ghaemiyeh.com
مستند الشيعة
في أحكام الشريعة
سرشناسه : نراقي، احمدبن محمد مهدي، ۱۱۸۵-۱۲۴۵ق.
عنوان و نام پديدآور : مستندالشيعه في احكام الشريعه/ تاليف احمدبن محمدمهدي النراقي؛ تحقيق موسسه آلالبيت عليهمالسلام لاحياءالتراث.
مشخصات نشر : مشهد: موسسه آل البيت (عليهمالسلام) لاحياء الثرات، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳-
مشخصات ظاهري : ج.
فروست : موسسه آلالبيت لاحياء التراث؛ ۱۵۶، ۱۵۷، ۱۵۸، ۱۶۰، ۱۶۵، ۱۶۶، ۱۶۷، ۱۶۸، ۱۷۱، ۲۴۲.
شابك : ۲۵۰۰ريال: ج.۱964-5503-75-2 : ؛ : ج.۳: 964-5503-78-7 ؛ ۴۰۰۰ ريال: ج.۵: 964-5503-80-9 ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۶) ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۷) ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۸964-5503-83-3 : ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۱۰964-319-014-5 : ؛ ۶۰۰۰ ريال: ج.۱۱964-319-015-3 : ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۲: 964-319-038-2 ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۳: 964-319-073-0 ؛ ۷۵۰۰ ريال: ج.۱۶: 964-319-125-7 ؛ ۷۵۰۰ ريال (ج.۱۷) ؛ ۳۵۰۰۰ ريال: ج.۲۰978-964-319-502-1 :
وضعيت فهرست نويسي : برونسپاري
يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳).
يادداشت : ج. ۶ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = [۱۳۷۳]).
يادداشت : ج. ۷ (چاپ اول:۱۴۱۶ق. = [۱۳۷۴]).
يادداشت : ج. ۸ (چاپ اول: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۵).
يادداشت : ج.۱۰و ۱۱و ۱۲(چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۶).
يادداشت : ج. ۱۳ (چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۵).
يادداشت : ج. ۱۶ و ۱۷ (چاپ اول: ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷).
يادداشت : ج.۲۰ (چاپ اول: ۱۴۳۱ق. = ۱۳۸۹).
يادداشت : كتابنامه.
مندرجات : v. 5):)ISBN 964-5503-75-2 (set): ISBN 964-5503-75-2 (8 vols): ISBN 964-5503-82-5 (v.7): ISBN 964-5503-81-7 (v. 6): ISBN 964-5503-80-9
موضوع : فقه جعفري -- قرن ۱۳ق.
شناسه افزوده : موسسة آل البيت عليهمالسلام لاحياء التراث (قم)
رده بندي كنگره : BP۱۸۳/۳/ن۴م۵ ۱۳۷۳
رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۴۲
شماره كتابشناسي ملي : م۷۴-۱۲۵۶
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
مستند الشيعة
في أحكام الشريعة
تأليف: العلامة الفقيه المولى أحمد بن محمد مهدي النراقي
المتوفى سنة 1245ه
الجزء الثامن
تحقيق
موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1429ه - 2008 م
موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
بيروت - لبنان - ص ب 34 / 24 - تلفاكس 541431 - هاتف 544805
E-mail:alalbayt@inco.com.lb
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والكلام إمّا في فضلها ، أو فيما فيه الجماعة من الصلوات ، أو فيما به الجماعة أي تتحقّق الجماعة به ، أو في شرائطها وآدابها ولوازمها ، أو في أحكامها.
فهاهنا مقدّمة وفصول.
اعلم أنّ فضلها عظيم وثوابها جسيم ، قال اللّه سبحانه ( وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ ) (1).
وقد ورد في فضلها وذمّ تاركها ضروب من التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات.
فمن الأوّل صحيحة ابن سنان : « الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذّ بأربع وعشرين درجة » (2).
والفذّ بالفاء والذال المعجمة والتشديد : الفرد.
وحسنة زرارة : ما يروي الناس أنّ الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمسة وعشرين صلاة؟ فقال : « صدقوا » فقلت : الرجلان يكونان جماعة؟ فقال : « نعم » (3).
ورواية محمّد بن عمّار : عن الرجل يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته في جماعة؟ فقال : « الصلاة في جماعة أفضل » (4).
هذا ، مع ما ورد : « أنّ الصلاة المكتوبة في مسجد الكوفة لتعدل بألف صلاة ، وأنّ النافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاة ، وأنّ الجلوس فيه بغير تلاوة ولا
ذكر لعبادة » (1).
ومرسلة الفقيه : « من صلّى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمّة اللّه عزّ وجلّ » (2).
والمروي في روض الجنان عن كتاب الإمام والمأموم للشيخ أبي محمّد جعفر ابن أحمد القمي ، قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر ، فقال : يا محمّد ، إنّ ربك يقرئك السلام وأهدى إليك هديّتين. قلت : ما تلك الهديّتان؟ قال : الوتر ثلاث ركعات والصلاة الخمس في جماعة. قلت : يا جبرئيل ، ما لأمّتي في الجماعة؟ قال : يا محمّد ، إذا كانا اثنين كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة مائة وخمسين صلاة ، وإذا كانوا ثلاثة كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة ستّمائة صلاة ، وإذا كانوا أربعة كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة ألفا ومائتي صلاة ، وإذا كانوا خمسة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ألفين وأربعمائة صلاة ، وإذا كانوا ستّة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة ، وإذا كانوا سبعة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف وستّمائة صلاة ، وإذا كانوا ثمانية كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة عشر ألفا ، ومائتي صلاة ، وإذا كانوا تسعة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستّة وثلاثين ألفا وأربعمائة صلاة ، وإذا كانوا عشرة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة سبعين ألفا وألفين وثمانمائة صلاة ، فإن زادوا على العشرة فلو صارت السماوات كلّها مدادا والأشجار أقلاما والثقلان مع الملائكة كتّابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة. يا محمّد ، تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام خير من ستّين ألف حجّة وعمرة وخير من الدنيا وما فيها بسبعين ألف مرّة ، وركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين ، وسجدة يسجدها
المؤمن مع الإمام في جماعة خير من مائة عتق رقبة » (1).
والمروي في النفليّة عن الصادق عليه السلام : « الصلاة خلف العالم بألف ركعة وخلف القرشي بمائة » (2)إلى غير ذلك.
ولا يخفى أنّه إذا اجتمعت الجماعة - التي هي بنفسها تجعل الواحدة خمسا وعشرين - مع العالم تصير خمسا وعشرين ألفا ، ثمَّ إذا كانت في مسجد السوق الذي الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة تصير ثلثمائة ألف صلاة ، وإذا كانت في مسجد القبيلة الذي الصلاة فيه بخمسة وعشرين تصير ستّمائة وخمسة وعشرين ألف صلاة ، وإذا كانت في المسجد الأعظم في بلدة أو قرية أي ما هو مجتمع القبائل الذي تعدل الصلاة فيه مائة صلاة تصير اثنتي ألف ألف صلاة وخمس مائة ألف صلاة ، على الروايات المشهورة من أنّ الصلاة الواحدة في الجماعة بخمس وعشرين صلاة (3).
وأمّا على الرواية الطويلة المصرّحة بأنّ ركعة منها تعدل مائة وخمسين صلاة حتّى تكون صلاة واحدة رباعية ستّمائة صلاة ، تصير مع العالم ستّمائة ألف ، ومعه في المسجد الأعظم ستّين ألف ألف ، وإذا كان الإمام مع ذلك قرشيا تصير ستّ ألف ألف ألف. هذا كلّه إذا كان المأموم واحدا ، وإذا زاد زاد بزيادته الثواب إلى ما لا يبلغه الحساب.
ومن الثاني صحيحة زرارة والفضيل : الصلاة في جماعة فريضة هي؟ قال : « الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلاة كلّها ، ولكنّها سنّة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له » (4).
وصحيحة محمّد : « لا صلاة لمن لا يشهد الصلاة من جيران المسجد إلاّ مريض أو مشغول » (1).
ورواية ابن أبي يعفور : « همّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلّون في منازلهم ولا يصلّون الجماعة ، فأتاه رجل أعمى فقال : يا رسول اللّه إنّي ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك ، فقال له النبي صلی اللّه عليه وآله : شدّ من منزلك إلى المسجد حبلا واحضر الجماعة » (2).
ومرسلة الفقيه : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لقوم : « لتحضرنّ المسجد أو لأحرقنّ عليكم منازلكم » (3).
وصحيحة ابن سنان : « إنّ أناسا كانوا على عهد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أبطؤوا عن الصلاة في المسجد فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نأمر بحطب يوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق بيوتهم » (4).
ومشهورة ابن أبي يعفور وفيها : « لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة ، ولا غيبة لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا ، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجبت على المسلمين غيبته ، وسقطت بينهم عدالته ، ووجب هجرانه ، وإذا دفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره ، فإن حضر جماعة المسلمين وإلاّ أحرق عليه بيته » (5).
والمروي في مجالس الصدوق ومحاسن البرقي وثواب الأعمال : « قال رسول
1) الفقيه 1 : 245 - 1091 ، الوسائل 8 : 291 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 3.
2) التهذيب 3 : 266 - 753 ، الوسائل 8 : 293 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 9.
3) الفقيه 1 : 245 - 1092 ، الوسائل 8 : 291 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 4.
4) التهذيب 3 : 25 - 87 ، الوسائل 8 : 293 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 10.
5) التهذيب 6 : 241 - 596 ، الاستبصار 3 : 12 - 33 ، الوسائل 27 : 392 أبواب الشهادات ب 41 ح 2.
اللّه صلی اللّه عليه وآله : لينتهينّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّنا يؤذّن ، ثمَّ آمر رجلا من أهل بيتي - وهو عليّ - فليحرقنّ على أقوام بيوتهم لأنّهم لا يأتون الصلاة » (1).
وفي مجالس الشيخ : « رفع إلى أمير المؤمنين أنّ قوما من جيران المسجد لا يشهدون الصلاة جماعة في المسجد ، فقال : ليحضرنّ معنا صلاتنا جماعة أو ليحولنّ عنا ولا يجاورونا ولا نجاورهم » (2).
وفيه أيضا : « إنّ أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أنّ قوما لا يحضرون الصلاة في المسجد ، فخطب فقال : إنّ قوما لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة ، وإنّي لأوشك [ أن آمرهم ] بنار تشعل في دورهم فأحرقها عليهم أو ينتهون. قال : فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا لجماعة المسلمين » (3)إلى غير ذلك.
ثمَّ المستفاد من كثير من هذه الأخبار وإن كان وجوبها وحرمة تركها كما عن أكثر العامة فإنّ منهم من فرضها على الأعيان (4)، ومنهم من قال إنّها فرض كفاية في الصلوات الخمس (5)، إلاّ أنّه لم يقل به أحد من علمائنا وأجمعوا على عدم وجوبها وبه صرفت تلك الأخبار عن ظواهرها.
مضافا إلى التصريح به في صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة. ولا يمكن حمل السنّة فيها على ما لم يثبت من الكتاب ؛ لثبوت الجماعة به أيضا كما مرّ.
1) مجالس الصدوق : 392 - 14 ، المحاسن : 84 - 20 ، ثواب الأعمال : 276 - 2 ؛ الوسائل 8 : 292 أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 6.
2) مجالس الشيخ : 705 ، الوسائل 5 : 195 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 7.
3) مجالس الشيخ : 705 ، الوسائل 5 : 196 أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 9. وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
4) انظر بداية المجتهد 1 : 141 ، وبدائع الصنائع 1 : 155.
5) انظر نيل الأوطار 3 : 151.
وكذا في صحيحة محمّد السابقة حيث جعل الشغل عذرا ، ولا يترك الواجب بالشغل.
فالأخبار المذكورة محمولة على تأكّد الاستحباب وشدّته ، أو على من تركها استخفافا كما يشعر به التقييد بالرغبة عنه في جملة منها.
وتحمل تارة أيضا على الجماعة الواجبة ، واخرى على الحضور مع المعصوم ، وثالثة بأنّها لعلّها كانت واجبة فنسخت ، ولم أر قائلا بهما.
وكيف كان ، فطريقة الإيمان عدم الترك من غير عذر سيّما مع الاستمرار عليه ، فإنّه - كما ورد - لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها (1)، ويعرض عليهم الشبهات من جهة العدالة ونحوها حيث لا يمكنهم إنكارها ، لأنّ فضلها من ضروريّات ديننا.
1) لم نعثر على رواية بهذا المضمون ، والظاهر أنه من كلام المجلسي (ره) في البحار 85 : 16.
وفيه ثلاث مسائل
الأولى : تجب الجماعة في الجمعة والعيدين مع الشرائط المتقدّمة لوجوبهما في بحثهما كما مرّ مفصّلا فيه.
وعلى جاهل القراءة مع ضيق الوقت عن التعلّم كما مرّ أيضا.
ولا تجب في غيرهما بالإجماع كما مرّ ؛ لأصالة عدم وجوب متابعة شخص في الأفعال ، وعدم سقوط ما ثبت وجوبه من الأعمال. وما دلّ بظاهره على حرمة الترك مطلقا أو في اليومية مؤوّلة ، كما مرّ.
الثانية : تستحبّ في الفرائض كلّها ، ذهب إليه علماؤنا أجمع كما عن المنتهى (1)، بل قيل : إنّه من الضروريّات الدينيّة (2).
ومقتضى إطلاقهما دعوى الإجماع والضرورة في جميع الفرائض ، بل في الأخير : ولا سيّما في الفرائض اليوميّة. وهو كالصريح في التعميم للجميع حتّى المنذورة وصلاة الاحتياط وركعتي الطواف أداء أو قضاء. وبالتعميم للمنذورة والقضاء صرّح في روض الجنان والذكرى (3)، بل يفهم من الأخير كونه إجماعيّا بيننا ، وهذا القدر كاف في إثبات التعميم لكون المقام مقام الاستحباب.
ولا يضرّ استلزامه سقوط الواجب الغير الثابت فيه المسامحة ؛ لأنّه من اللوازم والاعتبار في ذلك بالملزوم ، كما تثبت النافلة بالتسامح مع استلزامه حرمة
القطع على القول بها ، والوضوء والغسل المستحبان به مع سقوط الواجب منهما بهما.
ولا احتمال التحريم ؛ لعموم أدلّة التسامح.
مضافا إلى شمول إطلاق كثير من الأخبار ، منها صحيحة ابن سنان وحسنة زرارة المتقدّمتين (1)، وصحيحة سليم الآتية في المسألة الآتية ، للجميع. بل يشمله عموم مثل قوله : لا صلاة لمن لم يشهد الجماعة كما في صحيحة محمّد ورواية ابن أبي يعفور السالفتين (2).
فالإشكال في التعميم مطلقا أو في خصوص صلاة الاحتياط وركعتي الطواف - كما في المدارك والذخيرة والحدائق (3)- غير جيّد.
ثمَّ إنّه يتأكّد الاستحباب في الفرائض الخمس اليومية بالإجماع والأخبار (4)، ومنها في الغداة والعشاء كما يظهر من بعض الروايات (5).
الثالثة : لا تجوز الجماعة في غير ما ثبت استثناؤه من النوافل ، بالإجماع المحقّق والمحكي عن المنتهى والتذكرة وكنز العرفان (6)، له ، وللأصل المتقدم ذكره ، والمستفيضة من النصوص ، منها : صحيحة سليم بن قيس في خطبة مولانا أمير المؤمنين : « وأمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة ، وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة » (7).
ورواية سماعة بن مهران وإسحاق بن عمّار : « إنّ هذه الصلاة نافلة ولن يجتمع للنافلة ، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده وليقل ما علّمه اللّه [ من ] كتابه ،
واعلموا أنّه لا جماعة في نافلة » (1).
والمروي في الخصال : « ولا يصلّى التطوع في جماعة ، لأنّ ذلك بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار » (2).
وفي العيون : « لا جماعة في نافلة » (3).
وضعف سند بعضها - لو كان - بما مرّ مجبور.
والنصوص المستفيضة المانعة عن الاجتماع في النافلة بالليل في شهر رمضان مطلقا الشاملة لكلّ النوافل ، منها : صحيحة الفضلاء : « إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة » (4).
وأخصيّتها عن المدّعى تجبر بعدم القول بالفصل ، فإنّ التجويز لو كان لكان إمّا في مطلق النوافل سوى التراويح ، أو في مجرّد الاستسقاء والغدير. وأمّا المنع في النوافل الليلية من رمضان والتجويز في البواقي فإحداث قول ثالث.
خلافا للمحكي عن الحلبي بل المفيد واللمعة والمحقّق الثاني (5)، وبعض متأخّري المتأخرّين في رسالته الصلاتية (6)، فجوّزوها في نافلة الغدير ، ونفى عنه البعد المحقّق الأردبيلي (7).
1) التهذيب 3 : 64 - 217 ، الاستبصار 1 : 464 - 1801 ، الوسائل 8 : 32 أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6. بدل ما بين المعقوفين في النسخ : في ، وما أثبتناه موافق للمصادر.
2) الخصال : 606 ، الوسائل 8 : 335 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 5.
3) لم نجده في العيون ، وهو موجود في التهذيب والاستبصار في ضمن حديث طويل ، راجع التهذيب 3 : 64 - 217 ، والاستبصار 1 : 464 - 1801.
4) الفقيه 2 : 87 - 394 ، التهذيب 3 : 69 - 266 ، الاستبصار 1 : 467 - 1807 ، الوسائل 8 : 45 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.
5) الحلبي في الكافي : 160 ، المفيد في المقنعة : 204 ، اللمعة ( الروضة 1 ) : 377 ، المحقق الثاني في جامع المقاصد 2 : 502 ، وفيه : وفي الغدير خلاف.
6) حكاه صاحب الحدائق 11 : 87 عن شيخه أبي الحسن في رسالته في الصلاة ، والظاهر ممّا ذكره في الحدائق 10 : 17 أنّه الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني.
7) مجمع الفائدة 3 : 243.
لما يظهر من الأوّل في كافيه أنّ به رواية ، وما علّله به في الروضة من ثبوت الشرعية في صلاة العيد وهو عيد (1)، وما ذكره الأخير من انحصار دليل المنع بالإجماع وهو في المقام مفقود.
والرواية لنا غير معلومة فلعلّها غير تامّة الدلالة ، بل انفهام ورودها من عبارته ( الّتي فهموه منها ) (2)غير معلومة.
قال : ومن وكيد السنن الاقتداء برسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في يوم الغدير بالخروج إلى ظاهر المصر عند الصلاة .. إلى آخره.
ويمكن أن يكون نظره في ذلك إلى ما ورد من حكاية الرسول في غدير خم دون رواية أخرى ، بل هو الظاهر من آخر كلامه حيث قال : وليصعد المنبر قبل الصلاة ، ويخطب خطبة مقصورة على حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على محمّد وآله والتنبيه على عظم حرمة يومه وما أوجب اللّه فيه من إمامة أمير المؤمنين - إلى أن قال - : فإذا انقضت الخطبة تصافحوا وتهانئوا وتفرّقوا (3).
وشرعيّة الجماعة في مطلق صلاة العيد ممنوعة ، مع أنّ العيد في عهدهم إلى اليومين منصرف.
وانحصار المانع بالإجماع غير مسلّم كما مرّ.
إلاّ أنّ المقام مقام المسامحة ، فالاكتفاء فيه بفتوى هؤلاء ممكن. ولكن العدول عن ظاهر الإجماع وعمومات التحريم بذلك جدّا مشكل.
وللمحكي في المفاتيح (4)عن بعضهم ، فجوّزها في النافلة مطلقا ، وربما استفيد وجود القول به عن الشرائع بل الذكرى (5). وصريح الذخيرة وظاهر
المدارك (1)التوقف.
لإطلاق بعض الروايات باستحباب الجماعة في الصلاة من غير تقييد بالفريضة.
وخصوص صحيحة هشام : عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال : « تؤمّهنّ في النافلة ، فأمّا في المكتوبة فلا » (2).
والبصري : « صلّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة ، فإنّي أفعله » (3).
وأجيب عن الأوّل : بمنع الإطلاق بالنسبة إلى النافلة ؛ لاختصاصه - بحكم التبادر والغلبة - بالفريضة ، مع أنّه منساق لإثبات أصل استحبابها في الجملة من دون نظر إلى شخص ، فيكون بالنسبة إلى الأفراد كالقضيّة المهملة يكفي في صدقها الثبوت في فرد (4).
وفيه : منع الغلبة بالنسبة إلى الفريضة ، كيف؟! والأمر بالعكس جدّا. بل وكذا التبادر سيّما مع شيوع الجماعة في النافلة في تلك الأعصار. واختصاص الانسياق المذكور - لو كان - بالمطلقات ، وفي الأخبار المرغّبة عمومات كما مرّ ، فلا يجري فيها ذلك.
فالصواب أن يجاب عن الإطلاق : بوجوب التقييد بما مرّ.
وعن الصحيحين : بعدم صلاحيّتهما للمقاومة مع ما مرّ ؛ للشذوذ ، ومرجوحيّتهما عنه بالموافقة القطعيّة للعامّة (5)، كيف؟! مع أنّهم بعد منع الأمير عليه السلام عنها رفعوا أصواتهم بوا عمراه ووا رمضاناه وضجّوا وقالوا : يا أهل الإسلام
غيّرت سنّة عمر (1).
مضافا إلى أنّهما غير دالّتين على ذلك أصلا :
أمّا الأولى : فلعدم دلالتها إلاّ على جواز إمامتها في النافلة لا على جوازها في مطلق النافلة ، فيحتمل إرادة النافلة المشروع فيها الجماعة.
وأمّا الثانية : فلاحتمال كون المراد من الصلاة بالأهل الصلاة معهم أو فيهم أي في البيت لا في الخارج ، فإنّ الصلاة بالأهل ليست حقيقة ولا ظاهرة في الايتمام لهم. وحينئذ يكون الأمر بذلك لأجل ردع الراوي عن الابتلاء بالدخول في البدعة حيث إنّ الصلاة في الخارج في شهر رمضان جماعة في الفريضة والنافلة كانت توجب البدعة ، وفي الفريضة خاصّة توجب البليّة. ويؤكّده التخصيص برمضان الذي هو زمان البدعة ، وذكر الفريضة مع أنّها في المسجد تتضمّن ما لا يحصى من الفضيلة.
مع أنّه يرد عليهما ما أورده بعض المجوّزين على الأخبار الناهية عن الاجتماع بالنوافل في ليل شهر رمضان من الأخصّية من المدّعى ؛ فإنّ الأولى منهما مخصوصة بالنساء ، والثانية برمضان. والدفع بالإجماع المركّب مشترك كما مرّ. والترجيح مع الناهية بوجوه عديدة.
1) الكافي 8 : 58 - 21 ، الوسائل ج 8 : 46 أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 4.
وهو اثنان :
الأوّل : العدد. وأقلّ ما تنعقد به الجماعة في غير العيدين والجمعة اثنان ، أحدهما الإمام ، بلا خلاف كما قيل (1). وتدلّ عليه النصوص المستفيضة المشتملة على الصحاح (2).
وأمّا ما في بعض المعتبرة من أنّه : إن لم يحضر المسجد أحد فالمؤمن وحده جماعة (3)، ونحو ذلك.
فلعلّ المراد أنّه إذا طلب الجماعة ولم يجدها تكون صلاته مع الانفراد مساوية لصلاة الجماعة تفضّلا منه تعالى ومعاملة له بمقتضى نيّته.
وفي بعضها : فأبقى أنا وحدي فأؤذّن وأقيم أفجماعة أنا؟ قال : « نعم » (4).
وعلّله في الفقيه بأنّه متى أذّن وأقام ، صلّى خلفه صفّان من الملائكة ، ومتى أقام ولم يؤذّن صلّى خلفه صفّ من الملائكة (5).
والظاهر حصول الجماعة بالصبي المميّز الّذي كلّف بالصلاة تمرينا ؛
لإطلاق الأخبار ، وظاهر خبر الجهني (1)الوسائل 1 : 48 أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 10.(2)، وخصوص رواية أبي البختري (3).
الثاني : نيّة الاقتداء ، بالإجماع ، كما عن المعتبر والمنتهى والنهاية والذكرى (4)؛ لأنّ الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى (4) ، ولا عمل إلاّ بنية (5).
فإنّ ترك نيّة الاقتداء فإن نوى الانفراد وأتى بجميع ما يجب عليه صحّت صلاته وإن تابع أحدا صورة ؛ للأصل. إلاّ أن يوجب منافيا آخر كسكوت طويل ونحوه.
وكذا إن لم ينو الانفراد أيضا لعدم الالتفات إليه فتنصرف صلاته إليه ؛ لعدم احتياجه إلى النية بخلاف الجماعة ، ولذا لا يوجبون قصد الانفراد. ولأصالة صحّة الصلاة ، وعدم وجوب المتابعة ، وعدم سقوط ما يسقط بالجماعة بدون قصدها.
ومنه يظهر الصحة والانصراف إلى الانفراد لو دخل في الصلاة متردّدا بين الانفراد والجماعة.
ولو شكّ في أنّه نوى الانفراد أو الجماعة بعد التكبيرة بنى على ما قام إليه إن علمه ؛ إذ لا عبرة بالشك فيه بعد الانتقال عن المحلّ كما مرّ. وإن لم يعلمه بنى على الانفراد ، للأصول المذكورة ، مع أصالة عدم نية الايتمام وجواز نية الانفراد لو نوى الايتمام.
ويجب أن يكون المنويّ كونه إماما واحدا ؛ للإجماع ، ولأنّه المتبادر من الأخبار والمعهود من الشرع ، واحتمال المخالفة ، ولو قرّرا على الموافقة فنيته إن كانت على المتابعة على فرض التوافق فهو ترديد في نيّة الاقتداء وتعليق ، وإن كان
مطلقا امتنع.
فلو نوى الايتمام بالاثنين وأتمّ الصلاة جماعة إمّا بأنّ يتّفق الاثنان في الأفعال كأن يكونا إماما ومأموما ، أو بأن يتابع أحدهما بطلت صلاته ؛ لتركه الواجبات (1)في غير الجماعة المشروعة.
وكذا لو أتى بالأفعال معتقدا عدم مشروعيّتها ؛ لانتفاء القربة فيها.
ولو أتى بها معتقدا مشروعيّتها جهلا أو تقليدا لمن يجوّزه ، فالظاهر صحّة الصلاة - وإن بطلت الجماعة - إذا قصد بأصل الصلاة القربة ؛ إذ غايته زيادة نيّة فاسدة ، وإفسادها الفعل غير معلوم.
ويجب أيضا كون الواحد معيّنا حال النية.
فلو لم يتعيّن مطلقا كأحد هذين ، أو تعيّن بعد ذلك كالسابق بالركوع أو الجاهر صوته بالذكر بعد ذلك ، لم تصحّ الجماعة.
لا لما قيل من عدم دليل على الصحّة حينئذ (2)؛ لكفاية المطلقات أدلّة.
بل للأدلّة المذكورة.
والكلام في صلاته كما مرّ في تعدّد الإمام.
والقدر اللازم في التعيين هو التعيّن في الواقع مع إمكان المتابعة من المأموم ولو لم يتعيّن على المأموم ظاهرا ؛ لأنّه القدر المسلّم من الإجماع.
فلو نوى الاقتداء بزيد ولم يعرفه بعينه من بين الأشخاص المتعدّدة ، صحّت صلاته إذا أمكن متابعته بأن يكون هو إماما أو علم توافقهم. بخلاف ما لو كان بين جماعة منفردين ؛ لعدم إمكان المتابعة.
وكذا لو نوى الاقتداء بإمام هذه الجماعة إذا علم استجماعه للشرائط وإن لم يعرفه بعينه أو المصلّي جهرا إذا صلّى جماعة في ظلمة وجهر أحدهم بالصلاة.
ومنه تظهر كفاية الإشارة الذهنيّة ، كما إذا اقتدى خلف صفوف عديدة لا
يرى الإمام. والخارجية بطريق أولى ؛ للتعيّن الواقعي والظاهري.
ويظهر أيضا مراد القوم من قولهم بلزوم التعيين اسما أو وصفا أو ذهنا أو إشارة ، فإنّ مرادهم من الأوّلين ما إذا لم يتعيّن في الذهن أو الخارج عنده وإلاّ لم يحسن المقابلة وأمكن المتابعة وهو ظاهر ، فما عبّرنا به أحسن.
ولو اقتدى بمعيّن جامع للشرائط على أنّه زيد فبان أنّه عمرو ، ففي الروضة : البطلان (1)، وفي الذخيرة : الصحّة (2)، وفي الحدائق : التردّد (3).
والوجه : التفصيل بأنّه إن نوى الاقتداء والمتابعة لهذا الحاضر وإن ظنّ أنّه زيد من غير قصد زيد و(4)لهذا الحاضر الّذي هو زيد ، صحّ الايتمام ؛ للمطلقات ، وعدم ثبوت إيجاب هذا الاختلاف للفساد.
وإن نوى الاقتداء بزيد وإن ظنّ أنّه الحاضر لم يصحّ ؛ لأنّ من اقتدى به لم يتابعه ومن تابعه لم يقتد به.
ولو شكّ في أثناء الصلاة أو بعدها فيما نوى من هذه الأقسام صحّت صلاته ؛ للشك في تحقّق ما يجب عليه بعد الانتقال عن المحلّ.
هذا في المأموم.
وأمّا الإمام فإن كانت الجماعة واجبة تجب عليه نيّتها كما مرّ في صلاة الجمعة.
وإن كانت مندوبة فلا تشترط في صحّة صلاته بالإجماع كما في التذكرة (5)وكلام بعض الأجلّة ؛ للأصل ، وعدم تفاوت أفعاله مع المنفرد ، ولجواز الاقتداء به في أثناء الصلاة وهو لا يعلم اتّفاقا ، واقتداء الخثعميّة الّتي رأت النبي صلّى اللّه
عليه وآله مصليا وحده وعدم اطّلاعه صلی اللّه عليه وآله إلاّ بعد غشيتها بقراءته صلی اللّه عليه وآله آية من سورة الحجر (1).
ولا في إمامته ؛ لما ذكر أيضا ، لأنّها أمر لا يتوقّف تحقّقها منه على النيّة.
ولا في دركه ثواب الجماعة ، وفاقا لجماعة ، منهم : الفاضل والشهيدان والأردبيلي (2)؛ لمطلقات ترتب الثواب عليها ، وإنّما المتوقّف حصوله على النيّة ما توقف صحّته على القربة ، أو كان ذا وجهين ولم يرد الثواب على مطلقه كالأكل والشرب.
وقيل بالاشتراط فيه ؛ لقوله : « لكلّ امرئ ما نوى ».
وفيه : أنّه لا يدلّ على أنّه ليس له ما لم ينو.
نعم لو قصد بالايتمام جاها أو مالا أو كان مكرها فيه فالظاهر الإجماع على عدم الثواب ، ويدل عليه أيضا الخبر المذكور أيضا في الجملة.
وهل تصح صلاته وصلاة المأمومين إذا اطّلعوا على قصده؟
الظاهر نعم إذا قصد بأصل صلاته القربة ؛ لكون الجماعة خارجة عن الصلاة بالمرّة.
ولو صلّى اثنان وقال كلّ منهما بعد الفراغ : كنت مأموما لك ، أعادا الصلاة وجوبا. ولو قال : كنت إماما ، صحّت صلاتهما ؛ لرواية السكوني (3)المصرّحة بالقسمين ، المنجبرة بعمل الأصحاب كافّة ، كما صرّح به جماعة مشعرين بدعوى الإجماع عليه (4)، والمعتضدة بالاعتبار.
1) انظر الجامع لأحكام القران للقرطبي 10 : 31.
2) الفاضل في نهاية الاحكام 2 : 127 ، الشهيد الأوّل في الذكرى : 271 ، الشهيد الثاني في روض الجنان : 376 ، الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 318.
3) الكافي 3 : 375 الصلاة ب 56 ح 3 ، الفقيه 1 : 250 - 1123 مرسلا ، التهذيب 3 : 54 - 186 ، الوسائل 8 : 352 أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 1.
4) روض الجنان : 375 ، ومجمع الفائدة 3 : 319 ، والذخيرة : 399 ، والحدائق 11 : 121.
1) انظر جامع المقاصد 2 : 500.
والكلام إمّا في الشرائط المختصّة بالإمام أو في غيرها ، فهاهنا بحثان.
وهي إمّا واجبة أو مستحبّة ، فهاهنا مقامان.
وهي أمور :
الأوّل : العقل ، فلا تصحّ إمامة المجنون المطبق ولا ذي الأدوار حال الجنون ، اتّفاقا ؛ له ، ولصحيحة زرارة : « لا يصلينّ أحدكم خلف المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، والمحدود ، وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤمّ المهاجرين » (1).
ونحوها مرسلة الفقيه ؛ (2).
وأبي بصير : « خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، وولد الزنا ، والأعرابي » (3).
ولا يضرّ اشتمالها على الجملة الخبرية أو المحتملة لها بعد الاتفاق على الحرمة ، فإنّها قرينة على إرادتها هنا.
وتصحّ من الأخير في حال الإفاقة ؛ للأصل ، والعمومات.
والمشهور كراهته ؛ لإمكان عروضه حال الصلاة ، وعدم أمنه عن الاحتلام حال الجنون ، بل روي أنّ المجنون يمني حال جنونه (1)، ولذا قيل باستحباب الغسل له حال الإفاقة (2).
وعن بحث الجمعة من التذكرة المنع لذلك (3). وضعفه ظاهر.
الثاني : الإيمان بالمعنى الخاصّ ، بالإجماع المحقّق والمحكي مستفيضا (4)، والنصوص المستفيضة ، وفي رواية زرارة : عن الصلاة خلف المخالفين ، فقال : « ما هم عندي إلاّ بمنزلة الجدر » (5).
مضافة إلى عموم ما دلّ على بطلان عبادة المخالف (6)، وعدم الاعتداد بالصلاة خلفه والنهي عنها وأمر المؤتمّ به بالقراءة خلفه (7)، وفحوى ما دلّ على اعتبار العدالة بل صريحه على القول بفسق المخالف.
الثالث : العدالة ، بالإجماعين (8)، بل نقل بعض المخالفين إجماع أهل البيت عليه (9).
وهو الحجّة في اشتراطها ، لا آية الركون (10)؛ لعدم معلوميّة كون الايتمام3.
1) لم نجد الرواية في كتب الأخبار ، ورواها مرسلة في الذخيرة : 302 ، والحدائق 10 : 4 ، واستدل العلامة في النهاية 1 : 179 لاستحباب الغسل للمجنون بقوله : لما قيل إنّ من زال عقله أنزل.
2) نهاية الإحكام 1 : 179.
3) التذكرة 1 : 144.
4) كما في الخلاف 1 : 549 ، والمعتبر 2 : 432 ، والتذكرة 1 : 176.
5) الكافي 3 : 373 الصلاة ب 55 ح 2 ، التهذيب 3 : 266 - 755 ، الوسائل 8 : 309 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 1.
6) انظر الوسائل 1 : 118 أبواب مقدمة العبادات ب 29.
7) الوسائل 8 : 309 أبواب صلاة الجماعة ب 10.
8) كما في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 590 ، والتذكرة 1 : 176.
9) هو أبو عبد اللّه البصري على ما ذكره الشيخ في الخلاف 1 : 560 نقلا عن السيّد المرتضى ، ولم نجده في كتب العامّة الموجودة عندنا.
10) هود : 113.
ركونا ، ومنع كون غير العادل مطلقا ظالما. ولا يدلّ قوله سبحانه ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (1)إلاّ على ظلم من تعدّى جميع الحدود أو أكثرها ، مع أنّها لو دلّت لدلت على النهي عن الايتمام بمن علم تعدّيه دون المجهول حاله وهو أخصّ من المدّعى.
ولا الأخبار ؛ إذ لم نعثر إلى الآن على خبر يتضمّن ذكر اشتراط العدالة فيه أو مانعيّة الفسق ، حتّى يمكن إثبات اشتراط العدالة بها بضميمة أصالة الفسق أو توقّف العلم بعدم المانع على ثبوت العدالة.
وإنّما المستفاد من الأخبار المنع عن الايتمام بالعاقّ للأبوين القاطع كما في صحيحة عمر بن يزيد (2)، أو المجاهر بالفسق والمجهول المحتمل لمجهول المذهب والاعتقاد بل فسّره به جماعة (3)كمرسلتي حمّاد (4)والفقيه (5)، أو المقارف للذنوب كرواية سعد بن إسماعيل عن أبيه (6)، أو المحدود كالمستفيضة (7)، أو شارب الخمر المحدود كالمروي في تفسير العيّاشي (8)، أو من لا يثق بدينه وأمانته كرواية أبي عليّ ابن راشد (9)، أو من لا يثق به من غير قيد كرواية المرافقي والنصري (10)، أو من لا
1) الطلاق : 1.
2) الفقيه 1 : 248 - 1114 ، التهذيب 3 : 30 - 106 ، الوسائل 8 : 313 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 1.
3) منهم الفيض ره في الوافي 8 : 1182 ، والمجلسي ره في البحار 85 - 24.
4) التهذيب 3 : 31 - 109 ، الوسائل 8 : 310 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 6.
5) الفقيه 1 : 248 - 1111 ، الوسائل 8 : 310 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 4.
6) الفقيه 1 : 249 - 1116 ، التهذيب 3 : 31 - 110 ، الوسائل 8 : 316 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 10 ؛ بتفاوت يسير.
7) الوسائل 8 : 322 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6 ، وص 324 ب 15 ح 3 ، و 6.
8) لم نجد الرواية في تفسير العياشي.
9) الكافي 3 : 374 الصلاة ب 55 ح 5 ، التهذيب 3 : 266 - 755 ، الوسائل 8 : 309 أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 ؛ بتفاوت يسير.
10) التهذيب 3 : 33 - 120 ، الوسائل 8 : 303 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 5.
لا يثق بدينه وتديّنه كالرضوي المنجبر (1)، أو غير المأمون على قراءته الإخفاتية كصحيحة ابن سنان (2).
ولا تثبت مانعيّة الفسق مطلقا من حسنة زرارة : « إنّ أمير المؤمنين عليه السلام صلّى خلف فاسق فلمّا سلّم وانصرف قام أمير المؤمنين عليه السلام فصلّى أربع ركعات لم يفصل بينهنّ بتسليم » الحديث (3).
ولا من المروي عن أبي ذر : إمامك شفيعك إلى اللّه ، فلا تجعل إمامك سفيها ولا فاسقا (4).
لمنع العموم أو الإطلاق في الفاسق في الأول حتّى يشمل الفاسق بواسطة الأصل أيضا فإنّه قضيّة في واقعة فلعلّه المجاهر أو المقارف للذنب ، مضافا إلى عدم صحّة صلاة من يتقدّم الحجّة.
ومنع إرادة إمام الجماعة من الإمام والنهي من قوله : « فلا تجعل » في الثاني. مع أنّه قول أبي ذر ولا حجّية فيه إلاّ إذا أخبر ، وإن ورد أنّه ليس أصدق لهجة منه (5).
ولا من رواية زيد بن علي : « الأغلف لا يؤمّ القوم وإن كان أقرأهم لأنّه ضيّع من السنّة أعظمها » (6).
1) فقه الرضا عليه السلام : 144 ، مستدرك الوسائل 6 : 462 أبواب صلاة الجماعة ب 9 ح 1.
2) التهذيب 3 : 35 - 124 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 9.
3) الكافي 3 : 374 الصلاة ب 55 ح 6 ، التهذيب 3 : 266 - 756 الوسائل 7 : 350 أبواب صلاة الجمعة ب 29 ح 4.
4) الفقيه 1 : 247 - 1103 ، التهذيب 3 : 30 - 107 ، الوسائل 8 : 314 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 2.
5) البحار 22 : 329.
6) الفقيه 1 : 248 - 1107 ، التهذيب 3 : 30 - 108 ، الوسائل 8 : 320 أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.
حيث إنّ عموم التعليل يقتضي عدم جواز إمامة كلّ من ضيّع السنّة ومنه الفاسق.
لمنع الدلالة على الحرمة أوّلا ، وتقيّدها بتضييع أعظم السنّة ثانيا.
ولا من رواية إبراهيم بن شيبة : عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يرى المسح على الخفّين ، أو خلف من يحرّم المسح وهو يمسح ، فكتب إليّ : « إن جامعك وإيّاهم موضع فلم تجد بدّا من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم فإن سبقك إلى القراءة فسبّح » (1). حيث دلّت على عدم جواز الصلاة خلف من يحرّم المسح على الخفّين وهو يمسح لقلّة (2)مبالاته بالدين.
لجواز أن يكون ذلك لبطلان صلاته ببطلان طهارته.
ولا اشتراط العدالة (3)من مرسلة الفقيه : « إمام القوم وافدهم فقدّموا أفضلكم » (4).
والأخرى : « إن سركم أن تزكو صلاتكم فقدّموا خياركم » (5).
وصحيحة زرارة : أصلّي خلف الأعمى؟ قال : « نعم إذا كان [ له ] من يسدّده وكان أفضلهم » (6). حيث دلّت على وجوب تقديم الأفضل والخيار ومنع التقديم مع عدم الأفضليّة ، خرج ما أجمعوا فيه على عدم الوجوب فيبقى الباقي ومنه العادل الّذي هو أفضل من المجهول والفاسق.
لتوقّف تماميّته على ترجيح التخصيص من حمل الأمر على الندب وهو ممنوع. مع ما في الأوّل من الإجمال في معنى الإمام ، وما في الثاني من عدم الصراحة في
1) التهذيب 3 : 276 - 807 ، الوسائل 8 : 363 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 2.
2) في ه : لعدم.
3) أي : ولا يثبت اشتراط العدالة ..
4) الفقيه 1 : 247 - 1100 ، الوسائل 8 : 347 أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 2.
5) الفقيه 1 : 247 - 1101 ، الوسائل 8 : 347 أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 3.
6) الكافي 3 : 375 الصلاة ب 56 ح 4 ، الوسائل 8 : 339 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 5 ؛ وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
الوجوب المطلق ، للتعليق على ما يمكن منع وجوبه. مع أنّه قد يكون المجهول أو الفاسق أعلم وأقرأ ، ومفضوليّته عن العادل الفاقد للوصفين غير مسلّم.
ولا مانعيّة الأوّل واشتراط الثاني بوجوب الاقتصار فيما يخالف أصالة عدم وجوب المتابعة وسقوط القراءة ونحوها بالقدر المتيقن ، وباقتضاء الشغل اليقيني بالصلاة البراءة اليقينيّة الغير الحاصلة من الاقتداء بغير العادل ، وبورود المنع عن إمامة بعض المبتلين بالعيوب الجسمية فالمبتلى بالنفسانية منها أولى بالمنع.
لزوال الأصل وحصول اليقين بالمطلقات بل العمومات ، ومنع الأولويّة المدّعاة.
والحاصل : أنّه لا يثبت من الأخبار سوى اشتراط انتفاء عقوق الوالدين وقطيعة الرحم والمجاهرة بالفسق والمقارفة للذنوب ، ووجود الوثوق بالدين والتديّن به والأمانة.
ومساوقة الأخير للعدالة - كما قيل (1)- غير ثابتة ؛ إذ المعلوم منه الاطمئنان بمذهبه وبتمسّكه به وبالأمانة دون الزائد منه.
فلم يبق إلاّ الإجماع ، والثابت منه أيضا ليس إلاّ ما هو المتّفق عليه بين الكلّ في اشتراطه في العدالة دون ما هو معنى ذلك اللفظ ؛ إذ لم يثبت الاتّفاق على اشتراط ما هو معناه ، ولم يذكر أكثر المتقدّمين خصوص ذلك اللفظ سيّما في هذا المقام.
ومن جميع ما ذكر يظهر أنّه لا تترتّب ثمرة على تحقيق معنى العدالة وما به تعرف في ذلك المورد وإن أثمر في موضع آخر ، بل اللازم الأخذ بالمجمع على اشتراطه. والظاهر تحقّقه بمن جمع فيه ما مرّت استفادته من الأخبار ، فهو الشرط في إمام الصلاة ، كما صرّح به بعض المتأخّرين منّا بل جعله الحزم في الدين ، قال : والحزم أن لا تصلّي خلف من لا تثق بدينه وأمانته (2). انتهى.
وحاصله أن لا يكون مجاهرا بالفسق ، أي معلنا بالمعصية من ترك واجب أو فعل محرّم عاصيا جهرا. ولا مقارفا للذنوب أي جنسها المتحقّق بمقارفة ذنوب متعدّدة ، ضرورة أنّ المراد منها ليس ما هو معنى الجمع المحلّى من مقارفة جميع الأفراد ، لعدم الإمكان ، واشتهار استعمال مثل ذلك اللفظ فيمن يصدر عنه معاصي متعددة. ولا غير موثوق به أصلا أي لم يتحقّق نوع من الوثوق به. ولا غير موثوق بدينه وأمانته بخصوصه. ومأمونا على قراءته.
والشرط عدم العلم بالمجاهرة ولا المقارفة ولو بعد الفحص ، وحصول الوثوق بما يحصل به.
ولا تنافيه رواية القصير : « إذا كان الرجل لا تعرفه يؤمّ الناس ويقرأ القرآن فلا تقرأ خلفه واعتدّ بصلاته » (1).
لأنّ شهادة لسان حال المأمومين كافية في تعريفه وتوثيقه.
ولا ما دلّ على الاكتفاء في الشاهد أو معرفة العدالة بأقلّ من ذلك ؛ لعدم الملازمة.
ولا يخفى أنّ ما ذكرناه لا يقصر عن العدالة سيّما ببعض معانيها الّذي اعتبره أكثر الطبقتين الاولى والثالثة من ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق كالأولى (2)، أو حسن الظاهر كالثانية (3). بل يزيد بعد اشتراط الفحص الممكن. وغرضنا أنّه لا حاجة إلى تحقيق معنى العدالة وما تعرف به في هذا المقام. وطريق الاحتياط واضح وقد أفلح من سلكه.
الرابع : طهارة المولد ، بأن لا يعلم كونه ولد الزنا ، بالإجماع ؛ وهو الدليل عليه.
وتدلّ عليه الصحيحتان والمرسلة المتقدّمة في الشرط الأوّل. ولا يضرّ
اشتمالها على الجملة الخبرية ؛ لأنّها فيها للحرمة لتضمّنها المجنون المحرّم إمامته إجماعا ، فلا يمكن التجوّز بالمرجوحيّة الإضافيّة أو أقليّة الثواب ، وعدم إمكان إرادة المرجوحيّة المطلقة لكونها عبادة ، ويأتي توضيحه أيضا في مسألة المجذوم والأبرص.
وتؤيّده صحيحة محمّد : « خمسة لا يؤمّون الناس ولا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة : الأبرص ، والمجذوم ، وولد الزنا ، والأعرابي حتّى يهاجر ، والمحدود » (1).
والمرويان في السرائر وتفسير العيّاشي :
الأوّل : « لا ينبغي أن يؤمّ الناس ولد الزنا » (2).
والثاني : « لا يؤمّ ولد الزنا بالناس ، لم يحمله نوح في السفينة وقد حمل فيها الكلب والخنزير » (3).
ولا بأس بإمامة من تناله الألسن ، ولا ولد الشبهة ، ولا مجهول الأب ؛ للأصل وإن كره جماعة إمامة هؤلاء (4).
الخامس : البلوغ ، فلا تصحّ إمامة الطفل لغيره ؛ للأصول المتقدّمة. إن كان غير مميّز بالاتّفاق ، وإن كان مميّزا على الأظهر الأشهر ، وعن صوم المنتهى نفي الخلاف عنه (5).
لأنّه لا يؤمن أن يخلّ بشيء من الشروط أو الواجبات وإن كان ثقة ، لعلمه بعدم تكليفه ، ولأنّ الإمام ضامن ولا يصلح للضمان إلاّ المكلّف ، ولرواية إسحاق ابن عمّار المنجبر ضعفها - لو كان - بما مرّ : « لا بأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم ،
1) الفقيه 1 : 247 - 1105 ، الوسائل 8 : 322 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 4.
2) مستطرفات السرائر : 145 - 17 ، الوسائل 8 : 332 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6. بتفاوت يسير.
3) تفسير العياشي 2 : 148 - 28 ، مستدرك الوسائل 6 : 465 أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 5.
4) كما في التذكرة 1 : 177 ، ونهاية الأحكام 2 : 143 ، والذكرى : 231 ، والمدارك : 4 : 70.
5) المنتهى 1 : 324.
ولا يؤمّ حتى يحتلم ، فإن أمّ جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه » (1).
ويؤيّده اشتراط بعض الصفات الغير المعلوم تحقّقه في الصبي ، ونزول مرتبته عن القيام بهذا المنصب الجليل ، وعدم شرعيّة صلاته على المشهور.
خلافا للمحكي عن الخلاف والمبسوط (2)، فأجاز إمامته إذا كان مراهقا عاقلا ، مدّعيا عليه الإجماع ، وعن التنقيح حكاية القول به عن السيّد (3)، واختاره في الحدائق (4)، ومال إليه الأردبيلي والسبزواري (5)بعض الميل.
للإجماع المنقول ، والمطلقات ، ولرواية غياث : « لا بأس بالغلام الّذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم » (6). وطلحة : « لا بأس أن يؤذّن الغلام الّذي لم يحتلم [ و ] أن يؤمّ » (7).
وموثّقه سماعة : « يجوز صدقة الغلام ، وعتقه ، ويؤمّ الناس إذا كان له عشر سنين » (8).
وإجماعهم موهون بالمعارضة بالمثل ومصير الأكثر حتّى الشيخ في التهذيبين والنهاية والاقتصاد إلى الخلاف (9)مع أنّه ليس بحجّة.
والمطلقات بما مرّ مقيّدة ، مع أنّ المتبادر منها البالغ.
والأخبار بالشذوذ فلا تصلح لمقابلة ما مرّ.
1) الفقيه 1 : 258 - 1169 ، التهذيب 3 : 29 - 103 ، الاستبصار 1 : 423 - 1632 ، الوسائل 8 : 322 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 7.
2) الخلاف 1 : 553 ، المبسوط 1 : 154.
3) التنقيح 1 : 274.
4) الحدائق 10 : 4.
5) الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 244 ، السبزواري في الكفاية : 28.
6) الكافي 3 : 376 الصلاة ب 56 ح 6 ، الوسائل 8 : 321 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 3.
7) التهذيب 3 : 29 - 104 ، الاستبصار 1 : 424 - 1633 ، الوسائل 8 : 323 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 8 ؛ وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
8) الفقيه 1 : 358 - 1571 ، الوسائل 8 : 322 أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 5.
9) التهذيب 3 : 29 ، الاستبصار 1 : 424 ، النهاية : 113.
مع أنّ المذكور في الأوليين الغلام الغير المحتلم ، وهو لا يستلزم عدم البلوغ ، لجواز حصوله بالإنبات أو السنّ. وهذا وإن كان جاريا في رواياتنا إلاّ أنّها محمولة على غير البالغ إجماعا.
وأيضا المذكور فيهما نفي البأس فلعلّه عن الغلام إذ ليس عليه تكليف ، والإمامة في الثانية مطلقة فلعلّها للأطفال.
والثالثة مخالفة للإجماع ؛ إذ لم يقل أحد منّا بهذا التقدير فلا يفيد. بل وكذا عموم الأوليين ؛ لتقييد المخالف بالمراهق.
وللمحكي عن القواعد والدروس والذكرى (1)، فأجازا إمامته في النوافل خاصّة لبعض الوجوه الاعتبارية. وعموم النصّ يدفعه.
وهل تجوز إمامته لمثله؟
جوّزه جماعة (2)، ولا بأس به.
وعن الإسكافي وفخر المحقّقين في إشكالاته (3)وابن فهد في موجزه : أنّ غير البالغ إذا كان مستخلفا للإمام الأكبر كالولي لعهد المسلمين يكون إماما وليس لأحد أن يتقدّمه فتجوز إمامته.
قيل : لأنّ هذا الصبي يكون بمنزلة الإمام وهو صالح للرئاسة العامّة وهو معصوم ، فلأن يكون إماما في الصلاة أولى ، وكأنّ من لم يستثنه عوّل على الظهور. انتهى.
ولا يخفى أنّه غير المتنازع فيه ، فإنّ الكلام في الرعيّة ، وليس علينا التكلّم في أحكام الإمام.
السادس : الذكورة إذا كان المأموم ذكرا أو ذكرا وأنثى ، فلا تجوز إمامة المرأة
لرجل ، باتفاق العلماء كما عن المعتبر (1)، بل بالإجماع المحقّق والمحكي في التذكرة والمفاتيح وشرحه وعن المنتهى وروض الجنان والذكرى (2)، وغيرها (3)؛ وهو الدليل عليه.
مضافا إلى التأيّد بالنبوي المشهور (4)والمرتضوي المروي في الدعائم (5)- اللذين ضعفهما بالعمل مجبور - : « لا تؤمّ المرأة رجلا ».
وإنّما جعلناهما مؤيّدين لاحتمال الجملة المنفية الغير الصريحة في التحريم.
قيل : مجازها إمّا نفي الجواز أو الاستحباب أو وجود الكراهة المصطلحة ، والثلاثة يستلزم الحرمة ، وأمّا إرادة المرجوحية الإضافيّة أو أقليّة الثواب فهي مجاز مرجوح غير متبادر إلى الذهن أصلا ، فلا معنى لحمل اللفظ عليه بدون قرينة مجوّزة لا أقلّ.
وفيه : شيوع هذا التجوّز في الأوامر والنواهي والجملة الخبرية المستعملة في العبادات. نعم لو كانت الجملة واردة في مورد السؤال لأمكن القول ببعد هذا التجوز كما يأتي.
وأمّا إمامتها للمرأة فجائزة في النوافل الجائزة فيها الجماعة بلا خلاف أجده ، بل بالإجماع كما عن جماعة (6)؛ وتدل عليه النصوص المستفيضة العامّة والخاصّة الآتية.
وفي الفرائض على المشهور كما صرّح به جماعة (7)، بل عن صريح الخلاف .
1) المعتبر 2 : 438.
2) التذكرة 1 : 177 ، المفاتيح 1 : 160 ، المنتهى 1 : 373 ، الروض : 365 ، الذكرى : 267.
3) كالرياض 1 : 236.
4) سنن البيهقي 3 : 90 بتفاوت يسير.
5) الدعائم 1 : 152 ، مستدرك الوسائل 6 : 468 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 1 ، ( بتفاوت يسير ).
6) الشيخ في الخلاف 1 : 562 ، الشهيد الثاني في روض الجنان : 367 ، البهبهاني في شرح المفاتيح ( المخطوط ).
7) العلاّمة في المختلف : 154 ، الشهيد الأوّل في البيان : 231 ، الشهيد الثاني في روض الجنان : 367.
والتذكرة وظاهر المعتبر والمنتهى الإجماع عليه (1).
للمطلقات ، والمستفيضة الصريحة أو الظاهرة في خصوص المسألة :
منها : النبوي العامي : إنّه صلی اللّه عليه وآله أمر أمّ ورقة أو تؤمّ أهل دارها وجعل لها مؤذّنا (2).
ورواية الصيقل : كيف تصلّي النساء على الجنائز إذا لم يكن معهنّ رجل؟ قال : « يقمن جميعا في صفّ واحد ولا تتقدّمهنّ امرأة » قيل : ففي صلاة مكتوبة أيؤمّ بعضهنّ بعضا؟ قال : « نعم » (3).
ومرسلة ابن بكير : عن المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « نعم تقوم وسطا بينهنّ ولا تتقدّمهنّ » (4).
وموثقة سماعة : عن المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « لا بأس به » (5).
وصحيحة علي : عن المرأة تؤمّ النساء ، ما حدّ رفعها صوتها بالقراءة؟ قال : « قدر ما تسمع » (6).
ونحوها رواية ابن يقطين (7)، والمروي في قرب الإسناد وزاد فيه : عن النساء هل عليهنّ الجهر بالقراءة في الفريضة والنافلة؟ قال : « لا إلاّ أن تكون امرأة تؤمّ
1) الخلاف 1 : 562 ، التذكرة 1 : 171 ، المعتبر 2 : 427 ، المنتهى 1 : 368.
2) كنز العمال 8 : 306 - 23044.
3) الفقيه 1 : 103 - 479 ، الوسائل 3 : 117 أبواب صلاة الجنازة ب 25 ح 2.
4) التهذيب 3 : 31 - 112 ، الاستبصار 1 : 426 - 1645 ، الوسائل 8 : 336 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 10.
5) التهذيب 3 : 31 - 111 ، الاستبصار 1 : 426 - 1644 ، الوسائل 8 : 336 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11.
6) الفقيه 1 : 363 - 1201 ، التهذيب 3 : 267 - 761 ، الوسائل 8 : 335 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 7 ؛ بتفاوت يسير.
7) التهذيب 3 : 267 - 760 ، الوسائل 6 : 94 أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 1.
النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها » (1).
خلافا للمحكي عن الإسكافي والجعفي والسيّد (2)، فمنعوا فيها - وقد ينسب إلى الأخيرين المنع مطلقا (3)- واختاره بعض الأجلّة كما قيل ، وهو ظاهر الصدوق بل الكليني (4)، وعن المختلف نفي البأس عنه (5)، وفي المدارك نوع ميل إليه (6)، وفي الاستبصار احتماله (7).
وهو المختار ؛ للمستفيضة من الأخبار كصحيحة هشام : عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ فقال : « تؤمّهنّ في النافلة ، فأمّا في المكتوبة فلا ، ولا تتقدّمهنّ ، ولكن تقوم وسطهنّ » (8).
وبمضمونها صحيحة سليمان بن خالد (9).
ورواية الحلبي : « المرأة تؤمّ النساء في الصلاة تقوم وسطا منهنّ ويقمن عن يمينها وشمالها ، تؤمّهنّ في النافلة ولا تؤمّهنّ في المكتوبة » (10).
وصحيحة زرارة : المرأة تؤمّ النساء؟ قال : « لا ، إلاّ على الميّت إذا لم يكن أحد أولى منها » (11).
1) قرب الاسناد : 223 - 867 ، الوسائل 6 : 95 أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 3.
2) حكاه في المختلف : 154 ، عن الإسكافي والسيد ، وفي المفاتيح 1 : 160 عن الجعفي.
3) انظر الكفاية : 30 للمحقّق السبزواري.
4) الصدوق في الفقيه 1 : 259 ، الكليني في الكافي 3 : 376 الصلاة ب 57.
5) المختلف : 154.
6) المدارك 4 : 353.
7) الاستبصار 1 : 427.
8) الفقيه 1 : 259 - 1176 ، التهذيب 3 : 205 - 487 ، الوسائل 8 : 333 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.
9) الكافي 3 : 376 الصلاة ب 57 ح 2 ، التهذيب 3 : 269 - 768 ، الاستبصار 1 : 426 - 1646 ، الوسائل 8 : 336 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 12.
10) التهذيب 3 : 268 - 765 ، الاستبصار 1 : 427 - 1647 ، الوسائل 8 : 336 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9.
11) التهذيب 3 : 268 - 766 ، الوسائل 8 : 334 أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3.
والمروي في الدعائم : « لا تؤمّ المرأة بالرجال ولا تصلّي بالنساء » (1).
وحملها على الكراهة فاسد ؛ لعدم تعقّلها بالمعنى المصطلح في العبادة بل عدم قول بها بالمرّة ، لأنّ المجوّزين يستحبّونها كلا كما صرّح به في الخلاف والمنتهى (2).
وإرادة المرجوحيّة الإضافيّة أو أقليّة الثواب في المقام بعيدة ، بل هي عند الذهن السليم غير محتملة ، فإنّ السؤال عن مثل ذلك غير معهود.
وجعل النافلة والمكتوبة صفة للجماعة خلاف الظاهر المتبادر بل بعيد غايته ، مع أنّه في الأخيرين غير محتمل أصلا.
فهذه لما مرّ معارضة وهي من غير الأوليين منه خاصّة مطلقة سواء قلنا فيه بالإطلاق أو العموم من جهة ترك الاستفصال ، فتخصيصه بها لازم. مع أنّ الثلاثة الأخيرة منه ليس بمطلق أيضا كما لا يخفى ، بل وكذا السابقتين عليهما ، لعدم اشتمالهما على لفظ الصلاة حتى تكون مطلقة بالنسبة إلى النافلة والفريضة بل جوّز الإمامة وهي بالنسبة إليهما مجملة فيحكم بالمفصّلة.
وجعل الزيادة في الأخير مشعرة أو دالّة على العموم - كما قيل (3)- باطل ؛ إذ لا إشعار فيها أصلا ، فإنّ السؤال عن جهرهنّ في الفريضة والنافلة ، والجواب بنفيه إلاّ إذا كان إماما لا يشعر بجواز الإمامة فيهما بوجه.
ونفي أعمّية أخبار الجواز وإجمالها لظهورها في الفريضة لكونها أظهر الأفراد فتختصّ بها ، مردود بأنّه إنّما هو إذا تضمّنت لفظ الصلاة حتى ينصرف إلى أظهر أفرادها وليس كذلك.
سلّمنا ، ولكن نمنع الظهور المدّعى ، كيف؟! والنافلة أكثر من الفريضة.
وممّا ذكر ظهر رفع توهّم عدم جواز هذا التخصيص لإيجابه خروج أكثر الأفراد ، حيث إنّه لا يبقى إلاّ النافلة المجوّزة فيها الجماعة كالعيدين والاستسقاء والغدير على قول. مع أنّ بطلان خروج الأكثر عن المطلق ليس بمعلوم.
ثمَّ مع تسليم الجميع غايته التعارض بالتساوي. فإن رجّحنا المانعة بالأصحيّة سندا والأصرحيّة دلالة والمخالفة للعامة كما يأتي ، وإلاّ فيرجع إلى الأصول. وهي مع المنع دون الجواز ؛ لمنع عموم شامل للامرأة أيضا ، بل المذكور في الأخبار إمّا الرجل أو ما بمعناه أو الإمام المتوقّف صدقه على المرأة على جواز إمامتها.
ومنه يظهر ضعف الاستدلال بالمطلقات.
كما أنّ منه ومن سابقة يظهر الجواب عن الأوليين ، فإنّ غايتهما التعارض مع دليل المنع والرجوع إلى الأصل لعدم الترجيح أو تحقّقه للمانع.
وترجيح المجوّز بالاعتضاد بالشهرة ، والإجماعات المنقولة ، والمخالفة لأكثر العامّة ، واتّصاف المانع بالشذوذ والندرة ، ودلالته على تجويز الجماعة في مطلق النافلة وهي باطلة إلاّ بالتخصيص بما تجوز فيه الجماعة وهي نادرة غاية الندرة ، باطل.
لعدم صلاحيّة الأوّلين للترجيح.
ومنع الثالث ، بل الأمر بالعكس ، لأنّ الجواز قول الأئمّة الأربعة (1)، ونقل عن عائشة وأمّ سلمة وعطاء والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور ونافع وعمر بن عبد العزيز (2)، إلاّ أنّ بعضهم قال بالكراهة وهي للجواز ونفي البأس غير منافية بل المنع ينافيها ؛ ولم ينقل المنع في الفرائض إلاّ عن الشعبي والنخعي وقتادة (3)، فمن يتّقى عنه في طرف الجواز مع الكراهة أو بدونها.
ومنع الرابع جدّا ، كيف؟! مع أنّ مثل الفحول المذكورين إمّا يفتون بمقتضاها أو يجوّزون الفتوى به ، ومثل ذلك بعيد عن حيّز الشذوذ بمراحل عديدة ، بل لا نعلم من القدماء في الطرف الآخر أكثر منهم.
ولزوم الخامس لو كان الأخبار منساقة لبيان ما تجوز فيه الجماعة من النافلة ، وليس كذلك ، بل هي شارحة لمن يصلح للإمامة ، فلا حكم فيها لإطلاق النافلة.
هذا كلّه مع ما في النبوي من الضعف لأجل العامية - والانجبار بالعمل لا يفيد إلاّ في أخبارنا المروية - وكونه قضيّة في واقعة فلا يعلم شموله للفريضة ولعلّها كانت في صلاة العيد. وجعل المؤذّن لها لا يفيد ؛ لأنّ الأذان لغة الإعلام ، وثبوت الحقيقة الشرعية في هذا الوقت غير معلوم ، فلعلّ المراد به ما يؤذن به لصلاة العيد من قول المؤذّن : « الصلاة » ألا ترى أنّه ورد في الأحاديث وكلمات الفقهاء أنّ المؤذّن يقول : « الصلاة » ثلاثا (1)، وأنّ المؤذّنين يمشون بين يدي الإمام في الاستسقاء (2).
بل يمكن منع العموم أو الإطلاق في رواية الصيقل أيضا ؛ لاحتمال كون إضافة الصلاة إلى المكتوبة للعهد وإرادة صلاة الجنازة بقرينة تقدّم السؤال عنها ، حيث إنّه عليه السلام لمّا أجاب بما يظهر منه جواز إمامة النساء في الجنائز مع أنّها صلاة مكتوبة أي واجبة استدرك السائل وقال : أفي هذه الصلاة الواجبة؟
السابع : تمكّنه من القيام في الصلاة إن كان المأمومون قائمين ، فلا تجوز إمامة القاعد للقائم ، إجماعا محقّقا ومحكيّا عن الخلاف والسرائر والتذكرة وظاهر المنتهى وصريح الحدائق (3)؛ وهو الدليل عليه.
وتؤيّده مرسلة الفقيه : « صلّى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بأصحابه3.
جالسا ، فلمّا فرغ قال : لا يؤمّن أحدكم بعدي جالسا » (1).
واحتمالها الجملة المنفية يمنع عن الاستدلال به. ولعلّه لذلك وعدم اعتبار الإجماع يظهر من الشيخ الحرّ في الوسائل الكراهة (2). وهو غير جيّد.
وإطلاق المرسلة - لو تمّت دلالتها - وإن اقتضى المنع عن إمامة القاعد بمثله أيضا ، إلاّ أنّه قد عرفت عدم تماميّتها. مع أنّ منهم من ادّعى الإجماع على التقييد بما إذا أمّ قائما ، ويدل عليه ما ورد في جماعة العراة من صحيح الروايات المعمول به بين الأصحاب (3).
الثامن : عدم كونه أمّيا ، أي من لا يحسن قراءة الحمد أو السورة أو أبعاضهما ولو حرفا أو تشديدا أو صفة ، ولا مؤوف اللسان كالألثغ بالمثلّثة (4)، والأليغ بالمثناة التحتانية (5)، والأرتّ (6)، والتمتام والفأفاء ، بأحد تفسيريهما (7)، إذا أمّ القارئ والسليم.
وهو في الأوّل مع إمكان التصحيح والتقصير ظاهر ؛ لبطلان صلاته. وكذا فيهما مع إمكان المتابعة للقارئ أو الايتمام والقول بوجوبه عليهما لعدم جواز صلاته فرادى فكيف بالإمامة.
وأمّا بدون الأمرين فقد يستدلّ له تارة بالإجماع المنقول عن الذكرى (8).
واخرى بالمروي عن النبي صلی اللّه عليه وآله : « يتقدّم القوم أقرؤهم » (9)..
1) الفقيه 1 : 249 - 1119 ، الوسائل 8 : 345 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 1.
2) الوسائل 8 : 345 أبواب صلاة الجماعة ب 25 عنوان الباب.
3) الوسائل 4 : 450 أبواب لباس المصلّي ب 51.
4) اللّثغة في اللسان هو أن يصيّر الراء لاما.
5) الليغ : أن لا يبيّن الكلام.
6) الرتّة : حبسة في لسان الرجل.
7) وهو : من يبدّل التاء والفاء بغيرهما ، كما قال في الحدائق 11 : 195. والتفسير الآخر هو : من يتردّد في التاء والفاء. انظر فقه اللغة للثعالبي : 106.
8) الذكرى : 268.
9) الكافي 3 : 376 الصلاة ب 56 ح 5 ، التهذيب 3 : 31 - 113 ، الوسائل 8 : 351 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ح 1.
وثالثة بإخلاله بالقراءة فتكون صلاته عنها خالية ، ولا صلاة إلاّ بالفاتحة ، فكيف يضمن قراءة المأموم ، مع أنّ الأصل عدم سقوطها.
ورابعة بعدم تبادر مثله ، ولا معهوديّته من الشريعة.
والأوّل إن ثبت فهو ، وإلاّ فمنقولة ليس بحجّة.
والثاني قاصر في الدلالة بوجوه كثيرة.
والثالث مردود بعدم إخلاله بما يجب عليه من القراءة ، وما قرأه هو في حقّه الفاتحة ، فلا تكون صلاته عنها خالية. ولو سلّم فتوقّف الضمان على الأزيد من ذلك في شأنه ممنوع ، والأصل بالعمومات والمطلقات مدفوع.
والرابع بمنع تبادر الغير أيضا ، وعدم المعهودية غير مسلّمة ، كيف؟! مع أنّ صلاة الجماعة بين الصحابة والتابعين وأصحاب الأئمّة وأهل أعصارهم كانت في غاية الشيوع ولا نعلم حال جميع أئمّتهم. ولو كان الأمر كما قالوه فكيف يجوّزونها للمثل كما صرّح به الأكثر (1)؟. وبالجملة لو لم يثبت الإجماع لكان القول بالجواز متّجها.
ومنه يظهر الجواز في اللاحن الغير المقصّر مطلقا كما عن الشيخ (2)، أو إذا لم يغيّر اللحن المعنى كما عن الحلّي بطريق أولى (3)، وكذا في التمتام وألفا فاء بالتفسير الآخر وهو من لا يحسن تأدية التاء والفاء إلاّ بترديدهما مرّتين فصاعدا ، كما صرّح غير واحد بجواز إمامتهما أيضا (4)، نعم كرهها بعض الأصحاب (5)ولا بأس به.
وهي أيضا أمور :
منها : أن لا يكون أجذم ولا أبرص ؛ إذ تكره إمامتها.
أمّا مرجوحيّتها فممّا لا خلاف فيه أعرفه ، بل عن الانتصار والخلاف الإجماع عليها (1)، وهو الحجّة فيها ، لكفايته في مثلها سيّما مع انضمامها بالشهرة المحقّقة المعلومة ، مضافا إلى الصحيحتين والمرسلة المتقدّمة في صدر المقام الأوّل (2).
وأمّا الجواز - كما هو الأظهر الأشهر سيّما بين من تأخّر - فللأصل الخالي عن معارضة ما يصلح حجّة للمنع ؛ إذ ليس إلاّ ما مرّ وهي عن الدال على التحريم خالية ، لكونها متضمّنة للجملة الخبريّة أو مالها محتملة.
واشتمالها على من تحرم إمامته إجماعا ، فيكون المراد من الجملة التحريم ، لئلاّ يستعمل اللفظ في المجازين أو الحقيقة والمجاز على القول بإفادة الجملة الخبريّة للتحريم ، غير مفيد ؛ إذ الحمل على مطلق المرجوحيّة ممكن وهو من باب عموم المجاز الشائع.
إلاّ أن يقال بأنّ المرجوحيّة المتصوّرة هنا هي الإضافية وبمعنى أقلّية الثواب ، وليس قدر مشترك بينها وبين الحرمة ، فيتعيّن حمل الجملة فيها على الحرمة لا غيرها ، وتكون عليها حجّة.
إلاّ أنّها معارضة مع ما دلّ على الجواز ، كرواية عبد اللّه بن يزيد : عن
المجذوم والأبرص يؤمّان المسلمين؟ فقال : « نعم » (1).
ونحوها المروي في محاسن البرقي (2).
وضعفهما سندا غير ضائر ؛ لانجبارهما بالشهرة المحكية ولو كانت من المتأخّرين. مع أنّ الأولى نفسها عندنا حجة.
وبعد تعارضهما إمّا يرجع إلى التخيير المثبت للجواز ، أو التساقط الموجب للرجوع إلى مجوّزات إمامتهما من إطلاقات الكتاب والسنّة بل مرغّباتها ، فتكون مستحبة ، إلاّ أنّه يحكم بالمرجوحيّة الإضافيّة للإجماع المتقدّم.
خلافا فيه للمحكي عن الجمل والمصباح للسيّد (3)، وغير التهذيبين للشيخ (4)، والحلبي وابني حمزة وزهرة (5)، بل عن الخلاف والغنية الإجماع عليه ، فنفوا الجواز بل حرّموها.
للأخبار المذكورة إمّا بالتقريب الّذي ذكرنا ، أو بجعل الجمل الخبرية مفيدة للحرمة ، مع ردّ المعارض بالضعف في السند وعدم معلوميّة الجابر له ، إذ ليس سوى شهرة متأخّرة ، وكونها صالحة للجبران سيّما مع معارضتها لشهرة القدماء والإجماعات المحكيّة غير معلوم. وأمّا دعوى الانتصار الإجماع على الكراهة (6)، فاحتمال الحرمة منها ممكن بل فيه ما تظهر منه إرادتها.
وهو حسن عند من يلاحظ السند في أخبار الكتب المعتبرة.
1) التهذيب 3 : 27 - 93 ، الاستبصار 1 : 422 - 1627 ، الوسائل 8 : 323 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 1.
2) المحاسن : 326 - 76 ، الوسائل 8 : 324 أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 4.
3) جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 39 ، وحكاه عن المصباح في المعتبر 2 : 442.
4) الخلاف 1 : 561 ، المبسوط 1 : 155 ، النهاية : 112 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 191 ، الاقتصاد : 269.
5) الحلبي في الكافي : 143 ، قال ابن حمزة في الوسيلة : 105 : تكره إمامة .. المجذوم والأبرص ؛ ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) 560.
6) الانتصار : 50.
وللمحكي عن المقنعة والحلّي ، فمنعا عن إمامتهما في الجماعة الواجبة خاصة (1).
ولبعض آخر ، فمنع عنها للأصحّاء (2).
ولا أعرف مستندهما ، إلاّ أن يستند في الثاني إلى تبادر ذلك من أدلّة المنع.
ولا بأس به.
ومنها : أن لا يكون محدودا بعد توبته.
أمّا مرجوحيّة إمامته فللأخبار المتقدّمة في الشرط الأوّل الواجب بالتقريب المذكور في المجذوم والمبروص ، والإجماع.
وأمّا جوازها فللأصل ، وعموم نحو : « يؤمّكم أقرؤكم » (3)ومفهوم بعض الأخبار المصرّحة بأنّ خمسة لا يؤمّون (4)وليس منهم المحدود ، وكونه أحسن حالا من الكافر بعد إسلامه فيدلّ على الجواز هنا بالأولويّة.
خلافا للمحكي عن السيّد والحلبي وابن زهرة وظاهر الشيخ (5)، بل عليه الإجماع عن الأخيرين ، فحرّموها لتلك الأخبار (6)، لدلالتها على الحرمة إمّا بنفسها أو بالتقريب الّذي ذكرناه.
وهو قويّ ، والأصل والعموم مدفوع ومخصّص بما مرّ ، والمفهوم عددي لا حجيّة فيه ، والأولويّة ممنوعة سيّما مع أنّهم لا يقولون بها لعدم قولهم بالكراهة ظاهرا في الكافر والقول بها في المحدود.
1) المقنعة : 163 ، الحلّي في السرائر 1 : 280.
2) كما في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 560.
3) الفقيه 1 : 185 - 880 ، الوسائل 5 : 410 أبواب الأذان والإقامة ب 16 ح 3 وأيضا 8 : 351 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ، كنز العمّال 7 : 587.
4) الوسائل 8 : 321 أبواب صلاة الجماعة ب 14.
5) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 39 ، والحلبي في الكافي : 144 ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 560 ، الشيخ في النهاية : 112.
6) وهي الأخبار التي تقدمت في ص 25.
ومنها : الأغلف الغير المقصّر في تأخير الختان ؛ للإجماع على مرجوحيّته ، والأخبار القاصرة عن إفادة الحرمة إمّا دلالة أو سندا (1).
إلاّ أنّ بعض رواياته معتبرة والتقريب المتقدّم فيها جار ، فالقول بالحرمة كما عن بعض القدماء قوي (2).
ولا تبطل صلاته ؛ للأصل ، والاتّفاق إلاّ عن شاذّ (3).
ومنها : أن لا يكون ممّن يكرهه المأمومون
على الأظهر الأشهر ؛ لمرسلة الفقيه : « ثمانية لا يقبل اللّه لهم صلاة » إلى أن قال : « وإمام قوم صلّى بهم وهم له كارهون » (4).
ورواية الحسين بن زيد في حديث المناهي قال : « ونهى أن يؤمّ الرجل قوما إلاّ بإذنهم وهم به راضون » (5).
والمروي في الخصال : « أربعة لا تقبل لهم صلاة » إلى أن قال : « والرجل يؤمّ القوم وهم له كارهون » (6).
وفي الأمالي : « ثلاثة لا تقبل لهم صلاة » إلى أن قال : « ورجل أمّ قوما وهم له كارهون » (7).
وعن المنتهى نفي الكراهة (8)؛ لوجه اعتباري لا اعتبار له في مقابلة النصّ.
وعن التذكرة التفصيل بعدم الكراهة إن كان كراهة المأمومين لتديّنه وتصلّبه
1) انظر : الوسائل 8 : 320 أبواب صلاة الجماعة ب 13. وأيضا : ب 14 ح 6.
2) كالسيد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 39 ، والحلبي في الكافي : 144.
3) قال الشهيد الثاني في روض الجنان : 368 : ولو قدر وأهمل فهو فاسق ، ولا تصحّ صلاته بدونه وان كان منفردا.
4) الفقيه 1 : 36 - 131 ، الوسائل 8 : 348 أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 1.
5) الفقيه 4 : 9 - 1 ، الوسائل 8 : 349 من صلاة الجماعة ب 27 ح 2 ؛ بتفاوت يسير.
6) الخصال : 242 - 94 ، الوسائل 8 : 349 أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 3.
7) أمالي الطوسي : 196 ، الوسائل 8 : 350 أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 6.
8) المنتهى 1 : 374.
في الدين ، والكراهة إن كان لغير ذلك (1).
وهو حسن ؛ لأنّ المتبادر الظاهر من الأخبار الثاني ، فتختصّ الكراهة بمن لم يكن للمأمومين فيه مزيد اعتقاد ويرجّحون غيره عليه ويريدون الايتمام بغيره ، وهو مع ذلك يحملهم على الايتمام به ويمنعهم من غيره.
وهاهنا ثلاث مسائل ينبغي الإشارة إليها.
المسألة الأولى : قد صرّح الأصحاب بأنّ صاحب المسجد - أي الراتب فيه - وصاحب المنزل مع اجتماع شرائط الإمامة فيه ، أولى
بالإمامة فيه من غيره مطلقا ولو كان غيره أفضل ، ونفى بعضهم خلاف الأصحاب فيه (2)، وفي المنتهى : إنّه لا نعرف فيه خلافا (3).
ويدل على الأوّل : الرضوي ، وفيه : « صاحب المسجد أحقّ بمسجده » (4).
وفي موضع آخر منه : « أولى الناس بالتقدّم في الجماعة أقرؤهم » إلى أن قال : « وصاحب المسجد أولى بمسجده » (5).
والدعائمي : « يؤمّكم أكثركم نورا ، والنور القرآن ، وكلّ أهل مسجد أحقّ بالصلاة في مسجدهم ، إلاّ أن يكون أمير حضر فإنّه أحقّ بالإمامة من أهل المسجد » (6).
وفيه أيضا : « صاحب المسجد أحقّ بمسجده » (7).
ثمَّ إنّ ضعفها بالشهرة منجبر ، مع أنّه في مقام المسامحة غير ضائر.
إلاّ أنّ في استفادة الراتب من لفظ الصاحب نظرا ، لاحتمال أن يكون
1) التذكرة 1 : 179.
2) كصاحب الحدائق 11 : 198.
3) المنتهى 1 : 374.
4) فقه الرضا عليه السلام : 124 ، مستدرك الوسائل 6 : 475 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 5.
5) فقه الرضا عليه السلام : 143 ، مستدرك الوسائل 6 : 475 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 4.
6) الدعائم 1 : 152 ، مستدرك الوسائل 6 : 474 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 1.
7) الدعائم 1 : 152 ، مستدرك الوسائل 6 : 475 أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 2.
المراد : المالك - إذ لا يلزم كون كلّ مسجد وقفا - أو الواقف. نعم ، الظاهر صدق أهل المسجد - الوارد في الدعائمي - على راتبة ، فيتمّ الاستناد إليه.
وعلى الثاني : رواية الحذّاء الواردة في الأولى بالتقديم في الجماعة ، وفيها : « ولا يتقدّمنّ أحدكم الرجل في منزله » (1).
وذكروا أيضا أنّ الهاشمي الجامع لشرائط جماعة الصلاة أولى من غيره.
وهو كذلك ؛ لفتوى العظماء ، ولأنّ فيه إكرام ذريّة النبي صلی اللّه عليه وآله ، ولما روي من قوله عليه السلام : « قدّموا قريشا ولا تتقدّموهم » (2).
وتحمّل ذلك المقام للمسامحة يجبر ما في هذه الوجوه من الضعف.
وأولويّته - كما صرّح به بعضهم (3) - إنّما هي بالنسبة إلى غير راتب المسجد وصاحب المنزل ، وأمّا هما فيقدّمان عليه لأخصّية دليلهما.
وأيضا الأولى تقديم الأقرأ للقرآن أي الأكثر قراءة وأفصحها والأكثر إتقانا للحروف وأحسن إخراجا لها من مخارجها ، لا الأعرف بالأصول والقواعد المقرّرة عند القرّاء.
والأكبر سنّا وأعلمهم بالسنّة وأفقههم في الدين ؛ لرواية الحذّاء الواردة في صلاة الجماعة : « يتقدّم القوم أقرؤهم للقرآن ، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم في الهجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنّا ، فإن كانوا في السنّ سواء فأعلمهم بالسنّة وأفقههم في الدين ، ولا يتقدّمنّ أحدكم الرجل في منزله ولا صاحب سلطان في سلطانه ».
ومقتضى هذه الرواية تقديم صاحب المنزل على الثلاثة ؛ لأنّه المتبادر من الأمر بتقديمه بعد ذكر الثلاثة ، وقد عرفت تقديمه على الهاشمي أيضا. ولا يجتمع
(1) الكافي 3 : 376 الصلاة ب 56 ح 5 ، التهذيب 3 : 31 - 113 ، الوسائل 8 : 351 أبواب صلاة الجماعة ب 28 ح 1.
(2) رواها الشهيد في الذكرى : 270 عن النبي صلی اللّه عليه وآله ، وصرّح بأنّها مرسلة أو مسندة بطريق غير معلوم ، ونقلها السيوطي في الجامع الصغير 2 : 253 - 6108.
(3) كالشهيد الثاني في المسالك 1 : 45.
مع راتب المسجد ، لاختلاف المحلّ ، فهو مقدّم على الجميع ثمَّ الثلاثة.
نعم يشكل الترجيح بين الراتب وأحد الثلاثة ، والظاهر عدم الترجيح لتعارض روايتهما.
وأمّا الثلاثة فمقتضى الرواية تقديم الأقرأ ثمَّ الأسنّ ثمَّ الأفقه ، إلاّ أنّه قد ورد في الرضوي (1)والدعائمي (2)تقديم الأقرأ ثمَّ الأفقه ثمَّ الأسنّ ، فتتعارض الروايات حينئذ في الأفقه والأسنّ ، ولا يبعد ترجيح الروايتين الأخيرتين فيقدّم الأفقه ، إذ توافقان الاعتبارات العقلية والعمومات القرآنية والخبرية ، كقوله عزّ شأنه ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (3). والنبوي : « من صلّى خلف عالم فكأنّما صلّى خلف رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله » (4)إلى غير ذلك.
ولأجل أمثال ذلك قد ذهب جمع من المتأخّرين ، كصاحبي المدارك والذخيرة والمحدّثين الكاشاني والعاملي (5)، تبعا للفاضل - قدس سره - في المختلف (6)، إلى تقديم الأفقه على الأقرأ أيضا.
إلاّ أنّ الروايات المذكورة متّفقة طرّأ على خلافه ، وهي أخصّ مطلقا ممّا مرّ ، ومع ذلك على مدلولها الشهرة القديمة والجديدة ، بل عليه الإجماع في كلمات طائفة
1) المتقدم في ص : 47.
2) المتقدم في ص 47.
3) الزمر : 12.
4) رواها الشهيد - مرسلا - في الذكرى : 265 ، وروى عنه في الوسائل 8 : 348 أبواب صلاة الجماعة ب 26 ح 5 ، ورواها عن لبّ اللباب في المستدرك 6 : 473 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 8 ( بتفاوت يسير ).
5) المدارك 4 : 359 ، الذخيرة : 391 ، الكاشاني في المفاتيح 1 : 164 ، وأما العاملي فقال في عنوان الباب 26 من صلاة الجماعة : استحباب تقديم الأفضل الأعلم الأفقه ، ولكنه اختار في الباب 28 تقديم الأقرأ على الأفقه.
6) الظاهر من عبارة المختلف : 155 تقديم الأقرأ على الأفقه ، كما صرّح به صاحب مفتاح الكرامة 3 : 478.
من الأصحاب (1)، فالعمل عليها لازم.
مع أنّ في دلالة كثير ممّا ذكروه نظرا ظاهرا ، كقبح تقديم المفضول ؛ فإنّه لو سلّم فلا نسلّم في مثل ذلك ، إذ يمكن أن يكون الأقرأ أفضل في الإمامة من الأفقه بعد تساويهما في فقه ما يلزم من أحكام الصلاة كما هو المفروض.
ونحو قولهم : : « من أمّ قوما وفيهم من هو أعلم منهم لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة » (2).
إذ ظاهره أنّ المراد إمام الدين لا الصلاة ولا أقلّ من الاحتمال ، وصدقه لغة عليه غير معلوم ، كما مرّ في بحث صلاة الجمعة.
ونحو ما مرّ في كراهة إمامة العبد من نفي البأس إذا لم يكن أفقه منه. ولا شكّ أنّه أخصّ من المدّعى.
ونحو قوله : « أئمتكم وفدكم فانظروا من توفدون في دينكم وصلاتكم » (3).
فإنّه لم يعيّن الوافد فلعلّه الأقرأ.
إلى غير ذلك ممّا ذكره بعض المتأخّرين ويظهر ما في الجميع ممّا ذكرنا ، هذا.
ويستفاد من الرواية المتقدّمة تقديم صاحب السلطان في سلطانه أيضا. ولا يبعد شموله لكلّ من له إنفاذ الأحكام الشرعيّة والرئاسة الدينيّة في محلّ ، لصدق السلطنة اللغوية.
أ : لا يخفى أنّ مرجع هذه الأدلّة إلى الاستحباب والأفضليّة ، فهل متعلّق ذلك الاستحباب هو الإمام الراجح بمعنى أنّه يستحبّ له التقدّم لو لا المانع ، أو غيره من الأئمّة بمعنى أنّه يستحبّ له تقديم الراجح ، أو المأمومون بمعنى أنّه
يستحبّ لهم الايتمام بالراجح ، أو الجميع؟
الظاهر أنّه الإمام الراجح وغيره من الأئمّة ، فيستحبّ له التقدّم ويستحبّ لهم تقديمه. وأمّا المأمومون فلا يستحبّ شيء لهم إلاّ من قبل الأمر بالمعروف.
ويظهر من بعض متأخّري المتأخّرين أنّ الخطاب متوجّه إلى غير الإمام الراجح فيستحبّ للغير تقديمه.
ولا يخفى ما فيه ؛ فإنّ ما يتضمّن قوله : « أهل المسجد أحقّ » يشمل ذلك الإمام أيضا ، بل قوله : « يتقدّم أقرؤهم » خطاب إليه خاصة ، نعم يستلزم ذلك خطاب غيره من الأئمة أيضا.
ب : هل الأفضل للراجح تقدّمه من غير أن يأذن لغيره ، ولغيره تقديم الراجح ولو أذن له الراجح ، أو ينتفي الرجحان والأولوية بإذن الأولى؟
الظاهر : الأوّل ؛ لإطلاق الأخبار. مع أنّ التقدّم على صاحب المنزل بدون إذنه صريحا أو فحوى غير جائز مبطل للصلاة ، فما ذكروه من الاستحباب فيه لا بدّ وأن يكون مع إذنه.
ج : أولوية تقديم من ذكر إنّما هي في صورة حضوره ، أمّا الثلاثة الأخيرة فلأنّه مورد الرواية إذ صدرها هكذا : عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة.
وأمّا الراتب فلأنّ دليل تقديمه وإن كان مطلقا إلاّ أنّه ورد في بعض الروايات الآتية في مسألة استحباب قيام المأمومين عند قول المؤذّن : « قد قامت الصلاة » ما يعارض ذلك (1).
د : إذا حضر الراجح فهل المستحب لغيره من الأئمة تقديمه والايتمام به ، أو عدم التقدّم عليه ، حتّى لو تقدّم غير الراجح لطائفة أخرى ولم يتقدّم على الراجح ولم يتأخّر عنه ترك الأفضل أم لا؟
1) الوسائل 5 : 450 أبواب الأذان والإقامة ب 41 وج 8 : 379 أبواب صلاة الجماعة ب 42.
ظاهر الأخبار : الأوّل.
المسألة الثانية : إذا تشاحّ الأئمة فأراد كلّ تقديم الآخر أو تقدّم نفسه على وجه لا ينافي العدالة يقدّم منهم الأولى بتقديمه على الترتيب المتقدّم ؛ لإطلاق أخباره بالنسبة إلى صورة التشاحّ وغيرها.
وقد ذكر جماعة (1)أنّ مراعاة ذلك الترتيب إنّما هي في صورة اختلاف المأمومين ، وأمّا في صورة اتفاقهم على واحد فيقدّم مختارهم ، استنادا إلى ما مرّ من كراهة إمامة شخص لقوم وهم له كارهون. وهو جيّد.
ويستفاد من الرضوي (2)الكافي 3 : 380 الصلاة ب 60 ح 8 ، الفقيه 1 : 265 - 1209 ، التهذيب 3 : 270 - 778 بتفاوت يسير ، الوسائل 8 : 304 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 9.(3)تقديم الأصبح وجها على غيره أيضا مع التساوي في المرجّحات المذكورة. ولا بأس به.
الثالثة : قد استفاضت الروايات بل تواترت معنى على استحباب الاقتداء بالمخالفين بل وجوبه إذا اقتضته التقيّة ، على أحد الوجهين :
أحدهما : أن يصلّي في منزله لنفسه ويخرج إلى الصلاة معهم ، كما في رواية عمر بن يزيد : « ما منكم أحد يصلّي صلاة فريضة في وقتها ثمَّ يصلّي معهم صلاة تقيّة وهو متوضّئ لها إلاّ كتب اللّه تعالى له بها خمسا وعشرين درجة » (4).
وقريبة منها رواية ابن سنان (5).
ورواية الأرجاني : « من صلّى في منزله ثمَّ أتى مسجدا من مساجدهم يصلّي معهم خرج بحسناتهم » (5).9.
وكذا روايات نشيط بن صالح (1)وناصح (2)، والحضرمي (3)وأبي الربيع (4)، وغير ذلك.
الثاني : أن يصلّي معهم ابتداء صلاة منفردة يؤذّن ويقيم ويقرأ لنفسه مع الإمكان.
ولا شك في الاجتزاء بتلك الصلاة مع الضرورة ، وبدونها إذا تمكّن من الإتيان بجميع الواجبات بنفسه ، وكذا مع عدم التمكّن إذا لم تكن له مندوحة عن تلك الصلاة ولم يمكنه الصلاة منفردا ، كالمصاحب في سفر مع جماعة المخالفين.
وإنّما الإشكال فيما إذا لم يتمكّن من الواجبات بأسرها وكانت له مندوحة من الصلاة معهم ، أو لم تكن ولكن أمكن له الانفراد أيضا قبلها أو بعدها.
والظاهر الاجتزاء أيضا ؛ لصحيحة أبي بصير (5)، وروايات البزنطي (6)، وأحمد بن عائذ (7)، وابن أسباط (8)، وابن عذافر (9)، وإسحاق بن عمّار (10)، وغيرها.
ولكن الظاهر أنّ ذلك إنّما هو فيما كان لذلك جهة رجحان ، ولا أقلّ من أن
1) التهذيب 3 : 273 - 789 ، الوسائل 8 : 303 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 6.
2) التهذيب 3 : 270 - 775 ، الوسائل 8 : 304 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 7.
3) التهذيب 3 : 246 - 671 ، الوسائل 7 : 350 أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 3.
4) التهذيب 3 : 33 - 120 ، الوسائل 8 : 303 أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 5.
5) التهذيب 3 : 275 - 801 ، الوسائل 8 : 367 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 1.
6) التهذيب 3 : 37 - 132 ، الاستبصار 1 : 431 - 1665 ، الوسائل 8 : 365 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 6.
7) التهذيب 3 : 37 - 131 ، الاستبصار 1 : 431 - 1664.
8) التهذيب 3 : 36 - 130 ، الاستبصار 1 : 430 - 1659 ، الوسائل 8 : 364 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 5.
9) التهذيب 2 : 296 - 1194 ، علل الشرائع : 340 - 2 ، الوسائل 8 : 363 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 3.
10) التهذيب 3 : 38 - 133 ، الاستبصار 1 : 431 - 1666 ، الوسائل 8 : 368 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 4.
يكون في ولاية المخالف ، أو موجبا لتأليف قلوبهم أو لرفع التهمة عن نفسه فيما تترتب عليهما فائدة ، كما هو مورد تلك الأخبار ، فلا يجزي في غير ذلك.
فلا يجوز الاجتزاء وترك الواجب فيما إذا وجد مخالف ذليل في بلاد الشيعة ، فاقتدى به شيعي لا مخالطة بينهما ولا يريد رفع تهمة عن نفسه ، لأنّ مثل ذلك غير مورد تلك الأخبار.
وهي أيضا إمّا واجبة أو مستحبة ، فهاهنا أيضا مقامان.
المقام الأوّل : في سائر الشرائط الواجبة للجماعة ولوازمها ، وهي أمور :
منها : عدم وجود حائل أو جدار بين الإمام والمأموم ، فلا تصحّ صلاة المأموم مع وجود الحائل ، بالإجماع المصرّح به في كلمات جمع من الأواخر والأوائل.
لصحيحة زرارة المرويّة في الكافي والفقيه : « إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم إمام ، وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصفّ الّذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى فليس ذلك لهم بصلاة ، فإن كان بينهم ستر أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلاّ من كان بحيال الباب » قال : « وهذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس ، وإنّما أحدثها الجبّارون ، وليست لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة » قال أبو جعفر عليه السلام : « ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطّى ، ويكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان » (1). وزاد في الفقيه : « .. إذا سجد. قال ، وقال : أيّما امرأة صلّت خلف إمام وبينها وبينه ما لا يتخطّى فليس لها تلك بصلاة ».
ثمَّ المتبادر من الستر والجدار ما كان جسما - كما صرّح به جماعة (2)- فلا ضير في حيلولة الظلمة وامتناع المشاهدة بالعمى ، إذ لم يتعلّق الحكم بعدم المشاهدة.
واللازم في المانع صدق الساتر أو الجدار ، فلا بأس بغيره ، ومنه : الثوب
الرقيق الحاكي للّون بل الشبح ، لعدم صدق الستر.
وأيضا منه : الشبابيك المانعة عن الاستطراق دون المشاهدة.
خلافا للمحكي عن الشيخ في بعض كتبه (1)، فقال بعدم جواز الصلاة وراءها ، مستدلا عليه بالإجماع والصحيحة المذكورة.
والإجماع ممنوع سيّما مع أنّ الأكثر على خلافه.
والصحيح غير دالّ ؛ لأنّ موضع دلالتها إمّا النهي عن الصلاة خلف المقاصير ، أو نفي الصلاة مع توسّط ما لا يتخطّى.
ويضعّف الأوّل : بمنع كون المقاصير مشبّكة ، كما يستفاد من ذكر حكم المقاصير بعد اشتراط عدم حيلولة الستر والجدار.
والثاني : بأنّ المراد بما لا يتخطّى في الصحيحة ما كان كذلك بحسب البعد لا باعتبار الحائل ، ولا أقلّ من الاحتمال المانع من الاستدلال. وليس من باب الإطلاق أو العموم حتّى يكتفي به ، كما يجيء بيانه.
ويمكن أن يكون مراده من الشبابيك ما يمنع من المشاهدة ، حيث إنّها في اللغة بمعنى ما يعمل من القصب ونحوه على نحو عمل الحصر والبواري ، من تشبيك القصبان ونحوها بعضها في بعض ، سواء منعت المشاهدة أم لا ، فيحمل كلامه على الأوّل كما هو صريح المبسوط (2).
ثمَّ المصرّح به في كلام جماعة (3)انتفاء البأس عن الحائل القصير الّذي لا يمنع المشاهدة في جميع الأحوال وإن كان مانعا في بعضها ، كالمانع حال الجلوس دون القيام أو بالعكس.
ولا يخفى أنّ مقتضى إطلاق قوله : « فإن كان بينهم ستر » إلى آخره مانعيّة الستر بينهم مطلقا سواء كان في تمام الصلاة أو في بعضها ، والتخصيص بالمستمرّ
في تمام الصلاة لا وجه له. ومقتضاه بطلان الصلاة بوجود الساتر في بعض الأحوال ، فهو الأجود.
نعم ، يشترط في مانعيّته ستره لجميع أجزاء الإمام ، فلو لم يستر بعضه بحيث يصدق عرفا عدم ستره لم يضرّ وإن كان في جميع الأحوال. وتلزمه كفاية إمكان مشاهدة جزء معتدّ به من الإمام دائما ، كما صرّح بكفايته بعض الأجلّة.
ويستفاد من بعض الكلمات عدم البأس بوجود الحائل التامّ في بعض الأحوال دون بعض (1).
ومن بعض آخر عدم البأس بما يمكن معه شهود جزء من الإمام مطلقا ، لعدم معلوميّة صدق الساتر مع مشاهدة جزء.
والأوّل غير سديد ؛ لأنّه تقييد للإطلاق المذكور بلا مقيّد. نعم ، يصحّ ذلك إذا كان بحيث لم يكن له استمرار أصلا كشخص عبر ما بينهما. ومنع صدق الساتر على الساتر في بعض الأحوال فاسد جدّا.
والثاني صحيح لو شوهد جزء معتدّ به ، فلا تكفي مشاهدة إحدى يديه أو جزء يسير من رأسه ، لصدق الساتر عرفا معه.
مع أنّ الوارد في الصحيحة هو الساتر أو الجدار. وعلى هذا ، فلو نسلّم عدم معلوميّة صدق الساتر على الساتر في بعض الأحيان أو [ لبعض ] (2)الأجزاء ، ولكنّه قد يصدق عليه الجدار ، كما إذا كان بقدر لا يرى وراءه إلاّ رأس الإمام أو مع شيء من جسده حال القيام ، فإنّه يصدق عليه الجدار الممنوع عنه في الصحيحة قطعا ، والإجماع على تجويز مثل ذلك [ غير ] (3)معلوم.
نعم لو كان يسيرا بحيث يشكّ في صدق الجدار عليه كذراع بل أزيد منه بقليل ، انتفى البأس من جهته وإن ثبت من جهة الستر حال الجلوس. وكأنّهم
بنوا الحكم على الساتر والحائل وظنّوا انتفاءه مع المشاهدة في الجملة ، وغفلوا عن لفظ الجدار.
وأشكل منه ما لو كانت الواسطة جدارا رفيعا فيه ثقبة أو ثقبتان يرى منها بعض الإمام دائما أو في بعض الأحيان ، لصدق الجدار. ولا يفيد إمكان المشاهدة ، لعدم تعليق حكم عليها.
وأمّا على ما ذكرنا من مانعيّة الستر في بعض الأحيان أيضا واشتراط شهود جزء معتدّ به في انتفاء الستر فلا يختلف حكم الساتر والجدار ، إذ ما يمنع من المشاهدة في جميع الأحيان مانع جدارا كان أو غيره ، وما لا يمنع عن مشاهدة الجزء المعتدّ به حتّى في حال الجلوس لا يصدق عليه الجدار. وكذا لو كانت فيه ثقبة يشاهد فيها المعتدّ به من الإمام في جميع الأحيان لم يكن جدار بينهما أيضا ، إذ موضع الثقبة ليس جدار. ولو كانت فيه ثقبات صغيرة كثيرة تجعله شباكا.
أ : المانع عن الصحة هو الحائل بين المأموم وبين الإمام والمأمومين جميعا ، فلو لم يشاهد المأموم الإمام لحيلولة المأمومين ولكن لم يكن حائل بينه وبين بعض المأمومين صحّت صلاته إجماعا بل ضرورة ، وإلاّ لم تحصل جماعة للصفوف المتعدّدة.
وتدلّ عليه أيضا العمومات والإطلاقات الخالية عن المعارض ، حيث إنّ الصحيحة لم تدلّ إلاّ على وجوب انتفاء الستر بين المأموم والصفّ الّذي يتقدّمه ، حيث إنّ مرجع ضمير الجمع هو قوله : « أهله » فيكون الطرف الآخر الصفّ الذي يتقدّمهم كما في سابقة ولا أقلّ من احتماله الكافي لنا في المقام.
ب : مقتضى الصحيحة هو تحقق الصحة بانتفاء الحائل بين المأموم وبين من يتقدّمه من الإمام أو الصفّ الّذي يتقدّمه ، بل بعض المأمومين من أهل الصفّ المتقدّم ؛ لصدق الصفّ ، وعدم الفصل. سواء كان حائل بينه وبين بعض آخر من أهل هذا الصفّ أو لا ، وسواء أمكن له مشاهدة من لا حائل بينه وبينه من
أهل الصفّ بدون الالتفات بالرأس أو معه أو لم يمكن له للبعد ونحوه. وهذا هو الضابط الصحيح الثابت من الصحيحة في المسألة.
وعلى هذا فلو كان هناك جدار قدّامه إمام ووراءه صفّ ، فإن لم يتجاوز أحد طرفي الصفّ عن محاذاة الجدار إلى حيث يتمكّن من في هذا الطرف من مشاهدة الإمام بطلت صلاتهم جميعا ، وإن تجاوز أحد الطرفين أو كلاهما إلى حدّ لم يمنع الجدار من مشاهدة الإمام ، صحّت صلاة كلّ من يمكنه المشاهدة من هذه الجهة وإن بطلت من حيث التباعد في بعض الصور ، وبطلت صلاة من يحاذي الجدار أو يمنعه عن مشاهدة الإمام وإن لم يكن محاذيا له ، لصدق توسّط الجدار بينهما.
ولو كان قدّام الجدار صفّ يتجاوز عن طرفيه أو عن أحدهما ووراءه أيضا كذلك صحّت صلاة الجميع ، لأنّ من يحاذي الجدار من أهل صفّ الوراء يشاهد أهل طرف الصفّ القدّام ، إلاّ مع حيلولة الجدار عن مشاهدته إيّاهم.
ويلزمه لو كان هناك باب يحاذي المسجد وصفّ جماعة خارجه فإن لم يحاذ الباب أحد وصفّوا عن يمينه وشماله بطلت صلاة الجميع إلاّ إذا تباعد الصفّ عن جدار المسجد بحيث يرى من في طرفيه بعض أهل المسجد.
ولو صفّوا في محاذاة الباب وطرفيه صحّت صلاة المحاذي ومن يليه ممّن يتمكّن من المشاهدة وتبطل صلاة الباقين. ولو صفّ بعد هؤلاء جماعة أخرى صحّت صلاة الجميع. هذا مقتضى الصحيحة ، ويؤكّده قوله في ذيلها : « إلاّ من كان بحيال الباب » بل هو صريح في ذلك.
ومن الأصحاب جماعة (1)صرّحوا بصحة صلاة كلّ من في الصفّ الخارج الواقف حذاء الباب وطرفيه ، واحتجّوا له بأنّ من تجاوز الباب وإن لم يشاهد من الصفّ المتقدّم أحدا ولكنّه يشاهد من بحذاء الباب عن يمينه أو عن يساره والمشاهدة المطلقة كافية.
وفيه : أنّه إنّما يصحّ لو ثبت تعليق الحكم على المشاهدة ، وليس كذلك ، بل
1) منهم الشيخ في المبسوط 1 : 156 ، والعلاّمة في المنتهى 1 : 365 ، وصاحب الحدائق 11 : 98.
هو معلّق بعدم الحائل بينه وبين الصفّ المتقدّم ، فلا وجه للاحتجاج بكفاية المشاهدة المطلقة سيّما مع تصريح الصحيحة بعدم صحة صلاة غير من بحيال الباب.
والعجب من شيخنا صاحب الحدائق ، حيث إنّه بعد ما نقل الاستشكال في صحّة صلاة من على يمين الباب ويساره عن الذخيرة استنادا إلى ظاهر الصحيحة ، قال ما خلاصته : إنّ منشأ الشبهة تخصيص المشاهدة الّتي هي شرط صحّة القدوة بمشاهدة من يكون قدّامه دون من على يمينه ويساره ، ولازمه أنّه لو استطال الصفّ الأوّل على وجه لا يرى من في طرفيه الإمام تبطل صلاتهم حيث إنّهم لا يشاهدون الإمام ولا تكفي مشاهدة من على اليمين واليسار. وكذلك لو استطال الصفّ الثاني أو الثالث زيادة على ما تقدّمه وكان في مقابل الزيادة جدار دون المأموم يلزم بطلان صلاة الزيادة لعدم وجود المأموم قدّامهم ولعلّه لا يقول به. والظاهر من قوله : « إلاّ من كان بحيال الباب » يعني من الصفوف لا من المأمومين بقرينة قوله : « وأيّ صف كان أهله » إلى آخره. ومثل الصورتين وقوف بعض المأمومين خلف الأساطين بحيث كانت الأسطوانة في قبلته فهو لا يرى من قدّامة من المأمومين وإنّما يرى من على يمينه ويساره ، مع أنّ صحيحة الحلبي (1)دلّت على أنّه لا بأس بالصلاة بين الأساطين (2). انتهى.
وفيه : أنّه لم يثبت اشتراط صحّة القدوة بالمشاهدة من دليل ، بل الثابت اشتراط انتفاء الحائل بين أهل صفّ وأهل الصفّ المتقدّم ، فليس المنشأ تخصيصا في المشاهدة بل صدق الحائل.
ومنه يظهر عدم لزوم بطلان الصلاة في الصفّ المستطيل الأوّل ؛ لعدم الحائل. وعدم المشاهدة باعتبار طول المسافة غير ضائر كالظلمة.
ولا في زيادة الصفّ المستطيل الثاني إذا لم يكن الجدار الّذي فرضه حائلا بينه وبين جميع أهل الصفّ المتقدّم ، وإن كان حائلا يعترف ببطلان صلاتهم البتة.
ولا في الواقف بين الأساطين إذا يرى بعض من تقدّمه ، ولو لم ير أحدا منهم نقول بالبطلان ، ولا تنافيه صحيحة الحلبي كما لا يخفى.
وأمّا إرادة الصفّ من قوله : « من كان بحيال الباب » فبعيد غايته ، ولا دلالة لقوله : « وأيّ صف » عليه أصلا ، لتقييده بقوله : « أهله » فمعناه : إذا كان بين أهل صفّ وأهل صفّ تقدّمه ستر تبطل صلاتهم إلاّ من كان بحيال الباب من أهل الصفّ ، مع أنّه لا يصدق على جميع هذا الصفّ أنّه بحيال الباب ، مع أنّه لو كان كما توهّم لم يحسن الاستثناء.
ثمَّ بما ذكرناه هنا يظهر الحكم في أكثر الفروع المتعلّقة بالمقام.
ج : المستفاد من إطلاق الصحيحة منع الحائل عن صحّة الجماعة مطلقا ، سواء كان في تمام الصلاة أو بعضها ، وسواء كان الساتر مستقرا كجدار ، أو لا كثوب ترفعه الريح تارة وتضعه أخرى ، أو مصلّ يقوم تارة ويجلس اخرى.
ومنه يظهر أنّه كما أنّه يشترط انتفاء الحائل ابتداء يشترط استدامة أيضا ، وانّه لو عرض في أثناء الصلاة تبطل الجماعة وإن لم يكن اختياريا ، لأنّه حكم وضعي لا يتوقّف على الاختيار. ويلزمه بطلان جماعة صفّ تقدّمه صفّ آخر غير مأمومين ولو علم بذلك في الأثناء أو تمّت صلاتهم كالمسافرين إذا اشتغلوا بعد الركعتين بنافلة حتى يحصل الستر.
نعم ، يشترط شيء من الاستمرار له حتى يصدق أنّ بينهم سترا ، فلا بأس بعبور شخص بينهم وإن ستر في الجملة حال العبور.
وكذا يشترط كونه بحيث يصدق الساتر به عرفا ، فلا يضرّ شيء قصير يحول حال السجود خاصّة مثلا ، لعدم صدق الستر بينهما عرفا. فتأمّل.
د : لا يتوهّمنّ أنّ مقتضى اشتراط انتفاء الساتر أن يتوقّف في صحّة صلاة
الصفّ المتأخّر ودخوله في الصلاة [ قبل ] (1)دخول من تقدّم عليه كلا أو المحاذي له في الصلاة ، حيث إنّه قبله ساتر وليس بمأموم.
لأنّ الشرط انتفاء الساتر بينه وبين الصفّ المتقدّم عليه كما هو صريح النصّ ، ولا يشترط في صدق الصفّ دخول أهله في الصلاة بل اللازم صفّهم للصلاة جماعة وكونهم معدودين من المأمومين قاصدين للايتمام ، إذ بذلك يصدق الصف المتقدّم عرفا ولم يثبت توقّف صدقه على شيء آخر.
ه- : هذا الشرط مخصوص بما إذا كان المأموم رجلا أو امرأة اقتدت بامرأة ، وأمّا إذا اقتدت برجل فلا يضرّ الحائل إذا عرفت انتقالات الإمام ، على الأظهر الأشهر ، بل نسبه في التذكرة إلى علمائنا (2)مؤذنا بدعوى الإجماع عليه ، وقيل : بلا خلاف إلاّ ممّن يأتي (3).
للأصل ، والعمومات ، وموثقة عمّار : عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار فيها نساء ، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال : « نعم إن كان الإمام أسفل منهنّ » ، قلت : فإنّ بينهنّ وبينه حائطا أو طريقا ، قال : « لا بأس » (4).
ويؤيّده أنّهنّ عورة لا ينبغي لهنّ مخالطة الرجال ، مع أنّ فضيلة الجماعة عامّة.
وقد يستدلّ أيضا بعدم شمول الصحيحة (5)لهنّ ، ولعلّه لتذكير الضمير.
وفيه ما فيه ، مع أنّ هذا المستدلّ يمنع عن الحائل إذا كان إمامها امرأة للصحيحة.
خلافا للمحكي عن الحلّي (6)؛ لضعف الرواية تارة. وهو ممنوع. ولو سلّم
فمجبور. وباحتمالها للحائط القصير اخرى. وهو بالإطلاق مدفوع.
نعم يصحّ ذلك فيما إذا كان إمامها امرأة فيما يجوز ؛ لاختصاص الموثّقة ، وعموم الصحيحة.
ومنها : عدم كون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم ، فلو كان أعلى لم تصحّ صلاة المأموم ، على الحقّ المشهور كما صرّح به جماعة (1)، بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا (2)مؤذنا بالإجماع.
لعموم مفهوم موثقة عمّار المتقدّمة آنفا ، خرجت منه صورة التساوي فيبقى العلوّ مبطلا.
وموثقته الأخرى : عن الرجل يصلّي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الّذي يصلّي فيه ، فقال : « إن كان الإمام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم » (3).
خلافا للمحكي عن الخلاف ، فقال بالكراهة مدّعيا عليها إجماع الطائفة (4)، واختاره في المدارك (5)، وتردّد في المعتبر والشرائع والنافع (6)، وهو ظاهر الكفاية والذخيرة (7).
لدعوى الإجماع ، والأصل ، والعمومات ، مع ضعف الرواية سندا وتهافتها متنا واختلافها نسخا.4.
1) منهم العلاّمة في المختلف : 160 ، والكاشاني في المفاتيح 1 : 161 ، والسبزواري في الذخيرة : 394.
2) التذكرة 1 : 174.
3) الكافي 3 : 386 الصلاة ب 62 ح 9 ، الفقيه 1 : 253 - 1146 ، التهذيب 3 : 53 - 185 ، الوسائل 8 : 411 أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 1.
4) الخلاف 1 : 556.
5) المدارك 4 : 320.
6) المعتبر 2 : 420 ، الشرائع 1 : 123 ، النافع : 46.
7) الكفاية : 31 ، الذخيرة : 394.
والأوّل غير ثابت ، ومنقوله غير حجّة سيّما مع عدم ظهور موافق له من قدماء الفرقة. مع أنّه - كما صرّح به في المختلف (1)- إرادة الحرمة من الكراهة كما شاعت في الصدر الأوّل محتملة ، بل قيل : عبارة الخلاف بها أيضا شاهدة (2). فلا يكون الشيخ مخالفا في المسألة ، ولا إجماعه منافيا للحرمة.
والثانيان مندفعان بالموثقتين. وضعفهما ممنوع ، كيف؟! وهما من الموثّقات وهي في نفسها حجّة ، ومع ذلك بالشهرة العظيمة من الجديدة والقديمة منجبرتان.
والتهافت والاختلاف لو سلّم ففي الأخيرة ، والاولى عنهما سالمة ، مع أنّهما فيها أيضا لا يتعلّقان بما يفيد ذلك الحكم ، وإنّما هما في بيان قدر العلوّ ، وهو غير المسألة.
أ : اشتراط عدم العلوّ إنّما هو في غير الأرض المنحدرة. وأمّا فيها فلا يضر علوّ الإمام مطلقا ، بلا خلاف فيه كما قيل (3)؛ لذيل الموثقة الأخيرة : « وإن كان أرضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع ، فقام الإمام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلاّ أنّهم في موضع منحدر ، فلا بأس ».
ب : اختلفوا في قدر العلوّ المانع ، فحوّله الحلّي (4)، وجماعة (5)، بل الأكثر إلى العرف والعادة.
وقدّره في النهاية والتذكرة والدروس والبيان والمسالك وروض الجنان (6)بما لا
يتخطّى.
وبعض آخر بشبر (1)والأظهر : الأوّل ؛ لأنّه المرجع حيث لا تقدير في الشرع كما هنا ، إذ ليس ما يتوهّم منه ذلك إلاّ صحيحة زرارة - السابقة (2)في مسألة الحائل - المقدّرة له بما لا يتخطّى ، وهو دليل الثاني ، وبعض نسخ التهذيب في الموثقة الأخيرة المقدّر له بالشبر ، وهو دليل الثالث.
والأوّل مردود : باحتمال إرادة هذا المقدار في البعد دون اختلاف الموقف كما يأتي. مع أنّه على تقدير الشمول لذلك أيضا بإطلاقه يدلّ على مانعيّة هذا القدر - وهو يوافق العرف - دون اغتفار ما دونه إلاّ بمفهوم الوصف الضعيف أو إدخاله في مفهوم الشرط بتكلّف بعيد.
والثاني : بأنّه لا يصلح للاستناد ، لمكان الاختلاف.
ثمَّ لا شكّ في دخول ما لا يتخطّى في العلوّ عرفا ، ولا في خروج الشبر وما دونه عنه. ويؤكّده ما في التذكرة من الإجماع على عدم مانعيّة اليسير (3). والأحوط بل الأظهر الاجتناب ( عن ما بينهما ) (4).
ج : لا يضرّ علوّ المأموم من الإمام مطلقا بالإجماع ، كما عن المنتهى (5)وغيره (6)؛ للأصل ، والعمومات ، وخصوص منطوق الموثقة الاولى ، وعموم مفهوم صدر الثانية ، وصريح ذيلها : قال : وسئل : فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه ، قال : « لا بأس » وقال : « إن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك دكّانا
أو غيره وكان الإمام على الأرض أسفل منه جاز أن يصلّي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان أرفع منه بشيء كثير ».
وأمّا قوله في رواية محمّد بن عبد اللّه : « يكون مكانهم مستويا » (1)، فلا يثبت وجوب التساوي ، بل غايته الاستحباب. ولا بأس به.
ومنها : عدم تباعد المأموم عن الإمام أو الصفّ الّذي يتقدّمه ، بالإجماع المحقّق والمحكي في عبارات جمع من الأصحاب ، منهم : المدارك والذخيرة (2)وغيرهما (3).
وهو الحجّة المخرجة عن الأصل المخصّصة للعمومات ، دون غيره من صحيحة زرارة المتقدمة (4)، ورواية الدعائم : « ينبغي للصفوف أن تكون متواصلة ، ويكون بين كلّ صفين قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد ، وأيّ صف كان أهله يصلّون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدمهم أزيد من ذلك فليس تلك الصلاة لهم بصلاة » (5).
لإجمال الاولى ، وضعف الثانية.
أمّا الأوّل فبيانه أنّ موضع الاستدلال من الصحيحة اشتراط ما لا يتخطّى ، والمحتمل إرادته من هذا اللفظ - كما يستفاد من كلام الأصحاب - معان ثلاثة : ما لا يتخطّى من الحائل ، أو من العلوّ ، أو من البعد.
وظاهر الأكثر عدم حمله على الأخير حيث لم يستندوا إليه في مقدار البعد. وحمله جماعة على الثاني حيث اعتبروا هذا القدر في العلوّ.
وليس احتماله لهذه المعاني من باب الإطلاق الشامل للجميع حتّى تصحّ
إرادة الشامل للجميع في استعمال واحد ، إذ ما لا يتخطّى على الأوّل معنى غيره على الأخيرين ، فإنّه على الأوّل شيء مانع عن التخطّي ، وعلى الأخيرين شيء لا يصير خطوة.
ثمَّ إنّ هذا اللفظ قد تكرّر في الصحيحة في أربعة مواضع :
أمّا الموضع الأوّل فعلى حمله على الحائل يكون معنى لا يتخطّى نحو : لا يمكن التخطّي أولا يصلح أو ليس من شأنه ، ويلزم تقدير نحو لفظة : « منه » أي ما لا يتخطّى منه ، وهو خلاف أصل.
وعلى حمله على العلوّ يفسّر إمّا كالسابق ، أو يكون المعنى : ما لا تقطعه الخطوة ولا يصير محل التخطّي مطلقا لا بخطوة واحدة ولا أكثر ، فإنّ العلوّ المفرط لا يتخطّى من حيث هو وإن أمكن تخطّيه بالدّرج ، وهو أمر خارج عن نفس العلوّ ، فالمرتفع كثيرا لا يصير محلا للتخطّي مطلقا إلاّ بتقليله شيئا فشيئا وجعله مدرجا ، كما أنّ الحائل لا يتخطّى منه كذلك إلاّ برفعه. وعلى هذا لا يستلزم خلاف أصل.
وعلى حمله على البعد يكون المعنى : ما ليس من شأنه أن يتخطّى.
ويلزم حمل التخطّي على الخطوة الواحدة ، أي ما لا يتخطّى بخطوة واحدة ، ضرورة إمكان قطع المسافة وإن بعدت بخطوات كثيرة. وهذا مخالف للأصل ؛ لأنّ التخطّي هو قطع المسافة بالخطوة واحدة كانت أم متعددة.
وكذا يلزم التخصيص بالصفّ الأوّل ، أو التجوّز في الإمام بإرادة من تقدّم على المأموم إماما كان أو مأموما آخر ، ضرورة عدم اشتراط انتفاء هذا البعد بين كلّ مأموم والإمام. وهذا خلاف أصل آخر.
ويلزم أيضا تخصيص أهل الصفّ الأوّل بمن في خلف الإمام خاصّة أو مع من يليه ، أو إرادة محاذاة الإمام من لفظ : « الإمام » ضرورة عدم اشتراط انتفاء هذا البعد بينه وبين نفس الإمام في طرفي الصفّ. وهذا خلاف أصل ثالث ، بل غير جائز ، لاستلزامه عدم بقاء غير واحد أو اثنين أو ثلاثة من الأفراد الغير العديدة بل من أزيد من عشرة آلاف في بعض الأوقات.
فإرادة البعد من : « ما لا يتخطّى » في هذا الموضع مرجوح غايته.
وأمّا الموضع الثاني ففي حمله على أحد الأوّلين كالموضع السابق.
وأمّا في الثالث فينتفي المحذوران الآخران ويبقى الأوّل خاصة ، ومن هذه الجهة يساوي المعنى الأوّل ، لأنّه أيضا يستلزم خلاف أصل واحد ، إلاّ أنّه يصير مرجوحا عنه بملاحظة قوله : « فإن كان بينهم ستر » إلى آخره ، فإنّ الظاهر من لفظة : « الفاء » أنّه حكم مترتّب متفرّع على سابقة ولا يلائم غيره ، فيكون المراد ما لا يتخطّى من الحائل وإن كانت إرادته مرجوحة هنا من جهة إقحام لفظ : « القدر » ولكن التأويل فيه أسهل منه في لفظة : « الفاء ».
ومنه يظهر عدم رجحان إرادة البعد في هذا الموضع أيضا.
وأمّا الموضع الثالث فهو أيضا كالثاني في انتفاء المحذورين عن المعنى الثالث بل محذور التفريع أيضا ، ويلائم هذا المعنى ما تعقّبه من قوله : « ويكون قدر ذلك » بل هو بنفسه كاف في إفادة هذا المعنى ولو كان جملة مستأنفة. إلاّ أنّه عن دلالة الاشتراط خال ، بل ظاهر لفظ : « ينبغي » الاستحباب ، فلا يصلح حجّة للاشتراط.
وأمّا الموضع الرابع فيزيد المحذور فيه للمعنى الأوّل بعدم اشتراط انتفاء الحائل في المرأة ولكن المحذورات الثلاثة للمعنى الثالث فيه مجتمعة ، وليس ارتكابها بأسهل من حمل نفي الصلاة مع الحائل في المرأة على ضرب من الكراهة أو إرادة انتفاء العلوّ.
هذا كلّه مع ما في إرادة البعد من المخالفة للشهرة العظيمة حيث إنّه لم ينقل التحديد بهذا القدر إلاّ عن الحلبي وابن زهرة (1).
والمعارضة مع إطلاق موثقة عمّار المتقدّمة (2)في بيان جواز اقتداء المرأة مع الحائل ، بل ظاهرها حيث إنّ الطريق يكون ممّا لا يتخطّى غالبا.
والإجمال من حيث المبدإ ، فإنّ مبدأه لا يتعيّن هل هو من الموقف أو المسجد. ولا يفيد قوله : « إذا سجد » في الصحيحة ؛ لاحتمال تعلّقه بقوله : « قدر ذلك » كما يحتمل التعلّق بالجسد.
مع ما في الأوّل من الاستبعاد الواضح - كما صرّح به في المعتبر (1)- بل الامتناع ، إذ مع تقارب الموقفين بهذا القدر الّذي لا يزيد على شبرين غالبا لا يتمكّن المصلّي عن السجدة بل يكون مسجده محلّ ركبته أو ملاصقا معه.
وما في الثاني من عدم القائل ظاهرا ، فإنّ الظاهر أنّ من اعتبره اعتبره من الموقف. فتأمّل.
مع أنّ في الحمل على هذا المعنى إجمالا من جهة أخرى أيضا ، فإنّ معنى : « ما لا يتخطّى » ما لا يعتاد تخطّيه أو ما ليس من شأنه ذلك ، وهذا كما يمكن أن يكون من جهة الإفراط يمكن أن يراد من جهة التفريط ويكون المعنى : إذا كان بينهم ما لا يتخطّى من القلّة فلا صلاة لهم ، لعدم إمكان السجدة.
وظهر من جميع ذلك سرّ عدم اعتناء الأكثر في اعتبار مقدار البعد إلى الصحيحة.
وأمّا الثانية (2)فلعدم العلم بصحّة روايات الدعائم وعدم انجبار هذه الرواية أيضا ، مضافا إلى قصور دلالتها أيضا لبعض ما تقدّم.
وإذ قد عرفت أنّ المستند في المسألة هو الإجماع خاصّة فاللازم فيما يتفرّع عليها الاقتصار على ما ثبت انعقاده عليه.
ومنه : مقدار البعد المبطل ، فيجب تحديده بما ثبت الإجماع على اشتراط انتفائه.
ولا يبعد انعقاده على ما يقال في العرف : إنّ هذا الصفّ بعيد كثيرا عن ذلك الصفّ ، إذ لا خلاف في البطلان به ، إلاّ ما حكي عن المبسوط من حكمه
بجواز التباعد بثلاث مائة ذراع (1)، وعن الخلاف من تحديده البعد الممنوع منه بما يمنع من مشاهدة الإمام والاقتداء بأفعاله (2). ومجرّد ذلك غير قادح في حكم الحدس بالإجماع. مع أنّ كلامهما كما صرّح به جماعة (3)غير صريح بل ولا ظاهر في المخالفة ، فيكون البطلان به مجمعا عليه.
وهو الدليل له ، دون ما قيل من الأصل ، وعدم مصحّح للعبادة معه ؛ لأنّ الأصل يندفع بالإطلاقات ، وهي أيضا كافية في التصحيح.
والقول بعدم انصرافها إلى من يبعد بهذه المثابة واه ؛ لأنّ التحديد في ذلك موكول إلى الشرع ولا مدخليّة لغيره فيه ، فلا انصراف إلى حدّ قبل تحديده.
ولا يبطل بما دونه ؛ لما مرّ من الأصل والإطلاق المؤيّدين بالشهرة العظيمة الّتي - كما قيل - كادت أن تكون إجماعا (4).
خلافا للمحكي عن الحلبي وابن زهرة (5)، فمنعا عن البعد بما لا يتخطّى ؛ للصحيحة والرواية المتقدّمتين (6).
وقد عرفت ما في الاستناد إليهما من الإجمال في هذا اللفظ.
ولو استندا في التقدير فيهما بمسقط جسد الإنسان لأجبنا بعدم دلالة الصحيحة على وجوبه ؛ لإتيانه فيه بالجملة الخبرية. بل في الإتيان بقوله : « ينبغي » وضمّه مع تواصل الصفوف وتماميّتها دلالة واضحة على الاستحباب ، بل - كما قيل (7)- هي أظهر من دلالة : « لا صلاة » على الفساد. مع أنّه إذا جعل المبدأ المسجد فلا يكون لهما كثير مخالفة مع المختار - سيّما مع احتمال إرادة مسقط تمام
جسد الإنسان حيث ينام مادّا رجليه - على أن يكون « إذا سجد » متعلّقا بالقدر.
ومنه : ما ذكروه من أنّه هل يشترط ذلك مطلقا كما عن الشهيدين (1)، أم يختصّ بابتداء الصلاة خاصّة حتّى لو انتفى بخروج الصفوف المتخلّلة عن الاقتداء بظهور عدم اقتدائهم أوّلا أو عدولهم إلى الانفراد ثانيا أو انتهاء صلاتهم لم ينفسخ الاقتداء كما عليه جماعة (2)؟
فيحكم بالثاني ، لأنّه المجمع عليه دون غيره.
ومنه : أنّه هل يجب على البعيد من الصفوف أن لا يحرم بالصلاة حتّى يحرم بها قبله من يزول معه التباعد ، أم لا ، بل يجوز لكلّ أحد من المأمومين الإحرام قبل كلّ من تقدّمه؟
فالمختار وفاقا لصريح جماعة (3)وظاهر الأكثر : الثاني ؛ لعدم ثبوت الإجماع على مضرّة مثل ذلك البعد المشغول بمن يريد الاقتداء والمظنون انتفاؤه قبل الركوع أيضا ، مضافا إلى عدم تسميته بعدا عرفا ، وعدم دلالة الصحيحة على اشتراط انتفاء مثل ذلك أيضا لصدق الصفّ كما مرّ في الحائل ، واستمرار عمل الناس كلا سلفا وخلفا عليه وعدم انتظار كلّ لا حق من الصفوف لإحرام سابقة.
ومنه : ما إذا تجاوز طرف الصفّ المتأخّر عن مقابلة المتقدّم ، فيخلو مقابله عن المأموم إمّا مطلقا أو في مجرّد ذلك الصفّ ، أو كان وسط المتقدّم منقطعا بحوض أو أسطوانة أو نحوهما ، فهل تبطل صلاة من في طرف الصفّ أو مقابل الحوض من الصفّ المتأخّر؟
والحكم عدم البطلان ؛ لأنّ الثابت من الإجماع اشتراط انتفاء هذا البعد بين الصفّ المتأخّر والمتقدّم ولو كان المتقدّم أقلّ من المتأخّر ، بل ولو كان شخصا واحدا فيكون حكمه حكم الإمام ويكون قرب بعض من الصفّ المتأخّر إليه
كافيا.
مضافا إلى ما مرّ من الصحيح (1)الدالّ على جواز الصلاة بين الأساطين الغير المنفكّة عن مثل ذلك غالبا ، واستمرار الأمّة عليه من جهة تخلّل الأساطين بين الصفوف.
ومنه : ما إذا توسّط بين الإمام والمأموم أو المأمومين بعضهم مع بعض ما يمنع التخطّي وكان أقلّ من البعد الممنوع ، كنهر أو بئر ، أو كان أحدهما في سطح وآخر في سطح آخر فلا يضرّ على المختار.
إلى غير ذلك من الفروع.
ومنها : عدم تقدّم المأموم على الإمام بمعنى أن يكون أقرب إلى القبلة منه ، بالإجماع المحقّق والمحكي مستفيضا (2)، المؤيّد بطريقة الحجج وعمل الأمّة والشواهد الاعتبارية ، وتضمّن الأخبار الواردة في الجماعة قيام المأموم خلف الإمام أو جنبه (3)، فلو تقدّم المأموم بطلت صلاته.
ولا يجب تأخّره عنه ، على الحقّ المشهور ، بل عن التذكرة الإجماع عليه (4)؛ للأصل ، والإطلاقات ، ورواية السكوني المتقدّمة المصرّحة بصحّة صلاة كلّ من الشخصين الناويين أنّه إمام (5)، فإنّ مع اشتراط التأخّر لا يتصور ذلك.
وصحيحة محمّد : « الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ، فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه » (6).
وغيرها ممّا يدل على استحباب وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام ، فإنّ القيام عن اليمين أعمّ من التساوي.
ولا ينافيه جزؤها الآخر المتضمّن لقيام الأكثر من الواحد خلفه ؛ إذ لا يثبت من شيء من روايته الزائد من الرجحان لمكان الجملة الخبرية. مضافا إلى أنّ المخالف في المقام أيضا لا يحمله على الوجوب بل يجعله من مستحبّات الموقف.
خلافا للمحكي عن الحلّي (1)، فأوجب التأخّر بقليل ، لدليل عليل.
ثمَّ المعتبر في التقدّم والتساوي هو ما كان موردا للإجماع حيث إنّه دليل المسألة. والظاهر الإجماع على حصول التقدّم بتقدّم الأعقاب والأصابع جميعا حال القيام ، والركبتين والأليتين حال الجلوس ، والبطن والصدر في الحالين بمعنى اعتبار الجميع. ويساعده العرف والعادة اللذان حكّمهما جماعة (2)في المقام للخلوّ عن البيان الشرعي ، فتجب مجانبة المأموم عن التقدّم بمجموع هذه ، ولا يضرّ التقدّم بالبعض.
ولا يضرّ تقدّم رأسه حالتي الركوع والسجود لطول قامته واستطالته في حال السجود ، أو الأعقاب خاصّة أو الأصابع أو الركبتين أو الأليتين كذلك ، أو تقدّم البطن أو الصدر.
خلافا لجماعة ، منهم : الذكرى والبيان والدروس والروضة (3)، فاعتبروا الأعقاب خاصة.
ولأخرى ، منهم : النهاية والمسالك وروض الجنان (4)، فاعتبروا الأعقاب والأصابع معا من غير التفات إلى غيرهما.
ولا دليل على شيء منهما وإن كان الأخير أقرب إلى العرف.
فرع : تجوز استدارة المقتدين بإمام واحد حول الكعبة بشرط أن لا يكونوا
أقرب إلى الكعبة من الإمام ، وفاقا للمحكي عن الإسكافي والذكرى (1)مدّعيا عليه الأخير الإجماع ؛ للأصل والإطلاقات.
وخلافا للفاضل في جملة من كتبه (2)، فأوجب وقوف المأموم في الناحية الّتي فيها الإمام ، لوجه غير تامّ.
ومنها : أي من لوازم صلاة الجماعة : سقوط وجوب القراءة عن المأموم في الجملة.
وتحقيق الحال فيها يستدعي بسط المقال برسم مسائل :
المسألة الأولى : لا قراءة واجبة على المأموم الغير المسبوق في الأوليين من الصلوات الجهرية إذا سمع صوت الإمام.
إجماعا فتوى محقّقا ومحكيّا في الخلاف والمعتبر والمنتهى والتذكرة (3)، وفي السرائر نفي الخلاف عن ضمان الإمام القراءة (4).
واتفاقا نصّا ، ففي صحيحتي الحلبي : « إذا صلّيت خلف إمام يؤتمّ به فلا تقرأ خلفه ، سمعت قراءته أو لم تسمع » (5).
وزاد في إحداهما : « إلاّ أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة فلم تسمع فاقرأ » (6).
وعمر بن يزيد : عن إمام لا بأس به ، قال : « لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا » (7)..
1) حكاه عن الإسكافي في المختلف : 160 ، الذكرى : 162.
2) منها التذكرة 1 : 171 ، والقواعد 1 : 46.
3) الخلاف 1 : 339 ، المعتبر 2 : 420 ، المنتهى 1 : 378 ، التذكرة 1 : 184.
4) السرائر 1 : 284.
5) التهذيب 3 : 34 - 121 ، الوسائل 8 : 358 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 12.
6) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 2 ، الفقيه 1 : 255 - 1156 ، الاستبصار 1 : 428 - 1650 ، الوسائل 8 : 355 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 1.
7) الفقيه 1 : 248 - 1114 ، التهذيب 3 : 30 - 106 ، الوسائل 8 : 313 أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 1.
والبجلي : « أمّا الصلاة الّتي لم تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه ، وأمّا الصلاة الّتي تجهر فيها فإنّما أمر بالجهر لينصت من خلفه ، فإن سمعت فأنصت وإن لم تسمع فاقرأ » (1).
وزرارة : « من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة » (2).
واخرى : « وإن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئا في الأوليين ، وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئا في الأخيرتين ، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول للمؤمنين ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) يعني في الفريضة خلف الإمام ( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) (3)والأخيرتان تبع للأوليين » (4).
وثالثة : « إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك » (5).
ورواية المرافقي وأبي أحمد : « إذا كنت خلف الإمام تولاّه وتثق به فإنّه تجزيك قراءته ، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه ، فإذا جهر فأنصت ، قال اللّه سبحانه ( وَأَنْصِتُوا ) (6).
والقصير : « إذا كان الرجل لا تعرفه يؤمّ الناس فقرأ القرآن فلا تقرأ واعتدّ بصلاته » (7).4.
1) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 1 ، التهذيب 3 : 32 - 114 ، الاستبصار 1 : 427 - 1649 ، الوسائل 8 : 356 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.
2) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 6 ، الفقيه 1 : 255 - 1155 ، التهذيب 3 : 269 - 770 ، المحاسن : 79 - 3 ، مستطرفات السرائر : 75 - 2 ، الوسائل 8 : 356 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 4.
3) الأعراف : 204.
4) الفقيه 1 : 256 - 1160 ، الوسائل 8 : 355 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 3.
5) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 3 ، التهذيب 3 : 32 - 116 ، الاستبصار 1 : 428 - 1651 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 6.
6) التهذيب 3 : 33 - 120 ، الوسائل 8 : 359 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 15.
7) التهذيب 3 : 275 - 798 ، الوسائل 8 : 319 أبواب صلاة الجماعة ب 12 ح 4.
وفي بعض النسخ : « فلا تقرأ واعتدّ بقراءته » مكان قوله : « فلا تقرأ واعتدّ بصلاته » والأوّل أصحّ.
وابن بشير : عن القراءة خلف الإمام قال : « لا ، إنّ الإمام ضامن ، وليس الإمام يضمن صلاة الّذين خلفه وإنّما يضمن القراءة » (1).
وموثقة يونس وفيها : « من رضيت به فلا تقرأ خلفه » (2).
وصحيحة ابن سنان : « إن كنت خلف الإمام في صلاة لا تجهر فيها حتّى تفرغ وكان الرجل مأمونا على القراءة فلا تقرأ خلفه في الأوليين » قال : « ويجزيك التسبيح في الأخيرتين » قلت : أيّ شيء تقول أنت؟ قال : « أقرأ فاتحة الكتاب » (3).
وقتيبة : « إذا كنت خلف إمام ترضى به في صلاة تجهر فيها فلا تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ » (4).
وموثقة سماعة : عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته ولا يفهمون ما يقول ، فقال : « إذا سمع صوته فهو يجزيه ، وإذا لم يسمع قرأ لنفسه » (5).
ورواية عبيد : « إن سمع الهمهمة فلا يقرأ » (6).
والرضوي : « إذا صلّيت خلف إمام يقتدى به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أم لم تسمع ، إلاّ أن تكون صلاة تجهر فيها فلم تسمع فاقرأ » (7).
1) التهذيب 3 : 279 - 820 ، وفي الفقيه 1 : 247 - 1104 ، والوسائل 8 : 353 أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1.
2) التهذيب 3 : 33 - 118 ، الاستبصار 1 : 428 - 1653 ، الوسائل 8 : 359 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 14.
3) التهذيب 3 : 35 - 124 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 9.
4) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 4 ، التهذيب 3 : 33 - 177 ، الاستبصار 1 : 428 - 1652 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.
5) التهذيب 3 : 34 - 123 ، الاستبصار 1 : 429 - 1656 ، الوسائل 8 : 358 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 10.
6) الفقيه 1 : 256 - 1157 ، الوسائل 8 : 355 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 2.
7) فقه الرضا عليه السلام : 124 ، مستدرك الوسائل 6 : 477 أبواب صلاة الجماعة ب 27 ح 1.
وما ذكره الديلمي مرسلا قال : وروي « أنّ ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الإمام واجب » (1). إلى غير ذلك.
وكذا لا قراءة راجحة في الأوليين منها مع سماع الصوت بالإجماع ، ونسبه في التذكرة إلى علمائنا أجمع (2). بل الظاهر عدم الخلاف في مرجوحيّتها أيضا ، كما حكي عن التنقيح وروض الجنان (3).
ويدلّ عليه عموم صحيحة زرارة الاولى ، وخصوص مرسلة الديلمي ، وضعفها منجبر بما ذكر ، وإن كان في دلالة البواقي نظر يظهر وجهه.
وهل هي على الحرمة؟ كما هو صريح المقنع والمبسوط والنهاية والتهذيب والاستبصار والوسيلة والغنية وآيات الأحكام للراوندي (4)، وابن نما والمسائل المهنّائية للفاضل وتحريره ومختلفه والمدارك والذخيرة (5)، وظاهر السيّد والخلاف والواسطة لابن حمزة والقاضي والحلّي والقواعد والتبصرة (6)، بل هي المشهور عند الطبقة الثالثة.
أم الكراهة؟ كما هي مختار الديلمي والمعتبر والشرائع والنافع والإرشاد (7)والموجز والمحرّر والبيان واللمعة والنفلية (8). وعن الدروس والروضة (9)عليها
1) المراسم : 87.
2) التذكرة 1 : 184.
3) التنقيح 1 : 272 ، روض الجنان : 373.
4) المقنع : 36 ، المبسوط 1 : 158 ، النهاية : 113 ، التهذيب 3 : 32 ، الاستبصار 1 : 429 ، الوسيلة : 106 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 560 ، آيات الأحكام 1 : 141.
5) المسائل المهنائية : 130 ، التحرير 1 : 52 ، المختلف : 158 ، المدارك 4 : 323 ، الذخيرة : 396.
6) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 40 ، الخلاف 1 : 339 ، القاضي في المهذّب 1 : 81 ، الحلي في السرائر 1 : 284 ، القواعد 1 : 45 ، التبصرة : 38.
7) الديلمي في المراسم : 87 ، المعتبر 2 : 420 ، الشرائع : 1 : 123 ، النافع : 71 ، الإرشاد 1 : 272.
8) البيان : 226 ، اللمعة ( الروضة 1 ) : 381 ، النفلية : 41.
9) الدروس 1 : 222 ، الروضة 1 : 381.
دعوى الشهرة. وظاهر الفاضل في النهاية والمنتهى والتذكرة (1)وابنه في شرح الإرشاد والشهيد في جملة من كتبه : التردّد.
الحقّ هو الثاني.
لا لما قيل من ظهور التعبير في موثّقة سماعة المتقدّمة بالإجزاء في عدم المنع عن القراءة أصلا ، أو عدم كونه للحرمة ، فهي قرينة مقرّبة لاحتمال إرادة الاستحباب ممّا ظاهره الوجوب (2)؛ لمنع الظهور المذكور. ولو سلّم فإنّما هو في مثل قوله : يجزيك أن تفعل كذا ، لا في مثل : يجزيك فعل فلان.
ولا لصحيحة ابن يقطين : عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة ، قال : « لا بأس إن صمت وإن قرأ » (3).
لكونها غير المسألة.
بل للأصل السالم عن معارضة ما يصلح لإثبات الحرمة بالمرّة ؛ لضعف دلالة ما جعلوه عليها حجّة. وهو : ما استدلّ به المخالف القائل بالحرمة.
وهو : الأمر بالإنصات المنافي للقراءة في الآية الكريمة ، وأربعة من الأخبار المتقدّمة.
والتصريح بأنّ القراءة موجبة للبعث على غير الفطرة في الصحيحة (4)وبوجوب تركها في المرسلة (5).
والنهي - الّذي هو حقيقة في التحريم - في باقي الأخبار السالفة.
ورواية ابن أبي خديجة الآتية الآمرة بالتسبيح.
المؤيّد كلّ ذلك بأدلّة الاحتياط وضمان الإمام للقراءة.
ووجه الضعف : أمّا في الأوّل : فلعدم منافاة وجوب الإنصات لجواز القراءة ؛ لأنّه هو الاستماع للحديث ، كما ذكره أهل اللغة ، قال في الصحاح : الإنصات : السكوت واستماع الحديث (1).
وقال الثعلبي في تفسيره : وقد يسمّى الرجل منصتا وهو قارئ أو مسبّح إذا لم يكن جاهرا به ، ألا ترى أنّه قيل للنبي : ما تقول في إنصاتك؟ قال ، أقول : اللّهم اغسلني من خطاياي. انتهى.
وأيضا فسّره به في الآية في الصحيحة (2).
وهو يتحقّق مع القراءة أيضا ، سيّما إذا كانت خفيّة.
ولا ينافيه ما في صحيحة معاوية بن وهب : « إنّ عليّا كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوّاء - وهو خلفه - آية ، فأنصت عليّ عليه السلام تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية ، ثمَّ عاد في قراءته ، ثمَّ أعاد ابن الكوّاء فأنصت عليّ أيضا ثمَّ قرأ ، فأعاد ابن الكوّاء فأنصت عليّ » (3).
فإنّه لو لم يكن الإنصات سكوتا لما كان يترك القراءة.
فإنّ القراءة لمّا كانت جهريّة لصلاة الصبح كانت منافية للاستماع ، فلعلّه لذلك قطع القراءة.
وكذا لا تنافيه مقابلته مع الأمر بالقراءة مع عدم السماع في صحيحة البجلي ، أو في الإخفاتية في رواية المرافقي ، أو مقارنته مع النهي عن القراءة سيّما مع تعليل النهي عنها بالأمر به في إحدى صحاح زرارة ، أو مع الأمر بالتسبيح في النفس في الأخرى ، كما قاله بعض الأجلّة. وجعل بعض هذه الأمور قرينة على إرادة السكوت من الإنصات وترك القراءة.
لأنّ مقتضى المقابلة عدم وجوب القراءة أو رجحانها مع السماع وفي
الجهريّة ، لا عدم جوازها ، فيكون المعنى : الراجح أو الواجب في الجهريّة مع السماع الاستماع سواء كان مع القراءة أو بدونها ، وفي الإخفاتيّة أو مع عدم السماع القراءة.
والمقارنة الأولى كانت مفيدة لو كان القرين نهيا مفيدا للحرمة ، وهو غير معلوم ، كما يأتي. فيمكن أن يكون المراد بيان كراهة القراءة أو عدم وجوبها ووجوب الإنصات. وكون التعليل للنهي غير معلوم ، فلعلّه للأمر بالإنصات بل هو كذلك. مع أنّ تعليل كراهة القراءة بوجوب الإنصات المتوقّف كماله على السكوت لا ضير فيه.
والثانية كذلك (1)لو كان الأمر بالتسبيح للوجوب ، وهو ليس كذلك لعدم وجوبه إجماعا.
فيمكن جمع القراءة مع الإنصات من دون تضادّ ومنافاة.
ويدلّ عليه أيضا ما يصرّح بجواز الذكر والدعاء في الركعتين الأوليين ، إمّا مطلقا كرواية أبي خديجة : « إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوليين ، وعلى الّذين خلفك أن يقولوا : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر » (2).
أو في خصوص الجهريّة كمرسلة الفقيه : أكون خلف الإمام وهو يجهر بالقراءة فأدعو وأتعوّذ؟ قال : « نعم فادع » (3).
فإنّه لا تفاوت بين الذكر والدعاء وبين القراءة في المنافاة (4)وعدمها.
ولذا جعل من يظنّ منافاة الإنصات للقراءة أخباره معارضة لهاتين الروايتين وبه أجاب عنها (5)، ثمَّ ردّ ضعفهما - لو كان - بأنّه ينجبر بما عن التنقيح من نسبة
1) أي : والمقارنة الثانية - وهي مقارنة الإنصات مع الأمر بالتسبيح - كانت مفيدة لو كان ..
2) التهذيب 3 : 275 - 800 ، الوسائل 8 : 362 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 6.
3) الفقيه 1 : 264 - 1208 ، الوسائل 8 : 361 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2.
4) في جميع النسخ توجد زيادة : للذكر والدعاء.
5) أي : وبهذا التعارض أجاب عن أخبار الإنصات.
وجوب الإنصات إلى ابن حمزة خاصّة ، قال : والباقون سنّوه (1). وهو ظاهر في دعوى الاتّفاق وصريح في ادّعاء الشهرة على عدم وجوبه ، وبذلك تخرج أخباره عن صلاحيّة تأسيس الحكم. وقال : لا تفيد موافقتها للكتاب ، للإجماع - على ما حكاه بعض الأصحاب - على عدم وجوب الإنصات للقراءة على الإطلاق كما هو ظاهر الآية ، فإطلاقها للاستحباب قطعا ، وبه يخرج الأمر بالإنصات في الأخبار عن إفادة الوجوب أيضا ، لتعليله بالأمر به في الآية ، فيكون الأمران متوافقين.
ولكن يخدشه أنّ صحيحة زرارة الثانية صريحة في اختصاص الآية بالفريضة خلف الإمام ، ولا إجماع على عدم الوجوب فيها ، والإجماع على الاستحباب في غيرها لا ينافي الوجوب فيها ، فيكون الأمر في الآية للوجوب وبه يتقدّم موافقها على غيره ، ولا تخرج الأخبار الآمرة بالإنصات عن حقيقتها بسبب التعليل.
وأمّا في الثاني (2): فلأنّه ليس صريحا في الوجوب ؛ لشيوع ورود أمثال ذلك في المكروهات. مع أنّه ليس باقيا على حقيقته قطعا ، سيّما مع شمول الرواية للإخفاتية المصرّحة في الأخبار بجواز القراءة فيها ، فهي على المبالغة محمولة.
وأمّا في الثالث : فلضعفه الخالي عن الجابر. مع أنّ الظاهر أنّه ليس رواية مخصوصة ، بل نقل لما فهمه من الأخبار المتضمّنة لمثل قوله : « لا تقرأ » ويأتي ضعف دلالتها.
وأمّا في الرابع : فلعدم صراحة غير رواية القصير (3)- على بعض النسخ الّذي لا يفيد لأجل الاختلاف - في النهي المفيد للحرمة ، لاحتمال النفي أيضا ، وهو لا يثبت سوى المرجوحيّة. بل في إثباتها هنا أيضا نظر ؛ لكون المقام ممّا يحتمل أن يكون مجازه نفي الوجوب.
مع أنّ أكثر هذه الروايات شاملة للإخفاتية ، المجوّزة فيها القراءة في الأخبار
كما يأتي ، وتخصيصه بالجهريّة ليس بأولى من الحمل على المرجوحيّة أو نفي الوجوب.
ومنه يظهر ضعف رواية القصير على تلك النسخة أيضا.
هذا كلّه مع ما في النهي الوارد في مقام توهّم الوجوب وبعد ثبوته من كلام المشهور.
وأمّا في الخامس : فلعدم كون هذا التسبيح واجبا.
المسألة الثانية : الحقّ المشهور - بل نسب إلى الكلّ عدا الحلّي (1)- جواز القراءة في الجهريّة مع عدم سماع صوت الإمام وهمهمته ؛ لصحاح الحلبي والبجلي وقتيبة ، وموثّقة سماعة ، ورواية عبيد والرضوي المتقدّمة (2)
وإنّما خصّصنا الحكم بعدم سماع الصوت والهمهمة دون ما يعمّ سماع القراءة الظاهرة في سماع الكلمات والحروف ، لأنّ الأخبار بين متضمّن للفظ : « لم تسمع » مطلقا ، وللفظ : « لا تسمع قراءته » ولقوله : « إذا لم يسمع صوته » ولقوله : « إن سمع الهمهمة ».
واختصاص الأخيرين ظاهر. وكذا الثاني ؛ لأنّه وإن عبّر بقوله : « فلا تسمع قراءته » ولكن قوله بعده : « فإن كنت تسمع الهمهمة » صريح في إرادة عدم سماع الهمهمة من الأوّل أيضا.
والأوّل مجمل ؛ لأنّ ما لا يسمع غير معلوم هل هو القراءة أو الهمهمة ، والقدر المتيقّن خروج عدم سماع الهمهمة ، إذ الحكم الثابت لعدم سماع القراءة ثابت له أيضا ولا عكس ، فعدم سماع الهمهمة مراد قطعا. مع أنّ المجمل يحمل على المفصّل. وجعل عدم السماع من باب الإطلاق غلط ؛ إذ لا معنى لتعليق الحكم لمطلق عدم السماع ومهيّته ، مع أنّه على فرضه يجب حمله على المقيّد.
خلافا لظاهر المقنع والخلاف والحلّي والتبصرة (1)، حيث أطلقوا عدم جوازها في الجهريّة ؛ ولعلّه لإطلاق روايات عدم القراءة خلف الإمام مطلقا أو في الأوليين أو في الجهريّة.
ويجاب عنها - مضافا إلى منع صراحتها في التحريم كما مرّ - بوجوب تقييد الكلّ ، لأخصيّة ما مرّ عن جميع ما ذكر حتّى صحيحة الحلبي المتضمّنة لقوله : « سمعت قراءته أو لم تسمع » (2)لشمولها الإخفاتية وسماع الهمهمة. مع أنّ الظاهر أنّ المراد فيها بقوله : « لم تسمع » الصلاة الإخفاتية بقرينة صحيحته الثانية (3)، فإنّها صريحة في أنّ المراد ب- : « ما لم تسمع » السريّة.
وهل هو على الوجوب؟ كما هو ظاهر السيّد والمبسوط والنهاية والوسيلة والواسطة وصريح التهذيب والاستبصار (4)، ومحتمل جمع آخر.
أو الاستحباب؟ كالمعتبر والمختلف والتذكرة والنهاية والتحرير والإرشاد والبيان والموجز والمحرّر وشرح الإرشاد لفخر المحقّقين والنفلية (5)ومحتمل بعض آخر.
أو الإباحة؟ كما هو ظاهر الراوندي وابن نما وعن القاضي (6)ومحتمل طائفة أخرى.
أو الكراهة؟ كما عن الديلمي (7).
1) المقنع : 36 ، الخلاف 1 : 339 ، الحلي في السرائر 1 : 284 ، التبصرة : 38.
2) تقدمت في ص 74.
3) المتقدمة في ص 74.
4) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 40 ، المبسوط 1 : 158 ، النهاية : 113 ، الوسيلة : 106 ، التهذيب 3 : 32 ، الاستبصار 1 : 429.
5) المعتبر 2 : 421 ، المختلف : 158 ، التذكرة 1 : 184 ، نهاية الاحكام 2 : 160 ، التحرير 1 : 52 ، الإرشاد 1 : 272 ، البيان : 226 ، النفلية : 41.
6) الراوندي في فقه القرآن : 141 ، القاضي في المهذب 1 : 81.
7) المراسم : 87.
الحقّ هو الأوّل ؛ لصريح الأمر - الّذي هو حقيقة في الوجوب - به في الصحاح. ووروده في محلّ توهّم المنع ممنوع ، كيف؟! وهو موقوف على ثبوت تقدّم المطلقات المانعة عن القراءة خلف الإمام بدون القرينة المقيّدة ، على صدور الأخبار المفصّلة ، ومن أين علم ذلك؟! مع أنّ صرف الأمر عن حقيقته بوروده في المحلّ المذكور ممنوع عند أهل التحقيق وإن قال به جماعة.
دليل المخالف : صحيحة ابن يقطين السابقة (1)، الظاهرة في تساوي الطرفين في الراجحية والمرجوحيّة ، فبها تخرج الأوامر عن حقيقتها لو أفادت الوجوب ، مع أنّها - لما مرّ - ممنوعة.
وزاد القائل بالاستحباب أنّه يتحمّل المسامحة ، فيثبت الرجحان باشتهاره ولو في ضمن الإيجاب عند الطائفة.
ويضعّف : بأنّ الصحيحة متضمّنة للفظ سماع القراءة الّذي هو بدون القرينة ظاهر في سماع الكلمات والحروف بل حقيقة فيه ، فعدمه أعمّ من سماع الهمهمة وعدمه ، فهي أعمّ من أخبار الوجوب فتخصّص بها قطعا ، ويحمل الجواز مع التساوي أو الرجحان على صورة عدم سماع القراءة وسماع الهمهمة خاصّة ، كما فعله في المبسوط والنهاية والتهذيب والاستبصار (2)، والواسطة والشيخ ابن نما.
ومنع إفادتها الوجوب لما مرّ ضعيف ، كما مرّ.
فرع : هل يجب أن يجهر المأموم بالقراءة حينئذ وكذا فيما إذا قرأ مع سماع القراءة ، أم لا؟
الظاهر : التخيير ، إذ لا تجري أدلّة الجهر في جميع مواضعه الّتي منها هنا إلاّ بالإجماع المركّب ، وتحقّقه هنا غير معلوم.
الثالثة : لا تجب القراءة في أوليي الصلاة الإخفاتية أيضا ، إجماعا محقّقا ومحكيّا عن جميع من سبق في الجهريّة فتوى ونصّا ؛ ويدلّ عليه جميع ما تقدّم فيها
من الأخبار.
وفي حرمتها ، كأكثر من قال بها في الجهرية (1).
أو كراهتها ، كأكثر من قال بها فيها (2).
أو إباحتها ، كما حكي عن بعضهم (3).
أو استحبابها بالحمد خاصّة ، كما نسب إلى النهاية والمبسوط وجماعة (4)، لكن صرّح في الكتابين بعدم الجواز أوّلا وإن صرّح بعده باستحباب الحمد ، ويمكن حمل الأخير على الجهريّة عند عدم سماع الهمهمة دفعا للتناقض وإن كان بعيدا غايته.
أقوال. أقواها ثانيها.
أمّا المرجوحيّة فلعموم صحيحة زرارة الاولى (5)وخصوص صحيحة الأزدي : « إنّي لأكره للمؤمن أن يصلّي خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار » قال : قلت : جعلت فداك فيصنع ما ذا؟ قال : « يسبّح » (6).
مضافا إلى الشهرة العظيمة الّتي كادت أن تكون إجماعا ، والفرار عن مخالفة فحول القدماء القائلين بالحرمة.
وأمّا انتفاء الحرمة فلما مرّ في الجهريّة من الأصل السالم عمّا يصلح لإثباتها حتى عن كثير ممّا يظنّ ثبوتها به في الجهريّة كأوامر الإنصات والمرسلة (7).7.
1) كما في التهذيب 3 : 32 ، والتحرير 1 : 52 ، والمدارك 4 : 323.
2) كما في المعتبر 2 : 420 ، والإرشاد 1 : 272 ، والدروس 1 : 222.
3) كالشهيد في اللمعة ( الروضة 1 ) : 381.
4) النهاية : 113 ، المبسوط 1 : 158 ، وانظر المهذّب 1 : 81 ، والجامع للشرائع : 100 ، والقواعد 1 : 47.
5) المتقدمة في ص 75.
6) الفقيه 1 : 256 - 1161 ، التهذيب 3 : 276 - 806 ، قرب الإسناد : 37 - 120 ، الوسائل 8 : 360 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 1.
7) المتقدمة في ص 75 - 77.
مضافا إلى معاضدته برواية المرافقي السابقة (1)، المنجبرة ، المصرّحة بأنّه إن أحبّ أن يقرأ فيقرأ فيما يخافت فيه.
وصحيحة [ ابن ] (2)يقطين : عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به؟ قال : « إن قرأت فلا بأس وإن سكتّ فلا بأس » (3).
وسليمان بن خالد : عن الرجل في الاولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ ، فقال : « لا ينبغي له أن يقرأ ، يكله إلى الإمام » (4).
حيث إنّ الظاهر من قوله : « لا ينبغي » والشائع استعماله فيه هو الكراهة.
ولكن الاعتضاد بالأخيرتين محلّ نظر وإن قاله بعضهم (5)؛ لاحتمال الأوّل للأخيرتين ، بأن يكون المراد بالصمت ترك القراءة ، كما ذكره في الوافي (6)؛ وظهور الثاني فيهما ، لأنّهما اللتان لا يعلم بالقراءة فيهما.
الرابعة : الأقوى عدم وجوب شيء من القراءة والتسبيح في أخيرة الثلاثية وأخيرتي الرباعية على المأموم ، كما لا يجب تركهما فيها أيضا.
وفاقا في الأوّل لظاهر السيّد حيث قال : وأمّا الآخرتان فالأولى أن يقرأ فيهما أو يسبّح ، وروي أنّه ليس عليه ذلك (7). وابن حمزة حيث قال في الواسطة : وفي الأخيرتين إن قرأ كان أفضل من السكوت. وصريح الحلّي حيث قال : فأمّا الركعتان الآخرتان فقد روي أنّه لا قراءة فيهما ولا تسبيح ، وروي أنّه يقرأ فيهما أو1.
1) في ص 75.
2) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
3) التهذيب 2 : 296 - 1192 ، الوسائل 8 : 358 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 13.
4) التهذيب 3 : 33 - 119 ، الاستبصار 1 : 428 - 1654 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 8.
5) الرياض 1 : 231.
6) الوافي 8 : 1204
7) جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 41.
يسبّح ، والأوّل أظهر (1). واختاره بعض أجلّة المتأخّرين (2).
لعموم عشر من الروايات المصدّرة بها المسألة الاولى (3)، وخصوص واحدة منها وهي صحيحة زرارة الثانية ، ومرسلتي السيّد والحلّي المتقدّمتين آنفا ، وصريح صحيحة [ ابن ] يقطين السالفة في المسألة السابقة ، بل ظاهر صحيحة سليمان حيث إنّ سياقها - كما صرّح به بعضهم - صريح في أنّ المراد بالقراءة المنفيّة ما يعمّ التسبيح أيضا ، ومفهوم صحيحة زرارة : « لا تقرأنّ في الركعتين الأخيرتين من الأربع ركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام » قلت : فما أقول؟ قال : « إن كنت إماما أو وحدك فقل : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلاّ اللّه ثلاث مرّات » (4).
ولا يجوز إرجاع غير الواجب أو المستحب في المفهوم إلى العدد أو خصوص الذكر ؛ للإجماع على اتّحاد الوظيفة في التسبيح أينما كانت وظيفة.
وتخصيص العمومات النافية للقراءة خلف الإمام بالقراءة المتعيّنة لا مطلقا - وليست إلاّ في الأوليين ، لأنّ وظيفة الأخيرتين القراءة المخيّرة بينها وبين التسبيح - لا وجه له ، ودعوى تبادرها ممنوعة.
نعم ، يمكن أن يقال باختصاص دلالتها بانتفاء قراءة الفاتحة لا ما يعمّ التسبيح أيضا ، كما يستفاد من تتبّع النصوص والفتاوى.
ولكنّه غير ضائر ؛ إذ الثابت أوّلا - الّذي هو الأصل - وجوب أحد الأمرين ، فبعد انتفاء وجوب أحدهما يحتمل تعيّن الآخر وبدليّة السكوت عن الأوّل ، ونسبة الأصل إليهما على السواء ، فتبقى أصالة جواز السكوت خالية عن المعارض.
وبعبارة أخرى : الثابت من أدلّة التسبيح وجوبه التخييري ، فإذا انتفى
ذلك بهذه العمومات ينفى تعيّنه أيضا بالأصل.
ولا تعارضها رواية أبي خديجة وفيها : « فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الّذين خلفك أن يقرؤوا فاتحة الكتاب وعلى الإمام التسبيح » (1).
لأنّها ظاهرة في عدم إرادة الوجوب بقرينة مقابلته مع قوله : « وعلى الإمام » وبشهادة سائر الأخبار المتقدّمة. مع أنّه لا قائل بوجوب الفاتحة على المأموم قطعا ، فعلى فرض دلالتها عليه تكون شاذّة مطروحة. ومع ذلك كلّه فهي مجملة ، لاحتمال كون المستتر في : « كان » للايتمام ويكون بيانا لحكم المسبوق ، كما مرّ في بحث القراءة.
خلافا للمقنع والحلبي وابن زهرة والمختلف والذخيرة (2)، فأوجبوا أمّا التسبيح مطلقا كالأوّل ؛ لصحيحة ابن عمّار : عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين ، فقال : « الإمام يقرأ فاتحة الكتاب ومن خلفه يسبّح » (3).
وصحيحة الأزدي السابقة (4). وهي وإن كانت ظاهرة في الأوليين من الإخفاتية ، إلاّ أنّ قوله : « فيقوم كأنّه حمار » ظاهر في مكروهيّة السكوت مطلقا. والكراهة وإن كانت إمّا مقابلة للحرمة أو أعمّ منها ، إلاّ أنّ الأمر بالتسبيح يعيّن إرادة الحرمة.
مضافا إلى صحيحة الحلبي : « إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل : الحمد لله وسبحان اللّه واللّه أكبر » (5).
1) التهذيب 3 : 275 - 800 ، الوسائل 8 : 362 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 6.
2) المقنع : 36 ، الحلبي في الكافي : 144 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 560 ، المختلف : 158 ، الذخيرة : 271.
3) الكافي 3 : 319 الصلاة ب 23 ح 1 ، التهذيب 2 : 294 - 1185 ، الوسائل 8 : 361 أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 5.
4) راجع ص 85.
5) التهذيب 2 : 99 - 372 ، الاستبصار 2 : 322 - 1203 ، الوسائل 6 : 124 أبواب القراءة في الصلاة ب 51 ح 7.
أو أحدهما كذلك كالثانيين ؛ للأصل ، وعموم ما دلّ على وجوب وظيفتهما.
أو الثاني (1)في الإخفاتية خاصّة كالرابع ؛ لصحيحة ابن سنان المتقدّمة في صدر المسألة الأولى (2)، حيث صرّحت في الأخيرتين من الإخفاتية بإجزاء التسبيح المشعر بوجوب أحد الشيئين وكفاية التسبيح وليس الشيء الآخر إلاّ الفاتحة ، مضافا إلى تصريحها أخيرا بأنّه عليه السلام كان يقرأ الفاتحة فيكون مخيّرا بينهما. وصحيحة الحلبي المتقدّمة آنفا حيث دلّت على وجوب أحد الأمرين من القراءة والتسبيح مطلقا.
أو الجهريّة كذلك كما نسب إلى الخامس ؛ لثبوت حرمة القراءة في الإخفاتية مطلقا وعدمه في الجهريّة إلاّ إذا سمع الهمهمة ؛ فيبقى غيره تحت الأصل والعمومات.
ويضعّف دليل الأوّل : أمّا الصحيحان الأوّلان فلعدم دلالة قوله : « يسبّح » على الوجوب ، غايته الجواز أو الاستحباب ، وليس كلامنا فيه. مع أنّه لو دلّ على الوجوب لزم إمّا حمله على ما ذكر لمعارضته مع ما سبق وما دلّ على جواز قراءة الفاتحة أيضا ، أو طرحه لشذوذ القول به وندرته بحيث يخرج معه الخبر عن الحجّيّة.
وأمّا الصحيح الآخر باحتمال كون جملة : « لا تقرأ فيهما » حاليّة فلا يثبت وجوب التسبيح مطلقا.
ودليل الثاني : باندفاع الأصل وتخصيص العمومات بما مرّ.
ودليل الثالث : أمّا صحيحته الاولى فبجواز إرادة الإجزاء عن الأمر الاستحبابي ، ولا دليل على إرادة الوجوبي منه. مع أنّ الظاهر من التسبيح مطلقه لا خصوص التسبيح الّذي هو وظيفة الركعتين ، ولم يقل أحد بوجوب غير الوظيفة ، وتخصيصه ليس بأولى من التجوّز في الإجزاء لو كان ظاهرا فيما ظنّه.
وأمّا قراءة الإمام عليه السلام فلا تصلح استنادا لشيء ، لأنّه لا يقتدي بمن يجوز الاقتداء به ، وأمّا غيره فلا كلام فيه بل لا تسقط معه الوظيفة قطعا.
وأمّا صحيحته الثانية فلجواز كون جملة : « لا تقرأ فيهما » وصفيّة ، وحينئذ يكون الأمر بالتسبيح للجواز أو الاستحباب جزما.
ويظهر ضعف دليل الرابع بما ذكر في الثاني.
ووفاقا في الثاني (1)لغير الحلّي ؛ لأصالة عدم وجوب ضدّ القراءة والتسبيح ، وعدم نهوض شيء من الأخبار لإثبات الحرمة كما مرّ ، والأخبار المتقدّمة المصرّحة بجواز القراءة أو التسبيح في الأخيرتين ، وفحوى الصحاح المستفيضة وغيرها المتقدّمة (2)، الدالّة على جواز القراءة بل استحبابها في أوليي الجهريّة مع عدم سماع الهمهمة ، وحيث ثبت جواز القراءة ثبت جواز التسبيح أيضا لعدم قول بالفرق من هذه الجهة.
خلافا لمن ذكر (3)، فظاهره وجوب ترك القراءة والتسبيح ؛ لظواهر بعض الأخبار المتقدّمة مع ما يجيب عنها.
ومنه يظهر عدم حرمة خصوص القراءة فيهما أيضا ، كما هو مذهب المقنع والخلاف والحلّي والتبصرة (4)وغيرها ، صريحا في بعض وظاهرا في آخر ؛ لقصور الأخبار عن إثباتها ، مع دلالة بعضها على جوازها.
وهل تكره؟ كما عن الديلمي والشرائع والنافع والشهيد (5)، وابن فهد وفخر المحققين.
أو تستحب؟ كما عن المبسوط والنهاية (6).
1) وهو : عدم وجوب ترك القراءة والتسبيح في الركعة الثالثة والرابعة ، راجع ص 2342.
2) في ص 74 و 75 - 77.
3) وهو الحلّي في السرائر 1 : 284.
4) المقنع : 36 ، الخلاف 1 : 339 ، الحلي في السرائر : 61 ، التبصرة : 38.
5) الديلمي في المراسم : 87 ، الشرائع 1 : 123 ، النافع : 71 ، الشهيد في البيان : 226.
6) المبسوط 1 : 158 ، النهاية : 113.
أو تباح؟ كما عن بعضهم (1).
الظاهر هو الأوّل ؛ للعمومات النافية للقراءة ، وخصوص صحيحة زرارة الثانية وسليمان وابن عمّار والأزدي السابقة (2)، ورواية جميل : عمّا يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة ، فقال : « بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الّذين خلفه » (3).
دليل المخالف الأوّل : قراءة الإمام الفاتحة كما صرّح به في صحيحة ابن سنان (4)، ورواية أبي خديجة السالفة (5). ومرّ دفعهما.
وعمومات أفضليّة القراءة للتسبيح ، ولا يفيد للمقام إلاّ بعد ثبوت أفضليّة التسبيح عن السكوت أو مساواتها له ، مع أنّ العامّ لا يعارض الخاصّ.
ودليل الثاني : عمومات مساواة القراءة والتسبيح المتقدّمة في بحث القراءة.
وجوابها ظاهر.
الخامسة : لا شكّ في استحباب التسبيح للمأموم في السبع ركعات الأخيرة ؛ وتدل عليه صحاح ابن سنان وابن عمّار والأزدي.
والظاهر استحبابه له حال قراءة الإمام في الأوليين من الإخفاتية أيضا ، كما ذكره جمع من الأصحاب (6)؛ لرواية أبي خديجة وصحيحة الأزدي ، وصحيحة عليّ ابن جعفر المرويّة في كتابه : عن الرجل يكون خلف الإمام يقتدي به الظهر والعصر يقرأ خلفه؟ قال : « لا ولكن يسبّح ويحمد اللّه ويصلّي على النبي وأهل بيته » (7).
1) كالشهيد في اللمعة ( الروضة البهية 1 ) : 381.
2) راجع ص 75 ، 85 ، 86 ، 88.
3) التهذيب 2 : 295 - 1186 ، الوسائل 6 : 108 أبواب القراءة في الصلاة ب 42 ح 4.
4) المتقدمة في ص 76.
5) في ص 88.
6) منهم الشيخ في التهذيب 3 : 32 ، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 302 ، وصاحب الحدائق 11 : 136.
7) مسائل علي بن جعفر : 128 - 102 ، قرب الإسناد : 211 - 826 الوسائل 8 : 361 ، أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 3.
وذكر جمع من المتأخّرين (1)استحبابه في أوليي الجهرية أيضا. وهو كذلك ؛ لإطلاق رواية أبي خديجة ، ومرسلة الفقيه السابقة (2).
ولا ينافيه الأمر بالإنصات ؛ لما مرّ من عدم منافاة الذكر للإنصات سيّما إذا كان خفيّا بل الظاهر عدم المنافاة ولو فسّر الإنصات بالسكوت ؛ لأنّ المراد منه العرفي ، ولا ينافي السكوت العرفي مع الذكر الخفي سيّما إذا كان بمثل تحريك اللسان في اللّهوات.
ولا قوله : « سبّح في نفسك » (3)لعدم التعارض. مع أنّ الظاهر أنّ التسبيح في النفس هو التسبيح الخفي دون الذكر القلبي ، أو يعمّ الأمرين معا.
السادسة : ما ذكر من سقوط القراءة إنّما هو إذا كان الاقتداء بالإمام المرضي.
وأمّا لو اقتدى بغيره لم تسقط بل تجب القراءة ، بلا خلاف يعرف كما صرّح به في طائفة من كتب الأصحاب (4)؛ لانتفاء القدوة فهو في حكم المنفرد ، وللمستفيضة من المعتبرة (5).
ولا تنافيها المعتبرة الآمرة بالإنصات والاستماع لقراءته في الجهريّة (6)؛ لما مرّ من إمكان الاجتماع. مضافا إلى احتمالها للاختصاص بخصوص السائلين حيث كان عليه السلام عالما بلحوق الضرر بهم ، كما ورد مثله في قضيّة إسحاق بن
1) منهم المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 302 ، وصاحب الحدائق 11 : 136.
2) في ص 80.
3) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 3 ، التهذيب 3 : 32 - 116 ، الاستبصار 1 : 428 - 1651 ، الوسائل 8 : 357 أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 6.
4) منها السرائر 1 : 284 ، والمنتهى 1 : 378 ، والرياض 1 : 232.
5) الوسائل 8 : 363 أبواب صلاة الجماعة ب 33.
6) الوسائل 8 : 367 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 2 و 3.
عمّار في صلاة الجماعة معهم (1)، وعليّ بن يقطين (2)وداود بن زربي (3)في الوضوء ثلاثا ، أو لشدّة التقية فحينئذ ينصت ويقرأ فيما بينه وبين نفسه سرّا.
ولا يجب الجهر بالقراءة في الصلاة الجهريّة ؛ لصحيحة علي بن يقطين (4)، ومرسلة محمّد بن إسحاق (5)بل ولا سماع نفسه القراءة ؛ لهاتين الروايتين.
وتجزيه الفاتحة وحدها مع تعذّر قراءة السورة وإن كانت واجبة ، بلا خلاف ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه (6)؛ للمعتبرة من الأخبار.
ولو ركع الإمام قبل إكمال المأموم الفاتحة سقطت أيضا ؛ لمكان الضرورة ، وتصريح المعتبرة. ووجوب إتمامها في الركوع - كما قيل (7)- لا مستند له.
ولو ألجأته التقيّة إلى ترك التشهد في محلّه يتركه ويتشهّد قائما ، كما ورد في بعض الأخبار (8).
ثمَّ لا يخفى أنّ هذه طريقة الصلاة معهم إذا دعت التقية لها ولم يمكن تداركها من تقديم الصلاة الصحيحة أو إعادتها ، وإلاّ وجبت الصحيحة. والظاهر من الأخبار أنّ هذه تحسب له نافلة ؛ أو تكون محض المتابعة تترتب عليها المثوبات الكثيرة ولو لم يكن ملجأ إلى الصلاة معهم ؛ للأخبار الكثيرة (9)، وتأليف
1) التهذيب 3 : 38 - 133 ، الاستبصار 1 : 431 - 1666 ، الوسائل 8 : 368 أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 4.
2) إرشاد المفيد 2 : 227 ، الوسائل 1 : 444 أبواب الوضوء ب 32 ح 3.
3) التهذيب 1 : 82 - 214 ، الاستبصار 1 : 71 - 219 ، الوسائل 1 : 443 أبواب الوضوء ب 32 ح 1.
4) التهذيب 3 : 36 - 129 ، الاستبصار 1 : 430 - 1663 ، الوسائل 8 : 363 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 1.
5) الفقيه 1 : 260 - 1185 ، التهذيب 3 : 36 - 128 ، الاستبصار 1 : 430 - 1662 ، الوسائل 8 : 364 أبواب صلاة الجماعة ب 33 ح 4.
6) كصاحب المدارك 4 : 325.
7) الرياض 1 : 232.
8) المحاسن : 325 - 70 ، الوسائل 6 : 392 أبواب التشهد ب 2 ح 1.
9) الوسائل 8 : 302 أبواب صلاة الجماعة ب 6.
القلوب الشقيّة. بل يظهر من بعض الأخبار عدم وجوب الصحيحة حينئذ أيضا ، وقد مرّ تحقيقه.
السابعة : وكذا يختصّ ما ذكر من سقوط القراءة بما إذا لم يكن المأموم مسبوقا. وأمّا إذا كان كذلك فتجب عليه القراءة كما يأتي في فصل الأحكام.
ومنها : متابعة المأموم للإمام.
وتحقيق الحال في ذلك المجال أنّه تجب على المأموم متابعة الإمام في الأفعال - أي الركوع والسجود والرفع منهما والقيام بعد السجود - إجماعا محقّقا ومحكيّا في المعتبر والمنتهى والمدارك والمفاتيح وشرحه (1)، ونفى عنه الخلاف في الذخيرة (2)؛ وهو الحجّة عليه.
مضافا إلى النبويّين المرويّين في مجالس الصدوق وغيره من كتب أصحابنا ، المنجبرين بالاشتهار والعمل.
أحدهما : « إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به ، فإذا كبّر فكبّروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا » (3).
وثانيهما : « أما يخشى الّذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحوّل اللّه رأسه رأس حمار؟ » (4).
والنصوص المتضمّنة للفظ الإمامة أو القدوة (5)، لعدم صدقهما بدون المتابعة.
وما يأتي من الأخبار الآمرة بالعود لو رفع رأسه قبل الإمام من الركوع أو
السجدة (1).
وما صرّح بانتظار الإمام لو فرغ المأموم عن القراءة ، إمّا لجوازها مطلقا كما هو المختار ، أو فيما يجوز كالمسبوق أو الّذي لا يسمع الهمهمة ، كموثّقة زرارة : عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ ، قال : « فأمسك آية ومجّد اللّه وأثن عليه ، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع » (2).
وعمر بن أبي شعبة : أكون مع الإمام فأفرغ قبل أن يفرغ عن قراءته ، قال : « فأتمّ السورة ومجّد اللّه وأثن عليه حتّى يفرغ » (3).
واختصاص الأخبار ببعض الأفعال غير ضائر ؛ لعدم القائل بالفرق على الظاهر.
وكذا تجب المتابعة في تكبيرة الإحرام إجماعا ؛ له ، ولأوّل النبويين ، والمروي في قرب الإسناد : عن الرجل يصلّي ، إله أن يكبّر قبل الإمام؟ قال : « لا يكبّر إلاّ مع الإمام ، فإن كبّر قبله أعاد التكبير » (4).
وضعفهما بما مرّ منجبر.
وكون الجواب في الثاني أخبارا غير ضائر ؛ لأنّ قصد الوجوب منه ظاهر ، لظهور كون السؤال عن الجواز ، وبطلان الصلاة بإعادة تكبيرة الإحرام لو لا بطلان الاولى.
ولا تجب المتابعة في سائر الأذكار من القراءة - حيث تجوز أو تجب - وذكر الركوع والسجود والتشهد والأذكار المستحبّة ، على الأظهر الأشهر كما صرّح به جمع ممّن تأخر (5)؛ للأصل ، وحصول الامتثال ، والتقرير في الموثّقتين المتقدّمتين ، .
1) انظر : ص 102.
2) الكافي 3 : 373 الصلاة ب 55 ح 1 وفيه : فأبق آية ، التهذيب 3 : 38 - 135 ، المحاسن : 326 - 73 ، الوسائل 8 : 370 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 1.
3) التهذيب 3 : 38 - 134 ، الوسائل 8 : 370 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 3.
4) قرب الإسناد 218 - 854 ، الوسائل 3 : 101 أبواب صلاة الجنازة ب 16 ح 1.
5) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 306 ، والكاشاني في المفاتيح 1 : 162 ، وصاحب الرياض 1 : 32.
وإيجابها إمّا وجوب الجهر على الإمام مطلقا ، أو تكليف المأمومين بتأخير الذكر إلى أن يعلم وقوعه من الإمام ولم يقل بشيء منهما أحد ، واستلزامها لزوم اختيار ما يختاره الإمام من الأذكار وليس كذلك ، والمستفيضة من الصحاح وغيرها المصرّحة بجواز إتمام المأموم التشهد والتسليم قبل الإمام إذا أطال الإمام التشهد (1).
خلافا للمحكي عن الشهيد فأوجبها فيها أيضا (2)؛ للنبوي الأوّل.
ويردّ بعدم انجباره في المقام بالعمل. مع أنّ مطلق الايتمام بالمتابعة في الأفعال قد حصل ولم يثبت وجوب الزائد منها من هذه الرواية ولا سائر الروايات المتضمّنة للايتمام والاقتداء.
والمراد بالمتابعة الواجبة في الأفعال والتكبيرة عدم تقدّم المأموم على المشهور ، بل لم أعثر على مصرّح بخلافه في الأفعال ، بل عن شرح الإرشاد لفخر المحقّقين الإجماع عليه فيها. فتجوز المقارنة وإن انتفت معها فضيلة الجماعة عند بعضهم (3)، ونقصت عند آخر (4)، ولكن عن بعض آخر عدم النقص أيضا (5).
للأصل ، وصدق الامتثال ، وعدم ثبوت الزائد عنه من الإجماع ولا غيره من أدلّة المتابعة.
وتعاضده رواية السكوني (6)الواردة في مصلّيين قال كلّ منهما : كنت إماما أو مأموما ، المصرّحة بصحّة صلاتهما في الصورة الأولى ؛ إذ لو لا جواز المقارنة لما تصوّرت فرض المسألة غالبا.
1) الوسائل 8 : 414 أبواب صلاة الجماعة ب 64.
2) البيان : 238.
3) الشهيد الثاني في الروضة 1 : 384.
4) المحقق السبزواري في الذخيرة : 398.
5) الفيض الكاشاني في المفاتيح 1 : 162.
6) الكافي 3 : 375 الصلاة ب 56 ح 3 ، الفقيه 1 : 250 - 1123 ، التهذيب 3 : 54 - 186 ، الوسائل 8 : 352 أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 1.
ورواية قرب الإسناد المتقدّمة ، فإنّ ظاهر المعيّة المقارنة سيّما مع تفريع التكبير قبله خاصّة بعده عليه. وإذا جازت في التكبيرة جازت في غيرها ، لعدم القائل بالفرق بينهما جوازا فيها ومنعا في غيرها وإن وجد القائل بالعكس.
وتدلّ عليه أخبار أخر مصرّحة بالركوع أو السجود مع الإمام لو رفع رأسه قبله ، كما يأتي (1).
خلافا في تكبيرة الإحرام خاصّة للمحكي عن المنتهى والشهيدين والمدارك والذخيرة (2)فأوجبوا تأخّر المأموم فيها ، وعن شرح الإرشاد لفخر المحقّقين الإجماع عليه ، بل قيل : ولم أعرف القائل بخلافه منّا وإن أشعرت به عبارات جماعة (3). وتردّد الفاضل في النهاية والتذكرة كما حكي (4).
للإجماع المنقول.
وللنبوي المذكور المجبور ضعفه في المقام أيضا بما عرفت ، فإنّ الفاء تفيد التعقيب.
ولأنّ الائتمام إنّما يكون بالمصلّي ، ولا يكون الإمام مصلّيا إلاّ بعد أن يكبّر.
أو للشكّ في تحقّق الايتمام والجماعة الموجب للشك في حصول البراءة عن الشغل اليقيني.
ويضعّف الأول : بعدم الحجية.
والثاني : بجواز كون الفاء للمقارنة ، كما في قوله سبحانه : ( فَاسْتَمِعُوا ) (5). مع أنّ الفاء جزائيّة ، وهي في العرف قد تمحّضت لربط الجزاء بالشرط.3.
والثالث : بأنّ اللازم كون الإمام مصلّيا حال كون المأموم مقتديا ، وهو بعد فراغهما من التكبير ، وحينئذ فهو مصلّ.
والرابع : بمنع الشك ، لصدقه عرفا.
ومع ذلك فالأحوط عدم المقارنة في التكبير بل في سائر الأفعال أيضا ، لأنّها في معرض المقارنة (1)غالبا. فالأولى تأخّر المأموم في التحريمة والأفعال بمعنى شروعه بعد شروعه وإن كان قبل فراغه وفراغه قبل فراغه. لا شروعه بعد فراغه كما قيل ، لعدم الدليل.
أ : لو خالف المأموم فيما يجب عليه من المتابعة وتقدّم واستمرّ على المخالفة بأن يمضي في صلاته كذلك ، فإن كان مع قصده العدول عن الايتمام ، فإن صحّ ذلك صحّت صلاته وإلاّ لم تصح.
وإن كان مع الايتمام بطلت ؛ لأنّ مقتضى وجوب المتابعة حرمة الإتيان بأفعال الصلاة مقدّما على الإمام ، لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه ، فتكون الأفعال المأتية منهيّا عنها ، والنهي مفسد للعبادة.
ولو لم يستمرّ عليها بل إنّما خالفه في فعل ، كأن يتقدّم عليه في ركوع أو سجود أو رفع منه أو قيام ، فقيل : مقتضى وجوب المتابعة فساد الصلاة مع المخالفة مطلقا ، إذ معها لا يعلم كونها العبادة المطلوبة (2).
وفيه : أنّ مقتضاها العود إلى الحالة الاولى وتحصيل المتابعة دون فساد الصلاة ، إذ معه تحصل المتابعة ويعلم كونها عبادة مطلوبة بعمومات الجماعة ، وأصالة عدم بطلان الصلاة بمجرّد المخالفة في فعل تتبعها المتابعة الواجبة فيه. إلاّ أن تضمّ معها مقدّمة أخرى ثابتة قد تقدّمت مفصّلة مبرهنة ، وهي : قاعدة بطلان الصلاة بالزيادة.
فيقال : إنّه لو تقدّم في فعل فالبقاء عليه حتّى يلحق الإمام سبب لانتفاء المتابعة الواجبة ، وسبب الحرام حرام. أو هو ضدّ للمتابعة وضدّ الواجب منهيّ عنه. وعدم البقاء - الذي هو العود واللحوق بالإمام - سبب لحصول الزيادة في الصلاة ، وهي أيضا محرّمة ، فهو أيضا حرام ، فلم يبق إلاّ إعادة الصلاة.
لا يقال : إنّها موقوفة على قطعها ، وهو أيضا حرام.
لمنع عموم على حرمته يشمل المقام. مع أنّا نقول : إنّها قد قطعت شرعا ، لأنّ إتمامها منهيّ عنه إذ ليس إلاّ بارتكاب أحد المحرّمين.
ولعلّ هذا أيضا مراد ذلك القائل ، وترك ذكر هذه المقدّمة لظهورها ، وأراد أنّ مع ارتكاب أحد الأمرين لا يعلم أنّها العبادة المطلوبة ، لاستلزام أحدهما الزيادة والآخر المخالفة.
وحينئذ يتمّ ما ذكره ، إلاّ أنّه يتوقّف على ثبوت المقدّمة الاولى ، وهي وجوب المتابعة مطلقا حتّى في هذا الفعل الّذي تقدّم فيه سهوا أو عمدا بعد التقدّم بأن يرجع ويتابع.
وهو ممنوع جدّا ؛ إذ عمدة أدلّتها الإجماع ، وانتفاؤه هنا واضح. وصدق الايتمام وعدم انتفائه بمجرّد هذا التقدّم اليسير المتعقّب للمتابعة ظاهر. وخبرا المجالس (1)ضعيفان ، وانجبارهما في المقام غير معلوم ، مع أنّ ثانيهما لا يدلّ إلاّ على حرمة التقدّم عمدا ، وهو مسلّم ، والكلام في وجوب المتابعة فيما تقدّم بعده. والخبران الآخران (2)موردهما غير هذه الصورة ، لأنّهما وردا لحكم من فرغ قبل الإمام عن القراءة ولم يركع بعد. بل الظاهر من النبوي الأوّل أيضا ذلك ، فإنّ المتبادر عنه أنّه إن لم تركعوا فاركعوا مع الإمام. مع أنّ هذه الروايات لا تشمل الرفع والقيام في المسألة أيضا.
وبالجملة : لا دليل على وجوب المتابعة في فعل حصل فيه التقدّم أصلا ،
وعلى هذا فلا يكون لفساد الصلاة وجه أصلا.
بل هاهنا كلام آخر ، وهو : أنّ الظاهر الإجماع على عدم البطلان مطلقا ، إذ صرّح الكل بصحة الصلاة ولم ينقل من أحد القول ببطلانها حينئذ إلاّ ما حكي عن المبسوط أنّه قال : من فارق الإمام من غير عذر بطلت صلاته (1).
ومراده ما إذا فارقه رأسا وأتمّ الصلاة مفارقا له ؛ إذ هو معنى المفارقة ، أو مع عدم تمام القراءة ، لأنّه قال فيه بعد ذلك : وينبغي أن لا يرفع رأسه عن الركوع قبل الإمام ، فإن رفع رأسه ناسيا عاد إليه يكون رفعه مع رفع الإمام ، وكذلك القول في السجود ، وإن فعل ذلك متعمّدا لم يجز له العود إليه أصلا بل يقف حتّى يلحقه الإمام (2). انتهى.
ومثله الصدوق (3).
وعلى هذا فلا يصحّ الحكم ببطلان الصلاة ، بل اللازم الحكم بالتخيير بين العود والاستمرار إن قلنا بوجوب المتابعة حتّى في المقام ، وبوجوب الاستمرار إن قلنا بعدم ثبوته ، كما هو كذلك.
وتوضيح ذلك : إنّا لو سلّمنا هذه المقدّمة وضممناها مع المقدّمة السابقة وهي حرمة الزيادة ، فمقتضى المقدّمتين كما مرّ بطلان الصلاة مطلقا ووجوب الإعادة ، إلاّ أنّ الإجماع دلّنا على ارتفاع أحد المحذورين ووجوب أحد الأمرين من الاستمرار حتى يلحق الإمام أو العود للّحوق به ، ولعدم تعيّنه علينا يحكم بالتخيير.
هذا في غير التقدّم في القيام. وأمّا فيه فالحكم التخيير مطلقا مع قطع النظر عن الإجماع أيضا ، لعدم ثبوت البطلان بزيادته ، كما يظهر وجهه ممّا ذكر في تحقيق الزيادة المبطلة في محلّه. ولا بهذا القدر من التقدّم فيه ، لعدم ذكره في أخبار
المتابعة ، وإنّما هو بالإجماع البسيط أو المركّب ، وتحقّقه في المقام غير معلوم ، وانتفاء صدق الاقتداء بمجرّده ممنوع.
وإن لم نسلّم هذه المقدّمة ، أي وجوب المتابعة حتّى في هذا الفعل الّذي حصل التقدّم فيه - كما هو كذلك أيضا - فمقتضى المقدّمة الأخرى حرمة العود ؛ لاستلزامه الزيادة. ومقتضى حرمة قطع الصلاة إذا كانت مندوحة عنه كما في المقام - لجواز البقاء على الفعل - عدم جوازه ، فلم يبق إلاّ البقاء على الفعل حتّى يلحق الإمام ، فيكون هو الواجب.
ولمّا كان الحقّ عدم ثبوت وجوب المتابعة حتّى في المورد ، سيّما مع ما ذكرنا من الإجماع على عدم بطلان الصلاة مطلقا ، فيكون الواجب هو الاستمرار مطلقا سواء كان التقدّم في الركوع أو السجود أو في الرفع ، وسواء كان عمدا أو سهوا.
ويكون هذا هو الأصل لا يترك إلاّ بدليل.
إلاّ أنّه قد وردت أيضا في المسألة روايات ستّ :
الأولى : موثّقة ابن فضّال : في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به ، فركع قبل أن يركع الإمام وهو يظنّ أنّ الإمام قد ركع ، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمَّ أعاد الركوع مع الإمام ، أيفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة؟ فكتب : « يتمّ صلاته ولا يفسد ما صنع صلاته » (1).
الثانية : صحيحة ابن يقطين : عن الرجل يركع مع إمام يقتدي به ثمَّ يرفع رأسه قبل الإمام ، فقال : « يعيد ركوعه معه » (2).
الثالثة : رواية محمّد بن سهل الأشعري أو صحيحته ، وهي أيضا نحوها (3).2.
الرابعة : صحيحة ربعي والفضيل : عن رجل صلّى مع إمام يأتمّ به ، فرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود ، قال : « فليسجد » (1).
والخامسة : رواية محمّد بن عليّ بن فضّال : أسجد مع الإمام وأرفع رأسي قبله ، أعيد؟ قال : « أعد واسجد » (2).
والسادسة : موثّقة غياث : عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام ، أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه؟ قال : « لا » (3).
دلّت الاولى منها على جواز العود وعدم بطلان الصلاة بهذه الزيادة. والثانية والثالثة على رجحانه. والرابعة والخامسة على وجوبه.
ولعدم المنافاة بين الجواز والرجحان وبين الوجوب يحمل الجميع على الوجوب.
والسادسة على عدم وجوب العود بل جواز البقاء والاستمرار. وأمّا رجحانه أو وجوبه - كما توهّم (4)- فلا ، لعدم صراحة : « لا يعود » في الوجوب ، بل ولا في الرجحان في المقام ، لجواز كون تجوّزه الجواز ، حيث إنّ المقام مقام توهّم الوجوب.
ثمَّ إنّ من يرى أنّ المتبادر من الخمسة الأولى صورة النسيان لأنّه الغالب في التقدّم ، إذ قلّ من يتقدّم عمدا ، ولأنّه مقتضى حمل فعل المسلم على الصحّة ، ولأنّه مورد الأولى لأنّ ظنّ تقدّم الإمام أيضا سهو ، ولذا استدلّ بها في المنتهى (5)للعود إلى الركوع في صورة النسيان خاصّة ، فهي أيضا شاهدة للاختصاص. ومع ذلك يرى الأخيرة غير قابلة لإثبات حكم إمّا لعدم حجّية الموثّق بنفسها أو لضعفها عن مقاومة البواقي لأكثريّتها عددا وأصحّيتها سندا وأصرحيّتها دلالة وأشهريّتها
1) التهذيب 3 : 48 - 165 ، الوسائل 8 : 390 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 1.
2) التهذيب 3 : 280 - 824 ، الوسائل 8 : 391 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 5.
3) الكافي 3 : 384 الصلاة ب 61 ح 14 بتفاوت يسير ، التهذيب 3 : 47 - 164 ، الاستبصار 1 : 438 - 1689 ، الوسائل 8 : 391 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 6.
4) في الرياض 1 : 233.
5) المنتهى 1 : 379.
رواية.
يحكم بوجوب العود في صورة النسيان للروايات ، وبوجوب البقاء حتّى يلحق الإمام في العمد ، للأصل المتقدّم ، كالمشهور.
وهذا هو مستندهم. لا ما قيل لهم من الجمع بين الروايات ؛ لأنّه جمع بلا شاهد. ولا أنّ العود في العمد زيادة في الركن بلا عذر ، ولا كذلك النسيان لأنّه عذر ؛ لأنّ زيادة الركن عندهم مبطلة مطلقا ، مع أنّ عدم جواز الزيادة في العمد لا يثبت وجوب الاستمرار ، لأنّه إن كان مخالفة للإمام غير مجوّزة فلا يجوز حينئذ أيضا فيجب الحكم ببطلان الصلاة ، وإلاّ فيجب الحكم بجوازه في السهو أيضا.
ومن يرى مع ما ذكر - من ضعف الأخيرة عن مقاومة البواقي - إطلاق البواقي أو عمومها لصورتي العمد والسهو ، يحكم بوجوب العود مطلقا ، كما عن المقنعة (1).
ومن يرى حجّية الموثّق وصلاحيّته - مع ما ذكر من اختصاص الأخبار بصورة النسيان - للقرينة على نفي إرادة الوجوب من سائر الأخبار ، سيّما مع عدم دلالة الثلاثة الأولى على الزائد على الجواز أو الرجحان فلا تعارض بينها وبينه ، ومع عدم صراحة الباقيتين أيضا فيه لورودهما مورد توهم المنع ...
يحكم في صورة العمد بمقتضى الأصل من وجوب الاستمرار ، وفي السهو باستحباب العود وجواز الاستمرار ، كما عن التذكرة والنهاية (2).
ومن يرى حجّية الموثّقة وكونها قرينة وإطلاق الروايات ، يحكم باستحباب العود مطلقا ، كالوافي والمفاتيح وشرحه (3).
ومن المتأخّرين من يجعل الموثّق معارضا مع البواقي لا قرينة ، ولأجله يحكم بالتخيير في بعض الصور (1)، كما هو الحكم عند التعارض وعدم المرجّح.
هذا على ما ذكرنا من ثبوت الإجماع على عدم البطلان مطلقا أو عدم ثبوت وجوب المتابعة حتّى في المقام.
ومن المتأخّرين من لم يثبت عنده الإجماع لتوهّم الخلاف من المبسوط (2)، وظنّ ثبوت عموم وجوب المتابعة.
فمنهم من عمل بالأخبار في صورة النسيان ظنّا اختصاصها به وحكم بالبطلان أو احتمله في العمد (3).
ومنهم من ترك الأخبار للتعارض واستشكل في المسألة ، مع احتماله البطلان مطلقا وأمره بالاحتياط (4).
ومنهم من ترك الأخبار لما ذكر ولكن سلّم عدم ثبوت وجوب المتابعة في حقّ الناسي ، فحكم بالاستمرار له وبالبطلان للعامد. وهو الظاهر من بعض عبارات المحقّق الأردبيلي (5).
هذا كلّه على عدم الفصل بين الهويّ والرفع ، ولا بين الركوع والسجود هويّا أو رفعا.
ومن المتأخّرين من فصّل بين الأوّلين أو احتمل الفصل بينهما ، فحكم في الثاني بالعود وجوبا أو استحبابا أو مخيّرا - على ما أدّاه إليه نظره من التعارض - مطلقا أو في صورة النسيان ، على ما رأى من إطلاق الأخبار أو اختصاصها.
وحكم في الأوّل بالتفصيل بين العمد والنسيان بحمل الرواية الأولى على صورة النسيان ، مع الحكم بالبطلان في العمد لظنّه وجوب المتابعة مطلقا إلاّ ما
أخرجه الدليل ، أو بالاستمرار فيه لعدم ثبوت إطلاق وجوبها. وقد يترك الرواية الأولى لعدم صحتها ويعمل في جميع صور العمد بالبطلان أو الاستمرار (1).
ومنهم من احتمل الفصل بين الأخيرين أيضا ، فاحتمل اختصاص مقتضى الرواية الأولى بالهويّ إلى الركوع ومقتضى الأخيرة بالرفع منه.
ولذلك حصلت عندهم في المسألة احتمالات غير عديدة وإشكالات ، كما يظهر طرف منها من الرجوع إلى المنتهى والمدارك والذخيرة وشرح الإرشاد للأردبيلي (2)وبعض كتب الشهيدين (3)وغيرها (4). وللناس فيما يعشقون مذاهب.
والتحقيق في المسألة - بعد أن يعلم أوّلا أنّ الحقّ أصالة وجوب الاستمرار لما ذكرنا أوّلا ، وأنّه لا فرق بين الركوع والسجود هويّا ولا رفعا لعدم الفرق بينهما قطعا فيتعدّى حكم أحدهما في المقام إلى الآخر بالتنقيح المناط القطعي ، مضافا إلى عدم القول بالفصل بينهما جزما ، وتشكيك مثل صاحب الذخيرة لا يقدح في ثبوت الإجماع المركّب أصلا ، ولكن لم يثبت الإجماع المركب بين الهوي والرفع كما يظهر من المنتهى وغيره ، وأنّ الموثق من الأخبار حجّة كالصحيح يصلح قرينة أو معارضا للبواقي ، وأنّ تخصيص الأخبار بالنسيان تخصيص بلا بيان بل المتّجه اتّباع إطلاقها :
أنّ المتقدّم في الرفع سواء كان عمدا أو سهوا يتخيّر بين العود للأخبار الأربعة المتوسّطة ، وبين الاستمرار للخبر الأخير بجعله قرينة لعدم إرادة الوجوب منها مع استحبابه سيّما في صورة النسيان لاشتهار الرجحان.
وكذا المتقدّم في الهوي مع ظنّ تقدّم الإمام ، لثبوت جواز الاستمرار بالأصل المذكور ، والعود بالرواية الأولى فإنّ مفادها ليس إلاّ جواز العود. ويجب
الاستمرار في سائر صور الهوي ، للأصل المذكور ، سواء كان من العمد أو النسيان.
ويوافقنا فيما ذكرناه - من العود في الرفع والاستمرار في الهويّ - الفاضل في المنتهى (1)، إلاّ أنّه قوّى ثانيا العود في الهويّ نسيانا للرواية الأخيرة ، وخصّصناه بصورة المظنّة ، لأنّها يمكن أن تعدّ عمدا وأن تجعل من السهو ، فإنّها عمد من وجه وسهو من آخر فتتردّد بينهما. فالحكم بإلحاق جميع أفراد إحدى الصورتين بخصوصها به مشكل ، وإلحاق الظانّ مطلقا بالناسي - كما في الدروس والبيان والروضة (2)- غير واضح الدليل جدّا.
وأمّا المتقدّم في القيام فكما في الرفع يكون مخيّرا بين الأمرين مطلقا ، وظهر وجهه ممّا ذكرنا أوّلا.
ب : لو خالف المتقدّم المذكور وظيفته
فعاد مع وجوب الاستمرار عليه - وهو على ما اخترناه لا يتحقّق إلاّ في أكثر صور التقدّم في الهويّ الّذي يجب عليه فيها الاستمرار ، لأنّه مخيّر في البواقي - فالوجه بطلان صلاته ؛ لزيادته في الصلاة الركن من دون مجوّز. وكذا فيما يجب عليه الاستمرار غير ما ذكرنا على القول به ؛ لما ذكر. أو كان العود واجبا عليه واستمرّ كما في السهو على المشهور ؛ لعدم الاعتداد بما فعله أوّلا فيفوت جزء من الصلاة. ودعوى أنّ التدارك لقضاء حقّ المتابعة لا لكونه جزءا من الصلاة ممنوعة ، غايته احتمال الأمرين فلا يعلم امتثال هذا الجزء.
ج : لو تقدّم عن الإمام بتمام فعل أو فعلين ركن أو غيره ، كأن يركع قبل الإمام ويتمّ ركوعه ويرفع رأسه ويهوي للسجود قبل دخول الإمام في الركوع ، أو يقوم قبله ويدخل في الركوع قبل قيام الإمام ، فحكم في المنتهى بصحّة صلاته وايتمامه وجعل حكمه حكم المتقدّم في بعض الفعل ، وحكى عن الشافعي بطلان
الصلاة بالتقدّم بركنين (1).
والحقّ وجوب البقاء عليه فيما هو فيه حتّى يلحقه الإمام ؛ للأصل المذكور. إلاّ إذا تقدّم بقدر يوجب البقاء عليه محو صورة الصلاة فيبطل ايتمامه. وهل تبطل صلاته حينئذ أم لا؟ فيه تفصيل يذكر.
د : لو تأخّر المأموم سهوا أو عمدا عن الإمام بقدر فعل أو أكثر ، ركن أو غيره ، كأن يجلس للتشهّد الأوّل حتّى يدخل الإمام في الركوع أو رفع رأسه أيضا ، أو يبقى قائما حتّى يرفع الإمام رأسه من الركوع ، أو راكعا حتّى يسجد ، أو ساجدا حتّى يتشهّد ، صحّت صلاته واقتداؤه ، كما صرّح به الشهيد في الذكرى (2)والمحقّق الثاني في الجعفرية. وظاهر الأوّل اتّفاقنا عليه. وعن التذكرة (3)التوقّف وإن يظهر منه الميل إلى الصحّة أيضا ، واستبعد بعض المتأخّرين في توقّفه.
لنا : ثبوت الصحّة للصلاة والاقتداء ، والأصل بقاؤهما حتّى جاء المزيل ، وهو غير معلوم ؛ إذ ليس إلاّ تحقّق القدوة ، ومثل ذلك التأخّر لا ينافيها ؛ أو وجوب عدم التأخّر عنه بركن أو أكثر - كما قيل (4)- وهو ممنوع جدّا ، ولو سلّم فيختصّ بصورة العمد وعدم العذر ، ولو سلّم فإيجاب تركه لبطلان الصلاة أو القدوة ممنوع ، غايته أنّه ترك واجبا وكونه جزءا للصلاة أو القدوة أو شرطا لأحدهما ممنوع غايته ؛ أو ارتكب محرّما هو التأخّر ، وإبطاله لأحدهما غير ثابت ، لكونه خارجا ، ولا يستلزم وقوع فعل من الصلاة منهيّا عنه ، لأنّ النهي إنّما تعلّق بالتأخّر والفعل الموجب له ، وأمّا ما بعده ممّا يفعله للالتحاق بالإمام فلا ، فلو بقي قائما حتى يرفع الإمام رأسه يكون هذا البقاء أو القيام الزائد منهيا عنه وهو لم يكن مأمورا به ، وأمّا الركوع فهو ليس تأخرا بل هو التحاق.
مضافا في صورة السهو إلى صحيحة عبد الرحمن : عن رجل يصلّي مع الإمام يقتدي به ، فركع الإمام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه وانحطّ للسجود ، أيركع ثمَّ يلحق الإمام والقوم في سجودهم أو كيف يصنع؟ قال : « يركع ثمَّ ينحطّ ويتمّ صلاته معهم ، ولا شيء عليه » (1).
وفي صورة الاضطرار إلى صحيحته الأخرى : في رجل صلّى جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو أسطوانة لم يقدر على أن يركع ولا أن يسجد حتّى رفع القوم رؤوسهم ، أيركع ثمَّ يسجد ثمَّ يقوم في الصفّ؟ قال : « لا بأس » (2).
ثمَّ إنّه هل يجوز التأخّر كذلك عمدا كما هو ظاهر من ذكر ، أو لا كما صرّح به بعض مشايخنا الأخباريين ونقله عن المدارك أيضا؟ (3).
الحقّ هو الأوّل ؛ للأصل السالم عن المعارض.
احتجّ المخالف بصحيحة معاوية بن وهب (4)المصرّحة بجواز ترك المسبوق القراءة لعدم إمهال الإمام إيّاه حتى يتمّها ، وصحيحة زرارة (5)المصرّحة بجواز ترك المسبوق السورة لدرك الإمام.
ويجاب أوّلا : باحتمال عدم وجوب إتمام القراءة والسورة هنا لدرك فضيلة موافقة الإمام واختصاص الوجوب بغير هذه الصورة ، مع أنّ في وجوب السورة حينئذ مطلقا كلاما يأتي.
1) التهذيب 3 : 55 - 188 ، الوسائل 8 : 413 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 1.
2) الفقيه 1 : 270 - 1234 ، التهذيب 3 : 161 - 347 ، الوسائل 7 : 335 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 1.
3) اختاره في الحدائق 11 : 146 ، لكنّه لم ينقله عن المدارك وإنا لم نجد القول فيه.
4) التهذيب 3 : 47 - 162 ، التهذيب 3 : 274 - 797 ، الاستبصار 1 : 438 - 1687 ، الوسائل 8 : 388 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 5.
5) الفقيه 1 : 356 - 1162 ، التهذيب 3 : 45 - 158 ، الاستبصار 1 : 436 - 1683 ، الوسائل 8 : 388 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4.
وثانيا : بعدم تصريح الروايتين بما لا يدركه المأموم مع الإمام لو أتمّ المأموم القراءة أو السورة ، فلعلّ المراد أنّ الإمام يخرج من الصلاة لو قرأ الحمد أو السورة وهو غير المسألة.
نعم ، يتّجه تقييد جواز التأخّر بما لم يكن كثيرا كأفعال كثيرة ، لاحتمال إخلال ذلك عرفا بصدق الاقتداء. ولذا قيّد فخر المحقّقين في شرح الإرشاد جواز التأخّر حتّى فرغ الإمام عن فعل يصدق معه المتابعة.
وكذا يجب تقييد جواز التأخّر عن الركوع بما إذا أدرك جزءا من الصلاة مع الإمام قبله ، وإلاّ فلو أدرك الإمام وهو راكع فلا يدرك الركعة إلاّ بالركوع معه ، كما مرّ في بحث صلاة الجمعة.
أمّا المستحبّات فأمور :
منها : أن يقف المأموم عن يمين الإمام محاذيا له أو متأخرا عنه قليلا إن كان رجلا واحدا وخلفه إن كان اثنين فصاعدا ، إجماعا محقّقا ومحكيّا مستفيضا في أصل رجحانه (1)، فهو الدليل فيه.
مضافا إلى المستفيضة من النصوص ، كصحاح زرارة (2)، ومحمّد (3)وإبراهيم بن ميمون (4)، وروايات أبي البختري (5)، والحسين بن سعيد (6)، والمدائني (7)، والمرويات في العلل (8)، وفقه الرضا (9)، وقرب الإسناد (10)، والمجالس للصدوق (11).
1) كما في الخلاف 1 : 554 ، والتذكرة 1 : 171 ، والرياض 1 : 234.
2) الكافي 3 : 271 الصلاة ب 54 ح 1 ، التهذيب 3 : 24 - 82 الوسائل 8 : 286 أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 3.
3) الفقيه 1 : 252 - 1139 ، الوسائل 8 : 297 أبواب صلاة الجماعة ب 4 ح 3.
4) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 57 ح 3 ، الفقيه 1 : 257 ، 1167 ، التهذيب 3 : 268 - 767 ، الوسائل 8 : 333 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 6.
5) التهذيب 3 : 56 - 193 ، قرب الإسناد : 156 - 575 ، الوسائل 8 : 341 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 2.
6) الكافي 3 : 387 الصلاة ب 62 ح 10 ، الوسائل 8 : 344 أبواب صلاة الجماعة 24 ح 1.
7) الفقيه 1 : 258 - 1174 ، التهذيب 3 : 26 - 90 ، الوسائل 8 : 345 أبواب صلاة الجماعة ب 24 ح 2.
8) علل الشرائع : 325 - 1 ، الوسائل 8 : 343 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 10.
9) فقه الرضا عليه السلام : 124 ، مستدرك الوسائل 6 : 470 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 3.
10) قرب الإسناد : 114 - 395 ، الوسائل 8 : 344 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 12.
11) لم نجد الرواية في أمالي الصدوق.
وفي روايتي المدائني وابن سعيد : أنّه إذا وقف في اليسار والإمام علم به في الصلاة يحوّله إلى يمينه.
وعلى الأظهر الأشهر بل الإجماع المحقّق - لعدم انقداحه بمخالفة من شذّ وندر - والمحكي عن ظاهر الخلاف (1)وفي صريح المنتهى (2)، في عدم وجوبه.
للإجماع المذكور ، والأصل ، والإطلاقات السالمة عن المعارض رأسا ، إذ ليس إلاّ ما مرّ من الأخبار ، وهي بأسرها خالية عن الدالّ على الوجوب لورودها بنحو الجمل الخبرية الّتي لا تفيد عند المتأمّل أزيد من الرجحان ، إلاّ واحدة منها (3)آمرة للصبي بالقيام إلى الجنب. وهي غير ناهضة ؛ لعدم تعلّق الوجوب بالصبي قطعا.
بل في روايتي المدائني وابن سعيد دلالة على انتفاء الشرطية قطعا ، وإلاّ لبطلت صلاة الواقف على اليسار أوّلا ولم يفد التحويل في الأثناء. وبه يسهل الأمر على من لا يجري الأصل في الأجزاء والشروط أيضا ، إذ ينتفي الاشتراط بهذه الرواية المنجبرة ، والوجوب التعبدي بالأصل.
مع أنّ في صحيحة الكناني : عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، فقال : « لا بأس إنّما يبدو واحد بعد واحد » (4)دلالة على نفي الوجوب أيضا. وحملها على ما بعد [ من ] (5)الصفوف خاصّة - كما في الحدائق (6)لا وجه له ، لإطلاقها.
ثمَّ على فرض دلالة الأخبار المذكورة على الوجوب لا تصلح لإثباته ؛ لشذوذه ، ومخالفته الشهرة القديمة وعمل أرباب أصولها.
خلافا للمحكي عن الإسكافي فقال بالوجوب (1)، وقوّاه شيخنا صاحب الحدائق ؛ لما مرّ بجوابه.
ولو كان المأموم امرأة وجب تأخّرها إن قلنا بتحريم المحاذاة. وإلاّ - كما هو المختار - استحبّ ذلك وإن كانت واحدة ؛ لروايتي أبي العباس (2)وابن بكير (3)وغيرهما من الروايات الغير الدالّة شيء منها على الوجوب لمكان الخبرية ، سوى واحدة آمرة بإقامة الغلمان ولو كانوا عبيدا بين أيديهنّ (4). وعدم وجوب ذلك ظاهر ؛ إذ لا صلاة على الصبي. والوجوب الشرطي أو التخييري ليس بأولى من الاستحباب ، فالاستدلال بها على الوجوب غير سديد.
ومنها يظهر ضعف الاستدلال بما في صحيحة علي من قيام امرأة بحيال إمام تصلّي عصرها مؤتمّة - إلى أن قال - : « وتعيد المرأة صلاتها » (5). فإنّها ليست صريحة في وجوب الإعادة.
وأضعف منها الاستدلال بصحيحة الفضيل : « المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة والتطوّع وتأتمّ به في الصلاة » (6).
فإنّها لا وجه لدلالتها إلاّ بمفهوم اللقب الذي هو من أضعف المفاهيم.
فالقول بالوجوب - كما عن جملة من كتب الفاضلين (7)- ضعيف. مع أنّ في إرادتهما الوجوب نظرا ، ولو كانت فلعلّها لقولهما بحرمة المحاذاة. وفتواهما
1) نقله عنه في المختلف : 160.
2) الكافي 3 : 376 الصلاة ب 57 ح 1 ، التهذيب 3 : 267 - 757 الوسائل 8 : 333 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 5.
3) التهذيب 3 : 31 - 112 ، الاستبصار 1 : 426 - 1645 ، الوسائل 8 : 332 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 4.
4) الفقيه 1 : 259 - 1179 ، الوسائل 8 : 343 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 9.
5) التهذيب 3 : 49 - 173 ، الوسائل 5 : 130 أبواب مكان المصلّي ب 9 ح 1.
6) التهذيب 3 : 379 - 1579 ، الوسائل 8 : 332 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 1.
7) المعتبر 2 : 426 ، المختصر النافع : 47 ، نهاية الأحكام 2 : 118 ، المنتهى 1 : 376.
بالكراهة في مواضع أخر لا تنافيه ، لإمكان تغيّر الرأي. فلا يكون وجوب التأخّر في الجماعة خاصة قولا. وعلى هذا فيتمّ المطلوب بالإجماع المركّب ، لعدم القول بالفرق بين الجماعة والانفراد ، إلاّ أنّ مع احتمال تفرقة الفاضلين يشكل التمسّك بالإجماع المركّب.
ثمَّ إن كانت المرأة واحدة يستحبّ لها مع التأخّر أن تقف على يمين الإمام ؛ لصحيحة هشام : « الرجل إذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه يكون سجودها مع ركبتيه » (1).
ورواية الفضيل : أصلّي المكتوبة بأمّ علي؟ قال : « نعم ، تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك » (2).
وإن كان المأموم رجلا واحدا مع النساء وقف الرجل عن يمين الإمام والنساء خلفه ، كما نصّ به في رواية القاسم بن الوليد (3).
هذا كلّه إذا كان الإمام رجلا. ولو كانت امرأة تؤمّ النساء وقفن معها صفّا واحدا أو أزيد من غير أن تبرز بينهنّ مطلقا ، بلا خلاف بين القائلين بجواز إمامتها ، بل عن المعتبر والمنتهى (4)اتّفاقهم عليه. وهو الحجّة فيه ، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (5)الدالّة على الرجحان الغير الناهضة لإثبات الوجوب.
ومنها : وقوف الإمام وسط الصفّ ، كما صرّح به الفاضل والشهيدان (6)؛ لما رواه الجمهور عن النبي صلی اللّه عليه وآله أنّه قال : « وسّطوا الإمام وسدّوا الخلل » (7).1.
1) الفقيه 1 : 259 - 1178 ، الوسائل 5 : 225 أبواب مكان المصلّي ب 5 ح 9.
2) التهذيب 3 : 267 - 758 ، الوسائل 8 : 332 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 2.
3) التهذيب 3 : 268 - 763 ، الوسائل 8 : 332 أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 3.
4) المعتبر 2 : 427 ، المنتهى 1 : 377.
5) الوسائل 8 : 333 أبواب صلاة الجماعة ب 20.
6) الفاضل في التحرير 1 : 52 ، والشهيدان في الذكرى : 273 ، والروض : 371.
7) سنن أبي داود 1 : 182 - 681.
ومثله كاف في مقام المسامحة.
ولا ينافيه المروي في الكافي : رأيت أبا عبد اللّه عليه السلام يصلّي بقوم وهو إلى زاوية من بيته يقرب الحائط ، وكلّهم عن يمينه ، وليس على يساره أحد (1).
لأنّه واقعة في حادثة ، فلعلّه لمانع من التوسيط كما في الذكرى (2).
ومنها : أن يكون في الصفّ الأوّل أهل الفضل
أعني من له مزيّة وكمال من علم أو عقل أو عمل ؛ لحكاية الاتّفاق عليه (3)، ولرواية جابر : « ليكن الّذين يلون الإمام أولى الأحلام منكم والنّهى ، فإن نسي الإمام أو تعايا قوّموه ، وأفضل الصفوف أوّلها ، وأفضل أوّلها ، ما دنا من الإمام » (4).
والنبوي العامي : « ليليني أولوا الأحلام ثمَّ الّذين يلونهم ثمَّ الّذين يلونهم ثمَّ الصبيان ثمَّ النساء » (5).
ثمَّ إنّ هذا الحكم إنّما هو لكلّ أهل الفضل من المأمومين ومن دونهم ، فيستحبّ للأوّلين المبادرة إلى الصفّ الأوّل وللآخرين تمكينهم منه. إلاّ أنّه لمّا دلّ ذيل الرواية الأولى على أفضليّة أوّل الصفوف مطلقا ، وكذا ما رواه الصدوق من أنّ : « الصلاة في الصفّ الأوّل كالجهاد في سبيل اللّه » (6)يتعارض المستحبّان في حقّ غير اولي الفضل ، إذ المستفاد من صدر الرواية وما بمعناها استحباب تمكينهم لأهل الفضل في الصف الأوّل ، ومن ذيلها وما بمعناها استحباب الاندراج في الصفّ الأوّل لكلّ أحد ، إذ لا شكّ أنّ ما ذكر من فضيلة الصفّ الأوّل لا يختصّ
1) الكافي 3 : 386 الصلاة ب 62 ح 8 ، الوسائل 8 : 342 أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6.
2) الذكرى : 273.
3) كما في الذخيرة : 395.
4) الكافي 3 : 372 الصلاة ب 54 ح 7 ، التهذيب 3 : 265 - 751 ، الوسائل 8 : 305 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 2.
5) صحيح مسلم 1 : 323 - 123 - 432 ( بتفاوت ).
6) الفقيه 1 : 252 - 1140 ، الوسائل 8 : 307 أبواب صلاة الجماعة ب 8 ح 5.
بأولى الفضل. فالظاهر أنّ هاهنا مستحبّين لا يمكن جمعهما لما دون أهل الفضل في جميع الأوقات ، وإذ لم يثبت ترجيح لأحدهما فلهم اختيار أيّ منهما أرادوا.
وفي الذكرى : وليكن يمين الصف لأفاضل الصف الأوّل ؛ لما روي من أنّ : « الرحمة تنتقل من الإمام إليهم ، ثمَّ إلى يسار الصفّ ، ثمَّ إلى الثاني » (1).
ولا يخفى أنّه لا دلالة له على تخصيص الميامن بالأفضل. ورجحان الأفضل للأفضل معارض بأنّ الأفضل له الفضيلة ، فيرجّح ازدياد فضل لمن ليس له ذلك.
نعم يدلّ على أفضلية ميامن الصفّ الأوّل. وهو كذلك. وتدل عليها أيضا رواية سهل : « فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على صلاة الفرد » (2).
ويظهر من ذلك ومن قوله في ذيل الرواية : « إنّ أفضل أوّلها ما دنا من الإمام » أنّ أفضل الميامن ما قرب من الإمام.
ويظهر منهما أيضا تعارض الفضيلتين في أواخر الميامن وأوائل المياسر ، فللاولى فضل الميمنة وللثانية فضل القرب من الإمام.
ثمَّ إنّ ما ذكر من أفضلية الصفّ الأوّل إنّما هو في غير صلاة الجنازة ، وأمّا فيها فأفضل الصفوف آخرها كما نسب إلى الأصحاب جملة (3)، ودلّت عليه المعتبرة المستفيضة (4)، وبها تقيّد الإطلاقات المتقدّمة.
ومنها : إقامة الصفوف واعتدالها وسدّ الفرج الواقعة فيها ؛ لاستفاضة النصوص العاميّة والخاصيّة.
فمن الاولى : كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يسوّي صفوفنا كأنّما يسوّي القداح (5).
وقال : « أقيموا صفوفكم » (1).
وقال : « سوّوا صفوفكم فإنّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة » (2).
وكان يمسح مناكبهم في الصلاة ويقول : « استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم » (3).
ومن الثانية : صحيحة محمّد : « أقيموا صفوفكم ، فإنّي أراكم من خلفي كما أراكم من قدّامي ومن بين يديّ » (4).
والمروي في التهذيب : « سوّوا بين صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم لئلاّ يكون فيكم خلل » (5).
وفي بصائر الصفّار : « لتقيمنّ صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين قلوبكم » (6).
وفيه أيضا : « أقيموا صفوفكم إذا رأيتم خللا » (7).
وفيه أيضا : « سوّوا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم » (8). إلى غير ذلك.
ومنها : تقارب الصفوف بعضها من بعض بأن لا يزيد ما بينها على مقدار مسقط جسد الإنسان ؛ لرواية الدعائم المتقدّمة في مسألة تباعد المأموم والإمام (9).
ومنها : أن يمجّد اللّه المأموم بالتسبيح ونحوه إذا فرغ من قراءته قبل الإمام فيما تجوز فيه القراءة من خلف الإمام الغير المرضي أو المرضي ، أو يمسك آية
1) سنن أبي داود 1 : 178 - 662.
2) صحيح مسلم 1 : 324 - 124 ، سنن أبي داود 1 : 179 - 668.
3) صحيح مسلم 1 : 323 - 122.
4) الفقيه 1 : 252 - 1139 ، الوسائل 8 : 423 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 5.
5) التهذيب 3 : 283 - 839 ، الوسائل 8 : 423 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 4 ، بتفاوت يسير.
6) بصائر الدرجات : 419 - 2 و 3 ، الوسائل 8 : 424 أبواب صلاة الجماعة ب 70 ح 8.
7) بصائر الدرجات : 420 - 5 ، الوسائل 8 : 224 أبواب صلاة الجماعة ب 7 ح 9.
8) لم نجده في البصائر ، ولكنه موجود في دعائم الإسلام 1 : 155. وفيه : « صلوا » بدل « سوّوا » ، راجع مستدرك الوسائل 6 : 506 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 8.
9) راجع ص 66.
ويمجّد اللّه ويثني عليه حتّى إذا فرغ الإمام قرأها وركع معه.
وتدلّ على الأوّل رواية عمر بن أبي شعبة : أكون مع الإمام وأفرغ قبل قراءته ، قال : « فأتمّ السورة ومجّد اللّه وأثن عليه حتّى يفرغ » (1).
وعلى الثاني : موثّقة زرارة : عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ ، قال : « فأمسك آية ومجّد اللّه وأثن عليه فاقرأ الآية واركع » (2).
والأمر فيهما وإن دلّ على الوجوب إلاّ أنّه حمل على الاستحباب للإجماع على عدم الوجوب.
ومنها : أن يصلّي الإمام بصلاة أضعف من خلفه ، إجماعا نصّا وفتوى كما قيل (3)؛ له وللأخبار المستفيضة.
منها : رواية ابن عمّار : « ينبغي للإمام أن تكون صلاته على أضعف من خلفه » (4).
والمروي في النهج في عهده للأشتر : « وإذا قمت في صلاتك فلا تكن منفّرا ولا مضيّعا ، فإنّ في الناس من به العلّة وله الحاجة » (5).
والرضوي : « وإذا صلّيت فخفّف بهم الصلاة » (6).
ولو أحسّ بشغل لبعض المأمومين استحبّ التخفيف أزيد من ذلك ، كما يستفاد من صحيحة ابن سنان (7)الواردة في صلاة النبي وسماعه صراخ الصبي ،
1) التهذيب 3 : 38 - 134 ، الوسائل 8 : 370 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 3.
2) الكافي 3 : 373 الصلاة ب 55 ح 1 ( بتفاوت يسير ) ، التهذيب 3 : 38 - 135 ، المحاسن : 326 - 73 ، الوسائل 8 : 370 أبواب صلاة الجماعة ب 35 ح 1.
3) الحدائق 11 : 173.
4) الفقيه 1 : 255 - 1152 ( بتفاوت يسير ) ، التهذيب 3 : 274 - 795 ، الوسائل 8 : 420 أبواب صلاة الجماعة ب 69 ح 3.
5) نهج البلاغة 3 : 114 ( شرح محمد عبده ).
6) فقه الرضا عليه السلام : 143 ، و 144 ، مستدرك الوسائل 6 : 502 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 2.
7) التهذيب 3 : 274 - 796. الوسائل 8 : 419 أبواب صلاة الجماعة ب 69 ح 1.
سيّما بزيادة ما في حديث آخر في عدّة الداعي حيث قال 6 : « خشيت أن يشتغل به خاطر أبيه » (1).
ولا شك في بقاء الاستحباب ما لم يعلم حبّ التطويل من جميع المأمومين. وأمّا إذا علمه فاستثناه بعض الأصحاب (2)نظرا إلى أنّ الظاهر من الأخبار مراعاة حالهم لأغراضهم وحوائجهم وأمراضهم. ولا بأس به ، إلاّ أنّ ظاهر بعض الأخبار الإطلاق.
ومنها : أن لا يقوم الإمام من مقامه بعد التسليم حتّى يتمّ من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الإمام مسافرا ، كما في صحيحة إسماعيل : « لا ينبغي للإمام أن يقوم إذا صلّى حتّى يقضي من خلفه كلّ ما فاته من الصلاة » (3).
[ وصحيحة الحلبي ] (4): « لا ينبغي للإمام أن ينتقل إذا سلّم حتّى يتمّ من خلفه الصلاة » (5)الحديث.
والبختري : « ينبغي للإمام أن يجلس حتّى يتمّ من خلفه صلاتهم » (6).
وموثّقة سماعة : ينبغي للإمام أن يلبث قبل أن يكلّم أحدا حتّى يرى أنّ من خلفه قد أتمّوا صلاتهم » (7).
ومقتضى الأخيرة استحباب عدم التكلّم أيضا.
وصحيحة أبي بصير : « أيّما رجل أمّ قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم ولا يخرج من ذلك الموضع حتّى يتمّ الّذين خلفه الّذين سبقوا صلاتهم ، ذلك على كلّ
1) عدة الداعي : 79 ، المستدرك 6 : 503 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 4.
2) كالشهيد في البيان : 240.
3) التهذيب 3 : 49 - 169 ، الوسائل 6 : 434 أبواب التعقيب ب 2 ح 4.
4) ما بين المعقوفين أضفناه لتصحيح المتن.
5) الكافي 3 : 341 الصلاة ب 1 ح 1 ، التهذيب 2 : 103 - 386 ، الوسائل 6 : 433 أبواب التعقيب ب 2 ح 2.
6) الفقيه 1 : 260 - 1189 ، الوسائل 6 : 433 أبواب التعقيب ب 2 ح 1.
7) التهذيب 2 : 104 - 390 ، الوسائل 6 : 434 أبواب التعقيب ب 2 ح 6.
إمام واجب إذا علم أنّ فيهم مسبوقا ، فإن علم أنّه ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء » (1).
ومقتضى ذلك وإن كان الوجوب ، إلاّ أنّه حمل على الاستحباب ؛ للإجماع على عدم وجوب الجلوس في مورد الرواية الذي هو المسبوق وإن قيل في الإمام المسافر كما يأتي ، ولموثّقة الساباطي : عن الرجل يصلّي بقوم فيدخل قوم في صلاته بعد ما قد صلّى ركعة أو أكثر من ذلك ، فإذا فرغ من صلاته وسلّم أيجوز له وهو إمام أن يقوم من موضعه قبل أن يفرغ من دخل في صلاته؟ قال : « نعم » (2).
خلافا للمحكي عن السيّد والإسكافي (3)، فأوجبا انتظار الإمام المسافر لتمام صلاة الحاضرين. ولم ينقل لهما مستند سوى الصحيحة ، وهي - كما عرفت - مخصوصة بالمسبوق ومعارضة مع الموثّق.
ومنها : أن يسمع الإمام من خلفه مطلق القراءة والأذكار الّتي يجوز الإجهار فيها ما لم يبلغ العلوّ المفرط ، وعدم إسماع من خلفه له شيئا ؛ لصحيحة أبي بصير : « ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كلّ ما يقول ، ولا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا ممّا يقول » (4).
ويتأكّد الاستحباب في التشهد ؛ لصحيحة البختري : « ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه التشهّد ولا يسمعونه هم شيئا » (5).
وفي صحيحة أبي بصير : صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه السلام فلمّا كان في آخر تشهّده رفع صوته حتى أسمعنا ، فلمّا انصرف قلت : كذا ينبغي للإمام أن
1) الكافي 3 : 341 الصلاة ب 1 ح 2 ، التهذيب 2 : 103 - 387. الوسائل 6 : 434 أبواب التعقيب ب 2 ح 3.
2) التهذيب 3 : 273 - 790 ، الوسائل 6 : 435 أبواب التعقيب ب 2 ح 7.
3) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 39 ، وحكاه عن الإسكافي في الروض : 374.
4) التهذيب 3 : 49 - 170 ، الوسائل 8 : 396 أبواب صلاة الجماعة ب 52 ح 3.
5) الكافي 3 : 337 الصلاة ب 30 ح 5 ، الفقيه 1 : 260 - 1189 ، التهذيب 3 : 102 - 384 ( بتفاوت يسير ) ، الوسائل 8 : 396 أبواب صلاة الجماعة ب 52 ح 1.
يسمع تشهّده من خلفه؟ قال : « نعم » (1).
وإنّما قيّدنا بما يجوز فيه الإجهار ، لخروج ما لا يجوز فيه الجهر - وهو القراءة في أوليي الظهرين - بما دلّ على إخفات الإمام فيها من الأخبار المتقدّمة في المسائل المتقدّمة في قراءة المأموم ، الدالّة على أنّ الإمام أيضا يخافت في القراءة ، سيّما صحيحة [ ابن ] يقطين المتضمّنة لقوله : عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام وصحيحة سليمان بن خالد المذكورة بعدها (2).
وبما لم يبلغ العلوّ المفرط ، لأنّه قد يخرج المصلّي عن كونه مصلّيا ، ولعدم معهوديّة مثله عن أحد من السلف والخلف حتى الحجج :.
وأمّا في الركعتين الأخيرتين فلعدم ثبوت وجوب الإخفات فيهما ، فلا بأس بالقول باستحباب جهر الإمام فيهما ؛ لعموم صحيحة أبي بصير. ولأجل ذلك أفتى بعضهم باستحبابه أيضا ، حيث إنّه لا يرى وجوب الإخفات فيهما مطلقا ، لا أنّه يوجبه فيهما في غير الإمام ولا يوجبه في الإمام.
ومنها : إنّه إذا أحسّ الإمام بدخول أحد في ركوعه يطيل ركوعه بقدري ما كان يركع انتظارا للداخلين ثمَّ يرفع وإن أحسّ بداخل ؛ لروايتي الجعفي (3)، ومروك (4).
ومنها : أن يقول المأموم عند فراغ الإمام من قراءته الفاتحة : الحمد لله ربّ العالمين ؛ لصحيحة جميل (5)، وغيرها المروي في المجمع (6)وغيره.
1) التهذيب 2 : 102 - 382 ، الوسائل 6 : 401 أبواب التشهد ب 6 ح 3.
2) راجع ص 86.
3) التهذيب 3 : 48 - 167 ، الوسائل 8 : 394 أبواب صلاة الجماعة ب 50 ح 1.
4) الكافي 3 : 330 الصلاة ب 26 ح 6 ، الفقيه 1 : 255 - 1151 ، الوسائل 8 : 395 أبواب صلاة الجماعة ب 50 ح 2.
5) الكافي 3 : 313 الصلاة ب 21 ح 5 ، التهذيب 2 : 74 - 275 ، الاستبصار 1 : 318 - 1185 ، الوسائل 6 : 367 أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 1.
6) مجمع البيان 1 : 31 ، الوسائل 6 : 368 أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 6.
ومنها : أن يكون قيام المأمومين عند قول المؤذّن : قد قامت الصلاة ؛ لتصريح روايتي الحنّاط (1)ومعاوية بن شريح (2)بذلك من غير معارض ، مضافا إلى حكاية الإجماع عن الخلاف في أواسط كتاب الصلاة (3).
وعن المبسوط والخلاف (4)استحباب قيامهم عند فراغ المؤذّن عن الأذان ، وعن بعض آخر عند قول المقيم : حيّ على الصلاة (5)، لوجوه اعتبارية غير صالحة للاستناد.
وأمّا مكروهاتها ، فهي أيضا أمور :
منها : أن يقف المأموم وحده في صفّ ، إلاّ أن تمتلئ الصفوف فلا يجد موضعا يدخل فيه فإنّه يقف في صفّ وحده من غير كراهة ، بالإجماع كما في المنتهى والمدارك (6)؛ له ، ولرواية السكوني : « لا تكوننّ في العثكل » قلت : وما العثكل؟ قال : « أن تصلّي خلف الصفوف وحدك ، فإن لم يمكن الدخول في الصفّ قام حذاء الإمام أجزأه ، فإن هو عاند الصفّ فسدت عليه صلاته » (7).
وهي دلّت على الحكمين. ونحوها في الدعائم إلى قوله : « وحدك » (8).1.
1) الفقيه 1 : 252 - 1137 ، التهذيب 2 : 285 - 1143 ، الوسائل 8 : 379 أبواب صلاة الجماعة ب 42 ح 1.
2) التهذيب 3 : 42 - 146 ، الوسائل 8 : 380 أبواب صلاة الجماعة ب 42 ح 2.
3) الخلاف 1 : 317.
4) المبسوط 1 : 157 ، والخلاف 1 : 564.
5) نقله عنه في المختلف : 160.
6) المنتهى 1 : 377 ، المدارك 4 : 345.
7) التهذيب 3 : 282 - 838 ، الوسائل 8 : 407 أبواب صلاة الجماعة ب 58 ح 1 ، وفي التهذيب : العيكل. وقال العلاّمة المجلسي - رحمه اللّه - في البحار 85 : 117 : لم أر العيكل بهذا المعنى في كتب اللغة .. وفي بعض النسخ بالثاء المثلثة ، وهو أيضا كذلك ليس له معنى مناسب ، ولا يبعد أن يكون « الفسكل » بالفاء والسين المهملة ، وهو بالضم والكسر : الفرس الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل. انتهى. انظر النهاية 3 : 446 والصحاح 5 : 1790.
8) الدعائم 1 : 155 ، مستدرك الوسائل 6 : 498 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1.
مضافا في الثاني إلى المروي في الدعائم : عن رجل دخل مع القوم في جماعة فقام وحده ليس معه في الصفّ غيره والصفّ الذي بين يديه متضايق ، قال : « إذا كان كذلك صلّى وحده فهو معهم » وقال : « قم في الصفّ ما استطعت وإذا ضاق المكان فتقدّم أو تأخّر فلا بأس » (1).
وقد يستدلّ له أيضا بصحيحة الأعرج (2)وموثقته (3)، ولا يخفى أنّهما لا تدلاّن إلاّ على الجواز الغير المنافي للكراهة.
خلافا في الأوّل للمحكي عن الإسكافي ، فحرّم القيام وحده مع وجود موضع في الصفّ (4)؛ لظاهر رواية السكوني.
إلاّ أنّ اتّفاق الأصحاب على عدم وجوبه ضعّفها بالشذوذ المخرج لها عن صلاحيّة إثبات الوجوب ، سيّما مع معارضتها لعموم صحيحة الكناني : عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، فقال : « لا بأس إنّما يبدو واحد بعد واحد » (5).
ثمَّ إذا لم يجد موضعا وقام وحده قام حذاء الإمام ، كما في الرواية وموثّقة الأعرج. والمراد به أن يكون موقفه بعد الصفوف محاذيا لموقف الإمام.
ومنها : التنفّل بعد قول المؤذّن : قد قامت الصلاة ؛ لصحيحة عمر بن يزيد : عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ، ما حدّ هذا الوقت؟ قال : « إذا أخذ المقيم في الإقامة » فقال له : إنّ الناس مختلفون في الإقامة ، قال : « المقيم الذي تصلّي معه » (6). .
1) الدعائم 1 : 156 ، مستدرك الوسائل 6 : 497 أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 1 و 3.
2) التهذيب 3 : 51 - 179 ، الوسائل 8 : 405 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 1.
3) الكافي 3 : 385 الصلاة ب 62 ح 3 ، التهذيب 3 : 272 - 786 ، الوسائل 8 : 406 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3.
4) نقل عنه الشهيد في الذكرى : 274.
5) التهذيب 3 : 280 - 828 ، علل الشرائع 361 - 1 ( بتفاوت يسير ). الوسائل 8 : 406 أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 2.
6) الفقيه 1 : 252 - 1136 ، التهذيب 3 : 283 - 841. الوسائل 4 : 228 أبواب المواقيت ب 35 ح 9.
كذا ذكروه. ولا يخفى أنّ مقتضى الرواية الكراهة حين الشروع في الإقامة لا قوله : « قد قامت الصلاة » وكذا ظاهرها كراهة التنفّل في ذلك الوقت مطلقا وظاهر كثير من الأصحاب كراهة الابتداء به ، واتّباع الرواية الصحيحة أولى ، فيكره مطلق التنفّل عند الشروع في الإقامة بمعنى المرجوحية الإضافية وأقليّة الثواب ، فلا تنافيها حرمة قطع النافلة أو كراهتها.
وقد حرّم التنفّل في الوقت المذكور الشيخ في النهاية وابن حمزة على ما حكي عنهما (1). ولا مستند لهما ، إذ الصحيحة لا تفيد أزيد من الكراهة.
ومنها : أن يخصّ الإمام نفسه بالدعاء ؛ لمرسلة الفقيه (2).
قيل : الظاهر تخصيص الحكم بالدعاء الذي يخترعه الإمام من نفسه ، أمّا لو قرأ بعض الأدعية المأثورة عن الأئمة فيأتي بالكيفية الواردة. وفيه تأمّل.
ومنها : التكلّم بعد قول المؤذّن : قد قامت الصلاة ، فإنّه وإن كره في غير الجماعة أيضا إلاّ أنّه فيها آكد ؛ لصحيحة ابن أبي عمير : عن الرجل يتكلّم في الإقامة؟ قال : « نعم ، فإذا قال المؤذّن : قد قامت الصلاة ، فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلاّ أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض : تقدّم يا فلان » (3).
وزرارة : « إذا أقيمت الصلاة حرم الكلام على الإمام وأهل المسجد إلاّ في تقديم إمام » (4).
وظاهرهما وإن كان التحريم إلاّ أنّه حمل على الكراهة ؛ للإجماع على عدم الحرمة ، وللجمع بينهما وبين صحيحة حمّاد : عن الرجل أيتكلّم بعد ما يقيم
الصلاة؟ قال : « نعم » (1).
ومنها : أن يأتمّ المسافر للحاضر أو الحاضر للمسافر ، على المعروف من مذهب الأصحاب كما في المدارك (2). بل عن المعتبر والمنتهى بل جملة من كتب الفاضل (3)، وصريح بعض المتأخّرين : الإجماع عليه.
أمّا الجواز فللأصل ، وظاهر الإجماع والعمومات.
وأمّا المستفيضة المبيّنة لكيفيّة صلاة المسافر المقتدي بالحاضر ، كصحيحة الحلبي : في المسافر يصلّي خلف المقيم ، قال : « يصلّي ركعتين ويمضي حيث شاء » (4). ونحوها صحيحة حمّاد (5).
وموثّقة عمر بن يزيد : عن المسافر يصلّى مع الإمام فيدرك من الصلاة ركعتين أيجزي ذلك عنه؟ قال : « نعم » (6).
ورواية محمّد بن علي : عن الرجل المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين ، قال : « فليصلّ صلاته ثمَّ يسلّم وليجعل الأخريين سبحة » (7).
وصحيحة محمّد : « إذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم ، فإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوليين الظهر والأخريين العصر » (8)إلى
1) التهذيب 2 : 54 - 187 ، الاستبصار 1 : 301 - 1114 ، الوسائل 5 : 395 أبواب الأذان والإقامة ب 10 ح 9.
2) المدارك 4 : 364.
3) المعتبر 2 : 441 ، المنتهى 1 : 373 ، التذكرة 1 : 179 ، نهاية الإحكام 2 : 151.
4) الكافي 3 : 439 الصلاة ب 86 ح 1 ، الوسائل 8 : 329 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 2.
5) التهذيب 3 : 165 - 357 و 227 - 576 ، الاستبصار 1 : 425 - 1641 ، الوسائل 8 : 329 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 2.
6) الكافي 3 : 439 الصلاة ب 86 ح 2 ، التهذيب 3 : 165 - 359 ، الوسائل 8 : 331 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 7.
7) التهذيب 3 : 165 - 356 و 227 - 575 ، الاستبصار 1 : 425 - 1640 ، الوسائل 8 : 330 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 5.
8) الفقيه 1 : 287 - 1308 ، الوسائل 8 : 329 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 1.
غير ذلك.
فغير جيّد ؛ لأنّ هذه الروايات منساقة لبيان حكم آخر غير الجواز ، وهو كيفيّة اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس لو اتّفق ، ردّا على جماعة من العامّة القائلين بأنّه إذا اقتدى المسافر بالمقيم لزمه التمام (1)، فليست صريحة الدلالة على الجواز. نعم تصلح للتأييد في تجويز إمامة الحاضر للمسافر بل في تجويز عكسه أيضا بضميمة عدم القول بالفرق.
إلاّ أنّه يمكن أن يقال بمنع ظهور الروايات في السؤال عن كيفية الاقتداء خاصّة ، بل الظاهر : السؤال عن مطلق ما يلزم المسافر المصلّي خلف الحاضر الشامل للإجزاء والكيفية ، ومقتضى ترك الاستفصال عموم الحكم الذي ذكره المستلزم للجواز والصحة ، فيتمّ الاستدلال بالروايات أيضا.
وأمّا الكراهة فللشهرة الكافية في مقام التسامح ، وصحيحة أبي بصير : « لا يصلّي المسافر مع المقيم ، فإن صلّى فلينصرف في الركعتين » (2).
وموثّقة البقباق : « لا يؤمّ الحضري المسافر ولا المسافر الحضري ، فإذا ابتلى بشيء من ذلك فأمّ قوما حاضرين فإذا أتمّ الركعتين سلّم ثمَّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم ، فإذا صلّى المسافر خلف قوم حضور » (3)إلى آخر ما في صحيحة محمّد.
والرضوي : « اعلم أنّ المقصّر لا يجوز له أن يصلّي خلف المتمّم ، ولا يصلّي المتمّم خلف المقصّر ، فإن ابتليت بقوم لم تجد بدّا من أن تصلّي معهم فصلّ ركعتين وسلّم وامض لحاجتك » (4).
1) المغني 2 : 130.
2) التهذيب 3 : 165 - 358 ، الاستبصار 1 : 426 - 1642 ، الوسائل 8 : 329 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 3.
3) التهذيب 3 : 164 - 355 و 226 - 574 ، الاستبصار 1 : 426 - 1643 ، الوسائل 8 : 330 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.
4) فقه الرضا عليه السلام : 163 ، مستدرك الوسائل 6 : 466 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 1.
خلافا في الأوّل للمحكي عن عليّ بن بابويه ، فلم يجوّز إمامة المتمّم للمقصّر ولا عكسه (1)، ونسب إلى المقنعة موافقته له فيهما أيضا (2). وعن ولده فلم يجوّز الأصل في المقنع (3)؛ للروايات الثلاث الأخيرة التي هي أخصّ من العمومات السالفة ، بل من الروايات المذكورة ، لاختصاص المنع فيها بحال عدم الضرورة كما يدلّ عليه ذيل الموثّقة والرضوي.
ويردّ : بعدم حجّيتها ؛ لشذوذها ، ومعارضتها مع ظواهر الروايات المتقدّمة عليها. مضافا إلى تضمّن الاولى للجملة الخبرية الغير الصريحة في الإيجاب ، واحتمال الثانية لها أيضا المانع عن الاستدلال بها للوجوب ، وضعف الثالثة بنفسها.
ولظاهر المختلف والنافع وجماعة (4)، وصريح الديلمي (5)في الثاني ، فخصّوا الكراهة باقتداء الحاضر بالمسافر ؛ للأصل ، وبعض الوجوه الاعتبارية ، المندفعين بالإجماعات المنقولة والشهرة المحقّقة والأخبار الثلاثة المصرّحة. ولضعف روايات المنع ، المردود بعدم ضيره في مقام الكراهة ، مع أنّ منها الصحيحة والموثقة اللتين هما بنفسهما حجّة سيّما مع اعتضادهما بالشهرة.
فرع : ظاهر عبارات كثير من الأصحاب كراهة الائتمام المذكور مطلقا مقصورة كانت الفريضة أم لا ؛ لإطلاقات الروايات المتقدّمة.
وعن السيّد والحلّي والمعتبر وجملة من كتب الفاضل والبيان (6)، بل هو
1) نقله عنه في المختلف : 155.
2) لم نجده في المقنعة ، بل نقل في الحدائق 11 : 154 عن المفيد كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر وعكسه.
3) لم نجده في المقنع ، ولكن نقله عنه في المختلف 1 : 155.
4) المختلف : 155 ، والمختصر النافع : 48 ، وانظر المبسوط 1 : 154 ، والوسيلة : 105 ، والمهذب 1 : 80.
5) المراسم : 86.
6) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 1 ) : 39 ، السرائر 1 : 281 ، المعتبر 2 : 442 ، نهاية الاحكام 2 : 151 ، التحرير 1 : 53 ، والمنتهى 1 : 373 ، البيان : 232.
المشهور - كما قيل (1)- اختصاص الكراهة بالفريضة المقصورة.
وهو الأقوى ؛ للأصل ، وعدم ظهور الروايات في الإطلاق لاختصاص حكم أذيالها في المقصورة ، فلا بدّ إمّا من ارتكاب التخصيص في الصدر أو في موضوع الذيل وهو المستتر في قوله : « فإنّ صلّى » في الاولى ، وفي : « فإن ابتلى » في الثانية ، وفي : « إن ابتليت » في الثالثة. وليس الثاني أولى من الأوّل فلا يعلم الإطلاق.
ومنه يظهر أنّه تدخل في غير المقصورة : الرباعية الّتي يتمّها في أحد المواطن الأربعة كما صرّح به في التذكرة (2).
ومنها : أن يكون الإمام متيمّما إذا كان المأمومون متوضّئين أو غاسلين ، على المشهور المنصور ؛ لرواية عبّاد : « لا يصلّي المتيمّم بقوم متوضّئين » (3).
والسكوني : « لا يؤمّ صاحب التيمم المتوضّئين » (4).
وقصورهما عن إفادة الحرمة أوجب القول بالكراهة. مضافا إلى صحيحة جميل (5)، وموثّقة ابن بكير (6)، وحسنته (7)، ورواية أبي أسامة (8)، المجوّزة لها أو
1) البحار 85 : 56.
2) التذكرة 1 : 179.
3) التهذيب 3 : 166 - 361 ، الاستبصار 1 : 424 - 1634 ، الوسائل 8 : 328 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 6.
4) التهذيب 3 : 166 - 362 ، الاستبصار 1 : 424 - 1135 ، الوسائل 8 : 328 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 5.
5) التهذيب 3 : 167 - 365 ، الاستبصار 1 : 425 - 1638 ، الوسائل 8 : 327 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 1.
6) التهذيب 3 : 167 - 364 ، الاستبصار 1 : 424 - 1637 ، الوسائل 8 : 327 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 2.
7) التهذيب 3 : 167 - 366 ، الاستبصار 1 : 425 - 1639 ، الوسائل 8 : 327 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 3.
8) التهذيب 3 : 167 - 363 ، الاستبصار 1 : 424 - 1636 ، الوسائل 8 : 328 أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 4.
النافية للبأس عنها.
خلافا للمحكي عن ظاهر السيّد فحرمها (1). وهو شاذّ مردود بما مرّ.
ولبعض متأخّري المتأخّرين فنفى الكراهة (2)؛ لضعف الروايتين الأوليين سندا ، ونفي الكراهة في معارضاتها مع رجحانها عليهما بالأكثريّة والأصحّية والمخالفة للعامة.
ويردّ الأوّل : بأنّ المقام يتحمّل المسامحة.
والثاني : بمنع نفي المعارضات الكراهة بل غايته إثبات الجواز ، ونفي البأس ليس إلاّ نفي العذاب.
ومنها : أن يكون الإمام مملوكا ؛ لرواية السكوني : « لا يؤمّ العبد إلاّ أهله » (3)القاصرة عن إفادة الحرمة المعارضة مع ما صرّح بالجواز كصحيحتي زرارة (4)، ومحمّد (5)، وموثقة سماعة (6)، والمروي في قرب الإسناد (7).
فالقول بها مطلقا كما عن ابن حمزة (8)، أو إلاّ لأهله كما عن المقنع (9)، أو إلاّ لمواليه كما عن المبسوط والنهاية (10)، ضعيف.
1) الجمل والعلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 39.
2) الحدائق 11 : 227.
3) التهذيب 3 : 29 - 102 ، الاستبصار 1 : 423 - 1631 ، الوسائل 8 : 326 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 4.
4) الكافي 3 : 375 الصلاة ب 56 ح 4 ، الوسائل 8 : 325 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 1.
5) التهذيب 3 : 29 - 99 ، 100 ، الاستبصار 1 : 423 - 1628 ، 1629 ، الوسائل 8 : 326 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 2.
6) التهذيب 3 : 29 - 101 ، الاستبصار 1 : 423 - 1630 ، الوسائل 8 : 326 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 3.
7) قرب الإسناد : 156 - 575 ، الوسائل 8 : 326 أبواب صلاة الجماعة ب 16 ح 5.
8) نقل عنه في الحدائق 11 : 227.
9) المقنع : 35.
10) المبسوط 1 : 155. النهاية : 112.
نعم مفهوم بعض الصحاح المذكورة ثبوت البأس إذا كان في المأمومين من هو أفقه منه ، ولكن لا قائل بالحرمة حينئذ ، فيحمل على الكراهة.
ومقتضى الرواية المذكورة اختصاص الكراهة بالإمامة لغير أهله ، فالتخصيص بها أولى.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لو علم المأموم كفر الإمام أو فسقه أو حدثه أو كونه على غير القبلة أو إخلاله بالنيّة بعد الصلاة لم يعدها مطلقا ، على الأقوى الأشهر ، بل وفاقا لغير من شذّ وندر ، بل بالإجماع في الأوّل كما عن الخلاف (1).
وتدلّ على الجميع : أصالة براءة الذمّة عن الإعادة ، لحصول الامتثال المقتضي للإجزاء.
وعلى الأوّل صريحا والثاني فحوى بل إجماعا مركّبا : مرسلة ابن أبي عمير : في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل ، فلمّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهودي ، قال : « لا يعيدون » (2).
والمروي في الفقيه عن كتاب القندي ونوادر ابن أبي عمير : في رجل صلّى بقوم من حين خرجوا من خراسان حتّى قدموا مكة فإذا هو يهودي أو نصراني ، قال : « ليس عليهم إعادة » (3).
وعلى الثالث : صحيحة محمّد : عن رجل أمّ قوما وهو على غير طهر فأعلمهم بعد ما صلّوا ، قال : « يعيد هو ولا يعيدون » (4).
والأخرى : عن الرجل يؤمّ القوم وهو على غير طهر فلا يعلم حتى تنقضي
صلاته ، فقال : « يعيد ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنّه كان على غير طهر » (1).
ورواية ابن أبي يعفور : عن رجل أمّ قوما وهو على غير وضوء ، قال : « ليس عليهم إعادة ، وعليه هو أن يعيد » (2).
وصحيحة زرارة : سألته عن قوم صلّى بهم إمامهم وهو غير طاهر ، أتجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال : « لا إعادة عليهم ، تمّت صلاتهم ، وعليه هو الإعادة ، وليس عليه أن يعلمهم ، هذا عنه موضوع » (3).
والحلبي : « من صلّى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء فعليه الإعادة ، وليس عليهم أن يعيدوا ، وليس عليه أن يعلمهم ولو كان ذلك عليه لهلك » قال ، قلت : كيف يصنع بمن خرج إلى خراسان؟ وكيف يصنع بمن لا يعرف؟ قال : « هذا عنه موضوع » (4).
وموثقة ابن بكير : عن رجل أمّنا في السفر وهو جنب وقد علم ونحن لا نعلم ، قال : « لا بأس » (5).
وعلى الرابع : صحيحة الحلبي : في الأعمى يؤمّ القوم وهو على غير القبلة ، قال : « يصيد ولا يعيدون فإنّهم قد تحرّوا » (6).
وصحيحة الحلبي : عن رجل يصلّي بالقوم ثمَّ يعلم أنّه صلّى بهم إلى غير
1) التهذيب 3 : 39 - 137 ، الاستبصار 1 : 432 - 1668 ، الوسائل 8 : 372 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 4.
2) التهذيب 3 : 39 - 138 ، الاستبصار 1 : 432 - 1669 ، الوسائل 8 : 373 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 7.
3) التهذيب 3 : 39 - 139 ، الاستبصار 1 : 432 - 1670 ، الوسائل 8 : 372 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 5.
4) الفقيه 1 : 262 - 1197 ، الوسائل 8 : 371 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 1.
5) التهذيب 3 : 39 - 136 الاستبصار 1 : 432 - 1667 ، الوسائل 8 : 373 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 8.
6) الكافي 3 : 378 الصلاة ب 59 ح 2 ، التهذيب 3 : 269 - 771 ، الوسائل 8 : 339 أبواب صلاة الجماعة ب 21 ح 6.
القبلة ، فقال : « ليس عليهم إعادة شيء » (1)وغير ذلك.
وعلى الخامس : صحيحة زرارة : رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، فأحدث إمامهم ، فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم ، أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال : « لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم - إلى أن قال - : قد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها » (2).
خلافا للمحكي عن السيّد في المصباح في الأوّلين دون الثانيين (3)، بل صرّح فيه بعدم الإعادة في الثالث ، فنسبة الخلاف فيه أيضا إليه سهو.
وعن الإسكافي في الأوّلين مطلقا وفي الثالث إن علم في الوقت (4).
لفوات الشرط الذي هو أهليّة الإمام ، وللنهي عن الصلاة خلف الكافر والفاسق.
وهما ممنوعان ؛ لأنّ الشرط هو الأهليّة بحسب علم المأمومين أو ظنّهم لاستحالة التكليف بالواقع ، ولأنّ النهي إنّما هو عن الصلاة خلف من يعلم كفره أو فسقه.
ولخبر العرزمي : « صلّى عليّ عليه السلام بالناس على غير طهر وكانت الظهر ، ثمَّ دخل فخرج مناديه : أنّ أمير المؤمنين صلّى على غير طهر فأعيدوا » (5).
والمروي في نوادر الراوندي : « من صلّى بالناس وهو جنب أعاد هو وأعاد الناس » (6).ع.
1) التهذيب 3 : 40 - 142 ، الوسائل 8 : 375 أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 1.
2) الكافي 3 : 382 الصلاة ب 61 ح 8 ، الفقيه 1 : 262 - 1195 ، الوسائل 8 : 376 أبواب صلاة الجماعة ب 39 ح 1.
3) حكاه عنه في المختلف : 156.
4) حكاه عنه في المختلف : 156.
5) التهذيب 3 : 40 - 140 ، الاستبصار 1 : 433 - 1671 ، الوسائل 8 : 373 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 9.
6) بحار الأنوار 85 : 67 - 19 ، ولم نجده في النوادر المطبوع.
وخبر آخر مروي في الدعائم (1).
ويردّ الأوّل : بكونه باطلا ، لمنع عصمته عليه السلام عمّا نسب إليه. والثانيان : بالضعف الخالي عن الجابر ، مع موافقة الكلّ لمذهب أصحاب الرأي (2)، فيجب حملها على التقية.
وللمحكي في الفقيه عن جماعة من مشايخه في الأوّل ، فحكموا بالإعادة فيما لم يجهر بهم من الصلاة وعدمها فيما جهر بهم (3). وظاهره الميل إليه بل فتواه به ، لخبر يدلّ عليه كما يظهر من الفقيه. ولكنّا لم نعثر عليه.
وللمحكي عن الشيخ في الرابع ، فحكم بوجوب إعادة المأمومين مع الاستدبار مطلقا ، وفي الوقت خاصّة مع الكون إلى يمين القبلة أو شمالها (4).
وعن الحلّي فيه ، فحكم بوجوب الإعادة مطلقا في الوقت خاصّة ، ونسبه إلى الشيخ أيضا (5).
وعن الإسكافي فأوجب الإعادة عليهم في الوقت مطلقا ، وفي خارجه إن لم يتحرّوا وتحرّى الإمام ، وعليه خاصّة إن لم يتحرّ وتحرّوا (6).
والظاهر أنّ مراد الجميع ما إذا تبع المأموم الإمام في الصلاة إلى غير القبلة كما يدلّ عليه تفصيل الإسكافي أيضا ، وعلى هذا فيخرج عن مفروض المسألة ويدخل في مسألة من صلّى إلى غير القبلة وقد سبق حكمه.
ولا ينافيه الصحيحان ، إذ لا دلالة فيهما على كون صلاة المأمومين إلى غير القبلة أيضا ، فتبقى أدلّة الإعادة عليهم - مطلقا أو في بعض الصور - خالية عن المعارض.
نعم لو كان المراد مفروض المسألة ، وهو ما إذا صلّى المأمومون إلى القبلة دون الإمام كما إذا صلّوا في مكان مظلم أو مع حائل كما إذا كان المأمومون نسوة ، فالصحيحان يردان عليهم جميعا.
أ : لو تبيّن الخلل في أثناء الصلاة ففي جواز الانفراد ، أو لزوم الاستئناف قولان.
أقواهما الأوّل ؛ للأصل المتقدّم (1)، ولرواية زرارة : عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمَّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء ، قال : « يتمّ القوم صلاتهم فإنّه ليس على الإمام ضمان » (2).
ب : صريح صحيحتي زرارة والحلبي عدم وجوب الإعلام بالحال على الإمام بعد الصلاة.
ولو تذكّر الحدث في الأثناء أو عرض له حدث أو خلل يجب عليه الإعلام إجماعا ظاهرا ؛ له ، ولبعض الروايات ، كمرسلة الفقيه : « ما كان من إمام تقدّم في الصلاة وهو جنب ناسيا أو أحدث حدثا أو رعافا أو أذى في بطنه ، فليجعل ثوبه على أنفه ولينصرف وليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه » (3)الحديث.
ولا ينافيه التعبير بقوله : « لا ينبغي » في صحيحة زرارة الأخيرة ، لصدقه على المحرّم أيضا.
ج : حكم سائر الخلل المبطل للصلاة حكم ما مرّ لو علمه المأموم في صلاة الإمام عمدا منه أو سهوا ؛ لفحوى ما مرّ ، والإجماع المركب.
المسألة الثانية : قد عرفت إدراك المأموم الركعة بإدراك الإمام راكعا وفوتها بعدم إدراكه كذلك.
وعلى هذا لو دخل المأموم موضعا تقام فيه الجماعة وقد ركع الإمام وخاف بالالتحاق بالصفّ رفع الإمام رأسه عن الركوع فإنّه يكبّر في مكانه ويركع ويمشي في ركوعه حتّى يلتحق بالصفّ ، ولو سجد الإمام قبل التحاقه جاز له السجود في موضعه ثمَّ الالتحاق بالصفّ إذا قام ، بلا خلاف فيه يعرف كما قيل (1)، بل عن الخلاف والمنتهى (2)الإجماع عليه.
لصحيحة محمّد : عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة ، فقال : « يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشي وهو راكع حتّى يبلّغهم » (3).
والبصري : « إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت أنّك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر واركع ، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك ، فإذا قام فالحق بالصفّ ، وإن جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصفّ » (4).
وقد يستدلّ له بصحيحة معاوية : رأيت أبا عبد اللّه عليه السلام يوما وقد دخل المسجد لصلاة العصر ، فلمّا كان دون الصفوف ركعوا فركع وحده وسجد سجدتين ، ثمَّ قام فمضى حتّى لحق بالصفّ (5).
وفي دلالتها نظر ؛ لاحتمال أن تكون صلاته بنيّة الانفراد ، بل هي كذلك.
فلو دلّت فإنّما تدلّ على جواز المشي إلى القبلة في الصلاة في الجملة ، وهي مسألة أخرى غير ما نحن فيه ؛ إذ الكلام هنا في جواز الاقتداء بالإمام قبل الوصول إلى الحدّ المجوّز شرعا ؛ فإنّ هنا مسألتين : إحداهما : تقدّم المصلّي من
1) الرياض 1 : 240.
2) الخلاف 1 : 555 ، المنتهى 1 : 382.
3) الفقيه 1 : 257 - 1166 ، التهذيب 3 : 44 - 154 ، الاستبصار 1 : 436 - 1681 ، الوسائل 8 : 384 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 1.
4) الكافي 3 : 385 الصلاة ب 62 ح 5 ، الفقيه 1 : 254 - 1148 ، التهذيب 3 : 44 - 155 الاستبصار 1 : 436 - 1682 ، الوسائل 8 : 385 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 3.
5) الكافي 3 : 384 الصلاة ب 62 ح 1 ، التهذيب 3 : 272 - 785 ، 281 - 829 الوسائل 8 : 384 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 2.
مكانه إمّا لسدّ خلل الصفوف أو ضيق المكان أو إتمام الصفّ أو غيره ، والأخرى : ما لو كان بين الداخل وبين أهل الصلاة أزيد ممّا يشترط في الاقتداء من المسافة.
والكلام هنا في الثانية ، والصحيحة لا تدلّ عليها ، لعدم كون الإمام عليه السلام مقتديا.
ومنه : يظهر عدم صحة الاستدلال بصحيحة محمّد : الرجل يتأخّر وهو في الصلاة؟ قال : « لا » قلت : فيتقدّم؟ قال : « نعم ماشيا إلى القبلة » (1).
وكذا يظهر ما في كلام المنتهى في هذه المسألة حيث قال : ولو فعل ذلك من غير ضرورة وخوف فوت فالظاهر الجواز خلافا لبعض العامة ، لأنّ للمأموم أن يصلّي في الصفّ منفردا أو أن يتقدّم بين يديه ، وحينئذ يثبت المطلوب (2). انتهى.
فإنّ ما استدلّ به هو المسألة الاولى ، وهي لا تثبت الثانية.
فالمناط هو الصحيحان. ومقتضى إطلاقهما جواز الاقتداء مع خوف الفوات ولو كان بينه وبين أهل الصلاة مسافة كثيرة.
ولا معارض له أيضا ؛ إذ - كما عرفت - دليل مانعيّة التباعد منحصر في الإجماع (3)المنتفي في المقام ، بل المشهور هنا خلافه ، وإنّما اشترط انتفاء ما لا يجوز من التباعد الفاضل المقداد وبعض آخر (4). ولا وجه له.
مع أنّه لو كان البعد بما لا يجوز له التباعد اختيارا مانعا شرعيا هنا لما كان الحكم هنا اتفاقيا ، بل كان اللازم اختصاصه بالمشهور دون من لا يجوّز التباعد بما لا يتخطّى مع أنّه لم ينقل الخلاف عنه هنا.
أ : قيّد شيخنا الشهيد الثاني المشي حالة الصلاة بغير حالة الذكر الواجب (1). ولعلّ منشأه المحافظة على الطمأنينة في موضعها.
ولا يخفى أنّ ظاهر النصوص الإطلاق ، وكأنّه يخصّه بأدلّة وجوب الطمأنينة.
وفيه : أنّ انتهاضها على وجوبها مطلقا حتّى في المورد غير معلوم ، مع أنّ تقييد هذا الإطلاق بأدلّتها ليس أولى من العكس. فالظاهر جوازه في جميع الحالات.
ب : مقتضى صحيحة محمّد الأولى المشي للالتحاق حال الركوع.
ومقتضى صحيحة البصري تأخير الالتحاق إلى حال قيام الإمام بعد السجود.
وفي رواية إسحاق : أدخل المسجد وقد ركع الإمام فأركع بركوعه وأنا وحدي وأسجد ، فإذا رفعت رأسي فأيّ شيء أصنع؟ فقال : « قم فاذهب إليهم ، فإن كانوا قياما فقم معهم ، وان كانوا جلوسا فاجلس معهم » (2).
ومقتضاها تأخير الالتحاق إلى حال رفع اللاحق رأسه من السجود فيقوم فيلتحق ، وإن لم يقم القوم فيجلس معهم إن كانوا جلوسا.
ومقتضى الجمع التخيير بين الأنحاء الثلاثة.
ولو مشى راكعا ولم يلحق حتّى تمَّ الركوع فالظاهر جواز المشي بعد رفع الرأس عنه قبل السجود ما لم يخف فوت السجود مع الإمام ، لعدم المانع.
ولو قام للالتحاق بعد السجود حين جلوس القوم ولم يتمّ حتّى خاف فوت المتابعة في الجلوس جلس أينما بلغ ثمَّ التحق بعد القيام. ولا يبعد جواز الالتحاق ثمَّ الجلوس بنفسه للتشهّد ثمَّ القيام وإن قام الإمام قبل جلوسه.
ج : المغتفر في هذا المقام لإدراكه الركعة هو التباعد. وأمّا سائر الشرائط كعدم الحائل وعدم علو الإمام فلا دليل على اغتفاره ، فلا يجوز الايتمام مع الحائل أو العلو ثمَّ المشي إلى مكان ارتفع فيه المانع بعد الركوع ؛ لعموم أدلّة مانعيّتهما ، وعدم ما يصلح للتخصيص ، فإنّ المتبادر من الأخبار ليس إلاّ اغتفار التباعد بل الظاهر من دخول المسجد الوارد في الأخبار عدم مانع آخر ، لتساوي سطح المسجد الواحد ، وعدم الحائل فيه غالبا في المساجد المتداولة في هذه الأعصار.
د : قد أشرنا هنا إلى مسألة أخرى هو : جواز المشي في الصلاة إلى القبلة أو الخلف لالتحاق صفّ أو إتمامه أو ضيق مكان أو غير ذلك. وهو كذلك ، للأصل ، وعدم المانع ، حتّى لو عدّ فعلا كثيرا ، لعدم ثبوت مبطليّة ذلك بإجماع إلاّ إذا انمحت به صورة الصلاة.
وتدلّ عليه صحيحة محمّد الأخيرة أيضا ، وصحيحة علي : عن القيام خلف الإمام ما حدّه؟ قال : « إقامة ما استطعت فإذا قعدت فضاق المكان فتقدّم وتأخّر فلا بأس » (1).
وموثّقة سماعة : « لا يضرّك أن تتأخّر وراءك إذا وجدت ضيقا في الصف فتتأخّر إلى الصفّ الّذي خلفك ، وإن كنت في صفّ فأردت أن تتقدّم قدّامك فلا بأس أن تمشي إليه » (2)وغير ذلك.
ومقتضى غير الاولى جواز التأخّر أيضا ، فما في الأولى يتحمّل الكراهة.
والاولى أن لا يكون ذلك حالة الذكر الواجب.
ه- : لو كان الداخل قد دخل المسجد من قدّام الإمام جاز له التكبير والمشي قهقرى إن أمكن ما لم تنمح به صورة الصلاة ، للإطلاق.
و : يستحبّ أن يجرّ الماشي في هاتين المسألتين رجليه على الأرض ولا يتخطّى ،
لمرسلة الفقيه : وروي : « أنّه يمشي في الصلاة يجرّ رجليه » (1).
المسألة الثالثة : لو كان أحد في نافلة فأحرم الإمام للصلاة قال جماعة (2): إنّه يقطع النافلة إن خاف الفوات ، ويدخل الفريضة مع الإمام.
ولو كان في فريضة عدل بنيته إلى النافلة ، فيتمّها ركعتين ويقتدي.
أمّا الأوّل فاستدلّ له تارة بأنّ فيه تحصيلا لما هو أهمّ في نظر الشرع ، فإنّ الجماعة في نظره أهمّ من النافلة.
واخرى بفحوى الأخبار الآتية الآمرة بالعدول من الفريضة إلى النافلة ، إذ هو في معنى إبطال الفريضة ، فإذا جاز ذلك لدرك فضيلة الجماعة جاز إبطال النافلة لدركها بطريق أولى.
وثالثة بصحيحة عمر بن يزيد (3)المتضمّنة للسؤال عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ، ما حدّ هذا الوقت؟ قال : « إذا أخذ المقيم في الإقامة ».
فإنّها دلّت على أنّه إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا ينبغي التطوّع ، وهو أعمّ من أن يبتدئ به بعد أخذ المقيم في الإقامة أو يحصل الأخذ بعد دخوله في النافلة.
والكلّ منظور فيه : أمّا الأوّل فلمنع الأهميّة بعد الدخول ، حيث إنّ قطع النافلة حرام - على ما مرّ - فالإتمام واجب ، والواجب أهمّ من المستحب.
وأمّا الثاني فلمنع كونه إبطالا للعمل - كما صرّح به في المختلف (4)والرضوي الآتي في الحكم الثاني - بل هو تبديل ، ولا نسلّم أولويّة قطع النافلة منه.
وأمّا الثالث فلمنع كونه تطوّعا بعد الدخول ، بل الإتمام واجب.
والصواب أن يستدلّ له بالرضوي : « وإن كنت في صلاة نافلة وأقيمت
الصلاة فاقطعها وصلّ الفريضة مع الإمام » (1).
وضعفه غير ضائر ، لانجباره بما صرّح به بعض الأجلّة من قوله في بيان المسألة : من غير خلاف يظهر. بل بما ذكره أيضا من قوله : فالمستند لعلّه الإجماع ، بل بما ذكره بعض مشايخنا من نسبته إلى الأكثر. بل بما قاله من أنّ استحباب القطع لعلّه متّفق عليه بين الجماعة (2).
وأمّا الثاني فللإجماع كما عن التذكرة وغيرها (3)، والمعتبرة من النصوص ، كصحيحة سليمان بن خالد : عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة ، فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن وأقام الصلاة ، قال : « فليصلّ ركعتين ثمَّ ليستأنف الصلاة مع الإمام ، ولتكن الركعتان تطوّعا » (4).
وموثقة سماعة : عن رجل كان يصلّي ، فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة الفريضة ، فقال : « إن كان إماما عدلا فليصلّ اخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعا وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو » (5)الحديث.
والرضوي : « وإن كنت في فريضتك وأقيمت الصلاة فلا تقطعها واجعلها نافلة وسلّم في الركعتين ثمَّ صلّ مع الإمام » (6).
وعن المبسوط جواز قطع الفريضة من غير حاجة إلى العدول كالنافلة أيضا (7)، وقوّاه الشهيد الأوّل في الذكرى والبيان ، والثاني في الروضة (8)، إمّا مع
1) فقه الرضا عليه السلام : 145 ، مستدرك الوسائل 6 : 496 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1.
2) الرياض 1 : 241.
3) التذكرة 1 : 184 ، الذخيرة : 401 وفيه : وهذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.
4) الكافي 3 : 379 ، الصلاة ب 6 ح 3 ، التهذيب 3 : 274 - 792 ، الوسائل 8 : 404 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 1.
5) الكافي 3 : 380 الصلاة ب 60 ح 7 ، التهذيب 3 : 51 - 177 ، الوسائل 8 : 405 أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.
6) فقه الرضا عليه السلام : 145 ، مستدرك الوسائل 6 : 496 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1.
7) المبسوط 1 : 157.
8) الذكرى : 277 ، البيان : 130 ، الروضة 1 : 383.
خوف فوات الجماعة كبعضهم ، أو مطلقا كآخر ، لوجه اعتباري لا يقاوم أدلّة حرمة إبطال الصلاة ، بل الرضوي الأخير المنجبر بالعمل.
أ : جواز قطع النافلة هل هو مقيّد بخوف فوات الجماعة ، كما عن الأكثر؟ أو لا ، كما عن ظاهر الشيخ والحلّي والقاضي (1)؟
وعلى الأوّل ، فهل المعتبر خوف فوات الركعة أو الصلاة جملة؟
مقتضى قاعدة حرمة قطع النافلة إلاّ فيما ثبت الجواز الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني ، إذ ليس على الجواز دليل تامّ سوى الرضوي المحتاج إلى الانجبار الغير المعلوم في غير حال خوف فوت الصلاة وإن كان بنفسه موافقا للإطلاق.
ب : لا شكّ في أنّ الأمر بالقطع في الأوّل وفي النقل في الثاني ليس على الوجوب ، للإجماع.
وهل هو للجواز كما هو ظاهر تعبير بعضهم (2)، أو الاستحباب؟
كلّ محتمل ، لأنّ الأمر في الروايات ليس باقيا على حقيقته وكلّ منهما مجازه ، وشيوع التجوّز بالاستحباب يعارض كونه في مقام توهّم الحظر. فتأمّل.
ج : العدول من الفريضة هنا هل يباح مطلقا ، أو مع خوف فوات الركعة ، أو فوت صلاة الجماعة كليّة؟
مقتضى إطلاق الأخبار الأوّل ولكنّ الاحتياط في الثاني.
وهل يتوقّف جواز العدول على دخول الإمام في الصلاة أو بالشروع في الإقامة أو بإتمامها؟
الأحوط الأوّل ، والأقرب الثالث ، لإطلاق الأخبار سيّما الموثقة.
د : لو دخل في ركوع الثالثة من الفريضة فأقيمت الجماعة لم يجز العدول ، لخروجه عن موضع النصوص ، وأصالة عدم جواز العدول.
ولو أقيمت بعد قيامه للثالثة ففي جواز النقل هنا أيضا بأن يهدمها ، أو قطع الفريضة من أصلها ، أولا ذاك ولا هذا بل يبقى مستمرّا ، أوجه.
استقرب الفاضل في التذكرة والنهاية (1)وبعض من تأخّر منه (2)الأخير ، اقتصارا فيما خالف أصل حرمة قطع الصلاة وعدم جواز العدول على المتيقّن من مورد النص والفتوى.
ويمكن أن يقال بشمول الصحيحة لمثل هذه الصورة أيضا ، فيكون جواز العدول حينئذ أيضا أوجه.
ه- : لو عدل إلى النافلة فهل يجوز قطعها لإدراك الجماعة إمّا مطلقا أو مع خوف فوات الركعة أو الصلاة.
الأقرب : لا ، لعدم ثبوت الانجبار للرضوي - الذي هو مستند القطع المحرّم - في النافلة المعدول إليها أيضا ، مع أنّ ظاهر الرضوي النافلة الابتدائية حيث قال : « وإن كنت في نافلة وأقيمت الصلاة ».
و : لو علم فوات الجماعة أو الركعة مع العدول إلى النافلة أيضا ، كأن يفتتح بطيء القراءة فريضة الظهر قضاء في الصبح ، فافتتح الإمام [ الذلق ] (3)اللسان فريضة الفجر ، فهل يقطع الصلاة مطلقا ، أو بعد العدول إلى النافلة ، أو يستمرّ على صلاته؟
الظاهر : الأخير ، ووجهه ظاهر ممّا مرّ.
ز : لو كانت الفريضة الّتي يصلّيها ثنائية فهل يجوز العدول عنها إلى النافلة إذا شرع الإمام في الصلاة؟
الظاهر : لا ، لخروجه عن مورد الأخبار. ولا يقطعها أيضا ، للأصل المتقدّم. بل يستمرّ على صلاته.ه.
المسألة الرابعة : إذا فات المأموم شيء من الركعات مع الإمام صلّى ما يدركه وجعله أوّل صلاته وأتمّ ما بقي منها ، بإجماعنا كما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة وروض الجنان وغيرها (1).
خلافا للمحكي في المعتبر عن أبي حنيفة وأتباعه فقالوا : إنّ ما يدركه المأموم يجعله آخر صلاته إذا كان مسبوقا. فعندهم يلزم فيما أدركه ما يلزم في الأخيرتين من القراءة أو التسبيح أو السكوت ، وما انفرد به يثبت فيه ما ثبت في الأوليين.
وقد استفاضت رواياتنا في الردّ عليهم.
وعلى هذا فإن أدرك الثانية يجعلها أوّل صلاته لا يقرأ فيها لقراءة الإمام ويقرأ في ثالثة الإمام التي هي له ثانية.
وإن أدرك الثالثة يقرأ فيها وفي رابعة الإمام التي هي لها ثانية.
وإن أدرك الرابعة قرأ فيها وفي ثانية التي انفرد بها.
ويدلّ على الأوّل الرضوي : « إذا فاتك مع الإمام الركعة الأولى التي فيها القراءة فأنصت للإمام في الثانية التي أدركت ، ثمَّ اقرأ أنت في الثالثة للإمام وهي لك ثنتان » (2).
والدعائمي : في صلاة العشاء الآخرة وقد سبقه بركعة وأدرك القراءة في الثانية فقام [ الإمام ] في الثالثة : « قرأ المسبوق في نفسه كما كان يقرأ في الثانية واعتدّ بها لنفسه أنّها الثانية » (3).
وعلى الأوّل والثالث رواية البصري : « إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهي ثنتان لك ، فإن لم تدرك معه إلاّ
ركعة واحدة قرأت فيها وفي التي تليها » (1). الحديث.
وعلى الثاني : صحيحة البجلي : عن الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال : « اقرأ فيهما فإنّهما لك الأوليان ، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها » (2).
وموثقة عمّار بن موسى : عن الرجل يدرك الإمام وهو يصلّي أربع ركعات وقد صلّى الإمام ركعتين ، قال : « يفتتح الصلاة فيدخل معه ويقرأ معه في الركعتين » (3).
والدعائمي : « إذا أدركت الإمام وقد صلّى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أوّل صلاتك ، فاقرأ لنفسك بفاتحة الكتاب إن أمهلك الإمام أو ما أدركت أن تقرأ ، واجعلها أوّل صلاتك » (4).
وعلى الأوّل والثاني : الرضوي : « فإن سبقك بركعة أو ركعتين فقرأ في الركعتين الأوليين من صلاتك الحمد وسورة ، فإذا لم تلحق السورة أجزأك الحمد » (5).
وعلى الثاني والثالث : صحيحة زرارة : « إذا أدرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض ، خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه ، جعل ما أدرك أوّل صلاته ، إن أدرك من الظهر أو العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأمّ الكتاب وسورة ، فإن لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب » إلى أن قال : « وإن أدرك ركعة قرأ فيها خلف الإمام فإذا سلّم الإمام
1) الكافي 3 : 381 ، الصلاة ب 61 ح 4 ، التهذيب 3 : 271 - 780 الوسائل 8 : 387 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 3.
2) الكافي 3 : 381 الصلاة ب 61 ح 1 ، التهذيب 3 : 46 - 159 ، الاستبصار 1 : 437 - 1684 ، الوسائل 8 : 387 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2.
3) التهذيب 3 : 247 - 675 ، الوسائل 7 : 350 أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 2.
4) الدعائم 1 : 192 ، مستدرك الوسائل 6 : 490 أبواب صلاة الجماعة ب 38 ح 4.
5) فقه الرضا عليه السلام : 144.
قام فقرأ بأمّ الكتاب وسورة ، ثمَّ قعد فتشهّد ، ثمَّ قام فصلّى ركعتين ليس فيهما قراءة » (1).
ويظهر من هذه الصحيحة ، بل من صحيحة البجلي والدعائمي المتقدّمتين ورواية أحمد بن النضر : « أيّ شيء يقول هؤلاء في الرجل الّذي تفوته مع الإمام ركعتان؟ » قلت : يقولون : يقرأ فيهما بالحمد وسورة ، فقال : « هذا يقلب صلاته ، يجعل أوّلها آخرها » قلت : فكيف يصنع؟ قال : « يقرأ فاتحة الكتاب في كلّ ركعة » (2).
أنّ مرادهم : من جعل ما أدرك مع الإمام أوّل الصلاة القراءة فيه ، ومعنى : « لا تجعل أوّل صلاتك آخرها » أنّه لا تترك فيه القراءة. بل الظاهر أنّه لا معنى له غير ذلك ، إذ بالقراءة تفترق الأوليين عن الأخيرتين فلا يحصل التقليب إلاّ بتقليب القراءة.
وعلى هذا فتدلّ على المطلوب في الجميع : صحيحة الحلبي : « إذا فاتك شيء مع الإمام فاجعل أوّل صلاتك ما استقبلت منها ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها » (3).
ورواية طلحة : « يجعل الرجل ما أدرك مع الإمام أوّل صلاته » (4).
ثمَّ إنّ هذه القراءة للمسبوق هل هي على الوجوب؟ كما اختاره جماعة من مشايخنا (5)، وحكي أيضا عن أعيان القدماء كالشيخ في التهذيبين والنهاية والسيّد2.
1) الفقيه 1 : 256 - 1162 ، التهذيب 3 : 45 - 158 ، الاستبصار 1 : 436 - 1683 ، الوسائل 8 : 388 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 4.
2) الكافي 3 : 383 الصلاة ب 61 ح 10 ، الفقيه 1 : 263 - 1202 ( مرسلا ) ، التهذيب 3 : 46 - 160 الاستبصار 1 : 437 - 1686 ، الوسائل 8 : 389 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 7.
3) الفقيه 1 : 263 - 1198 ، الوسائل 8 : 386 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 1.
4) التهذيب 3 : 46 - 161 ، الاستبصار 1 : 437 - 1685 ، الوسائل 8 : 389 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 6.
5) منهم صاحب الحدائق 11 : 247 ، والبهبهاني في شرح المفاتيح ( مخطوط ) ، وصاحب الرياض 1 : 242.
والحلبي بل الصدوقين والكليني (1). وإن قال شيخنا في الحدائق : ولم أقف على من صرّح بوجوب القراءة من المتقدّمين إلاّ على كلام السيّد والحلبي (2). وقال صاحب المدارك : وكلام أكثر الأصحاب خال عن التعرّض لذلك (3). وقال في المنتهى : ونقل عن بعض فقهائنا الوجوب (4)، وهو مشعر بندرة القول به بل عدم كونه قولا لواحد من مشاهيرهم حيث نسبه إلى النقل.
أو على الاستحباب؟ كما ذهب إليه الحلّي ، والفاضل في جملة من كتبه كالمنتهى والتذكرة والمختلف ، والمحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك (5).
الحقّ هو الأوّل ، للأمر بالقراءة - الّذي هو حقيقة في الوجوب - في صحيحة البجلي ، وبجعل ما أدرك مع الإمام أوّل الصلاة - ومعناه كما عرفت : القراءة - في صحيحة الحلبي.
وهما كافيان في إثبات المطلوب ، فلا يضر كون غيرهما إمّا ضعيفا أو خاليا عن الدالّ على الوجوب مع أنّه أيضا يؤيّد الوجوب جدّا.
واختصاص الصحيحة الأولى بحكم الثاني - وهو ما إذا أدرك الركعتين خاصّة - غير ضائر ، لعدم القول بالفصل قطعا. مع أنّ التعليل المذكور بقوله : « فإنّهما لك الأوليان » يجري في الجميع ، فيثبت به الحكم فيه ، كما بالصحيحة الأخرى أيضا وعموم ما دلّ على وجوب القراءة.3.
1) التهذيب 3 : 46 ، الاستبصار 1 : 437 ، النهاية : 115 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 41 ، الحلبي في الكافي في الفقه : 145 ، الصدوق في الفقيه 1 : 263 ، ولم نعثر على قول والده كما نسبه في الرياض 1 : 242 إلى الصدوق فقط ، الكليني في الكافي 3 : 381.
2) الحدائق 11 : 242.
3) المدارك 4 : 383.
4) المنتهى 1 : 384.
5) الحلي في السرائر 1 : 286 ، المنتهى 1 : 384 ، التذكرة 1 : 182 ، المختلف : 159 ، المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3 : 327 ، المدارك 4 : 383.
وقد يستدلّ أيضا بقوله : « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » (1).
وفيه نظر ، إذ لا يتعيّن أن يكون ذلك في الأوليين. مع أنّ فاتحة الإمام ولو في اولييه كافية في صدق الكلام.
احتجّ من قال بالاستحباب : بالأصل ، وعموم ما دلّ على سقوط القراءة خلف الإمام المرضي ، المخصّص به عموم موجبات القراءة والمعارض به الأوامر المذكورة ، فيدور الأمر بين تخصيص عمومات السقوط أو جمل تلك الأوامر على الندب ولا أولويّة ، فيبقى الأصل خاليا عن المعارض.
مع أنّ قرينة الندبية لها موجودة ، وهي انضمامها بما هو للندب قطعا كالتجافي وغيره ، وبالأمر بالقراءة في النفس التي هي غير القراءة الحقيقة المختلفة في وجوبها ، بل هي غير واجبة إجماعا.
ويردّ الأصل بما مرّ.
والعموم - لو سلّم - بوجود المخصّص ، وهو ما ذكر ، فإنّه أخصّ مطلقا من هذه العمومات فيجب التخصيص به. وهو في مثل تلك الصورة أولى من التجوّز بحمل الأمر على الندب إجماعا ، كما بيّن في الأصول. ولولاه لانسدّ باب التخصيص بالخاصّ المطلق ، إذ ما من خاص إلاّ ويحتمل ارتكاب تجوّز البتة.
وأمّا القرينتان المذكورتان فغير صالحتين لما راموه : أمّا الاولى فلأنّ خروج بعض الأوامر مخرج الاستحباب بقرينة لا يقتضي انسحابه فيما لا قرينة له ، وإنّما هو مسلّم إذا كان الأمر الواحد واردا على أمور متعدّدة بعضها كان غير واجب قطعا ، وهاهنا ليس كذلك بل الأمر متعدّد. مع أنّه معارض بتضمّن بعض الأخبار لما هو للوجوب قطعا.
هذا كلّه ، مع أنّ في صحيحة البجلي التي هي العمدة وقع الأمر بالقراءة فيها في سؤال منفصل على حدة غير السؤال المشتمل على الأمر بالتجافي ، وظاهر أنّ اشتمال الرواية على أسئلة متعددة عن أحكام متباينة شائع ذائع. مع أنّ في
1) العوالي 1 : 169 - 2 ، مستدرك الوسائل 4 : 158 أبواب القراءة ب 1 ح 5.
استحباب التجافي خلافا أيضا.
وأمّا الثانية فلأنّ معنى القراءة في النفس لا يتعيّن أن يكون هو القراءة القلبيّة ، إذ يمكن أن يكون المراد منها الإخفاء بها كما شاع التعبير به عنها في الأخبار ، ومنها : ما ورد في الصلاة خلف المخالف مع الاتّفاق على وجوب القراءة الحقيقية فيها.
مع أنّ القراءة في النفس بالمعنى الّذي فهموه ليست قراءة حقيقة ، وليس حملها على هذا المعنى وإخراج القراءة عن حقيقتها بأولى من حملها على الإخفاء.
ولو سلّم فيكون مقتضاها وجوب القراءة النفسية أو استحبابها ، وهذا ممّا لم يقل به أحد ، وكيف يصير ذلك قرينة على استحباب القراءة اللفظية؟! ولو سلّم استحباب ذلك أو وجوبه فأيّ منافاة بينه وبين وجوب القراءة اللفظية حتّى يصير قرينة على استحبابها في سائر الأخبار؟!
ثمَّ الواجب هل هو قراءة الحمد خاصّة - كما يقتضيه استدلال بعضهم بحديث : « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » - أو مع السورة؟
الظاهر : الثاني وإن كانت القراءة في صحيحة البجلي مطلقة ، لأنّ التعليل المذكور فيها يدل على أنّ المراد منها الحمد والسورة ، وكذلك الأمر بجعل الركعتين أوّل الصلاة.
إلاّ أن يقال بعدم ثبوت وجوب السورة في مطلق الأوليين حتّى في مثل المسألة ، لما عرفت في بحث السورة من انحصار دليل وجوبها برواية مختصّة بصلاة المنفرد الموجبة لانضمام الإمام أيضا بالإجماع المركّب الغير المعلوم تحقّقه في المقام.
وعلى هذا فعدم الوجوب أظهر بل تكون مستحبة.
ولا ينافيه مفهوم قوله : « أجزأته أمّ الكتاب » في الصحيحة ، لجواز كون المراد الإجزاء من الأمر الندبي.
أ : لو ضاق الوقت عن قراءة الحمد والسورة بأن لو قرأهما لم يدرك الإمام في
الركوع اكتفى بالحمد خاصّة ، كما صرّح به في صحيحة زرارة. ولكن ذلك على الجواز أو الاستحباب دون الوجوب ، لما عرفت سابقا من عدم ثبوت وجوب المتابعة بعدم التأخّر (1).
ومقتضى الأصل والصحيحة أنّه لو علم عدم إدراك تمام السورة أجزأته الفاتحة ، ولو أدرك بعض السورة فليس عليه قراءته.
إلاّ أنّ موثّقة الساباطي : عن الرجل يدرك الإمام وهو يصلّي أربع ركعات وقد صلّى الإمام ركعتين ، قال : « يفتتح الصلاة ويدخل معه ويقرأ خلفه في الركعتين ، يقرأ في الأولى الحمد وما أدرك من سورة الجمعة ويركع مع الإمام ، وفي الثانية الحمد وما أدرك من سورة المنافقين ويركع مع الإمام » (2).
تدلّ على استحباب قراءة البعض أيضا. وهو كذلك ، لذلك.
ولا تنافيه الصحيحة ، لأنّ الإجزاء لا يفيد أزيد من الرخصة. نعم لو أريد الوجوب لحصلت المنافاة ، ولكن لا دليل عليه ، ولا تثبته الموثّقة أيضا ، لمكان الجملة الخبرية ، مضافا إلى أنّ متعلّقها قراءة بعض سورة الجمعة والمنافقين ، وهو غير واجب البتّة.
ولو ضاق عن قراءة الحمد أيضا فهل يقرأ وإن فاته إدراك الركوع فيقرأ ويلحقه في السجود ، أو يترك الفاتحة ويدرك الركوع؟
الحقّ : الأوّل ، لوجوب القراءة بما مرّ ، وعدم دليل على السقوط أصلا سوى ما يأتي ضعفه.
وقيل بالثاني (3)، لوجوب المتابعة وانفساخ القدوة بالإخلال بها في ركن.
ولصحيحة ابن وهب : عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام وهي أوّل صلاة
الرجل فلا يمهله حتّى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال : « نعم » (1)فإنّ المراد بعدم الإمهال عدم درك الركوع.
ومفهوم الشرط في الدعائمي الثاني (2).
ويردّ الأوّل : بعدم ثبوت وجوب هذه المتابعة ، كما مرّ في مسألتها.
والثاني : بعدم دلالته على وجوب ترك الحمد والالتحاق أوّلا ، وعدم تعيّن ما لا يدركه المأموم بإتمام الحمد ثانيا ، فلعلّه الركوع أو هو مع السجدتين أو هما مع بقية الصلاة ، فلا يثبت شيئا نافعا ، وعدم دلالتها على المطلوب إلاّ بالتقرير على الاعتقاد ثالثا ، وفي حجّيتها كلام سيّما مع كون أكثر صلوات أصحابهم : مع المخالفين وقد صرّحت الأخبار بأنّهم يجعلون أوّل صلاتهم آخرها فلا يقرؤون فيها ، فكان في تقريرهم على ذلك الاعتقاد حقنا لدمائهم وحفظا لتقيّتهم ، بل في الجواب إشعار بذلك حيث قرّره فيه على القضاء في الآخر الّذي من مذهب العامة وليس في مذهبنا.
والثالث : بعدم حجية رواية الدعائم ، سيّما مع عدم ثبوت جابر لها أصلا.
ب : لا خفاء في أنّه لو كانت الصلاة إخفاتية يخفت المأموم القراءة في ذلك المورد. ولو كانت جهريّة ففي وجوب الإخفات كما عن صريح السيّد (3)، أو استحبابه كما هو ظاهر بعضهم (4)قولان.
أظهرهما : الثاني.
أمّا عدم وجوب الجهر فللأصل الخالي عن المعارض ، لاختصاص أدّلة وجوب الجهر بغير ذلك المورد كما مرّ في بحثه ، وعدم ثبوت الإجماع المركّب بل
وجود القول بعدم وجوبه ، بل الظاهر : الإجماع على عدم الوجوب ، لعدم نقل قول بوجوبه هناك أصلا.
وأمّا عدم وجوب الإخفات فللأصل أيضا مع عدم دليل على الوجوب.
وأمّا استحبابه فلصحيحة زرارة المتقدّمة المشتملة على الجملة الخبرية (1)، ومراعاة ما يستحبّ اتفاقا من عدم إسماع المأموم الإمام شيئا.
ج : صرّح في الحدائق وبعض آخر من مشايخنا بأنّ وجوب القراءة على المسبوق إذا أدرك الأخيرتين إنّما هو إذا أدرك الإمام قبل دخوله في الركوع كما ذكره الأوّل (2)، أو قبل تكبيره للركوع كما قاله الثاني (3). وأمّا إذا أدركه بعد ذلك فتتمّ له الركعة ولا قراءة عليه ويكتفي بالقراءة في الركعة اللاحقة لها. وهو كذلك.
والوجه فيه : أنّ وجوب القراءة إنّما هو إذا أدرك الركعة ، وإدراك الركعة إذا كان الإمام في الركوع موقوف على اللحوق معه في الركوع ، كما صرّحت به الأخبار الصحاح المستفيضة ، المتقدّمة في مسألة إدراك الركعة من صلاة الجمعة ، والقراءة حينئذ غير ممكنة ، فالأمر بالقراءة مقيّد بغير هذه الحالة.
فقوله في صحيحة البجلي التي هي الأصل في وجوب القراءة : عن الّذي يدرك الركعتين الأخيرتين كيف يصنع بالقراءة؟ قال : « اقرأ فيهما » (4)لا يمكن أن يكون المراد به الّذي يدركهما ولو مع كون الإمام في الركوع ، إذ لا يتحقّق الإدراك حينئذ إلاّ بإدراك الركوع ولا تتيسّر القراءة حينئذ غالبا سيّما بملاحظة الأخبار التي وردت في مقدار تطويل الإمام الركوع للمسبوقين (5).
فالمراد منه : الّذي يدركهما وتتيسر له القراءة فيهما قبل ركوع الإمام أو بعد إتمامه أيضا. فلو أدركت يسيرا قبل الركوع يأتمّ ويقرأ وإن لحق بعد إتمام الإمام
الركوع ، إذ وجوب إدراكه في الركوع إنّما هو إذا افتتح المأموم الصلاة حال ركوع الإمام. ولو أدركه في الركوع يأتمّ ويركع. وكذا الحال في سائر أخبار القراءة.
وبتقرير آخر : لو أدرك المأموم الإمام في ركوع إحدى الركعتين الأخيرتين أو في تكبيره فلا يخلو إمّا يمكنه شرعا إدراك الركعة ، أو لا. والثاني باطل بالإجماع والأخبار المستفيضة ، فبقي الأوّل. وعليه فإمّا يدركها مع وجوب القراءة عليه بأن لا يلحق في الركوع ، أو مع عدم وجوبها. والأوّل باطل ، لصريح الأخبار سيّما ما دلّ على أنّه تجزيه تكبيرة واحدة للتحريمة وتكبيرة الركوع كرواية ابن شريح (1). فتعيّن الثاني وهو المطلوب. ولا يمكن القول بعدم إدراك الركعة إذا أدرك الإمام في الركوع أو تكبيره ، لمخالفته الإجماع بل المستفيضة من الصحاح.
فإن قلت : مدلول أخبار إدراك الركعة بإدراك الركوع أنّ كلّ من افتتح الصلاة حال ركوع الإمام وركع معه أدرك الركعة مع أنّه لا تتيسر له القراءة ، سواء كان الإمام في الركعتين الأوليين أو الأخريين ، ولازمها بل صريحها عدم وجوب القراءة. ومدلول أخبار القراءة أنّ كلّ مدرك للركعتين الأخيرتين تجب عليه القراءة سواء أدركه في الركوع أو غيره ، ولكن في الأوّل لا يمكنه القراءة فيلزمه عدم كونه مدركا للركعة إذا كان ذلك في الركعتين الأخيرتين ، فيتعارضان ، فما وجه الترجيح؟
قلنا : لا شكّ أنّ وجوب القراءة مقيّد بالإمكان قطعا فلا يشمل ما إذا أدرك الإمام في الركوع إذ لا إمكان حينئذ فلا تعارض. مع أنّه على التعارض تترجّح أخبار إدراك الركعة بالإجماع على إدراكها لو أدرك الإمام في الركوع أو تكبيره وركع معه.
د : لو لحق المسبوق في الركعة الثانية يستحبّ له أن يقنت مع الإمام إذا قنت ، كما صرّح به جماعة من الأصحاب (2)، ونصّ عليه موثقة عبد الرحمن بن أبي .
عبد اللّه (1).
ه- : يجب على المسبوق الجلوس إذا جلس الإمام للتشهد ، لوجوب المتابعة في الأفعال التي منها الجلوس والقيام. وتجويز القيام بعد رفع الرأس من السجدة قبل التشهد على القول بعدم وجوب المتابعة في الأقوال - كما في الذخيرة (2)- لا وجه له ، لأنّه من باب المتابعة في الأفعال. نعم ، لا يبعد التأمّل في الوجوب من جهة عدم انتهاض أدلّة وجوب المتابعة لإثبات ذلك أيضا.
ويستحبّ أن يكون حين الجلوس متجافيا مقعيا ، وفاقا للأكثر ، لقوله في صحيحة البجلي الواردة في المسبوق بركعة : كيف يصنع إذا جلس الإمام؟ قال : « يتجافى ولا يتمكّن من القعود » (3).
وفي صحيحة الحلبي : « ومن أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى وأقعى إقعاء ولم يجلس متمكّنا » (4).
وعن الصدوق وجوبه للروايتين (5). وهما قاصرتان عن إفادته ، لخلوّهما عن الأمر.
و : وتستحبّ له المتابعة في التشهد وإن لم يكن موضعه للمأموم ، لموثقة ابني المختار والحصين : عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الإمام وأدرك الثنتين فهي الاولى له والثانية للقوم يتشهّد فيها؟ قال : « نعم » قلت : والثانية أيضا؟ قال : « نعم » قلت : كلّهنّ؟ قال : « نعم ، فإنّما هو بركة » (6). .
1) التهذيب 2 : 315 - 1287 ، الوسائل 6 : 287 أبواب القنوت ب 17 ح 1.
2) الذخيرة 1 : 401.
3) الكافي 3 : 381 الصلاة ب 61 ح 1 ، التهذيب 3 : 46 - 159 ، الاستبصار 1 : 437 - 1684 ، الوسائل 8 : 387 أبواب صلاة الجماعة ب 47 ح 2.
4) الفقيه 1 : 263 بعد حديث 1198 ، الوسائل 8 : 418 أبواب صلاة الجماعة ب 67 ح 2.
5) الفقيه 1 : 263.
6) التهذيب 3 : 56 - 196 ، 3 : 281 - 832 ، المحاسن : 326 - 72 ، الوسائل 8 : 416 أبواب صلاة الجماعة ب 66 ح 1.
ورواية إسحاق بن يزيد : يسبقني الإمام بركعة فتكون لي واحدة وله ثنتان ، أفأتشهّد كلّما قعدت؟ قال : « نعم فإنّما التشهد بركة » (1).
خلافا للمحكي عن جماعة ، فمنعوا عن قول التشهد وأثبت بعضهم بدله التسبيح (2).
ولا وجه له بعد دلالة الروايتين عليه سوى ضعفهما الغير الضائر عندنا.
ز : يجوز له الجلوس حال تسليم الإمام ، بل الظاهر استحبابه ، لقوله في صحيحة زرارة الواردة في المسبوق (3): « فإذا سلّم الإمام قام فقرأ بأمّ الكتاب ».
ولا يجب البتة ، لخروج السلام عن الصلاة بل يجوز له القيام قبله.
ولو جلس لم يسلّم هو ، لما ورد من أنّه به تنقطع الصلاة (4).
ح : إذا جاء محلّ تشهّد المأموم فليلبث قليلا إذا قام الإمام بقدر التشهد المجزي ، ثمَّ يلحقه إجماعا ، له ولصحيحة البجلي (5).
المسألة الخامسة : قد عرفت في بحث صلاة الجمعة إدراك المأموم الركعة بإدراكه الإمام قبل رفع رأسه من الركوع.
ولو أدركه بعد ذلك فلا خلاف في عدم إدراكه الركعة ، والأخبار المتقدّمة في البحث المذكور تدلّ عليه ، إلاّ أنّه تستحبّ له المتابعة.
والتفصيل : أنّه إمّا يكون قبل السجدة ، أو بعدها.
1) الكافي 3 : 381 الصلاة ب 61 ح 3 ، التهذيب 3 : 270 - 779 ، الوسائل 8 : 417 أبواب صلاة الجماعة ب 66 ح 2.
2) منهم الحلبي في الكافي في الفقه : 145 ، وابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) 560 ، وابن حمزة على ما نقله عنه في الذكرى : 278.
3) المتقدّمة في ص 144.
4) التهذيب 2 : 93 - 349 ، الاستبصار 1 : 347 - 1307 ، الوسائل 6 : 421 أبواب التسليم ب 2 ح 8.
5) المتقدّمة في ص 144.
فعلى الأوّل يستحبّ له التكبير والدخول مع الإمام في السجدتين بغير ركوع إن لم يركع ، وإن ركع بظنّ الإدراك فلم يدرك هوى إلى السجود ، بلا خلاف فيه على الظاهر كما صرّح به جمع (1).
أمّا التكبير فلفتوى الجماعة التي هي كافية في مقام المسامحة.
وقيل : لا يكبّر كما نقله بعض الأجلّة ، لأنّه لا اعتداد بهذا السجود. وهو لنفي استحبابه غير صالح.
وأمّا السجود معه فلها ، ولرواية المعلّى : « إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتدّ بها » (2).
ورواية ربعي والفضيل : « ومن أدرك الإمام وقد رفع من الركوع فليسجد معه ولا يعتدّ بذلك السجود » (3).
وضعفهما - لو كان - غير ضائر ، لوجوه عديدة.
وقد يستدلّ أيضا بفحوى صحيحة محمّد : متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال : « إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاة فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام » (4).
فإنّه إذا أدرك الفضل مع درك الإمام في السجدة الأخيرة ففي ما قبلها بالطريق الأولى.
وفيه : أنّه يمكن أن يكون المعنى أنّه إذا بادر أحد إلى صلاة الجماعة ولم يبلغها فله فضل الجماعة إن أدرك الإمام في السجدة الأخيرة ولو لم يدخل معه ، وفحواه إدراك الفضيلة بدركه قبل ذلك أيضا لا أنّه يستحبّ الدخول معه. مع أنّه
1) منهم المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3 : 334 ، وصاحبا الحدائق 11 : 251 ، والرياض 1 : 242.
2) التهذيب 3 : 48 - 166 ، الوسائل 8 : 392 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 2.
3) التهذيب 3 : 48 - 165 ، وفيه : « وقد رفع رأسه .. » ، الوسائل 8 : 390 أبواب صلاة الجماعة ب 48 ذ ج 1.
4) التهذيب 3 : 57 - 197 ، الوسائل 8 : 392 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 1.
على فرض إرادة الدخول فالأولويّة ممنوعة ، إذ يمكن تجوّز التكبير والنيّة في السجدة الأخيرة من غير استئناف الصلاة دون ما قبلها كما جوّزه بعضهم (1)لعدم زيادة الركن حينئذ.
خلافا للمحكي عن المختلف (2)، فتوقّف في استحباب الدخول معه ، لصحيحتي محمّد :
الأولى : « إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في تلك الركعة » (3).
والأخرى : « إن لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل في تلك الركعة » (4).
وأجيب عنهما بالحمل على الكراهة (5)، ولعلّ المراد منها المرجوحيّة الإضافية ، وإلاّ فهي للاستحباب منافية.
والأولى أن يجاب بأنّ المنهي عنه فيهما الدخول في تلك الركعة ، وعدم جوازه مسلّم ، وهو غير مجرّد المتابعة ، وتفصح عنه صحيحة ثالثة لمحمّد : « لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام » (6).
ثمَّ بعد فراغ الإمام من هذه الركعة يستأنف الصلاة بنيّة وتكبيرة مستأنفة ، مقتديا بالإمام إن شاء إن لم يكن ركعته الأخيرة ، ومنفردا إن كانت الأخيرة. فلا يكون ما فعل جزءا من الصلاة وفاقا للأكثر.
لعدم ثبوت التعبّد للصلاة بمثل ذلك ، مع وجود المانع وهو حصول الزيادة عمدا في الصلاة وهي لها مبطلة.
1) الذخيرة : 401.
2) المختلف : 158.
3) الكافي 3 : 381 الصلاة ب 61 ح 2 ، الوسائل 8 : 381 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 4.
4) التهذيب 3 : 43 - 149 ، الاستبصار 1 : 434 - 1676 ، الوسائل 8 : 381 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 2.
5) المدارك 4 : 385.
6) التهذيب 3 : 43 - 150 ، الاستبصار 1 : 435 - 1677 ، الوسائل 8 : 381 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 3.
خلافا للمحكي عن الشيخ والحلّي (1)- وإن ذكر في الذكرى أنّ كلام الشيخ ليس بصريح في عدم الاستئناف (2)- فينوي في الأوّل للصلاة ولا يستأنف الصلاة قيل : لاغتفار الزيادة في المتابعة (3).
وهو كان حسنا لو كان هناك دليل على كون ما فعل من الصلاة ، ولم يوجد شيء سوى الخبرين ، وهما لا يدلاّن إلاّ على مطلوبيّة السجود مع الإمام ، وهي لا تلازم كونه من الصلاة حتّى يستلزم اغتفار الزيادة.
قيل : السكوت عن الأمر بالاستيناف دليل على عدم لزومه ، لورود النصّ مورد الحاجة (4).
قلنا : ممنوع ، وأيّ حاجة في الأمر بالاستئناف إذا أمر بشيء مستحبّ قبل الصلاة؟
مع احتمال عدم السكوت بعد الإتيان بقوله : « ولا تعتدّ بها » في الرواية الأولى ، لاحتمال رجوع الضمير فيها إلى الصلاة ، بل استدلّ به على الاستئناف.
ولكنّه ضعيف ، لاحتمال رجوعه إلى الركعة أيضا ، فلا ينافي عدم الاستئناف. مع أنّ هذا الاحتمال أولى ، لكون المرجع - عليه - مذكورا قبل الضمير صريحا ، بخلاف الأوّل لعدم سبق ذكر له قبله إلاّ ضمنا.
قيل : قوله : أدركته وأدرك في الروايتين يدلاّن على أنّه يدخل في الصلاة فينوي ويكبّر تكبيرة الإحرام ، لأن الإدراك كناية عنه ، وبعد الدخول فيها يحتاج الخروج إلى الدليل ، بل لو احتاج إلى استئناف لوجب بيانه حينئذ (5).
قلنا : لا نسلّم أنّ ذلك معنى الإدراك ، ألا ترى قوله في آخر رواية ابن
شريح : « ومن أدركه وقد سلّم فعليه الأذان والإقامة » (1)وفي موثقة الساباطي : الرجل أدرك الإمام حين سلّم ، قال : « عليه أن يؤذّن ويقيم ويفتتح الصلاة » (2).
فإنّه لا أذان ولا إقامة ولا افتتاح بعد الدرك بالمعنى الّذي ذكره.
وعلى الثاني - وهو أن يدركه بعد دخول السجود - فإمّا يدركه قبل رفع الرأس من السجدة الأخيرة ، أو بعده.
فعلى الأوّل فالمشهور - كما قيل (3)- أنّ حكمه حكم السابق ، لعموم الروايتين ، وخصوص رواية ابن شريح وفيها : « ومن أدرك الإمام وهو ساجد سجد معه ولم يعتدّ بها ».
والمروي في الوسائل عن مجالس الشيخ : « إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعتدّوها شيئا » (4).
ولعدم تعقّل الفرق بين ما إذا أدركه قبل السجود وبعده.
وعن شيخنا الشهيد الثاني التخيير حينئذ بين ما ذكر وبين التوقّف في مكانه (5)، ومال إليه بعض مشايخنا الأخباريين (6). ولا بأس به.
للجمع بين ما ذكر وبين رواية البصري : « وإذا وجدت الإمام ساجدا فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه ، وإن كان قاعدا قعدت وإن كان قائما قمت » (7).
ولا دلالة للخبر على وجوب الإثبات ، لعدم صراحة قوله : « فاثبت » في
1) الفقيه 1 : 265 - 1214 ، الوسائل 8 : 393 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 6.
2) الفقيه 1 : 258 - 1170 ، التهذيب 3 : 282 - 836 ، الوسائل 5 : 431 أبواب الأذان ب 25 ح 5.
3) الذخيرة : 401.
4) مجالس الطوسي : 398 ، الوسائل 8 : 394 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 7.
5) روض الجنان : 378.
6) الحدائق 11 : 254.
7) الكافي 3 : 381 الصلاة ب 61 ح 4 ، التهذيب 3 : 271 - 780 ، الوسائل 8 : 393 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 5.
الأمر ، لجواز كونه ماضيا كما يلائمه قوله : قعدت وقمت ، ولو سلّم فيجب الحمل على الاستحباب ، لعدم وجوب أصل الاقتداء والمتابعة.
وترجيح الأوّل بالشهرة بل الإجماع وصحّة المستند ضعيف ، لمنع الإجماع بل الشهرة - لعدم تعرّض الأكثر لخصوص السجدة ، ولو سلّمت فلا تصلح للترجيح - وتكافؤ السندين كما عرفت.
وعلى الثاني - وهو أن يدركه بعد السجدة الأخيرة - فالمشهور كما قيل (1): أنّه يكبّر ويجلس معه جلسة الاستراحة أو جلسة التشهد الأوّل أو الأخير.
وتدلّ عليه المقطوعة : « إذا أتيت الإمام وهو جالس قد صلّى ركعتين فكبّر ثمَّ اجلس ، فإذا قمت فكبّر » (2).
ورواية البصري المتقدّمة.
وموثّقة الساباطي : في الرجل يدرك الإمام وهو قاعد للتشهد ليس خلفه إلاّ رجل واحد عن يمينه قال : « لا يتقدّم الإمام ولا يتأخّر الرجل ، ولكن يقعد الّذي يدخل معه خلف الإمام ، فإذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته » (3).
ولكن لا دلالة للأخيرين على التكبير إلاّ أن يستنبط من قوله في الأخيرة : « يدخل معه » وقوله : « فأتمّ الصلاة » إلاّ أنّ في صلاحيّته للاستناد نظرا.
ورواية ابن شريح ، وفيها : « ومن أدرك وقد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة » (4).
ولكن في دلالتها على التكبير والجلوس نظر. واستنباطهما من إدراك الإمام فيه ما مرّ ، ومن إدراك الجماعة غير [ جائز ] (5)إذ لا مانع من درك فضيلة الجماعةا.
بالمسارعة إليها واتّفاق عدم الوصول إلاّ بعد السجدة وإن لم يتابع الإمام.
ومنه يظهر عدم دلالة صحيحة محمّد المتقدّمة (1).
ومع ذلك تعارض هذه الأخبار على فرض الدلالة موثّقة الساباطي : عن رجل أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين ، قال : « يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الإمام حتّى يقوم » (2).
فالقول بالتخيير هناك أيضا أظهر ، بل كان تعيّن الأخير أقرب لو لا دعوى الشهرة على الأوّل. وأمّا ترجيح الأوّل بها بل بالإجماع ضعيف ، لمنع صلاحيّة الشهرة ما لم يبلغ خلافها حدّ الشذوذ للترجيح ، وعدم ثبوت الإجماع.
وعدم معلوميّة القائل بالتخيير هنا غير ضائر ، إذ المتبوع هو الدليل دون القائل ما لم يثبت الإجماع على عدم القول بمقتضى الدليل.
ثمَّ لو كبّر وجلس هل يستأنف النيّة والتكبير للصلاة بعد القيام أو لا؟
الظاهر : الأوّل ، لعدم الدليل على استمرار الصلاة ، ووجود المانع وهو الزيادة. وجعل قوله : « أتمّ الصلاة » في بعض ما مرّ دليلا وإن كان ممكنا إلاّ أنّه يعارضه قوله : « فكبّر » في بعض آخر. وكون الأخير مقطوعا غير ضائر سيّما مع عدم صراحة الأوّل ، لإمكان إرادة الشروع في الصلاة وإتمامها من الأوّل.
ودعوى اغتفار المانع غير مسموعة ، لعدم الدليل. واغتفار زيادة الجلوس في المسبوق لا يدل على اغتفاره هنا أيضا.
ولو لم يجلس فهل يجوز له التكبير بنيّة الاقتداء والاستمرار عليه قائما حتّى يقوم الإمام فيلحقه أو يتمّ صلاته إن كانت الركعة الأخيرة فيتمّها ، أم لا؟
الظاهر : الأوّل ، لدلالة بعض الأخبار المتقدّمة وغيره عليه ، وعدم مانع منه.
المسألة السادسة : يجوز للمأموم بعد الفراغ عن السجدة الأخيرة أن يسلّم
قبل الإمام لعذر أو مع نية الانفراد ، بلا خلاف ظاهر ، بل هو المقطوع به في كلام الأصحاب كما في المدارك والذخيرة (1)، بل بالإجماع كما عن المنتهى (2).
للأصل ، وخصوص الأخبار ، كصحيحة علي : عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شيء أن يفوت أو يعرض له وجع ، كيف يصنع؟ قال : « يسلّم وينصرف ويدع الإمام » (3).
وأبي المعزى : عن الرجل يصلّي خلف إمام فيسلّم قبل الإمام ، قال : « ليس عليه بذلك بأس » (4).
والحلبي : في الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهد ، قال : « يسلّم من خلفه ويمضي في حاجته إن أحبّ » (5).
ومقتضى إطلاق الأخيرتين الجواز بدون العذر أيضا وإن لم ينو الانفراد ، كما نسبه في روض الجنان والذخيرة (6)إلى ظاهر الأصحاب والجماعة مشعرين بدعوى الإجماع عليه.
وهو الأقوى ، لما ذكر ، ولعدم ثبوت وجوب متابعة الإمام في الأقوال ، فلا ينافي ذلك التقديم الايتمام.
خلافا لظاهر النافع والمحكي عن الذكرى (7)، فاعتبروا العذر أو نيّة الانفراد.
1) المدارك 4 : 387 ، الذخيرة : 402.
2) راجع المنتهى 1 : 384 و 385.
3) الفقيه 1 : 261 - 1191 ، التهذيب 3 : 283 - 842 ، قرب الإسناد 207 - 803 ، الوسائل 8 : 413 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2.
4) التهذيب 3 : 55 - 189 ، الوسائل 8 : 414 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 4.
5) الفقيه 1 : 257 - 1163 ، التهذيب 3 : 349 - 1445 ، الوسائل 8 : 413 أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 3.
6) في روض الجنان : 379 ، الذخيرة : 402.
7) النافع : 48 ، نقله عن الذكرى في الروض : 379.
وليس له وجه ظاهرا سوى وجوب المتابعة في الأقوال ، وهو ممنوع. أو عدم جواز المفارقة من غير نيّتها في غير تلك الحال ، وهو غير مفيد للمطلوب في ذلك المجال.
ويستفاد من إطلاق تلك الأخبار بل عمومها الحاصل من ترك الاستفصال سيّما الثانية : عدم توقّف جواز التقدّم على الإمام والتسليم قبله على كونه بعد السجدة الأخيرة ، بل جوازه في أثناء الصلاة مطلقا من غير ضرورة ، كما حكي عن الأكثر (1)، بل عن الخلاف وظاهر المنتهى وصريح التذكرة والنهاية (2): الإجماع عليه.
واستدلّ له أيضا : بالإجماعات المنقولة.
وبخروج النبي 6 عن صلاته جماعة يوم ذات الرقاع وإتمامها منفردا (3).
وبعدم وجوب الجماعة ابتداء فكذا استدامة.
وبأن الغرض من الايتمام تحصيل الفضيلة فتركه مفوّت لها دون الصحّة.
وبأصالة عدم وجوب استمرار الايتمام.
وفي الكلّ نظر :
أمّا الإطلاقات فلظهورها في التقدّم في التسليم خاصّة دون سائر الأفعال ، فإنّ ذكر التقدّم فيه خاصّة مشعر بعدم التقدّم في غيره. مع أنّ جواز التقدّم في التسليم لا يدلّ على جواز التقدّم في غيره مع ثبوت وجوب المتابعة ممّا مرّ من أدلّتها سيّما أخبار الفراغ قبل قراءة الإمام.
وأمّا الثاني فلعدم حجّيّتها.
وأمّا الثالث فلأنّه لو ثبت فإنّما هو للعذر ولا أقلّ من احتماله. ولا إطلاق له لكونه قضيّة في واقعة.
وأمّا الرابع فلكونه قياسا باطلا في مذهبنا.
وأمّا الخامس فلأنّ الايتمام كما يحصّل الفضيلة يحصّل الصحة أيضا. مع احتمال كون تركه أوّلا مفوّتا لأمر وآخرا لآخر.
وأمّا السادس فلاندفاعه باستصحاب الاشتغال بالصلاة الموقوفة البراءة عنها على الأخذ بالمتيقّن من أحد الأمرين المختلفين في أمور كثيرة - كوجوب المتابعة على الاقتداء ، أو القراءة في الأوليين والتسبيح في الأخيرتين على الانفراد - وهو الايتمام.
ولذا ذهب بعضهم إلى عدم جواز المفارقة من دون عذر عن الإمام مطلقا الشامل لما إذا نوى المفارقة أم لا. وهو ظاهر الناصريّات والمبسوط (1)، وقوّاه في الذخيرة والحدائق (2)، وهو الأقوى.
لا للأخبار الآمرة باستنابة الإمام الّذي عرض له حادث وتصريح بعض الصحاح منها بأنّه لو لم يستنب لا صلاة لهم (3)، لأنّها - كما يأتي - محمولة على الفضيلة. مع أنّه مع عدم استنابته يكون من الأعذار المسوّغة للمفارقة بالإجماع سيّما إذا لم يمكن الاستنابة ، كما إذا لم يوجد غير المأموم الواحد أو كان الجميع فسّاقا.
بل للاستصحاب المذكور ، فإنّا نعلم قطعا وجوب أحد الأمرين عليه وليس بينهما قدر مشترك لم يعلم الزائد عليه ، فيجري أصل الاشتغال الغير المندفع إلاّ باستمرار الايتمام. وشمول أخبار أحكام المنفرد لمثل ذلك الفرد النادر الملفّق من
الأمرين غير معلوم. فالأقوى وجوبه وعدم جواز نيّة الانفراد إلاّ لعذر. والتجويز مع العذر وإن كان أيضا مخالفا للأصل المذكور إلاّ أن الإجماع حينئذ قد رفعه.
أ : ما مرّ من جواز الانفراد مطلقا أو مع عذر فإنّما هو في الجماعة المستحبّة. أمّا الواجبة فلا يجوز فيها الانفراد بل يجب الإتمام بدون العذر ، وقطع الصلاة معه لو كان مسوّغا له.
ب : حيث جاز الانفراد فإن كان قبل القراءة أتى بها.
وإن كان في أثنائها ففي البناء على قراءة الإمام ، أو إعادة السورة التي فارق فيها ، أو استئناف القراءة من أوّلها ، أقوال. أقربها الأوّل ، للأصل.
والأولى بالأجزاء ما لو كان الانفراد بعد تمام القراءة قبل الركوع.
ج : هل يجوز عدول المنفرد إلى الايتمام في أثناء الصلاة؟
فيه قولان ، أقربهما العدم وفاقا للذخيرة (1)، لعدم ثبوت التعبّد بمثله ، واستصحاب الشغل المتقدّم.
وجوّزه الشيخ في الخلاف مدّعيا عليه الإجماع (2)، ونفى عنه البأس في التذكرة (3).
د : لو كان يصلّي مع جماعة فحضرت طائفة أخرى يصلّون جماعة ، فهل يجوز له أن يخرج نفسه من متابعة إمامه ويوصل صلاته بصلاة الإمام الآخر؟
فيه وجهان ، أقربهما العدم ، لما ذكر. واستوجه في التذكرة الجواز (4).
ه- : لو زادت صلاة المأموم عن الإمام بأن كان حاضرا أو مسبوقا ، فهل يجوز اقتداؤه في التتمّة بأحد المؤتمين أو منفرد أو إمام آخر؟
فيه الوجهان. والترك أحوط بل الأقرب ، لما مرّ.
المسألة السابعة : لو عرض للإمام عارض يمنعه من إتمام الصلاة من تذكّر حدث أو صدوره أو رعاف لم يمكن غسله بدون المنافي ، أو وجع شديد لا يتمكّن معه من إتمامها ، قطع صلاته ويدع القوم في صلاتهم ، إجماعا فيهما فتوى ونصّا.
ومن هذه النصوص صحيحة زرارة : عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمَّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء. قال : « يتمّ القوم صلاتهم » (1).
ثمَّ فإن لم يمكن استنابة إمام آخر لوحدة المأموم أو عدم حضور من يصلح للإمامة أتمّوا منفردا بمقتضى الصحيحة.
وإن أمكنت الاستنابة يستنيب الإمام من يؤمّهم ، بالإجماع والمستفيضة (2).
ولو لم يستنب تقدّم بعضهم وصلّى لهم ، لصحيحة علي (3). أو يقدّمون رجلا ويأتمّون به.
وكذا إن مات الإمام أو أغمي عليه.
كلّ ذلك استحبابا وإن كان مقتضى الأمر الواقع في أكثر تلك الأخبار سيّما استنابة الإمام الوجوب ، ولكن الإجماع على عدم وجوبه أوجب صرف تلك الأوامر عن مقتضى حقائقها.
وقد يستند في نفي الوجوب إلى الصحيحة المتقدّمة ، فإنّها ظاهرة في جواز الإتمام منفردين.
وفيه نظر ، لأنّ إتمامهم صلاتهم أعمّ من أن يكون بالايتمام أو الانفراد ، فالصارف هو الإجماع.1.
أ : ومن موارد استحباب الاستنابة كون الإمام مسافرا والمأمومين حاضرين ، كما صرّح به في موثّقة البقباق (1).
ب : لو مات الإمام في الأثناء أو أغمي عليه استناب المأمومون استحبابا ، كما ورد في الأخبار (2).
ج : تكره استنابة المسبوق ، لورود المنع عنه في بعض الروايات (3)، إلاّ أنّه يقصر عن إفادة الحرمة ، مع أنّه يدلّ بعض آخر على الجواز أيضا (4)، فلا يثبت سوى الكراهة.
وقد ذكروا للمسألة فروعا كثيرة لا اهتمام بشأنها ، لكونها ممّا يندر وقوعها سيّما ما يتعلّق باستنابة المسبوق ، فالإعراض عنها والاشتغال بما هو أهمّ منها أولى وبمحافظة الوقت أحرى.
المسألة الثامنة : الحقّ المعروف من مذهب الأصحاب جواز اقتداء المفترض بمثله في فروض الصلوات اليومية وإن اختلفت في التسمية أو في الكميّة ، بل في المنتهى : إنّه قول علمائنا أجمع (5).
وعن الصدوق الخلاف في الموضعين ، فقال : إنّه لا يصلّي العصر خلف من يصلّي الظهر إلاّ أن يظنّها العصر ، وإنّه يشترط في الصحة اتّحاد الكميّة (6).
ولكن المنقول عنه غير ثابت كما صرّح به بعضهم (7).
1) التهذيب 3 : 164 - 355 ، 3 : 226 - 574 ، الاستبصار 1 : 426 - 1643 ، الوسائل 8 : 330 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.
2) الوسائل 8 : 380 أبواب صلاة الجماعة ب 43.
3) راجع الوسائل 8 : 378 أبواب صلاة الجماعة ب 41.
4) راجع الوسائل 8 : 377 أبواب صلاة الجماعة ب 40.
5) المنتهى 1 : 367.
6) نقله عنه الشهيد الأوّل في الذكرى : 266 ، والشهيد الثاني في الروض : 376.
7) الحدائق 11 : 149.
لنا على الحكمين : الإجماع المحقّق لعدم قدح المخالفة المذكورة ولو ثبتت ، وعمومات الجماعة.
مضافا في الأوّل إلى صحيحة حمّاد : عن رجل إمام قوم يصلّي العصر وهي لهم الظهر ، قال : « أجزأت عنه وأجزأت عنهم » (1).
وموثقة الفضل في اقتداء الحاضر بالمسافر وعكسه ، وفيها : « وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوليين الظهر والأخيرتين العصر » (2).
وصحيحة محمّد في صلاة المسافر خلف الحاضر : « وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوليين الظهر والأخيرتين العصر » (3).
وفي الأخير إلى الأخيرتين ، وسائر ما يدلّ على جواز اقتداء المسافر بالحاضر وعكسه.
احتجّ للصدوق في الأوّل بوجه اعتباري غير تامّ ، وصحيحة علي (4)في اقتداء المرأة عصرها بإمام يصلّي الظهر الغير المثبتة لمطلوبه بوجوه كثيرة.
وكذا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل كائتمام من لم يصلّ بمعيد الصلاة ، وعكسه كاقتداء الصبي بالبالغ ومعيد الصلاة بمن لم يصلّ ، بلا خلاف فيهما كما صرّح به غير واحد (5)، بل بالإجماع صرّح في الخلاف والمنتهى (6)، وتدلّ عليهما العمومات السليمة عن المعارض ، بل النصوص المذكورة في مواضعها.
وكذا اقتداء المتنفّل بالمتنفّل في الاستسقاء والعيد مع فقد شرائط الوجوب.
1) التهذيب 3 : 49 - 172 ، الاستبصار 1 : 439 - 1691 ، وفيهما عن رجل يؤمّ بقوم .. الوسائل 8 : 398 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 1.
2) التهذيب 3 : 164 - 355 ، 3 : 226 - 574 ، الاستبصار 1 : 426 - 1643 الوسائل 8 : 330 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 6.
3) الفقيه 1 : 287 - 1308 ، الوسائل 8 : 329 أبواب صلاة الجماعة ب 18 ح 1.
4) التهذيب 3 : 49 - 173 ، الوسائل 8 : 399 أبواب صلاة الجماعة ب 53 ح 2.
5) منهم المحقّق في المعتبر 2 : 425 والعلامة في التذكرة 1 : 175 ، وصاحب الرياض 1 : 234.
6) الخلاف 1 : 546 ، المنتهى 1 : 367.
كلّ ذلك مع توافق الصلاتين نظما وهيئة ، وإلاّ فلا يجوز الاقتداء في أحدهما بالآخر إجماعا ، فلا يقتدى في الخمس مثلا بصلاة الجنازة والكسوفين والعيدين ، ولا العكس ، لعدم إمكان المتابعة المشترطة نصّا وفتوى.
المسألة التاسعة : تستحبّ إعادة المصلّي منفردا صلاته جماعة إذا وجدت الجماعة بعدها ، سواء كان ذلك المنفرد إماما ثانيا أو مأموما ، بلا خلاف فيه بين الأصحاب كما صرّح به جماعة (1)، بل بالإجماع كما حكي مستفيضا (2)، له ، وللمستفيضة من الصحاح كصحيحة ابن بزيع : كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام : إنّي أحضر المساجد مع جيراني وغيرهم ، فيأمروني بالصلاة بهم وقد صلّيت قبل أن آتيهم - إلى أن قال - : فكتب : « صلّ بهم » (3).
والحلبي : « إذا صلّيت صلاة وأنت في المسجد وأقيمت الصلاة فإن شئت فاخرج وإن شئت صلّ بهم واجعلها سبحة » (4).
والبختري : في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمَّ يجد جماعة قال : « يصلّي معهم ويجعلها الفريضة » (5).
ونحوها صحيحة هشام إلاّ أنّه زاد في آخرها : « إن شاء » (6).
ورواية أبي بصير : أصلّي ثمَّ أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صلّيت ،
1) منهم العلامة في المنتهى 1 : 367 ، وصاحب الحدائق 11 : 162.
2) المدارك 4 : 341 ، المعتبر 2 : 428 ، المنتهى 1 : 379 ، التذكرة 1 : 175 ، الرياض 1 : 234.
3) الكافي 3 : 380 ، الصلاة ب 60 ح 5 ، التهذيب 3 : 50 - 174 ، الوسائل 8 : 401 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5.
4) الفقيه 1 : 265 - 1212 ، التهذيب 3 : 279 - 821 ( بتفاوت يسير ) الوسائل 8 : 402 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 8.
5) الكافي 3 : 379 الصلاة ب 60 ح 1 ، التهذيب 3 : 50 - 176 ، الوسائل 8 : 403 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 11.
6) الفقيه 1 : 251 ، 1132 ، الوسائل 8 : 401 أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1.
فقال : « صلّ معهم ، يختار اللّه تعالى أحبّهما إليه » (1).
والساباطي : عن الرجل يصلّي الفريضة ثمَّ يجد قوما يصلّون جماعة ، أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال : « نعم وهو أفضل » قلت : فإن لم يفعل؟ فقال : « لا بأس » (2).
وورود الأمر الدالّ على الوجوب في بعض تلك الأخبار لا ينفع في إثباته ، للإجماع على عدم الوجوب. مضافا إلى التصريح بالتخيير النافي للوجوب في بعضها. وظاهره وإن كان إفادة الإباحة المحضة - كما لا يستفاد ممّا وقع فيه الأمر جوابا عن السؤال عنها أيضا أزيد من ذلك ، لاحتمال كون السؤال عن أصل الرخصة - إلاّ أنّ التصريح في الأخير بالأفضليّة يثبت الاستحباب. مضافا إلى ورود الأمر في بعضها خاليا عن السؤال أو ذكر التخيير. مع الأمر في البعض بجعلها سبحة فإنّه أيضا قرينة على الاستحباب. مع أنّ الرخصة في الإعادة مستلزمة لاستحباب المعادة ، لأنّها عبادة وهي لا تكون إلاّ بفضيلة.
وهل تتعيّن في المعادة نيّة الندب - على القول باشتراط نيّة الوجه - أو الوجوب ، أو يتخيّر؟
الظاهر : الأوّل كما حكي عن الأكثر (3)، لخروجه بالأولى عن العهدة قطعا ، فلا معنى لقصد الوجوب. مضافا إلى الأمر بجعلها سبحه في الصحيحة المتقدّمة ، وفي الرضوي وفيه بعد ذكر الاستحباب : « صلّ معهم تطوّعا واجعلها تسبيحا » (4).
خلافا للمحكي عن الشهيدين (5)، فجوّزا بنيّة الفرض أيضا ، لصحيحتي.
البختري وهشام السابقتين الآمرتين بجعلها الفريضة ، ورواية أبي بصير السابقة المصرّحة بأنّ اللّه تعالى يختار أحبّهما.
ودلالة الأوليين ليست بواضحة ، لاحتمال الفريضة فيها الفائتة دون التي يراد فيها الإعادة ، أو المراد أنّه يجعل الصلاة المعادة هي الفريضة التي صلاّها أوّلا دون غيرها من الفرائض ، أو المراد إدراك الجماعة في أثناء الأولى فيجعلها نافلة والثانية المعادة هي الفريضة كما يستفاد من الأخبار المعتبرة.
ولا دلالة للأخيرة أصلا ، لأنّ اختياره سبحانه للأحبّ والأفضل لا يجعلها فرضا تصحّ نيّته فيها.
وهل يختصّ استحباب الإعادة بالمنفرد ، أو يشمل الجامع أيضا كمن صلّى فريضة جماعة ثمَّ وجدت جماعة أخرى سيّما إذا كانت الثانية متضمّنة لمزيّة أو مزايا؟
فيه قولان ناشئان من إطلاق بعض الأخبار المتقدّمة ، بل عمومه الحاصل من ترك الاستفصال ، فيشمل الجامع أيضا.
ومن ظهورها في المنفرد ، لأنّ الظاهر من قوله : « وأقيمت الصلاة » أو : « فتقام » أو : « ثمَّ يجد جماعة » عدم تحقّقها أوّلا فلا شمول في غير الاولى (1)، وأمّا هي وإن لم تتضمّن مثل تلك العبارة إلاّ أنّها ظاهرة في كون صلاتها الاولى في البيت ، والشائع فيه الفرادى.
وما ذكر في نفي الشمول لغير الاولى ليس ببعيد ، وأمّا ما ذكر لنفي شمولها ففيه منع ظهور كونها في البيت.
فلا بعد في القول الثاني ، إلاّ أنّ الأوّل أحوط ، سيّما مع شهرته الجابرة لما روي عنهم من قولهم : « لا تصلّ صلاة في يوم مرّتين » (2).
وكذا الكلام فيما لو صلّى اثنان فرادى ، فإنّ في استحباب الصلاة لهما جماعة
وجهين. أظهرهما العدم ، لعدم استفادة هذه الصورة من النصوص ، وتوقّف العبادة على التوقيف.
المسألة العاشرة : لو علم المأموم نجاسة ثوب الإمام أو بدنه في أثناء الصلاة لم يجب عليه الإعلام ، ولم يجز له ترك الايتمام ، وفاقا لطائفة من الأعلام (1)، فتصحّ صلاته.
أمّا الأوّل فللأصل الخالي عن المعارض ، المعاضد برواية محمّد : عن رجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلّي ، قال : « لن يؤذنه حتّى ينصرف » (2).
والمروي في قرب بالإسناد : عن رجل أعار رجلا ثوبا يصلّي فيه وهو لا يصلّي فيه ، قال : « لا يعلمه » (3).
وصحيحة ابن سنان : إنّ مولانا الباقر عليه السلام اغتسل وبقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فقيل له ، فقال : « ما [ كان ] عليك لو سكتّ؟! » (4).
وأمّا الثاني فللاستصحاب ، وعمومات صحّة الايتمام الخالية عن المخصّص سوى ما توهم ممّا يذكر فساده.
خلافا في الأوّل للفاضل في جواب المسائل المهنّائية ، فأوجب الإعلام من باب الأمر بالمعروف (5).
وضعفه ظاهر ، لأنّ أدلّة الأمر بالمعروف لا تشمله ، لعدم توجّه الخطاب إلى الجاهل والذاهل والناسي ، فلا معروف ولا منكر بالنسبة إليهم. ولو كان من ذلك
1) منهم المحدّث البحراني في الحدائق 11 : 242 ، ونقل في مفتاح الكرامة 3 : 473 عن نهاية الإحكام والموجز الحاوي وكشف الالتباس.
2) الكافي 3 : 406 الصلاة ب 66 ح 8 ، التهذيب 2 : 361 - 1493 ، الوسائل 31 : 474 أبواب النجاسات ب 40 ح 1.
3) قرب الإسناد 169 - 620 ، الوسائل 3 : 488 أبواب النجاسات ب 47 ح 3.
4) الكافي 3 : 45 الطهارة ب 29 ح 15 ، الوسائل 3 : 259 أبواب الجنابة ب 41 ح 1 ، وما بين المعقوفين من المصدر.
5) أجوبة المسائل المهنائية : 49.
الباب للزم كون ذلك الجاهل آثما معاقبا ، وهو خلاف الإجماع.
وإن أراد من قوله : من باب الأمر بالمعروف ، كونه من باب الإرشاد فوجوبه بل رجحانه إنّما يسلّم في الأحكام دون الموضوعات.
وفي الثاني للمحكي عن المحقّق الشيخ علي وبعض العلماء البحرانيين (1)، فمنعا من الايتمام وأوجبا الانفراد مبنيّا على صلاة الإمام ، لأنّ طهارة الثوب والبدن واجبة في الصلاة ولا تصحّ الصلاة مع العلم بالنجاسة ، وصلاة الإمام متّحدة مع صلاة المأموم ، فتكون كأنّها في ثوبه أو بدنه.
وفيه : منع الاتّحاد. وكونه بمنزلة كون النجاسة في ثوبه وبدنه ممنوع. مع أنّ الثابت من أدلّة اشتراط الطهارة ليس إلاّ اشتراطها في ثوبه وبدنه بنفسه ، لا ما هو بمنزلته.
وقد يستدلّ أيضا بأنّ صلاة الإمام فاسدة واقعا صحيحة ظاهرا ، والمأموم عالم بفساده الواقعي ، فلا يصحّ الايتمام به.
وفيه : منع الفساد واقعا ، إذ ليس الفساد إلاّ عدم الموافقة للمأمور به ، ولا أمر إلاّ بالمعلوم.
المسألة الحادية عشرة : يصحّ اقتداء أحد المجتهدين أو مقلّده بالمجتهد الآخر أو مقلّده
وإن علم المأموم مخالفة الإمام له في كثير من أحكام الصلاة ومقدّماتها وشرائطها ، وفاقا لبعض الأجلّة.
لأصالة عدم اشتراط الاتّحاد في الفروع مع القدوة.
وإجماع الأمّة ، لأنّ بناء السلف والخلف على ذلك من غير تفتيش عن اجتهاد الإمام والموافقة والمخالفة في المجتهد ، مع عدم ثبوت أصل يقتضي الموافقة ، واقتداء المجتهدين بعضهم ببعض وكذا المقلّدين مع العلم العادي بالاختلاف حتّى فيما تبطل به الصلاة في حقّ واحد دون الآخر ، وكذا اقتداء أصحاب الأئمة
1) انظر الحدائق 11 : 261.
: وتقرير الأئمة لهم ، مع اختلافهم كثيرا في الفروع باختلاف الأخبار كما يظهر من أصولهم.
ولأنّها صلاة صحيحة عند الإمام والمأموم فالإمام يصلّي صلاة صحيحة باتّفاقهما ، فتشمله عمومات الجماعة طرّا من غير مخصّص.
ولا يضرّ بطلان الصلاة في بعض الصور في حقّ المأموم بمعنى أنّه لو فعلها نفسها كذلك مع ما عليه من الرأي عليه تكون باطلة.
لأنّه بطلان فرضي ، أي لو فرض صدورها من المأموم كذلك تكون باطلة ، فإنّها لم تصدر حينئذ منه بل من الإمام ، والصلاة الواقعة صحيحة عندهما ، فلا وجه لعدم جواز الاقتداء ، ولذا لو نذر المأموم أن يعطي من صلّى صلاة صحيحة باعتقاد ذلك المأموم درهما يبرأ بإعطائه ذلك الإمام ، لأنّ صلاته صحيحة باعتقاد المأموم وإن كان لو صدر مثل ذلك عن المأموم يكون باطلا.
وقيّد بعضهم الصحّة بما إذا لم تكن صلاة الإمام باطلة عند المأموم.
فإن أراد البطلان عنده في حقّ الإمام أيضا ، كأن يزعم تقصيره في الاجتهاد أو عدم كون مجتهده جائز الاتّباع مع تقصير المقلّد في معرفة حاله ، فهو كذلك ونحن نقول به ووجهه ظاهر.
وإن أراد البطلان عنده في حقّ نفسه لو فعلها كذلك فهو غير صحيح ، لما ذكر ، وليست صلاة الإمام صلاة المأموم حقيقة بل ولا بمنزلتها حتّى تكون باطلة في حقّ المأموم حينئذ أيضا.
ثمَّ على ما ذكرنا لو كانت المخالفة فيما لا يجب على المأموم فعله أو تركه بل كان ساقطا عنه ، فلا يفعله المأموم ولا شيء عليه لو فعله الإمام ، كما إذا كان مذهب الإمام عدم وجوب السورة ولم يقرأها ، أو جواز القران في الفريضة وقرن ، أو جواز قراءة العزيمة وقرأها ، فلا شيء على المأموم ، وكذا لو رأى المأموم شيئا ناقضا للوضوء أو الغسل ولم يره الإمام كذلك وبنى على الطهارة السابقة عليه فإنّ الإمام متطهّر عندهما.
ولو كانت فيما يجب على المأموم فعله ولم يجب عليه البناء فيه على فعل الإمام ، فيبني على اجتهاد نفسه أو مجتهده. فلو رأى الإمام جواز المسح بالبلّة الجديدة ولم يجوّزه المأموم يتوضّأ المأموم باجتهاد نفسه. ولو أوجب المأموم رفع اليدين بتكبيرة الإحرام دون الإمام يرفعهما المأموم وإن لم يرفعهما الإمام. ولو أوجب المأموم القنوت دون الإمام يقنت ولو لم يقنت الإمام ، ويلحقه في الركوع ، وهكذا.
وكذا الكلام في الاجتهاد في الموضوعات ، فلو توضّأ بماء مغصوب عند المأموم دون نفسه صحّ الاقتداء ، ولو تخالفا في القبلة يتوجّه كلّ منهما إلى قبلته.
اعلم أنّه يجب التقصير في الرباعية خاصّة بإسقاط أخيرتيها في السفر المستجمع لشرائط التقصير الآتية ، بإجماع أصحابنا الإمامية ، وعليه تواترت أخبارهم.
وكذا لا خلاف في سقوط نوافلها إلاّ الوتيرة ، فإنّ فيها خلافا قد سبق مع بيان الحق فيه في بحث النوافل.
وكذا يسقط وجوب الجمعة عليه كما تقدّم في بحث صلاة الجمعة.
ولا قصر في غير الرباعية ، ولا سقوط لغير نوافلها من النوافل ، إجماعا.
ثمَّ الكلام في ذلك المقام تارة في شرائط القصر ، واخرى في أحكامه ، فهاهنا فصلان :
وهي أمور :
الأول : المسافة المخصوصة ، بإجماع العلماء من الخاصّة والعامّة سوى داود (1)فاكتفى بمجرّد صدق المسافر والضرب في الأرض. وعلى اعتبارها إجماع علمائنا كافّة ، وحكاية الإجماع عليه متواترة (2)، فهو فيه الحجة. مضافا إلى الأخبار المتكثرة ، بل في المعنى متواترة ، وإن اختلفوا في تعيين المسافة ، كما يبيّن بتحقيق المقال فيه في مسائل :
الأولى : اتّفق جميع أصحابنا على عدم اعتبار الأزيد من ثمانية فراسخ ، فيجب التقصير إذا بلغت المسافة إليها ، إجماعا ، له ، وللمستفيضة كمعتبرة الفضل : « وإنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ ، لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والأثقال ، فوجب التقصير في مسيرة يوم » (3)الحديث.
وموثقة سماعة : في كم يقصر الصلاة؟ قال : « في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ » (4).
1) المجموع 4 : 425.
2) انظر الانتصار : 51 ، والخلاف 1 : 567 ، والسرائر 1 : 334 ، والمعتبر 2 : 465 ، والتذكرة 1 : 188 ، والمدارك 4 : 428 ، والذخيرة : 405 ، والرياض 1 : 248.
3) الفقيه 1 : 290 - 1320 ، العلل : 266 ، ب 182. عيون الأخبار 2 : 111 ، الوسائل 8 : 451 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 1.
4) التهذيب 3 : 207 - 492 ، الاستبصار 1 : 222 - 768 ، الوسائل 8 : 453 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 8.
والساباطي : عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ ، فيأتي قرية فينزل فيها ، ثمَّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستّة ، لا يجوز ذلك ، ثمَّ ينزل في ذلك الموضع ، قال : « لا يكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتم الصلاة » (1).
والمعنى : أنّ الرجل لا يكون مسافرا حتّى يقصد أن يسير من منزله ثمانية فراسخ ، فهذا الشخص يتمّ الصلاة لعدم كونه قاصدا لها ، نعم يقصر في الرجوع لتحقّق القصد.
أو المعنى : هذا الشخص لا يكون مسافرا حتى يسير ثمانية فراسخ ، فإذا سار الثمانية ولو بدون القصد يكون مسافرا ، فقبل ذلك يتمّ الصلاة.
والمعنى الأوّل يوجب جعل سير ثمانية فراسخ بمعنى قصده ، والثاني يوجب تخصيص الأمر بالإتمام بما قبل وصول هذا الرجل الثمانية.
والأول أظهر ، لشيوع إرادة قصد السير من السير في أخبار السفر.
ورواية البجلي ، وفيها : كم أدنى ما يقصر فيه الصلاة؟ قال : « جرت السنّة ببياض يوم » فقلت له : إنّ بياض يوم يختلف - إلى أن قال - : ثمَّ أومأ بيده أربعة وعشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ (2).
وتدلّ الأخيرة من غير معارض على كون ثمانية فراسخ أربعة وعشرين ميلا ، كما هو اتفاقي بين الفقهاء ، على ما صرّح به غير واحد (3)، بل بين العلماء كافة كما في المدارك (4)، بل عليه كلّ اللغويين كما في المصباح المنير (5).
وتدلّ عليه أيضا مرسلة الفقيه : « لمّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له
النبي : في كم ذلك؟ فقال : في بريد ، قال : وكم البريد؟ قال : ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير (1)، فذرعته بنو أمية ثمَّ جزّؤوه على اثني عشر ميلا ، فكان كلّ ميل ألفا وخمس مائة ذراع ، وهو أربعة فراسخ » (2).
ورواية المروزي ، وفيها : « فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا وذلك أربعة فراسخ » (3)الحديث.
وعلى هذا فيدلّ على المطلوب ما تضمنت الأميال من الأخبار أيضا ، كموثقة العيص : في التقصير « حدّه أربعة وعشرون ميلا » (4).
وحسنة الكاهلي : في التقصير في الصلاة ، قال : « بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا » (5).
وصحيحة زرارة ومحمّد ، وفيها : « وقد سافر رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إلى ذي خشب ، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان ، أربعة وعشرون ميلا ، فقصر وأفطر ، فصارت سنّة ، وقد سمّى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله من صام حين أفطر : العصاة » (6). الحديث.
ويستفاد من الأخيرتين والمرسلة المتقدّمة كون أربعة وعشرين ميلا - التي هي ثمانية فراسخ - بريدين أيضا ، بل في المرسلة تصريح باتّحاد البريدين وثمانية فراسخ ، كما دلّت عليه موثقة سماعة المتقدمة ، وصحيحة زرارة : « التقصير في
1) عير ووعير جبلان بالمدينة انظر : مجمع البحرين 3 : 418 وروضة المتقين 2 : 638.
2) الفقيه 1 : 286 - 1303 ، الوسائل 8 : 461 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 16.
3) التهذيب 4 : 226 - 664 ، الاستبصار 1 : 227 - 808 ، الوسائل 8 : 457 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4.
4) التهذيب 4 : 221 - 647 ، الاستبصار 1 : 223 - 788 ، الوسائل 8 : 454 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 14.
5) الفقيه 1 : 279 - 1269 ، التهذيب 3 : 207 - 493 ، 4 : 223 - 652 الاستبصار 1 : 223 - 787 ، الوسائل 8 : 452 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 3.
6) الفقيه 1 : 278 - 1266 ، الوسائل 8 : 452 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 4.
البريد ، والبريد أربعة فراسخ » (1). والأخرى : عن التقصير فقال : « بريد ذاهب وبريد جائي ، وكان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذا أتى ذبابا قصّر ، وذباب على بريد ، وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ » (2).
وأمّا ما في رواية المروزي : « التقصير في الصلاة بريدان ، أو بريد ذاهبا وجائيا ، والبريد ستّة أميال ، وهو فرسخان » (3). الحديث.
فمع ما فيها من الحكم المخالف للإجماع من التقصير في فرسخين ، واحتمال كون تفسير البريد وما بعده من الراوي كما في الوافي (4)، لا يعارض ما مرّ لشذوذها ، كما صرّح به غير واحد (5)، مع أنّها مرجوحة عما مرّ بوجوه.
وعلى هذا فيدلّ على المطلوب ما دلّ على التقصير في البريدين أيضا ، كصحيحة خزاز : عن التقصير ، قال : « في بريدين أو بياض يوم » (6).
ونحوها صحيحة أبي بصير (7).
ومرسلة ابن بكير : في الرجل يخرج من منزله يريد منزلا آخر له أو ضيعة له اخرى ، قال : « إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤمّ بريدان قصّر ، وإن كان دون ذلك أتمّ » (8).3.
1) الكافي 3 : 432 أبواب السفر ب 2 ح 1 ، التهذيب 4 : 223 - 653 ، الاستبصار 1 : 223 - 790 ، الوسائل 8 : 459 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 1.
2) الفقيه 1 : 287 - 1304 ، الوسائل 8 : 461 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 14 و 15.
3) راجع الرقم (3) من الصفحة السابقة.
4) الوافي 7 : 136.
5) منهم الفيض في الوافي 7 : 136 ، والحر العاملي في الوسائل 8 : 457 أبواب صلاة المسافر ب 2 ذيل الحديث 4.
6) التهذيب 3 : 210 - 506 ، الاستبصار 1 : 225 - 802 ، الوسائل 8 : 453 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 7.
7) التهذيب 4 : 222 - 651 ، الاستبصار 1 : 223 - 789 ، الوسائل 8 : 454 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 11.
8) التهذيب 4 : 221 - 648 ، الوسائل 8 : 492 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 3.
ويستفاد من رواية البجلي المتقدّمة اتّحاد بياض اليوم مع الأميال والفراسخ ، المتحدتين مع البريدين ، فتكون لفظة ، « أو » في صحيحة خزاز لبيان أفراد كيفية التقدير.
بل يستفاد منها أنّ بياض اليوم هو مسيرة يوم التي حدّ التقصير بها في كثير من الأخبار. فتكون هي أيضا متّحدة مع ثمانية ، لذلك ولمعتبرة الفضل ، وموثقة سماعة ، وصحيحة زرارة ومحمد ، المتقدّمة جميعا.
وعلى هذا فيدلّ على المطلوب أيضا ما حدّ التقصير بمسيرة اليوم ، كبعض ما مرّ ، وصحيحة ابن يقطين : عن الرجل يخرج في سفره وهو مسيرة يوم ، قال : « يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وإن كان يدور في عمله » (1).
وقد ظهر من جميع ذلك اتّحاد جميع هذه التقديرات وأنّ مرجعها إلى ثمانية فراسخ.
وأمّا ما يخالفها ممّا دلّ على أنّه مسيرة يوم وليلة ، أو ثلاثة برد ، أو مسيرة يومين (2).
فمع قصوره عن المقاومة لما مرّ من وجوه منها الشذوذ فتوى ورواية ، بل المخالفة للإجماع ، محمولة على التقية ، فإنّ لكلّ منها قائلا من العامّة (3).
ثمَّ إنّه يظهر من ذلك ما في كلام بعض المتأخّرين - كالروض والمدارك (4)، وغيرهما (5)- من اعتبار المسافة بمسيرة يوم والتقدير بالفراسخ معا ، ثمَّ نفي الإشكال عن الاكتفاء بالسير والتقدير مع موافقتهما ، والاستشكال فيما لو اختلفا ، وترجيح التخيير تارة بالتقصير ببلوغ المسافة بأحدهما ، وتقديم السير أخرى ، لأنّه
أضبط ودلالة النص عليه أقوى ، والتقدير ثالثة ، لكونه تحقيقا ، والاحتياط بالقصر والإتمام في مقام الاختلاف رابعة.
وذلك لأنّ مسيرة يوم أمر مطلق ، مختلفة الأفراد قطعا ، لتفاوتها باعتبار اختلاف السير في كيفية السير ، ونفس سير المراكب ، والأمكنة ، والأزمنة ، والراكب ، والأثقال ، واختلاف الأيام. والأخبار المقيدة بثمانية فراسخ مقيدة. وحمل المطلق على المقيّد واجب ، فيتعين الحمل على الفراسخ. وأضبطيّة السير ممنوعة. مع أنّ الوارد في الأخبار المتقدّمة ضبط مسيرة يوم أيضا بالفراسخ ، فيعلم أنها المراد منها ، وإن كان ذلك لأجل علمهم بأنّها الأغلب للعامّة في مسيرة اليوم.ألا ترى أنّه إذا أمر الشارع بالإطعام بقدر تشبع عامة الناس ، ثمَّ عيّنه بالمدّ يحمل عليه؟!
ولقد أجاد بعض بعض الأجلّة في شرحه على الروضة (1)، حيث قال - بعد ذكر ما نقلنا عن بعض المتأخّرين - : لا مجال لاعتبار السير إذا خالف التقدير ، فإنّ الأخبار الناطقة بالتقدير ممّا لا تحصى كثرة ، والناطقة بالسير لا شكّ أنّها مطلقة بالنسبة إلى الأوّلة ، ولا بدّ من حمل المطلق على المقيّد ، لا سيّما وبعضها مصرّح بتقييد ذلك المطلق بذلك القيد. هذا ، مع أنّ تعليق الحكم الشرعي بالأمر المنضبط أولى من تعليقه بأمر مضطرب ، وأنّ التقصير في أقلّ ذلك مخالف للأصل من وجهين ، فإنّ الأصل بقاء حكم الإتمام وعدم التقصير ، والأصل عدم تحقّق الشرط. فالتقدير بثمانية فراسخ مما لا ينبغي الشك فيه. انتهى.
وعلى هذا فاللازم الرجوع إلى تعيين معنى الفرسخ بالفحص في الأخبار ، فإن تعيّن [ وإلاّ ] (2)فالرجوع إلى اللغة أو العرف.
فإن قلت : التقدير كما ورد بالفراسخ ورد بالبريد والأميال أيضا ، ومع ذلك يظهر من الأخبار اتحاد الثلاثة ، فهلاّ جعلت الحدّ أحد الأخيرين ، والرجوع إلى
الأخبار أو العرف أو اللغة في تعيين معناه؟
قلنا : لأنّ الوارد في الأخبار تفسيرهما بالفراسخ ، وتعيين معناهما بها ، فيعلم أنّ الفراسخ هي المرجع.
ومن ذلك يعلم أنّ بعد تعيين معنى الفرسخ لا يضرّ إجمال معنى الآخرين أو الخلاف فيه ، بل ولا مخالفته لغة للمعنى المعلوم للفرسخ ، إذ بعد دلالة الأخبار على أنّ البريدين وأربعة وعشرين ميلا هو ثمانية فراسخ ، ومعلومية معنى الفرسخ ، يعلم مراد الشارع من البريد والميل ، وإن كان مخالفا للمعنى اللغوي لهما ، غاية الأمر كونه مجازا شرعيا.
نعم ، لو لم يعلم معنى الفرسخ ، وعلم معنى لهما أو لأحدهما ، يجب حمل الجميع عليه.
فاللازم الرجوع في وجوب التقصير إلى ثمانية فراسخ.
ثمَّ الفرسخ ثلاثة أميال ، إجماعا محققا ، ومنقولا مستفيضا (1)، لغة وشرعا ، كما دلّت عليه الأخبار المتقدمة.
والميل يقدّر تارة بمدّ البصر من الأرض ، واخرى بالذراع.
ولا يمكن أن يكون المراد به في المقام المعنى الأوّل ، لعدم انضباطه البتة ، لاختلاف مدّ البصر باختلاف المبصر ، والباصرة ، والأرض ، ورقّة الهواء وغلظته ، بل لا يكاد يوجد عشرة أشخاص لم يختلف مدّ أبصارهم غاية الاختلاف ، بل يختلف في ثمانية فراسخ بقدر ضعفها.
مع أنّ المراد بمدّ البصر غير ثابت. وما قيل من أنّه ما يمتاز فيه الراجل عن الراكب لا دليل عليه أصلا ، وقد جرّبنا كثيرا من الناس ، فمنهم من يميز بينهما في فرسخ ، سيّما إذا كان في أرض لها انحدار ، ومنهم من لا يميّز في ألف ذراع. ومثل ذلك يستحيل أن يكون مناطا للأحكام الشرعية.
فتعيّن الثاني.8.
1) انظر الانتصار : 51 ، والخلاف 1 : 568 ، والرياض 1 : 248.
وعدده أربعة آلاف ذراع بذراع اليد ، لأنه المشهور المعروف بين اللغويين ، والفقهاء ، والعرف ، كما صرّح به غير واحد (1)، بلا معارض أصلا ، إذ ليس إلاّ بعض الأخبار المحدّدة له بألف وخمسمائة ذراع (2)، أو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع (3)، أو بعض كلمات أهل اللغة القائلة بأنّه ثلاثة آلاف ذراع (4)، وليس الذراع في شيء منها مقيّدا بذراع اليد ، وللذراع إطلاقات كثيرة عند اللغويين ، ولها اختلافات ، كذراع القدماء ، وذراع المحدّثين ، والذراع الأسود ، وبعضها اثنان وثلاثون إصبعا ، وبعضها أربعة وعشرون ، ويحتمل أن يكون بعضها غير ذلك.
وبالجملة : لا يعلم مغايرة التحديد بالذراع المطلق للتحديد بذراع اليد ، فيمكن أن يكون العدد الّذي حدّدوه به مطلقا هو بعينه أربعة آلاف ذراع اليد ، فلا يعلم معارض للمشهور استعماله فيه. فيحمل عليه ، لأصالة عدم التعدد في المستعمل فيه ، وعدم استعمال الميل - المراد منه الذراع - في الأقلّ من أربعة آلاف ذراع اليد أو الأكثر.
مع أنّ استعمال الفرسخ في اثني عشر ألف ذراع بذراع اليد مقطوع به ، مشهور بين الفقهاء واللغويين. بل الأزهري - بعد ما صرّح بأنّ الميل عند كلّ من القدماء والمحدّثين أربعة آلاف ذراع بذراع اليد ، وأنّ الاختلاف في الذراع لفظي - قال : والكلّ متفقون على أنّ الفرسخ ثلاثة أميال (5). ومقتضاه الاتفاق على أنّ الفرسخ اثني عشر ألف ذراع بذراع اليد.
فهذا الاستعمال مما لا ريب فيه ، والاستعمال في غيره غير معلوم ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، فيكون الفرسخ حقيقة في ذلك.
مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك ، وقلنا بعدم معلوميّة المراد من الميل ، وعدم تعيّنه ، يجب الرجوع في معنى الفرسخ - الذي به فسّر البريد والأميال في الأخبار - إلى العرف ، فيراد به ما يطلق عليه الفرسخ عرفا ، وهو موافق لاثني عشر ألف ذراع ، فإنّا قد سمعنا التقدير كثيرا ، والتطابق بين ما يطلق عليه الفرسخ عرفا - أي المسافة المشهورة بالفرسخ - وبين هذا العدد تقريبا ، ولم يوجد اختلاف أكثر ممّا يتحقّق بواسطة تفاوت الأذرع والتقريب (1)الحاصل باعتبار تفاوت مبادئ الذراع أو يسير انحراف في الطريق حين المساحة. فلا شكّ في لزوم تحديد الفرسخ بذلك.
ثمَّ إنّهم حدّدوا الذراع بالأصابع ، وهي بالشعيرات ، وهي بالشعرات.
وهو - مع أنّه ليس مستندا إلى دليل - لا فائدة فيه ، إذ الاختلاف المتحقّق من جهة اختلاف الشعيرات والشعرات والأصابع ليس بأقلّ من الحاصل بواسطة الأذرع ، فلا يحصل بذلك تحقيق وانضباط أكثر.
فائدة : اعلم أنّه لا شكّ في أنّه لا حدّ حقيقيا للفرسخ لا يزيد عنه ولا ينقص ، سواء يرجع فيه إلى العرف أو الأذرع ، إذ إطلاق العرف لا يختلف باختلاف عشرة أذرع أو عشرين ، بل بنحو من ألف ذراع في ثمانية فراسخ.
وكذا الأذرع ، فإنّه وإن كان المرجع في تحديد الذرع إلى مستوى الخلقة ، ولكن من ضروريات الحسّ والعيان تفاوت أذرع أكثر الناس ، ولو بنصف إصبع أو إصبع ، ومن اجتماع التفاوت في أربعة فراسخ أو ثمانية ربما بلغ الاختلاف إلى نحو من ألف ذراع. ولا شكّ أيضا في صدق الفرسخ على كلّ من المختلفين.
وعلى هذا فيكفي في لزوم القصر أو جوازه تحقّق الأقلّ ، للصدق. فكلّ ما علم صدق ثمانية فراسخ عليه عرفا ، أو صدق ستة وتسعين ألف ذراع عليه يكون محلّ الحكم ، وكذا في الأربعة ، ولو كان القدر الأقلّ ، إذا لم يختلف العرف فيه ،
1) كذا في النسخ ، والظاهر أنّ الأنسب : التقدير.
أو كان من أذرع المتعارف من أفراد الناس.
المسألة الثانية : هل هذه الثمانية الموجبة للقصر ثمانية ممتدّة ذهابية ، أو أعمّ منها ومن الملفّقة من الذهابية والإيابيّة؟
المشهور بين القدماء والمتأخّرين الأول ، بل ادّعى جماعة نفي القول بخلافه ، والأخرى الإجماع على بطلان خلافه كما يأتي (1).
وعن العماني الثاني (2)، واختاره شرذمة من متأخّري المتأخرين (3).
والحقّ هو الأول ، للأصل ، والإجماع كما يأتي بيانه ، وظهور أخبار الثمانية والبريدين واثني عشر ميلا ومسيرة يوم ونحوها في الممتدّة ، بل كونها حقيقة فيه ، إذ لا شكّ أنّ الفرسخ والبريد وثمانية فراسخ والأربعة والبريدين ونحوها ألفاظ موضوعة لغة وعرفا لمسافة معينة ممتدّة امتدادا متّصلا في جهة واحدة ، فالفرسخ اسم لاثني عشر ألف ذراع مبتدأة من مبدإ منتهية إلى موضع ، حقيقة فيه ، للتبادر ، وصحة السلب ، فإنه لو سمع الفرسخ يتبادر منه مسافة ممتدة ، وكذا ثمانية فراسخ ، ولا يسبق إلى الذهن من الأول ربع فرسخ متكرر أربع مرّات ، ولا من الثاني فرسخ متكرر ثمان مرات ، ويصحّ سلب الفرسخ من الأوّل وثمانية فراسخ عن الثاني. وكذا بياض يوم وأربع وعشرون ميلا والبريدان وغيرها ، ولا يقال لألف ذراع إنّه فرسخ ، حيث يمكن الذهاب والإياب فيه اثني عشر مرة ، وكذا لا يقال له بريد من هذه الجهة ، ولذا قال جماعة : إنّ المتبادر هو المسافة الذهابية (4).
وتدل عليه أيضا رواية المروزي المتقدّمة (5)، العاطفة « بريد ذاهبا وبريد جائيا » على البريدين ، المقتضي لتغايرهما.
احتجّ من عمّها بوجوه :
الأوّل : صدق الثمانية والبريدين ونحوهما على الملفّقة.
الثاني : أنّ المراد سير ثمانية فراسخ ، وهو أعمّ من سيرها ممتدّة أو ملفّقة ، بل صرّح في بعض الروايات بالسير ، كموثّقة الساباطي المتقدمة (1)، وقوله في صحيحة أبي ولاّد الآتية : « فإن كنت سرت في يومك الذي خرجت منه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير » (2).
الثالث : الأخبار الآتية الدالة على تحتّم القصر في الأربعة ، فهي قرينة على إرادة الملفّقة.
الرابع : صحيحة زرارة المتقدّمة (3)، المصدّرة بقوله : عن التقصير ، فقال : « بريد ذاهب وبريد جائي ».
وهي تدل من وجهين : أحدهما قوله : « بريد ذاهب وبريد جائي » فإنه يدلّ على أنّ الثمانية ملفقة. وثانيهما : تعليله تقصير الرسول في البريد بأنه إذا رجع كان بريدين.
وصحيحة معاوية بن وهب : أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ قال : « بريد ذاهبا وبريد جائيا » (4).
ورواية المروزي السابقة.
الخامس : رواية صفوان : عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل ، فلم يزل يتبعه حتّى بلغ النهروان ، وهي أربعة فراسخ من بغداد ، أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر؟ قال : « لا يقصر ولا يفطر ، لأنّه خرج من منزله ،
وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه ، فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه ، ولو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا والإفطار » (1).
دلّت على وجوب التقصير بالأربعة الذهابية والإيابية ، بل يدلّ قوله : « ولو أنّه خرج » بعد قوله : « لأنّه ليس يريد السفر ثمانية فراسخ » على أنّ الأربعة فراسخ ذاهبا وجائيا من أفراد السفر ثمانية فراسخ ، فتكون الثمانية أعمّ من الملفقة.
السادس : تعليل وجوب القصر في البريد والأربعة بأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية في حديث العلل والمحاسن ، وفيها بعد الأمر بالتقصير في الأربعة : « هل تدري كيف صار هكذا؟ » قلت : لا أدري ، قال : « لأنّ التقصير في البريدين ، ولا يكون التقصير في أقلّ من ذلك ، فلمّا كانوا قد ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير » (2).
وهذا صريح في إرادة الأعمّ من الملفقة.
والجواب أما عن الأول : فبمنع الصدق كما مرّ.
وأما عن الثاني : فبمنع أعمية سير الثمانية ، فإنّ لفظ الثمانية إذا كانت حقيقة في الممتدّة يكون سيرها حقيقة في سير الممتدّة ، لأصالة عدم وضع آخر للهيئة التركيبيّة ، ولذا لا يتبادر من قولك : أعطيته ألف درهم ، إلاّ إعطاء ألف متعدّدة دون المكرّرة ، وكذا : رأيت ألف شخص ، وقرأت ألف بيت.
مضافا إلى أنّ الأخبار المتضمّنة لمثل قوله : « التقصير في بريدين أو ثمانية فراسخ » لا يشتمل على لفظ « سير » فكما يمكن أن يكون المراد سير هذه المسافة يمكن أن يكون ذهابها ، بل هو المتبادر الظاهر.
والموثّقة صريحة في الممتدّة ، إذ لو أراد الملفّقة أيضا لوجب الحكم بالتمام في خمسة فراسخ الثانية ، لقصده الذهاب إليها والإياب ، بخصوصه كما هو الظاهر ، أو بالعموم الحاصل من ترك استفصال أنّ الخمسة الثانية هل كانت مقصودة بتمامها أوّلا أو لا. مع أنّ مقتضاها حصول السفر بسير ثمانية فراسخ ، ولا دلالة لها على وجوب التقصير به ، بل غايته أنّ بدونه لا يقصر ، فيمكن أن يكون للقصر شرط غيره أيضا ككون السفر ذهابيا.
والصحيحة صريحة في أنّ سير البريد ذهابي لقوله بعده « حين رجعت » فلا دلالة لها من حيث إطلاق السير ، وأمّا من حيث إيجاب التقصير في البريد فيأتي جوابه.
وأمّا عن الثالث : فبعدم دلالة أكثر أخبار الأربعة على التحتم ، ويعارض ما دلّ منها عليه مع الأقوى منها ، كما يأتي مفصلا ، مع انّها لو تمّت دلالتها لدلّت على التقصير في الأربعة مطلقا وإن لم يكن فيها إياب قبل قطع السفر ، فلا تكون قرينة على تلفيق الثمانية ، بل تكون معارضة لأخبارها.
وأما عن الرابع : فبأنّه لا يدل على الأزيد من مشروعيّة التقصير وجوازه في بريد ذاهب وبريد جائي ، وأنّ علّة المشروعية صيرورتها ثمانية ملفّقة كما يأتي ، ولا دلالة فيه على أنّ الثمانية الموجبة أيضا هي أعمّ من الملفّقة ، ويمكن أن تكون الثمانية الملفّقة صالحة لعليّة الجواز لا الوجوب.
وأمّا عن الخامس والسادس : فبأنّ الاستناد إليهما إنّما كان صحيحا لو لا ضعفهما بالشذوذ والمعارض ، ولكن حكمهما عموما شاذّ ، ومع ذلك يعارضان الرضوي الآتي المنجبر بالعموم المطلق ، فيجب تخصيصهما بغير محلّ التعارض ، كما يأتي في المسألة الرابعة.
فائدة : الفرق بين هذه المسألة ، ومسألة تحتّم القصر في الأربعة وعدمه بالعموم من وجه ، فتفترق هذه المسألة عن الآتية فيما إذا لم يكن الذهاب أربعة ، كمن يقصد السير من طريق مسافته ثلاثة فراسخ ، والعود ممّا مسافته خمسة ، وفيما
إذا سافر غير ناو للمسافة حتّى إذا بلغ سبعة فراسخ مثلا ، فنوى ذهاب فرسخ والعود ، وفيما إذا تردّد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرّات ، فيقصّر بناء على هذه المسألة دون الآتية. وتفترق الآتية فيما إذا قصد الأربعة ، وتعقبها قاطع السفر ، فيقصر على المسألة الآتية دون تلك المسألة.
المسألة الثالثة : الحقّ ضمّ الإياب مع الذهاب في الثمانية المجوّزة للقصر ، سواء بلغ ذهابه أربعة أم لا ، بل ذهب فرسخا ورجع سبعة ، فيجوز القصر في الثمانية الملفقة وإن لم يجب ، للأدلّة الثلاثة الأخيرة من أدلة القائلين بالتلفيق في المسألة المتقدّمة ، أمّا أوّلها فلما مرّ من أنّه يدلّ على علّية الضمّ للجواز ، وأما الأخيران فلاختصاص شذوذهما وتعارضهما بما في دلالتهما على وجوب القصر دون جوازه.
المسألة الرابعة : ما مرّ كان حكم الثمانية الممتدّة ، وقد عرفت أنّ حكمها وجوب التقصير.
وأمّا الأربعة الممتدّة فإمّا يريد الرجوع عنها ليومه ، أم لا.
فإن أراد الرجوع ليومه قصّر وجوبا أيضا ، على الأصح الموافق للعماني والسيّد والمفيد والصدوقين والتهذيب والنهاية والمبسوط والحلّي والديلمي (1)، وكافّة المتأخّرين ، بل هو المشهور كما به صرّح جماعة (2)، بل وفاقا لغير من شذّ وندر ، كما ذكر جمع آخر (3)، بل عن ظاهر الأمالي : أنّه من دين الإماميّة (4).4.
1) حكاه عن العماني والصدوقين في المختلف : 162 ، والسيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 47 ، والمفيد في المقنعة : 349 ، وانظر الهداية : 33 ، والأمالي : 514 ، والفقيه 1 : 280 ذيل الحديث 1269 ، التهذيب 3 : 207 ذيل الحديث 495 ، النهاية : 122 ، المبسوط 1 : 141 ، الحلي في السرائر 1 : 329 ، الديلمي في المراسم : 75.
2) منهم الشهيد الثاني في الروضة 1 : 370 ، والبحراني في الحدائق 11 : 313.
3) انظر الرياض 1 : 249.
4) أمالي الصدوق : 514.
لعموم خبر صفوان المتقدّم (1)، وموثقتي ابني عمّار وبكير ، الاولى : في كم أقصّر الصلاة؟ فقال : « في بريد ، ألا ترى أنّ أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفات كان عليهم التقصير؟! » (2).
والثانية : عن القادسية أخرج إليها أتمّ أم أقصّر؟ قال : « وكم هي؟ » قال : هي الّتي رأيت. قال : « قصّر » (3).
قال في المغرب : القادسية موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا (4).
دلّت بعمومها على وجوب التقصير في الأربعة الممتدّة ، لم يعمل بها في غير الراجع ليومه لأجل المعارض والمضعف - كما يأتي - فبقي الباقي.
وخصوص الرضوي المنجبر ضعفه بما سبق ، حيث قال : « فإن كان سفرك بريدا واحدا وأردت أن ترجع من يومك قصّرت ، لأنّ ذهابك ومجيئك بريدان » إلى أن قال : « فإن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ ، ولم ترد الرجوع من يومك ، فأنت بالخيار إن شئت أتممت وإن شئت قصرت » (5).
ولا يضرّ عدم صراحة قوله « قصرت » في الوجوب ، لأنّه يصير صريحا بعد تذييله بما ذيّل به من إثبات الخيار لو لم يرجع ، لأنّ التفصيل قاطع للشركة ، بل مفهوم الذيل أيضا كاف في نفي الخيار وإثبات الوجوب مع الرجوع في اليوم.
وبذلك يدفع استصحاب وجوب التمام ، ويخصّص عموم ما دلّ على أنّه لا قصر في أقلّ من الثمانية.
وقد يستدلّ أيضا بموثقة محمد : عن التقصير ، فقال : « في بريد » قلت :
1) في ص 187.
2) التهذيب 3 : 208 - 499 ، الاستبصار 1 : 224 - 795 ، الوسائل 8 : 464 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 5.
3) التهذيب 3 : 208 - 497 ، الاستبصار 1 : 224 - 793 ، قرب الإسناد 170 - 625 بتفاوت ، الوسائل 8 : 458 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 7.
4) المغرب 2 : 110.
5) فقه الرضا عليه السلام : 161 ، مستدرك الوسائل 6 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 2.
بريد؟! قال : « إنّه إذا ذهب بريدا وجاء بريدا شغل يومه » (1).
دلّت على أنّ كلّ بريد ذاهبا وبريد جائيا شاغل لليوم ، وأنّ كلّ شاغل لليوم يوجب التقصير ، فكلّ بريد ذاهبا وبريد جائيا يوجبه ، وظاهر أنّ البريد الذاهب والبريد الجائي الشاغل ما كان في يوم واحد.
وذلك حسن ، إلاّ أنّه لا يدلّ على أزيد من مشروعية التقصير ، كما يأتي بيانه.
خلافا للمحكي في الذكرى عن الصدوق في كتابه الكبير ، وعن التهذيب والمبسوط ، وقواه نفسه (2)، فأثبتوا التخيير بين القصر والإتمام لمن رجع من يومه في الأربعة ، والإتمام لمن كان غير راجع ، جمعا بين روايات الثمانية والأربعة ، وتضعيفا للرضوي المتقدّم ذكره.
وفيه : أنّ وجه الجمع لا ينحصر بالتخيير ، بل يمكن بإيجاب القصر مع العود والتخيير بدونه في الأربعة أيضا ، وضعف الرضوي مجبور بما مرّ.
مع أنّ في نسبة ما ذكر إلى المبسوط والتهذيب نظرا ، بل الأول صريح في وجوب الإتمام في الأربعة مع العود (3)، والثاني محتمل له (4)، كما يظهر من كلامه - طاب ثراه - فيهما.
أ : مفاد الرضوي وإن كان وجوب التقصير إذا كان العود في اليوم خاصة ، إلاّ أنّ مقتضى العمومات عموم وجوبه ، سواء كان العود في اليوم أو الليلة ، أو الذهاب في الليلة والعود فيها ، أو في اليوم ، أو كان الذهاب في يوم والعود في آخر ، خرج الأخير بما سيأتي من المعارض والشذوذ ، فيبقى الباقي ، فيجب التقصير في
الذهاب والإياب ليلا ، أو الذهاب في أحدهما والرجوع في الآخر ، سواء ذهب في آخر أحدهما وآب في أول الآخر ، أو بالعكس.
ويدلّ عليه الإجماع المركّب وتنقيح المناط في بعض هذه الأقسام أيضا ، ولا يضرّ مفهوم ذيل الرضوي السابق في هذه الأقسام ، لعدم ثبوت انجباره فيه.
ب : مقتضى الأدلّة التي ذكرنا للمسألة اشتراط ذهاب الأربعة ، والعود مطلقا ، فلو ذهب إلى موضع من طريق مسافته ثلاثة فراسخ ، وعاد من طريق آخر مسافته خمسة لم يقصر ، ولو عكس قصر ، وكذا لو ذهب من طريق الأربعة ، وعاد من طريق ثلاثة فراسخ.
ومن يبني هذه المسألة على ضمّ الإياب مع الذهاب في الثمانية الموجبة يلزمه وجوب القصر في الأولين ، وعدم جواز القصر في الأخير.
ج : يشترط في صدق العود والرجوع أمران : أحدهما : قصد المنزل الأول ، والثاني عدم البعد عنه حين الإياب بعدا معتدّا به عرفا ولو محرّفا ، لعدم صدق الإياب بدون الأمرين ، وصحة السلب.
وعلى هذا فلو ذهب أربعة فراسخ وعاد منه فرسخا غير مريد للرجوع إلى موضعه الأول ، بل أراد الإقامة عشرة في رأس الفرسخ ، أو العود منه إلى الموضع الثاني ، أو الذهاب إلى موضع ثالث لم يكن عود. وكذا لو رجع عن طريق آخر مبعد عن المنزل الأول بعدا معتدّا به غير متقرّب إليه في ذلك اليوم والليلة.
د : يصدق الرجوع بعد تحقّق الأمرين ولم يدخل في هذا اليوم والليلة إلى منزله الأول ، بل مكث في رأس فرسخ مثلا ثمَّ دخل في غده ، فيقصر حينئذ وجوبا أيضا ، سواء أراد الرجوع إلى الأول في هذا اليوم ولم يتيسر ، أو أراد الرجوع من الثاني فيه ودخول الأول في الغد.
المسألة الخامسة : إن لم يرد الرجوع ليومه في الأربعة ، ففي المنع من التقصير وتحتّم الإتمام مطلقا ، أو عكسه كذلك فيجب التقصير ويمنع عن الإتمام مطلقا ، أو التخيير كذلك ، أو التفصيل بين ما إذا لم يتخلّل بينها وبين العود إقامة العشرة
أو غيرها من القواطع ، وبين ما إذا تخلّل ، فالتخيير أو تحتم التقصير على الأول وتحتّم الإتمام على الثاني ، خمسة أقوال.
الأول للسيد والحلّي (1)، ونسب إلى المشهور بين المتأخّرين (2)، وهو كذلك.
والثاني لبعض فضلاء متأخري المتأخرين ناسبا له إلى الكليني (3).
والثالث للشيخ في النهاية والمبسوط والتهذيب (4)، والمفيد والصدوقين (5)، ونسب إلى الكليني أيضا (6).
والرابع للقاضي والديلمي وظاهر الوسيلة (7).
أخبار إناطة وجوب التقصير بالثمانية وما بمعناها ، الحقيقة في الممتدّة الذهابية كما مرّ.
ويجيبون عمّا يأتي من أخبار الأربعة بالحمل على مريد العود في اليوم ، فبه يجمعون بين الصنفين ، مستشهدا له بموثقة محمد المتقدّمة في المسألة السابقة (10)، دلّ التعليل فيها على أنّ القصر في البريد إنّما هو إذا شغل اليوم ، وليس هو إلاّ إذا
1) حكاه عن السيد في المعتبر 2 : 468 ، الحلي في السرائر 1 : 329.
2) انظر الحدائق 11 : 313.
3) الحدائق 11 : 316 نقله عن بعض مشايخه المحققين عن الفاضل المشار إليه.
4) النهاية : 122 ، المبسوط 1 : 141 ، التهذيب 2 : 207 ذيل الحديث 495.
5) المفيد في المقنعة : 349 ، المختلف : 162 عن الصدوقين ، وانظر الفقيه 1 : 280 ، والهداية : 33 والأمالي : 514.
6) الحدائق 11 : 316 نقلا عن بعض مشايخه المحققين.
7) القاضي في المهذب 1 : 106 ، والديلمي في المراسم : 75 ، الوسيلة : 108.
8) حكاه عنه في المختلف : 162.
9) منهم الذخيرة : 406 ، ومفاتيح الشرائع 1 : 25 ، والحدائق 11 : 326 ، والرياض 1 : 257.
10) راجع ص 191.
رجع في يومه. وبما دلّ على أنّ القصر في مسيرة يوم أو بياض يوم ، حيث إنّ المستفاد منه أنّ القصر إنّما هو إذا كان يومه سائرا ، وهو يتحقّق بأحد الأمرين : مسير ثمانية فراسخ ، أو أربعة مع الرجوع في اليوم.
أقول : في كلّ من الاستدلال بأكثر أخبار الثمانية وما بمعناها ، والجمع والاستشهاد نظر.
أمّا الأوّل فلأنّ من الأخبار المذكورة ما أناط تحتّم القصر على الثمانية وما بمعناها كمعتبرة الفضل (1)، وصحيحة زرارة ومحمد (2)، وصحيحة ابن يقطين (3)، ومنها ما يحتمل ذلك حيث يبيّن الحكم بالجملة الخبرية المحتملة للوجوب ، كموثقة سماعة ورواية البجلي (4). وشيء منهما لا ينافي جواز التقصير في الأقلّ من ذلك فلا ينافي التخيير.
ومنها ما يحتاج إلى تقدير ، وهو كلّ ما جعل التقصير في البريدين أو مسيرة يوم ، أو نحوهما ، كحسنة الكاهلي (5)، وصحيحتي الخزاز وأبي بصير (6)، وموثقة العيص (7)، وغيرها ، فإنّه لا شك في أنّها لا يستقيم إلاّ بتقدير نحو قوله : شرعيّة التقصير ، أو جوازه ، أو وجوبه ، أو حدّ أحدها ، فيحتمل أن يكون بيانا لحدّ الوجوب ، فلا ينافي التخيير.
نعم يتمّ استدلالهم بموثّقة الساباطي ومرسلة ابن بكير المتقدّمتين (8).
أمّا الأولى فلدلالتها على انتفاء المسافرة - المراد منها ما يشرع معه التقصير -
ما لم يسر من منزله ثمانية فراسخ الّتي هي - كما مرّ - حقيقة في الممتدة ، وعلى وجوب الإتمام على السائر ذهابا خمسة أو ستّة ، الشامل لمن قصد تلك المسافة أو لا ، لترك الاستفصال.
وأما الثانية فلأنّ قوله فيها : « وإن كان دون ذلك أتم » وإن كان متضمّنا للإخبار المحتمل بنفسه للجواز ، إلاّ أنّ الظاهر من ذكره بعد قوله « قصر » الذي هو للوجوب البتّة أنّ المراد منه الوجوب أيضا. وحمل أحدهما على الوجوب والآخر على الجواز بعيد. وحملهما على الجواز - حيث إنّه جنس للوجوب أيضا - ينفيه التفصيل القاطع للشركة.
ويدلّ عليه أيضا صدر رواية البجلي السابقة (1)، وهو : إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة ، وهي بمنزلة القادسية من الكوفة ، فربما عرضت لي الحاجة أنتفع بها ، أو يضرّني القعود عنها في رمضان ، فأكره الخروج إليها ، لأنّي لا أدري أصوم أم أفطر. فقال لي : « فاخرج وأتمّ الصلاة وصم ، فإنّي قد رأيت القادسية ».
وأما وجه النظر في الجمع فلإباء بعض أخبار الأربعة عنه ، وصراحته في غير الراجع ليومه كما يأتي.
وأما في الاستشهاد فلأنّ التعليل يمكن أن يكون للقصر في البريد ذاهبا خاصّة ، فيكون معناه أنّه يقصّر في البريد ، لأنّه إذا ذهب بريدا وجاء بريدا في يوم شغل يومه ، وكلّما كان كذلك يجوز القصر في ذهابه خاصّة أيضا ، حيث إنّه لو رجع لكان شاغلا. وأمّا ما دلّ على أنّ القصر في مسيرة يوم ونحوها ، فلا يدل إلاّ على أنّ قصد هذه المسافة أو سيرها يوجب القصر ، لا أنّه يجب أن يكون في يوم واحد.
حجة القول الثاني ، وهو تحتّم التقصير مطلقا وجهان :
أحدهما : وجوب القصر في الثمانية الملفّقة ، ولزوم ضمّ الإياب مع الذهاب كما مرّت أدلته.
1) في ص 178.
وثانيهما : الأخبار الدالّة على أنّ حدّ التقصير أربعة فراسخ ، وهي مع كثرتها على قسمين.
القسم الأول : ما يدلّ على التقصير في أربعة فراسخ ، الظاهر في الوجوب عند جماعة ، والقاصر عن إفادته على الأظهر ، بل لا يدلّ على الأزيد من المشروعية والجواز ، وهو مرسلة الفقيه ، وصحيحتا زرارة ، ورواية المروزي ، المتقدمة كلها في صدر المسألة الاولى (1)، وصحيحة ابن وهب المتقدمة في المسألة الثانية (2)، وموثقة محمّد السالفة في المسألة الرابعة (3)، ومرسلة الخزاز (4)، وهي مثل مرسلة الفقيه ، وصحيحته : أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ فقال : « بريد » (5).
وصحيحة الشحام : « يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلا » (6).
وصحيحة زرارة الطويلة ، الواردة في تقصير النبي بمنى ، حين أقام فيه ثلاثا ، ثمَّ الخلفاء بعده إلى زمن عثمان وإتمامه ، وأمره عليا عليه السلام بالإتمام واستنكافه منه (7). ولا يتوهّم دلالة استنكافه على وجوب التقصير ، لجواز أن يكون ذلك لاعتقادهم وجوب الإتمام.
ورواية الهاشمي : عن التقصير ، فقال : « في أربعة فراسخ » (8).5.
1) راجع ص 179.
2) راجع ص 187.
3) راجع ص 191.
4) الكافي 3 : 432 الصلاة ب 2 ح 3 ، الوسائل 8 : 460 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 13.
5) الكافي 3 : 432 أبواب السفر ب 82 ح 2 ، التهذيب 3 : 207 - 495 ، و 4 : 223 - 654 الاستبصار 1 : 223 - 791 ، الوسائل 8 : 460 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 11.
6) التهذيب 3 : 208 - 498 ، و 4 : 223 - 655 ، الاستبصار 1 : 224 - 794 ، الوسائل 8 : 456 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 3.
7) الكافي 4 : 518 الحج ب 92 ح 3 ، الوسائل 8 : 456 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 9.
8) التهذيب 3 : 208 - 500 ، الاستبصار 1 : 224 - 796 ، الوسائل 8 : 457 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 5.
وأبي الجارود : في كم التقصير؟ فقال : « في بريد » (1).
والقسم الثاني : ما يدلّ بظاهره على التحتّم ، وهو رواية صفوان المذكورة في المسألة الثانية (2)، وموثّقتا ابني عمار وبكير ، المتقدّمتان في المسألة الرابعة (3).
ومرسله ابن أبي عمير : عن حدّ الأميال الّتي يجب فيها التقصير ، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : « جعل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حدّ الأميال من ظلّ عير إلى ظلّ وعير » (4).
وصحيحة معاوية بن عمار : إنّ أهل مكة يتمّون الصلاة بعرفات ، قال : « ويلهم ، أو : ويحهم ، وأيّ سفر أشدّ منه؟! لا تتمّ » (5).
ورواية إسحاق بن عمار : في كم التقصير؟ فقال : « في بريد ، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، فقصّروا » (6).
واخرى : عن قوم خرجوا في سفر ، فلما انتهوا إلى الموضع الّذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة ، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو أربعة تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلاّ به ، وأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم ، وأقاموا على ذلك أيّاما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون ، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال : « إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم ، أقاموا أم انصرفوا ، وإن كانوا ساروا
1) التهذيب 3 : 209 - 501 ، الاستبصار 1 : 224 - 797 ، الوسائل 8 : 458 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 6.
2) راجع ص 187.
3) راجع ص 191.
4) الكافي 3 : 433 أبواب السفر ب 82 ح 4 ، الوسائل 8 : 460 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 12.
5) الكافي 4 : 519 الحج ب 92 ح 5 ، الفقيه 1 : 286 - 1302 ، التهذيب 3 : 210 - 507 و 5 : 487 - 1740 ، الوسائل 8 : 463 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 1.
6) التهذيب 3 : 209 - 502 ، الاستبصار 1 : 225 - 798 ، الوسائل 8 : 464 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 6.
أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة أقاموا أم انصرفوا ، فإذا مضوا فليقصروا » (1).
ورواها في العلل والمحاسن ، وزاد فيها : « هل تدري كيف صار هكذا؟ » إلى آخر ما مرّ في المسألة الثانية (2).
وصحيحة أبي ولاّد : إني كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة ، وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء ، فسرت في يومي ذلك ، أقصر الصلاة ، ثمَّ بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة ، فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام - إلى أن قال - : فقال : « فإن كنت سرت في يومك الّذي خرجت فيه بريدا لكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير ، لأنّك كنت مسافرا إلى أن تصير إلى منزلك ، وإن كنت لم تسر بريدا فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صليتها في يومك بالتقصير من قبل أن تريم من مكانك ذلك » (3).
وصحيحة [ عمران بن محمد ] (4): إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلا ، خمسة فراسخ ، ربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام ، فأتمّ الصلاة أو أقصّر؟ قال : « قصّر في الطريق ، وأتمّ في الضيعة » (5).
بحملها على كون الضيعة وطنا للسائل ، أو حمل جزئها الأخير على التقية بمعنى حمل الأمر بالإتمام في الضيعة عليها ، لكون الملك مطلقا من القواطع عند جماعة من العامة.
أقول : يظهر ما في الوجه الأول مما مرّ في المسألة الثانية.
وأمّا الوجه الثاني ، أي أخبار الأربعة ، فيرد عليه أنّ القسم الأول منها غير
1) الكافي 3 : 433 أبواب السفر ب 82 ح 5 ، الوسائل 8 : 466 ، أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10.
2) راجع ص 188.
3) التهذيب 3 : 298 - 909 ، الوسائل 8 : 469 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.
4) في النسخ : محمد بن عمران ، والصحيح ما أثبتناه ، كما يظهر من المصادر وكتب الرجال.
5) التهذيب 3 : 210 - 509 ، الاستبصار 1 : 229 - 811 ، الوسائل 8 : 496 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 14.
دالّ على الوجوب ، قاصر عن إفادته. نعم يدلّ على مشروعيّة التقصير في الأربعة.
وأمّا القسم الثاني منها فكثير من أخباره غير صالح للاستدلال أيضا ، كرواية إسحاق بن عمار الأولى ، فإنّها قاصرة عن إفادة الوجوب أيضا ، لعدم معلومية سبب الويح ، فهو كما يمكن أن يكون إنكارا على الإتمام ، يمكن أن يكون على اعتقاد وجوبه ، فيكون المعنى : في كم يجوز التقصير؟ فقال : في بريد ، ويح لمن لا يجوز فيه. نعم ظاهر صحيحة ابن عمار كون الويح على الإتمام.
ومرسلة ابن أبي عمير ، فإنّها وإن كانت دالة على الوجوب إلاّ أنّ غايتها وجوب التقصير في الأربعة في الجملة ، ولا يدلّ على الوجوب مطلقا وبلا شرط. ألا ترى أنه يصحّ أن يقال : حدّ السنّ الّذي يجب فيه الصيام سنّ البلوغ ، مع أنّ وجوب الصوم فيه مشروط بدخول الوقت ، والخلوّ عن الحيض والمرض والسفر ، وغيرهما. فيصحّ القول بأنّ حدّ وجوب التقصير الأربعة ، وإن كان مشروطا بشرط كالرجوع في اليوم ، أو المسبوقيّة بقصد الثمانية الممتدّة.
والحاصل أنّها تدلّ على أنّ كلّ اثني عشر ميلا حدّ يجب فيه التقصير ، ويصدق ذلك بوجوبه فيه عند الرجوع ليومه. مع أنّه لا بدّ فيها من تقدير ، فكما يمكن أن يكون المعنى : يجب في سيرها التقصير ، يمكن أن يكون : في سير خاصّ فيها التقصير ، ولا إطلاق في السير فيها حتّى يحكم به.
ورواية إسحاق بن عمار الثانية ، وصحيحة أبي ولاّد ، فإنّهما أخصّان من المدّعى ، لاختصاصهما بسير الأربعة ، المسبوق بقصد الثمانية الممتدّة ، الراجع عن قصدها بعد سير الأربعة ، والوجوب حينئذ مسلّم ، ولا يدلّ على الوجوب في غير ذلك الفرد ، ولذا قال بالوجوب فيه من لا يقول به في غيره ، كما يأتي.
نعم تبقى خمسة أخرى من أخبار القسم الثاني - وهي : رواية صفوان ، والموثّقتان ، والتعليل الوارد في رواية العلل ، وصحيحة عمران بن محمد - دالّة على الوجوب ظاهرا.
مستند القول الثالث ، وهو التخيير مطلقا ، بعد إبقاء ما دلّ على جواز
التقصير أو وجوبه في الثمانية ، والقسم الأول من أخبار الأربعة الدالّ على الجواز فيها ، على ظواهرها ، لعدم المنافاة : إمّا حمل ما أمر بالإتمام فيما دون الثمانية ، وهي الأخبار الثلاثة المتقدّمة أعني موثّقة الساباطي ، ومرسلة ابن بكير ، ورواية البجلي (1)، وما أمر بالتقصير في الأربعة ، وهي الخمسة المذكورة ، على الجواز جمعا ، لصلاحيّة كلّ منهما قرينة لذلك الحمل في الآخر.
أو جعل هذين الصنفين متعارضين خاليين عن المرجّح ، فيجب المصير إلى التخيير ، لذلك.
مضافا إلى الرضوي المتقدّم في المسألة الرابعة (2).
أقول : يرد على وجه استدلالهم الأول : أنّ الجمع الّذي ذكروه إنّما يحسن مع وجود الشاهد عليه ، ولا شاهد. وصلاحيّة كلّ منهما قرينة لحمل الآخر على الجواز ممنوع. نعم ، يصلح تجويز الترك قرينة لحمل الدالّ على الوجوب على الاستحباب ، وتجويز الفعل قرينة لحمل الدالّ على الحرمة على الكراهة ، وأمّا تحتم الطرفين فليس بينهما إلاّ التعارض.
وعلى وجه استدلالهم الثاني أولا : أنّ الرجوع إلى التخيير عند التعارض إنّما هو إذا كان بالتباين أو العموم من وجه ، وأمّا إذا كان بالعموم المطلق ، فيجب حمل العامّ على الخاصّ قطعا. وما نحن فيه كذلك ، لأنّ موثّقة الساباطي من الأخبار الثلاثة عامّة بالنسبة إلى قصد المسافة وعدمه ، وأكثر الأخبار الخمسة خاصّة من هذه الجهة سيّما رواية صفوان ، ولا جهة خصوصيّة أخرى للموثقة بالنسبة إليها. ومرسلة ابن بكير أعمّ مطلقا من جميع الخمسة من جهة شمولها لما دون الأربعة أيضا. مضافا إلى إمكان الخدش في صراحتها في الوجوب ، ورواية البجلي عامّة من جهة كون الضيعة وطنا للراوي ، وكثير من الأخبار الخمسة خاصّة من
الجهتين ، وكذا قوله في معتبرة الفضل : ولا يجب في أقلّ من ذلك (1)، فإنّه أعمّ مما دون الأربعة أيضا.
وثانيا : أنّا سلّمنا التعارض ، ولكن الترجيح مع أخبار الأربعة الخمسة ، لموافقتها لعموم الكتاب (2)، فإنّ مقتضاه نفي الجناح عن التقصير فيما يصدق عليه الضرب في الأرض مطلقا ، والمورد منه ، وأخبار التمام يوجب الجناح فيه ، ومخالفتها للعامّة ، لأنّ غير شاذّ منهم يوجبون التمام في المورد (3).
وعلى وجه استدلالهم الثالث وهو الرضوي : بضعفة المانع عن حجيّته.
دليل القولين الآخرين - وهما التفصيل في تحتم القصر أو التخيير ، بين ما إذا تخلّل القاطع وبين ما إذا لم يتخلّل - وجوه :
أحدها : انصراف إطلاق ما دلّ على التقصير في الأربعة نصّا وفتوى إلى مريد الرجوع قبل القاطع ، لأنّه الغالب.
وتؤيّده موثّقة محمد المتقدّمة (4)، حيث إنّ فيها - بعد الحكم بالتقصير في بريد بقول مطلق ، وتعجّب الراوي عنه - علّل الحكم بأنّه إذا رجع شغل يومه ، وهو ظاهر في أنّ الأربعة حيث تطلق يراد بها ما يتعقّبه الرجوع. ونحوها الأخبار الأخرى الدالّة على اعتبار الإياب بنحو قوله : « ذاهبا وجائيا » ومثل ذلك.
وثانيها : أنّ مع عدم الرجوع يكون ذلك سفرين ، كلّ منهما أربعة فراسخ ، لا سفر واحد ، فالتقصير في كلّ منهما يوجب طرح أخبار الثمانية. بل المتبادر من الثمانية لو لم يكن الذهابية فقط فلا شك في لزوم كونها في سفر واحد ، غير متخلّل في أثنائه القاطع.1.
وتنافيه التعليلات الناصّة للتقصير في الأربعة بأنّها تصير مع الرجوع ثمانية ، سيّما قوله في رواية العلل : « وأرادوا أن ينصرفوا » (1).
وثالثها : الرضوي ، حيث قال - بعد الحكم بوجوب التقصير في الأربعة مع إرادة الرجوع ليومه كما مر - : « وإن عزمت على المقام ، وكان سفرك بريدا واحدا ، ثمَّ تجدّد لك فيه الرجوع من يومك ، فلا تقصّر » (2).
هذا ، مع أنّ كثيرا من الأخبار التامّة الدلالة على وجوب التقصير في الأربعة ، أو المستدلّ به له ، غير شاملة أو غير ظاهرة الشمول لما إذا تخلّل القاطع.
كما دلّ على وجوب تقصير الحاجّ أو أهل مكة في عرفة ، لعدم وقوفهم فيها عشرة قطعية ، أو ثلاثين متردّدة ، إلاّ نادرا لا يحمل الكلام عليه.
وكرواية إسحاق بن عمار الأخيرة ، لندرة انتظارهم الرجل المذكور متردّدين بأزيد من ثلاثين يوما ، بل استبعاده ، بل القطع عادة بخلافه ، بل المتيقّن إمّا مجيئه أو يأسهم عن مجيئه قبلها.
وكرواية العلل المتضمّنة لإرادة الانصراف ، ورواية صفوان المشتملة على قوله « ذاهبا وجائيا » وصحيحة أبي ولاّد المصرّحة بإرادة الرجوع من الطريق.
أقول : يمكن القدح في بعض هذه الوجوه ، كمنع الانصراف والغلبة المذكورتين ، ومنع إشعار الموثّقة ، وكمنع تعدّد السفر بتخلّل القاطع مطلقا ، فإنّه لا وجه لتعدّد السفر عرفا بتخلّل العشرة مع نيّة الإقامة دون العشرين بدون النية ، أو التسعة مع النية أيضا ، وتضعيف الرضوي بعدم ثبوته ، مع أنّ في صحيحة عمران دلالة على التقصير في الأربعة مع تخلّل القاطع (3).
ثمَّ أقول : إنّ بما ذكرنا ظهرت أدلّة جميع الأقوال الخمسة ، وما يرد على كلّ
منها ، فيلزم علينا الآن المحاكمة بينها وترجيح الراجح منها.
فنقول : قد عرفت أنّ ما يدلّ على تحتّم الإتمام فيما دون الثمانية الممتدّة دلالة تامة ينحصر في أخبار ثلاثة معارضة مع جميع أخبار القسمين من أخبار الأربعة ، وهي راجحة بالأشهرية رواية جدّا ، والأصحية سندا ، فيجب ترجيحها ، مضافا إلى ما عرفت من أعمّية الثلاثة مطلقا عن كثير من أخبار الأربعة ، فيجب تخصيصها بها بالحمل على غير قاصد المسافة أو الأربعة ، أو المتخلّل له دخول الوطن ، ومع ذلك يصرّح الرضوي المنجبر بخلافها. ولو قطع النظر عن جميع ذلك فبعد حصول التعارض يجب الرجوع إلى التخيير.
ومنه يظهر ضعف القول بالتمام وجوبا جدّا ، وكذا القول بتحتّم القصر مطلقا ، لما عرفت من أنّ ما تتمّ دلالته عليه منحصر في روايات خمس ، وروايتا صفوان والعلل. وموثّقة ابن عمار - كما عرفت - غير شاملة لما لم يتخلّل القاطع ، أو غير ظاهرة فيه.
فلم يبق إلاّ عموم موثّقة ابن بكير ، وخصوص صحيحة عمران ، ولكنّهما غير صالحتين لإثبات الوجوب ، لشذوذه جدا ، فإنّه لم ينقل قائل به من القدماء والمتأخّرين مطلقا ، ولا معروف من متأخّري المتأخّرين ، وإنّما نسبه بعض مشايخنا إلى واحد منهم ، وأمّا نسبته إلى الكليني فغير واضحة ، بل نسب إليه القول المشهور كما مرّ (1)، فالخبر الدالّ عليه شاذّ نادر ، بل للإجماع البتّة مخالف.
ومع هذا كلّه لا دلالة في الصحيحة على كون الأمر بالإتمام في الضيعة لأجل تخلّل القاطع ، فلعله لأجل التقيّة ، حيث كان في الضيعة من المخالفين جماعة ، بخلاف الطريق.
فلم يبق إلاّ عموم الموثّقة المعارضة بالرضوي المذكور ، المخصوص ، النافي لوجوب التقصير مع عزم المقام ، المنجبر بالشهرة القديمة والجديدة العظيمة بل الإجماع ، فتخصيصها به لازم ، ورفع اليد عن ذلك القول أيضا متحتّم ، فبقيت
1) راجع ص 194.
ثلاثة أخرى.
وقد عرفت ضعف ما استدلّوا به للتخيير بعد معارضته لأخبار التحتّم ، وقوة أخبار التحتم ، فلو خلّيا وأنفسهما لكان الترجيح للأخير ، وكان جدّا قويا ، إلاّ أنّ القول بالتخيير يتقوّى بالرضوي المتقدّم في المسألة الرابعة المصرّح بالخيار (1)، وهو وإن كان ضعيفا بنفسه ، إلاّ أنه منجبر بفتوى جماعة من فحول القدماء كالصدوقين والشيخين وأتباعهما (2)، بل بالشهرة القديمة ، كما صرّح به بعض مشايخنا (3)، بل بنقل الإجماع عن أمالي الصدوق عليه (4)، بل به تشعر عبارة التهذيب حيث قال : على أنّ الّذي نقوله في ذلك : إنّما يجب التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ ، وإذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار (5).
والقول بالتحتّم يوهن بندور القول به وشذوذه ، كما صرّح به جماعة (6)، ولم ينقل القول به عن الطبقتين الاولى والثانية إلاّ عن العماني (7)، وإنّما هو شيء ذهب إليه طائفة ممن يقاربنا عهده (8)، ونفى المحقق الأردبيلي القول بتحتّم القصر فيما دون الثمانية لغير مريد الرجوع في يومه (9)، بل في السرائر : الإجماع على جواز التمام ، ونفي الخلاف عن حصول البراءة به (10)، وهو المستفاد من المختلف أيضا (11)، وعن شيخنا الشهيد الثاني في رسالته : بطلان لزوم القصر في الأربعة2.
لغير مريد الرجوع في يومه إجماعا (1)، وكذا صرّح بالإجماع على عدم تحتّم التقصير في الأربعة بعض الأجلة في شرح الروضة ، وصرّح بعض مشايخنا بإجماع من عدا العماني على عدم التحتم أولا ، وبالإجماع المطلق ثانيا (2).
ولا شك أنّ بذلك يضعّف أخبار التحتّم جدّا ، فإنّ كلا من شهرة القدماء على خلاف خبر ، وشذوذ القول بمضمونه ممّا يخرجه عن الحجّية ، بل المخرج هنا حقيقة الإجماع ، إذ لو لم يثبت الإجماع هنا لم يثبت إجماع لم يقدح فيه مخالفة معروف النسب ولا الشاذّ.
وعلى هذا فيبقى القول بالتحتّم بلا دليل صالح للحجية ، مع أنّه على فرض وجوده يكون في إزائه الرضوي المذكور الّذي بما مرّ مجبور ، وهو مع أنّه كاف في نفسه لإثبات التخيير يصلح قرينة لحمل الأوامر فيها على الجواز ، سيّما مع ما في دلالة هذه الأوامر على الوجوب من الكلام ، من جهة كونها في مقام توهّم الحظر بل مسبوقيّتها به.
مضافا إلى ما عرفت من ظهور أخبار الثمانية والبريدين ونحوهما في الممتدّة ، وإلى عدم رجحان أخبار الأربعة عن الرضوي باعتبار موافقة الكتاب ، ولا مخالفة العامة ، لأنّ التخيير أيضا كذلك ، مع أنّ في رجحانها عن أخبار تحتّم الإتمام بالأول أيضا نظرا ، لأنّ الضرب في الأرض حقيقة في معنى لا يراد هنا قطعا ، ويمكن أن يكون مجازه السفر ، وصدقه على السير في الأربعة مطلقا محلّ نظر.
مع أنّ الرضوي أخصّ من الجميع باعتبار اختصاصه بغير مريد الرجوع ليومه ، فيجب التخصيص به. وهذا هو وجه ردّ الدليلين الأخيرين لضمّ الإياب مع الذهاب المشار إليه في المسألة الثانية (3).
هذا كلّه مع دلالة جميع أخبار القسم الأول من أخبار الأربعة على جواز
القصر من غير ثبوت التحتّم منها (1)، وهي مع كثرتها تشتمل على الصحاح ، ويدلّ عليه ما مرّ في المسألة الثالثة من ضمّ الإياب في الجواز (2).
وعلى هذا فيكون الترجيح للتخيير البتة ، فعليه العمل ، وبه الفتوى ، وهو الأصحّ.
وهل هو ثابت على الإطلاق كما هو ظاهر أكثر القدماء ، أو مشروط بعدم تخلّل القاطع؟
الحق هو الأول ، لإطلاق أكثر أخبار القسم الأول من أخبار الأربعة ، وبعض أخبار القسم الثاني ، من غير معارض سوى الرضوي الدالّ على عدم التقصير مع العزم على المقام (3). وهو - مع ضعفه الغير المجبور في المورد - لا يدلّ على حرمة القصر ، فلا ينافي المطلوب ، وإن نافى إطلاق تحتّم القصر ، وكان منجبرا فيه.
أ : وإذا عرفت التخيير فيما دون الثمانية ، فهل يتساوى الأمران فيه ، أو الأفضل القصر ، أو الإتمام؟
الظاهر هو الثاني مع عدم تخلّل القاطع ، للأخبار الدالّة على تقصير الرسول في عرفة وذباب ، وعدم رضاء الولي فيها بالإتمام (4)، وظهور أخبار القسم الأول من أخبار الأربعة في الرجحان (5)، ولا ينافيه الخيار المثبت في الرضوي (6). والثالث
مع تخلّل القاطع ، للرضوي الذي هو أخصّ مما ذكر (1)، وضعفه في مقام السنن غير ضائر.
ب : ذكر جماعة (2)أنّ مبدأ تقدير المسافة من آخر خطّة البلد في جهة المسافة في الصغير والمعتدل ، وآخر محلّته في المتّسع.
واستدل للأول بأنّه المتبادر من إطلاق النصّ والفتوى. وللثاني بعدم تبادره من الإطلاق ، فيرجع إلى المتبادر ، كما يرجع في إطلاق الوجه إلى مستوي الخلقة.
أقول : إنّ ما ورد من أنّ التقصير في بريد أو بريدين أو مسيرة يوم أو ثمانية فراسخ أو نحو ذلك ، يحتمل أن يكون المراد مبتدأ من البيت أو مبدأ السير أو آخر خطّة البلد ، وبالجملة في مبدإ المسافة إجمال.
فإن أراد المستدلّ أنّ المتبادر من ذلك الاستعمال إرادة آخر البلد مطلقا ، فلو سلّم فينبغي أن لا يتفاوت حكمه في المعتدل والمتّسع ، ولا بلد مذكورا حتّى يقال بانصراف إطلاقه إلى الشائع.
وإن أراد أنّ المتبادر منه إرادة ذلك في المعتدل خاصّة ، فهو ممنوع غايته.
نعم الحكم الذي ذكروه في المعتدل من اعتبار البلد موافق للأصل ، فيجب اتّباعه قطعا ، ولكنّه جار في المتّسع أيضا.
والتحقيق أن يقال : إنّ التقصير في كثير من الأخبار وإن كان معلّقا على البريد أو البريدين أو نحوهما مجملا ، إلاّ أنّه في بعض الروايات نحو صحيحة أبي ولاّد (3)، وموثّقة الساباطي (4)، ورواية العلل (5)، معلّق على السير ، ومعناه معلوم
لا إجمال فيه ، فاللازم منه اعتبار مبدأ السير ، كما ذهب إليه بعضهم ، وتحمل المجملات أيضا على المبيّن ، فهو المعتبر لا غير ، سيّما فيما إذا كان المسافر من أهل البوادي والخيام.
نعم قد ظهر لك في المسألة الاولى أنّ الفرسخ ونحوه أمر تقريبي ، سواء رجع فيه إلى العرف أو الأذرع ، ولا يتفاوت في صدقه - سيّما في صدق أربعة فراسخ أو الثمانية - اختلاف نحو ألف ذراع بل أكثر ، وعلى هذا فلا يختلف الحكم في البلاد الصغيرة أو المعتدلة ، سواء اعتبر المبدأ من البيت الّذي هو مبدأ السير ، أو البلد ، لصدق المسافة المعتبرة على التقديرين.
وهذا هو السرّ في شيوع اعتبار البلد وتبادره ، لا من جهة مدخليّة نفس آخره ، وهو السرّ فيما ورد في الأخبار المتقدّمة من نسبة المسافة إلى المدينة في صحيحة زرارة ومحمد (1)، وإلى الكوفة وبغداد في روايات أخر ، فإنّ مسافة عشرين فرسخا أو بياض يوم لا تختلف في هذه البلاد باختلاف المبدأ لو اعتبر من آخر البلد أو الوسط ، ولذا لو علّق حكم على مسافة قليلة كألف ذراع لا يتبادر آخر البلد.
نعم قد يختلف إذا اتّسع البلد كثيرا ، وحينئذ فيكون المرجع هو مبدأ السير ، كما هو مقتضى الأخبار المثبتة.
فالتحقيق أن يقال : إنّ المعتبر مبدأ السير تقريبا مطلقا ، لكنّه لمّا كان لا يختلف الحكم باعتباره في البلاد المعتدلة يكفي اعتبار مبدأ البلد ، وأمّا في المتّسعة فلإمكان الاختلاف يناط حكمها بمبدإ السير.
ج : قال في الذكرى : لو قصد المسافة في زمان يخرج عن اسم المسافر ، كشهرين أو ثلاثة أشهر ، فالأقرب عدم القصر لزوال التسمية. ومن هذا الباب ما لو قارب المسافر بلده ، فتعمّد ترك الدخول فيه للتقصير ، فلبث في قرى متقاربة
1) المتقدّمة في ص 179.
بحيث خرج بها عن اسم المسافر ، وظاهر [ النظر ] (1)يقتضي عدم الترخّص بحال (2).
قال في المدارك بعد ذكر ذلك : ويمكن المناقشة في عدم الترخص في الصورة الثانية بأنّ السفر بعد استمراره ينقطع بأحد القواطع ، وبدونه يجب البقاء على حكم القصر. وأمّا ما ذكره من عدم الترخّص في الصورة الأولى فجيّد ، لأنّ القصر إنّما يثبت في السفر الجامع لشرائط القصر ، فمتى انتفى السفر أو بعض شرائطه قبل انتهاء السفر انتفى التقصير (3). انتهى.
أقول : مبنى كلام الشهيد على اشتراط صدق المسافر في جواز تقصيره ، وعدم الصدق في الصورتين. ومبنى كلام صاحب المدارك على الشك في الصدق وعدمه في الصورتين ، فيجب استصحاب الحالة السابقة.
وقد يقال في تأييد كلام الشهيد 1 : إنّ تعلّق الحكم بالمسافر إنّما هو بالأفراد المتعارفة الشائعة ، ومثل ذلك ليس منها (4).
ثمَّ أقول : مقتضى بعض الظواهر وإن كان اشتراط السفر ، كمفهوم قوله سبحانه ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ) (5)ومفهوم ما في بعض الأخبار : « ومن سافر قصّر » وتعليق الأمر بالتمام على عدم كونه مسافرا في موثّقة الساباطي ، وقوله في رواية صفوان : « لأنّه لا يريد السفر ثمانية فراسخ » ورواية العلل (6)ونحو ذلك ، إلاّ
1) في النسخ : النصّ ، وما أثبتناه موافق للمصدر.
2) الذكرى : 257.
3) المدارك 4 : 432.
4) انظر الحدائق 11 : 306.
5) الظاهر أنه سهو من قلمه الشريف ، لأن الآية المذكورة لم ترد في مسألة القصر ، بل وردت في مسألة الرهن ( البقرة : 283 ) وفي مسألة التيمّم ( النساء : 43 ، والمائدة : 6 ). وكأنّ مراده (ره) قوله سبحانه ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) البقرة : 185 ، الوارد في الصوم ، ويدلّ على جواز القصر أيضا كما ثبت في محله.
6) لا يخفى أنّه علّق الحكم فيها على السير لا على السفر ، فراجع ص 188.
أنّه علّق الحكم في بعض روايات أخر بالسير الذي هو أعمّ من صدق السفر.
ومنه ينقدح الإشكال في اشتراطه ، مع أنّه على فرض اشتراطه فانتفاء صدقه في الصورتين محل نظر ، فيحصل الشك في دخولهما تحت الحكم. ولكن ندرة هذين الفردين من أفراد سير المسافة توجب الشك فيه أيضا ، فإنّ القرائن الحالية الموجودة حال الخطاب تصرفه عن ظاهره ، كما أنّها توجب الشك في دخولهما تحت حكم الحاضر أيضا ، فالأظهر فيهما العمل بمقتضى اليقين السابق ، كما ذكره في المدارك.
د : البحر كالبرّ في جواز القصر أو وجوبه مع بلوغ المسافة أحد النصابين ، وإن قطعت في ساعة ، كما به صرّح جماعة ، منهم المنتهى قائلا إنّه لا نعرف في ذلك خلافا (1).
وهو كذلك ، لترتّب وجوب القصر على قصد المسافة المتحقّق في المورد. ولا يضرّ قطع المسافة في زمان قليل ، لتعارفه في البحر.
ه- : إنّما يجب القصر مع العلم ببلوغ المسافة بالاعتبار ، أو الشياع ، أو القرائن.
ومع الشك يتمّ بلا خلاف ، عملا بالأصل ، لا أصل عدم بلوغ المسافة ، لأنّ القصر تابع لقصدها ، والمسافة المقصودة لا يعلم مقدارها ، ولا يجري فيها أصل. بل أصل وجوب الإتمام واستصحابه حتّى يعلم وجوب القصر أو جوازه ، واستصحاب مشروعيّة الإتمام لو شكّ في بلوغ حدّ مسافة الوجوب.
وفي وجوب الاعتبار حين الشك وعدمه وجهان ، نظرا إلى وجوب تحصيل البراءة اليقينية الموقوف عليه ، وإلى أنّ الواجب عليه التقصير بشرط العلم لا مطلقا ، فيكون الواجب عليه مشروطا ، ولا يجب تحصيل مقدّمة الواجب المشروط ، والحاصل : أنّ الذمّة مشغولة قبل العلم بالتمام ، وقد حصلت البراءة به.
1) المنتهى 1 : 390.
والحق هو الأول مع الإمكان ، لشهادة العرف بإرادة الفحص في مثل ذلك ، كما مرّ بيانه في مسألة الاجتناب عن الاستقبال ، في آداب الخلوة.
ولو عصى وترك الاعتبار لم تجز له الصلاة ، لأنّ المفهوم عرفا وجوب تأخير الصلاة عن الفحص ، إلاّ أن تركه حتّى ضاق الوقت عنه فيصلّي تماما ، للأصل المذكور.
ولو ظهر بلوغ المسافة بعد الاعتبار حينئذ لم تجب الإعادة ، للإتيان بالمأمور به المقتضي للإجزاء.
ولو صلّى قصرا أعاد مطلقا ، وإن ظهر أنّه مسافة ، لأنّ فرضه التمام ولم يأت به ، وما أتى به لم يؤمر به.
ولو سافر مع ظنّ عدم بلوغ المسافة ، ثمَّ ظهر في الأثناء أنّ المقصد مسافة ، يجب التقصير حينئذ وإن قصر الباقي عن المسافة ، لظهور كونه قاصدا للمسافة أولا ، لأنّه كان قاصدا لمسافة معيّنة ، غايته عدم علمه بكونه مسافة وعلمه حينئذ ، فيعلم كونه قاصدا للمسافة أولا. وأمّا اشتراط علمه أولا بأنّ مقصوده مسافة أيضا فلا دليل عليه ، والأصل ينفيه. مع أنّ في مرسلة ابن بكير : « إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤمّ بريدان قصّر » (1)وهو صادق في المورد.
ولا تجب إعادة ما صلّى تماما قبل ذلك ، لأنّه صلّى صلاة مأمورا بها ، والأحوط الإعادة مع بقاء الوقت ، بل هو الأظهر فيه.
وهل يقوم الظنّ ببلوغ المسافة مقام العلم؟
ظاهر الدليل : لا ، ولو كان حاصلا من شهادة العدل بل العدلين ، لأنّ الأصل حرمة العمل بالظنّ وعدم حجيّته إلاّ ما قام عليه دليل ، ولا دليل على اعتبار العدل أو العدلين في خصوص المورد أو كليا.
و : لا يضمّ الذهاب مع الإياب في الأربعة ، كما كان يضمّ في الثمانية وجوبا عند جماعة ، وجوازا على الأقوى ، للأصل ، واختصاص الدليل بالثمانية ، ولصريح
1) التهذيب 4 : 221 - 648 ، الوسائل 8 : 492 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 3.
صحيحة أبي ولاّد ، ورواية إسحاق بن عمار المتقدّمتين (1)، فلا يتخيّر في الثلاثة فما دونها وإن رجع.
ز : لو كان لبلد طريقان أحدهما مسافة دون الآخر ، فإن سلك الأقرب أتمّ ذهابا وإيابا.
وإن سلك الأبعد لعلّة غير الترخّص قصّر إجماعا ، كما صرّح به غير واحد (2).
وكذا إن كان للترخّص ، على الأظهر الأشهر ، بل عن ظاهر البعض كونه إجماعيا (3)، لصدق قصد المسافة.
خلافا للمحكي عن القاضي فيتمّ (4)، لأنّه كاللاهي بصيده.
وهو ضعيف ، لأنّ السفر بقصد الترخّص غير محرّم ، للأصل ، والقياس فاسد.
ولو ذهب من الأقرب قاصدا للرجوع من الأبعد قصّر في الذهاب على الجواز ، وفي الرجوع على الوجوب. أمّا الثاني فظاهر. وأمّا الأول فلما مرّ من ضمّ الإياب مع الذهاب جوازا.
ولو عكس قصّر فيهما وجوبا.
ولو كان أبعد المسافتين مسافة جواز التقصير - أي الأربعة إلى ما دون الثمانية - والأقرب أقلّ من الأربعة ، فإن سلك من الأبعد جاز التقصير سواء رجع منه أو من الأقرب ، وإن سلك الأقرب أتمّ ذهابا وجوبا إن عاد منه أو من الأبعد مع عدم بلوغ المجموع الثمانية ، وجوازا إن بلغ المجموع ثمانية.
ح : لو تردّد يوما في ثلاثة فراسخ ذاهبا وجائيا ، فإن بلغ في الرجوع موضع
سماع الأذان ومشاهدة الجدران فالظاهر - كما صرّح به جماعة (1)- عدم الخلاف في عدم القصر ، ويدلّ عليه الأصل.
وإن لم يبلغ فالمقطوع به في كلام الأكثر عدم جواز القصر أيضا ، لأنّ من هذا شأنه ينقطع سفره بالرجوع ، وإلاّ لزم القصر لو تردّد في فرسخ ثمان مرّات ، ولعدم صدق المسافر عليه شرعا ولا عرفا.
وللتأمّل في الوجهين مجال.
والأولى أن يقال في الدليل : إنّ الأصل لزوم الإتمام خرج منه قاصد الثمانية أو الأربعة الّتي لا تكون ملفّقة من الذهاب والإياب أو تكون ملفّقة منهما فقط من غير أن يضمّ معهما عود ثالث ، فيبقى الباقي ، ولعموم قوله في مرسلة ابن بكير : « وإن كان دون ذلك أتمّ » (2).
فالحكم بالتمام فيه لازم ، والخلاف فيه - كما عن التحرير (3)- ضعيف غايته.
والاحتجاج بثبوت التلفيق باطل ، لأنّ الثابت منه - وجوبا كما قيل ، أو جوازا كما هو الأصح - تلفيق إياب مع ذهاب كما هو مورد دليله ، لا تلفيق التكرار ثلاثا أو أربعا. وهو السرّ في عدم القصر في الفرسخ المتكرر فيه ثمان مرّات ، لا عدم صدق السفر كما قيل (4)، وإلاّ لما جاز في فرسخ حول بلده يدور في عمله أيضا ، لعدم التفاوت.
ط : لو قصد المسافة عرضا لا طولا ، كأن يقصد البعد عن بلده فرسخا يدور عليه حول بلده حتى بلغ المسافة ، يقصر ، لصدق المسافة ، ولقوله في صحيحة ابن يقطين : « وإن كان يدور في عمله » (5)قال في الوافي : معناه : وإن كان
مسيره يكون في عرض المسافة (1).
ي : لو ذهب إلى منزل من طريق وقصد الرجوع من طريق آخر شبه قوس ، لم يقصّر ما لم يبلغ قدر المسافة الّتي تعدّ في العرف ذهابا من البلد مسافة موجبة أو مجوّزة ، إلاّ أن يبلغ المجموع ثمانية ملفّقة ، فيقصر على الجواز. والوجه ظاهر مما مرّ.
الشرط الثاني : قصد إحدى المسافتين المذكورتين للوجوب أو الجواز ولو في أثناء الطريق.
فلو قصد الأقلّ أو لم يقصد مسافة لم يجب التقصير أو لم يجز ، وإن ذهب أضعاف المسافة. وإن قصدها يجب أو يجوز ، ولو لم يقطع بعد المسافة بالإجماع المحقّق والمحكي مستفيضا في الحكمين (2). له ، ولرواية صفوان المتقدّمة (3)، فيهما. ولا يضرّ الإتيان بالجملة الخبرية ، لعدم الفصل. ولموثّقة الساباطي وذيل مرسلة ابن بكير السالفتين (4)، في الحكم الأوّل. ولصدر الثانية ، في الثاني ، مضافا إلى الإجماع على اعتبار المسافة ، وليس المراد قطعها إجماعا ونصّا ، كما يظهر من أخبار حدّ الترخص وغيرها ، واستلزام إرادته عدم القصر في الثمانية الّتي بين الوطنين ، وبطلانه ظاهر.
نعم يقصّر في الرجوع إذا بلغ المسافة وقصد الرجوع إلى أولها ، إجماعا ، لحصول الشرط ، وموثّقة الساباطي : عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر ، فيمضي في ذلك فيتمادى به المضيّ حتى يمضي به ثمانية فراسخ ، كيف
يصنع في صلاته؟ قال : « يقصّر ولا يتمّ الصلاة حتى يرجع إلى منزله » (1).
دلّت على وجوب التقصير بعد مضيّ ثمانية فراسخ سواء كان بعد في الذهاب أو العود أو البقاء ، خرج الأخير بالإجماع ، فيبقى الباقي. كما أنّه يخصّ الأمر بالإتمام في موثّقته الأخرى المتقدّمة (2)بالانتهاء أو مع الذهاب ، على الخلاف.
وكذلك إرادة الرجوع في رواية صفوان تخصّ بحال البقاء ، أو يبقى على حاله ، لعدم دلالة على حرمة القصر وعدم وجوبه في الأربعة.
وفي ضمّ بقية الذهاب مع الإياب ممّا هو أقلّ من المسافة احتمالات :
أولها : عدم الضمّ ، فلا يقصر إلاّ عند الشروع في الرجوع دون هذه البقية ، حكي عن الأكثر (3)، بل ادّعي عليه الإجماع.
وثانيها : الضمّ ، فيقصّر إذا بلغ مجموع البقية والإياب مسافة ، فإذا ذهب ستّة فراسخ بغير قصد ، ثمَّ قصد فرسخا ثمَّ الرجوع ، يقصّر وجوبا في ذلك الفرسخ الباقي أيضا ، وظاهر الحدائق الميل إليه (4).
وثالثها : الضمّ بشرط بلوغ الإياب وحده حدّ المسافة ، كأن يذهب سبعة فراسخ بغير قصد ، ثمَّ قصد فرسخا ثمَّ الرجوع ، نقله في الحدائق عن بعض مشايخه المحققين (5).
دليل الأول : عدم ضمّ الإياب مع الذهاب.
ودليل الثاني : لزوم ضمّه معه.
وحجّة الثالث : أنّ مع بلوغ الرجوع حدّ المسافة وقصده الرجوع يصدق قصد المسافة من غير تلفيق ، فإنّ التلفيق الباطل إنّما هو ما حصل به نفس المسافة
لا مطلقا ، وهي في المقام من دونه حاصلة.
أقول : يرد على الأول : منع عدم الضمّ في جواز القصر.
وعلى الثاني : منع لزومه.
وعلى الثالث : أنّ اللازم فيما إذا قصد المسافة القصر عند الشروع في تلك المسافة المقصودة لا مطلقا.
ومنه يظهر أنّ الحقّ جواز القصر في البقية إن بلغت مع الإياب ثمانية فصاعدا ، ووجوبه في الإياب خاصّة إن بلغ بنفسه الثمانية.
وتدلّ على الأول أيضا موثّقة الساباطي المذكورة في هذا الشرط ، حيث دلّت على جواز القصر حين مضت ثمانية فراسخ وإن بقيت بقيّة. ولا يضرّ اختصاصها بالثمانية ، لأنها كانت في السؤال. ولا تعارضها موثّقته المتقدّمة (1)، لما عرفت من إجمال معناها.
أ : إذا تمَّ الذهاب ثمانية فراسخ ولم يشرع بعد في الرجوع ، لا يجب القصر ، للأصل ، وعدم دليل على الوجوب. ولا يجوز أيضا إذا لم يكن قاصدا لمسافة ذهابية قبله لعدم قصد مسافة قبله ولا الشروع فيها بعد ، لظاهر الإجماع ، ورواية صفوان. وبها يخصّ عموم الموثّقة المذكورة هنا ، لاختصاص النهي فيها بحال إرادة الرجوع أي حال البقاء ، وعموم الموثّقة له وللعود.
ولو ضمّت بقية معه جاز القصر حينئذ ، كما مرّ.
ب : يعتبر في هذا الشرط استمراره إلى حدّ المسافة ، بمعنى أن لا يرجع عن قصده المسافة ولا يتردّد فيه قبل بلوغ المسافة ، فلو رجع قبله أو تردّد لم يقصّر ، بلا خلاف فيه كما قيل (2)، بل قيل : إنّه إجماع (3).
لرواية إسحاق بن عمار في منتظر الرفقة ، وصحيحة أبي ولاّد المتقدّمتين (1)، ورواية المروزي وفيها : « فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا ، وذلك أربعة فراسخ ، ثمَّ بلغ فرسخين ، ونيّته الرجوع أو فرسخين آخرين قصّر ، وإن رجع عمّا نوى عند ما بلغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام ، وإن كان قصّر ثمَّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة » (2).
قيل : في دلالة الأخيرتين نظر :
أمّا الأولى فلعدم تصريح فيها بالقصر بعد نيّة الرجوع قبل بلوغ المسافة ، وإنّما صرّح فيها بقضاء ما صلاّه بالتقصير لو رجع عن النية قبل بلوغها ، وذلك وإن استلزم الحكم الأول إلاّ أنّ الملزوم - وهو وجوب قضاء ما صلاّه مطلقا - باطل إجماعا ، مخالف لصريح صحيحة زرارة المتضمّنة لقوله « تمّت صلاته ولا يعيد » (3)فيبطل اللازم ، إذ لا بقاء للدلالة التبعية بعد فساد متبوعها. ولا يتوهّم دلالة قوله « فإن كنت سرت .. » بالمفهوم على المطلوب ، لأنّ مع تعقيبه بقوله « وإن كنت لم تسر .. » لم يبق له مفهوم غيره عرفا.
وأمّا الثانية فلأنّ محلّ دلالتها إمّا قوله « فعليه التمام » أو أمره بعده بإعادة الصلاة ، والأول لا يفيد ، لأنّ الإتمام لعلّه لقصد المقام دون نيّة الرجوع ، وكذا الثاني ، لما مرّ في السابقة.
أقول : وجوب قضاء الصلاة مطلقا وإن كان مخالفا للإجماع ، إلاّ أنّ وجوبه في الوقت خاصّة ذكره الشيخ في الاستبصار (4)، واستحبابه مطلقا ممّا اختاره
بعضهم (1)، وليس ببعيد كما يأتي ، وكلّ منهما أيضا يستلزم المطلوب. مع أنّ في آخر الصحيحة الاولى : « وعليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى منزلك » وهو أيضا مثبت للمطلوب.
ج : لو صلّى قبل نيّة الرجوع قصرا ، ثمَّ رجع عن قصد المسافة قبل بلوغها ، تستحبّ إعادة الصلاة المقصورة ، لصحيحة أبي ولاّد ، ورواية المروزي. ولا تجب ، لمعارضتهما مع صحيحة زرارة السابقة ، الموجبة لحمل الأوليين على الاستحباب لأجل كونها قرينة له ، أو حملهما على التخيير المستلزم للرجحان في العبادات ، مع أنّ الرواية عن إفادة الوجوب قاصرة.
د : المعتبر - كما صرّح به في روض الجنان (2)، وغيره (3)- قصد المسافة النوعيّة لا الشخصية. فلو نوى السفر إلى أحد البلدين أو البلدان مع بلوغ كلّ مقدار المسافة كفى ، بشرط اتّحاد أصل الطريق الخارج من بلده ، لصدق قصد المسافة ، وصدق أنّ بينه وبين ما يؤمّ بريدان ، كما صرّح به في مرسلة ابن بكير (4).
وكذا لو قصد مسافة معيّنة ، فسلك بعضها ، ثمَّ رجع إلى قصد موضع آخر تكون نهايته إلى محلّ الرجوع عن القصد مسافة إجماعا.
وكذا لو كان بحيث تكون نهايته مع ما مضى مسافة ، على الأظهر ، فإنّه يمضي على التقصير أيضا ، للاستصحاب ، وصدق السفر إلى المسافة المقصودة وإن تغيّر شخصها الّذي لا دليل على اعتباره أصلا ، مع اختصاص ما دلّ من النصّ والفتوى على التمام إذا لم يقصد المسافة أو رجع عن قصده - بحكم التبادر بل في بعضه التصريح - بغير محلّ البحث ، وهو ما لم يقصد فيه المسافة أصلا أو قصد الرجوع في أثنائها إلى منزله.
واحتمل بعضهم (1)عدم التقصير في الأخير ، لبطلان المسافة الأولى بالرجوع عنها ، وعدم بلوغ المقصود الثاني مسافة.
ويردّ : بمنع بطلان الاولى إن أريد مطلق المسافة ، إذ لا دليل على بطلانها بمجرد الرجوع عن شخصها مع بقاء نوعها ، فيرجع إلى استصحاب وجوب القصر ، ومنع مدخليّة الشخص في الحكم إن أريد بطلان الشخص.
ه- : قد عرفت وجوب التمام لو رجع عن عزم السفر قبل بلوغ المسافة ، والمراد بها مسافة جواز التقصير وهي الأربعة. أمّا لو بلغ الأربعة فلا يجب الإتمام - على ما اخترناه من التخيير - قطعا ، لبلوغه المسافة التخييرية ، ولاختصاص الإجماع والأخبار المتقدّمة الآمرة بالإتمام لو نوى الرجوع بما قبل الأربعة.
وهل يتخيّر في هذه الصورة أيضا ، أو يجب القصر ولو في الإياب أيضا ما لم يقطع سفره في الأربعة؟
اختار الشيخ في النهاية الثاني (2)، ونفى عنه البعد بعض مشايخنا (3)، مع أنّ مذهبهما في الأربعة إذا قصدت في مبدأ السفر من غير إتمام الثمانية عدم وجوب القصر ما لم يرجع ليومه ، بل جوازه.
ووجه الفرق بينهما عدم ثبوت ما يوجب تحتّم القصر في الثاني ، من ثبوته واستصحاب وجوبه ، بخلاف الأول ، فإنّه حصل موجب القصر الاتفاقي - وهو قصد الثمانية الذهابية في مبدأ السفر - في الأول دون الثاني ، إذ المسافة المقصودة فيه أولا إنّما هي الثمانية الملفّقة من الذهاب والإياب.
وهو قوي جدّا ، للاستصحاب المتقدّم ، والأمر في رواية إسحاق وصحيحة أبي ولاّد بالقصر مع بلوغ الأربعة في المورد (4)، وسائر أخبار تحتّم القصر في
الأربعة (1)، الخالية في المورد عن الشذوذ ومخالفة الإجماع ومعارضة الرضوي (2)، فيجب اتّباعها.
و : هل اللازم في قصد المسافة العلم العادي والجزم ، أو يكفي الظنّ مطلقا ، أو إذا كان قويا؟
الأول للأكثر ، للأصل. واستقوى في الروضة الأخير (3).
واللازم الرجوع إلى العرف في القصد والإرادة المذكورتين في الأخبار ، كمرسلة ابن بكير ورواية صفوان وغيرهما ، وسيأتي بيانه عند تحقيق قصد إقامة العشرة.
ز : التابع للمسافر - كالعبد والزوجة والخادم والأجير والأسير - في حكم المتبوع إذا علموا غرضه ، فيقصّرون إن جزموا على المتابعة وعلموا جزم متبوعهم المسافة ، لاستلزامه قصدهم المسافة الموجب للتقصير وفقد المعارض.
وإن لم يكونوا عازمين على المتابعة ، بل قصدوا الرجوع لو تمكّنوا منه بالعتق أو الطلاق ، أو ولّوا بالنشوز والإباق ، فظاهر جماعة التقصير مطلقا ، بل كلام المنتهى يشعر بكونه اتفاقيا عند الفريقين في الأولين ، وعند الإمامية في الأسير (4).
وقال في نهاية الإحكام بالإتمام ، لعدم القصد (5).
وفصّل الشهيد فقال : إن لم يحتمل التمكّن منه قبل المسافة عادة ولم تظهر أمارة التمكّن لهم قصّروا وجوبا أيضا ، لكونهم قاصدين للمسافة بالعلم العادي ، ولو احتمل ذلك بظهور أماراته أتّموا (6). وهو الصحيح.
أمّا القصر في الأوّل فلما مرّ. ولو كان ذلك منافيا للقصد لكان عزم كلّ
مسافر للرجوع قبل المسافة لو مرض أو قطع الطريق أو نحو ذلك مخلا للقصد ولو لم تظهر أماراته ، فلا يقصّر أحد لكون كلّ أحد عازما على ذلك. وبالجملة هو يعزم جزما عاديا على المسافة وهو المناط للتقصير.
وأما الإتمام في الثاني فلعدم القصد. وأصالة عدم التمكّن وبقاء الاستيلاء لا تفيد ، لأنّ الحكم منوط بالقصد وهو لا يختلف بالأصل والاستصحاب ، ولذا [ يتم ] (1)طالب الآبق ومستقبل المسافر إذا احتمل الوصول قبل المسافة مع أنّ الأصل عدم الوصول.
ح : المكره في السفر كالتابع إذا لم يسلب الإكراه الاختيار. ولو سلبه كأن تشدّ يداه ورجلاه وحمل إلى السفر وعلم حمله إلى المسافة فقد يختلج بالبال فيه الإشكال ، إذ القصد إنّما يكون على العمل ولا يصدر عنه عمل حتّى يكون قاصدا له ، ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله ، وعدم تبادره من شيء من أخباره ، وإجمال نحو قلوه « التقصير في بريدين » لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره ، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير ، إلاّ أنّ الظاهر الإجماع على وجوب القصر عليه.
ويمكن الاستدلال له أيضا بقوله سبحانه ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (2)فإنّ ذلك كائن في السفر وإن لم يكن مقصودا له ، ولا معارض له ، فيجب عليه التقصير أيضا.
الشرط الثالث : أن لا ينقطع سفره في أثناء الطريق بأحد القواطع ، فلو انقطع أتمّ.
وهذا الشرط تارة يكون لأصل شرعيّة التقصير ، والأخرى لاستمراره.
فعلى الأول يكون المراد أنّه يشترط في شرعيّة التقصير أن ينوي مسافة لا ينقطع سفره في أثنائها قبل وصوله حدّ مسافة التقصير. فلو نوى مسافة منقطعة في الأثناء بأحد القواطع لا يجوز له التقصير لا في الطريق ولا في المنزل.
وعلى الثاني يكون المراد : أنّه يشترط في استمرار التقصير أن لا ينقطع سفره في أثنائه بعد بلوغ المسافة بأحد القواطع. فلو انقطع يتمّ حين الانقطاع هذه إلى أن يستأنف قصد مسافة جديدة ، ويقصّر قبله.
ومراد الأكثر في هذا المقام حيث ذكروا هذا الشرط هو المعنى الأول ، ولذا لم يذكروا في القواطع هنا تردّد ثلاثين يوما ، لأنّه في الأول غير متصوّر ، إذ لا معنى لعزم التردّد في الأثناء ثلاثين يوما ، بل اقتصروا على عدم عزم دخوله الوطن أو موضعا يعزم فيه إقامة العشرة.
وامّا المعنى الثاني فقد ذكروه في مطاوي أحكام السفر ، لأنّه ليس حقيقة من شروط التقصير بل شرط استمراره.
ونحن نذكر هنا الأمرين في مقامين :
المقام الأول : في بيان ما يتعلّق بهذا الشرط بالمعنى الأول.
فنقول : إنّه يشترط في شرعيّة التقصير - جوازا أو وجوبا - أن لا يقصد الدخول في وطن له في أثناء المسافة الشرعية ، ولا يعزم على إقامة العشرة في موضع في أثنائها. فلو قصد أحد الأمرين لم يجز له القصر في الطريق إن كان الوطن أو الموضع في خلال الأربعة ، ولم يجب إن كان ما بينها وبين الثمانية ، وكذا في نفس الوطن أو ذلك الموضع ، ولا في ما بعد ذلك الموضع ما لم ينو مسافة جديدة بعده ، ولا يكفي في القصر انضمام ما بقي من المسافة بعد الانقطاع إليها قبله ، وكذا لا يقصّر في المسافة ، بلا خلاف في الجميع كما صرّح به غير واحد (1)، بل بالإجماع كما نقله جماعة (2).
واستدلّ له بالأخبار المستفيضة الآتية المصرّحة بانقطاع السفر بوصول أحد الموضعين ووجوب الإتمام فيه. وهو غير واف بتمام المدّعى ، لأنّه لا يثبت إلاّ وجوب التمام في نفس أحد الموضعين ، أمّا قبله وبعده فلا.
ولذا استدلّ لهما بعضهم (1)بالإجماعات المنقولة.
وبأنّ ما دلّ على القصر في المسافة يدل عليه إذا كانت المسافة سفرا واحدا ، وهي هنا تسار في سفرين.
وباستصحاب وجوب التمام الثابت في البلد في الأول وفي أحد الموضعين في الثاني ، مدّعيا أنّه ليس في إطلاق ما دلّ على وجوب القصر في المسافة عموم يشمل نحو هذه المسافة المنقطعة بالتمام في أثنائها ، لاختصاصه - بحكم التبادر - بغيرها.
أقول : يضعّف الأول : بعدم حجية الإجماع المنقول.
والثاني : بمنع تعدّد السفر عرفا ، فإنّه لا وجه لكون المسافة المتخلّلة في أثنائها إقامة تسعة أيام ونصف سفرا واحدا وإقامة عشرة أيام سفرين عرفا ، وكذا لا يفرّق العرف بين ما إذا مرّ بمنزلة الّذي يتوطّنه سيّما إذا مرّ راكبا سيما عن حواليه ، وبين ما إذا لم يمرّ.
والثالث : بعدم إمكان منع شمول أكثر أخبار التقصير لمثل ذلك ، بل الظاهر شمول الأكثر ، سيّما على القول بكون مطلق الملك وطنا حيث إنّه يكثر أفراده أيضا. وتسليم شمولها للمقيم في الأثناء تسعة أيام ومنعه للمقيم عشرة لا وجه له.
ولذا قال في الذخيرة - بعد ذكر هذا الحكم وقوله : لا أعرف فيه خلافا - لكن إقامة حجّة واضحة عليه لا تخلو عن إشكال (2)، وهو كذلك.
إلاّ أن يستدلّ للإتمام في المسافة التي بعد المنزل بعموم التعليل بقوله : « لأنّه خرج من منزله لا يريد السفر ثمانية فراسخ » في رواية صفوان السابقة (3)، وله في الّتي قبل ما يريد الإقامة فيه عشرة أيام بعموم نحو صحيحة الخزّاز : « إن حدث
نفسه بإقامة عشرة أيام فليتمّ الصلاة » (1)خرج عنه ما خرج فيبقى الباقي ومنه المورد ، ولتمام المطلوب بالإجماع المركب.
أ : لو لم يقصد أولا الوطن المتخلّل أو إقامة العشرة وعزم عليه في الأثناء ، كأن يقصد سفرا له طريقان يشتركان في بعض الطريق ، أحدهما مارّ بوطنه دون الآخر ، فعزم أولا الآخر وسلك الطريق المشترك ، ثمَّ رجع عن قصده وسلك في الباقي ما يمرّ بالوطن ، أو لم يكن قاصدا لإقامة العشرة في رأس ثلاثة فراسخ مثلا ، ثمَّ عزم عليها بعد الوصول إلى رأس الثلاثة ، فلا شكّ في لزوم القصر ما لم يقصد الطريق المارّ بالوطن ولا الإقامة ، ووجهه ظاهر. وكذا في لزوم الإتمام فيما بعد الوطن أو موضع الإقامة لو لم يكن مسافة مستأنفة ، لما مرّ.
وأما فيما بعد قصد الوطن أو الإقامة وقبل دخول الوطن أو موضع الإقامة لو حصل القصد قبل الوصول إليهما ففيه إشكال.
والظاهر هو الإتمام ، لعموم صحيحة ابن يقطين : عن رجل خرج في سفر ، ثمَّ تبدو له الإقامة وهو في صلاته ، قال : « يتمّ إذا بدت له الإقامة » (2).
ونحوها رواية سهل (3)، إلاّ أنّها خالية عن قوله « وهو في صلاته » فتأمّل.
ب : لو تردّد أولا في سلوك الطريق المارّ إلى الوطن
أو إقامة العشرة في موضع من أثناء المسافة واحتملهما احتمالا غير بعيد ، لا يقصّر أصلا ، لعدم قصد المسافة الموجبة للتقصير وهي الغير المتخلّلة للإقامة.
ج : حكم التوقّف مع التردّد ثلاثين يوما عند احتماله في أول السفر أو
1) الكافي 3 : 436 الصلاة ب 84 ح 3 ، التهذيب 3 : 219 - 548 ، الاستبصار 1 : 238 - 849 ، الوسائل 8 : 501 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 12.
2) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 83 ح 8 ، الفقيه 1 : 285 - 1299 ، التهذيب 3 : 224 - 564 ، الوسائل 8 : 511 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 1.
3) التهذيب 3 : 224 - 565 ، الوسائل 8 : 511 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 2.
حصوله من غير قصد في أثناء المسافة حكم إقامة العشرة وتخلّل الوطن في الأثناء ، فيتمّ في الأول مطلقا ، وفي الثاني فيما بعد موضع التوقّف لو لم يكن مسافة ، بل الإتمام فيه أظهر من الأولين ، لكون ذلك من الأفراد النادرة كثيرا ، فيشكّ في شمول إطلاقات التقصير له.
ثمَّ إنّه لا ينافي ما ذكرناه هنا ما تقدّم في صدر المقام من عدم تصوّر قطع السفر بتردّد ثلاثين يوما في هذا الشرط ، لأنّ ما مرّ إنّما هو في عزم تخليل القاطع في بدء السفر ، وما ذكرناه إنّما هو في احتماله فيه أو حصوله في الأثناء.
المقام الثاني : في بيان ما يتعلّق بهذا الشرط بالمعنى الثاني.
فنقول : إنّه يشترط في جواز التقصير - جوازا أو وجوبا - أن لا ينقطع سفره بوصوله إلى الوطن ، ولا إلى موضع ينوي فيه الإقامة عشرة أيام ، وأن لا يبقى متردّدا في بلد في الأثناء ثلاثين يوما.
فهذه ثلاثة قواطع للسفر ، يجب على المسافر الإتمام بحصول كلّ واحد منها ، نذكرها في ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : في بيان الوصول إلى الوطن.
فنقول : إنّ انقطاع السفر به ووجوب الإتمام معه في الجملة مجمع عليه ، وفي الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى - الآتية طائفة منها - تصريح به. ومقتضى إطلاق بعضها - كصحيحة ابن بزيع الآتية في بيان الوطن (1)، وموثّقة إسحاق ورواية المحاسن الآتيتين في حدّ الترخص للعائد من السفر (2)- شمول الحكم للواصل إلى البلد مطلقا ، مجتازا كان أم غير مجتاز ، نزل منزلة أم لم ينزل.
خلافا للإسكافي والحلبي ، فأوجبا القصر على المجتاز.
قال الأول : من وجب عليه التقصير في سفره ، فنزل منزلا أو قرية ملكها
أو بعضها ، أتمّ وإن لم يقم المدة التي توجب التمام على المسافر. وإن كان مجتازا بها غير نازل لم يتمّ (1).
وقال الثاني : وإن دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام (2). حيث شرط النزول في المصر فيتمّ غير النازل.
والعمومات المذكورة تردّهما ، مع أنّه يمكن أن يكون خلاف الإسكافي فيما له ملك من غير أن يكون وطنا شرعيّا أو عرفيا ، فيكون موافقا للمشهور في المجتاز عن الملك مخالفا له في غير المجتاز.
ومنهم من جعل قول الحلبي قولا غير قولي الإسكافي والمشهور ، فأرجع الضمير في قوله : « فيه » إلى الوطن ، وحمل الوطن على داره في المصر ، فعزا إليه أنّه لو لم يكن مجتازا ودخل دارا غير داره في المصر يقصّر.
وفيه : أنّ رجوع الضمير إلى المصر هو الظاهر ، مع أنّ المراد من الوطن يمكن أن يكون التوطّن فينحصر المرجع بالمصر.
وكيف كان فالقولان شاذّان مردودان بما ذكر ، وينقطع السفر بالوصول إلى الوطن مطلقا.
واللازم هنا تحقيق الوطن القاطع للسفر وأنّه ما هو؟
فنقول : اختلفوا في الوطن أي الموضع الّذي يجب الإتمام والصيام بمجرّد الوصول إليه ولو لم ينو فيه إقامة العشرة على أقوال :
الأول : أنّه ما له فيه ملك مطلقا. وهذا القول ظاهر الإسكافي ، قال : من وجب عليه التقصير في سفره ، فنزل منزلا أو قرية ملكها أو بعضها ، أتمّ وإن لم يقم المدة الّتي توجب التمام على المسافر. وإن كان مجتازا بها غير نازل لم يتمّ.
الثاني : أنه ما له فيه ملك مطلقا مع استيطان ستّة أشهر مطلقا. وهو
صريح المبسوط والسرائر والشرائع والإرشاد (1)، بل سائر كتب الفاضل ومن تأخّر عنه كما في المدارك (2)، بل هو المشهور بين المتأخّرين كما في الذخيرة والحدائق (3)، بل عن روض الجنان والتذكرة : الإجماع على كفاية الستّة أشهر مطلقا (4). وقال بعض الأجلّة : لا أعرف فيه خلافا إلاّ من الصدوق على وجه.
ومراد هؤلاء إن كان من الاستيطان الإقامة والإسكان - كما هو الظاهر - يكون شرط الوطن عندهم أمرين : الملك وإقامة ستة أشهر. وإن كان إسكانا يعدّ وطنا عرفا يكون الشرط أمورا ثلاثة : الأمران ، مع التوطّن العرفي في ستّة أشهر.
ثمَّ مقتضى ذلك القول اشتراط دوام الملك في حال الصلاة ، وحصول الاستيطان المذكور ولو في وقت.
الثالث : أنّه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه ستّة أشهر ، فهو أخصّ من سابقة باعتبار المنزل دون مطلق الملك إن قلنا إنّ مرادهم بالمنزل المملوك ، وإلاّ فيكون أعمّ من وجه منه من هذه الجهة. اختاره في النافع والروضة (5).
الرابع : أنه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه ستّة أشهر في السنة.وهو مذهب الصدوق في الفقيه (6). وهو أخصّ من سابقة باعتبار الستّة أشهر ، فإنّها في السابق مطلقة ، وفي ذلك مقيّدة بالسنة ، وظاهره أن تكون الستّة أشهر من سنة ، فلا تكفي الستّة من سنين متعدّدة ، بخلاف الأول. وقد فهم بعضهم منه ستّة أشهر من كلّ سنة (7)، وهو بعيد من ظاهره ، بل هو غير مستقيم.
الخامس : أنّه ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه فعلا ، فهو أعمّ من
سابقيه باعتبار الاستيطان ، فإنّه فيه مطلق ، وفيهما مقيّد بستة أشهر ، ويحتمل الاتّحاد باعتبار تفسير الاستيطان في بعض الصحاح الآتية بذلك ، وأخصّ منه من جهة فعلية الاستيطان. وهو ظاهر الشيخ في النهاية (1)، والقاضي في الكامل ، حيث عبّرا بقولهما : كان له فيها موضع يستوطنه وينزل فيه. ولا شكّ أنّ ظاهره الفعلية.
السادس : ما يكون له فيه وطن مطلقا. وهو مذهب الحلبي (2)، وظاهره أنّه ما كان وطنا له فعلا ، والظاهر اتحاده مع السابق ، لعدم انفكاك الوطن عن المنزل ، سيّما إذا لم يشترط في المنزل الملكية.
السابع : ما يكون له فيه منزل مع استيطانه فيه عرفا. اختاره في الذخيرة والكفاية (3)، وبعض آخر من متأخّري المتأخّرين (4)، فإن كان مراد سابقة من الوطن العرفي يتّحد معه ، كما يتّحدان مع سابقهما إن كان مراده من الاستيطان ذلك ، وإن كان سكنى ستّة أشهر حصل الاختلاف.
الثامن : أن يكون له فيه ملك أقام فيه ستّة أشهر ، أو يكون وطنا له عرفا ، وحاصله كفاية أحد الوطنين الشرعي أو العرفي. اختاره بعض متأخّري أصحابنا ، وصرّح بعض مشايخنا بعدم الخلاف نصّا وفتوى في كفاية الأخير.
ومحصّل الأقوال : أنّ بناء الأقوال الأربعة الأولى على الوطن الشرعي وإن اختلفوا فيما يتحقّق به ، وبناء الخامس والسادس يحتمل أن يكون على الشرعي وعلى العرفي ، وبناء السابع على العرفي ، وبناء الثامن على كلّ منهما.
حجة الأول : المستفيضة من الأخبار ، مثل صحيحة عمران بن محمد
المتقدمة (1)، وصحيحة الهاشمي : عن رجل سافر من أرض إلى أرض وإنما نزل قراه وضيعته ، قال : « إذا نزلت قراك وضيعتك فأتمّ الصلاة ، وإن كنت في غير أرضك فقصّر » (2).
وموثقة الساباطي : في الرجل يخرج في سفر فيمرّ بقرية له أو دار ، فينزل فيها ، قال : « يتمّ الصلاة ولو لم يكن له إلاّ نخلة واحدة ، ولا يقصّر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها » (3).
ورواية البزنطي : عن الرجل يخرج إلى ضيعته ويقيم اليوم واليومين والثلاثة ، أيقصّر أو يتمّ؟ قال : « يتمّ الصلاة كلّما أتى ضيعة من ضياعه » (4).
ورواية موسى بن الخزرج : أخرج إلى ضيعتي ، ومن منزلي إليها اثنا عشر فرسخا ، أتمّ الصلاة أم أقصّر؟ قال : « أتمّ » (5)يعني في الضيعة.
أقول : كانت الحجة تامة لو لا تعارضها مع غيرها ، ولكنّه تعارضها مستفيضة أخرى ، كرواية موسى بن حمزة : إنّ لي ضيعة دون بغداد ، فأخرج من الكوفة أريد بغداد ، فأقيم في تلك الضيعة ، أقصّر أم أتمّ؟ قال : « إن لم تنو المقام عشرا فقصّر » (6).
ورواية ابن سنان : « من أتى ضيعته ثمَّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصّر ، وإن
1) في ص 199.
2) الفقيه 1 : 287 - 1309 ، التهذيب 3 : 210 - 508 ، الاستبصار 1 : 228 - 810 ، الوسائل 8 : 492 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 2.
3) التهذيب 3 : 211 - 512 ، الاستبصار 1 : 229 - 814 ، الوسائل 8 : 493 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 5.
4) الكافي 3 : 437 الصلاة ب 85 ح 3 ، التهذيب 3 : 214 - 523 ، الاستبصار 1 : 231 - 823 ، الوسائل 8 : 497 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 17.
5) التهذيب 3 : 210 - 510 ، الاستبصار 1 : 229 - 812 ، الوسائل 8 : 496 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 15.
6) التهذيب 3 : 211 - 514 الاستبصار 1 : 230 - 816 ، المحاسن 371 - 131 ، الوسائل 8 : 499 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 7.
أراد المقام عشرة أيام أتمّ الصلاة » (1).
ومرسلة التهذيب : « إنّه صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته » (2).
والصحاح الثلاث لابن يقطين :
الاولى : عن الرجل يمرّ ببعض الأمصار ، له بالمصر دار ، وليس المصر وطنه ، أيتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال : « يقصّر الصلاة ، والضياع مثل ذلك إذا مرّ بها » (3).
والثانية : إنّ لي ضياعا ومنازل بين القرية والقرية الفرسخان والثلاثة ، قال : « كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير » (4).
والثالثة : الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به أيتمّ أم يقصّر؟ فقال : « كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل ، فليس لك أن تتمّ فيه » (5).
وصحيحة سعد : عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمرّ بها ، قال : « إن كان ممّا سكنه أتمّ الصلاة فيه ، وإن كان ممّا لم يسكنه فليقصّر » (6).
وصحيحة الحلبي : في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل [ له ] في الطريق ، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال : « يقصّر ، إنّما هو المنزل الذي توطّنه » (7).ر.
1) التهذيب 3 : 211 - 513 ، الاستبصار 1 : 229 - 815 ، الوسائل 8 : 499 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 6.
2) التهذيب 3 : 213 - ملحقة بحديث 520 ، الوسائل 8 : 494 أبواب صلاة المسافر ب 14 ذ ح 11.
3) التهذيب 3 : 212 - 516 ، الوسائل 8 : 493 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 7.
4) التهذيب 3 : 213 - 519 ، الاستبصار 1 : 230 - 820. الوسائل 8 : 494 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 10.
5) التهذيب 3 : 212 - 515 ، الاستبصار 1 : 230 - 817 ، الوسائل 8 : 493 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 6.
6) التهذيب 3 : 212 - 518 ، الاستبصار 1 : 230 - 819 ، الوسائل 8 : 494 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 9.
7) التهذيب 3 : 212 - 517 ، الاستبصار 1 : 230 - 818 ، الوسائل 8 : 493 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 8 ، وما بين المعقوفين من المصادر.
وصحيحة ابن بزيع : عن الرجل يقصّر في ضيعته ، قال : « لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه » فقلت : وما الاستيطان؟ فقال : « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ، فإذا كان كذلك يتمّ فيها متى يدخلها » (1).
وهذه الأخبار أكثر من الأولى. وطائفة منها تعارضها بالتباين كالروايتين الأوليين والمرسلة الأخيرة. وأكثرها أخصّ منها مطلقا من جهة اشتراط الاستيطان والسكنى. مضافا في صحيحتي الحلبي وابن بزيع من جهة اشتراط المنزل أيضا.
هذا إذا حمل مطلق المنزل على المملوك ، وإلاّ فيكون التعارض مع الصحيحتين بالعموم من وجه ، ومع البواقي - كما مرّ - بالعموم المطلق ، فيجب تخصيص الأخبار الأولى بما نوى فيه العشرة ، كما هو مقتضى الروايات الثلاث المعارضة للأولى ، وبما فيه منزل يستوطنه ، كما هو مقتضى البواقي ، سيّما مع ندرة القائل بمضمونها وموافقته لمذهب جمع من العامة.
ومنه يظهر سقوط ذلك القول جدّا.
دليل القول الثاني على اعتبار الملك : صحيحة الهاشمي ، ومفهوم رواية البزنطي.
وعلى كفاية مطلقه من غير حاجة إلى المنزل : جميع الروايات الأربع الاولى ، وصحيحة سعد المكتفية بالضيعة والسكنى فيها.
وعلى اعتبار الاستيطان : الصحاح الستّ الأخيرة.
وعلى اعتبار ستّة أشهر : اعتبارها في تحقّق الاستيطان شرعا ، للصحيحة الأخيرة.
أقول : ما استدلّوا به للجزء الأول وإن لم تعارضه الروايات التسع الأخيرة ،
1) الفقيه 1 : 288 - 1310 ، التهذيب 3 : 213 - 520 ، الاستبصار 1 : 231 - 821 ، الوسائل 8 : 494 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 11.
إذ لا تدلّ الأربع الأولى منها إلاّ على عدم كفاية مطلق الملك وهو لا ينافي اعتباره ، وكذا السابعة.
وأمّا الخامسة فهي أيضا كذلك ، إلاّ أن يعتبر مفهوم الوصف في قوله : « كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه » وجعل المنزل أعمّ من المملوك وغيره ، والأول ممنوع ، والثاني محلّ خدشة وكلام.
والمستفاد من قوله : « فليس لك أن تتمّ فيه » تفريعا على قوله : « فليس لك بمنزل » في السادسة انتفاء الإتمام بانتفاء المنزل ، لا وجوده مع وجوده مطلقا حتّى إذا لم يكن المنزل مملوكا ، فلا ينافي اعتبار الملك أيضا.
وأمّا الثامنة فإنّما تفيد عدم اعتبار الملك إذا جعل المنزل أعمّ من المملوك ، وجعلنا مرجع ضمير « هو » ما يتمّ الصلاة فيه. والأول قد عرفت أنه محلّ كلام ، والثاني ممنوع ، لاحتمال أن يكون المرجع ما يتوقف عليه الإتمام ، فيدلّ على اشتراط منزل وهو لا ينافي اشتراط الملك أيضا.
مع أنّ فيها احتمالا آخر بعيدا ، لجواز أن يكون المرجع المنزل الّذي في الطريق ، فيكون المعنى : قال : يقصّر في ذلك المنزل ، لأنّه المنزل الّذي يسكنه ، لا الّذي يتمّ فيه الصلاة.
وأمّا التاسعة فموضوعها ما فيه الملك ، حيث إنّ السؤال فيها عن الضيعة ، وقيّدها في الجواب أيضا بقوله « فيها » أي في الضيعة في موضعين.
ولا يضرّه أيضا ما قيل من أنّ المذكور في الصحيحة والرواية « أرضك » و « ضيعته » ويكفي في تحقّق الإضافة مطلق الانتساب والاختصاص ولو بالاستئجار أو الاستيعار أو الاستيداع ، فلا يفيدان اعتبار الملكية.
لأنّا نقول : إنّ المتبادر من أرض الشخص وضيعته وقريته ما يكون ملكا له ، ولا يصحّ السلب عن المملوك ، وهما أمارتان للحقيقة. ولا يتبادر غيره من الأرض المستأجرة ونحوها ، ويصحّ السلب عنها ، وهما أمارتان للمجاز ، ويجب حمل اللفظ على حقيقته.
ولا ما قيل من أنّ ما فسّره اللغويون به الوطن لا يتضمّن الملك أصلا ، ولا يعتبره أهل العرف أيضا (1).
لأنّا نقول : ليس المراد اعتباره في معنى الوطن عرفا أو لغة بل ولا شرعا بل نقول : إنّ المستفاد من الأخبار اعتبار الملك في إتمام الصلاة وإن اعتبر غيره فيه أيضا.
إلاّ أنّه تعارضه الأخبار المستفيضة من الصحاح وغير الصحاح الآتية ، المصرّحة بوجوب الإتمام في الدار والبيت والمنزل والأهل وأنّ أهل كلّ بلد يتمّون فيه ، بالعموم من وجه ، والترجيح للأخبار الآتية من جهة الأكثريّة والمخالفة للعامّة ، لأنّهم يقولون بالإتمام في الملك دون غيره فعندهم يشترط الملك ، والموافقة لمفهوم قوله سبحانه ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) (2)إذ من يدخل وطنه العرفي الّذي لا ملك له فيه ليس على سفر.
هذا كلّه مع أنّ قوله « وإن كنت في غير أرضك » في الصحيحة لا يمكن إبقاؤه على حقيقته ، وإلاّ لوجب كونه في نفس الموضع المملوك دون غيره كالمسجد ، وهو باطل إجماعا غير مراد قطعا ، فلا بدّ من تجوّز إمّا في الكون في الأرض بأن يراد القرب منها ، أو الكون في حواليها ونحوهما ، أو في لفظ « أرضك » بأن يراد ماله علاقة فيها من نحو ملك أو توطّن أو منزل ، كما يقال : أرض العدوّ وأرض الحبيب ، ولم يتعيّن المجاز ، فلا يمكن الاستناد إليه في الاشتراط.
ومنه يظهر ما في الاستناد إلى مفهوم رواية البزنطي أيضا ، مع أنّ اعتبار مفهومها أيضا محلّ نظر ، إذ ليس من المفاهيم المعتبرة.
ومنه يظهر سقوط الجزء الأوّل من ذلك القول وعدم اشتراط الملك أصلا.
وأمّا ما استدلّوا به للجزء الثاني فيرد عليه : أنّه تعارضه صحيحة ابن بزيع المشترطة للمنزل ، بل صحيحة الحلبي الدالّة على اشتراطه ، بالخصوص المطلق ،
فيجب تخصيصه بهما قطعا. بل يعارضه كلّ ما دلّ على اشتراط الاستيطان والأهل ، لعدم انفكاك صدقهما عن وجود المنزل ، سواء أريد الوطن العرفي أو الشرعي. بل وكذلك الّتي اشترطها في صحيحة سعد. فهي أيضا من أدلّة المخالفين في ذلك الجزء.
ومنه يظهر سقوط ذلك الجزء أيضا وأنّه لا مناص عن اعتبار المنزل أيضا.
وأمّا ما استدلّوا به على الجزء الثالث من اعتبار الاستيطان فهو كذلك ، لدلالة أكثر الأخبار المذكورة عليه.
وأمّا ما استدلّوا به على الجزء الرابع ، وهو كفاية استيطان ستّة أشهر واحدة ولو ماضية في سوالف الأيام وتحقّق الاستيطان به ، فيتمّ الصلاة مع تحقّق ذلك ولو ترك المنزل والاستيطان فيه حينئذ للصحيحة الأخيرة ، فيرد عليه : أنّ قوله « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر » ليس باقيا على معناه الحقيقي الاستقبالي مجرّدا ، لعدم العلم بالمستقبل ، إلاّ أن يضمّ معه القصد والعزم ، فيكون إمّا بمعنى أقام ، أو يعزم ويريد أن يقيم.
فهو على ذلك يحتمل معنيين :
الأول : أن يكون المعنى : منزل أقام فيه ستّة أشهر.
والثاني : أن يكون المعنى : يعزم على إقامة ستّة أشهر.
وكلّ من المعنيين ممّا يصلح إرادته منه ، بل الثاني أوفق بقوله « يستوطنه » المتبادر منه الفعلية ، أي فعلية القصد وإن لم تكن الإقامة فعلية حتّى يلائم قوله « ما لم ينو .. ».
وليس الثاني مخالفا للإجماع ، لاحتمال كونه مراد أرباب القولين الرابع والخامس ، وإن كان حمله على المعنى الاستقبالي مطلقا من غير تفسيره بالعزم أي عزمه بأن يقيم في الزمان المستقبل ولو في برهة من الأزمنة الآتية - كما قيل - مخالفا له.
وعلى هذا فتكون الصحيحة مجملة غير صريحة في كفاية الماضي.
وقد يقال بدلالة قوله « توطّنه » و « سكنه » في الصحيحة بضميمة هذه الصحيحة عليه.
أو يقال : دلّتا على كفاية التوطّن والسكنى الماضيين مطلقا ، خرج ما دون ستّة أشهر بالإجماع ، فيبقى الباقي.
ويرد على الأول : أنّ لفظ « توطّنه » يمكن أن يكون بصيغة المضارع من باب التفعل محذوفة منها إحدى التاءين ، أو من باب التفعيل من دون حذف.
وعلى الثاني : أنه ليس المراد بقوله : « سكنه » معناه اللغوي قطعا ، ومجازه يمكن أن يكون جعله مسكنا عرفا أو وطنه أو نحو ذلك ، فلا يفيد شيئا.
وتوهّم استدلالهم في كفاية الماضي بعدم اشتراط مبدأ الاشتقاق في صدق المشتق ونحوه خطأ ، إذ الخلاف في المشتقات ليس في صيغ الماضي والمضارع ، والألفاظ الدالّة على اشتراط الوطن هنا منهما ، ولم يذكر الوطن إلاّ في لفظ بعض السائلين فيما لا يترتّب عليه حكم.
ومن ذلك يظهر سقوط هذا القول كسابقه أيضا.
دليل الثالث أمّا على لزوم المنزل : فدلالة الأخبار عليه ، واشتراط صدق الاستيطان به.
وأمّا على لزوم الاستيطان وتحقّقه بستّة أشهر فما مرّ.
والجزء الأوّل تامّ لا بحث عليه ، وكذا اشتراط الاستيطان.
وأمّا الاكتفاء بستّة أشهر ولو ماضية فقد عرفت ما فيه.
حجة الرابع أمّا على اعتبار المنزل والاستيطان ستّة أشهر فما مرّ.
وأمّا على اعتباره في السنة ، فإن أريد به اشتراط كون الستّة في سنة ، ولا تفيد الستّة المتفرقة في السنين المتعدّدة بأن يقيم في كلّ سنة شهرا أو أقلّ ، وكان مرادهم ستّة أشهر في سنة ولو من السنين الماضية ، فدليلهم على اعتبار كونها في السنة : أنّ المتعارف في ذكر الشهور كونها منسوبة إلى السنين ، فيقال : إنّه أقام شهرا أي من السنة. وعلى كفاية الماضي : ما مرّ.
وإن أريد إقامة ستّة أشهر من كلّ سنة فدليلهم : ورود اعتباره بصيغة المضارع المفيدة للتجدّد الاستمراري ، فلا بدّ من استمرارها في كلّ سنة.
فإن كان مرادهم الأول ، فاكتفاؤهم بالسنة الماضية وإن كان مردودا بما مرّ ، ولكن اشتراطهم كون الستّة في السنة صحيح ، بل الظاهر اعتبار كونها فيما دون السنة أيضا ، إذ الستّة أشهر وإن صدقت على المتحققة في السنة أو الأكثر إلاّ أنّ الظاهر من استيطان ستّة أشهر وسكون ستّة أشهر ونحوهما كونها متوالية ، ولذا لو قال أحد : كنت ستّة أشهر في البلد الفلاني ، وأقمت فيه كذا ، تتبادر منه المتوالية.
وإن كان مرادهم الثاني ، ففيه أولا : أنّ تقييد التجدّد بكلّ سنة أي بتجدّد إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة تقييد بلا دليل ، وإرادة تجدّد إقامة كلّ ستّة أشهر تفيد دوام الإقامة ، ولا يقول به أحد.
وثانيا : أنّه إن أريد من التجدّد الاستمراري تجدّدها مستمرّا دائما ، فدلالة المضارع عليه غير مسلّمة ، وإن أريد حصوله كذلك متكررا عرفا ، فهو مسلّم ولكنّه غير التكرر كلّ سنة.
وثالثا : أنّ المسلّم لزوم تكرّر المبدأ خاصّة دون متعلّقه ، ولذا لو قال أحد : فلان يكرم العلماء ، يستفاد منه تكرّر الإكرام ولو بواسطة تعدّد العلماء ، لا تكرّر إكرام العلماء حتّى يلزم إكرام كلّ عالم متكرّرا ، فاللازم هنا تكرّر الإقامة ولو بتوسّط تعدّد أيّام ستّة أشهر أو شهورها ، ولا يلزم تكرّر إقامة ستّة أشهر.
ورابعا : يمنع كون مطلق صيغة المضارع مفيدا للتجدّد الاستمراري ، ولذا لو قال أحد : إذا جاءك من يبيع حنطة فاشتر منه ، يجب الاشتراء إذا تراه يبيع ولو مرّة ، وهو أمر يختلف باختلاف القرائن والموارد.
والتحقيق أنّه استعمل في المعنيين ، وكونه حقيقة في التجدّد الاستمراري غير مسلّم جدّا.
حجة الخامس والسادس على اعتبار المنزل : ما تقدّم ذكره.
وعلى اعتبار الاستيطان بمعنى أن يقيم فيه ستّة أشهر أي يعزم على ذلك
صحيحة ابن بزيع بأحد معنييها ، إن كان مرادهم من الاستيطان ذلك ، وسائر الأخبار المتقدّمة المتضمّنة للاستيطان ، وما يأتي من الأخبار الدالّة على الإتمام في الأهل مع ضميمة رفع اليد عن الصحيحة لإجمالها ، أو حملها على ما لا ينافي ذلك ، إن كان مرادهم بالاستيطان العرفي.
وهو كان صحيحا لو لا إيجابه لطرح الصحيحة رأسا أو حملها على ما يوجب إخراجها عن ظاهرها.
حجة السابع : ما مرّ من الأخبار المتضمّنة للاستيطان ، المحمولة على المعنى العرفي بعد عدم ثبوت معنى له شرعا أمّا لإجمال الصحيحة أو حملها على ما لا ينافيه ، والأخبار الدالة على إتمام أهل كلّ بلد فيه أو في الأهل ، كصحيحة زرارة : « من قدم قبل يوم التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكة » (1).
وموثّقة إسحاق : عن أهل مكة إذا زاروا عليهم إتمام الصلاة؟ قال : « نعم » (2).
واخرى فيها : « بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله » (3).
وصحيحة إسماعيل بن جابر : يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي ، فقال : « صلّ وأتمّ الصلاة » (4)الحديث.
ومعنى أهل بلد : المتوطّن فيه ، كما أنّ الظاهر من أهله : وطنه الذي فيه أهله.
1) التهذيب 5 : 488 - 1742 ، الوسائل 8 : 464 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 3.
2) التهذيب 5 : 487 - 1741 ، الوسائل 8 : 472 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 6.
3) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 83 ح 5 ، الفقيه 1 : 284 - 1291 ، التهذيب 3 : 222 - 555 ، الاستبصار 1 : 242 - 863 ، الوسائل 8 : 474 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 3.
4) الفقيه 1 : 283 - 1288 ، التهذيب 3 : 163 - 353 ، 3 : 222 - 558 ، الاستبصار 1 : 240 - 856 ، الوسائل 8 : 513 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 3.
أقول : هذا القول كان حسنا لو لا ما ذكر من رفع اليد عن الحسنة (1)، أو حملها على خلاف ظاهرها.
حجة الثامن أمّا على اعتبار الوطن العرفي وكفايته : فهذه الأخبار الأخيرة.
وأمّا على اعتبار الوطن الشرعي وهو ما أقام فيه ستّة أشهر : فالصحيحة المذكورة مع عدم تعارض بينهما كما يأتي.
وهو كان حسنا لو لا احتمال الصحيحة للمعنى الثاني المتقدّم.
ومن هذا ظهر أدلّة جميع الأقوال وما يرد عليها.
ثمَّ أقول لتحقيق الحال وبيان الحقّ من الأقوال :
إنّه قد ظهر لك مما مرّ ذكره بطلان كفاية الملك أو اشتراطه ، وكذا ظهر عدم وضوح دليل على الاكتفاء بإقامة ستّة أشهر ماضية مطلقا ، أو في السنة ، أو اشتراط استيطانها في كلّ سنة مع الملك أو المنزل.
ومنه ظهر سقوط جميع الأقوال الأربعة الاولى ، بل الخامس والسادس على إرادتهما إقامة ستّة أشهر ولو فعلا بمعنى قصدها والعزم عليها.
وأمّا إن أرادا الاستيطان العرفي فقد عرفت دلالة أخبار الأهل على كفايته ، بل سائر أخبار الاستيطان لو لا الصحيحة ، فلا مناص عن القول بكفايته ، فهما يتمّان من هذه الجهة ، إلاّ أنّ عدم اعتبار غيره وعدم كفايته محلّ نظر ، لأنّ الصحيحة وإن كانت مجملة باعتبار احتمال المعنيين ، ولكنّه لا إجمال فيها من جهة القدر المتيقّن منهما وهو المعنيان معا ، فإنّه تثبت منهما كفاية إقامة ستّة أشهر في الزمان الماضي ، وقصدها والعزم عليه في المستقبل ، سواء صدق معه التوطّن العرفي أم لا ، فتركها وعدم اعتبارها أصلا ممّا لا وجه له.
ومنه يظهر سقوط هذين القولين على ذلك المعنى ، وكذا القول السابع من جهة عدم اعتبار الاستيطان بهذا المعنى أي المعنى الشرعي ، وإن كانت الثلاثة صحيحة باعتبار الاكتفاء بالوطن العرفي.
1) كذا في النسخ الأربع ، والظاهر أن الصحيح : الصحيحة ، وهي صحيحة ابن بزيع المذكورة آنفا.
فبقي القول الثامن المعتبر للوطنين العرفي والشرعي ، وهو الحقّ المطابق للجمع بين الأخبار ، إلاّ أنّ في تفسيره الوطن الشرعي بما أقام فيه ستّة أشهر ولو ماضية ما عرفت من عدم صراحة الصحيحة فيها ، وأنّ القدر الثابت منها تحقّق الاستيطان الشرعي بتحقّق المعنيين جميعا بأن أقام ستّة أشهر في الزمان المتقدّم على حال الصلاة ، والعزم على إقامتها بعد حال الصلاة أيضا متّصلة بها ، أو غير متّصلة بشرط تحقّق العزم في الحال.
فالحقّ أن يقال بكفاية أحد الأمرين في انقطاع السفر :
أوّلهما : ما كان أهلا ووطنا عرفا ، والمراد بالوطن العرفي مكان اتّخذه مسكنا ، وهو يحصل بقطع العلاقة عن غير ذلك المكان وإرادة الاستقرار والاستمرار والكون في ذلك المكان ، والشروع في الاستقرار والتمكن وإن لم يستمرّ بعد إلاّ زمان قليل ، بل لا يشترط قطع العلاقة الكليّة عن الغير أيضا.
واعتبار ذلك المعنى ليس لأخبار الاستيطان المتقدّمة ، لاحتمال إرادة الاستيطان الشرعي منها بل هو الظاهر ، بل لأخبار الأهل الأخيرة ، فإنّ كلّ ما كان وطنا ومسكنا عرفا ويعدّ وطن شخص ، يصدق على هذا الشخص أنّه أهله وأنّه دخل على أهله.
والثاني : ما كان وطنا شرعيا ، والقدر المتيقّن منه ما تحقّق معه إقامة الستّة أشهر الماضية والعزم على إقامتها في الآتية ، فيكفي كلّ من هذين المعنيين.
ولا تعارض بين أخبار الأهل والصحيحة ، لعدم المنافاة والتعارض بين كفاية كلّ من الأمرين.
ولا يتوهّم معارضة مفهوم الحصر في الصحيحة مع أحاديث الأهل ، حتّى يدلّ على أنّه لا يقصّر فيما لم يكن له فيه منزل يقيم فيه ستّة أشهر وإن كان وطنا عرفا.
ومعارضة مفهوم الغاية في موثّقة إسحاق الثانية من أخبار الأهل مع الصحيحة ، لدلالته على أنّه ما لم يدخل أهله يقصّر وإن دخل الوطن الشرعي.
لاندفاع الأول بأنّه قد عرفت عدم تعيين خصوص معنى للصحيحة ، وأمّا ما انتفى فيه المعنيان فلم يقم فيه ستّة أشهر ولم يقصد إقامتها بعد ذلك أيضا لا يكون البتة وطنا عرفا حتّى يحصل التعارض.
والثاني بمنع عدم صدق أهله على الوطن الشرعي بالمعنى الّذي ذكرنا ، فإنّ أهل كلّ شخص ليس غير عياله وعشيرته ، وكنّي هنا به عن وطنه ، فيمكن أن يراد به الوطن الشرعي أيضا.
ثمَّ لا يخفى أنّه يشترط وجود المنزل على كلّ من الوطنين ، ووجهه ظاهر. ولا يتوهّم كفاية مطلقه من غير اعتبار الوطنية من جهة دلالة أخبار كثيرة على الإتمام في المنزل والبيت والدار ، إذ لا شكّ أنّه يجب تقييدها بالوطن ، لأخباره الّتي هي منها أخصّ ، خصوصا صحيحة ابن يقطين الثالثة (1).
أ : اللازم في الموطن العرفي صدق كونه من أهله ، فلو كان قبل ذلك ، كأن يكون أول أمره وأراد حينئذ السكنى فيه دائما ، ولكنّه لم يدخل بعد تحت اسم أهله ، لا يجوز له الإتمام فيه ، بل يرجع إلى قواعد السفر ، للاستصحاب ، وعدم صدق الأهل الّذي هو مناط الوطن العرفي ، ولا ثبوت الوطن الشرعي. نعم لو مضى على ذلك ما يصدق معه الوطن الشرعي أتمّ.
ب : لا تشترط في المنزل الملكية ، لصدق المنزل على المستأجرة والمعارة ونحوهما ، والمنزل أعمّ من المملوك وغيره. نعم في بعض الأخبار قيّد بمنزل له أو منزله أو بيته أو داره ، والمتبادر من هذه اللام والإضافة الاختصاص دون الملكية.
ومنه يظهر عدم الاكتفاء بالوقوف العامّة ، كما صرّح به في الذخيرة (2)، لعدم تبادر هذا النوع من الاختصاص. وأمّا الخاصّ به فلا شكّ في دخوله فيه ، كما نقله
في الذخيرة عن جماعة من الأصحاب (1)، والظاهر أنّه لا تشترط الخصوصيّة به ، بل إذا كان وقفا على محصور هو منهم كان كافيا أيضا.
ج : هل يجب التتابع والتوالي في الأشهر؟
قال في الذخيرة : الظاهر لا ، ونسبه إلى جماعة (2)، وممّن نفاه الفاضل والشهيدان (3)، للعموم ، وأصالة عدم الاشتراط.
وعن ظاهر المعتبر اعتباره (4)، وقوّاه بعض الأجلّة قال : لأنّه المتبادر ، والعموم الّذي ادّعوه ممنوع.
أقول : وهو الأظهر عندي في تحقّق الوطن الشرعي ، للتبادر الذي ادّعاه كما مرّت إليه الإشارة (5)، ولا أقلّ من الشك في صدق ستّة أشهر بالمتفرقة سيّما في خلال السنين المتكثرة ، فلا يعلم ترتّب ما يترتّب عليه من الحكم.
د : اللازم في صدق إقامة الستّة أشهر المتوالية الإقامة العرفية ، فلا يضرّ الخروج في بعض الأيام إلى حدود البلد ، بل لا يبعد عدم الضرر في الخروج إلى أكثر منها مع العود سريعا بحيث لا يضرّ في تحقّق الإقامة ، وتأتي زيادة تحقيق له في بيان معنى إقامة العشرة.
ه- : لا تشترط الإقامة في الستّة أشهر في خصوص المنزل ، بل تكفي الإقامة في بلده ، لأنّه معنى الإقامة في المنزل شرعا ، إلاّ أن لا يدخل المنزل أصلا أو في الأغلب ، فإنّه يشكّ في الصدق حينئذ فيرجع إلى الأصل.
و : هل يشترط في الإقامة في ستّة أشهر كون هذه المدّة كلّها ممّا يتمّ فيه الصلاة لأجل الإقامة؟7.
أو يكفي الإتمام ولو لأجل البقاء ثلاثون يوما متردّدا أو الإتمام سهوا أو لكونه كثير السفر أو عاصيا بسفره؟
الظاهر الأول ، لا لأجل اشتراط إتمام الصلاة فيه لعدم دليل عليه ، بل لأجل عدم صدق العزم على إقامة ستّة أشهر بدون ذلك.
نعم يشكل ذلك في الستّة أشهر الماضية حيث تصدق إقامتها ولو لم يكن ناويا لها ، والظاهر عدم الاشتراط فيها ، للأصل.
ز : المراد بكون شخص أهل بلد : كونه أهله ومن قاطنيه عرفا في الحال ، فلا تكفي الأهليّة السابقة المسلوبة عرفا حينئذ ، ولا تكفي النسبة المتحقّقة باعتبار التولّد ونشوء الآباء والأجداد.
ح : لا شكّ في إمكان تعدّد الوطن الشرعي ، وكذا الظاهر إمكان تعدّد العرفي أيضا ، فإنّه إذا كان لأحد منزلان في بلدين ، يقيم في كلّ منهما بعض السنة وينوي الاستدامة على ذلك يقال : إنّه من أهلهما ومتوطّن فيهما.
ط : يمكن التوطّن في مكان عرفا وزواله بعد مدة.
المسألة الثانية : في بيان قطع السفر بالوصول إلى موضع ينوي الإقامة فيه عشرة ووجوب الإتمام فيه.
وهو ثابت بإجماعنا ، والضرورة من مذهبنا ، والمتواترة من أخبارنا.
منها : صحيحة زرارة : أرأيت من قدم بلدة إلى متى ينبغي له أن يكون مقصّرا ومتى ينبغي له أن يتمّ؟ فقال : « إذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة ، وإن لم تدر ما مقامك بها تقول : غدا أخرج أو بعد غد ، فقصّر ما بينك وبين أن يمضي شهر ، فإذا تمَّ لك شهر فأتمّ الصلاة وإن أردت أن تخرج من ساعتك » (1).
ومنصور : « إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة ، فإن تركه
1) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 84 ح 1 ، التهذيب 3 : 219 - 546 ، الاستبصار : 237 - 847 ، مستطرفات السرائر : 72 - 5 ، الوسائل 8 : 500 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 9.
رجل جاهلا فليس عليه شيء » (1).
والخزّاز : عن المسافر إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيام ، قال : « فليتمّ الصلاة ، وإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعدّ ثلاثين يوما ، ثمَّ ليتمّ وإن كان أقام يوما أو صلاة واحدة » فقال له محمد : بلغني أنّك قلت : خمسا ، فقال : « قد قلت ذاك » (2).
وابن وهب : « إذا دخلت بلدا وأنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم ، وإن أردت المقام دون العشرة فقصّر ، وإن أقمت تقول : غدا أخرج وبعد غد ، ولم تجمع على عشرة ، فقصّر ما بينك وبين شهر ، فإذا تمَّ الشهر فأتمّ الصلاة » (3).
وعلي : عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان أعليه صوم؟ قال : « لا حتّى يجمع على مقام عشرة أيام ، وإذا أجمع على مقام عشرة أيام صام وأتمّ » (4).
ورواية أبي بصير : « إذا قدمت أرضا وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيام فصم وأتمّ ، وإن كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر ، فإذا بلغ الشهر فأتمّ الصلاة والصيام وإن قلت : أرتحل غدوة » (5)إلى غير ذلك.
ومقتضى صريح الثلاثة الأخيرة ومفهوم البواقي أنّه لو نوى دون العشرة قصّر ولو كان خمسة أيام أو أكثر ، كما هو الأقوى الأشهر ، بل عليه عامّة أصحابنا
1) التهذيب 3 : 221 - 552 ، الوسائل 8 : 506 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 3.
2) الكافي 3 : 436 الصلاة ب 84 ح 3. التهذيب 3 : 219 - 548 ، الاستبصار 1 : 238 - 849 الوسائل 8 : 501 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 12.
3) الفقيه 1 : 280 - 1270 ، التهذيب 3 : 220 - 551 ، الوسائل 8 : 503 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17.
4) الكافي 4 : 133 ، الصيام ب 53 ح 2 ، الوسائل 8 : 498 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 1.
5) الكافي 4 : 133 الصيام ب 53 ح 2 ، الوسائل 8 : 498 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 3.
كما عن المنتهى (1).
خلافا للإسكافي ، فيتمّ في خمسة (2)، لذيل صحيحة الخزّاز المتقدّمة ، القاصرة عن إفادة الحكم ، لشذوذها ومعارضتها مع ما هو أكثر وأصحّ وأصرح وأشهر منها ، مع ما فيها من الاحتمالات الّتي ذكروها من الحمل على التقية ، أو الاستحباب ، أو التخصيص بالحرمين ، أو إرجاع الإشارة في قوله « ذاك » إلى الإتمام في العشرة.
أ : لا فرق في موضع الإقامة بين كونه قرية أو بلدا أو بادية ، ولا بين العازم على السفر بعد المقام وغيره ، لإطلاق الفتاوى والنصوص. نعم يشترط في البادية أن يقصد الإقامة في موضع معيّن منها ممّا يعدّ موضعا واحدا عرفا ، كمجتمع الخيام أو قطعة أرض معيّنة ، ولم يثبت الحكم في أزيد من ذلك ، كما يظهر وجهه ممّا نذكره في بيان معنى إقامة البلد.
ب : المراد بنيّة الإقامة تحقّق قصد المقام في نفسه ، كما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة ، وعلى هذا فيدخل من نوى الإقامة اقتراحا ، أو علّقها على قضاء حاجة يعلم عادة توقف انقضائها على العشرة ، أو على شرط فوجد الشرط ، ولكنه يقصّر قبل وجوده.
وبالجملة المناط إرادة الإقامة ، وهي تحصل بأحد الأمرين :
الأول : قصد الإقامة إلى حصول وصف ، بشرط العلم بعدم حصوله قبل العشرة عادة. ولا يكفي الظنّ هنا ، لعدم صدق قصد العشرة.
وثانيهما : قصد الإقامة إلى خصوص العشرة فصاعدا.
ولا بدّ هنا من عدم الالتفات إلى احتمال حصول المانع ، أو الالتفات إليه مع ظنّ عدم حصوله ولو بالاستصحاب ، في المانع الغير الموجود. وأما المانع
الموجود فلا بدّ مع الالتفات إليه من العلم بارتفاعه ، ولا يكفي الظنّ به ، وكذا وجود المقتضي.
كلّ ذلك لدوران الصدق العرفي مداره ، فمن دخل بلدا وأراد إقامة عشرة يتمّ ولو كان بحيث لو بلغ خبر موت والده أو زوجته لا يقيم ، لأنّ أمثال ذلك لا يضرّ في صدق القصد والعزم العرفيين ، وإلاّ لم يكن مقام يتمّ فيه لإقامة العشرة.
ج : لا شكّ في اشتراط التوالي في الأيام العشرة لتحقّق إقامة عشرة أيام ، لأنّه المتبادر ، بل هو اتّفاقي. فلو أقام خمسة ثمَّ خرج وسافر أيّاما ثمَّ أقام خمسة أخرى لم يكن كافيا إجماعا ، ويجب أن تكون أيام الإقامة في بلد متتالية.
نعم اختلفوا في أنّه هل يشترط في تحقّق الإقامة في موضع عدم الخروج منه أصلا ، أو لا بل لا يضرّ فيه الخروج عنه في زمان يسير؟ ولو سلّم اشتراط عدم الخروج منه فهل يشترط عدم الخروج عن حدّ ترخصه ، أو عدم البلوغ حدّ المسافة؟
والحاصل أنّه لا شكّ في تعليق الحكم على إقامة العشرة المتتالية في بلد ، إنّما الكلام في معنى الإقامة في بلد.
فقيل : معناها أن لا يخرج عن محلّ الإقامة إلى حدّ الترخّص فما فوقه ، كما عن الشهيدين (1).
وقيل : أن لا يخرج إلى المسافة فما فوقها ، فلا يضرّ فيها أن يخرج إلى ما دون المسافة مع رجوعه ليومه وليلته ، كما عن فخر المحققين (2).
وقيل : يناط ذلك إلى العرف ، فيشترط فيه انتفاء ما يضرّ عرفا بإقامة البلد عرفا ، ولا يشترط غير ذلك كما ذهب إليه جمع من أفاضل المتأخرين (3).
دليل الأول : أنّ معنى الإقامة في البلد أن لا يخرج عن حدود ذلك البلد ، والمستفاد من الأخبار أنّ الحدود الشرعية لكلّ بلد منتهى سماع أذانها ورؤية بيوتها وجدرانها ، وهو الّذي يحصل به الترخّص من جميع أطرافها ، فما دام يكون فيما دون حدّ الترخّص يكون في البلد ، وإذا تجاوز عنه يكون خارجا عنه.
أو يقال : ليس المراد بالإقامة معناها اللغوي ، ولم تثبت فيه حقيقة شرعية ، فيقتصر فيه على موضع الإجماع ، وهو ما لم يتجاوز حدّ الترخّص.
أو يقال : معنى الإقامة في البلد الإقامة فيه عرفا ، وعدم الخروج عن حدّ الترخّص عن بلد أقام فيه عرفا ، دون ما تجاوز عنه.
ويرد على الأوّل : منع كون الحدود لبلد هو حدّ الترخص. واعتباره في كلّ من الخروج والدخول من السفر لا يستلزم اعتباره في معنى الإقامة أو البلد أو الموضع ، فإنّه أمر شرعي لا مدخل له في أمر عرفي مستفاد من اللفظ المترتّب عليه الحكم الشرعي. وتقديم الشرع على اللغة أو العرف إنّما هو فيما إذا أفاد الشرع حقيقة شرعية لذلك اللفظ الّذي نيط به الحكم ، دون ما إذا أفاد شرطا شرعيا لحكم في بعض الموارد كما نحن فيه ، فإنّ غاية ما يستفاد من الشرع اعتبار حدّ الترخص حال خروج المسافر ودخوله في القصر والإتمام ، لا صيرورة الإقامة حقيقة شرعية فيما لم يحصل معه الخروج إلى حدّ الترخّص للفظها.
وعلى الثاني : منع عدم إرادة المعنى اللغوي عن الإقامة في موضع ، بل هو المراد ، وهو ما يصدق عليه ذلك عرفا فإنّه لا يعلم للإقامة في موضع لغة معنى سوى ما يفهمه العرف ، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاقتصار على موضع الإجماع ، بل يرجع إلى العرف ، مع أنّ أصل الإجماع الذي ادّعاه ممنوع.
وعلى الثالث : أنّ بعد الإناطة إلى العرف لا يتفاوت فيه التجاوز عن حدّ الترخص بقليل أو عدم البلوغ إليه كذلك ، والحاصل أنّه لا وجه لإناطة العرف بخصوص حدّ الترخص.
دليل الثاني : أنّ الإقامة إنّما تنقطع بالسفر الشرعي ، والسفر إلى ما دون
المسافة ليس سفرا شرعيا فلا يقدح في اتّصال الإقامة. وبعبارة أخرى : المراد بالإقامة ترك السفر ، فلا ينافي قصد ما دون المسافة فيه.
ورواية الحضيني : استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الإتمام والتقصير ، قال : « إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام وأتمّ الصلاة » فقلت له : إنّي أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة ، قال : « انو مقام عشرة أيام وأتمّ الصلاة » (1).
ولا ريب أنّ القادم بيومين أو ثلاثة قبل التروية من نيّته الخروج إلى عرفة قبل العشرة ، ولا يتمّ معه الحكم بالتمام إلاّ على هذا القول.
وصحيحة ابن مهزيار وفيها : « إذا توجّهت من منى فقصّر الصلاة ، فإذا انصرفت عن عرفات إلى منى وزرت البيت ورجعت إلى منى فأتمّ الصلاة تلك الثلاثة الأيام » (2).
فإنّ إتمام الصلاة في منى في الأيام الثلاثة لا يتمّ إلاّ على عدم ضرر ما دون المسافة في قصد الإقامة ، لأنّه بعد الثلاثة يقصد مكة.
وصحيحة زرارة : « من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة ، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير ، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر » (3).
فإنّ إتمام الصلاة في منى لا يتمّ إلاّ على القول المذكور ، ولذا قال في الوافي بعد ذكر الرواية والكلام فيها : إلاّ أن يقال إرادة ما دون المسافة لا تنافي عزم الإقامة ، وعليه الاعتماد (4). انتهى.
وظاهره - كما ترى - موافقته لهذا القول لأجل هذه الروايات.
ويرد على الأول : منع توقّف انقطاع الإقامة بالسفر الشرعي ، بل ينقطع عرفا بغيره أيضا. وحمل الإقامة على ترك السفر الشرعي لا يوافق حقيقة لغوية ولا شرعية ولا عرفية.
وعلى الرواية الأولى : أنّها معارضة مع الصحيحتين الأخيرتين ، فإنّهما تدلاّن على أنّ قصد عرفات يوجب التقصير ويهدم قصد الإقامة ، فهما حجّتان على المستدلّ لو قال بعدم كون أربعة فراسخ مسافة ، ولا تصلح حجّة له لو قال بكونها مسافة. مع أنّ لزوم خروج كلّ من يرد مكة إلى عرفات ممنوع ، ومن أين علم خروج الراوي؟
وعلى الأخيرتين : أنّهما صرّحتا بهدم الإقامة الأولى بقصد عرفة ولم يعلم أنّ الحكم بالتمام فيهما لمن يأتي منى لأجل قصد إقامة مستأنفة قبل الإتيان بمنى ثانيا بمكة ، لخلوهما عن هذا التقييد ، وليس منه فيهما عين ولا أثر ، بل مقتضاهما التمام ولو لم يقصد الإقامة المستأنفة أيضا.
ودعوى أكثريّة عزم الإقامة بمكة بعد الفراغ من الحج - كما في الوافي - (1)ممنوعة جدا ، سيّما في زمان الإمام لأهل مدينة ونحوهم.
بل الأخيرة صريحة في أنّه ليس لذلك ، لجعلها غاية التمام النفر المستلزم لعدمه بعد النفر ودخول مكة مع أنّه لو كان السبب ذلك لوجب التمام بعد النفر في مكة أيضا ، وحمل النفر على النفر إلى بلده يوجب بطلان الإتمام للقصد في مكة إجماعا.
ومنه يظهر تقييد الصحيحة الأولى بما قبل النفر أيضا وتخرجان بذلك عن مفروض المسألة ، غاية الأمر أنّه لا يكون سرّ الإتمام في منى فيهما معلوما لنا ، فلا تفيدان لنا في المسألة شيئا.
ويمكن أن يكون الإتمام لقصد إقامة مستأنفة بعد النفر من منى في مكة ، حتّى تكون أيام منى محصورة بين قصد إقامتين بأن لا تضرّ مسافة التخيير في
1) الوافي 7 : 154.
ذلك.
ودليل الثالث : أنّه لم يرد نصّ في معنى إقامة الأرض والبلد ، فيرجع فيه إلى ما تعدّ إقامة البلد عرفا ، لأنّه الحاكم في أمثال ذلك. وفرّعوا عليه أنّه لو نوى ما يقال له في العرف : إنّه إقامة ذلك البلد ، فهو يكفي وإن انضمّ إليه التردّد إلى البساتين المتّصلة بالبلد والمحلاّت الخارجة عن سوره ، الغير المنفصلة عن البلد عرفا ، ما لم يصل إلى موضع بعيد يخرجه عن المقيمين في البلد.
وبالجملة ليس معنى الإقامة ولا البلد ونحوه أمرا تحقيقيّا ، بل هما أمران عرفيان ، فالإقامة هي عدم الخروج عرفا ، وقد لا يضرّ الخروج في دقيقة أو ساعة في إقامة مدّة طويلة ، والبلد ونحوه هو ذلك الموضع عرفا وقد لا يضرّ البعد عن بيوته بنصف ميل ونحوه فالمناط فيهما العرفيان.
والظاهر عدم الخروج عن إقامة بلد بالتردّد إلى بساتينه ومزارعة ، المتّصلة به القريبة منه المعدودة عند أهل البلد من بساتين البلد ومزارعه ، ما لم تعدّ في العرف موضعا على حدة مقابلا لذلك البلد ، فيقال : هذا في البلد ، وهذا في الموضع الفلاني وهذا بستان البلد ، وهذا بستان القرية الفلانية.
أقول - ومن اللّه التوفيق - : إنّ لنا لفظين ، أحدهما : الإقامة ، وثانيهما : موضع الإقامة من الأرض أو البيت أو المكان أو البلد أو نحوها ، وليس شيء منهما مبيّنا شرعا ، فيجب في تعيين معناهما الرجوع إلى العرف. ولكن اللفظ الأول واحد في الأخبار وهو لفظ الإقامة ، وأمّا الثاني فيجب أولا تعيين المضاف إليه للإقامة ثمَّ الرجوع في استخراج معناه إلى العرف ، فإنّ إقامة البيت غير إقامة المحلّة ، وهي غير إقامة البلد والقرية ، وهي غير إقامة الرستاق والمملكة وهكذا.
فنقول أولا لبيان ذلك : إنّ أخبار الإقامة منها ما لم يذكر فيه محلّ الإقامة وما يقيم فيه ، بل يتضمّن حكم الإقامة مطلقة كصحيحة الخزّاز ونحوها ، ومنها ما يتضمّن الإقامة بأرض كصحيحة زرارة ورواية أبي بصير ، ومنها ما يتضمّن الإقامة بمكان كصحيحة علي ، ومنها ما يتضمّن الإقامة بالبلدة كصحيحتي منصور وابن
وهب المتقدّمتين (1)، وصحيحة أبي ولاّد وغيرها الآتية في مسألة الإتمام في المواطن الأربعة (2)وغير ذلك.
والصنف الأول مجمل من حيث محلّ الإقامة ، والثانيان شاملان لإقامة البيت والمحلّة والبلد والرستاق والمملكة ونحوها ، ولا شكّ في تفاوت حكم الخارج بقصد كلّ منها ، إلاّ أنّ الصنف الأخير أخصّ مطلقا من الجميع ، فيجب الحمل على إقامة البلدة ونحوها من القرية ، لأنّها أيضا بحكمها إجماعا ، حملا للمطلق على المقيّد ، والمجمل على المبيّن.
وحمل الإقامة على ترك السفر حتّى لا يحتاج إلى المضاف إليه لا دليل عليه ، لأنّه ليس معنى الإقامة لغة ولا شرعا ولا عرفا ، مع أنّ ناوي الإقامة مسافر عرفا أيضا ، وأيضا نرى أنّه لو كان يقول : من أقام في بيت عشرة أيام يتمّ ، كان يختلف حكمه مع قوله : من أقام في محلّة أو أقام في بلد ، ولو كان المراد ترك السفر لم يختلف البتة ، ويحصل من ذلك أنّ متعلّق حكم الإتمام هو قصد إقامة البلد أو القرية أو المصر أو المدينة أو نحوها.
وعلى هذا فلا بدّ من الرجوع في معنى المضاف والمضاف إليه إلى العرف.
ومعنى الأول عرفا واضح ، وهو التوقّف في ذلك الموضع وعدم الخروج منه ، وهو يختلف باختلاف المدة ، فلو قال : أقم في البيت الدقيقة الفلانية ، يعصى بالخروج منه بنصف دقيقة ، ولو قال : أقم فيه شهرا ، لا يعصى بالخروج إلى حواليه دقيقة عرفا على الظاهر ، بل ولا ساعة أو ساعات إذا لم يبعد المسافة كثيرا.
وأمّا الثاني فلا شكّ في صدقه على ما أحاط به سور البلدة أو القرية أو ما تجمعه حدود بنيانها ودورها ، ولكن قد يقتصر على ذلك في العرف كما يقال لمن أقام عند درب بغداد : ما دخل بغداد واجتاز منها ، ولذا لو نذر أحد أن لا يدخل بغداد لا يحنث لو ذهب إلى قرب سوره.
وقد استعمل ذلك في بعض الأخبار الآتية في بيان حدّ الترخص ، بل هذا هو الاستعمال الأكثري كما يستفاد من الأخبار أيضا ، ولذا اعتبروا ابتداء المسافة من خارج البلد بهذا المعنى ، ولذا يصحّ أن يقال : فلان خرج من البلد ، إذا تجاوز عن دربه وسوره.
وقد يتجاوز عن ذلك فيستعمل فيما ذكر وفي حدوده المتّصلة به وبساتينه ، كما مرّت الإشارة إليه.
وقد يتجاوز عن ذلك أيضا فيستعمل في بلدة وقرأها وقرية ومزارعها البعيدة ، فيقال : فلان ساكن بغداد ، وإن سكن بعض قرأها.
ونحن لا نعلم المراد من البلدة والقرية التي أضيفت إليها الإقامة ، ولا شكّ أنّ ذلك ليس منوطا إلى قصد المقيم حتّى لو نوى المقام بالبلدة بالمعنى الأخير لم يضرّ الخروج إلى قرأها البعيدة التي منها إليها عشرة فراسخ وأكثر ويكون المجموع في حكم الوطن ، بل القدر الثابت أنّ قصد الإقامة في البلدة والقرية موجب للإتمام ، والبلدة تستعمل في معان ، والقدر المعلوم أنّ قصدها بالمعنى الأول - وهو ما جمعته الدور والبنيان وحفّته السور والجدران - يوجب الإتمام قطعا ، والباقي غير معلوم لنا ، فلا يعلم تعلّق الحكم به أيضا.
فإن قلت : معنى البلدة في إقامة البلدة مركّبة غير معناها مفردة.
قلنا - مع أنّه خلاف الأصل للعلم بالمعنى التركيبي لغة - : إنّه لو قال : أقم في داخل السور ، فهل يفهم جواز التجاوز عنه؟ بل لا شكّ في عدم جوازه ، فإذا احتمل كون المراد بالبلدة ذلك المعنى كيف يتفاوت معنى إقامة البلدة؟!
نعم في معنى الإقامة عشرة أيام عرفا توسّع لا يضرّ الخروج ساعة أو ساعتين أو ساعات حتّى لو قال : أقم داخل السور عشرة أيام ، لم يضرّ هذا القدر من الخروج إذا لم يبعد المسافة كثيرا ، وهو توسّع في معنى الإقامة مختلف باختلاف مدّته قصرا وطولا أو في معنى عشرة أيام ، لا في معنى البلدة.
ومن هذا يظهر أنّ ما نقله في الحدائق ناسبا له إلى الغفلة ، وهو أنّه اشتهر
في هذه الأزمنة المتأخّرة أنّ من أقام في بلدة أو قرية مثلا فلا يجوز له الخروج من سورها المحيط بها أو عن حدود دورها وبنيانها (1)، هو الحقّ الحقيق بالاتّباع ، وعليه الفتوى والاعتماد. ولا يتوهّم أنّ ذلك قول مغاير للقول الثالث ، بل هو عينه ، إلاّ أنّا نقول : إنّ هذا هو المعنى العرفي لإقامة البلد.
نعم لا يضرّ خروج ساعة أو ساعتين أو نحو ربع يوم إلى حوالي البلد ، لا لصدق البلد على الحوالي ، بل لعدم منافاته لصدق الإقامة عشرة حتّى لو قال : أقم داخل السور عشرة أيام ، لم يضرّ ذلك أيضا.
وبهذا ينضبط أمر الإقامة ، وإلاّ فيحصل الاضطراب في الرستاق القريبة القرى وفي نحو ذلك.
فاللازم في قصد الإقامة قصد التوقّف في مجتمع البنيان والدور من بلد عرفا ، وعدم الخروج منها خروجا عرفيا لا بنحو عشرة أقدام وعشرين ونحوهما ممّا لا يخلّ بالإقامة من خروج زمان يسير.
وحمل الإقامة على ترك السفر الشرعي كان معنى حسنا منضبطا لو كان على إرادته والحمل عليه دليل ، ولكن لا دليل عليه أصلا.
د : قال في المنتهى : لو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية ، ولم يعزم على الإقامة في واحدة منها المدّة التي يبطل حكم السفر فيها ، لم يبطل حكم السفر ، لأنّه لم ينو الإقامة في بلد بعينه ، فكان كالمنتقل في سفره من منزل إلى منزل (2).
قال في المدارك : وهو حسن (3)وتبعه جمع آخر (4).
وهو كذلك ، ووجهه واضح ، فإنّ الثابت هو تعلّق الإتمام على من قصد
الإقامة في قرية دون رستاق أو مملكة. وعلى هذا فيضرّ في قصد الإقامة قصد الخروج إلى قرية أخرى ولو كانت قريبة جدّا ، ولا يضرّ الخروج عن دورها بقليل أو في زمان يسير.
ه- : لو نوى المسافر الإقامة في بلدة وأقام العشرة أو صلّى فيها صلاة تامّة ، ثمَّ بدا له الخروج ، فإن كان إلى المسافة فحكمه واضح.
وإن كان إلى ما دونها : فإمّا لا يريد العود إلى موضع الإقامة ، أو يريده.
فإن لم يرد : فإمّا يقصد المسافرة من ذلك الموضع بغير قصد إقامة في الموضع الثاني فيقصّر ، أو يقصد فيه الإقامة ، فيتمّ في ذلك الموضع والطريق إن لم يبلغ الأربعة ، ويتخيّر في الطريق إن بلغها ، والكلّ ظاهر.
وإن أراد العود : فإمّا يكون بعد قصد إقامة في ذلك الموضع الثاني أو قبله.
فإن كان بعده يتمّ في الطريق ذهابا وإيابا وجوبا مع عدم كونه أربعة ، وتخييرا مع كونه أربعة ، وفي ذلك الموضع والموضع الأول وجوبا إن أراد قصد إقامة مستأنفة في الموضع الأول ، ويقصّر حين الخروج من ذلك الموضع الثاني في الطريق وفي الموضع الأول إن لم يرده.
وإن كان قبله : فإمّا بلغ المسافة أربعة ، أم لا.
فإن بلغ : فإن أراد العود ليومه يقصّر في الطريق ذهابا وإيابا وفي ذلك الموضع وجوبا وكذا في محلّ الإقامة مع عدم قصد إقامة جديدة فيه.
وإن لم يرد العود ليومه بل عاد بعد يوم ونحوه : فإن قصد إقامة مستأنفة بنى على ضمّ الإياب مع الذهاب في وجوب القصر أو جوازه أو عدم الضم أصلا ، والمشهور هنا الأخير ، وقيل : بلا خلاف ظاهر ، بل قيل : إنّه إجماع (1). والحقّ الثاني ، لما مرّ في المسألة الثالثة من الشرط الأول (2)، بل الأول ، لعدم معلوميّة0.
شذوذ القول بالضمّ هنا.
ولو لم يقصد إقامة مستأنفة فالمشهور وجوب القصر بالخروج عن الموضع الأول ، ونسب إلى الشيخ والحلّي والفاضل (1). وقيل باختصاصه بحال الإياب فيتمّ في الذهاب ، حكي عن الشهيدين (2)، ونسبه بعضهم إلى الأكثر أيضا ، بل نسب القول بالتمام مطلقا - حتى في الإياب - إليهم.
وعلى هذا فهو قول ثالث ، وأفتى به الفاضل في جواب المسائل المهنائية (3).
وهنا قول رابع وهو القصر ذاهبا وجائيا وفي الموضعين ، إلاّ إذا قصد إقامة جديدة أو أراد تكميل الإقامة الاولى ، نسب إلى ظاهر المختلف (4).
وقد يحكى قول خامس ينسب إلى البيان ، وهو الفرق في العود بين عدم إقامة أصلا وبين الإقامة في الجملة وإن كان دون العشرة ، فيقصّر ذاهبا وجائيا في الأول وعائدا خاصّة في الثاني (5).
دليل الأولين : ضمّ الذهاب مع الإياب ، وإطلاقات وجوب القصر على المسافر ، خرج موضع الإقامة حال الإقامة فيبقى الباقي.
ودليل الثاني : عدم ضمّه ، وكون الأصل في الصلاة التمام كما يستفاد من الغلبة ، واستصحاب حال المكلف ، خرج حالة الإياب لقصد المسافة ، فبقي الباقي.
ودليل الثالث : ذلك الأصل ، وكون محلّ الإقامة بمنزلة الوطن.
ودليل الأخيرين : اعتبارات ضعيفة.
وإذ قد عرفت أنّ الحق الضمّ في جواز القصر تعرف أنّ القوّة مع جواز القصر ذهابا وما دام في الموضع الأول ، له ولجواز القصر في الأربعة مطلقا ، ووجوبه إيابا. بل الظاهر الأقوى الوجوب في الذهاب في هذه المسألة أيضا ، لما عرفت من أنّ رفع اليد عن أدلّة وجوب الضمّ إنّما كان لشذوذها ، وهو في المسألة مفقود ، ولما مرّ من إطلاقات قصر المسافر ، ولما يأتي ممّا يدلّ على القصر فيما دون الأربعة.
وأصالة التمام في كلّ صلاة ممنوعة ، ولو سلّمت فبما مرّ مدفوعة ، وكون محلّ الإقامة بمنزلة الوطن في جميع الأحكام لا دليل عليه ، وعموم المنزلة التي ادّعي مما لا ينبغي الركون إليه.
وإن لم يبلغ المسافة أربعة فمع قصد إقامة مستأنفة في محلّ الإقامة لا يقصّر مطلقا ، إذ لا موجب له.
ومع عدم قصدها فكالأربعة ، فيقصّر ذهابا وإيابا وفي الموضعين ، باعتبار ضمّ الإياب مع الذهاب هنا وجوبا ، وتدلّ عليه بالتصريح صحيحة أبي ولاّد الآتية في حكم الصلاة في المواطن الأربعة (1)، ورواية الجعفري الآتية في الفرع التاسع (2).
ولا يخفى أنّ المراد بعدم قصد الإقامة المستأنفة في محلّ الإقامة هنا عدم قصدها في ذلك السفر مطلقا ولو بعد التردّد إلى الموضع الثاني مرّات. فلو قصدها ولو بعد التردّد يتمّ ذهابا وإيابا وفي الموضعين وجوبا ، كمن قصد الإقامة في بغداد ثمَّ أراد الذهاب إلى الكاظمين 8 ، فإن لم يرد إقامة ثانية في بغداد أصلا في هذا السفر يقصّر وجوبا ذهابا وإيابا وفي الموضعين. وإن أراد إقامة ثانية فيها ولو بعد التردّد إلى الكاظمين مكرّرا بأن تكون تلك التردّدات محصورة
بين قصد إقامتين يتمّ في الجميع وجوبا ، لما ذكرنا سابقا من أنّ الثابت ضمّ إياب واحد مع الذهاب لا التردّد مكررا.
هذا إذا لم تكن المسافة بين الموضعين أربعة ، وإلاّ فكما عرفت يجب القصر مع قصد الإقامتين في طرفي التردّدات.
و : اليوم وإن كان حقيقة فيما بين الطلوعين إلاّ أنّه يدخل هنا الليالي إجماعا ، لا بمعنى اشتراط عشرة ليال أيضا ، بل بمعنى أن يقيم في الليالي المتخلّلة بين العشرة أيام ، فلو أقام الأيام وخرج الليالي لم يكن إقامة عشرة إجماعا ، ولكن لو دخل أوّل طلوع الشمس من يوم وخرج أول غروبها من العاشر كفى وإن لم يقم إلاّ تسعة ليال ، للإجماع أيضا وصدق إقامة العشرة.
ز : تجب إقامة عشرة أيام تامة ، لأنّها مقتضى اللفظ ، فلو نقص عنها بعض يوم ولو نصف ساعة لم يكن إقامة العشرة.
ويظهر من بعضهم احتساب يوم الدخول والخروج منها ولو كانا بعض يوم (1).
ولا وجه له ، والصدق العرفي الذي ادّعاه ممنوع.
ولو دخل في أثناء يوم وخرج في أثناء يوم آخر ففي احتسابهما أربعة أوجه بل أقوال :
الأول : عدم احتسابهما مطلقا لا يوما ولا يومين واشتراط عشرة تامّة غيرهما ، اختاره في المدارك (2).
والثاني : احتسابهما يوما واحدا بالتلفيق ، استقر به في الذكرى وروض الجنان والبحار (3)، وبعض مشايخنا (4).
والثالث : احتسابهما يومين مطلقا ، فيتمّ العشرة بهما وبثمانية أخرى ، يظهر من بعضهم القول به.
والرابع : احتسابهما يومين إن دخل قبل الزوال كثيرا وخرج بعده كذلك ، ولو عكس أو دخل وخرج عند الزوال فيسقطهما أو يلفق (1).
والحق هو الأول ، لأنّ اليوم حقيقة في ذلك الزمان الممتدّ المتصل تاما ، ولا يصدق على نصف من يوم ونصف من آخر أو غير معلوم صدقه عليه ، فما لم يتحقّق هذا الزمان الممتدّ عشر مرّات لم يعلم صدق عشرة أيام. والتلفيق مطلقا أو احتساب الناقص كذلك خلاف الأصل والحقيقة ، فيحتاج إلى دليل.
ومستند المخالفين ودفعه ظاهر ، وأقوى اعتمادهم على الصدق العرفي الممنوع جدّا.
ح : لو حصل له قصد الإقامة عشرة في أثناء صلاة مقصورة يتمّ الصلاة ، بلا خلاف ظاهر ، بل من بعضهم الإجماع عليه (2)، وتدلّ عليه صحيحة ابن يقطين : عن رجل خرج في سفر ثمَّ تبدو له الإقامة وهو في صلاته ، قال : « يتمّ إذا بدت له الإقامة » (3).
ونحوها حسنة سهل بن اليسع (4).
ط : إن رجع ناوي الإقامة عن قصده فإن لم يصلّ صلاة تامّة رجع إلى التقصير ، وإن صلّى صلاة تامّة ولو واحدة أتمّ سائر ما يصلي في ذلك المقام ولو صلاة واحدة ، بلا خلاف في شيء من الحكمين ، بل عن جماعة الإجماع عليه (5).).
1) كما يظهر ذلك من بعض مشايخ صاحب الحدائق ، انظر الحدائق 11 : 347.
2) التذكرة : 193.
3) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 83 ح 8 ، الفقيه 1 : 285 - 1299 ، التهذيب 3 : 224 - 564 ، الوسائل 8 : 511 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 1.
4) التهذيب 3 : 224 - 565 ، الوسائل 8 : 511 أبواب صلاة المسافر ب 20 ح 2.
5) منهم صاحب المدارك 4 : 463 والوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح ( المخطوط ).
وتدل عليه صريحا صحيحة أبي ولاّد الآتية في حكم الصلاة في المواطن الأربعة (1)، والرضوي المنجبر (2)، وهو أيضا بمعناها.
وأما رواية الجعفري : لمّا أن نفرت من منى نويت المقام بمكة ، فأتممت الصلاة حتى جاءني خبر من المنزل ، فلم أجد بدّا من المصير إلى المنزل ، ولم أدر أتمّ أم أقصّر ، وأبو الحسن عليه السلام يومئذ بمكة ، فأتيته فقصصت عليه القصة ، فقال : « ارجع إلى التقصير » (3).
فهي غير منافية لما ذكر ، لأنّ المراد الرجوع إلى التقصير بعد الخروج من مكة ، وهو كذلك ما لم يقصد إقامة جديدة.
وظاهر قوله في الصحيحة : « حتى بدا لك أن لا تقيم » أنّ الموجب للرجوع إلى التقصير قبل الصلاة هو قصد عدم الإقامة. فلو حصل له التردّد بعد القصد لا يقصّر ، لعمومات التمام في موضع قصد فيه الإقامة ، واستصحاب وجوب التمام. ولا تعارضها عمومات قصر المتردّد ، لظهورها فيمن كان كذلك ابتداء.
وكذا ظاهرها أنّ الموجب للرجوع هو قصد عدم الإقامة سواء قصد المسافة أو ما دونها ، فيقصّر لو كان رجوعه قبل الصلاة إلى قصد ما دون المسافة ، وفاقا لجماعة (4)، وخلافا لآخرين لوجه ضعيف (5).
ثمَّ إنّ الحكم بالإتمام فيها وقع معلّقا بالصلاة ، فلا يكفي الصوم الواجب ولو أتمّه قبل الرجوع ، لعموم الصحيحة.
وقيل : يكفي إن رجع بعد الزوال (6)، لما دلّ من العمومات على وجوب
1) انظر ص 307.
2) فقه الرضا عليه السلام : 161 ، مستدرك الوسائل 6 : 540 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 1.
3) الفقيه 1 : 283 - 1286 ، التهذيب 3 : 221 - 554 ، الاستبصار 1 : 239 - 852 ، الوسائل 8 : 509 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 2.
4) كالعلاّمة المجلسي في البحار 68 : 44 ، وصاحبي الرياض 1 : 260 ، والحدائق 11 : 405.
5) كالشهيد الثاني في الروض : 314 ، والمحقق السبزواري في الذخيرة : 412.
6) التنقيح 1 : 294 ، روض الجنان : 395.
المضيّ في الصوم إذا سافر بعد الزوال (1)، فإذا صحّ فلا بدّ أن لا تبطل إقامته ، وإلاّ فيلزم وقوع الصوم في السفر.
وفيه أولا : أنّ شمول العمومات لما نحن فيه ممنوع ، لأنّها الظاهرة فيمن سافر من المكان الذي يتحتّم فيه الصوم. وثانيا : أنّ بطلان وقوع الصوم مطلقا في السفر أيضا ممنوع ، إنّما هو إذا كان مجموعه حاصلا في السفر.
وقيل : يكفي مطلقا ، لصحة الصوم قبل الزوال ، فتكون إقامته صحيحة ، وإلاّ لزم جواز الصوم في السفر (2).
وفيه : أنّه مراعى بعدم الرجوع أو بإتمام فريضة تامة للصحيحة ، وذلك واسطة بين الصحة الحتمية والبطلان الحتمي ، فالصوم صحيح ما لم يرجع أو يصلّي فريضة تامة.
وكذا علّق الحكم على وقوع الصلاة ، فلا يكفي مضيّ زمانها مع تركها عمدا أو سهوا أو لإغماء أو جنون.
وعلى إتمامها ، فلا يكفي بعض الصلاة ، فلو رجع عن العزم في أثناء الصلاة يقصّرها ، وفاقا لجماعة (3).
وقيل : لا يرجع لأنّ الصلاة على ما افتتحت عليه (4).
وقيل : يرجع إن لم يتجاوز محلّ القصر ، وإن تجاوز لم يرجع ، لاستلزامه إبطال العمل - المنهي عنه - لو رجع ، فيتمّ ثمَّ يصدق أنّه صلّى صلاة تامة (5).
وفيه : منع إنّه إبطال ، بل هو بطلان. سلّمنا ولكن لا نسلّم النهي عن الإبطال هنا.
1) انظر الوسائل 1 : 185 ، أبواب من يصح منه الصوم ب 5.
2) العلامة في التذكرة 1 : 193 ، والتحرير 1 : 56 ، القواعد 1 : 50 ، ونهاية الأحكام 2 : 185.
3) انظر المنتهى 1 : 498 ، والمدارك 4 : 483 ، والذخيرة : 412 ، والحدائق 11 : 425.
4) كما في المبسوط 1 : 139 ، والمهذب 1 : 108 ، وعن ابن الجنيد في المختلف : 169.
5) كما في نهاية الأحكام 2 : 185 ، والمختلف : 169 ، والتذكرة 1 : 193 ، والتحرير 1 : 56 ، والدروس 1 : 211 ، والبيان : 261.
وعلى كون الصلاة فريضة ، فلا تكفي النافلة التي تسقط في السفر.
وأن تكون الصلاة بتمام ، فلا تكفي الفريضة الغير المقصورة ، ولا المقصورة إذا أتممت لشرف البقاع.
ويمكن الخدش فيه بأنّ من صلّى المغرب أو الصبح مثلا يصدق أنّه صلّى فريضة بتمام ، وتقييدها بالمقصورة لا دليل عليه ، وتبادر أنّ الإتمام لنيّة الإقامة ممنوع. نعم يتبادر أن تكون الصلاة تامّة مع الاختيار والقصد ، فلو تمَّ المقصورة بغير نيّة الإقامة سهوا لم يكن كافيا. وبالجملة مقتضى الصحيحة كفاية الصلاة التامة الواقعة بقصد المكلّف كيف ما كان ، والتقييد بتامّة مخصوصة لا دليل عليه.
وعلى هذا فلو ترك الصلاة حتى مضى وقتها بنيّة الإقامة ، ثمَّ قضاها تامة ثمَّ رجع لا يقصر.
ثمَّ إنّه بعد إيقاع الصلاة الواحدة تامة لو رجع ، كما يصلّي باقي الصلوات تامة يصوم أيضا ، لمفهوم قوله : « إذا قصّرت أفطرت » (1)ويجبر عدم دلالته على الوجوب بالإجماع المركب.
المسألة الثالثة : في بيان قطع السفر بالتردّد شهرا في موضع ، بمعنى أنه لو تردّد في الإقامة عشرة في موضع قصّر ما بينه وبين شهر ، فإذا تمَّ الشهر أتمّ الصلاة ولو صلاة واحدة ، بلا خلاف فيه ، بل عليه الإجماع في كلمات جملة من الأصحاب (2)، بل هو إجماعي محققا ، فهو الدليل عليه.
مضافا إلى المستفيضة من الصحاح وغيرها ، منها : صحاح زرارة والخزّاز وابن وهب ورواية أبي بصير المتقدّمة (3)، وصحيحة أبي ولاّد الآتية في بيان حكم المواطن الأربعة (4).
وهل المعتبر الشهر الهلالي الحاصل برؤية الهلال إلى رؤيته ، كما هو الوارد في أكثر الروايات المتضمنة للفظ الشهر؟
أو الثلاثون يوما كما في صحيحة الخزاز؟
أطلق الأكثر الأول تبعا لأكثر الروايات.
وقال الفاضل والشهيدان بالثاني (1)، حملا للمجمل على المبين أو المطلق على المقيد.
والحق هو الثاني ، لا لما ذكر ، لمنع كون الشهر مجملا أو مطلقا ، بل الظاهر كونه حقيقة شرعا في الهلالي.
بل لأنّ الحكم بالإتمام إذا تمَّ الشهر في رواياته عامّ يشمل ما قبل تمام الثلاثين وما بعده ، وصحيحة الخزّاز خاصّة بالنسبة إلى الأول ، فيجب التخصيص بها ، ويدلّ عليه استصحاب حكم القصر أيضا إلى أن يعلم حصول سبب التمام. ومنه يعلم وجوب البناء على الثلاثين أيضا لو قلنا بتعارض الروايات.
وحكم الخروج إلى ما دون المسافة هنا وتلفيق اليومين كما مرّ في إقامة العشرة بعينه.
الشرط الرابع : أن يكون السفر سائغا غير محرّم ، بلا خلاف بين الأصحاب كما في الذخيرة (2)، بل بالإجماع كما صرّح به جماعة منهم المحقّق في المعتبر والفاضل في جملة من كتبه (3)، بل هو إجماع محقّقا ، له ، وللمستفيضة من الأخبار كصحيحة ابن مروان : « من سافر قصّر وأفطر ، إلاّ أن يكون رجلا سفره إلى صيد ، أو في معصية اللّه ، أو رسولا لمن يعصي اللّه ، أو في طلب شحناء أو
سعاية أو ضرر على قوم مسلمين » (1).
ورواية ابن بكير : عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة؟ قال : « لا : إلاّ أن يشيّع الرجل أخاه في الدين ، وإنّ التصيّد مسير باطل لا يقصر الصلاة فيه » (2).
وموثّقة عبيد : عن الرجل يخرج إلى الصيد يقصر أم يتمّ؟ قال : « يتمّ لأنّه ليس بمسير حقّ » (3).
ومرسلة الفقيه : « لا يقصر الرجل في شهر رمضان إلاّ بسبيل حق » (4).
وصحيحة حمّاد وفيها في باغي الصيد والسارق : « وليس لهما أن يقصرا في الصلاة » (5).
وزرارة : عمن يخرج عن أهله بالصقور والبزاة والكلاب مسيرة الليلة أو الليلتين والثلاث هل يقصر من صلاته أم لا يقصر؟ قال : « إنّما خرج في لهو لا يقصر » (6).
وموثّقة سماعة : « ومن سافر قصّر الصلاة وأفطر إلاّ أن يكون رجلا مشيّعا لسلطان جائر أو خرج إلى صيد » (7).
1) الكافي 4 : 129 الصيام ب 50 ح 3 ، التهذيب 4 : 219 - 640 ، بتفاوت يسير ، الوسائل 8 : 476 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 3.
2) الكافي 3 : 437 الصلاة ب 85 ح 4 ، التهذيب 3 : 217 - 536 ، الاستبصار 1 : 235 - 841 ، الوسائل 8 : 480 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 7.
3) الكافي 3 : 438 الصلاة ب 85 ح 8 ، التهذيب 3 : 217 - 537 ، الاستبصار 1 : 236 - 841 ، الوسائل 8 : 479 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 4.
4) الفقيه 2 : 92 - 410 ، الوسائل 8 : 476 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 1.
5) الكافي 3 : 438 الصلاة ب 85 ح 7 ، التهذيب 3 : 217 - 539 ، الوسائل 8 : 476 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 2.
6) التهذيب 3 : 218 - 540 ، 4 : 220 - 641 ، الاستبصار 1 : 236 - 842 ، الوسائل 8 : 478 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 1.
7) التهذيب 3 : 207 - 492 ، 4 : 222 - 650 ، الاستبصار 1 : 222 - 786 ، الوسائل 8 : 477 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 4.
ورواية أبي سعيد الخراساني : في رجلين سألاه عن التقصير - إلى أن قال - : وقال للآخر : « وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان » (1).
ورواية إسماعيل بن أبي زياد : « سبعة لا يقصرون الصلاة » إلى أن قال : « والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الّذي يقطع السبيل » (2).
ثمَّ إنّ صريح هذه الأخبار عدم التقصير في السفر الّذي تكون غايته حراما أي يقصد بسفره أمرا محرّما. ولا ريب فيه.
ومقتضى فتاوى الأصحاب والإجماعات المنقولة الإتمام فيه وفيما إذا كان السفر نفسه معصية حراما أيضا وإن لم تكن غايته كذلك كالناشزة المسافرة إلى صلة الأرحام ، وقد صرّح بذلك جماعة (3).
واستدلّوا له بعموم صحيحة ابن مروان ، وعموم التعليل في الروايتين المتعقّبتين لها ، وبالاستثناء في المرسلة ، وبأنّ التقصير تخفيف من اللّه سبحانه ورحمة منه وتعطّف لموضع سفره وتعبه ونصبه واشتغاله بظعنه وإقامته كما صرّح به في مرسلة الفقيه (4)، ولا شكّ أنّ التخفيف والرحمة والتعطّف للعاصي لا يناسب الحكمة ، وبأنّ المنع عن التقصير لمن غاية سفره معصية يقتضي منعه لمن نفس سفره معصية بالطريق الأولى.
أقول : تحقيق المقال إنّ السفر الّذي يعصى فيه على أقسام أربعة :
الأول : أن تكون غايته معصية أي يكون المقصود منه كلا أو جزءا معصية ، بمعنى أن يكون سفره لأجل الوصول إلى المعصية.
1) التهذيب 4 : 220 - 642 ، الاستبصار 1 : 235 - 838 ، الوسائل 8 : 478 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 6.
2) الفقيه 1 : 282 - 1282 ، التهذيب 4 : 218 - 635 ، الاستبصار 1 : 232 - 826 ، الوسائل 8 : 477 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 5.
3) منهم صاحب المدارك 4 : 446 ، والمحقق السبزواري في الذخيرة : 409 ، وصاحبا الرياض 1 : 252 ، والحدائق 11 : 381.
4) الفقيه 1 : 290 - 1320 ، الوسائل 4 : 87 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 24 ح 5.
والثاني : أن لا تكون الغاية حراما ولكن يكون أصل السفر منهيّا عنه شرعا ذاتا ، خصوصا كالفرار من الزحف ، أو عموما كالإباق من المولى ، والنشوز عن الزوج ، وسفر الولد بدون إذن الوالد ، وسلوك السبيل المخوف ، أو مع المرض المضرّ معه السفر ونحو ذلك.
ومن هذا القسم ما كان السفر تصرّفا في ملك الغير فإنّه يكون هذا السفر منهيّا عنه ، لأنّ النهي عن تصرّف ملك الغير نهي عن جميع أفراد التصرّف منها الحاصل بسبب السفر ، كالسفر بركوب الدابة المغصوبة ، فإنّ الحركة السفرية عين التصرّف في الدابة ، وكالسفر بالنعل الغصبي.
والثالث : أن لا يكون الغاية محرّمة ولا السفر منهيّا عنه ذاتا وأصالة ، ولكن كان مستلزما لمحرّم وعلّة وسببا له حتّى يكون السفر محرّما بالتبع ، ومن هذا القسم ما كان ضدّا خاصا لواجب مضيّق يستلزم السفر تركه.
والرابع : أن لا يكون الغاية محرّمة ولا السفر علّة لمحرّم ، ولكن تصاحبه المعصية ولا ينفكّ فيه عن معصية ، كأن يكون مشغولا بغيبة شخص أو بالملاهي الّتي كان مشغولا بها في الحضر أيضا.
ولا شكّ في عدم الترخّص في كلّ ما كان من القسم الأوّل ، والإجماع عليه منعقد والأخبار به ناطقة.
كما أنّه لا شكّ في الترخّص في ما كان من القسم الرابع ، لعمومات السفر ، وكونه جائزا قطعا ، وأصالة عدم حرمته.
وإنّما وقع الخلاف في الثانيين عن ثاني الشهيدين (1)، فرخّص فيهما أيضا ، لاختصاص الأخبار بالأوّل.
وممّن لحقه من فرّق بين القسمين فلم يرخّص في الثاني ورخّص في الثالث (2)، نظرا إلى عدم جعله الحرام التبعي معصية ، أو عدم قوله بكون مسبّب9.
الحرام وملزومه حراما ، أو عدم جعله الأمر بالشيء نهيا عن ضدّه الخاص ، كما قال بكل بعض من لا حظّ له من التحقيق.
وظاهر الأكثر بل صريحهم - كما عرفت - ومقتضى إطلاقات إجماعاتهم المنقولة عدم الترخّص فيهما أيضا ، لما نقلنا عنهم من الوجوه.
أقول : بعض ما ذكروه من الوجوه وإن كان محلّ نظر كعموم صحيحة ابن مروان ، إذ عمومها إنّما هو لو جعلت لفظة : « في » بمعنى المصاحبة أو الباء ، وأمّا لو جعلت للتعليل أو السببيّة أو بمعنى : « إلى » فلا يكون لها عموم. وكعدم ملاءمته لعلّة شرعيّة التقصير ، فإنّ مقتضاها وجود المعلول كلّما وجدت العلّة وأمّا انتفاؤه مع انتفائها فإنّما هو يقتضيه الأصل الّذي لا أثر له هنا مع وجود إطلاقات الترخّص. وكالقياس بالطريق الأولى ، فإنّه موقوف على العلم بالعلّة وهو هنا محل كلام.
إلاّ أنّ إثبات المطلوب بعموم التعليل الوارد في الرواية والموثّقة حسن سيّما الموثّقة ، إذ لا شك أنّ الحقّ هنا إنّما هو بمعنى الحقيق واللائق أو الواجب ، وكلّ ما كان فليس السفر المحرّم بنفسه أصلا أو تبعا منه ، لأنّ المنهي عنه كيف ما كان لا يكون حقّا ، بل بأيّ من المعاني الصالحة للمقام من معانيه أخذ لا يكون المحرّم منه قطعا.
ومنه يظهر دلالة مرسلة الفقيه أيضا.
ويدلّ عليه أيضا الرضوي المنجبر بما مرّ : قال : « في أربعة مواضع لا يجب أن تقصر : إذا قصدت مكّة ومدينة ومسجد الكوفة والحيرة ، وسائر الأسفار التي ليست بطاعة مثل طلب الصيد والنزهة ومعاونة الظالم ، وكذلك الملاّح والفلاّح والمكاري » (1).
ولا شكّ أنّ كلّ سفر منهي عنه ولو تبعا ليس بطاعة ، والتمثيل بما مثّل لا يوجب التخصيص ، وأصرح منه ما قاله بعد كلام : « ولا يحلّ التمام في السفر إلاّ
1) فقه الرضا عليه السلام : 161 ، مستدرك الوسائل 6 : 544 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 2.
لمن كان سفره لله جلّ وعزّ معصية أو سفرا إلى صيد ».
وتعضده إطلاقات الفتاوى والإجماعات المنقولة بل المحقّق على الظاهر أيضا ، وعدم مناسبة علّة الترخص له ، ومظنونيّة علّة عدم إتمام من غاية سفره الحرام ، فلا ينبغي الريب في ثبوت الحكم للقسمين أيضا.
أ : مقتضى إطلاق أكثر الروايات المتقدّمة وإن كان عدم الترخّص في الصلاة ولا الصوم للصائد مطلقا ، إلاّ أنّه خصّ بما إذا كان الصيد للهو ، دون ما إذا كان لقوته وقوت عياله مع الحاجة إليه ، بلا خلاف فيه على ما صرّح به جماعة (1)، بل بالإجماع كما عن المنتهى والتذكرة (2)، ودون ما إذا كان للتجارة إجماعا أيضا في الإفطار ، وعلى الأشهر بين المتأخّرين بل كما قيل : عليه كافتهم (3)، وفاقا للمحكي عن السيّد والعماني والديلمي (4)من المتقدّمين ، في قصر الصلاة أيضا.
إمّا جمعا بين ما ذكر وبين صحيحة ابن سنان : عن الرجل يتصيّد ، قال : « إن كان يدور حوله فلا يقصر ، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر » (5)أي بلغ حدّ الرخصة.
بشهادة صحيحة زرارة ورواية إسماعيل بن أبي زياد المتقدمتين ، بل التعليل المذكور في موثقة عبيد أيضا.
أو لرفع اليد عن المتعارضين للتعارض وبقاء ما مرّ ممّا اختص بالمنع عن التقصير في صيد اللّهو بلا معارض مقاوم.
1) منهم الفاضل المقداد في التنقيح 1 288 ، وصاحب المدارك 4 : 448 ، والمحقق السبزواري في الذخيرة : 409 ، وصاحب الرياض 1 : 252.
2) المنتهى 1 : 392 ، التذكرة 1 : 192.
3) الرياض 1 : 252.
4) السيد في الانتصار : 51 ، المختلف : 161 عن العماني ، الديلمي في المراسم : 74.
5) التهذيب 3 : 218 - 541 ، الاستبصار 1 : 236 - 843 ، الوسائل 8 : 479 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 2.
مضافا فيما إذا كان للقوت إلى مرسلة محمّد بن عمران : الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتمّ؟ قال : « إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ويقصر ، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة » (1).
والرضوي : « وإذا كان ممّا يعود به على عياله فعليه التقصير في الصلاة والصوم » (2).
بل هما يدلاّن على التقصير في التجارة أيضا ، إذ الصيد للقوت أعمّ من أن يتقوّت به نفسه أو يتّجر به للقوت. هذا مع ما ورد في الصحاح وغيرها : « إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت » (3).
خلافا في الصلاة فيما إذا كان الصيد للتجارة فيتمّها للمحكي عن المفيد ونهاية الشيخ والمبسوط وعليّ بن بابويه والقاضي وابن حمزة والحلّي (4)، بل أكثر القدماء كما قيل (5)، بل ادّعى الأخير الإجماع عليه ، وادّعى بعض مشايخنا عليه الشهرة القديمة المحقّقة القريبة من الإجماع ، بل قال : لم ينقل مخالف فيه من القدماء عدا السيّد ومن مرّ ، وهم لم ينصّوا على المسألة بل حكموا بالقصرين في السفر المباح وبتلازم القصرين ، فلعلّهم أرادوا التخصيص (6).
وهو الأظهر ، لمرسلة المبسوط حيث قال : وإن كان للتجارة دون الحاجة
1) الكافي 3 : 438 الصلاة ب 85 ح 10 ، الفقيه 1 : 288 - 1312 ، التهذيب 3 : 217 - 538 ، الاستبصار 1 : 236 - 485 ، الوسائل 8 : 480 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 5.
2) فقه الرضا عليه السلام : 162 ، مستدرك الوسائل 6 : 533 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 2.
3) كما في صحيحة معاوية بن وهب ، انظر : الفقيه 1 : 280 - 1270 ، التهذيب 3 : 220 - 551 ، الوسائل 8 : 503 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17.
4) المفيد في المقنعة : 349 ، النهاية : 122 ، المبسوط 1 : 136 ، المختلف : 161 عن علي بن بابويه القاضي في المهذب 1 : 106 ، ابن حمزة في الوسيلة : 109 ، ولكن الموجود فيها لزوم التقصير في الصلاة دون الصوم ، الحلي في السرائر 1 : 327.
5) الرياض 1 : 252.
6) الرياض 1 : 252.
روى أصحابنا أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم (1).
ومرسلة السرائر حيث قال : وروى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم (2).
والرضوي : « وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والقصر في الصوم » (3).
وضعفها غير ضائر ، لأنّ ما مرّ من دعوى الإجماع والشهرة بل تحققها (4)لها الجابر ، مع أنّ المبسوط والسرائر من الكتب المعتبرة والمروي فيهما لا يخلو عن اعتبار وحجيّة سيّما مع ظهور الأوّل وصراحة الثاني في كون الرواية مجمعا عليها. ولا يوجب دعوى الشهرة المتأخّرة بل ولا المطلقة - كما عن التذكرة (5)- وهنا في حجّية ما انجبر بالشهرة القديمة ، لعدم التعارض. ولا يعارضها شيء ممّا مرّ ، لأعمّيتها عنها مطلقا فيخصّ بها.
وهل المراد بالتجارة الّتي قلنا فيها بإتمام الصلاة مطلق التكسب والبيع ولو كان لأجل القوت ، أو المراد بها ما لم يكن للقوت ولو بالمعاوضة والمبايعة بل كان الغرض زيادة المال؟
الظاهر : الثاني : لمقابلة التجارة في مرسلة المبسوط بقوله : « دون الحاجة » واحتمال ذلك في مرسلة السرائر أيضا ، لعدم معلومية المرجع ، بل لعدم ثبوت الانجبار المتوقّف حجّية الأخبار عليه فيما إذا كان للحاجة ولو بالمعارضة.
وهنا روايتان أخريان :
إحداهما : الرضوي المذكور في كتاب الصوم قال : « وصاحب الصيد إذا
كان صيده بطرا فعليه التمام في الصلاة والصوم ، وإذا كان للتجارة فعليه التمام في الصلاة والصوم » (1).
وثانيتهما : المروي في كتاب النرسي ، قال في حكم الصائد : « فإن كان ممّن يطلبه للتجارة وليست له حرفة إلاّ من طلب الصيد فإنّ سعيه حقّ وعليه التمام في الصلاة والصيام ، لأنّ ذلك تجارته فهو بمنزلة صاحب الدور الّذي يدور في الأسواق في طلب التجارة والمكاري والملاّح » (2).
ومقتضى الأوّل عدم ترخّص التاجر بالصيد في شيء من الصلاة والصوم ، ومقتضى الثاني التفصيل فيه بين ما إذا كان الصيد حرفته وعمله وعدمه.
ولكنّهما ضعيفان ، ولقول الفرقة مخالفان ، فلا يصلحان لإثبات حكم.
ب : كما يعتبر هذا الشرط ابتداء يعتبر استدامة أيضا ، فلو عرض قصد المعصية في الأثناء انقطع الترخّص حينئذ وبالعكس ، بلا خلاف يعلم من الأصحاب في الموضعين كما في الذخيرة (3).
ويشترط على الثاني كون الباقي مسافة ، ذهابا على ما قيل (4)، لأنّه ابتداء السفر المسوّغ للقصر ، ولاستصحاب الإتمام. ولو كان مع العود مسافة جاز قصره في بقية الذهاب ، كما مرّ وجهه في المسائل المتقدّمة.
وعلى الأوّل لو عاد ثانيا إلى قصد الطاعة فإن كان الباقي مسافة - ولو كان مع ضمّ العود - جاز القصر قطعا ، بل وجب لو كان العود في اليوم ، كما أنّه لو كان كذلك بنفسه وجب أيضا كذلك.
ولو لم يكن بنفسه مسافة فعن القواعد (5)عدم وجوب القصر وعدم ضمّ ما0.
قبل المعصية مع ما بعده ، للأصل.
وعن الذكرى وظاهر المعتبر والمنتهى وجوبه (1)، بل هو ظاهر الصدوق والشيخ في المبسوط والنهاية والسرائر (2)، لإطلاق مرسلة السيّاري : « إنّ صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة ، فإذا عدل عن الجادة أتمّ ، فإذا رجع إليها قصر » (3).
وعن التذكرة والنهاية والتحرير والمسالك وروض الجنان : التردّد (4).
والأظهر : الثاني ، لأنّه قصد أوّلا الثمانية فكان عليه القصر في جميع هذه المسافة ، خرج عنه ما خرج لقصد المعصية ، فيبقى الباقي.
ومنه يظهر القصر لو لم يكن الباقي مع ما قبل قصد المعصية مسافة أيضا إذا كان المجموع مسافة. فتأمل.
ج : لو انتهى سفره عصيانا وأراد العود إلى منزله فإن كان سائغا قصر ، لأنّه مسير حقّ. وإلاّ لم يقصر كما إذا قصد بالعود تصرّفا في مال الغير أو ظلما أو حكومة باطلة.
د : قد عرفت أنّ السفر الموجب للإتمام هو ما كان منهيّا عنه ، سواء كان لأجل أنّ المقصود منه المعصية أو نفس السفر معصية ذاتا أو تبعا لسببيته لمعصية ، وأنّه لا يتم لو كانت المعصية مقارنة للسفر لا مسبّبة عنه.
وسفر المعصية ذاتا ما تعلّق به النهي خصوصا أو عموما كما عرفت ، وتبعا ما تعلّق به النهي بتبعيّة غيره ، وهو يكون بكونه ضدّا خاصّا لواجب أي كان مانعا عن فعل واجب مضيّق ، أو ملزوما لحرام لزوما عقليا أو عاديا ، أو سببا له سببيّة
1) الذكرى : 258 ، المعتبر 2 : 470 ، المنتهى 1 : 392.
2) الصدوق في الفقيه 1 : 288 ، المبسوط 1 : 142 ، النهاية : 124 ، السرائر 1 : 343.
3) التهذيب 3 : 218 - 543 ، الاستبصار 1 : 237 - 846 ، الوسائل 8 : 480 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 6.
4) التذكرة 1 : 191 ، نهاية الإحكام 2 : 181 ، التحرير 1 : 56 ، المسالك 1 : 49 ، روض الجنان : 388.
عقلية أو عادية بمعنى أنّه يوجب من وجوده الوجود.
ولا يحرم غير ذلك وإن قارن السفر أو كان مشروطا بالسفر ، إذ شرط الحرام ليس بحرام ، فلا يحرم السفر المستصحب فيه دابّة الغير من غير ركوبها ولو حملت عليه الآلات ، أو الخمية المغصوبة ، أو الّذي ينزل فيه منزلا مغصوبا ، أو يتضرّر به الغير إذا لم يكن التضرر لازما عقليا أو عاديا للسفر بل كان بإرادة المكلّف ، ونحو ذلك.
وبالجملة : المناط في الإتمام العصيان بالسفر دون العصيان في السفر.ومعنى العصيان بالسفر كون السفر معصية ، والمناط في كونه معصية كونه بخصوصه منهيا عنه أو من أفراد المنهي عنه ، أو ملزوما وسببا لحرام لزوما وسببية عقلية أو عرفية بحيث لا يمكن تخلّفه عنه عقلا أو عادة ، لا أن يكون لأجل اختيار المكلّف وإن كان ذلك الحرام ترك واجب.
ه- : لو كان المسافر سفر المعصية مكرها على السفر إكراها يزيل الحظر كما فيه خوف على النفس أو المال المحترم أو العرض ونحو ذلك يجب عليه التقصير ، إذ مع ذلك لا يكون السفر منهيا عنه ولو كان ارتكاب المعصية في السفر اختياريا غير مكره عليها.
ولو كان مكرها على المعصية دون السفر بمعنى أن علم أنّه لو سافر يكره على المعصية كالركوب على الدابة المغصوبة أتمّ ، لكون السفر معصية لوجوب ترك هذه المعصية الموقوف على ترك السفر ، فيكون تركه واجبا فيكون فعله حراما. وما يقول من أنّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار يريد منه أنّه ينافي الاختيار حال الامتناع لا مطلقا.
و : لو كان سفر المعصية مكرهة ولكن كان الإكراه على نفس السفر دون وقته ، كأن يتمكّن من التأخير يوما أو بعض يوم ولو بتمارض ونحوه وجب التأخير. ولو سافر قبل ما لا يتمكّن من التأخير إليه يجب عليه الإتمام إلى وصول زمان لا يتمكّن من التأخير عنه ، إذ ليس مكرها حال السفر لو قدّم.
ز : الشاك في صدور المعصية في السفر وعليّته لها يقصر ، لعدم عصيانه بالسفر. بل وكذا الظانّ.
ح : التابع للغير كالخادم والعسكر إن علم بصدور معصية موجبة لعدم الترخص عنه أي معصية تجعل السفر معصية ولو تبعا لمتبوعه ، يتمّ إذا لم يكن مكرها على السفر.
الشرط الخامس : أن لا يكون السفر عمله وصناعته ، فإن كان كذلك لم يقصر صلاة ولا صياما ، بلا خلاف إلاّ عن العماني (1)، بل بالإجماع كما عن الانتصار والخلاف والسرائر والتذكرة ونهاية الإحكام (2)، له ، وللمستفيضة كصحيحة زرارة : « أربعة قد يجب عليهم التمام في السفر كانوا أو في الحضر : المكاري ، والكريّ ، والراعي ، والأشتقان ، لأنّه عملهم » (3).
ومرفوعة ابن أبي عمير المرويّة في الخصال : « خمسة يتمّون ، في السفر كانوا أو الحضر : المكاري ، والكريّ ، والراعي ، والأشتقان وهو البريد ، والملاّح ، لأنّه عملهم » (4).
والرضوي : « والذي يلزمه التمام للصلاة والصوم في السفر : المكاري ، والبريد ، والراعي ، والملاّح ، والرابح ، لأنّه عملهم » (5).
وصحيحة هشام : « المكاري والجمّال يختلف وليس له مقام يتمّ الصلاة ويصوم شهر رمضان » (6)..
1) حكاه عنه في المختلف 163.
2) الانتصار : 53 ، الخلاف 1 : 576 ، السرائر 1 : 336 ، ولم نعثر على ادّعاء الإجماع في التذكرة ونهاية الاحكام.
3) الكافي 3 : 436 الصلاة ب 85 ح 1 ، الفقيه 1 : 281 - 1276 ، التهذيب 3 : 215 - 526 ، الخصال : 252 - 122 ، الوسائل 8 : 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 2.
4) الخصال : 302 - 77 ، الوسائل 8 : 487 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 12.
5) فقه الرضا عليه السلام : 208 ، مستدرك الوسائل 7 : 378 أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 1.
6) الكافي 4 : 128 الصيام ب 50 ح 1 ، التهذيب 4 : 218 - 634 ، الوسائل 8 : 484 ، أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 1.
ومحمّد بن جزك : إنّ لي جمالا ولي قوّاما عليها ولست أخرج فيها إلاّ إلى طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع ، فما يجب عليّ إذا أنا خرجت معهم أن أعمل ، أيجب عليّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقّع عليه السلام : « إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كلّ سفر إلاّ إلى مكّة فعليك تقصير وفطور » (1).
ومحمّد : « ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير ، ولا على المكاري والجمّال » (2).
ورواية إسحاق : عن الملاّحين والأعراب هل عليهم تقصير؟ قال : « لا ، بيوتهم معهم » (3).
وقريبة منها مرسلة الجعفري (4).
ورواية إسماعيل بن أبي زياد : « سبعة لا يقصرون الصلاة : الجابي الّذي يدور في جبايته ، والأمير الّذي يدور في إمارته ، والتاجر الّذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي ، والبدوي الّذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر » (5)إلى غير ذلك.
وتحقيق الكلام في ذلك المقام برسم مسائل :
الأولى : اعلم أنّ الحكم في تلك الأخبار وغيرها معلّق على أشخاص
1) الكافي 3 : 438 الصلاة ب 85 ح 11 ، الفقيه 1 : 282 - 1280 ، التهذيب 3 : 216 - 534 ، الاستبصار 1 : 234 - 835 ، الوسائل 8 : 489 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 4.
2) الكافي 3 : 437 الصلاة ب 85 ح 2 ، الفقيه 1 : 281 - 1277 ، الوسائل 8 : 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 4.
3) الكافي 3 : 438 الصلاة ب 85 ح 9 ، التهذيب 3 : 215 - 527 ، الاستبصار 1 : 233 - 829 ، الوسائل 8 : 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 5.
4) الكافي 3 : 437 الصلاة ب 85 ح 5 ، الوسائل 8 : 486 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 6.
5) الفقيه 1 : 282 - 1282 ، التهذيب 3 : 214 - 524 ، 4 : 218 - 635 ، الاستبصار 1 : 232 - 826 ، الوسائل 8 : 486 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 9.
معيّنين ، وهم بعد ردّ المترادفة منها بعضها إلى بعض عشرة : المكاري ، والكريّ ، والراعي ، والأشتقان ، والملاّح ، والبريد ، والأعراب ، والجابي ، والأمير ، والتاجر.
وقد يستفاد العلّة من بعض هذه الأخبار أيضا كاستفادة كون السفر عملا لهم من التعليل في الثلاثة الاولى ، واستفادة الاختلاف وعدم المقام من الوصف المشعر بالعلّية في صحيحة هشام ، والإلزام والخروج في كلّ سفر من الشرط المشعر بالعليّة في صحيحة ابن جزك ، وكون بيوتهم ومنازلهم معهم من التعليل في رواية إسحاق ، وكثرة الدوران والسفر أي التكرر المستفاد من صيغة المضارع الدالّة على التجدّد الاستمراري في رواية إسماعيل من اشتراك الجميع في هذا الوصف ، وغير ذلك ممّا قد يستنبط من تلك الأخبار.
ولذا ترى الأصحاب مختلفين في التعبير عن المسألة وعنوانها :
فمنهم من يعنونها بالأشخاص على اختلاف منهم في تعدادهم. فعلّق الصدوق الحكم في المقنع والأمالي على خمسة : المكاري ، والكريّ ، والاشتقان ، والراعي ، والملاّح (1). والفاضلان على الخمسة المذكورين في رواية إسماعيل (2).
وابن حمزة على ثمانية هم بزيادة المكاري ، والملاّح ، والبريد (3). والبيان على تسعة هؤلاء بزيادة الجمّال (4). وهكذا.
ومنهم من عنونها بالعلّة المنصوصة ، فعلّقه على من كان السفر عملا وحرفة له (5).
ومنهم من عنونها بكثير السفر كجماعة (6).
1) لم نجده في المقنع بل وجدناه في الهداية : 33 وفيه بدل الاشتقان : البريد ، الأمالي : 514.
2) المحقق في المعتبر 2 : 472 ، والعلامة في التذكرة 1 : 191.
3) الوسيلة : 108.
4) البيان : 264.
5) كما في الحدائق 11 : 390 ، والرياض 1 : 252.
6) منهم الشهيد الأول في الدروس 1 : 211 ، والشهيد الثاني في الروضة 1 : 373 ، وصاحب المدارك 4 : 449.
ومنهم من عنونها بمن يكون سفره أكثر من حضره ، كالشيخين والسيّد والديلمي والحلّي والشرائع والقواعد والتحرير والإرشاد والتبصرة (1)، بل ادّعى على ذلك العنوان الإجماع. إلى غير ذلك.
ولعلّ نظر الأوّلين إلى عدم دليل تامّ على غير خصوص هؤلاء المعدودين في النصوص : أمّا كون السفر عملا لهم فلأنّه إنّما يتمّ لو ارجع الضمير المنصوب إلى السفر ، وهو غير متعيّن ، لإمكان إرجاعه إلى مبادئ الأوصاف المذكورة في الروايات. وأمّا العنوانان الأخيران فلعدم ذكر منهما في شيء من الأخبار.
ونظر الثاني إلى العلّة المنصوصة.
ونظر الأخيرين إلى استفادة هذين العنوانين من تعليق الحكم على هؤلاء الأشخاص لأنّهما الوصف المشترك بينهم.
أقول : لا يخفى أنّ التعبير عن المسألة بالعنوانين الأخيرين وإن لم يكن جيّدا لعدم دليل عليهما سوى العلّة المستنبطة الّتي هي عندنا ليست بحجّة ، وأمّا العنوان المتقدّم عليهما وهو كون السفر عملا وشغلا وحرفة له فهو ممّا نصّت عليه الروايات ، وإرجاع الضمير إلى السفر هو الظاهر المتبادر منها بل لا مرجع له غيره في الكلام مذكورا ، والإرجاع إلى غير المذكور خلاف الأصل والظاهر ، فلا مفرّ من اعتباره وصحة عنوان المسألة به. وكذا يلزم عنوان آخر أيضا ، وهو عدم كونهم ممّن منازلهم معهم كما علّل به في الرواية والمرسلة ، وهما ليسا بمتّحدين ، إذ الظاهر عدم عدّ السفر شغلا ولا حرفة للذين منازلهم معهم.
وأمّا العنوان بالأشخاص وإن كان صحيحا إلاّ أنّ بعد ملاحظة التعليلين يكون أخصّ من مناط الحكم ومتعلّقه ، إذ لا ينحصر من يكون السفر عمله لهؤلاء
1) المفيد في المقنعة : 348 ، والشيخ في النهاية : 122 ، السيد في الانتصار : 53 ، الديلمي في المراسم : 74 ، الحلي في السرائر 1 : 338 ، الشرائع 1 : 134 ، القواعد 1 : 50 ، التحرير 1 : 56 ، الإرشاد 1 : 275 ، التبصرة 41.
الأشخاص ، إلاّ أنّ الغالب في هذه الحرفة أنّه لا يخرج عن واحد من هؤلاء وإن أمكن فرض غيرهم أيضا نادرا إلاّ أنّه غير شائع. ويمكن أن يكون نظر المكتفين بالأشخاص إلى ذلك أيضا ، ولكنّ الأولى العنوان بمقتضى العلّتين.
فإن قلت : لا شكّ أنّ من يكون السفر عمله أعمّ من هؤلاء الأشخاص من وجه ، وكذلك هؤلاء أعمّ منه من وجه ، إذ من له دوابّ اشتراها للبيع أو شغل آخر إذا كاراها مكرّرا يصدق عليه المكاري وإن لم يقصد التحرّف به ، وكذا يطلق البريد على من سافر مرّات في الرسالة وإن لم يتخذ ذلك شغلا له ، وعلى هذا فالأولى العنوان بهما معا كما فعله جماعة.
قلنا : لو سلّمنا أنّ ذلك الاستعمال على عنوان الحقيقة نقول : إنّ تعليل إتمامهم بأنّ سفرهم لأجل أنّه عملهم يخصّصهم بذلك.
نعم ، يشكل الأمر فيما لم يذكر فيه تلك العلّة ، وهو الجابي والأمير والتاجر ، إلاّ أنّه يمكن أن يقال : إنّ قوله : « يدور » في هؤلاء الثلاثة ليس باقيا على معناه الاستقبالي فالمراد إمّا أن يكون من شأنه ذلك أو قصده ذلك أو من عمله ذلك ، وعلى التقادير يتوقّف على التحرّف به. ولو سلّم فيكون محتملا للمجموع مجملا فلا يثبت الحكم في غير من كان ذلك عمله. ومنه يظهر أنّ جعل أحد هؤلاء قسيما ومقابلا لمن يكون السفر عمله غير جيّد.
أ : يشترط في صدق المناط المذكور وهو كون السفر شغلا وعملا له أمران :
أحدهما : اتّخاذ السفر لأجل بعض تلك الحرف شغلا لنفسه ، أي قصد التصنع والاستحراف والاشتغال به والبناء على ذلك ، فلو لم يقرّره ولم يتخذه حرفة له لا يتمّ ولو سافر أزيد من عشرين سفرا.
وثانيهما : التكسب به أي الشروع في العمل وتحقّق السفر وصدوره عنه ، فإنّ قاصد الكراء وغيره والموطّن نفسه عليه ما لم يشتغل بالسفر لا يقال : إنّه حرفته ، بل يقال : إنّه مريد له ، وإن استعمل اللفظ في حقّه يكون من باب مجاز
المشارفة.
ب : لا يشترط في صدق المناط المذكور كون العمل ممّا لا يتأتّى إلاّ بالسفر كالمكاري والملاّح والبريد ، بل يكفي في الصدق قصده على أن يسافر بالعمل.
بيان ذلك : إنّ الأعمال على قسمين.
أحدهما : ما يكون السفر جزءا لمفهومه وداخلا في حقيقته كالثلاثة المذكورة.
وثانيهما : ما ليس كذلك بل يمكن في السفر والحضر ، كالطبيب والجرّاح والتاجر والبيطار والراثي والواعظ ونحوها.
فما كان من الأوّل يكفي فيه قصد الشغل والشروع ، وما كان من الثاني يشترط فيه مع ذلك قصد اتخاذ ذلك شغلا له في السفر أي يوطّن نفسه على المسافرة إلى البلاد المختلفة لذلك وقرّر شغله في المسافرة.
لا يقال : الظاهر من كون السفر عمله هو ما كان من الأوّل ، إذ الشغل والعمل في الثاني ليس إلاّ التجارة والطبابة ونحوهما غاية الأمر أنّهما تقارنان السفر فليس السفر شغلا وعملا.
لأنّا نقول : الشغل والعمل ليس شيئا معيّنا لا يختلف ، فكما أنّ التجارة شغل والطبابة شغل ، كذلك التجارة السفرية والطبابة السفرية أيضا شغل ، ولا شك أنّ السفر جزء حقيقة ذلك الشغل.
ج : إذ قد عرفت أنّه يحصل صدق المناط المذكور بالاتّخاذ والقصد والشروع يعلم أنّه لا يتوقّف إتمام من هذا شأنه على تكرّر سفر ، بل يتمّ في السفر الأوّل ، كما هو ظاهر جماعة من المعنونين لهؤلاء الأشخاص ، وصريح بعض من عنون بالعنوان المذكور (1).
إلاّ أنّه لما يشترط في إتمام بعض هؤلاء عدم إقامة العشرة - كما يأتي - فيجب مع الصدق تحقيق هذا الشرط أيضا لا لأجل اشتراط التكرار. فلو دخل أحد منزله
1) كالحلي في السرائر 1 : 340.
أو بلدا آخر من سفر ثمَّ قرّر نفسه على الكراء واشترى دوابا وخرج قبل العشرة أيضا يتمّ ولو خرج بعدها يقصر.
نعم ، لو عنونت المسألة بأحد العنوانين الأخيرين فالظاهر توقّف الإتمام على التكرّر ، لعدم صدق كثير السفر ولا أنّ سفره أكثر من حضره بدون التكرّر. ولكن يرد حينئذ أنّ صدق العنوانين بالثلاثة ممنوع ، واشتراط الزائد عليها بالإجماع مدفوع ، فيبقى اشتراط الثلاثة أو الاثنين بلا دليل ، وليس من قبيل اللفظ العام حتّى يبقى غير ما خرج بالدليل.
ولو كان العنوان أحد هؤلاء فإن كان المراد بهذه الألفاظ أهل حرفتها كما يستعمل كثيرا في الحرفة فلا يحتاج إلى التكرّر ، وإن كان ذوي ملكاتها كما هو أيضا من الاستعمالات الشائعة فالظاهر التوقّف على التكرّر بل أزيد ممّا ذكروه من ثلاثة أسفار ، وإن لم يعلم المراد فالواجب في غير المتكرّر الرجوع إلى عمومات القصر في السفر إلاّ أنّها حينئذ تكون عمومات مخصّصة بمجملات فلا تكون حجّة في موضع الإجمال ويرجع إلى أصل التمام.
وهنا احتمال ثالث وهو إرادة المتلبس بالمبدإ أيضا ، وعليه أيضا يكفي المرّة في مثل المكاري والبريد الخاليين عن المبالغة.
قيل : لو جعل العنوان والمناط كون السفر عملا أو أحد هؤلاء ولو بمعنى المتحرّف بهذه الحرفة يلزم التكرر أيضا ولو لم نقل باشتراط في الصدق ، للزوم حمل المطلقات على الغالب الشائع المتبادر منها وليس هو إلاّ من تكرّر منه السفر ثلاثا فصاعدا لا من يحصل منه في المرّة الاولى (1).
وفيه : منع التبادر أولا ، ولو سلّم فلا تفاوت بين المرة الاولى والثالثة في عدم التبادر والغلبة وهم لا يشترطون أزيد من الثلاثة ، فإذا لم يحمل على الغالب فيحمل على الحقيقة.
المسألة الثانية : يشترط في وجوب التمام على من ذكر عدم إقامته عشرة أيّام
1) الرياض 1 : 252.
في بلده ولا بلد آخر ، فلو أقام كذلك قصر ، على المعروف من مذهب الأصحاب ، بل هو مقطوع به عندهم ، وعن المعتبر نفي الخلاف فيه (1).
لا للتقييد بالّذي يختلف وليس له مقام ، في صحيحة هشام المتقدمة (2)- كما قيل - حيث إنّ المراد بالإقامة فيها الإقامة عشرة بشهادة التتبع ، مع أنّ الإقامة دونها حاصلة لكلّ كثير السفر لصدقها على نحو يوم بل ساعة ولا يخلومنها أحد ، فيوجب التقييد عدم وجود كثير السفر الّذي يلزمه التمام (3).
إذ لو تمَّ ذلك لكان بمفهوم الوصف وهو غير معتبر ، سيّما مع جواز كون الشرط واردا مورد الغالب كما هو الأكثر في المكاري ، على أنّه يمكن أن يكون المراد بالمقام محل الإقامة العرفية الّتي صدقها على إقامة العشرة غير معلوم.
بل لمرسلة يونس : عن حدّ المكاري الّذي يصوم ويتمّ ، قال : « أيّما مكار أقام في منزله أو في البلد الّذي يدخله أقلّ من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبدا ، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الّذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والإفطار » (4).
ورواية ابن سنان : « المكاري إن لم يستقرّ في منزله إلاّ خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ بالليل وعليه صوم شهر رمضان ، وإن كان له مقام في البلد الّذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر » (5).
ونحوها صحيحته إلاّ أنّه زاد فيها بعد قوله : « أو أكثر » : « وينصرف إلى منزله
ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر » (1).
ولا يضرّ ضعف الأوليين سندا لو سلّم.
لكونه مجبورا بالشهرة العظيمة وموافقة عمل الأصحاب ونفي الخلاف فيه في كثير من العبارات.
ولا تعارض مفهوم الشرطية الاولى في حكم العشرة التامة مع مفهوم الثانية فيه ، حيث يدل الأول على التقصير والثاني على التمام.
لعدم اعتبار المفهومين من وجهين : أحدهما : أنّ مع ذكر المقدّمتين كلّ في مقابل الآخر يكون مفهوم كلّ هو الآخر عرفا دون غيره. وثانيهما : أنّ إقامة العشرة التامة بحيث لا يزيد عليها ولا ينقص نادرة جدا فلا يلاحظ في المفاهيم. وعلى هذا فيكون حكم التامة غير معلوم من هذه الرواية فيستنبط من الإجماع المركّب أو من الروايتين الأخيرتين.
ولا ما قيل من أنّ المراد بالإقامة عشرة فيها إن كان المنوية يكون الحكم في بلده مخالفا لفتوى الأصحاب لعدم اشتراط النية فيه ، وإن كان الأعم يكون الحكم في غير البلد كذلك لاشتراط النية فيه (2).
إذ نختار الأوّل أوّلا غير كون حكم الإقامة المنوية في البلد ذلك ليس مخالفا لفتواهم ، بل عدم كون حكم غير المنوية كذلك مخالف لها والرواية غير دالّة عليه ، فلا تكون الرواية مخالفة ويستفاد حكم غير المنوية في بلده من الخارج ، والثاني ثانيا ويكون حكم العشرة الغير المنوية في غير البلد مغايرا - لو سلّم - من باب تخصيص العام ، والعام المخصّص حجّة في الباقي.
ولا اشتمال الثانيتين على ما لم يفت به أصحابنا كما قال في الوافي (3).
إذ خروج جزء من الخبر عن الحجيّة بدليل لا يقدح في حجّية باقيه ، مع أنّ
عدم فتواهم به ممنوع كما يأتي.
ولا اشتمال الثالثة على تعليق القصر على إقامتين : إقامة في البلد الّذي يذهب إليه ، وإقامة في منزله الّذي ينصرف إليه ، وهو ممّا لم يقل به أحد.
لأنّ لفظة الواو في قوله : « وينصرف » إمّا بمعنى أو ، أو للجمع في الحكم بقرينة الإجماع والروايتين المتقدّمتين. مع أنّ عدم قول أحد به ممنوع ، كيف؟! ونفى عنه البعد في الذخيرة وقال : استوجهه بعض أفاضل المتأخّرين (1). ولكنّه لا يقدح في انعقاد الإجماع ولأجله يجب حمل الرواية على ما ذكرنا ، ولا يتطرق الخدش في الاستدلال بالصحيحة ، كما أنّه لا يتطرق باحتمال أن يراد منها القصر في السفر المتقدّم على الإقامة أيضا ، فإنّه يتوقّف على حمل قوله : « كان له مقام » على إرادة المقام وهو تجوّز ، ومع ذلك مخالف لفهم الأصحاب وإجماعهم.
أ : ليس اشتراط هذا الشرط لإيجاب إقامة العشرة سلب العنوان ، لعدم إيجابه له أصلا حتّى لو جعل العنوان كثير السفر ، إذ لا يتفاوت ذلك في إقامة تسعة أيام أو عشرة ، بل هو تعبّد محض يتعبّد به لأجل الروايات ، إلاّ أن يجعل كثير السفر اصطلاحا فيمن يجب عليه الإتمام في سفره فعلا.
ب : قالوا : إن كانت إقامة العشرة في بلده لم يحتج إلى نيّتها ، وإن كان في بلد آخر يشترط فيها النية.
ولم أقف في هذه الأخبار على ما يدلّ على الفرق بين بلده وغير بلده في كون العشرة منوية وغير منوية ، فإنّا لو حملنا مقام عشرة وإقامة عشرة الواردين في الروايات على المنوية فالكلام فيهما سواء وإخراج بلده يحتاج إلى دليل ، وإن أبقيناهما على الإطلاق فيحتاج إقحام النية في غير البلد إلى دليل.
وقد يستند في ذلك إلى دعوى روض الجنان الإجماع على عدم اعتبار العشرة
1) الذخيرة : 410.
المتردّدة في غير البلد (1)، وكذا ادّعاه العلاّمة المجلسي كما حكي عنه (2).
وإلى أنّ اعتبار هذه الإقامة للإخراج عن كثير السفر وهو يحصل بقطع السفر ، والعشرة الغير المنوية في بلده سفر أيضا.
ويضعف الأوّل : بعدم حجيّة الإجماع المنقول.
والثاني : بمنع كون الاعتبار لما ذكر بل هو تعبّدي.
نعم لو ثبت الإجماع على ذلك لكان متّبعا ، وفي ثبوته كلام ، كيف؟! وظاهر إطلاق كلام النافع (3)تساوي البلدين وعدم اشتراط النية في شيء من الإقامتين ، ونسب بعضهم (4)إلحاق العشرة المنوية بالعشرة البلدية إلى الفاضلين ومن تأخّر عنهما المشعر بعدم ذكر لها فيما تقدم عليهم فكيف يثبت الإجماع؟! فالقول بكفاية إقامة العشرة مطلقا ولو في غير بلده قويّ غايته.
ومنه يظهر إلحاق الثلاثين المتردّدة والعشرة بعدها بطريق أولى ، كما اختاره ابن فهد في المهذّب وجعله المشهور (5)، وقوّاه المحقّق الشيخ علي (6). بل وكذلك لو قلنا باشتراط النية في العشرة ، إذ لو قلنا به لكان للإجماع المنتفي في الثلاثين والعشرة الملحقة بها ، سيّما مع ما ورد في بعض الروايات من تنزيل الثلاثين المتردّدة منزلة الإقامة في الوطن (7).
ج : يشترط في العشرة التوالي بمعنى عدم الخروج في أثنائها إلى المسافة ، إجماعا. ولا يشترط التوالي بمعنى عدم الخروج إلى حدود البلد بحيث يعدّ جزءا منه عرفا وهو ما دون حدّ الترخص ، بل ما لا يخرج عن حدود مجتمع حيطان البلد
كذلك.
وفي اشتراطه بمعنى عدم الخروج إلى ما يخرج عن حوالي البلد ويقصر عن المسافة خلاف.
فمنهم من اشتراطه مطلقا (1).
ومنهم من لم يشترطه كذلك (2).
ومنهم من فصّل ، فقال بالأوّل في غير بلده وبالثاني في بلده (3).
ومنهم من فرّق بين الخروج في جزء يسير من اليوم بحيث لم يكن منافيا لصدق الإقامة عرفا وفي الأكثر المنافي له.
ثمَّ من يقول بعدم اشتراطه إمّا يقول بكون المدة الّتي يكون خارجا محسوبا من العشرة ، أو يلفّق فيجمع ما قبلها مع ما بعدها ويسقط الزائد.
والحقّ الاشتراط مطلقا ، لتعليق الحكم في الأخبار والفتاوي على إقامة العشرة ، والمتبادر منها المتتالية ، ولا أقلّ من احتمالها الموجب لبقاء الحكم الثابت بالعمومات إلى أن يعلم المخصّص. ولا أعرف وجها لكون الخروج إلى ثمانية فراسخ منافيا للتتالي العرفي دون سبعة ونصف. وصدق اسم العشرة على غير المتتالية غير كاف ، لأنّ المناط صدق إقامة العشرة وهو في غير المتتالية غير معلوم.
ومنه يظهر دفع النقض بنذر صوم عشرة حيث لا يشترط فيه التتابع.
وأمّا الاحتجاج بأصالة البراءة عن التتالي فضعيف غايته ومعارض بالاستصحاب.
د : اعلم أنّ الروايات المتضمنة للتقصير بعد إقامة العشرة مختصّة
بالمكاري ، ونقل في الشرائع والنافع قولا بالاختصاص به أيضا (1)، وقوّاه بعض الأجلّة (2)اقتصارا في تخصيص العمومات بمورد النصّ.
والمشهور التعدّي إلى كلّ من العنوانات السابقة ، واستدلّ له بأنّه قد عرفت أنّ المناط في الإتمام اتّخاذ السفر عملا من غير خصوصية للمكاري ، وسبب التقصير هنا انقطاع المناط بإقامة العشرة ، وهو متحقّق في الجميع.
وفيه : منع كون ما ذكر سببا كما مرّ.
وقد يستند فيه إلى الاتّفاق. وهو ممنوع جدّا.
فالأقوى الاختصاص به. بل لا يتعدّى إلى الملاّح والأجير أيضا ، لعدم إطلاق المكاري عليهما.
ه- : إذا وجب التقصير والإفطار على المكاري بإقامة العشرة فلا شكّ في وجوبه في السفر الأوّل لأنّه أقلّ ما يحصل به الامتثال ، ولا في العود إلى التمام في الثالث للإجماع ، وإنّما وقع الخلاف في الثاني.
فذهب الحلّي وجماعة (3)إلى الإتمام فيه ، ولعلّه الأشهر ، وهو الأظهر ، اقتصارا فيما خالف العمومات الدالّة على وجوب التمام - المقيّد بالتأبيد والعموم بمثل قوله : سواء كانوا في الحضر أو السفر ، وبالتعليل بأنّه عملهم ، وبالنكرة المنفية مثل : ليس عليهم تقصير ، ونحو ذلك - على هؤلاء على المتيقّن ، وليس إلاّ السفر الأوّل.
لا يقال : إطلاق النص بالتقصير يقتضيه مطلقا ، خرج الثابت بالإجماع فيبقى الباقي.
لأنّا نقول : لا إطلاق هنا مفيد للعموم ، بل حكم بوجوب التقصير المتحقّق امتثاله بالتقصير مرّة واحدة كما في قولك : تجب الصلاة ، فإنّ إيجاب الماهية يقتضي
إيجاب فرد منها لا جميع الأفراد. مع أنّه لو كان كذلك لم يجز التقييد بهذا القدر حتّى لا يبقى إلاّ اثنان للإجماع على التمام في الثالث.
خلافا للمحكي عن الشهيد فحكم [ بالقصر ] (1)إلى الثالث ، لزوال الاسم بالإقامة فيكون كالمبتدئ. (2).
ويضعّف بمنع الزوال.
ثمَّ المراد بالسفر الثاني الذي يتمّ فيه هل هو ما ينشئه بعد ذهابه إلى مقصوده في الأوّل سواء كان عودا إلى مبدئه للسفر الأوّل أو إنشاء لسفر آخر ، أو الثاني خاصة ، أو ما ينشئه بعد العود إلى المبدأ؟
الظاهر : الأوّل ، لما مرّ من الاقتصار على المتيقّن.
المسألة الثالثة : لو أقام من السفر عمله في أحد البلدان أقلّ من عشرة كان باقيا على حكم الصيام والتمام في الليل والنهار ، على المشهور سيّما بين المتأخّرين ، وعن السرائر دعوى الإجماع عليه (3)، للعمومات المتقدّمة المتضمّنة لأنّ كثير السفر يجب عليه الإتمام ، خرج من أقام العشرة بالإجماع والنص فبقي غيره.
خلافا للمحكي عن الإسكافي (4)، فجعل الخمسة كالعشرة مطلقا. ولا دليل عليه ظاهرا.
وللمحكي عن المبسوط والنهاية والقاضي وابن حمزة (5)، فجعلوها كالعشرة في تقصير صلاة النهار خاصة دون الليلية والصيام ، لصحيحة ابن سنان وروايته المتقدّمتين (6).
وردّ بكون الروايتين متروكتين ، لتضمنّهما ثبوت الحكم في الأقلّ من الخمسة أيضا الصادق على ثلاثة وأربعة بل يوم أو بعض يوم ، ولم يقل به هؤلاء الجماعة.
ومعارضتين مع النصوص المتقدّمة ومع ما ورد في بعض الصحاح من أنّه « إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت » (1).
ويجاب عن الأوّل : بأنّ ذلك غير ضائر في الحجيّة ، لأنّه يكون كالعام المخصّص ، مع أنّه نفى في الذخيرة البعد عن القول بمضمونها وقال : إنّ ظاهر الإقامة يقتضي قدرا معتدّا به ، فلا يصدق على يوم واحد أو بعض يوم والمتيقّن منه المساواة بين الخمسة وما قاربها ، والعمل به غير بعيد - إلى أن قال طاب ثراه - : وبالجملة فالمتّجه عندي العمل بمضمون الخبر كما قاله بعض أفاضل المتأخّرين. ثمَّ ذكر - في بيان انتفاء الشهرة القديمة على خلافه - أنّ مخالفة من تقدّم على الشيخ بمضمون الرواية غير واضح ، بل إيراد الصدوق لها يقتضي عمله بها (2).
وعن الثاني : بأنّ التعارض بالعموم والخصوص المطلقين ، وحمل العام على الخاص لازم.
ومن ذلك تظهر قوّة قول الشيخ وتابعيه ، بل ما نفى عنه البعد في الذخيرة.
إلاّ أن دليلهم عن إفادة وجوب التقصير بالنهار قاصر لمكان الجملة الخبرية ، وإثبات الوجوب بالإجماع المركب مشكل ، وعلى هذا فلو أتمّ في النهارية أيضا ما لم يقم العشرة كان أحوط.
المسألة الرابعة : استفاضت الروايات على وجوب التقصير على المكاري والجمّال إذا جدّ بهما السير.
ففي صحيحة محمّد : « المكاري والجمّال إذا جدّ بهما فليقصرا » (3).1.
وفي صحيحة البقباق : عن المكارين الّذين يختلفون ، فقال : « إذا جدّوا السير فليقصروا » (1).
وفي مرسلة الكافي : « المكاري إذا جدّ به السير فليقصر » ثمَّ قال : ومعنى جدّ به السير يجعل منزلين منزلا (2).
وفي مرسلة عمران : « الجمّال والمكاري إذا جدّ بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ويتمّا في المنزل » (3).
وفي المروي في كتاب عليّ بن جعفر : عن المكارين الّذين يختلفون إلى النيل هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال : « إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتمّوا الصلاة ، إلاّ أن يجدّ بهم السير فليقصروا وليفطروا » (4).
ومعنى الجدّ بالسير الإسراع فيه والاهتمام بشأنه ، يقال : جدّ بسيرة إذا اجتهد فيه ، كذا في مجمع البحرين (5)، وهو المعنى المتفاهم عرفا ، وإليه ينظر تفسير الكليني له بأنّ معناه أن يجعل منزلين منزلا ، وهو الموافق لما ذكره بعض آخر من أنّ أظهر معانيه إرادة المشقة الشديدة الخارجة عن معتادهم.
وأمّا تفسيره بأنّ يستمرّ بهم السير مثل سفر الحج والزيارة ، أو حصل لهم السفر بعد الإقامة مأخوذا من التجديد فهما مخالفان للظاهر جدّا كسائر ما قيل في تفسيره ، والظاهر ما ذكرنا في معناه.
وعمل بها الكليني والشيخ في التهذيب على الظاهر (6)، وجماعة من
1) التهذيب 3 : 215 - 529 ، 4 : 219 - 638 ، الاستبصار 1 : 233 - 831 ، الوسائل 8 : 490 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 2.
2) الكافي 3 : 437 الصلاة ب 85 ح 2 ، الوسائل 8 : 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 4.
3) الفقيه 1 : 282 - 1279 ، التهذيب 3 : 215 - 530 ، الاستبصار 1 : 233 - 832. الوسائل 8 : 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 3.
4) مسائل علي بن جعفر : 115 - 46 ، الوسائل 8 : 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 5.
5) مجمع البحرين 3 : 21.
6) الكليني في الكافي 3 : 437 ذيل الحديث 2 ، الشيخ في التهذيب 3 : 215.
المتأخّرين منهم المدارك والمنتقى والمحدّث الكاشاني والفاضل الهندي وصاحبا الذخيرة والحدائق (1)، وأفتى بها بعض أفاضل معاصرينا.
وهو الصحيح ، إذا لا مجال في ترك روايات معتبرة ظاهرة المعنى بلا معارض مساو أو أخصّ ، فبها العمومات تخصّص. وجعلها مجملة لاختلاف الأصحاب في تنزيلها بعد تفسير اللغوي والمحدّث والفقيه والفهم العرفي باطل جدّا.
وهل التقصير عليهم في الطريق والمنزل معا كما هو مقتضى إطلاق أكثر الروايات المذكورة ، أو في الطريق خاصة كما تدل عليه المرسلة؟
الأظهر الثاني ، لكون المرسلة مقيّدة ، ويجب حمل المطلق على المقيّد.
وقيل بالأوّل ، لضعف المرسلة ، وإجمالها لاحتمال أن يكون المراد من : « ما بين المنزلين » المنزل الذي يخرج منه والمنزل الذي يذهب إليه يعني مبدإ سفره ومنتهاه (2).
وكلاهما ممنوعان ، بل الرواية معتبرة ومفادها واضح وما ذكره تقييد بلا مقيد.
أ : هذا الحكم أيضا كالحكم بالتقصير بعد إقامة العشرة مختصّ بالمكاري والجمّال ، لاختصاص الأخبار.
ب : تقصيرهما إنّما هو في منزل جدّ به السير ، فإذا انتفى وعادا إلى السير المعتاد في منزل آخر يتمّان.
المسألة الخامسة : لو أنشأ من عمله السفر سفرا آخر غير ما هو صنعته كسفر الحج أو الزيارة أو صلة الرحم قبل إقامة العشرة في منزل ، فهل يقصر أو يتمّ؟
قيل بالأوّل (1)، لأنّ الظاهر أنّ المراد بالسفر الذي يتم هؤلاء هو السفر الّذي كان عملهم ، ويشعر به التعليل بذلك.
ولروايتي إسحاق بن عمّار ، إحداهما : عن الّذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيام ، أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال : « نعم » (2).
والأخرى : عن المكارين الّذين يكرون الدواب وقلت : يختلفون كلّ أيام ، كلّما جاءهم شيء اختلفوا ، فقال : « عليهم التقصير إذا سافروا » (3).
وجه الاستدلال : إمّا أنّ الظاهر من السفر في الروايتين غير السفر الّذي يعملون فيه ، أو أنهما دلّتا على وجوب التقصير في كلّ سفر ، خرج ما كان صنعتهم بما مرّ فيبقى الباقي.
وقيل بالثاني ، لعدم دليل صالح للخروج عن مقتضى الأدلّة العامة (4).
وهو الأقوى ، لذلك.
ويضعّف الظهور الّذي ادعاه الأوّلون بالمنع. ولا إشعار للتعليل به أيضا ، لأنّ عليّة كون السفر عملا للإتمام في السفر لا تدلّ على أنّه فيما كان يعمل به أصلا ، لجواز أن تكون عمليّته علّة للإتمام في كلّ سفر.
والروايتان أمّا على التقريب الأوّل فبأنّ ظهورهما في السفر الّذي ادّعوه لا وجه له أصلا.
وأمّا على التقريب الثاني فبأنّه إنّما يتمّ لو كانت أخبار إتمامهم في السفر مخصوصة بالسفر الّذي يعملون فيه ، ولكنّها عامة كهاتين الروايتين ، فتتعارضان بالتساوي ، ولا شاهد على ذلك الجمع ، فترجّح عليهما ، لكونها أشهر رواية
واعتضادها بالإجماع ، وشذوذ الروايتين جدّا.
الشرط السادس : الخروج إلى حدّ الترخّص وفيه مسألتان.
المسألة الأولى : يشترط في التقصير البلوغ إلى حدّ الترخص ، وفاقا للأكثر ، بل بلا خلاف إلاّ عن شاذّ ، بل بالإجماع المحكي (1)بل المحقّق ، له ، وللمعتبرة المستفيضة الآتية.
خلافا للمحكي عن والد الصدوق (2)، فلم يعتبر هذا الشرط بالكلية بل اكتفى بنفس الخروج من البلد ، لمرسلة الفقيه : « إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه » (3).
ونحوه الرضوي (4).
والموثّق : « أفطر إذا خرج من منزله » (5).
ويردّ - مع شذوذ الجميع وضعف سند الثاني - بكونه أعمّ مطلقا ممّا يأتي ، فيجب تخصيصه به ، بل الظاهر أنّ المخصّص هو المراد ، وأنّ إطلاق الرضوي مسبوق بما يأتي من التخصيص.
ثمَّ إنّهم اختلفوا في حدّ الترخص ، فالمشهور بين القدماء - وقيل : مطلقا (6)- أنّه أحد الأمرين من خفاء جدران البلد أو أذانه ، بمعنى كفاية أحد الأمرين في لزوم القصر ، ولزومه بتحقّق أحدهما كما هو المحتمل. أو بمعنى التخيير بينهما أي جواز القصر بتحقّق كلّ واحد منهما كما صرّح به بعضهم بقوله
1) الرياض 1 : 254.
2) حكاه عنه في المختلف : 163.
3) الفقيه 1 : 279 - 1268 ، الوسائل 8 : 475 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 5.
4) فقه الرضا عليه السلام : 162 ، مستدرك الوسائل 6 : 530 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.
5) التهذيب 4 : 228 - 669 ، الاستبصار 2 : 98 - 319 ، الوسائل 1 : 187 ، أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 10.
6) الحدائق 11 : 405.
بعد ذكر الأمرين : مخيّرا بينهما (1)وعليه يدلّ كلام صاحب الذخيرة حيث عبّر عن هذا القول بالقول بالتخيير (2).
وأكثر المتأخّرين تبعا للسيّد والشيخ في الخلاف (3)على أنّه الأمران معا ، فلا يجوز القصر إلاّ بتحققهما معا.
وعن المقنع أنّه الأوّل (4).
وعن المفيد والديلمي والحلّي أنّه الثاني (5).
ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في المورد ، وهي صحيحة محمّد : الرجل يريد السفر متى يقصّر؟ قال : « إذا توارى من البيوت » (6).
وابن سنان : « إذا كنت في الموضع الّذي تسمع الأذان فأتمّ ، وإذا كنت في الموضع الّذي لا تسمع الأذان فقصّر ، وإذا قدمت من سفر فمثل ذلك » (7).
وموثقة إسحاق بن عمّار المروية في العلل ، وفيها : « أليس قد بلغوا الموضع الّذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم؟ » (8).
والرضوي : « وإن كان أكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك أذان مصرك ، وإن كنت في شهر رمضان فخرجت من منزلك قبل طلوع الفجر إلى السفر أفطرت إذا غاب عنك أذان مصرك » (9).1.
1) الرياض 1 : 254.
2) الذخيرة : 411.
3) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 47 ، الخلاف 1 : 572.
4) المقنع : 37.
5) المفيد في المقنعة : 350 ، الديلمي في المراسم : 75 ، الحلي في السرائر 1 : 331.
6) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 83 ح 1 ، الفقيه 1 : 279 - 1276 ، التهذيب 2 : 12 - 27 ، 3 : 224 - 566 ، 4 : 230 - 676 ، الوسائل 8 : 470 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 1.
7) التهذيب 4 : 230 - 675 ، الاستبصار 1 : 242 - 862 ، الوسائل 8 : 472 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 3.
8) علل الشرائع : 367 - 1 الوسائل 8 : 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 11.
9) فقه الرضا عليه السلام : 159 ، مستدرك الوسائل 6 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 1.
والمروي في المحاسن : « إذا سمع الأذان أتمّ المسافر » (1).
فتعارض منطوق الصحيحة الاولى مع منطوق الشرطية الاولى في الثانية ومنطوق الرواية الأخيرة ومفهوم الرضوي بالعموم من وجه ، ومفهومها مع منطوق الشرطية الثانية في الثانية ومنطوق الرضوي ومفهوم الرواية الأخيرة كذلك.
فبناء القول الأوّل بالمعنى الأوّل على العمل بالإتمام فيما أجمعت عليه الروايات وهو ما لم يختف الجدران ولا الأذان ، وبالتقصير فيما أجمعت عليه أيضا وهو ما اختفى الجدران والأذان معا ، ورفع اليد عن الروايات في موضع التعارض وهو ما اختفى فيه أحدهما والرجوع إلى العمومات الدالّة على التقصير الغير المعلوم خروج المورد عنه كالعمومات المتقدّمة في دليل والد الصدوق وغيرها ممّا يدلّ على وجوب التقصير على المسافر بقول مطلق.
وبناء هذا القول بالمعنى الثاني الرجوع في مورد التعارض وعدم المرجّح إلى التخيير كما هو القاعدة في المتعارضين.
وبناء القول الثاني على الجمع بين المتعارضين بتخصيص كلّ منهما بالآخر ، أو على رفع اليد عنهما في موضع التعارض والرجوع فيه إلى مقتضى الأصل واستصحاب بقاء وجوب التمام إلى ثبوت الترخيص ، وليس بثابت بأحدهما.
وبناء القولين الآخرين - كما قيل (2)- على ترجيح أحد المتعارضين وطرح الآخر من البين.
أقول : لا يخفى أنّ تخصيص كلّ منهما بالآخر كما هو مبنى القول الثاني لا وجه له أصلا ، ولذا لا يعملون بذلك في مواقع التعارض مع أنّه ممكن في جميع ما إذا كان بالعموم من وجه ، وليس هو من مقتضى متفاهم العرف ، ولا شاهد آخر عليه أيضا ، وكذا [ المبنى ] (3)الآخر من الرجوع إلى الاستصحاب فإنّه إنّما هو لو لا
اندفاعه بالعمومات والإطلاقات المذكورة وإلاّ فاللازم الرجوع إليها.
ومنه يظهر سقوط ذلك القول البتة.
وكذا القولان الآخران ، إذا لا وجه لردّ أحد المتعارضين مع تساويهما في استجماع شرائط الحجيّة.
فلم يبق إلاّ القول الأوّل وهو الصحيح المعقول ، لأنّه إن قلنا بأنّ مراد القائلين به هو المعنى الأوّل وليس في المسألة قول بالتخيير بالمعنى الّذي ذكرناه - أي كون المسافر مخيّرا في جعل حدّ الترخص كلا منهما شاء - فيتّجه هذا القول البتّة ، إذ بعد الاتّفاق على انتفاء التخيير في موضع التعارض يرفع اليد عن المتعارضين ويرجع إلى العمومات.
وإن كان مرادهم المعنى الثاني ولم يكن التخيير منافيا للإجماع اتّجه ذلك القول جدّا أيضا ، لأنّه المناص عند التعارض.
فإن قيل : هذا إنّما يتمّ على ما ادّعيت من تساوي المتعارضين في شرائط الحجية ، وليس كذلك ، لأنّ من جملة الشرائط عدم الإجمال ، والصحيحة الأولى مجملة من وجهين :
أحدهما : أنّ المذكور فيها : « توارى عن البيوت » ولا معنى للتواري عن البيت إلاّ بتقدير الأهل حتى يكون من باب مجاز الحذف ، أو المراد تواريه عن البيوت كما فهمه الأصحاب وهذا أيضا مجاز ، وليس أحد المجازين أولى من الآخر وبين مقتضاهما بون بعيد ، فإنّ الإنسان يتوارى عن أهل البيت ببعد ميل ولا يتوارى البيت عنه بفرسخ.
وثانيهما : أنّه على التقديرين يمكن أن يراد تواري الشبح كما قيل (1)، أو الهيئة بأن يتميّز هذا البيت أنّه بيت فلان وجداره من الطين أو اللبنة أو الحجر أو الجصّ ، وهذا الشخص أنّه راكب أو راجل قصير أو طويل زيد أو عمرو ، ولا دليل
1) الرياض 1 : 254.
على تعيين أحدهما ، وبينهما أيضا تفاوت فاحش ، وليس كذلك روايات الأذان ، إذ ليس المراد به مجرّد الصوت لأنّه ليس أذانا بل تمييز الكلمات بحيث يفهم أنّه يؤذّن وهو أمر لا يتفاوت.
وعلى هذا فتخرج الاولى عن الحجيّة وتبقى أخبار الأذان كما هو القول الأخير.
قلنا : أمّا الوجه الأول ففيه : منع التفاحش بين المقتضيين ، لأنّ المراد بتواري البيوت كما صرّحوا به تواريها من حيث إنّها بيوت ولا اعتبار بظهور المنارات والقباب والسور وأمثالها ، وتواري البيت لا يتفاوت كثيرا مع تواري الشخص سواء أريد فيهما الشبح أو الهيئة ، لأنّ شبح الشخص يرى من فرسخ بل فرسخين كشبح البيت ، وكذا الهيئة فإنّ كل موضع يمتاز البيت أنّه من لبنة أو حجر أو بيت زيد أو عمرو يمتاز الشخص أيضا ، فلا إجمال من هذه الجهة ، ولو كان تفاوت فليس بأكثر من التفاوت الحاصل بتفاوت سماع الأذان.
وأمّا الوجه الثاني ففيه : أنّه وإن احتمل التواري كلا من الأمرين إلاّ أنّه مع احتمالهما وعدم المعيّن يجب الأخذ بالقدر المشترك وهو تواري الصورة والهيئة عملا بعمومات القصر في السفر ، ولأنّ الشبح ممّا لا يتوارى في بعض المواضع الخالية عن الموانع في أزيد من فرسخين أو ثلاثة فراسخ ، والإتمام في مثله خلاف الإجماع وتنافيه أخبار الأذان أيضا بل يعلم منها عدم إرادته قطعا فلا إجمال من هذه الجهة أيضا.
بل منه يعلم وجه آخر لرفع الإجمال الأوّل ، إذ بعد الحمل على الهيئة يتقارب المعنيان كما أشرنا إليه.
ومن ذلك يعلم ضعف ما قيل في وجه ترجيح مجاز الحذف من أنه أقرب إلى أخبار الأذان ، بل يظهر عدم الاختلاف بين أخبار البيوت والأذان أيضا ، ولا يضرّ التفاوت اليسير فإنّه حاصل على كلّ من الأمرين بخصوصه أيضا ، ومع ذلك مدار أمثال هذه الأمور في الشرع على التقريب كما هو كذلك عرفا أيضا ، وعلى هذا قلنا
الاكتفاء بأحد الأمرين من هذه الجهة أيضا.
وقد تلخّص ممّا ذكرنا جواز الاكتفاء بكلّ من الأمرين كما هو مقتضى القول الأوّل بالمعنى الثاني إمّا لأجل أنّ التخيير هو المرجع عند التعارض أو التقارب الأمرين. والأحوط القصر مع تحقّق أحدهما حذرا عن مخالفة المعنى الأوّل للقول الأوّل.
أ : المراد بالتواري عن البيوت أو تواريها عنه التواري من جهة البعد والسير في الأرض ، لا التواري كيف اتّفق ولو لأجل حائل أو وهدة وإن ترى بعده كما توهّم ، لأنّه المتبادر منه في المقام ، لأنّ المراد بيان قاعدة كليّة ووضع ضابطة جلية يترتب عليها حكم التقصير والتمام ، والحائل الّذي قد يكون وقد لا يكون وقد يقرب وقد يبعد فلا يصلح لأن يكون ضابطا كليّا ، وكذا خفاء الأذان.
ب : يكفي سماع الأذان في آخر البلد ورؤية آخر البيوت من البلد في عدم لزوم التقصير ، فالواجب خفاء أذان آخر البلد وتواري آخر بيوتها ، لأنّ الحكم في الأذان معلّق على أذان المصر فيجب أن لا يسمع شيء من أذانه ، وأذان آخر البلد أذان مصر أيضا ، وفي البيوت معلّق على الجمع المحلّى المفيد للاستغراق فيجب خفاء جميع البيوت الذي لا يتحقّق إلاّ بخفاء آخر بيت منه ، سواء في ذلك القرية والبلد الصغير والمعتدل والكبير.
وأمّا ما قيل من أنّه إذا اتّسع خطّة البلد حيث خرجت عن العادة فيعتبر بيوت محلّتها وكذا أذانها (1)، فلا أعرف له وجها وليس له عندي وقعا ، لإطلاق المصر والبيوت ، مع أنّ المصر يطلق غالبا على البلاد المتّسعة ولذا يقال للبصرة والكوفة المصرين. وأمّا القول بأنّ إرادة المحلّة موافقة في البلاد المتّسعة لإطلاق الأدلّة وفهم العرف فممنوع غايته.
ج : قد أشرنا أنّ المراد خفاء البيت من حيث إنّه بيت ، والمتبادر منه خفاء
1) كما في روض الجنان : 392 ، والمدارك 4 : 458.
الهيئة والصورة وعدم تمييز البيوت وأوصافها بعضها عن بعض ، وأنّه مقتضى الأصل. وكذا المراد خفاء الأذان من حيث إنّه أذان وعدم تمييز فصول الأذان. فلا عبرة بسواد المدينة وشبحها ولا بأعلام البلد ومناراتها وقبابها وبساتينها وأشجارها.
د : قالوا : المعتبر الأذان المتوسّط أي المتعارف في الإعلامي والأرض المتوسّطة والحاسّتان المتوسّطتان ولو احتاج إلى التقدير في البلد المنخفض والمرتفع ومختلف الأرض وعادم الأذان والأعمى والأصمّ.
وهو كذلك ، لأنّها المتبادر من الإطلاق والمحمول عليها الألفاظ عند الاستعمال الإطلاقي.
ه- : اعلم أنّ هذا الشرط إنّما يعتبر فيمن خرج عن نحو بلده مسافرا ، دون نحو الهائم والعاصي بسفره إذا زال مانعهما ، فإنّهما يقصّران متى زال المانع وشرعا بعده في السير ، للعمومات ، مع اختصاص ما دلّ على هذا الشرط بمن ذكرناه ، مضافا إلى خصوص المعتبرة المتضمّنة لأنّهما يقصران حين زوال المانع.
وهل البلد الّذي أقام فيه عشرة أو ثلاثين متردّدا في حكم بلده أم لا؟
فيه وجهان - كما قيل (1)- من جهة كونه بمنزلة الوطن في الأحكام ، ومن جهة عدم الدليل بالخصوص. وربما يقال : إنّ التواري من البيوت في صحيحة محمّد (2)يشملهما أيضا.
ولا يخفى أنّ كونه بمنزلة الوطن في جميع الأحكام غير ثابت وعموم المنزلة ممنوع ، وشمول الصحيحة غير واضح لأنّها تبيّن حكم من يريد السفر وهو ظاهر فيمن لم يكن مسافرا قبله وذلك مسافر. ولا يفيد استصحاب الإتمام للأوّل ، لأنّ إطلاقات قصر المسافر تدفعه. ولا يتوهّم معارضتها مع إطلاقات الإتمام في محلّ الإقامة ، لعدم كون الخارج فيه ، كما مرّ في بحث إقامة العشرة.
و : قد ورد في روايتي الخدري (1)وعمرو بن سعيد (2)أنّ النبيّ والوليّ كانا إذا سافرا يقصّران في فرسخ
. وهو لا ينافي ما مرّ من حدّ الترخص لأنّه فعل ، فلعلّهما أخّرا الصلاة استحبابا أو لجهة أخرى.
المسألة الثانية : المشهور - بل عن الذكرى أنّه يكاد أن يكون إجماعا (3)- أنّه كما يعتبر هذا الشرط أي الوصول إلى حدّ الترخّص في بدء السفر والذهاب كذا يعتبر في آخره والإياب ، فيقصّر في العود من السفر إلى أن ينتهي إلى أحد الأمرين المتقدمين ، فإذا انتهى يتمّ ولو لم يدخل البلد فضلا عن المنزل ، لذيل صحيحة ابن سنان المتقدّمة (4)، مضافا إلى إطلاق ما دلّ على وجوب التمام على من كان في الوطن ، واشتراط القصر بالسفر ولا يصدق عرفا على من بلغ هذا الحدّ.
وذهب والد الصدوق والسيّد والإسكافي (5)إلى عدم اعتبار هذا الشرط في الإياب فيقصّر حتى يدخل منزله ، واختاره بعض مشايخنا الأخباريين (6)، وهو محتمل المقنعة والنهاية والجمل والمبسوط والخلاف وابن حمزة وسلاّر (7)حيث لم يتعرّضوا لحال العود ، وفي المعتبر (8)نسبة القول بموافقة الإياب للذهاب إلى المبسوط والنهاية ، وليس فيهما ما يدلّ عليه.
1) التهذيب 4 : 224 - 659 ، الاستبصار 1 : 226 - 803 ، الوسائل 8 : 472 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 4.
2) التهذيب 4 : 224 - 660 ، الاستبصار 1 : 226 - 804 ، الوسائل 8 : 471 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 2.
3) الذكرى : 258.
4) في ص 292.
5) المختلف : 164 عن والد الصدوق والإسكافي ، السيد في جمل العلم والعمل : 77.
6) الحدائق 11 : 412.
7) المقنعة : 55 ، النهاية : 123 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 221 ، المبسوط 1 : 136 ، الخلاف 1 : 222 ، ابن حمزة في الوسيلة : 149 ، سلار في المراسم : 75.
8) المعتبر 2 : 474.
لصحيحة العيص : « لا يزال المسافر مقصّرا حتّى يدخل بيته » (1).
والأخرى : وفيها : « لا يزال يقصّر حتّى يدخل بيته » (2).
وصحيحة معاوية بن عمّار : « أهل مكّة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتمّوا ، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا » (3).
وفي صحيحة أخرى في أهل مكة : « وإذا زاروا ورجعوا إلى منازلهم أتمّوا » (4).
والصحيح المروي في المحاسن : « المسافر يقصّر حتى يدخل المصر » (5).
وموثقة الساباطي وفيها : « ولا يتمّ الصلاة حتى يرجع إلى منزله » (6).
وإسحاق : عن الرجل يكون مسافرا ثمَّ يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتمّ الصلاة أم يكون مقصّرا حتى يدخل أهله؟ قال : « بل يكون مقصّرا حتى يدخل أهله » (7).
وابن بكير : عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة له بها دار ومنزل ، فيمرّ بالكوفة وإنّما هو مجتاز لا يريد المقام إلاّ بقدر ما يتجهز يوما أو يومين ، قال : « يقيم في جانب المصر ويقصّر » قلت : فإن دخل؟ قال : « فعليه التمام » (8).2.
1) التهذيب 3 : 222 - 556 ، الاستبصار 1 : 242 - 864 ، الوسائل 8 : 475 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 4.
2) التهذيب 3 : 162 - 352 ، الوسائل 8 : 513 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 4.
3) الكافي 4 : 518 الحج ب 92 ح 1 ، الوسائل 8 : 464 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 7.
4) التهذيب 5 : 488 - 1743 ، بتفاوت فراجع ، الوسائل 8 : 464 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 4.
5) المحاسن : 371 - 126 ، الوسائل 8 : 473 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 8.
6) التهذيب 4 : 226 - 663 ، الوسائل 8 : 469 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 2.
7) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 83 ح 5 ، الفقيه 1 : 284 - 1291 ، التهذيب 3 : 222 - 555 ، الاستبصار 1 : 242 - 863 ، الوسائل 8 : 474 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 3.
8) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 84 ح 2 ، التهذيب 3 : 220 - 550 ، قرب الإسناد : 172 - 630 بتفاوت يسير ، الوسائل 8 : 474 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 2.
والإيراد على بعض هذه الأخبار بأنّه حكم بالقصر للمسافر ، ونحن لا نسلّم أنّ الداخل في موضع سماع الأذان مسافر ، باطل جدّا ، لأنّه قبل دخوله فيه مسافر قطعا فحكم له بالقصر حتى دخل البيت أو المنزل.
وحمل البيت والمنزل في بعض هذه الأخبار على ما بحكمهما وهو ما دون الترخّص ، بعيد جدّا بل خلاف الأصل ، مع أنّه لا يمكن حمل غير الصحيحتين الأوليين والموثقة الأولى على ذلك أصلا سيّما في الموثقة الثانية المتضمنة لدخول البلد والحكم فيها مع ذلك بالقصر إلى دخول الأهل.
وحملها على أنّ الحكم به معه إنّما هو لسعة الكوفة يومئذ ، فلعلّ البيوت الّتي دخلها لم يبلغ حدّ الترخيص المعتبر في مثلها وهو آخر محلّته.
مردود أوّلا : بما مرّ من عدم التفرقة بين البلد الكبير والمعتدل.
وثانيا : بعموم الجواب الناشئ عن ترك الاستفصال خصوصا مع قوله بعد الحكم بالتقصير : « حتّى يدخل أهله ».
وثالثا : بأنّه ورد في موثّقة غياث بن إبراهيم : أنّ مولانا الباقر عليه السلام كان يقصّر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أوّل صلاة تحضره (1)، دلّت على أنّ قصر الصلاة كان بعد الخروج من الكوفة ، إلاّ أنّ ذلك إنّما يتمّ لو جعل الحين ظرفا للتقصير ، ويحتمل أن يكون ظرفا للخروج فلا يتمّ التقريب فيها ، مضافا إلى أنه يمكن أن يكون بيته عليه السلام في أواخر البلد.
والخدش فيها بورودها مورد الغالب من أنّ المسافر إذا بلغ حدّ الترخّص يسارع إلى أهله من غير مكث للصلاة كما هو المشاهد غالبا من العادة ، فلا يطمئن بشمول إطلاق الحكم بالقصر إلى دخول الأهل لمحلّ البحث ، كلام شعري لا ينبغي الإصغاء إليه.
أقول : هذه الأخبار وإن كانت مستفيضة مشتملة على عدّة من الصحاح ،
1) التهذيب 3 : 235 - 617 ، الوسائل 8 : 472 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 5.
إلاّ أنّها مع احتمال موافقتها لمذهب العامة - كما حكي عن الوسائل (1)يرد عليها أنّ غير الأخيرتين منها أعمّ مطلقا من صحيحة ابن سنان (2)، إذ مدلولها وجوب قصر المسافر قبل دخول البيت أو المنزل أو المصر مطلقا سواء بلغ موضع سماع الأذان أم لا ، ومدلول الصحيحة وجوب الإتمام في بعض خاصّ منه وهو ما بعد سماع الأذان فيجب تخصيصها به ، بل وكذلك الموثّقة الأخيرة لأعميّة جانب المصر عن موضع سماع الأذان.
ولا يضرّ عموم الصحيحة باعتبار الممثّل له ، حيث إنّ له أيضا فردين : وجوب القصر عند عدم سماع الأذان ، والإتمام عند سماعه ، بل إجمالها لتعدّد ما يحتمل التشبيه به فلعلّ التشبيه في الأوّل خاصّة بجعل المشار إليه هو الجزء الأخير وهو قوله : « إذا كنت في الموضع الّذي لا تسمع الأذان فقصّر ».
لبعد ذلك الاحتمال جدّا وظهور إرادة التشبيه في الحكمين ، مع أنّه يثبت المطلوب مع تخصيص التشبيه بالجزء الأخير أيضا ، إذ الجزء الأخير ليس هو وجوب القصر في موضع لا يسمع الأذان خاصّة بل جملة شرطيّة لها منطوق ومفهوم ، فيدلّ بالمفهوم على عدم القصر إذا لم يكن في موضع لا يسمع الأذان.
ومنه تظهر تماميّة دلالة الصحيحة على ما في بعض النسخ الغير المشهورة منها من إسقاط الشرطية الاولى في حكم الذهاب ، لكفاية الثانية في ذلك أيضا ، مع أنّ اشتهار النسخة المتضمنة للشرطين سيّما مع تقدم الإثبات على الإسقاط كاف في المطلوب.
فلم يبق إلاّ الموثّقة الاولى ، وهي غير صريحة بل ولا دالّة على المطلوب لعدم تصريح فيها على كون الرجل من أهل الكوفة إلاّ أن يتمسّك بعمومها الحاصل من ترك الاستفصال الواجب تخصيصه بالصحيحة أيضا لأخصّيتها مطلقة.
مع أنّها معارضة في ذلك الحكم مع الصحيحة المحاسنيّة المنجبرة في هذا
الحكم والموثقة الثانية ، الدالّتين على وجوب التمام بدخول الكوفة والمصر وإن لم يدخل البيت ، ومع صحيحة ابن بزيع المذكورة في بيان الوطن الدالّة على التمام بدخول الضيعة (1).
ومن ذلك ظهر قوة القول المشهور.
نعم ، يشكل الحكم فيما إذا كان مجتازا عن وطنه ولم يدخل بلده ونزل في جانبه في موضع سمع الأذان ، من حيث إنّ صدق القدوم من السفر حينئذ غير معلوم ، فلا يكون حكمه مستفادا من الصحيحة ولا من رواية أخرى ، فيكون عموم الموثقة خاليا عن المعارض المعلوم. إلاّ أن يتمسّك بعدم الفرق بين خارج البلد وداخله المعلوم حكمه بالأخبار الثلاثة المذكورة آنفا. إلاّ أنّ ثبوته مشكل ، وأمر الاحتياط بالقصر والإتمام هنا واضح.
وهل يعتبر في الإتمام هنا أيضا الأمران من خفاء البيوت والأذان كما هو المشهور ، بل قيل : بلا خلاف إلاّ عن بعض المتأخرين (2)؟
أو الأذان خاصّة كما عزي إلى الشرائع والتحرير (3)، لاختصاص الصحيحة به ، وعدم دليل تامّ غيرها على حكم العود يشمل البيوت أيضا إلاّ ما قيل من عمومات الإتمام في الوطن (4)المعارض لما دلّ على وجوب القصر حتى يدخل البيت ، أو عدم القول بالفرق الممنوع جدّا؟
نعم يسهل الأمر على ما ذكرنا من تلازم الأمرين غالبا ، لإرادة خفاء الهيئة والكلام ، وهما متقاربان.
فرع : هل يعتبر ذلك في بلد يراد فيه إقامة عشرة أيّام قبل الوصول إليه ، أم لا؟
الظاهر الثاني ، لاستصحاب وجوب التقصير ، وإطلاق كثير من الأخبار بلا معارض في المقام. وكون بلد الإقامة بمنزلة الوطن في جميع الأحكام ممنوع.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذا اجتمعت الشرائط المذكورة يجب القصر بحذف أخيرتي الرباعية
عزيمة لا رخصة ، بالضرورة من مذهب الإماميّة ، وعليه أكثر العامة (1)، والنصوص به من طرقهم مستفيضة (2).
فلا يجوز التمام إلاّ في أحد المواطن الأربعة : مكة والمدينة وجامع الكوفة وحائر الحسين عليه السلام ، فيجوز فيها الأمران ، بلا خلاف إلاّ من شاذّ يأتي ، بل بالإجماع كما عن غير واحد من الأصحاب (3)، وجعله بعضهم من منفردات الإماميّة (4).
لظاهر الإجماع ، والأمر بالإتمام في المستفيضة وبالقصر في الأخرى.
فمن الأوّل : رواية إبراهيم بن شيبة الآمرة بإتمام الصلاة في الحرمين (5)، وعثمان بن عيسى الآمرة بإتمام الصلاة فيهما ولو صلاة واحدة (6).
1) انظر بداية المجتهد 1 : 166 ، واحكام القرآن للجصاص 2 : 253 ، وبدائع الصنائع 1 : 91.
2) صحيح مسلم 1 478 ب صلاة المسافر ، صحيح البخاري 2 : 53 ب التقصير.
3) السرائر 1 : 346 ، الوسائل 8 : 534 أبواب صلاة المسافر ب 25 ذيل الحديث 34.
4) روض الجنان : 397.
5) الكافي 4 : 524 الحج ب 59 ح 1 ، التهذيب 5 : 425 - 1476 ، الاستبصار 2 : 330 - 1172 ، الوسائل 8 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 18.
6) الكافي 4 : 524 الحج ب 95 ح 2 ، التهذيب 5 : 425 - 1477 ، الاستبصار 2 : 330 - 1173 ، الوسائل 8 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 17.
وصحيحة البجلي (1)ورواية عمر بن رياح (2)الآمرتان بالإتمام في مكة ومدينة ، وصرّح في أولاهما بقوله : « ولو صلاة واحدة » وفي الثانية : « أمرّ على المدينة ».
وصحيحة مسمع الآمرة بالإتمام في مكة يوم تدخله (3).
ورواية أبي شبل الآمرة بإتمام الصلاة في قبر الحسين عليه السلام ونسبة التقصير فيه إلى الضعفة (4).
ورواية القندي الآمرة بالإتمام في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين عليه السلام (5).
ورواية قائد الحنّاط المرويّة في كامل الزيارة لابن قولويه الآمرة بإتمام الصلاة في الحرمين ولو مررت مارّا (6).
ورواية سماعة بن مهران المرويّة في البحار عن كتاب عبد اللّه بن يحيى الكاهلي الآمرة بالإتمام في الحرمين مكة والمدينة (7).
1) التهذيب 5 : 426 - 1481 ، الاستبصار 1 : 331 - 1177 ، الوسائل 8 : 525 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 5.
2) التهذيب 5 : 426 - 1479 ، الاستبصار 2 : 330 - 1175 الوسائل 8 : 526 أبواب صلاة المسافر 25 ح 8.
3) التهذيب 5 : 426 - 1480 ، الاستبصار 2 : 331 - 1176 ، الوسائل 8 : 526 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 7.
4) الكافي 4 : 587 الزيارات ب 23 ح 6 ، التهذيب 5 : 431 - 1496 ، الاستبصار 2 : 335 - 1193 ، الوسائل 8 : 527 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 12.
5) التهذيب 5 : 431 - 1499 ، الاستبصار 2 : 335 - 1192 ، الوسائل 8 : 527 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 13.
6) كامل الزيارات : 250 - 9 ، الوسائل 8 : 532 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 31.
7) كتاب عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ( الأصول الستة عشر ) : 115. البحار 86 : 65 - 19.
وروايات حذيفة (1)وأبي بصير (2)وعبد الحميد (3)المجوّزة لإتمام الصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الكوفة وحرم الحسين 7.
ورواية ابن أبي البلاد المجوّزة له في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعند قبر الحسين عليه السلام (4)- وإنّما لم نجعلها آمرة لاشتمالها على الجملة الخبرية.
وصحيحتا ابن عمّار (5)ومسمع (6)المصرّحتان بأنّ من المذخور الإتمام في الحرمين.
وصحيحة حمّاد المصرّحة بأنّ من مخزون علم اللّه الإتمام في حرم اللّه وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين : (7).
ومرسلة الفقيه المصرّحة بأنّ من الأمر المذخور الإتمام بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر (8).
ومن الثاني : صحيحة ابن بزيع الآمرة بالتقصير في مكة والمدينة ما لم يعزم
1) الكافي 4 : 586 الزيارات ب 23 ح 3 ، التهذيب 5 : 431 - 1498 ، الاستبصار 2 : 335 - 1195 ، الوسائل 8 : 530 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 23.
2) الكافي 4 : 586 الزيارات ب 23 ح 2 ، التهذيب 5 : 432 - 1500 ، الاستبصار 2 : 335 - 1196 ، الوسائل 8 : 531 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 25.
3) الكافي 4 : 587 الزيارات ب 23 ح 5 ، التهذيب 5 : 431 - 1497 ، الوسائل 8 : 528 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 14.
4) الكافي 4 : 586 الزيارات ب 23 ح 4 ، كامل الزيارات : 249 - 2 ، الوسائل 8 : 530 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 22.
5) الكافي 4 : 524 الحج ب 95 ح 5 ، التهذيب 5 : 429 - 1490 ، الاستبصار 2 : 334 - 1187 ، الوسائل 8 : 530 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 20.
6) التهذيب 5 : 426 - 1478 ، الاستبصار 2 : 330 - 1174 ، الوسائل 8 : 524 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 2.
7) التهذيب 5 : 430 - 1494 ، الاستبصار 2 : 334 - 1191 ، الوسائل 8 : 524 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 1.
8) الفقيه 1 : 283 - 1284 ، الوسائل 8 : 531 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 26.
على مقام عشرة (1).
وصحيحة ابن وهب المروية في العلل المشتملة على أنّ مكة والمدينة كسائر البلدان ، والمتضمنة لأنّ الأمر بالإتمام في المدينة بعد خمسة أيّام لأنّ أصحابكم كانوا [ يقدمون ] ويخرجون من المسجد عند الصلاة (2).
وصحيحة ابن عمّار الآمرة بالتقصير في مكّة ما دام محرما (3).
وصحيحة أبي ولاّد الحنّاط : إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيّام فأتمّ الصلاة ، ثمَّ بدا لي بعد أن لا أقيم بها فما ترى لي أتمّ أم أقصّر؟ فقال : « إن كنت [ حين ] دخلت المدينة صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتّى تخرج منها ، وإن كنت حين دخلتها على نيّتك المقام ولم تصلّ صلاة فريضة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشرا وأتمّ ، وإن لم تنو المقام عشرا فقصّر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة » (4).
ورواية عليّ بن حديد الناطقة بأنّه لا يكون الإتمام في الحرمين إلاّ أن تجمع على إقامة عشرة (5).
وصحيحة ابن وهب المتضمّنة بعد السؤال عن التقصير عن الحرمين لقوله : « لا تتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيّام » ولأنّ الأمر بالتمام كان لأجل أنّ
1) الفقيه 1 : 283 - 1285 ، التهذيب 5 : 426 - 1482 ، الاستبصار 2 : 331 - 1178 ، الوسائل 8 : 533 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 32.
2) علل الشرائع : 454 - 10 ، الوسائل 8 : 531 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 27 ، وبدل ما بين المعقوفين في النسخ : يصلون وما أثبتناه موافق للمصدر.
3) التهذيب 5 : 474 - 1668 ، الوسائل 8 : 525 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 3.
4) التهذيب 3 : 221 - 553 ، الاستبصار 1 : 238 - 851 ، الوسائل 8 : 508 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1. وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
5) التهذيب 5 : 426 - 1483 ، الاستبصار 2 : 331 - 1179 الوسائل 8 : 533 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 33.
الأصحاب كانوا يصلّون ويخرجون ويراهم الناس كذلك (1).
ورواية الحضيني المتضمّنة بعد الاستيمار في الإتمام والتقصير لقوله : « إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام وأتمّ الصلاة » (2).
وجه الاستدلال : أنّه تعارض الفريقان من الأخبار ، فيجب الجمع بينهما بالحمل على التخيير إمّا لأنّه المرجع عند التعارض وعدم الترجيح ، أو لشهادة الأخبار بذلك كرواية عليّ بن يقطين : عن التقصير بمكة فقال : « أتمّ ، وليس بواجب ، إلاّ أنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي » (3)
الوسائل 8 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 19.
.وابن المختار : إنّا إذا دخلنا مكة والمدينة نتم أو نقصر؟ قال : « إن قصرت فذاك ، وإن أتممت فهو خير تزداد » (4).
ورواية عمران : أقصّر في المسجد الحرام أو أتمّ؟ قال : « إن قصرت فلك ، وإن أتممت فهو خير وزيادة الخير خير » (5).
وصحيحة ابن يقطين في الصلاة بمكة : « من شاء أتمّ ومن شاء قصّر » (6).
مضافا إلى أنّ روايتي أبي بصير وعبد الحميد وما تعقّبهما من روايات الصنف الأوّل غير دالّة على وجوب الإتمام ، كما أنّ رواية عليّ بن حديد وما تعقّبها من
1) التهذيب 5 : 428 - 1485 ، الاستبصار 2 : 332 - 1181 ، الوسائل 8 : 534 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 34.
2) التهذيب 5 : 427 - 1484 ، الاستبصار 2 : 332 - 1180 ، الوسائل 8 : 528 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 15.
3) الكافي 4 : 524 الحج ب 95 ح 3 ، التهذيب 5 : 429 - 1488 ، الاستبصار 2 : 333 - 1184.
4) الكافي 4 : 524 الحج ب 95 ح 6 ، التهذيب 5 : 430 - 491 ، الاستبصار 2 : 334 - 1188 ، الوسائل 8 : 529 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 16.
5) التهذيب 5 : 430 - 1493 ، 5 : 474 - 1669 ، الاستبصار 2 : 334 - 1190 ، الوسائل 8 : 526 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 11.
6) التهذيب 5 : 430 - 1492 ، الاستبصار 2 : 334 - 1189 ، الوسائل 8 : 526 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 10.
الصنف الثاني لا تدلان على وجوب التقصير بل غايتهما الجواز الغير المنافي للتخيير.
خلافا للصدوق في الفقيه والخصال (1)، فقال بمساواة هذه المواضع لغيرها في وجوب التقصير ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع ، وتبعه القاضي على ما حكي عنه (2)، بل الاستبصار والتهذيب على احتمال (3).
للصنف الثاني من الأخبار بترجيحه على الصنف الأوّل باعتبار كونه أخصّ مطلقا منه ، لعموم الأوّل بالنسبة إلى قصد العشرة وعدمه واختصاص الثاني بقصدها ، وباعتبار كون الأوّل صادرا للتقية كما تدلّ عليه صحيحتا ابن وهب ، وباعتبار موافقة الثاني لعمومات القصر ، فبعد تعارضهما وعدم الترجيح - لو فرض - يرجع إليها ، ولعلّه يحمل الصنف الثالث على التخيير بين الإتمام والقصر باعتبار التخيير بين قصد الإقامة وعدمه.
ويردّ الاعتبار الأوّل - مضافا إلى بعد ذلك التخصيص في تلك الأخبار - بأنّه غير جار فيما أمر بالتمام بمجرّد المرور كما في روايتي قائد وابن رياح ، أو يوم الدخول كما في صحيحة مسمع ، أو ولو صلاة واحدة كما في صحيحة البجلي ورواية عثمان.
والثاني : بأنّه إن أراد أنّ الصنف الأوّل موافق للعامة ويصير لأجله مرجوحا ففيه : أنّه ليس كذلك ، لأنّ إيجاب التمام على ما هو مقتضى الأمر ليس مذهبا لأحد من العامة لأنّهم ما بين موجب للقصر مطلقا وهم أكثرهم ومنهم أبو حنيفة (4)، ومخيّر بينه وبين الإتمام كذلك وهو الشافعي وغيره (5).
وإن أريد أنّ الأمر بالتمام كان لاتّقاء الأصحاب عن إتمام الصلاة قبل
الناس كما تدلّ عليه صحيحتا ابن وهب المتقدّمتان ففيه - مضافا إلى أنّ المذكور في إحداهما أنّ الأمر بالتمام بعد خمسة أيّام لذلك ، حيث إنّ الإتمام بعدها مذهب الشافعي (1)، ومنه يظهر تقييد الأخرى بذلك أيضا فلا يجري في الأخبار الآمرة بالتمام مع المرور ويوم الورود وصلاة واحدة - : أنّ غاية ما تدلاّن عليه أنّ الأمر بالتمام وإلزامه إنّما هو للتقيّة عن تخلّفهم عن الناس في الصلاة لا عن مخالفتهم في القصر والإتمام ولا في تجويز الإتمام دون تجويزه.
مع أنّهما معارضتان مع ما يدلّ على أنّ الأمر بالتمام ليس للتقية بل هو مخالف للعامة ، كما في صحيحة البجلي : إنّ هشاما روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس ، قال : « لا ، كنت أنا ومن مضى من آبائي إذا وردنا مكّة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس » (2).
ونحو ما يدلّ على أنّ الإتمام من الأمور المخزونة أو المذخورة كما في المستفيضة من الأخبار المتقدّمة ، فإنّ المخزون إنّما يكون فيما يخالف العامة.
ومع ذلك يدلّ أكثر تلك الأخبار على أنّ التمام أمر مخصوص بتلك الأماكن ولا وجه لتخصيص التقية بها ، لأنّ العامة إنّما يخيّرون بين القصر والإتمام أو يوجبون القصر وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنه يظهر أنّ حمل أوامر التقصير على التقية أولى - كما صرّح به جماعة من أصحابنا (3)- لاتّفاقهم على جواز القصر مع اشتهار مذهب أبي حنيفة قديما وحديثا.
وعلى هذا يكون الترجيح من هذه الجهة لأخبار التمام والتخيير ، مضافا إلى الترجيح باعتبار الأشهرية رواية وفتوى.
فإن قيل : يستفاد من الأخبار اشتهار التقصير ما لم ينو المقام بين قدماء الأصحاب وهو أولى بالترجيح ، ففي صحيحة ابن مهزيار : إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير في الحرمين ، فمنها أن يتمّ الصلاة ولو صلاة واحدة ، ومنها أن يقصّر ما لم ينو مقام عشرة أيّام ، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا ، فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيّام فصرت إلى التقصير ، وقد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك. فكتب إليّ بخطّه : « قد علمت - يرحمك اللّه - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما ، فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيهما بالصلاة » إلى أن قال : فقلت : أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال : « مكّة والمدينة » (1).
وفي المروي في كامل الزيارة لابن قولويه ، عن سعد بن عبد اللّه قال : سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد مكة والمدينة والكوفة وقبر الحسين عليه السلام والّذي روي فيها ، فقال : أنا أقصّر وكان صفوان يقصّر وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون (2).
قلنا : لا تدلّ هذه الأخبار على اشتهار وجوب التقصير - وهو المضعف لأخبار التمام والمعارض لاشتهار جوازه - بل غاية ما تدلّ عليه اشتهار فعله ، فلعلّه كان مع تجويز التمام أيضا ، وإنّما اختاروا ذلك الفرد لمصلحة من تقيّة ونحوها ، حيث إنّ الفرق بين الأماكن من مذهب الشيعة أغرب من حتم التقصير ، فهذه أيضا مخالفة جديدة للناس والقصر كان معروفا من مذهبهم.
مضافا إلى أنّ خبر كامل الزيارة ضعيف لا يصلح لإثبات شيء ، بل الصحيحة أيضا وإن كانت حجّة إلاّ أنّ ثبوت حجّيتها إنّما هو في إثبات الأحكام الشرعية دون غيرها. مع أنّها وإن تضمّنت شهرة التقصير إلاّ أنّها تتضمّن حبّ
الإمام للتمام ، والعبرة به لا بغيره. هذا مع أنّ صدرها ظاهر في رجحان التمام عند راويه كما أنّ في رواية عليّ بن حديد : أنه كان ممّن يتم وأنّ ابن جندب كان يتمّ وأنّه كان محبّتي أن يأمرني بالإتمام (1).
هذا مع أنّه لو سلّم ثبوت اشتهار القصر عندهم فلا شك أنّه لا يبلغ حدّ الإجماع ، فيعارض باشتهار خلافه بين أصحابنا في زماننا وما تقدّم عليه إلى قرب زمان الإمام بحيث كاد أن يكون إجماعا ، بل هو إجماع صريحا كما في عبارة جماعة من أصحابنا.
والاعتبار الثالث (2)بأنّ الرجوع بعد التعارض إلى العمومات إنّما هو إذا لم يكن مرجع آخر ، وهو هنا موجود ، وهو الصنف الثالث من الأخبار المصرّحة بالتخيير.
وحمله على ما مرّ خلاف الظاهر جدّا بل خلاف مقتضى الأصل وحقيقة اللفظ كما لا يخفى.
مع أنّ المرجع الثابت شرعا عند التعارض أيضا هو التخيير فلا وجه لرفع اليد عنه.
هذا كلّه مع أنّ الرجوع إلى وجوه الترجيح إنّما هو إذا لم يكن في المورد ترجيح خاصّ من الإمام ، وهو في المسألة موجود وهو ما ورد في صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة بعد السؤال عن الاختلاف في المسألة من الجواب بأفضلية الإتمام.
فإن قلت : قد ورد هذا السؤال في رواية عليّ بن حديد أيضا وأجاب بأنّه لا يكون الإتمام ما لم يجمع العشرة.
قلت : مع أنّ الصحيحة أقوى من الرواية سندا واعتضادا بالعمل ، مرويّة عن أبي جعفر الثاني والرواية عن الرضا عليه السلام ، والترجيح للأخير الأحدث.9.
ثمَّ إنّ هاهنا خلافا آخر محكيّا عن السيّد والإسكافي (1)، وهو لزوم التمام في المواطن المذكورة ، للصنف الأوّل من الأخبار المتقدّمة ، ولقوله سبحانه في المسجد الحرام ( سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ) (2).
والجواب عن الآية بعدم الدلالة ، وعن الأخبار بأنّه كان صحيحا لو لا معارضة الصنفين الآخرين وتصريح بعضها بعدم وجوب الإتمام ، مع أنّه قول شاذ نادر ، بل كونه مذهبا لمن حكي عنه غير ظاهر ، لاحتمال إرادته الاستحباب كما عن السرائر (3).
أ : بعض هذه الأخبار وإن اختص بالحرمين إلاّ أنّ كثيرا منها كما عرفت يتضمّن الإحرام الأربعة ، وبذلك صرّح في الرضوي أيضا قال : « في أربعة مواضع لا يجب أن تقصر : إذا قصدت مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحيرة (4)» (5).
ومع ذلك انعقدت الشهرة على الأربعة فلا مناص عن الحكم في الجميع.
ب : قد وقع الخلاف في تحديد محلّ التخيير من المواطن الأربعة إلى أقوال :
الأوّل : ما حكي عن المبسوط والنهاية (6)على وجه ، وابن حمزة ويحيى بن سعيد والمحقّق في كتاب له في السفر (7)، وهو محتمل السيّد والإسكافي (8)حيث عبّرا بالمشاهد ، وهو : أنّه البلدان الأربعة.
1) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 47 ، عن الإسكافي في المختلف : 168.
2) الحج : 25.
3) السرائر 1 : 343.
4) كذا في النسخ والمصدر ، ولعلّه مصحّف الحير أو الحائر.
5) فقه الرضا عليه السلام : 161 ، مستدرك الوسائل 6 : 544 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 2.
6) المبسوط 1 : 141 ، النهاية : 124.
7) لم نعثر على قول ابن حمزة في الوسيلة ، يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 93 ، وحكى الشهيد عن المحقق في الذكرى : 256.
8) حكاه عنهما في المختلف : 168.
والثاني : ما نسب إلى الأوّلين على وجه آخر ، والخلاف والمعتبر والشرائع والنافع والمنتهى والتحرير وظاهر الإرشاد والتبصرة والنفلية (1)، وهو : أنّه البلدان مكة والمدينة ، مع جامع الكوفة والحائر.
والثالث : ما عزي إلى التهذيب والاستبصار (2)، وهو : أنّه البلاد الثلاثة : مكّة والمدينة والكوفة ، مع الحائر ، واختاره في الذكرى (3).
والرابع : ما قاله السيّد في الجمل والإسكافي (4)، وهو : أنّه بلد مكّة ومسجد الرسول ومسجد الكوفة والمشاهد.
والخامس : ما اختاره في السرائر والمختلف واللمعة والدروس والبيان (5)، والشهيد الثاني في كتبه (6)، وهو : أنّه المساجد الثلاثة والحائر.
دليل الأوّلين : أمّا على تحديد الأوّلين بالبلدين فللتصريح بهما في كثير من الأخبار المتقدّمة ، وبالحرمين المفسّرين في صحيحة ابن مهزيار بالبلدين (7)، وفي صحيحة ابن عمّار : « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إنّ مكّة حرم اللّه ، وإنّ المدينة حرمي ، وإنّ ما بين لابتيها حرم » (8).
وأمّا على تحديد الثالث بالبلد فللتصريح به في رواية القندي السابقة (9)،
1) المبسوط 1 : 141 ، النهاية : 124 ، الخلاف 1 : 576 ، المعتبر 2 : 476 ، الشرائع 1 : 135 ، النافع : 51 ، المنتهى 1 : 294 ، التحرير 1 : 55 ، الإرشاد 1 : 276 ، التبصرة : 41 ، النفلية : 38.
2) التهذيب 5 : 432 ، الاستبصار 2 : 336.
3) الذكرى : 256.
4) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 47 ، عن الإسكافي في المختلف : 168.
5) السرائر 1 : 342 ، المختلف : 167 ، اللمعة ( الروضة البهية 1 ) : 375 ، الدروس 1 : 209 ، البيان : 159.
6) الروضة 1 : 375 ، المسالك 1 : 49 ، روض الجنان : 397.
7) راجع ص 311.
8) الكافي 4 : 564 الزيارات ب 11 ح 5 ، التهذيب 6 : 12 - 23 ، الوسائل 14 : 362 أبواب المزار ب 17 ح 1.
9) في ص 305.
وفي صحيحة حمّاد السابقة المصرّحة بالإتمام في الإحرام الأربعة : حرم اللّه ، وحرم رسوله ، وحرم أمير المؤمنين ، وحرم الحسين (1).
ونطقت الروايات بأنّ الكوفة حرم أمير المؤمنين ، ففي رواية حسّان بن مهران عن أمير المؤمنين عليه السلام : « مكة حرم اللّه ، والمدينة حرم رسول اللّه ، والكوفة حرمي » (2).
وفي رواية خالد القلانسي : « الكوفة حرم اللّه وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين » (3).
وفي الموثّق المروي في الأمالي : « مكة حرم اللّه ، والمدينة حرم محمّد رسول اللّه ، والكوفة حرم علي بن أبي طالب » (4).
وأمّا على التحديد الرابع بالبلد فلصحيحة حمّاد المصرّحة بالإتمام في حرم الحسين عليه السلام ، والبلد حرمه قطعا إذ ورد في بعض الروايات : « إنّ حريم الحسين خمسة فراسخ » (5).
وفي مرسلة محمّد بن إسماعيل البصري : « فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر » (6).
ونحوه المروي في كامل الزيارة (7)، وصحيفة الرضا 7.
ولذا وقع الخلاف في أنّ حرم الحسين خمسة فراسخ أو أربعة أو فرسخ ، وقال
1) راجع ص 306.
2) الكافي 4 : 563 الزيارات ب 11 ح 1 ، التهذيب 6 : 12 - 21 ، الوسائل 14 : 360 أبواب المزار ب 16 ح 1.
3) الكافي 4 : 586 الزيارات ب 23 ح 1 ، التهذيب 6 : 31 - 58 ، الوسائل 5 : 256 أبواب أحكام المساجد ب 44 ح 12 ، و 13.
4) أمالي الطوسي : 682 وفيه : مكة حرام إبراهيم ، البحار 97 : 399 - 43.
5) التهذيب 6 : 71 - 132 ، كامل الزيارات : 272 - 3 ، الوسائل 14 : 510 أبواب المزار ب 67 ح 1.
6) التهذيب 6 : 71 - 133 ، الوسائل 14 : 510 أبواب المزار ب 67 ح 2.
7) كامل الزيارات : 271 - 2.
الشيخ نجيب الدين (1): والكلّ حرم وإن تفاوتت في الفضيلة.
ولا يعارض ما ذكرنا الأخبار المتضمّنة لذكر المساجد والحائر بخصوصها ، إذ استحباب الإتمام أو التخيير فيها لا يمنع منه في غيرها ولا دلالة فيها على النفي في غيرها ، غاية الأمر أن ينزّل الاختلاف على التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في الشرف ، بل مقتضى ما ذكر استحباب الإتمام في الإحرام الأربعة كما نصّ عليه ابن حمزة وابن سعيد (2).
ودليل الثاني : أمّا في تحديد الأوّلين بالبلدين فما مرّ من التفسير في الأخبار الصحيحة.
وأمّا في تحديد الثانيين بالمسجد والحائر فللاقتصار فيهما على القدر المتيقّن ، حيث إنّ الروايات المفسّرة للحرمين بما مرّ ضعيفة سندا.
ودليل الثالث على تحديد الأوّلين : ما مرّ. وعلى الثالث بالبلد فلرواية القندي (3)، وعدم الفصل بين حرم الرسول وحرم أمير المؤمنين ، قال في التهذيب : لم يفرّق أحد بين الحرمين (4)، وعلى الرابع بالحائر الاقتصار على المتيقّن.
ودليل الرابع : التصريح في الأخبار بخصوص مكة ، والاقتصار في البواقي على المتيقّن.
ودليل الخامس : الاقتصار في الجميع على المتيقّن ، وجعل التعبير في بعض الأخبار بالمساجد والحائر قرينة على إرادتها من الحرم.
أقول : بعد ما عرفت من عدم التعارض بين ما ذكر المساجد والحائر بخصوصها وبين ما ذكر البلد أو الحرم يعرف ضعف الاستدلال على التخصيص بهذه الأخبار ، وكذا يظهر ضعف التمسّك بالاقتصار على المتيقّن بحصول التيقّن
بالأخبار المذكورة. وضعف سند بعضها بعد وروده في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتبرة غير ضائر.
فأقوى الأقوال هو الأوّل ، بل لو لا الشهرة العظيمة لقلنا بالتخيير في مجموع الإحرام الأربعة كما قاله ابنا حمزة وسعيد.
ومنه يظهر جواز الإتمام في تمام بلدة كربلاء والمدينة ومكة الموجودة اليوم ، لكونها جزءا من الحرم ، أمّا مكة فظاهر ، وأمّا المدينة فلما صرّح بأنّ ما بين لابتيها حرم الرسول ، وأمّا كربلاء فلما عرفت من أنّ حرم الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ ، فلا حاجة إلى بيان تحديد البلاد الثلاثة في زمان الأئمة :.
نعم ، لمّا لم يرد تحديد في الكوفة فيقتصر فيها على ما تيقّن دخوله في البلد في زمان عمارته ، وكذلك المساجد والحائر على القول بالاختصاص ، وقد وردت في بيان التغيير في المساجد وعدمها أخبار لا يهمّنا ذكرها. ومنهم من تعدّى في الكوفة إلى الغري والنجف أيضا (1). ولا دليل تامّا عليه.
ج : مقتضى الأصول والأصول المخالفة لها بإثبات التمام في المواطن الأربعة اختصاصه بالصلاة وعدم التعدية إلى الصوم كما عليه الأصحاب ، بل هو إجماع ظاهرا كما قيل (2).
وتشعر به أيضا رواية عثمان بن عيسى حيث سئل فيها عن إتمام الصلاة والصيام ، فأجاب عن الصلاة خاصة على ما في أكثر النسخ من تأنيث الضمير (3).
بل تدلّ عليه صحيحة البزنطي : عن الصيام بمكة والمدينة ونحن [ في ] سفر ، فقال : « فريضة؟ » فقلت : لا ولكنّه تطوّع كما يتطوّع بالصلاة ، فقال : « تقول : اليوم وغدا؟ » قلت : نعم ، فقال : « لا تصم » (4). .
فإنّ المنع عن التطوع يستلزمه في غيره بطريق أولى.
وأمّا ما في بعض الروايات من قوله : « إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت » (1)فيمكن أن يكون المراد به الحتم على القصر إمّا لأنّه الغالب - كما قيل (2)- أو لاحتمال الجملة الخبرية له.
د : لا يلحق غير المواطن الأربعة بها ، للأصل.
خلافا للسيّد والإسكافي فطرّدا حكمها في جميع المشاهد الشريفة (3)في ص 311.(4)، لشرف المكان ، والتعليل المستفاد من قوله : « قد علمت يرحمك اللّه .. » في صحيحة ابن مهزيار المتقدمة (4).
ويردّ الأوّل : بمنع كونه علّة تامة.
والثاني : بأنّه يحتمل أن تكون العلّة فضل الصلاة على مطلق غيرهما كما هو المصرّح به فيها دون مطلق فضل الصلاة ، أو فضلها على بعض ما هو غيرهما ولم يعلم ذلك في سائر المشاهد.
وقد يتوهّم دلالة الرضوي عليه حيث قال : « إذا بلغت موضع قصدك من الحج والزيارة والمشاهد وغير ذلك مما قد بيّنته لك فقد سقط عنك السفر ووجب عليك الإتمام ».
وهو غلط ، لأنّ صدره هذا : « والسفر الّذي يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة هو سفر في الطاعة ، مثل الحج والغزو والزيارة وقصد الصديق والأخ وحضور المشاهد وقصد أخيك لقضاء حقه والخروج إلى ضيعتك أو مال تخاف تلفه أو متجر لا بدّ منه ، فإذا سافرت في هذه الوجوه وجب عليك التقصير ، وإن
كان غير هذه الوجوه وجب عليك الإتمام ، وإذا بلغت » (1)إلى آخر ما مرّ.
فقوله : « وغير ذلك ممّا قد بيّنته » إشارة إلى جميع الأسفار المذكورة ، وظاهر أنه لم يرد الإتمام فيها فالمراد [ من ] (2): « إذا بلغت موضع قصدك » أنّه إذا انتهى سفرك ودخلت موضع قصدك الإقامة فيه.
ه- : صرّح جماعة بأنّه لا يعتبر في الصلاة في تلك المواطن التعرض لنية القصر أو الإتمام (3).
فإن أرادوا أنّه لا يتعيّن عليه أحدهما بنيته ، فلو نوى الإتمام جاز له الرجوع إلى القصر ما لم يتجاوز المحلّ ولا يتعيّن عليه المضي على الإتمام ، وكذا لو نوى القصر جاز له العدول إلى التمام ما لم يسلّم على الركعتين ، فهو صحيح.
وكذا إن أرادوا أنّه لو لم يلتفت أوّلا إلى أحدهما ونوى الصلاة ثمَّ عيّن أحدهما في النية قبل إتمام الصلاة ، أو لم يعيّن أحدهما أيضا بل أتمّ أو قصّر مستصحبا لنية الصلاة ، لتعيّن الفعل بما يفعله من القصر أو الإتمام.
وإن أرادوا الإطلاق حتّى أن يصحّ لو دخل بنية الإتمام ثمَّ سلّم على الركعتين ساهيا أو بنيّة القصر ثمَّ صلّى الركعتين الأخيرتين ساهيا ، فالحكم بالصحة مشكل ، وإن أمكن القول بها حينئذ أيضا للأصل ، إلاّ أن يستشكل بعدم قصد التقرب في الركعتين الأخيرتين حينئذ إن نوى أوّلا القصر ، والأحوط عدم الاجتزاء بما فعل حينئذ.
وقد يقال باعتبار النية لتغاير الماهيتين.
وفيه : عدم استلزام التغاير مطلقا لوجوب التعيين في النية سيّما مع حصول التعيين بما يلحقه من الأجزاء.
و : قد صرّح جماعة من المتأخّرين منهم الشهيد في الذكرى والأردبيلي
والسبزواري والمجلسي والكاشاني وغيرهم (1)بجواز فعل النافلة الساقطة في السفر في هذه الأماكن سواء اختار القصر أو الإتمام.
وهو كذلك ، للتحريض والترغيب على كثرة الصلاة فيها ، ولما في بعض الأخبار المتقدّمة أنّ الزيادة في الصلاة خير وزيادة الخير خير (2)، وفي بعض آخر : صلّ النافلة ما شئت (3).
ويدلّ عليه أيضا ما في بعض الروايات من أنّه لو صلحت النافلة في السفر لتمت الفريضة (4).
ويدل عليه أيضا ما روي في كامل الزيارة : عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين عليه السلام ومشاهد النبي والحرمين تطوّعا ونحن نقصّر ، قال : « نعم ، ما قدرت عليه » (5).
وفيه أيضا : عن التطوع عند قبر الحسين وبمكة والمدينة وأنا مقصّر ، قال : « تطوّع عنده وأنت مقصّر بما شئت » (6).
ولا تعارض شيئا منها أخبار سقوط النوافل في السفر (7)، لاحتمال اختصاصها بما إذا تعيّن القصر وتحتّم فإنّها مصرّحة بأنه لا نافلة مع الركعتين.
ز : لو فاتت صلاة في هذه المواضع فالظاهر بقاء التخيير في قضائها وإن لم
1) الشهيد في الذكرى : 26 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 3 : 427 ، والسبزواري في الذخيرة : 413 ، والمجلسي في البحار 86 : 91 ، والكاشاني في المفاتيح 1 : 34 ، وانظر الحدائق 11 : 469.
2) راجع ص 308.
3) التهذيب 5 : 426 - 1483 ، الاستبصار 2 : 331 - 1179 ، الوسائل 8 : 533 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 33.
4) الفقيه 1 : 285 - 1293 ، التهذيب 2 : 16 - 44 ، الاستبصار 1 : 221 - 780 ، الوسائل 4 : 82 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 21 ح 4.
5) كامل الزيارات : 246 - 1 ، الوسائل 8 : 535 أبواب صلاة المسافر ب 26 ح 1.
6) كامل الزيارات : 247 - 2 ، الوسائل 8 : 535 أبواب صلاة المسافر ب 26 ح 2.
7) الوسائل 4 : 81 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 21.
يقض فيها ، لعموم قوله : « من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته » (1). ولأصالة عدم التعيين.
ولا يتخير في هذه الأماكن في قضاء ما فاتته في غيرها ، لما مرّ ، ولاختصاص التخيير بحكم التبادر بالصلوات الأدائية.
ح : الأفضل في المواطن الأربعة الإتمام ، كما يستفاد من الأخبار المذكورة تصريحا وتلويحا.
المسألة الثانية : لو أتمّ من يجب عليه التقصير عالما بوجوب التقصير عامدا في الإتمام تجب عليه الإعادة مطلقا سواء كان في الوقت أو خارجه. والظاهر أنّه متّفق عليه بين الأصحاب ، ونقل في التذكرة اتّفاقهم عليه أيضا (2).
ويدلّ عليه عدم صدق الامتثال ، وصحيحة زرارة ومحمّد : رجل صلّى في السفر أربعا ، أيعيد أم لا؟ قال : « إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له فصلّى أربعا أعاد ، وإن لم يكن قرئت [ عليه ] ولم يعلمها فلا إعادة عليه » (3).
وصحيحة الحلبي : صلّيت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر ، فقال : « أعد » (4).
وظهورها في النسيان لكون الحلبي أجلّ شأنا من أن يفعل ذلك عمدا غير ضائر ، إذ وجوب الإعادة مع النسيان يستلزمها مع العمد بالطريق الأولى.
ومفهوم صحيحة ليث المرادي : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر ، فإن صامه بجهالة لم يقضه » (5).
وفي المروي في الخصال : « ومن لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته لأنّه قد زاد
1) عوالي اللئالي 2 : 54 - 143 ، وج 3 : 107 - 150.
2) التذكرة 1 : 193.
3) التهذيب 3 : 226 - 571 ، الوسائل 8 : 506 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4 وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
4) التهذيب 2 : 14 - 33 ، الوسائل 8 : 507 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 6.
5) الكافي 4 : 128 الصيام ب 50 ح 3 ، الوسائل 10 : 180 أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 6.
في فرض اللّه عزّ وجلّ » (1).
والرضوي « وإن كنت صلّيت في السفر صلاة تامّة فذكرتها وأنت في وقتها فعليك الإعادة ، وإن ذكرتها بعد خروج الوقت فلا شيء عليك ، وإن أتممتها بجهالة فليس عليك فيما مضى شيء ولا إعادة عليك إلاّ أن تكون قد سمعت الحديث » (2).
وضعفه غير ضائر ، لانجباره بالشهرة العظيمة.
وإن لم يكن عامدا فإمّا يكون جاهلا أو ناسيا ، فهاهنا مقامان.
المقام الأوّل : أن يكون جاهلا.
فالحقّ المشهور بين الأصحاب عدم وجوب الإعادة مطلقا لا في الوقت ولا في خارجه ، بل عليه الإجماع عن ظاهر جملة من عبارات الأصحاب (3)، لصحيحتي زرارة ومحمّد وليث المتقدّمة.
خلافا للعماني (4)فيعيد مطلقا ، للأصول ، وإطلاق صحيحة الحلبي ورواية الخصال المتقدّمتين.
ويجاب عن الجميع بأعمّيته ممّا مرّ مطلقا فيجب تخصيصه به ، مضافا إلى ظهور صحيحة الحلبي في الناسي.
وللمحكي عن الإسكافي والحلبي (5)فيعيد في الوقت خاصة ، لإطلاق صحيحة العيص : عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة ، فقال : « إن كان في وقت فليعد ، وإن كان الوقت قد مضى فلا » (6).
1) الخصال : 604 ، الوسائل 8 : 508 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 8.
2) فقه الرضا عليه السلام : 162 ، مستدرك الوسائل 6 : 539 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 2.
3) حكاه في الرياض 1 : 257.
4) حكاه عنه في المختلف : 164.
5) عن الإسكافي في المختلف : 164 ، الحلبي في الكافي في الفقه : 116.
6) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 83 ح 6 ، التهذيب 3 : 169 ، 372 ، 3 : 225 - 569 ، الاستبصار 1 : 241 - 860 ، الوسائل 8 : 505 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1.
ويجاب عنه : بأنّها وإن كانت أعمّ من وجه من صحيحة زرارة ومحمّد باعتبار اختصاص الاولى بالإعادة في الوقت واختصاص الثانية بالجاهل ، إلاّ أنّها أعمّ مطلقا من الرضوي المنجبر الناصّ بعدم الإعادة في الوقت باعتبار التفصيل القاطع للشركة فيجب تخصيصها به.
بل نقول : إنّه يجمع بين الصحيحتين أيضا بتخصيص الاولى بالناسي بشهادة الرضوي.
هذا إذا حملنا الإعادة على اللغوية ، ولو حملناها على مصطلح الأصوليين لكانت أعم مطلقا من صحيحة زرارة ومحمّد أيضا ويجب تخصيصها بها.
هذا مضافا إلى ندرة هذا القول وشذوذه الموجب لخروج ما يدلّ عليه من الحجيّة.
أ : هل الحكم يختص بالجاهل بوجوب التقصير عن أصله ، أو يتعدّى إلى الجاهل ببعض أحكام السفر ككثير السفر المنقطع كثرة سفره بالإقامة أو العاصي بسفره الراجع عن العصيان في الأثناء ونحوهما؟
الظاهر : الأوّل وفاقا لأكثر من صرّح بالمسألة ، للأصل ، واختصاص الصحيحة به ، بل دلالة عموم قوله : « إن كان قرئت عليه .. » على الإعادة في غير الجاهل بالأصل.
وبذلك يخصّ عموم الجهالة لو قلنا به في صحيحة ليث والرضوي ، مع أنّ الرضوي ضعيف غير مجبور في المورد.
فتوقّف الفاضل في النهاية لا وجه له (1)، وكذا ما نقله في الحدائق (2)عن بعض مشايخه المحقّقين في شرحه على المفاتيح من معذورية الجاهل في جميع ما يتعلّق بالقصر والإتمام ، لعدم الدليل.
والاشتراك في العلّة وهو الجهل يضعّف بعدم معلومية كونه فقط علّة ، ولذا لا يعذرونه في غير المورد.
ب : لو صلّى من فرضه التمام قصرا جهلا أعاد وجوبا وقتا وخارجا ، لعدم صدق الامتثال.
ونسب في الحدائق (1)إلى بعض مشايخه القول بالصحة وبالمعذورية هنا مطلقا أيضا ، لصحيحة منصور : « إذا أتيت بلدة وأزمعت المقام عشرة فأتم الصلاة ، فإن تركه [ رجل ] جاهلا فليس عليه الإعادة » (2).
وصحيحة محمّد بن إسحاق : عن امرأة كانت معنا في السفر وكانت تصلّي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية ، قال : « ليس عليها قضاء » أو : « إعادة » (3)على اختلاف الروايات.
ولا يخفى أنّ الثانية - مع اختصاصها بصلاة المغرب - شاذّة كما صرّح به الشيخ ولم ينقل القول بمدلولها عن متقدّم ولا متأخّر ، ونسبة الذخيرة (4)القول بمعذورية المقصّر في موضع التمام إلى الجامع غير ثابت فطرحها أو تأويلها لازم.
وأمّا الأولى وإن عمل بمدلولها صاحب الجامع كما في الحدائق واستوجهه بعينه ، واستحسن العمل بها في موردها في الذخيرة (5)، إلاّ أنّها مخصوصة بما لو قصّر جهلا بعد نيّة الإقامة الموجبة للتمام ، فالتعدّي إلى غير هذه الصورة لا وجه له. نعم لا بأس في العمل بها في هذه الصورة المخصوصة ، لعدم وجود معارض لها. والأحوط القضاء حينئذ أيضا ، لعدم نسبة القول بمضمونها إلى غير من ذكر.
1) الحدائق 11 : 436.
2) التهذيب 3 : 221 - 552 ، الوسائل 8 : 506 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 3. وما بين المعقوفين من المصدر.
3) الفقه 1 : 287 - 1306 ، التهذيب 3 : 226 - 572 ، 3 : 235 - 618 ، الاستبصار 1 : 220 - 779 ، الوسائل 8 : 507 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 7.
4) الذخيرة : 414.
5) الحدائق : 11 : 436 ، الذخيرة : 414.
المقام الثاني : أن يكون ناسيا للقصر فأتمّ نسيانا.
وهو يعيد في الوقت خاصة لا مع خروجه ، على الأظهر الأشهر ، بل عليه الإجماع في ظاهر التذكرة (1)، وعن صريح الانتصار والخلاف والسرائر (2)، وفي الأخير زاد دعوى تواتر الأخبار عليه ، ونحن لم نقف منها إلاّ على الرضوي الدالّ على المطلوب صريحا كما تقدّم ، وصحيحة العيص السابقة المثبتة له إطلاقا أو عموما ، ورواية أبي بصير : عن الرجل ينسى فصلّى في السفر أربع ركعات ، قال : « إن ذكر في ذلك اليوم فليعد ، وإن لم يذكر حتّى يمضي اليوم فلا إعادة عليه » (3).
وهذه الأخبار كافية في المقام.
ولا يضرّ ضعف الأوّل ولا شمول الثاني للعامد والجاهل أيضا ، لانجبار الأوّل بما ذكر ، واختصاص عموم الثاني بغيرهما بما سبق فيهما.
كما لا يضرّ ما أورد على الثالث من أنّ المراد بذلك اليوم إن كان بياض النهار خاصة يكون حكم العشاء مهملا ، وإن كان النهار والليل كان مخالفا للمشهور.
لأنّا نقول : إنّ مقتضى الحقيقة الأوّل والإشارة ليوم الفعل أي في اليوم الّذي فعل كذا ، ولا يجب بيان حكم جميع الصلوات في جميع الروايات غاية الأمر استفادة حكم صلاة العشاء من غير تلك الرواية من الأخبار أو الإجماع المركّب ، مع أنّ كون التعبير ب- : « ذلك اليوم » كناية عن الوقت ممكن كما قيل (4).
خلافا للمحكي عن والد الصدوق والمبسوط (5)، فقالا : يعيد مطلقا ، .
1) التذكرة 1 : 193.
2) الانتصار : 52 ، الخلاف 1 : 586 ، السرائر 1 : 328.
3) الفقيه 1 : 281 - 1275 ، التهذيب 3 : 169 - 373 ، 3 : 225 - 570 ، الاستبصار 1 : 241 - 861 ، الوسائل 8 : 506 أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 2.
4) الحدائق 11 : 433.
5) حكاه عن والد الصدوق في المختلف : 164 ، وقال في المبسوط 1 : 138 : إذا صلّى المسافر فسها فصلّى أربعا بطلت صلاته ، ولكن قال في ص 137 : ومن نسي في السفر فصلّى صلاة مقيم لم يلزمه الإعادة إلاّ إذا كان الوقت باقيا فإنه يعيد.
لإطلاق صحيحة الحلبي السابقة أو عمومه الحاصل من ترك الاستفصال.
وأجيب تارة بالحمل على العامد ، واخرى بالتقييد بالوقت.
وردّ الأوّل باستبعاده عن مثل الحلبي ، والثاني بأنّ السؤال عن الترك في السفر والجواب بعد السفر ، فهو خارج الوقت قطعا.
ويمكن دفعه بأنّه إذا حملت على السؤال عن الواقعة الحادثة ، ولو حملت على المفروضة - كما هو الشائع في الأخبار - فلا يرد شيء منهما.
والأولى أن يجاب أنّها معارضة في خارج الوقت مع ما مرّ ، وهو راجح بالأشهرية رواية وفتوى والأصرحية والأحدثية ، لأنّ الرضوي متأخّر.
وللمقنع ، فيعيد إن ذكر في يومه ، فإن مضى اليوم فلا إعادة (1)، لرواية أبي بصير المتقدّمة.
فإن أراد باليوم الوقت - كما احتمله بعضهم (2)- فلا خلاف ، وإن أراد الأعم فلا دلالة للرواية على مطلوبة لأنّها إمّا ظاهرة في المشهور أو مجملة ، فلا تفيد.
ولا يلحق من نسي الإتمام الواجب عليه فقصّر بذلك ، للأصل ، وخصوص الرضوي : « وإن قصّرت في قريتك ناسيا ثمَّ ذكرت وأنت في وقتها أو غير وقتها فعليك قضاء ما فاتك منها » (3).
والظاهر عموم حكم الناسي لجميع من فرضه القصر فأتمّ سواء كان ناسيا للحكم أو للسفر أو لبعض أحكام السفر كالمكاري المقيم عشرة ، لإطلاق الروايات.
المسألة الثالثة : لو دخل الوقت في الحضر وكان المصلّي قادرا على الصلاة
تماما ولم يصلّ وسافر قبل خروج الوقت بحيث أدرك منه ركعة فصاعدا ، قصّر اعتبارا لحال الأداء ، على المنصور المشهور كما صرّح به جماعة (1)، وعن السرائر الإجماع عليه (2)، وهو مذهب السيّد في المصباح وعليّ بن بابويه والمفيد والحلّي والمحقّق (3).
للعمومات الكثيرة الكتابية والخبرية ، وخصوص صحيحة إسماعيل بن جابر : يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلّي حتّى أدخل أهلي ، فقال : « صلّ وأتمّ الصلاة » ، قلت : فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلّي حتّى أخرج ، فقال : « صلّ وقصّر وإن لم تفعل فقد خالفت - واللّه - رسول اللّه » (4).
وصحيحة محمّد : الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس ، قال : « إذا خرجت فصلّ ركعتين » (5).
ورواية الوشّاء : « إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فأتمّ ، فإذا خرجت بعد الزوال فقصّر العصر » (6).
دلّت على وجوب قصر العصر بالخروج بعد الزوال وإن دخل وقته.
والاحتجاج بهذه الرواية للقول الثاني - كما فعله بعضهم (7)- غريب ، إذ
1) لم نعثر عليه.
2) السرائر 1 : 333.
3) كما نقله الحلي في السرائر 1 : 334 ، وحكاه عن علي بن بابويه والمفيد في المختلف : 165 ، الحلي في السرائر 1 : 334 ، المحقق في المعتبر 2 : 480.
4) الفقيه 1 : 283 - 1288 ، التهذيب 3 : 163 - 353 ، 3 : 222 - 558 ، 2 : 13 - 29 ، الاستبصار 1 : 240 - 856 ، الوسائل 8 : 512 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 2.
5) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 82 ح 1 ، الفقيه 1 : 279 - 1267 ، التهذيب 3 : 224 - 566 ، الوسائل 8 : 512 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 1.
6) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 83 ح 2 ، التهذيب 3 : 161 - 348 ، الاستبصار 1 : 240 - 854 ، الوسائل 8 : 516 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 12.
7) كالعلامة (ره) في المختلف : 166.
ليس فيها إلاّ الأمر بإتمام الظهر ، ولكنّه إنّما هو حال كونه في المصر حين إرادة السفر في العصر.
والرضوي : « وإن خرجت من منزلك وقد دخل عليك وقت الصلاة ولم تصلّ حتّى خرجت فعليك بالتقصير ، وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر ولم تصلّ حتّى تدخل أهلك فعليك التمام » (1).
خلافا للمحكي عن العماني والمقنع والفاضل في جملة من كتبه وفخر المحقّقين والمسالك والروضة ونسبه في روض الجنان إلى المشهور بين المتأخّرين (2)، فيجب عليه الإتمام.
للاستصحاب ، وتحصيل البراءة اليقينية ، وصحيحة محمّد : عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق قال : « يصلّي ركعتين ، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعا » (3).
ورواية النبّال : « لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعا غيري وغيرك ، وذلك أنّه قد دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج » (4).
وموثقة الساباطي : إذا زالت الشمس وهو في منزله ثمَّ يخرج في سفر قال : « يبدأ بالزوال فيصلّيها ثمَّ يصلّي الاولى بتقصير ركعتين ، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى » وسئل : فإن خرج بعد ما حضرت الاولى ، قال : « يصلّي
1) فقه الرضا عليه السلام : 162 - 163 ، مستدرك الوسائل 6 : 541 أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 1.
2) المختلف : 165 عن العماني ، المقنع : 37 ، الفاضل في المختلف : 165 ونهاية الإحكام 2 : 164 ، والتحرير 1 : 57 ، فخر المحققين في الإيضاح 1 : 158 ، المسالك 1 : 50 ، الروضة 1 : 376 ، روض الجنان : 389.
3) الفقيه 1 : 284 - 1289 ، التهذيب 3 : 222 - 557 ، الاستبصار 1 : 239 - 853 ، الوسائل 8 : 513 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 5.
4) الكافي 3 : 434 الصلاة ب 83 ح 3 ، التهذيب 3 : 161 - 349 ، الاستبصار 1 : 240 - 855 ، الوسائل 8 : 515 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 10.
[ الأولى ] أربع ركعات ثمَّ يصلّي بعد النوافل ثمان ركعات لأنّه خرج من منزله بعد ما حضرت الأولى ، فإذا حضرت العصر صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر » (1).
والمروي في مستطرفات السرائر عن كتاب جميل : في رجل نسي الظهر والعصر في السفر حتّى دخل أهله ، قال : « يصلّي أربع ركعات » وقال لمن نسي الظهر والعصر وهو مقيم حتّى يخرج قال : « يصلّي أربع ركعات في سفره » وقال : « إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمَّ سافر صلّى تلك الصلاة الّتي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره » (2).
والمروي في البحار عن كتاب محمّد الحضرمي : إذا خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلّي؟ قال : « أربعا » قال ، قلت : فإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال : « يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله ، وإن وصل المصر فليصلّ أربعا » (3).
وللمحكي عن الصدوق في الفقيه ونهاية الشيخ وموضع من المبسوط (4)، فقالا بالتفصيل بين ضيق الوقت عن التمام فالأوّل وسعته فالثاني.
للجمع بين الفريقين ، وموثّقة إسحاق بن عمّار (5)، ومرسلة الحكم بن مسكين : في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال : « إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتمّ ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر » (6). .
1) التهذيب 2 : 18 - 49 ، الاستبصار 1 : 222 - 785 ، الوسائل 4 : 85 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 23 ح 1. وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
2) مستطرفات السرائر : 46 - 5 ، الوسائل 8 : 516 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 13 و 14.
3) البحار 86 : 55 - 18.
4) الفقيه 1 : 284 ذيل الحديث 1289 ، النهاية : 123 ، المبسوط 1 : 141.
5) التهذيب 3 : 223 - 559 ، الاستبصار 1 : 240 - 857 ، الوسائل 8 : 514 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 6.
6) الفقيه 1 : 284 - 1290 ، التهذيب 3 : 223 - 560 ، الاستبصار 1 : 241 - 858 ، الوسائل 8 : 514 أبواب صلاة المسافر ب 21 ح 7.
وكون موردهما صورة دخول الوقت في السفر وإيقاع الصلاة في الحضر لا يضرّ ، لاشتراك العلّة المستفادة من التفصيل بين عدم خوف الخروج وخوفه.
وللمحكي عن الخلاف ، فخيّر مع استحباب التمام (1)، ونسبه بعضهم إلى الإسكافي أيضا ولكن من غير استحباب التمام ، واحتمله في كتاب الحديث (2).
للجمع بين روايات المسألة ، ولأنّه القاعدة بعد التعادل وعدم الترجيح ، ولصحيحة منصور : « إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتّى يدخل أهله فإن شاء قصّر وإن شاء أتمّ ، والإتمام أحبّ إليّ » (3).
وظاهر الذخيرة وبعض آخر التوقّف بين القولين الأوّلين (4)، لتعارض الصحيحين فيهما واحتمال حمل كلّ منهما على الآخر.
أقول : لا يخفى أنّه لو سلّم تعارضهما وتكافؤهما من جميع الوجوه يلزم المصير إلى التخيير ، لأنّه القاعدة عند المجتهدين عند التعادل.
ومنه يظهر سقوط الخلاف الأخير.
كما يسقط القول المتقدّم عليه بقصور أدلّته جدّا.
أمّا الأوّل فلعدم انحصار وجه الجمع بذلك كما يأتي ، مع أنّه ينافي ذلك الجمع ما في صحيحة ابن جابر المتقدّمة من الحلف باللّه أنّه لو لم يقصّر فقد خالف رسول اللّه.
وأمّا الثاني فلأنّ الرجوع إلى التخيير إنّما هو بعد اليأس عن الترجيح ، ولا يأس هنا كما يأتي ، مع أنّه لا يقتضي استحباب التمام.
وأمّا الثالث فلأنّ مورده المسألة الآتية ، أعني القدوم عن السفر ، دون ما
نحن فيه ، وتلازمهما حكما غير معلوم. مع أنّها في موردها أيضا غير تامّة كما يأتي.
مع تجويز إرادة أنّه إن شاء صلّى في الطريق فقصّر وإن شاء صلّى في الأهل فأتمّ ، كما حمله عليها الفاضل (1)، ويقربها صحيحة محمّد : في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة ، فقال : « إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل فليتمّ ، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ وليقصّر » (2).
واحتماله التقية ، لأنّه - كما نقله في الحدائق عن بعض مشايخه (3)- مذهب بعض العامة.
ويظهر من بعض ما ذكر قصور دليل القول المتقدم على ذلك القول أيضا ، لعدم انحصار الجمع بما ذكراه ، وورود الموثّقة في عكس المسألة ، وعدم دلالة الشرط على كونه فقط هو العلّة فلعلّه علّة في مورد الموثّقة فإنّ الشرط مغاير للسبب ، هذا مع احتمالها ما دلّت عليه صحيحة محمّد السابقة من التفصيل بين الصلاة في الطريق والمنزل بل ذلك الاحتمال مساو مع الاحتمال الآخر ، لعدم دلالتها على الأزيد من إرادة القدوم لا حصوله.
ومنه يظهر سقوط ذلك القول أيضا فبقي القولان الأوّلان.
وقد يرجّح الثاني بكون أخباره أخص مطلقا من أخبار الأوّل ، إذ أخبار الأوّل أعم من أن يدخل وقت الصلاة ويمضي كاملة الشرائط في الحضر ليحصل استقرارها في الذمة - كما هو محلّ البحث ومحطّ أنظار أرباب القول الأوّل - أو يدخل الوقت من غير أن يمضي ذلك المقدار ، وأخبار الثاني مخصوص بالأوّل ضرورة عدم وجوب التمام لو لم يمض هذا القدر فيجب تخصيص الأوّل بالثاني. مع أنّ صحيحة محمّد مخصوصة بنفسها بذلك ، لأنّه الظاهر من قوله : « حين تزول
الشمس ».
وفيه - بعد منع خصوصيّة أخبار الثاني من هذه الجهة ، لأنّها أيضا أعمّ من الخروج قبل مضي وقت الصلاة كاملة الشرائط ، والاختصاص بدليل من خارج لا يقتضي خصوصية الخبر - : أنه لو سلّم عموم الأوّل من هذه الجهة فلا شك أنّ الثاني أيضا عام من جهة الخروج عن محل الترخّص وعدمه ، فيتعارضان بالعموم من وجه دون المطلق ، بل يظهر من ذلك أنّ الأوّل أخص مطلقا لأنّ إخباره صريحة في دخول الوقت في المنزل ، ولا شكّ أنّ الخروج إلى محل الترخّص بعد دخول الوقت في المنزل يستلزم مضيّ وقت الصلاتين غالبا بل وأكثر ، ولا أقلّ من إحداهما قطعا ، مع أنّ قوله في صحيحة ابن جابر : « فلا أصلّي حتّى أخرج » كالصريح في تمكّنه قبل الخروج من الصلاة.
مع أنّ التخصيص المذكور لا يلائم تأكيد الحكم بالقسم في الصحيحة ، لأنّ الظاهر منه رفع ما يتوهّم من وجوب التمام أو جوازه ، وليس هو إلاّ بعد مضي وقت الصلاة كاملة الشرائط.
وعلى هذا فيكون الأوّل أخصّ مطلقا من الثاني فيجب تخصيصه به ، مضافا إلى ترجيح الأوّل بموافقة عموم قوله سبحانه ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) (1)وبالأحدثية ، لاشتماله على الرضوي ورواية الوشّاء عن الرضا عليه السلام ، وهما من المرجّحات المنصوصة ، وبنقل الإجماع ، والأشهريّة فتوى كما صرّح به جماعة منهم المحقّق (2)، بل رواية لعدم تماميّة غير صحيحة محمّد حجّة للقول الثاني : أمّا رواية النّبال فلعدم معلوميّة محل الخروج ، فلعلّ موضع تكلّمه عليه السلام - أي الشجرة - كان ما دون حدّ الترخّص ، ولعلّه كان هناك شجرة معهودة وأراد أنّا لم نخرج عن حدّ الترخص ونريد الصلاة حينئذ فيجب علينا الأربع بخلاف الباقين فإنّهم قد تجاوزوا ، وحمل الشجرة على مسجد الشجرة لا دليل
عليه.
وأمّا الثلاثة المتعقّبة لها فلعدم دلالتها على الوجوب ، مضافا إلى تفرقة الموثقة بين وقتي الفضيلة والإجزاء أو الإجزاء والاختيار ، وهي في أحد حكميها موافقة للقول الأوّل وفي الآخر للثاني فلا ترجيح لجعلها دليلا على الثاني.
وضعف الأخيرتين سندا. فتبقى أدلّة القول الأوّل سليمة عن المعارض المقاوم. وبها يخرج عن الاستصحاب أيضا.
وقد يدفع أيضا بأنّه إن أريد استصحاب نفس الحضر فهو قد انقطع ، وإن أريد استصحاب حكمه فتعلّق الإتمام به عينا ممنوع ، ومخيّرا في إيقاعها في أجزاء الوقت يستلزم تخييره بين ما يستتبعه كلّ جزء ، فقد يصير تكليفه الصلاة بالتيمم وغير ذلك (1).
وفيه : أنّ المستصحب هو وجوب التمام التخييري بين أجزاء الزمان ، وهو وإن استلزم التخيير بين ما يستتبعه ولكن الشك فيما يستتبعه.
وأمّا الاستدلال بحصول اليقين بالتمام ففساده ظاهر ، لأنّ القصر والإتمام ماهيتان مختلفتان.
ومن ذلك يظهر سقوط القول الثاني أيضا ، مع أنّه يمكن أن يكون المراد من قوله في صحيحة محمّد : « يدخل من سفره » أي يشرف عليه وكأنّ في الإيراد بصيغة المضارع إعانة على ذلك ، وكذلك المراد من : « خرج إلى سفره » أراد الخروج وأشرف عليه.
المسألة الرابعة : لو دخل عليه الوقت في السفر ولم يصلّ حتى دخل منزله فالمشهور بين المتأخّرين بل مطلقا - كما قيل - وجوب الإتمام ، وهو الأقوى ، فيعتبر أيضا حال الأداء ، وبه قال جمع ممّن قال في المسألة السابقة باعتبار حال الوجوب ، أو توقّف كالفاضل والشهيدين وصاحب الذخيرة (2).
لصحيحة إسماعيل والرضوي وصحيحة محمّد الثالثة المتقدّمة جميعا (1)، وصحيحة العيص : عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمَّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها ، قال : « يصلّيها أربعا » وقال : « لا يزال يقصّر حتى يدخل بيته » (2).
ويدلّ عليه أيضا مفهوم الغاية في الأخبار المتكثرة من الصحاح وغيرها الناطقة بأنّ المسافر يقصّر حتى يدخل بيته أو أهله أو منزله (3).
والأقوال المخالفة في هذه المسألة أيضا كسابقها.
فقيل : يقصّر ، ولكنه مجهول القائل بل غير معلوم الوجود إذ نقله الشهيد في الذكرى ، وفي كلامه دلالة واضحة على أنّ فيه سهوا منه أو من النسّاخ (4).
وقيل بالتخيير (5).
وقيل باعتبار المواسعة والمضايقة (6).
دليل التقصير : صحيحة محمّد الثانية (7).
ولا دلالة لها ، إذ المذكور فيها : « يدخل من سفره » بصيغة المضارع ولا دلالة لها على حكم بعد الدخول.
ورواية زرارة (8)في قضاء هذه الصلاة لو لم يفعلها في المنزل أيضا.
وهي خارجة عن المقصود ، لمنع التلازم بين حكم الأداء والقضاء لو سلّم في القضاء.
وحجّة التخيير : صحيحة منصور السالفة (1).
وهي كانت دالة لو قال : فسار حتّى دخل أهله ، إلاّ أنّ فيها : « حتى يدخل أهله » فلا دلالة لها على وصول المنزل ، ولا شك أنّه في الطريق مخيّر بين أن يقصّر بأن يصلّي في الطريق أو يتم بأن يدخل المنزل.
ومستند التفصيل : موثقة إسحاق بن عمّار ومرسلة الحكم المتقدّمتان (2).
وفيهما : أنّهما كانتا تدلاّن لو كان : « قدم » بدل : « يقدم » وأمّا مع قوله : « يقدم » فلا يدل ، لأنّه بعد في الطريق ولا شك في أنّه مع خوف الفوات يجب عليه التقصير بالإتيان بالصلاة في السفر قطعا.
المسألة الخامسة : لا شكّ في أنّ المعتبر في القصر والإتمام حال الفوات دون الفعل ، وفي المدارك : أنّه مذهب العلماء كافّة إلاّ من شذّ (3)أي من العامة.
وتدل عليه - مع الإجماع - صحيحة زرارة : رجل فاتته صلاة من صلاة السفر ، فذكرها في الحضر ، فقال : « يقضي ما فاته كما فاته ، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها ، وإن كانت صلاة الحضر فيقضي في السفر صلاة الحضر كما فاتته » (4).
وروايته : « إذا نسي الرجل صلاته أو صلاّها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر ، فذكرها ، فليقض الّذي وجب عليه لا يزيد على ذلك ولا ينقص ، ومن نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما ، وإن نسي ركعتين صلّى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما » (5).4.
ولو اختلف حال الوجوب وحال الفوات ، كمن دخل عليه الوقت في الحضر فسافر قبل الصلاة ونسيها أو عكس ذلك ، فالمشهور اعتبار حال الفوات لا حال الوجوب ، فيقضي - على المختار في المسألتين السابقتين - قصرا في الاولى وتماما في الثانية ، للصحيحة المتقدّمة ، وعموم قوله : « فليقض ما فاته كما فاته » ولبعض الوجوه الاعتبارية الضعيفة.
خلافا للمحكي عن والد الصدوق والسيّد (1)، والشيخ والإسكافي والحلّي (2)مدّعيا عليه الإجماع.
وتدلّ عليه رواية زرارة : عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر ، فأخّر الصلاة حتّى قدم ، فهو يريد أن يصلّيها إذا قدم إلى أهله ، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها ، قال : « يصلّيها ركعتين ، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر فكان ينبغي أن يصلّي عند ذلك » (3).
وهي صريحة في مطلوبهم ومع ذلك معتبرة ، وبنقل الإجماع وفتوى الأعيان مجبورة ، وأخص مطلقا ممّا مرّ ، فرفع اليد عنها بالمرة لا وجه له.
وردّها بأنّها مبنيّة على اعتبار حال الوجوب لا الأداء في حال الأداء وهو باطل (4)، كلام سخيف في غاية السخافة.
إلاّ أنّها مخصوصة بأحد شقيّ المسألة ، ومع ذلك دلالتها على الوجوب غير واضحة لمكان الجملة الخبرية ، فغايتها إثبات الرجحان ، إلاّ أن يجبران بالإجماع المركب ، مضافا في الأوّل إلى عموم العلّة ظاهرا ، ولكن في ثبوت ذلك الإجماع تأمّلا ، والاحتياط لا ينبغي أن يترك ، وهو بالقصر والإتمام معا ، أو اعتبار حال
الفوات كما هو المشهور ، حيث إنّ صراحة الرواية المخالفة في وجوب خلافه غير معلومة.
المسألة السادسة : يستحبّ جبر الصلوات المقصورات بذكر التسبيحات الأربع المشهورة في عقيبها ثلاثين مرّة ، لرواية المروزي : « يجب على المسافر أن يقول في دبر كلّ صلاة يقصّر فيها : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر ، ثلاثين مرة » (1).
وظاهر الرواية وإن كان الوجوب إلاّ أنّه لا قائل به ، فيحمل على مطلق الثبوت أو تأكّد الاستحباب.
اللّهم اجبر تقصيراتنا بعفوك يا جبّار ، واغفر خطيئاتنا برحمتك يا غفّار.
هذا آخر كتاب الصلاة من كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة ، وبتمامه تمَّ المجلّد الثاني ، والحمد لله على توفيقه للإتمام ، والصلاة على سيّد الأنام وآله الغرّ الأماجد الكرام.
كتبه مؤلّفه الفقير المعترف بكثرة الخطايا والتقصير أحمد بن محمّد مهدي النراقي تجاوز اللّه عن سيّئاتهما.
وكان الفراغ ببلدة كاشان في يوم الجمعة عاشر شهر شعبان المعظّم من السنة الرابعة والثلاثين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على هاجرها ألف صلاة وتحيّة.
1) التهذيب 3 : 230 - 594 ، الوسائل 8 : 523 أبواب صلاة المسافر ب 24 ح 1.
في صلاة الجماعة
فضل صلاة الجماعة... 7
عدم وجوب الجماعة... 11
ما تجوز فيه الجماعة :
عدم وجوب الجماعة في غير الجمعة والعيدين... 13
استحباب الجماعة في الفرائض... 13
عدم جواز الجماعة في النوافل... 14
شرائط تحقق الجماعة :
العدد... 19
نية الاقتداء... 20
لو شك في أنه نوى الانفراد أو الجماعة... 20
وجوب كون المنوي إماما واحدا معينا... 20
هل تجب على الامام نية الجماعة؟... 22
شرائط إمام الجماعة :
العقل... 25
الايمان... 26
العدالة... 26
طهارة المولد... 31
البلوغ... 32
الذكورة... 34
هل تجوز إمامة المرأة لمثلها؟... 35
التمكن من القيام إن كان المأموم قائما... 40
عدم كونه أميا... 41
الشرائط المستحبة للامام :
عدم كونه أجذم ولا أبرص... 43
عدم كونه محدودا... 45
عدم كونه الأغلف... 46
عدم كراهة المأمومين إمامته... 46
مسائل ثلاث :
الأولى : أولوية صاحب المسجد وصاحب المنزل بالإمامة... 47
أولوية الهاشمي... 48
أولوية الأقرأ والأكبر والأعلم... 48
هل المستحب تقدم الامام الراجح أو تقديم المأموم له؟... 50
هل تنتفي الأولوية بإذن الراجح؟... 51
اختصاص أولوية تقديم الراجح بصورة حضوره... 51
استحباب ايتمام غير الراجح بالراجح... 51
الثانية : حكم تشاح الأئمة... 52
الثالثة : مطلوبية الاقتداء بالمخالفين عند التقية... 52
شرائط صحة الجماعة :
اشتراط عدم الحائل بين الامام والمأموم... 55
حكم الحائل القصير... 56
جواز حيلولة المأمومين... 58
حكم المصلي بحذاء الباب... 59
اشتراط انتفاء الحائل استدامة... 61
عدم اشتراط دخول الصف المتقدم في الصلاة... 61
جواز الحيلولة إذا اقتدت امرأة برجل... 62
اشتراط عدم علو الامام بالنسبة إلى المأموم... 63
اختصاص هذا الشرط بغير الأرض المنحدرة... 64
قدر العلو المانع... 64
جواز علو المأموم... 65
اشتراط عدم تباعد المأموم... 66
المراد ب « ما لا يتخطى »... 66
مقدار البعد المبطل... 69
هل يشترط عدم التباعد استدامة؟... 71
حكم دخول الصف المتأخر قبل المتقدم... 71
حكم تجاوز طرف الصف المتأخر عن المتقدم... 71
حكم حيلولة نحر البئر والنهر... 72
اشتراط عدم تقدم المأموم على الامام... 72
حكم استدارة المأمومين حول الكعبة... 73
عدم وجوب القراءة على المأموم الغير المسبوق في الأوليين من الجهرية... 74
حكم القراءة مع سماع صوت الامام... 77
حكم القراءة مع عدم سماع صوت الامام... 82
حكم قراءة المأموم في الأوليين من الاخفاتية... 84
ما يجب على المأموم في الركعتين الأخيرتين... 86
استحباب التسبيح حال قراءة الإمام في الأوليين... 91
عدم سقوط القراءة في الاقتداء بالامام الغير المرضي... 92
اشتراط متابعة المأموم للامام في الافعال... 94
وجوب المتابعة في تكبيرة الاحرام... 95
حكم المتابعة في الأذكار... 95
المراد بالمتابعة وحكم المقارنة... 96
حكم تقدم المأموم في الافعال... 98
التحقيق في مسألة تقدم المأموم... 105
لو خالف المأموم المتقدم وظيفته... 106
لو تقدم على الامام بتمام فعل... 106
لو تأخر عن الامام سهوا أو عمدا... 107
مستحبات الجماعة :
وقوف المأموم الواحد عن يمين الامام... 110
وجوب تأخر المأموم الواحد إن كانت امرأة... 112
وقوف الامام وسط الصف... 113
وقوف أهل الفضل في الصف الأول... 114
إقامة الصفوف واعتدالها... 115
تقارب الصفوف... 116
تسبيح المأموم إذا فرغ من قراءته قبل الامام... 116
صلاة الامام بصلاة أضعف المأمومين... 117
عدم قيام الامام من مقامه حتى يتم من خلفه... 118
إسماع الامام من خلفه القراءة والأذكار... 119
تطويل الامام ركوعه انتظارا للداخلين... 120
التحميد بعد فراغ الامام من قراءته... 120
قيام المأمومين عند قول « قد قامت الصلاة »... 121
مكروهات الجماعة :
وقوف المأموم وحده في صف... 121
التنفل بعد قول المؤذن « قد قامت الصلاة »... 122
تخصيص الامام نفسه بالدعاء... 123
التكلم بعد قول المؤذن « قد قامت الصلاة »... 123
اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس... 124
إمامة المتيمم للمتوضي... 127
إمامة المملوك... 128
أحكام الجماعة :
لو ظهر بعد الصلاة فقدان الامام للشرائط... 130
لو تبين الخلل في أثناء الصلاة... 134
وجوب الاعلام على الامام لو عرض له خلل في أثناء الصلاة... 134
حكم مشي المأموم في الركوع للالتحاق بالصف... 135
جواز قطع النافلة لادراك الجماعة... 139
جواز العدول من الفريضة إلى النافلة لادراك الجماعة... 140
هل يقيد جواز قطع النافلة بخوف فوات الجماعة؟... 141
هل يستحب القطع أو العدول أو يباح؟... 141
هل يقيد جواز العدول بخوف فوات الركعة؟... 141
محل العدول في الصلاة... 141
حكم قطع النافلة المعدول إليها... 142
لو علم فوات الجماعة مع العدول أيضا... 142
حكم العدول عن الفريضة الثنائية... 142
وجوب جعل المأموم ما يدركه أول صلاته... 143
حكم قراءة المأموم المسبوق... 145
فروع في المأموم المسبوق... 148
لو أدرك الامام قبل السجدة... 155
لو أدرك الامام بعد دخول السجدة... 158
جواز تسليم المأموم قبل الامام... 160
حكم الانفراد في أثناء الجماعة... 162
عدم جواز الانفراد في الجماعة الواجبة... 164
حكم القراءة إذا انفرد في الأثناء... 164
هل يجوز عدول المنفرد إلى الجماعة؟... 164
حكم العدول عن اقتداء إمام بإمام آخر في أثناء الصلاة... 164
هل يجوز اقتداء المأموم تتمة صلاته بإمام آخر؟... 164
حكم الاستنابة لو عرض للامام عارض في أثناء الصلاة... 165
استحباب الاستنابة إذا كان الامام مسافرا... 166
كراهة استنابة المسبوق... 166
جواز اقتداء المفترض بمثله في الصلوات اليومية... 166
حكم اقتداء المفترض بالمتنفل وبالعكس... 167
اعتبار توافق نظم الصلاتين في الجماعة... 168
استحباب إعادة المنفرد صلاته جماعة... 168
كيفية النية في الصلاة المعادة... 169
هل تستحب إعادة الجماعة لمن صلى جماعة؟... 170
لو علم المأموم في أثناء الصلاة نجاسة ثوب الامام أو بدنه... 171
جواز اقتداء أحد المجتهدين بالآخر ولو علما اختلاف فتواهما... 172
صلاة المسافر
شروط القصر :
الأول : المسافة... 177
تحديد الفرسخ... 183
هل يجب القصر في الثمانية الملفقة من الذهابية والايابية؟... 186
حكم الأربعة الممتدة مع إرادة الرجوع ليومه... 190
فروع في مسافة الأربعة الممتدة... 192
حكم الأربعة الممتدة إن لم يرد الرجوع ليومه... 193
دليل القائلين بوجوب الاتمام... 194
دليل القائلين بوجوب القصر... 196
دليل القائلين بالتخيير... 200
دليل القائلين بالتفصيل بين تخلل القاطع وعدمه... 202
مختار المصنف في المسألة... 204
مبدأ تقدير المسافة... 208
لو قصد المسافة في زمان يخرج عن اسم المسافر... 209
اعتبار المسافة في سفر البحر... 211
اعتبار العلم ببلوغ المسافة في جواز القصر... 211
هل يجب الفحص عند الشك في بلوغ المسافة؟... 212
لو سافر مع ظن عدم بلوغ المسافة ثم ظهر أن المقصد مسافة... 212
عدم كفاية الظن ببلوغ المسافة... 212
عدم انضمام الذهاب مع الاياب في مسافة الأربعة... 212
لو كان لبلد طريقان أحدهما مسافة... 213
لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ... 213
لو قصد المسافة عرضا... 214
لو ذهب من طريق وقصد الرجوع من طريق آخر... 215
الشرط الثاني : قصد المسافة... 215
هل يضم باقي الذهاب مع الاياب؟... 216
اشتراط استمرار قصد المسافة... 217
حكم إعادة الصلاة المقصورة لو رجع عن قصد المسافة... 219
كفاية قصد المسافة النوعية... 219
لو رجع عن قصد المسافة بعد بلوغ الأربعة... 220
هل يكفي الظن في قصد المسافة؟... 221
حكم التابع للمسافر... 221
حكم المكره في السفر... 222
الشرط الثالث : عدم انقطاع السفر بأحد القواطع... 222
لو قصد أحد القواطع في أثناء السفر... 225
لو احتمل التردد ثلاثين يوما أو حصل من غير قصد... 225
انقطاع السفر بالوصول إلى الوطن... 226
نقل الأقوال في ما يتحقق به الوطن القاطع... 227
بيان أدلة الأقوال والمناقشة فيها... 229
المختار في ما يتحقق به الوطن... 240
اعتبار صدق الأهل في الوطن العرفي... 241
عدم اشتراط الملك في المنزل... 241
هل يجب التوالي في إقامة الستة أشهر؟... 242
كفاية الإقامة العرفية في الستة أشهر... 242
عدم اشتراط الإقامة في خصوص المنزل... 242
وجوب إتمام الصلاة في ستة أشهر لأجل الإقامة... 242
إمكان التعدد في الوطن الشرعي والعرفي... 243
انقطاع السفر بالوصول إلا موضع نوى الإقامة فيه عشرة أيام... 243
ما يحصل به إرادة إقامة العشرة... 245
اشتراط التوالي في عشرة أيام... 246
نقل الأقوال في معنى الإقامة... 246
تحقيق في معنى الإقامة والضابط فيها... 250
لو عزم على الإقامة في رستاق وانتقل فيه من قرية إلى قرية... 253
لو نوى الإقامة ثم بدا له الخروج... 254
دخول الليالي في عشرة أيام... 257
اعتبار عشرة أيام تامة... 257
لو حصل قصد الإقامة في أثناء صلاة مقصورة... 258
لو رجع عن قصد الإقامة... 258
انقطاع السفر بالتردد شهرا في موضع... 261
الشرط الرابع : كون السفر مباحا... 262
أقسام السفر الذي يعصى فيه... 264
حكم الصلاة والصوم في سفر الصيد... 267
اعتبار إباحة السفر ابتداء واستدامة... 270
لو رجع عن قصد المعصية في أثناء السفر... 270
حكم الصلاة في العود إلى المنزل في سفر المعصية... 271
عدم حرمة السفر الذي قارن المعصية... 271
لو أكره على سفر المعمية... 272
لو تعلق الاكراه على نفس السفر دون وقته... 272
حكم الشاك في صدور المعصية في السفر... 273
حكم التابع للغير في سفر المعصية... 273
الشرط الخامس : عدم كون السفر عملا للمسافر... 273
علة اختلاف تعابير الفقهاء عن عنوان المسألة... 275
اشتراط الاتخاذ والقصد والشروع في صدق العنوان... 277
هل يتوقف الاتمام على تكرر السفر؟... 278
اشتراط عدم إقامة عشرة أيام في بلد... 279
هل يحتاج إقامة العشرة إلى نية الإقامة؟... 282
اشتراط التوالي في العشرة... 283
هل يختص مانعية إقامة العشرة بالمكاري؟... 284
حكم التقصير في السفر الثاني بعد إقامة العشرة... 285
حكم إقامة خمسة أيام... 286
وجوب التقصير على المكاري والجمال إذا جد بهما السير... 287
لو أنشأ سفرا آخر غير الذي عمله... 289
الشرط السادس : الخروج إلى حد الترخص... 291
النصوص الواردة والاختلاف بينها... 292
عدم كفاية تواري البيوت لأجل الحائل... 296
المناط عدم سماع أذان آخر البلد وتواري بيوته... 296
عدم اعتبار سواد البلد وأعلامه ومناراته... 297
المعتبر هو الاذان المتوسط والأرض المتوسطة... 297
عدم اعتبار هذا الشرط في الهائم والعاصي بعد زوال مانعهما... 297
هل يعتبر هذا الشرط في البلد الذي أقام فيه عشرة أو ثلاثين مترددا؟... 297
هل يعتبر هذا الشرط في العود من السفر؟... 298
هل يعتبر هذا الشرط في بلد أراد فيه إقامة العشرة؟... 302
أحكام القصر :
التخيير بين القصر والاتمام في المواطن الأربعة... 304
خلاف الصدوق في المسألة... 309
خلاف السيد والإسكافي... 313
تحديد المواطن الأربعة... 314
عدم شمول التخيير الصوم... 317
عدم شمول التخيير للمشاهد المشرفة... 318
هل يعتبر نية القصر أو الاتمام في المواطن الأربعة؟... 319
جواز أداء النوافل في المواطن الأربعة... 320
بقاء التخيير في قضاء الصلوات الفائتة في تلك المواطن... 320
لو أتم من يجب عليه القصر عالما عامدا... 321
لو أتم من يجب عليه القصر جاهلا... 322
لو قصر من يجب عليه الاتمام جاهلا... 324
لو أتم من يجب عليه القصر ناسيا... 325
لو دخل الوقت في الحضر فسافر قبل الصلاة... 327
لو دخل الوقت في السفر ووصل البلد قبل الصلاة... 333
يعتبر في القضاء حال الفوات لا حال الفعل... 335
لو اختلف حال الوجوب وحال الفوات... 336
استحباب التسبيحات الأربع عقيب الصلوات المقصورة... 337