الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الجزء الثالث

الجزء الثالث

الصحيح من سيرة النبى الاعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الجزء الثالث للعلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي

ادامة القسم الثالث: من البعثة حتي الهجرة

تتمة الباب الاول: من البعثة الي الاعلان بالدعوة

الفصل الثاني: روايات بدء الوحي

روايات بدء الوحي

ما روي في بدء الوحي:

روى البخاري و مسلم و غيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة في بدء الوحي ما ملخصه: أن الملك جاء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في غار حراء، فقال: إقرأ.

قال: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فغطني (1)حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.

فقال: إقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.

فقال: إقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ اَلْإِنْسٰانَ مِنْ عَلَقٍ، اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ (2).

فرجع بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يرجف فؤاده؛ فدخل على


1) غط الشيء: كبسه و عصره عصرا شديدا.

2) الآيات من 1 إلى 3 من سورة العلق.

خديجة بنت خويلد، فقال زمّلوني (1)، زمّلوني، حتى ذهب عنه الروع؛ فقال لخديجة-و قد أخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي.

فقالت خديجة: كلا و اللّه، ما يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل، بن أسد، بن عبد العزى، ابن عم خديجة، و كان امرءا قد تنصر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب، و كان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم إسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: ماذا ترى؟

فأخبره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل اللّه على موسى، يا ليتني فيها جذعا (2)، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أو مخرجيّ هم؟

قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.

ثم لم ينشب (3)ورقة أن توفي، و فتر الوحي (4).


1) زمّل فلانا بثوبه: لفه به.

2) الجذع: الب الحدث.

3) لم ينشب: لم يلبث.

4) صحيح البخاري ط مشكول ج 1 ص 5-6 و ج 9 ص 38، و صحيح مسلم ج 1-

و ثمة روايات كثيرة أخرى متناقضة و متعارضة، و نذكر منها على سبيل المثال: 1-هناك رواية تقول: إن خديجة أرسلته مع أبي بكر إلى ورقة بن نوفل فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» أنه يسمع نداء خلفه: يا محمد، يا محمد، فينطلق هاربا في الأرض، فأمره ورقة أن يثبت؛ ليسمع ما يقول ثم يخبره، ففعل فناداه: يا محمد، قل: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ حتى بلغ، وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ قل لا إله إلا اللّه، فأخبر ورقة؛ فبشره بأنه هو الذي بشر به ابن مريم؛ فلما توفي ورقة قال «صلى اللّه عليه و آله» : لقد رأيت القس في الجنة، عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي و صدقني (1).

2-و رواية أخرى تقول: بعد أن ذكرت: أن خديجة أخبرت ورقة بالأمر، فأخبرها أنه نبي هذه الأمة-إنه بعد مدة التقى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و هما يطوفان، فسأله ورقة عما رأى و سمع؛ فأخبره، فأخبره ورقة أنه نبي هذه الأمة (2).

3-إنه لما أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» خديجة بما رأى، بشرته بأنه نبي هذه الأمة، و أن الذي أخبرها بذلك هو غلامها ناصح، و بحيرا

(4) -ص 97، و ليراجع تاريخ الطبري ج 2 ص 47، و المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 322 -323، و تاريخ الخميس ج 1 ص 282، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 82 و السيرة الحلبية ج 1 ص 242-243 و راجع: الأوائل ج 1 ص 145-146.


1) البداية و النهاية ج 3 ص 9-10 و الروض الأنف ج 1 ص 274-275 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83-84 و السيرة الحلبية ج 1 ص 250، و سيرة مغلطاي ص 15.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 12-13 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 254، و السيرة الحلبية ج 1 ص 239-240، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 81-82.

الراهب، و أمرها أن تتزوجه منذ أكثر من عشرين سنة، و لم تزل برسول اللّه حتى طعم، و شرب، و ضحك، ثم خرجت إلى الراهب، و كان قريبا من مكة فأخبرته، فأخبرها: أن جبرئيل هو أمين اللّه، و رسوله إلى الأنبياء «عليهم السلام» ثم أتت عداسا، فسألته، فأخبرها بمثل ذلك.

ثم أتت ورقة، فأخبرها بمثل ذلك، و لكنها حلفته أن يكتم الأمر، فطلب منها أن ترسل ابن عبد اللّه إليه؛ ليسأله، و يسمع منه؛ مخافة أن يكون الذي جاءه هو غير جبرئيل، فإن بعض الشياطين يتشبه ليضل و يفسد، حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلّها مجنونا، فرجعت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبرته بمقالة ورقة، فنزل قوله تعالى: ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ، مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (1).

و لكنها أصرت عليه أن يذهب إلى ورقة، ففعل، و صدقه ورقة، فذاع قول ورقة و تصديقه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فشق ذلك على الملأ من قومه (2).

4-إن خديجة طلبت منه أن يخبرها حين يأتيه الملك ففعل، فأمرته أن يجلس إلى شقها الأيمن؛ ففعل، فلم يذهب الملك، فأجلسته في حجرها، فلم يذهب، فتحسرت فشالت خمارها، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجرها، فذهب الملك، فقالت: ما هذا بشيطان، إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت و ابشر.


1) الآيتان 1 و 2 من سورة القلم.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 14-15 و راجع: الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 146.

و في رواية: أنها أدخلت رسول اللّه بين جلدها و درعها، و أخرجت رأسه من جيبها؛ فذهب جبرئيل «عليه السلام» عند ذلك (1).

و في رواية: أن ذلك كان بإشارة ورقة (2).

5-في رواية: إن ورقة قال لخديجة: إسأليه من هذا الذي يأتيه، فإن كان ميكائيل، فقد أتاه بالخفض و الدعة و اللين و إن كان جبرئيل، فقد أتاه بالقتل و السبي؛ فسألته، فقال: جبرئيل، فضربت خديجة جبهتها (3).

6-و في رواية: أنه لما أتاه الوحي قال:

«. . إن الأبعد-يعني نفسه-لشاعر أو مجنون، لا تحدّث بها قريش عني أبدا، لأعمدن إلى حالق من الجبل؛ فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها، و لأستريحن» .

قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كان في وسط جبل سمع صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول اللّه.

ثم تستمر الرواية حتى تذكر: أنه ذكر لخديجة: أن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك باللّه من ذلك، ثم التقت بورقة؛ فأرسل إليه بالثبات،


1) البداية و النهاية ج 3 ص 15-16، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 255، و الطبري ج 2 ص 50 و تاريخ الخميس ج 1 ص 283، و السيرة الحلبية ج 1 ص 251، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 252.

3) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 23.

ثم التقى به في الطواف، فجرى له معه ما جرى (1).

و عند السهيلي و غيره: أن خديجة سألت ورقة، و عداسا، و نسطورا، عن أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

7-و في رواية: أن عداسا أعطاها كتابا لتضعه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن كان مجنونا شفي، و إلا لم يضره شيئا، فلما عادت إليه بالكتاب وجدت معه جبرئيل يقرئه الآيات من سورة القلم، ففرحت، و أخذته إلى عداس، فكشف عداس عن ظهره؛ فوجد خاتم النبوة بين كتفيه إلخ. . (3).

و يروي البعض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما أخبرها بجبرئيل كتبت إلى بحيرا الراهب، و قيل: سافرت بنفسها إليه لتسأله عن الأمر (4).

8-في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين ذهب ليتردّى من شواهق الجبال، كان إذا ارتقى بذروة جبل، تبدّى له جبرئيل، و يخاطبه بالرسالة، فيسكن جأشه، و تطمئن نفسه (5).

9-و يروون أيضا: أنه كان «صلى اللّه عليه و آله» قبل النبوة يتعرض للرعدة، و تغميض العينين، و تربّد الوجه، و لما يشبه الإغماء، و يغط كغطيط البكر (6).


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 49-50.

2) الروض الأنف ج 1 ص 273، و الأوائل لأبي هلال العسكري ج 1 ص 146.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 284، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83، و السيرة الحلبية ج 1 ص 243-244.

4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83 و السيرة الحلبية ج 1 ص 244.

5) المصنف ج 5 ص 323.

6) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84، و السيرة الحلبية ج 1 ص 252.

10-و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» عاد إلى أهله مسرورا موقنا: أنه قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة قال: أريتك الذي كنت حدثتك: أني رأيته في المنام؛ فإن جبرئيل استعلن إلي، أرسله إلي ربي عز و جل، و أخبرها بالذي جاءه من اللّه، و ما يسمع منه، فقالت له: أبشر، فو اللّه لا يفعل اللّه بك إلا خيرا، و اقبل الذي جاءك من أمر اللّه، فإنه حق، و أبشر؛ فإنك رسول اللّه حقا.

ثم انطلقت إلى عداس النصراني، غلام عتبة بن ربيعة من أهل نينوى، فسألته عن جبرئيل؛ فتعجب من ذكر جبرئيل بتلك الأرض، ثم أخبرها بأنه أمين اللّه بينه و بين الأنبياء «عليهم السلام» ، ثم جاءت إلى ورقة إلخ. . (1).

هذا غيض من فيض، مما قيل و يقال حول ما جرى حين بدء الوحي، و كيفيته و ملابساته، من روايات، و أقاويل متضاربة و متناقضة.

و لننتقل الآن إلى الإشارة إلى بعض ما لنا من مناقشات في تلك الأراجيف المتقدمة، متوخين الإيجاز و الاختصار مهما أمكن فنقول:

مناقشة روايات بدء الوحي:

إننا في مجال بيان ما في تلك الروايات من خلل و خطل، لا نستطيع أن نستوعب كل ما فيها من نقاط ضعف؛ لأن استيعاب ذلك-كما يبدو- يحتاج إلى وقت طويل، بل إلى مؤلف مستقل. . و لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، لأننا نريد أن نسهم بدورنا في الذب عن مقام النبوة الأقدس،


1) البداية و النهاية ج 3 ص 13.

و لو بشكل محدود و مقتضب، و ما نريد أن نشير إليه هنا هو:

أولا: من حيث السند، و حيث إن العمدة في ذلك هو ما ورد في الصحيحين و غيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فنحن نكتفي بالإشارة الإجمالية إلى حال هؤلاء، فنقول:

ألف-الزهري: كان من أعوان الظالمين، و من الذين يركنون لهم (1)، و كان عاملا لبني أمية (2)و يقول المحقق التستري: إنه كان كاتبا لهشام بن عبد الملك، و معلما لأولاده (3).

و عده الثقفي من فقهاء الكوفة الذين خرجوا عن طاعة علي «عليه السلام» ، و كانوا أهل عداوة له و بغض، و خذلوا عنه (4).

و جلس هو و عروة في مسجد المدينة فنالا من علي «عليه السلام» ، فبلغ ذلك السجاد «عليه السلام» ، فجاء حتى وقف عليهما.

فقال: أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك، فحكم لأبي على أبيك و أما أنت يا زهري؛ فلو كنت أنا و أنت بمكة لأريتك كنّ (5)أبيك (6).


1) راجع: سفينة البحار ج 1 ص 572 و 573 و معجم رجال الحديث ج 16 ص 182 عن ابن شهر آشوب.

2) كشف الغمة ج 2 ص 317.

3) راجع ترجمة الزهري في قاموس الرجال ج 6.

4) الغارات للثقفي ج 2 ص 558-560 و راجع: سفينة البحار ج 1 ص 572.

5) الكن: البيت.

6) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 102، و الغارات للثقفي ج 2 ص 578، و البحار ج 46 ص 143 و راجع: سفينة البحار ج 1 ص 572.

و نحن لا نستطيع أن نثق بأعوان الظلمة، و بمبغضي علي «عليه السلام» ، كيف و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» : «من سب عليا فقد سبني» ؟ (1).

ب-عروة بن الزبير، عن عروة قال: أتيت عبد اللّه بن عمر بن الخطاب {رض} ؛ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء، فيتكلمون بالكلام، نعلم أن الحق غيره؛ فنصدقهم، و يقضون بالجور، فنقويهم، و نحسنه لهم؛ فكيف ترى في ذلك؟

فقال: يا بن أخي، كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نعد هذا النفاق؛ فلا أدري كيف هو عندكم (2).

فعروة يعتبر أئمة الجور أئمته، و ابن عمر يحكم عليه بالنفاق، وعده الإسكافي من التابعين، الذين كانوا يضعون أخبارا قبيحة في علي «عليه السلام» (3)، و كان يتألف الناس على روايته (4).

و روى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في علي «عليه السلام» ، فسألته عنهما يوما.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 121 و صححه الذهبي في تلخيص المستدرك هامش نفس الصفحة.

2) سنن البيهقي ج 8 ص 165، و قريب منه ما في ص 164 من دون ذكر اسم {عروة} و مثله الترغيب و الترهيب ج 4 ص 382 عن البخاري و إحياء علوم الدين ج 3 ص 159 و في هامشه عن الطبراني و حياة الصحابة ج 2 ص 76.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 63.

4) صفة الصفوة ج 2 ص 85، و تهذيب التهذيب ج 7 ص 182.

فقال: ما تصنع بهما و بحديثهما؟ إني لأتهمهما في بني هاشم (1).

و كان عروة إذا ذكر عليا نال منه (2)، و يصيبه الزمع؛ فيسبه، و يضرب إحدى يديه على الأخرى إلخ (3).

و بعد ذلك كله؛ فإنه لم يثبت سماع الزهري عنه، و لكن أهل الحديث اتفقوا على ذلك (4).

ج-أما عائشة: التي حاربت عليا و عادته، و التي يتهمها الزهري بأنها لا تؤمن في بني هاشم؛ فقد أرسلت هذه الرواية، و لم تبين لنا عمن روتها، فإنهم يقولون: إنها قد ولدت بعد البعثة، و إن كنا نحن نناقش في ذلك (5).

و أخيرا، فإن لنا كلاما طويلا في بقية الأسانيد في الصحاح و غيرها لا مجال له هنا، و نكتفي بهذا القدر، لنشير إلى بقية ما في الرواية من هنات.

ثانيا: تناقض الروايات الظاهر لدى كل أحد، و يظهر ذلك بالملاحظة و المقارنة، و نكل ذلك إلى القارئ نفسه، و هذا يعطي أن هناك طائفة من الروايات مكذوبة لأن هذا الاختلاف لم يكن بالزيادة و النقيصة ليمكن قبوله؛ على اعتبار أن أحد الرواة قد حفظ و لم يحفظ الراوي الآخر. . أو تعلق غرضه بهذا النحو من النقل، و ذاك بنحو آخر، و كذا لو كان التناقض


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64، و قاموس الرجال ج 6 ص 299.

2) الغارات ج 2 ص 576، و شرح النهج ج 4 ص 102.

3) قاموس الرجال ج 6 ص 300.

4) تهذيب التهذيب ج 9 ص 450.

5) سيأتي ذلك إن شاء اللّه في فصل: حتى بيعة العقبة.

في مورد واحد مثلا، فلربما يمكن الاعتذار عن ذلك بأن من الممكن وقوع الاشتباه غير العمدي من أحد النقلة.

و لكن الأمر هنا أبعد من ذلك، فإن التناقض و الاختلاف إن لم يكن في كل ما تضمنته تلك الروايات من نقاط، ففي جلها مما يعني أن ثمة تعمدا للوضع و الجعل، و قديما قيل: «لا حافظة لكذوب» .

هذا كله، مع غض النظر عن المناقضة بين هذه الروايات و بين الرواية التي يذكرها البخاري نفسه في أول كتابه بعد هذه الرواية مباشرة من أن أول ما نزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» هو سورة المدثر، و يلاحظ أنه ليس في تلك الرواية ذكر لأي شيء من تلك الأمور الغريبة و العجيبة التي تضمنتها رواية عائشة السابقة عليها؛ فإن عدم ذكرها لشيء من ذلك يورث الشك و الريب، و يثير أكثر من سؤال عن السبب في إهمال التعرض لذلك.

ثالثا: إن رواية الصحاح، بل و سائر الروايات تذكر:

أن جبرئيل قد أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» فغطه، أي عصره و حبس نفسه أو خنقه حتى بلغ منه الجهد، أو حتى ظن أنه الموت، ثم أرسله، و أمره بالقراءة؛ فأخبره النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لا يعرفها، فلم يقنع منه، بل عاد فغطه، ثم أرسله، و هكذا ثلاث مرات.

و لنا على هذا الكلام العديد من الأسئلة.

فإننا لا نعرف ما هو المبرر لذلك كله؟

و كيف جاز لجبرئيل أن يروع النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يؤذيه بالعصر و الخنق، إلى حد أنه «صلى اللّه عليه و آله» يظن أنه الموت، يفعل به ذلك، و هو يراه عاجزا عن القيام بما يأمره به و لا يرحمه، و لا يلين له! !

و لماذا يفعل به ذلك ثلاث مرات، لا أكثر و لا أقل؟ ! .

و لماذا صدقه في الثالثة، و لا يصدقه في المرة الأولى؟ أو الثانية؟ !

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كذب عليه أولا، فكيف بقي أهلا للنبوة؟ ! و إذا كان قد صدقه فلماذا لم يقتنع جبرئيل بكلامه، و عاد فخنقه حتى ليظن أنه الموت؟ ! .

و أيضا، هل جاء جبرئيل إليه بكتاب ليقرأه؛ إذ إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «ما أنا بقارئ» إنما يصح لو كان «صلى اللّه عليه و آله» قد فهم أن جبرئيل يأمره بالقراءة نفسها-لا بتعلم القراءة-كما ذكره السندي (1).

و إذا كان المراد: القراءة بمعنى التلاوة؛ فلماذا يطلب منه جبرئيل ذلك، قبل أن يتلو عليه شيئا؟ . ثم لماذا يعاند هو و يرفض ذلك؟ !

و بعد هذا كله، لماذا يستسلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبرائيل ليعذبه على هذا النحو الذي لا مبرر له؟

ثم لماذا يرجع مرعوبا خائفا؟ ! ألم يكن باستطاعته أن يلطمه لطمة يقلع بها عينه؟ كما فعل موسى بملك الموت من قبل؟ ! حيث إنه لما جاء ليقبض روحه، لطمه على عينه فقلعها، كما نص عليه البخاري، و كثير من المصادر الأخرى! ! (2).


1) حاشية السندي على البخاري بهامشه ج 1 ص 3 ط سنة 1309 ه.

2) البخاري ط سنة 1309 ه ج 1 ص 152، أبواب الجنائز، و ج 2 ص 159 باب وفاة موسى عليه السلام، و صحيح مسلم ج 7 ص 100 باب فضائل موسى، و مسند أحمد ج 2 ص 315، و مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 11 ص 274، و سنن-

أم يعقل: أنه كان-و العياذ باللّه-جبانا إلى هذا الحد؟ ! و كانت الشجاعة من مختصات نبي اللّه موسى وحده؟ !

و أخيرا، كيف يخاف نبينا هنا، و اللّه تعالى يقول: يٰا مُوسىٰ لاٰ تَخَفْ إِنِّي لاٰ يَخٰافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ (1).

قد ورد أن زرارة بن أعين سأل الإمام الصادق «عليه السلام» : كيف لم يخف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يأتيه من قبل اللّه أن يكون مما ينزع به الشيطان؟

فقال: إن اللّه إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة و الوقار، فكان الذي يأتيه من قبل اللّه مثل الذي يراه بعينه (2).

إشارة:

هذا، و من المضحك المبكي هنا: أن نجد البعض يحاول أن يستدل بهذه الرواية على رأي يكذبه العقل و النقل، و بالذات يكذبه نص القرآن الكريم؛ فنراه يجعل ذلك دليلا على جواز التكليف بما لا يطاق (2)-كما هو مذهبهم-(3)-النسائي ج 4 ص 118، و تاريخ الطبري ج 1 ص 305، و البداية و النهاية ج 1 ص 317، و الغدير ج 11 ص 140 و 141 عن بعض من تقدم، و عن: مختصر تذكرة القرطبي للشعراني ص 29، و العرائس للثعلبي ص 139 و كشف الأستار عن مسند البزار، ج 1 ص 404 و مجمع الزوائد ج 8 ص 204.


1) الآية 10 من سورة النمل.

2) فتح الباري ج 8 ص 551، و إرشاد الساري ج 1 ص 63.

3) تفسير العياشي ج 2 ص 201 و البحار ج 18 ص 262.

الأمر الذي يصادم العقل و الفطرة، و يخالف القرآن، كما في قوله تعالى:

لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا (1)، و قوله: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2)، و قوله: يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ، وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ (3)و غير ذلك كثير.

رابعا: حول ما يذكر من خوفه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دور زوجته و ورقة و غيرهما في بعث الطمأنينة في نفسه نذكر:

ألف: كيف يجوز إرسال نبي يجهل نبوة نفسه، و يحتاج في تحقيقها إلى الاستعانة بامرأة، أو نصراني؟ ألم تكن هي فضلا عن ذلك النصراني أجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك؟

و حتى لو قبلنا ذلك، فمن أين علم: أن تلك المرأة و ذلك الرجل قد صدقاه، و قالا الحقيقة؟

و لماذا لم يستطع هو أن يدرك ما أدركته تلك المرأة، و ذلك النصراني؟ !

أم يعقل أن يكون كلاهما أكبر عقلا و أكثر معرفة باللّه و تفضلاته منه؟ ! نعوذ باللّه من الزلل في القول و العمل.

و إذا جاز أن يرتاب هو مع معاينته لما يأتيه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب من سائر الناس، مع عدم معاينتهم لشيء من ذلك؟ ! .

قال السندي: «مقتضى جواب خديجة، و الذهاب إلى ورقة: أن هذا كان


1) الآية 286 من سورة البقرة.

2) الآية 78 من سورة الحج.

3) الآية 185 من سورة البقرة.

منه على وجه الشك، و هو مشكل بأنه لما تم الوحي صار نبيا، فلا يمكن أن يكون شاكا بعد في نبوته، و في كون الجائي عنده ملكا من اللّه، و كون المنزل عليه كلام رب العالمين» ! ! ثم حاول السندي توجيه ذلك بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد اختبار خديجة، و أن يمهد لإعلامها بالأمر (1).

و هو توجيه عجيب، فإننا لم نعهد منه «صلى اللّه عليه و آله» اتباع مثل هذه الأساليب الملتوية في الوصول إلى مقاصده و نحن نجله «صلى اللّه عليه و آله» عن نسبة الكذب إليه على خديجة، معاذ اللّه، ثم معاذ اللّه! ! .

ثم. . كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقي نفسه من شواهق الجبال، و غير ذلك مما تقدم مما ذكرته روايات الوحي؟ !

و أيضا، كيف يبعث اللّه رجلا، لم يتعهده بالتربية و الإعداد، بحيث يستطيع أن يكون في مستوى الحدث العظيم الذي ينتظره؟ !

نعم، كيف أهمله هكذا، حتى إنه حين بعثته ليبدو مذعورا خائفا، ظانا بنفسه الجنون، يريد أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال، حتى كأنه طفل تائه، يملأ قلبه الهم، يحتاج إلى من يطمئنه، و يهديه، و يأخذ بيده، و لو امرأة أو أي إنسان عادي آخر؟ !

هذا كله عدا عن أن ذلك يدل و العياذ باللّه على ضعف إرادته، و ضالة شخصيته.

و أين ذهبت عن ذاكرته تلك الكرامات التي كان يواجهها، دون كل


1) حاشية السندي بهامش البخاري ط سنة 1309 ه ج 1 ص 3.

أحد، كتسليم الشجر و الحجارة عليه (1)، و الرؤيا الصادقة، و غير ذلك مما ذكره المؤلفون و المؤرخون؟ ! .

ب: قال تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وٰاحِدَةً كَذٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤٰادَكَ (2).

و قال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (3).

و قال: قُلْ إِنِّي عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي (4)و قال تعالى: قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي (5).

إذن، فالنبوة، و تنزيل القرآن، ليسا إلا لتثبيت المؤمنين، و لتثبيت فؤاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هذا يتنافى مع قولهم: إن نفسه الشريفة قد سكنت اعتمادا على قول نصراني، أو امرأة.

كما أن من الواضح: أنه لا حجة بينة في قول ورقة، أو خديجة، فكيف صح أن يقول: قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرة أنا و من اتبعني؟

خامسا: لا بد من الإشارة إلى بعض الكلام حول ورقة، و نسطور، و عداس، و بحيرا و غيرهم، ممن ذكرت أسماؤهم فيما تقدم، و عمدة الروايات


1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 234-235.

2) الآية 32 من سورة الفرقان.

3) الآية 102 من سورة النحل.

4) الآية 57 من سورة الأنعام.

5) الآية 108 من سورة يوسف.

تتجه نحو ورقة، و تركز عليه، لا سيما و أنه هو الذي نص عليه البخاري، و غيره من المصادر الموثوقة لدى غير الشيعة.

ألف-أما نسطور، و بحيرا، فهما الراهبان اللذان تنسب إليهما القضية التي جرت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في صغره، حينما سافر مع أبي طالب إلى الشام، و بصرى حيث بشر نسطور أو بحيرا بنبوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمر بإعادته «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة كما تقدم.

و إذا كان بحيرا أو نسطور في بصرى-و هي قصبة كورة حوران في الشام من أعمال دمشق-فيرد السؤال: كيف سافرت خديجة من مكة إلى الشام هذه السفرة الطويلة؟ أو متى كتبت إليه فأجابها؟

مع أنهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث في أول يوم، فأسلم علي و خديجة «عليهما السلام» في اليوم الثاني، و صليا معه مسلمين مؤمنين بنبوته (1).

و هل كان في ذلك الزمان طائرات؟ أو أنها سافرت على بساط الريح، أو طويت لها الأرض؟ ! و لا ندري، فلعلهما قد انتقلا ليسكنا قرب مكة، لتتمكن خديجة من استشارتهما في الوقت المناسب، ثم لا يعود يسمع لهما ذكر أصلا، لأن مهمتهما قد انتهت {! ! !} .


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 112 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة و فرائد السمطين ج 1 ص 243، و الاستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 3 ص 32 و المناقب للخوارزمي ص 21 و الجامع الصحيح ج 5 ص 640 و تيسير الوصول ج 2 ص 147.

ب-و عداس، أ ليس هو الذي أسلم على يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الطائف بعد عشر سنين من البعثة أي بعد وفاة أبي طالب «عليه السلام» ؟ و تروى القصة بنحو يدل أن عداسا لم يكن يعرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك (1)و لا سمع به.

كما أن الروايات تنص على أن جوابه هو نفس جواب ورقة، و على أنه كان-كورقة-راهبا، كبير السن، قد وقع حاجباه على عينيه، و قد ثقل سمعه إلخ. و هذه الأوصاف يشاركه فيها غيره ممن سألتهم خديجة ما عدا ثقل السمع، الذي عوض عنه ورقة المسكين بالعمى. .

و احتمال أن يكون عداس هذا غير ذاك، ليس له ما يؤيده، أو يشير إليه.

و يبقى هنا سؤال أخير، و هو: أنه كيف لم يسمع بإسلام هؤلاء: بحيرا، و عداس، و نسطور، من حين بعثته «صلى اللّه عليه و آله» ، مع معرفتهم بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث، و مع أن سند نبوته قد تلقاه «صلى اللّه عليه و آله» منهم، حسب نص الروايات المتقدمة؟ .

كما أن رواية عداس تقول: إنه لما عادت خديجة من عند عداس، إذا بجبرئيل يقرئ النبي «صلى اللّه عليه و آله» سورة القلم، و هذا مخالف لما يذكره المفسرون:

من أن هذه السورة إنما نزلت حينما وصف المشركون النبي «صلى اللّه


1) سيأتي ذلك في هذا الكتاب في فصل: الهجرة إلى الطائف.

عليه و آله» بأنه مجنون (1)، و واضح: أن هذا لم يحصل إلا بعد انتهاء فترة الدعوة السرية، و حينما صدع بما يؤمر به، كما هو معلوم.

ج-أما ورقة: فإنهم بالإضافة إلى ما ينسبونه إليه من دور هام في تثبيت نبوة نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، نجدهم يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال عن ورقة كلاما يدل على أنه في الجنة، و لكنهم اختلفوا في نص ذلك الكلام.

ففي رواية أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة، أو جنتين. .» أو «رأيته في ثياب بيض» .

و في أخرى: «لقد رأيت القس-يعني ورقة-في الجنة عليه ثياب الحرير» .

و في ثالثة: «أبصرته في بطنان الجنة و عليه ثياب السندس» .

و في رابعة: «قد رأيته فرأيت عليه ثيابا بيضا، و أحسبه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض» (2).

وعده ابن مندة في الصحابة، وعده الزين العراقي على: أنه أول من


1) الدر المنثور ج 6 ص 250، و السيرة الحلبية ج 1 ص 244.

2) راجع تلكم النصوص في مستدرك الحاكم ج 2 ص 609 و تلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، و صححاه على شرط الشيخين، و سيرة مغلطاي ص 15 عن الحاكم، و المصنف ج 5 ص 324، و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 207، و البداية و النهاية ج 3 ص 9، و الروض الأنف ج 1 ص 275، و السيرة الحلبية ج 1 ص 250، و أسد الغابة ج 5 ص 89، و الإصابة ج 3 ص 635، و غير ذلك.

أسلم، و مال إليه البلقيني (1).

و تقدم في الروايات حول بدء الوحي، التي هي موضع المناقشة: أنه صدق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرفه أنه نبي، و وعده النصر، ثم لم ينشب أن توفي.

هذا ما قيل عنه، و لكننا نجد في مقابل ذلك: 1-إن ابن عساكر يقول: «لا أعرف أحدا قال: إنه أسلم» (2).

2-و ابن الجوزي يقول إنه: «آخر من مات في الفترة، و دفن في الحجون، فلم يكن مسلما» . و كذا قال غيره (3).

3-و ابن عباس يقول: «مات على نصرانيته» (4).

4-لقد مات على نصرانيته، مع أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، فكيف يدخل الجنة إذا؟ و يدل على أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، ما رواه غير واحد، من أنه كان يمر ببلال و هو يعذب، و نهاهم عنه فلم ينتهوا؛ فقال: و اللّه، لئن قتلتموه لأتخذن قبره حنانا (5)و تعذيب بلال إنما كان بعد


1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 74، و إرشاد الساري ج 1 ص 67.

2) الإصابة ج 3 ص 633.

3) الإصابة ج 3 ص 634، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83-84 و السيرة الحلبية ج 1 ص 250.

4) السيرة الحلبية ج 1 ص 250، و الإصابة ج 3 ص 634.

5) حلية الأولياء ج 1 ص 148، و نسب قريش لمصعب ص 208، و إرشاد الساري ج 1 ص 67، و فتح الباري ج 1 ص 26، عن ابن إسحاق، و ج 8 ص 554، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84 و 125، و السيرة الحلبية ج 1 ص 252، و الإصابة ج 3-

الإعلان بالدعوة كما هو معروف.

و كيف يصح قول البعض: إنه مات بعد النبوة و قبل الرسالة؟ ! (1).

و قد أسلم علي و خديجة، و صلّيا ثاني يوم البعثة، بدعوة منه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلماذا بقي ورقة على نصرانيته هذه السنين المتعددة؟ .

هذا، عدا عن أن البعض قد استنتج مما رواه البخاري و غيره، من أن سورة المدثر كانت أول ما نزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالذات من قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ -استنتج-: أن البعثة كانت مقترنة بالنبوة (2).

5-قال في الإمتاع و غيره: إن ورقة قد توفي في السنة الرابعة للمبعث أو بعد تتابع الوحي (3).

6-نقل عن الواقدي: أنه توفي بعد الأمر بالقتال (4)-و كان ذلك بعد الهجرة، و عليه فكيف يكون ورقة في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير؟ ! -و كيف يكون هو في الجنة، و أبو طالب حامي الإسلام و الدين في ضحضاح من نار؟ ! .

و بعد ذلك كله، فإننا لم نفهم سبب تردد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في

(5) -ص 634، و نهاية ابن الأثير ج 1 ص 266، و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 492.


1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84 و غيره.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 251.

3) السيرة الحلبية ج 1 ص 250 و 252 عن كتاب الخميس عن الصحيحين، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84.

4) إرشاد الساري ج 1 ص 67.

أن يكون له جنة أو جنتان، و لا نفهم أيضا، لماذا قال:

و أحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض، أم لعله نسي أنه قد قال: إنه رآه في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير؟ ! أو أن النبي نفسه «صلى اللّه عليه و آله» قد ترقى و تدرج في التعرف على ما لورقة من مقام؟ ! أم أن ورقة نفسه قد ترقى في مدارج القرب و الزلفى؟ ! .

و أخيرا، فإننا لا ندري بعد ورود تلك الأقوال فيه لماذا لم يحكم المسلمون جميعا بأنه أول من أسلم، لا علي و لا خديجة، و لا غيرهما؟ ! و لماذا لا يعدونه من جملة الصحابة؟ ! .

و كيف يقولون: إنه توفي و هو على نصرانيته، ثم كيف يدخل هذا النصراني الجنة؟ ! .

كانت تلك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى جواب. و أنى؟ ! .

و ثمة أسئلة أخرى:

هذا غيض من فيض مما يرد على تلك الروايات، و بقي فيها الكثير من الأسئلة، التي تحتاج إلى جواب:

فمثلا: حول ذهاب الملك حينما كشفت خديجة قناعها، و أدخلته «صلى اللّه عليه و آله» بين درعها و جلدها.

يرد سؤال: هل كان الحجاب في ذلك الوقت مفروضا تلتزم به النساء؟ ، و كيف ذلك؟ و هم يقولون: إن الحجاب قد فرض في المدينة بعد الهجرة؟ و بعد وفاة خديجة «عليها السلام» بسنوات؟ ! فكيف إذن أدركت خديجة أن الملك يذهب إذا كانت بلا قناع؟ ! .

و أيضا هل الملك مكلف بعدم النظر إلى نساء البشر؟ ! و هل للملك شهوة كشهوة الإنسان لا بد من الاحتراس منه لأجلها؟ و من أين عرفت خديجة كل ذلك؟ ! .

إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لن تجد لها عند هؤلاء الجواب المقنع و المفيد.

و من الطعن في النبوة أيضا:

و بالمناسبة، فإن كل ما تقدم لم يكفهم، بل زادوا عليه قولهم: إنه قد كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عدو من شياطين الجن يسمى الأبيض، كان يأتيه في صورة جبرئيل، و لعله هو الشيطان الذي أعانه اللّه عليه فأسلم-كما يقولون (1).

و شيطانه هذا الذي أسلم كان يجري منه مجرى الدم (2).

و كان يدعو اللّه بأن يخسأ شيطانه؛ فلما أسلم ذلك الشيطان ترك ذلك (3).

و رووا أنه عرض للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في صلاته قال: فأخذت


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 253، و راجع: إحياء علوم الدين ج 3 ص 171 و في هامشه عن مسلم، و الغدير ج 11 ص 91 عنه، و المواهب اللدنية ج 1 ص 202، و مشكل الآثار ج 1 ص 30، و راجع حياة الصحابة ج 2 ص 712 عن مسلم و عن المشكاة ص 280 و راجع: المحجة البيضاء ج 5 ص 302-303.

2) مشكل الآثار ج 1 ص 30.

3) المصدر السابق.

بحلقه فخنقته فإني لأجد برد لسانه على ظهر كفي (1).

و يروون أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى بهم الفجر، فجعل يهوي بيديه قدامه، و هو في الصلاة؛ و ذلك لأن الشيطان كان يلقي عليه النار؛ ليفتنه عن الصلاة (2).

و نقول:

و نحن لا نشك في أن هذا كله من وضع أعداء الدين؛ بهدف فسح المجال أمام التشكيك في النبوة، و في الدين الحق، و قد أخذه بعض المسلمين -لربما-بسلامة نية، و حسن طوية، و بلا تدبر أو تأمل، سامحهم اللّه، و عفا عنهم.

و الغريب في الأمر: أننا نجدهم في مقابل ذلك يروون عنه «صلى اللّه عليه و آله» قوله لعمر:

«و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا، إلا سلك فجا غير فجك» (3)، و قوله له: «إن الشيطان ليخاف أو ليفرق منك يا


1) مسند أبي يعلى، ج 1 ص 506 و 360 و مسند أبي عوانة ج 2 ص 143 و السنن الكبرى ج 2 ص 264 و مسند أحمد ج 2 ص 298 و أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، و ثمة مصادر كثيرة أخرى و راجع الغدير ج 8 ص 95.

2) المصنف ج 2 ص 24، و راجع: البخاري ط سنة 1309 ه ج 1 ص 137، و ج 2 ص 143.

3) صحيح مسلم ج 7 ص 115، و البخاري ط سنة 1309 ه ج 2 ص 144 و 188، و مسند أحمد ج 1 ص 171 و 182 و 187. و الرياض النضرة ج 2 ص 299 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 178 و الغدير ج 8 ص 94.

عمر» (1)و قوله: «إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه» (2).

و عن مجاهد: كنا نتحدث، أو نحدث: أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر، فلما أصيب بثّت (3).

و صارع عمر الشيطان مرات، و في كل مرة يصرعه عمر (4).

هذا عمر! و هذه حالة الشيطان معه! و ذلك هو نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تلك هي حالته مع الشيطان عند هؤلاء الذين تروق لهم مثل هذه الترهات، و يتقبلونها من أعداء الإسلام، و المتاجرين به بسذاجة هي إلى الغباء أقرب.

فهم يقولون هذا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهم يدعون: أن الملائكة قد أجرت له «صلى اللّه عليه و آله» ، خمس عمليات جراحية في صدره، لكي تخلصه من حظ الشيطان، كما في الحديث المزعوم عن شق صدره الشريف.

و لربما يكون الدافع لدى بعضهم أن يجد لأبي بكر الذي قال حين


1) صحيح الترمذي كتاب 46 باب 17 و فيض القدير عنه و عن أحمد و ابن حبان و راجع تاريخ عمر ص 35 و الغدير ج 8 ص 96.

2) عن فيض القدير ج 2 ص 352 عن الطبراني و ابن مندة، و أبي نعيم، و الإصابة ج 4 ص 326 عنهم.

3) منتخب كنز العمال، هامش مسند أحمد ج 4 ص 385-386، عن ابن عساكر و حياة الصحابة ج 3 ص 647 عن المنتخب.

4) حياة الصحابة ج 3 ص 646 عن مجمع الزوائد ج 7 ص 71 عن الطبراني و صحح بعض طرقه، و عن أبي نعيم في الدلائل ص 131.

أصبح خليفة:

إن له شيطانا يعتريه أن يجد له نظيرا، و لكن من مستوى لا يدانى و لا يجارى؛ فوقع اختياره على النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، ليكون هو ذلك النظير؛ فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

ما هو الصحيح في قضية بدء الوحي؟ !

و الذي نطمئن إليه هو أنه قد أوحي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو في غار حراء فرجع إلى أهله مستبشرا مسرورا بما أكرمه اللّه به، مطمئنا إلى المهمة التي أوكلت إليه-كما يرويه ابن إسحاق، و أشارت إليه الرواية الأخيرة التي تقدمت عند ذكر نصوص الروايات-و إن كان قد زيد فيها ما لا يصح-فشاركه أهله في السرور، و أسلموا، و قد روي هذا المعنى عن أهل البيت «عليهم السلام» .

فعن زرارة أنه سأل الإمام الصادق «عليه السلام» : كيف لم يخف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يأتيه من قبل اللّه: أن يكون مما ينزع به الشيطان؟ .

فقال: إن اللّه إذا اتخذ عبدا رسولا، أنزل عليه السكينة و الوقار، فكان الذي يأتيه من قبل اللّه، مثل الذي يراه بعينه (1).

و سئل «عليه السلام» : كيف علمت الرسل أنها رسل؟

قال: كشف عنهم الغطاء (2).


1) التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 49 عن العياشي ج 2 ص 201، و البحار ج 18 ص 262.

2) التمهيد ج 1 ص 50، و البحار ج 11 ص 56.

و قال الطبرسي: «إن اللّه لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة، و الآيات البينة، الدالة على أن ما يوحى إليه إنما هو من اللّه تعالى؛ فلا يحتاج إلى شيء سواها، و لا يفزع، و لا يفرق» (1).

و قال عياض: «لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك، و يلبّس عليه الأمر، لا في أول الرسالة و لا بعدها، و الاعتماد في ذلك على دليل المعجزة، بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من اللّه هو الملك، و رسوله الحقيقي، إما بعلم ضروري يخلقه اللّه له، أو ببرهان جلي يظهره اللّه لديه؛ لتتم كلمة ربك صدقا و عدلا، لا مبدل لكلمات اللّه» (2).

لماذا الكذب و الإفتعال إذن؟ !

و بعد كل ما تقدم؛ فإننا نرى أن افتعال تلك الأكاذيب يعود لأسباب، أهمها:

1-أن حديث الوحي هو من أهم الأمور التي يعتمد عليها الاعتقاد بحقائق الدين و تعاليمه، و له أهمية قصوى في إقناع الإنسان بضرورة الاعتماد في التشريع، و السلوك، و الاعتقاد، و الإخبارات الغيبية، و كل المعارف و المفاهيم عن الكون، و عن الحياة، على الرسل و الأنبياء، و الأئمة و الأوصياء «عليهم السلام» ، و له أهمية كبرى في إقناعه بعصمة ذلك الرسول، و صحة كل مواقفه و سلوكه، و أقواله و أفعاله.

فإذا أمكن أن يتطرق الشك في نفسه إلى الوحي، على اعتبار أنه إذا لم


1) مجمع البيان ج 10 ص 384، و التمهيد ج 1 ص 50 عنه.

2) التمهيد ج 1 ص 50 عن رسالة الشفاء ص 112.

يستطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه أن يفرق بين الملاك و الشيطان، و الوسوسة، و الحقيقة، و هو يعاين و يشاهد؛ فإن غيره و هو لا يتيسر له الاطلاع الحسي على شيء من ذلك يكون أولى بالشك، و عدم الاعتماد.

و قد نقل الحجة البلاغي أن بعض أهل الكتاب قد نقض على المسلمين بذلك فقال:

«الشيطان قرين محمد، و تشبث بنقله عن بعض المفسرين قولهم: إنه كان لرسول اللّه عدو من شياطين الجن، كان يأتيه بصورة جبرئيل، و إنه يسمى الأبيض» (1).

و بعد هذا، فإننا نستطيع أن نعرف سر محاولات أعداء الإسلام الدائبة للتشكيك في اتصال نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» باللّه تعالى، فافتعلوا الكثير مما رأوه مناسبا لذلك، من الوقائع و الأحداث التي رافقت الوحي في مراحله الأولى، أو حرفوه و حوروه حسب أهوائهم، و خططهم، و مذاهبهم، على اعتبار أنها فترة بعيدة نسبيا عن متناول الأيدي عادة.

فلما فشلوا في ذلك حاولوا ادعاء أن ما جاء به نبينا «صلى اللّه عليه و آله» كان نتيجة عبقريته و نبوغه، و عمق تفكيره، و معرفته بطرق استغلال الظروف، و انتهاز الفرص، و ليس لأجل اتصاله بالمبدأ الأعلى تبارك و تعالى.

و هكذا، فإننا نستطيع أن نتهم يد أهل الكتاب في موضوع الأحداث غير المعقولة، التي تنسب زورا و بهتانا إلى مقام نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه


1) الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169 عن كتاب الهداية في الرد على إظهار الحق، و السيف الحميدي ج 3 ص 5.

و آله» حين بعثته، و لا أقل من تشجيعهم لمثل هذه الترهات.

2-كما أنه لا بد أن يحتاج نبينا «صلى اللّه عليه و آله» إليهم لإمضاء صك نبوته، و تصديق وحيه، و يكون مدينا لهم، و على كل مسلم أن يعترف بفضلهم، و بعمق وسعة اطلاعهم، و معرفتهم بأمور لا يمكن أن تعرف إلا من قبلهم؛ فكان اختراع هذا الدور لورقة، و عداس، و بحيرا، و ناصح، و نسطور، و كلهم من أهل الكتاب! ! .

3-و أما سؤال: لماذا اختص نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بكل تلك المصاعب و الأهوال، و بهذه المعاملة السيئة من جبرئيل، حتى لقد صرح البعض: بأنه لم ينقل عن أي من الأنبياء «عليهم السلام» السابقين: أنه تعرض لمثل ذلك عند ابتداء الوحي، حتى عد ذلك من خصائص نبينا «صلى اللّه عليه و آله» (1).

إن هذا السؤال لا يبقى له وقع، إذا لاحظنا: أن بعض الأمور و الأحوال غير المعقولة، قد تسربت إلى بعض المسلمين من قبل أهل الكتاب، حتى أصبحت جزء من التاريخ، و الفقه، و العقائد و الخ. . و ذلك من أجل أن يكون لنبي المسلمين نفس الحالات التي تذكر لغيره من الأنبياء في كتب أهل الكتاب.

و إذن، فليس غريبا أن نجد ملامح هذه القصة موجودة في العهدين، فقد جاء في الكتابين اللذين يطلق عليهما اسما التوراة و الإنجيل:

أن دانيال خاف و خر على وجهه، و زكريا اضطرب، و وقع عليه الخوف،


1) بهجة المحافل ج 1 ص 62، و فتح الباري ج 8 ص 552، و إرشاد الساري ج 1 ص 63، و السيرة الحلبية ج 1 ص 242.

و يوحنا سقط في رؤياه كميت، و عيسى تغيرت هيئة وجهه، و بطرس حصلت له غيبوبة و إغماء، و هكذا الحال بالنسبة ليعقوب و إبراهيم و غيرهم (1).

و لكن ذلك لا يعني: أننا ننكر ثقل الوحي عليه «صلى اللّه عليه و آله» : فإن ذلك بحث آخر (2)، و لكننا ننكر اضطرابه و خوفه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى أراد أن يتردى من شواهق الجبال، و خاف على نفسه الجنون، و ننكر ما فعله به جبرئيل، حسب ما ذكرته الروايات المتقدمة، فإن الظاهر أن ذلك قد تسرب من قبل أهل الكتاب إلى المحدثين الأتقياء.

أو فقل: الأغبياء! الأشقياء، كما هو الحال في كثير من نظائر المقام، حسبما يظهر للناقد البصير، و المتتبع الخبير.

4-إنك تجد في العهدين أن الشيطان يتصرف بالأنبياء و غيرهم حتى بابن الإله بزعمهم فيقولون:

إن الروح أصعد المسيح إلى البرية أربعين يوما ليجرب من قبل إبليس، فأصعده الشيطان إلى جبل عال، و أراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، و قال له: أعطيك هذا السلطان كله و اسجد لي إلخ. . (3).


1) راجع في ذلك كله: الهدى إلى دين المصطفى، للحجة البلاغي ج 1 ص 14.

2) و قوله تعالى: إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً يرى المحقق السيد مهدي الروحاني أن معناه: أن مهمة دعوة الناس إلى الحق، و ترك عاداتهم و ما هم عليه حتى يزكيهم، من أثقل الأمور و أصعبها.

3) إنجيل متى الإصحاح 4 الفقرة 3-13 و الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 170 عنه.

و قال في موضع آخر: و لما أكمل إبليس كل تجربة {أي مع المسيح} فارقه إلى حين (1).

و يقول بولس الرسول: و لئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني؛ لئلا أرتفع؛ من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني (2).

و في موضع آخر: لذلك أردنا أن نأتي أنا و بولس مرة و مرتين، و إنما عاقنا الشيطان (3).

كما أن الإنجيل يذكر: أن المسيح قد عبر عن بطرس بأنه شيطان (4)، إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه (5).

5-و عدا عن ذلك كله، فإننا لا نستبعد: أن يكون الهدف من جعل تلك الترهات، هو الحط من كرامة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و الطعن في قدسيته و مقامه في نفوس الناس، و تصويره لهم على أنه رجل عادي مبتذل، و لا أدل على ذلك من احتياجه إلى أبسط الناس حتى النساء ليرشده إلى طريق الهدى، و يدله على الحق؛ مما يدل على أنه قاصر محتاج باستمرار إلى مساعدة الآخرين؛ الذين هم أحسن تصرفا و أكثر تعقلا منه.


1) الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 171 عن إنجيل لوقا 13.

2) كورنتوش الثانية الإصحاح 12 فقرة 7-9.

3) تسالونيكي الأولى الإصحاح الثاني فقرة 18 و الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 172 عنه.

4) إنجيل متى الإصحاح 16 فقرة 23، و الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 171.

5) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169-173.

و قد أشرنا في تمهيد الكتاب إلى بعض ما يمكن أن يقال في ذلك، و قلنا: إن الظاهر هو أن تلك خطة السياسيين، الذين يريدون أن يرغموا أنوف بني هاشم، و يبزّونهم سياسيا، من أمثال:

معاوية الذي أقسم على أن يدفن ذكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع معاوية سائر الأمويين و أعوانهم.

و من أمثال عبد اللّه بن الزبير، الذي قطع الصلاة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» مدة طويلة، لأن له أهيل سوء إذا ذكر شمخت آنافهم (1).

6-لقد كان الزبيريون يواجهون و ينافسون الأمويين، و يعادون الهاشميين، و يحسدونهم على ما لهم من شرف و سؤدد.

و إذا لاحظنا: نصوص الرواية المتقدمة لقضية ورقة بن نوفل، فإن عمدة رواتها هم من الزبيريين و حزبهم، كعروة بن الزبير، الذي اصطنعه معاوية ليضع أخبارا قبيحة في علي.

و كإسماعيل بن حكيم-مولى آل الزبير.

و كذلك وهب بن كيسان.

ثم أم المؤمنين عائشة خالة عبد اللّه بن الزبير.

ثم لاحظنا في المقابل: أن خديجة هي بنت خويلد بن أسد، و ورقة هو ابن نوفل بن أسد، و الزبير هو ابن العوام بن خويلد بن أسد، فتكون النسبة بين الجميع


1) تقدمت مصادر ذلك حين الكلام على حلف الفضول فراجع.

واضحة المعالم (1)-إذا لاحظنا ذلك كله-فإننا نستطيع أن نعرف:

أنه كان لا بد أن يكون لأقارب عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، و من ثم للزبيريين بشكل عام، دور حاسم في انبعاث الإسلام، إذ لو لا هم لقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، أو على الأقل لم يستطع أن يكتشف نبوة نفسه! !

و إذا كان للزبيريين هذا التاريخ المجيد، فليس للأمويين أن يفخروا عليهم بخلافة عثمان، و ليس للهاشميين أن يفخروا بمواقف أبي طالب، و ولده علي أمير المؤمنين «عليه السلام» .

و إذن، فلا بد من دعوى: أن ورقة قد تنصر، و أنه كان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء، إلى آخر ما قيل و يقال في ذلك.

النتيجة:

و هكذا فإن النتيجة تكون هي: أن الأمويين يستفيدون من افتعال القصة على هذا النحو، و يحققون أعز أهدافهم و أغلاها، كما أن الزبيريين أيضا يستفيدون منها، أما أهل الكتاب فيكون لهم منها حصة الأسد.

و بذلك ينعقد الإجماع من قبل مسلمة أهل الكتاب، الذين لم يسلموا و لكنهم استسلموا، إلى جانب منافقي هذه الأمة و طلقائها، و طلاب الدنيا، فأدخلوا في الإسلام من إسرائيليات أولئك، و ترهات هؤلاء كل غريبة،


1) لكن من الواضح: أن كون ورقة هو ابن عم خديجة؛ يبعد كون ورقة شيخا كبيرا، قد وقع حاجباه على عينيه، كما تزعم النصوص المتقدمة.

و نسبوا إلى نبي الإسلام كل عجيبة، بعد أن نجحوا في إبعاد أهل البيت «عليهم السلام» عن موقعهم الذي جعله اللّه سبحانه لهم، ليحتل القصاصون و أذناب الحكام محلهم.

و كانت هذه الجريمة النكراء حينما التقت المصالح و الأهواء، و اجتمعت على هذا الأمر، فلماذا لا يدلي كل بدلوه؟ أو كيف لا تشجع أمثال هذه الترهات و الأباطيل؟ ! .

عصمنا اللّه من الزلل، في القول و العمل.

الفصل الثالث: الدعوة في مراحلها الأولى

اشارة

أول من أسلم:

إن أول من أسلم، و اتبع و صدق، و آزر و ناصر، هو أمير المؤمنين، و إمام المتقين، علي بن أبي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه و على أبنائه الأئمة الطاهرين.

و أورد العلامة الأميني في كتابه القيم (1): أقوالا عن العشرات من كبار الصحابة، و التابعين، و غيرهم من الأعلام، و عن العشرات من المصادر غير الشيعية، تؤيد و تؤكد على أن أمير المؤمنين «عليه السلام» هو أول الأمة إسلاما.

و من هؤلاء الأعلام:

1-علي «عليه السلام» نفسه.

2-الإمام الحسن «عليه السلام» .

3-الإمام الباقر «عليه السلام» .


1) راجع: الغدير ج 3 ص 95 و 96 و 99 و 224-236 و ج 10 ص 156 و 158 و 164 و 168 و 290 و 322 و ج 9 ص 115 و 122 و راجع دلائل الصدق، و الأوائل للطبراني ص 78-79.

4-عمر بن الخطاب.

5-سلمان الفارسي.

6-أنس بن مالك.

7-ابن عباس.

8-أبو ذر.

9-المقداد بن عمرو.

10-خباب بن الأرت.

11-جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

12-أبو سعيد الخدري.

13-حذيفة بن اليمان.

14-عبد اللّه بن مسعود.

15-أبو أيوب الأنصاري.

16-خزيمة بن ثابت «ذو الشهادتين» .

17-عمرو بن العاص.

18-سعد بن أبي وقاص.

19-زيد بن أرقم.

20-محمد بن أبي بكر.

21-جرير بن عبد اللّه البجلي.

22-بريدة الأسلمي.

23-عفيف الكندي.

24-أبو رافع.

25-أبو مرازم.

26-هاشم المرقال.

27-عبد اللّه بن حجل.

28-أبو عمرة «بشير بن محصن» .

29-عبد اللّه بن خباب بن الأرت.

30-عبد اللّه بن بريدة.

31-مالك الأشتر.

32-عدي بن حاتم.

33-محمد بن الحنفية.

34-طارق بن شهاب الأحمسي.

35-عبد اللّه بن هاشم المرقال.

36-عمرو بن الحمق.

37-سعيد بن قيس الهمداني.

38-عبد اللّه بن أبي سفيان.

39-كعب بن زهير.

40-ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.

41-الفضل بن أبي لهب.

42-أبو الأسود الدؤلي.

43-جندب بن زهير.

44-مالك بن عبادة.

45-زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي.

46-النجاشي بن الحارث بن كعب.

47-عبد اللّه بن حكيم.

48-عبد الرحمن بن حنبل.

49-عامر الشعبي.

50-الحسن البصري.

51-قتادة.

52-ابن شهاب الزهري.

53-محمد بن المكندر.

54-أبو حازم سلمة بن دينار.

55-ربيعة بن عبد الرحمن.

56-محمد بن السائب الكلبي.

57-جنيد بن عبد الرحمن.

58-محمد بن إسحاق.

59-الوليد بن جابر.

و زاد العسقلاني:

60-عبد اللّه بن فضالة المزني.

61-عمر بن مرة الجهني (1).

بعض ما جاء في سبق علي عليه السّلام إلى الإسلام:

هذا كله، عدا عن الكثير من الروايات الواردة عن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و كلمات أمير المؤمنين «عليه السلام» نفسه، و عدا عن كلمات الصحابة و التابعين و أشعارهم، بل لقد ادعى البعض الإجماع عليه (2).

و لعل حصر ذلك متعذر على أي باحث و متتبع، و لذا فلا محيص لنا عن الإكتفاء بأمثلة قصيرة لتكون عنوانا و إشارة لغيرها من الكثير الطيب الذي لم نذكره، و نحيل القارئ إلى ما كتبه العلامة الأميني (3)فليراجعه إن أراد.

فإنهم يقولون:

لقد بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم الإثنين، و أسلم علي «عليه السلام» يوم الثلاثاء (4).

و مما ورد عن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بسند صحيح قوله:


1) الإصابة ج 2 ص 357-358.

2) راجع: الصواعق المحرقة الفصل الأول، الباب التاسع، و معرفة علوم الحديث للحاكم ص 22.

3) راجع: الغدير ج 3 ص 220-243 و ج 10 ص 158-162.

4) راجع: الأوائل ج 1 ص 195.

أولكم ورودا علي الحوض، أولكم إسلاما علي بن أبي طالب (1).

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : إنه لأول أصحابي إسلاما، أو أقدم أمتي سلما (2).

و عنه أنه أخذ بيد علي «عليه السلام» ، فقال: هذا أول من آمن بي، و هذا أول من يصافحني يوم القيامة، و هذا الصديق الأكبر (3).

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : هذا أول من آمن بي، و صدقني، و صلى معي (4).


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 136 و صححه، و تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 81، و الاستيعاب هامش الإصابة ج 3 ص 28 و شرح النهج للمعتزلي و السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لدحلان، و مناقب الخوارزمي، و الغدير ج 3 ص 220 عنهم فراجعه، و الآحاد و المثاني، مخطوط في مكتبة كوپرلي رقم 235.

2) الغدير ج 3 ص 95-96 عن: مسند أحمد ج 5 ص 26 و الاستيعاب ج 3 ص 36، و الرياض النضرة، و مجمع الزوائد، و المرقاة، و كنز العمال، و السيرة النبوية لدحلان، و السيرة الحلبية، و ليراجع: مستدرك الحاكم ج 3، و المنمق، و جمع الجوامع و مجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن الطبراني عن ابن إسحاق، و قال: هو مرسل صحيح الإسناد، و أخرجه الطبراني و أحمد قال الهيثمي ج 9 ص 101 و فيه خالد بن طهمان وثقه أبو حاتم و بقية رجاله ثقات.

3) الغدير ج 2 ص 313 عن الطبراني و البيهقي، و العدني، و مجمع الزوائد و كفاية الطالب و إكمال كنز العمال و لسوف يأتي في حديث الغار حين الكلام عن تلقيب أبي بكر بالصديق المزيد من المصادر لهذا الحديث، و فرائد السمطين ج 1 ص 39.

4) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 225.

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : إن أول من صلى معي علي (1).

تصريحات أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك:

و علي نفسه يصرح في كثير من المناسبات بذلك؛ فيقول عن نفسه: إنه لم يسبقه أحد في الصلاة مع رسول اللّه، و إنه أول من أسلم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إنه الصديق الأكبر «عليه السلام» ، و إنه لا يعرف أحدا في هذه الأمة عبد اللّه قبله غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنه صلى قبل أن يصلي الناس سبع سنين (2).

و لعل المراد التعبد مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل البعثة بسنتين، أو خمس سنين؛ حيث بدأت إرهاصات النبوة، ثم يضم إليها ثلاث أو خمس سنين فترة الدعوة الاختيارية غير المفروضة بعد البعثة، أو لعله عبد اللّه حقا مع رسول اللّه قبل البعثة سبع سنين إذا كان قد أسلم «عليه السلام» و هو ابن اثني عشر سنة أو حتى عشر سنين، حيث كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يتعبد قبل البعثة و كان «صلى اللّه عليه و آله» على دين الحنيفية، فكان علي «عليه السلام» يعبد اللّه معه «صلى اللّه عليه و آله» .

إلا أن يكون الصحيح في الرواية هو ما ذكره ابن بطريق أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: صلت الملائكة عليّ و على علي سبع سنين (3).

و مهما يكن من أمر، فإن الكلمات الدالة على هذا الأمر كثيرة، كما أنه


1) الغدير ج 3 ص 220 عن فرائد السمطين باب 47 بأربعة طرق.

2) مصادر ذلك ستأتي بعد الهامش التالي.

3) كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 334.

«عليه السلام» قد كتب هو نفسه بهذا الأمر إلى معاوية، و ردده في كلماته الكثيرة المتضافرة (1).

دليل آخر:

و إن احتجاجه «عليه السلام» بأنه أول من أسلم، و احتجاج أصحابه من الصحابة و التابعين بهذه الكثرة العجيبة على خصومهم في صفين و غيرها و اهتمامهم الواضح بهذا الأمر ليدل على ذلك دلالة واضحة.

و لم نجد أحدا من أعدائه «عليه السلام» حاول إنكار ذلك، أو التشكيك فيه، أو طرح اسم رجل آخر على أنه هو صاحب هذه الفضيلة دونه، رغم توفر الدواعي لذلك، و رغم أن الطرف المقابل لا يتورع حتى عن الاختلاق و الكذب على الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، بل على


1) راجع هذه النصوص كلها عن أمير المؤمنين «عليه السلام» في الغدير ج 3 ص 213 و 221 و 222 و ج 10 ص 158-164 و ج 2 ص 25-30 و 314 عن: شرح النهج ج 1 ص 503 و 404 و 283 و ج 2 ص 102 و أبي داود بإسناد صحيح، و تاريخ بغداد للخطيب ج 4 ص 224، و مجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن أبي يعلى، و أحمد، و البزار و الطبراني في الأوسط، و فرائد السمطين باب 48، و الأوائل ج 1 ص 195 و وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 355 و 360 و 132 و 100 و 168 و جمهرة الخطب ج 1 ص 178 و 542 و 428 و جمهرة الرسائل ج 1 ص 542، و مروج الذهب ج 2 ص 59، و تذكرة سبط ابن الجوزي ص 115، و مطالب السؤل ص 11، و المحاسن و المساوئ ج 1 ص 36 و تاريخ القرماني هامش الكامل ج 1 ص 218 و ثمة مصادر أخرى في الغدير ج 10 ص 322 فراجع.

اللّه سبحانه و تعالى.

فلو أنهم عرفوا: أن كذبتهم هذه تجوز على أحد لكانوا لها من المبادرين، و لكن التسالم على هذا الأمر كان بحيث لا يمكنهم معه التوسل بأية حيلة، فكل ذلك يدل على أن ذلك قد كان أمرا مسلما به و مجمعا عليه، و لا يمكن إنكاره لأحد.

و كشاهد على هذا التسالم نذكر هنا حادثة واحدة فقط، جرت لسعد بن أبي وقاص، الذي كان منحرفا عن علي «عليه السلام» ، -كما سيأتي في معركة أحد إن شاء اللّه تعالى-و نترك ما عداها و هو كثير جدا، و هذه الحادثة هي أنه:

سمع رجلا يشتم عليا، فوقف عليه و قرره بقوله: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب؟ ألم يكن أول من أسلم؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ألم يكن أعلم الناس؟ الخ. . . (1).

كما أن المقداد كان يتعجب من قريش لدفعها هذا الأمر عن أول المؤمنين إسلاما، يعني عليا «عليه السلام» (2).

خاتمة المطاف:

و أظن أن ما ذكرناه كاف و واف في هذا المجال، و من أراد المزيد فعليه بالمراجعة إلى الكتب المعدة لذلك.


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 500، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه هامش نفس الصفحة، و حياة الصحابة ج 2 ص 514-515.

2) الغدير ج 9 ص 115 عن اليعقوبي ج 2 ص 140.

و بعد هذا، فلا يصغى لقول النواصب و الحاقدين، الذين يهتمون في طمس فضائله «عليه السلام» بكل وسيلة، و لو عن طريق الدجل و التزوير، و منهم ابن كثير، الذي قال: «و قد ورد في أنه أول من أسلم أحاديث كثيرة، لا يصح منها شيء» (1).

لا يا بن كثير: لقد تجنيت على الحقيقة و على التاريخ كل التجني، و لم تستطع أن تكتم ما يعتلج في صدرك من إحن، فجرّك ذلك إلى المكابرة، و إلى إنكار ما يكاد يلحق بالضروريات.

فإن الروايات الصحيحة و الصريحة الدالة على هذا الأمر كثيرة و كثيرة جدا، كما يعلم بالمراجعة (2).

القول بأن خديجة أول من أسلم:

و نجد في مقابل ذلك قولا آخر مفاده: أن خديجة كانت هي السباقة إلى الإسلام و أنها أول مخلوق آمن به، بل لقد ادعى البعض الإجماع على هذا القول (3).

و لكنه قول مردود، لأن العديد من الروايات عن النبي «صلى اللّه عليه


1) البداية و النهاية ج 7 ص 335.

2) راجع الغدير ج 3 و إحقاق الحق، قسم الملحقات، و غير ذلك.

3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 267، و في تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 182 نقل عن الثعلبي الاتفاق عليه، و قال ابن الأثير: إنها أول خلق اللّه إسلاما بإجماع المسلمين. راجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 90 و إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 148 و الأوائل للطبراني ص 80.

و آله» ، و عن علي «عليه السلام» ، و عن الصحابة و التابعين تعبر بأن عليا «عليه السلام» أول من صلى، أو أول من آمن، أو أول الأمة أو الناس إسلاما (1)، و لا يمكن أن يكون المقصود بالأمة أو الناس خصوص الرجال بناء على هذا القول، و لا خصوص الصبيان، بناء على قول آخر يأتي.

أبو بكر، و سبقه إلى الإسلام:

و بعد كل ما تقدم نعرف: أن ادعاء سبق غير أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى الإسلام قد جاء متأخرا عن عهد الخلفاء الأربعة، و وضع بعد وفاة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و لربما يكون قد حصل ذلك حينما كتب معاوية إلى الأقطار يأمرهم أن لا يدعوا فضيلة لعلي إلا و يأتوه بمثلها لغيره من الصحابة (2).

و من هنا، فإننا نعتقد: بأن القول بأولية إسلام أبي بكر، و المروي عن:

1-ابن عباس.

2-الشعبي.

3-أبي ذر.


1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 91، و السيرة الحلبية ج 1 ص 268 و 275 و مناقب المغازلي، و مناقب الخوارزمي، ص 18-20 و الغدير ج 3 ص 220- 236 و ج 10 ص 168 و 29 و 322 و ج 9 ص 392 تجد الكثير من التصريحات بذلك و كذا في تاريخ بغداد ج 4 ص 233 و حلية الأولياء ج 1 ص 66 و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 407.

2) راجع: النصائح الكافية لمن يتولى معاوية من ص 72 حتى ص 74.

4-عمرو بن عبسة.

5-إبراهيم النخعي.

6-حسان بن ثابت، الذي يروى عنه قوله:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقةفاذكر أخاك أبا بكر و ما فعلا

خير البرية أتقاها و أعدلهاإلا النبي و أوفاها بما حصلا

و الثاني الصادق المحمود مشهدهو أول الناس منهم صدق الرسلا

عاش حميدا، لأمر اللّه متبعابهدي صاحبه الماضي و ما انتقلا (1)

نعم، إننا نعتقد: أن ذلك كله موضوع في وقت متأخر، تزلفا للأمويين، كما أن شعر حسان هذا لا يبعد أن يكون منحولا، إذ لا يمكن أن يبادر إلى مخالفة ما كان متسالما عليه بين الأمة، و لا سيما الصحابة منهم.

كما أننا نلاحظ: أن البيتين الأخيرين فيهما حشو ظاهر، و ليس لهما صياغة منسجمة (2).

و لربما يقال: إنهما بعيدان عن نفس حسان، و عن شاعريته، و عن سبكه، و طريقته و مما يدل على عدم صحة ذلك بالإضافة إلى ما تقدم:

أولا: إنه قد تقدم: أن ابن عباس، و الشعبي، و أبا ذر الذين روي عنهم القول بأولية أبي بكر هم أنفسهم يقولون:


1) ديوان حسان ص 29 ط أوروبا.

2) فليلاحظ مثلا: كلمة منهم في البيت الثالث و قوله في الرابع: {متبعا بهدي} . و قوله: و ما انتقلا إلى غير ذلك من وجوه الضعف في السبك و الصياغة.

إن أمير المؤمنين «عليه السلام» هو أول من أسلم، و يقول الإسكافي (1):

إن حديثهم في علي أقوى سندا، و أشهر من الحديث الآخر المنسوب إليهم في أبي بكر.

و أما رواية أبي ذر، و عمرو بن عبسة، فهي مضطربة، لأنها تذكر:

أن أبا ذر، و عمرو بن عبسة كلاهما ربع الإسلام، و أن بلالا أسلم قبل أبي بكر، و لا تذكر عليا «عليه السلام» ، و لا خديجة، و هذا يعني: أن بلالا قد أسلم قبل خديجة و علي؛ مع أن العكس هو الصحيح، فإذا كانت خديجة «رحمها اللّه» و علي «عليه السلام» و بلال، و عمرو بن عبسة قد أسلموا أولا؛ فأين يكون إسلام أبي بكر بعد هذا؟ !

ثانيا: إن عائشة نفسها تعترف بأن أباها كان رابعا في الإسلام، و قد سبقه إلى ذلك خديجة، و زيد بن حارثة، و علي «عليه السلام» (2).

ثالثا: قد تقدم: أننا لم نجد أحدا يعترض على الصحابة، و لا على التابعين، و لا على أمير المؤمنين «عليه السلام» في احتجاجاتهم المتعددة على معاوية و غيره بأن عليا «عليه السلام» هو أول الأمة إسلاما-لم نجد أحدا يعترض، و يقول: بل أبو بكر هو الأول.

و ما روي من ذلك: من أن أبا بكر قد احتج به، فقد فنده العلامة الأميني في الغدير و أثبت أنه غير صحيح فليراجع (3).


1) راجع، الغدير، و شرح النهج للمعتزلي ج 13، و آخر كتاب العثمانية.

2) راجع: الأوائل ج 1 ص 202 و راجع ص 206.

3) راجع: الغدير ج 7 ص 91-94 و 224 فما بعدها.

فإلى متى يدخرون هذه الحجة؟ ! و لماذا يدخرونها؟ !

بل إننا لم نجد أبا بكر، و لا أحدا من أنصاره و محبيه يحتج له بأنه أول من أسلم، رغم احتياجاتهم الشديدة إلى ذلك، و لا سيما في السقيفة؛ حيث لم يجدوا ما يحتجون به من فضائله إلا كونه كبير السن، و صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الغار-كما احتج به صاحبه عمر، و غيره ثمة (1)- و ستأتي الإشارة إلى احتجاجاتهم تلك حين الحديث عن قضية الغار إن شاء اللّه تعالى.

هذا كله، عدا عن تصريح البعض بأن أبا بكر كان رابع أو خامس من أسلم (2).

و عدا عن قول أمير المؤمنين علي «عليه السلام» : أنا الصديق الأكبر، أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر (3).

و عدا عن الرواية التي تقول: إن العباس قد أخبر عفيفا بأنه لم يسلم سوى خديجة و علي، فلو أن عفيفا أسلم حينئذ كان في الإسلام ثانيا (4).

رابعا: إننا نقول: إن إسلام أبي بكر قد تأخر عن البعثة عدة سنوات


1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 66، و سنن البيهقي ج 8 ص 153 و الغدير ج 5 ص 369 و ج 7 ص 92 و ج 10 ص 7 و 13 عن عدد كبير من المصادر، و كنز العمال ج 8 ص 139 عن ابن أبي شيبة، و عن الكنز أيضا ج 3 ص 140 و لسوف نذكر طائفة من المصادر حين الكلام عن قضية الغار.

2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 1 ص 216.

3) ستأتي مصادر ذلك في أواخر الجزء الثاني من هذا الكتاب.

4) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 395 و غير ذلك.

و يدل على ذلك-و نحن نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم-الأمور التالية:

ألف-ما قالوه من أنه لما أسلم سماه النبي «صلى اللّه عليه و آله» صديقا (1)مع أن تسميته هذه-كما يدّعون-إنما كانت بعد الإسراء حين صدقه أبو بكر و كذبته قريش (2).

أو حين الهجرة في الغار {و كلاهما لا يصح أيضا كما سيأتي في حديث الغار إن شاء اللّه تعالى} .

و هم يدّعون: أن الإسراء كان بعد البعثة باثنتي عشرة سنة و إن كنا نحن نعتقد بخلاف ذلك.

و أنه كان في السنة الثانية أو الثالثة، كما سيأتي في الفصل الآتي.

ب-يروي البعض: أنه أسلم و آمن بعد الإسراء و المعراج فسمي يومئذ ب «الصديق» (3)مع قولهم: أن الإسراء و المعراج كان قبل الهجرة بقليل -كما سنرى-.

ج-لقد روى الطبري-بسند صحيح كما يقول الأميني (4)-عن محمد بن سعيد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما؟

فقال: لا، و لقد أسلم قبله أكثر من خمسين (5).


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 273، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 8.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 273.

3) مجمع الزوائد ج 1 ص 76 عن الطبراني في الكبير.

4) الغدير ج 3 ص 240.

5) تاريخ الطبري ج 2 ص 60 و البداية و النهاية ج 3 ص 28 و التعجب للكراجكي ص 34.

و هذا يعني: أنه قد أسلم بعد انتهاء الفترة الاختيارية للدعوة، و بعد خروجه «صلى اللّه عليه و آله» من دار الأرقم، لأنهم قد خرجوا بعد أن تكاملوا أربعين رجلا، كما يقولون، و سيأتي ذلك إن شاء اللّه تعالى، حين الكلام حول إسلام عمر بن الخطاب.

د-و لسوف نذكر إن شاء اللّه في أواخر حديث الغار: أن أبا قحافة يذكر: أن ابن مسعود قد أسلم هو و جماعة قبل إسلام أبي بكر، و ابن مسعود قد أسلم قبل إسلام عمر كما ذكره النووي في تهذيب الأسماء و اللغات.

ه-لقد ورد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث و أبو بكر غائب في اليمن، قال أبو بكر، فقدمت مكة، و قد بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» فجاءني صناديد قريش، إلى أن قال:

«فقالوا: يا أبا بكر، أعظم الخطب، و أجل النوائب، يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي و لو لا أنت-أو: و لو لا انتظارك-ما انتظرنا به؛ فإذ قد جئت فأنت الغاية و الكفاية» (1)، و الذي عند أبي هلال، عن الشعبي، عن أشياخه، منهم جرير، في خبر طويل هو: «قال أبو بكر: فلما قدمت مكة استبشروا، و ظنوا أنه فتح عليهم بقدومي فتح، و اجتمعوا إلي، و شكوا أبا طالب، و قالوا: لو لا تعرضه دونه لما انتظرنا به.

قلت: و من تبعه على مخالفة دينكم؟


1) الصواعق المحرقة ص 148 ط سنة 1324 ه. و السيرة الحلبية ج 1 ص 275، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 89، و تاريخ الخميس ج 1 ص 287 و تاريخ مدينة دمش ج 3 ص 32 و أسد الغابة ج 3 ص 208.

قالوا: بنو أبي طالب» (1).

و لكن لنا تحفظ على هذا النص الذي يعطي لأبي بكر منزلة كبيرة في قريش، و هي منزلة لا يؤيد التأريخ أن أبا بكر كان قد بلغها أصلا، كما سنشير إليه في موضعه.

و-و عن ابن إسحاق، قال: إن أبا بكر لقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد، من تركك آلهتنا، و تسفيهك عقولنا، و تكفيرك آباءنا إلخ. . ثم ذكر إسلام أبي بكر (2).

و إن كنا نشك في صحة هذا النص الأخير، إذ أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعبد تلك الآلهة قط، فما معنى سؤاله عن ذلك؟ !

إلا إذا قلنا إنه لم يكن يتجاهر برفضها، فصح أن يسأله عن ذلك.

و يؤيد ذلك ما رواه المقدسي، قال: «إسلام أبي بكر-زعم بعض الرواة: أنه كان في تجارة له بالشام، فأخبره راهب بوقت خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مكة، و أمره باتباعه، فلما رجع سمع رسول اللّه يدعو إلى اللّه، فجاء و أسلم» (3).

و يؤيد ذلك أيضا قولهم: إن أبا بكر قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : فقدت من مجالس قومك، و اتهموك بالعيب لآبائها و أمهاتها فدعاه «صلى


1) الأوائل للعسكري ج 1 ص 194.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 416-417 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 432-433 و سيرة ابن إسحاق ص 139.

3) البدء و التاريخ ج 5 ص 77.

اللّه عليه و آله» إلى الإسلام فأسلم (1).

فكل ذلك يدل على أن إسلام أبي بكر كان بعد الفترة السرية و بتعبير أدق بعد {فترة الدعوة الاختيارية، و غير المفروضة} التي استمرت ثلاث أو خمس سنوات.

و بعد أن أنذر عشيرته الأقربين، و بعد أن أمر بالصدع بالأمر، و دعوة الناس عامة.

و بعد تكفيره للآباء و الأمهات.

و بعد عرض قريش على أبي طالب أن يقنع ولده بالعدول عن هذا الأمر.

و بعد عرضهم عليه ولدا آخر على أن يخلي بينه و بينهم.

و بعد وقوع المواجهة بين قريش و بينه، ثم قيام أبي طالب دونه، و لو لا انتظارهم لأبي بكر ما انتظروا به، و كل ذلك يدل على أن إسلامه قد تأخر إلى السنة الرابعة أو الخامسة إن لم يكن بعد ذلك أيضا؛ فقد قال أبو القاسم الكوفي:

إن أبا بكر قد أسلم بعد سبع سنين من البعثة (2).

و لربما يكون ذلك صحيحا أو قريبا من الصحيح، إذا أخذنا بالروايات المتقدمة الدالة على أنه قد أسلم بعد اشتداد المواجهة بين الرسول و بين المشركين، و قيام أبي طالب دونه، و بعد أكثر من خمسين رجلا، فلربما يكون


1) البداية و النهاية ج 3 ص 29-30 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 439.

2) الاستغاثة ج 2 ص 31.

المراد بالخمسين هو خصوص من أسلم بعد الإعلان بالدعوة، أو بعد الهجرة إلى الحبشة.

و هكذا يتضح: أن القول بأن أبا بكر هو أول من أسلم لا يمكن إلا أن يكون من القول الجزاف، و الدعوى الفارغة، و من المختلقات التي افتعلت في وقت متأخر.

طريق جمع فاشل:

و قال البعض: الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، و من الصبيان علي، و من النساء خديجة، و من الموالي زيد بن حارثة، و من العبيد بلال (1).

و هو كلام فارغ، بعد أن ثبتت أولية علي «عليه السلام» على كل أحد.

و قولهم: إنه أول من أسلم من الصبيان عجيب، و ذلك لما يلي:

1-إنه قد جاء عنه «عليه السلام» ، و عن غيره القول: بأنه أول رجل أسلم (2)، مما يعني أنه كان حينئذ رجلا بالغا.

و قد قلنا: إنه قد أسلم و عمره عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة.

و من الواضح: أن الرجولية و البلوغ لا ينحصر بالسن، فإن عمرو بن


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 275، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 90 و نزهة المجالس ج 2 ص 147 و البداية و النهاية ج 3 ص 17 و 26 و 29.

2) و في سيرة ابن إسحاق ص 138: أول الرجال إسلاما، و في مصادر أخرى: أول أصحابي إسلاما: راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 268.

العاص-كما يقولون-كان يكبر ولده عبد اللّه باثنتي عشرة سنة فقط (1)، و الراشد باللّه قد وطئ جارية و هو ابن تسع سنين، فحملت منه كما يدّعون (2).

كما أن ثمة أقوالا كثيرة في سن علي «عليه السلام» حين إسلامه، و قد رأينا الحافظ عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و الكليني، و الحسن البصري، و الإسكافي و غيرهم كثير، يذكرون في سن علي رقما يتراوح ما بين 12 سنة إلى 16 سنة، و بعضهم يتجاوز ذلك أيضا؛ كما تقدم بيانه في مبحث ولادته «عليه السلام» .

2-قد ذكر غير واحد: أن البلوغ قد حدد بعد الهجرة، أي في غزوة الخندق، في قضية رد ابن عمر و قبوله في الغزو، أما قبل ذلك فقد كان المعتمد هو التمييز و الإدراك (3)، و عليه يدور مدار التكليف، و الدعوة إلى الإسلام و الإيمان و عدمه.

و لو لا أن أمير المؤمنين «عليه السلام» كان في مستوى الإسلام و الإيمان، لم يقدم النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على دعوته إلى الإسلام، ثم قبوله منه، و إلا لكان ذلك سفها، و لا يمكن صدور السفه من الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .


1) المعارف لابن قتيبة ص 125 ط دار إحياء التراث العربي سنة 1390 ه.

2) السيرة الحلبية ج 1 ص 269.

3) راجع إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 149 و السيرة الحلبية ج 1 ص 269 و الكنز المدفون ص 256-257 عن البيهقي.

3-بل إننا نستطيع أن نستفيد من دعوته إلى الإسلام و هو صبي امتيازا له خاصا، يؤهله لأن يكون هو الوصي له «صلى اللّه عليه و آله» ، أو ليس قد تكلم عيسى في المهد صبيا، و يحيى أيضا قد أوتي الحكم صبيا كما نص عليه القرآن؟

4-و أيضا، لو كان الأمر كما ذكروه؛ فلا يبقى معنى لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه: إنه أول من أسلم، أو: أولكم إسلاما؛ فإن معنى ذلك هو أن أوليته بالنسبة إلى النساء و الرجال و العبيد و الأحرار على حد سواء.

5-و أخيرا، فإن هذا الورع المصطنع لم يوجد إلا عند هؤلاء المتأخرين، و لم نجد أحدا واجه احتجاج أمير المؤمنين و الصحابة و التابعين بحجة من هذا القبيل، و لعله لم يكن لديهم ورع يبلغ ورع هؤلاء الغيارى على أبي بكر و على فضائله! ! .

هدف الورعين {! ! !} من الجمع بين الروايات.

و نستطيع أن نرجح: أن هدف أولئك الورعين من هذا الجمع بين الروايات هو إظهار:

أن إسلام غير علي «عليه السلام» كان أفضل من إسلامه، لأن إسلام غيره كان عن تدبر و تعقل، و نظر و تبصر، أما أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فقد كان إسلامه عن طيش و تقليد، كما هو شأن الصبيان كما ذكره الجاحظ (1).

و لا نريد أن نفيض في الرد على هذه المزعمة، فإن إسلام علي «عليه السلام» كان عن تدبر و تعقل، و عن تفكير و تأمل و قد أسلم استنادا إلى


1) راجع: العثمانية ص 6 و 7.

فكره و رأيه، و لم يستشر حتى أباه رضوان اللّه تعالى عليه (1)، و قد أجاب الإسكافي و ابن طاووس عن كلام الجاحظ بما فيه الكفاية، فليراجع (2).

تنبيه:

و بالمناسبة فإن من الملاحظ: أن عمر بن الخطاب كان يعتبر البلوغ بالشبر؛ فمن بلغ ستة أشبار أجرى عليه الأحكام، و من نقص عنها و لو أنملة تركه، و كذلك كان رأي ابن الزبير أيضا (3).

و على ذلك جرى العباسيون من بعد، فقد أمر إبراهيم الإمام العباسي أبا مسلم الخراساني: أن يقتل في خراسان كل من يتهمه، إذا كان قد بلغ خمسة أشبار (4).

و نحن لا نريد التعليق على هذا، و نكل ذلك إلى القارئ نفسه؛ ليحكم حسبما يقتضيه ضميره و وجدانه.


1) الفصول المختارة ص 227.

2) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 13 حينما يورد كلام الإسكافي و راجع أيضا: بناء المقالة الفاطمية، الصفحات الأولى من الكتاب، و البحار ج 38 ص 286.

3) المصنف ج 10 ص 178 و عن خصوص عمر راجع: الغدير ج 6 ص 171 عن كنز العمال ج 3 ص 116 عن ابن أبي شيبة و عبد الرزاق، و مسدد، و ابن المنذر في الأوسط.

4) راجع حياة الإمام الرضا «عليه السلام» للمؤلف ص 122 عن: الطبري ط ليدن ج 9 ص 1974 و ج 10 ص 25، و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 295، و البداية و النهاية ج 10 ص 28 و 64 و الإمامة و السياسة ج 2 ص 114، و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 45، و العقد الفريد ط دار الكتاب ج 4 ص 479، و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 267 و ضحى الإسلام ج 1 ص 32.

مقارنة، و هدف:

و جدير بالملاحظة هنا: أن البعض يذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعلي «عليه السلام» : «أدعوك إلى ترك {أو الكفر ب} اللات و العزى» (1).

و نحن نجزم بعدم صحة هذا القول عنه «صلى اللّه عليه و آله» ؛ إذ لم يسبق لعلي «عليه السلام» إيمان بها، ليدعوه «صلى اللّه عليه و آله» إلى تركها (2)، كيف و قد تربى في حجر الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و تلقى التوحيد، و كل المكارم و الفضائل عنه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لنقارن بين هذا و بين ما يذكره البعض عن أبي بكر من أنه لم يسجد لصنم قط (3)، رغم أنه كان حين أسلم قد بلغ الأربعين أو تجاوزها؟ ! فأبو بكر إذن قد ضارع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عدم السجود للأصنام.

و لكننا لا ندري لماذا ترك دين قومه؟ و كيف لم يشتهر هذا الأمر عنه، في زمن الصحابة و التابعين؟ و بقي هكذا مخفيا إلى زمان متأخر جدا، حتى اكتشفه هؤلاء؟

و كيف غفل عنه الصحابة و منافسوه منهم، و غفل عنه هو نفسه و أنصاره يوم السقيفة، فلم يحتج و لا احتجوا به على استحقاقه للخلافة، رغم أنهم احتجوا بكبر سنه، و ما شاكل ذلك، مما لا يجدي و لا يسمن و لا يغني من جوع؟ ! .


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 268، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 91.

2) الإمتاع للمقريزي ص 16.

3) السيرة النبوية لدحلان ط دار المعرفة ج 1 ص 39 و 92.

من أسلم بدعاية أبي بكر؟ !

و يذكرون: أن عددا من كبار الصحابة قد أسلموا على يد أبي بكر، و استجابة لدعوته، منهم:

«طلحة، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و أبو عبيدة الجراح، و خالد بن سعيد بن العاص، و أبو ذر، و عثمان بن عفان، و أبو سلمة بن عبد الأسد، و الأرقم بن أبي الأرقم» (1).

قال الجاحظ: «و قالت أسماء بنت أبي بكر: ما عرفت أبي إلا و هو يدين بالدين، و لقد رجع إلينا يوم أسلم فدعانا إلى الإسلام، فما دمنا حتى أسلمنا، و أسلم أكثر جلسائه» (2).

و لكن ذلك كله محل شك و ريب و ذلك للأمور التالية:

1-إنه قد تقدم ما يدل على أن إسلام أبي بكر قد كان بعد الخروج من دار الأرقم، و بعد اشتداد الأمر بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قريش، و قيام أبي طالب دونه ينافح عنه و يكافح، و هؤلاء قد أسلم أكثرهم قبل ذلك، و ذلك لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قبل نزول قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ (3)لم يكن مأمورا بدعوة أحد، بل كان من يسلم إنما


1) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 29، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 94- و السيرة الحلبية ج 1 ص 276 و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 182، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 78.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 270 و عثمانية الجاحظ ص 31.

3) الآية 214 من سورة الشعراء.

يسلم باختياره.

ثم أمر «صلى اللّه عليه و آله» بدعوة عشيرته، ثم أمر بإنذار أم القرى و من حولها، حتى انتهى الأمر بإنذار الناس كافة.

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» لما أسلم معه من أسلم و خشي حصول بعض الصدامات لهم مع قريش اختار دار الأرقم ليصلي أصحابه فيها، و بعد شهر أعلن بالأمر، فلم تكن هناك سرّية في دار الأرقم بالمعنى الدقيق للكلمة.

و أما الذين أسلموا قبل المواجهة مع قريش، فنذكر منهم:

زيد بن حارثة الذي أسلم ثانيا، و في نفس الوقت أسلم خالد بن سعيد بن العاص، و سعد بن أبي وقاص، و عمرو بن عبسة، و عتبة بن غزوان، و مصعب بن عمير (1)أما الأرقم بن أبي الأرقم فكان سابعا (2)، و قصة إسلام أبي ذر معروفة، و كان إسلامه على يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، و علي «عليه السلام» هو الواسطة، و سيأتي ذلك بعد صفحات يسيرة.

و من الأولين أيضا:

جعفر بن أبي طالب، و بلال، و خباب بن الأرت، و الزبير بن العوام، و كل هؤلاء أسلم قبل أبي بكر-على حد تعبير الإسكافي في نقض العثمانية (3).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 232 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 264 و غير ذلك.

2) الإصابة، ترجمة الأرقم ج 1 ص 28.

3) شرح النهج ج 13 ص 224، و العثمانية في أواخرها حيث ينقل كلام الإسكافي ص 286 و الغدير ج 3 ص 241.

و يرى المقدسي: أن الزبير أسلم رابعا، أو خامسا.

2-وعدا عما تقدم، فإن أبا اليقظان خالد بن سعيد بن العاص، كان هو نفسه يزعم: أنه أسلم قبل أبي بكر (1).

و عليه فلا يصغى لما حكاه البيهقي من أنه رأى في منامه النار، ثم لقي أبا بكر فأخذه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلم (2)فإن أبا اليقظان نفسه يكذب ذلك و ينكره، و هو أعرف بنفسه من كل أحد.

و أما عثمان فقد اشترط لإسلامه أن يزوجه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» رقية، ففعل، فأسلم (3)فأين هي دعوة أبي بكر له، و الحالة هذه؟ ! .

و يروي المدائني عن عمر بن عثمان: أن عثمان قال: إنه دخل على خالته أروى بنت عبد المطلب يعودها، فدخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل ينظر إليه، و قد ظهر من شأنه يومئذ شيء؛ فجرى له معه «صلى اللّه عليه و آله» حديث، و قرأ عليه «صلى اللّه عليه و آله» بعض الآيات، ثم قام «صلى اللّه عليه و آله» فخرج.

قال عثمان: فخرجت خلفه فأدركته، و أسلمت (4).


1) البدء و التاريخ ج 5 ص 96.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 248، و البداية و النهاية ج 3 ص 32 و طبقات ابن سعد ج 4 ص 67-68 و الاستيعاب ج 1 ص 401-442 و الإصابة ج 1 ص 406 و مع ذلك فإن الرواية لا تدل على أنه أسلم بدعوة أبي بكر بل هي في ضد ذلك أظهر.

3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 22.

4) الاستيعاب ج 4 ص 225.

فإذا أخذنا بهذه الرواية أيضا لم يكن لأبي بكر في إسلام عثمان يد و لا نصيب.

و أما سعد بن أبي وقاص ف «كان سبب إسلامه: أنه رأى في المنام قال: كأني في ظلام، فأضاء قمر، فاتبعته، فإذا أنا بزيد و علي قد سبقاني إليه، و روي: فإذا أنا بزيد و أبي بكر، قال: ثم بلغني: أن رسول اللّه يدعو إلى الإسلام مستخفيا، فلقيته بأجياد، فأسلمت، و رجعت إلى أمي الخ. .» (1).

و عن إسلام طلحة يقولون: إنه كان في بصرى، فسمع خبر خروج نبي اسمه أحمد في ذلك الشهر من راهب، فلما قدم مكة سمع الناس يقولون: تنبّى محمد بن عبد اللّه، فأتى إلى أبي بكر، فسأله فأخبره، ثم أدخله على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، فأخذهما نوفل بن خويلد و قرنهما بحبل، فسميا القرينين (2).

و لكن هذه الرواية كما ترى، لا تدل على أنه أسلم بدعوة أبي بكر إياه، بل هي في خلاف ذلك أظهر كما هو واضح، كما أنهم يذكرون رواية أخرى مفادها:

أن طلحة ذهب بنفسه إلى رسول اللّه فأسلم (3)، و أما أن أبا بكر و طلحة قد سميا القرينين فسيأتي أنه لا يصح أيضا؛ و ذلك ضعف آخر في هذه الرواية.


1) البدء و التاريخ ج 5 ص 84-85.

2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 369، و البدء و التاريخ ج 5 ص 82 و البداية و النهاية ج 3 ص 29 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 419.

3) البدء و التاريخ ج 5 ص 82.

بل لقد كذّب علي «عليه السلام» أن يكون أحد من قريش قد عذّب كما سنرى فكيف يكون طلحة و أبو بكر قد عذبّا، و قرن أحدهما إلى الآخر؟ !

3-يقول الإسكافي هنا ما ملخصه:

إن أبا بكر قد عجز عن إدخال أبيه، مع أنه معه في بيت واحد، و ابنه الوحيد عبد الرحمن في الإسلام، و بقيا على شركهما إلى عام الفتح، و كذا الحال في أخته أم فروة، و زوجته نملة-أو قتيلة-بنت عبد العزى، التي فارقها حين نزل قوله تعالى: وَ لاٰ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوٰافِرِ (1)، بعد الهجرة بعدة سنين.

و يمضي الإسكافي هنا فيقول: كيف استطاع أبو بكر أن يهيمن على سعد، و الزبير، و طلحة، و عبد الرحمن و غيرهم و هم ليسوا من أترابه، و لا من جلسائه، و لا كان له معهم صداقة أو مودة، و لم يستطع أن يقنع عتبة و شيبة ابني ربيعة، و هما من جلسائه، بل و أكبر منه سنا، و يأنسان إلى حديثه و طرائفه-كما يزعم أنصاره-؟ ! و ما له لم يدخل جبير بن مطعم في الإسلام، و هو الذي أدبه و علمه، و عرفه أنساب العرب، و قريش و طرائفها و أخبارها كما يدّعون؟ ! .

و كيف لم يقبل منه عمر بن الخطاب الدخول في الإسلام في تلك الفترة، و كان صديقه و أقرب الناس شبها به، و بحالاته، و لئن رجعتم إلى الإنصاف لتعلمن بأن إسلام هؤلاء لم يكن إلا بدعاء النبي «صلى اللّه عليه


1) الآية 10 من سورة الممتحنة.

و آله» و على يديه (1).

4-و أما ما تقدم نقله عن أسماء، فهو يقتضي أن تكون أسماء و أهل بيت أبي بكر أسبق الناس إلى الإسلام، و قد عد ابن هشام ممن أسلم في الفترة الأولى من الدعوة بحيث يعدّ من السابقين الأول أسماء و عائشة ابنتا أبي بكر (2)، و عند النووي و غيره: أن عائشة قد أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا و أختها أسماء أسلمت بعد سبعة عشر (3).

و لكن قد فات هؤلاء: أن كل ما تقدم يكذب هذا الذي ذكروه هنا.

أضف إلى ذلك: أن عمر أسماء كان حين البعثة أربع سنين على أبعد التقادير، أما عمر عائشة فنحن نقول: إنها أيضا كان عمرها قريبا من هذا (4).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 271 عن الإسكافي، و لا يردّ على الإسكافي بامرأة نوح و ولده؛ حيث لم يكونا مؤمنين، فإن الإسكافي يريد أن يقول: إن المستفاد من القرائن العامة هو أن أبا بكر لم يكن يملك المؤهلات و الكفاءات التي تعطيه القدرة على أن يقنع أحدا بالدخول في الإسلام.

2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 271.

3) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 329 و 351 عن ابن أبي خيثمة في تاريخه عن ابن إسحاق، و الإصابة ج 4 ص 229 بالنسبة لأسماء فقط.

4) و عد المقدسي عائشة مع الذين أسلموا في السنوات الأولى من البعثة في الفترة السرية قبل أن يدخل «صلى اللّه عليه و آله» دار الأرقم و قال: إنها كانت صغيرة فراجع البدء و التاريخ ج 4 ص 146.

و لكن نفس أولئك يقولون: إنها قد ولدت بعد البعثة بخمس سنين (1)، فكيف تكونان قد أسلمتا بعد ثمانية عشر إنسانا؟ مع أن الفترة السرية أو فقل الدعوة الإختيارية، و عدم الإعلان، قد انتهت بإسلام أربعين؟ !

و أما جلساؤه و أهل بيته فقد تكلمنا عنهم، و لم يبق إلا ولده محمد، و هو إنما ولد بعد مبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بثلاث و عشرين سنة، أي قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بقليل.

سر التأكيد على دور أبي بكر:

و أما سر التأكيد على دور أبي بكر فقد أوضحه لنا الجاحظ، حين قال:

«و لذلك قالوا: إن من أسلم بدعاء أبي بكر أكثر ممن أسلموا بالسيف، و لم يذهبوا في ذلك إلى العدد، بل عنوا الكثرة في القدر، لأنه أسلم على يديه خمسة من أهل الشورى، كلهم يصلح للخلافة، و هم أكفاء علي «عليه السلام» و منازعوه في الرياسة و الإمامة، فهؤلاء أكثر من جميع الناس» (2).

نعم يا جاحظ: لقد تجاوز أبو بكر كل التوقعات، حتى لقد بزّ النبي نفسه، و لم يستطع و هو الرسول الأعظم أن يجاريه في تلك الفضائل المجعولة-كما قدمنا-و لا ندري لماذا غلط جبرئيل و نزل عليه دونه! .

و حسبنا هنا ما ذكرناه حول هذا الموضوع؛ فإن استقصاء الكلام فيه يحتاج إلى جهد مضن و وقت طويل.


1) سيأتي بعض الكلام في ذلك، في فصل: حتى بيعة العقبة.

2) العثمانية للجاحظ ص 31-32 و شرح النهج ج 13 ص 270-271.

هل عمير بن أبي وقاص من السابقين؟ !

و يذكر ابن هشام هنا: أن عمير بن أبي وقاص كان من جملة السابقين إلى الإسلام (1).

و لكن ذلك لا يصح؛ لأنهم يقولون: إن عميرا قد قتل في بدر، و له ستة عشر عاما، فيكون عمره حين البعثة سنة واحدة (2)فكيف يكون من السابقين إذن؟ ! .

إسلام أبي قحافة:

و في رواية: أنه لما نبئ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ابن أربعين سنة، صدقه أبو بكر و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة، فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلىٰ وٰالِدَيَّ (3).

و استجاب اللّه له فأسلم والداه و أولاده كلهم.

و لكن هذه الرواية لا تصح، و ذلك.

أولا: لما تقدم من أن أبا بكر إنما أسلم بعد عدة سنوات من البعثة، و كان عمره حينئذ حوالي خمس و أربعين سنة.


1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 272.

2) تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 39 و الإصابة ج 3 ص 36.

3) الآية 19 من سورة النمل، فتح القدير ج 5 ص 118 و الغدير ج 7 ص 327 عنه و عن الكشاف ج 3 ص 99، و تفسير القرطبي ج 2 ص 193-194 و الرياض النضرة ج 1 ص 47، و مرقاة الأصول ص 121، و تفسير الخازن ج 4 ص 132، و تفسير النسفي بهامشه ج 4 ص 132.

ثانيا: إن أبا قحافة إنما أسلم سنة ثمان عام الفتح (1)و أم أبي بكر أسلمت -كما قالوا-سنة ست من البعثة (2)، و أولاد أبي بكر حالهم معلوم، حتى إن أحدهم قد طلب مبارزة أبيه-أبي بكر-يوم أحد أو بدر، كما سيأتي، فكيف يقول: إنه قد أنعم اللّه عليه و على والديه بعد النبوة بسنتين، و يطلب من اللّه أن يوفقه لشكر هذه النعمة؟ ! .

ثالثا: إن الآية المذكورة هي التي في سورة الأحقاف رقم 15، لأنها هي التي ذكرت الأربعين سنة، دون الآية التي في سورة النمل رقم 19.

و على هذا نقول: الأحقاف قد نزلت في المدينة، لا في مكة، و إسلام أبي بكر كان في مكة قبل عدة سنوات.

الدعوة في مراحلها التي اجتازتها:

و يرى البعض: أن الدعوة قد مرت بمراحل أربع:

الأولى: المرحلة السرية، و استمرت ثلاث أو خمس سنوات.

الثانية: الإعلان بالدعوة إلى اللّه بالقول فقط، دون اللجوء إلى العنف، و استمرت حتى الهجرة.

الثالثة: مرحلة الدفاع عن الدعوة بالسيف، و استمرت إلى صلح الحديبية.

الرابعة: قتال كل من وقف في سبيل الإسلام، من الوثنيين و المشركين،


1) أسد الغابة ج 5 ص 275 و الاستيعاب {مطبوع بهامش الإصابة} ج 4 ص 162 و قاموس الرجال ج 10 ص 166 عن المعارف لابن قتيبة.

2) راجع الغدير ج 7 ص 324.

و غيرهم، و هو ما استقر عليه أمر الدعوة و حكم الجهاد (1).

المرحلة السرية:

و لكننا لا نوافق على استعمال مصطلح «الفترة السرية» هنا إذ إن الظاهر هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن حينما بعث مأمورا بدعوة عموم الناس كما قدمنا، و لكنه كان يعرض هذا الدين بصورة طوعية و عفوية، و بدون أن يوجه الأنظار إلى ذلك، فكان هناك أفراد يسلمون تباعا.

و قد كان هذا الأسلوب في تلك الفترة ضروريا من أجل الحفاظ على مستقبل الدعوة، حتى لا تتعرض لعمل مسلح يقضي عليها في مهدها، حيث لا بد من إيجاد ثلة من المؤمنين، و من مختلف القبائل يحملون هذه العقيدة و يدافعون عنها، حتى لا يبقى مجال لتصفيتهم السريعة و الحاسمة من قبل أعدائهم الأشرار.

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن لا تهدر الطاقات، و تذهب الجهود سدى، و ينتهي الأمر إلى تمزق، و توزع في الثلة المؤمنة، ثم إلى ضياع مدمر.

و أيضا؛ فقد كانت هذه الفترة بمثابة إعداد نفسي، و تربية عقيدية و روحية لتلك الصفوة المؤمنة بربها، و برسالة نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، تمكنهم من الصمود في وجه التحديات التي تنتظرهم.

و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد: أن يقود عملية تغيير شاملة، فلا بد له من إتاحة الفرصة لتهيئة و إعداد القوى التي تستطيع أن تحقق هدفا


1) فقه السيرة للبوطي ص 91.

كبيرا كهذا، و تتمكن من الحفاظ و الاحتفاظ بالوجود الفعال و المؤثر في بقاء ذلك الهدف.

النبي صلّى اللّه عليه و آله في دار الأرقم:

قال المؤرخون: و لما صار عدد المسلمين ثلاثين رجلا-كما قيل-و صار بعض المسلمين يخرجون إلى الشعاب و الجبال خارج مكة لأداء الفرائض، و إقامة الشعائر، و صار بعض المشركين يترصدونهم، و يتعمدون إيذاءهم، و حصلت صدامات فردية لهم معهم، و منها أنه كما يقولون:

خرج جماعة من المسلمين إلى شعاب مكة للصلاة، فظهر عليهم نفر من قريش كانوا يرصدونهم، و يتبعون آثارهم، و هم يصلون؛ فناكروهم، و عابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص-و العهدة على الراوي-يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير، فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام (1).

و لكن قد قال الزبير {أي ابن بكار} : و طليب أول من دمى مشركا في الإسلام؛ بسبب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فإنه سمع عوف بن صبرة السهمي يشتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذ له لحى جمل، فضربه فشجه الخ. . (2).

و مرة أخرى تعقب مشركان مسلمين خرجا للصلاة في أحد الشعاب،


1) تاريخ الطبري ج 2 ص 62 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 282، و البداية و النهاية ج 3 ص 37، و السيرة الحلبية ج 1 ص 283، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99.

2) الإصابة ج 2 ص 233.

فباطشاهما (1).

فهذه الحوادث الجزئية-على ما يظهر-قد دفعت بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى اختيار دار الأرقم (2)، الواقعة على الصفا ليجعلها مركزا لدعوته، و محلا لاجتماع أصحابه به، ثم الابتعاد عن أنظار المشركين في عبادتهم و شعائرهم، بدلا من الخروج إلى الشعاب من أجل الصلاة.

فكانت هذه الدار هي مركز حركته و نشاطاته و بقي فيها شهرا (3)و لم يخرج منها حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا كما قيل (4)، و قيل: أكثر، و قيل: أقل، و حينئذ خرج «صلى اللّه عليه و آله» ليعلن دعوته، و ليبدأ مرحلة جديدة هي أصعب مرحلة، و أخطرها، و أكثر عنفا، و أشد بلاء.

هذا، و لكن بعض المحققين (5)يحتمل أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل دار الأرقم مرة أو مرات، و لكن يد السياسة قد طورت هذا الأمر؛ لتكون دار الأرقم في مقابل شعب أبي طالب، بل يدّعون: أنها دعيت دار


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 117.

2) أسلم سابع سبعة، أو بعد عشرة كما في الإصابة ج 1 ص 28 و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 107.

3) و قيل: أربع سنين. راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 283 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99.

4) الإصابة ج 1 ص 28 و السيرة الحلبية ج 1 ص 285 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99 و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 108.

5) هو العلامة السيد مهدي الروحاني رحمه اللّه.

الإسلام (1).

لكننا في المقابل لا نرى أن دار الأرقم كانت لها هذه الأهمية، و لا هذا الدور، و لذلك تجد ابن إسحاق و هو من نعرف-لا يشير إلى دار الأرقم لا من قريب و لا من بعيد-كما أن البلاذري يذكرها بصورة عابرة، دون أية أهمية.

و الذي يهتم بدار الأرقم و يبرزها على أنها مفصل تاريخي هو الواقدي بالدرجة الأولى، فلعل المسلمين ترددوا على هذه الدار مرات، فعظمت السياسة ذلك و طورته، حتى دعيت هذه الدار دار الإسلام، للتعتيم على شعب أبي طالب حسبما تقدم، و ذلك عن منطق السياسة الذي عرفناه و ألفناه غير بعيد.

قريش لا تهتم لمرحلة ما قبل الإعلان:

كان المشركون قد عرفوا بتنبؤ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أول الأمر، و لكنهم لم يهتموا كثيرا بالأمر-بادئ ذي بدء-ربما لأنهم اعتبروا أن القضية ليست بذات أهمية كبيرة؛ إلا من وجهة قبلية بالدرجة الأولى، و لكنهم ظلوا يتنسمون الأخبار، و يستطلعونها و كانوا يقولون: إن فتى عبد المطلب ليكلم من السماء.

إسلام أبي ذر رحمه اللّه:

و في هذه الفترة كان إسلام أبي ذر «رحمه اللّه» الذي كان رابع، أو


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 408.

خامس من أسلم (1)، حيث إنه سمع بمبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأرسل أخاه ليستقصي له الخبر، فرجع إليه، و لم يشف له غليلا.

فذهب هو بنفسه إلى مكة؛ فكره أن يسأل عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» علانية و رآه علي «عليه السلام» مضطجعا في ناحية المسجد الحرام، فعرف أنه غريب، فاستضافه ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء، ثم سأله أبو ذر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذه إليه بصورة سرية؛ حيث أمره أن يتبعه، فإن رأى ما يخاف منه عطف كأنه يريد أن يقضي حاجة، أو يصلح نعله.

و بعد أن أسلم أبو ذر خرج إلى المسجد الحرام؛ فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، فقام إليه المشركون فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس؛ فأكب عليه، و قال: و يحكم، ألستم تعلمون: أنه من غفار، و إنها طريق تجارتكم إلى الشام؟ فتركوه، و لكنه عاد في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، فخلصه العباس (2).


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 458، طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 164، و حلية الأولياء ج 1 ص 157، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 342، و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 313، و الإصابة ج 4 ص 63، و أسد الغابة ج 5 ص 186، و الغدير ج 8 ص 308-309 عن بعض من تقدم و عن شرح الجامع الصغير للمناوي ج 5 ص 423.

2) هذا ملخص ما في البخاري ج 2 ص 206-207 ط سنة 1309 ه و البداية و النهاية ج 3 ص 34، و حلية الأولياء ج 1 ص 159، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 339، و الغدير ج 8 ص 309-310 عن بعض من تقدم و صحيح مسلم-

و ثمة نصوص أخرى لا مجال لذكرها هنا.

و لما ضرب أبو ذر جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، أما قريش فلا أدعهم حتى أثأر منهم، ضربوني.

فخرج حتى أقام بعسفان، و كلما أقبلت عير لقريش، يحملون الطعام، ينفر بهم على ثنية غزال؛ فتلقي أحمالها؛ فجمعوا الحنط، و يقول أبو ذر لقومه: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا: «لا إله إلا اللّه» .

فيقولون: «لا إله إلا اللّه» ، و يأخذون الغرائر (1).

و حسب نص آخر: كان أبو ذر رجلا شجاعا يتفرد وحده بقطع الطريق، و يغير على الصرم (2)في عماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه كأنه السبع. .

إلى أن قال:

«فكان يعترض لعيرات قريش، فيقطعها، فيقول: لا أرد إليكم منها شيئا، حتى تشهدوا: أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه: فكان على ذلك حتى هاجر رسول اللّه، و مضى بدر، و أحد، ثم قدم فأقام بالمدينة» (3).

و أسلم على يده نصف قبيلته غفار، و وعده الباقون بأن يسلموا إذا قدم

(2) ج 7 ص 156 و الاستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 63 و دلائل النبوة لأبي نعيم ج 2 ص 86، و طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 161-162 و 164-165 و الإصابة ج 4 ص 63.


1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 164.

2) الصرمة: القطعة كم الإبل.

3) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 163، و راجع تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 100.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة (1).

و كان أبو ذر يتأله في الجاهلية، و يقول: «لا إله إلا اللّه» ، و لا يعبد الأصنام، و يقال: إنه صلى قبل مبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» عدة سنوات (2).

ما يستفاد من حديث إسلام أبي ذر:

أولا: إن عدم عبادة أبي ذر للأصنام، ليس إلا من أجل منافرتها لحكم العقل، و للفطرة السليمة، حين لا تطغى على الإنسان أي من العوامل الخارجية التي تجعل على قلبه و بصره غشاوة.

و يلاحظ: أن القرآن ما زاد في مقاومته لعبادة الأصنام، و التوجيه إلى اللّه تعالى على أن نبه العقل، و أثاره، و أرشد إلى ما تقتضيه الفطرة السليمة في هذا المجال، و كل من يستعرض الآيات القرآنية يرى كيف أن القرآن يهتم في الإرجاع إلى الفطرة، و حكم العقل، و يعتبر أن لهما وحدهما الحق في الحكم في هذا المجال.

ثانيا: إن أسلوب علي «عليه السلام» في المحافظة على عنصر السرية، حتى لا يلتفت المشركون إلى طبيعة تحركاته و أهدافه، و أسلوبه في إيصاله أبا ذر إلى الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» -رغم أنه لا يزال فتى يافعا- إن دلّ على شيء؛ فإنما يدلّ على دراية و روية، و تبصر و تدبر بالأمور، مما


1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 163، و راجع تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 100.

2) طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 163. و لا بأس بمراجعة ما كتبناه حول أبي ذر في مقال لنا في كتاب: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام. و حلية الأولياء ج 1 ص 157.

يؤكد امتيازه «عليه السلام» على غيره، ممن عاش و مارس الأمور.

كما أن اتكال أبي ذر رجل الحكمة و التبصر على دعوة علي «عليه السلام» له، و استجابته لدعوته و نزوله ضيفا عليه، يدلّ على أنه كان يرى في علي من الحكمة و الروية ما لا يراه في غيره، مهما كان فارق السن بينه و بين أولئك كبيرا.

و لقد كان «عليه السلام» يهدف إلى الحفاظ على أبي ذر من جهة، و على أن لا يلفت نظر المشركين إلى أنه يقوم بنشاط من أجل إدخال الناس في هذا الدين الجديد من جهة أخرى، و هذا الثاني هو الأهم بالنسبة إليه، فإنه لا يمكن أن يتخلى عن الدعوة في سبيل الشخص، و لكن الشخص هو الذي يضحي بنفسه و بكل ما لديه في سبيل الحفاظ على الدعوة و بقائها، و لكن هذه التضحية لا بد أن تكون في وقت الحاجة إليها، و حين يكون لا بد منها و لا غنى عنها، و إلا فلربما يكون ضررها أكثر من نفعها، أو على الأقل يكون هدرا لطاقات، و إتلافا لقدرات ربما تكون الدعوة في يوم ما بأمسّ الحاجة إليها.

ثالثا: ما فعلته قريش بأبي ذر لم يكن بسبب أن المواجهة كانت قد وقعت بينها و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن هذه المواجهة لم تكن حصلت حينئذ، و إنما رأت في تصرف أبي ذر هذا تحديا لها، و اعتداء على شرفها، و كبريائها، و لا يقصد منه إلا تحقيرها و إذلالها، من دون مبرر ظاهر تراه و تتعقله لتصرف كهذا سواه، و لعلها أرادت من بطشها بهذا الرجل الغريب و الوحيد ردع الآخرين، و إرهابهم، و منعهم من الإقبال على الدخول في الإسلام، أو من التظاهر به.

رابعا: إنتقام أبي ذر من قريش على ذلك النحو قد أثر فيها نفسيا، و روحيا إلى حد بعيد، و عرفها:

أنها لا يمكن أن تتعامل مع الآخرين، كما يحلو لها، و على حسب ما تشتهي، لأن الآخرين يملكون من الوسائل الفعالة للضغط عليها ما لا تجد معه حيلة، و لا تستطيع سبيلا.

خامسا: إن نجاح أبي ذر في دعوته قومه من قبيلتي غفار و أسلم، حتى إنه يستغل تشوقهم للحصول على غرائر الحنطة لطرح الخيار النهائي عليهم -إن نجاحه هذا-ليدل على أنه كان بعيد الهمة و النظر عاقلا لبيبا أريبا، يدرك أهداف الرسالة السماوية الحقة التي اعتنقها خير إدراك، و يدرك واجباته تجاهها، ثم هو ينفذ مهمته، و يقوم بواجباته على النحو الأكمل و الأمثل.

سادسا: إن محاولات أبي ذر الجادة للتعرف على صدق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دعواه، و إرساله أخاه أولا، ثم ذهابه هو بنفسه، و بقاءه ثلاثة أيام يبحث عن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، إنما كانت بدافع ذاتي ينبع من داخله، يدفعه إلى البحث عن الحق، و العمل من أجله، و في سبيله.

و هذا يؤيد القول: بأن العقل هو الذي يحكم و يدفع إلى تعلم ما ينفع، و ما يضر، للالتزام بذاك، و الابتعاد عن هذا. بل هو أمر فطري مغروس في فطرة الإنسان و طبيعته و سجيته، حتى إنك تجد الطفل الذي يحس بألم النار ليس فقط لا يحاول بعد ذلك الاقتراب منها، و إنما هو يجهد بكل ما أوتي من قوة و حول في الابتعاد عنها.

سابعا: إن موقف علي «عليه السلام» من أبي ذر ليعكس لنا: أن هذا

الفتى اليافع و الناشئ كان يعتز بنفسه، و يثق بها، فيدعو أبا ذر ليكون ضيفه ثلاثة أيام، ثم هو يساعده على الوصول إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشكل ذكي و حذر، ثم هو يتركه ثلاثة أيام لا يسأله عن أمره حتى لا يشعر هذا الضيف بأن مضيفه ربما يكون قد ضاق به ذرعا، أو ملّ وجوده؛ و ليكون قد أتاح له الفرصة ليستأنس في هذا البلد الذي يراه غريبا عليه، و يألفه، و يرتاح إليه نفسيا، كما ارتاح جسديا؛ و ليكون أنفذ بصيرة، و أكثر اطمينانا في بيان حاجته التي جاء من أجلها.

ثامنا: إن جهر أبي ذر بإسلامه، و تعريضه نفسه للضرب و الإهانة من قبل المشركين، إنما يعكس لنا مدى اعتزاز أبي ذر بإسلامه هذا، و مدى استعداده للتضحية في سبيله، ثم هو يعكس مدى حنق قريش و رعونتها في مواجهة الدعوة إلى اللّه تعالى، حتى إنها تنسى: أن من تبطش به ربما يكون في المستقبل سببا في عرقلة تجاراتها إلى الشام، و مضايقتها اقتصاديا.

نعم، تنسى ذلك، و تهجم عليه لتضربه، ثم ترتد عنه لا بدافع إنساني، و لا عن قناعة فكرية، و إنما لدوافع اقتصادية دنيوية، تعكس أنانيتها، و مستوى تفكيرها أولا و أخيرا، و لا شيء أخطر على الإنسان من الأنانية التي ربما تضع على عينيه غشاوة؛ فلا يبصر الحق الأبلج، و لا يهتدي سواء السبيل.

تاسعا: لعل أبا ذر قد أراد كسر شوكة أعداء الإسلام، و فتح ثغرة في هذا الجبروت، ثم كسر حاجز الخوف لدى المسلمين، ليتشجعوا على مواجهة الأخطار، و ضرب المثل الحي لهم في مجال التضحية من أجل الدين و الحق، كما أن ذلك لسوف يؤثر على من يميلون إلى هذا الدين و يتعاطفون

مع المسلمين، و يثير إعجابهم بصورة كبيرة.

و أخيرا، فلسوف نرى: أن ثمة محاولات لنسبة موقف أبي ذر الشجاع و الجريء و الفذ هذا تجاه قريش إلى غيره من الصحابة، كأبي بكر تارة، و عمر أخرى.

و لكن كل ذلك لا يمكن أن يصح، كما سنذكره حين الحديث عن إسلام عمر، و هجرة أبي بكر.

الباب الثاني: حتى وفاة أبي طالب عليه السّلام

اشارة

الفصل الأول: الإسراء و المعراج

الفصل الثاني: إنذار العشيرة

الفصل الثالث: حتى الهجرة إلي الحبشة

الفصل الرابع: هجرة الحبشة

الفصل الخامس: حتى الشعب

الفصل السادس: في شعب أبي طالب عليه السّلام

الفصل السابع: أبو طالب عليه السّلام

الفصل الأول: الإسراء و المعراج

اشارة

الإسراء و المعراج:

بعد بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و في أثناء المرحلة السرية، التي استمرت ثلاث، أو خمس سنوات، كان-على الأرجح-الإسراء و المعراج: الإسراء إلى بيت المقدس، حسب نص القرآن الكريم.

و المعراج من هناك إلى السماء، الذي وردت به أخبار كثيرة.

و حيث إن التفاصيل الدقيقة لهاتين القضيتين يصعب الجزم في كثير منها إلا بعد البحث الطويل و العميق.

ذلك لأن هذه القضية، و جزئياتها قد تعرضت على مر الزمان للتلاعب و التزيد فيها، من قبل الرواة و القصاصين، ثم من قبل أعداء الإسلام؛ بهدف تشويه هذا الدين، و إظهاره على أنه يحوي الغرائب و العجائب، و الأساطير و الخرافات، لأسباب شخصية، و سياسية و غيرها.

و لم يسلم من مكائد هؤلاء حتى رموز الإسلام، و حفظته و أئمة المسلمين أيضا.

و قد حذر الإمام الرضا «عليه السلام» من هؤلاء-حسبما روي عنه- حيث قال لابن أبي محمود: «إن مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا و جعلوها على أقسام ثلاثة:

أحدها: الغلو.

و ثانيها: التقصير في أمرنا.

و ثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا.

فإذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا، و نسبوهم إلى القول بربوبيتنا.

و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا.

و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا و قد قال اللّه عز و جل: وَ لاٰ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ » (1).

و بعد ما تقدم، فإن التعرض لبحث التفاصيل الدقيقة لقضية الإسراء و المعراج يحتاج إلى توفر تام، و تأليف مستقل؛ و لذا فنحن لا نستطيع في هذه الفرصة المتوفرة لنا أن نعطي تصورا دقيقا عنه.

و على هذا، فسوف نكتفي بالإشارة إلى بعض الجوانب التي رأينا أن من المناسب التعرض لها؛ فنقول:

متى كان الإسراء و المعراج؟ !

إن المشهور هو: أن الإسراء و المعراج قد كان قبل الهجرة بمدة و جيزة؛ فبعضهم قال: ستة أشهر.

و بعضهم قال: في السنة الثانية عشرة للبعثة، أو في الحادية عشرة أو في العاشرة.


1) الآية 108 من سورة الأنعام، راجع: البحار ج 26 ص 239 و عيون أخبار الرضا ج 1 ص 304.

و قيل: بعد الهجرة (1).

و في مقابل ذلك نجد البعض يقول: إنه كان في السنة الثانية من البعثة (2)، و قيل: في الخامسة، و قيل في الثالثة-و هو الأرجح عندنا-و لعل ابن عساكر يختار ما يقرب مما ذكرنا، حيث إنه ذكر الإسراء في أول البعثة كما ذكره عنه ابن كثير (3).

و قال مغلطاي، بعد أن ذكر بعض الأقوال: «و قيل: كان بعد النبوة بخمسة أعوام، و قيل: بعام و نصف عام.

و قال عياض: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا» (4).

و قال ملا علي القاري: «و ذكر النووي: أن معظم السلف، و جمهور المحدثين و الفقهاء على أن الإسراء و المعراج كان بعد البعثة بستة عشر شهرا» (5).

و قال ابن شهر آشوب: «ثم فرضت الصلوات الخمس بعد إسرائه في السنة التاسعة من نبوته» (6).

فإن قوله: «في السنة التاسعة» راجع إلى فرض الصلوات، و قد ظهر من


1) راجع: السيرة الحلبية، و تاريخ الخميس، و غير ذلك.

2) البحار ج 18 ص 319 عن العدد، و نقل ذلك عن الزهري في عدة مصادر.

3) البداية و النهاية ج 3 ص 108.

4) سيرة مغلطاي ص 27.

5) شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 222.

6) المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 43.

كلامه: أن فرضهما كان بعد الإسراء و المعراج، و لكنه لم يبين لنا تاريخه بالسنة و لا باليوم و الشهر.

و قال الديار بكري: «فأما سنة الإسراء، فقال الزهري: كان ذلك بعد المبعث بخمس سنين.

حكاه القاضي عياض، و رجحه القرطبي، و النووي.

و قيل: قبل الهجرة بسنة إلخ» (1).

الأدلة على المختار:

و أما ما يدل على أن الإسراء قد كان في السنوات الأولى من المبعث؛ فعدا عن الأقوال المتقدمة، و لا سيما ما ذكره الزهري و النووي، نشير إلى الأمور التالية:

1-ما روي عن ابن عباس أن ذلك كان بعد البعثة بسنتين (2)و ابن عباس كان أقرب إلى زمن الرسول، و أعرف بسيرته من هؤلاء المؤرخين، فإذا ثبت النص عنه قدم على أقوال هؤلاء.

و لربما لا يكون هذا مخالفا لما تقدم عن الزهري و غيره، إذا كان ابن عباس لا يحسب الثلاث سنوات الأولى، على اعتبار: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أمر بإنذار الناس بعدها.

2-قد ورد عن الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» : أن الإسراء قد كان


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 307.

2) البحار ج 18 ص 319 و 381 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26، حيث ذكر ذلك بعد المبعث، و قبل الإنذار.

بعد ثلاث سنين من مبعثه (1)، و هذا هو الأصح و المعتمد.

3-و يدل على ذلك بشكل قاطع ما روي عن: ابن عباس، و سعد بن مالك، و سعد بن أبي وقاص، و الإمام الصادق «عليه السلام» ، و عمر بن الخطاب، و عائشة، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» -حينما عاتبته على كثرة تقبيله ابنته سيدة النساء، فاطمة «عليها السلام» -قال لها: نعم يا عائشة، لما أسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني منها تفاحة، فأكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة؛ ففاطمة حوراء إنسية، و كلما اشتقت إلى الجنة قبلتها (2).

و معلوم مما سبق: أن فاطمة قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات؛ فالإسراء و المعراج كانا قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر، و لعله قبل ذلك بسنتين.


1) البحار ج 18 ص 379 عن الخرائج و الجرايح.

2) تاريخ بغداد ج 5 ص 87، و المواهب اللدنية ج 2 ص 29، و مقتل الحسين للخوارزمي ص 63/64 و ذخائر العقبى ص 36، و ميزان الاعتدال ج 2 ص 297 و 160، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 165، و تلخيصه للذهبي، و مجمع الزوائد ج 9 ص 202، و ينابيع المودة ص 97، و نزهة المجالس ج 2 ص 179، و مناقب المغازلي ص 358 و البحار ج 18 ص 315 و 350 و 364، و نور الأبصار ص 44 و 45 و علل الشرائع ص 72، و تفسير القمي و نظم درر السمطين ص 176 و محاضرة الأوائل ص 88 و ملحقات إحقاق الحق للمرعشي ج 10 ص 1-11 عن بعض من تقدم، و عن: أرجح المطالب ص 239، و وسيلة المآل ص 78/79، و إعراب ثلاثين سورة ص 120، و كنز العمال ج 14 ص 97 و ج 3 ص 94، و مفتاح النجا ص 98 مخطوط و أخبار الدول ص 87 و عن ميزان الاعتدال ج 1 ص 38 و 253 و ج 2 ص 26 و 84 و الدر المنثور ج 4 ص 153 عن الطبراني و الحاكم.

حتى أذن اللّه لتلك النطفة بالظهور، و الاستقرار في موضعها.

4-إن سورة الإسراء قد نزلت في أوائل البعثة، و يدل على ذلك:

أ-ما رواه البخاري و غيره، من أن قوله تعالى في سورة الإسراء: وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا (1)قد نزل بمكة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مختف.

و كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن؛ فإذا سمع المشركون سبوا القرآن، و من أنزله، و من جاء به إلخ (2).

و معلوم: أن اختفاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دار الأرقم إنما كان في أوائل البعثة، و المقصود بالاختفاء هو التخفي عن أعين المشركين حين الصلاة.

و أجاب المحقق الروحاني على ذلك، بأن من الممكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ مختفيا في شعب أبي طالب.

فلا تدل هذه الرواية على أن الإسراء كان في أول البعثة.

و لكن، لنا أن نناقشه بأن الداعي إلى دخولهم الشعب لم يكن هو التخفي في الصلاة و تلاوة القرآن، و إنما اضطرهم المشركون إلى دخوله، و حاصروهم فيه، فالتعبير بالاختفاء يدل على أن ذلك قد كان في أوائل البعثة.


1) الآية 110 من سورة الإسراء.

2) صحيح البخاري طبع سنة 1309 ه ج 3 ص 99، و الدر المنثور ج 4 ص 206 عنه و عن: مسلم و أحمد و الترمذي، و النسائي، و سعيد بن منصور، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و ابن مردويه، و الطبراني و البيهقي.

و وجود هجوم في سورة الإسراء على عقائد المشركين لا يضر إذا كانت السورة قد نزلت في أوائل البعثة.

ب-ما ذكره البعض في مقال له (1)من أن سورة الإسراء قد نزلت بعد الحجر بثلاث سور (2)و سورة الحجر قد نزلت في المرحلة السرية.

و فيها جاء قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ (3).

الأمر الذي تسبب عنه الجهر بالدعوة و إظهارها.

و إيراد المحقق الروحاني هنا: بأن في السورة ما يدل على وجود الصدام بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المشركين.

و هذا الصدام إنما حصل بعد الاختفاء في دار الأرقم، و بعد الإعلان بالدعوة.

يجاب عنه بما تقدم: من أن من غير البعيد أن تكون هذه السورة قد نزلت تدريجا؛ فبدأ نزولها في أول البعثة.

ثم أكملت في فترة التحدي و المجابهة بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المشركين.

و يدل على قدم نزولها أيضا: قول ابن مسعود عن سور الإسراء، و الكهف، و مريم: إنهن من العتاق الأول، و هن من تلادي (4).


1) راجع: مجلة الوعي الإسلامي المغربية عدد 163 ص 56.

2) راجع: الإتقان ج 1 ص 11، و تاريخ القرآن للزنجاني ص 37.

3) الآية 94 من سورة الحجر.

4) صحيح البخاري ج 3 ط سنة 1309 ص 96 و الدر المنثور ج 4 ص 136 عنه و عن ابن الضريس و ابن مردويه.

و ابن مسعود ممن هاجر إلى الحبشة، و رجع منها، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى بدر (1).

إلا أن يقال: إن ابن مسعود إنما هاجر إلى الحبشة بعد الطائف، أي في الهجرة الثانية، لا في الأولى؛ فلاحظ؛ فإن ذلك لا يلائم قوله: إنهن من العتاق الأول.

5-إن سورة النجم-التي يذكرون أنها تذكر المعراج في آياتها-قد نزلت هي الأخرى في أوائل البعثة؛ فإنها نزلت بعد اثنتين أو ثلاث و عشرين سورة، و نزل بعدها أربع و ستون سورة في مكة (2).

و سيأتي في قصة الغرانيق المكذوبة أو المحرفة: أنهم يقولون: إنها إنما نزلت بعد الهجرة إلى الحبشة بثلاثة أشهر، و الهجرة إلى الحبشة إنما كانت في السنة الخامسة.

بل لقد قيل: إن سورة النجم هي أول سورة أعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقراءتها؛ فقرأها على المؤمنين و المشركين جميعا (3).

و النقاش في كون آيات سورة النجم ناظرة إلى المعراج، يمكن تجاوزه، و عدم القبول به كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

6-و يؤيد كون هذه القضية قد حصلت في أوائل البعثة، أنه حين عرج


1) فتح الباري ج 7 ص 145.

2) راجع الإتقان ج 1 ص 10-11 و 25.

3) تفسير الميزان مجلد 19 ص 26.

به «صلى اللّه عليه و آله» صار الملائكة يسألون: أو قد أرسل إليه؟ (1).

فإن هذا يشير إلى أن ذلك إنما كان في أول بعثته «صلى اللّه عليه و آله» لا بعد عشرة أو اثنتي عشرة سنة، فإن أمره «صلى اللّه عليه و آله» كان قد اشتهر في أهل السماوات حينئذ.

بل يمكن أن يكون قد اشتهر ذلك منذ الأيام الأولى من البعثة.

7-ما يدل على أن الإسراء قد كان قبل وفاة أبي طالب: فإن بعض الروايات تذكر أن أبا طالب «عليه السلام» قد افتقده ليلته، فلم يزل يطلبه حتى وجده، فذهب إلى المسجد، و معه الهاشميون، فسل سيفه عند الحجر، و أمر الهاشميين بإظهار السيوف التي معهم، ثم التفت إلى قريش، و قال: لو لم أره ما بقي منكم عين تطرف.

فقالت قريش: لقد ركبت منا عظيما (2).

8-ما روي من أن جبرئيل قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حين رجوعه: حاجتي أن تقرأ على خديجة من اللّه و مني السلام (3).

9-و عن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ثم رجعت إلى


1) مجمع الزوائد ج 1 ص 69/70 عن البزار و المواهب اللدنية ج 2 ص 6، و تاريخ الخميس ج 1 ص 310.

2) مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 180، و البحار ج 18 ص 384.

3) البحار ج 18 ص 385 عن العياشي، عن زرارة، و حمران بن أعين، و محمد بن مسلم، عن الباقر «عليه السلام» .

خديجة، و ما تحولت عن جانبها (1).

فكل ذلك يدل على أن هذا الحدث قد كان قبل وفاة شيخ الأبطح، و أم المؤمنين خديجة «رحمها اللّه» و هما قد توفيا في السنة العاشرة من بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكيف يكون الإسراء و المعراج قد حصل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو بعدها؟ ! .

تسمية أبي بكر بالصديق

إنه إذا تأكد لنا: أن الإسراء و المعراج كان في السنة الثالثة من البعثة، أي قبل أن يسلم من المسلمين أربعون رجلا؛ فإننا نعرف: أن الإسراء كان قبل إسلام أبي بكر بمدة طويلة؛ لأنه كما تقدم قد أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا، بل إنما أسلم حوالي السنة الخامسة من البعثة، بل في السابعة أي بعد وقوع المواجهة بين قريش و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو بعد الهجرة إلى الحبشة فهو أول من أسلم بعد هذه المواجهة أو الهجرة-على الظاهر.

و إذا كان الإسراء قد حصل قبل إسلامه بمدة طويلة، فلا يبقى مجال لتصديق ما يذكر هنا، من أنه قد سمي صديقا حينما صدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قضية الإسراء (2)، و لا لما يذكرونه من أن ملكا كان يكلم رسول اللّه حين المعراج بصوت أبي بكر (3)و قد صرح الحفاظ بكذب طائفة


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 315.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 315، و المواهب اللدنية ج 2 ص 40 و مستدرك الحاكم، و ابن إسحاق.

3) المواهب اللدنية ج 2 ص 29 و 30، و راجع الدر المنثور ج 4 ص 155 و راجع ص 154.

من تلك الروايات (1).

و الصحيح: هو أنه قد كلمه بصوت علي «عليه السلام» (2).

و بذلك يظهر حال سائر ما يذكر هنا لهذا الرجل من فضائل و مواقف تنسب إليه في السنوات الثلاث الأولى من البعثة.

و بعد ما تقدم نقول: جاء في الشفاء عن أبي حمراء قال:

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، أيدته بعلي «عليه السلام» (3).

الإسراء و المعراج في اليقظة أو في المنام؟ !

يرى البعض: أن الإسراء قد كان بالروح فقط، في عالم الرؤيا، و يحتجون بما عن عائشة: ما فقدت جسد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).

و عن معاوية: إنها رؤيا صالحة (5).


1) راجع: الغدير ج 5 ص 303 و 324 و 325 فإنه قد نقل هذه الروايات و تكذيبها عن: ميزان الاعتدال ج 1 ص 370، و لسان الميزان ج 5 ص 235، و تهذيب التهذيب ج 5 ص 138، و السيوطي في الموضوعات، و ابن حبان، و ابن عدي.

2) المناقب للخوارزمي ص 37 و ينابيع المودة ص 83.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 313.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 308، و المواهب اللدنية ج 2 ص 2، و البحار ج 18 ص 291 و في المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 177: أن الجهمية قالت بهذا.

5) البحار ج 18 ص 291 عن: المقاصد و شرحه، و راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 308.

و حكي مثل ذلك عن الحسن البصري.

و لكن الصحيح هو ما ذهب إليه الإمامية و معظم المسلمين من أن الإسراء إنما كان بالروح و الجسد معا.

أما المعراج فذهب الأكثر إلى أنه كان بالروح و الجسد و هو الصحيح أيضا.

و نحن نشير هنا إلى ما يلي:

أولا: بالنسبة لعائشة، قال القسطلاني: «و أجيب: بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجا، و لا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد، على الخلاف في الإسراء متى كان» (1).

و أما معاوية فحاله معلوم مما ذكرناه في الجزء الأول: «المدخل لدراسة السيرة» .

ثانيا: قال تعالى: سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى (2)و قال في سورة النجم-إذا كانت الآيات ناظرة إلى المعراج، و يرجع الضمير فيها إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا إلى جبرئيل-: فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ، فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ (3).

فإن لفظ العبد إنما يطلق على الروح و الجسد معا، و لو كان مناما، لكان قال: بروح عبده، و إلى روح عبده.


1) المواهب اللدنية ج 2 ص 2.

2) الآية 1 من سورة الإسراء.

3) الآيتين 9 و 10 من سورة النجم.

كما أن قوله تعالى: مٰا زٰاغَ اَلْبَصَرُ وَ مٰا طَغىٰ ظاهر في البصر الحقيقي أيضا (1).

أضف إلى ذلك: أن آية سورة الإسراء، و آيات سورة النجم واردة في مقام الامتنان.

و فيها ثناء على اللّه، و عجيب قدرته، و ذلك لا يحسن، و لا يتم لمجرد رؤيا رآها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ إذ ربما يرى غير النبي، و حتى الفاسق الفاجر رؤيا أعظم من ذلك.

هذا بالإضافة إلى أن الرؤيا عند عامة الناس لا تدل على عظيم قدرته تعالى، إذ ربما تفسر على أنها نوع من الأوهام و الخيالات، فيفوت الغرض المقصود من الإسراء و المعراج، كما هو ظاهر (2).

ثالثا: إنه لو كان الإسراء مجرد رؤيا صالحة؛ فلا يبقى فيه إعجاز؛ و لما أنكره المشركون و المعاندون، و لما ارتد ناس ممن كان قد أسلم، كما سنشير إليه.

رابعا: لو كان مجرد رؤيا، لم يخرج أبو طالب و الهاشميون في طلبه «صلى اللّه عليه و آله» .

و كان العباس يناديه حتى أجابه من بعض النواحي، حسبما ورد في بعض الروايات.


1) الآية 17 من سورة النجم، راجع هذا الاستدلال في: البحار ج 18 ص 286 عن الرازي، و المواهب اللدنية ج 2 ص 4، و تاريخ الخميس ج 1 ص 308.

2) راجع: تفسير الميزان ج 13 ص 24.

و أما لماذا ينكرون: أن يكون ذلك بالروح و الجسد معا؛ فهو إما لعدم قدرتهم على تعقل ذلك، أو لأجل الحط من كرامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما تقدم في المدخل لدراسة السيرة، أو لعدم قدرتهم على إقناع الناس بأمر مبهم كهذا.

الإسراء و المعراج في القرآن:

إنه لو صح التفريق بين الإسراء و المعراج، لقلنا:

إننا نؤمن بالإسراء استنادا إلى قوله تعالى: سُبْحٰانَ اَلَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا (1). . فمحط النظر في الآية هو بيان الإسراء فقط.

لكن الحقيقة هي: أن المراد بالإسراء هو السير بالليل سواء كان سيرا صعوديا أو أفقيا، فالآية ناظرة إلى المعراج كما أظهرته الروايات التي ذكرت أن المسجد الأقصى في السماء، و قد شرحنا ذلك بشيء من التفصيل في كتابنا المسجد الأقصى أين؟ !

و بذلك يكون المعراج قد ذكر في القرآن صراحة، و قد يقال: إنه قد ذكر صراحة أيضا في آيات سورة النجم و هي قوله تعالى: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوىٰ، وَ هُوَ بِالْأُفُقِ اَلْأَعْلىٰ، ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى، فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ، فَأَوْحىٰ إِلىٰ عَبْدِهِ مٰا أَوْحىٰ، مٰا كَذَبَ اَلْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ (2)، إن قلنا إن الضمير فيها يرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا إلى ذي المرة، الذي هو جبرئيل.


1) الآية 1 من سورة الإسراء.

2) الآيات 6 إلى 11 من سورة النجم.

مع ملاحظة: أن آية سورة بني إسرائيل تتحدث عن إسراء، و آيات سورة النجم تتحدث عن إسراء آخر بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» به سدرة المنتهى، حيث رأى هناك جبرئيل على صورته الحقيقية.

و قد يقال: إن رجوع الضمير إلى جبرئيل «عليه السلام» في قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ هو الظاهر، و يدل عليه رواية صحيحة السند، عالية الإسناد، عن الإمام الرضا «عليه السلام» : أنه كان المراد بقوله: مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىٰ هو جبرئيل «عليه السلام» كما سنشير إليه.

و الرواية تستشهد و تستدل بنص الآيات في السورة (1).

و يدل على ذلك أيضا و يفسره قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ (2)فراجع.

و يدل عليه: ما روي عن الإمام السجاد «عليه السلام» أنه قال في خطبته بالشام: «أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. .» .

أضف إلى ذلك: أن كثرة الأخبار الواردة في المعراج، و حتى تواترها القطعي لا يبقي مجالا للشك في حصول المعراج؛ فنحن نؤمن به أيضا استنادا إلى ذلك.

و أما القول بوجود تعارض بين آية سورة الإسراء، و بين الروايات الدالة على المعراج، على اعتبار: أن الآية تدل على أن انتهاء السير كان في


1) راجع البرهان للبحراني ج 4 ص 248 و ستأتي الرواية تحت عنوان: لا تدركه الأبصار.

2) الآية 23 من سورة التكوير.

المسجد الأقصى، و لم يكن بعده سير، فلا يصح لأن هناك رحلتين مختلفتين من حيث الكيفية و القصد.

و قد كان انتهاء الرحلة الأولى في المسجد الأقصى، الذي هو في السماء كما دلت عليه الروايات، و لم يتعلق غرض في الآية ببيان الرحلة الثانية أصلا، ثم جاءت الروايات لتبين الإسراء الذي تحدثت عنه آيات سورة النجم، و الذي رأى فيه «صلى اللّه عليه و آله» عند سدرة المنتهى جبرئيل على صورته الحقيقية.

توضيح:

إن الروايات تشير إلى أن المشركين قد صعب عليهم الإيمان بالمعراج، فاختار «صلى اللّه عليه و آله» أسلوب البيان لبعض الأمور التي يعرفونها عن طريق الحس ليكون التصديق به أيسر و أقرب.

و رغم ذلك فإنه: قد صعب عليهم التصديق به، بل و استهزؤوا و شنعوا عليه ما شاء لهم بغيهم و حنقهم.

رغم أنه قد أخبرهم بما جرى للقافلة التي رآها في طريقه، و بأنها قد أضلت بعيرا، و كسرت فيها ناقة حمراء في الوقت الفلاني، و بان لهم صدقه في ذلك.

و رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» وصف لهم بيت المقدس وصفا دقيقا، يعلمون صحته و صدقه، مع علمهم بعدم رؤيته «صلى اللّه عليه و آله» له فيما مضى.

و أيضا، إذا كان بعض ضعفاء المسلمين قد ارتدوا حين أخبرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببعض ذلك (1)، الذي هو من جملة المعجزات القاطعة، و البراهين الساطعة.

نعم، إذا كان ذلك كله، فكيف تكون الحال إذا أخبرهم بما هو أكثر غرابة و بعدا عن أذهانهم، و هو رحلته إلى السماوات العلى، و ما شاهد فيها من عجائب الصنع، و بديع الخلق؟ ! .

و لهذا، فإننا نرجح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تدرج في إخبارهم بذلك كله، بحسب ما تقتضيه المصلحة، و متطلبات الدعوة إلى اللّه تعالى.

الداعية الحكيم:

و لعل مما تقدم يظهر: أنه إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و من الضلالة إلى الهدى، فإن من الطبيعي أن يهتم في الحفاظ على الركيزة الإيمانية التي يحصل عليها، و أن لا يدخلها في أجواء ليس لها القدرة على استيعابها و لا على مواجهة أخطار الانحراف فيها.

و من الواضح: أنه إذا أخبرهم بقضية المعراج، مع عدم قدرتهم على التحمل و التفاعل معها و لا على تصورها، فإنهم إذا ارتدوا حينئذ


1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 328، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 21، و أخرجه أبو نعيم، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 353 و حياة الصحابة ج 3 ص 73 عن بعض من تقدم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 308 و 315، و المواهب اللدنية ج 2 ص 40.

فسيكونون معذورين، و لا سيما إذا كان التصديق بهذه القضية إنما يستند إلى المستوى الإيماني لديهم بالدرجة الأولى.

و أما إخبارهم بالأمور الحسية أو القريبة من الحس، فقد كان بالإمكان أن يؤدي الإخبار عنها نفس النتيجة المتوخاة، و هي الجهة الإعجازية ذات الطابع المعين مع إمكان الاستناد في مقام الإقناع بها إلى أدلة تقربها إلى الحس، و تجعل القبول بها أيسر و أسهل من تلك، و لا يعتمد فيها على المستوى الإيماني و حسب.

و إذا؛ فلا يبقى ثمة مبرر لارتداد هؤلاء، و لا لعناد أولئك.

و من الواضح: أن كل هذا الكلام لا يمنع من كون سورة النجم ناظرة إلى المعراج، فإن الروايات تقول:

أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عرج به إلى السماوات أكثر من مرة، فأخبرهم «صلى اللّه عليه و آله» عن الإسراء في المرة الأولى، ثم بعد أن أصبحوا مؤهلين لتلقي هذه القضية، نزلت السورة و أخبرهم بالمعراج إلى السماوات.

لا تدركه الأبصار:

و يرى البعض، استنادا إلى قوله تعالى: أَ فَتُمٰارُونَهُ عَلىٰ مٰا يَرىٰ، وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ، عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىٰ. . (1): أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى اللّه حين المعراج بعين رأسه، و رووا ذلك عن ابن عباس.

بل لقد حكى النقاش عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أنا أقول بحديث


1) الآيات من 12 إلى 14 من سورة النجم.

ابن عباس: بعينه رآه، رآه، حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد (1).

و نحن لا نريد أن نفيض في الحديث حول الرؤية له تعالى، فلقد أثبت علماؤنا الأبرار، بما لا مجال معه للشك استحالة رؤيته تعالى، سواء في الدنيا، أو في الآخرة.

و قد فندوا أدلة المجسمة المثبتين للرؤية في الدنيا و الآخرة، أو في الآخرة فقط بشكل علمي و قاطع. . فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بمراجعة دلائل الصدق، و غيره من الكتب المعدة لذلك (2).

و نكتفي هنا بالإشارة إلى أن الرواية عن ابن عباس غير ثابتة، فقد روي عنه أيضا خلافها (3).

و روي عن عائشة: أن مسروقا قال لها: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ربه؟

قالت: لقد قف شعري مما قلت. .

إلى أن قالت: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تدركه الأبصار الخ. . (4).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 314.

2) مثل: دلائل الصدق، و غيره من الكتب الباحثة في الشأن العقائدي.

3) راجع في الروايات الكثيرة عنه: الدر المنثور ج 6 ص 122-126.

4) المواهب اللدنية ج 2 ص 34 عن البخاري و مسلم، و تاريخ الخميس ج 1 ص 313، و الدر المنثور ج 6 ص 124 عن عبد بن حميد، و الترمذي، و ابن جرير و ابن المنذر، و الحاكم و ابن مردويه.

و عند مسلم: أنها أضافت: أنها سألت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فأخبرها: أنه لم يره، و إنما رأى جبرئيل (1).

و الروايات في أن المقصود بمن رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ هو جبرئيل كثيرة جدا و كذلك الروايات التي تؤكد: على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رآى اللّه بقلبه و فؤاده، لا بعينه و بصره، فإنها كثيرة أيضا (2).

و ليس بين هاتين الطائفتين أي تناف أو تعارض. .

بل إن نفس الآيات ظاهرة-إن لم تكن صريحة-في أن المقصود هو جبرئيل، بيان ذلك باختصار: أن قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوىٰ يراد بشديد القوى هو جبرئيل «عليه السلام» ، ثم وصف جبرئيل، الذي وصفه اللّه بالقوة في قوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ (3)بكونه ذا مرة، «أي شدة و حصافة في العقل و الرأي» (4)، و قوله: فَاسْتَوىٰ أي أن ذلك الشديد، ذا المرة، استقام أو استولى، و هو بالأفق الأعلى.

و قوله: ثُمَّ دَنٰا ، أي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان قاب قوسين أو أدنى من حجب النور، حيث رأى ملكوت السماوات، ثم تدلى «صلى اللّه


1) المواهب اللدنية ج 2 ص 35 عن مسلم.

2) يكفي أن يرجع الطالب إلى الدر المنثور ج 6 ص 122-126 و تاريخ الخميس ج 1 ص 313 و 314 و المواهب اللدنية ج 2 ص 36 و 37 و غير ذلك من المصادر الكثيرة جدا.

3) الآية 20 من سورة التكوير.

4) احتمل بعض المحققين: أن يكون وصف اللّه تعالى لجبرئيل بالشدة في مقابل التابع من الجن الذي كان ضعيفا بحيث يستطيع الإنسان أن يتسلط عليه.

عليه و آله» فنظر تحته إلى ملكوت الأرض، فأوحى اللّه تعالى إلى عبده محمد «صلى اللّه عليه و آله» ما أوحى.

و رجوع الضمير إلى اللّه مع عدم سبق ذكره، لا ضير فيه لوضوحه، كما قال العلامة الطباطبائي، أو على أن يكون ضمائر فأوحى إلى عبده ما أوحى راجعة إلى اللّه تعالى.

ثم قال: ما كذب الفؤاد ما رأى.

و المرئي هو الآيات الكبرى، و منها ما تقدم من الدنو، و التدلي، و كونه «صلى اللّه عليه و آله» بالأفق الأعلى، و رؤيته جبرئيل عند سدرة المنتهى، ثم تجاوزها «صلى اللّه عليه و آله» كما قلنا.

و ليس في الآية ما يدل على أن الرؤية قد كانت للّه تعالى.

و يدل على ما نقول قوله تعالى الآتي: مٰا زٰاغَ اَلْبَصَرُ وَ مٰا طَغىٰ، لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىٰ (1).

ثم قال تعالى: أَ فَتُمٰارُونَهُ عَلىٰ مٰا يَرىٰ (2)أي أتجادلونه في رؤيته جبرئيل على حقيقته العجيبة التي هي من آيات اللّه الكبرى، و هل هذا أمر نظري عقلي يصح الجدال و المراء فيه؟

و هل بإمكانه أن يكذّب بصره و يقول: لا أراه؟ !

فإن الكفار كانوا ينكرون رؤيته الملك على حقيقته رغم أنهم ليس لديهم أي علم بهذا الأمر، كما لا سبيل لديهم إلى معرفته، ثم قال تعالى:


1) الآيتان 17 و 18 من سورة النجم.

2) الآية 12 من سورة النجم.

وَ لَقَدْ رَآهُ ، -و الضمير يرجع إلى ذلك الذي لا يزال يتحدث عنه- نَزْلَةً أُخْرىٰ ، أي في نزول آخر، و الذي كان ينزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» هو جبرئيل، فإنه رآه و التقى معه على صورته في نزلة ثانية عند سدرة المنتهى.

و ربما تكون النزلة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه بعد أن تجاوز سدرة المنتهى إلى حجب النور، و رأى العرش و ملكوت السماوات فإنه تدلى لكي يرى ملكوت الأرض حتى كان قاب قوسين أو أدنى فرأى جبرئيل على صورته الحقيقية مرة أخرى عند سدرة المنتهى.

و يرى البعض: أنه لا بد أن تكون هذه الرؤية الثانية في الأرض، و إلا لوجب أن يقول: و لقد رآه نزلة أخرى، ثم عرج به إلى السماء، حتى انتهى إلى السدرة، فرآه عندها، و يبدو: أنه كان في الأرض-كما يراه بعض المحققين-شجرة سدر كان لقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بجبرئيل عندها، و عند تلك السدرة توجد جنة المأوى، أي جنة و بستان يؤوى إليها، أو أن الجنة في الآخرة ستكون في تلك المنطقة.

و بعض المحققين يرى: أن المراد بالنزلة الدفعة، و أنه قد رأى جبرئيل بعد العروج عند سدرة المنتهى، و أن الجنة الحقيقية موجودة هناك.

و نقول:

إن هذا الكلام خلاف ظاهر التعبير بسدرة المنتهى، التي فسرت في الروايات بما ذكرناه. .

و تحقيق مكان الجنة ليس هنا محله.

و هكذا يتضح: أن هذه الآيات ناظرة إلى رؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجبرئيل على صورته الحقيقية مرتين في نزلتين، لجبرئيل أو للنبي

«صلى اللّه عليه و آله» ، و جبرئيل في صورته الحقيقية هو من آيات اللّه الكبرى. .

و لأجل ذلك تجده تارة يتحدث عنه في صورة المفرد فيقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ (1)، و تارة يتحدث عنه في ضمن آيات ربه فيقول: لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىٰ (2). أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى جبرئيل في نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، ثم رأى هناك بعض الآيات الكبرى الأخرى.

و هذا هو ما أكده الإمام الرضا «عليه السلام» ، في رواية صحيحة السند عنه، جاء فيها: قال أبو قرة: إنا روينا: أن اللّه قسم الرؤية و الكلام بين نبيين؛ فقسم الكلام لموسى، و لمحمد الرؤية.

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : فمن المبلغ عن اللّه إلى الثقلين، من الجن و الإنس: لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ (3)، و وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (4)، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (5)أليس محمد «صلى اللّه عليه و آله» ؟

قال: بلى.

قال: كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا، فيخبرهم: أنه جاء من عند اللّه،


1) الآية 17 من سورة النجم.

2) الآية 18 من سورة النجم.

3) الآية 103 من سورة الأنعام.

4) الآية 110 من سورة طه.

5) الآية 11 من سورة الشورى.

و أنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول: لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ ، وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، و أحطت علما، و هو على صورة البشر؟ ! أما تستحون؟ ! . ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.

قال أبو قرة: فإنه يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ ؟

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى، حيث قال: مٰا كَذَبَ اَلْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ ، يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىٰ ؛ فآيات اللّه غير اللّه، و قد قال اللّه: وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ، فإذا رأته الأبصار؛ فقد أحاط به العلم، و وقعت المعرفة.

فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟ ! .

فقال أبو الحسن «عليه السلام» : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، و ما أجمع المسلمون عليه: أنه لا يحاط به علما، و لا تدركه الأبصار، و ليس كمثله شيء (1).

و في الرواية دلالة على حجية ظواهر الكتاب، و على حجية السياق القرآني أيضا، صلوات اللّه و سلامه عليك يا أبا الحسن و على آبائك و أبنائك الطاهرين، فإنكم ما زلتم حصون الإسلام، و المدافعين عنه، و الباذلين مهجكم في سبيله، فأنتم مصابيح الدجى، و العروة الوثقى، و الحجة على أهل الدنيا.


1) أصول الكافي {ط سنة 1388 ه. في إيران} ج 1 ص 74 و 75، و البرهان للبحراني ج 4 ص 248.

الإسراء من المسجد:

صريح القرآن: أن الإسراء كان من المسجد، و جاء في عدد من الروايات: أنه كان من بيت أم هاني (1)و احتمل السيد الطباطبائي أن يكون الإسراء حصل مرتين، إحداهما من بيت أم هاني (2).

و يحتمل أيضا التجوز، و إرادة مكة من «المسجد الحرام» ، و هو إطلاق متعارف، قال تعالى: هَدْياً بٰالِغَ اَلْكَعْبَةِ (3)و يقال: هو يسكن في مشهد الرضا، مع أنه يسكن في البلد المحيطة به، و أطلق في الروايات مسجد الشجرة على ذي الحليفة، و مثل ذلك كثير، فإن من المتعارف أن يطلق على المكان الذي فيه شيء معروف اسم ذلك الشيء المعروف.

و يحتمل أيضا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» خرج تلك الليلة إلى المسجد من بيت أم هاني، ثم أسري به من المسجد.

موسى، و فرض الصلوات الخمس:

هذا، و قد جاء في بعض الروايات: أن الصلوات الخمس قد فرضت حين المعراج، و أنها فرضت أولا خمسين صلاة في اليوم، و حين عودة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» التقى بموسى، فأشار عليه أن يرجع إلى اللّه، و يسأله التخفيف، لأن الأمة لا تطيق ذلك-كما لم تطقه بنو إسرائيل- فرجع، و طلب إلى اللّه التخفيف فخففها إلى أربعين، و عاد الرسول؛ فمر


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 43.

2) تفسير الميزان ج 13 ص 31.

3) الآية 95 من سورة المائدة.

بموسى، فأشار عليه بطلب التخفيف، ففعل، فخففت إلى ثلاثين، ثم إلى عشرين، ثم إلى عشرة، ثم إلى خمسة، ثم استحيا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» من المراجعة من جديد فاستقرت الصلوات على خمس (1).

و هذه الرواية و إن كانت قد وردت في بعض المصادر الشيعية أيضا، إلا أننا لا نستطيع قبولها، و قال عنها السيد المرتضى «رحمه اللّه» : «أما هذه الرواية فهي من طريق الآحاد، التي لا توجب علما، و هي مع ذلك مضعفة» (2).

و نحن هنا نشير إلى الأسئلة التالية:

لماذا يفرض اللّه على الأمة هذا العدد أولا، ثم يعود إلى تخفيفه بعد المراجعة، فإنه إن كانت المصلحة في الخمسين، فلا معنى للتخفيف، و إن كانت المصلحة في الخمس، فلماذا يفرض الخمسين، ثم الأربعين، ثم الثلاثين و هكذا؟ !

و في بعض الروايات: أنه كان في كل مرة يحط عنه خمسا، حتى انتهى إلى خمس صلوات.


1) لقد وردت هذه الرواية في مختلف كتب الحديث و التاريخ عند غير الشيعة، و لذا فلا نرى حاجة لذكر مصادرها، فراجع على سبيل المثال: كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 45، و وردت أيضا في كتب الإمامية رحمهم اللّه تعالى، و أعلى درجاتهم، فراجع: البحار ج 18 ص 330 و 335 و 348 و 349 و 350 و 408 عن: أمالي الصدوق ص 270 و 271 و 274 و 275، و توحيد الصدوق ص 167 و 168، و علل الشرائع ص 55 و 56، و الخصال ج 1 ص 129.

2) تنزيه الأنبياء ص 121.

و قد أجاب بعض المحققين عن هذا بأن ما جرى هنا ما هو إلا نظير إضافة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الركعتين الأخيرتين في الرباعية من الصلاة اليومية؛ و نظير التكليف بعدم الفرار من الزحف، مع أنه علم أن فيكم ضعفا، و نظير الرفث إلى النساء ليلة الصيام، فقد نسخت حرمته بعد وقوع المخالفات منهم؛ قال تعالى: عَلِمَ اَللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفٰا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ (1).

و نقول:

إن ما ذكره-حفظه اللّه-لا يكفي لدفع ما ذكرناه، أما بالنسبة لتشريع الركعتين الأخيرتين في الرباعية من قبله «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن اللّه سبحانه قد فوض له ذلك حينما يعلم «صلى اللّه عليه و آله» بتحقق مصلحته و مقتضيه في متن الواقع.

و أما بالنسبة لقوله تعالى: عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً (2)و عَلِمَ اَللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ (3)فهو تحقق معلوم اللّه سبحانه في الخارج، أي أن الحكم السابق، و هو حرمة الفرار بملاحظة قلة العدد، و حرمة الرفث قد استمر و بقي إلى أن تجسد الضعف و حصل و حصلت الخيانة و تغير الموضوع، فنسخ الحكم الأول، و هو حرمة الرفث و حرمة الفرار، و ليس المراد أن اللّه قد علم ذلك بعد جهله، و العياذ باللّه.


1) الآية 187 من سورة البقرة.

2) الآية 66 من سورة الأنفال.

3) الآية 187 من سورة البقرة.

أما السيد المرتضى، فقد أجاب «رحمه اللّه» عن التساؤل الذي طرحناه فيما سبق بنحو آخر، و هو: أن من الممكن أن تكون المصلحة أولا تقتضي الخمسين، ثم تغيرت هذه المصلحة بسبب المراجعة، و أصبحت تقتضي الخمس (1).

و لكنه جواب منظور فيه؛ فإن النبي إذا كان يعلم: أن اللّه تعالى لا يشرع إلا وفق المصلحة، فإنه لا يبقى مجال لمراجعته أصلا؛ لأنه كأنه حينئذ يطلب تشريعا لا يوافق المصلحة.

و لو صحت المراجعة هنا، و أوجبت تبدل المصلحة صحت في كل مورد، و أوجبت ذلك أيضا، فلماذا كانت هنا، و لم تكن في سائر الموارد؟ .

كما أن تعليل موسى للتخفيف بعدم طاقة الأمة، كأنه يدل على أنه يعتقد: أن هذا التشريع يخالف المصلحة، و هذا محال بالنسبة إلى اللّه تعالى، و لا يمكن صدوره لا من موسى «عليه السلام» و لا من نبينا «صلى اللّه عليه و آله» .

قال صاحب المعالم: «المطالبة بصحة الرواية، مع أن فيها طعنا على الأنبياء بالإقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة. .» (2).

و سؤال آخر: كيف لم يعلم اللّه تعالى: أن الأمة لا تطيق ذلك، و علم بذلك موسى؟ .

و سؤال آخر، و هو: ما المراد بعدم الإطاقة؟


1) تنزيه الأنبياء ص 121.

2) معالم الدين ص 208 مبحث النسخ.

هل المراد بها عدم الإطاقة عقلا؟

فيرد عليه: أنه لا يمكن القول بجواز التكليف بما لا يطاق.

أو المراد به ما كان في مستوى العسر و الحرج، المنفي في الشرع الإسلامي، كما دلت عليه الروايات و الآيات و لا سيما قوله تعالى: يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ (1)و مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2)و غير ذلك من الآيات.

و مما ذكرناه يتضح: أنه لا يمكن أن يكون تعالى قد كلف بني إسرائيل ما لا يطيقون.

و أما قوله تعالى: رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا (3).

فهو لا يدل على ذلك لعطف قوله: رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ (4)عليه؛ فيدل على أن المراد بالإصر هو ما يطاق، لا ما لا يطاق، و يمكن أن يكون المراد بالإصر: جزاء السيئات الثقيل و الشاق، أو المبادرة بعذاب الاستيصال.

و أما طلبهم أن لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به، فليس المراد أنه يحمّلهم ذلك في التكليف الابتدائي، لأن العقل لا يجيز ذلك، بل المراد ما لا طاقة


1) الآية 185 من سورة البقرة.

2) الآية 78 من سورة الحج.

3) الآية 286 من سورة البقرة.

4) الآية 286 من سورة البقرة.

لهم به، مما يتسبب عن المخالفة و هو العذاب الأليم، و العقاب العظيم.

و سؤال آخر هنا، و هو: هل نسي اللّه تعالى-و العياذ باللّه من أمثال هذه التعابير و الأوهام-تلك التجربة الفاشلة مع بني إسرائيل، حتى أراد أن يكررها مع أمة محمد من جديد؟ ! .

و لعل هذه التجربة كانت هي عذر إبراهيم الذي مر عليه محمد «صلى اللّه عليه و آله» ذهابا و إيابا عشر مرات، أو عشرين (1)على اختلاف النقل.

و لكنه لم يسأله عن شيء، و لا أمره بشيء! ! .

و إن كنا نستغرب عدم سؤاله عن سر هذه الجولات المتتالية ذهابا و إيابا! ! .

و لماذا لم يلتفت نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» إلى ثقل هذا التشريع على أمته، و التفت إليه نبي اللّه موسى؟

و لماذا بقي يغفل عن ذلك خمس مرات، بل ستا أو أكثر و لا يعرف: أن هذا ليس هو الحد المطلوب، حتى يضطر موسى لأن يرصد له الطريق باستمرار، و لو لاه لوقعت الأمة في الحرج و العسر؟ .

و لماذا لا ينزل اللّه العدد إلى الخمس مباشرة من دون أن يضطر الرسول إلى الصعود و النزول المتعب و المتواصل باستمرار؟ !


1) لأن إبراهيم حسب نص الرواية كان في السماء السابعة، و موسى كان في السادسة و كان موسى يرجع النبي إلى ربه، كي يسأله التخفيف، فيرجع ثم يعود إليه فيرجعه من جديد.

استبعاد الإسراء و المعراج:

و بعد، فلا بد لنا من الإشارة هنا: إلى أن استبعاد الإسراء و المعراج؛ بدعوى عدم إمكان تصور أن تقطع تلك المسافات الشاسعة، التي تعد بآلاف الأميال في ليلة واحدة ذهابا و إيابا-هذا الاستبعاد-في غير محله.

فقد حضر عرش بلقيس لدى سليمان من اليمن إلى بلاد الشام في أقل من لمح البصر، و كان عفريت من الجن قد تكفل بأن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه.

و أما بالنسبة لنا اليوم فقد أصبح التصديق بالإسراء و المعراج أكثر سهولة، و الإقناع به أقرب منالا، و لا سيما بعد أن تمكن هذا الإنسان العاجز المحدود من أن يصنع ما يمكنه من قطع 13 كيلومترا في ثانية واحدة، و لربما يتضاعف ذلك عدة مرات في المستقبل، كما أنه قد اكتشف أن سرعة النور هي حوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية (1)، بل يعتقد بعض العلماء: أن الموجات غير المرئية للجاذبية تستطيع أن تقطع العالم بلحظة واحدة من دون حاجة إلى الزمان. .

و بعد كل هذا فإنه إذا كان قطع المسافات البعيدة بهذه السرعة المذهلة ليس مستحيلا على هذا الإنسان المحدود، الذي بقي الأعوام الطوال يفكر و يستعد، و يجمع الخبرات و الإمكانات، فهل يستحيل على خالق الإنسان و الكون، و مبدعه أن يسري بعبده الذي اصطفاه رسولا للبشرية جمعاء، ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، و إلى ملكوت السموات، ثم يعيده إلى مكانه الأول؟ ! .


1) راجع حول سرعة النور: موسوعة المعارف و العلوم ص 10.

من أهداف الإسراء و المعراج:

إننا إذا أردنا معرفة الأهداف و الحكم، و المعجزات، و التأثيرات العميقة للإسراء و المعراج، فلا بد لنا من دراسة كل نصوصه، و فقراته، و مراحله بدقة و عمق، بعد تحقيق الصحيح منها، و حيث إن ذلك غير متيسر بل هو متعذر علينا في ظروفنا الحاضرة، فإننا لا بد أن نكتفي بالإشارة إلى الأمور التالية:

أولا: إن حادثة الإسراء و المعراج معجزة كبرى خالدة، و لسوف يبقى البشر إلى الأبد عاجزين عن مجاراتها، و إدراك أسرارها و لعل إعجازها هذا أصبح أكثر وضوحا في هذا القرن الواحد و العشرين، بعد أن تعرف هذا الإنسان على بعض أسرار الكون و عجائبه، و ما يعترض سبيل النفوذ إلى السماوات من عقبات و مصاعب.

و إعجازها هذا إنما يكون بعد التسليم بنبوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن طريق الخضوع لمعجزته الخالدة، و هي القرآن، أو اليقين بصدقه «صلى اللّه عليه و آله» عن أي طريق آخر، بحيث يكون ذلك موجبا لليقين بصدق إخباراته كلها؛ فإذا أخبر «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الحادثة، فإن إخباره مساوق لليقين بوقوعها، و هي حينئذ تكون معجزة خالدة تتحدى هذا الإنسان على مدى التاريخ.

ثانيا: يلاحظ: أن هذه القضية قد حصلت بعد البعثة بقليل، و قد بيّن اللّه سبحانه الهدف من هذه الجولة الكونية؛ فقال في سورة الإسراء: لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا (1).


1) الآية 1 من سورة الإسراء.

و إذا كان الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» هو الأسوة و القدوة للإنسانية جمعاء، و إذا كانت مهمته هي حمل أعباء الرسالة إلى العالم بأسره، و إذا كان سوف يواجه من التحديات، و من المصاعب و المشكلات ما هو بحجم هذه المهمة الكبرى، فإن من الطبيعي: أن يعده اللّه سبحانه إعدادا جيدا لذلك، و ليكن المقصود من قصة الإسراء و المعراج هو أن يشاهد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بعض آثار عظمة اللّه تعالى، في عملية تربوية رائعة، و تعميق و ترسيخ للطاقة الإيمانية فيه، و ليعده لمواجهة التحديات الكبرى التي تنتظره، و تحمل المشاق و المصاعب و الأذايا التي لم يواجهها أحد قبله، و لا بعده، حتى لقد قال حسبما نقل «ما أوذي نبي مثلما أوذيت» .

و على حسب نص السيوطي، و المناوي، و غيرهما: «ما أوذي أحد ما أوذيت» (1)و لا سيما إذا عرفنا: أن عمق إدراك هذا النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» -و هو عقل الكل، و إمام الكل-لأخطار الانحرافات في المجتمعات، و انعكاساتها العميقة على الأجيال اللاحقة كان من شأنه أن يعصر نفسه ألما من أجلهم، و يزيد في تأثره و عذاب روحه حتى لقد خاطبه اللّه تعالى بقوله: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (2).

و أيضا، فإنه بالإسراء و المعراج يفتح قلبه و عقله ليكون أرحب من هذا


1) راجع: الجامع الصغير ج 2 ص 144 و كنوز الحقائق، هامش الجامع الصغير ج 2 ص 83.

2) الآية 8 من سورة فاطر.

الكون، و يمنحه الرؤية الواضحة، و الوعي الأعمق في تعامله مع الأمور، و معالجته للمشكلات، و لا سيما إذا كان لا بد أن يتحمل مسؤولية قيادة الأمة و العالم بأسره.

و كذلك ليصل هذا النبي الأمي إلى درجة الشهود و العيان بالنسبة إلى ما أوحي إليه، و سمع به عن عظمة ملكوت اللّه سبحانه، و لينتقل من مرحلة السماع إلى مرحلة الرؤية و الشهود، ليزيد في المعرفة يقينا، و في الإيمان رسوخا.

ثالثا: لقد كان الإنسان-و لا سيما العربي آنئذ-يعيش في نطاق ضيق، و ذهنية محدودة، و لا يستطيع أن يتصور أكثر من الأمور الحسية، أو القريبة من الحس، التي كانت تحيط به، أو يلتمس آثارها عن قرب، و ذلك من قبيل الفرس، و السيف، و القمر، و النجوم، و الماء و الكلاء، و نحوها، و يشعر بالحب، و البغض و الشجاعة و غير ذلك.

فكان-و الحالة هذه-لا بد من فتح عيني هذا الإنسان على الكون الأرحب، الذي استخلفه اللّه فيه، ليطرح على نفسه الكثير من التساؤلات عنه، و يبعث الطموح فيه للتعرف عليه، و استكناه أسراره، و بعد ذلك إحياء الأمل و بث روح جديدة فيه، ليبذل المحاولة للخروج من هذا الجو الضيق الذي يرى نفسه فيه، و من ذلك الواقع المزري، الذي يعاني منه.

و هذا بالطبع ينسحب على كل أمة، و كل جيل، و إلى الأبد.

رابعا: و الأهم من ذلك: أن يلمس هذا الإنسان عظمة اللّه سبحانه، و يدرك بديع صنعه، و عظيم قدرته، من أجل أن يثق بنفسه و دينه، و يطمئن إلى أنه بإيمانه باللّه، إنما يكون قد التجأ إلى ركن وثيق لا يختار له إلا الأصلح،

و لا يريد له إلا الخير، قادر على كل شيء، و محيط بكل الموجودات.

خامسا: و أخيرا، إنه يريد أن يتحدى الأجيال الآتية، و يخبر عما سيؤول إليه البحث العلمي-من التغلب على المصاعب الكونية، و غزو الفضاء-فكان هذا الغزو بما له من طابع إعجازي خالد هو الأسبق و الأكثر غرابة و إبداعا؛ و ليطمئن المؤمنون، و ليربط اللّه على قلوبهم، و يزيدهم إيمانا كما قلنا.

الأذان:

و نحن نعتقد: أن الأذان قد شرع في مناسبة الإسراء و المعراج كما جاء في الخبر الصحيح، و لكنهم إنما يذكرون ذلك بعد الهجرة؛ فنحن نرجئ الحديث عنه إلى هناك، إن شاء اللّه تعالى.

اليهود و المسجد في القرآن:

قال تعالى: وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فِي اَلْكِتٰابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً، فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ أُولاٰهُمٰا بَعَثْنٰا عَلَيْكُمْ عِبٰاداً لَنٰا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجٰاسُوا خِلاٰلَ اَلدِّيٰارِ وَ كٰانَ وَعْداً مَفْعُولاً، ثُمَّ رَدَدْنٰا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْنٰاكُمْ بِأَمْوٰالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْنٰاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا مٰا عَلَوْا تَتْبِيراً، عَسىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنٰا وَ جَعَلْنٰا جَهَنَّمَ لِلْكٰافِرِينَ حَصِيراً، إِنَّ هٰذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلصّٰالِحٰاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً، وَ أَنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (1).


1) الآيات 4 الى 10 من سورة الإسراء.

مفاد الآيات إجمالا:

هذه الآيات الكريمة تتضمن:

أ-أحداثا أربعة هامة، هي التالية:

1-إن بني إسرائيل سوف يفسدون في الأرض، و يعلون علوا كبيرا، بعد أن كتب اللّه عليهم الجلاء، و ضرب عليهم الذل و المسكنة، و باؤوا بغضب من اللّه.

2-إن عبادا للّه أولي بأس شديد سوف يحاربون الإسرائيليين، بعد فسادهم و علوهم، و يطأون بلادهم، و يجوسون خلال ديارهم جزاء على بغيهم و فسادهم، و يدخلون المسجد أيضا.

3-إن بني إسرائيل سوف تكثر بعد ذلك أموالهم، و أولادهم، و ذلك يحتاج إلى مدة طويلة نسبيا، و لسوف يجهزون جيشا أعظم من جيش أولئك العباد، و تكون الكرة لهم عليهم.

4-ثم إنهم بعد أن يعودوا إلى الإفساد من جديد؛ في مهلة زمنية لا بأس بمقدارها يعود أولئك العباد إلى حربهم، ليسوؤوا وجوههم، و ليدخلوا المسجد، و الظاهر أن المراد به المسجد الحرام، و ليتبروا ما علوا تتبيرا.

و لم تبين الآية من هم هؤلاء الذين يصيبهم هذا التتبير، فإن الظاهر هو أنهم قوم آخرون غير بني إسرائيل.

ب-إن حصول المرتين الأولى و الثانية، يعني الإفساد الأول من بني إسرائيل ثم إرسال اللّه تعالى عبادا له عليهم، أمر حتمي، لقوله تعالى:

وَ كٰانَ وَعْداً مَفْعُولاً (1). و أما المرتان الأخيرتان فهما تتوقفان على اعتبار بني إسرائيل بما حصل، ثم اختيارهم أحد الأمرين.

فلأجل إبراز عنصر الاختيار هذا و التشكيك بصدوره منهم، عبر ب «إن» : إِنْ أَحْسَنْتُمْ. . لأنها تستعمل في مقام الترديد و الشك في صدور الإحسان منهم.

ضرب القاعدة، و إعطاء الضابطة:

ثم إنه بالنسبة للإفساد الثاني قد اختار التعبير ب «إذا» كما استعمل نفس هذه الكلمة بالنسبة لإفسادهم الأول، و ذلك لإفادة أن اختيارهم لطريق الشر أمر حتمي، و لا شك فيه لما يعلمه اللّه فيهم من خصائص، و طموحات.

و لكن جواب الشرط قد جاء بصيغة المضارع لإفادة حصول سوء الوجوه لهم و التتبير لعلو قوم آخرين بصورة تدريجية، ليكون ذلك أدعى في الإذلال، و أدل على المساءة، و لكن هذا المضارع إنما هو بملاحظة زمان تحقق الشرط في المستقبل.

و يلاحظ هنا: كثرة المؤكدات على صدور ذلك منهم؛ فلاحظ قوله تعالى: قَضَيْنٰا المشير إلى حتمية ذلك لكن لا على سبيل الجبر، و إنما على سبيل الإخبار بما هو حتمي الوقوع بحسب ما يعلمه اللّه من أحوالهم، ثم عبر بكلمة: فِي اَلْكِتٰابِ المفيدة إلى نوع التأكيد أيضا.

ثم أتى بلام الابتداء في أكثر من مورد، فقال: لَتُفْسِدُنَّ وَ لَتَعْلُنَّ .


1) الآية 5 من سورة الإسراء.

ثم أتى بنون التوكيد، مشفوعة بإذا التي تستعمل في مقام الجزم بتحقق الشرط.

و عقّب على ذلك باعتباره وعدا قد جاء بصيغة التحقق و الوقوع، حيث قال: فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ و لم يقل: وقت أو موعد و هو يقتضي الحصول و التحقق أيضا، ثم ألحقه بكلمة: بَعَثْنٰا ، و لم يقل: «سنبعث» ، ليشير إلى أنه أمر حاصل لا محالة، فهو يخبر عن وقوعه.

ثم عاد فكرر كونه وعدا و لكن بصيغة تؤكد وقوعه و حصوله حيث قال: وَ كٰانَ وَعْداً ثم وصفه بقوله: مَفْعُولاً .

و نلاحظ أيضا أنه لم يزل يعبر ب: «أمددنا، بعثنا، جعلنا، رددنا» بصيغة الخبر عن أمر حاصل، و إظهارا للثقة بحصوله أيضا، فلاحظ الآيات.

ج-إن المستفاد من هذه الآيات هو: أن من سوف تجري لهم مع بني إسرائيل هذه الأحداث هم جماعة واحدة، يجوسون خلال ديار بني إسرائيل أولا، ثم ترد الكرة لبني إسرائيل عليهم، ثم يعودون هم إلى ضرب بني إسرائيل ضربة تسوء لها وجوههم، و يتبروا فيها ما علوا.

و ذلك لأن الضمائر في: «جاسوا، و عليهم، و ليسوؤوا، و ليدخلوا، و دخلوه و ليتبروا» -كل هذه الضمائر ترجع إلى جماعة واحدة، عبر عنها بقوله تعالى: عِبٰاداً لَنٰا ، و ليس غيره في الآيات يصلح مرجعا لهذه الضمائر-أصلا.

د-يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء العباد سوف يدخلون المسجد مرتين.

و الظاهر: أن المراد به هو المسجد الحرام، أما المسجد الأقصى الذي

حصل الإسراء إليه، و الذي بارك اللّه حوله، فهو في السماء، و أن دخولهم هذا سوف يكون على نحو واحد في المرتين معا، أي بالقوة و القهر، و الغلبة كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

ه-إنه تعالى بعد أن ذكر الأحداث الأربعة عاد فقال: وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنٰا و هو لبيان قاعدة كلية، و سنة إلهية في مواجهة طغيان بني إسرائيل و فسادهم، و هو لا يدل على أن ذلك سوف يقع منهم، بعد تلك الأحداث الأربعة، بل إن ما سوف يقع جزما هو ما ذكر، و الظاهر: أن دولتهم تبقى، و لا يصيبهم في المرة الثانية سوى سوء الوجوه. .

أما ما سواه فلا دليل على حدوثه، بل إن تعبيره ب «إن» الشرطية، الموضوعة للاستعمال في غير موارد الجزم لربما يشير إلى عدم الوقوع.

و الظاهر هو أن القضاء عليهم إنما يكون على يد الإمام الحجة «صلوات اللّه و سلامه عليه» .

و-إن المقصود ب: عِبٰاداً لَنٰا قوم مؤمنون، و ذلك لاقتضاء ظاهر قوله: بَعَثْنٰا ، و قوله: عِبٰاداً لَنٰا (1)لأن البعث للبشر على غيرهم، و كلمة: عِبٰاداً لَنٰا ، لم يستعملا في القرآن-إلا ما شذ-إلا في مقام المدح و الثناء، و لا سيما مثل قوله تعالى: إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ ، و غير ذلك.

و لا أقل من أنه قصد به ما سوى الكافرين.

و لربما يشير إلى ذلك أيضا: أنه تعالى بعد أن ذكر انتصار عباده على بني


1) تفسير الميزان ج 13 ص 39.

إسرائيل و ما سوف يحيق ببني إسرائيل من سوء، و أنه جعل جهنم للكافرين حصيرا، عاد فأجمل كل ذلك على شكل قاعدة كلية، فبين: أن سنة اللّه هي أن يبشر عباده المؤمنين الذين يقفون المواقف الصالحة، و يدافعون عن دينه- كهؤلاء العباد الذين أرسلهم على بني إسرائيل-بأن لهم أجرا عظيما، و أن الذين لا يؤمنون بالآخرة، و يفسدون في الأرض، و يعلون علوا كبيرا، كما هو حال بني إسرائيل قد أعدّ لهم عذابا أليما، فقال:

إِنَّ هٰذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلصّٰالِحٰاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً، وَ أَنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (1).

ثم دخل في موضوع آخر.

و يرى العلامة المحقق البحاثة السيد الطباطبائي «رحمه اللّه» : أنه لا دليل في الكلام-أي في قوله تعالى: وَ كٰانَ وَعْداً مَفْعُولاً -يدل على كون المبعوثين «مؤمنين» ؛ إذ لا ضير في عد مجيئهم إلى بني إسرائيل، مع ما كان فيه من القتل الذريع، و الأسر، و السبي، و النهب، و التخريب، بعثا إلهيا؛ لأنه كان على سبيل المجازاة على إفسادهم في الأرض، و علوهم، و بغيهم بغير الحق؛ فما ظلمهم اللّه ببعث أعدائهم، و تأييدهم عليهم، و لكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم (2).


1) الآيتين 9 و 10 من سورة الإسراء.

2) تفسير الميزان ج 13 ص 39.

و نقول:

إننا لا نستطيع-بدورنا-أن نقبل:

أن اللّه تعالى يؤيد الظالمين و المجرمين بأي وجه، نعم، هو يخلي بينهم و بينهم، و يوقف تأييداته لهم، و هذا غير تأييده لأولئك، و بعثهم على هؤلاء.

إلا أن يدعى أن المراد هو التسليط عليهم، و ذلك بالتخلية فيما بينهم، و وقف التأييدات للفئة المؤمنة بسبب ما فعلته.

لكن يرد عليه: أن نسبة البعث و الإمداد، ورد الكرة-و الحالة هذه إلى اللّه سبحانه-تصبح غير ظاهرة، و لا مقبولة.

كما أننا قد أشرنا فيما سبق إلى وجود بعض القرائن المشيرة إلى إيمان المبعوثين.

فالأظهر هنا: هو أن أولئك العباد سوف يدفعهم أمر اللّه تعالى و التكليف الشرعي إلى القيام بذلك العمل؛ فيصح أن يقال: إن اللّه هو المحرك و الباعث لهم.

هذا ما يستفاد من الآيات بشكل عام.

بقي الكلام في تطبيقها الخارجي؛ فهل حصل و تحقق مفادها كله في السابق؟ أو أنه لسوف يحصل ذلك كله في الآتي! . أو أن بعض ذلك قد حصل؟ . و البعض الآخر متوقع الحصول؟ ! .

أقوال الرواة و المفسرين:

لقد راجعنا عددا من كتب الحديث و التفسير، فوجدنا الروايات و الأنظار مختلفة و متباينة في ذلك. .

و نحن نذكر موجزا عن تلك الروايات و الآراء بتلخيص منا، و ذلك على النحو التالي:

1-عن ابن مسعود: إن الفساد الأول هو قتل زكريا، فبعث اللّه عليهم ملك النبط، ثم عادوا هم فغزوا النبط، فأصابوا منهم.

2-عن عطية العوفي: بعث اللّه عليهم أولا جالوت، ثم قتله طالوت على يد داود، ثم قتلوا يحيى؛ فبعث عليهم بخت نصّر، و كذا عن ابن عباس.

3-عن علي: الفساد الأول قتل زكريا، و الثاني قتل يحيى، مع عدم بيان من بعث عليهم في المرتين.

4-عن حذيفة: المرة الأولى بخت نصّر، ثم ردهم كورش، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنا نحوس، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ثالثا إسبيانوس.

5-عن ابن زيد: الأولى قتل زكريا و يحيى، فسلط عليهم سابور ذا الأكتاف الفارسي، من قبل زكريا، و بخت نصّر من قبل يحيى.

6-عن مجاهد: إن ملك فارس بعث جندا إليهم ليتجسسوا أخبارهم و يسمعوا حديثهم، ثم رجعت فارس، و لم يكثر قتال، و نصرت عليهم بنو إسرائيل، ثم بعث عليهم ملك فارس ببابل جيشا، أمّر عليه بخت نصّر؛ فدمروهم (1).


1) راجع هذه الروايات في الدر المنثور للسيوطي ج 4 ص 163-165 عن ابن جرير، و ابن عساكر، و ابن أبي حاتم، متفرقا، و راجع: تفسير الطبري، و تفسير ابن كثير، و فتح القدير، و غير ذلك من التفاسير، في تفسير الآيات في سورة الإسراء.

رأي العلامة الطباطبائي رحمه اللّه:

قال العلامة البحاثة المحقق الطباطبائي «رحمه اللّه» : «. . و الذي يظهر من تاريخ اليهود: أن المبعوث أولا لتخريب بيت المقدس هو بخت نصّر، و بقي خرابا سبعين سنة، و المبعوث ثانيا هو قيصر الروم إسبيانوس، سيّر إليهم وزيره طوطوز، فخرب البيت، و أذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا.

و ليس من البعيد: أن تكون الحادثتان هما المرادتان في الآيات؛ فإن الحوادث الأخرى لم تفن جمعهم، و لم تذهب بملكهم و استقلالهم بالمرة، لكن نازلة بخت نصّر ذهبت بجمعهم و سؤددهم إلى زمن كورش، ثم اجتمع شملهم بعد برهة، ثم غلب عليهم الروم، و أذهبت بقوتهم، و شوكتهم، فلم يزالوا على ذلك إلى زمن ظهور الإسلام» .

قال هذا «رحمه اللّه» بعد أن ذكر: أنه كالمسلّم: أن إحدى هاتين النكايتين كانت على يد بخت نصّر (1).

و لكنه عاد فأورد على نفسه بأن في الآيات إشعارا بأن المبعوث إلى بني إسرائيل هم قوم بأعيانهم في كلا المرتين.

و أجاب عن ذلك: بأنه مجرد إشعار؛ من دون تصريح.

و نقول:

إن الضمائر حسبما تقدم ليس لها مرجع في الكلام سوى قوله: عِبٰاداً لَنٰا . و هذا يدل دلالة واضحة على وحدة القوم المرسلين على بني إسرائيل و ليس مجرد إشعار.


1) تفسير الميزان ج 13 ص 44 و 45.

و مرادنا بالوحدة هو أن يكون لهم رابطة تجمعهم ككونهم فرسا، أو مسلمين مثلا، و يرد على كلامه «رحمه اللّه» ، و على جميع الروايات المتقدمة، عن الدر المنثور و غيره ما يلي:

1-إننا لم نجد لبني إسرائيل كرة على بخت نصّر، و لا على سابور و لا غيرهما، بل إن كورش قد أرجعهم إلى بلادهم بعد حوالي مئة سنة من أسر بخت نصّر لهم، مع أن الآية تكاد تكون صريحة بأن لبني إسرائيل كرة على أولئك العباد المبعوثين.

2-إن النبط لم يدخلوا المسجد الأقصى-حسب تفسيرهم-مرتين و كذلك بخت نصّر، و قيصر، و غيرهم ممن ذكر جميعا، و قد أشارت الآية إلى أن المبعوثين سوف يدخلون المسجد مرتين.

3-إن جميع أولئك ما كانوا من المؤمنين، بل كانوا من الطغاة و المتجبرين.

4-إن بخت نصّر كان قبل الميلاد بست مئة سنة تقريبا (1)و كان يحيى معاصرا للمسيح «عليه السلام» (2)فكيف ينتقم له بخت نصّر؟ كما أن سابور متأخر عن بخت نصّر، لا مقدم عليه كما في الرواية.

5-هذا كله عدا عن الإشكال في أسانيد تلكم الروايات (3).


1) تفسير الميزان ج 13 ص 44 و في تاريخ الخميس ج 1 ص 173: من وقت تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى مولد يحيى أربع مئة و إحدى و ستون سنة.

2) راجع: قصص الأنبياء للنجار ص 369.

3) هذه النقاط أشار إليها الأخ العلامة الشيخ إبراهيم الأنصاري حفظه اللّه تعالى في مقاله، في مجلة الهادي.

6-إن إفسادهم في منطقة محدودة لا يعني كون ذلك هو المقصود من الآية التي تتحدث عن إفساد كبير، و علو لهم في الأرض، و لا شك أنهم كانوا على مدى التاريخ أضعف من أن يكون لهم علو في الأرض كلها، بل و حتى على سابور، أو بخت نصّر أو غيرهما، فضلا عن أن يكون لهم علو فرعون، أو نظير استكبار قوم عاد.

رأي آخر في الآيات:

و يحتمل البعض: أن الفساد الأول كان في منطقة الحجاز، فبعث اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، و ضربهم الضربة القاصمة، و كان دخول عمر إلى المسجد الأقصى، الذي يمثل دخول المسلمين، هو المعني في الآيات، و تبقى المرة الثانية ستأتي. كما و يحتمل أن تكون هي ضربة بخت نصّر لهم هي الأولى، و الثانية هي ضربة عمر لهم.

و لكن ذلك لا يمكن قبوله؛ لأن عمر حينما دخل المسجد الأقصى لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، و إنما كان تحت سيطرة النصارى، الذين استولوا عليه قبل ذلك بعقود من الزمن، و كانوا يجعلون الأقذار و الأوساخ على «الصخرة» ، التي هي قبلة اليهود، بل كانت المرأة ترسل بخرقة حيضها من بلاد الروم إلى بيت المقدس لتلقى على الصخرة، مبالغة في امتهانها، و إذلالا لليهود و احتقارا لهم (1).

كما أنه لا معنى لإرادة بخت نصّر؛ ليكون هو بطل المرة الأولى، و ذلك لما أشرنا إليه في النقاط الست الآنفة الذكر.


1) تقدم ذلك في تمهيد الكتاب.

رأي آخر:

و ثمة رأي أخر يقول: إن الفساد الأول هو إنكارهم نبوة نبينا «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، و اتفقوا مع المشركين ضده.

و إرسال عباد اللّه على هؤلاء المفسدين هو ما جرى في صدر الإسلام، فأرسل اللّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين عليهم؛ فضربوهم في خيبر و قريظة؛ و قينقاع، و غير ذلك، و جاسوا خلال ديارهم، ثم دخل المسلمون المسجد الأقصى في زمن عمر.

و الفساد الثاني هو ما جرى و يجري منهم في فلسطين و لبنان، و المنطقة بشكل عام، في هذا القرن الرابع عشر، و لسوف يأتي المهدي «عجل اللّه فرجه الشريف» لينتقم منهم، و يدخل المسلمون المسجد، كما دخلوه أول مرة في عهد عمر.

و قد قرر بعض الأعلام هذا، و طبق الآيات عليه، على النحو التالي:

إنه ليس في الآيات ما يدل على أن الغلبة على اليهود، و غلبة اليهود على أولئك العباد تكون في مكان واحد محدد، و قوله تعالى: كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يشعر، بل يدل على أن قوله: فَجٰاسُوا خِلاٰلَ اَلدِّيٰارِ ، هو غير دخولهم المسجد، أي إنهما أمران متغايران، كما يدل على أن الجوس خلال الديار متقدم على دخولهم المسجد، و ذلك لمكان اللام في قوله: وَ لِيَدْخُلُوا التي هي لام العاقبة و قد تحقق ذلك في زمن عمر، كما أن عدم ذكر دخول العباد بيت المقدس حينما بعثهم أولا يدل على أن دخول المسجد لمّا يتحقق لهم عند ذلك.

و تدل الآية على أن دخول المسجد في الثانية يكون أشد على اليهود لقوله تعالى: وَ لِيُتَبِّرُوا مٰا عَلَوْا تَتْبِيراً ، ففسادهم الثاني يكون في غلبتهم على البلاد المقدسة، و قتلهم المسلمين، و هذا ما يحصل في هذا العصر. و جزاؤهم سيكون عاجلا على يد أهل قم إن شاء اللّه تعالى، أو المهدي المنتظر «عجل اللّه تعالى فرجه» ، أو بإمارته مع كون الجيش من أهل قم، و اللّه العالم.

و نقول:

هذا رأي لا يمكن المساعدة عليه، لأن ما ذكر في تطبيق الآيات عليه مخالف لظاهرها.

فأولا: إنه حين دخل عمر بيت المقدس لم يكن هناك مسجد أصلا، فضلا عن أنه يسمى بالأقصى.

ثانيا: إن الظاهر: هو أن دخول المسجد سيكون عنوة و قهرا و رغما عن بني إسرائيل، و حينما دخل المسلمون بيت المقدس في عهد عمر لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، و إنما كان النصارى هم المسيطرين.

فلم يحارب المسلمون اليهود ليدخلوا المسجد بالرغم عنهم، هذا من جهة، و من جهة أخرى فإن عمر قد دخل بيت المقدس صلحا و ليس عنوة، و ظاهر الآية: هو أن الدخول سيكون عنوة، معه سوء الوجوه، و فيه القهر و الغلبة على اليهود أنفسهم، لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا مٰا عَلَوْا تَتْبِيراً .

فإذا كان الدخول في إحدى المرتين عنوة فسيكون في الثانية كذلك، و قد دلت كلمة: بَعَثْنٰا عَلَيْكُمْ عِبٰاداً لَنٰا. . على أن الدخول الأول سيكون عنوة إن كان المقصود هو الدخول في هذه المرة. .

ثالثا: ما ذكر من أن اللام في وَ لِيَدْخُلُوا تدل على أن الدخول سيتأخر عن الجوس خلال الديار، و أن التفريق بين الجوس خلال الديار، و دخول المسجد، يدل على ذلك أيضا، و كذا عدم ذكر الدخول للمسجد في المرة الأولى.

إن هذا الذي ذكر، لا يدل على ذلك؛ لأن ظاهر الآيات: أنه قد اكتفى في المرة الأولى عن ذكر دخول المسجد، بذكر الجوس خلال الديار، لأنه مستبطن له و يكون في ضمنه، ثم أوضحه بقوله: كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ و قوله: وَ لِيَدْخُلُوا معطوف على لِيَسُوؤُا بالواو، التي لا تدل على الترتيب الزماني.

بل لعل ذكر دخول المسجد بين التتبير لما علوا، و بين سوء الوجوه للإشارة إلى أن دخول المسجد سيكون في وسط المعركة في المرة الثانية، و كذلك سيكون في المرة الأولى لقوله تعالى: كَمٰا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ .

و إلا، فلو صح ما ذكره صاحب هذا الرأي، لوجب أن يكون الدخول الثاني للمسجد صلحا، لا عنوة، كما كان دخول عمر بن الخطاب في السابق، و حينئذ فلا يبقى معنى لذكر دخول المسجد فيما بين قوله: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ، و بين قوله: وَ لِيُتَبِّرُوا مٰا عَلَوْا تَتْبِيراً .

ثالثا: إنه لم يكن لليهود في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فساد في الأرض، و علو كبير فيها، و إنما كانوا في محيط ضيق جدا محصورين في نواحي المدينة، و كانوا مقهورين من قبل الأوس و الخزرج، و يمالئون مشركي مكة، و سائر القبائل في المنطقة، فلا يصح أن يقال: إن لهم عُلُوًّا كَبِيراً .

فضلا عن إضافة قوله: فِي اَلْأَرْضِ سواء قلنا: إن المراد: الأرض

المقدسة، يعني فلسطين، أو قلنا: بأن المراد الأرض مطلقا أي معظمها، أو السيطرة على مراكز القوة و النفوذ فيها.

نقول هذا كله: مماشاة للمستدل فيما زعمه من أن المراد بالمسجد هو خصوص ما يسمى بالمسجد الأقصى، و الموجود في بيت المقدس فعلا.

و ثمة رأي آخر أيضا:

و هو أن الحروب التي جرت بين العرب و إسرائيل تمثل المراحل الثلاث الأولى، و بقيت المرحلة الأخيرة، التي أشارت إليها الآية بالقول: فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ. . و هي سوف تأتي إن شاء اللّه تعالى (1).

و هذا أيضا رأي لا يمكن المساعدة عليه؛ لأن العرب الذين حاربوا إسرائيل لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل في حروبهم تلك، و لا دخلوا المسجد عنوة، بل إنهم ليسوا من عباد اللّه المؤمنين؛ لأنهم قد تخلوا عن دينهم، و جروا خلف شهواتهم، و استبدت بهم انحرافاتهم بشكل واضح لكل أحد.

ماذا تقول الروايات؟ !

لقد وردت بعض الروايات-التي ليس لها أسانيد معتبرة-تفيد:

أن الفساد الأول هو قتل علي، و طعن الحسن «عليهما السلام» ، و العلو الكبير هو قتل الحسين، و وعد أولاهما نصر دمه «عليه السلام» ، و المبعوثون أولا


1) هذا رأي الشيخ إبراهيم الأنصاري في مجلة الهادي.

هم قوم قبل خروج القائم، و كان وعدا مفعولا: خروج القائم «عليه السلام» .

و ثم رددنا لكم الكرة عليهم: خروج الحسين في سبعين من أصحابه (1).

و في تفسير القمي:

الفساد الأول: فلان و فلان، و نقضهم العهد، و العلو الكبير: ما ادّعوه من الخلافة.

و وعد أولاهما: الجمل.

و جاسوا خلال الديار: طلبوكم، و قتلوكم.

و رددنا لكم الكرة: بنو أمية.

و وعد الآخرة: القائم «عليه السلام» .

و كما دخلوه أول مرة: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و واضح: أن مفاد هذه الروايات ليس هو محط نظر الآيات صراحة، و إنما هي-إن صحت-من باب الإشارة إلى أن ما يجري لبني إسرائيل، يجري مثله لهذه الأمة أيضا؛ إذ من الواضح: أن ما ذكرناه في مفاد الآيات لا ينسجم مع ما جاء في هذه الروايات، كما يظهر بالملاحظة، و المقارنة.

الرأي الأمثل:

و إذ قد عرفنا معنى الآيات إجمالا، و عرفنا أن مفادها لم يحصل و لم يقع لبني إسرائيل بعد، لا في تاريخهم القديم، و لا الحديث، فإننا نعلم: أن مفادها سيقع في المستقبل، و مفادها هو:


1) راجع: البحار ج 51 ص 56 و تفسير البرهان، و تفسير نور الثقلين.

1-أن يفسد بنو إسرائيل في الأرض «و لتلاحظ كلمة في الأرض» ، فإنه لا يصدق ذلك على بلد أو قرية صغيرة في نواحي الحجاز مثلا، بل لا بد أن يكون فسادهم و علوهم في الأرض المقدسة، أو في الأرض بصورة عامة، أو على الأقل في مراكز هامة، بحيث يرون أنفسهم لا غالب لهم، و لا شيء يقف في وجههم.

ثم يعلون علوا كبيرا «و لتلاحظ هذه الجملة بدقة أيضا» .

2-أن يبعث اللّه عليهم عبادا له أتقياء مؤمنين، فيجوسون خلال ديارهم، و يدخلون المسجد، {و التعبير بالجوس لربما يشير إلى عدم المكث طويلا فيها} ؛ لأن الجوس هو الوطء مع الاستقصاء، و ربما يكون هو الوطء الخفيف، و هو وطء خلال الديار أو فيما بينها من دون ثبات و تحكم فيها نفسها أو لعله إشارة إلى الدخول السري للمجاهدين.

3-ثم يمد اللّه بني إسرائيل بأموال و بنين، و يصير جيشهم أعظم، و يرد لهم الكرة على السابقين.

4-ثم يعود أولئك المؤمنون فيقومون بعمل تكون له ثلاث نتائج.

الأولى: سوء وجوه الإسرائيلين.

و الثانية: دخولهم المسجد الحرام من جديد، كما دخلوه أول مرة.

و الثالثة: أنهم يتبرون ما علاه قوم آخرون لم تحددهم الآية، و لم تذكر هويتهم، لكنهم معروفون بالاستكبار.

كل ذلك سوف يحصل في المستقبل، حسبما تفيده الآيات الكريمة، مع العلم بأنه لم يحصل من ذلك شيء في الماضي.

و يبقى أن نشير إلى المؤيدات التالية:

القميون يقاتلون الإسرائيليين:

و يؤيد ما تقدم: ما رواه المجلسي عن كتاب تاريخ قم، تأليف: الحسن بن محمد بن الحسن القمي:

«روى بعض أصحابنا قال: كنت عند أبي عبد اللّه «عليه السلام» جالسا؛ إذ قرأ هذه الآية: حتى (1)فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ أُولاٰهُمٰا بَعَثْنٰا عَلَيْكُمْ عِبٰاداً لَنٰا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجٰاسُوا خِلاٰلَ اَلدِّيٰارِ وَ كٰانَ وَعْداً مَفْعُولاً فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء؟

فقال-ثلاث مرات-: هم و اللّه أهل قم» (2).

و لقد قال هذا «عليه السلام» قبل أن تخلق إسرائيل بأكثر من اثني عشر قرنا، و في حين لم يكن لليهود أية قوة في منطقة بيت المقدس.

و قوله «عليه السلام» هذا يعني: أن أهل قم باعتبارهم مسلمين، أو قادة للمسلمين هم الذين سوف يقودون الحرب ضد بني إسرائيل في المرة الأولى، و هم المعنيون بقوله: عِبٰاداً لَنٰا و باقي الحديث يفهم من الآيات الكريمة؛ حيث تعود لإسرائيل الكرة عليهم بجيش أعظم، ثم يعود المسلمون بقيادة أهل قم أو بقيادة غيرهم {المهدي مثلا} ليسوؤوا وجوه الإسرائيليين و ليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، و ليتبروا علوّ قوم معروفين بالاستكبار.


1) الموجود في القرآن: {فإذا} فلعل كلمة {حتى} من كلام الراوي.

2) البحار ج 60 ص 216.

الغرب و إسرائيل:

و ثمة رواية ضعيفة أيضا تقول: «و تشب نار بالحطب الجزل من غربي الأرض، رافعة ذيلها، تدعو يا ويلها لرحلة و مثلها؛ فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الآية:

ثُمَّ رَدَدْنٰا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْنٰاكُمْ بِأَمْوٰالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْنٰاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً » (1).

فهذه الرواية تشير إلى أن علو الإسرائيليين و كرتهم على عِبٰاداً لَنٰا لسوف تكون بمعونة غربية، تمدهم بالمال و الجيوش حتى يصبحوا أكثر نفيرا و جندا.

و لسوف تكون حربا ضروسا و قاسية، كما يفهم من لحن الرواية المشار إليها، لو صحت.

الحروب الطويلة و الصعبة:

و هذه دولة الإسلام قد ظهرت، و هي بقيادة أهل قم، و لكنها تواجه الحروب المدمرة، و المؤامرات الصعبة من قبل قوى الاستكبار العالمي.

و قد جاء في الرواية المروية عن: علي بن عيسى، عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن الأول «عليه السلام» ، أنه قال:

«رجل من أهل قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، و لا يملون من الحرب، و لا يجبنون،


1) البحار ج 52 ص 272 و 273. و راجع ج 51 ص 57.

و على اللّه يتوكلون، و العاقبة للمتقين» (1).

و لربما يمكن أن نستفيد من قوله: «لا تزلهم الرياح العواصف» : أن دولة الإسلام هذه سوف تواجه مشكلات صعبة، لا يثبت أمامها الرجال العاديون.

و من قوله: «لا يملون من الحرب» : أنهم سوف يواجهون حروبا طويلة، يمل منها الإنسان العادي.

و لكنهم سوف يصمدون، و في النهاية سوف ينتصرون إن شاء اللّه، و ذلك لقوله: وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .

الفلسطينيون و الأرض:

و الإسلام حين حث على الجهاد، فإنه ربط بأمرين، كل منهما له حضور في قضية اغتصاب فلسطين، و هما:

الأول: القتال في سبيل اللّه سبحانه، المتمثل بقتال من تجرأ على المقدسات، و استولى على بيت المقدس، أولى القبلتين. . و الذي يقدسه المسلمون عامة، و فيه محاريب الأنبياء، و باب حطة و ما إلى ذلك. .

الثاني: القتال في سبيل المستضعفين، فإن نفس الإستضعاف مرفوض بمنطق القرآن و الإسلام، بغض النظر عن الخسائر المادية، و غيرها. .


1) البحار ج 60 ص 216. و يلاحظ وجود بعض الاختلاف بين هذا النص و بين ما في الترجمة الفارسية لكتاب تاريخ قم، فلعل المترجم قد تصرف في العبارة، و لعل نسخة المجلسي تختلف عن النسخة المتداولة لكتاب تاريخ قم، فليلاحظ ذلك.

و قد أوجب اللّه على الناس القتال ضد من يستضعف الناس، و يقهرهم حتى لو لم يأخذ منهم أرضا أو مالا، أو ما إلى ذلك.

و قد قال تعالى مشيرا إلى هذين الأمرين: وَ مٰا لَكُمْ لاٰ تُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ (1).

و قد أصبح التعدي على المقدسات، و الإستضعاف للناس أكثر حضورا و ظهورا فيما يجري على أرض فلسطين.

و لا بد من إبراز هذا و ذاك في كل هذا النضال و الجهاد ضد الغاصب المستكبر، و لا يصح تجاهل الجانب الإنساني في هذه القضية، لأن أية قضية إذا أفرغت من محتواها الإنساني؛ فإنها تفقد زخمها و قوتها، و رافدها العاطفي، و قد يصل الأمر بهذا الإنسان العادي إلى حد القول: بأنه لماذا يقاتل و يضحي؟ ما دام أن الأرض يمكن أن تباع و تشترى، و يقايض عليها، و الإنسان وحده هو الأعلى و الأغلى؛ فلماذا إذن تزهق النفوس و الأرواح في سبيلها، ما دام يمكن الاستعاضة عنها بثمنها، ثم الاحتفاظ بهذا الإنسان و مواهبه و طاقاته لما هو أهم، و نفعه أعم؟ .

و حتى بالنسبة للمقدسات في بيت المقدس أيضا، فقد تجد من يقول: ليكن لأنصاف الحلول فيه مجال، و لن يمانع الإسرائيليون من وصول المسلمين إلى مقدساتهم في كل حين، و ممارسة عباداتهم فيه بحرية، إذا كانوا هم الحكام.

نعم، يمكن أن يخطر كل هذا في ذهن الإنسان العادي.


1) الآية 75 من سورة النساء.

و لربما يؤثر هذا الخاطر على تعامله مع أقدس قضية، فيما إذا فصل الجانب الإنساني و العاطفي و الإسلامي عن الأرض، فيضعف الدافع لتحريرها.

و هناك الكارثة الحقيقية و الخيانة و الجريمة الكبرى، إذا، فلا بد أن تبقى المآسي و المظالم التي تعرض و يتعرض لها الشعب الفلسطيني ماثلة للعيان أمام المقاتل المسلم و المؤمن بعدالة قضيته، ليندفع إلى التضحية و الفداء في سبيل قضيته المقدسة، بروح رضية، و نفس أبية، و ليمتزج من ثم الوعي بالعاطفة، و كلاهما بالإيمان.

مع التأكيد على أنه ليس للمسؤولين و السياسيين أن يربطوا مصيرهم و مصير أمتهم بأولئك المنحرفين، و لا أن يثقوا بهم، لأن أولئك المنحرفين سوف يدفعونهم في النهاية ثمنا لمصالحهم، و يساومون عليهم و بهم.

الفصل الثاني: إنذار العشيرة

اشارة

أهداف الإسلام:

إن من الواضح: أن أهداف الإسلام القصوى ليست هي مجرد تحقيق العدل، و لو بمفهومه الأوسع، إذ لو كان كذلك لم يبق معنى للأوامر الداعية إلى الجهاد و التضحية بالنفوس في سبيل اللّه و المستضعفين، إذ لماذا يتخلى هذا الشخص عن نفسه و عن حياته في حين يبقى الآخرون يتمتعون بالحياة، و بمباهجها و لذائذها؟ ! .

كما أنه لو كان العدل هو الهدف فلا يبقى معنى لمحبوبية الإيثار على النفس و مطلوبيته له تعالى، ثم مدح من يفعل ذلك من الناس كما في قوله تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ (1).

كما أنه لا معنى لنهي الإنسان عن الحقد و الحسد، و غير ذلك مما لا يمكن تتبعه و استقصاؤه، فإن ذلك كله و سواه ليدل على أن الهدف ليس هو مجرد تحقيق العدل، و إنما هو فوق و أهم و أقدس من ذلك.

إنه تجسيد إنسانية الإنسان، و إظهار كنوزها، و الارتفاع بهذا الإنسان إلى مستوى الجدارة الحقيقية لأن يمثل النموذج الذي يريده اللّه للإنسان


1) الآية 9 من سورة الحشر.

الكامل، و ليس العدل و سواه من كمالات و فضائل إلا واحدا من تلك المراحل و الوسائل الموصلة إلى ذلك الهدف المقدس و الأسمى، الذي يستبطن في داخله: كل العدل، و كل الكمالات و كل الفضائل، و أخيرا كل السعادة، و الفوز و النجاح.

هذا هو هدف الإسلام، و هذا ما يسعى إليه، و يعمل من أجل الوصول و الحصول عليه، و ليس أدل على ذلك من الآية الكريمة التي تحدد مهمة النبي الرسول، بأنه يعلّم الناس الحكمة، و يطهرهم، و يزكيهم، بالإضافة إلى تبليغ رسالة اللّه لهم، قال تعالى:

هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ (1).

و ليلاحظ: أيضا قوله تعالى: . . مٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (2).

و من يراجع الآيات القرآنية يجد الكثير الكثير مما يدل على ذلك دلالة واضحة، حتى إن ذلك لا يحتاج إلى أي بيان أو توضيح، و لا إلى المزيد من الدلالات و الشواهد.

الحاجة إلى الوزير و الوصي:

و بعد أن عرفنا حقيقة هدف الإسلام، فإننا نعرف:

أن مهمته شاقة و عسيرة جدا لأنها تصطدم أولا و بالذات بالإنسان الفرد،


1) الآية 2 من سورة الجمعة.

2) الآية 6 من سورة المائدة.

حيث لا بد له من السيطرة على غرائزه و شهواته و طموحاته، ليوجهها و يستفيد منها في مجال بناء الشخصية الإنسانية المثالية و الفضلى، كما أنها تهدف إلى التغيير الجذري في البنية الاجتماعية و السياسية و غيرها للمجتمع، ليقتلع كل جذور الشر، و يستأصل كل عوامل الانحراف؛ ليغرس عوضا عنها كل معاني الخير و الصلاح، و البركة و الفلاح.

نعم، إنها مهمة شاقة و عسيرة جدا، و لا أشق و لا أعسر منها، و هي تحتاج لإنجازها ثم إلى استمرارها إلى جهد هائل و مستمر، ما دام أن الإنسان يحمل في داخله عوامل التغيير و التحول، التي منحه اللّه إياها لتكون عوامل لبقائه و سعادته و لراحته، و أعطاه أيضا وسائل ضبطها و الهيمنة عليها و توجيهها، و لكن تلك الوسائل كثيرا ما تضعف عن السيطرة على تلك العوامل.

و لسوف يبقى هذا الخطر قائما، ما دام ذلك الصراع قائما.

و إذا كان الصراع مستمرا باستمرار وجود الإنسان على مدى الزمان، و كان خطر الشذوذ و الانحراف مستمرا أيضا:

فإن الأنبياء «عليهم السلام» سيكونون بحاجة إلى مواصلة القيام بمهمة التربية و التزكية، و غرس الفضائل الإنسانية و الأخلاقية في نفوس الناس، بالإضافة إلى الاستمرار في تلاوة الآيات القاهرة للعقل؛ و المرضية للوجدان، و بالإضافة إلى تعليم الشريعة و الأحكام، ثم الإشراف على تطبيقها، و الرقابة المستمرة على ذلك.

و من هنا تبرز الحاجة إلى الوزير و الوصي، و النصير و الأخ و الولي، و الخليفة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاء تنصيب علي «عليه السلام» من

قبل الرسول الأكرم «صلوات اللّه عليه و آله» هو الحركة السليمة و الطبيعية في خط الجهاد و الدعوة إلى اللّه سبحانه، و ما يوم الدار، و ما جرى من تنصيب علي «عليه السلام» فيه خليفة و وزيرا و وصيا للرسول إلا واحدا من تلك المناسبات الكثيرة التي جرى فيها التأكيد على هذا الأمر، و ترسيخه بصورة قوية و حاسمة.

فإلى حديث الدار فيما يلي من مطالب.

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ:

إنه بعد السنوات الثلاث الأولى، بدأت مرحلة جديدة و خطيرة و صعبة، هي مرحلة الدعوة العلنية إلى اللّه تعالى.

و قد بدأت أولا على نطاق ضيق نسبيا، حيث نزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ (1)فيقول المؤرخون، {و النص للطبري} ما ملخصه: إنه لما نزلت هذه الآية دعا عليا «عليه السلام» ؛ فأمره أن يصنع طعاما، و يدعو له بني عبد المطلب ليكلمهم، و يبلغهم ما أمر به.

فصنع علي «عليه السلام» صاعا من طعام، و جعل عليه رجل شاة، و ملأ عسا من لبن، ثم دعاهم، و هم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا، أو ينقصونه، فيهم أعمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أبو طالب، و حمزة و العباس، و أبو لهب؛ فأكلوا.

قال علي «عليه السلام» : فأكل القوم، حتى ما لهم بشيء من حاجة، و ما


1) الآية 214 من سورة الشعراء.

أرى إلا موضع أيديهم، و أيم اللّه الذي نفس علي بيده، و إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم.

ثم قال: إسق القوم؛ فجئتهم بذلك العس؛ فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، و أيم اللّه، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: لقدما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، و لم يكلمهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .

فأمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» في اليوم الثاني: أن يفعل كما فعل آنفا، و بعد أن أكلوا و شربوا قال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا بني عبد المطلب، إني و اللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة.

و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه؛ فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، و وصي، و خليفتي فيكم؟ .

قال: فأحجم القوم عنها جميعا، و قال علي: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي، و وصي، و خليفتي فيكم؛ فاسمعوا له و أطيعوا.

قال: فقام القوم يضحكون، و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع.

و في بعض نصوص الرواية: أنه لما قام علي «عليه السلام» فأجاب، أجلسه النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم أعاد الكلام، فأجابه علي، فأجلسه، ثم أعاد عليهم، فلم يجيبوا، و أجاب علي «عليه السلام» ، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» ذلك.

و على حسب نص الإسكافي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: هذا أخي، و وصيي، و خليفتي من بعدي.

و أنهم قالوا لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أمره عليك (1).


1) راجع هذه القضية في: تاريخ الطبري ج 2 ص 63، و مختصر تاريخ أبي الفداء ج 2 ص 14 ط دار الفكر بيروت و شواهد التنزيل ج 1 ص 372 و 421 و كنز العمال الطبعة الثانية ج 15 ص 16 و 117 و 113 و 130 عن ابن إسحاق، و ابن جرير و صححه، و أحمد، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و البيهقي معا في الدلائل، و تاريخ ابن عساكر، ترجمه الإمام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 87 و 88، و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 244 عن الإسكافي، و حياة محمد لهيكل الطبعة الأولى ص 286. و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 159 و كفاية الطالب ص 205 عن الثعلبي و منهاج السنة ج 4 ص 80 عن البغوي و ابن أبي حاتم و الواحدي و الثعلبي و ابن جرير، و مسند أحمد ج 1 ص 111، و فرائد السمطين، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 86، و إثبات الوصية للمسعودي ص 115 و 116، و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 460 و 459. و الغدير ج 2 ص 278-284 عن بعض من ذكرنا و عن: أنباء نجباء الأبناء ص 46 و 47، و شرح الشفاء للخفاجي ج 3 ص 37. و راجع أيضا: تفسير الخازن ص 390، و كتاب سليم بن قيس و غيرهم، و خصائص النسائي ص 86 الحديث 63، و راجع: البحار ج 38 و الدر المنثور ج 5 ص 97 عن مصادر كنز العمال لكنه حرف فيه و مجمع الزوائد ج 8 ص 302 عن عدد من الحفاظ بإسقاط منه أيضا، و ينابيع المودة ص 105 و غاية المرام ص 320 و ابن بطريق في العمدة، و تفسير الثعالبي، و تفسير الطبري ج 19 ص 75، و البداية و النهاية ج 3 ص 40، و تفسير ابن كثير ج 3 ص 350 و 351.

التعصب الأعمى:

و لا بد أن نشير هنا: إلى أن الطبري، قد ذكر هذا الحديث في تاريخه على النحو المتقدم.

و لكنه ندم على ذلك-على ما يظهر-فذكر نفس هذا الحديث في تفسيره برمته حرفيا، متنا و سندا، و لكنه غير فيه عبارة واحدة، فذكرها على النحو التالي: «فأيكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي، و كذا و كذا.

إلى أن قال:

ثم قال: إن هذا أخي و كذا و كذا» ! ! (1).

و قد تبعه على هذا ابن كثير الشامي أيضا؛ فلم تسمح نفسه بذكر ما في تاريخ الطبري.

بل نقل خصوص ما في التفسير، مع أن تاريخ الطبري هو مصدره و معتمده في تاريخه! ! (2).

كما أن محمد حسنين هيكل بعد أن ذكر في كتابه حياة محمد، في الطبعة الأولى ص 104 نص الطبري في التاريخ، عاد فحذف من الطبعة الثانية ص 139 ط سنة 354 ه. قوله: «و خليفتي فيكم» و اقتصر على قوله: «و يكون أخي و وصيي» و ذلك لقاء خمسمائة جنيه، أو لقاء شراء ألف نسخة من كتابه (3).


1) راجع تفسير الطبري ج 19 ص 75.

2) راجع: تفسير ابن كثير ج 3 ص 351، و البداية و النهاية ج 3 ص 40 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 459.

3) راجع: فلسفة التوحيد و الولاية ص 179 و 132 و سيرة المصطفى ص 131 و 130.

ابن تيمية، و حديث الدار:

أما ابن تيمية، فقد أنكر-على عادته في إنكار فضائل سيد الأوصياء أمير المؤمنين «عليه السلام» -حديث الدار، و أورد عليه بما ملخصه:

أولا: إن في سند رواية الطبري أبا مريم الكوفي، و هو مجمع على تركه، و قال أحمد: ليس بثقة، و اتهمه ابن المديني بوضع الحديث إلخ.

ثانيا: تنص الرواية على أنه قد جمع بني عبد المطلب و هم أربعون رجلا.

و من الواضح: أنه حين نزول الآية لم يكن بنو عبد المطلب بهذه الكثرة.

ثالثا: قول الرواية إن الرجل منهم ليأكل الجذعة، و يشرب الفرق (1)من اللبن، كذب، إذ ليس في بني هاشم من يعرف بأنه يأكل جذعا، و يشرب فرقا.

رابعا: إن مجرد الإجابة للمعاونة على هذا الأمر لا يوجب أن يكون المجيب وصيا و خليفة بعده «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى الإسلام، و أعانوه على هذا الأمر، و بذلوا أنفسهم و أموالهم في سبيله.

كما أنه لو أجابه الأربعون، أو جماعة منهم فهل يمكن أن يكون الكل خليفة له؟

خامسا: إن حمزة، و جعفر، و عبيدة بن الحرث قد أجابوا إلى ما أجاب إليه علي، بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلا (2).


1) الفرق: إناء يكتال به.

2) منهاج السنة ج 4 ص 81-83.

الرد على ابن تيمية:

و لكن كل ما ذكره ابن تيمية لا يصح، و لا يلتفت إليه، و ذلك لما يلي:

1-فأما بالنسبة لما ذكره أولا عن أبي مريم، فقد قال ابن عدي: سمعت ابن عقدة يثني على أبي مريم و يطريه، و تجاوز الحد في مدحه (1)و أثنى عليه شعبة (2).

و قال عنه الذهبي: كان ذا اعتناء بالعلم و بالرجال (3).

و عدا عن ذلك فقد صرحوا بسبب تضعيفهم له، و هو كونه شيعيا، و نحن نرى أن ذلك لا يضره؛ فقد روى أصحاب الصحاح، و لا سيما البخاري و مسلم عن عشرات الشيعة (4).

و مع غض النظر عن ذلك؛ فإن المتقي الهندي قد نقل عن الطبري: أنه قد صحح هذا الحديث (5).

كما و صححه الإسكافي المعتزلي (6).

و صححه أيضا: الخفاجي في شرح الشفاء (7).


1) راجع: الغدير ج 2 ص 280، و لسان الميزان ج 4 ص 43.

2) لسان الميزان ج 4 ص 42.

3) ميزان الاعتدال للذهبي ج 2 ص 631 و 640، و لسان الميزان ج 4 ص 42.

4) المصدر السابق.

5) كنز العمال ج 15 ص 113.

6) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 244.

7) راجع: الغدير ج 2 ص 280.

و قد رواه أحمد بسند جميع رجاله رجال الصحاح بلا كلام، و هم: شريك، و الأعمش، و المنهال، و عباد، و علي «عليه السلام» (1).

و لو سلم كل ذلك؛ فإن طرق الحديث مستفيضة، يقوي بعضها بعضا؛ فلا يضر ضعف بعض الرجال في بعض الأسانيد.

و أعجب من ذلك دعوى أن لا تكون قضية الخلافة بعده «صلى اللّه عليه و آله» مذكورة في المسانيد، فإن من راجع المصادر التي ذكرناها للحديث آنفا؛ يعرف أنها موجودة في عشرات المصادر و المسانيد.

و أما الطعن في رواية ابن أبي حاتم باشتمال سندها على عبد اللّه بن عبد القدوس.

و قد ضعفه الدار قطني.

و قال النسائي: ليس بثقة.

و قال ابن معين: ليس بشيء، رافضي خبيث، أما هذا-فقد قال الشيخ المظفر «رحمه اللّه تعالى» في جوابه: «و فيه: أن تضعيفهم معارض بما في تقريب ابن حجر: أنه صدوق.

و في تهذيب التهذيب: قال محمد بن عيسى: ثقة.

و ذكره ابن حبان في الثقات.

و قال البخاري: هو في الأصل صدوق، إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف.

مع أنه أيضا من رجال سنن الترمذي.


1) راجع: المصدر السابق، و مسند أحمد ج 1 ص 111.

و مدح هؤلاء مقدم؛ لعدم العبرة في قدح أحد المتخالفين في الدين في الأخر، و يقبل مدحه فيه.

و هم قذفوه بذلك؛ لأنهم رموه بالتشيع، و لا نعرفه في رجالهم.

لكن قد ذكر ابن عدي: أن عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. و لعل هذا هو سر تهمتهم له (1).

2-و أما ما ذكره ابن تيمية ثانيا: فإن الظاهر هو أن كلمة {عبد} زيادة من الرواة، بدليل: أن عددا من الروايات يصرح بأنه قد دعا بني هاشم (2).

و جاء في روايات أخرى: أنه دعا بني عبد المطلب، و نفرا من بني المطلب (3)فلعل الأمر قد اشتبه على الراوي و أضاف كلمة «عبد» ، و هذا كثير.

و عليه فلا يلزم من ذلك كذب أصل الواقعة المتفق عليها إجمالا، كما أن أبناء عبد المطلب إذا كانوا عشرة، و كان أصغرهم يصل عمره حينئذ إلى ستين عاما؛ فلماذا لا يكون لهم من الولد ما لو انضموا إليهم لبلغوا أربعين رجلا، بل أكثر من ذلك بكثير، و ما وجه الاستبعاد لذلك؟


1) دلائل الصدق ج 2 ص 234.

2) كما في السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 459 عن ابن أبي حاتم و كذا في البداية و النهاية ج 3 ص 40، راجع كنز العمال ج 15 ص 113، و مسند أحمد ج 1 ص 111 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 350 و ابن عساكر ترجمة الإمام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 87، و إثبات الوصية للمسعودي ص 115، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 27، و مسند البزار مخطوط في مكتبة مراد رقم 578.

3) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 62 ط صادر.

3-و أما ما ذكره ثالثا: فقد أجاب عنه الشيخ المظفر: بأن عدم معروفيتهم بالأكل لا تدل على عدم كونهم كذلك، فلعلهم كذلك في الواقع، و لو سلم؛ فإنه يلزم منه مبالغة الراوي في إظهار معجزة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في إطعامهم رجل الشاة، و عس اللبن الواحد (1).

4-و أما ما ذكره ابن تيمية رابعا: فجوابه ما ذكره الشيخ المظفر أيضا: من أن قوله هذا ليس علة تامة للخلافة، و لم يدّع ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليشمل حتى من لم يكن من عشيرته، بل أمره اللّه بإنذار عشيرته؛ لأنهم أولى بالدفع عنه و نصره؛ فلم يجعل هذه المنزلة إلا لهم، و ليعلم من أول الأمر: أن هذه المنزلة لعلي «عليه السّلام» لأن اللّه و رسوله يعلمان:

أنه لا يجيب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يؤازره غير علي «عليه السلام» ؛ فكان ذلك من باب تثبيت إمامته، بإقامة الحجة عليهم. و مع فرض تعدد المجيبين يعين الرسول الأحق بها منهم (2).

و قد أوضح ذلك المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني: بأن الخطاب إنما هو للجميع، لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعلم من خلقهم و علاقاتهم، و طبائعهم: أنهم سوف لا يجيبون إلا علي «عليه السلام» ، هذا بالإضافة إلى إعلام اللّه له بذلك.

و نقول نحن: إن مما يؤيد ذلك، النص الذي سوف يأتي نقله عن البحار، عن ابن طاووس، تحت عنوان: «ماذا قال النبي «صلى اللّه عليه


1) دلائل الصدق ج 2 ص 235.

2) دلائل الصدق ج 2 ص 236.

و آله» يوم الإنذار» .

و قد قلنا هناك: إن ذلك النص هو المنسجم مع الآية الكريمة، و قد جاء فيه: «إن اللّه لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا، و وزيرا، و وصيا، و وارثا من أهله، و قد جعل لي وزيرا كما جعل للأنبياء من قبلي. .» .

إلى أن قال:

«و قد و اللّه أنبأني به، و سماه لي، و لكن أمرني أن أدعوكم و أنصح لكم، و أعرض عليكم لئلا تكون لكم الحجة فيما بعد» (1).

و احتمل صديقنا المحقق الروحاني: أن يكون الخطاب لواحد منهم على سبيل البدل، و لذا قال لهم: أيكم يؤازرني إلخ. .

فالمجيب أولا هو الذي يستحق ما وعد به «صلى اللّه عليه و آله» ، و إجابة أكثر من واحد بعيدة الوقوع جدا، و لا يعتنى باحتمالها عرفا، لا سيما و أن الذي يضر هو التقارن في الإجابة، و ذلك أبعد و أبعد.

هذا مع علمه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه لا يجيب سوى واحد منهم.

و لكن قد ذكر بعض الأعلام: أن كون المراد هو المؤازرة في الجملة بعيد؛ لكون المسلمين على اختلاف مراتبهم قد آزروه في الجملة، فالمراد هو المؤازرة في جميع الأمور و الأحوال، و الموازرة الكاملة في الدين تحتاج إلى أعلى درجات الوعي، و العلم، و السمو الروحي إلى درجة العصمة.

الأمر الذي يعني: أن شخصا كهذا هو الذي يستحق الإمامة، و لا يستحقها سواه؛ ممن تلبس بالظلم، كما قال تعالى: لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي


1) البحار ج 18 ص 215 و 216، عن سعد السعود ص 106.

اَلظّٰالِمِينَ (1).

و ليس ذلك سوى عليّ «عليه السلام» .

أضف إلى ذلك: أن إمامة و خلافة علي «عليه السلام» ، إنما هي بجعل من اللّه سبحانه و تعالى، لا بجعل من النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتترتب على المؤازرة المنشودة، و المرغّب بها، مع علم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدم إجابة غير علي «عليه السلام» ، فيكون ما جرى في يوم الإنذار لأجل إقامة الحجة، و قطع كل عذر، فكلام المظفر هو الأولى و الأقرب انتهى.

و أما ما ذكره ابن تيمية خامسا و أخيرا فهو لا يصح أيضا بأي وجه:

أولا: لأن وجود حمزة إنما يضر لو كان قد أسلم قبل نزول آية الإنذار، و نحن لم نستطع أن نحتمل ذلك، فضلا عن أن نجزم به؛ إذ من القريب جدا، بل هو ظاهر، إن لم يكن صريح ما ورد في كيفية إسلام حمزة: أن يكون إسلامه بعد الإعلان بالدعوة، و بعد وقوع المواجهة بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قريش، و بعد مفاوضاتها لأبي طالب.

ثانيا: لو سلّم فإن إنذار عشيرته يمكن أن يكون أثناء الدعوة السرية، و قبل إسلام حمزة، حتى لو كان قد أسلم في الثانية من البعثة، و يكون ما جرى بين حمزة و أبي جهل بمثابة إعلان جزئي للدعوة.

و تكون قريش قد بدأت تتعرض لشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى في الدعوة السرية، و أما بالنسبة لسائر من أسلم فقد كان ثمة محدودية في التعامل معهم، و سرية بالنسبة لمن يدخل في الإسلام منهم.


1) الآية 124 من سورة البقرة.

و يدل على ما ذكرناه: أنهم يذكرون: أن قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ (1)كان هو السبب في إخراج الدعوة من السر إلى العلن.

و لا ريب أن إنذار العشيرة كان قبل ذلك.

ثالثا: إن وجود حمزة، إن كان قد أسلم آنئذ، كوجود أبي طالب بينهم، فلعلهما كانا يريان أنهما غير مقصودين بهذه الدعوة.

و لا سيما إذا كانا يدركان: أن بقاءهما إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبعد احتمالا؛ فإن سن حمزة كان يقارب سن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، كما يدعون.

و لكننا نعتقد: أنه كان أكبر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأكثر من عشرين سنة، لأنه كان أكبر من عبد اللّه، والد النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الذي كان أصغر أولاد عبد المطلب.

و هكذا يقال بالنسبة للعباس أيضا.

و أما أبو طالب؛ فإنه كان شيخا هرما لا يحتمل البقاء إلى ما بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا معنى لأن يقدم أي منهما نفسه على أنه خليفته من بعده، أو على الأقل هكذا فكرا آنئذ.

و هكذا يتضح: أن جميع ما جاء به ابن تيمية إنما كان كسراب بقيعة، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.


1) الآية 94 من سورة الحجر.

نقاط هامة في حديث الإنذار
أ-روايات لا يمكن أن تصح:

هذا، و قد حاول ابن تيمية أن يقوي جانب روايات أخرى تبعد عليا و أهل البيت «عليهم السلام» عن الأنظار، بل و تستبعد الهاشميين منه عموما أيضا كتلك الروايات التي في الصحيحين، و التي تقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» جمع قريشا حين نزل قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ فاجتمعوا، فخص و عمّ، فقال:

يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار إلخ (1).

و في رواية أخرى: إنه «صلى اللّه عليه و آله» جمع بني هاشم و أجلسهم على الباب، و جمع نساءه فأجلسهم في البيت.

ثم كلّم بني هاشم، و بعد ذلك أقبل على أهل بيته؛ فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، و يا حفصة بنت عمر، و يا أم سلمة، و يا فاطمة بنت محمد، و يا أم الزبير عمة رسول اللّه، اشتروا أنفسكم في اللّه، و اسعوا في فكاك رقابكم؛


1) راجع: منهاج السنة ج 4 ص 83، و الدر المنثور ج 5 ص 95 و 96 عن: أحمد، و عبد بن حميد، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه و البيهقي عن عائشة، و أنس، و عروة بن الزبير، و البراء، و قتادة، و تاريخ الخميس ج 1 ص 287.

فإني لا أملك لكم من اللّه شيئا، و لا أغني؛ فبكت عائشة و قالت. . إلخ. .

ثم تذكر الرواية محاورة لها معه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و ثمة نصوص أخرى كلها تؤكد على دعوته قريشا و إنذاره لها، و هذه الروايات لا يمكن أن تصح.

أولا: لقد تقدم: أن فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها لم تكن حينئذ قد ولدت.

ثانيا: إن عائشة (2)و حفصة، و أم سلمة لم يكنّ من أزواجه حينئذ، و لا كنّ من أهله، و إنما صرن من أهله في المدينة بعد ذلك بسنين كثيرة. .

ثالثا: إن هذه الروايات تناقض ما ورد من أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما دعا قريشا و بادأها حين نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ (3)، و ليس حين نزل قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ .

رابعا: إن هذه الروايات تناقض نص الآية نفسها، فإنها تأمره بإنذار العشيرة الأقربين، لا مطلق عشيرته، و لا مطلق الناس، و عشيرته الأقربون


1) الدر المنثور ج 5 ص 96 عن: الطبراني، و ابن مردويه، عن أبي أمامة، و هذه الروايات موجودة في مصادر كثيرة أخرى و لا سيما تلك التي ذكرناها في أوائل هذا البحث كمصادر للنص الأول.

2) و الغريب في الأمر: أنهم يعتقدون: أن عائشة إنما ولدت في الخامسة من البعثة، و الإنذار للعشيرة كان في الخامسة، فهم يناقضون أنفسهم مناقضة صريحة، و إن كنا نحن نعتقد: أن عائشة قد ولدت قبل البعثة بسنوات، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

3) الآية 94 من سورة الحجر.

إما هم بنو هاشم، أو بنو عبد المطلب، و المطلب.

و القول بتعدد الإنذار: لا يدفع الإشكال، بعد تصريح الروايات: بأن مفادها قد وقع حين نزول الآية عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هذا كله مع غض النظر عما في أسانيد هذه الروايات، فإن جميع رواتها -كما يقولون-: لم يدركوا زمان إنذار عشيرته «صلى اللّه عليه و آله» .

ب-ما المراد بكونه خليفته في أهله:

و قد ذكر الشيخ المظفر «رحمه اللّه» : أن من الواضح: أن قوله: خليفتي فيكم، أو في أهلي لا يضر، ما دام أن ثمة إجماعا على عدم جواز وجود خليفتين: خاص، و عام، فخلافته الخاصة تقتضي خلافته المطلقة.

و لعل الأصح هو: أنه قال-كما في الروايات الأخرى-: «من بعدي» ، أو أنه قال: «فيكم» ، باعتبار أنهم من المسلمين.

و أما القول بأن المقصود: هو أنه القائم بشؤونهم الدنيوية؛ فيكذبه الواقع؛ فإن عليا «عليه السلام» لم يكن كذلك بالنسبة لأي من الهاشميين، و لو كان المقصود هو خصوص الحسنين «عليهما السلام» ، و فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها، فإن من الواضح أنهما و كذلك أمهما ما كانوا قد ولدوا بعد.

كما أن نفقة هؤلاء واجبة عليه بالأصالة لا بالخلافة، و أما غيرهم فلم يكن «عليه السلام» مكلفا بالإنفاق عليه، و لا كان يفعل ذلك (1).


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 239.

أضف إلى ذلك كله: أنه بعد أن يصبح الإنسان رجلا عاقلا و كاملا، فإنه لا يبقى بحاجة إلى ولي يدبر شؤونه، بل يستقل هو نفسه في ذلك، و على هذا، فلا يبقى للولي و للخليفة معنى، إذا كان هذا هو المراد.

و نشير هنا: إلى أن الدواعي كانت متوفرة لتحريف هذه الواقعة، و جعلها خاصة بالخلافة على الأهل، و لا تشمل الخلافة العامة التي هي موضع الأخذ و الرد كما هو معلوم.

ج-لماذا تخصيص العشيرة بالدعوة؟ ! :

هذا و لا يخفى: أن الاهتمام بدعوة عشيرته الأقربين كان خير وسيلة لتثبيت دعائم دعوته، و نشر رسالته؛ لأن الإصلاح يجب أن يبدأ من الداخل، حتى إذا ما استجاب له أهله و قومه، اتجه إلى غيرهم بقدم ثابتة، و عزم راسخ و مطمئن.

كما أن دعوته لهم سوف تمنحه الفرصة لاكتشاف عوامل الضعف و القوة في البنية الداخلية، من حيث ارتباطاته و علاقاته الطبيعية، و ليعرف مقدار الدعم الذي سوف يلاقيه؛ فيقدر مواقفه، و إقدامه، و إحجامه على أساسه.

أضف إلى ذلك: أنه حين يبدأ بالأقربين من عشيرته، و لا يبدو أنه على استعداد لتقديم أي تنازل أو مساومة حتى بالنسبة إلى هؤلاء، فإن معنى ذلك هو أن على الآخرين أن يقتنعوا بأنه منسجم مع نفسه، و مقتنع بصحة ما جاء به، و يريد لأحب الناس إليه، الذين لا يريد لهم إلا الخير، أن يكونوا في طليعة المؤمنين الذين يضحون بكل غال و نفيس في سبيل هذا الدين.

و قد رأينا: أن النصارى قد تنبهوا إلى ذلك في قضية المباهلة، فراجع.

و من الجهة الأخرى: فإنه يعيش في مجتمع يقيم علاقاته على أساس قبلي

-فحين يريد أن يقدم على مواقف أساسية و مصيرية-و حين لا يكون هو نفسه يرضى بالاعتماد على القبلية كعنصر فعال في حماية مواقفه، و تحقيق أهدافه؛ فإن من اللازم: أن يتخذ من ذوي قرباه موقفا صريحا، و يضعهم في الصورة الواضحة؛ و أن يهيئ لهم الفرصة ليحددوا مسؤولياتهم، بحرية، و صراحة، و صفاء، بعيدا عن أي ضغط و ابتزاز و لو كان هذا الضغط من قبيل العرف القبلي فيما بينهم؛ لأنه عرف مرفوض إسلاميا.

و هنا تبرز واقعية الإسلام في تعامله مع الأمور، و في معالجته للقضايا، الإسلام الذي لا يرضى أن يستغل جهل الناس و بساطتهم، و حتى أعرافهم -الخاطئة-التي ارتضوها لأنفسهم في سبيل منافعه، و تحقيق أهدافه.

نعم، إن الإسلام يعتبر الوسيلة جزءا من الهدف، فلا بد أن تنسجم و تتلاءم معه، كما لا بد أن تنال من الطهر و القداسة بالمقدار الذي يناله الهدف نفسه.

وفقنا اللّه للسير على هدى الإسلام، و الالتزام بتعاليمه؛ إنه خير مأمول، و أكرم مسؤول.

و على كل حال، فقد خرج «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك الاجتماع بوعد أكيد من شيخ الأبطح، أبي طالب «عليه السلام» بالنصر و العون؛ فإنه لما رأى موقف أبي لهب اللاإنساني، و اللامعقول، قال له: «يا عورة، و اللّه لننصرنه، ثم لنعيننه! ! يا ابن أخي، إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا، حتى نخرج معك بالسلاح» (1).


1) تاريخ اليعقوبي {ط صادر} ج 2 ص 28 و 27.

د-علي عليه السّلام في يوم الإنذار:

و نجد في يوم الإنذار: أن اختيار النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقع على أمير المؤمنين «عليه السلام» ، ليكون المضيف لجماعة يناهز عددها الأربعين رجلا، فيأمره بأن يصنع طعاما، و يدعوهم إليه.

و الظاهر: أن ذلك قد كان في بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، لأن عليا «عليه السلام» كان عند رسول اللّه «صلوات اللّه عليه و آله» في بيته على ما يظهر، و قد كان بإمكانه «صلى اللّه عليه و آله» أن يطلب من خديجة أن تصنع لهم الطعام، هذا، مع وجود آخرين، أكثر وجاهة و معروفية من علي «عليه السلام» ، كأبي طالب، و كجعفر، الذي كان يكبر عليا في العمر، و غيرهما ممن يمكن أن يستفيد من نفوذه و شخصيته في التأثير على الحاضرين، و لكنه قد اختار عليا بالذات ليتفادى أي إحراج يبعد القضية عن مجالها الطبيعي، الذي يرتكز على القناعة الفكرية و الوجدانية بالدرجة الأولى-و لأن عليا و إن كان حينئذ صغير السن، إلا أنه كان في الواقع كبيرا في عقله، و في فضائله و ملكاته، كبيرا في روحه و نفسه، كبيرا في آماله و أهدافه، و لا أدل على ذلك من كونه هو المجيب للرسول، دون كل من حضر، ليؤازره و يعاونه على هذا الأمر.

و قد رآه النبي «صلى اللّه عليه و آله» منذئذ أهلا لأن يكون أخاه، و وصيه، و خليفته من بعده، و هي الدرجة التي قصرت همم الرجال عن أن تنالها، بل و حتى عن أن يدخل في وهمها: أن تصل و لو في يوم ما إليها، و تحصل عليها.

و لكن عليا كان منذ نعومة أظفاره هو السباق إليها دون كل أحد؛ لأنه

عاش في كنف الرسول، و كان «صلى اللّه عليه و آله» كفيله و مربيه، و كان يبرد له الطعام، و يشمه عرفه، و كان يتبع الرسول اتباع الفصيل أثر أمه، و كان كأنه ولده (1).

. . ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (2).

ه-موقف أبي طالب رحمه اللّه:

و أما أبو طالب «عليه السلام» فكان موقفه الراعي لهذا الأمر، و المحامي عنه، و الحريص عليه. .

و كان يعلم: أنه لم يكن هو المقصود بهذا الخطاب، لأنه لم يكن يرى أنه يعيش إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليكون وصيه و وزيره و خليفته من بعده.

و-موقف أبي لهب:

و لقد أدرك أبو لهب مغزى تلك الدعوة، و رأى أن الأمر قد بلغ مرحلة الجد، و ها هو يرى بأم عينيه معجزة أخرى، تضاف إلى الكثير مما رآه من


1) و ليس في كفالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي غضاضة على أبي طالب شيخ الأبطح-كما يقول البعض-لأن عبد اللّه و أبا طالب كانا من أم واحدة بخلاف سائر أبناء عبد المطلب، و قد ربي النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجر أبي طالب و كان «صلى اللّه عليه و آله» يخاطب فاطمة بنت أسد بيا أماه، و كانت عناية أبي طالب و زوجته به «صلى اللّه عليه و آله» فائقة جدا، و كان علي «عليه السلام» كأنه ابن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع ملاحظة التفاوت في السن فيما بينهما.

2) الآية 4 من سورة الجمعة.

معاجز و كرامات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، طيلة السنوات الكثيرة التي عرف فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أحواله-فيرى أن فخذ شاة، و عسا من لبن، يكفي أربعين رجلا، و أبو لهب هو ذلك الرجل الذي يعرف طبيعة و أهداف هذا الدين الذي يبشر فيه محمد «صلى اللّه عليه و آله» .

و أنه لا يقيم وزنا لأي امتياز أو مكسب شخصي حصل عليه الإنسان من طريق الابتزاز و الظلم، و سائر أنواع التعدي و الانحراف.

إذن، فلا بد لأبي لهب، بحسب منطقه اللامنطقي: أن يقف في وجه هذا الدين، و يمنعه من تحقيق أهدافه بكل وسيلة ممكنة.

و لا بد من تضييع الفرصة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك حفاظا على ما يراه أنه مصلحته أولا، و ليرضي حقده و حسده الذي يعتمل في صدره ثانيا؛ ذلك الحقد الذي لا مبرر له إلا أنه: يرى في شخصية النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» الصفات الحميدة، و الأخلاق الرضية الكريمة، و السجايا الفاضلة، فإن ذلك يعتبر عنده ذنبا، و أي ذنب.

فبادر إلى المواجهة الصريحة، و الوقحة و القبيحة، حيث استغل معجزة الطعام التي يراها الجميع بأم أعينهم، فرمى النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بالسحر و قال: لقدما سحركم صاحبكم، فتفرق الجمع في اليوم الأول، و لم يستطع الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول كلمته حتى اليوم التالي؛ حيث استطاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يصدع بما أمره اللّه تعالى، و يقيم عليهم الحجة، كما تقدم بيانه.

ز-الإنذار أولا:

و ما دمنا في الحديث عن إنذار عشيرته الأقربين؛ فإننا نسجل هنا: أنه

«صلى اللّه عليه و آله» قد أمر من قبل اللّه تعالى بالإنذار أولا لعشيرته، فقال تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ .

و كذلك الحال بالنسبة لغيرهم من سائر الناس، فإنه تعالى قد قال لنبيه، كما في سورة المدثر، التي هي من العتائق النازلة في أوائل البعثة: قُمْ فَأَنْذِرْ .

فقد جاء الإنذار أولا، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل مبشرا و نذيرا، و مع أن القرآن هدى و بشرى أيضا، لأن الناس لم يكونوا على واقع الفطرة، و الغفلة، و عدم الالتفات، بل كانوا في أول البعثة كفارا، معاندين و منغمسين في الظلم و الانحراف إلى أبعد مدى، فلا بد من إنذارهم أولا؛ ليلتفتوا إلى عواقب ما هم عليه من واقع سيء يعيشونه، و إلى العواقب المدمرة و المرعبة، التي تنتظرهم نتيجة لذلك.

و التفاتهم هذا، لسوف يؤثر فيهم للتطلع، ثم الحركة نحو الخروج من ذلك الواقع، و التخلص منه.

ثم يأتي بعد ذلك دور تخليص المجتمع من رواسبه، و من حركاته، و أعماله، و مواقفه السيئة، على مستوى الفرد، و على مستوى الجماعة، و تطهيره من كل غريب و مريض.

و معه جنبا إلى جنب تكون عملية وضع الأسس المتينة و السليمة لبناء الهيكل العام للمجتمع المسلم في عواطفه، و في علاقاته، و في روابطه.

و الأهم من ذلك؛ في فكره و ثقافته، و إعطائه المفهوم الحقيقي و الواقعي عن الكون، و عن الحياة، و بالذات عن هذا الإنسان القوي الضعيف، و ليطّرد قدما في عملية بناء الإنسان من الداخل، و تربيته و تزكيته، كما هي

وظيفة النبي و الإمام، و كل داعية إسلامي على الإطلاق، و قد أشرنا في أول هذا الفصل إلى هذا، مستفيدين من قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ. . (1).

و هذا الذي ذكرناه عن أسلوب الإسلام في دعوته، هو التحرك الطبيعي لأية دعوة تستهدف الإصلاح الجذري، و التغلب على مشاكل الحياة، و التخطيط لمستقبل مشرق سعيد.

ح-ماذا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في يوم الإنذار؟ ! :

و قد جاء في بعض النصوص أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: «يا بني عبد المطلب، إني لكم نذير من اللّه جل و عز، إني أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، و تفلحوا، و تنجحوا، إن هذه مائدة أمرني اللّه بها؛ فصنعتها لكم، كما صنع عيسى بن مريم «عليه السلام» لقومه؛ فمن كفر بعد ذلك منكم، فإن اللّه يعذبه عذابا شديدا، لا يعذبه أحدا من العالمين، و اتقوا اللّه، و اسمعوا ما أقول لكم، و اعلموا يا بني عبد المطلب: أن اللّه لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا، و وزيرا، و وصيا، و وارثا من أهله.

و قد جعل لي وزيرا كما جعل للأنبياء من قبلي، و إن اللّه قد أرسلني إلى الناس كافة، و أنزل علي: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ و رهطك المخلصين (2)، و قد و اللّه أنبأني به، و سماه لي.


1) الآية 4 من سورة الجمعة.

2) هذا توضيح منه «صلى اللّه عليه و آله» و تفسير للمراد من الآية.

و لكن أدعوكم، و أنصح لكم، و أعرض عليكم؛ لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، و أنتم عشيرتي و خالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في اللّه، و يؤازرني» ، إلى آخر كلامه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي ينسجم مع النص الذي ذكرناه في أوائل هذا الفصل فراجعه (1).

و هذا النص هو الأوفق و الأنسب لموقف كهذا، و هو ينسجم تماما مع أمر الآية بالإنذار، فإن الإنذار أولا هو الخطوة الطبيعية لأية دعوة، كما ذكرنا آنفا.

و لا بد من لفت النظر هنا إلى أن قوله: «و رهطك» الخ. . ، ليس من الآية المباركة، بل هي زيادة نبوية توضيحية.

ط-التبشير و الإنذار:

و يقول المحقق البحاثة المرحوم الشيخ مرتضى المطهري: إن من يريد إقناع إنسان ما بعمل ما، فله طريقان:

أحدهما: التبشير، بمعنى تشويقه، و بيان فوائد ذلك العمل.

الثاني: إنذاره ببيان ما يترتب على تركه من مضار، و عواقب سيئة.

و لذلك قيل: الإنذار سائق، و التبشير قائد.

و القرآن و الإسلام يريان: أن الإنسان يحتاج إلى هذين العنصرين معا، و ليس-كغيره-يكفيه أحدهما.

بل و يرى الإسلام: أنه لا بد أن ترجح كفة التبشير على كفة الإنذار.


1) البحار: ج 18 ص 215 و 216 عن سعد السعود لابن طاووس ص 106.

و لذلك قدم الأول على الثاني في أكثر الآيات القرآنية.

و من هنا، فقد قال «صلى اللّه عليه و آله» لمعاذ بن جبل، حين أرسله إلى اليمن: «يسّر و لا تعسّر، و بشّر و لا تنفّر» ، فهو هنا لم يستبعد الإنذار، بل هو جزء من خطته، و إنما اهتم بجانب التبشير إذ يمكن بواسطته إدراك مزايا الإسلام و خصائصه الرائعة، و ليكون إسلامهم من ثم عن قناعة حقيقية، و قبول تام.

و أما قوله «صلى اللّه عليه و آله» : و لا تنفّر، فهو واضح المأخذ، فإن روح هذا الإنسان شفافة جدا، و تبادر إلى ردة الفعل بسرعة، و من هنا فإننا نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يأمر بالعبادة ما دامت النفس مقبلة، و لا يقبل بالضغط عليها، و تحميلها ما لا تطيق، و لهذا شواهد كثيرة في الشريعة السهلة السمحاء (1).

و مما تقدم نستطيع أن ندرك: لماذا اشتملت دعوته «صلى اللّه عليه و آله» لعشيرته على التبشير أيضا؛ بأن من يؤازره سوف يكون خليفة بعده، و أنه قد جاءهم بخير الدنيا و الآخرة، تماما كما بدأت بالإنذار، فإن ذلك ينسجم مع ما تشتاق إليه نفوسهم، و يتلاءم مع رغباتهم، و يأتي من قبل من لا يمكن اتهامه لديهم بأي وجه.

ي-أخي و وصيي:

و يلفت نظرنا هنا قوله «صلى اللّه عليه و آله» : على أن يكون أخي إلخ. .


1) راجع: جريدة جمهوري إسلامي الفارسية رقم 254 سنة 1359 ه. ش في مقالات للمطهري رحمه اللّه تعالى.

فإن ذلك يؤكد لهم على مدى التلاحم و المحبة بينه و بين ذلك الذي يؤازره و يعاونه، إلى حد أنه يعتبره أخا له، فليست العلاقة بينهما علاقة رئيس و مرؤوس، و آمر و مأمور، و لا عال بدان، و إنما هي علاقة بين متكافئين في الإنسانية، كما أنها علاقة تعاون و تعاضد على العمل البناء و المثمر، و علاقة أخ مع أخيه، تغمرها المحبة، و الثقة و الصفاء، بكل ما لهذه الكلمات من معنى.

أضف إلى ذلك، ما في ذلك من دلالة على المستوى السامي الذي كان قد بلغه أمير المؤمنين «عليه السلام» حتى يستحق و سام الأخوة فيما بينه و بين سيد البشر، من مضى منهم، و من غبر.

آخر حملات التشكيك في حديث الإنذار:

طرح أحد المخالفين تشكيكات في متن حديث الإنذار فقال بعد أن أورد الحديث المشار إليه، ما يلي:

أقول نقد المتن سيكون على أمرين:

أولا: العدد.

بالنسبة لوصول رجال بني عبد المطلب إلى أربعين رجلا في ذلك الوقت، فهذا يحتاج أولا إلى إثبات و إلى بحث، و خلال بحث سريع لدي اتضح لي الآتي:

نبدأ بذكر أعمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثم القول فيهم بعد ذلك:

في البداية و النهاية لابن كثير {3/354} نقل لنا قول الزهري، حيث قال عن عبد اللّه والد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» :

«و كان أجمل رجال قريش و هو أخو الحارث و الزبير و حمزة و ضرار و أبي طالب و اسمه عبد مناف و أبي لهب و اسمه عبد العزى و المقوم و اسمه عبد الكعبة و قيل، هما اثنان، و حجل و اسمه المغيرة و الغيداق و هو كثير الجود و اسمه نوفل و يقال: انه حجل و العباس فهؤلاء اعمامه» .

و بعض المؤرخين أضافوا رجلا آخر و اسمه قثم بن عبد المطلب كما جاء في الروض الأنف {1/439} .

الآن نرى أمامنا أعمام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» . .

نأتي الآن إلى أقوال النسابة و المؤرخين فيهم:

جاء في كتاب الرحمة المهداة صفحة {47} لعبد العزيز المدني و نور الإسلام شفيع السلفي: «كان الحارث أكبر أولاد عبد المطلب مات في حياة أبيه و كان له أربعة أبناء: نوفل و عبد اللّه و ربيعة و أبو سفيان كلهم خدموا الإسلام» .

و قال البلاذري في كتابه أنساب الأشراف {1/87} : «و قال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل مات الحارث بن عبد المطلب و لابنه ربيعة سنتان» .

و جاء في كتاب التبيين في أنساب القرشين صفحة {79} لابن قدامة: «كان أكبر عمومة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحارث بن عبد المطلب و لم يدرك الإسلام» .

و في كتاب الطبقات لابن سعد {1/93} : «ولد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اثني عشر رجلا و ست نسوة: الحارث و هو أكبر ولده و به كان يكنى و مات في حياة أبيه» .

و جاء في كتاب نشوة الطرب في تاريخ الجاهلية و العرب {1/335} لابن سعيد الأندلسي المتوفى سنة 685 ه:

قال عن الزبير بن عبد المطلب: «و كان محبا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لم يلحق نبوته» .

و في كتاب الرحمة المهداة صفحة {53} : «مات الزبير قبل بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» .

إذن عرفنا هنا: هلاك الحارث و الزبير ابنا عبد المطلب قبل دعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هذا ما يفيد عدم حضورهم لحادثة الإنذار. .

{قلت أنا عبد اللّه السقاف: غير أننا سنذكر لاحقا أن للحارث أبناء عاصروا الحادثة و كذلك للزبير له ابن عاصر الحادثة. .} .

ثم نأتي إلى ضرار بن عبد المطلب:

قال ابن سعد في الطبقات {1/93} : «و ضرارا و كان من فتيان قريش جمالا و سخاء و مات أيام أوحى اللّه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا عقب له» .

و جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري {1/97} قال: «و ضرار بن عبد المطلب و أمه نتيلة أيضا مات حدثا قبل الإسلام» .

و جاء في كتاب الجوهرة في نسب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه العشرة للأديب الأندلسي محمد بن أبي بكر الأنصاري الشهير بالبري الذي ألفه عام 644 ه يقول في {1/44} :

«ضرار بن عبد المطلب: و مات ضرار قبل الإسلام و لا عقب له» .

و هنا وضح كذلك أن ضرار بن عبد المطلب لم يكن موجودا وقت حادثة الإنذار. .

أما المقوم بن عبد المطلب فهو نفسه عبد الكعبة كما قال بذلك الزهري في البداية و النهاية {3/354} : «و المقوم و اسمه عبد الكعبة و قيل هما اثنان» .

و جاء في تاريخ ابن الوردي {1/150} : «و قيل عبد الكعبة هو المقوم» .

و في كتاب الرحمة المهداة صفحة {44} : «و عبد الكعبة هو المقوم» .

و على ذلك نقول:

جاء في كتاب الجوهرة في نسب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه العشرة للأديب الأندلسي محمد بن أبي بكر الأنصاري الشهير بالبري {1/44} : «المقوم بن عبد المطلب: و لم يدرك أيضا المقوم الإسلام، و لا عقب له» .

و جاء في أنساب الأشراف للبلاذري {1/96} : «عبد الكعبة درج صغيرا» .

و هنا نستفيد كذلك من هلاك المقوم {عبد الكعبة} و عدم حضورة حادثة الإنذار. .

ثم نأتي الآن إلى قثم بن عبد المطلب على اختلاف في تسميته و إلحاقه بعبد المطلب من عدمها:

جاء في الروض الأنف {1/439} : «قثم و قد مات صغيرا» .

و جاء في تاريخ ابن الوردي {1/150} : «و قثم مات صغيرا» .

و في كتاب جمهرة النسب للكلبي صفحة {28} قال: «و قثم درج صغيرا» .

و في كتاب نسب قريش صفحة {18} لأبي عبد اللّه المصعب الزبيري المتوفى سنة 236 ه قال: «و قثم هلك صغيرا» .

و جاء في أنساب الأشراف للبلاذري {1/99} : «و قثم بن عبد المطلب هلك صغيرا» .

و هنا نستفيد كذلك من هلاك قثم و هو صغير و هذا دليل على عدم حضورة حادثة الإنذار. .

أما الغيداق و حجل فقد جزم العلامة النسابة السيد جعفر الحسيني في كتابه مناهل الضرب صفحة {34} قال: «و الصحيح ما ذكرناه في كتابي رياض الأقحوان في أنساب قحطان و عدنان: أن حجل بن عبد المطلب اسمه المغيرة و لقبه الغيداق و عن غير واحد أنه لقب بذلك لجوده» .

و قال ابن الوردي في تاريخه: «و الغيداق و قيل هو حجل» .

و في كتاب عيون المعارف للقاضي محمد سلامة الشافعي القضاعي المتوفى سنة 454 ه قال في صفحة {174} تحت عنوان: ذكر أعمامه و هم تسعة: «و حجل و لقبه الغيداق لكثرة خيره» .

في كتاب الرحمة المهداة في صفحة {44} لعبد العزيز المدني و نور الإسلام شفيع السلفي: «غيداق المذكور في شجرة أولاد عبد المطلب الآتية هو حجل» .

و الزهري في البداية و النهاية لابن كثير {3/354} قال: «و الغيداق

و هو كثير الجود و اسمه نوفل و يقال: إنه حجل» .

و الغيداق و حجل سواء كانا رجلا واحدا أو رجلين فإنهما لم يكونا موجدين وقت حادثة الإنذار و هذا يتضح من خلال تأكيد ثلاثة مؤرخين: أن أعمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أبناء عبد المطلب وقت بعثته كانوا أربعة فقط:

قال ابن قدامة في كتابه: التبيين في أنساب القرشيين صفحة {76} : «و لم يدرك الإسلام منهم إلا أربعة، حمزة و العباس و أبو طالب و أبو لهب، أسلم اثنان و كفر اثنان» .

و في كتاب المنمق في أخبار قريش صفحة {21} لمحمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة 245 ه يقول: «ففضل اللّه هاشما على إخوته ثم افترق بنو هاشم فرقا فدرجوا كلهم و انقرضوا و البقية منهم لعبد المطلب بن هاشم؛ فبعث اللّه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» و له أربعة أعمام: حمزة و العباس و أبو طالب و أبو لهب، فاتبعه اثنان و خالفه اثنان؛ ففضل اللّه الفرقة التي تبعته على التي خالفته» .

و في كتاب ذخائر العقبى صفحة {293} لأبي العباس الطبري المتوفى عام 694 ه حين ذكر أعمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «و لم يدرك الإسلام منهم غير أربعة: أبو طالب و أبو لهب و حمزة، و العباس، و لم يسلم غير حمزة و العباس رضي اللّه عنهما» .

يبقى الآن لنا الأعمام الذين كانوا حاضرين للحادثة و بقوا إلى أن بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم: أبو طالب و له أربعة أبناء، و أبو لهب و له ثلاثة أبناء، و العباس و له ابن واحد فقط عاصر الحادثة، و حمزة.

أما حمزة بن عبد المطلب «رضي اللّه عنه» فليس له من الذكور إلا اثنين: عمارة و يعلى، و هذان الذكران لم يكونا وقت الحادثة و ظاهر الأمر أنهما ولدا في المدينة بعد الهجرة أي بعد حادثة الإنذار لسببين:

الأول: جاء في كتاب سيرة آل بيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» {1/238} للدكتور حمزة النشرتي و الشيخ عبد الحفيظ فرغلي و الدكتور عبد الحميد مصطفى: «و تزوج حمزة امرأة من الأنصار من بني مالك بن عوف و أعقب منها عليا و كان يكنى به، و أعقب منها أيضا ولدا آخر اسمه عامر مات.

و يروى أنه تزوج امرأة أخرى من الأنصار اسمها خولة بنت قيس بن فهد الأنصارية من بني ثعلبة بن غنم بن مالك النجار و أعقب منها ولدا اسمه عمارة و به كان يكنى أيضا» .

و مصطلح لفظة الأنصار لم تنشأ و تستخدم و تطلق على الأوس و الخزرج في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية.

الثاني: ما ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة عمارة بن حمزة بن عبد المطلب رقم الترجمة {6475} : «كان له و لأخيه يعلى عند وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعوام و لا أحفظ لواحد منهما رواية» .

و هذه قرينة أخرى تدل على أن عمارة و يعلى كانا صغيرين وقت وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أن حمزة «رضي اللّه عنه» لم يكن له أبناء حين وقوع حادثة الإنذار. .

أخيرا:

بعد هذا العرض التاريخي البسيط نستفيد: أنه لم يكن حاضرا من أولاد

عبد المطلب سوى أربعة فقط، هم: العباس و أبو لهب و حمزة و أبو طالب. .

إضافة إلى عدد من أحفاد عبد المطلب كما نقلت لنا السيرة معاصرتهم للنبي «صلى اللّه عليه» في بداية دعوته بمكة المكرمة فعلى ذلك نقول:

1-العباس بن عبد المطلب.

2-الفضل بن العباس بن عبد المطلب-على صغره وقت الحادثة-إذ إن عبد اللّه بن العباس لم يدرك الحادثة! حيث إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين. .

3-أبو طالب-و اسمه عبد مناف-بن عبد المطلب.

4-طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب.

5-عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب.

6-جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب.

7-علي بن أبي طالب بن عبد المطلب.

8-نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

9-عبد اللّه-سابقا اسمه عبد شمس-بن الحارث بن عبد المطلب.

10-أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

11-ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.

12-حمزة بن عبد المطلب و لم يكن له ولد في مكة كما بينا ذلك من قبل.

14-أبو لهب-و اسمه عبد العزى-بن عبد المطلب.

15-عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب.

16-معتب بن أبي لهب بن عبد المطلب.

17-عتيبة بن أبي لهب بن عبد المطلب.

18-عبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب.

خلاصة الأمر:

أن عدد بني عبد المطلب لم يبلغوا العشرين رجلا و لا يزيدون عنها بأي حال من الأحوال؛ فمن أين جاء الأربعون؟ !

بل لم يبلغوا الأربعين رجلا في مدة حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ! !

الأمر الثاني: على نقد المتن هو قول الرواية: «فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم» .

هذا الكلام غير صحيح؛ فذلك لأن مجرد الإجابة للشهادة و المؤازرة و المناصرة للدعوة و الإسلام لا توجب الخلافة و الوصاية، فالذين أجابوا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» كثيرون، فقد أجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من آل بيته مثلا: جعفر بن أبي طالب، و حمزة بن عبد المطلب، و عقيل بن أبي طالب، و نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و العباس بن عبد المطلب، و الفضل بن العباس، و أبو طالب-على قول الشيعة: إنه أجاب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للإسلام-إضافة إلى أن عليا «رضي اللّه عنه» كان صغيرا في ذلك الوقت حين بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» بل لم يرو و لم يعرف دفعا لعلي «رضي اللّه عنه» عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حال وجوده في مكة إلا ما وقع في مبيته في فراش النبي «صلى اللّه عليه و آله» عند هجرته. .

و جيد أن أنقل لكم قول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة {7/306} : «أن قوله للجماعة: «من يجيبني إلى هذا الأمر و يؤازرني على القيام به يكن أخي و وصيّي و خليفتي من بعدي» كلام مفترى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يجوز نسبته إليه، فإن مجرد الإجابه إلى الشهادتين و المعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله، فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين و أعانوه على هذا الأمر و بذلوا أنفسهم و أموالهم في إقامته و طاعته و فارقوا أوطانهم و عادوا إخوانهم و صبروا على الشتات بعد الألفة و على الذل بعد العز و على الفقر بعد الغنى و على الشدة بعد الرخاء و سيرتهم معروفة مشهورة و مع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له» .

ثم قال شيخ الإسلام في موضع أخر {7/307} : «أن حمزة و جعفرا و عبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه علي- «رضي اللّه عنه» -من الشهادتين و المعاونة على هذا الأمر، فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا باللّه و رسوله في أول الأمر» . {انتهى كلام هذا المشكك} .

مناقشة ما تقدم:

إن التشكيكات التي أوردها هذا البعض حول حديث الإنذار، ليست جديدة علينا، فقد طرحها قبله ابن تيمية، و من هم في خطه.

و قد ذكر في هذا الكتاب بعض ما يفيد في دفع هذه المغالطات، و نعود فنقول: إن جميع ما ذكره لا يصح، و ذلك لما يلي:

1-لقد شكك هذا المعترض في أن يكون تعداد رجال بني عبد المطلب يبلغ الأربعين رجلا آنئذ، و ذكر أن أبناء عبد المطلب كانوا أحد عشر

رجلا. . و لم يعدّ قثم في جملتهم. .

و زعم أن المقصود بالمقوم عبد الكعبة.

و أن المقصود بحجل المغيرة.

و أن المقصود بالغيداق نوفل. و قيل: حجل. .

و لا نريد أن نناقشه في زعمه هذا.

ثم ذكر: أن الحارث عم النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مات في حياة عبد المطلب نفسه، حين أراد عبد المطلب نحر الإبل: و كان عمر ابنه ربيعة حين مات أبوه الحارث سنتين كما في أنساب الأشراف ج 1 ص 87.

و أن الزبير بن عبد المطلب مات قبل النبوة.

و أن ضرار بن عبد المطلب مات حدثا قبل الإسلام.

و لكن لنا كلام حول ضرار هذا سيأتي إن شاء اللّه.

و أن المقوم قد مات قبل الإسلام أيضا. و هو عبد الكعبة الذي مات صغيرا.

و أن قثم مات و هو صغير.

ثم استدل بما في ذخائر العقبى ص 293 و التبيين في أنساب القرشيين ص 76 و المنمق ص 21 من أنه لم يدرك الإسلام من أولاد عبد المطلب إلا أربعة هم: حمزة، و العباس، و أبو طالب، و أبو لهب. أسلم اثنان و كفر اثنان.

و بعد ما تقدم نقول:

إننا نحسب أن: عدهم لأبي طالب في جملة الكافرين لهو من الأمور الظاهرة الزيف، التي تحتاج إلى بيان، و لكننا نذكر القارئ بما يلي:

أولا: إن ما أشار إليه من وجود اختلافات في أن يكون عبد الكعبة لقبا للمقوم أو أنه اسم رجل آخر. . و الخلاف في أن يكون حجل هو الغيداق، أو رجل آخر. . و كذلك الحال بالنسبة لنوفل-إن ذلك-يجعلنا لا نثق فيما ينقله هؤلاء المؤرخون من تحديدات لتاريخ موت و ولادة، و عدد أولاد، أو أحفاد هذا و ذاك.

و أما إذا كان يراد الإستناد إلى سكوت الراوي عن ذكر هذه الخصوصية أو تلك، فإن الأمر يصير أعقد و أشكل، لأن عدم ذكر المؤرخ أولادا لبعض الناس، لا يدل على عدم وجود الأولاد له فعلا. .

ثانيا: إن ما ذكره هذا المشكك من أن للزبير بن عبد المطلب ابنا عاصر الحادثة غير دقيق، لأن له أبناء آخرين أيضا، كان عليه أن يذكرهم، و هم بالإضافة إلى عبد اللّه:

1-الطاهر.

2-حجل.

3-قرة (1).

كما أنه لم يذكر أن للمقوم أولادا، و هم:

4-بكر

5-عبد اللّه (2).


1) جمهرة أنساب العرب ص 17.

2) نفس المصدر.

و أن لحمزة ولدا اسمه:

6-يعلى.

و قد كناه به أخوه أبو طالب في شعره، حيث قال مخاطبا له:

فصبرا أبا يعلى على دين أحمدو كن مظهرا للدين وفقت ناصرا

بالإضافة إلى ابنه عامر.

و الإستدلال بكلمة {الأنصارية} في وصف زوجة حمزة، على أن حمزة قد تزوجها بعد الهجرة. . لا يفيد شيئا، فإن هذا الاصطلاح إنما جرى على ألسنة المؤلفين، الذين يريدون تحديد المرادات و المسميات في تعابيرهم، و لو بالاستعانة بالمصطلحات التي نشأت بعد الإسلام، أو بالمصطلحات التي قرروها هم، للتعبير عن مراداتهم.

كما أن هذا المشكك لم يذكر: أولاد نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و هم:

7-الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، الذي استعمله النبي «صلى اللّه عليه و آله» على بعض أعمال مكة (1).

8-عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

9-جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، الذي أسلم مع أبيه، و شهد حنينا، و أدرك زمن معاوية (2).


1) الإصابة ج 1 ص 292 و 187 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 297 و جمهرة أنساب العرب ص 70.

2) الإصابة ج 1 ص 237 و الإستيعاب {مع الإصابة} ج 1 ص 213.

10-عبد اللّه {المعروف بأبي الهياج} بن سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (1).

11-أمية بن الحارث بن عبد المطلب (2).

12-المطلب {أبو عبد المطلب} بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. فإنه هو و الفضل بن العباس سألا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يزوجهما، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بتزويجهما (3).

13-عبد شمس {سماه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : عبد اللّه (4)} ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، مات بالصفراء، فدفنه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كفنه في قميصه (5).

ثالثا: إن هناك أشخاصا كثيرين، من أحفاد عبد المطلب أو من أبنائهم لم يسجل التاريخ إلا أسماءهم، أو سكت حتى عن ذكر الأسماء، فلا يمكن الجزم بنفي وجودهم، و لا بمقدار عمر من ذكر منهم، و لكن المحاسبات التاريخية لا تمنع من كونهم في زمن الحادثة كانوا في سن البلوغ أيضا، و إن لم يكن إثبات ذلك بالاعتماد على الدليل و الحجة، فمثلا، قد ذكر ابن حزم أسماء سبعة من أولاد ربيعة بن الحارث، لا نعرف عن أكثرهم شيئا، و هم:


1) جمهرة أنساب العرب ص 70 و الإصابة ج 2 ص 320.

2) جمهرة أنساب العرب ص 70.

3) الإصابة ج 2 ص 430 عن صحيح مسلم.

4) الإصابة ج 2 ص 427 و 292.

5) الإصابة ج 2 ص 292.

1-محمد.

2-عبد اللّه.

3-عبد شمس.

4-العباس.

5-عبد المطلب.

6-أمية.

7-الحارث (1).

و أمثال هؤلاء كثيرون، و الذين لم ترد أسماؤهم في كتب الأنساب و التراجم أكثر، و ما أكثر الناس الذين عاشوا و ماتوا في الجزيرة العربية، و لم يرد لهم ذكر في كتاب، و لا في رواية.

رابعا: لقد ذكر هذا المستشكل: أن ضرارا لم يكن موجودا حين إنذار العشيرة. . مع أنه هو نفسه قد ذكر عن ابن سعد: أن ضرارا قد مات أيام أوحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

فكيف جزم هذا المستشكل بأنه قد مات قبل النبوة؟ !

خامسا: إنه تارة يقول: إنه مات أيام أوحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تارة يقول: إنه مات حدثا قبل الإسلام. .

ألف: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث بعد موت عبد


1) جمهرة أنساب العرب ص 70.

2) الطبقات الكبرى ج 1 ص 93.

المطلب بحوالي اثنين و ثلاثين سنة، و كان موت ضرار أيام أوحي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن معنى ذلك: أن عمره لو كان قد ولد سنة وفاة أبيه هو حوالي اثنين و ثلاثين سنة.

فكيف يكون حين موته غلاما حدثا؟ !

ب: إذا كان حين موته غلاما حدثا؛ فما معنى قول ابن سعد عنه: إنه «كان من فتيان قريش جمالا و سخاء» ؟ (1).

سادسا: إن أبناء عبد المطلب كلهم قد ولدوا و أصبحوا رجالا قبل موت أبيهم، لأنهم يقولون: إن عبد المطلب «عليه السلام» «قد نذر: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، ليذبحن أحدهم للّه عند الكعبة، فلما تكامل بنوه عشرة، و عرف أنهم سيمنعونه، و هم: الحارث و الخ. .» (2). أراد أن يفي بنذره بذبح عبد اللّه. .

و معنى ذلك: أن أولاد عبد المطلب إلى حين بعثة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» كانوا قد بلغوا في أعمارهم إلى ما بين الستين و السبعين سنة، فلا بد أن يكونوا قد تزوجوا و ولد لهم أولاد، و مات عدد منهم، و بقي أولادهم هؤلاء، ليحضروا مناسبة إنذار العشيرة.


1) المصدر السابق.

2) البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي سنة 1413 ه} ج 2 ص 306، و راجع: السيرة النبوية لابن هشام {ط سنة 1413 ه} ج 1 ص 151، و السيرة الحلبية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 1 ص 35 و 36 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 174 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 26 و شرح المواهب للزرقاني ج 1 ص 174.

سابعا: قول التلمساني: إن المقوم لا عقب له، لا يراد به: أنه لم يعقب أصلا، بل المراد: أن عقبه قد انقرض و انقطع، و قد قال ابن حزم: «ولد المقوم بن عبد المطلب بكرا، و عبد اللّه، فولد بكر بن المقوم عبد اللّه. و لا عقب للمقوم» (1).

و هذا معناه: أنه يقصد أنه لا عقب للمقوم باقيا. . و يشهد لذلك قول ابن حزم أيضا عن أولاد عبد المطلب: «فلم يعقب أحد منهم عقبا باقيا إلا أربعة: العباس، و أبو طالب، و الحارث، و أبو لهب» (2).

ثامنا: قول هذا المستشكل عن المقوم-الذي هو عنده عبد الكعبة بن عبد المطلب-إنه هلك صغيرا، و كذلك قوله عن قثم بن عبد المطلب: مات صغيرا. . لا يمكن قبوله حسبما قدمناه حول نذر عبد المطلب. .

فإذا ثبت أنهم كانوا كبارا، فإن موتهم، و كذلك موت إخوتهم في الجاهلية لا يعني أنهم لم يتزوجوا، و لم يولد لهم أولاد، يحضرون مناسبة إنذار العشيرة.

فعدم حضور الغيداق و الحارث، و غيرهما من أبناء عبد المطلب للمناسبة لا يضر، و لا يثبت أن الحاضرين كانوا أقل من أربعين رجلا، لجواز أن يكون أبناؤهم و أحفادهم قد حضروها. .

تاسعا: إن الروايات قد صرحت بحضور آخرين من بني هاشم في تلك المناسبة. . و لا مانع من أن يتصرف الرواة ببعض الكلمات سهوا، أو


1) جمهرة أنساب العرب ص 17.

2) جمهرة أنساب العرب ص 15.

لأجل عدم تعلق أغراضهم بالتدقيق فيها. . أو لغير ذلك من أسباب، و لا يضر ذلك في الرواية، و لا يسقطها عن الإعتبار. .

و لعل بعض الرواة قد أجرى الكلام على سبيل التغليب، حين رأى أن بني عبد المطلب كانوا هم الأكثر عددا، في تلك المناسبة، و أن غيرهم لا يكاد يلتفت إليهم بسبب قلة عددهم. .

بل ربما يقال: إن ما صرحت به الروايات الأخرى من التعميم لبني عبد المطلب تارة و لبني هاشم أخرى، يصلح قرينة على أن كلمة {عبد} مقحمة في الكلام سهوا، و أن المقصود هو بنو المطلب، فيشمل الأمر عبيدة بن الحارث بن المطلب الشهيد في حرب بدر، و غيره. . و لا أقل من كون ذلك قرينة على إرادة التغليب، إن كانت كلمة {عبد} مذكورة في الكلام عمدا. .

و على كل حال: فإن هناك روايات تقول: دعا بني هاشم (1).

و روايات أخرى تقول: دعا بني عبد المطلب و نفرا من بني المطلب (2).

هذا كله بالنسبة لما أورده المستشكل حول عدد الحاضرين في تلك


1) كما في السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 459 عن ابن أبي حاتم و كذا في البداية و النهاية ج 3 ص 40، راجع كنز العمال ج 15 ص 113، و مسند أحمد ج 1 ص 111 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 350 و ابن عساكر ترجمة الإمام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 87، و إثبات الوصية للمسعودي ص 115، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 27، و مسند البزار مخطوط في مكتبة مراد رقم 578.

2) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 62 ط صادر.

المناسبة. .

و أما بالنسبة لما أورده حول دلالة هذا الحديث، فهو أيضا غير صحيح، إذ يرد عليه:

أولا: إن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم يعلق أمر الخلافة بعده على مجرد النطق بالشهادة و المؤازرة و المناصرة في الجملة، بل علقها على المؤازرة التامة في الدين، في جميع الموارد و الأحوال. . و هذا يحتاج إلى أعلى مراتب الكمال، و التضحية و الجهاد، و العلم و الوعي، و السمو الروحي، و قد أظهرت الوقائع أن الذي ينصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو خصوص علي أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

و إجابة غير علي من المؤمنين لم تكن تامة و شاملة، حتى لقد فروا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في كثير من الوقائع و الأحداث، خصوصا في أحد، و حنين، و خيبر، و غير ذلك.

و ما ذكره ابن تيمية عن نصرة المؤمنين له «صلى اللّه عليه و آله» لا يفيد أنهم قد بلغوا في نصرته ما يستحقون به ذلك المقام.

ثانيا: إن مؤازرة علي «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة، كانت حاصلة، من حيث أن حديث الإنذار نفسه يفيد أن هذه النصرة قد حصلت، و ذلك حين وافق النبي «صلى اللّه عليه و آله» على اتخاذه وزيرا، و أخا، و وصيا في ذلك اليوم، و لم يزل يؤكد على ذلك في المناسبات المختلفة، خصوصا تأكيداته «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك في تبوك، حين أطلق: كونه منه بمنزلة هارون من موسى. . ثم حسم الأمر في غدير خم في حجة الوداع و في غير ذلك من مناسبات. .

و عدم بلوغ كيفيات و مفردات هذه النصرة لنا لا يدل على عدم حصولها بالفعل.

ثالثا: إن نفس هذا الموقف في حديث الإنذار كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأمس الحاجة إلى النصرة فيه، فإذا أحجموا عن بذلها له في هذا الموقف، فإنهم استحقوا الحرمان من مقام الأخوة و الإمامة و الوصاية، حتى لو بذلوا ما بذلوا بعد ذلك، مما شاركهم فيه علي «عليه السلام» ، و زاد عليهم فيه. .

أي أن حمزة و جعفرا، و عبيدة بن الحارث، لم يجيبوا إلى ما أجاب إليه علي «عليه السلام» في ذلك اليوم، و سكتوا، و لم ينصروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في يوم الإنذار أمام عشيرته الأقربين، رغم أنه كان بأمس الحاجة إلى ذلك. .

رابعا: إن جعفر، و حمزة، و عبيدة بن الحارث، و أبا طالب. . إن فرض أنهم كانوا جميعا قد أسلموا آنئذ، فإنهم قد لا يرون أنهم أهل لمقام خلافة النبوة لأسباب يعرفونها في أنفسهم و حالاتهم. و لعل بعضهم كأبي طالب، أو كلهم، لم يكن يأمل بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أو لغير ذلك من أسباب، جعلتهم يرون: أن المقصود بالخطاب سواهم. .

الفصل الثالث: حتى الهجرة إلى الحبشة

اشارة

فاصدع بما تؤمر:

و بعد أن أنذر «صلى اللّه عليه و آله» عشيرته الأقربين، و بعد أن انتشر أمر نبوّته «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، بدأت قريش تتعرض لشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالاستهزاء و السخرية، و أنواع التهم، كما يظهر؛ إذ أنهم قد عرفوا جدية القضية، و أدركوا أبعادها.

فبادروا إلى تلك الأساليب بهدف الحط منه «صلى اللّه عليه و آله» أمام الرأي العام، و ابتذال شخصيته، على الرغم من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتبع سبيل الحكمة و الهدوء، حين يطلع بعض الناس على دعوته و ما جاء به، كل ذلك حسدا و بغيا منهم، و تخوفا من المستقبل، ليس إلا.

و كان لذلك الاستهزاء تأثير على إقبال الناس على الدخول في الإسلام؛ فاغتم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك جدا، و اعتبر ذلك عائقا في سبيل انتشار دعوته، و أداء مهمته.

فأنزل اللّه عليه قرآنا، يأمره بإظهار الدعوة، و الطلب من كل أحد، حتى من جبابرة قريش، و من جميع القبائل و الفئات: أن تسلم لربها، مشفوعا ذلك بوعد أكيد، بأن اللّه سوف يكفيه المستهزئين؛ فيجب أن لا يهتم لهم، و أن يتجاهلهم، و ذلك حين نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ

وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ، إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ (1).

هذا إذا كان المقصود أنه سوف يكفيه أولئك الذين صدر منهم فعل الاستهزاء.

أما إذا كان المراد: من سوف يصدر منهم هذا الأمر، فإن الآية لا تكون ناظرة إلى ما سبق كما هو ظاهر لا يخفى.

و قد بين اللّه تعالى له: خطة العمل المستقبلية، فأمره أن يأخذ بالصفح الجميل، و بالإعراض عن المشركين، و أن لا يحزن عليهم، و لا يضيق صدره بما يقولون؛ فإن جزاءهم على اللّه المطلع على كل صغيرة و كبيرة.

فامتثل النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر اللّه، و أظهر دعوته، و طلب من الناس جميعا: أن يسلموا لربهم.

و يقولون: إنه قام على الحجر، فقال: يا معشر قريش، يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و آمركم بخلع الأنداد و الأصنام؛ فأجيبوني تملكون بها العرب، و تدين لكم العجم، و تكونون ملوكا في الجنة، فاستهزؤوا به، و قالوا: جن محمد بن عبد اللّه، و لم يجسروا عليه لموضع أبي طالب (2).

و جاء أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قام على الصفا، و نادى قريشا؛ فاجتمعوا له، فقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم، أكنتم مصدقيّ؛ قالوا: نعم، أنت عندنا غير متهم، و ما


1) الآيتان 94 و 95 من سورة الحجر.

2) راجع: تفسير نور الثقلين ج 3 ص 34 عن تفسير القمي.

جربنا عليك كذبا قط.

فقال: فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ (1).

إلى أن قال:

فنهض أبو لهب، و صاح به: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعت الناس؟ و تفرقوا عنه، فأنزل اللّه تعالى: تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ (2)إلى آخر السورة.

المفاوضات الفاشلة:
اشارة

قال ابن إسحاق و غيره: فلما بادى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قومه بالإسلام، و صدع به، كما أمره اللّه، لم يبعد منه قومه، و لم يردوا عليه-فيما بلغني-حتى ذكر آلهتهم و عابها، فلما فعل ذلك أعظموه و ناكروه، و أجمعوا على خلافه و عداوته، إلا من عصم اللّه تعالى منهم بالإسلام، و هم قليل مستخفون.

و حدب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمه أبو طالب، و منعه، و قام دونه، و مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أمر اللّه مظهرا لا يرده شيء.

فلما رأت قريش: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعتبهم من


1) الآية 46 من سورة سبأ.

2) الآية 1 من سورة المسد. هذا الحديث يرويه المفسرون و رواه السيوطي في الدر المنثور، و كذلك المؤرخون من غير الشيعة حين الحديث عن إنذار عشيرته الأقربين، و لكن قد بينا: أن المقصود ليس هو مطلق عشيرته في الآية بل عشيرته الأقربون ليس إلا؛ فالرواية تناسب قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ فقط.

شيء أنكروه عليه، من فراقهم، و عيب آلهتهم، و رأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، و قام دونه، فلم يسلمه لهم، حاولوا مفاوضة أبي طالب.

و هذه المفاوضات-كما يرى ابن إسحاق و غيره-قد مرت بثلاث مراحل، انتهت كلها بالفشل الذريع.

الأولى: إنه مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب.

فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، و عاب ديننا، و سفه أحلامنا، و ضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، و إما أن تخلي بيننا و بينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، و ردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.

الثانية: إنهم حين رأوا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استمر على ما هو عليه، يظهر دينه، و يدعو إليه، حتى شرى الأمر بينه و بينهم، و حتى تباعد الرجال، و تضاغنوا، و أكثرت قريش ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينها، ذهبوا إلى أبي طالب، فتهددوه: إن لم يكف ابن أخيه عن شتم آبائهم، و تسفيه أحلامهم، و شتم آلهتهم، فلسوف ينازلونه و إياه حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا.

فأرسل أبو طالب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره، و طلب إليه أن يبقي على نفسه و عليه، و لا يحمله ما لا يطيق، فظن أنه قد بدا لعمه فيه بداء، و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام دونه، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» :

يا عم، و اللّه، لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه، أو أهلك فيه، ما تركته، فوعده أبو طالب النصر.

الثالثة: عرضوا على أبي طالب: أن يتخذ عمارة بن الوليد ولدا له، و يسلمهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي فارق دين أبي طالب و دين آبائه، و فرق جماعتهم و سفه أحلامهم ليقتلوه، فإنما هو رجل برجل.

فقال أبو طالب: و اللّه، لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، و أعطيكم ابني تقتلونه، هذا و اللّه ما لا يكون أبدا.

فقال المطعم بن عدي: و اللّه يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلص مما تكرهه؛ فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا.

فقال أبو طالب: و اللّه ما أنصفوني، و لكنك قد أجمعت على خذلاني، و مظاهرة القوم علي؛ فاصنع ما بدا لك. .

أو كما قال: فحقب الأمر، و حميت الحرب، و تنابذ القوم، و بادى بعضهم بعضا (1).

و ربما تكون هذه المراحل متداخلة، أو مترتبة، فإن ما ذكرناه لا يعدو عن أن يكون فهما منا للسير الطبيعي للأحداث-لا أكثر و لا أقل-و قبل المضي في الحديث؛ نسجل النقاط التالية:

أ-قريش لم تصل إلى نتيجة:

لقد رأينا: أن مشركي مكة ما كانوا يرغبون بادئ ذي بدء في توريط أنفسهم في مواجهة أبي طالب و الهاشميين؛ فحاولوا أن يحملوا أبا طالب نفسه على حسم الموقف، و القضاء على ما يعتبرونه مادة متاعبهم، و مصدر


1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 282-286، و البدء و التاريخ ج 4 ص 147 و 149 و تاريخ الطبري ج 2 ص 65-68.

مخاوفهم، و حاولوا أن يثيروا هذا الرجل، و يشحنوه نفسيا ضد ابن أخيه، على اعتبار أن ابن أخيه قد جاء بما يضر بمصالح و يجرح كرامة و عاطفة عمه نفسه، فضلا عن غيره، و لذا، فإن من الطبيعي أن يبادر أبو طالب نفسه لوضع حد لتصرفات ابن أخيه، و يكفيهم مؤونة ذلك.

و لكنهم حينما وجدوا: أن أبا طالب لم يستجب لأي من أباطيلهم، و لم يحرك ساكنا في سبيل وضع حد لمصدر الخطر عليهم و على مصالحهم، لجأوا إلى التهديد و الوعيد، ثم إلى أسلوب المكر و الخداع كما في قضية عرض عمارة على أبي طالب ليتخذه ولدا، و يسلمهم محمدا ليقتلوه، الأمر الذي كشف عن حقيقة ما يكنونه في صدورهم، و تشتمل عليه نفوسهم و اتضح لأبي طالب و لغيره أن هدفهم ليس إلا القضاء على الدين الحق، و إطفاء نور اللّه، الأمر الذي زاد في تصلب أبي طالب في الدفاع عن الحق و الدين، و عن نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

ب: سر استكبار قريش:

و لعل سر استكبار مشركي مكة، و محاولاتهم إطفاء نور اللّه تعالى يرجع إلى:

1-أنهم كانوا يستغلون أولئك الفقراء، و العبيد، و الضعفاء في مكة و غيرها في مصالحهم؛ فجاء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و بث في هؤلاء الفقراء روحا جديدة، و بدأ يؤكد لهم مفهوم كرامة الإنسان، و حريته.

ثم هو يناصرهم، و يعيش قضيتهم و آلامهم، و يفتح أعينهم على واقعهم، و يبث فيه تعاليم الإسلام، و في مقدمتها وجوب تحررهم من سيطرة و غطرسة أولئك الطغاة المتجبرين.

2-لقد أدرك أولئك المتجبرون، مما عرفوه من طبيعة الدعوة و أهدافها: أنهم سوف لن يتمكنوا في ظلها من الاحتفاظ بتلك الامتيازات الظالمة، التي جعلوها لأنفسهم؛ و التي كان يرفضها النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و يؤكد على أن الناس كلهم سواسية أمام عدالة السماء، و في ميزان الحكم و القضاء.

و سوف لن يتمكنوا أيضا في ظل هذا الدين الجديد، الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق؛ من الاستمرار في ممارساتهم اللاأخلاقية، و اللاإنسانية أيضا، و التي كانوا يحرصون عليها كل الحرص، أكثر من حرصهم على آلهتهم التي كانوا يدعون إنهم يحافظون عليها، مع أننا رأينا بعض العرب يأكل إلهه الذي صنعه من الحيس حين جاع! ! (1).

3-ما أشارت إليه الآية الكريمة: وَ قٰالُوا إِنْ نَتَّبِعِ اَلْهُدىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنٰا (2)أي إنهم اعتذروا عن عدم إيمانهم: بأنهم إن آمنوا فإن العرب المشركين سوف لا يرضون بإيمانهم، و رفض أوثانهم، فرد عليهم القرآن، فقال: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبىٰ إِلَيْهِ ثَمَرٰاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّٰا (3)، فلا موجب إذن لخوفهم هذا.

مع أن اختيارهم الشرك خوفا من ذلك لا يمنع ذلك؛ فكم أهلك اللّه


1) الأعلاق النفيسة: ص 217، و الحيس: هو تمر ينزع نواه و يدق مع أقط و يعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد. مجمع البحرين: ج 4 ص 64.

2) الآية 57 من سورة القصص.

3) الآية 57 من سورة القصص.

من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم.

بل ربما كان ذلك هو سبب هلاكهم في الدنيا، حيث ينشأ عنه المنازعات و الاستكبار، و غير ذلك من انحرافات مدمرة للمجتمعات و للأمم، إن لم يكن ثمة ضوابط و روادع معينة تجعل كل تلك الإمكانات في مجراها الصحيح، و في الجهة النافعة للفرد و للمجتمع، حاضرا و مستقبلا. على أن الأمر للّه تعالى فليس لأحد أن يتمرد عليه، و يخرج على أوامره، فإنه يعرض نفسه و الحالة هذه إلى الهلاك الدنيوي و الأخروي، ثم ضرب لهم مثالا بقارون، الذي كان لديه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فلما استكبر و طغى، و تمرد على أوامر اللّه، خسف اللّه به و بداره الأرض.

و في آيات السورة-سورة القصص-دقائق عجيبة و معان رائعة في هذا المجال، تحتاج إلى دراسة مستقلة و معمقة، لا مجال لها هنا.

و نكتفي هنا بهذه الإشارة الإجمالية إليها، و اللّه هو الموفق و المعين.

ماذا بعد فشل المفاوضات؟

و بعد فشل المفاوضات، فقد ظهر لأبي طالب: أن السيل قد بلغ الزبى، و أنه على وشك الدخول في صراع مكشوف مع المشركين، فلا بد من الحذر و الاحتياط للأمر؛ فجمع بني هاشم، و بني المطلب، و دعاهم إلى منع الرسول، و القيام دونه، فأجابوه، و قاموا معه، باستثناء أبي لهب لعنه اللّه تعالى، و منع اللّه عز و جل رسوله، فلم يكن لهم إلى أن يضروه في شعره و بشره سبيل، غير أنهم يرمونه بالجنون، و السحر، و الكهانة، و الشعر، و القرآن ينزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» بتكذيبهم.

و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم بالحق، ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى اللّه عز و جل سرا و جهرا.

و ذلك لأن المشركين بعد أن أدركوا: أن الاعتداء على شخصه «صلى اللّه عليه و آله» سوف يتسبب في صراع مسلح لم يعدوا له عدته، و ليسوا على يقين من أن تكون نتائجه لصالحهم، خصوصا مع ما كان لبني هاشم من علاقات، و من أحلاف مع القبائل، كحلف المطيبين، و حلف عبد المطلب مع خزاعة التي كانت تقطن خارج مكة.

بل قد توجب هذه الحرب-لو نشبت-التمكين لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» من نشر دعوته (1).

فمن أجل كل ذلك آثر المشركون أن يبتعدوا عن الحرب، و يتبعوا أساليب أخرى لتضعيف أمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و الوقوف في وجه دعوته؛ فنجدهم:

أ-ينهون الناس عن الالتقاء بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن أن يسمعوا ما جاء به من قرآن، قال تعالى: وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ. . (2).

و قال تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاٰ تَسْمَعُوا لِهٰذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ


1) و يرى بعض المحققين: أن من المحتمل: أن أبا طالب كان يستعمل أسلوب اللين تارة و الشدة أخرى؛ بهدف إثارة حرب كهذه، تهدف إلى تمكين النبي من نشر دعوته، كما أشير إليه.

2) الآية 26 من سورة الأنعام.

لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (1).

ب: يتبعون أسلوب السخرية و الاستهزاء، و إلصاق التهم الباطلة، بهدف:

1-التأثير على شخص النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» علّه ينهزم نفسيا، و جعله يعيش عقدة الحقارة و الضعة، فلربما يتخلى عن هذا الأمر، و يكذب نفسه.

2-الحط من كرامة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ابتذال شخصيته، بهدف تنفير أصحاب النفوس الضعيفة من متابعته، و صرفهم عن الدخول فيما جاء به.

و لهذا نجدهم: يغرون سفهاءهم بإيذائه و تكذيبه، و أحيانا كان يتولى ذلك منه سادتهم و كبراؤهم، بل لقد رأيناهم يأمرون غلاما منهم بأن يلقي عليه سلا جزور و فرثه، و هو قائم يصلي، فيلقيه بين كتفيه، فيغضب أبو طالب، و يأتي فيمر السلا على سبالهم جميعا، و قد ألقى اللّه الرعب في قلوبهم (2).

و كانوا أيضا يلقون عليه التراب (3)، و رحم الشاة (4)، و غير ذلك.


1) الآية 26 من سورة فصلت.

2) الكافي: ج 1 ص 449 نشر مكتبة الصدوق، و منية الراغب: ص 75. و راجع: الغدير: ج 7 ص 359 و 388 و ج 8 ص 4، و أبو طالب مؤمن قريش: ص 73 عن مصادر كثيرة.

3) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 291 و 292، و السيرة النبوية لدحلان {بهامش الحلبية} : ج 1 ص 208 و 202 و 231.

4) راجع: البداية و النهاية: ج 3 ص 134.

و قد أثر ذلك إلى حد ما في صرف الناس، و إبعادهم عن الدخول في الإسلام، حتى ليقول عروة بن الزبير و غيره:

«. . و كرهوا ما قال لهم، و أغروا به من أطاعهم؛ فانصفق عنه عامة الناس» (1).

المعذبون في مكة:

كما أنهم قد تذامروا بينهم على من في القبائل منهم، من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، و يفتنونهم عن دينهم، و يعذبونهم بالحبس، و الضرب، و الجوع، و برمضاء مكة، و بغير ذلك من الأساليب الوحشية، و اللاإنسانية.

مع المعذبين أيضا:

و قد عذب المشركون عددا من المسلمين؛ فعذب عمر بن الخطاب، الذي أسلم قبيل الهجرة جارية بني مؤمل-حي من بني عدي-و كانت مسلمة؛ فكان يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة (2).

و لعل بني مؤمل كانوا قد سمحوا لعمر بن الخطاب أن يتولى تعذيب جاريتهم، و إلا فإن وضعه الاجتماعي لم يكن يسمح له بأمر من هذا القبيل.

و عذب المشركون أيضا خباب بن الأرت، و أم شريك، و مصعب بن


1) تاريخ الطبري: ج 2 ص 68.

2) سيرة ابن هشام: ج 1 ص 341، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 300، و راجع: السيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 493، و المحبر: ص 184.

عمير، و غيرهم ممن لا مجال لذكرهم، و بيان ما جرى عليهم.

و قد ضرب هؤلاء لنا المثل الأعلى في الصمود و الجهاد من أجل المبدأ و العقيدة، مع معرفتهم بأنهم لا يملكون قوة تستطيع أن ترد عنهم، غير إرادة اللّه تعالى، و أنهم إنما يتحدون بإسلامهم العالم كله، الذي كان بكل ما فيه ضدهم.

و هنا تكمن عظمتهم، و هذا هو سر امتيازهم على غيرهم.

المعذبون الذين أعتقهم أبو بكر:

و ممن عذب في سبيل اللّه بلال الحبشي، و عامر بن فهيرة، و يقولون: إن أبا بكر قد اشتراهما و أعتقهما، فكانت نجاتهما من العذاب بسببه. و لكنا نشك في أن يكون أبو بكر هو الذي اشتراهما، و ذلك:

أولا: لما ذكره الإسكافي، الذي قال: «أما بلال، و عامر بن فهيرة، فإنما أعتقهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، روى ذلك الواقدي، و ابن إسحاق» (1).

و عدّ ابن شهر آشوب بلالا من موالي النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).

ثانيا: إنهم يروون روايات متناقضة في هذا المجال، حتى لا تكاد تلتقي رواية مع أخرى، و يكفي أن نذكر اختلافها في الثمن الذي أعطاه أبو بكر.

فرواية تقول: إنه أعطى ثمنه غلاما له أجلد منه.


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي: ج 13 ص 273، و قاموس الرجال: ج 5 ص 196 و ج 2 ص 238.

2) المناقب لابن شهر آشوب: ج 1 ص 171.

و أخرى: إنه أعطى غلاما و زوجته، و ابنته، و مائتي دينار.

و ثالثة: اشتراه بسبع أواق.

و رابعة: بتسع.

و خامسة: بخمس.

و سادسة: برطل من ذهب.

و سابعة: إنه اشتراه بعبده قسطاس، الذي كان صاحب عشرة آلاف دينار، و جوار، و غلمان، و مواش.

و ثامنة: ببردة، و عشر أواق من فضة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف و التناقض (1).

ثالثا: إنهم يقولون: إن قوله تعالى: فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اِتَّقىٰ، وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ (2)نزل في أبي بكر بهذه المناسبة (3).

و نقول:

أ-لقد رد الإسكافي على ذلك: بأن هناك من يقول: إن هذه الآية نزلت


1) راجع ما تقدم في: السيرة الحلبية: ج 1 ص 298 و 299، و قاموس الرجال: ج 1 ص 216، و سير أعلام النبلاء: ج 1 ص 353، و السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 340، و حلية الأولياء: ج 1 ص 148، و غير ذلك كثير.

2) الآيات 5 إلى 7 من سورة الليل.

3) الدر المنثور ج 6 ص 358-390 عن عدد من المصادر و السيرة الحلبية ج 1 ص 299، و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 273 عن الجاحظ و العثمانية ص 35.

في مصعب بن عمير (1).

و يروي الشيعة: أن الآية نزلت في علي «عليه السلام» . و يورد الحلبي عليهم: بأن عليا «عليه السلام» كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه نعمة تجزى، و هي تربيته له، و الآية تقول: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ (2)و بمثل ذلك أورد الرازي عليهم أيضا (3).

و لكن قد فات الرازي و الحلبي: أن المقصود هو أن هذا المال الذي ينفقه لا يريد أن يجازي بإنفاقه له نعمة من أحد عليه، و إنما ينفقه لوجه اللّه، و لوجه اللّه فقط، لا أنه تعالى يريد وصف الأتقى بأنه ليس لأحد عليه نعمة.

ب-قد ورد: عن ابن عباس و غيره، و حتى عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، تفسيرها بمعنى عام لا يختص بأحد فراجع كتب التفسير للاطلاع على ذلك.

ج-و أخرج ابن أبي حاتم ما ملخصه: أن هذه السورة قد نزلت في رجل {هو سمرة بن جندب} الذي كان له نخلة فرعها في دار رجل، فكان إذا جاء ليأخذ عنها التمر، و صعد عليها ربما تقع تمرة، فيأخذها صبيان الفقير؛ فينزل من نخلته؛ فيأخذ التمرة من أيديهم، و إن وجدها في فم أحدهم أدخل إصبعه، حتى يخرج تمرة من فيه؛ فشكاه الفقير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم لقي الرسول صاحب النخلة؛ فطلب منه أن يعطيه


1) شرح النهج ج 13 ص 273.

2) الآية 19 من سورة الليل.

3) السيرة الحلبية ج 1 ص 299.

النخلة و له مثلها في الجنة، فقال:

لقد أعطيت، و إن لي نخلا كثيرا، و ما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها.

فسمع رجل ما دار بين النبي و بينه؛ فجاء إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فقال: أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها؟

قال: نعم.

فذهب الرجل، و لقي صاحب النخلة، و فاوضه و اشتراها منه بأربعين نخلة، ثم ذهب إلى النبي، فوهبها له.

فذهب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى صاحب الدار، فقال: النخلة لك و لعيالك، فأنزل اللّه: وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ إلى آخر السورة (1).

و لأجل هذا نجد السيوطي يقول عن: «سورة الليل: الأشهر أنها مكية؛ و قيل: مدنية لما ورد في سبب نزولها من قصة النخلة، كما أخرجناه في أسباب النزول» (2).

و هذه القضية هي المناسبة للآيات؛ لأنها تذكر أن بعضهم أعطى و اتقى، و بعضهم بخل و استغنى.

إلا أن يكونوا-و العياذ باللّه-يقصدون بمن بخل النبي «صلى اللّه عليه


1) الدر المنثور ج 6 ص 357 عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس، و تفسير البرهان ج 4 ص 470 عن علي بن إبراهيم، باختلاف مع ما عن الدر المنثور. و ستأتي بقية المصادر في حرب أحد في فصل: قبل نشوب الحرب، حين الكلام حول إرجاع الصغار، و الريب فيما ينقل عن سمرة.

2) الإتقان: ج 1 ص 14.

و آله» نفسه، مع أن فرض عدم مال له ينافي صدق البخل عليه.

و يشير إلى عدم المال عنده قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي قال: لو كان عنده مال لاشترى بلالا، أو يقصدون بمن بخل، العباس، الذي تقول الروايات: إنه ذهب فاشترى بلالا، فأرسله إلى أبي بكر، فأعتقه.

د-لسوف يأتي إن شاء اللّه في حديث الغار، قول عائشة: إنه لم ينزل في آل أبي بكر شيء من القرآن، إلا أن اللّه أنزل عذرها، يعني الآيات المرتبطة بالإفك، و حتى عذرها هذا؛ فإنه لم ينزل فيها، كما حققناه، فراجع (1).

رابعا: لم نفهم معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» إنه لو كان عنده مال لاشترى بلالا، و كيف نوفق بين هذا و بين قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب من أبي بكر الشركة في بلال فأخبره أنه أعتقه؟ ! (2).

ثم أو ليست أموال خديجة تحت تصرفه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! ألم يكن هو الذي ينفق على المسلمين في مكة، كما قالت أسماء بنت عميس لعمر حينما عيرها بأنها لا هجرة لها، حيث قالت له:

إنه و من معه من المسلمين كانوا مع رسول اللّه يطعم جائعهم، و يعلّم جاهلهم؟ ! ! (3).

و ستأتي هذه القضية في موضعها إن شاء اللّه، و احتمال أن تكون قصة


1) راجع: كتابنا حديث الإفك، و راجع أيضا الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.

2) طبقات ابن سعد: ج 3 ص 165.

3) تقدمت من المصادر لذلك في الجزء السابق من هذا الكتاب في آخر فصل: بحوث تسبق السيرة.

بلال في أواخر سني ما قبل الهجرة، لا يقبل به المؤرخون؛ فإن النووي يذكر: أنه أسلم أول النبوة، و هو من أول من أظهر إسلامه (1).

إلا أن يقال: إن إسلامه، و إن كان متقدما، لكن شراءه و عتقه يمكن أن يتأخر العدة سنوات.

هذا كله عدا عما تذكره بعض الروايات من أن العباس هو الذي ذهب فاشتراه، ثم أرسله إلى أبي بكر فأعتقه! (2).

و روايات أخرى تقول: بل اشتراه نفس أبي بكر مباشرة، و أعتقه.

و في بعض الروايات: أنه لما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال بلال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، و إن كنت إنما اشتريتني للّه فذرني (3).

و هذا يشير إلى أنه لم يكن قد أعتقه حتى وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ! ! .

و بالنسبة لشراء العباس له؛ فإن العباس إن كان قد اشتراه لنفسه، فلماذا لم يعتقه هو نفسه؟

و إن كان إنما اشتراه لأبي بكر فلا ندري: متى كان العباس وكيلا لأبي بكر؟

و متى كان العباس يهتم بأمور كهذه، و هو الذي لم يسلم إلا عام الفتح، أو في بدر، كما يقولون؟ .


1) تهذيب الأسماء و اللغات: ج 1 ص 136.

2) السيرة النبوية لدحلان: ج 1 ص 126، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 299، و راجع: المصنف: ج 1 ص 234 و غيره.

3) طبقات ابن سعد: ج 3 ص 170.

و حاول بعضهم أن يدعي: أن العباس فاوض أمية بن خلف، ثم جاء أبو بكر فاشتراه! (1)و هذا أعجب! ! و ما عشت أراك الدهر عجبا! ! .

و أيضا، فإن حالة أبي بكر الإقتصادية لم تكن تسمح له بأن يدفع تلك المئات من الدنانير، فضلا عن أن يكون أحد مواليه يملك عشرة آلاف دينار، و جواري، و مواشي، و غير ذلك، لو فرض أن العرب كانوا يملّكون عبيدهم الأموال، حيث إن أبا بكر لم يكن تاجرا، و إنما كان معلما، فمن أين تأتيه تلك الآلاف أو حتى المئات من الدراهم و الدنانير لشراء سبعة أو تسعة و إعتاقهم؟ !

و لسوف يأتي إن شاء اللّه البحث عن ثروة أبي بكر حين الكلام حول قضية الغار، بل لقد شك البعض في أن يكون كثير ممن ذكروا في مواليه شخصية حقيقية أو خيالية، و لا سيما مثل «زنيرة» ، التي قال السهيلي عنها: «و لا تعرف زنيرة في النساء» (2).

و يقول العلامة السيد الحسني: «إن قريشا كانت تعذب من آمن؛ من أجل أن لا ينتشر الإسلام، و كانت تود أن تبذل لمحمد كل غال و نفيس، ليتراجع عما جاء به، و دعا إليه؛ فكيف تتنازل قريش عن ملكيتهم لأبي بكر، و تترك تعذيبهم بهذه السهولة» ؟ ! (3).


1) السيرة النبوية لدحلان: ج 1 ص 126، و السيرة الحلبية: ج 1 ص 299، و راجع المصنف للصنعاني ج 1 ص 234، و غيره.

2) الروض الأنف ج 2 ص 78.

3) سيرة المصطفى ص 149.

إلا أن يقال: إن حبها للمال، ثم اليأس من محمد «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يدفعها إلى ذلك كما يقوله البعض.

هل عذب المشركون أبا بكر؟ !

هذا و يذكرون: أن أبا بكر قد تعرض للعذاب في سبيل الإسلام حيث إن عمر بن عثمان أخذه و قرنه مع طلحة بن عبيد اللّه التيمي في حبل حين أسلما، و عذبهما نوفل بن خويلد، و فتنهما عن دينهما، فلذلك سمي أبو بكر و طلحة ب «القرينين» .

و يرى البعض أن الذي قرنهما و عذبهما هو نوفل فقط، و ليس لعمر بن عثمان ذكر في شيء (1).

و نحن نسجل هنا ما يلي:

1-إنهم يقولون: إن أبا بكر قد منعه اللّه بقومه (2)، و هذا يتناقض تماما مع قولهم: إنه قد عذب، كما أنه يناقض قوله الآتي لابن الدغنة: إن قومه قد أخرجوه.


1) راجع في ذلك: العثمانية للجاحظ ص 27 و 28، و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 253، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 301، و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 230، و البداية و النهاية ج 3 ص 29، و البيهقي، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 369 و البدء و التاريخ ج 5 ص 82.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 28، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 284، و صححه هو و الذهبي في تلخيصه بهامشه، و حلية الأولياء ج 1 ص 149، و الاستيعاب ج 1 ص 141 و أحمد، و ابن ماجة، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 126، و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 436 و عن كنز العمال ج 7 ص 14 عن ابن أبي شيبة، و الطبقات الكبرى لابن سعد ط صادر ج 3 ص 233.

2-إنه يظهر من مراجعة كتب السيرة: أن كل قبيلة كانت تتولى تعذيب من يدخل في الإسلام منها، و لم يكن منهم من يجرؤ على تعذيب من كان من قبيلة أخرى، كما سنرى.

3-لقد قال الإسكافي: «إنا لا نعلم: أن العذاب كان واقعا إلا بعبد أو عسيف، {و هو الأجير} ، و لمن لا عشيرة له تمنعه» (1).

مع أنهم يقولون: إن أبا بكر كان رئيسا متبعا، و كبيرا مطاعا (2)ينتظره عظماء قريش و لا يقطعون أمرا دونه، حتى يأتيهم ليبتوا في أمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، {كما تقدم في حديث إسلام أبي بكر} .

و على حسب تعبيراتهم: كان ذا مكانة علية، و صدرا معظما، و رئيسا في قريش مكرما (3)فكيف يعذب أبو بكر من قبل جماعة ليسوا من قبيلته؟

و كيف يترك قومه رئيسهم، و صاحب مجدهم الباذخ يتعرض للمهانة من قبل هؤلاء؟ .

و على حد تعبير ابن هشام و غيره: كان «مآلفا لقومه، محببا، سهلا.

إلى أن قال: و كان رجال قومه يأتونه، و يألفونه لغير واحد من الأمر» (4).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 255.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 255، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 123، و السيرة الحلبية ج 1 ص 273.

3) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 433، و البداية و النهاية ج 3 ص 26.

4) سيرة ابن هشام ج 1 ص 267 و السيرة النبوية لابن كثير ص 437.

و على حد التعبير المزعوم لابن الدغنة: «لا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، و يصل الرحم، و يحمل الكل، و يقري الضيف، و يعين على نوائب الحق» ؟ (1).

و يلاحظ: أن هذه الكلمات هي-تقريبا-نفس الكلمات التي تنسب إلى خديجة في وصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين بعثته، قالها ابن الدغنة حين هجرة أبي بكر إلى الحبشة-و سيأتي عدم صحتها-فاقرأ، و اسمع، و اعجب ما بدا لك! !

ملاحظة: هل كان أبو بكر رئيسا؟ ! :

إننا إنما ذكرنا هذا الذي سبق آنفا، لبيان تناقض كلماتهم، إذ لو صح هذا لم يمكن أن يصح ذاك، و إلا فنحن نشك في أن يكون أبو بكر رئيسا، معظما، و كبيرا مطاعا، و يدل على ذلك:

1-إن أبا بكر حج، و معه أبو سفيان، فرفع صوته عليه، فقال أبو قحافة: إخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب.

فقال أبو بكر: يا أبا قحافة، إن اللّه بنى في الإسلام بيوتا كانت غير مبنية، و هدم بيوتا كانت في الجاهلية مبنية، و بيت أبي سفيان مما هدم (2).

2-و حين بويع أبو بكر نادى أبو سفيان: «غلبكم على هذا الأمر أذل أهل بيت في قريش» .


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 301 و سيأتي العديد من المصادر لذلك حين الكلام عن هجرة أبي بكر إن شاء اللّه.

2) راجع: النزاع و التخاصم للمقريزي ص 19 و الغدير ج 3 ص 353 عنه.

و في نص الحاكم: «ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة، و أذلها ذلة، يعني أبا بكر» (1).

و على حد تعبير البلاذري: إن أبا سفيان جاء إلى علي «عليه السلام» فقال: يا علي، بايعتم رجلا من أذل قبيلة من قريش؟ (2).

3-و يقول عوف بن عطية:

و أما الألأمان بنو عديو تيم حين تزدحم الأمور

فلا تشهد بهم فتيان حربو لكن أدن من حلب و عير

إذا رهنوا رماحهم بزبدفإن رماح تيم لا تضير (3)

ملاحظة أخيرة:

و أخيرا، فإن ما يذكرونه: من أن أبا بكر هو أول من أظهر إسلامه، فمنعه قومه، أو أنه ضرب حتى كاد يموت (4).


1) راجع المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 451، و مستدرك الحاكم ج 3 ص 78، عن ابن عساكر، و أبي أحمد الدهقان، و راجع الكامل لابن الأثير ج 2 ص 326، و تاريخ الطبري ج 2 ص 944. و النزاع و التخاصم: ص 19، و كنز العمال: ج 5 ص 383 و 385، عن ابن عساكر و عن أبي أحمد الدهقان في حديثه.

2) أنساب الأشراف للبلاذري {قسم حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله»} ص 588.

3) طبقات الشعراء لابن سلام ص 38.

4) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 439 و 449 و البداية و النهاية ج 3 ص 30، و تاريخ الخميس ج 1 ص 294 و الغدير ج 7 ص 322 عنه و عن الرياض النضرة ج 1 ص 46.

يكذبه الكثير مما قدمناه، و نزيد هنا: أن النبي كان أول من أعلن الدعوة، و ليس أبا بكر.

هذا عدا عن أنهم يذكرون تارة: أن ابن مسعود هو أول من أعلن، و أخرى عمر بن الخطاب، و هنا يذكرون: أبا بكر.

كما أن الرواية تنص على أن إظهار أبي بكر للإسلام قد كان حينما كان المسلمون ثمانية و ثلاثين رجلا و النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دار الأرقم.

و قد تقدم: أن أبا بكر لم يكن قد أسلم بعد، لأنه إنما أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا.

إلا أن يكون المقصود هو بلوغ المسلمين الذين أسلموا بعد الهجرة إلى الحبشة ثمانية و ثلاثين رجلا، لكن ذلك لا يتلاءم مع تصريح الرواية بأن ذلك قد كان يوم إسلام حمزة، حينما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في دار الأرقم.

أول شهيد في الإسلام من آل ياسر:

و على كل حال؛ فلقد عذب آل ياسر أشد العذاب، و استشهدت سمية أم عمار على يد فرعون قريش أبي جهل لعنه اللّه، فكانت أول شهيدة في الإسلام (1)ثم استشهد ياسر «رحمه اللّه» تعالى.

و لكنهم ذكروا: أن أول قتيل في الإسلام هو الحارث بن أبي هالة،


1) الاستيعاب هامش الإصابة ج 4 ص 331 و 330 و 333، و الإصابة ج 4 ص 335 و 334 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 495، و أسد الغابة ج 5 ص 481، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 28.

حيث إنه لما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصدع بما يؤمر، قام «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، فقال: قولوا: لا إله إلا اللّه تفلحوا؛ فوثبت إليه قريش؛ فأتى الصريخ أهله؛ فكان أول من أتاه الحارث هذا؛ فضرب في القوم فصرفهم عنه و عطفوا عليه حتى قتلوه (1).

و هذا لا يصح؛ لما تقدم من أن اللّه قد منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأبي طالب و قومه، و لم يجرؤوا على أن ينالوه بسوء في شعره و بشره.

و كذلك الحال بالنسبة إلى من أسلم من بني هاشم، حيث لم يعذب جعفر، و لا علي و لا غيرهما، و ذلك لمكان أبي طالب «رحمه اللّه» ، كما قلنا، و أيضا فإن كلمة المؤرخين تكاد تكون متفقة على أن أول شهيد في الإسلام كان سمية و زوجها.

أضف إلى ذلك: أن كل ما يقال في كيفية إعلانه بالدعوة يتنافى و يتناقض مع ما ذكروه هنا {راجع ما تقدم تحت عنوان: فاصدع بما تؤمر} .

و الذي يمكن أن نفهمه: هو أنه ربما يكون الهدف من وضع هذه القضية هو أن يثبتوا أن خديجة قد تزوجت قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» برجل أو أكثر، و ولد لها منهما.

و قد تقدم ما يوجب الشك في ذلك، حين الكلام على زواجها بالرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .


1) نور القبس ص 275 عن الشرقي ابن القطامي، و الإصابة ج 1 ص 293 عن الكلبي، و ابن حزم و عن العسكري و الأوائل ج 1 ص 311 و 312.

عمار بن ياسر:

و عذب عمار أيضا عذابا شديدا من قبل بني مخزوم، حتى أكره على التفوّه بما يعجب المشركين، فتركوه؛ فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باكيا، و قال له: لم أترك يا رسول اللّه، و قد أكرهوني حتى نلت منك، و ذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كيف تجد قلبك يا عمار؟

قال: إنه مطمئن بالإيمان يا رسول اللّه قال: «لا عليك، فإن عادوا إليك فعد لما يريدون؛ فقد أنزل اللّه فيك: إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ » (1).

التقية في الكتاب و السنة:

و نقول:

1-إن ما جرى لعمار و نزول الآية فيه دليل على مشروعية التقية، إذا خاف الإنسان على نفسه و ماله.

و قد صرحوا بجواز التقية و إظهار الموالاة حتى للكفار، إذا خيف على النفس التلف، أو تلف بعض الأعضاء، أو خيف من ضرر كبير يلحق الإنسان في نفسه (2).

بل لقد قال محمد بن عقيل: «التقية مما أجمع المسلمون على جوازه، و إن اختلفت تسميتهم لها، فسماها بعضهم بالكذب لأجل الضرورة أو


1) راجع: حلية الأولياء ج 1 ص 140 و تفسير الطبري ج 4 ص 112 و تفسير النيسابوري بهامشه و غير ذلك كثير جدا.

2) راجع على سبيل المثال: أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 9.

المصلحة، و قد عمل بها الصالحون، فهي من دين المتقين الأبرار، و عكس القول فيها كذب ظاهر» (1).

2-و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: . . وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً (2).

3-قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ. . (3)إلى قوله: . . وَ اِجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (4).

قال البخاري: «فعذر اللّه المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر اللّه، و المكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به» (5).

ملاحظة:

الآية موجودة كما في سورة النساء الآية 97 و لكن الفقرة الأخيرة غير موجودة فيها و لا في الآيات بعدها لكن البخاري قد ذكرها كذلك. فذكرناها حسبما هي فيه رعاية لأمانة النقل عنه.

4-و قال تعالى: وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ


1) تقوية الإيمان ص 38.

2) الآية 28 من سورة آل عمران.

3) الآية 97 من سورة النساء.

4) الآية 75 من سورة النساء.

5) صحيح البخاري ط الميمنية ج 4 ص 128.

رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ. . (1).

و القول بأن هذه الآية قد نسخت لا مثبت له، بل لقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» ما يدل على خلاف ذلك، فقد روى الكليني عن عبد اللّه بن سليمان، قال: «سمعت أبا جعفر «عليه السلام» يقول-و عنده رجل من أهل البصرة، يقال له: عثمان الأعمى، و هو يقول: إن الحسن البصري يزعم: أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار.

فقال أبو جعفر «عليه السلام» : فهلك إذا مؤمن من آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه نوحا «عليه السلام» ؛ فليذهب الحسن يمينا و شمالا؛ فو اللّه ما يوجد العلم إلا ههنا» (2).

فاستدلال الإمام «عليه السلام» بالآية يدل على أن عدم كونها منسوخة كان متسالما عليه لدى العلماء آنئذ.

و أما من السنة، فنذكر:

1-عن أبي ذر، عنه «صلى اللّه عليه و آله» : ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة، فإن أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، و اجعلوا صلاتكم معهم نافلة (3)و ثمة حديث آخر بهذا المعنى فليراجع (4).


1) الآية 28 من سورة غافر.

2) الكافي {الأصول} ج 2 ص 40 و 41 منشورات المكتبة الإسلامية، و الوسائل ج 18 ص 8.

3) مسند أحمد ج 5 ص 159.

4) مسند أحمد ج 5 ص 160 و 168.

2-ما جاء: أن مسيلمة الكذاب أتي برجلين، فقال لأحدهما: تعلم أني رسول اللّه؟ قال بل محمد رسول اللّه، فقتله.

و قال للآخر ذلك، فقال: أنت و محمد رسول اللّه؛ فخلى سبيله، فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أما الأول فمضى على عزمه و يقينه، و أما الآخر، فأخذ برخصة اللّه فلا تبعة عليه (1).

3-ما رواه السهمي عنه «صلى اللّه عليه و آله» : لا دين لمن لا ثقة له (2).

و هو تصحيف على الظاهر، و الصحيح: «لا تقية» كما يدل عليه ما رواه شيعة أهل البيت عنهم «عليهم السلام» (3).

4-قصة عمار بن ياسر المعروفة، و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له: إن عادوا فعد، و هي مروية في مختلف كتب الحديث و التفسير.

و في هذه المناسبة نزل قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ » (4).

5-إستعمال النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه للتقية، حيث بقي ثلاث أو خمس سنوات يدعو إلى اللّه سرا، و هذا مجمع عليه، و لا يرتاب فيه أحد،


1) محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني: ج 4 ص 408-409 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 10 و سعد السعود ص 137.

2) تاريخ جرجان: ص 201.

3) راجع: الكافي {الأصول} : ج 2 ص 217 ط الآخندي، و وسائل الشيعة: ج 11 ص 465. و راجع: ميزان الحكمة: ج 10 ص 666 و 667.

4) راجع: فتح الباري: ج 12 ص 277-278.

و إن كنا قد ذكرنا: أن الحقيقة ليست هي ذلك.

6-إن الإسلام يخيّر الكفار في ظروف معينة بين الإسلام و الجزية، و السيف.

و واضح: أن ذلك إغراء بالتقية، لأن دخولهم في الإسلام في ظروف كهذه لن يكون إلا لحقن دمائهم، و ليس عن قناعة راسخة، و هذا نظير قبول المنافقين في المجتمع الإسلامي، و تآلفهم على الإسلام، على أمل أن يتفاعلوا مع هذا الدين، و يستقر الإيمان في قلوبهم.

7-و حين فتح خيبر قال حجاج بن علاط للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن لي بمكة مالا و إن لي أهلا و إني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك و قلت شيئا؟ ! فأذن له رسول اللّه أن يقول ما شاء (1).

و أما التقية في التاريخ:

فنذكر على سبيل المثال:

1-إن رجلا سأل ابن عمر فقال: «أدفع الزكاة إلى الأمراء؟

فقال ابن عمر: ضعها في الفقراء و المساكين.

قال: فقال لي الحسن: أ لم أقل لك: إن ابن عمر إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء و المساكين» ؟ (2).

2-و قد ادّعوا: أن أنس بن مالك قد روى حديث القنوت قبل الركوع


1) دراسات في الكافي و الصحيح ص 338 عن السيرة الحلبية.

2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 48.

تقية من بعض أمراء عصره (1).

3-و حين شاور العباس بن الحسن كتّابه و خواصه فيمن يولون الخلافة بعد موت المكتفي، أشار عليه ابن الفرات بأن ينفرد بكل واحد منهم فيعرف رأيه و ما عنده «فأما أن يقول كل واحد رأيه بحضرة الباقين فربما كان عنده ما يسلك سبيل التقية في كتمانه وطيّه، قال: صدقت، ثم فعل ما أشار به عليه» (2).

4-تقية النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الحمزة في بيعة العقبة، و ستأتي نصوصها في فصل مستقل.

5-عن أيوب قال: ما سألت الحسن عن شيء قط ما سألته عنها {أي عن الزكاة} .

قال: فيقول لي مرة: أدها إليهم.

و يقول لي مرة: لا تؤدها إليهم (3)أي للأمراء.

إلا أن يقال: إن هذا التردد من الحسن، إنما هو لأجل عدم وضوح الحكم الشرعي له، جوازا أو منعا.

6-و في خطبة لمحمد بن الحنفية: لا تفارق الأمة، اتق هؤلاء القوم {يعني الأمويين} بتقيتهم، و لا تقاتل معهم.

قال: قلت: و ما تقيتهم؟


1) راجع: المحلى ج 4 ص 141.

2) الوزراء للصابي ص 130.

3) المصدر السابق.

قال: تحضرهم وجهك عند دعوتهم؛ فيدفع اللّه بذلك عنك، و عن دمك و دينك و تصيب من مال اللّه الذي أنت أحق به (1).

7-استفتي مالك بالخروج مع محمد بن عبد اللّه بن الحسن، و قيل له: في أعناقنا بيعة لأبي جعفر المنصور.

فقال: إنما بايعتم مكرهين، و ليس على مكره يمين (2).

8-و نقل القرطبي، عن الشافعي، و الكوفيين: القول بالتقية عند الخوف من القتل، و قال: «أجمع أهل العلم على ذلك» (3).

9-عن حذيفة قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: أحصوا لي كم يلفظ الإسلام.

قال: فقلنا: يا رسول اللّه، أتخاف علينا و نحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟

قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا.

قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا (4).

و حذيفة قد مات بعد البيعة لعلي «عليه السلام» بأربعين يوما، فهذا النص يدل على أن الناس المؤمنين كانوا قبل ذلك يعيشون في ضغط شديد، و أن الذين يسيطرون على الشارع هم الناس الذين كانوا يحقدون على الدين


1) طبقات ابن سعد ج 5 ص 70.

2) مقاتل الطالبيين ص 283، و الطبري ط أوربا ج 3 ص 200.

3) تفسير القرطبي ج 10 ص 181.

4) صحيح مسلم: ج 1 ص 91، و صحيح البخاري ط سنة 1309 ه. ق: ج 2 ص 116 و مسند أحمد ج 5 ص 384.

و المتدينين، و يهزؤون و يحاربون كل شيء يمت إلى الدين بصلة.

10-لقد اتقى عامة أهل الحديث، و كبار العلماء و أجابوا إلى القول بخلق القرآن، و هم يعتقدون بقدمه، و لم يمتنع منهم إلا أحمد بن حنبل، و محمد بن نوح (1)، و حتى أحمد؛ فإنه قد تاقى في ذلك، فكان إذا وصل إلى المخنق قال: ليس أنا بمتكلم.

كما أنه حين قال له الوالي: ما تقول في القرآن؟ أجاب: هو كلام اللّه، قال: أمخلوق هو؟

قال: هو كلام اللّه لا أزيد عليها (2).

بل قال اليعقوبي: إنه لما سئل أحمد عن ذلك قال: «أنا رجل علمت علما و لم أعلم فيه بهذا.

و بعد المناظرة و ضربه عدة سياط، عاد إليه إسحاق بن إبراهيم فناظره، قال له: فيبقى عليك شيء لم تعلمه؟

قال: بقي علي.

قال: فهذا مما لم تعلمه؛ و قد علّمكه أمير المؤمنين؟

قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين.

قال: في خلق القرآن؟

قال: في خلق القرآن.


1) تجارب الأمم المطبوع مع العيون و الحدائق ص 465.

2) تاريخ الطبري ج 7 ص 201 و راجع: آثار الجاحظ ص 274، و مذكرات الرماني ص 47.

قال: فأشهد عليه، و خلع عليه، و أطلقه إلى منزله (1).

مع أنه هو نفسه يقول: إن من قال: القرآن كلام اللّه، و وقف؛ فهو من الواقفة الملعونة (2).

و قد عمل ابن الزبير بالتقية في مواجهة الخوارج (3).

و اتقى أيضا الشعبي و مطرف بن عبد اللّه من الحجاج.

و اتقى عرباض بن سارية و مؤمن الطاق من الخوارج و صعصعة بن صوحان من معاوية (4).

و ممن استعمل التقية في قضية خلق القرآن إسماعيل بن حماد، و ابن المديني، و كان ابن المديني يلزم مجلس القاضي أبي دؤاد المعتزلي، و يقتدي به في الصلاة، و يجانب أحمد بن حنبل و أصحابه (5).

11-و يقولون: إن إبراهيم «عليه السلام» عندما سأله ذلك الحاكم الجبار عن امرأته قال: «هذه أختي» و ذلك في اللّه (6)فراجع.


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 472.

2) بحوث مع أهل السنة و السلفية ص 183 و 184 عن: الرد على الجهمية لابن حنبل في كتاب الدومي ص 82.

3) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه ج 2 ص 393.

4) العقد الفريد ج 2 ص 464-465.

5) راجع لسان الميزان ج 1 ص 339-400 متنا و هامشا.

6) صحيح البخاري ط الميمنية: ج 4 ص 129 و مسند أحمد ج 2 ص 403 و أخرجه أبو داود و الترمذي، و قصص الأنبياء للنجار: ص 98-99 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 427.

12-و عن عبيد اللّه بن معاذ العنبري، عن أبيه قال: «كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة، قاضي واسط، فكتب إلي: لا تكتب عنه، و مزق كتابي» (1).

13-و قد عمل صعصعة بالتقية في خطبته في قصة خروج المستورد أيام معاوية (2).

14-و في غارة بسر بن أبي أرطاة على المدينة، و شكوى جابر بن عبد اللّه الأنصاري لأم سلمة زوج النبي: أنه خشي أن يقتل، و هذه بيعة ضلال، قالت: إذن، فبايع؛ فإن التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب و يحضرون الأعياد مع قومهم (3).

15-و قد خطب الإمام الحسين «عليه السلام» مؤبنا أخاه الحسن السبط «عليه السلام» حينما توفي، فكان مما تمدحه به: أنه قد آثر اللّه عند مداحض الباطل، في مكان التقية بحسن الروية (4).

16-و الإمام الحسين «عليه السلام» لم يستجب لأهل الكوفة حينما طلبوا منه القيام ضد معاوية بعد سم الإمام الحسن «عليه السلام» ، و له موقف آخر «عليه السلام» يؤيد فيه موقف أخيه القاضي بعدم الثورة على


1) صحيح مسلم: ج 1 ص 18 و معرفة علوم الحديث ص 136.

2) راجع: بهج الصباغة: ج 7 ص 121.

3) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 198.

4) راجع: تهذيب تاريخ دمشق: ج 4 ص 230 و عيون الأخبار لابن قتيبة: ج 2 ص 314، و حياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي: ج 1 ص 439.

معاوية ما دام حيا. فراجع (1).

17-قال الحسن {البصري} : التقية إلى يوم القيامة (2).

18-و قال البخاري: «و قال ابن عباس: في من يكرهه اللصوص، فيطلق، ليس بشيء، و به قال ابن عمر، و ابن الزبير، و الشعبي، و الحسن» (3).

19-و قال البخاري أيضا: «يمين الرجل لصاحبه: أنه أخوه، إذا خاف عليه القتل أو نحوه، و كذلك كل مكروه يخاف، فإنه يذب عنه الظالم، و يقاتل دونه و لا يخذله، و إن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه و لا قصاص.

و إن قيل له: لتشربن الخمر، أو لتأكلن الميتة، أو لتبيعن عبدك، أو تقر بدين، أو تهب هبة أو تحل عقدة، أو لتقتلن أباك، أو أخاك في الإسلام وسعه ذلك.

إلى أن قال: قال النخعي: إذا كان المستحلف ظالما فنيّة الحالف، و إن كان مظلوما؛ فنية المستحلف» (4).

و لا بأس بمراجعة الشروح على صحيح البخاري على كتاب الإكراه، ففيها توضيحات و مطالب مفيدة في هذا المجال (5).


1) راجع: الأخبار الطوال ص 220 و 221 و 222.

2) صحيح البخاري {ط الميمنية} ج 4 ص 128.

3) صحيح البخاري ج 4 ص 128.

4) المصدر السابق.

5) راجع: عمدة القاري ج 24 ص 95-108، و فتح الباري ج 12 ص 277-289، و إرشاد الساري ج 10 ص 93-102.

20-حتى المغيرة بن شعبة فإنه يدعي أنه في عيبه عليا يعمل بالتقية فهو يقول لصعصعة: «هذا السلطان قد ظهر، و قد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به، و نذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك و بين أصحابك و في منازلكم سرا الخ. . (1).

21-و في حرب الجمل حمل محمد بن الحنفية على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب فلما عرفت الذي أراد كففت عنه (2).

23-و يقول ابن سلام: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ثم يصلي مع الأمراء الذين يؤخرون الصلاة نافلة (3).

24-و قد صرح الخدري بأنه يعمل بالتقية في ما يرتبط بموقفه من علي «عليه السلام» ليحقن دمه من بني أمية و استدل بآية ادفع بالتي هي أحسن السيئة (4).

و قد ذكرت في الصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص 72 و 73 موارد عديدة أخرى فراجع.


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 12.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 67.

3) تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 205.

4) سليم بن قيس ص 53، مؤسسة البعثة-قم-إيران.

التقية ضرورة فطرية عقلية دينية إصلاحية:

إن تشريع التقية لهو خير دليل على شمولية الإسلام و مرونته، و اتساعه لكل الظروف و الأحوال، إذ لو كانت الرسالة جافة و قاسية، و لا تلاحظ الظروف الطارئة، و الأحوال العارضة، فلا بد أن تصطدم مع الواقع، و تنهار أمامه، دون أن تتمكن من تجاوزه في حركتها الإصلاحية و التكاملية.

فهو بتشريعه للتقية، إنما يحافظ على الرسالة من خلال حفاظه على رائدها، و حافظها، و حاملها في ذلك الظرف العصيب.

و خير شاهد على ذلك هو تلك الفترة التي مر بها النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون في أول البعثة حيث كانوا يتحاشون فيها الصدام مع المشركين.

و إن المحافظة على حامل الرسالة من خلال مرونة الرسالة، تكون ضرورية جدا حينما لا يكون للتضحية به فائدة، و لا عائدة.

إن لم يكن في ذلك ضرر على الرسالة نفسها حينما تفقد جنديا أمينا من جنودها، ربما تكون في وقت كانت بأمس الحاجة إليه.

فكثيرا ما يكون الحفاظ على الإسلام من خلال الحفاظ على جنوده الأبرار الأوفياء، و الذين يكونون دائما على استعداد للتضحية في سبيله كلما اقتضى الأمر ذلك.

فالتقية إنما شرعت للحفاظ على هؤلاء.

أما الآخرون، الذين لا يفكرون إلا في أنفسهم، فلا ينفعهم تشريع التقية، و لا عدمه.

و مما يدلنا على أن تشريع التقية إنما هو للحفاظ على الرسالة من خلال

الحفاظ على جنودها، و ليس ذلك نفاقا، و لا انهزاما، لأن هؤلاء المخلصين الذين يراد الحفاظ عليهم هم دائما على استعداد للبذل و العطاء:

أن الإمام الحسين «عليه السلام» الساكت في زمان معاوية هو نفسه الحسين الثائر على يزيد، تحت شعار:

إن كان دين محمد لم يستقمإلا بقتلي يا سيوف خذيني

فسكوته هناك كان حفاظا على الدين و الحق؛ تماما كما كانت ثورته هنا حفاظا على الحق و الدين، و قد تكلمنا على هذه النقطة في حلف الفضول.

و لأجل ذلك نجد: أنه إذا توقف الحفاظ على الحق على الفداء و التضحية؛ فإن الإسلام يأمر به، و لا يتسامح مع من يمتنع عنه.

و أيضا، فلو كان في الإسلام جفاف و قسوة؛ فربما يبعث ذلك الكثيرين على التخلي عنه، أو بالأحرى على عدم الإقدام عليه.

و لسوف يأتي في إسلام وحشي و غيره: أن البعض كان يسلم؛ لأنه يعرف أن محمدا لا يقتل أصحابه.

فمرونة الإسلام هذه هي التي أعطته قوة الدفع هذه، و مكنته من أن يشق طريقه رغم كل التحديات الكبيرة، و المصاعب الخطيرة، التي واجهته عبر التاريخ.

و واضح: أن مرونة الإسلام هذه لا يجوز أن تفسر على أنها نوع من التساهل في الأحكام؛ ليهون على البعض اعتناق الإسلام، بل هي من قبيل الحفاظ على الإسلام و المسلمين، حيث لا ضرر على المبدأ و الرسالة، و حيث يكون في عدم التقية هدر للطاقات و الإمكانات، حيث لا جدوى من هدرها.

و ليكن ذلك هو الفرق بين التقية و بين النفاق الذي يحلو للبعض أن ينبز به-ظلما و عدوانا-من يعتقد بمشروعية التقية.

و قد رأينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما جاءته بعض القبائل و هي قبيلة ثقيف، و طلبوا منه أن يعطيهم فرصة لعبادة أصنامهم، و أن لا يفرض عليهم الصلاة لأنها صعبة عليهم، و أن لا يكسروا صنمهم بيدهم، نرى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قبل بهذا الأخير، و رفض الأولين (1).

كما أنهم قد طلبوا منه أن يسمح لهم بالزنى، و شرب الخمر، و الربا، و ترك الصلاة (2).

نعم فرفض ذلك، و لم يأخذ بنظر الاعتبار أن هذه قبيلة تريد أن تسلم،


1) تاريخ الخميس: ج 2 ص 135، و السيرة النبوية لدحلان {مطبوع بهامش الحلبية} : ج 3 ص 11، و الكامل في التاريخ: ج 2 ص 284، و السيرة النبوية لابن كثير: ج 4 ص 55، و السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 184 و 185، و البداية و النهاية: ج 5 ص 30، و المواهب اللدنية: ج 1 ص 236. و بهذا يلاحظ: أن عمر بن الخطاب لم يكن موفقا حين أصر على الاقتصاص من جبلة بن الأيهم الذي دخل في الإسلام جديدا، و كان ملكا في قومه، و لم يتعرف بعد بعمق على عظمة و خصائص الإسلام و مميزاته الفريدة، إذ قد كان عليه أن يراعي الموقف، و يحل المشكلة بأسلوب مرن آخر.

2) السير النبوية لدحلان {مطبوع بهامش الحلبية} : ج 3 ص 11، و المواهب اللدنية: ج 1 ص 236، و تاريخ الخميس: ج 2 ص 135 و 136 و 137. و راجع بالنسبة لترك الصلاة المصادر التالية: الكامل في التاريخ: ج 2 ص 284، و كذا في السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 185، و السيرة النبوية لابن كثير: ج 4 ص 56، و البداية و النهاية: ج 5 ص 30.

فيتقوى بها الإسلام، و يضعف بذلك جانب أعدائه و مناوئيه، و هي في خلال هذه السنة تكون قد تعرفت على الإسلام و تدربت عليه.

نعم، لقد رفض السماح لها بعبادة صنمها، الذي عبدته عشرات الأعوام، و لو لمدة سنة واحدة أيضا.

بل هو يرفضه و لو كان لساعة واحدة، لأنه لا يريد أن يستفيد من أية وسيلة من أجل الوصول إلى أهدافه، لأنه يعتبر الوسيلة جزء من الهدف، و منه تستمد قدسيتها، كما سبق.

و لكنه في مقابل ذلك: لو أساء إليه أحد الناس مثلا؛ فإنه على استعداد لأن يعفو عنه، و لكن شرط: أن يعرف المعفو عنه أنه قد أذنب، و أن هذا عفو عنه، أما إذا فهم من ذلك مشروعية الأمر الذي ارتكبه، فإن ذلك العفو يكون مرفوضا جملة و تفصيلا.

الفصل الرابع: هجرة الحبشة

اشارة

لا بد من حل:

لقد استمرت قريش في تعذيب من يدخل في دين الإسلام ممن لم يكن لهم عشيرة تمنعهم.

و كان الاستمرار في هذا الوضع غير ممكن، فقد كان و أصبح لا بد لهؤلاء المعذبين من العثور على موضع أمل لهم، يساعدهم على تحمل المشاق، و مواجهة الصعاب، و يجعلهم أقدر على مقاومة الضغوط التي يتعرضون لها من قبل من رفضوا أن يعترفوا بألوهية و حاكمية فوق ألوهيتهم و حاكميتهم، و آثروا الاستكبار و العناد على الرضوخ و الانقياد.

و من جهة ثانية: فإن استمرار هذا الوضع الذي يواجهه المسلمون، المليء بالآلام و المشاق، لسوف يقلل من إقبال الناس على الدخول في الإسلام، ما دام أن هذا الدخول لا حصاد له سوى الرعب، و التعذيب و المصائب.

و من جهة ثالثة: فقد كان لا بد من تسديد ضربة لكبرياء قريش و جبروتها-و لو نفسيا-لتدرك: أن قضية الدين تتجاوز حدود تصوراتها و قدراتها-و أن عليها: أن تفكر بموضوعية و عقلانية أكثر، فكان أن اختار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للمسلمين الهجرة إلى الحبشة.

و كانت هجرتهم إليها في السنة الخامسة من البعثة.

سر اختيار الحبشة:

و أما عن سر اختيار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحبشة مهاجرا للمسلمين، فقد أشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله:

«إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، و هي أرض صدق» و «إنه يحسن الجوار» .

و قد كان من الواضح أنه:

1-كان لا بدّ لقريش من أن تبذل محاولاتها لاسترجاع المسلمين، لتبقى هي المهيمنة، و صاحبة الاختيار الأول و الأخير في مصير هذا الدين، الذي تراه يتهدد كبرياءها و شركها، و انحرافها.

2-لقد كان لقريش نفوذ في بلاد الروم و الشام، لما كان لها من علاقات تجارية و اقتصادية معها، فالهجرة إلى هذه البلاد إذن سوف تسهل على قريش استرجاع المهاجرين، أو على الأقل إلحاق الأذى بهم، و لا سيما إذا كان ملوك تلك البلاد لا يلتزمون بأي من الأصول الأخلاقية و الإنسانية، و لم يكن لديهم مانع من ممارسة أي نوع من أنواع الظلم و الجور، و على الأخص بالنسبة لمن ينتسب إلى دعوة يرون أنها تضر بمصالحهم الشخصية، و تهدد كيانهم و جبروتهم.

و أما بلاد اليمن، و بعض المناطق العربية و القبلية الأخرى فقد كانت تحت نفوذ النظام الفارسي، المتجبر و الظالم.

و يذكر هنا: أن بعض القبائل عندما عرض عليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعوته و طلب منها حمايتها له، قبلت بذلك، و لكن مما دون

كسرى (1)، و أما من كسرى، فلا.

و واضح: أن الالتجاء إلى كسرى لا يقل خطرا عن الالتجاء إلى بلاد الروم، خصوصا إذا رأى: أن هذا العربي-و هو بطبعه كان يحتقر العرب، و لا يرى لهم حرمة، و لا شأنا يذكر-لسوف يخرج في منطقة قريبة من بلاده، و قد تسري دعوته إلى بلاده نفسها، و يؤثر ذلك على الامتيازات الظالمة التي يجعلها لنفسه، كما يظهر من دراسة طبيعة دعوة ذلك النبي، و أهدافها.

3-قد كان لقريش نفوذ قوي في مختلف القبائل العربية، حتى ما كان منها تحت نفوذ الفرس و الروم.

كما ربما يتضح مما ذكرناه في أوائل هذا الكتاب، فلا نعيد.

4-ما ذكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، فإن كل ذلك يجعلنا نضع أيدينا على السر الحقيقي لاختيار بلاد الحبشة، البعيدة عن النفوذ الفارسي و الرومي و القريشي، و التي لا يمكن لقريش أن تصل إليها على ظهر جواد أو راحلة، و إنما بالسفن عبر البحار، و لم تكن قريش تعرف حرب السفن، فاختار الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هذه البلاد بالذات لتكون أرضا لهجرة المسلمين، الذين لا يزالون ضعافا أمام قوة قريش و جبروتها.

ثم إننا نستفيد من قوله «صلى اللّه عليه و آله» عن أرض الحبشة: إنها أرض صدق: أنه قد كان فيها شعب يعيش على الفطرة، و يتعامل بالصدق و الصفاء، و ربما كان الناس في تلك المنطقة أقرب من غيرهم إلى الالتزام بما


1) السيرة الحلبية: ج 2 ص 5 و ص 16، و السيرة النبوية لابن كثير: ج 2 ص 168.

تبقى لديهم من تعاليم السيد المسيح «عليه السلام» كما ربما يستفاد مما جرى لجعفر مع ملك الحبشة في أمر عيسى، فيمكن لهؤلاء الثلة من المسلمين المهاجرين أن يعيشوا مع هؤلاء الناس، و أن يتعاملوا معهم، لا سيما و أنها بلاد لم يكن فيها من الانحرافات و الأفكار و الشبهات ما كان في بلاد الروم و الفرس، التي كانت قد لوثتها المفاهيم و النظريات اللاإنسانية، و الأديان المنحرفة إلى حد بعيد، و لم تتعرض بلاد الحبشة لمثل ذلك، فلم تنشأ فيها أديان، و لا كان فيها علماء و فلاسفة بالمستوى الذي كان في دولتي الروم و الفرس فكانت أقرب إلى الفطرة و الحق من غيرها.

و لكن هيمنة الفطرة على بلاد الحبشة ليس معناه خلو تلك البلاد عن أي انحراف، فإن وجود الانحراف فيها أمر طبيعي، بل إن ذلك على حد قولهم: أهل البلد الفلاني مؤمنون، أو شجعان، أو كرماء، فإن ذلك لا يمنع وجود البخيل و الكافر أو الفاسق و الجبان فيها.

و من الواضح: أن المسلمين لو هاجروا إلى بلاد لا تهيمن عليها الفطرة، و كان لها ملك لا يأبى عن الظلم فلسوف تصعب عليهم الحياة و الاستمرار فيها، و لم يكن لهجرتهم من بلادهم كبير فائدة، و لا جليل أثر.

الهجرة إلى الحبشة:

و هاجر المسلمون بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحبشة، ذهبوا إليها إرسالا على حسب رواية أم سلمة، (1)و يقال: إنه سافر أولا


1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 17، و البداية و النهاية ج 3 ص 72 و تاريخ الخميس ج 1 ص 290 عن الصفوة و المنتقى.

عشرة رجال و أربع نساء عليهم عثمان بن مظعون (1)، ثم خرج آخرون حتى تكاملوا في الحبشة اثنين أو ثلاثا و ثمانين رجلا، إن قلنا إن عمار بن ياسر كان معهم، و تسع عشرة امرأة عدا الأطفال.

و قد كانت هذه الهجرة في السنة الخامسة من البعثة كما نص عليه عامة المؤرخين.

و لكن عند الحاكم: أن هجرة الحبشة قد كانت بعد وفاة أبي طالب (2)، و هو إنما توفي في السنة العاشرة من البعثة.

إلا إذا كان الحاكم يتحدث عن هجرة جديدة قام بها بعض المسلمين في هذا الوقت، لعلها عودة الراجعين إلى مكة بعد سماعهم بالهدنة، ففوجئوا بالعكس فعادوا أدراجهم، و لكننا لا نملك شواهد تؤيد أن ذلك كان في تلك السنة بالذات.

و كيف كان فإننا نقول:

إننا نرجح: أنه لم يكن سوى هجرة واحدة للجميع، عليها جعفر بن أبي طالب «عليه السلام» ، الذي لم يكن غيره من بني هاشم فلم يكن ثمة هجرتان، عشرة أولا، ثم الباقون ثانيا، و إن كان خروجهم إنما كان إرسالا حفاظا على عنصر السرية، و ذلك بدليل الرسالة التي وجهها الرسول «صلى


1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 345، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 5، و البداية و النهاية ج 3 ص 67، و السيرة الحلبية ج 1 ص 324، قال: و به جزم ابن المحدث في سيرته، و تاريخ الخميس ج 1 ص 288.

2) مستدرك الحاكم: ج 2 ص 622.

اللّه عليه و آله» إلى ملك الحبشة مع عمرو بن أمية الضمري، و التي جاء فيها:

«قد بعثت إليكم ابن عمي جعفر بن أبي طالب، معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم الخ. .» (1).

و هذا هو الظاهر من رواية أخرى عن أبي موسى، قال: «أمرنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي الخ. .» (2). و إن كانت هجرة أبي موسى هذه محل شك كما سنرى.

أمير الهجرة جعفر:

و نعتقد: إن هجرة جعفر إلى الحبشة، لم تكن بسبب تعرضه للتعذيب من قبل قريش، فقد كانت قريش تخشى مكانة أبي طالب، و تراعي جانبه، و جانب بني هاشم بصورة عامة، و إنما أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع المهاجرين ليكون أميرا عليهم، و مدبرا لأمورهم، و مشرفا على شؤونهم و مصالحهم، و حافظا لهم من أن يذوبوا في هذا المجتمع الجديد، كما كان الحال بالنسبة إلى ابن جحش الذي تنصر في الحبشة.

من هو أول مهاجر إلى الحبشة؟ :

و يقولون: إن عثمان بن عفان كان أول من هاجر إلى الحبشة بأهله، و أن


1) البداية و النهاية ج 3 ص 83، و البحار ج 18 ص 418، و إعلام الورى ص 46- 45 عن قصص الأنبياء.

2) البداية و النهاية ج 3 ص 70 عن أبي نعيم في الدلائل، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 11.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال عنه بهذه المناسبة: إنه أول من هاجر بأهله بعد لوط «عليه السلام» (1).

و قيل: إنه كان أول خارج أيضا (2).

و نحن نشك في ذلك، لأنه إن أريد أنه أول من هاجر بأهله، فإن أبا سلمة-كما يقولون-هو أول من هاجر بأهله (3).

و إن أريد أنه أول خارج بنفسه، فإننا نجد أنهم يقولون: إن أول خارج كان حاطب بن أبي عمر (4)، أو سليط بن عمرو (5).

كما أنهم يقولون: مثل ذلك عن أبي سلمة فراجع، و ستأتي الإشارة إلى هذا إن شاء اللّه تعالى.

هجرة أبي موسى إلى الحبشة لا تصح:

روى الإمام أحمد بسند حسن، و غيره: أن أبا موسى الأشعري كان في


1) البداية و النهاية ج 3 ص 66 عن ابن إسحاق، و السيرة الحلبية ج 1 ص 323، و تاريخ الخميس ج 1 ص 289 و 275.

2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 344 و البداية و النهاية ج 3 ص 66 عن البيهقي، و السيرة الحلبية ج 1 ص 223.

3) الإصابة ج 2 ص 335، و راجع ج 4 ص 458 و 459 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 2 ص 338 عن: مصعب الزبيري، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 362، و أسد الغابة ج 3 ص 196 عن أبي عمر، و ابن مندة، و السيرة الحلبية ج 1 ص 323، و ذخائر العقبى: ص 253.

4) الإصابة ج 1 ص 301، و السيرة الحلبية ج 1 ص 323.

5) السيرة الحلبية ج 1 ص 323.

جملة من هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى (1).

و لكن الظاهر هو: أن هذا و هم أو إدراج عمدي من الراوي، فإن أبا موسى لم يسلم إلا في المدينة في السنة السابعة من الهجرة.

و قيل: إنه خرج في جماعة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فألقتهم سفينتهم إلى الحبشة، فجاؤوا مع مهاجري الحبشة إلى المدينة، في سنة سبع من الهجرة (2).

و يظهر: أن ذلك قد حدث بعد الهجرة إلى المدينة، إذ لم يكونوا ليقدموا على قصده «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، و لا ليقيموا هذه السنوات الطويلة في الحبشة.

و الظاهر: أنه التقى بمهاجرة الحبشة في الطريق، فقد قال العسقلاني: «صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعا» (3).

رقة عمر للمهاجرين:

و يقولون: إن عمر رأى المهاجرين، و هم يتهيأون للخروج إلى الحبشة، فرقّ لهم، و أحزنه ذلك (4).


1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 347، و البداية و النهاية ج 3 ص 67 و 69 و 70 عن ابن إسحاق و أحمد و عن أبي نعيم في الدلائل و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 7 و 9، و فتح الباري، ج 7 ص 143 و مجمع الزوائد ج 6 ص 24 عن الطبراني و حلية الأولياء ج 1 ص 114.

2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 14 و البداية و النهاية ج 3 ص 71.

3) الإصابة: ج 2 ص 359.

4) البداية و النهاية ج 3 ص 79 عن ابن إسحاق، و مجمع الزوائد ج 6 ص 24، و مستدرك الحاكم ج 4 ص 58 و الطبراني، و السيرة الحلبية ج 1 ص 323 و 324.

و ذلك لا يصح، لأن خروجهم كان سرا، متسللين، منهم الراكب، و منهم الماشي، حتى انتهوا إلى البحر فوجدوا سفينة فأقلتهم فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر، فلم يجدوا أحدا منهم (1).

هذا كله، عدا عن شدة عمر و غلظته، التي تدعى له قبل و بعد الهجرة إلى الحبشة على من أسلم، و تعذيبه لمن قدر عليه منهم، فإن ذلك لا يتناسب مع ما يقال عنه هنا.

هجرة أبي بكر لا تصح:

و يقولون: إنه حين اشتد البلاء على بقية من بمكة من المسلمين، و ضاقت مكة على أبي بكر، و أصابه فيها الأذى، خرج حين حصر المسلمون في الشعب مهاجرا إلى الحبشة، فلما وصل إلى برك الغماد-موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن-لقيه ابن الدغنة، سيد قبيلة «القارة» ، و كانوا حلفاء لبني زهرة من قريش، فقال له:

أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي؛ فأريد أن أسيح في الأرض، و أعبد ربي، فقال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج؛ إنك تكسب المعدوم إلى أن قال: فارجع فأنا لك جار فرجع، و رجع معه ابن الدغنة، فطاف عشية في أشراف قريش، و أعلمهم بأنه أجاره، فأجازوا جواره بشرط: أن يعبد ربه في داره، و لا يستعلن.


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 324، و تاريخ الخميس ج 1 ص 288 و 289 عن المنتقى و الطبري ج 2 ص 69 و راجع البدء و التاريخ ج 4 ص 149، و إعلام الورى ص 43 و اليعقوبي ج 2 ص 29 و زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 44.

و لكن أبا بكر ابتنى بعد مدة مسجدا في بني جمح، بجوار داره يصلي فيه، و يقرأ القرآن، و جعل نساء المشركين و أبناؤهم يجتمعون لسماع قراءته، حتى يسقط بعضهم على بعض.

و كان له صوت رقيق، و وجه عتيق أي جميل.

فراجع المشركون ابن الدغنة في ذلك، فأتاه فطالبه، فرد عليه أبو بكر جواره (1).

و نحن نشك في ذلك، إذ مع غض النظر عن:

1-أن إخراج قوم أبي بكر له لا يعني أنه قد هاجر مختارا مع أن ظاهر الكلام هو ذلك.

2-و مع غض النظر عن أن هذا الحديث مروي عن عائشة فقط-و هو عجيب! ! -فهم يدّعون: أنها كانت حينئذ صغيرة السن جدا لا يمكن أن تعي كل تلك الأمور و الخصوصيات، و إن كنا نعتقد: أن عمرها كان أكثر مما يقولونه بكثير، كما سنشير إليه.

3-أضف إلى ذلك: أنها لم توضح لنا عمن روت ذلك.

و دعوى البعض: أن إرسال الصحابي لا يضر، لأنه يروي عن صحابي


1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 127 و 128، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 12 و 13، و شرح النهج ج 13 ص 267، و المصنف ج 5 ص 386 و 385 و البداية و النهاية ج 3 ص 94 و 95، و في تاريخ الخميس ج 1 ص 319 و 320 أن ذلك كان في الثالثة عشرة من البعثة، و حياة الصحابة ج 1 ص 276 و 277 عن صحيح البخاري ص 552.

مثله؛ و هم عدول كلهم، لا تصح، فأما بالنسبة لعدالتهم جميعا، فقد أثبتنا عدم صحة ذلك فراجع مقالنا: الصحابة في الكتاب و السنة، في كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام، الجزء الثاني.

و أما دعوى: أن إرسال الصحابي إنما هو عن صحابي مثله، فهي أيضا غير صحيحة، لجواز أن يكون الصحابي قد روى عن غير صحابي، كما كان أبو هريرة يروي عن كعب الأحبار (1).

نعم، إننا مع غض النظر عن ذلك كله، نسجل هنا الأمور التالية:

أولا: إن الرواية تنص على أن ابن الدغنة كان حليفا لبني زهرة من قريش، فكيف أجار على قريش مع أن الحليف لا يجير؟ ! كما اعتذر به الأخنس بن شريق، حينما طلب منه النبي أن يجيره ليدخل مكة، حسبما يدّعون (2).

ثانيا: لماذا بعد أن رد جوار ابن الدغنة لم تؤذه قريش و لم تخرجه، و إذا كانت قبيلته قد منعته الآن؛ فلماذا لم تمنعه أولا؟ !

و إذا كانت قد أقنعتهم تقريظات ابن الدغنة لأبي بكر، فلماذا لم تقنعهم


1) راجع: شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية، و أبو هريرة للسيد شرف الدين رحمهما اللّه تعالى، و راجع ترجمة كعب الأحبار في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 490 و غيره.

2) إعلام الورى ص 55 و البحار ج 19 ص 7 عن القمي، و سيرة ابن هشام ج 2 ص 20، و البداية و النهاية ج 3 ص 137، و السيرة الحلبية ج 1 ص 360، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 142، و بهجة المحافل ج 1 ص 126.

أولا، حتى احتاج أبو بكر إلى جواره؟ ! .

ثالثا: لقد رد الإسكافي على الجاحظ المدعي لهذه القضية بقوله: «كيف كانت بنو جمح تؤذي عثمان بن مظعون و تضربه، و هو عندهم ذو سطوة و قدر، و تترك أبا بكر يبني مسجدا يفعل فيه ما ذكرتم؟

و أنتم الذين رويتم عن ابن مسعود: أنه قال: ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر بن الخطاب، و الذي تذكرونه من بناء المسجد كان قبل إسلام عمر، و أما ما ذكرتم من رقة صوته، و عتاق وجهه، فكيف يكون ذلك، و قد روى الواقدي، و غيره: أن عائشة رأت رجلا من العرب، خفيف العارضين، معروق الخدين، غائر العينين أجنأ {يعني مائل الظهر} ، لا يمسك إزاره، فقالت: ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا، فلا أراها دلت على شيء من الجمال في صفته (1).

و يدل على صحة ما ذكره الإسكافي حول جمال أبي بكر: أن المقدسي، بعد أن ذكر: أنه لقب بعتيق لحسن وجهه و عتقه، يقول: «كان أبيض البشرة، مشربا حمرة، نحيف الجسم، خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، أحنى لا يستمسك إزاره، و يسترخي عن حقويه، و كان الخ. .» و كذا قال غيره (2).

هذا كله عدا عن قولهم: إنه لقب ب «عتيق» لأن الرسول قال له: «هذا


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 268 عن الإسكافي.

2) البدء و التاريخ ج 5 ص 76 و 77، و تاريخ الخميس ج 2 ص 199، و تاريخ الطبري ج 2 ص 615.

عتيق من النار» فيومئذ سمي عتيقا، و كان اسمه قبل ذلك: عبد اللّه بن عثمان (1)و ذلك ينافي قولهم: إنه عتيق لجمال وجهه.

رابعا: لقد نصت الرواية على أن أبا بكر قد ابتنى مسجدا في بني جمح، و لكننا نجدهم يقولون: إن مسجد قباء كان أول مسجد بني في الإسلام (2).

و يقولون أيضا: إن عمارا كان أول من بنى مسجدا في الإسلام (3).

و حاول البعض الإجابة عن هذا بأن المقصود: هو أن مسجد قباء كان أول مسجد بني في المدينة، و أن عمارا كان أول من بنى مسجدا لعموم المسلمين (4).

و قد فاته: أن إطلاق قوله: في الإسلام يدفع الأول، و إطلاق كون عمار أول من بنى مسجدا يدفع الثاني، كما أن ثمة تصريحا بأنه أول من بنى في بيته مسجدا يتعبد فيه (5).


1) كشف الأستار عن مسند البزار: ج 3 ص 163، و مجمع الزوائد: ج 9 ص 40.

2) وفاء الوفاء ج 1 ص 250 و السيرة الحلبية ج 2 ص 55.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 55، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 179 و 178 و الأعلاق النفيسة ص 196 و تاريخ ابن كثير ج 7 ص 311، و الغدير ج 9 ص 20 عنهما. و الأوائل للطبراني ص 109 و الروض الأنف ج 3 ص 248 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 143.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 55 و وفاء الوفاء ج 1 ص 250.

5) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 3 ص 178 و ذكره في البداية و النهاية ج 7 ص 311، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 55 فإنه صرح بأن هذا المسجد كان خاصا بالذي بناه.

و خامسا: نحن بحاجة إلى إجابات على الأسئلة التالية: لماذا يترك أبو بكر يبني مسجدا في بني جمح؟ .

و كيف لم يعترض الجمحيون على هذا التحدي؟ .

و لماذا لم يدرك التيميون صفات أبي بكر النبيلة تلك، و يدعونه يخرج، ثم يدركها ابن الدغنة؟ !

و لماذا لم تلاحظ قريش تلك الصفات النبيلة التي أقرت بها، و تركته يخرج؟ ! بل و لماذا عذبته أشد العذاب مع علمها بما ذكره ابن الدغنة عنه؟ ! ! .

فضيلة عثمان بن مظعون تجعل لغيره:

و الذي نظنه قويا هو أنهم أرادوا: أن يجعلوا له فضيلة سبق إليها عثمان بن مظعون؛ فإنه كما يذكره المؤرخون: لما رجع من الحبشة مع من رجع، بعد شهرين من الهجرة، و فوجئ بأن الأمر بين المشركين و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يزال على حاله، دخل مكة بجوار الوليد بن المغيرة.

و لكنه لما رأى ما فيه المسلمون من البلاء، و هو يغدو و يروح في أمان، صعب عليه ذلك، فمشى إلى الوليد فرد عليه جواره؛ فقال: يا بن أخي، لعله آذاك أحد من قومي؟

قال: لا، و لكني أرضى بجوار اللّه عز و جل، و لا أريد أن أستجير بغيره.

قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية، كما أجرتك علانية، فانصرف معه، ورد عليه جواره علانية في المسجد (1).


1) البداية و النهاية ج 3 ص 92، و قد ذكرت هذه القضية في مختلف المصادر التاريخية فلا حاجة إلى تعدادها.

محاولة قريش اليائسة:

و بعد أن صحا مشركو مكة من عنف الصدمة، «و رأت قريش استقرارهم في الحبشة و أمنهم» ، على حد تعبير البعض (1)ائتمرت فيما بينها، و قررت إرسال رجلين من قبلها إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين، و وقع اختيارهم على عمرو بن العاص، و يقال: و على عمارة بن الوليد أيضا، فأرسلوهما إلى النجاشي بهدايا له و لبطارقته، «و جرى بين عمارة و عمرو بن العاص في الطريق شيء مثير، يرتبط بالعلاقة بين عمارة و زوجة عمرو فاحتملها له عمرو ليكيده في الوقت المناسب. .» (2)و ادعيا أمام النجاشي: أنه «قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دينهم، و لم يدخلوا في دينك.

و جاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن و لا أنت، و قد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، و أعمامهم، و عشائرهم لتردهم إليهم الخ. .» .

فرفض تسليمهم إليهم حتى يسألهم عن صحة ما جاء به عمرو و عمارة، فجاء المسلمون؛ فسألهم فقال جعفر: «أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، و نأكل الميتة و نأتي الفواحش، و نقطع الأرحام، و نسيء الجوار، و يأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا، نعرف نسبه و صدقه، و أمانته، و عفافه؛ فدعانا إلى اللّه لنوحده، و نعبده، و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه، من الحجارة و الأوثان.


1) سيرة مغلطاي ص 22.

2) ذكرنا ذلك في كتابنا ظلامة أبي طالب، الفصل الأول فراجع.

و أمرنا بصدق الحديث و أداء الامانة، و صلة الرحم، و حسن الجوار، و الكف عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش، و قول الزور، و أكل مال اليتيم، و قذف المحصنات، و أمرنا: أن نعبد اللّه وحده، لا نشرك به شيئا، و أمرنا بالصلاة، و الزكاة، و الصيام الخ. .» (1).

و قرأ عليه جعفر بعض سورة الكهف: فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، و كذلك أساقفته.

ثم قال النجاشي: إن هذا و الذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فو اللّه لا أسلمهم إليكما، و لا يكادون.

ثم غدا عمرو في اليوم التالي ليخبر النجاشي بأن المسلمين يقولون: إن عيسى بن مريم عبد؛ فأرسل إليهم؛ فسألهم؛ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا «صلى اللّه عليه و آله» :

هو عبد اللّه و رسوله، و روحه و كلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فتناول النجاشي عودا، و قال: و اللّه، ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود.


1) ذكرت الزكاة و الصيام في مختلف المصادر؛ فراجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 360، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 21، و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 80{و لم يذكر الزكاة} و إعلام الورى ص 44 و لم يذكر الصيام و البداية و النهاية ج 3 ص 74 و تاريخ الخميس ج 1 ص 290، و حلية الأولياء ج 1 ص 114، و السيرة الحلبية ج 1 ص 340. و ستأتي بقية المصادر حين الكلام عن أن تشريع الصلاة و الزكاة كان في مكة، و ذلك قبيل الكلام عن غزوة بدر إن شاء اللّه تعالى.

فتناخرت بطارقته، فقال: و إن نخرتم، إذهبوا فأنتم شيوم: أي آمنون، من سبّكم غرم-قالها ثلاثا-ما أحب أن لي دبرا-أي جبلا-من ذهب و أني آذيت رجلا منكم، ثم رد هدايا قريش (1).

و قد روي عن الإمام الحسين «عليه السلام» : أن ابن العاص قد ذهب إلى الحبشة مرتين ليكيد المسلمين، فرد اللّه تعالى كيده إلى نحره، و باء بغضب من اللّه تعالى (2).

ملاحظة:

قد شكك البعض في صحة هذه الرواية، و ذلك لذكر الصيام فيها، و هو إنما شرع في المدينة (3).

و لكنه كلام باطل؛ فإن الصيام، و الزكاة، و غير ذلك كله قد شرع في مكة، و لسوف يأتي إن شاء اللّه بيان ذلك في هذا الكتاب حين الحديث على ما بعد الهجرة.

و يرى بعض الأعلام: أن منشأ هذه التحقيقات الرشيقة! ! لأحمد أمين، و من هم على شاكلته، هو التشكيك في موقف يظهر بطولة جعفر، و جراءته و حكمته، و عقله، و درايته.


1) راجع المصادر المتقدمة.

2) راجع: الاحتجاج ج 1 ص 411 و 412، و السيرة النبرية لابن كثير ج 2 ص 27، و البداية و النهاية ج 3 ص 76.

3) هذا ما ذكره أحمد أمين في كتاب فجر الإسلام ص 76 و لعله اقتبسه من السيرة الحلبية ج 1 ص 339.

و قد ابتلي جعفر أيضا بمثل هذا الإجحاف في حقه في مورد آخر، و هو كونه الأمير الأول في غزوة مؤته، فإن لهم اهتماما خاصا في إبعاد جعفر عن هذا المقام و التأكيد على أن الأمير الأول هو زيد بن حارثة «رحمه اللّه» كل ذلك من أجل أخوته لعلي «عليه السلام» و قرابته منه (1).

قريش و خططها المستقبلية:

حقا لقد كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة ضربة قاسية لقريش، أفقدتها صوابها، و زعزعت وجودها و كيانها؛ فحاولت أن تتدارك الأمر، فلحقت بهم بهدف إرجاعهم و إبقائهم تحت سلطتها، و لكن بعد فوات الأوان.

و كان أن اضطرت قريش للمرة الأولى لمراجعة حساباتها من جديد، بعد أن أدركت: أن زمام المبادرة لم يعد بيدها؛ و ذلك لأنها:

1-أدركت أن الاستمرار في تعذيب المسلمين، الذين أصبحوا متفرقين في مختلف القبائل، لم يعد له كبير جدوى و لا جليل أثر، إن لم يكن سببا في إثارة حرب داخلية، تكون عواقبها السيئة على سمعتها و كرامتها كبيرة و خطيرة، حينما لا توافق كل قبيلة على التصفية الجسدية للمنتمين إليها، للمنطق القبلي الذي ما زالوا يتعاملون على أساسه، حتى في مواقفهم من هذا الدين الجديد، و مناهضتهم لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعوته، رغم إجماعهم على العداء له و لها.

و يكفي أن نشير هنا إلى أنهم قد قرروا: أن تتولى كل قبيلة تعذيب الذين ينتسبون إليها! ! .


1) راجع كتابنا: دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام، الجزء الأول، بحث: من هو الأمير الأول في غزوة مؤته.

2-لقد رأت قريش: أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن تكون دعوته إنسانية عالمية، لا تختص بعرب مكة و الحجاز و أدركت أن هجرة هؤلاء إلى الحبشة لم تكن متمحضة في الهروب من التعذيب، لأن الكثيرين من أولئك المهاجرين لم يكن ممن يعذب.

هذا عدا عن أنهم يمثلون مختلف القبائل المكية أيضا، و يمثلون رصيدا يملكه الإسلام و المسلمون، و يدّخرونه للوقت المناسب، و أصبح واضحا لكل أحد: أن القضاء على مسلمي مكة لا يعني القضاء على الإسلام.

3-و ترى كذلك: أن معنى هجرة المسلمين هذه، و خروجهم من تحت سلطتها، هو أنها سوف تكون أمام مواجهة شاملة، و أن مصالحها في معرض التهديد و البوار، و قد رأت أن أبا ذر بإقامته بعسفان على طريق القوافل، و كلما أقبلت عير لقريش احتجزها حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ظل على ذلك إلى ما بعد حرب أحد، قد ضايقها تلك المضايقة الشديدة مع العلم بأن القضاء على حركته ربما يكون أسهل و أيسر، لأنه في منطقتها، و يمكن تطويقه، و الحد من نشاطه بسرعة؛ لأنه بين أمة كلها تدين لقريش بالولاء، و تقول بمقالتها، كما أنهم ينظرون إليه على أنه غريب و معتد.

إذن فإن وجود المسلمين، و هم من قريش في الصميم في منطقة بعيدة عن نفوذ القرشيين و سلطانهم، و في ملجأ أمين، و منطلق مطمئن، ليشكل أعظم الأخطار على قريش و مصالحها، الأمر الذي يحتم عليها التريث و الصبر، و إحكام التدبير، لا سيما و أنها لا تجد إلى تصفية النبي «صلى اللّه عليه و آله» جسديا حيلة، و لا إلى إسكاته سبيلا، ما دام في حماية شيخ الأبطح، أبي طالب

«عليه السلام» و الهاشميين، باستثناء أبي لهب لعنه اللّه، فأرسلت إلى النجاشي ممثلين عنها لاسترداد المهاجرين، فرجعا إليها بالفشل الذريع و الخيبة القاتلة، فأفقدها ذلك صوابها و أصبحت تتصرف بدون وعي، و لا تدبر، فعدّت من جديد على من تبقى من المسلمين بالعذاب و التنكيل.

و جعلت تتعرض للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالسخرية، و الاستهزاء، و الاتهام بالجنون و السحر، و الكهانة، و بأنواع مختلفة من الحرب النفسية و الأذى.

الثورة على النجاشي:

و كان وجود المسلمين في الحبشة، قد تسبب للنجاشي ببعض المتاعب؛ حيث اتهمه أهل بلاده بأنه خرج من دينهم فثاروا عليه.

و لكنه استطاع أن يخمد الثورة بحسن إدراكه و وعيه، و استمر المسلمون عنده في خير منزل، و خير جار، حتى رجعوا إلى المدينة، بعد هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

فيروي محمد بن إسحاق، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، و خرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر و أصحابه، فهيأ لهم سفنا، و قال: اركبوا فيها و كونوا كما أنتم؛ فإن هزمت؛ فاذهبوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، و إن ظفرت فاثبتوا، ثم خرج إليهم فجادلهم في الأمر، فانصرفوا عنه (1)و كان ذلك قبل إيفاد قريش


1) تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 136 السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 365، و البداية و النهاية ج 3 ص 77، و السيرة الحلبية ج 2 ص 202 و {ط دار المعرفة} ص 465 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 28 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 392.

عمروا و عمارة، بدليل قول النجاشي لهما «فو اللّه ما أخذ اللّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، و لا أطاع الناس فيّ، فأطيع الناس فيه، ردوا عليهم هداياهم؛ فلا حاجة لي بها، و اخرجا من بلادي، فخرجا مقبوحين» (1).

و قد كانت هذه الفترة التي أعقبت هجرة المسلمين إلى الحبشة قد تميزت بهدوء نسبي، و لعله استمر إلى عودة عمرو بن العاص من الحبشة إلى مكة بالخيبة و الخسران.

عودة بعض المهاجرين:

و تسربت أنباء الهدنة القصيرة و العفوية غير المعلنة التي حصلت في مكة إلى مسامع المسلمين في الحبشة.

و رأى المسلمون ما جرى للنجاشي بسببهم، فارتأى فريق منهم العودة إلى مكة، بعد شهرين، أو ثلاثة أشهر، و عاد منهم أكثر من ثلاثين رجلا، و دخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، و كان ما كان من رده جواره، و رضاه بجوار اللّه تعالى، حسبما تقدم.

نعم، هذا هو السر في رجوع بعض المهاجرين من الحبشة، و ليس ما ذكره أعداء الإسلام من قصة الغرانيق التي لا شك في كذبها كما سنرى.

قصة الغرانيق:

و ملخص هذه القضية المكذوبة: أنه بعد أن هاجر المسلمون إلى الحبشة بحوالى شهرين؛ جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع المشركين، فأنزل


1) البداية و النهاية ج 3 ص 75 عن ابن إسحاق، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 362.

اللّه تعالى عليه سورة النجم؛ فقرأها، حتى إذا بلغ قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاّٰتَ وَ اَلْعُزّٰى، وَ مَنٰاةَ اَلثّٰالِثَةَ اَلْأُخْرىٰ (1)، وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما، ظانا أنهما من جملة الوحي و هما: «تلك الغرانيق (2)العلى، و أن شفاعتهن لترتجى» ، ثم مضى في السورة، حتى إذا بلغ السجدة، سجد و سجد معه المسلمون و المشركون.

لكن الوليد بن المغيرة لم يتمكن من السجود، لشيخوخته، أو لتكبره- على الخلاف-فرفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، و قيل: إن الذي فعل ذلك هو سعيد بن العاص، و قيل كلاهما، و قيل: أمية بن خلف، و صحح، و قيل: أبو لهب، و قيل: المطلب.

و أضاف البخاري سجود الإنس و الجن، إلى مجموع المسلمين، و المشركين و طار الخبر في مكة، و فرح المشركون، بل و يقال: إنهم حملوا الرسول، و طاروا به في مكة من أسفلها إلى أعلاها.

و لما أمسى جاءه جبرائيل فعرض عليه السورة، و ذكر الكلمتين فيها؛ فأنكرهما جبرئيل؛ فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قلت على اللّه ما لم يقل؟ فأوحى اللّه إليه: وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنٰا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً، وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، إِذاً لَأَذَقْنٰاكَ


1) الآيتين 19 و 20 من سورة النجم.

2) الغرانيق، جمع غرنوق بكسر الغين: طيور الماء. شبهت الأصنام بها لا رتفاعها في السماء فتكون الأصنام مثلها في رفعة القدر، و الغرنوق أيضا: الشاب الأبيض الناعم.

ضِعْفَ اَلْحَيٰاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمٰاتِ ثُمَّ لاٰ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنٰا نَصِيراً (1).

و قد استدلوا على صحة هذه الرواية بالآية التي يدعون: أنها نزلت بهذه المناسبة و هي قوله تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاٰ نَبِيٍّ إِلاّٰ إِذٰا تَمَنّٰى أَلْقَى اَلشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللّٰهُ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللّٰهُ آيٰاتِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. . (2).

و عدد من أسانيد هذه الروايات صحيح عند بعض الفرق (3).

و يقولون: إنه لما سمع المسلمون في الحبشة بالسلام و الوئام بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قريش عادت طائفة منهم إلى مكة، فوجدوا الأمر على خلاف ذلك.

و نحن نعتقد جازمين بكذب هذه الروايات، و افتعالها، و يشاركنا في هذا الاعتقاد جمع من العلماء، فقد قال محمد بن إسحاق حين ما سئل عنها: «هذا من وضع الزنادقة» ، و صنف في تفنيدها كتابا (4).


1) الآيات 73 و 74 و 75 من سورة الإسراء.

2) الآيتان 52 و 53 من سورة الحج.

3) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 194 و 366-368 و السيرة الحلبية ج 1 ص 325- 326، و تفسير الطبري ج 17 ص 131-134، و فتح الباري ج 8 ص 333. و أشار إلى أصلها البخاري أيضا في غير موضع من صحيحه، كما في البداية و النهاية ج 3 ص 90، و قد صرح السيوطي في دره المنثور بصحة أسانيد عدد منها، و راجع: لباب النقول، و تفسير الطبري، و هي موجودة في مختلف التفاسير، عند تفسير الآيات، و لذا فلا حاجة إلى تعداد مصادرها.

4) راجع: البحر المحيط لأبي حيان ج 6 ص 381.

و قال القاضي عبد الجبار عن هذا الخبر: «لا أصل له، و مثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة» (1).

و قال أبو حيان: إنه نزه كتابه عن ذكر هذه القصة فيه (2).

و أنكرها البيضاوي، طاعنا في أسانيدها، و كذا البيهقي، و النووي و الرازي، و النسفي، و ابن العربي، و السيد المرتضى، و في تفسير الخازن: أهل العلم و هنوا هذه القصة (3).

و قال عياض: «إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل، و إنما أولع به و بمثله المفسرون و المؤرخون المولعون بكل غريب، و المتلقفون من الصحف كل صحيح و سقيم» .

و صدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: «لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء و التفسير، و تعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته و اضطراب رواياته، و انقطاع أسناده و اختلاف كلماته» (4).

و نحن نؤيد ما قاله لعدة أسباب:

أولا: إن جميع روايات هذه القصة سوى طريق سعيد بن جبير، إما


1) تنزيه القرآن عن المطاعن ص 243.

2) عن تفسير البحر المحيط ج 6 ص 381.

3) السيرة الحلبية ج 1 ص 11، و الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 130، و الرحلة المدرسية ص 38. و فتح الباري ج 8 ص 333، و تفسير الرازي ج 23 ص 50.

4) الشفاء ج 2 ص 126 ط العثمانية و المواهب اللدنية ج 1 ص 53.

ضعيف، أو منقطع (1)و حديث سعيد مرسل، و المرسل عند جمهور المحدثين من قسم الضعيف، لاحتمال أن يكون قد رواه عن غير الثقة (2).

و أيضا فإن الاحتجاج بالمرسل لو سلم؛ فإنما يكون في الفرعيات و ما نحن فيه يرتبط بالعقائد، التي تحتاج إلى القطع، هذا و الملاحظ لأسانيدها يراها تنتهي: إما إلى تابعي أو إلى صحابي لم يولد إلا بعد هذه القضية.

بل إن هذه الرواية يجب ردها و القطع بكذبها، و لو كان سندها متصلا، لأنها مصادمة لحكم العقل كما سنرى و بهذا رد على القسطلاني، و العسقلاني، و آخرين حيث قد حكموا بصحتها، و بأن لها أصلا لكثرة طرقها (3).

ثانيا: تناقض رواياتها، و قد تقدم التناقض فيمن لم يسجد، و نزيد هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قرأها و هو يصلي، أو و هو جالس في نادي قومه.

حدّث نفسه بها. . أو جرت على لسانه، الشيطان أخبرهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قالها، أو قرأها المشركون، تنبه «صلى اللّه عليه و آله» حين قراءتها، أو لم يتنبه إلى المساء.

بل ذكر الكلاعي: أن الأمر لم ينكشف بهذه السرعة، بل فشا الأمر حتى بلغ الحبشة: أن المسلمين قد أمنوا في مكة، فقدم مسلموها، و نزل نسخ


1) فتح الباري ج 8 ص 333.

2) راجع: مقدمة ابن الصلاح ص 26.

3) فتح الباري ج 8 ص 333، و السيرة الحلبية ج 1 ص 326 و راجع سيرة مغلطاي ص 24 المواهب اللدنية ج 1 ص 53.

ما ألقاه الشيطان، فلما بين اللّه قضاءه اشتد المشركون على المسلمين (1)، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.

و يقولون: لا حافظة لكذوب.

ثالثا: إن هذه الرواية ليس فقط تنافي ما هو مقطوع به من عصمته «صلى اللّه عليه و آله» عن الخطأ و السهو، و على الأخص في أمر التبليغ، و هو ما قام عليه إجماع الأمة، و الأدلة القطعية، و إنما هي تثبت الارتداد له «صلى اللّه عليه و آله» نعوذ باللّه من الغواية، عن طريق الحق و الهداية.

رابعا: إن هذه الرواية تنافي قوله تعالى: إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ. . (2)و قوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (3)إلا أن يفرض هؤلاء-و العياذ باللّه-أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن من عباد اللّه، و لا من الذين آمنوا، و لا من المتوكلين، و ليس هذا القول إلا الكفر بعد الإيمان، كما هو ظاهر للعيان.

خامسا: ينص الكلاعي على أن المشركين و المسلمين قد سجدوا جميعا لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» آخر السورة، و أن المسلمين قد عجبوا لسجود المشركين؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين مع أنه يصرح قبل ذلك بأسطر: أن الشيطان قد ألقى


1) راجع: الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 352 و 353.

2) الآية 42 من سورة الحجر.

3) الآية 99 من سورة النحل.

تلك الكلمات على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه! ! (1).

فيرد سؤال: إنه كيف سمع المشركون ما ألقاه الشيطان على لسانه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يسمعه المسلمون، و هم معهم، و لا بد أنهم كانوا أقرب إليه «صلى اللّه عليه و آله» منهم؟ ! .

سادسا: إن جميع الآيات المذكورة لا يمكن أن تكون ناظرة إلى مناسبة هذه الروايات إطلاقا؛ فأما:

1-آيات سورة النجم؛ فإنه تعالى قد قال عن أصنام المشركين: مناة، و اللات، و العزى: إِنْ هِيَ إِلاّٰ أَسْمٰاءٌ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مٰا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جٰاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدىٰ (2).

فكيف رضي المشركون بأن يذم آلهتهم بهذا النحو الحاد، ثم فرحوا بقوله المزعوم ذاك و سجدوا معه؟ !

و كيف لم يدركوا أو كيف فسروا هذا التناقض الظاهر في كلامه، حتى حملوه-كما زعم-و طاروا به في مكة من أسفلها إلى أعلاها و هم يقولون: نبي بني عبد مناف؟ ! .

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، لماذا لم يلتفت إلى هذا التناقض الظاهر، و بقي غافلا عنه إلى الليل، حتى جاء جبرئيل فنبهه إليه؟ !

فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» في غيبوبة طيلة تلك الفترة؟ !


1) راجع: الإكتفاء للكلاعي ج 1 ص 352 و 353.

2) الآية 23 من سورة النجم.

أم أنه كان سقيم الذهن-و العياذ باللّه-إلى هذا الحد؟ !

كما أن علينا أن نتساءل عن سبب مجيء جبرئيل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المساء؟ و لماذا عرض عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» السورة؟

ثم، أليست هذه الرواية تناقض تماما قوله تعالى في سورة النجم نفسها، و بالذات في أول السورة بعد القسم: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ ؟ ! (1)فها هو في نفس السورة ينطق عن الهوى، بل هو يردد ما يلقيه إليه الشيطان على أنه آيات قرآنية إلهية.

مع أن اللّه تعالى يقول: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ، لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (2)فها هو يتقول عليه و لا يفعل به شيئا (3).

و إذا كانت هذه الآية قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر ما دامت الآية تعطي قاعدة كلية، و لا تشير إلى قضية خارجية خاصة.

2-و أما آية التمني، فهي في سورة الحج، التي هي مدنية بالاتفاق، و لا سيما و أنه قد ورد فيها الأمر بالأذان في الناس بالحج و الأمر بالقتال، و الأمر بالجهاد، و ذكر فيها الصد عن المسجد الحرام، و كل ذلك إنما كان بعد الهجرة، و بعضه بعدها بعدة سنوات.


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

2) الآيات 44 و 45 و 46 من سورة الحاقة.

3) هذا إن لم نقل إن الآية ناظرة إلى صورة تعمد الكذب على اللّه، لأنه عبر بالتقول، الذي هو تعمد القول.

هذا بالإضافة إلى أن الضحاك، و ابن عباس، و قتادة، و ابن الزبير و غيرهم، قد ذكروا أنها مدنية.

و إذا كانت مدنية، فهذا يعني: أن هذه الآية قد نزلت بعد قصة الغرانيق بسنوات عديدة، لأن قصة الغرانيق قد حصلت! ! في السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر اللّه تسلية و تهدئة خاطر الرسول هذه السنين الطويلة؟ ! . على أن معنى الآية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فإن التمني هو تشهي حصول أمر محبوب و مرغوب فيه، فالرسول إنما يتشهى و يتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، و أعظم أمنية لإنسان كهذا هي ظهور الحق و الهدى، و طمس الباطل و كلمة الهوى فيلقي الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، و يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ اللّه بنور الهدى غواية الشيطان، و يظهر الحق للعقول السليمة.

و أما لو أردنا تطبيق الآية على ما يقولون، فإن المراد بالتمني يكون هو القراءة و التلاوة و هو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوي و ظاهر اللفظ، و لا نشك في أنه تفسير موضوع و مفتعل ليوافق الرواية المزعومة.

أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك (1).

فنعتقد: أنه مصنوع و منسوب إليه للغرض نفسه، و ما أكثر ما نجده


1) ففي تنزيه الأنبياء ص 107: أن حسان بن ثابت قال: تمنى كتاب اللّه أول ليله و آخره لاقى حمام المقادر على أن من الممكن أن يكون المقصود بالتمني هنا حب ذلك و الشوق إليه.

من ذلك في كتب التاريخ، و حتى لو قبلنا أن المراد بالتمني هو التلاوة، فإن من الممكن أن يكون معناه ما قاله المرتضى «رحمه اللّه» ، و هو: أنه إذا تلا النبي على قومه الآيات حرفوها، و زادوا و نقصوا فيها، كما فعلت اليهود بالكذب على نبيهم فإضافة ذلك إلى الشيطان إنما هو لأنه هو الموسوس لهم بذلك ثم يدحض اللّه ذلك و يزيله بظهور حجته (1).

3-و أما بالنسبة لآيات سورة الإسراء التي يقولون: إنها نزلت في هذه المناسبة، و هي قوله تعالى: وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اَلَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنٰا غَيْرَهُ. . (2)فإنها تناقض و تنافي هذه القضية فكيف تكون قد نزلت من أجلها؟ !

و ذلك لأن هذه الآيات تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يركن إليهم، بل لم يقرب إلى الركون إليهم، و أن اللّه قد ثبته، و أنه لو ركن لعوقب، و قضية الغرانيق تقول: إنه قد زاد على الركون، فاستجاب، و افترى، و أدخل في القرآن ما ليس منه.

و معنى الآية: أن المشركين قد أصروا على أن يتركهم و شأنهم، و تفاوضوا معه، و مع أبي طالب كثيرا، فلربما يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فكر في أن يمهلهم قليلا، لعلهم يفكرون و يرجعون؛ فجاءت الآية لتقول له: إن الصلاح في عدم الإمهال، بل في الشدة، هذا كله.

عدا عن أنهم يقولون: إن آيات سورة الإسراء قد نزلت في ثقيف،


1) تنزيه الأنبياء ص 107 و ص 108.

2) الآية 73 من سورة الإسراء.

حينما اشترطوا لإسلامهم شروطا تزيد في شرفهم، و قيل: نزلت في قريش حينما منعته من استلام الحجر، و قيل: نزلت في يهود المدينة، عندما طلبوا منه أن يلحق بالشام (1)، و قد اقتصر القاضي البيضاوي على هذه الوجوه. .

سابعا: و أخيرا كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلّٰهِ وَ اُعْبُدُوا مع أنهم يرفضون السجود للّه؟

قال تعالى: وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمٰنِ قٰالُوا وَ مَا اَلرَّحْمٰنُ أَ نَسْجُدُ لِمٰا تَأْمُرُنٰا وَ زٰادَهُمْ نُفُوراً (2).

ثم كيف لا يرتد أحد من المسلمين، أو يتزلزل إيمانه حينما يعلم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد مدح الأصنام، و جعل لها شفاعة؟ ! (3).

تساؤلات حائرة:

و أخيرا. . فلا ندري كيف يمكن فهم و تعقل ما ذكرته بعض الروايات من أنه إنما حدث «صلى اللّه عليه و آله» نفسه بتلك الفقرات؟

فكيف علم قومه بذلك حتى فعلوا ما فعلوا، ثم بلغ الخبر إلى المسلمين في الحبشة، فجاؤوا.

و كذا قولهم: إن المشركين قد حملوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و طاروا به في مكة من أسفلها إلى أعلاها، فكيف لم يتساءل النبي «صلى اللّه


1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 326، و الدر المنثور، و تفسير الخازن، و سائر كتب التفسير.

2) الآية 60 من سورة الفرقان.

3) راجع هامش: الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 353 و 354.

عليه و آله» عن سر هذا التبدل العظيم في موقف قومه؟ !

و قولهم: إن هذه القضية قد كانت بعد شهرين من الهجرة إلى الحبشة، نقول فيه، إنهم يقولون: إن عودة مهاجري الحبشة قد كانت بعد شهرين أيضا.

فهل وصل إليهم الخبر بالتلكس، أو بالتلفون؟ ! و هل جاؤا بالطائرة، أم بسفن ارتياد الفضاء؟ !

إلا أن يكون المراد: أنهم بدأوا بالتوجه نحو مكة بعد شهرين من هجرتهم، و إن كان هذا بعيدا عن ظاهر اللفظ.

و كذا قولهم: إنه لما عرض «صلى اللّه عليه و آله» السورة على جبرائيل، و قرأ الفقرتين، أنكرهما جبرائيل فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قلت على اللّه ما لم يقل؟ فأنزل اللّه، وَ إِنْ كٰادُوا لَيَفْتِنُونَكَ .

نقول فيه: إن الخطاب في الآية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن الناس كادوا يفتنونه، مع أن الرواية تنص على أن الشيطان هو الذي كاد أن يفتنه، إلى غير ذلك من موارد الضعف و الوهن و التناقض التي يمكن تلمسها في هذا المجال.

حقيقة الأمر:

و الظاهر هو أن حقيقة ما جرى هو ما قيل من: أن الكفار كانوا يكثرون اللغو و اللغط حين قراءته «صلى اللّه عليه و آله» حتى لا يسمع أحد ما يقرأ قال تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاٰ تَسْمَعُوا لِهٰذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (1)فحينما قرأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» سورة النجم،


1) الآية 26 من سورة فصلت.

و انتهى إلى هذا المورد، قال المشركون تلك الغرانيق العلى الخ. . (1).

نعم، ثم جاء القصاصون و الحاقدون، و لعل منهم مسلمة أهل الكتاب، الذين أدخلوا الكثير من إسرائيلياتهم في الإسلام-جاؤوا-و نسجوا حولها ما يتلاءم مع مصالحهم و أهدافهم الشريرة، من الطعن بعصمته «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم التشكيك بكل ما في القرآن، بحيث يتهيأ الجو لتطرق احتمالات من هذا النوع في كل سورة و آية، ثم التدليل على مدى جهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عدم إدراكه حتى المتناقضات الواضحة.

ثم خضوعه لسلطان الشيطان، و عدم قدرته على تمييز ما هو منه عما هو من غيره.

و لكننا نجدهم يقولون في مقابل ذلك، كما تقدم: إن الشيطان يفر من حسن عمر (2)أو لم يلق الشيطان عمر منذ أسلم إلا خرّ لوجهه (3)، أو ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا آخر (4)و لعلهم أرادوا أن يقولوا: إن للنبي شيطانا يعتريه كما كان لأبي بكر. .


1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 128 و تنزيه الأنبياء ص 107 و ليراجع هامش الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 354 عن السهيلي، و قد نقل الكلبي في كتاب الأصنام: أن قريشا كانت تقول هذه الكلمات في مدحها لأصنامها حول الكعبة-كما نقل.

2) الرياض النضرة ج 2 ص 301.

3) عمدة القارئ ج 16 ص 196 و راجع تاريخ عمر ص 62.

4) صحيح مسلم ج 7 ص 115 و في تاريخ عمر ص 35 ما يقرب من ذلك و كذلك ص 62 و الغدير ج 8 ص 94 و مسند أحمد ج 1 ص 171 و 182 و 187 و صحيح البخاري ج 2 ص 44 و 188 و عمدة القارئ ج 16 ص 196.

و قد تقدم الحديث عن كل ذلك في بحوث سابقة.

ثم جاء المستشرقون الحاقدون، أعداء الإسلام، فحاولوا الاستفادة من هذه الأباطيل و الأساطير للطعن في نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» (1)، فأحبط اللّه سعيهم، و رد كيدهم إلى نحورهم.

فإن الحق كالصبح أبلج، و سيرة نبينا في النبل و الصفاء و الطهر من كل عيب و شين كذكاء في كبد السماء تتوهج.


1) راجع: تاريخ الشعوب الإسلامية ص 34 لبروكلمان و كتاب الإسلام ص 35 و 36 لألفريد هيوم.

الفصل الخامس: حتى الشعب

اشارة

تناقضات في تاريخ إسلام حمزة عليه السّلام:

و يقولون: إن إسلام حمزة بن عبد المطلب «عليه السلام» كان في الثانية من البعثة.

ثم يقولون: إنه أسلم بعد دخوله «صلى اللّه عليه و آله» دار الأرقم. و هذا متناقض؛ لأنه إنما دخل دار الأرقم في أواخر السنة الثالثة، كما يدّعون.

و تناقض آخر: إنهم يذكرون أنه أسلم قبل عمر بثلاثة أيام، مع أنهم يذكرون أن عمر أسلم في السنة السادسة بعد خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من دار الأرقم، و هذا متناقض؛ لأنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما دخلها في أواخر السنة الثالثة من البعثة و لمدة شهر واحد فقط كما يقال. .

و سيأتي أن التحقيق هو: أن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بسنوات.

إسلام حمزة عليه السّلام:

و نلاحظ: أن ابن هشام و غيره يذكرون إسلام حمزة «رحمه اللّه» بعد الهجرة إلى الحبشة، أي في حوالي السنة السادسة للبعثة، و نحن نرجح ذلك؛ لأنه حين أسلم-كما يقول المقدسي-عز به النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل الإسلام، فشق ذلك على المشركين، فعدلوا عن المنابذة إلى المعاتبة، و أقبلوا

يرغبونه في المال و الأنعام، و يعرضون عليه الأزواج (1).

و عروضهم هذه إنما كانت بعد الهجرة إلى الحبشة، كما يفهم من سيرة ابن هشام.

كما أنه إنما أسلم بعد الإعلان بالدعوة، و بعد مفاوضات قريش مع أبي طالب و عروضها عليه، و بعد أن عدلوا عن ذلك إلى العداوة و الأذى.

و على كل حال، فقد كان إسلام حمزة تطورا جديدا لم يكن قد دخل في حسابات قريش، حيث قلب الموازين رأسا على عقب، و فتّ في عضد قريش، و زاد من مخاوفها، و كبح من جماحها.

فقد مر أبو جهل بالرسول عند الصفا، فآذاه و شتمه، و نال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، و التضعيف لأمره، فلم يكلمه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .

و كان حمزة صاحب صيد و قنص، و كان إذا رجع بدأ بالبيت، و طاف به، و سلم على من فيه، و رجع إلى بيته.

و في هذه المرة كان حمزة راجعا من صيده، فأخبرته إحدى النساء بما كان من أبي جهل تجاه الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، فاحتمل حمزة الغضب، و دخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا مع القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة.

ثم قال: أتشتمه و أنا على دينه، أقول ما يقول؟


1) البدء و التاريخ ج 4 ص 148 و 149، و هو الظاهر من سيرة ابن هشام، حيث ذكر هذه العروض بعد ذكره لإسلام حمزة «عليه السلام» .

فرد عليّ ذلك إن استطعت و كان ذلك بعد أن تضرع إليه أبو جهل، و أخذ بثوبه، فلم يقبل منه.

فقام رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقالوا لحمزة: ما نراك إلا قد صبأت؟

فقال حمزة: و ما يمنعني؟

و قد استبان لي منه أنه رسول اللّه، و الذي يقول حق؟ ! فو اللّه لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين.

فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني و اللّه لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا.

يقول المقدسي: «فلما أسلم حمزة عزّ به الدين و النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1)، و سرّ رسول اللّه بإسلامه كثيرا.

و علمت قريش: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عز و امتنع، فكفوا عما كانوا ينالونه منه.

و قال حمزة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : فأظهر يا ابن أخي دينك، فو اللّه ما أحب أن لي ما أظلته السماء، و أني على دين الأول (2).

و كان حمزة أعز فتى في قريش، و أشدهم شكيمة (3).


1) البدء و التاريخ ج 5 ص 98.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 72 و 73 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 312.

3) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 72.

إسلام حمزة كان عن وعي لا حمية:

و الظاهر، بل الصريح من كلام حمزة «رحمه اللّه» ، و لا سيما قوله الأخير: «و ما يمنعني، و قد استبان لي منه: أنه رسول اللّه، و الذي يقول حق» أنه لم يكن في إسلامه منطلقا من عاطفته التي أثيرت و حسب، و إنما سبقت ذلك قناعة كاملة، كوّنها مما شاهده عن قرب من مواقف و سلوك، و سمعه من أقوال النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد يستفاد من قوله: أتشتمه و أنا على دينه؟ ! أن إسلامه كان متقدما على ذلك الوقت، و لكنه كان يتكتم به مراعاة للظروف، و حفاظا على الإسلام و المسلمين، الذين كانوا أضعف من أن يتمكنوا من مواجهة قريش و جبروتها.

و لربما كان بعضهم بحاجة إلى المزيد من التربية النفسية الخاصة، ليتمكن من مواجهة تلك الظروف القاسية مع المشركين.

سر جبن أبي جهل في مواجهة حمزة:

و لا بد من التذكير هنا: بأن أبا جهل، عظيم المشركين و جبارهم مع أنه كان بين أهله و عشيرته، و مع أن عشيرته قد أعلنت عن استعدادها لنصرته، فإنه كان أجبن و أذل من أن يقف في وجه أسد اللّه و أسد رسوله، و ما ذلك إلا لأنه كان من جهة:

يعلم فتوة حمزة و عزته، و شدة شكيمته و بطولته، و رأى مدى تصميمه و إصراره، و عرف مقدار استعداده للتضحية و الفداء في سبيل دينه، و عقيدته.

و من الجهة الأخرى: فإن أبا جهل إنما كان يحارب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يناقضه، حبا بالحياة، و من أجل الدنيا، فهو إذا لا يريد الموت

إطلاقا، بل هو يهرب منه، و يعده خسارة له، ما بعدها خسارة.

أما حمزة «رحمه اللّه» ، فكان يعتبر الموت في سبيل هذا الدين نصرا و فوزا، تماما بالمقدار الذي يعتبره أبو جهل، و من هم على شاكلته خسرانا و ضياعا فلماذا إذا يخشى الموت و يخافه؟

بل لماذا لا يكون الموت عنده أحلى من العسل، و ألذ من الشهد؟ .

و من جهة ثالثة: فإن أبا جهل لم يكن على استعداد لأن يحارب بني هاشم في تلك الفترة، التي كان له فيها أنصار كثيرون فيهم، لأن حربه لهم لسوف تؤدي إلى أن يخسر هؤلاء الذين يلتقي معهم فكريا و عقيديا، لأنهم بحكم المنطق القبلي الذي يهيمن على مواقفهم و تصرفاتهم لن يتركوا ابن أخيهم، حتى و لو كان على غير دينهم، و قد وعدوا أبا طالب باستثناء أبي لهب أن يمنعوا محمدا ممن يريد به سوء كما تقدم.

بل إن تحرك أبي جهل في ظروف كهذه لربما يؤدي إلى ترسيخ أمر محمد، و إلى دخول الكثيرين من بني هاشم في دينه، حمية و انتصارا.

و هذا ما لا يريده أبو جهل، و لا يرغب فيه.

إذا، فقد كانت جميع الظروف تدفعه إلى الاستسلام للذل و الهوان في مقابل أسد اللّه و أسد رسوله.

و الخلاصة:

أن حب أبي جهل للحياة، و جبنه، ثم ما كان يراه من الصلاح في عدم التصعيد في مناهضة محمد و بني هاشم، قد جعله في موقف الذليل المهان، و جعل اللّه كلمة الباطل هي السفلى، و كلمة الحق هي العليا.

ملاحظة هامة:

و الملاحظ هنا: أنه بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب تتراجع قريش، و تليّن من موقفها، و تدخل في مفاوضات معه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعطيه بعض ما يريد، لأنها رأت أن المسلمين يزيد عددهم و يكثر، فكلمه عتبة، فأبى «صلى اللّه عليه و آله» كل عروضهم (1).

عبس و تولى:

و يذكر المؤرخون بعد قضية الغرانيق، القضية التي نزلت لأجلها سورة عبس و تولى، المكية، و التي نزلت بعد سورة النجم.

و ملخص هذه القضية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتكلم مع بعض زعماء قريش، ذوي الجاه و المال، فجاءه عبد اللّه بن أم مكتوم-و كان أعمى-فجعل يستقرئ النبي «صلى اللّه عليه و آله» آية من القرآن، قال: يا رسول اللّه، علمني مما علمك اللّه.

فأعرض عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عبس في وجهه، و تولى، و كره كلامه، و أقبل على أولئك الذين كان «صلى اللّه عليه و آله» قد طمع في إسلامهم، فأنزل اللّه تعالى:

عَبَسَ وَ تَوَلّٰى، أَنْ جٰاءَهُ اَلْأَعْمىٰ، وَ مٰا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّٰى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ اَلذِّكْرىٰ، أَمّٰا مَنِ اِسْتَغْنىٰ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّٰى، وَ مٰا عَلَيْكَ أَلاّٰ يَزَّكّٰى، وَ أَمّٰا مَنْ جٰاءَكَ يَسْعىٰ، وَ هُوَ يَخْشىٰ، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّٰى (2).


1) راجع: كنز العمال: ج 14 ص 48 عن البيهقي في الدلائل، و ابن عساكر.

2) الآيات من أول سورة عبس.

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كره مجيء ابن أم مكتوم و قال في نفسه: يقول هذا القرشي: إنما أتباعه العميان و السفلة، و العبيد، فعبس «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . «و كأن ذلك الزعيم لم يكن يعلم بذلك! ! و كأن قريشا لم تكن قد صرحت بذلك و أعلنته! !» .

و عن الحكم: ما رؤي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد هذه الآية متصديا لغني، و لا معرضا عن فقير.

و عن ابن زيد: لو أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتم شيئا من الوحي، كتم هذا عن نفسه (1).

فابن زيد يؤكد بكلامه هذا على مدى قبح هذا الأمر، و على مدى صراحة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى إنه لم يكتم هذا الأمر، رغم شدة قبحه و شناعته! .

لقد أجمع المفسرون، و أهل الحديث، باستثناء شيعة أهل البيت «عليهم السلام» على أصل القضية المشار إليها.

و نحن نرى: أنها قضية مفتعلة، لا يمكن أن تصح، و ذلك.

أولا: لضعف أسانيدها، لأنها تنتهي: إما إلى عائشة، و أنس، و ابن


1) راجع في هذه الروايات: مجمع البيان ج 10 ص 437 و الميزان عن المجمع و تفسير ابن كثير ج 4 ص 470 عن الترمذي، و أبي يعلى، و حياة الصحابة ج 2 ص 520 عنه، و تفسير الطبري ج 30 ص 33 و 34، و الدر المنثور ج 6 ص 314 و 315. و أي تفسير قرآن آخر لغير الشيعة؛ فإنك تجد فيه الروايات المختلفة التي تصب في هذا الاتجاه، فراجع الأخير على سبيل المثال.

عباس، من الصحابة، و هؤلاء لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلا، لأنه إما كان حينها طفلا، أو لم يكن ولد (1)، أو إلى أبي مالك (2)، و الحكم، و ابن زيد، و الضحاك، و مجاهد، و قتادة، و هؤلاء جميعا من التابعين فالرواية إليهم تكون مقطوعة، لا تقوم بها حجة.

ثانيا: تناقض نصوصها (3)حتى ما ورد منها عن راو واحد، فعن عائشة، الأمر الذي يشير إلى وجوب كذب و افتعال لكثير من نصوصها فلا يمكن الاعتماد على الروايات إلا بعد تحديد ما هو صحيح منها.

في رواية: إنه كان عنده رجل من عظماء المشركين، و في أخرى عنها: عتبة و شيبة.

و في ثالثة عنها: في مجلس فيه ناس من وجوه قريش، منهم أبو جهل، و عتبة بن ربيعة.

و في رواية عن ابن عباس: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يناجي عتبة، و عمه العباس، و أبا جهل.

و في التفسير المنسوب إلى ابن عباس: إنهم العباس، و أمية بن خلف، و صفوان بن أمية.

و عن قتادة: أمية بن خلف، و في أخرى عنه: أبي بن خلف.

و عن مجاهد: صنديد من صناديد قريش، و في أخرى عنه: عتبة بن


1) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158.

2) الظاهر أن المراد به: أبا مالك الأشجعي، المشهور بالرواية، و تفسير القرآن، و هو تابعي.

3) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158 و 159.

ربيعة، و أمية بن خلف.

هذا، عدا عن تناقض الروايات مع بعضها البعض في ذلك، و في نقل ما جرى، و في نص كلام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و نص كلام ابن أم مكتوم.

و نحن نكتفي بهذا القدر، و من أراد المزيد فعليه بالمراجعة و المقارنة.

ثالثا: إن ظاهر الآيات المدعى نزولها في هذه المناسبة هو أنه كان من عادة هذا الشخص و طبعه، و سجيته، و خلقه: أن يتصدى للغني، و يهتم به و لو كان كافرا و يتلهى عن الفقير و لا يبالي به أن يتزكى، و لو كان مسلما.

و كلنا يعلم: أن هذا لم يكن من صفات و سجايا نبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا من طبعه، و خلقه.

كما أن العبوس في وجه الفقير، و الإعراض و التولي عنه، لم يكن من صفاته «صلى اللّه عليه و آله» حتى مع أعدائه، فكيف بالمؤمنين من أصحابه و أودائه (1)، و هو الذي وصفه اللّه تعالى بأنه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (2).

بل لقد كان من عادته «صلى اللّه عليه و آله» مجالسة الفقراء، و الاهتمام بهم، حتى ساء ذلك أهل الشرف و الجاه، و شق عليهم، و طالبه الملأ من قريش بأن يبعد هؤلاء عنه ليتبعوه، و أشار عليه عمر بطردهم، فنزل قوله تعالى: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (3).


1) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158، و الميزان ج 20 ص 203، و تنزيه الأنبياء ص 119 و مجمع البيان ج 1 ص 437.

2) الآية 128 من سورة التوبة.

3) الآية 52 من سورة الأنعام.

و يظهر: أن الآية قد نزلت قبل الهجرة إلى الحبشة لوجود ابن مسعود في الرواية، أو حين بلوغهم أمر الهدنة، و رجوعهم إلى مكة.

و لكن يبقى إشكال أن ذكر عمر في هذا المقام في غير محله، حيث لم يكن قد أسلم حينئذ لأنه إنما أسلم قبل الهجرة إلى المدينة بيسير، كما سنرى.

كما أن اللّه تعالى: قد وصف نبيه في سورة القلم التي نزلت قبل نزول « عَبَسَ وَ تَوَلّٰى» بأنه على خلق عظيم، فإذا كان كذلك، فكيف يصدر عنه هذا الأمر المنافي للأخلاق، و الموجب للعتاب و اللوم منه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل كان اللّه-و العياذ باللّه-جاهلا بحقيقة أخلاق نبيه؟ أم أنه يعلم بذلك، لكنه قال هذا لحكمة و لمصلحة اقتضت ذلك؟ نعوذ باللّه من الغواية، عن طريق الحق و الهداية.

رابعا: إن اللّه تعالى يقول في الآيات: وَ مٰا عَلَيْكَ أَلاّٰ يَزَّكّٰى ، و هذا لا يناسب أن يخاطب به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه مبعوث لدعوة الناس و تزكيتهم.

و كيف لا يكون ذلك عليه، مع أنه هو مهمته الأولى و الأخيرة، و لا شيء غيره.

ألم يقل اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ. . (1)فكيف يغريه بترك الحرص على تزكية قومه (2).


1) الآية 2 من سورة الجمعة.

2) تنزيه الأنبياء ص 119.

خامسا: لقد نزلت آية الإنذار: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ، وَ اِخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (1)قبل سورة عبس بسنتين فهل نسي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه مأمور بخفض الجناح لمن اتبعه؟

و إذا كان نسي، فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضا، و إذا لم يكن قد نسي، فلماذا يتعمد أن يعصي هذا الأمر الصريح؟ ! (2).

سادسا: إنه ليس في الآية ما يدل على أنها خطاب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بل اللّه سبحانه يخبر عن رجل مّا أنه: عَبَسَ وَ تَوَلّٰى، أَنْ جٰاءَهُ اَلْأَعْمىٰ ثم التفت اللّه تعالى بالخطاب إلى ذلك العابس نفسه، و خاطبه بقوله: وَ مٰا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّٰى أي بحضوره مجلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سماعه لما يدور فيه الخ. .

سابعا: لقد ذكر العلامة الطباطبائي: أن الملاك في التفضيل و عدمه ليس هو الغنى و الفقر، و إنما هو الأعمال الصالحة، و السجايا الحسنة، و الفضائل الرفيعة.

و هذا حكم عقلي و جاء به الدين الحنيف، فكيف جاز له «صلى اللّه عليه و آله» أن يخالف ذلك، و يميز الكافر لما له من وجاهة على المؤمن؟ (3).

و القول: بأنه إنما فعل ذلك لأنه يرجو إسلامه، و على أمل أن يتقوى به الدين، و هذا أمر حسن، لأنه في طريق الدين، و في سبيله، لا يصح، لأنه


1) الآيتان 214 و 215 من سورة الشعراء.

2) الميزان ج 20 ص 303.

3) راجع: الميزان ج 20 ص 304.

يخالف صريح الآيات التي تنص على أن الذم للعابس كان لأجل أنه يتصدى لذاك الغني لغناه، و يتلهى عن الفقير لفقره.

و لو صح هذا، فقد كان اللازم أن يفيض القرآن في مدحه و إطرائه على غيرته لدينه، و تحمسه لرسالته؛ فلماذا هذا الذم و التقريع إذا؟ !

و نشير أخيرا: إلى أن البعض قد ذكر: أنه يمكن القول بأن الآية خطاب كلي مفادها: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا رأى فقيرا تأذى و أعرض عنه.

و الجواب:

أولا: إن هذا يخالف القصة التي ذكروها من كونها قضية في واقعة واحدة لم تتكرر. .

ثانيا: إذا كان المقصود هو الإعراض عن مطلق الفقير؛ فلماذا جاء التنصيص على الأعمى؟ ! .

ثالثا: هل صحيح أنه قد كان من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؟ ! ! .

المذنب رجل آخر:

فيتضح مما تقدم: أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يؤيد ذلك:

ما روي عن الإمام جعفر الصادق «عليه السلام» ، أنه قال: كان رسول اللّه إذا رأى عبد اللّه بن أم مكتوم قال: مرحبا، مرحبا، و اللّه لا يعاتبني اللّه فيك أبدا، و كان يصنع به من اللطف، حتى يكف عن النبي «صلى اللّه عليه

و آله» مما كان يفعل به (1).

فهذه الرواية تشير: إلى أن اللّه تعالى لم يعاتب نبيه في شأن ابن أم مكتوم، بل فيها تعريض بذلك الرجل الذي ارتكب في حق ابن أم مكتوم تلك المخالفة، إن لم نقل: إنه يستفاد من الرواية نفي قاطع حتى لإمكان صدور مثل ذلك عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، بحيث يستحق العتاب و التوبيخ؛ إذ لا معنى لهذا النفي لو كان اللّه تعالى قد عاتبه فعلا.

هذا و لكن الأيدي غير الأمينة قد حرفت هذه الكلمة؛ فادعت أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، فلتراجع كتب التفسير، كالدر المنثور و غيره، و الصحيح هو ما تقدم.

سؤال و جوابه:

و لعلك تقول: إنه إذا كان المقصود بالآيات شخصا آخر؛ فما معنى قوله تعالى: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّٰى و قوله: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّٰى فإن ظاهره: أن هذا التصدي و التلهي من قبل من يهمه هذا الدين؛ فيتصدى لهذا، و يتلهى عن ذاك؟ ! .

فالجواب:

أولا: إنه ليس في الآيات ما يدل على أن التصدي كان لأجل الدعوة إلى اللّه أو لغيرها.

فلعل التصدي كان لأهداف أخرى دنيوية، ككسب الصداقة، أو


1) تفسير البرهان ج 4 ص 428، و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 509، و مجمع البيان ج 10 ص 437.

الجاه، أو نحو ذلك.

ثانيا: و قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَزَّكّٰى ليس فيه أنه يزكى على يد المخاطب، بل هو أعم من ذلك، فيشمل التزكي على يد غيره ممن هم في المجلس، كالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أو غيره.

ثم لنفرض: أن التصدي كان لأجل الدعوة، فإن ذلك ليس محصورا به «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فهم يقولون: إن غيره كان يتصدى لذلك أيضا، و أسلم البعض على يديه، لو صح ذلك! .

الرواية الصحيحة:

و بعد ما تقدم نقول: الظاهر هو أن الصحيح ما جاء عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؛ فجاءه ابن أم مكتوم.

فلما جاءه تقذر منه، و عبس في وجهه، و جمع نفسه، و أعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه سبحانه ذلك عنه، و أنكره عليه (1).

و يلاحظ: أن الخطاب في الآيات لم يوجه أولا إلى ذلك الرجل؛ بل تكلم اللّه سبحانه عنه بصورة الحكاية عن الغائب: إنه عَبَسَ وَ تَوَلّٰى، أَنْ جٰاءَهُ اَلْأَعْمىٰ .

ثم التفت إليه بالخطاب، فقال له مباشرة: وَ مٰا يُدْرِيكَ .

و يمكن أن يكون الخطاب في الآيات أولا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) مجمع البيان ج 10 ص 437 و تفسير البرهان ج 4 ص 428، و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 509.

من باب: «إياك أعني و اسمعي يا جارة» . و الأول أقرب، و ألطف ذوقا.

إتهام عثمان:

و لعلك تقول: إن بعض الروايات تتهم عثمان بهذه القضية، و أنه هو الذي جرى له ذلك مع ابن أم مكتوم (1).

و لكننا نشك في هذا الأمر، لأن عثمان قد هاجر إلى الحبشة مع من هاجر، فمن أين جاء عثمان إلى مكة، و جرى منه ما جرى؟ ! .

و نجيب بأن هناك نصوصا تاريخية صرحت بأن أكثر من ثلاثين رجلا قد عادوا إلى مكة بعد شهرين من هجرتهم كما تقدم، و كان عثمان منهم ثم عاد إلى الحبشة (2).

و على كل حال، فإن أمر اتهام عثمان (3)أو غيره من بني أمية، لأهون بكثير من اتهام النبي المعصوم، الذي لا يمكن أن يصدر منه أمر كهذا على الإطلاق.


1) تفسير القمي ج 2 ص 405 و تفسير البرهان ج 4 ص 427، و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 508.

2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 3.

3) و نحن نجد في عثمان بعض الصفات التي تنسجم مع مدلول الآية، كما تشهد له قضيته مع عمار حين بناء المسجد في المدينة، حين ردد عمار ما ارتجز به علي عليه السلام تعريضا بعثمان: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب قائما و قاعدا و من يرى عن التراب حائدا و ستأتي هذه القضية إن شاء اللّه تعالى.

و إن كان يهون على البعض اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بها أو بغيرها، شريطة أن تبقى ساحة قدس غيره منزهة و بريئة! ! .

تاريخ هذه القضية:

و نسجل أخيرا: تحفظا على ذكر المؤرخين لرواية ابن أم مكتوم و نزول سورة عبس، بعد قضية الغرانيق؛ فإن الظاهر هو أن هذه القضية قد حصلت قبل الهجرة إلى الحبشة لأن عثمان كان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغرانيق بشهرين كما يقولون، إلا أن يكون عثمان قد عاد إلى مكة مع من عاد بعد أن سمعوا بقضية الغرانيق كما يدعون.

أعداء الإسلام و هذه القضية:

و مما تجدر الإشارة إليه هنا: أن بعض المسيحيين الحاقدين قد حاول أن يتخذ من قضية عبس و تولى وسيلة للطعن في قدسية نبينا الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» (1)، و لكن اللّه يأبى إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون.

فها نحن قد أثبتنا: أنها أكاذيب و أباطيل ما أنزل اللّه بها من سلطان.

أكاذيب أخرى مشابهة:

و بالمناسبة فقد رووا: أن الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن، جاءا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجداه قاعدا مع عمار، و صهيب، و بلال و خباب، و غيرهم من ضعفاء المؤمنين، فحقروهم، فخلوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالا: إن وفود العرب تأتيك؛ فنستحي أن يرانا العرب قعودا


1) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158.

مع هذه الأعبد فإذا جئناك فأقمهم عنا، قال: نعم.

قالا: فاكتب لنا عليك كتابا؛ فدعا بالصحيفة، و دعا عليا ليكتب، فنزل قوله تعالى: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مٰا عَلَيْكَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. . (1)فرمى «صلى اللّه عليه و آله» بالصحيفة، و دعاهم و جلس معهم، و صار دأبه هذا: أن يجلس معهم، فإذا أراد أن يقوم قام و تركهم فأنزل اللّه تعالى: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لاٰ تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ. . (2).

فكان يجلس معهم إلى أن يقوموا عنه و في بعض الروايات: إنهم يقصدون أبا ذر و سلمان (3).

و يردّ هذه الأباطيل جميع ما تقدم حين الكلام عن قصة ابن أم مكتوم، و لذلك فلا حاجة إلى الإعادة، و أيضا فقد استفاض: أن سورة الأنعام قد نزلت دفعة واحدة في مكة (4)، فما معنى أن تكون هذه الآيات قد نزلت بهذه المناسبة في المدينة؟ ! .

و القول بأن نزولها كذلك لا ينافي كون هذه الآيات نزلت بهذه المناسبة،


1) الآية 52 من سورة الأنعام.

2) الآية 28 من سورة الكهف.

3) حلية الأولياء ج 1 ص 146-345، و راجع مجمع البيان ج 3053064. و البداية و النهاية ج 6 ص 56 و عن كنز العمال ج 1 ص 245 و ج 7 ص 46 عن ابن أبي شيبة و ابن عساكر. و الدر المنثور في تفسير الآيات المشار إليها. عن العديد من المصادر.

4) راجع الميزان ج 7 ص 110.

مرفوض لأنها قد نزلت دفعة واحدة قبل الهجرة، بعد إسلام الأنصار، لأنها نزلت و أسماء بنت يزيد الأنصارية آخذة بزمام ناقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1)و الآية نزلت في المدينة على الفرض.

على أن قصة عبس و تولى وحدها كافية لأن يرتدع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر كهذا، و لا سيما إذا كانت تؤنب غيره «صلى اللّه عليه و آله» ، ممن هو ليس بمعصوم على فعل كهذا.

ثم إن سلمان إنما أسلم في المدينة، كما أن أبا ذر قد فارق النبي «صلى اللّه عليه و آله» فور إسلامه، و أقام بعسفان على طريق قوافل مكة، كما قدمنا.

و الظاهر هو أنهم أصروا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يبعد الفقراء عنه، حتى توسطوا لدى أبي طالب في ذلك، و أشار عليه عمر بقبول ذلك كما جاء في بعض الروايات، فجاءت هذه الآيات في ضمن سورة الأنعام بمثابة رد عليهم، و تفنيد لرأيهم.

و ليس في الآيات ما يدل على قبوله «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، كما تدعيه الروايات المزعومة آنفا.

و لم نتوسع في بيان وجوه الاختلاف بين الروايات، و نقاط الضعف فيها، و الرد على هذه المزاعم، اعتمادا على ما ذكرناه في قضية ابن أم مكتوم المتقدمة.

بل إن ظاهر الآية الأولى: أن طرد الذين يدعون ربهم. . قد كان عقابا لهم على أمر صدر منهم، و ذلك بقرينة قوله تعالى فيها: مٰا عَلَيْكَ مِنْ


1) الدر المنثور ج 3 ص 22.

حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (1). فكأن اللّه سبحانه قد رفع التكليف عنه «صلى اللّه عليه و آله» بمؤاخذتهم، رفقا منه تعالى بهم، و عطفا عليهم.

قضية إسلام عمر بن الخطاب:

و يقولون: إن عمر بن الخطاب قد أسلم في السنة السادسة من البعثة، بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام؛ حيث خرج متوشحا سيفه، يريد رسول اللّه و رهطا من أصحابه، و هم قريب من أربعين رجلا في دار الأرقم عند الصفا، فيهم أبو بكر، و حمزة، و علي، و غيرهم ممن لم يخرج إلى الحبشة، فالتقى عمر بنعيم بن عبد اللّه، فسأله عن أمره، فأخبره: أنه يريد أن يقتل محمدا.

فذكر له نعيم: أنه إن قتله لا ينجو من بني عبد مناف، و أن صهره و أخته قد أسلما، فرجع عمر إليهما، و عندهما خباب بن الأرت يعلمهما سورة طه، فلما سمعوا حسه، اختبأ خباب في مخدع، و خبأت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة تحت فخذها.

فدخل عمر، و بعد كلام بطش عمر بختنه، و شج أخته، فأخبرته حينئذ أنهما قد أسلما؛ فليصنع ما بدا له. فندم عمر، و ارعوى لما رأى الدم بأخته، و طلب الصحيفة فلم تعطه إياها حتى حلف بآلهته ليردنها إليها، فقالت له: إنك نجس على شركك، و لا تغتسل من الجنابة، و هذا لا يمسه إلا المطهرون.

فقام عمر، فاغتسل {توضأ} ، ثم قرأ من الصحيفة صدرا و كان كاتبا،


1) الآية 52 من سورة الإنعام.

فاستحسنه، و ظهر له خباب، و أخبره: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا له بأن يعز الإسلام به أو بأبي جهل، فطلب منه عمر: أن يدله على الرسول ليسلم؛ ففعل، فذهب إليهم، و ضرب الباب، فنظر رجل منهم من خلال الباب؛ فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» فزعا، فأخبره.

فقال حمزة: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، و إن كان يريد شرا، قتلناه بسيفه.

فأذن له، و نهض إليه «صلى اللّه عليه و آله» حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذة شديدة، و تهدده، فأخبره عمر: أنه جاء ليسلم، فكبر «صلى اللّه عليه و آله» ، و كبر المسلمون تكبيرة سمعها من في المسجد.

ثم طلب عمر من الرسول: أن يخرج و يعلن أمره، قال عمر: فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، و أنا في الآخر، له كديد {أي غبار} ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد.

قال: فنظرت إلي قريش فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ب «الفاروق» يومئذ.

و في رواية: أن قريشا اجتمعت و تشاورت فيمن يقتل محمدا، فقال عمر: أنا لها.

فقالوا: أنت لها يا عمر، فخرج متقلدا السيف، فالتقى بسعد بن أبي وقاص، و جرت بينهما مشادة، حتى سل كل منهما سيفه؛ فأخبره سعد بخبر أخته إلخ. .

و في ثالثة: أنهم خرجوا و عمر أمامهم، ينادي: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه، فلما سألته قريش عما وراءه تهددهم بأنه إن تحرك منهم أحد ليمكنن سيفه منه، ثم تقدم أمام رسول اللّه، يطوف الرسول، و يحميه عمر، ثم صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الظهر معلنا.

و في رابعة: أنه لما أسلم-و كان المسلمون يضربون-جاء إلى خاله أبي جهل-كما عند ابن هشام.

و قال ابن الجوزي: هو غلط بل خاله العاص بن هاشم-فأعلمه بإسلامه، فأجاف الباب، فذهب إلى آخر من كبراء قريش فكذلك.

فقال في نفسه: ما هذا بشيء، الناس يضربون، و أنا لا يضربني أحد؛ فاستدل على أنقل رجل للحديث، فدلوه، فأعلمه بإسلامه؛ فنادى في قريش بذلك، فقاموا إليه يضربونه؛ فأجاره خاله، فانكشف الناس عنه، و لكنه عاد فرد عليه جواره؛ لأن الناس يضربون و لا يضرب، قال: فلم يزل يضرب، حتى أظهر اللّه الإسلام.

و في خامسة: أنه ذهب ليطوف، فقال له أبو جهل: زعم فلان أنك صبأت؟ فتشهد الشهادتين، فوثب عليه المشركون، فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، و برك عليه، و جعل يضربه، و جعل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه إلا أحد شريف، و جعل حمزة يكشف الناس عنه.

و في سادسة: أنه كان صاحب خمر في الجاهلية؛ فقصد ليلة المجلس المألوف له، فلم يجد فيه أحدا، فطلب فلانا الخمار، فكذلك، فذهب ليطوف فوجد محمدا يصلي، فأحب الاستماع إليه، فدخل تحت ثياب الكعبة و سمع،

فدخل الإسلام في قلبه فلما انصرف الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و ذهب إلى داره التي يسكنها المعروفة بالرقطاء لحقه في الطريق، و أسلم، ثم انصرف إلى بيته.

و في العمدة: قيل أسلم عمر بعد ثلاثة و ثلاثين رجلا و ست نسوة، و قال ابن المسيب بعد أربعين و عشر نسوة، و قال عبد اللّه بن ثعلبة: بعد خمس و أربعين و إحدى عشرة امرأة.

و قيل: أسلم تمام الأربعين؛ فنزل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللّٰهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (1).


1) راجع في مجموع ما تقدم: الأوائل للعسكري ج 1 ص 221 و 222، و الثقات لابن حبان ص 72-75 و البدء و التاريخ ج 5 ص 88-90 و مجمع الزوائد ج 9 ص 61 عن البزار و الطبراني، و تاريخ الطبري حوادث سنة 23، و طبقات ابن سعد ج 3 ص 191، و عمدة القاري للعيني ج 8 ص 68، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 366- 374، و تاريخ الخميس ج 1 ص 295-297 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 23-30، و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و 72-80، و السيرة الحلبية ج 1 ص 329-335، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 132-137 و مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 327 و 328، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 182 و 183، و أسباب النزول للواحدي و حياة الصحابة ج 1 ص 274-276، و الإتقان ج 1 ص 15، و الدر المنثور ج 3 ص 200 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 169-172 و لباب النقول ط دار إحياء العلوم ص 113، إلى غير ذلك من كتب الحديث و التاريخ و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 4-9 ط دار النصر للطباعة.

و ثمة أوسمة أخرى:
اشارة

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد دعا قبل إسلام عمر، فقال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب.

و في نص آخر: اللهم أيد {أو أعز} الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، و كان دعاؤه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الأربعاء، و إسلام عمر يوم الخميس.

و عن ابن عمر: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب، قال: و كان أحبهما إليه عمر.

و قالوا: إن إسلام عمر كان فتحا، و إن هجرته نصرا، و إن أمارته كانت رحمة، و إنه لما أسلم قاتل حتى صلى المسلمون عند الكعبة (1)إلى غير ذلك مما لا مجال له هنا.


1) راجع هذه الأحاديث و غيرها في: البدء و التاريخ ج 5 ص 88، و سيرة مغلطاي ص 23، و منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 470 عن الطبراني، و أحمد، و ابن ماجة، و الحاكم و البيهقي، و الترمذي، و النسائي، عن عمر، و خباب، و ابن مسعود، و الأوائل ج 1 ص 221، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 191-193، و جامع الترمذي ط الهند ج 4 ص 314 و 315، و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 7 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 314 و البداية و النهاية ج 3 ص 79، و البخاري ط الميمنية، و مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 325، و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 271، و السيرة الحلبية ج 1 ص 330، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 102 و تاريخ الخميس، و سيرة ابن هشام، و سيرة دحلان، و مسند أحمد، و سيرة المصطفى، و الطبراني في الكبير و الأوسط، و المشكاة و غير ذلك من كتب الحديث و التاريخ.

و قد استغرب الترمذي هذه الأحاديث رغم تصحيحه لبعضها.

و نحن نشك في صحة كل ما تقدم، بل و نطمئن إلى بطلانه جميعا من الأساس، و لبيان ذلك نشير إلى النقاط التالية:

1-متى كان إسلام عمر؟ !
اشارة

تذكر تلك الروايات: أن عمر قد أسلم بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب «عليه السلام» بثلاثة أيام. و كان إسلامه سببا لخروجه «صلى اللّه عليه و آله» من دار الأرقم، بعد أن تكامل المسلمون أربعين رجلا، أو ما هو قريب من ذلك.

و نحن نشير هنا إلى:

أ-أن الخروج من دار الأرقم-كما يقولون-إنما كان في الثالثة من البعثة، حينما أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإعلان بالدعوة، و هم يصرحون بأن إسلام عمر كان في السادسة من البعثة.

ب-إنهم يقولون إن عمر قد أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة، حتى لقد رق للمهاجرين، لما رآهم يستعدون للرحيل، حتى رجوا إسلامه منذئذ، و الهجرة إلى الحبشة قد كانت في السنة الخامسة من البعثة، و الخروج من دار الأرقم قد كان قبل ذلك أي في السنة الثالثة.

ج-أنه قد اشترك في تعذيب المسلمين، و إنما كان ذلك بعد الخروج من دار الأرقم، و الإعلان بالدعوة.

متى أسلم عمر إذا؟ !

إننا نستطيع أن نقول باطمئنان: إنه لم يسلم في السنة السادسة قطعا بل أسلم بعد ذلك بسنوات، و مستندنا في ذلك:

أولا: إنهم يقولون: إنه قد أسلم بعد فرض صلاة الظهر، فصلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الظهر معلنا تحت حماية عمر كما تقدم، و صلاة الظهر قد فرضت-حسب قولهم-حين الإسراء و المعراج الذي كان- عندهم-في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من البعثة، فكلامهم متناقض.

و إن كنا نحن قد حققنا: أن الإسراء و المعراج كان في حوالي السنة الثانية من البعثة.

و قد أجاب البعض عن ذلك، بأن المقصود هو صلاة الغداة أي الصبح (1).

و لكنه توجيه لا يصح؛ فإن كلمة الظهر لا تنطبق على الغداة و لا تطلق عليها و هو جواب عجيب و غريب كما ترى.

و إن كان مرادهم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يؤخر صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس فهو غير معقول؛ إذ كيف يؤخر النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلاته عن وقتها بلا عذر ظاهر؟ .

ثانيا: إن عبد اللّه بن عمر يصرح: أنه حين أسلم أبوه كان له هو من العمر ست سنين (2).

و يرى البعض: أن عمره كان خمس سنين (3).


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 335.

2) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 19، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 193، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 182.

3) فتح الباري ج 7 ص 135.

و يدل على ذلك: رواية أن ابن عمر كان حين إسلام أبيه على سطح البيت، و رأى أن الناس قد هاجوا ضد أبيه، و حصروه في البيت؛ فجاء العاص بن وائل ففرقهم عنه، و قد استفسر ابن عمر أباه حينئذ عن بعض الخصوصيات كما سيأتي عن قريب.

كما أن ابن عمر يروي: أنه حين أسلم أبوه غدا يتبع أثره، و ينظر ما يفعل، يقول:

و أنا غلام أعقل ما رأيت (1)، مما يدل على أن ابن عمر كان حين إسلام أبيه مميزا مدركا.

و ذلك يدل على أن عمر أسلم حوالي السنة التاسعة من البعثة-كما ذهب إليه البعض (2)-لأن ابن عمر ولد في الثالثة من البعثة، و تم عمره على الخمس عشرة سنة في عام الخندق سنة خمس من الهجرة، حيث أجازه «صلى اللّه عليه و آله» فيها كما هو مشهور (3).

بل ورد عن ابن شهاب: أن حفصة و ابن عمر قد أسلما قبل عمر، و لما


1) البداية و النهاية ج 3 ص 81 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 105 و سيرة ابن هشام ج 1 ص 373-374.

2) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 39، و البداية و النهاية ج 3 ص 82، و مروج الذهب ط دار الأندلس بيروت ج 2 ص 321.

3) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 209، تهذيب الكمال ج 15 ص 340 الإصابة ج 2 ص 347 و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 342 و بقية المصادر لذلك تراجع في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي ص 24.

أسلم أبو هما كان عبد اللّه ابن نحو من سبع سنين (1)و ذلك يعني أن إسلام عمر قد كان في العاشرة من البعثة.

بل نقول: إن عمر بن الخطاب لم يسلم إلا قبل الهجرة بقليل، و يدل على ذلك:

أولا: إنه بلغه، أن أخته لا تأكل الميتة (2).

و واضح: أن تحريم الميتة إنما كان في سورة الأنعام، التي نزلت في مكة جملة واحدة.

و كانت-كما تقول بعض الروايات-أسماء بنت يزيد الأوسية آخذة بزمام ناقته «صلى اللّه عليه و آله» (3)و إسلام الأوس و أهل المدينة إنما كان بعد الهجرة إلى الطائف، و مجيء نسائهم إلى مكة قد كان بعد العقبة الأولى.

و ما تقدم في فصل: بحوث تسبق السيرة، من أن زيد بن عمرو بن نفيل كان لا يأكل الميتة. . لو صح؛ فإنما هو لأجل أنه كان يدين بالنصرانية إلا أن يقال: إن تحريم الميتة قد كان على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل نزول سورة الأنعام لكن ذلك يحتاج إلى دليل و شاهد و هو غير موجود.

ثالثا: لقد استقرب البعض: أن يكون قد أسلم بعد أربعين، أو خمس و أربعين ممن أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة (4).


1) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 209.

2) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326.

3) الدر المنثور ج 3 ص 2 عن الطبراني، و ابن مردويه.

4) الثقات ج 1 ص 73، و البداية و النهاية ج 3 ص 80 و البدء و التاريخ ج 5 ص 88.

و يؤيد ذلك: أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا أكثر من ثمانين رجلا، و الهجرة إليها إنما كانت في الخامسة، و إسلام عمر كان في السادسة من البعثة حسب زعمهم-فلا بد أن يكون الأربعون الذين أتمهم عمر بإسلامه غير هؤلاء الذين هاجروا، و إن كان ابن الجوزي يعد الذين أسلموا قبل عمر، فيذكر أسماء من هاجر إلى الحبشة على الأكثر (1)الأمر الذي يشير إلى أنه يرى:

أن الأربعين الذين أتمهم عمر هم هؤلاء، و ليسوا فريقا آخر قد أسلم بعد هجرتهم.

و يؤيد ذلك أيضا: الروايات التي تصرح بأنه أسلم في السادسة من البعثة، و أنه رق للمهاجرين إلى الحبشة، حتى لقد رجوا إسلامه، فإذا كان ذلك، فلسوف يأتي في حديث المؤاخاة التي جرت في المدينة بعد الهجرة بين المهاجرين و الأنصار: أن المهاجرين كانوا حين المؤاخاة خمسة و أربعين رجلا أو أقل أو أكثر بقليل (2).

أي أن الذين أسلموا بعد الهجرة إلى الحبشة كانوا خصوص هؤلاء، فإذا كان عمر قد أسلم و كان تمام الأربعين فيهم فإن معنى ذلك هو أنه قد أسلم قبل الهجرة بقليل، ثم هاجر.


1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 28 و 29.

2) و إن كان ابن هشام قد عد نحو سبعين ممن هاجر إلى المدينة، و لكن ذلك لا يمكن الاعتماد عليه بعد النص على عدد من آخى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بينهم من قبل غير واحد، كما سيأتي، و لا يعقل أن يترك أحدا من أصحابه لا يؤاخي بينه و بين آخر من إخوانه.

و لعله لأجل ذلك لم يتعرض للتعذيب في مكة، كما سنشير إليه حين الكلام عن الذين عذبوا فيها.

رابعا: لقد جاء في الروايات في إسلام عمر: أنه «دنا من رسول اللّه، و هو يصلي و يجهر بالقراءة، فسمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرأ:

وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ حتى بلغ اَلظّٰالِمُونَ » (1).

و واضح: أن هاتين الآيتين قد وردتا في سورة العنكبوت، و هي إما آخر ما نزل في مكة، أو هي السورة قبل الأخيرة (2).

فإسلام عمر قد كان قبل الهجرة بقليل، لأنه يكون أسلم قبل نزول هاتين السورتين.

خامسا: لقد روى البخاري في صحيحه، بسنده عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر. .

ثم حاول نافع أن يوجه هذا بأن ابن عمر بايع تحت الشجرة قبل أبيه، ثم قال: فهي التي يتحدث الناس: أن ابن عمر أسلم قبل عمر (3).

و لكننا نقول لنافع: ألم يكن الناس يعرفون اللغة العربية؟

فلم لم يقولوا: إنه بايع قبل أبيه، و قالوا: أسلم قبل أبيه؟ ! .

ثم ألم يكن أحد منهم يعرف أن هذا الكلام لا يدل على ذاك و لا يشير


1) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326. و راجع مصادر روايات إسلام عمر المتقدمة.

2) الإتقان ج 1 ص 10 و 11.

3) صحيح البخاري ط مشكول ج 5 ص 163.

إليه، فكيف يصح أن يكون هو المقصود منه؟ ! .

و نحن نعتقد: أن ما يقوله الناس في ذلك الزمان هو الصحيح الظاهر، فإن ابن عمر قد أسلم قبل الهجرة بيسير، ثم أسلم أبوه و هاجر (1).

سادسا: إن عمر قد رفض في عام الحديبية: حمل رسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بحجة أن بني عدي لا ينصرونه؛ فمعنى ذلك هو أنه قد أسلم و هاجر و لم يعلم أحد بإسلامه، و إلا لكان قد عذب،

و لم ينصره بنو عدي (2)، لا سيما مع ما سيأتي من حالة الذل التي كان يعاني منها هذا الرجل قبل إسلامه.

سابعا: إن عمر كما يدّعون قد أسلم حينما سمع النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقرأ في صلاته و يجهر في القراءة، و كان عمر مختبئا تحت أستار الكعبة. .

مع أنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين لم يتمكنوا من الصلاة في الكعبة إلا بعد إسلام عمر! فأي ذلك هو الصحيح؟ .

2-من سمى عمر بالفاروق؟ !

و قد ذكرت تلك الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سمى عمر بالفاروق حين أسلم، و لكننا نشك في ذلك جدا، إذ إن الزهري يقول:

«بلغنا: أن أهل الكتاب أول من قال لعمر: «الفاروق» .


1) و قد تقدم عن الزهري أن عمر قد أسلم بعد حفصة و عبد اللّه بن عمر.

2) ستأتي مصادر ذلك بعد حوالي خمس صفحات.

و كان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم.

و لم يبلغنا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكر من ذلك شيئا» (1).

و قد كانت كلمة الفاروق تطلق عليه في أيام خلافته (2).

3-هل كان عمر قارئا؟ !
اشارة

و تذكر الروايات: أن عمر بن الخطاب كان قارئا، و أنه قد قرأ الصحيفة بنفسه.

و نحن نشك في ذلك أيضا: لاعتقادنا أنه لم يكن يعرف القراءة و الكتابة، و لا سيما في بادئ أمره، إلا أن يكون قد تعلمها بعد ذلك في أواخر أيام حياته؛ و ذلك لأمرين:

أحدهما: أن البعض يصرح بأن خباب بن الأرت هو الذي قرأ له الصحيفة (3)فلو كان قارئا؛ فلماذا لا يقرؤها بنفسه، ليتأكد من صحة الأمر؟ !

الثاني: لقد روى الحافظ عبد الرزاق، بسند صحيح حسبما يقولون هذه الرواية نفسها، و لكنه قال فيها:

«فالتمس الكتف في البيت حتى وجدها، فقال حين وجدها:

أما إني قد حدّثت: أنك لا تأكلين طعامي الذي آكل منه، ثم ضربها


1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 30، و طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 193، و البداية و النهاية ج 7 ص 133، و تاريخ الطبري ج 3 ص 267 حوادث سنة 23، و ذيل المذيل ج 8 من تاريخ الطبري.

2) راجع: طبقات الشعراء لابن سلام ص 44.

3) تاريخ ابن خلدون ج 2 قسم 2 ص 9.

بالكتف فشجها شجتين، ثم خرج بالكتف حتى دعا قارئا؛ فقرأ عليه، و كان عمر لا يكتب، فلما قرئت عليه تحرك قلبه حين سمع القرآن الخ. .» (1).

و يؤيد ذلك ما عن عياض بن أبي موسى: أن عمر بن الخطاب قال لأبي موسى: ادع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفا جاءت من الشام.

فقال أبو موسى: إنه لا يدخل المسجد.

قال عمر: أبه جنابة؟

قال: لا، و لكنه نصراني؛ فرفع عمر يده فضرب فخذه حتى كاد يكسرها الخ. . (2). فلو كان عمر يعرف القراءة لم يحتج لكاتب أبي موسى ليقرأ له الصحف التي جاءته، و لربما يعتذر عن ذلك بأن الخليفة ربما لم يكن يباشر القراءة لمركزه مع معرفته لها، أو أن الرسائل كانت بغير العربية.

و لكن الظاهر هو: أن هذه الأعراف و التقيدات قد حدثت في وقت متأخر، و لم يكن عمر يتقيد بها كما أن بلاد الشام كانت و لا تزال عربية اللغة، فمن البعيد أن يكتبوا له بغير العربية.

و يمكن أن يؤيد ذلك أيضا: بأن عمر لم يكن ذا ذهنية علمية، و ذلك بدليل:

أنه بقي اثنتي عشرة سنة حتى تعلم سورة البقرة، فلما حفظها نحر


1) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326.

2) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 43 و الدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن أبي حاتم و البيهقي في شعب الإيمان و حياة الصحابة ج 2 ص 785 عن تفسير ابن كثير ج 2 ص 68.

جزورا (1).

بل لقد ورد أنه لما طلب من حفصة أن تسأل له النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الكلالة، فسألته عنها؛ فأملها عليها في كتب، ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «عمر أمرك بهذا؟ ما أظنه أن يفهمها» (2)، بل لقد واجهه النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه بذلك كما رواه كثيرون (3).

إلا أن من الممكن أن يكون عمر قد عاد فتعلم القراءة و الكتابة بمشاق و متاعب جمة، و يمكن أن يستدل على ذلك بأنه-كما روى البخاري-كان يقول:

إنه لو لا أن يقال: إن عمر قد زاد في كتاب اللّه لكتب آية الرجم بيده؟ ! (4).

و مهما يكن من أمر، فإننا لسنا أول من شك في معرفة الخليفة الثاني للقراءة و الكتابة، فقد كان هذا الأمر موضع نقاش و شك منذ القرن الأول للهجرة، فهذا الزهري يقول:


1) تاريخ عمر بن الخطاب ص 165، و الدر المنثور ج 1 ص 21، عن الخطيب في رواة مالك، و البيهقي في شعب الإيمان، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 66، و الغدير ج 6 ص 196 عنهم و تفسير القرطبي ج 1 ص 152 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 280 عن تنوير الحوالك.

2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 305.

3) راجع الغدير ج 6 ص 116 عن غير واحد و راجع 128.

4) راجع كتابنا: حقائق هامة حول القرآن ص 346، فقد نقلنا ذلك عن عشرات المصادر.

كنا عند عمر بن عبد العزيز و هو والي المدينة ثم صارت إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، فقال: هل من معه به خبر فأساله: هل كان عمر يكتب؟ .

فقال عروة: نعم كان يكتب.

فقال: بآية ما ذا؟ .

قال: بقوله: لو لا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لخططت آية الرجم بيدي.

فقال عبيد اللّه: هل يسمي عروة من حدثه؟ .

قلت: لا.

قال عبيد اللّه: فإنما صار عروة يمص مص البعوضة لتملأ بطنها، و لا يرى أثرها، يسرق أحاديثنا و يكتمنا، أي أني أنا حدثته (1).

ملاحظة:

و إذا ثبت عدم معرفته بالقراءة، أو شك في كونه كان حينئذ يقرأ و يكتب، فمن الطبيعي أن يتطرق الشك إلى قولهم إنه كان من كتّاب الوحي (2)، فلعل ذلك كان من الأوسمة التي نحله إياها بعض من عز عليهم أن يحرم عمر من هذا الشرف بنظرهم.


1) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 10.

2) بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 113 عن تاريخ القرآن للزنجاني. و في تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 80 ط صادر و الاستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 51، ذكرا عمر في جملة من كان يكتب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لكن لم يبينا إذا كان يكتب الوحي، أو غيره.

و ملاحظة أخرى:

و هي أننا رأينا عمر بن الخطاب يضرب فخذ أبي موسى حتى كاد يكسرها، لاتخاذه كاتبا نصرانيا، مع أنهم يقولون: إنه هو نفسه كان له مملوك نصراني لم يسلم، و كان يعرض عليه الإسلام فيأبى، حتى حضرته الوفاة فأعتقه (1)فما هذا التناقض في مواقف الخليفة الثاني؟ ! و ما هو المبرر لها إلا أن يكون اعتراضه على أبي موسى منصبا على استعانته بغير المسلم في شؤون المسلمين العامة، و هذا غير خدمة غير المسلم للمسلم.

4-هل عز الإسلام بعمر حقا؟ !

و تذكر الروايات: أن الإسلام قد عز بعمر و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا اللّه أن يعز الإسلام به، بل لقد ذهبت بعض الروايات إلى اعتبار عمر من الجبارين في الجاهلية، حيث إنه حين أشار على أبي بكر أن يتألف الناس و يرفق بهم، قال له أبو بكر: «رجوت نصرك، و جئتني بهذا لأنك جبار في الجاهلية، خوار في الإسلام الخ. .» (2).

و نحن نشك في صحة ذلك بل نجزم بعدم صحته، و ذلك للأمور التالية:


1) حلية الأولياء ج 9 ص 34، عن كنز العمال ج 5 ص 50 عن ابن سعد، و سعيد بن منصور، و ابن المنذر، و ابن أبي شيبة، و ابن أبي حاتم، و الطبقات الكبرى ج 6 ص 109 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 102 و نظام الحكم في الشريعة و التاريخ و الحياة الدستورية ص 58 عن تاريخ عمر لابن الجوزي ص 87 و 148.

2) كنز العمال ج 6 ص 295.

أ-إن الإسلام إذا لم يعز بأبي طالب شيخ الأبطح، و بحمزة أسد اللّه و أسد رسوله، الذي فعل برأس الشرك أبي جهل ما فعل، و إذا لم يعز بسائر بني هاشم أصحاب العز و الشرف و النجدة، فلا يمكن أن يعز بعمر الذي كان عسيفا «أي مملوكا مستهانا به» (1)مع الوليد بن المغيرة إلى الشام (2).

لا سيما و أنه لم يكن في قبيلته سيد أصلا (3)، و لم تؤثر عنه في طول حياته مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أية مواقف شجاعة، و حاسمة، بل لم نجد له أية مبارزة، أو عمل جريء في أي من غزواته، رغم كثرتها و تعددها.

بل لقد رأيناه يفر في غير موضع، كأحد، و حنين و خيبر حسبما صرح به الجم الغفير من أهل السير، و رواة الأثر، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و من الطريف هنا: ما رواه الزمخشري، من أن أنس بن مدركة كان قد أغار على سرح قريش في الجاهلية؛ فذهب به، فقال له عمر في خلافته: لقد اتبعناك تلك الليلة؛ فلو أدركناك؟ .

فقال: لو أدركتني لم تكن للناس خليفة (4).

و الخلاصة: أنه لا يمكن أن يعز الإسلام بعمر، الذي لم يكن له عز في نفسه، و لا بعشيرته، و لا شجاعة يخاف منها.

ب-إننا سواء قلنا: إن عمر قد أسلم قبل الحصر في الشعب أو بعده،


1) راجع: أقرب الموارد، مادة: «عسف» .

2) المنمق، لابن حبيب ط الهند ص 146، و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 183.

3) المنمق ص 147.

4) ربيع الأبرار ج 1 ص 707.

فإن الأمر يبقى على حاله، لأننا لم نجد أي تفاوت في حالة المسلمين قبل و بعد إسلام عمر، و لا لمسنا أي تحول نحو الأفضل بعد إسلامه، بل رأينا: عكس ذلك هو الصحيح، فمن حصر المشركين للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و الهاشميين في الشعب، حتى كادوا يهلكون جوعا، و حتى كانوا يأكلون ورق السمر، و أطفالهم يتضاغون جوعا، إلى تآمر على حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم بعد وفاة أبي طالب «رحمه اللّه» لم يستطع «صلى اللّه عليه و آله» دخول مكة بعد عودته من الطائف إلا بعد مصاعب جمة، لم نجد عمر ممن ساعد على حلها.

هذا كله، عدا عن الأذايا الكثيرة التي كان أبو لهب يوجهها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» باستمرار.

ج-و في صحيح البخاري و غيره حول إسلام عمر: عن عبد اللّه بن عمر قال: بينما عمر في الدار خائفا، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي، إلى أن قال: فقال: ما بالك؟

قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت.

قال: لا سبيل إليك، بعد أن قالها أمنت.

ثم ذكر إرجاع العاص الناس عنه.

و أضاف الذهبي قول عمر: فعجبت من عزه (1).


1) راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 60 و 61 ط مشكول، ففيه روايتان بهذا المعنى، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 104، و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 409، و تاريخ عمر لابن الجوزي ص 26، و السيرة الحلبية ج 1 ص 332، و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 135، و سيرة ابن هشام ج 1 ص 374، و البداية و النهاية ج 3 ص 82 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ط دار النصر ج 2 ص 9.

فمن يتهدده الناس بالقتل، و يخاف، و يختبئ في داره، فإنه لا يكون عزيزا و لا يعز الإسلام به، غير أنه هو نفسه قد ارتفع بالإسلام، و صار له شخصية و شأن، كما سنرى.

هذا عدا عن الروايات القائلة: إن أبا جهل هو الذي أجار عمر (1).

و على هذا فقد كان الأجدر: أن يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يعز الإسلام بمن يجير عمر، و الذي يعجب الناس من عزته، لا بعمر الخائف، و المختبئ في بيته.

د-و الغريب هنا: أن أحد الرجلين اللذين دعا لهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو أبو جهل يضربه حمزة رضوان اللّه عليه بقوسه أمام الملأ من قومه، فيشجه شجة منكرة، و لا يجرؤ على الكلام، ثم يقتل في بدر في أول وقعة بين المسلمين و المشركين.

و الرجل الآخر و هو عمر بن الخطاب يكون على خلاف توقعات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا يستجيب اللّه دعاءه فيه، حيث لم يعز الإسلام به، كما رأينا.

مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «ما سألت-ربي-اللّه-شيئا


1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 24-25 و راجع كشف الأستار ج 3 ص 171 و مجمع الزوائد ج 9 ص 64 و ذكر: أن خاله هو الذي أجاره و قال ابن إسحاق المراد بخاله: أبو جهل، و لم يرتض ذلك ابن الجوزي، فراجع.

إلا أعطانيه» (1)بل لقد كانت النتيجة عكسية، حيث يذكر عبد الرزاق:

«أنه لما جهر عمر بإسلامه اشتد ذلك على المشركين فعذبوا من المسلمين نفرا» (2).

ه-لا بأس بالمقارنة بين نعيم بن عبد اللّه النحام العدوي، و بين عمر بن الخطاب العدوي؛ فقد أسلم نعيم قبل عمر، و كان يكتم إسلامه، و منعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة، لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي و أيتامهم.

فقالوا: «أقم عندنا على أي دين شئت، فو اللّه لا يتعرض إليك أحد إلا ذهبت أنفسنا جميعا دونك» (3).

و يقول عروة عن بيت نعيم هذا: «ما أقدم على هذا البيت أحد من بني عدي» (4)أي لشرفه.

أما عمر، فإن رسول اللّه أراد في الحديبية أن يرسله إلى مكة؛ ليبلغ عنه رسالة إلى أشراف قريش، تتعلق بالأمر الذي جاء له؛ فرفض ذلك و قال:

«إني أخاف قريشا على نفسي، و ليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني»


1) راجع: ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 2 ص 275 و 276 و هامشها و 278 و فرائد السمطين باب 43 حديث 172 و كنز العمال ج 15 ص 150 ط 2 عن ابن جرير، و صححه، و ابن أبي عاصم، و الطبراني في الأوسط، و ابن شاهين في السنة، و عن الرياض النضرة ج 2 ص 213.

2) راجع المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 328.

3) أسد الغابة ج 2 ص 33 و راجع: نسب قريش لمصعب ص 380.

4) نسب قريش لمصعب ص 381.

ثم أشار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يرسل عثمان بن عفان (1).

و-لقد خطب ابن عمر بنت نعيم النحام، فرده نعيم، و قال: «لا أدع لحمي تربا» و زوجها من النعمان بن عدي بن نضلة (2)فنعيم يربأ بابنته عن أن تتزوج بابن عمر، و يرى ذلك تضييعا لها! ! .

ز-و في زيارة عمر للشام أيام خلافته خلع عمر خفيه، و وضعهما على عاتقه، و أخذ بزمام ناقته، و خاض المخاضة فاعترض عليه أبو عبيدة، فأجابه عمر بقوله: «إنا كنا أذل قوم؛ فأعزنا اللّه بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا اللّه به أذلنا اللّه» (3).

و في نص آخر عنه: «إنا قوم أعزنا اللّه بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره» (4).

و احتمال أن يكون مقصوده هو ذل العرب و عزهم لا خصوص بني عدي بعيد؛ لأنه قد عنف أبا عبيدة على مقولته تلك بأن غير أبي عبيدة لو كان قال ذلك لكان له وجه، أما أن يقوله أبو عبيدة العارف بالحال و السوابق فإنه غير مقبول منه.


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 167 عن ابن إسحاق، و حياة الصحابة ج 2 ص 397 و 398 عن كنز العمال ج 1 ص 84 و 56 و ج 5 ص 288 عن ابن أبي شيبة، و الروياني، و ابن عساكر، و أبي يعلى، و طبقات ابن سعد ج 1 ص 461 و سنن البيهقي ج 9 ص 221.

2) نسب قريش لمصعب ص 380.

3) مستدرك الحاكم ج 1 ص 61. و تلخيصه للذهبي بهامشه، و صححه على شرط الشيخين.

4) مستدرك الحاكم ج 1 ص 62.

هذا بالإضافة إلى ما سيأتي مما يدل على ذل بني عدي، فانتظر.

ح-و قال أبو سفيان للعباس في فتح مكة، حينما كان يستعرض الألوية؛ فرأى عمر، و له زجل: «يا أبا الفضل، من هذا المتكلم؟

قال: عمر بن الخطاب.

قال: لقد-أمر-أمر بني عدي بعد-و اللّه-قلة و ذلة.

فقال العباس: يا أبا سفيان، إن اللّه يرفع من يشاء بما يشاء، و إن عمر ممن رفعه الإسلام» (1).

ط-تقدم قول عوف بن عطية:

و أما الألأمان بنو عديو تيم حين تزدحم الأمور

فلا تشهد لهم فتيان حربو لكن أدن من حلب و عير

و في رسالة من معاوية لزياد بن أبيه يذكر فيها أمر الخلافة يقول: «و لكن اللّه عز و جل أخرجها من بني هاشم و صيرها إلى بني تيم بن مرة، ثم خرجت إلى بني عدي بن كعب و ليس في قريش حيان أذل منهما و لا أنذل إلخ. .» (2).

ي-و قال خالد بن الوليد لعمر: «إنك ألأمها حسبا، و أقلها عددا، و أخملها ذكرا. . إلى أن قال له: لئيم العنصر ما لك في قريش فخر، قال:


1) مغازي الواقدي ج 2 ص 821، و عن كنز العمال ج 5 ص 295، عن ابن عساكر، عن الواقدي.

2) كتاب سليم بن قيس ص 140.

فأسكته خالد» (1).

5-غسل عمر لمس الصحيفة:

و إشكال آخر يبقى بلا جواب، و هو أنه كيف طلبت أخته منه: أن يغتسل لمس الصحيفة، مع أن غسل المشرك لا يجدي في جواز مس القرآن؛ فإن المانع هو شركه، لا حدثه؟ ! و لذلك قالت له: «إنك نجس على شركك، و إنه لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ » (2)، و دعوى أن المراد هو غسل الجنابة مدفوعة أيضا، فإنهم يقولون: إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة (3)فكيف تقول له أخته: إنك لا تغتسل من الجنابة؟

إلا أن يكون هو نفسه لم يكن يلتزم بما كان يلتزم به قومه في الجاهلية.

و مما يدل على أنهم كانوا يغتسلون من الجنابة، أن أبا سفيان قد نذر أو حلف بعد رجوعه من بدر مهزوما: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو محمدا، و كانت غزوة السويق لأجل أن يكفر عن يمينه، (4)كما سنرى.


1) الخصال ج 2 ص 463.

2) الثقات ج 1 ص 74، و راجع مصادر الرواية المتقدمة، و مجمع الزوائد ج 9 ص 63.

3) السيرة الحلبية ج 1 ص 329 عن الدميري، و السهيلي و ذكر الدميري: أنه بقية من دين إبراهيم و إسماعيل قال: و في كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، و يغسلون موتاهم، و يكفنونهم، و يصلون عليهم إلخ.

4) البداية و النهاية ج 3 ص 344 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 540 و تاريخ الخميس ج 1 ص 410 و السيرة الحلبية ج 2 ص 211 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 139 و السيرة النبوية لدحلان {مطبوع بهامش الحلبية} ج 2 ص 5 و البحار ج 20 ص 2 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 175.

و يدل على ذلك: ما يذكرونه عن صيفي بن الأسلت من أنه كان قد ترهب في الجاهلية و لبس المسوح و اغتسل من الجنابة (1).

6-نزول آية في إسلام عمر:

و يذكرون أن آية: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللّٰهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (2)قد نزلت في هذه المناسبة حيث أسلم عمر رابع أربعين (3).

و لكن يعارض ذلك ما روي عن الكلبي، من أن الآية قد نزلت في المدينة في غزوة بدر (4).

و عن الواقدي: أنها نزلت في بني قريظة و النضير (5).

و أيضا فإن الآية في سورة الأنفال، و هي مدنية لا مكية.

و في رواية الزهري: أن هذه الآية نزلت في الأنصار (6).

يضاف إلى ذلك: أن الآية مسبوقة بآيات القتال، و لم يشرع القتال إلا في المدينة، و هي تنسجم مع تلك الآيات تمام الانسجام، فراجعها و تأمل فيها،


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 47 و تاريخ الإسلام للذهبي ص 109 و السيرة الحلبية ج 2 ص 14.

2) الآية 64 من سورة الأنفال.

3) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 200 عن الطبراني، و أبي الشيخ، و ابن مردويه و راجع أيضا ما أخرجه عن البزار و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و غيرهم.

4) مجمع البيان ج 4 ص 557.

5) التبيان للطوسي ج 5 ص 152.

6) الدر المنثور ج 3 ص 200 عن ابن إسحاق، و ابن أبي حاتم.

و هي أيضا تناسب المدينة، حيث قويت شوكة الإسلام، و عز المؤمنون.

و غير أننا نرى هذه الرواية قد تكون من دلائل تأخر إسلام عمر إلى قبل الهجرة إلى المدينة بقليل، فإن الروايات الأخرى المروية في هذه المناسبة تشير إلى أنه قد أسلم تمام الأربعين.

و من المعلوم: أن الذين هاجروا في السنة الخامسة إلى الحبشة كانوا أكثر من ثمانين رجلا، و هو إنما أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة بمدة طويلة، فلا يصح تفسير هذه الرواية إلا على معنى أنه قد أسلم في الأربعين الرابعة، و كان-بقرينة الروايات الأخرى-آخر واحد منها. . أي كان برقم مئة و ستين.

و هذا معناه: أن إسلامه قد كان قبيل الهجرة، كما سنرى.

ملاحظات أخيرة:

و أخيرا، فإننا نذكر:

1-إن الذي يطالع روايات إسلام عمر، يرى: أنها متناقضة تناقضا كبيرا فيما بينها.

2-إن بعض الروايات تذكر: أن عمر قد التقى بسعد الذي كان قد أسلم، أو بنعيم النحام، و جرى بينهما كلام؛ فأخبره بإسلام أخته، و زوجها، و أغراه بهما.

و يرد سؤال: إنه إذا كان سعد مسلما، و كان نعيم قد أسلم قبل عمر سرا، فلما ذا يغري عمر بأخته المسلمة و صهره؟ !

و إذا كان إنما فعل ذلك ليصرفه عن قصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالسوء؛ فلا ندري كيف يخاف من عمر على النبي و عند النبي «صلى اللّه

عليه و آله» أمثال حمزة و علي إلى تمام الأربعين رجلا؛ و لماذا لا يخاف على هذين المسلمين، و ليس لهما ناصر، و لا عندهما أحد؟ ! .

3-إن قول حمزة عن عمر: «و إن كان يريد شرا قتلناه بسيفه» يشير إلى أنه «رحمه اللّه» لم يكن يقيم وزنا لعمر، حتى حينما يكون عمر متوشحا بالسيف، حتى يرى: أن أمره سهل، و أن بالإمكان قتله بنفس سيفه الذي يحمله، و هذا غاية في الاستهانة بقدرات عمر، ما بعدها غاية.

4-لا ندري لماذا تهدد النبي عمر؟

و جبذه جبذة شديدة! ! .

و كيف وصل عمر إلى النبي بهذه السهولة؟

و لماذا لقيه في الحجرة؟

و لماذا خرج المسلمون في صفين؟

و ما هي فلسفة ذلك عسكريا، و هل لم يكن عمر يعرف من هو أنقل رجل للحديث في قريش؟

و لماذا لم يكن يدنو إليه إلا شريف؟ !

و إذا كان قد خرج مع المسلمين في صفين و تهدد المشركين، و خاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ فلماذا احتاج إلى أنقل رجل للحديث في قريش؟ !

و لماذا ذهب إلى المسلمين متوشحا سيفه؟ !

إلى كثير من الأسئلة التي تعلم بالمراجعة و المقارنة.

خاتمة المطاف:

و بعد ما تقدم، فإن المراجع لروايات إسلام عمر لا يصعب عليه: أن يكتشف بسرعة:

أن ثمة محاولات للتغطية على قضية إسلام حمزة، الذي عز به الإسلام حقا، و سر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرورا كثيرا.

و لهذا تجد: أنهم يقرنون عمر بحمزة كثيرا في تلك الروايات، و يحاولون إعطاءهما المواقف مناصفة، مع تخصيص عمر بحصة الأسد فيها.

كما أن فضيلة رد الجوار التي هي لعثمان بن مظعون يحاولون إعطاءها إلى عمر.

بل نجد في بعض الروايات: أن أهل الكتاب في الشام قد بشروا عمر بما سوف يؤول إليه أمره في مستقبل هذا الدين الجديد (1)، كما بشروا أبا بكر في بصرى (2)و كما بشروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه (3)حسب رواياتهم.

ثم إنهم قد وجدوا في عمر العلامات التي تدعم مدعاهم (4)، كما وجدوها في أبي بكر من قبل. .


1) راجع الرياض النضرة ج 2 ص 319.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 274 و 275 و 186 و الرياض النضرة ج 1 ص 221.

3) قد أشرنا إلى ما يذكرونه عن دور ورقة بن نوفل في ذلك، و أثبتنا عدم صحة ذلك، فراجع روايات بدء الوحي في الجزء الأول من هذا الكتاب.

4) تاريخ عمر بن الخطاب ص 22.

ثم كان إسلام عمر، و كانت كل الجهود موقوفة على صنع الفضائل و الكرامات له! !

فتبارك اللّه أحسن الخالقين! !

و لقد قال ابن عرفة المعروف بنفطويه: إن أكثر فضائل الصحابة قد افتعلت في عهد بني أمية، إرغاما لأنوف بني هاشم! (1).

كما أن معاوية قد أمر الناس بوضع الحديث في الخلفاء الثلاثة كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه.

و حسبنا ما ذكرناه هنا؛ فإن فيه مقنعا و كفاية لكل من أراد الرشد و الهداية.


1) راجع النصائح الكافية ص 74 و حياة الإمام الحسن للقرشي ج 2 ص 148 و الكنى و الألقاب ج 3 ص 262 و فجر الإسلام ص 213.

الفصل السادس: في شعب أبي طالب عليه السّلام

اشارة

المقاطعة:

«لما رأت قريش عزة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمن معه، و عزة أصحابه في الحبشة، و فشوّ الإسلام في القبائل» (1)، و أن جميع جهودها في محاربة الإسلام قد باءت بالفشل، حاولت أن تقوم بتجربة جديدة، و هي الحصار الاقتصادي و الاجتماعي ضد الهاشميين، و أبي طالب؛ فإما أن يرضخوا لمطالبها في تسليم محمد لها للقتل، و إما أن يتراجع محمد «صلى اللّه عليه و آله» نفسه عن دعوته.

و إما أن يموتوا جوعا و ذلا، مع عدم ثبوت مسؤولية محددة على أحد في ذلك، يمكن أن تجر عليهم حربا أهلية، ربما لا يمكن لأحد التكهن بنتائجها، و عواقبها السيئة.

فكتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على عدم التزوج و التزويج لبني هاشم، و بني المطلب، و أن لا يبيعوهم شيئا، و لا يبتاعوا منهم، و أن لا يجتمعوا معهم على أمر من الأمور، أو يسلموا لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليقتلوه.


1) سيرة مغلطاي ص 23، و راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 375، و تاريخ الخميس ج 1 ص 297، عن المواهب اللدنية.

و قد وقع على هذه الصحيفة أربعون رجلا من وجوه قريش، و ختموها بخواتيمهم، و علقت الوثيقة في الكعبة مدة و يقال: «إنهم خافوا عليها السرقة؛ فنقلوها إلى بيت أم أبي جهل» (1).

و كان ذلك في سنة سبع من البعثة على أشهر الروايات، و قيل ست.

و أمر أبو طالب بني هاشم أن يدخلوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الشعب-الذي عرف بشعب أبي طالب-و معهم بنو المطلب بن عبد مناف، باستثناء أبي لهب لعنه اللّه و أخزاه (2).

و استمروا فيه إلى السنة العاشرة، و وضعت قريش عليهم الرقباء حتى لا يأتيهم أحد بالطعام، و كانوا ينفقون من أموال خديجة، و أبي طالب، حتى نفدت، حتى اضطروا إلى أن يقتاتوا بورق الشجر.

و كان صبيتهم يتضاغون جوعا، و يسمعهم المشركون من وراء الشعب، و يتذاكرون ذلك فيما بينهم، فبعضهم يفرح، و بعضهم يتذمم من ذلك.

و يقولون: إنه ربما وجد فيهم من يتعاطف مع المسلمين، و كان هذا يصدر غالبا ممن يتصل بهم نسبا، كأبي العاص بن الربيع، و حكيم بن حزام و إن كنا نحن نشك في ذلك كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.


1) هكذا جاء في بعض الروايات في البحار ج 19 ص 16 عن الخرائج و الجرائح. و لا يهمنا تحقيق هذا الأمر كثيرا. .

2) و قيل: إن أبا سفيان بن الحارث أيضا لم يدخل الشعب معهم، و لكنه قول نادر، و الأكثر على الاقتصار على أبي لهب لعنه اللّه. . و لسنا هنا في صدد تحقيق ذلك. .

و لم يكونوا يجسرون على الخروج من شعب أبي طالب إلا في موسم العمرة في رجب، و موسم الحج في ذي الحجة، فكانوا يشترون حينئذ و يبيعون ضمن ظروف صعبة جدا، حيث إن المشركين كانوا يلتقون بكل من يقدم مكة أولا، و يطمعونه بمبالغ خيالية ثمنا لسلعته، شرط أن لا يبيعها للمسلمين.

و كان أبو لهب هو رائدهم في ذلك؛ فكان يوصي التجار بالمغالاة عليهم حتى لا يدركوا معهم شيئا، و يضمن لهم، و يعوضهم من ماله كل زيادة تبذل لهم.

بل لقد كان المشركون يتهددون كل من يبيع المسلمين شيئا بنهب أمواله، و يحذرون كل قادم إلى مكة من التعامل معهم.

و الخلاصة: أن قريشا قد قطعت عنهم الأسواق، فلا يتركون لهم طعاما يقدم مكة، و لا بيعا إلا بادروهم إليه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قد استمرت هذه المحنة سنتين أو ثلاثا، و كان علي أمير المؤمنين «عليه السلام» أثناءها يأتيهم بالطعام سرا من مكة، من حيث يمكن، و لو أنهم ظفروا به لم يبقوا عليه، كما يقول الإسكافي و غيره (2).

و كان أبو طالب رضوان اللّه تعالى عليه كثيرا ما يخاف على النبي «صلى اللّه عليه و آله» البيات؛ فإذا أخذ الناس مضاجعهم، اضطجع النبي «صلى


1) البداية و النهاية ج 3 ص 84.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 256.

اللّه عليه و آله» على فراشه، حتى يرى ذلك جميع من في شعب أبي طالب، فإذا نام الناس جاء و أقامه، و أضجع ابنه عليا مكانه (1).

و ثمة أبيات شعر له «رحمه اللّه» مخاطبا بها ولده عليا بهذه المناسبة، فلتراجع في مصادرها.

أموال خديجة، و سيف علي عليهما السّلام:

هنا سؤال مفاده: إن من المعروف أن الإسلام قد قام بسيف أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الذي قال فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -كما سيأتي في غزوتي أحد و بدر:

لا فتى إلا عليلا سيف إلا ذو الفقار

و بأموال خديجة رحمها اللّه تعالى، التي أنفقتها في سبيل اللّه سبحانه فما معنى هذا الكلام و ما الذي يرمي إليه؟ !

فهل معنى ذلك: أن خديجة كانت ترشو الناس من أجل أن يدخلوا في الإسلام؟

و هل يمكن العثور على مورد واحد من هذا القبيل في التاريخ؟ !

لعلك تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتألف كثيرين على الإسلام، فيعطيهم الأموال ترغيبا لهم في ذلك.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 256 و ج 14 ص 64، و الغدير ج 7 ص 357 و 358 عن كتاب الحجة لابن معد. و ذكر ذلك ابن كثير في البداية و النهاية ج 3 ص 84 من دون تصريح بالاسم، و تيسير المطالب ص 49.

و قضية غنائم حنين الآتية إن شاء اللّه أوضح دليل على ذلك، و لا يجهل أحد سهم المؤلفة قلوبهم في الإسلام.

و الجواب:

أن هذا الذي ذكر ليس معناه أنهم كانوا يأخذون الرشوة على الإسلام، و إنما يريد الإسلام لهؤلاء أن يعيشوا في الأجواء الإسلامية، و يتفاعلوا معها، و ينظروا لها نظرة سليمة، و من دون وجود أية حواجز نفسية، أو سياسية، أو اجتماعية فكان هذا المال المعطى لهم يساعد على التغلب على تلك الحواجز الوهمية في أكثرها، و يجعلهم يعيشون في الأجواء و المناخات الإسلامية، و يتعرفون على خصائص الإسلام و أهدافه.

و لتحصل لهم من ثم القناعات الوجدانية و الفكرية بأحقية الإسلام، و سمو أهدافه.

كما أن من هؤلاء من يرى: أن هذا الدين قد حرمه من المال و الثروة و الامتيازات التي يحبها، فلماذا لا يدبر في الخفاء ما يزيح هذا الكابوس الخانق، و المضر بمصالحه؟

فإذا أعطي المال، و أفهم أن الإسلام ليس عدوا للمال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ. . (1)فإنه يمكن إقناعه حينئذ بأن هدف الإسلام ليس إلا التركيز على إنسانية الإنسان، و اعتبارها المقياس الحقيقي له، لا المال، و لا القوة و لا الجمال، و لا الجاه، و لا غير ذلك، و أنه يهدف إلى تنظيم حياة هذا الإنسان في هذا الخط، ليكون سعيدا


1) الآية 32 من سورة الأعراف.

في الدنيا و الآخرة على حد سواء.

و أما أموال خديجة؛ فلم تكن تعطى كرشوة على الإسلام، و لا كانت تنفق على المؤلفة قلوبهم.

و إنما كانت تسد رمق ذلك المسلم، الذي يعاني أعظم المشاق و الآلام، في سبيل إسلامه و عقيدته، هذا المسلم الذي لم تتورع قريش عن محاربته بكل ما تملكه من أسلحة لا إنسانية و لا أخلاقية، حتى بالفقر و الجوع.

فكانت تلك الأموال تسد رمق من يتعرض للأخطار الكبيرة، و تخدم الإسلام عن هذا الطريق.

و هذا معنى قولهم: إن الإسلام قام بأموال خديجة.

و ملاحظة لا بد منها، و هي أن أموال خديجة التي أنفقت في المقاطعة، كانت في غالبها من النوع الذي يمكن الانتفاع به في سد رمق الجائع، و كسوة العاري، و أما ما سواه؛ فلربما لم يتعرض لذلك؛ بسبب عدم القدرة على البيع و الشراء في غالب الأحيان.

و نشير أخيرا، إلى أن مكة مهما عظمت الثروة فيها، فإنها لا تخرج عن كونها محدودة الإمكانات، تبعا لموقعها، و حجمها؛ لأنها لم تكن مدينة كبيرة جدا، بل كانت بلدا كبيرا بالنسبة إلى القرية، و لذا جاء التعبير عنها في القرآن ب «أم القرى» و ثروة في بلد كهذا تبقى دائما محدودة، تبعا لمحدوديته، و قدراته، و إمكاناته.

حكيم بن حزام و عواطفه تجاه المسلمين:

قد تقدم أنهم يذكرون حكيم بن حزام في جملة من كان يرسل الطعام

سرا إلى المسلمين في شعب أبي طالب روى ذلك ابن إسحاق و غيره (1).

و لكننا بدورنا نشك في ذلك، فإن حكيم بن حزام كان من القوم الذين انتدبتهم قريش لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الغار، و باتوا على باب النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرصدونه بانتظار ساعة الصفر (2)و قد رد اللّه كيدهم إلى نحورهم.

أضف إلى ذلك: أنه كان يحتكر جميع الطعام الذي كان يأتي إلى المدينة على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3)، و كان من المؤلفة قلوبهم (4).

و من كانت له نفسية كهذه، فإنه يصعب عليه جود كهذا، خصوصا إذا كان معه تعريض نفسه لأخطار العداء مع قريش، إلا أن يكون يمارس ذلك بروحه الاحتكارية التجارية؛ فيبيع المسلمين الطعام بأغلى الأثمان، فيعرض نفسه لهذه الأخطار حبا بالمال.

و يكون حبه للمال، و تفانيه في سبيله هو الذي يسهّل عليه كل عسير، و يذلل له ركوب كل صعب و خطير.

أضف إلى ذلك: أنه سوف يأتي حين الكلام على إسلام أبي طالب حين


1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 379 و غير ذلك من كتب السيرة.

2) البحار ج 19 ص 31 و مجمع البيان ج 4 ص 537.

3) دعائم الإسلام ج 2 ص 35 و التوحيد للصدوق ص 389 و الوسائل ج 12 ص 316 و الكافي ج 5 ص 165 و التهذيب للطوسي ج 7 ص 160 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 266 ط جماعة المدرسين و الاستبصار ج 3 ص 15.

4) نسب قريش ص 231.

الكلام على رده «صلى اللّه عليه و آله» هدية ملاعب الأسنة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد رد هديته و هدية غيره، لأنها هدية من مشرك، فلا يعقل: أن يقبلها الآن، و يردها بعد ذلك، و إلا لاعترضوا عليه بقبوله لها قبل الآن.

إلا أن يدعى: أن ابن حزام إنما كان يعطي الأطفال و النساء، و غيرهم من بني هاشم المحصورين في الشعب، و هؤلاء كانوا يقبلون ذلك منه، و إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يقبل. فتبقى ملاحظة: إنه قد يكون إنما يأتيهم بالطعام ليبيعهم إياه بأغلى الأثمان لا دافع لها.

و من ذلك كله يظهر أيضا: أنه لا يمكن الاطمئنان، و لا قبول قولهم: إن أبا العاص بن الربيع كان يفعل مثل ذلك آنئذ.

و نحن لا نستبعد: أن يكون للزبيريين يد في تسجيل هذه الفضيلة لحكيم بن حزام، لا سيما و أنه كان ممن تلكأ عن بيعة أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان عثمانيا متصلبا (1).

و قد أشرنا إلى ذلك حين الكلام حول ولادة أمير المؤمنين «عليه السلام» في الكعبة، و حين الكلام عن افتعال الأكاذيب في موضوع الوحي و كيفياته.

انشقاق القمر:

و في السنة الثامنة من البعثة، حينما كان المسلمون محصورين في شعب أبي طالب، كانت قضية انشقاق القمر (2).


1) قاموس الرجال ج 3 ص 387.

2) تفسير الميزان ج 19 ص 62 و 64.

و قد جاء في الروايات الكثيرة: أن قريشا سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يريهم آية، فدعا اللّه فانشق القمر نصفين حتى نظروا إليه ثم التأم؛ فقالوا: هذا سحر مستمر، فأنزل اللّه تعالى: اِقْتَرَبَتِ اَلسّٰاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ، وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (1).

و في رواية: أنهم قالوا: انتظروا ما يأتيكم به السفار؛ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار، فسألوهم، فقالوا: نعم رأيناه، فأنزل اللّه: اقتربت الساعة و انشق القمر (2).

و نقل عن السيد الشريف في شرح المواقف، و عن ابن السبكي في شرح المختصر:

أن الحديث متواتر لا يمترى في تواتره عند أهل السنة (3)، و أما عند غيرهم، فيقول العلامة البحاثة السيد الطباطبائي «رحمه اللّه» : «ورد انشقاق القمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» كثيرا، و قد تسلمه محدثوهم و العلماء من غير توقف» (4).

و لكن على أية حال. . لا يمكن أن تعتبر هذه المسألة من ضروريات


1) الآيتان 1 و 2 من سورة القمر.

2) الدر المنثور ج 6 ص 133 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و البيهقي في دلائلهما، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 122.

3) تفسير الميزان ج 19 ص 60.

4) تفسير الميزان ج 19 ص 61 و راجع باب المعجزات السماوية في البحار، ج 17 ص 348-359.

الدين، كما أشار إليه بعض الأعلام (1).

شبهة، و حلها:

يقول العلامة الطباطبائي: «و اعترض عليها: بأن صدور المعجزة منه «صلى اللّه عليه و آله» باقتراح من الناس، ينافي قوله تعالى: وَ مٰا مَنَعَنٰا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيٰاتِ إِلاّٰ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنٰا ثَمُودَ اَلنّٰاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهٰا وَ مٰا نُرْسِلُ بِالْآيٰاتِ إِلاّٰ تَخْوِيفاً (2).

فمفاد هذه الآية، إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الأمة أصلا، لأن الأمم السابقة كذبوا بها، و هؤلاء يماثلونهم في طباعهم؛ فيكذبون بها، و لا فائدة في الإرسال مع عدم ترتب الأثر عليه، أو المفاد؛ أننا لا نرسل بها، لأننا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها؛ فعذبوا بها، و أهلكوا.

و لو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها، و عذبوا عذاب الاستئصال، لكننا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب.

و على أي حال، لا يرسل بالآيات إلى هذه الأمة، كما كانت ترسل إلى الأمم الدارجة.

نعم، هذا في الآيات المرسلة باقتراح الناس، دون الآيات التي تؤيد بها الرسالة، كالقرآن المؤيد لرسالة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كآيتي العصا، و اليد لموسى «عليه السلام» ، و آية إحياء الموتى و غيرها لعيسى «عليه السلام» ، و كذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه، كالخوارق الصادرة عن


1) راجع: همه بايد بدانند {فارسي} ص 75.

2) الآية 59 من سورة الإسراء.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا عن اقتراح منهم الخ. .

ثم أجاب «رحمه اللّه» بما ملخصه: إن تكذيبهم بآية انشقاق القمر كان يستدعي العذاب، لأنها آية اقتراحية منهم، و ما كان اللّه ليهلك جميع من أرسل نبيه إليهم، و هم أهل الأرض جميعا إلا بعد إتمام الحجة عليهم، و لم تتم الحجة بعد على جميع الناس ثم كذبوه، ثم طلبوا الآية.

بل تمت الحجة على بعض الأفراد من الذين كانوا يعيشون في مكة، لأن هذه الآية كانت قبل الهجرة بخمس سنين هذا بالإضافة إلى أنه ما كان اللّه ليهلك جميع أهل مكة و من حولها، لأن فيهم جمعا كبيرا من المسلمين، قال تعالى: هُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ اَلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لاٰ رِجٰالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسٰاءٌ مُؤْمِنٰاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اَللّٰهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشٰاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (1).

و لم يتزيل المشركون عن المسلمين، و لا امتازوا عنهم.

كما أنه إذا كان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بينهم فإنه لا يعذبهم.

قال تعالى: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ. . (2)و ما كان اللّه لينجي المؤمنين و يهلك الكفار بعد أن آمن جمع كثير منهم فيما بين سنة ثمان من البعثة و ثمان من الهجرة، ثم أسلم عامتهم يوم الفتح، و الإسلام يكتفى فيه بظاهره.

و أيضا، فإن عامة أهل مكة و من حولها لم يكونوا أهل جحود و عناد،


1) الآية 25 من سورة الفتح.

2) الآية 33 من سورة الأنفال.

و إنما كان ذلك في عظمائهم و صناديدهم، الذين كانوا يستهزئون به «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعذبون المؤمنين.

و الآيات التي تبين أن صدهم عن المسجد الحرام، و استفزازهم له «صلى اللّه عليه و آله» من الأرض ليخرجوه منها، سوف ينشأ عنه أنهم لاٰ يَلْبَثُونَ خِلاٰفَكَ إِلاّٰ قَلِيلاً (1)، و يَمَسُّهُمُ اَلْعَذٰابُ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ (2)- هذه الآيات-قد تحقق مضمونها بما أصابهم يوم بدر من القتل الذريع.

فقوله تعالى: وَ مٰا مَنَعَنٰا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيٰاتِ. . (3)إنما يفيد الإمساك عن إرسال الآيات ما دام النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيهم، و أما إرسالها و تأخير العذاب إلى حين خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه.

و قوله تعالى: وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً (4)-إلى أن قال-: قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً (5). لا يدل على نفي تأييد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالآيات المعجزة، و إنكار نزولها من الأساس، و إلا فإن جميع الأنبياء كانوا بشرا.

و معنى الآية: أنه من حيث هو بشر فإنه لا يقدر على ذلك.


1) الآية 76 من سورة الإسراء.

2) الآية 49 من سورة الأنعام.

3) الآية 59 من سورة الإسراء.

4) الآية 90 من سورة الإسراء.

5) الآية 93 من سورة الإسراء.

و إنما الأمر إلى اللّه تعالى فهو الذي يأتي بالآيات في الحقيقة (1).

و يقول البعض: إن آية: . . وَ مٰا نُرْسِلُ بِالْآيٰاتِ إِلاّٰ تَخْوِيفاً (2)لعلها ناظرة إلى أن دعوة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليست معتمدة على الآيات، التي هي من قبيل ناقة ثمود، و آيات موسى «عليه السلام» ، بل هي تعتمد بالدرجة الأولى على الإقناع، و إقامة الحجة العقلية كدعوة إبراهيم «عليه السلام» ، و ذلك لا ينافي صدور بعض الآيات في الموارد التي لا تنفع فيها الحجج العقلية، و البراهين القطعية.

انشقاق القمر: الحدث الكبير:

و أوردوا على انشقاق القمر بأنه لو انشق-كما يقال-لرآه جميع الناس، و لضبطه أهل الأرصاد في الغرب و الشرق، لكونه من أعجب الآيات السماوية، و الدواعي متوفرة على استماعه و نقله.

و أجيب:

أولا: إن من الممكن أن يغفل عنه، فلا دليل على كون كل حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس، محفوظا عندهم، يرثه خلف عن سلف (3).

و أوضح ذلك بعض الأعلام بما حاصله: إنه لا بد من ملاحظة الأمور التالية:

1-إن هذا الانشقاق قد حصل في نصف الكرة الأرضية، حيث يوجد


1) راجع فيما تقدم: تفسير الميزان ج 19 ص 60-64.

2) الآية 59 من سورة الإسراء.

3) تفسير الميزان ج 19 ص 64.

الليل دون النصف الآخر، حيث يوجد النهار.

2-و في هذا النصف لا يلتفت أكثر الناس إلى ما يحصل في الأجرام السماوية إذا كان ذلك بعد نصف الليل، حيث الكل نائمون، فإنهم جميعا لا يلتفتون إلى ذلك.

3-و لربما يكون في بعض المناطق سحاب يمنع من رؤية القمر.

4-و الحوادث السماوية إنما تلفت النظر لو كانت مصحوبة بصوت كالرعد، أو بأثر غير عادي كقلة نور الشمس في الكسوف، إذا كان لمدة طويلة نسبيا.

5-هذا كله عدا عن أن السابقين لم يكن لهم اهتمام كبير بالسماء و مراقبة ما يحدث لأجرامها.

6-و لم يكن ثمة وسائل إعلام تنقل الخبر من أقصى الأرض إلى أقصاها بسرعة مذهلة؛ لتتوجه الأنظار إلى ما يحدث.

7-و التاريخ الموجود بين أيدينا ناقص جدا، فكم كان في تلك المئات و الآلاف من السنين الخالية من كوارث و زلازل، و سيول عظيمة أهلكت طوائف و أمما، و ليس لها مع ذلك في التاريخ أثر يذكر؟

بل إن زرادشت و قد ظهر في دولة عظيمة، و له أثر كبير على الشعوب على مدى التاريخ، لا يعرف حتى أين ولد و مات و دفن، بل و يشك البعض في كونه شخصية حقيقية، أو وهمية.

و بعد ما تقدم: يتضح أنه لا يجب أن يعرف الناس بانشقاق القمر، و لا أن يضبطه التاريخ بشكل واضح (1)كما هو معلوم.


1) همه بايد بدانند {فارسي} ص 94 للعلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

ثانيا: لم يكن في المنطقة العربية و غيرها مرصد للأوضاع السماوية، و إنما كانت المراصد موجودة في المشرق و المغرب لدى الروم و اليونان، و غيرهما. و لم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت، على أن بلاد الغرب، الذين كانوا معتنين بهذا الشأن بينها و بين مكة من اختلاف الأفق ما يوجب فصلا زمانيا معتدا به.

و قد كان القمر على ما في بعض الروايات بدرا قد انشق حين طلوعه، و دام مدة يسيرة، ثم التأم، فيقع طلوعه في بلاد المغرب و هو ملتئم ثانيا (1).

إمكان الانشقاق و الالتئام علميا:

و يبقى هنا سؤال و هو: هل يمكن علميا الانشقاق في الأجرام السماوية؟

و إذا أمكن الانشقاق، فإنما يمكن ببطلان التجاذب بين الشقتين حينئذ؛ فيستحيل الالتئام بعد الانشقاق.

و أجيب عنه: بأن خرق العادة بقدرة اللّه سبحانه ليس محالا.

كما أن العلماء يقولون: إنه قد حدثت انشقاقات كثيرة في الأجرام السماوية؛ بسبب عوامل خاصة، و من الأمثلة على ذلك:

1-إن ثمة حوالي خمسة آلاف من القطع الكبيرة و الصغيرة التي تدور حول الشمس و يعتقد العلماء أنها بقايا إحدى السيارات التي كانت بين مداري المريخ و المشتري، ثم انفجرت لأسباب مجهولة و تحولت إلى قطع متفاوتة الأحجام في مدارات حول الشمس.


1) تفسير الميزان ج 19 ص 64 و 65.

2-و يقولون: إن الشهب هي أحجار صغيرة تسير بسرعة مذهلة في مدار حول الشمس، و ربما تتقاطع مع الأرض أحيانا، فتجذبها الأرض، فتصطدم بالجو الأرضي فتشتعل ثم تتلاشى.

و يقول العلماء: إنها بقايا نجوم انفجرت و تشققت بهذا النحو.

3-و المنظومة الشمسية أيضا يقال-حسب نظرية لابلاس-إنها كانت في الأصل قطعة واحدة، ثم انفجرت، لسبب غير معلوم فصارت على هذا النحو، فلماذا لا ينشق القمر بسبب قاهر و هو القدرة الإلهية، حيث إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا اللّه فاستجاب له؟ و لم يدّع أحد أنه ينشق بلا سبب أصلا.

و أما عودته إلى الالتئام بعد ذلك، فقد قال العلماء: إن كل جرم كبير له جاذبية.

و لذلك نجد أن الشمس كثيرا ما تجذب بعض القطعات التي تدور حولها، فتتحول تلك القطع بفعل الصدمة و الاحتكاك إلى لهب متلاش.

إذا، فما دام كل من شقي القمر قريبا إلى الآخر، و بعد رفع تأثير القوة المانعة من تأثير الجاذبية، فلماذا لا يشد كل من النصفين النصف الآخر إلى نفسه، ليعودا كما كانا، و أي محذور عقلي في ذلك؟ ! (1).

و قد أوجز العلامة الطباطبائي الإجابة عن سؤال امتناع الالتئام لعدم الجاذبية، فقال: إن الاستحالة العقلية ممنوعة، و الاستحالة العادية، بمعنى اختراق العادة، لو منعت عن الالتئام بعد الانشقاق، لمنعت أولا عن


1) كتاب: همه بايد بدانند ص 84-90.

الانشقاق بعد الالتئام و لم تمنع. و أصل الكلام مبني على خرق العادة (1).

و مما تجدر الإشارة إليه هنا: أن جريدة كيهان الإيراينة قد نشرت بتاريخ: الثلاثاء 3 شباط 2004 «14/11/1382 ه. ش» العدد 62/17876 خبرا مفاده أن رواد الفضاء الأمريكي قد توصلوا في تحقيقاتهم الأخيرة إلى أن القمر قد انشق إلى نصفين، و من ثم-بواسطة قوة فاعلة-التأم من جديد.

و في مقابلة تلفزيونية مع عالم الجيولوجيا الدكتور زغلول النجار أعلن أنه و خلال محاضرة له في جامعة «كارديف» في غرب بريطانيا، أكد داود موسى بيتكوك «رئيس الحزب الإسلامي البريطاني» : أنه سمع ذلك من التلفزيزن البريطاني، و أن هذا كان سبب إسلامه.

دلالة الآية القرانية على ذلك:

و يحتمل البعض: أن يكون قوله تعالى: اِقْتَرَبَتِ اَلسّٰاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ (2)ناظرا إلى المستقبل، و أنه من أشراط الساعة، كتكوير الشمس، و انكدار النجوم.

و أجيب عنه بما حاصله:

أولا: إن ظاهر قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (3)هو أن جماعة من مخالفي النبي لا يؤمنون بالآيات و كلما جاءتهم


1) تفسير الميزان ص 19-65.

2) الآية 1 من سورة القمر.

3) الآية 2 من سورة القمر.

آية يزيد عنادهم و استكبارهم، و يعتبرونها من السحر.

مما يدل على أنه قد جرى له «صلى اللّه عليه و آله» معهم في قصة انشقاق القمر مثل ذلك.

ثانيا: إن جملة «انشق» فعل ماض، و لا يراد الاستقبال من الفعل الماضي إلا بقرينة، و هي غير موجودة، بل الموجود خلافه؛ فقد قال الرازي:

«المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق، و دلت الأخبار الصحاح عليه» (1)و إن كان الطبرسي و ابن شهر آشوب يستثنيان: عطاء، و الحسن و البلخي (2).

ثم قال الطبرسي: و هذا لا يصح، لأن المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتد بخلاف من خالف فيه (3).

و إن قيل: إن اقتران جملة: اقتربت الساعة: بجملة: و انشق القمر، يوحي بأن زمانهما واحد.

فالجواب هو: أن كثيرا من الآيات تؤكد على أن الساعة قد قرب وقتها، فلم الغفلة؟ قال تعالى: اِقْتَرَبَ لِلنّٰاسِ حِسٰابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (4).


1) التفسير الكبير للرازي ج 29 ص 28.

2) مجمع البيان ج 9 ص 186 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 122.

3) مجمع البيان ج 9 ص 186.

4) سورة الأنبياء الآية 1.

و ينقل عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «بعثت أنا و الساعة كهاتين» (1)و أشار إلى إصبعيه.

«و الظاهر: أن ذلك بملاحظة مجموع عمر الدنيا الطويل جدا، حتى ليصح أن يقال:

إن هذا الفاصل الزماني بين بعثته «صلى اللّه عليه و آله» و قيام الساعة ليس بشيء» .

و بعد هذا. . فإن مفاد الآية يكون: أن الساعة قد اقتربت، و هذه الآية المعجزة قد ظهرت للنبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن هؤلاء المشركين المستكبرين لا يؤمنون، و لا يصدقون، بل يقولون: سحر مستمر (2).

و لكن بعض المحققين يقول: إن قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً. . جملة شرطية، لا دلالة فيها على وقوع ذلك.

و جملة وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ مساقها مساق قوله تعالى: أَتىٰ أَمْرُ اَللّٰهِ فَلاٰ تَسْتَعْجِلُوهُ فإنها جملة فعلية ماضوية، و لكن الأمر لم يأت بعد بقرينة قوله: فَلاٰ تَسْتَعْجِلُوهُ .

و كذا الحال في قوله تعالى: وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ بملاحظة قوله تعالى:


1) نقله في مفتاح كنوز السنة ص 227 عن البخاري، و مسلم، و ابن ماجة و الطيالسي، و أحمد، و الترمذي و الدارمي، فراجع.

2) راجع في كل ما ذكرناه في دلالة الآية كتاب: همه بايد بدانند {فارسي} ص 76- 80.

وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً. . و المراد بيان حالهم لو وقع لهم أمر كهذا.

و أما الإجماع الذي ادعاه الطبرسي؛ فلا حجية فيه، إذ من المحتمل أن يكون منشؤه الفهم الخاطئ للآية، انتهى كلامه.

و نقول نحن: إن هذا الكلام له وجه، لو لم يكن لدينا أخبار صحيحة تدل على وقوع انشقاق القمر.

الأساطير:

هذا، و قد لعبت الأهواء و الأساطير في قضية شق القمر، حتى لقد شاع على ألسنة الناس: أن أحد شقي القمر قد مر من كمّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فيقول العلامة الشيخ ناصر مكارم: إن هذا الكلام ليس له في كتب الحديث و التفسير عين و لا أثر، سواء عند السنة، أو عند الشيعة.

و ثمة تفاصيل و خصوصيات تذكر في بعض الروايات لا نرى في تحقيق الحق فيها كبير نفع، و لا جليل أثر؛ و لذا فنحن نعرض عنها إلى ما هو أهم، و نفعه أعم.

نقض الصحيفة:

و بعد ثلاث سنوات تقريبا من حصر المسلمين في شعب أبي طالب، أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عمه أبا طالب بأن الإرضة قد أكلت كل ما في صحيفتهم من ظلم و قطيعة رحم و لم يبق فيها إلا ما كان اسما للّه. و في نص آخر:

«أنها قد أكلت كل اسم للّه تعالى فيها، و لم تبق إلا كل ظلم و شر،

و قطيعة رحم» (1).

و الأصح هو الأول كما هو صريح الكلام المنقول عن أبي طالب «عليه السلام» . .

فخرج أبو طالب من شعبه، و معه بنو هاشم إلى قريش، فقال المشركون: الجوع أخرجهم.

و قالوا له: يا أبا طالب، قد آن لك أن تصالح قومك.

قال: قد جئتكم بخير، ابعثوا إلى صحيفتكم، لعله أن يكون بيننا و بينكم صلح فيها. فبعثوا، فأتوا بها، فلما وضعت و عليها أختامهم.

قال لهم أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا؟

قالوا: لا.

قال: إن ابن أخي حدثني و لم يكذبني قط: أن اللّه قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة، فأكلت كل قطيعة و إثم، و تركت كل اسم هو للّه؛ فإن


1) و لربما يقال: إن استمرار قريش على عدائه «صلى اللّه عليه و آله» ، إلى حين نقض الصحيفة، يدل على أن الأرضة إنما محت اسم اللّه تعالى. و أبقت قطيعة الرحم و سائر المواد التي اتفقوا عليها. و قد استبعد البعض ذلك استنادا إلى أن أكل الأرضة لاسم اللّه بعيد. فلعلهم التزموا بمضمونها و إن كانت الأرضة قد محتها، أو أنهم أعادوا كتابتها. و لربما يرد على ذلك بأن الأرضة إنما محت اسم اللّه عنها تنزيها له عن أن يكون في صحيفة ظالمة كهذه و هذا إعجاز مطلوب و راجح من أجل إظهار الحق، و ليس في ذلك إهانة.

كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا، و إن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه.

فصاح الناس: أنصفتنا يا أبا طالب، ففتحت، ثم أخرجت، فإذا هي كما قال «صلى اللّه عليه و آله» : فكبر المسلمون، و امتقعت وجوه المشركين.

فقال أبو طالب: أتبين لكم: أينا أولى بالسحر و الكهانة؟ . فأسلم يومئذ عالم من الناس.

و لكن المشركين لم يقنعوا بذلك، بل استمروا على العمل بمضمون الصحيفة، حتى قام جماعة منهم بالعمل على نقضها، و يذكرون منهم: هشام بن عمرو بن ربيعة، و زهير بن أمية بن المغيرة، و المطعم بن عدي، و أبا البختري بن هشام، و زمعة بن الأسود، و كلهم له رحم ببني هاشم و المطلب، و تكلموا في نقضها؛ فعارضهم أبو جهل فلم يلتفتوا إلى معارضته، و مزقت الصحيفة، و بطل مفعولها. و خرج الهاشميون حينئذ من شعب أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه (1).

حنكة أبي طالب، و إيمانه:

إن المطالع لأحداث ما قبل الهجرة النبوية الشريفة ليجد عشرات الشواهد الدالة على حنكة أبي طالب «عليه السلام» .

و خير شاهد نسوقه الآن على ذلك، هو ما ذكرناه آنفا، حيث رأيناه


1) راجع فيما تقدم: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 44 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 16 و دلائل النبوة ط دار الكتب ج 2 ص 312 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 88 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 137 و 138 ط دار المعرفة و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 31 و البداية و النهاية ج 3 ص 85 و 86.

يطلب منهم أن يحضروا صحيفتهم، و يمزج ذلك بالتعريض بإمكان أن يكون ثمة صلح في ما بينهم و بينه.

و ما ذلك إلا من أجل أن لا تفتح الصحيفة إلا علنا، يراها كل أحد، و أيضا حتى يهيئهم للمفاجأة الكبرى، و يمهد السبيل أمام طرح الخيار المنطقي عليهم، ليسهل عليهم تقبله، ثم الالتزام به، و لا سيما إذا استطاع أن ينتزع منهم وعدا بما يريد، و يضعهم أمام شرف الكلمة، و على محك قواعد النبل و احترام الذات، حسب المعايير التي كانوا يتعاملون على أساسها. .

و قد نجح في ذلك إلى حد بعيد، حتى ليصيح الناس: أنصفتنا يا أبا طالب.

ثم تبرز لنا من النصوص المتقدمة حقيقة أخرى، لها أهميتها و انعكاساتها، و هي تدل على مدى ثقة أبي طالب بصدق النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و بسداد أمره، و واقعية ما جاء به، حتى قال: إن ابن أخي حدثني و لم يكذبني قط. .

و كان يتألم جدا من اتهام ابن أخيه بالسحر و الكهانة، و يعتبر ذلك افتراء ظاهرا، و يغتنم الفرصة السانحة للتعبير عن خطل رأيهم، و سفه أحلامهم، فيقول لهم: «أتبين لكم: أينا أولى بالسحر و الكهانة» ؟ !

و كانت النتيجة: أن أسلم بسبب هذه المعجزة يومئذ عالم من الناس.

القبلية و آثارها:

و قد لاحظنا فيما سبق: أن القبلية قد ساعدت إلى حد ما في منع الكثير من الأحداث التي تؤثر مستقبليا على الدعوة و نجاحها.

و ليكن ما قام به هؤلاء الذين عملوا على نقض الصحيفة هو أحد الشواهد على ذلك.

و لكن الذي يلفت نظرنا هو: أننا لا نرى أبا لهب فيمن قام في ذلك أو ساعد عليه.

كما أننا لا نجد أثرا لابن عم خديجة حكيم بن حزام، الذي تدّعي الروايات! ! أنه كان يرسل الطعام لهم و هم محصورون في الشعب.

و أيضا لا نجد مكانا لأبي العاص بن الربيع الأموي {! !} ، الذي سوف يأتي حين الكلام على أسطورة تزويج الإمام علي «عليه السلام» ببنت أبي جهل أنهم يدعون {! !} : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أثنى على صهره! ! تعريضا بعلي الذي لم يكن يستحق إلا التقريع و التعريض {! !} . علي الذي كان يخاطر بنفسه، و يأتي لهم بالطعام من مكة، و لو وجدوه لقتلوه، كما تقدم.

ما بعد نقض الصحيفة:

و استمر الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يعمل على نشر دينه، و أداء رسالته، و استمرت قريش تضع في طريقه العراقيل، و تحاول أن تمنع الناس من الاجتماع به، و الاستماع إليه، بكل الوسائل التي تقع تحت اختيارها، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتحمل و يصبر، لا يكل و لا يمل، و لم تفلح قريش في ذلك، و لا وصلت إلى نتيجة، و الأحداث التي في هذا السبيل كثيرة، لو أردنا استقصاءها لطال بنا المقام، و لا محيص لنا عن تجاوزها إلى غيرها، و إن كان يعز ذلك علينا.

وفد من الحبشة:

و قدم على النبي الأعظم الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أول وفد من خارج مكة، و بالذات من الحبشة، و من النصارى، و قيل: من نجران، و كان يتألف-على قول ابن إسحاق و غيره-من عشرين رجلا، و قيل غير ذلك، و كان على رأس الوفد جعفر بن أبي طالب «رحمه اللّه» (1).

فوجدوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد الحرام؛ فكلموه، و سألوه، و رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، و بعد دعوة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لهم إلى الإسلام آمنوا و صدقوا، فلما قاموا، اعترضهم أبو جهل، و عنفهم على إسلامهم، و تركهم دينهم؛ فقالوا: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، و لكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا؛ فأنزل اللّه تعالى:

اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ، إلى قوله تعالى: وَ إِذٰا سَمِعُوا اَللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قٰالُوا لَنٰا أَعْمٰالُنٰا وَ لَكُمْ أَعْمٰالُكُمْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ لاٰ نَبْتَغِي اَلْجٰاهِلِينَ (2).

و كانت هذه-بطبيعة الحال-ضربة قاسية لقريش و كبريائها، و خططها


1) كذا قال البوطي في فقه السيرة ص 126 و مجمع البيان ج 7 ص 258 و يفهم منه أنهم قدموا مع جعفر حين قدومه نهائيا عام خيبر.

2) الآية في سورة القصص من آية 52 حتى آية 55، و راجع الحديث في سيرة ابن هشام ج 2 ص 32، و تفسير ابن كثير، و القرطبي، و النيسابوري في تفسير الآيات، و البداية و النهاية ج 3 ص 82.

و أهدافها، و خصوصا إذا كان ذلك الوفد قد جاء من الحبشة، و بالأخص بقيادة جعفر «عليه السلام» فإن ذلك يعني:

أن الدعوة قد بدأت تأخذ طريقها إلى القلوب في مناطق لا تخضع لقريش، و سلطانها، و نفوذها.

كما أنه إنذار لها بلزوم التحرك بسرعة قبل أن يفوت الأوان.

و لكن كيف؟ و أنى؟ . و هذا أبو طالب، و معه الهاشميون و المطّلبيون يمنعون محمدا و يحوطونه، فلا بد إذن من الانتظار.

من مواقف أبي طالب:

و كان أبو طالب شيخ الأبطح «عليه السلام» هو الذي حامى و ناصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حدب عليه منذ طفولته، و حتى الآن: فقد نصره بيده و لسانه، و واجه المصاعب الكبيرة، و المشاق العظيمة في سبيل الدفع عنه، و الذود عن دينه و رسالته، و إعطائها الفرصة للتوسع و الانتشار، ما وجد إلى ذلك سبيلا.

و هو أيضا الذي كان يقدمه على أولاده جميعا، و قد أرجعه بنفسه من بصرى إلى مكة عند ما حذره بحيرا من اليهود عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

نعم، و هو الذي رضي بعداء قريش له، و بمعاناة الجوع و الفقر، و النبذ الاجتماعي، و رأى الأطفال يتضاغون جوعا، حتى اقتاتوا ورق الشجر، بل لقد عبر صراحة:

عن أنه على استعداد لأن يخوض حربا طاحنة، تأكل الأخضر و اليابس، و لا يسلّم محمدا لهم، و لا يمنعه من الدعوة إلى اللّه، بل هو لا

يطلب منه ذلك على الأقل.

و هو الذي يقف ذلك الموقف العظيم من جبابرة قريش و فراعنتها، حينما جاءه النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و قد ألقت عليه قريش سلا ناقة-فأخذ «رحمه اللّه» السيف، و أمر حمزة بأن يأخذ السلا، و توجه إلى القوم، فلما رأوه مقبلا عرفوا الشر في وجهه، ثم أمر حمزة أن يلطخ سبالهم، واحدا واحدا، ففعل (1).

و في نص آخر: أنه نادى قومه، و أمرهم بأن يأخذوا سلاحهم؛ فلما رآه المشركون أرادوا التفرق؛ فقال لهم: «و رب البنيّة، لا يقوم منكم أحد إلا جللته بالسيف، ثم وجأ أنف من فعل بالنبي ذلك حتى أدماها-و فاعل ذلك هو ابن الزبعرى-و أمرّ بالفرث و الدم على لحاهم (2).

و في الشعب كان يحرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه و ينقله من مكان إلى آخر.

و يجعل ولده عليا «عليه السلام» في موضع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى إذا كان أمر، أصيب ولده دونه و قد خاطب «رحمه اللّه» في هذه المناسبة عليا «عليه السلام» بأبيات معبرة.


1) الكافي نشر مكتبة الصدوق ج 1 ص 449 و منية الراغب ص 75 و راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 291 و 292 و السيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش الحلبية ج 1 ص 202 و 208 و 231 و البحار ج 18 ص 259.

2) راجع: الغدير ج 7 ص 388 و 359 و ج 8 ص 3-4 و أبو طالب مؤمن قريش ص 73 كلاهما عن العديد من المصادر و ثمرات الأوراق ص 285 و 286 و نزهة المجالس ج 2 ص 122 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 406،405 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 24 و 25.

و أجابه علي «عليه السلام» بمثلها (1)فلتراجع.

و كان يدفع قريشا عنه باللين تارة، و بالشدة أخرى، و ينظم الشعر السياسي، ليثير العواطف، و يدفع النوازل، و يهيئ الأجواء لإعلاء كلمة اللّه، و نشر دينه، و حماية أتباعه.

و قد افتقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرة «فلم يجده؛ فجمع الهاشميين، و سلّحهم، و أراد أن يجعل كل واحد منهم إلى جانب عظيم من عظماء قريش ليفتك به، لو ثبت أن محمدا أصابه شر» (2).

كل ذلك في سبيل الدفع عن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» و نصر دينه، و إعلاء كلمته، و رفعة شأنه.

و واضح: أن الإلمام بكل مواقف أبي طالب، و تضحياته الجسام يحتاج إلى وقت طويل، و جهد مستقل و نحن نكتفي بهذه الإشارة، و نعترف أننا لم نقض حقه كما ينبغي و ذلك من أجل أن نوفر الفرصة لبحوث أخرى في السيرة النبوية الشريفة.


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 64 و 65 و أسنى المطالب ص 21 و لم يصرح باسم {علي} و كذا في السيرة الحلبية ج 1 ص 342 و راجع البداية و النهاية ج 3 ص 84 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 44 و دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 312 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 140 و 141 و الغدير ج 7 ص 363 و 357 و 358 و ج 8 ص 3 و 4 و أبو طالب مؤمن قريش ص 194.

2) قد مر ذلك في أثناء الحديث عن الإسراء و المعراج، راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26. أبو طالب مؤمن قريش ص 171 و منية الراغب ص 75 و 76 و الغدير ج 2 ص 49 و 350 و 351.

مع تضحيات أبي طالب عليه السّلام:

مما تقدم يظهر أن أبا طالب، شيخ الأبطح، كان قد:

1-تخلى حتى عن مكانته في قومه، إلى بديل آخر هو في الاتجاه المضاد تماما، و هو العداء لهم، و سائر أهل بلده، بل و الدنيا بأسرها، بل هو يتحمل النفي و النبذ الاجتماعي له، و لكل من يلوذ به، و لا يستسلم للضغوط المتنوعة التي يتعرض لها، و لا تلين قناته، و لا تصدع صفاته.

2-رضي بتحمل الجوع و الفقر و المحاصرة الاقتصادية، بل هو يبذل أمواله و كل ما لديه في سبيل هذا الدين.

3-وطّن نفسه على خوض حرب طاحنة، ربما تنتهي بإبادة الهاشميين و أعدائهم، إذا لزم الأمر.

4-ضحى حتى بولده الأصغر سنا عليّ «عليه السلام» و تحمل آثار غربة ولده الآخر جعفر، المهاجر إلى الحبشة.

5-جاهد بيده و لسانه، و استخدم كل ما لديه من إمكانات مادية و معنوية، و لا يبالي بالصعاب و المشاق كافة، و هو يدافع عن هذا الدين، و يحوطه بالرعاية و العناية، ما وجد إلى ذلك سبيلا.

سؤال و جوابه:

و يرد سؤال، هو: لماذا لا يكون ذلك كله بدافع عاطفي، و نابعا عن حمية النسب و القبيلة؟ !

أو على حد تعبير البعض: بدافع من «حبه الطبيعي» ؟ (1).

و جوابه:

1-ما يأتي من أدلة قاطعة على إيمان أبي طالب عليه الصلاة و السلام و لا سيما أشعاره و تصريحاته الدالة على ذلك، هذا بالإضافة إلى ما ورد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عن الأئمة «عليهم السلام» من ولده في ذلك. .

2-يؤيد ذلك أنه إذا كان محمد «صلى اللّه عليه و آله» ابن أخيه؛ فإن عليا «عليه السلام» ولده، فلو كانت العاطفة النسبية هي الدافع، فلماذا يضحي بولده دون ابن أخيه، طائعا مختارا، بعد تفكير و تأمل و تدبر لعواقب ذلك؟ و لماذا يرضى بأن يكون الاغتيال-لو تم-موجها له دونه؟ !

أم يعقل أن يكون حبه الطبيعي لابن أخيه أكثر منه لولده، و فلذة كبده؟ ! .

3-لو كانت الحمية القبلية، و الرابطة النسبية، هي السبب في موقفه ذاك، فأولا:

لماذا لم تدفع أبا لهب لعنه اللّه لأن يقف أيضا موقف أبي طالب «عليه السلام» ؛ فيدفع عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يضحي في سبيله؛ حتى بولده، و بمكانته، و بكل ما يملك؟ ! .

بل لقد رأيناه من أشد الناس على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أكثرهم جرأة عليه، و إيذاء له.

و أما سائر بني هاشم فإنهم و إن دخلوا الشعب مع النبي «صلى اللّه


1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 394.

عليه و آله» إلا أن تضحياتهم في سبيل النبي لم تبلغ عشر معشار تضحيات أبي طالب، كما أنهم إنما وقفوا هذا الموقف تحت تأثير نفوذ أبي طالب، و إصراره. .

بل لماذا يدفع الحب الطبيعي أبا طالب للتضحية بولده علي، و بإخوته، بل بسائر بني هاشم في سبيل ابن أخيه؟ ! . .

و هكذا يتضح: أن حمية الدين أقوى من حمية النسب، و لذلك نرى المسلمين يصرحون بأنهم على استعداد لقتل آبائهم و أولادهم في سبيل دينهم.

و قد استأذن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقتل أبيه (1). .

و في صفين أيضا لم يرجع الأخ عن أخيه حتى أذن له أمير المؤمنين «عليه السلام» بتركه (2)و قد قتل أهل الكوفة إخوانهم و أبناءهم حين أصبحوا خوارج (3)إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة.

4-ثم إنه لو كان أبو طالب يفعل ذلك من أجل الدنيا؛ فقد كان يجب أن يضحي بابن أخيه دون ولده، و يضحي به دون عشيرته؛ لأنه يحصل على الدنيا من هذا الطريق؛ كما قتل المأمون أخاه، و سممت أم الهادي ولدها، لا أن يضحي بكل شيء دونه، و يصر على ذلك حتى لو كانت النتيجة هي:


1) تفسير الصافي ج 5 ص 180 و السيرة الحلبية ج 2 ص 64 و الدر المنثور ج 6 ص 24 عن عبد بن حميد، و ابن المنذر و الإصابة ج 2 ص 336.

2) صفين للمنقري ص 271 و 272.

3) راجع: كتابنا: عليّ و الخوارج ج 2 ص 77 فما بعدها.

خوض حرب تؤدي إلى قتله و جميع من معه من أهل و أحبة، فإن هذا لا يصح في منطق المصالح الدنيوية بأية صورة على الإطلاق.

5-و أيضا، فإن الحمية القبلية-لو كانت-فإنما تؤثر أثرها في حدود مصالح القبيلة، و الحفاظ على شؤونها، و مستقبلها أما إذا كانت هذه الحمية سببا في تدمير القبيلة و القضاء عليها، و تعطيل مصالحها، و تعريض مستقبلها للأخطار الجسام؛ فإن هذه الحمية لا يمكن أن يفسح لها المجال، و لا أن يظهر لها أثر لدى عقلاء الرجال.

و هكذا يتضح: أننا لا يمكن أن نفسر مواقف أبي طالب «عليه السلام» تلك، إلا على أنها بدافع عقيدي و إيماني راسخ، يدفع الإنسان للبذل و العطاء، لكل ما يملك في سبيل دينه و عقيدته.

فصلوات اللّه و سلامه عليك يا أبا طالب، يا أبا الرجال، و يا رائد قوافل التضحية و الفداء، في سبيل الحق و الدين، و رحمة اللّه و بركاته.

عام الحزن:

و في السنة العاشرة من البعثة كانت وفاة الرجل العظيم، أبي طالب عليه الصلاة و السلام، ففقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بفقده نصيرا قويا، و عزيزا وفيا، كان هو الحامي له، و الدافع عنه، و عن دينه، و رسالته، كما أشرنا إليه.

ثم توفيت بعده بمدة و جيزة-قيل: بثلاثة أيام، و قيل بعده بحوالي شهر (1)خديجة أم المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليها، أفضل أزواج النبي


1) السيرة الحلبية ج 1 ص 346 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 132 البداية و النهاية ج 3 ص 127 و التنبيه و الإشراف ص 200.

الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحسنهن سيرة و أخلاقا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد كانت بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» {و هي عائشة} تغار منها غيرة شديدة، كما سنرى، رغم أنها لم تجتمع معها في بيت الزوجية، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوجها بعد وفاة خديجة بزمان (1).

و نستطيع أن نعرف: كم كان لأبي طالب، و لخديجة «عليهما السلام» من خدمات جلّى في سبيل هذا الدين من تسمية النبي «صلى اللّه عليه و آله» عام وفاتهما ب: «عام الحزن» (2).

الحب في اللّه و البغض في اللّه:

و من الواضح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ينطلق في حبه لهما، و حزنه عليهما من مصلحته الشخصية، أو من عاطفة رحمية، و إنما هو يحب في اللّه تعالى، و في اللّه فقط.

و يقدّر أي إنسان، و يحزن لفقده، و يرتبط به روحيا و عاطفيا، بمقدار ارتباط ذلك الإنسان باللّه، و قربه منه، و تفانيه في سبيله، و في سبيل دينه


1) البداية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 127-128 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 133-135 صحيح البخاري ج 2 ص 202 و كتاب عائشة للعسكري ص 46 فما بعدها. و قد ذكرنا بعض المصادر لذلك في ما يأتي في فصل: حتى بيعة العقبة، حين الكلام حول جمال عائشة و حظوتها.

2) سيرة مغلطاي ص 26 و تاريخ الخميس ج 1 ص 301 و المواهب اللدنية ج 1 ص 56 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 139 ط دار المعرفة و أسنى المطالب ص 21.

و رسالته.

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتأثر على أبي طالب و خديجة؛ لأن هذه زوجته و ذاك عمه.

و إلا فقد كان أبو لهب عمه أيضا، و إنما لما لمسه فيهما من قوة إيمان، و صلابة في الدين، و تضحيات و تفان في سبيل اللّه، و العقيدة، و في سبيل المستضعفين في الأرض و لما خسرته الأمة فيهما، من جهاد و إخلاص قلّ نظيره في تلك الظروف الصعبة و المصيرية.

و قد ألمح النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ذلك حينما جعل موت أبي طالب و خديجة مصيبة للأمة بأسرها، كما هو صريح قوله في هذه المناسبة: «. . اجتمعت على هذه الأمة مصيبتان، لا أدري بأيهما أنا أشد جزعا» (1).

نعم، و ذلك هو الأصل الإسلامي الأصيل، الذي قرره اللّه تعالى بقوله: لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . (2)و هل ثمة محادة للّه و لرسوله أعظم من الشرك، الذي عبر اللّه عنه بقوله: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (3)و إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ. . ؟ ! (4).

و الآيات و الروايات التي تؤكد على الحب في اللّه و البغض في اللّه كثيرة


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35 ط صادر.

2) الآية 22 من سورة المجادلة.

3) الآية 13 من سورة لقمان.

4) الآية 48 من سورة النساء.

تفوق حد الحصر في عجالة كهذه.

و على هذا الأساس قال اللّه تعالى لنوح عن ولده: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ. . (1).

و قال تعالى حكاية لقول إبراهيم «عليه السلام» : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (2)و على هذا الأساس أيضا كان سلمان الفارسي من أهل البيت.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : سلمان منا أهل البيت (3).

و قال أبو فراس:

كانت مودة سلمان لهم رحماو لم تكن بين نوح و ابنه رحم


1) الآية 46 من سورة هود.

2) الآية 36 من سورة ابراهيم.

3) مصادر هذا الحديث مذكورة في كتابنا سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثاني: روايات بدء الوحي 5-40

الفصل الثالث: الدعوة في مراحلها الأولى 41-86

الباب الثاني: حتى وفاة أبي طالب عليه السّلام

الفصل الأول: الإسراء و المعراج 89-146

الفصل الثاني: انذار العشيرة 147-196

الفصل الثالث: حتى الهجرة إلى الحبشة 197-238

الفصل الرابع: هجرة الحبشة 239-274

الفصل الخامس: حتى الشعب 275-324

الفصل السادس: في شعب أبي طالب عليه السّلام 325-362

الفهارس 363-375

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثاني: روايات بدء الوحي

ما روي في بدء الوحي:7

مناقشة روايات بدء الوحي:13

إشارة:19

و ثمة أسئلة أخرى:28

و من الطعن في النبوة أيضا:29

ما هو الصحيح في قضية بدء الوحي؟ !32

لماذا الكذب و الإفتعال إذن؟ !33

النتيجة:39

الفصل الثالث: الدعوة في مراحلها الأولى

أول من أسلم:43

بعض ما جاء في سبق علي عليه السّلام إلى الإسلام:47

تصريحات أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك:49

دليل آخر:50

خاتمة المطاف:51

القول بأن خديجة أول من أسلم:52

أبو بكر، و سبقه إلى الإسلام:53

طريق جمع فاشل:61

هدف الورعين {! ! !} من الجمع بين الروايات 63

تنبيه:64

مقارنة، و هدف:65

من أسلم بدعاية أبي بكر؟ !66

سر التأكيد على دور أبي بكر:72

هل عمير بن أبي وقاص من السابقين؟ !73

إسلام أبي قحافة:73

الدعوة في مراحلها، التي اجتازتها:74

المرحلة السرية:75

النبي صلّى اللّه عليه و آله في دار الأرقم:76

قريش لا تهتم لمرحلة ما قبل الإعلان:78

إسلام أبي ذر رحمه اللّه:78

ما يستفاد من حديث إسلام أبي ذر:81

الباب الثاني: حتى وفاة أبي طالب عليه السّلام

الفصل الأول: الإسراء و المعراج

الإسراء و المعراج 91

متى كان الإسراء و المعراج؟ !92

الأدلة على المختار:94

تسمية أبي بكر بالصديق 100

الإسراء و المعراج في اليقظة أو في المنام؟ !101

الإسراء و المعراج في القرآن:104

توضيح:106

الداعية الحكيم:107

لا تدركه الأبصار:108

الإسراء من المسجد:115

موسى، و فرض الصلوات الخمس:115

استبعاد الإسراء و المعراج:121

من أهداف الإسراء و المعراج:122

الأذان:125

اليهود و المسجد في القرآن:125

مفاد الآيات إجمالا:126

ضرب القاعدة، و إعطاء الضابطة:127

أقوال الرواة و المفسرين:131

رأي العلامة الطباطبائي رحمه اللّه:133

رأي آخر في الآيات:135

رأي آخر:136

و ثمة رأي آخر أيضا:139

ماذا تقول الروايات؟ !139

الرأي الأمثل:140

القميون يقاتلون الإسرائيليين:142

الغرب و إسرائيل:143

الحروب الطويلة و الصعبة:143

الفلسطينيون و الأرض:144

الفصل الثاني: انذار العشيرة

أهداف الإسلام:149

الحاجة إلى الوزير و الوصي:150

و أنذر عشيرتك الأقربين:152

التعصب الأعمى:155

ابن تيمية، و حديث الدار:156

الرد على ابن تيمية:157

نقاط هامة في حديث الإنذار 164

أ-روايات لا يمكن أن تصح:164

ب-ما المراد بكونه خليفته في أهله:166

ج-لماذا تخصيص العشيرة بالدعوة؟ ! :167

د-علي عليه السّلام في يوم الإنذار:169

ه-موقف أبي طالب رحمه اللّه:170

و-موقف أبي لهب:170

ز-الإنذار أولا:171

ح-ماذا قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في يوم الإنذار؟ ! :173

ط-التبشير و الإنذار:174

ي-أخي و وصيي:175

آخر حملات التشكيك في حديث الإنذار:176

مناقشة ما تقدم:185

الفصل الثالث: حتى الهجرة إلى الحبشة

فاصدع بما تؤمر:199

المفاوضات الفاشلة:201

أ-قريش لم تصل إلى نتيجة:203

ب: سر استكبار قريش:204

ماذا بعد فشل المفاوضات؟206

المعذبون في مكة:209

مع المعذبين أيضا:209

المعذبون الذين أعتقهم أبو بكر:210

هل عذب المشركون أبا بكر؟ !217

ملاحظة: هل كان أبو بكر رئيسا؟ ! :219

ملاحظة أخيرة:220

أول شهيد في الإسلام من آل ياسر:221

عمار بن ياسر:223

التقية في الكتاب و السنة:223

ملاحظة:224

و أما من السنة، فنذكر:225

و أما التقية في التاريخ:227

التقية ضرورة فطرية عقلية دينية إصلاحية:235

الفصل الرابع: هجرة الحبشة

لا بد من حل:241

سر اختيار الحبشة:242

الهجرة إلى الحبشة:244

أمير الهجرة جعفر:246

من هو أول مهاجر إلى الحبشة؟ :246

هجرة أبي موسى إلى الحبشة لا تصح:247

رقة عمر للمهاجرين:248

هجرة أبي بكر لا تصح:249

فضيلة عثمان بن مظعون تجعل لغيره:254

محاولة قريش اليائسة:255

قريش، و خططها المستقبلية:258

الثورة على النجاشي:260

عودة بعض المهاجرين:261

قصة الغرانيق:261

تساؤلات حائرة:271

حقيقة الأمر:272

الفصل الخامس: حتى الشعب

تناقضات في تاريخ إسلام حمزة عليه السّلام:277

إسلام حمزة عليه السّلام:277

إسلام حمزة كان عن وعي لا حمية:280

سر جبن أبي جهل في مواجهة حمزة عليه السّلام:280

ملاحظة هامة:282

عبس و تولى:282

المذنب رجل آخر:288

سؤال و جوابه:289

الرواية الصحيحة:290

إتهام عثمان:291

تاريخ هذه القضية:292

أعداء الإسلام و هذه القضية:292

أكاذيب أخرى مشابهة:292

قضية إسلام عمر بن الخطاب:295

وثمة أو سمة أخرى:299

1-متى كان إسلام عمر؟ !300

متى أسلم عمر إذن؟ !300

2-من سمى عمر بالفاروق؟ !306

3-هل كان عمر قارئا؟ !307

4-هل عز الإسلام بعمر حقا؟ !311

5-غسل عمر لمس الصحيفة:318

6-نزول آية في إسلام عمر:319

ملاحظات أخيرة:320

خاتمة المطاف:322

الفصل السادس: في شعب أبي طالب عليه السّلام

المقاطعة:327

أموال خديجة، و سيف علي عليهما السّلام:330

حكيم بن حزام و عواطفه تجاه المسلمين:332

انشقاق القمر:334

شبهة، و حلها:336

انشقاق القمر: الحدث الكبير 339

إمكان الانشقاق و الالتئام علميا 341

دلالة الآية القرانية على ذلك 343

الأساطير 346

نقض الصحيفة 346

حنكة أبي طالب، و إيمانه 348

القبلية و آثارها 349

ما بعد نقض الصحيفة 350

وفد من الحبشة 351

من مواقف أبي طالب 352

مع تضحيات أبي طالب عليه السّلام 355

سؤال و جوابه 355

عام الحزن 358

الحب في اللّه و البغض في اللّه 359

الفهارس 363

1-الفهرس الإجمالي 365

2-الفهرس التفصيلي 367