن ذلك يكون يا أم أيمن (1).

و هذه الرواية أقرب إلى الاعتبار من تلك الرواية القائلة: إنه لما خطب «صلى اللّه عليه و آله» ابنة أبي بكر قال له أبو بكر: هل تصلح له؟ إنما هي بنت أخيه.

فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» : أنه أخوه في الإسلام، و هو أخوه، و ابنته تصلح له، فأنكحه حينئذ أبو بكر (2).

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤاخ أبا بكر و لا أحدا من الناس قبل خطبته عائشة، لأنه إنما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة بقليل، و هو إنما خطب عائشة قبل الهجرة بحوالي ثلاث سنوات.

و لو كان أبو بكر يتوهم: أن أخوة الإسلام تمنع من ذلك، فإن ذلك يعني: أن يكون أبو بكر قد بقي عدة سنوات، بل من أول ظهور الإسلام يعتقد حرمة زواج أي مسلم بمسلمة، و هذا لا يتوهمه إلا أبو بكر، و لا يخطر و لم يخطر على بال أي من السذج و البسطاء، فكيف خطر في بال أبي بكر، الذي يعتقد فيه البعض كل حنكة و روية، و تعقل؟ ! . هذا عدا عن أننا


1) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 135، و مجمع الزوائد ج 9 ص 209 عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح. و فيه في رواية أخرى لكن الجواب ليس موجودا. و حياة الصحابة ج 2 ص 46 عن الهيثمي، و الصواعق المحرقة ص 84، و حياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 19 عنه، و عن البحار ج 10 ص 31.

2) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 225 عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، و هو حسن الحديث و ص 226 عن أحمد.

لم نجده يعترض على زواج أي مسلم بمسلمة على الإطلاق.

أضف إلى ذلك: أنه قد تقدم في جزء سابق حين الكلام حول مؤاخاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين أصحابه، و بينه و بين علي «عليه السلام» : أن عليا «عليه السلام» قال: أنا عبد اللّه و أخو رسوله، لا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر.

ح: متى كان تحريم الخمر؟ !

و يروون عن علي بن الحسين «عليهما السلام» ، عن أبيه، عن علي «عليه السلام» : أنه بينما كان يستعد لنقل فاطمة «عليها السلام» و عنده شارفان من الإبل، كان أخذهما من خمس غنائم بدر، قد أناخهما إلى جانب حجرة لبعض الأنصار، و إذا بحمزة بن عبد المطلب قد خرج عليهما من بيت كان يشرب فيه، و عنده قينة تغنيه: «ألا يا حمز للشرف النواء»

خرج عليهما و هو سكران؛ فجب أسنمتهما، و بقر خاصرتيهما، و أخرج كبدهما، و مضى لسبيله.

فشكاه علي «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فجاء معه الرسول و رأى ما رأى، فنظر إليه حمزة، و صعد النظر إليه، و قال: و هل أنتم إلا عبيد لأبي؟

فتركه «صلى اللّه عليه و آله» و انصرف، و ذلك قبل تحريم الخمر (1).


1) البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 120 كتاب الخمس حديث 1 و كتاب المغازي باب 12 و كتاب المساقاة، و صحيح مسلم كتاب الأشربة ج 6 ص 85 و 86، و مسند أحمد ج 1 ص 142، و البداية و النهاية ج 3 ص 245، و الإصابة ج 4 ص 378، و السيرة الحلبية ج 2 ص 161، و تفسير البرهان ج 1 ص 498، و تفسير الميزان ج 6 ص 131 كلاهما عن العياشي، و راجع: مشكل الآثار ج 2 ص 287. و بهجة المحافل ج 1 ص 279 و شرحه للأشخر اليمني، و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 287، و غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 7 ص 29 و 30 و 31، و أسباب النزول ص 118 و 119 و مدارك التنزيل للخازن ج 1 ص 147. و لكن النص الموجود في المصادر الأخيرة قد ذكر نزول آية سورة المائدة في هذه المناسبة، مع وجود مخالفة ظاهرة للرواية المذكورة في المتن أعلاه. مع أن سورة المائدة قد نزلت بعد سنوات من استشهاد حمزة في حرب أحد. و ذلك ظاهر؛ لأنها إنما نزلت في أواخر حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . فراجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن مصادر كثيرة.

و في رواية: أن حمزة قد فعل ذلك في واقعة أحد، حتى إن الرسول إنما رضي عنه في وسط المعركة، و بعد أن حمل عدة حملات صاعقة على العدو (1).

و ذلك لا يصح، أما:

أولا: فلأن مختلف الروايات الواردة في زواج أمير المؤمنين تقول: إنه «عليه السلام» لم يكن يملك إلا درعه الحطمية، التي باعها و أنفق ثمنها على الزفاف، و تضيف بعض الروايات فرسه أيضا.

و لو كان عنده شارفان من الإبل، لكان الأولى أن يذكرهما للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما سأله عما يملك، مما يريد أن يقدمه مهرا، فلم يذكر له إلا درعه الحطمية؛ فلتراجع الروايات المتقدمة.

و ثانيا: إن من المعلوم: أن زفاف فاطمة قد كان قبل أحد بعدة أشهر،


1) راجع: البحار ج 20 ص 114 و 115 عن المجالس و الأخبار ص 57 و 58، و تفسير العياشي ج 1 ص 339 و 340.

فكيف تقول الرواية الثانية: إن ذلك قد كان في أحد؟ .

كما أنهم قد قرروا: أن حمزة كان يوم أحد و قبله صائما (1).

فكيف يكون قد شرب الخمر، و فعل ما فعل في ذلك اليوم، أو في الذي قبله؟ ! .

و ثالثا: إن الخمر لم تكن سمعتها حسنة عند العرب، و كانوا يدركون سوءها، و قد حرمها عدد منهم على نفسه قبل مجيء الإسلام، مثل: أبي طالب (2)و عبد المطلب (3)، و تقدم ذلك عن جعفر بن أبي طالب أيضا كما رواه في الأمالي.

و ذكر ابن الأثير: أن ممن حرمها على نفسه عثمان بن مظعون، و عباس بن مرداس، و عبد المطلب، و جعفر، و قيس بن عاصم، و عفيف بن معد يكرب العبدي، و عامر بن الظرب، و صفوان بن أمية، و أبو بكر، و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن جدعان (4).

و إن كنا نشك في ذلك بالنسبة إلى بعض من ذكرهم، مثل أبي بكر، و عبد الرحمن بن عوف، كما سنرى.

و أما ذكر عمر بن الخطاب مع هؤلاء، فلا شك في أنه من إضافات


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 211، و شرح النهج ج 14 ص 224.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 113.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 4 و 113، و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 279، و أسنى المطالب ص 58.

4) أسد الغابة ج 3 ص 113، و راجع: شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 279، و عن عباس بن مرداس راجع: الإصابة ج 2 ص 272.

النساخ، جريا على العادة في ذكر هذه الأسماء، لأنه كان من أشرب الناس للخمر في الجاهلية، بل لقد استمر على ذلك حتى بعد أن أسلم كما أوضحه العلامة الأميني (1). و سيأتي إن شاء اللّه بعض من ذلك أيضا.

و مهما يكن من أمر، فقد عد ابن حبيب ممن حرم الخمر على نفسه أيضا:

ورقة بن نوفل، و أبا أمية بن المغيرة، و الحارث بن عبيد المخزوميين، و زيد بن عمرو بن نفيل، و عامر بن حذيم، و عبد اللّه بن جدعان، و مقيس بن قيس، و عثمان بن عفان، و الوليد بن المغيرة، و شيبة بن ربيعة، و عبد المطلب بن هاشم (2).

و إنما حرمها هؤلاء على أنفسهم، لأنهم رأوها لا تناسب كرامتهم و سؤددهم، كما يظهر من رواية تنسب إلى أبي بكر؛ فقد روى ابن عساكر -و إن كان سيأتي عدم صحة هذه الرواية، لكننا نذكرها لدلالتها على سوء سمعة الخمر عند العرب-: أنه قيل لأبي بكر في مجمع من الصحابة: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ !

فقال: أعوذ باللّه.

فقلت: و لم؟

قال: كنت أصون عرضي، و أحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان متضيعا في عرضه و مروءته الخ. . (3).


1) راجع: الغدير ج 6 ص 95-103.

2) المنمق ص 531 و 532، و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 279.

3) الصواعق المحرقة ص 73 عن ابن عساكر، و قال ابن حجر: و هو مرسل غريب سندا و متنا.

و قال ابن الأثير: «و كان العباس بن مرداس ممن حرم الخمر في الجاهلية، فإنه قيل له: ألا تأخذ من الشراب، فإنه يزيد في قوتك؛ و جراءتك؟

فقال: لا أصبح سيد قومي، و أمسي سفيها، لا و اللّه لا يدخل جوفي شيء يحول بيني و بين عقلي أبدا» (1).

و من عرف حمزة، و اطلع على سمو نفسه، و عزته، و أنفته، و سجاياه، فإنه يرى: أنه لا يقصر عن هؤلاء، و لا عن غيرهم ممن حرمها على نفسه، إن لم يكن يزيد عليهم في كثير من الخصال و السجايا، التي تجعله يربأ بنفسه عن أمر كهذا.

و لعل حشر حمزة، بل و حتى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي ربي في حجر النبوة، ليس إلا من أولئك الحاقدين على الإسلام و حماته، ممن يهمهم الطعن في كرامة كل هاشمي، كما هو ظاهر سيرة الأمويين و الزبيريين، و أذنابهم و من يتزلف لهم، و لو بالكذب و الدجل و الافتراء.

و رابعا: إن الأقوال و الروايات تكاد تكون متفقة على مخالفة رواية الشارفين المذكورة، لأن رواية الشارفين تقول: إن تحريم الخمر كان حين زفاف فاطمة «عليها السلام» .

و الأقوال في تحريم الخمر نشير إليها فيما يلي:

أقوال في تحريم الخمر:

هذا. . و قد ذكر أبو إسحاق السبيعي، و ابن إسحاق، و غيرهما: أن


1) أسد الغابة ج 3 ص 113.

الخمر قد حرمت سنة أربع من الهجرة (1).

و قال آخرون: إنها قد حرمت سنة ست، جزم به الحافظ الدمياطي، و رجحه القسطلاني (2).

و قال آخرون: إنها قد حرمت سنة ثلاث (3)، و آخرون: إنها حرمت سنة ثمان (4).

قال أبو هريرة: لما نزل تحريم الخمر، كنا نعمد إلى الخلقانة الخ. . (5).

و من المعلوم: أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر.

و رأى آخرون: أن تحريمها كان في أول الهجرة، لقوله تعالى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا (6).


1) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 468، و ج 2 ص 26 عن ابن إسحاق و المنتقى و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 200، و فتح الباري ج 10 ص 25 و السيرة الحلبية ج 2 ص 261، و الغدير ج 7 ص 101 عن الإمتاع للمقريزي ص 93 و غيره، و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278.

2) راجع تاريخ الخميس ج 2 ص 26، و فتح الباري ج 10 ص 25، و السيرة الحلبية ج 2 ص 261، و الغدير ج 7 ص 101.

3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 285 و راجع فتح القدير ج 2 ص 75، و تاريخ الخميس ج 2 ص 26 عن أسد الغابة، و السيرة الحلبية ج 1 ص 261.

4) فتح الباري ج 8 ص 209، و ج 10 ص 25.

5) الفائق للزمخشري ج 1 ص 310.

6) الآية 219 من سورة البقرة. و هذا هو ما اختاره الجصاص و القرطبي فراجع: الغدير ج 7 ص 101 و ج 6 ص 254 و 255.

قالت عائشة: لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك (1).

تحريم الخمر قبل الهجرة:

و نحن نقول: إن الخمر حرمت في مكة قبل الهجرة، و نستدل على ذلك بما يلي:

1-عن معاذ بن جبل: إن أول ما نهى عنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين بعث شرب الخمر، و ملاحاة الرجال (2).

و عن أبي الدرداء، أو معاذ بن جبل، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان: شرب الخمر و ملاحاة الرجال.

قال الأبشهي: إن هذا من أقوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» المتفق عليها (3).

و قريب من ذلك ما روي عن أم سلمة عنه «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) تاريخ بغداد ج 8 ص 358، و الدر المنثور ج 1 ص 252، و الغدير ج 7 ص 101 عنهما.

2) الغدير ج 7 ص 101 عن أوائل السيوطي ص 90، و البحار ج 2 ص 127، و قصار الجمل ج 1 ص 183 و ج 2 ص 23 و 12، و راجع ص 22 عن الوسائل العشرة باب 126 ج 8.

3) مجمع الزوائد ج 5 ص 53 عن البزار و الطبراني، و البحار ج 2 ص 127 بسند صحيح، و المستطرف ج 2 ص 220.

و حسب نص البيهقي عن أم سلمة عنه «صلى اللّه عليه و آله» : كان أول ما نهاني عنه ربي، و عهد إلي بعد عبادة الأوثان، و شرب الخمر لملاحاة الرجال (1).

إلا أن يناقش في ذلك: بأن نهي اللّه له لا يستلزم أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أبلغ ذلك للناس مباشرة، إذ لعل ذلك كان مختصا به «صلى اللّه عليه و آله» لفترة من الزمن.

و يمكن الجواب، بأن جعله مقترنا بعبادة الأوثان يشعر بأنه على حده و من قبيله، في التشريع و في التبليغ. .

هذا عدا عن أن رواية معاذ صريحة في أن الخمر كانت من أول ما نهى عنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، إلا أن تقرأ «نهي» بالبناء للمفعول.

قال العلامة الطباطبائي «رحمه اللّه» : «و قد تحقق بما قدمنا في تفسير آية الخمر و الميسر: أن الخمر كانت محرمة من أول البعثة، و كان من المعروف من الدين: أنه يحرم الخمر و الزنى» (2).

2-و قد روى الكليني و الشيخ الطوسي «رحمهما اللّه» : ما يدل على أن اللّه ما بعث نبيا إلا و في علم اللّه عز و جل: أنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، و لم تزل الخمر حراما الخ. . (3).

فالخمر إذا قد كانت محرمة في الشرائع السابقة، و قد جاءت هذه


1) راجع: مجمع الزوائد ج 5 ص 53 عن الطبراني، و ليراجع: سيرة المصطفى ص 369، و الدر المنثور ج 2 ص 326 عن البيهقي.

2) تفسير الميزان ج 16 ص 163.

3) الكافي ج 6 ص 395، و ليراجع باب: «أصل تحريم الخمر: و التهذيب للشيخ» .

الشريعة لتتميم ما سبق، و لم ينسخ هذا التحريم، بل قد جاء التأكيد عليه، كما هو معلوم.

3-قال أبو حاتم: كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يدعو الخلق إلى اللّه وحده لا شريك له، و كان أبو جهل يقول للناس: «إنه كذاب يحرم الخمر، و يحرم الزنى» (1).

4-قال تعالى في سورة الأعراف التي نزلت في مكة قبل الهجرة: قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ (2).

و قد فسر أئمة أهل البيت «عليهم السلام» : «الإثم» في الآية بالخمر (3).

كما أن أهل اللغة قد قرروا: أن الإثم معناه الخمر، قال الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقليكذاك الإثم يذهب بالعقول

و قال آخر:

نهانا رسول اللّه: أن نقرب الخناو أن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا

و قال آخر:

يشرب الإثم بالصواع جهاراترى المسك بيننا مستعارا (4)


1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 69.

2) الآية 33 من سورة الأعراف.

3) الكافي للكليني ج 6 ص 406.

4) راجع في هذه الأشعار، كلا أو بعضا: مجمع البيان في تفسير الآية في سورة الأعراف، و لسان العرب ج 2 ص 272، و تاج العروس ج 8 ص 179، و فتح القدير ج 2 ص 201، و الغدير ج 6 ص 254.

هذا كله، عدا عن أن كون الخمر من الفواحش ظاهر، فإن العرب كانوا يدركون سوءها كما يظهر من الحلبي (1).

و لذا نرى: أن عددا كبيرا منهم ممن يحترم نفسه، و شرفه، و سؤدده، قد حرمها على نفسه، كأبي طالب «عليه السلام» ، و عبد المطلب (2)، و جعفر بن أبي طالب (3)، و قيس بن عامر، و عامر بن الظرب، و صفوان بن أمية، و غيرهم ممن تقدم ذكرهم عن قريب.

بل إن عبد اللّه بن جدعان، الذي كان مولعا بها، قد صرح بأنهم كانوا يسمونها بالسفاه، و أنه آنس بسببها الهوان، فهو يقول:

شربت الخمر حتى قال قوميألست عن السفاه بمستفيق

و حتى ما أوسد في مبيتأبيت به سوى الترب السحيق

و حتى أغلق الحانوت ماليو آنست الهوان من الصديق

ثم حرمها على نفسه؛ فلم يقربها (4).

و بعد نزول هذه الآية، و تحريم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن؛ فلا يعقل أن يعتبرها العرب إلا من الفواحش. ثم إن عطف الإثم الذي هو الخمر على الفواحش، من باب عطف الخاص على العام، لمزيد الاهتمام به، و حرصا على الردع عنه، لأنه مما تألفه النفوس عادة و تميل إليه، فيحتاج إلى


1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 138.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 113.

3) قاموس الرجال ج 2 ص 369 عن الأمالي.

4) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 292.

مزيد من التأكيد و التكرار.

5-لقد روى جماعة من المؤرخين: أن أعشى قيس خرج إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يريد الإسلام، و قد مدحه بقصيدة أولها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداو بت كما بات السليم مسهدا

فلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض مشركي قريش-أبو جهل أو أبو سفيان كما سنرى-فسأله عن أمره؛ فأخبره أنه جاء ليسلم، فقال له:

«يا أبا بصير، إن محمدا يحرم الزنى!

فقال الأعشى: و اللّه إن ذلك لأمر ما لي فيه من إرب.

فقال: و إنه ليحرم الخمر!

فقال الأعشى: أما هذه ففي النفس منها لعلالات. و لكني منصرف فأرتوي منها عامي هذا، ثم آتيه فأسلم، فانصرف راجعا، و مات في عامه» (1).

و ناقش البعض هذه الرواية: بأن الخمر إنما حرمت في سورة المائدة، و هي آخر ما نزل من القرآن. و في الصحيحين من ذلك قصة حمزة و الشارفين. فإن صح خبر الأعشى، و ما ذكر له في الخمر، فلم يكن هذا بمكة، و إنما كان بالمدينة، و يكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر من


1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 25-28، و الأغاني ط ساسي ج 8 ص 85 و 86، و البداية و النهاية ج 3 ص 101 و 102، و الروض الأنف ج 2 ص 136، و سيرة مغلطاي ص 25، و تفسير الميزان ج 6 ص 134، و السيرة الحلبية ج 2 ص 262، و محاضرات الأدباء المجلد الثاني ص 418، و الشعر و الشعراء لابن قتيبة ص 135.

المنافقين، أو من اليهود، فاللّه أعلم. و في القصيدة مما يدل على هذا قوله «فإن لها في أهل يثرب موعدا» .

و قد ألفيت للقالي رواية عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: لقي الأعشى عامر بن الطفيل في بلاد قيس-و هو مقبل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فذكر له: أنه يحرم الخمر، فرجع، فهذا أولى بالصواب (1).

و في رواية أبي الفرج، و ابن قتيبة: أن أبا سفيان هو الذي كلم الأعشى، و أن ذلك كان و المشركون مع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في هدنة (2). و لكن هذه المناقشات لا يمكن قبولها، فإن قصة الشارفين قد تقدم أنها لا يمكن أن تصح.

و كونها إنما حرمت في سورة المائدة أيضا قد تقدم ما فيه، و أنها قد حرمت قبل ذلك في سورة مكية.

كما أن نزول القرآن بتحريمها لا ينافي تحريمها على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك.

و أما قولهم: إن عامر بن الطفيل هو الذي قال للأعشى ذلك. فلا يمكن قبوله، إذ قد صرح آخرون: بأن القائل للأعشى ذلك هو أبو جهل، و بالذات في دار عتبة بن ربيعة في مكة (3)و أبو جهل قتل في بدر قبل نزول


1) راجع: الروض الأنف ج 2 ص 136، و البداية و النهاية ج 3 ص 103، و سيرة مغلطاي ص 25.

2) الأغاني ط ساسي ج 8 ص 86، و الشعر و الشعراء ص 136.

3) الروض الأنف ج 2 ص 136، و السيرة الحلبية ج 2 ص 262، و ليراجع البداية و النهاية ج 3 ص 103.

سورة المائدة، و قبل هدنة الحديبية بسنوات.

أما رواية القتيبي، و أبي الفرج فقد صرحت بأن القائل للأعشى ذلك هو أبو سفيان (1).

و بعد تحديد تلك الروايات: أن هذا قد جرى قرب مكة، بل و في مكة نفسها، و بالذات في دار عتبة بن ربيعة، فلا يمكن الالتفات إلى رواية أخرى ربما يكون الرواة قد تصرفوا فيها لتلائم ما يعتقدونه من أن الخمر قد حرمت بعد الهجرة.

و لربما يكون هذا هو السر في تبديلهم كلمة «يثرب» بكلمة «مكة» في الشعر المنسوب إليه، و هو الدالية المتقدمة. و إذا كان ذلك القول قد قيل في مكة أو بالقرب منها، فلا يعقل أن يكون ذلك بعد الهجرة، و ذلك لأن الأعشى كان يسكن: «منفوحة» باليمامة، و الطريق بينها و بين المدينة مستقيم لا يمر على مكة، و المرور على مكة لا يكون إلا بقصد مستقل لها، إذ لا يعقل سلوك طريق دائري كهذا لمن يريد المدينة. و لعل فيما ذكرناه كفاية.

لا تدرج في تحريم الخمر:

و في مجال آخر نقول:

إنه ليس ثمة تدرج في تحريم الخمر كما ادعاه بعضهم (2)، و إنما حرمت بشكل نهائي و قاطع في مكة؛ ثم صارت تحصل تعديات و مخالفات؛ فكان يتكرر النهي عنها لأجل تلك المخالفات في الموارد الخاصة.


1) الأغاني ج 8 ص 86، و الشعر و الشعراء ص 136.

2) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278.

و يظهر ذلك من ملاحظة خصوصيات الآيات و الموارد التي نزلت فيها.

و الظاهر: أن إلف الناس للخمر، و حبهم لها، و التذاذهم بها-مع أنهم يدركون مساوئها-يدل على أن تركها كان صعبا عليهم؛ لأنهم يرون أن ذلك لسوف يفقدهم لذة تحبها نفوسهم، و أليفا تهفو إليه قلوبهم. و لذلك تراهم يسألون عنها، و يكررون السؤال، و يجيبهم القرآن ببيان مساوئها، و بالزجر عنها، و لكنهم عنها لا ينتهون، و غير معاقرتها لا يطلبون، و هم بذلك لأحكام اللّه يخالفون. حتى الكبار منهم، و حتى أبو بكر، و عمر، و ابن عوف و غيرهم (1)كما سيأتي عن قريب.

بل يظهر: أن بعضهم لم يتركها حتى وفاة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» (2).

بل يروي ابن سعد: عن الشعبي: أنه مر على مسجد من مساجد جهينة فقال: «أشهد على كذا و كذا من أهل هذا المسجد من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثمائة يشربون نبيذ الدنان في العرائس» (3).


1) راجع: الدر المنثور و تفسير الطبري، و جميع التفاسير، في آيات الخمر في سورة البقرة، و الأعراف و النساء و المائدة، و جميع كتب الحديث في أبواب الأشربة حين الكلام على تحريم الخمر. . و الغدير للعلامة الأميني ج 7 ص 95-103 و ج 6 ص 251-261.

2) راجع حول شرب الصحابة أو بعضهم للخمر: الدر المنثور ج 2 ص 321 و 322 و 325، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 569.

3) الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 6 ص 175.

(اماعمر)

انتهينا! انتهينا:

و يقولون: إنه بعد حرب بدر شرب عمر الخمر، و شج رأس عبد الرحمن بن عوف بلحى بعير، ثم قعد ينوح على قتلى بدر من المشركين في ضمن أبيات تقول:

و كائن بالقليب قليب بدرمن الفتيان و العرب الكرام

و كائن بالقليب قليب بدرمن الشيزى المكلل بالسنام

أ يوعدني ابن كبشة أن سنحياو كيف حياة أصداء و هام

أيعجز أن يرد الموت عنيو ينشرني إذا بليت عظامي

ألا من مبلغ الرحمن عنيبأني تارك شهر الصيام

فقل للّه يمنعني شرابيو قل للّه يمنعني طعامي

فبلغ ذلك الرسول؛ فخرج مغضبا، فرفع شيئا كان في يده؛ فضربه به، فقال: أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله، فأنزل اللّه تعالى:

إِنَّمٰا يُرِيدُ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةَ وَ اَلْبَغْضٰاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ عَنِ اَلصَّلاٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (1).

فقال عمر: انتهينا، انتهينا (2).


1) الآية 91 من سورة المائدة.

2) المستطرف ج 2 ص 220، و تفسير البرهان ج 1 ص 370 و 498، و الميزان ج 1 ص 136، و الغدير ج 6 ص 251 عن الزمخشري في ربيع الأبرار في باب اللهو و اللذات، و القصف و اللعب. و الرواية من دون تصريح بالاسم موجودة في تفسير جامع البيان ج 2 ص 211 و نقلت الرواية عن: مسند أحمد ج 1 ص 53، -

و تعبير عمر ب «انتهينا انتهينا» موجود في عشرات المصادر، و إن كانت هذه القصة لم تذكر فيها (1).

و سورة المائدة من أواخر ما نزل، بل يقال: إنها نزلت في حجة الوداع.

و هذا يعني: أنهم ما كانوا يلتزمون كثيرا بالنواهي الواردة عن شرب الخمر، كما أشرنا إليه آنفا.

و على كل حال، فإن روايات شرب عمر للخمر بعد الهجرة كثيرة جدا (2)و قد أتي في خلافته بأعرابي قد سكر فطلب له عذرا، فلما أعياه قال:

(2) -و سنن النسائي ج 8 ص 287، و تاريخ الأمم و الملوك ج 7 ص 22، و سنن البيهقي ج 8 ص 285، و أحكام القرآن ج 2 ص 245، و مستدرك الحاكم ج 2 ص 278، و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 200، و تفسير الخازن ج 1 ص 513، و فتح الباري ج 8 ص 225، و الدر المنثور ج 1 ص 252.


1) راجع في هذه المصادر الغدير ج 6 ص 252 و 253، و فتح الباري ج 10 ص 25.

2) راجع: الموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 89، و الدر المنثور في تفسير الآيات المشار إليها، و أي كتاب تفسيري، أو حديثي آخر، و لا سيما كتاب الغدير للعلامة الأميني الجزء الخامس و السادس و السابع، و المبسوط ج 24 ص 7 و 8، و كنز العمال ج 2 ص 109، و عن محاضرات الراغب ج 1 ص 319، و السنن الكبرى ج 8 ص 299، و الغدير ج 6 ص 257، و الطبقات الكبرى ج 6 ص 97، و إزالة الخفاء، و الطبقات الكبرى ج 3 ص 341 و 355 و 354 و 346 و 351 و 352، و الإمامة و السياسة ج 1 ص 26، و تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 13، و الإستيعاب (هامش الإصابة) ج 2 ص 269، و أسد الغابة ج 4 ص 75 و 76، و تاريخ الخميس ج 2 ص 249، و تاريخ الخلفاء ص 134، و الكامل في التاريخ ج 3 ص 51، و الرياض النضرة ج 2 ص 91 و 93 و 95، و حياة الصحابة ج 2 ص 306.

إحبسوه فإن صحا فاجلدوه، و دعا عمر بفضله و دعا بماء فصبه عليه فكسره، ثم شرب و سقى أصحابه، ثم قال: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه.

قال: و كان يحب الشراب الشديد (1).

بل نجد: أن ركوة عمر كانت تسكر كل من يشرب منها، حتى بعد توليه الخلافة، و قضية إقامته الحد على من شرب من ركوته فسكر معروفة.

و قد اعترض عليه بقوله: «يا أمير المؤمنين إنما شربت من ركوتك» ؟ ! فكان اعتذار عمر عن ذلك بأنه إنما حده لسكره لا لشربه! ! (2).

و هذا فقه جديد، ما عهدناه من غيره! ! و قد أخذ به بعضهم، حين ذكر: أن السكر كان حراما، لكن الشرب لم يكن محرما، ثم ورد تحريم الشرب بعد الهجرة بسنوات (3).

و الكلام حول هذا الموضوع طويل جدا لا مجال له هنا.


1) جامع مسانيد أبي حنيفة ج 2 ص 192، و الآثار للشيباني ص 226، و السنن للنسائي ج 8 ص 326، و أحكام القرآن ج 2 ص 565، و راجع فتح الباري ج 10 ص 34.

2) راجع: فتح الباري ج 10 ص 34، و لسان الميزان ج 3 ص 27، و ربيع الأبرار ج 4 ص 63، و راجع: مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 9 ص 224، و العقد الفريد ط دار الكتاب ج 6 ص 369، و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 464، و حاشية ابن التركماني على سنن البيهقي المطبوعة معه ج 8 ص 306، و الغدير ج 6 ص 257/ 258 عنه، و عن كنز العمال ج 8 ص 110.

3) راجع: فتح الباري ج 10 ص 33.

تحريف متعمد:

و الغريب في الأمر: أن الرواية الآنفة الذكر، قد ذكرها الزمخشري في ربيع الأبرار ناسبا لها إلى عمر بن الخطاب كما رواها غيره، و استدل بها الفقهاء الذين يرون في الصحابة مثالا يحتذى في كل شيء. و لكن محمد بن قاسم الذي انتخب كتابه من ربيع الأبرار بالذات و سماه: «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» قد تعمد تحريف هذه القضية، فذكر اسم علي «عليه السلام» بدل اسم عمر (1). «فتبارك اللّه أحسن الخالقين» .

و أما أبو بكر:

فيقول الفاكهي: إن الذي أنشد الأبيات المتقدمة في رثاء قتلى بدر هو أبو بكر، و مطلع الأبيات هكذا:

تحيي أم بكر بالسلامو هل لي بعد قومك من سلام (2)

و اعتمد نفطويه على هذه الرواية، فقال: شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرم، ورثى قتلى بدر من المشركين (3).

و يؤيده رواية رواها أبو الجارود، عن أبي جعفر «عليه السلام» في هذا الشأن، فلتراجع (4).


1) راجع: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 142.

2) الإصابة ج 4 ص 22، و نوادر الأصول ص 66، و راجع: فتح القدير ج 1 ص 472 عن ابن المنذر، و ذكر الطبري الرواية محرفة في تفسيره.

3) الإصابة ج 4 ص 22.

4) البحار ج 63 ص 487، و ج 76 ص 131 ط مؤسسة الوفاء.

و قد بلغ شيوع شرب أبي بكر للخمر حدا اضطرت معه عائشة إلى التصدي للدفاع عن أبيها: فكانت تقول: «ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية و لا إسلام، و لقد ترك هو و عثمان شرب الخمر في الجاهلية» (1).

و عنها: «لقد حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية» (2).

و يظهر: أن أم المؤمنين قد فشلت في الدفاع عن أبيها، و لذلك نرى الزهري يروي عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تدعو على من يقول: إن أبا بكر الصديق قال هذه القصيدة، ثم تقول: «و اللّه ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية و لا في إسلام» (3)ثم تنسب القضية إلى رجل آخر يدّعى أن اسمه أبو بكر بن شعوب.

و لكننا لا ندري ما تقول أم المؤمنين في قولهم المعروف: «كان أبو بكر شاعرا، و كان عمر شاعرا، و كان علي أشعر الثلاثة» (4).

بل ذكر البعض: أن الخلفاء الأربعة كانوا أشعر الصحابة، و كان أبو بكر أشعر الخلفاء، و قد جمع البعض له ديوانا تعجز عن تقريضه أفواه


1) الصواعق المحرقة ص 73 عن ابن عساكر بسند صحيح.

2) الصواعق المحرقة ص 73 عن أبي نعيم بسند جيد، و فتح الباري ج 10 ص 31.

3) نوادر الأصول ص 66، و المصنف ج 11 ص 266 و 267، و الإصابة ج 4 ص 22، و الصواعق المحرقة ص 73.

4) كنز العمال ج 15 ص 97 عن ابن عساكر، و راجع: أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 152 و 114، و ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 3 ص 242، و في هامشه عن كتاب الرجال لأحمد بن حنبل ج 1 ص 313 ط 1.

المحابر، و ألسنة الأقلام، رتبه على حروف المعجم (1).

و يعلق العلامة الأميني على تعليق الحكيم الترمذي على حديث شرب أبي بكر للخمر بقوله: «هو مما تنكر القلوب» (2).

فيقول: «فكأن الترمذي وجد الحديث دائرا سائرا في الألسن، غير أنه رأى القلوب تنكره» (3).

كما أن العسقلاني قد حذا حذو الترمذي، فإنه بعد أن ذكر أن ابن مردويه يذكر أبا بكر و عمر في من شرب الخمر في بيت أبي طلحة قال: «و هو منكر، مع نظافة سنده، و ما أظنه إلا غلطا» (4).

ثم إنه بعد ذكره لقضية: «تحيي أم بكر بالسلام» قال: «و أبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، و ليس كذلك.

و لكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق، فحصلنا على تسمية عشرة» (5).

فهو كما ترى قد عاد و أقر بأن أبا بكر كان فيمن شرب الخمر في بيت أبي طلحة (6).


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 211.

2) نوادر الأصول ص 66.

3) الغدير ج 7 ص 96.

4) فتح الباري ج 10 ص 31، و الغدير ج 7 ص 97/98.

5) فتح الباري ج 10 ص 31، و الغدير ج 7 ص 97/98.

6) و راجع: ترجمة سعيد بن ذي لعوة في لسان الميزان، و غيره و راجع: الغدير ج 6 ص 251-261، و ج 7 ص 95-103، و جميع كتب الحديث في أبواب الخمر، و جميع كتب التفسير في تفسير الآيات، و غير ذلك.

الكذب على علي عليه السّلام:

بقي أن نشير إلى أننا نشهد لدى بعض الناس حرصا شديدا على حشر علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في أمر مشين كهذا. . فبذلوا محاولات عديدة و متنوعة في هذا السبيل.

و لكنها كانت محاولات فاشلة و عقيمة، فإن الكل يعلم: أنه «عليه السلام» قد تربى في حجر النبوة، و تهذب و تأدب منذ نعومة أظفاره بأدب الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؛ و لم نعهد منه إلا الامتثال و الخضوع المطلق لأوامر و توجيهات معلمه و سيده و مربيه، حتى لقد أثر عنه قوله: «أنا عبد من عبيد محمد» .

و سيرته عليه الصلاة و السلام خير شاهد و دليل على ما نقول، و لسوف نقرأ: أنه حينما قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم خيبر: «إذهب، و لا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك» ، مشى «عليه السلام» هنيهة، ثم قام، و لم يلتفت للعزمة. ثم قال: على ما أقاتل الناس؟ !

قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه الخ. .» (1).

و لعله لأجل هذا بالذات تقرأ أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) صحيح ابن حبان (مخطوط في مكتبة قبو سراي في إستانبول) ترجمة علي «عليه السلام» ، و أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 93، و الغدير ج 10 ص 202، و ج 4 ص 278، و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 200، و ترجمة علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 159.

يأمر رسوله إلى علي «عليه السلام» : أن لا يناديه من خلفه (1).

و هو بعد ذلك كله، من أهل البيت، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و إن رغمت أنوف الحاقدين و الشانئين.

و أما بالنسبة للصحابة، فلو أردنا استقصاء مخالفاتهم في هذا المجال، لملأنا عشرات الصفحات من أحداث، و من مصادر لها. و الحر تكفيه الإشارة.

لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى:

و يروون-عن علي «عليه السلام» (! !) -أنه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما؛ و سقانا من الخمر؛ فأخذت الخمر منا، و حضرت الصلاة؛ فقدموني، فقرأت: قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلْكٰافِرُونَ، لاٰ أَعْبُدُ مٰا تَعْبُدُونَ (2)، و نحن نعبد ما تعبدون، فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ (3).


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 217 و غيره، و البحار ج 73 ص 223 و 325 عن قرب الإسناد ص 76.

2) الآية 43 من سورة النساء.

3) الدر المنثور ج 2 ص 164 و 165 عن عبد بن حميد و أبي داود، و الترمذي و صححه، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و النحاس، و الحاكم و صححه، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 142 و ليس فيه تصريح بأن عليا «عليه السلام» قد شربها معهم، و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 200 عن الترمذي و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 238، و راجع جامع البيان-

و عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر، و عمر، و علي، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد، صنع علي لهم طعاما و شرابا، فأكلوا، و شربوا، ثم صلى علي بهم المغرب؛ فقرأ: قل يا أيها الكافرون، حتى خاتمتها؛ فقال: ليس لي دين، و ليس لكم دين، فنزلت: لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (1).

و عن علي، أنه كان هو و عبد الرحمن بن عوف، و رجل آخر، شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن: فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فخلط فيها؛ فنزلت: لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (2).

و عن الحاكم عن علي «عليه السلام» : دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدم رجل و قرأ قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه فنزلت (3)

و في رواية أخرى عن علي «عليه السلام» : أن رجلا من الأنصار دعاه،

(3) -للطبري ج 2 ص 312، و ج 5 ص 61، و فتح القدير ج 1 ص 472، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 500، و لباب النقول ص 63، و تفسير الخازن ج 1 ص 358، و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278 و 79 و ليس فيه تصريح بالاسم لكن صرح به الأشخر اليمني في شرحه بهامشه، و كنز العمال ج 2 ص 248، و رمز للعديد من المصادر المتقدمة و عن سعيد بن منصور.


1) الدر المنثور ج 2 ص 165 عن ابن المنذر، و فتح القدير ج 1 ص 472.

2) الدر المنثور ج 2 ص 165 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و جامع البيان للطبري ج 5 ص 61، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 500 قال: و هكذا رواه أبو داود و النسائي.

3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 308 و ج 4 ص 142، و تلخيص الذهبي بهامشه، و راجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 500 عن ابن أبي حاتم.

و عبد الرحمن بن عوف، فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون؛ فخلط فيها، فنزلت الخ. . (1).

و في بعض الروايات: أنه قرأ: «قل يا أيها الكافرون؛ فلم يقمها» (2). و رواية أخرى لا تصرح باسم أحد، لكنها تقول: فشربها رجل، فتقدم، فصلى بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، فنزلت الخ. . (3).

و في رواية أخرى عن عوف: فشربها رجلان؛ فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما؛ لا يدري عوف ما هو (4).

المناقشة:

و نقول: إن ذكر علي «عليه السلام» في الرواية المذكورة لا يصح، بل إن الرواية بمجملها محل شك و شبهة لدينا، و نستند في حكمنا هذا إلى ما يلي:

أولا: إن الروايات المتقدمة فيها العديد من موارد التنافي و التناقض.

1-فهل الذي صنع الطعام هو عبد الرحمن بن عوف؟ أم هو علي «عليه السلام» ؟ ! أم هو رجل من الأنصار؟ !

2-و هل الذي صلى بهم إماما هو علي «عليه السلام» ؟ أم عبد الرحمن


1) راجع: سنن أبي داود ج 3 ص 225، و تفسير الخازن ج 1 ص 358.

2) أسباب النزول ص 87، و جامع البيان للطبري ج 2 ص 212.

3) راجع: تفسير القرطبي ج 5 ص 200، و الغدير ج 6 ص 252 و 253 عنه، و جامع البيان للطبري ج 7 ص 22، و تفسير النيسابوري بهامشه ج 2 ص 322، و تفسير الرازي ج 6 ص 40.

4) تفسير الطبري ج 2 ص 211.

بن عوف، أم هو فلان الذي لم يسم؟ !

3-و هل قرأ القارئ في الصلاة: قل يا أيها الكافرون إلى آخرها، ثم قال: ليس لي دين، و ليس لكم دين؟

أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون: أعبد ما تعبدون؟ !

أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، و نحن نعبد ما تعبدون؟ !

أم أنه قرأ: و نحن عابدون ما عبدتم؟ ! (1).

أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، و أنتم عابدون ما أعبد، و أنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين، كما جاء في بعض الروايات؟ ! (2).

أم أنه جعل يهجر كلاما في الصلاة، لا يدري عوف ما هو؟ ! . .

4-و هل كان الحاضرون ثلاثة أشخاص فقط: علي، و عبد الرحمن بن عوف، و رجل من الأنصار؟

أم كانوا خمسة أشخاص: أبو بكر و عمر، و علي، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد؟ !

أم أن الشارب كان رجلا واحدا، كما هو ظاهر النص الأخير، و هو ظاهر رواية الحاكم؟ !


1) تلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس المستدرك ج 4 ص 142.

2) تفسير جامع البيان للطبري ج 5 ص 61، و راجع: تفسير ابن كثير ج 1 ص 500، و تفسير الرازي ج 10 ص 107، و تفسير الخازن ج 1 ص 146، و تفسير النسفي بهامشه، و الكشاف ج 1 ص 513 و 260، و غير ذلك.

5-و هل كان الذي شربها رجل واحد، و دخل في الصلاة، أم شربها رجلان، و دخلا في الصلاة؟ ! . .

و كما يقولون: لا حافظة لكذوب. .

و ثانيا: قد تقدم أن الخمر قد حرمت في مكة قبل الهجرة، و ذكرنا لذلك العديد من الدلائل و الشواهد، مثل رواية معاذ بن جبل (1)، و أم سلمة (2)، و أبي الدرداء. . و غير ذلك.

و ثالثا: قال الحلبي الشافعي: إن الخمر قد حرمت ثلاث مرات (3)، و روى أحمد ذلك عن أبي هريرة أيضا (4).

و المقصود: إن كان أنها قد حرمت أولا في مكة في أول البعثة، فلا تصح الرواية المتقدمة، و إن كان المقصود أنها قد حرمت في سورة البقرة، ثم في سورة النساء النازلتين في أول الهجرة، فإننا نقول:

إن النحاس يرى: أن سورة النساء مكية، و قال علقمة: إن قوله تعالى: يا أيها الناس حيث وقع إنما هو مكي (5). . و عليه، بل و حتى على تقدير نزولها


1) روايته موجودة أيضا-عدا عما تقدم-في البحار ج 2 ص 127 ح 4، و قصار الجمل ج 1 ص 183، و ج 2 ص 23 و 12 و راجع ص 22، عن الوسائل العشرة باب 136 ح 8.

2) رواية أم سلمة توجد أيضا في الدر المنثور ج 2 ص 326 عن البيهقي.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 261.

4) فتح القدير ج 2 ص 75، و تاريخ الخميس ج 2 ص 27 عن المواهب اللدنية.

5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 1، و الغدير ج 8 ص 11 عنه، و راجع: الإتقان ج 1 ص 12.

أول الهجرة، فإن التحريم يكون قد سبق وقوع القصة المتقدمة التي يرون أنها قد حصلت في المدينة في سنة ثلاث، أو أربع، أو في سنة ست الخ. . حسبما تقدمت الإشارة إليه.

و رابعا: إن المروي عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» ، و عن الضحاك: أن المراد في قوله تعالى: لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (1): هو سكر النوم (2).

و خامسا: قد روى القطان في تفسيره، عن الحسن البصري، قال: إن عليا لم يقبل أن يشرب معهم في دار أبي طلحة، بل خرج من بينهم ساخطا على ما يفعلون، قال الحسن: «و اللّه الذي لا إله إلا اللّه هو، ما شربها قبل تحريمها، و لا ساعة قط» (3).

نعم. . و هذا هو الذي ينسجم مع خلق علي «عليه السلام» ، و وعيه، و هو الذي تربى في حجر الرسالة، و كان يلازم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ملازمة الظل لصاحبه. .

و سادسا: قال الحاكم: «إن الخوارج تنسب هذا السكر، و هذه القراءة


1) الآية 43 من سورة النساء.

2) راجع: نور الثقلين ج 1 ص 400 و 401، و تفسير البرهان ج 1 ص 370، و مجمع البيان ج 3 ص 52، و قول الضحاك في مختلف تفاسير أهل السنة فعدا عما تقدم راجع تفسير الخازن ج 1 ص 359، و تفسير الرازي ج 10 ص 109، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 500، و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 201، و عن ابن جرير، و ابن أبي حاتم.

3) تفسير البرهان ج 1 ص 500 عن ابن شهرآشوب، عن القطان في تفسيره. .

إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دون غيره، و قد برأه اللّه منها؛ فإنه راوي هذا الحديث» (1).

و ذلك لأن رواية الحاكم ليس فيها أنه «عليه السلام» قد شربها، كما أنها تنص على أن غيره هو الذي صلى بهم، و على حسب نص الجصاص:

عن علي قال: دعا رجل من الأنصار قوما؛ فشربوا من الخمر؛ فتقدم عبد الرحمن بن عوف لصلاة المغرب؛ فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه، فأنزل اللّه تعالى: لاٰ تَقْرَبُوا. . الخ. . (2).

إتهام بريء آخر:

و أخيرا فإننا نجد في بعض الروايات تسجيل اتهام ضد بريء آخر، ألا هو عثمان بن مظعون، و أنه كان فيمن شرب الخمر، حتى نزلت: لاٰ تَقْرَبُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الخ. . (3).

و قد رد العلامة الأميني على ذلك بقوله: «هذا افتراء على ذلك الصحابي العظيم. و قد نص أئمة التاريخ و الحديث على أنه ممن حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، و قال: لا أشرب شرابا يذهب عقلي، و يضحك بي من هو أدنى مني، و يحملني على أن أنكح كريمتي» (4).


1) مستدرك الحاكم ج 2 ص 307.

2) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 201.

3) راجع الغدير ج 6 هامش ص 254، و الدر المنثور ج 2 ص 315 و 317 و 318.

4) الغدير ج 6 هامش ص 253، و أشار إلى مصدرين لما ذكره و هما: الإستيعاب ج 2 ص 482، و الدر المنثور ج 2 ص 315.

و نزيد نحن: أن عثمان بن مظعون قد مات قبل هذه القضية بمدة طويلة كما هو معلوم.

سر الافتراء:

و لا نريد أن نفيض في بيان سر حياكة هذه الأكاذيب، فإنه قد كان ثمة تعمد لإيجاد شركاء لأولئك الذين ارتكبوا هذه الشنيعة، ممن يهتم أتباعهم بالذب عنهم، فلما لم يمكنهم تكذيب أصل القضية عمدوا إلى إشراك أبرياء معهم، ليخف جرم أولئك من جهة، وسعيا في تضعيف أمر هؤلاء من جهة أخرى. .

و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره، و ينزه أولياءه، و يطهرهم، و يصونهم من عوادي الكذب و التجني. . و ليذهب الآخرون بعارها و شنارها، و ليكن نصيب محبيهم و أتباعهم، و الذابين عنهم بالكذب و البهتان، الخزي و الخذلان و سبحان اللّه، و له الحمد، فإنه ولي المؤمنين، و المدافع عنهم. .

خطبة علي عليه السّلام بنت أبي جهل:

و تحكى ههنا قصة خطبة علي «عليه السلام» بنت أبي جهل، و من حقها أن تذكر في السنة الثامنة من الهجرة، و لكن بما أنها لا ريب في أسطوريتها كما سيتضح، فإننا نذكرها هنا و نبين كذبها، لمناسبة واضحة بين الحديث عن زواجه «عليه السلام» بفاطمة، و خطبته لغيرها؛ فنقول:

الحديث الموضوع:

في البخاري و غيره، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول اللّه

«صلى اللّه عليه و آله» يقول، و هو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يريد ابن أبي طالب: أن يطلق ابنتي، و ينكح ابنتهم؛ فإنما هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، و يؤذيني ما آذاها.

و في البخاري و غيره أيضا، عن المسور: أن فاطمة أتت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقالت: يزعم قومك: أنك لا تغضب لبناتك، و هذا علي ناكح ابنة أبي جهل.

فسمعته حين تشهد يقول: إني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني و صدقني، و إن فاطمة بضعة مني، و إني أكره أن يسوءها. و اللّه، لا تجتمع بنت رسول اللّه و بنت عدو اللّه عند رجل واحد، فترك علي الخطبة.

و في رواية أخرى لمسلم و البخاري و غيرهما: أن المسور قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر و هو يخطب في ذلك، و أنا محتلم، فقال: إن فاطمة مني، و أنا أخاف أن تفتن في دينها. .

إلى أن قال: و إني لست أحرم حلالا، و لا أحل حراما، و لكن و اللّه، لا تجتمع بنت رسول اللّه، و بنت عدو اللّه مكانا واحدا أبدا.

و ذكر مصعب الزبيري: أن عليا خطب جويرية (1)بنت أبي جهل، فشق ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتاب: أنا أريحك منها؛ فتزوجها؛ فولدت له عبد الرحمن بن عتاب.


1) و يقال: اسمها العوراء. و يقال: جرهمة. و يقال: جميلة. و يقال: الحيفاء. راجع فتح الباري ج 7 ص 68.

و قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يغار لبناته غيرة شديدة، كان لا ينكح بناته على ضرة (1).

و عند الحاكم: أن عليا خطب بنت أبي جهل؛ فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة (2).

و عند ابن المغازلي: أنه «عليه السلام» خطب أسماء بنت عميس؛ فأتت فاطمة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقالت: إن أسماء بنت عميس متزوجة عليا.


1) راجع هذه النصوص في: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة و الإنصاف. و كتاب الخمس و كتاب المناقب، و صحيح مسلم ج 7 ص 141، و في فضائل فاطمة، و مسند أحمد ج 4 ص 328، و حلية الأولياء ج 2 ص 40، و سنن البيهقي ج 7 ص 64، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 158 و 159، و غوامض الأسماء المبهمة ص 340 و 341، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 616، و أسد الغابة ج 5 ص 521، و المصنف ج 7 ص 301 و 302 و 300 بعدة نصوص، و في هامشه عن عدد من المصادر، و نسب قريش ص 87 و 312، و فتح الباري ج 7 ص 6، و ج 9 ص 286، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 90، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 88 و 51 و ج 4 ص 64-66، و محاضرة الأدباء المجلد الثاني ص 234، و السيرة الحلبية ج 2 ص 208، و تلخيص الشافي ج 2 ص 276، و نقل عن سنن أبي داود ج 2 ص 326، و راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 4، و نزل الأبرار ص 82 و 83، و في هامشه عن صحيح البخاري ج 2 ص 302 و 189 و ج 3 ص 265، و عن الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 698.

2) فتح الباري ج 9 ص 286.

فقال: ما كان له أن يؤذي اللّه و رسوله (1).

و قد نظم مروان بن أبي حفصة هذه القصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، فكان مما قال:

و ساء رسول اللّه إذ ساء بنتهبخطبته بنت اللعين أبي جهل

فذم رسول اللّه صهر أبيكمعلى منبر بالمنطق الصادع الفصل (2)

المناقشة:

و نحن نعتقد-كما يعتقد ابن شهرآشوب (3)-أنه لا ريب في كذب هذه الرواية، و ذلك استنادا إلى ما يلي:

أولا: إن الروايات مختلفة و متناقضة، كما يظهر بالمراجعة و المقارنة.

أضف إلى ذلك: أن ما جاء في هذه الروايات لا ينسجم مع ما تقدم في بحث تكنية علي «عليه السلام» بأبي تراب: من أنه «عليه السلام» لم يسؤ فاطمة قط.

و ثانيا: عن بريدة: أنه لما استلم علي «عليه السلام» الغنائم من خالد بن الوليد في غزوتهم لبني زبيد، حصلت جارية من أفضل السبي في الخمس، ثم صارت في سهم آل علي، فخرج عليهم علي «عليه السلام» و رأسه يقطر، فسألوه؛ فأخبرهم: أنه وقع بالوصيفة التي صارت في سهم آل علي.


1) مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 365.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 65.

3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 4.

فقدم بريدة في كتاب من خالد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و صار يقرؤه عليه بريدة، و يصدق (أي بريدة) ما فيه، فأمسك «صلى اللّه عليه و آله» بيده، و قال: يا بريدة أتبغض عليا؟

قال: نعم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا تبغضه، و إن كنت تحبه فازدد له حبا، فو الذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة.

و في نص آخر: فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول اللّه غضب غضبا لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة و النضير، و قال: يا بريدة، أحب عليا، فإنه يفعل ما آمره. و كذا روي عن غير بريدة (1).


1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 128 عن الطبراني، و خصائص النسائي ص 102 و 103، و مشكل الآثار ج 4 ص 160، و مسند أحمد ج 5 ص 359 و 350 و 351، و سنن البيهقي ج 6 ص 342 و قال: رواه البخاري في الصحيح، و حلية الأولياء ج 6 ص 294، و سنن الترمذي ج 5 ص 632 و 639، و كنز العمال ج 15 ص 124 و 125 و 126-271، و مناقب الخوارزمي الحنفي ص 92، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 110 و 111 على شرط مسلم، و تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه و سكت عنه، و البداية و النهاية ج 7 ص 344 و 345 عن أحمد و الترمذي، و أبي يعلى و غيره بنصوص مختلفة. و الغدير ج 3 ص 216 عن بعض من تقدم، و عن كنز العمال ج 6 ص 152 و 154 و 300، و عن نزل الأبرار للبدخشي ص 22، و الرياض النضرة ج 3 ص 129 و 130، و عن مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 257. و البحر الزخار ج 6 ص 435، و جواهر الأخبار و الآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد و الصفحة، عن البخاري و الترمذي.

و في الرواية التي عند المفيد رضوان اللّه عليه: «فسار بريدة، حتى انتهى إلى باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيه عمر، فسأله عن حال غزوتهم، و عن الذي أقدمه؛ فأخبره: أنه إنما جاء ليقع في علي، و ذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له؛ فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي» (1).

و ثالثا: و في محاورة بين عمر و ابن عباس، كان مما قاله ابن عباس له: يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا من قد علمت، و اللّه، إنه ما غير و لا بدل، و لا أسخط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيام صحبته له.

فقال: و لا في ابنة أبي جهل، و هو يريد أن يخطبها على فاطمة رضي اللّه عنها؟

قلت: قال اللّه في معصية آدم «عليه السلام» : وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (2)فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه. و ربما كانت من الفقيه في دين اللّه، العالم بأمر اللّه، فإذا نبه عليها رجع و أناب.

فقال: يا ابن عباس، من ظن أنه يرد بحوركم، فيغوص فيها معكم حتى بلغ قعرها؛ فقد ظن عجزا (3).


1) إرشاد المفيد ص 93، و قاموس الرجال ج 2 ص 173 عنه.

2) الآية 115 من سورة طه.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 51، و منتخب كنز العمال ج 5 ص 229 بهامش مسند أحمد، و حياة الصحابة ج 3 ص 249 عنه عن الزبير بكار في الموفقيات، و قاموس الرجال ج 6 ص 25.

فابن عباس يصارح الخليفة بأن عليا لم يغضب الرسول، و لا أراد ذلك، و لا عزم عليه، ثم هو قد أنكر قضية بنت أبي جهل، و اعتبرها من الخواطر التي ربما تمر، و لا يقدر أحد على دفعها، و صدقه بذلك عمر.

و يلاحظ هنا: مهارة ابن عباس في تكذيب هذه القضية، حيث لم يواجه الخليفة الثاني صراحة بذلك، و إنما جاءه من الطريق المعقول و المقبول عنده، و قطع عليه كل طريق حتى قال له: «من ظن أنه يرد بحوركم الخ. .» .

و يكاد النقيب أبو جعفر محمد بن أبي زيد، الذي وصفه ابن أبي الحديد بأنه منصف، و لا يمكن اتهامه بالتشيع-كما تقدم في غزوة بدر-يكاد يصرح بأن عمر هو الذي أوحى للناس بأن النبي قد غضب من علي في هذه القضية، فهو يقول عنه:

«ثم عاب عليا بخطبته بنت أبي جهل؛ فأوهم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كرهه لذلك، و وجد عليه» (1).

و رابعا: إننا في نفس الوقت الذي نجد فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقرر: أنه لا يتصرف في هذا المورد من موقع الولاية، و كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، حيث يقول في خطبته: «إني لست أحرم حلالا، و لا أحل حراما» ، نجده يفرض على علي أن يطلق ابنته، إن أراد تزوج ابنة أبي جهل؛ مع أن اللّه قد جعل الطلاق بيد الزوج، و ليس للزوجة و لا لأبيها حق فرض ذلك عليه.

ثم هو ينهى عليا عن الزواج بالثانية، مع أن اللّه تعالى أحل الزواج من


1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 88.

مثنى و ثلاث و رباع (1).

و إذا كان يحرم على علي الزواج في حياة فاطمة لخصوصية لها (2).

و كان هذا الحكم لم يبلغ إلى علي «عليه السلام» حتى ذلك الوقت؛ فهو لا يستحق هذا التشهير القاسي.

و إن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد بلغه إياه، فلماذا يقدم علي الذي نصت آية التطهير على طهارته من كل رجس، على أمر محرم عليه، حتى يضطر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اتخاذ هذا الموقف منه؟

و لماذا يعمد إلى إيذاء فاطمة، و هو يسمع قوله «صلى اللّه عليه و آله» : فاطمة بضعة مني يؤذيها ما يؤذيني؟ !

و كيف نوجه بعد هذا قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لو لا أن اللّه خلق عليا، لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه؟ !

بل إن اللّه تعالى هو الذي اختار عليا لفاطمة، فكيف يختار لها من يؤذيها و يغمها؟ ! (3).

ثم ألم يكن لدى علي «عليه السلام» من الأدب و الاحترام بمقدار ما كان لبني المغيرة؛ فيستأذونه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا يستأذنه علي «عليه السلام» ؟ !

ثم إننا لا ندري ما حقيقة إيمان، و جمال، و مزايا بنت أبي جهل-التي


1) راجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 277.

2) كما احتمله العسقلاني في فتح الباري ج 9 ص 287.

3) تلخيص الشافي ج 2 ص 277.

كانت من الطلقاء (1)-حتى جعلت عليا يقدم على خلق مشكلة بهذا الحجم له، و لبني المغيرة، و حتى للنبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

و لماذا لم يكلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا سرا، و يطلب منه صرف النظر عن هذا الأمر؟ ! . أم أنه فعل ذلك، فرفض علي، حتى اضطر إلى فضحه، و تأليب الناس ضده بهذه الصورة؟ ! (2)

و كذلك الحال بالنسبة لبني المغيرة، لماذا لا يردعهم سرا عن تزويجه؟ ! أم أنه فعل ذلك، فلم يرتدعوا إلا بهذه الطريقة؟ ! . و إذا كانوا لا يرتدعون؛ فلماذا يستأذنون؟ ! .

و اعتذار العسقلاني عن ذلك بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد من خطبته على رؤوس الأشهاد: أن يشيع ذلك الحكم، و يأخذوا به على سبيل الإيجاب، أو الأولوية (3).

لا يمكن قبوله، فقد كان يمكن أن يشيع هذا الحكم بالطرق الأخرى التي تشيع فيها سائر الأحكام، لا سيما و أنه ليس من الأحكام العامة التي يبتلي بها عامة المكلفين.

و أيضا، فإن ذلك لا يتناسب مع كلمات النبي القاسية على المنبر، و لا مع تعريضاته القوية المشعرة بأن عليا قد ارتكب أمرا عظيما. . هذا مع العلم بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن من عادته أن يواجه أحدا بما يعاب به؛


1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 191.

2) تلخيص الشافي ج 2 ص 278.

3) فتح الباري ج 7 ص 68.

فكيف يعلن به على المنبر.

حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقدح بشهود المدّعي بصورة صريحة، بل هو يدعو المتحاكمين إلى الصلح (1).

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا بلغه عن أحد شيء يكرهه لا يصرح باسمه، حتى و لو كان من جملة المنافقين، فحين بلغه قول زيد بن اللصيت، و هو من المنافقين، من أحبار اليهود: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، و هو لا يدري أين ناقته. قال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء و لا يدري أين ناقته، و إني و اللّه الخ. .» (2).

و اعتذار العسقلاني أيضا عن ذلك: بأنه لعله مبالغة في رضا فاطمة «عليها السلام» ، لأنها أصيبت بأمها و إخوتها، فكان إدخال الغيرة عليها يزيد من حزنها (3).

لا يصح أيضا؛ فإن رضا شخص لا يبرر تنقص شخص آخر على أمر مباح بل مستحب.

و كذلك فإن كون فاطمة «عليها السلام» قد أصيبت، لا يبرر منع زوجها من العمل بما هو مباح له. . و هل لم يصب أحد بأقربائه سواها؟ و هل كل من أصيبت بأقربائها تمنع زوجها من الزواج بأخرى؟ ! . لا سيما بعد مرور السنوات العديدة على ذلك! !


1) راجع: الوسائل ج 18 ص 175 و التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري «عليه السلام» ص 673 و 674.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 174.

3) فتح الباري ج 7 ص 69، و راجع: ج 9 ص 287.

و لماذا لا يطلب العسقلاني من أبي بكر أن يبالغ في رضا فاطمة، حينما أصيبت في أبيها سيد البشر، فحرمها أبو بكر من إرثها، و عاملها بما هو معروف لدى كل أحد، حتى ماتت «عليها السلام» و هي هاجرة له، و أوصت أن تدفن ليلا و لا يحضر جنازتها هو و لا الخليفة عمر؟ .

ثم هناك تعريضه بعلي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه حدثه و لم يصدقه. .

لا ندري كيف؟ و متى؟ و أن أبا العاص (الذي بقي على شركه حتى أسلم مع طلقاء مكة كرها، أو طمعا، و الذي صرح الصادق «عليه السلام» بنفاقه كما نسب إليه) (1)قد حدثه، فصدقه، كيف؟ و متى؟ و في أي مورد؟ ! .

و بعد، فما معنى: أن لا تجتمع بنت عدو اللّه و بنت رسول اللّه عند رجل؟ و قد جمع عثمان بين رقية و أم كلثوم بنتي بل ربيبتي رسول اللّه، و بين فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس، و رملة بنت شيبة، و أم البنين بنت عيينة بن حصن، الذي كان من المنافقين.

و لو صحت خطبة علي لبنت أبي جهل فلماذا تتأذى فاطمة من العمل بحكم إلهي مشرع في القرآن و على لسان أبيها؟ ! .

و لماذا لا تكون مثال المرأة المؤمنة الراضية و المطمئنة؟

و أين هو إيمانها القوي و ثباتها؟ ! .

و لماذا لا تكون كأي امرأة أخرى تواجه قضية كهذه؟ ! .

و كيف بلغ بها الأمر أن أصبح أبوها يخشى عليها الفتنة في دينها؟ !

أكل ذلك من أجل أن زوجها يريد التزوج من امرأة أخرى؟ ! .


1) مستطرفات السرائر ص 470.

ثم ألم تسمع قول أبيها: جدع الحلال أنف الغيرة؟ (1)

و لو كانت لم تسمع ذلك فلم لا يذكر لها أبوها ذلك حينما اشتكت من زوجها، أو على الأقل لماذا لا يتذكر هو ذلك، قبل أن يصعد المنبر و يتكلم بذلك الحماس، و تلك العصبية و القسوة؟ ! .

و هل يتناسب ذلك مع حكمته و نبل أخلاقه، و سمو نفسه، و ما عرف به من الكظم و الحلم؟ ! .

و هذا المأمون يجيب ابنته على شكواها من قضية كهذه بقوله: إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه اللّه تعالى. فهل كان المأمون أعلى نفسا، و أكرم أخلاقا منه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و العياذ باللّه (2).

و خامسا: قال السيد المرتضى: «و بعد، فأين كان أعداؤه «عليه السلام» من بني أمية و شيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة؟ ! و كيف لم يجعلوها عنوانا لما يتخرصونه من العيوب، و القروف؟ ! و كيف تمحلوا الكذب، و عدلوا عن الحق؛ و في علمنا بأن أحدا من الأعداء متقدما لم يذكر ذلك، دليل على أنه باطل موضوع» (3).

و سادسا: و بعد كل ما تقدم: كيف يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبنت أبي جهل، (بنت عدو اللّه) ، على المنبر، و هو الذي منع الناس من أن


1) محاضرات الأدباء المجلد الثاني ص 234.

2) راجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 276-279، و مقالا للشيخ إبراهيم الأنصاري في مجلة الهادي سنة 5 عدد 2 ص 30-33 بعنوان أسطورة تزوج علي ببنت أبي جهل، و تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى ص 168.

3) تنزيه الأنبياء ص 169، و راجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 279.

يقولوا لعكرمة أخيها: (ابن عدو اللّه) ، و قال كلمته الخالدة: يأتيكم عكرمة مهاجرا؛ فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي؟ ! (1).

و سابعا: إن المسور بن مخرمة قد ولد في السنة الثانية للهجرة، فكيف يقول: إنه سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخطب على المنبر و هو (يعني المسور) محتلم؟ ! .

و وجه ذلك ابن حجر: بأن المراد بالاحتلام كمال العقل (2).

و هذا التوجيه يخالف كلا من اللغة و العرف، فلا يقال لطفل عمره ست سنين: إنه محتلم. مهما كان له من الدراية، و من العقل و الفطنة (3).

الرواية الأقرب إلى القبول:

و أخيرا، فإن السيد المرتضى يرى: أن هذه الأسطورة إنما رواها الكرابيسي البغدادي، صاحب الشافعي، و الكرابيسي معروف بنصبه و انحرافه عن أمير المؤمنين «عليه السلام» (4).

و لعلك تقول: إن الرواية بكيفيتها المتقدمة لا ريب في بطلانها و افتعالها، إلا أننا لا نمانع في أن يكون لها أصل سليم عن كل ما قدمناه، و لا يتنافى مع روحية، و عصمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و وصيه، و بضعته الزهراء «عليها السلام» .


1) راجع: مقال الأنصاري في مجلة الهادي سنة 5 عدد 2 ص 32.

2) فتح الباري ج 9 ص 286. راجع: مقال الأنصاري أيضا.

3) راجع مقال الأنصاري أيضا.

4) تنزيه الأنبياء ص 167، و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64 و 65.

و ذلك بأن يكون قد خطر له «عليه السلام» أن يخطب بنت أبي جهل لمصلحة رآها، فاستشار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلم ير منه تشجيعا، فانصرف عن ذلك.

و قد ألمحت رواية إلى ذلك؛ فذكرت: أن عليا «عليه السلام» خطب ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار علي «عليه السلام» رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أعن حسبها تسألني؟

قال علي: قد أعلم ما حسبها، و لكن أتأمرني بها؟

قال: لا، فاطمة بضعة مني، و لا أحب أنها تحزن أو تجزع.

قال علي: «لا آتي شيئا تكرهه» (1).

و نقول في الجواب:

إن هذه الرواية قاصرة عن إفادة المعنى المقصود، لا سيما و أنها تشتمل على التناقض في مضمونها، إذ لا معنى للخطبة، ثم الاستشارة، بل الاستشارة تكون قبل الخطبة، لا سيما بملاحظة قوله: أتأمرني بها الخ. .

كما أنها لا تزال تتهم الزهراء «عليها السلام» بأنها تحزن و تجزع من فعل الأمر المحلل يضاف. إلى ذلك كله أن هناك ما يدل على تحريم النساء على علي «عليه السلام» في حياة فاطمة كرامة و إجلالا لها «صلوات اللّه و سلامه عليها» . . فلماذا يخالف علي «عليه السلام» هذا الحكم الثابت؟ ! .


1) كنز العمال ج 16 ص 280 عن أبي يعلى، و المصنف ج 7 ص 301، و فتح الباري ج 9 ص 286 بأسناد صحيح عن الحاكم.

إلا أن يقال: إنه لم يكن عالما به، قبل هذه الحادثة. و قد علم به بعدها. .

و لكنه قول غير مقبول، بملاحظة: أنه «عليه السلام» باب مدينة علم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو أيضا الإمام المعصوم الذي لا يحتمل في حقه الجهل بتكاليف نفسه.

و أخيرا، فإن كلام ابن عباس الذي قدمناه في جوابه لعمر بن الخطاب يؤيد هذه الرواية أيضا.

و لربما تكون فاطمة قد عرفت بقول عمر، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إنه سيغضب لابنته» ؛ فاشتكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أنها اشتكت عليا «عليه السلام» غيرة من خطبته امرأة أخرى. فإن فاطمة أجل و أرفع، و أعمق إيمانا من أن تفكر في أمر كهذا.

الفصل الثالث: قضايا و أحداث في المجال العام

اشارة

تحويل القبلة:

و قد جاء في الروايات: أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة قد كان بعد حرب بدر (1).

و في تفسير القمي: أن ذلك كان بعد الهجرة بسبعة أشهر.

و صحح صاحب تفسير الميزان: أن ذلك كان في رجب.

و قيل: في النصف من شعبان.

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : إن ذلك قد كان بعد سبعة (تسعة) عشر شهرا. و قد صرف إلى الكعبة، و هو في صلاة العصر (2)، و لتراجع سائر الأقوال في كتب التاريخ و السيرة.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» حين قدم المدينة يتوجه إلى بيت المقدس، فصار اليهود يعيرونه، و يقولون: أنت تابع لنا، تصلي إلى قبلتنا.

فاغتم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك غما شديدا، و كان قد


1) الوسائل ج 3 ص 215 أبواب القبلة باب 2 حديث 1 و 2 و 12 و 17، و في هوامشها إشارة إلى مواضع عديدة من الكتاب و إلى مصادر كثيرة أيضا. و راجع أيضا: قصار الجمل ج 2 ص 121.

2) قصار الجمل ج 2 ص 21، و وسائل الشيعة ج 3 ص 220.

وعد بتحويل القبلة، فخرج في جوف الليل يقلب وجهه في السماء، ينتظر أمر اللّه تعالى في ذلك، و أن يكرمه بقبلة تختص به.

فلما أصبح و حضرت صلاة الظهر-و قيل العصر-و كان في مسجد بني سالم، صلى الظهر بهم ركعتين؛ فنزل جبرائيل، فأخذ بعضديه، فحوله إلى الكعبة، فاستدارت الصفوف خلفه؛ فأنزل اللّه عليه:

قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (1).

فصلى ركعتين إلى الكعبة.

فقالت اليهود، الذين شق عليهم ذلك، و السفهاء: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (2).

و يقال: إن المسجد الذي جرى فيه ذلك سمي ب «مسجد القبلتين» .

و قيل: بل سمي به مسجد آخر، بلغ المصلين فيه تحول النبي إلى الكعبة، فتحولوا هم أيضا في وسط صلاتهم، فسمي مسجدهم بذلك.

تفسير و تحليل:

و جاء في بعض الأخبار عن الإمام العسكري «صلوات اللّه و سلامه


1) الآية 144 من سورة البقرة.

2) الآية 142 من سورة البقرة، و راجع فيما تقدم: البحار ج 19 ص 114 و 195 و 202، و إعلام الورى ص 71، و تفسير القمي ج 1 ص 63، و راجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 128-130، و تفسير الميزان ج 1 ص 333 و 334 عن الفقيه، و مجمع البيان، و الوسائل ج 3 أبواب القبلة، الباب الأول و الثاني.

عليه» : أن هوى أهل مكة كان في الكعبة؛ فأراد اللّه أن يبين متبع محمد من مخالفه، باتباع القبلة التي كرهها، و محمد يأمر بها.

و لما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس، أمرهم بمخالفتها، و التوجه إلى الكعبة؛ ليبين من يتبع محمدا فيما يكرهه، فهو مصدقه و موافقه الخ. . (1).

و لا يخفى أن ما ذكر في هذه الرواية هو من حكم تحويل القبلة، و فوائده، لا أنه هو السبب الأول و الأخير لذلك.

هذا كله على فرض صحة الرواية، و إلا فقد جاء بسند موثوق ما مفاده: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يجعل الكعبة خلف ظهره في مكة، بل كان يستقبلها هي و بيت المقدس معا. و لكنه في المدينة استقبل بيت المقدس دون الكعبة حتى حول إليها (2).

و هذه الرواية لا توافق الرواية الأولى تماما، لأنه في مكة كان يستقبلهما معا، فلم يتضح موافقه من مخالفه، إلا في صورة التوجه نحو الكعبة في الجهة المخالفة لبيت المقدس.

مناقشات لا بد منها:

و ربما يقال: كيف يغتم «صلى اللّه عليه و آله» لتعيير اليهود؟ فإن وجود حكم شرعي موافق لهم، لا يوجب غمه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا فعالية تعييرهم إياه؛ إذ ما أكثر الأحكام التي هي من هذا القبيل؛ فلماذا اختاروا منها تعييره في موضوع القبلة فقط؟ ! .


1) تفسير الميزان ج 1 ص 333، و ليراجع: البحار ج 19 ص 197.

2) راجع: الوسائل ج 3 ص 216.

و لو قبلنا: أنهم فعلوا ذلك، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» إذا كان يعلم أن في هذا الحكم مصلحة، فإنه يأنس به، و يرتاح له، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و لذا فهو لا يغتم لتعيير أحد.

و يمكن الجواب عن ذلك: أنه يمكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» يرى: أن ذلك يهييء الفرصة لأعداء الإسلام لفتنة المؤمنين عن دينهم، و صد غيرهم عن التوجه إليه، و الدخول فيه؛ فهو حينئذ يغتم و يهتم لذلك. و ينتظر الإذن من اللّه بتحويل القبلة لتفويت الفرصة على أعدائه، الذين سوف لن يدعوه و شأنه، و الذين يعيشون في المتناقضات، فإذا صلى إلى قبلتهم عيروه، و إذا تحول عنها، فسيقول السفهاء من الناس: ما و لاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. و هذه هي طبيعة الإنسان الذي لا يرى نفسه مسؤولا عن مواقفه و حركاته و كلماته، و لا ينطلق في مواقفه إلا من موقع السفه، و عدم التثبت.

البراء بن معرور لم يصل لغير الكعبة:

و يذكر هنا: أن البراء بن معرور خرج في سفر مع بعض قومه، فقال لهم: «يا هؤلاء، قد رأيت ألا أدع هذه البنية (يعني الكعبة) مني بظهر، و أن أصلي إليها» .

فقالوا له: و اللّه، ما بلغنا: أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، و ما نريد أن نخالفه.

فأصر البراء على الصلاة إلى الكعبة، فكان يصلي إليها، و هم يصلون إلى الشام، حتى قدموا مكة، فسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها» .

فرجع البراء إلى قبلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فصلى إلى الشام، و أهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات.

و لما حضره الموت أوصى أن يدفن، و تستقبل به الكعبة، ففعلوا. و كانت وفاته في صفر قبل قدوم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة مهاجرا بشهر (1).

ملاحظة:

و نحن نلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يحكم ببطلان عمل البراء، و لا لامه على ما فعله، و لا أمره بالصلاة إلى جهة الشام، غاية ما هناك أنه أعلمه أنه قد استعجل الأمر.

و قد يستفاد من هذا: أن موافقة الحكم الإنشائي مقبولة إلى حد ما، و مجزية أيضا، بل يمكن أن يدعى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه كان يمتثل هذا الحكم الإنشائي، فكان يتوجه إلى بيت المقدس، جاعلا الكعبة بين يديه، ثم في المدينة نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس من الأساس، بجميع مراتبه، و لم يكن يمكن استقبال الكعبة و بيت المقدس معا، فلم يكن ثمة خيار في ترك بيت المقدس، إلى الكعبة.

إلا أن يقال: إنه ليس في المقام حكم إنشائي، بالنسبة إلى الكعبة، بل كان الحكم بالتوجه إليها فعليّا، إما على نحو التشريك مع لزوم التوجه إلى بيت المقدس حيث لا مندوحة، و إما على نحو التخيير كذلك أيضا لمصلحة وقتية في ذلك.


1) أسد الغابة ج 1 ص 173 و 174، و الإستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 136 و 137، و قاموس الرجال ج 2 ص 160 و 167.

تحول المصلين كيف كان:

و هنا أيضا رواية تقول: إنه لما أخبر بنو عبد الأشهل بتحويل القبلة، و هم في الصلاة، و قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس، تحول النساء مكان الرجال، و الرجال مكان النساء، و جعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين (1).

و في رواية أخرى: أن جبرائيل أخذ بيد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فحول وجهه إلى الكعبة، و حول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء، و النساء مقام الرجال إلخ. . (2).

و هذا يعني: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ذهب مع جبرائيل إلى الناحية الأخرى من المسجد، و كذلك المصلون من الرجال، ثم جاء النساء إلى مكانهم، فوقفن هناك.

و هكذا جرى في بني عبد الأشهل أيضا.

و هذا يدل على أن الانتقال الذي حصل في المسجد من ناحية إلى ناحية لم يقدح في صحة صلاتهم تلك، ما دام أن تحولهم هذا قد كان بأمر من اللّه و في طاعته.

و لكن ذلك لا يدل على عدم قادحية هذا المقدار من السير في سائر الصلوات في الظروف العادية، لاحتمال اختصاص هذا التسامح بهذه الصلاة دون غيرها على الإطلاق.


1) الوسائل ج 3 ص 216، و التهذيب ج 1 ص 44.

2) الوسائل ج 3 ص 219، و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 178.

ثأر قريش بأرض الحبشة:

و لما بلغ النجاشي نصر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر فرح فرحا شديدا، و لكن مشركي قريش حين أصابتهم تلك الهزيمة القاتلة في بدر، قالوا: إن ثارنا عند ملك الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد، فنقتلهم بمن قتل منا؛ فأرسلوا عمرو بن العاص، و عبد اللّه بن أبي ربيعة، و معهما الهدايا و التحف.

فعرف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، فأرسل إلى النجاشي كتابا يوصيه فيه بالمسلمين.

و يقولون: إن حامل الكتاب كان عمرو بن أمية الضمري (1).

و لكن ذلك محل شك؛ فإن عمروا لم يكن قد أسلم بعد، لأنه إنما أسلم بعد أحد (2)و هو إنما حمل كتابا آخر أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنة ست أو سبع، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى (3).

و على كل حال، فقد رفض النجاشي طلب عمرو بن العاص، فرجع من مهمته خائبا خاسرا؛ لأن المسلمين كانوا عند ملك لا يظلم عنده أحد، على حد تعبيره «صلى اللّه عليه و آله» عنه حسبما تقدم.

و لأن النجاشي كان مسلما سرا، كما يظهر من فرحه بنتائج حرب بدر.

هذا، و تذكر هنا أمور تدل على إسلام عمرو بن العاص حينئذ، و قد


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 200.

2) المصدر السابق.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 201.

أضربنا عنها، لأن من الثابت أنه لم يسلم إلا بعد سنوات من ذلك، و إنما يراد إثبات فضيلة له لا تثبت.

نهاية أبي لهب:

و بعد واقعة بدر بأيام كانت نهاية أبي لهب لعنه اللّه تعالى، فقد أصيب بالعدسة، فقتلته. و هي بثرة من جنس الطاعون، تخرج في موضع من الجسد، تقتل صاحبها غالبا.

و قد تركه ابناه ليلتين، أو ثلاثا بلا دفن، حتى أنتن، و عابهم البعض على ذلك، فاستحيوا، و دفنوه بأن وضعوه إلى جنب جدار، ثم قذفوا الحجارة عليه حتى واروه (1).

و هكذا فلتكن نهاية الظالمين و المشركين شرا و خزيا، و ما هم عليه من الشرك في الشر أعظم و أعظم، و لعذاب الآخرة أخزى.

غلبة الروم على الفرس:

و في السنة الثانية من الهجرة أيضا، كانت غلبة الروم على فارس.

و يقال: إن ذلك كان في نفس اليوم الذي التقى فيه الرسول بالمشركين في بدر، فنصر عليهم.


1) البحار ج 19 ص 228، و طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 73، و البداية و النهاية ج 3 ص 208، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 32، و مجمع الزوائد ج 6 عن البزار و الطبراني، و حياة الصحابة ج 3 ص 587 و 588 عنهم، و عن دلائل أبي نعيم ص 170.

و فرح المسلمون بانتصار الروم هذا؛ لأن الروم كانوا أهل كتاب، و فارس مجوس لا كتاب لهم (1).

و قد ذكر اللّه ذلك في كتابه العزيز، فقال: الم، غُلِبَتِ اَلرُّومُ، فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّٰهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اَللّٰهِ (2).

إلا أن من المحتمل قريبا أن يكون مراد الآية الأخيرة: أنهم يفرحون بنصر اللّه لهم في بدر، لا بنصر الروم على الفرس.

رهان أبي بكر:

و يذكرون هنا قضية ملخصها: أن المشركين كانوا يحبون غلبة الفرس، لأنهم أصحاب أوثان، و كان المسلمون يحبون غلبة الروم، لأنهم أصحاب كتاب؛ فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مكة بأن الروم سيغلبون الفرس، فقامر أبو بكر المشركين: إن ظهر الروم فله كذا، و إن ظهر الفرس فلهم كذا إلى خمس سنين. (و ذلك قبل أن يحرم القمار) ؛ فأمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزيادة المدة معهم، فزادها.

فلما ظهرت الروم قمر أبو بكر، و حصل على ما أراد من المشركين، و عند كثيرين: أنهم ظهروا عليهم في الحديبية، لا في بدر (3).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 298.

2) الآيات من أول سورة الروم.

3) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 150 و 151 عن أحمد، و الترمذي، و حسنه النسائي، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني في الكبير، و الحاكم و صححه، و ابن-

مناقشة رواية الرهان:

و نحن لا نصدق هذه الرواية:

أولا: لتناقض صورها. و نكتفي بذكر التناقضات التي أشار إليها العلامة الطباطبائي مع بعض الزيادات، قال أيده اللّه:

أقول: و في هذا المعنى روايات أخر مختلفة المضامين في الجملة، ففي بعضها: أن المقامرة كانت بين أبي بكر و أبي بن خلف، (و في بعض المصادر (1): أمية بن خلف) .

و في بعضها: أنها كانت بين المسلمين و المشركين، كان أبو بكر من قبل المسلمين، و أبي من قبل المشركين.

و في بعضها: أنها كانت بين الطائفتين. و في بعضها: بين أبي بكر و المشركين كما في هذه الرواية.

و في بعضها أن الأجل المضروب: ثلاث سنوات.

و في بعضها: خمس.

و في بعضها: ست.

و في أخرى: سبع.

ثم الأجل المضروب أولا انقضى بمكة، و هو سبع سنين؛ فمادهم أبو

(3) -مردويه، و البيهقي في الدلائل، و الضياء في المختارة، و تاريخ الخميس ج 1 ص 298، و البداية و النهاية ج 3 ص 108، و حياة الصحابة ج 3 ص 69 عن بعض من تقدم و عن ابن جرير، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 422، و غير ذلك.


1) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 108.

بكر سنتين بأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فغلبت الروم. و في بعضها خلافه.

ثم في بعضها: أن الأجل الثاني انقضى بمكة.

و في بعضها: أنه انقضى بعد الهجرة. و كانت غلبة الروم يوم بدر.

و في بعضها: يوم الحديبية.

و في بعضها: أن أبا بكر لما قمرهم بغلبة الروم أخذ منهم الخطر، و هو مائة قلوص، و جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إنه سحت، تصدق به (1). إنتهى ما أورده العلامة الطباطبائي.

و من التناقضات: أن الخطر في بعضها: أربعة قلائص.

و في بعضها: خمس.

و في بعضها: عشر.

و في أخرى: مئة.

إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تظهر بالمراجعة و المقارنة.

و ثانيا: قال العلامة الطباطبائي أيضا:

«و الذي تتفق فيه الروايات: أنه قامرهم؛ فقمرهم. و كان القمار بإشارة


1) تفسير الميزان ج 16 ص 163، و للوقوف على المزيد من التناقضات، راجع: الدر المنثور ج 5 ص 150-153 عن مصادر أخرى غير ما قدمناه في هامش الصفحة السابقة، مثل ما نقله عن: ابن جرير، و أبي يعلى، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و الترمذي و صححه، و الدار قطني في الأفراد، و الطبراني، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان، و ابن الحكم في فتوح مصر، و حياة الصحابة ج 3 ص 69.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و وجه ذلك (أي في نفس الرواية كما في بعض نصوصها) بأنه: كان قبل تحريم القمار؛ فإنه قد حرم مع الخمر في سورة المائدة، و قد نزلت في آخر عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد تحقق بما قدمناه في تفسير آية الخمر و الميسر: أن الخمر كانت محرمة في أول البعثة، و كان من المعروف عن الدين أنه يحرم الخمر و الزنى. على أن الخمر و الميسر من الإثم بنص آية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ (1).

و الإثم محرم بنص آية: قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ (2).

و الأعراف من العتائق النازلة بمكة؛ فمن الممتنع: أن يشير النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمقامرة.

و على تقدير تأخر الحرمة إلى آخر عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يشكل قوله لأبي بكر، لما أتى بالخطر إليه: إنه سحت، ثم قوله: تصدق به؛ فلا سبيل إلى تصحيح شيء من ذلك بالموازين الفقهية. و قد تكلفوا في توجيه ذلك بما يزيد الأمر إشكالا.

ثم إن ما في الرواية: أن الفرس كانوا عبدة أوثان، لا يوافق ما كان عليه القوم؛ فإنهم و إن كانوا مشركين، لكنهم كانوا لا يتخذون أوثانا» (3).


1) الآية 90 من سورة المائدة.

2) الآية 23 من سورة الأعراف.

3) تفسير الميزان ج 16 ص 163 و 164.

هذا كله عدا عن أن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر: إنه سحت، يدل على أن القمار كان محرما، و لو لا ذلك لم يكن المأخوذ به سحتا. مع أن المدّعى هو أن التحريم كان بعد بدر و الحديبية معا، لأن التحريم قد جاء في سورة المائدة النازلة بعد ذلك حسب زعمهم.

تتميم و تعقيب:

و نقول: إن كلام سيدنا العلامة هنا صحيح، إلا أنه يمكن الإجابة على الفقرة الأخيرة من كلامه، فيقال: إن عبارة الرواية، هكذا: «كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان. و كان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على الفرس؛ لأنهم أصحاب كتاب» .

فمن غير البعيد: أن يكون قوله: «لأنهم أصحاب أوثان» راجع للمشركين، أي أن سبب محبة المشركين لغلبة الفرس، هو كون المشركين أصحاب أوثان لا كتاب لهم؛ فأشبهوا الفرس في عدم الكتاب لهم، فهم يميلون إليهم. و علة محبة المسلمين لغلبة الروم هو كون المسلمين أصحاب كتاب، أي و الروم كذلك.

سد الأبواب في المسجد إلا باب علي عليه السّلام:

و من القضايا الجديرة بالتسجيل هنا، قضية أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بسد الأبواب الشارعة في المسجد، غير باب علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فنقول:

يظهر أن هذه القضية قد حصلت قبل استشهاد حمزة، و قبل وفاة رقية.

و يدل على ذلك:

1-عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : لما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسد الأبواب التي في المسجد، خرج حمزة يجر قطيفة حمراء، و عيناه تذرفان، يبكي؛ فقال: ما أنا أخرجتك، و أنا أسكنته، و لكن اللّه أسكنه (1).

2-و بهذا المعنى رواية أكثر تفصيلا عن سعد بن أبي وقاص، فراجع (2).

3-عن أبي الحمراء، و حبة العرني، قال: لما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسد الأبواب التي في المسجد شق عليهم.

قال حبة: إني لأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب، و هو يجر قطيفة حمراء، و عيناه تذرفان يقول: أخرجت عمك، و أبا بكر و عمر، و العباس، و أسكنت ابن عمك الخ. . (3).

لكن ذكر العباس في الرواية في غير محله. لأن العباس لم يأت إلى المدينة إلا بعد سنوات من استشهاد حمزة، فلا بد أن يكون ذلك من إقحام الرواة.

4-في نص آخر، عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : انطلق فمرهم، فليسدوا أبوابهم. فانطلقت، فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة.


1) الغدير ج 3 ص 208 عن أبي نعيم في فضائل الصحابة. و رواه السمهودي في وفاء الوفاء ج 2 ص 477 عن يحيى من طريق ابن زبالة و غيره عن عبد اللّه بن مسلم الهلالي عن أخيه، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 352.

2) ملحقات إحقاق الحق ج 5 ص 560 عن أرجح المطالب (ط لاهور) ص 421 عن أبي سعد في شرف النبوة، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 346.

3) الدر المنثور ج 6 ص 122، و الإصابة ج 1 ص 373، و إحقاق الحق ج 5 ص 570 عن أرجح المطالب ص 421 عن ابن مردويه، و فضائل الخمسة ج 2 ص 149.

فقلت: يا رسول اللّه، فعلوا إلا حمزة.

فقال رسول اللّه: قل لحمزة: فليحول بابه.

فقلت: إن رسول اللّه يأمرك أن تحول بابك؛ فحوله، فرجعت إليه، و هو قائم يصلي، فقال: ارجع إلى بيتك (1).

5-هناك رواية أخرى عن حذيفة بن أسيد، تذكر: أن رقية كانت حينئذ على قيد الحياة بالإضافة إلى حمزة، ففيها-أنه بعد أن أرسل «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي بكر و عمر فأمرهما بسد أبوابهما؛ ففعلا «أرسل إلى عثمان- و عنده رقية-فقال: سمعا و طاعة، ثم سد بابه» -.

إلى أن قال: «فقال له النبي (أي لعلي) : أسكن طاهرا مطهرا. فبلغ حمزة قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي.

فقال: يا محمد، تخرجنا و تمسك غلمان بني عبد المطلب؟

فقال له نبي اللّه: لا، لو كان الأمر لي ما جعلت من دونكم من أحد، و اللّه ما أعطاه إياه إلا اللّه، و إنك لعلى خير من اللّه و رسوله، أبشر؛ فبشره النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فقتل يوم أحد شهيدا» (2).


1) كنز العمال ج 15 ص 155 و 156 عن البزار، و وفاء الوفاء ج 2 ص 478، و مجمع الزوائد ج 9 ص 115 بإسناد رجاله ثقات، إلا حبة العرني و هو ثقة، و ذكره الأميني في الغدير ج 3 ص 209 عن المجمع، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 346.

2) مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 254 و 255، و الطرائف لابن طاووس ص 62، و كشف الغمة ج 1 ص 331 و 332، و عمدة ابن بطريق ص 178، و نقله في إحقاق الحق ج 5 ص 568 و 569 عن المناقب لعبد اللّه الشافعي، و عن أرجح المطالب ص 415 عن ابن مردويه و ابن المغازلي.

نحن نستبعد جرأة حمزة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا النحو؛ فلا بد أن يكون قد تساءل عن سر هذا التصرف، كما تساءل غيره؛ فأجابه بأن الأمر قد جاء من قبل اللّه تعالى.

6-في رواية أخرى عن رجل من أصحاب رسول اللّه: أنه خرج مناديه «صلى اللّه عليه و آله» يأمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد، و في الثالثة: خرج، فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، و خرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى سدوا أبوابكم الخ. .

إلى أن قال: فقالوا: سد أبوابنا و ترك باب علي، و هو أحدثنا؟ !

فقال بعضهم: تركه لقرابته.

فقالوا: حمزة أقرب منه، و أخوه من الرضاعة، و عمه الخ. . (1).

و لكننا نجد في مقابل ذلك، ما يدل على أن هذه القضية قد كانت بعد فتح مكة، إذ قد جاء في بعض رواياتها ذكر للعباس عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذي لم يقدم المدينة إلا بعد الفتح.

1-فعن أبي سعيد الخدري: و أخرج رسول اللّه عمه العباس، و غيره من المسجد، فقال له العباس: تخرجنا، و نحن عصبتك، و عمومتك، و تسكن عليا؟ !

فقال: ما أنا أخرجتكم و أسكنته، و لكن اللّه أخرجكم و أسكنه (2).


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 478 و 479 عن ابن زبالة، و يحيى.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 117، و راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 479 عن يحيى، و كشف الغمة ج 1 ص 332.

2-و هناك رواية عن علي في ذلك، و يصرح فيها باسم العباس (1).

3-عن جابر بن سمرة، قال: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسد الأبواب كلها غير باب علي.

فقال العباس: يا رسول اللّه، قدر ما أدخل أنا وحدي و أخرج؟

قال: ما أمرت بشيء من ذلك، فسدها غير باب علي.

قال: و ربما مر و هو جنب (2).

و لكن نفس هذه الرواية تقريبا، قد رويت عن جابر بن سمرة، و فيها: أن رجلا قال ذلك. و لا تصرح بالاسم (3).

4-و ثمة رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص تصرح باسم العباس أيضا، و لكن لها نص آخر جاء فيه: أن عمه اعترض عليه، من دون تصريح بالاسم (4).

5-و عن أبي الطفيل في حديث مناشدة علي للمجتمعين يوم الشورى قال «عليه السلام» : «سد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبواب المهاجرين و فتح


1) راجع: كنز العمال ج 15 ص 155، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 351، و مجمع الزوائد ج 9 ص 114، و منتخب الكنز بهامش المسند ج 5 ص 55.

2) مجمع الزوائد ج 9 ص 114 و 115 عن الطبراني بسند فيه ناصح، و هو متروك، و القول المسدد ص 23، و وفاء الوفاء ج 2 ص 480، و الغدير ج 3 ص 206 عن بعض من تقدم، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 346، و راجع: نزل الأبرار ص 69، و إحقاق الحق ج 5 ص 555 عن مصادر أخرى.

3) وفاء الوفاء ج 2 ص 479 و 480.

4) خصائص النسائي ص 74 و 75، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 346، و الغدير ج 3 ص 207 عن الأول.

بابي، حتى قام إليه حمزة و العباس؛ فقالا: يا رسول اللّه سددت أبوابنا و فتحت باب علي؟

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما أنا فتحت. . إلخ» (1).

و نحن نرجح: أن حديث سد الأبواب قد كان قبل استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضوان اللّه تعالى عليه، و ذلك لعدم وجود اختلاف في الروايات الدالة على ذلك من جهة.

و لأننا نستبعد: أن يترك الصحابة أكثر من ثماني سنوات يمرون في المسجد حتى في حال الجنابة من جهة ثانية.

و لأننا كذلك نجد في ذكر كلمة «عمه» في بعض الروايات، ثم إبدالها بكلمة «العباس» في غيرها ما يشير إلى أن هذه الزيادة-عن عمد، أو عن غير عمد-قد جاءت من قبل الرواة أنفسهم، إما اعتمادا على ما هو المركوز في أذهانهم، أو لهدف سياسي معين.

أضف إلى ذلك: أن ذكر رقية في بعض النصوص الأخرى، يؤيد بل يدل على صحة الروايات التي تصرح باسم حمزة رضوان اللّه تعالى عليه، لأن رقية قد توفيت في السنة الثانية، إما بعد بدر مباشرة، أو في ذي الحجة، كما تقدم.

حديث سد الأبواب في مصادره:

و قد ذكرت المصادر الكثيرة جدا بالأسانيد الكثيرة الصحيحة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين أمر بسد الأبواب، إلا باب علي «عليه


1) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 225.

السلام» قد أحدث هزة عنيفة بين المسلمين، لا سيما و أنه قد أجاز له أن يدخل المسجد و هو جنب، كما في النصوص.

و قال الناس في ذلك-و لا سيما قريش-: سددت أبوابنا، و تركت باب علي؟ !

فقال: ما بأمري سددتها، و لا بأمري فتحتها.

أو قال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي و تركته، و لكن اللّه أخرجكم و تركه، و إنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي.

أو ما هو قريب من هذا.

و في بعض النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» صعد المنبر، و هو في حالة غضب، بعد أن عصوا أمره مرتين، و لم يطيعوا إلا في الثالثة. و هذا الغضب و الحنق منه قد أيدته و أكدته النصوص الكثيرة، فلا مجال للتشكيك فيه.

هذا، و يقول الجويني: «حديث (سد الأبواب) رواه نحو من ثلاثين رجلا من الصحابة، أغربها حديث عبد اللّه بن عباس» (1).

و قد روى له السيوطي فقط حوالي أربعين طريقا على ما قاله الحجة الشيخ المظفر (2).

و ممن رواه من الصحابة: علي «عليه السلام» ، عمر بن الخطاب، ولده عبد اللّه، زيد بن أرقم، البراء بن عازب، عبد اللّه بن عباس، أبو سعيد


1) فرائد السمطين ج 1 ص 208.

2) دلائل الصدق ج 2 ص 266.

الخدري، جابر بن سمرة، أبو حازم الأشجعي، جابر بن عبد اللّه، عائشة، سعد بن أبي وقاص، أنس بن مالك، بريدة، أبو رافع مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حذيفة بن أسيد الغفاري، ابن مسعود، أبوذر الغفاري، أم سلمة أم المؤمنين. و رواه أيضا: عبد المطلب بن عبد اللّه بن حنطب أبو الحمراء، و حبة العرني، و كيسان البراد، و غيرهم (1).


1) راجع المصادر التالية: مسند أحمد ج 4 ص 369 و ج 2 ص 26، و ج 1 ص 175 و 331، و مجمع الزوائد ج 9 ص 114 و 115 و 120، و الخصائص للنسائي ص 72-75، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 125 و 117 و 134، و تلخيصه للذهبي بهامشه، و القول المسدد ص 19-26، و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 204، و معرفة علوم الحديث ص 99، و نزل الأبرار ص 69، و فتح الباري ج 7 ص 12- 14، و إرشاد الساري ج 6 ص 84 و 85، و وفاء الوفاء للسمهودي ج 2 ص 474- 480، و البحار ج 39 ص 19-34، عن كثير من المصادر، و البداية و النهاية ج 7 ص 342، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 346 و 354، و الصواعق المحرقة ص 121 و 122 و 125، و المناقب للخوارزمي ص 214 و 235 و 238، و فرائد السمطين ج 1 ص 205-208، و مناقب الإمام علي لابن المغازلي 252 و 261، و سنن الترمذي ج 5 ص 639-641، و كنز العمال ج 15 ص 96 و 101 و 120 و 155، و أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 106، و الإصابة ج 2 ص 509، و فضائل الخمسة ج 1 ص 231 و ج 2 ص 149-157، و حلية الأولياء ج 4 ص 153، و الطرائف لابن طاووس 60-63، و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 252-281 و 327 و 219، و كفاية الطالب ص 201-204، و تذكرة الخواص ص 41، و تاريخ بغداد ج 7 ص 205، و الدر المنثور ج 3 ص 314، و علل الشرايع ص 201 و 202، و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 330-335، و ينابيع المودة ص 283، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 29، و ذخائر العقبى ص 76 و 77 و 87، و لسان الميزان ج 4 ص 165، و راجع: سنن البيهقي ج 7 ص 65، و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 195، و الغدير ج 3 ص 201-215، و ج 10 ص 68 عن غير واحد ممن تقدم، و ملحقات إحقاق الحق ج 5 من ص 540 حتى ص 586 عن كثير ممن تقدم و عن الحاوي للفتاوى ج 2 ص 15 و غيره من المصادر. و قد نقلنا بالواسطة عن: غاية المرام ص 640، و أرجح المطالب ط لاهور ص 421، و الكشاف ج 1 ص 366، و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 248، و كنز العمال ج 6 ص 152 و 157 و 391 و 398 و 408، و أخبار القضاة ج 3 ص 149، و الخصائص الكبرى ج 2 ص 243، و رواه أيضا: الطبراني في الكبير و الأوسط، و أبو يعلى، و سعيد بن منصور، و الضياء في المختارة، و الكلاباذي، و البزار، و العقيلي، و ابن السمان، و كثير غيرهم.

النواصب و حديث سد الأبواب:

و بعد كل ما تقدم، فلا يمكن أن يصغى لقول ابن الجوزي، و ابن كثير، و ابن تيمية: إن حديث سد الأبواب ليس بصحيح.

أو إنه من وضع الرافضة (1).

فإن تواتر هذا الحديث في كتب أهل السنة، و تصحيح حفاظهم لكثير من طرقه، و رواية العشرات من الصحابة له، أي نحو ثلاثين صحابيا. إن ذلك لا يمكن أن يخفى على أحد.


1) اللآلي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 347، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 501، و منهاج السنة ج 3 ص 9، و القول المسدد ص 19، و فتح الباري ج 7 ص 13 عن ابن الجوزي، و وفاء الوفاء ج 2 ص 476.

و إذا جاز: أن يضع الرافضة مثل هذا الحديث، و يدخلوه في عشرات الكتب و المسانيد، فإنه لا يمكن الوثوق بعد هذا بأي حديث، و لا كتاب، و لا بأي حافظ من أهل السنة.

هذا بالإضافة إلى ما في هذه الدعوى من رمي أمة بأسرها بالبله و التغفيل الذي لا غاية بعده.

و يكفي أن نذكر: أن العسقلاني (1)بعد أن ذكر ستة من الأحاديث في سد الأبواب إلا باب علي، قال: «و هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، و كل طريق منها صالح للاحتجاج، فضلا عن مجموعها» .

ثم ذكر: أن ابن الجوزي لم يورد الحديث إلا من طريق سعد بن أبي وقاص، و زيد بن أرقم، و ابن عمر، مقتصرا على بعض طرقه عنهم، و أعله ببعض من تكلم فيه من رواته.

و قال العسقلاني أيضا بعد أن ذكر بعض طرقه: «فهذه الطرق المتضافرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية، و هذه غاية نظر المحدث» (2).

و قال: «فكيف يدعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم؟ و لو فتح هذا الباب لادعي في كثير من الأحاديث الصحيحة


1) فتح الباري ج 7 ص 13، و راجع: إرشاد الساري ج 6 ص 85، و راجع: القول المسدد ص 20، و وفاء الوفاء ج 2 ص 476.

2) القول المسدد ص 23، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 350 عنه باختلاف يسير في اللفظ.

البطلان، و لكن يأبى اللّه ذلك و المؤمنون» (1).

و قال الجصاص: «ما ذكر من خصوصية علي رضي اللّه عنه فهو صحيح، و قول الراوي: لأنه كان بيته في المسجد، ظن منه؛ لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، و لم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد؛ و إنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي اللّه عنه دون غيره، كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة، دون سائر الشهداء الخ. .» (2).

خوخة أو باب أبي بكر:

و في البخاري، عن ابن عباس: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، و عن أبي بكر، و عن أبي سعيد الخدري عنه «صلى اللّه عليه و آله» : إن أمن الناس علي في صحبته، و ماله، أبو بكر، و لو كنت متخذا خليلا غير ربي لا تخذت أبا بكر، و لكن أخوة الإسلام و مودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. أو لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.

قال ذلك في مرضه الذي مات فيه. و عند مسلم، عن جندب: قبل أن يموت بخمس ليال، و عند الطبراني، و أبي يعلى بإسناد حسن عن معاوية و عائشة: أن ذلك بعد أن صب عليه «صلى اللّه عليه و آله» من سبع قرب من


1) القول المسدد ص 24 و 25، و راجع ص 19 و عنه في اللآلي المصنوعة ج 1 ص 350.

2) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 204.

آبار شتى (1).

و قد استدلوا بذلك على استحقاق أبي بكر للخلافة، لا سيما و أنه قد ثبت أن ذلك كان في أواخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و نقول:

1-بعد أن ثبت صحة حديث: سدوا الأبواب إلا باب علي؛ و بعد أن اتضح: أنه لم يكن حين مرض وفاته «صلى اللّه عليه و آله» أي باب مفتوحا إلا باب علي، فلا معنى لأن يأمرهم «صلى اللّه عليه و آله» بسد هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر (3)، بعد أن لم يسمح النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الرجل! ! بكوة، و لو بقدر ما يخرج رأسه، حتى و لو بقدر رأس الإبرة! ! (4).


1) راجع: البخاري باب قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر بهامش فتح الباري ج 7 ص 11 و 12 و باب الهجرة و في كتاب الصلاة، و صحيح مسلم ج 7 ص 108، و وفاء الوفاء ج 2 ص 471 و 472 عنهما و عن الطبراني، و أبي يعلى، و ابن سعد. و راجع: القول المسدد ص 24 و 25، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 350 و 352، و البداية و النهاية ج 5 ص 230 و 229، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 501، و تفسير الرازي ج 2 ص 347، و المصنف ج 5 ص 431، و حياة الصحابة ج 3 ص 346، و مجمع الزوائد ج 9 ص 42.

2) وفاء الوفاء ج 2 ص 472 و 473، و فتح الباري ج 7 ص 12، و إرشاد الساري ج 6 ص 84، و راجع: القول المسدد ص 24، و البداية و النهاية ج 5 ص 230.

3) الغدير ج 3 ص 213، و دلائل الصدق ج 2 ص 261.

4) وفاء الوفاء ج 2 ص 477، و راجع: فرائد السمطين ج 1 ص 206 عن أبي نعيم، و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 349 و 351.

و بهذا يتضح عدم صحة قولهم في وجه الجمع: إنهم بعد أن سد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبوابهم، استحدثوا خوخا يستقربون منها الدخول إلى المسجد (1).

2-هذا بالإضافة إلى أن الحديث قد تضمن منّ أبي بكر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصحبته له، و قد تقدم في حديث الغار: أن ذلك لا يصح إلا على معنى فيه ذم لأبي بكر. كما أنه قد تضمن حديث خلة أبي بكر.

و تقدم في حديث المؤاخاة: أنه لا يمكن أن يصح أيضا.

3-إن البعض يذكر: أن بيت أبي بكر كان بالسنح، و يشك كثيرا، بل على حد تعبير التوربشتي: لم يصح أن يكون له بيت قرب المسجد (2).

و أجيب: بأنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، و استدل على ذلك بأنه قد كان لأبي بكر أزواج متعددة كأسماء بنت عميس، و غيرها، و بأن ابن شبة قد ذكر: أنه كان له في زقاق البقيع دار قبالة دار عثمان الصغرى، و اتخذ منزلا آخر عند المسجد في غربيه (3).

و لكن ذلك لا يثبت ما يريدون إثباته؛ فإن تعدد أزواجه لا يلزم منه أن يكون له بيت في جانب المسجد، و لا سيما إذا كان له بيت في زقاق البقيع- بعيدا عن المسجد-في قبالة دار عثمان الصغرى. ثم لماذا لا يسكن أزواجه


1) فتح الباري ج 7 ص 13، و القول المسدد ص 25، و وفاء الوفاء ج 2 ص 477، و هم عن الطحاوي في مشكل الآثار، و الكلاباذي في معاني الأخبار.

2) فتح الباري ج 7 ص 12، و إرشاد الساري ج 6 ص 84، و وفاء الوفاء ج 2 ص 473.

3) المصادر الثلاثة المتقدمة.

مع تعددهن في بيت واحد ذي حجر متعددة، كغيره من أهل المدينة -و منهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» -الذين كان لهم عدة زوجات.

و لعل هؤلاء قد اعتمدوا في ذكرهم بيتا لأبي بكر عند المسجد على هذا الحديث بالذات. أو أنهم أرادوا بذكرهم بيتا له كذلك أن يمدوا يد العون لهذا الحديث الذي توالت عليه العلل و الأسقام، تماما كما جعلوا-إلى يومنا هذا-خوخة في المسجد من أجل تصحيح ذلك. و لكنهم لم يجعلوا بابا لعلي «عليه السلام» ، و هو الذي ثبت أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أبقى بابه مفتوحا، و سد كل باب في المسجد سواه.

4-لقد اعترف ابن عمر، و أبوه: أن عليا قد أوتي ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ابنته و ولدت له، و سد الأبواب إلا بابه في المسجد، و أعطاه الراية يوم خيبر (1).

فهذه الرواية صريحة في أنه «عليه السلام» قد اختص بذلك، كما اختص بالراية يوم خيبر، و بتزوجه فاطمة «عليها السلام» ، و ولادتها له.

و لو كان لأبي بكر فضل هنا و امتياز، لم يسمح عمر و لا ولده لنفسيهما باختصاصه «عليه السلام» بهذا الوسام. و امتيازه في قضية سد الأبواب كامتيازه في قضية الراية يوم خيبر، حيث إن أخذ أبي بكر و عمر لها ليس فقط لم يكن امتيازا لهما، بل كان وبالا عليهما، كما هو معلوم.

5-و أخيرا، فقد قال المعتزلي عن البكرية التي أرادت مقابلة الأحاديث


1) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 26، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 125، و الصواعق المحرقة الفصل 3 باب 9، و كنز العمال، و غير ذلك من المصادر المتقدمة.

في فضل علي: إنها «وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: «لو كنت متخذا خليلا» فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، و نحو سد الأبواب، فإنه كان لعلي «عليه السلام» ؛ فقلبته البكرية إلى أبي بكر» (1).

و قد ذكر اللمعاني: أن قضية سد باب أبي بكر، و فتح باب علي «عليه السلام» كانت من أسباب حقد عائشة على أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فراجع (2).

و ما أجمل ما قاله الكميت في هذه المناسبة:

علي أمير المؤمنين و حقهمن اللّه مفروض على كل مسلم

و زوجه صديقة لم يكن لهامعادلة غير البتولة مريم

و ردم أبواب الذين بنى لهمبيوتا سوى أبوابه لم يردم

و قال السيد الحميري:

و خبر المسجد إذ خصهمجللا من عرصة الدار

إن جنبا كان و إن طاهرافي كل إعلان و إسرار

و أخرج الباقين منه معابالوحي من إنزال جبار

و قال الصاحب بن عباد:

و لم يك محتاجا إلى علم غيرهإذا احتاج قوم في قضايا تبلدوا


1) شرح النهج ج 11 ص 49.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 195.

و لا سد عن خير المساجد بابهو أبوابهم إذ ذاك عنه تسدد

كلام ابن بطريق حول حديث سد الأبواب:

و لابن بطريق كلام هنا نلخصه على النحو التالي:

إن اللّه تعالى قد أظهر الفرق بين أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و بين غيره. و إذا كان الحرام على غيره قد حل له، فإن ذلك يعني: أنه يمتاز على ذلك الغير. و النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح أبواب الجميع على ظاهر الحال من الصلاح و الخير، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يعلم إلا هذا الظاهر إلا أن يطلعه اللّه على الباطن.

و عليه، فإن كان تعالى قد سد أبوابهم على ظاهر الحال، فقد بينا: أنها كانت صالحة عند الكل؛ و لذلك فتح أبوابهم أولا، فلم يبق إلا أنه قد سد أبوابهم، من أجل شيء يرجع إلى الباطن، و فتح بابه لأنه قد انفرد بصلاح الباطن دونهم، (أو فقل: انفرد في كونه القمة في الصلاح الباطني) بالإضافة إلى مشاركته لهم في صلاح الظاهر.

و بذلك امتاز «صلوات اللّه و سلامه عليه» عليهم.

ثم إن منعهم من الجواز و إباحته له، إما أن يكون بلا سبب، و هو عبث لا يصدر من حكيم، و إما أن يكون له سبب، و ذلك يدل على انفراده «عليه السلام» بما لا يشركه فيه غيره.

و أقواله «صلى اللّه عليه و آله» تعضد هذا التخصص، و تدل على صلاح باطنه، كقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «علي مني، و أنا منه» .

و قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» .

و قوله: «أنت أخي في الدنيا و الآخرة» .

و قوله: «صلت الملائكة عليّ و على علي سبع سنين قبل الناس» .

و قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» .

و قوله تعالى: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

و غير ذلك من مناقبه و مآثره و مزاياه؛ فلو لا ثبوت هذه المزايا له على غيره، لما أنزله من نفسه بهذه المنازل، و لما أقامه من نفسه في شيء من ذلك، و لا أذن اللّه له بتخصيصه و تمييزه عن أمثاله و أضرابه الخ. . (2). إنتهى ملخصا.

كلام العلامة المظفر:

و يقول العلامة الشيخ محمد حسن المظفر «رحمه اللّه» ما ملخصه: إن هذه القضية تكشف عن طهارة علي، و أنه يحل له أن يجنب في المسجد، و يمكث فيه كذلك، و لا يكره له النوم فيه، تماما كما كان ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فإن عمدة الغرض من سد الأبواب هو تنزيه المسجد عن الأدناس، و إبعاده عن المكروهات. و كان علي «عليه السلام» كالنبي «صلى اللّه عليه و آله» طاهرا مطهرا، و لا تؤثر فيه الجنابة دنسا معنويا، و كان بيت اللّه كبيته بكونه حبيبه القريب منه. و أبو بكر لم يكن ممن أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا؛ ليحسن دخوله للمسجد جنبا، و لا هو منه بمنزلة هارون من موسى؛ ليمكن إلحاقه به.


1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

2) راجع: كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 333 و 334.

هذا كله، عدا عن ضعف خبر باب أو خوخة أبي بكر بفليح بن سليمان (1)، و بإسماعيل بن عبد اللّه الكذاب الوضاع (2).

أبواب المهاجرين فقط:

و من الواضح: أن البيوت التي كانت شارعة في المسجد إنما هي أبواب بيوت المهاجرين؛ و يؤيد ذلك ما روي في حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأهل الشورى، حيث يقول:

«أكان أحد مطهرا في كتاب اللّه غيري، حين سد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبواب المهاجرين، و فتح بابي؟ ! (3).

بيت علي عليه السّلام أم النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !

و أما محاولة فضل بن روزبهان إيهام أن البيت كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان علي «عليه السلام» ساكنا في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قال: «كان المسجد في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان علي ساكنا بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لمكان ابنته الخ. .» .

فهي محاولة فاشلة: و ذلك لأن الأخبار قد صرحت: بأن الباب لعلي، حتى تكلم الناس في استثناء بابه. و لو كان الباب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» لما كان ثمة مجال لكلامهم، و اعتراضهم، و حسدهم.


1) راجع كتابنا: حديث الإفك ص 60 و 61.

2) راجع ص 21 و 22 من دلائل الصدق ج 1.

3) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362.

(أقول: بل لا مجال لاستثنائه أصلا، لأن النبي أمرهم بسد أبوابهم، أما الباب الذي له فهو يعرف وظيفته، و تكليفه فيه) .

و واضح: أن هدف ابن روزبهان، هو أن يجعل المستثنى هو باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن البيت كان له. إذا فلا يكون لعلي «عليه السلام» فضل.

فالهدف الأول و الأخير له-بحسب ما يظهر من كلامه-هو إنكار فضائل علي «عليه السلام» (1).

و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره و يظهر دينه، و ينصر و يعز وليه.

أضف إلى كل ما تقدم: أن عليا «عليه السلام» قد بنى بفاطمة في بيت حارثة بن النعمان (2)، و حارثة هذا كان قد أعطى للرسول «صلى اللّه عليه و آله» بيوتا أخرى ليسكن بها أزواجه (3).

سرقة طعمة:

و تذكر في السنة الثالثة، قبل وقعة أحد سرقة طعمة بن أبيرق درعا لجاره قتادة بن النعمان، و سنذكرها مع بعض الملاحظات و المناقشات في الجزء الآتي من هذا الكتاب في فصل: من متفرقات الأحداث.


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 261-267.

2) البحار ج 19 ص 113، و إعلام الورى ص 71.

3) البحار ج 19 ص 113، و إعلام الورى ص 71، و راجع: الوفاء لابن الجوزي ج 1 ص 257، و تاريخ الخميس ج 1 ص 366، و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 131، و وفاء الوفاء ج 2 ص 462، و السيرة الحلبية ج 1 ص 336.

الفصل الرابع: غزوات و سرايا دفاعية

اشارة

غزوات و سرايا:

هناك سرايا و غزوات حصلت بين المسلمين و المشركين، و أخرى كانت بين المسلمين و اليهود. و نحن نشير هنا إلى كلا النوعين، فنقول:

أما بالنسبة لما كان بين المسلمين و غير اليهود، فنشير إلى:

غزوات لبني سليم و غطفان:

1-يقول المؤرخون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غزا بنفسه بني سليم بعد بدر بسبع ليال، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، أو سباع بن عرفطة؛ فلما بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، أقام «صلى اللّه عليه و آله» هناك ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة، و لم يلق كيدا، و كان يحمل لواءه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان اللواء أبيض اللون.

و يبدو أن هذه هي نفس الغزوة التي يقال لها: «غزوة قرقرة الكدر» . و سببها أنه قد بلغه «صلى اللّه عليه و آله» : أن جمعا من بني سليم و غطفان بقرقرة الكدر (و الظاهر أنهم كانوا ينوون غزو المدينة) فسار إليهم في مائتين من أصحابه، فغنم منهم خمسمائة بعير، فخمّسها، و قسم الباقي على أصحابه. و وقع غلام اسمه يسار في سهمه؛ فأسلم، و رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» يصلي، فأعتقه.

و قال الواقدي: إن قرقرة الكدر كانت في المحرم سنة ثلاث (1).

2-و يقول الدمياطي: إن غزوة بني سليم هي نفس غزوة بحران، حيث بلغه: أن جمعا كثيرا من بني سليم كانوا في بحران؛ فخرج إليهم في ثلاثمائة من أصحابه، لست خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث للهجرة، و لم يظهر وجها للسير؛ فرجع و لم يلق كيدا (2).

غزوة السويق:

و بعد رجوعه «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة قرقرة الكدر، أي في ذي الحجة من السنة الثانية أو الثالثة: كانت غزوة السويق، فبعد أن أصيبت قريش في بدر حلف أبو سفيان: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا «صلى اللّه عليه و آله» و قال:

كروا على يثرب و جمعهمفإن ما جمعوا لكم نفل

إن يك يوم القليب كان لهمفإن ما بعده لكم دول

آليت لا أقرب النساء و لايمس رأسي و جلدي الغسل

حتى تبيدوا قبائل الأوسو الخزرج إن الفؤاد يشتعل


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 211 و 212، و راجع ص 205 و مصادر ذلك كثيرة فراجع كتب السيرة و التاريخ.

2) راجع في هذه السرية: تاريخ الخميس ج 1 ص 416، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، و السيرة الحلبية ج 2 ص 213، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91، و المغازي للواقدي ج 1 ص 196 و 197.

فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه؛ و ليثبت للناس: أن قريشا لا تزال قادرة على التحرك، و أيضا ليشد قلوب المهزومين في بدر.

فلما كان على بريد من المدينة (و البريد اثنا عشر ميلا) نزل هناك، فاتصل ببعض بني النضير من اليهود، ثم أرسل بعض أصحابه إلى بعض نواحي المدينة، فحرقوا بعض النخل، و وجدوا رجلين فقتلوهما، و هما: معبد بن عمرو و حليف له، ثم انصرفوا راجعين؛ فنذر الناس بهم؛ فخرج «صلى اللّه عليه و آله» في طلبهم لخمس خلون من ذي الحجة، و جعل أبو سفيان و أصحابه يلقون بجرب السويق (1)تخففا للهرب، فجعل المسلمون يأخذونه، و لم يدركهم المسلمون، فعادوا إلى المدينة بعد خمسة أيام (2).

غزوة ذي أمر:

و في أول سنة ثلاث للهجرة، أو لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، كانت غزوة ذي أمر، و لربما تكون هي غزوة غطفان. جمع فيها دعثور بن محارب في ذي أمر، جمعا من بني ثعلبة بن محارب لحرب الرسول، أو ليصيبوا من أطراف المدينة، فخرج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و أصاب أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا يقال له: جبار (أو حباب) ، فأسلم، و دلهم على الطريق إليهم؛ فسمعوا بمسير الرسول «صلى اللّه عليه


1) السويق: قمح أو شعير يغلى ثم يطحن ليسف إما بماء، أو عسل، أو لبن.

2) راجع فيما تقدم: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 175-177، و تاريخ الخميس ج 1 ص 410 و 411، و السيرة الحلبية ج 2 ص 211 و غير ذلك.

و آله» ؛ فهربوا في رؤوس الجبال (1).

و يذكر هنا: أنه أصاب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مطر كثير، فنزع «صلى اللّه عليه و آله» ثوبيه، و نشرهما على شجرة، و اضطجع بمرأى من المشركين. و اشتغل المسلمون في شؤونهم، فنزل إليه دعثور (زعيم المشركين الغطفانيين) حتى وقف على رأسه، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اللّه.

و دفع جبريل في صدره، فوقع على ظهره، و وقع السيف من يده، فأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» السيف، و قال له: من يمنعك مني؟ .

قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه. فأعطاه «صلى اللّه عليه و آله» سيفه؛ فرجع إلى قومه، و جعل يدعوهم للإسلام.

و نزلت هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ (2)الآية.

و لعل هذه هي نفس غزوة ذي القصة، التي يقال: إنها في المحرم سنة 3


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 212، و المغازي للواقدي ج 1 ص 194، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91.

2) الآية 11 من سورة المائدة، و راجع في قضية دعثور تاريخ الخميس ج 1 ص 415، و السيرة الحلبية ج 2 ص 213، و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، و المواهب اللدنية ج 1 ص 91، و البداية و النهاية ج 4 ص 2، و المغازي للواقدي ج 1 ص 195، و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 168 و 169.

للهجرة. كما يظهر من المقارنة بينهما.

سرية القردة:

و في جمادى الأولى، في السنة الثالثة، كانت غزوة القردة، و كان أميرها زيد بن حارثة، في أول إمارة له.

و ذلك: أن نعيم بن مسعود قدم المدينة مشركا، فشرب الخمر مع بعض أصحابه، و ذلك قبل تحريم الخمر (مع أننا قد قلنا فيما سبق: أن الخمر كانت قد حرمت في مكة) ، و أخبرهم بالعير (1).

و ذلك: أن قريشا قالت: «قد عور علينا محمد متجرنا، و هو على طريقنا» .

و قال أبو سفيان، و صفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا.

فاتفقوا بعد بدر على العدول عن طريقهم المعتاد إلى الشام، و سلوك طريق العراق، فخرج جماعة فيهم صفوان، و أبو سفيان في تجارة أكثرها من الفضة. فبعث «صلى اللّه عليه و آله» إليهم زيدا، فلقيهم على ماء يقال له: (القردة) ؛ فأصاب العير و ما فيها؛ و أعجزه الرجال، و رجع بالغنيمة إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فخمسها، فبلغ الخمس عشرين ألفا، و قسم الباقي للسرية (2).


1) البداية و النهاية ج 4 ص 5، و المغازي للواقدي ج 1 ص 198.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 416، و البداية و النهاية ج 4 ص 5، و المغازي للواقدي ج 1 ص 198، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 145، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 182.

وقفات مع ما تقدم:
ألف: الأعمى و القضاء:
اشارة

بالنسبة لاستخلاف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بني سليم، و غيرها: نشير إلى ما ذكره البعض من أن رواية أبي داود تقول: إنه إنما استخلفه على الصلاة؛ لأنه ضرير، لا يجوز له الحكم بين الناس في القضايا و الأحكام؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، و لا يثبت الأعيان، و لا يدري لمن الحكم، و على من يحكم (1).

و لكننا لا نرتضي هذا الكلام: و ذلك لما يلي:

1-إن تولي ابن أم مكتوم للمدينة لا يعني إصداره الأحكام و توليه منصب القضاء، لأن من الممكن حل مشاكل الناس بطريقة الصلح بين المتخاصمين، أو على أن يكون قاضي تحكيم يرضى بحكمه الخصمان، خصوصا بملاحظة قصر فترة غيابه «صلى اللّه عليه و آله» عن المدينة في سفراته تلك، أو بأن يوكل من له صلاحية القضاء بين الناس، و يكون هو الوالي العام الحافظ للنظام، و المنفذ لتلك الأحكام.

2-إن القول بأن المراد من تولي ابن أم مكتوم المدينة من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو توليه خصوص الصلاة بعيد جدا، و هو لا ينسجم مع إطلاق عباراتهم، مثل قولهم: (إستخلفه على المدينة) أو (ولاه المدينة) أو نحو ذلك، خصوصا إذا لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلفه


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 205.

عليها اثنتي عشرة مرة، أو أكثر.

3-إن الاستدلال على عدم جواز تولي الأعمى للقضاء بما ذكر، مدفوع بأن طريق معرفة الأشخاص و الأعيان لا ينحصر بالنظر و الرؤية؛ فيمكنه إثبات ذلك بالشهود، أو بالإقرار، أو بغير ذلك من وسائل. و ليكن نفس توليته «صلى اللّه عليه و آله» لابن أم مكتوم (لو ثبت كون القضاء داخلا في ولايته) اثنتي عشرة مرة، دليلا على جواز تولي الأعمى للقضاء.

ب: من أهداف تلك السرايا و الغزوات:

إن العرب قد رأوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي خرج بالأمس إلى المدينة لاجئا، لا قوة له، قد أصبح هو و أصحابه يقفون في وجه قريش، و يجلون اليهود-كما سنرى-و يرسلون السرايا تتهدد المسالك، و يقتلون، و يأسرون.

و عرفوا: أن ثمة قوة يجب أن يحسب لها حسابها، و لا بد من التفكير مليا قبل الإقدام على أي عمل تجاهها في المنطقة. و لكن الغرور كان يستولي على بعض تلك القبائل، إلى حد التفكير في الدخول في حرب مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، على حد تعبير البعض (1).

فكان «صلى اللّه عليه و آله» يبادر إلى الهجوم، بمجرد أن يعرف: أنهم قد جمعوا و استعدوا له، أو أنهم يستعدون للإغارة على أطراف المدينة، أو بعد حصول الإغارة و الإفساد منهم، الأمر الذي يدلنا على أن تلك


1) سيرة المصطفى، ص 383.

الغزوات و السرايا كانت و قائية بالدرجة الأولى، و تستهدف أمورا:

1-إفشال مؤامرات الأعداء، ورد كيدهم إلى نحورهم.

2-إن ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» كان يمثل حربا نفسية للمشركين؛ إذ ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، خصوصا إذا كان انكسارهم بعد التعبئة الكاملة و الشاملة منهم لحرب هذه الفئة بالذات.

فإذا كانت هزيمتهم على يده «صلى اللّه عليه و آله» ، و في عقر دارهم، و في أوج قدرتهم و استعدادهم؛ فسوف تتحطم معنوياتهم، و يجعلهم ذلك في المستقبل مضطرين لأن يتريثوا كثيرا، قبل أن يقرروا أي موقف لهم تجاهه. و هذا مصداق آخر لكونه «صلى اللّه عليه و آله» قد نصر بالرعب.

3-ثم هناك الصدي و التأثير الإعلامي على المشركين في المنطقة، و على قريش بالذات؛ فإذا انهزم المشركون في المنطقة و قريش روحيا و نفسيا، فإن هزيمتهم العسكرية سوف تكون أسهل و أيسر، و قد سئل أمير المؤمنين «عليه السلام» : بأي شيء غلبت الأقران؟

فقال: «ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه» .

قال الرضي: يومئ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب (1).

ج: العتق و الصلاة:

يلاحظ: أن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد أعتق الغلام يسارا، حيث رآه يصلي.


1) نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، قسم الحكم، رقم 318.

و قد رأينا في الحديث أن الإمام السجاد «عليه السلام» كان يعتق مواليه بعد أن يذكرهم بذنوبهم (1).

كما أنه قد أعتق غلاما له، لأنه أكل كسرة خبز كان قد أعطاه إياها، حين وجدها ملقاة (2).

و رأينا أيضا أن الإمام الحسن «عليه السلام» رأى غلاما يطعم كلبا، فاشتراه من سيده، و أعتقه (3).

و عن أبي البلاد، قال: قرأت عتق أبي عبد اللّه «عليه السلام» : هذا ما أعتق جعفر بن محمد، أعتق فلانا غلامه لوجه اللّه، لا يريد منه جزاء و لا شكورا، على أن يقيم الصلاة، و يؤدي الزكاة، و يحج البيت، و يصوم شهر رمضان، و يتولى أولياء اللّه، و يتبرأ من أعداء اللّه. شهد فلان، و فلان، و فلان (4).

و لعل سر عتقه «عليه السلام» لهم في هذه المناسبات، و لا سيما في مناسبة أنه رآه يصلي يعود إلى: أن العتق في مناسبة كهذه يهدف إلى ربطهم بالصلاة، و دفعهم إلى الالتزام بها، و لا سيما حينما تطرح كقضية حاسمة في أسعد لحظات حياتهم، اللحظات التي ينالون فيها حريتهم، التي هي في الحقيقة عنوان هويتهم و وجودهم.

و هذا ما سوف يدفعهم لاكتشاف واقع و حقيقة الصلاة، ثم التفاعل معها بشكل جدي و عميق، و لتكون من ثم سببا في تكاملهم الإنساني،


1) البحار ج 46 ص 103، و إقبال الأعمال.

2) تاريخ جرجان ص 418.

3) البحار ج 44 ص 194، و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 75.

4) مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 78، و البحار ج 47 ص 44.

و سعيهم إلى الالتزام بسائر التعاليم الأخلاقية و الإنسانية الإسلامية.

و قد لا حظنا في رواية: أبي البلاد: أن الإمام «عليه السلام» قد جعل إقامة الصلاة، و أداء الزكاة، و الحج، و الصيام، ثمنا لحرية ذلك الرجل. . و قرن ذلك بالتولي لأولياء اللّه، و التبري من أعداء اللّه تعالى. . مع علمهم بأن هذا الالتزام هو نفس ما فرضه اللّه تعالى عليهم في دينه، و ليس في ذلك ما يعود بأي نفع دنيوي للإمام «عليه السلام» . .

فإن ذلك يشير: إلى حقيقة الأهداف السامية التي يعيش الإمام «عليه السلام» و يجاهد و يضحي من أجلها. .

و لا بد أن يتأكد لديهم المغزى العميق لحقيقة الربط بين العبودية الحقيقية للّه، و بين الحرية الحقيقية من كل التأثر و الخضوع لكل ما و من سواه.

كما أن ذلك يجعل هذا الإنسان يرى في شخصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» مثلا جديدا للإنسان الهادف، الذي يعيش من أجل هدفه، و يفنى فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

و يعرفه: أنه لا يهدف إلى استعباد أحد، بل لا يمكن أن يكون ذلك هدفا له، ما دام أن هدفه الأسمى هو-فقط-إعلاء كلمة اللّه تعالى، و ذلك تحت شعار: إن من يصبح عبدا للّه بحق، فهو جدير بالحرية حقا.

و كذلك الحال كان بالنسبة لما قدمناه عن الإمام الحسن، و الإمام السجاد عليهما الصلاة و السلام، و قد أشرت إلى هذا الموضوع في مقال مستقل (1).


1) البحث هو بعنوان: «الإمام السجاد باعث الإسلام من جديد» في كتابنا: «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام» ج 1 ص 77.

د: التورية بالغزوات:

لقد رأينا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة بحران لم يظهر وجها للسير، و ذلك لا يختص بهذه الغزوة! إذ قد كان من عادته «صلى اللّه عليه و آله» : أنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها (1).

و معنى ذلك: هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد تفويت الفرصة على عيون العدو و جواسيسه، إن كان له ثمة عيون و جواسيس، و على المنافقين الذين يوادون من حاد اللّه و رسوله، و كذلك على اليهود الذين كانوا لا يألون جهدا، و لا يدخرون وسعا في مساعدة أعدائه ضده، و لا أقل من أنهم كانوا يهتمون في أن يفوته أعداؤه، و لا يتمكن من الظفر بهم. و أسلوب إخفاء أمره «صلى اللّه عليه و آله» في فتح مكة كان رائعا جدا.

و لسوف يأتي التعرض له في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى.

ه: قريش في مواجهة الأخطار:

إن سرية زيد بن حارثة للاستيلاء على قوافل قريش قد جاءت في سياق السياسة القاضية بالمحاصرة الاقتصادية لقريش و باسترجاع الأموال التي تمالأ المشركون على حرمان المسلمين منها؛ حيث اضطروهم إلى ترك أوطانهم، و ديارهم، و أموالهم، و الهجرة إلى موضع يجدون فيه الحرية، و الأمن.

و قد سمعنا كلام صفوان، و أبي سفيان، الذي يوضح لنا: أن قريشا قد


1) المصنف ج 5 ص 398، و المنتقى لابن تيمية ج 2 ص 765.

أصبحت تعتبر حربها مع النبي و المسلمين حربا مصيرية، و معركتها معه معركة حياة أو موت. و لم يكن ذلك ليخفى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان دائما على استعداد لكل طارئ، و يتتبع كل تحركات العدو بدقة متناهية، و قد طوقهم من جميع الجهات تقريبا.

و يكفي أن نذكر هنا قول صفوان بن أمية لقريش: «إن محمدا و أصحابه قد عوروا علينا متجرنا؛ فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ و هم لا يبرحون الساحل. و أهل الساحل قد وادعوهم؛ فما ندري أين نسكن. و إن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لنا بقاء. و حياتنا بمكة تقوم على التجارة إلى الشام في الصيف، و الى الحبشة في الشتاء» (1).

و: مناقشة قضية دعثور:

و أما قصة دعثور مع الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإننا و إن كنا لا نستبعد وقوعها. .

و لكن قولهم: إن آية: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ. . (2)قد نزلت في هذه المناسبة، لا يصح. و ذلك:

أولا: إنه إذا كان المراد: أن الآية قد نزلت مباشرة حين وقوع قضية دعثور، كما هو ظاهر التفريع بالفاء.

فيرد عليه: أن الآية في سورة المائدة، و هي قد نزلت في أواخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» مرة واحدة.


1) مغازي الواقدي ج 1 ص 197.

2) الآية 11 من سورة المائدة.

و غزوة ذي أمر كانت-كما يقولون-في أوائل السنة الثالثة للهجرة.

و من غير المعقول: أن يحتفظ «صلى اللّه عليه و آله» بآيات تبقى معلقة في الهواء-إلى عدة سنوات-ثم يجعلها في سورة نزلت حديثا.

ثانيا: إن الآية تذكر:

1-أن «قوما» قد هموا بأن يبسطوا أيديهم إلى المسلمين، و دعثور شخص واحد، و لم نعهد إطلاق كلمة «قوم» على الواحد.

و قول البعض: إن قوله تعالى: لاٰ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ (1)، يشمل سخرية فرد من فرد، لا يصح؛ لأنه إنما يشمله بالملاك، لا بالظهور اللفظي، و الآية التي نحن بصددها إنما هي إخبار عن حادث وقع، و ليس فيها شمول ملاكي، كما هو ظاهر.

إلا أن يقال: إن نسبة ذلك إلى القوم باعتبار رضاهم بفعل دعثور هذا و هو كما ترى.

2-و من جهة أخرى فإنها قد عبرت عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بضمير الجمع، و لم نعهد التعبير عن الرجل الواحد بضمير الجمع إلا في مقام التعظيم، و بضرب من التجوز.

و هو هنا يمتن على المسلمين جميعا بأن اللّه قد صرف عنهم من هموا ببسط أيديهم إليهم، و لو كان المقصود هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقط، فلماذا يعبر عنه بضمائر الجمع؟

و قد يجاب عن ذلك: بأن ذهابه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فقده، يكون


1) الآية 11 من سورة الحجرات.

سببا لذهابهم و تشتتهم، و ضعفهم، و بسط اليد إليه بسط لها إليهم؛ لأنه قائدهم، و به قوام اجتماعهم.

إلا أن يقال: إن ذلك خلاف المفهوم من الآية، و فيه نوع من التجوز و الادعاء؛ فلا يعتمد عليه إلا بدليل.

ثالثا: قال الحسني: «و موضع التساؤل في هذه القصة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هل كان ينفرد عن أصحابه في غزواته؟ ! و هل يتركه أصحابه وحيدا في تلك الفلاة، و المشركون على مقربة منهم؟ ! وهب أنه ذهب إلى الشجرة ليجفف ثيابه من المطر، و لكن كيف تركه ذلك الجيش المؤلف من «450» مقاتلا؟ و خفي عليهم ذلك الرجل الذي تحدر من الجبل لاغتياله، و هو بعيد عن أصحابه الخ. .» ؟ (1).

و يمكن المناقشة في هذا بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تخلف عن الجيش الراجع من غزوة بدر ليمرض عليا «عليه السلام» كما تقدم في موضعه.

إلا أن يقال: إنه في بدر قد تخلف في موضع أمن، لا في موضع مخافة.

و أما الإيراد على ذلك بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تخلف في بعض غزواته، ليسابق زوجته عائشة (2)فهو لا يصح، لأننا نعتقد أنها مجرد قصص مختلقة و خيالية، لا أساس لها من الصحة كما سيأتي.


1) سيرة المصطفى ص 384.

2) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 176 عن أحمد، و السيرة الحلبية ج 2 ص 290، و مغازي الواقدي ج 2 ص 427، و سنن أبي داود ج 3 ص 30، و عن النسائي و ابن ماجة.

و خلاصة الأمر: إن تخلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن جيشه إلى مكان قريب، ليجفف ثوبه، مع الإحساس بالأمن، ليس بالأمر المستهجن، و لا النادر الوقوع، لا سيما إذا كان يريد حاجة يطلب فيها الستر عن أعين الناس.

و قد كان أفراد الجيش ينفصلون عن الجيش قليلا لقضاء بعض حاجاتهم. و لعل الآية قد نزلت فيمن يهم الرواة إبعاد التهمة عنهم، فلفقوا هذه المناسبة لإبعاد الشبهة عمن يحبون.

الفصل الخامس: غدر اليهود و الإغتيالات الهادفة

اشارة

مع عقائد اليهود و آثارها:
اشارة

قبل أن نبدأ بالحديث عن العمليات العسكرية التي جرت بين المسلمين و اليهود فيما بين بدر و أحد، نود أن نشير باختصار إلى بعض عقائد اليهود، ثم إلى بعض ما يرتبط بمواقفهم و خططهم، و مؤامراتهم على الإسلام، و على المسلمين، فنقول:

1-عنصرية اليهود:

اليهود شعب عنصري، مؤمن بتفوق عنصره على البشر كافة. و الناس عندهم لا قيمة لهم و لا اعتبار، و إنما خلقوا لخدمة الإسرائيليين و حسب. فكل الناس إذا يجب أن يكونوا في خدمتهم، و تحت سلطتهم، كما يقول لهم تلمودهم.

فقد جاء في التلمود ما ملخصه: أن الإسرائيلي معتبر عند اللّه أكثر من الملائكة.

و أن اليهودي جزء من اللّه.

و من ضرب يهوديا فكأنه ضرب العزة الإلهية.

و الشعب المختار هم اليهود فقط، و أما باقي الشعوب فهم حيوانات.

و يعتبر اليهود غير اليهود أعداء لهم، و لا يجيز التلمود أن يشفق اليهود

على أعدائهم.

و يلزم التلمود الإسرائيليين بأن يكونوا دنسين مع الدنسين، و يمنع من تحية غير اليهودي إلا أن يخشوا ضررهم، و لا يجيزون الصدقة على غير اليهودي، و يجوز لهم سرقة ماله، و غشه، كما أن على الأمميين أن يعملوا، و لليهود أن يأخذوا نتاج هذا العمل.

و يجيز التلمود التعدي على عرض الأجنبي، لأن المرأة إن لم تكن يهودية فهي كالبهيمة.

و لليهودي الحق في اغتصاب غير اليهوديات.

و لا يجوز لليهودي الشفقة على غيره.

و يحرم على اليهودي أن ينجي غيره (1).

إلى آخر ما هنالك، مما لا يمكن الإحاطة به في هذه المناسبة.

نعم، هذه هي نظرة اليهود لغيرهم، و هذه هي حقيقة ما يبيتونه تجاه كل من هو غير يهودي.

و قد نعى اللّه تعالى عليهم هذه النظرة السيئة، فقال: وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصٰارىٰ نَحْنُ أَبْنٰاءُ اَللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ (2).

فهو يؤكد لهم: أنهم كغيرهم من الخلق، يعذبهم اللّه بذنوبهم، و لا فضل


1) راجع: الكنز المرصود ص 48-106، و مقارنة الأديان (اليهودية) لأحمد شلبي ص 272-274 عنه و عن: التلمود شريعة بني إسرائيل 22-25 و 40-44 و 65.

2) الآية 18 من سورة المائدة.

لهم على غيرهم؛ لأن التفاضل إنما هو بالتقوى و العمل الصالح.

2-اليهود و حب الحياة الدنيا:

و اليهودي أيضا يؤمن بالمادة، و يرتبط بها بكل وجوده و طاقاته، فهو يحب المال و جمعه حبا جما، و هو يعيش من أجله، و يعمل في سبيله بكل ما أوتي من قوة و حول؛ فهو من أجل المادة ولد، و في سبيلها عاش و يعيش، و على حبها سوف يموت. و لأجل ذلك فلا ينبغي أن نستغرب إذا رأينا: أن ارتباطهم بالناس مصلحي و نفعي، و أن المال و اللذة هما المنطق الوحيد لهم في كل موقف، و المقياس للحق و للباطل عندهم.

و لا يجب أن نعجب أيضا إذا رأينا: أن الشيوعية، و هي التفكير الداعي إلى اعتبار المادة هي أساس الكون و الحياة، و هي المحرك، و المنطلق، و هي الغاية، و إليها ستكون النهاية، و هي المعيار و المقياس الذي لا بد أن يهيمن على كل شؤون الحياة و الإنسان و الكون، و كل نظمه و قوانينه، و علاقاته.

نعم، لا عجب إذا رأينا: أن هذا التفكير يبدأ من اليهود، و إليهم ينتهي (1).


1) الخطر اليهودي ص 67 و فيه: أن أعضاء المجلس الشيوعي الذي كان يحكم روسيا سنة 1951 كان يتألف من سبعة عشر عضوا كلهم يهود صرحاء باستثناء ثلاثة هم: ستالين، و فيرشيلوف، و مولوتوف. و هؤلاء الثلاثة زوجاتهم يهوديات، و فيهم يهودي الأم، أو الجدة، أو صنيعة مجهول النسب من صنائع اليهود، كما أن المنظر الأكبر للشيوعية هو اليهودي كارل ماركس.

3-أكثر اليهود لا يؤمنون بالبعث:

و اليهودي يكره الموت، و هو يتمنى لو يعمر ألف سنة، قال تعالى: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ، وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (1).

و لعل سر ذلك يعود إلى أن توراة اليهود المحرفة الحاضرة لم تشر بشكل واضح إلى البعث و القيامة، و إنما ورد حديث عن الأرض السفلى، و الجب التي يهوى إليها العصاة، و لا يعودون (و إن الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد) .

و يقول البعض: إن الكتاب المقدس نفسه يعد الحياة الدنيا وحدها هي عالم الإنسان، و ليس هناك اعتقاد بعد ذلك في بعث و جنة أو نار؛ و ثوابهم و عقابهم مقصوران على الحياة الدنيا.

و على العموم، فإن فكرة البعث لم تجد لها أرضا خصبة لدى اليهود، و قد حاول بعض طائفة الفريسيين القول بها، و لكن هذه المحاولة لقيت معارضة شديدة، أما باقي الفرق اليهودية، فلم تعرف عنها شيئا.

و إذا كان الإنسان لا يعتقد بالبعث، و يؤمن بأن الجزاء ليس إلا في هذه الدنيا، فمن الطبيعي أن يسعى إلى المنكرات و اقتراف الآثام (2).

ملاحظة: هذا، و قد تفاقم فيهم حبهم للدنيا حتى بلغ بهم الحرص عليها: أن حرمهم من الاستفادة من الأموال التي يجمعونها، فتجد الكثيرين


1) الآية 96 من سورة البقرة.

2) راجع: أحكامهم هذه في كتاب، مقارنة الأديان (اليهودية) ص 199 و 200، و اليهود في القرآن ص 37.

منهم يعيشون في دناءة من العيش و فيهم شح كبير، و لؤم و بخل ظاهر، و خسة لا يحسدون عليها. هذا إلى جانب إهمال الكثير منهم جانب النظافة المطلوبة، كما يظهر لمن سبر أحوالهم، و عاش في بيئتهم.

و يعتقد اليهود: أن اللّه سيغفر لهم كل ما يرتكبونه من جرائم و عظائم. و هذا ما يشجعهم على الفساد و الانحراف، و الإمعان في المنكرات و الجرائم.

و قد رد اللّه تعالى على عقيدتهم هذه (1)، حينما قال: وَ قَطَّعْنٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ اَلصّٰالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ وَ بَلَوْنٰاهُمْ بِالْحَسَنٰاتِ وَ اَلسَّيِّئٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا اَلْكِتٰابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هٰذَا اَلْأَدْنىٰ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنٰا وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ اَلْكِتٰابِ أَنْ لاٰ يَقُولُوا عَلَى اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ وَ دَرَسُوا مٰا فِيهِ وَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ (2).

4-جبن اليهود:

و بعد ما تقدم، و بعد أن كان اليهودي ضعيف الاعتقاد أو قليل الاهتمام بالآخرة، فإن من الطبيعي أن يكون اليهود شعبا جبانا، لأنه يخشى الموت، و يرهب الأخطار، لأنه يرى بالموت نهايته الحقيقية (3).


1) اليهود في القرآن ص 44 و 45.

2) الآيتين 168 و 169 من سورة الأعراف.

3) و يلاحظ: أن العرب في هذه الأيام يجبنون عن مواجهة اليهود في حرب الكرامة و الشرف، لماذا؟ أليس لأجل ابتعادهم عن دينهم و استسلامهم لانحرافاتهم، و حبهم للحياة، و قلة يقينهم بالموت و المعاد.

و من طبع الجبان أن يتعامل مع خصومه بأساليب المكر و الخداع، و الغدر و الخيانة بالدرجة الأولى.

من أسباب عداء اليهود للإسلام:
اشارة

و نشير هنا إلى أننا نلاحظ: أن اليهود بدأوا يحاربون الإسلام من أول يوم ظهوره، و كانوا و ما زالوا يحقدون عليه، رغم أنهم كانوا أول من بشر بظهور النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، مستندين في بشاراتهم تلك إلى الدلائل القاطعة التي يجدونها في كتبهم.

و نستطيع أن نذكر من أسباب عدائهم للمسلمين و للإسلام:

ألف: تشريعات تخيفهم:

إنهم قد وجدوا أن هذا النبي يدعو الناس إلى دين هو نظام كامل و شامل للحياة؛ و أن هذا الدين قد جاء بنظام اقتصادي متكامل و متوازن؛ و اهتم بمحاربة الربا، و الاحتكار، و جميع أنواع و أشكال استغلال إنسان لإنسان آخر؛ و جعل في أموال الناس حقا معلوما للسائل و المحروم، فلم ينسجم ذلك مع أطماعهم، و مع ما ألفوه و أحبوه، بل رأوه يتنافى مع تلك الأطماع و مع أهدافهم و مصالحهم، و مع نظرتهم للكون، و للحياة، و الإنسان.

ب: الإسلام يزداد قوة:

و الذي زاد من حنقهم و حقدهم: أنهم كانوا يأملون أن يتم القضاء على هذا الدين من قبل قومه القرشيين، و من معهم من ذؤبان العرب، دون أن يكلفهم ذلك أية خسائر؛ خصوصا في الأرواح، فرضوا بالمعاهدة التي

سلف ذكرها. و لكن فألهم قد خاب، فها هو الإسلام يزداد قوة، و اتساعا و نفوذا، يوما عن يوم. و ها هو يسجل في بدر العظمى أروع البطولات، و أعظم الانتصارات، فلم يعد يقر لهم قرار، أو يطيب لهم عيش، إذ كان لا بد-بنظرهم-من القضاء على هذا الدين قبل أن يعظم خطره و يكتسح المنطقة، و يضري بهم إعصاره الهادر.

ج: يقظة المسلمين:

و زاد في حنقهم و قلقهم: أنهم رأوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين معه، كما أنهم لا يخدعون، و لا يؤخذون بالمكر و الحيلة، كذلك هم لا يستسلمون للضغوط، و لا تثنيهم المصاعب و المشقات مهما عظمت. و كلما زاد الإسلام اتساعا كلما زاد الطموح لدى المسلمين، و الضعف لدى خصومهم، إذا، فلا بد من اهتبال الفرصة، و مناهضة هذا الدين، و القضاء عليه بالسرعة الممكنة.

د: الجيران. . الأعداء:

و يقول الجاحظ: «إن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب و غيرها؛ و عداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب، في شدة التمكن و ثبات الحقد، و إنما يعادي الإنسان من يعرف، و يميل على من يرى، و يناقض من يشاكل، و يبدو له عيوب من يخالط، و على قدر الحب و القرب يكون البغض و البعد، و لذلك كانت حروب الجيران و بني الأعمام من سائر الناس و سائر العرب أطول، و عداوتهم أشد.

فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، و قد كانت الأنصار متقدمة

الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على نعمة الدين، و الاجتماع بعد الافتراق، و التواصل بعد التقاطع الخ. .» (1).

ه: حسدهم للعرب:

ثم هناك حسدهم للعرب أن يكون النبي الذي تعد به توراتهم منهم، و ليس إسرائيليا، و قد أشار إلى ذلك تعالى فقال: وَ لَمّٰا جٰاءَهُمْ كِتٰابٌ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ مُصَدِّقٌ لِمٰا مَعَهُمْ وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ، بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ فَبٰاؤُ بِغَضَبٍ عَلىٰ غَضَبٍ وَ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰابٌ مُهِينٌ (2).

و لعل هذا هو السر في أنهم-حسبما يقوله البعض-حينما طلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم أن يدخلوا في الإسلام امتعضوا، و أخذوا يخاصمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و: الإسلام يوحد و يجمع:

لقد عز عليهم و أرهبهم: ما رأوه من قدرة الإسلام على توحيد أهل المدينة: الأوس و الخزرج، الذين كانوا إلى هذا الوقت أعداء يسفك بعضهم


1) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 13 و 14 نشر يوشع فنكل سنة 1382 ه.

2) الآيتين 89 و 90 من سورة البقرة.

3) راجع: اليهود في القرآن ص 23.

دماء بعض، قال تعالى: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مٰا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1).

ز: الإسلام يبطل مزاعمهم:

ثم إنهم قد رأوا: أن هذا الدين يبطل مزاعمهم، و يقضي على اليهودية، و على أحلام بني إسرائيل و قد أبطل أسطورتهم في دعواهم التفوق العلمي، و أظهر كذبهم في موارد كثيرة، و تبين لهم: أن الإسلام يعلو و لا يعلى عليه.

أضف إلى ذلك: أنه قد ظهر أن نبي الإسلام أفضل من موسى، و من سائر الأنبياء «عليهم السلام» . و أصبحوا يرون الناس يؤمنون بدين جديد، هو غير اليهودية، و هم يقولون: لاٰ تُؤْمِنُوا إِلاّٰ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ (2).

و فوق ذلك كله، فإن الإسلام يرفض إعطاء الامتيازات على أساس عرقي، و هو يساوي بينهم و بين غيرهم، و هذا ذنب آخر لا يمكن لهم الإغماض عنه بسهولة.

اليهود في مواجهة الإسلام:

لقد حاول اليهود مواجهة المد الإسلامي الكاسح بكل ما لديهم من قوة و حول. و نذكر هنا بعض ما يرتبط بالأساليب و الطرق التي حاولوا الاستفادة منها في هذا السبيل، من دون ملاحظة الترتيب بينها، لا سيما و أن بعضها متداخل في الأكثر مع بعض، فنقول:


1) الآية 63 من سورة الأنفال.

2) الآية 73 من سورة آل عمران.

1-قد أشار الجاحظ إلى أنهم: «شبهوا على العوام، و استمالوا الضعفة، و مالأوا الأعداء و الحسدة، ثم جاوزوا الطعن، و إدخال الشبهة الخ. .» (1).

نعم، لقد حاولوا تشكيك العوام، و ضعاف النفوس بالإسلام، و كانوا يرجحون لهم البقاء على الشرك، كما فعله كعب بن الأشرف، حينما سأله مشركو مكة عن الدين الأفضل، و قد ألمحنا إليه فيما سبق.

بالإضافة إلى ممالأتهم للذين و ترهم الإسلام، أو وقف في وجه مطامعهم و طموحاتهم اللامشروعة و اللاإنسانية.

و نذكر مثلا على ذلك: ما جاء في الروايات من أن الناس يعتبرون أن من علامات الحق: أن لا يرجع عنه من يقتنع به، فإذا رجع عنه فلا بد أن يكون ذلك لأجل أنه وجد فيه ضعفا، أو نقصا، و لذلك نجد ملك الروم يسأل أبا سفيان أحد ألد أعداء محمد «صلى اللّه عليه و آله» : «هل يرجع عن الإسلام من دخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا» .

و قد حاول اليهود أن يتبعوا نفس هذا الأسلوب.

«و قد حكى اللّه تعالى عنهم هذا الأمر، فقال: وَ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهٰارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (2)» (3).

2-طرح الأسئلة الإمتحانية على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهدف تعجيزه.


1) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 14.

2) الآية 72 من سورة آل عمران.

3) راجع كتاب: اليهود في القرآن ص 31، فإنه أشار أيضا إلى هذا الأمر.

و يلاحظ: أن هذه المحاولات كانت تبذل من قبل مختلف قبائل اليهود: قريظة، النضير، قينقاع، ثعلبة الخ. . و لكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل الذريع. بل لقد ساهم ذلك بشكل فعال في تجلي و وضوح تعاليم الإسلام، و ترسيخها، و قد دفعهم فشلهم هذا إلى أن يطلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأتيهم بكتاب من السماء: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اَللّٰهَ جَهْرَةً (1).

ثم تمادوا في العناد و اللجاج، إلى ما هو أبعد من ذلك، قال تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ لَوْ لاٰ يُكَلِّمُنَا اَللّٰهُ أَوْ تَأْتِينٰا آيَةٌ كَذٰلِكَ قٰالَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشٰابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (2)الآية.

فإن سياق الآيات ظاهر في أن اليهود هم الذين قالوا ذلك.

3-و لما فشلوا في محاولاتهم محاربة الإسلام على صعيد الفكر، اتجهوا نحو أسلوب الضغط الاقتصادي على المسلمين؛ فيذكرون: «أن رجالا من أهل الجاهلية باعوا يهودا بضاعة، ثم أسلموا و طلبوا من اليهود دفع الثمن فقالوا: ليس علينا أمانة، و لا قضاء عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنت عليه، و ادعوا: أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

فجاء في الآية المباركة الرد عليهم: وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطٰارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينٰارٍ لاٰ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّٰ مٰا دُمْتَ عَلَيْهِ قٰائِماً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لَيْسَ عَلَيْنٰا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ


1) الآية 153 من سورة النساء.

2) الآية 118 من سورة البقرة.

وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (1).

و أيضا فقد رفض رؤساء اليهود أن يقرضوا المسلمين مالا في أول عهدهم في المدينة، و قد كانوا في ضنك شديد، فالمهاجرون فقراء لا مال لهم، و الذين دخلوا في الإسلام من أهل المدينة لم يكونوا على سعة من الرزق.

و قد أجابوا رسول اللّه حينما طلب منهم القرض بقولهم: أحتاج ربكم أن نمده؟

فنزل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيٰاءُ سَنَكْتُبُ مٰا قٰالُوا (2)» (3).

4-ممالأة أعداء الإسلام و مساعدتهم بكل ما أمكنهم، و لو بالتجسس، و بغير ذلك من وسائل.

5-محاربة الإسلام أيضا: عن طريق إثارة الفتن بين المسلمين، و لا سيما بين الأوس و الخزرج، و بين المسلمين و المشركين.

و نذكر هنا على سبيل المثال قضية شاس بن قيس، الذي حاول تذكير الأوس و الخزرج بأيام الجاهلية، و إثارة الإحن القديمة في نفوسهم؛ فتثاور الفريقان، حتى تواعدوا أن يجتمعوا في الظاهرة لتصفية الحسابات، و تنادوا بالسلاح، و خرجوا، و كادت الحرب أن تقع بينهما؛ فبلغ الخبر رسول اللّه


1) الآية 75 من سورة آل عمران.

2) الآية 181 من سورة آل عمران.

3) راجع في ذلك: اليهود في القرآن ص 28.

«صلى اللّه عليه و آله» ؛ فخرج إليهم بمن كان معه من أصحابه المهاجرين؛ فوعظهم؛ فأدركوا أنها نزعة من الشيطان، و كيد من عدوهم، فندموا على ما كان منهم، و تعانق الفريقان و تصافيا، و انصرفوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يقول البعض: إن الآيات الشريفة التالية قد نزلت في هذه المناسبة: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهٰا عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَدٰاءُ وَ مَا اَللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ، يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ كٰافِرِينَ، وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلىٰ عَلَيْكُمْ آيٰاتُ اَللّٰهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّٰهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1).

6-تآمرهم على حياة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و تحريضهم الناس عليه كما سنرى، إن شاء اللّه تعالى.

7-محاولات إثارة البلبلة، و تشويش الأوضاع، بإشاعة الأكاذيب، و تخويف ضعاف النفوس من المسلمين.

8-تآمرهم مع المنافقين على الإسلام، و مكرهم معهم بالمسلمين، ثم علاقاتهم المشبوهة مع قريش، و ممالأتهم إياها على حرب الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

9-تآمرهم و مكرهم و تدبيرهم لمنع المسلمين من الخروج للحرب، و كانوا يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، لأجل تثبيط الناس عن الرسول


1) الآيات 99-101 من سورة آل عمران.

«صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك، فعرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهم فأحرق البيت عليهم (1).

و قد رجع عبد اللّه بن أبي، حليف يهود بني قينقاع في ثلاثمائة رجل من أصحابه، و ذلك في حرب أحد، كما سنرى إن شاء اللّه تعالى.

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من اليهود:

و لكن جميع محاولات اليهود للكيد للإسلام و المسلمين، باءت بالفشل الذريع، بسبب وعي القيادة الإسلامية العليا.

و لقد صبر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على مخالفاتهم الكبيرة تلك، تفاديا لحرب أهلية قاسية في مقره الجديد. . حتى طفح الكيل، و بلغ السيل الزبى، و عرف المسلمون: أن اليهود كانوا-بزعمهم-يستغلون ظروف المسلمين و مشاكلهم، و يصعدون من تحدياتهم لهم. و أصبحوا في الحقيقة هم الخطر الداهم و الحقيقي الذي يتهدد وجود الإسلام من الأساس.

لا سيما و أن هذا العدو الماكر و الحاقد يعيش في قلب المجتمع الإسلامي، و يعرف كل مواقع الضعف و القوة فيه، و يتربص به الدوائر، و يترصد الفرصة المؤاتية.

فكان لا بد من صياغة التعامل مع هذا العدو على أساس الحزم و العدل، بدلا من العفو و التسامح و الرفق، فليس من الصالح أن يترك اليهود يعيثون في الأرض فسادا، و ينقضون كل العهود و المواثيق، و يسددون ضرباتهم للمسلمين


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 160، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 309.

كيف و أنى شاؤوا، بل لا بد من الرد الحاسم و الحازم و العادل على كل اعتداء، و مواجهة كل مكيدة، قبل أن يكون الندم حيث لا ينفع الندم.

العمليات العسكرية في مرحلتين:

و بعد أن اتضح نقض اليهود لكل العهود و المواثيق، حاول الإسلام أن يتعامل معهم على مرحلتين:

الأولى: أن يتبع معهم أسلوب الإنذار الحازم و العادل، فكانت عمليات القتل المنظمة لبعض الأفراد، بمثابة جزاء عادل لناقضي العهود، الذين يشكلون خطرا جديا على صعيد استقرار المنطقة. كما و كانت بمثابة إطلاق صفارة الإنذار لكل من ينقض عهدا، و يتآمر على مصلحة الإسلام العليا، مع إعطائهم الفرصة للتفكير، و إفهامهم أن الإسلام يمكن أن يتحمل، و لكنه ليس على استعداد لأن يقبل بوضع كهذا إلى النهاية، لا سيما إذا كان ذلك على حساب وجوده و بقائه.

الثانية: الحرب الشاملة و المصيرية، حيث لا يمكن حسم مادة الفساد بغير الحرب.

و نحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، كلا على حدة في الصفحات التالية.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثالث: الغنائم و الأسرى 5-56

الفصل الرابع: نهاية المطاف 57-72

الباب الثاني: بحوث ليست غريبة عن السيرة

الفصل الأول: بعض خصائص الشيعة 75-90

الفصل الثاني: أبو بكر في العريش و شجاعة أبي بكر 91-106

الفصل الثالث: ذو الشمالين و سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله 107-136

الفصل الرابع: الخمس بين السياسة و التشريع 137-164

الباب الثالث: ما بين أحد و بدر

الفصل الأول: شخصيات و أحداث 167-214

الفصل الثاني: فاطمة و علي عليهما السلام و مناوؤوهما 215-282

الفصل الثالث: قضايا و أحداث في المجال العام 283-316

الفصل الرابع: غزوات و سرايا 317-334

الفصل الخامس: غدر اليهود و الإغتيالات الهادفة 335-352

الفهارس 353-366

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثالث: الغنائم و الأسرى قسمة الغنائم:7

النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يأخذ الخمس في بدر:8

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرد الخمس على أصحابه أيضا:10

إكتفاء الناس في عهد علي عليه السّلام:11

ملاحظة هامة: الخمس، و الطبقية:11

بعض المتخلفين، و غنائم بدر:15

ألف: طلحة، و سعيد بن زيد:15

ب: عثمان بن عفان:17

الغارات على الفضائل:21

قتل أسيرين:22

ألف: نسب عقبة:24

ب: النار للصبية:25

ج: الطعن في نسب عقبة! :26

د: إنكار قتل النضر بن الحارث في بدر:27

مصير الباقين من الأسرى:28

لو نزل العذاب ما نجا إلا ابن الخطاب:30

الرسول صلّى اللّه عليه و آله يخطئ في الاجتهاد 36

بين رأي عمر، و رأي ابن معاذ:36

قتل الأسرى هو الأصوب:38

مع موقف عمر من الأسرى:40

النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يقتل أسيرا هرب:41

أنين العباس في الوثاق:42

فداء العباس و إسلامه:44

إشارة:48

مؤامرة على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله:49

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من قلائد زينب:50

سؤال يحتاج إلى جواب:51

أستاذ المعتزلي و قضية زينب:52

فداء الأسير تعليم الكتابة:53

معاملة الأسرى:55

سودة بنت زمعة تحرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:56

الفصل الرابع: نهاية المطاف

أهل بدر مغفور لهم:59

من هم أفضل من أهل بدر؟ !64

ابن الجوزي و حديث المغفرة للبدريين:65

عودة خيبة:66

عودة ظفر:67

بعض نتائج حرب بدر:68

النجاشي يفرح لنتائج بدر:70

كلمة أخيرة:70

موقف معاوية من أهل بدر:71

الباب الثاني: بحوث ليست غريبة عن السيرة

الفصل الأول: بعض خصائص الشيعة

بعض خصائص الشيعة:77

الفصل الثاني: أبو بكر في العريش، و شجاعة أبي بكر

أبو بكر في العريش، و شجاعة أبي بكر:93

عدم صحة ما تقدم:95

ألف: فرار أبي بكر في المواقف:95

ب: حراسة أبي بكر للنبي صلّى اللّه عليه و آله:100

ج: أبو بكر في ساحة الحرب:102

د: حرب الناكثين و القاسطين:103

ه: حرب مانعي الزكاة:104

و: ثباته حين وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:105

الفصل الثالث: ذو الشمالين، و سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله

ذو الشمالين:109

روايات السهو عند الشيعة:114

لماذا كان ما كان؟ !115

قصور هذه التوجيهات:116

إيراد و جوابه:116

العصمة عن السهو و الخطأ و النسيان اختيارية:118

و لم نجد له عزما:122

العصمة في التبليغ و في غيره:122

العصمة عن الذنب اختيارية أيضا:123

سؤال يحتاج إلى جواب:123

الإسلام و الفطرة:124

عناصر لا بد منها في العصمة:128

التوضيح و التطبيق:131

أفضل الخلق محمد صلّى اللّه عليه و آله:133

علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل:134

الفصل الرابع: الخمس بين السياسة و التشريع

الخمس:139

معنى الغنيمة:139

الخمس في كتب النبي صلّى اللّه عليه و آله و رسائله:142

نظرة في تلك الرسائل:146

في السيوب الخمس:147

و ثمة دليل آخر أيضا:149

الخمس في المعدن و الركاز:150

لطيفة:152

جباة الخمس:152

مواضع الخمس في الكتاب و السنة:154

و من طريق غير أهل البيت عليهم السّلام نذكر:155

الخمس في عهد أبي بكر:156

الخمس في عهد عمر:157

الخمس في عهد عثمان:159

سيرة علي عليه السّلام في الخمس:159

الخمس في عهد معاوية:160

حتى عهد عمر بن عبد العزيز:161

آراء فقهاء أهل السنة في الخمس:162

أهل البيت عليهم السّلام و شيعتهم و قضية الخمس:164

الباب الثالث: ما بين بدر و أحد

الفصل الأول: شخصيات و أحداث

تمهيد:169

1-وفاة رقية:170

كلام ابن بطال و غيره:173

أكاذيب و أباطيل:175

كلمة أخيرة حول رقية و عثمان:177

2-زواج عثمان بأم كلثوم:179

3-هجرة زينب ربيبة النبي صلّى اللّه عليه و آله:180

ألف: ما جرى لزينب، و ما جرى لفاطمة عليها السّلام:182

ب: أين روايات إسقاط المحسن؟ ! :183

ج: عروة يتنقص فاطمة عليها السّلام، و موقف السجاد عليه السّلام منه:185

مع الطحاوي في تمحلاته:186

مصاب فاطمة عليها السّلام:187

4-أم سلمة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:188

عمر أم سلمة حين الزواج:189

الكمال و الجمال:190

أم سلمة على العهد:191

وفاة أم سلمة:192

5-حفصة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:195

6-زينب بنت خزيمة في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله:197

سر تعدد زوجاته:198

الاتهام الباطل:198

الدوافع الحقيقية:200

كذبة مفضوحة:206

لماذا لم يطلق النبي صلّى اللّه عليه و آله عائشة؟ !207

الزواج السياسي احتقار للمرأة:208

7-ولادة الإمام الحسن عليه السّلام:209

ألف: ذكر أسماء بنت عميس هنا:210

باء: الحسن و الحسين عليهما السّلام، اسمان جديدان:212

جيم: إرضاع أم الفضل للحسن عليه السّلام:212

الفصل الثاني: فاطمة و علي عليهما السّلام و مناوؤوهما

إقتران الزهراء بعلي عليهما السّلام:217

حديث الزواج:218

ألف: ميزات هذا الزواج:221

ب: لست بدجال:223

ج: ترهات أبي حيان:227

د: ما يقال عن موقف فاطمة عليها السّلام من الزواج:228

الرواية الصحيحة:230

مقارنة:234

ه: أم سلمة و بنت عميس في زواج فاطمة عليها السّلام:234

و: هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان:236

ز: أخوة علي عليه السّلام:238

ح: متى كان تحريم الخمر؟ !240

أقوال في تحريم الخمر:244

تحريم الخمر قبل الهجرة:246

لا تدرج في تحريم الخمر:252

انتهينا! انتهينا:254

تحريف متعمد:257

و أما أبو بكر:257

الكذب على علي عليه السّلام:260

لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى:261

المناقشة:263

إتهام بريء آخر:267

سر الافتراء:268

خطبة علي عليه السّلام بنت أبي جهل:268

الحديث الموضوع:268

المناقشة:271

الرواية الأقرب إلى القبول:280

الفصل الثالث: قضايا و أحداث في المجال العام

تحويل القبلة:285

تفسير و تحليل:286

مناقشات لا بد منها:287

البراء بن معرور لم يصل لغير الكعبة:288

ملاحظة:289

تحول المصلين كيف كان:290

ثأر قريش بأرض الحبشة:291

نهاية أبي لهب:292

غلبة الروم على الفرس:292

رهان أبي بكر:293

مناقشة رواية الرهان:294

تتميم و تعقيب:297

سد الأبواب في المسجد إلا باب علي عليه السّلام:297

حديث سد الأبواب في مصادره:302

النواصب و حديث سد الأبواب:305

خوخة، أو باب أبي بكر:307

كلام ابن بطريق حول حديث سد الأبواب:312

كلام العلامة المظفر:313

أبواب المهاجرين فقط:314

بيت علي عليه السّلام أم النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ !314

سرقة طعمة:315

الفصل الرابع: غزوات و سرايا دفاعية

غزوات و سرايا:319

غزوات لبني سليم و غطفان:319

غزوة السويق:320

غزوة ذي أمر:321

سرية القردة:323

وقفات مع ما تقدم:324

ألف: الأعمى، و القضاء:324

ب: من أهداف تلك السرايا و الغزوات:325

ج: العتق، و الصلاة:326

د: التورية بالغزوات:329

ه: قريش في مواجهة الأخطار:329

و: مناقشة قضية دعثور 330

الفصل الخامس: غدر اليهود و الإغتيالات الهادفة 335

مع عقائد اليهود و آثارها 337

1-عنصرية اليهود 337

2-اليهود و حب الحياة الدنيا 339

3-أكثر اليهود لا يؤمنون بالبعث 340

4-جبن اليهود 341

من أسباب عداء اليهود للإسلام 342

ألف: تشريعات تخيفهم 342

ب: الإسلام يزداد قوة 342

ج: يقظة المسلمين 343

د: الجيران. . الأعداء 343

ه: حسدهم للعرب 344

و: الإسلام يوحد و يجمع 344

ز: الإسلام يبطل مزاعمهم 345

اليهود في مواجهة الإسلام 345

موقف النبي صلّى اللّه عليه و آله من اليهود 350

العمليات العسكرية في مرحلتين 351

الفهارس 353

1-الفهرس الإجمالي 355

2-الفهرس التفصيلي 357

ص: 367