ghaemiyeh.com
مستند الشيعة
في أحكام الشريعة
سرشناسه : نراقي، احمدبن محمد مهدي، ۱۱۸۵-۱۲۴۵ق.
عنوان و نام پديدآور : مستندالشيعه في احكام الشريعه/ تاليف احمدبن محمدمهدي النراقي؛ تحقيق موسسه آلالبيت عليهمالسلام لاحياءالتراث.
مشخصات نشر : مشهد: موسسه آل البيت (عليهمالسلام) لاحياء الثرات، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳-
مشخصات ظاهري : ج.
فروست : موسسه آلالبيت لاحياء التراث؛ ۱۵۶، ۱۵۷، ۱۵۸، ۱۶۰، ۱۶۵، ۱۶۶، ۱۶۷، ۱۶۸، ۱۷۱، ۲۴۲.
شابك : ۲۵۰۰ريال: ج.۱964-5503-75-2 : ؛ : ج.۳: 964-5503-78-7 ؛ ۴۰۰۰ ريال: ج.۵: 964-5503-80-9 ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۶) ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۷) ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۸964-5503-83-3 : ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۱۰964-319-014-5 : ؛ ۶۰۰۰ ريال: ج.۱۱964-319-015-3 : ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۲: 964-319-038-2 ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۳: 964-319-073-0 ؛ ۷۵۰۰ ريال: ج.۱۶: 964-319-125-7 ؛ ۷۵۰۰ ريال (ج.۱۷) ؛ ۳۵۰۰۰ ريال: ج.۲۰978-964-319-502-1 :
وضعيت فهرست نويسي : برونسپاري
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳).
يادداشت : ج. ۶ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = [۱۳۷۳]).
يادداشت : ج. ۷ (چاپ اول:۱۴۱۶ق. = [۱۳۷۴]).
يادداشت : ج. ۸ (چاپ اول: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۵).
يادداشت : ج.۱۰و ۱۱و ۱۲(چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۶).
يادداشت : ج. ۱۳ (چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۵).
يادداشت : ج. ۱۶ و ۱۷ (چاپ اول: ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷).
يادداشت : ج.۲۰ (چاپ اول: ۱۴۳۱ق. = ۱۳۸۹).
يادداشت : كتابنامه.
مندرجات : v. 5):)ISBN 964-5503-75-2 (set): ISBN 964-5503-75-2 (8 vols): ISBN 964-5503-82-5 (v.7): ISBN 964-5503-81-7 (v. 6): ISBN 964-5503-80-9
موضوع : فقه جعفري -- قرن ۱۳ق.
شناسه افزوده : موسسة آل البيت عليهمالسلام لاحياء التراث (قم)
رده بندي كنگره : BP۱۸۳/۳/ن۴م۵ ۱۳۷۳
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۴۲
شماره كتابشناسي ملي : م۷۴-۱۲۵۶
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
مستند الشيعة
في أحكام الشريعة
تأليف: العلامة الفقيه المولى أحمد بن محمد مهدي النراقي
المتوفى سنة 1245ه
الجزء الثالث عشر
تحقيق
موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1429ه - 2008 م
موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
بيروت - لبنان - ص ب 34 / 24 - تلفاكس 541431 - هاتف 544805
E-mail:alalbayt@inco.com.lb
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الطواف ، وركعتاه ، والسعي ، وطواف النساء ، وركعتاه.
وسبقت كيفيّة الطواف وركعتيه والسعي في العمرة ، وإنّما بقيت مسائل منها متعلّقة بذلك المقام ، ففي هذا الفصل مسائل :
المسألة الأولى : يجب على الحاجّ - بعد فراغه من مناسك منى ، ويجوز قبله أيضا على القول بجواز تقديم الطواف والسعي على مناسكه كلاّ أو بعضا - المضيّ إلى مكّة - شرّفها اللّه تعالى - لمناسكها ، اتّفاقا نصّا وفتوى.
ويترجّح إيقاع ذلك في يوم النحر ، لاستحباب المسارعة إلى الخيرات ، والتحرّز عن الموانع والأعراض ، والمعتبرة من الأخبار :
كصحيحة محمّد : عن المتمتّع متى يزور البيت؟ قال : « يوم النحر » (1).
1) التهذيب 5 : 249 - 841 ، الاستبصار 2 : 290 - 1030 ، الوسائل 14 : 244 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 5.
وصحيحة ابن عمّار : في زيارة البيت يوم النحر ، قال : « زره ، فإن شغلت فلا يضرّك أن تزور البيت من الغد ، ولا تؤخّر أن تزور من يومك ، فإنّه يكره للمتمتّع ان يؤخّر ، وموسّع للمفرد أن يؤخّر » (1).
ومنصور : « لا يبيت المتمتّع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت » (2).
وهل يجب ذلك بدون العذر ، كما عن النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع (3)، للأخبار المذكورة ، سيّما الأمر ومفهوم الشرط في الثانية ، ولا ينافيه قوله فيها : « يكره » ، لأعمّية الكراهة من الحرمة؟
أو لا يجب ، كما عن الباقين؟
الحقّ هو : الثاني ، وقصور الأخبار المتقدّمة عن إفادة الحرمة ، حتى الأمر والمفهوم المذكور ، لأنّ الأمر في الجواب غير مقيّد بيوم النحر.
ولأنّ الشغل أعمّ من العذر ، والضرر أعمّ من العقاب ، فإنّ حرمان الثواب أيضا ضرر ، وغير الغد أعمّ من يوم النحر ، لأنّ ليلته غير يوم النحر وغير الغد.
وللأخبار المجوّزة للتأخير أو الظاهرة في الاستحباب (4)، كما يأتي.
وعلى هذا ، فيجوز التأخير إلى الليلة.
وتدلّ عليه أيضا صحيحة الحلبي : « ينبغي للمتمتّع أن يزور البيت يوم
1) الكافي 4 : 511 - 4 ، التهذيب 5 : 251 - 853 ، الاستبصار 2 : 292 - 1037 ، الوسائل 14 : 243 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 1.
2) التهذيب 5 : 249 - 842 ، الاستبصار 2 : 290 - 1031 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 6.
3) النهاية : 264 ، المبسوط 1 : 377 ، الوسيلة : 187 ، الجامع للشرائع : 217.
4) الكافي 4 : 511 - 3 ، التهذيب 5 : 249 - 843 ، الاستبصار 2 : 291 - 1032 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 7.
النحر أو من ليلته ، ولا يؤخّر ذلك » (1).
ونحوها صحيحة عمران الحلبي (2).
وإلى الغد ، لقصور ما مرّ من الأخبار - الناهية عن التأخير - لإثبات الحرمة.
ولصحيحة ابن عمّار المتقدّمة (3).
والأخرى : عن المتمتّع متى يزور البيت؟ قال : « يوم النحر أو من الغد ، ولا يؤخّر ، والمفرد والقارن ليسا بسواء ، موسّع عليهما » (4).
وإلى يوم النفر الثاني ، وفاقا للحلّي والغنية والكافي (5)وأكثر المتأخّرين (6)، بل غير نادر منهم.
لقصور ما مرّ عن إفادة الحرمة عن الغد.
ولموثّقة إسحاق : عن زيارة البيت تؤخّر إلى يوم الثالث ، قال : « تعجيلها أحبّ إليّ ، وليس به بأس إن أخّره » (7).
وصحيح ابن سنان : « لا بأس أن تؤخّر زيارة البيت إلى يوم النفر ، إنّما يستحبّ تعجيل ذلك مخافة الأحداث والمعاريض » (8).
1) الكافي 4 : 511 - 3 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 7.
2) التهذيب 5 : 249 - 843 ، الاستبصار 2 : 291 - 1032 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 7.
3) في ص : 6.
4) التهذيب 5 : 249 - 844 ، الاستبصار 2 : 291 - 1036 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 8.
5) الحلي في السرائر 1 : 602 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 582 ، الكافي في الفقه : 195.
6) انظر الدروس 1 : 457 ، الحدائق 17 : 274 ، الذخيرة : 685.
7) الفقيه 2 : 244 - 1170 ، التهذيب 5 : 250 - 845 ، الاستبصار 2 : 291 - 1033 ، الوسائل 14 : 246 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 10.
8) الفقيه 2 : 245 - 1171 ، التهذيب 5 : 250 - 846 ، الاستبصار 2 : 291 - 1034 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 9.
والمرويّ في السرائر عن نوادر البزنطي : عن رجل أخّر الزيارة إلى يوم النفر ، قال : « لا بأس » (1).
خلافا للمحكيّ عن المفيد والسيّد والديلمي والنافع وموضع من الشرائع والإرشاد والتذكرة والمنتهى (2)، وقيل : جماعة من المتأخّرين (3).
للأخبار المتقدّمة القاصرة عن إفادة الحرمة حتى من جهة قوله : « موسّع عليهما » ، إذ في رفع الاستحباب أيضا نوع توسعة.
ومن ذلك يظهر ضعف ما أجيب به عن روايات التأخير من الحمل على غير المتمتّع ، حملا للمطلق على المقيّد.
وإلى آخر ذي الحجّة ، وفاقا للحلّي (4)، وهو ظاهر الاستبصار (5)، وحكي عن المختلف (6)، ونسبه إلى سائر المتأخّرين ، واختاره في المفاتيح (7)وشرحه ، ونسبه في الأخير أيضا إلى أكثر متأخّري أصحابنا.
للأصل ، ولصحيحتي الحلبي وهشام بن سالم :
الاولى : عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح ، قال : « ربّما أخّرته حتى تذهب أيّام التشريق ، لكن لا يقرب النساء والطيب » (8).
1) مستطرفات السرائر : 35 - 48 ، الوسائل 14 : 246 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 11.
2) المفيد في المقنعة : 420 ، السيّد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 69 ، الديلمي في المراسم : 114 ، النافع : 92 ، الشرائع 1 : 265 ، الإرشاد 1 : 335 ، التذكرة 1 : 391 ، المنتهى 2 : 767.
3) انظر الرياض 1 : 404.
4) السرائر 1 : 602.
5) الاستبصار 2 : 291.
6) المختلف : 309.
7) المفاتيح 1 : 363.
8) الفقيه 2 : 245 - 1172 ، التهذيب 5 : 250 - 847 ، الاستبصار 2 : 291 - 1035 ، الوسائل 14 : 243 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 2 بتفاوت.
والثانية : « لا بأس إن أخّرت زيارة البيت إلى أن تذهب أيّام التشريق ، إلاّ أنّك لا تقرب النساء ولا الطيب » (1).
وهما وإن لم تصرّحا بالتأخّر إلى آخر الشهر ، إلاّ أنّهما تدلاّن عليه.
خلافا لموضع من الشرائع وللذخيرة وللمحكيّ عن الغنية والكافي (2)، فلم يجوّزوا التأخير عن آخر أيّام التشريق.
ويدلّ عليه مفهوم الغاية في صحيحة ابن سنان والمرويّ عن النوادر المتقدّمين ، ولكن يجب حملهما على الكراهة ، بقرينة الصحيحتين الأخريين.
مضافا إلى أنّ المفهوم عامّ بالنسبة إلى زمان التأخير ، فيجب التخصيص.
المسألة الثانية : ما مرّ من الخلاف في جواز التأخير وعدمه إنّما هو في المتمتّع ، وأمّا القارن والمفرد فيجوز لهما التأخير طول ذي الحجّة ، بلا خلاف كما قيل (3).
لقوله سبحانه ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ ) (4).
والأصل.
والإطلاقات.
وصحيحتي ابن عمّار المتقدّمتين ، وهما وإن لم تصرّحا بالتأخير إلى آخر الشهر ، إلا أنّ إطلاق جواز التأخير واختصاص المقيّدات بالمتمتّع -
سيّما بضميمة الإجماع المركّب - كاف في إثبات المطلوب.
نعم ، يكره التأخير.
لفتوى الأجلّة ، كما في النافع والشرائع والمنتهى والإرشاد والتحرير والتلخيص (1).
وللعلّة المذكورة في صحيحة ابن سنان المتقدّمة.
المسألة الثالثة : يستحبّ لمن يمضي إلى طواف الحجّ الغسل وتقليم الأظفار وأخذ الشارب.
لرواية عمر بن يزيد : « ثمَّ احلق رأسك ، واغتسل ، وقلّم أظفارك ، وخذ من شاربك ، وزر البيت ، وطف به أسبوعا تفعل كما صنعت يوم قدمت مكّة » (2).
ولو اغتسل لذلك بمنى جاز ، للأصل ، ورواية الحسين (3).
ولو اغتسل نهارا وطاف ليلا أجزأه الغسل ما لم يحدث ما يوجب الوضوء.
لموثّقة إسحاق : عن غسل الزيارة يغتسل الرجل بالنهار ويزور في الليل بغسل واحد ، يجزئه ذلك؟ قال : « يجزئه ما لم يحدث ما يوجب وضوء ، فإن أحدث فليعد غسله بالليل » (4).ت.
1) النافع : 92 ، الشرائع 1 : 265 ، المنتهى 2 : 767 ، الإرشاد 1 : 335 ، التحرير 1 : 109.
2) التهذيب 5 : 250 - 848 ، الوسائل 14 : 247 أبواب زيارة البيت ب 2 ح 2.
3) الكافي 4 : 511 - 1 ، التهذيب 5 : 250 - 849 ، الوسائل 14 : 248 أبواب زيارة البيت ب 3 ح 1.
4) الكافي 4 : 511 - 2 ، وفي التهذيب 5 : 251 - 850 ، الوسائل 14 : 248 أبواب زيارة البيت ب 3 ح 2 ، بتفاوت.
والزيارة أعمّ من زيارة البيت وزيارة المشاهد. والرواية - كما ترى - مختصّة بالغسل نهارا والطواف ليلا.
وقد استدلّ بعضهم على العكس أيضا (1)، وهو غير جيّد ، إلاّ أنّ بعد عدم الحدث يصدق كونه مغتسلا ، فلا حاجة إلى غسل آخر ، إذ لم يستحبّ الغسل في يوم الزيارة أو ليلها ، بل لها نفسها.
ولذا لو أحدث في يوم الغسل استحبّت الإعادة ، كما صرّح به في صحيحة البجلي : عن الرجل يغتسل للزيارة ثمَّ ينام ، أيتوضّأ قبل أن يزور؟ قال : « يعيد غسله ، لأنّه إنّما دخل بوضوء » (2).
ويستحبّ الغسل لدخول مكّة ، لإطلاق صحيحة البجلي المتقدّمة في دخول مكّة لطواف العمرة.
المسألة الرابعة : يستحبّ لمن رجع من منى لطواف البيت أن يقوم على باب المسجد ، ويدعو بالمأثور في صحيحة ابن عمّار ، قال : « فإذا أتيت البيت يوم النحر فقمت على باب المسجد ، فقلت : اللّهم أعنّي على نسكك ، وسلّمني له وسلّمه لي ، أسألك مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي ، وأن ترجعني بحاجتي ، اللّهم إنّي عبدك ، والبلد بلدك ، والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك ، وأؤمّ طاعتك ، متّبعا لأمرك ، راضيا بقدرك ، أسألك مسألة المضطرّ إليك ، المطيع لأمرك ، المشفق من عذابك ، الخائف لعقوبتك ، أن تبلغني عفوك ، وأن تجيرني من النار برحمتك » الحديث (3).1.
ويستحبّ أيضا الدعاء على باب المسجد بالمأثور في موثّقة أبي بصير ، المتقدّمة الإشارة إليها في دخول المسجد لطواف العمرة ، المبتدئ بقوله عليه السلام : « بسم اللّه وباللّه ومن اللّه » الحديث (1).
وأمّا الدعاء المتقدّم في طواف العمرة على باب المسجد ، المبتدأ بقوله : « السلام عليك » ، وحين دخوله ، المبتدأ بقوله : « اللّهم إنّي أسألك في مقامي هذا » المأثورين في صحيحة ابن عمّار (2)، المتقدّمة في طواف العمرة ، فالظاهر اختصاصهما بذلك الطواف ، لقوله في الدعاء الأخير : « في أول مناسكي » كما لا يخفى.
ويستحبّ أيضا ما مرّ في طواف العمرة ، من دخول مكّة والمسجد حافيا خاضعا مع السكينة والوقار ، ودخول المسجد من باب بني شيبة ، لإطلاق الأخبار.
المسألة الخامسة : بعد الفراغ من الدعاء المذكور يأتي الحجر الأسود ، ويفعل كما فعل في طواف العمرة ، ويقول كما قال فيه ، كما صرّح به في صحيحة ابن عمّار المتقدّمة في صدر المسألة السابقة.
وفيها - بعد ما نقلناه - : « ثمَّ تأتي الحجر الأسود فتستلمه وتقبّله ، فإن لم تستطع فاستلمه بيدك وقبّل يدك ، وإن لم تستطع فاستقبله وكبّر وقل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكّة ، ثمَّ طف بالبيت سبعة أشواط كما وصفت لك يوم قدمت مكّة » الحديث (3).1.
المسألة السادسة : ومناسكه بمكّة حينئذ : طواف البيت للحجّ وركعتاه والسعي ، وقد مرّت كيفيّة الثلاثة وواجباتها ومستحبّاتها وأحكامها في العمرة ، والجميع في الموردين على السواء.
المسألة السابعة : قد سبق وجوب تأخير الطواف عن الحلق أو التقصير على المتمتّع ، وكذلك يجب عليه تأخير طواف حجّه وسعيه عن الوقوفين عند جمهور الأصحاب ، كما في الذخيرة (1)، بل بالإجماع المحكيّ عن الغنية والمنتهى والمعتبر والتذكرة وفي المدارك (2).
ويستدلّ عليه بصحيحة ابن عمّار : عن المتمتّع متى يزور البيت؟ قال : « يوم النحر أو من الغد ، ولا يؤخّر ، والمفرد والقارن ليسا بسواء ، موسّع عليهما » (3).
ومحمّد : عن المتمتّع متى يزور البيت؟ قال : « يوم النحر » (4).
وعمر بن يزيد : « ثمَّ احلق رأسك ، واغتسل ، وقلّم أظفارك ، وخذ من شاربك ، وزر البيت وطف به أسبوعا تفعل كما صنعت يوم قدمت بمكّة » (5).
أمر بالحلق والزيارة بعده بلفظة : « ثمَّ » الدالّة على التراخي والترتيب ،
1) الذخيرة : 641.
2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576 ، المنتهى 2 : 708 ، المعتبر 2 : 340 ، التذكرة 1 : 367 ، المدارك 8 : 186.
3) التهذيب 5 : 249 - 844 ، الاستبصار 2 : 291 - 1036 ، الوسائل 14 : 245 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 8.
4) التهذيب 5 : 249 - 841 ، الاستبصار 2 : 290 - 1030 ، الوسائل 14 : 244 أبواب زيارة البيت ب 1 ح 5.
5) التهذيب 5 : 250 - 848 ، الوسائل 14 : 247 أبواب زيارة البيت ب 2 ح 2.
والحلق لا يكون إلاّ بعد الوقوفين.
وصحيحة الحلبي : عن رجل أتى المسجد الحرام وقد أزمع بالحجّ ، يطوف بالبيت؟ قال : « نعم ، ما لم يحرم » (1).
ورواية عبد الحميد بن سعيد : عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحجّ ، ثمَّ طاف بالبيت بعد إحرامه وهو لا يرى أنّ ذلك لا ينبغي له ، أينقض طوافه بالبيت إحرامه؟ قال : « لا ، ولكن يمضي على إحرامه » (2).
ورواية أبي بصير : رجل كان متمتّعا وأهلّ بالحجّ ، قال : « لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات ، فإن طاف قبل أن يأتي منى من غير علّة فلا يعتدّ بذلك الطواف » (3).
ومفهوم الشرط في موثّقة إسحاق : عن المتمتّع إذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض يعجّل طواف الحجّ قبل أن يأتي منى؟ فقال : « نعم ، من كان هكذا يعجّل » (4).
وفي صحيحة الأزرق : عن امرأة تمتّعت بالعمرة إلى الحجّ ، ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم النحر ، أيصلح لها أن تعجّل طوافها - طواف الحجّ - قبل أن تأتي منى؟ قال : « إذا خافت أن تضطرّ إلى
1) الكافي 4 : 455 - 3 ، التهذيب 5 : 169 - 563 ، الوسائل 13 : 447 أبواب الطواف ب 83 ح 4.
2) التهذيب 5 : 169 - 564 ، الوسائل 13 : 447 أبواب الطواف ب 83 ح 6.
3) الكافي 4 : 458 - 4 ، التهذيب 5 : 130 - 429 ، الاستبصار 2 : 229 - 793 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 5.
4) الكافي 4 : 457 - 1 ، الفقيه 2 : 244 - 1169 ، التهذيب 5 : 131 - 432 ، الاستبصار 2 : 230 - 796 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 7.
ذلك فعلت » (1).
ويؤيده مفهوم الوصف في بعض الأخبار الآتية في المعذور (2).
ولا يخفى أنّ تلك الأخبار بجملتها قاصرة عن إفادة الوجوب وإن كان بعضها ظاهرا فيه ، فالأولى الاستدلال ببعض الأخبار المتقدّمة (3)في بيان الواجب الثالث من واجبات الوقوف بمنى ، المتضمّنة لإيجاب الترتيب بين الطواف والحلق المتأخّر عن الوقوفين (4).
إلاّ أنّ بإزاء تلك الأخبار أخبارا دالّة على جواز التقديم :
كموثّقة إسحاق : عن رجل يحرم بالحجّ من مكّة ، ثمَّ يرى البيت خاليا ، فيطوف قبل أن يخرج ، عليه شيء؟ قال : « لا » (5).
وصحيحة عليّ بن يقطين : عن الرجل المتمتّع يهلّ بالحجّ ثمَّ يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى ، قال : « لا بأس » (6).
ونحوها صحيحة البجلي (7).
وصحيحة البختري : في تعجيل الطواف قبل الخروج إلى منى ، فقال : « هما سواء ، أخّر ذلك أو قدّمه » ، يعني للمتمتّع (8).
1) التهذيب 5 : 398 - 1384 ، الوسائل 13 : 415 أبواب الطواف ب 64 ح 2.
2) انظر ص : 17.
3) في ج 12 : 300.
4) في « ح » و « ق » زيادة : وتلك الأخبار كما ترى قاصرة عن افادة الوجوب.
5) الكافي 4 : 457 - 1 ، الفقيه 2 : 244 - 1169 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 7.
6) التهذيب 5 : 131 - 430 ، الاستبصار 2 : 229 - 794 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 3.
7) التهذيب 5 : 477 - 1686 ، الوسائل 11 : 280 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 2.
8) الفقيه 2 : 244 - 1167 ، الوسائل 13 : 416 أبواب الطواف ب 64 ح 3.
وصحيحة جميل وابن بكير : عن المتمتّع يقدّم طوافه وسعيه في الحجّ ، فقال : « هما سيّان قدّمت أو أخّرت » (1).
وقريبة منها موثّقة زرارة (2)، إلى غير ذلك.
وهذه الروايات أصحّ إسنادا وأوضح دلالة.
ويمكن الجمع بينها وبين الأخبار الأولى ، بحمل الاولى على الكراهة بشهادة العرف ، وبحمل الثانية على المعذور بشهادة الأخبار الآتية المجوّزة له التقديم ، وليس هذا التخصيص بأولى من ذلك المجاز ، كما حقّقناه في موضعه ، بل الأول أولى لفهم العرف ، ولولاه أيضا لرجّحه الأصل.
ولذا حكي عن جملة من متأخّري المتأخّرين الميل إلى الجواز لو لا الإجماع (3)، وهو ظاهر الخلاف والتذكرة (4)، ومحتمل التحرير (5)، إلاّ أنّ موافقة الأخبار الأخيرة للعامّة ومخالفتها للشهرة العظيمة القديمة والحديثة يوجب مرجوحيّتها وترجيح الاولى ، فعليه الفتوى.
هذا في غير المعذور.
وأما هو - كامرأة تخاف الحيض المتأخّر ، أو مريض يضعف عن العود ، أو شيخ عاجز يخاف على نفسه الزحام - فيجوز له التقديم ، وفاقا لغير الحلّي (6)، بل إجماعا كما عن الغنية (7).8.
1) التهذيب 5 : 477 - 1685 ، الوسائل 11 : 280 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 1.
2) الكافي 4 : 459 - 1 ، التهذيب 5 : 45 - 134 ، الوسائل 11 : 283 أبواب أقسام الحجّ ب 14 ح 2.
3) حكاه عنهم في الرياض 1 : 419.
4) الخلاف 2 : 350 ، التذكرة 1 : 391.
5) التحرير 1 : 100.
6) السرائر 1 : 575.
7) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 578.
للأخبار المطلقة المجوّزة المتقدّمة ، الغير المرجوحة عن معارضها بالنسبة إلى هذا الفرد.
والأخبار المختصّة به ، كصحيحة الأزرق ، وموثّقة إسحاق المتقدّمتين.
وصحيحة الحلبي : « لا بأس بتعجيل الطواف للشيخ الكبير والمرأة تخاف الحيض قبل أن تخرج إلى منى » (1).
وقويّة إسماعيل بن عبد الخالق : « لا بأس أن يعجّل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحجّ قبل أن يخرجوا إلى منى » (2).
وكذا يجوز للقارن والمفرد تقديم طواف الحجّ والسعي على الوقوفين ، بالإجماع المحكيّ عن الشيخ والغنية (3)، وظاهر المعتبر (4)وغيرها (5).
للأصل ، والمستفيضة ، كصحيحتي ابني أبي عمير وعمّار ، والموثّقات الثلاث لزرارة وإسحاق ، وصحاح ابن عمّار والحلبي وغيرهما (6)، الواردة في حجّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله مفردا ، وتقديمه الطواف والسعي على الوقوف.
ورواية موسى بن عبد اللّه : عن المتمتّع يقدم مكّة ليلة عرفة ، قال : « لا متعة له ، يجعلها حجّة مفردة ، ويطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، ويخرج إلى منى » الحديث (7).
1) الكافي 4 : 458 - 3 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 4.
2) الكافي 4 : 458 - 5 ، التهذيب 5 : 131 - 431 ، الاستبصار 2 : 230 - 795 ، الوسائل 11 : 281 أبواب أقسام الحجّ ب 13 ح 6.
3) الشيخ في الخلاف 2 : 350 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 578.
4) المعتبر 2 : 339.
5) انظر المدارك 8 : 189.
6) الوسائل 11 : أبواب أقسام الحجّ ب 2 و 14.
7) التهذيب 5 : 173 - 581 ، الاستبصار 2 : 249 - 876 ، الوسائل 11 : 298 أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 10.
وأمّا ما في المعتبر والمختلف والمنتهى (1)، من احتمال إرادة التعجيل بعد مناسك منى قبل انقضاء أيّام التشريق وبعده.
فمع كونه تقييدا بلا جهة ، غير جار في الأكثر كما لا يخفى.
خلافا للحلّي (2)هنا أيضا ، فمنع من التقديم ، وهو نادر ضعيف.
وكذا القول بكراهة التقديم ، كما في الشرائع والقواعد (3)، لعدم دليل واضح عليها ، سوى الشبهة الناشئة عن خلاف الحلّي.
وهو ضعيف ، سيّما مع تقديم النبيّ صلی اللّه عليه وآله وأمره بأخذ المناسك عنه.
المسألة الثامنة : يجب - بعد طواف الزيارة والسعي - طواف النساء في الحجّ بأنواعه ، إجماعا محقّقا ، ومحكيا (4)مستفيضا جدّا.
له ، وللأخبار المتواترة معنى ، من الصحاح وغيرها الخالية عن المعارض ، غير خبر ضعيف ، مقطوع ، مردود ، واجب الحمل على التقيّة ، أو على العمرة المتمتّع بها.
وكذا يجب في العمرة المفردة ، بلا خلاف من غير الجعفي (5)، بل بالإجماع المحقّق ، والمحكيّ عن الغنية والمنتهى والتذكرة (6)وغيرها (7).
للمستفيضة (8)الصحيحة وغيرها ، والمنجبرة كلاّ.
1) المعتبر 2 : 339 ، المختلف : 262 ، المنتهى 2 : 709.
2) السرائر 1 : 575.
3) الشرائع 1 : 271 ، القواعد 1 : 84.
4) كما في المنتهى 2 : 768.
5) حكاه عنه في الدروس 1 : 329.
6) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 578 ، المنتهى 2 : 768 ، التذكرة 1 : 391.
7) كالرياض 1 : 420.
8) الوسائل 13 : 442 أبواب الطواف ب 82.
ثمَّ إنّه يستدلّ للجعفي بأخبار قاصرة دلالة ، أو مطروحة قطعا ، من حيث موافقتها للعامّة طرّاً ، ومخالفتها لعمل الطائفة جلاّ.
ويختصّ بها ولا يجب في العمرة المتمتّع بها ، على الأظهر الأشهر ، بل المعروف بين الأصحاب ، كما في الذخيرة (1)، بل ادّعى عليه الإجماع بعض من تأخّر (2).
للصحاح المستفيضة أيضا :
منها : صحيحة محمّد بن عيسى : « أمّا العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء ، وأمّا التي يتمتّع بها إلى الحجّ فليس على صاحبها طواف النساء » (3).
وصحيحة صفوان : رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فطاف وسعى وقصّر ، هل عليه طواف النساء؟ قال : « لا ، إنّما طواف النساء بعد الرجوع من منى » (4).
ومنها : الأخبار (5)الكثيرة الواردة في مجامعة النساء قبل التقصير ، والاكتفاء في تلك الحال بقطع شيء من الشعر.
وحكي عن بعض الأصحاب وجوبها فيها أيضا (6)، ولعلّه لرواية
1) الذخيرة : 641.
2) مفاتيح الشرائع 1 : 364.
3) الكافي 4 : 538 - 9 ، التهذيب 5 : 163 - 545 ، الاستبصار 2 : 245 - 854 ، الوسائل 13 : 442 أبواب الطواف ب 82 ح 1.
4) التهذيب 5 : 254 - 862 ، الاستبصار 2 : 232 - 805 ، الوسائل 13 : 444 أبواب الطواف ب 82 ح 6.
5) الوسائل 13 : 442 أبواب الطواف ب 82.
6) انظر الدروس 1 : 329.
المروزي المتقدّمة في المسألة الثالثة من بحث التحليل (1)، القاصرة سندا ودلالة ومقاومة لما مرّ.
المسألة التاسعة : لا يختصّ وجوب ذلك الطواف بالرجال ، ولا بمن من شأنه الوطء ، بل يجب على كلّ أحد ، رجلا كان أو امرأة أو صبيّا أو همّا (2)لا يقدر على الوطء أو خصيّا ، بالإجماعين (3).
للإطلاقات (4)، وخصوص صحيحة ابن يقطين : عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال : « نعم ، عليهم الطواف كلّهم » (5).
المسألة العاشرة : طواف النساء كطوافي العمرة والحجّ ، كيفية وشرطا وحكما وصلاة.
المسألة الحادية عشرة : لا يجوز تقديم طواف النساء على الوقوفين وسائر المناسك للمتمتّع وغيره اختيارا ، بلا خلاف ، بل بالإجماع كما قيل (6)، بل محقّقا.
لما يأتي من وجوب تأخيره عن السعي المتأخّر عن سائر المناسك.
ولموثّقة إسحاق : المفرد بالحجّ إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة أيعجل طواف النساء؟ قال : « لا ، إنّما طواف النساء بعد ما يأتي منى » (7).
1) راجع ج 12 : 391.
2) الهمّ بالكسر : الشيخ الكبير البالي - لسان العرب 12 : 621.
3) المنتهى 2 : 768 ، كشف اللثام 1 : 343.
4) الوسائل 13 : 298 أبواب الطواف ب 2.
5) الكافي 4 : 513 - 4 ، التهذيب 5 : 255 - 864 ، الوسائل 13 : 298 أبواب الطواف ب 2 ح 1.
6) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 578 ، كشف اللثام 1 : 344 ، رياض المسائل 1 : 418.
7) الكافي 4 : 457 - 1 ، التهذيب 5 : 132 - 435 ، الاستبصار 2 : 230 - 797 ، الوسائل 11 : 283 أبواب أقسام الحجّ ب 14 ح 4.
ولا يضرّ اختصاص السؤال بالمفرد ، لعموم قوله : « إنّما » إلى آخره ، مضافا إلى عدم القول بالفصل.
وأمّا رواية الحسن بن عليّ ، عن أبيه : « لا بأس بتعجيل طواف الحجّ وطواف النساء قبل الحجّ يوم التروية قبل خروجه إلى منى » (1).
فلشذوذها بالإطلاق لا تعارض ما مرّ.
وكذا لا يجوز تقديمه على السعي بالإجماع.
له ، ولمرسلة أحمد : متمتّع زار البيت ، فطاف طواف الحجّ ، ثمَّ طاف طواف النساء ، ثمَّ سعى ، قال : « لا يكون السعي إلاّ قبل طواف النساء » ، فقلت : عليه شيء؟ قال : « لا يكون السعي إلاّ قبل طواف النساء » (2).
وصحيحة ابن عمّار في زيارة البيت يوم النحر ، إلى أن قال : « ثمَّ طف بالبيت سبعة أشواط كما وصفت لك يوم قدمت مكّة ، ثمَّ صلّ عند مقام إبراهيم » إلى أن قال : « ثمَّ اخرج إلى الصفا فاصعد عليه » إلى أن قال : « فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه إلاّ النساء ، ثمَّ ارجع إلى البيت فطف به أسبوعا ، ثمَّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ، ثمَّ قد أحللت من كلّ شيء وفرغت من حجّك كلّه وكلّ شيء أحرمت [ منه ] (3)».
ولا يعارضهما إطلاق موثّقة سماعة : عن رجل طاف طواف الحجّ وطواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا والمروة ، قال : « لا يضرّه ، يطوف
1) التهذيب 5 : 133 - 437 ، الاستبصار 2 : 230 - 798 ، الوسائل 13 : 415 أبواب الطواف ب 64 ح 1.
2) الكافي 4 : 512 - 5 ، التهذيب 5 : 133 - 438 ، الاستبصار 2 : 231 - 799 ، الوسائل 13 : 417 أبواب الطواف ب 65 ح 1.
3) الكافي 4 : 511 - 4 ، التهذيب 5 : 251 - 853 ، الوسائل 14 : 249 أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1 ، بدل ما بين المعقوفين في النسخ : به ، وما أثبتناه من المصادر.
بين الصفا والمروة ، وقد فرغ من حجّه » (1).
للشذوذ ، ومخالفة الإجماع.
ولو قدّمه عليه أو على الوقوفين نسيانا لم يعده وأجزأه ، للموثّقة المذكورة.
وصحيحة جميل : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أتاه أناس يوم النحر ، فقال بعضهم : يا رسول اللّه ، حلقت قبل أن أذبح ، وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئا كان ينبغي لهم أن يقدّموه إلاّ أخّروه ، ولا شيئا كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلاّ قدموه ، فقال صلی اللّه عليه وآله : لا حرج » (2).
وبمضمونها رواية البزنطي ، وفيها : « لا حرج لا حرج » (3).
وهما وإن كانتا شاملتين للعامد أيضا ، إلاّ أنّه خرج بالإجماع ، وكذا وإن كانتا معارضتين للمرسلة المذكورة ، إلاّ أنّ الموجب لترجيحها - وهو الإجماع - هنا مفقود ، بل لو كان إجماع فعلى ترجيحهما ، ولولاه أيضا يجب الرجوع إلى الأصل.
ومنه يعلم أنّ مقتضى الدليل : كون الجاهل أيضا كالناسي ، ولكن قيل : إنّ حكمه عند أكثر الأصحاب كالعامد (4).
ولا يخفى أنّ بمجرد ذلك لا يمكن رفع اليد عن الدليل ، فإلحاقه
1) الكافي 4 : 514 - 7 ، الفقيه 2 : 244 - 1166 ، التهذيب 5 : 133 - 439 ، الاستبصار 2 : 231 - 800 ، الوسائل 13 : 418 أبواب الطواف ب 65 ح 2.
2) الكافي 4 : 504 - 1 ، الفقيه 2 : 301 - 1496 ، التهذيب 5 : 236 - 797 ، الاستبصار 2 : 285 - 1009 ، الوسائل 14 : 155 أبواب الذبح ب 39 ح 4. بتفاوت.
3) الكافي 4 : 504 - 2 ، التهذيب 5 : 236 - 796 ، الاستبصار 2 : 284 - 1008 ، الوسائل 14 : 156 أبواب الذبح ب 39 ح 6.
4) انظر الرياض 1 : 420.
بالناسي أقوى.
ويجوز تقديمه على الوقوفين والسعي مع العذر والضرورة ، ومنها : مخافة الحيض.
لإطلاق ( رواية الحسن بن علي (1)و) (2)الموثّقة الثانية (3)وما بعدها ، ولا يضرّها إطلاق الموثّقة الاولى (4)والمرسلة (5)بالتقريب المتقدّم.
وقال نادر بعدم جواز التقديم حينئذ أيضا (6)، ولا دليل يعتدّ به ، وبعض الأخبار الظاهرة فيه مع خوف الحيض معارض بمثله وغيره ، فالأصل هو المرجع.
المسألة الثانية عشرة : قد مرّت أحكام ترك طواف العمرة والحجّ.
وأمّا طواف النساء فلا يبطل الحجّ بتركه ولو عمدا أو جهلا ، من غير خلاف ، كما عن السرائر وفي المفاتيح (7)، بل بالاتفاق ، كما في شرحه ، بل بالإجماع ، كما في المسالك (8).
لأصالة عدم ربطه بالنسك ربط الجزئيّة ، وخروجه عن حقيقته.
ومنه يظهر ضعف ما في الذخيرة ، من أنّ مقتضى ما مرّ في ترك طواف الفريضة من عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه : بطلان الحجّ هنا أيضا (9).
وتدلّ على خروجه عن الحقيقة أيضا الصحاح المستفيضة : كصحيحة ابن عمّار في القارن ، حيث قال في بيان نسكه : « وطواف بعد الحجّ ، وهو طواف النساء » (1)، ونحوها صحيحة أخرى له (2)، وصحيحة الحلبي (3)أيضا.
وصحيحة الخزّاز : امرأة معنا حائض ولم تطف طواف النساء ، ويأبى الجمّال أن يقيم عليها ، فأطرق وهو يقول « لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها ولا يقيم عليها جمّالها » ، ثمَّ رفع رأسه فقال : « تمضي ، فقد تمَّ حجّها » (4).
ولا يضرّ اختصاص هذه الأخبار بالحجّ وعدم جريانها في العمرة بعد عدم القول بالفصل وما مرّ من الأصل.
نعم ، يمكن الخدش في الأخيرة أنّها تدلّ على تمام الحجّ حال الاضطرار لا مطلقا.
والجواب - بأنّ موردها وإن اختصّ بها لكن العبرة بعموم الجواب - ضعيف في الغاية ، إذ لا عموم في الجواب أصلا.
وليس في قوله عليه السلام في بعض الأخبار ، كصحيحة ابن عمّار : « على المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ ثلاثة أطواف » إلى أن قال : « وعليه للحجّ طوافان » (5)دلالة على دخول الطوافين في حقيقة الحجّ ، إذ وجوبه للحجّ
1) التهذيب 5 : 41 - 122 ، الوسائل 11 : 212 أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 1.
2) الكافي 4 : 296 - 2 ، الوسائل 11 : 221 أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 12.
3) التهذيب 5 : 42 - 124 ، الوسائل 11 : 218 أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 6.
4) الكافي 4 : 451 - 5 ، الفقيه 2 : 245 - 1176 ، الوسائل 13 : 452 أبواب الطواف ب 84 ح 13 ، بتفاوت.
5) الكافي 4 : 295 - 1 ، التهذيب 5 : 35 - 104 ، الوسائل 11 : 220 أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 8.
لا يدلّ على كونه جزءا منه ، كما يقال : وعلى المكلّف الوضوء للصلاة.
نعم ، يجب عليه الإتيان به حينئذ متى كان بالإجماع ، لاشتغال ذمّته به ، ولفحوى ما دلّ على وجوب الإتيان به للناسي متى تذكّر ، وكذلك في صورة النسيان من غير خلاف فيه ، ولا في جواز الاستنابة فيه ، وتدلّ عليهما الأخبار الآتية.
وإنّما الخلاف في أنّه هل تجب المباشرة فيه بنفسه إلاّ مع تعذّره أو تعسّره فيستنيب ، أو تجوز الاستنابة فيه مطلقا؟
الأول : - وهو الأظهر - للشيخ 1 في التهذيب والفاضل في المنتهى (1)، لأصالة بقاء حرمة النساء وعدم الانتقال إلى الغير.
وصحيحة ابن عمّار المتقدّمة في المسألة السابقة ، فإنّ لفظة : « لا يصلح » تدلّ على عدم الجواز ، كما بيّناه مفصّلا في كتاب عوائد الأيّام ، بل في قوله فيها : « لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت » أيضا دلالة واضحة عليه ، لتعليقه الحلّية على زيارته (2)في مباشرته بنفسه.
وعلى هذا ، فتدلّ عليه أيضا صحيحة أخرى له : رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله ، قال : « لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت » ، وقال : « يأمر من يقضي عنه إن لم يحجّ ، فإن توفّي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليّه أو غيره » (3).
وثالثة : في رجل نسي طواف النساء حتى أتى الكوفة ، قال : « لا تحلّ
له النساء حتى يطوف بالبيت » ، قلت : فإن لم يقدر؟ قال : « يأمر من يطوف عنه » (1).
دلّت على عدم حصول الحلّية إلاّ بطوافه بنفسه ، خرجت صورة عدم القدرة ، بل التعسّر - بالإجماع ، ونفي العسر والحرج ، والصحيحة الأخيرة ، بل المتقدّمة عليها ، حيث جوّز الأمر بالقضاء في صورة عدم رجوعه بنفسه ، المشتملة على التعسّر غالبا - فيبقى الباقي.
والثاني : للأكثر ، كما صرّح به جمع (2)، لإطلاق صحيحة رابعة لابن عمّار : عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع إلى أهله ، قال : « يرسل فيطاف عنه ، فإن توفّي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليّه » (3)، وقريب من صدرها المرويّ في مستطرفات السرائر (4)، بل بعمومهما الحاصل من ترك الاستفصال.
وكذا خامسة له أيضا يأتي ذكرها.
بل يدلّ عليه إطلاق الصحيحة الثانية له أو عمومها أيضا ، لاشتمالها على الأمر بالقضاء - في صورة عدم حجّه بنفسه - مطلقا ، سواء تعذّر حجّه أم لا ، بل هو قرينة على أنّ المراد من قوله : « حتى يزور البيت » في صدرها : حتى تحصل زيارته بنفسه أو بغيره.
بل عليه قرينة أخرى أيضا ، وهي صحيحة خامسة لابن عمّار : رجل
نسي طواف النساء حتى رجع إلى أهله ، قال : « يأمر من يقضي عنه إن لم يحجّ ، فإنّه لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت » (1).
فإنّ تعليل الأمر بالاستنابة بهذه العلّة قرينة على أن المراد بطوافه بالبيت أعمّ من طوافه بنفسه أو بنائبه.
وعلى هذا ، فيكون قوله : « حتى يزور البيت » أو : « يطوف » دليلا آخر على المطلوب أيضا.
بل استدلّ بعضهم (2)بالصحيحة الاولى له أيضا ، لظهور نفي الصلاحيّة في الكراهة ، ولو منع فلا أقلّ من عمومه لها وللحرمة ، فلا يكون ذلك للقول المخالف بحجّة.
أقول : أمّا الاستدلال بالصحيحة الأولى ، ففاسد ، لما أشرنا إليه من دلالة نفي الصلاحيّة على الفساد.
وأمّا الاستدلال بقوله : « حتى يزور » أو : « يطوف » بالتقريب المتقدّم ، فكذلك أيضا ، لكونه حقيقة في مباشرته بنفسه وعدم صلاحيّة ما ذكره قرينة للتجوّز فيه.
وأمّا الصحيحة الخامسة ، فلأنّه إنّما تصلح قرينة لو كان المستتر في « يطوف » راجعا إلى المقضيّ عنه ، وأمّا إذا رجع إلى القاضي فلا تكون قرينة أصلا ، سيّما إذا كان قوله : « فإنّه لا تحلّ له النساء » إلى آخره ، تفريعا لا تعليلا.
وأمّا قوله : « يأمر من يقضي عنه » فظاهر ، لأنّ تجويز الأمر بالقضاء في صورة عدم حجّه بنفسه لا يدلّ على أن المراد بقوله : « يزور » هو المعنى
الأعمّ.
فلم تبق إلاّ الإطلاقات المعارضة لمثلها من الصحيحة الاولى والثالثة ، الموجب لتركهما والرجوع إلى الأصلين المتقدّمين ، لو لا ترجيح الصحيحة الثالثة بالأخصيّة المطلقة ، حيث إنّ ذيلها قرينة على أنّ معنى قوله : « حتى يطوف بالبيت » أنّه مع القدرة ، ومرجوحيّة الإطلاقات الأخيرة باحتمال ورودها مورد الغالب ، وهو صورة التعسّر أو التعذّر في العود.
فرع : لو مات ولم يطف ولو استنابة قضاه عنه الوليّ أو غيره ، لما مرّ من الروايات المتكثّرة.
للإتيان بمنسكيه الواجبين وسائر مستحبّاته.
اعلم أنّه إذا قضى الحاجّ مناسكه بمكّة من الطوافين والسعي بينهما وجب عليه العود إلى منى إجماعا لما بقي عليه من المناسك ، وهي أمران واجبان : البيتوتة بمنى ، ورمي الجمار الثلاث ، وبعض المستحبّات ، فهاهنا أبحاث ثلاثة :
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يجب على الحاجّ البيتوتة بمنى ، إجماعا محقّقا ، ومنقولا في المنتهى والتذكرة والمفاتيح (1)وشرحه وغيرها (2)، وهو مذهب أكثر العامّة كما حكاه جماعة (3).
والإجماع هو الحجّة فيه ، مضافا إلى صحيحة ابن عمّار : « لا تبت ليالي التشريق إلاّ بمنى ، فإن بتّ بغيرها فعليك دم ، فإن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلاّ وأنت بمنى ، إلاّ أن يكون شغلك بنسكك أو قد خرجت من مكّة ، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك أن تصبح بغيرها » (4).
والأخرى : « إذا فرغت من طوافك للحجّ وطوافك للنساء فلا تبت إلاّ بمنى ، إلاّ أن يكون شغلك في نسكك ، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك أن تبيت بغير منى » (5).
وصحيحة العيص : عن الزيارة من منى ، قال : « إن زار بالنهار أو
1) المنتهى 2 : 769 ، التذكرة 1 : 392 ، المفاتيح 1 : 377.
2) كالرياض 1 : 425.
3) انظر المنتهى 2 : 769 ، والرياض 1 : 425.
4) الكافي 4 : 514 - 1 ، التهذيب 5 : 258 - 878 ، الاستبصار 2 : 293 - 1045 ، الوسائل 14 : 254 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8 ، بتفاوت.
5) التهذيب 5 : 256 - 868 ، الوسائل 14 : 251 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 1.
عشاء فلا ينفجر الفجر إلاّ وهو بمنى ، وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس أن ينفجر الفجر وهو بمكّة » (1).
ورواية جعفر بن ناجية : « إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلاّ وهو بمنى ، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها » (2).
ودلالة الثلاثة الأخيرة على الوجوب من جهة دلالة مفاهيمها على ثبوت الضرر أو البأس مع الترك.
ومرسلة الفقيه الواردة في علل المناسك ، وهي طويلة ، وفيها : « وأذن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله للعبّاس أن يبيت بمكّة ليالي منى من أجل سقاية الحاجّ » (3).
إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة (4)، إلاّ أنّ كثيرا منها قاصرة عن إفادة الوجوب ، حتى المثبتة للدم على تارك البيتوتة ، لما ذكرنا مرارا من عدم الملازمة. وفيما ذكرنا للمطلوب كفاية.
وعن الشيخ في التبيان : استحبابها (5).
وهو شاذّ مخالف للإجماع ، وبعض الأخبار الظاهر فيه محمول على بعض الصور ، الذي يجوز فيه الترك ، كما يأتي.
1) الكافي 4 : 514 - 2 ، التهذيب 5 : 256 - 870 ، الوسائل 14 : 252 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 4 ، بتفاوت.
2) الفقيه 2 : 287 - 1409 ، الوسائل 14 : 257 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 20.
3) الفقيه 2 : 129 ، الوسائل 14 : 258 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 21 ، ورواها فيه عن العلل. بتفاوت يسير.
4) انظر الوسائل 14 : 251 أبواب العود إلى منى ب 1.
5) التبيان 2 : 154.
وأمّا ما في بعض الكتب من جعلها من السنّة ، أو حصر واجبات الحجّ في غيرها ، أو الحكم بأنّه إذا طاف النساء تمّت مناسكه (1).
فلا ينافي ما مرّ ، لجواز أن يراد بالسنّة مقابل الفرض ، وخروجها عن الحجّ وإن وجبت.
ويجب أن تكون البيتوتة المذكورة في ليلتين من ليالي التشريق : الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة مطلقا ، والثالثة عشرة في بعض الصور الآتي ذكره إن شاء اللّه ، بالإجماعين أيضا (2)، وهو الدليل عليه.
مضافا إلى صحيحة ابن عمّار الأولى المتقدّمة ، وصحيحته الأخرى الواردة في حجّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله الطويلة ، وفيها : « وحلق ، وزار البيت ، ورجع إلى منى ، فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيّام التشريق ، ثمَّ رمى الجمار ، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح » (3).
وفعله ذلك - لكونه بيانا لمجمل أمر يؤخذ بيانه عنه بقوله : « خذوا عنّي مناسككم » - حجّة.
ولم أعثر على خبر آخر يتضمّن تفصيل زمان البيتوتة ، إلاّ أنّ ما ذكرناه كاف في المطلوب ، والصحيحة الاولى وإن تضمّنت الليلة الثالثة أيضا بالإطلاق ، إلاّ أنّها خرجت في بعض صورها بالأدلّة الآتية.
وتجب النيّة في البيتوتة مقارنة لأول الليل بعد تحقّق الغروب ، والواجب فيها قصد الفعل - وهو المبيت تلك الليلة - والقربة ، وسائر ما لا
يتعيّن إلاّ بالنيّة على ما مرّ غير مرّة.
ولو بات وأخلّ بالنيّة عمدا أثم ، كذا قيل (1)، ولعلّ المراد : الإثم لقصد المخالفة أو الاستخفاف ، لا لترك البيتوتة ، لحصولها قطعا. وعلى هذا فلا يلزم عليه فداء ، لأنّه مرتّب على ترك البيتوتة ، وهي غير متحقّقة.
المسألة الثانية : لو ترك البيتوتة بمنى كان عليه الفداء دم شاة ، بالإجماع المحكيّ عن الخلاف والغنية والمنتهى وفي المفاتيح وشرحه (2)، للمستفيضة من النصوص ، كصحيحة ابن عمّار المتقدّمة.
وصفوان : قال : قال أبو الحسن عليه السلام : « سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكّة ، فقلت : لا أدري » ، فقلت له : جعلت فداك ، ما تقول فيها؟ قال : « عليه دم إذا بات » ، فقلت : إن كان حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذّة ، أعليه مثل ما على هذا؟ قال : « ليس هذا بمنزلة هذا ، وما أحبّ له أن ينشقّ الفجر إلاّ وهو بمنى » (3).
وعلي : عن رجل بات بمكّة في ليالي منى حتى أصبح ، قال : « إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه » (4).
وجميل : « من زار فنام في الطريق ، فإن بات بمكّة فعليه دم ، وإن كان
1) كما في كشف اللثام 1 : 377.
2) الخلاف 2 : 358 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581 ، المنتهى 2 : 770 ، المفاتيح 1 : 377.
3) التهذيب 5 : 257 - 871 ، الاستبصار 2 : 292 - 1038 ، الوسائل 14 : 252 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 5 ، بتفاوت.
4) التهذيب 5 : 257 - 873 ، الاستبصار 2 : 292 - 1040 ، الوسائل 14 : 251 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 2.
قد خرج منها فليس عليه شيء وإن أصبح دون منى » (1).
وخبر جعفر بن ناجية : عمّن بات ليالي منى بمكّة ، فقال : « عليه ثلاثة من الغنم يذبحهن » (2).
أ : صريح الأكثر : أنّ الدم الواجب هو الشاة ، ولعلّه بقرينة الرواية الأخيرة ، وإلاّ فالدم في أكثر الروايات مطلق مقتضاه التخيير ، ولكن يجب تقييده بالخبر الأخير مع الإجماع المركّب.
ب : اختلفت تعبيراتهم في الفداء :
فمنهم من صرّح بأنّ لكلّ ليلة شاة (3)، فلليلة واحدة شاة ، ولليلتين شاتان ، وللثلاث ثلاث.
ومنهم من قال - بعد ذكر الوجوب في الليلتين الأوليين ابتداء - : إنّ لكلّ ليلة شاة (4)، مدّعيا بعضهم الإجماع عليه (5).
وهذا محتمل لاختصاص الكفّارة بالليلتين ، ومحتمل لأن يكون حكم الكفّارة للّيالي الثلاث.
ومنهم من صرّح باختصاص الكفّارة بالليلتين ، إلاّ مع وجوب الليلة
1) الكافي 4 : 514 - 3 ، التهذيب 5 : 259 - 881 ، الاستبصار 2 : 294 - 1048 ، الوسائل 14 : 256 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 16.
2) الفقيه 2 : 286 - 1406 ، التهذيب 5 : 489 - 1751 ، الاستبصار 2 : 292 - 1039 ، الوسائل 14 : 253 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 6.
3) كما في المفاتيح 1 : 377 ، والمدارك 8 : 223.
4) كما في المنتهى 2 : 770 ، وكشف اللثام 1 : 377.
5) الخلاف 2 : 358 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581.
الثالثة ، كما في الشرائع والنافع (1)
ومنهم من قال بوجوب الثلاث في الليالي الثلاث ، من غير ذكر حكم الليلة الواحدة أو الليلتين ، كالشيخ في النهاية والإسكافي والحلّي والمختلف (2)، وإن أطلق بعض هؤلاء أولا بوجوب الدم بالبيتوتة في غير منى (3).
ومنهم من قال بوجوب البيتوتة في ليالي التشريق ووجوب الدم مع البيتوتة في غيره ، كالعماني والمقنعة والهداية والمراسم والكافي وجمل العلم والعمل (4).
وهذا محتمل للأول ، وللبيتوتة بين الليلة والليلتين والثلاث ، ولعدم وجوب الكفّارة إلاّ بالثلاث ، حيث عبّروا بلفظ الجمع في الليالي.
ولا يخفى أنّ المستفاد من صحيحتي ابن عمّار وعليّ : وجوب الدم ببيتوتة الليالي في غير منى ، ولا يستفاد منهما حكم الليلة والليلتين ، ولا قدر الدم.
ومن خبر جعفر : وجوب الثلاث في الثلاث ، فإذا حمل المجمل على المبيّن ثبتت الثلاث في الثلاث.
ومن صحيحة صفوان صريحا ومن صحيحة جميل إطلاقا : وجوب
1) الشرائع 1 : 275 ، المختصر النافع : 96.
2) النهاية : 266 ، حكاه عن الإسكافي في المختلف : 310 ، الحلي في السرائر 1 : 604 ، المختلف : 310.
3) كالحلّي في السرائر 1 : 604 ، والإسكافي على ما حكاه عنه في المختلف : 310.
4) حكاه عن العماني في المختلف : 310 ، المقنعة : 421 ، الهداية : 64 ، المراسم : 115 ، الكافي : 198 ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 69.
الدم في الليلة والليلتين أيضا من غير تعيين قدر الدم ، ولا تنافي بينهما وبين الأخبار الأول ، ومقتضاهما بضميمة الأصل : وجوب دم شاة في غير الثلاث ، وذلك أحد محتملات قول الإسكافي والحلّي ومن قال بمقالتهما ، فهو الأقوى وعليه الفتوى.
وأمّا صحيحة العيص : عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى ، قال : « ليس عليه شيء وقد أساء » (1).
فحملها بعضهم على الجاهل ، أو الليلة الثالثة ، أو بعد انتصاف الليل ، أو الاشتغال بالطاعة (2).
والكلّ خلاف الظاهر ، بل ظاهرها نفي الوجوب عن الليلة الواحدة ، كما هو أحد احتمالات قول الإسكافي وتابعيه ، والعماني وموافقيه.
وبها يمكن صرف صحيحة صفوان عن ظاهرها - الذي هو الوجوب - إلاّ أنّ تعارضهما مع موافقة صحيحة العيص للتقيّة - كما يستفاد من صحيحة صفوان ، ونسب إلى أبي حنيفة (3)- يوجب ترجيح صحيحة صفوان.
ولا تعارضها أيضا صحيحة سعيد : فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل ، فقال : « لا بأس » (4).
لأنّ نفي البأس لا ينفي الدم ، مع إمكان استثناء الشغل ، وسيأتي.
ج : إطلاق النصوص والفتاوى في الفداء يشمل العالم والجاهل
والمضطرّ والناسي ، فيجب عليهم أيضا ، ويكون جبرانا لا كفّارة.
وعن الشهيد في بعض الحواشي : استثناء الجاهل (1). ووجهه غير معلوم.
د : يختصّ غير صحيحة ابن عمّار من أخبار الدم بما إذا كان المبيت بمكّة ، بل تصرّح صحيحة جميل بالاختصاص والنفي في غيرها ، وتوافقها صحيحة هشام : « إذا زار الحاجّ من منى ، فخرج من مكّة ، فجاوز بيوت مكّة ، فنام ثمَّ أصبح قبل أن يأتي منى ، فلا شيء عليه » (2).
وأمّا صحيحة ابن عمّار فعامّة ، ولا تعارض بينها وبين غير صحيحتي جميل وهشام ، ولكنّهما تعارضانها بالعموم المطلق ، لظهورهما في البيتوتة في طريق منى خاصّة ، ومقتضى الاستدلال بها : تخصيص استثناء الفداء بذلك ، كما احتمله بعض مشايخنا ، قال : ويحتمل تقييد الطريق بطريق بحدود مكّة لا خارجها ، ولا بعد فيه (3). انتهى.
إلاّ أنّه تعارضهما رواية عليّ : عن رجل زار البيت وطاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثمَّ رجع فغلبته عينه في الطريق ، فنام حتى أصبح ، قال : « عليه شاة » (4).
ولا يضرّ ضعف سند الرواية كما مرّ غير مرّة ، سيّما مع انجبارها بالشهرة ، بل ظاهر بعض مشايخنا مظنّة انعقاد الإجماع على تحقّق الفداء
في النوم في الطريق أيضا (1).
وعلى هذا ، فيبقى عموم صحيحة ابن عمّار خاليا عن المعارض المعلوم ، لخروج المعارضتين عن الحجّية ، فالعمل على العموم.
ه- : يسقط الدم عمّن بات بمكّة متشاغلا بالعبادة ، بل عليه عامّة المتأخّرين ، لصحيحتي ابن عمّار وصحيحة صفوان المتقدّمة (2).
وصحيحة أخرى لابن عمّار : عن رجل زار البيت فلم يزل في طوافه ودعائه والسعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر ، قال : « ليس عليه شيء ، كان في طاعة اللّه » (3).
ومقتضى التعليل في الأخيرة - بكونه في طاعة اللّه - عموم الحكم لكلّ عبادة واجبة أو مندوبة.
ولا يعارضها مفهوم الاستثناء في الصحيحتين الأوليين ، لأنّ النسك يعمّ كلّ طاعة.
وظاهر الصحاح المذكورة اشتراط استيعاب الليل بها ، ولا أقلّ من اختصاص موردها أو احتماله بالمستوعب ، فيقتصر فيما يخالف أصل لزوم الدم على القدر الثابت.
وقد يستثنى قدر ما يضطرّ إليه من غذاء أو شراب أو نوم غالب.
وتنظّر بعضهم في الأخير ، لعدم دليل على استثناء النوم ، واستند في
استثناء الأولين إلى حمل النصّ على الغالب (1).
وفيه : منع تلك الغلبة بحيث توجب انصراف المطلق إليه.
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ هذا القدر من الاشتغال لا ينافي الاستيعاب العرفي بالعبادة ، ولو نوى بالأكل والشرب التقوّي على العبادة يرتفع الإشكال.
وقيل : اللازم استيعاب القدر الذي يجب عليه المبيت بمنى ، وهو أن يتجاوز نصف الليل (2).
وهو مصير إلى خلاف الأصل بلا دليل.
نعم ، ذكر جماعة من المتأخرين : أنّه يسقط الدم المضيّ إلى منى بعد الفراغ من العبادة وإن علم أنّه لا يدركها قبل انتصاف الليل (3).
لصحاح جميل وهشام وعيص المتقدّمة (4).
وقوله في صحيحة ابن عمّار الأولى : « أو قد خرجت من مكّة » (5).
وصحيحة محمّد بن إسماعيل : في الرجل يزور فينام دون منى ، قال : « إذا جاز عقبة المدنيّين فلا بأس أن ينام » (6).
أقول : وإن دلّت الأخبار المذكورة على ذلك ، إلاّ أنّه تعارضها رواية
1) انظر الرياض 1 : 426.
2) كما في المسالك 1 : 125.
3) كما في الدروس 1 : 459.
4) راجع ص : 33 و 37 و 30.
5) الكافي 4 : 514 - 1 ، التهذيب 5 : 258 - 878 ، الاستبصار 2 : 293 - 1045 ، الوسائل 14 : 254 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.
6) الكافي 4 : 515 - 3 ، التهذيب 5 : 259 - 880 ، الاستبصار 2 : 294 - 1047 ، الوسائل 14 : 256 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 15.
عليّ المتقدّمة ، فيرجع إلى عمومات وجوب الدم ، مع أنّه لو تمّت دلالة تلك الصحاح لما اختصّت بمن اشتغل في مكّة بالعبادة ، كما مرّت إليه الإشارة.
وهل الساقط - بالمبيت بمكّة مشتغلا بالطاعة - هو الدم خاصّة وإن كان آثما؟
أو يسقط الإثم أيضا ، فيجوز له ذلك أيضا ، ويكون أحد فردي الواجب المخيّر؟
المذكور في كلام الأكثر : سقوط الدم ، وصرّح في المدارك بجواز البيتوتة بمكّة كذلك (1). وهو كذلك ، للأخبار المذكورة ، ولا يبعد أن يكون ذلك مراد الأكثر أيضا ، فتأمّل.
المسألة الثالثة : قد ظهر ممّا ذكرنا في المسألة السابقة أنّ وجوب البيات بمنى إنّما هو لغير من بات بمكّة مشتغلا بالطاعة ، بمعنى التخيير بينهما وإن كان البيات بمنى أفضل وأولى ، لصحيحة صفوان السالفة.
وهل الاشتغال بشغل آخر غير الطاعة في مكّة أو غيرها أيضا كذلك ، كما تدلّ عليه صحيحة سعيد المتقدّمة؟
أم لا ، كما هو ظاهر الأصحاب كافّة؟
الظاهر : الثاني ، لضعف الرواية بالشذوذ ، مع أنّ حمل الفوات على النسيان ونفي البأس على العذاب - الذي هو منفيّ عن الناسي قطعا - ممكن ، ويمكن حمل الشغل على ما يضطرّه ، كما يأتي.
وكذا يظهر من الصحاح الخمس - لجميل وهشام وابن عمّار الاولى
1) المدارك 8 : 225.
والعيص ومحمّد بن إسماعيل - أنّ الواجب إمّا البيات بمنى أو الخروج من مكّة إليها وإن نام في الطريق ، فيكون طريق منى قائما مقامها ، إلاّ أنّي لم أظفر بمصرّح بذلك من الأصحاب.
نعم ، جعله في الذخيرة إشكالا (1)، واللّه العالم.
المسألة الرابعة : يكفي في حصول القدر الواجب من المبيت بمنى أن يكون بها ليلا حتى ينتصف الليل ، فله الخروج بعد نصف الليل ، للصحاح الثلاث المتقدّمة لابن عمّار والعيص ورواية جعفر.
ورواية عبد الغفّار الجازي : عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل نصف الليل فأصبح بمكّة ، قال : « لا يصلح له حتى يتصدّق بها صدقة أو يهريق دما ، فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضرّه شيء » (2).
ودلالة الأخبار المذكورة طرّا على كفاية النصف الأول - الذي مبدأه أول الغروب ومنتهاه نصف الليل - واضحة.
بل تدلّ صحيحة ابن عمّار الاولى وصحيحة العيص ورواية جعفر (3)على كفاية النصف الثاني من الليل أيضا ، فيتساوى النصفان في تحصيل الامتثال ، كما عن الحلبي (4)، ويميل إليه كلام بعض آخر من المتأخّرين (5). وهو الأظهر ، لما ذكر.
ولا يعبأ بما ذكره بعضهم من أنّ ظاهر الأصحاب انحصار الوقت
المجزي في النصف الأول (1).
إذ لا يترك مدلول الأخبار المعتبرة مع وجود القائل به بمجرّد ادّعاء أنّ ظاهر الأصحاب غير ذلك.
نعم ، الاحتياط أمر آخر.
والكون بها إلى الفجر أفضل ، كما في السرائر وعن النهاية والمبسوط والكافي والجامع (2)، لفتوى هؤلاء ، وصحيحة صفوان المتقدّمة ، وصحيحة الكناني (3).
ثمَّ مقتضى إطلاق طائفة من الأخبار المتقدّمة وصريح صحيحة العيص : جواز الخروج بعد الانتصاف ولو دخل مكّة.
ويدلّ عليه أيضا الأصل ، والخبر المرويّ في قرب الإسناد : « وإنّ كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكّة فليس عليه شيء » (4).
خلافا للسرائر وعن النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع ، فقالوا : لا يدخل مكّة حتى يطلع الفجر (5).
ولم أعثر على مستند لهم ، كما اعترف به في الدروس أيضا (6).
المسألة الخامسة : يجوز لذوي الأعذار المضطرّين ترك المبيت
1) انظر الرياض 1 : 426.
2) السرائر 1 : 604 ، النهاية : 265 ، المبسوط 1 : 378 ، الكافي : 198 ، الجامع : 217.
3) التهذيب 5 : 259 - 882 ، الاستبصار 2 : 294 - 1049 ، الوسائل 14 : 255 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 11.
4) قرب الإسناد : 242 - 958 ، الوسائل 14 : 258 أبواب العود إلى منى ب 1 ح 23.
5) السرائر 1 : 604 ، النهاية : 265 ، المبسوط 1 : 378 ، الوسيلة : 188 الجامع للشرائع : 217.
6) الدروس 1 : 459.
بمنى ، إذ لا حرج في الدين ولا ضرر ولا ضرار ، [ ولصحيحة ] (1)سعيد المتقدّمة (2).
ومن الأعذار : الخوف على النفس ، أو البضع ، أو المال المحترم.
ومنه : تمريض المريض الذي يخاف عليه.
ومنه : وجود مانع عامّ أو خاصّ يمنع منه ، كنفر الحجيج وغيره.
وعن الخلاف والمنتهى الإجماع على ذلك (3).
وهل يسقط مع زوال الإثم الفداء أيضا ، أم لا؟
عن الغنية : الأول (4).
والظاهر : الثاني ، لإطلاق روايات ثبوت الدم بترك المبيت.
وعدّوا من ذوي الأعذار : الرعاة ، وأهل سقاية الحاجّ ، وعن الخلاف والتذكرة والمنتهى : نفي الخلاف عنه (5).
ومنهم من خصّ استثناء أهل السقاية بأولاد عبّاس بن عبد المطّلب (6)، كما أنّ منهم من خصّ استثناء الرعاة بمن لم تغرب عليه الشمس بمنى ، فإن غربت وجب عليه المبيت (7).
ولا يخفى أنّه لو اضطرّ الراعي إلى ذلك أو الحاجّ إلى الساقي صحّ
1) في النسخ : وصحيحة ، والأنسب ما أثبتناه.
2) في ص : 36.
3) الخلاف 2 : 354 ، المنتهى 2 : 771.
4) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581.
5) الخلاف 2 : 354 ، التذكرة 1 : 392 ، المنتهى 2 : 771.
6) كالعلاّمة في التحرير 1 : 109 ، والشهيد في الدروس 1 : 460 ، والشافعي في الأم 2 : 215.
7) كالعلاّمة في التحرير 1 : 109 ، والشهيد في الدروس 1 : 460.
الاستثناء ، لدفع الضرر ، وإلاّ فلا وجه له.
وما مرّ من ترخيص الرسول صلی اللّه عليه وآله للعبّاس لا يفيد العموم ، والاتّفاق المدّعى غير ثابت.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يترجّح أن يرمي كلّ يوم من أيّام التشريق كلّ جمرة من الجمرات الثلاث ، إجماعا قطعيّا ، وتدلّ عليه الأخبار المتواترة :
كصحيحة ابن عمّار : « ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس ، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة ، وابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل ، وقل كما قلت يوم النحر ، ثمَّ قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة فاحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، ثمَّ تقدّم قليلا فتدعو وتسأله أن يتقبّل منك ، ثمَّ تقدّم أيضا ، ثمَّ افعل ذلك عند الثانية فاصنع كما صنعت بالأولى ، وتقف وتدعو اللّه كما دعوت ، ثمَّ تمضي إلى الثالثة وعليك السكينة والوقار ، فارم ولا تقف عندها » (1).
وإنّما حملناها على مطلق الرجحان مع تضمّنها الأمر ، لوقوعه على ما لا يجب قطعا من كونه عند الزوال ونحوه.
ونحوها في الدلالة عليه أخبار أخر (2)متضمنّة للجمل الخبريّة للرمي
أو قضائه أو ترتيبه ، يأتي شطر منها.
وهل ذلك على الوجوب؟
كما هو المشهور بين الأصحاب ، كما عن المختلف وفي شرح المفاتيح (1)، والمعروف بينهم ، كما في المدارك والذخيرة (2)، وبلا خلاف فيه يعرف ، كما عن المنتهى التذكرة (3)، بل بلا خلاف مطلقا ، كما في السرائر (4)، بل بالإجماع ، كما في المفاتيح وعن المنتهى في شرحه (5)، وعن الخلاف على ما يلزمه الإجماع عليه ، كالترتيب والقضاء (6).
لصحيحة العجلي : عن رجل نسي رمي الجمرة الوسطى في اليوم الثاني قال : « فليرمها في اليوم الثالث لما فاته ، ولما يجب عليه في يومه » ، قلت : فإنّ لم يذكر إلاّ يوم النفر؟ قال : « فليرمها ولا شيء عليه » (7).
وابن عمّار : في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت إلى مكّة ، قال : « فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي ، والرجل كذلك » (8).
والأخرى : في رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة ، فرمى به فزادت واحدة ، فلم يدر من أيّتهنّ نقصت ، قال : « فليرجع فليرم كلّ واحدة
1) المختلف : 302.
2) المدارك 8 : 229 ، الذخيرة : 662.
3) المنتهى 2 : 729 ، التذكرة 1 : 376.
4) السرائر 1 : 606.
5) المفاتيح 1 : 350.
6) الخلاف 2 : 351 - 354.
7) التهذيب 5 : 263 - 894 ، الوسائل 14 : 73 أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 3.
8) الكافي 4 : 484 - 3 ، الفقيه 2 : 285 - 1401 ، التهذيب 5 : 263 - 898 ، الاستبصار 2 : 296 - 1058 ، الوسائل 14 : 261 أبواب العود إلى منى ب 3 ح 1.
بحصاة » الحديث (1).
وقويّة عمر بن يزيد : « من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيّام التشريق فعليه أن يرميها من قابل ، فإن لم يحجّ رمى عنه وليّه ، فإن لم يكن له وليّ استعان برجل من المسلمين يرمي عنه ، فإنّه لا يكون رمي الجمار إلاّ أيّام التشريق » (2)، إلى غير ذلك (3).
وقد يستدلّ أيضا للوجوب بما ورد من أنّ الحجّ الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار (4).
وبرواية ابن جبلة : « من ترك رمي الجمار متعمّدا لم تحلّ له النساء ، وعليه الحجّ من قابل » (5).
ولا دلالة للأول على الوجوب ، مع أنّه ليس باقيا على حقيقته ، وكذا الثاني ، لأنّه خلاف الإجماع والنصوص.
وعن التبيان والجمل والعقود والتهذيبين والإسكافي وابن البرّاج : عدّه من السنّة (6).4.
1) الكافي 4 : 483 - 5 ، الفقيه 2 : 285 - 1399 ، التهذيب 5 : 266 - 907 ، الوسائل 14 : 268 أبواب العود إلى منى ب 7 ح 1.
2) التهذيب 5 : 264 - 900 ، الاستبصار 2 : 297 - 1060 ، الوسائل 14 : 262 أبواب العود إلى منى ب 3 ح 4.
3) انظر الوسائل 14 : 261 أبواب العود إلى منى ب 3.
4) الكافي 4 : 264 - 1 ، الوسائل 14 : 263 أبواب العود إلى منى ب 4 ح 1.
5) التهذيب 5 : 264 - 901 ، الاستبصار 2 : 297 - 1061 ، الوسائل 14 : 264 أبواب العود إلى منى ب 4 ح 5.
6) التبيان 2 : 154 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 237 ، التهذيب 5 : 522 ، الاستبصار 2 : 297 ، حكاه عن الإسكافي وابن البراج في المختلف : 302 ، وانظر المهذّب 1 : 254.
وحمل في المنتهى والسرائر كلام الشيخ على ما ثبت وجوبه من غير الكتاب (1)، ولكن ظاهر ابن حمزة حمل كلامه على مقابل الواجب ، حيث قال : الرمي واجب عند أبي يعلى ، مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر الطوسي (2). وهذا المعنى هو الظاهر من التهذيبين.
وحمل بعضهم كلامه على رمي الجمرة العقبة (3)، وهو الظاهر من الجمل والعقود.
وعن المفيد : أنّ فرض الحجّ : الإحرام ، والتلبية ، والطواف ، والسعي ، والموقفان ، وما بعد ذلك سنن بعضها أوكد من بعض (4).
وكيف كان ، فلا ينبغي الريب في ضعف القول بالاستحباب.
لا لما قيل من شذوذ القول به ، وانعقاد الإجماع المتأخّر عنهم (5)، إذ بعد مخالفة مثل هؤلاء الأجلّة - بل مع احتمال المخالفة - لا يعدّ القول شاذّا ، والإجماع المنعقد عن العلماء بعد حين ليس عندنا بحجّة.
بل لما ذكرنا من المستفيضة الخالية عن المعارض بالمرّة.
المسألة الثانية : يجب رمي كلّ جمرة بسبع حصيات ، بلا خلاف يعرف ، كما في الذخيرة (6)، بل بالإجماع المحقّق.
وتدلّ عليه صحيحة ابن عمّار الثالثة المتقدّمة في المسألة المتقدّمة ، وتتمّتها الغير المذكورة أيضا ، ولعلّها تأتي ، وغير ذلك من الأخبار التي يأتي
بعضها إن شاء اللّه تعالى.
المسألة الثالثة : يجب رمي الجمرات الثلاث مرتّبا ، يبدأ بالأولى ثمَّ الوسطى ثمَّ العقبة.
والعقبة : ما مرّ بيانه في أعمال يوم النحر ، وإذا تجاوز القادم من مكّة عن العقبة يصل إلى الوسطى ، ثمَّ إلى الاولى ، وهي التي تلي المشعر.
ووجوب الترتيب على النحو المذكور مجمع عليه ، كما عن الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى وفي المدارك والمفاتيح وشرحه (1)، بل إجماع محقّق ، له ، وللأخبار ، منها : صحيحة ابن عمّار الاولى (2)، وغيرها ممّا يأتي في حكم من خالف الترتيب.
المسألة الرابعة : لو خالف الترتيب ورمى منكوسة ، يعيد بما يحصل به الترتيب بالإجماع ، له ، ولتوقّف حصول الامتثال به.
ولصحيحة ابن عمّار المتقدّم بعضها ، وفي آخرها : الرجل ينكس في رمي الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثمَّ الوسطى ثمَّ العظمى ، قال : « يعود فيرمي الوسطى ثمَّ يرمي جمرة العقبة وإن كان في الغد » (3).
والأخرى : في رجل رمى الجمار منكوسة ، قال : « يعيد على الوسطى وجمرة العقبة » (4).
وحسنة مسمع : في رجل نسي رمي الجمار يوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة ثمَّ الوسطى ثمَّ الأولى « يؤخّر ما رمى بما رمى ، ويرمي الجمرة
الوسطى ثمَّ جمرة العقبة » (1).
وكذا لو رمى الوسطى ثمَّ العقبة ثمَّ الاولى.
ولو رمى العقبة ثمَّ الاولى ثمَّ الوسطى أعاد العقبة خاصّة.
وكذا لو رمى الاولى ثمَّ العقبة ثمَّ الوسطى.
هذا إذا قدّم المتأخّرة على جميع رميات المتقدّمة أو على الأربع منها فما زادت.
ولو قدّمها على الأقلّ من الأربع منها أتمّ الباقية من المتقدّمة من غير إعادة المتأخّرة.
وحاصله : حصول الترتيب المأمور به برمي الجمرة المتأخّرة بعد رمي أربع حصيات على المتقدّمة ، بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، بل عن صريح الخلاف وظاهر التذكرة والمنتهى : الإجماع عليه (2).
ويدلّ عليه ما في تتمّة صحيحة ابن عمّار الثالثة المتقدّمة : في رجل رمى الاولى بأربع ، والأخيرتين بسبع سبع ، قال : « يعود فيرمي الأولى بثلاث وقد فرغ ، وإن كان رمى الاولى بثلاث ، ورمى الأخيرتين بسبع سبع ، فليعد فليرمهنّ جميعا ، وإن كان رمى الوسطى بثلاث ثمَّ رمى الأخرى ، فليرم الوسطى بسبع ، وإن كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث » (3).
والأخرى : في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث ، والثانية بسبع ، والثالثة بسبع ، قال : « يعيد يرميهنّ جميعا بسبع سبع » ، قلت : فإن رمى
الأولى بأربع ، والثانية بثلاث ، والثالثة بسبع؟ قال : « يرمي الجمرة الأولى بثلاث ، والثانية بسبع ، ويرمي الجمرة العقبة بسبع » ، قلت : فإن رمى الجمرة الأولى بأربع ، والثانية بأربع ، والثالثة بسبع؟ قال : « يعيد فيرمي الأولى بثلاث ، والثانية بثلاث ، ولا يعيد على الثالثة » (1).
ورواية عليّ بن أسباط : « إذا رمى الرجل الجمار أقلّ من أربع لم يجزئه ، أعاد عليها وأعاد على ما بعدها وإن كان قد أتمّ ما بعدها ، وإذا رمى شيئا منها أربعا بنى عليها ولم يعد على ما بعدها إن كان قد أتمّ رميه » (2).
والظاهر - كما هو مقتضى إطلاق تلك الأخبار - تساوي العامد والجاهل والناسي في البناء على الأربع ، وهو ظاهر المحكيّ عن المبسوط والخلاف والجامع والتحرير والتلخيص واللمعة (3).
ونسب إلى السرائر أيضا (4)، وهو خطأ ، لتخصيصه الناسي بالذكر ، قال : فإن نسي فرمى الجمرة الأولى بثلاث حصيات ورمى الجمرتين الأخريين على التمام ، كان عليه أن يعيد عليها كلّها.
وإن كان رمى من الجمرة الأولى أربع حصيات ثمَّ رمى الجمرتين
1) التهذيب 5 : 265 - 904 ، الوسائل 14 : 267 أبواب العود إلى منى ب 6 ح 2.
2) التهذيب 5 : 266 - 905 ، الوسائل 14 : 268 أبواب العود إلى منى ب 6 ح 3 وفيه : بنى عليها وأعاد على ما بعدها إن كان ..
3) المبسوط 1 : 379 ، الخلاف 2 : 351 ، الجامع : 218 ، التحرير 1 : 110 ، اللمعة ( الروضة البهيّة 2 ) : 318.
4) نسبه إليه وإلى ما تقدّمه في كشف اللثام 1 : 379. والظاهر أنّ النسبة إلى ما تقدم خطأ أيضا ، كما يأتي.
على التمام ، كان عليه أن يعيد على الاولى بثلاث حصيات.
وكذلك إن كان رمى من الوسطى أقلّ من أربع حصيات ، أعاد عليها وعلى ما بعدها ، وإن رماها بأربع تمّمها ، وليس عليه الإعادة على ما بعدها (1). انتهى.
خلافا للسرائر - كما تلونا عليك - والإرشاد والمحكيّ عن القواعد والتذكرة والمنتهى والدروس والروضة ، فقيّدوه بالناسي (2)، بل نسب في الذخيرة والمدارك والمفاتيح التقييد به أو بالجاهل إلى أكثر الأصحاب وإلى الشهرة (3).
ولا مستند لهم ، سوى ما حكى الفاضل من أنّ الأكثر يقوم مقام الكلّ مع النسيان (4).
وأنّ اللاحقة قبل إكمال السابقة مع العمد منهيّ عنه ، فيفسد (5).
والأول : إعادة للمدّعى.
والثاني : مصادرة في المطلوب ، لمنع النهي بعد تمام الأربع ، وهل الكلام إلاّ فيه. ومنع شمول الإطلاق للعامد أو تبادر غيره إلى الذهن ضعيف ، كالاستناد إلى حمل فعل المسلم على الصحّة.
ثمَّ المستفاد من الروايات المذكورة : استئناف الناقصة عن الأربع وما بعدها مطلقا ، ولم أعثر على مصرّح بخلاف ذلك.
1) السرائر 1 : 609.
2) السرائر 1 : 609 ، الإرشاد 1 : 335 ، القواعد 1 : 90 ، التذكرة 1 : 393 ، المنتهى 2 : 772 ، الدروس 1 : 430 ، الروضة 2 : 320.
3) الذخيرة : 690 ، المدارك 8 : 234 ، المفاتيح 1 : 378.
4) التذكرة 1 : 393 ، المنتهى 2 : 772 ، وفيهما : الشيء ، بدل : الكل.
5) حكاه صاحب الرياض 1 : 427 عن الروضة بالفحوى ، وهو فيها في ج 2 : 320.
نعم ، نسب إلى الحلّي أنّه قال بالاكتفاء بإكمال الناقصة واستئناف ما بعدها خاصّة (1)، وما نقلنا من كلامه صريح فيما ذكرناه ، مخالف لما نسب إليه.
المسألة الخامسة : وقت رمي الجمرة مطلقا - سواء كانت الجمرة العقبة الواجب رميها يوم النحر أو رمي أيّام التشريق - النهار ، بلا خلاف يعرف.
وتدلّ عليه - بعد ظاهر الإجماع - صحيحة العجلي المتقدّمة الآمرة لرمي المنسي في اليوم الثالث ، والمصرّحة بقوله : « لما يجب عليه في يومه » (2).
وصفوان بن مهران : « رمي الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها » (3)، ونحوها صحيحة منصور (4).
وصحيحة زرارة وابن أذينة : قال للحكم بن عتيبة : « ما حدّ رمي الجمار؟ » فقال الحكم : عند زوال الشمس - إلى أن قال : - « هو واللّه ما بين طلوع الشمس إلى غروبها » (5).
وإسماعيل بن همام : « لا ترم الجمرة يوم النحر حتى تطلع الشمس » (6)،
1) نسبه إليه في الدروس 1 : 430 ، وانظر السرائر 1 : 610.
2) التهذيب 5 : 263 - 894 ، الوسائل 14 : 73 أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 3.
3) التهذيب 5 : 262 - 890 ، الوسائل 14 : 69 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 2 وفيه : ارم الجمار ..
4) التهذيب 5 : 262 - 891 ، الاستبصار 2 : 296 - 1055 ، الوسائل 14 : 69 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 4.
5) الكافي 4 : 481 - 5 ، التهذيب 5 : 262 - 892 ، الاستبصار 2 : 296 - 1056 ، الوسائل 14 : 69 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 5.
6) الكافي 4 : 482 - 7 ، الوسائل 14 : 70 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 7.
وغير ذلك.
المؤيّدة جميعا بما يأتي من التعبير ب- : رمي الخائف والمريض ونحوهما ليلا بالترخّص ، ومن تعليق الرمي في الليل بالخوف ونحوه ، كما يأتي.
ولا تنافيه رواية عليّ بن عطيّة : أفضنا من المزدلفة بليل أنا وهشام بن عبد الملك الكوفي ، وكان هشام خائفا ، فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر ، فقال لي هشام : أيّ شيء أحدثنا في حجّتنا؟! فنحن كذلك إذ لقينا أبا الحسن موسى عليه السلام وقد رمى الجمار وانصرف ، فطابت نفس هشام (1).
لأنّ رميه عليه السلام كان بعد طلوع الفجر ، مع أنّه قضية في واقعة ، فلعلّه عليه السلام كان خائفا أو مريضا أو له عذر آخر.
هذا في غير المعذور.
وأمّا المعذور - كالخائف ، والراعي ، والعبد الذي لا يملك من أمره شيئا ، والمدين ، والحاطبة - فيجوز لهم الرمي ليلا ، بلا خلاف ظاهر فيه ، كما صرّح بعضهم أيضا (2)، بل بالاتّفاق كبعض آخر (3).
للمعتبرة المستفيضة ، كصحيحتي زرارة ومحمّد (4)وابن سنان (5)في الأول ، ورواية أبي بصير في الثاني (6)، وموثّقة سماعة في الثانيين (7)،
1) التهذيب 5 : 263 - 897 ، الوسائل 14 : 71 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 3.
2) المفاتيح 1 : 379 ، كشف اللثام 1 : 379 ، الرياض 1 : 428.
3) انظر الخلاف 2 : 345 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581.
4) الكافي 4 : 485 - 4 ، الوسائل 14 : 71 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 4.
5) التهذيب 5 : 263 - 895 ، الوسائل 14 : 70 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 1.
6) الكافي 4 : 481 - 6 ، الوسائل 14 : 72 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 6.
7) الكافي 4 : 485 - 5 ، الوسائل 14 : 71 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 5.
وموثّقته الأخرى في الثلاثة (1)، ورواية أخرى لأبي بصير في الأول والأخيرين (2)، ورواية عليّ بن حمزة - المتقدّمة في الواجب الثالث من واجبات منى - في الأول والمرأة (3)، ويستفاد منها ومن سائر المعتبرة المتقدّمة في البحث المذكور : استثناء المرأة أيضا مطلقا ، ومن بعضها استثناء الصبيان أيضا ، ولا بأس به.
واستثني في الشرائع والإرشاد (4)وغيرهما (5): المريض أيضا ، بل في المفاتيح : نفي الخلاف (6)، وفي شرحه : الاتّفاق على استثنائه.
واستدلّ له برواية أبي بصير الأخيرة المشار إليها ، وهي : عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو؟ قال : « الحاطبة ، والمملوك الذي لا يملك من أمره شيئا ، والخائف ، والمدين ، والمريض الذي لا يستطيع أن يرمي يحمل إلى الجمار ، فإن قدر على أن يرمي وإلاّ فارم عنه وهو حاضر ».
ويمكن الخدش في دلالتها ، لجواز كون قوله : « والمريض » مبتدأ خبره : « يحمل » ، ويكون بيانا لحكم المريض ، ولم يكن معطوفا على سابقة.
1) التهذيب 5 : 263 - 896 ، الوسائل 14 : 71 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 2.
2) الفقيه 2 : 286 - 1403 ، الوسائل 14 : 72 أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 7.
3) الكافي 4 : 474 - 4 ، التهذيب 5 : 194 - 644 ، الاستبصار 2 : 256 - 904 ، الوسائل 14 : 53 أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 2.
4) الشرائع 1 : 275 ، الإرشاد 1 : 336.
5) انظر الخلاف 2 : 345 ، القواعد 1 : 90 ، الدروس 1 : 429.
6) المفاتيح 1 : 379.
ومقتضى إطلاق كثير من النصوص : عدم الفرق في الليل بين المتقدّم والمتأخّر وإن اختصّ بعضها - الوارد في جمرة العقبة - بالليل المتقدّم.
وقيل : الظاهر أنّ المراد بالرمي ليلا : رمي جمرات كلّ يوم في ليلته ، ولو لم يتمكّن من ذلك لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة ، لأنّه أولى من الترك أو التأخّر (1). انتهى. ولا بأس به.
المسألة السادسة : ووقته من النهار ما بين طلوع الشمس وغروبها ، وفاقا للنهاية والمبسوط والسيّد والإسكافي والعماني والحلبي والحلّي والفاضلين (2)، وغيرهم (3)، بل هو المشهور ، كما صرّح به غير واحد (4).
لصحاح : صفوان ، ومنصور ، وزرارة ، المتقدّمة في المسألة السابقة.
وصحيحة أخرى لمنصور : « ترمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها » (5).
ومرسلة الفقيه ، وفيها : فقلت : إلى متى يكون رمي الجمار؟ فقال : « من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس ، ومن أصاب الصيد فليس له أن ينفر في
1) المدارك 8 : 233.
2) النهاية : 266 ، المبسوط 1 : 378 ، السيد في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 208 ، حكاه عن الإسكافي والعماني في المختلف : 310 ، الحلبي في الكافي : 199 ، الحلي في السرائر 1 : 605 و 609 ، المحقق في النافع : 97 ، والشرائع 1 : 275 ، العلاّمة في المنتهى 2 : 732.
3) كالدروس 1 : 429 ، والمفاتيح 1 : 379.
4) انظر المسالك 1 : 126 ، المدارك 8 : 230 ، الرياض 1 : 427.
5) الكافي 4 : 481 - 4 ، الوسائل 14 : 70 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 6 وفيهما : رمي الجمار ...
النفر الأول » (1).
والمراد من ارتفاع النهار : طلوع الشمس ، فإنّه ارتفاع بالنسبة إلى طلوع الفجر ، وإنّما حملناه على ذلك إذ لم يقل أحد بأنّ المبدأ ارتفاع الشمس.
خلافا في مبدئه للمحكيّ عن الوسيلة والإشارة ووالد الصدوق ، فجعلوه أول النهار الصادق على ما بين الطلوعين أيضا (2)، ولعلّه لرواية عليّ بن عطيّة المتقدّمة ، وقد عرفت ضعف دلالتها ، فتبقى صحيحة إسماعيل السابقة وغيرها خالية عن المعارض.
ويمكن قريبا أن يكون مرادهم من أول النهار : طلوع الشمس ، كما هو مصطلح الهيئويّين ، ووقع في بعض كتب اللغة (3).
وعن الخلاف والغنية والإصباح والجواهر ، فجعلوه بعد الزوال (4)، لنقل بعضهم الإجماع (5)، وصحيحة ابن عمّار المتقدّمة في المسألة الاولى.
والأول ليس بحجّة ، سيّما مع جعل هذا القول في المختلف شاذّا لم يعمل به أحد من علمائنا (6).
وكذا الثاني لو حمل على الحقيقة ، لمخالفتها الشهرة العظيمة ، مع أنّها
1) الفقيه 2 : 289 - 1426 ، الوسائل 14 : 68 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 1 وفيه صدر الحديث.
2) الوسيلة : 188 ، الإشارة : 138 ، حكاه عن والد الصدوق في المختلف : 310.
3) المصباح المنير : 627 ، مجمع البحرين 3 : 507.
4) الخلاف 2 : 351 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581 ، الجواهر : 43.
5) كما في الخلاف 2 : 351 ، والغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581 ، والجواهر : 43 ، والرياض 1 : 427.
6) المختلف : 311.
معارضة للصحاح الكثيرة ، على فهي إرادة المجاز عنها قرينة ، ولو قطع النظر عنها فتحتمل التقيّة ، لموافقتها لمذهب الشافعي وأبي حنيفة (1).
هذا كلّه ، مع أنّ ما أمر به فيها هو الرمي عند الزوال ، ومقتضاه عدم جوازه بعده ، وهو ممّا لم يقل به أحد من الطائفة ، وردّته صريحا صحيحة ابن أذينة وزرارة المتقدّمة (2)، مؤكدا باليمين بالجلالة.
وفي منتهاه للمحكيّ عن الصدوقين ، فجعلاه أول الزوال وإن صرّحا بالرخصة في التقديم أيضا (3). وهو أيضا ضعيف غايته.
والأفضل إيقاعه عند الزوال ، لصحيحة ابن عمّار المذكورة.
المسألة السابعة : لو نسي رمي جمرة من الجمرات الثلاث أو جمرتين في يوم ، قضاه بعده وجوبا ، بلا خلاف ، لصحيحة العجلي المتقدّمة في المسألة الاولى ، وصحيحة ابن عمّار الأولى المتقدّمة في المسألة الرابعة.
وصحيحة ابن سنان : في رجل أفاض من جمع حتّى انتهى إلى منى ، فعرض له عارض فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس ، قال : « يرمي إذا أصبح مرّتين : مرّة لما فاته ، والأخرى ليومه الذي يصبح فيه ، وليفرق بينهما ، إحداهما بكرة وهي للأمس ، والأخرى عند زوال الشمس وهي ليومه » (4).
والإطلاقات المتقدّمة الآمرة بالإعادة لو نكس.
وغير الاولى من تلك الروايات وإن كانت قاصرة عن إفادة الوجوب ،
1) الشافعي في الأم 2 : 213 ، وعن أبي حنيفة في بدائع الصنائع 2 : 137.
2) في ص 53.
3) حكاه عن والد الصدوق في المختلف : 310 ، الصدوق في المقنع : 92 ، والهداية : 64 ، والفقيه 2 : 331 ، ولم نعثر على تصريح لوالد الصدوق بالرخصة في التقديم.
4) الكافي 4 : 484 - 2 ، التهذيب 5 : 262 - 893 ، الوسائل 14 : 72 أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 1 ، 2.
إلاّ أنّ الأمر في الأولى كاف في إثباته ، بل وكذا عمل الأصحاب. وهي وإن اختصّت بواحدة ، إلاّ أنّ الإجماع المركّب يجاوز حكم وجوبها إلى الزائدة أيضا.
ويجب التعجيل في الغد ، للصحيحة الاولى.
ومقتضى الصحيحة الاولى : هو قضاء الجمرة الفائتة خاصّة دون غيرها ممّا تقدّم عليها أو تأخّر ، وكذا مقتضى الثانية في المتقدّم ، ويدلّ عليه الأصل أيضا.
ويظهر من بعضهم قضاء المتأخّرة أيضا ، لوجوب الترتيب (1).
وإثباته في القضاء مشكل ، وثبوته في الأداء لا يدلّ عليه في القضاء.
ثمَّ إنّ ظاهرهم أنّ الحكم كذلك لو ترك رمي جمرة أو جمرتين عمدا أو جهلا أو اضطرارا ، وهو مقتضى إطلاق الصحيحة الثانية ، بل الثالثة ، وإن كان في دلالتهما على الوجوب نظر ، إلاّ أنّ مجرّد رجحان القضاء بضميمة الإجماع المركّب كأنّه يكفي في إثباته.
والظاهر عدم الريب في وجوب قضاء ما أتى به من المتأخّرة أيضا إذا كان تعمّدا ، للنهي الموجب للفساد.
ولو نسي رمي جمار يوم كلاّ ، يجب قضاؤه أيضا في الغد ، بلا خلاف فيه كما قيل (2)، بل بالإجماع كما عن الغنية (3).
قيل : وإن فاته رمي يومين قضاهما في الثالث (4).
ووجوب أصل القضاء وإن ثبت ممّا يأتي من أخبار من نسيها حتى دخل مكّة أو مضيّ أيّام التشريق ، ولكن دليل وجوب قضائه من الغد وكذا قضاء اليوم الأول في الثالث فلعلّه الإجماع البسيط أو المركّب ، وإلاّ فلا شيء من الأخبار يدلّ عليه ، وكذا لو تركها من غير نسيان ، من عذر أو جهل أو عمد.
ثمَّ إنّهم قالوا بوجوب الترتيب في اليوم اللاحق بالبدأة بوظيفة السابق أولا ثمَّ وظيفة اليوم ، بل قالوا : لو فاته يومين بدأ بالأول ثمَّ الثاني ثمَّ الثالث.
واستدلّوا عليه بالإجماع المحكيّ في الخلاف (1).
وبتقدّم السبب.
وبالاحتياط.
وبصحيحة ابن سنان.
والأول : ليس بحجّة.
والثاني : ضعيف في الغاية ، لمنع اقتضاء تقدّم السبب لتقديم المسبّب.
والثالث : ليس بواجب.
والرابع : كان حسنا لو لا تقييد الأمر فيه بما بعده ، فإنّه غير واجب قطعا ، للأصل ، وظاهر الإجماع كما قيل أيضا (2)، والحكم في بعض الأخبار الآتية بالفصل بين الرميتين بساعة المنافي لما في ذلك الصحيح ، فإن ثبت الإجماع على وجوب الترتيب ، وإلاّ فالأصل يقتضي عدمه ، ولكن لا شكّ في رجحانه ، بل كونه أحوط.
المسألة الثامنة : لو نسي رمي الجمار حتى نفر ودخل مكّة وجب
عليه أن يرجع إلى منى ويأتي بما فات وجوبا ، لمطلقات الإعادة المذكورة ، وخصوص الصحاح ، كصحيحة ابن عمّار الثانية ، وقويّة عمر بن يزيد ، المتقدّمتين في المسألة الاولى.
وصحيحة ابن عمّار الأخرى : رجل نسي رمي الجمار حتى أتى مكّة ، قال : « يرجع فيرميها يفصل بين كلّ رميتين بساعة » ، قلت : فإنّه فاته ذلك وخرج؟ قال : « ليس عليه شيء » (1).
والثالثة : رجل نسي رمي الجمار ، قال : « يرجع فيرميها » ، قلت : فإنّه نسيها حتى أتى مكّة ، قال : « يرجع فيرمي متفرّقا يفصل بين كلّ رميتين بساعة » ، قلت : فإنّه نسي أو جهل حتى فاته وخرج ، قال : « ليس عليه أن يعيد » (2).
وغير القويّة من تلك الأخبار وإن كان مطلقا شاملا لصورتي بقاء أيّام التشريق وعدمه ، لكن قيّده غير واحد من الأصحاب - منهم : الشيخ والفاضل (3)، بل الأكثر كما قيل (4)- بالأول ، بل عليه الإجماع عن الغنية (5)، وهو الأظهر ، للقويّة المنجبرة ، التي هي أخصّ مطلقا من البواقي.
ومقتضى القويّة : أنّه لو فاته حتى مضت أيّام التشريق ، أو خرج من مكّة ولم يمكنه الرجوع في هذا العام ، تجب عليه الإعادة في العام القابل إن
حجّ بنفسه ، وإلاّ يستنيب من يرمي عنه.
وعليه الفتوى ، وفاقا للشيخ في التهذيبين والخلاف والنهاية والحلّي والفاضل في الإرشاد والقواعد والشهيدين في الدروس والمسالك والروضة وابن زهرة في الغنية (1)مدّعيا عليه الإجماع.
للخبر المذكور ، الخالي عن المعارض ، سوى قوله : « ليس عليه شيء » و : « ليس عليه أن يعيد » في الصحيحتين الأخيرتين ، وهما أعمّ مطلقا من القويّة ، لعموم الشيء للقضاء والكفّارة والعقاب والعود في ذلك العام ، وعموم نفي الإعادة له في هذا العام وفي العام القابل بنفسه مع الإمكان وعدمه ، فيجب تخصيصهما بالقويّة.
مضافا إلى احتمال أن يكون مراد السائل من الفائت في الصحيحين : التفريق ، ويؤيّده قوله : « يعيد » في الثانية.
خلافا لظاهر الشرائع وصريح النافع والمدارك والذخيرة وعن التبصرة ، فاستحبّوه (2).
إمّا لضعف الرواية سندا ، المردود بعدم ضيره أولا ، وبانجباره بما مرّ ثانيا.
أو لضعف الدلالة على الوجوب ، والمردود بصراحة قوله : « عليه » في القويّة فيه.
نعم ، يصحّ ذلك في الاستنابة خاصّة ، ولكنّه يتمّ بالإجماع المركّب
1) التهذيب 5 : 522 ، الاستبصار 2 : 297 ، الخلاف 2 : 352 ، النهاية : 267 ، الحلّي في السرائر 1 : 609 ، الإرشاد 1 : 336 ، القواعد : 90 ، الدروس 1 : 434 ، المسالك : 126 ، الروضة 2 : 325 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581.
2) الشرائع 1 : 276 ، النافع : 97 ، المدارك 8 : 238 ، الذخيرة : 691 ، التبصرة : 76.
أيضا.
ولا يخفى أنّ الأخبار المذكورة في المسألتين وإن اختصّت بالناسي أو الجاهل - كأكثر الفتاوى - إلاّ أنّ ظاهرهم كون العامد والتارك اضطرارا أيضا كذلك ، بل صرّح به في المدارك (1)وغيره (2)، ويمكن استفادته من بعض الإطلاقات ، ولا ريب أنّه أحوط ، ولا يختلّ بذلك إحلال حتى العامد.
وأمّا رواية ابن جبلة المتقدّمة في المسألة الأولى فشاذّة جدّا ، ولذا حملوها على محامل غير ظاهرة.
المسألة التاسعة : ما مرّ كان حكم ترك رمي الجمار كلاّ ، وكذا ترك رمي جمار يوم ، بل رمي جمرة من جمار الكلّ ، أو جمار يوم ، بل ورمي حصاة فصاعدا من الحصيّات ، عمدا أو سهوا أو جهلا ، ولعلّه إجماعي ، ولا يبعد استفادته من بعض الإطلاقات المتقدّمة والآتية.
وكيف كان ، فالقضاء أحوط إن لم يكن مفتى به.
والكلام في قضاء المتأخّرة كما مرّ في المسألة السابعة.
المسألة العاشرة : قال في المدارك : لو فاتته جمرة وجهل تعيينها ، أعاد على الثلاث مرتّبا ، لإمكان كونها الاولى فتبطل الأخيرتان.
وكذا لو فاتته أربع حصيات من جمرة وجهلها.
ولو فاته دون الأربع كرّره على الثلاث ، ولا يجب الترتيب هنا ، لأنّ الفائت من واحدة [ ووجوب الباقي من باب المقدّمة كوجوب ثلاث فرائض
عن واحدة ] (1)مشتبهة من الخمس.
ولو فاتته من كلّ جمرة واحدة أو اثنتان أو ثلاث ، وجب الترتيب ، لتعدّد الفائت بالأصالة.
ولو فاتته ثلاث وشكّ في كونها من واحدة أو أكثر ، رماها عن كلّ واحدة مرتّبا ، لجواز التعدّد.
ولو كان الفائت أربعا ، استأنف (2). انتهى.
ولا بأس به ، وإن كان للتأمّل في بعض ما ذكره مجال.
وتدلّ على بعضها صحيحة ابن عمّار : في رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة ، فرمى بها فزادت واحدة ، فلم يدر من أيّتهنّ نقصت ، قال : « فليرجع فليرم كلّ واحدة بحصاة ، وإن سقطت من رجل حصاة فلم يدر أيّتهنّ هي - قال : - يأخذ من تحت قدميه حصاة فيرمي بها » (3).
المسألة الحادية عشرة : يجوز الرمي عن المعذور الذي لا يمكنه الرمي - كالمريض - وعن الصبي غير المميّز ، وعن المغمى عليه ، بلا خلاف فيه يعرف.
للصحاح وغيرها المستفيضة ، كصحيحتي حريز (4)
الثانية في : التهذيب 5 : 123 - 402 ، الاستبصار 2 : 225 - 778 ، الوسائل 14 : 76 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 10.
، والصحاح1) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
2) المدارك 8 : 236.
3) الكافي 4 : 483 - 5 ، الفقيه 2 : 285 - 1399 ، التهذيب 5 : 266 - 907 ، الوسائل 14 : 268 أبواب العود إلى منى ب 7 ح 1 ، بتفاوت يسير.
4) الاولى : في التهذيب 5 : 123 - 400 ، الاستبصار 2 : 225 - 776 ، الوسائل 14 : 76 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 9.
الخمس لابن عمّار (1)
الثانية في : الكافي 4 : 422 - 4 ، الوسائل 13 : 391 أبواب الطواف ب 47 ح 9.
الثالثة في : التهذيب 5 : 125 - 409 ، الوسائل 13 : 394 أبواب الطواف ب 49 ح 6.
الرابعة في : الفقيه 2 : 252 - 1215 ، الوسائل 13 : 394 أبواب الطواف ب 49 ح 7.
الخامسة في : الفقيه 2 : 252 - 1216 ، الوسائل 13 : 394 أبواب الطواف ب 49 ح 8.
، ومرسلة الفقيه (2)، المتقدّمة جميعا في الطواف عن المعذور.وصحيحة ابن عمّار والبجلي : « الكسير والمبطون يرمى عنهما » ، قال : « والصبيان يرمى عنهم » (3).
ورفاعة : عن رجل أغمي عليه : فقال : « ترمى عنه الجمار » (4).
وموثّقة إسحاق : عن المريض ترمى عنه الجمار؟ قال : « نعم ، يحمل إلى الجمرة ويرمى عنه » (5).
والأخرى وهي كالأولى ، وزاد فيها : قلت : فإنّه لا يطيق ذلك ، قال : « يترك في منزله ويرمى عنه » (6).
ورواية اليعقوبي : عن المريض لا يستطيع أن يرمي الجمار ، قال : « يرمى عنه » (7).6.
1) الاولى في : التهذيب 5 : 398 - 1386 ، الوسائل 13 : 390 أبواب الطواف ب 47 ح 4.
2) الفقيه 2 : 252 - 1224 ، الوسائل 13 : 393 أبواب الطواف ب 49 ح 2.
3) الفقيه 2 : 286 - 1404 ، الوسائل 14 : 74 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 1.
4) التهذيب 5 : 268 - 916 ، الوسائل 14 : 76 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 5.
5) الكافي 4 : 485 - 2 ، التهذيب 5 : 268 - 15. ، الوسائل 14 : 75 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 4.
6) الفقيه 2 : 286 - 1405 ، التهذيب 5 : 268 - 915 ، الوسائل 14 : 75 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 2.
7) التهذيب 5 : 268 - 917 ، الوسائل 14 : 76 أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 6.
أ : الظاهر من تعبير الأصحاب بالجواز عدم وجوب ذلك على أحد أصالة ، وهو كذلك ، للأصل ، وعدم دلالة الأخبار على الزائد على الجواز.
نعم ، يجب عليه لو أجّره لذلك.
وهل تجب على المعذور الشاعر الاستنابة في ذلك؟
لا دليل عليه ، بل يقضي ، لجواز أن يقضيه بنفسه بعد زوال العذر ، كما مرّ.
نعم ، لو يئس من زواله تجب عليه الاستنابة.
ب : هل يجب حمل المعذور - مع الإمكان (1)- إلى الجمار ، ثمَّ يرمى عنه ، أو يستحبّ؟
ظاهر الأصحاب : الثاني ، وهو كذلك ، لعدم ثبوت الأزيد منه من الأخبار المتضمّنة له.
ج : هل يشترط إذن المرميّ عنه لو عقله ، أم لا؟
عن المبسوط : نعم (2).
وعن التحرير والمنتهى : لا (3)، ( وهو الأظهر ) (4)، للأصل ، والإطلاق.
د : قالوا : لو رمي عن المعذور فزال عذره والوقت باق لم يجب عليه فعله ، لسقوطه بفعل النائب ، لأنّ الامتثال يقتضي الإجزاء.
وفي الدليل نظر ، لأنّه يقتضي الإجزاء عن الفاعل فيما أمر به لا عن غيره.
ويمكن الاستدلال بأنّ المتبادر المنساق إلى الذهن من الأخبار أنّه بدل فعله ، فلو وجب عليه أيضا لزم جمع البدل والمبدل عنه.
وفيه أيضا تأمّل ، وفعله مع الإمكان أحوط.
المسألة الثانية عشرة : يستحبّ في رمي كلّ من الجمرات الثلاث : الدعاء بالمأثور في صحيحة ابن عمّار المتقدّمة في رمي جمرة العقبة (1).
لصحيحة ابن عمّار المتقدّمة في المسألة الأولى (2)، المصرّحة بقوله : « قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة ».
وفي رمي غير جمرة العقبة : رميها عن يسارها - الذي هو يمين الرامي - مستقبل القبلة ، والوقوف عندها بعد الفراغ ، وحمد اللّه والثناء عليه ، والصلاة على النبيّ وآله صلی اللّه عليه وآله ، والدعاء ، والمسألة أن يتقبّل منك.
وفي جمرة العقبة : رميها عن يمينها ، مستدبر القبلة ، غير واقف عندها بعد الفراغ.
وتدلّ على الحكم الأول في الجمرتين : صحيحة ابن عمّار المتقدّمة في المسألة الاولى.
وصحيحة إسماعيل بن همام : « ترمي الجمار من بطن الوادي ، وتجعل كلّ جمرة عن يمينك ، ثمَّ تنفتل في الشقّ الآخر إذا رميت جمرة العقبة » (3).
وعلى الحكم الثاني فيهما : صحيحة ابن عمّار أيضا ، وكذا على الحكم
الثالث فيهما.
وكذا تدلّ على الوقوف عندهما - مضافة إلى الصحيحة - رواية البزنطي (1)، وصحيحة يعقوب بن شعيب : « قم عند الجمرتين ، ولا تقم عند جمرة العقبة » ، قلت : هذا من السنّة؟ قال : « نعم » ، قلت : ما أقول إذا رميت؟ قال : « كبّر مع كلّ حصاة » (2).
وتدلّ على الحكم الأول في جمرة العقبة : صحيحة إسماعيل ، وبها تخصّ سائر الأخبار الدالّة على الرمي عن يسار الجمرة مطلقا (3).
وعلى الثاني فيها : الشهرة ، وفعل النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، كما ذكرهما في المنتهى (4)وغيره (5).
وعلى الثالث فيها : صحيحتا ابن عمّار وابن شعيب ، ورواية البزنطي المتقدّمة ، وغيرها.
ثمَّ سائر أحكام رمي الجمرات وكيفيّاتها الواجبة والمستحبّة كما مرّت في رمي جمرة العقبة.3.
1) الكافي 4 : 478 - 7 ، التهذيب 5 : 197 - 656 ، قرب الإسناد : 359 - 1284 ، الوسائل 14 : 65 أبواب رمي جمرة العقبة ب 10 ح 3.
2) الكافي 4 : 481 - 2 ، التهذيب 5 : 261 - 889 ، قرب الوسائل 14 : 64 أبواب رمي جمرة العقبة ب 10 ح 1 ، وأورد ذيلها في ص 67 ح 1.
3) الوسائل 14 : 68 أبواب رمي جمرة العقبة ب 12.
4) المنتهى 2 : 773.
5) كالتذكرة 1 : 377 ، والذخيرة : 663.
وفيها مسائل :
المسألة الأولى : تستحبّ الإقامة بمنى أيّام التشريق - أي بياض النهار - زائدا على القدر الواجب للرمي.
لرواية ليث : يأتي الرجل مكّة أيّام منى بعد فراغه من زيارة البيت فيطوف بالبيت تطوّعا ، فقال : « المقام بمنى أفضل وأحبّ إليّ » (1).
وصحيحة العيص : عن الزيارة بعد زيارة الحجّ أيّام التشريق ، فقال : « لا » (2).
ولا تجب ، للأصل ، وصحيحة جميل : « لا بأس أن يأتي الرجل مكّة فيطوف بها في أيّام منى ، ولا يبيت بها » (3).
ويعقوب : عن زيارة البيت أيّام التشريق ، فقال : « حسن » (4).
وموثّقة إسحاق : رجل زار فقضى طواف حجّة كلّه ، أيطوف بالبيت
1) الكافي 4 : 515 - 1 ، الفقيه 2 : 287 - 1413 ، التهذيب 5 : 490 - 1755 ، الاستبصار 2 : 295 - 1053 ، الوسائل 14 : 260 أبواب العود إلى منى ب 2 ح 5 بتفاوت.
2) الكافي 4 : 515 - 2 ، التهذيب 5 : 490 - 1754 ، الاستبصار 2 : 295 - 1052 ، الوسائل 14 : 260 أبواب العود إلى منى ب 2 ح 6.
3) الفقيه 2 : 287 - 1412 ، التهذيب 5 : 490 - 1753 ، الاستبصار 2 : 295 - 1050 ، الوسائل 14 : 259 أبواب العود إلى منى ب 2 ح 1.
4) التهذيب 5 : 260 - 885 ، الوسائل 14 : 259 أبواب العود إلى منى ب 2 ح 3.
أحبّ إليك ، أم يمضي على وجهه إلى منى؟ فقال : « أيّ ذلك شاء فعل ما لم يبت » (1).
المسألة الثانية : يستحبّ للناسك ما دام بمنى أن يصلّي في مسجد الخيف ، وأفضله ما كان مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في زمانه ، فإنّه قد زيد عليه بعده.
ففي صحيحة ابن عمّار : « صلّ في مسجد الخيف ، وهو مسجد منى ، وكان مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله على عهده عند المنارة التي في وسط المسجد ، وفوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا ، وعن يمينها وعن يسارها وخلفها نحوا من ذلك » ، قال : « فتحرّ ذلك ، فإن استطعت أن يكون مصلاّك فيه فافعل ، فإنّه قد صلّى فيه ألف نبيّ » (2).
ويستحبّ أن يفعل فيه أيضا ما في صحيحة الثمالي : « من صلّى في مسجد الخيف بمنى مائة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما ، ومن سبّح اللّه فيه مائة تسبيحة كتب اللّه له كأجر عتق رقبة ، ومن هلّل اللّه فيه مائة تهليلة عدلت أجر إحياء نسمة ، ومن حمد اللّه فيه مائة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين يتصدّق به في سبيل اللّه عزّ وجلّ » (3)
والعراقان : الكوفة والبصرة.
.ويستحبّ أيضا صلاة ستّ ركعات في مسجد منى.
لرواية أبي بصير : « صلّ ستّ ركعات في مسجد منى في أصل
الصومعة » (1).
وذكر بعضهم استحباب هذه الستّ أمام العود إلى مكّة (2)، والرواية مطلقة ، فالأولى الإطلاق كما في السرائر (3).
ولو قيّدت المائة ركعة المتقدّمة بذلك لكان له وجه ، لقوله عليه السلام : « قبل أن يخرج منه ».
المسألة الثالثة : يستحبّ التكبير أيّام التشريق بعد الصلوات على الأظهر الأشهر ، وقال جماعة بوجوبه (4)، وقد مرّ في بحث صلاة العيدين تحقيق ذلك وكيفيّة التكبير.
ويستحبّ عقيب خمس عشرة صلوات مفروضة - أولها صلاة الظهر يوم النحر - لمن لم يتعجّل في النفر الأول ، وعقيب عشر صلوات - مبدؤها ما ذكر - لمن تعجّل ، كما صرّح في المستفيضة :
ففي صحيحة محمّد : عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ) (5)، قال : « التكبير في أيّام التشريق صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث ، وفي الأمصار عشر صلوات ، فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار ، من أقام بمنى فصلّى بها الظهر والعصر فليكبّر » (6).ت.
1) الكافي 4 : 519 - 6 وفيه : عن علي بن أبي حمزة ، التهذيب 5 : 274 - 940 ، الوسائل 14 : 270 أبواب أحكام المساجد ب 51 ح 2.
2) انظر القواعد : 91 ، المسالك 1 : 127 ، الحدائق 17 : 335 ، كشف اللثام 1 : 380.
3) السرائر 1 : 613.
4) كما في المبسوط 1 : 380 ، التنقيح 1 : 519.
5) البقرة : 203.
6) الكافي 4 : 516 - 1 ، التهذيب 3 : 139 - 312 ، الاستبصار 2 : 299 - 1068 ، الوسائل 14 : 271 أبواب العود إلى منى ب 8 ح 4 بتفاوت.
وابن عمّار : « التكبير أيّام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيّام التشريق إن أنت أقمت بمنى ، وإن أنت خرجت فليس عليك التكبير » (1).
ورفاعة : عن الرجل يتعجّل في يومين من منى ، أيقطع التكبير؟ قال : « نعم ، بعد صلاة الغداة » (2).
المسألة الرابعة : يتخيّر الحاجّ بين أن ينفر من منى بعد الرمي في النفر الأول ، وهو الثاني عشر من ذي الحجّة ، وأن يؤخّر إلى النفر الثاني ، وهو الثالث عشر منه ، في الجملة ، إجماعا محقّقا ومحكيا (3)، كتابا ، وسنّة.
قال اللّه سبحانه ( وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) (4)، فسّره في الأخبار بالنفرين ، كما يأتي.
وفي صحيحة جميل : « لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الأول ثمَّ يقيم بمكّة » (5).
إلى غير ذلك من الأخبار (6)، ويأتي ما يدلّ عليه.
1) التهذيب 5 : 269 - 922 وفي الكافي 4 : 517 - 4 والوسائل 7 : 459 أبواب صلاة العيد ب 21 ح 4 : إلى صلاة العصر.
2) التهذيب 5 : 487 - 1738 ، الوسائل 7 : 461 أبواب صلاة العيد ب 21 ح 9.
3) كما في المنتهى 2 : 775 ، المفاتيح 1 : 380 ، الرياض 1 : 429.
4) البقرة : 203.
5) الكافي 4 : 521 - 6 ، الفقيه 2 : 289 - 1425 ، التهذيب 5 : 274 - 938 ، الوسائل 14 : 274 أبواب العود إلى منى ب 9 ح 1.
6) كما في الوسائل 14 : 274 أبواب العود إلى منى ب 9.
خلافا للمحكيّ عن الحلبي ، فلم يجوّز النفر الأول إلاّ للضرورة (1)، ولا مستند له.
ولكن يشترط جواز النفر في الأول بشرطين :
الشرط الأول : أن يكون ممّن اتّقى في حال إحرامه من الصيد والنساء خاصّة ، فمن لم يتّق أحدهما فيه لم يجز له أن ينفر في الأول على الحقّ المشهور ، بل لا يعرف فيه خلاف بين الأصحاب ، كما في الذخيرة (2)، بل كاد أن يكون إجماعا ، كما في المفاتيح وشرحه (3)، بل هو مجمع عليه ، كما في المدارك وعن المنتهى (4)وجمع آخر (5).
لمرسلة الفقيه (6)، المتقدّمة في مسألة وقت رمي الجمار.
ورواية حمّاد بن عثمان : في قول اللّه عزّ وجلّ ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ، « لمن اتّقى الصيد - يعني : في إحرامه - فإن أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول » (7).
والأخرى : « إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول ، ومن نفر في النفر الأول فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس » (8).
ورواية محمّد بن المستنير : « من أتى النساء في إحرامه لم يكن له أن
1) الكافي في الفقه : 198.
2) الذخيرة : 687.
3) المفاتيح 1 : 380.
4) المدارك 8 : 244 ، المنتهى 2 : 774.
5) كالتذكرة 1 : 394 ، والرياض 14 : 429.
6) الفقيه 2 : 289 - 1426 ، الوسائل 14 : 68 أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 1.
7) التهذيب 5 : 273 - 933 ، الوسائل 14 : 279 أبواب العود إلى منى ب 11 ح 2.
8) التهذيب 5 : 490 - 1758 ، الوسائل 14 : 279 أبواب العود إلى منى ب 11 ح 3.
ينفر في النفر الأول » (1).
ومفهوم الأخيرة وإن دلّ بعمومه على جواز النفر لمن لم يأت النساء وإن أصاب الصيد ، ولكنّه يخصّ بمنطوق الروايات الاولى ، ولا يمكن العكس ، للإجماع. وكذا الكلام في مفهوم الاولى ومنطوق الأخيرة.
مع أنّه يمكن القول بعدم التعارض بين المفهومين والمنطوقين ، إذ ليس مقتضى المفهوم إلاّ كون النفر له ، وهو يتحقّق بكونه له في بعض الصوم ، فتأمّل.
خلافا لمن اشترط اتّقاء الصيد إلى انقضاء النفر الأخير ، حكي عن ظاهر الطبرسي (2).
لرواية حمّاد الثانية المتقدّمة.
ورواية ابن عمّار : من نفر في النفر الأول متى يحلّ له الصيد؟ قال : « إذا زالت الشمس من اليوم الثالث » (3).
ولا دلالة لهما على مدّعاه ، بل يستفاد منهما استحباب الاتّقاء من الصيد لمن نفر في الأول إلى النفر الأخير.
كما تدلّ عليه أيضا صحيحة أخرى لابن عمّار : في قول اللّه عزّ وجلّ : ( فَمَنْ تَعَجَّلَ ) إلى آخره ، فقال : « يتّقي الصيد حتّى ينفر أهل منى في النفر الأخير » (4).
والأخرى : « ينبغي لمن تعجّل في يومين أن يمسك عن الصيد حتى
ينقضي اليوم الثالث » (1).
ولمن اشترط في جوازه الاتّقاء عمّا يوجب الكفّارة مطلقا ، وهو الحلّي ، ذكره في باب زيارة البيت والرجوع إلى منى ورمي الجمار من السرائر ، قال : وذلك أنّ من عليه كفّارة لا يجوز له أن ينفر في النفر الأخير بغير خلاف.
إلاّ أنّ كلامه في الباب الذي بعده - وهو باب النفر من منى - يوافق المشهور ظاهرا ، قال : فإن كان ممّن أصاب النساء في إحرامه أو صيدا لم يجز له أن ينفر في النفر الأول ، ويجب عليه المقام إلى النفر الأخير (2).
ولمن اشتراط فيه اتّقاء كلّ ما حرم عليه بإحرامه ، وهو محكيّ عن ابن سعيد (3).
ولا دليل للقولين إلاّ نفي الخلاف في السرائر لأولهما.
وظاهر الآية ، ورواية سلام بن المستنير ، أنّه قال : « لمن اتّقى الرفث والفسوق والجدال وما حرّم اللّه تعالى عليه في إحرامه » (4)لثانيهما.
والأول : ليس بحجّة.
والثاني : مجمل ، لعدم معلومية متعلّق الاتّقاء ، فيمكن أن يكون نفي الإثم عن المتقدّم والمتأخّر وغفران الذنوب ، لا مورد الاتّقاء ، مع أنّه قد وردت في تفسيره معان متعدّدة في الأخبار (5).
ومنه يظهر عدم دلالة الثالث أيضا.
الشرط الثاني : أن لا تغرب الشمس عليه يوم الثاني عشر في منى ، فلو غربت الشمس عليه وهو بمنى لم يجز له النفر ، بل وجب عليه المبيت بها ليلة الثالث عشر ، إجماعا محقّقا ، ومحكيّا مستفيضا (1)، له.
ولصحيحة ابن عمّار : « إذا نفرت في النفر الأول ، فإن شئت أن تقيم بمكّة وتبيت بها فلا بأس بذلك » ، قال : وقال : « إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى ، وليس لك أن تخرج منها حتى تصبح » (2).
ورواية أبي بصير : عن الرجل ينفر في النفر الأول ، قال : « له أن ينفر ما بينه وبين أن تصفر الشمس ، فإن هو لم ينفر حتى يكون عند غروبها فلا ينفر ، وليبت بمنى حتى إذا أصبح وطلعت الشمس فلينفر متى شاء » (3).
وصحيحة الحلبي : « فمن تعجّل في يومين فلا ينفر حتّى تزول الشمس ، فإن أدركه المساء بات ولم ينفر » (4).
ولو ارتحل وغربت الشمس قبل تجاوز حدود منى يجب المبيت بها ، لصدق الغروب عليه بمنى.
وقيل بعدم الوجوب ، لمشقّة الحطّ (5). هو ضعيف غايته.
1) كما في المنتهى 2 : 776.
2) الكافي 4 : 521 - 7 ، التهذيب 5 : 272 - 930 ، الوسائل 14 : 277 أبواب العود إلى منى ب 10 ح 2.
3) الفقيه 2 : 288 - 1421 ، التهذيب 5 : 272 - 931 ، الوسائل 14 : 278 أبواب العود إلى منى ب 10 ح 4 وفيه : وبين أن تسفر الشمس.
4) الكافي 4 : 520 - 4 ، التهذيب 5 : 272 - 929 ، الوسائل 14 : 277 أبواب العود إلى منى ب 10 ح 1.
5) المنتهى 2 : 776.
أ : من نفر في الأول لم يجز له النفر قبل الزوال ، بل يجب أن يكون بعده قبل الغروب على الأشهر.
قيل : للمستفيضة من الصحاح وغيرها (1)، كصحيحة الحلبي المتقدّمة.
وصحيحة ابن عمّار : « إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس ، وإن تأخّرت إلى آخر أيّام التشريق - وهو يوم النفر الأخير - فلا عليك أيّ ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده » (2).
والخزّاز ، وفيها : « أمّا اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس ، وكانت ليلة النفر ، وأمّا اليوم الثالث فإذا ابيضّت الشمس فانفر على بركة اللّه ، فإنّ اللّه جلّ ثناؤه يقول ( فَمَنْ تَعَجَّلَ ) » إلى آخره (3).
وصحيحة الحلبي : عن الرجل ينفر في النفر الأول قبل أن تزول الشمس ، قال : « لا ، ولكن يخرج ثقله إن شاء ، ولا يخرج حتى تزول الشمس » (4).
خلافا للمحكيّ عن التذكرة ، فقرّب استحباب التأخير إلى الزوال (5).
1) الرياض 1 : 429.
2) الكافي 4 : 520 - 3 ، الفقيه 2 : 287 - 1414 ، التهذيب 5 : 271 - 926 ، الاستبصار 2 : 300 - 1073 ، الوسائل 14 : 274 أبواب العود إلى منى ب 9 ح 3.
3) الكافي 4 : 519 - 1 ، التهذيب 5 : 271 - 927 ، الاستبصار 2 : 300 - 1074 ، الوسائل 14 : 275 أبواب العود إلى منى ب 9 ح 4.
4) الفقيه 2 : 288 - 1422 ، الوسائل 14 : 276 أبواب العود إلى منى ب 9 ح 6.
5) التذكرة 1 : 394.
قيل (1): ويمكن حمل كثير من العبارات عليه ، إذ الواجب في منى هو الرمي والبيتوتة ، والإقامة في اليوم مستحبّة كما مرّ ، ولعموم رواية أبي بصير المتقدّمة ، وخصوص رواية زرارة : « لا بأس أن ينفر الرجل في [ النفر ] الأول قبل الزوال » (2).
وهو قويّ جدا ، لأنّ غير صحيحة ابن عمّار من المستفيضة المتقدّمة لا يثبت سوى الاستحباب ، وأمّا هي وإن كانت ظاهرة في الوجوب إلاّ أنّ الروايتين قرينتان على إرادة التجوّز منها.
وكيف كان ، يجوز له تقديم رحله قبل الزوال ، للأصل ، وصحيحة الحلبي.
ب : من نفر في الأخير يجوز له السفر قبل الزوال وبعده ، بلا خلاف ، كما عن المنتهى (3)، بل بالإجماع ، كما عن الغنية والتذكرة (4)، وقد مضى ما يدلّ عليه ، وإطلاقه يعمّ الإمام وغيره.
وعن النهاية والمبسوط والمهذّب والسرائر والغنية والإصباح : اختصاصه بغير الإمام ، وقالوا : عليه أن يصلّي الظهر بمكّة (5).
وعن المنتهى والتذكرة : استحباب ذلك له (6).
1) كشف اللثام 1 : 380.
2) التهذيب 5 : 272 - 928 ، الاستبصار 2 : 301 - 1075 ، الوسائل 14 : 277 أبواب العود إلى منى ب 9 ح 11 ، وما بين المعقوفين من المصادر.
3) المنتهى 2 : 777 ، نقله عنه في كشف اللثام 1 : 380.
4) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581 ، التذكرة 1 : 394.
5) النهاية : 269 ، المبسوط 1 : 380 ، المهذّب 1 : 263 ، السرائر 1 : 612 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 581 الإصباح : 160.
6) المنتهى 2 : 777 ، التذكرة 1 : 394.
ولا بأس به ، لصحيحة الحلبي (1)، ومضمرة النخعي (2)، بل ربّما يفهم من الأخيرة رجحانه لغير الإمام أيضا.
ج : قال في المدارك : قد نصّ الأصحاب على أنّ الاتّقاء معتبر في إحرام الحجّ ، وقوّى الشارح اعتباره في عمرة التمتّع أيضا ، لارتباطها بالحجّ ودخولها فيه ، والمسألة قويّة الإشكال (3). انتهى.
أقول : ظاهر إطلاق أخبار الاتّقاء يقوّي ما قواه شيخنا الشهيد الثاني (4)، فهو الأقوى.
د : قال فيه أيضا : المراد بعدم اتّقاء الصيد في حال الإحرام : قتله ، وبعدم اتّقاء النساء : جماعهن ، وفي إلحاق باقي المحرّمات المتعلّقة بالصيد والنساء بهما - كأكل الصيد ولمس النساء بشهوة - وجهان (5).
أقول : الظاهر من إصابة الصيد المذكور في الأخبار هو : القتل والأخذ ، فيختصّ بهما ، كما ذكره بعضهم (6)، ومن إتيان النساء المذكور فيها هو : الجماع ، فيختصّ به. ولو لا الظهور فلا أقلّ من الاحتمال ، فيدفع غير ما ذكر بالأصل.
ه- : قال في المنتهى : قد بيّنا أنّه يجوز أن ينفر في الأول ، فحينئذ
يسقط عنه رمي الجمار في اليوم الثالث من أيّام التشريق بلا خلاف.
إذا ثبت هذا ، فإنّه يستحبّ له أن يدفن الحصاة المختصّة بذلك اليوم بمنى ، وأنكره الشافعي وقال : إنّه لا يعرف به أثرا ، بل ينبغي أن تطرح أو تدفع إلى من [ لم ] (1)يتعجّل (2). انتهى.
أقول : وحكي عن الإسكافي : أنّه يرمي حصى اليوم الثالث عشر في اليوم الثاني عشر بعد رمي يومه (3).
ثمَّ أقول : دليل السقوط : أنّ بعد ثبوت جواز النفر الأول فلا يخلو إمّا أن يجب رمي الثالث عشر في الثاني عشر ، أو تجب الاستنابة له في الثالث عشر ، أو العود فيه.
والثالث خلاف الإجماع المقطوع ، والأولان خلاف الأصل ، فلم يبق إلاّ السقوط ، بل في الأولين أيضا سقوط هذا الواجب عنه ، وهما أمران آخران منفيّان بالأصل.
وأمّا دفن الحصاة فلا دليل عليه ، ولكن يمكن إثباته بفتوى الفاضل والشهيد في الدروس (4)، لأنّ المقام مقام المسامحة.
و : قد بيّنا في بحث البيتوتة وجوب بيتوتة ليلتين مطلقا ، وبيتوتة ليلة الثالث عشر في بعض الصور ، وقد علم ممّا ذكرنا في مسألة النفر أنّ بيتوتة الثالث عشر إنّما هي إذا بقي في منى حتى غربت الشمس من هذه الليلة ، أو لم يتّق الصيد والنساء في إحرامه.5.
وفيه مسائل :
المسألة الاولى : لو بقي على الحاجّ شيء من المناسك الواجبة - من طواف أو سعي أو بعض أحدهما أو غير ذلك ، وكان أخّره من بيتوتة منى - وجب عليه العود إلى مكّة لإتمام المناسك إجماعا ، لتوقّف الواجب عليه.
ولو لم يبق عليه شيء ، من المناسك الواجبة يجوز له الانصراف حيث شاء.
للأصل ، ورواية السري : ما ترى في المقام بمنى بعد ما ينفر الناس؟ قال : « إن كان قد قضى نسكه فليقم ما شاء ، وليذهب حيث شاء » (1).
نعم ، وقالوا : يستحبّ له العود لمكّة لوداع البيت ودخول الكعبة.
فإن أرادوا أنّ من لم يودّع البيت ولم يدخل الكعبة يستحبّ له العود لأجل ذلك.
فهو كذلك ، لاستحبابهما ، واستحباب مقدّمة المستحبّ ، ومرجعه إلى استحباب الأمرين ، ولا يكون العود إلى مكّة مستحبّا أصلا.
1) الكافي 4 : 541 - 6 ، التهذيب 5 : 273 - 936 ، الوسائل 14 : 282 أبواب العود إلى منى ب 13 ح 1.
وإن أرادوا استحباب العود مطلقا ، أو استحباب تأخير الأمرين إلى العود.
فلا دليل عليه أصلا ، والأصل يدفعه ، بل في الروايات ما ينفيه.
ففي رواية ابن عمّار : « كان أبي يقول : لو كان لي طريق إلى منزلي من منى ما دخلت مكّة » (1).
المسألة الثانية : يستحبّ دخول الكعبة إجماعا ، له ، وللنصوص : ففي مرسلة عليّ بن خالد : « الداخل الكعبة يدخل واللّه راض عنه ، ويخرج عطلا (2)من الذنوب » (3).
وفي موثّقة ابن القدّاح : عن دخول الكعبة ، قال : « الدخول فيها دخول في رحمة اللّه ، والخروج منها خروج من الذنوب ، معصوم فيما بقي من عمره ، مغفور له ما سلف من ذنوبه » (4).
وقريبة منها مرسلة الفقيه (5).
وفي أخرى : « من دخل الكعبة بسكينة ، وهو أن يدخلها غير متكبّر ولا متجبّر ، غفر له » (6).
ولا تنافيه صحيحة حمّاد بن عثمان : عن دخول البيت ، فقال : « أمّا
1) الكافي 4 : 521 - 9 ، التهذيب 5 : 274 - 937 ، الوسائل 14 : 283 أبواب العود إلى منى ب 14 ح 1.
2) قد يستعمل العطل في الخلوّ من الشيء - لسان العرب 11 : 454.
3) الكافي 4 : 527 - 1 ، التهذيب 5 : 275 - 943 ، المحاسن : 70 - 138 ، الوسائل 13 : 272 أبواب مقدمات الطواف ب 34 ح 2.
4) الكافي 4 : 527 - 2 ، الفقيه 2 : 133 - 562 ، التهذيب 5 : 275 - 944 ، الوسائل 13 : 271 أبواب مقدمات الطواف ب 34 ح 1.
5) الفقيه 2 : 133 - 562 ، الوسائل 13 : 271 أبواب مقدمات الطواف ب 34 ح 1.
6) الفقيه 2 : 133 - 563 ، الوسائل 13 : 271 أبواب مقدمات الطواف ب 34 ح 3.
الصورة فيدخله ، وأمّا من حجّ فلا » (1).
لأنّ قوله : « فيدخله » يمكن أن يكون تأكّد الاستحباب ، فالنفي في غيره يرجع إلى التأكّد ، ويمكن أيضا أن يكون النفي للمرجوحيّة لمن حجّ ودخل أولا ، كما هو المتأكّد في حقّ الصرورة ، حيث إنّه لا يترجّح تكرار الدخول كما يأتي ، فيكون المعنى : وأمّا من حجّ ودخل فلا.
والاستحباب يعمّ الرجال والنساء.
لصحيحة ابن سنان : عن دخول النساء الكعبة ، قال : « ليس عليهن ، وإن فعلن فهو أفضل » (2).
وربّما يستفاد منها : أنّ استحباب الدخول في حقّ النساء ليس على حدّ استحبابه للرجال.
ويتأكّد في حقّ الصرورة بلا خلاف يعرف ، لصحيحة حمّاد المتقدّمة ، وصحيحة سعيد الأعرج : « لا بدّ للصرورة أن يدخل البيت قبل أن يرجع » (3).
ومرسلة أبان : « يستحبّ للصرورة أن يطأ المشعر الحرام ، وأن يدخل البيت » (4).
ورواية سليمان بن مهران ، وفيها : وكيف صار الصرورة يستحبّ له دخول الكعبة دون من حجّ؟ فقال : « لأنّ الصرورة قاضي فرض مدعوّ إلى
1) التهذيب 5 : 277 - 948 ، الوسائل 13 : 273 أبواب مقدمات الطواف ب 35 ح 3.
2) التهذيب 5 : 448 - 1561 ، الوسائل 13 : 283 أبواب مقدمات الطواف ب 41 ح 1.
3) الكافي 4 : 529 - 6 ، التهذيب 5 : 277 - 947 ، الوسائل 13 : 273 أبواب مقدمات الطواف ب 35 ح 1.
4) الكافي 4 : 469 - 3 ، التهذيب 5 : 191 - 636 ، الوسائل 13 : 273 أبواب مقدمات الطواف ب 35 ح 2.
حجّ بيت اللّه ، يجب أن يدخل البيت الذي دعي إليه ليكرم فيه » (1).
وظاهر صحيحة الأعرج وإن كان الوجوب في حقّ الصرورة ، إلاّ أنّه حمل على الاستحباب أو شدّته ، للإجماع على انتفاء الوجوب.
لا للخبرين الأخيرين كما قيل (2)، لأعمّية الاستحباب في الاصطلاح المتقدّم عن الوجوب.
بل يشعر بإرادته قوله : « يجب » أخيرا في الأخيرة ، ولو لا الأعمية من جهة اللغة أيضا يمكن التجوّز به عنه ، كما قد يتجوّز بالوجوب عن الاستحباب.
ولو لا مظنّة الإجماع على ثبوت الاستحباب لغير الصرورة أيضا لكنّا نقول بعدم استحبابه في حقّه مطلقا.
ويمكن أن يقال به إذا كان قد دخل أولا ، كما هو الغالب ، واحتمله بعض المتأخّرين ، حيث قال : كأنّ تكرير الدخول خلاف الأولى.
وهو كذلك ، لأنّه الظاهر من صحيحة حمّاد ، ورواية سليمان ، وعدم دخول رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فيه إلاّ مرّة ، كما في ذيل صحيحة ابن عمّار الآتية : « ولم يدخلها رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إلاّ يوم فتح مكّة » (3).
وفي الأخرى : « فإن النبيّ صلی اللّه عليه وآله لم يدخل الكعبة في حجّ ولا عمرة ، ولكنّه دخلها في الفتح - فتح مكّة - وصلّى ركعتين بين العمودين » (4).3.
المسألة الثالثة : يستحبّ الغسل لدخول الكعبة استحبابا مؤكّدا ، كما في السرائر (1)، وأن يدخلها بسكينة ووقار ، حافيا بلا حذاء ، وأن لا يبزق فيها ولا يتمخّط فيها ، وأن يأخذ بحلقتي الباب ، وأن يدعو إذا أخذهما بالدعاء المأثور بقوله : « اللّهمّ إنّ البيت بيتك » (2)، وأن يدعو حين يدخل بالدعاء المأثور في صحيحة ابن عمّار الآتية.
ثمَّ يدخل ويصلّي ركعتين على الرخامة الحمراء ، التي بين الأسطوانتين اللتين تليان الباب ، وهي - كما قيل (3)- مولد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، يقرأ في الركعة الأولى حم السجدة ، وفي الثانية عدد آياتها من القرآن دون حروفها أو كلماتها ، ويصلّي في كلّ زاوية من زوايا البيت الأربع ، ويدعو بعد ذلك بالدعاءين المأثورين في صحيحتي ابن عمّار والأعرج الآتيتين.
والظاهر أنّ الدعاءين بعد تمام الصلاة في الزوايا الأربع ، لا أنّه بعدها في كلّ زاوية.
وعن القاضي : أنّه يبدأ بالزاوية التي فيها الدرجة ، ثمَّ الغربيّة ، ثمَّ التي فيها الركن اليماني ، ثمَّ التي فيها الحجر الأسود (4).
ويستقبل الحائط الذي بين الركنين اليماني والغربي ، ويرفع يديه عليه ويلزق به ويدعو.
ثمَّ يتحوّل إلى الركن اليماني ويلصق به ويدعو ، ويأتي بالأسطوانة
التي بحذاء الحجر ، ويلصق بها صدره ويدعو بالدعاء الآتي.
ثمَّ يدور بالأسطوانة ، ويلصق بها ظهره وبطنه ويدعو بالدعاء المذكور ، وأن يقبل على كلّ أركان البيت ويكبّر إلى كلّ ركن منه.
كل ذلك للأخبار :
ففي صحيحة ابن عمّار : « إذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها ، ولا تدخلها بحذاء ، وتقول إذا دخلت : اللّهمّ إنّك قلت في كتابك : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (1)، فآمنّي من عذاب النار ، ثمَّ تصلّي ركعتين بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء ، تقرأ في الركعة الأولى حم السجدة ، وفي الثانية عدد آياتها من القرآن ، وتصلّي في زواياه ، وتقول : اللّهمّ من تهيّأ وتعبّأ وأعدّ واستعدّ لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله وفواضله ، فإليك يا سيّدي تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك ونوافلك وجائزتك ، فلا تخيّب اليوم رجائي ، يا من لا يخيب عليه سائل ، ولا ينقصه نائل ، فإنّي لم آتك اليوم بعمل صالح قدّمته ، ولا شفاعة مخلوق رجوته ، ولكنّي أتيتك مقرّا بالظلم والإساءة على نفسي ، فإنّه لا حجّة لي ولا عذر ، فأسألك يا من هو كذلك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد ، وأن تعطيني مسألتي ، وتقيلني عثرتي ، وتقلبني برغبتي ، ولا تردّني مجبوها ممنوعا ، ولا خائبا ، يا عظيم يا عظيم يا عظيم ، أرجوك العظيم ، أسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم ، لا إله إلاّ أنت ».
قال : « ولا تدخلها بحذاء ، ولا تبزق فيها ، ولا تمخط فيها ، ولم يدخلها رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إلاّ يوم فتح مكّة » (2).1.
وفي صحيحة الأعرج : « فإذا دخلته فادخله على سكينة ووقار ، ثمَّ ائت كلّ زاوية من زواياه ، ثمَّ قل : [ اللّهمّ ] إنّك قلت ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ، فآمنّي من عذاب يوم القيامة ، وصلّ بين العمودين اللذين يليان الباب على الرخامة الحمراء ، وإن كثر الناس فاستقبل كلّ زاوية من مقامك حيث صلّيت ، وادع اللّه وسله » (1).
وفي صحيحة ابن أبي العلاء : قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام وذكرت الصلاة في الكعبة ، قال : « بين العمودين ، تقوم على البلاطة الحمراء (2)، فإنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله صلّى عليها ، ثمَّ أقبل على أركان البيت فكبّر على كلّ ركن منه » (3).
وفي الأخرى لابن عمّار : رأيت العبد الصالح عليه السلام دخل الكعبة فصلّى ركعتين على الرخامة الحمراء ، ثمَّ قال فاستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي ، فرفع يده عليه ولزق به ودعا ، ثمَّ تحوّل إلى الركن اليماني فلصق به ودعا ، ثمَّ أتى الركن الغربي ، ثمَّ خرج (4).
وصحيحة إسماعيل بن همام : « دخل النبيّ صلی اللّه عليه وآله الكعبة فصلّى في زواياها الأربع ، صلّى في كلّ زاوية ركعتين » (5).
1) الكافي 4 : 529 - 6 ، التهذيب 5 : 277 - 947 ، الوسائل 13 : 278 أبواب مقدمات الطواف ب 36 ح 6. وما بين المعقوفين من المصادر.
2) البلاطة الحمراء : هي حجر تسمّى حجر السماق ، ولد عليها علي بن أبي طالب عليه السلام في بيت اللّه الحرام ، وقد كانت في وسط البيت ثمَّ غيّرت وجعلت في ضلع البيت عند الباب - مجمع البحرين 4 : 240.
3) الكافي 4 : 528 - 4 ، الوسائل 13 : 276 أبواب مقدمات الطواف ب 36 ح 3.
4) الكافي 4 : 529 - 5 ، التهذيب 5 : 278 - 951 ، الوسائل 13 : 277 أبواب مقدمات الطواف ب 36 ح 4.
5) الكافي 4 : 529 - 8 ، التهذيب 5 : 278 - 949 ، الوسائل 13 : 276 أبواب مقدمات الطواف ب 36 ح 2.
وموثّقة يونس بن يعقوب : إذا دخلت الكعبة كيف أصنع؟ قال : « خذ بحلقتي الباب إذا دخلت ، ثمَّ أمض حتى تأتي العمودين ، فصلّ على الرخامة الحمراء ، ثمَّ إذا خرجت من البيت فنزلت من الدرجة فصل عن يمينك ركعتين » (1).
وفي الثالثة لابن عمّار : في دعاء الولد ، قال : « أفض عليك دلوا من ماء زمزم ثمَّ ادخل البيت ، فإذا قمت على باب البيت فخذ بحلقة الباب ، ثمَّ قل : اللّهمّ إنّ البيت بيتك ، والعبد عبدك وقد قلت ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ، فآمنّي من عذابك وأجرني من سخطك ، ثمَّ ادخل البيت فصلّ على الرخامة الحمراء ركعتين ، ثمَّ قم إلى الأسطوانة التي بإزاء الحجر وألصق بها صدرك ، ثمَّ قل : يا واحد يا ماجد يا قريب يا بعيد يا عزيز يا حكيم ، لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ، هب لي من لدنك ذرّية طيّبة إنّك سميع الدعاء ، ثمَّ در بالأسطوانة فألصق بها ظهرك وبطنك ، وتدعو بهذا الدعاء ، فإن يرد اللّه شيئا كان » (2).
والظاهر من الأخيرة أنّ ما تضمّنته من الدعاء والآداب لمن أراد الولد ، ولكن لا بأس بالتعميم.
ويستفاد من صحيحة الأعرج : كفاية استقبال كلّ زاوية في مقامه الذي صلّى فيه والدعاء والمسألة إذا منع كثرة الناس.
ومن موثّقة يونس : استحباب صلاة ركعتين عن يمين المصلّي إذا
خرج ونزل من الدرجة.
وتدلّ عليه أيضا صحيحة ابن سنان ، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام - وهو خارج من الكعبة - وهو يقول : « اللّه أكبر اللّه أكبر » ، حتى قالها ثلاثا ، ثمَّ قال : « اللّهمّ لا تجهد بلاءنا ، ربّنا ولا تشمت بنا أعداءنا ، فإنّك أنت الضارّ النافع » ، ثمَّ هبط فصلّى إلى جانب الدرجة ، جعل الدرجة عن يساره مستقبل الكعبة ليس بينها وبينه أحد ، ثمَّ خرج إلى منزله (1).
ويستحبّ أيضا أن يسجد في البيت ويدعو وهو ساجد بالدعاء المأثور في رواية ذريح ، أوله : « لا يردّ غضبك إلاّ حلمك » إلى آخر الدعاء (2).
المسألة الرابعة : ويستحبّ أيضا أن يطوف بالبيت طواف الوداع ، بالإجماع ، وعن بعض العامّة وجوبه (3).
وفي رواية عليّ : في رجل لم يودّع البيت ، قال : « لا بأس به إن كانت به علّة أو كان ناسيا » (4).
وإثبات البأس في المفهوم محمول على شدّة التأكّد ، للإجماع.
وهذا الطواف أيضا - كغيره - سبعة أشواط ، وله صلاته ، وينبغي أن يعتمد في كيفيّته ما في صحيحة ابن عمّار ، قال : « إذا أردت أن تخرج من مكّة فتأتي أهلك فودّع البيت وطف بالبيت أسبوعا ، وإن استطعت أن تستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كلّ شوط فافعل ، وإلاّ فافتح به واختم به ،
1) الكافي 4 : 529 - 7 ، التهذيب 5 : 279 - 956 ، قرب الإسناد : 4 - 10 ، الوسائل 13 : 282 أبواب مقدمات الطواف ب 40 ح 1.
2) التهذيب 5 : 276 - 946 ، الوسائل 13 : 279 أبواب مقدمات الطواف ب 37 ح 1.
3) انظر المغني والشرح الكبير 3 : 490.
4) التهذيب 5 : 282 - 960 ، الوسائل 14 : 291 أبواب العود إلى منى ب 19 ح 2.
فإن لم تستطع ذلك فموسّع عليك ، ثمَّ تأتي المستجار فتصنع عنده كما صنعت يوم قدمت مكّة ، وتخيّر لنفسك من الدعاء ، ثمَّ استلم الحجر الأسود ، ثمَّ ألصق بطنك بالبيت ، تضع يدك على الحجر والأخرى على الباب ، واحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبيّ وآله ، ثمَّ قل : اللّهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك ونبيّك وأمينك وحبيبك ونجيبك وخيرتك من خلقك ، اللّهم كما بلّغ رسالاتك وجاهد في سبيلك وصدع بأمرك وأوذي في جنبك وعبدك حتى أتاه اليقين ، اللّهم اقلبني مفلحا منجحا مستجابا بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك من المغفرة والبركة والرحمة والرضوان والعافية ، اللّهم إن أمتّني فاغفر لي ، وإن أحييتني فارزقنيه من قابل ، اللّهم لا تجعله آخر العهد من بيتك ، اللّهم إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، حملتني على دوابّك ، وسيّرتني في بلادك حتى أقدمتني حرمك وأمنك ، وقد كان في حسن ظنّي بك أن تغفر لي ذنوبي ، فإن كنت غفرت لي ذنوبي فازدد عنّي رضا ، وقرّبني إليك زلفى ، ولا تباعدني ، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن فاغفر لي قبل أن تنأى عن بيتك داري ، فهذا أوان انصرافي إن كنت قد أذنت لي ، غير راغب عنك ولا عن بيتك ، ولا مستبدل بك ولا به ، اللّهم احفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي حتى تبلغني أهلي ، فإذا بلغتني أهلي فاكفني مئونة عبادك وعيالي ، فإنّك وليّ ذلك من خلقك ومنّي ، ثمَّ ائت زمزم واشرب من مائها ، ثمَّ اخرج وقل : آئبون تائبون عابدون ، لربّنا حامدون ، إلى ربّنا منقلبون راغبون ، إلى اللّه راجعون إن شاء اللّه » ، وقال : إنّ أبا عبد اللّه عليه السلام لمّا ودّعها وأراد أن يخرج من المسجد الحرام
خرّ ساجدا عند باب المسجد طويلا ، ثمَّ قام وخرج (1).
أقول : وتستفاد منها ومن سائر أخبار الباب أمور :
الأول : استحباب استلام الحجر الأسود والركن اليماني في كلّ شوط ، وإن لم يتمكّن ففي الافتتاح والاختتام.
وتدلّ عليه أيضا صحيحة عليّ بن مهزيار : رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام في سنة خمس عشرة ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع الشمس ، فطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كلّ شوط ، فإذا كان في الشوط السابع استلمه ، واستلم الحجر ومسح بيده ، ثمَّ مسح وجهه بيده ، ثمَّ أتى المقام فصلّى خلفه ركعتين ، ثمَّ خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم ، فالتزم البيت وكشف الثوب عن بطنه ، ثمَّ وقف عليه طويلا يدعو ، ثمَّ خرج من باب الحنّاطين وتوجّه. قال : فرأيته سنة سبع عشرة ومائتين ودّع البيت ليلا يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كلّ شوط ، فلمّا كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريبا من الركن اليماني وفوق الحجر المستطيل ، وكشف الثوب عن بطنه ، ثمَّ أتى الحجر الأسود فقبّله ومسحه ، وخرج إلى المقام فصلّى خلفه ، ومضى ولم يعد إلى البيت ، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف به بعض أصحابنا سبعة أشواط وبعضهم ثمانية (2)...
1) الكافي 4 : 530 - 1 ، التهذيب 5 : 280 - 957 ، الوسائل 14 : 287 أبواب العود إلى منى ب 18 ح 1 ، بتفاوت.
2) الكافي 4 : 532 - 3 وفيه : رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام في سنة خمس وعشرين ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع ... ، وفي الوسائل 14 : 289 أبواب العود إلى منى ب 18 ح 3 : عن الحسن بن علي الكوفي ، وفيه : فرأيته في سنة تسع عشرة ومائتين ودّع البيت ليلا ...
وذكر جماعة : أنّه يستحبّ استلام الأركان كلّها (1). ولا بأس به.
الثاني : استحباب إتيان المستجار والتزامه وإلصاق البطن عليه باسطا يديه والدعاء فيه.
وتدلّ عليه الصحيحة الأخيرة أيضا ، والمستفاد منها تخيّره في كون ذلك في الشوط السابع أو بعد إتمام الصلاة وطوافه.
الثالث : إلصاق البطن بالبيت بعد الطواف بين الحجر والباب ، واضعا إحدى يديه على الحجر والأخرى على الباب ، داعيا بما مرّ من الدعاء.
الرابع : الشرب من ماء زمزم بعد الطواف.
وتدلّ عليه أيضا رواية أبي إسماعيل : جعلت فداك ، فمن أين أودّع البيت؟ قال : « تأتي المستجار بين الحجر والباب فتودّعه من ثمَّ ، ثمَّ تخرج فتشرب من زمزم ، ثمَّ تمضي » ، قلت : أصبّ على رأسي؟ قال : « لا تقرب الصبّ » (2).
الخامس : الدعاء عند الخروج من المسجد الحرام بقوله : « آئبون » إلى آخره.
السادس : السجود عند باب المسجد عند إرادة الخروج.
وتدلّ عليه أيضا صحيحة الخراساني : رأيت أبا الحسن عليه السلام ودّع البيت ، فلمّا أراد أن يخرج من باب المسجد خرّ ساجدا ، ثمَّ قام فاستقبل القبلة ، فقال : « اللّهم إنّي أنقلب على ألاّ إله إلاّ أنت » (3).2.
وقيل : ولتكن السجدة مستقبل القبلة (1).
ولا بأس به ، بل هو أولى.
السابع : الدعاء - بعد القيام من السجدة مستقبلا - بما في هذه الصحيحة الأخيرة.
الثامن : أن يخرج من باب الحنّاطين ، ذكره جماعة من الأصحاب (2).
ولعلّ مستندهم الصحيحة الثانية ، وفي دلالتها نظر ، لعدم معلوميّة كون خروج الإمام من باب العبادة ، ولكن لا بأس به ، لفتوى الأصحاب.
قال في الدروس : هذا الباب بإزاء الركن الشامي (3).
وزاد فيه بعضهم : على التقريب (4).
وقال المحقّق الثاني : ولم أجد أحدا يعرف موضع هذا الباب ، فإنّ المسجد قد زيد فيه ، فينبغي أن يتحرّى الخارج محاذاة الركن الشامي ثمَّ يخرج (5).
وقال والدي العلاّمة - طاب ثراه - في المناسك المكّية : وهو الباب الذي يسمّى الآن بباب الدربيّة يحاذي الركن الشامي ، وهو أول باب يفتح في جنب باب السلام من جهة يمين من يدخل المسجد. انتهى.
وغرضه 1 أنّ ذلك الباب يمرّ بموضع باب الحنّاطين ، وإلاّ فالمسجد قد وسّع الآن.
المسألة الخامسة : يستحبّ عند إرادة الخروج من مكّة اشتراء درهم تمرا ، والتصدّق به كفّارة لما لعلّه فعله في الإحرام ، أو الحرم.
تدلّ عليه - مع فتوى الأصحاب - صحيحة حفص وابن عمّار (1)، والأخرى للأخير (2)، ورواية أبي بصير (3).
المسألة السادسة : يستحبّ لمن أراد الخروج من مكّة أن يعزم على العود إليها ، وأن يسأل اللّه سبحانه التوفيق للرجوع ، وأن لا يجعل ذلك آخر العهد منه ، اللّهم ارزقنا العود إلى بيتك المحرّم بمنّك وكرمك.
ففي رواية ابن سنان : « من رجع من مكّة وهو ينوي الحجّ من قابل زيد في عمره » (4).
وفي رواية إسحاق : إنّي قد وطّنت نفسي على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بمالي ، فقال : « وقد عزمت على ذلك؟ » قال :
قلت : نعم ، قال : « إن فعلت فأيقن بكثرة المال » ، أو قال : « فأبشر بكثرة المال » (5).
وفي حسنة الأحمسي : « من خرج من مكّة وهو لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه » (6).
1) الكافي 4 : 533 - 1 ، التهذيب 5 : 282 - 963 ، الوسائل 14 : 292 أبواب العود إلى منى ب 20 ح 2.
2) الفقيه 2 : 290 - 1430 ، الوسائل 14 : 292 أبواب العود إلى منى ب 20 ح 1.
3) الكافي 4 : 533 - 2 ، الوسائل 14 : 292 أبواب العود إلى منى ب 20 ح 3.
4) الكافي 4 : 281 - 3 ، الوسائل 11 : 150 أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 57 ح 1.
5) الكافي 4 : 253 - 5 ، الفقيه 2 : 140 - 608 ، ثواب الأعمال : 47 ، الوسائل 11 : 133 أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 46 ح 1 ، بتفاوت.
6) الكافي 4 : 270 - 1 ، الوسائل 11 : 151 أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 57 ح 2.
المسألة السابعة : ومن المستحبّات أن يصلّي جميع صلواته ما دام بمكّة في المسجد الحرام ، فإنّ فضله ممّا لا يحيط به الكلام ، حتى ورد أنّ صلاة ركعة فيه تقابل مائة ألف ركعة في غيره (1).
ولوقوع الزيادة في المسجد بعد عصر النبيّ صلی اللّه عليه وآله والحجج : فينبغي أن يصلّي قريب الكعبة بحيث يقطع وقوع الصلاة في المسجد الحرام.
قال والدي العلاّمة 1 في المناسك المكّية ما ترجمته : إنّ القدر المحقّق كونه من المسجد الحرام في عهد النبيّ صلی اللّه عليه وآله هو القدر المدوّر الذي أحاطت به الأسطوانات التي من الحديد ، المنصوبة حول الكعبة ، وتعلّق عليها القناديل في الليالي ، وهي ثلاث وثلاثون أسطوانة ، إحدى وثلاثون منها من الحديد ، واثنتان منها من المرمر.
ثمَّ قال : والظاهر أنّ المربّع المستطيل - المفروش بالحجر ، المشتمل على ملتزم وطاق بني شيبة ومقام إبراهيم والمنبرين اللذين أحدهما من الخشب والآخر من المرمر - داخل في المسجد وإن كان خارجا من المدوّر المذكور.
المسألة الثامنة : وممّا عدّه بعضهم من المستحبّات : إتيان بعض المواضع المتبركة بمكّة ، كمولد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، ومنزل خديجة ، وزيارة قبر خديجة ، والغار الذي بجبل حراء ، الذي كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في ابتداء الوحي يتعبّد به ، والغار الذي بجبل ثور ، استتر فيه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن المشركين (2).
ولمّا بذل والدي العلاّمة - شكر اللّه مساعيه الجميلة - جهده الشريف في تحقيق تلك الأماكن بمكّة وبيانها فنذكر هنا ترجمة ما ذكره في ذلك المقام في المناسك المكّية ، قال - طيّب اللّه مضجعه - : الحطيم : قدر من حائط البيت ما بين حجر الأسود وباب الكعبة.
والمعجن : موضع قريب من حائط البيت ، منحطّ من الأرض.
ومصلّى الرسول صلی اللّه عليه وآله : ما بين الحجر الأسود والركن اليماني ، قريب من حائط البيت ، يتّصل موضع سجوده بشاذروان ، وعلى موضع السجدة حجر مدوّر من يشم (1)، وعلى موضع اليدين أيضا علامة.
ومصلّى إبراهيم : ما بين الركن والمعجن ، لكنّه إلى المعجن أقرب ، ونصب على فوقه في شاذروان حجر أبيض مرمر ، نقش عليه بعض الآيات القرآنيّة.
ثمَّ قال 1 : وفي مكّة أماكن شريفة أخرى في إتيانها فضل كامل :
منها : دار خديجة ، التي هي دار الوحي ومولد سيدة نساء العالمين ، وهي في سوق الصبّاغين ، الذي هو قرب سوق الصفا والمروة ، واقعة في يمين من يمشي من الصفا إلى المروة ، ولها قبّة معروفة ، ويتّصلها مسجد ، يستحبّ إتيانها ، وصلاة التحيّة فيها ، وطلب الحوائج والمسألة.
ومنها : مولد النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، وهو في سوق الليل ، وله قبّة معروفة ، وأصل موضع التولّد شبيه بجوف ترس ، وعليه منارة من الخشب ، يستحبّ إتيانه ، وصلاة التحيّة فيه ، وطلب الحاجة.
ومنها : قبر خديجة ، وهو في مقابر معلاة ، قريب بانتهاء المقابر في
1) يشم ويرادفها يشب ، يشف ، فارسية معرّبة : حجر يشبه العقيق أو الزبرجد ، ذو ألوان مختلفة ، كالأبيض والرمادي والأخضر الداكنين.
سفح الجبل ، وله قبّة معروفة ، أصل القبّة بيضاء وحيطانها صفراء ، وتستحبّ زيارتها.
وكذا زيارة آمنة أمّ الرسول صلی اللّه عليه وآله ، وقبرها قريب من قبر خديجة في فوقه بقليل ، من يمين من يصعد من مكّة إلى الجبل.
وزيارة أبي طالب عليه السلام والد أمير المؤمنين عليه السلام ، وعبد المطّلب جدّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، وقبرهما فوق قبر خديجة وآمنة ، ويدور عليهما حائط ليس بينه وبين الجبل إلاّ حظيرة اشتهر أنّه مدفن بعض الصوفيّة ، الذي يعتقده أهل السنّة.
وللحظيرة - التي دفن فيها أبو طالب وعبد المطّلب - باب من يمين من يصعد من جانب قبر خديجة إلى الجبل.
وفي الجانب المقابل للباب من هذه الحظيرة حظيرة اخرى أرفع من تلك الحظيرة ، وفي قبلته محراب ، وفي مقابل الباب قبر أبي طالب وعبد المطّلب.
وهنا قبر آخر متّصل بالحائط في يمين الباب ، بعضهم يقولون : أنّه قبر عبد مناف ، ولكنّه لم يعلم. انتهى كلامه رفع مقامه.
وفيه فصلان :
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : حجّ الإفراد والقران فرض أهل مكّة ومن في حكمهم - كما مرّ - بالإجماع ، والأخبار المستفيضة جدّا (1)، المتقدّم كثير منها.
المسألة الثانية : لا يجوز لهم العدول إلى التمتّع في حجّة الإسلام اختيارا على الحقّ المشهور ، للأصل ، حيث لم يقع التوقيف به ، والأخبار المعيّنة لهم غير التمتّع.
وعن الشيخ قول بالجواز في المبسوط والخلاف ، وحكي عن الجامع أيضا (2).
لوجوه ضعيفة ، أجودها صحيحة البجلي وعبد الرحمن : عن رجل من أهل مكّة خرج إلى بعض الأمصار ، ثمَّ رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقّت رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، إله أن يتمتّع؟ فقال : « ما أزعم أنّ ذلك ليس له ، والإهلال بالحجّ أحبّ إليّ » (3).
والروايات الواردة في أنّ للمفرد بعد دخول مكّة والطواف والسعي
العدول إلى المتعة.
ويردّان أولا : بعدم نصوصيّتهما في الفريضة ، بل للتطوّع محتملان ، سيّما الاولى ، لبعد بقاء المكّي بلا حجّة الإسلام - إلى أن يخرج من مكّة ويرجع إليها - عادة.
وليس في قوله : « والإهلال بالحجّ أحبّ » قرينة على إرادة الواجب بناء على أفضليّة التمتّع في التطوّع مطلقا ، إجماعا على ما قيل (1)- لاحتماله إرادة إظهار الحجّ تقيّة (2)، كما في الصحيح : « ينوي العمرة ويهلّ بالحجّ » (3).
وثانيا : بأخصيّتهما عن المدّعى ، لورود الاولى فيمن خرج إلى بعض الأمصار ثمَّ رجع فمرّ ببعض المواقيت ، وقد أفتى بمضمونها في موردها خاصّة جماعة ، كالشيخ في التهذيب والاستبصار والنهاية والمبسوط والمحقّق في المعتبر والفاضل في التحرير والمنتهى والتذكرة (4).
والثانية : فيمن أحرم بالإفراد ودخل مكّة وطاف وسعى مفردا ، ولذا جعلوا موردها مسألة على حدة كما يأتي.
وثالثا : بمعارضتهما مع أخبار عدم شرعيّة التمتّع للمكّي ، وأخصّية الثانية ، لاختصاصها بالفرض وأعمّيتهما عنه ، فيجب التخصيص. ولو لوحظ
1) كما في الرياض 1 : 353.
2) في « ح » : لاحتمال إرادة الحج تقية ..
3) التهذيب 5 : 80 - 264 وفيه : « ينوي المتعة ويحرم بالحج ». وفي الاستبصار 2 : 168 - 554 ، والوسائل 13 : 351 أبواب الإحرام ب 22 ح 1 : « ينوي العمرة ويحرم بالحج ».
4) التهذيب 5 : 33 ، الاستبصار 2 : 158 ، النهاية : 206 ، المبسوط 1 : 313 ، المعتبر 2 : 798 ، التحرير 1 : 93 ، المنتهى 2 : 664 ، التذكرة 1 : 319.
اختصاصهما بالموردين لكان التعارض بالعموم من وجه ، والترجيح لأخبار المنع ، لموافقة الكتاب والشهرة والأكثريّة عددا والأصرحيّة دلالة.
قيل : مع أنّه على تقدير التساوي يرجع إلى الأصل ، ومقتضاه وجوب تحصيل البراءة اليقينيّة ، ولا تحصل إلاّ بغير المتعة (1).
وفيه : أنّه يصحّ على قول من يقول بالتساقط بعد التعارض ، وعلى المختار - من الرجوع إلى التخيير فيما لم يدلّ دليل على انتفائه - فلا يصحّ ذلك ، بل يرجع إلى جواز العدول.
المسألة الثالثة : هل يجوز العدول اضطرارا ، كخوف الحيض المتأخّر عن النفر مع عدم إمكان تأخير العمرة إلى أن تطهر ، وخوف عدوّ بعده ، وفوت الصحبة كذلك؟
المعروف من مذهب الأصحاب - كما قيل (2)- : نعم ، وفي الذخيرة : لا أعلم فيه خلافا بين الأصحاب (3). وفي المدارك : أنّه مذهب الأصحاب (4)وهو مشعر بالاتّفاق ، بل حكي عن بعضهم التصريح به (5).
قيل (6): للعمومات ، وفحوى ما دلّ على جواز العدول من التمتّع - مع أفضليّته - إليهما مع الضرورة (7).
ويردّ الأول : بمنع عموم يدلّ عليه ، وإن أريد ما أشير إليه من أخبار
العدول بعد دخول مكّة - كما قيل (1)- ففيه :
أولا : أنّها غير المورد كما مرّ.
وثانيا : أنّها تفرّق بين المفرد والقارن ، والأصحاب لا يفرّقون بينهما في المضطرّ.
وثالثا : أنّ مع التسليم تعارض عمومات المنع بالعموم المطلق ، فيجب التخصيص بالمتطوّع ، فإذن المنع حينئذ أيضا أولى ، كما حكي عن ظاهر التبيان والاقتصاد والغنية والسرائر (2).
وعلى هذا ، فوظيفة المضطرّ إمّا تقديم العمرة المفردة - كما احتمله بعضهم (3)، أو تأخير الحجّ إلى القابل.
المسألة الرابعة : تشترط فيهما النيّة - كما مرّ في المتعة - ووقوعهما في أشهر الحجّ ، بالإجماعين (4)، وعمومات الكتاب (5)والسنّة ، وخصوص بعض الصحاح (6). وأن يعقد إحرامهما من الميقات ، كما يأتي.
المسألة الخامسة : القارن كالمفرد على الأصحّ الأشهر إلاّ بسياق الهدي.
للأخبار المستفيضة من الصحاح وغيرها (7).
1) الرياض 1 : 353.
2) التبيان 2 : 159 ، الاقتصاد : 298 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 573 ، السرائر 1 : 520.
3) كما في كشف اللثام 1 : 278 ، الرياض 1 : 353.
4) كما في المعتبر 2 : 786 ، وحكاه في المدارك 7 : 191 ، الرياض 1 : 353.
5) البقرة : 97.
6) التهذيب 5 : 445 - 1550 ، الوسائل 11 : 271 أبواب أقسام الحج ب 11 ح 1.
7) الوسائل 11 : 212 أبواب أقسام الحج ب 2.
وقيل : إنّه كالمتمتّع إلاّ بسياق الهدي وعدم التحلّل عن العمرة في الأثناء (1)، لأخبار غير واضحة الدلالة.
المسألة السادسة : يستحبّ للقارن الإشعار والتقليد لما يسوقه من البدن ، بلا خلاف فيه يوجد.
له ، وللأخبار المستفيضة الآمرة بهما (2)، المحمولة على الاستحباب ، للأصل ، والإجماع ، والصحيح : في رجل ساق هديا ولم يقلّده ولم يشعره ، قال له : « أجزأ عنه ، ما أكثر ما لا يقلّد ولا يشعر ولا يحلّل » (3).
قالوا : ويستحبّ أن يكون ذلك بعد التلبية.
ولا نصّ عليه بخصوصه ، كما صرّح به جماعة (4)، ولكن إطلاق الأوامر بهما وفتوى الأصحاب كاف في ذلك ، لما يتحمّل من التسامح.
والمراد من الإشعار - كما ذكره الأصحاب - : أن يشقّ سنام البعير من الجانب الأيمن ، ويلطّخ صفحته بدم إشعاره.
والمذكور في الأخبار إنّما هو الشقّ بالطريق المذكور (5)، وأمّا تلطّخ الصفحة فذكره الأصحاب ، ولعلّه كاف في إثباته.
هذا إذا كانت معه بدنة واحدة.
وأمّا إذا كانت بدن كثيرة ، فإنّه يدخل بينها ويشعرها يمينا وشمالا ، أي هذه في يمينها وهذه في شمالها ، من غير أن يرتّبها ترتيبا يوجب الإشعار
في اليمين ، والمستند فيه صحيحة حريز (1)وغيرها (2).
والمراد من التقليد : أن يعلّق في رقبة المسوق نعلا صلّى فيه السائق نفسه ، كما صرّح به في المستفيضة (3).
ثمَّ استحباب الإشعار والتقليد إنّما هو للبدن ، وأمّا البقر والغنم فلا إشعار فيهما ، بل يختصّان بالتقليد ، كما صرّح به في صحيحة زرارة (4).
المسألة السابعة : يجوز للمفرد والقارن تقديم طوافه وسعيه على الوقوفين ، كما مرّ بيانه في بحث مناسك مكّة بعد الرجوع من منى ، وإذا فعل أحدهما ذلك يجدّد التلبية عند كلّ طواف عقيب صلاته ، على الحقّ المشهور ، لصحيحتي البجلي (5)وابن عمّار (6).
وهل يحلاّن بالطواف لو لا التلبية ، فالتلبية للبقاء على الإحرام؟ فيه أوجه :
الأول : حصول التحلّل بالطواف للمفرد والقارن ، حكي عن المبسوط والنهاية والخلاف ، وهو مختار الشهيدين في اللمعتين والمسالك والمحقّق الثاني (7)، ونفى عنه البأس في التنقيح (8).1.
1) التهذيب 5 : 43 - 128 ، الوسائل 11 : 279 أبواب أقسام الحج ب 12 ح 19.
2) انظر الوسائل 11 : 275 أبواب أقسام الحج ب 12.
3) انظر الوسائل 11 : 275 أبواب أقسام الحج ب 12.
4) الفقيه 2 : 209 - 952 ، الوسائل 11 : 277 أبواب أقسام الحج ب 12 ح 9.
5) الكافي 4 : 300 - 5 ، التهذيب 5 : 45 - 137 ، الوسائل 11 : 285 أبواب أقسام الحج ب 16 ح 1.
6) الكافي 4 : 298 - 1 ، التهذيب 5 : 44 - 131 ، الوسائل 11 : 286 أبواب أقسام الحج ب 16 ح 2.
7) المبسوط 1 : 309 ، النهاية : 208 ، وحكاه عن الخلاف في الإيضاح 1 : 262 ، الروضة 2 : 214 ، المسالك 1 : 124 ، المحقق الثاني في جامع المقاصد 3 : 115.
8) التنقيح 1 : 441.
للصحيحتين المتقدّمتين ، وموثّقة زرارة (1)، والمرويّ في العلل ، وفيه : « المحرم إذا طاف بالبيت أحلّ إلاّ لعلّة » (2).
الثاني : حصوله للمفرد خاصّة دون القارن ، حكي عن الشيخ في التهذيب (3)، واستظهره في الذخيرة (4)، وقوّاه بعض مشايخنا المعاصرين (5).
للأخبار المصرّحة بأنّ السائق لا يحلّ ما لم يبلغ الهدي محلّه (6)، وخصوص صحيحتي زرارة (7)وابن عمّار (8)، ومرسلة يونس بن يعقوب (9)، وموثّقة زرارة (10).
والثالث : عكس الثاني ، حكي في التنقيح عن المفيد والسيّد (11)، ولكن كلامهما لا يدلّ عليه ، ومستنده غير واضح كما صرّح به غير واحد (12).
والرابع : عدم حصول الإحلال مطلقا إلاّ بالنيّة ، وإن كان الأولى تجديد
1) الكافي 4 : 299 - 2 ، التهذيب 5 : 44 - 132 ، الوسائل 11 : 255 أبواب أقسام الحج ب 5 ح 5.
2) العلل : 274 - 9 ، الوسائل 11 : 232 أبواب أقسام الحج ب 2 ح 27.
3) التهذيب 5 : 27.
4) الذخيرة : 550.
5) الرياض 1 : 355.
6) الوسائل 11 : 254 أبواب أقسام الحج ب 5.
7) الفقيه 2 : 203 - 928 ، الوسائل 11 : 256 أبواب أقسام الحج ب 5 ح 7.
8) الكافي 4 : 298 - 1 ، الوسائل 11 : 255 أبواب أقسام الحج ب 5 ح 4.
9) الكافي 4 : 399 - 3 ، التهذيب 5 : 44 - 133 ، الوسائل 11 : 256 أبواب أقسام الحج ب 5 ح 6.
10) الفقيه 2 : 203 - 927 ، الوسائل 11 : 255 أبواب أقسام الحج ب 5 ح 5.
11) التنقيح 1 : 441.
12) انظر الحدائق 14 : 384 ، الرياض 1 : 355.
التلبية ، حكي عن الحلّي والفاضل وولده (1).
للأصل. وهو مدفوع بما مرّ.
وما دلّ على عدم إحلال القارن ما لم يبلغ الهدي محلّه. وهو أخصّ من المدّعي.
ولبعض الاجتهادات المردودة في مقابل النصّ.
فضعف هذا القول ظاهر ، وكذا سابقة ، لما مرّ.
والقول الأول وإن دلّت عليه المستفيضة إلاّ أنّ دلالة غير صحيحة ابن عمّار منها على القارن بالعموم ، اللازم تخصيصه بما مرّ.
وأمّا الصحيحة وإن تضمّنت القارن خصوصا ، إلاّ أنّها ليست صريحة في القارن بالمعنى المتنازع فيه ، لاحتماله القارن بين الحجّ والعمرة في النيّة ، كما عبّر به عنه في صحيحة زرارة المشار إليها ، ولو سلّم فلا يكافئ ما تقدّم دليلا للثاني ، لأكثريّته وأصرحيّته ، ولو سلّم التساوي فالمرجع استصحاب الإحرام.
فالأظهر هو القول الثاني.
وعلى هذا ، فهل يلبّي القارن أيضا تعبّدا ، أم لا؟
الظاهر : الأول ، كما هو ظاهر كلام السيّد والمفيد والحلبي والقاضي في القارن (2)، حيث حكموا بتجديد التلبية على القارن دون المفرد من غير تصريح بالتحلّل ، ومن أجله نسب في التنقيح إلى الأولين القول الثالث (3).1.
وهل هو واجب على المفرد ، والقارن ، كما هو ظاهر أرباب القول الأول؟
أم مستحبّ فيهما ، كما هو صريح أرباب القول الرابع؟
أو لازم في القارن دون المفرد ، كما نقلناه عن السيّد والمفيد والحلبي والقاضي؟
الأظهر : الاستحباب ، لقصور ما دلّ عليه من إثبات الوجوب ، إمّا لأجل تضمّنه عموما لا يمكن حمله على الوجوب في الجميع ، أو لمقام الجملة الخبريّة.
إلاّ في المفرد ، الذي يجب عليه الإفراد ويتعيّن ، فتلزم عليه التلبية ، لئلاّ يبطل حجّه الأفرادي.
المسألة الثامنة : صرّح الأصحاب بجواز عدول المفرد بعد الإحرام ودخول مكّة إلى المتعة ، فيجعل إحرامه عمرة ، بلا خلاف يوجد كما صرّح به جماعة (1)، بل بالإجماع كما عن الخلاف والمعتبر والمنتهى (2)، وظاهر جمع آخر (3).
للمستفيضة المصرّحة به (4)، وفيها الصحاح وغيرها.
وللأخبار المتظافرة بأمر النبيّ صلی اللّه عليه وآله أصحابه بالعدول ، وخصّه جماعة من متأخّري المتأخّرين بما إذا لم يكن الإفراد عليه متعيّنا (5).6.
إمّا لعدم عموم في الأخبار المجوّزة بحيث يشمل من تعيّن عليه.
أو لتعارضها مع أخبار الإفراد على المكّي بالعموم من وجه ، فيرجع إلى الأصل ، وهو استصحاب وجوب الإفراد عليه.
أقول : أمّا منع العموم فغير صحيح كما صرّح به جماعة (1)، ويظهر للمتأمّل في الأخبار.
وأمّا الرجوع إلى الأصل بعد التعارض فمبنيّ على قول من يقول بالتساقط عند التعارض ، وهو خلاف التحقيق ، بل يرجع إلى التخيير ، ومقتضاه جواز العدول مطلقا ، إلاّ أنّ موافقة الكتاب - التي هي من المرجّحات المنصوصة - ترجّح الأول ، فالحقّ : عدم الجواز في صورة التعيّن.
المسألة التاسعة : قد مرّ في بحث المواقيت : إنّ المكّي إذا بعد عن أهله ومرّ على بعض مواقيت الآفاق يحرم منه.
وهل يجوز له التمتّع حينئذ ، أو يحرم للنوع الذي هو فرض المكّي؟
فالأكثر إلى الجواز ، لصحيحة البجلي وعبد الرحمن بن أعين (2)، وبعض أخبار أخر.
ويمكن حملها على المندوب ، بل هو الظاهر من بعضها ، ولولاه أيضا لتعارض في الواجب مع الأخبار (3)المعيّنة لغير التمتّع على المكّي بالعموم والخصوص من وجه ، والترجيح لأخبار المنع عن التمتّع ، لموافقة الكتاب7.
كما مرّ.
المسألة العاشرة : المجاور بمكّة لا يخرج بمجرّد المجاورة عن فرضه المستقرّ عليه قبلها مطلقا قطعا ، ما لم يقم مدّة توجب انتقال الفريضة إلى غيرها ، بل إذا أراد حجّة الإسلام يحرم للتمتّع وجوبا إجماعا نصّا وفتوى ؛ للاستصحاب والأخبار.
واختلفوا في ميقاته ، فقال في المقنعة والكافي والخلاف والجامع والمعتبر والنافع والمنتهى والتحرير والتذكرة وموضع من النهاية : إنّه يحرم من ميقات أهله (1)، أي الميقات الذي كان يمرّ إليه إذا جاء من بلده.
للاستصحاب.
والعمومات الواردة في المواقيت (2).
وخبر سماعة : عن المجاور إله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال : « نعم ، يخرج إلى مهلّ أرضه فيلبّي إن شاء » (3).
والأخبار الواردة في ناسي الإحرام أو جاهلة أنّه يرجع إلى ميقات أهل أرضه (4)، فإنّه لا تعقل خصوصيته للناسي والجاهل.
وقال جماعة - منهم : المقنع والمبسوط وظاهر الشرائع والإرشاد والقواعد والنهاية والدروس والمسالك والروضة كما حكي - : بأنّه يحرم من
1) المقنعة : 396 ، الكافي : 202 ، الخلاف 2 : 285 ، الجامع : 179 ، المعتبر 2 : 341 ، النافع : 81 ، المنتهى 2 : 671 ، التحرير 1 : 93 ، التذكرة 1 : 321 ، النهاية : 211.
2) الوسائل 11 : 337 أبواب المواقيت ب 19.
3) الكافي 4 : 302 - 7 ، التهذيب 5 : 59 - 188 ، الوسائل 11 : 337 أبواب المواقيت ب 19 ح 1.
4) انظر الوسائل 11 : 328 أبواب المواقيت ب 14.
أيّ ميقات كان (1).
لعدم تعيين الحجّ عليه من طريق ، وجواز الإحرام من كلّ ميقات إذا مرّ عليه ، ولإطلاق مرسلة حريز : « من دخل مكّة بحجّة عن غيره ثمَّ أقام سنة فهو مكّي ، فإذا أراد أن يحجّ عن نفسه أو أراد أن يعتمر بعد ما انصرف عن عرفة فليس له أن يحرم بمكّة ، ولكن يخرج إلى الوقت » (2).
وعن الحلبي : أنّه يحرم من أدنى الحلّ (3)، ومال إليه في المدارك (4).
لصحيحة الحلبي ، وفيها : « وحكم القاطنين بمكّة إذا قاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكّة ، فإذا قاموا شهرا فإنّ لهم أن يتمتّعوا » ، قلت : من أين؟ قال : « يخرجون من الحرم » (5).
وقريبة منها صحيحة حمّاد (6)، وبعض الأخبار (7)المتضمّنة لإحرام المجاور من الجعرانة (8)والحديبية (9)والتنعيم (10).9.
1) المقنع : 69 ، المبسوط 1 : 313 ، الشرائع 1 : 241 ، الإرشاد 1 : 309 ، القواعد 1 : 79 ، النهاية : 211 ، الدروس 1 : 342 ، المسالك 1 : 104 ، الروضة 2 : 226.
2) الكافي 4 : 302 - 8 ، التهذيب 5 : 60 - 189 ، الوسائل 11 : 269 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 9.
3) الكافي في الفقه : 202.
4) المدارك 7 : 207.
5) التهذيب 5 : 35 - 103 ، الوسائل 11 : 266 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 3 ، بتفاوت.
6) الكافي 4 : 300 - 4 ، الوسائل 11 : 268 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 7.
7) الوسائل 11 : 265 أبواب أقسام الحج ب 9.
8) الجعرانة : موضع بين مكّة والطائف على سبعة أميال من مكّة .. مجمع البحرين 3 : 247.
9) الحديبية : وهي بئر بقرب مكّة على طريق جدّة دون مرحلة ، ثمَّ أطلق على الموضع - مجمع البحرين 2 : 36.
10) التنعيم : موضع قريب من مكّة ، وهو أقرب إلى أطراف الحلّ إلى مكّة ، ويقال بينه وبين مكّة أربعة أميال ، ويعرف بمسجد عائشة - مجمع البحرين 6 : 179.
ويرد على دليل الأول : ضعف الاستصحاب ، لأنّ المسلّم وجوب إحرامه هناك حين المرور لا مطلقا.
ومنع شمول العمومات للمورد ، لأنّ المتبادر منها من يمرّ على الميقات ، ولذا يجوز لأهل كلّ أرض الإحرام عن ميقات آخر بالعدول عن الطريق.
وضعف الخبر عن الدلالة على الوجوب.
وقيل : لمكان قوله : « إن شاء » أيضا (1).
وفيه : أنّ الظاهر أنّ متعلّق المشيّة التمتّع بالعمرة دون الخروج إلى مهلّ أرضه.
وكون التعدّي من الناسي والجاهل قياسا ، وعدم تعقّل الخصوصيّة غير مفيد ، بل اللازم تعقّل عدم الخصوصيّة.
وعلى دليل الثاني : أنّ جواز الإحرام بعد المرور غير المفروض ، ولفظ : « الوقت » في المرسل مجمل ، لاحتمال عهديّة اللام.
وعلى دليل الثالث : أنّه شاذّ ، مع أنّ خارج الحرم فيه مطلق يحتمل التقييد بأحد الأولين.
وأمّا أخبار الجعرانة ونحوها فمحمولة على العمرة المفردة ، كما وردت به المستفيضة.
مع معارضتها مع الموثّق في المجاور ، وفيه : « فإن هو أحبّ أن يتمتّع في أشهر الحجّ بالعمرة إلى الحجّ فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق (2)7.
ويجاوز عسفان (1)، فيدخل متمتّعا بالعمرة إلى الحجّ ، فإن أحبّ أن يفرد بالحجّ فليخرج إلى الجعرانة فيلبّي منها » (2).
وإذا ظهر ضعف الكلّ نقول : قد ثبت من الجميع - بل الإجماع - وجوب الخروج من الحرم ، فهو لازم ، والأصل وإن كانت البراءة عن الزائد ، إلاّ أنّ شذوذ القول بأدنى الحلّ وإطلاق دليله بالنسبة إلى ما تقدّم يأبى عن المصير إلية بالجرأة ، فالأولى والأحوط الإحرام من أحد المواقيت ، والأولى منه من ميقات أرضه ، لحصول البراءة به قطعا.
هذا مع الإمكان ، وأمّا مع التعذّر فيحرم من أدنى الحلّ على المشهور ، بل المقطوع به في كلام الأصحاب كما قيل (3)، بل ادّعى بعضهم الاتّفاق عليه (4)، ودليله واضح ممّا مرّ ، فإنّه لا شذوذ حينئذ حتى ترفع اليد عن دليله.
ولو تعذّر في أدنى الحلّ أحرم من مكّة بلا خلاف فيه ، ويدلّ عليه ما دلّ على ثبوت الحكم في غير ما نحن فيه.
المسألة الحادية عشرة : المجاور بمكّة إذا أقام بها ثلاث سنين ينتقل فرضه إلى القران أو الإفراد إجماعا.
وهل يختصّ بذلك ، كما عن الإسكافي والنهاية والمبسوط والحلّي (5)؟2.
1) عسفان : موضع بين مكّة والمدينة .. بينه وبين مكّة مرحلتان - مجمع البحرين 5 : 100.
2) الفقيه 2 : 274 - 1335 ، الوسائل 11 : 270 أبواب أقسام الحج ب 10 ح 2 ، وفيهما : أو يجاوز عسفان.
3) المدارك 7 : 206.
4) وهو في الرياض 1 : 361.
5) حكاه عن الإسكافي في المختلف : 261 ، النهاية : 206 ، المبسوط 1 : 308 ، الحلي في السرائر 1 : 522.
أو لا ، بل ينتقل بإقامة سنتين كاملتين أيضا ، كما عن الشيخ في كتابي الأخبار والفاضلين والشهيدين (1)، وغيرهما (2)، بل في المسالك (3)وغيره (4): أنّه المشهور بين الأصحاب ، وربّما نسب إلى من عدا الشيخ من علمائنا؟
الحقّ : هو الثاني ، لصحيحتي زرارة وعمر بن يزيد :
الاولى : « من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له » (5).
والثانية : « المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين ، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا ، وليس له أن يتمتّع » (6).
وبهما يندفع الاستصحاب ، الذي هو دليل الأولين.
وهل يختصّ بذلك ، أو ينتقل بالأدون أيضا كالسنة ، كما في صحيحة الحلبي المتقدّمة في المسألة السابقة ، وصحيحة ابن سنان (7)، وصحيحة محمّد (8)؟
أو ستّة أشهر ، كصحيحة البختري (9)؟
1) الشيخ في التهذيب 5 : 34 ، والاستبصار 2 : 159 ، المحقق في الشرائع 1 : 240 ، العلامة في القواعد 1 : 73 ، الشهيد في الدروس 1 : 331 ، الشهيد الثاني في الروضة 2 : 217.
2) كما في الرياض 1 : 357.
3) المسالك 1 : 102.
4) كالمختلف : 261.
5) التهذيب 5 : 34 - 101 ، الاستبصار 2 : 159 - 519 ، الوسائل 11 : 265 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 1.
6) التهذيب 5 : 34 - 102 ، الوسائل 11 : 266 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 2.
7) الكافي 4 : 301 - 6 ، الوسائل 11 : 269 أبواب أقسام الحج ب 9 ح 8.
8) التهذيب 5 : 476 - 1680 ، الوسائل 11 : 265 أبواب أقسام الحج ب 8 ح 4.
9) التهذيب 5 : 476 - 1679 ، الوسائل 11 : 264 أبواب أقسام الحج ب 8 ح 3.
أو خمسة أشهر ، كمرسلة حسين (1)وغيره ، ومال إليها بعض المتأخّرين (2)؟
وخيّر بعضهم بين الفرضين في الأدون من السنة ، وهو حسن ، بل هو ليس من باب الجمع أو التأويل ، بل التأمّل في الأخبار الأخيرة لا يثبت منها سوى الجواز ، الذي هو معنى التخيير ، ولكن شذوذ تلك الأخبار يمنع من العمل بها ، ومع ذلك فالاحتياط في التمتّع في الأدون ، لجوازه على القولين ، وموافقته للاستصحاب.
ومقتضى إطلاق النصّ والفتوى عدم الفرق في الإقامة الموجبة لانتقال الفرض بين كونها بنيّة الدوام أو المفارقة ، كما صرّح به جماعة (3).
وقيّده بعضهم بنيّة المفارقة ، لصدق كونه من أهل مكّة بمجرّد الإقامة بنيّة الدوام (4).
وفيه : أنّه على هذا يحصل التعارض بين هذه الأخبار وأخبار فرض أهل مكّة بالعموم من وجه ، ولا وجه لتقديم الأخير ، بل يحصل الخدش حينئذ في السنتين (5)أيضا ، فينعكس الأمر فيه لو لا نيّة الدوام ، وتعارض أخبار السنتين مع أخبار فرض النائي ، كذا قيل (6).
إلاّ أنّ الأصل في الأدون من السنتين والإجماع المركّب في السنتين - حيث إنّه لا قائل فيه بالفرق بين نيّة الدوام وعدمه - يرجّحان
مقتضى الإطلاق الذي ذكرناه ، فعليه الفتوى.
ولو انعكس الفرض ، فأقام المكّي في الآفاق لم ينتقل فرضه مطلقا ما لم يخرج عن المكّية بنيّة الدوام ، للأصل وحرمة القياس.
المسألة الثانية عشرة : ذو المنزلين يعتبر في تعيين الفرض أغلبهما إقامة ، فيتعيّن عليه فرضه ، بلا خلاف يوجد ، لصحيحة زرارة (1).
ولو تساويا يتخيّر بين الفرضين ، بلا خلاف كذلك أيضا ، لعدم سقوط الحجّ عنه ، ولا وجوب المتعدّد إجماعا ، وبطلان الترجيح بلا مرجّح.
وذكر جماعة فيه : أنّه يجب تقييده بما لم يقم بمكّة سنتين متواليتين ، فإنّه ينتقل حينئذ فرضه إلى فرض أهل مكّة وإن كانت إقامته في غيرها أكثر ، لما مرّ من أنّ اقامة السنتين في غيرها لا توجب الانتقال ، وإقامة السنتين توجب الانتقال (2).
وذلك من باب الإطلاق ، فإنّ الصحيحتين المتضمّنتين لمجاوزة السنتين تعمّ القسمين ، ولا تختصّ بمجاوزة النائي حتى يحتاج إلى التمسّك بالأولويّة ، كما فعله بعض مشايخنا المعاصرين ، فيرد عليه : منع الأولويّة ، كما نقله عن بعض معاصريه ، وقال : لا أعرف له وجها (3). فإنّ إثبات الأولويّة يحتاج إلى وجه.
ثمَّ أقول : هذا حسن في صورة التساوي ، فلو كان له منزلان متساويان في الإقامة وأقام بمكّة سنتين ينتقل فرضه ، لما مرّ من غير معارض.
وأمّا في صورة غلبة الإقامة بغير مكّة فلا ، لتعارض صحيحة زرارة - المتضمنة لحكم الغالب - معه ، بل الظاهر منها رجوع الضمير المجرور فيها إلى من أقام بمكّة سنتين ، وعلى هذا فيكون ما يبيّن حكم الغالب أخصّ ويجب تقديمه.
وقد مرّ ما يتعلّق بأقسامها بحسب الوجوب والندب في الباب الثالث من المقصد الأول ، ومحلّ إحرامها في المقصد الثاني.
والمقصود هنا بيان ما يتعلّق بأفعالها وأحكامها ، وقد عرفت أنّها على قسمين : المتمتّع بها ، والمفردة.
وأفعال الاولى خمسة : الإحرام ، والطواف ، وركعتاه ، والسعي ، والتقصير.
وأفعال الثانية سبعة ، بزيادة طواف النساء ، وركعتيه ، ويتخيّر فيها بين التقصير والحلق.
ونحن نذكر ما يتعلّق بها في هذا المقام في طيّ مسائل :
المسألة الأولى : صورتها : أن يحرم من الميقات الذي يسوغ الإحرام منه - كما مرّ في بحثه - ثمَّ يدخل مكّة فيطوف ويصلّي ركعتيه ، ويسعى بين الصفا والمروة ، ثمَّ يقصّر إن كان متمتّعا وتمّت ، ويقصّر أو يحلق ، ويطوف النساء ويصلّي ركعتيه إن كان مفردا.
وكيفيّة هذه الأفعال من الإحرام والطوافين وركعتيهما والسعي والتقصير والحلق بعينها هي ما مرّ ، فلا حاجة إلى الإعادة.
المسألة الثانية : عمرة التمتّع فرض من ليس من حاضري المسجد الحرام ، ولا تصحّ إلاّ في أشهر الحجّ ، وتسقط المفردة معها ، ويلزم فيها
التقصير ، ولا يجوز حلق الرأس ، ولا يجب فيها طواف النساء كما مرّ ، كلّ هذه الأحكام في مواضعها.
والمفردة فرض حاضري المسجد الحرام ومن بحكمه من الذين يعدلون إلى الإفراد ، بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، كما في المدارك (1).
ويمكن أن يستدلّ له بعموم صحيحة الحلبي : « دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة ، لأنّ اللّه تعالى يقول ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (2)فليس لأحد إلاّ أن يتمتّع » الحديث (3)، خرج منه ما خرج فيبقى الباقي.
وتظهر الثمرة في مثل الأجير للحجّ عن البلاد النائية - بناء على ما اخترناه من عدم ارتباط العمرة المفردة بالحجّ - فلا تجب على ذلك الأجير العمرة المفردة لنفسه وإن كان مستطيعا لها ، ويجب فيها طواف النساء كما مرّ في بحثه.
المسألة الثالثة : تصحّ العمرة المفردة في جميع أيّام السنة ، بلا خلاف فيه يعرف ، كما عن المنتهى (4)، وتدلّ عليه المستفيضة من الأخبار :
كصحيحة البجلي : « في كلّ شهر عمرة » (5)، ونحوها موثّقة يونس (6).2.
1) المدارك 8 : 462.
2) البقرة : 196.
3) التهذيب 5 : 25 - 75 ، الاستبصار 2 : 150 - 493 ، وفي العلل : 411 - 1 بتفاوت يسير ، الوسائل 11 : 240 أبواب أقسام الحج ب 3 ح 2.
4) المنتهى 2 : 877.
5) الكافي 4 : 534 - 2 ، الوسائل 14 : 307 أبواب العمرة ب 6 ح 1.
6) الكافي 4 : 534 - 1 ، التهذيب 5 : 434 - 1507 ، الوسائل 14 : 307 أبواب العمرة ب 6 ح 2.
وفي رواية عليّ بن أبي حمزة : « لكلّ شهر عمرة » ، قلت : يكون أقلّ؟ قال : « لكلّ عشرة أيّام عمرة » (1).
وموثّقة إسحاق : « السنة اثنا عشر شهرا ، يعتمر لكلّ شهر عمرة » (2).
إلى غير ذلك (3).
وأفضل أيّام السنة لها شهر رجب ، بلا خلاف فيه كما قيل (4)، وتدلّ عليه المستفيضة من الصحاح وغيرها :
ففي صحيحة زرارة : « فأفضل العمرة عمرة رجب » (5).
وفي صحيحة ابن عمّار : « وأفضل العمرة عمرة رجب » (6).
وفي أخرى : أيّ العمرة أفضل : عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ فقال : « لا ، عمرة في رجب أفضل » (7).
وأمّا رواية عليّ بن حديد : الخروج في شهر رمضان أفضل أو أقيم حتى ينقضي الشهر وأتمّ صومي؟ فكتب إليّ كتابا قرأته بخطّه : « سألت يرحمك اللّه عن أيّ العمرة أفضل ، عمرة شهر رمضان أفضل ، يرحمك اللّه » (8).
فالمراد أفضليّتها عن الإقامة والصوم كما يدلّ عليه صدرها.
1) الفقيه 2 : 278 - 1363 ، الوسائل 14 : 309 أبواب العمرة ب 6 ح 9 ، بتفاوت يسير.
2) الفقيه 2 : 278 - 1362 ، الوسائل 14 : 309 أبواب العمرة ب 6 ح 8.
3) الوسائل 14 : 307 أبواب العمرة ب 6.
4) المنتهى 2 : 877.
5) التهذيب 5 : 433 - 1502 ، الوسائل 14 : 301 أبواب العمرة ب 3 ح 2.
6) الكافي 4 : 536 - 6 ، الوسائل 14 : 303 أبواب العمرة ب 3 ح 13.
7) الفقيه 2 : 276 - 1347 ، الوسائل 14 : 301 أبواب العمرة ب 3 ح 3.
8) الكافي 4 : 536 - 2 ، الوسائل 14 : 304 أبواب العمرة ب 4 ح 2.
وتحقّق العمرة فيه بالإحرام فيه وإن أكملها في غيره ، وبالإكمال فيه وإن أهلّها في غيره.
لصحيحة ابن سنان : « إذا أحرمت وعليك من رجب يوم وليلة فعمرتك رجبيّة » (1).
ورواية عيسى الفرّاء : « إذا أهلّ بالعمرة في رجب وأحلّ في غيره كانت عمرته لرجب ، وإذا أهلّ في غير رجب وطاف في رجب فعمرته لرجب » (2).
المسألة الرابعة : يتخيّر في العمرة المفردة بين الحلق والتقصير ، بلا خلاف كما قيل (3)، والحلق أفضل.
وتدلّ على التخيير صحيحة ابن سنان : في الرجل يجيء معتمرا عمرة مبتولة ، قال : « يجزئه إذا طاف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة وحلق أن يطوف طوافا واحدا بالبيت ، ومن شاء أن يقصّر قصّر » (4).
وصحيحة ابن عمّار : « المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الركعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصّر » (5).
وعلى أفضليّة الحلق ما في هذه الصحيحة أيضا : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال في العمرة المبتولة : اللّهمّ اغفر للمحلّقين ، فقيل : يا رسول اللّه وللمقصّرين ، فقال : اللّهمّ أغفر للمحلّقين ، فقيل : يا رسول اللّه
1) الفقيه 2 : 276 - 1349 ، الوسائل 14 : 301 أبواب العمرة ب 3 ح 4.
2) الكافي 4 : 536 - 3 ، الوسائل 14 : 302 أبواب العمرة ب 3 ح 11.
3) في القواعد 1 : 92 ، التحرير 1 : 129.
4) الكافي 4 : 538 - 6 ، الوسائل 14 : 316 أبواب العمرة ب 9 ح 1.
5) التهذيب 5 : 438 - 1523 ، الوسائل 13 : 511 أبواب التقصير ب 5 ح 1.
وللمقصّرين ، فقال : وللمقصّرين ».
وحسنة سالم بن الفضيل (1): دخلنا بعمرة فنقصّر أو نحلق؟ فقال : « احلق ، فإنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ترحّم على المحلّقين ثلاث مرّات ، وعلى المقصّرين مرّة » (2).
المسألة الخامسة : من أحرم بالعمرة المفردة في أشهر الحج ودخل مكّة جاز أن ينوي بها عمرة التمتّع ويحجّ بعدها ، ويلزمه دم الهدي حينئذ ، لصحيحة عمر بن يزيد (3)، بل مقتضى الصحيحة جواز إيقاع حجّ التمتّع بعدها وإن لم ينو بها التمتّع.
وعلى هذا ، فلا حاجة إلى تقييد العمرة المفردة بما إذا لم تكن متعيّنة بنذر وشبهه ، كما فعله بعضهم.
وفيه مقدّمة ومقامان :
اعلم أنّ المراد بالمحصور هنا : من منعه المرض خاصّة عن إتمام أفعال الحجّ بعد التلبّس به ، وبالمصدود : من منعه العدو وما في معناه خاصّة ، بلا خلاف عندنا في ذلك كما قيل (1)، وعن ظاهر المنتهى : أنّه اتّفاقيّ بين الأصحاب (2)، وفي المسالك : أنّه الذي استقرّ عليه رأي أصحابنا ووردت به نصوصهم (3)، بل قيل بتصريح جماعة بالإجماع منّا على ذلك مستفيضا (4).
وتدلّ عليه أيضا من الأخبار صحيحة ابن عمّار : « المحصور غير المصدود ، والمحصور : المريض ، والمصدود : الذي يردّه المشركون كما ردّوا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله والصحابة ليس من مرض ، والمصدود تحلّ له النساء ، والمحصور لا تحلّ له النساء » (5).
وصحيحته الأخرى المرويّة في الكافي ، وفيها - بعد ذكر أنّ الحسين عليه السلام مرض في الطريق - : قلت : فما بال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حين رجع من الحديبية حلّت له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال : « ليسا سواء ، كان النبيّ 6
مصدودا والحسين عليه السلام محصورا » (1).
وفي صحيحة البزنطي : أخبرني عن المحصور والمصدود هما سواء؟ فقال : « لا » (2)، ويستفاد تغايرهما من أخبار أخر أيضا (3).
وقال في المسالك : إنّه مطابق للّغة أيضا ، واستشهد له بما نقله الجوهري عن ابن السكّيت أنّه قال : أحصره المرض : إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها (4).
ونقله عنه الفيّومي أيضا وعن ثعلب ، وعن الفّراء : أنّ هذا هو كلام العرب ، وعليه أهل اللغة (5).
وقيل - بعد نقل ما مرّ عن المسالك - : ولكن المحكيّ عن أكثر اللغويين اتّحاد الحصر والصدّ ، وأنّهما بمعنى المنع من عدو كان أو مرض (6).
أقول : في كلام المسالك وبعض آخر نوع خلط في النقل عن أهل اللغة ، فإنّ أكثر اللغويين - كابن السكّيت وثعلب والفرّاء والأخفش والشيباني والفيّومي والجوهري والفيروزآبادي وابن الأثير وصاحب المغرب (7)،
1) الكافي 4 : 369 - 3 ، الوسائل 13 : 178 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 3 ، وفيه : .. حين رجع إلى المدينة .. ليس هذا مثل هذا ..
2) الكافي 4 : 369 - 2 ، التهذيب 5 : 464 - 1622 ، الوسائل 13 : 179 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 4.
3) الوسائل 13 : 177 أبواب الإحصار والصدّ ب 1.
4) المسالك 1 : 128 ، وهو في الصحاح 2 : 632.
5) المصباح المنير : 138.
6) انظر الرياض 1 : 438.
7) حكاه ابن السكّيت والأخفش في الصحاح 2 : 632 ، وعن ثعلب والفرّاء والشيباني في المصباح المنير : 138 ، الفيومي في المصباح المنير : 138 ، الجوهري في الصحاح 2 : 632 ، الفيروزآبادي في القاموس المحيط 2 : 10 ، ابن الأثير في النهاية 1 : 395.
وغيرهم (1)- على أنّ الإحصار هو : الحبس للمرض ، ونقله في تفسير العالم عن أهل العراق ، وعن كلام العرب.
وأنّ الحصر هو : الحبس للعدو ، وصرّح بهذه التفرقة أبو عبيدة والكسائي وصاحبا المجمع والكشّاف (2).
فالصدّ هو المرادف للحصر عند أكثر اللغويين دون الإحصار.
وكيف كان ، فلا فائدة في نقل كلام أهل اللغة ، إذ لا ريب في المغايرة بين الصدّ وبين الحصر ، وأنّ المعنى ما ذكره أصحابنا ، للنصّ الصحيح من أهل العصمة سلام اللّه عليهم.
وتظهر الفائدة فيما يترتّب على اللفظين من الأحكام ، فإنّهما وإن اشتركا في ثبوت أصل التحلّل بهما في الجملة ، ولكنّهما يفترقان في بعض الأحكام من عموم التحلّل وعدمه ، ومكان ذبح هدي التحلّل ، وغير ذلك.
ولو اجتمع الإحصار والصدّ على المكلّف - بأن يمرض ويصدّه العدو - يتخيّر في أخذ حكم ما شاء منهما ، وأخذ الأخفّ ( من أحكامهم ) (3)، لصدق الوصفين الموجب للأخذ بالحكم ، سواء عرضا دفعة أو متعاقبين ، وفاقا لجماعة (4)، وسيأتي تحقيقه.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذا تلبّس المكلّف بإحرام الحجّ أو العمرة وجب عليه الإكمال ، إجماعا فتوى ودليلا ، كتابا وسنّة ، قال اللّه سبحانه ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1).
ومتى صدّ بعد إحرامه - ولم يكن له طريق سوى ما صدّ عنه ، أو كان له طريق ولم يمكن له المسير منه ، إمّا لقصور نفقته عنه ، أو عدم الرفقة ، أو غير ذلك - فيحلّ حيث صدّ عن كلّ شيء حرم عليه بالإحرام ، بلا خلاف يعرف ، كما في الذخيرة (2)، بل بالإجماع ، كما عن التذكرة (3).
وتدلّ عليه صحيحتا ابن عمّار المتقدّمتان (4).
وفي ثالثة : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حين صدّه المشركون يوم الحديبية نحر وأحلّ ورجع إلى المدينة » (5).
وموثّقة زرارة : « المصدود يذبح حيث صدّ ، ويرجع صاحبه ويأتي
النساء » الحديث (1).
ورواية حمران : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حين صدّ بالحديبيّة قصّر وأحلّ ونحر ، ثمَّ انصرف منها ، ولم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك ، فأمّا المحصور فإنّما يكون عليه التقصير » (2).
والمرسلة ، وفيها : « والمصدود بالعدو ينحر هديه الذي ساقه مكانه ، ويقصّر من شعر رأسه ويحلّ ، وليس عليه اجتناب النساء ، سواء كانت حجّته فريضة أو سنّة » (3).
وفي الرضويّ : « وإن صدّ رجل عن الحجّ وقد أحرم فعليه الحجّ من قابل ، ولا بأس بمواقعة النساء ، لأنّ هذا مصدود وليس كالمحصور » (4).
وهل يتوقّف التحلّل على ذبح الهدي أو نحره فلا يقع التحلّل إلاّ به ، أو يحصل التحلّل بدونه؟
الأول : مذهب الأكثر ، كما في المدارك والذخيرة (5)وغيرهما (6).
للآية الشريفة (7).
ولفعل النبيّ صلی اللّه عليه وآله يوم الحديبية.
ولموثّقة زرارة السابقة ، ومرسلة الفقيه : « المحصور والمضطرّ ينحران
1) الكافي 4 : 371 - 9 ، الوسائل 13 : 180 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 5.
2) الكافي 4 : 368 - 1 ، الوسائل 13 : 186 أبواب الإحصار والصدّ ب 6 ح 1.
3) المقنعة : 446 ، الوسائل 13 : 180 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 6.
4) فقه الرضا عليه السلام : 229 ، مستدرك الوسائل 9 : 309 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 3.
5) المدارك 8 : 289 ، الذخيرة : 700.
6) انظر المفاتيح 1 : 286 ، الرياض 1 : 438.
7) البقرة : 196.
بدنتهما في المكان الذي يضطرّان فيه » (1).
ولاستصحاب حكم الإحرام.
والثاني : مذهب الحلّي (2).
لأصل البراءة ، وضعف ما مرّ من الأدلّة ، لورود الآية في المحصور ، وقد عرفت إطباق اللغويين على اختصاص الإحصار بالحصر بالمرض.
وقول جماعة من المفسّرين بنزول الآية في حصر الحديبية (3)لا يثبت شمولها للصدّ أيضا ، وقوله سبحانه ( فَإِذا أَمِنْتُمْ ) في ذيل الآية لا يخصّصها به أيضا ، لتحقّق الأمن في المريض أيضا ، مع أنّها لو دلّت على حكم المصدود أيضا عموما أو خصوصا لم تفد ، لعدم صراحتها في الوجوب.
وعدم دلالة فعل النبيّ صلی اللّه عليه وآله على الوجوب أولا ، وعدم توقّف التحليل عليه ثانيا ، سيّما مع ذكر نحره بعد الحلّ في بعض الأخبار المتقدّمة.
ومنهما يظهر ضعف دلالة الأخبار المذكورة أيضا.
ومعارضة الاستصحاب بمثله من استصحاب حال العقل ، فيبقى الأصل بلا معارض ، بل يؤيّده إطلاق صحيحة ابن عمّار الاولى والرضويّ.
ولذا تردّد في المدارك والذخيرة في المسألة (4)، وهو في محلّه جدّا.
بل قول الحلّي في غاية المتانة والجودة.
ولم يكتف جماعة من المشترطين للهدي به خاصّة ، فاشترطوا نيّة
التحلّل بالذبح أو النحر أيضا ، لوجوه ضعيفة غايتها.
فالحقّ : عدم الحاجة إليها وإن قلنا باشتراط الهدي.
وجواز بقائه على إحرامه - وإن ذبح إذا لم ينو التحلّل - لا يفيد ، لاشتراط نيّة التحلّل في الهدي ، بل له أن ينويه قبله أو بعده أيضا.
ثمَّ ممّا ذكرنا ظهر : أنّه كما لا يتوقّف التحليل على الهدي لا دليل على وجوبه أيضا ، كما هو مذهب الحلّي.
نعم ، يستحبّ ، للأخبار المذكورة.
خلافا للمشهور ، بل عن الغنية والمنتهى : إجماعنا عليه (1)، لما مرّ من أدلّة اشتراطه للتحلّل بجوابها.
والاحتياط في الهدي والتحلّل بعده.
وعليه ، فهل يتعيّن مكان الصدّ لذبحه ، أو يجوز له البعث كالمحصور؟
فيه قولان ، للأول : الأخبار المذكورة.
وللثاني : قصورها عن إفادة الوجوب ، سيّما مع احتمال ورودها مورد توهّم وجوب البعث ، وهو الأقوى.
وهل يتوقّف التحلّل على التقصير ، كما عن المقنعة والمراسم (2)؟
أو الحلق ، كما عن الغنية والكافي (3)؟
أو أحدهما مخيّرا بينهما ، كما عن الشهيدين (4)؟
أو لا يتوقّف على شيء منهما ، كما عن الشيخ (1)، بل نسب إلى الأكثر (2)، وهو ظاهر الشرائع والنافع (3)؟
الحقّ هو : الأخير ، للأصل ، وإطلاق أكثر الأخبار المتقدّمة.
وللأول : رواية حمران والمرسلة المتقدّمتين.
وثبوت التقصير أصالة.
ولم يظهر أنّ الصدّ أسقطه ، فالإحرام يستصحب إليه.
وفي الروايتين ما مرّ من عدم دلالتهما على الوجوب ، ثمَّ على التوقّف.
وفي الأخير منع ثبوته أصالة ، وإنّما هو في محلّ خاصّ قد فات بالصدّ جزما.
والاستصحاب معارض بما مرّ ، مع أنّه إنّما يكون في مقام الشكّ ، ولا شكّ هنا بعد إطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة بجواز الإحلال بالصدّ من غير اشتراط التقصير.
وللثاني : رواية عامّية متضمّنة لحلق النبيّ صلی اللّه عليه وآله (4).
وموثّقة الفضل الواردة في رجل أخذه سلطان ، وفيها : « هذا مصدود من الحجّ ، إن كان دخل مكّة متمتّعا بالعمرة إلى الحجّ فليطف بالبيت أسبوعا ، وليسع أسبوعا ، ويحلق رأسه ، ويذبح شاة » (5).
وفيه : منع الدلالة على الوجوب أولا ، والمعارضة مع ما مرّ ثانيا.
وللثالث : الجمع بين الأخبار. وجوابه ظاهر.
المسألة الثانية : هل يجوز الإحلال بالصدّ مطلقا ولو مع رجاء زوال المانع بل ظنّه ، أم لا؟
قيل : ظاهر إطلاق النص والفتوى : الأول (1)، بل قيل : هو ظاهر الأصحاب ، حيث صرّحوا بجوازه مع ظنّ انكشاف العدو قبل الفوات (2).
ونسبه في الذخيرة إلى المعروف من مذهب الأصحاب (3).
ويظهر من الشهيد الثاني : الثاني ، وأنّ التحلّل إنّما يسوغ إذا لم يرج المصدود زوال العذر قبل خروج الوقت (4)، وتبعه بعض آخر ، فقال : الظاهر اختصاص الجواز بصورة عدم الرجاء قطعا أو ظنّا (5).
حجّة الأول : تحقّق الصدّ في موضع البحث ، فيلحقه حكمه ، للإطلاقات.
ودليل الثاني : الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقّن من إطلاق النصّ والفتوى ، وهو قويّ جدّا ، لإمكان منع صدق الصدّ مع ظنّ الزوال.
المسألة الثالثة : ما مرّ من تحلّل المصدود إنّما هو على الرخصة والجواز دون الحتم والوجوب ، فيجوز له - في إحرام الحجّ والعمرة المتمتّع بها - البقاء على إحرامه إلى أن يتحقّق الفوات ، فيتحلّل بالعمرة كما هو شأن من فاته الحجّ ، ويجب عليه إكمال أفعال العمرة إن أمكن ، وإلاّ تحلّل بهدي إن استمرّ المنع ، وإلاّ بقي على إحرامها إلى أن يأتي بأفعالها.
وأمّا في إحرام العمرة المفردة فلم يتحقّق الفوات ، بل يتحلّل منها عند تعذّر الإكمال ، ولو تأخّر الإحلال كان جائزا ، فإن أيس من زوال العذر تحلّل بالهدي حينئذ.
المسألة الرابعة : لا شكّ في تحقّق الصدّ في الحجّ والعمرة بحصول المانع عن غير الإحرام من مناسكهما طرّا.
وأمّا في الصدّ عن بعض المناسك فقد يقال بصدق المصدود فيه مطلقا ، لصدق الصدّ ، وعموم المصدود.
وفيه نظر ، لأنّ المصدود في الأخبار مقتض ويقتضي ذكر ما صدّ عنه ، وهو كما يحتمل العموم يحتمل إرادة جميع الأفعال أو عمدتها ، فعلى هذا يكون مجملا كما حقّقنا في موضعه ، إلاّ أنّه ورد في موثّقة الفضل المتقدّمة والآتية : « هذا مصدود من الحجّ » ، وكذا في الرضوي (1).
ومنه يعلم أنّ المراد : المصدود من الحجّ ، ولازمه صدق الصدّ متى بقي من الأفعال ما لم يتمّ الحجّ بدونه ، فكلّ عمل يبطل الحجّ بتركه يكون الممنوع عنه مصدودا البتّة وإن أتى بغيره ممّا تقدّم عليه أو تأخّر ، فهذا هو الأصل في صدق المصدود.
بل لنا أن نقول بصدقه على كلّ من لم يتمّ أفعال الحجّ أو العمرة ، وإثبات عمومه من قوله في صحيحة ابن عمّار : « والمصدود هو الذي ردّه المشركون » (2)، فإنّ الردّ يصدق ما لم يتمّ المقصود ، وهو تمام المناسك ،
فما لم يتمّ ما هو نهض بصدده يصدق عليه أنّه ردّ ، فيكون مصدودا.
وعلى هذا ، فلا ينبغي الريب في تحقّقه في الحجّ بالمنع عن الموقفين ، وفي الذخيرة : لا أعرف فيه خلافا بين الأصحاب (1).
وتدلّ عليه موثّقة الفضل الواردة في رجل أخذه السلطان يوم عرفة ولم يعرّف ، وفيها : فإن خلّى عنه يوم الثاني - أي ثاني يوم النحر (2)- كيف يصنع؟ قال : « هذا مصدود من الحجّ » الحديث (3).
وكذا عن أحدهما إذا كان ممّا يفوت بفواته الحجّ ، والوجه ظاهر ممّا ذكرناه ، والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا ، بل قيل فيه وفي سابقة اتّفاقا (4).
ولو صدّ - بعد إدراك الموقفين - من مناسك منى يوم النحر خاصّة دون مكّة ، فإن أمكنت الاستنابة لها استناب وقد تمَّ نسكه بمنى ، قيل : بلا خلاف (5).
والوجه فيه : أنّ مع ثبوت الاستنابة فيها وإمكانها لا يصدق عليه المصدود من الحجّ ولا المردود عنه ، ولكن يخدشه صدق الردّ في الجملة وإن لم يكن مردودا عن الحجّ ، فتأمّل.
وإن لم يمكن الاستنابة ، ففي البقاء على إحرامه وجواز التحلّل وجهان ، بل قولان : من الأصل ، ومن إفادة الصدّ التحلّل عن الجميع ، فعن بعضه بطريق أولى ، وعموم نصوص الصدّ.9.
ويمكن الخدش في الأصل بالمعارضة كما مرّ.
وفي الأولويّة بالمنع ، لاحتمال خصوصيّة في الصدّ عن الجميع لا توجد في الصدّ عن الأبعاض.
وفي العموم بما ذكر ، لأنّه ليس مصدودا عن الحجّ.
نعم ، استلزام البقاء على الإحرام إلى القابل العسر والحرج المنفيّين في الشريعة - سيّما مع إمكان عدم التمكّن في القابل أيضا ، وصدق مطلق الردّ ، المؤيّدين بأصالة عدم الحرمة بعد سقوط الاستصحابين - يقوّي القول الثاني هنا.
ومنه تظهر قوّة القول بجواز التحلّل لو كان المنع من مكّة ومنى جميعا ، بل وكذا لو منع من مكّة خاصّة ، بل الأمر فيهما أظهر ، لاستلزامهما ترك الطواف والسعي ، الموجب لفوات الحجّ ، بمقتضى أصل عدم الإجزاء مع عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، وظهور صدق الردّ.
ولو كان المنع من العود إلى منى لمناسكها بعد قضاء مناسك مكّة فلا يتحقّق الصدّ عندهم ، بل حكي نقل جماعة من الأصحاب الإجماع عليه ، فيصحّ الحجّ ، ويستنيب في الرمي إن أمكن ، وإلاّ قضاه حيث أمكن (1)، وهو كذلك.
مع أنّه لا ثمرة يعتدّ بها تظهر حينئذ ، لصحّة الحجّ ، وحصول التحلّل ، وعدم وجوب هدي آخر قطعا.
هذا في الحجّ.
وأمّا العمرة ، فيتحقّق الصدّ بالمنع من دخول مكّة قطعا ، وكذا بالمنع
1) الرياض 1 : 439.
من أفعالها بعد دخول مكّة ، والسعي خاصّة أيضا ، لصدق المصدود من الحجّ أو العمرة ، وعدم ثبوت جواز الاستنابة في الأفعال لمثله ، ولا دليل على صحّة عمرته أو حجّه.
المسألة الخامسة : لا يسقط الحجّ المستقرّ في الذمّة قبل عام الصدّ بالصدّ ، ولا مع بقاء الاستطاعة إلى العام المقبل ، ويسقط لو كان ذلك العام عام أول استطاعته وانتفت الاستطاعة.
ويسقط المندوب ، أي لا يجب إتمامه - كما أوجبه أبو حنيفة وأحمد في رواية (1)- للأصل ، والإجماع ، كما هو ظاهر التذكرة والمنتهى (2)، وإنّما يقضيه ندبا.
المسألة السادسة : لو كان هناك مسلك آخر غير ما فيه الصد فلا صدّ ، ولو كان أطول وأمكن الوصول منه.
ولو خشي الفوات منه لبعده لم يتحلّل ، لعدم صدق الصدّ والردّ ، بل يسلكه إلى أن يتحقّق الفوات ، ثمَّ يتحلّل بالعمرة المفردة كما هو شأن من فاته الحجّ ، أو يعدل من العمرة المتمتّع بها إلى الإفراد.
المسألة السابعة : المحبوس بدين يقدر على أدائه ليس مصدودا ، والوجه ظاهر.
وبدين لا يقدر على أدائه مصدود على الأقوى ، لصدق المصدود من الحجّ عليه ، لأنّه بمعنى الممنوع لغة كيف ما كان.
نعم ، مقتضى الروايات اختصاصه بما إذا كان المنع بغير المرض ،
وذكر العدو في بعض الأخبار إنّما وقع على سبيل التمثيل ، وذكر بعض الأفراد لا لحصر الحكم فيه.
والمحبوس ظلما - لمطالبة مال غير قادر عليه أو موجب صرفه لإتلافه - مصدود ، ولمطالبة ما يقدر عليه قليلا أو كثيرا غير مصدود ، وإن لم نقل بوجوب دفعه لأجل الضرر ، فإنّ الصدّ أمر ، وعدم وجوب البذل لأجل نفي الضرر أمر آخر ، والكلام هنا في الأول.
ولا شكّ أنّ مع خلو السرب ببذل مال مقدور عليه لا يكون السرب مصدودا ، ولا أقلّ من الشكّ في صدق الصدّ وإن قلنا بعدم وجوب بذله ، غايته أنّه يكون باقيا على إحرامه ولا يكون بذلك آثما.
والحاصل : أنّ الصدّ مسألة ، ووجوب بذل المال للخلاص وتخلية السرب مسألة أخرى ، ويمكن جمع عدم وجوب البذل مع عدم الصدّ ، والكلام هنا في الاولى ، وأمّا الثانية فقد مرّ تحقيقها في بحث الاستطاعة.
المسألة الثامنة : لو صابر المصدود ولم يتحلّل حتى فات الحجّ ، قالوا : لم يجز له التحلّل ، بل يتحلّل بالعمرة. فإن ثبت الإجماع عليه وإلاّ فللبحث فيه مجال ، لاستصحاب جواز التحلّل ، وصدق المصدود من الحجّ.
المسألة التاسعة : لو تحلّل المصدود ثمَّ اتّفق رفع المانع مع بقاء الوقت ، يستأنف العمل ، ولو ضاق الوقت عن التمتّع انتقل إلى الإفراد.
المسألة العاشرة : من أفسد حجّه ثمَّ صدّ ، يجب عليه الإتيان بوظيفة المفسد ، لأدلّته واستصحابه ، وثبتت له وظيفة المصدود أيضا ، لصدقه.
المسألة الحادية عشرة : لو أمكن رفع المانع ببذل مال غير متضرّر به ، وجب ، لصدق الاستطاعة ووجوب مقدّمة الواجب ، ولم يكن مصدودا.
وإن كان ممّا يتضرّر به ، فالكلام في وجوب أدائه وعدمه ما مرّ في بحث الاستطاعة ، ولكنّه ليس مصدودا مع إمكان الأداء ، كما مرّ بيانه في المسألة السابعة.
ولو أمكن المحاربة والمقاتلة مع العدو ، فمع عدم ظنّ الغلبة يكون مصدودا ، ويثبت له حكم الصدّ ، ومع ظنّ الغلبة لا يصدق الصدّ ، فلا تثبت أحكامه.
وأمّا وجوب القتال أو جوازه أو عدم جوازه حينئذ ، فهو أمر آخر غير مسألة الصدّ ، ولتحقيقه مقام آخر.
وقد عرفت أنّه من يمنعه المرض عن الوصول إلى مكّة أو الموقفين أو نحو ذلك ، على التفصيل المتقدّم في الصدّ.
وفيه أيضا مسائل :
المسألة الاولى : لا خلاف هنا في وجوب الهدي ، وتوقّف التحلّل على الهدي ، ونقل الإجماع عليه مستفيض (1).
وتدلّ - مع الإجماع - على الأول مضمرة زرعة : عن رجل أحصر في الحجّ ، قال : « فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ، ومحلّه أن يبلغ الهدي محلّه ، ومحلّه منى يوم النحر إذا كان في الحجّ ، وإن كان في عمرة نحر بمكّة ، وإنّما عليه أن يعدهم لذلك يوما ، فإذا كان ذلك اليوم فقد وفي ، وإن اختلفوا في الميعاد لم يضرّه إن شاء اللّه » (2).
وعلى الثاني مفهوم الشرط في موثّقة زرارة ، بل منطوق ذيلها : « والمحصور يبعث بهديه ويعدهم يوما ، فإذا بلغ الهدي أحلّ هذا في مكانه » ، قلت : أرأيت إن ردّوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحلّ وأتى النساء؟ قال : « فليعد وليس عليه شيء ، وليمسك الآن عن النساء إذا بعث » (3).
ومفهوم الشرط في صحيحة ابن عمّار الآتية.
وتؤيّدهما الأخبار الأخر ، الآتي بعض منها أيضا ، المتضمّنة للجمل الخبريّة.
المسألة الثانية : اختلفوا - بعد وفاقهم على اشتراط الهدي وتوقّف التحلّل عليه - في وجوب بعثه ، وجواز ذبحه في موضع الحصر.
فذهب الأكثر - كما صرّح به جماعة (1)- إلى وجوب بعثه إلى منى وذبحه فيها إن كان حاجّا ، وإلى مكّة إن كان معتمرا ، ولا يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه ، وعن ظاهر الغنية : الإجماع عليه (2).
واستدلّ له بظاهر قوله سبحانه ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (3).
والمضمرة والموثّقة المتقدّمتين في المسألة السابقة.
وصحيحة ابن عمّار : عن رجل أحصر فبعث بالهدي ، قال : « يواعد أصحابه ميعادا ، إن كان في الحجّ فمحلّ الهدي يوم النحر ، فإذا كان يوم النحر فليقصّر من رأسه ، ولا يجب عليه الحلق حتى يقضي المناسك ، وإن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكّة والساعة التي يعدهم فيها ، فإن كان تلك الساعة قصّر وأحلّ » الحديث (4).
المؤيّدة جميعا بأخبار أخر أيضا (5).
1) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة : 7 : 412 ، صاحب المدارك 8 : 301 ، السبزواري في الكفاية : 73 ، الكاشاني في المفاتيح 1 : 386.
2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 583.
3) البقرة : 196.
4) الكافي 4 : 369 - 3 ، التهذيب 5 : 421 - 1465 ، الوسائل 13 : 181 أبواب الإحصار والصدّ ب 2 ح 1 ، بتفاوت يسير.
5) الوسائل 13 : 181 أبواب الإحصار والصدّ ب 2.
وعن المقنع : أنّه ذهب إلى ذبحه في مكان الحصر (1).
ويدلّ عليه ذيل صحيحة ابن عمّار السابقة ، وفيها : « فإنّ الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليهما خرج معتمرا ، فمرض في الطريق ، وبلغ عليّا عليه السلام ذلك وهو في المدينة ، فخرج في طلبه فأدركه في السقيا (2)وهو مريض بها ، فقال : يا بنيّ ما تشتكي؟ فقال : أشتكي رأسي ، فدعا عليّ عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه وردّه إلى المدينة ، فلمّا برئ من وجعه اعتمر » ، قلت : أرأيت حين برئ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلّت له النساء؟ قال : « لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة » ، قلت : فما بال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حين رجع من الحديبية حلّت له النساء ولم يطف بالبيت ، قال : « ليسا سواء ، كان النبيّ صلی اللّه عليه وآله مصدودا ، والحسين عليه السلام محصورا ».
وصحيحة رفاعة : « خرج الحسين عليه السلام معتمرا وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا ، فبرسم (3)فحلق شعر رأسه ونحر مكانه ، ثمَّ أقبل » الحديث (4).
ومرسلة الفقيه : « المحصور والمضطرّ ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطرّان فيه » (5).
1) المقنع : 76.
2) السقيا : موضع يقرب من المدينة ، وقيل : هي على يومين منها - مجمع البحرين 1 : 221. وفي معجم البلدان 3 : 228 : السقيا من أسافل أودية تهامة ، لمّا رجع تبّع من قتال أهل المدينة يريد مكّة فنزل السقيا وقد عطش فأصابه بها مطر فسمّاها السقيا.
3) البرسام : داء معروف ، وفي بعض كتب الطب : أنّه ورم حارّ يعرض للحجاب الذي بين الكبد والمعى ثمَّ يتّصل بالدماغ - المصباح المنير : 41 - 42.
4) الفقيه 2 : 305 - 1515 ، الوسائل 13 : 186 أبواب الإحصار والصدّ ب 6 ح 2.
5) الفقيه 2 : 305 - 1513 ، الوسائل 13 : 187 أبواب الإحصار والصدّ ب 6 ح 3.
وصحيحة ابن عمّار : في المحصور ولم يسق الهدي ، قال : « ينسك ويرجع ، فإن لم يجد ثمن هدي صام » (1).
وعن الإسكافي : التخيير بين البعث والذبح حيث أحصر ، مع أولويّة الأول (2). وقوّاه في المدارك (3)، واستقربه في الذخيرة (4)، جمعا بين الأخبار.
وعن ظاهر المفيد والديلمي : التفصيل ، فيبعث في الحجّ الواجب ، ويذبح في محلّ الحصر في التطوّع (5)، ولعلّه لورود بعض أخبار الذبح في محلّ الحصر في المتطوّع.
وعن الجعفي : فيذبح مكانه مطلقا ما لم يكن ساق الهدي (6)، وله صحيحة ابن عمّار الأخيرة.
وربّما قيل باختصاص جواز الذبح مكانه إذا أضرّ به التأخير.
وتدلّ عليه رواية زرارة : « إذا أحصر الرجل فبعث بهديه فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه فإنّه يذبح شاة في المكان الذي أحصر فيه ، أو يصوم ، أو يتصدّق ، والصوم ثلاثة أيام ، والصدقة على ستّة مساكين ، نصف صاع لكلّ مسكين » (7).ت.
1) الكافي 4 : 370 - 5 ، الوسائل 13 : 187 أبواب الإحصار والصدّ ب 7 ح 2.
2) نقله عنه في المختلف : 317.
3) المدارك 8 : 304.
4) الذخيرة : 702.
5) المفيد في المقنعة : 446 ، الديلمي في المراسم : 118.
6) حكاه عنه في الدروس 1 : 477.
7) الكافي 4 : 370 - 6 ، التهذيب 5 : 334 - 1149 ، الاستبصار 2 : 196 - 658 ، الوسائل 13 : 185 أبواب الإحصار والصدّ ب 5 ح 2 ، بتفاوت.
وقريبة منها رواية أخرى له (1).
أقول : دلالة أدلّة القول الأول على مطلوبهم واضحة ، ولا دلالة لإضافة الهدي إلى الضمير في الروايتين الأوليين على الهدي المساق أصلا ، فلا تختصّان بما إذا ساق الهدي ، كما هو المحكي عن الجعفي.
وحمل الآية على أنّ المراد : حتى تنحروا هديكم ، خلاف الظاهر ، بل خلاف تصريح الأخبار ببيان محلّ الهدي.
وأمّا أدلّة القول الثاني : فالروايتان الأوليان واردتان في التطوّع ، وعدم إمكان البعث أيضا محتمل.
والثالثة لا تدلّ على التعيين ، غايتها الجواز.
والرابعة مخصوصة بمن لم يسق الهدي ، مضافا إلى أنّ قوله : « ينسك » ليس صريحا في الذبح مكانه ، لجواز إرادة البعث منه.
فهذا القول ساقط جدّا ، وكذا الرابع والخامس.
أمّا الأول (2)، فلعدم شاهد على ذلك الجمع ، سوى خبري خروج الحسين عليه السلام ، وليست فيهما دلالة على أنّه لكون الحجّ تطوّعا ، بل يمكن أن يكون لجواز الأمرين مطلقا ، أو التضرّر بالتأخير - كما هو ظاهر شكايته من رأسه المقدّس - أو عدم إمكان البعث.
وأمّا الثاني (3)، فلما مرّ من إجمال معنى قوله : « ينسك » ، مع أنّ عدم السياق ورد في السؤال ، فلعلّ الحكم لجواز الأمرين.
وأمّا السادس ، فلا ينافي القول الأول ، لجواز وجوب البعث ، وجواز التعجيل في الإحلال مع الذبح في المكان ، أو الصوم ، أو التصدّق ، زائدا على البعث.
فلم يبق إلاّ القول المشهور ومذهب الإسكافي.
وبعد ما عرفت من إجمال فعل عليّ عليه السلام ، وعدم معلوميّة أنّه هل هو للجواز أو التطوّع أو التضرّر أو عدم التمكّن ، لا يصلح دليلا لقول ، كما أنّ إجمال قوله : « ينسك » في صحيحة ابن عمّار كذلك.
فلم يبق للإسكافي إلاّ مرسلة الفقيه ، وهي - مع احتمالها لصورة الضرورة كما قيل (1)- مخالفة لشهرة القدماء وعمل المعظم ، وبها تخرج عن الحجّية ، فضلا عن مقاومة الأخبار المعتبرة ، ومع ذلك لإرادة المحصور بغير المرض محتملة ، كما هو مقتضى إطباق أهل اللغة من تخصيصهم المحصر بالمريض وتعميمهم المحصور بغيره.
ومن ذلك ظهرت قوّة القول الأول ، وأنّه المنصور المعوّل.
المسألة الثالثة : المحصور الباعث للهدي يواعد مع المبعوث معه يوما للنحر أو الذبح ، كما أمر به في موثّقتي زرعة وزرارة ، وصحيحة ابن عمّار (2)، فإذا بلغ ذلك الوقت قصّر وأحلّ من كلّ شيء أحرم منه ، إلاّ النساء خاصّة ، فإنّه لا يحلّ منهنّ حتى يحجّ في القابل ، إلاّ إذا كان الإحرام تطوّعا ، فإنّه يحلّ منهنّ إذا استناب أحدا فطاف عنه طواف النساء.
أمّا الحلّ من كلّ شيء غير النساء وعدم الحلّ من النساء بذلك ، فبالإجماع منّا ، له ، وللنصوص ، كصحيحة ابن عمّار المتقدّمة ، وموثّقة
زرارة (1)والرضويّ : « لا يقرب النساء حتى يحجّ من قابل » (2).
وأمّا صحيحة البزنطي : عن محرم انكسرت ساقه ، أيّ شيء يكون حاله وأيّ شيء عليه؟ قال : « هو حلال من كلّ شيء » ، فقلت : من النساء والثياب والطيب؟ فقال : « نعم ، من جميع ما يحرم على المحرم » الحديث (3).
فهي شاذّة ، وللإجماع مخالفة ، ومع ذلك هو مذهب بعض العامّة (4)، فيحتمل التقيّة.
وأمّا توقّف حلّهنّ له في الحجّ الواجب بالحجّ من قابل وحلّهنّ به ، فلصحيحة ابن عمّار المتقدّمة ، والرضويّ المنجبر بعمل الطائفة.
وأمّا حلّهنّ في المندوب بالطواف عنه طواف النساء استنابة ، فاستدلّ له بالإجماع المنقول في المنتهى (5).
وبأنّ الحجّ المندوب لا يجب العود فيه لاستدراكه ، والبقاء على تحريم النساء ضرر عظيم منفي ، فاكتفي في الحلّ بالاستنابة.
والأول : ليس بحجّة.
والثاني : مردود بأنّ عدم وجوب العود لا ينافي إمكان العود ، فيعود
ويطوف ، وليس العود ضررا ، وإلاّ فهو في الواجب أيضا حاصل.
مع أنّ الأخبار للواجب والمندوب شاملة ، بل صحيحة ابن عمّار في المندوب ظاهرة ، لأنّ الظاهر كون إحرام الحسين عليه السلام تطوّعا ، ولذا استشكله بعض المتأخّرين (1)، وهو في محلّه.
بل ظاهر جمع اتّحاد المندوب والواجب في الحكم ، وهو المحكيّ عن الخلاف والغنية والتحرير ، حيث قالوا : لا يحللن للمحصور حتى يطوف لهنّ من قابل أو يطاف عنه (2)، من غير تفصيل بين الواجب وغيره.
كذا في الجامع ، إلاّ أنّه لم يقيّد بالقابل ، وقيّد الطواف بالنساء (3).
وفي السرائر ، إلاّ أنّه قال : لا يحللن حتى يحجّ عنه في القابل ، أو يأمر من يطوف عنه النساء (4).
وفي الكافي ، إلاّ أنّه قال : لا يحللن له حتى يحجّ ، أو يحجّ عنه (5).
إلاّ أنّه يمكن أن يستدلّ للمشهور من التفرقة بالمرسل المرويّ في المقنعة : « المحصور بالمرض ، إن كان ساق هديا أقام على إحرامه حتى يبلغ الهدي محلّه ، ثمَّ يحلّ ، ولا يقرب النساء حتى يقضي المناسك من قابل ، هذا إذا كان حجّة الإسلام ، فأمّا حجّ التطوّع فإنّه ينحر هديه وقد أحلّ ممّا أحرم عنه ، فإن شاء حجّ من قابل ، وإن شاء لا يجب عليه الحجّ » (6).
1) كما في المدارك 8 : 305 ، كفاية الأحكام : 73.
2) الخلاف 2 : 428 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 583 ، نقله عن التحرير في كشف اللثام 1 : 390.
3) الجامع للشرائع : 223.
4) السرائر 1 : 638.
5) الكافي في الفقه : 218.
6) المقنعة : 446 وفيه : « وإن لم يشأ لم يجب عليه الحجّ » ، الوسائل 13 : 180 أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 6.
ولكن الفرق المذكور فيه غير التفرقة المشهورة ، لحكمه بالحلّ من دون الاستنابة.
ونقل عن المفيد وغيره (1)، ولكن ضعف الخبر يمنع من العمل به.
فإذن الأظهر : اتّحاد الندب والواجب في الحكم.
ثمَّ المخالف في المقام من خالف في عمرة التمتّع ، فحكم بحلّ النساء للمحصور فيها من غير احتياج إلى طواف ، كما عن الدروس ، مستدلاّ بأنّه لا طواف للنساء فيها (2)، وبإطلاق صحيحة البزنطي المتقدّمة ، خرج منها الحجّ بأقسامه والعمرة المفردة بالإجماع والأخبار ، فيبقى الباقي.
وفيه - مضافا إلى كونه خروج الأكثر الذي لا يجوز في التخصيصات والتقييدات - : أنّ هذا التقييد إن كان للجمع فهو - مع كونه جمعا بلا شاهد ، وهو غير جائز - لا ينحصر وجهه في ذلك ، فيمكن الجمع بنحو آخر.
وإن كان لوجود مقيّد ، فلم نعثر عليه ، بل الأخبار متساوية بالنسبة إليها وإلى الحجّ والمفردة.
ودعوى ظهور صحيحة ابن عمّار في غير عمرة التمتّع لا وجه لها ، مع أنّ هذه الصحيحة بالنسبة إلى وقت الحلّ عامّة ، فيمكن تخصيصها بما بعد الحجّ من قابل ، بل يمكن تخصيصها بغير النساء أيضا ، حيث إنّ الجواب عامّ وإن صرّح بهنّ في السؤال.
وأمّا التعليل الأول ، ففيه : أنّه إنّما يتمّ لو علّق حلّهنّ على طواف النساء وهو غير معلوم ، إذ ليس في الروايات تعرّض لذكر طواف النساء.
ومن خالف في وجوب الحجّ من قابل بنفسه ، فأجاز الاستنابة فيه أيضا ، وهو الخلاف (1)ومن بعده (2). إلاّ أن يحمل كلامهم على التسويغ دون التخيير ، وإلاّ فلا دليل لهم يكافئ ما مرّ من الأخبار.
فرع : هل توقّف حلّ النساء على حجّه من قابل مطلق ، حتى في صورة العجز عنه ، ولا تكفي الاستنابة عنه ، كما هو محكيّ عن ظاهر النهاية والمبسوط والمهذّب والوسيلة والمراسم والإصباح والفاضلين في جملة من كتبهما (3)؟
أم يختصّ بصورة الإمكان ، وبدونه تحلّ بالإتيان نيابة عنه؟ كما عن القواعد (4)؟
وظاهر الخلاف والغنية والتحرير والكافي والجامع والسرائر : الحلّ بالإتيان نيابة عنه مطلقا ، من غير تقييد بصورة العجز (5).
دليل الأول : الأصل ، والأخبار المتقدّمة.
ودليل الثاني : لزوم الحرج لولاه ، بضميمة عدم قائل بالإحلال بدون الحجّ ، أو الطواف بنفسه أو نيابة في لزوم الاستنابة ، مضافا إلى الاقتصار على المتيقّن فيما يخالف الأصل.8.
1) الخلاف 2 : 428.
2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 583.
3) النهاية : 281 ، المبسوط 1 : 335 ، المهذب 1 : 270 ، الوسيلة : 193 ، المراسم : 118 ، المحقق في الشرائع 1 : 382 ، النافع : 100 ، العلامة في التذكرة 1 : 397 ، الإرشاد 1 : 339 ، التبصرة : 78.
4) القواعد 1 : 93.
5) الخلاف 2 : 428 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 583 ، التحرير 1 : 123 ، الكافي : 218 ، الجامع : 223 ، السرائر 1 : 638.
ولم أعثر للثالث على دليل ، فهو ساقط.
فبقي الترجيح بين الأولين ، ولعلّه للثاني ، لما ذكر ، مضافا إلى معارضة الأصل - الذي هو دليل الأول - مع مثله ، كما أشير إليه ، وضعف الرضوي (1)، وظهور التمكّن للحسين 7.
المسألة الرابعة : إذا بعث هديه أو ثمنه وأحلّ ثمَّ بان أنّه لم يذبح له هدي ، لم يبطل تحلّله ، بل كان باقيا على الحلّ ، ولكن يبعث ليذبح له في القابل ، بلا خلاف فيه ولا إشكال.
لموثّقتي زرعة وزرارة المتقدّمتين (2).
وصحيحة ابن عمّار : « فإن ردّوا الدراهم ولم يجدوا هديا ينحرونه ، وقد أحلّ ، لم يكن عليه شيء ، ولكن يبعث في القابل ويمسك أيضا » (3).
وهل يجب عليه الإمساك ثانيا إلى يوم الوعد الثاني كما هو المشهور ، كما في المسالك والروضة (4)وغيرهما (5)؟
أو لا ، كما هو المحكيّ عن السرائر وظاهر الشرائع والنافع والمختلف والفاضل المقداد (6)، وغيرهم من المتأخّرين (7)؟
الأقوى هو : الأول ، للأمر بالإمساك في موثّقة زرارة ، وهو للوجوب.
استدلّ للثاني بالأصل ، لأنّه ليس بمحرم ولا في الحرم ، والأمر في
1) راجع ص : 148.
2) في ص : 142.
3) التهذيب 5 : 421 - 1465 ، الوسائل 13 : 181 أبواب الإحصار والصدّ ب 2 ح 1.
4) المسالك 1 : 131 ، الروضة 2 : 370.
5) كما في الدروس 1 : 478 ، الحدائق 16 : 50 ، الرياض 1 : 442.
6) السرائر 1 : 639 ، الشرائع 1 : 282 ، النافع : 100 ، المختلف : 317 ، الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1 : 529.
7) كالشهيد في اللمعة ( الروضة 2 ) : 369.
الموثّق محمول على الاستحباب.
وفيه : أنّه حمل بلا حامل ، والأصل بما مرّ مدفوع.
بل قد يقال : إنّ الأصل بالعكس ، لأنّ مقتضى الآية اشتراط التحلّل ببلوغ الهدي محلّه في نفس الأمر ، فلو تحلّل ولم يبلغ كان باطلا.
ولا يستفاد من الأخبار سوى أنّه لو تحلّل يوم الوعد ولم يبلغ لم يكن عليه ضرر - أي إثم أو كفّارة - وهو لا يستلزم حصول التحلّل في أصل الشرع ولو مع الانكشاف.
وعلى هذا ، فيكون محرما في الواقع وإن اعتقد - لجهله - كونه محلاّ ، فقوله - : لأنّه ليس بمحرم - ممنوع ، إذ لا دليل عليه من نصّ أو إجماع.
وفيه أولا : أنّ مقتضى الآية النهي عن الحلق حتى يبلغ الهدي ، ولا بدّ أن يراد من البلوغ وعده ، للإجماع والنصّ على انتفاء النهي يوم الوعد بلغ أو لم يبلغ ، ولو أريد نفس الأمر لزم كون النهي باقيا مع عدم البلوغ فيأثم ، وهو عين الضرر وخلاف الإجماع.
والحاصل : أنّه إنّما يتمّ لو كان المعنى في الآية هو الحكم الوضعي ، ولكنّه حكم تكليفي منتف في يوم الوعد قطعا ، ذبح أم لم يذبح.
وثانيا : أنّ المصرّح به في أخبار كثيرة : أنّه حلّ حيث حبسه ، كما في رواية حمران : عن الذي يقول : حلّني حيث حبستني ، فقال : « هو حلّ حيث حبسه ، قال أو لم يقل » (1).
وفي صحيحة زرارة : « هو حلّ إذا حبس ، اشتراط أو لم يشترط » (2).ر.
خرج ما قبل البعث والميعاد بالدليل ، فيبقى الباقي ، ومقتضاه حصول الحلّ النفس الأمري ، لكون الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة.
وثالثا : أنّه لو تمَّ ما ذكره لزم وجوب الإمساك بعد الانكشاف بلا فصل ، مع أنّ مقتضى موثّقة زرارة كون وقت الإمساك حين البعث الثاني ، كما هو مذهب الأصحاب أيضا.
ومن ذلك ظهر أنّ مبدأ ذلك الإمساك هو حين البعث الثاني ، ومنتهاه حين الوعد الثاني.
ولو ظهر عدم الذبح ثانيا أيضا فهل يبعث ثالثا ، أم لا؟ فيه وجهان.
المسألة الخامسة : لو أحصر أو صدّ فبعث بهديه ثمَّ زال العارض من المرض أو العدو ، التحق بأصحابه إن لم يفت وقته ، بأن يدرك أحد الموقفين على وجه يصحّ حجّه ، بلا خلاف ، لزوال العذر.
ولصحيحة زرارة : « إذا أحصر بعث بهديه ، فإذا أفاق ووجد في نفسه خفّة فليمض إن ظنّ أنّه يدرك الناس ، فإن قدم مكّة قبل أن ينحر الهدي فليقم على إحرامه حتى يفرغ من جميع المناسك ، وينحر هديه ولا شيء عليه ، وإن قدم مكّة وقد نحر هديه فإنّ عليه الحجّ من قابل أو العمرة » ، قلت : فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة؟ قال : « يحجّ عنه إذا كانت حجّة الإسلام ، ويعتمر ، إنّما هو شيء عليه » (1).
قيل : ومثل ذلك اخرى واردة في المصدود (2).
وإن فاته الحجّ تحلّل بعمرة مفردة ، ويقضي الحجّ إن كان واجبا وإلاّ
ندبا ، بلا خلاف إن تبيّن عدم وقوع الذبح عنه ، وعلى الأشهر إن تبيّن وقوعه ، لعموم أدلّة وجوب التحلّل بالعمرة على من فاته الحجّ.
واحتمل الشهيدان (1)وبعض آخر (2)عدم الاحتياج إلى عمرة التحلّل حينئذ لحصوله بالذبح ، لأدلّة حصوله ببلوغ الهدي محلّه (3).
والخدش فيها - بعدم ظهور شمولها للمفروض ، لانصراف إطلاقها بحكم التبادر إلى غيره - مردود بالمنع أولا ، وجريان مثله في أدلّة وجوب التحلّل بالعمرة ثانيا.
كما أنّ الاستدلال لوجوب العمرة بالصحيحة المتقدّمة - على بعض نسخها العاطف للعمرة على الحجّ بلفظة : واو - مردود بعدم دلالته على أنّ المراد تلك العمرة ، مع أنّ بعد اختلاف النسخ وأكثريّة العطف ب- : أو ، لا تصلح للاستدلال ، واللّه العالم.
وفيه أبحاث :
وفيه مقامات :
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذا قتل المحرم نعامة فكفّارته بدنة ، وهي الأنثى من الإبل على الأحوط.
فإن لم يجدها فضّ على البدنة بعد تقويمها قيمة عادلة على الطعام مطلقا على الأقوى ، وفاقا لجماعة (1)، لإطلاق الأخبار.
وعلى البرّ خاصّة - كما هو مختار آخرين (2)- على الأحوط ، لما قيل (3)من أنّه المتبادر من الطعام ، فيطعمه ستّين مسكينا إجماعا نصّا وفتوى.
لكلّ مسكين مدّ على الأقوى ، وفاقا للصدوق ، والعماني (4)،
وغيرهما (1)، لصحيحة ابن عمّار (2)، ورواية أبي بصير (3).
وذهب جماعة (4)- بل هو على الأشهر كما (5)قيل - [ إلى أنّ ] (6)لكلّ مسكين نصف صاع ، مدّان.
لصحيحة الحذّاء (7).
المجاب عنها : بقصورها عن إفادة الوجوب أولا.
وعمومها المطلق بالنسبة إلى النعامة ثانيا.
ومخالفتها للأصل - الذي هو المرجع عند التعارض وعدم المرجح - ثالثا.
ولبعض آخر (8)، فأطلق الإطعام ، لإطلاق بعض الأخبار ، اللازم تقييده بما مرّ.
ثمَّ إنّه يكتفي بذلك القدر ، ولا يلزمه إنفاق ما زاد عن قيمتها عن ستّين مدّا ، بل الزائد له ، ولا يلزمه أيضا ما نقصت القيمة عن الوفاء بالستّين ، بلا خلاف عن غير من أطلق الإطعام ، بل عن الخلاف الإجماع
1) كالعلاّمة في المختلف : 271.
2) التهذيب 5 : 343 - 1187 ، الوسائل 13 : 13 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 13.
3) الكافي 4 : 385 - 1 ، الفقيه 2 : 233 - 1112 ، الوسائل 13 : 9 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 3.
4) كالمحقق في الشرائع 1 : 284.
5) انظر الرياض 1 : 448.
6) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.
7) الكافي 4 : 387 - 10 ، التهذيب 5 : 341 - 1183 ، الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 1.
8) كما في المقنع : 78.
على نفي وجوب الزائد (1)، وتدلّ عليه مرسلة جميل (2).
وأمّا ما في صحيحة محمّد ، من أنّ « عدل الهدي ما بلغ يتصدّق به » (3).
فعامّ لا يقاوم ما مرّ.
وكذا ما في رواية الرقّي من أنّ « من لم يجد البدنة الواجبة في الفداء فسبع شياه » (4)، مع أنّه ممّا لم يقل به أحد في المقام ، كما صرّح به بعضهم (5).
وإن لم يجد ثمنها ليطعم ، صام عن كلّ مدّ يوما على الأشهر ، بل عن الغنية والتبيان والكنز (6): الإجماع عليه.
لصحيحة محمّد : « فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكلّ طعام مسكين يوما » (7).
المؤيّدة بصحيحة الحذّاء ومرسلة ابن بكير (8)، القاصرتين عن إفادة الوجوب.
خلافا للعماني والصدوق ، فثمانية عشر يوما مطلقا (9)، لموثّقة أبي
1) الخلاف 2 : 422.
2) الكافي 4 : 386 - 5 ، التهذيب 5 : 342 - 1185 ، الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 2.
3) التهذيب 5 : 342 - 1184 ، الوسائل 13 : 11 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 10.
4) الكافي 4 : 385 - 2 ، التهذيب 5 : 481 - 1711 ، الوسائل 13 : 9 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 4.
5) كصاحب الرياض 2 : 449.
6) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 575 ، التبيان 4 : 27 ، كنز العرفان 1 : 325.
7) التهذيب 5 : 342 - 1184 ، الوسائل 13 : 11 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 10.
8) الكافي 4 : 386 - 3 ، الوسائل 13 : 10 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 5.
9) حكاه عن العماني في المختلف : 272 ، الصدوق في المقنع : 78 ، والفقيه 2 : 232.
بصير (1)وروايته ، وصحيحة ابن عمّار ، ورواية الرقّي.
وأجيب : بترجيح الاولى ، للاعتضاد بالشهرة والإجماع المنقول ، وموافقتها لأصل الاشتغال (2).
وكون حمل الثانية على صورة العجز على الاولى تقييدا ، وهو خير من حمل الثانية على الاستحباب ، الذي هو التجوّز.
والأول : مردود بعدم صلاحيّته للترجيح.
والثاني : بأنّ أصل الاشتغال إنّما يرجع إليه إذا لم يكن هناك قدر مشترك ، وإلاّ فيرجع إلى أصل البراءة ، والقدر المشترك هنا حاصل ، والتقييد إنّما يقدّم مع وجود دليل عليه وإلاّ فلا وجه له.
وإذن فالأقرب هو : الثاني ، وإن كان الأحوط هو الأول.
وعلى الاحتياط ، فمع العجز عن صيام الستّين يصوم ثمانية عشر يوما ، ووجهه قد ظهر.
ولا تتابع في هذين الصومين.
للأصل.
المسألة الثانية : في قتل كلّ واحد من العصفور والقبّرة (3)- وهي التي يقال لها بالفارسية : چلو - والصعوة (4)- يقال لها بالفارسية : برف چين ، ذكرهما في شرح المفاتيح - مدّ من طعام ، وفاقا للأكثر كما قيل (5).6.
لمرسلة صفوان (1).
خلافا للمحكيّ عن الصدوقين ، فأوجبا في غير النعامة من الطيور شاة (2).
لصحيحة ابن سنان في محرم ذبح طيرا : « إنّ عليه دم شاة يهريقه ، فإن كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن » (3).
وجوابه : أنّها أعمّ مطلقا ممّا مرّ ، فيجب تخصيصها به.
وللإسكافي ، فأوجب القيمة (4).
لمرسلة حريز ، عن سليمان بن خالد : عمّا في القمري (5)والدبسي (6)والسماني (7)والعصفور والبلبل ، قال : « قيمته ، فإن أصابه وهو محرم في الحرم فقيمتان ، ليس عليه فيه دم » (8).ر.
1) الكافي 4 : 390 - 8 ، التهذيب 5 : 466 - 1629 ، الوسائل 13 : 20 أبواب كفّارات الصيد ب 7 ح 1.
2) الصدوق في المقنع : 78 ، حكاه عن والده في المختلف : 273.
3) التهذيب 5 : 346 - 1201 ، الاستبصار 2 : 201 - 682 ، الوسائل 13 : 23 أبواب كفّارات الصوم ب 9 ح 6.
4) القمري : وهو طائر مشهور حسن الصوت أصغر من الحمام منسوب إلى طير قمر ، ويقال هو الحمام الأزرق ، وللذكر ساق حمر - مجمع البحرين 3 : 463 - 464.
5) الدبسي : طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب ، لأنّهم يغيرون في النسب ، والأدبس من الطير والخيل : الذي في لونه غبرة بين السواد والحمرة - حياة الحيوان 1 : 466.
6) لسماني : اسم لطائر يلبد بالأرض ، ولا يكاد يطير إلاّ أن يطار ، ويسمى قتيل الرعد ، من أجل أنه إذا سمع الرعد مات - حياة الحيوان 1 : 563.
7) حكاه عن الإسكافي في المختلف : 273.
8) الكافي 4: 390 - 7 ، التهذيب 5: 371 - 1293 ، الوسائل 90:13 أبواب كفارات الصيد ب44 ح7 ، بتفاوت يسير.
وجوابه : أنّها شاذّة يجب الطرح ، مع أنّها أيضا أعمّ مطلقا ممّا مرّ.
المسألة الثالثة : في قتل القطاة - ويقال لها بالفارسية : صفرو - حمل فطم ورعى في المرعى ، بلا خلاف فيه.
لصحيحة سليمان بن خالد (1)، ورواية مفضّل بن صالح (2).
ولا تعارضها صحيحة أخرى لسليمان : « من أصاب قطاة أو حجلة أو درّاجة أو نظيرهنّ فعليه دم » (3).
لأنّ الدم مطلق ، فيجب حمله على الحمل ، لما مرّ ، ولذا قالوا بالحمل في الحجل - وهو نوع من القبج - والدرّاجة أيضا ، بل نفي الخلاف فيهما أيضا ، فإن ثبت الإجماع ، وإلاّ فحكمها حكم مطلق الطير.
المسألة الرابعة : في غير ما ذكر من الطيور دم شاة ، وفاقا للصدوقين (4)، وجماعة من المتأخّرين ، منهم : صاحبا المدارك والذخيرة (5).
لصحيحة ابن سنان المذكورة.
والأخرى في حمام مكّة الطير الأهلي من غير حمام الحرم : « من ذبح طيرا منه وهو غير محرم فعليه أن يتصدّق بصدقة أفضل من ثمنه ، فإن كان محرما فشاة عن كلّ طير » (6).5.
1) التهذيب 5 : 344 - 1190 ، الوسائل 13 : 18 أبواب كفّارات الصيد ب 5 ح 1.
2) الكافي 4 : 389 - 3 ، الوسائل 13 : 19 أبواب كفّارات الصيد ب 5 ح 3.
3) الكافي 4 : 390 - 9 ، التهذيب 5 : 344 - 1191 ، الوسائل 13 : 18 أبواب كفّارات الصيد ب 5 ح 2.
4) المقنع : 78.
5) المدارك 8 : 347 ، الذخيرة : 609.
6) الكافي 4 : 235 - 15 ، الفقيه 2 : 169 - 742 ، الوسائل 13 : 23 أبواب كفّارات الصيد ب 9 ح 5.
وصحيحة سليمان بن خالد : رجل أغلق بابه على طائر فمات ، فقال : « إن كان أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة ، وإن كان أغلق الباب قبل أن يحرم فعليه ثمنه » (1).
وفي بعض الأخبار عن مولانا الجواد عليه السلام : « إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ وكان الصيد من ذوات الطير وكان الطير من كبارها فعليه شاة ، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا ، وإذا قتل فرخا [ في الحلّ ] فعليه حمل فطم من اللبن ، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة ، وإن كان نعامة فعليه بدنة ، وإن كان ظبيا فعليه شاة ، وإن كان قتل من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة » (2).
وصحيحة زرارة : « إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة إلى أن يبلغ الظبي فعليه دم يهريقه ويتصدّق بمثل ثمنه » (3).
ومثل الثمن لكونه في الحرم لا لأجل الإحرام.
وقد ورد التصريح بالشاة للحمامة - التي هي إمّا : كلّ طير مطوّق بطوق أخضر أو أحمر أو أسود محيط بعنقه ، أو : ما يعبّ الماء ، أي يشربه كرعا ، بأن يضع منقاره فيه ويشرب وهو واضع فيه كالغنم ، لا بأن يأخذ الماء بمنقاره قطرة قطرة ويبلعها بعد إخراجه كالدجاجة والعصفور - في
1) الفقيه 2 : 167 - 727 ، التهذيب 5 : 350 - 1215 ، الوسائل 13 : 41 أبواب كفّارات الصيد ب 16 ح 2 ، بتفاوت.
2) الاحتجاج : 444 ، الإرشاد 2 : 283 ، تحف العقول : 336 ، تفسير القمي 1 : 183 ، روضة الواعظين : 239 ، كشف الغمّة 2 : 355 ، الوسائل 13 : 14 أبواب كفّارات الصيد ب 3 ح 1 وما بين المعقوفين من المصادر.
3) الفقيه 2 : 167 - 726 ، الوسائل 13 : 29 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 4.
روايات متكثّرة جدّا (1)، وتطابقت عليه الفتاوى أيضا.
المسألة الخامسة : من قتل جرادا في الإحرام فعليه الفداء كفّ من طعام أو تمرة ، مخيّرا بينهما ، وفاقا للمحكيّ عن التهذيب والمبسوط والتحرير والتذكرة والمنتهى والشهيدين (2)، وغيرهما من المتأخرين (3).
جمعا بين ما يتضمّن الأول خاصّة - كصحيحتي محمّد (4)
الثانية في : الكافي 4 : 393 - 3 ، الوسائل 13 : 78 أبواب كفّارات الصيد ب 37 ح 6.
- وما يتضمّن الثاني كذلك ، كصحيحتي ابن عمّار (5)وزرارة (6).والمخالف بين من أثبت الأول خاصّة (7)والثاني كذلك (8)، وكلّ منهما جماعة من القدماء ، وفي بعض الروايات إثبات الدم لإصابة الجرادة وأكلها معا (9)، وحكي العمل به عن جماعة (10)، ولا بأس به.
ولو كان الجراد كثيرا فقتلها جملة فعليه دم شاة ، بلا خلاف - إلاّ عن
1) كما في الوسائل 13 : 28 أبواب كفّارات الصيد ب 11.
2) التهذيب 5 : 363 ، المبسوط 1 : 348 ، التحرير 1 : 116 ، التذكرة 1 : 347 ، المنتهى 2 : 826 ، الدروس 1 : 357 ، الروضة 2 : 346.
3) كما في المدارك 8 : 348 ، المفاتيح 1 : 323.
4) الاولى في : التهذيب 5 : 364 - 1267 ، الاستبصار 2 : 208 - 708 ، الوسائل 13 : 77 أبواب كفّارات الصيد ب 37 ح 3.
5) التهذيب 5 : 363 - 1264 ، الوسائل 13 : 76 أبواب كفّارات الصيد ب 37 ح 1.
6) التهذيب 5 : 363 - 1265 ، الاستبصار 2 : 207 - 706 ، الوسائل 13 : 77 أبواب كفّارات الصيد ب 37 ح 2.
7) كالمفيد في المقنعة : 438.
8) كالشيخ في الخلاف 2 : 414.
9) كما في الوسائل 13 : 76 أبواب كفّارات الصيد ب 37.
10) حكاه عنهم صاحب الرياض 1 : 454.
شاذّ قال فيه بمدّ من تمر (1)- بل بالإجماع كما في الخلاف (2).
لصحيحتي محمّد المشار إليهما.
ومقتضى إحداهما : ثبوت الدم في الأكثر من الواحدة مطلقا وإن كان اثنتين ، إلاّ أنّه يعارضها مفهوم الأخرى ، حيث قال : « فإن كان كثيرا فعليه دم شاة » ، فإنّ الاثنتين ليستا كثيرا عرفا.
ولذا اقتصر الأصحاب على ذكر الكثير ، وصرّح بعضهم : بأنّ المرجع فيه إلى العرف ، وفيما لم يبلغ الكثير العرفي في كلّ جراد تمرة (3).
وهو حسن من جهة نفي الدم ، حيث إنّ بعد تعارضها يرجع إلى أصالة نفي الدم.
وأمّا إثبات التمرتين ففيه نظر ، إذ لم يثبت من الصحيحتين المتقدّمتين إلاّ أنّ في الجرادة الواحدة تمرة أو كفّا من طعام ، وأمّا ما بين الواحدة والكثيرة فلم يظهر له حكم من الأخبار.
هذا ، مع أنّ في كتابي الحديث ذكر في الصحيح الأول هكذا : من قتل جرادا كثيرا ، قال : « كفّ من طعام ، وإن كان أكثر من ذلك فعليه دم شاة ».
ولا شك أنّ أكثر من الكثير لا يصدق على الاثنتين ، فلا يبقى معارض للمفهوم المذكور مطلقا ، بل يعارض منطوقا فيهما من جهة إثبات الدم للكثير في إحداهما والكفّ من طعام له في الأخرى وإثبات الدم للأكثر من
الكثير.
ومقتضى الاستدلال : اختصاص الدم بكثير فوق الكثير ، لأخصّيته ، ولكن كأنّه لا قائل بالتفصيل في الكثير ، والاحتياط في أقلّ مراتب الكثرة بالجمع بين واحد من التمرة أو الكفّ وبين الدم ، وفيما بينه وبين الواحدة بأحد الأولين ، بل بالجميع أيضا.
هذا كلّه ، مع إمكان التحرّز عن الجرادة.
ولو كان على الطريق بحيث لا يتمكّن من التحرّز عنه إلاّ بمشقّة كثيرة لا تتحمّل عادة ، فلا إثم ولا كفّارة في قتله ، بغير خلاف ظاهر.
للصحاح الثلاث : لزرارة (1)، وابن عمّار (2)، وحريز (3)، وموثّقة أبي بصير (4)، الصريحة كلّها في ذلك.
المسألة السادسة : المشهور بين الأصحاب - بل ادّعى عليه الإجماع جماعة (5)- أنّ في كسر بيض النعامة - إذا كان فيه فرخ يتحرّك فتلف - لكلّ بيضة بكرة من الإبل.
وإن لم يعلم تحرّك الفرخ فيه فعليه إرسال فحل الإبل في عدد ما كسره من البيضة من الإناث ، فما حصل من النتاج هدي لبيت اللّه.
للجمع بين ما دلّ على أنّ فيه البكرة مطلقا - كصحيحة سليمان بن
1) الكافي 4 : 393 - 7 ، الوسائل 13 : 79 أبواب كفّارات الصيد ب 38 ح 3.
2) التهذيب 5 : 364 - 1269 ، الاستبصار 2 : 208 - 709 ، الوسائل 13 : 79 أبواب كفّارات الصيد ب 38 ح 2.
3) التهذيب 5 : 364 - 1268 ، الاستبصار 2 : 208 - 710 ، الوسائل 13 : 78 أبواب كفّارات الصيد ب 38 ح 1.
4) الكافي 4 : 394 - 8 ، الوسائل 12 : 429 أبواب تروك الإحرام ب 7 ح 3.
5) كما في الخلاف 2 : 416 ، المدارك 8 : 332.
خالد (1)- وما دلّ على أنّ فيه الإرسال كذلك ، كصحيحته الأخرى (2)، وصحيحة الحلبي (3)، وصحيحتي الكناني (4)
الثانية في : الكافي 4 : 389 - 2 ، الوسائل 13 : 54 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 6.
، ورواية عليّ بن أبي حمزة (5)، ومرسلة التهذيب (6).لشهادة صحيحة عليّ : عن رجل كسر بيض النعام ، وفي البيض فراخ قد تحرّك ، فقال : « عليه لكلّ فرخ تحرّك بعير ينحره في المنحر » (7).
وذهب جماعة من القدماء - منهم : الإسكافي والصدوق في بعض كتبه والمفيد والسيّد والديلمي (8)- إلى أنّ فيه الإرسال مطلقا ، لأكثريّة أخباره.
وعن الصدوقين : الإرسال إذا تحرّك ، وبدونه فلكلّ بيضة شاة (9)،
1) الكافي 4 : 389 - 5 ، التهذيب 5 : 355 - 1233 ، الاستبصار 2 : 202 - 687 ، الوسائل 13 : 55 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 4.
2) الكافي 4 : 389 - 4 ، الوسائل 13 : 58 أبواب كفّارات الصيد ب 25 ح 5.
3) التهذيب 5 : 354 - 1230 ، الاستبصار 2 : 202 - 685 ، الوسائل 13 : 52 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 1.
4) الاولى في : التهذيب 5 : 355 - 1232 ، الاستبصار 2 : 202 - 686 ، الوسائل 13 : 52 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 2.
5) الكافي 4 : 387 - 11 ، التهذيب 5 : 354 - 1229 ، الاستبصار 2 : 201 - 684 ، الوسائل 13 : 53 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 5.
6) التهذيب 5 : 354 - 1231 ، الوسائل 13 : 53 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 4.
7) التهذيب 5 : 355 - 1234 ، الاستبصار 2 : 203 - 688 ، قرب الإسناد : 236 - 925 ، الوسائل 13 : 54 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 1.
8) نقله عن الإسكافي في المختلف : 275 ، الصدوق في المقنع : 78 ، المفيد في المقنعة : 436 ، السيّد في الانتصار : 100 ، الديلمي في المراسم : 120.
9) الصدوق في الفقيه 2 : 234 ، حكاه عن والده في المختلف : 275.
للجمع بين إطلاقات الإرسال وبين ما دلّ على أنّ في بيضة النعامة شاة ، كصحيحة الحذّاء (1)، ورواية أبي بصير (2).
بشهادة رواية محمّد بن الفضيل المتضمّنة لقوله عليه السلام : « إذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كلّ بيضة شاة ، وإذا وطئ بيض النعام ففدغها وهو محرم وفيها أفراخ تتحرّك فعليه أن يرسل » الحديث (3)، ونحوها الرضوي (4).
وعن المقنع : أنّه أوجب الشاة في إصابة البيضة ، والإرسال في الوطء والفدغ (5).
ويظهر من بعض المحدّثين من متأخّري المتأخّرين الجمع بالفرق بين الإصابة باليد والكسر والأكل ففيها البعير ، وبين الوطء فالكسر فالإرسال (6).
وهو قريب لما في المقنع من التفصيل وإن افترقا في الشاة والبعير.
واستشهد لذلك بصحيحة أبان بن تغلب : في قوم حجّاج محرمين أصابوا أفراخ نعام فأكلوا جميعا ، قال : « عليهم مكان كلّ فرخ أكلوه
1) الكافي 4 : 388 - 12 ، التهذيب 5 : 466 - 1628 ، الوسائل 13 : 56 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 5.
2) التهذيب 5 : 356 - 1236 ، الوسائل 13 : 53 أبواب كفّارات الصيد ب 23 ح 3.
3) الفقيه 2 : 233 - 1117 ، والفدغ : شدخ الشيء المجوّف - مجمع البحرين 5 : 14.
4) فقه الرضا عليه السلام : 227 ، مستدرك الوسائل 9 : 272 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 3.
5) المقنع : 78.
6) انظر الوافي 13 : 761.
بدنة يشتركون فيها جميعا ، فيشترونها على عدد الفراخ وعلى عدد الرجال » (1).
أقول : وإن أمكن ردّ بعض هذه الأقوال بالشذوذ ، ولكن الترجيح بين القولين الأولين مشكل يحتاج إلى تأمّل لا يقتضيه المقام ، لعدم الاهتمام بشأن المسألة.
ثمَّ إنّه لو عجز عمّا ذكر ، فعن كلّ بيضة شاة ، فإن لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين ، لكلّ مسكين مدّ ، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيّام ، على المشهور بين الأصحاب المدّعى عليه الاتّفاق (2).
وتدلّ على هذه الأحكام بذلك التفصيل رواية عليّ بن أبي حمزة وبعض الصحاح (3).
وفيه قول آخر (4)متروك للشذوذ.
المسألة السابعة : في إصابة بيض القطاة في الإحرام بكرة من الغنم في صحيحة سليمان بن خالد (5)، وفيها مخاض من الغنم - وهي التي من شأنها أن تكون حاملا - وفي روايته (6).
1) الفقيه 2 : 236 - 1123 ، التهذيب 5 : 353 - 1227 ، الوسائل 13 : 45 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 4 ، بتفاوت.
2) انظر المدارك 8 : 335.
3) الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2.
4) قال به المفيد في كتاب الكفّارات من المقنعة : 572 ، إلاّ أنّه وافق المشهور في كتاب الحجّ : 436.
5) التهذيب 5 : 356 - 1239 ، الاستبصار 2 : 203 - 692 ، الوسائل 13 : 55 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 3.
6) الكافي 4 : 389 - 5 ، التهذيب 5 : 355 - 1233 ، الاستبصار 2 : 202 - 687 ، الوسائل 13 : 55 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 4.
وفي وطئها وشدخها إرسال فحولة من الغنم على عدد البيض من الإناث على ما مرّ في بيض النعامة ، وفي روايته المشار إليها ، وروايته الأخرى (1)، ورواية محمّد بن الفضيل (2).
وفي صحيحة أخرى لسليمان : « في بيض القطاة كفّارة مثل ما في بيض النعام » (3).
والظاهر أنّ المراد : المماثلة في الكيفيّة دون جنس الكفّارة ، والحمل على المماثلة في ثبوت أصل الكفّارة بعيد عن ظاهر العبارة.
وللأصحاب فيها أقوال كثيرة لا ينطبق واحد منها على تلك الأخبار ، وحيث لا يثبت في المسألة إجماع بسيط ولا مركب فالأولى قطع النظر عن الأقوال ، والقول بالإرسال مع الوطء ، والتخيير بين البكرة والمخاض من الغنم في غيره من وجوه الإصابة ، كما ذكره بعض المتأخّرين من العصابة في الفرق بين الوطء والإصابة (4).
بل لنا التخصيص بالبكرة في غير صورة الوطء ، لخصوصيّة روايتها ببيض القطاة وعموم رواية المخاض ، وإن كان صدرها مخصوصا بالقطاة.
ويمكن تخصيص ما ذكرنا بالبيض التي لم يتحرّك فيها الفرخ.
وأمّا ما تحرّك فيه ففيه حمل.
لرواية أبي بصير : عن رجل قتل فرخا وهو محرم في غير الحرم ، فقال : « عليه حمل ، وليس عليه قيمته ، لأنّه ليس في الحرم » (1).
والفرخ يصدق على البيض التي فيها الفرخ ، كما تدلّ عليه صحيحة عليّ المتقدّمة في بيض النعام (2).
قالوا : ولو عجز عن الإرسال فعن كلّ بيضة شاة ، ومع العجز يطعم عشرة مساكين ، ومع العجز يصوم ثلاثة أيّام (3)، ولعلّه للمماثلة المذكورة في صحيحة سليمان ، ولا بأس به.
وألحق جماعة بيض القبج ببيض القطاة (4).
قيل : ولا مستند له (5).
وألحقه بعضهم ببيض الحمام (6)، لأنّ القبج نوع من الحمام.
وهو حسن إن ثبتت النوعيّة.
المسألة الثامنة : حكم في وطء بيض الحمامة على المحرم بدرهم في صحيحة حريز (7)، وكذا في صحيحته الأخرى في مطلق البيضة (8).7.
1) الكافي 4 : 390 - 6 ، الوسائل 13 : 23 أبواب كفّارات الصيد ب 9 ح 4.
2) راجع ص : 169.
3) انظر المقنعة : 572 ، السرائر 1 : 565.
4) كما في الشرائع 1 : 285 ، المنتهى 2 : 824 ، وجامع المقاصد 3 : 308.
5) الحدائق 15 : 214.
6) كما في المسالك 1 : 135 ، المدارك 8 : 335.
7) الكافي 4 : 389 - 1 ، التهذيب 5 : 345 - 1197 ، الاستبصار 2 : 200 - 678 ، الوسائل 13 : 22 أبواب كفّارات الصيد ب 9 ح 1.
8) التهذيب 5 : 346 - 1202 ، الاستبصار 2 : 201 - 683 ، الوسائل 13 : 23 أبواب كفّارات الصيد ب 9 ح 7.
وفي رواية محمّد بن الفضيل بربع درهم في مطلق البيضة (1).
وفي رواية يونس بن يعقوب بنصف درهم ، قال فيها - بعد السؤال عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم وفراخ وبيض - : « وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم فإنّ عليه لكلّ طير شاة ، ولكلّ فرخ حملا ، وإن لم يكن تحرّك فدرهم ، وللبيض نصف درهم » (2).
وفي صحيحة عليّ : في كسر بيض الحمام وفي البيض فراخ قد تحرّك ، [ فقال : « عليه أن يتصدّق عن كل فرخ قد تحرّك ] ، بشاة ، وإن كانت الفراخ لم تتحرّك [ تصدّق ] بقيمته ورقا يشتري به علفا يطرحه لحمام الحرم » (3).
وفي رواية الحارث بن المغيرة بدم لأكل المحرم بيض حمام الحرم (4).
ومقتضى الاستدلال بالأخبار بعد رفع اليد عن رواية ربع الدرهم ، لاحتمال وروده في حقّ الجاني المحلّ في الحرم كما يظهر من الحديث ، أو عمومه له فيخصّ به ، وبعد تحكيم المقيّد منه على المطلق فتحمل رواية الدم على البيض الذي فيه فرخ يتحرّك ، وإرادة الحمل من الدم وكذا من الشاة : أن يجعل البيض ثلاثة أنواع :
1) الفقيه 2 : 233 - 1117.
2) التهذيب 5 : 350 - 1216 ، الوسائل 13 : 42 أبواب كفّارات الصيد ب 16 ح 3.
3) التهذيب 5 : 358 - 1244 ، الاستبصار 2 : 205 - 697 ، قرب الإسناد : 236 - 924 ، الوسائل 13 : 59 أبواب كفّارات الصيد ب 26 ح 1 ، وما بين المعقوفين من المصادر.
4) الكافي 4 : 395 - 2 ، الوسائل 13 : 89 أبواب كفّارات الصيد ب 44 ح 4.
ما فيه فرخ يتحرّك ففيه حمل.
وما فيه فرخ لم يتحرّك ففيه درهم.
وما ليس فيه فرخ ففيه نصف درهم.
ولكن لم نعثر من الأصحاب على من حكم بالثالث ، بل قسّموا البيض بالقسمين الأوليين وحكموا فيهما بالحكمين ، وهو الأحوط.
المسألة التاسعة : في فرخ الحمام حمل أو جدي مخيّرا بينهما.
لصحيحة ابن سنان (1).
المسألة العاشرة : عن المفيد والسيّد : أنّ في قتل زنبور تمرة ، وفي قتل زنابير كثيرة مدّ من طعام أو من تمرّ (2).
وعن الإسكافي : أنّ فيه كفّا من طعام أو تمر (3).
وعن جماعة - منهم : الحلّي في السرائر (4)- : أنّ مع العمد فيه كفّا من طعام ، ولا شيء مع الخطأ.
وفيه أقوال أخر.
والمستند : أخبار لا يثبت شيء منها الوجوب ، لخلوّها عن الدالّ عليه ، بل غاية ما يثبت منها استحباب شيء من الطعام ، فعليه الفتوى.
المسألة الحادية عشرة : في غير ما ذكر من الطيور شاة ، ومن الإفراخ حمل أو جدي ، ومن البيض درهم ، كما يأتي بيانه.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في بقرة الوحش بقرة أهلية بالإجماع والصحاح (1)، وفي حماره عند الأكثر ، بل عن الغنية الإجماع عليه (2).
لصحيحة حريز (3)، وموثّقة أبي بصير (4)، ورواية الكناني (5).
وبدنة عند صاحب المقنع (6).
لصحيحتي يعقوب بن شعيب (7)وسليمان بن خالد (8)، ورواية أبي بصير (9).
وأحدهما مخيّرا عند الإسكافي (10)وجماعة من المتأخّرين (11).
جمعا بين الأخبار.
1) انظر الوسائل 13 : 5 أبواب كفّارات الصيد ب 1.
2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 575.
3) التهذيب 5 : 341 - 1181 ، الوسائل 13 : 5 أبواب كفّارات الصيد ب 1 ح 1.
4) التهذيب 5 : 342 - 1186 ، الوسائل 13 : 12 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 12.
5) التهذيب 5 : 341 - 1180 ، الوسائل 13 : 6 أبواب كفّارات الصيد ب 1 ح 3.
6) المقنع : 77.
7) الكافي 4 : 386 - 4 ، الوسائل 13 : 6 أبواب كفّارات الصيد ب 1 ح 4.
8) التهذيب 5 : 341 - 1182 ، الوسائل 13 : 5 أبواب كفّارات الصيد ب 1 ح 2.
9) الكافي 4 : 385 - 1 ، الوسائل 13 : 9 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 3.
10) حكاه عنه في المختلف : 272.
11) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة 6 : 366 ، صاحب المدارك 8 : 326.
وهو الأظهر ، لأنّه المرجع المنصوص عند التعارض وعدم الترجيح.
ولعلّ نظر الأولين إلى الترجيح بموافقة الكتاب ، حيث إنّ البقرة أقرب إلى الحمار من البدنة.
وفيه : أنّ مثل تلك الأقربيّة لا تفهم من المماثلة.
فإن لم يجد الفداء ، قالوا : فضّ قيمة البقرة على مطلق الطعام (1)، لإطلاق الأخبار (2)، أو على البرّ خاصّة ، لأنّ الطعام هو لغة (3).
والأول أقرب ، والثاني أحوط.
ويطعمها ثلاثين مسكينا ، بلا خلاف.
لصحيحة ابن عمّار (4)، وموثّقة أبي بصير وروايته.
لكل مسكين مدّين عند الأكثر.
لصحيحة الحذّاء : « إذا أصاب المحرم صيدا ولم يجد ما يكفّر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه من النعم دراهم ، ثمَّ قوّمت الدراهم طعاما ، لكلّ مسكين نصف صاع ، فإن لم يقدر على الطعام صام لكلّ نصف صاع يوما » (5).
ومدّ عند آخرين (6)، قيل : كما في الصحيح ونسب المدّين إلى الصحيحين (7).
1) كما في المبسوط 1 : 340 ، المسالك 1 : 134.
2) الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2.
3) انظر الشرائع 1 : 285 ، المدارك 8 : 326.
4) التهذيب 5 : 343 - 1187 ، الوسائل 13 : 13 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 13.
5) الكافي 4 : 387 - 10 ، التهذيب 5 : 341 - 1183 ، الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 1 ، بتفاوت يسير.
6) منهم صاحب المدارك 8 : 327.
7) انظر الرياض 1 : 449.
ولم أجد الصحيح في المدّ ، ولا غير صحيحة عامّة في المدّين ، ولعلّ نظره إلى أخبار البدنة وتقسيم الأمداد على الستّين.
ولا دليل على الاتّحاد ، والقياس باطل ، إلاّ أن يتمسّك بالإجماع المركّب ، وهو حسن ، إلاّ أنّه ليس استنادا إلى الصحيح والصحيحين.
نعم ، يمكن استفادة المدّ من ضمّ مرسلة ابن بكير : في قول اللّه تعالى ( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) ، قال : « بثمن قيمة الهدي طعاما ، ثمَّ يصوم لكلّ مدّ يوما » (1).
وصحيحة محمّد : عن قول اللّه تعالى ( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) ، قال : « عدل الهدي ما بلغ يتصدّق به ، فإن لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكلّ طعام مسكين يوما » (2). ولا بأس به.
فإن عجز فتسعة أيّام.
ثمَّ لا يخفى أنّ تقويم البقرة والتوزيع على ثلاثين مسكينا في حمار الوحش إنّما هو على المشهور.
وأمّا على المختار ، فالحكم التخيير بين ما ذكر وبين تقويم البدنة والتوزيع كما مرّ في النعامة ، لأنّه الحكم في بدل البدنة ، كما صرّح به في الأخبار الخاصّة والعامّة (3).
ثمَّ على التقديرين : إن كانت القيمة أقلّ من الستّين أو الثلاثين اقتصر على القيمة ، ولو زادت لم تجب عليه الزيادة ، كما مرّ في النعامة ، بلا
خلاف فيه يوجد.
وقيل : وفي الأخبار عليه الدلالة (1).
ولا يخفى أنّها واردة في البدنة ، فالأحسن التمسّك بالإجماع المركّب.
ولو لم يجد القيمة صام تسعة أيّام على الأظهر ، وعن كلّ مسكين يوما ، فإن عجز فتسعة أيّام على الأحوط الأشهر ، ووجه الاستدلال في النعامة ظهر.
المسألة الثانية : في قتل الظبي شاة.
بالكتاب والسنّة والإجماع.
فإن لم يجد الشاة فضّ ثمنها على الطعام على الأظهر ، أو خصوص البرّ على الأحوط ، ويطعم عشرة مساكين إجماعا نصّا وفتوى ، لكلّ مسكين مدّان على الأشهر ، ومدّ عند جماعة (2).
ولعلّه للإجماع المركّب.
ويمكن استفادة المدّ من ضمّ المرسلة والصحيحة كما مرّ.
ولو قصرت قيمتها عن الإتمام اقتصر عليها ، ولو زادت لم يجب عليه الزائد ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيّام على الأظهر وعشرة أيام ، فإن عجز فثلاثة على الأحوط الأشهر.
المسألة الثالثة : في قتل الثعلب والأرنب شاة ، بلا خلاف ، بل عن بعضهم : الإجماع عليه (3).0.
لرواية أبي بصير فيهما (1)، وصحيحتي البزنطي (2)وابن مسكان (3)في الأرنب.
ولو لم يجدها فهما كالظبي في البدل ، على الأظهر الأشهر الأحوط.
لصحاح الحذّاء ومحمّد وابن عمّار ومرسلة ابن بكير.
وعن القديمين والصدوقين والمحقّق : أنّه لا بدل لهما ، بل يستغفر اللّه تعالى ، للأصل (4).
وجوابه ظاهر.
المسألة الرابعة : في قتل الضبّ والقنفذ واليربوع جدي على الأظهر الأشهر ، بل حكي عن عامّة من تأخّر (5).
لحسنة مسمع : « اليربوع والقنفذ والظبّ إذا أصابه المحرم فعليه جدي ، والجدي خير منه ، وإنّما جعل عليه هذا كي ينكل عن صيد غيره » (6).
1) الكافي 4 : 386 - 7 ، الفقيه 2 : 233 - 1116 ، التهذيب 5 : 343 - 1188 ، الوسائل 13 : 17 أبواب كفّارات الصيد ب 4 ح 4.
2) الفقيه 2 : 233 - 1114 ، الوسائل 13 : 17 أبواب كفّارات الصيد ب 4 ح 1.
3) الفقيه 2 : 233 - 1115 ، الوسائل 13 : 17 أبواب كفّارات الصيد ب 4 ح 2.
4) حكاه عن القديمين ووالد الصدوق في المختلف : 273 ، الصدوق في الفقيه 2 : 233 ، المحقق في الشرائع 1 : 285.
5) كما في الرياض 1 : 454.
6) الكافي 4 : 387 - 9 ، وفي التهذيب 5 : 344 - 1192 ، والوسائل 13 : 19 أبواب كفّارات الصيد ب 6 ح 1 : « لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد ».
7) كما في الكافي في الفقه : 206 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576.
8) كما في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576.
ووجهه غير واضح.
وألحق الشيخان والسيّد والحلّي وابن حمزة والمحقّق الثاني (1)وغيرهم (2)بالثلاثة أشباهها ، ولعلّهم - كما قيل (3)- نظروا إلى التعليل في الحسن بقوله : « وإنّما جعل عليه » ، ولا يخلو عن قوّة.
المسألة الخامسة : قال جماعة - منهم : الصدوق في الفقيه والمقنع والشيخ والفاضل في المختلف والشهيد في الدروس (4)، وجمع آخر (5)- : إنّ في قتل العظاية - بالعين المهملة والظاء المعجمة ، وهي من كبار الوزغ - كفّا من طعام.
لصحيحة ابن عمّار : محرم قتل عظاية ، قال : « كفّ من طعام » (6).
خلافا لكثير من الأصحاب ، فلم يوجبوا له شيئا.
وهو الأظهر ، لقصور الصحيحة عن إفادة الوجوب.
نعم ، نقلها في بعض الكتب هكذا : « عليه كفّ من طعام » (7)، ولكن لم تثبت هذه الزيادة.
1) المفيد في المقنعة : 435 ، الطوسي في النهاية : 223 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 71 ، ابن حمزة في الوسيلة : 168 ، المحقق الثاني في جامع المقاصد 3 : 312.
2) منهم الحلّي في السرائر 1 : 558 ، ابن سعيد في الجامع : 190 صاحب الرياض 1 : 454.
3) الرياض 1 : 454.
4) الفقيه 2 : 235 ، المقنع : 79 ، الشيخ في التهذيب 5 : 344 ، المختلف : 274 ، الدروس 1 : 358.
5) منهم العلامة في المنتهى 2 : 827 الأردبيلي في مجمع الفائدة 6 : 383 ، صاحب الرياض 1 : 454.
6) التهذيب 5 : 345 - 1194 ، الوسائل 13 : 20 أبواب كفّارات الصيد ب 7 ح 3.
7) كما في الرياض 1 : 454.
المسألة السادسة : أثبت جماعة في القمّلة يلقيها من جسده كفّا من طعام (1).
لحسنتي ابن أبي العلاء (2)
الثانية في : التهذيب 5 : 336 - 1160 ، الاستبصار 2 : 196 - 661 ، الوسائل 13 : 168 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 3.
، المتقدّمتين في بحث إلقاء هوام الجسد.المؤيّدتين بصحيحتي حمّاد (3)ومحمّد (4)، المتقدّمتين فيه أيضا.
ورواية الحلبي : حككت رأسي وأنا محرم فوقع منه قمّلات ، فأردت ردّهنّ فنهاني ، وقال : « تصدّق بكفّ من طعام » (5).
ونفاه جمع آخر ، وقالوا باستحبابه (6).
لرواية أبي الجارود النافية للفداء في قتلها (7)، وصحيحة ابن عمّار النافية للشيء فيه (8)، والأخرى النافية للشيء عن سقوطها عن الرأس
1) منهم المفيد في المقنعة : 435 ، القاضي في المهذّب 1 : 226 ، المحقّق في النافع : 103 ، العلامة في القواعد 1 : 95 ، الإرشاد 1 : 319.
2) الأولى في : الكافي 4 : 362 - 3 ، الوسائل 12 : 539 أبواب تروك الإحرام ب 78 ح 3.
3) التهذيب 5 : 336 - 1158 ، الاستبصار 2 : 196 - 659 ، الوسائل 13 : 168 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 1.
4) التهذيب 5 : 336 - 1159 ، الاستبصار 2 : 196 - 660 ، الوسائل 13 : 168 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 2.
5) التهذيب 5 : 337 - 1163 ، الوسائل 13 : 169 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 4.
6) كما في المسالك 1 : 137.
7) الكافي 4 : 362 - 1 ، الفقيه 2 : 230 - 1090 ، الوسائل 13 : 170 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 8.
8) الكافي 4 : 362 - 2 ، التهذيب 5 : 337 - 1166 ، الاستبصار 2 : 197 - 664 ، الوسائل 13 : 169 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 6.
بحكّة (1)، ورواية مرّة (2)، وغيرها (3)، المجوّزة لإلقائها ، المتقدّمة جميعا في البحث المذكور.
ورواية أخرى لأبي الجارود : حككت [ رأسي وأنا محرم ] فوقعت قمّلة ، قال : « لا بأس » ، قلت : أيّ شيء تجعل فيها؟ قال : « وما أجعل عليك في قمّلة؟! ليس عليك فيها شيء » (4).
وهو الأقوى ، لذلك.
ولا يتوهّم أعمّية الأخبار الأخيرة باعتبار نفيها الشيء الشامل للعقاب أيضا ، فيجب التخصيص ، لأنّ روايتي أبي الجارود مصرّحتان بنفي الفداء وجوبا ، فهما قرينتان على تجوّز الحسنتين.
وحمل الأخبار الأخيرة على التقيّة - بمحض حكاية نفي الكفّارة فيه عن طائفة من العامّة (5)- غير جيّد ، بعد ذهاب جمع آخر من مشاهيرهم إلى خلافه.
نعم ، الأحوط الفداء.
المسألة السابعة : ذهب جماعة - منهم : عليّ بن بابويه وابن حمزة - إلى ثبوت وجوب الفداء بكبش في قتل الأسد (6).
1) الفقيه 2 : 229 - 1086 ، التهذيب 5 : 337 - 1165 ، الاستبصار 2 : 197 - 663 ، الوسائل 13 : 169 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 5.
2) التهذيب 5 : 337 - 1164 ، الاستبصار 2 : 197 - 662 ، الوسائل 12 : 540 أبواب تروك الإحرام ب 78 ح 6.
3) الوسائل 13 : 168 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15.
4) الكافي 4 : 365 - 12 ، الوسائل 13 : 169 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 7 ، وما بين المعقوفين من المصدر.
5) كما في الحدائق 15 : 250 وحكاه عن العامّة في المنتهى 2 : 817 والتذكرة 1 : 355.
6) نقله عن علي بن بابويه في المختلف : 271 ، الوسيلة : 164.
وقيّده بعضهم بما إذا لم يرده (1).
واستندوا إلى رواية [ أبي ] (2)سعيد المكاري (3).
ونفى جماعة الكفّارة فيه بخصوصه.
للأصل.
وضعف الرواية (4).
أقول : وهو الأقوى ، لأنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية ذبح الكبش للحرم لا للإحرام.
المسألة الثامنة : ما لا تقدير لفديته من الحيوانات ففيه قيمته السوقيّة الثابتة بإخبار عدلين عارفين ، بلا خلاف فيه يعلم ، أو مطلقا كما في المدارك والذخيرة (5)، وغيرهما (6).
قالوا : لتحقّق الضمان ، لعمومات الجزاء والفداء في الصيد ، فمع عدم التقدير يرجع إلى القيمة.
ولصحيحة حريز (7): « في الظبي شاة ، وفي البقرة بقرة ، وفي الحمامة بدنة ، وفي النعامة بدنة ، وفيما سوى ذلك قيمته ».
1) انظر الوسيلة : 164 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576.
2) أضفناه لاستقامة السند.
3) الكافي 4 : 237 - 26 ، التهذيب 5 : 366 - 1275 ، الاستبصار 2 : 208 - 712 ، الوسائل 13 : 79 أبواب كفّارات الصيد ب 39 ح 1.
4) منهم العلامة في المنتهى 2 : 801 ، الشهيد الثاني في المسالك 1 : 133 ، صاحب المدارك 8 : 315 ، 316.
5) المدارك 8 : 350 ، الذخيرة : 609.
6) كالمفاتيح 1 : 324 ، الحدائق 15 : 254.
7) كذا ، والصحيح : ولصحيحة سليمان بن خالد .. انظر التهذيب 5 : 341 - 1182 ، الوسائل 13 : 5 أبواب كفّارات الصيد ب 1 ح 2.
أقول : لا شكّ في تخصيص قوله : « ما سوى ذلك » أي من الحيوانات الممنوع تعرّضها للمحرم بحكم التبادر وقرينة المقام ، ولا بدّ أيضا من التخصيص بما له قيمة بقرينة قوله : « قيمته » ، فلا يثبت في كثير من الحشرات كالخنفساء والذباب ، وأمّا ما لا قيمة له ممّا يحرم تعرّضه ففيه الإثم والاستغفار.
ثمَّ إنّ ظاهرهم أنّ ما سوى ما ذكر من الطيور والإفراخ والبيوض داخل فيما لا تقدير له.
والحق : أنّ جميع هذه الثلاثة ممّا وقع له التقدير : أمّا الطيور ، فقد مرّ الكلام فيه ، وأنّ في كل طير دم شاة.
وأمّا الإفراخ ، ففي كلّ فرخ حمل أو جدي مخيّرا بينهما.
لصحيحة ابن سنان المتقدّمة في المسألة الثانية من المقام الأول (1).
ورواية أبي بصير : عن رجل قتل فرخا وهو محرم في غير الحرم ، فقال : « عليه حمل وليس عليه قيمته ، لأنّه ليس في الحرم » (2).
وأمّا البيوض ، فلصحيحة حريز : « وإن وطئ المحرم بيضة وكسرها فعليه درهم ، كلّ هذا يتصدّق به بمكّة ومنى » (3).
فالحقّ : عدم الرجوع فيها إلى القيمة ، لكونها مقدّرة ، بل لعموم العلّة المذكورة في رواية أبي بصير النافية للقيمة ، بل مقتضاه نفي القيمة في جميع المواضع ، وأنّ الرجوع إلى القيمة حكم الصيد الحرمي دون
الإحرامي ، إلاّ أنّه لأعمّيته بالنسبة إلى صحيحة حريز المتقدّمة يخصّص بها ، كما أنّ الصحيحة لأعمّيتها من أخبار الطير والفرخ والبيض يجب تخصيصها بها. وعدم الاطّلاع على من قال بمثل ما قلنا في مطلق البيض لا يدلّ على العدم ، ولو سلّم عدم الذكر فلا يثبت منه الإجماع ، واللّه أعلم.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اللازم في الفداء المنصوص عليه - كالبدنة والبقرة والشاة والحمل - صدق الاسم وتحقّق المماثلة النوعيّة عرفا ، ولا يشترط أزيد من ذلك ، للأصل.
فيجوز فداء الصيد المعيب بمعيب آخر مثله - كالأعور بالأعور - بل بمعيب آخر لا يماثله في العيب - كالأعور بالأعرج - بل الصحيح بالمعيب ، كالأعرج.
لصدق المماثلة الثابت اعتبارها والاسم.
والأفضل إفداء الصحيح - بل المعيب - بالصحيح.
وكذا يجوز إفداء الذكر بالأنثى وبالعكس فيما لا مقدّر خاصّا له ، لما ذكر ، والتماثل أحوط.
المسألة الثانية : لو أصاب صيدا حاملا ، فألقت جنينا ، ثمَّ ماتا ، فدى الامّ بمقدّرها ، والصغير بمثله من الصغار ، بلا خلاف فيه بين العلماء كما في المدارك (1).
لإطلاق الأمر بالفداء بالمقدّر ، وبالمماثل المتناول للصغير والكبير.
ولو عاشا لم تكن عليه فدية ، للأصل.
1) المدارك 8 : 353.
ولو عاب أحدهما ضمن الأرش.
ولو مات أحدهما فداه دون الآخر ، والوجه ظاهر.
ولو ألقت جنينا لا حياة له ومضت فهي معيبة فيه الأرش ، كما يأتي.
ولو شكّ في حياة الجنين لم يكن له فداء أيضا ، لتعلّق الحكم بالحيّ بعد الولادة.
المسألة الثالثة : أصابه المحرم للصيد - بل لمطلق الحيوان الممنوع عنه في الإحرام - تارة يكون بمباشرة قتله ، واخرى بإمساكه وأخذه ، وثالثة بإيجاد سبب مؤد إلى هلاكه ، ويقال له : التسبيب ، كإغلاق باب عليه من غير مباشرة غيره في إتلافه ، وإلاّ فلا يكون إصابة منه ، بل هو إشارة ودلالة ، ويأتي حكمها.
فثبوت الفداء المتقدّم بمباشرة القتل واضح ، وجميع الأدلّة المتقدّمة دالّة عليه.
وأمّا الإمساك وإيجاد السبب ، فإن أدّيا إلى الهلاك والتلف فلا شكّ في ثبوت الفداء أيضا ، لصدق إصابة الصيد والحيوان عليه.
وتدلّ عليه صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة في المسألة الرابعة من المقام الأول (1)، ورواية يونس بن يعقوب المتقدّمة في المسألة الثامنة منه (2).
وإن لم يؤدّيا إلى الهلاك - بل خلّى سبيله - فالظاهر أنّه لا فداء فيه ، بل فيه الإثم فقط.
ويدلّ عليه مفهوم الشرط في صحيحة ابن أبي عمير : « المحرم إذا قتل
الصيد فعليه جزاؤه » الحديث (1).
وفي صحيحة منصور : « المحرم لا يدلّ على الصيد ، فإن دلّ عليه فقتل فعليه الفداء » (2).
وترتّب الفداء في الأخبار على القتل والذبح والإصابة التي لم يعلم صدقها على غير ذلك.
ويدلّ عليه أيضا مفهوم العلّة المنصوصة في رواية أبي بصير : في محرم رمى ظبيا فأصابه في يده - إلى أن قال : - « وإن كان ذهب على وجهه فلم يدر ما صنع فعليه الفداء ، لأنّه لا يدري ، لعلّه هلك » (3).
وما ورد في نفي الضمان على من رمى الصيد ولم يؤثّر فيه (4).
وتؤيّده أيضا أخبار كثيرة واردة في أخذ الطائر في الحرم ، فأمر بتخلية سبيله من غير أمر بالكفّارة (5)، وفيها مطلقات أيضا تشمل المحرّمة (6)، بل منها ما هو ظاهر فيه.
وقد حكى في المدارك عن الشيخ وجمع من الأصحاب الضمان بإغلاق الباب على الطائر (7)، وهو ظاهر النافع (8)، وحكي عن الفاضل في
1) التهذيب 5 : 377 - 1317 ، الاستبصار 2 : 214 - 735 ، الوسائل 12 : 432 أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 6.
2) الكافي 4 : 381 - 2 ، التهذيب 5 : 467 - 1634 ، الاستبصار 2 : 187 - 629 ، الوسائل 12 : 416 أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 3.
3) الكافي 4 : 386 - 6 ، الوسائل 13 : 62 أبواب كفّارات الصيد ب 27 ح 4.
4) الوسائل 13 : 61 أبواب كفّارات الصيد ب 27.
5) انظر الوسائل 13 : 30 أبواب كفّارات الصيد ب 12.
6) كذا في النسخ ، ولعلّه تصحيف عن المحرم.
7) المدارك 8 : 367.
8) النافع : 104.
التلخيص (1).
واحتجّوا له برواية يونس بن يعقوب المتقدّمة ، وصحيحة ابن سنان (2)على بعض نسخها الذي ليس فيه قوله : « فمات ».
وبرواية أخرى واردة في إغلاق الباب على حمام الحرم من غير تقييد بالمحرم (3).
وردّ بعضهم الصحيحة باختلاف النسخ ، بل في الأكثر قوله : « فمات » ، والروايتين بالضعف.
وحملها (4)بعضهم على الجهل بصورة الحال ، فتغلق الباب ولا يدري بعده حال الطائر (5).
وهو حمل بلا شاهد.
ويمكن أن يكون المراد : الإغلاق حتى يهلك ، كما هو الظاهر ، ويمكن حمل الفتاوى المطلقة عليه أيضا ، ولذا قيّد في السرائر الإغلاق بالتأدية إلى الهلاك (6).
ولو عمل بهما في موردهما خاصّة - وهو إغلاق الباب على حمام الحرم ، كما هو ظاهر القائلين به ، حيث عنونوا المسألة هكذا - لم يكن
1) حكاه عنه في كشف اللثام 1 : 400.
2) كذا ، والصحيح : وصحيحة سليمان بن خالد .. انظر التهذيب 5 : 350 - 1215 ، الوسائل 13 : 41 أبواب كفّارات الصيد ب 16 ح 2.
3) وهي رواية زياد الواسطي الواردة في الكافي 4 : 234 - 13 ، التهذيب 5 : 350 - 1217 ، الوسائل 13 : 42 أبواب كفّارات الصيد ب 16 ح 4.
4) في « ق » و « ح » : وحملهما ..
5) انظر المدارك 8 : 368.
6) السرائر 1 : 560.
بعيدا ، بل مقتضى الاستدلال ذلك ، فعليه الفتوى ، فيفدي بما في رواية يونس المذكورة ، وإن كان الأحوط الفداء بمطلق الإمساك والحبس ، لإمكان إدخاله في الإصابة ، ولكنّ الظاهر أنّه لا قائل به.
والبيض أيضا كالحيوان فيما ذكر.
المسألة الرابعة : كما تثبت الكفّارة بقتل الصيد مباشرة أو تسبيبا كذلك تثبت لأكله وإن صادرة غيره ، أو صاده هو حال الحلال ، بلا خلاف فيه ، فحكي عن جماعة من القدماء والمتأخّرين : أنّ فيه الفداء مثل أصل الصيد (1)، وذهب جمع آخر - والظاهر أنّهم الأكثر - إلى ضمان القيمة (2).
دليل الأولين : الأخبار المتكثّرة من الصحاح والموثّقات المتقدّمة كثير منها في مسألة اضطرار المحرم إلى الصيد أو الميتة : أنّه يأكله ويفديه (3).
وصحيحة الحذّاء : عن رجل اشترى لرجل محرم بيض نعامة فأكله المحرم ، قال : « على الذي اشتراه فداء ، وعلى المحرم فداء » ، قلت : وما عليهما؟ قال : « على المحلّ جزاء قيمة البيض ، لكلّ بيضة درهم ، وعلى المحرم الجزاء لكلّ بيضة شاة » (4).
وصحيحة زرارة المصرّحة بأنّ : « من أكل طعاما لا ينبغي أكله وهو محرم متعمّدا فعليه شاة » (5).ر.
1) انظر الرياض 1 : 455.
2) كما في الخلاف 2 : 405 ، الشرائع 1 : 288 ، القواعد : 96 ، الحدائق 15 : 261.
3) انظر الوسائل 13 : 84 أبواب كفّارات الصيد ب 43.
4) الكافي 4 : 388 - 12 ، التهذيب 5 : 355 - 1235 ، الوسائل 13 : 105 أبواب كفّارات الصيد ب 57 ح 1.
5) التهذيب 5 : 369 - 1287 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 1 ، بتفاوت يسير.
وصحيحة عليّ : عن قوم اشتروا ظبيا ، فأكلوا منه جميعا وهم حرم ، فقال : « على كلّ منهم فداء صيد ، على كلّ إنسان منهم على حدة فداء صيد كامل » (1).
ورواية يوسف الطاطري : صيدا يأكله قوم محرمون ، قال : « عليهم شاة ، وليس على الذي ذبحه إلاّ شاة » (2).
وصحيحة أبان بن تغلب : في قوم حجّاج محرمين أصابوا فراخ نعام وأكلوا جميعا ، فقال : « مكان كلّ فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها ، ويشترونها على عدد الفراخ وعدد الرجال » (3).
حجّة الآخرين : الأصل.
وصحيحة ابن عمّار : « إن اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو أكلوا منه فعلى كلّ واحد منهم قيمته » (4).
وموثّقته في آخرها : « وأيّ قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فإنّ على كلّ إنسان منهم قيمته ، وإن اجتمعوا عليه في صيد فعليهم مثل ذلك » (5).
وأجاب بعض من اختار الأول (6)عن الأصل بوجوب رفع اليد عنه
1) التهذيب 5 : 351 - 1221 ، قرب الإسناد : 243 - 964 ، الوسائل 13 : 44 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 2.
2) الكافي 4 : 391 - 3 ، الفقيه 2 : 235 - 1123 ، التهذيب 5 : 352 - 1225 ، الوسائل 13 : 47 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 8.
3) الفقيه 2 : 236 - 1123 ، التهذيب 5 : 353 - 1227 ، الوسائل 13 : 45 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 4 ، بتفاوت.
4) الكافي 4 : 391 - 2 ، التهذيب 5 : 351 - 1219 ، الوسائل 13 : 44 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 1.
5) التهذيب 5 : 370 - 1288 ، الوسائل 13 : 45 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 3.
6) كصاحب الرياض 1 : 455.
بما مرّ ، مع أنّه قد يكون الأصل مع الأول بأن تزيد القيمة على الشاة.
وضعف دلالة الثاني ، لاحتمال أن يكون المراد من القيمة فيه الفداء ، بل هو كذلك البتّة ، لأنّ المراد من القيمة بالإضافة إلى القتل : الفداء ، فكذا بالإضافة إلى الأكل.
ومنه يعلم حال الثالث أيضا ، فيراد من القيمة فيه الفداء ، بقرينة قوله : « مثل ذلك » ، فإنّ الظاهر أنّه إشارة إلى ما في الأكل دون الصيد.
أقول : ما ذكره في ردّ الثالث وإن كان محلاّ للمناقشة - لاحتمال كون ذلك إشارة إلى الصيد ، والمراد المماثلة المأمور بها في الآية الكريمة (1)، فلا يكون قرينة على إرادة الفداء من القيمة - ولكنّه صحيح في الثاني ، فإنّ عطف الأكل على الصيد يفيد أنّ المراد بالقيمة ليس هو مقصودهم وحده ، لعدم إمكانه بالنسبة إلى الاجتماع على الصيد.
وعلى هذا ، فإمّا أن يكون المراد بها الفداء في الصيد والقيمة في الأكل ، لا باستعمال اللفظ في المعنيين ، بل بالاشتراك المعنوي ، حيث إنّ المراد بالقيمة : ما يقابل الشيء ويقاومه عادة أو شرعا.
أو الفداء فيهما ، فيحصل فيه الإجمال المانع عن الاستدلال.
ومنه يعلم خدش آخر في الثالث ، وهو عدم صراحة القيمة في المعنى المقصود ، فلعلّه الفداء أو شيء آخر قرّره الشارع جزاء ، وقد استعملت القيمة في الفداء في الموثّقة المذكورة آخرها ، ففي أولها - بعد كلام في الصيد - : « فإن أصبته وأنت حلال في الحرم فعليك قيمة واحدة ، وإن أنت أصبته وأنت حرام في الحلّ فعليك القيمة ، وإن أصبته وأنت حرام
1) المائدة : 95.
في الحرم فعليك الفداء مضاعفا » (1).
ومنه يظهر ضعف الاستدلال بهما على ما أرادوه ، سيّما بعد المقابلة مع ما أورده الأولون من إثبات الفداء ، وما سنذكره أيضا.
ولكن لا يصلحان أيضا دليلا للقول الأول - كما ذكره بعضهم - إذ غايته الإجمال في المراد ، بل ولو سلّم أنّه الفداء أيضا لا يفيد ، لأنّ الفداء : ما يعوّض عن الشيء سواء كان من جنسه أو غير جنسه ، ولا يختصّ الفداء بأمر معيّن من مماثل أو حيوان.
ولذا استعمل في الموثّقة المذكورة كلّ من القيمة والفداء في مقام الآخر ، وأطلق الفداء في مقام القيمة المصطلحة في مواضع غير عديدة ، منها : رواية عقبة بن خالد (2)، الواردة في محلّ قتل صيدا يؤمّ الحرم.
وأطلق فيما يقابل الشيء مطلقا ، كما ورد في صحيحة ابن عمّار (3): الفداء فيما يقابل وطء البعير الدباء ، أي صغار الجراد.
وفي صحيحة أبي الجارود : قتل قمّلة فما فداؤها (4)؟
وقال اللّه سبحانه ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (5).
وأظهر من الجميع صحيحة الحذّاء المتقدّمة ، فإنّ فيها التصريح أولا
1) التهذيب 5 : 370 - 1288 ، الوسائل 13 : 70 أبواب كفّارات الصيد ب 31 ح 5.
2) الكافي 4 : 397 - 8 ، التهذيب 5 : 360 - 1251 ، الوسائل 13 : 66 أبواب كفّارات الصيد ب 30 ح 1.
3) الكافي 4 : 393 - 5 ، الوسائل 13 : 78 أبواب كفّارات الصيد ب 37 ح 8.
4) الكافي 4 : 362 - 1 ، الفقيه 2 : 230 - 1090 ، الوسائل 13 : 170 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 15 ح 8.
5) البقرة : 196.
بالفداء ، ثمَّ فسّره بالقيمة.
وبالجملة : صدق الفداء على القيمة - بل يساويها في الصدق عليها وعلى الجزاء الذي هو مقصودهم - ممّا لا ينبغي الريب فيه ، فلا تصلح الروايتان دليلا لمقصود الأولين أيضا ، بل منه يظهر الخدش في جميع ما استدلّوا به له أيضا.
مضافا إلى ما في أخبار فدية المضطرّ (1)إلى احتمال كونه من جهة نفس الصيد ، حيث إنّها لا تختصّ بما صاده غير من أكله.
وما في البواقي من الأمر بالشاة في بيض النعامة ، كما في صحيحة الحذّاء ، أو في أكل مطلق ما لا ينبغي أكله ، كما في صحيحة زرارة ، أو في أكل مطلق الصيد ، كما في رواية يوسف.
وهذا ليس الفداء المطلوب لهم في الأكثر ، بل يدلّ على أنّ الفداء شاة.
وتدلّ عليه أيضا موثّقة أبي بصير : عن قوم محرمين اشتروا صيدا فاشتركوا فيه ، فقالت رفيقة لهم : اجعلوا فيه لي بدرهم ، فجعلوا لها ، فقال : « على كلّ إنسان منهم شاة » (2).
ومرفوعة محمّد بن يحيى : في رجل أكل لحم صيد لا يدري ما هو وهو محرم ، قال : « عليه دم شاة » (3).
وعلى هذا ، فيمكن حمل أخبار الفداء والقيمة على ذلك ، بإرادة
القيمة أو الفداء الذي عيّنه الشارع من باب تخصيص العامّ بالخاصّ.
وبنفي البعد عنه صرّح في الذخيرة ، قال : ولا يبعد أن يقال : الأكل يقتضي ثبوت شاة وينضمّ إلى فدية القتل إن اجتمع الأكل معه.
ثمَّ نقل الأخبار الدالّة عليه فقال : هذا مقتضى النظر ، لكن لم أجد ما ذكرته في كلام أحد من الأصحاب (1). انتهى.
أقول : قد أطلق جماعة من الأصحاب - منهم : الحلّي في السرائر والمحقّق في الشرائع والفاضل في الإرشاد (2)، وغيرهم (3)- بثبوت الشاة في أكل ما لا ينبغي أكله ، فلعلّهم أرادوا ذلك ، بل هو ظاهر فيه.
وتقييد بعض الشارحين (4)للأخيرين بقولهم : ممّا لا تقدير (5)فيه - بناء على اختيارهم الفداء أو القيمة في أكل الصيد - لا يوجب كلامهم أيضا.
نعم ، ذكر الأول - بعد ما ذكر مسائل كثيرة - : ومتى اشتروا لحم صيد وأكلوه كان أيضا على كلّ منهم الفداء (6).
وقال الثاني - قبل ما ذكر بمسائل كثيرة - : قتل الصيد موجب لفديته ، فإن أكله لزمه فداء آخر ، وقيل : يفدي ما قتل ويضمن ما أكل ، وهو الوجه (7).8.
ونحوه الثالث ، إلاّ أنّه قال : وضمن قيمة ما أكل (1).
ويمكن أن يكون هذا الحكم مختصّا عندهم بالشراء والأكل ، أو القتل والأكل ، للنصّ المخصوص فيهما بزعمهم.
وأن يكون مراد الأول من الفداء هو ، الشاة التي ذكرها أولا ، فإنّه ذكر في هذا الباب الفداء ، وأراد به القيمة والجزاء كثيرا ، وتخصيص هذه المسألة بالذكر ثانيا لبيان تعلق الفداء بكلّ واحد من المشتركين.
ومراد الثاني من الضمان : ضمان ما في الأكل الذي سيذكره بعده ، وتخصيصه بالذكر أولا لدفع احتمال تداخل الأكل والقتل في الفداء.
وكذا الثالث وإن كان بعيدا فيه.
وبالجملة : لو لم نقل بظهور كلماتهم فيما قلنا ، فلا أقلّ من الاحتمال المانع عن دعوى الإجماع على خلافه.
وعلى هذا ، فالأقوى وجوب دم شاة في أكل لحم الصيد مطلقا ، فإن أكل مع القتل تكون فيه الكفّارة المقرّرة للقتل والشاة للأكل ، إذ الظاهر عدم التداخل ، كما لعلّه يأتي بيانه.
المسألة الخامسة : لو رمى صيدا فلم يصبه ، أو شكّ في الإصابة وعدمه ، أو أصابه ولم يؤثّر فيه ، أو شكّ في التأثير وعدمه ، فلا شيء عليه ، بالإجماع في الأول ، وبلا خلاف إلاّ من القاضي - كما قيل - في الثاني (2)، وبلا خلاف مطلقا كما قيل (3)، بل بالإجماع المحكي عن جماعة في6.
الثالث (1)، وعلى الأقوى وفاقا لظاهر المدارك في الرابع (2)، وظاهر النافع والتحرير التوقّف فيه (3).
كلّ ذلك للأصل الخالي عمّا يصلح للمعارضة ، مضافا في الثالث إلى رواية أبي بصير (4).
نعم ، ادّعي عن ظاهر بعضهم في الرابع الإجماع على لزوم الفداء (5).
ولا فائدة فيه ، لعدم حجّية الإجماع المنقول.
ويستثنى من الأول والثالث : ما لو رمى اثنان وأخطأ أحدهما ، فإنّ على كلّ واحد منهما الفداء ، وفاقا للأكثر (6).
لصحيحة ضريس (7)، ورواية إدريس بن عبد اللّه (8).
خلافا للحلّي ، فنفاه عن المخطئ (9).
وهو حسن على أصله من عدم العمل بالآحاد.
ولا يتعدّى الحكم إلى الأكثر من اثنين ، سواء تعدّد المصيب أو المخطئ ، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النصّ.
ولو رماه وجرحه فغاب وجهل حاله ، فعليه الفداء كاملا ، بلا خلاف
1) الرياض 1 : 456.
2) المدارك 8 : 357.
3) المختصر النافع : 103 ، التحرير 1 : 117.
4) الكافي 4 : 386 - 6 ، الوسائل 13 : 62 أبواب كفّارات الصيد ب 27 ح 4.
5) انظر الرياض 1 : 456 ، وكشف اللثام 1 : 398.
6) كما في النافع : 104 ، الشرائع 1 : 290 المسالك 1 : 141 ، المدارك 8 : 356 ، 369.
7) التهذيب 5 : 352 - 1223 ، الوسائل 13 : 49 أبواب كفّارات الصيد ب 20 ح 1.
8) التهذيب 5 : 351 - 1222 ، الوسائل 13 : 49 أبواب كفّارات الصيد ب 20 ح 2.
9) السرائر 1 : 561.
فيه ، بل عليه الإجماع عن المنتهى والانتصار وشرح الجمل للقاضي (1)وغيرها (2).
للمستفيضة الدالة عليه (3).
المسألة السادسة : لو اشترك جماعة محرمين في قتل صيد لزم كلّ واحد منهم فداء كامل ، إجماعا محقّقا ، ومنقولا مستفيضا (4).
له ، وللنصوص المستفيضة المتقدّمة بعضها (5).
ومنها صحيحة البجلي : عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان ، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما الجزاء؟ فقال : « لا ، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد » الحديث (6).
المسألة السابعة : من أحرم ومعه صيد مملوك له قبل الإحرام زال ملكه عنه عند جماعة (7)، بل الأكثر ، بل عن جماعة : الإجماع عليه (8).
لوجوه قاصرة جدّا عن دفع الأصل والاستصحاب الخاليين عن المعارض ، سوى رواية أبي سعيد المكاري (9)، وهي على زوال الملك غير
1) المنتهى 2 : 828 ، الانتصار : 104 ، شرح الجمل : 239.
2) كالحدائق 15 : 273.
3) كما في الوسائل 13 : 61 أبواب كفّارات الصيد ب 27.
4) كما في المدارك 8 : 359 ، المفاتيح 1 : 326 ، الرياض 1 : 457.
5) انظر الوسائل 13 : 44 أبواب كفّارات الصيد ب 18.
6) الكافي 4 : 391 - 1 ، التهذيب 5 : 466 - 1631 ، الوسائل 13 : 46 أبواب كفّارات الصيد ب 18 ح 6.
7) منهم المحقق في الشرائع 1 : 289 ، العلامة في الإرشاد 1 : 320 ، الشهيد في الدروس 1 : 352.
8) حكاه في الرياض 1 : 457.
9) التهذيب 5 : 362 - 1257 ، الوسائل 13 : 74 أبواب كفّارات الصيد ب 34 ح 3.
دالّة ، بل آمرة بإخراجه عنه ، وهو لا يدلّ على الزوال ، مع أنّ الأمر فيه أيضا ليس دالاّ على الوجوب ، لوروده بالجملة الخبريّة.
فإذن فعدم الزوال - كما حكي عن الإسكافي والشيخ (1)، وقوّاه جماعة من المتأخّرين (2)- أقوى.
نعم ، يجب عليه إرساله إذا دخل الحرم.
لرواية أبي سعيد ، وغيرها (3).
ولو لم يرسله حينئذ حتى مات فعليه الفداء إجماعا.
لحسنة بكير بن أعين (4).
ولو كان له صيدا ولم يكن معه - بل كان نائيا عنه - لم يزل ملكه عنه ، بلا خلاف ، كما صرّح به جماعة (5).
وتدلّ عليه صحيحتا جميل (6)ومحمّد (7).
وكما لا يزول ملكه عنه مطلقا قطعا (8)، فهل يجوز له إدخاله في ملكه ابتداء ببيع أو هبة أو إرث أو وقف أو غيرها ، أم لا؟
ولو أدخله فهل ينتقل إليه ، أم لا؟
1) الشيخ في التهذيب 5 : 362 ، حكاه عن الإسكافي في المدارك 8 : 363.
2) كصاحبي المدارك 8 : 363 ، والحدائق 15 : 171.
3) الوسائل 13 : 73 أبواب كفّارات الصيد ب 34.
4) الكافي 4 : 234 - 11 ، التهذيب 5 : 362 - 1259 ، الوسائل 13 : 75 أبواب كفّارات الصيد ب 36 ح 3.
5) منهم صاحب المدارك 8 : 364 ، الذخيرة : 612 ، الرياض 1 : 458.
6) الكافي 4 : 382 - 9 ، التهذيب 5 : 362 - 1260 ، الوسائل 13 : 73 أبواب كفّارات الصيد ب 34 ح 1.
7) الفقيه 2 : 167 - 731 ، الوسائل 13 : 74 أبواب كفّارات الصيد ب 34 ح 4.
8) ليست في « ق » و « س ».
قال جماعة - بل هم الأكثر كما قيل - بعدم الدخول في ملكه مطلقا (1).
وفرّق جماعة بين ما كان معه عند الإحرام فلا يملكه ، وما لم يكن معه فيملكه (2).
واحتجّوا بوجوه غير تامّة ، والأصل يقتضي الدخول ، إلاّ أنّه صرّح في صحيحة الحذّاء بأنّ من اشترى بيض نعامة لرجل محرم فعلى الذي اشتراه فداء (3).
وفي رواية أبي بصير بأنّ قوما محرمين اشتروا صيدا على كلّ إنسان منهم فداء (4).
فإن قلنا باستلزام وجوب الفداء للحرمة - إمّا مطلقا أو هنا خاصّة ، للإجماع المركّب - وباقتضاء النهي في المعاملات للفساد كما هو التحقيق ، يثبت الحكم بعدم الانتقال بالاشتراء ، ويتعدّى إلى غيره بالإجماع المركّب ، واللّه العالم.
المسألة الثامنة : كما يجب الفداء بالذبح على المحرم ، كذلك يجب بأن يمسك الصيد وذبحه غيره من محلّ أو محرم ، بلا خلاف فيه ، كما صرّح به جماعة (5)، بل بالإجماع ظاهرا ، فهو الحجّة فيه.
وقد يستدلّ له بفحوى ما مرّ من لزومه على الشريك في الرمي من
1) كالشيخ في المبسوط 1 : 347 ، الخلاف 2 : 413 ، العلاّمة في التحرير 1 : 117.
2) انظر الروضة 2 : 350 ، جامع المقاصد 3 : 334 ، الذخيرة : 613.
3) الكافي 4 : 388 - 12 ، التهذيب 5 : 466 - 1628 ، الوسائل 13 : 105 أبواب كفارات الصيد ب 57 ح 1.
4) الكافي 4 : 392 - 4 ، الوسائل 13 : 45 أبواب كفارات الصيد ب 18 ذيل الحديث 5.
5) منهم صاحب الرياض 1 : 458.
غير إصابة وعلى الدالّ ، فهنا أولى.
وفيه نظر.
المسألة التاسعة : قال جماعة : السائق يضمن ما تجنيه دابّته مطلقا ، وكذلك الراكب إذا كانت دابّته واقفة ، وإذا كانت سائرة يضمن ما تجنيه بيديها (1).
وألحق في المنتهى الرأس باليدين أيضا (2).
وكأنّ مستندهم في التفصيل ما ورد في حكم مطلق الجناية.
والأظهر الرجوع إلى صحيحة ابن عمّار في المحرم : « ما وطئت من الدباء أو وطئته بعيرك فعليك فداؤه » (3).
وفي الأخرى : « ما وطئ بعيرك وأنت محرم فعليك فداؤه » (4).
ورواية الكناني : « ما وطئته أو وطئه بعيرك أو دابّتك وأنت محرم فعليك فداؤه » (5).
وهذه الروايات مطلقة بالإضافة إلى اليد والرجل ، فعليه الفتوى ، وكذا الرأس ، لعدم قول بالفصل.
ولو انقلبت الدابّة على صيد أو جراد لم يكن ضمان ، كما ذكره في
1) منهم المحقق في الشرائع 1 : 290 ، الشهيد الثاني في المسالك 1 : 141 ، صاحب المدارك 8 : 372.
2) المنتهى 2 : 831.
3) الكافي 4 : 393 - 5 ، الوسائل 13 : 100 أبواب كفارات الصيد ب 53 ب 2.
4) الكافي 4 : 382 - 10 ، الفقيه 2 : 234 - 1118 ، الوسائل 13 : 100 أبواب كفارات الصيد ب 53 ح 1.
5) التهذيب 5 : 355 - 1232 ، الاستبصار 2 : 202 - 686 ، الوسائل 13 : 100 أبواب كفارات الصيد ب 53 ح 3.
المنتهى (1)، للأصل.
وهل يضمن مالك الدابّة إذا لم يركبها أو كانت سائبة للرعي أو الاستراحة؟
قيل : لا ، لانتفاء اليد ، وتبادر الراكب من الروايتين (2).
وقد يقال : نعم ، لظاهر إطلاق لفظ الروايات.
وهو الأظهر.
المسألة العاشرة : لو دلّ محرم على صيد في حلّ أو حرم محلاّ أو محرما فقد ضمنه إجماعا ، كما عن الخلاف والغنية (3).
لصحيحتي [ الحلبي ] (4)ومنصور (5)، المتقدّمتين في مسألة تحريم الصيد من تروك الإحرام ، واحتمال إرادة كون الفداء في الأول على المستحلّ دون الدالّ خلاف ما يفهم من متن الحديث.
ومقتضى الحديثين اختصاص الفداء بصورة القتل بالدلالة.
أمّا الحديث الأول فلقوله : « فيستحلّ من أجلك ».
وأمّا الثاني فظاهر.
مع أنّه لو لا اختصاص الأول للزم تخصيصه بمفهوم الشرط في الثاني.
والفداء مخصوص بما إذا أفادت الدلالة شيئا للمدلول.
1) المنتهى 2 : 831.
2) في المدارك 8 : 372.
3) الخلاف 2 : 405 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576.
4) في النسخ : ابن عمّار ، والصحيح ما أثبتناه. انظر الكافي 4 : 381 - 1 ، الوسائل 13 : 43 أبواب كفارات الصيد ب 17 ح 1.
5) الكافي 4 : 381 - 2 ، التهذيب 5 : 315 - 1086 ، الوسائل 12 : 416 أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 3.
وإن كان يراه فلا فداء على الدالّ ، لعدم صدق الدلالة والاستحلال لأجله حينئذ.
ومقتضى الصحيحة الأولى ضمان المحلّ أيضا إذا دلّ في الحرم ، ولكن إذا دلّ في الحلّ محرما فلا فداء على المحلّ ، للأصل.
المسألة الحادية عشرة : لو أغرى المحرم كلبه أو بازه بصيد فقتله ، ضمن.
لصدق الدلالة والاصطياد والإصابة الواردة في الروايات.
المسألة الثانية عشرة : لو وقع واحد ممّا مرّ - ممّا له الفداء أو بدله أو القيمة أو غيرها - من المحرم في الحرم يجتمع عليه ما يلزم المحرم في الحلّ والمحلّ في الحرم ، على الحقّ المشهور بين الأصحاب ، كما صرّح به جماعة (1)، بل نسب خلافه إلى النادر (2).
للمعتبرة المستفيضة ، كصحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة الرابعة من المقام الأول (3).
ورواية ابن الفضيل : عن رجل قتل حمامة من حمام الحرم وهو غير محرم ، قال : « عليه قيمتها ، وهو درهم يتصدّق به أو يشتري طعاما لحمام الحرم ، وإن قتلها وهو محرم في الحرم فعليه شاة وقيمة الحمامة » (4).
والأخرى : عن رجل قتل حمامة من حمام الحرم وهو محرم ، قال : « إن قتلها وهو محرم في الحرم فعليه شاة وقيمة الحمامة » إلى أن قال : « فإن قتله وهو محرم في الحرم فعليه حمل وقيمة الفرخ نصف درهم » الحديث (1).
وصحيحة الحلبي : « إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة وثمن الحمامة درهم أو شبهه ، يتصدّق به أو يطعمه حمام مكّة ، فإن قتلها في الحرم وليس بمحرم فعليه ثمنها » (2).
ورواية أبي بصير : عن محرم قتل حمامة من حمام الحرم خارجا من الحرم ، فقال : « عليه شاة » ، قلت : فإن قتلها في جوف الحرم؟ قال : « عليه شاة وقيمة الحمامة » ، قلت : فإن قتلها في الحرم وهو حلال؟ قال : « عليه ثمنها ، ليس عليه غيره » (3)
وأورد ذيلها في ص 28 ب 10 ح 9.
.والأخرى : في رجل قتل طيرا من طير الحرم وهو محرم في الحرم ، فقال : « عليه شاة وقيمة الحمام درهم يعلف به حمام الحرم » (4).
وصحيحة ابن عمّار : « إن أصبت الصيد وأنت محرم في الحرم فالفداء مضاعف عليك ، وإن أصبته وأنت حلال في الحرم فالفداء قيمة واحدة ، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فإنّما عليك فداء5.
1) الفقيه 2 : 233 - 1117 ، الوسائل 13 : 28 أبواب كفارات الصيد ب 11 ح 1 وفيه صدر الحديث.
2) الكافي 4 : 395 - 1 ، التهذيب 5 : 370 - 1289 ، الوسائل 13 : 29 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 3.
3) التهذيب 5 : 347 - 1203 ، الوسائل 13 : 29 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 2.
4) الفقيه 2 : 171 - 751 ، الوسائل 13 : 30 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 5.
واحد » (1).
وموثّقة ابن عمّار في حكم الصيد ، وفيها : « فإن أصبته وأنت حلال في الحرم فعليك قيمة واحدة ، وإن أصبته وأنت حرام في الحل فعليك القيمة ، وإن أصبته وأنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا » الحديث (2).
ومثل الأخيرين المرويّ عن مولانا الجواد عليه السلام المتقدّم في الرابعة من المقام الأول (3).
والمراد بالفداء في الأخيرين : ما يعمّ القيمة ، كما يظهر منهما وممّا مرّ في المسألة الرابعة.
ويظهر للمتتبّع في الأخبار وكلمات القدماء أنّ الفداء والجزاء أعمّ من المقدّرات الشرعيّة والقيمة ، وهو المطابق للّغة ، مضافا إلى ما مرّ من أخبار الحمامة ، فإنّها صريحة في أنّ المجتمع على المحرم في الحرم : الفداء والقيمة ، لا الفداء مضاعفا.
ومنه يظهر أنّه لا يلزم ارتكاب تجوّز في لفظ الفداء ، بل أراد المطلق ، وإن ثبت التعيين بأخبار الحمامة منضمّة إلى عدم القول بالمطلق في غير الحمامة والخصوص في الحمامة.
ومنه يظهر أيضا ضعف القول المحكيّ عن الإسكافي والسيّد في أحد قوليه - بتضاعف الفداء المصطلح مطلقا لأجل الأخبار الثلاثة (4)- لما ذكر ،
ولأنّ غاية الأخيرة الإطلاق في الفداء ، وهو لا يعيّن المصطلح.
وقد يتوهّم صراحة الأخيرة في تضاعف الفداء المصطلح.
وكأنّه استنبطه من قوله ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (1).
ويمكن أن يقال : بأنّ الهدي لعلّه لبعض منه لا للجميع ، أو المراد بالهدي : ما يعمّ غير الحيوان أيضا ، مع أنّ فيه صرّح بالفداء والقيمة للفرخ ، ولو سلّم فلضعف الرواية لا تصلح دليلا لحكم هذا.
مع أنّ السيّد والإسكافي أطلقا الفداء أيضا ، فيمكن أن يكون مرادهما ما يطابق المشهور ، بل هو الظاهر للمتتبّع في كلمات القدماء.
وقال الحلّي في السرائر : وإذا صاد المحرم في الحرم كان عليه جزاءان ، أو القيمة مضاعفة إن كانت له قيمة منصوصة (2). انتهى.
وظاهر هذه العبارة يطابق المحكيّ عن الإسكافي ، فعيّن عليه الجزاءان فيما له جزاء ، والقيمة المضاعفة فيما له قيمة منصوصة.
وحكي عن جماعة : التخيير (3).
وعن العماني : شاة في الحمامة (4).
ولو لا مخافة خرق الإجماع المركّب لقلنا في الحمامة بالفداء المصطلح والقيمة ، وفي غيرها بالتخيير ، واللّه العالم.
والتضاعف إنّما هو إذا لم يبلغ الفداء بدنة ، وإذا بلغها - كما في النعامة - يقتصر عليها عند جماعة (5)، بل المشهور كما عن
الثانية في : التهذيب 5 : 372 - 1294 ، الوسائل 13 : 92 أبواب كفّارات الصيد ب 46 ح 2.
.خلافا لجمع آخر (3)، بل ادّعي عليه الشهرة أيضا (4)، لإطلاق ما مرّ.
وفيه : أنّ المرسلتين خاصّتان ، فيجب التخصيص بهما ، والقول بضعفهما لا اعتبار له عندنا.
المسألة الثالثة عشرة : لا فرق في ضمان الفداء أو القيمة فيما له أحدهما بين العمد - بأن يعلم أنّه صيد ذاكر لإحرامه - والسهو - بأن يكون غافلا عن الإحرام أو كونه صيدا - والجهل بالحكم ، والعلم ، والخطأ - بأن قصد شيئا فأخطأ إلى الصيد - والاختيار ، والاضطرار ، إلاّ فيما مرّ من الجراد ممّا يشقّ التحرّز عنه.
بالإجماع المحقّق ، والمحكيّ مستفيضا في الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى (5)وغيرها (6).
له ، وللإطلاقات ، وخصوص المستفيضة :
كصحيحة ابن عمّار : « اعلم أنّه ليس عليك فداء شيء أتيته وأنت جاهل به وأنت محرم في حجّك ولا في عمرتك ، إلاّ الصيد ، فإنّ عليك فيه
1) المسالك 1 : 142.
2) الاولى في : الكافي 4 : 395 - 5 ، الوسائل 13 : 92 أبواب كفّارات الصيد ب 46 ح 1.
3) انظر السرائر 1 : 563 ، كشف اللثام 1 : 402 ، الذخيرة : 608.
4) كما في الرياض 1 : 460.
5) الخلاف 2 : 396 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 575 ، التذكرة 1 : 351 ، المنتهى 2 : 818.
6) كالمدارك 8 : 395 ، الرياض 1 : 460.
الفداء بجهالة كان أو بعمد » (1).
والبزنطي : عن المحرم يصيب الصيد بجهالة ، قال : « عليه كفّارة » ، قلت : فإن أصابه خطأ؟ قال : « وأيّ شيء الخطأ عندك؟ » قلت : يرمي هذه النخلة فتصيب نخلة أخرى ، قال : « نعم ، هذا الخطأ وعليه الكفّارة » ، قلت : فإنّه أخذ طائرا متعمّدا فذبحه وهو محرم ، قال : « عليه الكفّارة » ، قلت :
ألست قلت : إنّ الخطأ والجهل والعمد ليسوا بسواء ، فلأيّ شيء يفضل المتعمّد الجاهل والخاطئ؟ قال : « إنّه أثم ولعب بدينه » (2).
والأخرى : عن المحرم يصيب الصيد بجهالة أو خطأ أو عمد ، أهم فيه سواء؟ قال : « لا » ، قلت : جعلت فداك ، ما تقول في رجل أصاب صيدا بجهالة وهو محرم ، إلى قريب ممّا مرّ في السابقة (3).
وفي الصحيح عن مسمع : « إذا رمى المحرم صيدا فأصاب اثنين فإنّ عليه كفّارتين جزاؤهما » (4).
وحكي عن العماني : السقوط عن الناسي ، لحديث رفع القلم (5).
وقوله شاذّ ، واستدلاله ضعيف.
وكما يتساوى الجميع في أصل الكفّارة كذلك يتساوى في وحدتها وعدم تضاعفها ولو في العمد ، للأصل ، والإطلاق.
1) الكافي 4 : 382 - 10 ، الوسائل 13 : 70 أبواب كفّارات الصيد ب 31 ح 4 ، بتفاوت يسير.
2) الكافي 4 : 381 - 4 ، الوسائل 13 : 69 أبواب كفّارات الصيد ب 31 ح 2 ، بتفاوت يسير.
3) التهذيب 5 : 360 - 1253 ، الوسائل 13 : 69 أبواب كفّارات الصيد ب 31 ح 3.
4) الكافي 4 : 381 - 5 ، الوسائل 13 : 71 أبواب كفّارات الصيد ب 31 ح 6.
5) الخصال : 93 - 40 ، الوسائل 1 : 45 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.
خلافا للمحكيّ عن الناصريات والانتصار (1)، فقال بالتضاعف في العمد إمّا مع قصد نقض الإحرام كما عن الأول ، أو مطلقا كما عن الثاني.
للإجماع.
والاحتياط.
وأغلظيّة العمد.
والأول : ليس بحجّة.
والثاني : ليس بواجب.
والثالث : اجتهاد في مقابلة النصّ المصرّح بأنّ الفارق بين العمد وغيره ليس إلاّ الإثم.
المسألة الرابعة عشرة : إذا تكرّر الصيد من المحرم ، فإن كان من غير عمد ضمن الكفّارة بكلّ مرّة إجماعا.
لإطلاق صحيحة ابن عمّار : في المحرم يصيد الصيد ، قال : « عليه الكفّارة في كلّ ما أصاب » (2).
والأخرى : محرم أصاب صيدا ، قال : « عليه الكفّارة » ، قلت : فإن هو عاد؟ قال : « عليه كلّما عاد كفّارة » (3).
وخصوص مرسلة ابن أبي عمير : « إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه كفّارة ، فإن أصابه ثانيا خطأ فعليه الكفّارة أبدا إذا كان خطأ ، فإن أصابه متعمّدا كان عليه الكفّارة ، فإن أصابه ثانيا متعمّدا فهو ممّن ينتقم اللّه منه ولم
يكن عليه الكفّارة » (1).
وبالأخيرة يقيّد ما دلّ على نفي التكرّر مطلقا ، كصحيحة الحلبي : في محرم أصاب صيدا ، قال : « عليه الكفّارة » ، قلت : فإن أصاب آخر؟ قال : « إذا أصاب آخر ليس عليه كفّارة ، وهو ممّن قال اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ) » (2).
وابن أبي عمير : « المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ، ويتصدّق بالصيد على مسكين ، فإن عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاؤه ، وينتقم اللّه منه ، والنقمة في الآخرة » (3).
ورواية حفص : « إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له : هل أصبت صيدا قبل هذا وأنت محرم؟ فإن قال : نعم ، فقولوا له : إنّ اللّه ينتقم منك ، فاحذر النقمة ، فإن قال : لا ، فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد » (4).
مع أنّ الظاهر من هذه الأخبار النافية للتكرّر : المتعمّد ، بل صريحة فيه ، لقوله ( فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ).
ومنها يظهر عدم ضمان المتعمّد غير المرّة الواحدة ، وفاقا للشيخ في النهاية والتهذيبين والصدوق في الفقيه والمقنع والقاضي والنكت
1) التهذيب 5 : 372 - 1298 ، الاستبصار 2 : 211 - 721 ، الوسائل 13 : 94 أبواب كفّارات الصيد ب 48 ح 2.
2) الكافي 4 : 394 - 2 ، الوسائل 13 : 94 أبواب كفّارات الصيد ب 48 ح 4 ، والآية في : المائدة : 96.
3) التهذيب 5 : 467 - 1633 ، الاستبصار 2 : 211 - 720 ، الوسائل 13 : 93 أبواب كفّارات الصيد ب 48 ح 1. وفي الجميع : عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ..
4) التهذيب 5 : 467 - 1635 ، الوسائل 13 : 94 أبواب كفّارات الصيد ب 48 ح 3.
والمسالك (1)، بل وأكثر المتأخّرين (2)، بل عن الكنز : نسبته إلى أكثر الأصحاب (3)، وعن التبيان : أنّه ظاهر مذهب الأصحاب (4)، وعن المجمع : أنّه الظاهر في رواياتنا (5)، وفي الشرائع : أنّه الأشهر (6)، وفي النافع : أشهر الروايتين (7).
لهذه الأخبار ، وبها تقيّد الصحيحتين الأوليين ، لأخصّيتها.
مع أنّه لو سلّمت المساواة لزم الجمع بما ذكر بشهادة المرسلة التي هي في حكم المسانيد ، ولولاها أيضا لزم تقديم هذه الأخبار ، لأكثريّتها ، ولمخالفتها لأكثر العامّة ، بل موافقتها لظاهر الكتاب ، لأنّ اللّه سبحانه حكم بالجزاء أولا وبالانتقام لمن عاد ، ويفهم منه : أنّ الأول ليس بمن عاد ، بل هو البادئ ، ولكون التفصيل قاطعا للشركة يدلّ على انتفاء غير الانتقام فيمن عاد ، وللأصل.
فالقول بالتكرّر مطلقا - كما عن المبسوط والخلاف والإسكافي والحلّي والحلبي والسيّدين والفاضل في جملة من كتبه وكنز العرفان (8)
1) النهاية : 226 ، التهذيب 5 : 372 ، الاستبصار 2 : 211 ، الفقيه 2 : 234 ، المقنع : 79 ، القاضي في شرح جمل العلم والعمل : 240 ، والمهذب 1 : 228 ، المسالك : 142.
2) كما في الرياض 1 : 461.
3) كنز العرفان 1 : 327.
4) التبيان 4 : 27.
5) مجمع البيان 2 : 245.
6) الشرائع 1 : 292.
7) النافع : 105.
8) المبسوط 1 : 342 ، الخلاف 2 : 397 ، حكاه عن الإسكافي في المختلف : 277 ، الحلي في السرائر 1 : 563 ، الحلبي في الكافي : 205 ، السيّد المرتضى في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 259 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 575 ، الفاضل في المختلف : 277 ، والقواعد 1 : 98 ، كنز العرفان 1 : 328.
وغيرهم (1)- ضعيف.
واستدلّوا له بالآية (2).
وقد عرفت أنّها ظاهرة في غير من عاد.
وبالاحتياط.
وهو ليس بواجب.
وبإطلاق مطلقات الكفّارة.
وفيها : أنّها ظاهرة في المرّة الاولى ، ولو سلّم فيجب التقييد بما مرّ.
وبما مرّ في المسألة السابقة من الأخبار المصرّحة بنفي الفرق بين الخطأ والعمد إلاّ في الإثم.
وفيها : أنّها أيضا ظاهرة في المرّة الاولى ، ولو سلم فعامّة بالنسبة إلى المرسلة وما بعدها ، فيجب التخصيص بها.
والظاهر اختصاص ذلك التفصيل بالصيد الإحرامي.
وأمّا الحرمي للمحلّ فالظاهر تكرّر الكفّارة فيه مطلقا ، لاختصاص الأخبار بالمحرم.
وكذا يختصّ بالعمد بعد العمد ، وبالإحرام الواحد ، فتتكرّر [ في ] (3)العمد بعد الخطأ أو النسيان وعكسه ، وفي الإحرامين مطلقا لعامين أو عام واحد ، لم يرتبط أحدهما بالآخر ، أو ارتبط ، كإحرام العمرة للمتمتّع بها مع
حجّها.
المسألة الخامسة عشرة : إذا عرفت وجوب الفداء على المحرم في الصيد ونحوه بما مرّ مفصّلا ، وستعرف وجوبه على المحلّ في الحرم أيضا بأداء ثمنه.
فاعلم أنّ الفداء كلّما كان من حيوان أو طعام أو ثمن أو نحوها يجب صرفه لله سبحانه - كما يأتي - سواء كان الصيد مملوكا لأحد أم لا.
نعم ، يزيد في الأول ضمان القيمة للمالك أيضا على ما تقتضيه قاعدة الإتلاف ، وفاقا للمحكيّ عن الخلاف والمبسوط والتذكرة والتحرير والمنتهى والدروس والمسالك والمحقّق الشيخ عليّ (1)، وجماعة من المتأخّرين (2)، بل أكثرهم ، بل قيل : إنّه مذهب المتأخّرين كافّة (3)، بل ظاهر المنتهى دعوى الاتّفاق عليه (4).
أمّا ضمان القيمة للمالك في المملوك فلأدلّة ضمان المتلف ما أتلفه بالمثل أو القيمة بلا معارض.
وأمّا صرف الفداء لله فلأنّه شيء أمر به سبحانه وأوجبه ، وتصريح الأخبار المتواترة به :
كصحيحة الحلبي : عن فداء الصيد يأكل صاحبه من لحمه ، قال :
1) حكاه عن الخلاف في كشف اللثام 1 : 452 ، المبسوط 1 : 346 ، التذكرة 1 : 351 ، التحرير 1 : 115 ، المنتهى 2 : 819 ، الدروس 1 : 353 ، المسالك 1 : 144 ، وانظر جامع المقاصد 3 : 340.
2) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 402 ، وصاحبي الحدائق 15 : 325 ، والرياض 1 : 462.
3) كما في الرياض 1 : 462.
4) المنتهى 2 : 819.
« يأكل من أضحيته ويتصدّق بالفداء » (1).
وزرارة : « [ إذا أصاب ] المحرم في الحرم حمامة إلى أن يبلغ الظبي [ فعليه ] دم يهريقه ويتصدّق بمثل ثمنه ، والحلال يتصدّق بمثل ثمنه » (2).
وفي صحيحة عليّ : فيمن أخرج طيرا من مكّة فمات « تصدّق بثمنه » (3).
وفي صحيحة ابن سنان : في حمام مكّة الأهلي « يتصدّق بصدقة أفضل من ثمنه » (4).
وفي صحيحة الحذّاء : « إذا لم يجد الجزاء قوّم جزاؤه من النعم ، ثمَّ قوّمت الدراهم طعاما لكلّ مسكين نصف صاع » (5).
ورواية ابن مسكان : عن رجل أهدى هديا فانكسر ، قال : « إن كان مضمونا - والمضمون : ما كان في يمين أو نذر أو جزاء - فعليه فداؤه » ، قلت : أيأكل منه؟ قال : « لا ، إنّما هو للمساكين » (6).
1) الكافي 4 : 500 - 5 ، الفقيه 2 : 295 - 1460 ، وفي التهذيب 5 : 224 - 757 ، والاستبصار 2 : 273 - 966 ، الوسائل 14 : 164 أبواب الذبح ب 40 ح 15 ، بتفاوت.
2) الفقيه 2 : 167 - 726 ، الوسائل 13 : 29 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 4 ، بتفاوت. وما بين المعقوفين من المصدر.
3) التهذيب 5 : 464 - 1620 ، قرب الإسناد : 244 - 968 ، الوسائل 13 : 37 أبواب كفّارات الصيد ب 14 ح 1 ، مسائل علي بن جعفر : 105 - 8 ، بتفاوت يسير.
4) الكافي 4 : 235 - 15 ، الفقيه 2 : 169 - 742 ، الوسائل 13 : 23 أبواب كفّارات الصيد ب 9 ح 5 ، بتفاوت.
5) الكافي 4 : 387 - 10 ، التهذيب 5 : 341 - 1183 ، الوسائل 13 : 8 أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 1 ، بتفاوت.
6) الكافي 4 : 500 - 8 ، التهذيب 5 : 224 - 756 ، الاستبصار 2 : 272 - 965 ، الوسائل 14 : 165 أبواب الذبح ب 40 ح 16 ، وفيها : عن ابن مسكان ، عن أبي بصير. كما وفيها : .. في يمين يعني نذرا أو جزاء ..
إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة.
ويدلّ عليه أيضا إطلاق الكفّارة عليه في الأخبار الكثيرة.
خلافا للمحقّق في الشرائع والنافع والفاضل في الإرشاد والقواعد وغيرهما في المملوك ، فجعلوا الفداء لصاحبه (1).
ولا دليل عليه أصلا ، إذ ليس إلاّ أدلّة ضمان التلف ، وشيء منها لا ينطبق على قاعدة الفداء ، ولذا أوردت عليه إشكالات عديدة ، حتى أنهاها في المسالك إلى اثني عشر (2)، والمتأمّل يجدها أكثر.
وأمّا على المختار فلا إشكال أصلا.
المسألة السادسة عشرة : الفداء إن لم يكن حيوانا [ يتصدّق به ] (3).
وإن كان حيوانا يذبحه أولا بنيّة الكفّارة ، ثمَّ يتصدّق به.
كما نطقت به الأخبار :
منها : صحيحة زرارة المتقدّمة المتضمّنة لقوله : « دم يهريقه ».
وصحيحة ابن سنان الناطقة بأنّ : « من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم فإن كان حاجّا نحر بمنى ، وإن كان معتمرا نحر بمكّة » (4).
وفي صحيحة عليّ - في الفداء الحرمي - : « بعير ينحره في
1) الشرائع 1 : 293 ، النافع : 105 ، الإرشاد 1 : 321 ، القواعد 1 : 98 ، وانظر تبصرة المتعلمين : 65.
2) المسالك 1 : 143.
3) بدل ما بين المعقوفين في « ق » و « ح » : فتصدقه ، والأولى ما أثبتناه.
4) الكافي 4 : 384 - 3 ، التهذيب 5 : 373 - 1299 ، الاستبصار 2 : 211 - 722 ، الوسائل 13 : 95 أبواب كفّارات الصيد ب 49 ح 1 ، بتفاوت.
المنحر » (1)، إلى غير ذلك.
ويتصدّقه على المساكين والفقراء ، ولا يجب فيهم التعدّد في غير ما ورد ، كإطعام ستّين ونحوهم.
للأصل ، ويستفاد من الأخبار.
ولا يأكل منه ، بلا خلاف يوجد ، بل عليه الإجماع عن جماعة (2).
وتدلّ عليه الأخبار المصرّحة بأنّه يتصدّق على المساكين ، وخصوص صحيحة الحلبي ورواية ابن مسكان المتقدّمتين ، وصحيحة حريز (3)، ورواية ابن عمّار (4).
ورواية عليّ بن أبي حمزة : عن رجل قبّل امرأته وهو محرم ، قال : « عليه بدنة وإن لم ينزل ، وليس له أن يأكل منها » (5).
وبإزاء تلك الأخبار روايات أخر تدلّ على جواز الأكل منه ، كصحيحتي ابن عمّار (6)وابن سنان (7)، وحسنة الكاهلي (8)، ورواية جعفر
1) التهذيب 5 : 355 - 1234 ، الاستبصار 2 : 203 - 688 ، قرب الإسناد : 236 - 925 ، الوسائل 13 : 54 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 1 ، بتفاوت.
2) كما في الخلاف 2 : 346 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 582.
3) الفقيه 2 : 299 - 1483 ، الوسائل 14 : 167 أبواب الذبح ب 40 ح 26.
4) التهذيب 5 : 215 - 726 ، الاستبصار 2 : 270 - 957 ، الوسائل 14 : 132 أبواب الذبح ب 25 ح 3.
5) الكافي 4 : 376 - 3 ، التهذيب 5 : 327 - 1123 ، الوسائل 13 : 139 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 18 ح 4.
6) التهذيب 5 : 223 - 751 ، الوسائل 14 : 159 أبواب الذبح ب 40 ح 1 ، والآية في : الحج 36.
7) التهذيب 5 : 484 - 1723 ، الوسائل 14 : 162 أبواب الذبح ب 40 ح 10.
8) التهذيب 5 : 225 - 759 ، الاستبصار 2 : 273 - 968 ، الوسائل 14 : 161 أبواب الذبح ب 40 ح 6.
ابن بشير (1).
وردّوها بالشذوذ.
أقول : ولولاه أيضا لتعارضتا ويجب الرجوع إلى عمومات التصدّق.
وحملها بعضهم على حال الضرورة (2).
ثمَّ أقول : الظاهر أنّ المراد من الأخبار الأولى : الأكل مجّانا - كما هو المتبادر منها - ومن الثانية : مطلق الأكل ، فيجوز له الأكل مع ضمان القيمة ، كما صرّح بلزوم القيمة لو أكل في صحيحة حريز ورواية السكوني (3).
ولا يبعد أن يكون ذلك مراد المانعين والمجوّزين ، وبه يندفع التعارض من الأخبار أيضا ، وعليه الفتوى.
المسألة السابعة عشرة : يستثنى من وجوب التصدّق : فداء حمام الحرم للمحرم ، وقيمته للمحلّ في الحرم ، وهما لهما ، فيتخيّر بين التصدّق به واشتراء العلف لحمام الحرم.
لصحيحة الحلبي المصرّحة بالتخيير (4)، وبها تخرج مطلقات الأمر بالثاني - وهي كثيرة - عن ظاهرها الذي هو التعيين ، مع أنّها بكثرتها خالية عن الدالّ على الوجوب ، وإنّما غايتها الرجحان ، وهو مسلّم ، فيكون الثاني أفضل فردي المخيّر.
1) التهذيب 5 : 225 - 760 ، الاستبصار 2 : 273 - 969 ، الوسائل 14 : 161 أبواب الذبح ب 40 ح 7.
2) كالشيخ في التهذيب 5 : 225.
3) التهذيب 5 : 225 - 761 ، الاستبصار 2 : 273 - 970 ، الوسائل 14 : 161 أبواب الذبح ب 40 ح 5.
4) الكافي 4 : 395 - 1 ، التهذيب 5 : 370 - 1289 ، الوسائل 13 : 51 أبواب كفّارات الصيد ب 22 ح 5.
المسألة الثامنة عشرة : اختلفت الأخبار في محلّ ذبح الفداء أو نحره :
منها : المرويّ في إرشاد المفيد عن مولانا الجواد عليه السلام : « إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى ، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة » (1).
والمرويّ في تفسير عليّ مسندا وفي تحف العقول مرسلا : « المحرم بالحجّ ينحر الفداء بمنى ، والمحرم بالعمرة ينحر الفداء بمكّة » (2).
وصحيحة ابن سنان : « من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم ، فإن كان حاجّا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى ، وإن كان معتمرا نحره بمكّة قبالة الكعبة » (3).
وموثّقة زرارة : « في المحرم إذا أصاب صيدا فوجب عليه الفداء ، فعليه أن ينحره إن كان في الحجّ بمنى حيث ينحر الناس ، وإن كان في عمرة نحره بمكّة ، وإن شاء تركه إلى أن يقدم فيشتريه ، فإنّه يجزئ عنه » (4).
وفي رواية الكرخي : « فإن كان هديا واجبا فلا ينحره إلاّ بمنى ، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكّة إن شاء » (5).
وصحيحة حريز ، وفيها : « فإن قتل فرخا وهو محرم في غير الحرم
1) الإرشاد 2 : 283 ، الوسائل 13 : 14 أبواب كفّارات الصيد ب 3 ح 1.
2) تفسير القمي 1 : 183 ، تحف العقول : 335 ، الوسائل 13 : 15 أبواب كفّارات الصيد ب 3 ح 2.
3) الكافي 4 : 384 - 3 ، التهذيب 5 : 373 - 1299 ، الاستبصار 2 : 211 - 722 ، الوسائل 13 : 95 أبواب كفّارات الصيد ب 49 ح 1.
4) الكافي 4 : 384 - 4 ، التهذيب 5 : 373 - 1300 ، الاستبصار 2 : 212 - 723 ، الوسائل 13 : 98 أبواب كفّارات الصيد ب 51 ح 2.
5) الكافي 4 : 488 - 3 ، التهذيب 5 : 201 - 670 ، الاستبصار 2 : 263 - 928 ، الوسائل 14 : 88 أبواب الذبح ب 4 ح 1.
فعليه حمل قد فطم ، وليس عليه قيمته ، لأنّه ليس في الحرم ، ويذبح الفداء إن شاء بمنزله بمكّة ، وإن شاء بالحزورة بين الصفا والمروة » الحديث (1).
وصحيحة منصور : عن كفّارة العمرة المفردة أين تكون؟ فقال : « بمكّة ، إلاّ أن يشاء صاحبها أن يؤخّرها إلى منى ، ويجعلها بمكّة أحبّ إليّ وأفضل » (2).
وابن عمّار : كفّارة العمرة أين تكون؟ قال : « بمكّة ، إلاّ أن يؤخّرها إلى الحجّ فتكون بمنى ، وتعجيلها أفضل وأحبّ إليّ » (3).
والأخرى : « يفدي المحرم فداء الصيد حيث أصابه » (4).
ومرسلة أحمد : « من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء ، إلاّ فداء الصيد ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) » (5).
وموثّقة إسحاق : الرجل يخرج من حجّته شيئا يلزم منه دم ، يجزئه أن يذبحه إذا رجع إلى أهله؟ فقال : « نعم » (6).
وقريبة منها الأخرى (7)والثالثة (8)، إلاّ أنّ في الأخيرة : « يخرج من
1) لم نعثر على هكذا نصّ لحريز. نعم وجدناه مرويّا عن محمّد بن الفضيل ، انظر الفقيه 2 : 233 - 1117.
2) التهذيب 5 : 374 - 1303 ، الاستبصار 2 : 212 - 725 ، الوسائل 13 : 96 أبواب كفّارات الصيد ب 50 ح 4.
3) الكافي 4 : 539 - 5 ، الوسائل 14 : 89 أبواب الذبح ب 4 ح 4.
4) الكافي 4 : 384 - 1 ، التهذيب 5 : 373 - 1301 ، الاستبصار 2 : 212 - 724 ، الوسائل 13 : 98 أبواب كفّارات الصيد ب 51 ح 1.
5) الكافي 4 : 384 - 2 ، التهذيب 5 : 374 - 1304 ، الاستبصار 2 : 212 - 726 ، الوسائل 13 : 96 أبواب كفّارات الصيد ب 49 ح 3.
6) الكافي 4 : 488 - 4 ، الوسائل 14 : 90 أبواب الذبح ب 5 ح 1.
7) الكافي 4 : 488 - 4 ، الوسائل 14 : 90 أبواب الذبح ب 5 ح 1.
8) التهذيب 5 : 481 - 1712 ، الوسائل 13 : 97 أبواب كفّارات الصيد ب 50 ح 1.
حجّه وعليه شيء » مقام : « يخرج من حجّته شيئا ».
ثمَّ لأجل ذلك الاختلاف اختلفت الأصحاب أيضا.
وبيان ذلك : أنّ الفداء أمّا للجناية في الحجّ ، أو العمرة المتمتّع بها أو المفردة ، وعلى التقديرين : إمّا فداء للصيد ، أو غيره.
فإن كان فداء للجناية بالصيد في الحجّ فذهب الأكثر إلى وجوب النحر بمنى أو الذبح.
حكي عن والد الصدوق والخلاف والمبسوط والنهاية وفقه القرآن للراوندي والفقيه والمقنع والمراسم والإصباح والإشارة والغنية وجمل العلم والعمل والمقنعة والكافي والمهذّب والوسيلة والجامع وروض الجنان وفي السرائر والشرائع والنافع والقواعد والإرشاد (1)، بل لا خلاف فيه أجده ، بل صرّح به بعضهم مطلقا (2)، وهو كذلك.
وتدلّ عليه - مع ظاهر الإجماع - من الأخبار : الخمسة الاولى.
وتعارضها الآية الشريفة ، وصحيحة حريز ، والأخبار الخمسة الأخيرة ، ولكن الآية والصحيحتين والمرسلة تعارضها بالعموم المطلق ، لشمول الأربعة للعمرة أيضا ، وكذا الأخيرة ، لعدم صراحتها في كون الشيء
1) حكاه عن والد الصدوق في المختلف : 287 ، الخلاف 2 : 438 ، المبسوط 1 : 345 ، النهاية : 226 ، فقه القرآن 1 : 309 ، الفقيه 2 : 235 ، المقنع : 79 ، المراسم : 121 ، الإشارة : 136 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 582 ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 72 ، المقنعة : 438 ، الكافي : 206 ، المهذب 1 : 230 ، الوسيلة : 171 ، الجامع : 195 ، حكاه عن الروض في الرياض 1 : 462 ، السرائر 1 : 564 ، الشرائع 1 : 293 ، النافع : 105 ، القواعد 1 : 89 ، الإرشاد 1 : 321.
2) كما في الرياض 1 : 462.
للحجّ ، فلعلّه للعمرة المتمتّع بها ، فيجب التخصيص بالخمسة الاولى.
مع أنّ الإفداء في الصحيحة (1)ليس نصّا في الذبح ، فلعلّه الشراء ، كما ذكره الشيخ في توجيه الموثّقة (2).
وأوجبه بعضهم حيث أصابه (3)، لتلك الصحيحة.
وفي المرسلة كلام يأتي ، وأمّا الباقيتان فلا تكافئان ما مرّ ، لمخالفتهما عمل الطائفة ، مع أنّ الحمل على الاضطرار ممكن.
وإن كان فداء للصيد في إحرام العمرة فذهب أكثر من ذكر أيضا إلى وجوب ذبحه بمكّة (4).
وتدلّ عليه الأخبار الأربعة الاولى والمرسلة ، بحمل ذيل الموثّقة على تأخير الاشتراء كما مرّ.
وقال في السرائر - وحكي عن الوسيلة والراوندي - بوجوب ذبحه في العمرة المتمتّع بها بمنى (5).
ولا يحضرني دليل لهم سوى بعض العمومات ، كرواية الكرخي ، وقوله عليه السلام : « لا ذبح إلاّ بمنى » (6)، ويجب تخصيصها بما ذكر ، مع أنّه لولاه لم يظهر وجه التخصيص بعمرة التمتّع.
وعن والد الصدوق : تجويز ذبح فداء الصيد في عمرة التمتّع
1) أي صحيحة ابن عمّار.
2) انظر التهذيب 5 : 373 ، الاستبصار 2 : 212.
3) كما في الكافي في الفقه : 199 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 582.
4) منهم المفيد في المقنعة : 438 ، السيّد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 72 ، الشيخ في النهاية : 226 ، المبسوط 1 : 345.
5) السرائر 1 : 564 ، الوسيلة : 171 ، الراوندي في فقه القرآن 1 : 309.
6) التهذيب 5 : 214 - 722 ، الوسائل 14 : 90 أبواب الذبح ب 4 ح 6.
بمنى (1).
وله أيضا صحيحة ابن عمّار المذكورة (4)، فإنّها ظاهرة في عمرة المتعة ، بقرينة تجويز التأخير إلى الحجّ.
ولا يعارضها شيء من الأخبار المذكورة - سوى المرسلة - لورودها كلاّ في كفّارة العمرة بالجملة الخبريّة ، بخلاف الحجّ ، فإنّ في الموثّقة تصريحا بالدالّ على الوجوب ، مضافا إلى الإجماع عليه فيه.
وأمّا المرسلة ، فهي أعمّ مطلقا من هذه الصحيحة ، لشمولها للعمرة المفردة أيضا.
مع أنّه يمكن أن يقال : إنّه إن كان المراد بقوله ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) قبالتها وبمرءاها فليس بواجب ، وإلاّ لزم الذبح في موضع مخصوص بمكّة ، وعلى هذا فيكون للاستحباب ، فلا يعارض ما دلّ على الجواز بمنى.
وإن كان المراد قرب الكعبة مجازا - من باب تسمية الشيء باسم جزئه حتى يشمل مكّة - فيمكن كون التجوّز بما يشمل منى أيضا ، أو يكون تجوّزه معنى آخر ، بأن يراد : ما يصل نفعه إلى الكعبة ولو بالوصول إلى الفقراء الآمّين لها ونحوه.
وبالجملة : لا أرى معارضا لمجوّزاته بمنى ، فهو الأقوى.
وإن كان فداء لغير الصيد في الحجّ ، فإطلاق كلام جمع ممّن ذكر يدلّ على وجوب ذبحه بمنى (1)، ولكن كلام كثير منهم خال عن ذكره ، لاقتصارهم على ذكر جزاء الصيد ، وليس في الأخبار المتقدّمة ما يصرّح بالوجوب في موضع مخصوص ، وما يعمّ جزاء غير الصيد منها أيضا لا يفيد الوجوب.
وفي المرسلة دلالة على الجواز حيث شاء بلا معارض.
نعم ، في الأخبار الواردة في التظليل ما يدلّ على وجوب ذبح كفّارته بمنى ، وهو صحاح ابن بزيع (2).
ولا تعارضها صحيحة عليّ الواردة فيه ، المتضمّنة ل- : أنّ مولانا الرضا عليه السلام « إذا قدم مكّة ينحر بدنة لكفّارة الظل » (3)، لأنّه قضية في واقعة ، فلعلّه لإحرام العمرة.
ويمكن أن يكون المراد بقدوم مكّة : أي إذا سافر إلى مكّة ، فلا يكون محلّ النحر معيّنا.
ولا يضرّ كونها أعمّ من كفّارة إحرام العمرة والحجّ ، إذ على هذا تعارض ما دلّ على جواز ذبح كفّارة العمرة في غير منى ، ولا معارض لها يساويها أو يكون أخصّ منها في كفّارته في إحرام الحجّ ، فيجب الحكم بوجوب كونه بمنى ، ويتعدّى إلى غير التظليل بالإجماع المركّب ، فالحكم
1) كالخلاف 2 : 438 ، والمراسم : 121 ، والغنية ( الجوامع الفقهية ) : 582 ، والكافي في الفقه : 206 ، والشرائع 1 : 293 ، والنافع : 105 ، والقواعد 1 : 89 ، والجامع للشرائع : 195.
2) الوسائل 13 : 154 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 6.
3) التهذيب 5 : 334 - 1150 ، الوسائل 13 : 97 أبواب كفّارات الصيد ب 49 ح 6.
بالتخيير فيه - كما في الذخيرة (1)- غير جيّد.
وإن كان فداء لغير الصيد في إحرام العمرة ، فكلام من ذكر فيه ككلامهم في فدائه في الحجّ بالنسبة إلى مكّة ، فبين مطلق بوجوب ذبح المعتمر بمكّة ، وبين مقتصر بذكر جزاء الصيد.
إلاّ أنّ عن النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع وروض الجنان : التصريح بجواز ذبح المعتمر كفّارة غير الصيد بمنى (2).
وعلى هذا ، ففيه قولان : وجوب الذبح بمكّة.
والتخيير بينه وبين منى.
دليل الأول : ليس إلاّ إطلاق الخبرين الأولين (3)، وهما - مع ضعفهما الغير المعلوم انجبارهما في المقام ، وقصورهما عن إفادة الوجوب - يعارضان عموم المرسلة وأخبار التظليل وخصوص صحيحتي منصور وابن عمّار (4)، كما أنّهما يعارضان في إفادة الوجوب أخبار التظليل.
ولو لا تقديمهما لحكمنا بالتخيير ، فإذن هو الحقّ فيه مع أفضليّة الذبح بمكّة ، للصحيحين.
وتحصّل ممّا ذكر : وجوب ذبح فداء الكفّارة في الحجّ بمنى مطلقا ، والتخيير في العمرتين كذلك مع أفضليّة مكّة.
أ : عن الشهيد في الدروس : أنّه ألحق بالذبح صدقات الكفّارة ، في أنّ محلّها مكّة إن كانت الجناية في عمرة ، ومنى إن كانت في الحجّ (1).
ولا أرى عليه دليلا ، نعم يدلّ إطلاق صحيحتي منصور وابن عمّار على صرف كفّارة العمرة في مكّة أو منى.
وفي صحيحة حريز : « فإن وطئ المحرم بيضة وكسرها فعليه درهم ، كلّ هذا يتصدّق به بمكّة ومنى » (2).
وإثبات الوجوب بها وإن كان مشكلا إلاّ أنّ الاحتياط أن لا يتجاوز عن مكّة ومنى.
ب : قال في المنتهى - بعد أن ذكر أنّ مصرف المذبوح أو المنحور مساكين الحرم - : وكذا الصدقة مصرفها مساكين الحرم (3).
أقول : الظاهر أنّ مراده من مساكين الحرم : الحاضرون فيه ، سواء كانوا من أهل الحرم أو غيره ، وعلى هذا فيرجع إلى ما ذكرنا في الفرع الأول.
ولو أراد أهله فلا دليل عليه ظاهرا.
وأمّا الصوم اللازم في الجنايات فلا يختصّ بمكان دون غيره ، بلا خلاف نعلمه ، كذا قيل (4)، وهو كذلك.
ج : مصرف الجنايات الحرميّة من التصدّقات : الفقراء والمساكين ، والأحوط صرفها أيضا في مساكين الحرم وإن لم يكن دليل على تعيينه يعلم ، واللّه أعلم.
وفيه مسائل :
المسألة الاولى : من جامع امرأته بعد إحرام الحجّ عالما بالحكم عامدا في الفعل ، قالوا : يفسد حجّه ، وتجب عليه أمور أربعة : إتمام الحجّ ، وكفّارة بدنة ، والحجّ من قابل ، والتفريق بينهما قدرا خاصّا.
أقول : أمّا فساد الحجّ فسيأتي الكلام فيه في الفروع.
وأمّا وجوب إتمام الحجّ فلم أظفر على تصريح به في خبر ، ولكن الظاهر انعقاد الإجماع عليه ، فهو الحجّة فيه.
مضافا - فيما لو كان حجّة الإسلام - إلى أنّ وجوبها فوري ، وستعرف عدم الفساد ، فيجب الإتمام ، وكذا في سائر ما يجب فورا ، كالاستئجار والنذر المعيّنين.
وفي الجميع إلى ما صرّحوا به من وجوب إتمام الحجّ مطلقا - فرضا كان أو ندبا - بالشروع فيه إن ثبت ذلك.
وأمّا وجوب البدنة والحجّ من قابل ، فهما أيضا إجماعيّان ، ومدلول عليهما بالمستفيضة المعتبرة :
كصحيحة زرارة : عن محرم غشي امرأته وهي محرمة ، فقال : « جاهلين أو عالمين؟ » قلت : أجبني على الوجهين جميعا ، قال : « إن كانا جاهلين استغفروا ربّهما ، ومضيا على حجّهما ، وليس عليهما شيء ، وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه ، وعليهما بدنة ،
وعليهما الحجّ من قابل ، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا » ، قلت : فأيّ الحجّتين لهما؟ قال : « الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا ، والأخرى لهما عقوبة » (1).
وابن عمّار : في المحرم يقع على أهله ، قال : « إن كان أفضى إليها فعليه بدنة والحجّ من قابل ، وإن لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة وليس عليه الحجّ من قابل » ، قال : وسألته عن رجل وقع على امرأته وهو محرم ، قال : « إن كان جاهلا فليس عليه شيء ، وإن لم يكن جاهلا فعليه سوق بدنة وعليه الحجّ من قابل ، فإذا انتهى إلى المكان الذي وقع بها فرّق محملاهما ، فلم يجتمعا في خباء واحد إلاّ أن يكون معهما غيرهما ، حتى يبلغ الهدي محلّه » (2).
والأخرى : عن رجل محرم وقع على أهله ، فقال : « إن كان جاهلا فليس عليه شيء ، وإن لم يكن جاهلا فعليه أن يسوق بدنة ، ويفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ، وعليهما الحجّ من قابل » (3).
ورواية عليّ بن أبي حمزة : عن محرم واقع أهله ، فقال : « قد أتى عظيما » ، قلت : قد ابتلي ، قال : « استكرهها أو لم يستكرهها؟ » قلت : أفتني
1) الكافي 4 : 373 - 1 ، التهذيب 5 : 317 - 1092 ، الوسائل 13 : 112 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 9 ، وفي الجميع : والأخرى عليهما عقوبة.
2) الكافي 4 : 373 - 3 ، الوسائل 13 : 113 و 119 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 و 7 ح 12 و 2.
3) التهذيب 5 : 318 - 1095 ، وفي الوسائل 13 : 110 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 2 : .. عليه الحجّ من قابل.
فيهما جميعا ، قال : « إن كان استكرهها فعليه بدنتان ، وإن لم يكن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة ، ويفترقان من المكان الذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكّة ، وعليهما الحجّ من قابل لا بدّ منه » ، قال : قلت : فإذا انتهيا إلى مكّة فهي امرأته كما كانت؟ فقال : « نعم ، هي امرأته كما هي ، فإذا انتهيا إلى المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتى يحلاّ ، فإذا أحلاّ فقد انقضى عنهما ، إنّ أبي كان يقول ذلك » (1).
وصحيحة جميل : عن محرم وقع على أهله ، قال : « عليه بدنة » إلى أن قال : قلت : عليه شيء غير هذا؟ قال : « نعم ، عليه الحجّ من قابل » (2).
مضافا في الأول إلى صحيحة سليمان بن خالد : عن رجل باشر امرأته وهما محرمان ، ما عليهما؟ فقال : « إن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعا ، ويفرّق بينهما حتى يفرغا من المناسك ، وحتى يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ، وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها صاحبها فليس عليها شيء » (3).
وصحيحة عليّ ، وفيها - بعد تفسير الرفث بجماع النساء - : « فمن رفث فعليه بدنة ينحرها » (4).6.
1) الكافي 4 : 374 - 5 ، التهذيب 5 : 317 - 1903 ، الوسائل 13 : 116 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 4 ح 2.
2) التهذيب 5 : 318 - 1096 ، الوسائل 13 : 111 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 3.
3) الكافي 4 : 375 - 7 ، الوسائل 13 : 115 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 4 ح 1.
4) التهذيب 5 : 297 - 1005 ، قرب الإسناد : 234 - 915 ، الوسائل 13 : 115 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 16.
ورواية خالد الأصم : حججت وجماعة من أصحابنا ، وكانت معنا امرأة ، فلمّا قدمنا مكّة جاءنا رجل من أصحابنا ، فقال : يا هؤلاء ، إنّي قد بليت ، قلنا : بما ذا؟ قال : شكرت (1)بهذه المرأة ، فاسألوا أبا عبد اللّه عليه السلام ، فسألناه ، فقال : « عليه بدنة » ، فقالت المرأة : فاسألوا لي فإنّي قد اشتهيت ، فسألناه ، قال : « عليها بدنة » (2).
وأمّا الحكم الرابع ، فالمشهور وجوبه أيضا ، ودعوى الشهرة عليه مستفيضة ، وفي المدارك الإجماع عليه (3).
وظاهر المبسوط والنهاية والسرائر والمهذب : الاستحباب (4)، ويحتمله الخلاف أيضا (5)، كما أنّ ظاهر المختلف التوقّف في وجوبه واستحبابه (6).
دليل الموجبين : الأخبار المتقدّمة.
مضافة إلى صحيحة ابن عمّار : في المحرم يقع على أهله ، قال : « يفرّق بينهما ، ولا يجتمعان في خباء إلاّ أن يكون معهما غيرهما ، حتى يبلغ الهدي محلّه » (7).5.
1) شكر المرأة : فرجها - الصحاح 2 : 702. شكرها : فرجها ، وقيل : بضعها ، ونهى عن شكر البغيّ ، أراد عن وطئها - لسان العرب 4 : 427.
2) التهذيب 5 : 331 - 1140 ، الوسائل 13 : 112 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 7 ، بتفاوت يسير.
3) المدارك 8 : 410.
4) المبسوط 1 : 336 ، النهاية : 230 ، السرائر 1 : 548 ، المهذب 1 : 229.
5) الخلاف 2 : 368.
6) المختلف : 282.
7) التهذيب 5 : 319 - 1100 ، الوسائل 13 : 111 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 5.
ومرفوعة أبان : « المحرم إذا وقع على أهله يفرّق بينهما » يعني بذلك : لا يخلوان ، وأن يكون معهما ثالث (1).
ولا يخفى أنّه لا دلالة في شيء منها بكثرتها على الوجوب ، بل غايتها الرجحان الموجب للحكم بالاستحباب بضميمة الأصل ، فهو الأقوى.
( نعم ، في الرضويّ : « فإن جامعت وأنت محرم - في الفرج - فعليك بدنة ، وعليك الحجّ من قابل ، ويجب أن يفرّق بينك وبين أهلك حتى تؤدّي المناسك ثمَّ تجتمعان ، فإذا حججتما من قابل وبلغتما الموضع الذي واقعتما فرّق بينكما حتى تقضيا المناسك ، ثمَّ تجتمعان ، فإن أخذتما على غير الطريق الذي كنتما فيه العام الأول لم يفرّق بينكما » (2).
وضعفه منجبر بالعمل ، وبه يدفع الأصل ، فالأقوى الوجوب ) (3).
أ : لا فرق في الزوجة بين الدائمة والمتمتّع بها ، لصدق الامرأة والأهل عليهما.
وصرّح في الشرائع بإلحاق الأمة بهما أيضا (4)، واحتجّ له بصدق
1) الكافي 4 : 373 - 2 ، التهذيب 5 : 319 - 1101 ، الوسائل 13 : 111 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 6 ، بتفاوت.
2) فقه الرضا عليه السلام : 217 ، مستدرك الوسائل 9 : 288 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 2 ، بتفاوت يسير.
3) بدل ما بين القوسين في « ق » : نعم ، قيل : في الرضويّ تصريح بالوجوب - انظر الرياض 1 : 467 - وهو وإن كان كذلك كان كافيا بضميمة انجباره بما مرّ ، ولكن لا يحضرني الآن حتى ينظر في دلالته ، وفي أنّه هل هو قال على التفريق في الحجّة الأولى أو الثانية ، وأنّ منتهاه إلى أين.
4) الشرائع 1 : 294.
الامرأة والأهل عليها (1).
واستشكل فيه بعضهم ، لتبادر غيرها منهما (2).
وهو في موقعه ، فإنّ دلالة أهله أو امرأته على الجارية ليست مستندة إلى وضع لغوي ، لعدم ثبوت وضع تركيبيّ لهما يوجب صدقه عليها ، فإنّ صدق الأهل على الأمة محلّ تأمّل.
وكذا وجه الاختصاص بالإضافة غير معلوم ، ولذا لا تصدق امرأته على بنته وأخته وامّه مع وجود نوع اختصاص ، وفي قوله في رواية عليّ : « فهي امرأته » نوع إشعار بأنّ المراد الزوجيّة ، وفي إثبات البدنة عليها أيضا فيها وفي صحيحتي زرارة وسليمان - من غير استفصال - دلالة عليه ، إذ لا تثبت البدنة على الأمة.
فالأقوى : عدم الإلحاق ، وإن كان الأحوط الإلحاق.
وممّا ذكر تظهر أولويّة عدم إلحاق الأجنبيّة والغلام والبهيمة أيضا ، للأصل.
وعن المنتهى : الإلحاق ، للأولويّة من جهة أفحشيّة الفعل (3).
وفيه : عدم معلوميّة العلّة في الأحكام الثلاثة ، فإنّا نسلّم أولويّة الأجنبيّة وأخويها بلزوم الترك وترتّب الإثم ، وأمّا أولويّتها في اقتضاء هذه الأحكام الثلاثة فغير معلوم ، والاحتياط لا ينبغي أن يترك.
ب : المشهور بين الأصحاب - كما قيل (4)- عدم الفرق في الوطء بين
القبل والدبر.
لصدق الوقاع والغشيان والإفضاء والمباشرة - الواردة في الأخبار - على وطء الدبر أيضا.
ونقل عن الشيخ في المبسوط : أنّه أوجب بالوطء في الدبر البدنة دون الإعادة (1).
واحتجّ له بصحيحة ابن عمّار : عن رجل وقع على أهله فيما دون الفرج ، قال : « عليه بدنة ، وليس عليه الحجّ من قابل ، وإن كانت المرأة تابعته على الجماع [ فعليها مثل ما عليه ] ، وإن كان استكرهها فعليه بدنتان وعليهما الحجّ من قابل » (2).
وفي كلّ من النسبة والاحتجاج نظر : أمّا الأول ، فلما قيل (3)، من أنّ عبارته المحكيّة صريحة في الموافقة للمشهور ، وأنّ الذي فيه البدنة خاصّة هو الوقاع دون الفرج الشامل للقبل والدبر ، كما صرّح به في صدر عبارته المحكيّة.
نعم ، حكى في الخلاف الخلاف المزبور عن بعض الأصحاب ، محتجّا له بأصل البراءة (4).
وأمّا الثاني ، فلصدق الفرج على الدبر أيضا لغة ، وتبادر القبل منه إنّما هو في العرف الطارئ ، الذي يجب الحكم فيه بأصالة التأخّر ، فلا يصلح ذلك دليلا لتخصيص العمومات المذكورة.0.
إلاّ أنّه يمكن الخدش في العمومات أيضا ، لأنّ الوقاع وما يرادفها من الألفاظ المتقدمة ليست موضوعة لوطء القبل والدبر ، بل لمعنى شامل لهما ولغيرهما من الأفراد المتكثّرة جدّا ، فلو بني الأمر فيهما على الإطلاق وإخراج ما عدا وطء الثقبين لزم خروج الأكثر ، وهو - على التحقيق - غير مجوّز ، فلا بدّ من ارتكاب التجوّز ، ولتعدّده يتأتّى الإجمال ، فيرجع فيما لا يعلم إلى الأصل.
( إلاّ أنّ قوله في الرضوي المتقدّم : « وإن جامعت في الفرج » - المنجبر بالشهرة - يدلّ بإطلاقه على المشهور ، فهو الحقّ المنصور ) (1).
ج : هل الحجّة الأولى فرضه والثانية عقوبة ، أو بالعكس؟
عن الشيخ (2)وجماعة (3): الأول ، ونقله في المدارك عن أحكام الصدّ من الشرائع (4)، ويميل إليه كلام النافع (5).
ونقل عن الشيخ في الخلاف (6)وكثير من كتب الفاضل (7): الثاني ، وإليه ذهب الحلّي في السرائر (8).
دليل الأول : الاستصحاب ، وصحيحة زرارة المتقدّمة (9).
1) بدل ما بين القوسين في « ق » : ومنه تعلم قوة ما نقله في الخلاف عن بعض الأصحاب ، وإن كان الاحتياط في متابعة المشهور.
2) في النهاية : 230.
3) منهم يحيى بن سعيد في الجامع : 187 ، السبزواري في الكفاية : 64 ، الذخيرة : 618.
4) المدارك 8 : 408 ، وهو في الشرائع 1 : 281.
5) النافع : 106.
6) حكاه عنه في السرائر 1 : 550 ، وانظر الخلاف 2 : 367.
7) كما في المختلف : 282 التحرير 1 : 119.
8) السرائر 1 : 550.
9) في ص 229.
ودليل الثاني : إنّ الاولى فاسدة ، والفاسد لا يجزئ ولا يبرئ ذمّته.
أمّا المقدّمة الأولى : فبالإجماع ، كما يشعر به استدلالهم على المطلوب بالفساد ، وصرّح بكونه إجماعيّا الفاضل المقداد (1).
وتدلّ عليه أيضا صحيحة سليمان بن خالد : « في الجدال شاة ، وفي السباب والفسوق بقرة ، والرفث فساد الحجّ » (2).
ورواية عبيد ، وفيها : فإن كان طاف بالبيت طواف الفريضة ، فطاف أربعة أشواط ، ثمَّ غمزه بطنه ، فخرج فقضى حاجته ، فغشي أهله ، فقال : « أفسد حجّه وعليه بدنة » الحديث (3).
والرضويّ : « والذي يفسد الحجّ ويوجب الحجّ من قابل : الجماع للمحرم في الحرم ، وما سوى ذلك ففيه الكفّارات » (4).
وأمّا الثانية : فبالإجماع أيضا ، صرّح به الفاضل المذكور (5).
أقول : كيف تقبل دعوى الإجماع مع نسبة الخلاف إلى الشيخ وجماعة؟! فإنّ بعد الإجماع على عدم إجزاء الفاسد يكون حكم الشيخ وتابعيه بالإجزاء كالتصريح بعدم الفساد ، كما ذكره في الدروس (6)، ونقل
1) التنقيح الرائع 1 : 559.
2) الكافي 4 : 339 - 6 ، التهذيب 5 : 297 - 1004 ، الوسائل 13 : 145 أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 1 ، وص 148 ب 2 ح 1.
3) الكافي 4 : 379 - 7 ، التهذيب 5 : 321 - 1108 ، الوسائل 13 : 126 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 11 ح 2.
4) فقه الرضا عليه السلام : 214 ، مستدرك الوسائل 9 : 288 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 2.
5) التنقيح 1 : 559.
6) الدروس 1 : 370.
الفاضل المذكور منع الفساد عن بعض الفضلاء أيضا (1)، ونقله في المدارك (2)، وهو ظاهر اختياره ، حيث استدلّ بأصالة عدم تحقّق الفساد ، ويظهر من بعض من تأخّر عنه أيضا (3).
فالإجماع على الفساد غير ثابت ، والمنقول منه بعيد عن الحجّية جدّا.
وأمّا رواية عبيد ، فغير باقية على حقيقتها إجماعا ، لعدم فساد الحجّ - بعد الوقوف بالمشعر - بالجماع إجماعا نصّا وفتوى.
وأمّا صحيحة سليمان ، فيتردّد الأمر فيها بين تخصيص الرفث بما بعد التلبية وقبل المشعر وبين التجوّز في الفساد ، والتخصيص وإن كان مقدّما على المجاز ، إلاّ أنّه يرجح الثاني هنا بقرينة صحيحة زرارة المذكورة الدالّة على عدم الفساد ، ولا يضرّ إضمارها كما حقّق في موضعه.
ورواية أبي بصير المرويّة في الفقيه : عن رجل واقع امرأته وهو محرم ، قال : « عليه جزور كوماء (4)» ، قال : لا يقدر ، قال : « ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له ولا يفسدوا له حجّة » (5).
فإنّها تدلّ على عدم فساد الحجّ بعد أداء الكفّارة.
والحكم وإن كان كذلك لو لم يؤدّها أيضا - إذ الفساد وعدمه لا يتفاوت بأدائها وعدمه ، فالمراد بالفساد : نقصان الحجّ - إلاّ أنّه تدلّ على
انجبار النقصان أيضا بالكفّارة فضلا عن الفساد.
ومنه يظهر عدم دلالة الرضويّ أيضا ، مضافا إلى تخصيصه الفساد بالجماع في الحرم ، ولا قائل به ، بل ينفي الفساد في غيره.
وممّا ذكر ظهر أنّ الأقوى هو القول الأول.
وتظهر الفائدة بين القولين في موارد عديدة.
د : قد عرفت رجحان التفريق بين الرجل والمرأة ، وأنّه إجماعيّ وإن اختلف في وجوبه واستحبابه ، ومقتضى الأخبار المذكورة : الثاني ، ومقتضى الرضويّ (1): الأول.
ثمَّ إنّ ها هنا خلافين آخرين :
أحدهما : أنّ هذا التفريق هل هو في الحجّة الأولى الأدائيّة والثانية القضائيّة ، أو في الثانية خاصّة؟
فالأول محكيّ عن جماعة ، منهم : الصدوقان والإسكافي (2)، وابن زهرة مدّعيا الإجماع عليه (3).
والثاني أيضا منقول عن جمع ، منهم : المحقّق في الشرائع والنافع ، والفاضل في القواعد (4).
والحقّ مع الأول (5).
لدلالة طائفة من الأخبار المتقدّمة على التفريق فيهما ، وبعضها عليه
في الاولى ، وبعضها في الثانية ، ولا تنافي بين شيء منهما ، لأنّ ثبوته في أحدهما لا ينافي الثبوت في الآخر أيضا (1).
وثانيهما : أنّ منتهى هذا التفريق إلى أين هو؟ فإنّ الأخبار فيه مختلفة.
ففي بعضها : إلى بلوغ الهدي محلّه.
وفي بعض آخر : حتى يحلاّ.
وفي ثالث : حتى ينتهيا إلى مكّة.
وفي رابع : حتى يفرغا المناسك.
وفي خامس : حتى يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه الخطيئة.
ويدلّ عليه أيضا الصحيح : « يفرّق بينهما حتى ينفر الناس ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا » ، قلت : أرأيت إن أخذا في غير ذلك الطريق إلى أرض أخرى ، أيجتمعان؟ قال : « نعم » (2).
والمرويّ في نوادر البزنطي : « يفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك ، أو حتى يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا » ، [ فقلت : أرأيت ] إن أرادا أن يرجعا إلى غير ذلك الطريق؟ قال : « فليجتمعا إذا قضيا المناسك » (3).
ومن الأصحاب من حمل ذلك الاختلاف إلى تفاوت مراتب الفضل (4).7.
1) في « ق » زيادة : وأمّا في الوجوب فالحكم به موقوف على ملاحظة الرضوي.
2) معاني الأخبار : 294 - 1 ، الوسائل 13 : 114 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 14.
3) مستطرفات السرائر : 31 - 29 ، الوسائل 13 : 114 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 15 ، بتفاوت يسير. وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
4) كما في الحدائق 15 : 371 ، الرياض 1 : 467.
ومنهم من فصّل بين الأدائيّة والقضائيّة ، ففي الأولى : جعل الانتهاء موضع الخطيئة ، وفي الثانية : الإحلال.
والأحوط : الافتراق فيهما إلى موضع الخطيئة فيهما.
ثمَّ إنّ الافتراق إلى موضع الخطيئة إذا سلكا هذا الطريق الذي وقعت فيه الخطيئة ، وإلاّ فلا افتراق بعد قضاء المناسك ، كما صرّح به الصحيح والمرويّ عن النوادر المذكورين ، وصرّح به جمع من الأصحاب (1).
والمراد من الافتراق - كما ورد في الأخبار (2)- : أن لا يخلوا إلاّ معهما ثالث.
وقيّده بعضهم بالمحترم ، فلا عبرة بغير المميّز (3).
ولا بأس به ، بل هو الظاهر المتبادر.
ه- : لا فرق في الأحكام المذكورة بين الحجّ الواجب والمندوب ، لظاهر الإجماع ، وإطلاق النصوص.
المسألة الثانية : ما مرّ حكم الرجل ، وأمّا المرأة فأمّا تكون مطاوعة أو مكرهة.
فإن كانت مطاوعة كانت كالرجل في الأحكام الأربعة المذكورة ، بلا خلاف يوجد ، بل حكي الإجماع عليه (4).
ويدلّ عليه في وجوب الإتمام ما دلّ عليه في الرجل.
وفي الأحكام الثلاثة الأخيرة كثير ممّا تقدّم من الأخبار ، سيّما في
صحيحة ابن عمّار المذكورة في الفرع الثاني (1)بقوله : « فعليها مثل ما عليه ».
وإن كانت مكرهة فلا شكّ في وجوب الإتمام عليها.
ولا كفّارة عليها إجماعا نصّا وفتوى ، وعلى الرجل الكفّارتان كذلك ، وقد مرّ في الأخبار التصريح به.
ولا حجّ من قابل أيضا بالإجماع.
ويدلّ عليه بعض الأخبار.
وأمّا [ ما ] (2)في صحيحة ابن عمّار المذكورة : « وعليهما الحجّ من قابل » فهو مخالف للإجماع ، غير معمول به عند الأصحاب ، فيجب طرحه.
وأمّا الافتراق فلا فرق فيه بين المطاوعة والإكراه ، لإطلاق الأخبار بلا معارض.
وتوهّم معارضة مفهوم قوله في صحيحة زرارة : « وإن كانا عالمين فرّق بينهما » (3)- حيث إنّ حكم المكره حكم غير العالم - خطأ ، لأنّ حكم المنطوق التفريق والكفّارة عليهما والحجّ من قابل كذلك ، فمقتضى المفهوم انتفاء الجميع لا كلّ واحد ، وهو كذلك.
ومنه يظهر عدم معارضة مفهوم صحيحة سليمان المذكورة أيضا (4)، بل ولا منطوق ذيلها ، حيث قال : « فليس عليها شيء » ، لأنّ التفريق بالمعنى المذكور ليس شيئا عليها.
وتوهّم انصراف المطلقات إلى غير المكرهة - سيّما في المقام - غير
جيّد.
المسألة الثالثة : ما مرّ من الأحكام المذكورة كان حكم العامد العالم بالحكم وبالإحرام المختار.
وأمّا غيره فلا شيء عليه ، بل يتمّ حجّه ويمضي ويجزئه ، بلا خلاف.
بل بالإجماع كما صرّح به بعضهم (1).
للأصل.
والأخبار المتقدّمة المصرّحة بذلك في الجاهل ، الشامل لغة للناسي والساهي والجاهل بفرديه ، وفي المرأة المكرهة المتعدّي حكمها إلى الرجل بالإجماع المركّب.
وبالتصريح في صحيحة زرارة (2)بكون القضاء عقوبة ولا عقوبة على المكره ، بل ولا على الساهي والناسي والجاهل ولو بالحكم ، سيّما إذا لم يكن مقصّرا.
وبقوله : « قد أتى عظيما » في رواية عليّ بن أبي حمزة (3)، فإنّ مثل ذلك إنّما يقال للعامد العالم.
مضافا في الناسي والساهي والجاهل إلى مرسلة الفقيه الآتية (4)، وفي الجاهل إلى روايتي سلمة بن محرز الآتيتين (5).
وهل المكره للزوج أو له ولها كالزوج المكره للزوجة في تحمّل الكفّارة أو الكفّارتين.
الحقّ : لا ، اقتصارا لما يخالف الأصل على موضع النصّ.
المسألة الرابعة : ما قالوا من الأحكام الخمسة - من الفساد ، ووجوب الإتمام ، ثمَّ القضاء ، والكفّارة ، والتفريق - إنّما هو إذا كان الجماع بعد التلبية وقبل وقوف المشعر.
أمّا لو كان قبل الأول أو بعد الثاني فليس كذلك.
أمّا لو كان قبل التلبية فلا شيء عليه أصلا ، بل لم يدخله حقيقة في الحجّ بعد ، كما مرّ في صدر بحث الإحرام ، وتصرّح به المرسلة الآتية.
وأمّا لو كان بعد وقوف المشعر فلا فساد ولا قضاء ولا تفريق.
نعم تجب الكفّارة المذكورة.
بلا خلاف في الحكمين : المنفي والمثبت ، بل بالإجماع المحقّق والمحكيّ مستفيضا (1).
له فيهما.
ولمرسلة الفقيه المنجبر ضعفها - لو كان - بما مرّ : « إن وقعت على أهلك بعد ما تعقد للإحرام وقبل أن تلبّي فلا شيء عليك ، فإن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر فعليك بدنة والحجّ من قابل ، وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة وليس عليك الحجّ من قابل ، وإن كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليك » (2).
مضافا في الحكم الأول إلى مفهوم الشرط في صحيحتي ابن عمّار :
الأولى : « إذا واقع المحرم أهله قبل أن يأتي المزدلفة فعلية الحجّ من
قابل » (1).
وقريبة منها الأخرى (2).
وفي الحكم الثاني إلى صحيحة ابن عمّار : وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء ، قال : « عليه جزور سمينة ، وإن كان جاهلا فليس عليه شيء » (3).
ونحوها إلى قوله : « سمينة » صحيحة زرارة (4).
ورواية أحمد : عن رجل أتى امرأته متعمّدا ولم يطف طواف النساء ، قال : « عليه بدنة ، وهي تجزئ عنهما » (5).
ورواية سلمة : عن رجل وقع على أهله قبل أن يطوف طواف النساء ، قال : « ليس عليه شيء » ، فخرجت إلى أصحابنا فأخبرتهم ، فقالوا : اتّقاك ، هذا ميسر قد سأله عن مثل هذا ، فقال له : « عليك بدنة » ، قال : فدخلت عليه فقلت : جعلت فداك ، إنّي أخبرت أصحابنا بما أجبتني ، فقالوا : اتّقاك ، هذا ميسر قد سأله عما سألت ، فقال له : « عليك بدنة » ، فقال : « إنّ ذلك كان بلغه ، فهل بلغك؟ » قلت : لا ، قال : « ليس عليك شيء » (6).
1) الكافي 4 : 379 - 5 بتفاوت يسير ، الوسائل 13 : 113 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 10.
2) التهذيب 5 : 319 - 1099 ، الوسائل 13 : 110 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 3 ح 1.
3) الكافي 4 : 378 - 3 ، التهذيب 5 : 323 - 1109 ، الوسائل 13 : 121 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 9 ح 1.
4) التهذيب 5 : 485 - 1732 ، الوسائل 13 : 124 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 10 ح 3.
5) التهذيب 5 : 489 - 1748 ، الوسائل 13 : 124 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 10 ح 4.
6) الكافي 4 : 378 - 1 ، التهذيب 5 : 322 - 1108 ، الوسائل 13 : 123 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 10 ح 2 ، بتفاوت يسير.
وبمضمونها الأخرى (1).
إلى غير ذلك من الأخبار الآتية شطر منها.
ثمَّ بالمرسلة والمفهومين تخصّص العمومات والإطلاقات المتقدّمة المثبتة للقضاء على المحرم المجامع.
ومنه - بضميمة الأصل - يظهر عدم ثبوت التفريق هنا أيضا ، إذ بعد التخصيص يكون الموضوع : المجامع قبل الوقوف ، مع أنّ ظاهر كثير منها إنّما هو المجامع قبل الوقوف ، حيث أمر بالتفريق حتى يرجعا إلى مكان الخطيئة ، ولا رجوع غالبا إلى موضعه إذا كان بعد الوقوف ، فتأمّل.
ولأجل تلك الإطلاقات والعمومات واختصاص المخصّص بما بعد وقوف المشعر اقتصرنا في التخصيص به ، وفاقا للأكثر ، بل عن المسائل الرسّية والانتصار وجمل العلم والعمل والجواهر والغنية : الإجماع عليه (2)
وهي كما ترى موافقة لعبارة المفيد وتالييه ، على أنّه لم يصرّح فيه بإجماع أصلا ، ولا يبعد أن يكون المراد شرح جمل العلم والعمل للقاضي - كما حكاه عنه في كشف اللثام والرياض - فإنّه موجود فيه وادّعى عليه الإجماع أيضا. انظر شرح الجمل : 235.
.خلافا للمحكيّ عن المفيد والحلبي والديلمي ، فخصّوا قبل وقوف عرفة أيضا (3)، ولا دليل له يصلح الركون إليه.
1) التهذيب 5 : 486 - 1733 ، الوسائل 13 : 124 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 10 ح 5.
2) حكاه عنهم الفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 404 ، الطباطبائي في الرياض 1 : 465 ، وانظر المسائل الرسّية ( رسائل الشريف المرتضى 2 ) : 334 ، الانتصار : 96 ، الجواهر : 45 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 576. وأمّا النسبة إلى الجمل فلعلها سهو ، فإنّ العبارة فيه هكذا : إذا جامع المحرم قبل الوقوف بعرفة فعليه بدنة والحجّ من قابل ، وإن جامع بعد الوقوف فعليه بدنة ولا حجّ عليه.
3) المفيد في المقنعة : 433 ، الحلبي في الكافي : 203 ، الديلمي في المراسم : 119.
المسألة الخامسة : ما مرّ - من لزوم الكفّارة ببدنة وعدم لزوم غيره من القضاء والتفريق بالجماع بعد وقوف المشعر - يعمّ جميع الأحوال التي بعده إلى أن يتجاوز في طواف النساء عن أربعة أشواط ، ولو جامع بعد ذلك فلا شيء عليه أصلا.
أمّا الحكم الأول فتدلّ عليه الأخبار المتقدّمة في المسألة السابقة.
وصحيحة العيص : عن رجل واقع أهله حين ضحّى قبل أن يزور البيت ، قال : « يهريق دما » (1).
وقوله في ذيل رواية حمران الآتية : « وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمَّ خرج فغشي فقد أفسد حجّه ، وعليه بدنة ويغتسل ، ثمَّ يعود فيطوف أسبوعا » (2).
والمراد بالفساد هنا : نقصان الكمال ، لعدم قول بالفساد حينئذ قطعا.
وأمّا بعض الأخبار النافية للكفّارة إذا كان بعد طواف الزيارة ولو قبل تمام السعي - كرواية عبيد (3)وصحيحة منصور - فبمعارضة ما مرّ عن درجة الحجّية ساقطة ، فيرجع إلى الإطلاقات ، مع أنّها بمخالفة الأصحاب طرّا موهونة.
مضافا إلى أنّ الصحيحة قضيّة في واقعة ، ولعلّه عليه السلام كان يعلم بكونه جاهلا ، بل فيها ما يشعر به.
وأمّا الحكم الثاني فتدلّ عليه رواية أبي بصير : في رجل نسي طواف النساء ، قال : « إذا زاد على النصف وخرج ناسيا أمر من يطوف عنه ، وله أن يقرب النساء إذا زاد على النصف » (1).
فإنّ الرخصة في المقاربة توجب انتفاء الكفّارة بالإجماع المركّب.
وقيل : لأنّه لا معنى للزوم الكفّارة على الفعل المرخّص فيه (2).
ووهنه بيّن من لزوم الكفّارة على التظليل ونحوه مع الضرورة.
وتدلّ عليه أيضا فيما إذا طاف خمسة أشواط رواية حمران - بل صحيحته - : عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ، ثمَّ غمزه بطنه فخاف أن يبدره فخرج إلى منزله فنفض ، ثمَّ غشي جاريته ، قال : « يغتسل ، ثمَّ يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان قد بقي عليه من طوافه ، ويستغفر اللّه ولا يعود ، وإن كان طاف » (3)إلى آخر ما مرّ.
فإنّ ذكر البدنة في ثلاثة أشواط دون الخمسة يدلّ على انتفائها فيها.
ولا ينافي ذلك ما مرّ من انتفاء الكفّارة فيما زاد على النصف مطلقا ، لأنّ التقييد بالخمسة إنّما وقع في كلام الراوي.
وقد يستدلّ أيضا بمفهوم الشرط في ذيل هذه الرواية.
وهو ضعيف غايته ، لأنّ مفهومه : أنّه إن لم يطف ثلاثة أشواط ، والمتبادر منه عدم بلوغ الثلاثة ، لا التجاوز عنه ، فإنّه معه يصدق طواف الثلاثة.
هذا ، مع أنّ المنطوق مركّب من حكمين : فساد الحجّ - أي الطواف - والكفّارة ، ويكفي في صدق المفهوم انتفاء أحدهما.
ومنه يظهر ضعف ما نفي عنه البعد في الذخيرة (1)من سقوط الكفّارة بعد مجاوزة ثلاثة أشواط ، لذلك المفهوم.
ومن الأصحاب من خصّ الحكم الثاني بما إذا كان بعد الخمسة (2).
ولعلّه لزعمه ضعف الرواية الاولى. وهو عندنا غير موجّه.
أو لعدم ثبوت الإجماع المركّب عنده ، فيرجع فيما دون الخمسة إلى الإطلاقات.
وهو كان حسنا لو لم يثبت الإجماع المركّب.
وأمّا منع الإطلاق بتبادر قبل الشروع في طواف النساء من الإطلاقات فموهون غايته ، إذ المتبادر من : « قبل الطواف » قبل الفراغ عنه.
المسألة السادسة : لو جامع المحلّ الموسر عالما عامدا أمته المحرمة بإذنه لزمته بدنة أو بقرة أو شاة مخيّرا بينها.
ومع الإعسار : شاة أو صام.
ومع انتفاء العمد أو العلم أو الإذن لا شيء.
بلا خلاف معتنى به في جميع هذه الأحكام.
لموثّقة إسحاق بن عمّار (3)، المصرّحة بهذه الأحكام منطوقا ومفهوما.2.
وأمّا صحيحة ضريس (1)ورواية وهب بن عبد ربّه (2)- المصرّحتين : بأنّه لا شيء عليه ، أو يجوز له نقض إحرامها - فهما ظاهرتان أو محمولتان على قبل التلبية.
وعن المبسوط والنهاية والسرائر : أنّ عليه بدنة (3)، ومع العجز : شاة أو صيام.
ولم أقف على مستنده.
والظاهر كفاية الإعسار عن البدنة على تعيّن الشاة والصيام.
وقيل باعتبار الإعسار عنها وعن البقرة (4).
ولا وجه.
ويكفي في الصيام يوم واحد ، للإطلاق.
وقيل : ثلاثة أيّام ، لأنّها الواقع في إبدال الشاة (5).
وهو أحوط.
وإطلاق الموثّقة وفتاوى الأكثر يقتضي عدم الفرق بين الأمة المكرهة والمطاوعة.
وقيل بوجوب الكفّارة على المطاوعة ، فتكفّر بدل البدنة بصيام ثمانية عشر يوما والقضاء ، فيجب على المولى إذنها ويتحمّل مئونتها (6).
1) التهذيب 5 : 320 - 1103 ، الاستبصار 2 : 191 - 640 ، الوسائل 13 : 121 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 8 ح 3.
2) الفقيه 2 : 208 - 949 ، الوسائل 13 : 120 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 8 ح 1.
3) المبسوط 1 : 337 ، النهاية : 230 ، السرائر 1 : 549.
4) كما في الدروس 1 : 371 ، المدارك 8 : 418 ، الرياض 1 : 468.
5) الدروس 1 : 371 ، جامع المقاصد 3 : 349 ، المدارك 8 : 418.
6) انظر المسالك 1 : 144.
قيل : نظرهم إلى عموم الأخبار المتقدّمة الواردة في المرأة والأهل الخالي عن معارضة الموثّقة ، لورودها في حكم المولى خاصّة ، وأمّا بالنسبة إلى الأمة فمجملة (1).
وهذا يصح بناء على شمول أهله أو امرأته للأمة ، وقد عرفت عدم وضوحه ، فالرجوع إلى الأصل - كما عليه الأكثر - أظهر.
المسألة السابعة : في العبث بالذكر حتى يمني بدنة وقضاء الحجّ.
لموثّقة إسحاق : في محرم عبث بذكره فأمنى ، قال : « أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم : بدنة وحجّ من قابل » (2).
وإطلاقها يشمل ما إذا قصد الإمناء أم لا.
ومنهم من ذكر بلفظ الاستمناء (3)، الظاهر في طلبه وقصده.
ولا وجه للتخصيص بعد إطلاق الرواية وعدم المعارض.
ولا تعارضها صحيحة ابن عمّار المتقدّمة في الفرع الثاني من المسألة الأولى (4)، لاختلاف موضوعيهما.
ومنهم - ولعلّه الأكثر كما صرّح به بعضهم - من عمّم مع التخصيص المذكور بالعبث بالذكر أو الملاعبة مع الأهل وغيره.
ولا دليل له تامّا على التعميم أيضا ، سوى ما يتوهّم من كون العلّة هو الإمناء ، ولا خصوصيّة للعبث بالذكر.
وما قيل من أنّه أقبح من إتيان الأهل الثابت فيه الأمران (1).
ومن حسنة مسمع التي رواها الإسكافي : « إذا نزل الماء إمّا بعبث بحرمته أو بذكره أو بإدمان نظره مثل الذي جامع » (2).
والأولان : استنباط للعلّة ، وهو طريقة العامّة المضلّة.
والثالث : ليس بحجّة ، مع أنّه لا قطع بكونه من الرواية ، مضافا إلى عدم صراحته في وجوب القضاء إلاّ بتعميم المماثلة ، وهو محلّ الخدشة.
المسألة الثامنة : من أمنى - أي أخرج منيّه بقصد واختيار - بغير ما ذكر من العبث بالذكر من ملاعبة أو مسّ ، أو نظر إلى الأهل ، أو الأجنبيّة ، أو الغلام ، أو غيرها ، فالأصل فيه وجوب البدنة خاصّة.
لصحيحة البجلي : عن الرجل يمني وهو محرم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا عليهما؟ قال : « عليهما جميعا الكفّارة ، مثل ما على الذي يجامع » (3).
مضافا في الإمناء بالملاعبة بامرأته إلى صحيحة أخرى له ، وهي كالأولى ، إلاّ أنّ أولها : عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم (4)، إلى آخر ما مرّ.
وقيل هنا بالجزور (1).
ولا وجه له.
إلاّ أنّ الظاهر أنّهم لم يفرّقوا بينه وبين البدنة ، ولذا استدلّ جماعة لأحدهما بأخبار الآخر في مواضع عديدة.
وقيل فيه بعموم الحكم للمرأة أيضا ، واستدلّ له بهذه الصحيحة (2).
وهو خطأ ، فإنّ ضمير التثنية للمحرم والفاعل في شهر رمضان دون الرجل والمرأة.
وفي الإمناء بالنظر إلى امرأته بشهوة إلى حسنة مسمع ، وفيها : « ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور » (3).
وقد يستدلّ له أيضا بصحيحة ابن عمّار : في المحرم ينظر إلى امرأته وينزلها بشهوة حتى ينزل ، قال : « عليه بدنة » (4).
وهو كان حسنا لو كان فيها كما نقله ، حيث نقله بلفظه : « أو » مكان الواو في قوله : « وينزلها » ، ولكنّها ليست كذلك في النسخ الصحيحة.
ولا يعارض الحسنة صدر هذه الصحيحة : عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم ، قال : « لا شيء عليه » (5).
1) انظر المقنع والهداية : 76 ، الحدائق 15 : 399.
2) انظر المدارك 8 : 428.
3) الكافي 4 : 376 - 4 ، التهذيب 5 : 326 - 1121 ، الاستبصار 2 : 191 - 641 ، الوسائل 13 : 136 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 3.
4) الكافي 4 : 375 - 1 ، الوسائل 13 : 135 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 1 وفيه : أو ينزلها ..
5) الكافي 4 : 375 - 1 ، التهذيب 5 : 325 - 1117 ، الاستبصار 2 : 191 - 642 ، الوسائل 13 : 135 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 1.
ولا موثّقة إسحاق : في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى ، قال : « ليس عليه شيء » (1).
لأعمّيتهما مطلقا منها ، من حيث شمول الشيء المنفي للجزور والقضاء والتفريق والعقاب وسائر أنواع الكفّارة ، وشمول النظر في الأولى لما كان بالشهوة وغيرها. ولو لا الحسنة لكانتا معارضتين للأصل المذكور بالعموم من وجه ، اللاّزم فيه الرجوع إلى أصل البراءة ، كما هو مذهب المفيد والسيّد (2).
وإنّما قيّدنا بقولنا في صدر المسألة بقصد واختيار لأنّه المتبادر من أمناء الشخص ، وأمّا ما لم يكن كذلك فليس هو حقيقة فعله ، ولا يقال : إنّه فعله حتى يصدق أنّه أمنى ، وفعله أعمّ من أن يقصد إليه بنفسه أو إلى سببه الذي يوجده ولو كان سببا عاديّا.
المسألة التاسعة : من قبّل امرأته محرما : فإن كان بشهوة وأمنى فعليه البدنة.
للأصل المذكور.
مضافا إلى عموم صحيحة الحلبي : عن المحرم يضع يده - إلى أن قال : - قلت : فإن قبّل؟ قال : « هذا أشدّ ، ينحر بدنة » (3).
ورواية عليّ بن أبي حمزة : عن رجل قبّل امرأته وهو محرم ، قال :
« عليه بدنة وإن لم ينزل » (1).
وحسنة مسمع : « إنّ حال المحرم ضيّقة ، فإن قبّل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة ، ومن قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور » (2).
وكذلك إن كان مع الشهوة دون الإمناء.
لإطلاق الصحيحة والرواية.
ولا ينافيها مفهوم قوله : « فأمنى » في الحسنة ، لأنّه مفهوم ضعيف لا حجّية فيه.
وإن كان مع الإمناء دون الشهوة فلا بدنة عليه ، بل عليه دم شاة.
للحسنة المذكورة النافية للبدنة ، بقرينة التفصيل القاطع للشركة ، فإنّها تعارض صحيحة البجلي - المثبتة للبدنة في الإمناء مطلقا - بالعموم من وجه ، وإذ لا مرجّح فيرجع في خصوص الأمناء إلى الأصل ، وتبقى الشاة لنفس التقبيل.
لا يقال : الإمناء مع التقبيل بلا شهوة من الأفراد النادرة جدّا ، فلا تنصرف إليه الحسنة ، لأنّه على ذلك يجري مثله في الصحيحة أيضا.
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ ثبوت الشاة خاصّة للتقبيل مطلقا لا ينافي ثبوت البدنة للإمناء كذلك ، فإنّ الإمناء أمر آخر وإن ترتّب على التقبيل واجتمع معه ، ولازمه ثبوت الأمرين.
إلاّ أنّ ها هنا كلاما آخر ، وهو : عدم معلوميّة صدق الإمناء حينئذ ، لأنّه إخراج المني ، وما نحن فيه وإن كان خروجا ولكن لا يعلم كونه إخراجا ، إذ ليس التقبيل بغير شهوة سببا عاديّا له.
والحاصل : أنّه بالنسبة إلى خروج المني كنسبة النوم إلى الاحتلام ، فلا يكون هذا الفرد داخلا في الأصل المذكور رأسا لا أن يكون مستثنى من الأصل ، فإنّ الإمناء إنّما يكون مع طلبه ، كما تشعر به صحيحة الحلبي ، وفيها : قلت : فإنّه أراد أن ينزلها من المحمل ، فلمّا ضمّها إليه أدركته الشهوة ، قال : « ليس عليه شيء ، إلاّ أن يكون طلب ذلك » (1).
ولو لا ذلك لكنّا نقول بوجوب البدنة والشاة معا ، الاولى للإمناء ، والثانية للتقبيل ، لأدلّة كلّ منهما ، ونفي الحسنة للبدنة لأجل التفصيل إنّما ينفيها من حيث التقبيل لا من حيث الإمناء.
وإنّما لم نقل بالبدنتين في صورة التقبيل بالشهوة والإمناء بمثل ذلك الدليل لما ثبت عندنا من أصالة تداخل الأسباب مع اتّحاد المسبّب نوعا.
ولا نبالي بعدم معلوميّة شريك في ذلك القول ، لجواز أن يكون مراد القوم - كلاّ أو بعضا - بيان كفّارة كلّ فعل بخصوصه ، فيجتمع مع الاجتماع ، مع أنّ المقام - لتشتّت الأقوال - ممّا لا يعلم فيه إجماع بسيط أو مركّب.
لا يقال : إنّه وإن لم تثبت البدنة حينئذ بالأصل المذكور - لما ذكرت - ولكن يمكن إثباتها بإطلاق صحيحة الحلبي ورواية عليّ بن أبي حمزة.
لأنّا نقول : بأنّهما أعمّان مطلقا من الحسنة ، لتقييدها بغير الشهوة ، فيجب التخصيص بها.5.
1) التهذيب 5 : 326 - 1118 ، الوسائل 13 : 137 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 5.
بل قد يقال : إنّ سياقهما ظاهر فيما كان مع الشهوة ، ومع ذلك هو الغالب المنصرف إليه الإطلاق ، ولكنّهما لا يخلوان عن قبول المنع.
وكذلك إن كان بدون الشهوة والأمناء ، للحسنة المتقدّمة.
وتحصّل ممّا ذكر : أنّ في التقبيل مع الشهوة البدنة ولو لم يمن ، وبدونها الشاة ولو أمنى.
وللقوم فيه أقوال أخر :
فعن جماعة - منهم : الحلّي والديلمي وابن زهرة - : اشتراط الإنزال والشهوة معا في ثبوت البدنة (1).
وعن آخرين - منهم : الصدوق والمفيد - : عدم اشتراط الشهوة في ثبوتها (2).
ومنهم من جمع بين الأمرين : اشتراط الإنزال ، وعدم الشهوة.
ومنهم من اشترط الإنزال والشهوة معا ، حكي عن ابن سعيد (3).
ومنهم من لم يحكم بالبدنة أصلا ، بل اكتفى فيه بالشاة مطلقا (4).
والكلّ ضعيف غير مطابق لمقتضى الاستدلال.
المسألة العاشرة : من مسّ امرأته أو حملها بشهوة فعليه شاة.
لصحيحة ابن عمّار : عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم ، قال : « لا شيء عليه ، ولكن ليغتسل ويستغفر ربّه ، وإن حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى فلا شيء عليه ، وإن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى
أو أمذى فعليه دم » (1).
والحلبي : قلت : المحرم يضع يده بشهوة ، قال : « يهريق دم شاة » (2).
ومحمّد : عن رجل حمل امرأته وهو محرم فأمنى أو أمذى ، قال : « إن حملها أو مسّها بشيء من الشهوة فأمنى أو لم يمن أمذى أو لم يمذ فعليه دم شاة يهريقه ، فإن حملها أو مسّها بغير شهوة أمنى أو لم يمن فليس عليه شيء » (3).
وحسنة مسمع ، وفيها : « ومن مسّ امرأته بيده وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة » (4).
فإن حصل مع ذلك الإنزال فعليه مع الشاة البدنة ، الاولى : للمسّ بشهوة ، والثانية : للإمناء ، للتقريب الذي مرّ في المسألة السابقة.
وإن مسّها أو حملها بلا شهوة فلا شيء عليه وإن أنزل ، لصحيحتي ابن عمّار ومحمّد المتقدّمتين.
ولا يرد : أنّهما أعمّان مطلقا من الأصل المذكور ، حيث إنّ الشيء أعمّ من الكفارة.
لأنّ التقابل مع ما فيه الكفّارة يجعلهما كالصريح في إرادة نفي الكفّارة ، فإنّ التفصيل قاطع للشركة.
1) الكافي 4 : 375 - 1 ، الوسائل 13 : 135 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 1 وفيه : وإن حملها .. وهو محرم ..
2) الكافي 4 : 375 - 2 ، الوسائل 13 : 138 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 18 ح 1.
3) الفقيه 2 : 214 - 972 ، التهذيب 5 : 326 - 1119 ، الوسائل 13 : 137 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 6 ، بتفاوت.
4) الكافي 4 : 376 - 4 ، التهذيب 5 : 326 - 1121 ، الاستبصار 2 : 191 - 641 ، الوسائل 13 : 136 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 3.
مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك لكان تعارضهما مع دليل الأصل بالعموم من وجه ، اللازم فيه الرجوع إلى أصالة البراءة بعد اليأس عن الترجيح.
مضافا إلى عدم معلوميّة صدق الإمناء حينئذ بالتقريب المذكور.
المسألة الحادية عشرة : من نظر إلى أهله فلا شيء عليه من جهة النظر مطلقا ، بشهوة كان أو بدونها.
لأصل البراءة.
وصحيحة ابن عمّار : عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم ، قال : « لا شيء عليه » (1).
وموثّقة إسحاق : « محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى ، قال : « ليس عليه شيء » (2).
ولو كان معه الإنزال ، فإن كان بشهوة فعليه بدنة.
للأصل المتقدّم.
وحسنة مسمع : « ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور » (3).
وهي وإن كانت معارضة مع الصحيحة والموثقة ولكنّها أخصّ مطلقا منهما ، لأنّ الجزور أخصّ من الشيء ، مع أنّه لولاه أيضا للزم الرجوع إلى
1) الكافي 4 : 375 - 1 ، التهذيب 5 : 325 - 1117 ، الاستبصار 2 : 191 - 642 ، الوسائل 13 : 135 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 1.
2) التهذيب 5 : 327 - 1122 ، الاستبصار 2 : 192 - 643 ، الوسائل 13 : 138 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 7.
3) الكافي 4 : 376 - 4 ، التهذيب 5 : 326 - 1121 ، الاستبصار 2 : 191 - 641 ، الوسائل 13 : 136 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 17 ح 3.
الأصل المذكور.
وإن كان بدون الشهوة فلا شيء عليه.
لمعارضة الصحيحة مع دليل الأصل بالعموم من وجه ، فيرجع إلى أصل البراءة ، مضافا إلى ما مرّ من عدم معلوميّة صدق أمنائه حينئذ.
ومن نظر إلى غير أهله من الأجنبيّات فأمنى ، فإن كان موسرا فعليه بدنة ، وإن كان متوسّطا فبقرة ، وإن كان معسرا فشاة.
لموثّقة أبي بصير : عن رجل نظر إلى ساق امرأة فأمنى ، قال : « إن كان موسرا فعليه بدنة ، وإن كان بين ذلك فبقرة ، وإن كان فقيرا فشاة ، أما إنّي لم أجعل ذلك عليه من أجل الماء ، ولكن من أجل أنّه نظر إلى ما لا يحلّ له » (1).
وقريبة منها الأخرى ، وفيها : ساق امرأة أو فرجها (2)، وذيلها يدلّ على كون الامرأة أجنبيّة.
ومعنى قوله : « من أجل الماء » أي من أجله خاصّة ، كما تدلّ عليه صحيحة ابن عمّار : في محرم نظر إلى غير أهله فأمنى ، قال : « عليه دم ، لأنّه نظر إلى غير ما يحلّ له ، وإن لم يكن أنزل فليتّق اللّه ولا يعد ، وليس عليه شيء » (3).
وإطلاق الدم فيها محمول على تفصيل الموثّقة ، حملا للمجمل على المبيّن ، والمقيّد على المطلق.5.
ولا ينافي قوله : « إنّي لم أجعل ذلك عليه من أجل الماء » ما ذكرنا من الأصل المتقدّم ، لأنّ مبناه على قصد الإمناء الذي هو الاستمناء ، وهذا يدلّ على أنّ خروج الماء من حيث هو ليس شيئا بإزائه.
وهل ذلك التفصيل جار في النظر إلى الأهل مع الإمناء ، أم لا؟
الظاهر هو : الثاني ، لاختصاص الموثّقة بغير الأهل.
ولا يلزم أغلظيّة النظر إلى الأهل عن النظر إلى غيرها ، لأنّ الحكم حكم النظر إلى الغير مع الإمناء ، سواء كان بشهوة أو غير شهوة ، طلب خروج المني أو لم يطلب ، ويحتمل اجتماع الحكمين مع النظر بالشهوة إلى الغير والإنزال.
المسألة الثانية عشرة : لا كفّارة في غير ما ذكر من الاستمتاعات ، للأصل.
ولا في الإمناء بسماع كلام الأجنبيّة مطلقا ، ولا في حال جماعها ، ولا في توصيف الأجنبيّة له.
لرواية أبي بصير (1)، ومرسلة البزنطي (2)، وروايتي سماعة (3)
الثانية في : الكافي 4 : 377 - 12 ، الوسائل 13 : 141 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 20 ح 1.
.إلاّ إذا قصد بأحد هذه الأحوال الإمناء وأمنى ، فيحتمل وجوب البدنة كما ذكره بعض الأصحاب ، للأصل المذكور.
المسألة الثالثة عشرة : من جامع في إحرام العمرة قبل السعي : فإن كانت عمرة مفردة فسدت عمرته وعليه بدنة وقضاء العمرة ، بلا خلاف يوجد فيها ، بل بالإجماع.
لصحيحة أحمد بن أبي عليّ : في الرجل اعتمر عمرة مفردة فوطئ أهله وهو محرم قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه ، قال : « عليه بدنة ، لفساد عمرته ، وعليه أن يقيم بمكّة حتى يدخل شهر آخر ، فيخرج إلى بعض المواقيت ، فيحرم منه ثمَّ يعتمر » (1).
وبمضمونها حسنة مسمع ، إلاّ أنّ فيها : « فيطوف بالبيت ثمَّ يغشى أهله قبل أن يسعى » (2).
والمآل واحد ، لأنّ قبل الفراغ من الطواف والسعي - كما في الصحيحة - يشمل ما بعد الطواف قبل السعي أيضا ، فتوهّم اختصاصها بما قبل الطواف والسعي معا - كما قيل - غير جيّد.
وأمّا العمرة المتمتّع بها ، فظاهر الأكثر أنّها كالمفردة ، بل صرّح بعضهم بعدم الخلاف فيه (3).
وظاهر التهذيب - كما قيل (4)- تخصيص الحكم بالمفردة.
ودليل التعميم : عدم الخلاف ، وتساوي العمرتين في الأركان ، وحرمتهن.
ودليل التخصيص : اختصاص المنصوص بالمفردة.
أقول : يمكن الاستدلال للأول بإطلاق كثير من الأخبار المتضمّنة لقضاء الحجّ والتفريق إذا وقع المحرم على أهله ، فإنّها تشمل إحرام الحجّ وإحرام عمرة التمتّع مع اتّساع الوقت لإنشاء عمرة أخرى أو ضيقه ، خرجت صورة الاتّساع بالإجماع ، فبقي الباقي ، ومنه ما وقع في إحرام العمرة مع ضيق الوقت ، ولا وجه لقضاء الحج حينئذ إلاّ فساد العمرة ، وحينئذ فالتعميم أقوى ، لذلك.
ومنه يظهر وجه وجوب التفريق أيضا كما ذكره الفاضل في القواعد والشهيدان (1)، ووجه وجوب قضاء الحجّ مع عدم إمكان إنشاء العمرة ، وكذا يدلّ على أنّه يجب التفريق في إحرام العمرة بعض الأخبار المطلقة المتضمّنة لتفريق المحرم المجامع كما مرّ.
وهل يجب إتمام العمرة الفاسدة؟
الظاهر : لا ، للأصل.
والمحصّل ممّا ذكر : فساد العمرة بالجماع قبل السعي ، فإن كانت مفردة يتركها ويقضيها ، وإن كانت متمتّعا بها ينشئها مع اتّساع الوقت ويتمّ الحجّ ، وعليه البدنة ، لإطلاقات وجوبها على المحرم المجامع أو الذي استمنى ، ومع ضيق الوقت يقضيها مع الحجّ من قابل ، وعليه البدنة ، ويجب التفريق على الوجه المتقدّم.
ويمكن الاستدلال على فساد عمرة التمتّع بالجماع بإطلاق صحيحة ضريس : عن رجل أمر جاريته أن تحرم من الوقت فأحرمت ولم يكن هو أحرم ، فغشيها بعد ما أحرمت ، قال : « يأمرها فتغتسل ، ثمَّ تحرم ولا شيء
1) حكاه عنهم في الرياض 1 : 470 ، وانظر القواعد 1 : 99 ، الدروس 1 : 338 ، المسالك 1 : 145.
عليه » (1).
ورواية وهب بن عبد ربّه : في رجل كانت معه أمّ ولد ، فأحرمت قبل سيّدها ، إله أن ينقض إحرامها ويطأها قبل أن يحرم؟ قال : « نعم » (2).
دلّتا على انتقاض إحرام الجارية ، بالمجامعة معها ، فالرجل أيضا كذلك بالإجماع المركّب.
ومنه يظهر وجه آخر لفساد الحجّ مع الضيق ، لدوران الأمر بين العدول إلى الإفراد ، أو التمتّع بالحجّ بالعمرة الفاسدة ، أو وجوب القضاء ، والأولان مخالفان للأصل والتوقيف ، فبقي الثالث.
هذا حكم الجماع ، وأمّا غيره من أنواع التمتّعات إذا وقع في العمرة فحكمه كما مرّ ، للإطلاقات.
المسألة الرابعة عشرة : لو عقد محرم لمحرم على امرأة ودخل بها كان على العاقد بدنة وعلى الزوج بدنة ، فيما قطع به الأصحاب من غير خلاف كما قيل (3)، وفي المدارك (4)وغيره (5): أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه ، وعن صريح الغنية : الإجماع عليه (6).
وتدلّ عليه موثّقة سماعة : « لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوّج محرما وهو [ يعلم ] أنّه لا يحلّ له » ، قلت : فإن فعل ودخل بها المحرم؟ قال : « إن
كانا عالمين فإنّ على كل واحد منهما بدنة ، وعلى المرأة إن كانت محرمة بدنة ، وإن لم تكن محرمة فلا شيء عليها ، إلاّ أن تكون قد علمت أنّ الذي تزوّجها محرم ، فإن كانت علمت ثمَّ تزوّجته فعليها بدنة » (1).
والموثّقة وإن اختصّت بالعاقد الحلال ، ولكنّ الأصحاب عمّموا الحلال للمحرم أيضا.
وكذا مقتضاها الاختصاص بصورة علمه وكذا علم الزوج - وحكي عن الأكثر : التعميم (2)، ولا وجه له - وبالمرأة المحرمة أو العالمة بإحرام الزوج ، وهو كذلك ، واللّه العالم.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في كفّارة الطيب ، والكلام فيه : إمّا في التدهّن بالطيب ، أو أكل الطعام المطيّب ، أو نفس التطيّب.
واختلفت كلماتهم في كفّارته : فمنهم من لم يذكر له كفّارة أصلا ، كالديلمي (1).
ومنهم من ذكرها للتدهّن خاصّة ، كابن سعيد (2).
ومنهم من ذكرها لأكل الطعام المطيّب كذلك ، كالمفيد وابن حمزة (3).
ومنهم من ذكرها لاستعمال المسك والعنبر والعود والكافور والزعفران ، كالنزهة (4).
ومنهم من ذكرها للأكل وشمّ الكافور والمسك والعنبر والزعفران والورس ، وصرّح بالنفي فيما عدا ذلك ، كالحلبي (5).
ومنهم من زاد على الأخير : استعمال الدهن الطيّب ، ونفي الكفّارة عمّا عدا ما ذكره بالإجماع والأخبار والأصل ، كالخلاف (6).
ومنهم من عمّمها للطيب صبغا وأكلا واطلاء وتبخيرا وشمّا ومسّا واحتقانا واكتحالا وإسعاطا ، ابتداء واستدامة ، كالشرائع والنافع والقواعد والإرشاد والمنتهى والتذكرة والتحرير (1)، وإن اختلف عبارات هؤلاء زيادة ونقصانا فيما ذكروه للتعميم.
والأخبار الواردة في المقام : ما تقدّم في ثالث محرّمات الإحرام :
من صحيحة زرارة المصرّحة بوجوب الدم في أكل الزعفران والطعام الطيّب متعمّدا (2).
وصحيحة ابن عمّار الآمرة بالتصدّق بقدر ما صنع في مسّ الطيب والتدهّن والطعام المطيّب (3).
وصحيحة حريز ومرسلته الآمرتين بالتصدّق بقدر السعة في قدر ما صنع ، أو قدر الشبع في مسّ الطيب والتلذّذ بالريح الطيّبة (4)
المرسلة في : 353 - 2 ، الوسائل 12 : 443 أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 6.
.وروايتي الحسن بن زياد الآمرتين بالتصدّق بشيء في غسل اليد بالأشنان المطيّب (5)
الثانية في : الكافي 4 : 354 - 7 ، الوسائل 13 : 152 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 4 ح 8.
.8.1) الشرائع 1 : 295 ، النافع : 107 ، القواعد 1 : 99 ، الإرشاد 1 : 323 ، المنتهى 2 : 814 ، التذكرة 1 : 353 ، التحرير 1 : 120.
2) الكافي 4 : 354 - 3 ، الفقيه 2 : 223 - 1046 ، الوسائل 13 : 150 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 4 ح 1.
3) التهذيب 5 : 304 - 1039 ، الوسائل 12 : 444 أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 8.
4) الصحيحة في : التهذيب 5 : 297 - 1007 ، الاستبصار 2 : 178 - 591 ، الوسائل 12 : 445 أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 11.
5) الاولى في : الفقيه 2 : 223 - 1047 ، الوسائل 12 : 151 أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 4.
مضافا إلى صحيحة أخرى لزرارة : « من نتف إبطيه ، أو قلّم ظفره ، أو حلق رأسه ، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه ، أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله ، وهو محرم ، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء ، ومن فعله متعمّدا فعليه شاة » (1).
والمرويّ في قرب الإسناد للحميري : « لكلّ شيء خرجت من حجّك فعليك دم تهريقه حيث شئت » (2).
ومرسلة المفيد عن الصادق عليه السلام : « كفارة مسّ الطيب للمحرم أن يستغفر اللّه » (3).
ومقطوعة ابن عمّار : في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج ، قال : « إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان فعله بعمد فعليه دم شاة » (4).
ورواية الحسن بن هارون : إنّي أكلت خبيصا فيه زعفران حتى شبعت وأنا محرم ، قال : « إذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكّة فابتع بدرهم تمرا فتصدّق به ، فيكون كفّارة لذلك ، ولما دخل في إحرامك ممّا لا تعلم » (5).
1) التهذيب 5 : 369 - 1287 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 1.
2) قرب الإسناد : 237 - 928 ، الوسائل 13 : 158 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 5.
3) المقنعة : 446 ، الوسائل 13 : 153 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 4 ح 9.
4) التهذيب 5 : 304 - 1038 ، الوسائل 13 : 151 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 4 ح 5 بتفاوت يسير.
5) الكافي 4 : 354 - 9 ، الفقيه 2 : 223 - 1045 ، التهذيب 5 : 298 - 1008 ، الوسائل 13 : 149 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 3 ح 1 بتفاوت يسير.
أقول : لا ينبغي الريب في وجوب الشاة في أكل الطعام المطيّب والتدهين بالمطيّب متعمّدا.
لصحيحتي زرارة ومقطوعة ابن عمّار ورواية قرب الإسناد ، لأخصّية الأولين من سائر الأخبار المخالفة لهما مضمونا ، لاختصاصهما بالمتعمّد.
وكذا في استعمال ما يحرم استعماله من الطيب ، وهو - على المختار - : المسك والزعفران والعود والورس.
لرواية قرب الإسناد المنجبرة بالشهرة ، التي هي أخصّ ممّا ذكر أيضا ، لاختصاصها بالعمد - لعدم كون غيره خرجا من الحجّ - وبالمحرّم أيضا لذلك ، ونفي الكفّارة الواجبة في غير ما ذكر ، وإن استحبّ التصدّق بما ورد في الأخبار فيما عدا ذلك ، للأخبار المذكورة اللازم حملها على الاستحباب ، للإجماع على عدم الوجوب في غير العمد - كما دلّت عليه بعض الأخبار المتقدّمة مفهوما أو منطوقا - وكذا في غير المحرّم من الطيب.
المسألة الثانية : في قلم كلّ ظفر من أظفار اليد أو الرجل مد من طعام.
وفي جميع أظفار اليدين أو الرجلين دم واحد.
وكذا في جميع أظفار اليدين والرجلين في مجلس واحد.
ولو كان كلّ واحد منهما في مجلس لزمه دمان.
وفاقا للمشهور كما صرّح به جماعة (1)، بل لغير شاذّ ، كما في المدارك (2)، بل بالإجماع ، كما عن الخلاف والغنية والمنتهى (3).
لصحيحة أبي بصير : رجل قلّم ظفرا من أظافيره وهو محرم ، قال : « عليه مدّ من طعام حتى يبلغ عشرة ، فإن قلّم أصابع يديه كلّها فعليه دم شاة » ، قلت : فإن قلّم أظافير يديه ورجليه جميعا؟ فقال : « إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم ، وإن كان فعله متفرّقا في مجلسين فعليه دمان » (1).
ولكن لا دلالة لها على لزوم الشاة في أظفار الرجلين خاصّة.
وتدلّ عليه وعلى حكم كلّ ظفر وكلّ أظفار اليدين أيضا رواية الحلبي : عن محرم قلّم أظافيره ، قال : « عليه مدّ في كلّ إصبع ، فإن هو قلّم أظافيره عشرتها فإنّ عليه دم شاة » (2).
كما تدلّ أيضا على الحكمين الأخيرين موثّقة أبي بصير : « إذا قلّم المحرم أظافير يديه ورجليه في مكان واحد فعليه دم ، وإن كانتا متفرّقتين فعليه دمان » (3).
ويقيّد ما ذكر إطلاق صحيحة زرارة : « من قلّم أظافيره ناسيا [ أو ساهيا ] أو جاهلا فلا شيء عليه ، ومن فعله متعمّدا فعليه دم » (4).
خلافا للمحكيّ عن الإسكافي ، فلكلّ ظفر مدّ أو قيمته مخيّرا بينهما ،
1) الفقيه 2 : 227 - 1057 ، التهذيب 5 : 332 - 1141 ، الاستبصار 2 : 194 - 651 ، الوسائل 13 : 162 أبواب بقية كفّارات الصوم ب 12 ح 1 بتفاوت يسير.
2) التهذيب 5 : 332 - 1142 ، الاستبصار 2 : 194 - 652 ، الوسائل 13 : 162 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 12 ح 2.
3) الكافي 4 : 360 - 5 ، الوسائل 13 : 164 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 12 ح 6.
4) التهذيب 5 : 333 - 1145 ، الاستبصار 2 : 195 - 655 ، الوسائل 13 : 160 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 10 ح 5 ، وما بين المعقوفين من المصادر.
إلى أن يبلغ خمسة فصاعدا ففيها دم إن كان في مجلس واحد ، فإن فرّق بين يديه ورجليه فليديه دم ولرجليه دم (1).
ودليله على الجزء الأول : الجمع بين صحيحة أبي بصير المتقدّمة وهذه الصحيحة أيضا على رواية التهذيب ، فإنّ فيها : « في كلّ ظفر قيمة مدّ من طعام » (2).
وعلى الجزء الثاني : صحيحة حريز : في المحرم ينسى فيقلّم ظفرا من أظافيره ، فقال : « يتصدّق بكفّ من طعام » ، قلت : فاثنتين؟ قال « كفّين » ، قلت : فثلاثة؟ قال : « ثلاثة أكفّ ، كلّ ظفر كفّ حتى يصير خمسة ، فإذا قلّم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان » (3).
ومرسلته : في محرم قلّم ظفرا ، قال : « يتصدّق بكفّ من طعام » ، قلت : ظفرين؟ قال « كفين » ، قلت : ثلاثة؟ قال « ثلاثة أكفّ » ، قلت : أربعة؟ قال : « أربعة أكفّ » ، قلت : خمسة؟ قال : « عليه دم يهريقه ، فإن قصّ عشرة أو أكثر من ذلك فليس عليه إلاّ دم يهريقه » (4).
وعلى الجزء الثالث : ما مرّ دليلا للقول المشهور.
ويردّ دليله على الأول : بعدم المقاومة لما مرّ حتى يحتاج إلى الجمع ، للشذوذ.
وبه يردّ دليله على الجزء الثاني أيضا ، مضافا إلى ورود الصحيحة في الناسي ، ولا بدّ من حملها على الاستحباب ، لعدم وجوب الكفّارة على الناسي إجماعا ونصّا كما مرّ.
ومنه يعلم أنّه المحمل في المرسلة أيضا.
هذا ، مع أنّها بتمام مضمونها لا توافق قول أحد من الطائفة ، بل قيل : توافق مذهب أبي حنيفة (1).
وللمحكيّ عن الحلبي ، فقال : لقصّ كلّ ظفر كفّ من طعام ، وفي أظفار إحدى يديه صاع ، وفي أظفار كلتيهما دم وكذلك حكم أظفار رجليه (2).
ودليله على الجزء الأول : صحيحة حريز ومرسلته المتقدّمتان.
وصحيحة ابن عمّار : عن المحرم تطول أظفاره أو ينكسر بعضها فيؤذيه ذلك ، قال : « لا يقصّ شيئا منها إن استطاع ، فإن كانت تؤذيه فليقصّها وليطعم مكان كلّ ظفر قبضة من طعام » (3).
وجوابه يظهر ممّا مرّ أيضا ، مع أنّ الأخيرة واردة في المضطر الذي لا يجب عليه شيء ، فحملها على الاستحباب أيضا متعيّن.
ولم أظفر على جزئه الثاني على دليل ، إلاّ أن يراد بالصاع : صاع النبيّ - الذي هو خمسة أمداد - فيؤول إلى المشهور.
والثالث يوافق المشهور.
وللمحكيّ عن العماني ، فإنّه قال : من انكسر ظفره وهو محرم فلا يقصّه ، فإن فعل فعليه أن يطعم مسكينا في يده (1).
ولا دليل له ، إلاّ أن يراد بالإطعام : مطلقه الشامل للقبضة أيضا ، فتدلّ عليه صحيحة ابن عمّار ، ولكنّها مخصوصة بحال الاضطرار ، محمولة على الاستحباب.
أ : ما مرّ من الكفّارة إنّما هو مع التعمّد ، وأمّا مع النسيان أو السهو أو الجهل فلا كفّارة إجماعا.
وتدلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة ، ومرسلة الفقيه.
قال - بعد نقل صحيحة أبي بصير المتقدّمة - : وفي رواية زرارة : « إنّ من فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه » (2).
وفي رواية أبي حمزة (3): عن رجل قلّم أظافيره إلاّ إصبعا واحدا ، قال : « نسي؟ » قال : نعم ، قال : « لا بأس » (4).
ب : لو أفتى أحد بتقليم ظفر المحرم فأدماه ، لزم المفتي شاة على الحقّ المشهور ، لرواية إسحاق الصيرفي (5)المنجبرة ، وإطلاقها يقتضي عدم
1) حكاه عنه في المختلف : 285.
2) الفقيه 2 : 228 - 1076 ، الوسائل 13 : 160 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 10 ح 2.
3) في النسخ : ابن أبي حمزة ، والصحيح ما أثبتناه.
4) التهذيب 5 : 332 - 1144 ، الاستبصار 2 : 195 - 654 ، الوسائل 13 : 160 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 10 ح 4.
5) التهذيب 5 : 333 - 1146 ، الوسائل 13 : 164 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 13 ح 1.
اشتراط إحرام المفتي ، كما أنّ تقييدها مع الأصل يقتضي الاختصاص بصورة الإدماء.
وهل تشترط أهليّة المفتي للإفتاء بزعم المستفتي؟
قيل : نعم (1).
وفيه نظر.
نعم ، الظاهر اشتراط عدم زعمه بطلان قوله.
ج : إنّما يجب الدم أو الدمان بتقليم أصابع اليدين والرجلين إذا لم يتخلّل التكفير عن السابق قبل البلوغ إلى حدّ يوجب الشاة ، وإلاّ تعدّد المدّ خاصة بحسب تعدّد الأصابع ، لأنّه المتبادر من النصّ والفتوى ، كذا قيل (2).
وهو للمنع قابل ، بل الظاهر من الإطلاق : الدم مع البلوغ إلى حدّه وإن كفّر للسابق.
ولذا قالوا : لو كفّر شاة لليدين أو الرجلين ثمَّ أكمل الباقي في المجلس وجبت عليه شاة أخرى.
د : مقتضى إطلاق الروايات : أنّ بعض الظفر كالكلّ ، لصدق الظفر ، بل المتعارف قصّه ليس إلاّ بعض الظفر.
ولو تعدّدت دفعات قصّ ظفر إصبع واحد ، فإن كان في مجلس واحد فالظاهر عدم تعدّد الفدية ، لعدم دليل على اشتراط وحدة القصّ ، بل الظاهر أنّه كذلك مع اختلاف المجلس.
ه- : هل الحكم بالدم موقوف على إكمال اليدين أو الرجلين ، كما هو
مقتضى صحيحة أبي بصير (1).
أو يتحقّق بإكمال العشرة أصابع ولو كان بعضها من اليد وبعضها من الرجل ، كما هو المستفاد من رواية الحلبي (2)؟
الظاهر : الأول ، لا لما يتوهّم من تعارض مفهوم الصحيحة مع منطوق الرواية بالعموم من وجه ، فيرجع إلى الأصل ، لأنّ نسبة الأصل إلى الشاة وعشرة أمداد على السواء.
بل لأنّ المتبادر من قوله في الرواية : « أظافيره عشرتها » هو : العشرة من عضو واحد.
نعم ، لو كان يقول : عشرة أظافيره ، لكان للإشكال وجه.
و : لو كانت له إصبع زائدة في اليد أو الرجل ، فهل يتوقّف وجوب الدم على قصّ ظفرها أيضا ، أم لا ، بل يجب بقصّ العشرة؟
الظاهر : الأول ، للأصل ، وانصراف إطلاق العشرة إلى الغالب من الأشخاص ، فمثل ذلك الشخص خارج عن الإطلاق ، فيرجع في حقّه إلى الأصل وإطلاق اليدين والرجلين.
ولو كانت أصابعه ناقصة فيشكل الحكم من جهة ذكر العشرة وانصراف المطلق إلى الشائع ، ومن جهة صدق اليدين والرجلين.
والأصل يقتضي عدم وجوب الدم والاقتصار على مدّ لكلّ ظفر ، فتأمّل.
المسألة الثالثة : في لبس المخيط عمدا دم شاة بالإجماع ، كما عن
لصحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة الاولى (3).
وصحيحة محمّد : عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها ، قال : « عليه لكلّ صنف منها فداء » (4).
ورواية سليمان بن العيص : عن المحرم يلبس القميص متعمّدا ، قال : « عليه دم » (5).
ولا فرق في ذلك بين المختار والمضطرّ وإن انتفى التحريم في الثاني ، لإطلاق الروايات المتقدّمة.
والخدش في دلالة الأولى - بأنّه مع الاضطرار ليس ممّا لا ينبغي لبسه - مردود بأنّها تتضمّن قوله : « ففعل ذلك ناسيا » أيضا ، فيعلم أنّ المراد : ممّا لا ينبغي في صورة العمد والاختيار.
وعن الخلاف والسرائر والتحرير والمنتهى والتذكرة : استثناء السراويل عند الضرورة ، فلا فداء فيه (6)، وعن الأخيرين : الإجماع عليه (7)،
1) المنتهى 2 : 812.
2) كما في كشف اللثام 1 : 408 ، الرياض 1 : 473.
3) التهذيب 5 : 369 - 1287 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 1.
4) الكافي 4 : 348 - 2 ، الفقيه 2 : 219 - 1005 ، التهذيب 5 : 384 - 1340 ، الوسائل 13 : 159 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 9 ح 1.
5) التهذيب 5 : 384 - 1339 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 2.
6) الخلاف 2 : 297 ، السرائر 1 : 543 ، التحرير 1 : 114 ، المنتهى 2 : 782 ، التذكرة 1 : 332.
7) المنتهى 2 : 782 ، التذكرة 1 : 332.
واستدلّ له الشيخ بالأصل مع خلوّ الأخبار عن فدائه.
وفيه : ما مرّ من دلالة الإطلاقات.
وعن بعضهم : استثناء لبس الخفّين أيضا مع الاضطرار ، للأصل ، وتجويز لبسه في بعض الأخبار من غير إيجاب الفداء (1).
بل قد يقال باستثنائه مطلقا ، لعدم دليل عليه ، سوى ما قيل من أنّ الأصل في تروك الإحرام الفداء (2)، وهو ممنوع ، والأخبار المتقدّمة المتضمّنة للفظ الثوب ، وشموله للخفين ممنوع.
وهو جيّد جدّا.
وقال في المدارك : والاستدامة في اللبس كالابتداء ، فلو لبس المحرم قميصا ناسيا ثمَّ ذكر وجب خلعه إجماعا ولا فدية ، ولو أخلّ بذلك بعد العلم لزمه الفداء (3). انتهى.
ولا بأس به.
ولو لبس متعدّدا ، فإمّا يتّحد اللبس ويتعدّد الملبوس شخصا مع وحدة الصنف ، أو صنفا ، أو يتّحد الملبوس ويتعدّد اللبس ، أو يتعدّدان.
فعلى الأول - كأن يلبس قميصين بلبس واحد - : ليس إلاّ كفارة واحدة ، بلا خلاف فيه يعرف ، للأصل.
وعلى الثاني - كأن يلبس قميصا وقباء بلبس واحد - : فالظاهر تعدّد الفداء ، لصحيحة محمّد المتقدّمة ، وحملها على صورة تعدّد اللبس لا وجه
له ، وأغلبيّته لو سلّمت ليست بحدّ يوجب الانصراف إليه.
وعلى الثالث - كأن يلبس قميصا واحدا مرّتين - : فإن تخلّل التكفير بينهما تتعدّد الكفّارة ، لاقتضاء وجود السبب وجود المسبب. وإن لم يتخلّل لم تجب إلاّ كفّارة واحدة ، سواء اختلف مجلس اللبسين أو اتّحد ، لأصالة تداخل الأسباب على ما هو التحقيق عندنا.
وعلى الرابع : فمع تعدّد الملبوس صنفا أو تخلّل التكفير تتعدّد الكفّارة ، وإلاّ فلا ، ويظهر وجهه ممّا سبق.
ولا كفّارة في اللبس نسيانا أو جهلا ، إجماعا نصّا وفتوى.
المسألة الرابعة : في إزالة الشعر الكفّارة إجماعا ، للنصوص الآتية.
وهي في حلق الرأس من أذى دم شاة أو صيام ثلاثة أيّام أو الصدقة ، إجماعا من غير شاذّ ، للكتاب والسنّة :
منها : مرسلة حريز ، وفيها : « فأمره رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله - أي أمر كعب حيث رآه القمّل بتناثر من رأسه ، وقال له : أتؤذيك هوامّك؟ قال : نعم ، فنزلت الآية (1)- أن يحلق ، وجعل الصيام ثلاثة أيّام ، والصدقة على ستّة مساكين ، لكلّ مسكين مدّان ، والنسك شاة » (2)، ونحوها صحيحته (3).
ومرسلة الفقيه ، إلاّ أنّ فيها : « لكلّ مسكين صاع من تمر ، والنسك
1) الكافي 4 : 358 ـ 2 ، المقنع : 75 ، الوسائل 13 : 166 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 14 ذيل الحديث 1.
2) الآية : ( « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ » ) البقرة : 196.
3) التهذيب 5 : 333 - 1147 ، الاستبصار 2 : 195 - 656 ، الوسائل 13 : 165 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 14 ح 1.
شاة لا يطعم منها أحد إلاّ المساكين » (1).
ومنها : رواية عمر بن يزيد ، وفيها - بعد ذكر الآية - : « فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيّام ، والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام ، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم ، وإنّما عليه واحد من ذلك » (2).
وخلافا للمحكيّ عن الديلمي ، فاقتصر فيه على الدم خاصّة (3).
ولا وجه له.
ومن غير أذى : دم شاة خاصّة ، وفاقا للمحكيّ عن النزهة (4)، ونفي عنه البعد في المدارك (5)، وقوّاه بعض مشايخنا (6)أولا.
لصحيحة زرارة ورواية قرب الإسناد المتقدّمتين في المسألة الاولى (7)، وصحيحته الأخرى (8)، وهي كالأولى ، إلاّ أنّه ليس فيها : تقليم الظفر ، بتخصيص هذه بما تقدّم من مورده من الأذى ، وإبقائها في غيره على عمومه.
1) الفقيه 2 : 228 - 1083 و 1084 ، الوسائل 13 : 167 و 168 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 14 ح 4 و 5.
2) التهذيب 5 : 333 - 1148 ، الاستبصار 2 : 195 - 657 ، الوسائل 13 : 166 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 14 ح 2.
3) المراسم : 120.
4) نزهة الناظر : 67.
5) المدارك 8 : 439.
6) كما في الرياض 1 : 474.
7) في ص : 268.
8) الكافي 4 : 361 - 8 ، التهذيب 5 : 339 - 1174 ، الوسائل 13 : 159 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 10 ح 1.
خلافا لآخرين - ولعلّهم الأكثر (1)- فجعلوا التخيير في حلق الرأس مطلقا ، بل عن المنتهى : أنّ التخيير في هذه الكفّارة لعذر أو غيره مذهب علمائنا أجمع (2).
ولا دليل عليه يوجب حمل الصحيحين على التجوّز - من الوجوب التخييري - مع عدم إمكانه في غير حلق الرأس ممّا ذكر فيهما ، وبمجرّد ذلك الإجماع المنقول لا يجوز المصير إلى التجوّز.
والحكمان - أي التخيير مع الأذى والدم بدونه - جاريان في حلق الرأس مطلقا ، جميعه كان أو بعضه ، قليلا كان أو كثيرا ، لصدق حلق الرأس ، إلاّ أن يكون قليلا غايته ، بحيث يخرج عن التسمية - كحلق شعرة أو شعرتين أو ثلاثة - فلا يثبت ذلك بما ذكر ، وإن أمكن القول فيه بالدم أيضا ، لرواية قرب الإسناد المتقدّمة ، بل كذلك ، لذلك.
وقيل في حلق ثلاث شعرات بالصدقة بكفّ من طعام أو سويق (3).
ولا وجه له ، سوى بعض الأخبار الآتية ، التي موردها غير الحلق.
وهل حلق غير الرأس أيضا كحلقة ، أم لا؟
ظاهر إطلاق الفاضلين (4)وبعض من تأخّر عنهما (5): الأول.
ومقتضى تقييد جمع ممّن تقدّم عليهما : الثاني (6).
وهو الأجود ، لتعلّق الحكم بالرأس.
إلاّ أنّ في حلق غيره أيضا الدم مطلقا.
لرواية قرب الإسناد.
وكذا في إزالة شعر الرأس بغير الحلق ، لذلك ، إلاّ فيما ورد فيه نصّ بخصوصه ، كما يأتي.
ثمَّ الصدقة المذكورة هل هي على ستّة مساكين ، لكلّ مسكين مدّان ، كما نسبه في المدارك إلى الأكثر (1)، وبعض من تأخّر عنه إلى الأشهر (2)؟
أو على ستّة مساكين من غير ذكر المدّ ولا المدّين ، كما عن الغنية نافيا عنه الخلاف (3)؟
أو عليهم لكلّ مسكين مدّ ، كما عن المبسوط والمقنعة والسرائر (4)؟
أو على عشرة مساكين ، لكلّ مسكين مدّ ، كما عن ابن حمزة والقواعد وفي الشرائع ، ونسبه في المسالك إلى المشهور (5)؟
أو التخيير بين الستّة والمدّين أو العشرة والإشباع ، كما عن التهذيبين والجامع (6)؟
والأقوى هو : الأخير ، للجمع بين روايتي حريز وبين رواية عمر بن يزيد (7).9.
1) المدارك 8 : 439.
2) كما في الرياض 1 : 473.
3) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 577.
4) المبسوط 1 : 350 ، المقنعة : 434 ، السرائر 1 : 553.
5) ابن حمزة في الوسيلة : 169 ، القواعد 1 : 99 ، الشرائع 1 : 296 ، المسالك 1 : 145.
6) التهذيب 5 : 334 ، الاستبصار 2 : 196 ، الجامع : 195.
7) المتقدمة جميعا في ص 278 و 279.
ونظر الأولين إلى ضعف رواية عمر سندا ومتنا لتجويز الأكل فيه من الفداء.
والأول غير ضائر عندنا.
والثاني عند الكلّ ، لأنّ طرح جزء من الرواية لا يوجب طرح الباقي.
ونظر الرابع إلى ترجيح رواية العشرة ، مع كون الغالب في الشبع المدّ. وكلاهما في حيّز المنع.
ومنه يظهر منظور الخامس وجوابه.
وأمّا الثالث فلم يظهر لي محطّ نظره ، سوى ما ذكره بعضهم عن الفقيه - بعد ذكر مرسلته المتقدّمة - : وروي : « مدّ من تمر » (1)، ولم أتفطّن بوجه ترجيحه على غيره ، سيّما مع تقييده بالتمر الذي لا قائل به بخصوصه.
المسألة الخامسة : إذا نتف الرجل إبطيه معا فكفّارته دم شاة ، وإن نتف إحداهما فعليه إطعام ثلاثة مساكين على المشهور بين الأصحاب ، بل قيل : لا خلاف في الحكمين أجده إلاّ عن بعض المتأخّرين (2).
أمّا الأول : فلصحيحة زرارة ورواية قرب الإسناد المتقدّمتين.
وصحيحة حريز : « إذا نتف الرجل إبطيه بعد الإحرام فعليه دم شاة » (3).ة.
وأمّا الثاني : فاستدلّ له برواية عبد اللّه بن جبلة : في محرم نتف إبطه ، قال : « يطعم ثلاثة مساكين » (1).
واعترض عليها بضعف السند (2).
وردّ بالانجبار بالعمل (3)، وهو كذلك.
إلاّ أنّه يرد عليها : ضعف الدلالة على الوجوب ، مع ما قيل من أنّ صحيحة زرارة تدلّ على وجوب الدم في مطلق الإبط (4)، وحمله على الإبطين - لأنّ الغالب نتفهما معا - يجري في الرواية أيضا.
ولا معارض لها ، سوى ما قيل من مفهوم صحيحة حريز (5).
وهو فاسد ، إذ لا يعتبر مفهوم الشرط في أمثال ذلك المقام ، ولذا لم يقل أحد بمعارضته مع ما دلّ على أنّ في الطيب وتقليم الظفر ونحوهما شاة.
ولا يقال : إنّه يعارض ما إذا قال : من حلق رأسه ففيه شاة ، بل الظاهر أنّ الحكم وجوب الشاة لكفّارة ذلك العمل ، فلا يعارض ما دلّ على وجوبها لغيرها ، مع أن الموجود في كثير من النسخ الصحيحة من الوافي بل في جميع ما وجدنا في صحيحة حريز أيضا : « إبطه » بالإفراد دون التثنية.
وعلى هذا ، فلا يكون لما حكم في مطلق الإبط بالشاة - كما اختاره
بعض المتأخّرين - معارض أصلا ، فيجب الحكم به ، ويحكم باستحباب إطعام ثلاثة مساكين أيضا لمطلق الإبط.
وذهب بعض المتأخّرين إلى التخيير بين الإطعام والدم مع أولويّة الدم (1).
وحكم بعض إحدى الإبطين كتمامها ، لصدق نتف الإبط ، وكذا إزالة شعرها بغير النتف ، بل إزالة مطلق الشعر غير ما ذكر - ويأتي - لرواية قرب الإسناد (2).
المسألة السادسة : إن نتف المحرم من شعر لحيته أو غيرها - سوى الإبط - شيئا قليلا أو كثيرا ، أو مسّ رأسه أو لحيته أو غيرهما فسقطت منه شعرة أو شعرات ، فعليه أن يتصدّق بكفّ من طعام أو سويق أو كفّين ، أو يشتري تمرا بدرهم فيتصدّق به ، مخيّرا بينهما.
جمعا بين ما يدلّ على التصدّق بالكفّ - كصحيحتي هشام (3)والحلبي (4)- وما يدلّ على اشتراء التمر - كرواية الحسن بن هارون (5)- وما دلّ على مطلق الإطعام ، كصحيحة ابن عمّار (6).
1) انظر المفاتيح 1 : 339 ، الوافي 12 : 645.
2) المتقدمة في ص 268.
3) التهذيب 5 : 338 - 1171 ، الاستبصار 2 : 198 - 669 ، الوسائل 13 : 171 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 5.
4) الكافي 4 : 361 - 9 ، الوسائل 13 : 173 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 9.
5) التهذيب 5 : 340 - 1176 ، الاستبصار 2 : 199 - 674 ، الوسائل 13 : 171 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 4.
6) التهذيب 5 : 338 - 1170 ، الاستبصار 2 : 198 - 668 ، الوسائل 13 : 171 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 2.
وأمّا ما نفي فيه الشيء أو الصرر - كروايتي المرادي (1)والمفضّل بن عمر (2)- فيحمل على المؤاخذة جمعا ، وما تردّد فيه بين الكفّ أو الكفّين يحمل الزائد على الكفّ فيه على الاستحباب.
وهل الحكم المذكور مخصوص بغير الوضوء إمّا مطلقا أو للصلاة أو مع الغسل أيضا ، كما حكي عن الأكثر (3)؟
لصحيحة التميمي : عن المحرم يريد إسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو الشعرتان ، فقال : « ليس بشيء ، ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) » (4).
أو يعمّه أيضا ، كما عن الصدوق والمفيد والسيّد والديلمي (5).
لبعض الأخبار المتقدّمة.
الحقّ : الأخير ، لعدم دلالة الصحيحة المذكورة على نفي الكفّارة أصلا ولو من جهة التعليل ، لأنّ الأكفّ من الطعام لا حرج فيها أصلا.
المسألة السابعة : في التظليل سائرا الكفّارة ، وعن ظاهر المنتهى : اتّفاق الأصحاب عليه (6)، ونسبه في المدارك إلى مذهب الأصحاب عدا
1) الكافي 4 : 361 - 10 ، التهذيب 5 : 339 - 1175 ، الاستبصار 2 : 199 - 673 ، الوسائل 13 : 172 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 8.
2) التهذيب 5 : 339 - 1173 ، الاستبصار 2 : 198 - 671 ، الوسائل 13 : 172 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 7.
3) انظر الرياض 1 : 474.
4) التهذيب 5 : 339 - 1172 ، الاستبصار 2 : 198 - 670 ، الوسائل 13 : 172 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 6.
5) الصدوق في المقنع : 75 ، المفيد في المقنعة : 435 السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 71 ، الديلمي في المراسم : 120.
6) المنتهى 2 : 814.
الإسكافي (1).
وتدلّ عليه المستفيضة المتقدّمة أكثرها في بحث حرمة التظليل ، كالصحاح السبع : لابن المغيرة وابن بزيع والخراساني والأشعري وعليّ ، وروايتي أبي بصير وعليّ بن محمّد ، المتقدّمة جميعا (2).
ورواية أبي عليّ بن راشد : عن محرم ظلّل في عمرته ، قال « يجب عليه دم » ، قال : « فإن خرج من مكّة وظلّل وجب عليه أيضا دم لعمرته ودم لحجّته » (3).
وصحيحته : يشتدّ عليّ كشف الظلال في الإحرام ، لأنّي محرور تشتدّ عليّ الشمس ، فقال : « ظلّل وأرق دما » ، فقلت له : دما أو دمين؟
قال : « للعمرة؟ » قلت : إنّا نحرم بالعمرة وندخل مكّة فنحلّ ونحرم بالحجّ ، قال : « فأرق دمين » (4).
واختلفوا فيما يكفّر به ، فالحقّ الموافق لقول الأكثر - كما في المدارك والذخيرة (5)- : أنّه دم شاة ، للصحاح الأربع لابن بزيع والخراساني المتقدّمة.
وعن المقنعة وجمل العلم والعمل والمراسم والنهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر : أنّه دم (6).3.
1) المدارك 8 : 442.
2) في ج 12 ص 25 ، 26 ، 28 ، 29.
3) الكافي 4 : 352 - 14 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 7 ح 2.
4) التهذيب 5 : 311 - 1067 ، الوسائل 13 : 156 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 7 ح 1.
5) المدارك 8 : 442 ، الذخيرة : 623.
6) المقنعة : 434 ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 70 ، المراسم : 121 ، النهاية : 233 ، المبسوط 1 : 321 ، الوسيلة : 168 ، السرائر 1 : 553.
لإطلاق الدم في رواية عليّ بن محمّد وصحيحة أبي عليّ وروايته.
ويجب الحمل على الشاة حملا للمطلق على المقيّد ، كما تقيّد إطلاقات الفداء والكفّارة بالدم أيضا ، لذلك.
وأمّا ما في صحيحة عليّ - من أنّه كان ينحر بدنة لكفّارة الظلّ - فلا حجّية فيه ، لأنّ فعل عليّ بن جعفر أو فهمه لا يصلح حجّة للغير ، سيّما في مقابلة الأخبار.
وعن العماني : أنّ كفّارته صيام أو صدقة أو نسك - كالحلق للأذى (1)- لخبر ضعيف بالشذوذ.
وعن الصدوق : أنّها مدّ لكلّ يوم (2).
وتدلّ عليه رواية أبي بصير المشار إليها.
وحملها على حال النزول واستحباب التصدّق ممكن ، لعمومها وأخصّية ما تقدّم ، مع أنّها شاذّة.
أ : هل الفداء مخصوص بحال الاضطرار ، كما حكي عن ظاهر جملة من القدماء (3)؟
أو يتعدّى إلى حال الاختيار أيضا؟
دليل الأول : الأصل ، واختصاص جملة الأخبار به ، حتى صحيحة
عليّ ، لأنّ تجويزه التظليل ليس إلاّ مع الضرورة.
وصرّح جماعة بالتعدّي.
لاحتمال الإجماع (1).
وهو ممنوع.
وللأولويّة.
وهي مردودة ، لأنّ الكفّارة لعلّها لجبر النقصان الحاصل بالاضطرار ، ولعلّ مع الاختيار وارتكاب النقصان لا يطلب الشارع الانجبار.
أقول : ويمكن التعدّي بإطلاق رواية أبي عليّ ، بل عمومها الحاصل من ترك الاستفصال من غير معارض ، ولا يضرّ ضعف سندها بالإرسال ، لانجباره بعمل الأكثر.
ب : مقتضى الأصل والإطلاقات - بل صريح رواية أبي عليّ وصحيحته - عدم تكرّر الكفّارة بتكرر التظليل في النسك الواحد من الحجّ أو العمرة ، وصرّح به جماعة أيضا (2)، بل كأنّه لا خلاف فيه مع الاضطرار.
نعم ، قيل بشاة لكلّ يوم للمختار (3)، ولا دليل له.
المسألة الثامنة : في تغطية الرأس للرجل الكفّارة دم شاة ، على ما هو المقطوع به بين الأصحاب ، كما في المدارك والذخيرة (4)، بل بلا خلاف ، كما عن المنتهى والتذكرة ، بل المبسوط (5)، بل بالإجماع ، كما عن الغنية (6).
لرواية قرب الإسناد المتقدّمة (1)، المؤيّدة بالمرسلة المرويّة في بعض كتب الطائفة فيمن غطّى رأسه : « إنّ عليه الفدية » (2)والضعف منجبر بما مرّ.
وقيل (3): يؤيّده عموم صحيحة زرارة المتضمّنة لقوله : من لبس ما لا ينبغي لبسه متعمّدا فعليه شاة (4).
وفيه خدش ، فإنّ جهة اللبس غير جهة الستر.
والظاهر تكرّر الفدية بتكرّر التغطية لو تخلّله التكفير ، لصدق الخرج في الحجّ بكلّ مرّة ، دون ما إذا لم يتخلّل ، للتداخل.
ولا يتكرّر بتعدّد الغطاء.
ولا فرق في لزوم التكفير بين الاختيار والاضطرار ، للإطلاق.
وممّا ذكرنا يظهر لزوم الدم في الارتماس أيضا.
وأمّا في الستر بالطين وحمل شيء على الرأس فيبنى على حرمته وعدمه ، والوجه ظاهر.
المسألة التاسعة : لم يذكروا للفسوق كفّارة ، ومقتضى رواية قرب الإسناد (5)ثبوت الدم ، ومقتضى صحيحة سليمان بن خالد (6)- المتقدّمة في
1) في ص 268.
2) الخلاف 2 : 299.
3) انظر الرياض 1 : 475 وفيه : وفي الغنية الإجماع صريحا ، وهو الحجة المعتضدة بعموم ما مرّ من الصحيح : من لبس ما لا ينبغي ..
4) التهذيب 5 : 369 - 1287 ، الوسائل 13 : 157 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 8 ح 1.
5) المتقدمة في ص : 268.
6) الكافي 4 : 339 ـ 6 ، التهذيب 5 : 297 ـ 1004 ، الوسائل 13 : 148 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 2 ح 1.
بحث تحريم الفسوق - أنّ فيه مع السباب بقرة.
وفي صحيحة عليّ : « وكفّارة الفسوق : يتصدّق به إذا فعله وهو محرم » (1).
إلاّ أنّ في صحيحة محمّد والحلبي : أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال : « لم يجعل اللّه له حدّا ، يستغفر اللّه ويلبّي » (2).
ولا شكّ أنّ مع معارضة هذه الصحيحة لما ذكر - مع عدم وجود مصرّح بالكفارة ، وموافقة الصحيحة للأصل ، وأخصّيتها عن رواية قرب الإسناد ، وسقوط شيء عن صحيحة عليّ - يرجع إلى الأصل.
وحمل في الوافي صحيحة سليمان على ما إذا كان فوق مرّتين مع يمين (3)، فيصير حينئذ جدالا.
المسألة العاشرة : الجدال إن كان صدقا فلا كفّارة فيما دون الثلاث مرّات منه ، وفي الثلاث منه شاة.
وإن كان كذبا ففي مرّة منه شاة ، وفي مرّتين بقرة ، وفي ثلاث مرّات بدنة.
أمّا الأولان : فعلى الحقّ المشهور بين الأصحاب ، بل قيل : لا يكاد يتحقّق فيه خلاف يعتدّ به (4).
للأخبار المستفيضة من الصحاح وغيرها ، كصحيحتي ابن عمّار (5)،
ومحمّد (1)، وموثّقة يونس (2)، المتقدّمة في بحث تحريم الجدال.
وصحيحة محمّد والحلبي : « إذا جادل فوق مرّتين فعلى المصيب دم يهريقه ، وعلى المخطئ بقرة » (3).
وابن عمّار : « إنّ الرجل إذا حلف ثلاثة أيمان في مقام ولاء وهو محرم فقد جادل ، وعليه حدّ الجدال دم يهريقه ويتصدّق به » (4).
وصحيحة أبي بصير : « إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه ، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبا فقد جادل ، فعليه دم يهريقه » (5).
والأخرى : « إذا حلف ثلاثة أيمان متتابعات صادقا فقد جادل وعليه دم ، وإذا حلف واحدة كاذبا فقد جادل وعليه دم » (6).
والرضوي : « وإن جادلت مرّة أو مرّتين وأنت صادق فلا شيء عليك ، فإن جادلت ثلاثا وأنت صادق فعليك دم شاة ، وإن جادلت مرّة وأنت كاذب فعليك دم شاة ، وإن جادلت مرّتين كاذبا فعليك دم بقرة ، وإن
1) التهذيب 5 : 335 - 1153 ، الوسائل 13 : 147 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 6.
2) التهذيب 5 : 335 - 1156 ، الاستبصار 2 : 197 - 666 ، الوسائل 13 : 147 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 8.
3) الفقيه 2 : 212 - 968 ، الوسائل 13 : 145 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 2.
4) التهذيب 5 : 335 - 1152 ، الوسائل 13 : 146 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 5.
5) التهذيب 5 : 335 - 1154 ، الاستبصار 2 : 197 - 665 ، الوسائل 13 : 147 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 7.
6) الكافي 4 : 338 - 4 ، الوسائل 13 : 146 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 4 وفيه : بثلاثة أيمان متعمدا ...
جادلت ثلاثا وأنت كاذب فعليك بدنة » (1).
دلّت هذه الأخبار منطوقا ومفهوما على الحكمين ، ولا معارض لها.
ولا تنافي الأول صحيحة سليمان بن خالد : يقول : « في الجدال شاة » (2)، ولا الثاني موثّقة يونس المشار إليها.
إذ صحيحة سليمان محمولة على ما إذا كان فوق مرّتين أو الكاذب منه ، حملا للمطلق على المقيّد ، مع أنّ المستفاد من كثير من الأخبار المتقدّمة عدم تحقّق الجدال في الصادق ما لم يزد على المرّتين ، وتوقّفه عليها.
وظاهر الموثّقة أنّ المقول هو المرّة الواحدة.
وأمّا المرويّ في تفسير العيّاشي : « من جادل في الحجّ فعليه إطعام ستّين مسكينا ، لكلّ مسكين نصف صاع إن كان صادقا أو كاذبا ، فإن عاد مرّتين فعلى الصادق شاة ، وعلى الكاذب بقرة » (3).
فشاذّ في غير الجزء الأخير ، مردود بمخالفة الإجماع والأخبار.
وهل يشترط في وجوب الكفّارة بالثلاث تواليها وتتابعها ، كما هو مقتضى مفهوم الشرط في صحيحتي ابن عمّار وموثّقة أبي بصير الأخيرة ، وهو المنقول عن العماني (4)، ومال إليه في المدارك والذخيرة (5)؟4.
1) فقه الرضا « ع » : 217 ، مستدرك الوسائل 9 : 295 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 2.
2) الكافي 4 : 339 - 6 ، الوسائل 13 : 145 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 1.
3) حكاه عنه في الدروس 1 : 386.
4) تفسير العياشي 1 : 95 - 255 ، الوسائل 13 : 148 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 1 ح 10 ، وفيهما : ستة مساكين ، بدل : ستين مسكينا.
5) المدارك 8 : 446 ، الذخيرة : 624.
أو لا ، كما هو ظاهر إطلاق صحيحتي محمّد والحلبي ومحمّد ، وموثّقة أبي بصير الاولى؟ وهو ظاهر إطلاق الأكثر ، بل قيل : إنّ الظاهر انعقاد الإجماع ، لكون قول العماني شاذّا على الإطلاق (1)، بل إطلاق كلامه يعمّ الصادق والكاذب ، وهو خلاف للإجماع ، ومخالف للمستفيضة من الأخبار.
الحقّ هو : الأول ، لما مرّ ، وعدم ثبوت انعقاد الإجماع ، بل الشهرة الموجبة للشذوذ.
وأمّا الأحكام الثلاثة الأخيرة فكذلك أيضا.
وتدلّ على الأول منها : صحاح ابن عمّار وأبي بصير.
وعلى الثاني : رواية العيّاشي.
وعلى الثالث : إطلاق رواية أبي بصير : « إذا جادل الرجل وهو محرم فكذب متعمّدا فعليه جزور » (2).
خرج عنها ما دون الثلاث بدليله ، فيبقى الباقي.
وعلى الأخيرين : الرضويّ المتقدّم ، المنجبر ضعفه وضعف رواية العيّاشي بعمل الأكثر.
ومقتضى بعض الصحاح المتقدّمة : وجوب البقرة في الثلاث ، ومال إليه في المدارك والذخيرة (3)، وحكي القول به في الأخير عن الصدوق ، وحمل رواية أبي بصير على الاستحباب (4).
وهو كان حسنا لو لا الشذوذ المخرج عن الحجّية ، والتعارض مع الحديث المنجبر.
أ : الحقّ أنّه لا كفّارة إذا اضطرّ إلى اليمين لإثبات حقّ أو نفي باطل ، كما في المدارك والذخيرة (1)، وعن السرائر وجمع آخر (2).
ولا فيما إذا كان في طاعة اللّه وصلة الرحم وإكرام الأخ المؤمن ، كما عن الإسكافي والفاضل والجعفي (3).
لصحيحة أبي بصير (4)المتقدّمة في بحث تحريم الجدال ، والتقريب الذي ذكرنا فيه.
ب : لو زاد الصادق عن ثلاثة ولم يتخلّل التكفير فعليه كفّارة واحدة عن الجميع ، ومع تخلّله فلكلّ ثلاثة شاة على الأحوط ، بل الأظهر.
ج : إنّما تجب على الكاذب البقرة بالمرّتين والبدنة بالثلاث إذا لم يكن كفّر عن السابق ، فلو كفّر عن كلّ واحدة فالشاة ، أو اثنتين فالبقرة.
والضابط اعتبار العدد ابتداء أو بعد التكفير ، فللمرّة شاة ، وللمرّتين
1) المدارك 8 : 446 ، الذخيرة : 624.
2) منهم الشهيد الأول في الدروس 1 : 387 ، الكاشاني في المفاتيح 1 : 342 ، صاحب الحدائق 15 : 469.
3) حكاه عن الإسكافي وارتضاه في المختلف : 271 ، حكاه عن الجعفي في الدروس 1 : 387.
4) الكافي 4 : 338 - 5 ، الفقيه 2 : 214 - 973 ، الوسائل 12 : 466 أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 7.
بقرة ، وللثلاث بدنة.
صرّح بذلك جماعة (1)، بل قيل : من غير خلاف بينهم أجده (2).
وللتأمّل فيه مجال ، إذ مقتضى عموم رواية أبي بصير وجوب الجزور مطلقا ، ولم يعلم خروج غير المرّتين والمرّة - لا ثالث لهما أصلا - عنه.
نعم ، يمكن أن يقال في البقرة : إنّ إتيانها في المرّتين موقوف على انجبار الخبرين ، وتحقّقه في كلّ مرّتين - حتى ما سبقت الكفّارة الأولى - غير معلوم ، إلاّ أنّه يمكن إثباتها بإثبات البدنة فيما نحن فيه بضميمة الإجماع المركّب ، فتأمّل.
المسألة الحادية عشرة : في قلع شجرة الحرم الكفّارة على المشهور ، بل قيل : كاد أن يكون إجماعا (3).
وتدلّ عليه مرسلة الفقيه : عن الأراك يكون في الحرم فأقطعه ، قال : « عليك فداؤه » (4).
وموثّقة سليمان : عن رجل قلع من الأراك الذي بمكّة ، قال : « عليه ثمنه » (5)، وغير ذلك ممّا يأتي.
1) منهم صاحب المدارك 8 : 446 ، الفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 411 ، صاحب الرياض 1 : 476.
2) انظر الرياض 1 : 476.
3) انظر الرياض 1 : 476.
4) الفقيه 2 : 166 - 723 ، الوسائل 13 : 174 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 18 ح 1. والأراك : شجر يستاك بقضبانه ، له حمل كعناقيد العنب ، يملأ العنقود الكف - مجمع البحرين 5 : 253.
5) الفقيه 2 : 166 - 720 ، التهذيب 5 : 379 - 1324 ، الوسائل 13 : 174 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 18 ح 2 بتفاوت يسير.
خلافا للمحكيّ عن الحلّي (1)، فقال : لا كفّارة فيه ، وهو ظاهر الشرائع والنافع (2)، واستوجهه في المدارك (3)، للأصل ، وضعف الروايات.
وهو ضعيف ، لمنع الضعف ، والانجبار لو كان.
واختلفوا فيما يكفّر به ، فقيل : في قلع كبير شجر الحرم بقرة ، وفي قلع صغيرها شاة ، وفي قطع بعض أغصانها قيمته (4).
وهو المشهور كما ذكره بعض مشايخنا (5)، وعن الخلاف : الإجماع عليه (6).
وعن القاضي : أنّها بقرة في الكبيرة والصغيرة (7).
وعن الإسكافي والمختلف : أنّها قيمتها وثمنها مطلقا (8).
ودليل الأول : الإجماع المنقول.
ومرسلة موسى (9)، المتقدّمة في بحث قطع الشجر من تروك الإحرام.
والمرويّ عن ابن عبّاس أنّه قال : في الدوحة بقرة ، وفي الجزلة شاة (10)..
1) السرائر 1 : 554.
2) الشرائع 1 : 297 ، النافع : 108.
3) المدارك 8 : 447.
4) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 577.
5) الرياض 1 : 476.
6) الخلاف 2 : 408.
7) المهذّب 1 : 223.
8) حكاه عن الإسكافي في المختلف : 286 ، المختلف : 287.
9) التهذيب 5 : 381 - 1331 ، الوسائل 13 : 174 أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 18 ح 3.
10) المهذب للفيروزآبادي الشيرازي 1 : 219. والدوحة : الشجرة العظيمة ، من أيّ الشجر كان - الصحاح 1 : 361. والجزلة : هي ما عظم من الشجر دون الدوحة - انظر مصدر الرواية ، والجزل : ما عظم من الحطب ويبس - الصحاح 4 : 1655.
وضعف الكلّ ظاهر جدّا :
أمّا الأول : فلعدم حجّيته.
وأمّا الثاني : فلعدم دلالتها على الوجوب أولا ، وعدم اختصاصها بالكبيرة ثانيا ، وصراحتها في عدم الوجوب ثالثا ، لورودها فيما في دار القالع ، وقد مرّ جواز قلعها ، بل صرّح به في المرسلة ، حيث قال : « فإن أراد نزعها نزعها » ، ولا كفّارة في مثله وجوبا قطعا.
وأمّا الثالث : فلعدم ثبوت الرواية أولا.
وعدم حجّية قول ابن عبّاس جدّا ثانيا.
وعدم تعرّضه للأبعاض ثالثا.
مع أنّه ينافي ذلك موثّقة سليمان المثبتة للثمن ، وجعل موردها القطع من الأراك - الذي هو الظاهر في بعض أغصانه - خطأ ، لتضمّنها لفظ : القلع ، الذي هو الصريح في قلع الأصل.
ومنه تظهر قوّة قول الإسكافي ، فهو المعتمد ، ولا تنافيه مرسلة الفقيه ، لأنّ الفداء أعمّ من الثمن ، وبها يستدلّ على الثمن في الأغصان بضميمة عدم القول بغيره فيها.
ولا يمكن التمسّك برواية قرب الإسناد المتقدّمة (1)هنا ، لعدم كون ذلك خرجا في الحجّ ، بل هو من خصائص الحرم ، كما مرّ في بحث التروك.
ولا كفّارة في قلع الحشيش ، وفاقا للمشهور ، للأصل.
1) في ص 255.
المسألة الثانية عشرة : لا كفّارة في غير ما ذكر من تروك الإحرام ، للأصل ، وعدم الدليل ، سوى بعض الأخبار الضعيفة ، المتوقّف الاستناد إليها إلى الانجبار ، الغير الحاصل في عدا ما مرّ.
وقد يقال بوجوب دم الشاة في قطع الضرس ، لرواية مرسلة مضمرة مكاتبة (1)، قاصرة عن إفادة الوجوب ، محتملة لكونه للإدماء الغير المنفكّ عن قلع الضرس غالبا ، فالأقوى : العدم ، وفاقا لجمع من القدماء (2)والمتأخّرين (3).
وفيه أربع مسائل :
المسألة الاولى : لو تعدّدت أسباب التكفير المختلفة - كالصيد والوطء واللبس - فالمشهور أنّه تجب عن كلّ واحد كفّارة ، سواء فعل ذلك في وقت واحد أو وقتين ، كفّر عن الأول أو لم يكفّر.
وفي المدارك : أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (1).
وفي الذخيرة : أنّه المعروف بينهم (2).
وعن ظاهر المنتهى : أنّه موضع وفاق (3).
وادّعى الوفاق فيه بعض الأعلام أيضا (4).
واستدلّ عليه بأنّ كلّ واحد من تلك الأمور سبب مستقلّ في وجوب الكفّارة ، والحقيقة باقية عند الاجتماع. فيجب وجود الأثر.
وأيّد بفحوى ما دلّ على تكرّر الكفّارة بتكرّر الصيد ولبس الأنواع المتعدّدة من الثياب.
قال في الذخيرة : وفيه تأمّل ، لأنّ القدر المسلّم كون كلّ واحدة سببا ، أي معرّفا لوجوب الكفّارة.
أمّا كونه معرّفا لوجوب كفّارة مغايرة لما يعرّف وجوبه السبب الآخر فمحلّ نظر يحتاج إلى دليل.
وكذا في التأييد تأمّل.
وبالجملة : لا خفاء في تعدّد الكفّارة مع تخلّل التكفير ، أمّا بدونه ففيه خفاء. انتهى (1).
وهو جيّد جدّا ، سيّما على ما حقّقناه من أصالة تداخل الأسباب.
ومنه يظهر الجواب عمّا استدلّ به للتعدّد ، من أنّ المقتضي موجود والمسقط منتف ، فإنّه إن أريد المقتضي للتعدّد فوجوده ممنوع ، وإن أريد للمطلق فالواحدة مسقطة.
وقال في المدارك : لا ريب في التعدّد مع سبق التكفير ، وإنّما يحصل التردّد مع عدمه (2).
ثمَّ أقول : لا ينبغي الريب في التعدّد فيما ذكراه من صورة التخلّل ، وكذا لا شكّ فيه مع اختلاف المسبّبات - أي الكفّارات ، كالشاة والبقرة والصوم - والوجه ظاهر ، وأمّا بدونهما فالمتّجه عدم التعدّد ، وإن كان التعدّد مطلقا أولى وأحوط.
المسألة الثانية : قد تقدّم تكرّر الكفّارة بتكرّر الصيد.
وأمّا في غير الصيد ، فلا شكّ في تكرّرها أيضا بتكرّره مع تخلّل التكفير ، أو كون السبب الواحد المتكرّر إتلافا مضمنا للمثل أو القيمة ، فإنّ امتثال المثل أو القيمة لا يحصل إلاّ بالإتيان بالجميع.
وأمّا بدون ذلك ، فمقتضى الأصل الذي حقّقناه عدم التكرّر ، إلاّ فيما
ثبت بدليل خاصّ ، كلبس الثياب المختلفة صنفا.
إلاّ أنّهم ذكروا تكرّرها في مواضع.
منها : الوطء ، فإنّ المشهور - كما في المدارك (1)وعن جماعة (2)، والمعروف من مذهب الأصحاب كما الذخيرة (3).
والمنفردة به الإماميّة كما عن الانتصار (4)، بل عنه وعن الغنية الإجماع عليه (5)- تكرّر الكفّارة ، سواء كان التكرّر في مجلس واحد أو مجالس متعدّدة ، كفّر عن الأول أم لا.
واستدلّ له بالإجماع المنقول الذي هو في حكم النصّ الصحيح ، والشهرة العظيمة ، وبعموم النصوص الموجبة للكفّارة.
ويردّ الأولان : بعدم الحجّية.
و [ الأخير ] (6): بمنع عموم النصّ ، فإنّه لا يفيد إلاّ أنّ على المجامع بدنة ، وهو أعمّ من المجامع مرّة أو مرّات.
وأجيب عنه أولا : بعموم الإجماع المنقول الذي هو في حكم النصّ الصحيح.
وثانيا : بأنّه لو تمَّ لنفى التكرّر مطلقا ، كفّر عن الأول أم لا ، والظاهر أنّ المعترض لا يقول به.
وفيه أولا : أنّ الإجماع المنقول ليس في حكم الخبر الضعيف أيضا ،
فكيف بالصحيح؟!
وثانيا : أنّه لو سلّم فيكون هو دليلا على المطلوب لا جوابا لمنع عموم النصّ ، إلاّ أن يكون مراده : أنّ هذا النص عامّ وإن لم يكن غيره كذلك.
وثالثا : أنّه لا ينفي التكرّر مع التخلّل ، بل يثبته ، لأنّ بعد دلالة النصّ على أنّ على المجامع يجب نحر بدنة فلو جامع بعد نحر لا بدّ من الوجوب ثانيا ليتحقّق حكم النصّ.
بخلاف ما لو لم ينحر بعد ، لجواز تعلّق أسباب عديدة لوجوب أمر واحد ، كالصلاة الواجبة المنذورة المحلوف عليها أيضا.
وبذلك يظهر أنّ الأقوى عدم التكرّر بدون التخلّل ، كما هو مذهب الشيخ في الخلاف مطلقا (1)، وابن حمزة فيما إذا كان مفسدا للحجّ وتكرّر دفعة (2)، وقوّاه في المختلف (3)، ومال إليه في المدارك والذخيرة (4).
ثمَّ المرجع في التكرّر - على القول به مطلقا أو مع التخلّل - هو الصدق العرفي ، دون تكرّر الإيلاج والنزع مطلقا كما ذكره جماعة ، كما قيل (5).
وفيه : أنّه إنّما يصحّ لو كان المناط في التكرّر هو الإجماع المنقول ، وأمّا إن كان عموم النصّ وتعدّد الأسباب فلا ، إذ لا شكّ أنّ كلّ إيلاج ونزع
سبب تامّ ، فلو أولج مرّة ونزع يؤثّر في الوجوب قطعا ، فلو لم يؤثّر الثاني لزم تخلّف المسبّب عن السبب عنده ، فتأمّل.
ومنها : التكرّر بتكرّر الحلق.
ومنها : التكرّر بتكرّر اللبس.
ومنها : التكرّر بتكرّر الطيب.
فإنّ منهم من قال فيها بالتكرّر مطلقا (1).
ومنهم من فرّق بين اتّحاد المجلس أو الوقت وتعدّده (2).
ومنهم من فرّق في الحلق بين تمام الرأس وبعضه (3).
ومنهم من مال إلى عدم التكرّر إلاّ مع التخلّل (4)، وهو الصحيح الموافق للأصل الذي قدّمناه.
وقد ذكر بعض الأعلام في المقام تفصيلا لمطلق التكرّر (5)، ولكنّه مبنيّ على أصالة عدم التداخل ، وقد عرفت أنّها عندنا خلاف التحقيق.
المسألة الثالثة : إذا أكل المحرم أو لبس ما يحرم عليه عامدا عالما ممّا لا تقدير فيه بالخصوص لزمه دم شاة ، بلا خلاف يوجد.
لصحيحة زرارة المتقدّم ذكرها مرارا : « من نتف إبطه ، أو قلّم ظفره ، أو حلق رأسه ، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه ، أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله ، وهو محرم ، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا ، فليس عليه شيء ، ومن فعل
متعمّدا فعليه دم شاة » (1).
المسألة الرابعة : لا كفّارة في شيء من تروك الإحرام على الناسي والجاهل إلاّ الصيد.
أمّا لزوم الكفّارة عليهما في الصيد فقد مرّ بيانه في بحث كفّارة الصيد.
وأمّا عدم لزومه عليهما في غيره ففي المدارك : أنّه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا (2).
وفي الذخيرة : أنّه المعروف من مذهبهم (3).
وقيل : لا خلاف فيه مطلقا (4).
بل هو إجماع محقّق ، وهو الحجّة فيه.
مضافا الى النصوص المستفيضة جدّا ، كصحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة السابقة ، وصحيحة ابن عمّار السابقة في مسألة وجوب كفّارة الصيد نسيانا أو جهلا (5)، وغيرهما من الأخبار (6).
وفي الرضويّ : « وكلّ شيء أتيته في الحرم بجهالة وأنت محلّ أو محرم أو أتيت في الحلّ وأنت محرم فليس عليك شيء ، إلاّ الصيد ، فإنّ
عليك فداءه ، فإن تعمّدته كان عليك فداؤه وإثمه ، وإن علمت أو لم تعلم فعليك فداؤه » (1). واللّه العالم.
1) فقه الرضا ( ع ) : 227 ، مستدرك الوسائل 9 : 275 أبواب كفارات الصيد 24 ح 2.
في نبذ ممّا يتعلّق بمكّة المشرّفة والحرم المحترم وحرم النبيّ صلی اللّه عليه وآله وزيارته ، وما يستحبّ لأهل الآفاق لإدراك ثواب الحجّ ، وآداب السفر.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قالوا : الطواف للمجاور بمكّة أفضل من الصلاة ، وللمقيم بها العكس.
وتدلّ عليه صحيحة حريز : « الطواف لغير أهل مكّة أفضل من الصلاة ، والصلاة لأهل مكّة أفضل » (1).
والأخرى : عن الطواف - يعني لأهل مكّة ممّن جاور بها - أفضل أو الصلاة؟ قال : « الطواف للمجاورين أفضل ، والصلاة لأهل مكّة والقاطنين بها أفضل من الطواف » (2).
وينبغي أن يقيّد المجاور بمن أقام سنة فما زاد إلى أقلّ من سنتين ، والقاطن بمن أقام ثلاث سنين فصاعدا ، وأمّا من أقام سنتين قبل أن يتمّ ثلاث سنين فهما متساويان.
1) الكافي 4 : 412 - 2 ، الفقيه 2 : 134 - 568 ، الوسائل 13 : 311 أبواب الطواف ب 9 ح 3 وفيه : عن حريز ، عن عبد اللّه .. والصلاة لأهل مكة والقاطنين بها أفضل من الطواف.
2) التهذيب 5 : 446 - 1555 وفيه : عن الطواف بغير أهل مكّة ممّن جاور بها .. ، الوسائل 13 : 311 أبواب الطواف ب 9 ح 4 وفيه : عن الطواف لغير أهل مكّة لمن جاور بها ...
كما تفصح عن ذلك صحيحة هشام بن الحكم : من أقام بمكّة سنة فالطواف له أفضل من الصلاة ، ومن أقام سنتين خلط من ذا ومن ذا ، ومن أقام ثلاث سنين كانت الصلاة له أفضل من الطواف » (1).
وقريبة منها صحيحة حفص وحمّاد وهشام (2)، ومرسلة الفقيه المقطوعة (3).
قال في المدارك : الظاهر أنّ المراد بالصلاة : النوافل المطلقة غير الرواتب ، إذ ليس في الروايتين تصريح بأفضليّة الطواف من كلّ صلاة ، وتنبّه عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج (4)، المتضمّنة للأمر بقطع الطواف لخوف فوات الوتر والبدأة بالوتر ثمَّ إتمام الطواف.
قال : وبالجملة لا يمكن الخروج بهاتين الروايتين عن مقتضى الأخبار الصحيحة المستفيضة ، المتضمّنة للحثّ الأكيد على النوافل المرتّبة (5). انتهى.
ومرجعه - كما قيل - إلى أنّ التعارض بين هذه الأخبار وأخبار الحثّ على النوافل المرتّبة بالعموم والخصوص من وجه ، ويمكن تقييد كلّ واحد منهما بالآخر ، فيبقى المصير إلى الترجيح ، وهو لأخبار الحثّ ، لأكثريّتها - بل تواترها - المفيدة للقطع.
بخلاف هذه ، لأنّها من الآحاد المفيدة للظنّ ، فلا يترجّح على
القطع ، سيّما مع تأكّدها بما مرّ من قطع الطواف للوتر بخوف فواته (1). وهو جيّد.
وتترجّح أخبار الحث أيضا بالأشهريّة ، التي هي من المرجّحات المنصوصة ، بل موافقة الكتاب في التهجّد ، وتتمّ في البواقي بعدم الفصل.
المسألة الثانية : المعروف من مذهب الأصحاب - كما في المدارك (2)- كراهة المجاورة بمكّة ، والأخبار في ذلك الباب مختلفة ، فمنها ما يدلّ على أفضليّة المقام بمكّة (3)، ومنها ما يدلّ على خلافه (4)، ولكنّ الثاني أكثر وأشهر وأدلّ ، وفي أخباره ما هو معلّل ، فعليه الفتوى والعمل.
المسألة الثالثة : من جنى في غير الحرم ما يوجب حدّا أو تعزيرا أو قصاصا ، ولجأ إلى الحرم ، لم يؤخذ فيه ، ولا يحدّ ، ولا يعزّر ، ولا يقتصّ منه ، ما دام في الحرم ، ولكن يمنع من السوق ، فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه ، كما في رواية عليّ بن أبي حمزة (5).
وفي صحيحة الحلبي : « لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم ، ولكن يمنع من السوق ، ولا يبايع ولا يطعم ، ولا يسقى ، ولا يكلّم ، فإنّه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ » (6).2.
وفي صحيحة هشام نحوه (1).
وفي صحيحة ابن عمّار : « لا يطعم ، ولا يسقى ، ولا يبايع ، ولا يؤوى » (2).
وأكثر هذه الأخبار وإن لم يفد الوجوب ، إلاّ أنّ قوله في صحيحة الحلبي : « لم يسع » كاف في إثباته.
ومقتضى تلك الأخبار : ترك الإطعام والإسقاء والإيواء والتكلّم والمجالسة معه مطلقا.
وفي عبارات الفقهاء : يضيّق عليه في هذه الأمور ، ولعلّ مرادهم من التضييق : الترك ، ولو أريد منه : الاكتفاء بما يسدّ الرمق أو لا يتحمّل عادة ، لم يكن على استثنائه دليل.
وما قيل من أنّ الترك يوجب تلف النفس فيه ، فيحصل في الحرم ما أريد الهرب عنه ، بل قد يكون أزيد (3).
مردود بأنّ المتلف حينئذ هو نفسه ، حيث لم يخرج.
والمنهيّ عنه هو : إعطاؤه الطعام والشراب والمأوى ، فلو كان له في الحرم مأوى وله ما يكفيه من الطعام والماء لم يجز منعه وأخذه منه ، للأصل.
ولو أحدث مقتضي الجناية في الحرم يؤخذ ويجرى عليه موجبه ،
كما نصّ عليه في النصوص.
وكذا لا يتقاضى المديون بالدين ما دام في الحرم ، كما صرّح به في موثّقة سماعة ، وفيها : « لا تسلّم عليه ، ولا تروّعه حتى يخرج من الحرم » (1).
وربّما الحق بالحرم مسجد النبيّ صلی اللّه عليه وآله ومشاهد الأئمّة : ، قيل : لإطلاق اسم الحرم عليها (2).
وهو ضعيف.
نعم ، هو المناسب للتعظيم المأمور به في حقّهم.
وقد وردت أخبار كثيرة في حقّ كربلاء : أنّ اللّه سبحانه اتّخذها حرما آمنا (3)، والمفهوم من الأمن : عدم تخويف أحد فيه.
وفي موثّقة ( سماعة ) (4)المرويّة في كامل الزيارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال : « لموضع قبر الحسين عليه السلام حرمة معلومة ، من عرفها واستجار بها اجير » (5).
وفي بعض الأخبار : أنّ حرمة موضع قبر الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ من أربعة جوانب القبر (6).2.
1) الكافي 4 : 241 - 1 ، التهذيب 6 : 194 - 423 ، الوسائل 13 : 265 أبواب مقدّمات الطواف ب 30 ح 1.
2) انظر الروضة 2 : 333 ، المسالك 1 : 126 ، المدارك 8 : 255.
3) الوسائل 14 : 513 أبواب المزار وما يناسبه ب 68.
4) كذا في النسخ ، والموجود في المصادر : إسحاق بن عمار.
5) كامل الزيارات : 272 - 4 ، التهذيب 6 : 71 - 134 ، الوسائل 14 : 511 أبواب المزار وما يناسبه ب 67 ح 4.
6) التهذيب 6 : 71 - 133 ، كامل الزيارات : 271 - 2 ، الوسائل 14 : 510 أبواب المزار وما يناسبه ب 67 ح 2.
وفي أخبار كثيرة : أنّها أعظم حرمة من جميع بقاع الأرض (1).
وفي بعضها : أنّه أعظم حرمة من الحرم (2).
ومقتضى جميع ذلك إجارة من استجار به.
ويؤكّده ما ورد من امتناع البازي والكلاب في زمن الرشيد من أخذ الظباء الملتجئة بقبر مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (3)، والحكايات الكثيرة المتضمّنة لتضرّر من أراد السوء ببعض الملتجئين إلى بعض المشاهد المشرّفة (4).
ولكن إثبات التحريم بمثل هذه الأخبار مشكل ، إلاّ إذا كان من جهة الاستخفاف والإهانة.
والأولى والأحوط لصاحب الحقّ تركه ما دام الجاني ملتجئا إلى أحد المشاهد ، بل يمكن إثبات التحريم أيضا بكون التعرّض له مطلقا نوع استخفاف وإهانة لمن لجأ إليه عرفا.
ولكن يشكل الأمر في حقوق اللّه سبحانه ، وفي حقّ غير صاحب الحقّ إذا طلبه صاحبه ، أو كان صاحب الحقّ صغيرا ونحوه ، واللّه العالم.
المسألة الرابعة : قد ورد في صحيحتي محمّد أنّه : « لا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة » (5)
الثانية في : التهذيب 5 : 420 - 1459 ، الوسائل 13 : 235 أبواب مقدّمات الطواف ب 17 ح 1.
.وهو ظاهر في الكراهة كما هو المشهور.
1) كامل الزيارات : 264 ، الوسائل 14 : 513 أبواب المزار وما يناسبه ب 68.
2) كامل الزيارات : 264 ، الوسائل 14 : 513 أبواب المزار وما يناسبه ب 68.
3) البحار 97 : 252 - 47.
4) البحار 42 : 334 - 22.
5) الأولى في : الكافي 4 : 230 - 1 ، الفقيه 2 : 165 - 714 ، التهذيب 5 : 448 - 1563 ، الوسائل 13 : 233 أبواب مقدّمات الطواف ب 16 ح 5.
وعن الشيخ والحلّي والقاضي : تحريمه (1).
والأصل ينفيه ، مع أنّ في نسبته إلى الحلّي نظرا ، لأنّه عبّر في باب زيادات فقه الحجّ من السرائر بالعبارة المذكورة من الصحيحين (2).
والبناء يعمّ الدار وغيرها حتى حيطان المسجد.
وقيل : يشمل القريب والبعيد (3).
ومقتضاه التحريم أو الكراهة في الأمصار أيضا.
وهو بعيد غاية البعد ، بل خلاف المنساق إلى الذهن من الأخبار.
وقيل : ظاهر الصحيحين أن يكون ارتفاع البناء بنفسه أكثر من ارتفاع الكعبة ، فلا يكره البناء على الجبال حولها وإن ارتفع كثيرا عن الكعبة (4).
ومقتضاه عدم إباحة بناء أرفع من الكعبة ولو لم يتجاوز أصل البناء عن بناء الكعبة.
وهو بعيد غير مفهوم من الخبر ، والمتبادر مرجوحيّة البناء المتجاوز عن سطح الكعبة بحيث يكون مشرفا عليه ، سواء كان في الجبل أو غيره ، قريبا من الكعبة أو في مكان يرى الكعبة.
مع أنّ للحديث احتمالا آخر ، وهو النهي عن بناء بناء فوق سطح الكعبة حتى يكون بناء فوقانيّا له ، فتأمّل.
المسألة الخامسة : يكره منع الحاجّ من سكنى دور مكّة ،
للصحاح (1).
وعن الإسكافي والشيخ : تحريمه (2).
ولا فائدة مهمّة لنا في تحقيق هذه المسألة ، ولا بعض ما تقدّم عليها ، إذ قلّما يتّفق لنا التمكّن أو الاحتياج إلى العمل بمقتضاها.
وممّا يذكر في ذلك المقام حكم لقطة الحرم ، ويأتي تحقيقها في بحث اللقطة إن شاء اللّه سبحانه.
المسألة السادسة : إذا نفّر أحد حمام الحرم ، فإن لم يعد فعن كلّ طير شاة ، ولو عاد فعن الجميع شاة ، حكي عن الشيخين ووالد الصدوق والقاضي والحلّي والديلمي وابن حمزة والفاضل في جملة من كتبه (3)، ونسبه بعضهم إلى الأكثر (4).
وحكاه في التهذيب عن عليّ بن بابويه في رسالته ، وقال : لم أجد به حديثا مسندا (5).
واستند له بعض المعاصرين بهذا الكلام من الشيخ ، فإنّه مفهم لوجود رواية مرسلة به (6)، وهي - مع الانجبار بفتوى الأصحاب - كافية في إثبات
1) الوسائل 13 : 267 أبواب مقدّمات الطواف ب 32.
2) حكاه عن الإسكافي في المختلف : 321 ، الشيخ في المبسوط 1 : 384.
3) المفيد في المقنعة : 436 ، الطوسي في المبسوط 1 : 341 ، حكاه عن والد الصدوق في المختلف : 280 القاضي في المهذّب 1 : 223 ، الحلي في السرائر 1 : 560 ، الديلمي في المراسم : 120 ، ابن حمزة في الوسيلة : 167 ، الفاضل في التحرير 1 : 118 ، والقواعد 1 : 96 ، والتذكرة 1 : 349 ، والمنتهى 2 : 831 ، والإرشاد 1 : 320.
4) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 400.
5) التهذيب 5 : 350.
6) فقه الرضا « ع » : 229 ، مستدرك الوسائل 9 : 285 أبواب كفّارات الصيد ب 40 ح 2.
المطلوب (1).
ولا يخفى وهنه ، فإنّه نظر إلى مفهوم الوصف الضعيف ، سيّما في ذلك المقام ، لجواز أن يكون القيد لانحصار الحجّة عنده بالمسند ، مع أنّه أيّ فائدة في المرسل الذي لا يعلم متنه حتى ينظر في مدلوله؟! وقد يستدلّ له أيضا بأنّ التنفير حرام ، لأنّه سبب الإتلاف غالبا ، ولعدم العود ، فكان عليه مع الرجوع دم ، لفعل المحرّم ، ومع عدم الرجوع شاة ، لما يدلّ على أنّ من أخرج طيرا من الحرم وجب عليه أن يعيده ، وإن لم يفعل ضمنه (2).
وفيه أولا : منع كون التنفير سببا للإتلاف غالبا.
وثانيا : مطالبة الدليل على وجوب الدم بفعل المحرّم.
وثالثا : مطالبته على الضمان مع عدم الإعادة ثمَّ ضمان شاة.
أقول : يمكن أن يستدلّ على حرمة التنفير بصحيحة ابن سنان الواردة في حقّ المحرم : « ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم » (3)، ولا شكّ أنّ التنفير إيهاج وإيذاء.
وعلى حرمته بإخراجه من الحرم بمثل صحيحة ابن عمّار الواردة فيه أيضا : « ما كان يصفّ من الطير فليس لك أن تخرجه » (4).
ولكنّهما أخصّان من المطلوب.
نعم ، يدلّ على المطلوب الرضويّ المنجبر ضعفه بالعمل : « وإن
نفّرت حمام الحرم فرجعت فعليك في كلّها شاة ، وإن لم ترها رجعت فعليك في كلّ طير دم شاة » (1).
وهو كاف في إثبات المطلوب ، ولا يبعد أن يكون إلى ذلك نظر الشيخ إن كان منظورة اعتبار مفهوم الوصف.
وهل المراد بالتنفير والعود : التنفير من الحرم وإليه.
أو من الوكر وإليه.
أو من كلّ مكان وإليه؟
كلّ محتمل ، والرضويّ مطلق يشمل الجميع ، وكذا الفتاوى الجابرة له.
والشاكّ في العدد يبني على الأقل ، للأصل ، وفي العود إلى العدم ، له ، ولقوله في الرضوي : « وإن لم ترها رجعت ».
والظاهر تساوي المحلّ والمحرم في ذلك ، وعدم تعلّق حكم آخر للإحرام به ، للأصل.
المسألة السابعة : كلّما يحرم من الصيد على المحرم في الحل - بالتفصيل المتقدّم - يحرم على المحلّ في الحرم ، بإجماع العلماء كافّة محقّقا ، ومحكيّا في كلام جماعة (2).
وتدلّ عليه الأخبار المستفيضة ، كصحيحة ابن سنان المتقدّمة في المسألة السابقة.
وموثّقة زرارة : « حرّم اللّه حرمه بريدا في بريد ، أن يختلى خلاه أو يعضد شجره - إلاّ الإذخر (1)- أو يصاد طيره » (2).
وصحيحة الحلبي : عن الصيد يصاد في الحلّ ثمَّ يجاء به إلى الحرم وهو حيّ ، فقال : « إذا أدخله الحرم فقد حرم أكله وإمساكه » الحديث (3).
واخرى : عن صيد رمي في الحلّ ثمَّ ادخل الحرم وهو حيّ ، فقال : « إذا أدخله الحرم وهو حيّ فقد حرم لحمه وإمساكه » ، وقال : « لا تشتره في الحرم إلاّ مذبوحا » الحديث (4).
والأخرى : « لا تستحلّنّ شيئا من الصيد وأنت حرام ، ولا وأنت حلال في الحرم ، ولا تدلّنّ عليه محرما ولا محلاّ فيصطاده ، ولا تشر إليه فيستحلّ من أجلك ، فإنّ فيه فداء لمن تعمّده » (5).
ومرسلة أبي جرير ، وفيها : « كلّ ما ادخل الحرم من الطير ممّا يصفّ جناحيه فقد دخل مأمنه ، فخلّ سبيله » (6).
ورواية عبد اللّه بن سنان : إنّ هؤلاء يأتونا بهذه اليعاقيب (7)، فقال :
1) اختليته : اقتطعته. والخلى : الرطب من النبات ، الواحدة : خلاة - مجمع البحرين 1 : 131. وعضدت الشجرة : قطعتها - المصباح المنير : 415. والإذخر : نبات معروف ذكيّ الريح ، وإذا جفّ ابيضّ - المصباح المنير : 207.
2) التهذيب 5 : 381 - 1332 ، الوسائل 12 : 555 أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 4.
3) الكافي 4 : 233 - 4 ، الوسائل 13 : 39 أبواب كفّارات الصيد ب 14 ح 6.
4) التهذيب 5 : 376 - 1313 ، الاستبصار 2 : 214 - 731 ، الوسائل 12 : 423 أبواب تروك الإحرام ب 5 ح 1.
5) الكافي 4 : 381 - 1 ، الوسائل 13 : 43 أبواب كفّارات الصيد ب 17 ح 1.
6) الكافي 4 : 236 - 19 ، الوسائل 13 : 31 أبواب كفّارات الصيد ب 12 ح 6.
7) اليعاقيب : جمع يعقوب ، المذكر من الحجل والقطا - لسان العرب 1 : 622.
« لا تقربوها في الحرم » (1).
ورواية شهاب بن عبد ربّه ، وفيها : « أما علمت أنّ ما أدخلت به الحرم حيّا فقد حرم عليك ذبحه وإمساكه؟! » (2).
وفي صحيحة أبي بصير : « لا يذبح في الحرم إلاّ الإبل والبقر والغنم والدجاج » (3).
وصحيحة حريز : « المحرم يذبح ما أحلّ للحلال في الحرم أن يذبحه ، هو في الحلّ الحرم جميعا » (4).
ونحوها في الأخرى (5).
إلى غير ذلك من الأخبار.
وقد ثبت من صحيحة أبي بصير ورواية شهاب وصحيحتي حريز [ للمحلّ في الحرم ] (6)ما ثبت للمحرم من أصالة حرمة قتل كلّ حيوان من الوحوش والطيور والحشرات ، وتدلّ على الأولين مطلقا صحيحة ابن سنان أيضا.
ثمَّ إنّه يستثنى منها ما مرّ استثناؤه للمحرم من الإبل والبقر والغنم والدجاج ، كما صرّح باستثنائها في صحيحة أبي بصير وغيرها من الأخبار
1) التهذيب 5 : 376 - 1312 ، الاستبصار 2 : 213 - 730 ، الوسائل 12 : 425 أبواب تروك الإحرام ب 5 ح 6.
2) الفقيه 2 : 170 - 746 ، الوسائل 13 : 31 أبواب كفّارات الصيد ب 12 ح 4.
3) الكافي 4 : 231 - 1 ، الوسائل 12 : 549 أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 5 وفيهما : لا يذبح بمكّة إلاّ ..
4) التهذيب 5 : 367 - 1278 ، الوسائل 12 : 549 أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 3.
5) الكافي 4 : 365 - 1 ، الوسائل 12 : 549 أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 3.
6) ما بين المعقوفين ليس في النسخ ، أضفناه لاستقامة المعنى.
الكثيرة.
وكذا تستثنى الأفعى والعقرب والفأرة ورمي الغراب والنحل والنمل والقمّل والبرغوث والبقّ.
للتصريح بها في صحيحتي ابن عمّار (1)
الثانية في : الكافي 4 : 363 - 2 ، العلل : 458 - 2 ، الوسائل 12 : 545 أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 4.
، ورواية حنّان بن سدير (2)، ومرسلة ابن فضّال (3).وكذلك كلّ حيوان مؤذ إذا أراد الإنسان.
لدفع الضرر ، ولمفهوم العلّة في رواية محمّد بن حمران : « كنت مع عليّ بن الحسين عليهما السلام بالحرم فرآني أوذي الخطاطيف (4)، فقال : يا بنيّ لا تقتلهنّ ولا تؤذهنّ ، فإنّهنّ لا يؤذين شيئا » (5).
المسألة الثامنة : من قتل في الحرم صيدا وإن كان محلاّ فعليه التصدّق بقيمته ، على الأظهر الموافق للأكثر ، كما في الذخيرة والمدارك (6)، بل بلا خلاف ، كما في المفاتيح (7)، وباتّفاق الأصحاب ، كما في شرحه ،
1) الاولى في : التهذيب 5 : 365 - 1273 ، الوسائل 12 : 545 أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.
2) الفقيه 2 : 231 - 1105 ، الوسائل 12 : 547 أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 11.
3) الكافي 4 : 364 - 11 ، الوسائل 12 : 551 أبواب تروك الإحرام ب 84 ح 4.
4) الخطاطيف : جمع خطّاف ، الطائر المعروف ، يقال شفقة ورحمة ، ويسمّى زوار الهند ، ويعرف الآن بعصفور الجنّة ، وهو من الطيور القواطع إلى الناس ، تقطع البلاد البعيدة رغبة في القرب منهم - مجمع البحرين 5 : 47.
5) الفقيه 2 : 170 - 747 ، الوسائل 13 : 35 أبواب كفّارات الصيد ب 13 ح 2.
6) الذخيرة : 614 ، المدارك 8 : 377.
7) المفاتيح 1 : 389.
وفي المدارك : بل قيل إنّه إجماع (1).
وتدلّ عليه صحيحة سليمان بن خالد وابن سنان المتقدّمتين في المسألة الرابعة من المقام الأول من باب الكفّارات.
ورواية أبي بصير المتقدّمة في المسألة السابعة منه.
وروايته المتقدّمة في الثانية عشرة من المقام الثالث منه.
وصحيحة الحذّاء المتقدّمة في الرابعة من المقام الثالث منه.
وصحيحة الحلبي : « إن قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة ، وثمن الحمامة درهم أو شبهه يتصدّق به أو يطعمه حمام مكّة ، فإن قتلها في الحرم وليس بمحرم فعليه ثمنها » (2).
وصحيحة ابن عمّار : رجل اهدي له حمام أهليّ جيء به وهو في الحرم ، فقال : « إن هو أصاب شيئا منه فليتصدّق بثمنه نحوا ممّا كان يسوّي القيمة » (3).
وفي صحيحة محمّد : « فليتصدّق مكانه بنحو من ثمنه » (4).
وصحيحة عليّ : رجل خرج بطير من مكّة إلى الكوفة ، قال : « يردّه إلى مكّة ، فإن مات تصدّق بثمنه » (5).
1) المدارك 8 : 377.
2) الكافي 4 : 395 - 1 ، التهذيب 5 : 370 - 1289 ، الوسائل 13 : 29 أبواب كفّارات الصيد ب 11 ح 3.
3) الكافي 4 : 232 - 2 ، الوسائل 13 : 31 أبواب كفّارات الصيد ب 12 ح 5 وفيهما : رجل اهدي إليه حمام أهليّ وهو في الحرم ..
4) الفقيه 2 : 168 - 736 ، التهذيب 5 : 347 - 1205 ، الوسائل 13 : 31 أبواب كفّارات الصيد ب 12 ح 3.
5) التهذيب 5 : 464 - 1620 ، قرب الإسناد : 244 - 968 ، الوسائل 13 : 37 أبواب كفّارات الصيد ب 14 ح 1 بتفاوت يسير.
ورواية محمّد بن الفضيل : عن رجل قتل حمامة من حمام الحرم وهو غير محرم ، قال : « عليه قيمتها ، وهو درهم يتصدّق به ، أو يشتري طعاما لحمام الحرم » الحديث (1).
وفي صحيحة الأعرج : « عن بيضة نعامة أكلت في الحرم ، قال : « تصدّق بثمنها » (2).
إلى غير ذلك من الأخبار الغير العديدة (3).
وعلى الثمن تحمل الأخبار المتضمّنة للفداء أو الجزاء ، حملا للعامّ على الخاصّ.
وعن الشيخ : أنّ فيه دما (4)، واختاره الحلّي في السرائر ، قال فيه : ومن ذبح صيدا في الحرم وهو محلّ فعليه دم لا غير (5).
وهو ضعيف ، ورواية أبي بصير المشار إليها تردّه صريحا.
وما لا قيمة له من الحيوانات - التي يحرم تعرّضها في الحرم - لا شيء فيه غير الإثم والاستغفار.
ويستفاد من الأخبار وجوب القيمة كائنا ما كان ، فما في بعض الأخبار (6)
وخبر حفص بن البختري المذكور في : الكافي 4 : 234 - 10 ، التهذيب 5 : 345 - 1196 ، الاستبصار 2 : 200 - 677 الوسائل 13 : 26 أبواب كفّارات الصيد ب 10 ح 5.
.1) الفقيه 2 : 167 - 729 وفيه : وهو في الحرم غير محرم ، التهذيب 5 : 345 - 1198 ، الاستبصار 2 : 200 - 679 ، الوسائل 13 : 26 أبواب كفّارات الصيد الصيد ب 10 ح 6.
2) الكافي 4 : 237 - 23 ، الفقيه 2 : 171 - 753 ، الوسائل 13 : 56 أبواب كفّارات الصيد ب 24 ح 6.
3) الوسائل 13 : 25 أبواب كفّارات الصيد ب 10.
4) المبسوط 1 : 340.
5) السرائر 1 : 561.
6) كخبر عبد الرحمن بن الحجّاج المذكور في : الفقيه 2 : 171 - 754 ، الوسائل 13 : 25 أبواب كفّارات الصيد ب 10 ح 1.
وذهب بعض الأصحاب إلى تعيينه فيما عيّن ، حملا للمطلق على المقيّد (1).
وهو الأقرب.
وقيل بوجوب أكثر الأمرين من الدرهم والقيمة (2).
وهو الأحوط.
ولو اشترك جماعة محلّون في قتله ، ففي وجوب القيمة على كلّ واحد منهم قياسا على المحرمين ، أو على جميعهم قيمة واحدة لأصالة البراءة ، قولان ، الأول للشهيد (3)، والثاني للشيخ (4)، وهو الأقوى.
ولا يتوهّم أنّه يمكن نفي القيمة هنا مطلقا لأنّ الثابت منها على شخص واحد دون المتعدّد ، إذ من الأخبار ما يتضمّن الجنس الصادق على الواحد والمتعدّد.
ولو ارتكب جناية غير القتل ، فقيل : المشهور وجوب الأرش ، ويظهر من بعضهم كونه اتّفاقيّا ، حيث قال - على ما حكي عنه - : لو لا
اتّفاق الأصحاب على وجوب الأرش لأمكن القول بعدم الوجوب ، إذ لم يثبت كون الأجزاء مضمونة كالجملة. انتهى.
ويظهر من المدارك وبعض شرّاح النافع عكس ذلك ، حيث قال الأول - في شرح قول المصنّف : فلو أصاب صيدا ففقأ عينه أو كسر قرنه كان عليه صدقة استحبابا - : ولم يتعرّض الأصحاب لغير هاتين الجنايتين ، وأصالة البراءة تقتضي عدم الكفّارة ، إلى آخره (1).
وقال الثاني - في شرح قوله : وتستحبّ الصدقة لو كسر قرنه أو فقأ عينه - : وفاقا للحلّي ، وليس في المتن وغيره التعرّض لغير الجنايتين ، لعدم النصّ ، وأصالة البراءة تقتضي عدم ترتّب الكفّارة في غيرهما وإن قلنا بحرمة الجناية ، لعدم الملازمة (2). انتهى.
وهو حسن ، فالحقّ : عدم الكفّارة في غير القتل.
ولا شيء - في قتل الصيد الذي يؤمّ الحرم ولم يدخله - وجوبا على المحلّ ، للأصل ، وانتفاء الدليل المثبت للوجوب.
نعم ، يكره ، ويستحبّ الفداء.
وكذا يكره الصيد بين البريد والحرم ، أي من أول الحرم إلى منتهى بريد ، وهو أربعة فراسخ خارج الحرم ، ويسمّى حرم الحرم.
ويستحبّ الفداء على الأظهر الأشهر.
أمّا الكراهة واستحباب الفداء فللشهرة ، وصحيحتي الحلبي (3).1.
وأمّا عدم الوجوب فللأصل ، وقصورهما عن إفادة الحرمة ، ومعارضتهما لصحيحة البجلي (1)النافية للجزاء ، فقول جماعة بالحرمة والوجوب (2)للصحيحين ضعيف.
ومن أدخل صيدا في الحرم وجب عليه إرساله ، ولو تلف في يده ضمنه ولو كان السبب غيره.
وكذا لو أخرجه من الحرم فتلف قبل الإرسال.
كلّ ذلك بالإجماع المحقّق والمنقول مستفيضا (3)، وبالصحاح المستفيضة (4).
ولو كان الصيد طائرا مقصوصا وجب عليه حفظه بنفسه أو بإيداعه عند رجل مسلم أو امرأة مسلمة حتى يكمل ريشه ثمَّ يرسله ، بلا خلاف فيه يوجد.
وتدلّ عليه الأخبار المعتبرة (5)، وفيها الصحيح (6).
وفي تحريم صيد حمام الحرم على المحلّ من الحلّ قولان ،
1) الفقيه 2 : 168 - 737 ، العلل : 454 - 8 ، الوسائل 13 : 67 أبواب كفّارات الصيد ب 30 ح 3.
2) منهم المفيد في المقنعة : 439 ، الشيخ في النهاية : 228 ، القاضي في المهذّب 1 : 228 ، ابن حمزة في الوسيلة : 165.
3) كما في المدارك 8 : 384 ، المفاتيح 1 : 390 ، الرياض 1 : 464.
4) الوسائل 13 : 37 أبواب كفّارات الصيد ب 14.
5) الوسائل 13 : 30 أبواب كفّارات الصيد ب 12.
6) الكافي 4 : 233 - 6 ، الفقيه 2 : 169 - 738 ، التهذيب 5 : 348 - 1208 ، الوسائل 13 : 34 أبواب كفّارات الصيد وتوابعها ب 12 ح 13.
أحوطهما - بل أجودهما - التحريم ، وكذا بيضها.
ومن نتف ريشة من حمام الحرم كانت عليه صدقة يسلّمها بتلك اليد الجانية ، لرواية إبراهيم بن ميمون (1)، وهي في الدلالة على الوجوب قاصرة ، إلاّ أنّه أحوط.
ولو ذبح في الحرم صيد كان حراما وميتة ولو ذبحه المحلّ ، بالإجماع والمستفيضة (2).
ولو ذبحه في الحلّ وأدخله الحرم لم يحرم على المحلّ كذلك.
وكما يحرم الصيد في الحرم تحرم الدلالة عليه والإشارة إليه ، وقد مرّ في المسألة السابقة ما يدلّ عليه.
ويجب التصدّق بما يفديه المحلّ لصيد الحرم وإن كان مملوكا ، إلاّ أنّ في المملوك ضمان قيمته لمالكه أيضا.
ويستثنى من وجوب التصدّق ما يفديه لحمام الحرم ، فإنّه يتخيّر فيه بين التصدّق واشتراء العلف لحمام الحرم ، كما مرّ في بحث الكفّارات.
المسألة التاسعة : يحرم قطع شجر الحرم وحشيشه ، بإجماع العلماء والصحاح المستفيضة (3).
وقد مرّ ما يتعلّق بذلك مفصّلا في بحث تروك الإحرام ، وأنّه لا يحرم من حيث الإحرام وإنّما يحرم من حيث الحرم.
المسألة العاشرة : من مات في أحد الحرمين - مكّة أو المدينة - لم
يعرض يوم القيامة ولم يحاسب.
كما نصّ عليه في رواية أبي حجر الأسلمي ، الآتية في المسألة اللاّحقة (1)، ويستفاد منها أنّ من مات في سفر الحجّ يحشر مع أصحاب بدر.
وفي مرسلة الفقيه : « من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر ، من برّ الناس وفاجرهم » (2).
وفي حديث آخر : « من مات بالمدينة كان مع الآمنين » (3).
المسألة الحادية عشرة : لا يجوز دخول مكّة بغير إحرام ، إجماعا منقولا (4)ومحقّقا.
وتدلّ عليه صحيحتا محمّد (5)ورفاعة (6)وروايتا رفاعة (7)والقاسم [ عن ] (8)علي ، ورواية عاصم (9)، وغيرها (10).0.
1) انظر ص : 328.
2) الفقيه 2 : 147 - 650 ، الوسائل 13 : 287 أبواب مقدّمات الطواف ب 44 ح 1.
3) الكافي 4 : 558 - 3 ، التهذيب 6 : 14 - 28 ، الوسائل 14 : 348 أبواب المزار وما يناسبه ب 9 ح 3 ، بتفاوت يسير.
4) كما في المدارك 7 : 380 ، كشف اللثام 1 : 320 ، الرياض 1 : 381.
5) الفقيه 2 : 239 - 1140 ، التهذيب 5 : 448 - 1564 ، الوسائل 12 : 404 أبواب الإحرام ب 50 ح 4.
6) التهذيب 5 : 165 - 552 ، الاستبصار 2 : 245 - 857 ، الوسائل 12 : 403 أبواب الإحرام ب 50 ح 3.
7) الكافي 4 : 324 - 4 ، الوسائل 12 : 405 أبواب الإحرام ب 50 ح 8.
8) في النسخ : والقاسم بن علي ، وهو تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه - انظر الفقيه 2 : 239 - 1141 ، الوسائل 12 : 405 أبواب الإحرام ب 50 ح 10.
9) التهذيب 5 : 165 - 550 ، الاستبصار 2 : 245 - 855 ، الوسائل 12 : 402 أبواب الإحرام ب 50 ح 1.
10) الوسائل 12 : 402 أبواب الإحرام ب 50.
ومقتضى بعض هذه الأخبار : عدم جواز دخول الحرم بغير إحرام ، كما حكي الفتوى به عن جمع (1).
وهو الأحوط ، بل الأظهر.
واختلفت هذه الأخبار في استثناء المريض والمبطون ، ففي بعضها التصريح بالاستثناء ، وفي آخر بالعدم.
وجمع بينهما بعضهم بحمل الأول على غير المتمكّن والثاني على المتمكّن.
وهو جمع بلا شاهد ، والرجوع إلى الأصل والحمل على الاستحباب - كما عن الشيخ (2)وغيره (3)- أولى.
واستثني أيضا من دخلها بعد الإحلال من إحرام وقبل مضيّ شهر من إحلاله من الإحرام السابق ، أو من خروجه ، على اختلاف القولين.
ويستثنى أيضا الحطّابة والمجتلبة (4).
المسألة الثانية عشرة : يكره دخول الحرم مع السلاح البارز ، لصحيحة حريز : « لا ينبغي أن يدخل الحرم بسلاح ، إلاّ أن يدخله في جوالق (5)أو يغيّبه » ، يعني : يلفّ على الحديد شيئا (6).
ونحوها صحيحة أبي بصير ، وفيها : « ولكن إذا دخل مكّة لم
1) حكاه عنهم في الرياض 1 : 381.
2) الاستبصار 2 : 246.
3) كالعلاّمة في المنتهى 2 : 688.
4) المجتلبة : الذين يجلبون الأرزاق - مجمع البحرين 2 : 25.
5) جوالق : وعاء من الأوعية معروف معرّب - لسان العرب 10 : 36.
6) الكافي 4 : 228 - 1 ، الفقيه 2 : 164 - 708 ، الوسائل 13 : 256 أبواب مقدّمات الطواف ب 25 ح 1.
يظهره » (1).
المسألة الثالثة عشرة : يستحبّ ختم القرآن بمكّة ، فإنّه روى الصدوق في الفقيه مرسلا عن عليّ بن الحسين عليهما السلام أنّه قال : « من ختم القرآن بمكّة لم يمت حتى يرى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، ويرى منزله في الجنّة » (2).
المسألة الرابعة عشرة : تستحبّ زيارة قبر النبيّ صلی اللّه عليه وآله استحبابا مؤكّدا إجماعا ، بل ضرورة دينيّة ، واستفاضت به الأخبار المطلقة والمتضمّنة لخصوص ما بعد الممات.
ففي رواية يزيد بن عبد الملك ، عن أبيه ، عن جدّه : دخلت على فاطمة 3 فبدأتني بالسلام ، ثمَّ قالت : « ما بدا بك؟ » قلت : طلب البركة ، قالت : « أخبرني أبي وهو ذا هو : أنّه من سلّم عليه وعليّ ثلاثة أيّام أوجب اللّه له الجنّة » ، قلت لها : في حياته وحياتك؟ قالت : « نعم ، وبعد موتنا » (3).
وفي رواية السدوسي : قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : من أتاني زائرا كنت شفيعه يوم القيامة » (4).
وفي رواية أبي شهاب : قال الحسين عليه السلام لرسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : « يا أبتاه ما لمن زارك؟ » فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : « يا بنيّ ، من زارني حيّا أو ميّتا أو
1) الكافي 4 : 228 - 2 ، الفقيه 2 : 164 - 707 ، الوسائل 13 : 256 أبواب مقدمات الطواف ب 25 ح 2.
2) الفقيه 2 : 146 - 645 ، الوسائل 13 : 289 أبواب مقدّمات الطواف ب 45 ح 3.
3) التهذيب 6 : 9 - 18 ، الوسائل 14 : 367 أبواب المزار وما يناسبه ب 18 ح 1.
4) الكافي 4 : 548 - 3 ، التهذيب 6 : 4 - 4 ، ورواها في الوسائل 14 : 333 أبواب المزار وما يناسبه ب 3 ح 2 عن السندي.
زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقّا عليّ أن أزوره يوم القيامة وأخلّصه من ذنوبه » (1).
وفي مرسلة الفقيه : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لعلي عليه السلام : « يا عليّ ، من زارني في حياتي أو بعد موتي أو زارك في حياتك أو بعد موتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد موتهما ضمنت له يوم القيامة أن أخلّصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيّره معي في درجتي » (2).
وفي رواية سليمان : قال النبيّ صلی اللّه عليه وآله : « من زارني في حياتي وبعد موتي كان في جواري يوم القيامة » (3).
وفي صحيحة ابن سنان : « بينا الحسين بن عليّ عليهما السلام في حجر رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذ رفع رأسه فقال : يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال : يا بنيّ من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنّة ، ومن أتى أباك زائرا بعد موته فله الجنّة ، ومن أتى أخاك بعد موته زائرا فله الجنّة ، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنّة » (4).
وفي رواية الأسلمي : « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : من أتى مكّة حاجّا ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة ، ومن أتاني زائرا وجبت له شفاعتي ،
1) الكافي 4 : 548 - 4 ، ورواها في التهذيب 6 : 4 - 7 عن المعلّى بن شهاب ، وفي الوسائل 14 : 326 أبواب المزار وما يناسبه ب 2 ح 14 عن المعلّى بن أبي شهاب.
2) الفقيه 2 : 346 - 1581 بتفاوت يسير ، الوسائل 14 : 328 أبواب المزار وما يناسبه ب 2 ح 16.
3) التهذيب 6 : 3 - 2 ، ورواها في الوسائل 14 : 334 أبواب المزار وما يناسبه ب 3 ح 5 عن صفوان بن سليمان.
4) التهذيب 6 : 40 - 84 ، الوسائل 14 : 329 أبواب المزار وما يناسبه ب 2 ح 17 ، وفي التهذيب 6 : 20 - 44 ونسختي « ح » و « س » : بينا الحسن بن علي 8.
ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة ، ومن مات في أحد الحرمين - مكّة والمدينة - لم يعرض ولم يحاسب ، ومن مات مهاجرا الى اللّه عزّ وجلّ يحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر » (1).
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (2).
ومقتضى الأخيرة : تأكّد استحبابها للحاجّ ، بل ربما تشعر بتحريم تركها له.
واختلفت الأخبار في أفضليّة البدأة بمكّة والختم بالمدينة ، أو بالعكس ، أو التساوي.
ففي حسنة سدير : « ابدءوا بمكّة واختموا بنا » (3).
وفي صحيحة البرقي (4)ورواية غياث بن إبراهيم (5): أبدأ بالمدينة أو بمكّة؟ قال : « ابدأ بمكّة واختم بالمدينة ، فإنّه أفضل ».
وفي صحيحة العيص : عن الحاجّ من الكوفة يبدأ بالمدينة أفضل أو بمكّة؟ قال : « بالمدينة » (6).1.
1) الكافي 4 : 548 - 5 ، الفقيه 2 : 338 - 1571 ، علل الشرائع : 460 - 7 وفيه : ولم يزرني إلى المدينة جفاني ، ومن جفاني جفوته يوم القيامة .. ، الوسائل 14 : 333 أبواب المزار وما يناسبه ب 3 ح 3.
2) الوسائل 14 : 332 أبواب المزار وما يناسبه ب 3.
3) الكافي 4 : 550 - 1 ، الفقيه 2 : 334 - 1552 ، الوسائل 14 : 321 أبواب المزار وما يناسبه ب 2 ح 2.
4) الكافي 4 : 550 - 2 ، الوسائل 14 : 320 أبواب المزار وما يناسبه ب 1 ح 4.
5) التهذيب 5 : 439 - 1527 ، الاستبصار 2 : 329 - 1166 ، الوسائل 14 : 320 أبواب المزار وما يناسبه ب 1 ح 3.
6) الفقيه 2 : 334 - 1555 ، التهذيب 5 : 439 - 1526 ، الوسائل 14 : 319 أبواب المزار وما يناسبه ب 1 ح 1.
وفي ( حسنة يقطين ) (1): عن الممرّ بالمدينة في البداية أفضل أو في الرجعة؟ قال : « لا بأس بذلك أيّة كان » (2).
وحمل في الفقيه والتهذيبين الأخبار الأوّلة على المختار ، وما بعدها على من حجّ على طريق يمرّ بالمدينة أولا ، فالبدأة بها أفضل ، لئلاّ يخترم دون ذلك أو لا يرجع (3).
أقول : لا شكّ في أفضلّية البدأة بالمدينة مع المرور بها ، لأنّ تركها حينئذ نوع جفاء بل استخفاف ، مضافا إلى جواز الاخترام أو عدم الرجوع.
وإنّما الكلام في المختار ، وحمل الأخبار الأخيرة على المارّ حمل بلا شاهد ، فتتعارض الأخبار ، ولا بدّ لنا من الحكم بالتخيير كما هو مقتضى الأخيرة ، إلاّ أنّ الاعتبار يحكم بأفضليّة البدأة بالمدينة مع الاختيار ، لتحصيل الاستعداد ، ولأنّها مقتضى ترتيب الصعود ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) (4).
الخامسة عشرة : قالوا : لو ترك الناس زيارة النبيّ صلی اللّه عليه وآله أجبروا عليها.
وفي النافع : لو ترك الحاجّ .. (5).
وعلى الأول (6): يكون المراد ترك كافّة الناس.
وتدلّ عليه صحيحة الفضلاء الثلاثة وغيرهم : « لو أنّ الناس تركوا الحجّ لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده ، ولو تركوا زيارة النبيّ صلی اللّه عليه وآله » ، لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده » (1)وعلى هذا يكون واجبا كفائيّا.
وعلى الثاني : يمكن أن يكون المراد : كلّ الحاجّ ، فيكون واجبا كفائيا لهم ، وعلى هذا يكون دليله كونه جفاء له صلی اللّه عليه وآله لعدم الالتفات إليه بحكم العرف والعادة.
لا ما دلّ على أنّ من حجّ ولم يزره كان جافيا له (2)، حتى يرد عليه ما أورد من عدم انطباق الدليل على المدّعى لكون المدّعى الاتّفاق ، ويجري الدليل على كلّ واحد (3).
ولا الصحيحة المذكورة ، كما استدلّ به ذلك المورد ، لأنّها واردة في كلّ الناس لا كلّ الحاجّ.
وأن يكون كلّ واحد من الحاجّ ، ويكون دليله رواية الأسلمي السابقة - حيث إنّه صلی اللّه عليه وآله لا يجفي غير الجافي - والنبويّ المرويّ في كتب القوم : « من زار مكّة ولم يزرني في المدينة جفاني » (4).
المسألة السادسة عشرة : كما أنّ لمكّة حرما كذلك للمدينة حرم ،
1) أي النبوي الآتي قريبا.
2) الكافي 4 : 272 - 1 ، الفقيه 2 : 259 - 1259 ، التهذيب 5 : 441 - 1532 وليس فيه : « وعلى المقام عنده » الثانية ، الوسائل 11 : 24 أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 5 ح 2.
3) انظر الرياض 1 : 432.
4) كنوز الحقائق : 126 عن ابن عدي ، وهو في هداية الصدوق : 67 ، مستدرك الوسائل 10 : 186 أبواب المزار ب 3 ح 4.
بلا خلاف يعرف.
وتدلّ عليه الأخبار المستفيضة (1).
وحدّه من عائر إلى وعير - بفتح الواو أو ضمّها على اختلاف النقلين - كما صرّح به في صحيحتي ابن عمّار (2)والصيقل (3)، ومرسلة الفقيه (4).
وهما - على ما حكي عن الشهيد الثاني (5)وجماعة (6)- جبلان يكتنفان المدينة شرقا وغربا.
وقيل : عير - ويقال له : عائر - جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة (7).
والمصرّح به في صحيحة ابن عمّار : « ظلّ عائر إلى ظلّ وعير ».
وفي المرسلة : « ظلّ عائر إلى فيء وعير ».
ولعلّ التقييد بذلك للتنبيه على أنّ الحرم داخلهما ، بل بعض الداخل.
وهذا الحدّ من الحرم يحرم قطع شجره ، على الأظهر الأشهر
1) الوسائل 14 : 360 أبواب المزار وما يناسبه ب 16.
2) الكافي 4 : 564 - 5 ، التهذيب 6 : 12 - 23 ، الوسائل 14 : 362 أبواب المزار وما يناسبه ب 17 ح 1.
3) الكافي 4 : 564 - 3 ، التهذيب 6 : 13 - 26 ، الوسائل 14 : 363 أبواب المزار وما يناسبه ب 17 ح 2.
4) الفقيه 2 : 336 - 1564 ، الوسائل 14 : 365 أبواب المزار وما يناسبه ب 17 ح 7.
5) المسالك 1 : 128.
6) حكاه في المدارك 8 : 274 ، الذخيرة : 706.
7) حكاه في كشف اللثام 1 : 384 عن خلاصة الوفاء.
كما صرّح به جماعة (1). بل عن المنتهى نسبه إلى علمائنا (2)، للتصريح بتحريمه في صحيحة الصيقل ومرسلة الفقيه ، وبالمرجوحيّة في صحيحة ابن عمّار.
وهل يحرم نزع مطلق النبات ، أو يختصّ بالشجر؟
ظاهر الشرائع والنافع والكفاية (3)وغيرها (4): الثاني ، للاختصاص به في بعض الأخبار.
والأظهر : الأول ، لموثّقة زرارة ، فإنّ فيها : « حرّم رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله المدينة ما بين لابتيها (5)صيدها ، وحرّم ما حولها بريدا في بريد أن يختلى خلاها أو يعضد شجرها ، إلاّ عودي الناضح » (6).
ولا يضرّ جعل الحرم فيها من بريد إلى بريد ، لاتّحاده مع ما ذكر ، كما صرّح به في التهذيب ، قال : البريد إلى البريد وهو : ظلّ عائر إلى ظلّ وعير (7). وذكره غيره أيضا (8).
ومنه يظهر الوجه في بعض أخبار أخر جعل الحرم في المدينة بريدا
1) منهم صاحب المدارك 8 : 274 ، السبزواري في الذخيرة : 706 ، صاحب الرياض 1 : 433.
2) المنتهى 2 : 799.
3) الشرائع 1 : 278 ، النافع : 98 ، الكفاية : 73.
4) كما في الذخيرة : 706.
5) لابتا المدينة : حرّتان عظيمتان يكتنفانها. واللابة : هي الحرّة ذات الحجارة السود قد ألبتها لكثرتها ، وجمعها لابات ، وهي الحرار ، وإن كثرت فهي اللاّب واللّوب - مجمع البحرين 2 : 168.
6) الفقيه 2 : 336 - 1562 ، الوسائل 14 : 365 أبواب المزار وما يناسبه ب 17 ح 5.
7) التهذيب 6 : 13.
8) كما في الجامع للشرائع : 231 ، المدارك 8 : 274.
إلى بريد.
وأمّا ما يظهر من صحيحة الصيقل - من ردّه عليه السلام على ربيعة الرأي من جعله الحرم بريدا إلى بريد - فإنّما هو باعتبار إطلاقه الدالّ على حرمة الصيد في ذلك الحدّ أيضا ، ولذا فصّل عليه السلام بعد الردّ.
وفي رواية أبي بصير جعل حدّ حرم المدينة من ذباب إلى وأقم والعريض والنقب من قبل مكّة (1).
وقيل : الذباب - بضمّ المعجمة وقيل بكسرها - جبل شاميّ (2)المدينة ، كان مضرب قبّة النبيّ صلی اللّه عليه وآله يوم الأحزاب (3).
وواقم : حصن من حصون المدينة.
والعريض - مصغّرا - : واد في شرق الحرّة ، قريب قناة ، وهي أيضا واد.
والنقب : الطريق في الجبل.
ولكن لم يصرّح في تلك الرواية بأنّه ما حرّم في ذلك الحدّ ، فلا ينافي ما مرّ ، لجواز أن يكون مخصوصا بما ليس في الأول.
هذا حكم الشجر.
وأمّا الصيد ، فلا يحرم في جميع ما ذكر ، بل يحرم ما صيد بين الحرّتين على الأقوى ، وعزاه جمع إلى علمائنا (4)، بل عليه الإجماع عن
صريح الخلاف وظاهر المنتهى (1).
لصحيحتي ابن سنان (2)
الثانية في : التهذيب 6 : 13 - 25 ، الوسائل 14 : 365 أبواب المزار وما يناسبه ب 17 ح 9.
، وموثّقة زرارة ، ولكن في الأخيرة : « ما بين لابتيها » ، ولعلّ المراد واحد ، كما يظهر من صحيحة الصيقل ، فإنّ فيها : « قال : وما بين لابتيها؟ قلت : ما أحاطت به الحرار ».وأصل الحرّة - بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء - الأرض التي فيها حجارة سود.
والمراد بالحرّتين - كما قالوا - : حرّة واقم ، وهي شرقيّة المدينة ، وحرّة ليلى ، وهي غربيّتها ، وهي حرّة العقيق.
ولها حرّتان أخريان جنوبا وشمالا تتّصلان بهما ، فكأنّ الأربع حرّتان ، فلذا اكتفي بهما ، وهما : حرّة قبا وحرّة الرجلى ككسرى ، ويمدّ.
وأمّا ما في بعض الأخبار - من جواز الصيد في حرم المدينة (3)- فمحمول على الزائد من هذا القدر ، حملا للعامّ على الخاصّ.
المسألة السابعة عشرة : تستحبّ في المدينة زيارة فاطمة سيّدة نساء العالمين 3.
واختلفوا في موضع قبرها الشريف : فظاهر الشيخ في النهاية والمحقّق في الشرائع والنافع : أنّه عند
الروضة (1)، وهي ما بين القبر والمنبر ، كما ذكره الشيخ (2)وجماعة (3).
واستدلّوا له بما روي مستفيضا في الأخبار المعتبرة : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : ما بين قبري - أو بيتي - ومنبري روضة من رياض الجنّة » (4).
وفي الفقيه : أنّه روي أنّها دفنت بين القبر والمنبر (5).
وقيل : إنّه في البقيع (6)، رواه في الفقيه أيضا مرسلا (7)، واستبعده جماعة (8).
وقال جماعة : إنّها دفنت في بيتها ، وهو الآن داخل في المسجد (9)، وتدلّ عليه صحيحة البزنطي (10).
ولكن في إثبات أمثال تلك الأمور الواقعية بأخبار الآحاد نظرا ، كما بيّناه في الأصول.
والأولى - كما في القواعد والدروس (11)وغيرهما (12)- زيارتها في
1) النهاية : 287 ، الشرائع 1 : 278 ، النافع : 98.
2) النهاية : 287.
3) كالمحقق في النافع : 98 ، الفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 382.
4) الوسائل 14 : 344 أبواب المزار وما يناسبه ب 7.
5) الفقيه 2 : 341 - 1574 ، الوسائل 14 : 369 أبواب المزار وما يناسبه ب 18 ح 4.
6) حكاه عن البعض في التهذيب 6 : 9.
7) الفقيه 2 : 341 - 1573 ، الوسائل 14 : 369 أبواب المزار وما يناسبه ب 18 ح 4.
8) منهم الشيخ في المبسوط 1 : 386 ، والنهاية : 287 والتهذيب 6 : 9 ، والحلّي في السرائر 1 : 652 ، ابن سعيد في الجامع : 232.
9) الفقيه 2 : 341 ، الذخيرة : 707 ، المدارك 8 : 278 ، الرياض 1 : 433.
10) الفقيه 1 : 148 - 684 ، التهذيب 3 : 255 - 705 ، الوسائل 14 : 368 أبواب المزار وما يناسبه ب 18 ح 3.
11) القواعد : 91 ، الدروس 2 : 6.
12) الرياض 1 : 433.
المواضع الثلاثة.
وتستحبّ أيضا زيارة الأئمّة الأربعة : في البقيع.
المسألة الثامنة عشرة : يستحبّ صيام ثلاثة أيّام في المدينة : الأربعاء ، والخميس ، والجمعة ، لطلب الحاجة.
بالأخبار المستفيضة وإن اختلفت في الكيفيّة.
ففي صحيحة الحلبي - بعد الأمر بإقامة الأيّام الثلاثة مع الاستطاعة - : « فتصلّي يوم الأربعاء ما بين القبر والمنبر عند الأسطوانة التي تلي القبر ، فتدعو اللّه عندها وتسأله كلّ حاجة تريدها ، واليوم الثاني عند أسطوانة التوبة ، وهي أسطوانة أبي لبابة (1)، ويوم الجمعة عند مقام النبيّ صلی اللّه عليه وآله مقابل الأسطوانة الكثيرة الخلوق (2)، فتدعو اللّه عندهنّ لكلّ حاجة ، وتصوم تلك الثلاثة الأيّام » (3).
ونحوها صحيحة ابن عمّار في ترتيب الأساطين ، إلاّ أنّ فيها : « وصلّ ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء عند الأسطوانة الاولى ، وليلة الخميس ويوم الخميس عند الثانية ، وليلة الجمعة ويوم الجمعة عند الثالثة » وفي آخرها : « وادع بهذا الدعاء لحاجتك : اللّهمّ إني أسألك بعزّتك وقوّتك وقدرتك وجميع ما أحاط به علمك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد ، وأن تفعل بي
1) أبو لبابة : بضم اللام وخفة الموحدة - اسمه رفاعة بن المنذر النقيب ، وأسطوانة أبي لبابة : في مسجد النبي صلی اللّه عليه وآله بالمدينة ، وهي أسطوانة التوبة التي ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء - مجمع البحرين 2 : 165.
2) الخلوق : طيب مركب ، يتّخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب ، والغالب عليه الصفرة أو الحمرة - مجمع البحرين 5 : 157.
3) الكافي 4 : 558 - 4 ، الوسائل 14 : 351 أبواب المزار وما يناسبه ب 11 ح 3 ، بتفاوت.
كذا وكذا » (1).
وفي صحيحة أخرى لابن عمّار - بعد ذكر صوم الثلاثة الأيّام - : « تصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة ، وهي أسطوانة التوبة ، وتقعد عندها يوم الأربعاء ، ثمَّ تأتي ليلة الخميس الأسطوانة التي تليها ممّا يلي مقام النبيّ صلی اللّه عليه وآله ليلتك ويومك ، ثمَّ تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبيّ صلی اللّه عليه وآله ومصلاّه ليلة الجمعة ، وتصلّي عندها ليلتك ويومك « إلى أن قال : » فإن استطعت أن لا تتكلّم بشيء في هذه الأيّام إلاّ ما لا بدّ لك منه ، ولا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة ، ولا تنام في ليل ولا نهار ، فافعل ، ثمَّ احمد اللّه في يوم الجمعة وأثن عليه ، وصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، وسل حاجتك ، وليكن فيما تقول : اللّهمّ ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة صلی اللّه عليه وآله في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها » (2).
وقريبة منها مرسلة الفقيه ، إلاّ أنّ فيها : « ولا تنام في ليل ولا نهار إلاّ القليل » (3).
أقول : الوجه : التخيير بين القسمين وإن كان الأول أشهر ، وقيل : هو أيضا أحوط (4)، ولا أعرف وجهه.
المسألة التاسعة عشرة : يستحبّ الإكثار للصلاة في مسجد
النبي صلی اللّه عليه وآله ، وأنّه إذا فرغ من الدعاء عند قبر النبي صلی اللّه عليه وآله يأتي المنبر ويمسحه بيده ويأخذ برمّانتيه - وهما السفلاوان - ويمسح عينيه ووجهه به ، فإنّه شفاء للعين ، ويقوم عنده ويحمد اللّه ويثني عليه ، ويسأل حاجته ، وأن يصلّي على النبي صلی اللّه عليه وآله عند دخول المسجد ، وكذا عند الخروج عنه ، وأن يأتي مقام النبي صلی اللّه عليه وآله ويصلّي فيه ما بدا له.
كلّ ذلك منصوص عليه في صحيحة ابن عمّار (1).
المسألة العشرون : تستحبّ الصلاة في المساجد التي بالمدينة ، كمسجد قبا ، بضم القاف.
ومسجد الفضيخ - سمّي به لنخل كان فيه يسمّى الفضيخ - بالفاء المفتوحة والضاد والخاء المعجمتين.
قال صاحب القاموس في كتاب مغانم المطابة : إنّ هذا المسجد يعرف بمسجد الشمس اليوم ، وهو شرقيّ مسجد قبا على شفير الوادي ، مرضوم (2)بحجارة سود ، وهو مسجد صغير.
ووجه تسميته مسجد الشمس لأنّ فيه ردّت الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام ، كما ورد في رواية عمّار بن موسى (3).
ومشربة أمّ إبراهيم (4)، وهو - في كتاب المغانم - : مسجد بقبا
1) الكافي 4 : 553 - 1 ، التهذيب 6 : 7 - 12 ، الوسائل 14 : 344 أبواب المزار وما يناسبه ب 7 ح 1 ، وأورد ذيلها في ص 340 ب 5 ح 2.
2) الرضم والرضام : صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية ، الواحدة رضمة - الصحاح 5 : 1933.
3) الكافي 4 : 561 - 7 ، الوسائل 14 : 355 أبواب المزار وما يناسبه ب 12 ح 4.
4) المشربة : بفتح الميم وفتح الراء وضمّها : الغرفة ، ومنه مشربة أمّ إبراهيم عليه السلام ، وإنّما سمّيت بذلك لأنّ إبراهيم بن النبي صلی اللّه عليه وآله ولدته امّه فيها وتعلقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة ، وقد ذرعت من القبلة إلى الشمال أحد عشر ذراعا - مجمع البحرين 2 : 89.
شماليّ مسجد بني قريظة ، قريب من الحرّة الشرقيّة في موضع يعرف بالدشت.
قال : وليس عليه بناء ولا جدار ، وإنّما هو عريصة صغيرة بين نخيل ، طولها نحو عشرة أذرع ، وعرضها أقلّ منه بنحو ذراع ، وقد حوّط عليها برضم لطيف من الحجارة السود.
ومسجد الفتح ، وهو مسجد على قطعة من جبل سلع من جهة الغرب ، وغربيّه وادي بطحان ، وهو الذي يسمّى بمسجد الأحزاب.
وأن تأتي في جانب احد وتصلّي فيه في المسجد الذي دون الحرّة.
وتأتي قبر حمزة بن عبد المطّلب وتسلّم عليه.
وتأتي قبور شهداء احد.
وتأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جانب الجبل عن يمينك حين تدخل احد ، وتصلّي فيه.
وتصلّي عند قبور الشهداء ، وأن تقول عند قبور الشهداء : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، وتقول : السلام عليكم يا أهل الديار ، أنتم لنا فرط وإنّا بكم لاحقون.
وأن تقول في مسجد الفتح : يا صريخ المكروبين ، يا مجيب دعوة المضطرّين ، اكشف غمّي وهمّي وكربي كما كشفت عن نبيّك غمّه وهمّه وكربه وكفيته هول عدوّه في هذا المكان.
وتستحبّ البدأة بمسجد قبا ، ثمَّ مشربة أمّ إبراهيم ، ثمَّ مسجد
الفضيخ ، ثمَّ احد ، ويبدأ فيه بالمسجد الذي دون الحرّة ، ثمَّ قبر حمزة ، ثمَّ قبور الشهداء ، ثمَّ المسجد الذي في المكان الواسع ، ثمَّ الصلاة عند قبور الشهداء ، ثمَّ مسجد الفتح.
صرّح بذلك الترتيب في رواية عقبة بن خالد (1).
المسألة الإحدى والعشرون : يستحبّ وداع قبر النبي صلی اللّه عليه وآله عند إرادة الخروج من المدينة.
ففي صحيحة ابن عمّار : « إذا أردت أن تخرج من المدينة فاغتسل ، ثمَّ ائت قبر النبيّ صلی اللّه عليه وآله بعد ما تفرغ من حوائجك فودّعه ، واصنع مثل ما صنعت عند دخولك ، وقل : اللّهمّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر نبيّك صلوات اللّه وسلامه عليه ، فإن توفّيتني قبل ذلك فإنّي أشهد في مماتي على ما شهدت عليه في حياتي أن لا إله إلاّ أنت وأنّ محمدا عبدك ورسولك » (2).
وفي رواية يونس بن يعقوب : عن وداع قبر النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، [ فقال : ] « تقول : صلّى اللّه عليك ، السلام عليك ، لا جعله اللّه آخر تسليمي عليك » (3)، واللّه العالم.
المسألة الثانية والعشرون : من أراد أن يدرك ثواب الحجّ كلّ سنة فليعمل بما ورد في المرسل ، فإنّ فيه :
1) الكافي 4 : 560 - 2 ، التهذيب 6 : 17 - 39 ، الوسائل 14 : 353 أبواب المزار وما يناسبه ب 12 ح 2.
2) الكافي 4 : 563 - 1 ، التهذيب 6 : 11 - 20 ، الوسائل 14 : 358 أبواب المزار وما يناسبه ب 15 ح 1.
3) الكافي 4 : 563 - 2 ، كامل الزيارات : 26 - 2 ، الوسائل 14 : 359 أبواب المزار وما يناسبه ب 15 ح 2 ، وما بين المعقوفين من المصادر.
« ما يمنع أحدكم أن يحجّ كلّ سنة؟ » فقيل له : لا تبلغ ذلك أموالنا ، فقال : « أما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن يبعث معه ثمن أضحيّته ، ويأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت ، ويذبح عنه؟! فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه وتهيّأ للمسجد ، فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس » (1).
والظاهر أنّ المراد بالثياب التي أمر بلبسها إنّما هي ثياب الزينة ، كما ورد به في الخروج إلى يوم العيد والجمعة.
ولا يضرّ إرسال الرواية ، لما في أدلّة السنن من المسامحة.
وقد ورد طريق آخر أيضا في الروايات المستفيضة الصحيحة ، من بعث الهدي من أيّ أفق كان ، والمواعدة مع المبعوث معه لإشعاره أو تقليده ، واجتناب ما يجتنبه المحرم وقت المواعدة حتى يبلغ الهدي محلّه (2).
ولكن لعدم تيسّر العمل به في أكثر الآفاق من بعث الهدي ، وعدم دليل على الاكتفاء ببعث ثمنه ، سيّما مع الإتيان بالإشعار والتقليد ، تركنا ذكره هنا.
المسألة الثالثة والعشرون : - وهي الأخيرة من مسائل الكتاب - في نبذ من آداب الخروج من البيت والمسافرة.
تستحبّ لمن أراد السفر مطلقا أمور :
منها : أن يعلم إخوانه بذلك.
لرواية السكوني (1).
ومنها : أن يخرج يوم السبت - كما صرّح به في صحيحة ابن سنان (2)، ورواية حفص بن غياث (3)- بعد طلوع الشمس منه ، كما في رواية الخثعمي (4).
أو يوم الخميس.
فإنّ في رواية عبد اللّه بن سليمان : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان يسافر يوم الخميس » ، وقال : « يوم الخميس يحبّه اللّه ورسوله وملائكته » (5).
أو يوم الثلاثاء.
فإنّ في رواية حفص : « من تعذّرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء ، فإنّه اليوم الذي ألان اللّه فيه الحديد لداود عليه السلام » (6).
وفي صحيحة الخزّاز : « واخرجوا يوم الثلاثاء » (7).
ومنها : أن لا يسافر يوم الجمعة مطلقا.
فإنّ في رواية الخثعمي « لا تخرج يوم الجمعة في حاجة ».
ولا في يوم الاثنين.
فإنّ في صحيحة الخزّاز « وأيّ يوم أعظم شؤما من يوم الاثنين؟!
1) الكافي 2 : 174 - 16 ، الوسائل 11 : 448 أبواب آداب السفر ب 56 ح 1.
2) الفقيه 2 : 174 - 774 ، الوسائل 11 : 348 أبواب آداب السفر ب 3 ح 1.
3) الفقيه 2 : 173 - 766 ، المحاسن : 345 - 6 ، الوسائل 11 : 349 أبواب آداب السفر ب 3 ح 3.
4) الفقيه 2 : 174 - 773 ، الوسائل 11 : 349 أبواب آداب السفر ب 3 ح 4.
5) الفقيه 2 : 173 - 768 و 769 ، الوسائل 11 : 358 أبواب آداب السفر ب 7 ح 1 و 2.
6) الفقيه 2 : 173 - 766 ، الوسائل 11 : 351 أبواب آداب السفر ب 4 ح 2.
7) الفقيه 2 : 174 - 777 ، المحاسن : 347 - 16 ، الوسائل 11 : 351 أبواب آداب السفر ب 4 ح 1.
فقدنا فيه نبيّنا صلی اللّه عليه وآله ، وارتفع الوحي عنّا ، لا تخرجوا ، واخرجوا يوم الثلاثاء ».
وفي مرسلة الفقيه : « لا تسافر يوم الاثنين ، ولا تطلب فيه حاجة » (1).
ولا في يوم الأربعاء.
كما يستشمّ من صحيحة حمّاد (2).
ولا في يوم كان القمر في العقرب.
فإنّ في رواية محمّد بن حمران : « من سافر وتزوّج والقمر في العقرب لم ير الحسنى » (3).
وهل المعتبر كونه في برج العقرب على ما هو مصطلح أهل النجوم ، أو صورته؟
كلّ محتمل ، ويحتمل الاقتصار على ما اجتمع فيه الأمران ، والظاهر كفاية قول المنجّمين في الدخول فيه والخروج عنه.
ولو تصدّق حين السفر له المسافرة في أيّ يوم شاء ويندفع عنه شؤمه.
ففي صحيحة البجلي : « تصدّق واخرج أيّ يوم شئت » (4).
1) الفقيه 2 : 174 - 776 ، الوسائل 11 : 353 أبواب آداب السفر ب 4 ح 6.
2) الكافي 4 : 283 - 3 ، الفقيه 2 : 175 - 782 ، التهذيب 5 : 49 - 150 وفيه : عن حمّاد عن الحلبي ، المحاسن : 348 - 22 ، الوسائل 11 : 375 أبواب آداب السفر ب 15 ح 2.
3) المحاسن : 347 - 20 ، وفي الفقيه 2 : 174 - 778 ، والوسائل 11 : 367 أبواب آداب السفر ب 11 ح 1 عن محمّد بن حمران ، عن أبيه.
4) الكافي 4 : 283 - 4 ، الفقيه 2 : 175 - 781 ، الوسائل 11 : 375 أبواب آداب السفر ب 15 ح 1.
وفي صحيحة حمّاد : « افتتح سفرك بالصدقة ، واخرج إذا بدا لك ، واقرأ آية الكرسي » (1).
وليكن تصدّقه على أول مسكين.
كما في صحيحة ابن أبي عمير : « إذا وقع في نفسك شيء فتصدّق على أول مسكين ، ثمَّ امض ، فإنّ اللّه تعالى يدفع عنك » (2).
وليكن ذلك أيضا إذا وضع رجله في الركاب.
كما في رواية محمّد (3).
ومنها : أن يصلّي ركعتين حين الخروج.
ففي رواية السكوني : « ما استخلف رجل على أهله بخليفة أفضل من ركعتين يركعهما إذا أراد الخروج إلى سفر ، ويقول : الّلهمّ إنّي أستودعك نفسي وأهلي ومالي وذرّيتي ودنياي وآخرتي وأمانتي وخاتمة عملي » (4).
ومنها : أن يجمع عياله في بيت ويقول : اللّهم إنّي أستودعك الغداة نفسي ومالي وأهلي وولدي ، الشاهد منّا والغائب ، اللّهمّ احفظنا واحفظ علينا ، اللّهمّ اجعلنا في جوارك ، اللّهمّ لا تسلبنا نعمتك ولا تغيّر ما بنا من
1) الكافي 4 : 283 - 3 ، الفقيه 2 : 175 - 782 ، الوسائل 11 : 375 أبواب آداب السفر ب 15 ح 2.
2) الفقيه 2 : 175 - 783 ، المحاسن : 349 - 26 ، الوسائل 11 : 376 أبواب آداب السفر ب 15 ح 3 ، 4.
3) الفقيه 2 : 176 - 785 ، المحاسن : 348 - 25 ، الوسائل 11 : 376 أبواب آداب السفر ب 15 ح 5.
4) الكافي 4 : 283 - 1 ، الفقيه 2 : 177 - 789 ، التهذيب 5 : 49 - 152 ، المحاسن : 349 - 29 ، الوسائل 11 : 379 أبواب آداب السفر ب 18 ح 1.
عافيتك وفضلك.
كما ورد في صحيحة العجلي (1).
وأن يقول ما في مرسلة الفقيه : « الّلهمّ خلّ سبيلنا ، وأحسن مسيرنا ، ومنها : أن يفعل ما في صحيحتي صباح الحذّاء :
الأولى : « إذا أراد السفر قام على باب داره تلقاء وجهه الذي يتوجّه إليه فقرأ فاتحة الكتاب أمامه وعن يمينه وعن شماله ، وآية الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله ، ثمَّ قال : اللّهمّ احفظني واحفظ ما معي ، وسلّمني وسلّم ما معي ، وبلّغني وبلّغ ما معي ببلاغك الحسن » (2).
الثانية : « إذا أردت السفر فقف على باب دارك واقرأ فاتحة الكتاب أمامك وعن يمينك وعن شمالك ، وقل هو اللّه أحد أمامك وعن يمينك وعن شمالك ، وقل أعوذ بربّ الناس وقل أعوذ بربّ الفلق أمامك وعن يمينك وعن شمالك ، ثمَّ قل : الّلهمّ احفظني ، إلى آخر الدعاء » (3)إلاّ أنّه قال : « بلاغا حسنا » مكان : « ببلاغك الحسن ».
ومنها : أن يدعو بما في صحيحة ابن عمّار : « إذا خرجت من بيتك تريد الحجّ والعمرة إن شاء اللّه فادع دعاء الفرج ، وهو : لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم ، لا إله إلاّ اللّه العليّ العظيم ، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع ، وربّ الأرضين السبع ، وربّ العرش العظيم ، والحمد لله ربّ العالمين ، قل : اللّهمّ
كن لي جارا من كلّ جبار عنيد ، ومن كلّ شيطان مريد ، ثمَّ قل : بسم اللّه دخلت وبسم اللّه خرجت وفي سبيل اللّه ، اللّهمّ إنّي أقدّم بين يدي نسياني وعجلتي بسم اللّه وما شاء اللّه في سفري هذا ذكرته أو نسيته ، الّلهمّ أنت المستعان على الأمور كلّها ، وأنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، الّلهمّ هوّن علينا سفرنا واطو لنا الأرض ، وسيّرنا فيها بطاعتك وطاعة رسولك ، الّلهم أصلح لنا ظهرنا (1)، وبارك لنا في ما رزقتنا ، وقنا عذاب النار ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر (2)، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد ، اللّهمّ أنت عضدي وناصري ، بك أحلّ وبك أسير ، اللّهمّ إنّي أسألك في سفري هذا السرور والعمل بما يرضيك عنّي ، اللّهمّ اقطع عني بعده ومشقّته ، واصبحني فيه ، واخلفني في أهلي بخير ، لا حول ولا قوة إلاّ باللّه ، اللّهمّ إنّي عبدك وهذا حملانك (3)، والوجه وجهك ، والسفر إليك ، وقد اطّلعت على ما لم يطّلع عليه أحد غيرك ، فاجعل سفري هذا كفّارة لما قبله من ذنوبي ، وكن عونا لي عليه ، واكفني وعثه ومشقّته ، ولقّني من القول والعمل رضاك ، فإنّما أنا عبدك وبك ولك » (4).
ومنها : أن يقول إذا خرج من منزله ما في رواية ابن أسباط ، وهو : « بسم اللّه ، آمنت باللّه ، وتوكّلت على اللّه ، ما شاء اللّه ، لا حول ولا قوة إلاّ
1) الظهر : الإبل القوي - مجمع البحرين 3 : 389 وفي المصباح المنير : 387 : الظّهر : الطريق في البرّ.
2) وعثاء السفر : مشقّته - الصحاح 1 : 296.
3) الحملان : ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة - لسان العرب 11 : 175.
4) الكافي 4 : 284 - 2 ، التهذيب 5 : 50 - 154 ، الوسائل 11 : 383 أبواب آداب السفر ب 19 ح 5.
باللّه » (1).
وأن يقول حين يخرج من باب داره ما في رواية أبي بصير « أعوذ باللّه ممّا عاذت منه ملائكة اللّه من شرّ هذا اليوم ، ومن شرّ الشيطان ، ومن شرّ من نصب لأولياء اللّه ، ومن شرّ الجنّ والإنس ، ومن شرّ السباع والهوام ، ومن شرّ ركوب المحارم كلّها ، أجير نفسي باللّه من كلّ شرّ » (2).
وأن يقول إذا وضع رجله في الركاب : سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين ، أستغفر اللّه الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه ، اللّهمّ أغفر لي ذنوبي ، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت (3).
ومنها : أن يستصحب عصا من لوز مرّ ويتلو هذه الآية من سورة القصص : ( وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ) إلى قوله ( وَاللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) (4).
فإنّ في مرسلة الفقيه : « فإنّه أمان من كلّ سبع ضارّ ، ولصّ عاد ، وذات حمة (5)حتى يرجع إلى أهله ، وكان معه سبعة وسبعون من المعقّبات
1) الفقيه 2 : 177 - 792 ، المحاسن : 350 - 33 ، الوسائل 11 : 384 أبواب آداب السفر ب 19 ح 6.
2) الكافي 2 : 541 - 4 ، الفقيه 2 : 178 - 793 ، المحاسن : 350 - 34 ، الوسائل 11 : 385 أبواب آداب السفر ب 19 ح 7 ، بتفاوت.
3) يدلّ عليه ما في الوسائل 11 : 387 أبواب آداب السفر ب 20.
4) القصص : 22 - 28.
5) الحمة : السّمّ ، وقد يشدّد ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة ، لأنّ السّمّ منها يخرج - نهاية ابن الأثير 1 : 446 ، وفي لسان العرب 14 : 201 حكى عن البعض أنّها الإبرة التي تضرب بها الحيّة والعقرب والزنبور ونحو ذلك ، أو تلدغ بها.
وعن النبيّ صلی اللّه عليه وآله : « حمل العصا ينفي الفقر ولا يجاوره شيطان » (2).
ومنها : أن لا يسافر وحده ، فإنّه قد استفاضت الروايات على المنع عنه (3).
ولو اتّفق له ذلك فليقل ما في رواية الجعفري : « ما شاء اللّه لا حول ولا قوة إلاّ باللّه ، اللّهمّ آنس وحشتي ، وأعنّي على وحدتي ، وأدّ غيبتي » (4).
ومنها : أن لا ينام على دابّته ، فإنّ في رواية حمّاد أنّ ذلك ليس من فعل الحكماء ، إلاّ أن يكون في محمل يمكنه التمدّد.
وأن ينزل عن دابّته إذا قرب المنزل ، ويبدأ بعلفها قبل علف نفسه.
وأن يصلّي ركعتين إذا نزل قبل أن يجلس ، وكذا إذا أريد الارتحال.
ويبعد المذهب (5)عند قضاء الحاجة.
وأن لا يأكل طعاما حتى يتصدّق ابتداء بشيء منه إن استطاع.
ويقرأ كتاب اللّه ما دام راكبا ، ويسبّح ما دام عاملا عملا ، ويدعو ما دام خاليا.
وأن لا يسير من أول الليل ، ولا يرفع الصوت في المسير.
1) الفقيه 2 : 176 - 786 ، الوسائل 11 : 377 أبواب آداب السفر ب 16 ح 1 ، بتفاوت.
2) الفقيه 2 : 176 - 786 ، الوسائل 11 : 379 أبواب آداب السفر ب 17 ح 1.
3) الوسائل 11 : 408 أبواب آداب السفر ب 30.
4) المحاسن : 370 - 122 ، الفقيه 2 : 181 - 807 ، الوسائل 11 : 397 أبواب آداب السفر ب 25 ح 2 ، 3.
5) المذهب : هو الموضع الذي يتغوّط فيه - مجمع البحرين 2 : 62.
كلّ ذلك ورد في رواية حمّاد (1).
ومنها : أن يدير العمامة تحت حنكه.
كما في موثّقة الساباطي (2)، ورواية علي بن الحكم.
وفي الأخيرة « من خرج من منزلة معتمّا تحت حنكه يريد سفرا لم يصبه في سفره سرق ولا حرق ولا مكروه » (3).
وله أن يشتغل في مسيره بالحداء (4)والشعر الذي ليس فيه خنى - أي فحش - فإنّ في رواية السكوني : أنّه زاد المسافر (5).
ومنها : أن يقول اللّهمّ لك الشرف على كلّ شرف ، إذا صعد أكمة - أي ما ارتفع من الأرض - كما في رواية حذيفة (6)، ويكبّر كما في صحيحة ابن عمّار ، وفيها : « أن يسبّح حين يهبط » (7).
ومنها : أن يقول إذا نزل منزلا : ربّ أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ، وأن يقول إذا تعاين مدينة أو قرية : اللّهمّ إنّي أسألك خيرها ،
1) الفقيه 2 : 194 - 884 ، المحاسن : 375 - 145 ، الوسائل 11 : 440 أبواب آداب السفر ب 52 ح 1 و 2.
2) الفقيه 1 : 173 - 814 ، الوسائل 4 : 402 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 5.
3) الكافي 6 : 461 - 6 ، الوسائل 4 : 402 أبواب لباس المصلي ب 26 ح 3.
4) حدا بالإبل حدوا وحداء : إذا زجرها وغنّى لها ليحثّها على السير - مجمع البحرين 1 : 96 ، وفي الصحاح 6 : 2309 : الحدو : سوق الإبل والغناء لها.
5) الفقيه 2 : 183 - 823 ، المحاسن : 358 - 73 ، الوسائل 11 : 418 أبواب آداب السفر ب 37 ح 1.
6) الكافي 4 : 287 - 1 ، المحاسن : 353 - 43 ، الوسائل 11 : 393 أبواب آداب السفر ب 22 ح 2.
7) الكافي 4 : 287 - 2 ، الفقيه 2 : 179 - 796 ، الوسائل 11 : 391 أبواب آداب السفر ب 21 ح 1 ، بتفاوت يسير.
وأعوذ بك من شرّها ، الّلهمّ حبّبنا إلى أهلها ، وحبّب صالحي أهلها إلينا (1).
إلى غير ذلك من الآداب الواردة في مظانّها.
والحمد لله ، والصلاة على رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وخلفاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله.
قد تمَّ كتاب الحجّ من مستند الشيعة في أحكام الشريعة
يوم الجمعة ، سادس عشر شهر رجب المرجّب ،
سنة ألف ومائتين وواحد وأربعون ،
تمَّ بالخير والظفر.
1) يدلّ عليه ما في الوسائل 11 : 444 أبواب آداب السفر ب 54.
الرجوع إلى مكة للاتيان بمناسكها
وجوب المضي إلى مكة بعد الفراغ من مناسك منى... 5
جواز تأخير القارن والمفرد الرجوع إلى مكة طوال ذي الحجة... 9
استحباب الغسل وتقليم الأظفار وأخذ الشارب لمن يمضي إلى طواف الحج... 10
استحباب القيام على باب المسجد والدعاء بالمأثور لمن رجع لطواف البيت... 11
ما يؤتى من الاعمال عند الحجر الأسود... 12
حكم تأخير طواف الحج وسعيه عن الوقوفين بالنسبة إلى المعذور وغيره... 13
الاتيان بمناسك مكة... 13
وجوب طواف النساء بعد طواف الزيارة والسعي... 18
وجوب طواف النساء على الجميع... 20
لا تفاوت بين طواف النساء والعمرة والحج... 20
عدم جواز تقديم طواف النساء على الوقوفين والسعي وسائر المناسك اختيارا... 20
عدم جواز تقديم طواف النساء على الوقوفين والسعي وسائر المناسك اختيارا... 20
عدم بطلان الحج بترك طواف النساء عمدا أو جهلا... 23
قضاء الولي أو غيره عمن مات ولم يطف ولو استنابة... 28
الرجوع إلى منى
البيتوتة
وجوب البيتوتة على الحاج بمنى... 30
وجوب الفداء بترك البيتوتة بمنى... 33
المراد بالدم الواجب هو الشاة... 34
هل يتعدد الفداء بتعدد الليالي أم لا؟... 34
وجوب الفداء على العالم والجاهل والمضطر والناسي... 36
اختصاص أخبار الفداء - باستثناء صحيحة ابن عمار - بما إذا كان المبيت بمكة... 37
سقوط الفداء عمن بات بمكة مشتغلا بالعبادة... 38
لو اشتغل بغير الطاعة في مكة أو غيرها... 40
ما يكفي في تحقق القدر الواجب من المبيت بمنى... 41
جواز ترك المبيت بمنى اضطرارا... 42
رمي الجمار الثلاث
رجحان رمي كل يوم من أيام التشريق كل جمرة من الجمرات الثلاث... 45
وجوب رمي كل جمرة بسبع حصيات... 48
وجوب رمي الجمرات الثلاث بالترتيب... 49
حكم ما لو خالف الترتيب... 49
وقت رمي الجمرة مطلقا في النهار... 53
وقت الرمي من النهار ما بين طلوع الشمس وغروبها... 56
لو نسي رمي جمرة من الجمرات الثلاث أو جمرتين في يوم... 58
وجوب الرجوع إلى منى لاتيان الرمي لو نسيه ودخل مكة... 60
الإعادة على الثلاث مرتبا لو فاتته جمرة وجهل تعيينها... 63
جواز الرمي عن المعذور والصبي غير المميز والمغمى عليه... 64
بيان المراد من جواز الرمي عن الثلاثة... 66
هل يجب حمل المعذور إلى الجمار ، أم يستحب؟... 66
هل يشترط إذن المرمي عنه؟... 66
لو رمي عن المعذور فزال عذره والوقت باق... 66
ما يستحب في رمي الجمرات الثلاث... 67
سائر أفعال منى
استحباب الإقامة بمنى أيام التشريق زائدا على القدر الواجب للرمي... 69
استحباب الصلاة بمنى في مسجد الخيف ما دام فيها... 70
استحباب التكبير بعد الصلوات أيام التشريق... 71
تخير الحاج بين النفر الأول والثاني... 72
ما يشترط في جواز النفر في الأول... 73
وجوب النفر للأول بعد الزوال وقبل الغروب... 77
جواز السفر قبل الزوال وبعده لمن نفر في النفر الثاني... 78
هل يعتبر اتقاء محرمات الاحرام في عمرة التمتع كإحرام الحج؟... 79
بيان المراد من عدم اتقاء الصيد والنساء... 79
حكم رمي جمار اليوم الثالث من أيام التشريق لو نفر بالنفر الأول... 79
ما يستحب بعد العود إلى مكة من منى
وجوب العود إلى مكة وإتمام المناسك لو شي منها... 81
استحباب دخول الكعبة... 82
استحباب الغسل لدخول الكعبة... 85
استحباب طواف الوداع بالبيت... 89
استحباب استلام الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط... 91
استحباب إتيان المستجار والتزامه و ... 92
إلصاق البطن بالبيت بعد الطواف بين الحجر والباب... 92
الشرب من زمزم بعد الطواف... 92
الدعاء عند الخروج من المسجد الحرام... 92
السجود عند باب المسجد عند إرادة الخروج... 92
الدعاء بعد القيام من السجدة مستقبلا... 93
الخروج من باب الحناطين... 93
استحباب اشتراء درهم تمرا عند إرادة الخروج من مكة والتصدق به كفارة... 94
استحباب العزم على الرجوع إلى مكة لمن أراد الخروج منها... 94
استحباب إتيان جميع الصلوات ما دام بمكة في المسجد الحرام... 95
إتيان بعض المواضع المتبركة بمكة... 95
حج الافراد والقران
حج الافراد والقران فرض أهل مكة ومن في حكمهم... 101
عدم جواز العدول إلى التمتع في حجة الاسلام... 101
هل يجوز العدول اضطرارا إلى التمتع في حجة الاسلام؟... 103
اشتراط النية في حج الافراد والقران ، ووقوعهما في أشهر الحج ، وعقد إحرامهما من الميقات 104
لا اختلاف بين القارن والمفرد إلا بسياق الهدي... 104
استحباب إشعار وتقليد القارن لما يسوقه من البدن... 105
جواز تقديم المفرد والقارن الطواف والسعي على الوقوفين... 106
جواز عدول المفرد إلى المتعة بعد الاحرام ودخول مكة... 109
هل يجوز التمتع للمكي إذا بعد عن أهله؟... 110
لزوم الإقامة بمكة مدة توجب انتقال الفريضة إلى غيرها... 111
انتقال فرض المجاور بمكة إلى القران أو الافراد بالإقامة بها ثلاث سنين... 114
اعتبار غلبة الإقامة في تعيين الفرض بالنسبة لذي المنزلين... 117
ما يتعلق بالعمرة
صورة أفعال العمرة... 119
عمرة التمتع فرض من ليس من حاضري المسجد الحرام... 119
صحة إتيان العمرة المفردة في جميع أيام السنة... 120
التخير في العمرة المفردة من الحلق والتقصير... 122
جواز العدول إلى عمرة التمتع والحج بعدها لمن أحرم بالعمر المفردة في أشهر الحج ودخل مكة 123
الصد والاحصار
المقدمة
أحكام المصدود
التحلل بالصد عن كل شي حرم بالاحرام... 130
هل يجوز الاحلال بالصد مطلقا؟... 135
تحلل المصدود على الرخصة والجواز لا الحتم والوجوب... 135
تحقق الصد بحصول المانع عن غير الاحرام من مناسك الحج والعمرة... 136
عدم سقوط الحج المستقر في الذمة قبل عام الصد بالصد... 139
لا يتحقق الصد مع وجود مسلك آخر لا صد فيه... 139
حكم المحبوس بدين... 139
لو صابر المصدود ولم يتحلل حتى فات الحج... 140
لو تحلل المصدود ثم ارتفع المانع والوقت باق... 140
وجوب الاتيان بوظيفة المفسد لمن أفسد حجه ثم صد... 140
لو أمكن رفع المانع ببذل المال أو بالمحاربة والمقاتلة... 140
أحكام المحصور
وجوب الهدي على المحصور وتوقف تحلله عليه... 142
هل يجب بعث الهدي أم يجوز ذبحه في موضع الحصر؟... 143
مواعدة المحصور الباعث للهدي المبعوث معه يوما للنحر أو الذبح... 147
هل أن توقف حل النساء على حج المحصور من قابل مطلق ، أم يختص بصورة الامكان؟ 151
عدم بطلان التحلل بظهور عدم ذبح الهدي المبعوث به... 152
لو احصر أو صد فبعث بهديه ثم زال العارض... 154
الكفارات
كفارات الصيد
كفارة الطيور وفرخها وبيضها
كفارة قتل النعامة... 159
كفارة قتل عصفور أو قبرة أو صعوة... 162
كفارة قتل القطاة... 164
كفارة قتل غير ما ذكر من الطيور... 164
كفارة قتل الجراد... 166
كفارة كسر بيض النعامة... 168
كفارة إصابة بيض القطاة... 171
كفارة وطء بيض الحمام... 173
كفارة فرخ الحمام... 175
كفارة قتل الزنبور... 175
كفارة غير ما ذكر من الطيور والأفراخ والبيض... 176
كفارة الوحوش وغيرها من الحيوانات
كفارة قتل بقرة وحمار الوحش... 177
كفارة قتل الظبي... 180
كفارة قتل الثعلب والأرنب... 180
كفارة قتل الضب والقنفذ واليربوع... 181
كفارة قتل العظاية... 182
كفارة إلقاء القملة من الجسد... 183
كفارة قتل الأسد... 184
كفارة ما لا تقدير لفديته من الحيوانات... 185
بقية أحكام كفارات الحيوانات
لزوم صدق الاسم وتحقق المماثلة النوعية عرفا في الفداء المنصوص عليه... 188
لو أصاب صيدا حاملا فألقت جنينا ثم ماتا... 188
كفارة إصابة المحرم للصيد بالامساك والتسبيب... 189
ثبوت الكفارة بأكل الصيد وإن صاده غيره أو صاده هو حال الحلال... 192
لو رمى صيدا فلم يصبه ، أو شك في ذلك ، أو أصابه ولم يؤثر فيه ، أو شك في ذلك 198
لزوم الفداء كاملا على كل من اشترك في قتل الصيد... 200
هل تزول ملكية الصيد المملوك قبل الاحرام بالاحرام؟... 200
وجوب الفداء أيضا بإمساك المحرم الصيد وقيام غيره بذبحه محلا كان أم محرما... 202
هل يضمن السائق والراكب ما تجنيه دابتهما؟... 203
ضمان المحرم لو دل على الصيد... 204
ضمان المحرم لو أغرى كلبه أو بازه بصيد فقتله... 205
اجتماع الامرين بوقوع مما له الفداء من المحرم في الحرم... 205
ضمان الفداء أو القيمة في حال العمد والسهو والجهل والعلم والخطأ والاضطرار والاختيار 209
حكم ما لو تكرر الصيد من المحرم... 211
وجوب صرف الفداء لله سبحانه... 215
التصدق بالفداء إن لم يكن حيوانا... 217
استثناء فداء حمام الحرم للمحرم وقيمته للمحل في الحرم من وجوب التصدق... 219
محل ذبح الفداء أو نحره... 220
هل تلحق صدقات الكفارة بالذبح من حيث تعين المحل؟... 227
هل تصرف الصدقة في مساكين الحرم؟... 227
مصرف الجنايات الحرمية من التصدقات في الفقراء والمساكين... 228
كفارة الاستمتاع بالنساء وما يلحق به
حكم من جامع امرأته بعد إحرام الحج عالما بالحكم عامدا في الفعل... 229
لا فرق في الزوجة بين الدائمة والمتمتع بها... 233
لا فرق في الوطء بين القبل والدبر... 234
أي الحجتين فرضه وأيهما عقوبته؟... 236
هل التفريق بين الرجل والمرأة في الحجة الأدائية والقضائية أم في الثانية خاصة؟ وما هي غاية التفريق؟ 239
لا فرق فيما مر من الاحكام بين الحج الواجب والمندوب... 241
حكم المرأة في المسألة المذكورة... 241
حكم غير العامد العالم بالحكم وبالاحرام المختار... 243
حكم الجماع قبل التلبية أو بعد الوقوف بالمشعر... 244
ما مر من الاحكام يعم جميع الأحوال التي بعده حتى يتجاوز أربعة أشواط في طواف النساء ، فلا شي عليه حينئذ 247
حكم المحل لو جامع أمته المحرمة بإذنه... 249
كفارة العبث بالذكر حتى الامناء... 251
وجوب البدنة بالامناء بغير العبث بالذكر... 252
حكم من قبل امرأته محرما... 254
وجوب الشاة بمس المرأة أو حملها بشهوة... 257
حكم النظر إلى الأهل بشهوة أو بدونها ، مع الانزال أو بدونه... 259
لا كفارة في غير ما ذكر من الاستمتاعات... 261
حكم المجامع في إحرام العمرة قبل السعي... 262
وجوب البدنة على كل من العاقد والزوج المحرمين... 264
سائر الكفارات
كفارة الطيب... 266
كفارة تقليم الأظفار... 269
وجوب الكفارة في تقليم الأظفار مع العمد... 273
وجوب الشاة على المفتي لو أفتى بتقليم ظفر المحرم... 273
وجوب الدم مشروط بعدم تخلل التكفير عن السابق... 274
حكم بعض الظفر كالكل... 274
متى يتحقق الحكم بالدم؟... 274
لو كانت إصبع زائدة في اليد أو الرجل... 275
وجوب دم شاة في لبس المخيط عمدا... 275
وجوب الكفارة في إزالة الشعر... 278
وجوب دم شاة بنتف الرجل إبطيه معا وإطعام ثلاثة مساكين بنتف إحداهما... 282
لو نتف المحرم من شعر لحيته أو غيرها ، أو مس رأسه أو لحيته أو غيرهما فسقطت منه شعرة أو شعرات 284
وجوب الكفارة في التظليل سائرا... 285
هل يختص الفداء بحال الاضطرار أم يتعدى إلى حال الاختيار أيضا؟... 287
عدم تكرر الكفارة بتكرر التظليل في النسك الواحد... 288
وجوب دم شاة في تغطية الرجل لرأسه... 288
كفارة الفسوق... 289
كفارة الجدال... 290
موارد استثناء اليمين من الكفارة... 294
لو زاد الصادق عن ثلاثة أيمان... 294
مقدار كفارة الكاذب... 294
حكم قلع شجرة الحرم... 295
لا كفارة في غير ما ذكر من تروك الاحرام... 298
بعض ما يتعلق بأحكام الكفارات
تعدد الكفارة بتعدد أسباب التكفير... 299
تعدد الكفارة بتكرر الصيد وكذا غيره مع تخلل التكفير... 300
وجوب دم شاة بلبس أو أكل المحرم ما لا تقدير فيه عالما عامدا... 303
لا كفارة على الناسي والجاهل إلا في الصيد... 304
ما يتعلق بمكة والحرم وحرم النبي صلى عليه وسلم
أفضلية طواف المجاور بمكة من الصلاة... 306
كراهية المجاورة بمكة... 308
حكم من جنى في غير الحرم ما يوجب عقابا ثم لجأ إليه... 308
حكم البناء المرتفع فوق بناء الكعبة... 311
كراهة منع الحاج من سكنى دور مكة... 312
حكم تنفير حمام الحرم... 313
ما يحرم من الصيد على المحرم في الحل يحرم على المحل في الحرم... 315
قتل الصيد في الحرم يوجب التصدق بقيمته وإن كان محلا... 318
حرمة قطع شجر الحرم وحشيشه... 324
من مات في مكة أو المدينة لم يعرض يوم القيامة ولم يحاسب... 324
عدم جواز دخول مكة بلا إحرام... 325
كراهية دخول الحرم مع السلاح البارز... 326
استحباب ختم القرآن بمكة... 327
استحباب زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم استحبابا مؤكدا... 327
هل يجبر الناس أو الحاج على زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلم لو تركوها؟... 330
حرم المدينة وحدوده... 331
استحباب زيارة فاطمة 3 في المدينة... 335
استحباب صيام ثلاثة أيام في المدينة... 337
استحباب الاكثار من الصلاة في مسجد النبي 7... 338
استحباب الصلاة في مساجد المدينة... 339
استحباب وداع قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عند الخروج من المدينة... 341
كيفية إدراك ثواب الحج كل سنة... 341
آداب الخروج من البيت والمسافرة... 342