فقه الصادق علیه السلام جلد 20

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:روحانی، سیدمحمدصادق، 1303 -

عنوان قراردادی:تبصره‌المتعلمین .شرح

عنوان و نام پديدآور:فقه الصادق [کتاب]/ تالیف محمدصادق الحسینی‌الروحانی؛ باشراف قاسم‌محمد مصری‌العاملی.

مشخصات نشر:قم : آیین دانش، 1392.

مشخصات ظاهری:41ج.

شابک:4200000ریال: دوره: 978-600-6384-26-9 ؛ 100000ریال: ج.1: 978-600-6384-28-3 ؛ 100000ریال: ج.2: 978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.3: 978-600-6384-31-3 ؛ 100000ریال: ج.4:978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.5: 978-600-6384-33-7 ؛ 100000ریال: ج.6: 978-600-6384-34-4 ؛ 100000ریال: ج.7: 978-600-6384-35-1 ؛ 100000 ریال: ج.8: 978-600-6384-36-8 ؛ 100000ریال: ج.9: 978-600-6384-37-5 ؛ 100000 ریال: ج.10: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.11: 978-600-6384-37-5 ؛ ج.12: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.13: 978-600-6384-39-9 ؛ ج.14: 978-600-6384-40-5 ؛ ج.15: 978-600-6384-41-2 ؛ ج.16: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.17: 978-600-6384-50-4 ؛ 100000 ریال: ج.18: 978-600-6384-51-1 ؛ 100000 ریال: ج.19: 978-600-6384-52-8 ؛ ج.20: 978-600-6384-46-7 ؛ 100000ریال: ج.21:978-600-6384-54-2 ؛ 100000ریال: ج.22: 978-600-6384-55-9 ؛ 100000ریال: ج.23: 978-600-6384-56-6 ؛ 100000ریال: ج.24: 978-600-6384-57-3 ؛ 100000ریال: ج.25: 978-600-6384-58-0 ؛ 100000ریال: ج.26: 978-600-6384-59-7 ؛ 100000 ریال: ج.27: 978-600-6384-60-3 ؛ 100000 ریال: ج.28: 978-600-6384-61-0 ؛ 100000 ریال: ج.29: 978-600-6384-62-7 ؛ 100000 ریال: ج.30: 978-600-6384-63-4 ؛ 100000 ریال: ج.31: 978-600-6384-64-1 ؛ 100000 ریال: ج.32:978-600-6384-65-8 ؛ 100000 ریال: ج.33:978-600-6384-66-5 ؛ 100000 ریال: ج.34: 978-600-6384-67-2 ؛ 100000 ریال: ج.35: 978-600-6384-41-2 ؛ 100000 ریال: ج.36: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.37: 978-600-6384-43-6 ؛ 100000ریال: ج.38: 978-600-6384-44-3 ؛ 100000 ریال: ج.39: 978-600-6384-45-0 ؛ 100000 ریال: ج.40: 978-600-6384-29-0 ؛ 100000 ریال: ج.41: 978-600-6384-26-9

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: قم: اجتهاد، 1386 -

يادداشت:جلد 4 تا 41 این کتاب در سال 1393 تجدید چاپ شده است.

يادداشت:کتاب حاضر شرح و تعلیقی بر کتاب " تبصره‌المتعلمین" اثر علامه حلی است.

یادداشت:کتابنامه .

یادداشت:نمایه.

مندرجات:ج.17- 18و 19.الحج.-ج.22 و 23 المکاسب.-ج.28. الاجاره.-ج.32،31و33.النکاح.-ج.34.الفراق.-ج.35. الفراق.-ج.41. الفهارس.

موضوع:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین -- نقد و تفسیر

موضوع:فقه جعفری -- قرن 8ق.

شناسه افزوده:عاملی، قاسم محمد مصری، گردآورنده

شناسه افزوده:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین . شرح

رده بندی کنگره:BP182/3/ع8ت20214 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3334286

اشارة

فقه الصادق

تأليف سماحة آية الله العظمى السيّد محمدصادق الحسينى الروحانى

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدُ للّه على ما أولانا من التفقّه في الدِّين، وأفضل صلواته وأكمل تسليماته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة، وعلى آله العلماء باللّه سيّما بقيّة اللّه في الأرضين عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.

وبعدُ، فهذا هو الجزء العشرون من موسوعة «فقه الصادق» في مبحث المتاجر، وقد وفّقنا إلى طبعه، وأرجو من اللّه تعالى التوفيق لنشر بقيّة المجلّدات، إنّه وليّ التوفيق.

المكاسب المحرّمة

اشارة

الحمد للّه على ما أولانا من التفقّه في الدِّين، والهداية إلى الحقّ واليقين، والصّلاة والسلام على أشرف النفوس القدسيّة، وأزكى الذوات المطهّرة المَلَكيّة، محمّدٍ المصطفى‌، وعترته المرضيّة، هُداة الخلق وأعلام الحقّ‌.

وبعد، فهذا هو الجزء العشرون من كتابنا (فقه الصادق)، وهو بجميع أجزائه شرحٌ لكتاب «التبصرة» للإمام المحقّق الشيخ الأجل الأعظم آية اللّه العظمى العلّامة الحِلّي رحمه الله.

ولكن في خصوص هذا الجزء وتليه ثلاثة أجزاء أُخر، تكون عمدة النظر إلى كتاب «المكاسب» للشيخ الأعظم، خاتمة الرعيل الأوّل من المجتهدين، وأفضل المتأخّرين آية اللّه العظمى الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله، الذي أصبح اليوم منتجع العلم، ومحور الدراسات في الحوزات العلميّة، ففي ضمن شرح ما في «التبصرة» نتعرّض لآراء الشيخ الأنصاري رحمه الله، والقصد من ذلك أن يكون النفع أعمّ في هذه السلسلة من كتابنا، إذ كانت مباحث هذا الكتاب فاتحة عهدٍ جديد مبارك في الدراسات الفقهيّة، والتتبّع والتحقيق يقتضيان مزيداً من العناية بشرحها وتيسير الاطّلاع عليها، وهذا ما توخّيناه في هذا الكتاب، واللّه من وراء القصد.


كتاب المتاجر

وفيه فصول:

كتاب المتاجر

اشارة

(وفيه فصول):

وينبغي أوّلاً التيمّن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الضابطة للمكاسب، من حيث الحِلّ والحُرمة، تبعاً للشيخ الأعظم الأنصاري، خصوصاً أنّه بعد ذكر تلك الأخبار، استدلّ بها في كثير من المسائل الآتية، إذ عليه لابدّ من التعرّض لها، وبيان إسنادها، ومقدار دلالتها، وهي روايات عديدة:

رواية تُحَف العقول(1):

الرواية الاُولى: ما رواه الحسن بن علي بن شُعبة في «تحف العقول» عن مولانا الصادق عليه السلام: «أنّه سُئل عن معايش العباد؟

فقال: جميع المعاش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم، ممّا يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات، ويكون منها حلال من جهة، حرام من جهة:

فأوّل هذه الجهات الأربع الولاية، ثمّ التجارة، ثمّ الصناعات، ثمّ الإجارات.

والفرض من اللّه تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، والعمل بذلك، واجتناب جهات الحرام منها.


1) كتاب تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه و آله ألّفه الشيخ الثقة الجليل الأقدم أبو محمّد الحسن بن على بن الحسين بن شعبة الحراني رحمه الله من أعلام القرن الرابع الهجري.

فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر اللّه بولايتهم على الناس، والجهة الأُخرى ولاية ولاة الجور.

فوجه الحلال من الولاية، ولاية الوالي العادل، وولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل، بلا زيادةٍ ولا نُقصان، فالولاية له، والعمل معه ومعونته وتقويته حلالٌ محلّل.

وأمّا وجه الحرام من الولاية:

فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، فالعمل لهم، والكسب معهم بجهة الولاية معهم حرامٌ محرّم معذب فاعل ذلك على قليلٍ من فعله أو كثير، لأنّ كلّ شيء من جهة المؤونة له معصية كبيرة من الكبائر. وذلك أنّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كلّه، وإحياء الباطل كلّه، وإظهار الظلم والجور والفساد، وإبطال الكتب، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وتبديل سنّة اللّه وشرائعه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم، والكسب معهم إلّابجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدَّم والميتة.

وأمّا تفسير التجارات في جميع البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات الّتي يجوز للبائع أن يبيع ممّا لا يجوز له، وكذلك المشتري الذي يجوز له شرائه ممّا لا يجوز له:

فكلّ مأمور به ممّا هو غذاء للعباد وقوامهم به في أُمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته.

وأمّا وجوه الحرام من البيع والشراء:

فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيٌ عنه من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو مِلْكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته، أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد - نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة أو الدَّم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها، أو الخمر أو شيء من وجوه النجس - فهذا كلّه حرام ومحرّم، لأنّ ذلك كلّه منهيٌ عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه، فجميع تقلّبه في ذلك حرام.

وكذلك كلّ بيعٍ ملهوّ به، وكلّ منهي عنه - ممّا يتقرّب به لغير اللّه عزّ وجلّ‌، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب وهن به الحقّ - فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه، إلّافي حالٍ تدعو الضرورة فيه إلى ذلك.

وأمّا تفسير الإجارات:

فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره....

وأمّا تفسير الصناعات:

فكل ما يتعلّم العباد أو يعلِّمون غيرهم من أصناف الصناعات - مثل الكتابة والحساب والتجارة والصياغة والبناء والحياكة والسراجة والقصارة والخياطة، وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني، وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد، منها منافعهم، وبها قوامهم، وفيها بلغة جميع حوائجهم، فحلال فعله وتعليمه والعمل به وفيه لنفسه أو لغيره.

وإنْ كانت تلك الصناعة وتلك الآلة قد يُستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي، وتكون معونة على الحقّ والباطل، فلا بأس بصناعته وتعليمه، نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد تقوية ومعونة لولاة الجور، وكذلك السكين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلات التي تُصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما، فلا بأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه، والعمل به وفيه، لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ، فليس على العالم ولا المتعلّم إثمٌ‌، ولا وزر، لما فيه من الرّجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم وبقائهم، وإنّما الإثم والوزر على المتصرف بها في جهات الفساد والحرام، وذلك إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً، نظير: البرابط والمزامير والشطرنج وكلّ ملهوّ به والصُلبان والأصنام وما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام.

وما يكون منه وفيه الفساد محضاً ولا يكون منه ولا فيه شيءٌ من وجوه الصلاح، فحرامٌ تعليمه وتعلّمه والعمل به وأخذ الأجر عليه، وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات، إلّاأن تكون صناعة قد تُصرف إلى جهة المنافع وإنْ كان قد يتصرّف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلّة ما فيه من الصلاح حَلّ تعلّمه وتعليمه والعمل به، ويحرم على من صرفه إلى غير وجه الحقّ والصلاح.

فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معائش العباد، وتعليمهم فى جميع وجوه اكتسابهم.

إلى أن قال: وأمّا ما يجوز من الملك والخدمة فستّة وجوه:

ملك الغنيمة، وملك الشراء، وملك الميراث، وملك الهبة، وملك العارية، وملك الأجر، فهذه وجوه ما يحلّ وما يجوز للإنسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال

في وجوهه، وما يجوز فيه التصرّف والتقلّب من وجوه الفريضة... الحديث»(1).

وفي «الوسائل»(2)، ورواه المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه»(3)، كما مرّ في الخُمس وغيره، وفي «مكاسب» الشيخ الأعظم رحمه الله(4)، وحكاه غير واحدٍ عن رسالة «المحكم والمتشابه» للسيّد قدس سره.

أقول: وتنقيح القول في هذه الرواية بالبحث في موردين:

الأوّل: في سندها.

الثاني: في فقه الحديث.

أمّا المورد الأوّل: فرسالة «المحكم والمتشابه» لا يُعتمد عليها، لأنّها نفس التفسير النعماني المعروف(5)، وصاحبه(6)وإنْ كان شيخاً من أصحابنا الأبرار، إلّا أنّ من جملة رواتها أحمد بن يوسف، و حسين بن علي بن أبي حمزة(7)

أقول: الظاهر وقوع التحريف فيه، والصحيح: الحسن بن علي بن أبي حمزة كما تكرّر عين هذا السند في غيبة النعماني وفى بعضها صرّح بأنّه البطائني. (معجم رجال الحديث - السيّد الخوئي: ج 7/42).

).

1) تحف العقول: ص 331.

2) وسائل الشيعة: ج 17/83 باب 2 من أبواب ما يكتسب به - حديث 1 رقم 22047.

3) رسائل الشريف المرتضى، تأليف علم الهدى أبي القاسم على بن موسي‌، الشريف المرتضي‌، المتوفّى سنة 436 ه‍.

4) المكاسب: ج 1/6.

5) تفسير النعماني، لأبي عبد اللّه محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، المعروف بابن زينب، المتوفّى بعدسنة 342 ه‍. نقله السيّد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه.

6) محمّد بن إبراهيم بن جعفر: قال النجاشي: (محمّد بن إبراهيم بن جعفر أبو عبد اللّه الكاتب النعماني، المعروف بابن زينب: شيخ من أصحابنا، عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة، كثير الحديث، قدِم بغداد، وخرج إلى الشام، ومات بها، له كتب، منها: كتاب الغيبة، كتاب الفرائض، كتاب الرَدّ على الإسماعيليّة). معجم رجال الحديث - السيّد الخوئي: ج 51/231.

7) الحسين بن علي بن أبي حمزة: روى عن أبيه، وروى عنه إسماعيل بن مهران، ذكره صاحب وسائل الشيعة في آخر الفائدة الثانية من الخاتمة من الجزء 20، في طريق الأحاديث التي ذكرها السيّد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه، عن تفسير النعماني عن إسماعيل بن جابر.

وأباه(1)، وهم من الضعفاء، مع أنّ المذكور في ذلك الكتاب: «إنّ معائش الخلق على خمسة أوجه» بإسقاط الصناعات، وإضافة العمارات والصّدقات، كما وأنّ الأحكام المذكورة فيه المترتّبة على هذه الأقسام يباين ما في «تحف العقول».

وعليه، فلا مورد لما أفاده الشيخ الأعظم بقوله: (وحكاه غير واحدٍ(2).. الخ) وما في «الوسائل»(3): (ورواه المرتضى.. الخ).

وأمّا تحف العقول: فلا ينبغي التوقّف في أنّ الحسن بن على بن الحسين بن شُعبة صاحب كتاب «تحف العقول» جليل القدر، عظيم المنزلة، وكتابه هذا جليل، ومعتمدٌ عليه عند الأصحاب، كما صرّح بذلك كلّه أئمّة الفنّ‌(4)، إلّاأنّه لم يروِ هذا الخبر مسنداً، بل أرسله عن الصادق عليه السلام، فلا تشمله أدلّة حجيّة خبر الواحد.

أقول: قد استدلّ لحجيّته بوجوه:

الوجه الأوّل: قيام القرينة على اعتبار الرواة المحذوفين ووثاقتهم.

وفيه: أنّ المراد بها إنْ كان نقل هذا الشيخ الجليل عنهم، فيرد عليه أنّ جلالة قدرة تمنع عن كذبه، لا عن نقله عن غير الثقة، وإنْ كان غير ذلك فغير ظاهر علينا.

الوجه الثاني: انجبار ضعفه بعمل المشهور.

وفيه: أنّ عمل المتقدّمين من الأصحاب به الذي هو الجابر لضعف السند غير0.


1) علي بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة سالم البطايني، أبو الحسن، مولى الأنصار كوفي، وكان قائد أبي بصيريحيى بن القاسم. وله أخ يسمّى جعفر بن أبي حمزة. روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وعن أبي عبد اللّه عليه السلام ثمّ وقف. وهو أحد عُمَد الواقفة، (قاله النجاشي: 188).

2) المكاسب: ج 1/12.

3) وسائل الشيعة: ج 17/83 باب 2 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة حديث 1 رقم 22047.

4) رجال المامقاني: ج 1/293، الفوائد الرضويّة: ص 109، بحار الأنوار: ج 1/29، الذريعة: ج 3/400.

ثابت، وعمل المتأخّرين غير نافع، بل يمكن منع عملهم به أيضاً، فإنّ فتاوى جلّهم في المسائل المتفرّقة لا تطابق بعض جمل الخبر، وذلك لأنّ بعض جمله يدلّ على حرمة بيع باب يوهن به إليه مع أنّه لم يفت به الأكثر، وبعضها يدلّ على حرمة التقلّب فيه إلّافي حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك.

الوجه الثالث: موافقة مضمونه لمضمون جملةٍ من الروايات الصحيحة المعتبرة.

وفيه: أنّ الخبر الضعيف لا يصبح حجّةً ومعتبراً بالموافقة لما هو الحجّة.

الوجه الرابع: إنّ آثار الصدق منه ظاهرة.

وفيه: أنّه لم يظهر لي معنى آثار الصدق في مثل هذا الخبر، سوى اضطراب متنه، وتكرار جمله وهو كما ترى‌.

فتحصّل: أنّ الأقوى عدم حجيّة هذا الخبر، فلا يصحّ جعله في صدر الكتاب، وأخذه مدركاً للأحكام الآتية، بل لابدّ فى كلّ مسألة من ملاحظة مدركها بالخصوص.

وأمّا المورد الثاني: وهو فقه الحديث:

قوله عليه السلام: «عن معايش العباد... الخ»، المراد بها ما يحتاج إليه العباد في بقاء نوعهم أو شخصهم من المأكولات والملبوسات والمناكح، والظاهر أنّ المقصود بالسؤال هو أن تلك الأشياء من أي سبب يحلّ تحصيلها، ومن أي سبب لا يحلّ‌، كي يجوز تناولها في الأوّل، ولا يجوز في الثاني، لا السؤال عن حكم المسبّبات من حيث هي الذي هو مذكور في كتاب الأطعمة والأشربة.

قوله عليه السلام: «أربع جهاتٍ‌... الخ» فقد أورد على الحديث بعدم انحصار طرق المعاش في الأربع، فإن فيها الحيازات والهبات والأوقاف وإحياء الموات وإجراء القنوات ونحوها.

وأُجيب عنه تارةً‌: بدخول جملة منها في الإجارات، كالجعالات، والعمل للغير بمجرّد الإذن، وحقّ الوكالة والنظارة والوصاية.

وجملة منها في التجارات، كالهبات والصدقات.

وجملة منها في الصناعات كإحياء الموات والحيازات ونحوهما.

وأُخرى‌: بأنّ الرواية مسوقة لبيان حصر المعاملات في الأربع، لا حصر كليّة طرق المعاش فيها.

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ كون المراد من الصناعة كلّ فعلٍ يصدر من الشخص يكون سبباً لارتزاقه كي تشمل ما ذكر غير معلوم، بل قوله عليه السلام في آخر الخبر: «وأمّا تفسير الصناعات فكلّ ما يتعلّم... الخ» يدلّ على عدم كون المراد بها ذلك، ومنه يظهر ما في دعوى شمول الإجارات للجعالات، والتجارات للإباحات.

وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام: «وجوه المعاملات» لا سيّما بقرينة كون السؤال عن حكم جميع الطرق، ليس هي المعاملة المصطلحة، بل المعنى اللّغوي الشامل لجميع المذكورات.

فالصحيح أن يجاب عنه: بأنّ الحصر إضافي، وأنّه عليه السلام في مقام بيان الأفراد الغالبة لا جميع الأفراد.

قوله عليه السلام: «فأوّل هذه الجهات الولاية، ثمّ‌... الخ» فإنّه فرقٌ بين الولاية والإجارة، لأنّ الولاية منصبٌ مجعول من طرف الغير بالانفراد، ولايعتبر فيها القبول والرضا ممّن جُعلت له، ويترتّب على جعلها استحقاق مال، وهذا بخلاف الإجارة.

وبالجملة: فمحصّل الأقسام المذكورة لوجوه معايش العباد، كما نبَّه عليه بعض أعاظم المحقّقين رحمه الله(1)، أنّ سبب المعيشة:

إمّا أن يكون من قِبل الغير بالانفراد فهو الولاية.

أو يكون من قِبل نفسه بالانفراد فهو الصناعة.

أو يكون بينه وبين الغير، وهو إنْ كان بنقل الأعيان فهو البيع، وإنْ كان بنقل المنفعة فهو الإجارة.

ثمّ إنّه قد يستشكل في عَدّ الصناعات من المعاملات بأنّها:

إن اعتبرت من حيث أنفسها مع قطع النظر عن أخذ أُجرة عليها، فليس تلك من المعاملة في شيء.

وإنْ اعتبرت من حيث إنّه يعملها للغير، ويأخذ الأُجرة عليها، فهي داخلة في الإجارة.

وإنْ اعتبرت من حيث إنّه يعملها ثمّ يبيعها فهي داخلة في البيع.

وعليه، فكيف يمكن عدّها قسما رابعاً من المعاملات‌؟

وفيه: الظاهر أنّ الصناعة وبعبارة أُخرى عمل الصنعة بنفسه مالٌ مكتسب، فإنّ السرير قبل أن يعمل كان له مقدار من الماليّة، وقد ازدادت بهذا العمل كما هو واضح، فتحصيل تلك الزيادة اكتساب.

قوله عليه السلام: «إلّا بجهة الضرورة.. الخ» والذي يدلّ عليه هذه الجملة من الحديث إنّما هو عدم حرمة العمل والولاية في حال الضرورة، وأنّه يحلّ له التصرّف فيما4.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/4.

يأخذه من العوض، وأمّا كون ذلك من جهة جواز التكسّب بالولاية في حال الضرورة حتّى بالنسبة إلى الحكم الوضعي، أو كون أخذ الأُجرة تقاصّاً عن المنفعة المفوتة، فالخبر ساكتٌ عن بيانه، فاستظهار الأوّل ممّا لا شاهد له، فتأمّل.

قوله عليه السلام: «وكذلك المشتري... الخ» يحتمل:

أن يكون بصيغة الفاعل، فيكون معناه: وكذلك تفسير وجوه الحلال من البيوع بالنسبة إلى المشتري.

ويحتمل أن يكون عبارة عن المبيع.

ويكون الفرق بين الجملتين أنّه أُريد بالأُولى تمييز البيع الجائز عن غيره بنفسه، وبالثانية تمييز المبيع الذي يجوز بيعه عمّا لا يجوز.

قوله عليه السلام: «فكلّ مأمورٍ به... الخ» الظاهر أنّ المراد من قوله: «مأمور به» هو المرخّص فيه، وأنّ المراد من وجه الصلاح عدم الفساد، فلا يكون الخبر ساكتاً عن حكم مالا يكون فيه الفساد ولا الصلاح.

قوله عليه السلام: «أو نكاحه... الخ» الظاهر أنّ تذكير الضمير باعتبار لفظ (ما) وأنّ المراد به الوطء بعنوان المِلك، فيكون المراد به أنّ المرأة التي يحرم نكاحها على من انتقلت إليه، لكونها ممّن تنعتق عليه لا يجوز بيعها، ويفسد لعدم استقرار ملكه لها وانعتاقها عليه.

قوله عليه السلام: «فكلّ أمرٍ يكون فيه الفساد ممّا هو منهيٌّ عنه... إلخ» الظاهر من هذه الجملة وما بعدها وإنْ كان حرمة بيع ما فيه الفساد بقول مطلق، وما فيه وجهٌ من وجوه الفساد، وإنْ كان فيه جهة الصلاح، ولازم ذلك وقوع التزاحم بين هذه

الجملة، وبين ما قبلها من الجملة الدالّة على جواز بيع ما فيه الصلاح، إلّاأنّه من جهة أنّ الظاهر ولا أقلّ من المحتمل كون المشار إليه بقوله عليه السلام: «فهذا كلّه حرامٌ محرّمٌ‌» هو بيع المذكورات، وقد عُلّل هذا الحكم على هذا بحرمة جميع التقلّبات والتصرّفات فيها، فيكون المستفاد حينئذٍ أنّ علّة المنع هي حرمة جميع التصرّفات، فيقيد بهذه الجملة إطلاق الجملة المتقدّمة، لأنّ العلّة تُعمّم وتُخصّص، ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام: «من جهة أكله... الخ»، فإنّه على ذلك يُحمل على إرادة ما كان فائدته العقلائيّة منحصرة في الأكل كاللّحم، فتأمّل.

قوله عليه السلام: «يؤجر نفسه أو دابّته... الخ» الظاهر أنّه أريد بذلك الإجارة لمطلق منافعه، ويكون الخيار بيد المستأجر في صرفه فيما يريد، وأريد بقوله عليه السلام: «أو العمل... الخ» العمل بمجرّد الإذن بلا إجراء صيغة الإجارة، وأريد بقوله: «أو يؤجر نفسه في عمل... الخ» الإجارة لمنفعة خاصّة.

قوله عليه السلام: «من غير أن يكون وكيلاً.. الخ»:

يحتمل أن يكون راجعاً إلى الجميع، يعني يعتبر في حليّة إجارة نفسه أو ولده أو ما يملكه، أن لا يكون المؤجر والياً للوالي، أو وكيلاً للوالي، فإنّ الإجارة حينئذٍ إنفاذٌ لولاية الوالي الجائر.

ويحتمل أن يكون قيداً لخصوص أجيره، يعني يجوز إجارته لأجيره إذا لم تكن أجيريته له من جهة كون المؤجّر وكيلاً للوالي، فإنّه حينئذٍ يكون أجيراً للوالي، فلا يجوز إجارته لنفسه، وأيضاً فهو حينئذٍ أجير للوالي بإجارة فاسدة، فلا سلطنة له عليه في الواقع.

قوله عليه السلام: «أجيراً... الخ» المراد به المؤجر، وإطلاقه عليه باعتبار أنّ المؤجّر نفسه يصير أجيراً.

قوله عليه السلام: «أو وكيله في إجارته... الخ» سوق العبارة يشهد بأنّه معطوفٌ على نفسه، بمعنى أنّه يؤجّر موكّله في الإجارة، أو أنّه يؤجّر أجيره، ولا تبعد دعوى أظهريّة الثاني.

وعلى أي تقدير، يكون قوله عليه السلام: «لأنّهم وكلاء الأجير» راجعاً إلى المؤجّر باعتبار أنّه متعدّد في المعنى‌، والغرض منه أنّ هذه الإجارة ليست من جانب الوالي، بل هو وكيلٌ له من عند نفس الأجير، لأنّه باختياره جعله وكيلاً لنفسه.

قوله عليه السلام: «فيجعل ذلك... الخ» الظاهر أنّه من غلطالنسّاخ، والصحيح (فيحمل).

كما أنّ الأظهر أنّ «عمل التصاوير» غلط، لعدم صحّة حمل الخنازير والميتة والدَّم عليها، والصحيح كما في بعض النسخ (حمل التصاوير).

قوله عليه السلام: «فيجعل ذلك... الخ» والفرق بين الإجارة في الشيء وللشيء، أنّ ذلك الشيء في الأوّل هو مورد الإجارة، وفي الثاني موردها المنفعة لتحصيل ذلك الشيء.

فقه الرضا عليه السلام:

الرواية الثانية: ما عن الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا عليه السلام، قال:

«اعلم رحمك اللّه أنّ كلّ ما هو مأمورٌ به على العباد، وقوامٌ لهم في أُمورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، ممّا يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته، وكلّ أمرٍ

يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه بوجه الفساد مثل الميتة والدَّم ولحم الخنزير والرِّبا، وجميع الفواحش، ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك، فحرامٌ ضارّ للجسم، وفساد للنفس» انتهى‌(1).

أقول: الظاهر عدم اعتباره، وبرغم ذلك فقد قد استدلّ لاعتباره بوجوه، عمدتها ما نشير إليه:

الوجه الأوّل: إن أوّل من اطّلع على هذا الكتاب هو الثقة الفاضل السيّد أمير حسين طاب ثراه(2)، وهو أخبر بكون هذا الكتاب للإمام عليه السلام، فيصدق في إخباره لكونه ثقة.

وفيه: لا شبهة في كون الرجل من الثقات، ولكن خبره هذا غير مشمول لأدلّة حجيّة خبر الواحد، لأنّ إخباره:

إمّا أن يكون مستنداً إلى القرائن من الخطوط الموجودة فيه للإمام عليه السلام ونحوها، الموجبة لحصول العلم العادي له.

أو إلى إخبار ثقتين عدلين من أهل قمّ للسيّد يكون الكتاب المذكور للإمام عليه السلام.

وشيء من الأمرين لا يصلح لإدراج الخبر في الأخبار المعتبرة:ة.


1) المستدرك: ج 13/46-65 باب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 رقم 4757.

2) فقه الرضا: ص 11 السيّد أمير حسين - علىَ حَدّ قول النراقي - هو: القاضي أمير حسين الذي حكى عنه (الفاضلان المجلسيين)، هو السيّد أمير حسين بن حيدر العاملي الكركي، ابن بنت المحقّق الشيخ علي ابن عبد العال الكركي، وكان قاضي أصفهان والمفتي بها في الدولة الصفويّة - أيّام السلطان العادل شاه طهماسب الصفوي - وهو أحد الفقهاء المحقّقين، والفضلاء المدقّقين، مصنّف مُجيد، طويل الباع، كثير الاطّلاع، وجدت له رسالة مبسوطة في نفي وجوب الجمعة في زمان الغيبة، وكتاب النغمات القدسيّة في أجوبة المسائل الطبرسيّة، وكتاب رفع المناواة عن التفضيل والمساواة.

أمّا الأوّل: فلأنّ المُخبَر عنه يعدّ من الأُمور الحدسيّة التي ليس بينها وبين أسبابها ملازمة عاديّة، بحيث يلزم من العلم بأحد السببين العلم بالآخر، لأنّ حصول العلم للسيّد بكون الكتاب للإمام عليه السلام إنّما كان من القرائن التي لا توجب العلم المزبور عادة، وإنّما أوجبت العلم له بالخصوص دون غيره، ولا يخفى أنّه لا يمكن إحراز كون الخطوط للإمام عليه السلام إلّاعن طريق الحدس الشخصي، فلا تشمل أدلّة حجيّة خبر الواحد لإخباره، لأنّها مختصّة بالأخبار الحسيّة والحدسيّة التي تكون بين الأسباب ومسبّباتها ملازمة عاديّة.

وأمّا الطريق الثاني: فلأنّ إخبار هذين العدلين:

إمّا أن يكون لحصول العلم لهما من القرائن، فالكلام فيه حينئذٍ هو الكلام في إخبار السيّد المذكور رحمه الله.

وإمّا أن يكون لسماعهما من غيرهما.

فغاية ما يكون حينئذٍ هو كون الخبر من الأخبار المرسلة غير المعتبرة كما تقدّم.

مع أنّ الذي حَكى المجلسي الأوّل عنهما أنّهما قالا: (إنّ هذه النسخة قد أتي بها من قمّ إلى مكّة المشرّفة، وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم، وخطّ الإمام عليه السلام في عدّة مواضع)(1)، وأين هذا من إخبارهما بكون الكتاب للإمام عليه السلام‌؟!

الوجه الثاني: أنّه فيه عبارات تنطق بكونه للإمام عليه السلام، مثل ما هو مذكور في أوّل الكتاب من أنّه: (يقول عبد اللّه علي بن موسى الرضا)، كما جاء في بعض3.


1) راجع خاتمة المستدرك: ج 1/232-233.

كلماته: (نحن معاشر أهل البيت)، وغير ذلك من العبارات.

وفيه: أنّ هذه العبارات لو سُلّم أنّه لا يصحّ صدورها عن غير الإمام عليه السلام، لكن مجرّد ذلك لا يوجب صدورها عنه بعد انفتاح باب الوضع والجَعل والكذب عليهم، مع أنّه يمكن أن يكون المؤلِّف رجلاً علويّاً.

الوجه الثالث: موافقة تاريخه لزمان الرضا عليه السلام، وهو كما ترى‌.

الوجه الرابع: تطابق مضمون الكتاب مع رسالة عليّ بن بابويه إلى ولده الصدوق(1)وفتاوى ولده الصدوق من دون تغيير أو مع تغيير بسيط في بعض المواضع، وهذه كاشفة عن اعتمادهما عليه في الفتوى، وإنْ لم يصرّحا باسمه.

وفيه: أنّه من الممكن أخذ مؤلّف «الفقه الرضوي» من تلك الرسالة التي يتعامل الفقهاء معها معاملة متون الأخبار عند اعوزاز النصوص، بل هذا الاحتمال أقوى من الأوّل المستلزم لإسناد ابن بابويه كتاب الرضا عليه السلام إلى نفسه من دون أن ينبّه عليه.

الوجه الخامس: عمل جمع من الأساطين به كالمجلسيين(2)وغيرهما(3).

وفيه: أنّ مستندهم في العمل هي الوجوه المذكورة التي عرفت ما فيها.ت.


1) الكنى والألقاب - الشيخ عبّاس القمّي: ج 2/416: (الصدوق) محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، و (الصدوقان) محمّد وأبوه علي بن الحسين.

2) فقه الرضا - علي بن بابويه: ص 11: لم يكن الكتاب متداولاً بين الأصحاب إلى زمان الفاضل التقي مولانا محمّد تقي المجلسي قدس سره، وهو أوّل من روّج لهذا الكتاب ونبّه عليه في اللّوامع - وهو شرحه الفارسي على الفقه - وبعده ولده العلّامة مروّج الشريعة المحدِّث المولى محمّد باقر المجلسي. فإنّه أورده في كتابه «بحار الأنوار» ووزّع عباراته على الأبواب، واستند إليها في الآداب، والأحكام المشهورة الخالية عن المستند ظاهراً.

3) كالسيّد صاحب الرياض وصاحب مفاتيح الأُصول، والشيخ البحراني، والفاضل الكاشاني، وجعلوه في مصاف الأخبار، ونقلوه في مؤلّفاتهم بنحو الروايات.

فتحصّل: أنّه لا دليل على اعتبار هذا الكتاب، بل الظاهر كونه رسالة عمليّة لفقيه ذكرت فيها الفتاوى والروايات بعنوان الإفتاء، لأنّ أكثر رواياته إنّما هي بعنوان: (رُوي) ونحوه، أو (نُقل عن الرواة)، ولما صرّح به المحدِّث النوري رحمه الله بأنّ فيه أحكاماً متناقضة، بل فيه أحكاماً كثيرة تخالف مذهب الشيعة، كما أنّ حمل ذلك على التقيّة مع أنّ فيه ما يخالفها، وتكذيب العامّة والإزراء عليهم في المتعة، كما ترى‌.

دعائم الإسلام:

الرواية الثالثة: وهي التي رواها صاحب «دعائم الإسلام» عن مولانا الصادق عليه السلام أنّه قال:

«إنّ الحلال من البيوع كلّما كان حلالاً من المأكول والمشروب وغير ذلك ممّا هو قوام للناس، ويباح لهم الانتفاع، وما كان محرّماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه، الحديث»(1).

أقول: إنّ هذا الخبر غير معتبر لوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ مؤلف هذا الكتاب وهو أبو حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور قاضي مصر(2)، برغم اتّفاق الجميع على أنّه إماميّاً، كما صرّح بذلك أئمّة الرِّجال،


1) دعائم الإسلام: ج 2/18-19 ح 23، المستدرك: ج 13/65 باب 2 من أبواب مايكتسب به، حديث 2 رقم 14758.

2) الكنى والألقاب - الشيخ عبّاس القمّي: ج 1/57: (ويقال له أبو حنيفة الشيعة والمغربي هو القاضي النعمان بن أبي عبد اللّه محمّد بن منصور القاضي بمصر، كان مالكيّاً أوّلاً ثمّ اهتدى وصار إماميّاً، وصنَّف على طريق الشيعة كتباً منها كتاب دعائم الإسلام، وكان - كما قال ابن خلكان نقلاً من ابن زولاق - في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه، عالماً بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء، واللّغة والشعر النحل والمعرفة بأيّام الناس مع عقل وإنصاف، وألّف لأهل البيت عليهم السلام من الكتب آلاف الأوراق بأحسن تأليف، وله ردود على المخالفين، وله رَدّ على أبي حنيفة وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سُريج، وله كتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت عليهم السلام، وله القصيدة الفقهيّة لقّبها بالمنتخبة، وكان ملازماً صحبة المعزّ أبي تميم معد بن منصور، ولمّا وصل من إفريقية إلى الدِّيار المصريّة كان معه، ولم تطل مدّته ومات في مستهلّ رجب بمصر سنة 363) انتهى‌.

إلّا أنّ كونه اثنى عشريّاً وثقة غير ثابتين، لعدم تصريح القوم بشيء منهما.

الوجه الثاني: أنّه مرسل، غير منجبر بشيء.

ودعوى: أنّه على فرض وثاقته، لا يضرّ إرسال الخبر بحجيّته، لقوله في أوّل كتابه: (إنّي أقتصر فيه على الثابت الصحيح ممّا رويناه عن الأئمّة من أهل بيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله)، حيث يعدّ هذا توثيقاً إجماليّاً للرّواة المحذوفة أسماءهم.

مندفعة: بأنّ ثبوت الصحّة عنده لا يلازم ثبوتها عندنا، لاحتمال استناده إلى القرائن الموجبة لعلمه بالصحّة، غير الموجبة عندنا للعلم لو اطّلعنا عليها.

النبويّ المشهور:

الرواية الرابعة: النبويّ المشهور: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه»(1).

أقول: الظاهر أنّ هذا النبويّ برغم شهرته إلّاأنّه لا أصل له في أُصول العامّة والخاصّة، فإنّ الموجود في أُصول العامّة إنّما هو هكذا: «إنّ اللّه إذا حَرّم على قومٍ أكلّ شيء حَرّم عليهم ثمنه»(2)مع إضافة لفظ «أكل» فهو لم يثبت كونه رواية، ولا يخفى أنّ ما هو الموجود في أُصولهم، فلضعف سنده وعدم انجباره بشيء لا يعتمد عليه،


1) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل: ج 1/293، والبحار ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وابن زُهرة في غنية النزوع ص 213 وغيرها.

2) مسند أحمد: ج 1/247 و ص 293، السنن الكبرى‌: ج 9/353.

فضلاً عن أنّ عمومه على هذا لم يعمل به أحد، فإنّ كثيراً من الأُمور التي يحرم أكلها يجوز بيعها، بل الظاهر أنّه لو كان الموجود في كتب الحديث هو ما اشتهر في ألسنة الأصحاب، لما كان يعتمد عليه لضعف السند، وعدم الانجبار بالشهرة، إذ برغم تطابق فتاويهم مع مضمونه حينئذٍ، إلّاأنّه لم يثبت استنادهم إليه في الفتوى، بل الظاهر أنّهم استندوا في إفتائهم بذلك إلى اعتبارهم الماليّة في العوضين، المتوقّفة على كون الشيء ذا منفعة محلّلة، وإنّما يذكرون النبويّ للتأييد، هذا بناءً على أن يكون المراد من تحريم الشيء تحريم جميع منافعه.

وإنْ كان المراد به تحريم بعض منافعه، فعدم عملهم به أوضح، فإنّهم أفتوا بجواز البيع.

فتحصّل: أنّ شيئاً من هذه الأخبار لا يكون دليلاً في المسائل الآتية، بل لابدّ في كلّ مسألةٍ من ملاحظة مدركها بالخصوص.


الفصل الأوّل: التجارة:

وقد تجبُ‌: إذا لم يكن للإنسان معيشة سواها،

أقسام المكاسب

الفصل الأوّل: فيما يُكتسب به ببيع كان أو غيره.

أقول: وقبل بيان مسائل هذا الفصل، يقتضي المقام التعرّض لأُمور:

الأمر الأوّل: إنّ (التجارة) هي في اللّغة الكسب، وهي:

تارةً‌: تُلاحظ بما أنّها فعل المكلّف، مع ما يطرأ عليها من العناوين الثانويّة.

وأُخرى‌: تُلاحظ من حيث هي مع قطع النظر عن تلك العناوين.

لا كلام في أنّه تنقسم إلى خمسة أقسام بالاعتبار الأوّل.

أمّا بالاعتبار الثاني: فقد وقع الخلاف في:

1 - انقسامها إلى قسمين: المكروه كبيع الأكفان، والمباح كبيع الأشياءالمباحة، كما اختاره بعض المحقّقين(1).

2 - أو إلى ثلاثة أقسام، وهي ما تقدّم، بإضافة المحرّم كبيع الخمر مثلاً، كما لعلّه المشهور بين الأصحاب(2).

3 - أم إلى أربعة، وهي ما تقدّم بضميمة المستحبّ‌.

4 - أو إلي خمسة كما فى المتن، حيث قال: (وقدتجبُ إذا لم يكن للإنسان معيشة سواها،


1) حكاه المحقّق الخوئي قدس سره في مصباح الفقاهة: ج 1/26، بقوله: (ملخّص كلام الفقهاء رضوان اللّه عليهم.. الخ).

2) شرائع الإسلام: ج 2/263، مسالك الأفهام: ج 3/118، الحدائق الناضرة: ج 17/81.

وكانت مباحة.

وقد تُستحبّ‌: إذا أراد التوسعة على عياله.

وقد تُكره: كالمحتكر.

وقد تُباح: بأن لا يحتاج إليها، ولا ضرر في فعلها.

وقد تحرم: إذا كانت في محرّم.

وكانت مباحة، وقد تستحبّ إذا أراد التوسعة على عياله، وقد تُكره كالمحتكر، وقد تُباح بأن لا يحتاج إليها، ولا ضرر في فعلها، وقد تَحرم إذا كانت في محرمّ‌) واختاره الشيخ الأعظم(1).

أقول: ولكن الظاهر أنّ القول الأوّل ضعيف لوجود المكاسب المحرّمة كما سيمرّ عليك.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّ حرمتها التكليفيّة إنّما تكون من جهة انطباق أحد العناوين المحرّمة - كعنوان تقوية الكفر ونحوها - عليها لا أنّها محرّمة من حيث الاكتساب، ولذا يحرم هبتها أيضاً عندهم.

وأمّا المكاسب الواجبة: فقد مَثّل الشيخ الأعظم رحمه الله(2)لها بالصناعات الواجبة كفاية، إذا وجد القائم بها أكثر من واحد، وعيناً إذا لم يوجد إلّاواحد.

وفيه: أنّ الواجب في الصناعات الواجبة، إنّما هو التصدّي لتلك الصنعة لا التكسّب بها، مع أنّ وجوبها إنّما يكون من جهة وجوب إقامة النظام لا أنّها واجبة من حيث هي.3.


1) المكاسب: ج 1/13.

2) المكاسب: ج 1/13.

أقول: وبذلك يظهر اندفاع ما أورد على الوجه الأوّل، وحاصله:

أنّه قد يجبُ التكسّب بها، وهو ما إذا أفضى التصدّي لها مجّاناً إلى اختلال النظام أيضاً، فإنّه حينئذٍ يجب التكسّب بها.

وجه الاندفاع: أنّه حينئذٍ وإنْ وجب التكسّب، إلّاأنّه لا يجبُ بعنوانه بل بعنوان وجوب إقامة النظام، فيكون وجوبه نظير التكسّب بالنذر أو اليمين أو العهد.

وقد مَثّل بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله(1)للتكسّب الواجب ببيع العبد المسلم على مولاه الكافر، وبيع المصحف على الكافر.

وفيه: أنّ الواجب أنّها هو رفع سلطنته عنهما بأيّ نحوٍ كان، ولذا لو رفعت سلطنته بالهبة وشبهها لا يجب البيع.

وأمّا التكسّب المستحبّ‌: فقد مثّل له الشيخ الأعظم(2)بالرّعي والزراعة، للنصوص الدالّة على استحباب الرّعي والزرع:

منها: خبر الواسطي، عن الإمام الصادق عليه السلام: عن الفلّاحين، فقال عليه السلام:

«هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه، وما في الأعمال شيء أحبّ إلى اللّه من الزراعة، وما بَعَث اللّه نبيّاً إلّازرّاعاً إلّاإدريس فإنّه كان خيّاطاً»(3).

ومنها: خبر ابن عطيّة، قال: «سمعتُ أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ اختار لأنبيائه الحَرْث والزرع كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء»(4).6.


1) ذكره المحقّق الخوئي قدس سره في مصباح الفقاهة: ج 6/107، كونه أحد الوجوه المتصوّرة لكونه بيعاً حقيقيّاً، وعدَّه غير واحد من المعاصرين من البيع الواجب.

2) المكاسب: ج 1/13.

3) وسائل الشيعة: ج 17/41-42 باب 10 من أبواب مقدّمات التجارة حديث 3 رقم 21933.

4) وسائل الشيعة: ج 19/34 باب 3 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث 4 رقم 24086.

وخبر عقبة الآتي، ونحوها غيرها.

وفيه: أنّ غاية ما يستفاد من هذه النصوص كونهما مستحبّين في أنفسهما، حتّى ولو أقدم الرّاعي على ذلك مجّاناً أو في غنم نفسه، وزرع بذر الغير في مِلْكه مجّاناً، ولا يكونان مستحبّين بعنوان التكسّب، وما دلّ على ثبوت البركة في الغنم لا يدلّ على استحباب التكسّب بها، وإنّما يدلّ على وجودها في نفسها.

أقول: وممّا يدلّنا على استحبابهما في أنفسهما الأحكام المذكورة في الأخبار(1)، لذلك فإنّه ذكر فيها في وجه استحباب الزراعة أنّها توجبُ التوكّل، وفي وجه استحباب الرعاية أنّها موجبة لاستكمال النفس، والتمرين على إدارة شؤون الرعيّة، ففي رواية عقبة عن مولانا الصادق عليه السلام: «ما بعثَ اللّه نبيّاً قطّ حتّى يسترعيه الغنم، ويعلّمه بذلك رعيه الناس»(2).

فتحصّل: أنّ الأظهر أنّها تنقسم إلى أقسام ثلاثة أو إلى قسمين.

معنى حرمة الاكتساب

الأمر الثاني: قد أُفيد في معنى حرمة الاكتساب وجوه:

الوجه الأوّل: ما أفاده الشيخ الأعظم رحمه الله(3)بقوله: (ومعنى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتيب الأثر المحرّم).

وحاصله: أنّ معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال مقيّدة بقصد ترتّب


1) وسائل الشيعة: ج 19/33 باب 3 من كتاب المزارعة والمساقاة رقم 24085 و 24086.

2) البحار: ج 11/65 من الطبع الحديث.

3) المكاسب: ج 1/13.

الأثر المحرّم عليه كبيع الخمر للشرب.

واستدلّ له(1): بانصراف الأدلّة إلى خصوص صورة قصد ترتّب الأثر المحرّم.

وفيه أوّلاً: أنّه قدس سره لا يلتزم بذلك في المباحث الآتية، بل يلتزم بحرمة بيع الصليب والصَّنم وآلات القمار مطلقاً، وكذلك يلتزم بحرمة بيع السلاح لأعداء الدِّين، فيما إنْ لم يقصد البائع تقويتهم على المسلمين.

وثانياً: أنّ دعوى الانصراف ممنوعة جدّاً، وعليه فلا وجه لتقييد ما دلّ على حرمة البيع بالقصد المذكور، لكونه تقيّيداً بلا موجب.

نعم، إذا كان دليل الحرمة هو ما دلّ على حرمة الإعانة على الإثم، صحّ ما ذكره بناءً على اعتبار قصد ترتّب الأثر في صدق الإعانة، وسيجيء تنقيح القول فيه.

الوجه الثاني: أنّ المراد من حرمة الاكتساب، حرمة النقل والانتقال بقصد ترتّب إمضاء من بيده الأمر عليه.

وفيه: أنّ تقيّيد ما دلّ على حرمة الاكتساب بذلك، تقيّيدٌ بلا موجب.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الإيرواني رحمه الله(2)من أنّ معنى حرمة الاكتساب، هو حرمة إنشاء النقل والانتقال بقصد ترتّب أثر المعاملة عليه، من التسليم والتسلّم للمبيع والثمن.

أقول: الظاهر أنّ حرمة المعاملة:

إنْ كانت من جهة تعلّق النهي التحريمي بنفس المعاملة، فلابدّ من الالتزام بأنّ المحرّم إنّما هو الاعتبار النفساني المبرَز بمبرزٍ خارجي، سواءٌ تعلّق به الإمضاء من3.


1) المكاسب: ج 1/13.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 3.

الشرع أو العرف أم لا، لأنّ هذا هو حقيقة المعاملة، كالبيع مثلاً على ما سيأتي تحقيقه في أوّل البيع، وليس المحرّم هو الاعتبار النفساني المجرّد ولا الإنشاء الساذج، ولا يعتبر فيه شيء آخر غير ذلك.

وإنْ كانت الحرمة متعلّقة بها لأمر خارج عن حقيقتها المنطبق عليها، كعنوان تقوية الكفر المنطبق على بيع السلاح للأعداء - على إشكال في المثال - فلابدّ من ملاحظة أنّه هل ينطبق على خصوص المعاملة أم عليها مع تسليم المثمن، أم ينطبق على خصوص التسليم‌؟

فعلى الأوّل تحرم المعاملة، وعلى الثاني يكون المركّب من المعاملة والتسليم متعلّقاً بها، وعلى الثالث لا تحرم المعاملة، وهذا هو الضابط في المقام.

وبه يظهر ما في كلمات المحقّق المذكور وسائر الأعلام، فلا حاجة إلى إطالة الكلام في ذلك.

حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها

الأمر الثالث: في بيان أمر تبتني عليه كثير من الفروع الآتية، وهو:

إنّ حرمة المعاملة هل تستلزم فسادها كما لعلّه المشهور(1)؟

أم تستلزم صحّتها كما عن أبي حنيفة‌؟(2).

أم لا تستلزم شيئاً منهما، بل لابدّ في إثبات صحّتها أو فسادها من التماس دليل آخر؟


1) جواهر الفقه: ص 26.

2) حكاه عنه في مصباح الفقاهة: ج 1/30.

أقول: إنّ النهي المتعلّق بالمعاملة:

تارةً‌: يكون إرشاديّاً.

وأُخرى‌: يكون تحريميّاً.

وثالثة: يكون تشريعيّاً.

وعلى الثاني: قد يتعلّق النّهي بالآثار والتصرّف في الثمن أو المثمن كقوله عليه السلام:

«ثمن العذرة سحتٌ‌»، وقد يتعلّق بنفس المعاملة، أو بعنوانٍ منطبق عليها.

أقول: لا ريب في دلالة القسم الأوّل على الفساد، وكذلك القسم الثاني، إذ لا وجه للمنع عن التصرّف في الثمن أو المثمن سوى عدم صحّة المعاملة، وبقائه على ملك مالكه، نعم دلالة القسم الأوّل عليه تكون بالمطابقة، ودلالة الثاني بالالتزام.

وإما القسم الثالث، وهو النهي التحريمي المتعلّق بالمعاملة، فهو قد يتعلّق بالاعتبار النفساني القائم بالمتعاملين، وقد يتعلّق بإبرازه بمبرز خارجي.

توضيح ذلك: أنّ في المعاملة كالبيع أربعة أُمور:

أحدها: اعتبار الملكيّة القائم بالمتبايعين.

ثانيها: اعتبارها القائم بالعقلاء.

ثالثها: الاعتبار القائم بالشارع الأقدس.

رابعها: إظهار المتبايعين اعتبارهما النفساني بمظهر خارجي، من لفظ أو غيره.

أمّا الاعتبار القائم بالشارع: فهو غير قابلٍ لتعلّق النهي به، وذلك لأنّه من الأفعال الاختياريّة للمولى، وخارجٌ عن تحت قدرة المكلّف، مع أنّه إذا كان مبغوضاً له فلأيّ جهةٍ يوجده.

وأمّا الاعتبار القائم بالعقلاء: والذي يعبّر عنه في كلماتهم بالمسبّب العرفي، أي

إمضاء العقلاء اعتبار المتبايعين، فهو أيضاً غير قابل لتعلّق النهي به، لكونه خارجاً عن تحت قدرة المتبايعين، وليست نسبته إلى فعلهما نسبة المسبّب التوليدي إلى سببه كي يصحّ النهي عنه للقدرة على سببه.

وبذلك يظهر فساد ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله حيث التزم بأنّ متعلّق النهي هو المسبّب العرفي(1).

وعلى ذلك، فيتعيّن تعلّق النهي إمّا بالاعتبار القائم بالمتبايعين، أو بما يكون مظهراً له في الخارج، وعلى كلّ تقدير لا يدلّ النهي على الفساد:

أمّا على الثاني: فواضحٌ‌، سواءٌ تعلّق النهي بذات ما هو مظهر كإنشاء البيع باللّفظ أثناء الاشتغال بالفريضة، أو به بماله مظهر للاعتبار المزبور.

وأمّا على فرض تعلّقه بالاعتبار النفساني: فغاية ما قيل في دلالته على الفساد وجهان:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(2)من أنّه يعتبر في صحّة المعاملة أُمور ثلاثة:

الأمر الأوّل: كون كلّ من المتعاملين مالكاً للعين أو بحكمه.

الأمر الثاني: أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها، أو غير ذلك من أسباب الحجر، ليكون له السلطنة الفعليّة على التصرّف فيها.

الأمر الثالث: أن توجد المعاملة بسبب خاص وآلة مخصوصة، فإذا تعلّق النهي بالمسبّب أي الاعتبار النفساني، وبعبارة أُخرى بالملكيّة المنشأة كما في النهي عن بيع4.


1) منية الطالب: ج 1/31.

2) راجع أجود التقريرات: ج 1/404.

المصحف من الكافر، كان النهي معجزاً مولويّاً للمكلّف عن الفعل، ورافعاً لسلطنته عليه، فيختلّ بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحّة المعاملة، ويترتّب عليه فسادها.

وبالجملة: يعتبر في نفوذ المعاملة السلطنة الفعليّة على التصرّف في العين، ومنع المولى يوجبُ رفع السلطنة، فلا محالة تفسد المعاملة.

وفيه: أنّ توقّف نفوذ المعاملة وصحّتها على السلطنة الوضعيّة بديهي، وأمّا كون النهي موجباً لسلب هذه السلطنة فهو أوّل الكلام، نعم النهي يوجب رفع السلطنة التكليفيّة، ونفوذ المعاملة غير متوقّف عليها.

وبالجملة: المعتبر في صحّة المعاملة إنّما هي السلطنة الوضعيّة، والحرمة إنّما توجب رفع السلطنة التكليفيّة، لا السلطنة الوضعيّة، إذ لا منافاة بين حرمة شيء ونفوذه وضعاً.

الوجه الثاني: الروايات الواردة في نكاح العبد بدون إذن سيّده، الدالّة على صحّته مع إجازته لا بدونها، معلّلة بأنّه (لم يَعص اللّه وإنّما عصى سيّده، فإذا أجاز جاز):

منها: صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:

«سأله عن مملوكٍ تزوّج بغير إذن سيّده‌؟ فقال: ذاك إلى سيّده إنْ شاء أجازه وإنْ شاء فرّق بينهما.

قلت: أصلحك اللّه إنّ الحَكَم بن عُتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون إنّ أصل النكاح فاسد ولا تحلّ إجازة السيّد له‌؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو

له جائز»(1).

ومنها: صحيحه الآخر، عنه عليه السلام: «سأله عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطلع على ذلك مولاه‌؟

قال عليه السلام: ذاك لمولاه إنْ شاء فرّق بينهما وإنْ شاء أجاز نكاحهما.

إلى أن قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: فإنّه في أصل النكاح كان عاصياً؟

فقال أبوجعفر عليه السلام: إنّما أتيشيئاً حلالاً وليس بعاصٍللّه، إنّماعصيسيّده ولم يعص اللّه تعالى‌، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عِدّة وأشباهه»(2).

ونحوهما غيرهما.

وتقريب الاستدلال بها: إنّها تدلّ على أنّ النكاح لو كان ممّا حرّمه اللّه تعالى عليه كان فاسداً.

وفيه: أنّ محتملات المراد من العصيان في الجملتين أربعة:

الأوّل: أن يراد به فيهما العصيان الوضعي.

الثاني: أن يراد به فيهما العصيان التكليفي.

الثالث: أن يراد بالعصيان في الأُولى التكليفي منه، وفي الثانية الوضعي منه.

الرابع: عكس ذلك.

والاحتمالان الأخيران يدفعان بوحدة السياق، فيدور الأمر بين الأولين،8.


1) وسائل الشيعة: ج 21/114 باب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء من كتاب النكاح ح 1 رقم 26666، الفقيه: ج 3/541 ح 4862.

2) وسائل الشيعة: ج 21/115 باب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث 2 رقم 26667، الفقيه: ج 3/446-447 ح 4548.

والظاهر هو الأوّل، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ إنشاء البيع أو التزويج ليس تصرّفاً عرفاً كي يكون حراماً، ولذا لا كلام في أنّه لو انشأ العبد البيع لغير نفسه لما توقّف على إجازة سيّده.

الوجه الثاني: إنّ عصيان السيّد حرام شرعاً، فمعصيته تكون معصية اللّه تعالى، فكيف يتصوّر أنْ يكون فعلٌ معصية للسيّد ولا يكون معصيةً للّه، فلا محالة يكون المراد منه العصيان الوضعي، أعني عدم النفوذ.

فالمتحصّل حينئذٍ: أنّه لا توقّف في نفوذ النكاح من قِبل اللّه تعالى‌، وليس نكاحاً غير مشروع في نفسه، بل التوقّف في نفوذه إنّما هو من قِبل السيّد لاعتبار رضاه فيه، فيدور عدم الصحّة مدار عدم رضا السيّد حدوثاً وبقاءً‌، فإذا أجاز جاز.

لا يقال: إنّ العصيان الوضعي للسيّد مستلزمٌ لعصيان اللّه تعالى أيضاً، لأنّ عدم إمضاء السيّد موجبٌ لعدم إمضاء اللّه تعالى‌.

فإنّه يقال: إنّ عصيان السيّد ومخالفته حرامٌ شرعاً، والمحرّم الشرعي ليس على قسمين.

وبعبارة أُخرى‌: بالإجازة والرضا اللّاحق لا ينقلب ما وقع معصية عمّا وقع عليه، وهذا بخلاف عدم الإمضاء، فإنّ عدم إمضاء الشارع الأقدس لما لم يمضه السيّد، عدم إمضاء ما دامي، أي ما دام لم يجز السيّد، فتدبّر فإنّه دقيق.

ويؤيّد ما ذكرناه من كون المراد من العصيان فيهما العصيان الوضعي، تمثيله عليه السلام لعصيان اللّه تعالى في الصحيح الثاني بالنكاح في العِدّة وأشباهه.

فتحصّل: أنّه لا دليل على دلالة النهي التحريمي على الفساد. وكذلك ممّا

ذكرناه ظهر أنّه لا يدلّ النهي عن المسبّب على الصحّة أيضاً، لأنّه قد استدلّ لذلك بوجهين:

الأوّل: أنّه يعتبر في متعلّق النهي القدرة، ولا يكاد يقدر على المسبّب إلّافيما كانت المعاملة مؤثّرة صحيحة.

الثاني: النصوص المتقدّمة، بتقريب أنّها صريحة في أنّ عصيان السيّد لا يستلزم بطلان النكاح، وبما أنّ عصيان السيّد يستلزم عصيانه تعالى، يستفاد منها أن عصيانه تعالى لا يستلزم الفساد، وأمّا عصيانه تعالى المستلزم للفساد بمقتضى مفهوم قوله عليه السلام: (لم يعص اللّه) فلابدّ أن يراد به العصيان الوضعي.

أقول: وكلاهما فاسدان:

أمّا الأوّل: فلأنّه يتمّ لو كان متعلّق النهي الاعتبار القائم بالشارع، وقد عرفت عدم معقولية ذلك، وإنّما المتعلّق له الاعتبار القائم بالمتبايعين، وهو مقدور وإنْ لم يكن صحيحاً.

وأمّا الثاني: فلتوقّفه على أن يكون المراد من العصيان في كلّ من الموردين معنى يغاير ما يراد منه في الآخر، وقد عرفت فساد ذلك أيضاً.

فتحصّل: أنّ النهي التحريمي عن المعاملة لا يستلزم فسادها ولا صحّتها، ولابدّ من الحكم بأحدهما من التماس دليل آخر.

وأمّا القسم الرابع: وهو النهي التشريعي.

فملخّص القول فيه: إنّه إن تعلّق نهي بمعاملة خاصّة، فهو لا محالة يكون دالّاً على فسادها وعدم مشروعيّتها، وأمّا المعاملة التي لا يعلم مشروعيّتها ولا دليل

وهي أصناف:

عليها إذا أتى بها بما أنّها مشروعة فمقتضى عموم النهي عن التشريع حرمتها، ومقتضى أصالة عدم الانتقال هو البناء على الفساد ما لم ينكشف كونها ممضاة، وإنّما الكلام فيما لو انكشف كونها مشروعة.

ثمّ إنّه على المختار من عدم دلالة النهي النفسي المتعلّق بالمعاملة على الفساد، صحّت هذه المعاملة.

وأمّا على ما اختاره المحقّق النائيني رحمه الله تبعاً للمشهور من دلالته على الفساد(1)، فلابدّ له من الالتزام بالفساد، بناءً على أنّ المحرّم في التشريع هو ذات العمل الخارجي المتّصف بعنوان التشريع، وهو الاعتبار النفساني في المقام، إذاً لا فرق بين تعلّق نهي خاص بمعاملة خاصّة، وبين انطباق عنوان عام محرّم عليها، فإنّ المبغوضيّة إن استلزمت الفساد فهو في الموردين، وإلّا فكذلك.

وبالجملة: ظهر بذلك أنّ اختيار المحقّق النائيني رحمه الله الصحّة في الفرض، وعدم دلالة النهي التشريعي على الفاسد لا ينطبق على مسلكه، فليكن ما أطلنا الكلام فيه وحقّقناه في المقام على ذُكرٍ منك، لأنّه ينفع في كثيرٍ من الفروع الآتية.

المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه

(و) كيف كان، ف‍ (هي) أي التجارة المحرّمة والاكتساب المحرّم (أصناف)، يذكر كلّ منهما في طيّ مسائل:


1) كتاب المكاسب والبيع: ج 1/488.

الأوّل: يحرم التكسّب ببيع الأعيان النجسة

الصنف (الأوّل: يحرم التكسّب ببيع الأعيان النجسة) وتفصيل ذلك في طيّ مسائل:

المسألة الأُولي‌: قال الشيخ الأعظم(1): (يحرم المعاوضة علي بول غير مأكول اللّحم، بلا خلافٍ ظاهرٍ، لحرمته ونجاسته وعدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة) انتهى‌.

أقول: الظاهر أنّه قدس سره خلط في المقام بين الحرمة التكليفيّة والوضعيّة، كما صنع ذلك في المباحث الآتية، فلابدّ لنا من التعرّض لكلا الحكمين، وما يكون مدركاً لكلّ منهما، والكلام أوّلاً في الدليل على الحرمة التكليفيّة، ثم فيما استدلّ به على الحرمة الوضعيّة.

أمّا المقام الأوّل: فقد استدلّ لها بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه نجس ويحرم بيع النجس، كما دلّ على ذلك قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرامٌ محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه فجميع تقلّبه في ذلك حرام»(2).

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّه ضعيف السند، غير مجبورٍ بعمل الأصحاب.

وثانياً: إنّ الخبر مختصّ - بمقتضى التعليل المذكور فيه - بما إذا لم يكن للنجس منفعة محلّلة، وستعرف أنّ للبول منفعة محلّلة، فلا يشمله الخبر.3.


1) المكاسب: ج 1/17.

2) وسائل الشيعة: ج 17/82-86 باب 2 من أبواب ما يكتسب به حديث 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

ودعوى: أنّه لا يجوز الانتفاع بالنجس بجميع منافعه، ستعرف ما فيها عند تعرّض الشيخ للمسألة.

الوجه الثاني: أنّه حرام ولا يجوز بيع الحرام، لقوله صلى الله عليه و آله في النبويّ المشهور:

«إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه»(1).

وفيه: أنّه إنْ أُريد بذلك حرمة بعض منافعه كالأكل والشرب، فالحرمة لا تستلزم عدم جواز البيع لعدم الدليل عليه، والنبويّ مختصّ بما حُرّم جميع منافعه، ولو فرض وجود دليل عليه لابدّ من رفع اليد عنه، وإلّا لزم تخصيص أكثر أفراده المستهجن.

وإنْ أُريد به حرمة جميع منافعه، فهي وان استلزمت عدم جواز البيع وضعاً كما سيمرّ عليك، إلّاأنّه لا دليل على كونها موجبة للحرمة التكليفيّة.

والنبويّ مضافاً إلى ضعف سنده، دالٌّ على عدم الجواز الوضعي، لتعلّق الحرمة بالتصرف في الثمن، وقد مرَّ أن مثل ذلك دليلٌ على الفساد الوضعي، مضافاً إلى أنّه ستعرف أنّه لا دليل على حرمة جميع منافع أبوال ما لا يؤكل لحمه.

الوجه الثالث: عدم جواز الانتفاع به، فلا يجوز بيعه.

وفيه: ما تقدّم من جواز بعض الانتفاعات به أوّلاً، وأنّ ذلك يستلزم فساد البيع كما سيمرّ عليك لا الحرمة التكليفيّة ثانياً.

الوجه الرابع: الإجماع المحكيّ عن غير واحدٍ من الأعاظم(2).7.


1) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل: ج 1/293، والبحار: ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وابن زُهرة في غنية النزوع ص 213 وغيرها.

2) جواهر الكلام: ج 22/17، المكاسب: ج 1/17.

وفيه: أنّه من المحتمل لو لم يكن هو الظاهر، استناد المجمعين إلى ما تقدّم من الوجوه، فالإجماع على فرض ثبوته لا يكون تعبّديّاً، فلا يصلح الاعتماد عليه.

وأمّا المقام الثاني: فقد استدلّ على الحرمة الوضعيّة بوجوه:

الوجه الأوّل: بنجاسته، وقد عرفت ما فيه.

الوجه الثاني: بحرمته، وقد مرَّ ما يمكن أن يورد عليه.

الوجه الثالث: بعدم جواز الانتفاع به، فإنّ حرمه الانتفاع به تستلزم نفي ماليّته التي لابدّ منها في تحقّق البيع، لكن سيجيء أنّ بول ما لا يؤكل لحمه ينتفع به ببعض المنافع.

أقول: وأمّا الإيرادات التي أوردها الاُستاذ الأعظم، فسيجيء الكلام فيها في النوع الثالث ممّا يحرم التكسّب به(1).

الوجه الرابع: بحرمة بيعه تكليفاً، فإنّ حرمة المعاملة تستلزم فسادها.

وفيه: مضافاً إلى ما تقدّم من منع الحرمة التكليفيّة، أنّه قد عرفت أنّ حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها.

فتحصّل: أنّ الأقوى جواز بيع بول ما لا يؤكل لحمه وضعاً وتكليفاً. ومنه يظهر جواز بيع بول ما يؤكل لحمه، من دون فرقٍ بين أقسامه.

وينبغي التنبيه على أُمور:

الأمر الأوّل: أفاد الشيخ الأعظم رحمه الله(2): يستثنى بول الإبل الجلّالة من بول ما لا يؤكل لحمه الذي لا ينتفع به، فإنّ له منفعة محلّلة معتدّة بها، فعلى القول بالمنع لعدم7.


1) يأتي لاحقاً من هذا الجزء بعنوان (التكسّب بالخمر وكلّ مسكر).

2) المكاسب: ج 1/17.

الانتفاع يجوز بيعه بالخصوص.

الأمر الثاني: أنّ المشهور(1)بين الأصحاب جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه، وادّعى السيّد المرتضى الإجماع عليه(2)

(3و4) المكاسب: ج 1/18 و 26.

، ومبتنياً على ذلك أفاد الشيخ الأعظم(3)أنّه يجوز بيعها.

ولكن يرد عليه: أنّ مجرّد جواز الشرب بعد تنفّر الطباع عن شربها لا يوجب فرقاً بينها وبين أبوال ما لا يؤكل لحمه، لأنّه حينئذٍ لا يعدّ من المنافع الظاهرة.

والعجيب أنّه قدس سره يعترف فيما يأتي(4) بأنّ الأكل لا يعدّ من منافع الروث، فلا فرق بين بول ما يؤكل لحمه، وبول ما لا يؤكل لحمه، وعرفت أنّ الأظهر جواز بيعهما.

نعم، لو فرضنا عدم وجود منفعة معتدّ بها لشيء منهما، لا يجوز بيعه وضعاً، بناءً على ما سيجيء في النوع الثالث ممّا يحرم التكسّب به من أنّ ما لا نفع له لا يجوز بيعه. فانتظر.


حرمة شرب أبوال ما يؤكل لحمه

أقول: ولا بأس - تبعاً للشيخ الأعظم - من التعرّض لحكم فرعٍ في المقام، وإنْ كان غير مربوط بما وضع الكتاب له، وهو أنّه:

هل يجوز شرب أبوال ما يؤكل لحمه اختياراً كما عن جماعة(3)، بل عن السيّد


1) كما في الانتصار: ص 424، والسرائر: ج 3/125، وقواعد الأحكام: ج 3/330.

2) الانتصار: ص 424.

3) الانتصار: ص 424، السرائر: ج 3/125، قواعد الأحكام: ج 3/330.

المرتضى دعوى الإجماع عليه(1)، أم لا يجوز؟

أم يفصّل بين بول الإبل وغيره، فيجوز في الأوّل خاصّة أم لا؟

وقد استدلّ للأوّل:

1 - بالأصل.

2 - وبما عن «قُرب الإسناد» عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام: «أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: لا بأس ببول ما أكل لحمه»(2).

ولكن يرد على الأوّل: أنّه إنّما يرجع إليه بعد فقد الدليل.

ويرد على الثاني: - مضافاً إلى ضعف سنده لأنّ في طريقه وهب بن وهب الذي قال النجاشي في حقّه أنّه (كان كذّاباً)(3)- أنّه لا ظهور له في جواز الأكل، بل الظاهر ولا أقلّ من المحتمل أنّ المراد منه طهارته وعدم نجاسته.

مع أنّه لو سُلّم دلالته على ذلك، يتعيّن تقيّيده بما دلّ على الجواز في حال الضرورة.

واستدلّ للثاني:

1 - بقوله تعالى‌: (وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ‌) (4)، بدعوى أنّ البول مطلقاً يعدّ7.


1) الانتصار: ص 424.

2) وسائل الشيعة: ج 25/114 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة حديث 2 رقم 31363، قرب الإسناد: ص 156 ح 573.

3) رجال النجاشي: ص 430: وهب بن وهب بن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى أبوالبختري. روى عن أبي عبد اللّه عليه السلام، وكان كذّاباً، وله أحاديث مع الرشيد في الكذب. قال سعد: تزوّج أبو عبداللّه عليه السلام بأُمّه. له كتاب يرويه جماعة. أخبرنا العبّاس بن عمر الكلوذاني قال: حدّثنا علي بن الحسين بن بابويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري. قال: حدّثنا السندي بن محمّد عن أبي البختري. وله كتاب الألوية والرايات، وكتاب مولد أمير المؤمنين عليه السلام، وكتاب صفات النبيّ صلى الله عليه و آله.

4) سورة الأعراف: الآية 157.

من الخبائث.

2 - وبخبر سماعة، عن مولاناالصادق عليه السلام: «عن شُرب الرجل أبوال الإبل والبقر والغنم، ينعت له من الوجع، هل يجوز له أن يشرب‌؟ قال عليه السلام: نعم لا بأس به»(1).

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّه لم يثبت كون المراد من الخبيث هو ما تتنفّر عنه الطبائع، بل الثابت خلافه، فإنّ كثيراً من الأشياء التي تتنفّر عنها الطبائع يجوز شربها، وإنْ لم يكن للتداوي.

وقد أطلق كلمة (الخبيث) على العمل القبيح الذي لا تتنفّر عنه الطبائع في الآية الشريفة، بل الظاهر أنّ المراد بالخبيث هو ما فيه مفسدة ورداءة، ولم يثبت كون الأبوال منه بهذا المعنى‌.

وأمّا الثاني: فلأنّ التقييد إنّما هو في كلام السائل، مع أنّه لو كان في كلام الإمام عليه السلام لما كان يدلّ عليه إلّابناءً على حجيّة مفهوم القيد.

وبالجملة: فالصحيح أن يستدلّ له بمفهوم موثّق عمّار المرويّ عنه عليه السلام:

«أنّه سُئل عن بول البقر يشربه الرجل‌؟ قال عليه السلام: إنْ كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه، وكذلك أبوال الإبل والغنم»(2).

وأيضاً: استدلّ للأخير - أي الجواز في خصوص بول الإبل - بخبر الجعفري، قال: «سمعتُ أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: أبوال الإبل خير من ألبانها، ويجعل اللّه الشفاء في ألبانها»(3).1.


1) وسائل الشيعة: ج 25/115 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة حديث 7 رقم 31368.

2) وسائل الشيعة: ج 25/113 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة ح 1 رقم 31362، التهذيب: ج 1/284-285 ح 119.

3) وسائل الشيعة: ج 25/114 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة ح 3 رقم 31364، الكافي: ج 6/338 ح 1.

وفيه أوّلاً: أنّه ضعيف السند ببكر بن صالح(1).

وثانياً: أنّه يدلّ على ثبوت الخير في بولها، وهو أعمّ من الجواز التكليفي، إذ يمكن أن يكون ذلك من جهة كونه دواءاً لكثيرٍ من الأمراض.

أقول: وأمّا ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله(2)في الجواب عنه من أنّه إنّما سيق لبيان الضرر الموجود في ألبانها، فغير تامّ‌، لأنّه ينافي ما ورد في ذيل الخبر من قوله عليه السلام: «ويجعل اللّه الدواء في ألبانها»، وما في سائر النصوص من أنّها «دواء من كلّ داء وعاهة»(3).

***2.


1) رجال النجاشي: ص 109، وفيه: بكر بن صالح الرازي مولى بني ضبة، روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام، ضعيف. له كتاب نوادر يرويه عدّة من أصحابنا، أخبرناه محمّد بن علي قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى قال: حدّثنا محمّد بن خالد البرقي عن بكر به، وهذا الكتاب يختلف باختلاف الرّواة عنه.

2) تعرّض لذلك المحقّق المامقاني في غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب: ج 1/14، بقوله: (كذلك يحتمل أن يكون قد صدر في مقام ذمّ ألبانها...)، إلّاأنّه عاد وناقش هذا الاحتمال واستبعده بقوله: (لأنّه إذا كان في ألبانها الشفاء، وكان أبوالها خيراً منها لم يسر احتمال ذمّ الألبان، وتعيّن أن يكون المراد مدح الأبوال بإباحتها ووجود الشفاء... الخ).

3) وسائل الشيعة: ج 25/114 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة ح 4 رقم 31365، الكافي: ج 6/338 ح 2.

الاكتساب بالأبوال

الأمر الثالث: أنّه على القول بحرمة شرب أبوال ما يؤكل لحمه، قد يقال بعدم جواز بيعها، لعدم وجود المنفعة المحلّلة المقصودة فيها، والمنفعة النادرة لو جوّزت المعاوضة، لزم منه جواز معاوضة كلّ شيء.

وأورد عليه: بأنّه يتداوى بها لبعض الأوجاع، وهذه فائدة مترتّبة عليها، فهي نظير الأدوية والعقاقير.

وفي «مكاسب» الشيخ الأعظم رحمه الله(1): (التداوي بها لبعض الأوجاع، لا يوجب قياسها على الأدوية والعقاقير)، لأنّه يوجب قياس كلّ شيء عليها للانتفاع به في بعض الأوقات.

وأورد عليه(2): بأنّ هذا في بادي النظر جوابٌ نقضي، ولذا قال بعضهم: إنّ هذا جوابٌ لا يليق أن يذكر، إذ على الفقيه أن يدفع قياس كلّ شيء عليها.

وقال الأُستاذ الأعظم(3): (إنّ التداوي بها لبعض الأوجاع يجعلها مصداقاً لعنوان الأدوية، وانطباق الكلّي على أفراده غير مربوط بالقياس).

ولكن يمكن أن يقال: إنّ مراده قدس سره بذلك أنّ أبوال ما يؤكل لحمه بعد فرض انحصار فائدتها بالتداوي لبعض الأوجاع، على ما هو مفروض الكلام بها، أنّها مبتذلة، ولا ينحصر التداوي بها غالباً، بل قلَّما يتّفق الاحتياج إليها، الموجب ذلك


1) المكاسب: ج 1/18.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/3 (.. يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللّحم).

3) مصباح الفقاهة: ج 1/75.

لعدم تعلّق الغرض بحفظها، ولذلك لا يعدّه العرف من الأموال، ولا يعدّون ذلك من منافعها، ولا يعتنون بمثل هذه الفائدة في بذل المال بإزائها، وهذا بخلاف الأدوية والعقاقير، حيث يهتمّ بها الإنسان كثيراً وتجلب من أقاصي البلاد، ويعدّ بيعها وشرائها من التجارات المهمّة، والشاهد عليذلك أنّهم عند الاحتياج إليها يعدّونها من الأموال ويعاملون عليها.

وبالجملة: بعد كون مناط الماليّة هو ملاحظة رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها علي حسب الحالات والأزمنة، يصبح الفرق بين الأبوال والأدوية والعقاقير واضحاً.

أقول: وقد يستدلّ لعدم جواز بيعها بأنّ النبويّ المتقدّم أنّه «إذا حرّم اللّه شيئاً حرّم ثمنه»(1)يدلّ على عدم جواز بيع ما حَرُم اختياراً، وإلّا فلا حرام إلّاوهو محلّل عند الضرورة، والمفروض حرمة شرب الأبوال اختياراً.

والجواب: قد عرفت ضعف سند النبويّ‌، وعدم صلاحيّته للاعتماد عليه، فلابدّ من الرجوع إلى القواعد، وهي تقتضي فساد بيع مالا يكون له منفعة محلّلة، وصحّة بيع ماله منفعة كذلك، كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في النوع الثالث ممّا يكتسب به، وعليه فيجوز بيع كلّ ما له منفعة جائزة حين جوازها، ولو كان ذلك عند الاضطرار، إذ أهل العرف يرونه في حال الاضطرار مالاً لرغبتهم إليه بلحاظ الحاجة، ويبذلون المال بإزائه وفي سبيل تحصيله.

فرع: ما ينتفع به في حال الاضطرار، ولا ينتفع به في حال الاختيار، هل يجوز بيعه في حال الاختيار مطلقاً، أم لا يجوز كذلك، أم يفصّل بين الموارد؟ وجوهٌ‌:ا.


1) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع: مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل: ج 1/293، والبحار: ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وابن زُهرة في غنية النزوع ص 213 وغيرها.

أقواها الأخير، إذ لو كان للشيء منافع محرّمة في حال الاختيار، أو لم تكن له منفعة أصلاً، بل انحصرت منفعته المحلّلة بحال الاضطرار، وكان الاحتياج إليه قليلاً، وكان ذلك الشيء متوفّراً بحيث لا يعدّ ذلك في حال الاختيار مالاً عرفاً، لا سيّما إذا احتاج حفظه إلى مؤونة، وأمّا إذا كانت منفعته المحلّلة في حال الاضطرار شائعة، بأن كثرت الحاجة إلى التداوي به، أو كانت نادرة، ولكن عزَّ وجوده، وقلَّ حصوله كلحم الأفاعي، فيصحّ بيعه، لأنّ أهل العرف يعدّون ذلك الشيء مالاً ويبذلون المال في سبيل حصوله قبل حلول زمان الاضطرار للتداوي به عند الابتلاء به أو بيعه من المريض.

أقول: وقد ينتقض أيضاً بالأدوية المحرّمة.

محصّل النقص: أنّه كما يحرم استعمال الأدوية في حال الصحّة لإضرارها بالجسم، وبرغم ذلك يجوز بيعها لاستعمالها حين المرض، كذلك الأبوال بناءً على حرمة شربها فى حال الصحّة والاختيار، فإنّه يجوز بيعها لجواز استعمالها حال المرض.

وأجاب عن ذلك الشيخ الأعظم رحمه الله بقوله(1): (إنّ حليّة هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة، بل لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع).

وفيه: أنّ عنوان الإضرار من العناوين الثابتة والمترتّبة على استعمال كلّ شيء من المشروبات والمأكولات زائداً عن حَدّه وفي غير محلّه، حتّى الخبز إذا أكله الإنسان في حال الشَّبع، وانطباقه على الأدوية أيضاً يكون كذلك، فهذا لا يصلح جعله مناطاً للحرمة، وعلّة لعدم جواز البيع، إذ عليه لا يجوز بيع شيء من المشروبات والمأكولات.0.


1) المكاسب: ج 1/19-20.

ومع الإغماض عن ذلك، فإنّ ما ذكره من الفرق غير فارق، إذ على فرض صحّة سند النبويّ ودلالته على أنّ ما حَرُم في حال الاختيار لا يجوز بيعه، لا وجه للفرق بين كون الحرمة ثابتة له بعنوانه الأوّلي أو بعنوان الإضرار.


بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه

الأمر الرابع: أفاد الشيخ الأعظم رحمه الله(1)بأنّه يظهر ممّا تقدّم حرمة بيع لحوم السباع دون شحومها، لأنّ الأوّل من قبيل الأبوال، والثاني من قبيل الطين في عدم حرمة جميع منافعها المقصودة منها.

وقد يتوهّم أنّه ينافي مع النبويّ‌: «لعن اللّه اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها»(2).

وجه التنافي: هو توهم دلالته على أنّ استحقاق اليهود اللّعن إنّما كان من جهة بيعهم ما حَرُم أكله، ولولا الملازمة بين حرمة البيع وحرمة الأكل لما كان وجه لذلك.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(3): بأنّ الظاهر أنّ الشحوم كانت محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات، لا كحرمة شحوم غير المأكول علينا.

وأورد عليه الاُستاذ الأعظم (4): بأنّه لا منشأ لهذا الظهور، لا من الرواية ولا من غيرها.

ويرد عليه: أنّ منشأ استظهاره رحمه الله إسناد الحرمة إلى الشحوم أنفسها لا إلى أكلها، إذ الظاهر من إسناد الحرمة إلى شيء بقول مطلق، حرمة جميع منافعه.

فالصحيح أن يورد عليه: بأنّ استظهار ذلك مع عدم كون الكلام مسوقاً لبيان حرمة الشحوم في غير محلّه.


1) المكاسب: ج 1/20.

2) المستدرك ج 13/73 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 8 رقم 14787، دعائم الإسلام: ج 1/122.

3) المكاسب: ج 1/20.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/78.

أقول: ولكن يصحّ الجواب عن الاستدلال بأنّه يحتمل ذلك - أي كون الشحوم محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات - لعدم معلوميّة كيفيّة حرمة الشحوم عليهم، فلا يمكن رفع اليد عن الأدلّة الاُخرى بهذا الخبر.

وقد يقال: إنّ النصّ المذكور في باب الأطعمة من كتاب «الخلاف» هو: «إنّ اللّه إذا حَرّم أكلّ شيء حرّم ثمنه»(1)، فما احتملناه في النبويّ واستظهره الشيخ الأعظم يكون مندفعاً كما هو واضح.

وأُجيب عنه: بأنّ الخبر ضعيف السند والدلالة للزوم تخصيص الأكثر.

أقول: ثمّ إنّ حمل الخبر على إرادة حرمة الأكلّ من المأكولات، أعني ما يقصد للأكل دون ما حَرُم أكله مطلقاً، فلا يلزم منه تخصيص الأكثر كما عن المحقّق الإيرواني رحمه الله(2)، حملٌ تبرّعي لا يصار إليه مع عدم القرينة.

الأمر الخامس: قال المصنّف رحمه الله في محكي «النهاية»: (وكذلك البول - يعني يحرم بيعه - وإنْ كان طاهراً، للاستخباث كأبوال البقر والإبل وإن انتفع به في شربه للدواء، لأنّه منفعة جزئيّة نادرة فلا يعتدّ بها)(3). انتهى‌.

أقول: وليس ظاهره عدم جواز البيع على تقدير حرمة شربه اختياراً خاصّة كما قيل، بل يحتمل أن يكون مراده عدم الجواز حتّى مع جواز شربه، لما ذكرناه من أنّ جواز الشرب ليس مناط الماليّة، فما أفاده متينٌ كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه سابقاً ضابطاً لجواز البيع، فراجع(4).

***د.


1) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند أحمد: ج 1/293، والبحار: ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وابن زُهرة في غنية النزوع ص 213 وغيرها.

2) حاشية المكاسب للمحقّق الإيرواني: ص 4.

3) نهاية الإحكام: ج 2/463.

4) صفحة 46 ومابعدها من هذا المجلّد.

حكم بيع العذرة

المسألة الثانية: يحرم بيع العذرة من كلّ حيوانٍ‌، كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة(1)، بل عن صريح غير واحدٍ كالعلّامة(2)وصاحب «الجواهر»(3)وغيرهما(4)، وظاهر آخرين دعوى الإجماع عليه(5).

أقول: أمّا النصوص الواردة في المقام فهي على طائفتين:

الطائفة الأُولى‌: ما تدلّ على عدم جواز البيع، وكون ثمن العذرة من السحت، كخبر يعقوب بن شعيب، عن الإمام الصادق عليه السلام: «ثمن العذرة من السحت»(6).

الطائفة الثانية: ما تدلّ على الجواز كحسن محمّد بن مضارب، عنه عليه السلام، قال:

«لا بأس ببيع العذرة»(7).

وأمّا موثّق سماعة، قال: «سأل رجلٌ أبا عبد اللّه عليه السلام وأنا حاضر، فقال: إنّي رجلٌ أبيع العذرة فما تقول‌؟

قال عليه السلام: حرامٌ بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة»(8).


1) المقنعة: ص 587، النهاية: ص 364، السرائر: ج 2/219.

2) نهاية الإحكام: ج 2/463.

3) جواهر الكلام: ج 22/17.

4) مستند الشيعة: ج 14/82.

5) كما ادّعاه العلّامة في نهاية الأحكام: ج 2/463، وغيره.

6) وسائل الشيعة: ج 17/175 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22284، التهذيب: ج 6/372 ح 201.

7) وسائل الشيعة: ج 17/175 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22285، التهذيب: ج 6/372 ح 200.

8) وسائل الشيعة: ج 17/175 باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22285، التهذيب: ج 372/6-373 ح 202.

فالظاهر أنّه خبران، جَمَع الراوي بينهما، وذلك لوجهين:

الأوّل: تكرار كلمة قال، ولو كان خبراً واحداً صادراً عن المعصوم في مجلس واحد لما كرّرها.

الثاني: أنّه لو كانا خبراً واحداً لكان للمعصوم عليه السلام ذكر المضمر موضع المظهر، وكان يقول: (لا بأس ببيعها)، فما ذكره بعضٌ من أنّ روايات الباب على طوائف في غير محلّه، بل هي طائفتان إحداها مانعة، والاُخرى مجوّزة.

أقول: وقد ذكر الأساطين في مقام الجمع بين الطائفتين وجوها:

الوجه الأوّل: ما نقله الشيخ الأعظم رحمه الله(1)عن شيخ الطائفة(2)من حمل خبر المنع على عذرة الإنسان، وخبر الجواز على عذرة البهائم.

وفيه أوّلاً: أنّ حمل الظاهر على النص إنّما يعدّ جمعاً عرفيّاً فيما إذا كانت النصوصيّة باقتضاء نفس الدليل، كما في (افعل، ولا بأس بتركه)، حيث أنّ الثاني نص بنفسه في عدم الوجوب، لا فيما إذا كانت من جهة تيقّن اندراج فرد أو أفراد في الدليل من جهة مناسبة الحكم والموضوع أو غيرها، إذ أهل العرف لا يرون مثل هذا النص قرينة على التصرّف في الظاهر؟.

وإنْ شئت قلت: إنّ النص الذي يكون قرينةً هو النص في تمام المدلول لا في بعضه كما في المقام، ولذلك فإنّ جعل أحد الدليلين في أمثال المقام قرينةً على التصرّف في ظاهر الآخر:

إمّا أن يكون باعتبار معناه الظاهر.2.


1) المكاسب: ج 1/23.

2) تهذيب الأحكام: ج 6/372.

أو باعتبار بعض مدلوله الذي هو نص فيه.

لا سبيل إلى توهم الأوّل، فإنّ ظاهر كلّ منهما ينافي صدور الآخر، ويستدعي عدم صدوره لا حمله على بعض مدلوله.

وأمّا بالاعتبار الثاني:

فإنْ ادّعى كونه قرينةً بذلك الاعتبار قبل تخصيصه به، فهو كما ترى‌.

وإنْ ادّعى كونه قرينةً بعده، فهو دور واضح، مثلاً جعل (ثمن العذرة سحت) قرينةً لحمل (لا بأس ببيع العذرة) على عذرة غير الإنسان لا يصحّ قبل تخصيصه بعذرة الإنسان كما هو واضح، ولا بعده، فإنّ تخصيصه بها لا وجه له سوى (لا بأس ببيع العذرة) الذي لا يكون قرينةً على ذلك إلّابعد تخصيصه بعذرة غير الإنسان، المتوقّف على قرينيّة (ثمن العذرة سحتٌ‌)، فتدبّر فإنّه دقيق.

وثانياً: لا نُسلّم نصوصيّة (لا بأس ببيع العذرة)، في عذرة غير الإنسان، كما لا نُسلّم نصوصيّة (ثمن العذرة سحت) في عذرة الإنسان، إذ جواز البيع وعدمه لا يكونان تابعين للطهارة والنجاسة، بل إنّما يكونان تابعين لوجود المنفعة المحلّلة وعدمها، ولا أقلّ من احتمال ذلك، وعليه فبما أنّ منفعة عذرة الإنسان تكون أزيد للانتفاع بها في التسميد ونحوه، ولا أقلّ من التساوي، لا تصحّ دعوى النصوصيّة المذكورة كما لا يخفى‌.

وثالثاً: أنّه لو صحّ الحمل المذكور كان مقتضاه جواز بيع عذرة مأكول اللّحم، وعدم جواز بيع عذرة غير مأكول اللّحم، لا خصوص الإنسان والبهائم.

ورابعاً: الظاهر أنّ العذرة لا تُطلق على خُرء البهائم، بل هي حقيقةً إسمٌ لخصوص عذرة الإنسان.

ولقد خرجنا في المقام عمّا يقتضيه الأدب، واللّه تعالى مُقيل العثرات.

أقول: قد قرّب الشيخ الأعظم رحمه الله(1)هذا الجمع بخبر سماعة المتقدّم، باعتبار أنّ الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد، يدلّ على أنّ تعارض المتنافيين ليس إلّامن حيث الدلالة، فلا يرجع فيه إلى المرجّحات السنديّة أو الخارجيّة.

وفيه أوّلاً: أنّه لو تمّ ذلك فإنّما هو لو ثبت صدورهما من المعصوم عليه السلام في مجلس واحد، لا فيما إذا صدرا عنه عليه السلام في مجلسين والراوي جَمَع بينهما، وقد عرفت أنّ الأظهر هو الثاني.

وثانياً: لا يتمّ ذلك وإنْ صدرا منه عليه السلام في مجلسٍ واحد، إذ لو لم تكن إحدى الجملتين قرينة على التصرّف في الأُخرى‌، لا مناص عن الحكم بالإجمال وسقوطهما عن الاعتبار.

ودعوى: أنّ دليل التعبّد بالخبر الذي فيه الجملتان، يقتضي معاملة الصادر معهما المستلزمة للعمل بأوّلهما.

مندفعة: بأنّ غاية ما يدلّ عليه دليل التعبّد صدورهما، وأمّا حمل كلّ من الجملتين على معنى لا تكون ظاهرة فيه، أو الحكم بالإجمال فهو أجنبيٌ عنه.

ولزوم اللّغويّة من التعبّد بخبرٍ محكوم بالإجمال، لا يوجب العمل بأولهما بعد كون دليل التعبّد هي الأدلّة العامّة، بل يستلزم عدم شموله له لعدم الأثر.

وثالثاً: أنّ الجمع بينهما في رواية واحدة لو سُلّم كونه مقتضياً للعمل بمأوّلهما، فإنّما يقتضي وجود الجمع بينهما، لا تعيين خصوص ما ذكره الشيخ رحمه الله بعد كونه في نفسه جمعاً تبرّعيّاً كسائر طرق الجمع.4.


1) المكاسب: ج 1/24.

الوجه الثاني: ما عن كفاية السبزواري قدس سره، من حمل خبر المنع على الكراهة(1).

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله بقوله(2): (ولا يخفى ما فيه من البُعد).

وذكر بعضهم في وجه استبعاد الشيخ: (إنّ خبر يعقوب صريحٌ في المنع(3)، إذ السّحت لا يستعمل في الكراهة، بل هو في اللّغة على ما صرّح به أئمّة الفنّ عبارة عن الحرام)(4).

وفيه: أنّه قد أطلق السُّحت في جملةٍ من النصوص على ثمن ما يجوز بيعه، ولكنّه مكروه:

منها: ثمن جلود السّباع، كخبر الجعفريّات، عن علي عليه السلام حيث عدَّ من السَّحت ثمن جلود السباع(5)ونحوه غيره.

ومنها: كسب الحجّام، كموثّق سماعة، عن الإمام الصادق عليه السلام: «السُّحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام»(6)ونحوه غيره.

ومنها: قبول الهديّة مع قضاء الحاجة، كخبر «العيون» عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام: «في قوله تعالى (أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ‌) (7): هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثمّ يقبل هديّته»(8).6.


1) كفاية الأحكام: ص 84.

2) المكاسب: ج 1/24.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/85.

4) مجمع البحرين: ج 2/344.

5) المستدرك: ج 13/12 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 14950، دعائم الإسلام: ج 1/126.

6) وسائل الشيعة: ج 17/92 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22058، التهذيب: ج 6/355 ح 134.

7) سورة المائدة: الآية 42.

8) وسائل الشيعة: ج 17 ص 95 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 11 رقم 22067، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 1/31 ح 16.

إلى غير ذلك من الموارد التي يجوز فيها البيع على ما ثبت في مواردها، فليكن المقام من تلك الموارد.

وعليه، فالأولى أن يقال في وجه بُعد هذا الجمع - مضافاً إلى أنّ الالتزام بكراهة التصرّف في الثمن مع جواز بيع العذرة مخالفٌ للإجماع المركّب لا يمكن المصير إليه - أنّ موثّق سماعة صريحٌ في الحرمة لا يصحّ حمله على الكراهة.

الوجه الثالث: ما عن المجلسي رحمه الله من حمل خبر المنع على بلادٍ لا ينتفع بها، وحمل خبر الجواز على بلادٍ ينتفع بها(1).

وفيه: أنّه جمعٌ تبرّعي لا شاهد له، وكونها في بلاد لا ينتفع بها لا يوجب سلب ماليّتها بعد الانتفاع بها في بلاد آخر، فلا يصحّ جعله قرينةً لهذا الحمل.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّها لوفرتها وكثرتها لا تنقل من بلدٍ إلى آخر. فتدبّر.

مع أنّ الظاهر ورود الأخبار المانعة والمجوّزة سؤالاً وجواباً في صورة كون البيع سفهيّاً.

الوجه الرابع(2): حمل خبر المنع على عدم الجواز الوضعي، وخبر الجواز على الجواز التكليفي، فيكون بيع العذرة فاسداً غير محرّم.

وفيه: أنّ هذا الجمع إن صحّ فرضه بين خبري يعقوب وابن مضارب لا يصحّ دعواه في موثّق سماعة، إذ قوله عليه السلام: (حرامٌ بيعها) ظاهر في الحرمة التكليفيّة، وقوله: (حرامٌ ثمنها) ظاهر في الحرمة الوضعيّة على ما عرفت في ضابط دلالة النهي على الفساد.9.


1) حكاه العلّامة المجلسي في ملاذ الأخيار: ج 10/379، ذيل الحديث 202، عن والده العلّامة المجلسي الأوّل 0.

2) راجع مصباح الفقاهة: ج 1/89.

الوجه الخامس: ما عن العلّامة المامقاني من حمل خبر الجواز على الاستفهام الإنكاري(1)، وهو كما ترى‌.

فتحصّل: أنّ الطائفتين متعارضتان، لا يمكن الجمع بينهما.

قد يقال: إنّ خبر المنع وهو خبر يعقوب ضعيف السند للإرسال، ولجهالة علي ابن مسكين، فلا يكون معارضاً.

وفيه أوّلاً: إنّ العلّامة وإنْ أرسله في «المنتهى»(2)، إلّاأنّه مروي في كتب الأحاديث مسنداً، نعم ابن مسكين مجهولٌ‌(3)إلّاأنّه يمكن دعوى جبر ضعف السند بالشهرة.

ودعوى: أنّ ابتناء الشهرة على خبر المنع ممنوع، فإنّ تلك الشهرة غير مختصّة ببيع العذرة، بل هي جارية في مطلق النجاسات كما عن الاُستاذ الأعظم(4).

مدفوعة: بأنّ الشهرة في المقام ثابتة مع بنائهم على جواز الانتفاع بها في التسميد ونحوه، والشهرة الثابتة في مطلق النجاسات إنّما هي فيما لا ينتفع به منفعة محلّلة، فيستكشف من ذلك ثبوت الشهرة في خصوص بيع العَذَرة، ويؤيّده تصريحهم بذلك(5)، ودعوى جماعة منهم الإجماع على المنع عن بيع العذرة خاصّة(6).

وثانياً: أنّه قد مرَّ عدم اختصاص خبر المنع به، بل موثّق سماعة أيضاً دالّ‌2.


1) الوافي: 10، الباب 43 من المكاسب، ص 42.

2) منتهى المطلب (ط ق): ج 2/1008.

3) لكن في وسائل الشيعة: ج 17/175، كما ورد في نسخة: عليّ بن سكن بدل مسكين (هامش المخطوط)، وأيضاً في تهذيب الأحكام راجع: ج 6/372.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/93.

5) المقنعة: ص 587، النهاية: ص 364، السرائر: ج 2/219.

6) نهاية الأحكام: ج 2/463، جواهر الكلام: ج 22/17، مستند الشيعة: ج 14/82.

عليه وعلى الحرمة التكليفيّة.

وقد يقال: إنّه يحمل خبر المنع على التقيّة، واستبعده الشيخ رحمه الله(1)، وذكر في وجهه(2)أنّ المنع وإنْ كان مذهب أكثر العامّة، إلّاأنّه لا يفيد، مع كون فتوى معاصر الإمام الذي صدر عنه خبر الجواز وهو إمامنا الصادق عليه السلام هو الجواز، فإنّ أبا حنيفة أفتى بالجواز(3).

وفيه: أنّ أبا حنيفة من المفتين بالمنع في العَذَرة غير المختلطة بالتراب، وإنّما أفتى بجواز بيع المختلط وبيع السرجين وبيع البَعْر كما يظهر لمن راجع كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»(4).

أقول: ولكن يرد على هذا الحمل أنّ مخالفة العامّة إنّما هي من المرجّحات بعد فقد جملة من المرجّحات لا مطلقاً.

والتحقيق أن يقال: إنّه بناءً على أنّ المرجّح الأوّل إنّما هي الشهرة الفتوائيّة، وأنّه مع وجودها لا مجال للرجوع إلى المرجّحات الأُخر، ولا يعارضها غيرها، يتعيّن في المقام تقديم خبر المنع لكونه مشهوراً.ر.


1) المكاسب: ج 1/25.

2) راجع أيضاً مصباح الفقاهة: ج 3/92.

3) حكاه المامقاني في غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب: ج 1/16، ونقل كلامه متعجّباً من الفاضل آية السيّد الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 1/50.

4) الفقه على المذاهب الأربعة: ج 2/231. وفيه: عن المالكيّة لا يصحّ بيع زبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرّماً كالخيل والبغال والحمير أو مكروهاً كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهرّ، فإنّ فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصحّ بيعها. وعن الحنابلة لا يصحّ بيع النجس كالزبل النجس، وكذلك عند الشافعيّة، وفي ص 232 عن الحنفيّة لا ينعقد بيع العذرة فإذا باعها كان البيع باطلاً إلّاإذا خلطها بالتراب فإنّه يجوز بيعها إذا كانت لها ماليّة، ويصحّ بيع الزبل ويسمّى سرجين وكذا بيع البعر.

وأمّا بناءً على أنّ المرجّح هي الشهرة الروائيّة لا الفتوائيّة، فحيث أنّهما معاً مشهوران، وموثّقا سماعة لا مرجّح لأحدهما على الآخر من حيث صفات الراوي، فيتعيّن تقديم خبر الجواز لكونه مخالفاً للعامّة.

وقد يقال: كما في «مكاسب» الشيخ(1)إنّ رواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوهٍ لا تخفى‌.

والظاهر أنّ الوجوه المشار إليها إنّما هي: مخالفتها للمشهور، وللإجماعات المنقولة، ولفتوى أبي حنيفة، وللروايات العامّة المتقدّمة، وما عن المجلسي رحمه الله(2)من ضعف سند خبر الجواز.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّه يوجب تقديم خبر المنع.

وأمّا الثاني: فالإجماع المنقول غير التعبّدي لا يكون من المرجّحات، والتعبّدي حجّة مستقلّة.

وأمّا المخالفة لفتوى أبي حنيفة، فقد مرَّ ما فيها فراجع(3).

وأمّا ضعف سند خبر الجواز، فالظاهر أنّ منشأ تخيّله خلط ابن مضارب(4)بابن مصادف(5)

وعدّه البرقي من أصحاب الصادق عليه السلام، قائلاً: (أبو المضارب محمّد ابن مضارب: كوفي. روى عن مالك الجهني، وروى عنه محمّد بن الفضيل)، كامل الزيارات: الباب 77، في أنّ زائري الحسين عليه السلام، العارفين بحقّه تشيّعهم الملائكة، الحديث 10.

روى الشيخ بسنده، عن ابن مسكان، عن ابن مضارب، عن أبي عبد اللّه عليه السلام. التهذيب: الجزء 2، باب كيفيّة الصلاة وصفتها من الزيادات، الحديث 1252. كذا في الطبعة القديمة، والنسخة المخطوطة أيضاً على نسخة، وفي نسخة أُخرى منهما: محمّد بن مصادف، بدل محمّد بن مضارب، وهو الموافق للوافي، وما في هذه الطبعة موافق لما في الاستبصار: الجزء 1، باب الصلاة على كدس حنطة، الحديث 1529، والوسائل أيضاً. وروى عن أبي عبداللّه عليه السلام، وروى عنه أبان. التهذيب: الجزء 8، باب اللّعان، الحديث 692. وروى عنه ثعلبة. الكافي: الجزء 5، كتاب المعيشة 2، باب جامع فيما يحلّ الشراء والبيع منه 103، الحديث 3. ورواها الشيخ في التهذيب: الجزء 6، باب المكاسب، الحديث 1072، والاستبصار: الجزء 3، باب النهي عن بيع العذرة، الحديث 181.

، حيث أنّ الأوّل مجهول الحال، والثاني الذي هو الراوي حَسَنٌ‌،

1) المكاسب: ج 1/25.

2) راجع مرآة العقول: ج 19/265-266، ومصباح الفقاهة للخوئي: ج 1/46.

3) الصفحة السابقة.

4) محمد بن مضارب عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «لا بأس ببيع العذرة» (الكافي: ج 5/226، التهذيب: ج 6 /ص 372، الاستبصار: ج 3/56، وفي وسائل الشيعة: ج 17/175)، حسنة لابن مضارب إنْ قلنا بتوثيق رواة «كامل الزيارة» وإلّا فهو ضعيف إن قلنا بعدمه، كما بنى عليه السيِّد الخوئي قدس سره أخيراً.

5) معجم رجال الحديث: ج 81/275:(11826) - محمّد بن مضارب: عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام مرّتين، قائلاً تارةً‌: محمّد بن مضارب: كوفي (322). وأُخرى‌: محمّد بن مضارب، كوفي، يُكنّى أبا المضارب (683).

والخبر مرويّ في كتب الحديث عن الثاني.

وأمّا الروايات العامّة فقد تقدّم ما فيها، مضافاً إلى ما سيجيء من أنّها إنّما تدلّ على عدم جواز بيع النجس الذي لا ينتفع به منفعة محلّلة، ولا تشمل ماله نفع كذلك كما في العذرة، فإنّه ينتفع بها في التسميد كما دلّ عليه خبر أبي البُختري(1)المجبور ضعفه بعمل الأصحاب، مع أنّ العام الفوق لا يوجب ترجيح موافقه على مخالفه في المتعارضين، بل لو قُدّم مخالفه أصبح متخصّصاً به.

تتميم

أقول: وللمحقّق النائيني رحمه الله كلامٌ لا بأس بذكره، وحاصله(2):

أنّه بناءً على كون النجاسة مانعة عن صحّة البيع مستقلّاً، لا يمكن الجمع بين المتعارضين، فيتساقطان والمرجع هو عموم ما دلّ على عدم جواز بيع النجس.


1) وسائل الشيعة: ج 114/25 باب 59 من أبواب الأطعمة المباحة ح 2 رقم 31363، قرب الإسناد: ص 156 ح 573.

2) منية الطالب: ج 1/20.

وأمّا بناءً على أنّ النجاسة مانعة عن صحّة البيع إذا توقّف الانتفاع بالشيء على طهارته وإلّا فلا، فيمكن الجمع بين المتعارضين باختلاف البلاد، للمناسبة بين الحكم والموضوع، التي هي من القرائن المكتنفة بالكلام، الموجب ذلك لخروج الجمع بينهما عن الجمع التبرّعي أو التورّعي.

أقول: وفي كلامه قدس سره مواقع للنظر:

الأوّل: فيما ذكره بناءً على مانعيّة النجاسة بنفسها من تساقط المتعارضين والرجوع إلى عموم ما دلّ على عدم جواز بيع النجس.

فإنّه يرد عليه: أنّه عند تعارض الخبرين، وعدم إمكان الجمع بينهما، يتعيّن الرجوع إلى المرجّحات، وعند فقدها يتخيّر في الأخذ بأيّهما شاء، وستعرف أنّ الترجيح مع خبر المنع، فلا وجه للرجوع إلى ذلك العموم.

الثاني: ما ذكره بناءً على عدم مانعيّة النجاسة من الجمع بينهما باختلاف البلاد لمناسبة الحكم الموضوع.

فإنّه يرد عليه: أنّ المناسبة إن أوجبت ظهور كلٍّ من المتعارضين فيما يحمل عليه، الذي لازمه الحمل عليه حتّى مع عدم المعارض، فلا كلام، وإلّا فالجمع يكون تبرّعيّاً، كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه في الحاشية السابقة، هذا كلّه مضافاً إلى ما عرفت من أنّ مورد خبر المنع أيضاً هو بيع العذرة في بلدٍ ينتفع بها فيه. فتدبّر جيّداً.


بيع السرجين النَّجس

فرعان:

الفرع الأوّل: هل يجوز بيع السرجين النجس غير عذرة الإنسان أم لا؟ فيه قولان:

أقول: بناءً على جواز بيع عذرة الإنسان، يجوز بيع السرجين النجس مطلقاً، وأمّا بناءً على القول بالمنع فيها - كما اخترناه - فهل يجوز بيع السرجين النجس مطلقاً أم لا؟ قولان.

قد استدلّ للأوّل:

1 - بصدق العذرة عليه، فيدلّ على المنع ما دلّ على المنع عن بيعها.

2 - وبالأخبار العامّة المتقدّمة.

3 - وبالإجماع المدّعى في محكي «الخلاف»(1)و «التذكرة»(2)على المنع.

4 - وبآية تحريم الخبائث(3)، بدعوى أنّها تدلّ على حرمة جميع الانتفاعات ومنها البيع.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّه بعد تصريح جمعٍ من اللّغويين باختصاصها بعذرة الإنسان لا يبقي وثوق بالصدق، ومعه لا وجه للتمسّك بما دلّ على عدم جواز بيع العذرة.

وأمّا الثاني: فلما عرفت في أوّل الكتاب من أنّها ضعيفة الإسناد، لا تصلح أن


1) الخلاف: ج 3/185، وحكاه في جواهر الكلام: ج 22/17.

2) تذكرة الفقهاء: ج 10/31.

3) سورة الأعراف: الآية 157.

يعتمد عليها في الحكم.

وما ادّعاه الشيخ الأعظم رحمه الله(1)من أنّ الإجماع المنقول هو الجابر لضعف سندها غير تامّ‌، إذ لم يُحرز استناد الأصحاب إليها كي يكون ذلك جابراً للضعف، إذ مجرّد موافقة فتواهم لها لا تكون جابرة، مع أنّك قد عرفت وسيأتي تنقيحه أنّ تلك الأخبار لا تشمل ما ينتفع به منفعة محلّلة.

وأمّا الثالث: فلأنّ الإجماع المنقول في المقام على فرض ثبوته لا يكون إجماعاً تعبّديّاً، إذ لا أقلّ من احتمال استنادهم إلى بعض ما تقدّم.

وأمّا آية تحريم الخبائث(2)، فقد مرَّ أنّ الخبيث عبارة عمّا فيه مفسدة ودناءة، لا ما يتنفّر الطبع منه، فصدقه على السرجين غير معلوم.

مضافاً إلى ما نبَّه عليه الشيخ الأعظم(3)من أنّ المراد منها تحريم أكل الخبائث لا مطلق الانتفاعات بها، فالأظهر جواز بيعه لعموم أدلّة حِلّ البيع، إلّاأن يستدلّ لعدم الجواز بماتقدّم من خبر المنع في العذرة بضميمة الأولويّة أو تنقيح المناط.

أقول: وقد يستظهر من عبارة «الاستبصار»(4)القول بجواز بيع عذرة ما عدا الإنسان، لحمله أخبار المنع على عذرة الإنسان، إلّاأنّ الشيخ رحمه الله علّق في «المكاسب» بأنّ فيه نظر(5)، والظاهر أنّ نظره إلى أنّه لعلّه أراد بالحمل على عذرة الإنسان، الحمل على عذرة غير مأكول اللّحم، بل هذا هو الظاهر، كما يشهد له قوله في محكي «المبسوط»: (فلا يجوز بيع العذرة والسرجين ممّا يؤكل لحمه)(6)، وفي محكي «الخلاف»: (فالسرجين النجس محرّمٌ بالإجماع، فوجب أن يكون7.


1) المكاسب: ج 1/25.

2) سورة الأعراف: الآية 157.

3) المكاسب: ج 1/26 و 84.

4) الاستبصار: ج 3/56.

5) المكاسب: ج 1/25.

6) المبسوط: ج 2/167.

بيعه محرّماً)(1).

ودعوى‌: المحقّق التقي(2)في وجه النظر، من أنّ الجمع التبرّعي لا يقتضي ثبوت قول بالجواز، وتبعه تلميذه المحقّق.

فغير سديدة، إذ الشيخ قدس سره لا يرى ذلك الجمع تبرّعيّاً، بل يكون ما ذكره عنده جمعاً مقبولاً كما لا يخفى‌.

***0.


1) الخلاف: ج 3/185.

2) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي الثاني: ج 1/10.

بيع الأرواث الطاهرة

الفرع الثاني: الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة، وهو المشهور بين الأصحاب على ما نُسب إليهم(1)، وتشهد له العمومات الدالّة على حليّة البيع.

وعن المفيد(2)وسلّار(3)

(4و6) سورة الأعراف: الآية 157.

: المنع، واستدلّ له:

1 - بما دلّ على جواز بيع العذرة، بدعوى صدقها عليها.

2 - وبالأخبار العامّة.

3 - وبآية تحريم الخبائث(4).

أقول: وقد عرفت في الفرع المتقدّم ما في جميع ذلك.

وأجاب الشيخ الأعظم رحمه الله(4)عن آية تحريم الخبائث: بأنّ المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالى‌: (يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّباتِ‌) (6) الأكل لا مطلق الانتفاع.

وأورد عليه المحقّق الإيرواني رحمه الله(5): بأنّ آية حِلّ الطيبات كآية تحريم الخبائث، ولا قرينة تخصّصها بالأكل لتكون قرينةً على هذه أيضاً.

وأجاب بنفسه عن هذا الوجه: بأنّ البيع ليس انتفاعاً بالمبيع، ولا تصرّفاً فيه


1) بل الإجماع قائم عليه، راجع الخلاف: ج 3/185، ونقل في منتهى المطلب (ط. ق): ج 2/1008 الإجماع عن السيّد المرتضى.

2) المقنعة: ص 587.

3) المراسم العلويّة: ص 172.

4) المكاسب: ج 1/26 و 84.

5) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/4.

حتّى يقدّر عند نسبة الحرمة إليه.

ويرد على ما ذكره أوّلاً: أنّ آية حِلّ الطيّبات(1)بقرينة صدرها وذيلها ظاهرة في حليّة خصوص الأكل، كما يظهر لمن لاحظ الآية الشريفة.

ويرد على ما ذكره ثانياً: أي ما ذكره في الجواب عن الاستدلال أنّه لو سُلّم أنّ آية تحريم الخبائث(2)تشمل جميع المنافع، يكون لازم ذلك عدم جواز البيع، إذ ما لايكون له منفعة محلّلة مقصودة لا يجوز بيعه، مع أنّه لو سُلّم عموم الحرمة لغير الأكل، فبما أنّ المقدّر ليس هو الانتفاع بالعين كي تصحّ دعوى عدم شموله للبيع، بل كلّ فعل متعلّق بها، ومن جملة تلك الأفعال بيعها، فلا مناص عن تسليم شمول الآية للبيع أيضاً.

***7.


1) سورة الأعراف: الآية 157.

2) سورة الأعراف: الآية 157.

كالخمر وكلّ مسكر والفقاع.

التكسّب بالخَمر وكلّ مسكر

المسألة الثالثة: يحرم التكسّب بما يزيل العقل (كالخمر وكلّ مسكرٍ) مائع، (والفقاع) بلا خلافٍ في شيء من هذه الثلاثة(1)، بل عن غير واحد دعوى إجماع العلماء على ذلك كلّه، بل عليها إجماع المسلمين(2).

أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في كلّ واحدٍ منها.

أمّا الخمر: فيشهد لعدم جواز بيعها وضعاً جملة من النصوص:

منها: حسن محمّد بن مسلم، عن إمامنا الصادق عليه السلام في حديثٍ‌: «أنّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله راويتين من خمر، فأمر بهما رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأهريقتا، وقال: إنّ الذي حَرّم شربها حَرّم ثمنها»(3).

ومنها: خبر المدائني، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «مِنْ أكل السُّحت ثمن الخمر»(4).

ونحوهما غيرهما، فلا إشكال في عدم صحّة بيعها.

ويشهد لحرمة بيعها تكليفاً: الخبر المشهور من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها وحاملها


1) المقنعة: ص 587، الجامع للشرايع: ص 248، قواعد الأحكام: ج 2/8، تذكرة الفقهاء: ج 10/25.

2) السرائر: ج 2/44، نهاية الأحكام: ج 2/463، مستند الشيعة: ج 14/63.

3) وسائل الشيعة: ج 17/223 باب 55 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22383، التهذيب: ج 7/136 ح 72.

4) وسائل الشيعة: ج 17/225 باب 55 من أبواب ما يكتسب به ح 7 رقم 22389، التهذيب: ج 7/136 ح 71.

والمحمولة إليه(1).

وفي خبر الجارود المروي عن «تفسير القمّي» عن الباقر عليه السلام: «حَرّم اللّه الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشرائها والانتفاع بها»(2).

أقول: وما ادّعاه المحقّق النائيني رحمه الله(3)من أنّه لا يستفاد من الأخبار الواردة في المقام التعبّدية الصرفة، بل ظاهرها كون عدم جواز بيعها لأجل كونها ممّا لا ينتفع به، وعليه فبناءً على جواز اقتناء الخمر للتخليل، فبيعها لذلك جائز للعمومات.

غير تامّ‌.

إذ يرد عليه: أنّ هذا مخالفٌ لظاهر النصوص، فإنّ مقتضى ظاهرها فساد بيعها بقول مطلق، أي وإنْ جاز اقتنائها.

وظاهر بعض النصوص كحسني زرارة ومحمّد بن مسلم المتقدّمين في المسألة السابقة وإنْ كان جواز بيعها وضعاً، إلّاأنّ الجمع بين النصوص يقتضي الالتزام بالجواز لو كان البائع ذميّاً، وعدم الجواز إذا كان مسلماً، وذلك لأنّ في المقام طوائف من النصوص:

الطائفة الأُولى‌: ما تدلّ على عدم الجواز مطلقاً، وقد تقدّمت.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على الجواز كذلك، كالخبرين الحسنين.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على الجواز إذا كان البائع ذميّاً كموثّق منصور عن الصادق عليه السلام المتقدّم في المسألة المتقدّمة، فإنّه أخصّ من الطائفة الأُولى فيقيّد0.


1) وسائل الشيعة: ج 17/224 باب 55 من أبواب ما يكتسب به ح 3 و 4 و 5 رقم 22385 و 22386 و 22387، الفقيه: ج 4/8 في حديث المناهي.

2) وسائل الشيعة: ج 25/280 باب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5 رقم 31911، تفسير القمّي: ج 180/1.

3) منية الطالب: ج 1/30.

إطلاقها، فتختصّ بالمسلم، فتنقلب النسبة بذلك، وتصبح الطائفة المانعة أخصّ من المجوّزة فيقيّد إطلاقها.

أقول: وكما تدلّ بعض النصوص على جواز تخليل الخمر واقتنائها لذلك، كذلك يدلّ موثّق ابن أبي عمير وعليّ بن حديد عن جميل، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام:

يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمراً؟

فقال: خذها ثمّ أفسدها، قال علي: واجعلها خلّاً»(1).

على أنّها تُملك ويجوز أخذها وفاءً عن الدَّين للتخليل.

أقول: وقيل في بيان المراد من الخبر وجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الإيرواني رحمه الله(2)وهو أنّه ليس في الخبر إشارة إلى أخذ الخمر بدلاً عن الدراهم، واجتهاد الراوي لا يفيد، فيحكم ببقاء الدراهم في الذمّة، وأمّا الخمر فيفسدها حسماً لمادّة الفساد.

وفيه: أنّ السائل إنّما سأل عن أخذ الخمر وفاءً للدَّين، والإمام عليه السلام في مقام الجواب قال: خذها، وظاهر ذلك أخذها بذلك العنوان الذي يعطيه صاحب الخمر، وعلى ذلك فظاهر الخبر أنّ الخمر ممّا يُملك، ولازم ذلك جواز اقتنائها للتخليل، كما دلّت على ذلك بعض النصوص الأُخر، فقوله عليه السلام: (وتفسدها) ظاهرٌ في إرادة التخليل، فاجتهاد ابن حديد في محلّه.

الوجه الثاني: ما في «المكاسب»(3)من أنّ المراد أخذ الخمر مجّاناً ثمّ تخليلها.2.


1) وسائل الشيعة: ج 371/25 باب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 6 رقم 32153، التهذيب: ج 9/118 ح 243.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/6، بتصرّف.

3) المكاسب: ج 1/42.

وفيه: أنّ لازم ذلك عدم سقوط الدَّين مع أنّه صريحٌ في سقوطه.

وبعبارة أُخرى‌: ظاهر مدلول الخبر أخذ الخمر وفاءً للدَّين.

الوجه الثالث: ما في «المكاسب»(1)أيضاً، من أخذها وتخليلها لصاحبها، ثمّ أخذ الخَلّ وفاءً للدَّين.

وفيه: أنّ ظاهر الخبر كون الخمر نفسها وفاءً للدَّين، مع أنّه على هذا يحتاج أخذ الخَلّ وفاءً إلى إذن جديد من المالك، لعدم إذنه في التملّك، ولا ينافي ذلك عدم جواز بيعها كي يقال إنّه يدلّ على جواز البيع والشراء بقصد التخليل، فيقيّد إطلاق ما دلّ على المنع.

وأمّا غير الخمر من المسكرات المائعة:

فإنْ قلنا بصدق الخمر عليها حقيقةً‌، كما صرّح بذلك جمع من اللّغويين، ونطقت به جملة من النصوص فلا كلام، وإلّا فيشكل الحكم بحرمة بيعها، إلّاإذا قام إجماع تعبّدي عليها أو يُدّعى تنقيح المناط، واستدلّ لها بأُمور:

الأمر الأوّل: قوله عليه السلام في موثّق علي بن يقطين، عن الإمام الكاظم عليه السلام: «إنّ اللّه لم يحرّم الخمر لإسمها، ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(2).

ونحوه قوله عليه السلام في خبره الآخر: «فما فَعَل فِعل الخمر فهو خمر»(3).

بدعوى أنّهما بعموم التنزيل يدلّان على ترتّب جميع أحكام الخمر على كلّ مسكر، ومنها حرمة البيع.1.


1) المكاسب: ج 1/42.

2) وسائل الشيعة: ج 342/25 باب 19 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1 رقم 32077، التهذيب: ج 112/9 ح 221.

3) وسائل الشيعة: ج 343/25 باب 19 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 2 رقم 32078، الكافي: ج 6/412 ح 1.

وفيه: أنّهما بقرينة صدرهما ظاهران في إرادة التنزيل من حيث حرمة الشُّرب خاصّة.

أقول: والغريب أنّ الأُستاذ الأعظم(1)تمسّك بهما لذلك بدعوى دلالتهما على كون النبيذ المسكر خمراً واقعاً، إذ ينافي ذلك قوله عليه السلام: «إنّ اللّه لم يحرّم الخمر لإسمها»، الذي هو كالصريح في عدم صدق الخمر على كلّ مسكر.

وأغرب من ذلك دعواه اختصاص الخبرين بالنبيذ المسكر، وعدم شمولهما للمسكرات الجامدة(2)، إذ لم يظهر وجه ذلك مع كونهما مطلقين.

الأمر الثاني: حسن عمّار بن مروان، عن الإمام الباقر عليه السلام: «والسُّحت أنواع كثيرة، وعدَّ منها ثمن النبيذ والمسكر»(3).

وفيه أوّلاً: أنّه لو ثبت هذا النّص لدلّ على عدم الجواز الوضعي في جميع المسكرات جامدها ومائعها، دون أن يدلّ على ا لحرمة التكليفيّة.

وثانياً: إنّ الحديث مروي في غير نسخة «التهذيب» مع إسقاط لفظ (واو)، فيصبح المسكر وصفاًللنبيذ، فغاية مايستفاد من الحسن عدم صحّة بيع النبيذ المسكر.

الأمر الثالث: قوله صلى الله عليه و آله(4)في خبر عطاء: «كلّ مسكرٍ خمر»، حيث أنّ الظاهر منه ترتيب جميع آثار الخمر على كلّ مسكر.

وفيه: إنّ الخبر ضعيف السند لضعف عدّة من رواته.

أقول: وبما ذكرناه ظهر حكم المسكر الجامد، وما يمكن أن يستدلّ به على عدم7.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/143-144.

2) مصباح الفقاهة: ج 1/145.

3) وسائل الشيعة: ج 17/95 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 12 رقم 22068، معاني الأخبار: ص 211 ح 1.

4) وسائل الشيعة: ج 326/25 باب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5 رقم 32029، التهذيب: ج 111/9 ح 217.

جواز بيعه وما يرد عليه.

وعلى فرض التعدّي إلى كلّ مسكر مائع، لا ينبغي التوقّف في اختصاص الحكم بما كان المطلوب منه الشرب والإسكار، وأمّا المسكرات المستحدثة التي ليس الشرب منفعة مقصودة منها، ولها منافع أُخر كتطهير القذارات العرفيّة، وقتل الجراثيم المتنوّعة وغير ذلك من المصالح الاجتماعيّة النوعيّة والأغراض العقلائيّة، فلا يحرم بيعها لا وضعاً ولا تكليفاً، وذلك إمّا بناءً على كون مدرك التعدّي عن الخمر الإجماع وتنقيح المناط فواضح، وإمّا بناءً على كون المدرك الروايات الخاصّة، فلانصرافها عنها كما لا يخفى وجهه.


والميتة،

حكم المعاوضة على الميتة

المسألة الرابعة: (و) تحرم المعاوضة على (الميتة) وأجزائها التي تحلّها الحياة، من ذي النفس السائلة، على المعروف من مذهب الأصحاب.

وعن «التذكرة»(1)و «المنتهى»(2)و «التنقيح»(3): الإجماع عليه.

وعن «الخلاف»(4)و «التذكرة»(5)و «المستند»(6): دعوى الإجماع على حرمة بيعها وضعاً وتكليفاً.

واستدلّ لها بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع.

وفيه: أنّه ليس إجماعاً تعبّديّاً، بل الظاهر أنّ مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة التي ستمرّ عليك إنْ شاء اللّه تعالى‌.

الوجه الثاني: الأخبار العامّة المتقدّمة.

وفيه: ما تقدّم من أنّها ضعيفة السند، لا يعتمد على شيء منها، ولم يُحرز استناد


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/25.

2) منتهى المطلب: ج 2/1009.

3) التنقيح: ج 2/5.

4) الخلاف: ج 1/62.

5) تذكرة الفقهاء: ج 1/68 (ط. ق).

6) مستند الشيعة: ج 14/78، ومنها الميتة: وحرمة بيعها و شرائها والتكسّب بها إجماعي.

الأصحاب إليها في المقام كي ينجبر ضعفها.

الوجه الثالث: ما دلّ على أنّ الميتة لا ينتفع بها(1).

وفيه: أنّ الاستدلال بهذه النصوص:

إنْ كان من جهة إثبات عدم حليّة الانتفاع بها اللّازمة في صحّة البيع، فيرد عليه أنّ الكلام في المقام فرع جواز الانتفاع بها.

وإنْ كان من جهة أنّ النصوص كما تدلّ بالدلالة المطابقيّة على عدم جواز الانتفاع بها، تدلّ بالدلالة الالتزاميّة على عدم جواز بيعها، لاشتراط صحّة البيع بكون المبيع ذا منفعة محلّلة.

ولو دلّ الدليل على جواز بعض الانتفاعات بها كما هو المفروض، فإنّما يوجب ذلك التخصيص في الدلالة المطابقيّة، فتبقى الدلالة الالتزاميّة على حالها.

فيرد عليه: ما حقّقناه في محلّه من أنّ الدلالة الالتزاميّة كما تكون تابعة للدلالة المطابقيّة وجوداً، كذلك تكون تابعة لها حجيّة.

وإن شئت قلت: إنّها تدلّ على عدم جواز بيعها لعدم المنفعة، فمع فرض وجودها لا تكون هذه الدلالة منها باقية.

الوجه الرابع: النصوص الخاصّة:

منها: خبر السكوني، عن مولانا الصادق عليه السلام: «السحت ثمن الميتة»(2).

أقول: ولا وجه للخدشة في سنده، إذ ليس في سنده من يمكن القول بعدم حجيّة2.


1) وسائل الشيعة: ج 24/184 باب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 رقم 30299، الكافي: ج 6/259 ح 7.

2) وسائل الشيعة: ج 93/17 باب 5 من أبواب مايكتسب به ح 5 رقم 22061، تهذيب الأحكام: ج 6/368 ح 182.

خبره سوى النوفلي(1)

والنوفلي بفتح النون والفاء نسبةً إلى بني نوفل بطن من نهيد من القحطانيّة، وآخر من بني عبد مناف من قريش من العدنانيّة، وهم بنو نوفل بن عبد مناف بن قصي (وأبو محمّد النوفلي) مصنّف مجالس الرضا عليه السلام مع الأديان الحسين بن محمّد ابن الفضل بن يعقوب بن سعد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب (جش) شيخ من الهاشميّين ثقة.

والسكوني(2)- وهما ثقتان على الأظهر، وإنْ قيل إنّ الأوّل

1) الكنى والألقاب: ج 3/271، وفيه: (الحسين بن يزيد بن محمّد بن عبد الملك المتطبّب، قال شيخنا في المستدرك: أمّا النوفلي فقال (جش): كان شاعراً أديباً، وسكن الري، ومات بها، وقال قوم من القميّين: إنّه غلا في آخر عمره، واللّه اعلم، وما رأينا له رواية تدلّ على هذا.. الخ. وذكر الشيخ في (ست) كتاباً له، وذكر الطريق إليه من غير إشارة إلى غلوّه. وقال فخر المحقّقين في الإيضاح: احتجّ الشيخ بما رواه عن السكوني في الموثّق عن الصادق عليه السلام قال: السحت ثمن الميتة... الخ. ثمّ ذكر شيخنا رواية الأجلّاء عنه، وقال في آخره: ومن جميع ذلك ربما يورث الظنّ بوثاقته، مضافاً إلى ما يأتي في السكوني، مع أنّ الغلو في آخر العمر لو سُلّم غير مضرٍّ بأحاديثه كما نصَّ عليه الاُستاذ الأكبر) إنتهى‌.

2) الكنى والألقاب: ج 2/317، وفيه: (إسماعيل بن أبي زياد الذي يكثر الرواية عنه، واحتمل بعضٌ تشيّعه، ووثّقه المحقّق الداماد والعلّامة الطباطبائي وذكر الأوّل منهما الراشحة التاسعة من الرواشح في حاله، وأطال الكلام فيه الاُستاذ الأكبر في التعليقة، وشيخنا المحدِّث المتبحّر في خاتمة المستدرك. وقال في المستدرك: وأمّا السكوني فخبره إمّا صحيح أو موثّق، وما اشتهر من ضعفه فهو كما صرّح به بحر العلوم وغيره من المشهورات التي لا أصل لها، فإنّا لم نجد في تمام ما بأيدينا من كتب هذا الفنّ وما نقل عنه منها إشارة إلى قدحٍ فيه سوى نسبة العاميّة إليه في بعضها غير منافية للوثاقة، ويدلّ على وثاقته بالمعنى الأعمّ بل الأخصّ عند نقاد هذا الفنّ اُمور، ثمّ شرع رحمه الله في ذكر الاُمور المذكورة. ثمّ قال: (وروى الصدوق في العلل عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: من تعدّى في الوضوء كان كناقصه يروى بالصاد المهملة والضاد المعجمة. قال المحقّق السيّد صدر الدين العاملي فلعلّ خطابه بمثل هذه يشعر بكونه من أهل الأمانة، قلت وذلك لأنّه عليه السلام أشار في كلامه هذا إلى المخالفين، وتعدّيهم في الوضوء بجعل الغسلات ثلاثاً ثلاثاً، ولذا ذكروا هذا الخبر في هذا الباب، وفيه إشعار بعدم عاميّته ككثير من رواياته المخالفة للعامّة، وله شواهد كثيرة وذكر الشواهد (منها) عدم وثاقته عند المخالفين. فقال ابن حجر في التقريب: (إسماعيل بن زياد أو أبو زياد الكوفي قاضي الموصل متروك كذّبوه من الثامنة. وعن أبي عدي أنّه منكر الحديث ولا وجه له إلّاإماميّته)، وقال في الحاشية: (وقال الشيخ المفيد في رسالة المهر ردّاً على بعض أهل عصره بعد إثبات مرامه: ورد كلامه ما لفظه ولا يخلو قوله من وجهين: إمّا أنْ يكون زلّة منه، فهذا يقع من العلماء، فقد قال الحكيم: لكلّ جواد عثرة، ولكلّ عالمٍ هفوة، وإمّا أنْ يكون قد اشتبه عليه، فالأولى أن يقف عند الشبهة فيما لا يتحقّقه، فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة، وتركَكَ حديثاً لم تروه خيرٌ من روايتك حديثاً لم تحصه، وأنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدَعوه» حدّثنا به السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن علي عليه السلام، وذكر الحديث) انتهى‌. ويظهر منه غاية اعتماده على السكوني من وجوه لا تخفى على المتأمِّل، وقد يطلق السكوني على أبي عمرو السكوني محمّد بن محمّد بن النصر بن منصور (جش) رجل من أصحابنا من أهل البصرة، شيخ الطائفة في وقته فقيه ثقة له كتب منها كتاب السهو كتاب الحيض.

صار غالياً في آخر عمره والثاني عامّي.

ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام في وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام: «يا علي مِن السّحت ثمن الميتة»(1).

ومنها: موثّق الجعفريّات، عن أمير المؤمنين عليه السلام: «من السّحت ثمن الميتة»(2).

ومرسل ابن بابويه: وثمن الميتة سحت(3).

أقول: ولا يبعد دعوى كون هذه الروايات رواية واحدة مرويّة بطرق متعدّدة.

وتدلّ على المنع: مضافاً إلى ذلك - النصوص الدالّة على المنع عن بيع إليات الغنم المقطوعة:

منها: صحيح البزنطي، عن مولانا الرضا عليه السلام: «عن الرجل يكون له الغنم يقطع من إلياتها، وهي إحياء، أيصلح له أن ينتفع بما قطع‌؟

قال عليه السلام: نعم يُذيبها ويسرج بها ولا يأكلها، ولا يبيعها»(4).

ونحوه خبر عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السلام(5).6.


1) وسائل الشيعة: ج 94/17 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 9 رقم 22065، الفقيه: ج 4/363.

2) المستدرك: ج 4/51 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 4160.

3) وسائل الشيعة: ج 17/94 باب 5 من أبواب مايكتسب به ح 8 رقم 22064، الفقيه: ج 3/171 ح 3648.

4) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22079.

5) قرب الإسناد: ص 268 ح 1066.

أقول: وبأزاء هذه النصوص خبر الصيقل وولده الذي توهم دلالته على الجواز، قال:

«كتبوا إلى الرجل: جَعَلنا اللّه فداك، إنّا قومٌ نعمل السيوف، ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرّون إليها، وإنّما غلافها جلود الميتة والبغال والحُمُر الأهليّة، لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشرائها وبيعها ومسّها بأيدينا ونحن نُصلّي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة ياسيّدنا لضرورتنا.

فكتب عليه السلام: اجعلوا ثوباً للصلاة»(1).

وقد ذكروا فى بيان الجمع بين هذه النصوص وبيان المراد من خبر الصيقل وجوهاً:

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»(2)(من عدم دلالة خبر الصيقل على الجواز، فلا معارض لنصوص المنع، بدعوى أنّ مورد السؤال عمل السيوف وبيعها وشرائها، لا خصوص الغلاف مستقلّاً، ولا في ضمن السيف، مع أنّ الجواب لا ظهور له في الجواز إلّامن حيث التقرير غير الظاهر في الرضا، خصوصاً في المكاتبات المحتملة للتقيّة).

أقول: ولكن الأظهر فساد كلتا الدعويين:

أمّا الأُولى‌: فلأنّ الظاهر من السؤال هو السؤال عن حكم بيع الأغماد، إذ الظاهر رجوع ضمير (عملها) إلى جلود الميتة، وكذلك (ومسّها) كما لا يخفى‌، وهذا يوجب ظهور رجوع ضمير (وشرائها، وبيعها) إليها أيضاً، لا إلى السيوف، فالجواب يكون ظاهراً في جواز بيعها.3.


1) وسائل الشيعة: ج 17/173 باب 38 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22281، التهذيب: ج 6/376 ح 221.

2) المكاسب: ج 1/32-33.

مع أنّ هذا لو تمّ‌، فإنّما هو في هذه المكاتبة، ولا يتمّ في مكاتبته الأُخرى‌، وهي:

«قال: كتبتُ إلى الرضا عليه السلام: إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحُمُر الميتة، فيصيب ثيابي فاُصلّي فيها؟

فكتب عليه السلام: اتّخذ ثوباً لصلاتك»(1).

ودعوى: أنّه لم يذكر فيها البيع والشراء.

مندفعة: بأنّ الظاهر أنّ المسؤول عنه هو بعينه ما كان سأل عنه في تلك المكاتبة، كما يشهد له سؤاله ثالثاً عن التقي عليه السلام كما سيمرّ عليك، مع أنّ عمل الأغماد ليس إلّا للبيع أو الإصلاح.

وأمّا الثانية: فلأنّ التقرير بنفسه يكفي في مقام بيان الحكم، ومجرّد احتمال التقيّة لا يمنع عن العمل بالخبر، والغريب أنّه قدس سره مع ذلك قوّى الجواز بعدما بيَّن اختصاص النصوص المتقدّمة بالنجس، الذي لا ينتفع به منفعة محلّلة، بناءً على جواز الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة(2)، إذ لم يظهر لي وجه عدم عمله قدس سره بنصوص المنع التي هي أخصّ من تلك الأدلّة العامّة.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله(3)من أنّ الأخبار الواردة في حرمة بيع جلد الميتة قابلة للحمل على بيعه لما تتوقّف الطهارة عليه، فتكون إرشاداً لعدم قابليّة الانتفاع.

وفيه: أنّ قابليّتها لذلك لا توجب حملها عليه، ما لم يكن عليه شاهد كما في المقام.9.


1) وسائل الشيعة: ج 3/462 باب 34 من أبواب النجاسات ح 4 رقم 4181، الكافي: ج 3/407 ح 16.

2) المكاسب: ج 1/33.

3) منية الطالب: ج 1/29.

الوجه الثالث: ما ذكره بعض أعاظم المحشّين للمكاسب رحمه الله(1)من (أنّ المنع عن البيع إنّما يكون بمناط الانتفاع بها فيما يحرم الانتفاع به ولو من أجل حصول التلويث بها، ثمّ عدم المبالاة في إتيان ما يشترط بالطهارة في تلك الحالة، والجواز بمناط الصرف في الحلال) انتهى‌.

وفيه: أنّ هذا الجمع جمعٌ تبرّعي لا شاهد له، وتعليل المنع عن الانتفاع بإليات الغنم بالإسراج بذلك لا يصلح شاهداً لحمل النصوص الواردة في البيع على ذلك، كما لا يخفى‌.

الوجه الرابع: ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله(2)من أنّ رواية السكوني وما بمضمونها مخصّصة بمكاتبة الصيقل لأخصيّتها منها، ونصوص إليات الغنم لو لم يُحتمل اختصاصها بالمنع، محمولة على صورة عدم الإعلام بالنجاسة حتّى يسرج بها لنصوصيّة مكاتبة الصيقل في صورة علم المشتري، بقرينة قوله: (ولا يجوز في أعمالنا غيرها)، هذا بناءً على جواز الإسراج بها، وإلّا فتُحمل نصوص المنع على صورة عدم وجود المنفعة المحلّلة، والجواز على صورة وجودها.

وفيه: أنّ مكاتبة الصيقل وإنْ كانت أخصّ من رواية السكوني، وما بمضمونها، لإختصاصها بما ينتفع به منفعة محلّلة، إلّاأنّها ليست أخصّ من نصوص إليات الغنم لدلالتها على عدم جواز البيع في خصوص هذا المورد.

أقول: وأمّا نصوص إليات الغنم، فلا يصحّ حملها على ما ذكره لسببين:ة.


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 5.

2) كما هو الظاهر من المحقّق السبزواري في مهذّب الأحكام: ج 1/336-337 في تعليقه على (مسألة 19): يحرم بيع الميتة.

السبب الأوّل: عدم ظهور المكاتبة في الاختصاص بصورة علم المشتري، لأن عدم صلاحيّة غير جلد الميتة، لا يوجب علم المشتري الذي ليس من أهل هذا الفنّ بكون المبيع من جلد الميتة، مع أنّه تدلّ المكاتبة على الجواز حتّى لو فرض وجود مشترٍ غير عالم بذلك.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ غلبة علم المشتري بذلك لا تصلحُ دليلاً لاختصاص دليل الجواز بهذه الصورة بعد كونه مطلقاً.

السبب الثاني: الظاهر أنّ صيقل أراد بقوله: (ولا يجوز في أعمالنا غيرها) أنّه لابدّ لنا في بيع السيوف من عمل الغلاف من الجلود وبيعه معها، ولذا في سؤاله عن إمامنا التقي عليه السلام قال: (فصرتُ أعملها من جلود الحُمُر الوحشيّة الذكية).

الوجه الخامس: اختصاص المكاتبة بصورة الاضطرار.

وفيه: إنّ الضمير في قوله: (ونحن مضطرّون إليها) يرجع إلى السيوف لا الجلود، كما هو واضح.

والتحقيق يقتضي أن يقال: عدم دلالة المكاتبة على الجواز، فلا معارض لنصوص المنع، إذ الظاهر أنّ صيقل لم يفهم من جواب الكاظم عليه السلام حكم بيع الغلاف الذي هو من جلود الميتة، ولذا سأل هذه المسألة عن الرضا عليه السلام، وقد تقدّمت تلك المكاتبة أيضاً، وحيث إنّه عليه السلام أجابه بمثل جواب أبيه عليه السلام، وكان مجملاً لا يفهم منه شيء، كتب إلى التقي عليه السلام هذا السؤال بعينه، قال:

«كتبتُ إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: إنّي كتبت إلى أبيك بكذا وكذا فصعب ذلك عليَّ فصرتُ أعملها من جلود الحُمُر الوحشيّة الذكية، فكتب عليه السلام إليّ‌: كلّ أعمال البرّ بالصبر يرحمك اللّه، فإن كان ما تعمل وحشيّاً ذكيّاً فلا بأس»(1).6.


1) وسائل الشيعة: ج 3/462 باب 34 من أبواب النجاسات ح 4 رقم 4181، الكافي: ج 3/407 ح 16.

ويظهر من هذه المكاتبة أنّ صيقل لم يفهم من جواب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام جواب مسألته من جواز بيع ما كان يعمل، ولذا ترك استعماله حتّى سأل الجواد عليه السلام عن ذلك، فبيّن له الحقّ من غير إجمال وتقيّة، وجوابه عليه السلام ظاهر في عدم جواز البيع.

ولو تنزّلنا عن ذلك، وسلّمنا دلالتها على الجواز، لكن حيث إنّها معارضة مع نصوص المنع، ولا يمكن الجمع بينهما، فيتعيّن الرجوع إلى المرجّحات، وهي تقتضي تقديم نصوص المنع للأشهريّة وغيرها من المرجّحات.

فتحصّل: أنّ الأقوى عدم جواز بيع الميتة.


حكم بيع الميتة منضمّة إلى المذكّى

فرعان:

الفرع الأوّل: صرّح غير واحدٍ(1)بأنّه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة، كذلك لا يجوز بيعها منضمّةً‌.

أقول: لا كلام فيما إذا امتازت الميتة من المذكّى، وأنّه يصحّ البيع في المذكّى خاصّة، إذ انضمام كلّ منهما إلى الآخر لا يغيّر حكمه.

إنّما الكلام في صورة الاشتباه، وعدم الامتياز، والكلام في هذه الصورة يقع:

تارةً‌: على القول بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة.

وأُخرى‌: على القول بعدم الوجوب، وجواز ارتكاب أحدهما.

أمّا على القول بالوجوب: فقد يقال كما عن الشيخ الأعظم رحمه الله(2)بأنّ مقتضى القواعد العامّة عدم جواز البيع، وذلك لأنّه لا ينتفع بشيء منهما منفعة محلّلة، فلا يجوز بيعهما.

وفيه: أنّ الأظهر جواز الانتفاع بالميتة، كما حُقّق في محلّه، فالعلم الإجمالي بكون أحدهما ميتة لا يوجب لزوم الاجتناب عنهما كي يمنع من صحّة البيع، مع أنّه لو تمّ ذلك، فلا يقتضي فساد البيع لو اشتري برجاء زوال الاشتباه، ولم يكن مأيوساً منه، أو اشتري ثمّ اتّفق زواله، مضافاً إلى أنّه لو بيع من شخصين لما وجب الاجتناب كما لا يخفى‌.


1) قواعد الأحكام: ج 3/328، إيضاح الفوائد: ج 4/152، المكاسب: ج 1/36.

2) المكاسب: ج 1/36.

فالصحيح أن يستدلّ للفساد: بأنّ المبيع مجهولٌ مردّدٌ بين شيئين، وهو يضرّ بصحّة البيع. هذا بحسب القواعد.

وأمّا النصوص الخاصّة: فيشهد للجواز إذا بيع من المستحلّ للميتة عدّة أخبار:

منها: موثّق الحلبي، عن مولانا الصادق عليه السلام: «إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممّن يستحلّ الميتة، ويأكل ثمنه»(1).

ومنها: حسنه عنه عليه السلام: «أنّه سُئل عن رجل كان له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة، ثمّ إنّ الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع‌؟

قال: يبيعه ممّن يستحلّ الميتة، ويأكل ثمنه، فإنّه لا بأس به»(2).

أقول: وأجاب الشيخ رحمه الله عنهما بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره بقوله: (وهو مشكل)(3)، والظاهر أنّ وجهه توهم إعراض الأصحاب عنهما الموجب لوهنهما وسقوطهما عن الحجيّة، فلا يقاومان العمومات المانعة.

وما ذكره بعض مشايخنا رحمه الله(4): من أنّ العموم المانع عن بيع الميتة لا يشمل بيعه من المستحلّ للانصراف، وإمكان المنع عن صدق الأكل بالباطل عرفاً مع إمضاء ملكيّتهم للميتة في الجملة.

غير سديد: إذ الانصراف ممنوع، وإمضاء ملكيّتهم لها أعمّ من جواز البيع.

أقول: ولكن الأظهر حجيّة الروايتين، وعدم الإعراض عنهما، إذ مضافاً إلى أنّ‌4.


1) وسائل الشيعة: ج 17/99 باب 7 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22080، التهذيب: ج 9/48 ح 199.

2) وسائل الشيعة: ج 17/99-100 باب 7 رقم 22081، التهذيب: ج 9/47 ح 198.

3) المكاسب: ج 1/37.

4) تعرّض لذلك في مصباح الفقاهة: ج 1/74.

جماعة منهم الشيخ في محكي «النهاية»(1)، وابن حمزة(2)، أفتوا بمضمونهما، وجماعة آخرين من المحقّقين كالمحقّق(3)والعلّامة(4)والشهيد(5)ذكروا لهما محامل، الكاشف ذلك عن عدم طرحهم الخبرين، وإنّما لم يفتوا بمضمونهما لتوهمهم مخالفتهما للقواعد، قد ادّعى في محكي «مجمع البرهان»(6)أنّ المشهور بين الأصحاب هو العمل بما تضمّناه والإفتاء به، ومع ذلك كلّه فإنّ دعوى إعراض الأصحاب عنهما، وطرح الخبرين الواجدين لشرائط الحجيّة كما ترى‌. هذا من حيث السند.

وأمّا من حيث الدلالة: فقد حملهما المحقّق في «الشرائع»(7)على البيع بقصد المذكّي تخلّصاً عمّا ذكره الحِلّي رحمه الله(8)من أنّ الخبرين منافيان لما دل على حرمة الانتفاع بالميتة الموجبة لفساد بيعها مطلقاً.

وفيه: أنّ قصد المذكي لو كان مفيداً وموجباً لصحّة البيع على القاعدة، لصحّ بيعه من غير المستحلّ أيضاً، مع أنّ هذا مستلزمٌ للتخالف في القصد الموجب للفساد إلّا مع قصد المشتري أيضاً ذلك، مع أنّ قصد المذكّي يوجب كون المبيع مجهولاً.

ولعلّه لذلك قال العلّامة رحمه الله في محكي «المختلف»(9): (أنّهما يُحملان على كون ذلك استنقاذ المال المستحلّ‌، لا بيعاً).9.


1) النهاية: ص 586.

2) الوسيلة: ص 362.

3) شرائع الإسلام: ج 4/752.

4) قواعد الأحكام: ج 3/328، مختلف الشيعة: ج 8/320.

5) مسالك الأفهام: ج 12/58.

6) حكاه في جواهر الكلام: ج 36/341. وراجع مجمع الفائدة: ج 11/273.

7) شرائع الإسلام: ج 4/752.

8) السرائر: ج 3/113.

9) مختلف الشيعة: ج 8/319.

و لكن يرد عليه: أنّ المستحلّ ربما يكون محترم المال كالذمّي، مع أنّه مناف للظهور.

ومنه يظهر ضعف ما قيل(1)

(2و3) المكاسب: ج 1/38 و 37.

من أنّ المراد بالبيع في الخبرين مطلق النقل الذي يكون بالصلح والهبة المعوضة ونحوهما ممّا لا يشترط فيه المعلوميّة.

وأمّا ما ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله(2): من حملهما على صورة قصد البائع المسلم أجزائها التي لا تحلّها الحياة، وتخصيص المشتري بالمستحلّ‌، لأنّ الدّاعي له الانتفاع باللّحم أيضاً، ولا يوجب ذلك فساد البيع لعدم وقوع العقد عليه.

فيرد عليه أوّلاً: أنّ مجرّد قصد البائع لا يفيد بل يوجب الفساد لتخالف القصد، فلابدّ من التقييد بقصدهما معاً.

وثانياً: أنّه لو كان الدّاعي للاشتراء الانتفاع باللّحم بالأكل المحرّم على المستحلّ أيضاً، بناءً على ما هو الحقّ من أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع، لزم فساد البيع بناءً على مختاره قدس سره من أنّ الاشتراء بداعي الحرام فاسد، هذا كلّه مضافاً إلى أنّ جميع هذه المحامل تبرّعيّة لا يصار إلى شيء منها بلا دليل وحجّة.

فالصحيح في الجواب عن الحِلّي: أنّ الانتفاع بالميتة جائزٌ على الأقوى‌، مع أنّه لو سُلّم عدم الجواز، لابدّ من تخصيص ما دلّ عليه الموجب لفساد البيع بهذين الخبرين لأخصيّتهما منه، فلا وجه لرفع اليد عن ظهورهما.

الجواب الثاني الذي ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله: ما ذكره بقوله(3): (مع أنّ المروي عن أمير المؤمنين... الخ)، هذه الرواية مرويّة في «الجعفريّات» عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام: «أنّه سُئل عن شاةٍ مسلوخة وأُخرى مذبوحة عن7.


1) جواهر الكلام: ج 36/340.

عمى على الراعي أو على صاحبها، فلا يدري الذكيّة من الميتة‌؟

قال عليه السلام: يرمي بهما جميعاً إلى الكلاب»(1).

ولكنّها لا تعارض الخبرين، إمّا لكون الرمي كناية عن عدم الانتفاع بهما بما يتوقّف على الطهارة، أو لأنّهما على فرض عمومه لجميع أنحاء التقلّبات حتّى البيع، أخصّان منها، فتخصّص بهما، كما أنّهما لا يعارضان مع ما دلّ على أنّ اللّحم المشتبه غير المعلوم أنّه مذكّى أم ميتة يُعرف بالعَرض على النار، فإن انقبض فهو ذكي، وكلّما انبسط فهو ميّت(2)، بل يعمل بالجميع.

فما عن «الدروس»(3)من الميل إلى تعرفه بالنار، وعدم جواز بيعهما من المستحلّ ضعيفٌ‌.

فتحصّل: أنّ الأظهر جواز بيعهما من المستحِلّ‌. هذا بناءً على القول بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة.

وأمّا على القول بعدمه، فمن حيث النصوص الخاصّة الحكم هو ما تقدّم من جواز البيع من المستحلّ‌. لاحظ موثّق الحلبي وحسنه المتقدّمين.

وأمّا من حيث القواعد العامّة: فقد قال الشيخ الأعظم رحمه الله(4)بعد بنائه على أنّها تقتضي عدم الجواز في الفرض الأوّل: (جاز البيع بالقصد المذكور... الخ)، ولكن البيع بقصد المذكّى لا يصحّ‌، وذلك لأنّ المبيع مجهول ومردّد بين شيئين، مع أنّه بناءً‌7.


1) المستدرك: ج 13/73 باب 7 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14788.

2) وسائل الشيعة: ج 24/188-189 باب 37 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 و 2 رقم 30310 و 30311، التهذيب: ج 9/48 ح 200.

3) راجع الدروس: ج 3/14.

4) المكاسب: ج 1/37.

على عدم جواز الانتفاع بالميتة، لا يصحّ هذا البيع من جهة أُخرى‌، وهي عدم الانتفاع بالمبيع، لا لما أشار إليه رحمه الله(1)من جريان أصالة عدم التذكية في كلّ من الطرفين - لأنّ حرمة الانتفاع من آثار الميتة، وهي لا تثبت باصالة عدم التذكية إلّا على القول بالأصل المثبت، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الموت أمرٌ وجودي لا عدم التذكية، كما حقّقناه في محلّه - بل لأنّ جواز ارتكاب بعض إطراف العلم الإجمالي لا يوجبُ إلّاجواز الانتفاع بأحدهما، ولا يعلم أنّ الذي يختاره للانتفاع هل هو المبيع المذكّى أم غيره، فلا يصير المبيع ممّا ينتفع به بجريان أصالة الحِلّ في أحدهما.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّ اعتبار جواز الانتفاع بالمبيع إنّما يكون من جهة اعتبار الماليّة المتوقّفة عرفاً على وجود منفعة محلّلة في المبيع.

وعليه، فبما أنّ من فوائد البيع ومِلْك المذكّي، هو جواز ارتكاب أحدهما، يعتبر العقلاء له الماليّة، وهذا يكفي في صحّة البيع، وهذا هو الوجه في صحّة هذا البيع من هذه الجهة، لا ما ذكره بعض أعاظم المحشّين(2)من أن جواز الانتفاع ببعض الأطراف يكون داعياً عقلائيّاً لشراء المذكّى، كي يرد عليه ما ذكره من أنّه لو صحّ البيع جاز كلّ بيع محرّم - أي فاسد - لعدم الماليّة إذا حصل هناك غرضٌ صحيح.

وقد يقال: إنّه بناءً على عدم وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف في الشبهة المحصورة، يجوز بيع أحدهما معيّناً، إذ بأصالة الحِلّ يرتفع المانع عن الجواز.

وفيه: إنّه لو كان المانع هو عدم جواز الانتفاع بالميتة، صحّ ما ذُكر، ولا يُصغى5.


1) المكاسب: ج 1/37.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/5.

إلى ما قيل من أنّ المانع هو عدم جواز الانتفاع واقعاً، وهو لا يرتفع بجريان أصالة الحِلّ‌، إذ قد عرفت أنّ اعتبار جواز الانتفاع بالمبيع إنّما هو ليصير مالاً، لا لخبر الدعائم ونحوه كما تقدّم، ولا يفرق في ذلك بين الجواز الواقعي والظاهري، إلّاأنّ المانع عن الصحّة هو الموت، وعليه فبما أنّه لا يثبت بأصالة الحِلّ أنّ موردها ليس بميتة، فيتعيّن الرجوع إلى أصالة الفساد.

أقول: وبما ذكرناه انقدح أنّه في مقام التسليم، يكفي تسليم أحدهما لو باع بقصد المذكّي، بناءً على عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة عن الطرفين، إذ وجوبه إنّما يكون مقدّمةً للانتفاع، والمفروض عدم جواز انتفاعه إلّابأحدهما، وليس وجوبه تعبّديّاً كي يقال إنّه لابدّ من تسليمهما كي يُحرز تسليم المبيع المذكّي.

وقد نقل الشيخ الأعظم(1)خبر البزنطي المتقدّم الصريح في المنع عن بيع إليات الغنم المقطوعة منها وهي أحياء، وأشكل عليه بعض مشايخنا المحقّقين بأنّ ذلك غير مرتبط بما سبق، فإنّه قدس سره انتقل عن حكم بيع المختلط إلى جواز الانتفاع بالميتة، ثمّ قال: (وعلى أيّ حالٍ فلم يعلم وجه للإضافة التي ذكرها بقوله، مع أنّ الصحيحة صريحة في المنع).

أقول تخلّصاً من هذا الإشكال: إنّه قدس سره لما بنى جواز بيع الميتة وعدمه على جواز الانتفاع بها وعدمه، ثمّ قال: (لا يجوز بيع الميتة منضمّة إلى المذكّي)، وعلَّله بأنّه لا ينتفع بالمذكي أيضاً للعلم الإجمالي، كان ذلك كاشفاً عن بنائه على عدم جواز الانتفاع بالميتة، ثمّ ذكر صحيح البزنطي إيراداً على نفسه، حيث أنّه يدلّ على جواز بعض الانتفاعات، فلازمه جواز البيع، فأجاب عنه: أوّلاً(2)بإعراض الأصحاب، ثمّ بمعارضته بما دلّ على المنع في مورده، ثم بأنّه صرّح في المنع عن البيع.9.


1) المكاسب: ج 1/38 و 39.

2) المكاسب: ج 1/38 و 39.

ولكن الظاهر أنّ الإيراد المذكور لا يندفع بشيء ممّا أُفيد.

أمّا كون الرواية شاذّة: فلأنّه يرده أن حكم المشهور بعدم جواز الانتفاع لا يكون كاشفاً عن إعراضهم عن الخبر، إذ لعلّه مستند إلى ما استدلّ به لذلك، الذي ذكرناه مع جوابه في البحث عن عدم جواز بيع الميتة من هذا الشرح مفصّلاً، فالإعراض غير ثابت، فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الجامع لشرائط الحجيّة.

وأمّا معارضته بما دلّ على المنع في موردٍ: فلأنّ الخبر المذكور ظاهرٌ في عدم حرمة الإسراج في نفسه، بل حرمة ما يلازمه في الاستعمال المتعارف من تلويث اليد واللّباس، ومقتضى ذلك عدم حرمة الإسراج مع عدم تلويثهما.

وأمّا صراحته في المنع عن البيع، فهي من شواهد ما اخترناه من أنّ الموت مانعٌ تعبّدي عن الصحّة لا بلحاظ عدم جواز الانتفاع.


ميتة ما ليس له دمٌ سائل

الفرع الثاني: يجوز المعاوضة على الميتة من غير ذي النفس السائلة، وعليه شهرة عظيمة بين الأصحاب(1).

واستدلّ له: بوجود المقتضى، وهو الانتفاع بها بالمنافع المحلّلة، وعدم المانع عنها لعدم ما يصلح للمانعيّة عن المعاوضة على الميتة الطاهرة، إذ الروايات العامّة ضعيفة السند، والروايات الخاصّة ظاهرة في الميتة النجسة.

وفيه: إنّ بعض النصوص وإن اختصّ بالنجسة، إلّاأنّه لا مفهوم له كي يقيّد إطلاق سائر النصوص المتضمّنة أنّ ثمن الميتة من السحت الشاملة للطاهرة أيضاً.

وتوهم: اختصاص تلك النصوص بأنفسها بالنجسة، لا وجه له سوى الانصراف، إذ مضافاً إلى أنّ قلّة أفراد صنفٍ بالنسبة إلى غيره لا يكون منشأ للانصراف. لا نُسلّم قلّة أفراد الميتة الطاهرة، لكثرة الميتة الطاهرة من الأسماك وغيرها.



1) مفتاح الكرامة: ج 4/19، الحدائق الناضرة: ج 18/77، جواهر الكلام: ج 22/17.

والدَّم،

حكم بيع الدَّم

المسألة الخامسة: (و) يحرم المعاوضة على (الدَّم) بلا خلافٍ‌(1)

(2و4) المكاسب: ج 1/27 و 34.

.

أقول: الظاهر أنّه لا إشكال في فساد البيع إذا لم يكن له منفعة محلّلة، إنّما الكلام فيما إذا فرضت له منفعة محلّلة كالصبغ والتسميد لبعض النباتات.

واستدلّ الشيخ قدس سره للفساد في هذا الفرض بوجوه، وهي:

الوجه الأوّل(2): الأخبار العامّة المتقدّمة الدالّة على عدم جواز بيع النجس.

وهو فاسد للأسباب التالية:

السبب الأوّل: أنّه ليس في شيء من النصوص المتقدّمة ما يمكن الاستدلال به في المقام الا ما في خبر «تحف العقول»، من قوله عليه السلام: «أو شيء من وجوه النجس...

الخ»(2)، وأمّا البقيّة فقد اعترف هو قدس سره باختصاصها بما إذا لم يكن للمبيع منفعة محلّلة مقصودة.

السبب الثاني: ما تقدّم من أنّ الأخبار المتقدّمة كلّها ضعيفة السند، لا يمكن الاستدلال بشيء منها.

السبب الثالث: ما تقدّم منّا، وسيعترف هو قدس سره(4) به من أنّ التعليل فيه لمنع بيع شيء من وجوه النجس بكونه منهيّاً عن أكله وشربه إلى آخر ما ذكر فيه، يدلّ على أنّ‌


1) المقنعة: ص 589، المراسم العلويّة: ص 172، النهاية: ص 364، السرائر: ج 2/221، نهاية الأحكام: ج 2/463 وغيرها.

2) وسائل الشيعة: ج 17/83 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

المانع حرمة الانتفاع لا النجاسة من حيث هي، فمع فرض ترتّب منفعة محلّلة على النجس، يجوز بيعه.

مع أنّه لو سُلّم ظهوره في عدم جواز بيع النجس مطلقاً، يقع التعارض في أمثال المقام ممّا ينتفع به منفعة محلّلة، بين هذه الفقرة منه، وبين قوله عليه السلام: «وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات» المقتضي للصحّة، وبما أنّ التعارض ليس بين روايتين، بل بين جملتين من رواية واحدة، فإنّه لا سبيل إلى الرجوع إلى المرجّحات، بل تتساقطان والمرجع هو عموم ما دلّ على جواز البيع.

الوجه الثاني: أنّ بيع الدَّم إعانة على الإثم فيكون محرّماً.

وفيه: مضافاً إلى ما سيجيء من عدم حرمة الإعانة على الإثم، وإلى ما تقدّم من عدم ملازمة الحرمة للفساد، أنّ النسبة بين بيع الدَّم وبينها عموم من وجه، إذ قد يشتري الدَّم لغير الأكل بل للتسميد ونحوه.

الوجه الثالث: ما دلّ من الكتاب والسُنّة على حرمة الدَّم، كقوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ‌) (1)بضميمة النبويّ‌: «إنّ اللّه إذا حَرّم شيئاً حَرّم ثمنه»(2).

وفيه: مضافاً إلى ما تقدّم من ضعف سند النبويّ‌، إنّ المراد من حرمة الدَّم حرمة أكله خاصّة، وقد مرّ عدم الملازمة بين تلك وبين الفساد.

الوجه الرابع: مرفوع أبي يحيى الواسطي، قال: «مرَّ أمير المؤمنين عليه السلام بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدَّم... الخ»(3).6.


1) سورة البقرة: الآية 173.

2) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند ابن الجعد: ج 1/479، والبحار: ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وغيرها.

3) وسائل الشيعة: ج 24/171 باب 31 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 2 رقم 30266.

وأورد عليه الاُستاذ الأعظم(1):

1 - بأنّه ضعيف السند.

2 - وباختصاصه بالدّم النجس.

3 - وبأنّ الظاهر منه إرادة عدم جواز البيع للأكل فقط، تكليفاً أو وضعاً أيضاً، كما نبّه على ذلك الشيخ الأنصاري رحمه الله.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ ضعفه منجبرٌ بعمل الأصحاب، وإفتائهم بعدم الجواز.

فعن «النهاية»(2)و «المبسوط»(3)و «المراسم»(4): أنّ المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة حرمة بيع الدَّم النجس.

وعن «التذكرة»(5): دعوى الإجماع على عدم جواز بيع نجس العين.

وأمّا الثاني: فلأنّه لا محذور في الالتزام بذلك، بل ظاهر الفتاوى أيضاً كالنص هو ذلك.

وأمّا الثالث: فلأنّه لا وجه لهذه الدعوى سوى دعوى الانصراف ومناسبة سياق أخواته، وكلتا الدعويّين كما ترى‌.

فتحصّل: أنّ الأظهر عدم جواز بيع الدَّم النجس، هذا في غير دم الإنسان، وأمّا دم الإنسان فالكلام فيه محرّر في «المسائل المستحدثة».5.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/99-100.

2) نهاية الإحكام: ج 2/463.

3) المبسوط: ج 2/165-166.

4) المراسم العلويّة: ص 172.

5) تذكرة الفقهاء: ج 1/465.

وأمّا الدَّم الطاهر: فالخبر لا يدلّ على المنع عن بيعه، فلو فرض له منفعة محلّلة كالصبغ على القول بجوازه، يجوز بيعه بمقتضى العمومات.

ولكن قد يقال: بعدم جوازه، ولا وجه له سوى توهم أنّه ممّا تقتضيه آية تحريم الخبائث(1)، وقد مرَّ أن الخبيث عبارة عن ما فيه مفسدة ودناءة، وليس المراد به ما يتنفّر منه الطبع، مضافاً إلى ما تقدّم أيضاً من اختصاصها بالأكل.

وقد يقال: إنّه على القول بجوازه لا يجوز البيع، وغاية ما قيل في وجه عدم الجواز - مضافاً إلى ما تقدّم الذي عرفت ما فيه - إنّ الصبغ وكذا ما شابهه ليس من المنافع الشائعة للدّم، فيصحّ أن يقال إنّه شيء لا ينتفع به منفعة محلّلة، فيشمله ما ورد في النبويّ من قوله صلى الله عليه و آله: «إنّ اللّه إذا حَرّم شيئاً حَرّم ثمنه»(2).

لكنّك عرفت أنّ النبويّ ضعيف السند، والقواعد تقتضي صحّة بيع كلّ ما له منفعة، شائعةً كانت أم نادرة. وعليه فالأظهر جواز بيعه.

***ا.


1) سورة الأعراف: الآية 157.

2) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند ابن الجعد: ج 1/479، والبحار: ج 80/238، والخلاف: ج 3/184، وغيرها.

بيع المني

المسألة السادسة: المعروف بين الأصحاب(1)حرمة بيع المني، وتنقيح القول عنه يتحقّق بالبحث في مواضع:

الأوّل: في بيع المني إذا وقع في خارج الرّحم.

الثاني: في بيعه بعد وقوعه فيه الذي يسمّى بالملاقيح.

الثالث: في بيع عسيب الفحل، وهو ماء الفحل في صُلبه، ويسمّى بالمضامين.

أمّا الموضع الأوّل: فالظاهر عدم جواز بيعه وضعاً، بناءً على ما سيجيء من عدم جواز بيع ما ليس له منفعة ولو نادرة، فإنّه حينئذٍ لا ينتفع به.

وأمّا الموضع الثاني: فقد استدلّ لعدم جواز بيعه بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه لا ينتفع به المشترى، إذ الولد نماء الأم في الحيوانات عرفاً، فبمجرّد وقوع المني في الرّحم، يصبح ملكاً لمالك الأُنثى بالتبعيّة، فلا يجوز بيعه لا من صاحب الأُمّ ولا من غيره.

وفيه: - مضافاً إلى ما ذكره الشيخ رحمه الله(2)من أنّه بناءً على تملّك المني يكون هو كالبذر المغروس في أرض الغير يتبعه الذرع - أنّه لو سُلّم كون الولد نماء الأُمّ في غير الإنسان، يمكن تصحيح شراء صاحب الأُنثى بأنّه لا وجه لعدم جوازه سوى كونه نماء مِلْكه، وهو إنّما يمنع عن شرائه بعد الاستقرار في الرّحم لا قبله، لأنّه يكفي في المنفعة حصول الولد في ملك المشتري فتدبّر، كما يمكن تصحيح شراء غيره، بأن


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/67، إيضاح الفوائد: ج 1/411، المكاسب: ج 1/29.

2) المكاسب: ج 1/29.

يشتري من صاحب الأُنثى‌، لا من صاحب الفحل، أو منه مع إجازة صاحب الأُنثى‌.

الوجه الثاني: إنّه نجسٌ فلا يجوز بيعه.

وفيه أوّلاً: لا نُسلّم نجاسته إذا دخل من الباطن إلى الباطن، كما هو المفروض.

وثانياً: إنّه قد تقدّم مراراً ويعترف به الشيخ رحمه الله في بيع الميتة(1)، من أنّ النجاسة من حيث هي لست مانعة عن صحّة البيع.

الوجه الثالث: الجهالة، والمراد بها هو الجهل بالحصول، وصيرورته ولداً لا الجهل بالكم.

وعليه فالإيراد على هذا الوجه كما عن جمعٍ من المحقّقين، كالمحقّق الإيرواني(2)، والأُستاذ الأعظم(3)، وغيرهما من أنّ الجهالة إنّما توجب المنع فيما كان المطلوب فيه الكم، وتختلف القيمة باختلاف الكم والكيف دون مثل المقام، في غير محلّه.

الوجه الرابع: عدم القدرة على التسليم.

ويرد عليه: ما أوردوه من أنّ تسليم كلّ شيء بحسب حاله، وهو في المني وقوعه في الرّحم، وهو حاصلٌ في الفرض.

أقول: ويشهد لعدم جواز البيع - مضافاً إلى الجهالة - ما عن الصدوق في «معاني الأخبار» روايته بسندٍ متّصل عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه:

«نهى عن المجر، وهو أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة، ونهى صلى الله عليه و آله عن الملاقيح والمضامين، فالملاقيح ما في البطون وهي الأجنّة، والمضامين ما في أصلاب5.


1) المكاسب: ج 1/33.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/5 (الرابعة في جرمة بيع المني).

3) مصباح الفقاهة: ج 1/105.

الفحول، وكانوا يبيعون الجنين الذي في بطن الناقة وما يضرب الفحل في عام أو أعوام»(1).

ومصحّح محمّد بن قيس، عن مولانا الباقر عليه السلام: «لا تبع راحلة عاجلة بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل»(2).

وعن العلّامة رحمه الله(3): (إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله نهى عن بيع الملاقيح والمضامين)، وبما أنّ النهي عن المعاملة ظاهرٌ في الفساد، دون الحكم التكليفي فلا يستفاد من هذه النصوص إلّابطلان البيع.

فتحصّل: أنّ الأظهر عدم جواز بيعه.

وأمّا الموضع الثالث: فيشهد لعدم جواز بيعه أُمور:

الأمر الأوّل: جهالته، بالمعنى المتقدّم.

والإيراد عليه: بأنّه إنّما يعتبر العلم بعوضي المعاملة من جهة الغرر المرتفع بالعلم بالطروقة والاجتماع، فلا تضرّ الجهالة كما عن الأُستاذ الأعظم(4).

في غير محلّه، إذ الغرض المهمّ المترتّب على عسيب الفحل الموجبُ لصيرورته مالاً إنّما هو صيرورته ولداً، لا مجرّد الطروقة والاجتماع، فمع الجهل بذلك لا ريب في صدق الغرر.

الأمر الثاني: عدم القدرة على التسليم، إذ الموجود في أصلاب الفحول غير مقدور على تسليمه، فتدبّر، فإنّ ذلك لا يخلو عن إشكال.7.


1) وسائل الشيعة: ج 17/352 باب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 2 رقم 22731، معاني الأخبار: ص 278.

2) وسائل الشيعة: ج 17/352 باب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 3 رقم 22732، الكافي: ج 5/191 ح 5.

3) تذكرة الفقهاء: ج 10/66.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/107.

الأمر الثالث: جملة من النصوص:

منها: الموثّق المروي عن «الجعفريّات» عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد عَدّ من السحت ثمن اللّقاح(1)، وعسب الفحل(2)، وجلود السباع(3).

ومصحّح محمّد بن قيس المتقدّم، ونحوهما وغيرهما.

وأورد على الاستدلال بها: أنّ في المقام طائفة أُخرى من النصوص تدلّ على جواز إكراء التيوس، ونفي البأس عن أخذ أُجورها:

منها: موثّق معاوية، عن مولانا الصادق عليه السلام في حديثٍ‌، قال:

«قلت له: أجر التيوس‌؟ قال: إنْ كانت العرب لتعاير به، ولا بأس»(4).

ومنها: خبر حنان بن سدير، قال: «دخلنا على أبي عبد اللّه عليه السلام ومعنا فرقد الحجّام، فقال له: إنّ لي تيساً أكريه فما تقول في كسبه‌؟

قال عليه السلام: كُلْ كسبه فإنّه لك حلال»(5).

أقول: والجمع بين الطائفتين يقتضي حمل الطائفة الأُولى المانعة على الكراهة.

وفيه: أنّ الطائفة المجوّزة إنّما تدلّ على جواز الإجارة، والمانعة تمنع عن البيع، ولا دليل على اتّحاد حكمهما، بل مقتضى القاعدة هو الالتزام بالمنع عن البيع وجواز الإجارة، كما لعلّ هذا هو المشهور بين الأصحاب(6).ز.


1) المستدرك: ج 13/69 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14773.

2) المستدرك: ج 13/76 باب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14801.

3) المستدرك: ج 13/120 باب 31 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 14950.

4) وسائل الشيعة: ج 111/17 باب 12 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22113، التهذيب: ج 6/355 ح 133.

5) وسائل الشيعة: ج 17/111 رقم 22112، التهذيب: ج 6/354 ح 130.

6) فقد التزم غير واحد من عدم صحّة بيع المني دون سائر المعاملات الاُخرى كالإيرواني في حاشيته على المكاسب: ج 1/5، ومنهم من جمع بين الطائفتين بكراهية البيع، وآخرين بتقديم أدلّة الجواز.

وأمّا الإيراد على موثّق الجعفريّات بأنّه في نفسه ظاهرٌ في الكراهة، لاشتماله على جلود السباع التي لا إشكال في جواز بيعها.

ففي غير محلّه لما حقّقناه في محلّه من أنّ ثبوت الترخيص في بعض الأُمور التي نُهي عنها، لا يصلح دليلاً على الجواز، فيما لم يدلّ دليل على الترخيص فيه.

وأيضاً: حمل الطائفة المانعة على التقيّة، مضافاً إلى أنّه لا وجه له، إذ موافقة العامّة من مرجّحات إحدى الحجّتين على الأُخرى بعد فقد جملة من المرجّحات، لا من مميّزات الحجّة عن اللّاحجّة، أنّ المسألة محلّ الخلاف بين العامّة أيضاً.


والكلب إلّاكلب الصيد والماشية والحائط والزرع.

حكم بيع الكلب

المسألة السابعة: لا خلاف (و) لا إشكال في حرمة بيع (الكلب) في الجملة، وجواز بيع بعض أقسامه، ولذلك فقد اختلفت كلمات القوم في التعبير عن الموضوع:

ففي المتن أخذ الموضوع الكلب (إلّا كلب الصيد والماشية والحائط والزرع).

وجاء في «مكاسب» الشيخ الأعظم(1): (يحرم التكسّب بالكلب الهراش).

وكيف كان، فالمشهور المجمع عليه(2)عدم جواز بيع الكلب، وأمّا المستثنى فسيأتي الكلام فيه.

وملخّص القول في المقام: إنّ الحرمة التكليفيّة لا دليل عليها، وما ورد في «التذكرة»(3)من قوله: (الكلب إنْ كان عقوراً حَرُم بيعه عند علمائنا)، ليس نقل إجماع تعبّدي على الحرمة كي يكون دليلاً عليها، مع أنّه من المحتمل إرادة الحرمة الوضعيّة.

وقوله عليه السلام في بعض النصوص: «ونَهى عن ثمن الكلب»(4)لا يدلّ عليها كما لا يخفى‌.

وأمّا الحرمة الوضعيّة: فتشهد لها جملة من النصوص:


1) المكاسب: ج 1/41.

2) المقنعة: ص 589، النهاية: ص 364، السرائر: ج 2/220، نهاية الأحكام: ج 2/461.

3) تذكرة الفقهاء: ج 10/26.

4) وسائل الشيعة: ج 17/119 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22138، التهذيب: ج 7/136 ح 71.

منها: خبر السكوني، عن مولانا الصادق عليه السلام: «السُّحت ثمن الميتة وثمن الكلب»(1).

ومنها: موثّق «الجعفريّات»، عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد عَدّ فيه من السحت ثمن الكلب(2).

ونحوهما غيرهما، وقد تقدّمت جملة من تلك النصوص.

أقول: وهذه النصوص وإنْ كانت مطلقة، إلّاأنّها تقيّد بالنصوص الدالّة على جواز بيع كلب الصيد، وهذه النصوص مختصّة بالبيع، لعدم إطلاق الثمن على العوض في غير البيع من المعاوضات، فعموم الحكم لسائر أنحاء المعاوضات يبتني على ثبوت عدم الفصل أو الإجماع التعبّدي، أو عدم وجود المنفعة المحلّلة له الموجب لعدم ماليّته.

***3.


1) وسائل الشيعة: ج 17/93 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22061، التهذيب: ج 6/368 ح 182.

2) المستدرك: ج 13/69 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14773.

حكم بيع الخنزير

المسألة الثامنة: المشهور بين الأصحاب عدم جواز بيع الخنزير(1)، بل لعلّ عدم جواز بيعه هو المجمع عليه بين الخاصّة(2)والعامّة(3).

أقول: أمّا النصوص الواردة في المقام فهي طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما تدلّ على عدم الجواز إذا كان البائع مسلماً، والجواز إذا كان ذميّاً، كموثّق علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام:

«عن رجلين نصرانيّين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجلٍ‌، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحلّ له ثمنه بعد الإسلام‌؟

قال عليه السلام: إنّما له الثمن، فلا بأس أن يأخذه»(4).

فإنّه كما يدلّ على جواز بيعه قبل الإسلام، يدلّ بمفهومه على عدم جوازه بعد الإسلام، كما هو واضح.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على عدم جواز بيع المسلم الخنزير، كخبر معاوية بن سعيد، عن الإمام الرضا عليه السلام:

«عن نصراني أسلم وعنده خمرٌ وخنازير وعليه دَين، هل يبيع خمره وخنازيره فيقضي دَينه‌؟ فقال عليه السلام: لا»(5).


1) المقنعة: ص 589، النهاية: ص 363، السرائر: ج 2/219، نهاية الأحكام: ج 2/461.

2) نقل الإجماع في جواهر الكلام: ج 22/10 عن والمبسوط وتذكرة الفقهاء ومنتهى الأحكام.

3) لاحظ فقه المذاهب: ج 2/231، حكى عن المذاهب الأربعة إجماعهم على بطلان بيع الخنزير. وفي شرح فتح القدير: ج 5/186 بيع الخنزير فاسد.

4) وسائل الشيعة: ج 234/17 باب 61 من أبواب مايكتسب به ح 1 رقم 22413، قرب الإسناد: ص 267 ح 1065.

5) وسائل الشيعة: ج 17/226 باب 57 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22392، الكافي: ج 5/231 ح 5.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على جواز بيع الذمّي إيّاه:

منها: موثّق منصور: «قال: قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: لي على رجل ذمّي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر، فيحلّ لي أخذها؟

فقال عليه السلام: إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك»(1).

ومنها: موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلين نصرانيّين باع أحدهما من صاحبه خمراً أو خنازير ثمّ أسلما قبل أن يقبضا الدراهم‌؟ قال عليه السلام:

لا بأس»(2).

الطائفة الرابعة: ماتدلّ‌على الجواز مطلقاً، كحسن زرارة، عن مولاناالصادق عليه السلام:

«في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمراً وخنزيراً ثمّ يقضي منها؟

قال عليه السلام: لا بأس، أو قال: خُذها»(3). ونحوه غيره.

فإنّ هذه الطائفة صريحة في جواز استيفاء الدَّين من ثمن الخنزير، ولازم ذلك صحّة بيعه، وإلّا لزم استيفاء الدَّين من مال الغير، وهو أكل للمال بالباطل.

الطائفة الخامسة: ما تدلّ على المنع مطلقاً، كخبر «الجعفريّات»، حيث جعل الإمام عليه السلام فيه: «مِنَ السّحت ثمن الخنزير»(4).

ونحوه خبر «دعائم الإسلام»(5).

أقول: والجمع بين هذه النصوص يقتضي الالتزام بجواز بيع الذمّي الخنزير2.


1) وسائل الشيعة: ج 232/17 باب 60 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22408، الكافي: ج 5/232 ح 10.

2) وسائل الشيعة: ج 25/376 ب 34 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 3 رقم 32165، التهذيب: ج 9/116 ح 237.

3) وسائل الشيعة: ج 17/233 باب 60 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22410، الكافي: ج 5/232 ح 11.

4) المستدرك: ج 13/69 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14773.

5) المستدرك: ج 13/71 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 14777، دعائم الإسلام: ج 2/18 ح 22.

وعدم جواز بيع المسلم، وذلك لأنّ الطائفة الأُولى بمنطوقها تقيّد إطلاق الطائفة الخامسة، وتعضدها في ذلك الطائفة الثالثة، وبمفهومها تقيد إطلاق الطائفة الرابعة المجوّزة، وتعضدها في ذلك الطائفة الثانية.

هذا كلّه في الجواز الوضعي.

وأمّا من حيث الحكم التكليفي: فالظاهر هو الحرمة، حتّى فيما جاز البيع وضعاً، كما يشهد له حسن ابن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام:

«في رجلٍ كان له على رجلٍ دراهم، فباع خمراً أو خنازير، وهو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به أمّا للمقتضي فحلال، وأمّا للبائع فحرام»(1).

فإنّه صريح في الجواز الوضعي من جهة صراحته في جواز استيفاء الدَّين من ثمن الخنزير، وفي الحرمة التكليفيّة. فتدبّر.

قال الشيخ الأعظم رحمه الله(2): (وكذلك أجزائهما).

أقول: موضوع النصوص هو الكلب والخنزير، ففي كلّ مورد يحكم بعدم جواز البيع، لابدّ وأن يحرز صدق أحد هذين العنوانين وإلّا فلا وجه للحكم به، ولا ريب في عدم صدق عنوان الكلب والخنزير على أجزائهما، وعليه فلا مورد لاستفادة حرمة بيعها من النصوص المتقدّمة.

ودعوى: أنّ المستفاد منها فساد بيع كلّ جزءٍ من أجزائهما، إذ لو كان بيع بعض أجزائهما جائزاً لما كان وجه لكون تمام الثمن سُحتاً، كما عن بعض المحقّقين.

مندفعة: بأنّ‌المستفاد من النصوص فساد بيع كلّ جزءٍ من أجزائهماحتّى الأجزاء1.


1) وسائل الشيعة: ج 17/232 باب 60 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22409، التهذيب: ج 7/137 ح 77.

2) المكاسب: ج 1/41.

التي لا تحلّها الحياة، إلّاما يكون تبعاً في البيع، ولا يقع جزء من الثمن في مقابله، ولكن ذلك في صورة الانضمام وصدق عنوان الكلب والخنزير لا في صورة الافتراق.

اللّهُمَّ إلّاأن يُدّعى العلم بعدم دخل خصوصيّة الانضمام في هذا الحكم.

وبعبارة أُخرى‌: بعدما لا ريب في صدق عنوان الكلب والخنزير على الميتة منهما ولو بالمسامحة العرفيّة، ودلالة تلك النصوص على حرمة بيعها، فإنّ دعوى العلم بعدم دخل خصوصيّة الاتّصال في الحكم، وكون تمام الموضوع بحسب المتفاهم العرفي جَسدُ الكلب والخنزير بلا دخل للاتّصال فيه، قريبةٌ جدّاً، وعليه فلا يجوز بيع أجزائهما التي لا تحلّها الحياة بالتقريب المتقدّم عن بعض المحقّقين(1).

أقول: نعم، في خصوص شعر الخنزير دلّت النصوص على جواز بيعه، كموثّق زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام، قال:

«قلت له: إنّ رجلاً من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير؟ قال عليه السلام: إذا فرغ فليغسل يده»(2).

ونحوه غيره من النصوص المعتبرة.

ولو تنزّلنا عمّا ذكرناه، يدلّ على عدم جواز بيع أجزائهما التي تحلّها الحياة، ما دلّ على حرمة بيع الميتة الصادقة عليهما.

***0.


1) راجع مصباح الفقاهة ج 1/81.

2) وسائل الشيعة: ج 227/17-228 باب 58 من أبواب مايكتسب به ح 1 رقم 22394، التهذيب: ج 382/6 ح 250.

حكم بيع المتنجّس

المسألة التاسعة: يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجّسة غير القابلة للتطهير على المشهور بين الأصحاب(1)، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه(2).

واستدلّ له: بقوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «أو شيء يكون فيه وجه من وجوه النجس»(3).

وأورد عليه الشيخ(4): بأنّ الظاهر من (وجوه النجس) العناوين النجسة، لأنّ ظاهر الوجه هو العنوان.

وقد استدلّ هو قدس سره(5)لهذا الحكم فيما إذا كانت منافعه المعتدّ بها متوقّفة على الطهارة، بالنبوي المشهور، وخبر «دعائم الإسلام» المتقدّمين، وبقوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «لأنّ ذلك كلّه محرّم أكله وشربه ولبسه... الخ».

وفيه: ما تقدّم من ضعف سند هذه النصوص، فلا يعتمد عليها.

وأورد عليه الأُستاذ الأعظم(6): بأنّ المراد من الحرمة فيها إنْ كان هو الحرمة الذاتيّة، فلا تشمل المتنجّس، وإنْ كان هو الأعمّ منها ومن الحرمة العرضيّة، فلا وجه للفرق بين ما يقبل التطهير وما لا يقبل.


1) راجع المبسوط: ج 2/167 كما هو الظاهر، غنية النزوع: ص 213، تذكرة الفقهاء: ج 10/25، وقد نقل السيّد الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 1/149 المشهور على الحرمة.

2) غنية النزوع: ص 213، ونقل الإجماع في مصباح الفقاهة: ج 1/149.

3) وسائل الشيعة: ج 17/84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

4) المكاسب: ج 1/43 و 85.

5) المكاسب: ج 1/43.

6) مصباح الفقاهة: ج 1/150.

وفيه: أنّ المراد هو الثاني، ووجه الفرق بين القسمين عدم صدق حرمة الشيء بقول مطلق في الأوّل وصدقها في الثاني.

وأورد عليه المحقّق الإيرواني رحمه الله(1): بأنّ قبول الطهارة إنْ كان مسوّغاً للبيع، ساغ في الأعيان النجسة، لأنّها قابلة للتطهير بالاستحالة والاستهلاك.

وفيه: أنّه في هذين الموردين إنّما يُحكم بعدم بقاء النجاسة لارتفاع الموضوع وانعدام النجس، وعليه فالفرق بين المتنجّس القابل للطهارة والنجس، أنّه في الأوّل بما أنّه قابلٌ للطهارة فهذا الموجود ممّا له منفعة محلّلة فيجوز بيعه، وهذا بخلاف الثاني، فإنّه وان فرض جواز الانتفاع بما استحيل إليه، إلّاأنّه لا مجال لتصحيح بيع شيء وموجودٍ خاص لأجل ما يترتّب على موجود آخر من المنافع.

نعم، هذا على مسلك الشيخ رحمه الله القائل بأنّ دليل فساد البيع فيما لا ينتفع به منفعة محلّلة مقصودة، هو الأخبار العامّة.

وأمّا بناءً على المختار من عدم صحّة الاستدلال بها، وأنّ المدرك عدم صدق عناوين المعاملات على ما لا نفع له، فالأظهر تماميّة ما ذكره، إذ لو فرضنا وجود منفعة محلّلة لما استحالت إليه العين النجسة، يصدق عنوان (البيع) الذي هو الإعطاء لا مجّاناً، وعنوان (تجارة عن تراضٍ‌)، وغيرهما من عناوين المعاوضات.

***6.


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/6.

حكم بيع كلب الصيد

أقول: وأمّا المستثنى من الأعيان المتقدّمة، فنذكره في طيّ مسائل:

المسألة الأُولى‌: يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة إجماعاً(1)، والنصوص دالّة عليه، وتحقيق القول فيها بالبحث في موضعين:

الموضع الأوّل: لا خلاف في جواز بيع كلب الصيد، وعن «الخلاف»(2)دعوى الإجماع عليه.

وتشهد له جملة من النصوص:

منها: موثّق محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحتٌ‌»(3).

ومنها: خبر أبي بصير، عنه عليه السلام: «عن ثمن كلب الصيد؟ قال عليه السلام: لا بأس بثمنه، والآخر لا يحلّ ثمنه»(4).

ومنها: خبر الوليد، عنه عليه السلام: «عن ثمن الكلب الذي لا يصيد؟ فقال عليه السلام: سحت، وأمّا الصيود فلا بأس»(5).

ونحوها غيرها.

أقول: وقد يتوهم اختصاص هذه النصوص بالسَّلوقي، بدعوى انصراف كلب


1) الخلاف: ج 3/181، غنية النزوع: ص 213، مختلف الشيعة: ج 5/12.

2) الخلاف: ج 3/182.

3) وسائل الشيعة: ج 119/17 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22137، التهذيب: ج 6/356 ح 138.

4) وسائل الشيعة: ج 17/119 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22139، التهذيب: ج 6/356 ح 137.

5) وسائل الشيعة: ج 119/17 باب 14 من أبواب مايكتسب به ح 7 رقم 22141، التهذيب: ج 367/6-368 ح 181.

الصيد إليه لكثرة وقوع الاصطياد به.

وفيه أوّلاً: أنّ الاصطياد بغيره أيضاً كثير، وإنْ كان بالنسبة إليه أقلّ‌.

وثانياً: إنّ غلبة الوجود كغلبة الاستعمال لاتكون منشئاً للانصراف الموجب للتقييد.

وأجاب الشيخ الأعظم رحمه الله عنه بجواب آخر، وقال قدس سره(1): (مع أنّه لا يصحّ في مثل قوله: «ثمن الكلب الذي لا يصيد» أو «ليس بكلب الصيد... الخ»).

أقول: ما ذكر من منع الانصراف على فرض التنزّل وتسليم انصراف كلب الصيد إلى السلوقي في المثال الأوّل تامّ‌، إذ الظاهر منه الكلب الذي لا يكون متّصفاً بصفة الاصطياد، ومعلوم أنّه ليس في صفة الاصطياد انصراف إلى اصطياد السلوقي، ولا يتمّ في المثال الثاني، إذ المستثنى هو الكلب الذي لا يكون كلب الصيد، وهو منصرفٌ على الفرض إلى السَّلوقي، فالمستثنى منه هو الكلب غير الصيود وغير السلوقي.

مع أنّ منع الانصراف في المثالين لا يضرّ بالاستدلال بانصراف سائر النصوص، إذ غاية ما يثبت بهما - بعد منع الانصراف - اختصاص المنع الثابت بدليليهما بالكلب الذي لا يصيد، وليس لهما مفهوم كي يدلّان على جواز بيع كلب الصيد مطلقاً.

أقول: وربما يُستدلّ على الاختصاص بالسَّلوقي بوجهٍ آخر، وهو أنّ الروايات المجوّزة على قسمين:

القسم الأوّل: ما دلّ على جواز بيع الكلب المتَّصف بوصف الاصطياد، سلوقيّاً كان أم لم يكن، وعدم جواز بيع غيره. كالنصوص المتقدّمة.4.


1) المكاسب: ج 1/53-54.

القسم الثاني: ما دلّ على جواز بيع كلب الصيد، وعدم جواز بيع غيره كخبر أبي بصير المتقدّم.

والظاهر من كلب الصيد هو نوع كلب الصيد، وإنْ لم يتّصف بعض أفراده بهذا الوصف، لا ما كان صيوداً بالفعل، إذ لا يعتبر الاتّصاف الفعلي في إضافة الموصوف إلى وصفه، بل إضافة الموصوف إلى وصف نوعه في غاية الكثرة.

وبالجملة: فالمتحصّل من هذا القسم من الأخبار أنّ الكلب السلوقي الذي هو في نوعه صيودٌ يجوز بيعه، وغيره لا يجوز بيعه، والنسبة بين هاتين الطائفتين عمومٌ من وجه، وتتعارضان في السلوقي غير الصيود، والصيود غير السلوقي، وحيث أنّ دلالة كلّ منهما على موردي التعارض بالإطلاق فيتساقط الإطلاقان، والمرجع إلى الطائفة الثالثة من النصوص وهي ما دلّ على المنع عن بيع الكلب مطلقاً.

وفيه أوّلاً: إنّ ما تضمن من النصوص تجويز بيع كلب الصيد ضعيف السند.

وثانياً: إنّه من المحتمل أن يكون المراد بكلب الصيد هو المعنى الأعمّ من نوع كلب الصيد، وما هو صيود بشخصه، لكفاية أدنى الملابسة في صحّة الإضافة.

وعلى هذا، فالنسبة بينهما عموم مطلق، وتكون النتيجة جواز بيع كلب الصيد، سلوقيّاً كان أم لم يكن، وعدم جواز بيع غيره ولو كان سلوقيّاً. فتدبّر فإنّه دقيق.


بيع الكلب الحارس

الموضع الثاني: في بيع سائر ما استثنى من بيع الكلب.

أقول: قد استدلّ على جواز بيع كلب الماشية، وكلب الزرع، وكلب الحائط بوجوه:

الوجه الأوّل: إن ذلك ممّا يقتضيه الجمع بين الأخبار المانعة عن بيع الكلب، وبين قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه وشرائه... الخ»(1)، الدالّ على جواز بيع كلّ ما فيه جهةٍ من جهات الصلاح، فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه، والكلاب المزبورة من موارد الاجتماع على جواز الانتفاع بها في الحراسة وغيرها، وحيث إنّ دلالة خبر «تحف العقول» على الجواز بالعموم، ودلالة تلك الأخبار على المنع بالإطلاق، فيقدّم عليها.

وأُجيب عنه بجوابين:

الجواب الأوّل: إنّ الأخبار التي تقسّم الكلب إلى كلب الصيد وغيره، تعدّ أخصّ من خبر «تحف العقول» فيخصّص بها.

وفيه: إنّ النسبة عموم من وجه، إذ الكلب الهراش والعقور ليس لهما جهة من جهات الصلاح، اللّهُمَّ إلّاأن يقال إنّ حمل النصوص المانعة على خصوص الكلب الهراش والعقور الذين يكفي في عدم جواز بيعهما عدم المنفعة المحلّلة لهما عبارة أُخرى عن إلغائها رأساً، وهذا بخلاف حمل خبر «تحف العقول» على غير الكلب،


1) وسائل الشيعة: ج 17/84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

فيتعيّن ذلك كما لا يخفى‌.

الجواب الثاني: إنّ هذه الجملة من خبر «تحف العقول» لا يصحّ الاستدلال بها في نفسها، لمعارضتها مع الجملة الأُخرى المتضمّنة للمنع عن بيع النجس، وحيث أنّ دلالة كلّ منهما تكون بالعموم فتتساقطان في المقام.

وفيه: ما عرفت من أنّ الجملة المتضمّنة للمنع عن بيع النجس مختصّة بالنجس الذي لا يكون له منفعة محلّلة مقصودة، فلا تشمل المقام، ولكن الذي يُسهّل الخطب ضعف سند خبر «تحف العقول»، وعدم صحّة الاستدلال به.

الوجه الثاني: مرسل «المبسوط»، فإنّه قال بعد الإفتاء بجواز بيع كلب الصيد المعلَّم: «ورُوي: أنّ كلب الماشية والحائط مثل ذلك»(1).

أقول: ولكن الاستدلال بهذا المرسل على الجواز يتوقّف على ثبوت أمرين:

أحدهما: جبر ضعف سنده، حيث أنّ الخبر مرسل.

وثانيهما: جبر قصور دلالته، لأنّ من المعلوم أنّه لم يكن في كلام الإمام عليه السلام اسم الإشارة، بل الراوي نقل مضمون كلامه عليه السلام لا ألفاظه ولا ترجمتها، وحيث أنّ نقل المضمون مشتملٌ على اجتهاد الراوي، وليس هو حجّة علينا، فالاستدلال به يتوقّف على إثبات حجيّة نقل هذا المضمون.

أمّا ضعف سنده: فقد يقال بانجبار ضعف السند باشتهار القول بالجواز بين المتأخّرين.

وأُجيب عنه: بأنّه لإعراض قدماء الأصحاب عنه، وإفتائهم بالمنع، لا يتحقّق6.


1) وسائل الشيعة: ج 17/120 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 9 رقم 22143، المبسوط: ج 2/166.

مثل هذا الجبر المدّعى.

وفيه: أنّه يمكن أن يكون إفتائهم بالمنع لأجل عدم الظفر به لا للإعراض عنه.

فالصحيح أن يقال في مقام الجواب: إنّ الشهرة بين المتأخّرين لا تكون جابرة، مع أنّ إفتائهم بالجواز يمكن أن يكون لما تقدّم أو لبعض ما سيجيء، كما صرّح به بعضهم لا للمرسل، فالإعتماد غير ثابت.

وقد يقال: بانجباره بما عن الشيخ(1)في كتاب الإجارة من أنّ أحداً لم يفرّق بين بيع هذه الكلاب وإجارتها، فإنّ المستفاد منه بعد ملاحظة الاتّفاق على صحّة إجارتها، الاتّفاق على جواز بيعها، وقد ادّعاه العلّامة(2)والشهيد(3).

وفيه: إنّه لا يُعبأ بهذه الدعاوى، بعد ملاحظة ذهاب أكثر المتقدّمين إلى المنع، بل ودعوى الشيخ في محكي «الخلاف»(4)وابن زُهرة(5)الإجماع على المنع.

أقول: ثم إنّه ادّعى الشيخ الأعظم رحمه الله(6)في المقام جبر قصور الدلالة باشتهار الجواز بين المتأخّرين.

وفيه: أنّ المعروف بين الأصحاب عدم جبر قصور الدلالة بالشهرة، والظاهر أنّ وجهه عدم حجيّة اجتهاد القوم للمجتهد.

ودعوى: أنّه فرق بين ما لو نقل ألفاظ الإمام عليه السلام أو ترجمتها، وعمل القوم بها،6.


1) المبسوط: ج 2/166. وقد ذكره الشيخ في كتاب البيع.

2) مختلف الشيعة: ج 5/13.

3) مسالك الأفهام: ج 3/135.

4) الخلاف: ج 5/395.

5) غنية النزوع: ص 213.

6) المكاسب: ج 1/56.

ولم يكن لنا حجّة على أنّ مدلول الخبر هو الذي استفادوه، وبين ما لو نقلوا مضمون خبر لم يصل إلينا ألفاظه، ولا ترجمتها، فإنّه في الأولين يجب علينا تحصيل الدلالة بأنفسنا، وفي الأخير يمكن أن يقال بأنّه يحصل الوثوق بصدور هذا المضمون، وهو المطلوب.

وإنْ شئت قلت: إنّ جبر السند في الأخير يرجع إلى الوثوق بصدور المضمون والفتوى، وهو كافٍ في الحجيّة، كما عن بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله.

مندفعة: بأن نقل القوم مضمون خبرٍ إنّما يوجب الوثوق بصدور ألفاظ من الإمام عليه السلام التي استفادوا منها هذا المضمون، لا صدور هذا المضمون منه عليه السلام، فجبر السند فيه لا يرجع إلى الوثوق بصدور هذا المضمون.

فتحصّل: أنّه لا يصحّ الاستدلال بالمرسل لقصوره من ناحيتي السند والدلالة.

الوجه الثالث: ما عن المصنّف رحمه الله في «المختلف»(1): من أنّه إذا جاز بيع كلب الصيد، جاز بيع باقي الكلاب الأربعة، والأوّل ثابتٌ إجماعاً فكذا الثاني.

بيان الشرطيّة: (أنّ المقتضي للجواز هناك كون المبيع ممّا ينتفع به، وثبوت الحاجة إلى المعاوضة، وهذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع، فيثبت الحكم عملاً بالمقتضى السالم عن المعارض). انتهى‌.

وأورد عليه الشيخ الأعظم رحمه الله(2): بأنّه يرجع إلى القياس.

وعن الأُستاذ الأعظم: أنّه قياس واضح(3).6.


1) مختلف الشيعة: ج 5/12.

2) المكاسب: ج 1/58.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/166.

وفيه: إنّ العلّامة رحمه الله يدّعي تنقيح المناط، فالصحيح في الجواب عنه أنّه لم يُحرز المقتضى للجواز في كلب الصيد، ولعلّه غير جواز الانتفاع به، مع أنّه يمكن أن يكون ذلك في غير كلب الصيد مقروناً بالمانع، ولا وجه لدعوى تنقيح المناط إلّابعد إحراز المقتضى وعدم المانع.

الوجه الرابع: ما عن العلّامة رحمه الله(1)أيضاً، وهو أنّ لها ديات منصوصة فيجوز المعاوضة عليها.

وأورد عليه الشيخ رحمه الله بقوله(2): إنّ الدية لو لم تدلّ على عدم التملّك وإلّا لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت، لم تدلّ على التملّك.

وفيه: أنّه لا تدلّ الدية على عدم التملّك، إذ هي ثابتة في كلب الصيد الذي لا كلام في أنّه يُملَك ويجوز بيعه، نعم ما ذكره رحمه الله من أنّها لا تدلّ على التملّك في محلّه، لاحتمال أن يكون من قبيل ثبوت الدية في الحُرّ من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شيء ينتفع به لا لإتلاف مال، مع أنّ التملّك أعمّ من جواز البيع، فلو دلّ ثبوت الدية على التملّك لما كان دالّاً على جواز البيع إلّامن جهة شمول العمومات له، وهي مخصّصة بأخبار المنع عن بيع غير كلب الصيد.

فتحصّل: أنّ شيئاً ممّا استدلّ به على الجواز لا يدلّ عليه، وعلى ذلك. فالحقّ هو عدم الجواز كما هو المشهور(3)، للأخبار(4)الخاصّة الدالّة على المنع عن بيع غير كلب الصيد، المخصّصة لعموم ما دلّ على جواز بيع كلّ ما فيه منفعة محلّلة.ه.


1) مختلف الشيعة: ج 5/13.

2) المكاسب: ج 1/58.

3) المقنعة: ص 589، الغنية: ص 524، شرائع الإسلام: ج 2/265.

4) وسائل الشيعة: ج 17/120 باب 14 من أبواب ما يكتسب به.

قال صاحب «الجواهر»(1): إنّ تلك الأخبار على قسمين:

القسم الأوّل: ما تضمّن عَدّ ثمن الكلب من السُّحت.

القسم الثاني: ما تضمّن تقسيم الكلب إلى كلب الصيد وغيره، وشيءٌ منهما لا يتمّ الاستدل به.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا يراد منه إلّاقضيّة مهملة، بقرينة عدم استثناء كلب الصيد المتّفق عليه منه، مع أنّه قد ذكر في بعض تلك النصوص ما عُلم إرادة الكراهة من السّحت بالنسبة إليه معه كأُجرة الحجامة ونحوها.

وأمّا الثاني: فلأنّه يحتمل أن يكون المراد به ما ورد في «الخلاف» من التفصيل في كلب الصيد بين المُعلَّم منه وغيره، بل لعلّه الظاهر من ألفاظ: الصيود، ويصطاد، ويصيد، الواردة في تلك النصوص.

أقول: وفي كلامه قدس سره مواقع للنظر:

الموقع الأوّل: ما ذكره من أنّه لم يرد بالنصوص المتضمّنة عَدّ ثمن الكلب من السّحت إلّاقضيّة مهملة، بقرينة عدم استثناء كلب الصيد.

فإنّه يرد عليه: أنّ تخصيص العام وتقيّيد المطلق بدليلٍ منفصل غير عزيز، ولا سبيل إلى توهم أنّهما يوجبان إجمالهما، والالتزام بكونهما مهملين كما حُقّق في الأُصول في مبحث العام والخاص(2).

الموقع الثاني: ما ذكره من تعيّن حمل السُّحت على إرادة الكراهة، لضمّ ما أُريد من السّحت بالنسبة إليه الكراهة.9.


1) جواهر الكلام: ج 22/140-141.

2) زبدة الأصول: ج 3/209.

فإنّه يرد عليه: ما حقّقناه في محلّه(1)من أنّ الكراهة والحرمة خارجتان عن الموضوع له والمستعمل فيه، وأنّهما تنتزعان من الترخيص في الفعل وعدمه، وعليه فحيث إنّه ورد الترخيص في أكل أُجرة الحجامة فيقال إنّه مكروه، ولم يرد مثله في ثمن الكلب، فلابدّ من البناء على حرمة أكله الموجب لفساد البيع.

الموقع الثالث: ما ذكره في الأخبار المفصّلة، فإنّه يرد عليه:

أوّلاً: إنّه خلاف الظاهر.

وثانياً: إنّ ذلك لو تمّ فإنّما يوجب دلالة تلك النصوص على جواز بيع كلب الصيد المعلَّم، وعدم جواز بيع غيره مطلقاً، لا خصوص كلب الصيد غير المعلَّم، إذ ما جُعل موضوعاً في تلك النصوص ومَقْسماً هو الكلب لا خصوص كلب الصيد، فتدبّر فإنّه دقيق.

فتحصّل: أنّ الأظهر عدم جواز بيع تلك الكلاب، ولكن بما أنّه لا شبهة في جواز الانتفاع بها للإجماع(2)، وللصحيح: لا خير في الكلاب إلّاكلب صيدٍ أو كلب ماشية»(3)، وكذلك ما ورد في «عوالي اللّئالي»: «أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أمر بقتل الكلاب في المدينة، فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي يُنتفع بها، فاستثنى كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث وأذن في اتّخاذها»(4)، فمقتضى القاعدة جواز المعاملات الأُخر.

***4.


1) زبدة الأُصول: ج 1/250 (ط. ق).

2) ادّعى الإجماع جماعة، منهم: الخلاف: ج 3/511، وغنية النزوع: ص 213، وظاهر مسالك الأفهام: ج 3/135.

3) وسائل الشيعة: ج 11/530 باب 43 من أبواب أحكام الدواب ح 2 رقم 15458، الكافي: ج 6/552 ح 4.

4) المستدرك: ج 13/90 باب 12 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 14857، عوالي اللّئالي: ج 2/148 ح 414.

بيع العصير العنبي

المسألة الثانية: في جواز المعاوضة على العصير العنبي وعدمه.

أقول: وتنقيح القول في المقام، أنّ العصير تارةً يغلي بنفسه، وأُخرى بالنار.

ففي الصورة الأُولى‌: ينجس ويحرم ولا يحلّ إلّابصيرورته خلّاً.

وفي الثانية: لا ينجس ويحرم، وحَدّ الحرمة حينئذٍ ذهاب الثلثين كما حقّقنا ذلك في بحث (حرمة العصير) من هذا الشرح مفصّلاً.

وعليه، ففي الصورة الأُولى لا يجوز بيعه لما ذكرناه في الخمر، وفي الثانية يجوز لوجود المقتضي، وهو وجود المنفعة وعدم المانع.

ودعوى: أنّه قبل ذهاب الثلثين لا ينتفع به، فلا يكون المقتضي موجوداً.

مندفعة: بأنّ عدم الانتفاع في الحالة المخصوصة التي تزول بنقصه لا يوجب سلب الماليّة عنه، ألا ترى أنّ اللّحم ما لم يُطبخ لا ينتفع به، مع أنّه مالٌ بلا كلام، فالعصير يكون مثله.

أقول: واستدلّ لعدم الجواز بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكر وقد عرفت ما فيه.

الوجه الثاني: أنّه نجس ولا يجوز بيع النجس.

وفيه: مضافاً إلى ما حقّقناه في محلّه من عدم النجاسة، قد تقدّم أنّها من حيث هي لا تكون مانعة عن صحّة البيع، مع أنّك ستعرف أنّ ما ذكره الشيخ رحمه الله في مقام الجواب تامّ‌. فانتظر.

الوجه الثالث: خصوص بعض الأخبار:

منها: قوله عليه السلام في خبر أبي كَهمس: «وإن غلا فلا يحلّ بيعه»(1).

ومنها: قوله عليه السلام في مرسل ابن الهيثم: «إذا تغيّر عن حاله وغلا فلا خير فيه»(2).

ومنها: قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس»(3).

وفيه أوّلاً: أنّها ضعيفة السند، أمّا الأوّل فلأنّ أبا كهمس مجهولٌ‌، وأمّا الثاني فلإرساله، وأمّا الثالث: فلأنّ في طريقه قاسم بن محمّد، وغير منجبرة بعمل الأصحاب، فلا يعتمد عليها.

وثانياً: أنّ خبرين منها وهما الأوّل والأخير مختصّان بالقسم الأوّل، وهو ما إذا غلا بنفسه، أمّا الأخير فواضح، وأمّا الأوّل فلأنّ استناد الغليان إلى العصير من دون ذكر السبب ظاهرٌ في حدوثه فيه بنفسه، ويؤكّد ذلك سؤاله:

«قال: سأل رجلٌ أبا عبد اللّه عليه السلام عن العصير، فقال: لي كَرْمٌ وأنا أعصره كلّ سنة واجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي‌؟

قال عليه السلام: لا بأس وإن... الخ».

فإنّ هذا الخبر سؤالاً وجواباً كالنص في إرادة ما إذا غلا بنفسه.

وأمّا الثاني: فالظاهر من نفي الخير فيه عدم ترتّب الأثر المترقّب منه وهو الشرب عليه، ويشهد له - مضافاً إلى كونه ظاهر - السؤال:

«قال سألته عن العصير يُطبخ بالنار حتّى يغلي من ساعته أيشربه صاحبه‌؟3.


1) وسائل الشيعة: ج 17/231 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22403، الكافي: ج 5/232 ح 12.

2) وسائل الشيعة: ج 25/285 باب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 7 رقم 31919، الكافي: ج 6/419 ح 2.

3) وسائل الشيعة: ج 229/17 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22399، الكافي: ج 5/231 ح 3.

فقال عليه السلام: إذا تغيّر... الخ».

الوجه الرابع: إطلاق الخمر عليه في كلمات الخاصّة والعامّة، بل عن «المهذّب البارع»(1): (أنّ اسم الخمر حقيقةٌ في عصير العنب إجماعاً).

وفيه: أنّ كلمات الفقهاء إنّما تكون للإشارة إلى أنّ المختار عندهم فيما وقع الخلاف فيه أنّ الخمر هل هي اسم لخصوص مسكرٍ خاص وهو العصير الذي صار مسكراً، أو كلّ مسكر، هو الأوّل، كما أنّ الإجماع المدّعى إشارة إلى أنّ العصير الذي أسكر خمرٌ على كلا القولين، ولا تدلّ هذه الكلمات والإجماع على أنّ العصير الذي لم يسكر خمر، مع بداهة أخذ الإسكار في مفهوم الخمر.

الوجه الخامس: صحيح معاوية بن عمّار، قال:

«سالت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبُختج ويقول قد طُبخ على الثُّلث، وأنا أعرف أنّه يشرب على النصف، أفأشربه بقوله وهو يشرب على النصف‌؟

فقال عليه السلام: خمرٌ لا تشربه... الحديث»(2).

هكذا روى عن «التهذيب»(3)، ومقتضى إطلاق التنزيل ثبوت عدم جواز البيع الذي هو من أحكام الخمر للبختج الذي هو العصير المطبوخ.

وفيه أوّلاً: إنّ الحديث مرويّ عن جميع نسخ «الكافي» وبعض نسخ «التهذيب» خالياً عن لفظة خمر، ولأجل كون الكليني أضبط، والمرويّ عن الشيخ مختلف،1.


1) المهذّب البارع: ج 5/79.

2) وسائل الشيعة: ج 293/25 باب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 4 رقم 31940، الكافي: ج 6/421 ح 7.

3) تهذيب الأحكام: ج 9/122 ح 261.

وكثرة اختلال «التهذيب» لا مجال للاعتماد على أصالة عدم الزيادة المقدّمة على أصالة عدم النقيصة عند التعارض بينهما كما لا يخفى‌.

وثانياً: إنّ الظاهر من التنزيل - بقرينة السؤالين والجوابين المذكورة في الخبر - إرادة التنزيل من حيث الحرمة خاصّة.

وثالثاً: أنّه إنّما يكون في مقام جعل الحكم الظاهري، حيث أنّ ظاهره أنّ حرمة العصير قبل ذهاب الثُّلثين وحليّته بعده كانتا معلومتين عنده، والسؤال إنّما كان عن صورة الشكّ‌، فليس في مقام بيان الحكم الواقعي حتّى يتمسك بإطلاقه، ووجه التشبيه بالخمر أنّ العصير المطبوخ قبل ذهاب ثلثيه لو ترك يغلي بنفسه سريعاً ويسكر فيكون خمراً، وهو الذي يسمّى بالباذق، معرّب (باده) من أسماء الخمر.

الوجه السادس: موثّق عمر بن يزيد، عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن الرجل يُهدى إليه البُختَج من غير أصحابنا؟ فقال عليه السلام: إنْ كان ممّن يستحلّ المُسكر فلا تشربه، وإنْ كان ممّن لا يستحلّ فاشربه»(1).

فإنّ التعبير عمّا لم يذهب ثُلثاه يكون من أهداه إليه مستحِلّاً للمسكر، يدلّ على أنّه في حكم المُسكر الذي لا يجوز بيعه، وإلّا لما صحّ هذا التعبير الكنائي.

وفيه: أنّه يمكن أن يكون سر التعبير عنه بذلك، أنّ العصير إذا لم يذهب ثلثاه يتسارع إليه الإسكار، فيصير مسكراً لا أنّه بحكمه.

الوجه السابع: النصوص المتضمّنة لنزاع آدم ونوح مع إبليس، وأنّ الثُّلث لهما والثُّلثين لإبليس لعنه اللّه، الواردة في أصل تحريم الخمر، الدالّة على أنّ تلك الواقعة9.


1) وسائل الشيعة: ج 25/292-293 باب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1 رقم 31937، التهذيب: ج 9/122 ح 259.

منشأ تحريم الخمر(1)، حيث تدلّ على أن العصير إذا غلى حكمه حكم الخمر.

وفيه: إنّ دلالة تلك النصوص على أنّ العصير إذا غلى يشارك الخمر في الحرمة، وأنّ حرمته حرمة خمريّة، وإنْ كانت لا تنكر، إلّاأنّ عدم جواز البيع التابع لصدق اسم الخمر لا لحرمتها لا يثبت بها.

الوجه الثامن: إطلاق الخمر عليه في بعض النصوص، كصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، عن مولانا الصادق عليه السلام، قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الخمر من خمسة: العصير من الكرم... الخ»(2). ونحوه غيره.

وفيه: أنّ هذه النصوص إنّما تدلّ على أنّ الخمر تؤخذ من العصير، لا أنّ كلّ عصير خمر.

فتحصّل من مجموع ما ذكرناه: أنّ العصير العنبي لا يجوز بيعه إذا غلا بنفسه، وجاز بيعه إذا غلى بالنار.

أقول: استدلّ الشيخ الأعظم(3)لجواز بيع العصير وإنْ كان نجساً بعمومات البيع والتجارة الصادقة عليه، بناءً على أنّه مالٌ قابلٌ للانتفاع به بعد طهارته بالنقص، لأصالة بقاء ماليّته.

وفيه: أمّا العمومات فلا يرجع إليها في المقام، لما مرّ من أنّ العصير المغليّ النجس يدلّ على عدم جواز بيعه نصوص خاصّة، وهي ما دلّ على عدم جواز بيع الخمر، ومعها لا مجال للرجوع إلى العمومات كما لا يخفى‌.1.


1) وسائل الشيعة: ج 25/279 باب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة.

2) وسائل الشيعة: ج 279/25 باب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1 رقم 31907، الكافي: ج 6/392 ح 1.

3) المكاسب: ج 1/61.

نعم، العمومات تكفي لجواز بيع المغليّ الذي لا يكون نجساً كما تقدّم.

وأمّا أصالة بقاء ماليّته: فقد أورد على الاستدلال بها بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله بأنّ الماليّة المشكوكة هي الماليّة الشرعيّة، إذ الماليّة العرفيّة لا شك في بقائها، والماليّة الشرعيّة وعدمها عبارتان عن تقرير الشارع الماليّة العرفيّة، وسلب ماليّة الشيء وتنزيله منزلة غير المال.

وعليه، فالشكّ في بقاء ماليّة العصير إذا غلا، يرجع إلى الشكّ في مجعول الشرع، ومنشأه الجهل بما له الحكم، أي الموضوع المسلوب عنه الماليّة، فيكون من قبيل الشكّ في الحكم المسبّب عن الشكّ في الموضوع الذي لا يجري فيه استصحاب الحكم ولا الموضوع.

أمّا الأوّل: فللشكّ في بقاء موضوعه.

وأمّا الثاني: فلعدم الشكّ في الموجود الخارجي، واستصحاب بقاء الموضوع بما أنّه موضوعٌ يرجع إلى استصحاب بقاء الحكم.

وفيه: - مضافاً إلى ما حقّقناه في محلّه من جريان الاستصحاب في هذه الموارد - أنّ المقام ليس من ذلك القبيل، إذ موضوع الماليّة الشرعيّة ليس هو الماليّة العرفيّة، بل ذات ما ثبت له الماليّة العرفيّة، إذ لا فرق بين الأحكام التأسيسيّة والإمضائيّة من هذه الجهة، وعليه فالموضوع يكون باقياً، فلا مانع من استصحاب بقاء الحكم.

فالأولى أن يورد عليها: بأنّ الماليّة الشرعيّة ليست بنفسها أمراً مجعولاً شرعيّاً بل هي تنتزع من كون الشيء ذا منفعة محلّلة بالفعل أو بالقوّة، وهي بهذا المعنى معلوم الثبوت في المقام.

وإنْ شئت قلت: إنّه لم يرد دليلٌ متضمّن لجعل الماليّة لشيء أو سلبها عن شيء،

بل هما ينتزعان من تجويز الشارع الانتفاع بشيء وبيعه وعدمه، وعلى ذلك فيكفي في المقام العمومات المتضمّنة لحليّة البيع، لثبوت الماليّة الشرعيّة، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.

وقد أيّد الشيخ(1)الأصل المزبور، بأنّه لو غَصَب عصيراً فأغلاه وجب عليه ردّه، ووجب غرامة الثُّلثين وأُجرة العمل حتّى يذهب الثُّلثان.

وفي تعليقة بعض الأعاظم(2): (بل وجب عليه دفع تفاوت قيمة العصير مغليّاً وغير مغليّ‌، إن نقصت القيمة بالغليان، والظاهر أنّ القيمة إن لم تزد لم تنقص، فيردّه ولا شيء عليه). انتهى‌.

وفيه: إنّ العصير مثلي فيضمن الغاصب بمقدار التالف أو ما بحكمه، وازدياد القيمة بعمله غير المحترم لا يقوم مقام ذلك.

ودعوى‌: صاحب «المبسوط»(3)من أنّه لا يلزم ضمان النقيصة لأنّها نقيصة الرطوبة التي لا قيمة لها، إذ النار تعقد أجزاء العصير، ولهذا تزيد حلاوته.

غير سديدة: إذ لا نُسلّم كون الذاهب خصوص الأجزاء المائيّة، مع أنّ الواقع نقص محسوس في العين فيجب بدله.

وعليه، فالأظهر وفاقاً لأكثر المتأخّرين أو جميعهم، كما في «الجواهر»(4)وجوب غرامة الثُّلثين.7.


1) المكاسب: ج 1/61.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/7.

3) المبسوط: ج 3/82.

4) جواهر الكلام: ج 37/147.

وقد ناقش المحقّق الثاني فيه(1): بأنّه ما الفرق بين هذا وبين ما لو غَصَب عصيراً فصار خمراً، حيث حكم فيه بوجوب غرامة مثل العصير، لأنّ الماليّة قد فاتت تحت يده، فكان عليه ضمانها كما لو تلفت.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله بقوله(2): (لكن لا يخفى الفرق الواضح بين العصير إذا غلا، وبينه إذا صار خمراً، فإنّ العصير بعد الغليان مالٌ عرفاً وشرعاً، والنجاسة إنّما تمنع من الماليّة إذا لم يقبل التطهير كالخمر، فإنّها لا تزول نجاستها إلّابزوال موضوعها، بخلاف العصير فإنّه يزول نجاسته بنقصه) انتهى‌.

ويرد عليه: أنّه قد عرفت أنّ العصير النجس لا يطهر إلّابزوال موضوعه ولا يزول نجاسته بنقصه.

وأيضاً: ما أورده بعض أعاظم المحشّين رحمه الله(3): بأنّ النجاسة إنْ ذهبت بالماليّة ذهبت بها في المقامين وإلّا لم يذهب بها فيهما.

فغير سديدٍ، إذ لو سُلّم أنّ العصير العنبي إذا غلا بالنار ينجس ويطهر بذهاب ثلثيه كما هو المفروض في هذا الجواب، تم ما ذكره الشيخ رحمه الله فارقاً لما تقدّم منّا ومنه رحمه الله من أنّ النجاسة من حيث هي لا تكون مانعة عن صحّة البيع، وإنّما توجب الفساد في الموارد التي يتوقّف الانتفاع بالعين على الطهارة، وعليه فإذا كان ارتفاع النجاسة بارتفاع الصورة النوعيّة، صحّ أن يقال إنّ هذا العين ليست لها منفعة محلّلة، فلا يجوز بيعها، ووجود منفعة محلّلة للموجود الآخر وهو الذي استحيل إليه هذا).


1) جامع المقاصد: ج 9/184.

2) المكاسب: ج 1/62.

3) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/7، (الثالثة: في جواز بيع العصير العنبي).

الموجود لا يسوغ البيع، وأمّا إذا كان ارتفاعها بارتفاع بعض الخصوصيّات أو نقص العين والدهن النجس، فإنّه لا يصحّ أن يقال إنّ هذا الموجود ليس له منفعة محلّلة مقصودة، فلا يشمله ما دلَّ على عدم جواز بيع النجس والمحرّم.

والظاهر أنّ هذا هو مراد الشيخ رحمه الله حيث قال(1): (لأنّ الظاهر منهما العنوانات النجسة والمحرّمة بقول مطلق، لا ما تعرضانه في حال دون حال).

والإيراد عليه: كما عن هذا المحشّي رحمه الله(2)بأنّه لو جاز بيع العصير لذلك لجاز بيع سائر المسكرات المائعة غير الخمر، لدوران نجاستها مدار الإسكار الزائلة بزواله وإنْ بقيت الصورة النوعيّة.

غريبٌ‌: إذ النجاسة لا تزول بزوال الإسكار، فإنّ المائع إذا تنجّس لا يطهر بلا ورود مطهر عليه أو استحالته وانقلاًبه.

نعم، في الخمر كلام، في طهارتها وعدمها فيما لو زال سكرها ولم تنقلب خَلّاً، وأمّا في غيرها فلا وجه له، مع أنّه لو تمّ ذلك نلتزم بجوازه، لولا ما دلّ على عدم جواز بيع المسكر، ومعه يكون هو الفارق بين المقامين.

***ف.


1) المكاسب: ج 1/62.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/7، بتصرّف.

والدُّهن النجس.

المعاوضة على الدُّهن المتنجّس

المسألة الثالثة: (و) يجوز المعاوضة على (الدُّهن النجس) على ما هو المعروف بين الأصحاب(1)، بل عن «الخلاف»(2)دعوى الإجماع عليه، والنصوص به مستفيضة:

منها: صحيح معاوية بن وهب، عن مولانا الصادق عليه السلام:

«في جُرذٍ مات في زيتٍ‌، ما تقول في بيع ذلك‌؟ فقال: بعه وبيِّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(3). ونحوه غيره(4).

وقد ذكر الشيخ رحمه الله جملة منها(5)، وإنْ كان بعضها لا يدلّ عليه كما لا يخفى على الناظر.

ومنها: ما دلّ على المنع عن بيعه، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر «الجعفريّات»:

«إنْ كان ذائباً فلا يؤكل، يُسرج به ولا يباع»(6).

ومنها: قول الإمام الكاظم عليه السلام في خبر أخيه: «لا تدهن به ولا تبعه من مسلم»(7).


1) المبسوط: ج 2/167، السرائر: ج 2/222، الجامع للشرائع: ص 248، تذكرة الفقهاء: ج 10/33.

2) الخلاف: ج 3/187.

3) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22077، التهذيب: ج 7/129 ح 34.

4) وسائل الشيعة: ج 17/97 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22074، الكافي: ج 6/261 ح 2.

5) المكاسب: ج 1/66-67.

6) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/71-72 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 14780.

7) وسائل الشيعة: ج 100/17 باب 7 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22084، قرب الإسناد: ص 261 ح 1033.

لكنّه محمولٌ على البيع مع عدم الإعلام، لأخصيّة جملة من نصوص الجواز المختصّة بالبيع من إخبار المشتري بالنجاسة عن ذلك.

ثمّ إنّ الشيخ قال(1): (وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة مبنيٌّ على المنع من الانتفاع بالمتنجّس، إلّاما خرج بالدليل، أو على المنع من بيع المتنجّس وإن جاز الانتفاع به نفعاً مقصوداً محلّلاً، وإلّا كان الاستثناء منقطعاً) انتهى‌.

وأورد عليه تارةً‌: بأنّ المستثنى منه إنْ كان خصوص الأعيان النجسة، فالإستثناء منقطع على كلّ تقدير، وإنْ كان عامّاً شاملاً للأعيان النجسة والمتنجّسة، فالإستثناء متّصلٌ كذلك، إذ النظر في اتّصال الاستثناء وانقطاعه إلى ظاهر عنوان الدليل في مقام الإثبات، لا إلى واقع ما يعرضه الحكم، فبما أنّ عنوان المستثنى منه هو نفس النجس والمتنجّس بلا دخالة قيد حرمة الانتفاع به في ذلك، وإنْ كان هو دخيلاً واقعاً، فالإستثناء متّصل.

وأُخرى‌: بأنّ الوجه الأوّل المذكور لتصحيح الاتّصال لا يصحّحه، لأنّ أصالة حرمة الانتفاع بالمتنجّس إنْ سلّمناها لا أثر لها في المقام الذي لا نقول بمقتضاها، لما دلّ من النصوص على جواز الانتفاع به.

أقول: وفيهما نظر، لأنّ المستثنى منه ليس هو خصوص الأعيان النجسة، كما يشهد له عَدّ المعاوضة على الأعيان المتنجّسة من جملة المسائل الثمان، بل الأعمّ منها ومن المتنجّسة، ولكن مقيّدة بالأعيان التي لا تنتفع بها منفعة محلّلة، وعليه فإذا فرضنا وجود الدليل على عدم جواز الانتفاع بالمتنجّس، يكون الدهن المتنجّس5.


1) المكاسب: ج 1/65.

داخلاً في المستثنى منه، فبعد ورود الدليل على جواز الانتفاع به وبيعه، لا محالة يكون الاستثناء متّصلاً.

فتحصّل: أنّ ما اعتبره قدس سره ملاكاً لكون الإستثناء متّصلاً أو منقطعاً متين جدّاً، وقد مرَّ فساد كلا المبنيين.

وأيضاً: قد استدلّ الشيخ الأعظم(1) لجواز البيع:

1 - بصحيح معاوية، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «قلتُ‌: جرذٌ مات في زيتٍ أو سَمْنٍ أو عسل‌؟

فقال: أمّا السَّمن والعَسَل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يُستصبح به»(1).

قال(3): وزاد في محكي «التهذيب»(2): «أنّه يبيع ذلك الزيت ويبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».

2 - وبصحيح الحلبي - الذي عبّر عنه اشتباهاً بصحيح سعيد الأعرج - عنه عليه السلام: «في الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب، فتموت فيه‌؟

قال: إنْ كان سمناً أو عسلاً أو زيتاً، فإنّه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله وكُلْه، وإنْ كان الصيف فارفعه حتّى يُسرج به»(3).

ولكن الصحيحين لا يدلّان إلّاعلى جواز الإسراج، ولا ربط لهما بالبيع، مع أنّ ما في «التهذيب» إنّما هو إشارة إلي صحيحه الآخر(4)، لا أنّه تتمّة لهذا الصحيح.

أقول: وتمام الكلام يتحقّق بالبحث في مواضع.4.


1) وسائل الشيعة: ج 97/17 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22074، الكافي: ج 6/261 ح 2.

2) تهذيب الأحكام: ج 9/85 ح 94.

3) وسائل الشيعة: ج 24/195 باب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4 رقم 30325، التهذيب: ج 9/86 ح 96.

4) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22077، التهذيب: ج 7/129 ح 34.

للإستصباح به.

اشتراط الإستصباح في البيع

الموضع الأوّل: قد صرّح جماعة بأنّ صحّة بيع هذا الدهن مشروطة بكونه (للإستصباح به)، وهم ما بين من اشترط كونه صريحاً(1)، وبين من اكتفى بالقصد(2)، وصرّح آخرون بعدم الاعتبار(3)، ومجموع أقوال المسألة أو وجوهها ستّة(4):

الأوّل: اعتبار اشتراط الإستصباح في صحّة البيع.

الثاني: اعتبار قصد الإستصباح فيها.

الثالث: اعتبار عدم قصد المنفعة المحرّمة.

الرابع: اعتبار قصد المنفعة المحلّلة إذا لم تكن المنفعة المحلّلة شائعة.

الخامس: اعتبار الإستصباح الخارجي.

السادس: عدم اعتبار شيء من هذه القيود فيها.

والذي يختاره الشيخ رحمه الله(5)في آخر كلامه هو الوجه الثالث، والأظهر منها هو الأخير.

أقول: وتحقيق القول في المقام يقتضي أن يقال: إنّ الدهن المتنجّس على


1) السرائر: ج 2/222 و ج 3/122.

2) الخلاف: ج 3/187، المبسوط: ج 2/167، شرائع الإسلام: ج 2/263، تذكرة الفقهاء: ج 10/33.

3) كفاية الأحكام: ص 85، الحدائق الناضرة: ج 18/90.

4) راجع مصباح الفقاهة: ج 1/183-184.

5) المكاسب: ج 1/70.

أقسام أربعة:

القسم الأوّل: ما تكون منفعته المقصودة هي الأكل ولو للتداوي، ولا يكون الإستصباح من منافعه المقصودة، باعتبار مزاحمة هذه المنفعة في الاستيفاء مع المنفعة الأُخرى‌، وهي الأكل، وهو أنفع منها بمراتب في العرف، بحيث لا تلاحظ منفعة الإستصباح في ماليّته، ولعلّ من هذا القسم دهن اللّوز، إذ ماليّته بعد كون فائدتي الأكل والإستصباح لا يمكن استيفائهما معاً، إنّما تكون في نظر العرف باعتبار الأكل، لما فيه من فوائد وخواص مهمّة، لا يقوم غيره مقامه ولو بأضعاف قيمته، بخلاف الإستصباح.

القسم الثاني: ما تكون منفعته المقصودة التي هي مناط ماليّته بنظر العرف هو الأكل، ولا يكون الإستصباح مناط ماليّته، لأجل كونه منفعة غير معتدّ بها عند العقلاء، كما لو كان دهنٌ سريع الاشتعال بحيث لو استصبح بكثيرٍ منه لاحترق خلال دقيقة واحدة مثلاً.

القسم الثالث: ما تشترك منافعه المقصودة بين الأكل والإستصباح كالزيت.

القسم الرابع: ما تختصّ منفعته المقصودة بالإسراج، كالنفط.

أمّا القسم الأوّل: فلو فرضنا أنّ الدُّهن تنجّس وانتفت الفائدة المقصودة صحّ بيعه، لأنّ المنفعة المرجوحة التي لم تكن مناط الماليّة لأكمليّة المنفعة الأُخرى وأتميّتها تكون مناطاً لماليّته حينئذٍ، فهو مال فيصحّ بيعه، وإنْ لم يقصد المنفعة المحلّلة، بل وإن قصد المحرّمة، فإنّ المبادلة إنّما تكون بين المالين، وليس طرف المبادلة المنفعة كي يقال إنّ دفع الثمن بإزاء المحرّمة منها أكلٌ للمال بالباطل، بل نفس ما فيه المنفعة، وقصد المنفعة المحرّمة لا يوجبُ سلب الماليّة عنه حتّى لا يصحّ لذلك.

وبعبارة أُخرى: وجود المنفعة الواقعيّة موجبٌ لكون هذا الشيء مالاً، وإن قصد البائع المنفعة المحرّمة، فيصحّ بيعه لذلك.

نعم، لو شرط استيفاء المنفعة المحرّمة خارجاً وإنْ لم يقصد تلك المنفعة بالقصد المعاوضي، بطل البيع بناءً على أنّ الشرط الفاسد مفسدٌ، لكن هذا كلامٌ آخر لا ربط له بالمقام، وستعرف في محلّه فساده في نفسه، بل لو قصد المنفعة المحلّلة بالقصد المعاوضي، بأن دفع الثمن بإزائها بطل البيع لعدم كون المبيع عيناً.

وما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله(1): في وجه اعتبار قصد المنفعة المحلّلة من أنّ عناوين الأشياء هي التي تكون مناط ماليّتها، لا الجسم المطلق الذي هو المادّة المشتركة بين ما له قيمة وما لا قيمة له، فإذا فرضنا الشيء لا ماليّة له إلّاباعتبار منفعةٍ خاصّة، فكما يجب تعيين العنوان في المبيع، ولا يصحّ بيع القدر المشترك بين الدّهن واللّحم مثلاً، فكذلك يجبُ تعيين العنوان الذي يكون الدهن مالاً باعتباره بقصد المنفعة المحلّلة.

غير تامّ‌: إذ لا ريب في اعتبار كون المبيع - أي ما يقابله الثمن - مقصوداً ومعلوماً ومالاً، ولذا لا يصحّ بيع القدر المشترك بين ما لا قيمة له وما له قيمة، فإنّ القدر المشترك لا ماليّة له، لأنّ الماليّة حقيقة منتزعة من وجود المنفعة المحلّلة، وهي إنّما تترتّب على الصور النوعيّة لا القدر المشترك بين الأنواع، ويكفي في انتزاع الماليّة وجود المنفعة الواقعيّة، وعليه فبما أنّ المبيع هو العين، والمنفعة ليست ممّا يقابله الثمن، فلا يعتبر زائداً على قصد عنوان المبيع وكونه مالاً، قصد المنفعة، فإنّ ماليّته لا تتقوّم بقصدها، بل هي تابعة لوجودها الواقعي. فتدبّر فإنّه دقيق.0.


1) منية الطالب: ج 1/29-30.

أقول: وبما ذكرناه ظهر حكم القسمين الأخيرين.

وأمّا القسم الثاني: فإنْ كانت المنفعة النادرة موجبة لانتزاع الماليّة عند العرف، فحكمه حكم سائر الأقسام، وإلّا فلا يصحّ بيعه لعدم الماليّة، ولو فرض ورود دليلٍ خاص على جواز البيع في هذا الفرض، فإنّه لا بدَّ من الالتزام بأحد أمرين:

1 - إمّا كونه بيعاً حكميّاً لا حقيقيّاً.

2 - أو أنّ الشارع تصرف في المبيع وجعله مالاً.

هذا ما تقتضيه القواعد.

وأمّا النصوص الواردة في المقام: فقد يتوهم دلالة قوله عليه السلام في خبر الأعرج:

«فلا تبعه إلّاأن تبيّن له فيبتاع للسراج»(1)على اعتبار قصد المنفعة المحلّلة، بدعوى أنّه يدلّ على حصر جواز البيع بما إذا بيع للإسراج، وقد اعتبر البيان مقدّمةً لذلك، فلو قصد البيع بلا بيان لم يحتج إليه، فاعتبار البيان إنّما يكون مقدّميّاً، والمعتبر حقيقةً هو قصد الإسراج.

وفيه: - مضافاً إلى ضعف سنده، لأنّ في طريقه محمّد بن خالد الطيالسي الذي لم ينقل فيه توثيق - إنّ ظهوره في نفسه في ذلك لا ينكر، إلّاأنّه لابدّ من التصرّف فيه بقرينة أنّ الإعلام واجبٌ نفسي - كما ستعرف - وهو يمنع عن ظهور النهي عن البيع في الفساد.

وإن شئت قلت: إنّه لهذه القرينة يكون ظاهراً في أنّ اعتبار القصد المذكور إنّما يكون في الإقباض لا في البيع، ومآله إلى حرمة التسبيب لوقوع الغير في الحرام، ويؤيّد ذلك أنّ ظاهره اعتبار قصد المشتري خاصّة.8.


1) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22078، قرب الإسناد: ص 128 ح 448.

مع أنّه لو سُلّم دلالته على اعتباره في البيع، يقع التعارض بينه وبين قوله عليه السلام في صحيح معاوية بن وهب المرويّ في «التهذيب»: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به»(1).

وقوله عليه السلام في موثّق أبي بصير: «وأعلمهم إذا بعته»(2)

(3و5) وسائل الشيعة: ج 17/123 باب 16 من أبواب ما يكتسب به، كمال الدِّين: ص 485.

.

ولعلّ الجمع العرفي يقتضي حمل خبر الأعرج على ما ذكرناه.

وأمّا ما ورد(3) في تحريم شراء الجارية المغنّية، فالظاهر كونه أجنبيّاً عن هذه المسألة، فإنّه يدلّ على فساد البيع فيما إذا كانت صفة محرّمة في المبيع، وقصدها البائع والمشتري، ولعلّ مقتضى القاعدة حينئذٍ هو الفساد، فإنّ الصفات المتموّلة الموجودة في المبيع إذا قصدها البائع والمشتري يقع مقدارٌ من الثمن بإزائها، وبعبارة اُخرى تصبح الصفات المذكورة من عناوين المبيع، وهذا بخلاف هذه المسألة وهي ما لو قصد التصرّف في المبيع على الوجه المحرّم الذي لا يوجب صفة في المبيع، ليقع مقدار من الثمن بإزائها.

أقول: ثمّ إنّ الظاهر أنّه ليس في الأدهان - لا سيّما الأدهان الواقعة في مورد النصوص - ما يكون الإسراج من منافعه النادرة غير الموجبة لماليّته، وبالتالي فإنّ النصوص الخاصّة لا تنافي القاعدة.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم بعد اختياره اعتبار عدم قصد المنفعة المحرّمة قال(3): (كما يؤمي إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنّية وبيعها)(5)، وصرّح في «التذكرة»(4)بأنّ الجارية المغنّية إذا بيعَت بأكثر ممّا يرغب فيها لولا الغناء، فالوجه7.


1) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22077، التهذيب: ج 7/129 ح 34.

2) وسائل الشيعة: ج 17/98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22076، التهذيب: ج 7/129 ح 33.

3) المكاسب: ج 1/71.

4) تذكرة الفقهاء: ج 10/37.

التحريم). انتهى‌.

ولكن قد مرَّ أنّ مفاد تلك الأخبار أجنبيٌ عن محلّ البحث، وهو قصد المنفعة المحرّمة.

وأيضاً: ما ذكره بعض أكابر المحقّقين رحمه الله(1)من أنّ ظاهرها حرمة الشراء مع ملاحظة صفة الغناء، والظاهر أنّ ذلك لأجل كون تلك الصفة محرّمة التحصيل، وحيث إنّ حرمة تحصيل الوصف إنّما تكون لأجل ترتّب الحرام عليه، فقصد نفس الفعل أولى بالتحريم.

فاسدٌ: لما عرفت من أنّ وجه التحريم في الجارية المغنّية هو اعتبار وصفٍ محرّم في أحد العوضين، وجعله عنوان المبيع، وهذا غير مربوط بما إذا التزم بفعل محرّم الذي لا يقع شيء من الثمن بإزائه.

***8.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/18.

وجوب الإعلام بالنجاسة حين البيع

الموضع الثاني: وقع الكلام في أنّه هل يجب الإعلام بالنجاسة حين البيع، أم لا يجب‌؟

وعلى فرض الوجوب:

هل يكون وجوبه نفسيّاً لئلّا يقع المشتري في المحرّم جهلاً بتسبيب من البائع‌؟

أم يكون شرطيّاً، بمعنى اعتبار اشتراطه فى صحّة البيع، فيكون البيع باطلاً بدونه‌؟

وحيث أنّ ظاهر النصوص المتقدّمة من جهة تضمّنها الأمر به هو الوجوب، فالقول بعدم الوجوب ضعيفٌ‌، فالأمر يدور بين أمرين:

كون وجوبه نفسيّاً، أو شرطيّاً.

أقول: وقبل الدخول في البحث، ينبغي بيان ما أفاده الشيخ في المقام، حيث قال رحمه الله(1): (الذي ينبغي أن يقال: إنّه لا إشكال في وجوب الإعلام إن قلنا باعتبار اشتراط الإستصباح في العقد، أو تواطئهما عليه من الخارج، لتوقّف القصد على العلم بالنجاسة، وأمّا إذا لم نقل باعتبار اشتراط الإستصباح في العقد، فالظاهر وجوب الإعلام وجوباً نفسيّاً قبل العقد أو بعده) انتهى‌.

محصّل مراده من الشرطيّة الأُولى: أنّه لو بنينا على اعتبار الشرط السابق فى صحّة البيع، لابدّ من القول باشتراط الصحّة بالإعلام، لتوقّف القصد على العلم بالنجاسة.

وفيه: أنّه يمكن قصد الإستصباح بتواطيهما عليه خارج العقد من دون أن يُعلمه البائع بالنجاسة، واشتراطه في العقد، فاعتبار شرط الإستصباح أو قصده


1) المكاسب: ج 1/73.

لا يوجب أن يكون الإعلام واجباً شرطيّاً من باب توقّف الشرط عليه.

ودعوى: أنّ اشتراط الانتفاع ببعض المنافع خلاف مقتضى العقد ولا ينفذ، وعليه فليس للمشتري أن يشتري مع هذا الشرط إلّامع علمه بالنجاسة.

مندفعة أوّلاً: بأنّ ذلك خلاف مقتضى إطلاق العقد لا نفسه، فتشمله أدلّة الشروط، ولا مانع من نفوذه.

وثانياً: أنّ البيع صحيح واقعاً وإنْ كان المشتري جاهلاً بصحّته، من جهة أنّ الاشتراط يكون اشتراطاً للانتفاع بالمنافع المحلّلة لا ببعضها.

وأمّا ما أفاده في الشرطيّة الثانية، فليس مراده بالنفسي كون الإعلام أحد الواجبات، وإن لم يقبض المبيع، بل مراده ما يقابل الشرطي لصحّة العقد، غير المنافي لكونه شرطاً لجواز الإقباض.

وعلى أي تقدير، فإنّ وجوبه لو ثبت فإنّما يكون في صورة الإقباض، وعليه فالنزاع في كونه في صورة الإقباض واجباً نفسيّاً، أو كونه شرطاً لجواز الإقباض لا تترتّب عليه ثمرة، وبالتالي فالصفح عنه أولى‌.

أقول: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ غاية ما قيل في وجه كون وجوب الإعلام شرطيّاً لصحّة البيع، أنّ قوله عليه السلام في خبر أبي بصير: «وأعلمهم إذا بعته» يدلّ عليه.

ولكن يرد عليه: أنّ هذا الأمر يتعيّن حمله على إرادة الوجوب النفسي لوجهين:

الوجه الأوّل: ظهور التعبير بالماضي في كون الإعلام بعد وقوع البيع وتحقّقه، وكونه بوجوده المتأخّر شرطاً، ممّا لم يلتزم به أحد.

الوجه الثاني: ظهور سائر النصوص في الوجوب النفسي، كقوله عليه السلام في خبر ابن وهب: «وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».

وعلَّل الشيخ رحمه الله(1) كون الوجوب نفسيّاً بأنّ الغاية للإعلام ليس هو تحقّق الإستصباح، إذا لا ترتّب بينهما شرعاً ولا عقلاً ولا عادةً‌.

أقول: ولكن يمكن أن يقال بثبوت الترتّب العادي بعد ملاحظة الحكم الشرعي، فإنّه لو أعلمه بالنجاسة، بما أنّ العين لا تترك معطّلة عادةً‌، وقد منع عن الانتفاع بها بالأكل، فلا محالة ينتفع بها في الإستصباح، ولكن بما أنّه لا يحتمل كون الإستصباح واجباً، فلا يصحّ جعله بنفسه غاية للواجب، إذ غاية الواجب واجبة، بل من الواضح أن غرض الشارع عدم الانتفاع به بالمنافع المتوقّف جوازها على الطهارة، وعليه فلو لم يكن عدم التسبيب إلى صدور الحرام من الغير جهلاً مطلوباً للشارع لما صَحّ الأمر بالإعلام بالنجاسة.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ غاية الإعلام عدم وقوع المشتري في المحرّم جهلاً بتسبيب من البائع، فيستفاد من ذلك بعد إلغاء الخصوصيّات قاعدة كليّة، وهي: حرمة التسبيب إلى وجود الحرام الواقعي من الغير جهلاً.

حكم التسبيب من الجاهل بإيجاد الحرام

قد يقال: - كما في مكاسب الشيخ الأعظم(2) - إنّه يمكن الاستشهاد لهذه القاعدة - مضافاً إلى ما مرَّ من الأخبار - بطوائف من النصوص:

الطائفة الأُولى‌: ما تدلّ على أنّ من أفتى بغير علم لحقه وِزر من عمل به، كصحيح أبي عبيدة الحذّاء، عن الإمام الباقر عليه السلام: «من أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدى لعنه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه»(1).


1) وسائل الشيعة: ج 27/20 باب 4 من أبواب صفات القاضي ح 1، الكافي: ج 1/42 ح 3.

ونحوه غيره، بدعوى أنّ ثبوت وزر العامل للمفتي وحمله عليه، إنّما يكون لأجل التسبيب والتغرير.

وفيه: إنّ الإفتاء بغير علم حرامٌ بنفسه، أصاب الواقع أم أخطأ، عمل به الغير أم لم يعمل، وأمّا كون مقدار وزره وزر من عمل بفتياه في صورة العمل:

فأمّا أن يكون بمعنى أنّه في صورة الخطأ يثبت له مقدار أوزار العاملين لو كانوا متعمدين بالمعصية.

أو يكون بمعنى أنّ عملهم إذا كان عن تقصير في الفحص عن أهليّة المفتي، يثبت للمفتي بمقدار أوزارهم من جهة الإعانة على الحرام من دون أن ينقص من أوزارهم شيء، وعلى كلّ تقدير، يكون أجنبيّاً عن المقام:

أمّا على الثاني: فواضح.

وأمّا على الأوّل: فلأنّ ثبوت وزر محدود بذلك على فعل محرّم في نفسه أعمٌّ من صيرورته حراماً بعنوان آخر، وهو التسبيب إلى وقوع الفعل القبيح الواقعي.

نعم، لو لم يكن الإفتاء بغير علم حراماً في نفسه، كان يستكشف من ذلك جعل الحرمة له بالملازمة، فتدبّر.

مع أنّ هذا إنّما يكون في التغرير بالحكم، ومحلّ الكلام هو التغريربالموضوع.

مع أنّه فرق آخر بين المقام ومورد هذه النصوص، وهو أنّ فعل الحرام في المقام لا يكون مستنداً إلى البائع المسلّط للمشتري على المبيع النجس، لأنّ المشتري لو فعل الحرام فإنّما يفعله استناداً إلى الطهارة لا إلى فعل البائع أو قوله، أمّا عدم استناده إلى فعله فلعدم اشتراط البيع بالطهارة، وأمّا عدم استناده إلى قوله فلعدم إخباره بها، وهذا بخلاف موردالنصوص، فإنّ عمل المستفتي إنّما يكون مستنداً

إلى قول المفتي، ولو لم يعتقد حجيّة قوله كان مقتضى الأصل عدم العمل بفتواه.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على ثبوت أوزار المأمومين على الإمام في تقصيرٍ حصل من تقصير الإمام:

منها: قوله عليه السلام: «ما من إمامٍ صَلّى بقومٍ فيكون في صلاتهم تقصير إلّاكان عليه أوزارهم»(1).

ومنها: قوله عليه السلام في خبرٍ آخر: «... فيكون في صلاته وصلاتهم تقصيرٌ إلّاكان إثم ذلك عليه»(2).

وفيه: - مضافاً إلى الفرق بين ما نحن فيه، وبين مورد هاتين الروايتين، لأنّ في المقام لا يستند العمل إلى البائع، بخلاف ذلك المورد، فإنّ المأموم إنّما يقتدي بالإمام اعتماداً على صحّة صلاته - أنّ المراد من قوله عليه السلام: «فيكون في صلاتهم تقصير»:

إنْ كان هو التقصير الناشيء من تقصير الإمام في صلاته، فهما منافيان لكثيرٍ من النصوص المعتبرة المعمول بها عند الأصحاب، الدالّة على أنّ فساد صلاة الإمام، وإنْ كان عن تقصيرٍ لا يوجب فساد صلاة المأموم.

وإنْ كان المراد هو التقصير الذي استقلّوا به، فلا كلام في أنّه لا يكون وزره على الإمام.

وعلى ذلك فيتعيّن حملهما:

إمّا على إرادة أنّه لو علم الإمام أنّه لو تصدّى للإمامة يقتدي به الناس من غير فحص عن حاله، فتصبح صلاتهم باطلة، لا يجوز له ذلك، ولو فعل يكون عليه8.


1) تحف العقول: ص 179، بحار الأنوار: ج 85/93 ح 58.

2) بحار الأنوار: ج 85/93 ح 58.

مثل أوزارهم من دون أن ينقص من أوزارهم شيء.

وإمّا على إرادة أنّ الإمامة نحو رئاسة دينيّة، وعليه فتكون وظيفة الإمام تصحيح صلاة من يقتدي به، ولو كان في صلاتهم نقص تكون عليه أوزارهم.

وعلى أيّ تقدير، يكونان أجنبيّين عن المقام:

أمّا على الثاني: فواضح.

وأمّا على الأوّل: فلأنّهما إنّما يدلّان حينئذٍ على حرمة الإعانة على الإثم، ولا ربط لهما بالمقام.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على ضمان الإمام صلاة المأمومين إذا صَلّى بهم جُنُباً، وهي صحيحة معاوية بن وهب، قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: أيضمن الإمام صلاة الفريضة، فإنّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن‌؟

فقال عليه السلام: لا يضمن، أيّ شيء، يضمن إلّاأن يُصلّي بهم جُنُباً أو على غير طُهر»(1).

وهي لا سيّما بضميمة ما دلَّ من النصوص المعمول بها على أنّ الإمام لو كان جُنُباً أو على غير وضوء يُعيد هو صلاته، وهم لا يعيدون، وما ورد في صدره، الظاهر منه أنّ المخالفين يعتقدون أنّ المأمومين يكلون صلاتهم إلى الإمام ويتابعونه في الأفعال من باب التبعيّة، ظاهرة في إرادة التعريض عليهم، وأنّ الإمام لا يكون متحمّلاً عنهم الصلاة، ولا يكون متعهّداً لشيء سوى أن يُصلّي بهم صلاة صحيحة، فلو صلّى جُنُباً فقد أخلّ بذلك، فإن كان عالماً أثم، وإلّا فعليه الإعادة ولا شيء عليه.3.


1) وسائل الشيعة: ج 373/8 باب 36 من أبواب صلاة الجماعة ح 6 رقم 10937، التهذيب: ج 277/3 ح 133.

وعلى ذلك فما في «الوسائل» من أنّ الحكم بضمان الإمام في هذه الرواية يدلّ على وجوب الإعادة عليه، وعدم وجوب الإعادة على المأمومين، هو الصحيح.

وتمام الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّه، وقد أشبعنا الكلام فيه في أحكام صلاة الجماعة من هذا الشرح، فراجع(1).

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على كراهة إطعام الأطعمة والأشربة المحرّمة للبهائم:

منها: خبر أبي بصير، عن مولانا الصادق عليه السلام المتضمّن لكراهة أن تُسقى البهيمة أو تُطعم ما لا يحلّ للمسلم أكله أو شربه(2).

ومنها: موثّق غياث، عنه عليه السلام: «إنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كره أن تُسقى الدواب الخمر»(3).

بتقريب أنّه إذا كان سقي البهيمة أو إطعامها ما لا يحلّ للمسلم أكله أو شربه مكروهاً، فلا محالة يستشعر من ذلك حرمته بالنسبة إلى المكلّف بطريق أولى‌.

وفيه: أنّه يمكن أن تكون كراهة ذلك لأجل كونه انتفاعاً بالمتنجّس، لا لأجل كونه تسبيباً لحصول هذا الفعل من البهيمة والكافر، وعلى فرض التعدّي يُتعدّى إلى كلّ ما يكون انتفاعاً به ولو كان ذلك ببيعه وتسليمه إلى المشتري، ويحكم بكراهته، ولا وجه لاستشعار الحرمة على ذلك كما لا يخفى‌.

ثمّ إنّ الشيخ رحمه الله قال(4): (ويؤيّده أنّ أكل الحرام وشربه من القبيح ولو في حقّ الجاهل، ولذا يكون الاحتياط فيه مطلوباً مع الشكّ‌، إذ لو كان للعلم دخلٌ في قبحه لم يحسن الاحتياط، وحينئذٍ فيكون إعطاء النجس للجاهل المذكور إغراء بالقبيح،4.


1) فقه الصادق: ج 9/225.

2) وسائل الشيعة: ج 25/309 باب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5 رقم 31977، التهذيب: ج 9/114 ح 232.

3) وسائل الشيعة: ج 25/308 باب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 4 رقم 31976، الكافي: ج 6/430 ح 7.

4) المكاسب: ج 1/74.

وهو قبيح عقلاً)، انتهى‌.

وفيه: إنّ المراد من القبيح إنْ كان هو العقاب، فهو مقطوع العدم لترخيص الشارع فيه، وإنْ كان هو المفسدة، وهي وإنْ كانت موجودة، إلّاأنّ دعوى قبح إلقاء الجاهل فيها، المستلزم لحرمته ممنوعة، إذ المفسدة التي رَخّص الشارع في فعل ما تضمّنها لا يكون الإلقاء فيها قبيحاً، وإلّا كان فعل الشارع المرخّص في الفعل قبيحاً وهو كما ترى‌.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الشارع تدارك تلك المفسدة لترخيصه فيه.

ودعوى: أنّه يُستكشف قبحه الفعلي من مطلوبيّة الاحتياط مع الشكّ‌، إذ لو كان للعلم دخلٌ في قبحه لم يحسن الاحتياط.

مندفعة: بأنّ مطلوبيّة الاحتياط إنّما تكون لأجل حُسن إحراز عدم الوقوع في المفاسد الواقعيّة، وإنْ كانت متداركة، وإلّا فإنْ لم يكن للعلم دخل في القبح، كان اللّازم إيجاب الاحتياط، كما هو واجب في موارد الشبهات قبل الفحص.

فإن قلت: إنّ إعطاء الجاهل النجس تسبيبٌ إلى وجوب مبغوض الشارع في الخارج إذا شربه، وهو قبيحٌ بحكم العقلاء، ألا ترى أنّه لو نام المولى ونهى عبيده عن الدخول في الدار، فكما أنّ دخول العبد قبيحٌ‌، كذلك تسبيبه لدخول الآخر، وبالملازمة تُستكشف الحرمة.

قلت: إنّ شرب الجاهل لترخيص الشرع فيه لا يكون مبغوضاً، فلا يكون الاعطاء تسبيباً إلى وجود المبغوض في الخارج، وما ذكر من المثال أجنبيٌ عن المقام، فإنّ المنهي عنه فيه هو تحقّق الفعل في الخارج الذي هو معنى اسم المصدر، ولم يلاحظ في تحقّقه حيث الصدور من شخصٍ والانتساب إليه، وفي مثله لا ريب في

أنّه يجب على كلّ أحدٍ ترك التعرّض له، بل التسبيب لعدمه، فلا محالة يكون التسبيب إلى وجوده قبيحاً لكونه بنفسه مخالفة وعصياناً، والظاهر أنّ الأبواب الثلاثة، أي الدّماء والفروج والأموال من هذا القبيل، وأمّا في غيرها ممّا يكون المحرم هو مباشرة الفعل كشرب النجس فلا يتمّ ذلك.

أقول: والأُستاذ الأعظم رحمه الله بعد تسليمه دلالة الطوائف المتقدّمة من النصوص على هذه الكبرى الكليّة(1)، استدلّ لها بطوائف أُخر من النصوص(2):

منها: ما دلّ على حرمة سقي الخمر للصبي والكفّار، كالنبوي المرويّ عن «عقاب الأعمال»: «ومن سقاها، أي الخمر، يهوديّاً أو نصرانيّاً أو صبيّاً أو من كان من الناس، فعليه كوزر من شربها»(1). ونحوه غيره.

بتقريب أنّه إذا كان التسبيب بالإضافة إلى الصبي والكفّار حراماً، فهو أولى بالحرمة في غير الصبي وغير الكفّار.

وفيه: - مضافاً إلى ضعف سند هذه النصوص - أنّه يمكن أن يقال إنّ المستفاد من النصوص كون شُرب الخمر من المحرّمات التي يكون متعلّق الزجر فيها تحقّق الفعل في الخارج الذي هو معنى اسم المصدر، ولم يلاحظ في تحقّقه حيث الصدور من شخص والانتساب إليه، وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة في مثل ذلك وجوب ترك التعرّض له لكلّ أحد، بل التسبيب لعدمه، وهذا غير ما هو محلّ الكلام، وهو ما إذا كان المحرم هو مباشرة الفعل، والذي يشهد لما ذكرناه ذكر الصبي مع اليهود والنصارى، مع أنّه لا كلام في عدم كونه مكلّفاً، فالتسبيب لشربه ليس تسبيباً5.


1) وسائل الشيعة: ج 25/309 باب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 7 رقم 31979، ثواب الأعمال: ص 285.

لوقوع الحرام.

ومنها: الأخبار(1)الآمرة بإهراق المائعات المتنجّسة، وسيأتي التعرّض لها في حكم الانتفاع بالمتنجّس، وستعرف ما يرد على هذا الوجه.

ومنها: الأخبار الدالّة على حرمة ارتكاب المحرّمات(2)، بدعوى أنّه لا فرق في إيجاد المحرّم بين الإيجاد بالمباشرة أو بالتسبيب.

وفيه: أنّ الاستدلال بهذا الوجه من مثل هذا البحر الموَّاج في غاية الغرابة، كيف وهو (دام ظلّه) ممّن صرّح في الأُصول بأنّ ظاهر التكاليف هو كون المتعلّق مباشرة الفعل، بل لعلّ هذا في الجملة من البديهيّات، ألا ترى أنّه لا يمكن لأحدٍ التفوّه بأنّ المأمور به هي الصلاة أعمّ من صدورها بالمباشرة أو بالتسبيب!

فتحصّل: أنّ الكبرى المزبورة بإطلاقها لا دليل عليها، نعم يمكن الاستدلال لها في موارد الجهل بالموضوع بنصوص الباب بعد إلغاء الخصوصيّة.

***ة.


1) وسائل الشيعة: ج 3/468 ب 38 من أبواب النجاسات، وج 25/358-359 باب 26 من أبواب الأشربة المحرّمة.

2) وسائل الشيعة: ج 25/306 باب 9 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

حكم الإعلام مع عدم التسبيب

وبعدما عرفت حكم الإعلام مع التسبيب لوقوع الحرام الواقعي، يقع الكلام في أنّه هل يجب الإعلام مع عدم التسبيب أم لا؟

فعن العلّامة رحمه الله في كتابه «المسائل المهنائيّة» التصريح بوجوب الإعلام، واستدلّ له بوجوب النهي عن المنكر(1).

وعلّق عليه الشيخ بقوله: (لكن إثبات هذا مشكل)(2).

أقول: لا إشكال في عدم شمول أدلّة النهي عن المنكر للمقام، إذ المنكر الذي يجب النهي عنه لا يشمل الحرام الواقعي، بل المحرم المنجّز، وفي المقام ليس كذلك لفرض جهل الفاعل بالواقع، والأدلّة التي أقاموها لوجوب الإعلام في الفرض السابق لا تشمل المقام، فالمتعيّن هو البناء على عدم الوجوب للأصل.

أقول: ويمكن أن يستدلّ له بصحيح ابن سنان، عن الإمام لصادق عليه السلام الدالّ على عدم وجوب الإعلام في إحدى صغريات الباب:

قال: «اغتسل أبي من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يُصبها الماء؟

فقال عليه السلام له: ما كان عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللّمعة بيده»(3).

نعم، إذا كان الفعل من الأُمور المهمّة - أي من أحد الأبواب الثلاثة - وجب على كلّ أحد التسبيب إلى عدم حصوله، وإنْ كان الفاعل غير ملتفت.


1) أجوبة المسائل المهنائيّة: ص 48 المسألة 53، وراجع تعليقات على أجوبة المسائل المهنائيّة: ص 142.

2) المكاسب: ج 1/75.

3) وسائل الشيعة: ج 2/259 باب 41 من أبواب الجنابة ح 1 رقم 2103، الكافي: ج 3/45 ح 15.

والحاصل: أنّ هنا أُموراً أربعة:

الأمر الأوّل: أن يكون فعل الشخص علّة تامّة لوقوع الحرام في الخارج، كما إذا أكره غيره على المحرّم، قال الشيخ(1): (ولا إشكال في حرمته، وكون وزر الحرام عليه، بل أشدّ لظلمه) انتهى‌.

وفيه: أنّه إنْ كان المحرّم هو تحقّق الفعل في الخارج، ولم يلاحظ فيه حيثُ الانتساب كقتل المؤمن، أو كان المحرّم عنواناً شاملاً للتسبيب كإتلاف مال الغير، لا ريب في حرمة ذلك، إذ فعل الشخص في الموردين بنفسه معصية ومخالفة للنهي.

وأمّا إذا كان المحرّم عنواناً لا يعمّ التسبيب، وكان المتعلّق للنهي هو مباشرة الفعل كشُرب النجس وغيره من المحرّمات، فلا وجه للحرمة حتّى مع علم الشارب بالحكم والموضوع، فضلاً عن صورة الجهل بأحدهما، إذ دليل حرمة ذلك العنوان لا يقتضي حرمة فعل السبب، إذ لا يصدق أنّه شرب النجس، وحيثُ أنّ الفعل يصدر من المباشر من غير اختيارٍ، فلا يصدر منه منكراً وإثماً كي يحرم التسبيب لأجل دليلي وجوب النهي عن المنكر وحرمة الإعانة على الإثم، أو البرهان العقلي المتقدّم.

ونصوص الإستصباح مختصّة بصورة صدور الحرام من الشخص جهلاً بالموضوع، ولا تشمل المقام الذي يصدر الفعل من المباشر غير محرّم عليه لعدم الاختيار.

وعليه، فاستدلال بعض مشايخنا المحقّقين بها في المقام في غير محلّه.

وأمّا قوله رحمه الله: لظلمه.

ففيه: أنّه ربما يكون المجبور راضياً بذلك، مع أنّ مقتضى هذا الوجه حرمة5.


1) المكاسب: ج 1/75.

الإجبار على فعل المباح، بل المستحبّ أو الواجب وهو كما ترى‌.

الأمر الثاني: أن يكون فعله سبباً للحرام، والمراد بالسبب في مقابل الشرط وعدم المانع، هو تهيئة الموضوع، فالفرق بين هذا القسم ولاحقيه واضح، كمن قدّم إلى غيره محرّماً.

قال الشيخ(1): (ومثله ما نحن فيه، وقد ذكرنا أنّ الأقوى فيه التحريم، لأنّ استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة فعل الحرام إليه أولى‌) انتهى‌.

أقول: ولكنّه قد مرَّ أنّ الأقوى فيما نحن فيه التحريم، للنصوص الخاصّة الواردة في ما نحن فيه بعد إلغاء الخصوصيّات، ولما ذكرناه في خصوص ما إذا كان العنوان المحرّم شاملاً لتسبيب، وما إذا كان هو تحقّق الفعل في الخارج الذي هو معنى اسم المصدر، وكلّ ذلك مختصٌّ بصورة الجهل بالموضوع، ولا يكون شاملاً لصورة العلم بالحكم والموضوع، وفي تلك الصورة تتوقّف الحرمة على شمول دليل وجوب رفع المنكر أو دليل حرمة الإعانة على الإثم للمقام، وهو محلّ تأمّل بل منع كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في مسألة بيع العنب ممّن يعمله خمراً.

ودعوى: استفادة الحرمة في هذه الصورة من نصوص الإستصباح بالأولويّة، ممنوعة كما لا يخفى‌.

وعليه، فالأظهر عدم الحرمة.

وأمّا قوله رحمه الله(2): (فنسبة فعل الحرام إليه أولى‌... الخ)، فهو يتمّ فيما إذا كان المحرم عنواناً شاملاً للتسبيب كالإتلاف، ولا يشمل ما إذا كان المحرّم خصوص ما يصدر من المباشر، مع أنّه مختصّ بصورة الجهل، ولا يعمّ صورة العلم بالحكم والموضوع.5.


1) المكاسب: ج 1/75.

2) المكاسب: ج 1/75.

الأمر الثالث: أن يكون شرطاً لصدور الحرام، إمّا بأن يكون من قبيل إيجاد الدّاعي على المعصية، إمّا لحصول الرغبة فيها كترغيب الشخص على المعصية، أو لحصول العناد من الشخص حتّى يقع في المعصية كسَبّ آلهة الكفّار الموجب لإلقائهم في سَبّ الحقّ عناداً.

وقال الشيخ رحمه الله(1): (والظاهر حرمة القسمين، وقد ورد ذلك فى عدّة من الأخبار).

أقول: ولكن يتمّ ذلك فيما إذا كان ذلك الشخص عالماً بالحكم أو جاهلاً مقصّراً، الذي هو ملحق بالعالم وبالموضوع، ولا يتمّ في ما إذا كان جاهلاً قاصراً بالحكم، أو كان جاهلاً بالموضوع، كما لو رغّبه على شرب النجس مع كونه جاهلاً بالنجاسة، فإنّ تلك الأخبار والآية الشريفة الواردة في بعض مصاديقه مختصّة بصورة العلم بهما، كما يظهر لمن راجعها، وفي غيرها لا دليل على الحرمة.

ونصوص الإستصباح مختصّة بصورة التسبيب، أي تهيئة الموضوع غير الشاملة للمقام.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّها وإنْ اختصّت بها مورداً، إلّاأنّ المناط معلوم، وهو عدم استناد الحرام الواقعي إلى الشخص، وهذا المناط يقتضي الحرمة في المقام إذا كان يترتّب الحرام على إيجاد الدّاعي عادة، نعم فيما إذا لم يكن كذلك لا وجه للحرمة.

الأمر الرابع: أن يكون من قبيل عدم المانع، فإن كان ذلك مع الحرمة الفعليّة بالنسبة إلى الفاعل كسكوت الشخص عن المنكر، فلا إشكال في الحرمة، وأمّا إنْ كان مع عدم الحرمة الفعليّة، كما في ما نحن فيه، فإن صدور الحرام منه مشروط بعدم5.


1) المكاسب: ج 1/75.

إعلامه، فالظاهر عدم وجوب رفع الحرام إلّاإذا علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك لكونه فساداً قد أمر بدفعه كلّ من يقدر عليه كما في باب الدّماء، ويظهر وجهه ممّا تقدّم.

ولا يتوهّم التنافي بين كلماتنا التابعة لكلمات الشيخ، حيث اعتبرنا المقام سابقاً من الأمر الثاني، وهنا أدرجناه في الأمر الرابع، فإنّ ما جعلناه من الأمر الرابع هو نفس عدم الإعلام، مع قطع النظر عن تحقّق التسبيب منه، وما جعلنا من الأمر الثاني هو نفس التسليط بلا إعلام.

أقول: وربما يستدلّ لوجوب الإعلام هنا بأنّ النجاسة عيبٌ خفيّ فيجب إظهارها، وإلّا عُدَّ فعله غشّاً، إذ بناء العقود على صحّة العوضين.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(1): بأنّ وجوب الإعلام على القول به ليس مختصّاً بالمعاوضات، مع أنّ كون النجاسة عيباً ليس إلّالكونه منكراً واقعيّاً وقبيحاً، فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب، وإلّا لم يكن عيباً.

ولكن يرد على ما أفاده:

أوّلاً: أنّه لو تمّ هذا الدليل لابدّ من الالتزام به في المعاوضات، وإن ثبت الفصل بينها وبين غيرها ثبت هذا الحكم في غيرها، وإلّا فلا مانع من الفصل، نعم يتمّ الإيراد على المستدلّ بناءً على الثاني بأنّ الدليل أخصّ من المدّعي.

وأمّا ما أفاده ثانياً فملخّص القول فيه: إنّه قد مرَّ عدم كونه منكراً واقعيّاً وقبيحاً، إلّا أن يكون مراده من القبيح ما فيه المفسدة، وعليه فقوله: (إنْ ثبت ذلك حَرُم7.


1) المكاسب: ج 1/77.

الإلقاء فيه)(1)لا يتمّ‌، إذ المفسدة المتداركة بالمصلحة الموجبة لجعل الأمارة أو الأصل لا يُحرّم الإلقاء فيها، ومنه يظهر عدم كون ذلك موجباً لكون النجاسة الواقعيّة عيباً كي يجب إظهارها.

ودعوى: أنّ النجاسة قذارة معنويّة، وهي تكون عيباً.

مندفعة: بأنّ النجاسة ليست من الأُمور الواقعيّة، كما حقّقناه في مبحث النجاسات من هذا الشرح(2).

فإن قلت: إنّه لا كلام في ثبوت الخيار لمن انتقل إليه لو تبينت النجاسة وظهرت، ومن ذلك يستكشف كونه عيباً في حال العقد، وإنْ لم يعلم بها المشتري كما في سائر العيوب.

قلت: إنّه يمكن أن يكون منشأ الحكم بالخيار أنّه إن ظهرت النجاسة للمشتري فلا ريب في كونها عيباً حينئذٍ، وحيث أنّ مبدأ هذا العيب كان من قبل العقد، فلا محالة يثبت الخيار، ونظير ذلك ما إذا باع حيواناً وقد أكل قبل البيع ما أوجب نقصاً فيه بعد البيع، الذي لا كلام في ثبوت خيار العيب فيه، فليكن المقام من هذا القبيل.

فتحصّل: عدم تماميّة هذا الاستدلال لوجوب الإعلام.

***7.


1) المكاسب: ج 1/77.

2) فقه الصادق: ج 5/7.

تحت السماء.

حكم الإستصباح تحت الظلال

الموضع الثالث: المشهور بين الأصحاب(1)وجوب كون الإستصباح (تحت السماء).

أقول: أصل جواز الإستصباح بالدُّهن المتنجّس متّفقٌ عليه نصّاً وفتواً، إنّما الكلام في اعتبار لزوم كونه تحت السماء، وجواز كونه تحت الظلال.

استدلّ للأوّل:

1 - بالإجماع(2).

2 - وبمرسل الشيخ رحمه الله: (روى أصحابنا أنّه يستصبح تحت السماء)(3).

3 - وبأنّ الإستصباح تحت الظلال يوجب تنجّس السقف، وهو حرامٌ‌.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلعدم ثبوته، كيف وقد أفتى جماعة من الأساطين بالجواز(4)، مع أنّه يمكن أن يكون مدرك حكمهم هذا ما سنشير إليه، فعلى فرض ثبوته ليس إجماعاً تعبّديّاً.

وأمّا الثاني: فلإرساله، ولعدم إحراز استناد الأصحاب إليه لا يُعتمد عليه.


1) المقنعة: ص 582، المراسم العلويّة: ص 213، النهاية: ص 588، المهذّب: ج 2/432، غنية النزوع: ص 213، وغيرها.

2) غنية النزوع: ص 213.

3) المبسوط: ج 6/283.

4) راجع المبسوط: ج 6/283، مختلف الشيعة: ج 8/333.

وأمّا الثالث: فلأنّ تنجيس السقف لا دليل على حرمته، مع أنّ دخان النجس ليس بنجس للإستحالة، مضافاً إلى أخصيّة الدليل عن المدّعى.

أقول: وأورد الشيخ على الاستدلال بالمرسلة:

تارةً‌(1): بأنّه لا يصحّ تقيّيد الأخبار المطلقة بالمرسلة، ومحصّل ما ذكره رحمه الله في وجه عدم رفع اليد عن المطلقات وجوه:

الوجه الأوّل: عدم تسليم انجبار المرسلة بالشهرة المحقّقة، والاتّفاق المحكى.

الوجه الثاني: إباء المطلقات عن التقييد.

الوجه الثالث: إباء المرسلة عن تقيّيد المطلقات.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّه كذلك، إذ لم يثبت استناد المفتين بعدم جواز الإستصباح تحت الظلال إليها، لأنّ جماعة منهم علّلوه بأنّه ينجس السقف لنجاسة الدخان، ولذا فصّل العلّامة رحمه الله بين ما لو علم بتصاعد شيء من أجزاء الدهن وعدمه(2).

وجماعة غيرهم وإنْ لم يعلّلوا بذلك، إلّاأنّ أكثرهم لولا كلّهم ممّن يقولون بعدم جواز الانتفاع بالمتنجّس، فيمكن أن يكون إفتائهم بالمنع استناداً إلى الأدلّة التي استدلّوا بها على تلك الكبرى الكليّة بعد بنائهم على عدم كون مطلقات الباب الدالّة على جواز الإستصباح في مقام البيان، فلا يصحّ التمسّك بإطلاقها.

وبالجملة: ما ذكرناه بضميمة أنّ المشهور بين المتأخّرين جواز الإستصباح تحت الظلال(3)، يوجبُ عدم الوثوق بصدور المرسلة، وعدم انجبارها بفتوى أكثرالقدماء.4.


1) المكاسب: ج 1/78.

2) مختلف الشيعة: ج 8/333.

3) مسالك الأفهام: ج 3/120، مجمع الفائدة: ج 8/34، كفاية الأحكام: ص 85، مستند الشيعة: ج 14/74.

وأمّا الثاني: فقد استدلّ له الشيخ رحمه الله(1)بكثرة المطلقات، وورودها في مقام البيان، وشيءٌ منهما لا يصلح لذلك، إذ الكثرة بنفسها لا توجبُ إباء كلّ واحد منها عن التقييد.

وبعبارة أُخرى: لا توجب أقوائيّة دلالة كلّ واحد منها في الدلالة على العموم بنحوٍ يأبى عن التقييد، مع أنّ الكثرة ممنوعة كما يظهر لمن راجع نصوص الباب، وورودها في مقام البيان من مقدّمات ثبوت الإطلاق لا أنّه يوجب إبائه عن التقييد.

وبتعبير آخر: التقيّيد إنّما يكون فيما إذا كان المطلق في مقام البيان، وإلّا فلا مورد له، مع أنّ من تدبّر في النصوص يرى أنّها في مقام بيان مصرف الدهن، وأنّه الإسراج دون الأكل، وليست في مقام بيان كيفيّة الإسراج، ولذلك لا إطلاق لها.

مضافاً إلى أنّه قد مرّ منا، ومن الشيخ رحمه الله(2)أنّ المراد من قولهم عليهم السلام في تلك النصوص: (ليستصبح به) هو عدم الانتفاع بالمنافع المتوقّف جوازها على الطهارة، ولازم ذلك عدم كونها في مقام بيان حكم الإستصباح من حيث هو، وعليه فليس في النصوص ما يمكن التمسّك بإطلاقه.

وأمّا الثالث: فقد علّله(3)بأنّ كون المرسلة موجبة للتقييد يبتني على الالتزام بكون الحكم تعبّديّاً محضاً، أو القول بنجاسة الدخان وبتنجّس السقف، والأوّل بعيدٌ غايته، والثاني مخالفٌ للمشهور وأبعد.

وفيه: أنّه يمكن أن يقال إنّ الإستصباح تحت الظلال مستلزمٌ لسراية الدخان إلى الألبسة التي يُصلّي فيها، والأ متعة والمأكول، وهو على فرض طهارته يمكن القول بنجاسته بعد السراية والاجتماع، لا سيّما مع اشتماله على الأجزاء الدُّهنية، وليس في ذلك بُعدٌ مع مساعدة الدليل.9.


1) المكاسب: ج 1/78 و 43 و 79.

2) المكاسب: ج 1/78 و 43 و 79.

3) المكاسب: ج 1/78 و 43 و 79.

ويؤيّده قوله عليه السلام في خبر الوشاء: «أما عَلِمتَ أنّه يصيبُ اليد والثوب، وهو حرام»(1)، مع أنّ الالتزام بالتعبّد ليس ببعيد، كيف وقد التزم المشهور بعدم جواز تدهين السّفن به، مع جواز الإستصباح به، ولو جاز ذلك جاز التفكيك في الإستصباح بين كونه تحت الظلال أو تحت السماء.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه لو تمّ سند المرسلة، لزم العمل بمضمونها، ولكن قد مرّ أنّها ضعيفة السند، كما عرفت عدم وجود ما يدلّ بإطلاقه على جواز الإستصباح، والمتيقّن من النصوص الإستصباح تحت السماء، وعليه فالاستصباح تحت الظلال يبتني جوازه ومنعه على القول بجواز الانتفاع وعدمه، وسيجيء تنقيح القول في ذلك فانتظر.

وأُخرى(2): بأنّه بعد فرض إباء المطلقات عن التقييد، وحجيّة المرسلة، يقع التعارض بينهما فيتساقطان، والمرجع إلى أصالة البراءة عن حرمة الإسراج تحت الظلال.

وفيه: مضافاً إلى ما تقدّم، أنّه لو سُلّم تعارضهما، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات، وحيث أنّ شهرة الفتوى والرواية مع المطلقات فتقدّم هي، وكذلك مقتضى المرجّحات الأخر تقديمها، وعلى فرض التكافؤ، فإنّ الحكم هو التخيّير لا التساقط، وعلى فرض التساقط المرجع هو عموم ما دلّ على جواز الانتفاع بما في الأرض لو لم يدلّ دليل على عدم جواز الانتفاع بالمتنجّس وإلّا فإليه.

وعلى أيّ تقدير، لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى البراءة.

***9.


1) وسائل الشيعة: ج 24/178 باب 32 من أبواب الذبائح ح 1 رقم 30285، الكافي: ج 6/255 ح 3.

2) المكاسب: ج 1/79.

حكم الانتفاع بالمتنجّس

وتمام الكلام يتحقّق بالبحث في أُمور:

الأمر الأوّل: أنّه هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الإستصباح أم لا؟

أقول: عمدة المدرك لهذه المسألة هي الأدلّة التي أُقيمت على جواز الانتفاع بالمتنجّس وعدمه، فالأولى البحث في هذه الكبرى الكليّة.

واستدلّ لعدم جواز الانتفاع به - مع أنّ الأصل يقتضي الجواز، وهو أصالة البراءة وقاعدة الحلّ - بجملة من الآيات والروايات:

أمّا الآيات:

فمنها: قوله تعالى‌: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصابُ وَ اَلْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌) ... الخ(1).

وقبل بيان كيفيّة الاستدلال بالآية الشريفة، لا بأس ببيان ما هو المراد منها بحسب الظاهر، فأقول:

ليس المراد من كلمة (الرِّجس) النجس، إذ - مضافاً إلى أنّه لا يوافق عليه العرف، ولم يذكر ذلك أحد معانيه في كتب اللّغة - لا يناسب مع المذكورات في صدر الآية الشريفة التي جعل (الرِّجس) خبراً لها أو للفعل المتعلّق بها كما، لا يخفى‌.

ودعوى: أنّ الآية على طريقة اللّف والنشر المرتّبين، فكان (الرِّجس) محمولاً على الخمر، و (عمل الشيطان) محمولاً على البقيّة، فلا مانع من إرادة النجس من (الرِّجس).


1) سورة المائدة: الآية 90.

مندفعة: بأنّه مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر، أنّه إن قدر في صدر الآية الانتفاع، فلا معنى لحمل (الرِّجس) بهذا المعنى على الانتفاع بالخمر أيضاً، وإلّا فلا يلائم ذلك مع أفراد الضمير في قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ‌) إذ بعد ما لا يمكن إرجاعه إلى المذكورات على هذا التقدير، وإلّا كان اللّازم الإتيان بضمير الجمع، يتعيّن الإتيان بضمير المثنّى‌، كما لا يخفى‌.

كما أنّه ليس المراد به القذر المعنوي، إذ نفس (الأزلام) مثلاً - وهي السِّهام الخاصّة - ليست من القذارات المعنويّة، والانتفاع بها بالتفاؤل حرامٌ لا قذر كما هو واضح، فالمراد به العمل القبيح إمّا باستعماله فيه بناءً على كونه مشتركاً لفظيّاً بين ما ذُكر له من المعاني، أو بإرادته منه بناءً على كونه مشتركاً معنويّاً، وحمله حينئذٍ على المذكورات إمّا أن يكون من باب إطلاق العمل على ما يقع عليه العمل، أو مع تقدير الانتفاع في ابتداء الآية ليكون هو المبتدأ.

وأمّا قوله تعالى‌: (مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) فأُريد به كون ذلك من مخترعاته ومبتدعاته أو أنّه من إغوائه.

فالمتحصّل من الآية: أنّ الانتفاع بالخمر والميسر وما بعدهما عمل قبيح من إغواء الشيطان أو من مبتدعاته، فيجب أن يكون الإنسان حذراً وعلى جانبٍ منه، أي في ناحية، وعلى ذلك فهي أجنبيّة عن المقام بالمرّة.

ثمّ على فرض التنزّل وتسليم كون (الرِّجس) بمعنى النجس، فإنّ شموله للمتنجّس غير ثابت، فلا وجه للاستدلال بها في المقام.

أقول: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو كان (الرِّجس) هو النجس بالمعنى الشامل للمتنجّس، فإنّ الاستدلال بها في المقام على عدم جواز الانتفاع بقول مطلق إلّاما

خرج بالدليل إنّما يكون بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ موضع الحكم بحسب لسان الدليل هي المذكورات في صدر الآية، والرجسيّة علّة تامّة لثبوت ذلك الحكم، والحكم هو وجوب الاجتناب المطلق الشامل لجميع الانتفاعات، وحيث أنّ العلّة تعمّم وتخصّص - وبعبارة أُخرى الحكم يدور مدارها - فيستفاد من الآية عدم جواز الانتفاع بكلّ ما يصدق عليه الرجس، ومنه المتنجّس على الفرض.

الوجه الثاني: إنّ تمام الموضوع للحكم بحسب لسان الدليل هو (الرِّجس)، وقوله: (مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) علّة لثبوت الحكم، وليس من الجهات التقييديّة، فإنّه على ذلك يكون المستفاد منها أنّ كلّ رجسٍ - ومنه المتنجّس - يجبُ الاجتناب عنه بقول مطلق.

أقول: وفي كليهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ موضوع الحكم ليس هي المذكورات، وإلّا كان اللّازم الإتيان بضمير الجمع، مع أنّ كون (الرِّجس) علّة تامّة محلّ نظر، لما ذكره الشيخ رحمه الله(1)من أنّ قوله تعالى: (مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) قيد له، فالعلّة هي مجموع الأمرين، فكلّمتنجّسٍ إن ثبت أنّه من عمل الشيطان، يثبت له هذا الحكم، وهو أوّل الدعوى إنْ أُريد (مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) ما صدر بإغوائه، لتوقّفه على إثبات أنّ الانتفاع بالمتنجّس غير جائزٍ حتّى يكون صدوره بإغواء الشيطان كسائر المعاصي، ومعلوم العدم إن اُريد به أنّه من مبتدعات الشيطان ومخترعاته.

ودعوى: أنّ كلا من الرجسيّة وكونها من عمل الشيطان علّة تامّة مستقلّة3.


1) المكاسب: ج 1/83.

لوجوب الاجتناب، من جهة أنّ كونها من عمل الشيطان علّة مستقلّة على كلّ حال إنْ كان رجساً أو لم يكن، فليكن (الرِّجس) أيضاً كذلك.

مندفعة: بأنّه إن ثبت كون (الرِّجس) علّة يتمّ ذلك، لكنّه غير ثابت، إذ يمكن أن يقال إن الآية حينئذٍ متكفّلة لبيان أمرين:

الأوّل: إثبات أنّ المذكورات رجس.

الثاني: وجوب الاجتناب عنها من جهة كونها من عمل الشيطان، فقوله (رِجْسٌ‌) حكمٌ مجعول لا أنّه علّة لثبوت وجوب الاجتناب.

وأيضاً دعوى: أنّ الآية على طريقة اللّف والنشر المرتّبين، فكان (الرِّجس) محمولاً على الخمر، و (عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) محمولاً على البقيّة، قد عرفت ما فيها.

وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر من الآية وإنْ كان أنّ الموضوع هو الرِّجس، إلّاأنّ الكون من عمل الشيطان من الجهات التعليليّة، وعلّة لثبوت الحكم محلّ نظر، فإنّ الظاهر منها كون (مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ‌) قيداً للموضوع، مع أنّه لو ثبت كونه علّة، فالعلّة كما تُعمّم تخصّص، وعليه فثبوت الحكم يتوقّف على إحراز كون المتنجّس من عمل الشيطان، وقد عرفت ما في ذلك آنفاً. فراجع(1).

وأورد الشيخ على الاستدلال بالآية(2): بأنّه لو شمل الآية للمتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد.

وفيه: أنّ خروج جميع أفراد المتنجّس لا يوجبُ تخصيص الأكثر، إذ بما أنّ الآية تكون من القضايا الحقيقيّة، وما أُخذ موضوعاً فيها عنوانٌ عام شامل للأعيان النجسة والمتنجّسة، وشموله للمتنجّسات إنّما يكون بعنوان واحد، وهو عنوان3.


1) الصفحة السابقة.

2) المكاسب: ج 1/83.

ملاقي النجس وهو واحد، وابقي العناوين عشرة، فخروج جميع أفراد المتنجّسات لا يوجبُ تخصيص الأكثر، فضلاً عن أكثرها.

أقول: وأضعف من هذا الإيراد، ما أورده بعض أعاظم المحشّين رحمه الله(1)على الاستدلال بها، وهو أنّ قوله تعالى‌: (فَاجْتَنِبُوهُ‌) (2)ظاهرٌ في عدم الانتفاع بالمنافع الظاهرة التي في كلّ شيء بحسبه، لا مطلق المنافع.

فإنّه يرد عليه: أنّ الاجتناب المطلق الذي أمر به، ظاهرٌ في عدم الانتفاع بجميع المنافع، مع أنّ مقتضى ما ذكره، هو دلالة الآية على حرمة جميع المنافع الظاهرة حتّى غير المشروطة بالطهارة كاتّخاذ النعل من جلد الميتة كما اعترف به.

وعليه فبضميمة عدم الفصل يثبت الحكم في الجميع.

ومنها: قوله تعالى‌: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (3).

أقول: ويرد على الاستدلال بهذه الآية الشريفة، بعض ما أوردناه على الآية السابقة، وهو عدم كون (الرِّجز) بمعنى النجس بالمعنى الشامل للمتنجّس، ولكن لو تمّ ذلك وثبت صحّ الاستدلال بها، ولا يرد عليه شيء ممّا أورد على الاستدلال بالآية المتقدّمة.

ومنها: قوله تعالى‌: (وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ‌) (4).

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(5): بأنّ المراد من التحريم خصوص الأكل.4.


1) قد يظهر ذلك من حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/10 عند التعرّض ل‍ (الرابع في جواز الانتفاع بالدهن المتنجّس في غير الاستصباح).

2) سورة المائدة: الآية 90.

3) سورة المدثر: الآية 5.

4) سورة الأعراف: الآية 157.

5) المكاسب: ج 1/84.

أقول: قد تقدّم في مسألة بيع الأرواث تماميّة ذلك وعدم ورود شيء ممّا أورد عليه، مضافاً إلى ما تقدّم في مسألة شرب أبوال ما يؤكل لحمه من أنّ المراد بالخبيث هو ما فيه مفسدة وقذارة، ولم يثبت كون المتنجّس منه بهذا المعنى‌.

وأمّا الأخبار:

فمنها: خبر «تحف العقول»، حيث عُلّل النهي فيه عن بيع وجوه النجس، بأنّ ذلك كلّه محرّم أكله وشربه وإمساكه وجميع التقلّب في ذلك حرام(1).

وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السند، لا يُعتمد عليه كما تقدّم في أوّل الكتاب.

وثانياً: إنّه يمكن أن يقال إنّ ملاقي النجس ليس من وجوه النجس، فإنّه جهة تعليليّة وواسطة في الثبوت.

وثالثاً: لو أغمض عن ذلك وسُلّم كون ملاقي النجس منها، يرد عليه ما ذكره الشيخ رحمه الله(2)، وحاصله أنّ ملاقي النجس ليس في عرض سائر العناوين، بل هو في طولها، وظاهر الوجوه هي العنوانات التي يكون بعضها في عرض بعض.

ومنها: الأخبار الآمرة بإهراق المرق المتنجّس، كخبر زكريا بن آدم(3)، إذ لو جاز الانتفاع به بإطعام الصبي ونحوه، لما أمر عليه السلام بالإهراق، وبضميمة عدم القول بالفصل يتمّ المطلوب.

وفيه: إنّ فائدة المرق الذي يكون بمقدار القِدْر تنحصر في الأكل، وإطعام الصبي إنّما يعدّ فائدة له إذا كان المرق قليلاً، وعلى ذلك فدلالته على عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقاً لا تنافي جواز الانتفاع بالمتنجّس.1.


1) وسائل الشيعة: ج 17/83-84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 قم 22047، تحف العقول: ص 333.

2) المكاسب: ج 1/85.

3) وسائل الشيعة: ج 25/358 باب 26 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1 رقم 32119، الكافي: ج 6/422 ح 1.

ومنها: النصوص الدالّة على أنّه إذا ماتت الفأرة في السَّمن تُطرح الفأرة وما يليها من السَّمن(1)، إذ لو جاز الانتفاع به لما أمر عليه السلام بطرحه، وبضميمة عدم القول بالفصل يتمّ المطلوب.

وفيه: أنّ الظاهر منها هو الطرح من الظرف المُعدّ للأكل، فيكون كناية عن حرمة أكله خاصّة، ويؤيّده أنّه يجوز الإستصباح به بلا كلام.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الأمر بالطرح كناية عن عدم إمكان الانتفاع به لقلّته، كما تؤمي إلى ذلك النصوص المفصّلة بين ما إذا كان ذلك في الشتاء فيطرح، وبين ما إذا كان في الصيف فيُسرج به، وليس لذلك وجه إلّاما ذكرناه، فإنّه في الصيف يكون المتنجّس كثيراً يمكن الانتفاع به في الإستصباح ونحوه، بخلاف ما إذا كان في الشتاء.

ومنها: النصوص الآمرة بإهراق الماء المتنجّس(2).

وفيه: إنّ ذلك كناية عن عدم جواز التوضّي به، كما لا يخفى على الناظر فيها، وبذلك يظهر ما في الاستدلال بالخبرين الواردين في الإناءين المشتبهين الآمرين بإهراقهما والتيمّم(3).

وأيضاً: قد استدلّ لعدم جواز الانتفاع بالإجماع(4).

ولكن الإجماع المحصل غير حاصل، والمنقول منه ستعرف حاله.3.


1) وسائل الشيعة: ج 17/97-98 باب 6 من أبواب ما يكتسب به، الكافي: ج 6/261 باب الفأرة تموت في الطعام والشراب.

2) وسائل الشيعة: ج 1/151 باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2 رقم 376 وص 152 ح 4 رقم 378، وص 153 ح 7 رقم 381 وغيره، الكافي: ج 3/10 ح 6.

3) وسائل الشيعة: ج 1/151 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2 رقم 376، الكافي: ج 3/10 ح 6.

4) غنية النزوع: ص 213.

وأيضاً: قد يستدلّ لعدم جواز الانتفاع بالمتنجّس بالإجماعات المحكية:

فعن «الانتصار»(1): (وممّا انفردت به الإماميّة أنّ كلّ طعامٍ عالجه أهل الكتاب ومن ثبت كفرهم بدليل قاطع لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، وقد دللنا على ذلك في كتاب الطهارة، حيث دللنا على أنّ سؤر الكافر نجس).

وعن «الخلاف»(2)في حكم السَّمن والبذر والشيرج والزيت: (إذا وقعت فيه فأرة أنّه جاز الإستصباح به، ولا يجوز أكله ولا الانتفاع به بغير الإستصباح.

وقال الشافعي: وقال قومٌ من أصحاب الحديث: لا ينتفع به بحال لا باستصباح ولا بغيره بل يراق كالخمر(3).

وقال أبو حنيفة: يستصبح به ويباع أيضاً(4).

وقال ابن داود(5): إنْ كان المائع سَمناً لم ينتفع به بحال، وإنْ كان ما عداه من الأدهان لم ينجس بموت الفأرة، ويحلّ أكله وشربه، لأنّ الخبر ورد في السَّمن، فحسب دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم).

وقال السيّد ابن زُهرة بعد أن اشترط في المبيع أن يكون ممّا ينتفع به منفعة محلّلة(6): (وشرطنا في المبيع أن تكون مباحة تحفّظاً من المنافع المحرّمة، ويدخل في ذلك كلّ نجس لا يمكن تطهيره عدا ما استثنى من بيع الكلب المعلَّم للصيد والزيت3.


1) الانتصار: ص 409.

2) الخلاف: ج 6/93.

3) حلية العلماء: ج 3/417، المجموع: ج 9/38، عمدة القاري: ج 21/138، المغني لابن قدامة: ج 11/87.

4) راجع شرح فتح القدير: ج 5/357، حاشية رَدّ المختار: ج 5/73، الفتاوى الهنديّة: ج 3/116، أحكام القرآن: ج 1/118، المجموع: ج 9/238، فتح العزيز: ج 8/116-117، بداية المجتهد: ج 2/126.

5) راجع الخلاف: ج 6/91.

6) غنية النزوع: ص 213.

النجس للإستصباح به تحت السماء، وهو إجماع الطائفة).

ثمّ استدلّ على جواز بيع الزيت بعد الإجماع بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أذن في الإستصباح به تحت السماء قال: (وهذا يدلّ على جواز بيعه لذلك). انتهى‌.

وأجاب الشيخ عن إجماع السيّد المرتضى(1): بأنّ الظاهر من كلام السيّد أنّ مورد الإجماع هو نجاسة ما باشره أهل الكتاب، وأمّا حرمة الأكل والانتفاع فهي من فروعها المتفرّعة على النجاسة، لا أنّ معقد الإجماع هو حرمة الانتفاع بالنجس.

أقول: وما أفاده بيِّن فإنّ محلّ الخلاف بيننا وبين باقي الفقهاء هي نجاسة أهل الكتاب، لا أحكام النجس، فلا محالة يكون المراد من ذكر خلافهم بيان ما هم مخالفون فيه، لا بيان ما ليسوا مخالفين فيه، فيكون المراد من ما نسبه إلى الإماميّة أيضاً هو ذلك، وإنّما عبّر عن النجاسة بعدم جواز الانتفاع لاعتقاده الملازمة بينهما.

ويدلّ عليه مضافاً إلى ذلك قوله بعد ذلك: (وقد دلّلنا على ذلك في كتاب الطهارة، حيث دللنا على أنّ سؤر الكفّار نجس).

أقول: وبهذا التقريب ظهر اندفاع ما أورده بعض أعاظم المحشّين(2)على هذا الاستظهار بقوله: (كلام السيّد صريحٌ في أنّ معقد الإجماع هو الانتفاعات، وخلاف العامّة في أصل النجاسة لا يوجبُ رفع اليد عنه بعد خلافهم في حرمة الانتفاعات).

وأجاب عن إجماع الخلاف(3): (بأنّ معقده ما وقع الخلاف فيه بين من ذكر من المخالفين وبينه).6.


1) المكاسب: ج 1/85-86.

2) حاشية الإيرواني: ج 1/11.

3) المكاسب: ج 1/86.

توضيحه: أنّ الشيخ قدس سره ذكر أحكاماً، ثمّ نقل الخلاف في بعضها ولم ينقل عن أحدٍ الخلاف في حرمة الانتفاع بها بغير الإستصباح.

ودعوى: أنّ ابن داود إنّما خالف فيه وجوّز الانتفاع بغير السَّمن.

مندفعة: بأنّه إنّما خالف في النجاسة، وحكم بحليّة أكله وشربه بعد البناء على الطهارة، مع أنّ الأكل والشرب ليسا مورد البحث.

وعليه، فليس المراد من الإجماع في كلامه، الإجماع على عدم جواز الانتفاع، إذ الظاهر أنّه إنّما يدّعى الإجماع في ما وقع فيه الخلاف إلزاماً للمخالفين.

أقول: وبذلك اندفع ما أورده بعض اعاظم المحشّين رحمه الله(1)من أنّ خلاف ابن داود خلافٌ في حرمة الانتفاع أيضاً، فلا وجه للتصرّف في كلامه، الصريح في الاستدلال على حرمة الانتفاعات بالإجماع.

وأجاب عن إجماع «الغنية»(2): بأنّه في أصل مسألة تحريم بيع النجاسات واستثناء الكلب المعلَّم والزيت المتنجّس لا فيما ذكره من أنّ حرمة بيع المتنجّس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع.

أقول: وغاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام الشيخ رحمه الله:

أنّ اسم الإشارة في قوله: (ويدخل في ذلك كلّ نجسٍ‌)(3)أُريد به ما لا يجوز بيعه، لأنّ منافعه محرّمة، المستفاد ذلك من صدر كلامه، ومن استثناء بيع الكلب المعلَّم والزيت، فإنّ استثناء بيعهما يستلزم كون المستثنى منه بيع النجاسات، ومن قوله بعد ذلك بجواز بيع الزيت والاستدلال له، فإنّه أيضاً يكشف عن كون محلّ‌3.


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/11.

2) المكاسب: ج 1/86.

3) أي قول صاحب الغنية: ص 213.

الكلام هو البيع.

وعليه، فالإجماع إنّما ادّعاه على ذلك لا على حرمة الانتفاع بالمتنجّس.

وبهذا يظهر اندفاع ما أورده بعض الأعاظم رحمه الله عليه بأنّه لم يتعرّض لحرمة بيع النجس صريحاً، ليكون إجماعه إجماعاً على حرمة البيع، مع أنّه يحتمل أنّ ابن زُهرة استدلّ بالإجماع على اشتراط المنفعة المحلّلة في صحّة البيع، أو على استثناء بيع الكلب المعلَّم والزيت المتنجّس.

فالمتحصّل: أنّه لم يحك الإجماع على عدم جواز الانتفاع بالمتنجّس، وعلى فرض تسليم الحكاية لا تصلح أن تكون دليلاً للحكم لوجوه:

الوجه الأوّل: احتمال استناد المُجمِعين إلى الآيات والروايات المتقدّمة التي عرفت ما فيها.

الوجه الثاني: عدم حجيّة المنقول من الإجماع في نفسه، كما حقّق في الأُصول(1).

الوجه الثالث: ما ذكره الشيخ رحمه الله من مخالفة أكثر المتأخّرين(2).

ودعوى‌: بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله بأنّ نقل مثل هذه الإجماعات في مقابل المخالفين، إنّما يكون من جهة الإلزام، ولا يكون نقلاً لرأي المعصوم عليه السلام.

فغير تامّ‌: لأنّ الاستدلال بها بعد الإفتاء كاشفٌ عن أنّ مرادهم بها بيان الحجّة الواقعيّة، مع أنّ حجيّة الإجماع المنقول لو ثبتت ليست لأجل كونه نقلاً لرأي المعصوم عليه السلام، بل لأجل كونه نقلاً للسبب.

***7.


1) زبدة الاُصول: ج 114/3، من الطبعة القديمة وج 4/181 من الطبعة الجديدة بعنوان: (حجيّة الإجماع المنقول).

2) المكاسب: ج 1/87.

حكم بيع ما عدا الدُّهن المتنجّس

الأمر الثاني: قال الشيخ قدس سره(1): (ثمّ لو قلنا بجواز البيع في الدّهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة، فهل يجوز بيع غيره من المتنجّسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحلّلة كالصّبغ والطين ونحوهما، أم يقتصر على المتنجّس المنصوص وهو الدهن‌؟ غاية الأمر التعدّي من حيث غاية البيع إلى غير الإستصباح) انتهى‌.

أقول: أورد عليه بعض الأعاظم رحمه الله(1): بأنّ مناط التعدّي وعدمه واحد، فإمّا أن لا يتعدّى إلى سائر المنافع، أو يتعدّى إلى كلّ متنجّسٍ له منفعة محلّلة.

وفيه: أنّ مناط التعدّي في الأوّل كون الإستصباح مثالاً لمطلق المنفعة المحلّلة، مع التحفّظ على ظهور قولهم (للاستصباح) في أنّ شرط صحّة البيع أن يكون لهذه الغاية، وظهور الاستثناء في عدم جواز بيع غيره، ومناط التعدّي في الثاني فهم العليّة من قولهم: (للاستصباح) باعتبار أنّه يتعدّى إلى كلّ ما له منفعة محلّلة، وعليه فليس مناط التعدّي واحداً.

وقد استدلّ الشيخ رحمه الله(3) للجواز: باستصحاب الحكم قبل التنجس.

أقول: بعد فرض وجود المنفعة المحلّلة، وصدق البيع عرفاً، لم يظهر لي وجه عدم الاستدلال لصحّة البيع بعموم قوله تعالى‌: (أَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ‌) (2)، ودليل وجوب الوفاء بالعقود.

وكيف كان، فقد أورد على الاستصحاب بأنّه من الشكّ في الموضوع من


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/11.

2) سورة البقرة: الآية 275.

حيث زوال وصفه، المحتمل مدخليّته في موضوعيّته، أعني وصف الطهارة.

وفيه: إنّ وصف الطهارة بنظر العرف الذي هو المعيار في جريان الاستصحاب وبقاء موضوع الحكم، من قبيل العلّة لثبوت الحكم، لا أنّه جزء للموضوع، ولكن الصحيح عدم جريانه، لما حقّقناه في محلّه من أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام لكونه محكوماً لاستصحاب عدم الجعل.

وأيضاً: استدلّ له:

1 - بالقاعدة المستفادة من قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «إنّ كلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات فذلك كلّه حلال».

2 - وما تقدّم من رواية «دعائم الإسلام» من حِلِّ بيع كلّ ما يباح الانتفاع به.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من ضعف سند هذا الخبر.

وثانياً: أنّه معارض مع الجملة المتضمّنة أنّه لا يجوز بيع ما فيه وجه من وجوه الفساد، لأنّ المتنجّس فيه وجه من وجوه الفساد، وحيث أنّهما جملتان من خبر واحد، فالحكم فيهما على المشهور هو التساقط، والجمع بينهما بالالتزام بالجواز بقصد ترتّب الصلاح، وعدم الجواز بقصد ترتّب الفساد كما عن السيّد رحمه الله(1)، جمعٌ لا شاهد له.

ودعوى: أنّ ظاهر قوله عليه السلام: (أو وجهٌ من وجوه الفساد) انطباقه على عنوان يقتضي حرمته بقول مطلق، كما عن بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله(2).

مندفعة: بأنّ المراد به ما يكون بعض منافعه المقصودة محرّماً.

***6.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/3.

2) الظاهر أنّه الميرزا النائيني في كتاب المكاسب والبيع: ج 1/16.

الانتفاع بالأعيان النجسة

الأمر الثالث: المشهور بين الأصحاب(1)حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة إلّا ما خرج بالدليل، وقد استدلّ لذلك بوجوه:

منها: الآيات المتقدّمة: من قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوهُ‌) (2)، وقوله تعالى‌: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (3)، وقوله تعالى‌: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ) (4).

وأجاب عنها الشيخ رحمه الله(5)، وتبعه الأُستاذ الأعظم(6)في الأخير بظهورها في الانتفاعات المقصودة في كلّ نجسٍ بحسبه، فما يناسب المذكورات في الآية إنّما هو الأكل خاصّة.

أقول: ولكن يرد عليه قدس سره أنّ الاجتناب عن الشيء وهجره لا يصدق بمجرّد عدم أكله مع جواز سائر الانتفاعات، مثلاً لو ترك أكل الدّهن المأخوذ من لبن الذئب مع استعماله في سائر حوائجه كالاستصباح به، والتطيّب بما يعمل به من الطيب، وغسل رأسه به، لا يصدق أنّه هجره واجتنب عنه.

ودعوى: أنّه يصدق ذلك مع ترك استعماله في المنافع المقصودة من الشيء، وإنْ استعمله في غيرها، ألا ترى أنّه يصدق قولنا: (فلانٌ هَجَر زوجته) بمجرّد أنّه لم


1) المبسوط: ج 6/284، السرائر: ج 3/127، شرائع الإسلام: ج 2/263.

2) سورة المائدة: الآية 90.

3) سورة المدثر: الآية 5.

4) سورة المائدة: الآية 3.

5) المكاسب: ج 1/98.

6) مصباح الفقاهة: ج 1/227.

يُضاجعها، وإنْ كانت تقضي له سائر حوائجه، كما يصدق (فلانٌ هَجَر جاريته) بمجرّد عدم إرجاع الخدمة إليها وإنْ جامعها.

مندفعة أوّلاً: بعدم تسليم صدق ذلك.

وثانياً: إنّ ذلك لو تمّ‌، فإنّما هو فيما نُسب الهجر إلى عناوين الأشياء كالزوجة والخادمة، لا فيما نُسب إلى النجس، أي العنوان المشترك بين جميع العناوين، فإنّ الهجر المطلق إنّما يصدق مع ترك استعماله في كلّ منفعة معتدّ بها.

وثالثاً: لو ثبت ذلك في بعض المنافع غير المتوقّف على الطهارة، بلحاظ كونه من المنافع المقصودة من الشيء، ثبت في الجميع لعدم الفصل.

فالصحيح في الجواب أن يقال: أمّا آية تحريم الميتة فهي مخصّصة في موردها، لما دلّ على جواز الانتفاع بجلدها، فالتعدّي عنه بلا وجه.

وأمّا آيتا وجوب اجتناب الرِّجس وهَجر الرّجز، فقد تقدّم الكلام فيهما مفصّلاً في مبحث الانتفاع بالمتنجّس(1)، وعرفت عدم دلالتهما على ذلك فراجع.

ومنها: قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «أو شيءٌ من وجوه النجس وهذا كلّه حرامٌ محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه في جميع تقلّبه في ذلك حرام»(2).

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(3): بأنّ المراد بالإمساك والتقلّب فيه ما يرجع إلى الأكل والشرب، ومراده بذلك ما يكون نسبته إلى العين كنسبة الأكل والشرب إلى المأكول والمشروب، وبعبارة أُخرى المنفعة المقصودة.8.


1) صفحة 157 من هذا المجلّد.

2) وسائل الشيعة: ج 17/84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

3) المكاسب: ج 1/98.

وفيه: إنّ هذا الحمل خلاف الظاهر، ولا قرينة على سوى ما ذكره قدس سره من الاتّفاق على جواز إمساك نجس العين لبعض الفوائد(1)، وهو لا يصلح للقرينيّة، لأنّه يمكن الالتزام بتقييد الإمساك المحرّم بغير الإمساك لفائدةٍ ثبت جوازها.

مع أنّه لو سُلّم التنافي بينهما، فغاية الأمر رفع اليد عن ظهور النهي في خصوص الإمساك، وحمله على الكراهة، لا حمل الإمساك والتقلّب على إرادة المنافع المقصودة من كلّ شيء.

وعليه، فالصحيح في الجواب عنه ما تقدّم مراراً من ضعف سنده.

ومنها: ما دلّ من الأخبار والإجماع(2)على عدم جواز بيع نجس العين بناءً على أنّ المنع عن بيعه لا يكون إلّامع حرمة الانتفاع به.

وفيه: إنّه ليس في النصوص ما يمكن أن يستدلّ به على عدم جواز بيع نجس العين بعنوانه، كي يستدلّ به في المقام، وخبر «تحف العقول» قد عرفت أنّه يدلّ على عدم جواز بيع النجس الذي لا ينتفع به، وكذلك النبويّ وخبر «دعائم الإسلام» يدلّان على أن ما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، لا أنّه لا يجوز بيع النجس بعنوانه.

أقول: قد أجاب عنه الشيخ رحمه الله بجوابين(3):

الجواب الأوّل: إنّه قد يدّعى أنّ تلك الأدلّة مختصّة بغير ما يحلّ الانتفاع المعتدّ به.

الجواب الثاني: إنّه يمنع استلزام حرمة البيع لحرمة الانتفاع، بناءً على مانعيّة نجاسة العين بنفسها من غير أن ترجع إلى عدم المنفعة المحلّلة.9.


1) المكاسب: ج 1/98 و 99.

2) المبسوط: ج 6/284، السرائر: ج 3/127، شرائع الإسلام: ج 2/263، تذكرة الفقهاء: ج 10/25.

3) المكاسب: ج 1/98 و 99.

أقول: أمّا الجواب الأوّل فبعيدٌ غايته، ولا وجه له بعد إطلاق الدليل.

وأمّا الثاني: فقد يقال بعدم صحّته أيضاً، لأنّ الملازمة بين عدم جواز البيع وحرمة الانتفاع ثابتة بقوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «كلّ ما فيه وجهٌ من وجوه الصلاح جاز بيعه»، لانعكاسه بعكس النقيض اللّازم الصدق للأصل، إلى قولنا:

«كلّ ما لم يجز بيعه لا يجوز الانتفاع به».

وفيه: - مضافاً إلى ضعف سنده - أنّ أصالة العموم أصلٌ عقلائي عملي موردها ما لو علم الفرديّة وشُكّ في الحكم، لا ما علم فيه الحكم وتحقّق الشكّ في الفرديّة.

وتمام الكلام في محلّه.

ومنها: الإجماعات المنقولة المدّعاة على حرمة الانتفاع بها، كما عن فخر الدِّين(1)والمقداد(2)وغيرهما من الأعلام(3).

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(4): بظهور كلمات كثيرٍ منهم في جواز الانتفاع في الجملة.

وفيه: إنّ ثبوت جواز الانتفاع في الجملة، لا ينافي عموم ما دلّ على المنع، لإمكان الالتزام بالتخصيص.

أقول: فالصحيح في الجواب عن الإجماعات المنقولة هو أنّ دعوى الإجماع مع ذهاب جمعٍ من الأساطين إلى الجواز كما ترى‌(5)، مضافاً إلى ما حُقّق في محلّه من عدم حجيّة الإجماع المنقول، لا سيّما مع احتمال استناد المجمعين إلى وجه ودليل6.


1) حكاه عن شرح الإرشاد في جواهر الكلام: ج 22/9.

2) التنقيح: ج 2/5.

3) ظاهر الحدائق الناضرة: ج 18/89.

4) المكاسب: ج 1/99.

5) راجع المبسوط: ج 2/167، وقواعد الأحكام: ج 2/6.

واصل إلينا كما في المقام.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة إلّاما خرج بالدليل كالميتة.

ولكن قد يقال: إنّ ما دلّ على أنّ الميتة لا يُنتفع بها(1)، وإنْ دلّ على عدم جواز الانتفاع بها مطلقاً، إلّاأنّه يختصّ بما يعدّ استعمالاً عرفاً كما عن كاشف الغطاء رحمه الله(2).

وأورد عليه الشيخ(3): بأنّه ليس في النصوص ما ينهى عن خصوص الاستعمال حتّى يقال المقصود منه، فالإيقاد بالميتة، وسدّ ساقية الماء بها، وإطعامها لجوارح الطير غير مشمولة لها.

وبعبارة أُخرى: انصراف الاستعمال إلى الاستعمال المعهود المتعارف من كلّ شيء بل المنهي عنه ما يكون انتفاعاً بها.

أقول: نعم يمكن أن يقال إنّ مثل هذه الاستعمالات - أي غير المعهودة من كلّ شيء - لا تعدّ انتفاعاً، تنزيلاً لها منزلة المعدوم، فالمنهيّ عنه هو الانتفاع بالميتة بالمنافع المقصودة التي تعدّ عرفاً غرضاً من تملّك الميتة لولا كونها ميتة.

أضف إليه أنّ الانتفاع المنفيّ في الميتة وإنْ كان مطلقاً في حيّز النفي، إلّاأنّ اختصاصه بما ادّعيناه من الأغراض المقصودة من الشيء دون الفوائد المترتّبة، من دون أن تعدّ مقاصد ليس من جهة انصرافه إلى المقاصد، حتّى يمنع انصراف المطلق في حيّز النفي، بل من جهة التسامح، والادّعاء العرفي تنزيلاً للموجود منزلة المعدوم،2.


1) وسائل الشيعة: ج 184/24 باب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 رقم 30299، الكافي: ج 6/259 ح 7.

2) شرح القواعد (مخطوط): ص 4.

3) المكاسب: ج 1/102.

فإنّه يقال للميتة مع وجود تلك الفوائد فيها أنّها ممّا لا ينتفع به.

وفيه: إنّه لا ريب في ظهور النهي عن الانتفاع بعنوانٍ من العناوين، في أنّ المنهي عنه هو ما يُقصد منه من المصارف لا ما يقصد من المادّة المشتركة، إلّاأنّ ما يقصد من العنوان أيضاً على قسمين:

الأوّل: المنافع الشائعة.

الثاني: المنافع النادرة. والثاني أيضاً على قسمين:

القسم الأوّل: ما لا يعدّ منفعةً له من جهة مزاحمته مع ما هو أهمّ منه كإطعام اللّحم للطيور، فإنّه منفعة للّحم، إلّا أنّه لأجل مزاحمته مع الأكل لا يُحسب من منافعه.

القسم الثاني: ما لا يعدّ منفعة له في نفسه، ولو مع عدم المزاحم.

وما ذكره قدس سره يتمّ في القسم الثالث، ولا يتمّ في القسم الثاني، إذ لا وجه له فيه إلّا الانصراف الذي لا يصلح للتقييد لكونه بدويّاً زائلاً بأدنى التفات.

وأمّا قوله قدس سره(1): (حتّى يمنع انصراف المطلق... الخ) فقد أورد عليه بعض الأعاظم رحمه الله(2)بأنّ الوقوع في حيّز النفي لا يمنع الانصراف في المنفيّ‌، إذ شأن أداة النفي إفادة العموم فيما المنفيّ ظاهرٌ فيه، سواءٌ أكان الظهور بالوضع أو بالانصراف أو بالقرائن.

وفيه: إنّ ما ذكره قدس سره يتمّ بناءً على عدم كون النكرة الواقعة في حيز النفي ظاهرة في العموم وضعاً كما هو الحقّ‌، أو على توقّف دلالة أداة العموم عليه على إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها، وإلّا فلا يتمّ كما لا يخفى‌.2.


1) المكاسب: ج 1/103.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/12.

ولكن يرد عليه: أنّ المطلق في المقام واقعٌ في حيّز النهي لا النفي، وعليه فلا فرق بين كون الحكم تحريميّاً أو وجوبيّاً؛ في اختصاصه بما ينصرف إليه المتعلّق.

وأمّا قوله قدس سره(1): (والادّعاء العرفي... الخ) فليس مراده بذلك المسامحة في تطبيق المفهوم على المصداق، حتّى يقال بأنّ المسامحات العرفيّة في المورد تضرب بها على الجدار، بل مراده أن الانتفاع بمثل المنافع المذكورة ليس انتفاعاً.

وبعبارة أُخرى‌: مفهوم الانتفاع بحسب المتفاهم العرفي لا يشمل حقيقةً أمثال هذه الانتفاعات، فلا وجه للإيراد عليه.

أقول: بما أنّه وردت في الميتة روايات(2)دالّة على جواز بعض الانتفاعات بها، كإذابة الإلية والإسراج بها، والإستقاء بجلدها، وغير ذلك من ما ورد فيه النص، يتعيّن حمل ما تضمّن أنّه لا ينتفع بالميتة على إرادة المنع عن استعمالها فيما يشترط بالطهارة دون مطلق الاستعمال.

***ة.


1) المكاسب: ج 1/103.

2) وسائل الشيعة: ج 24/71 باب 30 من أبواب الذبائح، وص 184 باب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

المعاملة على الأعيان النجسة

الأمر الرابع: بعدما عرفت من جواز الانتفاع بالأعيان النجسة، يقع الكلام في أحكامها الوضعيّة.

أقول: وملخّص القول فيها بالبحث في موارد:

1 - في نقلها إلى الغير بالبيع أو معاوضة أُخرى‌، أو بالهبة.

2 - في ثبوت حقّ الاختصاص مع عدم جعل الماليّة فيها هي المنفعة المحلّلة لها.

3 - في خصوص الصلح الناقل على حقّ الاختصاص.

4 - في الحيازة لها، وأنّها هل تشترط في الاختصاص بها قصد الحائز للانتفاع أم لا.

المورد الأوّل: فإن كانت المنفعة المحلّلة للنجس للأصل أو للنص تجعله مالاً عرفاً، وذلك فيما إذا كانت المنفعة معتنى بها عند أهل العرف.

ودعوى: أنّ الماليّة لا تدور مدار المنفعة، فإنّ الجواهر النفيسة مالٌ ولا منفعة لها، والماء على الشطّ له منفعة وليس بمال، كما عن المحقّق الإيرواني(1).

مندفعة: بأنّ عدم الماليّة فى الماء إنّما يكون لكثرته، وتمكّن كلّ أحدٍ من الوصول إليه والانتفاع به، ولذا لو فرض قلّته أصبح مالاً بلا كلام، وأمّا الجواهر النفيسة فماليّتها إنّما تكون لكونها ممّا تعلّق به غرض عامّة الناس بحيث يميلون إلى اقتناءه وامتلاكه.

فإن قلت: إنّ الماليّة العرفيّة لا تدور مدار المنفعة المحلّلة، ونهي الشارع


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 12.

لا يوجب سقوط الشيء عن الماليّة كما ذكره بعض الأعاظم رحمه الله(1).

قلت: نهي الشارع عن المنفعة إنّما يكون في حكم تنزيل وجودها منزلة العدم، فهي في عرف المتشرّعة ساقط عن الماليّة، وقد أفاد الشيخ بعد تسليم منع الشارع عن بيعه(2)بأنّ (مثل هذه الأموال لا تجوز المعاوضة عليها، ولا يبعد جواز هبتها لعدم المانع مع وجود المقتضي فتأمّل) انتهى‌.

أقول: أمّا البيع فقد مرَّ الكلام فيه، وأمّا ما أفاده في غير البيع فيرد عليه أنّ مدرك عدم جواز المعاوضة إنْ كان خبر «تحف العقول»:

فيرد عليه: - مضافاً إلى ضعف سنده - أنّه من جهة تعليل عدم الجواز فيه بعدم جواز الانتفاع، وعدم وجود المنفعة المحلّلة، لا يشمل المقام لفرض وجود المنفعة المحلّلة.

وإن شئت قلت: إنّه يدلّ على أنّ المانع عدم وجود المنفعة المحلّلة لا النجاسة، مع أنّه لو ثبتت دلالة هذه الجملة منه، المتضمّنة لهذا الكلام على المنع عن المعاوضة على النجس بقول مطلق، يقع التعارض بينها وبين الجملة المتضمّنة لجواز المعاوضة على كلّ ما فيه جهة من الصلاح في أمثال المقام، فتتساقطان كما تقدّم في بيع الدَّم، والمرجع حينئذٍ إلى عموم أدلّة تلك المعاملات، وإنْ كان المدرك هي النصوص الخاصّة، فهي إنّما وردت في موارد خاصّة لا يستفاد منها هذه الكبرى الكليّة.

وبذلك ظهر أنّه لا مانع من هبتها مع وجود المقتضي، أمّا المقتضي فهو عموم أدلّة الهبة، وأمّا عدم المانع فلعدم شمول خبر «تحف العقول» كما تقدّم، وعدم شمول5.


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/12، بتصرّف.

2) المكاسب: ج 1/105.

النصوص الخاصّة لاختصاصها بالمعاملات التي لها أثمان، ولا تشمل مثل الهبة، وبالتالي فإنّ تأمّل الشيخ رحمه الله يكون بلا وجه.

ودعوى: أنّ الأمر بالتأمّل إنّما يكون لعدم ماليّة الكلاب الثلاثة المستفاد من ما ورد من ثبوت الدية في قتلها دون القيمة.

مندفعة: بما عرفت من أنّه أعمّ من عدم الماليّة، ولذا ثبتت الدية في كلب الصيد مع أنّه مالٌ بلا كلام.

منشأ ثبوت حقّ الاختصاص

المورد الثاني: قال الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(1): (وقد لا تجعله مالاً عرفاً، لعدم ثبوت المنفعة المقصودة منه له، وإن ترتّب عليه الفوائد.

إلى أن قال: والظاهر ثبوت حقّ الاختصاص في هذه الأُمور) انتهى‌.

أقول: لا ينبغي التأمّل في أنّ حقّ الاختصاص ثابتٌ للمحيّز لما لا يملكه، وللمالكين أيضاً في أموالهم الساقطة عن الماليّة للعوارض، إنّما الكلام في منشأ ذلك، والظاهر أنّ منشأه كون ذلك ممّا عليه بناء العرف والعقلاء، ولم يرد من الشارع الأقدس نهي عن ذلك، بل لا يبعد دعوى سيرة المتشرّعة عليه، سيرةً مستمرةً إلى زمان المعصوم عليه السلام، ويشهد له في صورة الحيازة، النبويّ‌: «مَنْ سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو أحقّ به»(2).

وفيه: أنّه ضعيف السند، ولم يحرز استناد الأصحاب إليه.


1) المكاسب: ج 1/105-106.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 17/111-112 باب 1 من كتاب إحياء الموات ح 4 رقم 20905.

وما ذكره الأُستاذ الأعظم:(1)من أنّ مورده الموارد المشتركة بين المسلمين كالأوقاف العامّة، ويدلّ على أنّ أحداً من الموقوف عليهم إذا سبق إليها واشغلها بالجهة التي انعقد عليها الوقف، حَرُمت على غيره مزاحمته، فهو غير مربوط بما هو محلّ الكلام.

غير سديد: لعدم قرينة موجبة لتقييده بتلك الموارد وحمله عليها، فتدبّر.

أقول: واستدلّ له في هذه الصورة أيضاً بالمرسلة المعروفة: «من حاز ملك».

وفيه: - مضافاً إلى عدم وجدانها في كتب الحديث - أنّها على فرض وجودها مرسلة غير منجبرة بعمل الأصحاب لما تقدّم، مع أنّه إنّما تدلّ على ثبوت الملكيّة للمتحيّز، ولا تدلّ على ثبوت حقّ الاختصاص في غير ما يملك.

واستدلّ له في الصورة الثانية: بالاستصحاب، وتقريبه إنّما يكون بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الإيرواني رحمه الله(2)من استصحاب بقاء العلقة، فإنّ المورد ممّا يجري فيه هذا الاستصحاب لمكان أن المشكوك فيه يعد من مراتب المتيقّن السابق لا شيئاً خارجاً عنه.

وفيه: أنّ الملكيّة من الأُمور الاعتباريّة، وهي من سنخ الوجود، وتكون بسيطة لا مراتب لها، فلا يعقل زوال مرتبةٍ منها وبقاء مرتبة أُخرى‌، والحقّ وإنْ يعدّ مرتبة ضعيفة من الملك، إلّاأنّ له اعتبار غير اعتبار الملكيّة.

الوجه الثاني: استصحاب بقاء الحكم الثابت للمال حين كونه ملكاً، وهو عدم جواز تصرف غيره فيه إلّابإذنه، إذ بعد زوال الملكيّة يشكّ في بقائه من جهة احتمال2.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/238.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/12.

ثبوت الحقّ‌، فيستصحب.

وفيه: ما حقّقناه في محلّه(1)وأشرنا إليه في أماكن عديدة من الجزء الخامس من هذا الشرح من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام، لكونه محكوماً لاستصحاب عدم الجعل، مضافاً إلى تبدّل الموضوع، فإنّ موضوعه هو مال الغير الساقط عن الماليّة على الفرض، وليس الموضوع ذات ما هو مال، وتكون الماليّة واسطة في الثبوت ومن الجهات التعليليّة، بل هي تمام الموضوع ومن الجهات التقييديّة.

وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محلّ آخر.

المورد الثالث: ظاهر كلام العلّامة رحمه الله في «التذكرة»(2)جواز الصلح على حقّ الاختصاص بدون العوض أو معه.

واستشكل الشيخ فيه(3)، وغاية ما قيل في وجه الإشكال إثنان:

الإشكال الأوّل: شمول التقلّب المذكور في خبر «تحف العقول» له، بل هو صادقٌ على المصالحة بلا عوض وبذل المال ليرفع يده عنه.

ودعوى: أنّ التقلّب عبارة عن التصرّف في الشيء مع محفوظيّة ذلك الشيء، وبهذا الاعتبار يطلق على البيع، فإنّ ماليّة الشيء باقية برد بدله، فلا يصدق على المصالحة بلا عوض.

ممنوعة: ألا ترى إنّه يصدق التقلّب على عتق العبد.

فتحصّل: أنّه بناءً على صحّة الاستدلال بخبر «تحف العقول» فإنّ ما ذكره6.


1) زبدة الاُصول حيث ذكره في غير مورد، منها ما في الجزء 4 ص 111 (ط. ق) (استصحاب أحكام الشريعة السابقة)، وفي الطبعة الجديدة ج 5.

2) تذكرة الفقهاء (ط ق): ج 2/479.

3) المكاسب: ج 1/106.

الشيخ رحمه الله في وجه صحّة المعاملة لا يجدي، إلّاأنّه عرفت غير مرّة أنّه ضعيف السند لا يعتمد عليه.

الإشكال الثاني: ما ورد في الموارد الخاصّة من عدّ الثمن سُحتاً، فإنّ الثمن لا يختصّ بما يقع عوضاً في البيع، ولا بما يقع في مقابل نفس العين المملوكة، بل يصدق على كلّ ما يبذل للتسلط على العين، وعليه فلا تجوز المصالحة بالعوض، وما تحرّاه الشيخ رحمه الله في التوصّل إلى المعاملة تامّ‌.

أقول: ولكن هذا لو تمّ فإنّما يختصّ بالنجس الذي ورد النهي عن بيعه خاصّة، مع كونه بهذا المضمون، أي يجعل ثمنه سحتاً، ولا يعمّ جميع النجاسات، مع أنّه يتمّ فيه أيضاً لما مرّ من اختصاص الثمن بحسب المتفاهم العرفي بما جعل عوضاً في البيع.

المورد الرابع: ففي مكاسب الشيخ(1): (ثمّ إنّه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع - إلى أن قال - وكذا لو سَبَق إلى مكانٍ من الأمكنة المذكورة، أي المشتركة، من غير قصد الانتفاع منها بالسكنى... الخ).

وفيه: إنّ ما ذكره رحمه الله لو تمَّ في الأمكنة المشتركة، لا يتمّ في المباحات الأصليّة كالاصطياد ونحوه، والشاهد عليه السيرة المستمرّة وبناء العرف والعقلاء، فإنّهم يعاملون مع المحيّز لشيء معاملة المالك له ومَنْ له حقٌّ ثابتٌ عليه، حتّى مع العلم بأنّ مقصوده التكسّب لا الانتفاع، ويؤيّده إطلاق النبويّ المتقدّم.

نعم، لا يبعد دعوى اعتبار عدم أخذ الشيء عبثاً ولا لغاية، كما أنّه يمكن أن يؤيّد ذلك بل يُستدلّ له بالنصوص الكثيرة الواردة في إحياء الموات من الأراضي.

***7.


1) المكاسب: ج 1/107.

الثاني: يَحرُم التكسّب.

حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة

النوع (الثاني) ممّا (يَحرُم التكسّب) به، ما يحرُم لتحريم ما يُقصد به، وهو على أقسام:

القسم الأوّل: ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلّاالحرام، وهي أُمور:

منها: هياكل العبادة المُبتدعة كالصليب والصنم، والمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة(1)حرمة بيعها، بل عليها إجماع فقهاء الإسلام على ما نُسب إليهم(2).

أقول: وتحقيق القول في المقام أنّه:

تارةً‌: تكون منفعة الهياكل المزبورة منحصرة في العبادة المحرّمة، بأن لم يترتّب على هيئتها منفعة أُخرى من التزيّين وغيره، وكانت موادها خارجة عن حريم الماليّة، كالهيكل المصنوع من الخَزَف.

وأُخرى‌: تكون لها منفعة أُخرى‌، وهي على قسمين:

الأوّل: ما تكون المنفعة الأُخرى مترتّبة على الهيئة أيضاً كالتزيّين، ولعلّ من هذا القبيل آلات الصنائع كالمكائن المصنوعة بشكل الوثن أو الصليب.

الثاني: ما تكون المنفعة مترتّبة على المادّة، كما إذا كانت مادّة تلك الهياكلّ من الذهب والفضّة.


1) المقنعة: ص 587، الكافي للحلبي: ص 281، المراسم العلويّة: ص 172، النهاية: ص 363، شرائع الإسلام: ج 2/263، الجامع للشرايع: ص 296، تذكرة الفقهاء: ج 10/36 وغيرها.

2) نسبه في مصباح الفقاهة: ج 1/242.

وثالثة: تكون المنفعة المحرّمة المفروضة معدومة، كما إذا فرض عدم وجود العابد لها، فإنّ ذلك يوجب انعدام تلك المنفعة المحرّمة، وانحصار المنفعة لو كانت في المحلّلة.

أقول: لا إشكال ولا كلام في فساد بيع القسم الأوّل، إذ مع فرض عدم وجود المنفعة المحلّلة، تكون مالاً شرعاً، فلا يصحّ البيع لذلك، مع أنّ المبيع متمحّض في جهة الفساد، والبيع واقعٌ في سبيل الإضلال، فلا ينبغي التوقّف في الحرمة وضعاً وتكليفاً.

وأمّا القسم الثاني: فمقتضى القاعدة هي صحّة بيعه إذا كانت المنفعة المحلّلة شائعة، أو كانت نادرة غير مقوّمة للماليّة، ولكن من حيث المزاحمة مع المحرّمة لكونها أتم، وفساده إذا كانت نادرة غير موجبة للماليّة في نفسها لخسّتها، لما حقّقناه في مبحث بيع الدّهن المتنجّس، فراجع(1).

أقول: إنّما الكلام في المقام فيما تقتضيه الأدلّة الخاصّة، وقد استدلّ لعدم الجواز بوجوه:

الوجه الأوّل: ما في رواية «تحف العقول»:

1 - من قوله عليه السلام: «فكلّ أمرٍ يكون فيه الفساد ممّا هو منهيٌّ عنه».

2 - وقوله عليه السلام فيها: «إنّما حَرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج، وكلّ ملهوٍّ به، والصُّلبان والأصنام».

3 - وقوله عليه السلام فيها: «أو عمل التصاوير والأصنام»(2).

وفيه: ما تقدّم في أوّل الكتاب من أنّها ضعيفة السند، لا تصلح للاعتماد عليها في الأحكام الشرعيّة، وبذلك ظهر عدم صحّة الاستدلال بقوله عليه السلام في خبر «دعائم3.


1) صفحة 128 من هذا المجلّد.

2) وسائل الشيعة: ج 17/85 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

الإسلام»: «نهى عن بيع الأصنام»(1).

الوجه الثاني: جملة من الآيات الشريفة:

منها: قوله تعالى‌: (فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثانِ‌) (2).

ومنها: قوله تعالى‌: (وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (3).

ومنها: قوله تعالى‌: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصابُ وَ اَلْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‌) (4).

أقول: وتقريب الاستدلال بها من وجهين:

الأوّل: أنّ الاجتناب المطلق شامل للبيع.

الثاني: إنّها تدلّ على حرمة جميع الانتفاعات حتّى غير العبادي كالتزيّين وغيره، فتكون ممّا لا منفعة محلّلة له، فلا يجوز البيع لذلك.

وفيه: أنّ المستفاد من هذه الآيات لزوم اجتناب الأوثان والرجس وهجرها بعدم الانتفاع بها، بما يكون انتفاعاً بها بما هي أوثان، كما هو الظاهر من إضافة المنفعة إلى العنوان، وعلى ذلك فلا تشمل الآيات الانتفاع بها بما لا يكون انتفاعاً بالوثن بما هو كذلك المفروض وجوده في المقام، فإذا لم تشمل تلك المنفعة، فعدم شمولها للبيع بطريق أولى‌.

الوجه الثالث: النبويّ المشهور: «إنّ اللّه إذا حَرّم علي قومٍ شيئاً حَرّم عليهم ثمنه»(5).ا.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/71 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 14777، دعائم الإسلام: ج 2/18 ح 22.

2) سورة الحجّ‌: الآية 30.

3) سورة المدثر: الآية 5.

4) سورة المائدة: الآية 90.

5) أورده العامّة والخاصّة في كتبهم الاستدلاليّة، راجع مسند ابن الجعد: ج 1/479، والبحار: ج 80 ص 238، والخلاف: ج 3/184، وابن زُهرة في غنية النزوع: ص 213 وغيرها.

وفيه: - مضافاً إلى ضعف سنده كما تقدّم - قد عرفت اختصاصه بما ليس له منفعة محلّلة فلا يشمل هذا القسم.

الوجه الرابع: الإجماع(1)، وهو كما ترى‌.

الوجه الخامس: النصوص(2)الدالّة على المنع عن بيع الخشب ممّن يجعله صليباً أو صنماً، الآتية في مسألة بيع العنب ممّن يجعله خمراً، فإنّه إذا حَرُم بيع الخشب لمن يجعله كذلك، فبيع الصليب والصنم أولى بالتحريم.

أقول: وهذا هو الوجه القوي، وتؤيّده النصوص المتضمّنة إتلافه صلى الله عليه و آله أصنام مكة، إذ لو جاز بيعها لما جاز إتلافها، وما قيل من إنّه يجب الإتلاف حَسماً لمادّة الفساد.

وأمّا القسم الثالث: فالكلام فيه يقع في موضعين:

الأوّل: في بيع مجموع المادّة والهيئة، ومنه يظهر حكم بيع الهيئة مجرّدة.

الثاني: في بيع المادّة وحدها.

أمّا الموضع الأوّل: ففيه وجوه:

الوجه الأوّل: صحّة البيع الواقع على المادّة بهيئتها، وهي التي اختاره بعض الأعاظم من المحشّين(3).

الوجه الثاني: فساده، وهو مختار الشيخ رحمه الله(4).3.


1) ذكر الإجماع غير واحد، منهم: العلّامة في منتهى المطلب (ط ق): ج 2/1011، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة: ج 8/41، والمحق البحراني في الحدائق الناضرة: ج 18/200.

2) وسائل الشيعة: ج 17/176-177 باب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 2 رقم 22287 و 22288، الكافي: ج 5/226 ح 2، التهذيب: ج 7/134 ح 62.

3) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/13، حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/5.

4) المكاسب: ج 1/113.

الوجه الثالث: التبعيض في الفساد كما في بيع الشاة والخنزير، ولعلّه الأقوى‌.

وقد استدلّ للأوّل: بأنّه إذا فرض وجود منفعة محلّلة ولو كانت مترتّبة على المادّة، يصدق أنّ المبيع فيه جهةٍ من وجوه الصلاح، فإنّ ما في الخارج واحدٌ بسيط فيصحّ البيع.

وبعبارة أُخرى‌: بعد فرض كون ما في الخارج واحداً، يدخل المورد في الكبرى الكليّة المتقدّمة، وهي جواز بيع ذي المنفعتين الشائعتين الحلال والحرام.

وفيه: إنّه لا ريب في أنّ الهيئة ممّا يُبذل بإزائه المال، لا أنّها توجب ماليّة المادّة، وهي بنفسها ذات ماليّة.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الهيئة المتموّلة كالصفة المتموّلة، مثل كون الجارية مغنّية، تكون من عناوين المبيع، ويقع بعض الثمن بإزائها، بل عرفت أنّه ربما يكون النظر إلى الهيئة والمادّة منظورة تبعاً.

واستدلّ للثاني: بأنّ بذل المال بإزاء هذا المتشكّل بالشكل الخاص من حيث كونه مالاً عرفاً، بذلٌ للمال على الباطل.

وبعبارة أُخرى: إنّها بهذه الهيئة لا يُنتفع بها إلّافي الحرام.

وفيه: أنّه إذا كان للمادّة منفعة أيضاً، وكان مقدارٌ من الثمن واقعاً بإزائها، فإنّه لا وجه للحكم بفساد البيع الواقع على المجموع من المادّة والهيئة، بل لابدّ من الحكم بفساده في بيع الهيئة خاصّة.

فتحصّل: أنّ الأظهر بحسب القواعد هو القول الثالث.

ودعوى: أنّ الهيئة الوثنية في الصليب والصنم كالصورة النوعيّة للمادّة في نظر العرف، فلا تكونان في الخارج إلّاشيئاً واحداً، فلا موضع للانحلال والتقسيط كما

عن الأُستاذ الأعظم(1).

مندفعة: بأنّ ذلك يتمّ فيما إذا كانت الهيئة منظوراً إليها، وكانت المادّة منظوراً إليها تبعاً، وكانت الماليّة لخصوص الهيئة، ولا يتمّ فيما إذا كانت كلّ واحدة منهما منظوراً إليها، وكانت الماليّة لها؛ كما هو المفروض.

وأمّا الأدلّة الخاصّة: فالنصوص الواردة في بيع الخشب غاية ما يستفاد منها بالأولويّة، هي حرمة بيع الهيئة وفساده، وأمّا بيع المادّة إذا كانت لها منفعة وماليّة، فلا تدلّ هي على عدم جوازه كما هو واضح، وأمّا سائر الأدلّة فقد عرفت عدم، دلالتها على عدم لجواز.

وأمّا الموضع الثاني: ومحصّل القول فيه إنّ الصور المتصوّرة في بيع المادّة خاصّة ست:

الأُولى: أن يبيع المادّة بشرط أن يغيِّر المشتري هيئتها، وكان المشتري ممّن يوثق بديانته.

الثانية: أن يبيع المادّة مع الشرط المذكور ممّن لا يوثق بديانته.

الثالثة: أن يبيع المادّة ممّن يوثق بديانته دون شرط التغيير.

الرابعة: بيع المادّة ممّن لا يوثق بديانته دون الشرط المذكور.

الخامسة: بيع المادّة المتّصفة بتغيّر هيئتها بنحوٍ الشرط المتقدّم، بنحوٍ يتوقّف دخولها في ملك المشتري على تحقّق هذا العنوان له فعلاً.

السادسة: بيع المادّة المتّصفة بأنّها سيعقبها التغيير لاحقاً.

أمّا في الصورة الأُولى‌: فلا إشكال ولا كلام في صحّة البيع، لعدم شمول أدلّة المنع،8.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/248.

وما توهم دلالته في الصور الآتية عليه له.

وأمّا في الصورة الثانية: فقد استدلّ لفساد البيع بكونه إعانةً على الإثم، فيكون حراماً وفاسداً.

وفيه أوّلاً: إنّ الإعانة على الإثم لو سُلّم كونها محرّمة، لا توجب فساد البيع، لما حُقّق في محلّه من عدم المنافاة بين المبغوضيّة والصحّة في باب المعاملات.

وثانياً: إنّ الانقباض إعانة على الإثم لا البيع.

وعليه، فالأظهر هي الصحّة فيها.

وأمّا في الصورة الثالثة: فقد استدلّ لفساد البيع:

تارةً‌: بأنّ المال هي المادّة بشرط عدم الهيئة.

وأُخرى‌: بأنّ عموم العلّة المستفادة من قوله عليه السلام: «لا يُباع شيءٌ فيه غشّ‌»(1)، يقتضي الفساد لكونه واجب الكسر.

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ المادّة إذا كانت لها منفعة محلّلة، ولو بعد التصرّف فيها، تكون مالاً قبله، ولذا لا خلاف في أنّ من أتلف هذه الأُمور ضمن موادّها، كما لا ريب في أنّ اللّحم مال مع أنّه لا ينتفع به إلّابعد الطبخ.

وأمّا الثاني: فلأنّ الغِشّ إنّما يكون إذا خفي العيب، مع أنّه في صورة خفاء العيب أيضاً يصحّ البيع، غاية الأمر يثبت الخيار، وعليه فالأظهر فيها أيضاً الصحّة.

أمّا الصورة الرابعة: فإنّه يظهر حكمها وما يمكن أن يستدلّ به للفساد فيها، بما ذكرناه في هاتين الصورتين.3.


1) وسائل الشيعة: ج 280/17 باب 86 من أبواب مايكتسب به ح 5 رقم 22523، الكافي: ج 5/160 ح 3.

وأمّا الصورة الخامسة: فالأظهر فيها الفساد، لأنّه:

إنْ كان المبيع هو عنوان المغير يكون ذلك من قبيل بيع المعدوم.

وإنْ كان هو المادّة الموجودة بعد عروض صفة التغيّر، يكون من قبيل تعليق بيع الموجود بتحقّق صفةٍ في المستقبل.

وأمّا الصورة السادسة: فالأظهر فيها الصحّة إنْ كانا عالمين بالتغيّير، لأنّ المبيع هي المادّة المتّصفة بوصفٍ متحقّق بالفعل، وإلّا فهو فاسد لكون المبيع مجهولاً، فتدبّر.

قال العلّامة رحمه الله في «التذكرة»(1): (إذا كان لمكسورها قيمة وباعها صحيحة ليكسر، وكان المشتري ممّن يوثق بديانته، فإنّه يجوز بيعها على الأقوى‌) انتهى‌.

وأمّا الشيخ قدس سره(2)فإنّه بعد اختياره صحّة بيع المادّة بلا شرط، نقل هذا الكلام من المصنّف رحمه الله بالآلات المحرّمة كالعود والمزمار والأصنام والصلبان تقويةً لما اختاره، وذلك يتوقّف على أن يكون قوله (ليكسر) غاية للبيع، ويكون القصد إلى كسر الهيئة راجعاً إلى عدم ملاحظتها في المبيع، بل يبيعها مع كون داعيه كسر الهيئة لينتفع بالمادّة خاصّة، ولكن الظاهر منه إرادة اشتراط فعل الكسر من المشتري، فلاحظ وتدبّر.

***4.


1) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/32، وفي التذكرة قال: (وإن عُدّ مالاً فالأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرّمة)، تذكرة الفقهاء: ج 10/36.

2) المكاسب: ج 1/114.

بالآلات المحرّمة كالعود والمزمار والأصنام والصلبان.

بيع آلات اللّهو

ومنها: آلات اللّهو على اختلاف أصنافها، وقد طفحت كلمات القوم بحرمة التكسّب(1)(بالآلات المحرّمة كالعود والمِزمار والأصنام والصُّلبان)، وعن «المستند» دعوى الإجماع عليه(2)، والمتيقّن من معقده الآلات المعدّة للملاهي كالمزامير والمعازف والأوتار وما شابهها، التي تنحصر فائدتها بالانتفاع بها في الملاهي الذي لا إشكال ولا كلام نصّاً وفتوى في حرمته.

أقول: إنّ عدم جواز البيع في هذا المورد، إنّما يكون على وفق القاعدة كما عرفت في مسألة بيع الهياكل المبتدعة.

كما أنّ حرمته التكليفيّة لا شبهة فيها لوقوع البيع في معرض الإضلال وتمحّض المبيع في جهة الفساد، ولذا يجب إتلافها حسماً لمادّة الفساد.

إنّما الكلام فيما إذا اشترك شيءٌ بين ذلك وبين الأعمال في عمل مُحلّل، كأجهزة الراديو المتعارفة في زماننا هذا، فإنّه كما ينتفع بها في الملاهي، كذلك ينتفع بها في المنافع المحلّلة كاستماع قراءة القرآن والأخبار وغير ذلك، والأظهر في ذلك هو الجواز وضعاً وتكليفاً، لعموم أدلّة حليّة البيع.

وما ذكرناه في وجه عدم جواز بيع هياكل العبادة، وآلات القمار، لا يدلّ على


1) المقنعة: ص 587، المراسم العلويّة: ص 172، النهاية: ص 363، منتهى المطلب: ج 2/1011 (ط. ق)، وغيرها.

2) مستند الشيعة: ج 18/160.

عدم الجواز في المقام، كما هو واضح.

وأمّا النبويّ المروي عن «تفسير أبي الفتوح»: (إنّ اللّه بَعَثني هُدىً ورحمةً للعالمين، وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والأوتار والأوثان وأُمور الجاهليّة - إلى أن قال - إنّ آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام»(1)، فضعيفٌ لإرساله، فلا يُعتمد عليه.

وإفتاء الأصحاب بالمنع غير ثابت، وعلى فرضه استنادهم إليه غير معلوم، ومجرّد الموافقة لا يوجب الجبر.

والاستدلال بالأخبار العامّة المتقدّمة في أوّل الكتاب، في غير محلّه، لما عرفت من ضعف السند.

***5.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/219 باب 79 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 15175.

وآلات القمار كالشطرنج والنرد والأربعة عشر.

بيع آلات القمار

(و) منها: (آلات القمار) بأنواعه (كالشطرنج والنرد والأربعة عشر)، والظاهر أنّ حرمة بيعها ممّا لا خلاف فيه(1)، وعن «المستند» دعوى الإجماع عليه(2).

والمراد بها ما أُعدّ للمقامرة كالنرد لا كلّ ما قُومر به ولو فى بعض الأحيان كالجوز.

وقد استدلّ للحرمة: بالوجوه المتقدّمة في بيع هياكل العبادة التي عرفت عدم دلالة شيء منها على ذلك، وإنّما التزمنا بعدم الجواز فيها:

1 - لنصوص بيع الخشب لمن يجعله صليباً، غير الشاملة لآلات القمار، لا سيّما بناءً على ما ستعرف في ذلك المبحث من اختصاصها بخصوص موردها.

2 - وبخبر أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام الوارد في تفسير قوله تعالى‌: (إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ) (3): «وأمّا الميسر فالنرد والشطرنج وكلّ قمار ميسر - إلى أن قال - كلّ هذا بيعه وشرائه والانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه محرّم... الحديث»(4).

وفيه: إنّه ضعيف لأبي الجارود، فالأولى أن يستدلّ للحرمة وضعاً وتكليفاً بما ورد في الموارد الخاصّة:

منها: صحيح البزنطي، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: «بيع الشطرنج


1) المقنعة: ص 587، المراسم العلويّة: ص 172، النهاية: ص 363، تحرير الأحكام: ج 2/259 وغيرها.

2) مستند الشيعة: ج 18/160.

3) سورة المائدة: الآية 90.

4) وسائل الشيعة: ج 17/321 باب 102 من أبواب ما يكتسب به ح 12 رقم 22657، تفسير القمّي: ج 1/181.

حرام، وأكل ثمنه سُحت... الحديث»(1).

ومنها: خبر المناهي الوارد في بيع النرد(2).

فإنّه بضميمة عدم القول بالفصل بين آلات القمار، يثبت الحكم في الجميع.

قال الشهيد في «المسالك»: (وقوّى في «التذكرة» الجواز مع زوال الصفة، وهو حسن، والأكثر أطلقوا المنع)(3). انتهى‌.

وقد قيل في بيان مراد العلّامة الذي استحسنه الشهيد رحمه الله، وجوه:

الوجه الأوّل(4): أن يكون المراد زوال صفة المقامرة، بأن ترك أهلها القمار بها.

الوجه الثاني(5): أنّ المراد زوال الهيئة.

الوجه الثالث: أنّ المراد الجواز مع اشتراط زوال الصفة.

الوجه الرابع: أنّ المراد جواز البيع إذا كانت المادّة من الأموال، بأن يرجع قوله:

(مع زوال الصِّفة) إلى ما ذُكر قبل الحكم بالجواز، وهو عدّها مالاً.



1) وسائل الشيعة: ج 323/17 باب 103 من أبواب مايكتسب به ح 4 رقم 22664، مستطرفات السرائر: ص 577.

2) وسائل الشيعة: ج 17/325 باب 104 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22671، الفقيه: ج 4/8.

3) مسالك الأفهام: ج 3/122.

4) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/5.

5) المكاسب: ج 1/117.

بيع أواني الذهب والفضّة

ومنها: أواني الذهب والفضّة، على القول بحرمة اقتنائها، أو قصد المعاوضة على مجموع الهيئة والمادّة، كما أفاده الشيخ رحمه الله(1).

أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في موردين:

1 - في تعيين الموضوع وبيان مفهوم الإناء.

2 - في حكم المعاملة عليها.

أمّا المورد الأوّل: فقد اختلفت كلمات اللّغويين في تعيين مفهوم الإناء، فعن جملةٍ من كتب اللّغة كالصحاح(2)و «القاموس»(3)و «مجمع البحرين»(4)وغيرها:

أنّه معروف، وحيث إنّه لا استعمال له في عرفنا اليوم فلا يفيد ذلك.

وعن «المصباح»(5)تفسيره بالوعاء، والظاهر أنّه لا ينبغي التوقّف في كونه تفسيراً بالأعمّ‌، لصدق الوعاء على الصندوق، دون أن يصدق عليه الإناء.

أقول: ومنه يظهر ضعف ما عن «مفردات» الراغب من تفسيره(6)بما يوضع فيه الشيء، وما عن غير واحدٍ من تفسيره بالظرف(7)


1) المكاسب: ج 1/118.

2) حكاه عنه في سماء المقال: ج 2/435، وفي حاشيته (الصحاح: 6/2274).

3) القاموس المحيط: ج 1/341.

4) مجمع البحرين: ج 4/81.

5) المصباح المنير: ج 1/157 قوله: (وَالْإِنَاءُ وَالآنِيَةُ الْوِعَاءُ وَالْأَوْعِيَةُ وَزْناً وَمَعْنىً‌).

6) حكاه عنه العلّامة المجلسي في البحار: ج 63/551 بقوله: (الآنية ما يوضع فيه الشيء) انتهى‌. والأوسي في تفسيره: ج 29/159 عند قوله: «وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ‌»...

7) نسبه العلّامة المجلسي في البحار: ج 63/551 إلى‌: يقال، ثمّ قال: إنّه لا مستند له. وحكاه الشيخ في البيان بقوله: قال أبو علي: ومنه الإناء، لأنّه الظرف الذي قد بلغ غايته المرادة منه. وفي اللّمعة البيضاء ص 719 قال: قالوا في لغة: الإناء إنّه الظرف وفي الظرف أنّه الإناء.

ويؤيّد ما ذكرناه ما رواه منصور بن حازم في مصحّحه عن مولانا الصادق عليه السلام، قال: «عن التعويذ يعلّق على الحائض‌؟ فقال: نعم، إذا كان في جلدٍ أو فضّة أو قصبة حديد»(1).

فإنّ من المستبعد الالتزام بالتخصيص في جلد التعويذ.

أقول: والظاهر أنّه عبارة عن متاع البيت الذي يُستعمل في الأكل أو الشرب أو مقدّماتهما كالسماور، أو مؤخّراتهما كالإبريق.

وأمّا صحيح ابن بزيع(2)المشتمل على مبالغة الإمام عليه السلام في تنزيه فعل أبي الحسن عليه السلام عن إمساك المرآة الملبّسة بالفضة الموهم لأعميّة الإناء من ذلك، فلا يعتنى به، لعدم ظهور جوابه عليه السلام فيها كما لا يخفى‌.

وأمّا الأمر الثاني: فبناءً على ما اخترناه من عدم جواز الانتفاع بها بشيء:

1 - لصحيح ابن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام: «أنّه نهي عن آنية الذهب والفضّة»(3).

إذ حذف المتعلّق دليل العموم.

2 - وموثّق ابن بكر، عن أبي الحسن عليه السلام: «آنية الذهب والفضّة متاع الذين لا يوقنون»(4). على ما حقّقناه في الجزء الأوّل من هذا الشرح في أحكام الأواني، تكون الآنية بما لها من الهيئة ممّا يجيء منه الفساد محضاً، وممّا له منفعة محرّمة7.


1) وسائل الشيعة: ج 3/511 باب 67 من أبواب النجاسات والأواني والجلود ح 2 رقم 4318، الكافي: ج 3/106 ح 4.

2) وسائل الشيعة: ج 3/505-506 باب 65 من أبواب النجاسات ح 1 رقم 4300، الكافي: ج 6/267 ح 2.

3) وسائل الشيعة: ج 3/506 باب 65 من أبواب النجاسات والأواني ح 3، رقم 4302 الكافي: ج 6/267 ح 4.

4) وسائل الشيعة: ج 3/507 باب 65 من أبواب النجاسات والأواني ح 4 رقم 4303، الكافي: ج 6/268 ح 7.

خاصّة، وقد عرفت في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة فساد بيع مثل ذلك، فراجع(1).

نعم، إذا كانت هيئتها ممّا لا ينتفع به، لأجل كونها من الأواني التي ترك استعمالها، صحّ البيع لتمحض المبيع في المادّة التي لها منافع محلّلة، بل بناءً على ما عرفت في ذلك المبحث يمكن الحكم بالتبعيض في الفساد إنْ كانت لهيئتها ماليّة.

***د.


1) صفحة 183 من هذا المجلّد.

بيع الدراهم المغشوشة

ومنها: الدّراهم الخارجة المعمولة لأجل غِشّ الناس.

أقول: ومحلّ الكلام الدراهم المغشوشة غير الرائجة، وأمّا الرائجة بين الناس مع العلم بالغِشّ فلا كلام في جواز المعاوضة عليها وضعاً وتكليفاً، لأنّ الجواز تابعٌ للرواج، وهو تابع لاعتبار من بيده أزمّة الأُمور، من غير فرق بين كون المادّة مغشوشة وغير مغشوشة.

ثمّ إنّ الكلام يقع في موضعين:

الأوّل: في صورة العلم بالغِشّ‌.

الثاني: في صورة الجهل به.

أمّا الموضع الأوّل: فالكلام فيه يقع:

تارةً‌: في جواز الانتفاع بها في التزيّين ونحوه.

وأُخرى‌: في جواز المعاوضة عليها وعدمه.

أمّا الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب(1)هو الجواز، وفي الجواهر: (لم أجد من أفتى بالمنع، بل الفتاوى على خلافه)(2)، وتشهد له جملة من النصوص.

واستدلّ للمنع:

1 - بالنصوص الدالّة على حرمة الغِشّ الآتية في ذلك المبحث.

2 - وبقوله عليه السلام في خبر المفضّل بن عمر الجُعفي مشيراً إلى درهمٍ مغشوش:


1) ظاهر المبسوط: ج 3/250، وظاهر شرائع الإسلام: ج 2/420، وظاهر تحرير الأحكام: ج 200/3.

2) جواهر الكلام: ج 24/18.

«اكسره فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه»(1).

3 - وبخبر موسى بن بكر، قال: «كنّا عند أبي الحسن عليه السلام فإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر إلى دينارٍ فأخذه بيده ثمّ قطعه بنصفين، ثمّ قال لي: ألقه في البالوعة حتّى لا يباع شيءٌ فيه غِشّ‌»(2).

4 - وبقول الإمام الصادق عليه السلام في خبر «دعائم الإسلام» في الستوق(3): يقطع ولا يحلّ أن ينفق(4).

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا نصوص الغِشّ‌: فلعدم شمولها لما نحن فيه، لتوقّف صدق الغِشّ على علم الغاش وجهل المغشوش، فلا يصدق في فرض علم المغرور.

وأمّا الأخبار الاُخر: فضعيفة السند، لأنّ في طريق خبر الجعفي علي بن الحسين الصيرفي، والثاني مرسل، وخبر «دعائم الإسلام» قد عرفت حاله في أوّل الكتاب، فهي غير منجبرة بعمل الأصحاب لما عرفت من إفتائهم بالجواز، مضافاً إلى معارضتها بما هو أصحّ سنداً منها.

وأمّا الثاني: فالأظهر جواز المعاوضة عليها وضعاً وتكليفاً، إذ مضافاً إلى أنّ ذلك ممّا تقتضيه القواعد العامّة بعد فرض جواز الانتفاع بها، يشهد له صحيح ابن9.


1) وسائل الشيعة: ج 18/186 باب 10 من أبواب الصرف ح 5 رقم 23452، الاستبصار: ج 3/97 باب 63 إنفاق الدراهم المحمول عليها ح 5.

2) وسائل الشيعة: ج 17/280 باب 86 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22523، الكافي: ج 5/160 ح 3.

3) الدرهم الرديء.

4) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/351 باب 6 من أبواب الصرف ح 1 رقم 15567، دعائم الإسلام: ج 2/29-30 ح 59.

مسلم المتقدّم عن الإمام الصادق عليه السلام:

«الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره، ثمّ يبيعها؟

قال عليه السلام: إذا بيّن ذلك فلا بأس»(1)، ونحوه غيره.

ونصوص الغش، والأخبار الخاصّة قد عرفت حالها.

أقول: وبما ذكرناه ظهر ضعف إفتاء المحقّق النائيني رحمه الله(2)بالفساد لأجل عدم وجود المنفعة لها، المستفاد ذلك من خبر موسى بن بكر.

ثمّ إنّه لا فرق في ذلك كلّه بين علم البائع وجهله، كما لا يخفى‌.

وأمّا الموضع الثاني:

فتارةً‌: يكونان جاهلين معاً.

وأُخرى‌: يكون المشتري جاهلاً والبائع عالماً.

أمّا إذا كانا جاهلين، فلا دليل على الحرمة التكليفيّة ولا وجه لها، وأمّا إذا كان المشتري عالماً فهو يحرم لكون ذلك غِشّاً في المعاملة.

هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي.

وأمّا من حيث الحكم الوضعي: أي صحّة البيع وفساده، فمحصّل القول فيه إنّ صور المسألة أربع:

الأُولى: أن يوقع المعاملة على الكُلّي.

الثانية: أن يبيع الدرهم المسكوك بسكّة المعاملة بهذا العنوان، أي الدرهم الخارجي المعنون بهذا العنوان.4.


1) وسائل الشيعة: ج 18/185 باب 10 من أبواب الصرف ح 2 رقم 23449، الكافي: ج 5/253 ح 2.

2) كما يظهر من كتاب المكاسب والبيع للنائيني: ج 1/24.

الثالثة: أن يبيع الدرهم الخارجي معتقداً أنّه فضّة مسكوكة بسكّة السلطان.

الرابعة: أن يبيع المادّة بلا هيئة.

أمّا الصورة الأُولى‌: فلا إشكال في عدم فساد البيع فيها، وعدم ثبوت الخيار، وإنّما عليه التبديل.

وأمّا الصورة الثانية:

فإمّا أن يظهر عدم كونه مسكوكاً بسكّة المعاملة الرائجة.

أو يظهر عدم كونه فضّة بل نحاساً بتمامه.

أو يظهر كون المادّة مغشوشة، بأن كان بعضها فضّة وبعضها نحاساً.

فقد استدلّ للبطلان في جميع الفروض: بأنّ المبيع هو العنوان غير المنطبق على ما في الخارج، كما إذا باع هذا الحمار فانكشف أنّه فرس.

ولكن هذا الوجه يتمّ في الفرض الثاني من جهة أنّ النحاس والفضّة عنوانان مختلفان حقيقة، ولا يتمّ في باقي الفروض.

أمّا في الأوّل: فلأنّ كون الفضّة مسكوكة بسكّة المعاملة، ليس إلّاوصفاً لها، فتخلّفه تخلّف للوصف، ولا يوجب إلّاالخيار، والشاهد على ذلك هو نظر العرف الذي هو الميزان في هذا الباب، ويؤيّد ما ذكرناه، بل يشهد له عدم كون العنوان في المقام دخيلاً في الماليّة.

وأمّا في الفرض الأخير: فلأنّ الغِشّ في المادّة يوجبُ ثبوت خيار العيب، لأنّ المغشوش معيبٌ بغيره، نظير شوب اللّبن بالماء، لا أنّه عنوان مغاير.

أقول: واستدلّ لفساد البيع في الفرض الأوّل، بأنّ البيع واقعٌ على الموجود الخارجي المتشكل بهذا الشكل الذي لا يصحّ بيعه، فيكون فاسداً بمقتضى

إطلاق ما دلّ على عدم جواز البيع في هذا الموجود، فإنّه غير جائز البيع بذاته لا بما هو معلوم.

وفيه: إنّ الهيئة التي تنحصر فائدتها في المحرّم، الموجب ذلك لفساد البيع ليست ملحوظة في المبيع، ولم تقع المعاملة عليها، وما لوحظ إنّما هي الخصوصيّة المفقودة التي عرفت أنّ فقدها لا يوجب البطلان، وعليه فالأظهر هي الصحّة في الفرض الأوّل والثالث.

نعم، في الفرض الأوّل يثبت خيار التدليس أو تخلّف الوصف، وفي الفرض الأخير خيار العيب.

وأمّا الصورة الثالثة: فقد استدلّ على البطلان في جميع فروضها - من ظهور عدم كون الدرهم مسكوكاً، أو عدم كونه فضّة، أو كونه مركّباً من الفضّة وغيرها - بأنّ بيع ذات الشيء المردّد بين كونه درهماً وغيره على تقدير كونه درهماً صحيحاً أم معيباً، باطلٌ للجهل والغرر.

وفيه: أنّهما يرتفعان بالعلم، ولو كان جهلاً مركّباً، وبالشرط والمفروض تحقّق أحدهما.

وقد يستدلّ للفساد في الفرض الأوّل: بأنّ البيع على هذا الوجه يكون واقعاً على ما هو واقع المبيع، ومثله ممّا لا يصحّ بيعه، فيكون البيع فاسداً، كما لو باع المردّد بين كونه حُرّاً أو عبداً، فإنّه لو انكشف كونه حُرّاً بطل البيع.

وفيه: إنّه مع العلم بكونه درهماً مسكوكاً، لا يكون الواقع على ما هو عليه مورداً للبيع كي لا يصحّ‌، فإنّ هيئته لا تقع المعاملة عليها على ذلك.

وبالجملة: فالأظهر هي الصحّة في الفرضين الأوّل والأخير، مع ثبوت خيار

التدليس أو تخلّف الوصف في الأوّل، وخيار العيب في الأخير، والبطلان في الثاني، لأنّ ما قُصِد لم يقع وما وَقَع لم يُقصد، إذ المقصود هو بيع الفضّة، والموجود نحاسٌ على الفرض.

وأيضاً: ممّا ذكرناه ظهر حكم الصورة الرابعة، وهو صحّة البيع لو انكشف كون المادّة فضّة مشوبة، مع ثبوت الخيار والفساد لو انكشف كونها غير الفضّة، وأمّا الهيئة فوجودها كالعدم، لعدم لحاظ هيئةٍ من الهيئات في البيع.

أقول: ثمّ إنّ الشيخ قدس سره بعد حكمه بصحّة المعاملة في الصورة الثالثة، وهي بيعه معتقداً أنّه فضّة مسكوكة، قال(1): (وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات، فإنّ البيع الواقع عليها لا يمكن تصحيحه بإمضائه من جهة المادّة فقط، واسترداد ما قابل الهيئة من الثمن المدفوع) انتهى‌.

قد يقال: - كما عن بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله - بأنّ غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلامه، هي أنّ ما ذكرناه من تصحيح المعاملة الواقعة على الشخص في الدراهم المغشوشة، ولم نجعل في قبال الهيئة شيئاً، وإنّما أثبتنا خيار التدليس من جهة عدم السكّة الصحيحة، لا يجري في سائر الآلات، فلو أوقع المعاوضة على هياكل العبادة مثلاً، جهلاً بكونها كذلك، معتقداً أنّها من العناوين المباحة، فتبيّن كونها كذلك، بطلت.

ثمّ أورد عليه: بأنّه - مضافاً إلى طلب الفرق بينهما، وليس فيما ذكره كفاية، إذ السكّة وهيكل العبادة لا يقسّط عليهما الثمن - لا يناسب قوله في مقام الفرق أنّه لا يمكن التبعيض في الآلات مادّة وهيئة، إذ لم يلتزم بذلك في غيرها أيضاً.0.


1) المكاسب: ج 1/120.

أقول: قبل بيان مراد الشيخ رحمه الله لابدَّ من بيان أمرين كي يرتفع هذا الإشكال وإشكال غيره من المحشّين(1)، وكذلك يرتفع ما أورد عليه بأنّه ما الفرق بين تبيّن الغِشّ في المادّة، وتبيّن تفاوت السكّة، حيث التزم في الأوّل بثبوت خيار العيب، وفي الثاني بثبوت خيار التدليس.

الأمر الأوّل: إنّ هيئة الدرهم لا ماليّة لها، أي لا تُقابل بالمال، ولا توجب ازدياد ماليّة المادّة، بل ماليّة الفضّة التي بقدر ما في الدرهم تساوي ماليّة الدرهم، وهذا بخلاف ما تقدّم من هياكل العبادة وآلات اللّهو وغيرهما، فإنّها إمّا تكون مالاً تقابل بالمال كما هو المختار، أو توجب ازدياد ماليّة المادّة كما هو مختار الشيخ رحمه الله(2)، بدعوى أنّ الهيئة من قبيل القيد للمادّة جزءٌ عقلي لا خارجي، أي لا يكون بنظر العرف موجوداً مستقلّاً، وإنْ كانت بالدقّة العقليّة كذلك.

الأمر الثاني: إنّ خيار العيب مختصّ بصورة تخلّف الوصف الموجب نقصه نقص ماليّة الموصوف، ولا يكون ثابتاً في مورد تخلّف وصف لا يوجب نقصه نقص الماليّة، ولا في مورد ما إذا كان بدل القيد الصحيح في المبيع قيد فاسد يُبذل الثمن الخاص لداعي وجوده:

أمّا في المورد الأوّل: فلعدم صدق العيب على الفاقد له.

وأمّا في الثاني: فلأنّه على الفرض المبيع هو الشخص الخارجي، وهيئته أوجبت زيادة ماليّة فيه، وحيث أنّها على الفرض لا تقابل بنفسها بالمال، فلا يمكن الالتزام بتبعّض الصفقة، وبما أنّه لا يمكن الالتزام بصحّة المعاملة حتّى فيما يبذل0.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/6.

2) المكاسب: ج 1/120.

لأجل وجودها، فلا بدَّ من الالتزام بفساد المعاملة رأساً، ومعه لا مورد لثبوت الخيار من جهة القيد المفقود.

أقول: إذا عرفت هذين الأمرين، تعرف تماميّة ما ذكره قبل قوله: (وهذا بخلاف... الخ)، من الالتزام بثبوت خيار العيب فيما إذا كانت مادّة الدراهم مغشوشة، وثبوت خيار التدليس في صورة تفاوت السكّة، وعدم ثبوت خيار العيب فيها، فإنّ تفاوت السكّة لا يوجب نقص الماليّة، وكذا تماميّة ما ذكره بعده وارتباطه بما قبله، فإنّ في صورة الجهل فيما تقدّم من الآلات، الأمر يدور بين أُمور ثلاثة:

إمضاء المعاملة من جهة المادّة خاصّة.

وإمضائها رأساً.

وفسادها.

وحيث لا سبيل إلى الأوّل، لما تقدّم من عدم كون الهيئة ممّا يقابل بالمال، ولا الثاني لما تقدّم أيضاً، فيتعيّن الالتزام بالثالث، فتدبّر حتّى لا تبادر بالإشكال.

ولكن قد تقدّم أنّ الهيئة قد تكون ممّا له ماليّة، وتقابل بنظر العرف بالمال، وتكون ملحوظة باستقلالها، مثلاً الكوز المصنوع من الخزف هيئته تقابل بالمال، لا أنّها توجب ازدياد ماليّة المادّة، ولذا لو باع الكوز ثمّ تبيّن كونه مكسوراً لم يتوهم أحد ثبوت خيار العيب.


الثالث: يحرم التكسّب بما يقصد به المساعدة على الحرام، كبيع السلاح لأعداء الدِّين.

بيع السلاح لأعداء الدِّين

(الثالث) من ما (يحرم التكسّب) به: (ما يُقصد به) المتعاملان المنفعة المحرّمة، وهو:

تارةً‌: على وجهٍ يرجع إلى بذل المال في مقابل المنفعة المحرّمة، كالمعاوضة على العنب مع التزامهما أن لا يتصرّف فيه إلّابالتخمير.

وأُخرى‌: على وجه يكون الدّاعي إلى المعاوضة، والمقصود منها (المساعدة على الحرام كبيع السلاح لأعداء الدِّين) أو اللصوص وقطاع الطريق والمفسدين في الأرض.

أقول: وتنقيح القول في ذلك يتحقّق بالبحث في مسائل:

المسألة الأُولى: لا خلاف بين الأصحاب(1)في حرمة بيع السلاح لأعداء الدِّين، وقد اختلفت كلماتهم في التعميم والتخصيص على أقوال:

منها: ما عن الشيخين(2)والديلمي(3)والشهيد(4)من الحكم بالتحريم مطلقاً.

لكن ظاهر بعضهم التحريم في بيع السلاح للكفّار، ولم يتعرضوا لبيعه من المخالف، بل يمكن نسبة ذلك إلى جميعهم، وعليه فلا يحرز أن يكون هذا قولاً في قبال


1) المقنعة: ص 588، النهاية: ص 365، المهذّب: ص 345، شرائع الإسلام: ج 2/263.

2) المقنعة: ص 588، النهاية: ص 365.

3) المراسم العلويّة: ص 172.

4) الدروس: ج 3/166.

ما اختاره صاحب «المستند»(1)وتبعه بعض من تأخّر عنه(2)

(3و4) نسبه الى المشهور السيّد اليزدي في حاشيته على المكاسب: ج 1/10.

وهو التحريم مطلقاً بالنسبة إلى المشركين، والتفصيل بين حال المباينة والصلح بالنسبة إلى المخالفين.

ومنها: التحريم في حال قيام الحرب، نُسب ذلك إلى المشهور(3).

ومنها: التحريم في حال المباينة، نُسب ذلك إلى جماعة(4).

ومنها: ما عن «المسالك» من الحكم بالتحريم في حال الحرب والتهيّؤ له(3)

(6و7و8) جواهر الكلام: ج 22/28 و 29.

.

ومنها: ما اختاره صاحب «الجواهر»(6) أوّلاً من التحريم مع أحد الأمرين من القصد إلى المساعدة وقيام الحرب، ولكن بما أنّه يرجع عن ذلك في آخر كلامه ويختار القول الثاني، فلا يمكن جعل ذلك قولاً في المسألة.

ومنها: التحريم مع القصد إلى المساعدة وقيام الحرب(7).

ومنها: التحريم مع قصد المساعدة خاصّة(8).

هذه هي مجموع أقوال المسألة.

وأمّا الأدلّة: فقد استدلّ للتحريم مطلقاً بالنسبة إلى الكفّار:

1 - بقوله تعالى: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (4).

2 - وبقوله صلى الله عليه و آله: «الإسلام يَعلو ولا يُعلى عليه»(5).

3 - وبقوله في خبر «تحف العقول»: «أو يقوى به الكفر والشرك»(6)، بدعوى3.


1) مستند الشيعة: ج 14/94.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/10، مصباح الفقاهة: ج 1/301.

3) مسالك الأفهام: ج 3/123.

4) سورة النساء: الآية 141.

5) وسائل الشيعة: ج 26/14 باب 1 من أبواب موانع الإرث ح 11 رقم 32382، الفقيه: ج 4/334 ح 5719.

6) وسائل الشيعة: ج 17/84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

أنّ بيع السلاح لأعداء الدِّين ولو في حال الهدنة، إثبات سبيل لهم على المسلمين، وإعلاء لكلمتهم، وتقوية للكفر والشرك.

أقول: ولكن يرد على ذلك:

أوّلاً: إنّ هذه العناوين إنّما تنطبق على إقباض السلاح لا على بيعه.

وثانياً: سيأتي في مسألة بيع العبد المسلم من الكافر، أنّه يحتمل أن تكون الآية الشريفة واردة في مقام بيان ما يرجع إلى أمر الآخرة، كما يحتمل أن يكون المراد بالسبيل الحجّة، وعليهما فهي أجنبيّة عن المقام.

وأمّا النبويّ‌: فالظاهر منه أنّ الإسلام يغلب بنفسه على سائر الأديان.

وبعبارة أُخرى‌: ظاهره وروده في مقام التكوين لا التشريع، مضافاً إلى أنّه مرسل.

وأمّا الخبر: فقد مرَّ أنّه ضعيف لا يُعبأ به.

وأيضاً: قد استدلّ للتحريم:

1 - بما دلّ على حرمة الإعانة على الإثم.

2 - وبما دلّ على وجوب دفع المنكر.

أقول: وسيأتي أنّه لا دليل على هذين الحكمين. فالعمدة إذاً النصوص الخاصّة، وهي على طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما دلّ على التحريم في حال قيام الحرب بالنسبة إلى المخالفين، كخبر هند السرّاج، عن أبي جعفر عليه السلام - في حديثٍ -: «فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل إلى عدوّنا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك»(1).2.


1) وسائل الشيعة: ج 17/101 باب 8 من أبواب مايكتسب به ح 2 رقم 22087، الكافي: ج 5/112 ح 2.

الطائفة الثانية: ما دلّ على التحريم بالنسبة إلى المخالفين في حال المباينة، كصحيح الحضرمي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام - في حديثٍ -: «فإذا كانت المباينة حَرُم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح والسروج»(1).

الطائفة الثالثة: ما دلّ على الجواز في حال الهدنة بالنسبة إلى المخالفين، كمكاتبة الصيقل: «أشتري السيوف وأبيعها من السلطان، أجائزٌ لي بيعها؟ فكتب عليه السلام:

لا بأس به»(2).

واختصاصها بحال الهدنة إنّما يكون من جهة أنّ عصر الراوي عصر الهدنة، وليس الجواب مطلقاً حتّى يتمسّك بعدم الاستفصال لدعوى كونها مطلقة، بل وارد في مقام الجواب عن قضيّة شخصيّة مختصّة بحال الهدنة.

وأمّا اختصاصها بالمخالفين، فلأنّ المنصرف من السلطان سلاطين الجور الذين كانوا في عصر الأئمّة عليهم السلام.

أقول: وبما ذكرناه ظهر ما في كلمات الشيخ رحمه الله حيث ذكر هذا الخبر مثالاً لما دلّ على الجواز مطلقاً.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على المنع في البيع من المشركين مطلقاً، كخبر علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة‌؟ قال عليه السلام: إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس»(3).

فإنّ مفهومه ثبوت البأس في حمل السلاح.7.


1) وسائل الشيعة: ج 17/101 باب 8 من أبواب مايكتسب به ح 1 رقم 22086، الكافي: ج 5/112 ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 103/17 باب 8 من أبواب مايكتسب به ح 5 رقم 22090، التهذيب: ج 6/382 ح 249.

3) وسائل الشيعة: ج 103/17 باب 8 من أبواب مايكتسب به ح 6 رقم 22091، قرب الإسناد: ص 264 ح 1047.

الطائفة الخامسة: ما دلّ على المنع في البيع من أهل الحرب، كالنبوي: «ياعليّ كَفَر باللّه العظيم من هذه الأُمّة عشرة، وعَدَّ منهم بائع السلاح من أهل الحرب»(1).

وظاهره الاختصاص بحال قيام الحرب، فإنّه الظاهر من قوله: (من أهل الحرب)، لأنّ كلّ عنوان أُخذ في الموضوع ظاهرٌ في الفعليّة، ولكنّه مطلقٌ من حيث كون المحارب كافراً أم مسلماً.

الطائفة السادسة: ما استدلّ به على الجواز في غير حال الفتنة مطلقاً، وهو مرسل السرّاج، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن بيع السلاح‌؟ قال عليه السلام: لا تبعه في فتنة»(2).

أمّا على القول بثبوت المفهوم للقيد فواضحٌ‌، وأمّا على عدمه فلأنّ الراوي قال:

(إنّي أبيعُ السلاح)، فيستفاد من قوله: «لا تبعه في فتنة»، أنّه لا بأس به إلّافي هذه الصورة.

هذه هي تمام ما وصل إلينا من النصوص.

أقول: والحقّ في الجمع أن يقال:

أمّا الأوليين: فلا تنافي بينهما، فإنّ خبر هند لا مفهوم له كي يدلّ على الجواز في غير حال الحرب، فهو وخبر الحضرمي مثبتان لا تنافي بينهما، فمقتضاهما عدم الجواز بالنسبة إلى المخالفين في حال المباينة.

وأمّا الثالثة: فهي تدلّ على الجواز في خصوص حال الهدنة، فهذه الطوائف لا تعارض بينها.

وأمّا الطائفة الرابعة المطلقة: فهي مختصّة بالمشركين، ولا تعمّ المسلمين4.


1) وسائل الشيعة: ج 17/103 باب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 7 رقم 22092، الفقيه: ج 4/356.

2) وسائل الشيعة: ج 102/17 باب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22089، الكافي: ج 5/113 ح 4.

المعادين، فلا وجه لتقييدها بما تقدّم.

وأمّا الخامسة: فهي وإن اختصّت بحال قيام الحرب، إلّاأنّه لا مفهوم لها كي تقيد إطلاق الطائفة الرابعة.

وأمّا السادسة: فهي لا تدلّ على الجواز في غير حال الفتنة، إلّاعلى القول بمفهوم الوصف، فإنّ ما ذكر وجهاً للدلالة عليه على هذا القول، فهو وجه لدلالة القيد على المفهوم مطلقاً.

فتحصّل: إنّ مقتضى الجمع بين النصوص هو الالتزام بالتحريم مطلقاً بالنسبة إلى الكفّار، والتفصيل بين حال المباينة وحال الهدنة بالنسبة إلى المخالفين.

أقول: وممّا ذكرناه ظهر ما في كلمات القوم في المقام، فلا وجه لإطالة الكلام في ذلك.

كما أنّه ظهر أنّ ما اختاره الشهيد رحمه الله حقّ لا يتعدّى عنه، فلا مورد لما ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله(1) من أنّه شبه الاجتهاد في مقابل النص.

نعم، ما أورده عليه بأنّ دليله ضعيف متين، لأنّه استدلّ له بأنّ فيه تقوية الكافر على المسلم، وظاهر ذلك هو الاستدلال بالآية الشريفة(1).

وتمام الكلام إنّما هو ببيان أُمور:

الأمر الأوّل: إنّ ظاهر الروايات شمول الحكم لما إذا لم يقصد البائع المعونة، بل صريح مورد السؤال في خبري الحَكَم وهند هو صورة عدم قصد ذلك، فالقول باختصاص حرمة البيع بصورة قصد المساعدة كما يظهر من الشيخ(3) ضعيفٌجدّاً.

الأمر الثاني: اختلف في اعتبار العلم باستعمال أهل الحرب للمبيع في الحرب وعدمه:1.


1) سورة النساء: الآية 141.

1 - التزم جماعة باعتباره.

2 - والتزم آخرون بكفاية مظنّة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب، بحيث يصدق حصول التقوّي لهم بالبيع، وهو مختار الشيخ الأعظم(1).

3 - وقيل إنّه لا يعتبر الظنّ بذلك‌؟

وجوهٌ أقواها الأخير، فيحرم مع عدم الظنّ‌، بل يحرم مع العلم بعدم استعماله في المحاربة، لإطلاق الأدلّة الموافق للاعتبار، فإنّ تقوية الكفّار والكفر من حيث هي مبغوضة، ومن الواضح أنّ بيع السلاح منهم تقوية لهم بنفسه، وكذلك تقوية المخالفين في حال المباينة.

وبالجملة: بعد إطلاق الدليل لا وجه للتخصيص بموردٍ خاص، فالأظهر هو المنع مطلقاً.

الأمر الثالث: أفاد الشيخ رحمه الله(2) بأنّ الحكم بما أنّه مخالف للأُصول فيجب فيه الاقتصار على مورد الدليل، وهو السلاح دون ما لا يصدق عليه ذلك كالمِجنّ والدِرع والمِغْفر وسائر ما يُكنّ‌، وهو المحكي عن أكثر كتب المصنّف(1)والشهيدين(2)والمحقّق الثاني(3)رحمهم الله.

وفيه: إنّ النصوص وإنْ اختصّ أكثرها بالسلاح، إلّاأنّ الموضوع المأخوذ في بعضها كصحيح الحضرمي هو أعمّ من السلاح للتصريح بالسروج وأداتها.

دعوى: أنّ المراد بالسروج السيوف السريجيّة.7.


1) قواعدالأحكام: ج 7/2، تذكرة الفقهاء (ط. ق): ج 587/1، تحريرالأحكام: ج 259/2، نهاية الإحكام: ج 467/2.

2) الدروس: ج 3/166، شرح اللّمعة: ج 3/211.

3) جامع المقاصد: ج 4/17.

مندفعة: بأنّ السريجي يجمع على سريجيات.

كما أنّ دعوى أنّ المراد بأداتها أداة السيف، كما ترى لرجوع الضمير إلى السروج.

نعم، يقع الكلام في أنّ هذا الحكم هل هو مختصّ بأسباب الغلبة على العدو من السلاح والسروج ونحوهما، أم يعمّ كلّ ما يكنّ به العدوّ وإنْ كان موجباً لازدياد القوّة على الدفع والتوقّي من قهره وبأسه‌؟

وقد استدلّ للثاني في «المكاسب»(1)بأنّ (ظاهر رواية «تحف العقول» إناطة الحكم على تقوي الكفر ووهن الحقّ‌، وبأنّ ظاهر قوله عليه السلام في خبر هند: «فمن حَمَل إلى عدوّنا سلاحاً يستعينون به علينا»، أنّ الحكم منوط بالاستعانة، وهي موجودة في كلّ ما يكن).

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلما مرّ مراراً من ضعف سنده.

وأمّا الثاني: فلأنّه لا يدلّ على أنّ تمام الموضوع هي الاستعانة أوّلاً، وعدم شموله الاستعانة لشراء غير أسباب الغلبة على العدو ثانياً.

وعلى ذلك، فإن أمكن إلغاء الخصوصيّات بفهم أنّ المناط هي تقوية الكفر والمخالف فهو، وإلّا فلابدّ من التخصيص بغير ما يتوقّى به من قهر العدوّ وبأسه.

***0.


1) المكاسب: ج 1/150.

والمساكن للمحرّمات، والحمولة لها، وبيع العنب ليُعمَل خمراً، والخَشَب ليُعمَل صنماً.

بيع العنب ليُعمل خمراً

(و) المسألة الثانية: المشهور بين الأصحاب(1)حرمة التكسّب في إجارة (المساكن) ونحوها (للمحرّمات) بأن يباع أو يحرز فيها الخمر مثلاً، (و) كذا إجارة السفن (والحمولة) لها، (وبيع العنب) مثلاً (ليُعمل خمراً، و) بيع (الخشب ليُعمل صنماً) مثلاً.

وفي «الجواهر»: (فلا خلاف أجده فيها)(2)، مع التصريح بالشرطيّة، أو الاتّفاق عليها على وجه بُني العقد عليها، بل عن «مجمع البرهان» نسبته إلى ظاهر الأصحاب(3)، بل عن «المنتهى» دعوى الإجماع عليه(4)، كما عن «الخلاف»(5)و «الغنية»(6)الإجماع على عدم صحّة إجارة مسكنٍ ليُحرز فيه الخمر، أو الدكان ليباع فيه.

أقول: واستدلّ له في جميع المعاملات بوجوه:


1) شرائع الإسلام: ج 2/263، كشف الرموز: ج 1/438، قواعد الأحكام: ج 2/7.

2) جواهر الكلام: ج 22/30.

3) مجمع الفائدة: ج 8/42.

4) منتهى المطلب (ط. ق): ج 2/1010.

5) الخلاف: ج 3/508.

6) ظاهر غنية النزوع: ص 285، وحكى الإجماع عنه صريحاً في جواهر الكلام: ج 30/22.

الوجه الأوّل: الإجماع المحكي عن جماعة(1).

وفيه: أنّ الإجماع المنقول ليس بحجّة، لا سيّما في صورة احتمال استناد المُجمعين إلى الأدلّة الأُخر كما في المقام.

الوجه الثاني: ما ذكره السيّد الفقيه رحمه الله(2)من الاستدلال بقوله صلى الله عليه و آله: «إنّ اللّه إذا حَرّم شيئاً حَرّم ثمنه».

وفيه: مضافاً إلى ما تقدّم من ضعف السند، أنّه غير شامل للمقام، إذ الثمن لا يقع في مقابل المنفعة المحرّمة، وإنّما يقع في مقابل العين التي لها منفعة محلّلة في المقام.

الوجه الثالث: إنّ الالتزام بأن يعمل العنب خمراً يعدّ شرطاً مخالفاً للكتاب والسُنّة وهو فاسد، وفساد الشرط يوجب فساد المشروط.

وفيه: ما سيأتي في محلّه من أنّ الشرط الفاسد لا يوجب فساد المعاملة.

الوجه الرابع: إنّ فعل المباح للتوصّل به إلى الحرام حرامٌ‌، فبيع العنب مثلاً لأن يعمل خمراً حرام.

وفيه: ما حُقّق في محلّه من عدم حرمة مقدّمات الحرام إلّاما لا ينفك عنه الحرام، مع أنّ هذا الوجه لا يقتضي الفساد بناءً على ما هو الحقّ من عدم تلازم المبغوضيّة للفساد في المعاملات، كما عرفت في أوّل الكتاب(3).

الوجه الخامس: أنّ أدلّة النهي عن المنكر تدلّ على حرمته، إذ لو وجب النهي للرفع فالنهي عن المنكر لدفعه أولى بالوجوب.).


1) المتقدّم عن الخلاف وظاهر الغنية والمنتهى والجواهر.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/15.

3) كما تقدّم في مبحث: (حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها).

وفيه: - مضافاً إلى أنّ هذا الوجه أيضاً لا يقتضي الفساد كما مرّ - أنّه سيجيء في المسألة الآتية تنقيح القول في ذلك، وأنّه لا دليل على وجوب الدفع.

الوجه السادس: إنّ البيع في الفرض إعانة على الإثم المحرّمة كتاباً وسُنّةًوإجماعاً.

وفيه: - مضافاً إلى ما ستعرف من عدم حرمتها - إنّ البيع لا يعدّ إعانةً على الإثم، وإنّما يكون الإقباض والتسليط الخارجي إعانةً عليه، مع أنّ حرمة الإعانة على الإثم لا توجب الفساد، إذ حرمة المعاملة ومبغوضيّتها لا تلازم الفساد.

الوجه السابع: إنّ الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرّمة أكلٌ للمال بالباطل.

وفيه: أنّه إنْ أُريد بذلك أنّ الشرط يوجب تمحّض البيع في الحرام.

فيرد عليه: أنّه لا يقع في البيع الثمن في مقابل المنافع، وإنّما يقع في مقابل العين بداعي الانتفاع بمنافع العين، وعليه فلا يكون أكل المال في مقابل ما اشترط أن ينتفع به بالمنفعة المحرّمة أكلاً للمال بالباطل، وعلى فرض التنزّل فإنّما يقابل الثمن بالمنافع، أي قابليّة الشيء لأن ينتفع به لا الانتفاع الخارجي، ولذا لا شبهة في صحّة البيع لو اشترى خبزاً للأكل ولم يأكله، وفي المقام المبيع له منافع محلّلة وإنْ اشترط الانتفاع بالمنفعة المحرّمة.

نعم، ذلك يتمّ في الإجارة، لأنّ مرجع ذلك إلى إيقاع الإجارة لذلك، بحيث لا ينتقل إلّاالمنفعة الخاصّة، فتفسد لأجل أنّ المقابل بالمال فيها المنفعة.

وإنْ أُريد به صيرورة الشرط بمنزلة القيد، وبه تزيد الماليّة وتنقص كما قيل.

فيرد عليه: أنّ الشرط لا يقابل بالمال، بل هو التزامٌ في مقابل التزام آخر على ما سيأتي تحقيقه في محلّه، ولا يترتّب على مخالفته إلّاالخيار.

الوجه الثامن: خبر جابر، أو حسن صابر، عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن الرجل

يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال عليه السلام: حرام أجره»(1).

وهو وإنْ ورد في الإجارة، إلّاأنّه يتمّ في البيع أيضاً من جهة اتّحاد حكمهما.

وفيه: - مضافاً إلى ضعف سنده لو كان خبر جابر - إنّ ظاهر هذا الخبر هو فساد الإجارة مع اتفاق وقوع الخمر فيه بلا شرط والتزام، وحيث أنّه معارض مع النصوص المستفيضة الأُخر، ولم يفتِ به أحدٌ، فلابدّ من طرحه، لا حمله على إرادة معنى آخر.

ثمّ عليفرض التنزّل وتسليم تعيّن حمله على معنى آخر، لا يبعد دعوى أظهريّة إرادة الفساد في صورة العلم بوقوع بيع الخمر فيه، لا اشتراط ذلك، ولا كونه داعياً للبيع، وسيجيء أنّ هذه الصورة وردت فيها نصوص مستفيضة دالّة على صحّة المعاملة، وهي تكون معمولاً بها، مع أنّه لو سُلّم الفساد في تلك الصورة، فإنّ أولويّة الفساد في هذه الصورة من الفساد في تلك الصورة غير ثابتة.

أقول: ثمّ على فرض التنزّل وتسليم تعيّن حمله على صورة الاشتراط يتردّد الأمر بين معنيين:

أحدهما: كون الإجارة مطلقة مشروطة بهذا الشرط.

ثانيهما: إيقاع الإجارة لذلك، بحيث لا ينتقل إلّاالمنفعة الخاصّة.

وعلى الثاني لا ريب في فساد الإجارة، لأنّ المقابل بالمال فيها المنفعة، وذلك لا يلازم فساد البيع لذلك الذي يكون المقابل به نفس العين.1.


1) وسائل الشيعة: ج 17/174 باب 39 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22282، الاستبصار: ج 3/55 باب 30 كراهية اجارة البيت لمن يبيع فيه الخمر ح 1.

أقول: ولا يخفى أنّ جماعة(1)، منهم صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)بعد تسليمه دلالة خبر جابر على المنع، قالوا يعارضه مصحّح ابن اُذينة:

«كتبتُ إلى أبي عبد اللّه عليه السلام أساله عن الرجل يؤجّر سفينته أو دابّته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير؟ فقال عليه السلام: لا بأس»(3)

(4و5) المكاسب: ج 1/124.

.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(4): بأنّ المصحّح محمولٌ على ما إذا اتّفق الحمل من دون أن يؤخذ ركناً أو شرطاً في العقد، بناءً على أنّ خبر جابر نص فيما نحن فيه، وظاهرٌ في هذا عكس الصحيحة، فيطرح ظاهر كلٍّ بنص الأخر - ثمّ أمر بالتأمّل - ثمّ قال: (مع أنّه لو سُلّم التعارض كفى العمومات المتقدّمة)(5).

أقول: ولكن ظاهر قوله: (إنّ المصحّح محمولٌ على ما إذا اتّفق الحمل) كون مورد الإجارة صورة العلم بالحمل، فهي أجنبيّة عن الفرض وعن مورد خبر جابر، مع أنّ موردهما لو كان صورة واحدة، يمكن أن يقال بعدم التعارض بينهما، من جهة أنّ خبر جابر يدلّ على الفساد مع العلم ببيع الخمر فيه، الذي هو حرام، والمصحّح يدلّ على الصحّة، مع العلم بحمل الخمر الذي لا دليل على حرمته.

وأمّا قوله قدس سره: (فيطرح ظاهر كلّ‌... الخ) قد تقدّم الكلام في هذا الجمع في بيع العذرة وعرفت أنّه ليس جمعاً عرفيّاً، ولعلّه لذلك أمر قدس سره بالتأمّل.

وأمّا قوله قدس سره: (كفى العمومات... الخ) على فرض التعارض لا بدَّ من الرجوع إلى المرجّحات، وهي تقتضي تقديم الخبر لأشهريّة مضمونه، مضافاً إلى ما عرفت4.


1) جامع المدارك: ج 3/10، مصباح الفقاهة: ج 1/270.

2) جواهر الكلام: ج 22/31.

3) وسائل الشيعة: ج 17/174 باب 39 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22283، الكافي: ج 5/227 ح 6.

من عدم دلالة العمومات المتقدّمة على الفساد.

قال الشيخ رحمه الله(1): لا فرق بين ذكر الشرط المذكور في متن العقد وبين التواطي عليه خارج العقد، ووقوع العقد عليه، ولو كان فرق فإنّما هو في لزوم الشرط وعدمه، لا فيما هو مناط الحكم هنا.

وقد أورد عليه: بأنّ معنى عدم اعتناء الشارع بالشرط غير المذكور واعتبار الذكر في الشرط، صحّة العقد بلا شرط، ومقتضاه وقوع تمام الثمن في مقابل العين، ومعه لا يكون أكل المال أكلاً بالباطل وبلا عوض.

وفيه: أنّه كما أنّ الشارع ألغى الشرط الذي لم يُذكر في ضمن العقد، كذلك ألغى الشرط المخالف للكتاب والسُنّة، كمثل هذا الشرط، فهذا الشرط على كلّ تقدير ساقطٌ في نظر الشارع، وبحكم العدم، والأظهر هو الصحّة في الموردين، لما عرفت من عدم كون أكل المال في صورة الاشتراط أيضاً أكلاً بالباطل، من جهة عدم تقابل المال بالمنافع.

ثمّ إنّ لازم ما ذكره قدس سره الحكم بالبطلان حتّى فيما اذا كان الدّاعي هي المنفعة المحرّمة، لعين ما ذكره في الشرط غير المذكور.

***6.


1) المكاسب: ج 1/125-126.

حكم بيع الجارية المغنيّة

المسألة الثالثة: يحرم المعاوضة على الجارية المغنيّة، وكلّ عينٍ مشتملة على صفة يُقصد منها الحرام، إذا قصد منها ذلك، وقصد اعتبارها في البيع على وجهٍ يكون دخيلاً في زيادة الثمن، كالعبد الماهر في القمار أو اللّهو أو السرقة إذا لوحظ فيه هذه الصفة، وبذل بإزائها شيء من الثمن(1).

أقول: ملخّص القول في المقام أنّ اعتبار الصفة في المبيع:

1 - إنْ كان على وجه الاشتراط، فإنّه لا إشكال في الصحّة، سواءٌ أكانت الصفة ممّا لا ماليّة له، أم كانت لها ماليّة عرفيّة شرعيّة، أم كانت ماليّتها ملغاة شرعاً، فإنّه على جميع التقادير لا تقابل الصفة بالمال، ولا تكون دخيلة في المبيع.

نعم بين الأقسام فرقٌ من جهة لزوم الوفاء بالشرط وعدمه، وهو غير مربوط بالمقام، كما أنّه لا كلام فيها لو كان اعتقاد وجودها داعياً على المعاملة كما هو واضح، وأولى من ذلك صحّة ما لو لم تلاحظ الصفة أصلاً.

2 - وإنْ كان اعتبارها على وجه التقييد والعنوان:

فإن كانت لها ماليّة شرعاً، فلا إشكال أيضاً في الصحّة سواءٌ أكانت منافع الصفة المذكورة ممحّضة في المحلّلة أم كان لها نوعان من المنفعة المحلّلة والمحرّمة.

وأمّا إن لم يكن لها ماليّة شرعاً، كان لها الماليّة العرفيّة أم لم تكن، فبناءً على كون تخلّف الوصف فيما أُخذ عنواناً للمبيع، موجباً لثبوت الخيار دون التبعيض والبطلان، كما لعلّه المشهور المنصور، على ما سيأتي تنقيحه في محلّه، الملازم ذلك


1) المكاسب: ج 1/127.

للالتزام بأنّ المعوّض هو الموصوف، وأنّ الثمن غير مقابلٍ بالوصف، يتعيّن القول بالصحّة ووقوع جميع الثمن في مقابل الموصوف.

وأمّا بناءً على كون تخلّفه موجباً للبطلان، كما هو الشأن في العناوين الموجب تخلّفها تغاير الموصوف للموجود ذاتاً:

فإنْ كان الوجه للبطلان أنّ ما تعلّق الإنشاء به - وهو العين المتّصفة بهذا الوصف - غير موجود، وما هو موجودٌ لم يتعلّق به الإنشاء، أو إنّ الوصف دخيلٌ في الرضا، فمع تخلّفه لا يكون الرضا الفعلي موجوداً، يكون الحكم في المقام هي الصحّة بتمام الثمن، إذ على كلّ تقديرٍ يكون المفروض كون المبيع هو ذات الموصوف، وإن أوجب الوصف زيادة ماليّة الموصوف، إلّاأنّ المعوض هو المال لا الماليّة.

وإنْ كان الوجه للبطلان وقوع شيء من الثمن بإزاء القيد، يتعيّن القول بالفساد في المقام، لأنّ جزءاً من الثمن وقع في مقابل ما لا ماليّة له شرعاً، إلّاأنّ لازم هذا الوجه هو التبعيض في الفساد، إذ لازمه كون كلٍّ من الموصوف والوصف جزءاً من المبيع وملحوظاً مستقلّاً.

فتحصّل: أنّه على جميع التقادير لا وجه للبطلان رأساً. هذا ما تقتضيه القواعد.

وأمّا النصوص(1): فبالنسبة إلى النصوص الخاصّة الواردة في الجارية المغنيّة، الناهية عن بيعها، فالذي يخطر بالبال أنّها لم يَعمل بها المشهور، ومعارضة مع النصوص الأُخر، وذلك يظهر بعد بيان أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ صفة غناء الجارية لها منفعتان محلّلة ومحرّمة، بناءً على ما هو المعروف من أنّ كسب المغنيات التي تُدعى إلى الأعراس ليس به بأس كما نطقتة.


1) وسائل الشيعة: ج 17/122 باب 16 من أبواب ما يكتسب به، الاستبصار: ج 3/61 باب 36 أجر المغنيّة.

النصوص به.

الأمر الثاني: إنّ بعض نصوص الباب صريحٌ في جواز بيع المغنية وشرائها إذا كان يطلب بها الرزق لا سوى ذلك، ومعلوم أنّ التاجر الذي يشتري المغنيّات ويبيعهن إنّما يوقع المعاملة عليهن بما هنّ مغنيات لا سيّما في فرض البيع، وعلى ذلك فبعد تقيّيد تلك النصوص بهذا النص، تختصّ تلك النصوص بما إذا بيعت المغنيّة بداعي سماع الغناء والانتفاع بها في الحرام، وفي هذا الفرض بالخصوص لم يفتِ أحدٌ بالفساد، لا سيّما بعد ملاحظة عدم كون صفة الغناء ممّا له منفعة محرّمة خاصّة.

بل يمكن أن يقال: إنّ هذا النص معارضٌ مع تلك النصوص، لتضمّنه جواز بيع التاجر المغنية، وإنْ كان المشتري يشتريها بداعي الانتفاع بغنائها على وجه محرّمٍ‌، والبائع كان عالماً بذلك، والجمع العرفي يقتضي حمل تلك النصوص على الكراهة.

قال الشيخ قدس سره(1): (إن لوحظت الصفة وبُذل بإزائها شيءٌ من الثمن، فبذل الشيء من الثمن بملاحظة الصفة أكلٌ للمال بالباطل، والتفكيك بين القيد والمقيّد بصحّة العقد في المقيّد وبطلانه في القيد غير معروف عرفاً، وغير واقعٍ شرعاً، لأنّ الثمن لا يوزّع على الشروط، فتعيّن بطلان العقد رأساً وإن لوحظت من حيث أنّها صفة كمال قد تُصرف إلى المحلّل، فيزيد لأجلها الثمن، فإنْ كانت المنفعة المحلّلة لتلك الصفة ممّا يعتدّ بها، فلا إشكال في الجواز، وإنْ كانت نادرة بالنسبة إلى المحرّمة ففيه وجهان، أقواهما الجواز، إذ لا يعدّ أكلاً للمال بالباطل، والنص بأنّ ثمن المغنّية سحت مبني على الغالب).

أقول: لكن يرد على ما أفاده (بأنّ التفكيك بين القيد والمقيّد... الخ):7.


1) المكاسب: ج 1/127.

أنّه بناءً على مقابلة القيد بالمال لا مانع من التفكيك، وعدم وقوعه شرعاً وعدم معروفيّته عرفاً إنّما يكونان من جهة عدم بذل شيء من الثمن بإزائه، ولازمه صحّة البيع في المقيّد بتمام الثمن، وكون القيد لغواً، وبذل الثمن بإزاء المقيّد بداعي وجود القيد ليس أكلاً للمال بالباطل كما تقدّم.

وأيضاً: يرد على قوله قدس سره: (إذ لا يعدّ أكلاً للمال بالباطل... الخ):

أنّه لو كانت الصفة ملحوظة مستقلّة في البيع، وجُعل بإزائها الثمن، يعتبر في عدم كون أكل المال في مقابلها أكلاً بالباطل، ما يعتبر في العين من اعتبار اشتمالها على منفعة غير نادرة، أي منفعة لا يعتدّ بها عرفاً لخسّتها لا لمزاحمتها مع ما هو أهمّ منها، كما هو ظاهر الشيخ على ما عرفت.

وإن لم تلاحظ مستقلّةً‌، بل كانت موجبة لبذل المال لأجل وجودها، فلا وجه لإلحاقها بالعين كما لا يخفى‌.

وأمّا النّص الوارد بأنّ «ثمن المغنية سحتٌ‌» فقد عرفت ما فيه.


ويُكره بيعهما على من يَعمل ذلك من غير شرط.

بيع العنب ممّن يجعله خمراً

المسألة الرابعة: (و) المشهور بين الأصحاب(1)أنّه (يُكره بيعهما) أي الخشب والعنب (على من يَعمل ذلك من غير شرط).

وذهب جماعة إلى المنع(2)، والشيخ الأعظم رحمه الله(3)فصّل بين ما لم يقصد منه الحرام، فحكم بالجواز، وبين ما يقصد منه الحرام، فحكم بالحرمة لكونه إعانة على الإثم، التي تعدّ حراماً بلا خلاف ولا إشكال.

أقول: لكن يرد على هذا التفصيل:

أوّلاً: أنّه لابدّ من تقيّيد ذلك بما إذا قصد المُعان فعل الحرام، لأنّه قدس سره يصرّح فيما بعد باعتبار ذلك.

وثانياً: إنّ جماعة(4)صرّحوا باعتبار ترتّب المعان عليه في صدق الإعانة، فلابدّ من التقييد بذلك، اللّهُمَّ إلّاأن يكون ذلك إشارةً إلى أصل الحكم، أو إلى العلّة بلحاظ محرّم آخر، وعليه فيرتفع الإشكال الثاني، لأنّه في صورة عدم ترتّب فعل الحرام، وإنْ كان لا تصدق الإعانة بلحاظه، إلّاأنّها تصدق بلحاظ كونه إعانةً على اشتغال المشتري بمقدّمات الحرام بقصد ترتّب الحرام وهو بنفسه معصية.


1) السرائر: ج 2/327، شرائع الإسلام: ج 2/263، قواعد الأحكام: ج 2/7، إيضاح الفوائد: ج 403/1.

2) مسالك الأفهام: ج 3/124، مجمع الفائدة: ج 8/50.

3) المكاسب: ج 1/129.

4) حاشية الإرشاد للمحقّق الثاني (مخطوط): ص 205، كفاية الأحكام: ص 85. راجع المكاسب ص 132 وهامشها.

وكيف كان، فتنقيح القول في هذه الصورة أيضاً سيأتي عند التعرّض لأدلّة الصورة الآتية.

أقول: إنّ تنقيح القول في المقام يقتضي البحث في موضعين:

الأوّل: فيما تقتضيه النصوص الخاصّة.

الثاني: فيما تقتضيه القواعد العامّة.

أمّا الموضع الأوّل: فالكلام فيه:

تارةً‌: يقع في الحكم الوضعي.

وأُخرى‌: في الحكم التكليفي.

أمّا من حيث الحكم الوضعي: فقد استدلّ لعدم جواز المعاوضة في صورة العلم بصرف المبيع في المحرّم بخبر جابر - أو صابر - المتقدّم: «في الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال عليه السلام: حرامٌ أجره»(1).

وقد مرَّ في المسألة السابقة ما في هذا الخبر من حيث السند والدلالة، والمعارضة مع النصوص الأُخر، وتقدّم أنّه لا يصحّ الاستدلال به بوجه.

وأمّا من حيث الحكم التكليفي: فمجمل القول فيه، أنّ جميع النصوص الواردة في المقام أو المتوهّم ورودها في الباب على طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما تضمّن جواز بيع العنب ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً:

منها: حسن ابن أُذينة، قال: «كتبتُ إلى أبي عبد اللّه عليه السلام أسأله عن رجلٍ له كَرْمٌ‌، أيبيع العنب والتمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟1.


1) وسائل الشيعة: ج 17/174 باب 39 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22282، الاستبصار: ج 3/55 باب 30 كراهية إجارة البيت لمن يبيع فيه الخمر ح 1.

فقال عليه السلام: إنّما باعه حلالاً في الأبان الذي يحلّ شربه أو أكله، فلا بأس ببيعه»(1).

ومنها: صحيح الحلبي، عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراماً؟ فقال عليه السلام: لابأس به يبيعه حلالاً فيجعله حراماً أبعده اللّه وأسحقه»(2).

ومنها: صحيح رفاعة، قال: «سُئل أبو عبد اللّه عليه السلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمره‌؟

فقال عليه السلام: حلالٌ‌، ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً»(3). ونحوها غيرها.

الطائفة الثانية: ما توهم دلالتها على المنع عن بيع العنب ممّن يعمله خمراً:

منها: خبر جابر - أو صابر - المتقدّم في المسألة المتقدّمة، بدعوى إرادة العلم ببيع الخمر من قوله: (فيباع فيه الخمر) فإنّه حينئذٍ بضميمة عدم الفرق بين الإجارة والبيع يدلّ على ذلك.

الطائفة الثالثة: ما استفيد منها كراهة بيع العنب ممّن يخمره:

منها: خبر رفاعة على ما في «المكاسب».

ومنها: صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً؟ قال عليه السلام: بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خَلّاً أحبّ إليّ‌، ولاأريبالأوّل بأساً»(4).

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على المنع عن بيع الخشب ممّن يتّخذه صلباناً أو يصنعه صنماً، فإنّه يدلّ على الحكم في المقام بإلغاء الخصوصيّة:

منها: حسن ابن أُذينة، قال: «كتبتُ إلى أبي عبد اللّه عليه السلام أسأله عن رجل له6.


1) وسائل الشيعة: ج 230/17 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 5 رقم 22402، الكافي: ج 5/231 ح 8.

2) وسائل الشيعة: ج 17/230 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 4 رقم 22401، الكافي: ج 5/231 ح 6.

3) وسائل الشيعة: ج 231/17 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 8 رقم 22405، التهذيب: ج 7/136 ح 74.

4) وسائل الشيعة: ج 17/231 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 9 رقم 22406، التهذيب: ج 7/137 ح 76.

خشب فباعه ممّن يتّخذه صلباناً؟ قال عليه السلام: لا»(1).

ومنها: صحيح ابن حريث، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن التوت أبيعه يُصنع به الصليب والصنم‌؟ قال عليه السلام: لا»(2).

الطائفة الخامسة: ما توهم دلالتها على جواز بيع الخشب أيضاً:

منها: حسن ابن اُذينة: «عن رجلٍ له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط؟ فقال عليه السلام:

لا بأس به»(3).

أقول: هذه هي جميع نصوص الباب، وقد قيل في الجمع بينها وجوه، أمتنها(4)حمل النصوص المانعة على بيع الخشب ممّن يعمله صليباً أو صنماً، كما هو موردها، بأن لا يتعدّى عن موردها، وحمل المجوّزة على غيره.

وأورد عليه تارةً‌: بكونه خرقاً للإجماع المركّب.

وأُخرى‌: بأنّ خبر جابر دال على المنع في بيع العنب أيضاً.

وثالثةً‌: بأنّه قام الدليل على اتّحاد مناط الحكم، وهو قوله عليه السلام في خبر الحارثي: «بعته حلالاً فجعله حراماً فأبعده اللّه»(5)، ونحوه ما في خبر أبي كهمس، ورواية رفاعة(6).

ورابعةً‌: بأنّ الطائفة الخامسة تأبى عن ذلك، لدلالتها على جواز بيع الخشب.2.


1) وسائل الشيعة: ج 176/17 باب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22287، الكافي: ج 5/226 ح 2.

2) وسائل الشيعة: ج 17/176 باب 41 من أبواب مايكتسب به ح 2 رقم 22288، الكافي: ج 5/226 ح 5.

3) وسائل الشيعة: ج 176/17 باب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22287، الكافي: ج 5/226 ح 2.

4) راجع مصباح الفقاهة: ج 1/284.

5) وسائل الشيعة: ج 17/231 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 10 رقم 22407، الاستبصار: ج 3/106 باب 70 بيع العصير ح 5.

6) وسائل الشيعة: ج 231/17 باب 59 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22043، الكافي: ج 5/232 ح 12.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّه لا مانع عن خرق مثل هذا الإجماع المركّب، إذ في المسألة طوائف من الأخبار، فقد استندوا في فتاويهم إلى هذه النصوص، وكلّ واحدٍ جَمَع بما رآه جمعاً عرفيّاً، وعليه فلا يضرّ مخالفة الجميع، مع أنّ صاحبي «الوسائل» و «المستدرك» قائلان بالتفصيل(1).

وأمّا الثاني: فلما تقدّم في المسألة من أنّه ظاهرٌ في المنع مع اتفاق بيع الخمر فيه، فراجع ما ذكرناه من محتملات الرواية(2)، مع أنّه يمكن الجمع بالالتزام بالكراهة في غير الخشب.

وأمّا الثالث: فلأنّه لو سُلّم استفادة الكبرى الكليّة من تلك النصوص، إلّاأنّه لا مانع من تخصيصها بما ورد في الخشب يباع ممّن يجعله صنماً أو صليباً.

وأمّا الرابع: فلأنّ حسن ابن أُذينة واردٌ في بيع الخشب ممّن يجعله برابط، وهو غير جعله صنماً أو صليباً، بل هو بنفسه دليل الفصل، فإنّه يفصّل بين الأصنام والبرابط.

أقول: والإنصاف أنّ هذا الجمع متين غايته، ويساعده الاعتبار، لما علم من الشرع من الاهتمام بالتجنب عن الشرك بأيّ نحوٍ أمكن، قال اللّه تعالى: (إِنَّ اَللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ‌) (3).

وبما ذكرناه ظهر أنّ ما ذكره بعض الأعاظم(4)من أنّ النصوص متعارضة لايمكن الجمع بينها بوجهٍ‌، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات في غير محلّه.ه.


1) في عناوين الأبواب في كتابيهما.

2) في الصفحة 226 من هذا المجلّد.

3) سورة النساء: الآية 48.

4) ذكره غير واحد من باب الفرض ولم نقف على الذي تبنّاه.

وقد نُسب إلى المشهور(1) الجمع بين النصوص بالحمل على الكراهة، واستشهد له الشيخ رحمه الله(2) بقوله عليه السلام في خبر رفاعة: «بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خَلّاً أحبّ إليّ‌».

وفيه: أنّه يوهن هذا الجمع:

1 - قوله عليه السلام في خبر أبي كهمس: «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً».

2 - وقوله عليه السلام في خبر رفاعة: «هو حلالٌ‌، ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً). لا سيّما وأنّ ظاهرهما تكرار البيع المذكور كما لا يخفى‌. وعليه، فيتعيّن حمل الأحبية في خبر رفاعة على الأحبية بحسب الأخلاق، وقد يجمع بينها بحمل النصوص المانعة على صورة الاشتراط، أو التواطي عليه قبل البيع.

وفيه: مضافاً إلى ما ذكره الشيخ رحمه الله(3) من أنّه في غاية البُعد، أنّه جمعٌ تبرّعي لا شاهد له، ومجرّد كون فرد متيقّن الإرادة لا يجعلهما من النص أو الظاهر، لا سيّما مع احتياج الجمع إلى التصرّف في كلا المتعارضين.

ومنه يظهر ضعف ما قيل من حمل الأخبار المانعة على صورة القصد إلى ترتّب الحرام، والمجوّزة على صورة العلم خاصّة.

وفي تعليقة السيّد الفقيه(1)الجميع بنحو آخر، وهو حمل الأخبار المانعة على صورة العلم بصرف المبيع في المحرّم، وحمل الأخبار المجوّزة على صورة العلم بكون المشتري شغله ذلك، وإن لم يكن جعله هذا العنب الخاص خمراً معلوماً.7.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/7.

وفيه: أنّ ذلك لو تمّ في بعض نصوص الجواز، لا يتمّ في جميعها، لاحظ قوله عليه السلام في صحيح رفاعة: «ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً»، فإنّ الظاهر رجوع الضمير إلى المبيع الخاص.

هذا كلّه بحسب الروايات.

وأمّا من حيث القواعد، فقد استدلّ على حرمة البيع ممّن يعلم أنّه يصرف المبيع في الحرام بوجوه:

الإعانة على الإثم

الوجه الأوّل: بعموم النهي عن التعاون على الإثم والعدوان.

أقول: يقع الكلام أوّلاً في حكم الإعانة على الإثم، ثمّ في تحقيق مفهوم الإعانة.

أمّا الأوّل: فلا يبعد القول بعدم حرمة الإعانة على الإثم بما هي إعانة عليه، لا لما قيل من أنّ الآية الشريفة(1)أُريد بها الحكم التنزيهي، بقرينة المقابلة بالأمر بالإعانة على البرّ والتقوى‌، الذي ليس للإلزام قطعاً، فإنّه يمكن أن يدفع بأنّ الالتزام بجواز ما نهى عنه الشارع عند العقل يتوقّف على ورود ترخيص من الشارع في الفعل، فمع عدمه يحكم العقل بلزوم المتابعة، ومجرّد المقابلة بأمرٍ غير إلزامي لا يصلح قرينةً على ذلك كما لا يخفى‌، بل لأنّ المنهي عنه هو التعاون لا الإعانة، وهو من باب التفاعل، وهو عبارة عن اجتماع عدّة من الأشخاص لإيجاد أمر، ويكون ذلك صادراً عن جميعهم، كأن يجتمعوا على قتل نفس محترمة ثمّ يقتلوها جميعاً.


1) سورة المائدة: الآية 2.

وأمّا الإعانة التي هي من باب الأفعال، فهي عبارة عن إيجاد مقدّمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في صدور الحرام والإثم منه، فحرمة التعاون التي هي مدلول الآية الشريفة، لا تستلزم حرمة الإعانة على الإثم، والاستدلال لحرمتها بالإجماع فاسدٌ، لعدم حجيّة المنقول منه، مع أنّه يحتمل استناد المجمعين إلى سائر الوجوه المذكورة في المقام من الآية الشريفة، وأدلّة النهي عن المنكر التي ستعرف تقريب الاستدلال بها والجواب عنه.

وعليه، فالأظهر عدم حرمة الإعانة على الإثم، لعدم الدليل عليها، والأصل عدمها إلّاما خرج بالدليل كإعانة الظالمين وإعانة أعوانهم الذين لا شُبهة في حرمتهما، على ما سيأتي مفصّلاً في البحث عن معونة الظالمين(1).

أقول: ثمّ بعد الغضّ عن ذلك كلّه، يمكن أن يقال - كما في «الحدائق»(2)- بأنّ النصوص الواردة في بيع العنب تدلّ على جواز الإعانة في المقام بعد إلغاء الخصوصيّة، فالجمع بينها وبين أدلّة حرمة الإعانة على الإثم يقتضى الالتزام بعدم الحرمة في المقام وأمثاله.

ودعوى المحقّق النائيني رحمه الله(3): من أنّه على فرض تحقّق موضوع الإعانة لا1.


1) فقه الصادق: ج 21/286، عنوان: (حرمة معونة الظالمين).

2) الحدائق الناضرة: ج 18/205، فإنّه بعد ذكر استدلال المحقّق الأردبيلي على حرمة تلك البيوعات التي غايتها حرام بدليل الإعانة قال: (وفيه: إنّ ما ذكره جيّد في حَدّ ذاته، لو سلم من المعارضة بأخبار العصير المذكورة، فإنّها ما بين صريح وظاهر في صحّة البيع في الصورة المذكورة، مع كثرتها و صحّة كثير منها...) وبعد مناقشته للأردبيلي وتعجّبه من حمل اللّفظ على خلاف ظاهره قال في ص 206: (وقد تلخّص من ذلك: أنّ الظاهر من هذه الأخبار - بعد ضمّ بعضها إلى بعض - هو قصر التحريم على ما إذا وقع الاشتراط في العقد، أو الاتّفاق على البيع أو الإجارة لتلك الغاية المحرّمة، وحِلّ ما سوى ذلك).

3) منية الطالب في حاشية المكاسب: ج 1/11.

إشكال في حرمتها، ولا يمكن تخصيص دليلها، لأنّ هذه من العناوين غير القابلة للتخصيص، فإنّها كنفس المعصية.

ممنوعة: لأنّ الإعانة على الإثم من العناوين التي لو لم يدلّ دليل عليحرمتها، لما استقلّ العقل بلزوم تركها، بل كان مقتضى القاعدة جوازها، وعليه فكما للشارع أن يحرّمها بإطلاقها، له تحريم حصّة خاصّة منها.

وعلى فرض صدقها وانطباقها على البيع في المقام، لا تكون المعاملة فاسدة، بناءً على ما حقّقناه في محلّه من أنّ النهي النفسي عن المعاملة وإنْ تعلّق بالاعتبار الذي يعبّر عنه بالمسبّب، لا يدلّ على الفساد، مع أنّك قد عرفت عدم صدقها على البيع، فلو صدقت فإنّما تصدق على إقباض المبيع.

وأمّا الاعتبار النفساني وإبرازه فليس شيء منهما مصداقاً للإعانة قطعاً.

فتحصّل: أنّ الاستدلال بعموم النهي عن التعاون على الإثم في المقام غير صحيح للوجوه المذكورة.

حقيقة الإعانة ومفهومها

المقام الثاني: في بيان حقيقة الإعانة.

اختلفت كلمات الفقهاء في ذلك غاية الاختلاف، برغم أنّ مفهومها من المفاهيم العرفيّة، وستعرف الأقوال عند بيان الحقّ في المقام.

وكيف كان، فمحصّل ما قيل في اعتباره في صدق هذا المفهوم أُمور:

منها: القصد إلى وقوع الفعل من المُعان.

أقول: اعتبار القصد بمعنى الاختيار والإرادة الملازم للعلم معتبرٌ قطعاً، إذ مع

عدم العلم بوقوع الحرام من الغير، لا يحرم فعل المُعين، لعدم صدق الإعانة بلا قصد عليه، كما لعلّه الظاهر، أو لعدم تنجّز حرمته على فرض صدق الإعانة إذا ترتّب عليه المعان، لفرض الجهل به، فعلى كلّ تقدير لا يحرم الفعل أو لا تتنجّز حرمته مع عدم العلم، وعليه فلا تترتّب ثمرة على النزاع في اعتبار القصد بهذا المعنى وعدمه في صدق الإعانة.

وأمّا القصد بمعنى الدّاعي والغرض من الفعل، فهو الذى وقع الخلاف فى اعتباره:

وقد اعتبره مطلقاً جماعة منهم المحقّق الثاني(1).

واختار جماعة آخرون عدم اعتباره كذلك(2)، ونُسِب ذلك إلى الأكثر(3).

والشيخ قدس سره(4)تبعاً للمحقّق الأردبيلي(5)فصّل بين الموارد:

باعتباره في بعض الموارد، وهو ما إذا لم تصدق الإعانة عرفاً بدونه، كما إذا لم تنحصر فائدة مقدّمة الحرام التي قَصَد الفاعل بفعلها الوصول إليها في المشروط المحرم، كبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً.

وعدم اعتباره في المورد الاُخر، وهو ما إذا صدق ذلك عرفاً مع عدم القصد، كما إذا انحصرت فائدتها في المشروط المحرّم، كحصول العصا في يد الظالم المستعير لها من غيره لضرب أحد.

وقد استدلّ لاعتبار مطلقاً: بأنّه لولا ذلك لزم عدم جواز بيع شيء ممّا يُعلم8.


1) حاشية الإرشاد (مخطوط): ص 205.

2) راجع المكاسب: ج 1/132 وهامشها.

3) نسبه إليهم في المكاسب: ج 1/133.

4) المكاسب: ج 1/136.

5) زبدة البيان: ص 297-298.

عادة التوصّل به إلى محرّم، فيمنع معاملة أكثر الناس.

واستدلّ لعدم اعتباره كذلك: بإطلاق الإعانة على أفعال مع عدم اقترانها بهذا القصد في جملةٍ من النصوص:

منها: النبويّ المروي في «الكافي» عن مولانا الصادق عليه السلام: «من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه»(1).

ومنها: العلويّ الوارد في الطين المروي في «الكافي» عنه عليه السلام: «فإن أكلته ومتّ كنتَ قد أعنت على نفسك»(2).

ونحوهما ما ورد في أعوان الظلمة(3).

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل:

1 - فلأنّه إن أُريد به النقض ببيع المأكولات والمشروبات، مع العلم بأنّه تحصل بها القوّة على ارتكاب المعاصي.

فيرد عليه: أنّه لا تصدق الإعانة في أمثال هذه الموارد، لجهة أُخرى سيأتي التعرّض لها بعد ذلك.

2 - وإن أُريد به النقض بموارد بيع ما اقترن بالقصد، تصدق الإعانة على الإثم عليه، ولا مانع عن صدقها من الجهات الأُخر.

فيرد عليه: أنّه لا مانع من الالتزام بفساد المعاملة في هذه الموارد.م.


1) وسائل الشيعة: ج 24/222 باب 58 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 7 رقم 30392، الكافي: ج 6/266 ح 8.

2) وسائل الشيعة: ج 24/222 باب 58 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 6 رقم 30391، الكافي: ج 6/266 ح 5.

3) وسائل الشيعة: ج 17/177 باب 42 من أبواب ما يكتسب به، الكافي: ج 5/105 باب عمل السلطان وجوائزهم.

وأمّا الثاني: فلأنّ نصوص الطين أطلقت الإعانة فيها على أكل الطين مجازاً أو بالعناية لوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ موردها من قبيل ارتكاب الحرام نفسه، والإعانة إنّما تصدق بالنسبة إلى فعل الغير كما سيجيء.

الوجه الثاني: إنّ أكل الطين بنفسه موجبٌ للقتل مباشرةً‌، لا أنّه إعانة على ما يوجب القتل.

الوجه الثالث: إنّ في موردها لا يعلم بترتب الحرام على فعل الفاعل كما هو ظاهرها، وقد تقدّم اعتبار ذلك في صدقها، مع أنّ استعمالها أعمّ من الحقيقة، وأصالة الحقيقة إنّما يرجع إليها لتشخيص المراد بعد معلوميّة الموضوع له، لا لتشخيص الموضوع له بعد معلوميّة المراد.

وبه يظهر ما في نصوص أعوان الظلمة، مع أنّه سيجيء أنّ المحرّم إنّما هو عون الظالم مطلقاً حتّى في المباحات، لا عونه في فعل الحرام.

فتحصّل: أنّه لا دليل على اعتباره مطلقاً، ولا على عدمه كذلك.

وأمّا الشيخ رحمه الله(1)فإنّه لمّا رأى صدقها في بعض الموارد مع عدم القصد - مثل إعطاء السيف لمن يريد قتل المظلوم - وعدم صدقها في بعض موارد أُخر مع عدم القصد، التجأ إلى الالتزام باعتبار القصد، إلّافي ما إذا انحصرت فائدة الشرط المعان عليه في المشروط المحرّم.

أقول: ولكن الظاهر عدم اعتبار القصد في صدقها، كما يظهر ذلك من الرجوع إلى موارد صدقها بدون القصد، بعد عدم كونها من المشترك اللّفظي، وعدم تصوير0.


1) المكاسب: ج 1/140.

جامع بين الفعل مع القصد في بعض الموارد، وبدونه في أُخر.

وأولى من ذلك في عدم الاعتبار، قصد الغير حينما يُعان على الشرط لفعل المشروط المحرّم، كما عن ظاهر الشيخ رحمه الله(1)حيث التزم بأنّه لا تصدق الإعانة على الإثم إذا أعانه على شرط الحرام مع العلم بصرفه في الحرام، وكان غرض المعين ذلك، ما لم يقصد الغير لفعل الحرام، فإنّه لا دليل عليه شرعاً ولا عرفاً.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّ مراد الشيخ من ما ظاهره ذلك غيره، وسيأتي الكلام في بيان مراده فانتظر.

وأيضاً: الظاهر عدم صدق الإعانة على كلّ فعلٍ يتوقّف عليه صدور الحرام من الغير، بل الظاهر اختصاصها بما يكون من المقدّمات الفاعليّة لفعله.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الإعانة تصدق على ما يقع في سلسلة علل فعل فاعل الإثم، ولا تصدق على إيجاد نفس الفاعل، أو حفظ حياته، ولا تهيئة موضوع الفعل.

وبذلك يظهر وجه عدم حرمة توليد الفاسق لمن يعلم أن في نسله من يرتكب الذنب، وعدم حرمة بيع المأكولات والمشروبات مع العلم بأنّه يحصل للمشتري قوّة على المعصية، وعدم حرمة تجارة التاجر مع العلم بأنّه يأخذ العاشر منه العشور، وعدم حرمة سفر الحاجّ الذي يعلم أنّه يؤخذ منه المال ظلماً.

كما أنّه ظهر الفرق بين هذه الأمثلة وبين إعطاء العصا لمن يريدضرب المظلوم، وتسليط الخمّار على العنب وما شابههما، كما أنّه ظهر أنّه لابدّ من الالتزام بحرمة نقل التاجر أمواله إلى الكمرك الذي عيّنه الظالم لأخذ العشور فيه، فإنّ ذلك ليس كأصل التجارة من محقّقات موضوع الظلم، بل من مقدّمات الظلم، والفرق بينهما0.


1) المكاسب: ج 1/140.

كالفرق بين تسليط الخمّار على العنب وإيجاد العنب.

وبالجملة: بعد التدبّر فيما ذكرناه، لا أظنّ أن يبقى موردٌ لا يُحرز صدق الإعانة أو عدمه حتّى نحتاج إلى الإحالة على العرف.

ثمّ إنّ هذا كلّه في المُعين.

وأمّا في المُعان: فيعتبر في صدقه أمران:

الأمر الأوّل: بقاء الاختيار في المُعان، بأن لا يكون فعل المعين علّة تامّة لصدور الفعل منه، إذ حينئذٍ لا يكون صدور الفعل من المعان معصية وإثما، فلا يكون فعل المعين إعانة على الإثم.

نعم، إذا كان المحرّم هو ذلك الفعل الذي هو اسم المصدر، ولم يلاحظ في تحقّقه حيث الانتساب، أو كان عنوان الحرام هو العنوان الأعمّ الصادق على السبب والمباشر، أصبح فعل المعين حينئذٍ حراماً، لكن لا من باب حرمة الإعانة على الإثم، بل من جهة أُخرى غير مربوطة بالمقام.

الأمر الثاني: تحقّق الفعل المعان عليه منه، وهو الذي ذكره الشيخ رحمه الله(1)بقوله:

(وربما زاد بعض المعاصرين(2)على اعتبار القصد اعتبار وقوع المعان عليه في تحقّق مفهوم الإعانة في الخارج)، إذ مع عدم تحقّقه لا يكون فعل المعين إعانة على الإثم، بل كان يتخيّل كونه كذلك.

نعم، كان فعله تجرّياً ويُعاقب عليه من هذه الجهة. ولنعم ما أفاده بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله حيث قال: (ويمكن استشعار ذلك من قوله: «مَن أكل الطين6.


1) المكاسب: ج 1/133 (ط. ج).

2) الظاهر أنّه المحقّق النراقي في عوائد الأيّام: ص 26.

فمات فقد أعان على نفسه»(1).

وفي آخر: «فإن أكَلْته ومِتَّ فقد أعنتَ على نفسك»)(2)

(3و5) المكاسب: ج 1/133 و 141.

.

والشيخ رحمه الله لم يذكر وجهاً لما اختاره من عدم اعتبار ذلك، سوى تكرار مدّعاه وهو كما ترى‌.

نعم، ما ذكره من أنّه لو تحقّق الحرام لم يتعدّد العقاب(3)، متينٌ‌، إذ مع ترتّب الحرام لا يكون فعل المُعِين تجرّياً بل معصية حقيقة، فليس عليه غير عقاب واحد. فتدبّر.

وجوب دفع المنكر

الوجه الثاني: ممّا استدلّ به لحرمة بيع الشيء ممّن يعلم أنّه يصرفه في الحرام أدلّة النهي عن المنكر، فقد استدلّ بها المحقّق الأردبيلى لحرمة بيع العنب في المسألة(3).

وتقريب الاستدلال بها: أنّه كما يجبُ رفع المنكر كذلك يجب دفعه، ولا يتمّ ذلك إلّابترك البيع، فيصير ترك البيع واجباً وفعله حراماً، ولا أقلّ من أنّه معصية.

وقد استشهد الشيخ(5) لذلك بخبر ابن أبي حمزة، عن الإمام الصادق عليه السلام: «لولا أنّ بني أُميّة وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سَلَبوا حقّنا»(4).


1) التهذيب: ج 9/89 ح 111، وسائل الشيعة: ج 24/222 ح 30392.

2) الكافي: ج 6/266 ح 5، وسائل الشيعة: ج 24/222 ح 30391 وفيهما بدل: فقد أعنت، قد أعنت.

3) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/49.

4) وسائل الشيعة: ج 17/199 باب 47 من أبواب مايكتسب به ح 1 رقم 22343، الكافي: ج 5/106 ح 4.

بيان كيفيّة الاستدلال به: أنّ الظاهر منه كون وجه حرمة الجباية وحضور الجماعة أنّهما يوجبان سلب الحقّ الذي هو محرّم، فبعد إلغاء الخصوصيّة يكون المستفاد منه حرمة كلّ ما يوجب تركه عدم تحقّق المعصية من الغير.

أقول: ولكن يرد على الاستدلال بأدلّة النهي عن المنكر، أنّه وإنْ كان لا معنى لرفع المنكر، إذ ما وقع لا يمكن إعدامه ورفعه، بل الرفع في هذا المقام أُريد به الدفع، مثلاً من شَرع في شرب الخمر فبالنسبة إلى المقدار من الشرب الذي تحقّق لا معنى لرفعه ولا لإيجابه، وبالنسبة إلى الباقي يكون دفعاً، فالنهي عن المنكر مطلقاً إيجابٌ للدفع لا الرفع.

إلّا أنّ الأدلّة - أي أدلّة النهي عن المنكر - بحسب المدلول اللفظي، مختصّة بمن شرع في الحرام، فالاستدلال بها لوجوب ردع من هم به وأشرف عليه يتوقّف على إحراز وجود المناط فيه، بدعوى أنّ المناط هو عدم وجود المنكر في الخارج، ودونه خرط القتاد، وإلّا لزم الالتزام بأنّ ترك إيجاد الفاعل للحرام وإبقائه وتهيئة الموضوع للحرام كتجارة التاجر بالنسبة إلى أخذ العشور، من قبيل الفعل الواجب، لكون كلّ واحد منها موجباً لعدم وجود المنكر في الخارج.

ومع الإغماض عن ذلك، فإنّ ما به يدفع المنكر إنّما هو ترك الإقباض لا ترك البيع، وعلى فرض كونه ترك البيع، وبنينا على وجوب دفع المنكر، غاية ما يثبت بهذا الدليل هي الحرمة لا الفساد، لما حقّقناه في أوّل الكتاب من أنّ حرمة المعاملة لا تلازم فسادها(1).

وأمّا الخبر: فيرد على الاستشهاد به أنّ الواجب هو دفع المنكر المستفاد ذلك).


1) قد مرّ ذلك في هذا الجزء تحت عنوان: (حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها).

من أدلّة النهي عن المنكر، أنّه لا وجه لإلغاء الخصوصيّة، مع احتمال أن يكون لسلب الخلافة الذي هو من أعظم المحرّمات، لكونه المنشأ والأساس لصدور سائر المنكرات الخصوصيّة.

أضف إلى ذلك كلّه، أنّه لو سُلّم كون دفع المنكر كرفعه واجباً، وأُغمض عن سائر الإيرادات، وسلّمنا ثبوت حرمة بيع الشيء ممّن يعلم أنّه يصرفه في الحرام - كبيع العنب ممّن يَعلم أنّه سيجعله خمراً - لكنّه لا يدلّ ذلك على الحرمة مطلقاً، وإن لم يقصد ذلك حين الشراء، لأنّ الأدلّة مختصّة بما إذا هَمَّ بالمعصية، وأشرف عليها، ولا تشمل ما إذا كان سيهمّ بالمعصية، وذلك فإنّ أدلّة النهي عن المنكر النقليّة قد عرفت اختصاصها بمن شرع في الحرام، وغاية ما يمكن أن يقال هو التعدّي عن موردها إلى من همّه الشروع فيه، فلا وجه للتعدّي إلى من سيهمّ بالشروع فيه.

وأمّا دليل العقل: وإن أثبتنا في هذا الشرح(1)تبعاً للشيخ(2)والعلّامة(3)والشهيدين(4)وغيرهم من الأساطين(5)، أنّه يدلّ على وجوب رفع المنكر ودفعه، إلّا أنّ المتيقّن منه صورة الإشراف على الحرام.

وأمّا الخبر: فلأنّ قصد بني أُميّة سلب حقّ أولياء اللّه معلوم، مع احتمال الاختصاص بمورده كما عرفت.

أقول: بقي في المقام أُمور تعرّض لهاالشيخ الأعظم في «المكاسب» لابدّ من بيانها:7.


1) تعرّض لوجب دفع المنكر كوجوب رفعه في بداية هذا البحث قبل عدّة صفحات.

2) المكاسب: ج 1/141 قوله: (إنّ دفع المنكر كرفعه واجب، ولا يتمّ إلّابترك البيع، فيجب).

3) مختلف الشيعة: ج 1/158، قوله: (والأقرب ما اختاره الشيخ) (أي وجوبهما عقلاً).

4) الروضة البهيّة: ج 2/409، قوله: (وهما واجبان عقلاً في أصحّ القولين).

5) كالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/69، والإيرواني في حاشية المكاسب ج 1/17.

الأمر الأوّل: قال الشيخ(1): (ثمّ إنّ الاستدلال المذكور إنّما يحسنُ مع علم البائع بأنّه لو لم يبعه لم تحصل المعصية، لأنّه حينئذٍ قادرٌ على الردع، أمّا لو لم يعلم ذلك، أو علم بأنّه تحصل منه المعصية بفعل الغير، فلا يتحقّق الارتداع بترك البيع، كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر) انتهى‌.

وملخّص القول في المقام:

تارةً‌: نلتزم بأنّ الواجب إنّما هو دفع كلّ فردٍ من أفراد المنكر، بحيث يتعدّد الوجوب بتعدّد أفراد المنكر.

وأُخرى‌: نلتزم بأنّ الواجب هو دفع طبيعة المنكر، بمعنى أنّ الواجب هو حفظ وعاء الخارج من المنكر.

فعلى الأوّل: بما أنّه يحرم تخمير كلّ فردٍ من العنب مستقلّاً، باعتبار أنّ النهي المتعلّق بالتخمير منحلٌّ إلى نواهي متعدّدة حسب ما له من الأفراد، ولذا لو خَمّر فرداً من العنب، ثم بعده خمّر فرداً آخر عوقب عقابين، بخلاف ما إذا لم يعقّبه بتخمير فرد آخر، فإنّه يعاقب عقاباً واحداً، فترك بيع كلّ فردٍ من الأفراد دفعٌ لمنكرٍ خاص، فهو واجب تركه آخرون أم لا.

وبعبارة أُخرى‌: على هذا لا يكون الواجب شيئاً واحداً على المجموع، بل يكون الواجب متعدّداً حسب تعدّد أفراد بيع العنب، فكلّ مكلّف متوجّه إليه تكليف خاص غير مربوط بغيره، فيجبُ عليه ترك البيع، وإنْ كان جاهلاً بأنّه لو لم يبعه لباعه غيره، بل وإنْ علم بحصوله.

نعم، لو علم بأنّه لو ترك البيع باعه غيره، وكان ذلك الغير عازماً على البيع،2.


1) المكاسب: ج 1/142.

وكان بيعه موجباً لترك ذلك البيع، أمكن القول بالجواز من جهة أنّه كما يكون في الفرض ترك البيع دفعاً لفرد من المنكر، كذلك يكون البيع دفعاً لمنكرٍ آخر وهو بيع الغير، وحيث أنّ المفروض أنّه أيضاً يهتمّ بالبيع، بحيث لو لم يبع هذا لباعه الآخر، فهو دفعٌ للمنكر فيجب، وبما أنّه لا يمكن الموافقة لهما، فلا محالة يتخير بينهما، فيجوز له البيع أيضاً، ولكن ذلك يتمّ فيما لم يتمكّن من دفع بيع الغير بوجهٍ آخر، وإلّا فيجب ترك البيع وذلك الوجه كما لا يخفى‌، فتدبّر، فإنّ ذلك مع دقته قابل للمنع، فإنّه لو كان بيع الغير حراماً يكون بيع نفسه أيضاً حراماً لعين ذلك الملاك، وعليه فلا يكون دفع المنكر المنطبق على البيع واجباً، فإن دفع المنكر بفعل الحرام لا يجب، هذا فيما إذا كان المشتري عازماً على تخمير أحد العنبين، وإلّا فلا وجه للقول بالجواز أصلاً كما لا يخفى‌.

وعلى الثاني: بما أنّ دفع المنكر إنّما يكون بترك الجميع البيع، ولا يتحقّق بترك البائع مع تصدي الغير له، فقد يقال بعدم وجوب ترك البيع كما في «المكاسب»(1)، وتبعه المحقّق النائيني رحمه الله(2)بدعوى أنّه لا يتحقّق الارتداع بترك البيع، فهو كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر.

وبعبارة أُخرى‌: بعد كون الواجب على الجميع شيئاً واحداً وهو ترك المجموع للبيع، فإذا علم واحد عدم قيام غيره به، كان قيامه بنفسه بذلك الفعل لغواً فلايجب.

ولكن هذا الوجه فاسدٌ، وهو يتّضح بعد بيان كيفيّة وجوب فعل واحد على جماعة.1.


1) المكاسب: ج 1/143.

2) منية الطالب: ج 1/40 و 41.

أقول: لا يكون الواجب على كلّ فردٍ ذلك الفعل، لا مطلقاً لكونه غير مقدور له، ولا مشروطاً بموافقة الآخرين، وإلّا لزم عدم تحقّق العصيان بترك الجميع، وهو خلاف الفرض، فلا محيص عن الالتزام بكونه غرضاً من الفعل الواجب على كلّ فردٍ أي الغرض الأقصى لا الغرض الموجب لتوجه التكليف، وإلّا لما صحّ تخلّفه عن فعل كلّ واحد، فيجب على كلّ فردٍ الإقدام بما في وسعه من المقدّمات.

وعليه، فلا وجه لدعوى أنّ قيامه به بالإتيان بما في وسعه مع علمه بترك الغير لغو، فإنّ اللّغويّة بمعنى عدم ترتّب الغرض الأقصى لا توجب سقوط التكليف.

لا يقال: إنّ هذا الوجوب ليس نفسيّاً لعدم كون متعلّقه مطلوباً أصليّاً، فإنّ المطلوب الأوّلي هو ذلك العنوان المترتّب على فعل الجميع، ولا واجباً غيريّاً لعدم كون متعلّقه مقدّمة لواجب آخر.

فإنّه يقال: إنّ الواجب النفسي ليس عبارة عن المطلوب الأوّلي وإلّا لزم عدم كون شيء من الواجبات النفسية واجباً نفسيّاً إلّامعرفة اللّه تعالى‌، بل هو عبارة عمّا وجب ولم يكن مقدّمة لواجب آخر.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ المطلوب الأوّلي في الفرض هو ما ينطبق على فعل الجميع، ففعل كلّ واحدٍ جزءٌ من الواجب النفسي لا مقدّمة لحصوله.

وعلى ذلك، ففي المقام دفع المنكر إنّما يكون بترك الجميع البيع، فيجبُ على كلّ واحدٍ أن يترك البيع مستقلّاً، فلا يسوغ له الاعتذار ببناء الغير على عدم الترك - أي الفعل - فلا ينفع تركي.

ويؤيّد ذلك الخبر(1)الوارد في من يجبي المال إلى بني أُميّة، حيث حكم عليه السلام4.


1) وسائل الشيعة: ج 17/199 باب 47 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22343، الكافي: ج 5/106 ح 4.

بحرمة الفعل بقول مطلق، وإنْ لم يترتّب عدم سلب الحقّ على فرض ترك ما هو مقدّمة لسلب الحقّ عنهم عليهم السلام.

الأمر الثاني: ذكر الشيخ الأعظم(1)مبنيّاً على حرمة الإعانة ووجوب دفع المنكر ما حاصله:

إنّ فعل ما هو شرط للحرام، والصادر من الفاعل يقع على وجوه:

الوجه الأوّل: أن يوجِده بقصد توصّل الغير به إلى الحرام، وهذا حرام بلا إشكال، بناءً على حرمة الإعانة على الإثم.

لكن قد عرفت ما في المبنى.

الوجه الثاني: أن يوجِده من دون قصدٍ لحصول الحرام، ولا لحصول ما هو مقدّمة له، كتجارة التاجر بالنسبة إلى معصية العاشر.

وقد نَفَى رحمه الله الإشكال عن عدم حرمته، ولكن الأظهر بناءً على حرمة الإعانة على الإثم، حرمة ذلك، إذا كان الفعل واقعاً في سلسلة علل فعل الغير المحرّم، لا في مثل المثال المذكور الذي هو من قبيل إيجاد الموضوع، فإنّه يصدق عليه الإعانة على الإثم، لما تقدّم من عدم اعتبار القصد الغائي في صدقها.

ثمّ على فرض عدم صدقها يمكن أن يقال بوجوب الترك، بناءً على وجوب دفع المنكر لكونه دفعاً له.

الوجه الثالث: أن يوجِده بقصد حصول ما هو من مقدّمات حصول الحرام من الغير لا لحصول نفس الحرام.

وهذا قد يكون مع عدم قصد الغير التوصّل بذلك الشرط إلى الحرام، كبيع4.


1) المكاسب: ج 1/144.

العنب ممّن يخمر بقصد تملّكه للعنب من دون قصد الخمّار التخمير حين الشراء.

وهذا أيضاً لا يكون حراماً بلا إشكال، ولكن هذا يتمّ بناءً على اعتبار القصد الغائي في صدق الإعانة، وعدم وجوب تعجيز من سيهمّ بالمعصية، كما اختارهما الشيخ رحمه الله(1)، فإنّه على ذلك لا يشمله دليل وجوب دفع المنكر، ولا ما دلّ على حرمة الإعانة على الإثم.

وقد يكون مع قصد الغير التوصّل به إلى الحرام، وهو على قسمين:

القسم الأوّل: أن يكون هذا الفعل من الفاعل علّة تامّةً لعدم تحقّق الحرام من الغير، والأقوى في ذلك وجوب الترك، لوجوب دفع المنكر، وحرمة الفعل لحرمة الإعانة على الإثم.

القسم الثاني: أن لا يكون كذلك، بل يعلم بحصول الحرام منه من غير تأثيرٍ لترك ذلك الفعل، والظاهر عدم وجوب الترك هنا.

أقول: قد مرَّ أنّه على القول بوجوب دفع المنكر وحرمة الإعانة على الإثم، لابدّ من القول بحرمة الفعل، ووجوب الترك في هذا الفرض، فراجع ما حقّقناه آنفاً(2).

الأمر الثالث: قال الشيخ رحمه الله(3): (كلّ موردٍ حُكم فيه بحرمة البيع في هذه الموارد الخمسة، فالظاهر عدم فساد البيع، لتعلّق النهي بما هو خارجٌ عن المعاملة) انتهى‌.

والظاهر أنّ مراده بذلك أنّ النهي إذا تعلّق بالمعاملة، يمكن دعوى ظهوره في الإرشاد إلى الفساد، وأمّا إذا تعلّق بأمرٍ خارج - أي كلّي منطبق عليها كعنوان الإعانة على الإثم - فإنّه لا مناص من حمله على إرادة الحرمة، وحيث أنّها لا تلازم5.


1) المكاسب: ج 1/142.

2) صفحة 238 من هذا المجلّد.

3) المكاسب: ج 1/145.

الفساد، فلا يستفاد منه الفساد، والمقام من قبيل الثاني لا الأوّل، وهو حقّ متين كما تقدّمت الإشارة إليه.

ثمّ قال قدس سره(1)

(2و4) وسائل الشيعة: ج 17/84 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

: (ويحتمل الفساد لإشعار قوله عليه السلام في رواية التحف المتقدّمة... الخ)، الاستدلال بها يتوقّف على أُمور:

الأوّل: اعتبارها سنداً.

الثاني: شمول جملة من جملاتها لما نحن فيه.

الثالث: دلالتها على الفساد لا الحرمة، بناءً على المختار عندنا وعنده من عدم تلازم الحرمة مع الفساد.

أمّا الأوّل: فقد مرَّ الكلام فيه في أوّل الكتاب، وعرفت أنّ الأظهر عندنا هو العدم.

وأمّا الثاني: فغاية ما يمكن أن يقال في وجه شمولها لما نحن فيه، هو أنّ كلّ معصيةٍ - ومنها الإعانة على الإثم - إذا اُريد بها التقرّب إلى الشيطان، فيشملها قوله عليه السلام: «وكلّ ما يُتقرّب به إلى غير اللّه»(2)، أو إنْ كان معصية داخلة فيما يوهن به الحقّ‌، فيشملها قوله عليه السلام: «أو بابٌ يوهِنُ به الحقّ‌»(2)، أو أنّ كلّ معصيةٍ يقوي بها الكفر والشرك، فيشملها قوله عليه السلام: «أو يقوي به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي»(4).

ولكن يرد على الجميع: إنّ ذلك كلّه يتوقّف على حرمة البيع، وقد مرّ عدمها.

ويرد على الأوّل: الظاهر أنّ المراد بما (يوهن به الحقّ‌) هو كلّ ما يوجبُ وهن3.


1) المكاسب: ج 1/145.

2) وسائل الشيعة: ج 17 ص 85 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 333.

المذهب، لا كلّ معصيةٍ ولو لم تكن مربوطة به، إذ أنّه المراد من الحقّ‌.

ويرد على الثاني: أنّ المراد بما (يتقرّب به إلى غير اللّه) ما يُعبد به غير اللّه كالصنم والصليب لا كلّ معصيةٍ‌. وبذلك ظهر ما يرد على الثالث.

وأمّا الأمر الثالث: فقد ذكر الشيخ رحمه الله(1)في آخر المبحث الآتي في وجه استفادة الفساد من الخبر: (أنّ الظاهر وروده في مقام بيان البيوع الصحيحة والفاسدة).

أقول: ولعلّ وجهه جعل المقسم وجوه معايش العباد، ومن المعلوم أنّ حرمة ما يتعيّش به الحاصل بالمعاملة مستلزمة لفساد المعاملة، وإلّا لم يكن وجهٌ لحرمة التصرّف فيما انتقل إليه.

وبهذا البيان ظهر أنّه لا يلزم تخصيص الأكثر.

***2.


1) المكاسب: ج 1/152.

الرابع: ما لا يُنتَفع به يَحرُم التكسّب به.

حكم بيع ما لا منفعة فيه

النوع (الرابع: ما لا يُنتفع به) ولو منفعة نادرة (يَحرُمُ التكسّب به)، كما طفحت به كلماتهم(1).

أقول: لاينبغي التوقّف في عدم صحّة البيع الواقع على ما لا منفعة له ولو نادرة، لعدم صدق حقيقة البيع، وهي الإعطاء لا مجّاناً، بل بعوض، فإنّ إعطاء الشيء في مقابل ما لا منفعة فيه إنّما يعدّ إعطاءً مجّانيّاً وبلا عوض، ولا تشمله سائر العناوين كالتجارة عن تراض. وهذا ثابت لا نقاش فيه، إنّما الكلام فيما له منفعة نادرة، فمقتضى العمومات هي الصحّة لشمول جميع تلك العناوين من (البيع) و (التجارة عن تراض) و (العقد) له.

واستدلّ لعدم الصحّة بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ أكل المال في مقابله أكل للمال بالباطل فيشمله قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ‌...) الخ(2).

الوجه الثاني: أنّه لا يكون مالاً عرفاً، فالمعاملة الواقعة عليه لا تكون بيعاً، لأنّ البيع على ما عن «المصباح»(3)عبارة عن مبادلة مالٍ بمال.


1) المبسوط: ج 2/166، السرائر: ج 2/221، شرائع الإسلام: ج 2/264، قواعد الأحكام: ج 2/7.

2) سورة النساء: الآية 29.

3) المصباح المنير: ص 69 مادّة بيع.

الوجه الثالث: الإجماع على أنّ الشارع المقدّس لم يعتن بالمنافع النادرة.

الوجه الرابع: إنّ الأخبار ظاهرة في عدم اعتناء الشارع بالمنفعة النادرة، فإنّ أغلب موارد حكمه بفساد المعاملة - كالمعاملة على الأشربة المحرّمة - لا تخلو عن منفعة محلّلة نادرة، ولو في حال الاضطرار، ومن هذا القبيل لعن اليهود لبيعهم الشحوم مع كونها محرّمة عليهم، فإنّ الظاهر أنّ المحرّم عليهم هي المنافع الظاهرة لا مطلقها.

الوجه الخامس: قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول» في ضابط المعاملات المحلّلة:

«وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهةٍ من الجهات» فإنّ المراد الجهة الشائعة، وإلّا لم يخلُ شيءٍ عن جهة صلاح.

الوجه السادس: إنّ بذل المال في مقابله سفهي.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ أكل المال في مقابل ما له منفعة نادرة، الّتي تكون غرضاً للمشتري، ويُبذل المال بإزاء العين لأجل استيفائها، لا يكون أكلاً للمال بالباطل.

وأمّا الثاني: فلأنّ الشيء إذا كان له منفعة ولو نادرة متعلّقة للغرض، ولو كان شخصيّاً، يعدّ مالاً عرفاً، مع أنّه سيأتي في كتاب البيع(1)أنّ حقيقة البيع ليست ما ذكره صاحب «المصباح»، فانتظر.

وأمّا الثالث: فلأنّ مثل هذا الإجماع لو ثبت لا يكون حجّة، لاحتمال استناد المجمعين إلى بعض هذه الوجوه.

وأمّا الرابع: فلأنّ المستفاد من الأخبار أنّ ما تكون منفعته الشائعة محرّمة لا يعتني الشارع بمنفعته النادرة.6.


1) فقه الصادق: ج 22/236.

كالمسوخ البريّة - كالقِرَدة والدُّب - والبحريّة كالجِرّي والسَّلاحف والطافي.

وبعبارة أُخرى‌: مفادها إلغاء المنفعة النادرة في جنب المنفعة الشائعة المحرّمة، لا إلغاء المنفعة النادرة مطلقاً، مع أنّه قد تقدّم في أوّل الكتاب منع إلغائها في جنب الشائعة المحرّمة أيضاً، فراجع(1).

وأمّا الخامس: - فمضافاً إلى ضعف سنده، كما مرَّ مراراً - أنّ مقتضى إطلاق هذه الجملة جواز بيع كل ما فيه جهة من الصلاح ولو نادرة، وكون لازم ذلك جواز بيع جميع الأشياء ممنوع أوّلاً، ولا محذور فيه ثانياً.

وأمّا السادس: فلأنّ معاملة السفيه غير مُمضاةٍ شرعاً، لا المعاملة السفهيّة، مع أنّ بذل المال القليل لا يعدّ سفهاً.

فتحصّل: أنّ الأظهر جواز بيعه، نعم إذا كان المنفعة النادرة في بعض الحالات كحال الاضطرار، ولم يكن ذلك الشيء قليل الوجود، أو كان كذلك ولكن كانت مؤونة حفظه إلى وقت الحاجة كثيرة لا يصحّ بيعه، لأنّ مثل هذا الشيء لا يَبذل العقلاء بإزائه الشيء، بل يرون بذل المال بإزائه إعطائه مجّاناً وبلا عوض.

أقول: بقي الكلام فيما ذكره المصنّف رحمه الله مثالاً لما لا ينتفع به بقوله: (كالمسوخ البريّة كالقِرَدة والدُّب، والبحريّة كالجِرّي والسَّلاحف والطافي)، ونحوه كلام غيره من الأساطين(2)، وإن اختلفت كلماتهم في تعداد المسوخ البريّة والبحريّة، وحيث أنّه لم يدلّ دليل على أنّ المسخ مناط للمنع، وعليه فالعمدة ملاحظة ما ذكرناه مناطاً للمنع في كلّ مورد.8.


1) صفحة 46 ومابعدها من هذا المجلّد.

2) النهاية: ص 364، شرائع الإسلام: ج 2/364، كشف الرموز: ج 1/438.

ثمّ إنّ المصنّف رحمه الله استشكل في «التذكرة»(1)في جواز بيع العلق الذي ينتفع به لامتصاص الدَّم، وديدان القِزّ التي يصاد بها السمك، ثمّ استقرب المنع بقوله: (لندور الانتفاع، فيشمل ما لا منفعة فيه، إذ كلّ شيء فله نفعٌ ما) انتهى‌.

وفيه: أنّه لا مانع من الالتزام بجواز كلّ ما له نفعٌ مّا.

فإنْ قيل: إنّه يُشكّ في صدق المال على مثل هذه الأشياء المستلزم للشكّ في صدق البيع المانع عن التمسّك بالإطلاق.

أجبنا عنه: بما سيأتي من عدم اعتبار المال بعنوانه في البيع، مع أنّه يمكن الحكم بصحّة المعاوضة عليها لعمومات التجارة، فإنّ المعاملات غير محصورة في العناوين الخاصّة المعنونة في كتب الفقهاء من البيع والصلح ونحوهما، بل كلّ ما يكون تجارة عن تراض ممضاةٌ شرعاً.

وأيضاً: استدلّ الشيخ قدس سره(2)على عدم الاعتناء بالمنفعة النادرة، بما دلّ على تحريم بيع ما يحرم منفعته الغالبة، مع اشتماله على المنفعة النادرة كالشحوم على اليهود، فلولا أنّ النادر في نظر الشارع كالمعدوم لم يكن وجهٌ للمنع عن البيع.

وفيه: قد مرّ أنّه يمكن أن يكون النادر في جنب المنفعة الشائعة المحرّمة كالمعدوم، وهذا لا يلازم كون النادر مطلقاً كذلك.

ودعوى: أنّ الملاك في عدم اعتناء الشارع بالمنفعة إنْ كان وجود المنفعة المحرّمة، فلازم ذلك المنع من بيع ما له منفعة محلّلة مساوية للمحرّمة في التعاريف والاعتداد، وحيث لم يمنع عنه، فيستكشف أنّ ذلك ليس هو الملاك، وإنْ كان باعتبار أنّ المنفعة نادرة فلازمه الحكم بذلك مطلقاً.9.


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/36.

2) المكاسب: ج 1/158-159.

ولا بأس بالسِّباع.

مندفعة: بأنّه يمكن أن يكون الملاك وجود كلا القيدين.

وبالجملة: فقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما أفاده المصنّف بقوله: (ولا بأس بالسِّباع) متينٌ‌، بناءً على ما هو الحقّ من وقوع التذكية عليها للانتفاع البيّن بجلودها، أضف إليه ما دلّ من النصوص على جواز اتّخاذ جلودها وركوبها(1).

مع أنّه تدلّ على جواز بيعها جملة من الأخبار:

منها: صحيح العيص، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال عليه السلام: نعم»(2).

ومنها: الخبر الوارد عمّن يبيع جلود النمر: «فقال: مدبوغة هي‌؟ قال: نعم، قال عليه السلام: ليس به بأس»(3).

ومنها: المروي في «قرب الإسناد»: «عن جلود السِّباع وبيعها وركوبها أيصلح ذلك‌؟ قال عليه السلام: لا بأس ما لم يسجد عليها»(4).

كما أنّه ظهر ممّا ذكرناه جواز بيع الهرّة، وقد نسبه المصنّف في «التذكرة» إلى علمائنا(5)، ودلّ عليه النص(6).

وأمّا القِرد؛ فمضافاً إلى اقتضاء القاعدة جواز بيعه، لأنّ له منفعة مقصودة، وهو8.


1) وسائل الشيعة: ج 114/24-115 باب 3 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 4 رقم 30113، التهذيب: ج 79/9 ح 73.

2) وسائل الشيعة: ج 170/17 باب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22273، الكافي: ج 5/226 ح 4.

3) وسائل الشيعة: ج 172/17 باب 38 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22278، الكافي: ج 5/227 ح 9.

4) وسائل الشيعة: ج 172/17 باب 37 من أبواب مايكتسب به ح 5 رقم 22277، قرب الإسناد: ص 261 ح 1032.

5) تذكرة الفقهاء: ج 10/29.

6) وسائل الشيعة: ج 119/17 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22137، التهذيب: ج 6/356 ح 138.

حفظ المتاع، يمكن أن يستدلّ لجوازه بفحوى ما دلّ على جواز بيع الهِرّة.

وعليه، فاستشكال الشيخ الأعظم رحمه الله(1)في غير محلّه.

أقول: ثمّ إنّ عدم المنفعة المعتدّ بها:

تارةً‌: قد يستند إلى خِسّة الشيء.

وأُخرى‌: إلى قلّته كحبّة حنطة.

واختلفت كلمات القوم في القسم الثاني، فيما لو غصبه غاصب، ذهب بعضهم إلى ضمانه مطلقاً(2)، وآخر إلى عدم الضمان كذلك(3)، وثالث إلى التفصيل بين المثلي والقيمي(4)، والضمان في الأوّل دون الثاني.

أقول: والحقّ هو القول بالضمان مطلقاً، من غير فرق بين ما إذا تعقّبه بعض ما يصير بسببه مالاً عرفاً إن اجتمع المجموع تحت اليد، أم لم يتعقبه ذلك، وذلك في المثلي واضح، فإن اشتغال الذمّة بالمثل لا يتوقّف على ثبوت ماليّة له.

ودعوى: انصراف أدلّة الضمان والإتلاف عن ذلك، غير مسموعة.

وأمّا في القيمي: فقد يتوهم أنّه في صورة عدم التعقّب لا شيء عليه، فإنّ اشتغال الذمّة بالقيمة، فرع ثبوت القيمة والماليّة للتالف، وإذ ليست فليس.

ولكنّه توهّم فاسد، فإنّ اشتغال الذمّة بالقيمة ليس المراد به اشتغالها بالماليّة، كي يتوقّف على ثبوتها للتالف، بل المراد به اشتغال الذمّة بما يكون بقدره من شيء آخر، وإنْ كان قليلاً لا يقابل بالمال، وتمام الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّ آخر.

***1.


1) المكاسب: ج 1/160.

2) جامع المقاصد: ج 4/90.

3) تذكرة الفقهاء: ج 10/35.

4) الدروس: ج 3/201.

الخامس: يَحرُم التكسّب بما يَحرم عمله، كعمل الصور المجسّمة، والغناء في غير العرس، والنوح بالباطل - ولا بأس بالحقّ - وهجاء المؤمنين، وحفظ كتب الضلال، ونسخها لغير النقض، وتعلَّم السِّحر، والقيافة، والكهانة، والشعبدة، والقِمار، والغِشّ‌، وتزيّين الرجل بالمُحرّم، وزخرفة المساجد والمصاحف، ومعونة الظالمين في ظلمهم، وأجر الزانية.

حكم تدليس الماشطة

النوع (الخامس): (يحرم التكسّب بما يَحرمُ عمله) ويكون محرّماً في نفسه (كعمل الصور المجسّمة، والغناء في غير العرس والنوح بالباطل - ولا بأس بالحقّ - وهجاء المؤمنين، وحفظ كتب الضلال ونسخها لغير النقض، وتعلّم السِّحر والقيافة، والكهانة، والشعبدة، والقِمار، والغِشّ‌، وتزيين الرجل بالمحرّم، وزخرفة المساجد والمصاحف، ومعونة الظالمين في ظلمهم، وأجر الزانية) وغير ذلك من الأعمال المحرّمة القابلة للمقابلة بالمال في الإجارة والجعالة وغيرهما، وقد جرت عادة الأصحاب بذكر جملة منها.

وقد ذكر الشيخ قدس سره(1)جملة معتدّاً بها منها في طيّ مسائل مرتّبة بترتيب حروف أوائل عنواناتها، ونحن نقتفي أثره، وإنْ كان مخالفاً للترتيب الذي ذكره المصنّف رحمه الله.

المسألة الأُولى: المشهور(2)بين الأصحاب حرمة تدليس الماشطة المرأة التي


1) المكاسب: ج 1/164.

2) شرائع الإسلام: ج 2/264، كشف الرموز: ج 1/440، قواعد الأحكام: ج 2/8، الدروس: ج 3/163، المهذّب البارع: ج 2/350.

يراد تزويجها.

وعن «الرياض»: نفي الخلاف فيه(1).

وعن «مجمع الفائدة»: الإجماع عليها(2).

أقول: لا يخفى أنّ محلّ الكلام هو فعل الماشطة من حيث هو، وعليه فالأخبار(3)الواردة في الغِشّ والتدليس أجنبيّة عن المقام، فإنّها مختصّة بمن يعرض المغشوش والمدلّس للبيع والزواج، ولا تشمل فعل الماشطة، بل فعلها ممّا يُوجِد به موضوع التدليس(4)، فإذاً لا دليل على حرمة فعلها سوى الإجماعات المحكية، وهي لاتصلح دليلاً لذلك، فإنّ كلمات جماعةٍ منهم قابلة للحمل على إرادة الحرمة إذا كان فعل الماشطة بقصد ترتّب البيع أو التزويج عليه، فتكون الحرمة حينئذٍ من جهة كونه إعانة على الإثم المحرّمة باعتقادهم.

وكلمات آخرين لو كانت مطلقة، فيحتمل أن يكونوا ممّن لا يرى اعتبار قصد ترتّب المُعان في صدق عنوان الإعانة، وعلى ذلك فلا يبقى وثوق بثبوت إجماع تعبّدي يمكن أن يستدلّ به.

أقول: قد وردت روايات صريحة في جواز التمشيط:

منها: صحيح محمّد بن مسلم، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في حديث أُمّ حبيب الخافضّة: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال لأُمّ عطيّة: ادني منّي، إذا أنتِ قيّنتِ الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فإنّ الخرقة تشرب ماء الوجه»(5).6.


1) رياض المسائل: ج 8/76.

2) مجمع الفائدة: ج 8/84.

3) وسائل الشيعة: ج 289/17 باب 86 من أبواب ما يكتسب به، الكافي: ج 5/166 باب الغِشّ‌.

4) ذكر هذا الوجه الميرزا الشيرازي في حاشية المكاسب: ج 1/60.

5) وسائل الشيعة: ج 17/131 باب 19 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22173، التهذيب: ج 6/361 ح 156.

ومنها: مرسل ابن أبي عمير، عن رجل، عن مولانا الصادق عليه السلام:

«دخلت ماشطة على رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال لها: هل تركت عملك أو أقمتِ عليه‌؟

فقالت: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنا أعمله إلّاأن تنهاني عنه فأنتهي عنه.

فقال صلى الله عليه و آله: افعلي، فإذا مشطتِ فلا تجلي الوجه بالخِرق، فإنّه يذهب بماء الوجه، ولا تَصلي الشعر بالشعر»(1).

ونحوهما غيرهما.

ودعوى: أنّه يتعيّن تقيّيد إطلاقها بمرسل «الفقيه» الوارد فيه قوله عليه السلام:

«لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط، وقَبلت ما تُعطى‌، ولا تَصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، وأمّا شعر المَعْز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة»(2).

مندفعة: بضعف سنده للإرسال أوّلاً، وكونه وارداً في حكم كسبها ثانياً.

تتميم: في بيان أمرين:

الأمر الأوّل: قد ورد في بعض النصوص لعن الماشطة على أعمال أربعة: الوصل والنمص والوشم والوشر:

منها: الخبر المروي عن «معاني الأخبار» بإسناده عن علي بن غراب، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال:

«لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله النامصة والمتنمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة»(3).1.


1) وسائل الشيعة: ج 131/17 باب 19 من أبواب مايكتسب به ح 2 رقم 22174، الكافي: ج 5/119 ح 2.

2) وسائل الشيعة: ج 133/17 باب 19 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22178، الفقيه: ج 3/162 ح 3591.

3) وسائل الشيعة: ج 17/133 باب 19 من أبواب مايكتسب به ح 7 رقم 22179، معاني الأخبار: ج 1/250 ح 1.

ومنها: خبر عبد اللّه بن سنان، عن مولانا الصادق عليه السلام المروي في «الكافي»:

«قال عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الواشمة والموتشمة والناجش والمنجوش ملعونون على لسان محمّدٍ صلى الله عليه و آله»(1).

أقول: أمّا الوصل:

فإنْ أُريد به ما فَسّر به في خبري الساباطي، وسعد الإسكاف، ففي الأوّل قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: إنّ الناس يروون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعن الواصلة والموصولة‌؟

قال: فقال: نعم، قلت: التي تتمشط وتجعل في الشعر القرامل‌؟

قال: فقال لي: ليس بهذا بأس، قلت: فما الواصلة والموصولة‌؟

قال: الفاجرة والقوّادة»(2). ونحوه الثاني(3)، فحرمته من ضروريّات الدِّين.

وإن أُريد به وصل الشعر بالشعر، فسيجيء الكلام فيه في الأمر الثاني.

وأمّا بقيّة الأُمور المذكورة، فلا يمكن الالتزام بحرمتها لوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الخبرين ضعيفا السند.

أمّا الأوّل: فلعلي بن غراب، وبهلول أبي تميم وابنه.

وأمّا الثاني: فلابن سنان.

الوجه الثاني: أنّ اللّعن عبارة عن طلب البُعد من اللّه تعالى‌، وفعل المكروه أيضاً يوجب البُعد عن اللّه تعالى‌، وعليه فهو غير ظاهر في الحرمة، فتأمّل.3.


1) وسائل الشيعة: ج 20/239 باب 137 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح 1، رقم 25530، الكافي: ج 5/559 ح 13.

2) وسائل الشيعة: ج 20/188 باب 101 من أبواب مقدّمات النكاح ح 4 رقم 25389.

3) وسائل الشيعة: ج 20/187-188 باب 101 من أبواب مقدّمات النكاح ح 2 رقم 25387، الكافي: ج 5/119 ح 3.

الوجه الثالث: أنّهما مجملان ومتشابهان، وتفسير علي بن غراب لا يكون حجّة علينا، ويزدادان تشابها بعد ملاحظة خبري الإسكاف والساباطي المفسّرين للواصلة بالفاجرة والقوّادة، حيث أنّ هذا التفسير يوجب قوّة احتمال أن يراد من سائر الجملات غير إعمال التمشيط.

مع أنّه لو سُلّم صحّة سند خبر المعاني، وعدم إجماله، وظهوره في الحرمة، يتعيّن صرفه عن ظاهره بالنسبة إلى جملة «النامصة والمنتصمة» لخبر عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السلام:

«عن المرأة التي تحفّ الشعر من وجهها؟ قال عليه السلام: لا بأس»(1).

حكم وصل الشعر بالشعر

الأمر الثاني: في حكم وصل الشعر بالشعر.

وملخّص القول في ذلك: إنّ النصوص الخاصّة الواردة في المقام على طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما دلّ على الجواز مطلقاً كخبر الساباطي المتقدّم.

الطائفة الثانية: ما دلّ على المنع مطلقاً:

منها: خبر عبد اللّه بن الحسن، قال: «سألته عن القرامل‌؟ قال: وما القرامل‌؟

قلت: صوفٌ تَجعله النساء في رؤوسهن.

قال عليه السلام: إذا كان صوفاً فلا بأس به، وإنْ كان شعراً فلا خير فيه من الواصلة والموصولة»(2).


1) وسائل الشيعة: ج 133/17 باب 19 من أبواب مايكتسب به ح 8 رقم 22180، قرب الإسناد: ص 226 ح 882.

2) وسائل الشيعة: ج 132/17 باب 19 من أبواب مايكتسب به ح 5 رقم 22177، التهذيب: ج 7/482 ح 145.

بتقريب أنّ نفي الخير بقول مطلق دليل المنع.

ومنها: خبر الحسين بن أبي سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن علي عليه السلام: «عن امرأةٍ مسلمة تمشط العرائس - إلى أن قال -: لا بأس، ولكن لا تصل الشعر بالشعر»(1).

ومنها: مرسل ابن أبي عمير المتقدّم، إذ الزيادة المذكورة في ذيله في «المكاسب»(2): (وأمّا شعر المَعْز... الخ)، فهي من سهو القلم ولا أصل لها.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على جواز وصل شعر المرأة بشعر المعز، وعدم جواز وصله بشعر امرأة غيرها كمرسل «الفقيه» المتقدّم.

أقول: والجمع بين هذه الطوائف يقتضي الالتزام بجواز الوصل بشعر المعز، وعدم الجواز في الوصل بغيره مطلقاً، لا اختصاص المنع بالوصل بشعر المرأة، كما لا يخفى‌.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على جواز وضع القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهن، إذا كان ذلك بعنوان التزيّين للزوج، كخبر سعد الإسكاف المتقدّم.

والنسبة بينها وبين ما تقدّم وإنْ كانت عموماً من وجه، ومقتضى الجمع بين النصوص، البناء على الحرمة إذا لم يكن بعنوان التزيين للزوج.

ودعوى‌: عدم الفرق، كما ترى‌، إلّاأنّ ما في ذيله من قوله:

«فقلت له: بلغنا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعن الواصلة والموصولة‌؟ فقال: ليس هناك، إنّما لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله الواصلة والموصولة التي تزني في شبابها، فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرِّجال، فتلك الواصلة والموصولة».7.


1) وسائل الشيعة: ج 17/132 باب 19 من أبواب مايكتسب به ح 4 رقم 22176، التهذيب: ج 6/359 ح 151.

2) المكاسب: ج 1/167.

يوجب تعيّن رفع اليد عن ظهور تلك النصوص في الحرمة، وذلك لأنّ الظاهر من السؤال أنّ السائل توهم التنافي بين ما دلّ على جواز وصل الشعر بعنوان التزيين للزوج، وما دلّ على المنع عن الوصل بشعر المرأة مطلقاً، والمعصوم عليه السلام في مقام دفع التوهم تعرّض لما ظاهره عدم المنع عنه، وأنّ ما يوهم ظاهره المنع أُريد به غير ذلك.

لا يقال: إنّه يدلّ على أنّ لعن النبيّ صلى الله عليه و آله الواصلة والموصولة أُريد به لعن الزانية والقوّادة، لا أنّ كلّ ما تضمّن النهي عن ذلك لم يقصد ظاهره.

فإنّه يقال: إنّه على ذلك يبقى سؤال السائل بلا جواب، إذ ضروري أنّ السائل أراد بقوله: «بلغنا أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله... الخ» أنّه قد ورد المنع عن ذلك، فالجواب بما يختصّ ببعض تلك الأدلّة كما ترى‌.

وعليه، فلا يبعد دعوى صراحة جوابه عليه السلام في عدم المنع عنه مطلقاً، ويؤيّد ذلك الإجماع المدّعى على عدم الحرمة(1).

وأيضاً: قد استدلّ‌على المنع في شعرالإنسان، بأنّشعرالغير لايجوز الصلاة معه(2).

وفيه: ما حقّقناه في مبحث (الصلاة في الصوف والشعر)(3)من هذا الشرح من جواز الصلاة معه، مع أنّه غير مربوط بما هو محلّ الكلام، وهو حكم وصل الشعر بالشعر من حيث هو.

وأمّا دعوى‌: كون شعر الغير عورة(4).4.


1) الخلاف: ج 1/493، منتهى المطلب: ج 3/317.

2) راجع الحدائق الناضرة: ج 18/197، وجواهر الكلام: ج 22/114.

3) فقه الصادق: ج 6/175.

4) جواهر الكلام: ج 22/114.

فمندفعة: بأنّ ذلك إنّما هو في الشعر المتصل، مع أنّه لا يتمّ بالنسبة إلى شعر المحارم كالزوجة الأُخرى للرجل، مع أنّه غير مربوط بما هو محلّ البحث، كما لايخفى‌.

فتحصّل: أنّ الأظهر جواز وصل الشعر بشعر المرأة أيضاً.

نعم، يكره الوصل بشعر الإنسان، لا سيّما شعر المرأة، وأمّا الوصل بشعر غير الإنسان، فلا دليل على كراهته أيضاً، إذ المطلقات قيّدت بما هو صريح في الجواز بالنسبة إلى شعر غير الإنسان.

وأيضاً: استدلال الشيخ(1) على الكراهة، بأنّه مقتضى الجمع بين الأخبار كما في رواية عبد اللّه بن الحسن.

في غير محلّه، إذ قد عرفت أنّ إطلاقها يقيّد بما هو صريح في عدم البأس، بأن يوصل بشعر غير الإنسان، وعليه فلا وجه للاستدلال به على الكراهة.

وأمّا ما عدا الوصل ممّا ذُكر في خبر «معاني الأخبار»(1)، فقد قال عنه الشيخ رحمه الله(3): (إنّه يمكن حمله على الكراهة، لثبوت الرخصة من رواية سعد في مطلق الزينة، خصوصاً مع صرف الإمام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهره، المتّحد سياقاً مع سائر ما ذكر في النبويّ‌، ولعلّه أولى من تخصيص عموم الرخصة بهذه الأُمور). انتهى‌.

وفيه: إنّ خبر سعد متضمّنٌ لجواز التزيين للزوج، والنسبة بينه وبين ما في «معاني الأخبار» عموم من وجه، ففي مورد الافتراق وهو فعل تلك الأُمور لغير الزوج الفعلي لا صارف لخبر «معاني الأخبار» عن ظاهره وهى الحرمة.

ودعوى: أنّه بعد صرفه عن ظاهره بالنسبة إلى الوصل وإلى نتف الشعر،1.


1) معاني الأخبار: ص 249-250 ح 1.

والبناء على كراهتهما لما دل على جوازهما، يتعيّن البناء على كراهة غيرهما ممّا تضمّنه الخبر لوحدة السياق.

مندفعة: بأنّ الكراهة والحرمة كالوجوب والاستحباب خارجتان عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، بل هما أمران ينتزعان من الترخيص في فعل المنهيّ عنه وعدمه، وعليه فلو ورد الترخيص في فعل أحد الأُمور التي تعلّق بها النهي، تعيّن البناء على كراهته وحرمة أخواته. فتدبّر.

وبالتالي فالصحيح هو ما ذكرناه، فراجع(1)

(2و3) المكاسب: ج 1/169.

.

وأمّا قوله قدس سره(2): (خصوصاً مع صرف الإمام للنبوي... الخ).

ففيه: أنّه بعد صرف النبويّ في الواصلة، يكون هو بالنسبة إلى سائر جمله أظهر في الحرمة، اللّهُمَّ إلّاأن يكون مراده أنّ هذا الصرف يوجبُ إجمال سائر جمله، لاحتمال أن يكون المراد بها غير أعمال التمشيط، فلا يصلح على الحرمة، لكنّه يصلح لأن يستند إليه للبناء على الكراهة لقاعدة التسامح.

ولكن يرد عليه: أنّ قاعدة التسامح لو جرت في المكروهات - مع أنّه محلّ نظر - إنّما تجري فيما إذا كان الخبر واضح المراد ضعيف السند، لا فيما إذا كان المراد منه غير معلوم.

وبذلك ظهر أنّه لا وجه للبناء على كراهة غير الوصل من أعمال التمشيط.

وأمّا قوله قدس سره (3) : (ولعلّه أوليمن تخصيص... الخ)، فلو كان دليلاً عموم الرخصة شاملاً لمطلق التزيّين، كان ما ذُكر متيناً، إذ عمدة أعمال التمشيط هي تلك الأُمور، ولكن بما أنّه يختصّ بالتزيّين للزوج، فالنسبة بينهما عموم من وجه كما تقدّم،9.


1) في الصفحة السابقة.

فبالنسبة إلى مورد الاجتماع - وهو التزيّين بتلك الأُمور للزوج - لو قُدّم دليل التزيين أو ذلك الدليل فلا كلام، وإلّا فيتساقطان والمرجع إلى أصالة الإباحة، ولا وجه للرجوع إلى المرجّحات، لأنّ دلالة كلّ منها للمجمع إنّما تكون بالإطلاق لابالعموم.

قال الشيخ رحمه الله(1): (ثمّ إنّ التدليس بما ذكرنا إنّما يحصل بمجرّد رغبة الخاطب أو المشتري، وإنْ علما أنّ هذا البياض والصفاء ليس واقعيّاً، بل حدث بواسطة هذه الأُمور). انتهى‌.

وفيه: إنّ التدليس ليس عبارة عن فعل ما يوجب زيادة رغبة المشتري، كي يصدق مع علم المشتري بأنّ هذا البياض والصفاء ليس واقعيّاً، بل هو تلبيسُ الأمر على الغير بإخفاء نقصٍ موجود في المبيع، أو إظهار كمالٍ مفقود فيه، فإنّه من الدَّلس الذي يعني الظلمة.

هذا كلّه في الحكم التكليفي لعمل الماشطة.

وأمّا كسب الماشطة: فحيث عرفت عدم حرمة عمل الماشطة، فهو عملٌ محترم قابلٌ لأن تقع عليه المعاوضة، فمقتضى القواعد جواز أن تعمل بالإجارة، وأن تعمل بالأُجرة، كما هو الشأن في جميع الأعمال غير المحرّمة.

أقول: وأمّا مرسل الفقيه المتقدّم الوارد فيه قوله عليه السلام:

«لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تُعطى»، فقد استفاد الشيخ رحمه الله(2) منه كراهة كسب الماشطة مع شرط الأُجرة المعيّنة، وحكى الفتوى بها عن «المقنع»(1).2.


1) حكاه الشيخ في المكاسب (المصدر السابق) المقنع: ص 361-362.

وفيه: إنّه لا مفهوم له كي يدلّ على ثبوت البأس مع شرط الأجرة المعينة، إلّا على القول بحجية مفهوم الوصف، مع أنّ ثبوت البأس ظاهرٌ في المنع لا الكراهة.

وأمّا منطوقه فالظاهر منه هو العمل بالأجرة، لا لأنّ الإجارة مع عدم تعيين الأجرة فاسدة، فإنّه لو كان المُرسَل ظاهراً في إرادة الإجارة، كان مقيّد الإطلاق دليل الفساد، بل لأنّ الكسب مع عدم المشارطة وقبول ما يُعطى ليس إلّاالعمل بقصد الأجرة، وعليه فيوجبُ الخبر تقيّيد ما دلّ على استحقاق أُجرة المثل، فإنّ مقتضى إطلاق المرسل قبول ما تُعطى وإنْ كان أقلّ من أُجرة المثل.

اللّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّ الخبر إنّما يدلّ على أولويّة عدم مطالبة الأزيد إنْ كان ما تُعطى أقلّ من أُجرة المثل، ولا يدلّ على عدم استحقاق الأزيد، وعليه فلا وجه لتقييد تلك الأدلّة، بل يجبُ على من عمل له إيفاء تمام ما يستحقّه من أُجرة المثل.

نعم لو رضي بذلك - أي يأخذ ما تُعطي حين العمل - لا يجب عليه ذلك، فإنّه لا تكون مع هذا الرضا والبناء حين العمل واستعمالها مبنيّاً على ذلك ذمّته مشغولة بأزيد من ما تعطي.

لا يقال: إنّ هذا ينافي ما دلّ على كراهة استعمال الأجير مع عدم المقاطعة.

فإنّه يقال: إنّه إنّما يكون حكماً متوجّهاً إلى المعمول له، وهذا حكمٌ متوجّه إلى العامل، مع أنّه لو سُلّم كون الموجه إليه الحكم فيهما واحداً، يتعيّن تقيّيد إطلاق دليل الكراهة بهذا الخبر، كما لا يخفى‌.


تزيين الرّجل بما يحرم عليه

المسألة الثانية: المشهور بين الأصحاب(1)أنّ تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير والذّهب حرامٌ‌.

أقول: الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

المقام الأوّل: لا ريب في حرمة لبس الرجل الحرير والذهب، لإستفاضة النصوص بها.

وأمّا حرمة التزيين بهما له ولو بغير اللّبس، فقد وقع فيها الخلاف والكلام، وقد استدلّوا لها:

1 - بخبر روح بن عبد الرحيم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السلام: لا تختم بالذهب فإنّه زينتك في الآخرة»(2).

2 - وبخبر النميري، عنه عليه السلام: «وجَعَل اللّه الذهب في الدنيا زينةَ النساء، فحرّم على الرجال لبسه»(3).

3 - وبأنّه لعدم تعارف اتّخاذ اللّباس من الذهب، يتعيّن حمل النصوص على إرادة مطلق التزيين به.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّه ضعيف، إذ في طريقه غالب بن عثمان الهمداني وهو ضعيف(4)

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام، قائلاً: (غالب بن عثمان الهمداني، مات سنة (166) وله (78) سنة، وهو المشاعري الشاعر، كوفي، أسند عنه، يُكنّى أبا سلمة).

،

1) المختصر النافع: ص 117، منتهى المطلب (ط ق): ج 2/1013، شرح اللّمعة: ج 3/216.

2) وسائل الشيعة: ج 4/412 باب 30 من أبواب لباس المصلّي ح 1 رقم 5565، الكافي: ج 6/468 ح 5.

3) وسائل الشيعة: ج 4/414 باب 30 من أبواب لباس المصلّي ح 5 رقم 5569، التهذيب: ج 2/227 ح 102.

4) قال السيّد الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث: ج 41/241 (غالب بن عثمان الهمداني: قال النجاشي: غالب بن عثمان الهمداني الشاعر، كان زيديّاً، وروى عن أبي عبد اللّه عليه السلام، ذكر له أحاديث مجموعة).

مع أنّه يدلّ على أنّه زينة الرجل في الآخرة، وهذا لا يلازم حرمة التزيّين به في الدُّنيا.

وأمّا الثاني: فلأنّه مرسل، إذ الشيخ رواه عن رجلٍ عن الحسن بن عليّ‌، مع أنّه يدلّ على جواز التزيين به للنساء، لا عدم جوازه للرجال، بل تغيّير التعبير في الرجال، وأنّه حرم عليهم لبسه يُشعر بجواز ما عدا اللّبس من أصناف التزيين.

وأمّا الثالث: فلأنّ عدم تعارف كون اللّباس - أي الثوب ونحوه - بتمامه من الذهب، لا ينافي حرمة اللّبس خاصّة، لكون اللّبس أعمّ من لبس الثوب ونحوه لصدقه على التختّم.

فتحصّل: أنّه لا دليل على تحريم مطلق التزيين به، ويؤيّد ذلك ما دلّ من النصوص على جواز شَدّ الأسنان به، وفي بعضها تجويز تشبك الثنية بالذهب، وعليه فالأظهر جوازه.

***).

حكم تشبّه كلّ من المرأة والرجل بالآخر

المقام الثاني: في تشبّه كلٍّ من الرجل والمرأة بالآخر، بأن يلبس كلّ منهما لباس الآخر المختصّ به.

أقول: قد استدلّ لعدم الجواز بجملة من النصوص المتضمّنة للنهي عن التشبّه، وأنّ اللّه ورسوله لعنا المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرِّجال:

منها: النبويّ المرويّ في «الوسائل» عن «الكافي» مسنداً عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله في حديثٍ‌: لعن اللّه المحلّل والمحلّل له، ومن تولّى غير مواليه، ومن ادّعى نسباً لا يُعرف، والمتشبّهين من الرِّجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرِّجال، الحديث»(1).

وقد دلّت جملة من النصوص الأُخر على صدور الجملة الأخيرة من النبيّ صلى الله عليه و آله:

منها: ما رواه الصدوق في «العلل» عن زيد بن عليّ‌، عن آبائه، عن أميرالمؤمنين عليهم السلام:

«أنّه رأى رجلاً به تأنّث في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال له: اُخرج من مسجد رسول اللّه يا لعنة رسول اللّه.

ثمّ قال عليه السلام: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: لعن اللّه المتشبهين... الخ»(2).


1) وسائل الشيعة: ج 284/17 باب 87 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22531، الكافي: ج 8/71 ح 27.

2) وسائل الشيعة: ج 284/17، باب 87، من أبواب ما يكتسب به، ح 2، رقم 22532، علل الشرائع: ج 2/602 ح 63.

ومنها: خبر يعقوب بن جعفر الوارد في الراكبة والمركوبة، وفيهنّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «لعن اللّه المتشبهين... الخ»(1).

وفيه: إنّ هذه النصوص كلّها ضعيفة السند.

أمّا الأوّل: فلعمرو بن شمر الذي قال النجاشي في حقّه: (إنّه ضعيفٌ جدّاً، زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي)(2).

وأمّا الثاني: فلحسين بن علوان الكلبي، وعمرو بن خالد التبري العامي.

وأمّا الثالث: فليعقوب بن جعفر، حيث إنّه لا ذكر له في كتب الرجال.

ودعوى‌: صاحب «الجواهر»(3)والسيّد في حاشيته(4)من أنّ قصور السند منجبرٌ بالشهرة.

مندفعة: بأنّ ما أفتى به القوم في كتبهم، وذكروه في العناوين إنّما هو تزيّين الرجل بما يحرم عليه، ولم ينقل قدس سره التعميم إلّاعن «المسالك»(5).

بل يمكن أن يقال: إنّ نفس عدم ذكر العكس، والتصريح بما يحرم عليه دون كلّ ما يختصّ بالنساء، دليلان على عدم التعميم، وعلى ذلك فالشهرة غير ثابتة.

ومع الإغماض عن ذلك، فلا دلالة فيه على حرمة التشبّه في اللّباس، لما دلّ من النصوص على حصر المراد به في المخنّثين والمساحقات كخبر يعقوب المتقدّم الوارد في المساحقة.0.


1) وسائل الشيعة: ج 20/345-346 باب 24 من أبواب النكاح المحرّم ح 5 رقم 25788، الكافي: ج 5/552 ح 4.

2) رجال النجاشي: ص 287.

3) جواهر الكلام: ج 22/116.

4) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/16.

5) أي الشيخ الأعظم رحمه الله، المكاسب: ج 1/173، راجع مسالك الأفهام: ج 3/130.

وفيه: إنّ فيهنّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «لعن اللّه... الخ» فإنّ تقديم الظرف يفيد الحصر.

مع أنّ للمنع عن دلالة اللّعن على الحرمة مجالاً واسعاً، إذ الظاهر من اللّعن مطلق الإبعاد الذي يجتمع مع الكراهة، مضافاً إلى أنّ الظاهر من تشبّه الرجل بالمرأة تأنثه باللّواط، ومن تشبّه المرأة بالرجل تذكّره بالسحق.

وأمّا التشبّه في اللّباس: فهو تشبّه مقيّدٌ غير مطلق، فتدبّر. ويؤيّده خبر أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:

«لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرِّجال، وهم المخنّثون واللّائي ينكحن بعضهنّ بعضاً»(1)، فإنّ قوله عليه السلام: (وهم المخنّثون... الخ) ظاهر في الحصر.

أقول: أورد عليه الشيخ رحمه الله(2)بإيرادين آخرين:

الإيراد الأوّل: إنّ التشبّه متقوّمٌ بالقصد، ولا يتحقّق بدونه، وأيّده المحقّقين، بأنّ التشبّه من التفعّل، وهيئة التفعّل قد اعتبر في تحقّق مفهومها القصد، وهذا هو الفارق بين التشبّه والشباهة، حيث إنّ الثانية تستعمل في موارد الشباهة القهريّة غير القصديّة، كما يقال: (زيدٌ شبيه بعمرو في الجمال)، والأوّل لا يستعمل في هذه الموارد.

وفيه: إنّه لا ريب في عدم صدق التشبّه في موارد الشباهة القهريّة، ولكن ذلك لأجل اعتبار العلم والالتفات في حصول وجه الشبه في الخارج، لا لأجل اعتبار4.


1) وسائل الشيعة: ج 20/346 باب 24 من أبواب النكاح المحرّم ح 6 رقم 25789، الكافي: ج 5/550 ح 4.

2) المكاسب: ج 1/174.

القصد بالمعنى الذي أراده الشيخ رحمه الله، الذي لا دليل عليه، بل أطلق التشبّه في النصوص على جَرّ الثوب والمساحقة واللّواط مع عدم صدور شيء منها بقصد التشبّه.

الإيراد الثاني: ظهور بعض الأخبار في الكراهة، وهما يوجبان صرف ظهور النبوي عن الحرمة:

منها: خبر سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن الرجل يجرّ ثيابه‌؟ قال عليه السلام: إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء»(1).

ومنها: خبره الآخر، عنه، عن آبائه عليهم السلام: «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء، وينهى المرأة أن تتشبّه بالرِّجال في لباسها»(2).

وفيه: إنّه لم أرَ وجهاً لدعوى ظهور الثاني منهما في الكراهة، فإنّ مادّة النهي ظاهرة في الحرمة والزجر، بل هي أظهر منه فيها:

وأمّا الأوّل: فإنْ كان وجه دعوى ظهوره في الكراهة، قوله عليه السلام: «إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء».

ففيه: إنّ الكراهة في الروايات أعمّ من الكراهة المصطلحة.

وإنْ كان لأجل الإجماع على عدم حرمة ما في مورده، وهو جَرّ الثوب.

ففيه: أنّه بعد فرض خروج الكراهة والحرمة عن حريم المستعمل فيه والموضوع له، وكونهما أمرين انتزاعيين من الترخيص في الفعل وعدمه، فإنّه لا يرجع إلى محصّل.

أقول: وقد أورد عليه الأُستاذ الأعظم(3)بإيرادٍ آخر، وهو:5.


1) وسائل الشيعة: ج 5/25 باب 13 من أبواب أحكام الملابس ح 1 رقم 5793، الكافي: ج 6/458 ح 12.

2) وسائل الشيعة: ج 5/25 باب 13 من أبواب أحكام الملابس ح 2 رقم 5794، مكارم الأخلاق للطبرسي: ص 118.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/335.

إنّ المراد من التشبّه فيه:

1 - إمّا أن يكون مطلق التشبّه.

2 - أو خصوص التشبّه في الطبيعة كتأنّث الذَّكر، وتذكّر المرأة.

3 - أو التشبّه الجامع بين التشبّه في الطبيعة والتشبّه في اللّباس.

أمّا الأوّل: فبديهي البطلان، وإلّا لزم حرمة اشتغال الرجل بأعمال المرأة كتنظيف البيت والكنس والغزل ونحوها، وحرمة اشتغال المرأة بأعمال الرجل كالسقي والزرع ونحوهما، مع أنّه لا يمكن الالتزام بها، ولم يلتزم بها أحد.

وأمّا الثالث: فلا يمكن الالتزام به لعدم الجامع بينهما، فيتعيّن الثاني.

وفيه: إنّه يمكن اختيار الأوّل، ودفع ما ذكره بأنّ التشبّه إنّما يصدق بالنسبة إلى الأفعال المختصّة بكلّ منهما بحسب الطبع، أو الجعل كلبس كلّ منهما لباس الآخر، ووصل الرجل حاجبيه بالوسمة، وتحميره وجهه بالصبغ الذي تستعمله النساء وما شابه ذلك، وأمّا الأفعال التي ذكرها رحمه الله فليس شيءٌ منها مختصّاً بأحدهما كما لا يخفى على من راجع العرف والأفعال المتداولة بينهم، فالصحيح ما ذكرناه.

ومنها: النبويّ المرويّ في «مجمع البيان» عن أبي أمامة، أنّه صلى الله عليه و آله قال: «أربع لعنهم اللّه من فوق عرشه، وأمّنت عليه الملائكة...

إلى أن قال: والرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه اللّه ذَكَراً، والمرأة تتشبّه بالرِّجال وقد خلقها اللّه أُنثى‌»(1).

وفيه: إنّه مرسلٌ غير مجبور بالشهرة، مع أنّه يرد عليه ما تقدّم من أنّ الظاهر من التشبّه المطلق، تأنّث الذكر باللّواط، وتذكّر الأُنثى بالسحق، ولعلّ هذا النبويّ‌7.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/203 باب 70 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 15107.

أظهر من سابقه في ذلك بقرينة قوله صلى الله عليه و آله: «وقد خلقه اللّه ذكراً».

ومنها: ما عن الصدوق في «الخصال» مسنداً عن الجُعفي، عن الإمام الباقر عليه السلام:

«لا يجوز للمرأة أن تتشبّه بالرجل، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعن المتشبّهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبّهات من النساء بالرجال»(1).

ويرد عليه: - مضافاً إلى ما أوردناه على سابقيه، من أنّ الظاهر من التشبّه تذكّر الأُنثى بالسحق - إنّه ضعيف السند، لأنّ من رواته محمّد بن عمارة وابنه جعفر، وهما مجهولان.

أقول: وبما ذكرناه ظهر ما في خبر «دعائم الإسلام» عن جعفر بن محمّد عليه السلام: «إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى النساء أن يكن متعطّلات من الحُليّ أو يتشبّهن بالرِّجال»(2).

وما عن «فقه الرضا عليه السلام»: «لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله سبعة وَعَدَّ منهم المتشبِّهة بالرِّجال والمتشبِّه بالنساء»(3).

وأمّا ما تضمّن النهي عن تأنّث الذَّكر، فظهوره في إرادة اللّواط غير قابل للإنكار.

واحتمال إرادة تزيّين الرجل بزينة النساء منه، كما في حاشية المحقّق الإيرواني رحمه الله(4)غريبٌ‌.

أقول: وقد يستدلّ لحرمة تشبّه كلّ من الرجل والمرأة بالآخر في اللّباس0.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 3/246 باب 9 من أبواب أحكام الملابس ح 1 رقم 3495، الخصال: ص 587 ح 12.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 3/247 باب 9 من أبواب أحكام الملابس ح 4 رقم 3498، دعائم الإسلام: ج 2/183 ح 580.

3) مستدرك وسائل الشيعة: ج 3/246 باب 9 من أبواب أحكام الملابس ح 2 رقم 3496، فقه الرضا: ص 252.

4) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/20.

بخبري سماعة المتقدّمين:

وفي أحدهما: قال عن الرّجل الذي يَجرّ ثيابه: «إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء»(1).

وفي الآخر: «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء، وينهي المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها»(2).

وأجاب عن الاستدلال بهما الشيخ رحمه الله بما تقدّم، من أنّ ظاهرهما الكراهة، وقد مرّ ما فيه آنفاً.

وأجاب عنه الأُستاذ الأعظم(3): بأنّ المراد من التشبّه فيهما هو أن يتزي كلّ من الرجل والمرأة بزي الآخر، لا مجرّد لبس كلّ من الرجل والمرأة لباس الآخر، وإلّا لزم حرمة لبس كلّ من الزوجين لباس الآخر لبعض الدواعي كبردٍ ونحوه.

وفيه: إنّ التشبّه يصدق مع وقوع وجه الشبه في الخارج مع الالتفات والعلم، كما صرّح به رحمه الله، فلبس كلّ منهما لباس الآخر مع العلم والالتفات يعدّ تشبّهاً به في اللّباس، الذي هو المنهيّ عنه في الخبرين، ولا وجه لاعتبار أن يتزي كلّ منهما بزي الآخر في مفهوم التشبّه.

وما ذكره من أنّ لازم البناء على عدم اعتبار ذلك حرمة لبس كلّ من الزوجين لباس الآخر لبردٍ ونحوه، ليس من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها على هذا المسلك.

وعليه فالصحيح في الجواب عنهما هو القول: بأنّهما ضعيفان للإرسال.8.


1) وسائل الشيعة: ج 5/25 باب 13 من أبواب أحكام الملابس ح 1 رقم 5793، الكافي: ج 6/458 ح 12.

2) وسائل الشيعة: ج 5/25 باب 13 من أبواب أحكام الملابس ح 2 رقم 5794، مكارم الأخلاق للطبرسي: ص 118.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/338.

فتحصّل: أنّه لا دليل على حرمة تشبّه الرجل بالنساء، والمرأة بالرجال في اللّباس، والأصل الإباحة.

وقد صرّح جماعة(1): بأنّه يجب على الخُنثى ترك الزينتين المختصّتين بكلّ من الرجل والمرأة.

أقول: بناءً على كون الخُنثى المشكل طبيعة ثالثة غير الرجل والمرأة كما اختاره جمعٌ‌، فإنّه لا ريب في جواز أن تلبس لباس كلّ من الرجل والمرأة حتّى بناءً على حرمة التشبّه في اللّباس أو مطلقاً، كما لا يخفى‌، وأمّا بناءً على كونها داخلة تحت أحد العنوانين، فيجب عليها ترك الزينتين، سواءٌ اعتبر في مفهوم التشبّه القصد أم لا.

وعلى الثاني سواء اعتبرنا العلم بصدور الفعل كما بنينا عليه أم لا.

أمّا على الأخير: فواضح.

وأمّا على الثاني: فلأنّ العلم الذي اعتبرناه أعمّ من التفصيلي والإجمالي الموجود في الخنثى‌.

وأمّا على الأوّل: فلأنّها تعلم بحرمة التزيّن بإحدى الزينتين بقصد التشبّه بمن اختصّت به، فيجب عليها الاجتناب عنهما للعلم الإجمالي.

وأمّا بناءً على عدم ثبوت كونها داخلة تحت أحد العنوانين، وعدم ثبوت كونها طبيعة ثالثة، فمقتضى أصالة الإباحة جواز كلتا الزينتين عليها للشكّ في حرمتهما، وعدم العلم بحرمة إحداهما عليها.

***6.


1) مفتاح الكرامة: ج 60/4، وحكاه صاحب الجواهر عن شرح أُستاذه واستجوده، راجع الجواهر: ج 22 ص 116.

التشبيب بالمرأة الأجنبيّة

المسألة الثالثة: صرّح جماعة - منهم الشيخ في محكي «المبسوط»(1)والمحقّق(2)، والمصنّف رحمه الله(3)، والشهيدان(4)، والمحقّق الثاني(5)- بأنّه يحرم التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة.

أقول: يقع الكلام في مواضع أربعة:

الأوّل: في حرمة التشبيب بالمرأة في الجملة وعدمها.

الثاني: في حرمة الإستماع على فرض حرمته وعدمها.

الثالث: في الخصوصيّات التي اعتبروها فيه.

الرابع: في التشبيب بالغلام.

أمّا الموضع الأوّل: ففيه قولان، وقد استدلّ للحرمة بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ التشبيب تقبيحٌ وهتكٌ للمشبّب بها، وإهانة لها فيحرم.

وفيه: إنّ التشبيب بذكر المحاسن وإظهار شدّة الحُبّ‌، من دون أن يشتمل على ما ينافي العفاف والتستّر لا يكون هتكاً لها، أو إهانةً وتفضيحاً إيّاها، لا سيّما إذا كان إظهار شدّة الحُبّ من غير جهة الميل الشهوي إلى المُشبّب بها؛ كذكر محاسن مخدّرات الرسالة، وإظهار شدّة حبّهن بجهة الولاية.


1) ظاهر المبسوط: ج 8/225 و ص 228.

2) شرائع الإسلام: ج 4/913.

3) قواعد الأحكام: ج 3/495.

4) الدروس: ج 3/163، مسالك الأفهام: ج 14/182.

5) جامع المقاصد: ج 4/28.

نعم، إذا اشتمل على ما ينافي العفاف والتستّر، عُدَّ هتكاً لها، إلّاأنّه ينطبق عليه لأجل ما اشتمل عليه لا نفسه، ولعلّ هذا هو مراد من أجاب عن هذا الدليل بأنّ النسبة بين عنواني الإهانة والتشبيب هي العموم من وجه، وإلّا فنفس التشبيب من حيث هو لا يصدق عليه الإهانة والهتك في مورد.

أقول: والغريب أنّ الأُستاذ الأعظم(1)عند بيان مورد افتراق التشبيب عن الهتك بعد اختياره كون النسبة بين العنوانين عموماً من وجه، ذكر ما إذا كان التشبيب في حال الخلوة مع عدم اطلاع أحد عليه، أو فيما إذا كان ذلك في جواب سؤال السائل المريد أن يخطبها، إذ مضافاً إلى ما تقدّم من عدم انطباق عنوان الهتك عليه مطلقاً، أنّه لو سُلّم ذلك لا يفرّق بين كون ذلك في جواب المريد للخِطبة وغيره، بعد عدم كون ذكر المحاسن وحده من التشبيب، بل مع الاقتران بشدّة الحُبّ‌.

وأمّا الإيراد عليه: بأنّ محلّ كلامنا هو حرمة التشبيب بعنوانه الأوّلي، فإثبات حرمته بعنوان عرضي خروج عن محلّ الكلام.

ففي غير محلّه لو سُلّم كونه هتكاً مطلقاً، كما لا يخفى‌.

الوجه الثاني: أنّه إيذاءٌ للمشبّب بها، وهو حرام.

وفيه أوّلاً: إنّ النسبة بين الإيذاء والتشبيب عموم من وجه، لو لم ندّع عدم كونه إيذاءً مطلقاً، ما لم يشتمل على ما ينافي العفاف والتستّر المحرّمين بعنوان الهتك والفحش.

وثانياً: إنّ الإيذاء بفعل المباح مع عدم قصد الإيذاء لا دليل على حرمته، وإلّا لزم البناء على حرمة كلّ فعلٍ ترتّب عليه أذى الغير، وإنْ كان ذلك الفعل مستحبّاً،1.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/341.

بل لو كان واجباً يقع التزاحم بين الحكمين، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، ألا ترى أنّه ليس لفقيه أن يتفوّه بحرمة صلاة إمام الجماعة إذا تأذّى الغير من كونه إماماً يقتدي به الناس.

وثالثاً: تحقّق الإيذاء يتوقّف على سماعها واطلاعها عليه، فلو تشبّب بها ولم تسمع لا يتحقّق الإيذاء، كما لا يخفى‌.

الوجه الثالث: إنّه موجبٌ لإغراء الفسّاق بها.

وفيه: إنّ ذلك بمجرّده لا دليل على حرمته، إلّاأن يرجع إلى الإيذاء، وقد عرفت ما فيه.

الوجه الرابع: إنّه إدخال للنقص عليها وعلى أهلها.

وفيه: إنّه ممنوع صغرى وكبرى‌، ولا يخفى وجه منعهما بعد الإحاطة بما ذكرناه.

الوجه الخامس: إنّ التشبيب من اللّهو والباطل، فيكون حراماً لعمومات حرمة اللّهو والباطل الآتية.

وفيه: إنّه لا يمكن الالتزام بحرمة كلّ لهو وباطل، وإلّا لزم حرمة أغلب الأفعال المباحة، وهي كلّ ما أشغل عن ذكر اللّه ورسوله وذكر القيامة، مع أنّه قدس سره لا يلتزم بحرمة كلّ لهوٍ وباطل، كما يصرّح به في محلّه، مضافاً إلى المنع من صدق اللّهو والباطل على كلّ تشبيب، فإنّ الشِّعر الذي يُنشأ أو يُنشد في ذلك المقام ربما يشتمل على ما يخرجه عن ذلك.

الوجه السادس: إنّ التشبيب من الفحشاء، وقد دلّ الكتاب العزيز على حرمة ذلك.

وفيه: إنّ كون التشبيب من الفحشاء أوّل الكلام، ولم يدلّ دليل على كونه منها.

الوجه السابع: إنّه مناف للعفاف المأخوذ في العدالة في صحيح ابن أبي يعفور،

عن مولانا الصادق عليه السلام الوارد في تعيّين ما به تُعرف عدالة الرجل: «أن تعرفوه بالسَّتر والعفاف»(1).

وفيه: إنّه إن اعتبرنا في العدالة خصوص العفاف من المحرّمات، فيرد عليه أنّ كون التشبيب منها أوّل الكلام.

وإنْ كان المعتبر أعمّ من ذلك، ومن ما يكون عفافاً عن ما ينافي العرف والعادة، كما هو الظاهر ممّن يعتبر في العدالة ترك ما ينافي المروة.

فيرد عليه: أنّ كون التشبيب منافياً للعفاف لا يلزم حرمته، مع أنّ للمنع عن كونه منافياً للعفاف في بعض الموارد مجالاً واسعاً.

الوجه الثامن: فحوى ما دلّ من النصوص على حرمة كلّ ما يوجب تهييج القوّة الشهويّة بالنسبة إلى غير الحليلة، وهي طائفتان:

الطائفة الأُولى‌: ما دلّ على المنع عن النظر إلى الأجنبيّة(2):

وفي بعضها: التعليل بأنّه سهمٌ من سهام إبليس.

وفي بعضها: التعليل بأنّه بذر الشهوات.

وفى بعضها: «النظرة بعد النظرة تزرع فى القلب الشهوة، وكفي بها لصاحبها فتنة».

أقول: وجه دلالة هذه النصوص بالفحوى على حرمة التشبيب، هو أنّه إذا كان النظر حراماً لأنّه سهم يؤثّر في إيمان الناظر، ويوجب وقوع صاحبه في الفتنة، ويزرع في قلبه الشهوة، فالتشبيب أولى بالحرمة، لأنّ تأثير الكلام في تحقّق هذهء.


1) وسائل الشيعة: ج 27/391 باب 41 من أبواب الشهادات ح 1 رقم 34032، الاستبصار: ج 3/12 ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 20/190 باب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الفقيه: ج 4/18 باب ما جاء في النظر إلى النساء.

الأُمور أشدّ من تأثير النظر.

وفيه أوّلاً: كون هذه الأُمور علّة يدور الحكم مدارها محلّ نظر بل منع، إذ مضافاً إلى ضعف سند، فإنّ ما عُلّل الحكم فيه لا يمكن الالتزام بذلك وإلّا لزم البناء على عدم حرمة النظر مع عدم استلزامه لذلك، وهذا ممّا لم يتفوّه به فقيه، وليس له ذلك، فلا محالة تكون من قبيل الحكمة لا يدور الحكم مدارها، فلا وجه للتعدّي عن مورد النصوص.

وثانياً: لا نُسلّم كون التشبيب أشدّ تأثيراً من النظر الذي يعدّ هو أقوى طرق تهييج الشهوة وإثارة الغريزة.

وثالثاً: إن النسبة بين التشبيب وتهييج القوّة الشهويّة، هي العموم من وجه.

حكم الخلوة بالأجنبيّة

الطائفة الثانية: ما دلّ على عدم جواز الخلوة بالأجنبيّة(1)، وهي كثيرة، وفي بعضها التعليل بأنّ ثالثهما الشيطان.

وتقريب الاستدلال بها: إنّها تدلّ على حرمة الخلوة من جهة أنّ الشيطان في تلك الحالة ثالثهما، ويهيّج القوّة الشهويّة بينهما، وحيث أنّ التشبيب يهيّج القوّة الشهويّة أزيد من تهييجها الخلوة، فهو أولى بالتحريم.

وفيه أوّلاً: إنّ ما ذُكر في تلك النصوص من قبيل الحِكمة للحكم لا العلّة كي يدور مدارها الحكم، كما تقدّم.

وثانياً: إنّه لا شاهد لكون العلّة هي تهيّيج القوّة الشهويّة، بل لعلّ كون الخلوة


1) وسائل الشيعة: ج 20/185 باب 99 من أبواب مقدّمات النكاح ح 1 رقم 25381، الكافي: ج 5/519 ح 6.

من المقدّمات القريبة للزنا، فإنّ تلك الحالة مظنّة الوقوع في هذه المهلكة العُظمى، بل هذا هو الظاهر منها، وعليه فلا وجه لقياس التشبيب عليها.

وثالثاً: لا دليل على حرمة الخلوة، فإنّ النصوص التي استدلّوا بها على حرمتها ضعيفة السند، ودعوى انجبار ضعفها بالشهرة مندفعة بأنّه بما أنّ جملة من تلك النصوص كخبر مسمع عن مولانا الصادق عليه السلام:

«فيما أخذ رسول اللّه البيعة على النساء:.... ولا يقعدنَ مع الرجال في الخلاء»(1)ونحوه غيره.

دالّة على حرمة قعود الرجال مع المرأة في بيت الخلاء الذي كان متعارفاً في زمان الجاهليّة، ولذا قيّده بالقعود، ولم يقيّد الرجال بغير المحارم.

وجملة أُخرى منها كخبر موسى بن إبراهيم، عن الإمام الكاظم عليه السلام: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيت في موضعٍ يسمعُ نَفَس امرأةٍ ليست له بمحرم»(2)، ونحوه غيره.

دالّة على حرمة نوم الرجل في محلّ يسمع نَفَس الأجنبيّة، الذي تكون النسبة بينه وبين الخلوة هي العموم من وجه.

وجملة ثالثة تدلّ على حرمة نوم الرجل مع المرأة تحت لحافٍ واحد(3).

وطائفة رابعة منها كخبر الجعفريّات عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«ثلاثة مَنْ حَفَظهنّ كان مصوناً من الشيطان الرجيم، ومن كل بليّة: من لم يخلُ‌د.


1) وسائل الشيعة: ج 20/185 باب 99 من أبواب مقدّمات النكاح ح 1 رقم 25381، الكافي: ج 5/519 ح 6.

2) وسائل الشيعة: ج 20/185 باب 99 من أبواب مقدّمات النكاح ح 2 رقم 25382.

3) وسائل الشيعة: ج 20/324 باب 13 من أبواب النكاح المحرّم، الكافي: ج 7/181 باب ما يوجب الجلد.

بامرأةٍ لا يملك منها شيئاً... الخ»(1)، ونحوه غيره.

غير ظاهرة في الحرمة، إذ هي تدلّ على أنّ مَنْ خلا بأجنبيّة لا يكون مصوناً من الوقوع في الزنا وغيره من البليّات، وهذا لا يلازم حرمة الخلوة كما لا يخفى، ولم يُعلم استناد من أفتى بالحرمة إلى خصوص ما هو ظاهر فيها كما يظهر لمن راجع كتب الحديث والفتوى، حيث إنّهم يذكرون هذه المسألة، ثمّ في مقام ذكر النصوص يذكرون النصوص المتقدّمة أو بعضها غير الدالّ على حكم المسألة، وعليه فلا وجه لهذه الدعوى‌.

هذا، مع أنّ للمنع عن إفتاء المشهور بالحرمة مجالاً واسعاً، وما قاله العلّامة المجلسي في «مرآة العقول» من تحريم الخلوة مع الأجنبيّة لما ذكره الأصحاب(2)ممنوعٌ‌، لعدم تعرّض الأكثر له، وإنّما أشار إليه في باب الطلاق من ذكره ولم يذكره أحدٌ في باب النكاح، وهذا بنفسه كاشفٌ عن عدم كونها محرّمة عندهم، كما أشار إليه صاحب «الجواهر» حيث قال: (ولا شهرة محقّقة للأصحاب)(3).

وعليه، فالأظهر عدم حرمة الخلوة مع الأجنبيّة، وتؤيّده النصوص الدالّة على جواز صحبة غير المحرم في طريق الحَجّ وغيره(4)المستلزمة للخلوة في بعض الأحيان، وفي بعضها التعليل بأنّ المؤمن وليّ المؤمنة.

الوجه التاسع: فحوى ما دلّ على كراهة أُمورٍ:م.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 14/264-265 باب 78 من أبواب مقدّمات النكاح ح 1 رقم 16664.

2) مرآة العقول: ج 20/112.

3) جواهر الكلام: ج 32/344.

4) وسائل الشيعة: ج 11/153 باب 58 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الكافي: ج 4/282 باب المرأة يمنعهازوجها من حجّة الإسلام.

منها: جلوس الرجل في مكان المرأة ما لم يبرد المكان، كخبر السكوني، عن مولانا الصادق عليه السلام، قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: إذا جَلَستِ المرأة مجلساً فقامت عنه، فلا يجلس في مجلسها رجل حتّى يبرد»(1).

ومنها: انكشاف المرأة بين يدي اليهوديّة والنصرانيّة، كخبر حفص بن البُختري، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهوديّة والنصرانيّة، فإنهنّ يصفن ذلك لأزواجهن»(2).

ومنها: عدم التستّر عن الصبي المميّز، كخبر السكوني، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الصبي يحجم المرأة‌؟ قال عليه السلام: إذا كان يحسن يصف فلا»(3). ونحوه غيره.

وفيه أوّلاً: إنّ فحوى هذه الأدلّة - على فرض ثبوت كونه العلّة لهذه الأحكام - هي إثارة القوّة الشهويّة، وثبوتها في التشبيب هي كراهة التشبيب لا حرمته، إذ لا وجه للاستدلال بما دلّ على كراهة شيء لحرمة شيء آخر فيه مناط ذلك الحكم.

وثانياً: إنّه لم يُحرز كون مناط الكراهة هو ذلك، ولذا لم يفتِ أحد بكراهة الانكشاف بين يدي المسلمة إذا كانت تصف لزوجها، بل ظاهر ما ورد في الصبي المميّز استحباب التستّر عنه بنفسه، لكونه مميّز لا لكونه يصف لغيره، ويوجب ذلك إثارة قوّته الشهويّة، والوصف في الخبر إنّما يكون كناية عن التمييز كما لا يخفى‌، كما أنّ الظاهر أنّ رجحان التستّر عن نساء أهل الذمّة إنّما يكون لئلّا يطّلع أزواجهن على محاسن النساء المسلمات.1.


1) وسائل الشيعة: ج 20/248 باب 145 رقم 25553، الكافي: ج 5/564 ح 38.

2) وسائل الشيعة: ج 184/20 باب 98 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح 1 رقم 25379، الكافي: ج 519/5 ح 5.

3) وسائل الشيعة: ج 233/20 باب 130 من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح 2 رقم 25513، الكافي: ج 534/5 ح 1.

الوجه العاشر: النهي في الكتاب العزيز عن خضوع النساء بالقول، لئلّا (فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌) (1)، والنهي عن أن (يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ‌) (2)، بدعوى أنّ التشبيب يوجبُ طمع من في قلبه مرض أكثر من الخضوع بالقول، كما أنّه أشدّ تأثيراً من الضرب بالأرجل، فإذا كانا هما منهيّاً عنهما، فالتشبيب أولى بأن يكون كذلك.

وفيه: إنّ الخضوع بالقول والضرب بالأرجل ليسا محرّمين قطعاً، فلا محيص عن صرف النهي عن ظاهره، وعليه فلا يبقى مورد للاستدلال بفحواهما لحرمة التشبيب كما مرّ.

فتحصّل: أنّه لا دليل على حرمة التشبيب من حيث هو، ما لم ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة، كالفحش والغيبة والتهمة والهتك ونحوها.

وأمّا الموضع الثاني: فالأظهر عدم حرمة الاستماع، وإن ثبتت حرمة التشبيب لعدم الدليل.

أقول: استدلّ المحقّق الإيرواني(3)على حرمته - بعد بنائه على حرمة التشبيب واعتبار وجود المخاطب - بأنّ الوجوه القاضية بتحريم التشبيب، قاضية بحرمة عنوانٍ منطبق على المركّب من القول والسماع، ممّا يقتضي أن يكون كلّ منهما دخيلاً في تحقّق الحرام، فيحرم كلّ منهما في عرض الآخر.

وفيه: إنّ التشبيب إنّما ينطبق عليه القول، والسماع سماع له لا أنّه محقّق عنوان0.


1) سورة الأحزاب: الآية 32.

2) سورة النور: الآية 31.

3) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/20.

التشبيب، وعدم حرمة التشبيب إلّامع وجود المخاطب لا يلزم حرمة السماع.

وبالجملة: بعد كون المحرّم هو التشبيب، وهو إنّما ينطبق على القول، والسماع لو كان معتبراً فإنّما هو شرط الحرمة لا مقوّم لتحقّقه، وعليه فلا وجه للقول بحرمته.

أقول: ولكن الإنصاف أنّ بعض الوجوه المتقدّمة كأدلّة حرمة اللّهو والباطل، وفحوى ما دلّ على حرمة ما يوجب تهيّج القوّة الشهويّة، يقضي بحرمة الاستماع في نفسه كالقول كما لا يخفى‌، وقد عرفت أنّ هذين الوجهين ضعيفان جدّاً.

وأمّا الموضع الثالث: فلا أرى وجهاً لاعتبار كون التشبيب بالشَّعر لعدم اختصاص شيء من الوجوه المتقدّمة بما إذا كان بالشعر، بل يمكن أن يقال: إنّ جملةً من الوجوه المتقدّمة لو تمّت لاختصّت بما إذا كان بغير الشعر، لما ذكره المحقّق التقي رحمه الله(1)بقوله: (إنّ التشبيبات المتعارفة في ألسنة الشعراء قديماً وحديثاً، لاشتمالها على كثرة إغراقات ومبالغات، لايستفاد منها علمٌ‌، ولا يحصل منها إطلاع على حال الممدوح وصفاته وشمائله، بل ليست هي من قبيل حقيقة الأخبار في شيء، وإنّما هي إنشاءٌ ومدحٌ على أنحاء مبالغات واغراقات يعلم بعدم مطابقتها للواقع). انتهى‌.

أقول: ثمّ إنّ الشيخ رحمه الله(2)مال إلى جواز التشبيب بالمخطوبة، حيث قال: (لو قيل بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة قبل العقد، بل مطلق من يراد تزويجها لم يكن بعيداً... الخ).

وفيه: إنّ مقتضى جميع الوجوه حرمة التشبيب بها، حتّى أولويّة مناط حرمة النظر، فإنّها أيضاً ممّن يحرم النظر إليها، ومجرّد ثبوت جواز النظر في الجملة لا0.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/63.

2) المكاسب: ج 1/180.

مستمرّاً من حين إرادة التزويج إلى حين وقوع النكاح لاستعلام الحال، لا يقتضي جواز التشبيب مطلقاً.

نعم، اعتبار كون المشبّب بها غير الحليلة في محلّه، لاختصاص الوجوه المتقدّمة بغيرها، كما هو واضح.

وأمّا اعتبار كونها معروفة، فظاهر الجميع - على ما ذكره الشيخ(1)الأعظم - البناء عليه.

أقول: أكثر الوجوه المتقدّمة مختصّة بالمعروفة، ولا تشمل المرأة المبهمة والخياليّة، ولكن مقتضى بعضها - ككون التشبيب من اللّهو والباطل، وكونه من الفحشاء، ومنافياً للعفاف المأخوذ في العدالة - حرمة التشبيب بها أيضاً.

وأمّا المعروفة عند القائل دون السامع، فمقتضى أكثر الوجوه حرمة التشبيب بها، وهي جميع ما اعتمد عليه الشيخ رحمه الله في هذا الحكم.

وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا وجه لاعتبار الشيخ رحمه الله(2)وجود السّامع، ولا كون المشبّب بها مؤمنة كما لا يخفى‌.

أمّا الموضع الرابع: قال الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(3):

(وأمّا التشبيب بالغلام فهو محرّم على كلّ حال، كما عن الشهيدين... الخ).

وفيه: إنّ التشبيب به إنْ كان بما يشتمل على ما ينافي عفافه، كما إذا اشتمل على أنّه لايدفع يد لامسٍ‌، وأنّه في عُرضة ذلك، فإنّه لا ريب في حرمته، لأنّه فحشٌ محض، وهتك وإهانة وتهمة أو غيبة، وإلّا فإنْ كان التشبيب لتمنّي الوصول إلى المحرّم الشرعي كاللّواط فكذلك، فإنّه جرأة على معصية اللّه تعالى‌.

وأمّا إذا لم يكن بأحد النحوين، وكان مجرّد ذكر المحاسن، وإظهار شدّة الحُبّ‌1.


1) المكاسب: ج 1/180 و 181.

2) المكاسب: ج 1/180 و 181.

3) المكاسب: ج 1/180 و 181.

به، فلا وجه لحرمته.

نعم، أكثر الوجوه المتقدّمة في المرأة جارية هنا، إلّاأنّه عرفت عدم دلالة شيء منها على حرمة التشبيب.


حكم التصوير من حيث الحِلّ والحرمة

المسألة الرابعة: لا خلاف(1)في حرمة التصوير في الجملة، كما في «المكاسب»(2)و «الحدائق»(3)، وفي «الجواهر»: (بل الإجماع بقسميه عليه(4)، بل المنقول منه مستفيض).

أقول: والأقوال فيها خمسة:

الأوّل: حرمة التصاوير مطلقاً، سواءٌ أكانت مجسّمة أم غيرها، وسواءٌ أكانت لذوات الأرواح أم غيرها، وعن «المختلف»(5)نسبة هذا القول إلى ابن البرّاج(6)، وظاهر أبي الصلاح(7).

الثاني: حرمة التصاوير مطلقاً إذا كانت مجسّمة، وقد نُسب ذلك إلى الشيخين(8)وسلّار(9)، وهو ظاهر المصنّف هنا، حيث قال: (كعمل الصور المجسّمة).

الثالث: حرمة تصاوير ذوات الأرواح، سواءٌ أكانت مجسّمة أم غيرها، اختاره المصنّف رحمه الله في المتن وفاقاً لجماعة من الأساطين على ما نقله عنهم.


1) النهاية: ص 363، السرائر: ج 2/215، شرائع الإسلام: ج 2/264.

2) المكاسب: ج 1/183.

3) الحدائق الناضرة: ج 18/98.

4) جواهر الكلام: ج 22/40.

5) مختلف الشيعة: ج 5/13.

6) المهذّب: ج 1/344.

7) الكافي في الفقه: ص 281.

8) المقنعة: ص 587، النهاية: ص 363، ونسبه إليهما في الحدائق: ج 18/98.

9) المراسم العلويّة: ص 172.

الرابع: حرمة تصاوير ذوات الأرواح إذا كانت مجسّمة، وهذا هو المتّفق عليه، واختاره جمعٌ من الأساطين المعاصرين(1)وممّن يقرب عصرنا.

الخامس: حرمة تصاوير ذوات الأرواح مطلقاً وغيرها إذا كانت مجسّمة، وهي ما استظهره السيّد من بعض(2).

أقول: والنصوص الواردة في المقام على طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما دلّ على حرمة التصاوير مطلقاً، مجسّمة كانت أم غيرها، لذوات الأرواح وغيرها؛ كخبر محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق، عن آبائه عليهم السلام، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «إيّاكم وعمل الصور، فإنّكم تسألون عنها يوم القيمة»(3).

وقد ضعفه الأُستاذ الأعظم(4)لقاسم بن يحيى‌.

وفيه: إنّ ابن الغضائري وإن ضعّف الرجل(5)، وتبعه العلّامة في «الخلاصة»(6)، إلّا أنّه يمكن عدّه من الحسان، لأن الرجل كثير الرواية، والأصحاب أفتوا بمضامين رواياته، وروى الأجلّاء كأحمد بن محمّد بن عيسى وغيره عنه، وهذا يشير إلى اعتمادهم عليه، ولم يضعفه شيخ من المشايخ العظام الماهرين بأحوال الرجال على ما ذكره المولى الوحيد البهبهاني، وهذه بضميمة كثرة خطأ ابن الغضائري في التضعيفات، وعدم بناء العلّامة في «الخلاصة» على التدقيق، يوجب الاطمئنان6.


1) راجع جامع المدارك: ج 3/15، مجمع الفائدة و البرهان: ج 8/54، مفتاح الكرامة: ج 4/48، السطر 16، جواهر الكلام: ج 22/41.

2) ذكر هذا الوجه المحقّق الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 1/221.

3) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/210 باب 75 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 15132، الخصال: ص 635.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/357.

5) راجع معجم رجال الحديث: ج 15/68.

6) خلاصة الأقوال: ص 389 رقم 6.

بعدم ضعفه. فتأمّل، فإنّ جعل مثل هذا الخبر مدركاً للحكم الشرعي لا يخلو عن إشكال كما لا يخفى‌.

وأورد عليه المحقّق التّقي رحمه الله(1): بعدم العلم بظهور الصورة فيما يشمل غير المجسّمة، بل يظهر من بعض الأخبار الاختصاص بالمجسّمة كمقابلته عليه السلام النقش للصورة في حديث المناهي(2).

وفيه: إنّ الصورة لو لم تكن مختصّة بغير المجسّمة، لا تكون مختصّة بها، كما تشهد له كثير من النصوص الواردة في الصلاة في بيتٍ أو مسجدٍ فيه تصاوير أو تماثيل، كخبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام: «عن مسجدٍ يكون فيه تصاوير وتماثيل يُصلّى فيه‌؟ فقال عليه السلام: تكسر رؤوس التماثيل، وتلطخ رؤوس التصاوير ويُصلّى فيه ولا بأس»(3)، ونحوه غيره.

وأمّا حديث المناهي: فمضافاً إلى ضعف سنده، يرد عليه ما ذكره السيّد الفقيه(4)من أنّ ما اشتمل على كلمة (النقش) خبرٌ آخر عن النبيّ صلى الله عليه و آله نقله الإمام عليه السلام، فلا مقابلة في كلام النبيّ‌، والإمام أراد أن ينقل اللّفظ الصادر عنه.

وبالجملة: لا ينبغي التوقّف في شمول الصورة للمجسّمة وغيرها، وإرادة المجسّمة منها في بعض النصوص كإرادة غيرها منها في آخر لا تصلح قرينةً للاختصاص بشيء منهما.7.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/64.

2) وسائل الشيعة: ج 17/297 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22574، الفقيه: ج 4/5.

3) وسائل الشيعة: ج 5/172 باب 32 من أبواب مكان المصلّي ح 10 رقم 6252، قرب الإسناد: ص 205 ح 793.

4) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/17.

وأمّا النصوص الأُخر: التي استدلّوا بها لهذا القول، وادُّعي ظهورها في حرمة التصوير مطلقاً، فليس في شيء منها دلالة على ذلك، فإنّها على قسمين:

القسم الأوّل: ما تضمّن المنع عن التمثال، كخبر أصبغ بن نباتة، قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من جدّد قبراً، أو مثّل مثالاً فقد خرج عن الإسلام»(1).

ونحوه غيره.

القسم الثاني: ما تضمّن النهي عن تصوير التماثيل، كخبر الحضرمي، عن عبداللّه بن طلحة، عن الإمام الصادق عليه السلام حيث اعتبر من أكل السّحت تصوير التماثيل(2). ونحوه غيره.

أقول: وكلا القسمين مختصّان بالمجسّمة:

أمّا الأوّل: فلأنّ المثال ظاهرٌ في المجسّم، ولا يصدق على غيرها، إذ مثال الشيء عبارة عن ممّاثله من جميع الجهات الستّ‌، كما يظهر لمن راجع موارد استعماله في العرف العام، وتؤيّده النصوص المتقدّم بعضها الظاهرة في أنّ المثال غير الصورة.

وما ذكره الشيخ رحمه الله(3)من أنّ المثال والصورة مترادفان على ما حكاه صاحب «كشف اللّثام»(4)عن أهل اللّغة، غير تامّ‌، ومجرّد شيوع الصورة من عمل التصاوير دون غيرها من المادّة المصنوعة على تلك الإشكال لا يصلح قرينةً لصرف هذه النصوص عن ظاهرها، إذ لا مانع من ورود النصوص لبيان حكم الأفراد النادرة، والقبيح إنّما هو حمل المطلق على الفرد النادر مع أنّ الشيوع ممنوع.8.


1) وسائل الشيعة: ج 3/208 باب 43 من أبواب الدفن وما يناسبه ح 1 رقم 3424، التهذيب: ج 1/459 ح 142.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/71 باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 14778.

3) المكاسب: ج 1/185.

4) كشف اللّثام: ج 3/308.

وأمّا الثاني: فلأنّه مبنيّ على التجريد، فمعناه جعل التماثيل وعملها، فيكون القسمان متّحدين مفاداً.

الطائفة الثانية: الأخبار الظاهرة في النهي عن التصاوير إذا كانت مجسّمة لذوات الأرواح وغيرها، وهي النصوص المانعة عن التمثال المتقدّمة.

الطائفة الثالثة: ما يكون ظاهراً في حرمة تصاوير ذوات الأرواح وإن لم تكن مجسّمة، وهو ما رواه الصدوق بإسناده عن شُعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن مولانا الصادق، عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي: «نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن التصاوير وقال: مَنْ صَوّر صورة كلّفه اللّه تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ - إلى أن قال - ونهى أن ينقش شيءٌ من الحيوان على الخاتم»(1).

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على حرمة تصاوير ذوات الأرواح إذا كانت مجسّمة وجواز تصاوير غيرها مطلقاً:

منها: صحيح البقباق، عن الإمام الصادق عليه السلام: «في قول اللّه عزّ وجلّ‌: (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‌) (2)؟ فقال: واللّه ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنّها الشجر وشبهه»(3).

فإنّ ذكر (الرجال والنساء) فيه إنّما يكون من باب المثال، ويشهد له ذيله.

ومنها: صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «لا بأس بتماثيل الشجر»(4).

ومنها: صحيح محمّد بن مسلم، قال: «سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عن تماثيل الشجر5.


1) وسائل الشيعة: ج 17/297 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 6 رقم 22574، الفقيه: ج 4/5.

2) سورة سبإ: الآية 13.

3) وسائل الشيعة: ج 17/295 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22569، الكافي: ج 6/476 ح 3.

4) وسائل الشيعة: ج 17/296 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 2 رقم 22570، المحاسن: ج 2/619 ح 55.

والشمس والقمر؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان»(1).

ودعوى الشيخ رحمه الله(2): من أنّ ذكر الشمس والقمر قرينة على إرادة مجرّد النقش.

مندفعة أوّلاً: بأنّ تصوير الشمس والقمر بنحو المجسّم شائعٌ‌.

وثانياً: أنّه على فرض عدم شيوعه وكونه نادراً، بما أنّ السؤال عن حكم ذلك الفرد النادر، فلا وجه لجعل جوابه عامّاً، إذ لا يترتّب محذورٌ على تخصيصه بذلك المورد.

وثالثاً: إنّ المثال المضاف إلى الشمس والقمر أُريد منه النقش بتلك القرينة، وهذا لا يوجبُ إرادة النقش من التمثال المضاف إلى الحيوان.

وعليه، فلا دلالة لهذا على حرمة تصوير ذي الروح إذا لم يكن مجسّماً.

أقول: وأمّا الأخبار المشتملة على نفخ الروح كخبر المناهي المتقدّم، وخبر سعيد، عن مولانا الباقر عليه السلام: «إنّ الذين يؤذون اللّه ورسوله هم المصوّرون، يكلّفون يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح»(3)ونحوهما غيرهما، فاختصاص هذه النصوص بذوات الأرواح واضحٌ‌، إذ الظاهر منها أنّ عدم القدرة على النفخ في الصورة إنّما يكون لعجز النافخ.

وعليه، فلابدّ وأن يكون المحلّ في نفسه قابلاً لذلك، فالشجر والشمس والقمر وشبهها غير قابلة للنفخ في أنفسها.

وأمّا اختصاصها بالمجسّمة، فقد اختاره صاحب «الجواهر»(4)وعلّله بأنّ‌2.


1) وسائل الشيعة: ج 296/17 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22571، المحاسن: ج 2/619 ح 54.

2) المكاسب: ج 1/185.

3) وسائل الشيعة: ج 5/307 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 12 رقم 6619، المحاسن: ج 2/616 ح 43.

4) جواهر الكلام: ج 22/42.

النصوص ظاهرة في كون الصورة حيواناً لا ينقص منه شيء سوى الروح.

والظاهر أنّ مراده أنّ الظاهر منها حرمة تصوير ما لو نفخ فيه الروح لصار حيواناً متعارفاً، ولا كون المنفوخ فيه ناقصاً عن مشابهها من المخلوقات بحسب الشكل والجثّة إلّامن حيث الروح، فيؤمر تتميمه بنفخ الروح فيه، لا ما ذكره الأُستاذ الأعظم(1)من استحالة الأمر بنفخ الروح في النقوش الخالية عن الجسم، فإنّ الأمر بالنفخ لا يكون إلّافي محلّ قابل، والصور المنقوشة في الألواح غير قابلة لذلك، لاستحالة انقلاب العرض إلى الجوهر، فعدم القدرة عليه ليس لعجز النافخ كما لا يخفى على من راجع «الجواهر».

أقول: وعلى ما ذكرناه فلا يرد عليه شيء من الإيرادين الذين ذكرهما الشيخ رحمه الله في «المكاسب» بقوله(2):

(إنّ النفخ يمكن تصوّره في النقش بملاحظة محلّه، بل بدونها كما في أمر الإمام الأسد المنقوش على البساط بأخذ السّاحر في مجلس الخليفة(3)، أو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ).

أمّا الأوّل: فلأنّ الظاهر منها أنّ الأمر بالنفخ إنّما هو لأجل إحياء نفس الصورة لا محلها، وأمر الإمام عليه السلام الأسد المنقوش بأخذ الساحر إنّما كان معجزة منه عليه السلام التي حقيقتها فعل ما يكون خارجاً عن نواميس الطبيعة، وعلى أيّ تقدير كيفيّته غير معلومة لنا.1.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/360.

2) المكاسب: ج 1/184.

3) أمالي الصدوق: ج 1/127 المجلس 29 ح 19، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 1/96 باب 8 ح 1.

وأمّا الثاني: فلأنّه إنْ أُريد إحياء الأجزاء اللّطيفة بما لها من الهيئة المرسومة، فهى لا تصبح شيئاً من الحيوانات المتعارفة، إذ ليس شيء من الحيوانات ذا جسمٍ رقيق مسطّح، وإنْ أُريد جمعها وجعلها في صورة صغيرة من أحد الحيوانات ثمّ نفخ الروح فيها، فهو أيضاً كما ترى‌.

وأمّا سيّدنا الأُستاذ رحمه الله(1)حيث ظنَّ أنّ أساس استدلال صاحب «الجواهر» هو انتقال العرض إلى الجوهر، سَلّم هذا الجواب، وعلّق عليه بقوله: (إنّه لا يلزم ذلك، بل يلزم انتقال الجوهر إلى جوهر آخر)، وقد عرفت مراده قدس سره وأنّه الحقّ في المقام، وإرادة تجسيم النقش مقدّمة للنفخ، ثمّ النفخ فيه خلاف الظاهر.

فتحصّل: اختصاص هذه النصوص بذوات الأرواح إذا كانت مجسّمة.

هذه هي مجموع النصوص الواردة في هذا الباب.

وأمّا مقتضى الجمع بينها: فمحصَّل القول فيه:

أمّا الطائفة الثانية: فهي مضافاً إلى ضعف سند جميعها، لا تنافي الطائفة الأُولى، لكونهما من قبيل المثبتتين، فلا وجه لدعوى تقيّيدها بها.

وكذلك الطائفة الثالثة: فإنّها متضمّنة لحرمة تصوير ذي الروح، ولا تدلّ على عدم حرمة تصوير غيره كي توجب تقيّيد الطائفة الأُولى‌.

وأمّا الطائفة الرابعة: فالصحاح منها من حيث دلالتها على عدم تحريم تصوير غير ذي الروح - مجسَّمة كان أو غيرها - فإنّها وإنْ اختصّت بالمجسّمة، إلّاأنّها تدلّ على جواز غيرها بالفحوى‌، تقيّد إطلاق الطائفة الأُولى‌، وتخصّصها بذوات الأرواح، فالباقي تحتها ليس إلّاتصوير ذوات الأرواح مطلقاً، وأمّا من حيث1.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/361.

تضمّنها تحريم تمثال ذي الروح المختصّ بالمجسّمة، فلا تنافي مع الطائفة المطلقة، وبالتالي فلا وجه لتقييدها بها.

أقول: وأمّا الأخبار المشتملة على نفخ الروح فهي على قسمين:

الأوّل: ما تضمّن أنّ (من مثّل مثالاً كُلِّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح)، كمرسل ابن أبي عمير.

الثاني: ما تضمّن أنّ (من صَوّر صورة كُلّف أن ينفخ فيها الروح).

أمّا القسم الأوّل: فهو لا ينافي المطلقة كي يوجب تقيّيدها.

وأمّا القسم الثاني: فهو من جهة ظهوره في أنّ الصورة المحرّمة هي ما يؤمر بنفخ الروح فيها، يدلّ على اختصاص الحكم بالمجسّمة، ومقتضى القاعدة تخصيص المطلقة به، إلّاأنّ الروايات التي تكون بهذا المضمون كلّها ضعيفة السند.

فتحصّل: أنّ الجمع بين النصوص يقتضي الالتزام بحرمة تصاوير ذوات الأرواح - سواءٌ أكانت مجسّمة أم غيرها - وجواز تصاوير غيرها.

هذا بناءً على اعتبار خبر محمّد بن مسلم المطلق المتقدّم.

وأمّا بناءً على ضعف سنده، فالأظهر اختصاص الحكم بالمجسّمة من ذي الروح، لعدم الدليل على الحرمة سوى الصحاح المختصّة بهذا المورد، كما أنّه على القول باعتباره واختصاص الصورة بالمجسّمة - كما اختاره صاحب «الجواهر»(1)والمحقّق التقي(2)- لابدّ من البناء على اختصاص الحرمة بالمجسّمة.

أقول: بل يمكن القول بالاختصاص حتّى بناءً على اعتبار خبر محمّد بن مسلم،4.


1) جواهر الكلام: ج 22/42.

2) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/64.

وعدم اختصاص الصورة بالمجسّمة، بناءً على اعتبار أن يكون المنقوش صورة حيوان تامّ - كما يأتي - إذ النقش غير المجسّم دائماً صورة لجانبٍ من جوانب ذي الصورة، وصورة جزء منه.

وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه ضعف كل ما استدلّ به على سائر الأقوال، بل القول المختار، فلا وجه لإطالة الكلام في ذلك.


حكم التصاوير المتعارفة في هذا الزمان

أقول: بقي في المقام فروع مهمة لا بدَّ من التعرّض لها في المقام:

الفرع الأوّل: قيل لا ريب في أنّه لا فرق في حرمة التصوير بين كونه باليد أو الطبع أو النسج أو غير ذلك، لأنّ المحرّم هو إيجاد الصورة الصادق على جميع ذلك، إنّما الكلام في التصوير المتعارف في هذا الزمان.

أقول: لا إشكال فيه بناءً على اختصاص الحرمة بالمجسّمة كما لعلّه الأظهر على ما عرفت، وأمّا بناءً على شمول الحرمة لغيرها، فقد يقال كما عن الأُستاذ الأعظم بجوازه(1)، ومحصّل ما ذكره في وجه ذلك وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: إنّه ليس إيجاداً للصورة المحرّمة، فإنّ الإنسان إذا وقف أمام أجهزة التصوير المتعارفة في هذه الأزمنة فإنّه يقع ظلّه على عدسة جهاز التصوير، ويثبت فيها لأجل المادّة الكيمياويّة التي فيها، فتكون الصورة الحاصلة هي صورة لذي ظلّ‌.

الوجه الثاني: إنّ لازم القول بحرمة ذلك، القول بحرمة النظر إلى المرآة، إذ لا فرق في حرمة التصوير بين بقاء الصورة مدّة قليلة أو مدّة مديدة.

الوجه الثالث: أنّه قد اشتهر انطباع صور الأشياء في شجرة الجوز في بعض الأحيان، فهل يحتمل أن يتفوّه أحدٌ بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الحين، وأيّ فرق بينه وبين أخذ الصور المأخوذة بأجهزة التصوير في هذه الأيّام.

أقول: وفي الجميع نظر:


1) مصباح الفقاهة: ج 1/370-371.

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ في أخذ الصورة أمرين:

الأمر الأوّل: ما ذكره رحمه الله من وقوع الظِلّ على عدسة جهاز التصوير وإثباته فيها بالمواد الكيمياويّة.

الأمر الثاني: طبع الصورة الحاصلة من ذلك الظلّ المحفوظ في عدسة الجهاز.

والأوّل: لا يصدق عليه الصورة، وإنّما هو عكس الصورة، ولهذا لا يحرم، لا لما ذكره.

وأمّا الثاني: فهو صورة حقيقة، ويصدق على فعله أنّه إيجادٌ للصورة.

وأمّا الوجه الثاني: فلأنّه يمكن أن يقال إنّ الإبصار ليس بالانطباق، بل إنّما هو بخروج الشعاع فيكون المُبصَر (بالفتح) الإنسان نفسه لا صورته.

وأمّا الوجه الثالث: فلأنّه على القول بحرمة التصوير - وإن لم تكن مجسّمة - لا مانع من الالتزام بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت اختياراً بقصد تحقّق الصورة، وإن أبيتَ إلّاعن عدم حرمته فليكن ذلك دليلاً على ضعف المبنى.

فتحصّل: أنّه على القول بحرمة التصوير مطلقاً، يحرم أخذ الصورة، أي العمل الثانى الذي يعمله المصوّر، وعليه فلايحرم على الإنسان التمكين من أخذ صورته حتّي على القول بحرمة التصوير مطلقاً، إذ ما يتحقّق بالوقوف في مقابل الماكنة العكاسة ويبقى بواسطة المواد الكيمياويّة إنّما هو العكس لا الصورة، وما يؤخذ من ذلك العكس بالعمل الثاني غير مربوط به، فلا وجه للقول بتحقّق الصورة بفعلهما معاً.

فإن قلت: إنّ الوقوف في مقابل جهاز التصوير يعدّ إعانةً على الإثم، إذ لولا ذلك لما تمكّن المصوّر من التقاط الصورة.

قلت: قد مرّ أن الإعانة على الإثم في غير الموارد الخاصّة - التي ليس المقام منها - لا دليل على حرمتها، مع أنّ صدقها على فعل ما يكون من قبيل إيجاد الموضوع محلّ تأمّل ومنع.


تصوير المَلَك والجِنّ‌

الفرع الثاني: قال صاحب «الجواهر»(1): (والظاهر إلحاق تصوير المَلَك والجِنّ بذلك)، وتبعه السيّد(2)، والأُستاذ الأعظم(3).

وعن ظاهر المحقّق الأردبيلي(4): العدم.

وقد استدلّ للأوّل بوجوه:

الوجه الأوّل: صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم: «لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان»(5)، بدعوى أنّ المراد من الحيوان معناه اللّغوي، أي ما هو المصطلح عند أهل المعقول، وهو الجسم الحسّاس المتحرّك بالإرادة، ومن البديهي أنّ هذا المفهوم يصدق على كلّ مادّةٍ ذات روح من أيّ عالمٍ كانت.

وفيه: إنّ الحيوان وإنْ كان بحسب اللّغة وفي اصطلاح أهل المعقول معناه ما ذكر، إلّا أنّ له مفهوماً عرفيّاً، وهو بذاك المعنى لا يصدق على المَلَك والجِنّ والشيطان.

ودعوى: أنّ الموضوع في الصحيح هو بما له من المعنى اللّغوي.

مندفعة: بأنّ الألفاظ التي تضمّنها الصحيح كغيره من الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام، تنصرف إلى مفاهيمها العرفيّة بحسب ما ارتكز في أذهان أهل المحاورات، ولهذا بنوا على أنّه عند تعارض العرف واللّغة في مفهوم اللّفظ، يُحمل اللّفظ على


1) جواهر الكلام: ج 22/43.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/20.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/364.

4) ظاهر مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/54.

5) وسائل الشيعة: ج 17/296 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 3 رقم 22571، المحاسن: ج 2/619 ح 54.

المفهوم العرفي، سواءٌ كان أخصّ من المفهوم اللّغوي أو أعمّ منه.

ودعوى‌: الأُستاذ الأعظم(1)من أنّه لو كان المراد منه مفهومه العرفي، لزم القول بانصرافه عن الإنسان أيضاً، ولذا بنينا على انصراف ما دلّ على عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه عنه، مع أنّه لم يقل أحدٌ هنا بالانصراف.

غريب: إذ الانصراف لو تمّ‌، فإنّ لازمه عدم شمول الصحيح للإنسان، وكون مقتضى مفهومه جواز تصويره، إلّاأنّه إنّما لا يبني عليه للتصريح بعدم جواز تصويره في صحيح البقباق.

الوجه الثاني: ما ورد في خبر «تحف العقول» من قوله عليه السلام: «وصنعة صنوف التصاوير ما لم تكن مثل الروحاني»(2)، لصدق الروحاني عليهم.

وفيه: إنّ خبر «تحف العقول» لا يصلح الاعتماد عليه لضعف سنده واضطراب متنه، كما تقدّم في أوّل الكتاب.

أقول: وأورد على الاستدلال به السيّد قدس سره في حاشيته(3)بأنّ مفهوم الخبر يعارض مع منطوق الصحيح المتقدّم، تعارض العامين من وجه في المَلَك والجِنّ‌، لأنّ مقتضى منطوق الصحيح جواز تصويرهما، ومقتضى مفهوم الخبر عدم الجواز، وحيث إنّه لا مرجّح لأحدهما من حيث الدلالة، فلابدّ من الرجوع إلى مرجّحات السند، وبما أنّ الصحيح أقوى من حيث السند فلابدّ من ترجيحه.

وفيه: إنّ العامّين من وجه إذا كانت دلالة كلّ منهما على حكم المجمع بالعموم8.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/364-365.

2) وسائل الشيعة: ج 17/85 باب 2 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 335.

3) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/18.

يكون المرجع إلى المرجّح السندي، وإنْ كانت دلالة كلّ منهما بالإطلاق يتساقط(1)الإطلاقان، كما حقّقناه في مبحث التعادل والترجيح في الجزء الثاني من حاشيتنا على «الكفاية»، فتأمّل(2).

وعليه، ففي المقام بما أنّ دلالة كلّ منهما في المورد يكون بالإطلاق، يتساقطان والمرجع إلى إطلاق خبر محمّدبن مسلم الدالّ على حرمة التصوير مطلقاً عليفرض الاعتماد عليه، وإلّا فإلى أصالة البراءة، فالعمدة في الجواب ضعف الخبر سنداً.

الوجه الثالث: ما ذكره الأُستاذ الأعظم(3)أيضاً وهو صحيح البقباق المتقدّم، بدعوى أنّ الظاهر من قوله عليه السلام فيه: «واللّه ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنّها الشَّجر وشبهه»، هو المقابلة بين ذي الروح وغيره من حيث جواز التصوير وعدمه، وذكر الأُمور المذكورة فيه إنّما هو من باب المثال.

وفيه: إنّه لا ريب في ظهوره في أنّ الأُمور المذكورة فيه إنّما هو من باب المثال، إلّا أنّه هل المراد من العقدين السلبي والإيجابي حرمة تصوير ذي الروح مطلقاً، وجواز تصوير غيره، أم المراد بهما حرمة تصوير ذي الروح من عالم العناصر، وجواز تصوير غيره، فليس الصحيح ظاهراً في شيء منهما، والقدر المتيقّن هو الثاني، فالمرجع في ذي الروح من عالم آخر إلى البراءة.

فتحصّل: أنّه لا دليل على حرمة تصوير المَلَك والجِنّ والشيطان، بل مقتضى مفهوم صحيح محمّد بن مسلم جوازه، ويضاف إلى ذلك أنّ تصوير المَلَك والجِنّ‌6.


1) الأظهر هو الرجوع إلى مرجّحات السند في العامين من وجه مطلقاً - منه دام ظلّه.

2) الحاشية على الكفاية لم تطبع لحدّ الآن، راجع زبدة الأُصول: ج 6/417.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/366.

والشيطان تصويرٌ للصورة الوهمية، وشمول دليل الحرمة لمثل ذلك محلّ تأمّل ونظر.

لا يقال: إنّ لازم ذلك عدم حرمة تصوير صورة حيوان لا ممّاثل له.

فإنّه يقال: إنّ موضوع الحكم ليس هو صورة موجود خارجي بحيث لابدّ وأن تنطبق الصورة على موجود خارجي، بل الموضوع هو ما يقال عرفاً إنّه صورة للحيوان ولو لم يكن لشخصه تحقّق خارجي، وأمّا تصوير المَلَك أو الجِنّ أو الشيطان فبما أنّ صورته غير معلومة عند العرف، فلا يقال للصورة إنّها صورة أحدهم، إلّابعد البناء على أنّه بهذه الصورة، فتدبّر فإنّه دقيق.

نعم، يمكن أن يقال بحرمة تصوير الجِنّ والمَلَك بالنحو المتعارف في تصويرهما بشكل واحد من الحيوانات، بناءً على حرمة تصوير الحيوان وإن لم يقصد كونه حيواناً، مع فرض العلم بكونه صورة له، وسيأتي الكلام في المبنى فانتظر.


الإعجاب ليس شرطاً للحرمة

الفرع الثالث: ما ذكره الشيخ قدس سره بقوله(1): (ثمّ إنّه لو عمّمنا الحكم لغير الحيوان مطلقاً أو مع التجسّم، فالظاهر أنّ المراد به ما كان مخلوقاً للّه سبحانه على هيئة خاصّة معجبة... الخ).

أقول: هذا الفرع متضمّن لبيان أمرين:

الأمر الأوّل: أنّه لو عمّمنا الحكم لغير الحيوان، فإنّه يعتبر في الحرمة تصوير ما يكون مخلوقاً للّه تعالى ولو بمعدّات من العباد من زراعة ونحوها، فلايحرم تصوير ما هو من مصنوعات البشر كالأبنية والسيف والرمح وشبهها، والوجه فى اعتبار ذلك انصراف الأدلّة عنه، إذ لو كان إيجاد ذي الصورة جائزاً، كان إيجاد صورته أولى بالجواز.

ويؤيّده ما ذكره الشيخ رحمه الله(2)من أنّ الظاهر أنّ حِكمة حرمة التصوير هي حرمة التشبّه بالخالق.

الأمر الثاني: أنّه يعتبر في الحرمة أن تكون ذو الصورة على هيئة خاصّة معجبة للناظر، بحيث تميل النفس إلى مشاهدة صورته، ولعلّ الوجه في اعتبار ذلك أنّ المطلوب الغالب الوقوع من التصاوير والنقوش هو ما كان كذلك، فتكون الأدلّة منصرفة إلى ما يكون بتلك الهيئة، أو ما ذكره آنفاً من أنّ الظاهر أنّ حكمة الحرمة هي حرمة التشبّه بالخالق في إبداع ما يكون على شكلٍ مطبوعٍ يعجز البشر عن نقشه على ما هو عليه فضلاً عن اختراعه.

أقول: الإنصاف أنّه لا يصحّ الاعتماد على شيء منهما في الحكم الشرعي.


1) المكاسب: ج 1/188 و 185.

2) المكاسب: ج 1/188 و 185.

أمّا الأوّل: فلأنّ الانصراف الناشيء عن غلبة الوجود لا يصلح أن يكون مقيّداً للإطلاقات.

وأمّا الثاني: فلأنّ كون الحكمة ما ذكره رحمه الله غير ثابت من الأدلّة الشرعيّة، وعلى فرض ثبوته لا تكون الحكمة مقيّدة للإطلاق، وليست كالعلّة كما هو واضح، والانصراف الناشيء عنها أيضاً لا يصلح للتقيّيد، وعليه فالأظهر عدم اعتبار الإعجاب في ثبوت الحرمة.

وأورد على الشيخ رحمه الله بإيرادين آخرين:

الإيراد الأوّل: ما ذكره المحقّقان اليزدي(1)والشيرازي(2)، من أنّه لو خصّصنا بالحيوان أيضاً لابدّ من الاقتصار على ما كان كذلك، فلا وجه لاعتباره بناءً على التعميم خاصّة.

وفيه: إنّ الشيخ رحمه الله يدّعي أنّ الحيوانات بأجمعها واجدة لهذه الهيئة، ولذا جعل الحكمة التي ذكرناها مؤيّدة لاختصاص الحكم بالحيوان، لاشتماله بأعضائه على الأشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها على ما هي عليه.

الإيراد الثاني: ما ذكره المحقّق الإيرواني(3)وارتضاه الأُستاذ الأعظم(4)، من أنّ الإعجاب الحاصل عند مشاهدة الصورة إنّما هو من نفس الصورة، لكشفها عن كمال مهارة النقاش، ولو كانت صورة نمل أو دود، ولذا لا يحصل ذلك الإعجاب من مشاهدة ذي الصورة.7.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/19.

2) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 1/64.

3) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 21.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/367.

وفيه: إنّ ذا الصورة إذا كان على هيئة مُعجِبة، أي هيئة يعجز البشر عن نقشها على ما هي عليه أو يعسر عليه ذلك، فإنّه لا محالة تكون الصورة كذلك، ويكون إيجادها كاشفاً عن مهارة النقاش، وإلّا فلا يكون كذلك ولا يكشف عن مهارته، كما لا يخفى‌، وعدم حصول الإعجاب من مشاهدة ذي الصورة إنّما يكون فيما كثر وجوده لا مطلقاً، وذلك يكون في الصورة أيضاً.

وعليه، فالصحيح ما ذكرناه، فراجع(1).

***ا.


1) الصفحة السابقة وماقبلها.

لا يعتبر قصد الحكاية في الحرمة

الفرع الرابع: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله(1): (هذا كلّه مع قصد الحكاية والتمثيل، فلو دعت الحاجة إلى عمل شيء يكون شبيهاً بشيءٍ من خلق اللّه ولو كان حيواناً من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعاً). انتهى‌.

أقول: قيل في بيان مراده وجوه(2):

الوجه الأوّل: أنّ مراده تخصيص الحرمة بما إذا كان المقصود هو التشبّه والتصوير، وعدمها إذا كان الدّاعي إلى التصوير هو الاكتساب، بأن يأخذ ممّن يأتي لمشاهدة الصورة مبلغاً من المال.

وفيه: أنّ ثبوت الحرمة من الأدلّة للصورة المفروضة كالبديهي، فلا يمكن أن ينسب إليه عدمه، مع أنّه خلاف الظاهر.

الوجه الثاني: أنّ مراده صورة عدم العلم واتّفاق ذلك.

وفيه: إنّ عدم الحرمة في هذا الفرض واضح لا يحتاج إلى بيان، إذ لا ريب في اعتبار القصد في اتّصاف الفعل بالحرمة، فلو شرب الخمر باعتقاد أنّه ماء، فإنّه لا شيء عليه، مع أنّه خلاف ظاهر قوله: (ولو دعت الحاجة إلى عمل... الخ) كما لا يخفى‌.

الوجه الثالث: أنّ مراده الجواز في حال الحاجة والضرورة، وهو كما ترى خلاف ظاهر كلامه.


1) المكاسب: ج 1/189.

2) ذكر الثلاثة الأول السيّد اليزدي في حاشيته وناقشها: ج 1/19.

الوجه الرابع: ما ذكره الأُستاذ الأعظم(1)من أنّ إيجاد ما هو شبيه بشيء يكون على نحوين:

أحدهما: ما لو كان المقصود حكاية ذي الصورة.

الثاني: ما يكون الغَرَض صنع شيء آخر، ويحصل التشابه بالمصادفة من غير قصد الحكاية.

الظاهر أنّمراده هو هذا النحو، إنّما الكلام في وجه التفصيل، وقد ذكر له وجهان:

الوجه الأوّل: ما ذكره الأُستاذ الأعظم(2)من أنّ المذكور في الروايات النهي عن التصوير والتمثيل، ولا يصدق ذلك مع عدم قصد الحكاية، وهذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحّة استعمال اللّفظ في المعنى، وبدون ذلك ليس هناك استعمال، وأوضح ذلك بالمثال بالطائرات المصنوعة في زماننا، فإنّها شبيهة بالطيور، وادّعى أنّه لا يتوهّم أحدٌ حتّى الصبيان أنّ صانع الطائرة يصوّر صورة الطير.

وفيه: إنّ التصوير ليس من قبيل استعمال اللّفظ في المعنى، كي لا يصدق على صورة العلم بكون ما يوجده صورةً لشيء آخر، ويتوقّف على قصد حكاية ذي الصورة، وذلك لأنّه في الاستعمال الذي هو فعليّة الوضع الذي حقيقته - على ما حقّقناه في الجزء الأوّل من حاشيتنا على «الكفاية»(3)- التعهّد بذكر اللّفظ عند قصد تفهيم المعنى‌، عدم صدقه مع عدم قصد تفهيم المعنى واضح، وأمّا في المقام فلم يدلّ دليل على اعتبار قصد الحكاية في التصوير، وما ادّعاه من عدم توهّم أحد أنّ صانع).


1) المكاسب: ج 1/368.

2) مصباح الفقاهة: ج 1/368.

3) زبدة الأُصول: ج 1/26 (ط. ق).

الطائرة يصوّر الطير في زماننا هذا واضح، وسِرّه صيرورة هذه الصورة بعد صنع الطائرة مشتركة بين الحيوان وغيره. وسيأتي زيادة توضيح لذلك.

الوجه الثاني: ما ذكره السيّد في «الحاشية»(1)من أنّ الصورة حينئذٍ مشتركة بين الحيوان وغيره، فيكون تمييزه بالقصد.

وفيه: إنّ ذلك يتمّ في بعض الموارد، ولا يتمّ في جميع موارد عدم قصد الحكاية.

توضيح ذلك: إنّ صنع شيءٍ شبيه بالحيوان مع عدم قصد الحكاية يتصوّر على قسمين:

القسم الأوّل: اختراع شيء للمصلحة العامّة مشابهاً للحيوان من أوّل تحقّقه كصنع الطائرة.

القسم الثاني: صنع شيء متحقّق في الخارج بأشكال آخر غير الحيوان كالكوز شبيهاً بالحيوان لا بقصد الحكاية، بل لتسهيل شُرب الماء منه مثلاً.

ففي القسم الأوّل يتمّ ما ذكره، لأنّ الصورة حينئذٍ تعدّ عرفاً مشتركة بين الحيوان وغيره، ولا يتمّ في الثاني لأنّ هذا الشكل ليس صورة الكوز، بل هو صورة الحيوان خاصّة، وبما ذكرناه ظهر ما هو الحقّ عندنا.

الوجه الثالث: الحكمة التي ذكرها الشيخ رحمه الله، فإنّه مع عدم قصد الحكاية لا يكون تشبّهاً بالخالق.

وفيه: ما عرفت من عدم صحّة جعل الحكمة، لا سيما المستنبطة منها مناطاً للحكم نفياً وإثباتاً.

***9.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/19.

اعتبار الصدق العرفي في حرمة التصوير

الفرع الخامس: عن ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله(1): (ثمّ إنّ المرجع في الصورة إلى العرف، فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء... الخ).

حيث يظهر من كلامه المفروغيّة عن اختصاص الحكم بصورة حيوان، وعدم حرمة تصوير بعض أعضائه، بل ذلك صريح قوله فيما بعد ذلك.

أقول: لو قام أحدٌ بتصوير بعض أجزاء الحيوان، ففي حرمته نظرٌ بل منع، والأظهر تماميّة ما ذكره، لأنّ الأدلّة متضمّنة لحرمة تصوير الحيوان والإنسان، وهما ليسا من الألفاظ الصادقة على الكلّ وأجزائه، بل يصدقان على الكلّ خاصّة، وعليه فتصوير بعض أعضاء الحيوان لا دليل على حرمته لعدم صدق تصوير الحيوان عليه.

وبذلك ظهر فساد قول المحقّق الإيرواني رحمه الله(2): من أنّ من المحتمل قريباً حرمة كلّ جزءٍ جزءٍ‌، أو حرمة ما يعمّ الجزء والكلّ‌، لما عرفت من عدم الوجه لذلك.

وأيضاً: إنّ ما ذكره من أنّ المدار على الصدق العرفي متينٌ‌، فلا يقدح نقص بعض الأعضاء الذي لا يضرّ نقصه بالصدق العرفي، ويحمل على المنقوش صورة الحيوان بالحمل الشائع، لشمول الأدلّة له.

أقول: وقد يستدلّ لعدم الحرمة في الفرض، بالنصوص الدالّة على رجحان تغيّير الصورة بقلع عينها أو كسر رأسها، بدعوى أنّ تلك النصوص تدلّ على أنّ‌


1) المكاسب: ج 1/189.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 21.

نقص بعض الأعضاء ولو كان هو العين يكفي في عدم الحكم.

وفيه أوّلاً: إنّه حكمٌ متعلّق بمقام آخر، أي كراهة الصلاة والصورة في مقابل المصلّي، أو نحو ذلك، ولا ربط له بالمقام.

وثانياً: إنّه حكمٌ غير لزومي، فلا وجه للتعدّي عنه إلى المقام.

فإن قلت: إنّ تلك النصوص تدلّ على جواز إبقاء الصورة الناقصة، وبالملازمة تدلّ على عدم حرمة الإيجاد.

قلت: أنّه لا ملازمة بين جواز الإبقاء وعدم حرمة الإيجاد.

ويترتّب على ما اخترناه - تبعاً له قدس سره - أنّه لو قام أحدٌ بتصوير نصف الإنسان من رأسه إلى وسطه، فإن قُدّر الباقي موجوداً كما إذا صوّر إنساناً جالساً لا يتبيّن نصف بدنه، أو ملتفّاً بالعباءة أو مغطّى باللّحاف، ورأسه ظاهر، فهو حرام، وإلّا فإن لم يصدق على النصف أنّه إنسانٌ‌، فلا يكون حراماً وإن صدق حَرم.

ودعوى: المحقّق الإيرواني رحمه الله(1)من أنّ صدق حيوان تامّ على النصف غير معقول، وصدق حيوان ناقص لا يُجدي.

غير تامّة: لما حقّقناه في الجزء الأوّل من حاشيتنا على «الكفاية»(2)في مبحث الصحيح والأعمّ من أنّه في الألفاظ الموضوعة للمركّبات ربما يكون الموضوع له عدّة أجزاء فصاعداً، بمعنى أنّ بعض الأجزاء على فرض وجوده داخلٌ في المسمّى، وعدمه لا يضرّ بالصدق، كما في لفظ (الدار) فإنّه موضوعٌ لحيطان وساحة وغرفة، فلو زيدَ على ذلك شيء من سردابٍ ونحوه، دخل في المسمّى، وعدمه لا يضرّ).


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ص 21.

2) حاشية الكفاية لم تطبع لحدّ الآن، راجع زبدة الاُصول: ج 1/91 (ط. ق).

بالصدق، ومن هذا القبيل الأعلام الشخصيّة وأسماء الأجناس كالحيوان والإنسان، فإنّ زيداً مثلاً يصدق على الموجود الخارجي، فلو قطعت رجله ويده ونحوهما لا يكون ذلك مضرّاً بالصدق، كذلك لفظ الإنسان والحيوان، وعلى ذلك فيمكن صدق صورة الحيوان على تصوير نصفه، كما لو صوّره من رأسه إلى آخر بطنه، وعلى ذلك فإن صدق الاسم فهو حرام، وإلّا فلا مجال للحكم بالحرمة.

ثمّ إنّه على الفرض الثاني لو بدا له الإتمام حَرُم ذلك، لأنّه تصوير محرّم، ولو اشتغل بتصوير حيوانٍ وقبل إتمامه انصرف عن ذلك لم يفعل محرّماً إلّابعنوان التجرّئ، إذ ما فعله ليس تصويراً كي يكون حراماً.

أقول: وما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله(1): (من أنّ معنى حرمة الفعل عرفاً ليس إلّا حرمة الاشتغال به عمداً، فلا تراعى الحرمة بإتمام العمل)، أي لو تمّ لا يقتضي ثبوت ما رتّب عليه، لأنّه لو سلّمنا المحرّم هو نفس الفعل لا الهيئة الاجتماعيّة، إلّا أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ المحرّم هو نفس نقش الأجزاء بشرط الانضمام، مع صدق الصورة عليه، وإلّا فلا يكون حراماً، ففي الفرض بما أنّه لا يصدق صورة الحيوان على النقش الحاصل فلا وجه للحرمة.

***0.


1) المكاسب: ج 1/190.

حكم المشتركين في عمل الصورة الواحدة

الفرع السادس: لو اشترك اثنان في عمل صورة، فإن نَقَش أحدهما جملة من الأجزاء، ولم يصدق صورة الحيوان على ما نقشه، ثمّ قام الآخر بإتمامه، فهل يكون المحرّم هو فعل الثاني أم فعل كلّ منهما، أم أنّه لم يفعل واحد منهما حراماً؟

وجوهٌ بل أقوال، أقواها الأوّل، إذ المحرّم هو إيجاد الصورة، وهو إنّما يكون بفعل الثاني، لأنّه الفاعل للحرام.

واستدلّ المحقّق الإيرواني للثاني(1): بأنّه بناءً على كون المحرم هو الإتيان بالهيئة الاجتماعيّة، أي إيجاد الصورة، يمكن أن يقال بأنّ كلّاً منهما فاعلٌ للحرام، إذ الهيئة تحصل بفعل الجميع، فلولا نقش السابق للأجزاء السابقة لم تحصل الهيئة بفعل اللّاحق.

وفيه: أنّ إيجاد الصورة وتحصيل الهيئة إنّما يكون بفعل الثاني، ونقش السابق للأجزاء السابقة إنّما يكون إيجاداً للمقدّمة، فلو حرم لابدَّ وأن يكون من جهة الإعانة على الإثم، وقد عرفت أنّه لا دليل على حرمتها.

واستدلّ للثالث: بأنّ المحرّم هو فعل التصوير، أي نقش مجموع الأجزاء نفسها، وعليه فلم يرتكب أحدٌ منهما حراماً، لأنّ كلّاً منهما نَقَش بعض الأجزاء لا جميعها.

وفيه: إنّ ذلك وإن احتمله الشيخ رحمه الله(2)، إلّاأنّه خلاف الظاهر من الأدلّة، بل الظاهر منها هو حرمة إيجاد الصورة.


1) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/21.

2) المكاسب: ج 1/189.

ولو قارن نقشهما الأجزاء وحصلت الهيئة بفعلهما، فقد يقال بعدم حرمة فعلهما، لأنّ كلّاً منهما نَقَش بعض الأجزاء لا جميعها، لكن يرد عليه ما عرفت آنفاً.

قال السيّد في «الحاشية»: إنّ كلّاً منهما فَعَل حراماً، واستدلّ له(1)بأنّ فاعل إيجاد الصورة في الفرض هو مجموع الاثنين، وهما فاعل واحد ومصوّر واحد، فتحرم عليهما الصورة.

وعليه، فإن كان المحرّم هو نفس الفعل المركّب، فكلّ جزءٍ صادر من أحدهما محكومٌ بالحرمة الضمنيّة، وعلى الوجه الآخر يكون كلّ جزءٍ حراماً مقدميّاً.

وفيه: أنّ ظاهر الأدلّة حرمة إيجاد الصورة، وكلّ واحدٍ منهما لم يُوجِد الصورة بل أوجد بعضها، والمجموع ليس مكلّفاً واحداً كي يصحّ توجه التكليف إليه.

أقول: فالأولى أن يستدلّ له بأنّ المستفاد من الأدلّة كون الإثم هو إيجاد الصورة في الخارج، دون ملاحظة أشخاص الفاعلين وأفرادهم، وعليه فتدلّ على حرمة فعل كلٍّ منهما قوله تعالى‌: (وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ‌) (2)، لأنّ فعلهما تعاونٌ على الإثم، فتدبّر.

***2.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 1/20.

2) سورة المائدة: الآية 2.

حكم اقتناء الصور المحرّمة

أقول: بقي الكلام في جواز اقتناء ما حَرُم عمله من الصور وعدمه، وتنقيح القول فيه يقتضي البحث في مواضع:

الأوّل:

في وجوب محو الصورة وإعدامها وعدمه.

الثاني:

في جواز اقتناء الصور المحرّمة والتزيّين واللّعب بها.

الثالث:

في جواز إيقاع المعاملات عليها.

أمّا الموضع الأوّل:

فالذي يظهر من كلام المحقّق الأردبيلي رحمه الله الذي ذكره الشيخ رحمه الله(1)هو عدم وجوب المحو، وليس كلامه في الاقتناء، ولا ملازمة بين عدم وجوب المحو وجواز الاقتناء الذي هو نوع انتفاع بها، كما لا يخفى‌، وقد نَسَب في «الجواهر» إليه القول بحرمة الإبقاء(2).

وكيف كان، فقد استدلّ على وجوب المحو، وحرمة الإبقاء بوجهين:


1) راجع المكاسب: ج 1/190 وهامشها، حيث ذكر الحكاية عن مفتاح الكرامة: ج 4/49، مجمع الفائدة في لباس المصلّي، وفيه: (ويفهم من الأخبار الصحيحة عدم تحريم إبقاء الصورة) من دون نسبة إلى الأصحاب، مجمع الفائدة: ج 2/93.

2) جواهر الكلام: ج 22/44.

الوجه الأوّل:

أنّ الظاهر من تحريم عمل شي مبغوضيّة وجود المعمول ابتداءً واستدامةً‌، فما دلّ على حرمة عمل الصور يدلّ على وجوب محوها بعد وجودها.

وأُجيب عنه: - كما في «المكاسب»(1)- بأنّ الممنوع هو إيجاد الصورة، وليس وجودها مبغوضاً حتّى يجب رفعه.

وأورد عليه: بأنّ الإيجاد عين الوجود، والتغاير بينهما إنّما يكون بالاعتبار، حيث إنّه بالنسبة إلى الفاعل يكون إيجاداً، وبالنسبة إلى القابل يكون وجوداً، وعليه فحرمة الإيجاد عين مبغوضيّة الوجود وحرمته.

وفيه أوّلاً:

إنّ الوجود المستمرّ في عمود الزمان ينحلّ باعتبار كونه في الآن الأوّل وفي الآنات اللّاحقة إلى الحدوث والبقاء، وحرمة الإيجاد وإن استلزمت بالبرهان المزبور حرمة الوجود في الآن الأوّل الذي هو عين الإيجاد، بل من جهة اتّحادهما يكون التعبير بالملازمة مسامحة، بل هما شيء واحد، إلّاأنّ الكلام إنّما هو في الوجود في الآنات اللّاحقة الذي يعبّر عنه بالبقاء، وليس هو عين الإيجاد، ومعلوم أنّ حرمة الحدوث لا تلازم حرمة البقاء لا حكماً ولا موضوعاً، فما دلّ على حرمة الإيجاد لا يدلّ على حرمة الإبقاء، إلّاإذا قامت قرينة على أنّ الوجه في النهي مبغوضيّة الأثر والوجود المستمرّ في عمود الزمان، كما في النهي عن بيع العبد المسلم إلى الكافر، فإنّ الظاهر - كما ستعرف في محلّه - أنّ الوجه في النهي مبغوضيّة تسلّط3.


1) المكاسب: ج 1/193.

الكافر على المسلم، وكذلك الحال في النهي عن تنجيس المسجد الذي استفادوا منه وجوب إزالة النجاسة عنه.

لا يقال: إنّ مقتضى الحكمة التي ذكرها الشيخ رحمه الله(1)- وهي التشبّه بالخالق - تلازم حرمة الإيجاد لحرمة الإبقاء في المقام، فإنّها مادامت موجودة يكون التشبّه متحقّقاً.

فإنّه يقال: لم يثبت من الدليل كون الحكمة ذلك، كما تقدّم على أنّه لا وجه للتعدّي من جهة الحكمة، لعدم كونها من قبيل العلّة.

وثانياً:

إنّه لو سُلّم تلازم حرمة الإيجاد لحرمة الوجود أو اتّحادهما، فغاية ما يقتضيه هذا البرهان حرمة الإبقاء بالنسبة إلى الموجِد فقط، والكلام إنّما هو في وجوب إتلافه على كلّ أحدٍ وقعت الصورة تحت يده، وذلك بناءً على أنّ دعوى حرمة الإبقاء مبنيّة على اتّحاد الإيجاد والوجود واضح، وأمّا بناءً على كونها مبنيّة على استفادة التلازم بين حرمة الإيجاد وحرمة الوجود من الحكمة، فلأنّ مقتضاها حرمته ممّن يكون ذلك تشبّهاً له بالخالق، وليس هو إلّاالموجد.

وبالجملة: لا ملازمة بين حرمة عمل شيء وبين حرمة إبقائه، بل قد يجب الثاني مع حرمة العمل، كما لو تولّد أحدٌ من الزنا، فإنّ إيجاده حرامٌ وإبقائه واجبٌ‌، بمعنى أنّه يجب حفظه من التلف.5.


1) المكاسب: ج 1/185.

الوجه الثاني:

خبر السكوني، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى المدينة، فقال: لا تَدَع صورةً إلّامحوتها، ولا قبراً إلّاسوّيته، ولا كلباً إلّاقتلته»(1).

وفيه أوّلاً:

أنّه ضعيف السند، فتأمّل.

وثانياً:

أنّه غير متضمّن لقضيّة حقيقة، بل واردٌ في واقعة خارجيّة شخصيّة، ولا نعلم حقيقة الصور التي أمر صلى الله عليه و آله بمحوها، فلعلّها كانت أصناماً تُعبَد.

ودعوى: الشيخ رحمه الله(2): من أنّ سياقه ظاهرٌ في الكراهة، من جهة عموم الأمر بقتل الكلاب، وتسوية القبور.

ممنوعة: إذ الأمر إنّما هو بقتل كلاب المدينة لا مطلق الكلاب، ولعلّها كانت موذيات، كما أنّ الأمر بتسوية القبور إنّما هو في موضوع شخصي، ولعلّه كانت القبور مسنّمات.

فتحصّل: أنّ الأظهر عدم وجوب محو الصورة.

وأمّا الموضع الثاني:4.


1) وسائل الشيعة: ج 3/209 باب 43 من أبواب الدفن وما يناسبه ح 2 رقم 3425، الكافي: ج 6/528 ح 14.

2) المكاسب: ج 1/194.

فالمعروف بين قدماء أصحابنا(1)حرمة اقتنائها والتزيّين بها.

ولعلّ المشهور بين متأخّري المتأخّرين الجواز(2).

واستدلّ للأوّل بوجوه:

الوجه الأوّل:

الملازمة بين حرمة عمل شيء، وبين حرمة اقتنائه والتصرّف فيه والتزيّين به.

وفيه: ما عرفت آنفاً.

الوجه الثاني:

النبويّ المتقدّم، وقد تقدّم ما يرد على الاستدلال به.

الوجه الثالث:

قوله عليه السلام في خبر «تحف العقول»: «إنّما حَرّم اللّه الصناعة التي يجيءُ منها الفساد محضاً، ولا يكون منه وفيه شيءٌ من وجوه الصلاح»(3)، فإنّ مقتضى الحصر المستفاد منه أنّه لا يحرم من الصنائع إلّاما يجيء منه الفساد محضاً، وحيث إنّ عمل الصورة من الصنائع المحرّمة، فهو يدلّ على أنّه ممّا يجيء منه الفساد محضاً، وكلّ ما يجيء منه الفساد محضاً يحرم جميع التقلّبات فيه، ومنها الاقتناء، كما دلّ على ذلك قوله عليه السلام فيه: «وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات»، وقوله عليه السلام فيه أيضاً:

«فكلّ أمرٍ يكون فيه الفساد ممّا هو منهيٌّ عنه - إلى أن قال - فهو حرامٌ بيعه وشرائه6.


1) المقنعة: ص 587، المراسم العلويّة: ص 172، النهاية: ص 363.

2) حكاه آية المحقّق الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 1/234 بقوله: (فالمحكي عن شرح الإرشاد للمحقّق الأردبيلي، وعن جامع المقاصد للمحقّق الثاني هو الجواز.. الخ).

3) وسائل الشيعة: ج 17/85 باب 2 من أبواب ما يكتسب به حديث 1 رقم 22047، تحف العقول: ص 336.

وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه».

وفيه أوّلاً:

إنّ الخبر ضعيف السند، لا مجال للاستناد إليه في الأحكام الشرعيّة كما تقدّم في أوّل الكتاب.

وثانياً:

إنّه يدلّ على حرمة التقلّب في ما حَرُم، وهو في المقام صنعة التصاوير لا وجودها، فلا يدلّ على حرمة التقلّب فيه، لأنّ الاقتناء تقلّب فيه لا فيها.

وثالثاً:

ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)، وحاصل ما ذكره: إنّ حصر الصناعة المحرّمة فيما يجيء منه الفساد محضاً بقرينة الجملة السابقة الواردة في تقسيم الصناعات، إنّما يكون بالنسبة إلى حرمة الصنائع الآتية من قِبل حرمة المصنوع، وعدم وجود المنفعة المحلّلة له، فيدلّ على أنّه إنّما تحرم الصناعة التي ليس لمصنوعها منفعة محلّلة، ولا يحرم ما لمصنوعه جهة صلاحٍ‌، وأمّا حرمة الصناعة الآتية من قِبل نفس الصنع فهي ليست مشمولة لهذه الجملة، فلا يصحّ الاستدلال بها لإثبات أنّ عمل الصورة من الصناعات التي يجيء منها الفساد محضاً، لكونه حراماً من جهة نفس الصنع لا من جهة المصنوع.

الوجه الرابع:

ما دلّ على حرمة اللّعب بالتماثيل، كخبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام4.


1) المكاسب: ج 1/194.

قال: «سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها؟ قال عليه السلام: لا»(1). ونحوه مرفوع المثنّى‌(2).

وفيه أوّلاً:

أنّهما ضعيفا السند.

وثانياً:

إنّ حرمة اللّعب أعمٌّ من حرمة الاقتناء.

وثالثاً:

ما ذكره الشيخ رحمه الله(3)من أنّهما يدلّان على أنّه لا يصلح اللّعب بها، وعدم الصلاحية أعمّ من الحرمة.

ورابعاً:

ما احتمله الأُستاذ الأعظم(4)من احتمال أن يكون المراد بالتماثيل هي القطع التي يلعب بها في الشطرنج التي هي على ستّة أصناف، وكلّ صنفٍ على صورة فيكونان أجنبيّين عن المقام.

الوجه الخامس:

صحيح البقباق عن أبي عبد اللّه عليه السلام الوارد في تفسير قوله تعالى (يَعْمَلُونَ لَهُ ما6.


1) وسائل الشيعة: ج 17/298 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 10 رقم 22578، قرب الإسناد: ص 295 ح 1165.

2) وسائل الشيعة: ج 307/5 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 16 رقم 6623، بحارالأنوار: ج 287/76 ح 8.

3) المكاسب: ج 1/195.

4) مصباح الفقاهة: ج 1/375-376.

يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ‌) (1)، قال عليه السلام: «واللّه ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنّها الشجر وشبهه»(2).

تقريب الاستدلال:

الظاهر أنّ الإنكار إنّما يرجع إلى مشيئة سليمان للمعمول لا العمل، إذ الموصول في (ما يَشاءُ‌) مفعول ل‍ (يَعْمَلُونَ‌) والضمير المحذوف المنصوب ل‍ (ما يَشاءُ‌) يرجع إلى الموصول، فمتعلّق المشيئة نفس المعمول، وإلّا لزم تعلّق العمل بالعمل، وحيث إنّه عليه السلام أنكر مشيئة سليمان لوجود تماثيل الرجال والنساء، فيدلّ على أنّ وجودها من المنكرات.

لا يقال: إنّ لازم هذا البيان دلالة الحديث على وجوب المحو.

فإنّه يقال: إنّه يدلّ على أنّ سليمان لم يشأ أن يكون ما يعمل له للاقتناء والتزيّين تماثيل الرجال والنساء.

أقول: قد أُجيب عنه بعدّة أجوبة:

الجواب الأوّل:

إنّ الصانعين للتماثيل له هم الجِنّ‌، فالاستدلال به على حرمة اقتناء الصور يتمّ بناءً على حرمة التصوير على الجنّ‌، وهو غير ثابت.

وفيه: إنّ الخبر بالتقريب المتقدّم إنّما يدلّ على حرمة اقتناء الصورة من غير نظر إلى أنّ تحقّقها وصدورها عن الفاعل كان عصياناً أم لم يكن.3.


1) سورة سبإ: الآية 13.

2) وسائل الشيعة: ج 17/295 باب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 1 رقم 22569، الكافي: ج 6/476 ح 3.

الجواب الثاني:

ما ذكره الأُستاذ الأعظم(1)من أنّ الظاهر رجوع الإنكار إلى كون التصاوير المعمولة لسليمان تصاوير الرجال والنساء، فلا يدلّ على مبغوضيّة العمل، فضلاً عن مبغوضيّة المعمول، والوجه فيه أنّ تصاوير الرجال والنساء واقتنائها من الأُمور اللّاهية التي لا تليق بمنصب النبوّة، بخلاف تصاوير الشجر وشبهه.

وفيه: إنّ هذا الجواب متين لو لم تكن في الآية الشريفة قوله تعالى: (ما يَشاءُ‌) ، وأمّا مع وجوده فلا يتمّ‌، إذ حينئذٍ يرجع الإنكار إلى مشيئة سليمان عليه السلام، فيدلّ على كون متعلّق المشيئة الذي هو وجود المعمول بالتقريب المتقدّم من المنكرات.

الجواب الثالث:

ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله:(2)(فظاهره رجوع الإنكار إلى مشيئة سليمان على نبيّنا وآله وعليه السلام لعملهم، بمعنى إذنه فيه أو إلى تقريره لهم في العمل).

توضيحه: - على ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين - إنّ مجرّد الميل والحُبّ إلى شيء مرجوح لا ينافي النبوّة ما لم يظهر أثره، فهذه قرينة على رجوع الإنكار إلى الإذن أو التقرير.

وفيه: إنّه يمكن أن يكون راجعاً إلى وجود المعمول وأثره حينئذٍ اقتنائه، فعلى فرض ظهوره في نفسه في الرجوع إلى نفس المعمول، لا وجه لرفع اليد عنه بواسطة ذلك.

فالصحيح في الجواب أن يقال: إنّه إنّما يدلّ الحديث على أن اقتناء تماثيل الرجال5.


1) مصباح الفقاهة: ج 1/376-377.

2) المكاسب: ج 1/195.

والنساء لا يناسب مقام النبوّة، وهو أعمّ من الحرمة.

اللَّهُمَّ إلّاأن يقال: إنّ فعل المكروه لا ينافي مقام النبوّة، فالإنكار دليلٌ على الحرمة.

لا يقال: إنّه يدلّ على الحرمة في تلك الشريعة لا في هذه الشريعة.

فإنّه يقال: إنّ تعرّض الإمام عليه السلام له يدلّ على بقاء هذا الحكم.

الوجه السادس:

مفهوم صحيح زرارة، عن مولانا الباقر عليه السلام: «لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها، وتُرك ما سوى ذلك»(1).

وأجاب عنه الأُستاذ الأعظم(2): بأنّ البأس فيه محمولٌ على الكراهة للصلاة.

وفيه: إنّه خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر منه ثبوت البأس في وجود التماثيل في البيت لا في الصلاة.

وقد يقال: إنّ ثبوت البأس أعمٌّ من الحرمة.

وفيه: إنّه ظاهرٌ في المنع ما لم يثبت الترخيص، كما يظهر لمن راجع معناه اللّغوي.

وعليه، فالإنصاف أنّه يدلّ على عدم جواز الاقتناء، ولكن ستعرف أنّه معارض بما دلّ على الجواز، فيحمل على الكراهة.

الوجه السابع:

ما دلّ على كراهة علي عليه السلام وجود الصورة في البيوت، كالخبر الذي رواه المثنّى‌7.


1) وسائل الشيعة: ج 5/308 باب 4 من أبواب أحكام المساكن ح 3 رقم 6627، الكافي: ج 6/527 ح 8.

2) مصباح الفقاهة: ج 1/377.

عن الإمام الصادق عليه السلام(1)، وخبر حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه(2)، فإنّ ذلك بضميمة ما دلّ على أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن يكره الحلال - كصحيح أبي بصير - يدلّ على حرمة اقتناء الصورة في البيوت.

وفيه أوّلاً:

إنّ الخبرين مجهولان. أمّا الأوّل فلمثنّى‌، وأمّا الثاني فلحاتم.

وثانياً:

إنّ المراد من أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن يكره الحلال، أنّه لم يكن يكره الحلال المتساوي الطرفين، وإلّا فهو كان كارهاً للمكروه قطعاً.

وبذلك يظهر أنّ المراد من الكراهة في الخبرين ما يعمّ الكراهة الاصطلاحيّة.

الوجه الثامن:

خبر الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «اُهدي إليّ طنفسة من الشام عليها تماثيل طائر، فأمرتُ به فغيّر رأسه فجعل كهيئة الشجر»(3).

وفيه: - مضافاً إلى أنّه مرسل - غاية ما يدلّ عليه مرجوحيّة كونها في البيت للصلاة أو مطلقاً، ولا يدلّ على الحرمة، إذ فعله عليه السلام لا يدلّ على اللّزوم كما لا يخفى‌.2.


1) وسائل الشيعة: ج 304/5 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 3 رقم 6610، المحاسن: ج 616/2-617 ح 45.

2) وسائل الشيعة: ج 5/307 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 14 رقم 6621، المحاسن: ج 2/617 ح 47.

3) وسائل الشيعة: ج 5/309 باب 4 من أبواب أحكام المساكن ح 7 رقم 6631، مكارم الأخلاق: ص 132.

الوجه التاسع:

صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ فقال عليه السلام: لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان»(1)

(2و3) المكاسب: ج 1/194.

.

أقول: وتقريب الاستدلال به، ليس ما ذكره الشيخ رحمه الله(2) من أنّ الظاهر من سؤال الراوي عن التماثيل سؤاله عن حكم الفعل المتعارف المتعلّق بها وهو الاقتناء، لأنّه يرد عليه ما ذكره رحمه الله(3) من أنّ عمل الصور مركوزٌ في الأذهان، حتّى أنّ السؤال عن حكم اقتنائها بعد معرفة حرمة عملها، بل من جهة أنّ الظاهر كون المقدّر هو الفعل المتعلّق بالتماثيل بعد وجودها كالاقتناء والتزيّين ونحوهما لا ما هو علّة لوجودها، أو أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فالمقدّر أعمّ من العمل والاقتناء ونحوهما.

وأجاب عنه المحقّق الإيرواني(2): بأنّ ثبوت البأس أعمٌّ من الحرمة.

وفيه: ما عرفت من ظهوره في إرادة الحرمة، فهذا الصحيح أيضاً يدلّ على حرمة الاقتناء.

الوجه العاشر:

خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أتاني جبرائيل قال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام، وينهي عن تزويق البيوت.2.


1) وسائل الشيعة: ج 5/307 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 17 رقم 6624، المحاسن: ج 619/2 ح 54.

2) حاشية المكاسب للإيرواني: ج 1/22.

قال أبو بصير: فقلت: وما تزويق البيوت‌؟ فقال عليه السلام: تصاوير التماثيل»(1).

فإنّ جوابه بقرينة وقوعه تفسيراً ل‍ (تزويق البيوت) الذي هو بمعنى تزيينها، يكون ظاهراً في إرادة الاقتناء وتزيين البيوت بها.

فتحصّل: أنّ صحيح البقباق وخبر أبي بصير وصحيحي زرارة ومحمّد بن مسلم جميعها تدلّ على حرمة الاقتناء والتزيّين بها، إلّاأنّه يتعيّن صرفها عن ظاهرها وحملها على إرادة الكراهة لأجل الصلاة أو مطلقاً، لأنّها معارضة بما دلّ على جواز اقتناء الصور والتماثيل كمرسل ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:

«سألته عن التماثيل تكون في البساط، فتقع عينك عليها، وأنت تُصلّي‌؟

فقال: إنْ كان لها عين واحدة فلا بأس، وإنْ كان لها عينان فلا»(2).

وهذا المرسل بقرينة التفصيل بين أن يكون لها عين واحدة أو عينان مختصٌّ بذوات الأرواح، ولتضمّنه لفظة (التماثيل) الظاهرة في المجسّمة، فهو يدلّ على جواز إبقاء المجسّمة، وأنّ المنع إنّما هو لأجل الصلاة، وهو يرتفع إذا كانت بعين واحدة.

واحتمال وروده في مقام بيان حكم الصلاة خاصّة، وأنّه لا ينافي حرمة الاقتناء، كما ترى خلاف الظاهر جدّاً.

وما أورده الأُستاذ الأعظم(3)على الاستدلال به بأنّه ضعيفٌ للإرسال، وأنّ‌ش.


1) وسائل الشيعة: ج 5/303 باب 3 من أبواب أحكام المساكن ح 1 رقم 6608، الكافي: ج 6/526 ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 4/438 باب 45 من أبواب لباس المصلّي ح 7 رقم 5648، التهذيب: ج 2/363 ح 38، وفيهما: (لها عينان) بدل: (فتقع عينك عليها)، واللّفظ نفسه موجود في الفقيه: ج 1/246-247.

3) مصباح الفقاهة: ج 1/380 في الهامش.

ما اشتهر من أنّ مرسلات ابن أبي عمير من الأمارات المعتبرة، فاسدٌ لما نرى أنّ في أخباره المسندة رجالاً ضعفاء، ونستكشف من ذلك أنّ مرسلاته أيضاً على هذا المنهج.

ودعوى: أنّه لا يرسل إلّاعن الثقة دعوى جزافيّة، إذ لم يثبت لنا ذلك بدليل عقلي أو نقلي.

مع أنّه لو سَلّمنا أنّه لا يرسل إلّاعن الثقة، ولكن ثبوت الصحّة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن، غير تامّ‌، ذلك لأنّ مرسل ابن أبي عمير حجّة لوجهين:

الأوّل:

ما اشتهر من أنّه لا يُرسل إلّاعن الثقة، والدليل على هذا بنحو يخرج عن الدعوى الجزافيّة ما عن «الذكرى» من أنّ الأصحاب أجمعوا على قبول مراسيله(1)، وعن الكشي: (إنّ أصحابنا يسكنون إلى مراسيله)(2).

وما ذكره رحمه الله من أنّه لو ثبت ذلك - أي إنّه لا يُرسل إلّاعن الثقة - لا يُجدي، إذ لعلّه يكتفي في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به، غريبٌ‌، إذ الدليل دلَّ على أنّه لا يُرسل إلّاعن الثقة، لا أنّه لا يرسل إلّاالخبر الصحيح عنده، وعليه فإرساله توثيق لمن أرسل عنه، فيكون كتوثيق النجاشي وغيره.6.


1) الذكرى: ص 4.

2) حكاه في رجال النجاشي: ص 326.

الثاني:

إنّه من الطبقة الثالثة من الطبقات الثلاث من أصحاب الإجماع، وقد حقّقنا في محلّه وأشرنا إليه في الجزء الثاني من هذا الشرح في مبحث الحيض(1)، أنّ المراد من قولهم (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم) اعتبار رواية من قيل في حقّه ذلك لو صحّت من أوّل السند إليه، من دون اعتبار الوثاقة فيمن يروي عنه حتّى لو روى عن معروف بالفسق، فضلاً عمّا لو أرسل الحديث.

أقول: وبما ذكرناه في تقريب الاستدلال، ظهر ضعف ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين رحمه الله من عدم الدليل على جواز اقتناء المجسّمة من ذوات الأرواح، مدّعياً أنّ نصوص الجواز عامة للمجسّمة وغيرها، فتخصّص بما دلّ على المنع، وأمّا صحيح الحلبي المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السلام:

«ربما قمتُ فأصلّي وبين يدي الوسادة وفيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوباً»(2).

فإنّ ظهوره في جواز الاقتناء لا يُنكر، وحمله على ما إذا كان هناك مانع عن الإزالة خلاف الظاهر قطعاً.

ودعوى: أنّه ظاهرٌ في غير المجسّمة.

ممنوعة: إذ يمكن أن يكون في الوسادة مجسّمة من الطير منسوجة عليها كما لا يخفى‌.

وعليه، فلا وجه لرفع اليد عن ظهور التماثيل في المجسّمة.0.


1) فقه الصادق: ج 2/303.

2) وسائل الشيعة: ج 5/170 باب 32 من أبواب مكان المصلّي ح 2 رقم 6244، التهذيب: ج 2/226 ح 100.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ نصوص المنع عن الاقتناء مانعة عن اقتناء التماثيل، وهذا الصحيح مجوّز له، فلا وجه لحمل إحدى الطائفتين على المجسّمة، والأُخرى على غيرها، بل يتعيّن الجمع بينهما إمّا بأنّ‌المنع إنّما هو لأجل الصلاة، أو الحمل على الكراهة.

وخبر علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «عن البيت فيه صورة سمكة أو طير أو شبهها يعبث به أهل البيت، هل يصلح الصلاة فيه‌؟ فقال عليه السلام: لا، حتّى يقطع رأسه منه ويفسد، وإنْ كان قد صَلّى فليست عليه إعادة»(1).

كالصريح في أنّ المنع إنّما هو لأجل الصلاة لا لنفسه.

لا يقال: إنّه أعمّ من النصوص المانعة، فإنّ الصورة أعمّ من المجسّمة وغيرها.

فإنّه يقال: إنّ المراد بها في المقام هي المجسّمة، فإنّ الصورة التي يلعب بها هي المجسّمة، إلى غير ذلك من النصوص الواردة في الأبواب المتفرّقة، فإنّ ملاحظة مجموعها توجبُ القطع بجواز الاقتناء، وإنْ كان بعضها أعمّ من تمثال ذي الروح وغيره، وبعضها ضعيف السند كجملةٍ ممّا ذكره الشيخ رحمه الله في المقام، وبعضها مختصّاً بغير المجسّمة، وبعضها عامّاً من هذه الجهة.

الموضع الثالث:

في جواز إيقاع المعاملات عليها وعدمه.

أقول: بناءً على ما عرفت من جواز اقتنائها والتزيّين بها، فهي من الأشياء التي لها ماليّة ومنفعة محلّلة، فمقتضى العمومات جواز إيقاع المعاوضة عليها، بل الظاهر من بعض النصوص الخاصّة أيضاً الجواز، وهو ما دلّ على اقتناء البسط والوسائد0.


1) وسائل الشيعة: ج 5 باب 32/173 من أبواب مكان المصلّي ح 12 رقم 6254، المحاسن: ج 2/620 ح 60.

التي فيها الصور، فإنّها تُشترى من السوق غالباً.

فتحصّل: أنّ المحرّم خصوص عمل الصور، وأمّا اقتنائها والتزيين بها وبيعها وشرائها فجائزة، واللّه العالم.


وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

فهرس الموضوعات

المكاسب المحرّمة... 7

كتاب المتاجر... 8

أقسام المكاسب... 26

معنى حرمة الاكتساب... 29

حرمة المعاملة لا تستلزم فسادها... 31

المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه... 38

حرمة شرب أبوال ما يؤكل لحمه... 42

الاكتساب بالأبوال... 46

بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه... 50

حكم بيع العذرة... 52

تتميم... 61

بيع السرجين النَّجس... 63

بيع الأرواث الطاهرة... 66

التكسّب بالخَمر وكلّ مسكر... 68

حكم المعاوضة على الميتة... 74

حكم بيع الميتة منضمّة إلى المذكّى... 83

ميتة ما ليس له دمٌ سائل... 91

حكم بيع الدَّم... 92

بيع المني... 96

حكم بيع الكلب... 101

حكم بيع الخنزير... 103

حكم بيع المتنجّس... 107

حكم بيع كلب الصيد... 109

بيع الكلب الحارس... 112

بيع العصير العنبي... 119

المعاوضة على الدُّهن المتنجّس... 128

اشتراط الإستصباح في البيع... 131

وجوب الإعلام بالنجاسة حين البيع... 137

حكم التسبيب من الجاهل بإيجاد الحرام... 139

حكم الإعلام مع عدم التسبيب... 147

حكم الإستصباح تحت الظلال... 153

حكم الانتفاع بالمتنجّس... 157

حكم بيع ما عدا الدُّهن المتنجّس... 168

الانتفاع بالأعيان النجسة... 170

المعاملة على الأعيان النجسة... 177

منشأ ثبوت حقّ الاختصاص... 179

حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة... 183

بيع آلات اللّهو... 191

بيع آلات القمار... 193

بيع أواني الذهب والفضّة... 195

بيع الدراهم المغشوشة... 198

بيع السلاح لأعداء الدِّين... 206

بيع العنب ليُعمل خمراً... 214

حكم بيع الجارية المغنيّة... 220

بيع العنب ممّن يجعله خمراً... 224

الإعانة على الإثم... 230

حقيقة الإعانة ومفهومها... 232

وجوب دفع المنكر... 238

حكم بيع ما لا منفعة فيه... 248

حكم تدليس الماشطة... 254

حكم وصل الشعر بالشعر... 258

تزيين الرّجل بما يحرم عليه... 265

حكم تشبّه كلّ من المرأة والرجل بالآخر... 267

التشبيب بالمرأة الأجنبيّة... 275

حكم الخلوة بالأجنبيّة... 279

حكم التصوير من حيث الحِلّ والحرمة... 287

حكم التصاوير المتعارفة في هذا الزمان... 297

تصوير المَلَك والجِنّ‌... 300

الإعجاب ليس شرطاً للحرمة... 304

لا يعتبر قصد الحكاية في الحرمة... 307

اعتبار الصدق العرفي في حرمة التصوير... 310

حكم المشتركين في عمل الصورة الواحدة... 313

حكم اقتناء الصور المحرّمة... 315

فهرس الموضوعات... 333