ghaemiyeh.com
شماره بازيابي : ۶-۲۱۸۴۲
سرشناسه : صاحب جواهر، محمدحسن بن باقر۱۲۰۰؟ - ۱۲۶۶ق.
عنوان و نام پديدآور : جوااهرالكلام[چاپ سنگي]/محمدحسن نجفي [صاحب جواهر]؛نويسنده متن:علامه حلي؛كاتب:ابوالقاسم خوانساري؛مصحح:موسي طهراني
وضعيت نشر : [بيجا: بينا]:، ۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري : [۵۱۸ص.]،ج۱؛قطع:۲۳×۳۷سم
يادداشت : زبان:عربي
آغاز، انجام، انجامه : آغاز:بسمله... الحمدلله الذي ختم الشرايع باسمهما طريقة و اوضحها حقيقة و اظهرها برهانا ... و بعد فيقول العبد القاصر العاثر محمد حسن بن المرحوم باقر احسن الله اليهما ...
انجام:... الاصحاب الثاني و الله اعلم الحمدلله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا علي ما انعم و وفق لاتمام مباحث الطهارة.
انجامه:المكرم من سنة۱۲۷۴ق.و انا الفقير الي الله الغني ابن اسدالله ابوالقاسم خوانساري.
يادداشت استنساخ : تاريخ كتابت:۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري اثر : نوع و درجه خط:نسخ
نوع و تز ئينات جلد:جلد مقوايي،روكش تيماج قهوه اي،عطف و لچكي ها گالينگور مشكي الحاقي.
خصوصيات نسخه موجود : حواشي اوراق:تصحيحاتي اندك با نشان«صح» و توضيحاتي اندك با نشان«منه»
يادداشت تملك و سجع مهر : يادداشت هاي تملك:يادداشتي با خط تحريري و با مركب مشكي " بسم الله الرحمن الرحيم و قد انتقل ذلك الكتاب مع مجلداته الاخر التي كانت عباره عن ست المجلدات مطبوعه بطبع حاجي موسي ره الي ملكي و هو مالك الملك و الرقاب من البايع المحترم الحاج شمس صاحب المكتبه في شارع ناصر خسرو و قرينا من شمس العملاره من العاصمه تهران صانها ... من الحدثان علي المبلغ الف و خمس مائه تومانا المقابل ۱۵۰۰ريالا و وقع هذا الانتقال في يوم الخامس المطباق با يوم الثاني من شهر جماديا لاولي من سنه اربع مائه بعد الالف من الهجره النبويه المصادف ۲۹/۱۲/۱۳۵۸ و انا الاحقر حسين الصالحي ... النجفي و التهراني المسكن" ( ظهريه صفحه اول)
توضيحات نسخه : نسخه بررسي شد.
نمايه ها، چكيده ها و منابع اثر : منابع ديده شده: ريحانة الادب (۳: ۳۵۸) ، ملي (۲: ۲۷۷) ، ذريعه (۵۹: ۲۴)
معرفي چاپ سنگي : جواهر الكلام كتابي مشروح و استدلالي در فقه شيعه قرن سيزدهم هجري و به زبان عربي است اين كتاب شرح مبسوط كتاب شرايع الاسلام (علامه حلي) است و جامعترين كتاب در موضوع فقه و استنباط و احكام است و همه ابواب فقه را در بر ميگيرد.نسخه حاضر مشتمل بر كتاب الطهاة است،و عناوين مطالب در حاشيه آمده است.
عنوانهاي گونه گون ديگر : جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام.
موضوع : محقق حلي،جعفر بن حسن۶۰۲-۶۷۶ق.-شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام--نقد وتفسير
فقه جعفري -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : محقق حلي،جعفر بن حسن،۶۰۲-۶۷۶ق.شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام.شرح
خوانساري،ابوالقاسم،قرن ۱۳ق.كاتب
طهراني،موسي،قرن ۱۳ق.مصحح
حسيني،فروشنده
ج8،
ج8،
الثالث في ما يستقبل له و يجب الاستقبال شرعا و لو لأنه شرط في فرائض الصلاة مع الإمكان بلا خلاف بين المسلمين، بل هو مجمع عليه بينهم إن لم يكن ضروريا عندهم، و الكتاب(1)كالمتواتر من النصوص(2)دال عليه، بل قد يندرج فيها ما وجب بالعارض من النفل بنذر و نحوه في وجه، كما أنه يندرج في النفل ما كان واجبا بالأصل ثم صار ندبا كصلاة العيد، فيجري حينئذ فيه ما تسمعه من وجوب الاستقبال فيه و عدمه، نعم قد يستثنى من ذلك الفريضة المعادة للاحتياط ندبا، أو لتحصيل فضيلة الجماعة باعتبار مدخلية الاستقبال في موضوع حكم النفل، ضرورة عدم حصول الإعادة و التدارك الذي شرع الاحتياط له بدون الاستقبال و غيره من أحكام الفريضة، و لا فرق في الفرائض بين اليومية و غيرها حتى صلاة الجنازة و الأدائية و القضائية و السفرية و الحضرية، كما أن الظاهر إلحاق ركعات الاحتياط و الأجزاء المنسية بها، بل يقوى إلحاق سجدتي السهو
ج8،
كما تسمعه في محله ان شاء الله، و تسمع وجوب الاستقبال بالمذبوح و المنحور عند الذبح و النحر مع الإمكان في محله أيضا إن شاء الله. و أما وجوبه بالميت عند احتضاره و دفنه فقد تقدم الكلام فيه و في كيفيته، و يأتي وجوبه عند الصلاة عليه قال في المهذب هنا بعد أن ذكر الوجوب في أحواله الثلاثة من غير ذكر خلاف: «و يختلف استقباله باختلاف حالاته، ففي الاحتضار يكون مستلقيا، و ظاهر رأسه مستدبرا، و وجهه و باطن قدميه مستقبلا، و في حال الصلاة يكون مستلقيا أيضا، و رأسه الى المغرب، و مقدم جنبه الأيمن مستقبلا، و في حال دفنه يكون مضطجعا، رأسه الى المغرب، و وجهه و بطنه و مقاديم بدنه الى القبلة، و مستند هذا التفصيل نصوص الطائفة و عملهم عليه» انتهى.
و أما النوافل ف لا يشترط في صحتها ذلك، نعم الأفضل استقبال القبلة بها فيجوز حينئذ فعلها لغير القبلة اختيارا مطلقا، وفاقا للمحكي عن ابن حمزة، و للفاضل في الإرشاد و عن التلخيص و أبي العباس في المهذب و عن الموجز و كشف الالتباس و مجمع البرهان، بل ربما نقل أيضا عن علم الهدى و الشيخ في الخلاف، بل في مكان المصلي من الذكرى نسبته الى كثير، للأصل و النقل المستفيض كما اعترف به غير واحد أن قوله تعالى(1)«فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» نزل في النافلة، فإطلاقه حينئذ حجة على المطلوب، و ما عرفته سابقا من استحباب التنفل في الكعبة مع النهي عن الفريضة للاستدبار، و كلما دل على عدم اشتراطه للراكب و الماشي من غير ضرورة مما ستعرفه من النصوص(2)لاشتراك الجميع في الاختيار، و أولوية المقام بالصحة، للاستقرار، و معلومية عدم
ج8،
وجوب حمل المطلق على المقيد في المندوبات، بل يحمل على الندب في الندب، فينزل حينئذ ما ظاهره الاشتراط لو كان على ذلك، و يبقى الإطلاق سليما، و ظهور
المروي(1)عن مسائل علي بن جعفر في كراهية الالتفات في النافلة المستلزم لعدم وجوب الاستقبال «سأل أخاه عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال: إذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته، و إن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود»
و لامتناع ندب الفعل و وجوب الكيفية.
و في الجميع نظر، و من هنا كان المشهور نقلا و تحصيلا الاشتراط إلا فيما استثني مما ستعرف، بل قيل إنه المصرح به في جميع كتب الأصحاب إلا ما قل، بل يمكن إرادة ما لا ينافي ذلك من عبارة المصنف و ما ضاهاها التي هي أظهر ما نسب إليها الخلاف بدعوى حملها على بيان أفضلية الصنف من غيره مما رخص فيه بعدم الاستقبال كالصلاة على الراحلة و ما شيئا و غيرهما، لا أنه أفضل من الصلاة مستقرا مستدبرا كي يقتضي الجواز حينئذ، و كذا قوله فيما بعد: «و الى غير القبلة» أو يكون معطوفا على ما قبله على معنى إرادة بيان جواز فعل النافلة على الراحلة سفرا و حضرا و إلى غير القبلة، و لعله لذا قال المحقق الثاني في حاشية الكتاب يلوح من المصنف عدم الاشتراط، و لم يجعله صريحا و لا ظاهرا.
و كيف كان فقد يستدل للمطلوب بالتأسي بناء على عدم اشتراط معرفة الوجه في تحققه، أو على عدم اعتبار معرفة شرطية الكيفية و عدمها في حصول معناه لو سلم اشتراط معرفة الوجه في أصل الفعل في حصوله، ضرورة صدق الفعل مثل فعله و ان لم تعلم الشرطية المزبورة، نعم قد يشكل الاستدلال به بالإطلاقات المقتضية لجواز غير ما فعله من الكيفية، بناء على ما هو التحقيق من عدم إجمالها بالنسبة الى ذلك و غيره
1) 1 الوسائل- الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 7.
ج8،
مما شك في اشتراطه، اللهم إلا أن يشك و لو من الشهرة السابقة و ما تسمعه في شمول المراد منها لذلك كما ذكرناه سابقا في الصلاة الواجبة، فحينئذ يتم الاستدلال عليه أيضا مع قطع النظر عن التأسي بتوقيفية العبادة، و أن الأصل فيها الفساد إلا ما ثبت، بل قد يستدل عليه مع قطع النظر عنهما ب
قوله (ص): «صلوا كما رأيتموني أصلي»
بناء على تناوله للفرض و النفل، و إيجاب المساواة في الكيفية لو فعل لا ينافي الندب في الأصل، فيكون الأمر حينئذ مستعملا في الوجوب الشرعي خاصة لا الأعم منه و الشرطي كي يكون مجازا، إذ ليس وجوب الفريضة مستفادا من هذا الأمر، بل المستفاد منه وجوب المساواة التي ينافيها المخالفة في الكيفية لا الترك أصلا، و دعوى أن إطلاق وجوب المساواة يقتضي وجوب الفعل مقدمة لتحصيلها، و لا يتم إلا في الفريضة يدفعها الفهم العرفي من هذه العبارة، و نحوها ما سمعته، و من ذلك يعرف الجواب عن الأخير، على أنه من المعلوم عدم التنافي بين الوجوب المزبور و الندب عقلا و لا شرعا، قال في جامع المقاصد بعد ذكره ذلك دليلا للخصم و جوابه: إن الوجوب هنا يراد به أحد الأمرين، إما كونه شرطا للشرعية مجازا، لمشاركته الواجب في كونه لا بد منه، فمع المخالفة يأثم بفعل النافلة الى غير القبلة، أو كون وجوبه مشروطا بمعنى أنه ان فعل النافلة وجب فعلها النافلة الى غير القبلة، أو كون وجوبه مشروطا بمعنى أنه ان فعل النافلة وجب فعلها إلى القبلة، فمع المخالفة يأثم بترك الاستقبال و يفعلها الى غير القبلة معا، و هذا المعنى يثبت على دلالة
قوله (ص): «صلوا كما رأيتموني أصلي»
على وجوب الاستقبال، و إلا فالمعنى الأول، و في بعض كلامه نوع تأمل، لكن الأمر سهل بعد ما عرفت.
و قد يستدل أيضا بعموم قوله تعالى(1)«وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»
1) 1 سورة البقرة- الآية 145.
ج8،
الذي لا ينافيه خروج البعض الدليل، نعم قد يشكل بظهور قول أبي جعفر (ع) في
صحيح زرارة(1)في أنها مختصة في الفريضة قال: «استقبل القبلة بوجهك، و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فان الله عز و جل يقول لنبيه (ص) في الفريضة:
فَوَلِّ وَجْهَكَ*. الى آخره»
بل الظاهر أيضا عدم الدلالة في الأمر بالاستقبال و النهي عن القلب في صدره لإرادة الفريضة من الصلاة فيه بقرينة الاستدلال، و إمكان عموم الدعوى و خصوص الدليل تجشم، كما انه قد يقال بإرادة الفريضة من
قوله (ع) في صحيحه(2)أيضا: «لا صلاة إلا الى القبلة»
ل
قوله فيه: «قلت فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال: يعيد»
لكن الإنصاف انه لا صلاحية فيه، خصوصا بعد كونه من السائل لصرف الظهور المستفاد من النكرة بعد «لا» النافية للجنس التي هي كالنص في إفادة العموم، فدلالة هذا الصحيح على المطلوب لا ينبغي إنكارها، بل يمكن دعوى دلالة
قوله (ع) أيضا في صحيحه(3)أيضا: «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة:
الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»
و ذكر الوقت فيه مع أن من النوافل ما هو موقت أيضا بحيث لو صلى قبل الوقت مثلا أعيد لا يصلح قرينة لإرادة الفريضة، ضرورة كون المراد منه حينئذ و الوقت فيما اعتبر الوقت فيه من الصلاة، و لا يأتي مثله في القبلة، لعدم معلومية كون محل النزاع مما لا يعتبر فيه القبلة من الصلاة، بل من ذلك يظهر دلالة جملة من النصوص التي تدل بها على اشتراط القبلة في الفريضة، و على أن الالتفات في الأثناء يبطلها، للتعبير بلفظ الصلاة الشاملة للنافلة لا الفريضة في أكثرها، و ذكر بعض خواص الفريضة فيها كالوقت و نحوه لا يصلح مقيدا لذلك فلاحظ و تأمل.
بل مفهوم
قول الصادق (ع)(4)كما عن تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى:
ج8،
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: «انها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر»
ظاهر في المطلوب أيضا،
كالمروي(1)في الوسائل عن نهاية الشيخ عن الصادق (ع) في قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا، الى آخره «هذا في النوافل خاصة في حال السفر، فأما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة»
و فيها أيضا عن
مجمع البيان(2)عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) في قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا الى آخره «انها ليست بمنسوخة و انها مخصوصة بالنوافل في حال السفر»
بل منها يظهر عدم كون المراد الإطلاق من النقل المستفيض انها نزلت في النوافل، خصوصا و لم يكن مساقا لبيان ذلك، بل المراد من الآية عند التأمل و لو بمعونة النصوص أنه أينما تؤمروا بأن تولوا وجوهكم فثم وجه الله من غير فرق بين بيت المقدس و الكعبة و غيرهما، إذ العمدة الأمر، فتعيير اليهود للمسلمين و سؤالهم أنه ما و لا هم عن قبلتهم في غير محله، و ربما فسرت الآية بذلك من غير ذلك للنوافل، و على كل حال من ذلك يعرف ما في استدلال الخصم بالنقل المستفيض في معنى الآية، بل في كشف اللثام أنه يجوز أن يكون لجواز الاستدبار في النوافل لأدنى حاجة، فتختص بالسائر في حاجته أو ماشيا، و به يفرق عن المستقر، فلا ريب حينئذ في ضعفه كسابقه الذي هو بعد تسليمه يقطعه أدنى دليل، بل و لاحقه، بناء على ما سمعته منا سابقا من صحة الفريضة في جوف الكعبة، فلا جهة حينئذ للاستدلال المزبور، بل و على غيره أيضا، إذ هو انما يعطي جواز استدبار بعض القبلة، و التتميم بعدم القول بالفصل كما ترى، و ليس بأولى من القول يكون التعدي عن ذلك قياسا محرما، بل و مع الفارق كالاستدلال بحكم الماشي و الراكب الذين من الواضح الفرق بينهما و بين المقام، خصوصا و المراد بحسب الظاهر التنفل في حال المشي في حاجة مثلا و الركوب كذلك لا المشي و الركوب لفعل النافلة، و لعله الى ذلك أومأ في كشف اللثام بما سمعته سابقا منه.
ج8،
و أما الاستدلال بقاعدة الإطلاق و التقييد في المندوبات ففيه أنه بعد تسليمها حتى في مثل المقام الذي هو من بيان الكيفية و لم يعلم استحباب المطلق فيه و إن لم يكن بعنوان الخصوصية يجب الخروج عنها هنا بما عرفته مما هو موافق لفتاوى الأصحاب عدا النادر، و خبر المسائل(1)مع احتماله السهو و عدم الجابر له لا يستلزم جواز
الترك ابتداء قطعا و من ذلك كله ظهر لك وجه النظر في الأدلة المزبورة، كما انه ظهر لك شدة ضعف القول بالندب، خصوصا مع ملاحظة المعلوم من حال المتشرعة من شدة الإنكار على الصلاة الى غير القبلة مع الاختيار و الاستقرار، بل هو الفارق عندهم بين الإسلام و الكفر نعم قد يستثنى من ذلك النافلة حيث تجوز راكبا و ماشيا، فلا يشترط فيها الاستقبال حتى في تكبيرة الإحرام منها من غير فرق بين السفر و الحضر، لإطلاق النصوص(2)المستفيضة في الأول، سيما مع غلبة عدم التمكن من الاستقبال حال الصلاة عليها، و خصوص
صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(3)«سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيث ما توجهت به قال: لا بأس»
و
خبر إبراهيم الكرخي(4)عن أبي عبد الله (ع) قال له: «اني أقدر أن أتوجه نحو القبلة في المحمل فقال: ما هذا الضيق، أما لكم في رسول الله (ص) أسوة»
و
خبر الحلبي(5)«سأل أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة على البعير و الدابة فقال: نعم حيث كان متوجها، و كذلك فعل رسول الله (ص)»
و
المروي عن قرب الاسناد عن محمد ابن عيسى و الحسن بن ظريف و علي بن إسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى(6)قال:
ج8،
«سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: خرج رسول الله (ص) الى تبوك فكان يصلي صلاة الليل على راحلته حيث توجهت به و يومئ إيماء»
و
عن كشف الغمة نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفري الحميري عن فيض بن مطر(1)قال: «دخلت على أبي جعفر (ع) و أنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل في المحمل قال: فابتدأني فقال: كان رسول الله (ص) يصلي على راحلته حيث توجهت به»
و عن
تفسير العياشي عن حريز(2)قال أبو جعفر (ع): «أنزل الله هذه الآية في التطوع خاصة «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» إن الله تعالى واسع عليم، و صلى رسول الله (ص) إيماء على راحلته أينما توجهت به حيث خرج الى خيبر و حين رجع من مكة و جعل الكعبة خلف ظهره»
مضافا الى ما عن المعتبر و المنتهى من الإجماع عليه في حال السفر.
و أما الماشي فكذا يدل عليه إطلاق النصوص أيضا ك
قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية بن عمار(3): «لا بأس أن يصلي الرجل صلاة الليل في السفر و هو يمشي، و لا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار و هو يمشي يتوجه إلى القبلة، ثم يمشي و يقرأ، فإذا أراد أن يركع حول وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثم مشى»
و
صحيح يعقوب بن شعيب(4)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- الى أن قال- قلت: يصلي و هو يمشي قال: نعم يومئ إيماء، و ليجعل السجود أخفض من الركوع»
و
مرسل حرير(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «انه كان لا يرى بأسا بأن يصلي الماشي و هو يمشي و لكن لا يسوق الإبل»
و
المروي في المعتبر نقلا من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن الحسين بن المختار(6)عن أبي عبد الله (عليه السلام)
1) 1 الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 22.
2) 2 الوسائل- الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 23.
3) 3 الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 1.
4) 4 الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 4.
5) 5 الوسائل- الباب 16- من أبواب القبلة الحديث- 5.
6) 6 الوسائل- الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 6.
ج8،
«سألته عن الرجل يصلي و هو يمشي تطوعا قال: نعم»
قال أحمد بن محمد بن أبي نصر:
و سمعته أنا من الحسين بن المختار، و عن المنتهى نسبة جواز التنفل له في السفر إلى علمائنا، و لا ريب في اقتضاء إطلاق ما عدا الأول منها عدم الفرق بين السفر و الحضر، و بين الصلاة الى القبلة و عدمها، بل صريح الأول الثاني فيما عدا التكبير و الركوع و السجود، مع انه لم يشترطه أصحابنا في الأخيرين، و انما اشترطه الشافعي كما اعترف به بعضهم، بل عن الخلاف الإجماع على استثنائه من اشتراط الاستقبال في غير التكبير، فلا بد من حمل ذلك في الخبر المزبور على التقية أو الندب، و لعل الثاني أولى، خصوصا بعد حمل ذلك في التكبير عليه أيضا كما هو الأقوى، تحكيما للإطلاقات المزبورة المعتضدة بإطلاق استثنائه من اشتراط القبلة في أكثر كتب الأصحاب، و بالآية التي قد عرفت استفاضة النقل في نزولها في النافلة و غير ذلك مما سمعته سابقا في دعوى عدم الاشتراط مطلقا، مضافا الى خلو بعض النصوص هنا المشتملة على بيان كيفية الصلاة ماشيا عن التعرض للاستقبال، ك خبر إبراهيم بن ميمون(1)و غيره(2)و الى موافقته للاعتبار كما أومأ إليه في المحكي عن المنتهى بقوله: إن التنفل محل الترخص، فأبيحت هذه كغيرها طلبا للمداومة على فعل النافلة و كثرة التشاغل بالعبادة.
كما أنه يحمل ما في
صحيح عبد الرحمن(3)المتضمن للأمر بالاستقبال للراكب في التكبير على ذلك أيضا، قال فيه: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الليل في السفر في المحمل فقال: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر و صل حيث ذهب بك بعيرك»
الى آخره. ضرورة قصوره عن تقييد تلك الإطلاقات المعتضدة بكثير مما عرفته في الماشي، بل و بغيره، بل لا يخفى أولويته من الماشي بذلك،
ج8،
لقوة أدلته سندا و دلالة و اعتضادا كما هو واضح، بل ورد في السفينة التي قد جعل المحمل بمنزلتها في خبر ابن عذافر(1)الرخصة بتكبير النافلة الى غير القبلة، ففي
خبر زرارة(2)عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي «قلت: أتوجه نحوها- أي القبلة- في كل تكبير فقال: أما النافلة فلا، انما يكبر الى غير القبلة، ثم قال:
كل ذلك قبلة للمتنفل، أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ»
الى غير ذلك.
فما عساه يظهر من المحكي عن المبسوط و الخلاف و الجامع- من اشتراط الاستقبال بالتكبيرة للماشي و منها و من الاقتصاد و المصباح و مختصره و السرائر و الجامع و ابن فهد و النهاية من اشتراطه فيها للراكب، بل عن ابن إدريس منهم نسبته إلى جماعة الأصحاب إلا من شذ للأصل، و الخبرين المزبورين- ضعيف جدا، نعم هو أولى، كما عن جمل العلم و العمل و المراسم التعبير بذلك في الراكب، بل صريح المبسوط استحباب الاستقبال له في غير التكبير من الصلاة أيضا، أما فيه فهو شرط عنده، و ان كان يمكن المناقشة فيه في الجملة بإطلاق الأخبار السابقة، خصوصا المتضمنة لفعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) منها الذي لا يفعل إلا الأفضل، كما أومأ اليه خبر إبراهيم الكرخي السابق(3)إلا أن الأمر سهل في الحكم الاستحبابي الذي يتسامح فيه.
و على كل حال فلا ريب في ضعف الاشتراط المزبور، كضعف القول بعدم جواز أصل فعل النافلة للراكب و الماشي حضرا، كما عساه يظهر من المحكي عن ابن أبي عقيل و الحلي و سلار، بل هو ظاهر النافع و المحكي عن النهاية و جمل العلم و العمل، و لعل المستند كما في الرياض إما الاقتصار فيما خالف الأصل- الدال على لزوم الصلاة الى القبلة
ج8،
مطلقا و لو نافلة من العموم و توقيفية العبادة- على المجمع عليه و هو السفر خاصة، و فيه أنه أخص من الدعوى، و لو أضاف إلى القبلة غيرها من الاستقرار و نحوه مما يعتبر في الصلاة و لو نافلة كان الدليل أتم، و يجاب عنه حينئذ بأن الاقتصار على المتيقن غير لازم بعد النصوص الصحيحة المتقدمة الظاهرة في الجواز حضرا على الراحلة، قيل و لا قائل بالفرق بينه و بين الماشي، مضافا الى ما سمعته فيه أيضا مما يدل بإطلاقه عليه سفرا و حضرا، و إما ظهور بعض الصحاح المتقدمة المرخصة لها فيه في التقييد بالسفر مؤيدا بجملة من النصوص الواردة في تفسير قوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» انه ورد في النافلة في السفر خاصة، و فيه(1)انه غير مقاوم الأدلة الجواز، خصوصا مع ضعف النصوص المفسرة سندا بل و دلالة، إذ غايتها بيان ورود الآية فيه خاصة، و هو لا يستلزم عدم المشروعية في غيره، و الصحيح غير صريح بل و لا ظاهر في التقييد إلا بالمفهوم الضعيف بورود القيد فيه مورد الغالب، بل لو سلم وضوح الدلالة في الجميع لا ريب في رجحان أدلة الجواز عليها، سيما بعد الاعتضاد بالشهرة العظيمة، و إطلاق معاقد الإجماعات، بل عن الخلاف الإجماع عليه في الحضر، و غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل، بل يمكن إنكار ظهور الخلاف من جملة من العبارات بعدم إرادة تخصيص الرخصة فيما ذكروه من السفر، كما أنه لا يراد خصوص الراحلة أو الركوب ممن ذكرهما ضرورة عموم الحكم لركوب غير الراحلة في السفر، بل و لعدم الركوب فيه كالماشي أيضا.
فما عساه يتوهم من المتن لقوله و يجوز أن تصلى على الراحلة سفرا و حضرا و إلى غير القبلة على كراهية متأكدة في الحضر و غيره من الخلاف في النافلة ماشيا حتى
1) 1 علق القمشهي على النسخة الأصلية بأن الصحيح« ففيه» لأنه جواب« أما» بفتح الهمزة. و ما ذكره غير صحيح لأن لفظة« إما» بكسر الهمزة لأنه معادل لقوله قدس سره« إما الاقتصار».
ج8،
في السفر الذي قد نسب جوازه في المحكي من المنتهى الى علمائنا في غير محله، كما أنه لا ينبغي توهم اختلاف من اشترط الاستقبال من الأصحاب هنا لما وقع لهم من العبارات، إذ المحكي عن ابن أبي عقيل استثناء الحرب و السفر على الراحلة، و في كشف اللثام و كذا جمل العلم و العمل و المراسم و النهاية و النافع و السرائر و الجامع، لكن ليس فيها الحرب، و في الأخيرين الإحرام بها مستقبلا، و في الأولين النص على أنه أولى، قال: و علي ابن بابويه استثنى الركوب، و الصدوق في المقنع الركوب في سفينة أو في محمل، و ظاهره السفر، و ابن فهد و النهاية ركوب سفينة أو راحلة بعد الاستقبال بالتحريمة، و الشيخ في الجمل و الفاضل في التحرير ركوب الراحلة، و لو لا ما في الخلاف و المنتهى- و سيأتي- من أنه يجوز التنفل على الراحلة حضرا جاز أن يستظهر منه السفر، و في الاقتصاد و المصباح و مختصره أيضا ركوب الراحلة و اشتراط الإحرام مستقبلا، و في المبسوط و الخلاف السفر على الراحلة أو ماشيا بعد الإحرام مستقبلا، و كذا التذكرة لكن فيها النص على عدم اشتراط الاستقبال عند الإحرام أيضا، و في المختلف عن الشيخ استثناء الركوب و المشي سفرا و حضرا، و اختياره، و الذي رأيناه في كتب الشيخ جواز التنفل راكبا و ماشيا سفرا و حضرا، و في الجامع استثناء المشي مطلقا بعد الاستقبال بأولها، قلت:
و الظاهر أن مراده فيما رد به على المختلف انه لا تصريح في كلام الشيخ بالاستثناء حتى يكون قائلا بسقوط الاشتراط الاستقبال، و حكمه بالجواز أعم من ذلك، إذ لعله يعتبر الاستقبال معهما، و فيه أولا انه لا قائل بجواز ذلك و اشتراط الاستقبال في جميع الصلاة، و ثانيا حكى في مفتاح الكرامة انه قال في الخلاف بعد أن نقل الإجماع على جواز صلاة النافلة على الراحلة في غير السفر: «مسألة إذا صلى على الراحلة نافلة لا يلزمه أن يتوجه إلى جهة سيرها، بل، يتوجه كيف شاء، لعموم الآية و الأخبار، و قال الشافعي: إذا لم يستقبله القبلة و لا جهة سيرها بطلت صلاته» و لو لا ما سلف له كما قيل من اعتبار الاستقبال في
ج8،
التكبير أمكن حمل كلامه هذا على عدم اشتراط الاستقبال رأسا، فيوافق ما حكاه في المختلف عنه كما انه يوافقه فيما عداها، أو جعل هذا منه عدولا، أو أن مراده بما سبق الفضل و الاستحباب لا الشرطية كما هو محتمل المبسوط أيضا، قال فيه على ما في المفتاح: «و أما النوافل فلا بأس أن يصليها على الراحلة في حال الاختيار، و كذلك حال المشي و يستقبل القبلة، فان لم يمكنه استقبل بتكبيرة الإحرام القبلة، و الباقي يصلي الى حيث تصير الراحلة، و يتوجه إليه في مشيه، فان كان راكبا منفردا و أمكنه أن يتوجه إلى القبلة كان ذلك هو الأفضل، فان لم يفعل لم يكن عليه شيء لأن الأخبار الواردة في جواز ذلك على عمومها، هذا إذا لم يتمكن في حال كونه راكبا من استقبال القبلة، فإن تمكن من ذلك بأن يكون في كنيسة واسعة يمكنه أن يدور فيها و يستقبل القبلة كان فعل ذلك أفضل» فتأمل جيدا.
و كيف كان فقد عرفت التحقيق على كل حال، و هو الجواز للراكب و الماشي سفرا و حضرا و الى القبلة و غيرها في التكبير و غيره من غير فرق بين المحمل و غيره و بين البعير و غيره و بين كيفية الركوب و المشي المتعارفة و غيرها، بل يمكن إدراج السفينة في إطلاق الركوب نصا و فتوى، و إن أبيت فالظاهر الاتحاد في الحكم، بل لعله أولى كما لا يخفى على من لاحظ ما قدمناه سابقا فيها، و توهم الخلاف ممن اقتصر في الرخصة على ما لا يشملها من العبارات السابقة و غيرها بعيد، و على تقديره ضعيف، و ان كان لم نعثر على نصوص خاصة في النوافل في السفينة عدا
صحيح زرارة(1)«سأل أبا جعفر (عليه السلام) في الرجل يصلي النوافل في السفينة قال: يصلي نحو رأسها»
و انما هو في الكيفية التي لا تستلزم الرخصة في الجواز مع الاختيار، و عدا
خبره الآخر المروي(2)عن تفسير العياشي «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصلاة في السفر في السفينة
ج8،
و المحمل سواء، قال: النافلة كلها سواء تومئ إيماء أينما توجهت دابتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الأرض إلا من خوف، فان خفت أومأت، و أما السفينة فصل فيها قائما- الى أن قال-: فأتوجه نحوها في كل تكبير، قال: أما النافلة فلا، إنما يكبر على غير القبلة- ثم قال-: كل ذلك قبلة للمتنفل، أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ»
و هو إن لم يكن كذلك فهو قريب منه، على أنه غير معلوم الصحة سندا، و عدا
مضمر سليمان ابن خالد(1)«يصلى النافلة و هو مستقبل صدر السفينة إذا كبر ثم لا يضره حيث دارت»
و هو كذلك أيضا، لكن النصوص(2)المطلقة في الصلاة في السفينة قد سمعتها سابقا، و عدم قولنا بمقتضاها في الفريضة للمعارض المتقدم لا يستلزم عدم القول به هنا، بل فحوى نصوص(3)التنفل راكبا و ماشيا يكفي في ذلك، خصوصا بعد ما في خبر ابن عذافر(4)من جعل المحمل بمنزلة السفينة، كما أنه يكفي فيه ما ورد(5)من النصوص في تفسير قوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» انها في النافلة في السفرالشامل للسفينة المتمم بعدم القول بالفصل بينه و بين الحضر، فضلا عما ورد(6)من أنها في النافلة مطلقا، و خروج غير ذلك عندنا بالأدلة السابقة التي لا تشمل الفرض لما سمعته، لا أقل من الشك لا يقدح، فتأمل.
نعم لا يبعد الاحتياط في مراعاة القبلة فيها مع الإمكان، لاحتمال الفرق بينها
1) 1 الوسائل- الباب 14- من أبواب القيام- الحديث 10 و حذف ما يضر بالمعنى في الجواهر.
2) 2 الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة.
3) 3 الوسائل الباب- 15 و 16 من أبواب القبلة.
4) 4 الوسائل الباب 14 من أبواب القبلة الحديث 2.
5) 5 الوسائل الباب 15 من أبواب القبلة الحديث 18 و 19 و 22.
6) 6 الوسائل الباب 13 من أبواب القبلة الحديث 17.
ج8،
و بين الدابة في ذلك بالضيق و عدمه، لا أنه لا تشرع النافلة فيها إلا مع تعذر الشرط كما قلناه في الفريضة و كيف و قد سبق ظهور كلمات جملة من الأصحاب في جواز ذلك في الفريضة فضلا عن النافلة كما تقدم البحث فيه مستوفى. فما عساه يلوح من الديلمي كما قيل من اشتراط ذلك في النافلة أيضا لا ريب في ضعفه، بل و كذا ما عن المبسوط و النهاية من اشتراط جواز استقبال الصدر بما إذا لم يتمكن من استقبال القبلة فيها، فتخالف الراحلة حينئذ من هذا الوجه، نعم تساويها فيما نص الشيخ عليه من الجواز، و إن أمكنه الخروج الى الجدد البري، و عن الوسيلة «يجوز له أن يصلي النافلة في السفينة، و إن راعى القبلة كان أفضل» و لعله بناه على ما سمعته من مذهبه من عدم اشتراط الاستقبال في النافلة مطلقا.
ثم لا يخفى أن الظاهر من كل من أطلق الاستثناء و صريح بعضهم إرادة سقوط الاشتراط في الأحوال المستثناة لا الانتقال الى بدل تجري عليه أحكام القبلة بحيث لو ترك استقباله بطلت صلاته و ان كان الى القبلة في وجه، أو ما لم يكن للقبلة، و ما في بعض العبارات أن قبلة الراكب طريقه و مقصده، كالذي في آخر من أن قبلته رأس دابته حيث ما توجهت محمول على إرادة بيان الرخصة في الترك و البقاء على حاله الغالب من غير تكلف انحراف طلبا للقبلة. و كذا ما في النصوص السابقة من الصلاة الى حيث ما كان متوجها أو الى حيث ما توجهت دابته أو الى صدر السفينة، لا أن المراد وجوب ذلك بدلا عن القبلة، فلو توجه حينئذ حال صلاته الى غير رأس دابته أو طريقه بأن كان متوركا كما هو المتعارف في الركوب على ما قيل بين أهل الحسا و القطيف صحت صلاته عندنا، حتى لو فرض توجه الدابة و الطريق إلى القبلة فضلا عن غيره، بل ينبغي القطع به لو كان العدول عن توجه الدابة مثلا إلى القبلة، قال في المحكي عن التحرير و المنتهى: قبلة المصلي على الراحلة حيث توجهت، فلو عدل إلى القبلة جاز إجماعا،
ج8،
و ان كان الى غيرها فالأقرب الجواز، قلت: و لا يتوهم من التعبير بلفظ الأقرب وقوع خلاف في ذلك، بل الظاهر أنه للاحتمال دون القول، فانا لم نعثر على من حكي عنه ذلك، بل ظاهر نسبة الشيخ ذلك للشافعي عدم كونه لأحد من أصحابنا. و هو كذلك على الظاهر، نعم حكي عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس في الفريضة حيث تجوز على الراحلة أنه لا بد أن يستمر على جهة واحدة، قالا: «المصلي لا بد أن يستمر على جهة واحدة لئلا يتشوش فكره، و جعلت الجهة التي يصلى إليها اختيارا الكعبة لشرفها، فإذا عدل عنها لضرورة السير وجب التزام الجهة، ثم الطريق لا يستمر على جهة فلا بد فيه من معاطف يمنة و يسرة، فيتبعه كيف كان للحاجة» و لعلهما لا يقولان به في النافلة، أو لم يريد الوجوب الشرطي،. و غير ذلك، و إن أبيت فلا ريب في ضعفه كما لا يخفى على من لاحظ نصوص المقام الظاهرة في إرادة التوسعة و عدم الالتزام بالجهة، خصوصا المشتملة على الاستدلال بقوله تعالى «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» و تخصيصها توجه الدابة مع أنه في مقام توهم الحظر جريا على الغالب من إرادة الراكب ذلك، فلاحظ و تأمل.
و لا فرق في ذلك بين الابتداء و غيره، فلو صلى من أول الأمر الى غير توجه دابته مثلا صح و إن كان توجه دابته إلى القبلة فضلا عن غيره، فله الركوب حينئذ مقلوبا ثم الصلاة، إلا أن الاحتياط مراعاة توجه الدابة، و إن كان الأقوى ما ذكرناه، كما أن الأقوى إرادة الرخصة أيضا مما تضمنته النصوص من الإيماء لا العزيمة، فلو ركع الماشي و سجد و كذلك الراكب لكونه في كنيسة واسعة مثلا صح قطعا، بل كاد يكون صريح حسن بن عمار(1)المتقدم في الماشي، إذ حمل الركوع و السجود فيه على الإيماء لهما لا داعي إليه، بل لا يبعد عدم قيام الإيماء مقامهما الراكب السفينة المتمكن منهما كما
1) 1 الوسائل الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 1.
ج8،
هو الغالب، لعدم الدليل، بل ظاهر نصوص(1)كيفية صلاة السفينة العدم، نعم قد تضمن خبر العياشي(2)المتقدم الإيماء فيها، و الخروج به عن مقتضى الإطلاقات كما ترى، اللهم إلا أن يكون الحكم ندبيا، و خصوصا قد ثبت الإيماء في المحل الذي جعل بمنزلة السفينة، لكن لا ريب ان الاحتياط المحافظة على الركوع و السجود، كما انه ينبغي المحافظة على ما تضمنه بعض النصوص(3)من الأمر يجعل السجود أخفض من الركوع حيث يومي، و ان كان يحتمل عدم وجوب ذلك أيضا فيها، حملا للأمر بذلك على الندب، كما هو الأصل في الإطلاق و التقييد في المندوبات. أما رفع ما يسجد عليه ليضع الجبهة عليه فلا يجب هنا قطعا و ان أوجبناه في الفريضة، لإطلاق أكثر النصوص و صريح البعض(4).
نعم ينبغي أن يعلم أن المراد في النافلة للماشي و الراكب رفع مانعية المشي و الركوب و ما يلزمهما غالبا كعدم التمكن من الاستقبال و عدم الركوع و السجود عن الصحة لا إسقاط غير ذلك من الموانع كالفعل الكثير و مباشرة النجاسة و نحوهما، ضرورة سلامة أدلة المنع فيها عن المعارض، و لعل في
قول أبي جعفر (عليه السلام) في مرسل حريز(5): «و لكن لا يسوق الإبل»
تنبيها على ذلك، لأنه من الفعل الكثير، كما أنه ينبغي أن يعلم انه بناء على اختصاص الرخصة في النافلة للماشي و الراكب في السفر و ان كان خلاف المختار كما عرفت يراد المشي و الركوب في حال التشاغل في قطع مسافة السفر، فلا تصح حينئذ لهما حال إقامتهما في منزل أو بلد مثلا و إن لم تكن إقامة شرعية اقتصارا في المخالف للأصل على المتيقن المنساق من النصوص، و لعله إليه أومأ ما في
ج8،
المحكي عن الإيضاح من تقييد استثناء الراكب في سفر القصر من اشتراط الاستقبال بحال السير، و الله أعلم.
و يسقط فرض الاستقبال في كل موضع لا يتمكن منه كصلاة المطاردة، و عند ذبح الدابة الصائلة و المتردية بحيث لا يمكن صرفها إلى القبلة كما تسمع ذلك مفصلا في محالها إن شاء الله
الرابع في أحكام الخلل و هي مسائل:
الأولى قد تقدم سابقا أن الأعمى يرجع الى غيره، لقصوره عن الاجتهاد المتيسر لغيره و إن قلنا هناك إن التحقيق كون ذلك اجتهادا بالنسبة إليه، كما يومي اليه في الجملة قول المصنف و غيره هنا فان عول على رأيه مع وجود المبصر لأمارة ظنية أقوى من قول المبصر و جدها صح صلاته من هذه الحيثية، ضرورة ابتناء ذلك على كون المدار على ظنه، و قد فرض حصول إمارة له أقوى من قول المبصر أو مساوية له، و هو لا يتم إلا على ما قلناه، نعم هو مقيد قطعا بما يأتي من عدم ظهور الخطأ الموجب للتدارك، كما اعترف به في جامع المقاصد و كشف اللثام و غير هما، لا طلاق الأدلة الآتية، و خصوص
صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1)«سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل أعمى صلى على غير القبلة فقال: إن كان في وقت فليعد، و ان كان قد مضى الوقت فلا يعد»
الحديث. و
خبر أبي بصير(2)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الأعمى إذا صار لغير القبلة فإن كان في وقت فليعد، و ان كان قد مضى الوقت فلا يعيد»
مضافا الى مساواته المجتهد أو أولويته منه بالإعادة، كما يومي اليه
صحيح الحلبي أو حسنه(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة قال: يعيد و لا يعيدون فإنهم قد تحروا»
و إن كان لا بد من حمله على إرادة غير المتحري من الأعمى.
ج8،
فمن الغريب ما في المدارك من أن إطلاق العبارة أنه يقتضي أنه لا إعادة على الأعمى مع التعويل على الامارة مطلقا و إن تبين الخطأ، فيكون التفصيل الآتي مخصوصا بغير الأعمى، و أشكله بعموم الأخبار الآتية، و خصوص صحيح عبد الرحمن السابق، ثم قال: و يمكن حمل النفي المدلول عليه بالسياق في العبارة على نفي الإعادة مطلقا أي جميع الأحوال بقرينة أن الإعادة في الصورة الثانية، و هي ما إذا عول على رأيه من دون أمارة ثابتة على كل حال و إن ظهرت المطابقة، لدخوله في الصلاة دخولا منهيا عنه، و حينئذ فلا ينافيه ثبوت الإعادة في الصورة الأولى على بعض الوجوه، و هو كما ترى فيه من التكليف ما لا يخفى، على أنه لا داعي إليه، ضرورة كون المراد عدم الإعادة من هذه الحيثية دفعا لما عساه يتوهم من كون تكليف الأعمى الرجوع الى غيره، و أنه لا يجوز له التعويل حينئذ على رأيه و ان كان أقوى عنده من قول المبصر، بل قد يوهمه فرض المسألة في الذكرى في لمس الأعمى الكعبة بيده، أو محراب مسجد لا يشك فيه، و نحوها مما لا يدخل تحت الامارة الظنية، لكن قد عرفت أن التحقيق دوران أمره على أقوى الظنون الحاصلة له من غير فرق بين الغير و غيره.
و كيف كان فالمراد التعويل على رأيه للأمارة سواء سأل المبصر و أخبره بخلاف تلك الأمارة التي هي مساوية أو أقوى عنده من إخباره، أو لم يسأله إلا أنه علم بذلك لو أخبر المبصر بخلافها، أما إذا احتمل إخبار المبصر بخلافها و انه لو كان فهو أقوى من تلك الامارة لم يجز له التعويل عليها، لعدم كونه من التحري جهده، و هل يجب عليه سؤال المبصر في الصورة الأولى، لوجوب أقوى الظنون عليه بعد تعذر العلم، فيحتمل و فاقة للأمارة فتزداد قوة، أو لا يجب، لكون المفروض قوة الامارة على فرض خلاف المبصر، و الأصل براءة الذمة من وجوب طلب ترك المرتبة من الظن الموافق؟
وجهان، قد يومي الى الأول مع كونه أحوط ما في كشف اللثام، فإنه بعد قول الفاضل:
ج8،
«صحت صلاته» قال: «إن كانت أقوى من إخباره أو مساوية و لم تتقو به»، فتأمل جيدا.
و إلا يكون تعويله على رأيه مع وجود المبصر لامارة فعليه الإعادة إن أخطأ قطعا لعدم الامتثال، و إطلاق النصوص السابقة(1)بل و إن أصاب إذا فرض بحال لم يكن جازما بموافقة الأمر، ضرورة عدم تصور النية منه، فأصابته مع عدمها لا تجديه، أما إذا كان بحال تتصور منه نية القربة لغفلة و نحوها فيحتمل الصحة، لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، خصوصا على القول بصحة عبادة الجاهل مع الموافقة، بل و إن لم نقل، بناء على اختصاص ذلك بالأجزاء و نحوها مما هو داخل في كيفية العبادة، أو فيها و في الشرائط مع فرض البحث في غير جاهل الشرطية، أما غير ذلك فيدور الفساد فيه مع إحراز نية القربة و عدمه على حصوله و عدمه، لعدم الدليل على شرطية سبق العلم للصحة، و حينئذ لا ينبغي إطلاق الصحة مع الإصابة، كما هو المحكي عن الشيخ في المبسوط و الخلاف، و لا إطلاق الفساد معها كما عن غيره ممن تأخر عنه، اللهم إلا أن يختص هذا الشرط من بين الشرائط باشتراط إحرازه بالطريق الشرعي علما أو ظنا في صحة الصلاة، للأمر بالعلم أو الاجتهاد في تحصيل القبلة المقتضي للشرطية، كسائر الأوامر بالشيء للصلاة مثلا، فيكون الفساد حينئذ في الفرض لفقد الشرط، و هو العلم أو الظن، و ربما يلحق به في ذلك الوقت أيضا، للاشتراك في كيفية دلالة الأدلة، لكن للنظر فيه مجال، لاحتمال إرادة الطريق منهما لا الشرطية، خصوصا بعد معروفية كون الشرط القبلة نصا و فتوى، لا العلم بها أو الظن، فيشمل الفرض حينئذ كل ما دل على صحة الصلاة الى القبلة مما تقدم و يأتي، فقول الشيخ المزبور لا يخلو حينئذ من وجه، و لعله لذا قال في المحكي عن المنتهى إن القولين قويان، بل عن المعتبر و التحرير الاستشكال فيه، بل قد يقال إن ذلك من الشيخ في الخلاف بناء على مذهبه
1) 1 الوسائل- الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 7 و 8 و 9.
ج8،
فيه من أن الأعمى يصلي الى الأربع و لا يرجع الى غيره، فحينئذ إذا صلى إلى واحدة منها فعلم أنه أصاب فيها صحت صلاته قطعا و سقط عنه الباقي كالمتحير، بل لعل ما حكاه في الذكرى عنه من إطلاق الإجزاء فيما نحن فيه مع ضيق الوقت مبني على ذلك أيضا، نعم ينبغي تقييده بما إذا لم يكن خطأه الى دبر القبلة، بناء على ما ستعرفه من مذهبه، و اليه أومأ في الذكرى حيث أنه بعد أن حكى ذلك عنه قال: و هو بعيد مع كونه مخطئا إلا أن يكون المقلد مفقودا، أو لم يصل الى دبر القبلة عند الشيخ، ثم قال: و لو أصاب هنا فكالأول فيما قاله الشيخ و قلناه، نعم لو فقد المقلد صح هنا قطعا.
قلت: قد عرفت الحكومة بينه و بين الشيخ، و نزيد هنا بكشف الحال في سائر الشرائط التي لم يظهر من الأدلة اعتبار سبق العلم بحصولها، فنقول انها ان كانت لمعاملة فلا يقدح الجهل ابتداء بحكمها، و حصولها في صحتها إذا فرض مصادفتها لها، لعدم اشتراط نية القربة فيها، و كذا إن كانت شرطا لعبادة مع العلم بحصولها و الجهل بحكمها، و ليس من عبادة الجاهل الموافقة للواقع التي جزم المشهور بفسادها، أما مع الجهل بالحصول سواء علم بالحكم أو لا فإن أدى ذلك الى عدم حصول نية القربة بطل العمل، و إلا صح و كفى مجرد المصادفة للواقع كما هو واضح فيما نحن فيه مع فرض عدم ظهور الأدلة في اعتبار العلم أو الظن بالقبلة في ابتداء العمل، و فرض عدم تزلزل في نية القربة المتجه فيه الصحة حينئذ، فتأمل جيدا.
و كيف كان فلو صلى الأعمى مقلدا ثم أبصر في الأثناء فإن كان عاميا فرضه التقليد أيضا استمر، و ان كان ممن يتمكن من الاجتهاد في أثناء الصلاة بحيث لا تبطل به اجتهد وجوبا على الظاهر، لتغير موضوعه و شرطية القبلة للكل و البعض، فان وافق فلا بحث، و كذا لو ظهر له انه منحرف يسيرا فإنه يستقيم و تصح صلاته لما ستعرف، و أما إن كان منحرفا الى اليمين و اليسار استأنف الصلاة، و أولى منه إذا كان مستدبرا،
ج8،
و لو افتقر في اجتهاده الى زمان كثير لا يتسامح في الصلاة بمثله فالأقرب كما في الذكرى البناء و سقوط الاجتهاد. قال: لأنه في معنى العامي، لتحريم قطع الصلاة، و الظاهر إصابة المخبر
، و يقوى مع كونه مخبرا عن علم، بل يمكن هنا عدم الاجتهاد لما سلف، و احتاط في المعتبر بالاستئناف مع احتياجه إلى تأمل كثير، و هو احتياط ظاهر، و قال:
إن قلنا له المضي فيها، لأنه لا دليل على انتقاله كان قويا، قلت: قد يشك في شمول ما دل على حرمة الإبطال لمثله كما تسمعه ان شاء الله في محله، فمع فرض شمول أدلة الاجتهاد له يتوجه الابطال و استئناف الصلاة، و دعوى أن اجتهاده في هذا الحال منحصر في البقاء على ما كان مبنية على حرمة الإبطال التي قد عرفت الشك في شمول دليلها لمثله، فتأمل.
و لو صلى بصيرا فكف في الأثناء بنى، فان انحرف قصدا بطلت إن خرج عن السمت، و إن كان اتفاقا و أمكنه علم الاستقامة استقام ما لم يكن قد خرج الى حد الابطال بالخروج عن الجهة، و إن لم يمكنه فان اتفق مسدد عول عليه، بل ينتظره إذا لم يخرج عن كونه مصليا، بل و إن خرج لعدم تمكنه من إتمام الصلاة على الوجه المأمور به، و احتمال انه كالمتحير حينئذ فيتمها إلى جهة و يضيف إليها ما يكملها أربعا مبني على حرمة القطع التي قد عرفت الشك في شمول دليلها لمثله، بل في الذكرى أن الأقرب البطلان مع توقع المسدد، فضلا عن الجزم بحصوله، نعم لو ضاق الزمان عن التوقع كأن بقي مقدار أربع جهات صلى إليها، و كذا يصلي الى الأربع مع السعة و عدم توقع المسدد، قال في الذكرى: «و هل يحتسب بتلك الصلاة منها نظر، من حيث وقوعها في جهتين فلا تكون صحيحة، و من صحة ما سبق منها قطعا و جواز ابتدائها الآن الى هذه الجهة بأجمعها فبالبعض أولى، و حينئذ هل له الانحراف إلى جهة أخرى غير ما هو قائم إليها يحتمل ذلك، تنزيلا للإتمام منزلة الابتداء، و الأقرب المنع، تقليلا للاختلاف
ج8،
و الاضطراب في الصلاة، و لنخيل القرب إلى الجهة الأولى بهذا الموقف بخلاف العدول إلى جهة أخرى» انتهى.
المسألة الثانية إذا صلى إلى جهة قد أمر بالصلاة إليها إما لغلبة الظن أو لضيق الوقت أو لغير ذلك ثم تبين خطأه بعد الفراغ من الصلاة فإن كان منحرفا يسيرا أي الى ما بين المشرق و المغرب كما في النافع و عن المعتبر و النكت و سائر كتب الفاضل عدا القواعد و غيرها مما تأخر عنها فالصلاة ماضية بلا خلاف معتد به بين المتأخرين من أصحابنا و متأخريهم، بل في التذكرة و التنقيح و المفاتيح و المحكي عن الروض و المقاصد العلية الإجماع عليه، و هو الحجة، مضافا الى المعتبرة(1)المتضمنة كون ما بين المشرق و المغرب قبلة المتقدمة سابقا، و خصوص
صحيح ابن عمار(2)عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال له: قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة»
و
موثق عمار(3)عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل صلى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: إن كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة، ثم يفتتح الصلاة»
بناء على مساواة الكل البعض في ذلك، و
خبر الحسن ابن ظريف(4)المروي عن قرب الاسناد «من صلى على غير القبلة و هو يرى أنه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان فيما بين المشرق و المغرب»
و
خبر
ج8،
موسى بن إسماعيل بن موسى(1)
«فكان الى المشرق أو المغرب».
المروي عن نوادر الراوندي «من صلى على غير القبلة فكان الى غير المشرق و المغرب فلا يعيد الصلاة»بل عن المعتبر و المنتهى انه قول أهل العلم، و لعله كذلك، فإنه و ان أطلق في الخلاف و الغنية الإعادة في الوقت لمن صلى الى غير القبلة باجتهاده ثم عرف ذلك كالمحكي عن المقنعة و جمل السيد و النهاية و المبسوط و السرائر و ظاهر الفقيه، بل قيل إنه حكي عن الكاتب و التقي، بل في كشف اللثام أنه المشهور و في الخلاف الإجماع عليه، و في السرائر نفي الخلاف، بل فيه أيضا أني لم أظفر بقائل صريحا بعدم الإعادة قبل الفاضلين، لكن لعل مرادهم من غير القبلة ما لا يشمل ذلك، كما أومأ إليه
قول أبي جعفر (عليه السلام) لزرارة(2)في الصحيح: «لا صلاة إلا الى القبلة قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله، قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال: يعيد»
بل حكي عن بعضهم التصريح بذلك كظاهر المصباح، بل لعله ظاهر المحكي عن التهذيب أيضا، بل لعله فهم من المقنعة أيضا ذلك، فلاحظ و تأمل، بل يمكن دعوى ظهور معقد إجماع الخلاف فيه، قال: «من اجتهد في القبلة و صلى إلى واحدة من الجهات ثم بان له أنه صلى الى غيرها و الوقت باق أعاد الصلاة» ثم حكى الإجماع، فيحتمل إرادة إحدى الجهات الأربع فلا يدخل ما بين المشرق و المغرب فيها، فتأمل. على أنه من المستبعد طرحهم النصوص المزبورة التي لا يعارضها إطلاق المعتبرة المستفيضة(3)الآتية المتضمنة لإعادة من صلى الى غير القبلة في الوقت لا في خارجه بعد إرادة ما لا يشمل ذلك من غير القبلة فيها بشهادة النصوص و الإجماعات السابقة المؤيدة بقاعدة الاجزاء و إطلاقات الصلاة القاطعة لأصالة الشغل
ج8،
فمن الغريب بعد ذلك كله ميل المحدث البحراني لإطلاق القدماء المزبور محتجا بأنه كما يمكن تقييد النصوص الآتية بما إذا لم يكن الى ما بين المشرق و المغرب يمكن تقييد هذه النصوص بإرادة عدم الإعادة في خارج الوقت كما تضمنته النصوص الآتية من نفي الإعادة فيها، فان بينها تعارض العموم من وجه، إذ ما بين المشرق و المغرب و إن كان أخص من غير القبلة إلا أن تلك النصوص باعتبار اشتمالها على التفصيل بين الوقت و خارجه أخص من هذه النصوص المشتملة على نفي الإعادة مطلقا، و ترجيحها بأصل البراءة معارض بأصالة الشغل، ثم انه تبجح بهذا الكلام و أخذ في تسجيعاته كما هي عادته.
و فيه انه لا يخفى عليك أولا الترجيح لهذه النصوص بالإجماعات و غيرها، مضافا الى عدم قابلية بعضها للتنزيل المزبور، لظهوره في نفي الإعادة في الوقت، كصحيح ابن عمار(1)و غيره، بل لا يقبله كل ما تضمن الحكم بكون ما بين المشرق و المغرب قبلة، ضرورة عدم الوجه حينئذ لهذه المنزلة، إذ نفي الإعادة في خارج الوقت يشترك فيها الجميع حتى الاستدبار على الأصح، على أن صحيح زرارة الأخير شاهد للجميع بينها بإرادة غير ما بين المشرق و المغرب من غير القبلة فيها لاندارجه فيها، بخلاف الجمع الذي ذكره، و معارضة أصل البراءة بعد ما عرفت من قاعدة الاجزاء و إطلاق أدلة الصلاة بأصالة الشغل كما ترى، الى غير ذلك مما يظهر بأدنى تأمل، و ثانيا أن المراد بالعموم من وجه الذي يحتاج الى الترجيح كونه بين موضوعي الحكم لا أن أحدهما فيه و الآخر في الموضوع، ضرورة أنه لا يعقل أحد من قول القائل اضرب الجهلاء في الليل لا في النهار و لا تضرب زيدا منهم إلا التخصيص، و بقاء حكم الخاص على إطلاقه، سيما في المقام الذي لو سلمنا فيه عدم اختصاص لفظ الإعادة في النصوص بالتدارك في الوقت إلا أنه لا ريب في سبقه الى الذهن من أول الأمر، بل قد يستنكر إطلاق نفي الإعادة مرادا منه خارج
1) 1 الوسائل- الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 1.
ج8،
الوقت خاصة، على أنه لا يلائم اشتراطه بما إذا كان بين المشرق و المغرب في خبر قرب الاسناد(1)و لا تعليق الحكم على غير المشرق و المغرب في خبر النوادر(2)
«فكان الى المشرق أو المغرب».
كما أنه لا يلائم ذلك أيضا ظهور تعليل مضي الصلاة بأن ما بين المشرق و المغرب قبلة في صحيح ابن عمار، الى غير ذلك مما لا يخفى، فالقول حينئذ بوجوب الإعادة في الوقت لا في خارجه في غاية الضعف.و أغرب منه ما حكاه في كشف اللثام عن بعض الأصحاب من الإعادة مطلقا، و أن القاضي في شرح جمل العلم و العمل احتاط بها، و لعله لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط و هو اجتهاد في مقابلة النصوص السابقة و الآتية التي كادت تكون متواترة. و
لخبر معمر بن يحيى(3)أو عمرو بن يحيى(4)و ربما قيل انهما خبران «سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى قال: يعيدها قبل أن يصلي هذه التي دخل وقتها إلا أن يخاف فوت التي دخل وقتها»
و هو- مع الإغضاء عن سنده، و احتمال إرادة الاستدبار منه بناء على ما يقوله الشيخ و الصلاة بغير اجتهاد مع سعة الوقت و دخول الوقت المشترك، أو الوقت الفضيلي للثانية، و الاستثناء مع خوف فوت وقت الاجزاء و غير ذلك واضح القصور عن مقاومة تلك الأدلة. فلو كان صريحا في ذلك وجب طرحه في مقابلتها فضلا عن كونه ظاهرا، بل لا ظهور فيه بعد الملاحظة كما هو واضح، و الله أعلم.
هذا كله إن كان منحرفا يسيرا و إلا أعاد في الوقت مطلقا و قيل و القائل الشيخان و سلار و أبو المكارم و الفاضل في جملة من كتبه و الشهيد في اللمعة و المقداد
ج8،
في التنقيح و المحقق الثاني في جامعه و فوائده و جعفريته و غيرهم على ما حكي عن بعضهم:
إن بان أنه استدبرها أعاد و ان خرج الوقت بل نسبه في جامع المقاصد الى كثير من الأصحاب، بل في الروضة انه المشهور، بل عن إرشاد الجعفرية أن عليه عمل الأصحاب، و لكن مع ذلك كله و الأول أظهر وفاقا للسيد و الحلي و يحيى بن سعيد و اليوسفي و الفاضل في جملة أخرى من كتبه، و الشهيد في دروسه و بيانه و ذكراه، و أبي العباس في موجزه، و الفاضل الميسي و الشهيد الثاني و ولده و سبطه و الكاشاني و الخراساني و الأصبهاني و العلامة الطباطبائي و غيرهم على ما حكي عن البعض، بل ربما نسب إلى الأكثر، بل لا خلاف معتد به في غير الاستدبار منه، كما عن السرائر الاعتراف به، بل في التنقيح أن عليه الأصحاب، و المحكي عن المنتهى انه ذهب إليه علماؤنا، بل في كشف اللثام الظاهر أنه إجماع، بل في الخلاف و المدارك و المحكي عن شرح الشيخ نجيب الدين الإجماع عليه، و كأنهم لم يتحققوا ما سمعته سابقا عن قوم من أصحابنا من الإعادة في الوقت و خارجه في مطلق الخطأ، أو لم يعتدوا به.
للنصوص المستفيضة ك
صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1)عن الصادق (عليه السلام) «إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد»
و
خبر يعقوب بن يقطين(2)قال: «سألت عبدا صالحا (ع) عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبة ثم طلعت الشمس و هو في وقت أ يعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة؟ و ان كان قد تحرى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما مكان في وقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه»
و
صحيح سليمان بن خالد(3)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يصحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟
ج8،
قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و إن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده»
الى غير ذلك من النصوص، ك خبر محمد بن الحصين(1)و غيره(2)مضافا الى ما تقدم من النصوص في الأعمى، و الى قاعدة الاجزاء و إطلاقات الصلاة التي لا يقدح في اقتضائها عدم الإعادة خارج الوقت وجوب الإعادة فيه لهذه النصوص، ضرورة رجوع الحال الى قيام الظن مقام الواقع إذا لم ينكشف خلافه في الوقت، فيبقى حينئذ مقتضاه في غير ذلك سالما، بل قوله: «فحسبه اجتهاده» و نحوه في النصوص المزبورة ك
قوله (عليه السلام) في بعض نصوص الأعمى(3)المتقدم سابقا: «فان القوم قد تحروا»
و غير ذلك ما هو كالصريح في أن سقوط القضاء خارج الوقت لصحة الفعل لا انه لطف و ان تحقق اسم الفوات الذي هو موضوع الأمر بالقضاء، مع انه مناف لشدة أمر الصلاة و عظم الاهتمام بها و أنها لا تسقط و لو قضاء بحال.
فلا ريب حينئذ في أن الشرط هنا بقاعدة الاجزاء مع النصوص ظن القبلة مثلا إذا لم ينكشف الخطأ، و يقوى في النظر أن ظهور الخطأ كاشف لفساد الفعل الأول لا أنه مؤثر له من حينه، استبعادا لتأثير شيء في الصلاة بعد الفراغ منها بالتسليم الذي هو الأمان عن عروض المفسدات بعد ذلك، فظهور الخطأ حينئذ سبب لعلمنا بالفساد، و إلا فهي في علم الشارع فاسدة من أول الأمر، و قد يحتمل للكشف معنى آخر قرر نظيره في إجازة الفضولي، و في العلم بالنجاسة المنسية في الوقت، إذ الجميع من واد واحد، خصوصا مسألة النجاسة، و لا يخفى أن مقتضى ذلك مع إطلاق النصوص السابقة عدم القضاء خارج الوقت حتى في الاستدبار، و لا وجه للخروج عنهما ب خبر معمر بن يحيى(4)المتقدم سابقا الذي هو بعد الإغضاء عن سنده غير صريح في ذلك،
ج8،
ضرورة عدم قرينة على إرادة خصوص الاستدبار من غير القبلة فيه، خصوصا مع إمكان كون الحقيقي منه من الأفراد النادرة، و سيما من المجتهد، و لا يقدح ذلك في إطلاق تلك النصوص بالنسبة إليه، إذ يمكن استفادة حكمه حينئذ من قاعدة الاجزاء مع القطع بمساواته للتشريق و التغريب في الإعادة في الوقت، أو أولويته منهما بذلك، على أن من المستبعد إرادته خاصة من غير القبلة لا مع غيره من الأفراد، فتأمل جيدا.
فالخبر المزبور على إطلاقه من الشواذ الذي ينبغي عدم الالتفات إليها، خصوصا بالنسبة الى ما بين المشرق و المغرب، بل و نفس المشرق و المغرب، و دعوى أن التمسك بإطلاقه الذي لا يقدح في حجيته تقييده بالأدلة يدفعها أنه إن سلم ذلك فهو في خصوص ما بين المشرق و المغرب، أما هما فلا دليل عليهما سوى الإطلاقات السابقة التي لا تخصهما، و تنزيلها على خصوص التشريق و التغريب فرع الشاهد عليه، فليس حينئذ إلا ترجيحها على الخبر المزبور سندا و دلالة و اعتضادا كما سمعته سابقا، مضافا الى ظهور سيافه في إرادة تقديم الفائتة على الحاضرة لا إرادة القضاء حيث يفوت الاستقبال على كل حال.
و أقرب من ذلك الاستدلال ب
موثق عمار(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «في رجل صلى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال:
إن كان متوجها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة»
مع أنه كالصريح في غير محل النزاع من العلم بالاستدبار بعد خروج الوقت، إذ حمله على ما إذا كان صلاته في آخر الوقت بحيث علم بذلك بعد إدراك الركعة منها مثلا و خروج الوقت كما ترى لا ينبغي الإصغاء اليه، على أن ظاهر الاستدبار فيه ما يشمل
1) 1 الوسائل الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 4.
ج8،
المشرق و المغرب كما في الرياض، و قضاء الصلاة معهما مخالف الإجماع الا من شذ.
و أشنع من ذلك الاستدلال بما في النهاية من أنه رويت رواية ان من صلى الى استدبار القبلة ثم علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة، و هذا هو الأحوط، و عليه العمل، بل ربما استشعر من ذيل عبارته الإجماع و فيه مع أنها رواية مرسلة بأضعف طرق الإرسال بل يقوى في الظن كما عن ظاهر النكت إرادته موثق عمار السابق الذي قد عرفت عدم دلالته على المطلوب بقرينة استدلاله به عليه في الخلاف و كتابي الأخبار على ما في الكشف بزعم الدلالة، بل لعله هو مراد الناصريات و جمل العلم و العمل بالمرسل فيهما نحو الإرسال السابق على ما في الكشف أيضا، إذ هو(1)في غاية القصور عن الحكم على تلك المطلقات، و جبر ذلك كله بالشهرة المحكية أو المحصلة معارض بأنه موهن بالشهرة المحكية أو المحصلة على ما عرفت. كدعوى اعتضاده بقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه بناء على أنه القبلة، و العلم و الظن مثلا طريق، كما هو مقتضى
قول أبي جعفر (ع) في صحيح زرارة(2): «لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»
و غيره مما دل على الشرطية، فيشمله حينئذ عموم «من فاتته» و لا يقدح في ذلك خروج ما بين المشرق و المغرب لعموم المنزلة، فلم يفت الشرط، كما أنه لا يقدح خروجهما بالنصوص، بل ظاهر افترانه بما يوجب الإعادة في الوقت و خارجه الاشتراك معه في ذلك. إذ قد عرفت ظهور النصوص في أن الشرط ظن القبلة مثلا، و المراد من الإعادة بفوات القبلة في قول أبي جعفر (عليه السلام) على حسب ما بينته النصوص، إذ لا أقل من كونه مطلقا قيد بها، و يكفي في الشركة ذلك أو مع القضاء في صورة
ج8،
التفويت عمدا أو جهلا أو نسيانا، و بناء على عدم إلحاقهما بالظان، كما أن
قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة(1)الآخر المتقدم سابقا: «يعيد من صلى لغير القبلة»
مطلق أيضا يقيد بها، و كذا مفهوم خبر ابن ظريف(2)و غيره من المطلقات فلا محيص حينئذ عن القول بعدم وجوب القضاء عليه، و اعلم أن هذه المسألة غير مسألة الالتفات التي يأتي حكمها مفصلا في القواطع ان شاء الله.
و كيف كان فبناء على المختار يسقط الاحتياج الى تحقيق المراد من الاستدبار، ضرورة مساواته حينئذ في الحكم للمشرق و المغرب و المنحرف عنهما الى جهته، مع أن الأقوى فيه التحقق بمجاوزة المشرق و المغرب و ان لم يبلغ مقابل القبلة وفاقا لكشف اللثام، لصدق الخروج عن القبلة و الاستدبار لغة و عرفا، و ما سمعته من خبر عمار، و خلافا لثاني الشهيدين في المسالك، قال: «المراد بالاستدبار ما قابل جهة القبلة بمعنى أن كل خط يمكن فرض أحد طرفيه جهة لها فالطرف الآخر استدبار، فلو فرض وقوع خط مستقيم على هذا الخط بحيث يحدث عنهما أربع زوايات قائمة فالخط الثاني خط اليمين و اليسار، فلو فرض خط آخر على الخط الأول بحيث يحدث عنهما زوايا منفرجة و حادة فما كان منه بين خط اليمين و اليسار و خط القبلة فهو الانحراف المغتفر، و ما كان منه بين خط الاستدبار و خط اليمين و اليسار فهو بحكم اليمين و اليسار لا الاستدبار، و انما كان كذلك لأن الخبر(3)الدال على إعادة المستدبر مطلقا عبر فيه بلفظ دبر القبلة، و هو لا يتحقق إلا بما ذكر».
و قريب منه ما في التنقيح، قال: «هنا فائدة يحسن الإشارة إليها، هي أن جهة الكعبة التي هي القبلة للنأتي هي خط مستقيم يخرج من المشرق الى المغرب الاعتداليين
ج8،
و يمر بسطح الكعبة، فالمصلي حينئذ يفرض من قطرة خطا يخرج الى ذلك الخط. فان وقع عليه على زواية قائمة فذالك هو الاستقبال حقيقة، و إن كان على حادة أو منفرجة فهو الى ما بين المشرق و المغرب، و إن لم يقع عليه بل وازاه فهو الى المشرق أو المغرب، و إن كان بضده فهو الاستدبار» قلت: قد يؤيدهما في الجملة ما ذكر في التخلي من عدم عد مثله استدبارا، و فيه منع أو فرق بين المقامين، فتأمل فيه، و كيف كان فالأمر سهل بعد ما عرفت.
نعم ينبغي أن يعلم أن المراد بالمشرق و المغرب الملحق ما بينهما من جهة القبلة بها في النص و الفتوى الكناية عن اليمين و اليسار، و خصا بالتعبير في النص لمكان قبلة الراوي و المروي عنه، و للغلبة، و بل ظاهر الأستاد في شرحه المفروغية من ذلك، قال: «ما بين المشرق و المغرب بالنسبة الى أهل العراق و اليمين، و بين الشمال و الجنوب بالنسبة الى أهل المشرق و أهل المغرب، و ما بين القوس الجوبي بالنسبة الى أهل الشام، و قس على هذا» قلت: فلا فرق حينئذ بين من قبلته نفس المشرق و المغرب أو غيرهما، و لا يختص هذا الحكم في غير هما كما عساه يوهمه ما في كشف اللثام، قال: «و من المعلوم اختصاص ذلك بمن ليس قبلته المشرق أو المغرب» لكنك قد عرفت أنه ليس في البلاد ما قبلته عين المشرق أو المغرب، فهو على عمومه لكن يشترط أن لا يكون دبر القبلة، و لو لا ما تسمع من كلامه أمكن أن يريد اختصاص ما بينهما بذلك لا أن المنزل منزلة القبلة هو لا غير، و ربما يومي الى ما ذكرنا تعبير أكثر القدماء باليمين و اليسار الذي نص بعضهم على أنه أشمل من التعبير بالمشرق و المغرب، بل قيل لم يعبر أحد قبل الفاضلين بالمشرق و المغرب، بل في الذكرى أن ظاهر كلام الأصحاب ان الانحراف الكثير ما كان الى سمت اليمين و اليسار أو الاستدبار لرواية عمار، و ذكر خبره الذي أسمعناكه، لكن في كشف اللثام بعد حكاية ذلك عنه و هو مبني على كون المشرق و المغرب يمين القبلة و يسارها
ج8،
و انما يتم بالمعنى الذي أراده، و هو اليمين أو اليسار المقاطع لجهة القبلة على قوائم في بعض البلاد، و الأخبار مطلقة، و بلد المخبر و الراوي فيها أيضا منحرف عن نقطة الجنوب الى المغرب، و لم أر ممن قبل الفاضلين اعتبار المشرق و المغرب، و ليس في كلامهما ما يدل على مرادفتهما لليمين و اليسار، و ملاحظة الآية: أي قوله تعالى(1)«لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» و الاخبار ترفع استبعاد أن يكون الانحراف إليهما كثيرا و إن لم يبلغا اليمين أو اليسار، و الانحراف إليهما يسيرا و إن تجاوز المشرق و المغرب.
و أما اليمين و اليسار فهما مذكورتان في الناصريات و الاقتصاد و الخلاف و الجمل و العقود و المصباح و مختصره و الوسيلة، و لكن لا يتعينان للجهتين المقاطعتين للقبلة على قوائم، و انما تظهر مباينتهما للاستدبار، و هي أعم، لكن الاستدبار يحتمل البالغ الى مسامت القبلة و الأعم إلى اليمين أو اليسار، فإن أرادوا الأول شمل اليمين و اليسار في كلامهم كل انحراف الى الاستدبار الحقيقي المسامت، و إن أرادوا الثاني شملا كل انحراف الى اليمين و اليسار المقاطعتين على قوائم لا ما فوقهما، و ذلك لأنهم لم يفصلوا الانحراف إلا بالاستدبار و اليمين و اليسار، قلت: بناء على ما ذكرناه سابقا في كلامهم من عدم إرادتهم ما بين اليمين و اليسار، و انه قبلة عندهم يتعين على الثاني إرادة الانحراف إليهما نفسيهما لا كل انحراف و إن لم يصل إليهما، و الذي يختلج في البال بناء هذا التنزيل على التسامح و التوسعة بإرادة جهة المشرق و المغرب لكل أحد تكون قبلته في هذا السمت، فلا فرق حينئذ بين من انحرفت قبلته عن نقطة الجنوب و الشمال و غيرهما و لا بين الاعتداليين من المشرق و المغرب و غيرهما، إذ المراد التوسعة في أمر الجهة في بعض الأحوال، لكن و مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه بحال.
و كيف كان فقد ظهر لك مما قدمناه سابقا أنه كان مقتضى الأصل المستفاد من
1) 1 سورة البقرة- الآية 172.
ج8،
إطلاق ما دل على شرطية القبلة الإعادة في الوقت و خارجه بأدنى انحراف، إلا أنه لمكان ما سمعته، من النصوص و غيرها المعارضة لذلك خرجنا عنه الى ما عرفت، لكن ينبغي الاقتصار فيها على ما هو المعتبر من دلالتها عليه، و إلا بقي على الأصل الأول، و لا ريب في اقتضاء إطلاق ما دل على القبلة ما بين المشرق و المغرب عدم الفرق بين الظان و الناسي و غيرهما مما عدا العالم العامد، للإجماع أو الضرورة على خروجه، و قد يلحق به الجاهل بالحكم مقصرا أو لا مع فرض إمكان نية التقرب منه على إشكال خصوصا في غير المقصر منه، ضرورة ظهور النص(1)في إطلاق المنزلة من غير نظر الى أحوال المكلفين، أما غير ذلك مما تقدم حكمه فلا ريب في ثبوته للظان و نحوه مما ورد الأمر به بالخصوص حتى المتحير إذا ضاق عليه الوقت و صلى إلى جهة، أو قلنا بالتخيير له من أول الأمر لشمول النصوص، أو لاقتضاء قاعدة الإجزاء المعتضدة بعدم الخلاف على الظاهر فيه بين أصحابنا كما يومي اليه إرساله إرسال المسلمات في شرح الأستاد و الرياض، اللهم إلا أن يظهر الخلاف ممن اقتصر في التعبير على الظان و المتحري و نحوهما، بل يمكن دعوى ظهور النصوص في غيره، لكن قد عرفت أنا في غنية عنها بالقاعدة.
و كيف كان فقد ألحق الشيخان و الفاضلان و الشهيدان و غيرهم على ما حكي عن بعضهم الناسي، لعموم الأخبار التي يمكن دعوى ظهورها في غيره بشهادة التبادر، و ما في بعضها من ذكر الغيم، و رؤية أنه على القبلة، و حسبه اجتهاده، فإنهم قد تحروا، و نحو ذلك مما لا يخفى على من تأمل في النصوص لا أقل من الشك، فيبقى الأصل الأول سليما، بل لعل صحيح زرارة(2)الذي هو بعض الأصل المزبور كالصريح في تناول النسيان، ضرورة كون المراد فيه لا تعاد الصلاة إلا من فوات خمسة عمدا أو سهوا،
ج8،
و إلا لم يكن لها خصوصية على ما يجب الإعادة بفواته عمدا. و هو جميع واجبات الصلاة، و لحديث رفع الخطأ و النسيان(1)الذي فيه البحث المشهور، و لقاعدة الاجزاء، لا أقل من الشك في صدق اسم الفوات معه، و الأصل براءة الذمة من القضاء المحتاج الى فرض جديد، أما الإعادة في الوقت فلفحوى نصوص الظان(2)و يقين الشغل و غيرهما.
و فيه أن التحقيق عدم جريان قاعدة الاجزاء في مثله، لعدم الأمر به بالخصوص كي يقتضي بظاهره البدلية عن المأمور به الواقعي، و الشك في صدق اسم الفوات عليه للشك في تناول النصوص المزبورة له يوجب بقاءه على مقتضى الأصل الأول الذي من الواضح صدق اسم الفوات معه، ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و من المعلوم إرادة الأعم من عدم الفعل و الفساد الشرعي من الفوات لو سلمنا تعليق وجوب القضاء عليه لا على شيء آخر أوضح في تناول محل النزاع كما تسمعه في محله ان شاء الله، و لعله من هنا استشكله جماعة منهم الفاضلان و الشهيد على ما قيل، بل عن المختلف و نهاية الأحكام الجزم بالعدم ككشف اللثام و شرح الأستاد الأكبر، و لا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى.
و أضعف منه إلحاق الجاهل بالحكم به كما وقع من بعضهم، لإطلاق الأدلة و ترك الاستفصال فيها، و فيه أن ملاحظة ما فيها من قوله: «استبان» و نحوه مما سمعته في الناسي كالصريح في إرادة غيره، خصوصا مع ضميمة أصالة صحة فعل المسلم، بل لو جاز الركون الى مثل هذه الإطلاقات ما كان ينبغي الاقتصار على المسألتين في الاستثناء من حكم الجاهل، و لتخيل جريان حكم الظان من الإعادة في الوقت و عدمها في الخارج على مقتضى الأصل، و هو كما ترى، خصوصا بعد الأدلة القطعية على كونه كالعامد،
ج8،
و تسمع ان شاء الله في قواطع الصلاة ما له نفع في المقام، و الله أعلم.
هذا كله إذا تبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة فأما إن تبين الخلل و هو في الصلاة فإنه يستأنف مع سعة الوقت على كل حال إلا أن يكون منحرفا يسيرا، فإنه يستقيم و لا إعادة لا طلاق الأدلة السابقة، و خصوص موثق عمار(1)و لأن شرط الكل شرط البعض، كما أن ما لا يفسد الكل لا يفسد البعض، و إطلاق
خبر القاسم ابن الوليد(2)«سألته عن رجل تبين له و هو في الصلاة انه على غير القبلة قال: يستقبلها إذا ثبت ذلك، و ان كان فرغ منها فلا يعيدها»
منزل على الانحراف اليسير بناء على إرادة القبلة من الضمير، و إن أريد الصلاة وجب حمله على الكثير، كما أنه يجب حينئذ حمل نفى الإعادة فيه على خروج الوقت، ضرورة قصوره سندا و دلالة عن إثبات حكم مخالف لما ذكرناه مما هو مقتضى الأصول و الأدلة السابقة، فما يحكى عن يحيى بن سعيد- من إطلاق الانحراف إن تبين الخطأ في الأثناء- فيه ما لا يخفى، كما أن المحكي عن المبسوط كذلك أيضا، فإنه بعد أن ذكر الخلاف في قضاء المستدبر قال: «هذا إذا خرج من صلاته، فان كان في حال الصلاة ثم ظن ان القبلة عن يمينه أو شماله بنى عليه و استقبل القبلة و يتمها، و إن كان مستدبر القبلة أعادها من أولها بلا خلاف» مع احتمال إرادته ما بين المشرق و المغرب من اليمين و الشمال كما في الخبر، و نفسهما مع الاستدبار من الاستدبار، فلا يكون مخالفا حينئذ، و يؤيده أن ذلك أقرب لنفي الخلاف من غيره و ان كان موهونا بندرته و شذوذه، و محجوجا بما عرفت، أما لو تبين في أثنائها الخطأ الموجب للإعادة في الوقت و كان الوقت قد خرج كما لو كانت صلاته بإدراك ركعة مثلا من الوقت و بان له الخطأ في الثانية أو الثالثة ففي الذكرى فيه وجهان، من فحوى أخبار نفي القضاء، و من إطلاق خبر عمار، و أنه لم يأت بها في الوقت، و في كشف اللثام
ج8،
«و قد يتأيد بكون نحو هذه الصلاة أداء و إن كان الاستيناف قضاء اتفاقا- الى أن قال بعد أن حكى عبارة المبسوط السابقة-: و هو يعطي انتفاء الخلاف في ثاني الوجهين، و كذا ما في الشرائع و التحرير و التذكرة و المعتبر و المنتهى يعطيان الأول».
قلت: لا يخفى ما في اندراج الفرض في إطلاق هذه الفتاوى، بل و الموثق بناء على تنزيله على الوقت. مع أنه أشكله في الرياض أيضا تبعا للأستاد الأكبر بأن الظاهر تقدم مراعاة الوقت على مراعاة القبلة، و لذا يجب على الجاهل بها الغير المتمكن من الاجتهاد فيها أن يصلي الى حيث شاء في الجملة أو مطلقا، بل تقدمه على جل واجبات الصلاة من الشرائط و الأجزاء، ثم قال: و استشكل فيه الشهيدان، بل رجح الإلحاق بالصورة الأولى: أي الانحراف يسيرا ثانيهما و سبطه في المدارك و غيرهما، و هو الأقوى قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله من النظر، و إن كان الأقوى فيه الاستقامة ثم الإتمام، لكن لا لما ذكره من القضاء المنفي، لانتفاء الدلالة على بطلان اللازم، ضرورة اختصاصه بما لو جاء بالفعل تاما في الوقت ثم بان له الخطأ خارج الوقت فإنه حينئذ لا قضاء لصحة فعله السابق بقاعدة الاجزاء، و ب
قوله(1)(عليه السلام):
«فحسبه اجتهاده»
و غيرهما مما تقدم، لا إذا لم يأت بشيء يكون سببا لسقوط القضاء عنه، و لا لترجيح الوقت على غيره عند التعارض الذي هو خارج عما نحن فيه عند التأمل، بل هو لصحة ما وقع منه في صلاته، إذ الفرض ظهور الخطأ خارج الوقت، و قد عرفت أنه في هذا الحال لا يفسد ما في الوقت من تمام الفعل، و ما لا يفسد الكل لا يفسد البعض، و دعوى أنه من ظهور الخطأ في الوقت باعتبار تنزيل الشارع إدراك الركعة منزلة إدراك الوقت كما ترى، ضرورة عدم التلازم، و صدق خروج الوقت لغة و عرفا، على أن المراد من الوقت هنا المتمكن من الإعادة فيه كما هو ظاهر النصوص
1) 1 الوسائل الباب- 11- من أبواب القبلة- الحديث 6.
ج8،
فإذا صح الأول وجب الإتمام المتمكن من فعله جامعا للشرائط، فيستقيم حينئذ(1)لما بقي و يتم صلاته، و لعله اليه يرجع ما في المدارك من التعليل بأنه دخل دخولا مشروعا، و الامتثال يقتضي الاجزاء، و الإعادة انما تثبت إذا تبين الخطأ في الوقت على ما هو منطوق روايتي عبد الرحمن(2)و سليمان بن خالد(3)فتأمل جيدا، و الله أعلم.
في اجتهاده السابق بحيث زال الظن منه و لو لقوة احتمال تغير الأمارات السابقة أو حدوث غيرها استأنف الاجتهاد وجوبا، لوجوب الدخول في الصلاة بالعلم أو الظن مع التمكن، و استصحاب حكم الظن الأول لا وجه له بعد ظهور النصوص(4)و الفتاوى في دورانه مدار الظن، فلا بقاء له مع انتفائه، لا أقل من أن يكون ذلك هو المتيقن منهما في البدلية عن العلم، و دعوى إطلاق
قوله(5)إذا لم يعلم أين وجه القبلة: «فاجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك»
و غيره من أدلة الاجتهاد يدفها ظهوره في إرادة أن كل ما كانت القبلة شرطا فيه إذا لم تعلم أين وجهها فاجتهد الى آخره، لا أن المراد الأمر بطبيعة الاجتهاد التي تحصل بمرة في العمر قطعا، إذ فيه من المفاسد المعلومة من المذهب ما لا يخفى.
نعم يمكن دعوى ظهوره في الاجتزاء بالاجتهاد الواحد للعمل الواحد، فلا يقدح حينئذ حدوث الشك في الأثناء، لحصول الشرط، و لاستصحاب الصحة، و غير ذلك مما لا يخفى، و لعل ما في التذكرة و التحرير و المنتهى على ما قيل من عدم الالتفات لو تجدد شك في أثناء الصلاة مبني على ذلك، لكن في كشف اللثام لا بأس عندي بتجديد
ج8،
الاجتهاد إن أمكنه من غير إبطال الصلاة، قلت: لا ريب في عدم البأس به، و أنه أحوط، فيجتهد حينئذ، فإن وافق الأول استمر، و ان خالفه يسيرا استقام و أتم، و إن خالفه كثيرا كان كظهور الخطأ بالاجتهاد بعد الفراغ الذي ستسمع الكلام فيه، و أنه عندنا لا ينقض السابق فيتمها حينئذ على الأخير، و لا إعادة، فلاحظ و تأمل.
إنما البحث في وجوب هذا الاجتهاد عليه، و في البطلان الصلاة لو فرض توقفه على ذلك، لأنه لا يجوز إتمامها على الشك كالأعمال المستقلة، لاشتراك الجميع في اشتراط الاستقبال، و ليس هو إبطالا للعمل، بل بطلان، لكن في كشف اللثام في مسألة نقض الاجتهاد بالاجتهاد التصريح بأنه إن لم يمكنه الاجتهاد في الصلاة أتمها و لم يلتفت الى شكه، فإذا فرغ استأنف الاجتهاد، و هو لا يخلو من وجه إن لم يكن الأقوى، لكن لا ريب أن الأحوط الإتمام ثم الاستئناف بعد تجديد الاجتهاد.
هذا كله ان تجدد شك و إلا يتجدد شك بنى على اجتهاده الأول قطعا، إذا فرض العلم بعدم تغير الامارات و عدم حدوث غيرها، و إذ احتمال التعبدية مقطوع بعدمه، أما إذا علم تغيرها أو حدوث غيرها وجب عليه التجديد و ان لم يزل ظنه السابق، لعدم صدق بذل تمام جهده في هذا الحال لو اقتصر على الأول، و لأن الاجتهاد الثاني ان وافق الأول تأكد الظن، و طلب الأقوى واجب، و ان خالفه عدل الى مقتضاه، لأنه لا يكون إلا لأمارة أقوى، فهو أبدا متوقع لظن أقوى، بل مال في كشف اللثام الى ذلك لو احتمل الحدوث أو التغير فضلا عن الظن و العلم لعين ما عرفت، و قد تبع بذلك الشيخ في المبسوط، قال فيما حكي عنه: يجب على الإنسان أن يتتبع أمارات القبلة كل ما أراد الصلاة عند كل صلاة، اللهم إلا أن يكون قد علم أن القبلة في جهة يعينها أو ظن ذلك بأمارات صحيحة ثم علم أنها لم تتغير جاز حينئذ التوجه
ج8،
إليها من غير أن يجدد اجتهاده في طلب الامارات، و قد استدل له بما سمعت، و بوجوب السعي في طلب الحق أبدا، لكن في كشف اللثام قلنا: نعم إذا لم يكن سعى أو احتمل حصول العلم أو ظن أقوى مما قد حصله موافق أو مخالف له.
قلت: لا يخفى استلزام كلام الشيخ الثاني، و مقتضاه حينئذ التكرير الصلاة واحدة إذا أخرها عن اجتهاده لها و احتمل تغير الأمارات أو حدوث غيرها، كطلب الماء عند إرادة التيمم، إذ هما من واد واحد، نعم قد يفرق بينهما بتغير المكان و عدمه، إذ أدلة القبلة لا تختلف بحسب المكان بخلاف التيمم لكن و مع ذلك كله فقد يفرق في المقام بين العلم بحدوث الأمارات أو تغيرها و بين احتمال ذلك، فيجب تجديد الاجتهاد في الأول بخلاف الثاني، استصحابا للظن المجزي، و صدق الصلاة باجتهاد، فهو كالمجتهد في الأحكام الذي لا يجب عليه بمجرد احتمال التغير أو قوة الظن تجديد الاجتهاد قطعا، إذ أقصى ما حكي عن جماعة من المحققين وجوب النظر على المجتهد فيما اجتهد فيه إذا لم يكن الدليل حاضرا، مع أن فيه للنظر مجالا، اللهم إلا أن يفرق بينهما بأن وجوب التجديد في الثاني بمجرد الاحتمال مستلزم للعسر و الحرج المنفيين آية و رواية بخلاف المقام، و على كل حال فقد ظهر لك أن إطلاق المتن و الفاضل و بعض من تأخر عنه عدم التجديد كإطلاق المبسوط وجوبه و لا يخلو من بحث، و طريق الاحتياط غير خفي.
بالاجتهاد و إن كان كثيرا، كأن رأى نجما فظنه سهيلا ثم ظنه جديا، أو رأى قبرا فظن أحد طرفيه رأسه ثم ظنه رجليه، أو رأى محرابا ظنه كنيسة ثم ظنه بيعة أو محرابا لنا، أو هبت ريح فظنها صباء ثم ظنها دبورا كما صرح به جماعة، بل عن الفاضل أنه لا يعرف فيه خلافا، للأصل بعد اختصاص أدلة الإعادة في الظاهر بمن بان له بغير الاجتهاد، و لقاعدة الاجزاء
ج8،
و لأن نقض الأول بالثاني ليس بأولى من العكس، فهو حينئذ كالاجتهاد في الأحكام بل ما نحن فيه أولى، ضرورة ظهور النص(1)في بدلية الظن لقاعدة الاجزاء، بخلافه في الأحكام، لاحتمال العذرية فيه إن لم يكن الأقوى، لعدم دليل لفظي يقتضي بظاهره البدلية و من هنا لو علم المجتهد في الحكم خطأه بدليل قطعي قضى في خارج الوقت بخلافه هنا كما عرفت، فلو صلى حينئذ أربع صلوات بأربع اجتهادات لم يجب عليه فعل واحدة منهن، لأن كل واحدة قد صليت باجتهاد لم يتبين فيه الخطأ، فما عن نهاية الأحكام من احتمال قضاء الجميع، لأن الخطأ متيقن في ثلاث صلوات منها و ان لم يتعين، فأشبه ما لو فسدت صلاة من صلوات، و احتمال قضاء ما سوى الأخيرة لكون الاجتهاد الأخير ناسخا لما قبله ضعيف، لما عرفت من عدم مدخلية الواقع، و دعوى الاندراج في الأدلة للعلم بالخطإ في الجملة يدفعها ظهورها في العلم بالخطإ بالخصوص كما لا يخفى، فالاحتمالان حينئذ في غاية الضعف، خصوصا الثاني الذي هو تحكم، إذ الاجتهادات متعاقبة متنافية، ورد أولهما في الذكرى بأنه لو وجبت الإعادة لم يؤمر بالصلاة مع تغير الاجتهاد، و لعله أراد ما أشرنا إليه من عدم أولية نقض الأول بالثاني من العكس، إذ صيرورته الآن و هما لا يقدح فيما وقع فيه حال كون الثاني و هما، نعم هو أرجح منه بالنسبة الى ما يأتي من الافعال، كرجحان الأول قبل أن ينقلب و هما.
و من ذلك يعلم ما في الذكرى من أنه يحتمل قويا مع تغير الاجتهاد أن يؤمر بالصلاة إلى أربع، لأن الاجتهاد عارضه الاجتهاد فيتساقطان فيتحير، و لا يجب إعادة ما صلاة أولا، لإمكان صحته و دخوله مشروعا، إذ هو كما ترى ضعيف جدا، كالإشكال في القواعد في أصل الحكم، قال: لو ظهر خطأ الاجتهاد بالاجتهاد ففي القضاء أي إعادة ما صلى بالأول مطلقا أو بالوقت خاصة على حسب ما مر من وجوه
1) 1 الوسائل الباب- 6 من أبواب القبلة.
ج8،
الخطأ إشكال، و لعله مما عرفت و من احتمال أن الشرط التوجه إلى القبلة لا ما ظنها، و قد ظن اختلال الشرط فظن انه لم يخرج عن العهدة، و على المكلف أن يعلم خروجه عنها أو يظنه إن لم يمكنه العلم، أو يقال شرط الصلاة استقبال ما يعلمه أو يظنه قبلة بشرط استمراره، و لذا يعيد إذا علم الخطأ و لم يستمر الظن هنا، و أيضا فتعارض الظنان فيجب عليه الصلاة مرتين و إن خرج الوقت، لوجوب قضاء الفائتة إجماعا، و قد فاتته إحدى الصلاتين الواجبتين عليه، قال في كشف اللثام: «و في الأول ان على المكلف علم الخروج أو ظنه عند الفعل لا أبدا، و خصوصا بعد خروج الوقت» قلت: قد يناقش بأن مقتضاه حينئذ عدم الإعادة حتى لو علم الخطأ بعد ذلك، فينبغي تقييده حينئذ بما إذا لم يعلم الخطأ في الوقت، و الأمر سهل، و في الثاني انا انما نسلم اشتراط عدم ظهور الخطأ و العلم به و خصوصا إذا خرج الوقت، و في الأخير أن الصلاتين انما تجبان لو تعارض الظنان في الوقت: أي قبل وقوع الفعل بحيث آل الأمر إلى الشك بسبب التعارض.
هذا كله لو ظهر خطأ اجتهاده بالاجتهاد، أما لو علم خطأه في الوقت بما يوجب الإعادة أو ظنه و قلنا إنه كالعلم و لم يترجح عنده جهة بل بقي متحيرا لا انه اجتهد الى غير الجهة فعليه الإعادة ثلاث مرات الى ثلاث جهات أخرى، و في خارج الوقت وجهان، أصحهما عندنا العدم، خصوصا مع احتمال كون الخطأ مما يوجب الإعادة في الوقت فالأصل البراءة، قال في كشف اللثام: و إن شك في اجتهاده ضعف الإعادة جدا، و خصوصا القضاء، قلت: بل لا وجه لها بعد ما عرفت من عدم نقضه بالظن فضلا عن الشك، فلم يظهر له خطأ فعله أصلا، فلا يندرج في نصوص الإعادة، ثم قال: و إن شك أو ظن الخطأ في أثناء الصلاة و لم يترجح عنده جهة و أمكنه استئناف الاجتهاد في الصلاة استأنفه، فإن وافق الأول استمر، و إن خالفه يسيرا استقام و أتم، و إن
ج8،
خالفه كثيرا كان كظهور الخطأ بالاجتهاد بعد الفراغ، و إن لم يمكنه استئناف الاجتهاد فيها أتمها و لم يلتفت الى شكه أو ظنه، فإذا فرغ استأنف الاجتهاد، قلت: قد عرفت في المسألة السابقة أن الاشكال في وجوب الاجتهاد عليه في الأثناء مع لتمكن و في جواز الإتمام و الاجتزاء به مع عدم التمكن، ثم قال: و إن تيقن الخطأ في الأثناء و لم يترجح عنده جهة و لا يمكنه الاجتهاد و هو في الصلاة فإن ضاق الوقت أتمها، و إلا استأنف الصلاة إن علم أن له أن يجتهد أو يحصل العلم إذا أبطل الصلاة، و إلا احتمل إتمامها ثم السعي في تحصيل القبلة، فإن حصلها و إلا كانت هذه إحدى الأربع، قلت: لا يخفى عدم خلوه عن البحث في الجملة بعد تقييد الإتمام في كلامه بأن يكون على غير تلك الجهة التي علم خطأها، هذا.
و في المحكي عن التحرير و المنتهى أنه لو بان له الخطأ في الأثناء و لم يعرف القبلة إلا بالاجتهاد المحوج الى الفعل الكثير فإنه يقطع و يجتهد، و لعل ظاهرهما سعة الوقت و العلم بحصول الاجتهاد مع الابطال، فلا منافاة حينئذ بينهما و بين ما في الكشف، نعم أطلق في الذكرى أنه إن لم يمكن تحصيله حال الصلاة فالأجود البطلان، لامتناع الاستمرار على الخطأ و عدم علم الجهة و ظنها، قلت: قد يحتمل أنه يكون متحيرا باعتبار حرمة قطع الصلاة، فيعدل عن جهة الخطأ و يتمها، و إن كان الأقوى ما ذكره، ثم قال: و لو تحير الشامي أو اليمني فاجتهد و صلى إلى جهة فانكشف الغيم فإذا كوكب في الأفق يقطع بأنه إما في المشرق، أو المغرب و هو بإزائه فإنه يتبين الخطأ قطعا، و يحكم هنا ببطلان الصلاة في الحال، فان رأى الكوكب ينحط علم به المغرب، و إن رآه يرتفع علم به المشرق، و ان أطبق الغيم في الحال فالتحيير باق إلا أنه في جهتين، فان انكشف فيما بعد و إلا صلى إليهما لا غير، و لو كان المصلي مشرقيا أو مغربيا لم يحكم ببطلان صلاته في الحال بظهور الكوكب الأفقي، بل يتربص فينتظر علوه و عدمه فيبني على
ج8،
ما علمه، و لو عاد الغيم في الحال لم يحكم هنا ببطلان الصلاة الى الجهة الأخرى، و يمكن ذلك إن لم يكن الاجتهاد الأول باقيا و لا يجدد غيره، و إن كان باقيا فلا، و ان تجدد غيره استأنف، و لو كان المصلي في إحدى الزوايا التي بين الجهات الأربع فظهور الكوكب الأفقي لا يبطل استمراره أيضا في الحال، بل بعد اعتبار العلو و الانخفاض مراعيا ما سلف، فيستمر مع إصابة القبلة و ما في حكمها، و يستأنف مع عدمها إن بقي الوقت أو مطلقا لو كان مستدبرا على القول به، و لو عاد الغيم فان قطع على مخالفة قبلته و ما في حكمها أعاد إلى الجهات التي يعلم معها إصابة القبلة، و إن لم يقطع على المخالفة فالبناء متعين و في الصلاة الى جهة أخرى الاحتمال، فيراعي جهتين ليس فيهما محض المشرق و المغرب، و الله أعلم.
و إن تضادوا في الاجتهاد أو اختلفوا بالكثير فضلا عن الاختلاف اليسير، لصحة صلاة كل واحد منهم واقعا بقاعدة الاجزاء و غيرها مما عرفته سابقا وفاقا لكشف اللثام، و لم يستبعده في التذكرة و المدارك، و خلافا للشيخ و جماعة، بل قيل الأكثر كالفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، فهو حينئذ كالجماعة حول الكعبة أو في شدة الخوف، و ما في الذكرى- من منع الاقتداء حالة الشدة مع اختلاف الجهة، و لو سلم فالاستقبال فيه ساقط بالكلية بخلاف المقام، و من ظهور الفرق بين المصلين إلى نواحي الكعبة و بين المجتهدين بالقطع بأن كل جهة قبلة هناك و القطع بالخطإ هنا، و كذا نقول في صلاة الشدة ان كل جهة قبلة- كما ترى في غاية الضعف، ضرورة اشتراك الجميع في ذلك، فكما أن كل جهة من الكعبة قبلة فكذا قبلة كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، فكما تصح صلاة كل ممن حول الكعبة قطعا للاستقبال تصح صلاة هؤلاء قطعا، و كما يقطع بصحة صلاة المصلين في شدة الخوف للاستقبال أو لعدم اشتراطه في حقهم فكذا صلاة هؤلاء،
ج8،
و لا يضر الافتراق بأن كل جهة من الكعبة قبلة على العموم بخلاف ما أدى اليه الاجتهاد فإنما هو قبلة لهذا المجتهد.
و كذا الكلام إذا علم أحدهما و اجتهد الآخر و تخالفا و إن لم يذكروه من غير فرق بين اقتداء العالم بالمجتهد و العكس، و إن كان الأول أبعد، إلا أنه لا بأس به عند التحقيق، لصحة صلاته واقعا في حقه لا عذرا، و لا يجب في الائتمام أزيد من ذلك، و من الغريب تعليل الذكرى عدم الجواز في أصل المسألة بأن المأموم إن كان محقا في الجهة فسدت صلاة إمامه، و إلا فصلاته، فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين، إذ قد عرفت أنه لا فساد في شيء من صلاتهما بعد بدلية الظن شرعا، كالتيمم، و أضعف من ذلك احتمال البطلان في الخطأ اليسير في التذكرة، ثم قال: و هو أحد وجهي الشافعية، و لثاني له، ذلك لقلة الانحراف، ثم قال: و هما مبنيان على أن الواجب إصابة العين أو الجهة، و نحوه عن نهاية الأحكام، إذ فيه مع أنك قد عرفت فيما تقدم كون فرض البعيد الجهة عنده و عند غيره أنه لا وجه لهذا البناء، ضرورة عدم حصول الجهة فيه أيضا، و إلا لجاز اختيارا التوجه الى ما بين المشرق و المغرب، لأن الواجب الجهة، و الفرض حصوله، بل هو ليس إلا لتنزيل الشارع له منزلة القبلة مع العذر، فصلاة كل منهما صحيحة واقعا نحو ما قلناه في التخالف الكثير، فالقول بالصحة هنا عند التأمل لازمة لها هناك، مع أن الشهيد استقرب الجواز فيها و منع في تلك، و فيه ما لا يخفى.
و من ذلك كله يظهر لك الحال فيما ذكروه هنا من أنه لو صلى جماعة جماعة في ظلمة بالاجتهاد فلما أصبحوا علموا الاختلاف و لم يعلموا جهة الإمام صحت صلاتهم عندنا و لا قضاء، بل يمكن ذلك على القول الآخر أيضا، إذ لم يعلم أحد منهم مخالفة الإمام كما استوجهه في التذكرة لكن في الذكرى أن الأقرب أنه إن كانت الصلاة مغنية عن القضاء بأن لم يكن في الجهة استدبار، أو قلنا إنه لا يوجب القضاء فصلاتهم صحيحة، و التخالف
ج8،
هنا في الجهة مع الامام غير ضائر لأن غايته الصلاة خلف من صلاته فاسدة في نفس الأمر و هو لا يعلم الفساد. و إلا قضى كل من علم انه صلى إلى جهة توجب ذلك، و كذا عليه الإعادة إن علم ما يوجبها و الوقت باق دون من علم خلافه أو جهل الحال، و لو جهلوا أجمع فلا إعادة و لا قضاء، و لو علموا أن فيهم من عليه القضاء أو الإعادة و لم يتعين فالأقرب ان لا قضاء و لا إعادة كواجدي مني في ثوب مشترك بينهما، لأصل صحة الصلاة، و يحتمل أن يكون عليهم الإعادة ليتيقنوا الخروج عن العهدة، قلت: لا يخفى عليك ما في هذا الاحتمال خصوصا في المقام، كما أنه لا يخفى عليك ما في كلامه بناء على المختار، بل في كشف اللثام و هذا موافق للتذكرة في أن هذا التخالف لا يوجب القضاء و لا الإعادة لتخالف الامام و المأموم، و انما وجب أحدهما فيما فرضه بسبب آخر.
ثم لا يخفى عليك أن امتناع اقتداء أحد المتخالفين بالآخر لو قلنا به لا يقتضي امتناع اعتداده بقبلة الآخر في كل أمر، بل يحل له ذبيحته، لأنا لا نعرف خلافا كما في كشف اللثام في أن من أجل بالاستقبال بها ناسيا أو جاهلا بالجهة حلت ذبيحته كما يأتي، و تجتزى بصلاته على الميت و إن كان مستدبرا، لأن المسقط لها عن سائر المكلفين انما هي صلاة صحيحة جامعة للشرائط عند مصليها لا مطلقا، و إلا وجب على كل من سمع بموت مسلم أن يجتهد في تحصيل علمه بوقوع صلاة جامعة للشرائط عنده ليخرج عن العهدة، و لا قائل به كما في الكشف.
نعم لا يكمل عدد أحدهما بالآخر في صلاة الجمعة بناء على ذلك، و لم يجز لهما أن يصليا جمعة واحدة، بل أطلق في القواعد أنهما يصليان جمعتين، و لعله لأصل البراءة من التباعد مع اعتقاد كل بطلان صلاة الآخر، و فيه نظر ظاهر، نعم إن تعذر لضيق وقت أو غيره و وجبت عليهما عينا صليا كذلك، و ان وجبت تخييرا قال في كشف اللثام احتمل عندي ضعيفا، و كيف كان فإذا صليا معا ففي القواعد اكتفيا بخطبة واحدة
ج8،
يسمعها الجميع، اتفقا في الصلاة أو سبق أحدهما الآخر، فلا يتوهم أن الخطبة الواحدة إنما تكفي مع اتفاقهما، خصوصا إذا طال الفصل، و لا أن عليهما الاتفاق في الصلاة ليعقد كل منهما صلاته و لما تنعقد صلاة أخرى صحيحة شرعا، عند مصليها، لكن في كشف اللثام ان الاحتياط عندي الاتفاق إن جازت صلاتهما، لما أشرت إليه من ضعف الدليل.
قلت لا يخفى عليك سقوط ذلك كله عندنا، و انه لا مانع من الائتمام من هذه الجهة، نعم قد يشك فيها باعتبار عدم كونها من الهيئة المعلومة للجماعة، و خروج الاستدارة حول الكعبة بالإجماع المدعى في الذكرى و غيره لا يقضي بخروج غيرها، لحرمة القياس، فلا ينبغي حينئذ ترك الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة، كما انه لا يخفى عليك أيضا بعد ما ذكرنا ما في الذكرى من انه لو تغير اجتهاد أحد المأمومين انحرف و نوى الانفراد إذا كان ذلك غير يسير، و لو تغير اجتهاد الامام انحرف و أتم المأمومون منفردين أو مؤتمين ببعضهم، نعم ما ذكره فيها هنا بعد ذلك جيد جدا كما لا يخفى على من أحاط بما أسلفناه في المباحث السابقة، ثم قال: و لو ضاق الوقت إلا عن صلاة و أدى اجتهاد أحدهم إلى جهة جاز للآخر الاقتداء به إذا قلده و ان كان مجتهدا، لتعذره حينئذ. و هل يجب عليه تقليده؟ الأقرب نعم، لعجزه و ظن صدق الآخر، و وجه المنع ان الشرع جعل فرضه عند ضيق الوقت التخيير، فليس عليه سواه، و فيه منع ظاهر، إذ التخيير انما يكون عند عدم المرجح، و الله أعلم.
المقدمة الرابعة من مقدمات الصلاة في البحث عن لباس المصلي و فيه مسائل:
المسألة الأولى لا يجوز الصلاة في جلد الميتة و غيره من أجزائها
ج8،
و لو كان مما يؤكل لحمه، سواء دبغ أو لم يدبغ إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا أو متواترا كالنصوص(1)التي
في بعضها(2)«لا يلبس في الصلاة و لو دبغ سبعين مرة»
فضلا عما دل منها على النهي(3)عن استعمال الميتة و مطلق الانتفاع بها حتى الآية(4)بناء على عدم إرادة خصوص الأكل منها، و ما في الذكرى من استثناء من شذ منا من اتفاق الأصحاب على عدم جواز الصلاة فيه لم نتحققه، و لعله الشلمغاني الذي حكي عن ظاهره الجواز، لكن لم يثبت انه منا، لما قيل من انحرافه، و لذا رفضت كتبه، و أما احتمال أنه الصدوق و الكاتب ففيه أنهما و إن قالا بطهارته إلا أنهما وافقا على المنع من الصلاة، و من هنا حكي عن المجمع الإجماع من أصحابنا حتى القائلين بطهارته، و منه يعلم حينئذ عدم انحصار المانعية فيه بالنجاسة، بل الموت من حيث أنه موت مانع لها أيضا، لظاهر النصوص(5)و لذا ذكر بالخصوص، و لم يكتفوا عنه باشتراط الطهارة في اللباس، قيل كما أنه لم يكتفوا عنه باشتراط كونه من مأكول اللحم باعتبار كونه و لو للموت من غيره، فتجتمع حينئذ فيه عندنا ثلاث جهات للمنع، لكن فيه أن مثله لا يندرج في إطلاق غير مأكول اللحم المنصرف بالتبادر إلى ما لا يكون كذلك بغير الموت، كما أن مأكول اللحم يكفي في صدقه تقدير التذكية، و لذا جاز الصلاة في فضلاته التي لم تنجس بملاقاته كالشعر و الصوف و نحوهما، فينحصر المنع حينئذ في جهتين.
و كيف كان فلا إشكال في مانعية الموت للصلاة، بل
قول الصادق (عليه السلام) لزرارة(6)في صحيح ابن بكير: «و إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و شعره
1) 1 الوسائل- الباب- 1 من أبواب لباس المصلي.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب 34- من أبواب الأطعمة المحرمة- من كتاب الأطعمة و الأشربة.
4) 4 سورة المائدة- الآية 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 2 من أبواب لباس المصلي.
6) 6 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
و بوله و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح»
ظاهر في اشتراط التذكية، ك
خبر علي بن أبي حمزة(1)«سألت أبا عبد الله و أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها فقال: لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا، قلت: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه.»
و غيرهما، فكان الأولى تعبير المصنف و غيره باشتراط التذكية لا بأن لا يكون جلد ميتة، اللهم إلا أن يراد العلم بعدم كونه جلد ميتة، فيكون حينئذ بمعنى اشتراط التذكية، و لعله كذلك، لظهور اتفاق الأصحاب على عدم الواسطة بين الحكم بالتذكية و الحكم بالميتة، فلا تفاوت حينئذ بين اشتراط التذكية و بين اشتراط عدم كونه ميتة، إذ المشكوك فيه باعتبار عدم العلم بتذكيته و عدم أمارة شرعية تدل عليها محكوم بأنه ميتة لأصالة عدم التذكية، و معروفية الفرق بين الشرط و المانع بالاكتفاء في نفي الثاني بالأصل دون الأول انما هي حيث يكون نفي الثاني مقتضى الأصل، لا نحو المقام الذي مقتضى الأصل تحققه، و المناقشة في حجية الأصل و غيره من أقسام الاستصحاب مفروغ من فسادها في محله، كالمناقشة فيه بأنه معارض بأصالة عدم الموت حتف أنفه، فتبقى كل من أصالة عدم الاجتناب و قاعدة الطهارة و استصحاب حالة الحياة و طهارة الملاقي سالمة عن المعارض، إذ قد سبق في كتاب الطهارة أنه لا معنى لأصالة عدم الموت حتف أنفه، بل الأصل بقاؤه إلى الغاية التي أجلها الله له، و الأصل عدم عروض شيء غيرها، و به ينقطع أصالة الطهارة و قاعدة فضلا عن أصالة طهارة الملاقي و عدم الاجتناب، خصوصا بعد اشتراط الشارع بقاءها بالتذكية المشكوك فيها الذي مقتضى الأصل عدمها، فلا معنى لاستصحاب حال الحياة لما بعد الموت الذي هو حالة أخرى، و ثبوت الطهارة فيه للتذكية لا للحياة السابقة، و لو سلم أنها تلك الطهارة فهي مشروطة بالتذكية التي قد عرفت اقتضاء الأصل
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
ج8،
نفيها، على أنه لو أغضي عن ذلك كله لم تثبت التذكية التي هي شرط الصلاة كما عرفت بنحو ذلك، ضرورة الاكتفاء في بقاء الطهارة باحتمال التذكية لا ثبوتها قطعا، إذ هي من لوازم الطهارة الواقعية، لا الثابتة بالأصل الذي لا دليل على حجيته بالنسبة إلى أمثال هذه اللوازم للواقع، بل الدليل على خلافها قائم كما لا يخفى على من له أدنى معرفة، فما في المدارك و تبعه غيره من المناقشة فيما ذكرنا بنحو ما عرفت في غير محلها.
نعم قد يناقش بأن ظاهر النصوص الحكم بالتذكية حتى يعلم كونه ميتة،
قال سماعة(1)في الموثق: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تقليد السيف في الصلاة فيه الفراء و الكيمخت فقال: لا بأس ما لم يعلم أنه ميتة»
و
قال الحلبي(2)
«فنشتريها فما ترى في الصلاة فيها».
في الصحيح:«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق فنشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال: اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميت بعينه»
و في
صحيحه الآخر(3)
«قال عبد الله: حدثني علي بن أبي حمزة ان رجلا.
إلخ» و المراد من عبد الله الحلبي.
«حدثني علي ابن أبي حمزة أن رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده عن الرجل يتقلد السيف و يصلي فيه قال: نعم، فقال الرجل: إن فيه الكيمخت، فقال:و ما الكيمخت؟ فقال: جلود الدواب منه ما يكون ذكيا و منه ما يكون ميتة، فقال:
ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه»
و
قول الصادق (عليه السلام) أيضا في الحسن(4):
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 12.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 2 و الباب 38 من أبواب الباس المصلي- الحديث 2 لكن بإسقاط جملة
3) 3 رواه في الوسائل في الباب 50 من أبواب النجاسات- الحديث 4 عن عبد الله ابن المغيرة عن علي بن أبي حمزة و في الباب 55 من أبواب لباس المصلي- الحديث 2 عن عبد الله بن مسكان عن علي بن أبي حمزة و لكن في التهذيب ج 2 ص 368- الرقم. 153 من طبعة النجف عن عبد الله بن مسكان عن الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام الى أن قال:
4) 4 الوسائل- الباب- 61- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
«و يكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز أو ما علمت منه ذكاة»
بناء على إرادة المعنى الأخص من الكراهة فيه لا الحرمة، و
في الفقيه(1)«روي عن جعفر ابن محمد بن يونس أن أباه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الفرو و الخف ألبسه و أصلي فيه و لا أعلم أنه ذكي فكتب لا بأس به»
مضافا إلى خبر السكوني(2)المتقدم في كتاب الطهارة في السفرة المطروحة في الطريق و فيها لحم و لم يعلم أنها لمسلم أو ذمي و خبر الهدي(3)المذكور في كتاب الطهارة أيضا، و غيرها من النصوص، و إلى قاعدة كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه، و قاعدة كل شيء، لك طاهرة حتى تعرف أنه قذر، و غيرها.
و تدفع بأن المراد بهذه النصوص ما هو الأصح عندنا من الحكم بتذكية المأخوذ من يد المسلم مستحلا للميتة بالدبغ و ذبائح أهل الكتاب أولا، أخبر بالتذكية أولا، في السوق كان أولا، بل و من يد من لم يعلم إسلامه إذا كان في بلاد المسلمين فضلا عمن علم و جهل استحلاله، بل و المطروح في أرض المسلمين إذا كان عليه أثر الاستعمال ككونه فعلا أو خفا حتى يعلم أنه ميتة، لا أن المراد الحكم بتذكيته مع فقد سائر هذه الامارات كالجلد في يد الكافر أو سوقه أو أرضه أو أرض المسلمين و ليس عليه أثر الاستعمال، و أن الأصل فيه التذكية على كل حال حتى يعلم أنه ميتة بغير أصالة عدم التذكية، لعدم الدليل الصالح القطع الأصل المزبور، بل ظاهر الأدلة خلافه، بخلاف ما حكمنا فيه بالتذكية لظاهر النصوص المتقدم بعضها المنزل إطلاقها على ما في غيرها من النصوص، ضرورة كونها من مذاق واحد كما لا يخفى على من رزقه الله معرفة لسان
ج8،
أهل العصمة (عليهم السلام)، ففي
صحيح الحلبي(1)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال: صل فيها حتى يقال لك إنها ميتة بعينها»
و
مرسل ابن الجهم(2)«قلت لأبي الحسن (عليه السلام):
أعترض السوق فأشتري خفا لا أدري أ ذكي هو أم لا؟ قال: صل فيه، قلت: فالنعل قال: مثل ذلك، قلت: إني أضيق من هذا قال: أ ترغب عما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله؟»
و
صحيح البزنطي(3)«سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية أ يصلي فيها؟ قال: نعم، ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، و إن الدين أوسع من ذلك»
و في
الفقيه(4)«سأل الجعفري العبد الصالح موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن رجل يأتي السوق»
الحديث. و
خبر إسحاق بن عمار(5)عن العبد الصالح (عليه السلام) «لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس»
و
خبر إسماعيل ابن موسى عن أبيه(6)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء أ يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجيل(7)
و الجيل: بالجيم و الياء المثناة التحتانية: الصنف من الناس.
أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟1) 1 فروع الكافي ج 1 ص 403 المطبوعة بطهران عام 1377.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 3.
4) 4 الفقيه ج 1 ص 167- الرقم 787 من طبعة النجف.
5) 5 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 5.
6) 6 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 7 لكن رواه عن سعد بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن عيسى كما في التهذيب ج 2 ص 370- الرقم 1540 من طبعة النجف و هو الصحيح.
7) 7 في الوسائل من طبعة عين الدولة« الجيل» لكن في التهذيب« الجبل» كما في الفقيه و كذا تقدم في ج 6 ص 246 من الجواهر.
ج8،
قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه»
بل عن
الفقيه(1)«سأل إسماعيل بن عيسى أبا الحسن الرضا (عليه السلام)
الحديث. و
خبر البزنطي(2)عن الرضا (عليه السلام) «سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أ ذكي هو أم لا؟ ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري أ يصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخف من السوق و يصنع لي و أصلي فيه، و ليس عليكم المسألة»
إلى غير ذلك مما هو ظاهر أو صريح في جميع ما ذكرنا بعد تنزيل مطلقا على مقيدها، فما عساه يتوهم من حلية ما في سوق المسلمين و إن كان في يد كافر لإطلاق بعض هذه النصوص يدفعه
قوله (عليه السلام): «عليكم أنتم أن تسألوا عنه»
إلى آخره.
و دعوى كون التعارض بينهما من وجه يدفعها- بعد إمكان دعوى ظهور سوق المسلمين فيه- الترجيح بالشهرة بين الأصحاب أو الإجماع إلا ممن لا يعتد بخلافه، كما أن خبر إسحاق بن عمار ظاهر في الحكم بميتة ما هو في أرض الكفار، بل لعل منه مع خبر إسماعيل يستفاد كون يد الكافر و أرضه إمارة على عدم التذكية معاضدة للأصل، لا أنها لا أثر لها أصلا، و من هنا حكم بعدم التذكية لما في يده و إن كان في أرض المسلمين التي هي إمارة على التذكية لولاها، و قاطعة للأصل ترجيحا لها عليها، بل هو الداعي لذكر بعض الأصحاب الحكم بميتة خصوص ما في يده، خصوصا من علله بالعمل الظاهر كما في الذكرى، و لا ينافي ذلك ما سبق منا في كتاب الطهارة من الحكم بتذكية ما في يد المسلم و إن سبقتها يد الكافر، إذ يمكن القول برجحانها عليها و إن قلنا بأنها إمارة، استظهارا من النصوص المزبورة قوة يد المسلم، و أنها مع وجودها
ج8،
لا يلتفت إلى غيرها.
و دعوى تعارض العموم من وجه بين دليلي كل من اليدين يدفعها أولا أن المعلوم من مراعاة الترجيح بين المتعارضين ما كان بينهما نفسيهما لا دليليهما، اللهم إلا أن يفرق بانحصار طريق الترجيح في المقام بين الأدلة، فتأمل. و ثانيا أنه لا ريب في رجحان دليل يد المسلم بالتعدد و وضوح الدلالة و معلومية أصالة الصحة في فعل المسلم، بخلاف أصالة الفساد في فعل غيره، مع أنه قد يقال في المقام: إن التعارض بين استصحاب حكم يد الكافر و نفس يد المسلم، نعم لو فرض كونه في يديهما معا لشركة أو غيرها تحقق التعارض بينهما، و الترجيح ليد المسلم أيضا بما عرفت، بل الظاهر ترجيح استصحاب حكم يد المسلم على خصوص يد الكافر بما سمعت، أما يد الكافر على سوق المسلم و أرضه فلا ريب في رجحانها عليهما لإطلاق النص و الفتوى، بل يمكن دعوى ترجيح استصحاب حكمها عليهما فضلا عنها على إشكال، كما أن الظاهر ترجيح أرض المسلم و سوقه و لو استصحابا على أرض الكافر و سوقه و لو شخصا، ضرورة ظهورهما في اليد للمسلمين و إن لم تكن في القوة بمنزلة اليد الشخصية، هذا لو قلنا بكون أرض الكافر و سوقه إمارة على عدم التذكية، و إلا فلا معارض حينئذ إلا الأصل الذي قد عرفت قطع اليد له و إن سبق الحكم ظاهرا بمقتضاه، فلو اشترك السوق و الأرض حينئذ فهو كاشتراك اليدين يقدم الإسلام، هذا.
و في كشف الأستاذ «انه لو علم وجوده في السوقين أو اليدين علم التاريخ أو جهل بني على التذكية، و في الأرضين مع سبق الإسلام يقوى ذلك، و في خلافه يقوى خلافه» و ظاهره الفرق بين الأرض و السوق، و هو لا يخلو من نظر، كما أن ما فيه- من أنه لو ترافع الكافر و المسلم فيه و كل يدعيه بقي على الحكم بعدم التذكية، و لا يبنى هنا على ترجيح الأرض و السوق- لا يخلو منه أيضا، فتأمل.
ج8،
و على كل حال فحيث يحكم بالتذكية لحصول إمارتها الشرعية بعد الحكم بالميتية للأصل أو لليد أو بالعكس فهل هو على الكشف بمعنى جريان الحكم المذكى عليه مثلا فيما مضى من الأفعال و المباشرة لو كانت أولا بل من حين تحقق الامارة؟ وجهان، أوفقهما بالأصل و الاحتياط الثاني، و لا ينافيه عدم تصور التذكية له الآن، ضرورة كون المراد جريان الأحكام لا التذكية حقيقة، و ربما يؤيده في الجملة ما قيل من وجوب الوضوء للعصر مثلا على من شك فيه بعد الفراغ من الظهر، و إن حكم بصحة الظهر بناء على أن الدليل فيها صحة فعل المسلم، فهي حينئذ و إن ثبتت في الظهر لكن لا يثبت بها كونه متوضئ حقيقة، فتأمل جيدا.
و المراد باليد للمسلم التصرف فيه على الوجه الممنوع في الميتة، أو اتخاذه لذلك، و هل يكفي في الثاني مجرد كونه في يده و إن احتمل فيه لإرادة الإلقاء مثلا؟ إشكال، أقواه العدم، لأصالة عدم التذكية، و الشك في انقطاعها بذلك، إذ ليس ما نحن فيه بعد التأمل في النصوص و الفتاوى إلا من جزئيات أصالة صحة فعل المسلم، و لا ينافيه الحكم سابقا بتذكية مجهول الإسلام إذا كان في بلاد المسلمين، لأنه محكوم عليه شرعا بأنه منهم، و لذا يجب تغسيله و دفنه و غيرهما من أحكام المسلمين، و منها صحة فعله الذي نحن فيه، كما أنه لا ينافيه الحكم بتذكية ما عليه أثر الاستعمال في أرضهم و سوقهم(1)إذ هو لظهور كون يدهم عليه، فان أرضهم بالنسبة إليهم جميعا كدار كل واحد بالنسبة اليه، و عليه جرى حكم القطعات و غيرها، فالجميع حينئذ راجع إلى أصالة صحة فعل المسلم،
1) 1 هذا يخرج المسألة عن محل النزاع الذي هو في الأرض و السوق من حيث هما كذلك و لو كان خاصا في ذي الأثر فلا معنى للرد على المحدث البحراني كما سيأتي إلا أن يدعى إرادة المحدث الحل مطلقا منه رحمه الله.
ج8،
و حينئذ قد يتوقف في الحكم بالتذكية بمجرد كونه في يد المسلم و إن ظن أو احتمل إرادة الإلقاء، بل ظاهر بعض عبارات الأستاذ في كشفه الجزم بالعدم، و دعوى ظهور القبض في التصرف المحرم بالميتة ظهورا معتبرا شرعا يمكن منعها، خصوصا مع ملاحظة أصالة عدم التذكية التي لم يعلم انقطاعها بمثل ذلك، ضرورة كون المعلوم من الأدلة فعل المسلم كبيع و نحوه، و من ذلك يمكن استفادة كون المراد بأصالة صحة فعل المسلم الحكم بالصحة واقعا لا في حقه خاصة، و لعله كذلك بالنسبة إلى كل ما علم حصول الفساد بسببه، أما مع اختلاف الاجتهاد أو التقليد فحمل الفعل فيه على الصحة حينئذ في حق المخالف بالاجتهاد لا يخلو من تأمل، إذ كل منهما صحيح و إن كانت السيرة و العمل على ذلك أيضا، كما هو واضح، لكن لا يخلو من إشكال، بل قد يشعر خبر أبي بصير(1)الآتي باعتبار عدم اعتقاد الفساد في أصالة صحة القول و الفعل، و هو لا يخلو من وجه في غير الأمور العامة البلوى التي قضت السيرة فيها بالصحة واقعا و إن كان مخالفا في الاعتقاد، و لتحقيق المسألة محل آخر.
و كيف كان فقد ظهر من النصوص المزبورة صحة ما ذكرناه جميعه، و من الغريب طرح جماعة منهم الشيخ على ما قيل و الفاضل و المحقق الثاني بعض النصوص السابقة، و تقييد آخر في مقابلة أصالة عدم التذكية، فمنع من إباحة ما في يد مستحل الميتة بالدبغ و إن أخبر بالتذكية كما عن صريح الثاني منهم و غيرهم، بل صريح الأولين المتهم بذلك أيضا، كالمحكي عن نهاية الأحكام و كشف اللثام أن الأقرب عدم إباحة ما في يد المسلم المجهور حاله بعد أن ذكرا فيه وجهين كالتذكرة، كل ذلك للأصل الذي يقطعه أدنى دليل فضلا عن تلك النصوص الواضحة الدلالة المعتضدة بفتوى الأكثر كما عن كشف الالتباس، و المشهور فتوى و رواية كما عن روض الجنان، و عليه عمل الأصحاب
1) 1 الوسائل- الباب- 61- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
و فتواهم كما في المدارك، قلت: بل عليه السيرة المعلومة التي هي فوق الإجماع، خصوصا في مجهول الحال.
و
خبر أبي بصير(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) رجلا صردا فلا تدفئه فراء الحجاز، لأن دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو و فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه، و كان يسأل عن ذلك فيقول: إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة، و يزعمون أن دباغه ذكاته»
مع الطعن في سنده و قصوره عن معارضة غيره ظاهر بقرينة لبسه إياها في إرادة الاحتياط من جهة الموضوع الذي لا ينافي الاحتياط فيه العصمة، و أما احتمال الفرق بين الصلاة و غيرها بكفاية عدم العلم بالميتة في الثاني دون الأول كما أومأ إليه في الذكرى حيث قال بعد نقله: و فيه دلالة على جواز لبسه في غير الصلاة، و كذا مفهوم
خبر ابن مسلم(2)عن الباقر (عليه السلام) قال:
«سألته عن الجلد الميت أ يلبس في الصلاة إذا دبغ فقال: لا و لو دبغ سبعين مرة»
فيرده الإجماع على عدم الفرق، و أنه لا واسطة بين المحكوم بتذكيته و ميتته، و من الغريب دعواه دلالة مفهوم سؤال ابن مسلم على ذلك، و من هنا اعترف بعد ذلك بضعفه.
و ما أبعد ما بين دعوى الجمود على الأصل المزبور و بين دعوى جواز الاستعمال إذا لم يعلم كونه ميتة كما ذهب إليه جماعة من متأخري المتأخرين على ما سمعت، بل ظاهر المحدث البحراني منهم عدم الفرق في ذلك بين ما في يد الكافر و غيره، أخذا بعموم
قوله (عليه السلام)(3): «كل شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك حتى
ج8،
تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»
الذي قد عرفت إرادة تلك الأفراد منه، خصوصا مع ملاحظة الأمثلة منهم في نصوص الشبهة بالموضوع التي حكموا فيها بالحل حتى يعرف الحرام منه بعينه، إذ هي ظاهرة في إرادة حل ذلك عند حصول الامارة الشرعية عليه كسوق المسلمين و نحوه، أو لم يكن هناك أصل يقتضي عدم الحل و كانت الشبهة غير محصورة، و إلا فمع فرض كونه حجة شرعية و لا قاطع له قد عرفت الحرام بعينه من جهته، كما هو واضح، على أنه لو سلم العموم المزبور أمكن الخروج عنه بالنسبة إلى خصوص ما في يد الكافر و سوقه و أرضه بظاهر بعض النصوص المزبورة، كخبري إسحاق(1)و إسماعيل(2)و غيرهما، فلا ريب حينئذ في ضعف هذا القول أيضا كسابقه كما عرفت.
و مثله ما يحكي عن الشهيد في الذكرى و الدروس و بعض من تأخر عنه من التفصيل فيما في يد المستحل بين الاخبار بالتذكية و عدمه، فيقبل في الأول لأنه ذو يد دون الثاني ضرورة منافاته لإطلاق النصوص السابقة بل صريح بعضها من غير شاهد معتد به، مع أن الموجود في الذكرى غير صريح فيما حكي عنها، قال: ما حاصله و لو وجد في يد مستحل الميتة بالدبغ ففيه صور ثلاث: الأولى أن يخبر بأنه ميتة، فليجتنب، الثانية أن يخبر بأنه مذكى، و الأقرب القبول، لكونه ذا يد عليه فيقبل قوله كما يقبل في تطهير الثوب النجس، و يمكن المنع العموم «فَتَبَيَّنُوا»(3)و لأن الصلاة ثابتة في الذمة بيقين فلا يزول بدونه، الثالثة أن يسكت، ففي الحمل على الأغلب من التذكية أو على الأصل من عدمها الوجهان، و قد روي في
التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج(4)«قلت
ج8،
لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: هي ذكية فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: لا، و لكن لا بأس أن تبيعها و تقول: قد شرط الذي اشتريتها منه أنها ذكية، قلت: و ما أفسد ذلك؟ قال: استحلال أهل العراق الميتة، و زعموا أن دباغ الجلد ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه و آله)»
و فيه دلالة على أنه لو أخبر المستحل بالذكاة لا يقبل منه، لأن المسؤول في الخبر إن كان مستحلا فذاك، و إلا فبطريق الأولى.
و هو كما ترى لا ظهور فيه في التفصيل، بل قد اعترف بعد ذلك عند روايته خبر علي بن أبي حمزة(1)المتقدم سابقا بأن فيه دلالة على تغليب الذكاة عند الشك، و هو يشمل المستحل و غيره، و عند روايته خبر البزنطي(2)المتقدم أيضا بأن يدل على الأخذ بظاهر الحال على الإطلاق، و هو شامل للأخذ من المستحل و غيره، بل قال:
و يؤيده أن أكثر العامة لا يراعي في الذبيحة الشروط التي اعتبرناها مع الحكم بحل ما يذكونه بناء على الغالب من القيام بتلك، و أيضا فهم مجمعون على استحلال ذبائح أهل الكتاب و استعمال جلودها، و لم يعتبر الأصحاب ذلك أخذا بالأغلب في بلاد الإسلام من استعمال ما ذكاة المسلمون، و ظاهره الميل إلى ما ذكرناه من الإطلاق.
و إن كان بعض كلامه لا يخلو من مناقشة، كدعواه دلالة خبر ابن الحجاج على ما ذكره، إذ من المحتمل إرادة عدم صلاح بيعها كذلك لظهور الاخبار به في العلم به، و لأن قول المخبر: هو ذكي يحتمل لإرادة الذكاة و لو بالدبغ، لأن من ذكاة الجلد عندهم دباغه، بل لعل تعليل الامام (عليه السلام) بما سمعت يومي إلى ذلك، و هذا غير الأخبار بالتذكية بمعنى الذبح، فلا يكون في الأخبار دلالة على عدم قبوله منه لو وقع،
ج8،
بل ظاهر
خبر الأشعري(1)قبوله، قال: «كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ما تقول في الفرو نشتري من السوق؟ فقال: إذا كان مضمونا فلا بأس»
بناء على إرادة ضمان البائع ذكاته، بل يمكن تأييده بإشعار نصوص المسألة المتقدمة سابقا به أيضا بناء على إرادة سؤال من في يده الجلد.
و كيف كان فلعل هذا الخبر هو الذي دعا إلى التفصيل، مضافا إلى التعليل السابق بأنه ذو يد، لكن هو- مع قصوره عن معارضة تلك النصوص من وجوه متعددة- يمكن إرادة الكراهة و نحوها من البأس فيه، و التعليل أقصاه قبول خبره به لو قال، لا أنه بدونه لا يجوز، مع أنه قد يناقش في قبوله يمنع ما يدل على قبول ما يقوله ذو اليد مما كان لا يجب عليه في مذهبه، بحيث يحكم على إطلاق دليل التبين في خبر الفاسق، و قياسه على التطهير للثوب مع كونه مع الفارق ليس من مذهبنا.
و من ذلك ظهر لك ضعف التفصيل المزبور كاحتمال التفصيل بين السوق و غيره بأنه يكفي في الأول عدم العلم بكفر ذي اليد دون الثاني أو بما يقرب من ذلك، ضرورة اشتراك الجميع في الاعراض من الأدلة السابقة التي من المعلوم كون ذكر السوق في بعضها كناية عن بيع من لم يعلم حاله في بلاد الإسلام الذي يكفي فيه غلبة المسلمين، كما دل عليه خبر إسحاق المزبور(2)فلا مدخلية حينئذ للسلطنة و نحوها في ذلك، و يمكن إحالته على صدق إضافة أرض الإسلام و سوقه عرفا.
و على كل حال فلا ريب في أن مقتضى أدلة المنع من الصلاة في الميتة عدم الفرق بين الساتر و غيره، و بين ما لا تتم الصلاة به و عدمه بلا خلاف صريح أجده فيه، بل بعضها كالتصريح في ذلك سواء اتخذ منه على هيئة الملابس المعهودة أو لا، ضرورة صدق الصلاة فيها على جميع ذلك، لأن المراد كون المصلي أو بعضه حال الصلاة في شيء
ج8،
منه، و ما في
خبر الهاشمي(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصلاة فيها إذا لم يكن من أرض المسلمين فقال: أما النعال و الخفاف فلا بأس بها»
فمطرح أو محمول على معلومية التذكية و لو لأنه لم يصنعها غير المسلمين أو غير ذلك، و أما احتمال التوسعة فيهما بالخصوص- فيكتفى فيهما باحتمال التذكية بخلاف غيرهما لهذا الخبر المزبور- ففيه ما لا يخفى، كاحتمال جواز خصوص النعال من الميتة، لما في المرسل(2)و غيره(3)المعلل لأمر موسى (على نبينا و آله و عليه السلام) بخلع نعليه بأنهما كانتا من جلد ميتة، مع أن هذه النصوص ليس فيها القابل التخصيص أدلة المنع، فضلا عن معارضة بعضها، خصوصا بناء على عدم التعبد بشريعة من قبلنا، على أن في
المروي عن إكمال الدين- من خبر سعد بن عبد الله(4)لما دخل على العسكري (عليه السلام) فأمره بسؤال القائم (عليه السلام)، فسأله عن هذه الآية و حكى له ما يقوله فقهاء الفريقين من أنهما كانا من الميتة- شدة الإنكار على هذا الكلام، و أنه ربما يؤل إلى الكفر، إلى أن قال: «بل المراد انزع حب أهلك من قبلك إن كانت محبتك لي خالصة»
الحديث. فلا ريب في عدم الفرق بين أصناف الملبوس في ذلك، بل لعل تقليد السيف منه، و لذا منع من الصلاة فيه مع العلم بكونه ميتة في الخبر السابق(5)لا أنه من المحمول منها، و إن كان قد يقال بمنعه أيضا لخبر الفأرة(6)و غيره المتقدم في كتاب الطهارة، و قد استوفينا الكلام في البحث عن المحمول الذي منه المقام هناك، من أراده فليلاحظه.
1) 1 الوسائل- الباب- 38- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
4) 4 البحار- ج 18- ص 101 من طبعة الكمباني.
5) 5 الوسائل- الباب- 50- من أبواب النجاسات- الحديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 41- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
ثم من المعلوم أنه لا فرق في أجزاء الميتة بين الجلد و غيره عدا ما ستعرفه، و ذكره بالخصوص لأنه مظنة اللبس، كما هو واضح، نعم قد يخص المنع من حيث الموت بميتة ذي النفس، لأنه المنساق إلى الذهن، خصوصا مع ملاحظة ما في النصوص من الدبغ و نحوه مما لا يعتاد إلا في ذي النفس، بل هو ظاهر في مقابلة العامة، و خصوصا مع مقابلة الميتة بالمذكى المنصرف إلى المذبوح، بل قد يدعى أن الذبح هو المعنى الحقيقي للتذكية، و أن غيره منزل منزلته، لا أقل من الشك في شمول الإطلاقات، فتبقى على إطلاقات الصلاة المقتضية للصحة عندنا، لعدم مانعية ما شك فيه، لا يقال: إنه قد تقدم آنفا أن التذكية شرط، فلو سلم عدم تناول إطلاقات الميتة إلا أنه لا يجدي في تحقق الشرط، ضرورة عدم صدق التذكية على ميتة غير ذي النفس، لأنا نقول: ظاهر دليل الشرطية المزبور كون موضوعه ذا النفس، فيكون الحاصل إن كان اللباس من ذي النفس اعتبر فيه التذكية، على أنك ستسمع فيما يأتي أن خبر ابن أبي يعفور(1)الوارد في الخز دال على تحقق الذكاة بالموت لغير ذي النفس، و لا ينافيه اشتراط الأكل في البعض مثلا بأمر زائد على ذلك كالاخراج و نحوه، فتأمل.
هذا كله مضافا إلى ما قيل من
خبر علي بن مهزيار أو إبراهيم بن مهزيار(2)عن أبي محمد (عليه السلام) «ان الصلاة تجوز في القرمز، و هو صبغ أرمني من عصارة دود تكون في آجامهم»
فتأمل. و إلى السيرة القطعية في نحو القمل و البق و البرغوث و نحوها، و إلى ما في جامع المقاصد عن المعتبر من دعوى الإجماع على جواز الصلاة فيما لا نفس له و إن كان ميتة، و إن كنا لم نتحقق هذا النقل، بل أنكره عليه ثاني الشهيدين على ما قيل، قائلا: إن الذي أوهمه عبارة الذكرى، لكن عدالته و حسن
ج8،
الظن به و علو مرتبته تدفع هذا الإنكار، و لعله عثر عليه في موضع لم نعثر عليه، نعم قد يبعد دعوى الإجماع في المقام عدم تعرض أساطين الأصحاب لذلك صريحا، بل أطلقوا الميتة كالنصوص كما اعترف به في كشف اللثام، نعم قيل: إن بعض الفضلاء فهم من عبارة الألفية عدم جواز التستر بجلود السمك في الصلاة، ورده الشهيد الثاني بأنه لا مانع من الصلاة فيه، لأنه ظاهر حال الحياة، و لا ينجس بالموت، و بأن أكثر الأصحاب جوزوا الصلاة في جلد الخز و إن كان غير مذكى مع كون لحمه غير مأكول، فجوازها في جلد السمك أولى، و فيه أن الطهارة لا تقتضي جواز الصلاة، إذ قد عرفت أن الموت من حيث هو مانع لا للنجاسة، و خروج الخز بالدليل لا يقتضي تمشية الحكم لغيره، فالعمدة حينئذ ما ذكرناه، و مقتضاه عدم الفرق بين المأتي و غيره، فما عن ثاني المحققين و الشهيدين من تخصيص ذلك بحيوان الماء لا شاهد له، كما أن ما عن البهائي و والده من المنع مطلقا كذلك أيضا، لما عرفت من انصراف الإطلاق إلى غيره، فحينئذ الأقوى الجواز إلا أن الأحوط العدم، و الله أعلم.
و ما لا يؤكل لحمه و لو بالعارض و هو طاهر في حال حياته و كان مما تقع عليه الذكاة إذا ذكي كان طاهرا كما تقدم البحث فيه، و في أصالة وقوع التذكية في كتاب الطهارة، و يأتي له تتمة في الصيد و الذباحة إن شاء الله و لكن لا يستعمل جلده في الصلاة بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل لعل المحكي منه متواتر أو مستفيض قريب منه، مضافا إلى النصوص(1)و الإجماعات المستفيضة أو المتواترة في خصوص السباع منه مع التتميم بعدم القول بالفصل، كبعض
1) 1 الوسائل- الباب- 5 و 6- من أبواب لباس المصلي.
ج8،
النصوص(1)في غير السباع أيضا، و إلى
موثق ابن بكير أو صحيحه(2)قال: «سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و روثه و ألبانه و كل شيء منه فاسدة، لا يقبل الله تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة، و إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح، و إن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه»
و إلى خبر علي بن أبي حمزة(3)المتقدم سابقا، و إلى
خبر أنس بن محمد عن أبيه(4)عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) «يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه و لا يؤكل لحمه»
و إلى فحوى نصوص المنع(5)عن الصلاة في وبره و صوفه و شعره، و غير ذلك من مفاهيم النصوص و مناطيقها، بل قد يظهر للناظر فيها أن ذلك كان في الزمان القديم من ضروريات مذاهب الإمامية، خصوصا بعد ملاحظة اتفاق فتاوى الأصحاب الحفاظ للأحكام في الحلال و الحرام، فمن الغريب وسوسة سيد المدارك فيه.
نعم ما استدل له به في المعتبر و المنتهى زائدا على ما ذكرناه لا يخلو من نظر، قال الأول في السباع: «إن خروج الروح من الحي سبب الحكم بموته الذي هو سبب المنع
ج8،
من الانتفاع بالجلد، و لا تنتهض الذباحة مبيحة ما لم يكن المحل قابلا، و إلا لكانت ذباحة الآدمي مطهرة جلده، يعني أنها بالموت تصير ميتة ذبحت أو لا كالآدمي، فيعمها نصوص(1)منع الصلاة في الميتة، قال: لا يقال: الذباحة هنا منهي عنها، فيختلف الحكم لذلك، لأنا نقول: ينتقض بذباحة الشاة المغصوبة، فإنها منهي عن ذباحتها، ثم الذباحة تفيد الحل و الطهارة، و كذا بالآلة المغصوبة، فبان أن الذباحة مجردة لا تقتضي زوال حكم الموت ما لم يكن للمذبوح استعداد قبول أحكام الذباحة، و عند ذلك لا نسلم أن الاستعداد التام موجود في السباع، لا يقال: فيلزم المنع من الانتفاع بها في غير الصلاة، لأنا نقول علم جواز استعمالها في غير الصلاة بما ليس موجودا في الصلاة، فيثبت لها هذا الاستعداد لكن ليس تاما تصح معه الصلاة، فلا يلزم من الجواز هناك لوجود الدلالة الجواز هنا مع عدمها» و قد يؤيد أيضا بأصالة عدم التذكية و بانحصار التذكية في مأكول اللحم في ظاهر خبر ابن أبي حمزة(2)المتقدم سابقا، و بحصر المحرمات في الآية(3)في الميتة و الدم و لحم الخنزير، و فيه كما في الذكرى أن هذا تحكم محض، لأن الذكاة إن صدقت فيه أخرجته عن الميتة، و إلا لم يجز الانتفاع به، و لأن تمامية الاستعداد عنده بكونه مأكول اللحم، فيتخلف عند انتفاء أكل لحمه، فليستند المنع من الصلاة فيه إلى عدم أكل لحمه من غير نقص الذكاة فيه، و تكلف في كشف اللثام الدفع ذلك عنهما بما يطول ذكره، و لكن الإنصاف أن تعارف صدق الميتة على ما قابل المذكى في النصوص و الفتاوى كتعارف صدق التذكية فيهما أيضا على ذبح غير المأكول المفيد طهارته و جواز استعماله مما يفسد ذلك كله عليهما، ضرورة عدم اندراجه في الميتة حينئذ،
ج8،
بل هو مندرج في المذكى، فيدخل في إطلاق ما دل على جواز الانتفاء به و الصلاة فيه، أو يبقى على أصل الجواز، إلا أن النصوص أخرجته عن خصوص صلاحية ذلك، على أن هذا أولى من القول بأنه ميتة جرى عليه جميع أحكام المذكى في غير الصلاة، و اشتراط المأكولية في خبر ابن أبي حمزة انما هو للصلاة لا للتذكية، فدلالته حينئذ على خلاف ما ذكره الخصم أولى، أو يراد التذكية المسوغة للصلاة، و حصر المحرمات في الميتة و الدم و لحم الخنزير لا يقتضي اندراجه فيه، بل لعله خرج من مفهوم الحصر بالنصوص، و لو سلم فلعل تعارف الميتة في غير المذكى متأخر عن زمان الآية، أو أنه أريد منها ذلك في خصوص الآية بالقرينة، فالأولى الاقتصار في الاستدلال على ما ذكرنا، و الأمر سهل.
ثم إن مقتضى إطلاق النص و الفتوى و العموم اللغوي في الموثق المزبور عدم الفرق في ذلك بين ذي النفس و غيره إذا كان له لحم، بل اقتصارهم على استثناء الخز و الحواصل بناء على أنه لا نفس له مما يؤكد ذلك، و دعوى انصراف الإطلاق إلى ذي النفس- بل هو المراد من العموم في الموثق بقرينة
قوله (ع) في ذيله: «ذكاه الذبح أو لم يذكه»
المشعر بكون ذكاته الذبح- واضحة المنع، خصوصا في العموم المزبور، و ما في الذيل لا دلالة فيه، ضرورة إمكان الذبح في كثير مما لا نفس له من الحيوانات البحرية و إن كانت طهارته غير موقوفة عليه، إذ لا تنحصر فوائد التذكية بالطهارة بناء على أصالة قبول كل حيوان للتذكية، لأنها لغة الذبح يمكن القول بوقوعها على غير ذي النفس مما لم يجعل له الشارع ذكاة مخصوصة كالسمك و نحوه، و لو سلم عدم قبولها للذبح فقد يقال: إن المراد ذكاه الذبح أو لم يذكه، إما لعدم قابليته للتذكية بالذبح، أو لعدم وقوعها عليه و إن كان قابلا، فيدخل فيه ما لا نفس له على كل حال، و لا يتوهم أن ذكاته موته، فلا يندرج حينئذ، إذ من المعلوم أنه ميتة و إن كان طاهرا، لكن الطهارة
ج8،
لا تكفي في صدق التذكية، و إلا فهو طاهر حال الحياة كما هو واضح، و قد ظهر من ذلك كله اندراجه حينئذ في نصوص المنع هنا التي من الواضح الفرق بينها و بين نصوص الميتة، و لذا قلنا بخروجه عنها هناك.
نعم لا ريب في خروج القمل و البراغيث و نحوها مما لا لحم له، للسيرة القطعية، و قصور النصوص عن تناوله، و العسر و الحرج في اجتنابه، و غير ذلك، فلا بأس حينئذ بالشمع في الثوب و غيره، و لا بالحرير الممتزج، و لا باللؤلؤ و نحوه مما هو من فضلات مثل هذه الحيوانات التي لا تندرج في غير مأكول اللحم قطعا، بل في كشف الأستاذ أن إطلاق جواز التلبيد في الحج بل ظهور بعضه فيما فيه الشمع من الشواهد على ذلك، بل قد يقال: إن ظاهر اقتصار أساطين الأصحاب قديما و حديثا إلى زمن بعض متأخري المتأخرين على الجلد و الشعر و الوبر و الصوف و العظم ظاهر في عدم البأس بغير ذلك من فضلاته، لا أقل من أن يكون ذلك من المثال لباقي أجزائه التي لا يدخل فيها الرطوبات و نحوها من الفضلات التي ليست من أجزائه، بل لعل الموثق(1)الذي هو الأصل في هذا التعميم يراد منه ذلك و إن كان بعيدا أو ممتنعا، و ربما أيده إطلاق نفي البأس عن سؤرها نصا و فتوى المستلزم عادة المباشرة اللباس أو البدن لأمثال هذه الرطوبات، بل كأنه في بالي أن في بعض النصوص نفي البأس عن لحس الهرة بدن المصلي في أثناء الصلاة، بل لعل إطلاقهم هناك و اقتصارهم هنا على ما عرفت كالظاهر أو الصريح فيما ذكرنا، اللهم أن يكون الوجه في الاقتصار هنا إرادة بيان جنس المتخذ من اللباس، و هو لا يكون في العادة إلا من ذلك، و لذا تركوا التعرض لباقي الأجزاء التي من المعلوم مساواتها في الحكم، و فيه أنه احتمال مقابل بالاحتمال شعر الإنسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه، فوقع (عليه السلام) يجوز»
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
السابق، و الأصول و الإطلاقات تقتضي الصحة، لأن الحق عدم مانعية ما شك في مانعيته عندنا، لكن الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد ظهور الموثق فيما يتناول ذلك، و لم يثبت الاعراض عنه كي يخرج عن الحجية، بل ظاهر مشايخنا كون الحكم من القطعيات المفروغ منها.
و على كل حال فلا حاجة إلى ما في كشف اللثام من حمل
صحيح علي بن جعفر(1)سأل أخاه (عليهما السلام) «هل يصلح للرجل أن يصلي و في فيه الخرز و اللؤلؤ؟ قال:
إن كان يمنعه من قراءته فلا، و إن كان لا يمنعه فلا بأس»
على الفرق بين الظاهر و الباطن، لما سمعته من عدم اندراج مثله في نصوص المنع عما لا يؤكل لحمه، اللهم إلا أن يقال: إن الموثق المزبور الذي هو العمدة في الباب خال عن ذكر اللحم(2)بل فيه حلال الأكل و حرامه، و وجود لفظ اللحم في غيره لا يقتضي تقييده بذلك بعد فرض شموله لذي اللحم و غيره، و لعله من هنا توقف الأستاذ الأكبر في شرحه في الشمع و نحوه مما ليس فيه سيرة قطعية، لكن قد يناقش بمنع عدم السيرة أولا، و بانصرافه و إن لم يكن فيه لفظ اللحم ثانيا، ضرورة ظهور المنشئية و الاستعداد مما لا يؤكل لحمه كما هو واضح، فتأمل.
بل قيل لبعض ما عرفت بخروج الإنسان عنه أيضا، خصوصا مع ملاحظة السيرة و الطريقة في مص ريق الزوجة و مباشرة النساء لفضلات الأطفال بالرضاع و غيره، و الصلاة في ثياب بعضهم بعضا و إن كان فيها من العرق و غيره، و في
الصحيح(3)«كتبت إلى أبي الحسن (عليهما السلام) هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه فوقّع (عليه السلام) يجوز»
ج8،
و
في آخر(1)سأل علي بن الريان بن الصلت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) «عن الرجل يأخذ من شعره و أظفاره ثم يقوم إلى الصلاة من غير أن ينفضه من ثوبه فقال: لا بأس»
و
خبر الحسين بن علوان(2)عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) المروي عن قرب الاسناد قال: «سئل عن البزاق يصيب الثوب قال: لا بأس به»
و ما دل(3)على جواز حمل الامرأة ولدها و إرضاعه في الصلاة، كإطلاق
خبر سعد الإسكاف(4)قال:
«إن أبا جعفر (عليه السلام) سئل عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن قال: لا بأس به على المرأة ما تزينت به لزوجها»
و في
خبر آخر(5)عن الصادق (عليه السلام) «يكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها»
و لعله على ذلك يحمل ما في
ثالث(6)«إن كان صوفا فلا بأس، و إن كان شعرا فلا خير فيه من الواصلة و الموصولة»
و ما في
مكارم الأخلاق(7)عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «سأله أبي و أنا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن إنسان ميت فيجعله مكانه قال: لا بأس»
مضافا إلى عدم انفكاك الثياب من الفضلات شتاء و صيفا بحيث يعسر التجنب عنه» على أنه بملاحظة ذكر الأمثلة في بعض النصوص و كون الخطاب مع الإنسان و نحو ذلك يقطع بإرادة غيره مما لا يؤكل كما هو واضح.
و حينئذ تجوز الصلاة في شعره مثلا حتى لو نسج منه لباسا، للإطلاق بلا معارض،
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 17- من أبواب النجاسات- الحديث 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 24- من أبواب قواطع الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 101- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه- الحديث 2 من كتاب النكاح.
5) 5 الوسائل- الباب- 101- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه- الحديث 1 من كتاب النكاح.
6) 6 الوسائل- الباب- 19- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 5 من كتاب التجارة.
7) 7 الوسائل- الباب- 31- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
ج8،
قلت: قد يقال: إنه لو سلم ذلك فقد يمنع الصلاة فيه لظهور الموثق المزبور في اشتراط كون ما يصلى فيه مما يؤكل لحمه، فخروج الإنسان حينئذ مما لا يؤكل لا يقتضي تحقق الشرط المزبور، إذ أقصاه البقاء على أصالة الجواز التي لا تعارض الدليل، نعم لا بأس بما جرت السيرة و الطريقة عليه، و ما فيه عسر و حرج باجتنابه، و ما دل عليه بالخصوص أما غير ذلك كاللباس المنسوج منه مثلا فيمنع لا لتحقق المانع بل لانتفاء الشرط، اللهم إلا أن يكون المراد اعتبار المأكولية فيما إذا كان اللباس من حيوان غير الإنسان مؤيدا بمعلومية جواز الصلاة في غير المأكول كالقطن و نحوه مما يقضي بكون موضوع الشرط المزبور الصلاة فيما كان من حيوان، فمع فرض انسياق غير الإنسان يكون الموضوع الحيوان غير الإنسان مثلا، و لا ريب حينئذ في انطباق الشرط المزبور، بل هو غير مناف للقول بجواز التستر بكل شيء لم يمنع منه الدليل، ضرورة كون اشتراط المأكولية انما هو في المتخذ من حيوان غير الإنسان، و من ذلك كله يعلم أنه لا وجه يعتد به في الفرق بين الإنسان نفسه و غيره كما عساه يظهر من كشف اللثام تنزيلا لخبر السن(1)على الفرق بين الظاهر و الباطن، و خبر ابن الريان(2)و سابقه(3)على شعر الإنسان نفسه، و لا يخفى ما فيه من الضعف بعد الإحاطة بما ذكرنا، حتى لو سلمنا إرادة الإنسان مما لا يؤكل لحمه أمكن دعوى اقتضاء السيرة و رفع الحرج و إطلاق بعض الأدلة السابقة الأعم من ذلك، كما هو واضح.
ثم انه لا فرق في إطلاق النص و الفتوى بين ما تتم الصلاة فيه منفردا و غيره كما صريح به بعضهم، بل هو كصريح الموثق و غيره، فما عساه يظهر من التحرير- من الإشكال في التكة و القلنسوة من جلد ما لا يؤكل لحمه، ثم قال: أحوط المنع، كقوله
ج8،
في التذكرة: «لو عمل من جلد ما لا يؤكل لحمه قلنسوة أو تكة فالأحوط المنع» بل فيها أن للشيخ قولا بالكراهية و إن أنكره عليه بعض من تأخر عنه- في غير محله، و يمكن أن يريد التكة و القلنسوة المتخذة من صوف الجلد و وبره كما يومي اليه استدلاله، فيكون خارجا عما نحن فيه، و للشيخ قول بالكراهة فيه كما ستسمع، فلاحظ و تأمل.
و على كل حال فلا ريب في المنع، و
خبر ريان بن الصلت(1)سأل الرضا (عليه السلام) «عن أشياء منها الخفاف من أصناف الجلود فقال: لا بأس بهذا كله»
بعض الكتب عن الرضا (عليه السلام) «و قد تجوز الصلاة فيما لم تنبته الأرض و لم يحل أكله مثل السنجاب و الفنك و السمور و الحواصل إذا كان مما لا يجوز في مثله و حده الصلاة»
غير صالح لإثبات ذلك للإرسال، و احتمال أنه من الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) الذي ليس بحجة عندنا، و عدم ذكر الجلود فيه و اختصاصه بالحيوانات الخاصة التي ستسمع البحث فيها، فلا ريب حينئذ في عدم جواز الصلاة في ذلك مطلقا.
كما أنه لا ريب في عدم الفرق بين الجلد و غيره من أجزائه التي تحلها الحياة، و تخصيص الجلد في عبارات الأصحاب لأنه هو الذي مظنة اللباس في الصلاة، بل لا فرق أيضا بين اتخاذ ذلك على شبه اللباس المعتاد و عدمه، إذ المدار على صدق كونه كلا أو بعضها فيه حال الصلاة، و هو المراد من النهي عن الصلاة فيه، نعم قد يتوقف في المحمول منه على وجه لا تصدق معه الصلاة فيه الذي هو مناط البطلان، و اشتمال
ج8،
الموثق على البول و الروث و نحوهما مما يراد من الصلاة فيها الصلاة في ملابسها لا يقتضي المنع في المحمول، ضرورة انصراف الذهن بعد تعذر الحقيقة إلى إرادة معنى مجازي لا يشمل المحمول، كتلطخ الثوب بها و نحوه، كما ستسمع تحقيق ذلك إن شاء الله، فحينئذ يقوى القول بعدم المنع حينئذ، للأصل و الإطلاق السالمين عن المعارض.
و كيف كان فهل يفتقر استعماله أي الجلد في غيرها أي الصلاة إلى الدباغ؟ قيل: نعم بل هو المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا و قيل: لا بل عن صلاة الإيضاح أنه مذهب الأكثر، و طهارة روض الجنان أنه أشهر الأقوال، و مقتضاه أن في المسألة قولا آخر، و لعله أشار إلى ما حكاه المحقق الثاني عن بعض مشايخه و الشهيد عن بعض الأصحاب كما قيل من اشتراط الدبغ إن استعمل في مائع، و إلا فلا و كيف كان فلا ريب في أن الثاني هو الأشبه على كراهية لما تقدم في كتاب الطهارة، و يأتي إن شاء الله في كتاب الصيد و الذباحة، بل قد ذكرنا سابقا أنا لم نعثر لهم إلا على مرسل(1)لم يصلح للحجية فضلا عن أن يعارض إطلاق الأدلة ك
رواية أبي مخلد السراج(2)قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما، فقال أحدهما: إني سراج أبيع جلود النمر، فقال: أ مدبوغة هي؟ قال: نعم قال ليس به بأس»
إذ هي- مع أنها في البيع دون الاستعمال، و الضعف في السند، و احتمال التقية و لو لعدم معرفة الرجلين، و غير ذلك- لا دلالة فيها على المطلوب إلا بإشعار ضعيف، ثم على تقدير الاشتراط فهل لتوقف الطهارة و الاستعمال عليه أو الثاني خاصة؟ قولان، تقدما في كتاب الطهارة، و يأتي إن شاء الله تمام البحث في ذلك.
ج8،
المسألة الثانية الصوف و الشعر و الوبر و الريش مما يؤكل لحمه طاهر سواء جز من حي أو مذكى أو ميت، و تجوز الصلاة فيه بلا خلاف في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص(1)فما عساه يظهر من المحكي عن المراسم من اشتراط التذكية في الصلاة فيها في غير محله أو غير مراد له، لأنه قد ذكر الجلد، فلعله اعتبر التذكية بالنسبة اليه، و إلا فذلك معلوم من مذهبنا، نعم فيه خلاف بين العامة، بل لا يحتاج إلى الغسل عندنا للأصل و الإطلاق، و خبر حريز(2)منزل على غير ذلك كما أوضحناه في كتاب الطهارة، نعم قد قلنا هناك إنه لو فرض تكونه بعد الموت و قد تأخر الجز عنه بحيث كان فيما جز بعض الأصول التي لاقت الميتة برطوبة اتجه وجوب الغسل حينئذ و من هنا يعلم أنه لو قلع من الميت قلعا أزيل منه ما استصحب من الأجزاء و غسل منه موضع الاتصال لنجاسته بملاقاة رطوبة باطن الجلد بناء على عدم انفكاكه عن ذلك، و لا طلاق حسن حريز و غيرهما مما تقدم في الكتاب المزبور، فما عن الأردبيلي من أنه لم يظهر دليل على وجوب الغسل في غير محله، كما أن ما عن نهاية الشيخ و المهذب و الإصباح و الوسيلة من إطلاق عدم الحل مع القلع كذلك أيضا، إلا أن يراد قبل الغسل و إزالة ما استصحبه، أما المقلوع من الحي فان لم يستصحب شيئا من الأجزاء فلا ريب حينئذ في عدم حاجته إلى الغسل، و إن استصحب وجب الإزالة و الغسل مع فرض الرطوبة في المحل المستصحب، لنجاسة الجزء المبان من الحي، و عليه ينزل إطلاق ما عن النهاية و المنتهى من اشتراط الإزالة و الغسل في المنتوف من الحي، و عليه ينزل إطلاق ما عن النهاية و المنتهى من اشتراط الإزالة و الغسل في المنتوف من الحي، بل و ما عن الوسيلة من اشتراط الصلاة بما لم يكن منتوفا من حي، و لعل ما يرى في أصول الشعر عند تسريح اللحية و الوضوء في الأهوية الحارة اليابسة ليس منه، بل من الفضلات، أو يعفى عنه كالبثورات للعسر و الحرج، فلا جهة
ج8،
حينئذ للمناقشة في الحكم المزبور، فتأمل.
و كذا في جميع ما ذكرنا كل ما لا تحله الحياة من الميت إذا كان طاهرا في حال الحياة فتجوز الصلاة حينئذ فيه على النحو السابق لا لأنه طاهر، إذ لا تلازم بين ذلك و بين الصلاة فيه، و إن كان هو مقتضى الأصل، لكن إطلاق النهي عن شيء من الميتة قطع ذلك، بل التعليل الصلاة في الصوف بأنه لا روح فيه المشترك بين الجميع و غيره مما هو ظاهر من النصوص(1)و من ذلك يظهر وجه التوقف في جواز الصلاة فيما كان من الميتة مما حكم بطهارته و لا يجزي فيه التعليل المزبور كالإنفحة، و لا ريب في أن الأحوط اجتنابها و أما ما كان نجسا في حال حياته فجميع ذلك منه نجس على الأظهر كما تقدم البحث في ذلك، بل و فيما تقدم أيضا في كتاب الطهارة مفصلا، فلاحظ و تأمل.
و كذا لا تصح الصلاة في شيء من ذلك لو جعل لباسا أو جزء لباس إذا كان مما لا يؤكل لحمه و لو أخذ من مذكى عدا ما استثني مما ستعرف إجماعا محصلا و محكيا مستفيضا، بل عن المعتبر و المنتهى و الإجماع على أن ما لا تجوز الصلاة في جلده لا تجوز في وبره أو شعره أو صوفه إلا ما استثني، و قد عرفت الحال في الجلد و عدم الفرق بين الوبر و غيره، و ترك الريش من بعضهم كالصوف من آخر ليس خلافا في المسألة، بل هو إما لإدراج بعضها في بعض، أو لمعلومية الحكم في الجميع، أو غير ذلك، كما أن عدم نهي الصدوق في المقنع إلا عن الصلاة في الثعلب و ما يليه من فوق أو من تحت و الخز ما لم يغش بوبر الأرانب قيل: و كذا الفقيه ليس لجواز غير ذلك مما لا يؤكل لحمه عنده، كما يكشف عنه كلامه في هدايته و أماليه، فالإجماع حينئذ بحاله،
1) 1 الوسائل- الباب- 68- من أبواب النجاسات- الحديث 1 و 7 و الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة.
ج8،
و هو الحجة، مضافا إلى الموثق(1)المتقدم سابقا، و
المرسل في التهذيب المروي(2)عن العلل صحيحا «كان أبو عبد الله (عليه السلام) يكره الصلاة في وبر كل شيء لا يؤكل لحمه»
بناء على إرادة الحرمة من الكراهة للنصوص و الفتاوى، و
المروي(3)عن العلل «لا تجوز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه، لأن أكثرها مسوخ»
و
خبر إبراهيم بن محمد الهمداني(4)«كتبت اليه يسقط على ثوبي الوبر و الشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة فكتب لا تجوز الصلاة فيه»
إلى غير ذلك مما تسمعه في أثناء البحث، بل للأخير جزم بعضهم، بل قيل: إنه ظاهر الأكثر، بل عن الذخيرة و المجلسي أنه المشهور ببطلان الصلاة في الشعرات الملقاة على اللباس و إن لم تكن جزءا منه، بل في جامع المقاصد و إن كانت شعرة واحدة، بل في حاشية المدارك للأستاذ «أن الظاهر من غير واحد من الفقهاء أن المنع غير مختص باللبس بل شام للاستصحاب أيضا، لأنهم يذكرون الأخبار الدالة على ذلك في جملة أدلتهم من غير تعرض لكون مدلولاتها غير المطلوب، بل يذكرون ما دل على جوازه و يعترضون للعلاج من غير تعرض بأن ذلك غير المطلوب- ثم قال-: و أرى العلماء و أسمع أنهم يتنزهون عنه».
و عن الكفاية أن كلام أكثر الأصحاب مطلق في المنع من الصوف و الشعر و الوبر و غيرها، و خصه بعضهم بالملابس دون الشعرات الملقاة، و احتج عليه مضافا إلى الخبر المزبور(5)ب ما ورد(6)من النهي عن الصلاة في الثوب الذي يلي جلود الثعالب من حيث ظهوره في أنه لما يقع عليه من شعره، و بالموثق(7)الذي هو العمدة في الباب
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلى- الحديث 4.
7) 7 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
ج8،
و غيره مما دل على النهي عن الصلاة فيه، إذ توهم اختصاصه بالملابس بملاحظة لفظ «في» المقتضية لذلك مدفوع بعدم جريانه في الموثق لدخولها عليه و على البول و الروث مما ليست هي بالنسبة إليهما للظرفية قطعا، بل لمطلق الملابسة الشاملة لمحل البحث، و اليه أومأ الأستاذ في الحاشية، قال: رواية ابن بكير أيضا ظاهرة فيه، فان الصلاة في الروث مثلا ظاهرة في المعية، و تقدير الكلام بإرادة الثوب الذي يتلوث به غلط، لأن الأصل عدم التقدير سيما مثله، و قد قرر في الأصول أنه إذا دار الأمر بين المجاز و الإضمار فالمجاز متقدم متعين.
قلت: قد يناقش في ذلك بأنه لا ريب في ظهور لفظ «في» في الظرفية، و لكن لما تعذرت الحقيقة بالنسبة إلى الروث و نحوه حمل على أقرب المجازات، و هو ظرفية المتلطخ به بخلاف الشعر، فإن الحقيقة ممكنة فيه، فلا حاجة إلى صرفه، بل و لا قرينة، ضرورة عدم صلاحية التجوز في الروث، لمكان تعذر الحقيقة للصرف، كما هو واضح، و نصوص النهي عن الصلاة فيما يلي الثعلب لا صراحة فيها بكون ذلك لما عليه من الشعر، بل هو مناف لإطلاق النهي عنه، و لعله للكراهة فيما يباشره، كما يومي اليه النهي(1)عن الصلاة فيما يليه من تحت، بل في
خبر ابن مهزيار(2)«عن رجل سأل الماضي (عليه السلام) عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها و في الثوب الذي يليه، فلم أدر أي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد، فوقع بخطه الثوب الذي يلصق بالجلد، قال: و ذكر أبو الحسن يعني علي بن مهزيار أنه سأله عن
ج8،
هذه المسألة فقال: لا تصل في الثوب الذي فوقه و لا في الذي تحته».
و من هنا قال بعضهم: إن ما في النهاية من أنه لا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعالب و لا في الذي فوقه يحتمل أن يكون لما يقع من الشعر، أو أن يكون لأن الثعلب نجس عنده كما صرح بذلك في المبسوط و قد حكم فيه بالكراهة في الثوبين المذكورين، و لعله لإطلاق ما سمعت، فدعوى أن المنع حينئذ للشعر المتساقط يمكن منعها، بل هي أشبه شيء بالعلة المستنبطة، بل لو فرض حصول الظن بذلك أمكن منع حجيته، لعدم استفادته مما جعله الشارع حجة، فلم يبق إلا خبر الهمداني المعارض بما في المدارك من
صحيح ابن عبد الجبار(1)قال: «كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) هل يصلى في قلنسوة عليها وبر مالا يؤكل لحمه أو تكة حرير أو تكة من وبر الأرانب فكتب لا تحل الصلاة في الحرير المحض، و إن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه»
و إن كان فيه ما فيه كما تسمعه في التكة و القلنسوة، و كذا معارضته بالنصوص(2)السابقة في شعر الإنسان و أظفاره و باقي فضلاته، إذ قد عرفت خروجه عن موضوع البحث، فلا يدل على ما نحن فيه، نعم قد يناقش فيه بأنه مضمر، و في سنده عمر بن علي بن عمر، و هو مجهول، لكن قيل: إنه لم يستئن من نوادر الحكمة، و لا ريب في احتياجه إلى جابر، و ليس، إذ جبره بدعوى الشهرة يمكن المناقشة فيه بأنها مستنبطة من إطلاق قولهم: «لا يجوز الصلاة في الشعر» و قد عرفت أن مثله في الموثق المشتمل على غيره مما لم يرد فيه الظرفية حقيقة لا يقتضي ذلك فضلا عنه.
و لعله من هنا كان خيرة المسالك و المدارك و المفاتيح و المحكي عن الروض الجواز، بل عن الأخير أنه حكاه عن صريح الشيخ و الذكرى و ظاهر المعتبر، بل قد يشعر ما في
ج8،
الأول بكون ذلك ظاهر الأصحاب من حيث أن السياق في اللباس، و لذا استظهر من عبارة المتن اختصاص الحكم به، فالمنع حينئذ لا يخلو من إشكال، لإطلاق ما يقتضي الصحة، و إن كان هو أحوط.
و أولى منه إشكالا المحمول الذي لم يلتصق بالثياب حتى يكون من توابعه و يصدق الصلاة فيه و لو مجازا، إذ إرادة المعية، من «في» كما ذكره الأستاذ في حاشيته ممنوعة، ضرورة عدم اقتضاء تسليم إرادة المعنى المجازي الشامل للشعرات الملقاة و تلطخ الثوب و نحوه المعية الشاملة للمحمول، فالاطلاقات حينئذ تقتضي الصحة، لكن عن الجعفرية و شرحها أنه من صلى في جلد أو ثوب من شعر حيوان، أو كان مستصحبا في صلاته عظم حيوان و لم يعلم كون ذلك الجلد و ذلك الشعر و العظم من جنس ما يصلى فيه فقد صرح الأصحاب بوجوب الإعادة مطلقا، يعني أن الحكم بوجوب الإعادة إجماعي للأصحاب، و مقتضاه أنه لا بحث في المستصحب مع العلم بحاله، و عن مجمع البرهان الظاهر من كلام بعض الأصحاب أن كلما لا يعلم أنه مأكول لا تجوز الصلاة في شيء منه أصلا حتى عظم يكون عروة للسكين و غير ذلك، بل لعله ظاهر من منع الصلاة في العظم من غير المأكول علما أو شكا، لتعارف المحمول منه، اللهم إلا أن يفرض كونه خاتما و نحوه مما يعد ملبوسا أو توابع الملبوس، كما مثل به له في المسالك و المحكي عن الميسية، بل يمكن إرادته كذلك من المستصحب في عبارتي الجعفرية و شرحها، إذ هو مظنة الإجماع، لا المحمول الذي يمكن بسبب التعبير بلفظ «في» دعواه على خلافه، على أنه انما هو بصدد بيان حكم المشكوك من حيث كونه مشكوكا فيه، فلعل الإجماع المدعى حينئذ على ذلك، فإنه هو المصرح به في كلامهم، ففي المدارك في أحكام الخلل و عن الشافعية نسبة المنع عند عدم العلم بجنس الشعر و الجلد إلى الأصحاب مع زيادة قطعهم في الأول، و في المنتهى «لو شك في كون الصوف أو الشعر أو الوبر من مأكول
ج8،
اللحم لم تجز الصلاة فيه، لأنها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه، و الشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط» و نحوه ما في التحرير و القواعد و الشرائع في بحث السهو و البيان و الهلالية و فوائد الشرائع و الميسية و المسالك على ما حكي عن البعض من زيادة الجلد في بعض و العظم في آخر، لكن في البيان «إلا أن تقوم قرينة قوية».
و أشكله في المدارك و تبعه المحدث البحراني بأنه يمكن أن يقال: إن الشرط ستر العورة، و النهي انما تعلق بالصلاة في غير المأكول، فلا يثبت إلا مع العلم بكون الساتر كذلك، و يؤيده
صحيحة عبد الله بن سنان(1)قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
كل شيء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه»
و ردّه الأستاذ الأكبر (رحمه الله) بما حاصله عدم مدخلية العلم في مفاهيم الألفاظ، فالمفسد حينئذ للصلاة واقعا حرام الأكل فيه، فلا بد أن يكون عدمه في الواقع شرطا، و ليس هو إلا حلال الأكل، فالمشكوك غير مجز، للشك في الشرط، و لا أصل ينقحه: و لعدم العلم بالصحة حتى يخرج عن يقين الشغل على حسب ما قرروه في اشتراط العدالة من قوله تعالى(2)«إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» و نظائره.
قلت: قد يقال: إنه بعد فرض الإطلاق أو العموم المتناول لكل ساتر لا يتم الكلام المزبور، ضرورة كون المعلوم ان فائدتهما دخول الفرد المشتبه، و هذا هو الفارق بين ما نحن فيه و بين اشتراط العدالة، لعدم الأمر بقبول كل خبر ثم نهي عن خبر الفاسق كي يدخل مجهول الحال، بل ظاهر الآية انما اقتضى رد خبر الفاسق، و استفيد من مفهومه قبول خبر غيره، و ليس هو إلا العدل في الواقع، فمن هذه الجهة اشترط
ج8،
العدالة، و لم يعتبر خبر مجهول الحال لعدم العلم بكونه غير فاسق في الواقع، بخلاف المقام المفروض فيه تحقق الإطلاق أو العموم الذين فائدتهما دخول مثل ذلك، و لا ينافيه كون المانع عدم المأكولية واقعا، لعدم تحققها مع تحقق مقتضى الصحة، و هو مطلق الاستتار، و دعوى صيرورة العام أو المطلق بعد التقييد موصوفا بضد ذلك القيد، فلا يتحقق مع الشك يمكن منعها، لعدم تعقل ذلك من نحو استتر بأي ساتر و لا تستتر بما لا يؤكل مثلا كما في نظائره، و الالتجاء إلى باب المقدمة في اجتناب المشكوك يدفعه أنه في حكم غير المحصور من المشتبه الذي لا يجب اجتنابه، كما في كل فرد واحد لم يعلم أنه من المحلل أو المحرم، إنما الذي يجب اجتنابه المعلوم تحققه المشتبه شخصه، و دعوى إلحاق ذلك به باعتبار أن المدار في المحصور و غيره على الحرج في الاجتناب و عدمه، و إلا فالجميع تجري فيه باب المقدمة، و ما نحن فيه مما لا حرج في اجتنابه يدفعها أنه خلاف المعلوم منهم في عدم اجتناب ذلك منهم للمقدمة، خصوصا في نحو المقام المتحقق فيه مقتضى الامتثال للإطلاق أو العموم مع أصالة البراءة عن مقتضى المنع.
فالأولى حينئذ في الرد دعوى ظهور
قوله (عليه السلام) في الموثق المزبور(1):
«لا يقبل الله تلك الصلاة»
إلى آخره في اشتراط المأكولية في الساتر إذا كان من حيوان كما أومأنا اليه سابقا، و لعله اليه مطمح نظر العلامة، فالمشكوك فيه لا يجري لعدم تحقق الشرط المنصوص عليه المقيد للإطلاق المفروض، بل الظاهر ذلك حتى لو كان الثوب مشتبها بغير المحصور، فان سقوط حكم باب المقدمة فيه لا يقتضي تحقق الشرط الوجودي الذي فرض النص عليه، فان ذلك أمر آخر زائد على سقوط حكم المقدمة، ضرورة عدم صدق الامتثال عليه، و من ذلك لو اشتبه التراب بغير محصور لم يجز التيمم به، و كذلك الماء، نعم لو كان المنع من حيث النجاسة و فرض الاشتباه
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
بغير المحصور أسقط الشارع وجوب الاجتناب من جهتها، فجاز استعماله حتى فيما اشترط فيه الطهارة، لعدم الواسطة عنده بينهما، إذ كل ما لم يعلم نجاسته و ليس بمحصور طاهر عنده، و كذا الكلام في الحل و الحرمة، فتأمل جيدا فإنه نافع جدا.
اللهم إلا أن يقال في خصوص المحصور المشتبه بغير المحصور: إنه يستفاد من الشرع إعطاء حكم غير المحصور للمحصور المشتبه موضوعا و حكما، فغير الماء المحصور المشتبه فيما لا ينحصر من الماء ماء، و بالعكس غير ماء، و غير الحرير(1)مثلا المشتبه فيما لا ينحصر في غيره من القطن محكوم بكونه قطنا على وجه تجري عليه الأحكام، و كذا غير المأكول المحصور فيما لا ينحصر من المأكول، و هكذا حتى لو حصل الشك في الفرد بل و الظن، فإنه يعطي حكم غير المحصور المشتبه فيه، و هو حسن إن ثبت إجماعا و نحوه عليه، و إلا فقاعدة الشك في الشرط بحالها، هذا.
و لكن قد يقال: إن المستفاد من الموثق المزبور شرطية المأكول بالنظر إلى الملبوس نفسه، أما ما كان عليه من الشعرات بناء على المنع منها أو المفضلات أو المحمول أو نحو ذلك فلا دلالة فيه على اشتراط كونه من المأكول كي لا يجزي الصلاة مع الشك فيها، بل هي تبقى على النهي عنها من غير المأكول، فمع تحققها تبطل الصلاة، و مع الشك فلا، و يؤيده مع ذلك استصحاب عدم المانعية، بل و السيرة المستمرة على عدم اجتناب اللباس بمجرد عدم معرفة ما فيه من رطوبة أو شعر أو نحو ذلك، بل و العسر و الحرج و غير ذلك مما لا يخفى، و هذا مؤيد آخر لما ذكرناه من عدم استفادة الشرطية من النهي المزبور، و إلا لاقتضى وجوب اجتناب جميع ذلك، كما هو واضح.
و من ذلك كله يعلم ما في منظومة العلامة الطباطبائي، قال:
و غلب التحريم فيما مزجابالحل إلا ما بنص خرجا
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح« الحرير» بدل« غير الحرير».
ج8،
يعني كالممتزج بالحرير، ثم قال:
و هكذا مشتبه بما حظرمنحصر دون الذي لا ينحصر
و احتمال انه مبني ذلك على المانعية التي تسقط في غير المنحصر يدفعه- مضافا إلى ما عرفته من الموثق في غير المأكول- انه خلاف ما يظهر منه سابقا، قال في بيان شرائط الساتر:
و كونه ان كان من حيوانمحلل اللحم على الإنسان
و هو مضمون الموثق المزبور، و كذا يظهر النظر في ما ذكره بعض مشايخنا(1)فيما نحن فيه من «أن الأقسام أربعة، إذ الشك إما أن يكون بين فرد مثلا من الحرير محصور و فرد من غيره محصور، أو بين أفراد غير محصورة منهما، أو بين فرد من غير الحرير محصور في أفراد من الحرير غير محصورة، أو بين فرد من الحرير محصور و أفراد من غيره مما يجوز لبسه غير محصورة، و المتجه البطلان فيما عدا الأخيرة، أما فيها فالأقوى الصحة و عدم الالتفات إلى هذا الشك- ثم قال-: هذا بالنسبة إلى الصلاة الموقوف صحتها على العلم بحصول شرطها، أما بالنسبة إلى اللبس فيما يحرم لبسه و كذا بالنسبة إلى الصلاة حيث يكون المنع فيها تابعا للتحريم كالمغصوب فالظاهر قصر التحريم، و يتبعه البطلان على الصورة الأولى و الثالثة، لحصول العلم بالحرام فيهما- إلى أن قال-: أما الصورة الثانية فالأقوى سقوط حكم التحريم فيها كالرابعة، و حيث أن الشارع قد جعل الطهارة أصلا يرجع اليه عند الاشتباه و الأصل الشرعي بمنزلة العلم كان الحكم في مشكوك النجاسة في الصلاة كحكم المشكوك في جواز اللبس، فيمنع منه في الأولى و الثالثة، و يجوز في الثانية، و الرابعة» و في كلامه مواضع للنظر تعرف بأدنى تأمل، على أن مقتضى ما يظهر منه بعد ذلك أن محل البحث هنا في غير المشتبه المعلوم اشتماله على الجائز و غيره كالفرد
1) 1 هو الشيخ موسى في شرح الرسالة منه رحمه الله.
ج8،
المتحد مثلا، و هو لا ينطبق عليه بعض ما ذكره، و التحقيق ما عرفته سابقا، فلاحظ و تأمل. هذا كله في المشكوك فيه ابتداء أما المشتبه فيما يعلم اشتماله على القابل، و لا ساتر عنده غيره فستعرف الحال فيه عند البحث عن تعذر الساتر، و الله الموفق.
ثم ان الظاهر عدم الفرق بين ما تتم الصلاة فيه وحده و غيره نحو ما ذكرناه في الجلد وفاقا لجماعة، بل الأكثر كما في المدارك، بل المشهور كما في غيرها، فلا يجوز في التكة و القلنسوة المعمولتين منهما، لإطلاق النصوص(1)و معاقد الإجماعات، بل العموم في بعضها(2)و خصوص
خبر علي بن مهزيار(3)«كتب إليه إبراهيم بن عقبة عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة و لا تقية فكتب (عليه السلام) لا تجوز الصلاة فيها»
و
خبر أحمد بن إسحاق الأبهري(4)قال: «كتبت اليه»
و ذكر نحو ذلك، و الضعف في السند مجبور بالشهرة، و بالموافقة لعموم النصوص المعمول بها، خلافا للمبسوط و المنتهى فالكراهة إذا عملا من وبر ما لا يؤكل لحمه، بل و الإصباح على ما قيل و إن لم يذكر إلا التكة من وبر ما لا يؤكل لحمه ما لم يكن هو أو المصلي رطبا.
و عن ابن حمزة انه قسم ما لا تتم الصلاة فيه منفردا إلى ما يكره فيه، و عد منها التكة و الجورب و القلنسوة المتخذات من شعر الأرنب و الثعلب، و ما لا يكره فيه، و عد منها الثلاثة من غير ما ذكر، بل مال إليه في المدارك كما عن المعتبر، للأصل المنقطع بما عرفت، و الجواز في النجس و الحرير الذي لا يتم بعد حرمة القياس عندنا.
و احتمال أنه ليس من القياس بل هو من القاعدة المعلومة المقررة- و هي كلما كان ملزوم المدعى شيئا يلزم أي المدعى من وجوده و عدمه يثبت المدعى على كل حال، إذ
ج8،
يكشف حينئذ أن العلة في ثبوت اللازم الذي هو المدعى أمر آخر غير ذلك الملزوم، ففي المقام مثلا المدعى جواز الصلاة في التكة النجسة، و ملزومه وصف النجاسة، و الفرض ثبوته على تقدير وجوده و عدمه، فيعلم حينئذ أن العلة في الجواز التكة مثلا، و هي موجودة إذا كانت من وبر الأرانب، بل هي من أفراد عادم الوصف- يدفعه أولا إمكان منع القاعدة، لجواز توجه النفي إلى الذات لا إلى وجودها مع فرض استلزامها وجودا و عدما، و هو أمر ثالث غير الوجود و العدم اللذين هما فرع التصور نحو
قولهم بانتفاء النقيضين. و ثانيا ثبوت المدعي الذي هو اللازم من حيث عدم الملزوم الخاص لا ينافي امتناعه من حيث أمر آخر كالغصب و نحوه و لو بعد دلالة الدليل عليه كما هو واضح، فتأمل جيدا.
و لما في كشف اللثام من أنه وجد في بعض الكتب(1)
عن الرضا (عليه السلام) «و قد تجوز الصلاة فيما لم تنبت الأرض و لم يحل أكله مثل السنجاب و الفنك و السمور و الحواصل إذا كان مما لا تجوز في مثله وحده الصلاة»
و هو مع عدم دلالته على تمام المدعى مرسل لا جابر له، بل من المحتمل أنه من الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) و هو غير حجة عندنا، على أنه ربما كان فيه إشعار ببطلان بعض الدعوى، فالتتميم حينئذ بعدم القول بالفصل مقلوب، كما هو واضح.
و ل صحيح محمد بن عبد الجبار(2)المتقدم سابقا المرجح غيره عليه بالمشافهة التي هي أقوى من الكتابة باعتبار شدة احتمال وقوعها في يد أعدائهم، و قد كان أحمد بن حنبل المعاصر للرضا (عليه السلام) يحكم بعدم جواز الصلاة في الحرير المحض، و باشتراط كون الشعر و الوبر مأخوذا من حي أو مذكى، بل في أحد قوليه: النجاسة إذا أخذ
ج8،
من ميت، و قد اشتهر مذهبه و مذهب الشافعي في زمن العسكري (عليه السلام)، و لذا اشتدت التقية فيه، و لعله من هنا فرض في السؤال في المكاتبتين السابقتين عدم التقية، و بقوة الدلالة، لاحتمال إرادة المأكول من المذكى، كما أومأ إليه خبر علي بن أبي حمزة(1)و إلا فاشتراط التذكية الحلية الصلاة في الوبر و غيره مما لا تحله الحياة مخالف لإجماع الفقهاء من العامة و الخاصة، و بكثرة العدد، و بالموافقة لما عليه الإمامية من منع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، و بغير ذلك مما لا يخفى، على أنه لا يدل على تمام المدعى، إذ القلنسوة انما كان عليها الوبر لا أنها متخذة منه، و التمسك بإطلاق الجواب بحمل اللام فيه على الحقيقة لا العهد مع أنه خلاف الظاهر يوهن الخبر من وجه آخر، فلا ريب حينئذ في كون الترجيح للمنع الموافق للاحتياط.
و كيف كان فقد استثنى المصنف من الكلية السابقة الخز، فقال إلا وبر الخز الخالص من وبر الأرانب و الثعالب و نحوهما، فتجوز الصلاة فيه بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه المتواتر كالنصوص(2)فما عساه يظهر- من ترك الحلبي التعرض له و عدم استثناء الصدوق له في الهداية بعد أن قال: «باب ما تجوز الصلاة فيه و ما لا تجوز» مقتصرا على
قول الصادق (عليه السلام)(3): «صل في شعر و وبر كل ما أكلت لحمه، و ما لم تأكل لحمه فلا تصل في شعره و وبره»
كالمحكي عن الشيخ في كتاب عمل يوم و ليلة من الخلاف فيه- لا يلتفت اليه، مع أن من المحتمل أن يكون ذلك منهم لظهور الحال فيه، و ما عن الأمالي «الأولى ترك الصلاة فيه» يمكن حمله على الجلد، إذ من البعيد إرادة الوبر بعد تصريحه به في
ج8،
الفقيه حاكيا له عن رسالة والده التي هي الركن الأعظم عنده، و بعد استفاضة النصوص(1)في صلاتهم (عليهم السلام) به، حتى أن في
خبر دعبل(2)المشهور خلع الرضا (ع) قميصا من خز، و قال له: «احتفظ به فقد صليت فيه ألف ليلة كل ليلة ألف ركعة»
كما أن من البعيد إرادة الفاضل من قوله في التحرير: «إلا الخز الخالص و الحواصل و السنجاب على قول» ذلك، إذ مثله مما هو مجمع عليه بين الطائفة لا يعبر عنه بذلك، و ما عن المنتهى من نسبة الجواز إلى الأكثر مشعرا بوجود المخالف لم نتحققه، بل المحكي عنه أنه نسبه فيه في موضعين إلى فتوى علمائنا مشعرا بالإجماع عليه.
و كيف كان فلا ريب في جواز الصلاة فيه إن لم يكن مستحبا، لما في
صحيح ابن مهزيار(3)«و رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يصلي الفريضة و غيرها في جبة خز طاروي، و كساني جبة خز و ذكر أنه لبسها على بدنه و صلى فيها، و أمرني بالصلاة فيها»
إلا أنه ظاهر في الإباحة لتوهم الحظر، أو في الرجحان لكن لتشرفها بلبسه و صلاته فيها لا لكونها خزا، بل الأقوى جواز الصلاة في جلده أيضا وفاقا لجماعة، بل عن كشف الالتباس أنه المشهور، و في الذكرى و غيرها أن مضمون
خبر ابن أبي يعفور(4)عن الصادق (عليه السلام) مشهور بين الأصحاب، قال: «إنه كان عنده و دخل عليه رجل من الخزازين، فقال له: جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال: لا بأس بالصلاة فيه، فقال له الرجل: جعلت فداك انه ميت و هو علاجي و أنا أعرفه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أنا أعرف به منك، فقال له الرجل: إنه علاجي و ليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال: أ تقول إنه دابة تخرج
ج8،
من الماء أو تصاد من الماء فتخرج، فإذا فقد الماء مات، فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فإنك تقول: إنه دابة تمشي على أربع، و ليس هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء، فقال الرجل:
إي و الله هكذا أقول، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): فان الله أحله و جعل ذكاته موته كما أحل الحيتان و جعل ذكاتها موتها»
ضرورة أن التذكية انما تعتبر في الجلد دون الوبر، فبيانه (عليه السلام) أن ذكاته موته ردا على السائل الذي زعم أنه ميتة، و أنه لا تجوز الصلاة فيه لذلك أظهر شيء في إرادة الجلد، بل منه يستفاد دخول الجلد في إطلاق الخز، فترك الاستفصال حينئذ في
موثق معمر بن خلاد(1)دال على المطلوب أيضا، فقال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في الخز فقال: صل فيه»
و
خبر يحيى بن عمران(2)انه قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب و الفنك و الخز، قلت: جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب إلى بخطه صل فيها»
مضافا إلى
صحيح سعد بن سعد(3)قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن جلود الخز فقال: هو ذا نحن نلبس، فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك فقال: إذا حل وبره حل جلده»
قيل: «هو ذا» في كلامه (عليه السلام) بفتح الهاء و سكون الواو كلمة مفردة تستعمل للتأكيد و التحقيق و الاستمرار و التتابع و الاتصال مرادفة «همي» في لغة الفرس المستعملة في أشعار بلغائهم كثيرا، لا أن المراد منها الضمير و اسم الإشارة كما يشهد له التأمل من وجوه، فيكون إخباره (عليه السلام)
ج8،
باستمرار لبسه و اتصاله كالصريح في شموله لحال الصلاة، و إلا لنقل عنهم (ع) نزعهم لها حالها، و قول السائل: «ذاك الوبر» اشتباه منه، إلا أنه (عليه السلام) أراد قطعه على فرض ذلك، فقال له (عليه السلام): «إذا حل» إلى آخره. على ان ظاهر تعليق حل الجلد على حل الوبر الشامل بإطلاقه لحل الصلاة مع حل الصلاة فيه إجماعا و نصا هو حل الصلاة في الجلد، بل قد يقال بإرادة التلازم بالنسبة إليها لا اللبس في غيرها، لأنها هي المشروطة بأن لا يكون اللباس حالها من ما لا يؤكل لحمه من غير فرق بين الجلد و الوبر، فإذا حل الوبر حينئذ منه فيها حل الجلد، لاشتراكهما في علة المنع، أما اللبس فلا تلازم بينه و بين الجلد قطعا، ضرورة جوازه في الصوف و نحوه مطلقا من غير فرق بين المأكول و غيره و المذكى و غيره بخلاف الجلد، و لعله إلى ذلك أومأ في الذكرى بقوله بعد أن حكى عن الحلي المنع: و لا وجه له، لعدم افتراق الأوبار و الجلود في الحكم غالبا، فتأمل.
بل قد يستفاد منه على هذا التقدير الجواز في باقي أجزاء الخز، و عدم ذكر الأصحاب ذلك لعدم تعارف استعمال غيرهما، كما يومي اليه اقتصارهم عليهما في مطلق ما لا يؤكل لحمه، و لعله لذا اقتصروا عليهما هنا، لا أنه استثناء منهما، فتأمل، و لو أغني عن ذلك كله و قلنا بدلالتها على اللبس دون خصوص الصلاة فلا ريب في كون التعارض حينئذ بينه و بين ما دل(1)على المنع عما لا يؤكل لحمه من وجه، و الترجيح له، خصوصا بعد تطرق التخصيص إليه بالشهرة و بالأخبار السابقة، و بأقربية إرادة الصلاة من هذا الإطلاق، خصوصا بعد تعارف السؤال عن الصلاة من إرادة جلود الخز من ذلك العموم، و بغير ذلك مما لا يخفى.
و منه يظهر حينئذ وجه الاستدلال أيضا بما في
صحيح ابن الحجاج(2)«سأل
ج8،
أبا عبد الله (عليه السلام) رجل و أنا عنده عن جلود الخز، فقال: ليس بها بأس»
و غيره(1)كما أنه يظهر فساد المناقشة في هذه النصوص بأنها ما بين صريح في الجلد لكن في اللبس، و بين صريح في الصلاة لكن صريح في الوبر أو ظاهر، و لو لأنه المتعارف في الاستعمال حتى صار متعارفا في الإطلاق، كما يشهد له النصوص، إذ هي كما ترى دعوى بلا شاهد، بل يمكن دعواه على خلافها، على أن تعارف الاستعمال لا يقتضي تعارف الإطلاق، و أيضا هو لا إشكال في مجازيته في كل منهما، و العلاقة في الجلد أتم و أظهر، و ليس هو من المتواطئ الذي يشيع بعض أفراده و ينصرف إليها الإطلاق، و دعوى شهرة المجاز في الوبر بحيث ينصرف اللفظ اليه بمجرد العلم بتعذر الحقيقة واضحة المنع، فما عن العجلي و الفاضل في المنتهى و التحرير من المنع من الصلاة فيه- بل عن الأول نفي الخلاف فيه- ضعيف، على أن الثاني منهما خيرته في التذكرة، و المحكي عن المختلف الجواز، فانحصر الخلاف صريحا في الأول، و منه يعلم ما في نفي الخلاف و إن كان ربما استظهر من عدم تعرض جماعة من الأصحاب له و اقتصارهم على استثناء الخز الخالص الظاهر بقرينة الوصف في الوبر، مع أنه يمكن منع ظهور ذلك فيما لا يشمل الجلد، كما أنه لم نعثر لهم على ما يدل على ذلك سوى العمومات المخصصة بما عرفت، و ما عن كتاب الاحتجاج م
ما كتبه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري(2)إلى الناحية المقدسة «روي عن صاحب العسكر أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقع (عليه السلام) يجوز، و روي عنه أيضا أنه لا يجوز، فأي الأمرين نعمل به؟ فأجاب إنما حرم في هذه الأوبار و الجلود، فأما الأوبار وحدها فحلال» و عن نسخة «فكلها حلال»
و ما عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم الذي لم يتداول بين الطائفة، و لم تعرف عدالة مصنفه، قال: «و العلة في أن لا يصلى في الخز أنه من
ج8،
كلاب الماء، و هي مسوخ إلا أن يصف و ينقى» و هما معا كما ترى لا يلتفت إليهما في مقابلة ما عرفت، سيما مع الاضطراب في الجملة في متن أولهما، و الغرابة في الفرق بين الجلود و الأوبار مما لا يؤكل لحمه، و عدم نقل الثاني منهما عن معصوم، مع إمكان حمله على خصوص كلب الماء من الخز بناء على أنه أحد أفراده و إن كان بعيدا بل ضعفيا.
ثم ان الظاهر جريان الحكم على ما في أيدي التجار مما يسمى في زماننا خزا، لأصالة عدم النقل كما جزم به الأستاذ في كشفه، لكن عن المجلسي و الأسترابادي الإشكال فيه، و لعله للشك في كونه الخز في زمن الخطاب، بل الظاهر عدمه، لأنه يظهر من الأخبار(1)انه مثل السمك يموت بخروجه من الماء، و ذكاته إخراجه، و المعروف بين التجار أن المسمى بالخز الآن دابة تعيش في البر و لا تموت بالخروج من الماء، إلا أن يقال: إنهما صنفان بري و بحري، و كلاهما يجوز الصلاة فيه، و هو بعيد خصوصا مع إطلاق تشبيه بالسمك، و استبعاد اتصال هذا الزمان بذلك الزمان مع الاختلاف في حقيقته في زمن علمائنا السابقين.
قلت: لكن ذلك كله كما ترى لا يقدح في حجية أصالة عدم النقل، و ما في خبر ابن أبي يعفور(2)من موته بخروجه من الماء- ك
صحيح عبد الرحمن(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال له فيه: «إنها في بلادي، و انما هي كلاب تخرج من الماء، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة فقال الرجل: لا، فقال: لا بأس»
ج8،
و بين ما في
خبر حمران بن أعين(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) من انه «سبع يرعى في البر، و يأوي الماء،»
و قد يشهد له الجملة ما عن مجمع البحرين أنه «دابة من دواب الماء تمشي على أربع تشبه الثعلب، و ترعى من البر، و تنزل البحر، لها و بر يعمل منه الثياب، تعيش بالماء و لا تعيش بغيره، و ليس على حد الحيتان، و ذكاتها إخراجها من الماء حية، قيل: و كانت أول الإسلام إلى وسطه كثيرة جدا» بل عن السرائر انه قال بعض أصحابنا المصنفين: «إن الخز دابة صغيرة تطلع من البحر تشبه الثعالب، ترعى في البر و تنزل البحر، لها و بر يعمل منه ثياب» ثم قال فيها: و كثير من أصحابنا المحققين المسافرين يقول: إنه القندس، و لا يبعد هذا القول من الصواب، ل
قوله (عليه السلام)(2): «لا بأس بالصلاة في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب و الثعالب»
و القندس أشد شبها بالوبرين المذكورين، و في المعتبر أنه حدثني جماعة من التجار أنه القندس، و لم أتحققه، و عن الشهيد في حواشي القواعد سمعت بعض مدمني السفر يقول: إن الخز هو القندس، قال: و هو قسمان ذو إلية و ذو ذنب، فذو الألية الخز، و ذو الذنب الكلب، و في الذكرى انه لعله ما يسمى في زماننا بمصر وبر السمك، و هو مشهور هناك، و في كشف اللثام عن القانون أن خصيته الجندباد ستر(3)و قيل: إن الذي يصلح من ذكره الخصي، و من الأنثى الجلد و الشعر و الوبر، و في جامع الأدوية للمالقي عن البصري أن الجندباد ستر هيئته كهيئة الكلب الصغير، و في الذكرى أن من الناس من زعم انه كلب الماء، و جزم به المحدث البحراني، و لعله لما في صحيح ابن الحجاج(4)و إن كان هو في كلام السائل و لا إضافة فيه، و لذا كان
خبر ابن
1) 1 الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث 2.
2) 2 المستدرك- الباب- 9- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1 مع تفاوت.
3) 3 في القانون ج 1 ص 281 من طبع مصر« جند بيد ستر هو خصية حيوان البحر» هو معرب كند بيد ستر و قد يقال: جند بيدست كما في برهان قاطع ج 1 ص 421.
4) 4 الوسائل- الباب- 10- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
أبي يعفور(1)أولى منه في ذلك، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أكل لحم الخز قال: كلب الماء إن كان له ناب فلا تقربه، و إلا فاقربه»
بل عن بعضهم القطع بأنه القندس فينطبق عليه حينئذ جميع ما سمعته ممن فسره بالقندس، بل قد يؤيده ما قيل من قرب وبره لوبر الثعالب و الأرانب، لكن في الذكرى انه على هذا يشكل ذكاته بدون الذبح، لأن الظاهر انه ذو نفس سائلة.
قلت: و هو المتعارف بين من يصطاده في زماننا، و ما في كشف اللثام من أن المعروف أنه لا نفس لأكثر حيوانات الماء بل لغير التمساح و التنين غير مجد مع الاختيار التام ممن يعتاد صيده، نعم يمكن دعوى خروجه عن قاعدة توقف ذي النفس على الذبح بخبر ابن أبي يعفور الناص على أن ذكاته ذكاة السمك، لكن الخروج به عن ذلك كما ترى، بل حمله حينئذ على غير كلب الماء المتعارف في هذا الزمان أولى، كما يشهد له أيضا أن المشاهد منه الآن لا وبر له بحيث يعمل منه ثياب، و هو خلاف المستفاد من النصوص و غيرها من وصفه بذلك، فما وقع من المحدث البحراني من حصول تذكيته بذلك و إن كان ذا نفس للخبر المزبور في غاية الضعف، كما أن ما وقع منه من حل أكل غير ذي الناب منه للخبر المزبور، و
خبر عمران بن أعين(2)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إن أصحابنا يصطادون الخز أ فنأكل من لحمه؟ قال: فقال: إن كان له ناب فلا تأكله، ثم سكت ساعة فلما هممت بالقيام قال: أما أنت فإني أكره لك، فلا تأكله»
و خبر ابن أبي يعفور المتقدم المخصصة لقاعدة حرمة حيوان البحر إلا السمك،
ج8،
و حرمة السمك إلا ما له فلس كذلك أيضا في غاية الضعف، خصوصا مع احتمال الأخير إرادة مساواته في التذكية للحيتان لا للأكل، و إمكان تحصيل الإجماع على عدم حل أكله، و ظهور خبر حمران السابق في انه سبع المعلوم حرمة أكله، و حمله على ذي الناب خاصة يحتاج إلى شاهد معتد به.
و كيف كان فينبغي أن يعلم أن الظن هنا كاف، لأنه من الظن بمفهوم الموضوع لا مصداقه، و لا ريب في حصوله فيما في يد التجار، بل يمكن دعوى حصوله بجميع ما ذكر من كلب الماء و القندس و غيرهما، لا أنه كلب الماء خاصة أو غيره، و لعل هذا هو الجامع بين الجميع، بل كان سبب الاختلاف تخييل كون بعض الأفراد تمام المصداق، فيضبطه بأوصاف لا تنطبق على المصداق الآخر، و لم يتنبهوا إلى كون مفهوم اسم الخز للأعم من ذلك، فتأمل جيدا.
ثم ما كان منه تذكيته، بغير الذبح فهل هي مجرد موته و لو في البحر بمعنى أن الشارع جعل نفس موته كيفما كان تذكيته، فلا ميتة له حينئذ، أو أنها كتذكية السمك من الإخراج حيا؟ قولان كما عن المقاصد العلية، بل فيها أن أجودهما الاشتراط، و لعله للاقتصار على المتيقن، و لا مكان استفادته من التشبيه في خبر ابن أبي يعفور السابق، و غير ذلك، هذا.
و ظاهر تقييد المصنف و غيره بالخالص عدم جوازه بالمغشوش بغيره مما لا تجوز الصلاة فيه مطلقا، لكن قال و في المغشوش منه بوبر الأرانب و الثعالب روايتان(1)أصحهما المنع فيعلم إرادة ما قابل الغش المخصوص منه، و كأنه لتعرض النصوص(2)بالخصوص له، بل يمكن دعوى ظهور الخلوص فيها في ذلك، خصوصا و قد كان المتعارف
ج8،
غشه فيهما، و كيف كان فرواية المنع
مرفوعة أحمد بن محمد(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الخز الخالص أنه لا بأس به، فأما الذي يخلط فيه و بر الأرانب و غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه»
و بمعناها مرفوعة أيوب بن نوح(2)اليه (ع) أيضا، و رواية الجواز
خبر داود الصرمي(3)لكن تارة قال: «سأل رجل أبا الحسن الثالث (عليه السلام)»
و أخرى عن
بشرين بشار(4)قال: «سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب فكتب يجوز ذلك»
إلا أنها- مع اتحادها، و اختصاصها بوبر الأرانب، و اضطرابها بما عرفت، و ضعفها و لا جابر، و احتمالها الصلاة عليه، و احتمال «تجوز» كونه من التجويز أي يجوزه العامة، و موافقتها للتقية، و مخالفتها لعمومات الإمامية، بل في الخلاف الإجماع على اشتراط الخلوص عن وبر الأرانب، و في الغنية و الثعالب كالمحكي في المفتاح من الإجماع أيضا على ذلك عن التذكرة و نهاية الأحكام و كشف الالتباس و جامع المقاصد و ظاهر المنتهى و إن كنت لم أتحققه فيما حضرني من نسخ بعضها كالتذكرة و جامع المقاصد، و ظني أنه اشتباه في الفهم، فلاحظ و تأمل، بل عن المعتبر و المنتهى أن أكثر أصحابنا، و إن كنا لم نعرف من ادعى الإجماع فيهما غير الشيخ في الأرانب و ابن زهرة فيهما، كما عرفت ادعوا الإجماع على العمل بمضمون مرفوعي أحمد بن محمد و أيوب بن نوح- لا تصلح معارضة، خصوصا مع تبين ذلك كله منا، فلم نعثر على مفت بها إلا الصدوق (رحمه الله)، فإنه بعد أن رواها قال هذه رخصة، الآخذ بها مأجور، و الراد لها مأثوم، و الأصل ما ذكره أبي في رسالته إلى «و صل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب» و خلاف مثله غير قادح، مع احتمال
ج8،
الرخصة للضرورة لا مطلقا.
نعم لا بأس به لو مزج بالإبريسم و غيره مما تحل الصلاة فيه و لو ممزوجا، لوجود المقتضي و عدم المانع، و احتمال اشتراط الخلوص من غيره مطلقا لصدر الخبر السابق الذي بين فيه إرادة الخلوص منهما في غاية الضعف، أما لو مزج بما يمنع من الصلاة فيه كصوف ما لا يؤكل لحمه غير الثعالب و الأرانب فالمتجه المنع، لصدق الصلاة في شيء مما لا يؤكل لحمه قطعا، كما هو واضح بعد الإحاطة بما ذكرناه، بل لعل المراد من الثعالب و الأرانب في المرفوعين المثال لغيرهما مما لا يؤكل، و خصا لتعارف الغش بهما، بل هما بمعونة قوله (عليه السلام) فيهما: «أو غير ذلك مما يشبه هذا» كالصريحين في ذلك، لكن في المحكي عن التحرير بعد القطع بالمنع منهما قال: «و الأقرب المنع من الخز المغشوش بصوف ما لا يؤكل لحمه و شعره» و لفظ الأقرب فيه مشعر بالفرق بينهما، بل عن المنتهى بعد ذلك أيضا «و في الممتزج بصوف ما لا يؤكل لحمه أو شعره تردد، و الأحوط فيه المنع، لأن الرخصة وردت في الخالص، و لأن العموم الوارد في المنع من الصلاة في شعر ما لا يؤكل لحمه و صوفه يتناول المغشوش بالخز» و هو كما ترى، اللهم إلا أن يكون فرقه بالنظر إلى فتاوى الأصحاب، لاقتصار أكثرهم عليهما، و ادعاء الإجماع عليهما، و الله أعلم.
المسألة الثالثة تجوز الصلاة في فرو السنجاب، فإنه لا يؤكل اللحم، و قيل:
لا يجوز، و الأول أظهر وفاقا للشيخ و الفاضل و الشهيدين و المقداد و المحقق الثاني و الفاضل الميسي و غيرهم، بل عن الأنوار القمرية نسبته إلى الأكثر خصوصا بين المتأخرين، و في جامع المقاصد إلى جمع من كبراء الأصحاب، و عن الذخيرة إلى المشهور بين المتأخرين، و في الرياض و هو كذلك، بل لعله عليه عامتهم عدا الفاضل في التحرير
ج8،
و القواعد و فخر الدين في شرحه و الصيمري، فظاهرهم التردد، لاقتصارهم على نقل القولين من غير ترجيح و إن كان ستعرف ما فيه، و في كشف الرموز عن القطب أنه الأظهر بين الطائفة، بل عن المبسوط نفي الخلاف فيه و الحواصل، و في المنظومة إرسال الإجماع عليه، و عن الأمالي أن من دين الإمامية الرخصة فيه و الفنك و السمور، و الأولى الترك، و احتمال أن مراده ورود الرخصة و إن لم يكن معمولا بها- بقرينة أن والده الذي هو من رؤساء الإمامية من جملة المانعين، و عدم معلومية قائل بجوازه في الفنك و السمور، بل ظاهرهم الاتفاق على العدم- خلاف الظاهر، على أن المحكي من رسالة والده اليه مشتمل على ذكر الرخصة، قال: «لا بأس بالصلاة في شعر و وبر ما أكل لحمه، و إن كان عليك غيره من سنجاب أو سمور أو فنك و أردت أن تصلي فانزعه و قد روي فيه رخص».
و كيف كان فالمتبع الدليل، و لا ريب في اقتضائه الجواز، إذ
روى علي بن راشد(1)في الصحيح «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفراء أي شيء يصلى فيه؟ فقال: أي الفراء؟ قلت: الفنك و السنجاب و السمور، فقال: فصل في الفنك و السنجاب، فأما السمور فلا تصل فيه، قلت: في الثعالب نصلي فيها قال: لا، و لكن تلبس بعد الصلاة»
إلى آخره. و
الحلبي(2)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الفراء و السمور و السنجاب و الثعالب و أشباهه فقال: لا بأس بالصلاة فيه»
و
بشر بن بشار(3)«سألته عن الصلاة في الفنك و الفراء و السنجاب و السمور و الحواصل
ج8،
التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أصلي فيه لغير تقية، قال: فقال: صل في السنجاب و الحواصل الخوارزمية، و لا تصل في الثعالب و السمور»
و
يحيى بن أبي عمران(1)انه قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب و الفنك و الخز و قلت: جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب بخطه إلى صل فيه»
و
الوليد بن أبان(2)«قلت للرضا (عليه السلام): أصلي في الفنك و السنجاب قال: نعم»
إلى غير ذلك.
و احتمال حمل الجميع على التقية- بقرينة اشتمالها على ما علم كون الاذن في الصلاة فيه لذلك حتى عند الخصم- يدفعه أولا اشتمالها على ما ينافي التقية، لجواز الصلاة في جميع ما لا يؤكل لحمه، اللهم إلا أن يكتفى في التقية بمجرد وقوع الخلاف بين الشيعة كي لا يعرفوا فيؤخذوا، و فيه بحث، أو بالموافقة لبعض رواياتهم و ان كان عملهم على خلافه، و ثانيا أن العلم بكون الجواز في غير ما نحن فيه للتقية لا يقضي به فيه، إذ هو في الحقيقة إبطال الدليل بمجرد الاحتمال، على أن من المعلوم عدم الالتجاء إلى التقية التي لا تخفى على الخواص الذين كان من المعروف عندهم الإعطاء من جراب النورة إلا عند الضرورة، فحينئذ لا يقدح في الحجية وحدة الجواب عنها بعد اشتراك الجميع في الجواز، و إن كان بعضها للتقية و الضرورة، و آخر مطلقا، و كان اختصاص بعضها بذلك لتفاوتها في مصلحة الامتناع، كما يومي اليه
خبر محمد بن علي بن عيسى(3)المروي عن مستطرفات السرائر قال: «كتبت إلى الشيخ يعني الهادي (عليه السلام) أسأله عن الصلاة في الوبر أي أصنافه أصلح؟ فأجاب لا أحب الصلاة في شيء منه، قال: فرددت الجواب انا مع قوم في تقية، و بلادنا لا يمكن أحد أن يسافر منها بلاد وبر، و لا
ج8،
يأمن على نفسه إن هو نزع وبره، و ليس يمكن الناس ما يمكن الأئمة (عليهم السلام) فما الذي ترى أن نعمل به في هذا الباب، قال: فرجع الجواب إلى تلبس الفنك و السمور»
و ثالثا أن في النصوص ما فقد المانع المزبور، بل الشاهد على ما قلناه من إرادة التقية و الاضطرار في غير السنجاب، ك
خبر مقاتل بن مقاتل(1)قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في السمور و السنجاب و الثعلب فقال: لا خير في ذا كله ما خلا السنجاب، فإنه دابة لا تأكل اللحم»
و ذيل
خبر علي بن أبي حمزة(2)
« قلت: و ما لا يؤكل لحمه».
عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قلت: و ما يؤكل لحمه من غير الغنم قال: لا بأس بالسنجاب، فإنه دابة لا تأكل اللحم، و ليس هو فيما نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، إذ نهى عن كل ذي ناب و مخلب».و الضعف في السند منجبر بما عرفت، و المناقشة فيه أيضا- باقتضاء الثاني كونه من مأكول اللحم، و هو مجمع على خلافه، و اقتضاء التعليل فيهما أن كل ما لا يأكل اللحم تجوز الصلاة فيه و إن كان غير مأكول اللحم- يدفعها عدم قدح ذلك في الحجية فيما نحن فيه، مع أن الموجود فيما حضرني من الوسائل التي عليها آثار الصحة «و ما لا يؤكل» إلى آخره. بل و في وسائل أخرى، لكن فيها أن ذلك نسخة، و كان المراد بالتعليل دفع ما اشتهر من عدم الصلاة في السباع، نحو
خبر قاسم الخياط(3)قال: «سمعت موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول ما أكل الورق و الشجر فلا بأس بأن يصلى فيه، و ما أكل الميتة فلا تصل فيه»
كل ذلك مع السلامة عن المعارض عدا عمومات تقبل التخصيص بذلك، سيما بعد الاعتضاد بما عرفت.
ج8،
و ما في المدارك- من أن رواية ابن بكير(1)و إن كانت عامة إلا أن ابتناءها على السبب الخاص و هو السنجاب و ما ذكر معه يجعلها كالنص في المسؤول عنه، و حينئذ يتحقق التعارض، و يصار إلى الترجيح- يدفعه أن مثله لا يقدح في التخصيص في المتصل قطعا، فكذا المنفصل، خصوصا مع اندراج بعض أفراد السؤال في عموم الجواب، و لعله نصب للسائل قرينة حالية على إخراج السنجاب، و ليس المقام مقام حاجة، و لذا لم يستثن فيها الخز المعلوم استثناؤه، كما أن ما يقال من عدم مقاومة لهذا الخاص على تلك العمومات المزبورة المخالفة، للعامة، لمعارضة الشهرة المتأخرة بالشهرة المتقدمة، إذ هو منقول عن علي بن بابويه في الرسالة و ولده في الفقيه و الهداية و المقنعة و جمع العلم و الجمل و العقود و المصباح و مختصره و الكاتب و التقي و الديلمي و الخلاف و النهاية في الأطعمة و السرائر و كشف الرموز و التذكرة و المختلف و نهاية الأحكام و المهذب البارع و الموجز الحاوي، بل نسبه غير واحد إلى ظاهر الأكثر، بل عن روض الجنان أنه مذهب الأكثر، و في السرائر «لا تجوز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه بغير خلاف من غير استثناء- إلى أن قال-: فعلى هذا لا تجوز الصلاة في السمور و السنجاب» إلى آخره. و هو كالصريح في اندراجه في معقد نفي خلافه، و في الخلاف و الغنية الإجماع على المنع في كل ما لا يؤكل لحمه، لكن قال في الخلاف: «وردت رخصة في الفنك و السنجاب، و الأحوط ما قلناه من المنع» و ربما استفيد من ذلك ظهوره أو صراحته في إرادة دخول السنجاب في معقد إجماعه، على أن نفي الخلاف في المبسوط يوهنه تحقق الخلاف أولا و بالإجماع أو الشهرة العظيمة على خلافه في الحواصل، مضافا إلى ما في
الفقه الرضوي(2)«و لا تجوز الصلاة في فرو سنجاب و لا سمور»
و إلى ما
ج8،
سمعته سابقا من المناقشة في إجماع الأمالي و غيره، إذ هي لو سلمنا دفعها أو دفع بعضها فلا ريب في أنها تورث و هنا في تلك الأدلة.
و لعله لهذا اضطراب الأمر على بعض الأصحاب فلم يرجح أحد القولين بل اقتصر على نقلهما، كالمحكي عن الإيضاح و غاية المرام و كشف الالتباس و تلخيص التلخيص بل و التحرير و التلخيص على ما حكي، فلا أقل من ذلك كله الشك في خروج هذا الخاص عن تلك العمومات التي هي كالصريحة فيه المعتضدة بالاحتياط الذي إن لم نقل بوجوب مراعاته في الفراغ من الشغل اليقيني فلا ريب في رجحانه.
و قد يذب عنه بمنع تحقق الشهرة و إن حكيت، لأن التتبع يشهد بأن جماعة ممن نسب اليه ذلك لا تصريح له فيه، نعم أطلق المنع مما لا يؤكل لحمه، و من هنا حكاه في كشف اللثام عن ظاهر الجمل و الاقتصاد و المصباح و مختصره و السيد و أبي علي و الحلبيين و المفيد، بل من لاحظ الخلاف علم أنه مائل إلى الجواز لا العدم، لأنه بعد الحكم بالمنع فيما لا يؤكل قال: و رويت رخصة في جواز الصلاة في الفنك و السمور و السنجاب، و الأحوط ما قلناه، لا أقل من أن يكون غير معلوم الحال، و لذا اقتصر في الكشف على ذكر انه احتاط فيه، و من الغريب دعوى تناول إجماعه لذلك، و الصدوق (رحمه الله) قد صرح بالجواز فلا يلتفت إلى إطلاق بعض كلماته، بل جماعة ممن نسب اليه المنع قد صرح بورود الرخصة فيه، منهم الديلمي و يحيى بن سعيد و علي بن بابويه، فبناء على عمله بها و إرادته ذلك على الإطلاق لا في حال الضرورة يكون ممن قال بالجواز، و ليس في التذكرة و كشف الرموز إلا أنه أحوط.
و بالجملة من تتبع كلمات الأصحاب مع التأمل علم الفرق بين الشهرتين، و علم ما في دعوى كونه من معقد إجماع الغنية و الخلاف، بل و نفي الخلاف في السرائر مع أنه لو كان مرادا أمكن له دعوى كونه مما تبين الخطأ فيه، و الرضوي ليس حجة عندنا، مع
ج8،
أنه مصرح بالرخصة أيضا، فلا شك حينئذ في خروجه عن العمومات المزبورة، لا أقل من الشك في تناولها له، فتبقى الصحة حينئذ على مقتضى الإطلاقات، لأصالة عدم مانعية المشكوك فيه عندنا، فالجواز حينئذ لا ريب في أنه أقوى، بل قد يتوقف في الكراهة فيه فضلا عن المنع و إن حكي عن ابن حمزة القول بها و مال إليها في الرياض، لكن لا دليل، إذ إرادة القدر المشترك من العمومات لا قرينة عليه، بل هي على خلافه، نعم الأولى و الأحوط الترك خروجا عن شبهة الخلاف نصا و فتوى.
ثم من المعلوم انه على تقدير الجواز الظاهر عدم الفرق بين الجلد نفسه و الوبر، لأنه مقتضى الأدلة السابقة و لو بضميمة
قوله (عليه السلام)(1)في الخز: «إذا حل وبره حل جلده»
و من هنا نص المصنف على الفرو، بل لعله ظاهر الجميع لإطلاق السنجاب، و جمع المبسوط و غيره له مع الحواصل، و غير ذلك، و أما المانعون ففي كشف اللثام أن ما عدا السرائر و النهاية يعم الجلد و الوبر، قلت: و هو المتجه، لأنه مقتضى العمومات، و كذا من المعلوم اعتبار التذكية فيه، لأنه من ذي النفس، فمع عدمها يندرج فيما دل على المنع من الميتة، مضافا إلى ما في بعض النصوص(2)السابقة الذي ينبغي تنزيل إطلاق الآخر عليه، لكن يد المسلم تكفي في الحكم بتذكيته كغيرها من الامارات السابقة، فلا عبرة بما اشتهر بين التجار و المسافرين من أنه غير مذكى ما لم يحصل منه علم بذلك، فيحرم حينئذ كما هو واضح، فظهر حينئذ من ذلك كله أن المستثنى عندنا من الكلية المزبورة الخز و السنجاب وبرا و جلدا.
و أما الصلاة في الثعالب و الأرانب ففيها روايتان(3)أصحهما
ج8،
و أشبههما و أشهرهما المنع بل لم يعمل برواية الجواز أحد كما اعترف به في التنقيح، بل و المحكي عن المهذب، بل في كشف الرموز الإجماع عليه، بل حكاه أيضا عن علم الهدى و الشيخ، و لعله لذا قال في الدروس و البيان: إن رواية الجواز مهجورة، مضافا إلى ما سمعته سابقا في الخز المغشوش بوبرهما، و عن مجمع البرهان أنه ورد في المنع أربعة عشر حديثا، قلت: بل يمكن دعوى تواتر رواية المنع(1)في الثعالب، و فيها الصحيح الصريح و غيره، فمن العجيب بعد ذلك كله ما في المدارك حيث أنه ذكر منها صحيح ابن مهزيار(2)الوارد في التكك و الجوارب من وبر الأرانب المتقدم سابقا، و
صحيح ابن مسلم(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جلود الثعالب فقال: ما أحب أن أصلي فيها»
ثم قال: و بإزاء هاتين الروايتين أخبار كثيرة دالة على الجواز، ك صحيحة الحلبي(4)و صحيحة علي بن يقطين(5)و صحيحة جميل(6)ثم حكى عن المعتبر أنه قال:
و اعلم أن المشهور في فتوى الأصحاب المنع مما عدا السنجاب و وبر الخز، و العمل به احتياط في الدين، و قال بعد أن أورد روايتي الحلبي و علي بن يقطين: و طريق هذين الخبرين أقوى من ذلك الطريق، و لو عمل بها عامل جاز، و على الأول عمل الظاهرين من الأصحاب منضما إلى الاحتياط للعبادة، ثم قال: قلت: و من هنا يظهر أن قول المصنف «أصحهما المنع» غير جيد، و لو قال أشهرهما المنع كما ذكر في النافع كان أولى، و المسألة قوية الإشكال من حيث صحة أخبار الجواز و استفاضتها و اشتهار القول بالمنع بين الأصحاب، بل إجماعهم عليه بحسب الظاهر، و إن كان ما ذكره في المعتبر
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4 و 6 و 7 و غيرها.
2) 2 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
ج8،
لا يخلو من قرب.
إذ فيه ما لا يخفى، بل لو لا الوثوق بعدالته و كمال تقواه لأمكن كونه من التدليس المحرم، ضرورة استفاضة المنع في الثعالب، مع أنه لم يذكر منها إلا صحيح ابن مسلم الذي ظاهره الجواز، و ترك موثق ابن بكير(1)أو صحيحه الذي هو عنده من الصريح باعتبار بناء العام فيه على السبب الخاص، و صحيح ابن راشد(2)و علي بن مهزيار(3)و صحيح الريان بن الصلت(4)و خبر ابن أبي زيد(5)و خبر الوليد بن أبان(6)و خبر بشر بن بشار(7)و مقاتل بن مقاتل(8)و غيرهم، بل قد سمعت الاعتراف عن أستاذه بأنها تبلغ أربعة عشر خبرا، على أن ظاهره عدم الفرق بين الثعالب و الأرانب في قوة الإشكال، مع انه لم يذكر خبرا دالا على الجواز فيه بالخصوص، بل و لا
وقفنا نحن عليه بالنسبة إلى الجلود إلا ما في مكاتبة محمد بن إبراهيم(9)من الكراهة في جلد الأرانب، و هي مع عدم جمعها لشرائط الحجية يراد الحرمة من لفظ الكراهة فيها قطعا، و أما وبره ففيه صحيح محمد بن عبد الجبار(10)المتقدم
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلى- الحديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلى- الحديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 5- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
6) 6 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
7) 7 الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4 لكن عن بشير ابن بشار.
8) 8 الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
9) 9 الوسائل- الباب- 4- من أبواب لباس المصلى- الحديث 4.
10) 10 الوسائل- الباب- 14- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
ج8،
سابقا ما فيه عند البحث عن حكم ما لا تتم الصلاة فيه، بل تقدم هناك ما يعارضه من خبر إبراهيم بن عقبة(1)و غيره، كما أنه تقدم في الخز خبر الغش بوبر الأرانب(2)و ما فيه.
كل ذا مع أن صحيح علي بن يقطين الذي ذكره في اللباس لا الصلاة حتى يعارض ما دل على المنع منها فيه، و لو أريد ذلك منه فلا ريب في حمله على التقية، لما فيه من نفي البأس عن جميع الجلود الذي علم من ضرورة مذهب الشيعة خلافه، مع أن علي بن يقطين كان من الوزراء الذين لا بد لهم من التقية، بل ظاهر صحيح الحلبي أيضا ذلك باعتبار اشتماله على قول السائل: «و أشباهه» كجميع الجلود في السابق، على أن في صحته إشكالا، و هو محتمل لإرادة نفي البأس عن الصلاة في الأول، لأنه أفرد الضمير فيه، لا أقل من أن يكون قصد الاجمال بذلك من جهة التقية، ضرورة حصوله بتعدد المرجع و لا قرينة، و إلا لقال: لا بأس بالصلاة فيها، و أما صحيحة جميل فقد يتوقف في صحتها، لأن الشيخ على ما قيل رواها بسند آخر عن جميل عن الحسين بن شهاب عن الصادق (عليه السلام)، و الظاهر أن الروايتين واحدة، و إلا كان اللازم عليه أن يذكر لهذا الراوي روايته عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، و لراوي الأولى رواية بالواسطة كما هو الظاهر من حالهم، و لو قلنا بعدم ظهور الاتحاد فظهور التعدد محل نظر، و كيف كان فثبوت العدالة بالنسبة إلى الجميع لا يخلو من شك، و لو سلم فهي لا تعارض ما عرفت من وجوه، بل يمكن كون اشتراط نفي البأس فيها بالتذكية كناية عن عدم الجواز، لاستحالة تحقق الشرط بناء على اعتبار المأكولية فيها، كما نص عليه الصادق
ج8،
(عليه السلام) في خبر علي بن أبي حمزة(1)على ما سمعته سابقا من الفاضلين، و منه يعلم الوجه حينئذ في جملة من النصوص في غير المقام أيضا، فلا بد من طرحها أو حملها على التقية، و من الغريب ما في المعتبر من تجويز العمل بها بعد أمرهم (عليهم السلام) بطرح أمثالها و عدم الالتفات إليها، و كأنه (رحمه الله) هو الذي أوقع هؤلاء في هذه الوسوسات فيما هو عندنا الآن من الضروريات، و الحمد لله رب الأرضين و السماوات.
و قد ظهر من هذا كله أن الكلية السابقة بحالها بالنسبة إلى الثعالب و الأرانب جلدا و وبرا و غيرهما من الأجزاء، أما الفنك و السمور و الحواصل الخوارزمية ففي جملة من النصوص(2)جواز الصلاة فيها، و فيها الصحيح و غيره، بل في كشف اللثام لم أظفر بخبر معارض للجواز في خصوص الفنك، و إن كان قد يناقش فيه بأن المنع منه كصريح موثق ابن بكير الذي هو الأصل في الباب، بل ربما عد من الصريح باعتبار ابتنائه على السبب الخاص، بل لعل خبر بشر بن بشار(3)أيضا كذلك، و إن اقتصر في النهي فيه على الثعالب و السمور، إلا أنه بقرينة تقدم الاذن فيه في السنجاب و الحواصل يراد منه غيرهما(4)مما وقع في السؤال، و منه الفنك، بل لعل خبر محمد بن علي بن عيسى(5)المروي عن مستطرفات السرائر كالصريح في عدم جواز الصلاة لغير الضرورة من التقية و نحوها، بناء على إرادة المنع من نفي الحب فيه، كما في
صحيح ابن مسلم(6)
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 3 و 4- من أبواب لباس المصلي.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4 لكن رواه عن بشير بن بشار.
4) 4 في النسخة الأصلية« و غيرها» و الصحيح ما أثبتناه.
5) 5 الوسائل- الباب- 4- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 7- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
ج8،
و أنه عبر بذلك للتقية، قال فيه: «كتبت إلى الشيخ يعني الهادي (عليه السلام) أسأله عن الصلاة في الوبر أيّ أصنافه أصلح؟ فأجاب لا أحب الصلاة في شيء منه، قال:
فرددت الجواب انا مع قوم في تقية، و بلادنا بلاد لا يمكن أحدا أن يسافر منها بلاد وبر، و لا يأمن على نفسه إن هو نزع وبره، و ليس يمكن للناس ما يمكن للأئمة (عليهم السلام) فما الذي ترى أن نعمل به في هذا الباب، قال: فرجع الجواب إلى تلبس الفنك و السمور»
و كان نظر الشيخ في النهاية إلى هذا الخبر، فجوز الصلاة في وبريهما اضطرارا، و لا بأس به، بل لا يبعد ذلك في جلديهما كما هو ظاهر المحكي عن الوسيلة حيث أطلق جواز الصلاة فيهما اضطرارا، و لعله نزل أخبار الجواز على ذلك.
و منه يعلم حينئذ أولوية تقديمهما في حال الضرورة على غيرهما مع التعارض، و ربما يشم أولوية الفنك من السمور للتصريح في كثير من النصوص(1)بالمنع منه دونه، فلم نجد تصريحا بالمنع منه عدا ما عرفت، و إن كان يحتمل لكثرة استعماله في ذلك الوقت، و كيف كان فلا يجوز فيهما اختيارا وفاقا للمشهور، بل في المفاتيح الإجماع عليه، كما أن في الدروس و البيان ان رواية الجواز متروكة، و لعلهما لم يفهما العمل من قول علي بن بابويه في الرسالة المتقدم آنفا، و لا مما عن المبسوط «وردت فيهما رخصة» و الأصل المنع كالخلاف، لكن فيه و الأحوط المنع، و المراسم وردت الرخصة فيهما، بل قد سمعت ما عن الأمالي ان من دين الإمامية الرخصة فيهما بحمل الرخصة في كلامهم على الجواز بعد النهي لضرورة لا الرخصة الاختيارية، أو على إرادة الرواية و إن لم يفت بها، أو أن عملهم خاصة لا يرفع المتروكية و لا يمنع الإجماع، أو غير ذلك، لكن من الغريب نقل هذا الاتفاق في المفاتيح فيهما دون الثعالب، بل فيها أن منهم من كرهها، و التتبع يشهد بخطئه في ذلك، و على كل حال فرواية الجواز فيهما قاصرة عن
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2 و 4 و 5.
ج8،
معارف دليل المنع من وجوه، خصوصا السمور الذي روي المنع فيه بالخصوص، بل في خبر سعد بن سعد(1)عن الرضا (عليه السلام) ما يقضي بأنه من السباع التي عدم الجواز فيها قطعي أو ضروري، كما يومي اليه ما سمعته في السنجاب من تعليل الجواز فيه بأنه لا يأكل اللحم.
بل من ذلك يعلم وجه المنع في الحواصل زيادة على عموم المنع فيما لا يؤكل لحمه، لأن الظاهر انها من سباع الطير كما ذكروه في تفسيرها من أنها طيور لها حواصل عظيمة تعرف بالبجع و الكي بضم الكاف و جمل الماء، طعامها اللحم و السمك يعمل من جلودها بعد نزع الريش مع بقاء الوبر، و يتخذ منه الفراء، و قد ينسج من أوبارها الثوب، مع أن رواية الجواز هي خبر داود الصرمي عن بشير بن بشار(2)و هما معا لم ينص على توثيقهما، على أنها مضمرة، و إن قيل: إنها في مستطرفات السرائر مسندة إلى علي ابن محمد (عليهما السلام)، و فيها أيضا تصاد في بلاد الشرك أو بلاد الإسلام، مع أن الأولى ميتة، و أما
صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(3)«سألته عن اللحاف من الثعالب أو الخوارزمية أ يصلى فيها أم لا؟ قال: إن كان ذكيا فلا بأس»
ففي الوافي أن الذي وجدناه في نسخ التهذيب «أو الجرذ منه» قيل بكسر الجيم و تقديم المهملة على المعجمة من لباس النساء، و على هذا فلا شاهد فيه، لكن قال: و في الاستبصار «أو الخوارزمية» و كأنها الصحيح، فيكون المراد بها الحواصل، قلت: يحتمل العكس، و على كل حال يكون الخبر مضطربا، و حجية مثله- خصوصا في نحو المقام، و خصوصا مع اشتماله على الثعالب التي قد عرفت الحال فيها- كما ترى، و لم أعثر على غير هما مما يدل
ج8،
على الجواز، و ما عن الخرائج من
توقيع الناحية المقدسة لأحمد بن أبي روح(1)«و سألت ما يحل أن يصلى فيه من الوبر و السمور و السنجاب و الفنك و الدلق و الحواصل، فأما السمور و الثعالب فحرام عليك و على غيرك الصلاة فيه، و يحل لك جلود المأكول من اللحم إذا لم يكن فيه غيره، و إن لم يكن لك ما يصلى فيه فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه»
فهو خاص بعدم الساتر من غيرها، كالذي في كشف اللثام عن بعض الكتب(2)
عن الرضا (عليه السلام) «و قد تجوز الصلاة فيما لم تنتبه الأرض و لم يحل أكله مثل السنجاب و الفنك و السمور و الحواصل إذا كان مما لا يجوز في مثله وحده الصلاة»
خاص بما لا تتم الصلاة به، و التيمم بعدم القول بالفصل ليس أولى من العكس، فلا محيص حينئذ عن القول بعدم الجواز الموافق للإطلاقات و العمومات و معاقد الإجماعات، خصوصا و لم يعرف الخلاف في ذلك إلا من الشيخ و الإصباح و الجامع و الوسيلة، مع أن الأخير قيده بالخوارزمية موافقة لما سمعته من النص، و الأولون أطلقوا، و لم نعرف لهم دليلا بل و لا موافقا سوى ما عن المراسم من أنه وردت رخصة في الحواصل، و فيه الاحتمال السابق، فمن الغريب دعوى الشيخ في المبسوط عدم الخلاف في الجواز، و منه يعرف ما في منظومة الطباطبائي من الجواز للنص و الإجماع المنقول، فإن أراد ما في المبسوط فاعتماده عليه فضلا عن تسميته إجماعا غريب، و إن أراد غيره فلم نعثر عليه، و أما النص فهو مقيد بالخوارزمية، فكان عليه التقييد به، مع أنه من الغريب على طريقته العمل بمثله، خصوصا بعد ما في الدروس و البيان من أن رواية الجواز مهجورة، و الله أعلم.
المسألة الرابعة لا يجوز لبس الذهب للرجل إجماعا أو ضرورة، و لا الصلاة في الساتر منه بلا خلاف أجده، بل و لا فيما تتم الصلاة به منه و إن لم يقع به الستر فعلا،
ج8،
كما عن الشيخ نجيب الدين الاعتراف به، قال: «يشترط أن لا يكون لباس الرجل في الصلاة ذهبا بلا خلاف» و ما في المحكي عن الألفية و المقاصد العلية و رسالة صاحب المعالم «يشترط في الساتر أن لا يكون ذهبا» لا يراد منه الجواز في غيره، بل قد يظهر من منظومة العلامة الطباطبائي عدم الخلاف في مطلق الملبوس من الذهب و لو خاتما، و لعله كذلك، و إن كان قد تردد فيه في المحكي عن المنتهى و المعتبر، بل في الأول التردد في غير الساتر من الثوب المنسوج بالذهب و المموه به و في المنطقة، لكن قرب البطلان، لأن الصلاة فيه استعمال له، و النهي في العبادة يدل على الفساد، و مثله لا يعد خلافا، بل قد يناقش في دليله المقتضي للبطلان في كل ما حرم لبسه من الذهب و غيره بأنه لا تلازم بين الحرمة و البطلان إلا إذا أريد من اللبس الكون فيه، كما هو ظاهره أو صريحه في التذكرة، فيتجه البطلان حينئذ كالصلاة في المكان المغصوب، بناء على المعلوم من مذهب الإمامية من عدم جواز اجتماع الأمر و النهي، لكن قد يمنع، للفرق الواضح بين حرمة اللبس و بين الكون في المكان المغصوب بعدم رجوع الأول إلى النهي عن شيء من أجزاء الصلاة، فإن اللبس أمر مغاير للأجزاء بخلاف الثاني.
نعم لو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضد أمكن ذلك، لأنه مأمور بالنزع من غير فرق بين الساتر و غيره مع استلزام نزعه ما يبطل الصلاة كالفعل الكثير و زوال الطمأنينة، كما أنه يمكن البطلان فيما يحصل به الستر فعلا منه و إن لم نقل بذلك، لكونه من موارد اجتماع الأمر و النهي عندنا، لعدم الفرق بين الواجب الأصلي و المقدمي في ذلك، بناء على وجوب مقدمة الواجب شرعا، أو على أن الأمر بالستر في الصلاة قد تحقق، فلا يتحقق في المنهي عنه، و ليس هو كقطع المسافة للحج الذي علم إرادة التوصل منه صرفا بحيث لا يقدح اجتماعه مع المحرم، مع أن المتجه بناء على وجوب المقدمة شرعا التزام انه حرام سقط به الواجب لا أنه مما اجتمعا فيه.
ج8،
و المناقشة بأنه يلتزم بنحوه في المقام أيضا يدفعها إمكان الفرق بينهما أولا بظهور أدلة الشرطية هنا فيما لا يشمل مثل هذا الستر، فالبطلان حينئذ لعدم تحقق الشرط بخلاف مثال القطع الذي لا مدخلية له في الصحة، و ثانيا بأنه لما أمر بالستر للصلاة كان الشرط الستر المأمور به، و لا ريب في عدم حصوله في الفرض، ضرورة كون الحاصل منه في الخارج فردا للبس المحرم، فلا يتحقق كونه المأمور به، لعدم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد شخصي من غير فرق بين العبادة و غيرها، فلم يحصل الشرط للصلاة، فتبطل كما تسمعه إن شاء الله في الاستتار بالمغصوب، و لعل ما ذكرناه أولا يرجع إلى هذا، و من ذلك كله يظهر لك ما في كشف اللثام، فان الجمع بين أطراف كلامه محتاج إلى تأمل، بل لعل كلامه في المغصوب كالصريح فيما ينافي أول كلامه هنا، فلاحظ و تأمل.
كما أنه ظهر لك وجه البطلان لو كان هو الساتر من غير جهة اتحاد الكون، إلا أنه على كل حال لا ريب في أولوية الاستناد هنا إلى النصوص الدالة على الحكم في جميع أفراد الدعوى، ف
في موثق عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه، لأنه من لباس أهل الجنة»
و في
خبر موسى بن أكيل(2)عنه (عليه السلام) أيضا «جعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء فحرم على الرجال لبسه و الصلاة فيه»
و في
خبر جابر الجعفي(3)المروي عن الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام) «يجوز للمرأة لبس الديباج- إلى أن قال-: و يجوز أن تتختم بالذهب و تصلي فيه، و حرم ذلك على الرجال»
و المناقشة في السند أو الدلالة أو فيهما مدفوعة بالانجبار بالشهرة العظيمة أو الإجماع كما عرفت.
ج8،
نعم قد يتوقف في المذهب تمويها أو غيره باعتبار انسياق لباس خصوص الذهب من الأدلة، لا أقل من أن يكون مشكوكا فيه منها، فينبغي الاقتصار على المتيقن فيما خالف الأصل، خصوصا و لا جابر للنصوص هنا، لاختلاف الأصحاب فيه، ففي الغنية «تكره الصلاة في المذهب و الملحم بالذهب بدليل الإجماع المشار اليه» و في الإشارة «و كما يستحب صلاة المصلي في ثياب البيض القطن و الكتان كذلك تكره في المصبوغ منها، و تتأكد في السود و الحمر، و في الملحم بذهب أو حرير» و في المحكي عن الوسيلة «و
المموه من الخاتم و المجرى فيه الذهب و المصوغ من النقدين على وجه لا يتميز و المدروس من الطراز مع بقاء أثره حل للرجال» و عن الحلبي «و تكره الصلاة في الثوب المصبوغ، و أشده كراهية الأسود، ثم الأحمر المشبع و المذهب و الموشح و الملحم بالحرير و الذهب» و اختاره العلامة الطباطبائي في المنظومة، بل لعله ظاهر من اقتصر على اشتراط أن لا يكون من ذهب.
خلافا للفاضل و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم على ما حكي عن البعض فالبطلان مطلقا، و لعله لإطلاق النصوص السابقة، خصوصا في المنسوخ الذي هو جزء لباس، بل قد يدعى أن المراد من النهي في النصوص أمثال ذلك، لعدم تعارف لباس ساتر مثلا منه خالص، فالمراد حينئذ ما تعارف اتخاذه منه من حلي أو نسج أو تمويه أو نحو ذلك، لكن قد يناقش بأنه مجاز في لفظ «في» لا قرينة عليه و لو تعذر الحقيقة كما سمعته فيما لا يؤكل لحمه، اللهم إلا أن يدعى أن ذلك كله من مصداق «في» حقيقة، أو أن القرينة تعارف لباس الذهب على النحو المزبور، و من هنا جزم الأستاذ في كشفه بالبطلان، فقال: «الشرط الثالث أن لا يكون هو أو جزؤه و لو جزئيا أو طليه مما يعد لباسا أو فيما يعد لباسا أو لبسا و لو مجازا بالنسبة إلى الذهب، من الذهب، إذ لبسه ليس
ج8،
على نحو لبس الثياب، إذ لا يعرف ثوب مصوغ منه، فلبسه إما بالمزج أو التذهب أو التحلي أو التزيين بخاتم و نحوه» و إن كان لا يخلو من مناقشة في الجملة، لكن لا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى.
نعم ينبغي الجزم بعدم البأس في المحمول منه سواء في ذلك المسكوك و غيره، و المتخذ للنفقة و غيره، لعدم تناول الأدلة السابقة له حتى خبر النميري(1)فيبقى على الأصل، بل قد يؤيده إطلاق الأمر للحاج بشد هميان نفقته على بطنه مع غلبة كونها دنانير، و ما تسمعه من جواز ضب الأسنان به، و السيرة المستمرة، و ظهور تلك النصوص في أن المبطل للصلاة ما يحرم لبسه منه، ضرورة انسياق وحدة الموضوع في اللبس و الصلاة منها، و لذا قيل: إن لبسه في الصلاة يجمع ثلاثة آثام لحرمة لبسه في نفسه و للصلاة ذاتا و تشريعا، و إن كان لا يخلو من نظر، و على كل حال فمن هذا الأخير يستفاد حينئذ عدم البطلان فيما جاز منه و إن سمي لبسا عرفا، كالسيوف المحلاة به و الخناجر و غيرها من أنواع السلاح و نحوه مما دلت النصوص على نفي البأس عنه، ك
خبر داود(2)عن الصادق (عليه السلام) «ليس بتحلية المصاحف و السيوف بالذهب و الفضة بأس»
و
عبد الله بن سنان(3)«ليس بتحلية السيف بأس بالذهب و الفضة»
و به جزم الأستاذ في كشفه، بل لم أعرف من تردد في المحمول منه عدا الأستاذ الأكبر في أول كلامه لخبر النميري، و احتمال صدق «في» على نحو ما ادعى في غير المأكول، مع أن ظاهره العدم أيضا بعد ذلك، و هو الوجه، بل ينبغي الجزم بعدم البأس في شد الأسنان
ج8،
به، إما لعدم اندراجه في النصوص السابقة، أو لما في
صحيح ابن مسلم(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) «ان أسنانه استرخت فشدها بالذهب»
و في
خبر عبد الله بن سنان(2)المروي عن مكارم الأخلاق للطبرسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل ينفصم سنه أ يصلح له أن يشدها بالذهب؟ و إن سقطت أ يصلح أن يجعل مكانها سن شاة؟ قال: نعم إن شاء ليشدها بعد أن تكون ذكية»
و كان اعتبار التذكية فيه ك خبري الحلبي(3)عنه (عليه السلام) لما يستصحبها من اللحم، و احتمال أن الجواب فيه للثاني دون الأول بعيد، و لعله لذا جزم به الأستاذ في كشفه، بل زاد على ذلك، فقال: «و الضب للأسنان أو بعض الأعضاء و الوجود في البواطن لا بأس به» و الله أعلم.
و كذا لا يجوز لبس الحرير المحض للرجال إجماعا من المسلمين و لا الصلاة فيه عندنا إذا كان مما تتم به الصلاة، سواء كان ساترا أم لا كما في الذكرى و كشف اللثام، بل هو مقتضى إطلاق معقد الإجماع في الخلاف و التذكرة، و المحكي عن كشف الالتباس و المنتهى على البطلان به، بل عن الأخير في أثناء عبارته التصريح به ناسبا له إلى علمائنا، و لعله كذلك، لما عرفته في الذهب و إن كان لا ينطبق على تمام المدعى إلا على وجه سمعت البحث فيه، و للنصوص المستفيضة المعتبرة و لو بضميمة ما سمعت، ففي
مكاتبة ابن عبد الجبار(4)إلى أبي محمد (عليه السلام) «عن الصلاة في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض»
و نحوها مكاتبته
ج8،
الأخرى(1)المتقدمة سابقا، و
سأل أبو الحارث(2)الرضا (عليه السلام) «هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال: لا»
و نحوه خبر إسماعيل بن سعد الأحوص(3)إلى غير ذلك من النصوص الدالة على المطلوب منطوقا أو مفهوما.
فما في
خبر ابن بزيع(4)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب ديباج فقال: ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس»
يجب طرحه أو حمله على التقية، لأن المشهور عندهم صحتها و إن حرم اللبس، أو على إرادة الممتزج بالحرير من الديباج فيه، كما يومي اليه مقابلته بالحرير المحض في الخبر السابق و غيره، و عن المغرب الديباج الثوب الذي سداه أو لحمته إبريسم، و عندهم اسم للمنقش، و الجمع:
ديابيج، و عن النخعي انه كان له طيلسان مدبج أي أطرافه مزينة بالديباج، أو على غير ذلك مما لا ينافي ما ذكرناه.
فعدم الجواز حينئذ في الصلاة و غيرها لا ريب فيه إلا في حال الحرب و عند الضرورة كالبرد المانع من نزعه فيجوز لبسه حينئذ بلا خلاف أجده، بل في الذكرى و ظاهر المدارك و صريح المحكي عن المعتبر و كشف الالتباس الإجماع عليه، كصريح جامع المقاصد في الأول، و ظاهره و المحكي عن المنتهى و صريح التذكرة في الثاني، و
قال الصادق (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن الفضل(5): «لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلا في الحرب»
و
مرسل ابن بكير(6)«لا يبلس الرجل الحرير و الديباج إلا في الحرب»
و ل
سماعة بن مهران(7)لما سأله عن لباس الحرير و الديباج
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
3) 3 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 10.
5) 5 الوسائل- الباب- 12- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 12- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 12- من أبواب لباس المصلى- الحديث 3.
ج8،
«أما في الحرب فلا بأس و إن كان فيه تماثيل»
إلى غير ذلك مما ورد في الحرب.
أما الضرورة فمع معلومية إباحة المحظورات عند الضرورات يدل عليها عموم(1)
قولهم (عليهم السلام): «و ليس شيء مما حرم الله إلا و قد أحله لمن اضطر اليه»
و
«كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر»(2)
و
«رفع عن أمتي ما لا يطيقون»(3)
و نحو ذلك مما دل على دفع الضرر من العقل و النقل، و تقدمه على غيره من الواجبات، و لا إشكال حينئذ في صحة الصلاة معها، لعدم سقوطها بحال، و البحث في وجوب التأخير مع العلم بالزوال أو رجائه و عدمه ما سمعته مكررا في غيره من ذوي الأعذار، فلا وجه لإعادته، كما أنه لا وجه للبحث عن الضرورة، إذ هي كغيرها من الضرورات التي يسقط بها التكليف في الواجبات و المحرمات، و ربما كان دفع القمل و الحكة و نحوهما منها إذا كانا بحيث لا يتحملان عادة، و لعله لذا رخص النبي (صلى الله عليه و آله)(4)عبد الرحمن بن عوف و الزبير في لبسه لما شكيا من القمل.
و من الغريب ما عن المعتبر من أن الأقوى عدم التعدية إلى غيرهما و إن وجه بأنه مبني على ما ذهب إليه في أصوله من عدم حجية منصوص العلة إلا أن يكون هناك شاهد حال دال بالقطع على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة حتى يصير برهانا. إذ فيه أن الدليل ما عرفته لا العلة المزبورة، نعم لو أراد عدم التعدية من حيث القمل و إن لم يبلغ حد الضرورة اتجه ذلك، لعدم العلم بكيفية ثبوت ذي العلة، بل لم أعثر على الخبر المزبور مسندا من طرقنا و إن اشتهر نقله في كتب أصحابنا، قال في الفقيه: لم يطلق
ج8،
النبي (صلى الله عليه و آله) لبس الحرير لأحد من الرجال إلا لعبد الرحمن بن عوف، و ذلك انه كان رجلا قملا، و لا ريب في إرادة وصوله إلى حد الضرورة المبيحة، و إلا ثبت جوازه لغير الأمرين المذكورين المنافي لظاهر النصوص و الفتاوى، بل ربما أدرج أولهما في ثانيهما، و إن كان هو خلاف ظاهر العطف في كلام الأكثر، بل و خلاف إطلاق النصوص، نعم ينبغي الفرق بين ضرورة القمل و نحوه و ضرورة البرد مثلا بجواز الصلاة فيه في الثانية دون الأولى، لعدم خوف ضرر القمل بلبس غيره حال الصلاة خاصة، بخلاف البرد المفروض التضرر بنزعه معه و لو حال الصلاة خاصة، أما لو فرض العكس انعكس الحكم، و بالجملة فالمدار على الضرورة حال الصلاة، و احتمال الاكتفاء في رفع مانعيته للصلاة بجواز لبسه للضرورة لا للتلازم بين البطلان و حرمة اللبس، و الجواز و الصحة، ضرورة تعقل الانفكاك، بل لدعوى ظهور النصوص و الفتاوى في اتحاد موضوع الحرمة و البطلان و الصحة و الجواز واضح المنع، بل يمكن القول بوجوب ساتر آخر و لو فوقه في صورة جوازه للضرورة، إذ هي ترفع مانعيته لا تثبت(1)صلاحيته، لتحقق الساتر المأمور به الذي علم من الأدلة كونه غير حرير، لعدم اقتضاء دليلها ذلك، و نحوه يأتي في الحرب أيضا، و دعوى التلازم بين رفع المانعية هنا و بين تحقق الشرطية التي هي مطلق التستر يمكن منعها، لظهور
قوله (عليه السلام) في التوقيع(2): «لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان»
و غيره في خلافه بعد حمل ذلك فيه على المثال لكل ما تجوز الصلاة فيه، و لو سلم في المقام أمكن منعه في غيره من محال الضرورة كالمأكولية و نحوها، فتأمل جيدا فإن المسألة عامة نافعة.
و ليس من الضرورة عدم الساتر غيره بلا خلاف أجده فيه، بل في الذكرى و غيرها
ج8،
ما قد يشعر بالإجماع عليه، فيصلي حينئذ عاريا و إن فاته من الأركان ما لم يفته لو صلى فيه، لإطلاق النهي، فوجوده كعدمه حينئذ، فيشمله حينئذ ما دل(1)على كيفية صلاة فاقد الساتر، و دعوى أن ما دل(2)على وجوب الركوع و نحوه يشرع الصلاة في الحرير مقدمة لحصوله كما ترى، و لو سلم أن بين الأدلة التعارض من وجه كان الترجيح لما ذكرنا قطعا، فتأمل.
و لو اضطر إلى لبسه أو النجس بناء على عدم الاذن في النجس مطلقا إلا للضرورة أمكن ترجيحه على الحرير بأن مانعه عرضي بخلاف الحرير، و بأن في الحرير حرمة اللبس و ليس في النجس ذلك، و احتمال معارضة ذلك بأهونية حرمته من النجس، و لذا جوز في الحرب، و بأنه خص جواز لبسه للضرورة في الفتاوى، و هو أولى مما بقي تحت الضرورة الكلية، و لعله بهذا الاعتبار يرجح الفنك و السمور على غيرهما مما لا يؤكل، لما سمعته من النص عليهما بالخصوص للضرورة، كما أنه بالاعتبار الأول يعلم ترجيح النجس على غير المأكول، و بالثاني ترجيح غير المأكول على الحرير، و المدار في الترجيح على تعدد جهة النهي و على شدة المبغوضية و نحو ذلك مما يساعد عليه العقل، أما غيرهما من الاعتبارات فيقوى عدم اعتبارها، و لعل هذا هو الذي أراده العلامة الطباطبائي بقوله:
و في اضطرار استبح ما منعاو أخر المغصوب حيث وقعا
و أنت في الباقي على الخيارو قد يرى الترتيب باعتبار
و لعله منه ترجيح الفنك بكثرة ما دل على جوازه أو الحواصل بناء على المنع منها بأنه قد ذهب جماعة إلى جوازها اختيارا و نحو ذلك مما لا يرجع إلى شيء معتبر شرعا أو عقلا بحيث يصلح للوجوب.
ج8،
ثم إن إطلاق الحرب في النصوص يقضي بعدم اختصاص الرخصة فيه بكونه بطانة للدرع، ليدفع ضرر زرده عند الحركة، كما عساه يتوهم من تعليل بعضهم بذلك، مع أنه علل أيضا بأنه يحصل به قوة القلب و نحوه مما لا يخصه، و ما عن المراسم «و كذلك رخص للمحارب أن يصلي و عليه درع إبريسم» كالمحكي عن الجامع يراد منه الثواب، و ما في كشف اللثام من أن المراد بطانة الدرع بعيد، و عليه فقد لا يريد الاختصاص، نعم الظاهر اختصاص الرخصة في الجائز من الحرب و لو للدفع عما له الدفع دونه، لأنه المنساق، و احتمال التخصيص بالجهاد مع الإمام أو مأذونه بعيد، و لعل التقييد في كشف اللثام بالحرب في سبيل الله يرجع إلى ما ذكرنا، و المدار على صدق كونه في الحرب عرفا، و الظاهر تحقق ذلك في الاشراف و الاستعداد و نحوهما، فلا يعتبر فعلية القتال، و لا يكفي المقدمات البعيدة.
و المراد استثناء حال الحرب من حرمة اللبس و بطلان الصلاة معا كما هو ظاهر المتن أو صريحه، بل و غيره من كلمات الأصحاب، و لعله لإطلاق نفي البأس حاله في النصوص السابقة المرجحة على إطلاق النهي عن الصلاة فيه بفهم الأصحاب، و مناسبة التخفيف الذي هو الحكمة في الرخصة، و بغير ذلك، فلا يقدح حينئذ كون التعارض بينهما من وجه، فتصح الصلاة فيه حينئذ حال الحرب و إن أمكنه النزع بمقدار الصلاة، لما عرفت من إطلاق النص و الفتوى، فما عساه يظهره مما عن المبسوط «فإن فاجأته أمور لا يمكنه معها نزعه في حال الحرب لم يكن به بأس» من اعتبار عدم التمكن ضعيف، أو لا يريده، و الله أعلم.
هذا كله في الرجال و إلا ف يجوز لبسه للنساء من حيث كونه لبسا إجماعا أو ضرورة من المذهب بل الدين، بل مطلقا في حال الصلاة و غيرها على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل في حاشية الأستاذ الأكبر و المحكي عن شرح الشيخ
ج8،
نجيب الدين أن عليه عمل الناس في الأعصار و الأمصار، بل في الذكرى و غيرها أن عليه فتوى الأصحاب مشعرا بدعواه، و لعله كذلك، إذ لم أجد فيه خلافا إلا من الصدوق (رحمه الله)، فلم يجوزها لهن فيه(1)و حكي عن أبي الصلاح و لم أتحققه، و ربما مال اليه المقدس الأردبيلي و الفاضل البهائي، و خلاف مثلهم لا يقدح في دعواه، و كأنه من جملة الأحكام التي استغنت بشهرتها عن ورود النصوص فيها بالخصوص، مع أن أكثر ما ورد بالمنع من الصلاة لا يخلو من إشعار بالاختصاص بالرجل، ك صحيح إسماعيل بن سعد(2)و خبر أبي الحارث(3)بل و صحيح ابن عبد الجبار(4)الذي ذكر فيه القلنسوة التي هي من خواص الرجال، و إن كان هو لا يخصص الجواب، و ك خبر الحلبي(5)المذكور فيه مع ذلك لفظ «و يصلى فيه» الظاهر فيهم أيضا، بل قصر السؤال في بعض النصوص(6)على الرجل كالصريح في ذلك، ضرورة أولوية النساء منهم في السؤال باعتبار حلية لبسه لهن المقتضية بالاستصحاب، و بإطلاق ما دل عليها من النصوص(7)منطوقا أو مفهوما، كالمنطوق جوازه في الصلاة أيضا، مضافا إلى أصالة عدم المانعية، و
مرسل ابن بكير(8)«النساء يلبس الحرير و الديباج إلا في الإحرام»
الذي هو بقرينة الاستثناء كالصريح في ذلك، على أنه لم نقف على شاهد.
لدعوى الصدوق بالخصوص إلا
خبر جابر الجعفي(9)المروي عن الخصال «يجوز للمرأة
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية و الصحيح« فلم يجوز لهن فيها».
2) 2 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلى- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلى- الحديث 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 14- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
6) 6 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1 و 7 و الباب 12- من الحديث 1 و 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 16- من أبواب لباس المصلي.
8) 8 الوسائل- الباب- 16- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
9) 9 الوسائل- الباب- 16- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
ج8،
لبس الحرير و الديباج في غير صلاة أو إحرام»
الذي هو قاصر عن معارضة ما تقدم حتى الأصل منه من وجوه، و محتمل لإرادة الجواز الذي لا كراهة شديدة فيه.
و أما
صحيح زرارة(1)«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء- إلى أن قال-: انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء»
فلا إشعار فيه بالصلاة، فهو على تقدير إرادة الحرمة منه من الشواذ التي يجب الاعراض عنها، و حمله على الصلاة- مع أنه من المأول الذي ليس بحجة عندنا- ليس بأولى من إرادة الأعم من الحرمة من النهي و الكراهة فيه على عموم المجاز، بل هو أولى من وجوه، كما أن تناول إطلاق الجواب في صحيح ابن عبد الجبار(2)و خبر التوقيع الآتي(3)و
خبر عمار(4)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الثوب يكون علمه ديباجا قال:
لا يصلى فيه»
إذا قرئ بالبناء للمجهول للمرأة ليس بأولى من تناول إطلاق ما دل على جواز اللبس لها لحال الصلاة، إذ التعارض من وجه، و لا ريب في رجحانه عليه لو سلم جمعه لشرائط الحجية من وجوه لا تخفى، فقاعدة الاشتراك بعد تسليمها يجب الخروج عنها بما ذكرنا، كما أن تأييده بما في جملة من النصوص(5)الآتية في محلها من النهي عن إحرامها فيه باعتبار ما دل(6)على عدم جواز الإحرام إلا بما تصح الصلاة فيه ستعرف ما فيه هناك إن شاء الله.
فمن الغريب بعد ذلك كله الوسوسة فيه من بعض متأخري المتأخرين، خصوصا إذا قلنا باتحاد موضوع حرمة اللبس و البطلان، فان عدم الأولى معلوم هنا بالضرورة كما عرفت.
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
2) 2 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
5) 5 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الإحرام من كتاب الحج.
6) 6 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الإحرام- الحديث 1 من كتاب الحج.
ج8،
و الخنثى المشكل ملحق بها في جواز اللبس على الأقوى، لأصالة براءة الذمة، بل و في الصلاة أيضا عندنا، لصدق الامتثال، و عدم العلم بالفساد، و ما ذكره غير واحد من مشايخنا من إلحاقها في الصلاة بأخس الحالين مبني على أصالة الشغل و إجمال العبادة و نحو ذلك مما لا نقول به، كما هو محرر في محله.
و لا يجب على الولي للطفل و المجنون منعه منه، بل لا يحرم عليه تمكينه، للأصل السالم عن المعارض، لاختصاص أدلة المنع حتى
قوله (صلى الله عليه و آله)(1): «هذان حرام على ذكور أمتي»
بالمكلفين، و ليس فيها ما يقضي بالتكليف بعدم لبس الذكرى له في الخارج حتى يجب على الوالي أو على غيره كفاية المنع من وجود ذلك في الخارج نحو ما قلناه في مس كتابة القرآن، و قول جابر: «كنا ننزعه عن الصبيان و نتركه على الجواري» لا دلالة فيه على فعل ذلك على جهة الوجوب كي يستكشف منه تقرير المعصوم أو أمره، إذ لعله للتنزه و المبالغة في التورع، فأصالة البراءة حينئذ بحالها، لكن لا تصح صلاته فيه بناء على شرعيتها، ضرورة كون المعتبر فيها ما يعتبر في صلاة المكلف، و لذا جعلوا مورد البحث في التشريع و التمرين ما لو جاء بها جامعة للشرائط فاقدة للموانع التي تراد من المكلف، اللهم إلا أن يفرق بين ما كان منشأ الشرطية أو المانعية فيه الحرمة المنتفية في الصبي كالغصب مثلا و نحوه و بين غيره، فيعتبر الثاني دون الأول، و فيه بعد التسليم أن ما نحن فيه من الثاني لا الأول، لما عرفت من ظهور النصوص(2)في مانعية الحرير للصلاة لا حرمة اللبس.
و فيما لا تتم الصلاة فيه منفردا للرجل المستوي الخلقة، بل المراد الوسط، لا أن المراد كل بحسب حاله حتى أنه يجوز لعوج بن عناق و متعدد العورة ما لا يجوز.
ج8،
لغيرهما، بل لا يجوز لذي العورة الواحدة ما يجوز للوسط، لعدم الدليل، بل المنساق إلى الذهن ما ذكرناه كما في غير المقام من الأشبار و الذراع و نحوهما، كما أن المراد عدم التتمة به لصغره لا لرقته و لا لطيه و لا نحوهما، بل كان كالتكة و القلنسوة تردد و اختلاف بين الأصحاب، إلا أن الأشهر بينهم كما في الوافي و الأظهر كما في التنقيح، و عليه المتأخرين كما في المفاتيح، و أجلاء الأصحاب كما في حاشية الإرشاد لولد العلي الجواز وفاقا للشيخ و أتباعه و العجلي و الآبي و الفاضلين و الشهيد و الكركي و الميسي و المنظومة و كشف الأستاذ و غيرهم على ما حكي عن البعض، بل في شرح الأستاذ انه يظهر من الشهيد الثاني كونه ليس محل كلام كالكف به، ثم قال: و الظاهر من المفيد في المقنعة ذلك أيضا، بل يظهر منه أن ما لا تتم به الصلاة لا مانع فيه أصلا سواء كان نجسا أو حريرا أو غيرهما، للأصل و الإطلاق، و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي(1): «كلما لا تجوز الصلاة فيه فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون في السراويل و يصلى فيه»
المؤيد بحكم الكف به، و حكم العلم في الثوب و نحوه مما سيأتي، و بالعفو في النجاسة، و المناقشة في سنده بأحمد بن هلال يدفعها أولا ما قيل من أن ابن الغضائري لم يتوقف في حديثه عن ابن أبي عمير و الحسن بن محبوب، لأنه قد سمع كتابيهما جل أصحاب الحديث. و ثانيا أن التأمل في كلام الأصحاب هنا حتى بعض المانعين يرشد إلى عدم الإشكال في حجيته، ضرورة كونهم بين عامل به و بين متوقف متردد من جهته و بين مرجح لغيره عليه، و الجميع فرع الحجية، بل في جملة القائلين به من لا يعمل إلا بالقطعيات كابن إدريس و غيره ممن حكي عنه.
خلافا للصدوق، بل بالغ فمنع من التكة التي في رأسها الإبريسم، و الجامع و فخر المحققين و المنتهى و المختلف و البيان و الموجز و مجمع البرهان و المدارك و رسالة الشيخ
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2.
ج8،
حسن و الكفاية و المفاتيح و الرياض على ما حكي عن البعض، بل قيل: إنه ظاهر الكاتب و المقنعة و جمل العلم و المراسم و الوسيلة و الغنية و المهذب البارع، بل عن الشيخ أن له قولا بالمنع إلا أنا لم نتحققه، كما أنا لم نتحقق النسبة إلى الجامع و الفخر، بل و لا بعض المنسوب إلى ظاهره الذي مستنده في الظاهر إطلاق النهي عن الحرير، و هو- مع إمكان دعوى انصرافه إلى غير محل البحث- لا يوثق بظهوره حتى يلحظ كلامه في العفو عن ذلك من حيث النجاسة، فإنه ربما ذكر ما يغني عن الاستثناء في المقام كما سمعته عن المفيد، و لم يحضرني جميعها.
و على كل حال فدعوى شهرة المنع حينئذ مطلقا أو بين المتقدمين لا تخلو من نظر بل منع، قطعا للأولى(1)كما لا يخفى على الخبير الممارس، للعمومات، و مكاتبة محمد ابن عبد الجبار(2)المتقدمة سابقا فيما لا يؤكل لحمه، و
مكاتبته الأخرى في الصحيح(3)قال: «كتبت إلى أبي محمد أسأله هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض»
و فيه أنا لم نعثر على عموم النهي عن الصلاة في الحرير غير الصحيحين، و إطلاق حرمة اللبس- مع أنها لا تقضي ببطلان الصلاة- يمكن صرفه إلى غير ذلك و لو بقرينة باقي النصوص(4)المصرحة بالثوب و نحوه، بل الموجود في نصوص الصلاة عدا الصحيحين ذلك و نحوه مما لا يشمل ما نحن فيه، بل يمكن منه دعوى إرادة الثوب و نحوه من الحرير في الصحيحين إن لم نقل إنه المنساق منه، كما عن الشهيد و المختلف عند الرد على القاضي الاعتراف به، و منه يرتفع الوثوق بخلافه هنا، بل قيل: إن الحرير المحض لغة هو الثوب المتخذ من الإبريسم أي مع الإطلاق، و لا
ج8،
ينافيه العرف المظنون حدوثه بنص اللغوي المزبور على ذلك و تركه المعنى العرفي، لا أقل من أن يكون من تعارض العرف و اللغة، و في تقديم أيهما بحث معروف، و ربما تقدم اللغة هنا بما سمعته من الانسياق و اشتمال غيرهما على الثوب و غير ذلك، فيكون بناء على ذلك جواب السؤال متروكا فيه، و لعل تركه لإشعار الحكم بالصحة فيه بالبطلان في غيره، و هو مناف للتقية، إذ الصلاة صحيحة عندهم و إن حرم اللبس من غير فرق بين ما تتم فيه الصلاة و غيره، فعدل الامام (عليه السلام) إلى بيان حرمة الصلاة فيه المسلمة عندهم، و إن اقتضى ذلك الفساد عندنا دونهم، بل ربما كان في التعبير بالحل إيماء إلى ذلك و لعل السبب في التجائه (عليه السلام) إلى ذلك زيادة على ما عرفت هو إشعار السؤال أيضا بما ينافي التقية من مفروغية عدم الصلاة في غير التكة و القلنسوة، و الفرض أنها مكاتبة، و شدة التقية فيها مطلوب، لكثرة احتمال العوارض فيها، بل يؤيد ذلك كله ما ذكرناه سابقا في صحيحه(1)السابق مما يشرف على القطع أو الظن الغالب بخروجه مخرج التقية، فلاحظ و تأمل، بل قد يومي تكرر الكتابة من الراوي إلى عدم ظهور الجواب عنده في حكم ما يسأل عنه، بل لعله ظهر له أنه قد صدر منه ذلك للتقية، و لهذا احتاج إلى تكرار الكتابة تخيلا منه أن المصلحة قد تغيرت، فيجاب بالواقع لا التقية.
فمن الغريب بعد ذلك كله ما في الرياض من عدم إمكان حملها على التقية باعتبار صراحتها في نفي الصحة المخالفة للعامة، و أغرب منه الترقي إلى قابلية خبر الحلبي(2)للحمل على ذلك باعتبار تضمنه صحة الصلاة في الأمور المزبورة، و هي مذهبهم، و دلالته على نفي الصحة في غيرها انما هي بالمفهوم الضعيف، إذ جميعه كما ترى، كدعواه الشهرة على الإطلاق على المنع، و معارضته خبر الحلبي و بالرضوي(3)الذي قد عرفت عدم
ج8،
حجيته عندنا غير مرة، و غير ذلك مما أطنب فيه مما لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه، كل ذا مع أن خبر الحلبي مشافهة و مخالف للعامة، و هذه مكاتبة موافقة لهم، بل هي عامة تقبل التخصيص به، و ابتناؤها على السبب الخاص لا ينافيه كما أوضحناه سابقا، بل قد يقال: إن احتمال التخصيص فيها بحمل التكة و القلنسوة فيها على الأعم مما لا تتم الصلاة فيهما، فيخصان حينئذ بخبر الحلبي، بل ربما قيل ان: «لا تحل» فيها يراد منه «لا تباح» و هو في الاصطلاح للمتساوي فعلا و تركا، و القائل بالجواز يقول بالكراهة و إن كان فيه ما فيه، اللهم إلا أن يريد حمل نفي الحل فيه على القدر المشترك بين الحرمة و الكراهة و لو بقرينة خبر الحلبي، و لعله لذا حكم بها في النافع و التذكرة و المحكي عن المبسوط و النهاية و السرائر، و إن كان موضوعها في كلامهم التكة و القلنسوة كما عن الكافي مع زيادة الجورب و النعلين و الخفين، لكن مراد الجميع المثال على الظاهر لكن ما لا تتم الصلاة فيه، و لذا عمم الكراهة في المتن، بل منه يعلم أن مراد المجوز و المانع ذلك أيضا، و إن مثل بعضهم بالتكة و القلنسوة، إذ قد عرفت أن الدليل من الطرفين يقتضي التعميم، كما أن المراد مما في الإرشاد من جواز التكة و القلنسوة من الحرير و المحكي عن التلخيص من الصلاة فيهما واحد على الظاهر، و احتمال أعمية الجواز من صحة الصلاة هنا بعيد، فحينئذ من جوز الصلاة فيما لا تتم به جوز لبسه في غيرها، و من منع منه فيها حرم لبسه في غيرها(1).
و كيف كان فالبحث في أن العمامة مما لا تتم الصلاة بها و في أن مدار العفو كونها في المحال أو مطلقا و غير هما يعرف مما قدمناه في أحكام النجاسات، نعم ينبغي أن يعلم أن المراد هنا بقرينة التمثيل في النصوص و الفتاوى مما لا تتم الصلاة به ما لا يشمل الرقعة
1) 1 لا يلزم من المنع فيها حرمة لبسه في غيرها لانفكاكهما في غير المأكول فلعله استفاد التلازم في المقام من قرائن خارجية منه رحمه الله.
ج8،
و نحوها للثوب، و لعله لذا استثناها في فوائد الشرائع، و إن كان قد يقال بالعفو عنها من غير هذه الجهة كما تسمعه فيما يأتي إن شاء الله، و ربما يومي إلى ما ذكرنا عدم إدراج الأصحاب علم الثوب و نحوه تحت هذه المسألة، و لا استدلوا بدليلها على تلك، و الزنار في خبر الحلبي(1)يراد به ما يشد به على الوسط، فهو كالكمرة من الملابس، نعم قد يقوى الجواز في المنتفع به من الحرير كانتفاعها و إن لم يدخل تحت اسمها لكن بشرط كونه بمقاديرها، فيعفى حينئذ عن قطعة من الحرير مثلا اتخذت اتخاذ القلنسوة في الانتفاع و الفرض أنها بقدر المعتاد منها، و إن كان هي مع الاسم و عدم تتمة الصلاة بها معفوا عنها و لو خرجت عن المعتاد بالتركيب من طيات متعددة، هذا.
و ليعلم أن المنع في الحرير انما هو من حيث اللبس كما هو ظاهر الأدلة السابقة، و إلا ف يجوز كل ما عداه مما لا يدخل تحت أسمعه، و منه الركوب عليه و افتراشه على الأصح وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل في المدارك أنه المعروف من مذهب الأصحاب، بل قال بعد ذلك: حكى العلامة في المختلف عن بعض المتأخرين القول بالمنع، و هو مجهول القائل و الدليل، لكن فيه أن ابن حمزة في المحكي عن الوسيلة في آخر كتاب المباحات ممن صرح بالمنع، قال: «و ما يحرم عليه لبسه يحرم فرشه و التدثر به و الاتكاء عليه و أسباله سترا» بل عن المبسوط مثل ذلك أيضا، و تردد فيه في النافع، نعم هو لا دليل يعتد به عليه، إذ النصوص السابقة بين صريح في اللبس و بين منساق اليه حتى
النبوي(2)الذي لم نجده مسندا في طرقنا «هذان- أي الحرير و الذهب- محرمان على ذكور أمتي»
فالاستدلال حينئذ بعموم تحريمه على الرجال فيه ما لا يخفى، لما عرفت، و ما عن
الفقه الرضوي(3)«لا تصل على شيء من هذه الأشياء
ج8،
إلا ما يصلح لبسه»
صحيح علي بن جعفر(1)سأل أخاه «عن الفراش الحرير، و مثله من الديباج، و المصلى الحرير، هل يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة؟ قال: يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه»
و عدم ذكر التكأة في الجواب غير قادح بعد تنقيح المناط و عدم القول بالفصل، و إلى
خبر مسمع بن عبد الملك البصري(2)«لا بأس أن يأخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف، أو يجعله مصلى يصلي عليه»
و حمله و سابقه على إرادة الممتزج مع بعده لا داعي اليه، على أنه قد عرفت أنا في غنية عن ذلك بالأصل السالم عن المعارض، إذ المحرم اللبس، و الظاهر عدم صدقه على الالتحاف و التدثر، خلافا لما عن مجمع البرهان من أنه إن كان عموم يدل على تحريم اللبس حرم التدثر و الالتحاف، و فرق بينهما في المدارك فجوز الالتحاف و منع التدثر، لصدق اسم اللبس عليه دونه، و هو بعد الإغضاء من الفرق بين موضوعيهما كما ترى، نعم قد يتوقف في صحة الصلاة تحته خصوصا إذا كان هو الساتر، مع أن الأقوى الصحة إذا كان الساتر غيره، بل و إن كان هو أيضا لكن على إشكال، و توسده كافتراشه، فما عن المحقق الثاني من التردد فيه في أول كلامه في غير محله، و الله أعلم.
و كذا تجوز الصلاة في ثوب مكفوف به عند الشيخ و أتباعه كما عن المنتهى، و عليه المتأخرون كما في المفاتيح، بل في الذكرى و المحكي عن شرح الشيخ نجيب الدين نسبته إلى الأصحاب، بل فيه أنه لا خلاف فيه إلا من القاضي، فمنع منه، قلت: و هو كذلك، فإنه لم يحك عن غيره إلا المرتضى في بعض مسائله، و الكاتب في ظاهره، حيث منع من العلم الحرير في الثوب، مع أنه يمكن فرقه بينهما و لو بالأدلة،
ج8،
بل يمكن أن لا يريده القاضي من المدبج بالديباج أو الحرير المحض الذي حكي عنه بطلان الصلاة فيه، و لعله لذا ادعى في الرياض الإجماع عليه، إذ المرتضى لم يثبت النقل عنه، نعم مال إليه جماعة من متأخري، المتأخرين، منهم الفاضل الأصبهاني و سيد المدارك و غيرهما ممن لا يقدح خلافهم في دعوى الإجماع، لكن لا ريب في أنه أحوط و إن كان الأول أقوى، للأصل أو الأصول و الإطلاق، و
خبر جراح المدائني(1)«ان الصادق (عليه السلام) كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج، و يكره لباس الحرير و لباس الوشي، و يكره الميثرة الحمراء، فإنها ميثرة إبليس»
و
العامي عن أسماء(2)«انه كان للنبي (صلى الله عليه و آله) جبة كسروانية لها لبنة ديباج، و فرجاها مكفوفان بالديباج و كان يلبسها»
و
خبر عمر(3)«و ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع»
بل لعله المراد من
صحيح ابن بزيع(4)لما سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن الصلاة في ثوب ديباج، فقال: ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس»
كما أنه يمكن استفادته من
صحيح صفوان عن يوسف بن إبراهيم(5)«لا بأس بالثوب أن يكون سداه و زره و علمه حريرا، و انما يكره الحرير المبهم للرجال»
و رواه الصدوق بإسناده عن يوسف بن محمد بن إبراهيم، ك
صحيحه الآخر عن العيص ابن القاسم عن أبي داود بن يوسف بن إبراهيم(6)قال: «دخلت على الصادق (عليه السلام) و علي قباء خز- إلى أن قال-: علي ثوب أكره لبسه، قال: و ما هو؟
قلت: طيلساني هذا، قال و ما طيلسانك؟ قلت: هو خز، قال: و ما بال الخز؟ قلت:
1) 1 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
2) 2 صحيح مسلم ج 6- ص 140 المطبوع بالأزهر.
3) 3 صحيح مسلم ج 6- ص 141 المطبوع بالأزهر.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب لباس المصلي- الحديث 10.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلى- الحديث 6.
6) 6 ذكر صدره في الوسائل في الباب- 10- من أبواب لباس المصلى- الحديث 2 و ذيله في الباب 16- الحديث 1.
ج8،
سداه إبريسم، قال: و ما بال الإبريسم؟ لا يكره أن يكون سدى الثوب إبريسم و لا زره و لا علمه، و انما يكره المصمت من الإبريسم للرجال و لا يكره للنساء»
و لو كان الكف بما لا تتم الصلاة به كما هو الغالب، و قلنا بتناول خبر الحلبي(1)لمثل ذلك لأنه مما لا تتم فيه الصلاة تكثرت الأدلة أو المؤيدات، بل لعل ما تسمعه مما ورد(2)من عدم البأس في المحشو بالقز مما يؤيده أيضا، ضرورة ابتنائه على كونه ليس من الحرير المصمت، بل قد يؤيده أيضا ما في
خبر إسماعيل بن الفضل(3)الذي تسمعه فيما يأتي عن الصادق (عليه السلام) «عن الثوب يكون فيه الحرير فقال: إن كان فيه خلط فلا بأس»
بناء على إرادة المنسوج من الحرير فيه، كما هو الظاهر المنساق لا الإبريسم، فإنه لا يسمى حريرا، فيشمل حينئذ ما نحن فيه، فتأمل.
و المناقشة- بانقطاع الأصل و الإطلاقات بعموم النهي(4)عن الصلاة في الحرير المحض، و بجهل جراح و القاسم بن سليمان الذي رووا عنه الخبر، و بمنع الحقيقة الشرعية للفظ الكراهة في المعنى المصطلح، مع أنها من لفظ جراح، بل لعل قوله بعده: «و يكره لباس الحرير» مما يعين إرادة الحرمة منه، و بأن خبر أسماء و عمر من طرق العامة، و بجهل يوسف، و معارضته ب
خبر عمار(5)عن الصادق (عليه السلام) «عن الثوب يكون علمه ديباجا قال: لا يصلى فيه»
الذي هو أخص منهما، و بأنه لا تلازم بين الجواز في العلم و الجواز في المكفوف، إذ لعل النساجة لها مدخلية- يدفعها منع شمول النهي بعد ظهور «في» في الملابس، لا أقل من الشك و لو بملاحظة ما سمعته و تسمعه، و جهل جراح و القاسم غير قادح بعد الانجبار، خصوصا في مثل المقام الذي هو كالإجماع،
ج8،
مع أن المحكي عن الصدوق عد جراح من الممدوحين، و للصدوق اليه طريق، و قال النجاشي: «يروي عنه جماعة منهم النضر بن سويد» بل عن الأستاذ لعله كثير الرواية، و رواياته متلقاة بالقبول، و أما القاسم فللصدوق اليه طريق و يروي عنه النضر بن سويد و أحمد بن محمد و الحسين بن سعيد، و قد قيل فيه إنه صحيح الحديث، و لفظ الكراهة من الحقيقة الشرعية المفروغ من البحث فيها في زمن الصادقين (عليهما السلام) كما أومأ إليه الشهيد و الكركي، و لا ينافيه قوله: «و يكره لباس الحرير» إذ هو لفظ آخر دلت القرينة على إرادة الحرمة منه، مع أنه ليس بأولى من أن يقال معلومية إرادة المعنى المصطلح منها في لباس الوشي و الميثرة الحمراء مما يؤكد إرادتها في محل النزاع، لظهور إرادة المعنى الواحد من الجميع، فيحمل الحرير فيه حينئذ على غير المحض، بل قد يؤكده عطف لباس الوشي عليه من غير إعادة لفظ الكراهة، و إن أبيت عن ذلك كله فلا أقل من أن يكون لفظ الكراهة للقدر المشترك تعين إرادة أحد فرديه بالشهرة و الإجماع و ما سمعته من الأدلة الأخر، و جراح إن كان ناقلا للفظ فلا بحث، و إن كان ناقلا بالمعنى فشرطه القطع و الإتيان بلفظ مرادف، و الخبر العامي إذا تناقلته الأصحاب في كتبهم و عملوا به لا بأس بالعمل به عندنا، إذ هو أعظم طرق التبين، كما يكشف عن ذلك تصفح كلام الأصحاب في القصاص و الديات و غيرهما من المقامات، و يوسف بن إبراهيم لا يقدح جهله بعد أن كان الراوي عنه صفوان بن يحيى الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و أنه لا يروي إلا عن ثقة، على أن هذا الخبر قد رواه المحمدون الثلاثة، و فيهم الصدوق الذي أخذ على نفسه أن لا يروي فيه إلا ما هو حجة بينه و بين ربه، بل قيل: إن يوسف هذا ملقب بالطاطري، و قد نقل الشيخ في العدة إجماع الشيعة على العمل بما رواه الطاطريون، كل ذا مع قطع النظر عن الشهرة العظيمة
ج8،
الجابرة و عن باقي الأخبار المعاضدة له في أنه انما يكره الحرير المبهم كخبر زرارة(1)و غيره(2)و منهما و غيرهما يضعف خبر عمار عن التخصيص، خصوصا و إطلاق نفي البأس فيه كالصريح في عدمه بالنسبة للصلاة، إذ هي أعظم الأحوال و أهمها في نظر السائل و الامام (عليه السلام) على أنه يمكن دعوى الإجماع المركب على خلافه، فحينئذ لا بأس بحمل موثق عمار على الكراهة التي هي مجاز شائع في النهي، و العلم لا يخص المنسوج، بل هو العلامة في الثوب من طراز و غيره كما عن المصباح المنير، مع أن الخبر قد اشتمل على الزر، و علل الجواز في الجميع بأنه ليس من الحرير المبهم، فهو كالصريح في تخصيص المنع بما إذا كان الملبوس حريرا مبهما لا بعضه، بل قد يدعى أولوية جواز المكفوف من ذي العلم الذي نسج طرائق بعضها من إبريسم محض سدى و لحمة و بعضها من غيره، كما يظهر من بعضهم تفسيره بذلك، و العمدة ظهور الخبرين في أن علة الجواز عدم كونه حريرا مبهما، و هي بعينها جارية في المكفوف.
منه يعلم أن المراد من
قوله (عليه السلام)(3): «لا تصل في حرير محض»
ما لا يشمل المكفوف، ضرورة عدم صدق كونه حريرا محضا، و كون البعض كذلك لا يقدح، و إلا لقدح في العلم و نحوه.
و من ذلك ينقدح جواز الكف بما لا يدخل تحت اسم اللباس لسعته، كما لعله مقتضى عدم التحديد في المتن و النافع و القواعد و الإرشاد و التذكرة و الدروس و البيان و الذكرى و المحكي عن النهاية و المبسوط و الوسيلة و المعتبر و التحرير و المختلف و نهاية الأحكام، لكن المحقق و الشهيد الثاني حداه بأربع أصابع كما عن الفاضل الميسي و صاحب الغرية و إرشاد الجعفرية، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى الشهرة، بل عن
ج8،
شرح الشيخ نجيب الدين نسبة ذلك إلى الأصحاب، و ربما كان من معقد ما في المدارك من نسبة القطع به إلى كلام المتأخرين، و عن رسالة الشيخ حسن حدوه بذلك، و قد يحتمل رجوع الإطلاق السابق اليه بدعوى أنه المتعارف من الكف، و عن الصحاح «كفة القميص: ما استدار حول الذيل» بل قد يظهر من استدلال بعض المطلقين على حكم الكف بخبر عمر(1)التحديد بما فيه أيضا، بل ينبغي الاقتصار حينئذ على المضمومة كما صرح به بعض من سمعت، لأنها المنساقة منها في التحديد، بل إن لم يكن مضمومة لم يصدق الكف بقدرها، على أنها كالتقدير بالأربع هي المتيقن في الحكم المخالف لإطلاق المنع، بل ينبغي الاقتصار حينئذ على مسمى الكف، و قد سمعت من الصحاح أنه المستدير حول الذيل، لكن في المدارك و غيرها انه الذي يجعل في رؤوس الأحكام و الذيل و حول الزيق، و لعل ما في الصحاح تفسير بالأخص، بل قد يشكل إلحاق اللبنة به التي هي الجيب، و إن صرح به بعضهم لضعف دليلها، بل هو من طرق العامة، و لا شهرة تجبره، فلا يصح الخروج به عن مقتضى عموم المنع، لكن لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه ما في ذلك كله، و ان المتجه إن لم ينعقد إجماع على خلافه جواز كل ما لم يكن ملبوسا، كالمحمول و الموضوع على اللباس و الجزء كالأعلام و الرقاع ما لم تكثر حتى تبعث على الاسم، و الملفوف و المشدود كخرق الجبيرة و عصائب الجروح و القروح و حفيظة المسلوس و المبطون، و الموضوع في البواطن كخرقة المستحاضة و غير ذلك، فاللبنة و الكف بالأزيد من الأربع و غيرهما على حد سواء في الجواز، بل لو نسج ثوب طرائق أو لفق من قطع متعددة من حرير و غيره صح لبسه و الصلاة فيه.
نعم لو كان من قبيل البطانة للقميص لم يصح، لأنهما ملبوسان و إن وصلت مع الوجه، و كذا لو كانت إلى نصفه أو خيط ثوب نصفه الأعلى من حرير و الأسفل من
1) 1 صحيح مسلم ج 6 ص 141- المطبوع بالأزهر.
ج8،
غيره أو بالعكس، فان ذلك كله من لبس الحرير المبهم، و عدم صدق المتعدد عرفا انما هو للواحدة العرفية، و إلا فكل منهما قابل لأن يكون لباسا متعددا و إن لم يدخل تحت اسم من أسماء الملبوسات، إذ ليس المدار عليه، فتأمل جيدا فإنه نافع دقيق.
و من ذلك كله ظهر لك أنه لا ينبغي التوقف في الثياب المخيطة بالإبريسم التي يمكن دعوى القطع بخلاف ذلك فيها للسيرة القطعية، و لا فيما هو مستعمل في زماننا من وضع السفائف و القياطين على أكمام الثياب و على الزيق و غير ذلك و إن تعددت و تكثرت، و لا في مثل العباية القزية المستعملة في زماننا أيضا التي يجعل لها شمسية على يمينها أو عليه و على شمالها، و لا في التكة التي في رأسها الإبريسم، و لا في غير ذلك مما لا يمكن حصره بناء على المختار بلا خلاف صريح معتد به أجده في شيء من ذلك عدا ما عن الكاتب «لا اختار للرجل الصلاة في الثوب الذي علمه حرير محض» المحتمل لإرادة الكراهة بحمل خبر عمار السابق عليها، و إلا كان محجوجا بما عرفت، كالذي في جامع المقاصد من الجزم بمنع الرقعة و الوصلة من الإبريسم، و عدا ما يحكي عن الصدوق من التصريح بالمنع في الأخير، و ربما استنبط منه و مما سلف له انه يمنع في مطلق الحرير المحض و لو خيط الثياب إلا الممتزج سدى و لحمة، و لم نعرف له دليلا عدا المنع عن الحرير المحض الذي قد عرفت عدم شموله لأمثال ذلك، إما لاقتضاء الظرفية كونه من الملابس، خصوصا مع ملاحظة باقي النصوص، أو لعدم صدق الحرير على نحو الخيوط لغة و عرفا، لاختصاصه بالمنسوج، أو لانسياق غيرها منه، أو لغير ذلك مما لا يخفى بعد ما عرفت.
و منه يعلم انه إذا مزج الإبريسم و القز بشيء مما يجوز لبسه دون الصلاة فيه كوبر ما لا يؤكل لحمه جاز لبسه دون الصلاة فيه، و إن كان بشيء مما تجوز فيه الصلاة كالقطن و الكتان و غيرهما بأن جعل أحدهما سدى و الآخر لحمة حتى خرج عن كونه محضا جاز لبسه و الصلاة فيه سواء كان أكثر من الحرير أو أقل منه
ج8،
بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل الثاني منهما مستفيض كالنصوص(1)أو متواتر،
قال الصادق (عليه السلام) في خبر عبيد بن زرارة(2): «لا بأس بالبأس القز إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتان»
و
قال في خبر إسماعيل بن الفضل(3)في الثوب يكون فيه الحرير: «إن كان فيه خلط فلا بأس»
و في
خبر أبي الحسن الأحمسي(4)«انه سأل أبو سعيد أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخميصة و أنا عنده سداه إبريسم أ يلبسها و كان وجد البرد؟ فأمره أن يلبسها»
و الخميصة: كساء أسود مربع له علمان، و
قال زرارة(5): «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز، لحمته أو سداه خز، أو كتان أو قطن، و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء»
و
عن الاحتجاج(6)«ان محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يتخذ بأصبهان ثياب فيها عتابية على عمل الوشي من قز و إبريسم هل تجوز الصلاة فيها أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان»
إلى غير ذلك من النصوص التي تقدم بعضها، ك خبري(7)يوسف بن إبراهيم و غيره، و صريح المتن و التذكرة كالمحكي عن الوسيلة و السرائر و المعتبر و نهاية الأحكام الاكتفاء بالمزج بكل محلل تجوز الصلاة فيه من غير فرق بين القطن و الكتان و غيرهما، كما هو مقتضى كل من أطلق الامتزاج، أو ذكر القطن و الكتان بكاف التشبيه و نحوه مما يشعر بإرادة المثال، بل لعله مراد الجميع و إن لم يأت بالكاف اعتمادا على ظهور الحال، و على معلومية إرادة
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
6) 6 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6- و الباب 16 الحديث 1 لكن روى الثاني في الوسائل عن أبى داود بن يوسف بن إبراهيم و هو الصحيح كما تقدم نقل الحديث عنه في التعليقة 6 في ص 129.
ج8،
الخروج عن المحضية و الابهامية بذلك، و الاقتصار في المحكي عن الخلاف و النهاية و المراسم على القطن و الكتان و كشف الالتباس و إرشاد الجعفرية بزيادة الصوف- مع أن من المعلوم نصا و فتوى و سيرة الجواز بالخز، و عن المنتهى الإجماع عليه- محمول على إرادة المثال من ذلك، كما أنه المراد من الاقتصار في المحكي عن المقنع و المقنعة و المبسوط و المهذب و الجامع على القطن و الكتان و الخز، للمعلوم أيضا من الجواز بالصوف، فلا ريب في إرادة المثال، و من هنا نسب الاجتزاء بمزج كل محلل في التذكرة و المحكي عن المعتبر إلى علمائنا مشعرين بدعوى الإجماع عليه، مع أن هذه الاقتصارات بمرأى منها و مسمع، و من عادتهما و عادة من تأخر عنهما كالشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم التعرض للنادر من خلاف القدماء، بل لا يتركون احتمال الخلاف.
فما عساه يظهر- من بعض متأخري المتأخرين من احتمال الخلاف في المسألة، و أنها ثلاثية الأقوال أو رباعيتها حتى أنه ذكر مستندا لكل واحد من الثلاثة، فجعل خبر إسماعيل(1)و ما شابهه و لو بالمفهوم دليل الإطلاق، و خبر زرارة(2)و ما شابهه دليل الاقتصار على الثلاثة: الخز و القطن و الكتان، و خبر التوقيع(3)و ما شابهه دليل الاقتصار على الأخيرين- في غير محله قطعا، بل لا بد من حمل ما في النصوص على إرادة المثال كما سمعته في الفتوى، و خصا بالمثال لغلبة الامتزاج بهما و بالخز، و كان ما في زماننا الآن من غلبة الامتزاج بالصوف في العباءة و غيرها حادث، و لذا ترك التمثيل به، بل ظاهر المتن و غيره ممن عبر كعبارته، بل و من ذكر السدى و اللحمة لكن بكاف التشبيه المشعر بالمثال للامتزاج- الاجتزاء بمطلق الخلط و الامتزاج
ج8،
الرافعين للمحضية و الابهامية و المصمتية من غير فرق بين امتزاج السدى و اللحمة و غيره، لا طلاق خبر إسماعيل المعتضد بمفهوم الحصر و الوصف في غيره، و بالقطع بجواز لبس المنسوج من خيوط اتخذت من القطن و الإبريسم مثلا الذي هو أشد امتزاجا من امتزاج السدى و اللحمة، و بنصوص الثوب(1)ذي العلم المتقدمة آنفا التي منها خبر الخميصة(2)و لعل ذكر السدى و اللحمة في بعض النصوص السابقة للتمثيل في رفع الإبهام، كما يشعر به خبر زرارة المتقدم، و خص بالتمثيل لغلبة حصول الامتزاج به، فحينئذ لا ينبغي التوقف في المنسوج من الكلبدون إذا كان مركبا من الفضة و الحرير، و لا في المنسوج طرائق، و لا في غير ذلك مما هو مخلوط بغير السدى و اللحمة: أي ليس السدى بتمامه قطنا أو حريرا مثلا.
و في كشف اللثام في شرح قول الفاضل في القواعد «و يجوز الممتزج كالسدى و اللحمة» قال: «لا المموه بالفضة، أو المخيط بخيوط من نحو القطن، أو المخيط مع ثوب من نحوه، أو الملصق به، أو المحشو بنحوه، أو المنسوج طرائق بعضها من الحرير المحض و بعضها من نحو القطن كما هو المتبادر من هذه العبارة الشائعة في الأخبار و الفتاوى، و يؤيده
خبر عمار(3)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الثوب يكون علمه ديباجا قال: لا يصلى فيه»
نعم خبر إسماعيل بن الفضل(4)يشمل ما إذا كان الخليط بعضا من السدى أو اللحمة، و يحتمله العبارة الشائعة أيضا، و يؤيده أن المجمع على حرمته و فساد الصلاة فيه هو المحض، فيحل ما خرج عن اسمه عرفا و تصح الصلاة فيه، و يؤيده
ج8،
خبرا يوسف بن إبراهيم(1)المتقدمان آنفا» و فيه انه إن كان المدار على العبارة الشائعة في الأخبار و الفتاوى التي ادعى تبادرها فيما عرفت- بل صريح النصوص أو ظاهرها اعتبار كون تمام السدى أو اللحمة غير حرير- وجب حمل إطلاق خبر إسماعيل و مفهوم الحصر و الوصف عليه، نعم التحقيق ما عرفت من أن هذه العبارة الشائعة مراد منها التمثيل، كما يشعر به الكاف في عبارة الفاضل و غيره، بل الظاهر إرادته من الخلط أيضا في خبر إسماعيل، و إلا فالمدار على المستفاد من مفهوم الحصر و الوصف و غيرهما من رفع المحضية و الابهامية عرفا الموافق للأصول، بل و الفتاوى مع التأمل و التدبر من رفع المحضية و الابهامية عرفا، فلو فرض الارتفاع بما لا يصدق معه الخلط و إن كان نادرا جاز لبسه و الصلاة فيه.
نعم لا عبرة بما لا يرفعها كما في الأمثلة التي ضربها في الكشف عدا المنسوج طرائق منها و المموه إن أراد ما فرضناه من الكلبدون بناء على أنه منسوج من الفضة و الحرير، و كما في الخليط المستهلك الذي لا يرفع صدق كونه لباس حرير محض حقيقة لا على وجه التسامح العرفي الذي هو ليس من الحقائق العرفية، فلا يجدي الهلاك بالنسبة إلى اسم الحريرية دون المحضية، و كأن هذا هو مراد من صرح من الأصحاب بعدم اعتبار المستهلك، و ما عساه يظهر من بعض العبارات- من أنه لا يجدي المستهلك الذي لا يرفع صدق الحريرية- محمول على إرادة ما ذكرنا من الحريرية المحضة، و دعوى أنه لا استهلاك إلا على وجه التسامح بالنسبة إلى المحضية يدفعها التأمل في مصاديق ذلك عرفا، و ما عن السرائر- من أنه يجوز و إن كان أكثر بعد أن يكون منسوبا إليه بالجزئية كعشر و تسع و ثمن و أمثال ذلك- ليس منعا من فرض الاستهلاك، بل يمكن أن يكون مراده بذلك اعتبار عدم الاستهلاك كقول غيره: «يجزي و لو كان الخليط عشرا» بل
1) 1 راجع التعليقة 7 في ص 135.
ج8،
في معقد المحكي من صريح الإجماع في المنتهى و ظاهره في المعتبر و التذكرة التصريح باعتبار عدم الاستهلاك المصرح به في عبارات الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم ممن تأخر عنهم، نعم مع عدم الاستهلاك لا فرق بين تساوي الخليط و أقليته و أكثريته عندنا، بل الإجماع صريحا و ظاهرا عليه، و
قال أحمد بن محمد بن أبي بصير(1)«سأل الحسين بن قياما أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب الملحم بالقز و القطن و القز أكثر من النصف أ يصلى فيه؟ قال: لا بأس قد كان لأبي الحسن (عليه السلام) منه جباب»
بل وافقنا على ذلك ابن عباس و جماعة من أهل العلم، خلافا للشافعي و أبي حنيفة فيحرم إذا كان الحرير أكثر، و لو تساويا فللشافعي قولان، و التحقيق ما عرفت، لكن ينبغي أن يعلم أن المراد بالعشر و نحوه في معاقد الإجماعات السابقة الاكتفاء بمزجهما سدى و لحمة و إن كان القطن الذي هو أحدهما عشرا من الآخر، لا أن المراد الاجتزاء بعشر أو نصف العشر مثلا من السدى و إن كان اللحمة كلها حريرا، فيجتزى حينئذ بالثوب المنسوج من الحرير الممتزج بالخليط في حاشيته التي هي نسبتها إلى الجميع عشر أو نصف عشر مع فرض الثوب مثلا في نهاية العرض.
و من هنا صريح الأستاذ الأكبر في شرح المفاتيح بأن العبرة بصدق الحرير المحض، فلا ينفع إذا حصل في خصوص الحاشية شيء من الخليط بعد أن يكون الأصل حريرا محضا، و مما يؤيد أن مرادهم بالعشر و نحوه ما ذكرنا ظهور اتفاقهم على الاجتزاء به، بل قد عرفت التصريح به من بعضهم مع توقفهم في العلم للثوب الذي هو مع فرض الاجتزاء بذلك لا ينبغي التوقف فيه، فلا ريب في إرادتهم ما ذكرناه من الامتزاج بأن يكون أحدهما تمام السدى و الآخر تمام اللحمة و إن كان نسبة أحدهما إلى الآخر عشرا أو أقل.
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
نعم التحقيق ما عرفت من دوران الحكم على صدق لباس الحرير المحض و عدمه كما سمعته مفصلا، بل المدار على غير المقترح من الصدق قطعا، فلا بأس بالصدق الذي منشأه وضع جديد أو نحوه، فالعباءة القزية التي لحمتها صوف لا إشكال فيها، و من الغريب ما حكاه المحقق الثاني عن بعض الأصحاب من أن العباءة التي سداها قز لا يصلى فيها، لتسميتها قزية، إذ هو كما ترى من الأوهام الفاسدة التي لا ينبغي سطرها في كتب الأفاضل.
و أما اللباس المحشو بالإبريسم أو القز ففي الفقيه و التذكرة و الدروس و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و المسالك و المحكي عن المعتبر و الغرية و الجعفرية و الروض و ظاهر الشيخ المنع، بل قد يظهر من نسبة الخلاف في التذكرة و غيرها إلى غيرنا الإجماع عليه عندنا، و لعله لصدق المحض و المبهم و المصمت عليه، و لأنه بتلبده يكون كالبطانة و نحوها من اللباس، لكن قطع في المفاتيح بالجواز، و لم يستبعده في الذكرى، و احتمله في المدارك، قيل و اليه مال مولانا محمد تقي و نقله عن شيخه الفاضل الشوشتري، و لعله ل
صحيح الريان بن الصلت(1)
« لبس الفراء و السمور»
و في التهذيب الذي نقل عنه في الوسائل ج 2 ص 369 الرقم 1533
« لبس فراء السمور».
«سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس فراء السمور و السنجاب و الحواصل و ما أشبهها و المناطق و الكيمخت و المحشو بالقز و الخفاف من أصناف الجلود فقال: لا بأس بهذا كله إلا بالثعالب»و
الحسين بن سعيد(2)قال: «قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز فكتب اليه و قرأته لا بأس بالصلاة فيه»
و
خبر سفيان بن السمط
ج8،
في حديث(1)قال: «قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن ثوب حشوه قز يصلى فيه فكتب نعم لا بأس به»
و
خبر إبراهيم بن مهزيار(2)«إنه كتب إلى أبي محمد (عليه السلام) الرجل يجعل في جبته بدل القطن قزا هل يصلي فيها؟ فكتب نعم لا بأس به»
مضافا إلى عدم صدق اللباس عليه، بل و لا صدق الحرير بناء على أنه المنسوج، بل و لا المحض، و بعد التسليم فهي خاصة تقدم على العام، و احتمال إرادة قز المعز- كما عن الصدوق و ارتضاه الشيخ، و لعله لعدم معهودية غيره إلا من مترف جاهل، لعلو القيمة و عدم المنفعة و الزينة بخلاف قز المعز في البلاد الباردة بالنسبة إلى أهل الفقر و المسكنة- يدفعه انه مجاز بلا قرينة، و من القز ما لا ينتفع به إلا لذلك، بل قيل: إنه يفيد الثوب ثخانة، كما ان احتمال عدم جواز العمل ببعضها لأن الراوي لم يسمعه من محدث و انما وجده في كتاب يدفعه- مع عدم انحصار الدليل فيما فيه هذا المحذور- ان إخبار الراوي بصيغة الجزم، و المكاتبة المجزوم بها في قوة المشافهة، نعم يمكن حملها على التقية كما هو المظنة في المكاتبات، بل يشهد له خبر الريان لكن إن تم الإجماع الذي استظهرناه من عبارة الفاضل و غيرها، و لا ريب أن الأحوط التجنب، و الله أعلم.
المسألة الخامسة الثوب المغصوب لا تجوز و لا تصح الصلاة فيه إجماعا في الغنية و التذكرة و الذكرى و المحكي عن الناصريات و التحرير و نهاية الأحكام و كشف الالتباس و ظاهر المنتهى، بل قد يظهر من الأول كصريح الثاني و الخامس و السادس و البيان أيضا و الدروس و فوائد الشرائع و المحكي عن الموجز و الجعفرية و غيرها أنه لا فرق بين الساتر منه و غيره، بل عن المقاصد العلية نسبته إلى الأكثر، و في المدارك إلى العلامة و من تأخر عنه، قلت: بل هو ظاهر كل من أطلق، و على كل حال فقد يمكن
ج8،
تحصيله: أي الإجماع في خصوص الساتر منه المدعى عليه الإجماع زيادة على ما عرفت في جامع المقاصد و عن الغرية و إرشاد الجعفرية و روض الجنان، إذ المحكي عن الفضل بن شاذان من القول بالصحة فيه و في المكان المغصوب و نحوهما غير متحقق، و على تقديره غير قادح، و إن وافقه عليه جماعة من محققي متأخري المتأخرين، مع احتمال كون ذلك منهم للقاعدة، و إلا فقد يستظهرون من الأدلة الخاصة ما يقضي بالبطلان، فالخلاف منهم هنا غير متحقق، أما غير الساتر منه ففي المعتبر و المدارك عدم البطلان فيه، بل في الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام و المحكي عن المقاصد العلية و إرشاد الجعفرية الميل اليه، قال في المعتبر: «اعلم أني لم أقف على نص من أهل البيت (عليهم السلام) بإبطال الصلاة، و انما هو شيء ذهب اليه المشايخ الثلاثة و أتباعهم، و الأقرب انه إن ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة، لأن جزء الصلاة يكون منهيا عنه، و تبطل الصلاة بفواته، و أما لو لم يكن كذلك لم تبطل و كان كلبس خاتم من ذهب».
قلت: قد يناقش فيه بأنه يكفي فيه إطلاق الإجماعات السابقة المعتضدة بعدم ظهور مخالف محقق فيه قبله، مضافا إلى
خبر إسماعيل بن جابر(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) بل صحيحه بناء على توثيق محمد بن سنان، بل إرسال الصدوق له في الفقيه إلى الصادق (عليه السلام) على سبيل الجزم مما يشعر بوصوله اليه بطريق صحيح، خصوصا بعد التزامه أنه لا يورد فيه إلا ما هو حجة بينه و بين ربه، قال: «لو أن الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم، و لو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق و ينفقوه في حق»
بناء على إرادة عدم الاجزاء من عدم القبول كما هو الظاهر منه حال عدم القرينة، و على إرادة ما يشمل ما نحن فيه من الإنفاق و لو من حيث المنفعة، أو كونه مفهوما منه،
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
و
المرسل في المحكي من تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة(1)عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل «يا كميل انظر فيما تصلي و على ما تصلي إن لم يكن من وجهه و حله فلا قبول»
بل عن الطبري انه رواه في بشارة المصطفى عن كميل بسند لا يقدح ما فيه بعد الانجبار بما عرفت، بل يكتفي فيه إمكان دعوى معلومية اعتبار تجنب أمثال ذلك من المحرمات في الصلاة التي هي الوصلة إلى الله تعالى، و بأنه لا يتم بناء على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن الضد، بل و على ما هو المعلوم عند الشيعة من عدم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد شخصي، و لو لأنه فرد لكلي متعلق الأمر و فرد لكلي متعلق النهي، إذ لو قلنا إن الأمر بالكلي أمر بأفراده خصوصا مثل هذه الكليات كان منع الاجتماع واضحا، بل و كذا إن قلنا إنه مقدمة له لكن مثل هذه المقدمة التي لا يتصور حصول لذيها متميزا عنها تعامل معاملة المتعلق الأصلي في المنع قطعا، و ما نحن فيه بعد ضرورية حرمة التصرف و الانتفاع في مال الغير من ذلك قطعا، إذ القيام فيه و الركوع و السجود و غيرها من حركات الصلاة و أكوانها من التصرف و الانتفاع فيه، فيجتمع حينئذ فيه الأمر و النهي كالصلاة في المكان المغصوب و نحوه مما رجع النهي فيه إلى جزء الصلاة، بل هو مثل ما اعترف فيه بالفساد من القيام عليه و السجود عليه، فالمكلف إذا كان متلبسا بلباس مغصوب في حال الركوع مثلا فلا خفاء في أن الحركة الركوعية منه حركة واحدة شخصية محرمة، لكونها محركة للشيء المغصوب، فيكون تصرفا في مال الغير، فلا يصح التعبد به مع أنه جزء الصلاة.
و من ذلك يظهر وجه الفساد حتى لو كان خيطا كما صرح به في البيان و غيره، أو مصطحبا فضلا عما كان ملبوسا، لاتحاد الجميع فيما ذكرناه الذي لولاه لم يتجه الفساد فيما اعتراف فيه في الساتر منه، لأنه و إن كان شرطا لكن النهي عنه يقتضي الفساد فيه
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
ج8،
إذا كان عبادة لا مطلقا، و لذا لم يقدح إزالة النجاسة التي هي شرط لصحة الصلاة بالماء المغصوب مثلا، و الستر ليس عبادة قطعا، و إلا لما صح بدون النية، فليس الفساد فيه حينئذ إلا للاتحاد المزبور الذي إليه يرجع ما في الخلاف من الاستدلال على البطلان في المغصوب بأن التصرف في الثوب المغصوب قبيح، و لا تصح نية القربة فيما هو قبيح، و لا صلاة إلا بنية القربة، بل و ما عن الناصريات من أن صحة الصلاة و غيرها من العبادات انما يكون بدليل شرعي، و لا دليل، إذ الظاهر إرادته أنه بعد تعارض الأمر و النهي ينتفي المقتضي لصحة العبادة، لأن تحكيم الأمر على النهي ليس أولى من العكس، بل ربما ادعي أولويته أو تبادره، بل و ما في غيرهما من كتب الأصحاب مما يقرب إلى ذلك.
لكن قد يدفع ذلك كله عنه بعدم ثبوت إجماع محصل لديه، و عدم حجية مثل هذا المنقول منه عنده، كعدم حجية مثل هذه النصوص القاصرة سندا و دلالة، خصوصا مع عدم معروفية استناد الأصحاب إليها، و بمنع المعلومية المزبورة، بل لعل المعلوم خلافها في سائر المحرمات المقارنة، و بأن بناء المقام على مسألة الضد- مع أنه لا يخص الملبوس بل و لا المصطحب، و لا يتم مع فرض عدم الضدية، و مع وجوب حفظه عليه، و كان لا يتم إلا باللبس- موقوف على القول فيها بالاقتضاء المقتضي للفساد، و لعله لا يقول به، و بأن حاصل مراده كما في كشف اللثام أن النهي انما يقتضي الفساد إذا تعلق بالعبادة لجزئها أو لشرطها، و أدرجه هنا في الجزء في كلامه لجريانه مجراه باعتبار مقارنته، فإذا استتر بالمغصوب صدق انه استتر استتارا منهيا عنه، ضرورة كون الاستتار به عين لبسه و التصرف فيه، فلا يكون استتارا مأمورا به في الصلاة، فقد صلى صلاة خالية عن شرطها الذي هو الاستتار المأمور به، و ليس هذا كالتطهر من الخبث بالمغصوب، فإنه و إن نهي عنه لكن تحصل الطهارة، و شرط الصلاة انما هو
ج8،
الطهارة لا فعلها لينتفي الشرط إذا نهي عنه، و إذا سجد أو قام على المغصوب فعل سجودا أو قياما منهيا عنه لمثل ذلك، بخلاف ما إذا قام و ركوع و سجد لابسا للمغصوب متحركا فيه، إذ ليس شيء من ذلك عين التصرف فيه، و انما هو مقرون به، و التصرف هو لبسه و تحريكه، ثم قال: و هو كلام متين لا يخدشه شيء و ان اتجه البطلان بغير الساتر، بل و غير اللباس و غير المستصحب أيضا، بناء على الأمر بالرد أو الحفظ، مع منافاة الصلاة و كون الأمر نهيا عن الضد و اقتضائه الفساد إن كان الضد عبادة.
و من ذلك ظهر لك وجه الفرق بين الساتر و غيره، و انه يتجه الفساد مع حرمته و إن لم يكن عبادة يشترط في صحتها القربة، ضرورة أنه بعد فرض اعتبار صفة المأمورية فيه لم يمكن حصوله في المنهي عنه، سواء كان الأمر عبادة أولا، لعدم تصور الاجتماع في الجميع عندنا، فيكون العبادة منهيا عنها، لفقد شرطها.
و من الغريب ما في الرياض من دعوى عدم تصور الفساد في النهي عن الشرط إلا إذا كان عبادة قائلا إن النهي عن غيرها لا يقتضي إلا الحرمة التي لا تلازم بينها و بين فساد المشروط، و الستر من هذا القبيل، و إلا لما صح صلاة من ستر عورته من دون قصد القربة، بناء على اشتراطه في مطلق العبادة، و انها به تفترق عما ليس بعبادة، ثم قال: «و من هنا يظهر ما في دعوى بعض الأفاضل كون الستر عبادة- مشيرا به إلى ما سمعته من كشف اللثام، و قد حكاه عنه بلفظه إلى أن قال-: و محصل كلامه كما ترى في وجه الفرق بين التطهير و الستر كونه عبادة دون سابقه، إذ به تتم الخصوصية للستر، و قد عرفت ما فيه، فليت شعري ما الذي دعاه إلى جعله عبادة، و لم أرا له أثرا عدا تعلق الأمر بالستر، و ان الأصل فيما تعلق به أوامر الشرع أن تكون عبادة موقوفة على قصد القربة، و هذا بعينه موجود في إزالة الخبث عن الثوب، فان ادعى خروج ذلك بالإجماع على عدم اعتبار قصد القربة قلنا له كذلك الأمر في محل النزاع، و إلا
ج8،
لما صح صلاة من ستر عورته بمحلل بلا قصد قربة فيه، و هو خلاف الإجماع بل البديهة، و من هنا ظهر أنه لا وجه للفساد في المغصوب الساتر إلا ما قدمنا إليه الإشارة من كون الحركات الأجزائية منهيا عنها باعتبار كونها تصرفا فيه، و هذا لا يختلف فيه الحال بين الساتر و غيره».
قلت: قد عرفت تماميته من دون التزام بكونه عبادة، بل ليس في كلامه ما يوهم ذلك عدا قوله أولا إن النهي إلى آخره، و مراده من التعلق بالعبادة رجوع النهي إلى جزئها أو شرطها الذي ينافي النهي تحققه باعتبار دخول صفة المأمورية في الشرط كما كشف عنه ما سمعته من كلامه، نعم يتوجه عليه أنه ليس في الأدلة ما يستفاد منه اعتبار الصفة المزبورة في الشرط المقتضية على تقديرها بطلان صلاة من أجبر شخصا على تستيره بقبض إزار و نحوه إلى تمام الصلاة أو بعضها، و دعوى استفادتها من مجرد الأمر بها للصلاة- كما هو الظاهر من جعله ذلك كالقاعدة، و إلا لاستند إلى خصوص الأدلة في المقام- في غاية المنع، ضرورة كونه أعم من ذلك، فلعل مطلق الستر شرط العبادة و إن كان لا يؤمر إلا بالمحلل منه لا أن الشرط الستر المأمور به، فالمحرم حينئذ يتحقق به الشرط دون الأمر حتى لو كان دليل الشرطية منحصرا في الأمر، ضرورة ظهوره في الحكم الوضعي الذي هو غير مقيد بالتكليفي، اللهم إلا أن يقال: إنه هو المتيقن من الشرط، و غيره محل شك، و ليس في الأدلة إطلاق يقضي باجزاء الستر كيفما كان، بل قد يقال إنه الموافق لقوله: صل و استتر للصلاة الذي فرض عدم غيره من النصوص، إذ لا تكليف إلا بخطاب الشارع، و قولهم شرط و مانع انما هو أسماء للمحصل منه، و إلا فالمدار على امتثال نفس الخطاب، و لا ريب في عدمه في محل البحث، لعدم اندراجه تحت الأمر بالاستتار قطعا و إن لم يكن الأمر عبادة، لكن فيه أن المتجه عندنا الصحة فيما شك في شرطيته، تمسكا بإطلاق أوامر الصلاة، و الأمر بالاستتار منصرف كما في
ج8،
نظائره إلى إرادة بيان الشرطية، و لذا لا يقدح فيه الوقوع عن غفلة و نحوها، فتأمل جيدا، اللهم إلا أن يدعى الشك في كون ذلك مرادا من الإطلاق بحيث يشكل التمسك به عليه، لكنه كما ترى.
فالإنصاف كون المسألة جميعا من واد واحد بحسب القاعدة، إذ احتمال الفرق بين الساتر و غيره مبني على ما هو ممنوع، أو خروج عن محل البحث، كدعوى ظهور نصوص الشرطية في المحلل، أو أن الأمر به للصلاة يقضي بذلك، أو أن الستر المقارن للصلاة من جملة أجزائها كما هو ظاهر عبارة المحقق إن لم تنزل على ما عرفت، أو غير ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما سمعت، فان قلنا باتحاد كون الصلاة و كون التصرف اتجه المنع في الجميع، و إلا فلا.
و لعل عدم الاتحاد لا يخلو من قوة، و ذلك لأن المتصور في لبس المغصوب ثلاثة محرمات:
أو لها أصل الغصب، و هو لا يقضي بالفساد إلا على مسألة الضد كما عرفته سابقا.
و ثانيها لبسه بمعنى ملابسته، و هو لا يقضي بالفساد أيضا، ضرورة عدم كون اللبس أحد أجزاء الصلاة، إذ هو يرجع إلى حرمة كونه عليك لا كونك فيه، و من هنا كان المتجه الصحة في كل ما حرم لبسه كلباس الشهرة و غيرها، خلافا للأستاذ في كشفه، فقال في الشرائط: السابع أن لا يكون محرما من جهة خصوص الزي كلباس الرجال للنساء و بالعكس، و لباس الشهرة البالغة حد النقص و الفضيحة، و الحاصل أن كلما عرضت له صفة التحريم من الوجوه لا تصح به الصلاة على الأقوى، و كأنه إن أراد الأعم من الساتر بناه على اتحاد الكون المحرم و الواجب، لكن قد يستظهر من اقتصار الأصحاب على اشتراط ما عدا ذلك عدم البأس في ذلك، و أنه ليس من الاتحاد في شيء،
ج8،
و في
خبر يونس بن يعقوب(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و عليه البرطلة فقال: لا يضره»
و به أفتى الشهيد في الذكرى، و البرطلة بالتخفيف و قد تشدد قلنسوة، و لعلها من لباس الشهرة لبعض الناس، و في
صحيح العيص(2)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب المرأة و في إزارها و يعتم بخمارها قال: نعم إذا كانت مأمونة»
و هو محتمل للصلاة فيه لا على وجه زي النساء حتى يكون محرما، لكنه غير خفي عليك أنا في غنية عن إثبات الصحة به بإطلاق الأدلة السالم عن المعارض، نعم في خصوص الساتر منه البحث السابق، و قد عرفت أن التحقيق كونه كغيره بالنسبة إلى القاعدة، و الظاهر عدم اقتضائها الفساد هنا كما أوضحناه في الذهب، ضرورة عدم اتحاد اللبس مع شيء من أجزاء الصلاة، إذ ليس القيام و الركوع و السجود أفرادا له، بل هي أفعال تقارنه، فحرمة الملابسة حينئذ حالها لا تقتضي حرمة في شيء منها، و لعله لذلك بنى في الرياض البطلان في الذهب مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة على مسألة الضد مع قوله بالبطلان في المغصوب للاتحاد، و ليس إلا للفرق بينهما، فظهر حينئذ أنه لا اقتضاء البطلان في المغصوب من حيث اللبس.
و ثالثها تحريكه بالقيام و الركوع و السجود و نحوها، و لا ريب في حرمة ذلك، لكن قد يمنع اتحاده مع الأفعال المزبورة التي هي حركات للبدن و تصرف فيه من غير توقف على حركات اللباس، نعم تحريكه مقارن لها، فهو محرم حالها لا أنها هي هو، ضرورة كون المتحرك أمرين متغايرين هما البدن و اللباس، و الفرق بينه و بين المكان واضح بمعلومية ضرورية الجسم و أكوانه للمكان، بخلاف اللباس المعلوم كونه ليس من ضرورياته، و ما يتراءى في بادئ النظر- من أن هذه الأفعال نفسها تصرف في اللباس،
ج8،
و حرمة التصرف في مال الغير من الضروريات- يرفعه التأمل الجيد فيما ذكرناه، و أن مرجع هذا التصرف إلى التحريك المزبور، و ليس المدار على إطلاق التصرف فيه في العرف الذي لم يلتفت إلى التحليل المذكور، و من ذلك يظهر لك الحال في حمل المغصوب الذي أبطل الصلاة به أيضا جماعة، بناء منهم إما على مسألة الضد أو على الاتحاد المذكور، و فيهما معا ما عرفت، فالمتجه فيه حينئذ الصحة إن لم يقم إجماع أو غيره من الأدلة المعتبرة، و الظاهر عدم قيام شيء منها له، لأن المتعرض له بعض المتأخرين كالفاضل و بعض من تأخر عنه، خصوصا مع ذكر بعضهم المستند لذلك مما عرفت فساده، نعم يمكن دعوى تحققه في الساتر منه بل و في غيره، لكن قد يورث التردد فيه الاستدلال عليه من جماعة بما سمعت النظر فيه من مسألة الضد و الاتحاد و نحوهما، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه في مثل المقام الذي قد يقال فيه إنه لا أقل من الشك، لجميع ما سمعته سابقا في تناول الإطلاقات المقتضية للصحة لمثله، فيبقى شغل الذمة مستصحبا.
هذا كله في العالم بالغصب و حرمته، أما الجاهل بهما أو بالأول منهما فالوجه فيه الصحة، لعدم النهي المقتضي للفساد بسبب اتحاد الكونين، أو لانتفاء الشرط الذي هو الستر المأمور به، و كذا لو جهل بها خاصة جهلا يعذر به كغير المتنبه بغير تقصير منه، بخلاف غير المعذور منه الذي هو كالعالم في العقاب الذي عليه يترتب
الفساد هنا، و احتمال انحصار إثمه بترك السؤال خاصة، فلا عقاب عليه في الخصوصيات قد بينا ضعفه سابقا، و إطلاق بعضهم البطلان هنا لجهل الحرمة كإطلاق عدمه من آخر محمول على التفصيل المزبور، و جهل البطلان هنا لا أثر له كنسيانه، لأن المدار على علم الحرمة كما هو واضح، و لعله المراد من إطلاق بعضهم البطلان مع العلم بالغصب و إن جهل الحكم أو هو مع الحرمة إذا لم يكن معذورا، و الجهل بأسباب الغصب و ما في حكمه من أحكام المعاملات و نحوها لا يعذر فيه إلا غير المقصر، كالجهل بالحرمة الذي منه أو في حكمه
ج8،
نسيان الحرمة أيضا، ضرورة كونه بنسيانه رجع إلى الجهل.
و لعله لذا قال في البيان و عن كشف الالتباس و المقاصد العلية و روض الجنان من أن ناسي الحكم كجاهله، بخلاف نسيان الغاصب، من غير الغاصب، فإنه عذر قطعا، لعدم تكليفه بعدمه، للأصل و عدم القدرة عادة في أكثر أفراده، فلا نهي حينئذ يعارض الاجزاء الحاصل بامتثال الأمر بالصلاة مستترا حتى يحكم عليه، أو تحتاج الصحة إلى شيء غير الأمر، و ليس، و الفرض انحصار مقتضى الفساد بالنهي، أما الغاصب فلا ريب في عذرية غير المقدور منه عادة بالنسبة اليه، و على فرض خروجه مطلقا عن القدرة فهو عذر مطلقا، فتصح صلاته حينئذ و لا إعادة عليه في الوقت و لا في خارجه، لما عرفت وفاقا للبيان و جامع المقاصد و حاشية الإرشاد و المحكي عن ابن إدريس و المنتهى و إرشاد الجعفرية، و خلافا للقواعد و التذكرة و المحكي عن نهاية الأحكام و الإيضاح و الموجز الحاوي و روض الجنان، بل قيل: إنه مقتضى إطلاق الفتاوى، فيعيد في الوقت بل و خارجه على الظاهر من إطلاقهم الإعادة، و الدروس و ظاهر الذكرى و المحكي عن المختلف، فيعيد في الوقت لا في خارجه، إذ ليس للأول إلا أنه كالمصلي عاريا، لأن هذا الستر كالعري و كالتستر بالظلمة و باليد و بالنجس، و أنه مفرط بالنسيان، لأنه قادر على التكرار الموجب للتذكار، و أنه لما علم كان حكمه المنع من الصلاة، و الأصل بقاؤه، و لم يعلم زواله بالنسيان.
و في الأول أن الفرق واضح بعدم حصول الشرط في المشبه به، و حصوله في المشبه، ضرورة عدم المانع شرعا، لصلاحية الامتثال به، و دعوى أن أوامر الستر تنصرف إلى المحلل يدفعها- مع أن فرض البحث كون الفساد من النهي الذي لا يجامع الأمر- أنه محلل له واقعا ما دام الوصف و ان ضمن الأجرة، إذ لا ينبغي بالمباح إلا ما لا عقاب على فعله، فان قيل: إن المراد انصراف أوامر الستر إلى غير هذا الفرد
ج8،
كانت دعوى بلا شاهد، بل اتفاقهم ظاهرا في الحكم بالصحة مع الجهل هنا و في المكان و غيرهما مما يشهد بخلافها، إذ ليس الجهل إلا عدم العلم كالنسيان مما رفع المؤاخذة عليه.
و في الثاني ما في جامع المقاصد لا نسلم أن التكرار الموجب للتذكار يمنع عروض النسيان، و الوجدان يشهد بخلافه، قلت: على أنه يفرض البحث في غير المفرط بسبب الاشتغال بواجب مضيق أهم منه، أو بغير ذلك، بل قد يقال بعدم المؤاخذة له حال النسيان و إن فرط حتى نسي، ل خبر الرفع(1)و للإجماع في جامع المقاصد على عدم الإثم على الناسي، و العقاب على التفريط حتى نسي لا يستلزمه بعد تحققه المقتضي لاندراجه في موضوع خبر الرفع، كالمضطر باختياره.
و في الثالث أن الاستصحاب لا وجه له هنا بعد معلومية كون الفساد للنهي المنتفي في محل البحث، فلا حاجة حينئذ إلى الاستناد في قطعه إلى خبر الرفع بمحله على رفع جميع الأحكام التي منها عدم الإعادة، لأنه أقرب المجازات، أو على إرادة إلغاء الفعل الحاصل معه من الرفع، فلو ثبت له شيء من الأحكام لم يصدق إلغاؤه كي يناقش في الأول بمنع إرادة العموم المستلزم زيادة الإضمار، و في الثاني بأن صحة الصلاة معه تستلزم ثبوت حكم له، فلا يصدق الرفع الكلي و يحتاج في الدفع إلى ما أطنب به في جامع المقاصد من «أن زيادة الإضمار في اللفظ لا المدلول، فلو كان أحد اللفظين أشمل و هما في اللفظ سواء لم يتحقق الزيادة، بل زيادة الإضمار لازمة له بتقدير بعض الأحكام، بخلاف تقدير لفظ «من» دون «بعض» على أن الاقتصار على الأقل إذا كان بمرتبة واحدة، فلو اقتضى المقام الأكثر وجب المصير اليه، و ليس المراد رفع جميع الأحكام حتى المترتبة على النسيان باعتبار كونه عذرا، بل المراد رفع الأحكام المترتبة على الفعل إذا وقع عمدا، فان المعنى و الله أعلم اغتفر لأمتي الأمر الممنوع منه إذا كان
1) 1 الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس- من كتاب الجهاد.
ج8،
حفظا أو نسيانا حتى كأنه لم يكن، فلا يتعلق به شيء من أحكام عمده، و لو قدرنا أن المراد رفع جميع الأحكام فإنما يرفع الحكم الممكن رفعه لا مطلقا، و ما ذكره غير ممكن الرفع، لامتناع الخلو عن جميع الأحكام الشرعية» إلى آخره. مع انه لا يخلو بعض كلامه من نظر، و العمدة ما ذكرنا.
و ليس لما في المختلف سوى ما حكي عنه من أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه، فلم يخرج عن العهدة، فيعيد في الوقت لا في خارجه، لأن القضاء محتاج إلى أمر جديد، و فيه أن مقتضى الأدلة السابقة الاشتراط بعدم العلم بالغصب لا عدم الغصب، فهو حينئذ على وجه، و لو لم تكن على وجهها فهي فائتة، و من فاتته فريضة فليقضها إجماعا و نصا(1)و لعله لذا عدل عنه في الذكرى إلى الاستدلال بأن السبب و هو الوقت قائم، و لم يتيقن الخروج عن العهدة، بخلاف ما بعد الوقت، لزوال السبب، و القضاء يحتاج إلى أمر جديد، و إن كان فيه ما فيه أيضا، و على كل حال فلا وجه للتفصيل المزبور، كما أنه لا وجه لما في كشف اللثام من أنه يمكن الفرق بين العالم بالغصب عند اللبس الناسي له عند الصلاة و بين الناسي له عند اللبس، لتفريط الأول ابتداء و استدامة دون الثاني، ضرورة أنه لو أثر ذلك لأثر أصل التفريط بالغصب في الثاني أيضا، فتأمل.
و لو أذن صاحبه لغير الغاصب أوله في الانتفاع به فضلا عن خصوص الصلاة فيه جازت الصلاة فيه و صحت بلا إشكال و لا خلاف، لعدم حرمة التصرف عليه كي يقتضي ذلك البطلان، و قول المصنف مع تحقق الغصبية محمول على إرادة الضمان، أو على إرادة أن العين باقية على الغصب بسبب منع يد المالك عنها و إن كان اللبس و الحركات مأذونا فيها، فان هذا الاذن لا ينافي الغصب للعين بالمعنى المذكور،
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب قضاء الصلوات.
ج8،
أو على إرادة تحقق الغصب في غير ما أذن له فيه، أو غير ذلك مما لا يقتضي الغصب فيما أذن له فيه، ضرورة امتناع اجتماعهما، كما هو واضح، و في جواز رجوعه عن الاذن في أثناء الصلاة مع اقتضاء النزع البطلان وجوه، ثالثها التفصيل بين الاذن باللبس و بين الاذن بخصوص الصلاة فيه، فيجوز في الأول لا الثاني، تسمع تمام البحث فيها في المكان إن شاء الله، كما أنك تسمع فيه إن شاء الله غير ذلك مما له تعلق في المقام.
و لو أذن مطلقا بأن قال: أذنت في الصلاة فيه أو لكل أحد جاز لغير الغاصب قطعا، أما له فلا، عملا على الظاهر من حاله المستفاد من عادة غالب الناس من الحقد على الغاصب و ميل النفس إلى مؤاخذته و الانتقام منه، فيقيد به المطلق و يخص به العام بلا خلاف أجده بين من تعرض له، كالفاضل و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، و مرجعه إلى ظن إرادة غيره من العام و المطلق، فيكون حينئذ هو المدار وجودا و عدما، إذ لا ريب في اختلافه باختلاف الأشخاص و كيفيات الغصب و غير ذلك، نعم قد يتوقف في الخروج عن ظاهر اللفظ بمثل هذا الظن، خصوصا في تخصيص العام الذي يمكن دعوى تعبدية العمل بظاهره، إلا أن يعارض بظاهر آخر علم حجيته، بل قد يمنع حصول الظن مع التصريح بالعموم اللغوي خصوصا إذا أكده، فتأمل جيدا.
المسألة السادسة لا تجوز الصلاة فيما يستر ظهر القدم كالشمشك بضم الأولين و سكون الثالث، و قيل بضم الأول و كسر الثاني، لكن في كشف اللثام و لعله ليس بصواب- عند أكثر القدماء كما في المفاتيح، و كبراء الأصحاب كما في جامع المقاصد، بل الأشهر كما في البيان، بل المشهور كما في المسالك و الروضة و حكاه الفاضلان و غيرهما عن الشيخين في المقنعة و النهاية، بل في المدارك زيادة ابن البراج و سلار، لكن المحكي عنهم جميعا و الجامع في كشف اللثام لا تجوز في الشمشك و النعل السندي مع استثناء الصلاة على الموتى من سلار، و لا يظهر منه إلا النهي عنهما بخصوصهما، فقد لا يكون لسترهما ظهر
ج8،
القدم كما ظنه الفاضلان و غيرهما ممن سمعت حتى نسبه إلى الشهرة و نحوها، بل لورود خبر(1)بهما كما عن الوسيلة، أو لأنه لا يمكن معهما الاعتماد على الرجلين في القيام أو على أصابعهما أو إبهاميهما على الأرض عند السجود، نعم هذا التعميم خيرة المصنف و الفاضل في بعض كتبه و الشهيد و المحكي عن السرائر، خلافا للفاضل في بعض آخر من كتبه و المحقق الثاني و الفاضل الميسي و الشهيد الثاني و سبطه و الكاشاني فالكراهة، كما عن المبسوط و الوسيلة و الإصباح لكن مع عدم التعميم المزبور، بل خصوصا بالشمشك و النعل السندي، و عن مجمع البرهان و البحار و الكفاية الجواز من غير تعرض للكراهة، و في الروضة أن الجواز قوي متين، و لم يتعرض له في الدروس، و ضعف ما في المعتبر من دليل المنع في الذكرى.
و كيف كان فلا ريب في أن الأقوى الجواز، لإطلاق أوامر الصلاة، و إطلاق جوازها في النعل، و
التوقيع(2)المروي عن الاحتجاج و غيره «إنّ محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله هل يجوز للرجل أن يصلي و في رجليه بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟ فوقع (عليه السلام) جائز»
بناء على إرادة العظمين من الكعبين فيه، بل و على إرادة قبتي القدم منهما إن قلنا بأن موضوع البحث ما يستر ظهر القدم بعضا أو كلا كما فهمه في حاشية الإرشاد و إن كان خلاف ظاهر هم، و البطيط رأس الخف بلا ساق، كأنه سمي به تشبيها بالبط، و غير ذلك مما هو سالم عن معارض معتد به، إذ ليس إلا ما في المعتبر من عدم فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الصحابة و التابعين، يعني(3)و
قوله (صلى الله عليه و آله): «صلوا كما رأيتموني أصلي»
و
المرسل(4)في الوسيلة «روي أن الصلاة محظورة في الشمشك و النعل السندية»
ج8،
و
خبر سيف بن عميرة(1)«لا يصلى على جنازة بحذاء»
مع أن صلاتها أوسع من غيرها.
و الجميع كما ترى، إذ الأول شهادة على نفي غير محصور، إذ من الذي أحاط علما بأنهم كانوا لا يصلون فيه، و احتمال كون المراد منه الدليل الثاني- فيكون المراد أنه يجب أن يصلى كما رأوه يصلي، فلا يجوز أن يصلى إلا فيما رؤي يصلي فيه، أو رأى غيره فأقره عليه، فيكفي في المنع حينئذ عدم العلم بصلاتهم فيه- يدفعه أولا أنهما دليلان مستقلان لا يدخل أحدهما في الآخر، ضرورة رجوع الأول منهما إلى أدلة التأسي المطلقة، و الثاني إلى خصوص الخبر المزبور، و ثانيا أن المراد بالخبر بعد التسليم وجوب الصلاة عليهم كصلاته (صلى الله عليه و آله) التي رأوها منه، فكل فعل فيها أولها و ترك كذلك يجب فعله و تركه، أما إذا كان محتملا لعدم اعتياده لهم فإنه ليس لباس العرب و الحجاز فليس مما رأوه تركه للصلاة، إذ ذاك انما يعلم باستمرار نزعه لها، بل في جامع المقاصد لو علم نزعهم له حال الصلاة لم يكن دالا على ذلك لأعميته منه و من الاستحباب، و إن كان قد يناقش بمنافاته الخبر المزبور، بل و الدليل التأسي السابق الذي لا يفرق فيه بين الفعل و الترك، اللهم إلا أن يعتبر في مفهومه معرفة الوجه كما هو ظاهر كلام الأصوليين.
و في الثاني- بعد تسليم حجية مثله مما لم نجده مسندا في طرقنا، مضافا إلى ما عرفت- ما في كشف اللثام، قال: «إنه ظاهر في إرادة أجزاء الصلاة و كيفياتها لا كيفيات شروطها» قلت: «بل لو كان المراد من هذا الخبر تناول اعتبار كل ما تركه (صلى الله عليه و آله) في صحة الصلاة و إن لم يعلم كونه لها لكان مقتضاه ثبوت فقه جديد لا يقول به أحد من الإمامية بل و لا من المسلمين، و ليس هو من التخصيص قطعا بناء على جوازه و إن كان أضعاف الداخل، بل هو مما لم يرد فيه العموم أصلا كما ذكرنا، و لعله إلى
1) 1 الوسائل- الباب- 26- من أبواب صلاة الجنازة- الحديث 1 من كتاب الطهارة.
ج8،
ذلك يرجع ما عن المختلف من الجواب بأن المراد المتابعة في الأفعال و الأذكار لا في الجميع، إذ لا بد من مفارقة بين المثلين و إلا اتحدا، يعني لا في التروك، و إلا لم تجز الصلاة إلا في عين ما صلى فيه من اللباس و المكان و الزمان، لأنه (ص) تارك للصلاة في غيرها و إن قال:
لا بد من المتابعة في ترك نوع ما تركه لزم أن لا تجوز الصلاة إلا في الأنواع التي صلى فيها من الألبسة، فلم يجز في غيرها و لا يقول به، و احتمال أن له أن يقول لا بد من المماثلة في كيفية الستر لا كيفيات الألبسة في أنفسها و لا في أنواعها يدفعه ما عرفت، مع أنه تشهي و تحكم.
و في الثالث أنه- مع عدم حجية مثله، و عدم اقتضائه التعميم الذي في المتن و غيره، و عدم العمل به ممن أرسله- لا يصلح معارضا لما سمعت، و دعوى جبر سنده و دلالته بالشهرة كما ترى.
و في الرابع- مع قصوره أيضا- أنه غير معمول بظاهره كما ستعرفه إنشاء الله في صلاة الجنازة كي يستفاد من فحواه ما نحن فيه، و دعوى أن المراد من هذه الأدلة منضمة إلى الشهرة حصول الشك، فيجب حينئذ اجتنابه تحصيلا ليقين البراءة يدفعها أنها قاصرة عن إفادة الشك أيضا حتى الشهرة بين القدماء و بعض المتأخرين في خصوص الشمشك و النعل السندي لو قلنا بتحققها بذهاب من عرفت بعد نفي إرادتهم الكراهة من نفي الجواز كما وقع لهم، لمعارضتها بالشهرة المتأخرة و غيرها مما سمعت، على أنه قد عرفت غير مرة عدم شرطية المشكوك فيها عندنا، فلا محيص عن القول بالجواز.
نعم لا يبعد الكراهة في خصوص الشمشك و النعل السندي تنزيلا لمرسل ابن حمزة(1)عليها، و لو جعلناهما فيه مثالا لكل ما يستر ظهر القدم أو قلنا بالاكتفاء فيها بالتفصي عن شبهة الخلاف أو بفتوى الفقيه أمكن القول بالتعميم.
1) 1 الوسائل- الباب- 38- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
ج8،
ثم ان الظاهر كما عرفت اختصاص البحث منعا أو كراهة بما يستر تمام ظهر القدم، أما ما ستر بعضه فينبغي القطع في جوازه، لكن في حاشية الإرشاد للكركي التعميم في الكراهة، كما عن البحار أنه لا يبعد شموله لما يستر أكثر ظهر القدم، و لعلهما أخذا ذلك من التمثيل بالشمشك و النعل السندية، و هما غير ساترين تمام ظهر القدم على الظاهر، و كأن المجلسي (رحمه الله) لحظ في اقتصاره على إلحاق الأكثر إنهما- خصوصا الشمشك بناء على أنه المشاية البغدادية كما عن مجمع البحرين نسبته الى بعضهم، و لعلها المسماة عندنا الآن باليمني- يستران الأكثر، و هو كما ترى خروج عن ظاهر عبارات الأصحاب بالتهجس، نعم يمكن إلحاق ما استغرق تمام الظهر و لم يستر لعدم كثافته أو لأن فيه بعض الخروق التي لم تخرجه عن اسم الساتر، بل جزم به الأستاذ في كشفه، بل يمكن القول بعدم المداقة في استيعاب تمام الظهر، و الظاهر أن المراد المتخذ لباسا كذلك، فلا يشمل الستر بخرقة و نحوها، و لو خيط بغيره من السروال و نحوه أمكن ارتفاع الكراهة و الحرمة، بخلاف الملبوس معه من غير خياطة و إن كان متصلا به.
و كيف كان ف يجوز بلا كراهة فيما له ساق كالخف و الجورب إجماعا بقسميه و نصوصا(1)و المراد من كون الساق له أنه يغطى بعض الساق، لكن يكفي فيه مسمى تغطية بعض الساق لا أن المراد وضعه على أن له ساقا و ان كان لبسه من لا يغطى به بعض ساقه، مع احتماله و يكون المدار على الوضع، لكن يشكل بأن مقتضاه المنع أو الكراهة من الصلاة فيما لا ساق له لمن يغطى به بعض ساقه لصغر قدمه، و لعلنا نلتزمه، و أولى بالجواز الصلاة بذي الساق الذي لم تحصل فيه التغطية الفعلية لعارض في ساقه من كف و نحوه، فتأمل.
و يستحب في النعل العربية إجماعا محكيا إن لم يكن محصلا صريحا و ظاهرا،
1) 1 الوسائل- الباب- 31- من أبواب النجاسات.
ج8،
للنصوص الكثيرة(1)حتى أن في بعضها
عن الرضا (عليه السلام)(2)«و أفضل موضع القدمين للصلاة النعلان»
لكنها مطلقة نزلها الأصحاب على العربية للانسياق من الإطلاق، و لأنها هي التي لا تمنع من السجود على الإبهامين و غيره مما يعتبر في الصلاة، لا لتعارف اللبس الذي لا يقضي بتعارف الإطلاق، إلا أن الانصاف عدم خلوه من إشكال، و لذا عمم الحكم في المدارك و المحكي عن البحار، و يؤيده التسامح، نعم ينبغي استثناء النعال الملس المسماة بالممسوحة، و كأنها لعدم تخصيرها، و للمبالغة في النهي عنها في النصوص(3)كالنعل السوداء(4)المضعفة للبصر و المرخية للذكر و المورثة للهم، عكس الصفراء التي
«لم يزل لابسها مسرورا حتى يبليها»(5)
بل ان كانت مائلة إلى البياض
«لم يعدم مالا و ولدا»(6)
كما أن البيضاء
«لم يبلها حتى يكتسب مالا من حيث لا يحتسب(7).
المسألة السابعة كل ما عدا ما ذكرناه من الذهب و لباس الشهرة و غيرهما مما حرم لبسه و ذكره المصنف تصح الصلاة فيه بشرط أن يكون مملوكا عينا و منفعة أو منفعة غير ممنوع من التصرف فيه برهن أو غيره أو مأذونا فيه عموما أو خصوصا منطوقا أو مفهوما، بل لو أفادت القرائن القطعية الرضا الفعلي جاز أيضا، إذ احتمال التعبد بالألفاظ مقطوع بعدمه، بل يمكن دعوى القطع من النصوص(8)و السيرة القطعية و غيرها الاكتفاء بها في تحصيل الرضا التقديري، بمعنى أنه لو علم بذلك لرضي
1) 1 الوسائل- الباب- 37- من أبواب لباس المصلي.
2) 2 الوسائل- الباب- 37- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 33- من أبواب أحكام الملابس من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 38- من أبواب أحكام الملابس من كتاب الصلاة.
5) 5- الوسائل- الباب- 40- من أبواب أحكام الملابس من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 39- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
7) 7 الوسائل- الباب- 39- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
8) 8 الوسائل- الباب- 3- من أبواب مكان المصلى.
ج8،
به، أما القرائن المفيدة ظنا بالاذن الفعلية أو الاذن التقديرية فتسمع البحث فيها في المكان إن شاء الله، و كان اشتراط المصنف ذلك هنا مع تقديمه حكم المغصوب الذي قد يظن أن غيره ليس إلا المملوك أو المأذون فيه، فيندرج حينئذ فيما ذكره، لأعمية غير المغصوب من ذلك كالمشتري بالبيع الفاسد و غيره مما لا يندرج تحت اسم المغصوب عرفا و إن كان هو بحكمه شرعا في عدم جواز الصلاة فيه لفقده الملك و الاذن و غيره.
و أما اشتراط أن يكون طاهرا فهو مفروغ منه في الجملة و انما لم نذكره هنا لأنه قد بينا حكم الصلاة في الثوب النجس مفصلا في كتاب الطهارة، و منه يعلم اشتراط الطهارة، فلاحظ و تأمل.
و كيف كان ف يجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد قولا واحدا و نصوصا(1)و ما في بعض النصوص(2)من الأمر بلبس ثوبين محمول على الاستحباب، كآخر(3)الدال على وضع شيء على منكبيه إذا صلى بالسراويل، ضرورة كون المستفاد من الأصل و النصوص(4)و الفتاوى وجوب ستر العورة خاصة للرجل في الصلاة من غير مدخلية للاتحاد و التعدد، فلو تستر حينئذ بمجموع ثوبين كل منهما غير ساتر بانفراده جاز كالثوب الواحد الساتر بلا خلاف أجده، عدا ما عساه يظهر مما في المقنعة «لا تجوز في قميص شف لرقته حتى يكون تحته غيره كالمئزر و السراويل أو قميص سواه غير شفاف» و هو- مع أنه قد لا يريد الاشتراط بحيث لا يجوز في الفرض- ضعيف محجوج بالمستفاد نصا و فتوى من إجزاء مطلق الستر من غير اشتراط أمر زائد، مضافا إلى الأصل، و إطلاق مرفوع أحمد بن حماد(5)الآتي مراد منه ما لا يشمل ذلك قطعا، فليس
ج8،
الشرط حينئذ إلا سترها.
نعم في اعتبار سترها حتى حجمها خلاف بين الأصحاب، خيرة الفاضلين و الذكرى و المحكي عن ابن فهد و الصيمري و البحار و المدارك و المنظومة على ما حكي عن البعض الثاني، للأصل و تحقق الستر، و لتجويز الصلاة في قميص واحد إذا كان كثيفا في صحيح محمد بن مسلم و حسنه(1)و الكثافة لا تفيد إلا ستر اللون، و لأن جسد المرأة كله عورة، فلو وجب ستر الحجم وجب فيه، و هو معلوم البطلان في الصلاة فضلا عن غيرها، خصوصا في الإحرام و نحوه، و ل
قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر عبيد الله الواقفي(2)لما أطلى فقيل له: رأيت الذي تكره، فقال: «كلا ان النورة سترة»
بل
فيه أيضا انه (عليه السلام) «كان يطلي عانته و ما يليها، ثم يلف إزاره على أطراف إحليله، ثم كان يدعو القائد فيطلي سائر جسده»
و ل
مرسل محمد بن عمر(3)«ان أبا جعفر (عليه السلام) تنور فلما أن أطبقت النورة على بدنه ألقى المئزر، فقيل له في ذلك، فقال: أ ما علمت أن النورة قد أطبقت العورة».
لكن قد يناقش في ذلك كله بمنع تحقق الستر المطلق، لا المقيد باللون مثلا عرفا بدون الحجم، إذ المراد به الشبح الذي يرى من خلف الثوب من غير تمييز للونه، لا أن المراد به شكله الذي يرى مع الثوب حال لفه به مثلا، فان ذلك لا يمنع تحقق الستر قطعا، انما البحث في الأول الذي هو عند التأمل الجيد أبصار لنفس البشرة من خلل الساتر و إن لم يتميز لونها، ضرورة عدم كون المتستر به صقيلا ترتسم فيه صورته، أو يحدث به ظل كي يكون هذا المرئي مثاله أو ظله، بل ليس هو إلا نفس الجسم،
ج8،
مع أنه يمكن منع الاجتزاء بالأول منهما، لعدم كونه سترا عرفا، و ل
مرفوع أحمد بن حماد(1)«لا تصل فيما شف أو وصف»
الذي قد يدعى أولوية إرادته من وصف الثوب فيه مما نحن فيه، قال في التهذيب: يعني «الثوب المصقل» و هو إما كلام الشيخ أو أحد الرواة كما جزم به في الوافي، و أنه تفسير للوصف، و عن المقنع و هو المصقل، قال في كشف اللثام: «و هو يعطي إهمال الصاد إن كان تفسيرا له، أو للفظين كالقاع الصفصف أي الأملس» قلت: لم أر من احتمل كونه بالضاد المعجمة عداه، فإنه قال:
يجوز أن يكون بإعجام الضاد من الضف: أي الضيق كما في الصحاح عن أبي يزيد، و في الفائق عن ابن الأعرابي و الضيق يؤدي إلى الوصف، و فيه مع أن المعروف كونه بواوين من الوصف، و إن قال الشهيد في الذكرى: إن في خط الشيخ أبي جعفر «أوصف» بواو واحدة ان الضيق قد يؤدي إلى وصف الحجم الذي قد عرفت أنه لا ينبغي البحث في عدم وجوب ستره، و قال في الذكرى: «معنى شف لاحت منه البشرة، و وصف حكى الحجم» و في الوافي شف الثوب: أي رق، فحكى ما تحته و وصفه، و المتجه حينئذ على ذلك بقاء النهي على الحرمة، لكن عن الوسيلة كراهية الثوب الشاف، و المهذب الشفاف، إلا أنه قال في كشف اللثام: فاما أن يريد الصقيل أو الرقيق كما في المبسوط و النهاية و النفلية: أي رقيقا لا يصف البشرة كما في المنتهى و التحرير، أو مع وجود ساتر غيره، قلت: لا الشفاف الذي في الخبر المزبور الذي قد سمعت تفسيره بما لا يناسب الكراهة.
نعم لا بأس بإرادة الأعم مما نحن فيه و الارتسام من الخبر المزبور، فيكون حينئذ مؤكدا لما قلناه من عدم حصول الستر به، مع احتمال أن يقال: لو قلنا بعدم تيقن توقف صدق الستر على ستر الحجم باعتبار ستره في خصوص الصلاة للخبر المزبور
1) 1 الوسائل- الباب- 21- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
ج8،
الذي لم يظهر من الأصحاب الإعراض عنه بالنسبة إلى ذلك، إذ إطلاقهم الستر محتمل لما يشمله باعتبار توقف الصدق عليه، و إرساله بعد كونه في الكتب المعتمدة و قيام بعض القرائن على صحته غير قادح، لا أقل من أن يكون ذلك مضافا إلى ما ذكرنا موجبا للشك، فيجب حينئذ تحصيلا ليقين البراءة، بناء على أصالة الشغل، بل و على المختار إن قلنا بانقداح الشك بذلك في المراد من الإطلاقات كما قررناه غير مرة، و دعوى عدم الشك للأدلة المزبورة يدفعها أنه قد ظهر مما ذكرنا خروج أكثرها أو جميعا عن الدلالة على عدم ستر الحجم بالمعنى الذي ذكرناه حتى صحيح ابن مسلم(1)إذ الكثافة غالبا تستره بالمعنى المراد، بل الخبران(2)منها لا يحتملان أو ظاهران في إرادة العانة لا القضيب الذي لم يتعارف وضع النورة عليه، و لعله لذلك أو و غيره كان خيرة الأستاذ الأكبر الأول: أي وجوب الستر، بل هو المحكي عن فوائد الشرائع و فوائد القواعد و الجعفرية و جامع المقاصد، و إن كان لم نعثر عليه في الأول، و الذي عثرنا عليه في الأخير عدم الخلو من قوة، نعم حكاه فيه عن الذكرى و غيرها، و لم نجده فيها صريحا، و قد ينقدح من تلك الأدلة المزبورة لفظية النزاع بحمل الحجم في كلام النافي على غير الحجم في كلام المثبت.
و كيف كان فالمدار على تحقق إطلاق الستر بدون قيود كالستر في غير الشمس و عدمه فيها و إن قرب أو بعد للمعمق في النظر و عدمه و لحاد البصر و عدمه و نحو ذلك، فان الظاهر تحقق مصداق لمطلقه في العرف، فيكون هو المدار، ضرورة كونه هو متعلق الحكم لا المضاف منه، و الحجم فيه بناء على وجوب ستره كاللون في ذلك، و الله أعلم.
و لا يجوز للمرأة الحرة إلا في ثوبين: درع و خمار ساترة جميع جسدها
ج8،
بهما أو بغيرهما مما يجزي الستر به، ضرورة عدم مدخلية خصوصهما في الصحة، فذكرهما في بعض النصوص(1)و الفتاوى للمثال، انما الكلام هنا فيما يجب ستره من بدنها، ففي التذكرة و عن المعتبر و المختلف «عورة المرأة الحرة جميع بدنها إلا الوجه بإجماع علماء الأمصار» و في المحكي عن المنتهى «بدن المرأة الحرة عورة بلا خلاف بين كل من يحفظ عنه العلم» و لعله يريد ما عدا الوجه بقرينة ما حكي عنه أيضا من أنه لا يجب ستر الوجه في الصلاة، و هو قول كل من يحفظ عنه العلم، و في الذكرى «أجمع العلماء على عدم وجوب ستر وجهها إلا أبا بكر بن هشام» و في التنقيح و عن الروض الإجماع على ذلك أيضا، مضافا إلى ما سمعته من معاقد الإجماعات السابقة التي ظاهرها الاستثناء من موضوع العورة لا عدم الستر في الصلاة خاصة حتى يجمع بينها و بين معقد إجماعه بذلك، نعم يمكن أن يجاب بنحو ذلك بالنسبة إلى معقد إجماعيه و ما شابههما، كما أنه يجاب بنحوه عن المناقشة في المعقد إجماع الكتب السابقة عليه بما تسمعه من الإجماع صريحا و ظاهرا منها و من غيرها على عدم وجوب ستر الكفين في الصلاة، فيقال حينئذ إنه عورة لا يجب سترها في الصلاة.
لكن قد يناقش في ذلك كله بما تعرفه إن شاء الله في باب النكاح من الخلاف في الجواز النظر للأجنبي إلى الوجه و الكفين، بل في الرياض أن المشهور فتوى و رواية الجواز في الجملة أو مطلقا، و حينئذ يشكل كونها عورة مطلقا، إذ معظم أحكامها النظر و الستر في الصلاة مثلا، و من هنا قال في الرياض: لا يأتي لنا القطع بكون المرأة بجملتها عورة من جهة الإجماع لمكان الخلاف، نعم في جملة(2)من النصوص العامة و الخاصة ما يدل عليها، لكنها بحسب السند قاصرة، و دعوى جابرها بفتوى العلماء غير ممكنة على سبيل الكلية، بل هي جابرة في الجملة، كما أن منه يعرف ما في شرح الأستاذ
ج8،
الأكبر، حيث أنه بعد أن ذكر أن مقتضى الإجماع و الأخبار وجوب ستر ما سمي عورة قال: «لا شك أن المرأة كلها عورة لغة و عرفا، أما لغة فظاهر، و أما عرفا فلأن المتعارف التعبير عنها بالعورة، و إطلاق هذه اللفظة عليها شائع ذائع مع عدم صحة السلب، على أنه قد ثبت كونها عورة شرعا من الأخبار مثل
«ان النساء عي عورات»(1)
و غيره و الإجماع، فإن الفقهاء قد اتفقت كلمتهم على أن المرأة كلها عورة، ثم يستثنون شيئا منها.
و من الغريب دعواه ظهور أنها عورة لغة و عرفا، قال في المجمل: «عورة الإنسان سوأته، و كل شيء يستحي منه عورة» و في مختصر النهاية ما يستحي منه إذا ظهر، و المراد أنه يستحيى منه في نفسه لكل أحد يراه، و لا ريب أن المرأة لا تستحيي من خروج شيء من جسدها لمثلها أو لمحارمها مثلا، كما أن الرجل لا يستحيي إلا من خروج سوأته، و أما العرف فليس العورة فيه إلا السوأة، نعم لما عرف وجوب الستر للمرأة عن النظر و للصلاة و غيره من أحكام العورة تعارف حتى في النصوص المدعاة إطلاق اسم العورة عليها بطريق الحمل مرادا منه أنها بمجموعها لا جميعها كالعورة في أكثر الأحكام، نحو
قولهم(2): «الطواف في البيت صلاة»
لا أن لفظ العورة مشترك فيه بين السوأة و المرأة لفظا أو معنى كما هو واضح بأدنى تأمل في العرف و اللغة و في كلامهم في البحث عن العورة، و لو سلم فلا دليل على وجوب ستر المسمى بالعورة في الصلاة، بل أقصى مفاد النصوص وجوب ستر السوأة كما لا يخفى على من تأملها.
ج8،
فظهر من ذلك كله أنه يمكن حينئذ نفي كل ما شك في وجوب ستره منها في الصلاة بالأصل السالم عن معارضة الدعوى السابقة التي لا يمكن ثبوتها بالإجماع المحصل، و لا بما يورث الظن المعتد به من الإجماع المنقول و بعض النصوص.
نعم يمكن تحصيل الإجماع على وجوب ستر ما عدا الوجه و الكفين و القدمين و الشعر و العنق في الصلاة فضلا عن منقوله، إذ المحكي عن ابن الجنيد من تساوي الرجل و المرأة في العورة- مع أنه غير ثابت، لاحتمال وقوع ذلك منه في بيان اتحاد مسمى العورة لا الملحق بها في الحكم من باقي الجسد، كما يؤيده ما قيل من أن المصنف في المعتبر نسب اليه أن المرأة لا تكشف في الصلاة غير الوجه، و ان أبا العباس في المهذب نسب اليه أن جسدها عورة دون رأسها- غير قادح، خصوصا مع عدم الدليل له سوى الأصل المقطوع بما عرفت و تعرف، و ما في كشف اللثام من
قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زياد بن سوقة(1): «لا بأس أن يصلي أحدكم في الثوب الواحد و أزراره محللة، ان دين محمد (صلى الله عليه و آله) حنيف»
الذي هو كما ترى ظاهر في غير الامرأة.
كما أنه غير قادح أيضا في الإجماع بقسميه لو كان خلافه في خصوص الرأس على ما حكاه عنه أبو العباس، و إن كان قد يشهد له قول الصادق (عليه السلام) في
خبر ابن بكير(2): «لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلي و هي مكشوفة الرأس»
إلا أنه- مع قصوره عما عرفت و تعرف من المعارض- محتمل للضرورة، و للتخلي من الجلباب و إن كان عليها خمار، و عن الشيخ «و الصغيرة» و في كشف اللثام «و للنافلة، و أن يراد أنه لا بأس بها أن تكون بين أيدينا مكشوفة الرأس و نحن نصلي، أو و أنت تصلي» و
قوله (عليه السلام) في خبر آخر(3)له أيضا: «لا بأس أن تصلي المرأة المسلمة و ليس
ج8،
على رأسها قناع»
الذي هو- مع أنه كسابقه حتى في جملة من الاحتمالات- محتمل للأمة و التستر بغير القناع من ملحفة و نحوها، كما في خبري علي بن جعفر(1)و معلى ابن خنيس(2)الآتيين، بل في النهاية الأثيرية و عن العين و المحيط و المحكم و الصحاح أن القناع أكبر من المقنعة و إن أنكره الأزهري على ما قيل.
فلا إشكال حينئذ في غير المذكورات، بل و في الأخير منها أيضا المندرج في النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات، و ليس مما ظهر أو يحتاج إلى كشفه، مع التصريح به من جماعة، بل في الذكرى لا شك في وجوب ستره من الحرة، بل لا خلاف فيه فيما أجد، نعم في كشف اللثام في الألفية أنه أولى، و لعله ليس خلافا، و في المدارك يمكن الاستدلال ب
خبر الفضيل(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «صلت فاطمة (صلوات الله عليها) في درع و خمارها على رأسها، ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها و أذنيها»
ثم قال:
«و في رواية زرارة إشعار به أيضا مشيرا إلى صحيحه(4)قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أدنى ما تصلي فيه المرأة فقال: درع و ملحفة تنشرها على رأسها و تجلل بها»
و هو مع انه ليس خلافا أيضا فيه أن الصحيح مشعر بخلاف ذلك، ضرورة كون التجلل بالملحفة المنشورة على رأسها ساترا للعنق، إذ المراد به الالتفات بها أو نحوه، و أما خبر الفضيل فمع ضعفه و قصوره عن المقاومة لما سمعت و تسمع من النصوص(5)الآمرة بالقناع و المقنعة و الخمار و نحوها الساترة للعنق عادة، بل في التذكرة الخمار هو الجلباب، و هو ما يغطي رأسها و عنقها محتمل لإرادة بيان عدم الزيادة على الدرع و الخمار من الإزار و الملحفة و نحوهما، لا أن المراد ما كان على رأسها من الخمار إلا قدر قليل تستر به الشعر و الأذنين، بل ظاهر
قوله (عليه السلام):
ج8،
«وارت به شعرها»
كون خمارها (عليها السلام) كالخمر المتعارفة التي تستر الشعر المنسدل على الكتفين و العنق غالبا، و ليس فيه أنه جمعت الشعر كله تحت ذلك، فالخبر المزبور حينئذ أولى في الدلالة على ستر العنق من عدمه، لاستلزام ستر الشعر المنسدل عليه ستره قطعا، كما انه واضح الدلالة على ستر الشعر و إن كان هو حكاية فعل، إلا أنه مع إمكان جريان دليل التأسي بناء على عدم اختصاصه بالنبي (صلى الله عليه و آله) و عدم اشتراط معرفة الوجه فيه ظاهر في كون المراد. من حكاية ذلك أنه لا يجب أزيد من ذلك من إزار و نحوه، و أن هذا أقل الواجب، و
سأل علي بن جعفر أخاه (عليهما السلام) في الصحيح(1)«عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال: تلتف فيها و تغطي رأسها و تصلي، فإن خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك فلا بأس»
و زرارة(2)أبا جعفر (عليه السلام) ما سمعته، و لعل المراد برأسها ما يشمل الشعر، فيشمله حينئذ الإجماع في الخلاف، بل في كشف اللثام ممن عدا أبي علي وجوب ستر الرأس.
كما أنه يدل عليه فحوى ما تسمعه في الصبية و الأمة قيل و الإجماعات المحكية على انها عورة من غير استثناء للشعر مع استثناء غيره، كما يومي اليه ترك التعرض له بالخصوص من كثير لا لعدم وجوبه عندهم كما ظن، بل لا يبعد إرادته من الجسد و البدن في معقد إجماع بعضهم، بل في الرياض لو كان مرادهم بالجسد ما يقابل الشعر لما كان لأمرهم بلزوم الخمار وجه، لستر الشعر جلد الرأس، فكان فيه غنى عن الخمار قطعا، و إن كان قد يناقش فيه بأنه يمكن عدم الاكتفاء بالشعر في الساتر، لعدم اعتياده أولا، و لظهور الأدلة في اعتبار كون الساتر من غير المستور كما ستعرف ثانيا.
نعم لا بأس بالاستدلال في نصوص الخمار لا لذلك بل لظهوره و لو بحسب المتعارف
ج8،
فيه المشاهد منه الآن على نساء الأعراب في الساتر للشعر، ففي
صحيح يونس بن يعقوب(1)«انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب واحد قال:
نعم، قلت: فالمرأة؟ قال: لا، و لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا أن لا تجده»
و
صحيح محمد بن مسلم(2)قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد؟ فقال: إذا كان كثيفا فلا بأس به، و المرأة تصلي في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع كثيفا، يعني إذا كان ستيرا»
و
موثق ابن أبي يعفور(3)قال أبو عبد الله (عليه السلام): «تصلي المرأة في ثلاثة أبواب: إزار و درع و خمار، و لا يضرها بأن تقنع بخمار، فان لم تجد فثوبين تتزر بأحدهما و تقنع بالآخر، قلت: فان كان درع و ملحفة ليس عليها مقنعة فقال: لا بأس إذا تقنعت بملحفة، فان لم تكفها فلتلبسها طولا»
و
خبر أبي البختري(4)المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «إذا حاضت الجارية فلا تصلي إلا بخمار»
إلى غير ذلك من النصوص التي لا ينكر ظهورها في ذلك.
و من هنا نص الشهيدان في الذكرى و الدروس و الروض و المقاصد العلية على ما حكي عن ثانيهما و المحقق الثاني في جامع المقاصد و فوائد الشرائع و الأصبهاني في كشفه و العلامة الطباطبائي في منظومته و الفاضل المعاصر في رياضة على وجوب ستره، و لعله ظاهر الأستاذ الأكبر، بل و المحكي عن الألفية و إن قال فيها إنه أولى، خلافا للسيد في المدارك، و لم أجد له موافقا صريحا معتدا به، نعم عن القاضي في شرح الجمل أنه حكي عن بعض أصحابنا ذلك أيضا، و لا ريب في ضعفه كمستنده من الأصل المقطوع
ج8،
بما عرفت، و إشعار اشتراط الكثافة في الدرع خاصة في صحيح ابن مسلم الذي هو مناف له أيضا، إذ لا ريب في اعتبار ستر المقنعة و لو من جهة جلدة الرأس، بناء على عدم الاكتفاء بالشعر كما عرفت، فلا بد من عدم إرادة ذلك من التخصيص، و احتمال خروج ما طال من الشعر عن الرأس الذي يمكن منعه عليه، لما عرفت، و غير ذلك مما لا يخفى الجواب عنه بعد الإحاطة بما عرفت، فحينئذ ستره مع كونه أحوط أقوى.
نعم لا بأس باستثناء ما عدا ذلك مما ذكرناه و ذكره المصنف و غيره بقوله عدا الوجه و الكفين و ظاهر القدمين على تردد في القدمين أما الوجه فللأصل بناء على ما ذكرنا، و لاستثنائه في معاقد الإجماعات السابقة، و خصوص إجماع الذكرى و الروض و التنقيح المتقدمة آنفا، و للسيرة القطعية، و شدة الحاجة إلى كشفه، و تفسير ابن عباس ما ظهر من الزينة به و الكفين، و غيره مما استدلوا به على جواز النظر اليه، بناء على اقتضاء ذلك عدم كونه من العورة فيه و في الصلاة، و لظهور جملة من النصوص(1)السابقة و غيرها خصوصا خبر الفضيل(2)فيه، ضرورة عدم تعارف ستره بالمقنعة و الخمار و نحوهما، و
خصوص موثق سماعة(3)«سألته عن المرأة تصلي متنقبة قال: إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، و إن أسفرت فهو أفضل»
و غير ذلك، خصوصا ما ستعرفه إن شاء الله من كراهة النقاب لها، فما عن ابن حمزة في وسيلته من أنه يجب ستر جميع بدنها إلا موضع السجود، بل في الغنية و الجمل و العقود ذلك من غير استثناء كما ترى، و كذا ما في الإشارة «تكشف بعض وجهها و أطراف يديها و قدميها» لكن قد يريد ستر بعض الوجه من باب المقدمة، كما أنه يمكن إرادة ما عدا الوجه من السابقين عليها، بل عن السرائر انه حكي استثناؤه عن الجمل و العقود، و إلا لم يكن لهم دليل
ج8،
سوى بعض نصوص(1)الملحفة و الإزار التي لو سلم دلالتها لا تقاوم ما ذكرنا، و دعوى كونها جميعها عورة ممنوعة كما عرفت، أو مخصصة بعد التسليم بما سمعت.
و المراد بالوجه وجه الوضوء بناء على أن ذلك التحديد من الشرع، لكشف العرف كما قلناه في نظائره، فيخرج عنه حينئذ الصدغان و غيرهما مما لا يجب غسله منه، و يدخل فيما دل على وجوب ستر الرأس، لكن في الذكرى و في الصدغين و ما لا يجب غسله من الوجه نظر، من تعارض العرف اللغوي و الشرعي في كشف اللثام يعني في الوجه،
فإنه لغة ما يواجه به، و شرعا ما دارت عليه الإصبعان، لكنه انما ثبت في الوجه المغسول في الوضوء خاصة، أو في الرأس، لدخول ما خرج من الوجه فيه، و هو إن سلم فالخروج في الوضوء خاصة، و في الجميع ما عرفت، مع أن اللغوي لا يعارض العرف الشرعي، و احتمال كون التعارض المزبور في الرأس كما ترى.
و كيف كان فلا ريب في خروج الأذنين منه، كما صرح به في الذكرى و الدروس، و من الغريب ما قيل من احتمال دخولهما في الوجه، ضرورة خروجهما عنه عرفا و شرعا كما هو واضح.
و أما الكفان فعندنا كما في المختلف لا يجب ستر هما في الصلاة، بل عن المعتبر و المنتهى نسبته إلى علمائنا، بل في التذكرة و جامع المقاصد و عن الروض الإجماع صريحا عليه، بل في الذكرى إجماع العلماء إلا أحمد و داود، و هو الحجة في تخصيص ما دل على عورية بدن المرأة كله إن كان، و إلا كان هو مع الأصل الحجة على ذلك، مضافا إلى ما في صحيح ابن مسلم(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) و خبر الفضيل(3)عنه (عليه السلام) أيضا، و صحيح ابن أبي يعفور(4)عن الصادق (عليه السلام) و خبر
ج8،
يونس بن يعقوب(1)عنه (عليه السلام) أيضاالمتقدمة سابقا، و غير ذلك مما دل(2)على جواز صلاتها بالدرع و الخمار، بناء على ما ذكره غير واحد من أن الغالب في الدرع عدم ستره الكفين الذي يقصر معارضته بما في الحدائق من أن الغالب فيه العكس مدعيا أنه المشاهد في نساء العرب الآن، و الأصل عدم التغيير، و أنه الذي أومى إليه في بعض النصوص،
كالمرسل «ان فاطمة (عليها السلام) كانت تجر أدراعها و ذيولها»
و ان
رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: إذن يرخين ذراعا لا يزدن»(3)
و
قوية سماعة(4)عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يجر ثوبه قال: إني أكره أن يتشبه بالنساء»
مع أن هذا المرسل المزبور غير ثابت، كما أنه غير دال إلا على الذيول التي لا مدخلية لها فيما نحن فيه لا غيرها الذي لو كان منع من المشي، بل هو دال على ذلك بالنسبة إلى زمان النبي (صلى الله عليه و آله) قبل أن تغلب على الناس المدن و التحضر كما في زمن الصادقين (عليهما السلام)، كل ذا مضافا إلى ما دل على جواز النظر إليهما من السيرة و شدة الحاجة، و ما عن ابن عباس من تفسير قوله تعالى(5)«إِلَّا ما ظَهَرَ» بهما و الوجه، و غير ذلك مما يقضي بأنه ليس كالعورة، فلا يجب ستره في الصلاة، للأصل، و حصر وجوب الستر في العورة في النص(6)و الفتوى، أو ما نزل منزلتها.
و أما القدمان فالمشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا ذلك أيضا من غير فرق
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي.
3) 3 سنن النساء- ج 8 ص 29 المطبوعة بالأزهر.
4) 4 الوسائل- الباب- 23- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
5) 5 سورة النور- الآية 31.
6) 6 الوسائل- الباب- 3 و 4- من أبواب آداب الحمام من كتاب الطهارة.
ج8،
بين ظاهر هما و باطنهما كما صرح به الشهيدان و المحقق الثاني، بل لعل الاقتصار على الظهر في القواعد و التحرير و البيان و المحكي عن المبسوط و الإصباح و الجامع و غيرها لا لوجوب ستر الباطن كما ظن باعتبار استتاره غالبا بالأرض أو الثياب، فلا حاجة إلى كشفه، بل لأنه مفروغ منه و لو للسيرة القطعية على عدمه، و إلا لم يجتز بالأرض ساترة له مع التمكن من غيرها، و لأولويته من الظاهر و الوجه و الكفين قطعا، فما في المدارك من الاقتصار على الظاهر في معقد نسبته إلى الأكثر يمكن إرادته ذلك، و إن كان قد يناقش فيه أيضا بأن إطلاق عدم ستر القدمين أو مع التنصيص على عدم الفرق بين الظاهر و الباطن هو المشهور كما عرفت، بل هو الأقوى، للأصل، و نصوص الدرع و الثوب(1)التي قد تقدم شطر منها، بناء على ما عرفته من أن الغالب فيه عدم سترة الظهر تمامه أو بعضه، و يتم بعدم القول بالفصل، بل هو المشاهد الآن، و الأصل عدم التغير، لا أقل من أن يكون ذا فردين أو أفراد، منها ما لا يحصل به التغطية خصوصا في زمن الصادقين (عليهما السلام) فالإطلاق و ترك الاستفصال حينئذ هو الحجة.
و ما في التذكرة من أن الدرع هو القميص السابغ الذي يغطي ظهور القدمين لم نتحققه، على أن في بعض النصوص الثوب، و تعارف الذيل كما في الخبر(2)و المرسل السابقين لا يقتضي ستر الظهر و أولويتهما من الوجه و الكفين، بل يمكن دعوى السيرة أيضا على عدم سترهما، كل ذا مضافا إلى ما ذكروه في باب النكاح مما يدل على عدم وجوب سترهما عن الأجنبي ككونهما مما ظهر من الزينة في بعض النصوص و غيره مما هو مسطور في محله مما هو ظاهر في اقتضائه عدم كونهما مما نزل منزلة العورة في وجوب الستر للصلاة أيضا، و إلى إمكان دعوى الإجماع على عدم وجوب الستر في خصوص الظهر
ج8،
هنا كالكفين، إذ لا خلاف فيهما فيما أجد إلا من خالف في الوجه، و الاقتصاد حيث اقتصر على استثناء الوجه خاصة، و المقنع حيث قال: «أقل ما يجزي الحركة البالغة درع سابغ إلى القدمين و خمار» و بعض متأخري المتأخرين مما لا يقدح خلافهم في تحصيل الإجماع، و لذا ادعاه من عرفت في الوجه و الكفين، أو يكون مرادهم مما أطلقوه من كون بدن المرأة عورة عدا هذه المستثنيات المعلومة، و لعله لذا حكي عن ابن إدريس أنه حكى عن الشيخ في الخلاف و الجمل استثناء الثلاثة، مع أنه ليس إلا الوجه خاصة في الخلاف، فتردد المصنف فيه هنا و النافع حينئذ في غير محله، خصوصا المتن حيث لم يعقبه كما في النافع بالجواز بعد ذلك، بل يمكن أن يقال: إن القول بالوجوب فيهما مع القول بعدمه في الكفين خرق للإجماع المركب، كما أنه يمكن القول بأنه إن تم في الظهر تم في الباطن، لعدم قائل معتد به في التفصيل بينهما، لما عرفت من احتمال الاقتصار على الظهر في الكتب السابقة المفروغية منه.
و من ذلك كله تعرف ما في الحدائق من الميل إلى ما سمعته عن الاقتصاد من وجوب ستر ما عدا الوجه محتجا بأنه عورة، و قد عرفت ما فيه، و بأن النصوص عدا أخبار الدرع(1)لا تأبى الانطباق عليه، بل هي ظاهرة فيه، كصحيح زرارة(2)و محمد بن مسلم(3)و علي بن جعفر(4)و موثق ابن أبي يعفور(5)ا لمتقدمة سابقا، و
صحيح المعلى بن خنيس(6)«سألته عن المرأة تصلي في درع و ملحفة ليس عليها إزار و لا مقنعة قال: لا بأس إذا التفت بها، فان لم تكفها عرضا جعلتها طولا»
قال: و الظاهر من قوله: «إذا لم تكفها» إلى آخره. يعني لأجل الوصول إلى القدمين و سترهما،
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي.
2) 2 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
ج8،
و فيه اعتراف بأن الدرع قد لا يستر الظهر، و
صحيح جميل بن دراج(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي في درع و خمار قال: يكون عليها ملحفة تضمها عليها»
و فيه أن نصوص الملحفة و الإزار و نحوها مما زاد على ما تستر به البدن كالدرع و الخمار محمولة على الندب عند الجميع، بل قد يفهم الكراهة من
قول أبي الحسن (ع) في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(2)
ليس على الإماء ان يتقنعن في الصلاة، و لا ينبغي للمرأة أن تصلي إلا في ثوبين» و لم نعثر على رواية لابن الحجاج على ما نقله في الجواهر.
: «لا ينبغي للمرأة أن تصلي في درع و خمار، قال: و يكون عليها ملحفة تضمها عليها»و
خبر علي بن جعفر(3)حيث سأل أخاه «عن المرأة الحرة هل يصلح لها أن تصلي في درع و مقنعة قال: لا يصلح لها إلا في ملحفة إلا أن لا تجد بدا»
و أما صحيح علي بن جعفر المتقدم(4)فمحتمل لإرادة ما عدا القدم من الرجل فيه، و الأمر بالالتفات في الملحفة لتوقف الستر عليه في مفروض السؤال، و لا بأس بوجوب ستر الكفين مقدمة لستر غيرهما، فلا يتوهم منه حينئذ وجوب سترهما أصالة، و بالجملة إعطاء النظر حقه في النصوص يقضي بما ذكرناه، بل قد يستفاد من نصوص الملحفة و الإزار، بناء على أن الحكمة في ذلك الاستظهار في ستر القدمين و الكفين، إذ لا ريب في اقتضاء حملها على الاستحباب عدم لزوم الستر المزبور الحاصل منها للقدمين و غيرهما، فتأمل جيدا.
و قد ظهر من ذلك كله بحمد الله ما يجب على المرأة ستره للصلاة من غير فرق بين وجود الناظر و عدمه و ما لا يجب، لكن في كشف الأستاذ احتمال إلحاق ما في باطن الفم من اللسان أو الأسنان و نحوهما بعورة الصلاة للمرأة في وجه قوي، ثم قال:
ج8،
و كذا الزينة المتصلة بالبدن الحاجبة له عن الرؤية كما سيجيء مشيرا به إلى قوله فيما بعد ذلك: «و الزينة المتعلقة بما لا يجب ستره في النظر على الأصح و الصلاة من خضاب أو كحل أو حمرة أو سواد أو حلي أو شعر خارج وصل بشعرها و لو كان من شعر الرجال أو قرامل من صوف و نحوه يجب ستره عن الناظر دون الصلاة على الأقوى، و مع كشفها للناظر في غير محل الرخصة عمدا لا يبعد البطلان» و هو بعد الإغضاء عن بعض ما في عبارته كما ترى لا تساعد عليه النصوص و لا الفتاوى، بل ظاهر هما إن لم يكن المعلوم منهما خلافه، خصوصا مع السيرة القطعية على عدم المحافظة على ستر اللسان و الأسنان و نحو هما، و معلومية عدم بطلان صلاتها بالتبسم و نحوه، كمعلومية كراهة النقاب لها، و كشف الزينة عمدا لو قلنا بحرمته لا مدخلية له في الصلاة، لا طلاق الأدلة، ضرورة عدم التلازم بين وجوب الستر عن النظر و وجوبه للصلاة، و لذا اتفق ظاهرا على عدم وجوب ستر الوجه مثلا لها حتى على القول بوجوب ستره للنظر، و كذا رأس الأمة لو قلنا بوجوب ستره عن النظر، إذ من الواضح كون الحرمة حينئذ خارجة عن أفعال الصلاة، فلا تقتضي فسادا، و هو أدرى بما قال، على أن ما حضرني من نسخة كشفه غير نقية من الغلط، و الله أعلم.
و يجوز أن يصلي الرجل عريانا إذا ستر قبله و دبره بناء على أنهما تمام العورة على كراهية لا إذا لم يسترهما مختارا، فإنها تبطل حينئذ، للإجماع بقسميه منا و من أكثر العامة على اشتراط الصحة معه، و لقوله تعالى(1)«خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» بناء على ما حكاه في الذكرى بلفظ القيل من أنه اتفق المفسرون على أن الزينة هنا ما يوارى به العورة للصلاة و الطواف، لأنهما المعبر عنهما بالمسجد، بل قال:
و يؤيده قوله تعالى(2)«يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ» امتن
ج8،
الله تعالى باللباس المواري للسوأة، و هو ما يسوء الإنسان انكشافه و يقبح في الشاهد إظهاره، و ترك القبيح واجب، و إن كان فيه ما لا يخفى، و ل
صحيح ابن مسلم(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يصلي في قميص واحد فقال: «إذا كان كثيفا فلا بأس»
إذ ليس البأس الثابت في المفهوم إلا الفساد و لو بمعونة الإجماع السابق، و لنصوص العاري(2)المشتملة على إبدال الركوع و السجود بالإيماء، و القيام في بعض الأحوال بالقعود التي من المعلوم وجوبها في الصلاة، و لو لا أن الستر شرط في الصحة لما جاز ترك مثل ذلك لفقده، مع أن إطلاق وجوبها المتوقف وجوده على الستر قاض بوجوبه ضرورة للمقدمة، و يتم حينئذ بعدم القول بالفصل، و لغير ذلك مما سمعته و تسمعه في غير الامرأة و فيها، إذ وجوب سترها في الصلاة باعتبار كونها عورة، فحينئذ جميع ما دل على ذلك فيها دال على المطلوب هنا، خصوصا مع انضمام عدم القول بالفصل، فالشرطية في الجملة حينئذ عندنا من الواضحات فيها و في أجزائها المنسية و الركعات الاحتياطية، بل و سجود السهو فيها على ما تعرفه في محله كسجود الشكر و التلاوة.
و الظاهر أن النافلة كالفريضة في ذلك، لأصالة الاشتراك، لكن قد يظهر من حمل ما في خبر ابن بكير(3)من نفي البأس عن صلاة الحرمة مكشوفة الرأس في كشف اللثام على النافلة الفرق بينهما في الجملة.
أما صلاة الجنازة فالأقوى عدم اشتراطها به، للأصل، و إطلاق النصوص(4)و عدم كونها من الصلاة حقيقة، و لو سلم و أنه على الاشتراك المعنوي فلا إطلاق في
ج8،
النصوص(1)دال على اعتباره في مطلق الصلاة، مثل لا صلاة إلا بستر و نحوه كي تندرج فيه، كما لا يخفى على من لاحظها، و من ذلك يعلم حينئذ سقوط ما في الذكرى و جامع المقاصد من القول به أو الميل إليه، لأنها من الصلاة حقيقة.
كما أنه علم مما عرفت أنه لا بحث في الاشتراط في الفريضة في الجملة، إنما البحث في إطلاقها أو تخصيصها بالذاكر أو بغير التكشف مع عدم العلم في الأثناء أو مطلقا، قد اضطربت كلمات الأصحاب في ذلك دعوى و استدلال و تحرير المحل البحث كما لا يخفى على من لاحظ جملة منها كالمبسوط و المعتبر و التذكرة و المنتهى و المختلف و الذكرى و المدارك و شرح الأستاذ و الرياض و غيرها، و كان المهم تحرير دليل الشرطية كي يصح التمسك بأصالة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه مطلقا التي مرجعها إلى إطلاق دليل الشرطية و إن كان بلفظ الأمر و النهي، بناء على استفادة حكم وضعي منهما غير مقيد بالحكم التكليفي، بل قد يقال بعدم إرادة غير الوضعي منهما إذا كانا في بيان ذلك، فيقتصر حينئذ في الخروج عن الأصل المزبور- على تقدير ثبوته هنا، و عدم تحكيم حديث الرفع(2)عليه- على خصوص المستفاد من صحيح علي بن جعفر(3)الآتي، أما إذا لم يكن دليل للشرطية يتمسك بإطلاقه كان المتجه حينئذ الاقتصار على المعلوم منها و نفي الباقي بالأصل، بناء على المختار عندنا، و لعل الاضطراب الواقع في كلمات بعض الأصحاب لعدم تحرير ذلك هنا.
و قد يحتج لثبوتها على الوجه الأول مضافا إلى الآية(4)و الصحيح السابق(5)بإطلاق معاقد بعض الإجماعات كإجماع جامع المقاصد و نحوه مما لم يتعقب بما يقتضي إرادة
ج8،
حاكيه الشرطية في الجملة منه، و بالنهي في المرفوع(1)السابق عن الصلاة فيما شف أوصف الظاهر في إرادة الكناية بذلك عن غير الستير، و بما في
صحيح علي بن جعفر(2)عن أخيه من الأمر بالتستر بالحشيش إذا تمكن منه، قال فيه: «سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا و حضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع و السجود، و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم»
و بالأمر بغسل الثوب من النجاسة و الصلاة فيه مع الإمكان في بعض النصوص(3)و بالصلاة فيه مع عدم الإمكان في آخر(4)و بما تقدم من نصوص ستر المرأة(5)و بغير ذلك، بل لعل ملاحظة جميع النصوص سؤالا و جوابا تشرف الفقيه على القطع بإرادة شرطية الستر للصلاة منها، فحينئذ لا بأس بالتمسك في المقام بأصالتها بناء على عدم تحكيم حديث الرفع عليها، فمن صلى حينئذ ناسيا للستر بطلت صلاته كما صرح به الشهيد و غيره، بل ظاهر التذكرة و المنتهى و المحكي عن المعتبر الإجماع عليه ظهورا كالصريح في ذلك كما لا يخفى على من لاحظها، و منه يعلم حينئذ خروج هذا الفرد عن محل النزاع، فما في المدارك و الرياض و شرح الأستاذ من تحريره بما يشمل ذلك، و انه كغيره مختارين الصحة فيه أيضا في غير محله قطعا، و دعوى تنقيح المناط بينه و بين مضمون صحيح علي بن جعفر ممنوعة كدعوى شموله لذلك، بل هي أشد منعا من الأولى، فلا مناص عن البطلان حينئذ بناء على ما ذكرنا، كما أنه لا خلاف معتد به على ما عرفت، نعم قد يظهر من المحكي عن الكاتب اختصاص الإعادة في الوقت دون
ج8،
خارجه، لأنه بأمر جديد، و فيه
أن عموم «من فاتته»
و غيره من أدلة القضاء(1)شامل له كفقدان غيره من الشرائط.
و لا فرق فيما ذكرنا بين نسيان ستر جميع العورة أو بعضها، و لا بين جميع الصلاة أو بعضها، كما لو علم عدم الستر في الأثناء فنساه حتى فرغ، أما لو انكشف قهرا بريح أو بغيره على علم منه بذلك حال وقوعه فقد يقال: إن مقتضى ما ذكرناه سابقا من الأصل البطلان وفاقا للتذكرة و المحكي عن المعتبر و نهاية الأحكام، بل هو من معقده نسبة الأول له إلى علمائنا، لعدم شمول صحيح علي بن جعفر(2)الآتي له، لكن قد يدعى الخروج عنه فيقال بالصحة، وفاقا للدروس و كشف اللثام و المنظومة و ظاهر المبسوط و البيان، لاقتضاء صحتها لو لم يعلم به ثم علم به في الأثناء و ستره المستفادة من الصحيح الآتي الصحة هنا، ضرورة اتحاد هما في العلم إلى حصول الستر، و عدم العلم به سابقا انما يرفع قدح الكشف حاله لا حال العلم الذي هو مقارن لبعض الصلاة، إذ لا فترة فيها، فلا يصلح فارقا بين المسألتين، و احتمال الالتزام بعدم الصحة فيها أيضا يدفعه. أولا انه خلاف المستفاد من البيان و التحرير و التذكرة و المحكي عن المعتبر و المختلف و المنتهى و نهاية الأحكام، بل لم أجد مخالفا صريحا في ذلك، نعم ظاهر التحرير احتمال البطلان.
و ثانيا أنه لا ريب في صدق مضمون الصحيح عليه، و لو سلم ظهوره في ذي الغفلة إلى الفراغ أمكن دعوى استفادة حكم ذيها قبله منه بدعوى أن الظاهر اتحاد الجميع و البعض في الحكم في الشرطية و عدمها، و مع فرض هذا الظهور لا ريب في استفادة اغتفار زمان الستر كجاهل النجاسة و غيره مما لا ينكر ظهور العفو عنه في العفو عن لوازمه التي تلغى ثمرة العفو بدونها، نعم يجب المبادرة إلى الستر، فلو تراخى فيه بطلت و إن لم يقع جزء
ج8،
جديد منه كقراءة و نحوها، بل قد يشكل الصحة فيما لو احتاج الستر إلى زمان لا يصل إلى حد محو صورة الصلاة، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن، أما إذا لم يحتج إلى زمان معتد به فيتجه الصحة حينئذ لما ذكرناه، اللهم إلا أن يقال: إن اشتراك الجميع و البعض في العفو انما يقتضي عدم البطلان من حيث التكشف زمن الغفلة، و الفرض أن البطلان ليس من ذلك، بل من التكشف من حال العلم إلى حال الستر، و هو أمر آخر، فمع فرض تسليم ظهور الصحيح المزبور في ذي الغفلة المستمرة لا يستفاد منه حكم الحال المزبور، و ليس هو بمنزلة التصريح بالعفو عن الغفلة التي تعقبها العلم في الأثناء كي يستفاد منه و لو بالالتزام العرفي العفو عن زمن العلم إلى التستر.
و لعله لذا فرق في التحرير بين استمرار الغفلة إلى تمام الصلاة و عدمه، فقال:
«لو انكشفت عورته في الأثناء و لم يعلم صحت صلاته، و لو علم في الأثناء سترها سواء طالت المدة قبل علمه أو لم تطل، أدى ركنا أولا، و لو علم به و لم يستره أعاد سواء انكشف ربع العورة أو أقل أو أكثر، و لو قيل بعدم الاجتزاء بالستر كان وجها، لأن الستر شرط و قد فات، أو يكون قد اكتفي باحتمال عدم الاجتزاء بالستر عن احتمال البطلان مع استمرار الغفلة» و فيه أن مرجع ظهور اتحاد الجميع و البعض في حكم العفو مثلا إلى الاندراج في الدليل و انه لا مدخلية للجميعية الواقعة في السؤال مثلا، فتحقق حينئذ الدلالة على العفو عن زمان العلم إلى وقوع الستر الذي سلم أنه مستفاد من نفي البأس عن الغفلة التي لم تستمر، فتأمل فإنه مع أنه ربما دق لا يخلو من بحث أيضا.
و من ذلك كله ظهر لك أنه لا إشكال في الصحة مع استمرار الغفلة لا لعدم التكليف معها الذي لا ينافي الفساد، بناء على إرادة رفع الإثم من حديث الرفع(1)بل لأنه
1) 1 الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.
ج8،
من مدلول
صحيح علي بن جعفر(1)عن أخيه الذي رواه الشيخ و ابن إدريس في المحكي عن مستطرفاته نقلا عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، قال: «سألته عن الرجل يصلي و فرجه خارج لا يعلم به هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال: لا إعادة عليه و قد تمت صلاته»
و إطلاقه يقتضي عدم الفرق بين انكشاف جميع العورة أو بعضها و بين الخروج في تمام الصلاة أو بعضها و استمر إلى الفراغ، و به ينقطع الأصل المزبور في ذلك كله و في غيره مما يندرج فيه، خصوصا بعد عدم الخلاف فيه فيما أجد إلا ما سمعته من احتمال التحرير، و لا ريب في ضعفه، و أنه كالاجتهاد في مقابلة النص.
و في الذكرى بعد أن حكى عن ابن الجنيد «لو صلى و عورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط» و عن المبسوط «فان انكشفت عورتاه في الصلاة وجب عليه سترهما و لا تبطل صلاته سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا بعضه أو كله» و المعتبر «لو انكشفت العورة و لم يعلم سترها و لم يبطل صلاته. تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل، كثيرا كان الكشف أو قليلا، لسقوط التكليف مع عدم العلم- قال-:
كلام الشيخ و المحقق ليس فيهما تصريح بأن الإخلال بالستر غير مبطل مع النسيان على الإطلاق، لأنه يتضمن أن الستر حصل في بعض الصلاة، و لو انتفى في جميع الصلاة لم يتعرضا له بخلاف كلام ابن الجنيد، فإنه صريح في الأمرين، و الرواية تضمنت الفرج، و جاز كونه للجنس فيشمل الفرجين، و للوحدة، فإن كان للجنس ففيه مخالفة في الظاهر لكلام ابن الجنيد، و إن كان للوحدة ففيه موافقة في الظاهر لكلام الجماعة، و ليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية و بينها مع عدمه ببعض الاعتبارات تلازم، بل جاز أن يكون المقتضي للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة، فلا يحصل البطلان بدونه، و جاز أن يكون المقتضي للصحة ستر جميعها في جميعها، فيبطل بدونه- إلى أن
1) 1 الوسائل- الباب- 27- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
قال-: و لو قيل بأن المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا، و المصلي مستورا و يعرض له التكشف في الأثناء بغير قصد لا يعيد مطلقا كان قويا» و فيه أولا أن النسيان خارج عن كلام الجميع كما عرفت، انما المندرج فيه الانكشاف قهرا أو غفلة، و هو لا يعلم به، و ثانيا أنه و إن كان لا تلازم عقلا و لا شرعا بين الصحتين إلا أنه لا ينكر اقتضاء الصحة في البعض الصحة في الجميع عرفا، لمعروفية اتحاد أجزاء الصلاة في الشرطية، على أن ذلك هو مقتضى الأدلة هنا كما عرفت. و ثالثا أنه لا فرق بين الجميع و الأثناء في الصحة مع فرض صدق مضمون الصحيح السابق، كما لا فرق بينهما في الفساد مع عدمه كصورة النسيان. و رابعا أنه لا ريب في ظهور الفرج فيما يتناول الكل و البعض كما اعترف به في كشف اللثام، و من ذلك كله يظهر لك عدم تحرير المسألة في المدارك و شرح الأستاذ و الرياض و غيرها من كتب الأصحاب على ما ينبغي، فلاحظ و تأمل.
و كيف كان فما ذكره المصنف من أن العورة هي القبل و الدبر هو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل في الخلاف و عن السرائر الإجماع عليه، كما عن المعتبر و المنتهى الإجماع على أن الركبة ليست من العورة، و في التحرير و جامع المقاصد و ظاهر التذكرة الإجماع على خروجها، و السرة من العورة، لأصالة عدم ترتب شيء من أحكام العورة على غير القبل و الدبر مع قطع النظر عن كونها في العرف اسما لهما، و الأصل عدم التغيير، و ل
مرسل أبي يحيى الواسطي(1)عن الصادق (عليه السلام) «العورة عورتان:
القبل و الدبر، و الدبر مستور بالأليتين، فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب الحمام- الحديث 2 عن ابى الحسن الماضي عليه السلام.
ج8،
العورة»
و
خبر الصدوق(1)و محمد بن حكيم عنه (عليه السلام) أيضا «الفخذ ليس من العورة»
ك
قوله (عليه السلام) في خبر الأخير: «إن الركبة ليست من العورة»(2)
« ان الفخذ ليس من العورة».
و
سأل علي بن جعفر أخاه في المروي(3)عن قرب الاسناد «عن الرجل بفخذه أو إليتيه الجرح هل يصلح للمرأة أن تنظر أو تداويه؟ قال: إذا لم يكن عورة فلا بأس»
و في خبر عبيد الله الواقفي المتقدم(4)سابقا ما سمعته، إلى غير ذلك.
و المراد بالقبل للرجل في النص و الفتوى القضيب و البيضتان كما صرح به غير واحد، بل في الذكرى أنه المشهور لأنه المتبادر، و للمرسل المزبور(5)بل لا أجد فيه خلافا إلا ما في حاشية الإرشاد للكركي من أن الأولى إلحاق العجان بذلك في وجوب الستر، و المراد به ما بين الأنثيين و الدبر، و لا دليل له يعارض ما عرفت، كما أن ما عن القاضي من أنها من السرة إلى الركبة، و لعله مذهب التقي أيضا و إن قال: إنه لا يتم ذلك في الصلاة إلا بساتر من السرة إلى نصف الساق ليصح سترها في حال الركوع و السجود، حتى أنه نسب اليه من جهة ذلك تحديد العورة به، لكنه كما ترى ضعيف متروك عند الأصحاب، نعم هو قول مالك و الشافعي و أصحاب الرأي، و قال أبو حنيفة:
«إن الركبتين عورة» و هو مع مخالفته لما عرفت لا دليل عليه سوى ما عن قرب الاسناد من
قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الحسين بن علوان(6): «إذا زوج الرجل
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب الحمام- الحديث 4- من كتاب الطهارة.
2) 2 الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب الحمام- الحديث 1 من كتاب الطهارة و في الوسائل و التهذيب
3) 3 الوسائل- الباب- 130- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه- الحديث 3 من كتاب النكاح.
4) 4 الوسائل- الباب- 18- من أبواب آداب الحمام- الحديث 1 من كتاب الطهارة.
5) 5 الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب الحمام- الحديث 2- من كتاب الطهارة.
6) 6 الوسائل- الباب- 44- من أبواب نكاح العبيد و الإماء- الحديث 7 من كتاب النكاح.
ج8،
أمته فلا ينظر إلى عورتها، و العورة ما بين السرة إلى الركبة»
و
خبر بشير النبال(1)«ان أبا جعفر (عليه السلام) اتزر بإزار و غطى ركبتيه و سرته، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا من الإزار، ثم قال: اخرج، ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال:
هكذا فافعل»
و
خبر الخصال(2)عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذه و يجلس بين قوم»
و هي- مع ضعفها، و عدم الجابر لها، و مخالفتها لما عرفت، و موافقتها للعامة، و عدم صراحة بعضها، بل و عدم ظهوره- محمولة على الاستحباب المشهور بين الأصحاب، بل عن الخلاف الإجماع على أن الفضل في ذلك، و كأنه هو المراد مما في الغنية و المحكي عن الوسيلة من تسميته عورة إلا أنه يستحب ستره، إذ احتمال إرادتهما كون ذلك منها حقيقة بحيث تجري عليه أحكامها في غير المقام لكن فيه بالخصوص يستحب ستره بعيد جدا مخالف للإجماع بقسميه على وجوب سترها في الصلاة، كما أن المحكي عن القاضي من الاحتياط في ستر ذلك مع قوله بما عرفت كذلك أيضا، و ربما يكون ذلك منه قرينة على عدم إرادة كونه من العورة حقيقة كأبي المكارم و ابن حمزة، و لعل التقي كذلك أيضا، فتخرج المسألة حينئذ عن الخلاف.
و يكون المراد بسبب شدة الرجحان في ستره حتى في غير الصلاة استحق إطلاق اسم العورة عليه، و امتاز بذلك عن باقي البدن الذي يعتاد ستره عمن يحترم، و هو الرأس و ما تحت الرقبة إلى القدمين خلا الكفين، و إن كان ستره أيضا مستحبا كما صرح به غير واحد، لقوله تعالى(3)«خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» و
النبوي(4)
ج8،
«إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فان الله أحق أن يتزين له»
و
خبر علي بن جعفر(1)المروي عن قرب الاسناد للحميري سأل أخاه (ع) «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في سراويل و هو يصيب ثوبا؟ قال: لا يصلح»
لكن ليس متأكدا كما بين السرة إلى الركبة.
و لعله للخبر المزبور، و مفهوم
مرسل سماعة(2)«سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب واحد يأتزر به قال: لا بأس به إذا رفعه إلى الثديين»
حكم المصنف بالكراهة، لا لما في المدارك من
صحيح زرارة(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «أدنى ما يجزيك أن تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف»
و
صحيح عبد الله بن سنان(4)«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل فقال: يحل التكة منه و يضعها على عاتقه و يصلي»
ضرورة عدم اقتضاء ذلك الكراهة في مفروض المتن، كما أن قوله بعد ذلك: «و تتأكد الكراهة للإمام، بل يكره له الصلاة في القميص وحده- لما رواه
الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد(5)«سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أم قوما في قميص واحد ليس عليه رداء قال: لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها»
صحيح علي بن جعفر(6)عن أخيه موسى (ع) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح أن يؤم في سراويل و قلنسوة؟ قال: لا يصلح»
دلالة على ذلك، كل ذا مع التسامح.
نعم ينبغي تقييده بحال الاختيار، أما مع الاضطرار بأن ستر العورتين و لم يجد
1) 1 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
2) 2 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3- و هو مرسل رفاعة.
3) 3 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
الثوب مثلا لسائر جسده فلا كراهة، لكن صرح في القواعد و غيرها بأنه يستحب أن يجعل على عاتقه شيئا و لو تكة، لصحيح ابن سنان السابق، بل قد يقال باستحباب ذلك مطلقا و لو حال الاختيار، ل
خبر جميل(1)«ان مرازم ما سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل الحاضر يصلي في إزار مؤتزرا به قال: يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يرتدي به»
و
قال (عليه السلام) في حسن ابن مسلم(2): «إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا»
هذا. و عن التذكرة و النهاية استحباب ستر جميع البدن بقميص و إزار و سراويل، قال في النهاية: «و ان اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص و رداء أو قميص و سراويل، فان اقتصر على واحد فالقميص أولى، ثم الإزار، ثم السراويل، و لا بأس به» و كأن أولوية الإزار لأنه يتجافى، و ربما تسمع إن شاء الله فيما يأتي ما ينفع في المقام، و الله أعلم.
و كيف كان ف إذا لم يجد ثوبا يستر به القبل و الدبر سترهما بما وجده و لو بورق الشجر ل
صحيح علي بن جعفر(3)سأل أخاه (ع) «عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا و حضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بركوع و سجود، و إن لم يصب شيئا يستر عورته أومأ و هو قائم»
إذ من المعلوم إرادة المثال من الحشيش لما يشمل الورق و نحوه، خصوصا بعد قوله (عليه السلام):
«و إن لم يصب شيئا» مؤيدا بإمكان دعوى الإجماع على عدم الفرق بين هذه الأفراد و نظائرها، نعم لا دلالة فيه على اشتراط جواز الستر بها بانتفاء الثوب و إن ظنه بعض الناس، ضرورة أعمية فرض السؤال من ذلك، فالأصل حينئذ يقتضي عدمه وفاقا
ج8،
للذكرى و جامع المقاصد و المحكي عن المهذب و غيره، بل ربما نسب إلى الأكثر، و كون الدرع و الثوب و القميص و الملحفة و نحوها في النصوص مثالا لصنفها مادة و هيئة أو هيئة لا مادة ليس بأولى من دعوى كونها مثالا لما يشمل الحشيش و الورق و نحوهما، بل قد يقال: إنها خصت بالذكر لغلبتها و تعارفها لا لإرادة عدم جواز الصلاة بغيرها و غير صنفها، و ليس في النصوص لفظ الساتر و الستر كي يدعى انصرافهما إلى المعتاد الذي يمكن منعه أيضا، و إلا لوجب مراعاة الاعتياد في ذلك الزمان في الساتر بل و كيفية الستر كما التزم به بعض مشايخنا، نعم يجتزى بالوضع و نحوه مما لا يعد لبسا، ضرورة عدم الاكتفاء باعتياد غير ذلك الزمن، لعدم تعليق الحكم على الاعتياد المختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة كالمكيل و الموزون، و لعل بأدنى نظر و تأمل في خلو النصوص عن الإشارة إلى شيء من ذلك تقطع ببطلان الدعوى المزبورة و إن اشتهرت في هذه الأعصار التي قد اشتهر فيها قاعدة الشغل و إجمال العبادة المقتضيان لليقين بالخروج عن العهدة، فأثبت بها فقه جديد لم يكن معروفا في الأزمنة السابقة، بل ربما تجاوز بعضها لعدم معرفته بمحال الشك الذي تجري فيه نحو ذلك، فلم يميز ما يختلج في نفسه أنه شك أو احتمال قريب أو بعيد، و كل ذلك من الخلط و الخبط و قلة التدبر و التأمل في الفقه، و كان المقام من ذلك.
و من هنا كان خيرة الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام و منظومة الطباطبائي و المحكي عن المهذب و الموجز و كشف الالتباس و غيرها جواز التستر بالحشيش و الورق و نحو هما اختيارا، بل لعله مقتضى إطلاق معقد إجماع التحرير و التذكرة و المحكي عن المنتهى جوازه به من غير تقييد بالضرورة، بل في الأخير نفي الخلاف فيه بين أهل العلم، بل قيل: إن ذكر القطن و الكتان معه دال على ذلك، بل قد يقال: إنه مراد المتن و القواعد و ما ماثلهما في التعبير و إن عبروا بما ظاهره الشرطية، إلا أنه يمكن
ج8،
إرادتهم الترتيب في الوجود و التنبيه على الأفراد الغير المتعارفة، ضرورة عدم صحة الشرطية بالنسبة إلى الجلد و الملبد غير المنسوج من الصوف و القطن و نحو ذلك مما لا يسمى ثوبا، و لم يحك عن أحد الخلاف فيه، بل يمكن دعوى الإجماع و النصوص على خلافه، فلا بد من حمل الشرطية في كلامهم على ما ذكرنا، و ربما يؤيده عدم ذكر الخلاف في الجواز اختيارا في كشف اللثام، مع أن عبارة القواعد و الشرائع بمرأى منه.
بل ظاهر اقتصاره على نقله في الطين يقضي بذلك، كما أن ما عن المجلسي من نسبة الجواز اختيارا حتى في الطين إلى الأكثر يؤيد ما ذكرنا، خصوصا مع تنصيصه أن منهم الشيخ و الفاضلين و الشهيد في البيان، مع أن عبارة البيان «و فاقد الستر يستر بما أمكن من ورق الشجر و الحشيش و البارية و الطين» فلم يفهم منه اشتراط الستر بذلك بالفقد، و قد يشهد له ما في المبسوط و السرائر و المنتهى و التحرير و الإرشاد و نهاية الأحكام على ما حكي عن بعضهم، قال في المحكي عن موضع من الأول: «فان لم يجد ثوبا يستر العورة و وجد جلدا طاهرا أو ورقا أو قرطاسا أو شيئا يمكنه أن يستر به عورته وجب عليه ذلك، فان وجد طينا وجب عليه أن يطين عورته» و في آخر «و أما العريان فان قدر على ما يستر به عورته من خرق أو ورق أو طين يصلي به وجب عليه أن يستره» و مثلها عن السرائر، ضرورة عدم إرادة حقيقة الشرطية، لما عرفته من إمكان دعوى الإجماع على عدمها بالنسبة إلى الجلد، و منه يعلم عدم إرادة مفهوم الوصف مما في التحرير كما عن المنتهى «الفاقد للساتر لو وجد جلدا طاهرا أو حشيشا وجب، و لو وجد طينا وجب عليه تطيين العورة» قيل و نحوه ما في النهاية الأحكام، و ما في القواعد «و لو فقد الثوب ستر بغيره من الشجر و الطين و نحو هما» و في النافع كما في المعتبر «يجوز الاستتار بكل ما يستر العورة كالحشيش و ورق الشجر و الطين» و في الإرشاد «و يجب سترها مع القدرة و لو بالورق و الطين» إلى غير ذلك من الامارات الكثيرة
ج8،
الدالة على عدم كون المراد من أمثال هذه العبارات الشرطية التي أوقعت بعض الناس- منهم سيد المدارك تبعا لجده في المسالك، ففي الأخير «الثوب ثم الحشيش ثم الطين ثم الحفيرة ثم الوحل و الماء الكدر»- في الوهم حتى جعلوا الساتر مراتب و أشكل عليهم الحال في بعض صور التعارض كتعارض غير المنسوج من الصوف و القطن مثلا مع الحشيش و نحوه، و ربما قدموا الأول باعتبار كونه مادة المعتاد من المنسوج منهما، و غير ذلك مما لا دليل عليه بعد ما عرفت.
نعم في جوازه اختيارا بالطين و الجص و نحو هما قولان، ظاهر العبارات السابقة الأول، و قرب الشهيد العدم، لعدم انصراف اللفظ إليه، يعني الستر في فتاوى الأصحاب، و تردد الفاضل فيه في المحكي عن نهايته، و قد يقوى في النظر العدم في الإطلاء به، لعدم شاهد على إرادة المثال لما يشمله مما في النصوص خصوصا بعد ترك الاستفصال فيها عن وجوده و عن إيجاده بوضع الماء على التراب مثلا للرجل و الامرأة و لو لستر بعض العورة للأول و البدن للثانية، و كذا عن باقي اللطوخات، و قوله (عليه السلام) في الصحيح السابق: «إن لم يصب شيئا» بعد تقديم الحشيش ظاهر في إرادة شيء من الحشيش و نحوه الذي قد ذكر الستر به مما هو ساتر منفصل عن البدن، و ما دل(1)على أن النورة ستر يراد منه بالنسبة إلى النظر لا الصلاة، كالأليتين المدلول على الستر بهما في خبر آخر(2)بل لعل إطلاق نصوص العاري(3)يشمله.
نعم لو فرض إمكان التستر به على وجه يساوي التستر بالحشيش و نحوه في الانفصال و شبهه أمكن الصحة، كما أن المتجه بعد البناء على أنه ليس سترا صلاتيا
ج8،
وجوب التستر به عن الناظر المحترم، فيصلي به حينئذ قائما و في الركوع و السجود، أو الإيماء لهما ما تعرفه إن شاء الله في العاري الآمن من قوة القول بالأول فيه، خلافا للمشهور بين المتأخرين فالثاني، فيركع و يسجد حينئذ أو يومي على اختلاف القولين، إلا أني لم أجد قائلا صريحا بالثاني، بل ظاهر القائل بكونه ساترا و لو حال الضرورة أنه به يتم الركوع و السجود، نعم قال في كشف اللثام: «إن ستر اللون و الحجم فلا كلام، و إن ستر اللون فقط فكذلك، بناء على ما مر يعني من عدم وجوب ستر الحجم و خصوصا عند الضرورة، لكن إن لم يكف إلا عند الضرورة احتمل أن يجب عليه ما على العاري من الإيماء للركوع و السجود» و أشار بذلك إلى ما في الذكرى حيث أنه بعد أن ذكر وجوب ستر الحجم و اللون به عند الاضطرار قال: «و لو ستر اللون فقط لا مع إمكان ستر الحجم وجب لما
روى ابن بابويه عن عبيد الله الواقفي(1)عن قيم حمام الباقر (عليه السلام) انه قال: «النورة سترة»
و في سقوط الإيماء هنا نظر، من حيث إطلاق الستر عليه، و من إباء العرف» و نحوه في الدروس، بل عن الموجز و كشفه أنه يومي حينئذ، إذ المراد على الظاهر بستر الحجم و اللون به أو الثاني خاصة أن التستر به إن كان بطريق الإطلاء به فهو الثاني، و إن كان متماسكا يمكن أن يستتر به منفصلا، فهو الأول لا الحجم الذي ذكرناه سابقا، لاستبعاد عدم ستر الطين له بالمعنى الذي قلناه سابقا في حال ستره اللون، كما هو واضح.
و كيف كان فقد عرفت أن الأقوى عدم الاجتزاء به للستر من حيث الصلاة و إن وجب من حيث النظر، و أنه به يكون العاري آمن المطلع، فيجب عليه الإطلاء به ذلك، إذ الظاهر وجوب تحصيل ما يأمن به العاري عن المطلع من مكان و غيره لتحصيل الواجب من القيام، أوله و للركوع و السجود على القول الآخر، و إطلاق
1) 1 الوسائل- الباب- 18- من أبواب آداب الحمام- الحديث 1 من كتاب الطهارة.
ج8،
الاذن(1)بالجماعة للعراة من جلوس للدليل لا ينافيه.
و من ذلك كله يظهر ضعف القول بكونه من الساتر اختيارا، و أضعف منه القول به عند الاضطرار، لعدم الدليل على الترتيب، إذ هو إما أن المفهوم من الأدلة الاجتزاء في الصلاة بكل ما يستر عن النظر، و مقتضاه عدم الفرق بين الثوب و الطين، بل و غيره من يده أو يد زوجته و نحو هما، بناء على عدم اشتراط المأكولية في الساتر، و عدم شمول دليل مانعية ما لا يؤكل لمثل الإنسان، أو أن المفهوم منها خصوص ما لا يشمل الإطلاء بالطين و نحوه، فلا يجزي حينئذ مطلقا، و يجري عليه حكم العريان، و بالجملة تحصيل الترتيب المزبور في غاية الصعوبة من النصوص، و إن كان قد يقال: إن المعتاد منه لإطلاق الستر المعهود منه و الثوب و الدرع و الملحفة في النصوص، و أما تقديم الحشيش و نحوه على الطين فلأقربيته إلى الستر المعتاد المدعى فهمها من الإطلاق عند تعذر الفرد الغالب كما هو الشأن في سائر المطلقات، أو شمول
«لا يسقط الميسور بالمعسور»(2)
للأجزاء العقلية كالحسية، و غير ذلك، لكن الجميع كما ترى لا يعذر به الفقيه.
و أضعف من الجميع القول بعدم أثر الطين أصلا كما عساه يظهر من صاحب المدارك و غيره، ضرورة أنك قد عرفت اندراج العاري بسببه تحت آمن المطلع، لكون المقصود حصول مانع من الرؤية، فيصلي حينئذ قائما مؤميا أو راكعا و ساجدا على الخلاف الآتي.
كما أنه يظهر لك أيضا ضعف ما ذكره غير واحد، بل عن الروض أنه المشهور مرتبا له على انتفاء الطين، أو مقدما له عليه، أو مخيرا بينهما من النزول في الوحل و الماء الكدر مع عدم التضرر به و المشقة الرافعة للتكليف، و التحقيق فيه أنه مع وجود
ج8،
المطلع و عدم حصول ما يمنع الرؤية من اللطوخ و نحوه يجب النزول فيه، تحصيلا للقيام الواجب في الصلاة، و يأتي بما يتمكن من الانحناء للركوع و السجود، و مع عدمه فبناء على أن العاري الآمن يصلي بركوع و سجود لا يجوز له النزول فيهما إذا كانا مفوتين لهما، لعدم كونهما من الستر الصلاتي، و بناء على أنه يومي لا يجب عليه النزول، لعدم المقتضي بعد ما عرفت من عدم حصول الستر الصلاتي بشيء من ذلك، نعم لو قلنا بكونه سترا صلاتيا وجب، و في الإيماء حينئذ لهما أو للمتعذر منهما أو الانحناء الممكن، لعدم كونه من العاري كي تشمله نصوص الإيماء و نحوه لا تخفى.
بل و كذا يظهر لك مما ذكرناه ما في التحرير و جامع المقاصد و المحكي عن المعتبر و المنتهى و الموجز الحاوي و كشفه و روض الجنان «أنه إذا وجد حفيرة دخلها و صلى قائما و يركع و يسجد» و في البيان «صلى قائما أو جالسا و يركع و يسجد إن أمكن» و عن المبسوط و نهاية الأحكام و المهذب البارع «انه يصلي قائما» و لم يذكر الركوع و السجود، و ظاهر التذكرة و الذكرى و الدروس التوقف فيهما، لاقتصارهما على نسبة ذلك للبعض، و أن دليله حصول الستر، و ليس التصاقه بالبدن شرطا، و المرسل الآتي(1)قال الشهيد و تبعه غيره: و أولى بالجواز الفسطاط الضيق إذا لم يمكن لبسه، أما الحب و التابوت فمرتب على الفسطاط و الحفيرة، لعدم التمكن من الركوع و السجود إلا أن تكون صلاة الجنازة و الخوف، و قد ينافيه إطلاق التذكرة عدم الاكتفاء بإحاطة الفسطاط الضيق به، لأنه ليس بلبس كما عن نهاية الأحكام، إلا أن ينزل كما في كشف اللثام على إرادة الاختيار.
و كيف كان فالأصل في ذلك
مرسل أيوب بن نوح(2)عن بعض أصحابه
ج8،
عن أبي عبد الله (عليه السلام) «العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفرة دخلها و سجد فيها و ركع»
و لا يقدح إرساله بعد العمل به، لكن أشكل الحال على بعض المتأخرين كالفاضل الأصبهاني و غيره من حيث أن مثله عار لغة و عرفا، إذ الحفرة كالحجرة إنما تجدي في الأمن عن المطلع فيومي، لا في الركوع و السجود، و من هنا قال:
«الذي أفهمه من الحفرة حفرة ضيقة قريبة القرار تواري العورة، إذا قام أو قعد فيها سائر بدنه خارج، و قد تكون ملتصقة به، فعليه ولوجها و الركوع و السجود على الخارج و هو فيها، و أما حفرة تسع سجوده فهي كحجرة لا يجدي ولوجها» و فيه أنه مخالف الظاهر النص و الفتوى و الذي ألجأه إلى ذلك الحكم بإيماء العاري الآمن، أما إذا قلنا بأنه يركع و يسجد كما ستعرف قوته و دعوى ابن زهرة الإجماع عليه فلا إشكال، إذ المرسل حينئذ منزل على و لوج الحفرة ليأمن بها عن المطلع و يركع و يسجد، و لا حاجة حينئذ إلى ما ذكره، و لا إلى تخصيص أدلة العاري بما إذا لم يتمكن منها، و كذا الفسطاط، أما الحب و التابوت فيجب و لوجهما لتحصيل القيام بأمن المطلع كما سمعته في الطين لا لتحصيل الستر الصلاتي، و مع فرض عدمه لا يجوز الولوج، لفواتهما حينئذ مع وجوبهما عليه، و عدم كون مثله سترا صلاتيا.
أما لو دار الأمر بين الستر و القيام و الركوع و السجود كما إذا فرض وجود ساتر عنده حال الجلوس خاصة ففي كشف اللثام وجوب الجلوس عليه، لأن الظاهر أن الستر أهم من الركوع و السجود فضلا عن القيام، و فيه أنه من فاقد الساتر نصا و فتوى، إذ الظاهر إرادة فقده لصلاة المختار، فيجري عليه حكمه الذي منه أنه إن كان آمنا صلى قائما، نعم يتجه القول بوجوب الاستتار به للصلاة لو كان فرضه الجلوس، لعدم أمن المطلع، خصوصا إذا تمكن من الركوع و السجود فيه، لتمكنه من الستر للصلاة في هذا الحال الذي فرضه الجلوس، و قد ظهر بما ذكرنا تشويش كثير من كلمات الأصحاب،
ج8،
و أن الحال غير منقح عندهم، بل و سقوط جملة من الكلام زيادة على ما عرفت، كالمحكي عن المهذب و الموجز من «أن الحفرة مقدمة على الماء الكدر، و هو مقدم على الطين» و ما في جامع المقاصد من تقديم الحفرة على و لوج الوحل و الماء الكدر إذا تعذر استيفاء الأفعال فيهما، قال: «و أما مع الإمكان فيحتمل التخيير أو تقديم الوحل أو تقديم الحفيرة» و ما في حاشية الإرشاد و عن الجعفرية و المسالك من تقديم الماء الكدر على الحفيرة، و ظاهر الأول تقديمها على الحب و التابوت، كما أن ظاهره تقديم الطين عليهما جميعا» و ما عن إرشاد الجعفرية «انما يقدم الماء و الوحل إذا تمكن من استيفاء الأفعال فيهما، و إلا فالحفيرة» و ما عن حاشية الميسي «الطين مقدم على الماء الكدر» و ما عن الروض «الوحل مقدم على الماء الكدر و على الحفيرة إلا إذا تمكن من السجود فيها و لم يتمكن منه في الماء، فإنه تقدم الحفيرة» إلى غير ذلك مما هو واضح السقوط على ما ذكرناه من أنه لا ترتيب في ستر الصلاة، بل هو مرتبة واحدة يشترك جميع الأفراد في الصلاة فيها اختيارا، و انه ليس منها الطين و الوحل و الماء الكدر و الحفيرة و الفسطاط و نحوها، بل هي و أشباهها إنما ينفع بالنسبة إلى منع النظر، فيكون المصلي به آمنا للمطلع، و يجري عليه حكمه من القيام خاصة، أو الركوع و السجود معه، فتأمل جيدا، فان تحقيق ذلك على الوجه الذي ذكرنا مما لم يقم به أحد، و الحمد لله رب العالمين.
ثم من المعلوم أن البحث في وجوب تحصيل الساتر كالبحث في الماء و غيره من مقدمات الواجب المطلق، فيجب حينئذ شراؤه بما لا يضر به، و في قبول هبته أو عاريته ما سمعته في الماء من احتمال العدم للمنعة، فضلا عن الاتهاب و الاستعارة، إلى غير ذلك مما سمعته سابقا، كما أن البحث في وجوب الانتظار على فاقده إلى آخر الوقت و عدمه، أو التفصيل بين الرجاء و عدمه كالبحث في غيره من ذوي الأعذار التي تقدم البحث فيها سابقا، و أنه يقوى التفصيل بين ما كان من نحو المقام مما علق فيه الحكم على موضوع
ج8،
لا يتوقف صدقه على التأخير إلى الآخر كالعري و نحوه و بين غيره مما لم يرد فيه بالخصوص مثل ذلك، فللأول المبادرة ما لم يعلم الحصول، بل ربما احتمل مع العلم بخلاف الثاني، و قد تقدم البحث في ذلك مفصلا، و في
خبر أبي البختري(1)المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) ما يشعر باستحباب التأخير و كراهة التقديم مع الرجاء، قال: «من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فان لم يجد صلى عريانا»
الحديث.
و ذو الساتر بين العراة يستأثر به، فلو أعاره في ضيق الوقت و صلى عاريا بطلت صلاته حيث يكون له الرجوع، لصدق اسم الواجد عليه، و الأقوى صحة صلاة المستعير لكن في البيان فيها نظر، ثم قال: و لو جهل الحكم فالأقرب أنه معذور، فتأمل.
و لو نقله بناقل لازم اثم و صحت صلاته عاريا، و لو كان له خيار سابق ففي وجوب الفسخ عليه نظر، من صدق التمكن و القدرة، و من أن مثله تحصيل للقدرة التي هو مقدمة وجوب لا وجود، و مثله الرجوع في الهبة و نحوها.
و لو صلى فيه مالكه ففي البيان استحب له إعارته، فيختص به النساء، ثم القاري العدل ليؤتم به، و في كشف الأستاذ «لو وجد المباح أو المشترك استحب ترجيح الفاضل من العباد أو العبادة، و مع التعارض ترعى الميزان» قلت: لا بد من مراعاتها في جميع ذلك، لعدم دليل بالخصوص.
و كل من تمكن من شرط الساتر و غيره بمقدار صلاة من فرضه التقصير تعين عليه القصر في مواضع التخيير.
و لو بذل له الساتر أو غيره على وجه يجب قبوله بشرط التمام أو القصر تعينا عليه.
و لو كان الساتر القابل مشتبها في غيره من المحصور صلى عاريا إذا كان في المشتبه
1) 1 الوسائل- الباب- 52- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
فيه محرم ذاتي كالمغصوب و الحرير و الذهب و لباس الشهرة و زي الرجال للنساء و العكس بالنسبة إلى الرجال، بل قد يقع في بادي النظر أنه كذلك هنا و إن قلنا بالصحة و الإثم لو صلى فيما لا نهي عن الصلاة فيه بالخصوص منه في الاختيار، لأنه مكلف بصلاة المختار معه بخلافه في المقام الذي قد انقلب تكليفه فيه إلى كيفية صلاة العاري، فهو كواجد الماء في الآنية المغصوبة و لا ماء غيره، كما أن الأول بمنزلة من توضأ فيه مع وجدان غيره من المباح، لكن فيه أو لا بعد التسليم أن المتجه الصحة إذا كان لا مخالفة في صلاته على فرض عرية لصلاة المختار كما لو كان آمن المطلع، بناء على ما تسمعه من ابن زهرة إن شاء الله، ضرورة عدم المقتضي حينئذ للبطلان، لعدم زيادته على العري إلا بالإثم المفروض عدم مدخليته في صحة الصلاة. و ثانيا أنه يمكن منع أصل الدعوى، و يقال بوجوب صلاة المختار عليه، مطلقا على القولين بعد إقدامه على الإثم، ضرورة عدم شرطية الجلوس تعبدا في صلاة العاري، بل هو للأمن من المطلع الحاصل و لو بمقدمة محرمة، كما أن الإيماء مقدمة لعدم التكشف الحاصل بالتستر المزبور، و احتمال أن هذا الستر كعدمه لحرمته يدفعه أن مثله جار في الصلاة فيه مع الاختيار الذي قد فرض تسليم الصحة فيه، و عدم الأمر بالصلاة فيه لحرمته لا ينافي الأمر بها فيه بعد الإثم، فيكون حينئذ مكلفا بصلاة العاري ما لم يأثم باللبس، و إلا كلف بصلاة المختار، إذا المحرم انما يمتنع كونه مقدمة وجود لا وجوب، على أن مبنى الصحة في المختار لو فرض كونه الساتر عدم اتحاد كون اللبس و الصلاة، و عدم اشتراط الحلية في الستر الذي هو ليس بعبادة، و لا دليل على كونه مأمورا به كما سمعته سابقا مفصلا، و هو بعينه جار في المقام الذي هو كما إذا لم يكن عنده إلا المحرم، نعم لو فرض اختصاص الصحة في المختار بما إذا لم يكن هو الساتر أمكن الفرق بين ما نحن فيه و بينه، و اتجه حينئذ إجراء حكم العاري عليه إلا في الجلوس مع وجود المطلع، فإنه قد يقال بوجوب القيام عليه لحصول الأمن
ج8،
له بذلك و إن كان محرما، فإنه لا دليل على اشتراط الحلية فيما يحصل به الأمن، فيصلي فيه قائما حينئذ مؤميا بناء على القول به فيه، و على عدم تعليل الإيماء بالتكشف، و أنه يمكن كونه تعبديا.
و على كل حال فلو ذهل و صلى صحت صلاته من غير حاجة إلى تكرار فيما لو كان المانع من الصحة في المشتبه به حرمة اللبس المدعى اتحادها مع كون الصلاة كالمشتبه بالمغصوب، ضرورة ارتفاعها في الفرض، فيكون الستر به في محله، كالذاهل عن معلوم الغصبية و صلى فيه.
أما لو كان المانع أمرا تعبديا كالحريرية مثلا فان استمر ذهوله حتى صلى بالجميع الذي يقطع معه بوقوع صلاة في الساتر القابل صحت، و إلا وجب عليه ما كان واجبا عليه قبل الذهول من حكم العاري مع فرض استمرار الفقد، فيفعله و يجتزئ به حتى لو كان قد تذكر في أثناء الأخيرة و أتمها على كيفية صلاة العاري، و قد يحتمل وجوب الاستيناف و لو عاريا قضاء مطلقا في غير المشتبه بالمغصوب، تنزيلا لهذا المشكوك منزلة المعلوم، و لأنه هو تكليفه، فما أمر به لم يقع، و ما وقع لم يؤمر به، إذ الفرض وجوب الاجتناب عليه، و فيه منع واضح بعد عدم توجه النهي الذهول.
أما المشتبه بغير المحرم لبسه ذاتا كجلد غير المأكول و نحوه وجب التكرار زائدا على غير القابل بواحدة، فلو ترك الجميع أو البعض عن نسيان أو عمد وجب القضاء، لكن يجزيه مرة واحدة إذا فعلها بالساتر القابل، لأصالة براءة الذمة من قضاء ما يجب للمقدمة كما سمعته في مشتبه القبلة، بل ذكرنا هناك من الفروغ ما لا يخفى جريانه في المقام.
و لو ضاق الوقت قيل أتى بالممكن مع الصلاة عاريا، و إلا اقتصر على الصلاة عاريا ما لم يكن الاشتباه بالنجس، فيصلي الممكن حتما، و لا يجمع معه الصلاة من عربي، و هو لا يخلو من نظر، كما أنه لا يخلو منه ما قيل أيضا من أنه لو تلف بعض المشتبه و ارتفع بسببه
ج8،
العلم بوجود القابل فالأظهر رجوعه إلى حكم المشكوك فيه ابتداء مع الحصر من أنه بمنزلة المعلوم، فيترك و يصلي عاريا في غير النجس، و احتمال لزوم الصلاة به مع الصلاة عاريا له وجه، و يتخير فيه في النجس، إلى آخره. و من أحاط خبرا بما ذكرناه في كتاب الطهارة في الصلاة في الثوب المشتبه بالنجس، و في بحث القبلة عند اشتباه القبلة، و ما نذكره بعد من قوة ما ذهب اليه ابن زهرة من اتحاد صلاة العاري مع صلاة المختار حال أمن المطلع يعرف مواقع النظر فيه، بل يعرف كثيرا مما يذكر هنا من الفروع، كما أن كثيرا مما ذكر في كشف الأستاذ و غيره من الفروع المتعلقة بالعاري لا يخفى وجه الحكم فيها بأدنى نظر، على أنك ستسمع البحث في المهم منها عند التعرض لكيفية صلاة العاري، و الله أعلم.
و كيف كان ف مع عدم ما يستتر به و لو اضطرارا على القول به الذي هو ستر عن النظر على ما عرفت لم تسقط الصلاة عنه قولا واحدا كغيره من الشرائط عدا الطهورين، و لكن في كيفية صلاته حينئذ لو صلى منفردا بالنسبة إلى القيام مطلقا و الجلوس كذلك أو التفصيل، و إلى وجوب الإيماء عليه مطلقا أو الركوع حال القيام خلاف بين الأصحاب، فالمشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا في الأول أنه يصلي عريانا قائما إن كان يأمن أن يراه أحد يحرم نظره على الأصح كما ستعرف و إن لم يأمن صلى جالسا بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل في الغنية الإجماع عليه، كما أن في الخلاف ذلك أيضا حيث لا يأمن المطلع، و هو الحجة مع زيادة الأصل حال الأمن، و أنه مقتضى الجمع بين النصوص الذي هو أرجح من الطرح قطعا بعد الشاهد من النص و الإجماع السابق، إذ في
صحيح علي بن جعفر(1)السابق «و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم»
و
صحيح ابن سنان(2)عن الصادق (عليه السلام)
ج8،
«و إن كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلد السيف و يصلي قائما»
و
موثق سماعة(1)على ما في التهذيب «في رجل يكون في فلاة من الأرض ليس عليه إلا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء قال: يتيمم و يصلي عريانا قائما، و يومي إيماء»
و فيه على ما في الكافي «قاعدا» بدل «قائما» و في صحيح زرارة أو حسنه الآتي(2)و خبر أبي البختري(3)و خبر محمد بن علي الحلبي(4)يصلي جالسا فيحمل الأول على أمن المطلع، و الثاني على عدمه للإجماع السابق، و
مرسل ابن مسكان(5)المنجبر بالشهرة و غيرها «يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلى جالسا»
و
صحيحه المروي عن المحاسن(6)عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا كان حيث لا يراه أحد فليصل قائما»
و إن كان في روايته عنه بلا واسطة غرابة، و المروي عن
نوادر الراوندي(7)بسنده إلى موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) في العريان «إن رآه الناس صلى قاعدا، و إن لم يره الناس صلى قائما»
و
المرسل في الفقيه(8)قال: «و روي في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة أنه يصلي قائما إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلى جالسا»
ى انه قد عرفت كونه موافقا للأصل حال الأمن و مجمعا عليه حال عدمه.
و ما عن ابن إدريس- من إطلاق صلاته قائما مع ما فيه من طرح جملة من النصوص المعتبرة، و هتك الستر الذي هو أعظم حرمة من القيام في الصلاة الذي له
1) 1 الوسائل- الباب- 46- من أبواب النجاسات- الحديث 3 و 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 52- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 46- من أبواب النجاسات- الحديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
7) 7 المستدرك- الباب- 33- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
8) 8 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
ج8،
بدل عند التعذر الذي منه ما نحن فيه- واضح الضعف، على أن المحكي من كلامه في بحث اللباس و صلاة العاري لا يخلو من اضطراب في الجملة، كما أن ما عن المصنف من احتمال التخيير لتعارض النصوص و ضعف خبر ابن مسكان عن إثبات التفصيل كذلك أيضا، لما عرفت من عدم انحصار الدليل فيه أولا، و من أن المراسيل إذا تؤيدت بالشهرة و الإجماع السابق و المحافظة على الستر صارت في قوة المسانيد، و خصوصا مع كون المرسل من أجل الثقات ثانيا، على أنه على التخيير قد يقال: إنه إذا انضم الاحتياط إلى خبره و شهرة العمل به تعين العمل على وفقه من غير حاجة إلى مراعاة صيرورته حجة بالانجبار.
بل من ذلك كله يظهر أن مثلهما في الضعف أو أزيد ما يحكى عن الصدوق في الفقيه و المقنع و السيد في الجمل و المصباح و الشيخين في المقنعة و التهذيب من الجلوس مطلقا الذي هو مقتض لطرح الأدلة السابقة، و مخصص لأدلة وجوب القيام في الصلاة الذي يبعده زيادة على ما عرفت أنه لا داعي للجلوس بعد سقوط الستر من حيث الصلاة، و أنه ليس الستر بالبدن و الأرض منه في حال من الأحوال، لعدم الدليل، فلا محيص بحمد الله عن التفصيل المزبور.
و و أما البحث في المقام الثاني أي أنه في الحالين يومي للركوع و السجود أو يختص ذلك بحال الجلوس فستعرف الحال فيه عند البحث في كيفية جماعة العراء، لكن حيث يجب الإيماء فالظاهر كفاية مسماه، لصدق الامتثال، و ظهور
قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة(1): «إيماء برؤوسهما»
فيه، بل منه فضلا عن انصراف لفظ الإيماء إليه يعلم اعتبار كونه بالرأس كما نص عليه غير واحد من الأصحاب، بل إن تعذر فبالعينين، لما ستعرفه إن شاء الله في إيماء المريض، لظهور اتحاد كيفيته في كل مقام وجب فيه.
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
ج8،
نعم ينبغي أن يكون الإيماء للسجود أخفض منه للركوع على ما نص عليه غير واحد، بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب، و لعله ل خبر أبي البختري(1)الآتي، و لتحصيل الفرق بينهما بالمناسب الذي يمكن استفادة اعتباره مع التمكن منه من النصوص(2)في المريض و غيره، و من ذلك مع الأصل و الإطلاق يستفاد عدم وجوب الممكن من الانحناء الذي لا تبدو معه العورة، ضرورة أنه على تقدير وجوبه و الفرض أنه دون الركوع لم يبق محل للخفض المزبور، اللهم إلا أن يقال بوجوب الممكن إلا ما يحصل به الفرق، كما يظهر من المحقق الثاني، لكن قد عرفت عدم انحصار الدليل فيه، فما في الذكرى و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و غيرها- من وجوب ذلك، لقاعدة الميسور و نحوها التي يجب الخروج عنها بالإطلاق المزبور الذي يقطع بتحققه بدون ذلك، بل يمكن دعوى القطع بعدم إرادة خصوص هذا الفرد منه لو سلم تحقق المطلق فيه- ضعيف قطعا، بل قد يشكل فعله للاحتياط، لاحتمال عدم كونه من أفراد الإيماء، و أضعف منه احتمال وجوب وضع اليدين و الركبتين و إبهامي الرجلين على الكيفية المعتبرة في السجود، بل اختاره ثاني الشهيدين و الميسي فيما حكي عنه، كما أنه قواه في الجامع، و في كشف اللثام أن الأقرب وضع اليدين أو إحداهما على الأرض دون أطراف أصابع الرجلين إن كان يؤدي إلى انكشاف العورة، و أما الركبتان فهما على الأرض إن كان جلس عليهما، و إلا وضعهما على الأرض إن لم تؤد الحركة إلى الانكشاف، ضرورة كون جميع ذلك خلاف الأصل، مع الاجتزاء بالإيماء في النصوص في مقام البيان، و احتمال الاكتفاء بأصالة وجوبها، و معلومية كون الإيماء بدل الانحناء حتى يصل إلى وضع الجبهة على المسجد،
ج8،
فلا يجزي عن غيره مما وجب كما ترى، ضرورة انصراف كون المراد من السجود في نصوصهم (عليهم السلام) الهيئة الخاصة المركبة من جميع ذلك، فيكون الإيماء حينئذ بدلا عن ذلك كله، على أن وجوب ذلك انما علم حال السجود على الأرض لا الإيماء، و دعوى أن ذلك مقتضى البدلية يدفعها أن وجوبها و إن كان حاله لكن ليس له حتى يجري ذلك في البدل، فالأقوى الاجتزاء بمسمى الإيماء عن ذلك كله، بل قد يقوى في النظر عدم وجوب رفع شيء يسجد عليه على وجه لا يخل بما وجب عليه من وضع اليدين، و إلا سقط وجوب وضع اليد التي يرفع بها، ترجيحا له على وجوب وضعها، للأصل، و ظاهر بيان الكيفية في النصوص(1)خلافا للمسالك و غيرها، و لعله للقياس على المريض و نحوه م ما ورد(2)فيه من الذي هو بعد التسليم في المقيس عليه ليس بحجة عندنا.
و كيف كان فلو وجد الساتر في أثناء الصلاة ففي المدارك تبعا للتذكرة «إن أمكنه السير من غير فعل المنافي استتر وجوبا و أتم، و إن توقف على فعله بطلت صلاته إن كان الوقت متسعا و لو بركعة، و إلا استمر» و زاد في الأول احتمال الاستمرار مطلقا، للأصل و النهي عن الابطال، و قد يناقش في الأول مع السعة أولا بعدم تحقق الامتثال مع التمكن من الستر في وقت الصلاة، و لذا جزم الأستاذ الأكبر في الشرح بالاستيناف، و فيه أن صحة ما فعله قبل الوجدان مقتضى أجزاء الأمر، و ما بعده بالاحراز، و ما بينهما من الزمان عفو نحو ما قلناه في المنكشف قهرا، فلعل بناء المسألة على تلك المسألة أوجه، اللهم إلا أن يقال و إن كان فيه ما فيه: إنه إن قلنا به في تلك فلخصوص الخبر المزبور(3)بخلافه هنا، و لا دليل على التعدية، و مقتضى أصالة الشرطية الفساد.
ج8،
نعم تتجه الصحة في الفرض لو صادف حصول الستر به العلم بوجدانه، إذ لا ريب في ضعف دعوى البطلان فيه أيضا و إن كان هو ظاهر الأستاذ، لعدم تحقق الامتثال المبني على إنكار قاعدة الإجزاء المفروغ منها في الأصول، أو لأن ما نحن فيه من تخيل الأمر لا من الأمر حقيقة الذي يرده ظاهر النصوص و الفتاوى و حملها على إرادة العاري الذي لم يحصل له الستر في وقت الصلاة لا دليل عليها، بل ظاهر الأدلة خلافه، و لذا كان المتجه عدم الإعادة لو وجد الساتر بعد الفراغ، و مفروض المسألة جواز البدار لذوي الأعذار مع الرجاء، و إلا كانت صلاته باطلة و إن لم يجده في الأثناء مع فرض فعلها معه في السعة، اللهم إلا أن يفرض عدم الرجاء فاتفق حصوله، لكن المتجه عليه الصحة أيضا لقاعدة الأجزاء السابقة، كما هو واضح، فتأمل. و ثانيا بأنه يمكن القول بالصحة بدونه فيما إذا كان محتاجا إلى زمان أكثر من زمن فعل الباقي من الصلاة كالتسليم و نحوه، بل ظاهر الأستاذ في كشفه الجزم بها في نحو المقام، لكن قد يجاب بأن المستفاد العفو عن زمن الاستمرار إلى حصول الستر دون غيره من أجزاء الصلاة، فلا مدخلية للطول و القصر كي يرجح بهما، فتأمل.
و في الثاني بأنه قد يمنع البطلان مع فرض إدراك وقت الاضطرار، ترجيحا لمصلحة الوقت على مصلحة الساتر، و منه ينقدح حينئذ وجوب الصلاة عاريا إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار الصلاة كملا و إن علم حصوله لو أخر بحيث يتمكن من الركعة أو أزيد في الوقت، و قد يحتمل ترجيح مصلحة الساتر على الوقت بالبدلية للثاني دون الأول، بل لعل مشروعية اضطراري الوقت لذلك و نحوه، بل قد يندرج بذلك تحت المتمكن من الساتر، فتشمله العمومات حينئذ، و لا يتمثل بالصلاة عاريا، كالمتمكن من فعلها به تامة في الوقت الاختياري الذي لا ريب في البطلان معه و الاستيناف، و ما في المدارك من الاحتمال المزبور في غاية الضعف، و الأصل بعد تغير الموضوع لا يجري،
ج8،
و النهي لا يشمل المقام كما تعرفه في محله إن شاء الله، على أنه كما في شرح الأستاذ يخصص بما دل على وجوب الستر، و أن الصلاة باطلة بدونه، فتأمل.
ثم من المعلوم بالسيرة القطعية في جميع الأعصار و الأمصار من العوام و العلماء عدم وجوب الستر للصلاة و الطواف من جهة التحت، بل هو مقتضى إطلاق ما دل(1)على جواز الصلاة في القميص و نحوه، و عدم وجوب السراويل و الاستثفار و نحو هما، نعم ذلك كله في غير الواقف على طرف سطح بحيث ترى عورته لو نظر إليها، و لذا جزم بالبطلان فيه في التذكرة و حاشية المدارك للأستاذ الأكبر، و استقر به في المحكي عن نهاية الأحكام، بل و شيخنا في كشفه مع الناظر، و تردد فيه في الذكرى من أن الستر انما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، و لذا جزم الشافعي بالصحة، و من أن الستر من تحت أنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض لعسر التطلع حينئذ، أما في صورة الفرض فالأعين تبتدر لإدراك العورة، قال: «و لو قام على مخرم لا يتوقع ناظر تحته فالأقرب أنه كالأرض، لعدم ابتدار الأعين».
قلت: قد يشكل عليه الفرق بين السطح و المخرم كالشباك و نحوه، و لا مدخلية لعدم توقع الناظر، إذ المدار في عورة الصلاة على الستر على تقديره، و منه يعرف ما في كشف الأستاذ، بل منه يعرف الحكم في أصل المسألة، ضرورة عدم صدق المطلق عليه من الستر الذي هو شرط الصلاة لا المضاف كما أشرنا إليه سابقا، و المراد من أول وجهي التردد عدم الوجوب من حيث الصلاة لا النظر، فما في حاشية الأستاذ الأكبر- من المناقشة فيه بأنه لا خفاء في وجوب الستر مطلقا عقلا و نقلا، و عدم جواز كشفها كذلك، و أي عاقل يرضى بأن يكشف عورته على الناس من تحت لكون الكشف من تحت حلالا، أي عاقل يرضى بالحلية و الكشف بوجه من الوجوه- كما ترى.
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
و على كل حال فمما ينافي إطلاق الستر المزبور التكشف من جهة الفوق أيضا، فلو صلى في ثوب واسع الجيب بحيث تنكشف عورته عند الركوع لغيره بطلت صلاته بلا خلاف أجده فيه إن لم يتداركه قبل الانكشاف عمدا، بل الظاهر البطلان في صورة النسيان أيضا، لما سمعته سابقا من أصالة الشرطية، لكن من المعلوم أن البطلان فيه و في سابقه من حينه لا قبله كما عن بعض العامة، لعدم الدليل، نعم إن كان حين ينوي الصلاة متذكرا لهذا الانكشاف عازما على عدم التدارك و قلنا بالبطلان في مثله من نية فعل المنافي اتجه حينئذ البطلان، قيل و تظهر الفائدة للصحة قبله و حينه في نية الانفراد للمأموم.
و لو كان شعر رأسه أو لحيته يمنع من الانكشاف المزبور فعن نهاية الأحكام أن الأقرب الجواز كما لو ستره بمنديل، و في الذكرى الأقرب الاجتزاء بكشافة اللحية المانعة عن الرؤية، و فيه ما قد عرفته سابقا من عدم الاجتزاء بمثل هذا الساتر و إن كان من جهة، ضرورة عدم تحقق إطلاق الستر بالثوب، بل هو لا يوافق ما اختاره فيما لو كان في الثوب خرق، قال و تبعه غيره: «فاما لم يحاذ العورة فلا بحث، و إن حاذاها بطل، و لو جمعه بيده بحيث يتحقق الستر بالباقي صح، و لو وضع يده عليه فالأقرب البطلان، لعدم فهم الستر ببعض البدن من إطلاق اللفظ، و لو وضع غير المصلي يده عليه في موضع يجوز له الوضع أمكن الصحة، لحصول الستر و خروجه عن المصلي، و الوجه البطلان أيضا، لمخالفة الستر المعهود، و إلا لجاز ستر جميع العورة ببدن الغير» قلت:
مع أنك عرفت فيما تقدم اعتبار المأكولية فيما إذا كان الساتر من حيوان، و ما عساه يقال: إنه في صورة الوضع على الخرق غير ساتر بانفراده بل هو مع الثوب يدفعه عدم الفرق بين كونه ساترا و بعضه، نعم لو فرض كون الوضع بحال لا يرفع صدق اسم الستر بالثوب حقيقة صح، لحصول الشرط و عدم المانع، و من ذلك يعلم أن المدار في هذه المسألة و نظائرها على ذلك، و لعله هو الذي دعا الشهيد إلى الفرق، بل و الفاضل
ج8،
فيما حكي عنه من نهايته، حيث أنه تردد في مسألة الخرق، و استقرب الصحة في واسع الجيب المستور باللحية، و إلا فمن المعلوم عندهم عدم الاجتزاء بستر مثل ذلك لكونه بعضا من المكلف، و لأنه مما لا يؤكل لحمه، فالحكم بالصحة حينئذ ليس إلا لتخيل أنه ستر بالثوب مثلا لا غير، لكنه في حال من أحوال المكلف، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع.
هذا كله إذا انكشف لغيره، أما إذا لم ينكشف إلا لنفسه فالأقرب البطلان أيضا، لعدم تحقق الإطلاق المزبور الذي هو المدار في الصلاة، و لو فرض تحققه اتجه الصحة، و لعله إليه أومأ في الذكرى حيث اشترط البطلان بما إذا قدر رؤية الغير إذا حاذى الموضع، فإنه به ينتفي الإطلاق حينئذ، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، بل كان لنفسه خاصة من جهة تسلط بصره مثلا، فلا ينتفي الإطلاق، و لعله أولى مما في كشف اللثام، قال: يعني إذا نظر الغير من حيث ينظر نفسه، و إن كان حين ينظر نفسه مانعا من نظر الغير، بناء على أنه ستر لعورته بوجهه مثلا، و الستر يجب أن يكون بغيره لا بعضوه، بل قد يجعل ما ذكرنا وجه جمع بين ما قلناه و بين المحكي عن المعتبر و المنتهى و التحرير من أنه لا بأس بالصلاة إذا لم ينكشف إلا لنفسه بحمله على الصورة الأخيرة التي ذكرنا فيها الصحة، كما أن ما في الخلاف و المحكي عن المبسوط- من إطلاق نفي البأس عن صلاة الرجل في قميص واحد و أزراره محلولة حاكيا عليه في الأول الإجماع- يجب حمله على ما إذا لم ينكشف العورة بذلك، و إن قال في الثاني: «واسع الجيب أو ضيقه، دقيق الرقبة كان أو غليظة، كان تحته مئزر أو لم يكن» إذ ذلك منه تعريض بخلاف بعض العامة، ك
قول الباقر (عليه السلام) في خبر زياد بن سوقة(1): «لا بأس أن يصلي أحدكم في الثوب الواحد و أزراره محللة، إن دين محمد (صلى الله عليه و آله) حنيف»
و قيل
للصادق (عليه السلام) في مرسل ابن فضال(2): «إن الناس يقولون: إن
ج8،
الرجل إذا صلى و أزراره محلولة و يداه داخلة في القميص انما يصلي عريانا، فقال:
لا بأس»
و أما
قوله (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم(1): «إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفرج فلا بأس»
و قول أبيه (عليهما السلام) في
خبر غياث(2): «لا يصلي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار»
ففي صورة انكشاف العورة، أو للاحتياط تحرزا عن التعرض له، أو على الكراهية، كما
ورد(3)«إن حل الأزرار من عمل قوم لوط»
هذا.
و لا ريب في استحباب الجماعة للعراة، بل في ظاهر التذكرة و صريح الذكرى و المحكي عن المنتهى و المختلف الإجماع عليه، لإطلاق الأدلة، و خصوص
صحيح ابن سنان(4)«سألته عن قوم صلوا جماعة و هم عراة، قال: يتقدمهم الامام بركبتيه و يصلي بهم جلوسا»
و
موثق إسحاق بن عمار(5)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون؟
قال: يتقدمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه، فيومئ إيماء للركوع و السجود، و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم»
فما في
خبر أبي البختري(6)عن الصادق (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد «فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى»
محمول على عدم إرادة الجماعة منهم، لعدم من يؤتم به منهم، أو لغير ذلك، أو على التقية بقرينة الراوي، أو غير ذلك، و إن كان المحكي عن المقنع و الشيخ في آخر باب صلاة الخوف و المطاردة من الخلاف العمل به.
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 23- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 23- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 51- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 51- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
6) 6 الوسائل- الباب- 52- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
انما الكلام في كيفيتها. و المعروف في الفتاوى كالخبرين السابقين إطلاق الجلوس فيها، بل هو معقد المحكي عن السرائر من الإجماع أيضا، و النسبة إلى أهل العلم في المعتبر و المنتهى من غير تفصيل بين أمن المطلع و عدمه، لكن الخروج به عن إطلاق ما دل على القيام مع الأمن المؤيد بأصالة وجوبه في الصلاة و بغيرها لا يخلو من إشكال، خصوصا بعد خروج هذا الإطلاق مخرج الغالب من عدم الأمن في الفرض إلا ببعض الصور النادرة كالعمى و الظلمة و نحوهما، و خصوصا بعد كون التعارض بين الأدلة من وجه لا بالخصوص المطلق، فترجيحه حينئذ على إطلاق القيام لا يخلو من منع، و لعله لذا جزم في البيان بمراعاة الأمن و عدمه.
و كيف كان ففي الوسيلة و الدروس و المحكي عن النهاية و الجامع و الإصباح و المعتبر و المنتهى العمل بما في الموثق المزبور(1)من إيماء الإمام خاصة، و ركوع المأمومين و سجودهم، و لم يرجح في التذكرة و التحرير و عن المختلف من جهته، بل في المعتبر الرواية حسنة لا يلتفت إلى من يدعي الإجماع على خلافها، معترضا بذلك على العجلي حيث حكى الإجماع على إيماء الجميع الذي هو خيرة القواعد و البيان و المدارك و غيرها من كتب متأخري المتأخرين، و المنقول عن جمل السيد و مصباحه و المفيد و نهاية الأحكام و إن كنا لم نتحققه من الأخير منهم، اللهم إلا أن يكون قد استفيد مما ذكره في المنفرد، لكن لا ينبغي الاقتصار عليه في النسبة حينئذ، إذ الغنية أيضا كذلك، لكنك خبير أن مثل هذا الإجماع لا يعارض مثل الخبر المزبور، كما أن إطلاق نصوص الإيماء لا تعارضه بعد كونه مقيدا و من قسم الموثق الذي هو حجة عندنا، و معمولا به عند جماعة من الأساطين، و المناقشة فيه- كما في شرح الأستاذ مع أن ظاهره في حاشية
1) 1 الوسائل- الباب- 51- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
المدارك العمل به بأن المفهوم منه كون الستر لأجل عدم رؤية الناس لا لله، و هو مخالف لظاهر الأخبار الصحاح و المعتبرة المعمول بها بين الأصحاب، بل الإجماع أيضا، لأن وجوب ستر العورة عند الفقهاء ليس سترها عن الناظر بل لله تعالى بالبديهة- كما ترى، إذ لا خبر فضلا عن الأخبار، و الإجماع يدل على سترها في هذا الحال للصلاة، بل لعل الظاهر من نصوص التفصيل(1)بالأمن و عدمه و التعليل بالبدو في الحس الظاهر للناظر بقرينة الجلوس فيه خلافه كما ستعرفه مفصلا، و به يندفع ما في الذكرى من إشكاله بأنه يلزم من العمل به أحد أمرين، إما اختصاص المأمومين بعدم الإيماء مع الأمن أو عمومه لكل عار آمن، و لا سبيل إلى الثاني، و الأول بعيد، إذ الظاهر إمكانهما معا، و أما ما في كشف اللثام من احتماله إيمائهم لركوعهم و سجودهم بوجوههم، و ركوعهم و سجودهم على الوجه الذي لهم، و هو الإيماء، و لذا قال في نهاية الأحكام: إنها متأولة، فهو كما ترى لا يترك بمثله المعتبر من النصوص، مع أنه لا ينبغي تخصيص المأمومين بذلك، فالعمل به حينئذ متجه، و لا غرابة حينئذ في التفصيل بين المأموم و غيره لذلك.
بل يمكن الفرق بينهما أن الإيماء في الجالس غيره، لعدم أمن المطلع الذي سوغ له الجلوس بخلافه، فإنه باعتبار التصادق المأمومين بعضهم ببعض في سمت واحد لا إطلاق لأحد على الآخر في الركوع و السجود، و لذا اختص الإمام بالإيماء بينهم، لعدم الأمن بالنسبة إليه باعتبار تقدمه عليهم، و إلى ذلك أشار في المنتهى بعد أن رجح الموثق المزبور بقوله: «لا يقال: إنه قد ثبت أن العاري مع وجود غيره يصلي بالإيماء، لأنا نقول:
إنما ثبت ذلك فيما إذا خاف من المطلع، و هو مفقود هنا، إذ كل واحد مع سمت صاحبه لا يمكنه أن ينظر إلى عورته حالتي الركوع و السجود» و نحوه في الذكرى، لكن أشكله بأن المطلع هنا إن صدق وجب الإيماء، و إلا وجب القيام، و أجاب بأن التلاصق
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3 و 5 و 7.
ج8،
في الجلوس أسقط اعتبار الإطلاق بخلاف القيام، و كان المطلع موجودا حالة القيام و غير معتد به حالة الجلوس، و هو جيد جدا.
نعم لو فرض صف ثان بعد الوصف الأول كان فرض الأول الإيماء كالإمام، لوجود المطلع، و في التحرير الإجماع عليه، و الركوع و السجود للصف الثاني، نعم إذا كانوا في مكان مظلم مثلا أمكن وجوب الركوع و السجود على الجميع كما صرح بجميع ذلك في الذكرى أيضا، و لا ينافيه الرواية المزبورة المنزلة على الغالب، كما أنه لا مجال لاحتمال اشتراط صحة الجماعة بكونها في صف واحد بعد إطلاق النص و الفتوى و تصريح البعض.
بل من ذلك كله يظهر قوة ما ذهب اليه ابن زهرة مدعيا الإجماع عليه من الفرق في المنفرد بين صلاته من جلوس لعدم أمن المطلع و صلاته من قيام لأنه، فيومي الأول للركوع و السجود، دون الثاني فيركع و يسجد، للأصل، و خبر الحفيرة(1)و الموثق المزبور(2)و الإجماع المنقول، و لأن الذي يسوغ له القيام المقتضي لانكشاف قبله الأمن من المطلع فليقتض أيضا وجوب الركوع و السجود و ان استلزما انكشاف العورة، ضرورة اشتراكهما في عدم قدحها مع عدم التمكن، و لذا لم يقدح انكشاف قبله في القيام، و دعوى الفرق بينهما بإمكان وضع يده في القيام على قبله، فيكون مستور العورتين باليد و الأليتين بخلافهما يدفعها أن ظاهر النص و الفتوى عدم وجوب الوضع المزبور، على أنه عليه لم يتجه التفصيل بين أمن المطلع و عدمه، و ضرورة ظهوره في عدم البأس في التكشف في الأول دون الثاني.
و ما في
حسن زرارة(3)«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من
ج8،
سفينة عريانا أو سلب ثيابه و لم يجد شيئا يصلي فيه فقال: يصلي إيماء، فإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، و إن كان رجلا وضع يده على سوأته، ثم يجلسان فيومئان و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماء برؤوسهما، قال: و إن كانا في ماء أو بحر لجي لم يسجدا عليه و موضوع عنهما التوجه فيه يوميان في ذلك إيماء رفعهما توجه و وضعهما»
ج8،
الصلاة المقتضية للبدو للناظر.
بل يقوى في النفس مع التأمل الجيد أن المراد من النصوص سقوط الستر من حيث الصلاة كباقي الشرائط المتعذرة، إلا أن الفرق بينها و بينه وجوب الستر عن الناظر لا للصلاة، فمع فرض عدمه لا يسقط شيء من أفعال الصلاة، و معه يتعارض ما دل على وجوب القيام و الركوع و السجود و ما دل على وجوب الستر، إلا أن الظاهر من هذه النصوص المعتضدة بالفتاوي تقديم الثاني على الأول، فينتقل من القيام إلى الجلوس، و من الركوع و السجود إلى الإيماء، فيتجه على ذلك عدم بطلان الصلاة بتكشف العورة في حال القيام و الجلوس عمدا فضلا عن السهو، ضرورة كون النهي من حيث النظر لا الصلاة، و هذا و إن صعب على أذهان جملة من الناس لغلبة التقليد عليهم، إلا أن التأمل الجيد في الموثق(1)و خبر الحفيرة(2)و في نصوص التفصيل(3)بين أمن المطلع و عدمه، و في إطلاق ما دل على وجوب القيام(4)و الركوع(5)و السجود(6)في الصلاة، و في أنه لا دليل على شرطية الستر للصلاة بالأليتين و بباقي بدن المصلي و غيره مما هو محلل لمسه، بل ظاهر كثير منهم و صريح بعضهم انتهاء مراتب الستر بالأمور السابقة، و أن البدن و الشعر و غيرهما ليس منها، و في غير ذلك مما لا يخفى على الماهر يشرف الفقيه على القطع بما ذكرنا.
و منه يظهر ما في شرح الأستاذ من دعوى عموم في الستر للصلاة مهما أمكن بحيث يشمل البدن و نحوه، بل يظهر غير ذلك مما فيه أيضا، و ما في
خبر أبي يحيى
1) 1 الوسائل- الباب- 51- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3 و 5 و 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام.
5) 5 الوسائل- الباب- 9- من أبواب الركوع.
6) 6 الوسائل- الباب- 9- من أبواب الركوع.
ج8،
الواسطي(1)«أن الدبر مستور بالأليتين، فإذا سترت القضيب و الأنثيين فقد سترت العورة»
لا دلالة فيه على أن ذلك للصلاة، بل ظاهره تحقق الستر من حيث النظر، كما أن المراد من إطلاق النصوص الصلاة قائما صلاة القائم المعهودة، بمعنى أنه مع عدم المطلع يرتفع المانع عن القيام، لا أن المراد الإتيان بجميع صلاته من ركوع و سجود و تشهد و تسليم حال القيام، بل و كذا
قوله (عليه السلام): «صلى جالسا»
أي جاء بصلاة الجالس المعهودة، إلا أنه لما تكثرت النصوص(2)المفتي بها من الأصحاب في أن فرضه الإيماء، و علم أن الجلوس لمكان حصول الستر به عن المطلع تعين القول به حينئذ مع وجود المطلع، و عدم إمكانهما مع الأمن من بدو هما له.
أما القيام فلم نجد في النصوص ما يدل على أمره فيه بالإيماء سوى ما في
صحيح علي بن جعفر(3)«و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم»
الذي هو- مع عدم العمل به على إطلاقه لوجوب الجلوس عليه مع عدم الأمن و لا صراحة فيه بالإيماء للسجود- قاصر عن معارضة ما سمعته، خصوصا مع إمكان حمل الإيماء فيه على إرادة أول أفراد مسمى الركوع.
و دعوى ترجيحه على ما تقدم- باعتضاده بفتاوى الأصحاب، و بإجماع ابن إدريس، و بأن المحصل من الأدلة وجوب ستر العورة للصلاة و إن كان ما تستر به مرتبا، و بما في
مضمر سماعة(4)المروي في التهذيب «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض و ليس عليه إلا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء كيف يصنع؟
ج8،
قال: يتيمم و يصلي عريانا قائما و يومي إيماء»
بل هو دليل في نفسه خصوصا بعد اعتضاده بما عرفت، و بأنه لو كان المدار في الركوع و السجود على أمن المطلع و عدمه لم يصح إطلاق الإيماء للجالس في جملة من النصوص المعتبرة(1)مع إمكان عدم البدو بوضع يديه أو يد زوجته أو نحو ذلك- يدفعها انه لا شهرة في العمل بالخبر المزبور فضلا عن الإجماع، و ذلك لأن الصدوق و
المفيد و السيد و إن حكي عنهم الإيماء إلا أن مذهبهم تعين الجلوس على العاري المنفرد مطلقا أمن المطلع أو لا كما عرفته سابقا، كما أن ابن إدريس مذهبه وجوب القيام عليه مطلقا، و هذا منهم طرح لنصوص التفصيل، بل من الأولين طرح لنصوص القيام التي هذا الصحيح من جملتها، و البحث في الركوع و السجود و القيام على تقدير العمل بنصوص التفصيل، و أما الشيخ في المبسوطة و نهايته و خلافه و ابن حمزة في الوسيلة و ابن البراج و الديلمي في المراسم فالمحكي عنهم عدم التعرض للإيماء في المنفرد أصلا، نعم الشيخ و ابن حمزة منهم ذكراه في الإمام خاصة، و ربما استظهر منهم جميعا موافقة ابن زهرة في الركوع و السجود، ضرورة أنه لو كان الفرض عندهم الإيماء لوجب ذكره خصوصا، و مقتضى الأصل وجوب غيره، فليس حينئذ إلا يحيى بن سعيد و الفاضلان و الشهيدان و المحقق الثاني و من تأخر عنهم من متأخري المتأخرين.
بل المحكي عن العلامة منهم في النهاية التردد في الإيماء قائما مع تقريبه من أنه أقرب إلى الستر، و أبعد عن الهيئة المستنكرة في الصلاة، و من أنهما ركنان، و الستر زينة و كمال للأركان، فلا يسقط الركن لسقوط الزينة، و الوجه الأول من التردد كما ترى، و قد سمعت كلامه في المنتهى في ركوع المأمومين و سجودهم، و ربما ظهر من كشف اللثام نوع ميل اليه، قال بعد أن حكى عن ابن زهرة الجزم و عن الفاضل التردد: «قلت:
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6 و الباب 52 الحديث 1 و المستدرك- الحديث 1 من باب 33 و 34 من أبواب لباس المصلي.
ج8،
و فرقهما بين الحالتين للأمن حال القيام و وحدة خبره، و لم يذكره أي الإيماء سلار أصلا و لا الشيخ و أبناء حمزة و البراج إلا إذا صلى العراة جماعة، فأوجبوه على الإمام خاصة» إلى آخره. بل قد يوهن الخبر المزبور زيادة على ذلك عدم العمل به من بعض المفصلين، حيث أوجبوا الجلوس لايماء السجود كما حكاه في الذكرى عن شيخه عميد الدين، و في مفتاح الكرامة عن أبي العباس، و مال إليه في كشف اللثام لأنه مستطاع فيجب، خصوصا إذا قلنا بأصالة وجوبه لا أنه مقدمة للسجود، و إن أشكله في الذكرى بأنه تقييد للنص من غير دليل، و مستلزم للتعرض لكشف العورة في القيام و القعود، فان الركوع و السجود انما سقطا لذلك، فليسقط الجلوس الذي هو ذريعة إلى السجود، و لأنه يلزم القول بقيام المصلي جالسا ليؤمي للركوع لمثل ما ذكره، و ما أعلم به قائلا، فالتمسك بالإطلاق أولى، لكن قد يدفعه أنه ليس من التقييد في شيء، و انما هو إيجاب لما وجب بدليله من غير علم بسقوطه، بل في كشف اللثام أن الأخفض يحتمله، و كذا خبر زرارة(1)المتقدم كما أشرنا إليه سابقا، و الفرق بين القيام و القعود و عكسه ظاهر، فان القعود أستر، و لذا وجب إذا لم يأمن، بل الفرض أنه كان قد تعين الجلوس عليه لعدم أمنه، فلا يسوغ له القيام الركوع، و إلا لقام قبله، و التعرض للتكشف مع أنه لا نهي عنه بالخصوص يرفعه الأمر بالتحفظ في هذا الحال بأن يجلس على هيئة لا تقتضي التكشف بناء على مراعاة مستورية الدبر، و أن الإيماء لذلك لا أنه تعبد محض كما عساه يتخيل، بل لعله أقوى من سابقه، ضرورة خلو النص و الفتوى عما يقتضي اشتراط الستر هنا للصلاة، و إيجاب الإيماء فيها أعم من ذلك كما أن
قوله (عليه السلام): «و لا يركعان و لا يسجدان فيبدو ما خلفهما»
و قد عرفت كونه من حيث وجود المطلع لا من حيث الصلاة، و التمسك بإطلاق هذه العلة المنافية لإطلاق
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
ج8،
الفتاوى- بل قد عرفت قصورها من وجوه أخر، منها أن مقتضاها الركوع و السجود للقائم مع عدم البدو أو كان الدبر مكشوفا لا يمكن ستره بالأليتين، و هو مخالف لإطلاق الفتاوى- كما ترى، فالمتجه حينئذ بناء على العمل بهذا الصحيح(1)و غيره من النصوص الاقتصار على الكيفية المزبورة للعاري من غير مدخلية لانكشاف العورة حينئذ في الصلاة، لعدم الدليل، بل إطلاق الأدلة قاض بخلافه، و حينئذ لا بأس بالجلوس لايماء السجود و إن تكشف به فضلا عن تعرضه له، على أن مقتضاه أنه يتشهد و يسلم قائما، و لا أعرف تصريحا به ممن تقدم عليه، كما أنه لا أعرف دليلا له، بل الأصل قاص بخلافه، و من ذلك كله تعرف وهن الصحيح المزبور(2)بل قد يوهنه أيضا بعد وجوب الإيماء من قيام بحيث لا يجوز له الجلوس في صورة عدم بدو العورة، بل يمكن دعوى أنه لا يلتزمه أحد منهم، و لذا صرح بعض مشايخنا بالجواز في مثل الفرض مع قوله بمقالتهم، فتأمل.
و إجماع ابن إدريس معارض بإجماع ابن زهرة، بل قد يشهد التتبع برجحان الثاني عليه، خصوصا و قد ادعاه في المأمومين الذين قد عرفت حالهم، و القائل بركوعهم و سجودهم، كما أنك قد عرفت ما في دعوى أن المحصل من الأدلة وجوب الستر للصلاة مطلقا، بل سبرها مع التأمل فيها قاض بخلاف ذلك كما هو واضح.
و مضمر سماعة(3)مروي في الكافي الذي هو أضبط من التهذيب بلفظ القعود، فيكون حينئذ كباقي نصوص الإيماء(4)للقاعد المحمولة على عدم أمن المطلع، و لا ريب
1) 1 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
2) 2 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 46- من أبواب النجاسات- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6 و الباب 52 الحديث 1 و المستدرك- الحديث 1 من باب 33 و 34 من أبواب لباس المصلي.
ج8،
أن إطلاقها منزل على الغالب من عدم التمكن من الركوع و السجود على وجه لا عسر فيه و لا تشويش بالبدو معه، و إلا فلو فرض إمكانه كذلك وجب من غير فرق بين المأمومين و غيرهم، بناء على ما ذكرنا الذي مع التأمل فيه يظهر لك ما في جملة من المصنفات في النقل و الاستدلال و تحرير البحث، خصوصا مصنفات أهل العصر من مشايخنا و غيرهم، و هو الذي دعانا إلى التطويل في البحث.
و المحصل ان الذي يمكن دعواه في المقام أحد أمور أربعة: أولها ما ذكرناه من سقوط الستر للصلاة و بقائه من حيث النظر، فمع عدمه يأتي بالصلاة تامة، و مع وجوده ينتقل إلى الأبدال كلا أو بعضا، كما لو أمن المطلع في القيام دون الركوع أو بالعكس.
و ثانيها السقوط للصلاة أيضا إلا أنه يجب التعبد بالكيفية المخصوصة الحاصلة من مجموع النصوص و الفتاوى، و هي على الأصح الجلوس مع عدم الأمن، و القيام معه، و الإيماء في الحالين. ثالثها هذه الكيفية المخصوصة إلا أنه يجب ستر العورتين في حال الجلوس للصلاة، و عن النظر، و الدبر خاصة للصلاة في حال القيام و الركوع و السجود. رابعها وجوب ستر القبل باليد و نحوها لها أيضا، و أضعفها الأخير، لما عرفته من منافاته لأكثر النصوص و الفتاوى، ثم سابقه، بل لا يخلو تخصيص ستر الدبر بالشرطية من غرابة، و أما الأولان فقويان جدا، و لعل أولهما لا يخلو من رجحان، لما عرفته، فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة في كثير من الكتب.
ثم من الواضح انه تجب على الأول إرادة الناظر المحترم من النص و الفتوى لا مطلق الناظر و إن لم يكن محترما، لما عرفته سابقا من سقوط الستر للصلاة، و عدم حرمة التكشف إلا من حيث النظر، فيجب حصره حينئذ في المحترم منه لا غيره كالزوجة و نحوها كما جزم به شيخنا في الرياض، و لعله المتبادر من نحو قولهم: أمن المطلع، خلافا لشيخنا في كشفه فالجميع، تمسكا بعموم النصوص المنصرف إلى ما ذكرنا و لو بقرينة
ج8،
الفتاوى و ما سمعته سابقا منا مفصلا، كما أنه من المعلوم عدم الاجتزاء بالركوع و السجود منه عمدا حيث يكون فرضه الإيماء، للنهي، و عدم الامتثال للأمر به في النص و الفتوى المراد منه العزيمة و انتقال الفرض قطعا لا الرخصة، و الجهل غير عذر فيه كغيره من الأحكام، بل و لا النسيان أيضا و إن احتمل الصحة فيه في البيان، بل جزم بها الأستاذ الأكبر في شرحه، قال: لعدم توجه النهي و الخطاب بالإيماء، لقبحه، و الصلاة ثلثها ركوع و سجود، بل ما دل على الإيماء نص في أن الأصل الركوع و السجود، و العدول إلى الإيماء لئلا يبدو ما خلفه، فإذا بدا نسيانا لم يبق مانع من الأصل، و لا مقتضي للعدول. و الجميع كما ترى لا يجدي في صدق الامتثال المزبور، فالبطلان حينئذ لذلك لا للتكشف كي ينافي ما قلنا من عدم قدحه في الصلاة في هذا الحال، كما أن تعليل الإيماء و عدم الركوع و السجود لهما بالبدو لا يقتضي كون المدار في التكليف بذلك على الإثم و عدمه، كما هو واضح، لكن هذا لو اجتزى بهما، أما لو ذكر بعد فعل الركوع و السجود فقد يحتمل أن له التدارك فيومي و تصح صلاته، لعدم ركنيتهما في هذا الحال كي يستلزم زيادتهما البطلان، اقتصارا فيما دل عليها على المتيقن، فحينئذ لو نسي إيماء الركوع حتى دخل في السجود نفسه أومأ و صحت صلاته، لكن الأحوط استيناف الصلاة مع ذلك، خصوصا مع القول بأصالة الفساد مع الزيادة التي هي مبنى الركنية، أما لو زاد إيماء أو تركه فلا إشكال في البطلان، للبدلية، كما أنه لا إشكال فيه أيضا لو نسي إيماء الركوع حتى دخل في إيماء السجود.
و كيف كان فلو لم يجد الرجل ساترا إلا لإحدى العورتين وجب ستره للصلاة بلا خلاف أجده بيننا، لأنه المستطاع و الميسور و المدارك، و إطلاق الأدلة منضما إلى أصالة عدم اشتراط ستر أحدهما بالآخر، بل لا يبعد لذلك كله وجوب ستر البعض مع إمكانه، و لا ترتيب في أجزائه على الظاهر، نعم قد يقدم القبل عند كثير ممن تعرض لذلك كالفاضلين
ج8،
و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، نعم عن حواشي الشهيد منهم جعله و الدبر احتمالين، و في بيانه احتمال رجحان الدبر، لاستتمام الركوع و السجود بستره مع كون القبل مستور بالفخذين، و احتمال جعل الساتر حال القيام على القبل، و على الدبر في حالتي الركوع و السجود، و لا يعد ذلك مبطلا، لأنه من أفعال الصلاة.
و كيف كان فقد عللوه بأن الدبر مستور بالأليتين كما في خبر أبي يحيى(1)و ببروزه و كونه إلى القبلة، بل صرح جماعة بالبطلان لو خالف، كما صرحوا ببقاء الإيماء عليه حينئذ، لكن قد يناقشون بعدم صلاحية الأمور المزبورة للترجيح من حيث ستر الصلاة، و بحيث يقتضي مخالفتها بالبطلان المذكور، و بإمكان أولوية الدبر بناء على التمكن بذلك من الركوع و السجود و لو حالهما كما سمعته من الشهيد، ضرورة أهمية المحافظة عليهما من غيرهما، لأنهما معظم الأركان و ثلث الصلاة، و لأمن الدبر لم يسقط قادحية كشفه عندهم في حال من الأحوال بخلاف القبل، و لغير ذلك، بل ينبغي الجزم فيما لو فرض كفاية الساتر له دون القبل، بل ذلك كله مع التأمل الجيد مما يؤيد ما ذكرناه سابقا من سقوط اشتراط الصلاة، و انه لا تبطل بانكشاف الدبر حال القيام و القبل أيضا حال الجلوس، إذ المتجه بناء على ذلك ترجيح الدبر أو التخيير كما عرفت، أما على ما حققناه فقد يتجه الأخير حتى في حال الجلوس إلا إذا كان بستر الدبر به عن النظر يتمكن من الركوع، و السجود، لعدم انكشاف القبل مثلا، فقد يترجح كالعكس لو فرض ذلك فيه، لعدم مرجح يصل إلى حد الوجوب، و لعله لندرة الفرض المزبور أطلق ما يقتضي التخيير في المحكي عن المبسوط، قال: «لو وجد ما يستر به بعض عورته وجب ستر ما يقدر عليه» و في المحكي عن المنتهى نسبة التخيير إلى قوم، و تقديم الدبر إلى آخرين، و في التحرير اقتصر على نسبة الأول إلى البعض.
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب آداب الحمام- الحديث 2 من كتاب الطهارة.
ج8،
و أما المرأة فلا ريب في تقديم فرجيها على باقي بدنها، بل بالتمكن من سترهما يجب عليها صلاة المختار، لعدم اندراجها في نصوص العاري حينئذ قطعا، بل ربما كان في [
قوله (عليه السلام): «و إن خرجت رجليها»
في بعض النصوص السابقة(1)إشارة إلى عدم اعتبار كشف ما عدا العورتين للضرورة، فلا يجب عليها الجلوس، حينئذ مع وجود المطلع و إن استترت به ما ينكشف حال القيام و لا الإيماء.
أما إذا وجدت ساتر أحدهما خاصة فقد قدم القبل أيضا جماعة منهم الشهيد و المحقق الثاني لما سمعته في الرجل، لكن قد يقال بالتخيير هنا و إن قلنا بالتقديم هناك، لاشتراكهما في المستورية عن النظر بالفخذين و الأليتين، أو لأن ستر الأليتين بالنسبة إليها باعتبار كونهما منها عورة كعدم الستر، فلا يرجح(2)الدبر بذلك على القبل، كما أنه لا يرجح هو على الدبر بالأفظعية، و لعله لذا جزم في كشف اللثام بالتخيير هنا مع قوله بالتقديم في الرجل، بل كأنه مال إليه العلامة الطباطبائي في منظومته، قال:
و عند فقد ساتر الكل الرجلقدم من سترهما ستر القبل
و المرأة الفرجين ثم القبلاو للخيار فيه وجه قبلا
و على كل حال فلا يسقط الإيماء عنها بذلك عند من أوجبه حال القيام، لعدم حصول شرط الركوع و السجود الذي هو ستر العورتين، كما هو ظاهر صحيح علي بن جعفر(3)السابق الذي هو الأصل في إيماء القائم عندهم، لكن في كشف اللثام ما يوهم ركوعها و سجودها، قال: «و إن لم تجد المرأة إلا ما يستر السوأتين أو إحداهما فالأقرب الستر
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
2) 2 هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح« فلا يرجح القبل بذلك على الدبر» إذ لو لا ستر الأليتين للدبر كعدم الستر لكان القبل أولى بالستر بالساتر الذي لا يكفي إلا لأحدهما لمستورية الدبر بالأليتين إلا أن هذا الستر كالعدم فلا يرجح على الدبر بل مخير بينهما.
3) 3 الوسائل- الباب- 50- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
لمثل ما عرفت، و لا أولوية لأحدهما إلا في الركوع و السجود» و هو غريب مع إيجاب الإيماء في الرجل، و لعل العبارة لا في الركوع و لا السجود كما حكاها عنه في مفتاح الكرامة، لكنه كما ترى أيضا، أو يراد أن الأولوية تتصور في حالتي الركوع و السجود باعتبار ستر أحدهما حالهما و مستورية الآخر، و الفرض أن لا ركوع و لا سجود لها، لأن فرضها الإيماء، فليس حينئذ إلا حال القيام و الجلوس، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر خالهما كما عرفت، فتأمل جيدا.
و أما الخنثى المشكل فلا ريب في وجوب ستر الفرجين عليها، بل في التحرير و عن المنتهى الإجماع عليه للمقدمة، و في وجوب ستر غيرهما عليها قولان مبنيان على إقعاد قاعدة الشغل و عدمه، و لو لم تجد إلا ساتر أحدهما قيل قدمت القبل، لاحتمال أنها رجل، و إن لم تجده إلا لأحد القبلين قدمت القضيب، و عن بعض العامة أنه إن كان عنده رجل ستر آلة النساء، و إن كان امرأة فآلة الرجال، و قواه في جامع المقاصد، قال: و لو اجتمعا فإشكال، قلت: قد يرجح الدبر على كل حال باعتبار أنه ستر عورة قطعا بخلاف القضيب أو الفرج، لكن الجميع كما ترى اعتبارات يشكل بناء البطلان عليها، و الله أعلم.
و الأمة و الصبية تصليان بغير خمار لعدم اشتراط صحة صلاتهما بستر الرأس إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا عنا و عن غيرنا من علماء الإسلام عدا الحسن البصري، فأوجبه على الأمة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه، و قد سبقه الإجماع و لحقه، و نصوصا مستفيضة(1)في الأمة أو متواترة، فهما فحينئذ مستثنيان من إطلاق أدلة الشرطية، و عدم تكليف الصبية لا ينافي اشتراط صحة عبادتها بناء على الشرعية بذلك، بل موضوع القول بالشرعية العبادة الجامعة للشرائط، لعدم ثبوت شرعية غيرها،
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب لباس المصلي.
ج8،
فاستثناء الأصحاب الصبية حينئذ هنا في محله، و لا وجه لما في الحدائق من الإنكار عليهم بذلك، كما أنه لا وجه للاستدلال من غير واحد على عدم شرطية ستر رأسها بعدم تكليفها، و بعدم تناول دليل الشرطية لها باعتبار اشتماله على الامرأة و نحوها، ضرورة أنه على ما ذكرنا يكفي ثبوت شرطيته للبالغة في ثبوته لها.
و كيف كان فإطلاق معاقد الإجماعات و أكثر النصوص يقتضي عدم الفرق في الأمة بين القن و المدبرة و المكاتبة المشروطة و المطلقة التي لم تؤد شيئا و المزوجة و موطوءة المولى و أم الولد و غيرها، بل استثناء خصوص خلاف الحسن البصري في خصوص السرية و المزوجة كالصريح في إرادة العموم المزبور، بل عن جمهور علمائنا التصريح بذلك كله، بل في الخلاف الإجماع على أن أم الولد مثل الأمة، لكن و مع ذلك كله احتمل في المدارك إلحاق أم الولد مع حياة ولدها بالحرة، ل
صحيح محمد بن مسلم(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قلت له: «الأمة تغطي رأسها فقال: لا، و لا على أم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد»
قال: «و هو يدل بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد، و مفهوم الشرط حجة كما حقق في محله، و يمكن حمله على الاستحباب إلا أنه يتوقف على وجود المعارض» و فيه- مع أنه لا ذكر فيه للصلاة و انما يدل على أنها تغطي في الجملة إذا كان لها ولد فقد يكون بعد موت المولى- ان المعارض ما عرفته من إطلاق النص و معقد الإجماع الذي من الواضح قصور تقييده بالمفهوم المزبور، خصوصا بعد ما عرفت، و خصوصا بعد ما في
خبر محمد بن مسلم الآخر(2)انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار فقال: لو كان عليها لكان عليها إذا حاضت، و ليس عليها التقنع في الصلاة»
بناء على إرادة ما يشمل أم الولد من الضمير، فتأمل. و خصوصا بعد موافقته للمحكي عن ابن سيرين و أحمد في إحدى
ج8،
الروايتين، و الله أعلم.
و الظاهر المنساق إلى الذهن من النص و الفتوى ما صرح به الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم من دخول الرقبة في الرأس سيما في المقام، و سيما مع ملاحظة غلبة سترها بالتقنع المصرح بسقوطه في النصوص(1)كالاذن لها في الصلاة في قميص واحد(2)فاحتمال العدم كما عن الروض في غاية الضعف، نعم يجب عليها ستر ما عدا ذلك مما سمعته في الحرة لتلك الأدلة في المستثنى و المستثنى منه، بل هي أولى منها بالأول، و في التذكرة «عورة الأمة كالحركة إلا في الرأس عند علمائنا أجمع» و عن المنتهى انه نسب إلى علمائنا عدم جواز كشف الأمة ما عدا الوجه و الكفين و القدمين خلافا لبعض الشافعية و أحمد في إحدى الروايتين، فحكمها حكم الرجل، و لعل إلى ذلك نظر الشيخ في المحكي عن مبسوط و خلافه، قال في الأول: «و أما ما عدا الرأس فإنه يجب عليها تغطيته من جميع جسدها، لأن الأخبار وردت بأن لا يجب عليها ستر الرأس، و لم ترد بجواز كشف ما عداه» لا أن مراده عدم استثناء ما يستثني في الحرارة، لكن عن المعتبر بعد نقل ذلك عنه قال: «و يقرب عندي جواز كشف وجهها و كفيها و قدميها كما قلناه في الحرة» و كأنه فهم منه خلاف ذلك، و لقد أجاد في الذكرى بعد أن حكى عن المعتبر ما سمعت فقال: ليس هذا موضع التوقف، لأنه من باب كون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق، و لا نزاع في مثله، و منه يعلم ما في نسبة بعض مشايخنا وجوب الجميع حتى الوجه و الكفين و القدمين إلى ظاهر المبسوط و الخلاف و السرائر و التبصرة و البيان و صريح كشف الالتباس و المدارك، مع أنا لم نجده في الأخير، و لعل سابقه مثله، كما أن ظهور الباقي من نحو ما عرفت، اللهم إلا أن يقال: إن الشيخ ممن لا يرى الاستثناء في الحرة، لكن قد عرفت أن ذلك في غير الكتابين المزبورين، و بالجملة لا ينبغي
ج8،
التوقف في ذلك بعد الاشتراك في الأدلة و أولوية الحرة بالستر.
ثم انه قد يوهم ظاهر المتن وجوب الكشف و عدم جواز الستر حتى في الصبية لكن بمعنى الشرط في الصحة حينئذ، إلا أنه من المعلوم إرادة الرخصة من الأمر فيه الذي هو في مقام توهم الحظر، بل لم أجد خلافا في ذلك إلا ما يحكى عن علل الصدوق من عدم الجواز في الأمة، و يمكن إرادته الكراهة من ذلك كما عن المجلسي، و لعله ل
خبر حماد اللحام(1)المروي عن العلل سأل الصادق (عليه السلام) في أحد خبرية «عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة فقال: اضربوها حتى تعرف الحركة من المملوكة»
و في
الآخر(2)المروي عنها و عن المحاسن و في الذكرى نقلا من كتاب البزنطي «عن المملوكة تقنع رأسها إذا صلت فقال: لا، كان أبي إذا رأى الخادم تصلي و هي مقنعة ضربها لتعرف الحرة من المملوكة»
و ربما استفيد منه الحرمة لكنه كما ترى قاصر عن معارضة الأصول و ظاهر و رفع الوجوب في النصوص و الإجماع ممن عداه، و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير(3): «ليس عليها خمار إلا أن تحب أن تختمر»
و
خبر أبي خالد القماط(4)المروي في الذكرى عن كتاب علي بن إسماعيل الميثمي «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة أ تقنع رأسها؟ فقال: إن شاءت فعلت، و إن شاءت لم تفعل، سمعت أبي يقول: كن يضربن، فيقال لهن: لا تشبهن بالحرائر».
بل قد يناقش في العمل به على الكراهة بظهور إعراض الأصحاب عنه بالنسبة إليها، إذ المصرح به في الوسيلة و الغنية و النافع و المعتبر و المنتهى و التذكرة و التحرير و المراسم على ما حكي عن بعضها الاستحباب، لأنه أنسب بالحياء و العفة، و لأن
ج8،
النصوص انما أفادت رفع الوجوب، و بأن الغالب في الظن صدور ذلك مصدر التقية، لأن المحكي عن عمر أنه كان يضرب الأمة لذلك، و قد ضرب أمة لآل أنس، و قال لها: لا تشبهي بالحرائر، بل في الخبر المزبور إشارة إلى ذلك، بل قد يؤيده أيضا أن الضرب أذية لا يجوز أن يرتكب إلا لفعل حرام أو ترك واجب، و ليس عدم الستر واجبا، إذ لا قائل به سوى الصدوق في ظاهره كما عرفت، و قد ورد النهي الشديد(1)عن ضرب المملوك، و الأمر بالعفو عنه(2)حتى أنهم أمروا بالعفو عنه سبعين مرة(3)و عن ضربه في النسيان و الزلة فضلا عن إرادة الستر و العفاف و الحياء، مع أن ظاهر الروايات أن الضرب كان من دون أن يتقدم إليهن بالمنع، و لا كان منهن إصرار، كما صنع عمر بأمة آل أنس، و معرفة المملوكة من الحرة في الصلاة ما الباعث عليها، على أنها معروفة بلا شبهة، و كل ذلك و غيره شواهد على التقية، اللهم إلا أن يكون هناك حكمة خفية، فالحكم بالكراهة حينئذ لهذه النصوص لا يخلو من شيء، كالحكم بندب الكشف كما في منظومة الطباطبائي، بل و الحكم بعدم استحباب الستر كما في المدارك، و لعله ظاهر الذكرى، أو الكراهة أو التردد، و ليس التسامح في الكراهة أولى من التسامح في استحباب الستر الذي هو مخالف لفعل عمر، و الأمر سهل، هذا.
و لا يندرج في الأمة نصا و فتوى المبعضة، فتبقى حينئذ على إطلاق الستر للنساء في الصلاة، قيل: و ربما كان في
صحيح ابن مسلم(4)إشعار به، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس على الأمة قناع في الصلاة و لا على المدبرة و الا على
ج8،
المكاتبة إذا اشترطت عليها قناع في الصلاة و هي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها»
الحديث. حيث خص الحكم بالمكاتبة المشروطة التي لا يتحرر منها شيء حتى تؤدي الجميع بخلاف المطلقة، قلت: في
الصحيح عن حمزة بن حمران(1)على ما في الوسائل عن الشيخ انه سأل أحدهما (عليهما السلام) «عن الرجل أعتق نصف جاريته- إلى أن قال-: قلت: فتغطي رأسها منه من حين أعتق نصفها قال: نعم، و تصلي و هي مخمرة الرأس»
الحديث. و على كل حال فما عساه يتخيل من بقاء المبعضة على الأصل لا تندرج فيما دل على الستر و لا فيما دل على عدمه غلط قطعا، لعدم اختصاص أدلة الستر بالحرة كما هو واضح.
و كيف كان فإن أعتقت الأمة في أثناء الصلاة و علمت به وجب عليها ستر رأسها و حينئذ فان لم يتخلل زمان بين العتق و ستر رأسها أتمت صلاتها قطعا، للأصل بلا معارض، و ما سبق من احتمال عدم الاجتزاء في واجد الساتر في الأثناء حتى إذا لم يتخلل زمان بين وجدانه و التستر لا يتأتى هنا، و إن كان هو ضعيفا عندنا كما عرفت، للفرق الواضح بينهما بحصول التمكن الذي عليه المدار في مثله من الصلاة تامة بساتر، فلا يجتزى منه بالفاقد و لو بعضا، و عدم مدخليته في المقام، ضرورة تغير الموضوع فيه، و عدم احتمال العذرية له، بل و كذا يقوى الصحة إذا علمت به حال وقوعه و بادرت إلى الستر للباقي من الصلاة بلا فعل مناف، لعموم الدليل، و زوال المسقط، و صدق الامتثال، و أصالة صحة ما مضى، فيختص التكليف حينئذ بالستر للباقي، و يلزمه العفو عن التكشف زمن الاشتغال بالامتثال، و لم تكن مكلفة قبل العتق بستر الرأس مع التمكن منه كي يحتمل هنا الاستيناف لحصوله، كما سمعته فيمن وجد الساتر في الأثناء، و لعله لذا جزم الأستاذ الأكبر هنا بالستر و المضي، و هناك بالاستيناف، و إن كان قد عرفت
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب لباس المصلي- الحديث 12.
ج8،
ما فيه سابقا، كما أن الفرق المزبور يمكن المناقشة فيه، ضرورة واقعية التكليف فيهما للأصل و ظاهر الأوامر، فإن كان ذلك يقتضي اختصاص التكليف بالستر للباقي المستلزم للعفو عن التكشف زمن الاشتغال بالامتثال فليقتض فيهما، و إن كان لا يقتضي فهو كذلك فيهما أيضا باعتبار أن الأصل و الواقعية المزبورة لا تقتضي كون التكليف بالإتمام حتى يستلزم ذلك، إذ يمكن التكليف بالاستيناف الذي لا ينافيهما، إذ هو انما كان للتكشف آنا ما من الصلاة حال كونها حرة، و قد عرفت أصالة شرطية الستر، و الاقتصار في الخروج عنه على خصوص غير العالم بالكشف، و كون تكليف الواجد في الأثناء الصلاة به مع التمكن بخلافها لا يجدي عند التأمل بعد تغير موضوعه بصفة التمكن و عدمها، و المفروض عدم انكشاف فساد ما فعله بحدوث صفة التمكن.
نعم يؤيد الصحة في المقام عدم الخلاف فيها فيما أجد إلا ما حكاه في كشف اللثام عن ابن إدريس من البطلان، بناء على أن انكشاف العورة كالحدث فيها، مع أن المحكي عن سرائره خلاف ذلك، قال:
«إن بلغت الصبية بغير الحيض وجب عليها ستر رأسها و تغطيته مع قدرتها على ذلك، و كذلك حكم الأمة إذا أعتقت في خلال الصلاة» إلى آخره. و بناء على اتحاد المقامين تتأكد الصحة حينئذ هناك، فلاحظ و تأمل.
أما إذا تركت ستر رأسها فلا ريب في البطلان و إن جهلت الحكم، لكن أطلق الخلاف أنها إذا أعتقت فأتمت صلاتها لم تبطل صلاتها، بل قد يظهر من نسبة التفصيل للشافعي الصحة و إن لم تستر، و لعله لاحتمال كون شرطية الستر في الابتداء لا ما يشمل ذلك، إلا أنه كما ترى، و إن كان هو مقتضى ما تسمعه من المدارك.
و إن لم تعلم بالعتق حتى أتمت الصلاة ففي التحرير و البيان و المحكي عن نهاية الأحكام و المنتهى الصحة، لامتناع تكليف الغافل، بل في شرح الأستاذ انه لا تأمل فيها، و ان كان الإعادة لا تخلو من احتياط، بل قيل: إنه يظهر من المنتهى دعوى
ج8،
الإجماع على ذلك حيث نسب الخلاف فيه لبعض الجمهور، لكن الإنصاف أنه إن لم يتم الإجماع عليه لا يخلو من مناقشة بناء على ما ذكرناه من الاقتصار على خصوص الغفلة عن الانكشاف في الخروج عن شرطية الستر، إذ الظاهر عدم كون ما نحن فيه منه و إن احتمله في كشف اللثام، لكنه ضعيف كضعف تردد التذكرة من امتناع تكليف الغافل، و من كونها صلت جاهلة بوجوب الستر، فهي كما لو جهلت الحكم، إذا الوجه الأول لا يقتضي الصحة التي يكتفي في عدمها انتفاء الشرط و لو بغير تقصير من المكلف، و الثاني واضح المنع، ضرورة كونه من الجهل بالموضوع لا الحكم، و كان الأولى جعل الصحة و الفساد من احتمال انه من الغفلة عن الانكشاف أو ملحق بها، و من قاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، فتأمل. و نحو المسألة ما لو تخلل زمان بين عتقها و بين العلم بذلك و هي في أثناء الصلاة، و إن أطلق الأصحاب فيه ما عرفت.
و ان افتقرت في الستر إلى فعل كثير أو غيره من المنافيات استأنفت الصلاة كما عن الجامع، لانتفاء الشرط، و المراد ما في التذكرة و التحرير و الذكرى و الدروس و المسالك و غيرها مع اتساع الوقت و لو لركعة، إذ لا ريب في مضيها مع الضيق ترجيحا لمصلحة الوقت و عدم سقوط الصلاة بحال كما في غيره من الشرائط، فما في فوائد الشرائع من التردد في الاستمرار فيه للشك في كونه مسقطا للستر في غير محله قطعا، كما أن ما يقتضيه إطلاق الخلاف- من الاستمرار مطلقا و لو مع السعة بل عن المبسوط و المعتبر التصريح به، لأن دخولها كان مشروعا، و الصلاة على ما افتتحت عليه- كذلك أيضا، و إن قال في المدارك: إنه لا يخلو من قوة، لأن الستر انما ثبت وجوبه إذا توجه التكليف قبل الشروع في الصلاة مطلقا، إذ هو كما ترى مقتضاه عدم وجوب الستر حتى إذا لم يتوقف على مناف، و هو معلوم البطلان، لإطلاق دليل الشرطية، و قاعدة أن كل شرط للكل شرط للجزء، فما في جامع المقاصد و المحكي عن المنتهى- من
ج8،
التردد من ذلك، و من تساوى المانع الشرعي و العقلي مع انعقاد الصلاة صحيحة، و عموم(1)«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» و أصل البراءة- في غير محله قطعا كما عرفته في واجد الستر في الأثناء، إذ الظاهر اتحاد المسألتين هنا، فلاحظ و تأمل، نعم إذا لم تتمكن من الستر لفقده مثلا مضت في صلاتها و سقط عنها الستر إجماعا كما في كشف اللثام، و هو واضح.
و كذلك البحث بتمامه في الصبية إذا بلغت في أثناء الصلاة بما لا يبطلها كما عن المبسوط و السرائر و المعتبر و المنتهى، و لعله بناء منهم على شرعية عبادتها و الاجتزاء بها عن الفرض، فتستر حينئذ إذا أمكن بلا مناف، و معه تستأنف في السعة، و تستمر في الضيق، لكنه مناف لما سمعته من بعضهم في المواقيت، بل قد يتجه ذلك أيضا و إن لم نقل بالاجتزاء به عن الفرض و انما هو نافلة و قلنا بحرمة القطع، نعم يتجه الاستئناف حينئذ إذا بقي من الوقت قدر ركعة ترجيحا لوجوب الفرض على حرمة القطع كما أوضحناه في مسألة بلوغ الصبي في الأثناء، بل قد يتجه أيضا و إن لم نقل بحرمة القطع في غير الضيق لكن على وجوب الستر حينئذ شرطا لا شرعا، بل قد عرفت في المواقيت احتمال جامع المقاصد الإتمام نافلة على التمرينية أيضا و إن كان هو ضعيفا، لكن يأتي عليه في غير الضيق وجوب الستر شرطا بل و شرعا، بناء على حرمة القطع.
و من ذلك كله يعلم ما في المحكي في مفتاح الكرامة عن المنتهى و نهاية الأحكام و المختلف و التذكرة و التحرير و الذكرى و البيان و الدروس و الموجز الحاوي و حاشية الميسي و الروض و فوائد القواعد و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و المسالك و غيرها من إطلاق الاستيناف و إن أمكنها التستر من غير فعل مناف إذا اتسع الوقت للستر
1) 1 سورة محمد صلى الله عليه و آله- الآية 35.
ج8،
و ركعة، و لعله بناء منهم على التمرينية، إلا أنه ينبغي حينئذ اعتبار مقدار الطهارة مع ذلك، لعدم اعتبار الطهارة السابقة، بل ينبغي بناء اعتبار الستر على اعتبار سعة الوقت لإحراز غير الطهارة من الشرائط في ابتداء التكليف و عدمه كما سمعت الكلام فيه مفصلا في الأبحاث السابقة، أو يكون ذلك بناء منهم على عدم الاجتزاء بالنفل عن الفرض، فيراد حينئذ الاستيناف بعد إتمام ما في يدها على الوجه الذي ذكرنا، و لعل تصفح جملة من الكتب المنسوب إليها ما عرفت يشهد لذلك، و من هنا اقتصر في كشف اللثام على نسبة الاستيناف و إن أمكنها الستر بلا مناف إلى والد العلامة، بل حكى عن المنتهى ما نقلناه سابقا، و بالجملة كلامهم في المسألة لا يخلو من تشويش، و تنقيح الحال فيه موقوف على ملاحظة ما تقدم في بلوغ الصبي في الأثناء، و على معرفة القائل بالشرعية و التمرينية، و على معرفة اعتبار سعة الوقت لسائر الشرائط مع الركعة في ابتداء التكليف أو الطهارة خاصة، فمن أراده فليلاحظ ذلك كله حتى يعرف مواقع المنافاة بين الكلمات، بل يعرف الحال أيضا في الإتمام ندبا أو وجوبا إذا كان الباقي أقل من ركعة، فلاحظ و تأمل، و الملخص ما ذكرناه أولا، و الله أعلم.
المسألة الثامنة تكره الصلاة في الثياب السود ما عدا العمامة و الخف بلا خلاف أجده في المستثنى منه، بل ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه، بل عن الخلاف ذلك صريحا، و هو الحجة، مضافا إلى استفاضة النصوص(1)في النهي عن لبسه الذي ربما قيل باستفادة الكراهة في خصوص الصلاة منه، إما لدعوى اتحاد الكونين كما سمعته في المغصوب، أو لأن إطلاق الكراهة يقتضي شمول خصوص الصلاة، و لا ينافيه شمول غيرها، إذ ليس المراد اختصاص الصلاة بذلك من بين الأفراد، بل المراد الكراهة فيها بالخصوص و إن كان غيرها من الأفراد كذلك، و قد سمعت نظيره في استحباب
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب لباس المصلي.
ج8،
خصوص بعض الأذكار في الصلاة، لكن لا يخفى عليك أنا في غنية عن هذا التكلف- خصوصا الأخير الذي يمكن دعوى ظهور العبارات بخلافه- بما سمعت من الإجماع المحكي المعتضد بما عرفت، و
بالمرسل(1)في الكافي انه «روي لا تصل في ثوب أسود، فأما الكساء و الخف و العمامة فلا بأس»
بل و بالمستفاد من بعض النصوص في القلنسوة من كراهة لباس أهل النار في الصلاة، ففي
مرسل محمد بن سليمان(2)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أصلي في القلنسوة السوداء قال: لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار»
و لا ريب في ظهور التعليل فيه بكراهة الصلاة في كل ما كان كذلك.
و قد ورد في السواد أنه لباس فرعون، و أنه زي بني العباس، و في الممطر منه أنه لباس أهل النار، ففي
مرسل الفقيه(3)قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما علم أصحابه: «لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون»
و
فيه أيضا(4)«و روي ان جبرائيل (عليه السلام) هبط على رسول الله (صلى الله عليه و آله) في قباء أسود و منطقة فيها خنجر، فقال: يا جبرائيل ما هذا؟ فقال: زي ولد عمك العباس، يا محمد (ص) ويل لولدك من ولد عمك العباس»
و في
خبر حذيفة بن منصور(5)قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه، فدعا بممطر أحد وجهيه أسود و الآخر أبيض فلبسه، ثم قال: أما إني ألبسه و أنا أعلم أنه لباس أهل النار»
بل من المعلوم كون ذلك من حيث السواد لا خصوصية الممطر، كما أن من المعلوم كون لبسه للتقية، فيتجه حينئذ كراهة الصلاة فيه للتعليل المزبور، بل منه ينقدح المناقشة فيما ذكره غير واحد من الأصحاب من شدة الكراهة و تأكدها في القلنسوة السوداء للخبر المزبور، ضرورة أنه بعد تعليل الكراهة فيه بالعلة المشتركة بين الجميع لم يبق
ج8،
حينئذ خصوصية لمورد التعليل، سيما مع كونه من كلام السائل، و لعله لذا أطلق الباقون.
أما المستثنى فقد يقضي عدم الاستثناء في كلام كثير من الأصحاب على ما في الذكرى بعدمه، لكن فيه أن النصوص صريحة في الاستثناء، منها مرسل الكليني السابق، و منها
قول الصادق (عليه السلام) في مرسل أحمد بن محمد(1): «يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف و العمامة و الكساء»
و منها
المرسل الآخر(2)«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف و الكساء و العمامة»
و كذا الفتاوى بالنسبة للخف و العمامة، بل عن المعتبر نسبة ذلك إلى الأصحاب، و المنتهى إلى علمائنا، و منه يعلم حينئذ ما في اقتصاد المفيد و سلار و ابن حمزة و الشهيد في الدروس على استثناء العمامة، اللهم إلا أن يكون لعدم دخول الخف في المستثنى منه، لأنه ليس من الثياب، لكن فيه أولا أن المحكي عن المقنعة عدم كون العمامة من الثياب أيضا كما عن جماعة من الأصحاب في بحث الحبوة، و ثانيا بقاء المناقشة بالنسبة إلى الكساء، بل في كشف اللثام أنه لم يستثنه أحد من الأصحاب إلا ابن سعيد إلى أن قال: «و كأن إعراضهم جميعا عنه لكونه من الثياب، مع إرسال أخبار الاستثناء، و عموم نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام)» مشيرا به إلى ما سمعت، قلت: قد يؤيده أيضا خبر الممطر السابق بناء على أنه من الأكسية، لكن فيه أنا لم نجد الخف مستثنى إلا مع الكساء، أما العمامة فقد يفهم استثناؤها من
قول الباقر (عليه السلام) في خبر علي بن المغيرة(3): «كأني بعبد الله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء ذؤابتاها بين كتفيه مصعدا في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت (عليهم السلام)
ج8،
في أربعة آلاف يكبرون و يكررون»
و
خبر عبد الله بن سليمان(1)المروي عن مكارم الأخلاق «إن علي بن الحسين (عليهما السلام) دخل المسجد و عليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه»
و
خبر معاوية بن عمار(2)عن الصادق (ع) المروي عن الكتاب المزبور أيضا قال: «سمعته يقول: دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) الحرم يوم دخل مكة و عليه عمامة سوداء و عليه السلاح».
لكن الظاهر ان مستند الأصحاب في الاستثناء غيرها، بل ليس هو إلا تلك النصوص، و حينئذ يقوى الاعتماد عليها، خصوصا مع ما قيل من استثناء جماعة له كالخلاف و البيان و اللمعة و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد و حاشية الميسي و الروض و الروضة و المسالك و مجمع البرهان و الكفاية و المفاتيح، بل عن ظاهر الخلاف اندراج هذا الاستثناء في معقد إجماعه، و من ذلك يعلم ما في قوله: إنه لم يذكره إلا ابن سعيد.
كما أنه منه يعلم الحال فيما عساه يقال في المقام: «إن النصوص هنا جميعا لا تخلو من ضعف مانع عن الحجية إلا أنه لما علم التسامح في الكراهة وجب قبولها بالنسبة إليها بخلاف الاستثناء منها، فإنه محتاج إلى دليل معتبر، و الفرض عدمه، و ليس دليل الكراهة منحصرا في المشتمل على الاستثناء حتى يلتزم قبوله في المستثنى و المستثنى منه، لكونه هو الذي بلغنا، بل قد سمعت نحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهر في العموم بالاستثناء» إذ قد عرفت أولا اعتضاد أخبار الاستثناء بما تقدم و نحوه مما لا يخفى على الفقيه الماهر من القرائن الدالة على اعتبارها و إن ضعفت أسانيدها، و ثانيا يمكن أن يقال- بعد اشتراك جميع النصوص في الضعف مطلقها و مقيدها-: إنه ما بلغنا إلا
ج8،
المقيد، ضرورة تساوي المطلق و المقيد في غير جهة التقييد، فيحكم حينئذ عليه، و يتجه الاستثناء المزبور، فكان على المصنف و غيره ذكره، بل هو أولى من الخف الذي لا يحتاج إلى الاستثناء، لعدم اندراجه في الثياب، بل و العمامة في وجه، و ربما يؤيد ذلك كله سيرة من شاهدناه من العلماء على لبس العباءة السوداء و عدم اجتنابها و معاملتها معاملة غيرها من الثياب، و لعلها من الكساء عندهم، كما عن الميسي و تلميذه التصريح به، بل في المسالك نسبته إلى الجوهري، بل قيل: و في القاموس أن العباءة ضرب من الأكسية.
و كيف كان فالمدار في السواد على مسماه عرفا من غير فرق بين المصبوغ و غيره، نعم يمكن عدم اندراج الأدكن فيه عرفا، بل عن المجمع أنه لون بين الغبرة و السواد، فلا حاجة حينئذ إلى حمل ما في
خبر جابر(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) «قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) و عليه جبة خز دكناء»
على بيان الجواز و نفي التحريم، لكن عن المسالك «تكره الصلاة في غير السواد من الألوان» و هو- مع أنه لا صراحة في الخبر المزبور انه كان يلبسها وقت الصلاة- لم نقف على دليل له في ذلك، و استفاضة النصوص(2)بلبس الأبيض لا تقتضي كراهة غيره، و كان ما عن الميسي- من أن الصلاة في غير السواد من الألوان أيضا على خلاف الأصل، لأن الأصل البياض- يريد به ما ذكرنا، بل و لم نقف على ما يدل على ما عن الغنية من كراهة الصلاة في الثوب المصبوغ، و أشده الأسود، و إن قيل: إن ظاهره الإجماع عليه.
أما ما عن السرائر- من الكراهة في الثوب المشبع المصبغ، و كأنه بمعنى ما عن الكاتب و المبسوط من الكراهة في الثوب المصبوغ المشبع المقدم- فقد يدل عليه
قول
ج8،
الصادق (عليه السلام) في خبر حماد بن عثمان(1): «يكره الصلاة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم»
بناء على إرادة الأعم من الأحمر من «المفدم» فيه، فمن الجوهري يقال صبغ مفدم أي خاثر مشبع، و كأن من خص الكراهة بالأحمر حمل المفدم بكسر الدال على المصبوغ بالحمرة المشبع كما عن الجوهري أيضا، و لعل التعميم أكثر فائدة و أقرب إلى العرف، بل المغروس في الذهن منه المشبع الشديد.
أما المزعفر و المعصفر فقد نص على كراهة الصلاة فيهما في المحكي عن المعتبر و المنتهى و نهاية الأحكام و التحرير و التذكرة و الذكرى و الموجز الحاوي و كشف الالتباس، و لعله
للمرسل(2)عن يزيد بن خليفة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انه كره الصلاة في المشبع بالعصفر و المضرج بالزعفران»
إلا أنه كان عليهم التعبير بمضمون الخبر المزبور، و الأمر سهل في ذلك كله بعد التسامح، هذا.
و عن غير واحد من كتب الأصحاب التصريح باختصاص كراهة السواد في الرجل، و لعله لأنه أبلغ من غيره في سترها، و ظهور فحوى استثناء العمامة و نحوها فيه، إلا أنه كما ترى مناف لقاعدة الاشتراك و ظاهر التعليل السابق، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في ثوب واحد رقيق للرجال وفاقا لكثير من الأصحاب، بل هو المراد بالشاف في الوسيلة و عن الإصباح، و بالشفاف في المحكي عن الجامع و المهذب، تحصيلا لكمال الستر، و ل
مفهوم(3)«إذا كان كثيفا فلا بأس» في الصحيح،
و إن فسر بالستير الذي يمكن إرادة الكامل بالستر منه، و لو أريد به ما يفيد نفس الستر كما يقضي به الاستدلال به على وجوب الستر هناك أشكل إرادة الكراهة من البأس في مفهومه، ضرورة كون المتجه حينئذ إرادة المنع، كما أنه يشكل استفادتها
ج8،
من
قوله (عليه السلام)(1): «لا تصل فيما شف أوصف»
مع إرادة حكاية اللون أو الحجم منهما كما سمعته سابقا، بناء على وجوب ستر كل منهما، نعم يمكن للتسامح و فتوى الأصحاب إرادة الأعم من ذلك حتى في مفهوم الصحيح السابق على عموم المجاز، بل و مفهوم ما
في الحسن(2)عن أحدهما (عليهما السلام) «إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفرج فلا بأس»
خصوصا بعد
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة(3)المروي عن الخصال: «عليكم بالصفيق من الثياب، فان من رق ثوبه رق دينه، لا يقومن أحدكم بين يدي الرب جل جلاله و عليه ثوب يشف».
كل ذلك إذا لم يحك، و إلا فان حكى ما تحته لم يجز لونا أو حجما على ما ذكرناه سابقا الذي قد يشهد له إطلاق عدم الجواز هنا من المصنف و غيره إذا حكى، و الظاهر عدم زوال الكراهة بالتعدد الذي لا يدفع مقتضى الرقة لشدتها فيهما مثلا، ضرورة عدم حصول كمال الستر فيهما أيضا، و قد عرفت انه مدار البأس في المفهوم السابق، بل مقتضاه ثبوت البأس في غير الكثيف و الصفيق و إن لم يسم رقيقا و شفافا في العرف، و مقتضى المتن و غيره عدم الكراهة في غير الرقيق، و هما غيران.
و على كل حال فلا كراهة في الوحدة من حيث كونها وحدة وفاقا لصريح جماعة، و للمفهوم من عبارات كثير من الأصحاب هنا، و من إطلاقهم الجواز فيه من غير تعرض للكراهة، و من هنا نسب عدمها فيه في المدارك و عن غيرها إلى الأصحاب، خلافا للنافع فيكره، و اختاره في الذكرى لعموم(4)«خُذُوا زِينَتَكُمْ» و دلالة الأخبار(5)على
ج8،
ان الله أحق أن يتزين له، و الاتفاق على أن الامام يكره له ترك الرداء، و ما روي(1)من
قوله (صلى الله عليه و آله): «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما»
قال: و الظاهر ان القائل بثوب واحد من الأصحاب انما يريد به الجواز المطلق و يريد به أيضا على البدن و إلا فالعمامة مستحبة مطلقا، و كذا السراويل، و قد روي(2)تعدد الصلاة الواحدة بالتعمم و التسرول، و فيه أن جميع ما ذكره عدا كراهة ترك الامام الرداء انما يدل على استحباب التعدد، و هو غير كراهة الوحدة، نعم عن
قرب الاسناد للحميري عن أبي عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر(3)انه سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في سراويل واحد و هو يصيب ثوبا؟ قال: لا يصلح»
مع أنه في خصوص وحدة السراويل، كما أن كراهة ترك الرداء للإمام لا تقضي بكراهة الوحدة من حيث كونها وحدة، مع أنه قد استظهر في المدارك عدم كراهة ترك الرداء مع كثافة الثوب، كما يدل عليه
قول أبي جعفر (عليه السلام)(4)لما أم أصحابه في قميص بغير رداء و سألوه عن ذلك: «إن قميصي كثيف، فهو يجزي أن لا يكون عليه إزار و لا رداء»
و إن كان لا يخلو من نظر، لما ستعرفه، و احتمال الخبر إرادة بيان أصل الاجزاء.
و كذا يكره أن يأتزر فوق القميص وفاقا للمشهور كما في الحدائق، ل
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أبي بصير(5)المروي في الكافي لا التهذيب: «لا ينبغي أن تتوشح بإزار فوق القميص و أنت تصلي، و لا تتزر فوق القميص إذا
ج8،
أنت صليت»
بعد حمل ما في
خبر البجلي(1)«رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) يصلي في قميص و قد اتزر فوقه بمنديل و هو يصلي»
و
خبر موسى بن عمر بن بزيع(2)قلت للرضا (عليه السلام): «أشد الإزار و المنديل فوق قميصي في الصلاة فقال:
لا بأس به»
على الجواز، خصوصا بعد
قوله (ع) في الخبر الأخير: «لا بأس»
كما في الذكرى ان في الائتزار فوق القميص تشبها بأهل الكتاب و قد نهينا عن التشبه بهم، و من ذلك يعرف ما في المدارك و غيرها تبعا للمعتبر من نفي الكراهة للأصل و الخبرين المزبورين، و الذي أوقعهم في ذلك أنهم رووا خبر أبي بصير المتقدم على ما في التهذيب من الاقتصار فيه على التوشح، كما انه في المدارك روى خبر ابن بزيع إلى قوله: «لا بأس» و قالوا: إن التوشح غير الائتزار، و قد عرف روايته في الكافي الذي هو أضبط من التهذيب سندا و متنا خصوصا في المقام على الوجه المذكور.
بل الظاهر كراهة التوشح أيضا لخبر أبي بصير السابق، و
خبر زياد بن المنذر(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «انه سئل و هو حاضر عن الرجل يخرج من الحمام أو يغتسل فيتوشح و يلبس قميصه فوق إزاره فيصلي و هو كذلك قال: هذا من عمل قوم لوط، فقلت له: إنه يتوشح فوق القميص قال: هذا من التجبر»
و المراد فوق إزاره الذي توشح به، للإجماع نقلا إن لم يكن تحصيلا على عدم كراهة الاتزار تحت القميص، و
خبر الهيثم(4)المروي عن العلل عن الصادق (عليه السلام) «انه سئل ما العلة التي من أجلها لا يصلي الرجل في قميص متوشحا؟ فقال: لعلة التكبر في موضع الاستكانة و الذل»
و
خبر أبي بصير و محمد بن مسلم(5)المروي عن الخصال عن الصادق عن آبائه
1) 1 الوسائل- الباب- 24- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
2) 2 الوسائل- الباب- 24- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 24- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 24- من أبواب لباس المصلي- الحديث 11 و هو خبر يونس ابن عبد الرحمن عن جماعة من أصحابه عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام.
5) 5 الوسائل- الباب- 24- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
ج8،
عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «لا يصلي الرجل في قميص متوشحا فإنه من أفعال قوم لوط»
بل يتأكد ذلك في الإمام،
للموثق(1)عن الصادق (عليه السلام) «سئل عن رجل يؤم بقوم يجوز له أن يتوشح فوق القميص قال: لا، لا يصلي الرجل بقوم و هو متشح فوق ثيابه و إن كان عليه ثياب كثيرة، لأن الإمام لا يجوز له الصلاة و هو متوشح».
و لا ينافي ذلك ما في
حسن حماد بن عيسى(2)«و كتب الحسن بن علي بن يقطين إلى العبد الصالح (ع) هل يصلي الرجل الصلاة و عليه ثوب متوشح به؟ فكتب نعم»
و
خبر علي بن جعفر(3)المروي عن كتاب المسائل و قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يتوشح بالثوب فيقع على الأرض أو يتجاوز عاتقه أ يصلح ذلك؟ قال: لا بأس»
بعد إمكان خروج الثاني عما نحن فيه، و حمله بعد التسليم كالأول على الجواز و الرخصة، كما أومأ إليه
في الفقيه بعد أن روى ما دل على الكراهة، قال: «و قد روي رخصة في التوشح بالإزار عن العبد الصالح و عن أبي الحسن الثالث و عن أبي جعفر (عليهم السلام)، و بها آخذ و أفتي»(4)
و إن كان لم نعثر على ما أرسله عدا ما عرفت، و لعله أولى مما ذكره الشيخ من الجمع بحمل النهي على الالتحاف بالثوب كما يلتحف اليهود به، و الجواز على أن يتوشح بالإزار ليغطي ما قد كشف منه و يستر ما تعرى من بدنه، مستشهدا له ب
موثق سماعة(5)«سألته عن رجل يشتمل في صلاته بثوب واحد فقال: أما أن يتوشح فيغطي منكبه فلا بأس»
إذ هو لا يتم في التوشح فوق القميص، مع أن ظاهر التعليل السابق له كونه من فعل الجبابرة و أصحاب التكبر
ج8،
لا التشبيه باليهود الوارد في سدل الرداء(1)و في اشتمال الصماء، فلا ريب أن الأرجح ما قلناه، بل هو مقطوع به بناء على أن التوشح الشملة الصماء، كما يقضي به بعض التفاسير لهما.
و كيف كان فالمراد بالتوشح بالثوب كما عن بعض أهل اللغة و المصباح المنير إدخاله تحت اليد اليمنى و إلقاؤه على المنكب الأيسر كما يفعله المحرم، و زاد في المصباح و كذلك الرجل يتوشح بحمائل سيفه، فتقع الحمائل على عاتقه الأيسر و تكون اليمين مكشوفة، و لعله اليه يرجع تفسيره بالتقلد، يقال: توشح الرجل بثوبه أو سيفه إذا تقلد بهما، خصوصا مع إرادة المثال من المنكب الأيسر، و إلا فهو يحصل أيضا بالإلقاء على الأيمن، نعم هو غير ما يحكى عن بعض العامة من أنه أخذ طرف الذي ألقاه على المنكب الأيمن من تحت يده اليسرى، و أخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، بالمخالفة بين طرفيه و الاشتمال بالثوب بمعنى التوشح، اللهم إلا أن يجعل مشتركا، و الله أعلم.
و كذا يكره أن يشتمل الصماء أو يصلي في عمامة لا حنك لها متلحيا به أو مسد لا له، بل كانت طابقية بلا خلاف أجده فيه في الأول، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، بل في المدارك و التحرير و المحكي عن المنتهى انه إجماع العلماء، و كفى بذلك مستندا للكراهة من حيث الصلاة، بل لعله المراد مما في
صحيح زرارة(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) و لو بقرينة ما عرفت «إياك و التحاف الصماء، قلت: و ما التحاف الصماء؟ قال: أن تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد»
بل قد عرفت سابقا إمكان استفادة الكراهة بالخصوص من أمثال
ج8،
هذه الإطلاقات و إن كان لا يخلو من نظر بل منع إن أريد به زيادة الخصوصية، أو الاتحاد الذي قد سمعته في حرمة لبس الذهب و الحرير.
و كيف كان فالحكم لا إشكال فيه بعد ما عرفت، بل و لا في الموضوع بعد تفسيره في الصحيح السابق الذي لم أجد مخالفا له من الأصحاب عدا ابن إدريس فيما حكي عنه من اتحاده مع السدل، و هو مع مخالفته للصحيح المزبور لا شاهد له في النصوص سوى ما دل على النهي عن السدل مما ستعرفه من قول أمير المؤمنين (عليه السلام)(1)الآتي و غيره، و لا دلالة فيه على الاتحاد المزبور، بل هو مكروه آخر، خصوصا و السدل الإرسال المنافي للاشتمال و الالتحاف، كما أن ما تسمعه فيما يأتي إن شاء الله من صحيح علي بن جعفر(2)عن أخيه الأمر بجمع طرفي الرداء على اليمين أو تركهما لا مدخلية له فيما نحن فيه، بل المراد منه التعريض بما يفعله أهل الهند و أنه خلاف المسنون، فلا محيص حينئذ عن تفسيرها بما في الصحيح السابق، و لا حاجة إلى كلام أهل اللغة و أقوال العامة المختلفة فيه أشد اختلاف، و الكيفية المذكورة فيه واضحة، لكن في جامع المقاصد بعد ذكر الخبر المزبور، قال: «و هو يحتمل أمرين: الأول أن يأخذ الإزار على المنكبين جميعا، ثم يأخذ طرفيه من قدامه و يدخلهما تحت يده و يجمعهما على منكب واحد، و هو المتبادر من قوله (عليه السلام): «التحاف» و الثاني أن يجعله على أحد الكتفين مع المنكب بحيث يلتحف به من أحد الجانبين، و يدخل كلا من الطرفين تحت اليد الأخرى و يجمعهما على أحد المنكبين» و فيه أن ما في الصحيح لا يتوقف تحققه على شيء من ذلك.
و أغرب منه ما في وافي الكاشاني، قال بعد أن روى الصحيح المزبور: «في هذا التفسير إجمال، قال في الصحاح: اشتمال الصماء أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم، و هو أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى و عاتقه
ج8،
الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى و عاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعا» و عن أبي عبيدة أن اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله، و لا يرفع جانبا يخرج منه يده، قال بعض اللغويين: و انما قيل صماء لأنه إذا اشتمل به سد على يديه المنافذ كلها كالصخرة الصماء، قال بعضهم: انما كان غير مرغوب فيه لأنه إذا سد على يديه المنافذ فلعله يصيبه ما يريد الاحتراس منه، فلا يقدر عليه، و قال أبو عبيدة: إن الفقهاء يقولون: إن اشتمال الصماء هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فبيد و فرجه، و في القاموس فسره تارة بهذا المعنى، و أخرى بالمعنى الأول، و ما في الحديث لا ينافي شيئا من هذه التفاسير» انتهى، إذ هو كما ترى- مع أنما في الحديث لا إجمال فيه- هو غير هذه التفاسير كلها.
و لقد أجاد في كشف اللثام حيث أنه- بعد أن حكى ما سمعته عن أبي عبيدة ناسبا له إلى الديوان و أدب الكاتب و فقه اللغة للثعالبي و الفائق و المغرب و المعرب و إلى تهذيب الأزهري، و الغريبين نسبته إلى الأصمعي، ثم قال: و هو ما في الصحاح إلى آخره، و نحوه المحيط للصاحب، و في العين أن الشملة أن يدير الثوب على جسده كله لا يخرج منه يده، و الشملة الصماء التي ليس تحتها قميص و لا سراويل، و قال أبو عبيدة:
إن الفقهاء إلى آخره- قال: «و قيل غير ذلك، و لا طائل في استيفائه، فإنما العبرة عندنا بما نطق به الخبران» مشيرا بهما إلى الصحيح المزبور باعتبار روايته في الكافي و التهذيب بسندين عن زرارة مختلفين.
و أما الثاني فلا أجد فيه خلافا بين أصحابنا سوى ما حكاه في الفقيه، فقال:
«سمعت مشايخنا يقولون: لا تجوز الصلاة في طابقية، و لا يجوز للمعتم أن يصلي إلا و هو متحنك» و ربما نسب اليه نفسه ذلك أيضا، و لعله لما وقع له في غير المقام من نحو ذلك
ج8،
و ظهر منه اختياره، بل قيد به النصوص، و ما هو إلا لاعتماده على مشايخه، و انهم لا يقولن بغير دليل، لكن على كل حال لا ريب في ضعفه، بل الإجماع في المحكي عن المنتهى على كراهة الثاني أي ترك التحنك كما عن المعتبر نسبته إلى علمائنا، و البحار إلى الأصحاب، و في المدارك انه مذهبهم لا أعلم فيه مخالفا، على أنا لم نعثر على دليل صالح بعد ذلك لتقييد الإطلاقات، بل ليس في الطابقية إلا ما في
الكافي روي(1)«ان الطابقية عمة إبليس»
و مثله عن محاسن البرقي(2)و هما مع أنهما ليسا في الصلاة مرسلان صالحان للكراهة دون الحرمة، كما أن ما ورد في ترك التحنك ظاهر أو صريح في الكراهة كما لا يخفى على من رزقه الله معرفة لسانهم (عليهم السلام)،
قال الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن أبي عمير(3): «من تعمم و لم يحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه»
و في
الموثق(4)«من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه»
و
النبوي المرسل في الفقيه(5)«الفرق بين المسلمين و المشركين التلحي بالعمائم»
و
خبر أبي البختري(6)المروي عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:
الفرق بيننا و بين المشركين في العمائم الالتحاء بالعمائم»
و هي كما ترى غير صالحه إلا لاستحباب فعله و كراهة تركه، ضرورة ظهور مثل هذا الخطاب في إرادتهما معا.
بل لا اختصاص فيها بالصلاة، و من هنا صرح الفاضل في المحكي عن منتهاه و الشهيدان و غيرهم بعموم الحكم لها و لغيرها، بل عن البهائي «كأن تخصيص الصلاة في كلام الأصحاب مأخوذ من كلام علي بن بابويه، فإنهم يتمسكون بما يجدونه في كلامه عند إعواز النصوص، فالأولى المواظبة على التحنك في جميع الأوقات، و من لم يكن
1) 1 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 12.
3) 3 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 10.
ج8،
متحنكا و أراد الصلاة فالأولى أن يقصد أنه مستحب في نفسه لا أنه مستحب لأجل الصلاة» قلت: يمكن الاكتفاء في ذلك بما عرفت من الإجماعات السابقة على الكراهة التي تركها هنا من المستحب، مضافا إلى ما في كشف اللثام عن شرح الإرشاد لفخر الإسلام و في غيره عن
غوالي اللئالي(1)«ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:
من صلى مقتعطا فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه»
و إلى ما قيل من أنه يظهر من النصوص أن ما هو ممنوع في نفسه ممنوع من الصلاة فيه، بل قد سمعت دعوى ذلك مع قطع النظر عن استفادته من النصوص، كما أنك سمعت دعوى استفادة الخصوصية بالمعنى المزبور من أمثال هذه الإطلاقات، بل ربما استفيد ما نحن فيه من
قول الصادق (عليه السلام)(2): «و صاحب الفقه و العقل ذو كابة و حزن و سهر قد تحنك في برنسه و قام الليل في حندسه»
و إن كان فيه ما فيه، و العمدة بعد التسامح تظافر الفتاوى.
و على كل حال فالسيرة و ظاهر النصوص و اللغة و العرف ان التحنك و التلحي بإدارة جزء من العمامة تحت الحنك، فلا يجزى في تأدي السنة التحنك بغيرها و إن احتمله في كشف اللثام، قال: خصوصا إذا أوصله بها بحيث لا يتميز في الحسن منها، بل عن الموجز الجزم به، كما عن أول الشهيدين و ثاني المحققين التردد فيه، من مخالفة المعهود، و من إمكان كون الغرض حفظ العمامة من السقوط، و هو حاصل، لكن الوجه الثاني للتردد كما ترى، و كذا لا تتأدى السنة بالتحنك حال فعل التعمم كما نشاهده من بعض السواد و إن كان ربما توهم من نحو
قوله (عليه السلام): «من تعمم و لم يتحنك»
إلى آخره. إلا أنه كما ترى مع النظر إلى السيرة، و ما دل(3)على انه الالتجاء الفارق بين المسلمين و المشركين، و أنه ضد الطابقية و الاقتعاط الذي قد عرفت النهي عن الصلاة
ج8،
معه، بل هو كالصريح في نفي المعنى المزبور، ضرورة تحقق صدق الطابقية و إن تحنك حال التعميم، بل من الواضح كون المراد منهما صنفا خاصا من كيفية العمامة، و هو معنى
قوله (عليه السلام): «عمة إبليس»
على انه لو كان المدار على حال التعميم لم يمكن الحكم بوصف الاقتعاط و الطابقية بالرؤية، بل لا بد من تعرف حال التعمم الذي قل ما يعرف بدون تعرف، كما أن من الواضح صدق الصلاة مقتعطا و في الطابقية و إن كان قد تحنك حال التعمم.
فمن الغريب ما في كشف اللثام من احتمال تأدي السنة بفعله ثم الاقتعاط أو السدل فلا تنافيه أخبار السدل(1)و هي كثيرة، بل جزم به في الوسائل و الحدائق، و هو مما ينبغي أن يقضى العجب منه، و كأن الذي ألجأه إلى ذلك الجمع بين أخبار التحنك و السدل، و انسياق المعنى المزبور في بادئ النظر من نحو العبارة المزبورة، و لم يتفطنوا لمنافاة ذلك للمعلوم من المذهب، و أن المراد من العبارة المزبورة و لو بقرينة ما سمعت لزوم التحنك لوصف التعمم لا فعله، و لو سلم فالنصوص الأخر(2)دالة على استحباب استمراره و انه الفارق بين المسلمين و المشركين، فيتحقق حينئذ التعارض المزبور بالنسبة إلى ذلك، و استحباب التحنك حال الفعل بعد تسليمه لا يجدي، إذ أقصاه انه مستحب و استمراره مستحب آخر، لا أنه هو المراد من التحنك الراجح فعله و المرجوح تركه على وجه الكراهة، و الجمع بين النصوص لا يكون سببا لارتكاب الفاسد، على أن التخيير متجه حينئذ بعد فرض التعارض، و يكون مراد الأصحاب بترك التحنك كون العمامة طابقية لا تحلي و لا سدل فيها، خصوصا مثل عبارة المتن، بل لعلها هي شاهد على غيرها، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في اقتصاره هنا على كراهة الصلاة فيها، فقال:
ج8،
و عمة حرمها بعض السلفبلا تلحي و بلا سدل الطرف
و ربما كان في النصوص(1)ما يشهد لذلك و أن المقصود عدم الطابقية و الاقتعاط الذي يحصل إما بالتلحي أو السدل، و بهما يمتاز المسلم من المشرك لا بخصوص التلحي فإنه و ان اقتضاه بعض تلك النصوص(2)لكن في بعض أخبار السدل ما تضمن انه به يحصل الامتياز، فعن
كتاب الأمان للسيد بن طاوس نقلا عن كتاب أبي العباس ابن عقدة المسمى بكتاب الولاية(3)بإسناده قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم غدير خم إلى علي (عليه السلام) فعممه و أسدل العمامة بين كتفيه، و قال:
هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد أسدلوا العمائم، و ذلك حاجز بين المسلمين و المشركين».
بل ربما يستفاد منه و من
قوله في الحديث الآخر(4)«عمم رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) يوم غدير خم عمامة فأسدلها بين كتفيه، و قال: هكذا أيدني ربي بالملائكة»
تحقق السدل و لو من خلف، و لا يعتبر فيه كونه بين اليدين و الخلف كما تقضي به الأخبار الأخر
كالصحيح(5)عن الرضا (عليه السلام) في قول الله عز و جل(6)«مُسَوِّمِينَ» «لفها رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسدلها بين يديه و من خلفه، و اعثم جبرائيل (عليه السلام) فسدلها بين يديه و من خلفه»
و
قال الصادق (عليه السلام)(7): «عمم رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا بيده فسدلها
1) 1 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي.
2) 2 الوسائل- الباب- 26- من أبواب لباس المصلي- الحديث 8.
3) 3 الوسائل- الباب- 30- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 11 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 30- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 12 من كتاب الصلاة.
5) 5 الوسائل- الباب- 30- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
6) 6 سورة آل عمران- الآية 121.
7) 7 الوسائل- الباب- 30- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 3- من كتاب الصلاة.
ج8،
بين يديه و قصرها من خلفه قدر أربع أصابع، ثم قال: أدبر فأدبر، ثم قال: أقبل فأقبل، ثم قال: هكذا تيجان الملائكة»
و
عن ياسر الخادم(1)«انه لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلي و بخطب، فبعث الرضا (عليه السلام) يستعفيه، فألح عليه فقال (عليه السلام): إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال المأمون: اخرج كيف شئت- إلى أن قال-: فلما طلعت الشمس قام (عليه السلام) و اغتسل و اعتم بعمامة بيضاء من قطن، ألقى طرفا منها على صدره و طرفا منها بين كتفيه»
و في
المروي(2)عن المكارم المتقدم آنفا «ان علي بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد و عليه عمامة سوداء ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه»
إلى غير ذلك، أو يقال: إنه لا صراحة في الخبرين الأولين بعدم السدل بين اليدين.
و كيف كان فالجمع بين النصوص بما عرفت ضعيف جدا، و الأولى منه ما قلناه، بل هو أولى أيضا مما يقال من حمل نصوص السدل على حال الحرب و نحوها فيما يراد فيه الترفع و الاختيال، و التلحي فيما يراد منه التخشع و السكينة، كما يرشد اليه ما ذكره
الوزير السعيد أبو سعيد منصور الآبي في نثر الدر(3)قال: «قالوا: قدم الزبير بن عبد المطلب من إحدى الرحلتين، فبينما رأسه في حجر وليدة له تذري لمته إذ قالت:
أ لم يرعك الخبر، قال: و ما ذاك؟ قالت: زعم سعيد بن العاص أنه ليس لأبطحي أن يعتم يوم عمته، فقال: و الله لقد كان عندي ذا حجى و قد يأجن القطر و انتزع لمته
ج8،
من يدها، و قال: يا رعاث علي عمامتي الطولى فأتى بها فلابسها على رأسه و ألقى ضيفها قيام و خلف حتى لطخا قدميه و عقبيه، و قال: علي فرسي فأتى به فاستوى على ظهره و مر يخرق الوادي كأنه لهب عرفج، فلقيه سهل بن عمرو فقال: بأبي أنت و أمي يا أبا الطاهر ما لي أراك تغير وجهك؟ قال: أ و لم يبلغك الخبر هذا سعيد بن العاص يزعم أنه ليس لأبطحي أن يعتم يوم عمته، و لم فو الله لطولنا عليهم أوضح من وضح النهار و قمر التمام و نجم الساري و الآن ننتل كنانتنا فتعجم قريش عيدانها فتعرف بازل عامنا و ثنياته، فقال له سهل: رفقا بأبي أنت، فإنه ابن عمك و لم يعيك شأوه و لن يقصر عنه طولك، و بلغ الخبر سعيدا فرحل ناقته و اغترز رحله و نجا إلى الطائف»
إذ هو، مع أنه لا شاهد له و لا إشارة في شيء من النصوص على كثرتها اليه حتى هذا الخبر عند التأمل، إذ أقصاه وقوع ذلك منه في هذا الحال، و نحن نقول، به، بل الظاهر عدم معرفة التلحي قبل الإسلام- قد سمعت ما في بعض نصوص التلحي مما يقضي بأعميته من الحالين، كما أن في بعض نصوص السدل ما يقضي بفعله في غير الحرب كصلاة العيد و غيرها الذي يظهر من فعل علي بن الحسين (عليهما السلام)(1).
بل و أولى مما قيل أيضا من اختصاص السدل بالنبي و الأئمة و أولادهم (صلوات الله عليهم أجمعين) ضرورة خلو النصوص عن الإشارة إليه أيضا، بل هي في مقام التعليم و البيان ظاهره فيما ينافي ذلك إن لم تكن صريحة.
بل و أولى مما يقال أيضا إنه لا منافاة بين السدل و التلحي، إذ هما يجتمعان معا فيتلحى و لو ببعض العمامة و يسدل بعد ذلك، إذ هو كما ترى مخالف الظاهر الكيفيتين المستفادتين من النصوص، بل يمكن القطع مع ملاحظتها بعدمه.
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 9 من كتاب الصلاة.
ج8،
بل و أولى مما تكلفه المجلسي في المحكي من بحاره من إرجاع التلحي إلى السدل، قال بعد نقل أخبار التحنك: «و لنرجع إلى معنى التحنك، و الظاهر من كلام بعض المتأخرين هو أن يدخل جزءا من العمامة تحت حنكه و يغرز في الطرف الآخر كما يفعله أهل البحرين في زماننا، و يوهمه كلام بعض اللغويين أيضا، و الذي نفهمه من الأخبار هو إسدال طرف العمامة من تحت الحنك و إسداله كما مر في تحنيك الميت، و هو المضبوط عند سادات بني حسين، أخذوه عن أجدادهم خلفا عن سلف، و لم يذكر في تعمم رسول الله و الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) إلا هذا- ثم ذكر أخبار السدل و كلام اللغويين و قال-: لم يتعرض في شيء من تلك الروايات لإدارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذي فهمه أهل عصرنا مع التعرض لتفصيل أحوال العمائم و كيفيتها، و أكثر كلمات اللغويين لا تأبى عما ذكرناه، إذ إدارة رأس العمامة من خلف إلى الصدر إدارة أيضا، بل كلام الجزري و الزمخشري ظاهر في ذلك، حيث قالا في تفسير الاقتعاط: ان لا يجعل شيئا منها تحت حنكه- ثم استظهر من ابن طاوس موافقته على ذلك إلى أن قال-: و كذا سائر أخبار تعمم الميت(1)ليس فيها غير إسدال طرفي العمامة على صدره كما عرفت في باب التكفين».
و لقد أطنب في الحدائق في مناقشته و أجاد إلا فيما أساء الآداب به معه مما لا ينبغي من مثله لمثله، خصوصا و تحقيق الحق غير موقوف على السب و الشتم و نحو هما، و لو ساغ ذلك لوقع منا نظيره فيما سمعته منه من الجمع بين النصوص بما عرفت مظهرا أنه مما وصل اليه فكره، و مع أنه هو على فساده من وجوه قد سبقه اليه الحر في وسائله و احتمله الأصبهاني في كشفه.
و كيف كان فلا ريب في ضعف ما ذكره شيخنا المزبور، ضرورة عدم صدق
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب التكفين من كتاب الطهارة.
ج8،
التحنك و التلحي لغة و عرفا على مثل الإسدال المذكور الذي هو من جانب الوجه، و ليس شيء منه تحت الحنك الذي هو مجمع اللحيين، و ما ذكره من كلام أهل اللغة حتى الجزري و الزمخشري ظاهر في خلافه، قال الجوهري: التحنك التلحي، و هو أن تدير العمامة تحت الحنك، و قال: الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير إرادة تحت الحنك، و في الحديث أنه نهي عن الاقتعاط و أمر بالتلحي، و قال: التلحي تطويق العمامة تحت الحنك، و قال الفيروزآبادي: «اقتعط تعمم و لم يدر تحت الحنك- و قال-: العمة الطابقية هي الاقتعاط- و قال-: تحنك أدار العمامة تحت حنكه» و قال الجزري: «انه نهي عن الاقتعاط، و هو أن يتعمم بالعمامة و لا يجعل شيئا منها تحت ذقنه- و قال-:
إنه نهي عن الاقتعاط و أمر بالتلحي، و هو جعل بعض العمامة تحت الحنك، و الاقتعاط أن لا يجعل تحت حنكه منها شيئا» و قال الزمخشري في الأساس: «اقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه» و قال الخليل في العين: «اقتعط بالعمامة إذا اعتم و لم يدرها تحت حنكه» و قال في مختصر النهاية للسيوطي: «الاقتطام أن يعتم بالعمامة و لا يجعل منها شيئا تحت ذقنه» و اقتصر في التحنك على حكاية ما سمعته من الصحاح، و قال في المجمل:
«يقولون: اقتعطت العمامة إذا لم تجعلها تحت الحنك» و قال في المحكي عن مجمع البحرين:
«قد تكرر في الحديث ذكر الحنك، و هو إدارة جزء من العمامة تحت الحنك، و الحنك ما تحت الذقن من الإنسان و غيره».
و هو جميعه كما ترى ظاهر المخالفة لما قاله من تحقق التحنك بالاستدال، نعم بعضه ظاهر فيما قلناه من ارتفاع الاقتعاط بإرسال جزء من العمامة و ان لم يكن بطريق التحنك، و ليس في نصوص تعميم الميت ما يدل على أن التحنك هو الاستدال، و حكم الأصحاب باستحبابه قد ذكرنا مستنده هناك لا للاسدال الموجود في بعض النصوص، لكن قد يفهم منها و من بعض كلام أهل اللغة السابق و غيرهما تحقق التحنك بمجرد
ج8،
ميل الطرف بحيث يصير تحت جهة الذقن المسمى بالحنك، بل يمكن القطع بعدم اعتبار الهيئة التي نقلها عن علماء البحرين من إدارة جزء من العمامة و غرزها بالطرف الآخر المأخوذة كما في الحدائق من ظاهر قوله في الصحاح: تطويق العمامة المراد منه جعله كالطوق لها، و ربما يؤيده تعليل بعض الأصحاب فائدة الحنك بمخافة السقوط، لكن الجميع لا يعبأ به في مقابلة المستفاد من النصوص، خصوصا نصوص الميت و الفتاوى و كلام أهل اللغة و السيرة من عدم اعتبار ذلك فيه.
و حينئذ يمكن انقداح وجه آخر للجمع بين النصوص بإرادة السدل الذي لا ينافي التحنك بمعنى الميل بالطرف إلى ما يتحقق معه مسمى التحنك بالمعنى المزبور، فهو حينئذ سدل و تحنك، و لعله هو المراد مما سمعته سابقا من عدم المنافاة بين التحنك و السدل و انهما يجتمعان معا، و إن أبيت فلا محيص عن التخيير الذي قلناه.
و على كل حال فلا ريب في تأكد استحباب التحنك للحاجة و عند الخروج في السفر،
للمرسل(1)عن الصادق (عليه السلام) «اني لأعجب ممن يأخذ في حاجة و هو متعمم تحت حنكه كيف لا تقضى حاجته»
و
موثق الساباطي(2)عنه (عليه السلام) أيضا «من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه الداء الذي لا سواء له فلا يلومن إلا نفسه»
و عن
أمان الأخطار انه روينا من كتاب الآداب الدينية للطبرسي(3)فيما رواه عن مولانا موسى بن جعفر (عليهما السلام) انه قال: «أنا ضامن ثلاثا لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه أن لا يصيبه السرق و لا الغرق و لا الحرق»
و رويناه أيضا عن البرقي من كتاب المحاسن بإسناده إلى أبي الحسن (عليه السلام) انتهى.
و بذلك يقيد حينئذ أخبار السدل بناء على التعارض المزبور كما هو واضح.
ج8،
ثم من الواضح كون الكراهة المذكورة لذي العمامة بمعنى أنه هو الذي يكره له ترك التحنك، و يستحب له فعله، فمن صلى بلا عمامة لم يكن له هذا الحكم.
نعم قد يقال باستحباب العمامة للمصلي كما صرح به الشهيد و غيره، و لعله لأنها من الزينة، و
النبوي(1)المروي عن مكارم الأخلاق «ركعتان بعمامة أفضل من أربعين بغير عمامة»
و عن
الأستاذ الأكبر في حاشيته عن جوامع الجامع(2)على الظاهر «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لو أن رجلا صلى معتما بجميع أمتي بغير عمامة تقبل الله صلاتهم جميعا من كرامته عليه»
مضافا إلى التسامح، لكن عن البحار أن الظاهر كون رواية المكارم عامية، و بها استدل الشهيد و غيره ممن ذكر استحبابها في الصلاة، و لم أر في أخبارنا ما يدل على ذلك، نعم ورد استحباب العمامة مطلقا في أخبار كثيرة(3)و حال الصلاة من جملة تلك الأحوال، و كذ ا ورد(4)استحباب كثرة الثياب في الصلاة، و هي منها، و هي من الزينة، فتدخل تحت الآية الكريمة(5)و الأمر سهل بعد ما عرفت، هذا.
و في المفاتيح «ان التحنك صار في هذا الزمان لباس شهرة» قلت: فينبغي أن يكون محرما بناء على حرمة الشهرة في اللباس و إن كان في الأصل مندوبا كما يقضي به
ج8،
إطلاق
قول الصادق (ع) في صحيح أبي أيوب(1): «إن الله يبغض شهرة اللباس»
و
مرسل ابن مسكان(2)«كفى بالمرء خزيا أن يلبس ثوبا يشهره، أو يركب دابة تشهره»
و
مرسل عثمان بن عيسى(3)«الشهرة خيرها و شرها في النار»
و
قول الحسين (عليه السلام) في خبر أبي سعيد(4)«من لبس ثوبا يشهره كساه الله يوم القيامة ثوبا من النار»
لكن قد يناقش في خصوص ما كان منه مندوبا سابقا بأن بين هذه الأدلة و أدلة الندب تعارض العموم من وجه، و لعله لذا تأمل فيه الأستاذ الأكبر، و قد تدفع بأن الحرمة من جهة الشهرة لا تنافي دليل الندب الظاهر فيما لا يشمل هذه الجهة و نحوها، مضافا إلى إمكان ترجيح هذا الإطلاق بما في
خبر معلى بن خنيس(5)عن الصادق (عليه السلام) «ان عليا (عليه السلام) اشترى ثلاثة أثواب بدينار: القميص إلى فوق الكعب، و الإزار إلى نصف الساق، و الرداء من بين يديه إلى ثدييه، و من خلفه إلى أليتيه، ثم رفع يده إلى السماء فلم يزل يحمد الله على ما كساه حتى دخل منزله، ثم قال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه- قال أبو عبد الله (عليه السلام)-: و لكن لا يقدرون في هذا اليوم، و لو فعلنا لقالوا: مجنون، و لقالوا: مرائي، و الله تعالى يقول «وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ»(6)و ثيابك ارفعها و لا تجرها، و ان قام قائمنا كان هذا اللباس»
و الله أعلم، و لتمام الكلام في المراد من الشهرة و في أصل الحكم و في خصوص المندوب منه محل آخر.
و كذا يكره اللثام للرجل وفاقا للمشهور، بل عن المختلف أنه مذهب
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 1 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 12- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 2 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 12- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 12- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 22- من أبواب أحكام الملابس- الحديث 7.
6) 6 سورة المدثر- الآية 4.
ج8،
جل علمائنا، بل في الخلاف الإجماع عليه، و هو الحجة بعد
صحيح ابن مسلم(1)«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ يصلي الرجل و هو متلثم؟ فقال: أما على الأرض فلا، و أما على الدابة فلا بأس»
المحمول تفصيله بقرينة عدم القائل به على خفة الكراهة للاحتياج إلى اللثام حينئذ توقيا عن الغبار، كحمل ما في
مضمر سماعة(2)«سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن و هو متلثم فقال: لا بأس به، و إن كشف عن فيه فهو أفضل»
على إرادة مرجوحية التلثم على وجه الكراهة، ضرورة عدم الفضل فيه، و إلا كانا معا مستحبين، و يكون الجائز حينئذ ستر الفم بما لا يسمى لثاما، و هو مقطوع بعدمه، فلا بد حينئذ من عدم إرادة معنى التفضيلية من أفعل التفضيل فيه، و هو و إن كان لا يستلزم الكراهة في اللثام على هذا التقدير، لإمكان تحققه بجواز اللثام، لكن بقرينة ما عرفت ينبغي إرادة المرجوحية السابقة، لكن على كل حال هو مع الأصل و الإجماع المعتضد بالشهرة حجة على المحكي عن المفيد من إطلاق عدم جوازه حتى يكشف موضوع السجود و الفم للقراءة، قيل: و كذا في المبسوط و النهاية أطلق النهي عنه حتى يكشفهما، و يحتمل إرادة المانع منه للقراءة و السجود حال منعه، و إلا فلا دليل له سوى النهي في الصحيح السابق المشتمل على ما لا يقول به من التفصيل المحمول على الكراهة بقرينة ما عرفت، مضافا إلى
صحيح ابن سنان(3)«سأل أبا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ فقال: لا بأس بذلك»
و
قول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل الحسن بن علي(4)«لا بأس بأن يقرأ الرجل في الصلاة و ثوبه على فيه»
و نحوهما صحيحا الحلبي عن الصادق (عليه السلام) لكن مع تقييد نفي البأس بما إذا سمع الهمهمة في أحدهما(5)و في الآخر(6)إذا أسمع أذنيه الهمهمة، و احتمال كون
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
3) 3 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
ج8،
اللثام غير وضع الثوب يدفعه- مع أن المنساق إلى الذهن منه ما يشمله- ظهورها في كون المدار على تحقق القراءة، كما هو واضح.
و أما كراهة النقاب للمرأة فقد يكفي في ثبوتها- بعد النسبة إلى المشهور في المدارك، و جل علمائنا في المحكي عن المختلف، و التسامح- فحوى كراهة اللثام في الرجل، و ما في
مضمر سماعة(1)«سألته عن المرأة تصلي متنقبة قال: إن كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، و إن أسفرت فهو أفضل»
إذا كان المراد منه نحو ما سمعته في اللثام، إذ هي رواية واحدة.
و كيف كان ف ان منع كل منهما القراءة الواجبة مثلا حرم الاكتفاء بالصلاة المشتملة عليه، لفوات القراءة، و لمفهوم صحيحي الحلبي السابقين المعبر بلفظهما في المحكي عن التهذيب و المعتبر و المنتهى و التحرير من الحرمة إذا منع إسماع القراءة الذي يمكن دعوى ظهوره في إرادة الكناية بذلك عن تحقق القراءة، فإنها متى تحققت سمع القاري الهمهمة إذا صح سمعه، بل المراد منشئية الاسماع لا فعليته التي قد يمنعها هو مع تحقق القراءة، ضرورة عدم كون ذلك المدار، و إلا فموانع السمع كثيرة، و لعل ما في التذكرة و الدروس و البيان من الحرمة إذا منع القراءة أو سماعها مبني على وجوب كون القراءة بحيث يسمعها القاري، و أنها تتحقق بدون ذلك كما ستعرفه إن شاء الله في تحديد الجهر و الإخفات، و ينبغي حينئذ اكتفاؤهما بسماع الهمهمة في سماع القراءة لهذين الصحيحين، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في قباء مشدود في المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا إلا أنه بناء على إرادة غير التحزم منه لم نقف لها على مستند فضلا عن دعوى الحرمة الظاهرة من «لا يجوز» في الوسيلة و المحكي عن المقنعة، بل قيل هو ظاهر المبسوط
1) 1 الوسائل- الباب- 35- من أبواب لباس المصلي- الحديث 6.
ج8،
و النهاية، و في التهذيب «قد ذكر ذلك علي بن الحسين، و سمعناه من الشيوخ مذاكرة، و لم أعرف به خبرا مسندا» انتهى. و يمكن إرادتهم الكراهة من ذلك كما وقع التعبير به عنها كثيرا من مثلهم، أما لو أريد منه التحزم كما عساه يومي اليه قول المصنف و غيره:
إلا حال الحرب الذي من العادة التحزم له، و مظنة المشغولية عن حله، أو ما يشمله فقد يقال: إن مستنده
ما رواه العامة(1)
« نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم».
عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال:«لا يصلي أحدكم و هو محزم»
و هو كناية عن شد الوسط، بل في الخلاف يكره أن يصلي و هو مشدود الوسط، و لم يكره ذلك أحد من الفقهاء، دليلنا إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط، بل ربما استفيد من الخبر المزبور كراهة مطلق الشد و إن لم يكن بالتحزم بدعوى أولويته منه بذلك، لأنه شد قليل، و هو كما ترى نحو المحكي عن بعضهم من حمل القباء المشدود في كلام الأصحاب على إرادة شدة بالأزرار، و فيه أنه قد صرح غير واحد بكراهة حل الأزرار جمعا بين النهي عن ذلك في خبر غياث(2)إذا لم يكن عليه إزار و «لا ينبغي» في خبر إبراهيم الأحمري(3)و بين نفي البأس عنه في غيرهما من النصوص(4)اللهم إلا أن يخص ذلك بالقميص الواسع الجيب دون غيره، لكن يبقى عليه حينئذ أنه لا دليل على كراهة ذلك أيضا إلا أن يكون مراده بيان المراد لا إثبات الدليل، و فيه حينئذ أن الأولى من ذلك إرادة التحزم كما عرفت، أو إرادة ما يستعمله العجم من القباء و الشد، و ربما يؤيده ما حكاه في كشف اللثام من تفسيره، قال:
و القباء قيل عربي من القبو، و هو الضم و الجمع، و قيل: معرب، قال عيسى بن إبراهيم
ج8،
الربعي في نظام الغريب: «انه قميص ضيق الكمين مفرج المقدم و المؤخر» فقلت:
إن المتعارف في هذا الزمان تفريجه من الجانبين لا المقدم و المؤخر، و الله أعلم.
و كذا يكره أن يؤم بغير رداء إجماعا محكيا في الذكرى إن لم يكن محصلا معتضدا بالشهرة العظيمة بقسميها التي كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الجملة، بل مطلقا أيضا، لعدم قدح خلاف من ستعرفه من متأخري المتأخرين في ذلك، و
بالصحيح(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أم قوما في قميص واحد ليس عليه رداء فقال: لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها»
منه و من أنه من الزينة و التأسي و المعلوم من طريقة السلف بل و الخلف يستفاد استحباب الفعل أيضا من غير حاجة إلى إثباته بدعوى لزومه لكراهة الترك التي يمكن منعها، كمنع لزوم الكراهة لترك المستحب، إذ هما من واد واحد عند التأمل، و على كل حال فما في المدارك و غيرها- من أنها انما تدل على كراهة الإمامة بدون الرداء في القميص وحده لا مطلقا، و يؤكد هذا الاختصاص
قول أبي جعفر (عليه السلام)(2)لما أم أصحابه في قميص بغير رداء: «إن قميصي كثيف فهو يجزئ أن لا يكون علي إزار و لا رداء»
و اليه يرجع ما في كشف اللثام من أنه يجوز أن يراد السؤال عن إمامته إذا لم يكن عليه إلا قميص أو لم يلبس فوق القميص شيئا، فلا يفيدها مطلقا- يدفعه انه يمكن إرادة السائل السؤال عن أن القميص من حيث كونه قميصا يجزئ عن الرداء، خصوصا و فيما حضرني من الوسائل عدم وصفه بالواحد، أو السؤال عن الإمامة من غير رداء، فيكون الضمير المجرور راجعا للرجل، و حاصل المعنى أنه سأله عن رجل ليس عليه رداء قد أم قوما، فيكون المستثنى منه في الجواب حينئذ سائر الأحوال: أي لا ينبغي أن
ج8،
يؤم في حال إلا أن يكون عليه رداء، بل لعله أولى من تقدير جميع ما في السؤال الذي لا يحسن الاستثناء منه حينئذ، أو تقدير خصوص الايتمام في القميص منه، و لو سلم المساواة أمكن ترجيح ما ذكرناه بالإجماع المتقدم المعتضد بما عرفت، بل لو سلم ظهوره في ذلك فأقصاه أنه أخص من المدعى، و يجبر بعدم القول بالفرق بين جمهور أصحابنا الذي لا يقدح فيه خلاف الشاذ من متأخري المتأخرين، خصوصا و المقام مقام كراهة يتسامح فيه، و أما قول أبي جعفر (عليه السلام) فلا تأييد فيه لما ذكره من الاختصاص المزبور، لاحتمال الاجزاء فيه الاكتفاء بأقل الواجب من ستر العورة لا الاجزاء عن الاستحباب كما يومي اليه ذكر الإزار، و إلا لنا في إطلاق الصحيحة المتقدمة، بل عمومها الناشئ عن ترك الاستفصال، و تقييدها أو تخصيصها به يقتضي عدم الاستحباب في هذه الصورة و ان اتحد القميص، و ظاهره هنا عدم القول به، بل قد يقال: إن التأمل في الصحيح المزبور يؤكد ما قلناه، ضرورة ظهوره في معروفية الرداء للإمام، و لذا احتاج (عليه السلام) إلى الاعتذار عنه بكثافة القميص، و ظاهر لفظ الاجزاء فيه على هذا التقدير أن هذا أقل المجزئ، و إلا فالفضل في غيره، فلا بأس حينئذ بالقول بخفة الكراهة بحصول بعض الرجحان بكثافة القميص لهذا الصحيح، كما أنها تخف بوضع القميص تحت الممطر أو الجبة، بل بمطلق لبس الثوبين، للجمع بين ما عرفت و بين ما في
خبر علي بن جعفر(1)المروي عن كتاب المسائل سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل هل يصلح أن يؤم في ممطر وحده أو جبة وحدها؟ قال: إذا كان تحتها قميص فلا بأس- و سأله أيضا- عن الرجل يؤم في قباء و قميص قال: إذا كان ثوبين فلا بأس»
بحمل البأس المنفي فيه على البأس الحاصل من ترك ذلك مع الرداء، إذ هو أولى من تخصيص ما عرفت من دليل الكراهة المبنية على التسامح بذلك خصوصا مع قوة إطلاق
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث 12 و 13.
ج8،
معقد الإجماع المعتضد بالطلاق الفتاوى.
فقد ظهر حينئذ أنه لا ريب في كراهة الترك و استحباب الفعل للإمام، بل صريح الشهيدين و المحكي عن الحلي و ابن فهد استحبابه المطلق المصلين، بل قد يريدون هنا عدا الشهيد الثاني منهم الاستحباب الذي تركه مكروه، فيكون غير الإمام حينئذ كالإمام في ذلك و إن أمكن اختلافهما في الشدة و الضعف، أما هو فقد صرح بأن غير الامام يستحب له الرداء، لكن لا يكره تركه بل هو ترك الأولى، و لعل المستند على التقدير الأول ظاهر ما تسمعه من خبر علي بن جعفر(1)و التعبير بلفظ الاجزاء في الصحيح الآتي(2)الذي هو ظاهر في الواجب، فمع معلومية عدمه يراد منه القريب اليه، و هو راجح الفعل مرجوح الترك على وجه الكراهية، مضافا إلى دعوى انسياق التخلص عن الكراهة مما تسمعه في النصوص(3)من المحافظة على صورة الرداء فضلا عن حقيقته، خصوصا بعد ما عرفت سابقا من كراهة الاكتفاء بالسراويل، فيكون المراد هنا من وضع التكة و نحوها و رفع تلك الكراهة، كما أنه مما هنا قد يستكشف كون الكراهة في مثل الصلاة في السراويل مثلا وحدها من جهة ترك الرداء و صورته، كما أومأنا إليه سابقا، فحينئذ إرادة الاستحباب الذي يكون تركه مكروها لا يخلو من قوة.
و على كل حال فقد استدل على الاستحباب المزبور في المحكي عن الروض بتعليق الحكم على المصلي في عدة أخبار، ك
صحيح زرارة(4)«أدنى ما يجزيك أن تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف»
و
صحيح عبد الله بن سنان(5)
ج8،
«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل قال: يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه و يصلي، و إن كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلد السيف و يصلي قائما»
و
صحيح محمد بن مسلم(1)عن أحدهما (ع) «إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا»
قلت: و
مرفوع علي بن محمد(2)عن الصادق (عليه السلام) «في رجل يصلي في سراويل ليس معه غيره قال: يجعل التكة على عاتقه»
و
خبر جميل(3)«سأل مرازم أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا معه حاضر عن الرجل الحاضر يصلي في إزار مؤتزرا به قال: يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يرتدي به»
و
خبر علي ابن جعفر(4)المروي عن كتابه سأله أخاه (ع) «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في قميص واحد أو قباء وحده؟ قال: ليطرح على ظهره شيئا»
إلى غير ذلك.
لكن في المدارك بعد أن حكى عن جده الاستدلال بالأخبار الثلاثة الأول قال:
«و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف، لاختصاص الروايتين بالعاري، و عدم ذكر الرداء في الرواية الأولى، بل أقصى ما يدل على استحباب ستر المنكبين سواء كان بالرداء أم بغيره، و بالجملة فالأصل في هذا الباب رواية سليمان بن خالد(5)و هي انما تدل على كراهة الإمامة بدون الرداء في القميص وحده، فإثبات ما زاد على ذلك محتاج إلى دليل، و ينبغي الرجوع في الرداء إلى ما يصدق عليه الاسم عرفا، و انما تقوم التكة و نحوها مقامه مع الضرورة، كما يدل عليه رواية ابن سنان، أما ما اشتهر في زماننا من إقامة غيره مقامه مطلقا فلا يبعد أن يكون تشريعا».
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث- 2 عن أبى عبد الله عليه السلام.
2) 2 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 22- من أبواب لباس المصلي- الحديث 11.
5) 5 الوسائل- الباب- 53- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
ج8،
و فيه مواضع للنظر، منها ما عرفت، و منها أنه قد يدفع التشريع إطلاق صحيح زرارة و خبر علي بن جعفر و خبر جميل و غيرها الذي لا يعارضه مورد السؤال في صحيح ابن سنان، بل و لا ما فيه من اشتراط تقليد السيف بعدم الثوب الخارج مخرج الغالب في ترددي الثوب لواجده، على أن المقصور منه على الظاهر بيان شدة المحافظة على صورة التردي و عدم سقوطها حتى في هذا الحال، لا أن المراد منه حقيقة الشرطية، كما أن صحيح ابن مسلم كذلك قطعا، فمن الغريب دعوى التشريعية بعد ظهور النصوص في ذلك، نعم ظاهر
قوله (عليه السلام) في الصحيح: «تجزيك»
إلى آخره ان ذلك أقل المجزي في رفع الكراهة أو حصول الاستحباب، بل المراد من أقليته على الأول تخفيف الكراهة، كما أن المراد منه على الثاني تحصيل جملة من ثواب المستحب، و إلا فالأفضل منه التردي مثلا حقيقة، و منها أنه لا يخفى على كل ذي مسكة بعد معروفية ستر المنكبين بالرداء أن المراد من هذه النصوص البدلية عنه، و أنه هو الفرد الكامل، بل
قوله (عليه السلام) في خبر مرازم: «أو عمامة يرتدي به»
كالصريح في ذلك، و أصرح منه
خبر وهب بن وهب(1)عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (ع) قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر دما، و القوس بمنزلة الرداء»
فلا ريب حينئذ في دلالة هذه النصوص على كون الرداء هو الأصل، و أن هذه أبدال له تخف بها الكراهة أو يحصل بها معظم الثواب، بل قد ترتفع الأولى و يحصل الجميع في مقام الاضطرار، فتأمل جيدا في جميع ما ذكرنا ليظهر لك أيضا ما في المحكي عن البحار أيضا من أن الرداء انما يستحب للإمام و غيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه أو لا يكون صفيقا و إن ستر منكبيه، و لكنه في الإمام آكد، و إذا لم يجد ثوبا يرتدي مع كونه في إزار و سراويل فقط يجوز أن يكتفى بالتكة و السيف و القوس و نحوها، و يمكن
1) 1 الوسائل- الباب- 57- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
القول باستحباب الرداء مع الأثواب، لكن الذي ورد فيه التأكيد الشديد يكون مختصا بما ذكرناه، أما ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الأثواب المتعددة ففيه شائبة بدعة، بل و ما في الحدائق من أنه لا خصوصية للرداء أصلا لا في الامام و لا في غيره، و انما المستحب ستر المنكبين به أو بغيره، و ربما أمكن كونه خرق الإجماع، بل و ما في غير هما من كتب متأخري المتأخرين، و الحمد لله رب العالمين، هذا.
و قد صرح غير واحد من الأصحاب بكراهة سدل الرداء، بل ربما نسب إلى الأكثر، و لعله ل
خبر زرارة(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) على قوم فرآهم يصلون في المسجد قد سدلوا أرديتهم فقال: ما لكم قد سدلتم ثيابكم؟ كأنكم يهود قد خرجوا من فهرهم يعني بيعهم، و إياكم و سدل ثيابكم»
لكن قد ينافيه
خبر عبد الله بن بكير(2)«سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و يرسل جانبي ثوبه قال: لا بأس»
و
خبر علي بن جعفر(3)عن أخيه موسى (عليهما السلام) «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يجمع طرفي ردائه على يساره؟
قال: لا يصلح جمعهما على اليسار، و لكن اجمعهما على يمينك أودعهما»
و
خبر أبي بصير(4)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يصلي الرجل و ثوبه على ظهره و منكبيه فيسبله إلى الأرض و لا يلتحف به، و أخبرني من رآه يفعل ذلك».
و قد يجمع بينها- مع عدم كون الثاني منها في الصلاة، و لعل معناه النهي عما يفعله أهل الهند من إلقاء طرف الرداء على الأيسر، و الأمر بالمسنون الذي هو إلقاؤه على الأيمن، فهو جمع الطرفين عليه- بحمل نفي البأس و الأمر بالدعة على الجواز، أو
ج8،
بما عن النهاية، قال: «نهي عن السدل في الصلاة، و هو أن يلتحف بثوبه و يدخل يديه من داخل فيركع و يسجد و هو كذلك، و كانت اليهود تفعله فنهوا عنه، و هذا مطرد في القميص و غيره من الثياب» و قيل هو أن يضع وسط الإزار على رأسه و يرسل طرفيه عن يمينه و شماله من غير أن يجعلهما على كتفيه، و منه
حديث علي (عليه السلام)(1)«انه رأى قوما»
إلى آخره. و منه
حديث عائشة(2)
« عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا و نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جلوزونا كشفناه».
«أنها سدلت قناعها و هي محرمة»أي أسبلته، و قال في المغرب: «سدل الثوب سدلا من باب طلب إذا أرسله من غير أن يضم جانبيه، أو هو أن يلقيه على رأسه و يرخيه على منكبيه، و أسدل خطأ» قال الكاشاني: «و الفرق بين ما نهي عنه في هذا الحديث و بين ما جواز في الحديث السابق بوضعه على الرأس و وضعه على المنكب» قلت: هو مخالف للمعروف من معنى السدل الذي هو الإرخاء بلا شاهد، قال في المحكي عن نهاية الأحكام: «السدل أن تلقى طرف الرداء من الجانبين و لا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر و لا يضم طرفيه بيده» و عن النفلية «هو أن يلتف بالإزار و لا يرفعه على كتفيه، و على كل حال هو مخالف لما ذكره، و لو جمع بينهما بأن المكروه سدل الرداء على الإزار مثلا دون الجبة و القميص كان وجها، لشهادة
خبر الحسين بن علوان(3)المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «انما كره السدل على الإزار بغير قميص، فأما على القميص و الجباب فلا بأس»
لكنه خلاف إطلاق المصرح بالكراهة، فالأولى ما ذكرناه أولا.
ج8،
و المراد بالرداء على ما صرح به بعضهم الثوب الذي يجعل على المنكبين، و لعل المراد الإشارة بذلك إلى ما هو المستفاد من النصوص و غيرها من أنه ثوب مخصوص ليس بذي أكمام يستر أعالي البدن يلبس فوق الثياب، قال في المحكي عن مجمع البحرين:
«إنه ما يستر أعالي البدن فقط، أو الثوب الذي على العاتقين و بين الكتفين» و من ابن الأثير «أنه الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقه و بين كتفيه» و فوق ثيابه» قلت: على كل حال كون الصباءة فردا منه به يرفع يقين الكراهة و يحصل يقين الاستحباب لا يخلو من إشكال، فالأحوط وضع غيرها مما هو على الكيفية المزبورة، و الله أعلم.
و كذا يكره أن يصحب شيئا من الحديد بارزا إجماعا محكيا عن المعتبر و التذكرة و جامع المقاصد إن لم يكن محصلا سواء كان ملبوسا أو غير ملبوس،
قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني(1): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
لا يصل الرجل و في يده خاتم حديد»
و
سأله الساباطي(2)«عن الرجل يصلي و عليه خاتم حديد قال: لا، و لا يتختم به الرجل فإنه من لباس أهل النار»
بل هو ظاهر في كراهة التختم به في غير الصلاة، ك
خبر أبي بصير(3)عن الصادق (عليه السلام) قال:
«قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تختموا بغير الفضة، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: ما طهرت كف فيها خاتم حديد»
و قد يستفاد منه أن الحديد غير الفضة، و على كل حال فهو ظاهر الدلالة على كراهة اللبس مطلقا، و يتأكد حينئذ في الصلاة، و اليه أومأ في الخلاف بقوله: «يكره التختم بالحديد خصوصا في حال الصلاة»
ج8،
ثم احتج بالإجماع، و لا ينافيه ما في
خبر عبد خير(1)المروي عن العلل «كان لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام) أربعة خواتيم يتختم بها: ياقوت لنيله، و فيروزج لنصره، و الحديد الصيني لقوته، و عقيق لحرزه»
بعد إمكان حمله على إرادة بيان الجواز، أو على افترانه بما يرفع الكراهة من المرجحات، أو على التخصيص بالصيني لكن في اللبس خاصة، لأنه غير مناف لإطلاق الكراهة فيها الذي ذكرناه، خصوصا بعد
مكاتبة الحميري(2)المروية عن الاحتجاج إلى صاحب الزمان (عليه السلام) «يسأله عن الفص الخماهن هن هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟ فكتب الجواب فيه كراهية أن يصلى فيه و فيه أيضا إطلاق، و العمل على الكراهية، و سأله عن الرجل يصلي و في كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد هل يجوز ذلك؟ فكتب في الجواب جائز»
و الخماهن على ما قيل الحديد الصيني، لكن عن نسخة «الجواهر» بدل الخماهن، فيسقط بها التأييد حينئذ، إلا أنك قد عرفت عدم الحاجة اليه.
و كيف كان فقد يقال بشدة الكراهة في خصوص الخاتم من حديد، للنهي عنه بالخصوص في جملة من النصوص، منها ما عرفت زيادة على اندراجه في لبس الحديد المنهي عنه فيها،
قال الصادق (عليه السلام) في خبر النميري(3)في الحديد: «انه حلية أهل النار- إلى أن قال-: و جعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن و الشياطين، فحرم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة إلا أن يكون قبال عدو فلا بأس به، قال:
قلت: فالرجل يكون في السفر معه السكين في خفه لا يستغني عنها، أو في سراويله مشدودا، و المفتاح يخشى إن وضعه ضاع، أو يكون في وسطه المنطقة من حديد قال:
لا بأس بالسكين و المنطقة للمسافر في وقت ضرورة، و كذا المفتاح إذا خاف الضيعة و النسيان، و لا بأس بالسيف و كل آلة السلاح في الحرب، و في غير ذلك لا يجوز الصلاة
ج8،
في شيء من الحديد، فإنه نجس ممسوخ»
و منه يستفاد عدم الاختصاص باللبس، ك
قول الصادق (عليه السلام) في مرسل المدائني(1): «لا يصل الرجل و في تكته مفتاح حديد».
لكن هذه النصوص كما ترى لا فرق فيها بين البارز و غيره، فلا يبعد القول بإطلاق الكراهة المتسامح فيها، بل قد يؤيده النهي(2)عن الصلاة في السيف و نحوه مع غلبة كونه في الغلاف، نعم ينبغي استثناء حال الحرب و خوف التلف و الضرورة للخبر المزبور، بل قد يستفاد منه مراعاة الميزان لا ارتفاعها بمطلق الستر، اللهم إلا أن يكون الدليل عليه ما عن المصنف في المعتبر، قال: قد بينا أن الحديد ليس بنجس بإجماع الطوائف، فإذا ورد التنجيس حملناه على كراهية استصحابه، فإن النجاسة تطلق على ما يستحب أن يجتنب، و تسقط الكراهية مع ستره، وقوفا بالكراهة على موضع الاتفاق ممن كرهه، و
ما أرسله الكليني(3)بعد خبر المدائني المزبور انه «روي و إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس»
و ما عن التهذيب من انه قد قدمناه في
رواية عمار(4)«ان الحديد متى كان في غلافه فلا بأس بالصلاة فيه»
متممين بعدم القول بالفصل بين الغلاف و غيره مما يستره، بل قد يدعى انسياق إرادة الستر من ذلك، خصوصا بعد فهم المشهور.
و كيف كان فلا ريب في كون الحكم على الكراهة، لضعف الأخبار المزبورة عن تقييد الإطلاقات، و معارضة المحكي من الإجماعات المعتضدة بالشهرة، و ما دل(5)على جواز الصلاة في السيف، و خصوص التوقيع السابق و غير ذلك، بل في المدارك احتمال ضعفها عن معارضة أصالة عدم الكراهة، فضلا عن معارضة دليل الجواز، على
ج8،
أنا لم نجد عاملا صريحا بهذه النصوص، لجريان احتمال الكراهة في عبارة من عبر بمضمونها من القدماء، كالمحكي عن مقنع الصدوق «لا تصل و في يدك خاتم حديد، و لا تجوز الصلاة في شيء من الحديد إلا إذا كان سلاحا» و النهاية «لا تجوز الصلاة إذا كان مع الإنسان شيء من حديد مشهر مثل السكين و السيف، فان كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك، و المفتاح إذا كان مع الإنسان لفه في شيء و لا يصلي و هو معه مشهر» و المهذب «ان مما لا تصح الصلاة فيه على حال ثوب الإنسان إذا كان عليه سلاح مشهر، مثل سيف أو سكين، و كذلك إذا كان في كمه مفتاح حديد إلا أن يلفه» و إلا كانوا محجوجين بما عرفت، و الله أعلم.
و كذا يكره الصلاة في ثوب متهم صاحبه المباشر له بالنجاسة، وفاقا للمشهور، لأن
علي بن جعفر(1)سأل أخاه (عليهما السلام) «عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان قال: إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، و إن اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله»
و
عبد الله بن سنان(2)عن الصادق (ع) في الصحيح أيضا «عن الذي يعير ثوبا لمن يعلم أنه يأكل الجري و يشرب الخمر فيرده أ فيصلي فيه قبل أن نغسله؟ فقال: لا يصلي فيه حتى يغسله»
و
سأله العيص(3)في الصحيح أيضا «عن الرجل أ يصلي في إزار المرأة و في ثوبها و يعتم بخمارها؟ فقال: إذا كانت مأمونة فلا بأس»
و منه يعلم عدم الفرق بين الاتهام لأن دينه عدم النجاسة، أو لعدم المبالاة بما يقتضيه دينه، كما يومي إلى ذلك ما تقدم سابقا في كراهة سؤر الحائض غير المأمونة(4)بل للتسامح
ج8،
في الكراهة يمكن تعميمها للاتهام بسائر المحرمات من الغصب و غيره كما صرح به الفاضل و الشهيدان و العليان و غيرهم على ما حكي عن البعض، و ربما كان في إطلاق الأمن و ما تقدم سابقا من تجنب الجلود المأخوذة من مستحل الميتة بالدبغ و معلومية رجحان الاحتياط الذي يمكن دعوى ظهور بعض أدلته في كراهة تركه مطلقا، أوفي خصوص الصلاة التي أمرها شديد، و ينبغي النظر فيما يفعلها فيه و على ما يفعلها (إيماء إلى ذلك)(1)
« و ربما كان في إطلاق الأمن».
.و على كل حال فلا حرمة قطعا في المتهم بالنجاسة فضلا عن غيره، لما سمعته سابقا في كتاب الطهارة مفصلا من عدم التنجيس بغير العلم من الاحتمال و الظن، و احتمال التعبد للنواهي السابقة و إن لم نقل بالتنجيس في غاية الضعف، لوجوب حمل النهي فيها على الكراهة، لأن
ابن سنان كما سأله عن ذلك فنهاه كذلك، سأله(2)«عن الذمي يعيره الثوب و هو يعلم أنه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليه أ يغسله؟ فقال له:
صل فيه و لا تغسله، فإنك أعرته و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه»
و
سأله ابن عمار(3)أيضا «عن الثياب السابرية يعملها المجوس و هم أخباث و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال ألبسها و لا أغسلها و أصلي فيها قال: نعم، فقطعت له قميصا و خطته و فتلت له أزرارا، و رداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما أريد فخرج فيها إلى الجمعة»
و
جميل بن عياش(4)
« عن عبد الله بن جميل بن عياش عن أبى علي البزاز عن أبيه قال.»
إلخ.
أيضا «عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلي فيه قبل أن يغسل1) 1 ما بين القوسين ليس في النسخة الأصلية و انما زاده القمشهى رحمة الله عليه لتصحيح العبارة و لعل العبارة وافية بدونه بأن كان« الإيماء» مستترا في قوله قدس سره:
2) 2 الوسائل- الباب- 74- من أبواب النجاسات- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 73- من أبواب النجاسات- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 73- من أبواب النجاسات- الحديث 5 و في الوسائل
ج8،
قال: لا بأس، و إن يغسل أحب إليّ»
إلى غير ذلك من النصوص الواضحة الدلالة التي يجب بسبب اعتضادها بأكثر الفتاوى مع ذلك، و بالأمر(1)بالرش للثوب المأخوذ من المجوسي الظاهر في عدم إرادة التطهير منه، و بغير ذلك حمل النهي في غيرها على الكراهة، فما عن الكاتب و المبسوط و الجامع و السرائر من حرمة الصلاة في ذلك لا ريب في ضعفه، بل ربما حكي عن الأول ما
يقضي بموافقته المشهور، كما أن المحكي عن الثاني من النهي لا صراحة فيه، خصوصا بعد تصريحه في المحكي عن نهايته بعدم الحرمة، و على كل حال فالتحقيق ما عرفت، و الله أعلم.
و كذا يكره أن تصلي المرأة في خلخال له صوت وفاقا للمشهور بين الأصحاب، لما فيه من اشتغال القلب به الذي يمكن دعوى ظهور النصوص(2)في كراهة كل ما يحصل به، فيتعدى حينئذ إلى كل شاغل للقلب أي شاغل يكون، و لعله لذا كان المحكي عن الروض تعدية الحكم إلى الجلجل و كل مصوت، لكن عن نهاية الأحكام الإشكال فيه، و في كشف اللثام يقوى التعدية النهي عن اتخاذه، و في السرائر انه مروي و
في الصحيح(3)ان علي بن جعفر سأل أخاه (ع) «عن الخلاخل هل يصلح للنساء و الصبيان لبسها؟ فقال: إذا كانت صماء فلا بأس، و إن كان له صوت فلا»
قلت:
قد يقال بظهور هذا الصحيح في الصلاة بملاحظة ما قبله و ما بعده، لأنه قد اشتمل على أسئلة كثيرة كلها متعلقة بالصلاة، بل المتأخر عنه بلا فصل(4)
«و سألته عن فأرة المسك تكون مع الرجل في جيبه أو ثيابه قال: لا بأس بذلك»
و لا شك في أن المراد حال الصلاة مع أنه أطلق كالإطلاق السابق، كل ذلك مضافا إلى ذكر الأصحاب له
ج8،
بالخصوص، و إلى ما يمكن أن يقال من أن إطلاق الكراهة يقضي بالكراهة في خصوص الصلاة، كما يومي اليه تعليل النهي(1)عن السواد و الحديد بأنه لباس أهل النار(2)بل قد عرفت في الذهب و الحرير دعوى أن عموم المنع في مثل ذلك يقضي به في الصلاة و إن كان فيها ما فيها.
و على كل حال فما عن المهذب من «أنها مما لا تصح فيها الصلاة بحال» و النهاية «لا تصلي المرأة فيها» لا ريب في ضعفه إن أريد منه ذلك حقيقة، لعدم دليل يصلح لتقييد الإطلاقات و العمومات، و نفي الصلاحية في الصحيح المزبور إن لم يكن ظاهرا في الكراهة و لو بمعونة الشهرة القريبة من الإجماع هنا فلا ظهور فيه بالمنع قطعا، كما هو واضح، و الأمر بستر الزينة و النهي عن ضرب الأرجل و قلنا إن صوت الخلخال منها لا مدخلية له في الصلاة، فلو كشفته حينئذ عمدا للناظر المحترم لم تبطل صلاتها و إن قلنا بوجوب ستره عليها عن الناظر، لكنها حرمة خارجية لا تقدح في الصلاة، للأصل، و إطلاق الأدلة، خلافا للأستاذ في كشفه، فلم يستبعد البطلان بكشف الزينة عمدا في غير محل الرخصة، و ضعفه واضح.
و كذا يجوز و لكن يكره الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم فيه صورة على المشهور بين الأصحاب، بل عن المختلف نسبته إلى الأصحاب، ل
صحيح ابن بزيع(3)سأل الرضا (عليه السلام) «عن الصلاة في الثوب المعلم فكره ما فيه التماثيل»
و
خبر عبد الله بن سنان(4)عن الصادق (عليه السلام) «انه كره أن يصلي و عليه ثوب فيه
1) 1 هكذا في النسخة الأصلية المسودة و المبيضة و الأولى أن تكون العبارة كذا« تعليل النهي عن الصلاة في السواد».
2) 2 الوسائل- الباب- 20- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1- و الباب 32- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 2.
ج8،
تماثيل»
بناء على أن لفظ الكراهة و لو في زمن الصادقين (عليهما السلام) حقيقة في جائز الفعل راجح الترك، بل لو سلم كونه للقدر المشترك يجب هنا للشهرة العظيمة بين الأصحاب و غيرها إرادة ذلك منه، فيشهد حينئذ على إرادة الكراهة أيضا مما في
خبر علي بن جعفر(1)عن أخيه (ع) المروي عن المحاسن «عن الثوب يكون فيه التماثيل أو في علمه، أ يصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه»
من النهي، و مما في
موثق عمار(2)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «في الثوب يكون في علمه مثال الطير أو غير ذلك أ يصلى فيه؟
قال: لا، و الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك قال: لا تجوز الصلاة فيه»
خصوصا بعد اشتمال الموثق المزبور على النهي عن التختم بالحديد و الصلاة فيه الذي قد عرفت حمله على الكراهة، و خصوصا بعد
خبر علي بن جعفر(3)المروي عن قرب الاسناد للحميري أنه سأل أخاه (عليهما السلام) «عن الخاتم يكون فيه نقش سبع أو طير أو يصلي فيه؟ قال: لا بأس»
مؤيدا بما في
الصحيح عن البزنطي(4)«ان الرضا (عليه السلام) أراه خاتم أبي الحسن (عليه السلام) و فيه وردة و هلال في أعلاه»
بناء على إرادة الأعم من ذي الروح من المثال و الصورة، و على إرادتها من البأس في مفهوم
الصحيح(5)عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه»
مؤيدا ذلك كله بما
في الصحيح(6)«لا بأس أن يصلي و في كمه طير»
بل و بما في الحدائق من الاستدلال على الجواز بصحيح ابن مسلم(7)الوارد في الدراهم، و نفي البأس في صحيحه الآخر(8)و غيره
«عن تماثيل الشجر و الشمس»
1) 1 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 16.
2) 2 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 15.
3) 3 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 23.
4) 4 الوسائل- الباب- 46- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 13.
6) 6 الوسائل- الباب- 60- من أبواب لباس المصلي- الحديث 1.
7) 7 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 9.
8) 8 الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام المساكن- الحديث 17 و 6 من كتاب الصلاة.
ج8،
و لفظ «لا أشتهي» و «لا أحب» في بعض النصوص(1)و نحو ذلك، بل جعل فيها هذا و نحوه الدليل الذي به يخرج عن حقيقة النهي» و إن كان قد يناقش فيه بأن ليس شيئا مما ذكره فيما نحن فيه من الصلاة في الثوب و الخاتم، و لا أولوية و لا تنقيح، فالأولى أخذ ذلك مؤيدا لا دليلا على المطلوب، فضلا عن كونه الدليل.
و على كل حال فما عن النهاية و ظاهر المبسوط من الحرمة فيهما و المهذب و ظاهر المقنع في الحاتم لخبر عمار المزبور ضعيف، لما عرفت، بل عن المنتهى انه لا يعتمد على هذه الرواية في الدلالة على التحريم، لقصور اللفظ عنه، و لضعف السند، و لعل القصور المزبور لكثرة استعمال «لا تجوز» في شدة الكراهة، و لاحتمال نفي الجواز بالمعنى الأخص الذي هو الإباحة، بل الاحتمال الأول جار في عباراتهم كما سمعته مكررا، فيرتفع الخلاف حينئذ في المسألة.
و تزول الكراهة أو تخف بتغيير الصورة أو حكايتها ناقصة و لو في بعض الأجزاء، للصحيح(2)السابق الذي يمكن تأييده بما في
خبر الحلبي(3)المروي عن كتاب المكارم عن الصادق (عليه السلام) «قد أهديت إلى طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فميز رأسه، فجعل كهيئة الشجر»
و بما في
خبر علي بن جعفر(4)سأل أخاه (ع) «عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة أو شبهه يعبث به أهل البيت هل يصلح الصلاة فيه؟ قال: لا حتى يقطع رأسه أو يفسده»
و بما في
مرسل ابن أبي عمير(5)عنه (عليه السلام) «عن التماثيل تكون في البساط تقع عينك عليه و أنت تصلي- و في
1) 1 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 13.
3) 3 الوسائل- الباب- 4- من أبواب أحكام المساكن- الحديث 7 من كتاب الصلاة مع اختلاف في اللفظ.
4) 4 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 18.
5) 5 الوسائل- الباب- 45- من أبواب لباس المصلي- الحديث 7.
ج8،
التهذيب لها عينان و أنت تصلي- فقال: إن كان له عين واحدة فلا بأس، و إن كان له عينان فلا»
و غيرها مما هو في غير ما نحن فيه، نعم قد يقوى بقاؤها في التغيير الذي لا يخرج عن صدق التمثال، لإطلاق النص و الفتوى على وجه يبعد تقييدهما بالصحيح المزبور في الصورة المذكورة، هذا.
و في المدارك انها تخف أيضا بالستر، ل
صحيح حماد بن عثمان(1)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الدراهم السود التي فيها التماثيل أ يصلي الرجل و هي معه؟ قال:
لا بأس إذا كانت مواراة»
قلت: قد ورد في غيره من النصوص(2)ما يقضي بزوال الكراهة أو خفتها في الصلاة إلى الصورة أو معها بسترها، بل لغل منه ما في
صحيح ابن مسلم(3)سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن الرجل يصلي و في ثوبه دراهم فيها تماثيل فقال: لا بأس بذلك»
إن لم يحمل على إرادة بيان الجواز، إلا أنه في استفادة ذلك منهما فيما نحن فيه يحتاج إلى ما يدل على المساواة أو الأولوية، و ليس، فبقاء الكراهة التي يتسامح فيها فيه حينئذ كما هو مقتضى الأصل و إطلاق النص و الفتوى قوي، نعم لا بأس به في الدراهم و غيرها من المحمول الذي يقضي بالكراهة فيه مع عدم الستر جملة من النصوص، منها ما عرفت، و منها ما في
خبر علي بن جعفر(4)سأل أخاه (ع) «عن الدراهم و الحجرة فيها التماثيل أ يصلى فيها؟ قال: لا تصلى في شيء منها»
و إنما قلنا بالتخفيف دون الارتفاع لظاهر جملة من النصوص من بقاء الكراهة حتى مع الستر، منها
الصحيح(5)عن الصادق (عليه السلام) سأله عبد الرحمن بن الحجاج «عن الدراهم السود تكون مع الرجل و هو يصلي مربوطة أو غير مربوطة فقال:
ج8،
ما أشتهي أن يصلي و معه هذه الدراهم التي فيها التماثيل، ثم قال: ما للناس بد من حفظ بضائعهم، فإن صلى و هي معه فلتكن من خلفه، و لا يجعل شيئا منها بينه و بين القبلة»
و منها ما في
المروي عن الخصال(1)بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «و لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه و هو يصلي، و يجوز أن يكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف الضياع و يجعلها في ظهره».
نعم قد يستفاد منها أيضا حصول خفة أخرى بالوضع خلف، ك
صحيح ليث(2)عن الصادق (عليه السلام) «و إذا كان معك دراهم سود فيها تماثيل فلا تجعلها بين يديك، و اجعلها من خلفك»
بل يمكن استفادة نحو ذلك من فحواها فيما نحن فيه أيضا، ضرورة كون الحكمة التجنب عن شبه السجود للمثال، و هي جارية في الثوب أيضا، نعم ربما يقال بتخصيص ذلك فيما إذا كان عليه نحو ما على الدراهم من تمثال الأصنام و نحوها مما يسجد له.
ثم انه صرح جماعة من الأصحاب بعدم الفرق في الكراهة بين مثال الحيوان و غيره، لإطلاق النصوص، بل نسبه بعض منهم إلى الأكثر، و آخر إلى الأصحاب تارة، و إلى المشهور أخرى، كما أنهم لم يحكوا الخلاف إلا عن ابن إدريس، فخصها بالأول، و فيه أن المحكي عنه التعرض للخاتم خاصة، و ظاهر كل من عبر فيه بالصورة و في الثوب بالتمثال كالمتن و غيره، بل لعل أكثر عبارات الأصحاب على ذلك موافقته لما صرح به في الروضة و حاشية الإرشاد و المحكي عن حاشية الميسي و الروض من اختصاصها بالحيوانات بخلاف التمثال، قال في كشف اللثام: و ظاهر الفرق تغاير المعنى، و قد يكون المراد بالصور صور الحيوانات خاصة، و بالتماثيل الأعم، و لعل وجه الفرق أنه المنساق مما ورد فيه، و ما سمعته مما
روي «ان نقش خاتم أبي الحسن (عليه السلام)
ج8،
هلال و وردة»
و احتمال صحيح ابن بزيع السابق الوارد في المعلم أنه المراد من التماثيل، فيكون نصا في غير ذي الروح، لكن قد يقال إن ذلك تفنن منهم في التعبير، و إلا فالمحكي عن أكثر اللغويين تفسير الصورة و المثال و التمثال بما يشمل غير الحيوان، و مقتضاه حينئذ اتحاد المراد في المقامين، و لعله الأقوى، إلا أن المنساق إلى الذهن خصوصا من لفظ الصورة المرادف لها التمثال ذو الروح، و ربما يؤيده إطلاق نفي البأس عن تمثيل غير الحيوان من الشجر و نحوه المقتضي عموم سائر الأحوال التي حال الصلاة أهمها و أعظمها، و ما سمعته من زوال الكراهة بتغيير الصورة المنصرف إلى الذهن منه ذلك، خصوصا بعد ملاحظة ما
في الصحيح(1)«لا بأس أن يكون التماثيل في البيوت إذا ميزت رؤوسها»
و نحوه غيره، بل لا يخفى على من لاحظ ذلك، و خبر ابن أبي عمير السابق و خبر الطنفسة و خبر الخاتم و جميع ما ورد من النصوص(2)في تعذيب المصورين و تكليفهم نفخ الروح، و قوله تعالى(3)«يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ» و ما قيل في تفسيرها، قيل: قال في الوافي: «التمثال الصورة، و قد يخص بما فيه روح، لأنه المحرم تصويره و المكروه استعماله دون غيره مما لا روح فيه» ثم نقل ذلك عن الصادق (عليه السلام)، و غير ذلك من النصوص انه يمكن القطع بأن المراد من الصورة و التمثال المنهي عن فعلهما و استعمال ما فيهما لذي الروح، كما يومي اليه إطلاقهما في السؤال أو غيره، ثم ذكر خواص ذي الروح من قطع الرؤوس و نفخ الروح و نحو ذلك، ضرورة إشعار كون ذلك مما هو مفروغ منه، و من هنا مال إلى التخصيص المزبور المجلسي في المحكي عن بحاره، و الأصبهاني في كشفه، و الأستاذ الأكبر في شرحه، بل
ج8،
هو الذي وجدناه في السرائر كما حكاه عنها في كشف اللثام و غيره لا خصوص الخاتم، بل أيده زيادة على ذلك في كشف اللثام بأنه لو عمت الكراهة كرهت الثياب ذات الأعلام، لشبه الأعلام بالأخشاب و القصبات و نحوها، و الثياب المحشوة لشبه طرائقها المخيطة بها، بل الثياب قاطبة، لشبه خيوطها بالأخشاب و نحوها، و إن كان هو كما ترى واضح الضعف، ضرورة عدم صدق التمثال على شيء من ذلك، و هو المدار، هذا كله إن لم نقل إن التمثال، حقيقة في صورة ذي الروح، و أنه إن صح تمثال شجر فمجاز كما عن المعرب المهمل، و إلا فلا إشكال أصلا، إلى غير ذلك من المكروهات و المندوبات التي ذكرنا بعضها سابقا، و تضمن النصوص و المطولة من كتب أصحابنا التعرض لها تماما، من أرادها فليرجع إليهما، و الحمد لله أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا، و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين صلوات متتابعة إلى يوم الدين، و وفقنا ببركتهم إلى إتمام ما بقي من كتاب الصلاة عاجلا متبوعا بتتميم ما بقي من هذا الشرح، أنه أكرم المسؤولين، و أجود المعطين، و أرحم الراحمين، و خير الموفقين.
المقدمة الخامسة في مكان المصلي و قد قيل إنه في عرف الفقهاء بين معنيين: أحدهما باعتبار إباحته، و الآخر باعتبار طهارته، و فيه نظر بل منع، إذ الظاهر كما ستعرف إرادة معنى مجازي منه بالنسبة إلى الثاني، أما الأول فعن الإيضاح «أنه في عرف الفقهاء ما يستقر عليه المصلي و لو بوسائط، و ما يلاقي بدنه و ثيابه و ما يتخلل بين مواضع الملاقاة من موضع الصلاة كما يلاقي مساجده و يحاذي بطنه و صدره» و هو قريب إلى ما عن بعض الحكماء من «انه السطح الباطن للجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي» لكن أورد عليه بأنه يقتضي بطلان صلاة ملاصق الحائط المغصوب، و كذا واضع الثوب المغصوب الذي لا هواء له بين الركبتين و الجبهة، و الحكم به غير واضح، و القائل به غير معلوم، و لذا
ج8،
عدل عن تعريفه إلى انه الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقر عليه و لو بوسائط، و بطلان الصلاة تحت الخيمة و السقف و المغصوبين لو قلنا به ليس من حيث كونه مكانا للمصلي، بل من حيث صدق التصرف و الانتفاع، إذ هما بالنسبة إلى كل شيء بحسبه، قلت: ستعرف تحقيقه بالمعنى الثاني بما لا مزيد عليه عند البحث في اعتبار الطهارة فيه، بل ستعرف المراد بالأول الذي متى تحقق وصف الغصب عليه كانت الصلاة باطلة، لعدم اجتماع الأمر و النهي، و أن المدار فيه على صدق كون الواجب من أفعال الصلاة تصرفا فيه من حيث كونه محلا ضروريا للجسم فراغا أو مستقرا و إن اختلف ذلك باعتبار القيام و الركوع و السجود و غيرها من الأجزاء، أما المندوبة كجلسة الاستراحة و نحوها فالبطلان مع غصب المكان فيها من حيث التشريع، و إلا فلو فرض غصب الفضاء مثلا فيها فليس يقتضي إلا بطلانها لا بطلان الصلاة، لعدم الملازمة بينهما، بل بطلان بعض الأجزاء الواجبة انما هو من ذلك، و إلا فلو أراد تداركها بالانتقال إلى الفضاء المباح مثلا صحت الصلاة، بناء على عدم قدح مثل التشريع المزبور فيها، و انه إنما يقتضي فساد ذلك الجزء خاصة، فمع الاقتصار عليه تبطل الصلاة لفقد الجزء، و أما مع التدارك فالصلاة صحيحة، و تسمع تحقيق ذلك إن شاء الله في القراءة و نحوها من أفعال الصلاة.
و على كل حال فمدار البطلان في الغصب على ما عرفت، و إلا فلو فرض كون يده في حال القيام مثلا أو في حال الركوع أو غيرهما مما لا مدخلية لمكان وضعها في الصلاة في مكان مغصوب لم تبطل الصلاة من حيث غصب بعض المكان، بل لو فرض كون مكان بعض ثيابه المتصلة به مغصوبا فكذلك، ضرورة عدم تصور اتحاد الأمرين فيه: أي الكون الصلاتي و الكون الغصبي، كما هو واضح، و من التأمل في ذلك فضلا عما تسمعه إن شاء الله فيما يأتي تعرف المراد من المكان الذي تشترط إباحته في
ج8،
الصلاة بحيث تبطل الصلاة بعدمها حتى بالنسبة إلى ما يستقر عليه منه و لو بوسائط، فإنه لا ريب فيه في الاستعلاء الحقيقي، أما إذا كان مثل ساباط أو أرجوحة غصب قوائمهما و فضائهما محللا فقد يتأمل في البطلان فيه، لعدم صدق اتحاد الكونين فيه و إن كان هو بالواسطة مستقرا عليه، و لعل من ذلك الصلاة في السفينة التي فيها لوح مغصوب متوقف عليه بقاؤها في البحر مثلا، فان المتجه الصحة إذا لم يكن مباشرا لذلك اللوح و لو بالواسطة كما صرح به المحقق الجزائري في شافيته، و لعله لا ينافيه ما في الذكرى من البطلان في السفينة و لو كان المغصوب لوحا واحدا مما له مدخل في استقرار المصلي، بناء على إرادته من المدخلية ما لا يشمل محل الفرض، فتأمل جيدا، بل قد تأمل المحقق الجزائري في شافيته في البطلان بغصب غير ما استقر عليه المصلي و ما تقع عليه مساجده و لو بواسطة أو وسائط من الفضاء، قال فيها تارة بعد ما سمعت: و قيل: المراد بالمكان ما يشغله المصلي من الحيز أو يستقر عليه و لو بالواسطة أو الوسائط، فيدخل فيه الهواء المغصوب و إن كان الاستقرار على موضع مباح، و فيه تأمل، و في حاشية على هذا الكلام مكتوبا بعدها منه كالجناح إلى الدار المغصوبة، مثلا لو صلى في نفس الجناح المباح تكون الصلاة باطلة، لأن الهواء إلى عنان السماء مملوك لصاحب تلك الدار المغصوبة فيكون الهواء المحيط ببدن المصلي في الجناح مغصوبا تبعا المدار، و الحق أن الهواء لا يملك، نعم لصاحب الدار أولوية بالفضاء المقابل، و قال في الشافية تارة أخرى: الرابع الرواشن و الأجنحة الخارجة إلى حيث يكون ما تحتها ملك غيره، و كذا الحفائر العميقة بحيث يكون ما فوقها ملك غيره مع عدم الضرر، فان قلنا إنه لا يملك إلا ما جرت به العادة و كانت هذه خارجة عنه جازت الصلاة فيها، و إن قلنا إنه يملك إلى عنان السماء و تخوم الأرض احتمال الصحة في نحو الأجنحة أيضا، لأن المغصوب إنما هو الهواء، و هو ملاصق للمصلي، فلا يقدح في الصحة كالحائط و السقف المغصوبين، و مثله الرف المعلق
ج8،
بين نخلتين لما لك الرف إذا كان ما تحته من الأرض مغصوبا، و إن كان ما ذكره واضح النظر فيه، للسيرة المعلومة في ذلك الفضاء، و جريان حكم الأملاك عليه، و ليس هو في الحقيقة ملكا للهواء بل الفضاء، و فرق واضح بينهما، نعم قد يشك في ملك خارج المعتاد منه، و على تقدير الملك فحكمه حكم غيره مما لم يكن خارجا عن المعتاد الذي جزم الشهيد و غيره بالفساد فيه، و وجهه واضح.
و كيف كان ف الصلاة في الأماكن كلها جائزة بشرط أن يكون المكان مملوكا أو مأذونا في الكون فيه بإجماع العلماء كافة في المدارك، و بلا خلاف فيه في الذكرى و بين العلماء في التذكرة مع التقييد بالخلو عن النجاسة، و الأخبار به متواترة معنى إلا ما خرج بالدليل في المحكي عن البحار، قلت: لعل منها نصوص(1)عموم مسجدية الأرض التي
في بعضها(2)أيضا «أينما أدركتني الصلاة صليت»
مضافا إلى إطلاقات الصلاة، و المراد بالإذن الأعم من الشرعية و المالكية، فيشمل المباحات و نحوها، و لا ينافيه قوله و الاذن قد يكون بعوض كالأجرة و شبهها و بالإباحة، و هي إما صريحة كقوله: صل فيه، أو بالفحوى كإذنه في الكون فيه، أو بشاهد الحال كما إذا كان هناك إمارة تشهد أن المالك لا يكره إذ لم نقل إن الإباحة تشملها أيضا، فأقصاه بيان تعميم إذن المالكية، و هو لا ينافي غيرها، نعم نظر فيه في المدارك بأن جعل المستأجر من أقسام المأذون فيه الذي هو قسيم للملوك غير جيد، لأن الإجارة تقتضي ملك المنفعة، فكان الأولى إدراج المستأجر في المملوك كما فعله غيره من الأصحاب، و قد يدفع بأن الإذن بعوض لا يجب أن تكون إجارة يملك فيها المنفعة ليندرج في الملك، فلعل المصنف أراد به ما لا يحصل به ملك المنفعة، كما هو واضح، و نظر فيه أيضا تبعا لجده في المسالك بأن تمثيله للفحوى بالإذن في الكون غير واضح،
ج8،
إذ المعهود من اصطلاحهم أن دلالة الفحوى هي مفهوم الموافقة، و هو التنبيه بالأدنى على الأعلى: أي كون الحكم في غير المذكور أولى منه في المذكور باعتبار المعنى المناسب المقصود من الحكم، كالاكرام في منع التأنيف، و قد مثل له هنا بإدخال الضيف في المنزل للضيافة، و هو إنما يتم مع ظهور المعنى المناسب المقصود من الإدخال، و كونه في غير المذكور و هو الصلاة مثلا أتم منه في المذكور، و مرجعها إلى مناقشة لفظية اصطلاحية لا تحسن من مثله بعد وضوح المراد، و إلا فالفحوى عند متشرعة العصر ليست إلا حصول القطع بالرضا بسبب صدور فعل من المالك أو قول لم يكن المقصود منه بيان الرضا في المراد، أو غيرهما بلا مراعاة أولوية و مساواة و نحوهما من أسباب القطع، و لعل المصنف يريد الكون الذي ليس بصلاتي المستفاد منه الكون الصلاتي بالفحوى لا مطلق الكون الذي أحد أفراده الكون الصلاتي، فيكون من مدلول عبارة الإذن لا مستفادا من الفحوى، و أما دليل جواز غير الناقل من التصرف بالقطع المزبور فالسيرة القطعية، بل يمكن دعوى الضرورة من المذهب بل الدين، سواء كان الرضا المقطوع به فعليا أو تقديريا، بمعنى أنه لو علم به رضي به، و ربما كان في
خبر سعيد بن الحسن(1)إيماء إليه، قال: «أبو جعفر (عليه السلام): أ يجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟ قلت: ما أعرف ذلك فينا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فلا شيء إذا، قلت: فالهلاك إذا، فقال: إن القوم لم يعطوا أحلامهم»
كالمروي عن كتاب
الاختصار للمفيد عن أبان بن تغلب عن ربعي عن يزيد العجلي(2)
ج8،
قال: «قيل: لأبي جعفر (عليه السلام): إن أصحابنا بالكوفة لجماعة كثيرة فلو أمرتهم لأطاعوك و اتبعوك، قال: يجيء أحدهم إلى كيس أخيه فيأخذ منه حاجته فقال: لا، قال: هم بدمائهم أبخل، ثم قال: إن الناس في هدنة تناكحهم و توارثهم حتى إذا قام القائم (عليه السلام) جاءت المزايلة و أتى الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته فلا يمنعه»
و تنزيلهما على صورة علم المالك به لا داعي اليه، و إن كان في قوله (عليه السلام):
«يدفعه» و «يمنعه» نوع إيماء اليه، و نصوص(1)عدم حل مال المسلم أو المؤمن إلا بطيب نفسه إن لم تشمل مثل الفرض يجب تخصيصها به.
و لا فرق في ذلك بين المكان و غيره من أموال المسلم، و يمنع ثاني الشهيدين الاكتفاء بشاهد الحال في اللباس بخلاف المكان، قال: اقتصارا فيما خالف الأصل، و هو التصرف في مال الغير بغير إذنه على محل الوفاق قد لا يريد به ما يشمل الفرض، و إلا كان واضح الفساد بما عرفت، و كذا نظر في المدارك في اكتفائه في شاهد الحال بأن يكون هناك إمارة تشهد أن المالك لا يكره بأنه غير مستقيم، لأن الامارة تصدق على ما يفيد الظن أو منحصرة فيه، و هو غير كاف هنا، بل لا بد من إفادتها العلم كما بيناه، و ظاهره المفروغية من عدم الاكتفاء بما لا يفيد القطع من شاهد الحال، قلت:
هذه العبارة كما وقعت للمصنف حكيت عن غيره، فان كان ظاهرها ذلك فهو ظاهر الجميع، بل قد عرفت أنه معقد وفاق الشهيد الثاني في خصوص المكان، و لعل مرادهم منه ما جرت السيرة و الطريقة في سائر الأعصار و الأمصار على الأخذ به و التصرف معه مما نصب دلالة على الاذن، كنصب المضايف و الرباع و نحوها التي في كثير من الأحوال لم يحصل العلم بالرضا معها بل و لا الظن المعتد به، بل يؤخذ بظاهر ما وقع منه مثلا مما هو منصوب الدلالة على الاذن من أفعاله ما لم يعلم الكراهة، و لعل هذا الظاهر
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1 و 3.
ج8،
من الأفعال أو غيرها حجة كظاهر الأقوال ما لم يحصل الصارف المعتد به في صرف أمثاله، لا أن المراد بشاهد الحال الكناية عن حصول الظن مطلقا و إن لم يكن بسبب فعل يعتاد التعويل عليه مثلا من المكلف، أو اتساع في المتصرف به لم يعتد المنع عنه، أو نحو ذلك، فإنه لا يساعد عليه دليل بحيث يخرج به عما علم عقلا من قبح التصرف في مال الغير بدون طيب نفسه بخلاف الأول الذي قامت عليه السيرة المزبورة التي بالأقل منها يخرج عن ظاهر ذلك، و لا قبح للعقل هنا قطعا، فلعل المصنف و غيره ممن عبر بشاهد الحال يريد ذلك، و هو شيء غير مستنكر حتى يحتاج إلى التنزيل على إرادة ما يفيد العلم كما وقع من بعض متأخري المتأخرين، بل لم يتعارف التعبير عن ذلك بهذه العبارة، و لعله المراد مما حكي عن البحار و الكفاية من جواز الصلاة في كل موضع لم يتضرر المالك بالكون فيه و جرت العادة بعدم المضايقة في أمثاله و إن فرضنا عدم العلم برضا المالك، بل عن البحار منهما أن اعتبار العلم ينفي فائدة هذا الحكم، إذ قلما يتحقق ذلك في مادة، فاعتبار الظن أوفق بعمومات الأخبار، و إلا فإن أرادا بذلك مطلق الظن كان فيه ما عرفت، بل لعله مراد العلامة الطباطبائي بقوله:
و الاذن بالنص و بالفحوى و منشواهد الأحوال في ذلك استبن
فكلما لم تجر فيه العادةبالمنع لم تفسد به العبادة
بل يبنى بعضهم جواز الصلاة في الأراضي المتسعة على قيام شاهد الحال مصرحا بعدم اعتبار العلم فيه، بل ظاهره أن مداره على عدم علم الكراهية، و لعله كذلك حيث لا يقوم شاهد حال على الكراهة، للسيرة القطعية على أمثال هذه التصرفات من غير مراعاة إذن المالك و أنه ممن له الاذن أو لا، أو من أعداء الدين أو لا، بل يمكن عدم مراعاة منعه فضلا عن إذنه فيما يلزم الحرج و العسر و الضرر باجتنابه كما جزم به شيخنا في كشفه، قال: لأن المالك، للملك و مالكه أذن في ذلك باعتبار لزوم المنع للحرج العام،
ج8،
فيسري إلى الخصوص كما في المياه إن لم يترتب ضرر على بعض الماكثين و العابرين، و إن كان قد يناقش فيه بعدم اقتضاء نفي الحرج في الدين و الضرر و الضرار حل أموال المسلمين المحرمة في الكتاب و السنة و فطرة العقل مجانا بلا عوض، و إلا لاقتضى ذلك إباحة كثير من المحرمات، و لعله بعموم التحريم يستكشف أنه لا حرج لا يتحمل في الحرمة المزبورة، و كأنه لذا و غيره أطلق غير واحد من الأصحاب كالشهيد في الذكرى و غيره حرمة التصرف مع العلم بالكراهة في الأراضي المتسعة، بل هو المستفاد من جعل التصرف فيها بشاهد الحال، بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافه من ملاحظة حصرهم أسباب إباحة مال الغير في الاذن و لو بعوض أو الفحوى أو شاهد الحال، و دعوى ان مالك الملك الأصلي أذن بذلك مصادرة واضحة، لعدم الدليل على إذنه، ضرورة أن الأصل في الحكم المزبور السيرة، و هي غير معلومة في الفرض أو معلوم عدمها، فحينئذ الاقتصار على المعلوم منها من الذي لم يعلم الكراهة فيه هو المتجه.
لكن الانصاف مع ذلك كله أنه يمكن دعوى تحقق السيرة في نحو الأراضي التي في غاية السعة التي كان بناء ملك المالك لها من المالك الأصلي على جواز هذه التصرفات من الاستطراق و المكث لقضاء الحوائج و أمثالها فيها، نحو ملك المياه المحازة في الأنهار العظيمة التي لا ينكر تحقق السيرة على عدم الامتناع من الشرب منها، و نقل المياه للمسافرين و المترددين و نحو ذلك و إن كره المالك، فالتحقيق حينئذ التفصيل في الأفراد و تمييزها بحسب قيام السيرة، فمنها ما يجوز التصرف فيه بالصلاة و نحوها و إن كره المالك، و منها ما قد عرفت من أن مقتضى السيرة فيه عدم مراعاة كون المالك مما له الاذن أو لا أو ممن يأذن أو لا، بل المدار على عدم علم الكراهة، و لعله كذلك في كل ما كان مستند التصرف فيه شاهد الحال كالمضايف و الرباع و نحوها، أما ما كان مستنده الفحوى: أي القطع بالاذن فلا بد من اعتبار حصول العلم بالاذن ممن له الاذن من مالك
ج8،
أو ولي إجباري أو شرعي مع المصلحة أو عدم المفسدة، و إلا لم يجز التصرف قطعا، ضرورة عدم الجدوى بالعلم بحصولها على تقدير من التقادير مع احتمال غيره كما هو واضح، و حينئذ فلا فرق في هذا بين العلم بكونه لمولى عليه و عدمه، أما الأول أي الذي قامت السيرة على التصرف فيه بدون مراعاة الاذن إذا علم كونه لمولى عليه ففي الذكرى أن الظاهر الجواز، لإطلاق الأصحاب، و عدم تخيل تحقق ضرر لاحق به كالاستظلال بحائطه، و لو فرض ضرر امتنع منه و من غيره، و وجه المنع أن الاستناد إلى أن المالك أذن بشاهد الحال، و المالك هنا ليس أهلا للإذن، إلا أن يقال: إن الولي أذن هنا، و الطفل لا بد له من ولي، قلت: لا يخفى عليك ما فيه و إن تبعه غيره عليه، إذ لا إطلاق للأصحاب يطمأن به في إدراج هذه الصورة على وجه يصلح للعذر عن القول بغير علم، و عدم الضرر لا يبيح التصرف في أموال الناس في الذي ليس منه الاستظلال بالحائط، إذ هو انتفاع لا تصرف، و قد يفرق بينهما، و ما ذكره في وجه المنع يدفعه ما عرفت سابقا من أنه ليس بناء التصرف على حصول الاذن، و إلا لم يجز مع ظن عدمها أو الشك فيها، بل مبناه السيرة القطعية ما دام لم يعلم الكراهية، و أولياء الطفل منهم من له الاذن من غير اشتراط المصلحة، و آخر ليس له ذلك إلا معها، فالتحقيق بناء الحكم في الفرض المزبور على السيرة، فإن كانت جاز التصرف بلا مراعاة شيء من ذلك، و إلا فلا، و الظاهر تحققها في نحو الأراضي المتسعة و الأنهار و الطرق المرفوعة و أمثالها و إن علم كونها لمولى عليه.
و كيف كان ف المكان المغصوب الذي هو غير ما عرفت لا تصح الصلاة فيه للغاصب و لا لغيره ممن علم بالغصب و كان مختارا، ف ان صلى عامدا عالما و الحال هذه كانت صلاته باطلة للإجماع محصله و محكيه صريحا و ظاهرا مستفيضا
ج8،
إن لم يكن متواترا، و لبعض النصوص(1)المتقدمة في اللباس المنجبرة سندا و دلالة بما عرفت، كبعض الأخبار(2)الواردة في حق ما فيه الخمس من المساكن للشيعة لتصح عباداتهم، و لإجماع المسلمين على حرمتها فيها، لأن أكوانها حركات و سكنات بعض أفراد الغصب المعلوم حرمة، فيمتنع الأمر الذي تتوقف عليه صحة العبادات بها، ضرورة امتناع اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد شخصي عرفا، لقبح التكليف بما لا يطاق عندنا، بل يمكن دعوى استحالة أصل التكليف هنا باعتبار عدم تصور تحقق طلب الفعل و طلب تركه في وقت واحد من مكلف واحد، و كون متعلق الأمر هنا الصلاة و النهي الغصب و هما كليان متغايران يجتمعان و يفترقان لا يجدي في رفع اتحاد الحركة و السكون الخارجيين اللذين هما محل تحقق الكليين معا و متعلق خطاب الله، كما أنه لا ينافي ما ذكرناه عدم كون التكليف بالكلي تكليفا بالفرد على ما هو التحقيق، بل
و لا أن مقدمة الواجب من التوصليات التي يمكن حصولها بالمحرم، إذ الظاهر أن نحو ما نحن فيه من أفراد أمثال هذه الكليات لا إشكال في تعلق الأوامر بها تعلقا لا يحصل امتثاله بالمحرم، و التدقيقات الحكمية التي هي عند التأمل خيالات و همية بل شبيهة بالخرافات السوداوية لا يبنى عليها شيء من الأحكام الشرعية، على أنه قد كتبنا و الله الحمد رسالة مستقلة في فسادها على التفصيل، فما وقع من جماعة من متأخري المتأخرين ممن له أنس ببعض التدقيقات الكلامية من القول بالصحة تبعا للمحكي عن الفضل بن شاذان المحتمل صدور ذلك منه للإلزام للعامة على مقتضى قياسهم و أصولهم في غاية الضعف بل الفساد، بل لو أغضي عن ذلك كله أمكن دعوى فهم أهل العرف من أمثال هذين الخطابين: أي «صل» و «لا تغصب» تحكيم خطاب النهي على الأمر، فيراد الصلاة حينئذ في غير المغصوب،
ج8،
كالعام و الخاص المطلقين، و تفصيل هذه الجملة ذكرناه في الأصول تحريرا و تقريرا، و الحمد لله رب العالمين.
و لا فرق في جميع ما ذكرنا بين مغصوب العين و المنفعة و لو بدعوى الاستيجار أو الوصية بها أو الوقف كذبا، بل من الغصب التصرف في الأعيان التي تعلق بها حق مالي للغير كحق التحجير المانع من تصرف الغير بالمحجر و إن لم يدخل به في الملك، أما حق السبق في المشتركات كالمسجد و نحوه ففي بطلان الصلاة بغصبه و عدمه وجهان بل قولان، أقواهما الثاني وفاقا للعلامة الطباطبائي في منظومته، لأصالة عدم تعلق الحق للسابق على وجه يمنع الغير بعد فرض دفعه عنه، سواء كان هو الدافع أو غيره و إن أثم بالدفع المزبور، لأولويته، إذ هي أعم من ذلك قطعا، و ربما يؤيده عدم جواز نقله بعقد من عقود المعارضة، مضافا إلى ما دل على الاشتراك الذي لم يثبت ارتفاعه بالسبق المزبور، إذ عدم جواز المزاحمة أعم من ذلك، فتأمل.
و كذا لا فرق في الصلاة بين اليومية و غيرها، و ما عن بعض العامة- من أنه يصلى الجمعة و العيد و الجنازة في الموضع المغصوب، لأن الإمام إذا صلى في موضع مغصوب فامتنع الناس فاتتهم الصلاة، و لهذا أبيحت الجمعة خلف الخوارج و المبتدعة- غلط فاحش، نحو ما يحكى عن المحقق منا، و إن كان لم نتحققه من جواز النافلة في المغصوب، لأن الكون ليس جزءا منها و لا شرطا فيها، مع أنه قال في كشف اللثام يعني أنها تصح ماشيا مؤميا للركوع و السجود، فيجوز فعلها في ضمن الخروج المأمور به، و الحق أنها تصح إن فعلها كذلك لا إن قام و ركع و سجد، فان هذه الأفعال و إن لم تتعين عليه فيها لكنها أحد أفراد الواجب فيها، و قطع في التذكرة و نهاية الأحكام بتساوي الفرائض، و النوافل في البطلان، و كأنه يريد إذا قام و ركع و سجد لا إذا مشى و أومأ، و هو خارج، قلت: لا ريب في البطلان حينئذ، و احتمال أنها لا تتشخص
ج8،
بذلك- فلا يلزم من بطلان هذه الحركات و السكونات بطلانها، بل أقصاه الانتقال إلى فردها المجرد عن هذه الأفعال- واضح الفساد، ضرورة أنه يرجع إلى أن النافلة مجرد النية و نحوها من الأفعال القلبية، أو هي و القراءة مثلا، و هو خلاف المقطوع به من النصوص و الفتاوى بل الضرورة، مع أن القراءة في التحقيق أيضا من التصرف في الفراغ، لأن حركات الفم تقومه الألفاظ التي هي عبارة عن الأصوات المقطعة لا مقدمة، فيتجه اجتماع الأمر و النهي فيه، و لعله لذا جزم ببطلان القراءة المنذورة في المكان المغصوب في المحكي عن نهاية الأحكام و الدروس و الموجز الحاوي و الروض و المقاصد العلية، خلافا لما عن مجمع البرهان من عدم البطلان، و أما صحتها ماشيا خارجا مؤميا فقد يشهد لها ما تسمعه من صحة صلاة الغاصب عند الضيق ماشيا خارجا مؤميا، إذ ليس مبناه إلا نفي الإثم في الكون الخروجي، فلا مانع من وقوع الصلاة حاله فريضة كانت أو نافلة، إلا أن الفرق بينهما عدم جواز الكيفية المزبورة في الأولى إلا في حال الاضطرار و لو للضيق، بخلاف الثانية، فيجوز فيها ذلك اختيارا، و هو لا ريب فيه، بناء على عدم اختصاص ذلك بدليل يختص به من إجماع و نحوه، و ستعرف البحث فيه، لكن حمل كلام المصنف عليه كما ترى كاد يكون مقطوعا بعدم إرادته.
و أولى منه تنزيله على ما سمعته منه في القبلة سابقا مما يظهر منه أنه لا يعتبر في النافلة كون و لا استقبال و لا غيرهما، فحينئذ له فعلها قائما و جالسا و مضطجعا و ماشيا و راكبا، و محصله أن ذلك كله من ضروريات الجسم، و إلا فلا يعتبر فيها شيء من الكون و إن كان فرد من أفرادها كذلك، فحينئذ له فعل ما لا مدخلية للكون فيه من أفرادها كالصلاة ماشيا و إن لم يكن خارجا من الدار الخروج المأمور به، أو واقفا لا بقصد إرادة الفرد الوقوفي منها، أو غير ذلك، و لعله لا يعتبر الإيماء للركوع و السجود فيها كي يلزم به
ج8،
التصرف المنهي عنه، بل يكتفي بالقصد القلبي مع الإتيان بذكرهما، كما أنه لعله لا يرى كون النطق في المغصوب من التصرف فيه كما سمعت وجهه، بل قواه شيخنا في كشفه، فحينئذ يتم له القول بصحة النافلة في المغصوب بمعنى فعل غير ذات الكون منها، فتأمل جيدا فإنه دقيق نافع، بل منه و مما تقدم يظهر أن البطلان الناشئ من القاعدة المزبورة لا يخص الصلاة، بل هو ثابت في كل عبادة اتحد شيء من أجزائها مع الكون الغصبي، بخلاف ما إذا لم يتحد فلا فساد فيه من هذه الجهة.
و لعل منه عند الفاضلين في المحكي عن المعتبر و المنتهى و السيد في المدارك و البهائي في حبله الوضوء في المكان المغصوب، فحكموا بصحته فيه، و ينبغي أن يكون مثله الأغسال الواجبة و المندوبة، ضرورة اشتراك الجميع في ما ذكروه له من التعليل بأن الكون ليس جزء منها و لا شرطا فيها، فلا يؤثر تعلق النهي به في فسادها، بل يمكن أولويتها منه بالصحة باعتبار أن من أجزائه المسح دونها، و هو إمرار الماسح على الممسوح الذي هو عين الحركة، فيكون الكون حينئذ جزء، نعم هما على حد سواء لو فرض إيقاع المسح في خارج المغصوب، لكون الباقي حينئذ الغسل المشترك بين الجميع، فمع فرض أن الكون ليس جزءا منه صح في الجميع، و به حصل الفرق بين ذلك و بين الصلاة التي قد عرفت جزئية الكون منها، لكن في الحدائق «لا فرق بينهما في ذلك، لأن المكان كما يطلق على ما استقل عليه الإنسان و اعتمد عليه كذلك يطلق على الفراغ الذي يشغله بدن الإنسان كما عرفت في تعريفه، فكما أن القيام في الصلاة منهي عنه باعتبار انه استقلال في المكان كذلك حركات اليد في الوضوء في هذا الفراغ، و إذا بطلت بطل الوضوء» و هو كما ترى واضح الفساد، ضرورة أن حركات اليد و إن كانت محرمة إلا انه لا يستلزم ذلك بطلان الوضوء، لأنها ليست أجزاء، بل هي
ج8،
مقدمة لخصوص فرد من أفراد الغسل الذي هو عبارة عن انتقال الماء من جزء إلى آخر، فالنهي حينئذ عن أمر خارجي لا مدخلية له في العبادة، بخلاف قيام الصلاة و نحوه من حركاتها و سكناتها، و مثلها المناقشة من بعض مشايخنا أيضا بأن المقدمة إذا انحصرت في الحرام فالتكليف بذيها إن كان باقيا لزم التكليف بالمحال، و إن لم يكن باقيا لزم أن لا تكون المقدمة واجبة مطلقا، لأن وجوبها من جهة وجوب ذيها، إذ هي أيضا كما ترى يدفعها فرض المسألة الوضوء مثلا بالمكان المغصوب مع القدرة على المباح، فلا انحصار للمقدمة بالمحرم، و أوضح منهما فسادا ما عن الذكرى من المناقشة بأن هذه الأفعال من ضرورتها المكان، فالأمر بها أمر بالكون مع أنه منهي عنه، إذ بعد تسليم التلازم بين هذين الأمرين لا يقتضي توقف امتثال الأمر بالأفعال على امتثال الأمر بالكون، فالعصيان فيه حينئذ لا يقتضي بطلانا في الأفعال بعد عدم ثبوت اشتراط صحتها بعدم العصيان في الكون، إذ التلازم بين الأمرين لا يقتضي ذلك قطعا، كما هو واضح.
نعم قد يناقش بأن الغسل جريان الماء على المغسول، و انتقال الماء من جزء إلى آخر، و كل منهما حركة توليدية من المكلف في المغصوب، فهي محرمة لا يصح تعلق الأمر بها فيبطل، اللهم إلا أن يقال: إن الغسل عبارة عن نفس الأثر الحاصل من تلك الحركة، فهي مقدمة له لا عينه، فلا يقدح حرمتها حينئذ في صحة العبادة التي هي شيء آخر غيرها، أو يناقش بأن أهل العرف لا يتوقفون في صدق التصرف عرفا في المكان المغصوب بنفس الوضوء و الغسل و الانتفاع، بل لو كان مسقط الماء مغصوبا كان كافيا في الصدق المزبور فضلا عن نفس الوضوء فيه مثلا، و المدار في الحرمة على هذا الصدق لا على تلك التدقيقات الحكمية، و لعله لذا جزم بالبطلان في المحكي عن نهاية الأحكام و الذكرى و الدروس و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و الروض و المقاصد العلية و مجمع البرهان، بل تسرى شيخنا وحيد عصره الشيخ جعفر إلى البطلان في كل
ج8،
ما يعد الوضوء فيه تصرفا فيه بحسب حاله حتى اللباس و النعل المغصوبين و نحوهما مما يصدق معه التصرف فيه بالوضوء، لكنه كما ترى غريب، و الفرق بين ما يكون التصرف فيه حال الوضوء أو بنفس الوضوء في غاية الوضوء، و لعله صدر ذلك منه (رحمه الله) لشدة تورعه عن اجتناب المحرمات. نعم لا يبعد القول بالبطلان في خصوص الوضوء بالفراغ المغصوب، لما عرفت.
و قضاء الدين ليس من العبادات، فلا ينبغي التأمل في صحته في المغصوب كغيره من أقسام المعاملات و الإيقاعات فعلية و قولية، إذ نحو هذه الحرمة فيها لا تستلزم البطلان، بل و كذا الصوم من العبادات الذي لا تصرف في شيء منه فيه، و الانتفاع به حاله لا يقتضي البطلان قطعا، و لذا جزم بصحته و قضاء الدين في المحكي عن نهاية الأحكام و الدروس و الموجز، فما عن الروض و المقاصد العلية من التردد في غير محله، أما الزكاة و الخمس و الكفارة و نحوها ففي المحكي عن الروض و المقاصد الجزم بالبطلان فيها، كالمحكي عن الكتب الثلاثة في خصوص الزكاة و إن كان يلزمه ذلك فيما بعدها، و لعله لأن الدفع نفسه هو الإيتاء المشروط بنية القربة، و يمكن أن يكون المراد منه الوصول و الدفع مقدمة، فحينئذ يتجه الصحة، و الله أعلم بتحقيق ذلك كله، و ربما يوفق الله لتفصيل البحث في جميع ذلك في محل آخر.
و كيف كان فقد عرفت أن مدار البطلان الناشئ من قاعدة الاجتماع الاتحاد المزبور، فمع عدمه يكون المتجه الصحة، فلو صلى تحت سقف مغصوب أو خيمة فقد جزم في جامع المقاصد بأنه لا بطلان فيه من حيث إباحة المكان، لأنه لا يعد مكانا بوجه من الوجوه و إن كان المصلي متصرفا بكل منهما و منتفعا به، لأن التصرف في كل شيء بحسب ما يليق به، و الانتفاع فيه بحسب ما أعد له، قال: «لكن هل تبطل بهذا القدر من التصرف؟ لا أعلم لأحد من الأصحاب المعتبرين تصريحا في ذلك بصحة
ج8،
و لا فساد، و التوقف موضع السلامة إلى أن يتضح الحال».
قلت: قد يقوى الصحة وفاقا للشهيدين في البيان و المحكي عن الروض و المحقق الجزائري في شافيته و العلامة المجلسي في البحار، للفرق الواضح بين الانتفاع حال الصلاة و بين كون الصلاة نفسها تصرفا منهيا عنه، و المتحقق في الفرض الأول، إذ الأكوان من الحركات و السكنات في الفضاء المحلل، و يقارنها الانتفاع حالها بالمحرم، و هو أمر خارج عن تلك الأكوان لا أنها أفراده، ضرورة عدم حلول الانتفاع فيها حلول الكلي في أفراده، كما هو واضح بأدنى تأمل، و قد مر في لباس المغصوب ما يزيد ذلك إيضاحا، و ربما اشتبه الحال على بعض الأعيان فحكم بالبطلان في ذلك و أشباهه حتى تعدى إلى الحجر الواحد في حائط الدار، و قارب في ذلك ما يحكى عن أهل البحرين من بطلان الصلاة مع غصب الجدار، بل أدرجوه في المكان بتقريب أنه ما أحاط بك، و الجدران محيطة و إن كان جدران سور البلد، قال: «يعتبر في المكان الإباحة بحيث لا يتوجه اليه منع التصرف أو الانتفاع بوجه من الوجوه في أرض أو فضاء أو فراش أو خيمة أو صهوة أو أطناب أو حبال أو أوتاد أو خف أو نعل أو مركوب أو سرجه أو وطائه أو رحله أو نعله أو باقي ما اتصل به أو بعض منها مع الدخول في الاستعمال و إن قال أو سقف أو جدار أو بعض منهما و لو حجر واحد، و إباحة البيت مع إحاطة جدار الدار المغصوب، لا يخرجه من حكم المغصوب، بخلاف سور البلد» و هو كما ترى و إن خالف المحكي عن أهل البحرين باستثناء سور البلد لكنه أيضا لا يوافق ما سمعته منا، و كان استثناؤه للسور لعدم صدق الاستعمال، أو لأن الغصب في مثل السور و نحوه مما يعسر التجنب عنه، فهي كالأراضي المتسعة التي يشق على الناس التحرز عنها، و لا يحتاج مثل هذا التصرف فيها إلى مراعاة إذن المالك الصوري، بل لا فرق فيه بين الغاصب و غيره، أو لغير ذلك مما لا حاجة إليه بعد ما عرفت من اشتراك الجميع
ج8،
في الصحة، لعدم اتحاد مورد النهي و الأمر في شيء من ذلك، إذ من الواضح الفرق بين الانتفاع بالشيء حال الصلاة و بين كون الصلاة نفسها استعمالا و تصرفا في الشيء، نعم لا ريب في تحقق الفساد في الثاني كما عرفته مفصلا.
و ما عن المرتضى (رحمه الله) و أبي الفتح الكراجكي من الصحة في وجه في الصحاري المغصوبة استصحابا لما كانت الحال تشهد به من الاذن فيه ليس خلافا في ذلك قطعا، على أنه بإطلاقه واضح الفساد، ضرورة اختلاف الأمكنة و الملاك و الأحوال و المصلين و الأوقات في منع الغصب من استصحاب الإذن الذي شهدت به الحال، و إلا فمن الواضح الاكتفاء بمثله في التصرف في مال الغير في نحو المقام بعد التسليم تصور جريانه فيه، و لا فرق في ذلك بين القول باستناد الجواز لشهادة الحال باذن المالك الصوري و المالك الحقيقي دفعا للحرج، ضرورة كون الفرض في الجملة خارجا عن موضوع الجواز على كل حال، فيبقى حينئذ على أصالة المنع كما هو واضح، و إذن الغاصب بالتصرف كعدمها، و لذا قال في المحكي عن المبسوط: «فان صلى في مكان مغصوب مع الاختيار لم تجز الصلاة فيه، و لا فرق بين أن يكون هو الغاصب أو غيره ممن أذن له في الصلاة فيه، لأنه إذا كان الأصل مغصوبا لم تجز الصلاة فيه» لكن عن المصنف أنه فهم منه إرادة إذن المالك لا الغاصب، و أيده في الذكرى بأنه لا يذهب الوهم إلى احتمال جواز إذن الغاصب، فكيف ينفيه الشيخ معللا له بما لا يطابق الحكم، كما أنه قد يناقش في إرادة المالك بما عن معتبر المصنف من أن الوجه حينئذ الجواز لمن أذن له المالك و لو الغاصب لا المنع، اللهم إلا أن يكون وجهه ما ذكره الشهيد من أن المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف لم يفد إذنه الإباحة، كما لو باعه فإنه باطل لا يبيح المشتري التصرف فيه، و فيه أن الفرق واضح بين البيع و غيره باعتبار اشتراط القدرة على التسليم في صحة البيع و عدمه، نعم قد يقال بعدم تأثير إذن المالك في خصوص الصلاة مثلا
ج8،
للغاصب الذي لم يرفع يده عن الغصب، ضرورة صدق اسم الغاصب عليه في حال الصلاة التي أذن المالك فيها، مع أن التحقيق خلافه، إذ صدق اسم الغاصب عليه و كونه آثما باستمرار المنع على المالك لا يقتضي حرمة في نفس حركات الصلاة و سكناتها التي فرض الاذن فيها كي تبطل الصلاة بذلك، هذا. و في الذكرى أنه يجوز أن يقرأ «إذن» بصيغة المجهول و يراد به الاذن المطلق المستند إلى الشاهد الحال، فان طريان الغصب يمنع من استصحابه كما صرح به ابن إدريس، و يكون فيه التنبيه على مخالفة المرتضى (رحمه الله) و تعليل الشيخ مشعر بهذا، قلت: لا يخفى بعده، كما أنه لا يخفى قلة الجدوى في البحث عن مراده بعد معرفة الحكم على سائر التقادير.
و على كل حال ف ان كان ناسيا أو جاهلا بالغصب صحت صلاته بلا خلاف أجده في الثاني، بل في المدارك و المحكي عن المنتهى الإجماع عليه، لعدم النهي المقتضي للبطلان، ضرورة تعلقه في معلوم الغصب لا مجهوله، نعم لو انعكس الأمر بأن صلى فيه على أنه غصب فبان أنه له لم يبعد البطلان هنا، لعدم تصوير نية القربة فيه، فتأمل جيدا، أما الناسي ففي القواعد إشكال، و لعله لما مر في اللباس، إلا أنه لم يقوى البطلان هنا كما قواه ثم، و كأنه لأنه نزل الناسي فيه منزلة العاري ناسيا، و هذا لا ينزل منزلة الناسي للكون، لكن فيه أنه يمكن أن تنزل منزلة الناسي للقيام و الركوع و السجود لأن هذه الأفعال إنما فعلت فيما لا يريد الشارع فعلها فيه، على أن علة التنزيل بأن هذه الأفعال إنما فعلت فيما لا يريد الشارع فعلها فيه مشتركة و إن كان فيها مثل ما مر من أن الشارع إنما أنكر فعلها في معلوم الغصبية كما تقدم الكلام فيه مفصلا، و لذا كان الأقوى الصحة هناك فضلا عن المقام من غير فرق بين الغاصب و غيره، فلاحظ و تأمل.
و أما إن كان جاهلا ب الحكم الشرعي و لو الوضعي ك تحريم المغصوب و فساد الصلاة فيه و غصبية المأخوذ بالبيع الفاسد لم يعذر كغيره من الجاهل بالحكم
ج8،
الشرعي، فلم يفد حينئذ هذا الجهل الصلاة صحة، لتحقق النهي فيه، نعم لو فرض جهله بحال لا عقاب و لا إثم عليه فيه و كان متمكنا من نية القربة معه اتجه الصحة، لعدم النهي كما أوضحناه هناك بما لا مزيد عليه، فما في كشف اللثام من الحكم بالبطلان مطلقا معللا ذلك بأنها صلاة لم يردها الشارع و إن لم يأثم إذا كان غافلا كما ترى، و إن كان قد يشهد له إطلاق الفتاوى بطلان عبادة الجاهل، و إلا أنه يجب تنزيله على غير الفرض، لأن مدار البطلان و عدمه في المقام على تحقق النهي و عدمه كما سمعته غير مرة، و الله أعلم.
و إذا ضاقت الوقت و كان هو أي الغاصب آخذا في الخروج متشاغلا به صلى على هذا الحال و صحت صلاته و إن كان قد أثم بابتداء الكون و استدامته إلى الخروج، أما هو فلا ريب في طاعته و عدم النهي له عنه، و إلا كان تكليفا بما لا يطاق، و ربما ظهر من المحكي عن المنتهى الإجماع عليه كما ستسمع، فالجمع حينئذ بين هذين الواجبين الفوريين ليس إلا بذلك، لكن عن أبي هاشم أن الخروج أيضا تصرف في المغصوب فيكون معصية، فلا تصح الصلاة حينئذ و هو خارج، سواء تضيق الوقت أم لا، و عن المنتهى «ان هذا القول عندنا باطل» بل في التحرير «أطبق العقلاء كافة على تخطئة أبي هاشم في هذا القول عندنا باطل» بل في التحرير «أطبق العقلاء كافة على تخطئة أبي هاشم في هذا المقام» قلت: لا ريب في صحة كلامه إذا كان الخروج لا عن ندم على الغصب و لا إعراض، ضرورة كونه على هذا الفرض كالدخول تصرفا فيه، أما إذا كان مع التوبة و الندم و إرادة التخلص من الغصب فقد يقال أيضا: إن محل التوبة بعد التخلص، و التخلص بلا إثم هنا غير ممكن بعد قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا قبح حينئذ في تكليفه بالخروج مع تحريمه عليه كما حقق في الأصول، فيتجه حينئذ قول أبي هاشم بحرمة الصلاة.
نعم قد يقال: إن الكون حال تشاغله بالخروج ليس صلاتيا كي يقتضي حرمته فسادها، بل الصلاة ليس إلا النية و الأقوال بناء على أنها ليست من التصرف،
ج8،
و حينئذ فلا بأس بتكليفه بالصلاة في هذا الحال، لعدم سقوط الصلاة بحال، و الميسور بالمعسور.
لكن قد يشكل الاجتزاء بمثل هذه الصلاة بأنه مع فرض تكليفه بصلاة المختار لقاعدة الاختيار لا يصلح حينئذ الخطاب بالبدل معه، و إلا كان جمعا بين العوض و المعوض عنه، و لعله من هنا نسب يحيى بن سعيد على ما قيل صحة نحو هذه الصلاة كما ستسمع إلى القيل مشعرا بنوع توقف فيها، اللهم إلا أن يقال: إنه لا خطاب بالمبدل بحيث يراد منه الأداء حقيقة، بل أقصاه إجراء حكم ذي الخطاب عليه من العقاب و نحوه، و مثله لا ينافي الخطاب بالبدل حقيقة، و لا يناقش بعدم ثبوت بدلية هذا الفرد، ضرورة أنه يكفي فيه قاعدة الميسور و ما لا يدرك مع عدم سقوط الصلاة بحال.
و كذا قد يشكل بأن مقتضى ذلك أنه لو صلى هذه الصلاة من غير اشتغال بالخروج تصح صلاته و إن أثم بترك التشاغل، و حينئذ فقول المصنف و لو صلى و لم يتشاغل بالخروج لم تصح صلاته في غير محله، إلا أن يريد الصلاة المشتملة على الركوع و السجود مثلا، و إلا فقد عرفت أن مقتضى ما ذكرنا صحة تلك الهيئة من الصلاة و إن لم يتشاغل، بل مقتضاه صحة الصلاة جالسا مثلا لو فرض مساواته القيام في المبادرة للخروج من المغصوب، ضرورة عدم مدخلية القيام و غيره من الأكوان في الصلاة على الفرض المزبور، و يندفع بأنه لا مانع من التزام ذلك كله إن لم ينعقد إجماع على خلافه.
و لو حصل في ملك غيره باذنه ثم أمره بالخروج قبل التلبس بما يحرم بعده قطع الصلاة وجب عليه ذلك فورا مع التمكن ما لم يعلم الاذن في التراخي فيه فان صلى و الحال هذه و الوقت متسع كانت صلاته باطلة قطعا، سواء صلاها مشتغلا بالخروج أو مستقرا كما هو واضح و مثله وضوحا ما ذكره المصنف و غيره من أنه يصلي و هو خارج إن كان الوقت ضيقا ترجيحا لحق الآدمي على حق الله تعالى
ج8،
مع عدم سقوط الصلاة بحال و الميسور بالمعسور و نحو ذلك، فيومي للركوع و السجود حينئذ، و يراعي باقي الشرائط من الاستقبال و نحوه بمقدار المكنة من الإتيان مع مراعاة الخروج على حسب المعتاد، فما عن المنتهى من أنه لا اعتبار بالقبلة منزل على ذلك، كما أن ما عن نهاية الأحكام من أنه إن تمكن من القهقرى وجب كذلك أيضا، لكن عن ابن سعيد أنه نسب صحة هذه الصلاة إلى القيل مشعرا بنوع توقف فيها، و مثله العلامة الطباطبائي في منظومته، و لعله لعدم ما يدل على صحتها، بل قد يدعى وجود الدليل على العدم باعتبار معلومية اعتبار الاستقرار و الركوع و السجود و نحو ذلك و لم يعلم سقوطها هنا، و الأمر بالخروج بعد الاذن في الكون و ضيق الوقت و تحقق الخطاب بالصلاة غير مجد، فهو كما لو أذن له في الصلاة و قد شرع فيها و كان الوقت ضيقا مما ستعرف عدم الإشكال في إتمام صلاته، فالمتجه حينئذ عدم الالتفات إلى أمره بعد فرض كونه عند ضيق الوقت الذي هو محل الأمر بصلاة المختار المرجح على أمر المالك بسبق التعلق، فلا جهة للجمع بينهما بما سمعت، بل يصلي صلاة المختار مقتصرا فيها على الواجب مبادرا في أدائها على حسب التمكن، لكن لم أجد قائلا بذلك، بل و لا أحدا احتمله ممن تعرض للمسألة كالشيخ و الفاضلين و الشهيدين و غيرهم، و لعله لأن الاذن في الكون ليس إذنا في الصلاة كي يكون الأمر بالخروج رجوعا عما أذن، فلا يسمع بعد فرض تعلق الأمر بالصلاة عند ضيق الوقت، و مشروعية الصلاة كما هو المفروض لعلها من جهة الاذن في الكون مع عدم المنع عن أفراد خاصة منه، و بالجملة الأمر بالخروج ليس رجوعا عن الاذن في الصلاة قطعا حتى يتجه ما سمعت، فتأمل جيدا.
و إن كان أمره بالخروج بعد التلبس بالصلاة مع اتساع الوقت ففي الإتمام و القطع و الخروج مصليا وجوه أو أقوال، أضعفها الأخير، بل لم أعرفه لغير الفاضل
ج8،
في الإرشاد، كما أني لم أعرف له وجها سوى تخيل أنه جمع بين امتثال النهي عن الابطال و التصرف في مال الغير، و هو كما ترى فيه تغيير هيئة الصلاة من غير ضرورة، للاتساع، فهو في الحقيقة إسقاط لحق الله لا جمع بينه و بين حق الآدمي، و حرمة القطع إن فرض تحققها هنا فليس حينئذ إلا الوجه الأول الذي قواه الشهيد في الذكرى و البيان، و الأستاذ الأكبر، و هو الإتمام مستقرا بالاستصحاب، و ان الصلاة على ما افتتحت، و المانع الشرعي كالعقلي، مع أن المالك إن علم بتلبسه بها فهو آمر بالمنكر، فلا ينفذ أمره، لأن الفرض دخوله بوجه شرعي، و لأن المالك بإذنه في الكون و اللبث مثلا قادم على احتمال اشتغاله بما لا يمكنه قطعه لاحتمال القتل أو الضرر العظيم أو نحو ذلك. و إن لم تكن متحققة بل قلنا بانقطاع الصلاة كالحدث و نحوه مما لم يتمكن معه من الإتمام فليس حينئذ إلا الوجه الثاني الذي اختاره جماعة، ترجيحا لحق الآدمي الذي لا يجامع أداؤه صلاة الاختيار التي لم يثبت التكليف بغيرها في هذا الحال، بل التكليف بها، و هو مقتضى الأدلة، فلا محيص حينئذ عن إبطال المشغول بها و تخليص مال الغير، ثم استيناف صلاة جديدة، لفرض الاتساع، و الاذن في اللبث ليس إذنا في الصلاة، و لا بد من خلو العبادة من المفاسد، و التصرف في ملك الغير بغير إذنه مفسدة، اللهم إلا أن يقال بترجيح نهي الابطال باعتبار سبق تعلقه، لفرض الدخول الشرعي من المصلي، فهو في الحقيقة كالعارية اللازمة بالعارض، بل ما نحن فيه من ذلك، ضرورة رجوع الاذن في الكون أو اللبث مثلا إلى الاذن في الصلاة و لو باعتبار كونها من أفراد المطلق المأذون فيه، و الفرض أن النهي عن اللبث رجوع عن الاذن الأولي لا كشف لإرادة غير هذا الفرد من المطلق، و مثله الاذن في التصرف بمال مثلا فرهنه أو دفن فيه ميتا أو غير ذلك مما هو لازم شرعا.
و ربما ينقدح من ذلك التفصيل بين الكشف و البداء، فيقطع في الأول لعدم
ج8،
الاذن فيه، و تخيلها يسوغ الاقدام لا أنه يذهب حرمة مال الغير، بخلاف الثاني الذي لا فرق عند التأمل بينه و بين الاذن بخصوص الصلاة، إذ الفرض تعلق الاذن بالمطلق الشامل، و النهي رجوع لا كشف، و أولى منه بذلك العموم في المأذون فيه، فرجوعه حينئذ بعد التلبس في الصلاة التي نهاه الشارع عن قطعها في غير محله، و لا يؤثر أثرا فضلا عن أن يعارض نهي المالك الأصلي، و دعوى تقييد النهي عن الابطال بما إذا لم يرجع المالك تحكم محض، بل لعل اللزوم في المقام من تسلط الناس على أموالها، ضرورة اقتضائه ترتب أحكام كل ما أذنوا فيه من بيع أو رهن أو إجارة أو دفن ميت أو غير ذلك مما رتب الشارع عليه حكما، فلا تعارض حينئذ بين نهي الابطال و قاعدة التسلط، و لو سلم فتقييد قاعدة تسلط الناس على أموالها بغير المقام و نحوه أولى من وجوه، خصوصا بعد أن أوضحنا رجوعه للإذن في الصلاة التي لا ريب في وجوب الإتمام عليه معها كما صرح به جماعة، بل لم أجد أحدا أفتى بغيره ضاق الوقت أم اتسع، لما عرفت من أن الاذن في اللازم شرعا يقضي إلى الملزوم كالإذن في الرهن و في دفن الميت.
نعم احتمل الوجهان الآخران في الذكرى من الأصل و إمكان الجمع بين الحقين، بل في المحكي عن مجمع البرهان لا يبعد أن لا يلزم المالك شيء على تقدير الاذن الصريح، لأن له أن يرجع، للاستصحاب، و
«الناس مسلطون على أموالهم»(1)
و للزوم في بعض الأفراد لدليل مثل اللزوم بإذنه في الرهن و الدفن، فلا يجوز له الإخراج، بخلاف الاذن في الصلاة، فإنه لا يضره المنع، و لا يلزم محذور أصلا، إذ لا يفعله هو حراما، و لا يأمر بالحرام، لأن القطع من عدم إذنه واجب لا حرام، و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه.
نعم المراد تعين الإتمام عليه مع هذا الفرض، أما لو فرض حصول الضرر العظيم
1) 1 البحار- ج 2 ص 272 المطبوعة بطهران عام 1376.
ج8،
على المالك مثلا بالإتمام فذاك أمر آخر خارج عما نحن فيه، و لعلنا نقول بالإبطال معه في الاتساع، و التشاغل به خارجا في الضيق، ترجيحا لقاعدة التسلط بسبب اعتضادها بقاعدة نفي الضرر و تقديم حق الآدمي و نحو ذلك، و اليه أومأ المحقق الثاني في المحكي عن حاشية الإرشاد حيث قيد الإتمام هنا بما إذا لم يحصل ضرر على المالك، قال:
«و إلا قطع قطعا».
و على كل حال فمما ذكرنا ظهر لك الحال في أكثر صور المسألة و إن لم نصرح بها جميعا، بل منه يظهر لك التأمل في جملة من عبارات الأصحاب حتى ما في المسالك على جودته، قال في صور المسألة: «إن من دخل أرض غيره فلا يخلو إما أن يكون بصريح الاذن في الصلاة أو في الكون، أو بالفحوى، أو بشاهد الحال، أو بغير إذن كمن دخل المغصوب جاهلا بالغصب ثم علم، و على التقادير الخمسة فلا يخلو إما أن يكون الرجوع في الاذن أو النهي أو العلم بالغصب قبل الشروع في الصلاة، أو بعده مع سعة الوقت أو ضيقه، و مضروب الأربعة في الخمسة عشرون، و الأجود في حكمها أنه مع الاذن في الصلاة ثم الرجوع بعد التلبس لا التفات اليه بل يستمر على الصلاة حتى يفرغ، سواء كان الوقت واسعا أو ضيقا، و إن كان بغير الصريح في الصلاة أو كان الرجوع قبل التلبس وجب الخروج على الفور مطلقا، ثم إن كان الوقت واسعا أخر الصلاة إلى أن يخرج أو قطعها، و إن كان ضيقا، تشاغل بالخروج و الصلاة جامعا بين الحقين مؤميا للركوع و السجود بحيث لا يتثاقل في الخروج عن المعهود مستقبلا ما أمكن قاصدا أقرب الطرق تخلصا من حق الآدمي المضيق بحسب الإمكان» انتهى. غير خفي عليك محال التأمل فيه بعد الإحاطة فيما ذكرنا.
ثم لا يخفى عليك أنه لا إشكال عندهم في الصحة مع فرض عدم الرجوع من غير فرق بين الاذن بالصلاة أو الكون صريحا أو فحوى، و منه يعلم حينئذ أنه لو كان
ج8،
مكرها على الكون في المكان لحبس باطل من المالك أو غيره لا على هيئة مخصوصة أو خوف على النفس أو غير ذلك من وجوه الإكراه تصح منه صلاة المختار، ضرورة عدم الفرق بينه و بين المأذون في الكون بعد اشتراكهما في إباحته و حليته، نعم لو استلزمت الصلاة تصرفا زائدا على أصل الكون لم يجز، لعدم الاذن فيه، لا ما إذا لم تستلزم، فإنها حينئذ أحدا أفراد الكون الذي فرض الاذن فيه، على أن القيام و الجلوس و السكون و الحركة و غيرها من الأحوال متساوية في شغل الحيز، و جميعها أكوان، و لا ترجيح لبعضها على بعض فهي في حد سواء في الجواز، و ليس مكان الجسم حال القيام أكثر منه حال الجلوس، نعم يختلفان في الطول و العرض، إذ الجسم لا يحويه الأقل منه و لا يحتاج إلى أكثر مما يظرفه كما هو واضح بأدنى تأمل.
و من الغريب ما صدر من بعض متفقهة العصر، بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من أنه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفية التي كان عليها أول الدخول إلى المكان المحبوس فيه، إن قائما فقائم، و إن جالسا فجالس، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضا، لما فيه من الحركة التي هي تصرف في مال الغير بغير إذنه، و لم يتفطن أن البقاء على الكون الأول تصرف أيضا لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف، كما أنه لم يتفطن أنه عامل هذا المظلوم المحبوس قهرا بأشد ما عامله الظالم بل حبسه حبسا ما حبسه أحد لأحد، اللهم إلا أن يكون في يوم القيامة مثله، خصوصا و قد صرح بعض هؤلاء أنه ليس له حركة أجفان عيونه زائدا على ما يحتاج اليه، و لا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك، بل ينبغي أن تخص الحاجة في التي تتوقف عليها حياته و نحوها مما ترجح على حرمة التصرف في مال الغير، و كل ذلك ناش عن عدم التأمل في أول الأمر و الأنفة عن الرجوع بعد ذلك، أعاذ الله الفقه من أمثال هذه الخرافات، و أغرب شيء دعواهم أن الفقهاء على ذلك، و لم يتأمل أنهم لو أرادوا ذلك
ج8،
وجب المبالغة في تحريره و إظهاره و بيان مقدار الجائز من حركاته و سكناته و غير الجائز، بل كان من الأمور العجيبة في الفقه المحتاجة إلى كمال الإطناب في موضوع الحكم و دليله، و لا كان ينبغي ذكرهم المحبوس مع جاهل الغصب و نحوه المشعر باتحاد كيفية الصلاة فيهما، قال العلامة الطباطبائي في منظومته:
و استثن مغصوبا من المكانلعالم بالغصب ذي إمكان
فما على الجاهل و المضطرشيء سوى ضمانه للأجر
و في الروضة بعد أن ذكر المنع في المغصوب قال: «كل ذلك مع الاختيار، أما مع الاضطرار كالمحبوس فيه فلا منع» و في الإرشاد «و لو كان محبوسا أو جاهلا لا ناسيا جاز» و في حاشيته للكركي «المراد بالجاهل جاهل الغصب- إلى أن قال-: و إنما تصح صلاة المحبوس إذا كان الحبس بباطل أو بحق هو عاجز عن أدائه، و إلا لم يكن عذرا» و في حاشية ولده «و هل يرعى المحبوس ضيق الوقت رجاء لزوال العذر؟ يحتمل ذلك، و من فقهائنا من أطلق الجواز لقبح التحريم» و في البيان «و لو جهل الغصب أو كان محبوسا فيه أو ضاق الوقت فيصلي و هو آخذ في الخروج، أو أذن المالك و لو كان المأذون له الغاصب أو أذن مطلقا و صلى غير الغاصب، أو نسي على أقوى الوجهين، أو أذن في الصلاة ثم رجع بعد التلبس و إن اتسع الوقت، أو قبل التلبس مع ضيق الوقت إذا صلى ماشيا مؤميا للركوع و السجود و يستقبل ما أمكن و لا يفعل حراما بخروجه، أو أذن في الكون في المغصوب فصلى، أو كان السقف أو الجدار مغصوبا صحت الصلاة» و هو- مع التأمل فيه، و ذكره المخالفة في الكيفية حيث تكون في بعض و تركه في آخر- كالصريح فيما قلنا، و في الذكرى «و لو صلى في المغصوب اضطرارا صحت صلاته كالمحبوس، و من يخاف على نفسه التلف بخروجه منه صحت صلاته لعموم(1)
1) 1 الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس- من كتاب الجهاد.
ج8،
«و ما استكرهوا عليه»
و في المفاتيح «تبطل في المغصوب عالما اختيارا، أما مع الجهل و الاضطرار فلا» و في القواعد «و لو صلى في المغصوب عالما في الغصب اختيارا بطلت صلاته و إن جهل الحكم» و في جامع المقاصد «صرح بقيد الاختيار ليخرج حال الاضطرار، كالمحبوس في مكان مغصوب، و المتوسط أرضا مغصوبة عالما و جاهلا إذا أراد الخروج منها تخلصا من الغصب، و من يخاف على نفسه التلف بخروجه، و الضابط زوال المنع من التصرف للضرورة، فإن الصلاة في هذه المواضع كلها صحيحة لقبح التحريم حينئذ، إذ هو تكليف بما لا يطاق، إلا أن المحبوس و نحوه يصلي بحسب تمكنه، و الخارج من المغصوب مع ضيق الوقت يراعي الجمع بين الحقين، فيخرج مصليا» و هي كالصريحة فيما قلناه، خصوصا بعد فرقه بين المحبوس و غيره بعدم مراعاة الأول الجمع بين الحقين الذي هو مبنى كلام المعاصر بخلاف الثاني، إلى غير ذلك من العبارات، و لو لا وقوع الشبهة ممن لا ينبغي وقوعها منه ما أطنبنا في مثل هذه المسألة الواضحة، بل اللازم على كلام المعاصر عدم صحة الوضوء، و الغسل مثلا من المحبوس، لاستلزامهما الحركات التي هي غير جائزة، فتسقط الصلاة حينئذ و لم يسقطها الشارع بحال، بل لا ينبغي له الاستنجاء من نجاساته و لا نحو ذلك مما هو لا يعارض حرمة التصرف في مال الغير، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و الله أعلم.
و لا يجوز أن يصلي الرجل و إلى جانبه امرأة محاذية له و لم يحصل ما تسمعه من الحائل و نحوه تصلي عند الشيخين و الحلبيين و ابني حمزة و البراج و الفاضل في تلخيصه، و الحلي مع التقييد بالعمد على ما حكي عن البعض أو أمامه كما نص عليه الشيخ و ابن حمزة و ابن زهرة و الحلبي في الإشارة، بل لعله مراد الجميع و إن لم يتعرضوا له، لمعلومية أولويته، نعم ربما قيل بالعكس كما عن كشف الرموز، و عن المقنع «أنها لا تبطل إلا أن تكون بين يديك، و لا بأس لو كانت خلفك و عن يمينك و عن شمالك»
ج8،
و إن كان في كشف اللثام بعد حكاية ذلك عنه قال: «و الذي فيما عندنا من نسخه لا تصل و بين يديك امرأة تصلي إلا أن يكون بينكما بعد عشرة أذرع، و لا بأس بأن تصلي المرأة خلفك» قلت: و عليه يمكن دعوى الإجماع على عدم الفصل فضلا عن معلومية أولوية ما بين اليدين منهما، كمعلومية إرادة البطلان من المنع هنا، و إن كان الذي نص عليه جماعة منهم الشيخان و ابن حمزة الثاني، إلا أنه مراد الجميع على الظاهر، كما أن مرادهم اشتراط ذلك بالنسبة للرجل و المرأة لا الأول خاصة و إن أوهمه جملة من العبارات حتى عبارة المتن و القواعد، بل لم يحك في كشف اللثام إلا عن الشيخين و ابن حمزة النص على بطلان صلاتهما، لكن التدبر في الأدلة و في باقي العبارات يقضي بإرادة الجميع ذلك، و به صرح في جامع المقاصد و غيره، و لعله لذا قال الشهيد في المحكي عن غاية المراد: إنه إذا بطلت صلاته بطلت صلاتها، و لا قائل بالفرق و إن كان ستعرف ما فيه عند البحث في اختصاص البطلان بحال الاقتران و إلا فيختص اللاحق و عدمه سواء صلت بصلاته أو كانت منفردة خلافا لأبي حنيفة في الثانية و سواء كانت محرما أو أجنبية لإطلاق أكثر النصوص(1)و الفتاوى و الإجماع في المحكي عن التحرير و ظاهر التذكرة و خصوص بعض النصوص الآتية(2).
و كيف كان فقد نسب عدم الجواز إلى أكثر القدماء بل العلماء بل المشهور، بل في الخلاف و الغنية الإجماع عليه، و هو الحجة بعد اعتضاده بما عرفت، مضافا إلى صحيح ابن مسلم(3)عن أحدهما (عليهما السلام)، و
خبر أبي بصير(4)عن الصادق (عليه السلام)، و اللفظ للأول «عن المرأة تزامل الرجل في المحل يصليان جميعا فقال: لا، و لكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة»
و
خبر إدريس بن عبد الله
ج8،
القمي(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و بحياله امرأة قائمة على فراشها أجنبية فقال: إن كانت قاعدة فلا يضرك. و إن كانت تصلي فلا»
و
موثق عمار(2)عن الصادق (عليه السلام) انه سأل «عن الرجل يستقيم له أن يصلي و بين يديه امرأة تصلي قال: لا يصلي حتى يجعل بينه و بينها أكثر من عشرة أذرع، و إن كانت عن يمينه و عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك، فان كانت تصلي خلفه فلا بأس و إن كانت تصيب ثوبه، و إن كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت»
و
صحيح علي بن جعفر(3)سأل أخاه موسى (عليهما السلام) «عن إمام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلي و هي تحسب أنها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلت الظهر؟ قال:
لا يفسد ذلك على القوم، و تعيد المرأة»
و صحيحي الحلبي(4)و ابن مسلم(5)و اللفظ للأول
سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة و امرأته أو ابنته تصلي بحذاه في الزاوية الأخرى قال: لا ينبغي ذلك إلا أن يكون بينهما ستر، فان كان بينهما ستر أجزأه»
و
النبوي(6)«أخروهن حيث أخروهن الله»
و
صحيح ابن أبي يعفور(7)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلي و المرأة إلى جنبي
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1 مع الاختلاف في نقله بين الكافي و التهذيب و الوافي و الوسائل.
2) 2 الوسائل- الباب- 7- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 9- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
6) 6 المستدرك- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
7) 7 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
ج8،
و هي تصلي فقال: لا إلا أن تتقدم هي أو أنت، و لا بأس أن تصلي و هي بحذاك جالسة أو قائمة»
المراد منه بحسب الظاهر المتقدم من أحدهما في فعل الصلاة ثم يفعل الآخر بعد فراغ الأول من صلاته، بل بذلك كله يظهر إرادة المنع من البأس في مفهوم خبر عبد الرحمن(1)و موثق عمار السابق(2)و خبر البصري(3)و صحيح ابن مسلم(4)في الحاجز و غيرها، فتتكثر الأدلة حينئذ على المطلوب، بل تزداد كثرة أيضا بتفسير جملة من نصوص(5)الشبر و الذراع و نحوهما بإرادة تقدير تقدم الرجل عليها بذلك كما ستعرف.
و قيل و القائل السيد فيما حكي عنه و أكثر المتأخرين و متأخريهم بل عامتهم عدا النادر كالفاضل في المحكي عن تلخيصه، و المحدث البحراني في حدائقه ذلك مكروه و هو الأشبه بأصول المذهب و إطلاق الأدلة، مضافا إلى
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل(6): «لا بأس أن تصلي المرأة بحذاء الرجل و هو يصلي، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي و عائشة مضطجعة بين يديه و هي حائض، و كان إذا أراد أن يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتى يسجد»
و في
خبر ابن فضال عمن أخبره عن جميل(7)عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يصلي و المرأة تصلي بحذاه فقال:
لا بأس»
و إرساله- بعد انجباره بالعمل ممن عرفت، خصوصا و فيهم من لا يعمل إلا
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 7- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
3) 3 لم نعثر على خبر البصري غير خبر عبد الرحمن بن أبى عبد الله البصري الذي ذكره آنفا.
4) 4 الوسائل- الباب- 8- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1 و 3 و 4 و 7.
6) 6 الوسائل- الباب- 4- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
7) 7 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
ج8،
بالقطعيات كالسيد و ابن إدريس- غير قادح، على أن المظنون اتحاد هذا الخبر مع الصحيح السابق و ان اختلف في التأدية للنقل بالمعنى فيه، فلا بأس حينئذ بالإرسال فيه بعد روايته بطريق صحيح في الفقيه، و لا يقدح في دلالته التعليل المحتمل إرادة الاستدلال به بطريق الأولوية: أي إذا جازت الصلاة مع اضطجاعها بين يديه و هي حائض فبالأولى الجواز حال صلاتها محاذية له، أو بطريق عدم التفصيل بين المسلمين، أو بغير ذلك، فاحتمال تصحيف «تصلي» فيه بتضطجع لا داعي اليه و لا شاهد عليه، و فتح مثله في النصوص يرفع الوثوق في كثير منها.
و
صحيح الفضيل(1)المروي عن العلل عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنما سميت مكة بكة لأنه يبك بها الرجال و النساء، و المرأة تصلي بين يديك و عن يمينك و عن يسارك و معك، و لا بأس بذلك و إنما يكره في سائر البلدان»
و هو نص في المطلوب بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ الكراهة أو المتشرعية في زمن الباقر (عليه السلام) و إلا فلا ريب في ظهوره في ذلك، خصوصا بعد غلبة التعبير عند إرادة الحرمة بغيره، على أنه يمكن الاستدلال بالنص فيه على رفع المنع عن ذلك في مكة متمما بعد القول بالفصل، بل هو مؤيد حينئذ لإرادة المصطلح من لفظ الكراهة، و إلى
خبر عيسى بن عبد الله القمي سأل الصادق (عليه السلام) «عن امرأة صلت مع الرجال و خلفها صفوف و قدامها صفوف قال: مضت صلاتها و لم تفسد على أحد و لا تعيد».
و إلى شدة اختلاف النصوص في تقدير البعد و التقدم و المقتضيين لرفع المنع، ففي موثق عمار(2)و غيره ما عرفت، و في
خبر أبي بصير(3)«سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يصليان جميعا في بيت، المرأة عن يمين الرجل بحذاه قال:
ج8،
لا حتى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه»
و نحوه
خبره الآخر(1)لكن مع حذف «أو نحوه» و زيادة «ثم قال: كان طول رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذراعا و كان يضع بين يديه إذا صلى شيئا يستره ممن يمر بين يديه»
و
صحيح معاوية بن وهب(2)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل و المرأة يصليان في بيت واحد قال: إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذاه وحدها و هو وحده لا بأس»
و في
صحيح زرارة(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) «إذا كان بينها و بينه ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعدا فلا بأس إن صلت بحذائه وحدها»
و في
حسن حريز أو صحيحه(4)عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة تصلي إلى جنب الرجل قريبا منه فقال: إذا كان بينهما موضع رحل فلا بأس»
و في
خبر هشام بن سالم(5)عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «الرجل إذا أم المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه»
و في
صحيح زرارة(6)عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن المرأة تصلي عند الرجل فقال: لا تصلي المرأة بحيال الرجل إلا أن يكون قدامها و لو بصدره»
و في
المرسل عن جميل(7)عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يصلي و المرأة بحذاء أو إلى جنبه فقال:
إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس»
و نحوه مرسل ابن بكير(8)و في
المروي عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز عن زرارة(9)عن أبي جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: «قلت له: المرأة تصلي حيال زوجها قال: تصلي بإزاء الرجل إذا كان بينها و بينه قدر ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعدا».
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي الحديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي الحديث 7.
3) 3 الفقيه ج 1 ص 159- الرقم 748 من طبعة النجف مع اختلاف يسير.
4) 4 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي الحديث 11.
5) 5 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي الحديث 9.
6) 6 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
8) 8 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
9) 9 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي الحديث 13.
ج8،
إلى غير ذلك من النصوص التي قد يقرر دلالتها على المطلوب بأن هذا الاختلاف فيها لا يصلح له إلا الكراهة المختلفة باختلاف هذه المراتب شدة و ضعفا كما لا يخفى على الخبير الممارس لما وقع منهم (عليهم السلام) في بيان المندوبات و المكروهات من منزوحات البئر و غيرها، أو بأن هذه النصوص قد اشتركت في الدلالة على عدم اعتبار الحائل و العشر، فإذا انتفى ذلك ثبت الجواز مطلقا، إذ لا قائل بالفصل سوى ما يحكى عن الجعفي من المنع فيما دون عظم الذراع و الجواز معه، و هو شاذ لم ينقله إلا قليل، بل ظاهر جمع الإجماع على خلافه حيث ادعوا عدم القول بالفرق بين القولين المشهورين مؤذنين بدعوى الإجماع على فساد القول الثالث، فلا بد حينئذ من حمل النهي في بعضها و البأس في مفهوم الآخر على الكراهة، و معارضة ذلك بأنها قد اشتركت في الدلالة على المنع في الجملة، فيثبت خصوص العشر و الحائل مثلا لعدم القول بالفصل إلى آخر ما عرفت يدفعها أن ذلك مقتض لطرحها، ضرورة عدم الوجه لما فيها من التصريح بالجواز مع حصول الشبر و نحوه بما ذكره فيها، بخلافه على التقدير الأول الذي قد عرفت حمل النهي و البأس على الكراهة باختلاف مراتبها بناء عليه، و لا ريب أن ذلك أولى من الطرح.
بل منه ينقدح مرجح آخر لأدلة الجواز زائد على الأصل و الإطلاقات و الشهرة المتأخرة و غير ذلك مما عرفته، و هو أنه بناء على العمل بها يتجه حمل نصوص المنع على الكراهة التي هي مجاز شائع حتى ادعي مساواته للحقيقة، بخلاف العكس المقتضي لطرح أدلة الجواز التي هي أكثر عددا و أوضح سندا بل و دلالة، إذ الأولان و إن اشتملا على لفظ النهي في جواب السؤال الذي يمكن دعوى ظهوره في إرادة مطلق الجواز، إلا أن الاستدراك بعده بذكر تقديم الرجل الذي هو مستحب على الأصح كما ستعرف قد يشعر بعدم إرادة الحرمة منه، و إلا كان المناسب استدراك الجائز: أي تقدم.
ج8،
أحدهما الذي هو ضد الممنوع لا المستحب الذي هو ضد المكروه.
و الثالث أقصاه بملاحظة أن نفي النفي إثبات ثبوت الضرر في المفهوم، و هو أعم من الكراهة و الفساد، ضرورة تحققه بنقصان ما أعده الله من الثواب لطبيعة الصلاة كتحققه بانعدامه أصلا على تقدير الفساد، بل ربما ادعى عدم ترتب الثواب بالمرة على المكروه في العبادة و إن حصل به الاجزاء، و لا ريب في حصول الضرر حينئذ، كما أنه كذلك أيضا بناء على تفسير الكراهة في العبادة باقتران العبادة بجهة تقتضي المرجوحية بالإضافة لا من جهة نقصان الثواب كما حرر في محله.
و الرابع مع الأعضاء عما فيه من التقدير بالأكثر من عشرة مما لا يقول به مرجعه بعد التدبر إلى النفي الاستقامة الذي إن لم يكن مشعرا بالكراهة فلا ريب في تحققه بها ضرورة عدم استقامة المكروه و اعتداله و استوائه بنقصانه عما وضع عليه الفعل المجرد عن أمثال هذه العوارض، و أما إثبات البأس في مفهوم ذيله فهو كغيره من النصوص التي هي كذلك قدر مشترك عرفا بين المحرم و المكروه.
و الخامس يمكن إرادة تلقاء الوجه من الحيال فيه كما فسره به في مختصر النهاية الأثيرية، فيكون فساد صلاتها حينئذ لفقد شرط الجماعة، إذ الظاهر من الخبر أن صلاتها معهم كانت جماعة، فلا دلالة فيه على المطلوب، و استبعاد سؤال علي بن جعفر (ع) عن صحة صلاتها في هذا الحال المعلومية مانعية تقدم المأموم من الصحة يدفعه احتمال الاغتفار في خصوص النساء كالاقتداء لهن خلف الحائل و نحوه.
و السادس مع إشعار لفظ «لا ينبغي» فيهما بالكراهة إن لم يكن ظاهرا فيها بناء الاستدلال بهما على كون الستر فيهما بالسين المهملة و التاء المثناة لا الشين المعجمة و الباء الموحدة كما عن المشايخ ضبطه بذلك، ضرورة كونهما حينئذ من نصوص الشبر التي عرفت شهادتها للمطلوب، و ربما يؤيد الثاني زيادة على ضبط المشايخ لفظ الاجزاء
ج8،
فيهما الذي لا ينكر ظهوره في أقل المجزي، و هو إنما يتجه عليه لكونه أقل ما ترتفع به الكراهة، أما على الأول فهو تمام المجزئ، إذ ليس بعد الستر منع إجماعا، و لا يعارضه ظهور لفظ الروايتين فيهما بكون ما بينهما أزيد من شبر، فلا وجه للاستثناء حينئذ، إذ قد يقال بأنه يكفي في حسنه كون بعض البيوت في غاية الضيق، و أن المراد إظهار أقل ما يرفع به المنع، أو يكون قوله: «ذلك» فيهما إشارة إلى نفس المحاذاة حتى يكون ضابطة كلية.
و السابع إنما يدل على وجوب تأخير هن حيث أخر هن الله، و البحث في أن المقام منه.
و الثامن- مع احتياجه إلى التقييد بالعشر و الحائل، و تسليم أن المراد منه ما عرفت لا التقدم في الصلاة كما فهمه في المدارك، و إلا كانت دليلا، للاقتصار في المنع على المحاذاة دون التقدم لو وجد قائل به كما يوهمه ظاهر بعض من قصر كما عرفت- لا يجوز الاستدلال لأحد الفريقين، إذ ليس فيه إلا النهي الذي قد عرفت ما يشهد لإرادة الكراهة منه، مع احتماله النفي و أن السؤال عن الجواز بلا كراهة، فليس حينئذ إلا الإجماعين المحكيين الموهنين بمصير السيد و أكثر المتأخرين بل عامتهم إلى خلافهما، بل عن الشيخ حاكي أحدهما في استبصاره ظهور الموافقة للمختار، و مثلهما لا يعارض بعض الأدلة السابقة فضلا عن جميعا.
و ما عساه يقال في معارضة ذلك كله- بأن الذي تجتمع عليه جميع النصوص(1)عدا النادر اعتبار الحائل أو العشرة في صورتي تقدم المرأة و المحاذاة، و الاكتفاء بعظم الذراع و الشبر و نحوهما في تقدم الرجل عليها، كما يشهد لذلك خبر تقدمها(2)بصدره
ج8،
و خبر(1)سجودها عند ركوعه أو ركبتيه، و
صحيح محمد بن مسلم(2)المتقدم، بناء على ما رواه الشيخ و غيره من لفظ الشبر بالباء الموحدة، و زاد يعني «إذا كان الرجل متقدما على المرأة بشبر»
فتكون حينئذ نصوص الشبر و نحوه على حالها من الدلالة على المنع إذا لم يحصل تقدم الرجل و لو بما سمعت، فلا اختلاف في النصوص، كما أنه لم يبق بعد ذلك من النصوص ما يدل على الجواز مما يعتد به سوى مرسل جميل(3)المجرد عن التعليل، و إرادة القرب من المحاذاة منه للتقدم بشبر و نحوه ممكنة و لو للجمع- يدفعه ما عرفت من أنه ليس للمنع من الأدلة ما يحسن له هذا التكلف المنافي للفظ المحاذاة و للفظ البينية، ضرورة عدم صدقهما بتقدم الرجل المقدار المزبور مع خلو الجميع عن إشعار بإرادة تقدم الرجل من البينية المذكورة، و خبر الصدر(4)أقصاه الدلالة على الاجتزاء به لا الشهادة على كون المراد ذلك من هذه النصوص، مع أنه في كشف اللثام احتمل إرادة الخلف منه، كما أنه احتمل في مرسلي جميل(5)و ابن بكير(6)و صحيح هشام(7)إرادة أنها إذا سجدت حاذته إذا ركع و إن كان هو بعيدا، بل المراد التقدم بالصدر وحده. و أن محل سجودها يكون عند ركبتيه اللتين هما محل الركوع نعم لا شهادة فيها على إرادة التقدم بالشبر و عظم الذراع و موضع الرحل من النصوص الأخر، على أنه لم يعلم من المانع الكتفاء بمثل هذا التقدم، خصوصا مع ظهور موثق عمار(8)في خلافه.
بل ظاهر بعض ما حضرني من كتب المانعين عدم الاكتفاء به في رفع المانع،
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3 و الباب 5- الحديث 9.
2) 2 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 6- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
7) 7 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 9.
8) 8 الوسائل- الباب- 7- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
و لعل الباقي كذلك، قال في الخلاف: «لا يجوز للرجل أن يصلي و امرأة تصلي إلى جانبه أو قدامه- إلى أن قال-: و متى صلى و صلت إلى جانبه أو قدامه بطلت صلاتهما معا اشتراكا في الصلاة أو اختلفا» ثم ادعى إجماع الفرقة على ذلك، و الظاهر تحقق صدق الصلاة إلى الجانب مع التقدم بشبر و نحوه، و قال في الغنية: «و يجب عليه أن يجتنب و أمامه أو إلى جانبه امرأة تصلي سواء اشتراكا في الصلاة أو اختلفا بدليل الإجماع» و قال في الوسيلة: «فالمانع من صحة الصلاة ثلاثة أشياء: كونه مغصوبا أو نجسا بحيث يتعدى إليه النجاسة أو بجنبه أو قدامه تصلي امرأة» و قال في إشارة السبق:
«و يجتنب إيقاعها وراء امرأة مصلية أو مع أحد جانبيها» إلى غير ذلك، بل في ظاهر الرياض حكايته الشهرة على العمل بالموثق المزبور بالنسبة إلى ذلك، حيث أنه- بعد أن حكى عن الفاضلين و الذخيرة الاجتزاء بتقدم الرجل بشبر و نحوه في رفع الكراهة، و احتماله عن الشيخ في كتابي الحديث- قال: «و لا بأس به لو لا الموثقة السابقة الظاهرة في بقاء المنع في صورة المتأخر إلى أن تتأخر عنه بحيث لا يحاذي جزء منها جزء منه، و الأخبار الصحيحة و إن ترجحت عليها من وجوه عديدة و لكن الأخذ بها أولى في مقام الكراهة بناء على التسامح في أدلتها مع اشتهار العمل بها أيضا، فلتحمل الصحاح على خفة الكراهة لا انتفائها، و عليه يحتمل الموثقة» قلت: هو جيد لو أن هذه الصحاح دالة على إرادة التقدم بشبر و عظم الذراع و نحوهما، و قد عرفت بعده فيها باشتمالها على لفظ المحاذاة و البينية و غيرهما، بل قد يظهر من ذيل خبر أبي بصير منها أن المراد تقدير الحائل بالشبر و عظم الذراع و الرحل و نحوها و إن كان بعيدا في بعضها، لا المسافة حتى يصح
قوله (عليه السلام) فيه: «كان رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله)»
إلى آخره الظاهر في إرادة بيان الاجتزاء بمثله ساترا عن المار، فليجتز به بين
ج8،
الرجل و المرأة لتحقق الحجز به، و إلا فلا معنى للاستدلال به على الاجتزاء بالمسافة المذكورة، اللهم إلا أن يكون كلاما مستأنفا لا مدخلية له في الأول، لكن على كل حال فيه إشعار بالكراهة لما تعرفه إن شاء الله في استحباب السترة عن المارة، و أنها بها ترتفع الكراهة، فبيانها في المقام مما يشعر بكونه مقام كراهة أيضا.
و على كل حال فقد ظهر لك من ذلك كله أنه لا محيص عن القول بالكراهة، كما أنه يظهر لك من التأمل فيه وجه النظر فيما أطنب فيه في الحدائق من ترجيح المنع، و الظاهر أن المدار في الكراهة أو المنع صحة الصلاتين لو لا المحاذاة، فلا عبرة بالفاسدة لفقد طهارة مثلا، أما بناء على أنها اسم للصحيح فواضح، و أما على الأعم فلأنها المنساقة إلى الذهن في أمثال هذه المقامات، بل هي المسؤول عن صحتها و فسادها في النصوص السابقة، فإطلاق الأدلة المقتضي صحة المقارنة لها الفاسدة بحاله بلا معارض.
و منه يظهر ضعف احتمال التعميم في جامع المقاصد و غيره لإطلاق اسم الصلاة على الصورة غالبا، و لامتناع تحقق الشرط عند بطلان الصلاتين، و لا يجدي التخصيص بقيد لولاه، و فيه أن الإطلاق لا ينافي الانسياق في خصوص المقام، و أنهما عند الصحة لولاه تنعقدان ثم تبطلان، و لا تنعقدان عند البطلان، فلا تبطل الصحيحة منهما، بل هو عند التأمل مرجعه إلى مغالطة، كالمحكي عن بعضهم من المناقشة في أصل الحكم بأن المانع إما صورة الصلاة، و هو باطل، لعدم اعتبار الشارع إياها، و إما الصحيحة، و هو باطل، و إلا لاجتمع الضدان أو ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، ضرورة عدم كون الشرط الصحة، بل هو عدم البطلان بسبب آخر، و معناه الصحة على تقدير عدم المحاذاة و التقدم، و ما أشبه هذه المناقشة بما وقع لأبي حنيفة في الاستدلال على دعواه من اقتضاء النهي في العبادة الصحة، فلا ينبغي وقوع مثلها بعد وضوح المراد.
ثم لا يخفى أن مقتضى ما ذكرنا عدم الفرق بين معلوم الفساد حال الشروع أو في
ج8،
الأثناء أو بعد الفراغ، ضرورة انكشاف عدم تحقق المانع حينئذ، نعم يعتبر إمكان فرض حصول النية من ذي الصلاة الصحيحة و لو بسبب، جهله بحكم المحاذاة شرعا على وجه يحصل معه نية التقرب و إن لم يكن معذورا به، إذ عدم معذورية الجاهل لا مدخلية له في المقام، إذ ليس العذر هنا لجهله بل لانكشاف عدم المانع، و الجهل إنما أفاده إمكان حصول نية التقرب، و بالجملة فمحل البحث الفساد و عدمه من حيث محاذاة الفاسدة واقعا لا من حيث النية و عدمها.
و من ذلك يظهر لك ما في شرح الأستاذ الأكبر و غيره، قال: «يعتبر في رفع المنع حرمة أو كراهة العلم بالفساد قبل الشروع، فلو علم بعد الفراغ لم يؤثر في الصحة و عدم الكراهة، لصيرورتها باطلة أو مكروهة بالمحاذاة عنده، أما الأول فلعدم تأتي نية القربة التي هي شرط الصحة و الحلية، و أما الثاني فلا قد امه على فعل المكروه و المرجوح، و الظاهر انه مكروه و مرجوح» إذ هو كما ترى خروج عن محل البحث، و أغرب من ذلك ما في الحدائق من أن الظاهر بناء هذه المسألة على مسألة أخرى، و هي أن الصلاة إذا كانت صحيحة بحسب الواقع و نفسه الأمر و إن كانت بالنظر إلى الظاهر باطلة فهل يحكم بصحتها باعتبار ما كانت عليه في الواقع أو يحكم بالبطلان بالنظر إلى الظاهر؟ المشهور الثاني، و عليه يتجه ما ذكره الأصحاب هنا، إلى أن قال: و أما على ما ذهب اليه جمع من الأصحاب من القول الأول في تلك المسألة، و منهم السيد في المدارك في مسألة الصلاة قبل الوقت جاهلا أو ناسيا فالوجه الصحة، و كيف للسيد اختيار البطلان هنا مع اختياره في تلك المسألة الصحة، إذ لا يخفي على من له أدنى نظر أن ما فرضه من موضوع المسألة غير متصور فضلا عن أن يكون فيه خلاف بين العلماء، إذ مع فرض الصحة في نفس الأمر كيف يتجه حينئذ البحث في صحتها و فسادها، و البطلان الظاهري قد انكشف فساده نعم له خلاف أشرنا إليه سابقا في بحث القبلة في خصوص بعض الشرائط كالوقت
ج8،
و القبلة أن الشرط فيها إحراز المكلف لها بطريق العلم أو الظن حيث يعتبر، أو يكتفي مصادفة المكلف لها مع فرض حصول نية التقرب، و هو لا مدخلية له هنا، ضرورة كون المحاذاة مانعة، فمع فرض أن المانع منها الصحيحة لو لا المحاذاة و فرض حصول نية التقرب للمكلف لم يكن وجه للبطلان أصلا بعد انكشاف عدم المانع و تخيله آنا ما لم يثبت مانعيته كما هو واضح، و به يعلم ما في كلام جماعة من المحققين، منهم من عرفت، و منهم المحقق الثاني في جامعه، و لذا قال في كشف اللثام: «و إن صلى مع الغفلة عن التحاذي أو الحكم أو الاستفسار و كان الظاهر البطلان لم يعد».
هذا كله في المنكشف فساده من رأس بفقد الطهارة و نحوها، أما لو حدث الفساد فيه بعروض مبطل في الأثناء ففي البطلان به و عدمه وجهان ينشئان من أنه كالمنكشف فساده بالأخرة، و من تحقق الحكم بالمحاذاة واقعا قبل عروض المفسد، و هو كاف في حصول الفساد، لعدم الدليل على اعتبار الإتمام صحيحة لو لا المحاذاة في مانعية المحاذاة، بل ظاهر الأدلة خلافه، و أن المدار على تحقق المحاذاة و لو في بعض صلاة صحيحة لو لا المحاذاة، و هو الأقوى، هذا.
و في رجوع كل منهما إلى إخبار الآخر بالصحة و البطلان نظر كما في القواعد و غيرها ينشأ من أن من أسباب الصحة و البطلان ما لم يعلم إلا من قبل المصلي مع أصالة صدقه، و لأنه إذا أخبر بالبطلان لم يتحقق شرط بطلان صلاة الآخر، و الأصل الصحة، و لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و لأن الصحة التي قد لا تعلم إلا من قبل المصلي لو تعلق بها تكليف مكلف و لم يقبل فيها قول الغير لزم تكليف ما لا يطاق، و من أن إخبارها بحال صلاتها بمنزلة الإخبار بحال صلاته، و هو غير مسموع خصوصا البطلان، لأصل الصحة و انتفاء شرطه، و الأقرب الأول وفاقا لثاني المحققين و الأصبهاني و المحكي عن غيرهما، خصوصا في البطلان و إن كان في بعض تلك الأدلة نظر.
ج8،
و قد يظهر من المحكي عن حواشي الشهيد عن نسخة مقررة على الفاضل المصنف التفصيل بين الاخبار بالبطلان و الصحة، فيقبل الأول دون الثاني، قال: «الأقرب قبول إخبارها بعدم طهارتها، للاستناد إلى أصلين: عدمها و صحة صلاة الرجل، لا بطهارتها، استنادا إلى خلافهما: طهارتها و بطلان صلاته» و فيه- مع أن هذا رجوع إلى الأصول لا إخبارها- يعضد إخبارها بالطهارة أصالة الصحة و الاندراج في ظاهر النصوص، و ضرورة صدق أنه صلى و امرأة تصلي بحذاه أو أمامه صلاته لم يعلم فسادها.
بل قد يقوى اعتمادا على ذلك و على أصالة البراءة عدم وجوب السؤال و الاستفسار عليهما، خلافا لجامع المقاصد معللا له بأنه متى صح الرجوع إلى المرأة المحاذية في صحة صلاتها تحتم على الرجل إعادته صلاته، و كذا في الطرف الآخر، لأن شرعية الإعادة حتما موقوفة على تحقق الإعادة، فمع تحقق فساد صلاتها لا تشرع الإعادة كذلك، و هو كما ترى، إذ يكفي في تحتم الإعادة ما عرفت من أصالة الصحة و الاندراج في ظاهر النصوص من غير حاجة إلى الاستفسار، و لعل مراده وجوب الرجوع بعد فرض الاخبار، فيتجه حينئذ ما ذكره، إذ هو معنى صحة الرجوع إليها في الحقيقة.
و في كشف اللثام متصلا بما نقله عن المقروة على الفاضل «و عليه الاستفسار إذا احتملت الصحة، و كذا إذا فرغ من الصلاة و احتمل البطلان و قد شرع فيها غافلا أو مع زعم الفساد ثم احتمل الصحة، فان لم يكن لم يشرع فيها» و كأنه أشار بذالك إلى تنقيح ما في جامع المقاصد، قال: «إني لم أطلع على عبارة لأحد من الأصحاب فيها التعرض لوقت الرجوع هل قبل الصلاة أم بعدها أم في خلالها أم مطلقا؟- إلى أن قال-: و الذي يقتضيه النظر ان الاخبار إن كان قبل الصلاة وجب قبوله، و إن كان بعدها فإن أخبر ببطلان صلاته لم يؤثر ذلك في صلاة الآخر التي قد حكم ببطلانها بصلاة الأصل فيها الصحة، و إن أخبر بالصحة فلا أثر له، لتحقق البطلان قبل ذلك، هذا
ج8،
إذا شرعا في الصلاة عالمين بالمحاذاة المفسدة، و لو شرعا في الصلاة و كان كل واحد غير عالم بالآخر لظلمة و نحوها ففي الإبطال هنا تردد، فان قلنا به ففي رجوع أحدهما إلى الآخر في بطلان صلاته لتصح الأخرى نظر، من الحكم ببطلانها، و كونها على ظاهر الصحة، فلا يؤثر فيها الحكم بالبطلان الذي قد علم خلافه بخلاف الصلاة التي فعلها المصلي على اعتقاد فسادها، فإنها لا تصير صحيحة بعد، لفوات النية، و إن كان في خلالها فان شرعا عالمين فلا كلام في الابطال، و كذا لو علم أحدهما اختص ببطلان صلاته، و إن لم يعلم كل منهما بالآخر ثم علما ففي رجوع أحدهما إلى الآخر في بطلان صلاته التردد» انتهى.
و فيه مواضع للنظر يعرف بعضها مما قدمنا و إن تبعه على بعضه في المدارك فقال:
«لا بد من العلم قبل الشروع و لو بالاخبار، و لو وقع بعده لم يعتد به، للحكم ببطلان الصلاة ظاهرا بالمحاذاة و إن ظهر خلافه بعده، و لو لم يعلم أحدهما بالآخر إلا بعد الصلاة صحت الصلاة، و في الأثناء يستمر» إذ قد سمعت أولا أن الحكم بالصحة ظاهرا لا يجدي بعد ظهور البطلان و لو باخباره الذي قد عرفت اعتباره، و ان احتمال الفساد هنا من جهة النية لا مدخلية له فيما نحن فيه، و ثانيا أن الظاهر مانعية المحاذاة و إن لم يعلم بها إلا بعد الفراغ أو غفل عنها أو كان غير ذلك، تمسكا بظاهر الأدلة كغيره من الشرائط و الموانع و إن كانت مستفادة من أوامر و نواهي، لما سمعته غير مرة من انسياق المانعية التي هي حكم وضعي من غير تقييد بالتكليفي، إلى غير ذلك من وجوه النظر التي لا تخفى خصوصا بعد ملاحظة ما سلف له من قبول إخبار كل منهما، فلاحظ و تأمل جيدا.
ثم إن صريح الدروس و ظاهر كثير كما عن الروض و في كشف اللثام أنه ظاهر كلام الشيخين و التلخيص بل عن كشف الالتباس انه المشهور عدم الفرق في ذلك بين اقتران الصلاتين و عدمه، بل قد سمعت ما عن غاية المراد من أنه إذا بطلت صلاته
ج8،
بطلت صلاتها، و لا قائل بالفرق، قلت: و هو قوي، لمعلومية قاعدة أن مانع صحة الجميع مانع للبعض، و لظاهر ذيل صحيحي ابني مسلم(1)و أبي يعفور(2)و خبر أبي بصير(3)بل لعله يظهر من باقي النصوص أيضا و إن كان فيها الجملة الحالية، إلا أنها تتحقق أيضا في اللاحقة في الأثناء، و صحيح علي بن جعفر(4)السابق لم يعلم فيه الأمر
بإعادة المرأة خاصة للاجتماع المفروض كي يدل على صحة السابقة، و استبعاد فساد فعل مكلف بفعل آخر خصوصا إذا لم يكن عالما حين شروعه بوقوع التحاذي حتى يحترز منه استبعاد لغير البعيد بعد ظهور الأدلة فيه، كما أنه لا جهة للتمسك باستصحاب الصحة معه.
و من ذلك كله يعلم ما في المدارك من القطع باختصاص المتأخرة بالنهي تبعا لجده في المسالك، و المحكي عن أستاذه و ابن فهد في الموجز، و مال إليه في كشف اللثام، و اختياره في المنظومة، و كأنه يميل إليه في الذكرى، بل عن المحقق الثاني في أكثر كتبه و تلميذيه الميل اليه، بل عن حاشية الإرشاد له الجزم به، لكن الموجود فيما حضرني من نسختها التفصيل، قال في شرح متن الإرشاد بعد أن اختار الكراهة: «و ينبغي أن يخص بها إذا تحرما بالصلاة دفعة، أو كان كل منهما غير عالم بالآخر ثم علما في خلال الصلاة، أو سبق أحدهما ثم تحرم الآخر و هو لا يعلم بالأول، و إلا فيختص المنع بالثاني أعني الذي تحرم بعد الأول، لأن المحاذاة في الصلاة، الممنوع منها إنما يحصل بسببه» و هو كما ترى لا يساعده على هذا التفصيل دليل، كما أنه لا يساعد ما عن غير واحد من الكتب السالفة التي خصت الفساد بالمتأخرة من التقييد بما إذا لم يكن الأول عالما حين شروعه، و كأن ذلك كله لما قوي في نفوسهم استبعاد البطلان للمنعقد صحيحا بما لم يفعله
ج8،
و لا تقصير له في التحرز عنه، بل ربما أيد بالأخبار(1)الدالة على أن صلاة المسلم لا يقطعها شيء، و الشيء نكرة في سياق النفي تفيد العموم لمحل البحث، بل في
صحيح أبي بصير(2)منها «لا يقطع صلاة المسلم شيء كلب و لا حمار و لا امرأة»
و لا معنى له إلا إرادة شيء من فعلها، لكن من المعلوم أن ذلك كله لا يعارض ما سمعته من الأدلة السابقة، فالقول بالتعميم حينئذ على تقدير البطلان لا يخلو من قوة، نعم قد يقال بالاختصاص على تقدير الكراهة، لعدم إمكان التخلص منها بعد فرض تلبسه بما يحرم قطعه عليه، فلا يصح تكليفه حينئذ بها، و لعل الحكم بالاختصاص في بعض الكتب المزبورة للبناء، منهم على الكراهة، اللهم إلا أن يقال بجواز القطع له، أو كان متلبسا فيما يجوز قطعه، أو يقال بصحة الكراهة بمعنى أقلية الثواب و إن لم يتمكن من بدل كما في النفل في الأوقات المكروهة و الصوم تطوعا في السفر، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
و كيف كان ف يزول التحريم أو الكراهة عن المحاذاة إذا كان بينهما حائل بلا خلاف أجده فيه، بل عن المعتبر و ما تسمعه من المنتهى الإجماع عليه، و عن البحار كأنه لا خلاف فيه، و منه و غيره يعلم أن ترك ذكره في النهاية و الخلاف و الوسيلة و الغنية و السرائر و كذا المقنعة و المبسوط على ما حكي عن البعض ليس للخلاف فيه، و كيف كان فالحجة عليه- بعد الإجماع المحكي المعتضد بما سمعت، و للأصل، و إطلاق الأدلة المسلمين عن المعارض بعد انسياق غيره من نصوص المنع- خصوص
صحيح ابن مسلم(3)عن أبي جعفر (عليه السلام) في المرأة تصلي عند الرجل قال:
«إذا كان بينهما حاجز فلا بأس»
و المروي عن
قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسين
ج8،
عن علي بن جعفر(1)أنه سأل أخاه (ع) «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في مسجد قصير الحائط و امرأته قائمة تصلي و هو يراها و تراه؟ قال: إن كان بينهما حائط طويل أو قصير فلا بأس»
مضافا إلى صحيحي الحلبي(2)و ابن مسلم(3)السابقين على قراءة «ستر» فيهما بالمهملة و المثناة، فتصح حينئذ صلاتهما معا به كما نص عليه غير واحد، بل عن المنتهى الإجماع عليه، بل لعله قضية إجماع المعتبر السابق بل و الفتاوى، لكن في التحرير «صحت صلاته» و لعله لا يريد التخصيص.
و ليس الظلمة من الحاجز و الستر عرفا، و لا العمى و لا تغميض العين، وفاقا لجماعة، و إلا لأومي إليه في النصوص، بل هي خصوصا الأخير أيسر من غيرها، خلافا للمحكي عن الشهيد الثاني في الأولين، و محتمل الأول فيهما، و كشف اللثام في خصوص الأول منهما، و في التحرير «لو كان الرجل أعمى فالوجه الصحة، و لو غمض الصحيح عينيه فإشكال» و لعله لتخيل أن المراد بالستر المنع عن النظر، و لذا ارتفعت الكراهة مع صلاتها خلف، و هو كما ترى من العلة المستنبطة، و لقد أجاد الفاضل في المحكي عن نهايته في قوله: «و ليس المقتضي للتحريم أو الكراهة النظر، لجواز الصلاة و إن كانت قدامه عارية، و لمنع الأعمى و من غمض عينيه» و ظاهره المفروغية من عدم الاكتفاء بهما، و هو في محله، و احتمال تعميم الحاجز و الستر لما يشمل ذلك كما ترى حتى في الظلمة فضلا عن غيرها، بل ظاهر الخبرين الأولين عدم اعتبار المنع من النظر فيه، بل هو صريح ثانيهما، ك
صحيحه الآخر(4)سأل أخاه (ع) «عن الرجل يصلي في مسجد حيطانه كوى كله قبلته و جانباه و امرأته تصلي حياله يراها و لا تراه فقال: لا بأس»
بل قد
ج8،
عرفت ما احتملناه سابقا في نصوص(1)الشبر و الذراع و نحوهما من الحائل بهذا المقدار، فما في المنظومة و عن الشهيد الثاني من اعتبار كونه مانعا عن الرؤية في غير محله، و مفهوم خبري الستر يجب تقييده بما عرفت، هذا.
و في المحكي عن المبسوط قال: «فان صلت خلفه في صف بطلت صلاة من عن يمينها و شمالها، و من يحاذيها من خلفها، و لا تبطل صلاة غيرهم، و إن صلت بجنب الامام بطلت صلاتها و صلاة الامام و لا تبطل صلاة المأمومين الذين هم وراء الصف الأول» و يحتمل قوله: «من عن يمينها و شمالها» جميع من في صفها، و رجلين منهم خاصة، و كذا يحتمل «من يحاذيها» جميع من في الصف الثاني، و من يحاذيها حقيقة، و من يحاذيها و يراها، لكن على كل حال قد يشكل بأنه كيف تصح صلاتهم مع بطلان صلاة الامام، و قد يدفع بأنه يجوز أن يريد صحتها إذا نووا الانفراد، و لم يعلموا(2)بصلاتها إلى جنبه، و بطلان صلاته و عدم العلم بفساد صلاة الإمام كاف في جواز الاقتداء، نعم صحة صلاة الصف الثاني في هذا الحال مبنية على أن الصف الأول حائل، فلا يقدح حينئذ تقدمها عليهم، و إنما يقدح بالنسبة إلى الصف الأول، لعدم الحائل، بل قد ينقدح من ذلك تعين الاحتمال الثاني فيما لو صلت في الصف الأول، لكون من على يمينها و شمالها من الرجلين حائلا بينها و بين الباقين، كما أنه قد يتعين الاحتمال الأول فيمن خلفها، بناء على إرادته بطلان صلاة الصف لمكان تقدم المرأة.
ثم من المعلوم أن أصل الفساد فيما ذكره مبني على عدم اختصاص المتأخرة به، و إلا لم يتجه بطلان صلاة الإمام، كما أنه من المعلوم الحكم في الفرع الذي فرضه بعد الإحاطة بجميع ما ذكرناه، و أن فصل الشخص و نحوه من الحائل الذي ترتفع الحرمة
ج8،
أو الكراهة به أو بالتباعد بمقدار عشرة أذرع بلا خلاف معتد به أجده فيه أيضا كالحائل، بل عن المعتبر الإجماع على سقوط المنع، و هو معنى ما عن المنتهى من الإجماع على صحة صلاتهما، بل و جامع المقاصد و إرشاد الجعفرية من الإجماع على عدم الكراهة، فما في كشف اللثام- من أنه أطلق الشيخان في غير كتابي الأخبار و الحلبيان و ابنا حمزة و البراج المنع من غير ذكر للحائل و البعد- غير مراد منه الخلاف كما سمعته في الحائل، و مراد الجميع على الظاهر صحة الصلاتين، و ما في التحرير- من الاقتصار على صحة صلاته- غير مراد منه الخلاف قطعا.
و كيف كان فالحجة- بعد الأصل و الإطلاق و الإجماع المحكي المعتضد بما سمعت.
خبر علي بن جعفر(1)المروي عن قرب الاسناد «سأل أخاه (ع) عن الرجل يصلي الضحى و أمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع قال: لا بأس ليمض في صلاته»
و موثق عمار السابق(2)الذي يمكن حمل الأكثر فيه على إرادة العشرة فأكثر على حد قوله تعالى(3)«كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» خصوصا مع ملاحظة غلبة وقوع أمثال ذلك في روايات عمار، و في كشف اللثام «لعل الأكثر فيه لوجوب العشر بين موقفها و مسجده، فلا يكفي العشر بين الموقفين إذا تقدمت» قلت: لكن في المدارك و المحكي عن الروض و البحار ذكر ذلك احتمالا، و إلا فظاهر هم أن مبدأ التقدير الموقف، و قد يقوى كون المدار على ذلك في جميع الأحوال، فيكفي حال الوقوف العشر من محله من طرف إبهامي قدميه إلى عقبيها مثلا لو كانت متقدمة، و يعتبر في حال السجود من منتهى رأسه إلى عقبيها مثلا، إذ المدار على صدق البينية في أحوال الصلاة، و الظاهر عدم الاكتفاء بالتسامح العرفي، لأصالة الحقيقة.
ج8،
و على كل حال فلم يقل أحد بالزيادة على العشر كما في جامع المقاصد و المحكي عن إرشاد الجعفرية، بل عن الروض الإجماع على عدم اعتبار ذلك، فما في المفاتيح- من توقف ارتفاع الكراهة أصلا على الزيادة و إن خفت بالعشرة حتى أشرفت على الزوال بعد أن ترتبت من الشبر إليها، و لعله للخبر المزبور- فيه ما لا يخفى لو لا أن الكراهة مما يتسامح بها، كما أن ما عن الجامع- من زوال الكراهة بذراع و شبر، و الجعفي من أن من صلى و حياله امرأة ليس بينهما قدر عظم الذراع فسدت صلاته مما يظهر منه اعتبار التقدير به- لا يخفى ما فيه أيضا و إن كان يشهد لهما ما سمعته من النصوص(1)السابقة، إلا أنك قد عرفت الحال فيها و أن مقتضى الجمع بعد تسليم إرادة ذلك منها بينها و بين الموثق(2)و غيره التنزيل على تفاوت مراتب الكراهة، و لا ينافيه الاقتصار في الفتاوى على العشر في رفعها من رأس كما هو واضح، مع احتمال إرادة الجامع التخفيف من الزوال فيه، و لذا ذكر الشبر و الذراع مع أن الأول كاف، بل لا مدخلية حينئذ للزيادة عليه بعد فرض الارتفاع به، هذا.
و قد أغفل من تقدم على الشهيد من الأصحاب التعرض للفوقية و التحتية، و أنها ملحقة بالتقدم و المحاذاة أو بالتأخر، أما هو فقال في المحكي عن غاية المراد: إنه محتمل من فحوى المنع مع إمكان إلحاقه بتأخرها، و خصوصا فوقيتها، و قال عند ذكر موثق عمار: «من هنا وقع الشك في الفوقية و التحتية» قلت: من اختصاص اشتراط البعد بالجهات الثلاث، و من اختصاص نفي البأس بالخلف، فيتدافع المفهومان، و قال عند
قول الباقر (عليه السلام)(3): «لا تصل المرأة بحيال الرجل إلا أن يكون قدامها
ج8،
و لو بصدره»
: «إنه يظهر من فحواه المنع من الجهتين» قلت: لا يخفى عليك ظهور الفتاوى و معاقد الإجماعات في أن المانع المحاذاة و التقدم، لا أن الشرط كونها خلفه، بل الظاهر أن تعرض النصوص لذلك، و لا إيماء في شيء منها إلى الفوقية و التحتية، فالرجوع إلى بعض إطلاقاتها كأنه من الرجوع إلى ما علم عدم إرادته من الإطلاق، على أنك قد عرفت التدافع في المفهوم منها، و دعوى أن المسامتة من جهة الفوق أو التحت أولى من المحاذاة و التقدم بالمنع، ضرورة اتحاد جهة المكان فيه بخلافهما لا شاهد لها، فليس حينئذ إلا الإطلاقات، و هي تقتضي الصحة، و اختصاص المانعية بغيرهما، و من هنا جزم بذلك الفاضل الأصبهاني و الأستاذ الأكبر و الشهيد الثاني في المحكي عن روضة، و مال إليه العلامة الطباطبائي في منظومته، إلا أنه ينبغي أن يعلم كون المراد بالفوق و التحت ما لا يصدق معه وصف التقدم و المحاذاة و إن كان قد يوهم كلام البعض بل هو صريح آخر احتمال السقوط فيه أيضا، لكنه لا ريب في ضعفه، ضرورة تناول أدلة المنع له، و الارتفاع و الهبوط لا مدخلية له قطعا.
نعم في اعتبار العشر حينئذ إشكال، ففي المحكي عن الروض «أنها لو كانت في إحدى الجهات التي يتعلق بها الحكم و كانت على مرتفع بحيث لا يبلغ من موقفه إلى أساس الحائط المرتفع عشر أذرع و لو قدر إلى موقفها، أما مع الحائط مثلا أو ضلع المثلث الخارج عن موقفه إلى موقفها بلغها ففي اعتبار أيها نظر» و تبعه في المدارك، لكن قال: «و يحتمل قويا سقوط المنع مع عدم التساوي في الموقف» و في كشف اللثام «إن كانت على مرتفع أمامه اعتبر كون ضلع المثلث الذي ساقاه من موقفه إلى أصل ما هي عليه من البناء و من أصله إلى موقفها عشرا، و كذا إذا كانت بجنبه و كان أحدهما كذلك كانت الزاوية التي بين البناء و الأرض قائمة أو حادة أو منفرجة، و احتمل سقوط المنع حينئذ بناء على أنه لا يتبادر من الإمام و المحاذاة و نحوهما» قلت: قد عرفت
ج8،
أن في النصوص التقدم و الإمام و الجنب و اليمين و اليسار أيضا مما لا إشكال في صدقه، و أن المراد الجهة، نعم العبرة في التقدير بضلع المثلث بين الذاتين أورث زاوية أولا، لعدم صدق بينهما حقيقة إلا بذلك، و احتمال إرادة الجهة حتى في التقدير فلا يعتبر الزوايا لا شاهد له، بل هو خلاف المعنى الحقيقي للفظ «بينهما» و كذا الظاهر عدم اعتبار نفس الحائط و نحوه من المرتفع، ضرورة ظهور إرادة البعد المسافي، و إلا لا تجزي بحفرة بينهما تبلغ ذلك و إن كان الذي بينهما لو لا الحفرة ذراعا مع احتماله، لكن الأقوى الأول.
و من ذلك كله يعلم ما في محتمل الشيخ و المصنف المتقدم سابقا من الاجتزاء بتقدم الرجل بالشبر و نحوه، بل ربما جزم غيرهما من متأخري المتأخرين به و بزوال المنع بالتقدم بالصدر و نحوه، و لعله لعدم صدق المحاذاة حينئذ، مضافا إلى النصوص السابقة، و ربما يوافقه في الجملة قول المصنف و لو كانت وراءه بقدر ما يكون موضع سجودها محاذيا لقدمه سقط المنع كاللمعة، بل قيل: و قول المفيد: «تصلي بحيث يكون سجودها تجاه قدميه في سجوده» بل قد يظهر من المحكي عن المنتهى أنه من المجمع عليه، حيث أنه بعد أن حكى الإجماع على صحة صلاتيهما مع الحائل و الأذرع قال: «و كذا لو صلت متأخرة عنه و لو بشبر أو قدر مسقط الجسد» بل قد يوهم كلام بعضهم أن ما في النافع و فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد من التقدير بمسقط الجسد يرجع إليه أيضا، لتحققه بدون التأخر تماما، و فيه منع واضح، بل ظاهرها خصوصا فوائد الشرائع أن المراد به تأخر ها عنه تماما بحيث لا يحاذي جزء منها جزءا منه، بل لعل عبارة المقنعة و المتن و اللمعة يراد منها ذلك كما في كشف اللثام بحمل المحاذاة فيها على قرب المحاذاة أو نحو ذلك، و إلا فيعتبر التأخر تماما كما هو صريح الشهيد الثاني و المحكي عن الميسي، و لعله لموثق عمار السابق، و صدق اليمين و الجنب و نحو هما على غير المتأخر تماما، و لا يعارضهما
ج8،
نصوص الشبر(1)بعد أن عرفت الحال فيها، و صحيح الصدر(2)يمكن إرادة الكناية به عن تأخرها تماما كما في كشف اللثام، و ما في الصحيحين السابقين(3)من أنه إذا كان سجودها مع ركوعه أو ركبتيه فلا بأس غير متضح المعنى، فلا يخرج به عما يقتضي المنع خصوصا مع ندرة العامل بهذه النصوص حتى من المفيد و المصنف و نحو هما ممن عبر بالعبارة المزبورة، ضرورة الزيادة على محاذاة موضع السجود للقدمين المعتبرة في الصحة عندهم.
نعم قد سمعت احتماله من الشيخ و المصنف في المعتبر في نصوص الشبر، و تبعهما الفاضل في المنتهى و بعض متأخري المتأخرين كصاحبي الذخيرة و الحدائق، فالخروج بمجرد ذلك عما يقتضيه الموثق و غيره من المنع لا تخلو من إشكال، سيما و ظاهر لفظ الخلف و الوراء في عبارات الأصحاب و معقد إجماع الخلاف خلافه، ضرورة ظهورها في اعتبار ذلك في الصحة، و دعوى أن التقدم بالشبر و الصدر و نحوهما يصدق معه انها وراء و خلف دون اليمين و اليسار و الجنب يشهد العرف بخلافها.
نعم يمكن دعوى ذلك في نحو ما لو حاذى سجودها القدمين، و لعله لذا عبر في المتن و المقنعة و اللمعة بما عرفت، و هو لا يخلو من وجه، فيكون المدار على صدق ذلك و إن حصل معه محاذاة البعض، كما أن القول بناء على المختار من الكراهة بالمراتب في المقام كالمسافة لا يخلو من وجه، فترتفع أصلا بالخلف كلا بحث لا يحاذي جزء منها جزءا منه، و تخف بدون ذلك إلى أن تحصل المحاذاة حقيقة، فتثبت الكراهة تماما، و الله أعلم.
ج8،
و لو حصلا في موضع لا يتمكنان من التباعد و لا من التأخر الرافع للمحاذاة و كان الوقت واسعا ترتبا في فعل الصلاة وجوبا أو استحبابا، و لا يتعين تقدم الرجل، للأصل و الإطلاق، و ذيل
صحيح ابن أبي يعفور(1)السابق «إلا أن تتقدم هي أو أنت»
الذي لا ريب في ظهوره و لو للإطلاق بجواز تقدم المرأة، و لا ينافي الظهور احتمال كون المراد به عدم ارتفاع النهي إلا بذلك و لو حال اتفاق تقدم صلاتها لعدم إرادة الرجل، أو لعدم علمها بإرادته الصلاة، أو بالحكم في المسألة، أو لأنها عصت و تقدمته، أو لغير ذلك، ضرورة أن مثله ينافي النص لا الظهور، مع أنه يمكن منع تسويغ التقدم لها ببعض المزبورات، كما أنه يمكن منع الصحة في صورة العصيان تمسكا بظاهر الأمر.
لكن في صحيح ابن مسلم(2)و خبر أبي بصير(3)السابقين صلى الرجل أولا فإذا فرغ صلت المرأة إلا أنه يجب حمله على الندب بناء على المختار، بل و على غيره جمعا بينه و بين ما سمعته من ذيل الصحيح(4)السابق المعتضد بالأصل و الإطلاق، و قوة احتمال أن المراد من صحيح ابن مسلم عدم الاجتماع و استبعاد وجوب ذلك خصوصا على إرادة الاشتراط في الصحة، مع أن المكان قد يكون ملك المرأة، و قد لا يريد الرجل الصلاة في الوقت المخصوص، أوله مانع منه عكس المرأة التي يفرض وجود المقتضي لها، بل قد يفرض كونه على جهة اللزوم، و بغير ذلك مما لا يخفى استبعاد التزامه في كل شرط صحة فعل مكلف بفعل مكلف آخر لا يدخل تحت قدرة الأول، بل عن المنتهى الإجماع على صحة صلاتهما لو عكست المرأة فصلت أولا، فما عن الشيخ (رحمه الله) و أتباعه من الوجوب تعبدا أو شرطا لا ريب في ضعفه، و لعله عبر بنحو لفظ الصحيح المزبور، فيمكن حمله حينئذ على الندب، و يرتفع الخلاف كما يومي اليه عدم
ج8،
نقل بعض من هو مظنة ذلك عنه، و الظاهر شمول خطاب الندب لهما، بمعنى أنه يستحب للرجل التقدم و للامرأة تقديمه و تأخرها عنه حتى لو كان المكان ملكها، إذ الأمر بأن يصلي الرجل أولا في الصحيح السابق لا يختص به، بمعنى أنه لو تقدمت الامرأة عليه ما تركت مستحبا لعدم خطابها به، بل المراد من كل منهما وقوع صلاة الرجل أولا و الامرأة ثانيا، فتأمل جيدا فإنه ربما دق.
و لو كان الوقت ضيقا سقط الوجوب و الندب كما صرح به جماعة، بل ربما نسب إلى الأكثر بل إلى الأصحاب، لكن أشكله الكركي بما حاصله أن التحاذي إن كان مانعا من الصحة منع مطلقا، لعدم الدليل على الابطال بموضع دون موضع، إذ النص و الفتوى عامان، و حينئذ فعلى الحرمة إن كان المكان لأحدهما اختص به، و لا يجوز إيثار الآخر به، و إن كان لهما أو استويا فيه أمكن القول بالقرعة، فيصلي من خرج اسمه و يقضي الآخر، و فيه أن من المعلوم عدم سقوط الصلاة في الوقت بحال، و تقديم مراعاة الوقت على سائر الشرائط و الموانع حتى فقد الطهورين على قول، و حتى غصب المكان كما عرفت، على أنه يمكن الاستناد مضافا إلى ذلك إلى صحيح الفضل(1)عن أبي جعفر المروي عن العلل المتقدم سابقا المشتمل على وجه تسمية مكة بكة، بناء على تنزيله على حال الضرورة، و منه يظهر أيضا وجه دلالة
خبر معاوية(2)عليه أيضا، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقوم أصلي في مكة و المرأة بين يدي جالسة أو مارة قال: لا بأس، إنما سميت مكة بكة لأنه يبك فيها الرجال و النساء».
ج8،
و أما احتمال استثناء خصوص مكة لهذين الخبرين فلم أره لأحد من الأصحاب، نعم حكي عن ظاهر الصدوق القول به، و عن البحار نفي البعد عنه، لمكان الحرج غالبا، على أنه على هذا التقدير فيه أيضا إيماء إلى استثناء الضرورة كما هو واضح، و قد ظهر من ذلك أيضا أنه و إن كان المكان لأحد هما ليس له منع الآخر من الصلاة و لو الاضطرارية مع الضيق بناء على ما عرفته في الغاصب، هذا.
و عن الروض «ان المشهور اختصاص الحكم في أصل المسألة بالمكلفين» قلت:
لعله لأن الموجود في النصوص لفظ الرجل و المرأة الذي لا يشمل غير المكلفين، و لا ينافيه لفظ البنت في بعضها(1)بعد إمكان حمله على البالغة إن لم يكن الظاهر منه ذلك، لكن قد يقال إنه يتجه بالنسبة إلى صلاة كل من الرجل و المرأة بمعنى أنه لا يفسدهما محاذاتهما و لا تقدم الصبية، بل و لا يفسد صلاة الصبي محاذاة الصبية أو تقدمها كالعكس، أما بالنسبة إلى صلاتهما حال تقدم المرأة على الصبي أو محاذاتها و تقدم الصبية على الرجل و محاذاتها فقد يتجه الفساد، بناء على الشرعية التي من المعلوم كون المراد بها المشروعة للبالغ، فكل شرط لصلاة الرجل مثلا هو شرط في صلاة الصبي، و كل شرط لصلاة المرأة هو شرط لصلاة الصبية، فتفسد صلاة الصبي حينئذ بتقدم المرأة و محاذاتها كصلاة الرجل، و صلاة الصبية بتقدمها على الرجل و محاذاتها له كالامرأة، و لا ينافي ذلك كون الرجل و المرأة مورد النصوص، إذ الشرائط جميعها أو أكثرها كذلك كالحرير و غيره، ضرورة عدم إرادة شمول الخطابات للصبيان، بل المراد في موضوع عبادة الصبي الجامعة للشرائط عدا البلوغ كما هو معلوم في ذلك، و لعله إلى هذا أومأ الشهيد بما في المحكي عن حواشيه من أن الصبي و الصبية يقرب حكمهما من الرجل و المرأة، كما أنه منه يعلم عدم الحاجة في ثبوت ذلك إلى دعوى شمول لفظ الرجل لغير المكلف لما عن القاموس
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
«أنه بالضم معروف، و إنما هو لمن شب و احتمل أو هو ساعة يولد» و الصحاح «هو الذكر من الناس» حتى يحتاج إلى ردها بأنه لا ريب في مجازيته، و الإطلاق أعم منه و الحقيقة، و لو سلم فالمنساق المكلف منه، بل لعل حصر القاموس، مبني على ذلك أو الأول، إذ قد عرفت أنا في غنية عن ذلك كله بما عرفت الذي بالتأمل فيه يعرف منشأ الوهم في المقام في كلام بعض الأعلام، بل و يعرف به الحال فيما أطنب به المولى الأكبر في شرح المفاتيح من تأييد الاختصاص بالبالغين.
و أما الخنثى المشكل فالأقوى عدم فساد صلاتها و عدم الفساد بها مطلقا، بناء على التحقيق من عدم المانعية فيما شك فيه بل و لا الشرطية، و أن التمسك بالإطلاقات في نفي هذا و شبهه في محله كما أوضحناه غير مرة، و الله أعلم.
و المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا أنه لا بأس أن يصلي الرجل و غيره في الموضع النجس إذا كانت نجاسته لا تتعدى إلى ثوبه و لا إلى بدنه و كان موضع الجبهة طاهرا بل في الخلاف الإجماع، للأصل و الإطلاقات و خصوص إطلاق
صحيح علي بن جعفر(1)سأل أخاه (ع) «عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من جنابة أ يصلى بهما إذا جفا؟ قال: نعم»
و
خبر عمار(2)سأل الصادق (عليه السلام) «عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل يجوز الصلاة عليها؟ قال:
إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها»
بناء على إرادة الجفاف بغير الشمس من الجفاف فيه، و
صحيح زرارة(3)سأل أبا جعفر (عليه السلام) «عن الشاذكونة تكون عليها الجنابة أ يصلى عليها في محمل؟ فقال: لا بأس بالصلاة عليها»
و
خبر ابن أبي عمير(4)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلي على الشاذكونة و قد أصابتها الجنابة فقال: لا بأس»
ج8،
و
صحيح علي بن جعفر الآخر(1)«سألته عن البواري يصيبها البول هل يصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال: نعم لا بأس»
إن أريد من الجفاف فيه بغير الشمس، إلى غير ذلك من النصوص المتقدم بعضها في تطهير الشمس من كتاب الطهارة التي يمكن الاستدلال ببعضها هنا في وجه و إن رجحنا خلافه هناك، بل بإطلاق هذه النصوص قد اغتر بعض متأخر المتأخرين، فمال إلى عدم البأس في ذلك حتى بالنسبة إلى محل الجبهة مؤيدا له بعدم ثبوت الإجماع على خلافه، لما مر في كتاب الطهارة أن المحقق نقل عن الراوندي منا و صاحب الوسيلة «أن الأرض و البواري و الحصر إذا أصابها البول و جففتها الشمس لا تطهر بذلك لكن يجوز السجود عليها» و استجوده، و فيه أنه يكفي في تقييد غير القابل للحمل على إرادة تجفيف الشمس من الإطلاقات السابقة الإجماع المحكي مستفيضا بل متواترا، إذ ربما زادت حكايته على اثني عشر كتابا في المقام و في كتاب الطهارة و في بحث ما يسجد عليه، بل في التذكرة منها أنه إجماع كل من يحفظ عنه العلم، بل يمكن دعوى تحصيله، و أنه لا يقدح فيه خلاف الراوندي فضلا عن المحكي عنه كما أوضحناه في بحث تطهير الشمس من كتاب الطهارة، بل قد ذكرنا هناك انحصار الخلاف فيه، و أن المصنف و ابن حمزة ليس كما حكي عنهما، بل ربما يظهر مما نقله عنه في المعتبر أنه فهم منه استثناء السجود، على أن خلافه في خصوص تجفيف الشمس، و مرجعه إلى أنها يحصل بها العفو عن السجود دون باقي ما يشترط فيه الطهارة، فهو في الحقيقة موافق على اشتراط الطهارة فيه إلا أنه مخالف في كيفية تأثير الشمس، بل لعل هذا العفو من الطهارة عنده، فيرجع إلى أنها تفيد الطهارة بالنسبة إلى شيء دون آخر، إذ هي عند التأمل ليست إلا أحكام شرعية، بل قد سلف لنا في ذلك المبحث من الكتاب المزبور ما يمكن استفادة اشتراط الطهارة في محل السجود
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب النجاسات- الحديث 3.
ج8،
من غير الإجماع، كبعض النصوص(1)المشتملة على اشتراط الصلاة على البارية أو السطح بتجفيف الشمس، بناء على إرادة ما يشمل السجود عليها من الصلاة فيها، ضرورة كون المفهوم حينئذ عدم جواز السجود عليها إذا لم تجففها الشمس و إن جفت بغيرها، بل قد يستفاد من
الصحيح(2)عن الرضا (عليه السلام) كون الحكم مفروغا منه، «كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب اليه أن الماء و النار قد طهراه»
بل ظني و الله أعلم إن لم يكن يقيني أن المقام من الأمور التي استغنت بضروريتها عن تظافر النصوص بها و عن سؤال الرواة عنها أو نقلهم إياها.
فظهر من ذلك كله أن احتمال عدم الاشتراط فيه أو الوسوسة فيه في غير محله، و ما أبعد ما بينه و بين المحكي عن أبي الصلاح من اشتراط طهارة محل غير الجبهة من المساجد السبعة، بل المرتضى اشتراط ذلك في سائر مكان المصلي و إن كان هما معا ضعيفين، إذ لم نجد للأول ما يصلح معارضا للأدلة السابقة المعتضدة بما عرفت سوى ما قيل من حمل المسجد، في جميع ما دل(3)على اشتراط طهارته على الجبهة و غيرها، و إطلاق بعض النصوص(4)التي تسمعها للثاني بعد خروج ما عدا ذلك منه بالإجماع و غيره، و فيه أنك قد عرفت كون العمدة في دليل الاشتراط في محل الجبهة الإجماع بقسميه، و هما معا لا يستفاد منهما غيرها، بل ربما يعطي بعض المحكي منها نفيه في غيرها، بل هو ظاهر مفهوم اللقب في عبارات الفقهاء الذي عليه مبنى الوفاق و الخلاف غالبا،
ج8،
و صحيح الجص(1)بناء على عدم إرادة الصلاة من السجود فيه لا يخفى ظهوره في إرادة محل الجبهة منه، بل هو المنساق إلى الذهن من هذه العبارة و شبهها، بل تعرف إن شاء الله في بحث السجود عدم مدخلية غير الجبهة في مسماه لغة و شرعا و إن وجبت حاله، كما أنك ستعرف حال الإطلاقات، و لم نجد للثاني سوى
خبر ابن بكير(2)عن الصادق (عليه السلام) «في الشاذكونة يصيبها الاحتلام أ يصلى عليها؟ قال: لا»
و
موثق عمار(3)سأله «عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر قال: لا يصلى عليه، و أعلم موضعه حتى تغسله»
و هما- مع احتمالهما الكراهة، و إرادة موضع السجود خاصة أو ما يشمله من الصلاة فيهما، و الأول منهما التعدية- قاصران عن معارضة ما عرفت من وجوه و إن أيدا بقوله تعالى(4)«وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» المحتمل لإرادة العذاب و الغضب، و بأن وجوب تجنيب المساجد النجاسة لكونها مواضع الصلاة الذي يمكن- بعد تسليمه و احتمال إرادة مواضع السجود من المساجد في أخباره- أن يكون العلة فيه صلاحيتها للسجود على أي موضع أريد منها، و بأن النهي عن الصلاة في المجزرة و المزبلة و الحمامات و بيوت الغائط لأنها مواطن النجاسة الذي يمكن- بعد إرادة الكراهة من النهي كما ستعرف- أن يكون العلة فيه ما فيها من مزيد الاستخباث و الاستقذار الدال على مهانة نفس من يستقر بها، فلا يلزم من منع الصلاة فيها المنع في غيرها مما لا ينتهي في الاستقذار إلى حدها، و بغير ذلك كالبأس في مفهوم بعض نصوص الحمام الآتية و نحوه مما لا يخفى ضعفه في مقابلة ما عرفت.
ج8،
نعم يعتبر عدم كون النجاسة متعدية إلى ثوبه و بدنه و نحوهما مما يعتبر في الصلاة طهارته بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، كما أن موثق عمار(1)المتقدم في بحث تطهير الشمس بل و غيره مما اشترط الصلاة فيه بالجفاف ظاهر أو صريح فيه، إلا أن المنساق من الجميع و الفتاوى خصوصا بعد ملاحظة ما استدلوا به عليه تفويت شرط الثوب و البدن للصلاة لا أنه من شرائط المكان حينئذ، و خصوصا بعد أصالة عدم شرط آخر، و النصوص و معاقد الإجماعات بعد احتمال كون المنع فيها لفوات طهارة الثوب و البدن لا دلالة فيها، إذ العام لا يدل على الخاص، فيبقى الأصل سالما، فيجب حينئذ اعتبار عدم تعدي ما لا يعفى عنه من النجاسة إلى ما لا يعفى عنه من الملبوس أو المحمول إن قلنا به، خلافا للمحكي عن ظاهر فخر المحققين من كونه ذلك من شرائط المكان حينئذ، بل عن إيضاحه دعوى الإجماع عن والده على عدم صحة الصلاة في ذي المتعدية و إن كان معفوا عنها فيها، بل ربما أيد بظاهر العبارات هنا المحكي على بعضها الإجماع، بل هو كالصريح من بعضهم كالذكرى و غيرها، لكن قد عرفت أن المنساق إلى الذهن خصوصا مع ملاحظة ما ذكروه من الأدلة على ذلك ما سمعت، و لا ينافيه التنصيص هنا على اشتراط عدم التعدية مع أنه راجع إلى ما ذكروه سابقا من اشتراط طهارة الثوب و البدن، إذ لعله لدفع ما يتوهم من التنافي بين الإطلاقين، و لذا لم يتعرضوا لأحكامه من السهو و النسيان و الجهل و العفو و غيرها، و ما ذاك إلا لإرادة التنبيه بذلك على الشرط المزبور الذي قد تقدمت أحكامه لا أنه من شرائط المكان.
على أنه قد يقال بمساواته للباس في جميع الأحكام، فيعفى عما يعفى عنه فيه مثلا كما استقر به الشهيد في الذكرى، فلا يتصور له حينئذ ثمرة معتد بها غالبا، قال: و لو كان المكان نجسا بما يعفى عنه كدون الدرهم دما و يتعدى فالظاهر أنه عفو لأنه لا يزيد
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب النجاسات- الحديث 4.
ج8،
على ما هو على المصلي، و على قول المرتضى لو كان على المكان أي ما يعفى عنه كدون الدرهم دما و لا يتعدى فالأقرب أنه كذلك لما قلناه، و يمكن البطلان لعدم ثبوت العفو هنا، و إن كان قد يناقش أولا بأنه لا تلازم بين العفوين بعد اختصاص اللباس منهما بالدليل، و لا تنقيح و لا أولوية، و من هنا كان المتجه فيما نقول باشتراط الطهارة فيه من المكان كمحل الجبهة عدم العفو فيه عما يعفى عنه في اللباس، خلافا له أيضا، قال:
لو سجد على النجس أو المغصوب فكالصلاة فيهما في جميع الأحكام و هو جيد في الثاني مطالب بالدليل في الأول، و ثانيا بما عرفت من عدم كون ذلك من شرائط المكان حتى في حال التعدي، فلا يتجه تفريعه الأول فضلا عن تعليله بأنه لا يزيد على ما هو على المصلي، ثم قال: و على قول المرتضى الظاهر أنه لا يشترط طهارة كل ما تحته، فلو كان المكان نجسا ففرض عليه طاهر صحت الصلاة، و قد رواه عامر القمي(1)عن الصادق (عليه السلام).
قلت: تسمع في أحكام المساجد جملة من النصوص(2)دالة على جواز اتخاذ الحش مسجدا إذا ألقي عليه من التراب ما يواريه، و نحوه يأتي على المختار أيضا بالنسبة إلى خصوص محل الجبهة، فلا بأس بنجاسة ما تحت المباشر منه كما صرح به الأستاذ في كشفه قال: و لا بأس بنجاسة ما تحت المباشر ما لم ينافي الاحترام كالملوث لأسفل التربة الحسينية، و لأسفل قرطاس مكتوب في وجهه الأسفل شيء من القرآن أو الأسماء المحترمة و نحوها، بل مطلق المتصل و إن لم يكن ملوثا لهما في وجه قوي لا يستند إلى النهي عن الضد، و إن كان لا يخفى عليك ما في استثنائه و أنه مبني على غير مسألة الضد، ثم قال أي الشهيد:
و لو سقط طرف ثوبه أو عمامته على نجاسة أمكن على قوله بطلان الصلاة اعتدادا بأن
ج8،
ذلك مكان المصلي، و قد بناء على ما ذكره قبل ذلك بقليل من أن الأقرب على قول المرتضى أن المكان ما لاصق أعضاء المصلي و ثيابه لا ما أحاط به في الجهات الأخر، لأنه المفهوم من المكان، قلت: هو و إن تبع في ذلك المحكي عن الإيضاح و تبعه عليه غيره، لكن قد يمنع عليه كونه المفهوم منه، ضرورة عدم صدقه على ملاقاة الجدار و نحوها مما لا استقرار فيه له و لثيابه.
و منه يعلم حينئذ ما في المحكي عن الفخر من أن الصدر و البطن و الفرج بين الأعضاء في حالة السجود على قول المرتضى و الجبائيين من المكان، و على تفسير أبي الصلاح ليس من المكان، فعلى الأول إن لاقى أبطل، و على الثاني لا يبطل، ضرورة أنه لا دلالة في اشتراط المرتضى طهارة مكان المصلي على إرادة ما يشمل ذلك منه، و لعله يخصه بالمفهوم منه عرفا، و هو محل ثقله من الأرض مثلا في أحوال صلاته، فلا يدخل فيه بعض ملاقاة البدن فضلا عن الثياب، بل لو لا أن العرف يقضي بتبعية الثياب للمصلي في نسبة المكان اليه لأمكن القول باختصاصه بخصوص مسقط البدن من الأرض، و لعله اليه يرجع المحكي عن حواشي الشهيد عن بعضهم من أنه عبارة عن موقفه و مقعده للتشهد أو الجلسة الاستراحة و موضع مساجده السبعة، ثم قال: و قيل: إنه ما يلاقيه بدنه و ثيابه من الموضع الذي هو فيه، و قيل: هو منسوب اليه لكونه مكان صلاته، فيدخل مما يحاذي صدره و بطنه في السجود، على أن ما ذكروه هنا للمرتضى لا يوافق المحكي عن الإيضاح عنه، قال فيه: إن للفقهاء في تعريف المكان باعتبار الطهارة عبارات، الأولى تفسير السيد أنه مسقط كل البدن، الثاني أنه ما يماس بدنه أو ثوبه من موضع الصلاة، و يلوح هذا من كلام الشيخ، الثالث أنه مساقط أعضاء السجود، و يلوح من كلام أبي الصلاح، و نسبه إلى والده أيضا، لقوله: و لا يشترط طهارة مساقط باقي
ج8،
الأعضاء، و لا دلالة فيه، بل هو رد لأبي الصلاح، الرابع أن الصلاة تشتمل على حركات و سكنات و أوضاع لا بد في الجميع من الكون، فالمكان هو ما تقع فيه هذه الأكوان، قال: و هو مذهب الجبائيين و المصنف في بعض أقواله، و تبعه في نسبة الأول للمرتضى في جامع المقاصد، و هو كالصريح في خلاف ما ذكروه هنا على قوله، كما أن الرابع لا يناسب ما نحن فيه كما اعترف به في الجامع، قال: لأنه لو كان في الهواء نجاسة جافة لم يعف عنها تماس بدن المصلي يلزم بطلان الصلاة بها على القول باشتراط طهارة المكان، و لا نعلم به قائلا، و لعله من ذلك يمكن أن يكون مرادهما بموضع الصلاة المذكور في التعريف ما يرجع إلى ما قلناه لا مطلق الملاقاة.
لكن قد يناقش في بعض هذه التفاسير للمكان، ضرورة ابتنائها على ما يعتبر طهارته منه في الصلاة لا أنه نفس المكان، إذ ليس هو عند أبي الصلاح مساقط أعضاء السجود خاصة قطعا، كما أنه ليس محل الجبهة عند غيره، فحينئذ يتبع الدليل على خصوص الدعوى، و مع فرض أن مقتضاه المكان كما يقوله المرتضى رجع في مصداقه إلى العرف و اللغة، لعدم الحقيقة الشرعية فيه قطعا، على أنه ليس في شيء من النصوص لفظ المكان، بل الموجود يصلى عليه و فيه و نحوهما، و لا ريب في الرجوع فيهما إلى العرف و اللغة.
و من ذلك يظهر ما في المحكي عن الإيضاح في وجه الفائدة لمعرفة المكان من أن نجاسة عين المكان إذا لم تتعد إلى الثوب المصلي و بدنه بالملاقاة في الصلاة لا تبطل، أما نجاسة موضع السجود إذا لاقى الجزء من الجبهة وحده في الصلاة فإنها تبطل عندنا، و أما عند من يشترط طهارة المكان فنجاسة جزء من المكان مع ملاقاة جزء من البدن أو الثوب مبطلة و إن لم تتعد، و لهذا الفرق احتاج الفقيه إلى مفهوم اسم المكان، و قد عرفت عدم مدخلية ذلك.
و لو كبر في مكان نجس تتعدى نجاسته عند السجود فانتقل عنه قبله فالمتجه على
ج8،
تقدير كونه شرطا للمكان أولا عدم بطلان صلاته إن قصد ذلك من أول الصلاة أو لم يقصد شيئا، لا أن قصد السجود فيه، فإنه يبطل على التقديرين في وجه تعرفه في بحث النية، كما أنه يبطل على التقديرين لو لم ينتقل إلى أن تعدت.
و لو كان في مسجد الجبهة نجاسة لا تتعدى أو على نفس الجبهة نجاسة معفو عنها و لم يستوعب المسجد و الجبهة بل بقي ما يكفي للسجود بشرطه فالمتجه عند المحقق الثاني و غيره عدم بطلان الصلاة إذا سجد على الطاهر، لعدم تحقق المنافي، و مقتضاه أنه و إن كان الموجود في الخارج من وضع الجبهة عليهما، و قد يناقش بإطلاق معاقد الإجماعات اشتراط طهارة محل الجبهة، و تدفع بأن المراد المعتبر من محل الجبهة، ضرورة كون الفرض حينئذ كوضع الجبهة على ما يصح السجود عليه و ما لا يصح، فإنه لا إشكال في الصحة مع فرض تحقق مقدار الواجب منها و ان قارنه غيره، و كونه وضعا واحدا لا مدخلية له في المقام، فتأمل.
و لو ضاق الوقت و انحصر الأمر في الفرض ففي كشف الأستاذ أعني السجود بمقدار ما يقارب محل السجود، و لا يلزمه الإصابة، و لا يكفيه مجرد الإيماء على الأحوط، و لو أمكن رفع مسجد طاهر لزم، قلت: يمكن القول بوجوب الإصابة عليه تحصيلا لكمال السجود إن لم نقل بسقوط شرطية الطهارة في الفرض، و لو كان بدنه من الجبهة و غيرها و ثيابه متلوثة بالنجاسة ففي كشف الأستاذ استوى المتعدي و غيره في الجواز في وجه يشتد ضعفه مع زوال العين و بقاء الحكم، و فيه أيضا و لو أزيل المانع من النجاسة عن المكان و أمكن التطهير أو التبديل من غير فعل مناف لزم و أتم، و إلا قطع و أعاد مع سعة الوقت، و مع ضيقه بحيث لا بقي بركعة أتم و لا قضاء، و أما البحث في الجهل بنجاسة محل الجبهة أو نسيانه فستعرف البحث فيه في أحكام الخلل، كما أنك تعرف إن شاء الله بعض الأحكام في بحث ما يسجد عليه، و الله أعلم.
ج8،
و تكره الصلاة في الحمام على المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الخلاف و الغنية الإجماع عليه، للنهي عنها المحمول عليها في مرسلي عبد الله بن الفضل(1)و
ابن أبي عمير(2)«عشرة مواضع لا تصل فيها: الطين و الماء و الحمام و القبور و مسان الطرق و قرى النمل و معاطن الإبل و مجرى الماء و السبخ و الثلج»
لضعف السند عن تقييد الإطلاقات و معارضة المحكي من الإجماعين، و
موثق عمار(3)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الصلاة في بيت الحمام فقال: إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس»
و حمله على إرادة المسلخ بقرينة ما في
صحيح علي بن جعفر(4)سأل أخاه موسى (عليه السلام) «عن الصلاة في بيت الحمام فقال: إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس يعني المسلخ»
إذ فهم مثله حجة ليس بأولى من الحمل على إرادة بيان الجواز، و فهم علي بن جعفر في خصوص الخطاب المزبور المحتمل اشتماله على قرائن الأحوال لا يقتضي إرادته من الخطاب الآخر، بل لعل حمل صحيح علي بن جعفر أولى مما فهمه هو، و دعوى حجية مثله بعد نقل اللفظ و ظهور كون التفسير اجتهادا لا نقلا يمكن منعها، على أن الذي صرح به غير واحد كون التفسير من الصدوق لا من علي بن جعفر، لكن المتجه على ذلك شمول الكراهة للمسلخ، ضرورة كونه منه عرفا، و ملاحظة مبدأ الاشتقاق فيه منافية للعرف، و لعله وجه التسمية الذي لا يعتبر اطراده، أو انه كان في الأصل كذلك ثم غلب، و كأنه لذلك لم يستثنه المصنف، بل هو الظاهر من معقد إجماع الخلاف، بل عن الأردبيلي أنه لا يبعد دخوله فيه، لكن صريح الفاضل و بعض من تأخر عنه كالمحكي عن السرائر و ظاهر التهذيب استثناؤه، و لعل التسامح في أمر الكراهة يؤيد الأول، و ليس العلة فيها مظنة النجاسة كي يتجه انتفاؤها بانتفائها، بل لعلها تكشف العورة أو
ج8،
المشغولية بورود الناس و صدورهم، بل في الفقيه لأنه مأوى الشياطين أو غير ذلك، فالنهي حينئذ على ظاهره، إذ احتمال كون العلة فيه النجاسة فيدور الحكم مدارها لا يجدي في رفع ظاهر النهي، و من هنا كان المتجه الكراهة فيه و إن كان نظيفا، إلا أن الظاهر خفتها فيه، فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين من دورانها على ذلك و عدمه لا يخلو من نظر.
نعم لا بأس بالصلاة على سطحه قطعا، للأصل السالم عن المعارض، و على كل حال فلا إشكال في عدم الحرمة من حيث الحمامية، و ما عن الكافي- من أنه لا يحل للمصلي الوقوف في معاطن الإبل و مرابط الخيل و البغال و الحمير و البقر و مرابض الغنم و بيوت النار و المزابل و مذابح الأنعام و الحمامات و على البسط المصورة و في البيت المصور، و لنا في فسادها في هذه الحال نظر- واضح الضعف، خصوصا ما ذكره من النظر في الفساد، ضرورة عدم الاشكال فيه بناء على الحرمة كما هو واضح، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في بيوت الغائط وفاقا للمشهور نقلا في المحكي عن التخليص إن لم يكن تحصيلا، بل في كشف اللثام عن الغنية الإجماع عليه و إن كنا لم نتحققه، اللهم إلا أن يكون أخذه من الإجماع فيها على المزبلة، و حينئذ يمكن الاستدلال عليه
بنهي النبي (صلى الله عليه و آله)(1)عن الصلاة في سبعة مواطن: «ظهر بيت الله و المقبرة و المزبلة و المجزرة و الحمام و عطن الإبل و محجة الطريق»
مؤيدا ب
قوله (عليه السلام) في خبر عبيد بن زرارة(2): «الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة»
و بأنه مظنة النجاسة، و مناف لتعظيم الصلاة، و بفحوى النهي(3)عنها إلى حائط ينز من
ج8،
بالوعة، و النهي(1)عنها إلى عذرة، و نصوص(2)عدم دخول الملائكة بيتا يبال فيه، أو فيه بول في إناء فلا يصلح للعبادة، و
صحيح زرارة و حديد بن حكيم الأزدي(3)سألا الصادق (عليه السلام) «عن السطح يصيبه البول و يبال عليه أ يصلى في ذلك الموضع فقال: إن كان تصيبه الشمس و الريح فكان جافا فلا بأس به إلا أن يكون يتخذ مبالا»
مضافا إلى التسامح، فالتأمل فيها حينئذ في غير محله، كالمحكي عن المقنعة من التعبير بعدم الجواز، و النهاية بالنهي، ضرورة عدم صلاحية ما عرفت لإثبات الحرمة، و يمكن إرادتهما الكراهة من ذلك، و قد سمعت كلام الحلبي بناء على إرادته ما يشمل بيوت الغائط من المزابل فيه، و على كل حال فضعفه واضح.
و كذا تكره في مبارك الإبل كما في المحكي عن التلخيص، و نحوه ما حضرني من نسخة النافع «المنازل» و المشهور في التعبير المعاطن كالنصوص(4)و كأن المصنف أشار بذلك إلى أن المراد بها المبارك كما عن الفاضل و الشهيد و غيرهما التصريح به، بل في التحرير عن الصحاح و في جامع المقاصد عن المنتهى أن الفقهاء جعلوا المعاطن هي المبارك التي تأوي إليها الإبل مطلقا، و عن السرائر ان أهل الشرع لم يخصوا ذلك بمبرك دون مبرك، قلت: بل أهل اللغة يعرفون من الفقهاء ذلك، فعن الأزهري انها في كلامهم المبارك، فما في الروضة تبعا للمشهور عند أهل اللغة من أنها مبارك الإبل عند الشرب ليشرب علا بعد نهل لا يخلو من نظر إن أراد بذلك قصر الكراهة عليه، مع أنه حكى في كشف اللثام عن العين- بعد تفسير العطن بما حول الحوض و البئر من
ج8،
مباركها- أنه قال «و يقال: كل مبرك يكون مألفا للإبل فهو عطن بمنزلة الوطن للناس، و قيل: أعطان الإبل لا تكون إلا على الماء، فأما مباركها في البرية فهي المأوى و المراح» و ظاهره حيث نسب الأخير إلى القيل اختيار الأول، و عن ابن فارس في المقاييس «العين و الطاء و النون أصل صحيح واحد يدل على إقامة و ثبات، و من ذلك العطن و المعطن، و هو مبرك الإبل، و يقال: إن إعطانها أن تحبس عند الماء بعد الورد، قال لبيد:
عافت الماء فلم تعطنهماإنما يعطن من يرجو العلل
و يقال: كل منزل يكون مألفا للإبل فالمعطن ذلك الموضع.
و لا تكلفي نفسي و لا تقلعيحرصا أقيم به في معطن الهون
و قال آخرون: لا تكون أعطان الإبل إلا على الماء، فأما مباركها بالبرية أو عند الحكي فهي المأوى و المراح، و هذا البيت الذي ذكرناه في معطن الهون يدل على أن المعطن يكون حيث تحبس الإبل في مباركها أين كانت، و بيت البيد يدل على القول الآخر، و الأمر قريب» انتهى. قلت: بل يناسب التعميم عدم تعقل الفرق بين المبارك الماء و غيرها، بل التعليل في المروي عن
دعائم الإسلام(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، لأنها خلقت من الشياطين»
و
النبوي(2)و إن كان عاميا قال: «إذا أدركتكم الصلاة و أنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها و صلوا، فإنها جن من جن خلقت، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها»
شاهد عليه، مضافا إلى التسامح، فالمعاطن أو الأعطان أو نحوهما حينئذ في المراسيل الثلاثة
ج8،
السابقة و صحيحي الحلبي(1)و ابن مسلم(2)و موثق سماعة(3)و خبري المعلى(4)و علي ابن جعفر(5)و غيرها و معقد صريح الإجماع المحكي عن الغنية و ظاهر المنتهى إن لم يكن معناها مطلق المبارك فمراد منها ذلك و لو بقرينة ما عرفت، بل لا فرق بين وجودها فيه و عدمه، لكن عن المنتهى انه استوجه عدم الكراهة في المواضع التي تبيت فيها الإبل في سيرها أو تناخ لعلفها أو وردها، و لعله يريد الذي لم يتخذ، مألفا، بل كان في السير و نحوه، و إلا كان واضح المنع، خصوصا في مناخ الورد الذي هو معنى المعطن أو من أفراده.
و كيف كان فلا ريب في الكراهة كما لا يخفى على من لاحظ نصوص المقام، و ما في بعضها(6)من نفي الصلاحية، و آخر(7)من لفظ الكراهة، و ثالث(8)من اعتبار الرش و الكنس و نظمه في سلك المعلوم كراهته، و إجماع الأصحاب و غير ذلك، فما سمعته من الحلبي من القول بالتحريم بل قيل: إنه ظاهر المقنعة واضح الفساد، مع احتمال إرادة الكراهة مما في المقنعة كالنهي في المحكي عن نهاية الشيخ، خصوصا بعد تصريحه في موضع آخر منها بالكراهة كما قيل.
ثم إن الظاهر خفة الكراهة بالكنس و الرش خصوصا إذا خاف على متاعه التلف لو صلى في غير ذلك، لكن ينبغي انتظار يبسه كما في موثق سماعة(9)و يحتمل العدم لإطلاق صحيحي الحلبي(10)و إمكان حمل موثق سماعة على اليبس في مرابض الغنم، و الأمر سهل، و الله أعلم.
و كذا تكره في مساكن النمل إجماعا في الغنية، و نصوصا، منها المرسلان
1) 1 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
6) 6 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
7) 7 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
8) 8 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
9) 9 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
10) 10 الوسائل- الباب- 17 من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
ج8،
السابقان(1)إذ هي المراد من القرى فيهما كما عن المحيط و فقه اللغة للثعالبي و السامي تفسيرها بالمأوى، لكن عن القاموس أنها مجمع ترابها، و في الصحاح و المحكي عن الأساس و الشمس جراثيمها أي مجتمعها أو مجتمع ترابها، و في
خبر عبد الله بن عطا(2)عن الباقر (عليه السلام) «هذا وادي النمل لا يصلي فيه»
و في المروي(3)عن
تفسير العياشي «هذه أودية النمال و ليس يصلى فيها»
مضافا إلى ما عن الصدوق من التعليل بأنها لا تخلو من التأذي بالنمل و اشتغاله بذلك، و لعل منه يمكن أن يتعدى إلى مطلق مساكن باقي الحيوانات مما يتأذى الواقف فيه منها، و الظاهر تحقق الكراهة في مسمى القرية و المسكن و الوادي و إن لم يكن فيه نمل ظاهر حال الصلاة، و الله أعلم.
و كذا تكره عند علمائنا في جامع المقاصد و المحكي عن المنتهى في مجرى المياه للمرسلين(4)و خبر المناهي(5)و
قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر أبي هاشم الجعفري (عليه السلام)(6): «لا تصل في بطن واد جماعة»
و في كشف اللثام لا فرق بين أن يكون فيه ماء أولا توقع جريانه عن قريب أولا، صلى على الأرض أو في سفينة، بل عن المنتهى و كذا لو صلى على ساباط تحته نهر يجري أو ساقية، ثم قال:
«و هل يشترط جريان الماء؟ عندي فيه توقف، أقربه عدم الاشتراط» و قال أيضا:
«و هل تكره الصلاة على الماء الواقف؟ فيه تردد، أقربه الكراهية» و عن التحرير نفي البأس عن الصلاة على ساباط يجري تحته نهر أو ساقية، و قرب الكراهية على الماء
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
2) 2 الوسائل- الباب- 20- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
5) 5 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
6) 6 الوسائل- الباب- 29- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
الواقف، و عن نهاية الأحكام أنه إن أمن السيل احتمل بقاء الكراهة اتباعا لظاهر النهي، قال في المدارك: لم أقف على ما ادعاه من الإطلاق، قلت: يمكن إرادته ما سمعت من قول أبي الحسن (عليه السلام)، بل الظاهر أن المراد بمجرى الماء محل جريان الماء و إن لم يكن جاريا فيه فعلا بل و لا متوقعا فيه كما سمعته من الكشف، فما عن البحار- من أن ظاهر الأخبار كراهة الصلاة في المكان الذي يتوقع فيه جريان الماء، و في المكان الذي يجري فيه الماء فعلا- لا يخلو من تأمل، و على كل حال فليس منه الساباط قطعا، بل و لا الماء الواقف، بل قد يتأمل في السفينة، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في أرض السبخة بفتح الباء واحدة السباخ، و هو ما يعلوها كالملح، و إن وقعت نعتا للأرض كسر الباء فيها، و ربما قرئت في نحو المتن بكسر الباء على إرادة الأرض ذات السباخ من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، و كيف كان فالمشهور بين الأصحاب ذلك، بل عن الخلاف و الغنية و ظاهر المنتهى الإجماع عليه، للنهي عنه في المرسلين السابقين المحمول عليها بالإجماع السابق، و في
خبر معمر بن خلاد(1)عن أبي الحسن (عليه السلام) «لا تسجد في السبخة»
و
سأل علي بن جعفر أخاه (عليه السلام) في المروي عن كتابه(2)«عن الأرض السبخة أ يصلى فيها؟ فقال: لا إلا أن يكون فيها نبت إلا أن يخاف فوت الصلاة»
و هي المرادة من المالحة أو مندرجة فيها في
خبر عبد الله بن عطا(3)في حديث «أنه سار مع أبي جعفر (عليه السلام) حتى إذا بلغا موضعا قال له: الصلاة جعلت فداك، فقال: هذا وادي النمل لا يصلى فيه حتى إذا بلغا موضعا آخر، قال له: مثل ذلك فقال:
هذه أرض مالحة لا يصلى فيها»
و كره
الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي أو حسنه(4)
ج8،
الصلاة في السبخة إلا أن يكون مكانا لينا يقع فيه الجبهة مستوية
، و
سأله في صحيحه(1)الآخر «عن الصلاة في السبخة فكرهه، لأن الجبهة لا تقع مستوية عليها، فقلنا فان كانت أرضا مستوية فقال: لا بأس فيها»
و
سأله (ع) أبو بصير أيضا في الموثق(2)«عن الصلاة في السبخة لم تكره؟ قال: لأن الجبهة لا تقع مستوية، فقلت: إن كان فيها أرض مستوية فقال:
لا بأس»
و
معلى بن خنيس(3)«عن السبخة أ يصلي الرجل فيها؟ فقال: إنما يكره الصلاة فيها من أجل أنها لا يستمكن الرجل يضع وجهه كما يريد، قلت: أ رأيت إن هو وضع وجهه متمكنا؟ فقال: حسن»
و هي المراد من الحرمة في
خبر ابن السري(4)«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لم حرم الله الصلاة في السبخة؟ فقال: لأن الجبهة لا تتمكن عليها»
أو تبقى على حقيقتها مع إرادة عدم تحقق الواجب من التمكن، بل لعله محتمل في كل خبر نهي عنها فيه مع ذكر التعليل و بدونه، بل و المشتمل على لفظ الكراهة مما سمعت، بل و
خبر يحيى بن أبي العلاء(5)المروي عن أمالي الشيخ قال: «سمعته (عليه السلام) يقول: لما أخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى نهروان و طعنوا في أرض بابل حين دخل وقت العصر فلا يقطعوها حتى غابت الشمس فنزل الناس يمينا و شمالا يصلون إلا الأشتر وحده، قال: لا أصلي حتى أرى أمير المؤمنين (عليه السلام) قد نزل يصلي، فلما نزل قال: يا مالك إن هذه أرض سبخة و لا تحل الصلاة فيها، فمن كان صلى فليعد الصلاة».
و أما احتمال الحرمة و إن حصل الواجب من التمكن فيها فلا ريب في بطلانه،
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب مكان المصلي الحديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 20- من أبواب مكان المصلي الحديث 7.
3) 3 الوسائل- الباب- 20- من أبواب مكان المصلي الحديث 10.
4) 4 الوسائل- الباب- 20- من أبواب مكان المصلي الحديث 3.
5) 5 المستدرك- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2 و في المستدرك عن يحيى بن العلاء الرازي.
ج8،
للنصوص المزبورة المعتضدة بالإجماع المحكي إن لم يكن محصلا، و إطلاق الأدلة، و خصوص
موثق سماعة(1)«سألته عن الصلاة في السباخ فقال: لا بأس»
و
المروي(2)عن العلل مستندا عن أم المقدام الثقفية عن جويرية بن مسهر قال: «قطعنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) جسر الصلاة في وقت العصر، فقال: إن هذه أرض معذبة لا ينبغي لنبي و لا وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل»
و نحوه عن
بصائر الدرجات، بل عن الفقيه(3)مرسلا عن جويرية «ان هذه أرض ملعونة عذبت في الدهر ثلاث مرات» قال: «و في خبر آخر مرتين»
مع ورود الأخبار بأن الأرض كانت سبخة، و لعله لهذا الخبر قال الصدوق في المحكي عن خصاله: «انه لا يصلي في السبخة نبي و لا وصي نبي، و أما غيرهما فإنه متى دق مكان سجوده حتى تتمكن الجبهة فيه مستوية في سجوده فلا بأس» و إن كان هو ضعيفا لم أجد من وافقه عليه إلا ما يحكى عن المجلسي من الميل اليه، إلا أنه في غير محله، لعدم صلاحية الخبر المزبور سندا و دلالة لقطع الإطلاقات، و أصالة الاشتراك، خصوصا بعد الاعراض عنه، على أنه لا ظهور فيه بأن امتناعه (عليه السلام) كان للسبخ، بل لعله للتعذيب، بل هو الظاهر منه، اللهم إلا أن يجعل السبخ علامة التعذيب كما يومي اليه ما عن علل محمد بن علي بن إبراهيم ابن هاشم من أن العلة في السبخة أنها أرض مخسوف بها، و احتمال إرادة أنه ينخسف و ينغمر فيها الجبهة و غيرها من الأعضاء بعيد جدا، و حينئذ فالظاهر و لو بقرينة خبر يحيى بن أبي العلاء المتقدم- إذ الظاهر اتحاد القضية فيهما- كون المراد أنه لا ينبغي للنبي
ج8،
و الوصي الصلاة من جهة شدة الكراهة لهما، أو لأنهما لا يفعلان إلا الراجح لا أن ذلك مختص بهما، و عن القاموس أن الصراة نهر بالعراق، و عن بعض النسخ الفرات، فلعله كان مكان جسر الحلة، و عن الفقيه و البصائر نهر سوري، و هو موضع بالعراق.
و على كل حال فما عن المقنعة من أنه «لا تجوز الصلاة فيها» و النهاية «لا يصلى» و العلل «باب العلة التي من أجلها لا تجوز الصلاة في السبخة» إن كان المراد منه الكراهة أو الحرمة حيث لا يحصل الواجب من التمكن فمرحبا بالوفاق، و إلا كان ضعيفا جدا، و يقوى في النفس بمشاهدة حصول الواجب من التمكن في الغالب من الأرض السبخة أن المراد من التعليل في النصوص السابقة كمال التمكن، بل قد يستفاد منه حينئذ كراهة تركه مطلقا و لو في غير السبخة، و حينئذ تزول الكراهة بحصول التمكن و لو بدق الأرض و تسويتها، و من هنا قيدها في المفاتيح و المحكي عن المبسوط و الوسيلة بما إذا لم يتمكن من السجود عليها، بل هو مقتضى استدلال غيرهم عليه بعدم حصول التمكن أو كماله، بل صرح بعضهم أنه إن تمكن فلا بأس، لكن قد يشكل بإطلاق كثير من الأصحاب و معاقد الإجماعات و بعض النصوص(1)و ما سمعته من التعليل السابق بأنها معذبة، مع التسامح في الكراهة، فيحتمل حينئذ إرادة الحكمة من التعليل المزبور، أو حصول الخفة معه لا زوالها أصلا، هذا.
و قد يستفاد من التعليل بالتعذيب و الخسف كراهة الصلاة في كل أرض عذاب أو خسف بل أو سخط عليها كما عن الحلي و الفاضلين و الشهيد التصريح، به و ربما يؤيده ما
عن النبي (صلى الله عليه و آله)(2)«انه لما مر بالحجر قال لأصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم».
ج8،
قيل: و من ذلك الصلاة في المواطن الأربعة: البيداء و ضجنان و ذات الصلاصل و وادي الشقرة، لأنها من المواضع المغضوب عليها، و أنها مواضع خسف، بل قيل:
إن ذات الصلاصل اسم الموضع الذي أهلك الله فيه النمرود، و ضجنان واد أهلك الله فيه قوم لوط، و البيداء هي التي يأتي إليها جيش السفياني قاصدا مدينة الرسول (صلى الله عليه و آله) فيخسف الله به تلك الأرض و في
خبر ابن المغيرة(1)المروي عن كتاب الخرائج و الجرائح «نزل أبو جعفر (عليه السلام) في ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرات: لا غفر الله لك، فقال له أبي: لمن تقول جعلت فداك؟ قال: مر بي الشامي لعنه الله يجر سلسلته التي في عنقه و قد دلع لسانه يسألني أن أستغفر له، فقلت له: لا غفر الله لك»
و
عن عبد الملك القمي(2)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: بينا أنا و أبي متوجهان إلى مكة من المدينة فتقدم أبي في موضع يقال له ضجنان إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرها فأقبل علي فقال: اسقني فسمعه أبي فصاح بي و قال: لا تسقه لا سقاه الله تعالى، فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته و طرحها على وجهه في أسفل درك الجحيم، فقال أبي: هذا الشامي لعنه الله تعالى»
و المراد به على الظاهر معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقة.
قلت: لكنا في غنية عن ذلك باستفاضة النصوص(3)في النهي عنها بالخصوص المحمول على الكراهة لقرائن متعددة، و بما عن الغنية من الإجماع على الكراهة في الأربعة، و الظاهر كما هو صريح بعضهم أنها أماكن مخصوصة، بل هو مقتضى جميع ما سمعته، بل لا ينبغي التأمل في البيداء و ضجنان منها، لتصريح النصوص(4)و غيرها
ج8،
بكونهما مكانين مخصوصين، بل في
خبر ابن أبي نصر(1)منها عن أبي الحسن (عليه السلام) قلت: «و أين حد البيداء؟ فقال: كان جعفر (عليه السلام) إذا بلغ ذات الجيش جد في السير ثم لا يصلي حتى يأتي معرس النبي (صلى الله عليه و آله)، قلت:
و أين ذات الجيش؟ فقال: دون الحفيرة بثلاثة أميال»
بل و ذات الصلاصل، ل
قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار(2): «الصلاة تكره في ثلاثة مواطن من الطريق:
البيداء، و هي ذات الجيش، و ذات الصلاصل و ضجنان»
و المراد طريق مكة من المدينة، كما يشهد له
المرسل(3)عن المقنعة قال: «قال (عليه السلام): تكره الصلاة في طريق مكة في ثلاثة مواضع: أحدها البيداء، و الثاني ذات الصلاصل، و الثالث ضجنان»
فيما عن السرائر و المنتهى من تفسير ذات الصلاصل بأنها الأرض لها صوت و دوي، و عن الشهيد من أنها الطين الحر المخلوط بالرمل، فصار صلصالا إذا جف أي يصوت إن كان المراد به التعميم لكل أرض كذلك فلا يخلو من إشكال أو منع، و إن كان المراد به وجه المناسبة أو بيان الأصل فلا بأس به.
أما وادي الشقر بفتح الشين و كسر القاف فعن السرائر أنه موضع مخصوص سواء كان فيه شقائق النعمان أو لم يكن، قال: و ليس كل موضع فيه شقائق النعمان تكره الصلاة فيه، ثم استند في ذلك إلى كلام ابن الكلبي، و يؤيده ما
عن مجمع البحرين في الحديث(4)«نهي عن الصلاة في وادي الشقرة»
بضم الشين و سكون القاف، و قيل بفتح الشين و كسر القاف موضع معروف في مكة، بل يؤيده أيضا تعليل الصادق (عليه السلام) النهي عن الصلاة فيه في موثق عمار(5)بأن فيه منازل الجن، اللهم إلا أن
1) 1 الوسائل- الباب- 23- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 23- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2 لكن رواه عن معاوية بن عمار.
3) 3 الوسائل- الباب- 23- من أبواب مكان المصلي- الحديث 9.
4) 4 الوسائل- الباب- 24- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 24- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
ج8،
يكون المراد أنهم ينزلون في كل مكان فيه شقائق النعمان، و هو المراد من وادي الشقرة كما عن بعض أصحابنا، و يؤيده التسامح في أمر الكراهة، و ظهور كون السبب مشغولية القلب، لكن يمكن كونه المكان المخصوص و إن قلنا بعموم الكراهة لذلك، و الأمر سهل.
و كذا تكره الصلاة في أرض الثلج كما ذكره غير واحد للمرسلين السابقين(1)و موثق عمار(2)و
صحيح هشام بن الحكم(3)المروي عن كتاب محمد ابن علي بن محبوب عن الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصلي على الثلج قال: لا، فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه و صلى عليه»
و عن
مشكاة الأنوار(4)للطبرسي «ان رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال له: أصلحك الله إني أتجر إلى هذه الجبال فنأتي أمكنة لا نستطيع أن نصلي إلا على الثلج، فقال (عليه السلام): ألا تكون مثل فلان يعني رجلا عنده يرضى بالدرن؟ و لا تطلب التجارة إلى أرض لا تستطيع أن تصلي إلا على الثلج»
بل لعله المراد من النهي عن السجود في خبري معمر بن خلاد(5)و داود الصرمي(6)عن أبي الحسن (عليه السلام)، لظهور إرادة الكراهة منه فيهما بقرائن متعددة التي لا تلائم إرادة السجود حقيقة عليه، لمعلومية عدم جوازه لا كراهته و إن أبيت فالنصوص الأول المعتضدة بفتوى من تعرض له كافية فيه، و لضعف بعضها سندا، و ظهور الكراهة في جميعها، بل لم أعثر على قائل بالحرمة هنا، و الإطلاقات وجب حمل النهي فيها على ذلك، و من الغريب احتمال بعض متأخري المتأخرين بقاء النهي فيها على حقيقة مع حمل الصلاة على ذات السجود عليه، فيكون الحرمة حينئذ
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
2) 2 الوسائل- الباب- 28- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
4) 4 المستدرك- الباب- 21- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 28- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 28- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
ج8،
متجهة، لعدم جواز السجود عليه، و مقتضاه حينئذ بقاء الكراهة بلا دليل، و فيه أنه لا دليل في الصلاة عليه على السجود عليه، بل الظاهر صدقها بدونه، بل التأمل في النصوص يقضي بالقطع بإرادة الصلاة عليه مع السجود على غيره مما يصلح السجود عليه، بل ظاهر موثق عمار و صحيح هشام السابقين بقاء الكراهة حتى لو فرض عليه فراشا إلا إذا لم يقدر على الأرض.
و كذا تكره الصلاة بين المقابر على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا بل عن الغنية و ظاهر المنتهى الإجماع عليه، جمعا بين ما يقتضي الجواز- من الأصل و الإطلاقات و الإجماع السابق المعتضد بما عرفت و خصوص
صحيح علي بن جعفر(1)سأل أخاه موسى (عليه السلام) «عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ فقال: لا بأس»
و
صحيح علي بن يقطين(2)«سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال: لا بأس»
بل و
صحيح ابن خلاد(3)عن الرضا (عليه السلام) «لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر بقبلة»
بناء على ما تسمع في تفسيره، ك
صحيح زرارة(4)المروي عن العلل قال لأبي جعفر (عليه السلام): «الصلاة بين القبور فقال: بين خللها، و لا تتخذ شيئا منها قبلة، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك، و قال: لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا، فان الله تعالى لعن الذين اتخذوا، القبور أنبيائهم مساجد»
خبر المناهي(6)«نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يصلي الرجل في المقابر و الطرق و الأرحية
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 26- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
6) 6 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
ج8،
و الأودية و مرابط الإبل و على ظهر الكعبة»
و
خبر عبيد بن زرارة(1)سمع الصادق (عليه السلام) يقول: «الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة»
و
خبر النوفلي(2)«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الأرض كلها مسجد إلا الحمام و القبر»
و
موثق عمار(3)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصلي بين القبور، قال: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل بينه و بين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه و عشرة أذرع من خلفه و عشرة أذرع عن يمينه و عشرة أذرع عن يساره ثم يصلي إن شاء»
و الشاهد الإجماع السابق المعتضد بما عرفت، و جمعه في المرسلين و غيرهما مع معلوم الكراهة بلفظ واحد، و عموم المجاز و إن كان جائزا إلا أنه محتاج إلى قرينة، و ليست، بل خلافها موجود، على أن شاهد الجمع يحتاج اليه بعد فرض تكافؤ الأدلة، و من المعلوم رجحان أدلة الجواز سندا و اعتضادا و دلالة، فيتعين حمل المنافي حينئذ على الكراهة التي هي بعد التسامح فيها أولى من الطرح، بل الظاهر انسياقها إلى الذهن بعد فرض رجحان المقابل، و صيرورته بذلك كالنص على الجواز مع معلومية كون كلامهم (ع) بمنزلة متكلم واحد و أن الخبر الوارد عنهم (ع) بالطريق المعتبر حجة علينا يعامل معاملة المسموع منهم.
و من ذلك يظهر أن الجمع بينهما بحمل ما دل على الجواز على حصول البعد المزبور للإطلاق و التقييد في غير محله، لعدم التكافؤ، مع أنه ينافيه صحيحا زرارة و معمر بناء على إرادة كونه بين يدي المصلي من الاتخاذ قبلة فيه، ضرورة اقتضائه منع ذلك فيه و إن حصل البعد المزبور، و لم يقل به أحد، نعم- بناء على إرادة استقبال أي جزء منه كالكعبة من الاتخاذ كما هو الظاهر المناسب للفظ الاتخاذ الظاهر في القصد القلبي، و لظاهر كون الشرط مع تحقق موضوع البينية، لا أن المراد منه استثناء بعض الأفراد
ج8،
منها، و لا شعار ذيل صحيح زرارة منهما بذلك،
كالمرسل(1)في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه و آله) «لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا، فان الله عز و جل لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
بل الظاهر إرادة ذلك من الاتخاذ قبلة فيه كالاتخاذ مسجدا، بل لعل المراد النهي عن البناء عليه معاملين له معاملة الكعبة في استقبال أي جزء منه، كما أن المراد من اتخاذه مسجدا بناؤه معاملا معاملة المساجد في الصلوات فيه و نحوها- يتجه حينئذ تقييد الصحاح الأربعة(2)ب الموثق المزبور(3)لو كان له مقاومة، فما عن سلار- من فساد الصلاة في المقابر، بل حكاه الشيخ في الخلاف قولا لبعض الأصحاب لنحو ما سمعت مما ذكرنا حمله على الكراهة- في غاية الضعف، بل يمكن دعوى سبقه بالإجماع في الجملة و لحوقه به.
كما أن ما عن المفيد و الحلبي من عدم جواز الصلاة إلى القبور للصحيحين المزبورين(4)كذلك أيضا، و إن اختاره في الحدائق مدعيا أنه هو الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار بحمل ما دل على الجواز على غير المتخذ قبلة للإطلاق و التقييد، بل لا معارض أصلا للمقيد منهما، إذ الموثق مؤكد له، نعم يراد منه الكراهة بالنسبة إلى غيره جمعا بينه و بين أدلة الجواز من الصحاح الأربعة و غيرها التي لا يمكن تقييدها بما في الموثق من التباعد عشرة أذرع كي يبقى النهي فيه على حاله بعد تقييد المتخذ قبلة به، و هو مستثنى منها، فلا محيص عن الجمع بالكراهة حينئذ، و لا مانع من إرادة القدر المشترك على عموم المجاز من نفي الجواز فيه، و الحرمة و الكراهة مشتركان في الرفع بما فيه من
ج8،
التباعد، إذ فيه- مع عدم التكافؤ كما عرفت، و إرادة الحرمة و الكراهة من لفظ «لا يجوز» في الموثق بلا قرينة، و أن أحد الصحيحين مع كون دلالته بالمفهوم لا يقتضي إلا ثبوت البأس الذي هو أعم من الحرمة، و احتمالهما معا التقية، لأنهم رووا نحوها، و عن أحمد منهم العمل بها- أنك قد عرفت كون المراد بالصحيحين الاتخاذ بالكعبة في استقبال أي جزء منه، لا أقل من تساوي الاحتمالين فيه، فلا يخرج بمثلهما عن أدلة الجواز المعتضدة بما عرفت.
على أنه قد يشكل باستفاضة النصوص في الصلاة خلف قبور الأئمة (عليهم السلام) ففي
خبر عبد الله الحميري(1)المروي في التهذيب «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟
و هل يجوز لمن صلى عند قبورهم (عليهم السلام) أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدم القبر و يصلي و يجعله خلفه أم لا؟
فأجاب و قرأت التوقيع و منه نسخت أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة، بل يضع حده الأيمن على القبر، و أما الصلاة، فإنها خلفه يجعل الإمام، و لا يجوز أن يصلي بين يديه، لأن الإمام لا يتقدم، و يصلي عن يمينه و شماله»
و مثله عن
الاحتجاج عن الحميري(2)عن صاحب الزمان (عليه السلام) إلا أنه قال: «و لا يجوز أن يصلي بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره، لأن الإمام لا يتقدم عليه و لا يساوى»
و
قال الصادق (عليه السلام) في خبر محمد بن البصري(3)المروي عن مزار ابن قولويه في حديث زيارة الحسين (عليه السلام): «من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله تعالى لقي الله يوم يلقاه و عليه من النور ما يغشى له كل شيء يراه»
و
عنه أيضا مسندا
ج8،
إلى هشام بن سالم(1)في حديث طويل أنه قيل للصادق (عليه السلام): «هل يزار والدك؟ قال: نعم و يصلي عنده، قال: و يصلى خلفه و لا يتقدم عليه»
و
عنه أيضا مسندا إلى الحسن بن عطية(2)عنه (عليه السلام) أيضا «إذا فرغت من التسليم على الشهداء أتيت قبر أبي عبد الله (عليه السلام) تجعله بين يديك ثم تصلي ما بدا لك»
قيل:
و هو مروي في الكافي أيضا.
و تقييد الصحيحين بما في هذه النصوص- فيستثنى حينئذ قبورهم (عليهم السلام) من الاتخاذ قبلة فيهما كما التزمه في الحدائق- فيه أولا أنه لا يقول به المفيد و من تبعه، بل ظاهره عدم الفرق بين القبور في منع الصلاة إليها، لأنه قال بعد إطلاق المنع: و قد قيل: لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام (عليه السلام) و الأصل ما ذكرنا، لكنه قال بعد ذلك بلا فصل: و يصلي الزائر مما يلي رأس الإمام، فهو أفضل من أن يصلي إلى القبر من غير حائل بينه و بينه على حال، و ظاهره الجواز لكنه مفضول، بل قد ينقدح من ذلك- لمساواته بين الامام و غيره- إرادة الكراهة من المنع في كلامه، بل لعل الحلبي كذلك، فتخرج المسألة حينئذ عن الخلاف، و يكون المحدث البحراني خارقا للإجماع بغير شيء يعول عليه. و ثانيا أنه لا يتم في صحيح زرارة الذي هو أحد الصحيحين المعتمد عليهما في تقييد أدلة الجواز، بل هو العمدة منهما باعتبار اشتماله على النهي بخلاف الآخر المقتضي لثبوت البأس في المفهوم، و هو أعم من المنع، ضرورة اقتضاء التعليل فيه مساواة القبور في منع الاتخاذ قبلة على وجه لا يصح تقييده بالنصوص المزبورة، و حمله على الكراهة ك
قول النبي (صلى الله عليه و آله)(3)فيما أرسله في الفقيه:
«لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا»
يقضي بإرادتها من المعلل حينئذ، و يتم المقصود
ج8،
حتى في الصحيح الآخر الذي يحمل البأس في مفهومه حينئذ على الكراهة، و احتمال خروج قبر النبي (صلى الله عليه و آله) من بين قبورهم- فيبقى على المنع كغيره من القبور لعلمه بدفن الفاجرين معه، أو لأن قبر النبي (صلى الله عليه و آله) هو الذي يخشى من اتخاذه قبلة و كون السجود له و الشبه بفعل السابقين- لا يقوله الخصم بل و لا غيره، و إن احتمله في المحكي عن البحار، إلا أنه لا يخفى بعده.
و كيف كان فلا ريب في أن الكراهة هي الأقوى، لكن في مصداق بين القبور الذي هو موضوع الحكم في النصوص، أما القبر الواحد و القبر ان فقد ألحقهما جماعة، بل عن الروض نسبته إلى الأصحاب، كما عن المنتهى أنه يلوح منه الإجماع و لعل الظاهر إرادة الجميع الصلاة على القبر و اليه، أما الأول فلما في
خبر يونس بن ظبيان(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبني»
بل لعله المراد أيضا مما في
حديث النوفلي(2)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «الأرض كلها مسجد إلا الحمام و القبر»
المراد منه استثناء أرض القبر من المسجدية التي هي بمعنى الصلاة عليها، بل لعله يندرج في قوله (عليه السلام) في مرسلي العشرة(3)في القبور على إرادة معنى «على» من لفظ «في» و الجمع مع الاستغراق شامل للواحد. و أما الثاني ف لنصوص الاتخاذ(4)بناء على تفسيرها بالاستقبال، أو أن احتماله كاف في الكراهة، خصوصا مع تأييده بفتوى من عرفت، و بما يشعر به بعض أسئلة قبور الأئمة (عليهم السلام) من معلومية مرجوحية استقبال
ج8،
غيرها، و أن غرض السائل كونها هي كذلك أولا، و الأمر بالتنحي ناحية في قبر الحسين (عليه السلام) فضلا عن غيره في
خبر أبي اليسع(1)المروي عن مزار ابن قولويه، قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا أسمع قال: إذا أتيت قبر الحسين (عليه السلام) أجعله قبلة إذا صليت قال: تنح هكذا ناحية»
و بغير ذلك. لا ما إذا كان يمينا أو شمالا أو خلف، للأصل بلا معارض، و احتمال أن المراد بموثق عمار(2)عدم كون القبر في جهة من الجهات، و البينية المذكورة فيه لا يراد منها اشتراط الكراهة بها كما ترى، و إن كان الحكم مما يتسامح به.
و أما القبران فلا ريب في تحقق البينية بهما حيث يكونان على اليمين و الشمال أو أماما و خلفا مثلا، و احتمال كون المراد بينية قبور بمعنى كون ما على جهة اليمين مثلا أقل جمع و الشمال كذلك ينفيه إرادة الاستغراق من الجمع المنسلخ منه معه معنى الجمعية، و لو لا لفظ البينية لاجتزأنا بالواحد، لكن معها يجب إرادة مصداقها في أفراد القبر، و لا ريب في تحققه هنا بالاثنين بعد القطع بعدم إرادة البينية بالنسبة إلى جميع القبور، كما أن احتمال اعتبار البينية المربعة في الكراهة بقرينة استثناء مقدار العشرة من الجهات الأربعة في الموثق- فلا يكفي حينئذ القبور على الجهتين في الكراهة فضلا عن القبرين- ينفيه ما في ظاهر عبارات الأصحاب من عدم اعتبار أزيد من صدق البينية، بل لعله مقطوع به من كلامهم، فينزل الموثق حينئذ على إرادة بيان التربيع حيث يكون، و منه يفهم البينية المثناة، هذا.
و قد ظهر من ذلك كله حينئذ أن الكراهة في الاستقبال و الاستعلاء و مصداق البينية، و قد تجتمع و قد تفترق، و ربما يقال نظرا إلى حديث المناهي(3)و خبر عبيد
ج8،
ابن زرارة(1)بالكراهة في مسمى المقبرة و إن لم يحصل فيها أحد الأمور الثلاثة، بل لعل عبارة المصنف و ما شبهها يراد منها بينية القبور فيها. بل لعل ذلك هو المراد من الموثق، و عليه حينئذ لا تفترق بينية القبور عن الصلاة في المقبرة بخلاف العكس، و إن أريد من الموثق بينية القبور و إن لم تكن في مقبرة حصل الافتراق منهما معا.
و على كل حال فالكراهة ثابتة في مصداق البينية إلا أن يكون حائل كما في النافع و المحكي عن الجامع و التحرير و الإرشاد و التذكرة و الكفاية، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب، كما عن ظاهر المنتهى الإجماع عليه، و لعله كذلك في الجملة، إذ معه يخرج عن مفاهيم ألفاظ النصوص و الفتاوى، و إلا لزمت الكراهة و إن حالت جدران، نعم ربما استشكل في المحكي عن المقنعة و نهاية الأحكام و التلخيص و البيان و اللمعة و إرشاد الجعفرية و الروضة من الاكتفاء به و لو عنزة بل عن جامع المقاصد أنه مستفاد من كلام الأصحاب، بل زاد في الأول كالمحكي عن الروض «قدر لبنة أو ثوب موضوع» و في الثاني «و ما أشبهها» بعدم الدليل، و قد يدفع بما في كشف اللثام و غيره من أنه عموم نصوص الحيلولة بها، و لعل المراد أخبار السترة(2)و نحوها، و إلا فلم نقف على نص في المقام في الحائل أصلا فضلا عنها، و كأنه لذا ترك ذكره في المحكي عن المبسوط و المفاتيح و اقتصر على العشرة أذرع، إلا أنك قد عرفت أنه لا ينبغي التوقف فيه في الجملة، أما المذكورات و نحوها فلعل الوجه فيها ما تسمعه إن شاء الله من أخبار السترة المبنية في الظاهر على أنه بها يخرج عن صدق اسم الصلاة إلى الإنسان مثلا بعد القطع بعدم إرادة المصداق المزبور و لو بعد مصاديق متعددة، بل المراد أنه هو أول المصاديق، و مع السترة تكون هي أول المصاديق مثلا، و نحوه يقرر في المقام،
ج8،
ضرورة عدم إرادة مصداق البينية كيفما كان و لو بعد مصداق بينيات متعددة قبلها، بل المراد أول مصاديق البينية، فمع فرض وجود الحائل يكون هو أول المصاديق.
نعم ينبغي أن يعتبر في الحائل كونه مما يلحظ بينيته و يعتد بها عرفا و لو بضميمة قصد الحيلولة به، فلا عبرة ببعض الأجسام الصغار، خصوصا إذا كانت من توابع الأرض و لا تلحظ بينيتها، و من ذلك يعلم أنه كما ترتفع كراهة البينية بذلك كذلك ترتفع كراهة «إلى» به أيضا، بل هو أولى بالفهم من نصوص السترة، و من هنا حكي عن المقنعة و البيان و الدروس و التصريح برفع الكراهة فيه بالحائل و لو عنزة أو لبنة أو ثوب، و كذا المراسم، هذا.
و قد ظهر مما ذكرنا أن المتجه في رفع كراهة بين المربعة حائلان: أحدهما في إحدى جهتي الإمام و الخلف، و الثاني اليمين و الشمال، أما المثناة فواحد، لكن حيث يكون الحائل في غير جهة الإمام قد يتجه بقاء الكراهة فيه من حيث الصلاة إليه، إذا أقصاه حينئذ أنه يكون كالقبر الواحد، و قد عرفت كراهة الصلاة إليه، أما كراهة «على» و «في» فلا يجدي الحائل من فراش و نحوه في صدقهما، فحينئذ لا ريب في بقاء الكراهة، نعم لو فرض عدم صدقهما بالاستعلاء و نحوه اتجه ارتفاعها كما هو واضح.
أو يكون بينه و بينها عشرة أذرع بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى أنه قد يفهم منه الإجماع عليه، بل في المدارك قطع به الأصحاب، قلت: لا ينبغي التوقف فيه بعد ذلك للموثق المزبور(1)الذي لا ريب في ظهوره بل صراحته باعتبار العشر من الجهات الأربع حيث تكون البينية مربعة بحيث لو نقص شيء منها في إحداها لم ترتفع في الجميع لا في خصوص الناقصة، و ليس بعد العشرة بينه و بين القبر في الجهة
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث- 5.
ج8،
يصيره كعدم القبر نحو ما سمعته في الحائل، و إلا لاجتزي في المربعة بعشرين، عشرة في الإمام، و عشرة في أحد الجانبين، ضرورة أنك عرفت سابقا عدم الكراهة في القبر في الخلف أو أحد الجانبين، فما في التذكرة و الوسيلة و المحكي عن النهاية و المبسوط و الجامع و الإصباح و نهاية الأحكام من اعتبار العشر في غير جهة الخلف في غير محله، بل لعله اجتهاد في مقابلة النص، و إن وجه في المحكي عن الروض بأنه إذا بعد عن القبور بعشرة أذرع في الجهات الثلاث لم يكن بين القبور و لا إلى القبر، لكن فيه ما أومأنا إليه سابقا من أن مقتضى ذلك عدم اختصاص الخلف، بل يجزي العشرون كما عرفت، و هو واضح الفساد بعد الموثق المزبور.
و احتمال أن ذلك بناء منهم على عدم الصلاة خلف القبر و يمينه و يساره و لو كان متحدا دون ما إذا كان خلفا، فاعتبار الثلاثين حينئذ في محله يدفعه أولا ما عرفت من عدم الدليل على اليمين و اليسار في القبر الواحد، و استنباطه من موثق عمار بالوجه الذي ذكرناه سابقا يقتضي اعتبار الخلف أيضا، لذكره في الموثق المزبور. و ثانيا أنه لا تلازم بين عدم الكراهة مع الوقوع خلفا مع عدم كونه أحد طرفي البينية و بين ثبوتها فيه حال كونه أحد طرفيها، فيحتاج حينئذ في رفع الكراهة عنه إلى البعد المزبور كما هو مضمون الموثق، و حيث قد عرفت سابقا عدم اعتبار التربيع فيه في الكراهة وجب حينئذ الاجتزاء في رفعها بالعشرين في المثناة.
هذا كله في رفع كراهة «بين» بذلك، أما «في» و «على» فلا يرتفعان بهذا البعد قطعا، بمعنى أنه لو فرض كونه على قبر أو في المقبرة و قد بعد عن القبور التي في جهاته الأربعة بالمقدار المذكور لم يجد في رفع كراهة كونه في المقبرة و على القبر، أما «إلى» فقد يقوى بملاحظة عبارات الأصحاب و ذيل الموثق ارتفاعها، مع احتمال البقاء، لأن الرفع من حيثية لا يلزمه الرفع من حيثية أخرى، لكن على الأول حينئذ
ج8،
يتجه استفادة ارتفاعها في المتحد المستقبل، ضرورة لزوم ارتفاعها مع البينية لارتفاعها بدونها، بخلاف الثاني، فيشكل حينئذ ارتفاعها بغير البعد الذي لا يجامع صدق الصلاة اليه، و احتمال أن التقدير في الموثق للكشف عن عدم صدق ذلك، و عدم صدق البينية عرفا مما يؤيد الأول، بل قد يؤيده غير ذلك أيضا مما يظهر بالتأمل، كما أنه به لا يحتاج إلى تكرار ما ذكرنا سابقا في نحو هذا التقدير في محاذاة النساء مما له تعلق في المقام، بل و لا يحتاج إلى بعض ما يذكر هنا في موضوع القبر و المعتبر فيه من السقط و الاجزاء و نحوها مما لا ينبغي للفقيه تضييع العمر في أمثالها، و ترك تحرير المهم مما تعرضت له النصوص و الفتاوى.
هذا كله في قبور غير الأئمة (عليهم السلام)، بل لعلها لا تندرج لمكان مزيد مزيتها في إطلاق القبور نصا و فتوى، فيبقى حينئذ حكمها مقصورا على الأصل و ما تقتضيه الأدلة بالخصوص، و تفصيل البحث فيها حينئذ أن الذي يظهر من الأصل و إطلاق الأدلة عدم البطلان بالتقدم عليها، بل لعل سكوت المعظم عن ذكر ذلك مع ظهور استقصائهم في
المندوبات و المكروهات كالصريح في ذلك، على أنه لم نجد في الأدلة ما يقتضيه سوى النهي في صحيح الحميري(1)السابق المعتضد بما سمعته في خبر هشام ابن سالم(2)المروي عن مزار ابن قولويه، بل و بالأمر بالصلاة خلفه أو عند الرأس في غيره من النصوص المتقدم بعضها(3)و يأتي الآخر(4)لكن التعويل عليه في قطع ما عرفت- بعد ظهور إعراض الأساطين عنه، إذ هم كما ستعرف بين راد للخبر من أصله، و بين حامل له على الكراهة- مما لا يلائم أصول المذهب، خصوصا مع ظهور
ج8،
التعليل فيه في غير الواجب من الأدب إن كان المراد من الامام فيه المعصوم (عليه السلام) إذ حرمة التقدم عليه في المكان الذي هو غير مناف للاحترام الواجب في زمن الحياة غير معلومة، فضلا عما بعد الموت، و فضلا عن كونه شرطا في صحة الصلاة، بل معلوم عدمها، و إن كان المراد إمام الجماعة فغرابة انطباقه على المعلل واضحة، و من هنا كان الأليق إرادة الأول، خلافا لما يظهر من غير واحد من الأصحاب، و حينئذ فيراد غير الواجب من الأدب منه كما عرفت، و عليه حينئذ يتم القول بكراهة التقدم.
و استحباب تركه باعتبار كونه من الآداب المندوب إليها، فمن الغريب ركون جماعة من متأخري المتأخرين إلى البطلان كالبهائي و غيره للصحيح(1)المزبور الذي لم يخص الصلاة بالنهي، بل مقتضاه مطلق التقدم و إن لم يكن في الصلاة، و لا غر ممن لم يتحرر عنده الطريقة منهم، أو لم يعض عليها بضرس قاطع، و عليه قد يقال بعدم البطلان في هذه الأزمنة لوجود الحائل من الصندوق و الثياب و الشبابيك و نحوها، و احتمال سريان حكم القبر إليها باعتبار معاملتها معاملته في التعظيم و غيره لا تساعده الأدلة.
و أما المحاذاة فهي أولى بالصحة من التقدم، خصوصا بعد صحيح الحميري الآمر فيه بالصلاة عن اليمين و الشمال، إذ احتمال عطف قوله (عليه السلام): «يصلي» فيه على «يتقدم» أو «يصلي» الأولى فلا يكون دالا على ذلك كما ترى مخالف للمعروف في تأدية هذا المعنى بإعادة النفي، و عدم الاتكال على النفي الأول بل تركه فيه قرينة على إرادة الإثبات من المعطوف، و دعوى أن رواية الاحتجاج(2)قرينة على إرادة ذلك منه يدفعها أولا أن المعنى المذكور مما لم يتعارف إرادته من مثل العبارة المزبورة اعتمادا على أمثال هذه القرائن. و ثانيا أن اليمين و الشمال في الصحيح أعم من المساواة في خبر الاحتجاج، فنفيها فيه لا يصلح قرينة على إرادة النفي من اليمين و الشمال فيه، نعم لو لا
ج8،
أنه قاصر أمكن تقييد الصحيح به، لكن لا ريب في قصوره، لضعفه، و اعتضاد الصحيح بإطلاق
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح جعفر بن ناجية(1): «صل عند رأس الحسين (عليه السلام)»
و في
خبر الثمالي(2)«ثم تدور من خلفه إلى عند الرأس، و صل عنده ركعتين- إلى أن قال-: و إن شئت صليت خلفه، و عند رأسه أفضل»
و في
خبر صفوان(3)«ثم تصلي ركعتين عند الرأس»
و في
خبره الآخر(4)«ثم صل عند الرأس ركعتين»
و في المروي
عن العيون مسندا إلى ابن فضال(5)قال:
«رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) و هو يريد أن يودع للخروج إلى العمرة، فأتى القبر من موضع رأس النبي (صلى الله عليه و آله) بعد المغرب فسلم على النبي (صلى الله عليه و آله) و لزق بالقبر ثم انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلي، فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريبا من الأسطوانة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه و آله) فصلى ست ركعات أو ثمان ركعات»
إلى غير ذلك من النصوص التي أفتى بمضمونها جماعة من الأصحاب في آداب الزيارة، فرفع اليد عن إطلاقها الذي يمكن دعوى أن أظهر أفراده المحاذاة لمكاتبة الحميري(6)الضعيفة كما ترى.
و من الغريب ما عن بعض متأخري المتأخرين من تحريم المساواة كالتقدم، للخبر المزبور(7)المعارض بما عرفت، و الجاري في تعليله ما سمعت، و المخالف للمشهور من جواز المساواة إن أريد من الامام فيه إمام الجماعة، على أنك قد عرفت عدم الحرمة في التقديم الذي هو أقوى شبهة منه من وجوه فضلا عنه، بل حمله على الكراهة كالتقدم.
1) 1 الوسائل- الباب- 69- من كتاب المزار- الحديث 5.
2) 2 المستدرك- الباب- 52- من أبواب المزار- الحديث 3 من كتاب الحج.
3) 3 البحار- ج 22- ص 159- 179 من طبعة الكمباني.
4) 4 البحار- ج 22- ص 159- 179 من طبعة الكمباني.
5) 5 الوسائل- الباب- 15- من كتاب المزار- الحديث 3 مع نقصان في الجواهر.
6) 6 الوسائل- الباب- 26- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 26- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
ج8،
بعد المعارضة بما سمعت لا يخلو من إشكال و إن كان مما يتسامح فيها، لأن معارضها أيضا الاستحباب و هو مما يتسامح فيه، و لكن لا ريب في أن الأحوط في تحصيل الندب و التجنب عن احتمال الكراهة الصلاة في جهة الرأس لكن لا على وجه المحاذاة و المساواة، و لعله هو الذي أومأ إليه في خبر أبي اليسع(1)السابق بالأمر بالتنحي عن الخلف ناحية.
أما الصلاة خلفها فقد يظهر من المفيد و غيره المنع، كما أن الذي يظهر من غيره من القائلين بالكراهة الكراهة فيها، و ربما أشكل على الجميع بالصحيح المزبور، و دفع بأنه ضعيف شاذ مضطرب اللفظ، و لعل الضعف لأن الشيخ رواه عن محمد بن أحمد بن داود عن الحميري، و لم يبين طريقه اليه، و رواه في الاحتجاج مرسلا عن الحميري، و الاضطراب لأنه في التهذيب ظاهر في الأمر بالصلاة عن يمينه و شماله و في الاحتجاج نهي فيه عن التقدم و المساواة، و لأنه في التهذيب كتابه إلى الفقيه، و في الاحتجاج إلى صاحب الأمر (عليه السلام)، و قد يجاب بأن الظاهر من الشيخ في الفهرست كون الواسطة بينه و بين الراوي جماعة المفيد و الحسين بن عبد الله و أحمد بن عبدون، فيكون الخبر صحيحا كما وصفه غير واحد، كما أن الظاهر تعدد الخبرين لا أنه خبر واحد مضطرب اللفظ، أقصاهما المخالفة بالإطلاق و التقييد، فطرحه حينئذ حتى بالنسبة إلى الحكم بندب الخلف أو جوازه من غير كراهة- مع اعتضاده بما سمعته من النصوص و فتوى جماعة لنصوص النهي عن الاتخاذ قبلة التي بعضها يمكن دعوى عدم شموله لقبورهم (عليهم السلام) فليس حينئذ إلا المرسل النبوي الواقع في ذيل صحيح زرارة(2)الذي قد ذكرنا احتماله كغيره من نصوص الاتخاذ إرادة المعاملة معاملة الكعبة، بل قيل بموافقته لروايات العامة و فتوى بعضهم بالحرمة، و قد جعل الله الرشد في خلافهم- مخالف لأصول المذهب
ج8،
و طريقته، على أنه ربما احتمل الفرق بين قبر النبي (صلى الله عليه و آله) و غيره من الأئمة (عليهم السلام)، فيقتصر في النهي عن الاستقبال على الأول، لأنه مضمون المرسل، و لأن الشبه بالمعبودية فيه أتم، و كونه كفعل السابقين بأئمتهم، و إن كان هو في غاية البعد، بل ظاهر التعليل في ذيل خبر زرارة خلافه، بل صورة المعبودية في أمير المؤمنين (عليه السلام) أتم باعتبار ضلال جمع من الناس و دعواهم فيه الربوبية.
فالقول حينئذ بعدم الكراهة في الجميع هو المتجه، و كأنه لخصوصيتهم (عليهم السلام) على باقي الناس، فاغتفر صورة معبوديتهم دون غيرهم، بل قد يظهر من الأمر به في النصوص السابقة ندبه، بل هو كالصريح من بعض أخبار الحسين (عليه السلام) بل في منظومة الطباطبائي أن الصحيح و غيره صريح في ذلك، لكن الجزم به- مع احتمال كون المراد من الأمر به رفع الكراهة، لأنه في مقام توهمها أو عدم التقدم، خصوصا مع ملاحظة خبر أبي اليسع المشتمل على الأمر بالتنحي عنه ناحية- لا يخلو من إشكال، و ربما احتمال اختصاص قبر الحسين (عليه السلام) بالندبية، للأخبار السابقة فيه، و لا ريب في أن الأحوط في تحصيل المندوب و في غيره الصلاة في جهة الرأس من غيره محاذاة.
و الظاهر عدم الفرق فيما ذكرنا بين الفريضة و النافلة ركعتي الزيارة و غيرها، لإطلاق الصحيح المنبئ عن الحكمة التي ذكرناها، فما يظهر من بعض الأصحاب من قصر موضوع البحث على النافلة في غير محله، خصوصا بعد ملاحظة معلومية الفرق بين قبورهم (عليهم السلام) و قبور غيرهم، فإنه لا مجال حينئذ لتوهم المشاركة، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في بيوت النيران على المشهور بين الأصحاب، بل عن الذكرى و جامع المقاصد نسبته إليهم، بل عن الغنية الإجماع عليه، لكن ظاهرها إرادة المعابد منها و لذا عمم الحكم مدعيا الإجماع عليه لغيرها من معابدهم، بل في
ج8،
كشف اللثام أنه ظاهر المعتبر، لقوله: «و في بيوت النيران و المجوس إلا أن ترش» و في المدارك «ان الأصح اختصاص الكراهة بموضع عبادة النيران، لأنها ليست مواضع رحمة، فلا تصلح لعبادة الله» قلت: و لعله يمكن تنزيل المطلق من عبارات الأصحاب عليه، لكن صرح ثاني المحققين و الشهيدين و سيد المدارك بأن المراد المعدة لإضرام النار بها عادة و إن لم تكن موضع عبادة، بل صرح الأولان بأنه على ذلك لا فرق بين وجود النار حال الصلاة و عدمه، و كأنهم أخذوه من إطلاق اللفظ، و تعليل المشهور الكراهة كما قيل بأنه تشتبه بعبادها، و إن استضعفه في المدارك، و فيه أن الإطلاق منصرف إلى الأول، و التعليل لا ينافي الاختصاص، بل ظاهر كشف اللثام أن مفاده الاختصاص، و حينئذ يتجه الحكم بالكراهة للإجماع المزبور و المعتضد بما عرفت، و بتعليلي المشهور و المدارك، بل و بالمحكي من علل محمد بن علي بن إبراهيم من أن العلة في كراهة الصلاة في بيت فيه صلبان أنها شركاء يعبدون من دون الله، فينزه الله تعالى أن يعبد في بيت يعبد فيه من دون الله، على أنه يمكن القول بالتعميم بعد التسامح بأن الصلاة في غير المعابد من بيوت النيران كالفرق و الأتون و المطابخ و نحوها أقرب إلى معنى التشبه بهم من الصلاة في نفس المعابد، فمع فرض كراهة التشبه بهم- كما يظهر معلوميته بين الأصحاب من التعليل المزبور، بل يومي اليه في الجملة ما تقدم في أخبار الجنائز(1)من تعليل النهي عن اتباع الجنازة المشيع بأنه من عمل المجوس الكاشف من أن المراد في الأمر بمخالفة أهل الكتاب في غيرها من أخبارها كراهية المشابهة لهم- يتجه حينئذ الحكم بتعميم الكراهة، لكن مع عدم إرادة خصوص الصلاة من بين أفراد المشابهة، اللهم إلا أن يدعى من مرجوحية التشبه بهم فيها بالخصوص، أو يستند في الكراهة إلى
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب الدفن- الحديث 6 من كتاب الطهارة.
ج8،
فحوى ما تسمعه من النهي(1)عن الصلاة إلى النار المضرمة المستفاد من بعض النصوص فضلا عن الانسياق أن الحكمة فيه صورة عبادة النار، فلعل مثلها يتأتى في المقام، لكن من المعلوم زوال الكراهة بزوال نسبة الإضافة، كما أن المعلوم ثبوتها على التقدير المزبور فيما اعتيد إضرام النار فيه و إن لم يكن أحد من أول الأمر له، نعم يعتبر في صدق النسبة فيه على الظاهر تكرر الاضرام فيه حتى يصلى إلى حد النسبة عرفا، أما المعد فقد يحتمل الاكتفاء بإعداده و كونه مما يضرم فيه النار عرفا عن الاضرام فيه، فضلا عن تكرره ما لم يعدل بالقصد فيه إلى أمر آخر غيرها بحيث تنتفي النسبة عرفا، و في إلحاق أمكنة النار عرفا في الصحراء و نحوها مما لا يسمى بيتا بالبيوت وجه.
و على كل حال فيما عن المقنعة و النهاية من التعبير بلا يجوز يظن إرادة الكراهة منه، إذ قد عرفت التكلف في دليلها فضلا عن عدم الجواز، و احتمال خفاء الدليل في زماننا دون زمانهم مستبعد جدا، و منه ينقدح عدم خلافهما في جملة مما نسب إليهما لهذا التعبير، كما أن مما ذكرنا يعلم ما في المحكي عن الحلبي من التعبير بعدم حل الوقوف فيها، و أن له في الفساد نظرا، و الديلمي من عدها في الضرب الذي لا تجوز فيه الصلاة بل تفسد، و الصدوق من الحرمة، مع أن الأخير لم يثبت، و الجمع بين الحرمة و احتمال عدم الفساد من الأول معلوم البطلان عندنا، و ضعف الجميع بعدم الدليل على ذلك واضح، لما عرفت من أنه لا دليل إلا على كراهة ما سمعت بالتكلف المزبور.
و على كل حال هو لا يشمل سطوحها، و لذا حكي عن غير واحد التصريح بنفيها عن الصلاة عليها، نعم مقتضاه كإطلاق الفتاوى بقاؤها و لو مع الرش، فما سمعته عن المعتبر- بناء على رجوع الاستثناء فيه إلى ما يشمله، و لذا استظهر منه ما عرفت-
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1 و 2.
ج8،
لم نقف له على دليل، و لعل هذا يؤيد رجوعه إلى الأخير، فيكون الاستظهار السابق منه لا يخلو من منع، و الأمر سهل.
و كذا في بيوت الخمور إذا لم تتعد اليه نجاستها أي إلى ما يشترط طهارته فيها على المشهور نقلا في المحكي عن المختلف و تخليص التلخيص إن لم يكن تحصيلا، لكن الموجود في
موثق عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) الذي هو المستند على الظاهر «لا يصلى في بيت فيه خمر أو مسكر، لأن الملائكة لا تدخله»
فكان الأولى التعبير به كما عن الدروس و إرشاد الجعفرية، إذ الخمر في المتن و غيره و إن أمكن إرادة ما يشمل المسكر منه إلا أن من الواضح صدق ما في النص على غير المعتاد لذلك، كصدق ما في المتن على المعتاد المعد له غير الموجود فيه فعلا، و لو تكلف لكراهة الأخير بأنه من مظان النجاسة، و بعيد عنه الرحمة، و أنه عبر بذلك لشموله ففيه بعد التسليم أنه مفوت لكراهة غير المعد من البيوت و فيه الخمر المستفاد من الموثق المزبور، فهو أولى بالتعرض منه، اللهم إلا أن يكونوا قد فهموا من قوله (ع): «فيه خمر» الدوام و الاتصال و الاعتياد نحو ما تسمعه إن شاء الله في بيت فيه مجوسي، فيحسن حينئذ منهم التعبير بيوت الخمر، كقولهم: بيوت المجوس.
و في إلحاق بيت الفقاع أو بيت فيه الفقاع احتمال ينشأ مما في النصوص(2)من خمر مجهول، فهو مندرج فيه فيما جاء من الشارع، أو ثابتة له أحكامه التي منها ما نحن فيه، و على كل حال فالموثق المزبور بعد ظهور الكراهة من تعليله و إعراض المعظم عن ظهور التحريم منه قاصر عن تقييد إطلاقات الجواز و عموماته، خصوصا بعد
ج8،
اعتضادها بما عن المقنع من أنه روي(1)أنه يجوز، فما عن الفقيه و المقنع و المقنعة و النهاية و المراسم من التعبير بلا يجوز، بل عن المراسم منها التعبير بالفساد مع ذلك لا ريب في ضعفه إن لم يرد منه الكراهة، و إن كان المحكي من عبارة فقه الرضا (عليه السلام)(2)نحو ما عن الصدوق من النهي عن الصلاة في بيت فيه خمر محصور في آنية(3)لكنه مع إمكان حمله على الكراهة أيضا غير حجة عندنا، على أنه قد يستبعد من الصدوق إرادة الحرمة مع تجويزه الصلاة في الثوب الذي فيه الخمر لطهارته عنده، و احتمال عدم البعد مع النص يدفعه أنه هو مما يدل على نجاسة الخمر كغيره من نصوصها، إذ لا صراحة فيه بذلك مع الحكم بالطهارة كي يلتزم به، فكان الواجب عليه بعد اختياره الطهارة طرحه كغيره من نصوص النجاسة، لا التزام البطلان مع القول بالطهارة الذي هو في غاية البعد عن مذاق قواعد الشريعة، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في جواد الطرق على المشهور بين الأصحاب، بل عن الغنية و المنتهى و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، ل
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية(4): «لا بأس أن يصلى بين الظواهر و هي الجواد جواد الطرق، و يكره أن يصلى في الجواد»
و
صحيح الحلبي أو حسنه(5)«لا بأس أن تصلي في الظواهر التي بين الجواد، فأما الجواد فلا تصل فيها»
جواب سؤاله عن الصلاة في ظهر الطريق، و
محمد بن مسلم(6)«لا تصل على الجادة و اعتزل على جانبيها»
جواب سؤاله عن الصلاة في السفر، ك
قوله (عليه السلام)(7)في خبره أيضا: «لا تصل على الجادة
1) 1 الوسائل- الباب- 21- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
2) 2 المستدرك- الباب- 16- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 21- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي الحديث 2.
6) 6 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي الحديث 5.
7) 7 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي الحديث 8.
ج8،
و صلى على جانبيها»
جواب سؤاله عن الصلاة على ظهر الطريق أيضا، و
خبر الفضيل ابن يسار(1)«لا تصل على الجواد»
و لعلها المراد من مسان الطرق في مرسلي العشرة(2)و من قارعته في
مرسل الخصال(3)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «ثلاثة لا يتقبل الله لهم بالحفظ: رجل نزل في بيت خرب، و رجل صلى على قارعة الطريق، و رجل أرسل راحلته و لم يستوثق منها»
و في
خبر علي بن مهزيار(4)«و يتجنب قارعة الطريق»
و بها عبر في المحكي عن نهاية الأحكام، بل و من الطرق في مرسلي العشرة(5)و خبر المناهي(6)و البيان و اللمعة و المنظومة، لكن
قال الرضا (عليه السلام) في خبر محمد بن الفضيل(7)«كل طريق يوطأ و يتطرق كانت فيه جادة أم لم تكن لا ينبغي الصلاة فيه، قلت، فأين أصلي؟ قال: يمنة و يسرة»
و
موثق ابن الجهم(8)«كل طريق يوطأ فلا تصل عليه، قال: قلت: إنه روي عن جدك أن الصلاة على الظواهر لا بأس بها، قال: ذلك ربما سايرني عليه الرجل، قال: قلت: فان خاف الرجل على متاعه قال: فأن خاف فليصل».
قلت: و منه يعلم أن المراد بالظواهر التي نفي البأس عن الصلاة فيها في الصحيح السابق- بل و في القواعد و المحكي عن المبسوط و الوسيلة و التذكرة و نهاية الأحكام و المنتهى و غيرها- الأراضي المرتفعة عن الطريق حسا أو جهة التي لا تندرج تحت اسم الطريق و إن كانت بينه، و كأنه أحد الإطلاقين لها، و إلا فقد صرح في صحيح معاوية بأنها الجواد، و المراد بها حينئذ الطرق الواضحة، نعم قد يستفاد شدة الكراهة في الجواد
1) 1 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 10.
2) 2 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 23- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
5) 5 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 25- من أبواب مكان المصلي- الحديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
8) 8 الوسائل- الباب- 19- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
ج8،
باعتبار اختصاصها بالنهي في النصوص المزبورة، مع أنها من الطريق الذي تكره الصلاة فيه، هذا إن لم نقل بشهادة العرف، و لا ينافيه الأمر بالصلاة على الجانبين و يمنة و يسرة بعد إمكان إرادة ما يوافق ذلك منها لا ما كان متصلا بالجادة منهما مما قد يستطرق، فلا معارضة حينئذ بين نفي البأس عن الظواهر و النهي عن مطلق الطريق حتى يحتاج إلى ما في الرياض من الجمع بتفاوت مراتب الكراهة بالنسبة إلى الجادة و الظواهر المنافي بحسب الظاهر نفي البأس المزبور في النص و الفتوى، ضرورة أولوية ما أشار إليه الرضا (عليه السلام)(1)من الجمع مما سمعت منه، (بل يقوى)(2)أن المراد بالجواد بل و القارعة و المسان الطرق، و إلا كانت الكراهة في الجميع على مرتبة واحدة، بل به تجتمع حينئذ جميع النصوص و الفتاوى، و ربما يشهد له في الجملة ما عن ابن الأثير من تفسيره القارعة في خصوص خبر النهي بنفس الطريق بعد أن فسرها بالوسط في غيره، بل قال: و مسان الطرق ما يستطرق منها، لكن عن القاموس و الديوان تفسير الجادة بمعظم الطريق، و في كشف اللثام أي الطريق الأعظم المشتمل على جدد: أي طرق كما حكاه الأزهري عن الأصمعي، و في المغرب المعجم أنها معظم الطريق و وسطه، فيحتمل تفسير المعظم بالوسط، و نحو منه المصباح المنير، قلت: فيوافق حينئذ ما حكاه هو أيضا عن المجمل و المقاييس و الشمس و النهاية و الجزرية من تفسير جواد الطرق بسوائها: أي وسطها المسلوك أيضا من الجد: أي القطع، لانقطاعه مما يليه، أو من الجدد: أي الواضح كما عن العين و المحيط و السامي، و في المدارك و عن غيرها جواد الطرق هي العظمى منها التي يكثر سلوكها إلا أنه على ذلك ينبغي تخصيص الكراهة في
ج8،
عبارة الأكثر بوسط الطريق، لاقتصارهم على ذكر الجواد، فالصلاة في نفس الطريق الخارج عن الوسط حقيقة أو عرفا لا كراهة، فيها، و هو كما ترى يمكن القطع بخلافه من النصوص و من حكمة الكراهة في المقام.
و من هنا لم يبعد إرادتهم الطريق من الجهادة، بل قد يشهد له أيضا مضافا إلى ما عرفت ظهور النصوص في مقابلة الجواد بالظواهر، و قد بان من موثق ابن الجهم(1)أن المراد بالظواهر المنفي عنها البأس ما لا تدخل تحت اسم الطريق، فالمراد بالجواد حينئذ ما دخل تحت اسمه.
و كيف كان فلا ريب في إرادة الكراهة من النهي المزبور بعد الأصل و إطلاقات الصلاة و عموم مسجدية الأرض و الإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة، و التعبير بلفظ «يكره» و «لا ينبغي» في الخبرين السابقين الذي إن لم يكن حقيقة في إرادة المعنى المصطلح فلا ريب في ظهوره فيه و لو بضميمة ما عرفت، و درجة في معلوم الكراهة عندنا في مرسلي العشرة و خبر المناهي و مرسل الخصال، بل لا ينكر ظهور الأخير كما لا يخفى على العارف بلغاتهم (عليهم السلام)، فما عن الفقيه «لا تجوز في مسان الطرق و جواده» و المقنعة و النهاية «لا تجوز في جواد الطرق، و أما الظواهر فلا بأس» ضعيف إن لم يريدوا بذلك الكراهة أيضا، و إن احتج لهم في كشف اللثام بظاهر الأخبار الكثيرة التي لم يظفر بمعارض لها إلا عموم مسجدية الأرض في خبري النوفلي(2)و عبيد بن زرارة(3)إلا أنك قد عرفت غير ذلك مما يعارضها.
ثم لا يخفى أن مقتضى إطلاق النص و الفتوى عدم الفرق في الجواد أو الطرق بين كثرة الاستطراق و قلته، إلا أن يهجر، فلا يطلق عليه اسم الطريق و الجهادة فعلا،
ج8،
و لا بين وجود المارة أو ترقبها و عدمهما، و حكمة الحكم لا يجب اطرادها و لا يدور عليها، خصوصا مع عدم ذكر النصوص لها في صورة العلة، نعم عن كشف الالتباس و الروض و المسالك و البحار انه لو تعطلت المارة اتجه التحريم و الفساد، و قيده في المدارك بما إذا كانت موقوفة لا محياة لأجل المرور، ثم قال: و يحتمل عدم الفرق، قلت: كأنه لحظ في الأول أن له التصرف بما يريد و إن حرم عليه منع الغير من الاستطراق، و إثمه في الثاني لا يرفع الاذن في الأول و إن كان هو مقدمة له، و لا دليل على حرمة التصرف عليه في هذا الحال، و لذا لو منع المارة بغير فعل الصلاة ثم صلى حاله لم يكن إشكال في الصحة، لكن ذلك كله في المحياة، أما الموقوفة للاستطراق فلا ريب في تحقق الغصبية فيها، ضرورة كون صلاته في هذا الحال تصرفا منافيا لغرض الواقف، فيحرم الكون حينئذ كالدار المغصوبة، قلت: يمكن دعوى مثله في الأول أيضا بأن يقال أن له التصرف غير المنافي للاستطراق، أما هو فمحرم أيضا، فتبطل الصلاة كالكون في الدار المغصوبة، و يكفي في الدليل على ذلك حرمة الضرر و الإضرار فضلا عن غيره، و فرق واضح في المقدمات بين كونها أفرادا للمنهي عنه و عدمه، و لعل ما نحن فيه من الأول، و بالجملة فالمسألة مبنية على كون المقام من مسألة الضد أو الصلاة في الدار المغصوبة، لا أنه المحرم أمر خارجي عن الصلاة، كما يقال مثله في المسجد على ما عرفت سابقا، و كيف كان فالمنساق من النصوص كون المراد بالطرق في البراري و نحوها لا المدن، إلا أن ظاهر بعض الأصحاب بل صريح آخر عدم الفرق، و يؤيده أنه مقتضى الحكمة المفهومة في المقام، بل فيها أشد، بل هو مقتضى عموم الخبرين السابقين و غيرهما بل لذلك قيل بشمول الحكم للطرق المرفوعة مع إذن أربابها و إن كان لا يخلو من إشكال، و أشكل منه تعدية الحكم لبعض الطرق في الدار و نحوها، لعدم انسياقه من الطريق، و إن كان التعميم للخبرين مع التسامح في الكراهة لا يخلو من وجه، اللهم إلا أن
ج8،
يكون مثله تسامحا في التسامح، و الله أعلم.
و كذا تكره الصلاة في بيوت المحبوس على المشهور بين الأصحاب، بل عن جامع المقاصد نسبته إليهم في أثناء كلامه، كما أن فيه نسبة تعليل ذلك بأنها لا تنفك عن النجاسة إليهم أيضا، لكن لا يخفى عليك أن مقتضاه عدم الاختصاص بالمجوس، بل و عدمها على فراش المصلي و نحوه، و هو مخالف لظاهر العبارات، و من هنا ربما توقف بعضهم فيها، بل كأنه ظاهر كشف اللثام حيث قال: إنما ظفرت
بأخبار سئل فيها الصادق (عليه السلام) عن الصلاة(1)فقال: «رش و صل»
أي و هي لا تقضي بالكراهة بل باستحباب الرش.
و لذا كان لا بأس و لا كراهة بالبيع و الكنائس عند المشهور بين الأصحاب نقلا إن لم يكن تحصيلا، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، مع أنه ورد(2)في نصوصهما مثل ذلك، بل
سأل عبد الله بن سنان(3)الصادق (عليه السلام) في الصحيح «عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس فقال: رش و صل»
فلو اقتضى مثل ذلك الكراهة لاقتضاها في الجميع، و ليس، كما عرفت، نعم عن جماعة منهم الفاضل و ثاني المحققين و الشهيدين أنه يستحب الرش فيهما كما هو مقتضى الأمر المزبور، و من هنا قد استغرب بعض متأخري المتأخرين الفرق بين المقامين في الكراهة و عدمها مع استحباب الرش، و الدليل واحد، بل لم يذكروا استحباب الرش في بيوت المجوس عدا ما تسمعه من البحار، و إنما حكي عن المبسوط بعد الحكم بالكراهة انه إن فعل رش الموضع بالماء، فإذا جف صلى فيه، و استحسنه المحقق الثاني، و الوسيلة «تكره في بيوت
ج8،
المجوس اختيارا، فان اضطر رش الموضع أولا بالماء» و المعتبر «إلا أن يرش بالماء» و جملة من كتب الفاضل «لو اضطر رشه بالماء استحبابا» و البيان «لو اضطر رشه بالماء و فرش و صلى أو تركه حتى يجف» و جامع المقاصد و فوائد الشرائع «إذا رش زالت الكراهة» بل في المدارك «قطع بذلك الأصحاب».
قلت: يمكن بعد التسامح و الشهرة العظيمة بل ظاهر الإجماع الاستناد فيها إلى
قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي أسامة(1): «لا تصل في بيت فيه مجوسي، و لا بأس أن تصلي و فيه يهودي أو نصراني»
بناء و لو بمعونة فهم الأكثر على إرادة استقرار المجوسي فيه، كما يقال في العرف هذا بيت فيه فلان، بل قد عرفت احتماله سابقا في بيت فيه خمر، بل لعله المراد من نحو
«إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب»
و حينئذ يتجه اقتصار المشهور في الكراهة على بيوت المجوس، بل لعله المراد أيضا مما عن الكفاية و المفاتيح من التعبير بلفظ الخبر، لكن في القواعد كالمتن فيما يأتي، و المحكي عن الوسيلة و البيان و الدروس بل و مجمع البرهان ذكر الكراهة فيهما معا، إلا أنه لعله لصدق الخبر المزبور على بيوت المجوس و إن لم يكونوا فيها، و على بيت هم فيه و إن لم يكن من بيوتهم على التواطؤ أو عموم المجاز.
و على كل حال فما عن المحكي عن البحار- من أن ظاهر الأخبار كراهية الصلاة في البيت الذي فيه مجوسي سواء كان بيته أم لا، و عدم كراهيتها في بيته إن لم يكن فيه، لكن يستحب الرش- لا يخلو من نظر، إذ مرجعه إلى ما قلناه أولا، على أنه يمكن استفادة الكراهة من نصوص الرش أيضا بتقريب أن ظاهره شرطية صحة الصلاة بالرش، فمع فرض معلومية الصحة بدون ذلك وجب إرادة ما يشابه الفاسد، و ليس
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
إلا المكروه، و بتقرير آخر أنه لا يخفى ظهوره في معنى إن رششت صل، و الأمر بالصلاة مراد منه إباحة الإيقاع في المكان الخاص بالمعنى الأخص، لأنه في مقام توهم الحرمة أو الكراهة، فيكون المفهوم إن لم ترش لا يأذن لك في الصلاة، فمع فرض معلومية الإذن يجب تنزيله على الكراهة، و لا يختص مفهوم الشرط في خصوص التعليق بلفظ «إن» و الحاصل أنه مع الرش تكون الصلاة كغيره من الأماكن، و مع عدمه ينقص ما أعد لطبيعة الصلاة من الثواب، و إن استصعب جميع ذلك فلا ريب في ظهور النصوص في شرطية الصلاة بالرش لا شرطية استحباب الرش بالصلاة، و من أن المراد من الأمر بالصلاة الإذن الخاصة المزبورة، و مقتضاه عدم المشروط بانعدام الشرط، فثبتت الكراهة، لا أقل من جبر ذلك كله بفتوى الأصحاب.
و كان وجه الفرق بين المقام و البيع و الكنائس هو ظهور النصوص في عدم الكراهة فيهما و لو مع عدم الرش، ففي
خبر حكم بن الحكم(1)«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول و سئل عن الصلاة في البيع و الكنائس: صل فيها قد رأيتها ما أنظفها، قلت: أ يصلى فيها و إن كانوا يصلون فيها؟ فقال: نعم، أما تقرأ القرآن قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ؟(2)»
إلى آخرها و في
صحيح العيص(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البيع و الكنائس يصلى فيها فقال: نعم، و سألته هل يصلح بعضها مسجدا؟ فقال:
نعم»
بل قد يستفاد من
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر أبي البختري(4)عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «لا بأس بالصلاة في البيعة و الكنيسة الفريضة و التطوع، و المسجد أفضل»
ان الصلاة فيها لا تخلو من فضل إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في عدم الكراهة التي من أجلها وجب حمل الأمر بالرش بالنسبة إليها على الندب،
ج8،
بخلاف بيوت المجوس التي ليس في نصوصها شيء مثل ذلك، فصح حينئذ للأصحاب الفرق بين المقامين كما لا يخفى على من لاحظها مع التأمل، و لا يقدح فيه الجواب عن الجميع بالأمر بالرش في الخبر المزبور، لأنه يمكن دعوى ندبية الرش في الجميع و إن كان مع ذلك رافعا للكراهة في بيوت المجوس، بل لا مانع في الجمع المزبور و إن لم نقل بذلك أيضا، و من أبى ذلك كله كان لا بأس عليه بالتزام الكراهة فيها أيضا لذلك كما عن المراسم و الإصباح و المهذب و الإشارة و الدروس و البيان، بل هو من المندرج في إجماع الغنية على الكراهة في معابد أهل الضلال، و لتساوي الاحتمالين لم يرجح في المحكي عن الذكرى، و قد اتضح بحمد الله الوجه في المسألة.
كما انه اتضح مما ذكرنا ان المتجه على تقدير الكراهة ارتفاعها بالرش كما سمعته سابقا ممن عرفت، و انه نسبه في المدارك إلى قطع الأصحاب، أما احتمال التجفيف أو التخصيص بحال الاضطرار فلم أقف على ما يشهد له من النصوص، كما أنه ليس فيها مراعاة الجفاف إلا أنه قد يكون للتجنب عن النجاسة، بل هو أولى مما قبل الرش، لكن قد يناقش بأن المستفاد من النصوص زوال النفرة من جهة احتمال النجاسة بالرش من غير تقييد بالجفاف، فلعله به دونه لم يبق لاحتمال النجاسة حينئذ أثر، بل لو لا إطباق الأصحاب ظاهرا هنا على كون التجنب لاحتمال النجاسة أمكن حمل النصوص على إرادة الأمر بالأشد لرفع الوسوسة على معنى الاذن في الصلاة مع الرش الذي هو مظنة التعدي فضلا عن غيره، بل ربما كان في
صحيح الحلبي(1)إيماء إليه، قال:
«سئل الصادق (عليه السلام) عن الصلاة في بيوت المجوس و هي ترش بالماء قال:
لا بأس به»
إلا أنه للاتفاق المزبور وجب إرادة المعنى المزبور من الرش.
ثم إن الظاهر المنساق إلى الذهن من بيوت المجوس دورهم من غير فرق بين
1) 1 الوسائل- الباب- 14- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
ج8،
الحجر و غيرها، و إطلاق البيت على الدار غير عزيز، بل لعل منه قول الملائكة: «إنا لا ندخل بيتا فيه كلب» كما أن الظاهر زوال الكراهة من حيث كونها بيوت المجوس بالرش، أما لو كان فيها مع ذلك مجوسي و قلنا بالكراهة فيه من حيث ذلك كما إذا كان في بيت غيره فلا تزول به، لعدم الدليل و حرمة القياس، هذا.
و لا يخفى أن مقتضى الأصل و السيرة و ظاهر النصوص حتى ترك الاستفصال فيها بل هو ك صريح بعضها(1)جواز الصلاة في البيع و الكنائس من غير حاجة إلى إذن من أهل الذمة أو الناظر أو الواقف، و أن حالها كالمساجد، و مثل هذا يجري في مساجد المخالفين أيضا، و الظاهر أنه لا ينبغي التأمل في الجواز مع العلم بعدم إرادة الخصوصية من الواقف، بل و مع الجهل، أما معه فان وقف على المصلين مثلا و كان بزعمه أنهم هم فالظاهر الجواز أيضا، إذ الغلط في الاعتقاد لا ينافي تعلق الحكم بمقتضى اللفظ، بل لعل القول بالحرمة في الواقع بالنسبة إليهم متجه، و إن وقف على وجه لا يحتمل إلا الخصوصية لفرقته مثلا فقد يقوى بطلان الشرط و الوقف، و يحتمل بطلان الأول خاصة، و تسمع إن شاء الله في المساجد تمام الكلام، و على كل حال فما عن الشهيد (رحمه الله)- من احتمال توقف الصلاة في البيع و الكنائس على إذن أهل الذمة تبعا لغرض الواقف و عملا بالقرينة- لا ريب في ضعفه، لما عرفت، بل الأصل عدم ثبوت ملكهم عليها و عدم احترامها، مع أنه لو ثبت مراعاة غرض الواقف اتجه المنع مطلقا إلا أن يعلم إناطة ذلك برأي الناظر، فيتجه اعتبار إذنه خاصة، و الله أعلم.
و كذا يكره أن يكون في حال صلاته بين يديه نار مضرمة: أي مشعلة على الأظهر الأشهر، بل هو المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا، لكن الذي
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب مكان المصلي.
ج8،
ظفرنا به في النصوص النار بلا قيد، ففي
صحيح علي بن جعفر (عليه السلام)(1)عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي و السراج موضوع بين يديه في القبلة؟ قال: لا يصلح له أن يستقبل النار»
و في
موثق عمار(2)عن الصادق (عليه السلام) «لا يصلي الرجل و في قبلته نار أو حديد، قلت: إله أن يصلي و بين يديه مجمرة شبه؟ قال: نعم، فان كان فيها نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته، و عن الرجل يصلي و بين يديه قنديل معلق و فيه نار إلا أنه بحياله فقال: إذا ارتفع كان أشر لا يصلي بحياله»
و لعله لذا ترك التقييد في المحكي عن المقنعة و الخلاف و النهاية و الكافي و الإصباح و الجامع و النزهة و الوسيلة و بعض كتب الفاضل و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم، بل قيل: إنه معقد شهرة المختلف و إجماع الخلاف، اللهم إلا أن يدعى كون النار حقيقة أو ظاهرة في المضرمة، لكن العرف شاهد عدل على خلافه، أو يدعى أنه هو المشابه لعبادة أهل الضلال، إذ الظاهر أن المجوس كانوا يعبدون النار المضرمة، و لعلها نار فارس التي خمدت بمولد النبي (صلى الله عليه و آله)، لكن فيه بعد التسليم أنه لا مانع من كون ذلك داعيا لكراهة استقبال مطلق النار لإطلاق النصوص.
نعم قد يقال بأشدية الكراهة فيها للشبه المزبور، كالأشدية أيضا إذا كانت معلقة مرتفعة، ل
قوله (عليه السلام) في الموثق: «أشر».
و كيف كان فللإجماع المزبور- المعتضد بالشهرة العظيمة التي لا بأس بدعوى الإجماع معها كما وقع من بعض متأخري المتأخرين، و بالإطلاقات و العمومات، و مرفوع عمرو بن إبراهيم الهمداني(3)المروي في التهذيب و الفقيه و العلل بل و المقنع إن كان هو مراده بما أرسله، و إلا كان خبرا
آخر(4)عاضدا له عن الصادق (عليه السلام)
ج8،
«لا بأس أن يصلي الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه، لأن الذي يصلي له أقرب إليه من الذي بين يديه»
و المروي عن إكمال الدين(1)بسنده إلى أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من محمد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان (عليه السلام) في جواب مسائله «و أما ما سألت عنه من أمر المصلي و النار و الصورة و السراج بين يديه، و ان الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام و النيران»
بل عن
الاحتجاج روايته عن الأسدي أيضا مع زيادة «و لا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان و النيران»
إذ لا ريب في ظهوره في الجواز لمن لا يعلم، و هو الغالب إن لم يكن الجميع، إذ ليس شرط الجواز كونه من غير هم، و إلا لم يتم في أحد في هذا الزمان إلا للسادة، فهو حينئذ عاضد له، بل يمكن بمعونة الإجماع على عدم هذا التفصيل فيه إرادة تفاوت الكراهة فيه، فيكون عاضدا للمطلوب على كل حال، بل قد يؤيده أيضا جمعه مع الحديد و غيره مما هو مكروه عندنا، و لفظ «لا يصلح» بل ربما كان في قوله (عليه السلام): «أشر» نوع إيماء باعتبار ظهوره في الشدة و الضعف اللذين هما من أوصاف الكراهة و غير ذلك- وجب صرف النهي المزبور إلى إرادة الكراهة.
فما عن الكافي من أنها تحرم، و في فسادها نظر، بل عن المراسم الجزم بالفساد لا ريب في ضعفه، و إن أيده في كشف اللثام و غيره بأن مرفوع الهمداني للجهل و الرفع لا يصلح لتنزيل النهي في غيره على الكراهة، بل حكي عن التهذيب انه خبر شاذ مقطوع، و ما يجري هذا المجرى لا يعدل اليه عن أخبار كثيرة مسندة، لكن فيه أولا ما عرفت من عدم انحصار المعارض به، و لا أن العدول به نفسه من غير انجبار و لا اعتضاد، بل عن الصدوق (رحمه الله) أنها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب مكان المصلي- الحديث 5.
ج8،
ثم اتصلت بالمجهولين و الانقطاع، فمن أخذ بها لم يكن مخطأ بعد أن يعلم أن الأصل هو النهي، و إن الإطلاق هو رخصة، و الرخصة رحمة، بل ربما استظهر منه صحة الخبر عنده، و لعله لوجوده في الأصول المعتمدة التي من المعلوم قصد مصنفيها العمل بما يودعونه فيها لا أن مرادهم الجمع كما هو ظاهر قصد بعض من تأخر عنهم، و عبارته ظاهرة في إرادة الجواز اختيارا من الرخصة لا المتعارف منها عند المصنفين، و هي الاذن في المحرم للضرورة، فيكون المراد حينئذ الجواز مع الاضطرار و لو بوضع أحد لها قهرا عليه.
و ثانيا أنا لم نقف إلا على الأخبار السابقة، و ليس النهي عن الصلاة إلا في الموثق منها و التوقيع لخصوص من كان من أولاد عبدة النيران، فما ذكره من الأخبار الكثيرة لم نتحققه، فلا ريب حينئذ في الكراهة، و ليس في شيء من النصوص هنا و لا الفتاوى ارتفاع الكراهة أو تخفيفها ببعد العشرة أو القلنسوة و نحوها من الحائل، مع احتمال الثاني منهما هنا بناء على التقريب الذي ذكرنا سابقا، بل ربما كان في التعليل في خبر الهمداني إيماء إليه، إذ الظاهر أن المراد منه بقرينة ما وقع(1)للكاظم (عليه السلام) مع أبي حنيفة كما تسمعه إن شاء الله في أخبار السترة التعريض في الرد على العامة بذلك و أنه مع أقربية الله للمصلي من كل شيء، لأنه أقرب إليه من حبل الوريد تكون الصلاة له.
ريب حينئذ في ظهوره في رفع نسبة صورة الصلاة إلى النار مثلا بوجود ما هو أقرب منها من الحائل(2)و إن لم يكن ساترا، بل قد يحتمل الاجتزاء بالعشرة أذرع أيضا بناء على أن المراد بهذا التحديد فيما ورد(3)فيه الكشف عن أول
ج8،
مصاديق البعد التي يصح فيها سلب الصلاة إليها مثلا كما هي عادة الشارع في نحو هذا التحديد في كل ما كان فيه أول المصاديق غير متضح في العرف و لا منقح، فلا يخص حينئذ ما ورد فيه من القبور و النساء و نحوها، إلا أن الجزم بشيء من ذلك مع إغفال الأصحاب و النصوص في المقام لا يخلو من إشكال، فالاحتياط الاقتصار في الحائل و البعد هنا على ما يرتفع به موضوع من صدق كونه بين يديه و نحوه، و الله أعلم.
أو بين يديه تصاوير كما في جملة من العبارات، بل هو معقد الشهرة في المحكي عن تخليص التلخيص، بل مذهب الأصحاب في المحكي عن جامع المقاصد، و لعله كذلك و إن عبر في المحكي عن المقنعة و الخلاف بالصورة، بل هو معقد إجماع الثاني منهما، و النزهة و الجامع و مجمع البرهان و المفاتيح و موضع من البيان بالتماثيل، بل هو معقد الشهرة في الثالث منها، و الوسيلة و المنتهى و نهاية الأحكام و التحرير و التذكرة صور و تماثيل، بل هو معقد النسبة إلى علمائنا في الثاني منها، لكن المراد من الجميع واحد على الظاهر كما أوضحناه في اللباس، بل في كشف اللثام هنا أن المعروف عند أهل اللغة ترادف التماثيل و التصاوير، و الصورة بمعنى التصاوير، قلت: فلعل العطف حينئذ للتفسير و البيان كما عن المطرزي التصريح به، إلا أنه ادعى اختصاص التماثيل بذي الروح بخلاف الصورة، قال: «التمثال ما تصنعه و تصوره شبها لخلق الله من ذي الروح» و قال:
«قوله: (عليه السلام): لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير كأنه شك من الراوي»
و قال: «و أما قولهم تكره التصاوير و التماثيل فالعطف للبيان، و أما تماثيل الشجر فمجاز إن صح» و إن كان لا يخلو بعض كلامه من النظر، خصوصا دعواه عموم الصورة، بل هي أولى من التمثال بدعوى الاختصاص، كما أن التمثال أولى بدعوى العموم منها، كما يؤيد ذلك إطلاق الصورة مرادا بها ذات الروح في أخبار كثيرة على وجه إن لم يظهر منه كونها حقيقة في ذلك فلا ريب في ظهوره في أنه المراد
ج8،
عند الإطلاق، منها ما ورد(1)في عذاب المصورين، و أنهم يكلفون بنفخ الروح فيها مع إطلاق التماثيل مرادا بها غير ذي الروح في نحو قوله تعالى(2)«يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ» لما عن أهل البيت (عليهم السلام)(3)أنها كانت أمثال الشجر، بل يؤيده أيضا مبدأ الاشتقاق، فان التمثال جعل المثال، و هو أعم من كونه لذي الروح و غيره، و التصوير حكاية الصورة، و هي حقيقة في ذي الروح، أو هو أظهر أفرادها.
نعم قد يقال هنا باختصاص الكراهة بذي الروح و إن اختلفت النصوص في التعبير كاختلاف العبارات السابقة، للأصل، و كثير مما سمعته في اللباس، و لأنه به يحصل الشبه بعبادة الأوثان الذين يحكى عنهم عبادة صور ذوات الأرواح، و ل
قول جبرائيل في خبر محمد بن مروان(4): «إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه»
و غيره من نصوص المقام و إطلاق نفي البأس(5)عن مثال غيره الشامل الحال الصلاة التي هي أهم الأحوال، و لغير ذلك مما قدمنا ذكره هناك الذي منه النصوص المتضمنة لعدم البأس إذا كان التمثال بعين واحدة، قيل: فإنها نص في المطلوب، منها
مرسل ابن أبي عمير(6)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في التمثال يكون في البساط فتقع عينك عليه و أنت تصلي قال: إن كان بعين واحدة فلا بأس، و إن كان له عينان فلا»
و
خبر ليث(7)انه «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) أيضا عن التماثيل تكون في البساط لها عينان و أنت تصلي فقال: إن كان لها عين واحدة
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب أحكام المساكن- الحديث 5 من كتاب الصلاة.
2) 2 سورة السبأ- الآية 12.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب أحكام المساكن- الحديث 4 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 33- من أبواب مكان المصلي- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب أحكام المساكن- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
6) 6 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
7) 7 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 8.
ج8،
فلا بأس، و إن كان لها عينان و أنت تصلي فلا»
و في
المرسل(1)عنه (عليه السلام) أيضا «لا بأس بالصلاة و أنت تنظر إلى التصاوير إذا كانت بعين واحدة»
و نحوه
المرسل الآخر(2)«لا بأس بالصلاة و التصاوير تنظر إليه إذا كانت بعين واحدة»
و لها صرح بعض الأصحاب برفع الكراهة أو تخفيفها بنقص الصورة بذلك، بل تعدى من العين إلى باقي الأعضاء أيضا، بل ألحق طمس العين به، و كأنه لأن المنساق من النصوص و الفتاوى الكاملة من الصورة التي هي متعلق الحكم، و ربما تسرى بذلك إلى رفع الحرمة عن عملها مجسمة أو مطلقا.
لكن الجميع كما ترى، ضرورة عدم سلب اسم الصورة عرفا بذلك، و دعوى أنه المنساق ممنوعة، بل إن قلنا به ففي المقام خاصة للنصوص السابقة التي يمكن كون المراد بها و إن بعد خصوصا في بعضها الكناية عن استقبال الصورة و عدمه، بمعنى إن كانت العينان من المصلي لها أي مشغولة بالنظر إليها من غير انحراف كما يقال عين زيد له فالصلاة مكروهة، بخلاف ما إذا كانت عين واحدة، لأنها لا تكون حينئذ إلا عن اليمين أو الشمال، كما يؤيده وقوع السؤال في بعضها عن النظر المصلي القابل لهذا التفصيل،
و قوله (عليه السلام) في خبر ليث: «و أنت تصلي»
على أن الواقع في سؤاله فرض العينين، بل يؤيده أيضا غلبة نقص العين و غيرها في صورة غير الإنسان المنقوشة على جدار و نحوه، لعدم التمكن من حكاية الصورة تماما، بل و الإنسان أيضا، فإنه لا يحكي ما خلفه إذا نقش نقشا، مع إطلاق النهي عن الصلاة إلى التماثيل مطلقا في الجدران و البسط و غيرها، و على ذلك فلا تكون حينئذ شاهدة لنقص العين فضلا عن غيره، بل قد يؤيده ظهور
صحيح علي بن جعفر(3)عن أبي الحسن (عليه السلام) في عدم ذهاب مسمى الصورة بقطع الرأس فضلا عن العين، قال: «سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل
ج8،
أ يصلى فيها؟ فقال: لا تصل فيها و فيها شيء يستقبلك إلا أن لا تجد بدا فتقطع رؤوسها و إلا فلا تصل فيها»
و إلا لم يعلقه على عدم وجدان بد، فوجب حينئذ حمل نفي البأس و نحوه مع كسر الرؤوس و تلطيخها في
خبره الآخر(1)المروي عن قرب الاسناد و غيره على حال الضرورة أو تخفيف الكراهة، قال: «سألت أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن مسجد يكون فيه تصاوير و تماثيل يصلى فيه فقال: تكسر رؤوس التماثيل و تلطخ رؤوس التصاوير و تصلي فيه و لا بأس»
و
سأله تارة أخرى(2)«عن البيت فيه صورة سمكة أو طير أو شبههما يعبث به أهل البيت هل تصلح الصلاة فيه؟ فقال:
لا حتى يقطع رأسه منه و يفسد، و إن كان قد صلى فليس عليه إعادة».
نعم لو غير تغيرا خرج به عن اسم الصورة ذات الروح و كان كهيئة الشجر و نحوه لم يكن به بأس، لانعدام الموضوع، و اليه أومأ
الصادق (عليه السلام) في المروي(3)عن مكارم الأخلاق قال: «قد أهديت إلى طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر»
الحديث. بل لعله هو المراد من الإفساد في الخبر المتقدم.
و كيف كان فلا ريب في كراهة استقبال الصورة حملا للنهي في صحيح علي بن جعفر السابق
و صحيح ابن مسلم(4)«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أصلي و التماثيل قدامي و أنا أنظر إليها قال: لا»
و
عن نسخة «لا بأس اطرح عليها ثوبا، و لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، و إن كان في القبلة فألق عليها ثوبا و صل»
و غيرهما عليها، للإجماع المحكي المعتضد بظاهره و بالشهرة العظيمة التي لا بأس بدعوى الإجماع معها، و بالإطلاقات و العمومات، و مرفوع
ج8،
الهمداني(1)و التوقيع(2)المتقدمين و صحيح علي بن جعفر المتقدم آنفا الذي لا داعي إلى حمل عدم الإعادة فيه على الجهل أو النسيان، و بغير ذلك مما لا يخفى على من له أدنى نظر.
فما عن كافي أبي الصلاح- من عدم حلها على البسط و البيوت المصورة، و ان له في فسادها نظرا، مع أنه ليس خلافا في خصوص استقبال الصورة، إذ يمكن أن يقول بالجواز فيها إذا لم تكن في بساط أو بيت- لا ريب في ضعفه و إن كان ستعرف شهادة بعض النصوص له، كما أنه لا يخفى عليك شهادة ما دل(3)من النصوص المستفيضة على نفي البأس عنها إذا لم تكن في القبلة عليه، مضافا إلى ما ذكرناه سابقا، فمن الغريب ما عساه يظهر من كشف اللثام من نوع ميل إليه، فإنه بعد أن حكى الشهرة على الكراهة قال: و أخبار النهي كثيرة، إلى أن قال: و سمعت كلام الحلبي، و يؤيده ظواهر الأخبار، و إنما يعارضها المرفوع المتقدم، و يؤيد الفساد توجه النهي فيها إلى الصلاة، ثم حمل صحيح علي بن جعفر المتقدم على الجهل و النسيان، و أنت خبير بما فيه مما لا يحتاج إلى إطناب.
ثم إن ظاهر النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات عدم الفرق بين المجسمة من التماثيل و غيرها، خلافا للمحكي عن سلار، فخصها بالأول و للأصل، و احتمال اختصاص النصوص بها، لأنها المشابهة للأصنام، و احتمال الاشتقاق من المثول بمعنى القيام، و ورود المرفوع المتقدم المنفي عنه البأس بلفظ الصورة، و للتعبير بالقطع و الكسر في خبري علي ابن جعفر السابقين، و هما يناسبان التجسيم ظاهرا، قال في كشف اللثام: و لا ينافي ذلك أخبار البسط و الوسائد، فإنها أيضا مجسمة.
لكن الجميع كما ترى، إذ الأصل مقطوع بظاهر ما عرفت، كاندفاع احتمال
ج8،
الاختصاص به أيضا، و لعله للمشابهة المزبورة عم الحكم، و احتمال الاشتقاق معارض بالأقرب منه، بل هو الظاهر: أي الاشتقاق من المماثلة، و المرفوع السابق قد عرفت إرادة بيان الجواز منه لا من حيث عدم التجسيم، و لفظ القطع و الكسر و نحوهما من الألفاظ باعتبار المحكي من ذي الصورة، على أن مثله لا يرفع به اليد عن مقتضى الأدلة السابقة، فلا ريب في ضعف القول بالاختصاص و إن احتمل أنه مذهب الصدوق في المقنع أيضا، قال: «لا تصل و قدامك تماثيل، و لا في بيت فيه تماثيل- ثم قال-:
و لا بأس أن يصلي الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه، لأن الذي يصلى له أقرب من الذي بين يديه» مع أنه يمكن أن يكون هذا التفصيل منه بناء على ما سمعته من المطرزي من الفرق بين التمثال و الصورة، و يكون حينئذ موافقا للمختار من اختصاص النهي بتمثال لذي الروح، و أظهر من ذلك كله كما لا يخفى على العارف بطريقة الصدوق و مذاقه أنه ذكر مجموع ما ورد في الخبرين قاصدا به ما قصد بهما، لأن من عادتهم الفتوى بمضمون النصوص، و قد عرفت أن الجمع بينهما بالجواز مع الكراهة، فيكون هو مختار الصدوق (رحمه الله)، فيختص الخلاف حينئذ بسلار، و قد عرفت شهادة النصوص بخلافه، خصوصا نصوص البسط و الوسائد، و من الغريب ما سمعت عن كشف اللثام من أنها من الصور المجسمة.
هذا كله في الصورة المستقبلة، أما إذا كانت في باقي الجهات الخمس فقد
قال أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم(1)المروي عن المحاسن: «لا بأس بالتماثيل أن تكون عن يمينك و عن شمالك و خلفك و تحت رجليك، فان كانت في القبلة فألق عليها ثوبا إذا صليت»
ك
صحيحه(2)المتقدم عنه لكن مع زيادة «أو فوق رأسك فيه»
و في
صحيحه(3)الآخر «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن التماثيل
ج8،
في البيت فقال: لا بأس إذا كانت عن يمينك و عن شمالك و عن خلفك أو تحت رجليك، و إن كانت في القبلة فألق عليها ثوبا»
و في
صحيحه(1)الثالث عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا بأس بأن تصلي على التماثيل إذا جعلتها تحتك»
و
سأل ليث المرادي(2)أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الوسائد تكون في البيت فيها التماثيل عن يمين أو عن شمال فقال: لا بأس به ما لم تكن تجاه القبلة، و إن كان شيء منها بين يديك مما يلي القبلة فغطه و صل».
و لعله لذا قصر المشهور الكراهة على ما بين اليدين، لكن أطلق ابن زهرة الكراهة على البسط المصورة، كالمحكي عن المختلف و البيان و موضع من التلخيص، بل هو معقد الشهرة في المختلف و التلخيص، بل معقد الإجماع في الغنية، بل زاد في المختلف و التلخيص البيت المصور، و عن الهداية إطلاق كراهة البيت الذي فيه تماثيل نحو ما سمعته عن المقنع، و مقتضى ذلك ثبوت الكراهة للجهات مطلقا، و عن المبسوط «لا يصلي و في قبلته أو يمينه أو شماله صور و تماثيل إلا أن يغطيها، فان كان تحت رجليه فلا بأس» قيل و نحوه البيان و الإصباح.
و قد يشهد لخصوص البسط
خبر سعد بن إسماعيل(3)عن أبيه انه سأل الرضا (عليه السلام) «عن المصلي و البساط يكون عليه التماثيل أ يقوم عليه فيصلي أم لا؟
فقال: و الله إني لأكره»
مضافا إلى ما سمعته من مرسل ابن أبي عمير(4)و خبر ليث المرادي(5)بل ربما استشهد له ب
خبر عبد الله بن يحيى الكندي(6)عن أبيه المروي عن المحاسن عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حديث «إن جبرئيل قال: إنا
1) 1 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 7.
2) 2 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 8.
3) 3 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
5) 5 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي- الحديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 33- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
ج8،
لا ندخل بيتا فيه كلب و لا جنب و لا تمثال يوطأ».
و لخصوص البيوت إطلاق خبر علي بن جعفر(1)المروي عن قرب الاسناد المتقدم آنفا بناء على عدم الفرق بين المسجد و البيت، و خبره(2)الآخر الذي تضمن عدم الإعادة مع الصلاة المتقدم آنفا أيضا، و
خبره(3)الثالث سأل أخاه (عليه السلام) «عن البيت يكون على بابه ستر فيه تماثيل أ يصلى في ذلك البيت؟ قال: لا، قال:
و سألته عن البيوت يكون فيها التماثيل أ يصلى فيها؟ قال: لا»
مضافا إلى ما
ورد(4)مستفيضا عن النبي (صلى الله عليه و آله) عن جبرئيل انه قال: «إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تماثيل»
و في بعضها «تمثال» و
في آخر «فيه صورة إنسان، و لا بيتا فيه تماثيل»
و غير ذلك من الاختلاف في المتن زيادة و نقصا بما لا يقدح في المطلوب متمما ذلك بمعلومية كراهة الصلاة في مكان لا تدخله الملائكة لبعده عن الرحمة، و للتعليل في
المرسل(5)عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يصلى في دار فيها كلب إلا أن يكون كلب الصيد، و أغلقت دونه بابا فلا بأس، فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، و لا بيتا فيه تماثيل، و لا بيتا فيه بول مجموع في آنية».
و للمبسوط إطلاق بعض النصوص،(6)السابقة مع صحيح ابن مسلم(7)المتقدم المتضمن لنفي البأس عن الصلاة على التماثيل إذا جعلها تحته، و مرسل ابن أبي عمير(8)المتقدم المتضمن للنهي حيث تقع العين، و ربما احتج له أيضا ب
صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(9)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الدراهم السود تكون مع الرجل و هو
1) 1 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي الحديث 10.
2) 2 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي الحديث 12.
3) 3 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي الحديث 14.
4) 4 الوسائل- الباب- 33- من أبواب مكان المصلي.
5) 5 الوسائل- الباب- 33- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي.
7) 7 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي الحديث 7.
8) 8 الوسائل- الباب- 32- من أبواب مكان المصلي الحديث 6.
9) 9 الوسائل- الباب- 45- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
ج8،
يصلي مربوطة أو غير مربوطة فقال: ما أشتهى أن يصلي و معه هذه الدراهم التي فيها التماثيل، ثم قال: ما للناس بد من حفظ بضائعهم، فإن صلى و هي معه فلتكن من خلفه، و لا يجعل شيء منها بينه و بين القبلة»
و
المروي(1)عن الخصال عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأربعمائة قال: «لا يسجد الرجل على صورة و لا على بساط فيه صورة و يجوز أن تكون الصورة تحت قدميه، أو يطرح عليها ثوبا يواريها، و لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه و هو يصلي، و يجوز أن تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف الضياع و يجعلها في ظهره».
قلت: قد يقال بتقييد نصوص البساط(2)ببعض النصوص السابقة المشتملة على التفصيل، فيكره الصلاة عليه مع كون بعض ما فيه من الصور بين يدي المصلي، لكن فيه أن التعارض بينها من وجه، و لعل الترجيح لها عليها بعدم ظهور نصوص التفصيل فيما يشمل البسط، بل ظاهر الحجر و البيوت خلافه، خصوصا مع التسامح في أمر الكراهة و
الإجماع المحكي المعتضد بالشهرة المحكية، و بغير ذلك، كالنهي عن الجلوس عليه و نحوه، اللهم إلا أن يقال برجحانها عليها بسبب اعتضادها بظاهر الفتاوى و بالأصل و بالصحة في السند و الكثرة في العدد و بظهور الحكمة في الاستقبال، بل قد سمعت تصريح بعض النصوص(3)بنفي البأس عما كان منها تحت، بل ربما كان فيه إهانة لها، كما أومأ إليه
أبو جعفر (عليه السلام) لما سئل عن الجلوس على بساط ذي تمثال فقال: «أردت أن أهينه».
و ربما انقدح منه وجه جمع بقصد الإهانة و عدمه، كاحتمال الجمع بخفة الكراهة
ج8،
فيه، و بما في
خبر أبي بصير(1)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «إنا نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و نفرشها قال: لا بأس بما يبسط منها و يفترش و يوطأ، إنما يكره ما نصب على الحائط و التستر»
و يقرب منه خبره الآخر(2)و خبر الكندي(3)و ان رواه في الوسائل كما عرفت، لكن الذي عثرنا عليه في موضع آخر منها «لا يوطأ» و هو الموافق للاعتبار، و باحتمال جريان إطلاق النهي عن الصلاة على البسط المصورة مجرى الغالب من استقبال الصور حينئذ، و كيف كان فالتسامح كان و الاحتياط يؤيد الأول، و الأصل يؤيد الثاني، و الأمر سهل.
أما البيوت فقد يقوى في النظر ثبوت الكراهة بمجرد كون الصورة فيها، للإطلاقات المزبورة التي لا يقبل بعضها التقييد بالتفصيل السابق، كنصوص عدم الدخول الملائكة، ضرورة ظهوره في أن وجود الصورة مانع لهم عن دخولها كوجود الكلب و إناء البول، و قد ثبت بالتعليل السابق و غيره كراهة الصلاة فيما لا تدخله الملائكة، بل قد يقال: إن نصوص التفصيل لا تعارض ذلك، ضرورة ظهورها في نفي الكراهة من حيث كون الصورة في إحدى الجهات من غير مدخلية للبيت و نحوه، بل لو كان في مفازة جرى الحكم أيضا، و المراد بهذه النصوص- الظاهرة في ثبوتها من حيث عدم دخول الملائكة بيتا هي فيه- أمر آخر غير كون الصورة في إحدى الجهات، بل الظاهر ثبوت الحكم بناء على إرادة الدار من البيت و إن صلى في حجرة منها لا صورة فيها، بل كانت في حجرة أخرى، و لا تجدي تغطيتها من هذه الحيثية و إن أجدت من حيث
ج8،
كراهة الاستقبال، فتأمل فإنه جيد جدا، نعم ما سمعته عن المبسوط لا تساعده قاعدة الإطلاق و التقييد، و صحيح عبد الرحمن و خبر الخصال واردان في المحمول كغيرهما لا فيما نحن فيه، و المحصل منها جميعا خفة الكراهة فيه بالوضع خلف في هميان و نحوه، هذا.
و ليعلم أن ظاهر العبارة و غيرها بل هو ظاهر بعض النصوص دوران الكراهة على كون الصورة بين اليدين سواء كانت في جهة القبلة أو لا، كما في بعض أحوال الاضطرار في الصلاة، و التخصيص بجهة القبلة في بعض النصوص جار مجرى الغالب، و احتمال معارضته بإمكان جريان القدام و نحوه في آخر مجراه يدفعه التسامح في أمر الكراهة و ظاهر الفتاوي، و وجود حكمة الكراهة، بل هي في غير القبلة أشد مشابهة لعبادة الأصنام.
و ليس في الفتاوى و لا النصوص التعرض لدفع الكراهة ببعد العشرة بل و لا بالحائل كالعنزة و نحوها، و يجري فيه ما سمعته سابقا في المسألة المتقدمة، نعم لا ريب في زوالها بالحائل الساتر كما يفهم من الأمر بالتغطية، و في
خبر علي بن جعفر(1)المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (ع) «هل يصلح له أن يصلي في بيت على بابه ستر خارجه فيها التماثيل، و دونه مما يلي البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل، هل يصلح له أن يرخي الستر الذي ليس فيه التماثيل حتى يحول بينه و بين الستر الذي فيه تماثيل أو يسد الباب دونه و يصلي؟ قال: نعم لا بأس»
و الله أعلم، هذا.
و قد تقدم في بحث القبلة الدليل على أنه كما تكره الفريضة في جوف الكعبة كذلك تكره على سطحها و الخلاف في ذلك و في الكيفية، فلاحظ و تأمل.
و كذا تكره في مرابط الخيل و البغال و الحمير على المشهور بين الأصحاب شهرة العظيمة كادت تكون إجماعا، بل في الغنية دعواه عليه، و به مع الأصل و الإطلاقات
1) 1 قرب الاسناد ص 113 المطبوع بالنجف.
ج8،
و العمومات و غيرها يحمل النهي في
مضمري سماعة عليها، قال في أحدهما(1): «لا تصل في مرابط الخيل و البغال و الحمير»
و
قال في ثانيهما(2): «سألته عن الصلاة في أعطان الإبل و في مرابض البقر و الغنم فقال: إن نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها، فأما مرابض الخيل و البغال فلا»
فما عن التقي من الجزم بعدم الحل و التردد في الفساد ضعيف، مع أنه إن كان نظره إلى الخبرين المزبورين لا ينبغي منه التردد في الفساد، لتوجه النهي فيهما للصلاة، و على كل حال لا ريب في ضعفه، نعم لا يبعد شدة الكراهة فيهما كما يومي اليه ظاهر ما في الأخير من عدم الارتفاع أو الخفة بالرش و نحوه، كما هو مقتضى الأصل، خلافا لما عن المفاتيح من الجزم بأحدهما، و لعله للقياس، على أعطان الإبل، و لا فرق في ثبوت الكراهة المزبورة بين حضورها و غيبتها، ضرورة كون المدار على صدق المرابط و المرابض، و هما لا يتوقفان على ذلك، أما لو زال الاسم التجه زوالها، بل عن التحرير و المنتهى و الروض التصريح بعدم الفرق بين الوحشية و الأهلية، و لعله للإطلاق الذي يمكن دعوى انصرافه للثانية لو سلم كونه حقيقة فيما يشملهما، هذا.
و قد ظهر من الخبر السابق أنه لا بأس بمرابض الغنم كما صرح به جماعة، بل عن المنتهى نسبته إلى أكثر علمائنا، و المراد على الظاهر من النص و الفتوى عدم الكراهة من نفي البأس، بل لعله مقتضى الأمر في
صحيح الحلبي(3)قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صل فيها، و لا تصل في أعطان الإبل إلا أن تخاف»
إلى آخره. بل هو مقتضي نفي البأس في
صحيح ابن مسلم(4)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الصلاة في أعطان الإبل فقال: إن تخوفت الضيعة
ج8،
على متاعك فاكنسه و انضحه و صل، و لا بأس بالصلاة في مرابض الغنم»
لكن عن المختلف أن المشهور الكراهة، بل عن الغنية الإجماع على ذلك و على الكراهة في مرابط البقر أيضا، و يؤيده في الثاني ثبوت البأس في مفهوم الخبر السابق، أما الأول فقد عرفت ظهور النصوص السابقة في عدمه، إلا أن أمر الكراهة مما يتسامح فيه، و يكفي الإجماع المحكي في ثبوته و في تنزيل النصوص على إرادة نفي كراهة أعطان الإبل و نحوها لا مطلق الكراهة، و على كل حال فما عن الحلبي هنا أيضا من الجزم بعدم الحل فيهما:
أي البقر و الغنم و التردد في الفساد لا يخلو من غرابة خصوصا في الغنم، و الله أعلم.
و أما كراهة الصلاة في بيت فيه مجوسي المصرح بها في جملة من عبارات الأصحاب سواء كان بيته أو غيره و أنه لا بأس باليهودي و النصراني فقد عرفت دليلها، و البحث فيه سابقا عند البحث عنها في بيوت المجوس، و انها على تقديرها لا تزول بالرش و إن زالت بالنسبة إلى بيته، إذ هما حيثيتان مختلفتان لا تلازم بينهما، فلاحظ و تأمل لتعلم أيضا أن المراد عدم الكراهة من حيث وجود اليهودي و النصراني، و إلا فقد يقال بها في بيوتهم من حيث كونها مظنة النجاسة و بعيد عنها الرحمة و غير ذلك مما يفهم من النصوص ثبوت الكراهة التي يتسامح بها معه، و الله أعلم.
و يكره أيضا أن يصلي و بين يديه مصحف مفتوح على المشهور نقلا و تحصيلا، و ل
خبر عمار(1)سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصلي و بين يديه مصحف مفتوح في قبلته فقال: لا»
المحمول على الكراهة، للشهرة العظيمة، و قصوره عن قطع الأصل و تقييد الإطلاقات و تخصيص العمومات، و للمروي عن
قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر(2)سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل هل يصلح له أن ينظر في نقش خاتمه كأنه يريد قراءته أو في المصحف أو في
ج8،
كتاب في القبلة؟ فقال: ذلك نقص في الصلاة و ليس يقطعها»
فما عن الحلبي من الجزم بعدم الجواز و التردد في الفساد واضح الضعف، و لعله للتسامح و الخبر المزبور، قال في البيان: «أو كتاب مفتوح» بل عن المبسوط «أو شيء مكتوب» بل عن الفاضل و ثاني المحققين و الشهيدين و غيرهم التعدية إلى كل منقوش مع ذلك، كما أنهم صرحوا بعدم الفرق بين القاري و غيره، بل نسبه في كشف اللثام إلى ما عدا النزهة، أما فيها فخصها به، لأنه الذي يشتغل به عن الصلاة، ورده بأنه ممنوع كالتعليل، قلت: و هو كذلك، لإطلاق الخبرين، و إن كان قد يقال: إن الاشتغال سبب آخر لنقص الصلاة، و التعدي المزبور في كلام من عرفت إن كان هو مناطه فلا يخلو من خروج عن البحث، فالأجود حينئذ الاقتصار على مضمون الخبرين و ما ينتقل اليه مما فيهما، و لعله ليس إلا المكتوب أو هو و المنقوش، لقوله: «نقش خاتمه» إلا أنه ينبغي الاقتصار فيه على النظر إليه كأنه يقرأه، فلا كراهة مع العمى و الظلمة و نحوهما مما لا نظر معها، أما فتح المصحف فلا يتقيد كراهيته بشيء من ذلك، بل و كذا أن ألحق به كل مكتوب، لإطلاق خبر عمار المزبور، و لو انتقل من الكتابة فيه إلى مطلق النقش أمكن التعميم أيضا حتى فيه، لكن ذلك كما ترى مآله إلى التسامح في التسامح، بل بناء على عدم استلزام النقص في الصلاة الكراهة لاحتمال كونها نقصا مخصوصا لا يصل إلى حد النهي يحسن الاقتصار على نفس المصحف، كما هو مضمون الخبر الأول، و تعليله بالمشغولية ليتعدى لا دليل عليه، و التسامح لا يشرعه، اللهم إلا أن يدعى أن الظاهر هنا إرادة الكراهة من النقص في الخبر المزبور و لو بمعونة اشتماله على ما نهي عنه في خبر عمار، و فيه حينئذ شهادة على المسألة الأصولية، و هي أن الكراهة في العبادات بمعنى نقصان الثواب فيها، و الله أعلم.
أو حائط ينز من بالوعة يبال فيها كما عن جماعة التصريح به، منهم الشيخ
ج8،
و ابن حمزة و الفاضل و الشهيدان و غيرهم، ل
مرسل البزنطي(1)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «عن المسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها فقال: إن كان نزه من البالوعة فلا تصل فيه، و إن كان نزه من غير ذلك فلا بأس»
بعد إلغاء خصوص المسجد فيه و إرادة ما كان في قبلة المصلي من الحائط فيه، و جعل اللازم للعهد في البالوعة، و كأنه لم يلحظ الأخير في النافع و غيره، فأطلق البالوعة، لكن الظاهر إرادة تعميم سائر النجاسات من ذلك، فيوافق المحكي عن المبسوط و الإصباح و الجامع و الدروس و البيان «بالوعة بول أو قذر» المراد منه سائر النجاسات، لا خصوص الغائط حتى يوافق ما عن المحقق الثاني و الشهيد الثاني و غيرهما «بالوعة بول أو غائط» معللين له بأن الغائط أفحش، نعم في الروضة «في إلحاق غير الغائط من النجاسات وجه» و في المحكي عن نهاية الأحكام «في التعدي إلى الماء النجس و الخمر و شبههما إشكال» و التذكرة و المسالك و غيرهما «في التعدي إلى الماء النجس تردد» و في الذكرى و عن التلخيص و البحار «تكره إلى النجاسة الظاهرة» بل عن التلخيص «انه المشهور» و عن المقنعة «تكره إلى شيء من النجاسات» و عن التحرير «تكره إلى بيوت الغائط».
قلت: الذي عثرت عليه من النصوص مما له مدخلية في المقام مضافا إلى الخبر المزبور
قول أبي الحسن الأول (عليه السلام) في خبر محمد بن أبي حمزة(2): «إذا ظهر النز من خلف الكنيف و هو في القبلة يستره بشيء»
و
خبر الفضيل بن يسار(3)قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «أقوم في الصلاة فأرى قدامي في القبلة العذرة فقال:
تنح عنها ما استطعت»
و في المحكي من
البحار نقلا من كتاب الحسين بن عثمان(4)
ج8،
أنه قال: «روي عن أبي الحسن (عليه السلام) إذا ظهر النز إليك من خلف الحائط من كنيف في القبلة سترته بشيء»
و هي كما ترى ليس فيها إلى الأمر بالستر، اللهم إلا أن يراد منه حصول الكراهة مع عدم امتثاله، و لو لا أن الحكم مما يتسامح فيه لأمكن المناقشة في جملة من ذلك حتى في استفادة الكراهة من الأمر فضلا عن بعض التعدي المذكور، و إن كان قد يقال هنا بإرادة حصول النقص في الصلاة مع عدم امتثال الأمر المزبور الذي من المعلوم كون المراد منه انه مع امتثاله تكون الصلاة مساوية لغيرها من الصلوات التي ليس في إقامتها ما يحتاج إلى ستر، فمع عدم امتثال حينئذ تنقص عنها، و ليس إلا الكراهة بناء على لزومها لمطلقه، و فتأمل جيدا، و كيف كان فالأمر سهل ما لم يرجع إلى التسامح في التسامح الذي مآله إلى التسامح في الدين و أحكام رب العالمين، و الله أعلم.
و قيل و القائل أبو الصلاح على ما قيل و جماعة، بل عن المهذب البارع نسبته إلى الأكثر، بل حكى الشهيد الثاني الشهرة، بل عن روضة و مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب: إنه يكره الصلاة إلى باب مفتوح لكن قد اعترف جماعة بعدم الدليل عليه حتى أن المصنف لما نسبه إلى الحلبي قال و هو أحد الأعيان فلا بأس باتباعه، و اقتصر بعض من تأخر عنه على نقل ذلك عنه، نعم في كشف اللثام بعد أن نقله عن معطي كلام الحلبي حيث كره التوجه إلى الطريق تبعا للتذكرة ان دليله استفاضة الأخبار باستحباب الاستتار ممن يمر بين يديه و لو بعنزة أو قصبة أو قلنسوة أو عود أو كومة من تراب،
قال الرضا (عليه السلام)(1): «أو يخط بين يديه بخط»
و يحتمل أن يريد إن لم يجد شيئا، كما
قال (صلى الله عليه و آله) في خبر السكوني(2): «إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فان لم يجد فحجرا، فان لم
ج8،
يجد فسهما، فان لم يجد فليخط في الأرض بين يديه»
و ظاهره أن الحلبي لم يصرح بذلك، إذ كراهتها إلى الطريق أعم منها إلى الباب من وجه كالعكس من آخر.
و كذا قيل و القائل أيضا جماعة، منهم أبو الصلاح و الديلمي و يحيى بن سعيد و الفاضل و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم: إنها تكره أيضا إلى إنسان مواجه بل في المسالك و الروضة أنه المشهور، و أنه لا دليل عليه أيضا حتى أن المصنف حكاه عن الحلبي، و قال هو أحد الأعيان فلا بأس باتباع فتواه، و اقتصر أيضا جماعة ممن تأخر عنه على نقل ذلك عنه، لكن في كشف اللثام بعد أن حكاه عن المراسم و النزهة و أن في الكافي شدة الكراهة إلى المرأة النائمة قال: و لعله للاشتغال و خصوصا غير المحرم من المرأة إذا كان المصلي رجلا، و خصوصا إذا نامت: أي اضطجعت أو استلقت أو انبطحت، و للمشابهة بالسجود له، و لإرشاد أخبار(1)السترة اليه، و ل
خبر علي بن جعفر(2)الذي في قرب الاسناد للحميري أنه سأل أخاه (ع) «عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح له أن تكون امرأته مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة؟ قال: يدرأها عنه، فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته»
و
عن عائشة(3)«ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي حذاء وسط السرير و أنا مضطجعة بينه و بين القبلة يكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله فأنسل انسلالا»
لكن قال بعد ذلك: و عندنا الأخبار بنفي البأس عن أن تكون المرأة بحذاء المصلي قائمة و جالسة و مضطجعة كثيرة، و كره ابن حمزة أن تكون بين يديه امرأة جالسة فقط، و الأحسن عندي قول ابن إدريس: «و لا بأس أن يصلي الرجل و في جهة قبلته إنسان قائم، و لا فرق بين أن يكون ذكرا أو أنثى، و الأفضل
ج8،
أن يجعل بينه و بينه ما يستر بعض المصلي عن المواجهة» و ظاهره عدم الكراهة و إن استحبت السترة، و كأنه مناف لما ذكره سابقا، خصوصا في المسألة السابقة التي استدل على الكراهة فيها بأخبار السترة، على أنه قد يكفي في الكراهة بعد التسامح ما سمعت، مضافا إلى
قول الصادق (عليه السلام) في خبر البرقي(1): «من تأمل خلق امرأة في الصلاة فلا صلاة له»
و إلى ما تقدم سابقا مما دل(2)على كراهتها إلى الصور التي يمكن أولوية ذي الصورة منها بذلك، لكن عليه لا ينبغي اختصاص الإنسان حينئذ بالكراهة، و لعلنا نلتزمه، خصوصا إذا قلنا باستفادة الكراهة من نصوص السترة، إذ ستعرف ظهور النصوص في استحبابها من كل ما يمر بين يدي المصلي، بل في بعضها(3)التصريح بالحمار و الكلب.
و حينئذ يتجه تعميم الكراهة لسائر الحيوانات، و احتمال اختصاص السترة بالمار يدفعه أولوية الواقف منه بذلك قطعا، على أن
علي بن جعفر قد سأل أخاه (عليه السلام) في المروي(4)عن قرب الاسناد «عن الرجل هل يصلح له أن يصلي و أمامه حمار واقف؟ قال: يضع بينه و بينه عودا أو قصبة أو شيئا يقيمه بينهما و يصلي و لا بأس، قلت: و إن لم يفعل و صلى أ يعيد صلاته أو ما عليه؟ قال: لا يعيد صلاته و ليس عليه شيء»
و قد ظهر من ذلك أن القول بالكراهة ليس بذلك البعيد، و نفي البأس عن محاذاة الامرأة و كونها بحياله إذا لم تكن تصلي في النصوص السابقة يمكن إرادة نفي البأس الحاصل مع صلاتها منه لا نفيه مطلقا، أو يحمل على ما إذا لم تكن مواجهة له، بل قد
ج8،
يدعى ظهوره في إرادة نفيه من حيث المحاذاة و التقدم لا من حيث المواجهة، فلاحظ و تأمل.
و كيف كان فتفصيل الحال في السترة أنه لا خلاف عندنا فيما أجد في عدم وجوب السترة، بل عن المنتهى لا خلاف فيه بين علماء الإسلام، كما في التذكرة و الذكرى و عن التحرير و البيان الإجماع عليه، و
قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير(1):
«لا يقطع الصلاة شيء لا كلب و لا حمار و لا امرأة و لكن استتروا بشيء، و إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت، و الفضل في هذا أن تستتر بشيء، و تضع بين يديك ما تتقي به من المار، فان لم تفعل فليس به بأس، لأن الذي يصلي له المصلي أقرب إليه ممن يمر بين يديه، و لكن ذلك أدب الصلاة و توقيرها».
نعم هي مستحبة بلا خلاف، بل عليه الإجماع منقولا في جملة من كتب الأساطين إن لم يكن محصلا، بل في التذكرة يستحب أن يصلى إلى سترة، فان كان في مسجد أو بيت صلى إلى حائط أو سارية، فإن صلى إلى فضاء أو طريق صلى إلى شيء شاخص بين يديه، أو نصب بين يديه عصا أو عنزة أو رحلا أو بعيرا معقولا بلا خلاف بين العلماء في ذلك، و
قال الصادق (عليه السلام) في خبر معاوية بن وهب(2):
«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجعل العنزة بين يديه إذا صلى»
و
قال (ع) أيضا في خبر أبي بصير(3): «كان طول رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذراعا، فإذا كان صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه»
و
قال (عليه السلام) أيضا في خبر غياث(4): «إن النبي (صلى الله عليه و آله) وضع قلنسوة و صلى إليها»
و
قال (ع) أيضا عن أبيه (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن مسلم(5): «كانت لرسول الله
ج8،
(صلى الله عليه و آله) عنزة في أسفلها عكازة يتوكأ عليها و يخرجها في العيدين يصلى إليها»
و قد سمعت خبري السكوني(1)و محمد بن إسماعيل(2)في عبارة كشف اللثام السابقة، و
سأل علي بن جعفر(3)أخاه موسى (عليه السلام) «عن الرجل يصلي و أمامه حمار واقف قال: يضع بينه و بينه قصبة أو عودا أو شيئا يقيمه ثم يصلي فلا بأس»
و زاد فيما رواه
الحميري(4)عنه كالمروي عن كتابه، قلت: «فان لم يفعل و صلى أ يعيد صلاته أم ما عليه؟ قال: لا يعيد صلاته و ليس عليه شيء»
و فيه إيماء إلى مرجوحية ذلك مع عدم السترة، و أن الغرض من وضعها رفع المرجوحية المزبورة بها، بل قد يظهر من بعض النصوص(5)معلومية ذلك في الزمن السابق، بل كانوا يتوهمون خصوصا العامة منهم انقطاع الصلاة بالمرور بين يدي المصلي، و لذا أكثروا عليهم السلام في بيان فساد الوهم المزبور، و أن ذلك ليس من الأمور الواجبة، بل هو من آداب الصلاة و توقيرها، و إلا فالله عز و جل أقرب إلى المصلي من كل ما يمر بين يديه، فالصلاة له حينئذ لا للمار، كما أوضح ذلك في خبر أبي بصير السابق و غيره مما سمعت، و في
خبر ابن أبي عمير(6)المروي عن كتاب التوحيد «رأى سفيان الثوري أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) و هو غلام يصلي و الناس يمرون بين يديه فقال له:
إن الناس يمرون بين يديك و هم في الطواف، فقال له: الذي أصلي له أقرب من هؤلاء»
و في
المرفوع إلى محمد بن مسلم(7)انه «دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: رأيت ابنك موسى يصلي و الناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم و فيه ما فيه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ادعوا لي موسى (عليه السلام) فدعى، فقال: يا بني
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب مكان المصلي- الحديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 12- من أبواب مكان المصلي- الحديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي.
6) 6 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 3.
7) 7 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 11.
ج8،
إن أبا حنيفة يذكر أنك صليت و الناس يمرون بين يديك فلم تنههم، فقال: نعم يا أبة، إن الذي كنت أصلي له أقرب إلى منهم، يقول الله عز و جل(1)«وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» فضمه أبو عبد الله (عليه السلام) إلى نفسه، ثم قال: يا بني بأبي أنت و أمي يا مستودع الأسرار»
و في
خبر سيف(2)عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهما السلام) قال: «كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه، فلما انصرف قال له: لم نهيت الرجل؟ فقال:
يا ابن رسول الله حضر فيما بينك و بين المحراب، فقال: ويحك ان الله عز و جل أقرب من أن يحضر فيما بيني و بينه أحد»
و في
خبر سفيان بن خالد(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام) «انه كان يصلي ذات يوم إذ مر رجل قدامه و ابنه موسى (ع) جالس، فلما انصرف قال له ابنه: يا أبة ما رأيت الرجل مر قدامك؟ فقال له: يا بني ان الذي أصلي له أقرب إلى من الذي مر قدامي»
و في
خبر أبي سليمان(4)مولى أبي الحسن العسكري (عليه السلام) «سأله بعض مواليه و أنا حاضر عن الصلاة يقطعها شيء مما يمر بين يدي المصلي فقال: لا ليست الصلاة هكذا تذهب بحيال صاحبها، إنما تذهب مساوية لوجه صاحبها»
إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة فيما ذكرنا، بل يكفي فيه ما سمعته في خبر أبي بصير السابق من أن السترة أدب الصلاة و توقيرها الظاهر في أن عدمها مناف لذلك.
بل يستفاد من نصوص غير المقام النهي عن عدم توقيرها، بل لا تخلو النصوص
ج8،
المتضمنة للأمر بالادراء من إشعار بذلك أيضا، ففي
صحيح الحلبي(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أ يقطع صلاته شيء مما يمر بين يديه؟ فقال:
لا يقطع صلاة المسلم شيء، و لكن ادرأ ما استطعت»
و في
خبر ابن أبي يعفور(2)سأله أيضا «عن الرجل هل يقطع صلاته شيء مما يمر بين يديه؟ فقال: لا يقطع صلاة المؤمن شيء، و لكن ادرؤا ما استطعتم»
و في
خبر الحسين بن علوان(3)عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن الرجل يصلي فيمر بين يديه الرجل و المرأة و الكلب و الحمار فقال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، و لكن ادرؤا ما استطعتم، هي أعم من ذلك»
و قد فهم الشهيد في الذكرى و غيره من هذه النصوص استحباب الدفع للمصلي مضافا إلى استحباب السترة، نعم قال بعد ذلك: «هل كراهة المرور و جواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلق؟ نظر، من حيث تقصيره و تضييعه حق نفسه، و في كثير من الأخبار التقييد بما إذا كان له سترة ثم لا يضره ما مر بين يديه، و من إطلاق باقي الأخبار، و يمكن أن يقال بحمل المطلق على المقيد» بل قال أيضا:
«لو احتاج في الدفع إلى القتال لم يجز، و
رواية أبي سعيد الخدري(4)و غيره عن النبي (صلى الله عليه و آله) «فان أبى فليقاتله فإنما هو شيطان»
للتغليظ أيضا، أو يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدي إلى حرج(5)أو ضرر».
قلت: يمكن أن يقال: إن المراد بالادراء الكناية عن التستر الذي هو المدافعة بالتي هي أحسن، ضرورة ظهور النصوص بل صراحتها كما اعترف هو في أنه مع السترة لا يضره، بعد مرور المار، لكونه مستورا و لو شرعا كالتستر بالعنزة و نحوها، و اليه
ج8،
أومأ
الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير(1)السابق بقوله: «انه إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت»
و نحوه غيره، فحينئذ لا يحتاج إلى الدفاع حتى لو مر فيما بينه و بين السترة فضلا عما لو مر من خلفها، لأن ذلك المرور منه كعدمه بعد السترة، أو لأنه إنما يقدح المرور المتعارف، و الفرض أنه قد توقي عنه، و غيره لم يثبت الأمر بالتحرز عنه، لإطلاق الأدلة الظاهر في الاجزاء، و لعل الإنكار في النصوص السابقة على من نهي عن المرور إنما كان لوجود السترة منهم (عليهم السلام) بل قد يؤيد ذلك أن مرور المار إنما هو في أرض مباحة و نحوها مما يجوز له المرور فيه، فلا يستحق الدفع و الرمي بالحجر و نحوهما من أنواع الأذى المشهورة بين العامة العمياء حتى أنه يحصل منهم بذلك بعض الأحوال المشابهة لأحوال الكلاب و الخنازير عند مزاحمتها، بل ربما توصلوا إلى جواز المقاتلة معه لخبر أبي سعيد الخدري المتقدم الذي قد روي نحوه عن
دعائم الإسلام(2)عن علي (عليه السلام) انه «سئل عن المرور بين يدي المصلي فقال: لا يقطع الصلاة شيء و لا تدع من يمر بين يديك و لو قاتلته»
و حمله في الحدائق على ما سمعته من الذكرى من التغليظ و المبالغة في الدفع، و لعل ما نراه الآن من بعض السواد من الشيعة مأخوذ من أحوال العامة المزبورة، و لا يخفى على الخبير بلسان الشرع العارف بأحكامه و سهولته و إرادته اليسر و يشرع أحكامه على ما يستحسن عند سائر العقول أن ذلك كله مما هو مناف لمذاق الشريعة.
فلا يبعد و الله أعلم حمل نصوص الدرء على إرادة التستر لا المدافعة المزبورة التي ربما كانت محرمة على المصلي، كما أن المرور ربما كان واجبا على المار أو مستحبا أو مباحا، بل لا أجد في شيء من نصوصنا كراهة المرور للمار بين يدي المصلي حتى خبر الدعائم
ج8،
المتضمن للنهي للمصلي، بل ربما كان في سكوتهم (عليهم السلام) و عدم إنكارهم على المارين إيماء إلى عدم ذلك، مضافا إلى الأصل و غيره، لكن في الذكرى الجزم بكراهة المرور مع السترة و عدمها، قال: لما فيه من شغل قلبه و تعريضه الدفع، و حرمه بعض العامة لما
صح عن النبي (صلى الله عليه و آله) في رواية أبي جهم الأنصاري(1)«لو يعلم المار بين يدي المصلي ما ذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه»
و شك أحد الرواة بين اليوم أو الشهر أو السنة، و هو محمول على التغليظ، لأنه صح في
خبر ابن عباس(2)أنه مر بين يدي الصف راكبا و لم ينكر عليه ذلك، فان قلت في الرواية «و أنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام»
فترك الإنكار لعدم البلوغ، قلت:
الصبي ينكر عليه المحرمات و المكروهات على سبيل التأديب.
قلت: لا يخفى عليك ما في الركون إلى هذه التعليلات و أمثال هذه الروايات في إثبات الأحكام الشرعية و لو على التسامح، ضرورة كون مثله تسامحا في التسامح، نعم قد يحتج للكراهة بنصوص الدرء و خبر الدعائم بدعوى أنها المناسبة لأمر المصلي بأن يدرأ ما استطاع، و لنهيه عن دعة المار، إذ من المستبعد إباحة المرور أو ندبه مع أمر المصلي بالدفع و أن لا يدعه، و إن كان لا مانع منه عقلا، لكن قد عرفت أن المراد بنصوص الدرء الكناية عن التستر، كما أن الظاهر عامية خبر الدعائم، فحينئذ يشكل الجزم بالكراهة للمار، خصوصا إذا لم يضع المصلي سترة باعتبار أنه قد يقال هو ضيع حق صلاته و لم يجعل ما أعده الشارع رافعا لتأثير المرور فيها، كما قال في الذكرى: إنه لو كان في الصف الأول و فرجة جاز التخطي بين الصف الثاني لتقصيرهم بإهمالها، و إن كان لا يخلو من نظر، بل و إن وضع سترة، فإنه قد يقال حينئذ إنه بحكم المتستر، فلا يكره المرور بين يديه، بل قد يؤيد عدم الكراهة مطلق ظهور النصوص في أن السترة ترفع
ج8،
تأثير مرور كل حيوان بين يدي المصلي لا خصوص الإنسان منه، فليس هو إلا كباقي الحيوانات التي من المعلوم عدم تعلق الكراهة بها، فلا ينبغي الانتقال من الأمر بالدرء في النصوص إلى كراهة المرور.
كما أنه لا ينبغي تخصيص ثمرة السترة بمرور الإنسان خاصة، مع أن في
صحيح الحلبي(1)المتقدم «مما يمر بين يديه»
ك خبر ابن أبي يعفور(2)أيضا، نعم في حاشية ما حضرني من الوسائل عن نسخة «ممن» و في
خبر ابن علوان(3)«الرجل و المرأة و الكلب و الحمار»
و في خبر علي بن جعفر(4)السابق التصريح بوضع السترة بينه و بين الحمار.
بل الظاهر عدم اختصاص ثمرتها بالمرور خاصة، بل له و للحضور بين يديه الذي هو أولى من المرور، بل في خبر معاوية بن عمار(5)الآتي إيماء اليه و إن كان ظاهره اغتفار ذلك في خصوص مكة، بل لا يبعد كون ثمرة السترة التوقي عن المرور من جهته، و لعله إليه أومأ العلامة الطباطبائي بقوله:
و يستحب الدرء و التسترعمن يمر أو لديه يحضر
نعم يمكن اختصاص ذلك بمواجهته أو كمواجهته لا ما يشمل الخلف و نحوه، لما يومي اليه الاكتفاء في السترة بالبعير المعقول، كما أرسله في
الذكرى(6)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه كان يعرض له البعير فيصلي إليه»
بل هو من معقد نفي الخلاف بين العلماء الذي سمعته من التذكرة، بل هو من معقد الإجماع في المحكي عن نهاية الأحكام، و لما ذكره في الذكرى أيضا من أن ظهر كل واحد من المأمومين سترة لصاحبه، إذ لو فرض الاحتياج إلى السترة عن الحيوان كيف كان لم يكتف بالبعير
1) 1 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 8.
2) 2 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 12.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي الحديث 7.
6) 6 صحيح مسلم ج 2 ص 55.
ج8،
أو الظاهر فيها، بل عن جماعة لتصريح بجواز الاستتار بالحيوان و الإنسان المستدبر، و إن كان قد يناقش في ذلك بأن المرسل الأول غير ثابت من طرقنا، و لعله عامي، و بأنه لا دليل على كفاية الظهر، بل لا دليل على ما ذكره فيها أيضا تبعا للتذكرة من أن سترة الإمام سترة لمن خلفه معللين له بعد دعوى الفاضل منهما الإجماع عليه بأن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يأمر المأمومين بذلك، و فيه أنه لعله اكتفى بالإطلاقات أو بفعله أو نحو ذلك مما يقتضي التعميم، فارتباط صلاتهم بصلاته حتى أنه ربما أجرى عليهما حكم الواحدة في بعض الأحوال لا يقتضي ذلك بحيث يخرج به عن إطلاقات السترة، لكن قد يدفع الأولى بعد الإجماع المحكي المعتضدة بنفي الخلاف بأنه لا حاجة إلى المرسل، بل يكتفي فيه إطلاقات السترة، بل لعله أولى من كومة التراب و الخط و العنزة و نحوها، و حينئذ فيتجه الاكتفاء بالبعير و الظهر و نحوهما، بل يكتفى بالإمام سترة لمن كان خلفه أيضا لذلك، أما من كان على اليمين أو الشمال من الصف الأول فالاكتفاء به أو بسترته له إن لم يثبت الإجماع السابق لا يخلو من إشكال، خصوصا على ما هو الظاهر من النصوص و الفتاوى من كون وضع السترة بين يدي المصلي لا عن يمينه و لا عن شماله، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد تبعا لبعض العامة من الأمر بجعلها على أحدهما، و أنه لا يتوسطها فيجعلها بقصده تمثيلا بالكعبة، و كأنه اجتهاد في مقابلة النص، على أنه قد يبعد المأمومون عن الامام بغير الموظف في السترة، إذ الظاهر تقديره بمربض إلى مربط فرس كما صرح به بعضهم، بل نسبه في المدارك إلى الأصحاب، بل في الذكرى أن البعيد عن السترة كفاقدها، بل لعله المراد من
قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان(1): «أقل ما يكون بينك و بين القبلة مربض عنز، و أكثر ما يكون مربط فرس».
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب مكان المصلي- الحديث 6.
ج8،
و الظاهر وفاقا لجماعة منهم الشهيد عدم الترتيب فيما يسمى سترة و لو بتنزيل من الشارع كالعنزة و كومة التراب و القلنسوة و السهم و الخط، لا طلاق الأدلة، و خصوص خبر محمد بن إسماعيل السابق(1)و غيره، و خبر السكوني(2)و إن كان ظاهره الترتيب إلا أني لم أجد عاملا به، فلعل حمله على إرادة الترتيب في الفضل، أو على عدم إرادة حقيقة الشرطية منه، بل المراد منه التنبيه على جواز ذلك كله، و ربما كان نظائر لهذا الخطاب في هذا المعنى في العرف، بل لعل ما في التذكرة و المحكي عن نهاية الأحكام من أنه إن لم يجد سترة خط خطا مراد منه ذلك أيضا لا الترتيب حقيقة في الخط، بل و كذا ما عن المنتهى و التحرير من أن مقدار السترة ذراع تقريبا، و لو لم يجد المقدار استحب له الحجر و السهم و غيرهما، و لو لم يجد شيئا استحب له أن يجعل بين يديه كومة من تراب، أو يخط بين يديه خطا، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في قوله بعد البيت السابق:
و لو بعود أو تراب جمعابين يديه أو بخط منعا
و لعل مراده بالمنع باعتبار وضعه للدلالة على المنع، لا أنه يعتبر فيه كونه مانعا، ضرورة منافاته إطلاق الأدلة.
و المنساق إلى الذهن من الخط ما صرح به في الذكرى من كونه عرضا، خلافا لما عن بعض العامة من جعله طولا أو مدورا أو كالهلال، و ربما استفيد من فحواه الاجتزاء بوضع العنزة عرضا إذا لم يمكن نصبها كما في التذكرة، لأنه أولى كما في الذكرى، قلت: بل و إن أمكن، لما عرفت من عدم الترتيب.
و لا يشترط الحلية في السترة على الأقوى وفاقا للشهيد و غيره، لتحقق امتثال الأمر بالصلاة إلى سترة، و خروجها عن الصلاة، و الأمر بها ليس عبادة مشروطة بنية القربة قطعا، بل هو لتحصيل كون الصلاة إلى سترة، فما في التذكرة و المحكي عن نهاية
ج8،
الأحكام- من عدم الاجتزاء، لعدم الإتيان بالمأمور به شرعا- كما ترى، اللهم إلا أن يريد أمر الاستتار الذي هو مقدمة، أو يريد خصوص ما إذا كان هو الغاصب، و الفرض أنه مكلف بردها، فكأنها باعتبار وجوب ذلك كالعدم، لكن فيه أن أمر المقدمة لا يقدح فواته، و كونه غاصبا لا يمنع الصدق قطعا، و الصلاة إليها ليس تصرفا فيها و إن كان انتفاعا.
و كذا لا يشترط طهارتها للإطلاق المزبور، قال في الذكرى: «إلا مع نجاسة ظاهرة» قلت: أي يكره الصلاة إليها، أما إذا لم تكن كذلك فيشكل عدم الاجتزاء بها، بل قد يشكل في الظاهرة التي على ثوب و نحوه و إن كره استقبالها، إذ لا مانع من اجتماع المكروه من جهة و المندوب من أخرى بعد تعدد المتعلقين، كما هو واضح.
ثم إنه صرح جماعة بعدم الفرق بين مكة و غيرها في استحباب السترة، بل ربما استظهر من المنتهى الإجماع عليه حيث نسب الخلاف فيه إلى أهل الظاهر، و لعله لإطلاق الأدلة، لكن في
خبر معاوية بن عمار(1)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
«أقوم أصلي بمكة و المرأة بين يدي جالسة أو مارة فقال: لا بأس، إنما سميت بكة لأنه يبك فيها الرجال و النساء»
أي يزدحمون، و في التذكرة «لا بأس أن يصلي في مكة بغير سترة، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) صلى هناك و ليس بينه و بين الطواف سترة، و لأن الناس يكثرون هناك، لأجل المناسك و يزدحمون، و به سميت بكة لتباك الناس فيها، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه ضاق على الناس» ثم قال: «و حكم الحرم كله كذلك، لأن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار أتان و النبي (صلى الله عليه و آله) يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، و لأن الحرم محل المشارع و المناسك» قال في الذكرى
1) 1 الوسائل- الباب- 11- من أبواب مكان المصلي- الحديث 7.
ج8،
بعد نقل ذلك: «و قد
روي(1)في الصحاح «ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى بالأبطح فركزت له عنزة» رواه أنس و أبو حجيفة
، و لو قيل السترة مستحبة مطلقا و لكن لا يمنع المار في هذه الأماكن لما ذكر كان وجها» قلت: العمدة ما سمعته من خبر معاوية، و إلا فغيره أخبار عامية، و من الغريب ما في التذكرة و الذكرى هنا من التمسك بأمثالها و الركون إليها كما لا يخفى على من لاحظها في بحث السترة، و لعل الجمع بينه و بين غيره بالتأكد و عدمه أو بغير ذلك.
ثم إن الظاهر كون المرور و نحوه حكمة في السترة لا علة بحيث لا تستحب السترة حيث يعلم عدم حضور أحد أو مروره، و من أراد تمام البحث في أحكام السترة فليرجع إلى مطولات كتب الأصحاب، كما أن من أراد الاطلاع على باقي المكروهات كالتوجه إلى السلاح المشهور و غيره فعليه بملاحظتها و ملاحظة النصوص، بل ربما زاد ما فيها على ما تعرض له الأصحاب الذين ليس من عادتهم التعرض لذكري جميع المندوبات و المكروهات لأن الأمر في غيرها أهم، و العمر أقصر من استيعاب البحث في الجميع، و الله المؤيد و المسدد.
المقدمة السادسة فيما يسجد عليه لا يجوز السجود
اختيارا على ما ليس بأرض و لا نابتا فيها عدا بعض أفراد القرطاس كما ستعرف، بل كان متكونا منها كالجلود و الصوف و الشعر و الوبر و الريش و نحوها إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا بل متواترا كالنصوص(2)التي ستسمع في أثناء البحث جملة منها، بل يمكن دعوى ضرورة المذهب عليه، بل و لا على ما هو
ج8،
متكون من الأرض إلا أنه خرج عن مسماها عرفا، كما إذا كان معدنا كالملح و العقيق و الذهب و الفضة و القير إلا عند الضرورة لما عرفت من استفاضة النصوص و معاقد الإجماعات بعدم جواز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت إلا ما أكل أو لبس، و منه حينئذ يعلم سقوط ثمرة البحث في تحقيق معنى المعدن الذي عرف في المحكي عن نهاية ابن الأثير و المنتهى و التذكرة و التحرير بكل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها مما له قيمة، و المعتبر بما استخرج من الأرض مما كان فيها، و البيان و تعليق النافع به أنه كل أرض فيها خصوصية يعظم الانتفاع بها، و التنقيح بأنه ما أخرج من الأرض مع زيادة مما كانت أصله ثم اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها، و نحوه المسالك من دون ذكر ما كانت أصله، و القاموس بأنه منبت الجواهر من ذهب و نحوه، ضرورة أنها متعبة بلا ثمرة، إذ ليس في شيء من الأدلة المعتد بها تعليق الحكم على المعدن، بل ليس عدم السجود عليه إلا لأنه ليس بأرض، و إلا فلو فرض منه ما كان يصدق عليه اسمها فلا ينبغي التوقف في جواز السجود عليه، لتناول الأدلة له بلا معارض، فما في المفاتيح- من أن في المغرة و طين الغسل و حجارة الرحى و الجص و النورة إشكالا، للشك في إطلاق اسم المعدن عليه و عدمه- في غير محله قطعا، كالذي يظهر من بعض التعاريف السابقة من صدق اسم الأرضية على بعض أفراد المعدن إلا أنه امتنع السجود عليه لصدق اسم المعدنية، إذ هو كما ترى قول بلا دليل، بل خلاف مقتضى الأدلة، نعم لو قيل بخروج كل مسمى معدن عن اسم الأرض كما يقتضيه بعض التعاريف السابقة عند التأمل كان ممكنا و إن كان هو لا يخلو من نظر خارج عن محل البحث الذي هو جواز السجود و عدمه، هذا.
و قد مر في باب التيمم ما له نفع في المقام، بل مر فيه تحقيق حال جملة مما وقع الشك في خروجه عن الأرض و عدمه كالخزف و الآجر و الجص و النورة و الرماد الكائن من الأرض و غير ذلك، إذ المقام من واد واحد بعد أن كان المختار عندنا جواز التيمم
ج8،
اختيارا بمسمى الأرض كالسجود، و لا يختص بالتراب، فلاحظ و تأمل.
و نزيد هنا أيضا و نقول قال في المدارك: «قطع الأصحاب بجواز السجود على الخزف» و عن الروض «لا نعلم في ذلك مخالفا» و عن مجمع البرهان «معلوم جواز السجود على الأرض و إن شويت لعدم الخروج عن الأرضية بصدق الاسم و للأصل» بل قد يستفاد من استدلال الفاضل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض بجواز السجود عليه كونه مفروغا منه، كما أنه قد يظهر من معتبر المصنف جواز السجود عليه و إن كان قد خرج عن اسم الأرض باسم الطبخ، فإنه بعد أن منع من التيمم به لذلك قال: «و لا يعارض بجواز السجود عليه، لأنه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ» بل في المحكي عن الروض «ربما قيل ببطلان القول بالمنع من السجود عليه و إن قيل بطهارته، لعدم العلم بالقائل من الأصحاب، فيكون القول بالمنع مخالف للإجماع إذ لا يكفي في المصير إلى قول وجود الدليل مع عدم الموافق، و المسألة مما تعم به البلوى، و ليس من الجزئيات المتجددة، و لم ينقل عن أحد ممن سلف المنع» و إن كان فيه مواضع للنظر، بل و فيما سمعته من المعتبر أيضا تعرف بعضها فيما يأتي إن شاء الله.
و كيف كان فقد يدل عليه الأصل، و ما دل(1)على التيمم بالحجر الذي منه المشوي، بل غير المشوي منه أشد تماسكا من الخزف، فهو أولى منه بالجواز المستند إلى صدق اسم الأرض فيهما، مضافا إلى معلومية صدق الأرض على المحترقة منها التي هي كالخزف أو أشد، و إلى ما قيل من
صحيح الحسن بن محبوب(2)سأل أبا الحسن (عليه السلام) «عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب (عليه السلام) اليه بخطه أن الماء و النار قد طهراه»
باعتبار ظهوره
ج8،
في جواز السجود على الجص الذي هو بمعنى الخزف، قلت: أولى منه حينئذ الاستدلال بما تقدم في التيمم بالجص و النورة، لما في مضمون الصحيح المزبور من التردد من حيث عدم ظهور الطهارة الماء له بل النار أيضا، و إن كان يدفعه بعدم نجاسة الأرض قبل الإحراق لليبوسة، و يكون المراد طهارة ما معه من العذرة التي احترقت و صارت دخانا أو رمادا أو غير ذلك.
لكن و مع ذلك كله فالمحكي عن رسالة صاحب المعالم أن الخزف ليس من الأرض، و أن التربة المشوية من أصناف الخزف، إلا أنه حكي عن الشيخ نجيب الدين تلميذه أنه قال: «إن الأستاذ بعد تصنيف الرسالة لم يمنع من السجود على التربة المشوية» كما عن المحقق الثاني أنه صنف رسالة في جواز السجود عليها، و ربما استظهر الخلاف أيضا من الشيخ القائل بطهارة الطين إذا صار خزفا للاستحالة، لكن هو مع أنه في غاية الضعف كما اعترف به في الروضة يمكن أن لا يلزمه ذلك، لعدم انحصار الاستحالة في الخروج عن اسم الأرض، إذ قد يجتزي بالخروج عن اسم الطين و نحوه، فتأمل.
على أن المحكي عن نهايته و مبسوطة التصريح بجواز السجود على الجص و الآجر، بل عن جماعة من متأخري المتأخرين الميل اليه، بل قيل: إنه ظاهر الأكثر في الآجر، بل عن البحار أنهم لم ينقلوا فيه خلافا، مع أن الشيخ جعل من الاستحالة المطهرة صيرورة التراب خزفا، و لذا تردد فيه بعض المتأخرين، قلت: قد عرفت إمكان عدم لزوم ذلك للخلاف هنا، و على تقديره فهو ضعيف.
و منه يعلم حينئذ جوازه أيضا على الآجر و الجص و النورة و نحوها، بل لا ينبغي التوقف في أرض الأخيرين كما أوضحناه في التيمم، و به صرح الفاضل هنا في المحكي عن نهاية الأحكام، مضافا إلى ما سمعته من المبسوط و النهاية و المدارك في نفس الجص، و ما في التذكرة- من أنه يجوز على السبخة و الرمل و النورة و الجص- محتمل للأرض و لهما
ج8،
نفسهما، و لكن مع ذلك كله لا ريب في أن الأحوط الاجتناب في الجميع، خصوصا في النورة، ل
خبر عمرو بن سعيد(1)عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «لا يسجد على القفر و لا على القير و لا على الصاروج»
و في وافي الكاشاني «إن الصاروج النورة باخلاطها فارسي معرب» و في الذكرى أنه يستلزم المنع من النورة بطريق الأولى، و خصوصا مع احتمال انصراف الأرض إلى غيرها من الأفراد الشائعة، و لعله لذا أو للشك المقتضي لتعارض أصلي الشغل و بقاء حكم الأرضية، و فلا يخرج عن يقين العهدة مال في الرياض إلى العدم و إن كان فيه منع واضح أطلنا الكلام فيه في التيمم و في بحث النجاسات، و قلنا هناك إن أصل الشغل لا يعارض أصالة بقاء حكم الأرض، بل هو مقطوع به لوروده عليه، كما أنه قلنا هناك أيضا لا مانع من استصحاب أحكام الأرض بل و استصحاب حقيقة الأرض بعد العلم بأن المدار عليها من غير مدخلية للعلم بالصدق عرفا و عدمه، فالشك فيه حينئذ لا يقدح في جريان الاستصحابين كما أوضحناه في بحث الاستحالة و في بحث العصير و في بحث التيمم و في أوائل كتاب الطهارة مفصلا، من أراده فيلاحظه، نعم لا بأس بالاحتياط من جهة ما سمعت، بل عن جماعة التصريح بكراهته على الخزف، كما عن
فقه الرضا (عليه السلام)(2)«لا تسجد على الآجر».
بل قد يقال بالكراهة في الرمل أيضا، لما في
صحيح محمد بن الحسين(3)من أن أبا الحسن (عليه السلام) كتب إلى بعض أصحابه «لا تصل على الزجاج و إن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض و لكنه من الملح و الرمل، و هما ممسوخان»
ج8،
و لا ينافيه اشتراكه مع الملح الذي مسخه منع من السجود عليه، لخروجه به عن الأرض بخلاف الرمل الذي لم أجد أحدا من الأصحاب منع من السجود عليه، بل ظاهر النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات جوازه، فوجب صرف المسخ فيه إلى ما ذكرنا من الكراهة، و لا ينافيها إرادة الحرمة حقيقة من النهي عن الصلاة على الزجاج، إذ لعله لمكان الخليط، أو لأنه خرج عن مسمى الأرض أو غير ذلك، بل لعل المراد من
قوله (عليه السلام): «و هما ممسوخان»
أنهما بالزجاجية قد تحولا عن صورتيهما و لم يبقيا على صرافتهما.
أما الرماد الكائن من النبات فالظاهر عدم جواز السجود عليه على ما صرح به غير واحد، بل في كشف اللثام كأنه لا خلاف فيه، لخروجه عن اسم الأرض و حقيقتها، و لذا طهرت النجاسات بالاستحالة اليه، و ما عساه يفهم من اقتصار الفاضلين على نسبة المنع فيه إلى الشيخ من نوع تردد فيه في غير محله.
نعم قد يتردد في الفحم كما في كشف اللثام و إن كان قد يقوى الجواز فيه، للأصل، و عدم طهارة المتنجس بالاستحالة إليه، كما أنه يقوى عدم الجواز فيما يفرض من الأرض المستحيلة رمادا، لعين ما سمعته في النبات، اللهم إلا أن يمنع استحالة الأرض اليه و إن كثر الحرق، فيخرج حينئذ عن البحث، إذ هو على فرضه.
و لا خلاف أجده بين الأصحاب قديما و حديثا في عدم جواز السجود على القير، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى إطلاق النصوص، و معاقد الإجماعات عدم الجواز في غير الأرض و نباتها، و خصوص خبر عمرو بن سعيد(1)المتقدم
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1 لكن رواه عن محمد بن عمرو بن سعيد.
ج8،
و
صحيح زرارة(1)قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «أسجد على الزفت يعني القير فقال: لا و لا على الثوب الكرسف و لا على الصوف و لا على شيء من الحيوان و لا على طعام و لا على شيء من ثمار الأرض و لا على شيء من الرياش»
لكن في
خبر معاوية ابن عمار(2)«انه سأل معلى بن الخنيس أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده عن السجود على القفر و على القير فقال: لا بأس به»
بل رواه الصدوق بإسناد إلى المعلى المزبور، و في
صحيح معاوية بن عمار(3)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة- إلى أن قال-: يصلى على القير و القفر و يسجد عليه»
و
خبر إبراهيم ابن ميمون(4)«انه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: «تسجد على ما في السفينة و على القير قال: لا بأس»
بل
قال الصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم(5): «القير من نبات الأرض»
و هي- مع قصورها عن معارضة ما تقدم من وجوه و عدم العمل بها من أحد فيما أجده- يجب طرحها أو حملها على الضرورة، أو سجود ما عدا الجبهة، كما في
خبر معاوية بن عمار(6)الآخر سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الصلاة على القار فقال: لا بأس»
أو غير ذلك، فما في المدارك- من أنه لو قيل بالجواز و حمل النهي على الكراهة أمكن إن لم ينعقد الإجماع على خلافه- في غير محله، إذ لا ريب في قصورها عن إثبات ذلك و إن لم ينعقد الإجماع، إذ الشهرة، مع ما عرفت كافية.
[في عدم جواز السجود على المأكول]
و كذا لا يجوز السجود على ما ينبت من الأرض إذا كان مأكولا بالعادة كالخبز و الفواكه بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه الحديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه الحديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه الحديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما يسجد عليه الحديث 5.
ج8،
منه صريحا و ظاهرا معتضدا بنفي الخلاف و وجدانه مستفيض أو متواتر كالنصوص(1)بل يمكن دعوى ضروريته عند متشرعة الإمامية فضلا عن علمائها، نعم في التذكرة و المحكي عن المنتهى و نهاية الأحكام و التحرير و الموجز جوازه على الحنطة و الشعير، لأن القشر الذي ليس بمأكول حاجز بين المأكول، و الجبهة و السجود واقع عليه، و لأنهما في هذا الحال غير مأكولين، و أشكله في الذكرى يجريان العادة بأكلهما غير منخولين، و خصوصا الحنطة، و خصوصا في الصدر الأول، قلت: و يشكل الثاني بأن المفهوم من المأكول المستثنى من النبات ما من شأنه أن يؤكل و إن احتاج إلى علاج من طبخ أو شيء أو غيرهما، خصوصا مع ملاحظة التعليل في
صحيح هشام(2)«بأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة الله عز و جل فلا ينبغي أن يضع جبهته على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها»
و
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأربعمائة المروي عن الخصال(3): «لا يسجد الرجل على كدس حنطة و لا شعير و لا على لون مما يؤكل و لا على الخبز»
و ليس هذا من إطلاق المشتق على المستقبل المعلوم مجازيته الذي قد أجيب عنه بما يرجع إلى ما ذكرنا من أن إطلاق المأكول و الملبوس على ما أكل و لبس بالقوة القريبة من الفعل قد صار حقيقة عرفا، و إلا لم يجز في العرف إطلاق اسم المأكول على الخبز قبل المضغ و الازدراد، على أن الموجود في أكثر النصوص «إلا ما أكل أو لبس» و لعله غير المشتق أيضا، لا مكان دعوى عدم الإشكال في صدقه على ما يتحقق أكله و لو بالعلاج، بل يمكن دعوى صدقه على المحتاج أكله إلى البقاء مدة، فيشمل حينئذ سائر الثمار قبل أو ان أكلها، و قد يؤيده
ج8،
تعليق الحكم على الثمرة في المرسل السابق(1)و
خبر ابن مسلم(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا بأس بالصلاة على البوريا و الخصفة و كل نبات إلا الثمرة»
و صحيح زرارة السابق(3)فإنه قد يدعى صدقها عليه قبل الوصول إلى أو ان الأكل، بل يكفي فيها تحقق المبدأ، فطلع النخل و غيره الذي يؤول إلى الثمرة لا يجوز السجود عليه، بل قد يقال بصدقها على القشر و ما فيه و الثمرة و ما فيها، فيمتنع حينئذ السجود على قشور الرمان و نوى التمر و نحوها حال اتصالها به، كما لو كشف بعض التمرة حتى خرجت النواة و هي فيها، و ربما كان في تعليل صحيح هشام شهادة على بعض ذلك، بل قد يقال بعدم الجواز أيضا مع الانفصال، لأنه بعض الثمرة، و معلوم إرادة النهي عن السجود على الثمرة و أبعاضها من النهي عنها، خصوصا مع قاعدة الشغل و نحوها.
لكن الانصاف عدم خلو الجواز من قوة، للشك في شمول المستثنى لمثله، فيبقى مندرجا في المستثنى منه، كما أن الانصاف انسياق المأكولة من الثمرة، خصوصا مع ملاحظة التعليل، فلا يشمل غير المأكول منها كثمرة الشكوك و الحنظل و نحوهما من النباتات، و لذا اقتصر الأصحاب على استثناء المأكول، و إلا فلا تنافي بين ما استثني فيه المأكول من النصوص و ما استثني فيه الثمرة، إلا بالعموم و الخصوص المطلق فلو لا انسياق ما ذكرنا من الثمرة لكان المتجه استثناءها لا خصوص المأكول منها، بل الظاهر المنساق إلى الذهن سيما مع التعليل أن المراد مما أكل أو لبس الإشارة إلى ما في أيدي الناس من المآكل و الملابس، لا أن المراد التعليق على الاعتياد و عدمه كالمكيل و الموزون المتجه فيه على
ج8،
هذا التقدير أحد الوجوه الثلاثة الذي هو الاختلاف باختلاف الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال حتى أنه لو فرض تعارف أكل نبات مدة من الزمان ثم تعارف عدمه تبعهما الجواز و عدمه في ذلك، و لو كان في قطر دون الآخر جاز لأهل أحدهما دون الآخر، و لو فرض اتفاق مرور أهل أحدهما بالآخر ففي كون المدار على الأرض أو الشخص وجهان، حتى لو فرض اعتياده كأهل القطر في الأكل و عدمه، إلى غير ذلك من الأحكام التي لا يخفى على من له أدنى درية في الفقه فسادها، فما في التذكرة- «لو كان معتادا عند قوم دون آخرين عم التحريم» و جامع المقاصد «المراد بالمأكول ما صدق عليه اسم المأكول عرفا لكون الغالب أكله و لو في بعض الأقطار- إلى أن قال-:
و لو أكل شائعا في قطر دون غيره فهو مأكول على الظاهر إذ لا يطرد أغلبية أكل شيء في جميع الأقطار، فإن الحنطة مثلا لا تؤكل في بعض البلاد إلا نادرا» و نحوه في فوائد الشرائع و المسالك و المدارك و غيرها، مع احتمال اختصاص كل قطر بمقتضى عادته قويا في الأخير تبعا للمحكي عن مقاصد جده و مجمع أستاذه- إن أريد به ما ذكرنا فمرحبا بالوفاق، و إلا كان للنظر فيه مجال، كالمحكي عن السيد عميد الدين من أن المراد بالعادة العادة العامة، فلو كان معتادا في بلد دون آخر ففيه
وجهان، أرجحهما جواز السجود، و إلا فالبلاد الواحدة لا عبرة بها قطعا، و لذا فرض موضوع المسألة القطر في كلام من عرفت، و إن كان التحقيق عدم العبرة بكل منهما، فإن المأكولية لا تتوقف على شيء منهما، فان المخلوقات للأكل معلومة لسائر الناس، بل فطرت طبائعهم على معرفتها، و اتفاق عدم استعمال جملة من الناس لجملة منها استغناء منهم بغيرها مما هو أطيب منها لا يرفع وصف استعدادها للأكل، و أنها مما خلقت و استعدت له، كما أن أكل جملة من الناس لبعض النباتات في زمن الربيع أو غيره لا يصيرها منها، و لعل منه أكل أصول البردي عند السواد.
ج8،
و الحاصل المآكل التي علل في الصحيح عدم السجود عليها «بأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون» معلومة معروفة لا تدور مدار الاعتياد المختلف في الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و عدمه، و ليس منها عقاقير الأدوية قطعا، و لا ما يؤكل عند المخمصة، فما في كشف اللثام من أن فيما يؤكل دواء خاصة إشكالا في غير محله، إذا احتمال صدق اعتياد الأكل في حال الاحتياج إلى الدواء كما ترى، بل لعل ما صرح به غير واحد من الأصحاب- من أن ما له حالتان يؤكل في إحداهما و لا يؤكل في الأخرى كقشر اللوز و جمار النخل جاز السجود عليه في الثانية دون الأولى- لا يخلو من نظر، فان احتساب ذلك من المخلوق للأكل المعد له الذي يطلق عليه أنه مآكل أهل الدنيا كما ترى.
و لا تشمل المأكولية شرب التنباك قطعا، أما شرب القهوة فلا يخلو من وجه قد يقوى خلافه، بناء على ما عرفت، و مصداق النبات معلوم، لكن قد يشك في بعض ما ينبت على وجه الماء مما لا أصل له في الأرض، و قد يقال انه لا بد من أجزاء أرضية في منبته، بل لعل المراد صنف نبات الأرض و ما من شأنه أن ينبت فيها، فيندرج فيه المخلوق معجزة نابتا في غير الأرض أو غير نابت أصلا، هذا.
و كأن المصنف اكتفى عن اشتراط عدم الملبوسية في النبات التي هي كالمأكولية في الاشتراط نصا و فتوى- بل عن نهاية الأحكام و كشف الالتباس نسبته إلى علمائنا، بل عن الانتصار و الخلاف و الغنية و الروض و المقاصد العلية الإجماع عليه، و الأمالي أنه من دين الإمامية، و الكفاية لا خلاف فيه- بقوله
و في القطن و الكتان روايتان، أشهرهما المنع لعدم ملبوسية غيرهما من النبات عادة، فلا إشكال حينئذ في جواز السجود عليه، لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، و اعتياد اتخاذ النعل في ذلك الزمن من النخل لا يصيره بذلك ملبوسا عادة، و لذا سجد النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و الصحابة و التابعون و تابعوا التابعين على الخمرة من الخصوص، كما أنه لو اتخذ منه في هذا
ج8،
الزمان ثواب جاز السجود عليه حتى لو اعتيد، بناء على ما سمعته في المأكول، لكن عن المنتهى «انه هل يصح السجود على ما يكون من نبات الأرض إذا عمل ثوبا و إن لم يكن بمجرى العادة ملبوسا؟ فيه تردد، أقربه الجواز» قيل و جزم بما قربه فيه في النهاية و التذكرة، ثم قال: «و لو مزج المعتاد بغيره ففي السجود عليه إشكال» قلت:
لا ينبغي الإشكال في الجواز إذا كان محل الجبهة مما يعتبر في السجود غير المعتاد، و في العدم إذا لم يكن كذلك كما هو واضح.
و احتمال أن المزج له مدخلية في المنع- للمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام)(1)من النهي عن السجود على حصر المدينة، لأن سيورها من جلود، و
خبر ابن الريان(2)قال: «كتب بعض أصحابنا بيد إبراهيم بن عقبة إلى أبي جعفر (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الخمرة المدينة فقال: صل فيما كان معمولا بخيوطة، و لا تصل على ما كان معمولا بسيورة»
الحديث- في غاية الضعف إذ مع عدم حجية الأول منهما يجب الجمع بينهما و بين النصوص(3)المستفيضة الدالة على جواز السجود على الخمرة بإرادة المعمولة بالسيور التي لا تكون مستورة في الخوص بل كانت ظاهرة بحيث لا يحصل الواجب من السجود معها، و به صرح في الذكرى قال: «لو عملت بالخيوط من جنس ما يسجد عليه فلا إشكال، و لو عملت بسيور فان كانت مغطاة بحيث تقع الجبهة على الخوص صح السجود أيضا، و لو وقعت على السيور لم يجز، و عليه دلت رواية ابن الريان، و أطلق في المبسوط جواز السجود على المعمولة بالخيوط» قلت: الظاهر إرادته التفصيل المزبور، و في الحدائق «لعل بناء الفرق في خبر ابن الريان على أن ما يعمل بالخيوط الخيوط منه مستورة بالسعف، و أما ما يعمل بالسيور فإنها تظهر من السعف أو تغطى على السعف فلا يقع
ج8،
السجود على السعف بالكلية، فيكون النهي محمولا على التحريم، أو لا يحصل الجزء الأكمل فعلى الكراهة» و مرجعه إلى ما ذكرنا أيضا، و الظاهر أن الخمرة سجادة صغيرة دون المصلي تعمل من السعف.
و كذا لا ينبغي التردد في الثوب المتخذ من نبات الأرض إذا لم يكن بمجرى العادة و إلا لوجب اجتناب صنف ذلك النبات، إذ ليس المراد مما ليس في النص و الفتوى الشخص، و منه يعلم حينئذ جواز السجود على قراب السيف و الخنجر و نحوهما، و إلا لامتنع السجود على صنف الخشب المتخذين منه، و هو معلوم البطلان، و لعله لانصراف الملبوس في النص و الفتوى إلى غيرهما، خصوصا مع قوة العمومات، فما في التذكرة من أن القنب لا يجوز السجود عليه إن ليس عادة لا يخلو من منع يعرف مما هنا و ما سمعته في المأكول، بل و ما في الذكرى من أن الظاهر القطع بعدم جواز السجود على القنب، لأنه معتاد اللبس في بعض البلدان، أما القطن و الكتان فالمشهور نصا و فتوى المنع، بل عن التذكرة و المهذب البارع و المقتصر نسبته إلى علمائنا، بل عن الخلاف و المختلف و البيان الإجماع عليه، بل يشمله ما عن الانتصار من الإجماع على منعه على الثوب المنسوج من أي جنس كان، مضافا إلى ما كان من الإجماعات السابقة على استثناء الملبوس من النبات الظاهر أو الصريح فيهما، لعدم ملبوسية غيرهما.
و منه يعلم حينئذ صراحة نصوص استثناء الملبوس فيهما، مضافا إلى خصوص
خبر أبي العباس(1)عن الصادق (عليه السلام) «لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا القطن و الكتان»
و صحيح زرارة(2)السابق في الثوب الكرسف،
ج8،
و
خبر الأعمش المروي(1)عن الخصال عن الصادق (عليه السلام) أيضا «لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت إلا المأكول و القطن و الكتان»
و
خبر علي بن جعفر(2)المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يؤذيه حر الأرض و هو في الصلاة و لا يقدر على السجود هل يصلح له أنه يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا؟
قال: إذا كان مضطربا فليفعل».
خلافا للمحكي عن السيد في الموصليات و المصريات الثانية من الجواز على الثوب المعمول منهما، لأنه لو كان محرما محظورا لجرى في القبح و وجوب إعادة الصلاة و استينافها مجرى السجود على النجاسة، و معلوم أن أحدا لا ينتهي إلى ذلك، و فيه منع الملازمة أو لا، إذ يمكن كونه محرما غير موجب للإعادة، و ثانيا منع بطلان اللازم، و دعواه عدم انتهاء أحد إلى ذلك ممنوعة عليه، بل هو مقتضى المنع في كلام من عرفت الذين هو منهم في الجمل و المصباح و الانتصار على ما قيل، بل في الأخير من كتبه دعوى الإجماع على ذلك كما سمعت، اللهم إلا أن يريد ما عدا القطن و الكتان من الثوب في معقده.
و ل
خبر ياسر الخادم(3)قال: «مر بي أبو الحسن (عليه السلام) و أنا أصلي على الطبري و قد ألقيت عليه شيئا أسجد عليه فقال لي: ما لك لا تسجد عليه؟ أ ليس هو من نبات الأرض»
و فيه أنه- بعد تسليم السند و عدم احتماله الإلزام، بل و لا التقية للاستفهام فيه المنافي لمذهبهم- محتمل لغير ما نحن فيه، بل في كشف اللثام أن
ج8،
المقنع صريح في كون الطبري مما لا يلبس، و عن مولانا التقي و مولانا مراد أن الطبري هو الحصير الذي يصنعه أهل طبرستان.
و
خبر داود الصرمي(1)«سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) هل يجوز السجود على الكتان و القطن من غير تقية؟ فقال: جائز»
و فيه- بعد الإغضاء عن حال داود في السند، و احتمال إرادة غير سجود الصلاة من السجود فيه، و الجواز لضرورة غير التقية، و إرادة شجر القطن و خشب الكتان أو قبل اليبس أو قبل الغزل أو قبل النسج بناء على جواز السجود عليهما في هذه الأحوال، و غير الجبهة من المساجد، و ما في كشف اللثام من احتمال تعلق «من غير» فيه بالسؤال، و غير ذلك- انه محتمل للتقية أيضا، إذ لا يلزم الإمام إلا الجواب، بما فيه مصلحة السائل و غيره من الشيعة من التقية أو غيرها و إن ألح عليه في سؤال الحكم من غير تقية ثم تعلم حينئذ بالمعارض الراجح و الموافقة و التصريح بها في حديث آخر، و غير ذلك.
و
خبر الحسين بن علي بن كيسان الصنعاني(2)«كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن السجود على القطن و الكتان من غير تقية و لا ضرورة فكتب إلى ذلك جائز»
و فيه أكثر ما مر، و عن الشيخ احتمال إرادة ضرورة المهلكة، و لو أغضي عن ذلك كله فمن الواضح عدم صلاحية هذه النصوص لمعارضة ما عرفت حتى نصوص استثناء الملبوس من النبات التي هي كالصريحة في إرادة القطن و الكتان، لعدم اعتياد ملبوسية غيرهما منه، فمن الغريب ما عن المصنف في المعتبر من الميل إلى الجواز على الكراهة للجمع بين النصوص مرجحا له على الجمع بينها بالتقية بأن في سؤال بعضها اشتراط عدمها، و تبعه الكاشاني، و فيه ما عرفت.
و لا فرق على الظاهر بين المنسوج من غزلهما و عدمه كما صرح به غير واحد،
ج8،
بل هو من معقد شهرة المدارك للإطلاق نصا و فتوى، و لأن الصدق عليه قبل النسج أتم منه بعده، و للتصريح به في المرسل(1)الآتي، فما في كشف اللثام عن التذكرة و النهاية- من الاستشكال فيه من أنه عين الملبوس، و الزيادة في الصفة، و من أنه حينئذ غير ملبوس- ضعيف جدا، مع أن المحكي عن النهاية أنه قرب المنع فيها بلا إشكال، قال في الكشف: «و قرب في النهاية الإحكام جواز السجود عليهما قبل الغزل، و في التذكرة عدمه» قلت: الذي وجدته في التذكرة «الكتان قبل غزله و نسجه الأقرب عدم جواز السجود عليه، و على الغزل على إشكال ينشأ من أنه عين الملبوس، و الزيادة في الصفة، و من كونه حينئذ غير ملبوس، أما الخرق الصغيرة فإنه لا يجوز السجود عليها و إن صغرت جدا».
و على كل حال فقد عرفت أن المتجه المنع مطلقا، و مرسل الحسن بن علي بن شعبة في المحكي عن
تحف العقول(2)عن الصادق (عليه السلام) «كل شيء يكون غذاء الإنسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه و لا السجود إلا ما كان من نبات الأرض من غير ثمر قبل أن يصير مغزولا، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه، إلا في حال الضرورة»
غير صالح للخروج به عن الإطلاق المزبور، بل قد يقوى في النظر بمعونة ما سمعته في المأكول المنع من السجود عليهما قبل وصولهما إلى استعداد الغزل لإرادة الملبوس قوة و لو احتاج إلى إبقاء أو علاج أو نحو ذلك، فتأمل جيدا.
و كذا لا يجوز السجود على الوحل الذي لا تتمكن منه الجبهة التمكن الواجب اختيارا بلا خلاف أجده، أما ما لم يكن كذلك من الوحل فلا إشكال في السجود عليه، لأنه من الأرض، و ما فيه من الأجزاء المائية مع أنها لا تمنع من مباشرة الجبهة للأجزاء الأرضية منه قد استهلكت فيه، نعم إذا سجد عليه فرفع رأسه
ج8،
و كانت جبهته قد تلطخت منه وجب إزالته للسجود الثاني، لعدم صدق الامتثال بالوضع الثاني مع عدمه، لحصول الحجب عن غير المتلطخ به، و عدم صدق تعدد الوضع عليه بالنسبة اليه، و لا يجري مثله في الوضع الأول الذي يصدق فيه السجود على الأرض و إن كان قد حصل التلطخ بذلك الوضع، و مثله السجود على التراب و غيره مع نداوة الجبهة بحيث يحصل اللصوق بها بالوضع، و تمام البحث في ذلك عند تعرض المصنف لعدم السجود على كور العمامة في باب السجود.
و على كل حال فقد عرفت انه لا خلاف في عدم جواز السجود على الوحل الذي لا تتمكن معه الجبهة اختيارا، لفوات ما دلت عليه النصوص(1)و الفتاوى مما يعتبر في السجود، و
موثق عمار(2)«سألته عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو؟
قال: إذا عرفت الجبهة و لم تثبت على الأرض»
و في
مرسلي النوفلي(3)و ابن أبي عمير(4)«عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين»
إلى آخره و في
موثق عمار(5)الآخر سأل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصيبه المطر و هو في موضع لا يقدر أن يسجد فيه من الطين و لا يجد موضعا جافا قال: يفتح الصلاة، فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى، فإذا رفع رأسه من الركوع فليؤم بالسجود إيماء و هو قائم، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة، و يتشهد و هو قائم و يسلم»
قال في الوسائل: و قد رواه
محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن أحمد عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) كذلك(6)مع زيادة «و سألته عن الرجل يصلي على الثلج قال: لا، فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب ما يسجد عليه.
2) 2 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي الحديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي الحديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي الحديث 6.
5) 5 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي الحديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 15- من أبواب مكان المصلي الحديث 5.
ج8،
و صلى عليه»
فالرواية حينئذ صحيحة، مع أنها بالسند الأول من الموثق الذي هو حجة عندنا أيضا.
و لعله لهما قال المصنف كالفاضل في القواعد و الشهيد في الدروس و المحقق الثاني في حاشية الإرشاد و ابن فهد في الموجز فان اضطر أومأ للسجود، مضافا إلى معلومية بدليته عنه في كل مقام يتعذر فيه، و إلى
خبر أبي بصير(1)قال: «قال الصادق (عليه السلام): من كان في مكان لا يقدر على الأرض فليوم إيماء»
و
موثق عمار(2)سأله أيضا «عن الرجل يومي في المكتوبة و النوافل إذا لم يجد ما يسجد عليه و لم يكن له موضع يسجد فيه فقال: إذا كان هكذا فليوم في الصلاة كلها»
بل و إلى غير ذلك مما ورد في خائض الماء(3)و نحوه، لكن في جامع المقاصد و فوائد الشرائع و المسالك و المدارك و كشف اللثام لا بد من الانحناء إلى أن تصل الجبهة إلى الوحل، لعدم سقوط الميسور بالمعسور الذي لا يخرج عنه بالخبر المزبور مع ضعفه، و كأنه اجتهاد في مقابلة النص الذي قد عرفت حجيته عندنا، على أنه معتضد بما سمعته من السرائر و غيره، و بمعلومية عدم تكليف الشارع له بالتلطيخ المزبور، كما أومأ إليه في المحكي عن نهاية الأحكام بقوله: إن أمن من التلطيخ فالوجه عدم وجوب إلصاق الجبهة به إذا لم يتمكن من الاعتماد عليه، بل الظاهر عدم وجوب الجلوس عليه للخبرين المزبورين، و للتلطخ المذكور، و لا طلاق الإيماء، و احتمال كون الجلوس للسجود من المقدمات التي تسقط بسقوط ذيها كالانحناء الذي ذكره الجماعة، و احتمال تنزيل الإيماء في الخبرين و غيرهما عليه و إن بعد كما ترى، خصوصا مع عدم الداعي اليه، و خصوصا مع ظاهر فتوى من عرفت به، بل ربما كان هو مراد المفيد كما يظهر من الذكرى في المحكي عن مقنعته من أن ركوع الغريق و المتوحل أخفض من سجوده، بل و الصدوق
ج8،
حيث قال: و في الماء و الطين تكون الصلاة بالإيماء، و الركوع أخفض من السجود، و إلا فحيث يكونان معا بالإيماء لا ريب في اعتبار أخفضية إيماء السجود من إيماء الركوع كما هو المستفاد من النصوص(1)و الفتاوى في غير المقام مؤيدا بالاعتبار.
و لعله لذا حكم به في المحكي عن النهاية و المبسوط و الوسيلة و السرائر و جامع الشرائع في المتوحل و السابح، و المراسم في الأول، فيجمع حينئذ بين كلام الجميع بإرادة من كان متمكنا من الركوع في الماء و الطين، بخلاف السجود فان ركوعه حينئذ أخفض، أما إذا كان فرضه الإيماء إليهما فلا ريب في اعتبار أخفضية إيماء السجود، و قال في الدروس: «و المطر و الوحل يجوزان الإيماء، و لو سجد فيهما جاز إذا تمكنت الجبهة».
و كيف كان فالأقوى في النظر الإيماء في المقام، و عدم وجوب الجلوس عليه حتى للتشهد، بل يمكن كونه عزيمة لا رخصة كما هو ظاهر الخبرين لو لا ظهور اتفاق من تعرض له على إطلاق الإيماء من غير تقييد بالقيام، و لعله لظهور إرادة الرخصة من الأمر في الخبرين، لوقوعه في مقام توهم الحظر، بل في الذكرى و غيرها تنزيل ذلك على تعذر الجلوس، و فيه أنه لا دليل عليه، و لعل مجرد الوحلية كاف في عدم الوجوب، لما فيه من التلطخ، و قد يؤيده
المرسل(2)«ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى في يوم مطر و وحل في المحمل»
و في الذكرى انه رواه جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) و لعله أراد الصحيح المزبور ثم قال: و
في رواية أخرى(3)عنه (عليه السلام) «صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على راحلته الفريضة في يوم مطر»
و قيده في
ج8،
مكاتبة أبي الحسن (عليه السلام)(1)بالضرورة الشديدة، كل ذلك مضافا إلى نفي الحرج و معلومية السهولة و الخفة في هذه الملة و غير ذلك، و الله أعلم.
و يجوز السجود على القرطاس بلا خلاف أجده فيه في الجملة كما اعترف به غير واحد، بل اتفاق الأصحاب محكي عليه صريحا في جامع المقاصد و المسالك و الروضة و المفاتيح، فضلا عن الظاهر في التذكرة و المدارك و كشف اللثام إن لم يكن محصلا، و
قال صفوان الجمال في الصحيح(2): «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) في المحمل يسجد على القرطاس، و أكثر ذلك يومي إيماء»
بل عن محاسن البرقي عن علي بن الحكم عمن ذكره مثل ذلك أيضا، و
قال ابن مهزيار(3)في الصحيح أيضا: «سأل داود بن فرقد أبا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب يجوز»
و
قال جميل بن دراج(4)في الصحيح أيضا: «كره أبو عبد الله (عليه السلام) أن يسجد على قرطاس عليه كتابة»
و النصوص و الفتاوى مطلقة لا تقييد في شيء منها بالمتخذ من النبات كما في نهاية الأحكام و القواعد و التذكرة و اللمعة و البيان و حاشية النافع على ما حكي عن بعضها، و لا بما إذا كان من جنس ما يسجد عليه كما عن حاشية الإرشاد و الجعفرية و إرشادها و الغرية، بل في كشف اللثام انما يجوز إذا اتخذ من النبات و إن أطلق الخبر و الأصحاب، لما عرفت من النص و الإجماع على أنه لا يجوز إلا على الأرض أو نباتها، و لا يصلح هذا الإطلاق لتخصيص القرطاس، بل الظاهر ان الإطلاق مبني على ظهور الأمر، و إن كان ستعرف ما فيه، بل في جامع المقاصد- بعد أن قال: إن إطلاق النبات في عبارة القواعد يقتضي جواز السجود على القطن و الكتان، كإطلاق الأخبار- أجاب بأن المطلق يحمل على المقيد، و إلا لجاز السجود
ج8،
على المتخذ من الإبريسم، مع أن الظاهر عدم جوازه، بل قطع في أول كلامه بعدمه، كما عن نهاية الأحكام و غيرها الحكم بعدمه أيضا، و ظاهره كصريح الدروس المنع من المتخذ من القطن و الكتان.
الجميع كما ترى تقييد للنص المعتضد بإطلاق الأصحاب من غير دليل، كما في الروضة و المدارك و المحكي عن الذخيرة و البحار، و دعوى أنه النص و الإجماع على انحصار الجواز في الأرض و ما أنبتت يدفعها أنه- بناء على أن القرطاس حقيقة أخرى، و أنه استحال بالنورة و نحوها إلى حقيقة غير المتخذ منه و إن كان نباتا، كما أنه يؤيده عدم صدق كونه من النبات عرفا على معنى البعضية لا على إرادة الاتخاذ منه- لا محيص عن تخصيص ذلك العام بنصوص القرطاس الصحيحة المعتضدة بما سمعت، ضرورة كونه على هذا التقدير من العام و الخاص المطلقين، و بناء على أنه تابع للمتخذ منه إن حريرا فحرير و إن نباتا فنبات فهو و إن كان التعارض على هذا التقدير بين الدليلين بالعموم من وجه لكن قد يرجح ما نحن فيه بقوة ظهور إطلاق الفتاوى بقرينة ذكره مستقلا عن ذكر النبات في إرادة الأعم، بل لعل النصوص كذلك أيضا، ضرورة أنه لو كان مبنى السجود عليه فيها من حيث النباتية لا القرطاسية لوجب حمله فيها على المتخذ من الخشب و نحوه مما هو نادر بالنسبة إلى المتخذ من القطن و الكتان الذي هو الغالب و المتعارف، لما سمعته سابقا من عدم جواز السجود عليهما في سائر الأحوال من الغزل و عدمه و النسج و عدمه، بل الظاهر تعارف اتخاذه من الملبوس منهما، و دعوى أنه قد خرج بالقرطاسية عن صدق الملبوسية عليهما ليس بأولى من دعوى خروجه بها عن صدق النباتية التي ليس في شيء من النصوص إشارة إليها، على أنك قد عرفت عدم كون مدار المنع فيهما على الملبوسية فعلا.
و لعله لذا جزم في الروضة بخروج جواز السجود عليه عن الأصل بالنص الصحيح
ج8،
و الإجماع، قال: «لأنه مركب من جزءين لا يصح السجود عليهما، و هما النورة و ما مازجها من القطن و الكتان» إلى آخره، فلا ريب حينئذ في أولوية حيثية القرطاسية، فتعم سائر أفرادها و يحكم بها على ذلك العموم، و بأنه أقل أفرادا من ذلك العام، فتكون دلالته عليها أقوى من دلالته على أفراده، و بأنه على تقدير مراعاة النباتية تنسد ثمرة جواز السجود على القرطاس، لحصول الشك غالبا في جنس المتخذ منه، و معه لا يجوز السجود، لأن الشك في الشرط شك في المشروط، و دعوى غلبة اتخاذه مما يجوز السجود عليه ممنوعة، كالاكتفاء بها مع عدم حصول العلم المعتبر منها، بل و كذا دعوى جوازه على القرطاس إلا أن يعلم أنه مما لا يجوز السجود عليه، لإطلاق النصوص، ضرورة أنه بعد تنزيل نصوصه على إرادة النبات و أنه لا زيادة فيها على نصوصه لا يتجه العمل بإطلاق القرطاس، بل الشك فيه كالشك في باقي ما يسجد عليه الذي لا ريب في اعتبار إحراز كونه منه، لظهور النصوص في الشرطية، و بغير ذلك مما لا يخفى، كل ذلك مضافا إلى ما في الروضة و غيرها «من أنه لا فائدة في التقييد المزبور، لأنه لا يزيله عن حكم مخالفة الأصل، فإن أجزاء النورة المنبثة فيه بحيث لا يتميز من جوهر الخليط جزء يتم عليه السجود كافية في المنع، فلا يفيده ما يخالطها من الأجزاء التي يصح السجود عليها منفردة» إلى آخره. و إن كان فيه ما فيه كما ستعرف.
لكن على كل تقدير لا ريب في قوة الجواز عليه مطلقا حتى المتخذ من الحرير منه، فضلا عن غيره، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في قوله:
و الاذن في القرطاس عم ما صنعمن الحرير و النبات الممتنع
و على كل حال فلا ينبغي التأمل في الجواز عليه في الجملة بعد ما عرفت من النص و الإجماع، بل في منظومة الطباطبائي أنه لا التباس فيه في المذهب، و في المفاتيح يجوز
ج8،
قولا واحدا و إن تركب مما لا يصح عليه، مضافا إلى ما سمعته من الإجماعات السابقة، بل يمكن دعوى تحصيل الإجماع عليه، و ما كنا لنؤثر أن يقع بعد ذلك في نفس الشهيد منه شيء من حيث اشتماله على النورة المستحيلة، قال: إلا أن يقال: الغالب جوهر القرطاس، أو يقال: جمود النورة يرد إليها اسم الأرض، و هو لو تم لكان مؤيدا لما ذكرناه أولا من أن جواز السجود على القرطاس من حيث القرطاسية لا من حيث النباتية حتى يندرج في نصوصها، لا أنه يرفع اليد عن النص و الإجماع من هذه الجهة، لكنه غير تام أولا لما في كشف اللثام و غيره من أن المعروف في عمله جعل النورة أولا في مادة القرطاس ثم يغسل حتى لا يبقى فيها شيء منها، فليست حينئذ جزءه، و يؤيده أنه لم يتأمل أحد من الأصحاب في جواز السجود من هذه الجهة، و في مفتاح الكرامة أتي لأعجب من الشهيدين و المحقق الثاني كيف تأملوا فيه منها و الصانعون له من المسلمين و النصارى قريبون منهم و بين أظهرهم، و لا يسألونهم عن كيفية عمله. و ثانيا لما عرفت من قوة جواز السجود على النورة بعد الحرق فضلا عن أرضها. و ثالثا لما ذكره في استثنائه و إن كان واضح الضعف، بل هو قد استبعد ثانيهما بعد ذلك، قال: «الأكثر اتخاذ القرطاس من القنب، فلو اتخذ من الإبريسم فالظاهر المنع، إلا أن يقال ما اشتمل عليه من أخلاط النورة مجوز له، و فيه بعد، لاستحالتها عن اسم الأرض، و لو اتخذ من القطن و الكتان أمكن بناؤه على جواز السجود عليهما، و قد سلف، و أمكن أن المانع اللبس حملا للقطن و الكتان المطلقين على المقيد، فحينئذ يجوز السجود على القرطاس و إن كان منهما، لعدم اعتياد لبسه، و عليه يخرج جواز السجود على ما لم يصلح للبس من القطن و الكتان».
قلت: لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرنا و إن تبعه عليه في كشف اللثام، فقال: «إن اتخذ القرطاس مما لا يلبس و لا يؤكل من النبات فالجواز ظاهر، و إن اتخذ
ج8،
من نحو القطن و الكتان فان جاز السجود عليهما قبل الغزل لكونهما لا يلبسان حينئذ فالأمر ظاهر، و إلا أمكن أن يقال: إنهما خرجا في القرطاس عن صلاحية اللبس بتأثير النورة فيهما، فهما غير ملبوسين فعلا و قوة» بلا أشكله في جامع المقاصد و الروضة بأن تجويزه القنب مناف لما ذكره سابقا من أنه ملبوس في بعض البلاد، و أن ذلك يوجب عموم التحريم، بل لا يخفى ظهور ما سمعت من كلامه في شدة اضطراب الأمر عليه، و أنه غير محرر للمسألة، كما أنه لا يخفى ما في كلام جملة من الأساطين بعد ما سمعته من التحقيق، و الله أعلم.
و كيف كان فلا خلاف أجده في أنه يكره السجود عليه إذا كان فيه كتابة ل صحيح جميل السابق(1)المجمع على إرادة المعنى المصطلح من الكراهة فيه كما في الرياض، و هو مطلق كالنافع و القواعد و التحرير و اللمعة و البيان و الروضة و المدارك و المفاتيح و المنظومة و غيرها و المحكي عن التهذيب و الاستبصار و المهذب و الجامع و نهايتي الشيخ و الفاضل، لكن عن المبسوط و الوسيلة و السرائر «إنما يكره لمن أبصره و أحسن القراءة» و نحوه ما في الدروس، و اقتصر الكركي و ثاني الشهيدين على التقييد بالمبصر، و في التذكرة «في زوال الكراهة عن الأعمى و شبهه إشكال ينشأ من الإطلاق من غير ذكر علة، و لو سلمت لكن الاعتبار بالضابط و إن خلاف عن الحكمة نادرا» و عن نهاية الأحكام «الأقرب الجواز في الأعمى: أي عدم الكراهة» و الجميع كما ترى مناف للإطلاق المزبور المعتضد بقاعدة التسامح، نعم في البيان قد يتأكد الكراهة بذلك، و لعله للشغل، و لما سمعته سابقا في المصحف المفتوح، لكن لا يخفى أن الكلام هنا من حيث السجود لا من حيث كونه بين يديه، فتأمل.
نعم لا بأس بتقييد النص و الفتوى بما إذا كان الواجب من محل الجبهة خاليا عن
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 3.
ج8،
الكتابة، و إلا كان غير جائز إذا كانت الكتابة جرما مما لا يصح السجود عليه حائلا بين الجبهة و بين القرطاس، لما دل في محله على وجوب مباشرتها لم يسجد عليه مما لا يصلح هذا الإطلاق المحتمل أو الظاهر في إرادة غير ذلك منه لتقييده أو تخصيصه، خصوصا مع كون التعارض بينهما من وجه، أما إذا كانت صبغا أو مما يصح السجود عليها فلا بأس، لمعلومية عدم اعتبار الصبغ، و قاعدة عدم حلول العرض بغير حامله إما غير مسلمة، لما نشاهده بالوجدان من اكتساب حلول الروائح الطيبة و المنتنة بالمجاورة و نحوها على وجه يقطع بعدم انتقال أجزاء، و إما غير معتبرة شرعا، و لذا كان لا عبرة بلون النجاسة و رائحتها، و جاز التيمم و الوضوء باليد المخضوبة و نحوها من الأصباغ كما هو واضح.
فما عساه يظهر من الذكرى من المنع منه في هذا الحال لا ريب في ضعفه، قال:
«و يختص المكتوب: أي في الاشكال بأن أجزاء الحبر مشتملة غالبا على شيء من المعادن، إلا أن يكون هناك بياض يصدق عليه الاسم، و ربما يخيل أن لون الحبر عرض و السجود في الحقيقة إنما هو على القرطاس، و ليس بشيء، لأن العرض لا يقوم بغير حامله، و المداد أجسام محسوسة مشتملة على اللون، و ينسحب البحث في كل مصبوغ من النبات، و فيه نظر» و هو كما ترى في غاية الضعف بالنسبة إلى المصبوغ، بل لعل نصوص السجود(1)على المروحة التي تعارف في هذا الزمان صبغ سعفها، و على الخمرة بناء على ما قيل في تفسيرها من أنها سعف مصبوغ بالصفرة تومئ إلى عدمها، زيادة على المعلوم من المذهب من عدم قدح الأصباغ في شيء من ذلك، و ظاهر الشهيد أنه قد فهم من النص و الفتوى السجود على الكتابة من القرطاس المكتوب، و لذا أشكله بما سمعت، و هو و إن كان مقتضى الإطلاق إلا أنك قد عرفت إمكان تنزيله على ما ذكرنا كما جزم به ثاني المحققين
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1 و 2 و الباب 1 من أبواب القيام- الحديث 21.
ج8،
و الشهيدين و العلامة الطباطبائي و غيرهم.
و على كل حال فقد ظهر لك من مجموع ما ذكرنا انحصار ما يسجد عليه اختيارا في ثلاثة: الأرض و النبات و القرطاس، و أفضلها الأرض بلا خلاف، ل
قول الصادق (عليه السلام) في خبر هشام بن الحكم(1): «السجود على الأرض أفضل، لأنه أبلغ في التواضع و الخضوع لله عز و جل»
و
سأله أيضا إسحاق بن الفضل(2)«عن السجود على الحصر و البواري فقال: لا بأس، و أن يسجد على الأرض أحب إلى فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يحب ذلك أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحب لك ما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبه»
بل
عنه (عليه السلام) أيضا في المروي عن العلل(3)مسندا «السجود على الأرض فريضة، و على غير الأرض سنة»
الذي أقوى ما يقال فيه أن المراد ثواب الفريضة، أو لأن الأرض هي المستفاد من إطلاق السجود في الكتاب العزيز، لما فيها من المبالغة في الخضوع، و لشيوع أنه وضع الجبهة على الأرض، و لغير ذلك، و أما احتمال إرادة الأعم منها و من النبات من لفظ الأرض فيكون السنة حينئذ تعين شيء خاص للسجود كالخمرة و اللوح و نحو هما فهو في غاية الضعف، و إن قيل إنه قد يشهد له
المرسل(4)«السجود على الأرض فريضة، و على الخمرة سنة»
لكن حمل هذا على إرادة التمثيل للنبات فيوافق الخبر الأول حينئذ أولى، و
خبر جابر(5)المروي عن مجالس ولد الشيخ مسندا عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، و أخذ عودا ليصلي عليه
1) 1 الوسائل- الباب- 17- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 17- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 4 لكن رواه عن إسحاق بن الفضيل.
3) 3 الوسائل- الباب- 17- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 11- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 15- من أبواب ما يسجد عليه- الحديث 4.
ج8،
فأخذه فرمى به، و قال: على الأرض إن استطعت، و إلا فأوم إيماء»
الحديث.
الذي حمله في الوسائل على استحباب اختيار الأرض لكن بعد أن احتمل فيه النسخ أو الكراهة في أول الإسلام من أجل الأوثان، أو صغر العود جدا بحيث لا تتمكن الجبهة منه، و الأمر سهل.
و أفضل الأرض تربة سيد الشهداء (عليه السلام) قطعا و سيرة، و لذا كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلا عليها تذللا لله و استكانة كما عن إرشاد الديلمي(1)و
عن مصباح الشيخ بسنده إلى معاوية بن عمار(2)«انه كان لأبي عبد الله (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته و سجد عليه، ثم قال (عليه السلام): إن السجود على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع»
و في
مرسل الفقيه(3)عنه (عليه السلام) أيضا «السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الأرضين السبعة»
و في
توقيع الحميري(4)المروي عن الاحتجاج «لما كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن السجود على لوح طين القبر هل فيه فضل؟ فأجاب يجوز ذلك و فيه الفضل».
و على كل حال ف لا يجوز أن يسجد على شيء من بدنه أو غيره مما هو ليس أحدها إجماعا و نصوصا(5)ف أما إذا اضطر ب أن منعه الحر مثلا عن السجود على الأرض و لم يتمكن من تبريد شيء منها و لا عنده غيرها من النبات
ج8،
و القرطاس سقط عنه ذلك إجماعا أو ضرورة و نصوصا(1)مستفيضة أو متواترة، و لا يسقط أداء الصلاة عنه بذلك كتعذر غيره من الشرائط عدا الطهورين، لكن مقتضى الأصل و قاعدة الميسور و غيرها عدم وجوب يدل عليه عن ذلك، بل يقتصر على ما تمكن منه من باقي ما يعتبر في السجود حتى وضع الجبهة و تمكنها على شيء مما لا يصح السجود عليه من ثوب أو يد أو جلد حيوان طاهر أو غيرها، تحصيلا للوضع الواجب الذي لم يكن وجوبه مشروطا بحصول ما يصح السجود عليه، و إنما هو واجب آخر، بل ستعرف في باب السجود إن شاء الله عدم توقف تحقق السجود على ذلك، إلا أنه قد ذكر المصنف و غيره بل لا أجد فيه خلافا صريحا بينهم انه يسجد حينئذ على ثوبه، فان لم يتمكن فعلى كفه: أي ظهره، كما في الخبر(2)ليحصل الجمع بين المسجدين.
و على كل حال فظاهرهم انه بدل اضطراري يعتبر في الصحة كالاختياري، و لعله ل
صحيح القاسم بن الفضيل(3)قلت للرضا (عليه السلام): «جعلت فداك الرجل يسجد على كم قميصه من أذى الحر و البرد قال: لا بأس به»
و
خبر أبي بصير(4)قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «إني أكون في السفر فتحضر الصلاة و أخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: تسجد على بعض ثوبك، قلت: ليس علي ثوب يمكن أن أسجد على طرفه و لا ذيله قال (عليه السلام): اسجد على ظهر كفك، فإنها إحدى المساجد»
و
خبره الآخر(5)المروي عن العلل قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
«جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل و لا يجد ما يسجد عليه يخاف أن يسجد على الرمضاء أحرقت وجهه قال: يسجد على ظهر كفه، فإنها أحد المساجد»
و
خبره الثالث(6)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه.
2) 2 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه الحديث- 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه الحديث- 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه الحديث- 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه الحديث- 6.
6) 6 الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما يسجد عليه الحديث- 8.
ج8،
الرجل يصلي في حر شديد يخاف على جبهته الأرض قال: يضع ثوبه تحت جبهته»
و
خبر عيينة بياع القصب(1)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «أدخل في المسجد في اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى فأبسط ثوبي فأسجد عليه قال: نعم ليس به بأس»
و
خبر أحمد بن عمر(2)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يسجد على كم قميصه من أذى الحر و البرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره مما لا يسجد عليه فقال: لا بأس به»
و
خبر محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار(3)قال: «كتب رجل إلى أبي الحسن (عليه السلام) هل يسجد الرجل على الثوب يتقي به وجهه من الحر و البرد و من الشيء يكره السجود عليه فقال: نعم لا بأس»
و
صحيح منصور بن حازم(4)عن غير واحد من أصحابنا قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «إنا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أ فنسجد عليه؟ قال: لا، و لكن اجعل بينك و بينه شيئا قطنا أو كتانا»
و
خبر علي بن جعفر(5)المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) «عن الرجل يؤذيه حر الأرض و هو في الصلاة و لا يقدر على السجود هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا قال: إذا كان مضطرا فليفعل».
لكن قد يناقش في دلالة ما عدا الأخيرين على البدلية المزبورة، أما الأول فمع احتماله إرادة وضع شيء مما يسجد عليه من السجود عليه فيه بقرينة إطلاق الثوب، و ترك الاستفصال فيه عن التمكن عما يسجد عليه الذي من النادر فرض تعذره، بل من المستبعد إمكان وقوفه و وضع يديه دون جبهته التي تحتاج إلى زمان أقصر من الوقوف بمراتب، بل من المستبعد تعذر تحصيل شيء من النبات، أو تبريد شيء من الأرض و لو بوضع ماء أو بوضع شيء منها في ثوبه مع انتظاره مدة أو نحو ذلك ليس
ج8،
فيه إلا نفي البأس المحتمل أو الظاهر في إرادة نفيه بعد تعذر الواجب عليه، لأنه أحد ما يحصل به استقرار الجبهة و وضعها، لا لأنه بدل تفسد الصلاة بعدمه في هذا الحال كالمسجد الاختياري.
و خبر أبي بصير- مع أن في سنده علي بن أبي حمزة البطائني الكذاب المتهم الذي هو و أصحابه أشباه الحمير و أجلس في قبره فضرب بمرزبة من حديد امتلأ منها قبره نارا، و احتماله لما سمعته أولا في الخبر الأول- يمكن كون المراد منه الدلالة على بعض أفراد ما يتوقى بها عن حر الرمضاء، و يحصل معها استقرار الجبهة، لا أن المراد وجوب خصوص الثوب على جهة البدلية الاضطرارية، و التعليل بأحد المساجد يراد منه أنها أحد ما يحصل بها استقرار الجبهة، فيكون حينئذ ظاهرا فيما ذكرناه لا منافيا. و مثله خبره الآخر و المروي عن العلل بعد الإغضاء عن سنده، و عن باقي ما يحتمل فيه مما عرفت بل و خبره الثالث، و كان فهم هذا المعنى من هذه العبارة و نحوها مما يساعد عليه العرف ضرورة ظهوره فيه، إذ المراد التعليم و وجوب الاستقرار، و أنه لا ينتقل إلى الإيماء بحرارة الأرض و برودتها و نحوهما، فان له طريقا بأن يضع ثوبه و نحوه مما يحصل معه القرار الذي لا يسقط بتعذر الأرض، هذا إن لم نقل إن المراد منه وضع ما يسجد عليه على ثوبه كما سمعته سابقا، بل لعله هو الظاهر من خبر عيينة بقرينة أنه كان في البلاد، و من المستبعد بل المقطوع بخلافه عدم إمكان تحصيل شيء يسجد عليه فيها من حجر بارد أو نبات، لا أقل من أن يصلى في موضع ذي ظلال أو على بوريا أو حصير أو نحوهما، على أن مجرد كراهته لا يصلح عذرا، فهو إما مراد منه ما ذكرنا، أو محمول على التقية، و لا غرابة في السؤال عن ذلك على الأول، إذ لعله لم يكن متعارفا في ذلك الزمان وضع شيء من الأرض و السجود عليه، بل قد يدعى أن المنصرف من السجود على الأرض خلافه.
ج8،
و خبر أحمد بن عمر الذي في سنده ما فيه، و محتمل لبعض ما سمعته أيضا ليس فيه إلا نفي البأس الذي لا دلالة فيه على البدلية المزبورة، بل هو على عدمها أدل، و مثله خبر محمد بن القاسم، بل لعل عبارة المصنف و غيرها مما تعرض فيها لهذا الحكم لا يراد منها البدلية المذكورة التي هي كبدلية التيمم عن الوضوء، نعم قد يظهر من مرسل منصور بن حازم و خبر علي بن جعفر بدلية خصوص القطن و الكتان في حال الضرورة، و لعلهما لأنهما من النبات، إلا أنه منع السجود عليهما اختيارا للنصوص السابقة(1)المتضمنة اعتبار عدم الملبوسية، فالجمع بينها حينئذ بالاضطرار و عدمه بشهادة الخبرين المزبورين ممكن، و قد يحمل الثوب في النص و الفتوى عليهما لا ما إذا كان من صوف أو شعر أو نحوهما.
و من هنا قال في الرياض بعد أن حكى عن جماعة الترتيب بين الثوب و الكف، و أنه لم ينقل فيه خلاف: «ربما يشعر به الخبران(2): أي خبر أبي بصير المروي أحدهما عن العلل المتقدمان آنفا- ثم قال-: و لا دلالة فيهما على الترتيب بل و لا إشعار، فيشكل إثباته بهما على القاعدة(3)أيضا إذا كان الثوب من غير القطن و الكتان من نحو الشعر و الصوف، لعدم الفرق بينهما و بين الكف في عدم جواز السجود عليها اختيارا، و اشتراك الضرورة المبيحة له عليها اضطرارا، نعم لو كان من القطن و الكتان أمكن القول بأولوية تقديمهما، على اليد بناء على الفرق بينها و بينهما في حالة الاختيار بالإجماع على العدم فيها نصا و فتوى، فتقديمهما عليها لعله أولى» قلت: قد يناقش في عدم إشعار أولهما بالترتيب، ضرورة ظهور
قوله (عليه السلام) فيه: «اسجد على
ج8،
بعض ثوبك»
بالوجوب التعييني المقتضي لعدم ثبوت فرد آخر معه في هذه المرتبة، و الأمر بالسجود على ظهر الكف جواب فرض انتفائه فيه و في خبر العلل لا ينافيه، إذ لا يقتضي ثبوت الاجتزاء به في تلك الحال، بل هو يجامع الترتيب و التخيير، فظهور التعيين حينئذ من الأول لا معارض له، كما أنه لا حاجة إلى تقرير على فرض كونه قطنا أو كتانا بما سمعته بعد ظهور مرسل منصور بن حازم، بل و خبر علي بن جعفر بناء على تركيب الجواز مع السؤال فيه، لعدم استقلاله، بل منهما يستفاد حينئذ إرادة القطن و الكتان من الثوب في النصوص المزبورة.
نعم قد عرفت المناقشة في أصل ثبوت بدلية الكف و نحوه عن الأرض على وجه يكون كبدلية التيمم عن الوضوء، بل هو أحد أفراد ما يستقر عليه الجبهة، فحينئذ مع انتفاء القطن و الكتان يتخير في سائر الأفراد التي يحصل معها استقرار الجبهة من دون مراعاة لما يسجد عليه الذي قد سقط بفرض التعذر، و لا دليل على بدلية خصوص غيره عنه، و نصوص القير ليس في شيء منها الدلالة على البدلية، و احتمالها ذلك برجحان غيرها عليها معارض باحتمال غيره من التقية و نحوها، و مجرد الاحتمال لا يصلح لأن يكون مدركا لحكم شرعي، خصوصا و
في بعضها(1)«تسجد على ما في السفينة و على القير قال: لا بأس»
مما هو ظاهر في إرادة الاضطرار لا بمعنى البدلية، و
قول الصادق (عليه السلام)(2): «القير من نبات الأرض»
انما يدل على أن أصل تكونه من الأرض، بل قد يعطي التأمل في إطلاق نصوص القير مع غلبة استصحاب الإنسان للقطن و الكتان، و إطلاق السجود على الثوب نصا و فتوى حتى أنك قد سمعت عدم الخلاف فيه، و غير ذلك مما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرنا أنه لا بدلية أيضا فيهما على الوجه المزبور.
ج8،
نعم يمكن لخبر منصور بن حازم و علي بن جعفر الحكم بالندب، و كأنه لذا ترك التعرض لأصل هذا الحكم بعضهم مقتصرا على بيان انحصار السجود في الثلاثة المزبورة، إذ الظاهر أن ذلك منه لعدم بدلية عنده بالمعنى المصطلح، بل الكل تشترك في الجواز للضرورة التي هي مسقطة للتكليف بأحد الثلاثة، و لم يبق مخاطبا بعد إلا بما يتمكن معه من السجود، فله حينئذ إقرار جبهته على أي شيء يكون، و لا ريب في قوة هذا إن لم ينعقد الإجماع على خلافه و لو بإمكان حمل عبارات الأصحاب على عدم إرادة البدلية الاصطلاحية مما ذكروه فيها و إن كان بعيدا في بعضها، قال في النافع: «و لا يجوز أن يسجد على شيء من بدنه، فان منعه الحر سجد على ثوبه، و يجوز السجود على الثلج و القير و غيره مع عدم الأرض و ما ينبت منها، فان لم يكن فعلى كفه» و قال في التحرير:
«إذا اضطر جاز أن يسجد على المعادن، و كذا يسجد على الصوف و الثياب للتقية» و قال أيضا: «لا يجوز السجود على بدنه، فان خاف الحر سجد على ثوبه، فان فقد سجد على كفه، و السجود على القطن و الكتان حال الضرورة أولى من الثلج» و قال في البيان: «و لو منعه الحر سجد على ثوبه، فان تعذر فعلى كفه، و في ترجيح المعدن على النبات الملبوس نظر، نعم هما أولى من الثلج، و هو أولى من الكف» و قال في الدروس: «و لو اضطر سجد على القطن و الكتان لا اختيارا على الأصح، فإن تعذر فعلى المعدن أو القير أو الصهروج، فان تعذر فعلى كفه- ثم قال-: و لو خاف في الظلمة من أذى الهوام و ليس معه إلا الثوب جاز السجود عليه، و لو خاف على بقية الأعضاء و لو وقاية جاز الإيماء، و كذا في كل موضع يتعذر السجود» و في الذكرى «و لو وجد ملبوسا من نبات الأرض فهو أولى من الثلج، لأن المانع هنا عرضي بخلاف الثلج، و قد روى ذلك منصور بن حازم- مشيرا به إلى الخبر السابق ثم قال-: و لو كان في ظلمة و خاف من السجود على الأرض حية أو عقربا أو مؤذيا و لم يكن عنده شيء يسجد عليه
ج8،
غير الثوب جاز السجود عليه- إلى أن قال-: و لو تعذر الثوب و خاف على بقية الأعضاء جاز الإيماء، و كذا في كل موضع يتعذر ما يسجد عليه» ثم ذكر خبر عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) الذي ذكرناه في السجود على الطين، إلى غير ذلك من العبارات التي لم نجد شاهدا من النصوص على بعض ما فيها، إذ قد عرفت أن الذي عثرنا عليه فيها السجود على الثوب و الكف و القير و القفر بل و الثلج في احتمال، و أن مورد الأمر بالأولين أو الأول منهما منع الحر و البرد، بل و من الشيء يكره السجود عليه كما في خبر محمد بن القاسم(2)و مورد الأمر بالسجود على القير و القفر أو ما في السفينة عدم التمكن من أصل الأرض لا من مباشرتها لحر أو برد مثلا، فعلى تقدير البدلية لعل الاقتصار على هذا أولى.
أما بقية المعادن من الذهب و الفضة و نحوهما فلم نجد لها أثرا في النصوص فضلا عن تعارضها مع النبات الملبوس و لا النبات المأكول، بل ليس في النصوص تعرض أيضا لتعارض القير و النبات الملبوس، و كان التعدي إلى بقية المعادن من نصوص القير، لكن الجميع كما ترى، و المسألة غير محررة في كلمات الأصحاب، و الله الموفق للصواب.
و كيف كان ف الذي ذكرناه من اعتبار أحد الثلاثة انما يعتبر في موضع الجبهة لا في بقية المساجد إجماعا و نصوصا(3)مستفيضة أو متواترة، بل ضرورة من المذهب أو الدين و لكن يراعى فيه و فيها أن يكون مملوكا أو مأذونا فيه على حسب ما سمعته في مكان المصلي الذي منه مواضع السجود، و قد تقدم تفصيل البحث فيه.
ج8،
و في أنه يختص موضع الجبهة عنها ب أن يكون خاليا من النجاسة و إن لم يكن متعدية و حينئذ ف إذا كانت النجاسة في موضع محصور كالبيت و شبهه و جهل موضع النجاسة لم يسجد على شيء منه لما سمعته مفصلا في الإناءين من جريان الشبهة المحصورة مجرى النجس عند الشارع في كل ما اشترط فيه الطهارة، و عدم جريان الاستصحاب و قاعدة الطهارة فيها و إن توهمه بعض متأخري المتأخرين. نعم لا ريب في أنه يجوز السجود في المواضع المتسعة و غيرها مما هو ليس بمحصور دفعا للمشقة و للنصوص المستفيضة التي اغتر بعض متأخري المتأخرين بعمومها، فأدرج المحصور فيها، و للإجماع بقسميه، و للسيرة المستقيمة و غير ذلك.
لكن ليس في النصوص لفظ المحصور و غيره، و لذا اختلف في تعريفه كما حرر في غير المقام، لكن في كشف اللثام هنا «لعل الضابط أن ما يؤدى اجتنابه إلى ترك الصلاة غالبا فهو غير محصور، كما أن اجتناب شاة أو امرأة مشتبهة في صقع من الأرض يؤدى إلى الترك غالبا» قلت: ربما رجع إلى التعريف بما في اجتناب نوعه حرج نوعي و عدمه، و لعل الإيكال إلى ما جرت السيرة بالتجنب عنه و عدمه، أو إلى ما ظهر من النصوص تناوله و عدمه، و المشكوك فيه على قاعدة المنع- و قد يحتمل العكس- أولى.
و كيف كان ففي الذكرى أنه «لو سجد على النجس أو المغصوب فكالصلاة في النجس أو في المكان المغصوب في جميع الأحكام، و لو سجد على غير الأرض و نباتها أو على المأكول أو الملبوس متعمدا بطل و لو جهل الحكم، و لو ظنه غيره أو نسي فالأقرب الصحة و لا يجب التدارك و لو كان في محل السجود بل لا يجوز، و لو كان ساجدا جر الجبهة» و قال في البيان: «و لو سجد على الممنوع منه جاهلا أو ناسيا فالأقرب الصحة» قلت: قد عرفت في البحث عن الطهارة مكان المصلي بعض النظر في كلامه، و أنه خلاف مقتضى واقعية الشرائط، و قياسه على الساتر قد يمنع، و مثله يأتي هنا في السجود على
ج8،
الممنوع منه من المأكول و الملبوس، اللهم إلا أن يكون قد يكون قد فتح قاعدة العفو في النسيان و الجهل بالموضوع، أو أن ذلك من الضرورة، أو أنه ليس أولى من نسيان السجدة مع التتميم بعد القول بالفصل، أو أنه عثر على ما لم نعثر عليه، و لو انحصر الحال في السجود على النجس ففي سقوط حكم النجاسة كما إذا كانت في البدن، أو الانتقال إلى الإتيان بما يتمكن من السجود عدا مباشرة الجبهة، أو الجريان مجرى الرمضاء فيما سمعته وجوه لا يخلو أولها من قوة، و كأنه إليه أومأ بالتقييد في المحكي عن نهاية الأحكام، قال: «لو سجد على دم أقل من درهم أو كان على جبهته قدر ذلك و سجد عليه خاصة فالأقرب عدم الاجزاء مع تمكن الإزالة» و في كشف اللثام «يعني المتنجس بذلك بعد زوال العين، و إلا فالسجدة على غير الأرض و النبات أو بغير البشرة» و هو جيد، كما أنه ينبغي تقييده بما إذا كان السجود على ذلك الدرهم أو به، و إلا فلو شاركه غيره مما يتحقق به أقل ما يجب في مسجد الجبهة فالظاهر الصحة لصدق الامتثال، و الله أعلم.
إلى هنا تم الجزء الثامن من كتاب جواهر الكلام و قد بذلنا غاية جهدنا في تصحيحه و مقابلته بالنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف قدس روحه الشريف و يتلوه الجزء التاسع في الأذان و الإقامة إن شاء الله.
عباس القوچاني