بحوث فی الملل و النحل جلد 6

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308

عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیه‌السلام 1427ق

مشخصات ظاهری:9ج

يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366

یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348

مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--

موضوع : اسلام -- فرقه‌ها

رده بندی کنگره : BP236/س‌2ب‌3 1368

رده بندی دیویی : 297/5

شماره کتابشناسی ملی : م‌68-3742

محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی

اشارة

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

موسسه الامام الصادق علیه‌السلام

1427ق

المدخل

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيه و آله

و على رواة سنّته و حملة أحاديثه و حفظة كلمه.

تمهيد

اشارة

الحمد للّه الّذي علا بحوله، و دنا بطوله، و الصلاة و السلام على سيّد رُسله و خاتم أنبيائه، الّذي بعثه لإنجاز عدته، و إتمام نبوّته، و على آله الّذين هم موضع سرّه، و ملجأ أمره، و عيبة علمه، و موئل حكمه، صلاة دائمة ما دام الفرقدان، و كرّ الجديدان.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء السادس من موسوعتنا في دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية و قد درسنا الفِرَق المشهورة، و لم تبق إلّا الشيعة بفرقها الثلاث المنتشرة في العالم: الإمامية، و الزيدية، و الإسماعيلية.

نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا في دراسة مذهب الشيعة، الّذين جنى عليهم كثير من المؤرّخين و كُتّاب المقالات و الفرق، و كتبوا عنهم أشياءً كثيرة هم برآء منها. و لم يرجعوا عند البحث عن عقائد هذه الفرقة إلى مؤلّفاتهم و كتبهم و آثارهم، و إنّما اعتمدوا على أفواه الرجال و نقلة الأخبار، فصاروا كحاطب ليل يجمع في حزمته كلّ رطب و يابس، و الحقّ كما يقول بعض الأساتذة: إنّه تطوّر كلّ شيء إلّا الكتابة عن الشيعة، و لكلّ بداية نهاية إلّا الافتراء على الشيعة، و لكلّ حكم مصدره و دليله إلّا الأحكام على الشيعة.(1)


1) . عبد اللّه بن سبأ: 9/1 (مقدّمة الطبعة الثالثة بقلم الأُستاذ المغفور له محمّد جواد مغنية).

و نشكر القرّاء الكرام الذين شجّعونا برسائلهم على مواصلة بحث و دراسة هذه المواضيع الهامّة في تاريخ أُمّتنا المجيدة، و نتقدّم بالشكر إلى العلماء الذين يقدّمون لنا النقد البنّاء، فإنّ العصمة للّه و لمن عصمه.

جعفر السبحاني

قم المقدّسة

28 شعبان المعظم 1412 ه

الشيعة لغةً و اصطلاحاً

الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، و ربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: «فَاسْتَغٰاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ»(1)و قال تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ * إِذْ جٰاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(2)، فالشيعة هم الجماعة التابعة لرئيس لهم.

و أمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:

1 - الشيعة: مَن أحبّ عليّاً و أولاده باعتبارهم أهل بيت النبيّ الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّ و جلّ: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(3)، و الشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلّا النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم و آله في صلواتهم و أدعيتهم و يتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً و مساءً، و هذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:

يا أهلَ بيتِ رسول اللّه حبُّكُمُ *** فَرضٌ من اللّهِ في القرآن أنْزلهُ

كَفاكُمُ من عَظيم الشّأن أنّكمُ *** من لم يُصلِّ عليكم لا صلاة لَهُ‌(4)

و أمّا النواصب فهم الذين نصبوا لعلي و أهل بيته العداء و تلقّوه فريضة دينية و أعانهم على ذلك مرتزقة أصحاب البلاط، و ترجع جذور هذه الفكرة إلىٰ


1) . القصص: 15.

2) . الصافّات: 83-84.

3) . الشورى: 23.

4) . الصواعق المحرقة: 148.

معاوية حيث سنّ سبّ عليّ علىٰ المنابر و تبعه أولاده و عشيرته إلى أواخر الدولة الأموية، و كتب ابن أبي سفيان إلىٰ عمّاله في جميع الآفاق: انظروا إلى من أُقيمت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً و أهل بيته، فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه».

ثمّ كتب نسخة أُخرى إلى عمّاله و شدّد الأمر فيها و قال: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و اهدموا داره.

و على هذا المنشور قام الخطباء في كلّ كورة و على كلّ منبر يَلعَنون عليّاً و يبرءون منه و يقعون فيه و في أهل بيته....(1)

2 - الشيعة: من يفضّل عليّاً على عثمان أو على الخلفاء عامّة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، و إنّما يقدّم لاستفاضة مناقبه و فضائله عن الرسول الأعظم، و الّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم و مسانيدهم، و هي تُلزم الإنسان الاعتقاد بأنّه أفضل الصحابة، و على ذلك معتزلة بغداد و قليل من أهل الحديث، و على ذلك الاصطلاح جرىٰ أكثر من كتب في الرجال و التراجم و المقالات حيث يصفون قليلاً من الصحابة و كثيراً من التابعين بأنّه يتشيّع، أو أنّه شيعي، و ربّما يعدّونه من أسباب الجرح، و كأنّ حبّ أهل البيت عمل إجرامي، أو أنّ تقدّم الخلفاء على عليّ أصل من أُصول الدين لا يجوز تجاوزه، مع أنّ الإمامة من الفروع عند أهل السنّة فكيف درجات الخلفاء و رتبهم؟!

و ربّما يختلط الأمر على من ليس له إلمام بالاصطلاح، فلا يفرّق بينهما،


1) . و سيوافيك مصدره و بيان عداء ابن أبي سفيان للإمام و عترته و شيعته.

و أكثر من يستعمل هذا الاصطلاح هو الذهبي في «ميزان الاعتدال» و «سير أعلام النبلاء» فيصف بعض التابعين و المحدّثين بالتشيّع ملمّحاً بذلك إلى ضعفهم، و قد رُمي أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري بالتشيّع كمعتزلة بغداد، و المقصود تفضيلهم عليّاً على سائر الخلفاء لا أنّه الإمام المنصوص بالخلافة.

3 - الشيعة: مَن يشايع عليّاً و أولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول و أئمّة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه، و ذكر أسماءهم و خصوصيّاتهم، و الشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنها في المقام، و قد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، و ذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم(1)و هو يقول في بعض خطبه:

«لا يقاس بآل محمّد من هذه الأُمّة أحد، و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين، و عماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حق الولاية، و فيهم الوصيّة و الوراثة...».(2)

و مجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال: إنّ قيادة الأُمّة لعليّ بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة و نزول الوحي عليه. كل ذلك بتنصيص من الرسول، و على ذلك فالمقوّم للتشيّع و ركنه الركين


1) . خطب الإمام أبو محمّد: الحسن السبط حين قتل أمير المؤمنين خطبته الغرّاء فقال: «أنا ابن النبي و أنا ابن الوصي». أخرجه الحاكم في مستدركه: 172/1؛ و قد ذكر ابن أبي الحديد أشعاراً و أراجيز تتضمّن توصيف الإمام بالوصاية عن الصحابة و التابعين، لاحظ شرح النهج: 143/1-150 باب ما ورد في وصاية عليّ من الشعر.

2) . نهج البلاغة: الخطبة الثانية.

هو القول بالوصاية و القيادة بجميع شئونها للإمام عليه السلام، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، و أمّا ما سوى ذلك فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع و لا يدور عليه إطلاق الشيعة.

لا شك أنّ للشيعة عقائد و آراء في مجالي الأُصول و الفروع، و ربّما يشاركون غيرهم فيها و ربّما يخالفونهم، و لكنّها ليست من سماتهم و أعرافهم و إنّما هي أُصول و أحكام دعاهم الدليل إلى تبنّيها من الكتاب و السنّة و العقل.

مثلاً إنّ الشيعة تقول باتّحاد الصفات الذاتية للّه سبحانه معها، و كونه سبحانه غير مرئي في الدارين، و أنّ كلامه مخلوق له، و أنّه لا يكلّف ما لا يطاق، و أنّ حقيقة الأمر في أفعال العباد لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين، و أنّ الأنبياء معصومون، إلى غير ذلك من الآراء، و لكنّها آراء كلامية للشيعة لا أنّها المقوّم للتشيّع بحيث لو خالف فيها رجل منهم، و لكنّه قال بالوصاية لعلي و بالقدوة لعترته، لخرج عن إطار التشيّع و أُصوله.

إنّ التشيّع بهذا المعنى عبارة عن الاعتقاد باستمرار القيادة الإسلامية في قالب الوصاية لعلي و عترته، و الشيعة تدّعي أنّ هذه الفكرة غرست بيد النبي في أيّام حياته، و تبنّاها لفيف من المهاجرين في عصره، و بقوا عليها بعد حياته و اقتدى بهم لفيف من التابعين لهم بإحسان و تواصل الاعتقاد به من تلك العصور إلى زماننا الحاضر، و هذا هو الّذي تدّعيه الشيعة و عليه بُني صرح التشيّع، و نحن في غنى عن الإتيان بنصوص أعلامهم و أكابرهم في المقام الّتي تدلّ على أنّ الوصاية للإمام بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فالأولى طرح

الموضوع على بساط البحث و عرضه على المرتكزات العقلية، و لأجل تسليط الضوء على المسائل المهمة نبحث عن الجهات التالية و كل واحدة منها في فصل خاص بها:

1 - في تبيين متطلّبات الظروف في عصر النبي، فهل كانت تقتضي أن تكون صيغة الحكم هي التنصيص أو كانت تقتضي تفويض الأمر إلى اختيار الأُمّة لتنتخب الحاكم و القائد عليها؟

2 - ما هو المرتكز في الأذهان في عصر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و بعده في أمر القيادة؟

3 - ما هو مقتضىٰ الكتاب و السنّة في القيادة بعد الرسول؟

4 - ما هو السر في مخالفة الجمهور لنصّ الرسول و تصريحه؟

5 - مبدأ التشيّع و تاريخه و رواد التشيّع في عصر الرسول و الصحابة و التابعين.

6 - افتراضات وهميّة حول تاريخ الشيعة.

7 - صيغة الحكومة الإسلامية عند أهل السنّة.

8 - نصوص الخلافة و الركون إلى الأمر الواقع.

9 - الشيعة في عصر الدولتين الأموية و العبّاسية.

10 - عقائد الشيعة الإمامية الاثنا عشرية.

11 - أئمّة الشيعة الاثنا عشر و نبذة عن حياتهم.

12 - دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية و تطوير العلوم.

13 - دول الشيعة و بلدانهم عبر التاريخ.

14 - مصادر علوم الشيعة.

فالذي نعتقد أنّ تحليل هذه الجهات يكشف الواقع للمحقّق، و لا يُبقي له شكاً في أصالة التشيّع و أنّه استمرار للإسلام عبر الحقب و الأعوام.

الفصل الأوّل: بيان متطلّبات الظروف في عصر الرسول في مجال القيادة الإسلامية

اشارة

لا شك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي، و شريعة خاتمة، و قد كانت قيادة الأُمّة من شئون النبي الأكرم ما دام على قيد الحياة، ثمّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات و الفرق في صيغتها بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الأُمّة؟

الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي، و الّذي ينصّ على خليفة الرسول هو اللّه سبحانه عن طريقه صلى الله عليه و آله و سلم، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك، و لكلّ من الاتّجاهين دلائل و براهين، و المقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف و تقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد، أو كانت تكمن في خلافه؟ فدراستها تُسلّط الضوء على البحث الثالث و هو وجود النص من الرسول و عدمه، و إليك بيان ذلك:

إنّ الظروف السياسية الّتي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد، و كانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثُّلاثي: الروم، الفرس، المنافقين،

و خطرهم يتمثّل بشنّ هجوم مفاجئ كاسح أو إلقاء بذور الفساد و الاختلاف بين المسلمين.

فمصالح الأُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي و الداخلي، و ذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، و بذلك يسد الطريق على نفوذ العدو في جسم الأُمّة الإسلامية و السيطرة عليها، و على مصيرها، و بذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

أمّا العدوّ الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية الّتي كانت تشكّل إحدى أضلاع المثلّث الخطر الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي و يهدّده من الخارج.

و كانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، و كانت تشغل بال النبي صلى الله عليه و آله و سلم على الدوام، حتّى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه و فكره حتّى لحظة الوفاة، و الالتحاق بالرفيق الأعلى.

و كانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين و الجيش المسيحي الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، و قد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة و هم: «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبد اللّه بن رواحة».

و لقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشىٰ بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية،

و قد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للأُمّة الإسلامية هيبتها من جديد.

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يُقنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، فأعدّ قبيل ارتحاله جيشاً كبيراً من المسلمين. و أمّر عليهم «أُسامة بن زيد» و كلّفهم بالتوجّه إلىٰ حدود الشام و الحضور في تلك الجبهة.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدّد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطورية الإيرانية (الفارسية) و قد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و معاداتها لدعوته، أن أقدم امبراطور إيران: «خسرو پرويز» على تمزيق رسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و توجيه الإهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه، و الكتابة إلى واليه و عميله في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أو يقتله إن امتنع.

و «خسرو» هذا و إن قتل زمن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم إلّا أنّ استقلال اليمن - الّتي رزخت تحت استعمار الامبراطورية الإيرانية ردحاً طويلاً من الزمن - لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، و كان غرور أُولئك الملوك و تجبّرهم و كبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوّة الجديدة (القوّة الإسلامية) لهم.

و الخطر الثالث و هو الأعظم (لأنّ القلعة الحصينة لا تهزم إلّا من داخلها) كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الإسلامي من الداخل، إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخَطِر يقول في نفسه: إنّ

الحركة الاسلامية سينتهي أمرها بموت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و رحيله، و بذلك يستريح الجميع(1).

و لقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بمكيدة مشئومة لتوجيه ضربة إلى الأُمّة الإسلامية من الداخل، و ذلك عند ما أتى عليّاً عليه السلام و عرض عليه أن يبايعه ضدّ مَن عُيِّن في السقيفة، ليستطيع بذلك شطر الأُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن حينها من الصيد في الماء العكر.

و لكنّ الإمام عليّاً عليه السلام أدرك بذكائه نوايا أبي سفيان الخبيثة، فرفض مطلبه و قال له كاشفاً عن دوافعه و نواياه الشرّيرة:

«و اللّه ما أردت بهذا إلّا الفتنة، و إنّك و اللّه طالما بغيت للإسلام شرّاً.

لا حاجة لنا في نصيحتك» و مع أنّ الإمام ردّه خائباً، لكنّه استمرّ في فتنته لشقّ عصا الأُمّة فأخذ يتردّد في أزقّة المدينة منادياً:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** و لا سيما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلّا فيكم و إليكم *** و ليس لها إلّا أبو حسن علي(2)

و لقد بلغ دور المنافقين الهدّام من الشدة بحيث تعرّض القرآن الكريم لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، و النساء، و المائدة، و الأنفال، و التوبة، و العنكبوت، و الأحزاب، و محمّد، و الفتح، و المجادلة، و الحديد، و المنافقون، و الحشر.


1) . لاحظ الطور: 30.

2) . الكامل في التاريخ: 325/2؛ العقد الفريد: 249/2

فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر، و يتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أُمّته الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً؟

إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام - بتعيين قائد للأُمّة - ظهور أيّ اختلاف و انشقاق فيها من بعده، و يضمّن بذلك استمرار و بقاء الأُمّة الإسلامية و إيجاد حصن قوي و سياج دفاعي متين حولها.

إنّ تحصين الأُمّة و صيانتها من الحوادث المشئومة و الحيلولة دون مطالبة كل فريق الزعامة لنفسه دون غيره و بالتالي التنازع على مسألة الخلافة و الزعامة، لم يكن متحقّقاً إلّا بتعيين قائد للأُمّة و عدم ترك الأُمور للأقدار.

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد الرسول» و لعلّ لهذه الجهة و لجهات أُخرىٰ طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة و استمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف كما ستوافيك نصوصها.


ثمّ إنّي بعد ما حرّرت ذلك في سالف الأيّام و أوردته في بعض محاضراتي الكلامية(1)وقفت على تقرير للمحقّق الشهيد السيد محمد باقر الصدر المغفور له فقد بيّن متطلّبات الظروف في تقديمه لكتاب «تاريخ الشيعة» للدكتور عبد اللّه


1) . الإلهيات: 554/2-584، لولدنا الروحي الفاضل الشيخ حسن مكّي العاملي - حفظه اللّه -.

فياض بنحو آخر، و هو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي:

كان النبي الأكرم يدرك منذ فترةٍ أنّ أجله قد دنا، و أعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع و لم يفاجئه الموت مفاجأة، و هذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة، و في هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة:

الطريق الأوّل: أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً و يكتفي بممارسة دوره في قيادة الأُمّة و توجيهها فترة حياته و يترك مستقبلها للظروف و الصدف، و هذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه:

1 - «الاعتقاد بأنّ هذه السلبية و الإهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة، و أنّ الأُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الّذي يحمي الدعوة، و يضمن عدم الانحراف».

و هذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع إطلاقاً، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته، تستهدف بناء أُمّة، و استئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، و تركها دون أي تخطيط. فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة، فسوف تواجه الأُمّة لأوّل مرّة، مسئولية التصرّف بدون قائدها، تجاه مشاكل الدعوة، و هي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد. و سوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر.

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مُمارس للعمل العقائدي فضلاً عن خاتم الأنبياء.

2 - الّذي يمكن أن يفسّر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة و مسيرها بعد وفاته، أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر، لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة، فلا يهمّه إلّا أن يحافظ عليها ما دام حيّاً ليستفيد منها و يستمتع بمكاسبها و لا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.

و هذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي حتّى لو لم نلاحظه بوصفه نبيّاً و مرتبطاً باللّه سبحانه و تعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، و افترضناه قائداً رسالياً كقادة الرسالات الأُخرى، لأنّ تاريخ القادة الرساليّين لا يملك نظيراً للقائد الرسول، في إخلاصه لدعوته، و تفانيه فيها، و تضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته، و كلّ تاريخه يبرهن على ذلك.

الطريق الثاني: أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته و يتّخذ موقفاً إيجابياً فيجعل القيمومة على الدعوة ممثّلة على أساس نظام الشورىٰ الّذي يضم مجموع المهاجرين و الأنصار، فهذا الجيل الممثّل للأُمّة هو الّذي سيكون قاعدة للحكم و محوراً لقيادة الدعوة في خط نُمُوّها. و فيما يلي ما يرد تلك الفكرة:

1 - لو كان النبي قد اتّخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة، و إسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء الّتي يتطلّبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأُمّة و الدعاة، على نظام

الشورى و حدوده و تفاصيله و إعطائه طابعاً دينياً مقدّساً، و إعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكريّاً و روحيّاً لتقبّل هذا النظام، و هو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى و انّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبليّة و عشائريّة تتحكّم فيها القوّة و الثروة و عامل الوراثة إلى حدّ كبير.

فإنّ الإسلام إذا كان أرسى نظام الحكم على أساس الشورى و جعله طريقاً لتعيين الحاكم بحيث تكون هي مبدأ الولاية و الحاكمية؛ فإنّ من الطبيعي بل و الضروري ان يقوم الإسلام بتوعية الأُمّة، و إيقافها - بصورة واسعة - على حدود الشورى و تفاصيلها و خطوطها العريضة حتّى لا تتحيّر الأُمّة و تختلف في أمرها، و لكنّنا رغم هذه الأهمية القصوى لا نجد لهذه التوعية الضرورية أي أثر في الكتاب و السنّة في مجال انتخاب الحاكم.

ثمّ إنّه (رحمه الله) استشهد بفعل الخليفة الأوّل حيث لم يمارس نظام الشورىٰ في حال حياته و قام بتنصيب عمر مكانه، كما فعل ذلك أيضاً الخليفة الثاني في نطاق خاص فجعله محصوراً في ستّة أشخاص، و سيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثاني.

الطريق الثالث: و هو الطريق الوحيد الّذي بقي منسجماً مع طبيعة الأشياء و معقولاً على ضوء ظروف الدعوة و الدعاة و سلوك النبيّ. و هو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً إيجابياً، فيختار بأمر من اللّه سبحانه و تعالى شخصاً يرشّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه إعداداً رسالياً و قيادياً خاصّاً تتمثّل فيه المرجعية الفكرية و الزعامة السياسية، و ليواصل بعده (بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين و الأنصار)، قيادة الأُمّة

و بناءها عقائدياً و تقريبها باستمرار نحو المستوى الّذي يؤهّلها لتحمّل المسئوليات القيادية.

و هكذا نجد أنّ هذا هو الطريق الوحيد الّذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة و صيانة الحكم من الانحراف في خط نموّها و هكذا كان.(1)

و على ذلك فالقول بالتشيّع عبارة عن القول بوجود ضمان لاستمرار الدعوة بتعيين الوصيّ من جانب الرسول بأمر من اللّه، و قد عرفت أنّ طبيعة الظروف في عصر الرسول كانت تقتضي ذلك على الوجه الكلّي، أي كان يتطلّب تعيين القائد و أن لا يترك الأمر إلى الأُمّة، و عدم إهماله و تركه للصدف، و ستعرف في الفصل الثالث أنّه قد صدّق الخبرُ الخبرَ، و أنّ الرسول قد قام بتلك الوظيفة الّتي تضمن استمرار الدعوة و سلك هذا الطريق سلوكاً واضحاً.


و هناك بيان ثالث يعطي نفس ما أعطاه الوجهان، و هو دراسة طبيعة الحكم من زاوية طروء الفراغ الهائل بعد رحلة الرسول فيما يمت إلى صلب الدين و هداية الأُمّة إلى الحق و الحقيقة:

لقد درسنا متطلّبات الظروف و مقتضيات عصر النبي في مجال القيادة و إدارة دفّة الحكم و وصلنا إلى أنّ مصالح المسلمين كانت تكمن في تعيين القائد دفعاً للأخطار المحدقة بالإسلام و المسلمين بوفاة النبيّ، و مفاجأة الأُمّة بفراغ مكانه القيادي.


1) . مقدّمة تاريخ الإمامية: 5-16 بتلخيص.

و يمكن لنا دراسة طبيعة الحكم من زاوية أُخرى و هي ملاحظة الفراغات الهائلة الحاصلة بعد رحلة القائد، لا من جهة القيادة السياسية و الاجتماعية، بل في جانب حاجة الأُمّة إلى قائد رسالي يسد تلك الفراغات المعنوية فيما يمت إلى صلب الدين و أمر هداية الأُمّة في مجال تفسير الكتاب و شرح مقاصده أوّلاً، و تبيين ما لم يبيّنه الرسول في مجال الأحكام ثانياً، و صيانة الدين الحنيف من محاولات التحريف ثالثاً فالأُمّة تواجه و تفاجئ هذه الفراغات الثلاثة، فمن الّذي يسدّها، فهل الأُمّة جميعاً، أو المهاجرون و الأنصار، أو أهل الحل و العقد؟ و الجواب: لا، لأنّ المفروض - كما سيأتي - قصورهم عن ملء الفراغ، فما هو الحل لهذا المشكل؟ و هذا هو الّذي يستهدفه هذا البحث. فنقول:

إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسئولياته على تلقّي الوحي الإلهي و إبلاغ الآيات النازلة عليه، بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً، فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالإضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف:

1 - كان النبي الأكرم يفسّر الكتاب العزيز و يشرح مقاصده و يبيّن أهدافه و يكشف رموزه و أسراره.

2 - و كان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الإسلاميّ عن طريق القرآن الكريم و سنَّته.

3 - و كان يصون الدين من التحريف و الدس، فكان وجوده مدار الحق و تميزه عن الباطل، و كانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدس و التحريف إلى دينه.

و لا شك أنّ موت النبيّ و فقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة فيجب إعداد قائد له القابلية و الصلاحية في سد تلك الفراغات، و لا

يقوم به إلّا من كان يتمتّع بما كان يتمتّع به الرسول عدا خصيصة النبوّة و تلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبي و مخزن أسراره، و مودع حكمه، حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.

و من الواضح أنّ هذه الكفاءات و المؤهّلات المعنوية لا تحصل لشخص بطريق عادي و لا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لا بدّ من إعداد إلهي خاص و تربية إلٰهية خاصّة هذا من جانب، و من جانب آخر لا يمكن للأُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص و تكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات و الكفاءات بالطرق العادية.

كلّ ذلك يثبت نظرية التنصيص و أنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من اللّه سبحانه، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلّا من تربّى في حضن الرسالة و الرسول. و إليك تفاصيل هذه الفراغات، و نكتفي في كلّ مورد بموجز القول:

1 - القرآن الكريم و الابهامات الطارئة:

إنّ اللّه سبحانه يصف القرآن بأنّه نزل إلى النبيّ ليبيّن للناس ما نزل إليهم فيقول: «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»(1)و قال: «وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ»(2)فقد وصف النبي في هاتين الآيتين بأنّه مبيّن لما في الكتاب لا قارئ فقط، فكم فرق بين أن يقول: «لتقرأ للناس» و بين:

«لِتُبَيِّنَ لَهُمُ».


1) . النحل: 44.

2) . النحل: 64.

إنّ هذه الآيات تكشف لنا عن أنّ القرآن رغم وضوحه من حيث اللفظ و المعنى و رغم أنّه منزّه عن مشابهة كتب الألغاز و الطلاسم، يحتاج إلى مبيّن و مفسّر لسببين:

1 - وجود المجملات في أحكام العبادات و المعاملات الواردة في آياته.

2 - غياب القرائن الحالية الّتي كانت الآيات محفوفة بها حين النزول، و كانت معلومة للمخاطبين في ذلك الوقت.

و قد كان النبيّ بنفسه يقوم بتفسير القرآن الكريم و تبيين مجمله و تقييد مطلقه و ما أشبه ذلك. و كانت القرائن الحالية معلومة و واضحة لدى الأصحاب.

و لمّا ارتحل النبيّ الأكرم إلى الرفيق الأعلى و حصل الفصل الطويل بينه و بين أُمّته، حدث هناك فراغ هائل في تفسير القرآن فلا ترى آية من الآيات إلّا و في تفسيرها آراء متضاربة إلى حدّ اختلفوا في تفسير الآيات الّتي تتعلّق بأعمالهم اليومية:

1 - قال سبحانه في آية الوضوء: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ»(1)و قد تضاربت الآراء في فهم هذه الآية و صارت الأُمّة إلى قولين: فمن عاطف لفظ «أَرْجُلَكُمْ» على الرءوس فيحكم على الأرجل بالمسح، و من عاطف له على الأيدي فيحكم على الأرجل بالغسل.

و من المعلوم أنّ إعراب القرآن الكريم إنّما حدث بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فأيّ الرأيين هو الصحيح؟


1) . المائدة: 6.

2 - لقد حكم اللّه تعالى على السارق و السارقة بقطع الأيدي حيث قال:

«وَ اَلسّٰارِقُ وَ اَلسّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا»(1)، و قد اختلفت الأُمّة في مقدار القطع و موضعه: فمن قائل إنّ القطع من أُصول الأصابع دون الكف و ترك الإبهام كما عليه الإمامية، و جماعة من السلف؛ و من قائل إنّ القطع من الكوع، و هو المفصل بين الكف و الذراع، كما عليه أبو حنيفة و مالك و الشافعي؛ و من قائل إنّ القطع من المنكب كما عليه الخوارج.(2)

3 - سئل أبو بكر عن الكلالة في قوله تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ»(3)فقال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن اللّه، و إن يكن خطأً فمنّي و من الشيطان، و اللّه و رسوله بريئان، أراه ما خلا الولد و الوالد. فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّهَ أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر.

4 - أمر اللّه سبحانه الورثة بإعطاء السدس للكلالة في قوله سبحانه:

«وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاٰلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ»(4)و في الوقت نفسه يحكم سبحانه بإعطاء الكلالة النصف أو الثلثين كما قال: «إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُهٰا


1) . المائدة: 38.

2) . راجع الخلاف للطوسي (كتاب السرقة) 184. و نقل الجصاص في أحكام القرآن: 421: عن أبي هريرة انّ رسول اللّه قطع يد سارق من الكوع. و نقل ابن قدامة الخلاف إذا سرق ثانياً: فعن عطاء و ربيعة و داود أنّه تقطع يده اليسرى، و عن الآخرين: تقطع رجله اليسرى. المغني: 264/10-265.

3) . النساء: 176.

4) . النساء: 12.

إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهٰا وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اَلثُّلُثٰانِ مِمّٰا تَرَكَ»(1).

فما هو الحل و كيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ لا شك انّه لم يكن ثمّة إبهام في مورد هاتين الآيتين، بل حدث الإبهام في ذلك فيما بعد.

ألا يدلّ هذا على ضرورة من يخلف النبي حتّى يرفع الستار عن وجه الحقّ بما عنده من علوم مستودعة.

2 - الرسالة الإسلامية و الحوادث المستجدّة:

إنّ اتّساع رقعة الدولة الإسلامية و مخالطة المسلمين للشعوب و الأقوام المختلفة جعلهم أمام موضوعات مستجدّة و مسائل مستحدثة، لم تكن معهودة و لا معروفة في عهد النبي الأكرم الّذي لم تكن فيه الدولة الإسلامية قد توسّعت كما توسّعت بعد وفاته، و التحاقه بالرفيق الأعلى.

و كان من الأمر المشكل أن يتحدّث النبي عن أحكام موضوعات لم يعرف المسلمون شيئاً من ماهياتها و تفصيلاتها، و لم يشاهدوا لها نظيراً في حياتهم، و لأجل ذلك كانوا يجهلون أحكام الموضوعات المستجدّة من دون أن يجدوا لها حلولاً و أجوبة، هذا من جانب.

و من جانب آخر أنّ الأحاديث الّتي رواها الصحابة و التابعون عن النبي الأكرم في مجال الأحكام لا تتجاوز عن خمسمائة حديث.(2)حتّى قال الإمام الرازي: إنّ المنصوص حكمه من الموضوعات قليل جدّاً.(2) و لنذكر للموضوع نماذج:


1) . النساء: 2.176. الوحي المحمدي: 212.

2) . تفسير المنار: 189/5.

1 - شغلت مسألة العول بال الصحابة فترة من الزمن و كانت من المسائل المستجدّة بعد الرسول الّتي واجهها جهاز الحكم، و يعني منه قصور التركة عن سهام ذوي الفروض. مثال ذلك: إذا ترك الميّت زوجة و أبوين و بنتين، و لمّا كان سهم الزوجة - حسب نص القرآن - الثمن و فرض الأبوين الثلث، و فرض البنتين الثلثين، و التركة لا تسع للثمن و الثلث و الثلثين، فلمّا عرضت المسألة على عمر ابن الخطاب قال: و اللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه و أيّكم أخّر، ما أجد شيئاً هو أوسع لي من أن أُقسّم المال عليكم بالحصص، و أدخل على كلّ ذي حقّ ما أدخل عليه من عول الفريضة.(1)

2 - رجل طلّق امرأته قبل الإسلام مرّتين و في الإسلام مرّة فهل تحرم عليه أو لا؟ فقال عمر بن الخطاب للسائل: لا آمرك و لا أنهاك، و قال عبد الرحمن بن عمر: و لكنّي آمرك ليس طلاقك قبل الإسلام بشيء.(2)

3 - إنّ الجيل المعاصر للرسول لم يكن يملك تصوّرات واضحة محدّدة حتّى في مجال القضايا الدينية الّتي كان يمارسها النبي مئات المرّات و على مرأى و مسمع من الصحابة، و نذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميّت، فإنّها عبادة، كان النبي قد مارسها عادة مئات المرّات و أدّاها في مشهد عام من المشيّعين و المصلّين، و بالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة ما دام النبي يؤدّيها و ما داموا يتابعون فيها النبي فصلاً بعد فصل، و لهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميّت، فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قبض رسول اللّه و الناس


1) . أحكام القرآن: 109/2؛ مستدرك الحاكم: 340/4.

2) . كنز العمال: 161/5.

مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلاً يقول: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يكبّر سبعاً، و آخر يقول: سمعت رسول اللّه يكبّر خمساً، و آخر يقول:

سمعت رسول اللّه يكبّر أربعاً، فاختلفوا في ذلك حتّى قبض أبو بكر، فلمّا ولي عمر و رأى اختلاف الناس في ذلك شقّ عليه جدّاً، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول اللّه، فقال: إنّكم معاشر أصحاب رسول اللّه متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، و متى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه فانظروا أمراً تجتمعون عليه، فكأنّما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين الخ.(1)

و لأجل هذا القصور ترى أنّ الخلفاء و من بعدهم تمسّكوا بمقاييس لا تمت إلى الكتاب و السنّة، فروى ميمون بن مهران انّه: إذا ورد الخصم على أبي بكر نظر في كتاب اللّٰه فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، فإن أعياه سأل المسلمين، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول اللّٰه، جمع رءوس الناس و خيارهم فاستشارهم، و إذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به(2)

فقد لمس الخليفة أنّ الكتاب و السنّة النبوية غير وافيين بالحاجات الفقهية، و لهذا كان يعمد إلى الأخذ بالرأي و المقاييس المصطنعة لاستنباط حكم الموضوع.

فهذه تكشف بوضوح عن أنّ الصحابة يواجهون وقائع و حوادث جديدة لا يجدون لها حلولاً في الكتاب و السنّة أو فيما تلقّوه من النبي صلى الله عليه و آله و سلم و لذلك كانوا يحاولون استنباط قواعد و مقاييس لا تستند على أيّ دليل، فهل يصحّ هذا؟ مع


1) . عمدة القارئ: 129/4؛ و لاحظ مقدّمة السيد الشهيد محمد باقر الصدر على كتاب «تاريخ الإمامية»، للدكتور عبد اللّه فيّاض.

2) . دائرة المعارف لفريد وجدي: 212/3 (مادة جهد).

أنّه سبحانه يصرّح بأنّه أكمل دينه، و أتمّ نعمته فكيف يجتمع هذا الفراغ الفقهي في المسائل المستجدّة مع الإكمال؟

3 - المسلمون و صيانة الدين من التحريف:

إنّ أبرز ما كان يتمتّع به المسلمون في عصر الرسول هو صيانة الدين من الدسّ و التحريف، و هو الخطر الّذي تعرّضت له جميع الشرائع السالفة، قال سبحانه: «مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ»(1).

إنّ الأُمّة الإسلامية قد وصلت عند رحلة الرسول بفضل جهود صاحب الدعوة إلى درجة مرموقة من الوعي حفظت كتابها عن محاولات الزيادة و النقصان، نرى أنّ الصحابي الجليل أُبي بن كعب له موقف عظيم من عثمان في كيفيّة كتابة آية الكنز - أعني قوله: «وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ»(2)- فإنّ عثمان أراد إثبات الآية في المصحف بلا واو فقال أُبي: «لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي»، فألحقوها.(3)

و مع هذه المقدرة لم تستطع حفظ مفاهيمه و صيانة دينها عن الدس و التحريف، فتفرّقت إلى مشبّهة تتخيّل أنّ لربّها أعضاءً كأعضاء الإنسان، إلى جبري يرىٰ الإنسان مسيّراً لا مخيّراً، و يصوّر بعث الأنبياء أمراً لا جدوى فيه، إلى مرجئة لا ترىٰ للعمل قيمة و تعطي للإيمان تمام القيمة، إلى ناصبيّ ينصب العداء


1) . النساء: 46.

2) . التوبة: 34.

3) . الدر المنثور: 232/3.

للعترة الطاهرة، إلى إلى...، حتّى تفرّقت أُمّة النبي الأكرم كتفرّق الأُمم السالفة، و هذا دليل واضح على أنّ الأُمّة الإسلامية ما بلغت يومذاك في الكفاءة و المقدرة العلمية إلى المستوىٰ الّذي يؤهّلها لحفظ الإسلام أصله و لبّه، و قد مرّ في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة أنّ الوضّاعين و الدجّالين من الأحبار و الرهبان، و المغترّين بهم دسّوا بين المسلمين أحاديث موضوعة و إسرائيليات و مسيحيات و مجوسيات كثيرة، و لقد عرفت الموضوعات الهائلة في عصر البخاري و شيوخه و تلاميذه، حتّى أنّه أخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث.(1)

جاء في مسند أحمد ثلاثون ألف حديث و قد انتخبها من سبعمائة و خمسين ألف حديث، و كان يحفظ ألف ألف حديث.(2)

نحن نفترض أنّ متوسّط عدد الكلمات في الحديث عشرون كلمة فيكون مجموع ما صدر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم عشرين مليون كلمة في هذه الفترة القصيرة أي العشرة أعوام بالإضافة إلى ما كان لديه من أعمال و وظائف، و حروب و غزوات، و اتفاقيات مع شيوخ القبائل، و ارتياد إلى الأرياف، و تسيير دفّة الحكم، فهل كان بإمكانه أن يتكلّم بهذا العدد من الكلمات، سبحان اللّه، ما أجرأهم على البهتان! و لو رجعت أنت إلى قائمة الموضوعات و المقلوبات الّتي عرضناها لك في الجزء الأوّل(3)، لجزمت بعدم كفاءة الأُمّة لصيانة الدين من الدس و التحريف.

هذه هي الفراغات الحاصلة بعد وفاة النبي الأكرم، فمقتضى الحكمة


1) . الهدى الساري، مقدّمة فتح الباري: 54.

2) . طبقات الذهبي: 17/9.

3) . الجزء الأوّل من هذه الموسوعة: 74.

و تجسيد إكمال الدين الّذي جاء به الكتاب الكريم في قوله: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً»(1)أن تعالج هذه المشاكل أي تفسير الكتاب العزيز برفع الستار و الإبهامات الطارئة على مفاهيمه، و الإجابة على المسائل المستجدّة، و الدفاع عن حمىٰ الشريعة و لا تحل عقدة المشكلة و لا تسدّ تلك الفراغات إلّا بإمام تمتّع بتربية إلٰهية، و إعداد غيبي، و لا تصل إليه الأُمّة إلّا بتعيين الرسول أو بتعيين من عيّنه كما في الأئمة الباقين، فعندئذ يتجسّد قوله سبحانه: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً» و إلّا لبقيت تلك الفراغات الهائلة و جرّت على الأُمّة الويل و الويلات كما جرّتها - و للأسف - لأجل إعراض الأُمّة عن الإمام المنصوب.

هذا هو الّذي نفهمه من معنى الإمام و هو ميزان الحق و الباطل و أنّه يرجع إليه في التعرّف على الصحيح و الزائف.

و أمّا إذا كان الرجل على حدّ يقول: ولّيتكم و لست بخيركم فإن استقمت فأعينوني و إن زِغْت فقوّموني، فلا يصلح أن يكون إماماً بل يكون مأموماً، فتصبح الرعية إماماً، و الإمام مأموماً، و نعم ما يقول الشاعر الشيعي ابن حماد العبدي:

و قالوا رسول اللّه ما اختار بعده *** إماماً و لكنّا لأنفسنا اخترنا

أقمنا إماماً إن أقام على الهدى *** أطعنا و إن ضلّ الهداية قوَّمنا

فقلنا إذا أنتم إمام إمامكم *** بحمد من الرحمن تُهْتم و ما تُهْنَا


1) . المائدة: 3.

و لكنّنا اخترنا الّذي اختار ربّنا *** لنا يوم خم ما اعتدينا و لا جُرنا

و هناك كلمة قيّمة للفيلسوف ابن سينا تشير إلى فائدة تنصيب الإمام فيقول: «ثمّ إنّ هذا الشخص الّذي هو النبي ليس ممّا يتكرّر وجود مثله في كل وقت، فإنّ المادّة الّتي تقبل كمال مثله يقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبّر لبقاء ما يسنّه و يشرّعه في أُمور المصالح الإنسانية تدبيراً عظيماً(1)- إلى أن قال: - و الاستخلاف بالنص أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب(2)و التشاغب و الاختلاف»(3).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: انّ مصالح الإسلام و المسلمين كانت تكمن في تعيين الإمام، لا تفويض الأمر إلى الأُمّة، و ترك الأمر للظروف و الصدف لترسيه على أي شاطئ تختاره.


1) . إشارة إلى سدّ الفراغات الحاصلة بعد وفاته.

2) . إشارة إلى أنّ مصالح الإسلام تكمن في النص.

3) . الشفاء: 558/2-564 (الفن الثالث عشر من الإلهيات، الفصل الثالث و الخامس).

الفصل الثاني: ما هو المرتكز في أمر القيادة في ذهن الرسول و الأُمّة؟

قد عرفت أنّ مقتضيات الظروف و متطلّباتها كانت تستدعي تعيين الإمام من جانب الرسول، كما أنّ كمال الدين في أبعاده الثلاثة المختلفة المذكورة آنفاً تستدعي ذلك أيضاً، فهلمّ معي ندخل في الموضوع الثاني الّذي ألمحنا إليه في بداية البحث ضمن الأُمور الّتي لا مناص للمحقّق إلّا دراستها، و هو تبيين المرتكز في الأذهان في أمر الزعامة يوم بعث الرسول و بعده.

إنّ النصوص التاريخية تشهد بأنّ الرسول الأكرم خيّب آمال الطامحين في تولّي الخلافة من بعده و قال بأنّه بيد اللّه، يعني لا بيدي و لا بيد الناس، و يكفي في ذلك ما نتلوه:

1 - لمّا عرض الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نفسه على بني عامر في موسم الحج و دعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: «أ رأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أ يكون لنا الأمر من بعدك؟» فقال النبي: «الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء».(1)


1) . السيرة النبوية: 424/2 فلو كان الأمر ملقًى على عاتق الأُمّة فما معنى كون الأمر إلى اللّه؟

و لم يكن ذلك الأمر مختصّاً بالنبي الأكرم، بل الإمعان في تاريخ أصحابه و الخلفاء الذين تعاقبوا على مسند الحكومة بعد النبي يدلّ على أنّهم انتهجوا أيضاً نهج تنصيب الخليفة، لا تفويض أمره إلى الأُمّة. فلو أغمضنا النظر عن خلافة أبي بكر و ما جرىٰ حولها من لغط و شغب، و ضرب و شتم و إرعاب و إرهاب و غير ذلك من الأُمور الّتي تجعلها بعيدة كل البعد عن الشورى و الانتخاب النزيه، فلنا في انتخاب الخليفتين الآخرين دليل واضح على أنّ المتصوّر من الخلافة عندهم هو تعيين الخليفة شخصاً لا تفويض أمر انتخابه للظروف و الأُمّة.

2 - قال ابن قتيبة: دعا أبو بكر عثمان بن عفّان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان و أملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحاً عنها و أوّل عهده بالآخر داخلاً فيها، انّي أستخلف علكيم عمر بن الخطاب....(1)

و يظهر من ابن الأثير في كامله أنّه غشي على الخليفة أثناء الإملاء و انّما أكمله عثمان و كتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثمّ أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه فكبّر أبو بكر و قال: أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي.(2)

فهل يمكن للخليفة أن يلتفت إلى الخطر الكامن في ترك الأُمّة دون خليفة، و لا يلتفت إليه النبي صلى الله عليه و آله و سلم؟!!


1) . الإمامة و السياسة: 18/1.

2) . الكامل في التاريخ: 292/2، الطبقات الكبرىٰ: 200/3.

3 - و أمّا استخلاف عثمان، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ عمر طلب ستة أشخاص من أصحاب النبي و هم: علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفان، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقّاص، و عبد الرحمن بن عوف، و كان طلحة غائباً.

فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، انّي نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً و لا نفاقاً، فإن يكن بعدي شقاق و نفاق فهو فيكم، فتشاوروا ثلاثة أيّام فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، و إلّا فأعزم عليكم باللّه أن لا تتفرّقوا في اليوم الثالث حتّى تستخلفوا.(1)حتّى قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيّام و أدخل هؤلاء الرهط بيتاً و قم على رءوسهم فإن اجتمع خمسة و أبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، و إن اتّفق أربعة و أبى اثنان فاضرب رءوسهما... و إن رضى ثلاثة رجلاً و ثلاثة رجلاً، فحكّموا عبد اللّه بن عمر فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، و اقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس».(2)

و هناك كلمات صدرت من الصحابة في ثنايا خلافة الخلفاء و بعدهم تعرب عن أنّ الرأي السائد و المرتكز في أذهانهم هو تعيين الخليفة، و انّ مسألة نظام الشورىٰ شعار رفعه معاوية مقابل علي عليه السلام على الرغم من أنّه استخلف عند ما مات، و لم يعتدّ بمنطقه و إنّما جرّده سلاحاً على عليّ، و إن كنت في ريب من هذا الأمر نتلو عليك كلماتهم الّتي صدرت عفواً و ارتجالاً عند موت الخليفة و ارتحاله:

4 - نقل أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبد اللّه: اذهب إلى عائشة و أقرأها منّي السلام، و استأذن منها أن أُقبر في بيتها مع رسول اللّه و مع


1) . الإمامة و السياسة: 23/1.

2) . الكامل في التاريخ: 35/3.

أبي بكر، فأتاها عبد اللّه بن عمر فأعلمها... فقالت: نعم و كرامة. ثمّ قالت: يا بنيّ أبلغ عمر سلامي فقل له: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع، استخلف عليهم، و لا تدعهم بعدك هملاً، فإنّي أخشى عليهم الفتنة(1)، فأتى عبد اللّه (إلى أبيه) فأعلمه.(2)

5 - نقل الحافظ أبو نعيم الاصفهاني المتوفّى عام 430 ه أنّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، و زعموا أنّك غير مستخلف، و أنّه لو كان لك راعي إبل - أو راعي غنم - ثمّ جاءك و تركها لرأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد.(3)

6 - قدم معاوية المدينة ليأخذ من أهل المدينة البيعة ليزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة إلى أن أرسل إلى ابن عمر فأتاه و خلا به فكلّمه بكلام و قال:

إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها.(4)

هذه النصوص تدلّ بجلاء على أنّ ادّعاء انتخاب الخليفة عن طريق الاستفتاء الشعبي أو بمراجعة أهل الحلّ و العقد، أو اتّفاق الأنصار و المهاجرين لم يكن له أصل و لا ذكر في دراسات المتقدّمين من أعلام التاريخ و كتّاب السيرة و علماء المسلمين، و سيوافيك الكلام في استخلاف الصحابة بعضهم لبعض.

و لو دلّ هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الأصل الّذي كان يعتقد به جميع الصحابة و الخلفاء في مسألة الخلافة و القيادة كان هو التنصيص و التعيين و عدم ترك الأمر إلىٰ نظر الأُمّة و انتخابها.


1) . و هل يمكن أن تلتفت أُمّ المؤمنين إلى هذه النكتة و لا يلتفت إليها النبي صلى الله عليه و آله و سلم؟!!

2) . الإمامة و السياسة: 32/1.

3) . حلية الأولياء: 44/1.

4) . الإمامة و السياسة: 168/1.

الفصل الثالث: ما هو مقتضى الكتاب و السنّة في صيغة الخلافة بعد الرسول؟

اشارة

إنّ مقتضى الكتاب و السنّة في صيغة القيادة بعد الرسول هو التنصيص لا التفويض إلى الأُمّة و لا ترك الأمر إلى الظروف و الصدف، فنقدّم الكلام في السنّة فإنّها صريحة في التعيين و أمّا الكتاب فسيأتي البحث عنه.

فنقول: إنّ سيرة النبي الأكرم و نصوصه في مواقف مختلفة تثبت بوضوح أنّه صلى الله عليه و آله و سلم غرس النواة الأُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة و تعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.

و هذه النصوص من الكثرة و الوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها و لا ذكر كثير منها، و يكفينا مئونة ذلك، الموسوعات الحديثية في المناقب و الفضائل و المؤلّفات الكلامية في أمر الولاية، و نحن نكتفي بالقليل من الكثير.

1 - التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة:

بُعث الرسول الأكرم لهداية الناس و إخراجهم من الوثنية إلى التوحيد، و من الشرّ إلى الخير، و من الشقاء إلى السعادة، و كانت الظروف المحدقة به قاسية جدّاً، لأنّه بعث في أُمّة عريقة في الوثنية، و يخاطبهم سبحانه: «لِتُنْذِرَ قَوْماً

مٰا أُنْذِرَ آبٰاؤُهُمْ فَهُمْ غٰافِلُونَ»(1)، فأخذ بالدعوة سرّاً و نشر دينه خفاءً سنوات عديدة إلى أن نزل قوله سبحانه: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ»(2)، فعند ذلك أمر الرسول علي بن أبي طالب و هو شاب يافع يتراوح عمره بين (13 إلى 15 سنة) أمره رسول اللّه أن يعد طعاماً و لبناً ثمّ دعا (4(5) رجلاً من سُراة بني هاشم و وجوههم، و بعد أن فرغوا من الطعام قال رسول اللّه: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، و اللّه الّذي لا إلٰه إلّا هو إنّي رسول اللّه إليكم خاصّة و إلى الناس عامّة، و اللّه لتموتنّ كما تنامون، و لتبعثنّ كما تستيقظون، و لتحاسبنّ بما تعملون، و انّها الجنّة أبداً و النار أبداً - ثمّ قال: - يا بني عبد المطلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرني اللّه عزّ و جل أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي و يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم».

و لمّا بلغ النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى هذا الموضع و قد أمسك القوم و سكتوا عن آخرهم، قام علي عليه السلام فجأة و قال: «أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه»، فقال له رسول اللّه: اجلس، ثمّ كرّر دعوته ثانية و ثالثة، ففي كلّ مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته و يقوم علي و يعلن استعداده لمؤازرة النبي و يأمره رسول اللّه بالجلوس، حتّى إذا كان في المرّة الثالثة، أخذ رسول اللّه بيده و التفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين و قال: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم، فاسمعوا له و أطيعوا».(3)


1) . يس: 6.

2) . الشعراء: 214.

3) . مسند أحمد: 111/1، تاريخ الطبري: 62/2-63، تاريخ الكامل: 40/2-41، إلى غير ذلك من المصادر المتوفّرة يقف عليها من سبر كتب السيرة - عند سرد حوادث بدء الدعوة - و كتب التفسير في تفسير الآية الآنفة في سورة الشعراء.

نحن لا نُريد أن نحوم حول الرواية و نعرض عن الإشارة إلى ما جنى عليها بعض المؤرّخين و الكتّاب الجدد(1)و لكن نذكر نكتة أنّ النبي أعلن وزيره و خليفته و وصيّه يوم أعلن رسالته و كأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان، و ما القيادة بعد النبي إلّا استمراراً لوظائف النبوّة، و إن كانت النبوّة مختومة و لكن الوظائف و المسئوليات كانتا مستمرّتين.

2 - حديث المنزلة:

روى أصحاب السير و الحديث أنّ رسول اللّه خرج إلى غزوة تبوك و خرج الناس معه، فقال له علي: «أخرج معك»؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «لا»، فبكى علي، فقال له رسول اللّه: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، انّه لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي». أخرجه البخاري في صحيحه.(2)و الاستثناء يدلّ على ثبوت ما لهارون من المناصب لعلي سوى النبوّة و سيأتي توضيحه.

و روى مسلم في صحيحه أنّ إمام الفئة الباغية قال لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: امّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّه يقول له و قد خلّفه في بعض مغازيه بعد ما شكا إليه علي بقوله: «يا رسول اللّه خلّفتني مع النساء و الصبيان»: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي».


1) . كالدكتور محمد حسين هيكل في حياة النبي، لاحظ محاضراتنا في سيرة النبي، و قد طبعت باسم «سيّد المرسلين»: 394/1-397.

2) . صحيح البخاري: 24/5، باب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي.

و سمعته يقول يوم خيبر: «لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله» قال: فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد العين، فبصق في عينه و دفع الراية إليه ففتح عليه.

و لمّا نزلت هذه الآية: «فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ» دعا رسول اللّه عليّاً و فاطمة و حسناً و حسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(1)

3 - حديث الغدير:

اشارة

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة رواه الصحابة و التابعون و العلماء في كل عصر و جيل، و لسنا بصدد إثبات تواتره و ذكر مصادره فقد قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمّة، و انّما الهدف إيقاف القارئ على نصوص الخلافة في حقّ علي حتّى يقف على أنّ النبي الأعظم هو الباذر الأوّل لبذرة التشيّع و الدعوة إلى علي بالإمامة و الوصاية، و على أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته، و نذكر في المقام ما ذكره ابن حجر و قد اعترف بصحّة سنده، يقول:

إنّه صلى الله عليه و آله و سلم خطب بغدير خم تحت شجرات، فقال: «أيّها الناس أنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبي إلّا نصف عمر الّذي يليه من قبله، و انّي لأظن أنّي يوشك أن أُدعىٰ فأُجيب، و انّي مسئول و انّكم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟» قالوا:

نشهد أنّك قد بلّغت و جهدت و نصحت فجزاك اللّه خيراً، فقال: «أ ليس تشهدون أن لا إلٰه إلّا اللّه و أنّ محمّداً عبده و رسوله، و أنّ جنّته حق، و أنّ ناره حقّ، و أنّ الموت حق، و أنّ البعث حق بعد الموت، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّه يبعث من في القبور؟» قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: «اللّهمّ اشهد» ثمّ قال: «يا أيّها


1) . صحيح مسلم: 120/6-121، باب فضائل علي.

الناس إنّ اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا - يعني عليّاً - مولاه، اللّهمّ والِ من والاه و عاد من عاداه» ثمّ قال: «يا أيّها الناس إنّي فرطكم و انّكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضّة، و انّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّ و جلّ سبب طرفه بيد اللّه و طرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا و لا تبدّلوا، و عترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

و أخرجه غير واحد من أئمة الحديث، منهم الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم قال: نزلنا مع رسول صلى الله عليه و آله و سلم بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلّاها بهجير، قال: «فخطبنا و ظُلِّل لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: «أ لستم تعلمون، أو لستم تشهدون، أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه».(2)

و أخرجه الحاكم في مناقب علي من مستدركه عن طريق زيد بن أرقم من طريقين صحّحها على شرط الشيخين، قال: لمّا رجع رسول اللّه من حجّة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: «إنّي دعيت فأجبت، قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و عترتي، فانظروا كيف


1) . الصواعق: 43-44، و أخرجه من طريق الطبراني و غيره، و حكم بصحّته.

2) . مسند أحمد: 372/4، و أخرجه أحمد أيضاً في مسنده من حديث البراء بن عازب من طريقين، لاحظ الجزء الرابع الصفحة 281.

تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض - ثمّ قال: - إنّ اللّه عزّ و جلّ مولاي و أنا مولى كل مؤمن - ثمّ أخذ بيد علي فقال: - من كنت مولاه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه...».(1)

و أخرجه النسائي في خصائصه عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع النبي من حجة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: «كأنّي دعيت فأجبت، و إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و أهل بيتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض - ثمّ قال: - إنّ اللّه مولاي و أنا ولي كل مؤمن - ثمّ أخذ بيد علي فقال: - من كنت وليّه فهذا وليّه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» قال أبو الطفيل: فقلت لزيد:

سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم؟ فقال: و إنّه ما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينه و سمعه بأُذنه.(2)

إنّ سؤال أبي الطفيل يعرب عن حقيقة مرّة، و هو أنّه يرى التنافي بين مضمون الحديث و عمل الأُمّة، فإنّ الحديث نصٌّ على ولايته و خلافته و الأُمّة صرفتها عن علي، فلأجل ذاك عاد يتعجّب و يسأل، و ليس التعجّب مختصّاً به، فهذا هو الكميت يصرّح به في هاشمياته و يقول:

و يوم الدوح دوح غدير خم *** أبان له الخلافة لو أُطيعا

و لكن الرجال تبايعوها *** فلم أر مثلها خطراً مبيعا


1) . المستدرك: 109/3، مع أنّ الذهبي في تعليقته على المستدرك يعلّق على مواضع من تصحيحات الحاكم صرّح في هذا المقام بصحّة الحديث.

2) . الخصائص العلوية: 21.

و لم أر مثل ذاك اليوم يوماً *** و لم أر مثله حقّاً أُضيعا(1)

و لو أردنا استقصاء مصادر الحديث و مسانيده و رواته من الصحابة و التابعين و العلماء لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، و قد قام بحمد اللّه أعلام العصر و محقّقوه بذلك المجهود.(2)

و المهم هو دلالة الحديث على الولاية العامّة و الخلافة الكبرى لعلي بعد الرسول، و يكفي في ذلك التدبّر في الأُمور التالية:

1 - إنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال في خطبته: «أنا أولى بهم من أنفسهم - ثمّ قال: - فمن كنت مولاه» و هذا قرينة لفظية على أنّ المراد من المولى هو الأولى، فالمعنى أنّ اللّه أولى بي من نفسي، و أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و من كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه. و هذا هو معنى الولاية الكبرى للإمام.

2 - ذيل الحديث و هو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» و في بعض الطرق: «و انصر من نصره و اخذل من خذله» فإنّه صلى الله عليه و آله و سلم لمّا نصّبه إماماً على الأُمّة بعده، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفّر الجنود و الأعوان و طاعة أصحاب الولايات و العمّال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده، و فيهم من يحقد عليه، و في زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه و نصره، و على من عاداه و خذله، ليتمّ أمر الخلافة، و لِيُعْلم الناس أنّ موالاته موالاة للّه و أنّ عداءه عداؤه.


1) . الهاشميات طبعت غير مرّة، و شرحها غير واحد من أُدباء العصر، كالرافعي المصريّ، و الأُستاذ محمد شاكر الخياط، و قد دبَّ إليها الدس و التحريف. لاحظ الغدير: 181/2

2) . العبقات للسيد مير حامد حسين (المتوفّى 1306 ه)، و الغدير للعلّامة الفذ عبد الحسين الأميني (المتوفّى 1390 ه)، و كلاهما من حسنات الدهر.

و الحاصل: أنّ هذا الدعاء لا يناسب إلّا من نصب زعيماً للإمامة و الخلافة.

3 - إنّه صلى الله عليه و آله و سلم أصدر كلامه بأخذ الشهادة من الحضّار بأن لا إلٰه إلّا اللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه، ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه».

4 - إنّه صلى الله عليه و آله و سلم ذكر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّي دعيت فأجبت» أو ما يقرب من ذلك، و هو يعرب أنّه صلى الله عليه و آله و سلم لم يبق من عمره إلّا قليل يحاذر أن يدركه الأجل، فأراد سد الفراغ الحاصل بموته و رحلته بتنصيب عليّ إماماً و قائداً من بعده.

هذه القرائن و غيرها الموجودة في كلامه، توجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم ليس إلّا إكمال الدين و إتمام النعمة من خلال ما أعلن عنه صلى الله عليه و آله و سلم انّ علياً قائد و إمام الأُمّة، و من أراد التوسّع في الاطّلاع على هذه القرائن فليرجع إلى الأثر القيّم «الغدير».(1)

إنّ مَن درس مضمون حديث الغدير و ما حوله من القرائن يقف على أنّ المراد منه هو نصب علي للإمامة و الخلافة، و هذا هو الّذي فهمه الحضّار من المهاجرين و الأنصار في ذلك المحفل كما فهمه من بلغه النبأ بعد حين ممّن يُحتجّ بقوله في اللغة، و تتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء و رجال الأدب إلى العصر الحاضر، و هذا هو حسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير و قد استأذن رسول اللّه أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله:

و قال له قم يا علي فانّني *** رضيتك من بعدي إماماً و هاديا(2)


1) . الغدير: 370/1، و قد ذكر هناك ما يقرب من عشرين قرينة على ما هو المراد من الحديث.

2) . رواه غير واحد من حفّاظ الفريقين، لاحظ الغدير: 35/2-37.

حتّى أنّ عمرو بن العاص الّذي لا يخفى عداؤه لعلي على أحد يقول في قصيدته الّتي أرسلها إلى معاوية شاكياً إيّاه:

و كم قد سمعنا من المصطفى *** وصايا مخصّصة في علي

و في يوم خم رقى منبراً *** و بلّغ و الصحب لم ترحل

فامنحه إمرة المؤمنين *** من اللّه مستخلف المنحل

و في كفّه كفّه معلناً *** ينادي بأمر العزيز العلي

و قال: فمن كنت مولى له *** علي له اليوم نعم الولي(1)

شبهتان واهيتان:

اشارة

و قد توالى فهم الأُدباء و العلماء على ذلك في طيّات القرون عبر النظم و النثر.

غير أنّ هناك لفيفاً من الناس ممّن يعاند الحقيقة و لا يرضى بقبولها، أبدىٰ شبهتين ضعيفتين نذكرهما على وجه الإجمال:

الشبهة الأُولى:

إنّ المولى يراد به معان مختلفة فمنها، المحبّ و الناصر، فمن أين علم أنّ المراد بها المتولّي و المالك للأمر و الأولى بالتصرّف؟


1) . و القصيدة تربو على 66 بيتاً، نقل قسماً منها ابن أبي الحديد في شرحه: 56/10-57، و نقلها برمّتها الأميني في الغدير: 115/2-117

يلاحظ عليه: أنّ لفظ المولى ليس له إلّا معنى واحد و هو: الأولى. قال سبحانه: «فَالْيَوْمَ لاٰ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاٰ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوٰاكُمُ اَلنّٰارُ هِيَ مَوْلاٰكُمْ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ»(1)، و قد فسّره غير واحد من المفسّرين بأنّ المراد أنّ النار أولى بكم، غير أنّ الّذي يجب التركيز عليه هو أنّ الأُولى هو المعنى الوحيد للمولى، و انّ كلّما ذكر من المعاني المختلفة له إنّما هي من موارد استعماله و متعلّقاته، فقد ذكروا له من المعاني سبعة و عشرين معنى، خلطوا فيها المتعلّق بالمعنى، و مورد الاستعمال بالموضوع له، فقد قيل إنّ من معانيه الرب، و العم، و المعتق، و العبد، و المالك، و التابع، و المحب، و الناصر و كلّها متعلّقات للمعنى، و ليس له إلّا معنى واحد و هو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، و مأخوذ في كل منها بنوع من العناية، و لم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلّا بمناسبة.

1 - فالربّ سبحانه هو أولى بخلقه من أي قاهر عليهم، خلق العالمين كما شاءت حكمته يتصرّف فيه بمشيئته.

2 - و العم أولى الناس بكلاءة ابن أخيه و العطف عليه و هو القائم مقام والده الّذي كان أولى به.

3 - و «المعتِق» أولى بالتفضّل على من أعتقه، كما أنّ المعتق أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه.

4 - و المالك أولى بالتصرّف في ماله و كلاءة مماليكه.

5 - و التابع أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه.

6 - و المحب و الناصر أولى بالدفاع عمّن أحبّه أو التزم بنصرته.


1) . الحديد: 15.

فإذن ليس للمولى إلّا معنى واحد، و تختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في الموارد المختلفة.

الشبهة الثانية:

المراد أنّه أولى بالإمامة مآلاً و إلّا كان هو الإمام مع وجود النبي و لا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه.(1)

و هذه الشبهة من الوهن بمكان، و ذلك لأنّه لا يجتمع مع حكمة المتكلّم و بلاغته و لا مع شيء من أفعاله العظيمة و أقواله الجسيمة، و هو يستلزم أن لا تعم ولايته جميع الناس و الحضّار، فيخرج عن ولايته الخلفاء الثلاثة، مع أنّ الشيخين - حينما سمعا قول رسول اللّه - قالا له: بخ بخ لك يا علي، أمسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.(2)

حصيلة البحث:

اشارة

إنّ من سبر غضون السير و التواريخ يقف على أنّ النبي الأكرم لم يبرح يدعو الناس إلى علي بالتصريح تارة، و الاشارة أُخرى من بدء الدعوة إلى ختامها.

فتارة يعرّفه بأنّه خليفته و وصيّه و وزيره، و أُخرى بأنّ منزلته منه منزلة هارون من موسى، و أنّ له كل المناصب الثابتة لهارون إلّا منصب واحد و هو النبوّة، و الدليل على ذلك هو الاستثناء «إلّا أنّه لا نبي بعدي»، و قد كان هارون وزيراً لموسى


1) . الصواعق المحرقة: 44.

2) . مسند أحمد: 281/4.

و شريكاً له في النبوّة، قال سبحانه: «وَ أَخِي هٰارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسٰاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخٰافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قٰالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُمٰا سُلْطٰاناً فَلاٰ يَصِلُونَ إِلَيْكُمٰا بِآيٰاتِنٰا أَنْتُمٰا وَ مَنِ اِتَّبَعَكُمَا اَلْغٰالِبُونَ»(1)، و قال سبحانه حاكياً عن موسى: «وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هٰارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنٰا بَصِيراً * قٰالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰا مُوسىٰ»(2).

و ثالثة ينصبه قائداً و إماماً في هواء حار و أرض جافة في محتشد عظيم مبتدئاً كلامه بما يرجع إلى أُصول الدين من أخذ الشهادة من الناس على ولاية اللّه و ولاية الرسول ثمّ يأخذ بيد علي و هو على المنبر محرّكاً شعور الحاضرين و ليشد القلوب نحو علي و يقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

و دلالة هذه الأحاديث على خلافة من عيّنه الرسول على وجه لا ينكره إلّا مكابر و لا يردّه إلّا معاند، و كفانا في الموضوع ما ألّفه أصحابنا حول هذه الأحاديث الثلاثة.


مرجعية أهل البيت الفكرية بعد الرسول:

دلّت الأحاديث السابقة على أنّ الزعامة السياسية و الخلافة بعد الرسول تتمثّل في علي و عترته، و هناك أحاديث متوفّرة تسوقنا إلى مرجعيتهم الفكرية و أنّهم الأئمة و الأوصياء بعد الرسول و أنّه لا بدّ للمسلم أن يرجع إليهم في دينه،


1) . القصص: 34-35.

2) . طه: 29-36.

و يأخذ عنهم أُصوله و فروعه، و أنّ النبي الأكرم جعلهم المفزع بعده، و العترة و الكتاب توأمان لا يفترقان، و إليك بعض ما ورد عن الرسول في المقام:

4 - حديث الثقلين:

إنّ النبي الأكرم أيقظ الغافلين و بيّن مرجع الأُمّة بعد رحلته بهتافه المدوي و قال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي».(1)

و قال: «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».(2)

و قال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء و الأرض، و عترتي أهل بيتي، و انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(3)

و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و أهل بيتي، و أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(4)

و قال: «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، و إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ و جلّ، و عترتي. كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و أنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا


1) . كنز العمال: 44/1، أخرجه الترمذي و النسائي عن جابر.

2) . كنز العمال: 44/1، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.

3) . مسند أحمد: 182/5، 189.

4) . المستدرك للحاكم: 148/3.

عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».(1)

و قال في منصرفه من حجّة الوداع و نزوله غدير خم: «كأنّي دعيت فاجبت، انّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه و عترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(2)

5 - حديث السفينة:

اشارة

إنّ النبي الأكرم يشبّه أهل بيته بسفينة نوح و يقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق».(3)

و في حديث آخر يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق؛ و إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له».(4)

و في حديث ثالث: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، و أهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(5)


1) . مسند أحمد: 17/3 و 26، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري.

2) . المستدرك للحاكم: 109/3، أخرجه من حديث زيد بن أرقم.

3) . مستدرك الحاكم: 151/3 بسنده إلى أبي ذر.

4) . الأربعون حديثاً للنبهاني: 216، نقله عن الطبراني في الأوسط.

5) . مستدرك الحاكم: 149/3 بسنده إلى ابن عباس.

و من المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لأنّ هذه المنزلة ليست إلّا لحجج اللّه و لفيف من أهل بيته، و قد فهمه ابن حجر و قال:

يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، و الذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون.

و قال في مقام آخر: إنّه قيل لرسول اللّه: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: «بقاء الحمار إذا كسر صلبه».(1)

و المراد من تشبيههم عليهم السلام بسفينة نوح: أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه و أُصوله عن أئمّتهم الميامين نجا من عذاب اللّه، و من تخلّف عنهم كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء، و هذا غرق في الحميم.

و الوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله، و البخوع لحكمه، و بهذا كان سبباً للمغفرة، و قد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها و أتباعهم، مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله و البخوع لحكمه، و بهذا كان سبباً للمغفرة.

ثمّ إنّ ابن حجر قد أوضح حقيقة التشبيه في كلامه و قال: و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم و عظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، و أخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، و من تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعيم، و هلك في مفاوز الطغيان - إلى أن قال: - و بباب حطة - يعني و وجه تشبيههم بباب حطة - انّ اللّه جعل دخول ذلك الباب الّذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع


1) . الصواعق المحرقة: 91، 142 (الباب الحادي عشر).

التواضع و الاستغفار سبباً للمغفرة، و جعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها».(1)

و في هذه الأحاديث الخمسة غنى و كفاية لطلّاب الحق.


يستفاد من حديث الثقلين أُمور مهمة لو اهتمّت بها الأُمّة لاجتمعت على مائدة أهل البيت و استغنت عن غيرهم، و ها هي:

1 - إنّ اقتران العترة الطاهرة بالقرآن الكريم إشارة إلى أنّ عندهم علم القرآن و فهمه علماً لائقاً بشأنه.

2 - إنّ التمسّك بالكتاب و العترة يعصم من الضلالة و لا يغني أحدهما عن الآخر.

3 - يحرم التقدّم على العترة كما يحرم الابتعاد عنهم.

4 - إنّ العترة لا تفارق الكتاب، و انّهما مستمرّان إلى يوم القيامة.

أ فيصحّ بعد هذه التصريحات و الإشارات ترك العترة و الأخذ بقول غيرهم؟!


1) . لاحظ الصواعق: 91 (الباب الحادى عشر). و قد علّق سيّدنا الإمام شرف الدين على كلام ابن حجر و قال: قل لي لما ذا لم يأخذ بهدي أئمّتهم في شيء من فروع الدين و عقائده، و لا شيء من أُصول الفقه و قواعده، و لا شيء من علوم السنّة و الكتاب، و لا في شيء من الأخلاق و السلوك و الآداب، فلما ذا تخلّف عنهم فأغرق نفسه في بحار كفر النعم، و أهلكها في مفاوز الطغيان؟! (المراجعات: 25).

مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول:

قد تعرّفت على مقتضى السنّة النبوية في مجال القيادة بعد الرسول، و كلّها تدلّ على أنّ الرسول قام بتعيين الوصي بعده، و عيّن خليفة المسلمين تعييناً شخصياً، و قد كرّر و أكّد ذلك في مواقف متعدّدة - حتّى لا يبقىٰ شكّ - و حاول تأكيد الأمر في آخر ساعة من حياته الشريفة عن طريق الكتابة، و لكن حال بعضهم دون تحقّق أُمنية الرسول، فلم يكتب شيئاً، و أمرهم بالخروج عن مجلسه، و نردف ذلك البحث بما وعدناه سابقاً من تبيين مقتضى الكتاب في مسألة الخلافة، و قد نزلت آيات أوضحها آية الولاية في سورة المائدة، فنحن نأتي بها مع ما يتقدّمها حتّى تتّضح دلالتها: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ * فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسٰارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىٰ أَنْ تُصِيبَنٰا دٰائِرَةٌ فَعَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نٰادِمِينَ * وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هٰؤُلاٰءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّٰهِ جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خٰاسِرِينَ * يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ

حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ»(1). و موضع الاستدلال هو الآيتان الأخيرتان.

و قبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها:

روى المفسّرون عن أنس بن مالك و غيره أنّ سائلاً أتى المسجد و هو يقول: من يقرض المليّ الوفي، و علي راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي. فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل ب «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي *** و كل بطيء في الهدى و مسارع

أ يذهب مدحي و المحبين ضائعا *** و ما المدح في ذات الإلٰه بضائع

فأنت الّذي أعطيت إذ أنت راكع *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد *** و يا خير شارٍ ثمّ يا خير بايع

فأنزل فيك اللّه خير ولاية *** و بيّنها في محكمات الشرائع(2)

و إليك تفصيل الآية حرفياً:

1 - الولي و المولى و الأولى بمعنى واحد.

قال رسول اللّه: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل...».(3)


1) . المائدة: 51-56.

2) . رواه الطبري في تفسيره: 186/6، و الجصاص في أحكام القرآن: 446/2، و السيوطي في الدر المنثور: 293/2، و غيرهم

3) . مسند أحمد: 66/6، روتها عائشة عن النبي الأكرم.

و قال: «يا علي أنت ولي كل مؤمن من بعدي».(1)و لو أُطلق على الناصر و المحب فهو كإطلاق المولىٰ عليهما، و قد عرفت أنّه ليس للمولى إلّا معنى واحد و هو الأولى، فلو أُطلق على الناصر و المحب فلأجل أنّ المحب أولى بالدفاع عن محبوبه و التزامه بنصرته، و الصديق أولى بحماية صديقه، فتفسير الولي بالمحب و الناصر و الصديق من باب خلط المصداق بالمفهوم.

2 - لو كان المراد من الولي هو الناصر و ما أشبهه يلزم الاكتفاء بقوله: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» من دون حاجة إلى التقييد بإيتاء الزكاة حال الركوع.

3 - لو كان الولي بمعنى الناصر أو المحب يلزم وحدة الولي و المولّى عليه في قوله: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و ما هذا إلّا لأنّ كل مؤمن ناصر لأخيه المؤمن و محبّ له(2). مع أنّ ظاهر الآية أنّ هناك أولياء ثلاثة: 1 - اللّه، 2 - رسوله، (3) - المؤمنون بالشروط الثلاثة، و أنّ هناك مولى عليه، و هو غير الثلاثة و لا يتحقّق ذلك المعنى إلّا بتفسير الولي بالزعيم و المتصرّف في شئون المولّىٰ عليه، فهؤلاء الثلاثة أولياء و غيرهم مولّىٰ عليهم.

4 - فإذا كانت الحال كذلك فلما ذا أفرد الولي و لم يجمعه؟ و الجواب عنه واضح، و هو أنّه أفرده لإفادة أنّ الولاية للّه على طريق الأصالة و للرسول و المؤمنين على سبيل التبع، و لو قيل إنّما أولياؤكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا لم


1) . مسند أحمد: 437/4؛ مستدرك الحاكم: 111/3.

2) . اللّهمّ إلّا أن يقول القائل إنّ المؤمنين الموصوفين بالأوصاف الثلاثة أولياء المؤمنين غير الموصوفين بها، و هو كما ترى تفسير ساقط.

يكن في الكلام أصل و تبع.

5 - إنّ قوله: «اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ» بدل من «اَلَّذِينَ آمَنُوا» كما أنّ الواو في قوله:

«وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» للحال، و هو حال من قوله: «يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ» معنى ذلك انّهم يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة.

6 - إذا كان المراد من قوله: «اَلَّذِينَ آمَنُوا» هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فلما ذا جيء بلفظ الجماعة؟ و الجواب: جيء بها ليرغّب الناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، و لينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون علىٰ هذه الغاية من الحرص على البر و الإحسان و تفقّد الفقراء حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير و هم في الصلاة لم يؤخّروا إلى الفراغ منها.(1)

و هناك وجه آخر، و هو أنّه أتى بلفظ الجمع دون المفرد لأجل أنّ شانئي علي و أعداء بني هاشم، و سائر المنافقين من أهل الحسد و الحقد، لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد، إذ لا يبقى لهم حينئذ مطمع في تمويهٍ، و لا ملتمس في التضليل، فيكون منهم - بسبب يأسهم - حينئذ ما تُخشى عواقبه على الإسلام، فجاءت الآية بصيغة الجمع مع كونها للمفرد اتّقاء من معرّتهم، ثمّ كانت النصوص بعدها تترىٰ بعبارات مختلفة و مقامات متعدّدة و بثّ فيهم أمر الولاية تدريجاً تدريجاً حتّى أكمل اللّه الدين و أتمّ النعمة، جرياً منه صلى الله عليه و آله و سلم على عادة الحكماء في تبليغ الناس ما يشق عليهم.(2)

و هناك وجه ثالث أشار إليه الشيخ الطبرسي في تفسير الآية، و هو أنّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه و تعظيمه، و ذلك أنّ أهل


1) . الكشاف: 468/1.

2) . المراجعات: 146.

اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، و ذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه.(1)

7 - إنّما ذكر من صفات الولي من الذين آمنوا إقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة، لأنّهما ركنان عظيمان للإسلام و وظيفتان رئيسيتان للقائد، و هو أن يقيم الصلاة (لا أن يصلّي وحده) و يؤتي الزكاة.

و على كل تقدير فتقييد الولي من المؤمنين بالأوصاف الثلاثة، و تقييد إيتاء الزكاة بحال الركوع يجعل الكلّي مخصّصاً في فرد واحد، و هو مثل قولك:

«رأيت رجلاً سلّم عليّ أمس قبل كل أحد» و هو و إن كان كلّياً قابلاً للانطباق على كثيرين قبل التطبيق، لكنّه بعده ينحصر في فرد.

ثمّ إنّ إمام المشكّكين فخر الدين الرازي استشكل على الاستدلال بالآية بوجوه رديئة ساقطة نذكر بعضها و نترك الباقي صيانة للوقت عن الضياع، و لعلّه لأجل هذه التشكيكات لمّا دنا أجله أملى على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الاصفهاني وصيّة في الحادي و العشرين من محرّم سنة 606 ه، و جاء في الوصيّة قوله: فاعلموا أنّي كنت رجلاً محبّاً للعلم، فكنت أكتب في كل شيء شيئاً لا أقف على كمّيته و كيفيته، سواء أ كان حقّاً أو باطلاً أو غثّاً أو سميناً....(2)

ألف - إنّ المراد من الولي في الآية ليس هو المتصرّف، بل المراد الناصر و المحب، بشهادة ما قبلها و ما بعدها، أمّا ما قبل هذه الآية فلأنّه تعالى قال: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ» و ليس المراد لا تتّخذوا


1) . مجمع البيان: 211/2.

2) . دائرة المعارف لفريد وجدي: 148/4.

اليهود و النصارى أئمة متصرّفين في أرواحكم و أموالكم، لأنّ بطلان هذا كالمعلوم. بل المراد لا تتّخذوا اليهود و النصارى أحباباً و أنصاراً و لا تخالطوهم و لا تعاضدوهم، ثمّ لمّا بالغ في النهي عن ذلك قال: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و أمّا ما بعد هذه الآية فلقوله: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ اَلْكُفّٰارَ أَوْلِيٰاءَ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(1).(2)

حاصل التشكيك هو أنّ الولي في الآية المتقدّمة و المتأخّرة بمعنى المحب و الناصر فلو فسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك.

و الجواب أنّ الولي في الآية المتقدّمة عليها و المتأخّرة عنها، و في نفسها بمعنى واحد ليس له في جميع المقامات إلّا معنى واحد و هو الأولى، غير أنّه يختلف متعلّق الولاية جوهراً أوّلاً وسعة و ضيقاً ثانياً، حسب اختلاف موصوفها و من قامت به الولاية. فلو كان الولي هو اللّه و الرسول فيكون متعلّق الولاية هو النفس و النفيس، فهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف بأموالهم، فهما أولى بالتصرّف في كل ما يمت إلى المؤمنين.

و لو كان الولي من الأب و الجد، يكون المتعلّق شئون الصغير و مصالحه، من حفظ نفسه و عرضه و ماله. فيكون أولى بالتصرّف من الصغير في أمواله و شئونه، و منها تزويجه بالغير.

و لو كان الموصوف رئيس القبيلة، حيث كان الرائج في عهد الجاهلية،


1) . المائدة: 57.

2) . مفاتيح الغيب: 28/12.

عقد ولاء الدفاع بين القبيلتين، فيكون هو أولى بالدفاع عن المنتمي في النوائب و النوازل، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة حسب الموصوف.

و بذلك يظهر أنّ المراد من الأولياء في قوله: «لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ» هو الأولى لما ستعرف من أنّها نزلت في حق عبادة بن الصامت و عبد اللّه بن أُبيّ و اليهود، و كان بينهما و بين اليهود عقد ولاء الدفاع، فكان كل من الطرفين وليّاً للآخر، أي أولى بالدفاع و الذب عن المولى عليه من غيره. قال المفسّرون:

نزلت في حق عبادة بن الصامت و عبد اللّه بن أُبي بعد غزوة بدر، حيث لمّا انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: آمنوا قبل أن يُصيبكم اللّه بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن ضيف (اليهودي): أ غرّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أمرونا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يدان لقتالنا، فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم، و انّي أبرأ إلى اللّه و رسوله من ولايتهم، و لا مولى لي إلّا اللّه و رسوله. فقال عبد اللّه بن أُبي:

لكنّي لا أبرأ من ولاية اليهود، لأنّي أخاف الدوائر فلا بد لي منهم. فقال رسول اللّه: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» قال: اذن اقبل، و أنزل اللّه الآية.(1)

فقد اتّخذ الرجلان اليهود أولياء ليتفرّع عليه النصرة و الذبّ كما أنّه سبحانه جعل الأب و الجد أولياء ليتفرّع عليه حفظ شئون المولى عليه، و على ضوء ذلك فالولي في جميع المقامات بمعنى واحد، و الاختلاف انّما هو فيما


1) . مجمع البيان: 206/2 و غيره.

يتفرّع على الولاية، لا أنّه تارة بمعنى الأولى و ثانياً بمعنى الناصر و ثالثاً بمعنى المحب.

ب - و الّذي يرشدك على أنّ الولي في قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ» ليس بمعنى الحب و المحبّة كما احتمله الرازي، انّه ورد نظير هذا النص في قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا آبٰاءَكُمْ وَ إِخْوٰانَكُمْ أَوْلِيٰاءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا اَلْكُفْرَ عَلَى اَلْإِيمٰانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(1)و ليس الولي بمعنى المحبوب. و ذلك لأنّ حب الآباء و الإخوان أمر فطري، فطر الناس عليه من غير فرق بين الكافر و المسلم، و لو كان المراد من التولّي هو الحب يلزم النهي عن أمر جبلّيّ، و لأجل ذلك لا محيص عن تفسيره باتخاذهم أولياء على غرار اتخاذ الرسول و الإمام أوليٰاء، بأن تكون ولايتهم على أعناق المؤمنين، كما أنّه ليس أيضاً بمعنى النصرة لجواز طلب النصرة من الكافر، و هذا هو القرآن يجعل شيئاً من الزكاة للمؤلّفة قلوبهم.

ج - إنّ قوله: «وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» يحكي عن أنّ التولّي على وجه يلحق المتولّي باليهود و النصارى، و هو لا ينطبق على مجرّد الحب و طلب النصرة و الحبّ لا لأجل كونهم كافرين، بل لأسباب أُخرى من حسن الجوار و غيره.

د - إنّه سبحانه يندّد ببعض المؤمنين بقوله: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ...» و هذا يعرب عن أنّ التولّي كان على وجه ينتهي إلى ارتداد المتولّي.


1) . التوبة: 23.

أ فبعد هذه القرائن يصحّ للرازي أن يفسّر التولّي في هذه الآيات بالحب و النصرة. على أنّ تفسير ولاية اللّه و الرسول بالحبّ و النصرة تفسير بأمر واضح لا يحتاج إلى زيادة تأكيد.

هذه هي الشبهة المهمّة في كلامه، و أمّا باقي الشبهات، فليس بشيء ذي بال.

مثلاً يقول: لو نزلت الآية في حق علي، يجب أن يكون نافذ التصرّف حال حياة الرسول، و الآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال.(1)

و الجواب: انّ هذا المقام كان ثابتاً لعلي كثبوته للّه سبحانه و الرسول، غير أنّه لا يقوم بتطبيقه على صعيد الحياة إلّا عند الحاجة، و هو عند ارتحال الرسول و مفارقته الأُمّة، و هذا هو المفهوم من تعيين ولي العهد عند الأُمم.

و أنت إذا قارنت الآية و ما ورد حولها من شأن النزول، و ما نزل في حق علي من الآيات التي تعرّف طهارته من الذنب(2)، و كون حبّهم و مودّتهم أجراً للرسالة(3)، و انّه نفس النبي الأكرم(4)، و انّ بيته من أفضل البيوت الّتي قال في


1) . مفاتيح الغيب: 28/12.

2) . إشارة إلى قوله سبحانه: «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» في حق علي و أهل بيته - الأحزاب: 33 -.

3) . إشارة إلى قوله سبحانه: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى» - الشورى: 23 -.

4) . إشارة إلى قوله سبحانه في أمر المباهلة مع نصارى نجران: «فقل تعالوا ندع أبناءَنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم» - آل عمران: 61 -.

حقّها سبحانه: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ»(1)لوقفت على أنّ الذكر الحكيم يواكب السنّة في تعيين مصير الأُمّة الإسلامية في مجال القيادة و الخلافة و أنّه سبحانه ألقى مقاليد الزعامة إلى الإمام أمير المؤمنين، و بذلك أخرج الأُمّة من التنازع و الاحتكاك بعد الرسول الأعظم.

و نحن نكتفي من البرهنة على خلافة الإمام بهذه الآية، و هناك آيات استدلّ بها الأصحاب على ولاية الإمام، و نفي ولاية الغير، أوضحنا مداليلها في مؤلفاتنا الكلامية، فمن أراد فليرجع إليها.(2)


1) . إشارة إلى ما رواه السيوطي في الدر المنثور: 50/5 من قول أبي بكر للنبيّ بعد نزول الآية: قال يا رسول اللّه أ هذا البيت منها - أي بيت علي و فاطمة -؟ قال: «هو من أفاضلها». و الآية 36 من سورة النور.

2) . الإلهيات: 618/2-632.

الفصل الرابع: ما هو السرّ في مخالفة الجمهور نص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم؟

اشارة

لقد ظهرت الحقيقة بأجلى صورها و ثبت أنّ الرسول لم يرحل عن أُمّته إلّا بعد أن نصّب علياً للخلافة و القيادة، و لكن هناك سؤال يطرح نفسه، و هو أنّه لو كان الحق كما نطقت به النصوص كتاباً و سنّة، فلما ذا أعرض الجمهور عن ما أُمروا أن يتمسّكوا به؟ و هذه هي الشبهة المهمّة في الباب، و هذا هو السؤال الّذي ترك العقول متحيرة تبحث عن جواب مقنع، و قد اعتمد على ذلك بعض المنصفين من أهل السنّة في ردّه لمذهب أهل البيت عليهم السلام، فقال: أُنظر إلى جمهور أهل القبلة و السواد الأعظم من ممثّلي هذه الملّة فإذا هم مع أهل البيت على خلاف ما توجبه ظواهر تلك الأدلّة، فانا أُؤامر منّي نفسين، نفساً تنزع إلى متابعة الأدلّة و أُخرى تفزع إلى الأكثرية من أهل القبلة.(1)

و الإجابة عن الشبهة سهلة لمن راجع التاريخ و سيرة الصحابة في عصر الرسول و بعده. فإنّ القرآن الكريم رغم أمره باتّباع الرسول و عدم التقدّم


1) . من كلام شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري في رسالته إلى السيد شرف الدين، لاحظ المراجعات ص 25، رقم المراجعة 11.

عليه(1)، و رغم أمره بالتسليم له و أنّ الإيمان رهنه(2)، و رغم أنّه يندّد ببعض المسلمين الذين كانوا يتمنّون طاعة الرسول لهم في بعض المواقف و قال: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَللّٰهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ»(3).

رغم كل ذلك نشاهد رجالاً يقفون أمام النبي في غير واحد من المواقف و يخالفونه بعنف و قوّة و يقدّمون الاجتهاد و المصالح الشخصية على أوامر الرسول في مواطن كثيرة، و إليك نزراً يسيراً منها و بالإلمام بها تسهل عليك الإجابة عن السرّ في مخالفة عدّة من الأصحاب لأمر النبي في مسألة الوصاية و القيادة:

[مخالفة عدّة من الأصحاب الرسولَ فيما يأمر و ينهى ايّام حياته]

1 - اختلافهم مع النبي في الأنفال و الأُسرى:

انتصر المسلمون في غزوة بدر و جمع غير واحد من المسلمين ما في معسكر العدو، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، و قال الذين يقاتلون العدوّ و يطلبونه: و اللّه لو لا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، و قال الذين يحرسون رسول اللّه: ما أنتم بأحقّ به منّا و اللّه لقد رأينا أن نقتل العدوّ إن منحنا اللّه أكتافهم، و قد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه فخفنا على رسول اللّٰه كرّة العدوّ فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منّا. فنزل قوله سبحانه: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفٰالِ قُلِ اَلْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا


1) . «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَىِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» - الحجرات: 1 -.

2) . «فَلَا وَ رَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حتّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوْا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ و يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» - النساء: 65 -.

3) . الحجرات: 7.

اَللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(1).(2)

و أمّا اختلافهم في الأسرىٰ فيكفي في ذلك قوله سبحانه: «مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(3).

نحن نضرب الصفح عمّا ذكره المفسّرون حول الآية من القصص غير أنّ قوله سبحانه «لَوْ لاٰ كِتٰابٌ...» يعرب عن أنّهم اختلفوا إلى حدّ كانوا مستحقّين لنزول العذاب لو لا سبق كتاب من اللّه، و من الجرأة ما يظهر عن بعض المفسّرين(4)من أنّ العتاب يعمّ النبي أيضاً مع أنّ نبيّ العظمة أجلّ من أن يشاركهم في العتاب فضلاً عن العقاب، و حاشا ساحة الحق أن يهدّد نبيّه بعذاب عظيم و قد عصمه من المعاصي، و العذاب العظيم لا ينزل إلّا على عمل إجرامي كبير، و نحن لا نفسّر الآية و لا نريد أن نخوض في خصوصيّات القصة و يكفينا أنّها تكشف عن تباعد المؤمنين عن النبيّ في مسألة الأسرىٰ إلى حدّ استحقّوا هذا التنديد.

2 - مخالفتهم لأمر الرسول في أُحد:

ورد رسول اللّه أُحد حين بلغه أنّ أبا سفيان يريد شنّ هجوم على المدينة، و استقبل الرسول المدينة و جعل جبل عينين عن يساره، و نصب خمسين رجلاً


1) . الأنفال: 1.

2) . السيرة النبوية لابن هشام: 641/1-662.

3) . الأنفال: 67-68.

4) . لاحظ الأقوال في الميزان: 137/9.

نبّالاً على جبل عينين و أمَّر عليهم عبد اللّه بن جبير و قال له: «انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا تؤتين من قبلك».

و لمّا صار الانتصار حليف المسلمين و أخذ العدو بالانسحاب عن ساحة القتال مولّياً نحو مكّة، خالف الرماة أمر الرسول و أخلوا مكانهم طمعاً في الغنائم، فكلّما نصحهم أميرهم بالبقاء و عدم ترك الجبل خالفوه.

و لمّا رأى العدو المنهزم أنّ جبل عينين قد أضحى خالياً من الرماة، و كان جبل عينين يقع على ضفتين يتخلّلهما معبر، فاستغل العدو الفرصة فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين، فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم، فوضع السيوف فيهم، فقتل منهم لفيفاً إلى أن تحوّل النصر إلى هزيمة، و كان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصيّة الرسول، و تقديماً للاجتهاد على النص، و الرأي الخاطئ على الدليل، و كم له من نظير في حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و بعد وفاته.

3 - مخالفتهم في صلح الحديبية:

دخلت السنة السادسة للهجرة و اشتاق النبي إلى زيارة بيت اللّه فأعدّ العدّة للعمرة و معه جمع من أصحابه، و ليس معهم من السلاح إلّا سلاح المسافر، فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبية، منعوا من مواصلة السير، فبعد تبادل الرسل بينه و بين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم. فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبي إلى المدينة و مجيئه في العام القابل للزيارة، و قد ذكر فيها شروط للصلح أثارت حفيظة بعض المسلمين، حتّى

أنّ عمر بن الخطاب وثب فأتىٰ أبا بكر فقال: أ ليس برسول اللّه؟ قال: بلى، قال:

أ و لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أ و ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا.(1)

فقد زعم الرجل أنّ البنود الواردة في صلح النبي تعني إعطاء الدنية في الدين، حتّى أنّ النبي أخبرهم حين الشخوص من المدينة أنّ اللّه سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فلمّا انصرفوا و لم يدخلوا مكّة، قالوا: ما حلقنا و لا قصّرنا و لا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل اللّه سبحانه قوله:

«لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ»(2).

و لو أراد المتتبّع أن يتعمّق في السير و التفاسير يجد أنّ مخالفة القوم للرسول لم تكن مختصّة بموضوع دون موضوع، فكان تقديم الاجتهاد على النص شيئاً رائجاً عندهم، و لنكتف في المقام بالمخالفتين الأخيرتين أيّام مرض وفاته صلى الله عليه و آله و سلم.

4 - مخالفتهم في تجهيز جيش أُسامة:

اتّفق المؤرّخون على أنّ النبي الأكرم أمر بتجهيز جيش أُسامة فقال:

«جهّزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه» فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره» و أُسامة قد برز من المدينة، و قال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحال هذه، فنصبر حتّى ننظر أي شيء يكون من أمره.(3)


1) . السيرة النبوية لابن هشام: 316/2-317.

2) . الفتح: 27.

3) . الملل و النحل للشهرستاني: 29/1-30 (تحقيق محمّد بن فتح اللّه بدران).

هذا ما يذكره الشهرستاني ملخّصاً، و ذكره المؤرّخون على وجه التفصيل، فقال الطبري في أحداث سنة إحدى عشرة: «و ضرب على الناس بعثاً و أمّر عليهم أُسامة بن زيد، و أمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشام الأرض بالأردن، فقال المنافقون في ذلك، و ردّ عليهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّه لخليق لها - أي حقيق بالإمارة - و إن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، و إن كان لخليقاً لها» فطار الأخبار بتحلل السير بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم.(1)

و يقول أيضاً: «لقد ضرب بعث أُسامة، فلم يستتبّ لوجع رسول اللّه، و قد أكثر المنافقون في تأمير أُسامة حتّى بلغه، فخرج النبي صلى الله عليه و آله و سلم على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك، و قال: «و قد بلغني أنّ أقواماً يقولون في إمارة أُسامة، و لعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، و إن كان أبوه لخليقاً للإمارة و أنّه لخليق لها فأنفذا بعد أُسٰامة» و قال: «لعن اللّه الذين يتّخذون قبور أنبيائهم مساجد»(2)، فخرج أُسامة فضرب بالجرف و أنشأ الناس في العسكر، و نجم طليحة و تمهّل الناس و ثقل رسول اللّه فلم يستتم الأمر ينظرون أوّلهم آخرهم حتّى توفّى اللّه نبيّه».(3)

و قد ذكر القصة ابن سعد في طبقاته(4)، و الحلبي في سيرته(5)، و من أراد التوسّع فليرجع إليهما.


1) . تاريخ الطبري: 429/2.

2) . لا يخفى أنّه لا صلة لهذه الجملة لما قبل القصة و ما بعدها، و لعلّه تحريف لما نقلناه عن الشهرستاني من أنه لعن المتخلّفين فبدّله الراوي بهذا.

3) . تاريخ الطبري: 430/2.

4) . الطبقات: 189/2-190.

5) . السيرة الحلبية: 227/3-228.

5 - مخالفتهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم في إحضار القلم و الدواة:

عن ابن عباس قال: «لمّا اشتدّ بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وجعه، قال: «ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده» قال عمر: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم غلبه الوجع و عندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا و كثر اللغط، قال صلى الله عليه و آله و سلم: «قوموا عنّي و لا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و بين كتابه.(1)

إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفف من شدة الصدمة التي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها و الشاهد على ما نقول أنّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً، فروى عن ابن عباس إنه كان يقول: يوم الخميس و ما يوم الخميس ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى قلت: يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال:

اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا، و لا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له، أهجر؟ استفهموه، فقال:

«ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» و الثالثة خير إمّا أن سكت عنها و إمّا أن قالها فنسيتها.(2)

و لعلّ الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم


1) . صحيح البخاري: 30/1 باب كتابة العلم؛ الطبقات الكبرى: 242/2، و جاء فيه: فقال بعض من كان عنده انّ نبي اللّه ليهجر.

2) . صحيح البخاري: 99/4 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب.

من الضلال و لكن ذكره شفاهاً عوض كتابته، لكن السياسة اضطرّت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه.

و لعلّ النبي أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين و تشهد بذلك وحدة لفظهما، حيث جاء في الثاني: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي».

و قد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام و حدّث به بعد مدة من الزمن لابن عباس فقال له يوماً: يا عبد اللّه إنّ عليك دماء البدن إن كتمتها، هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت: نعم، قال: أو يزعم أنّ رسول اللّه نصّ عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه في أمره ذروة من قول لا تثبت حجّة، و لا تقطع عذراً و لقد كان يربع في أمره وقتاً ما، و لقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً و حيطة على الإسلام، فعلم رسول اللّه انّي علمت ما في نفسه فأمسك.(1)

و العجب أنّ أحمد أمين مع ما يكن للشيعة من عداء و قسوة يعترف بما ذكرنا بصراحة:

أراد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده ففي الصحيحين: البخاري و مسلم أنّ رسول اللّه لمّا اصفرّ قال: هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، و كان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال عمر: إنّ رسول اللّه قد غلب عليه الوجع(2)و عندكم القرآن. حسبنا كتاب اللّه فاختلف


1) . شرح نهج البلاغة: 17/3، و كأنَّ الرجل كان أشفق على الإسلام من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم!!.

2) . و في موضع آخر في صحيح البخاري: أنّه قال «إنّ الرجل ليهجر».

القوم و اختصموا، فمنهم من قال: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، و منهم من قال القول ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللغو(1)و الاختلاف عنده صلى الله عليه و آله و سلم قال: قوموا، فقاموا. و ترك الأمر مفتوحاً لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة حتّى عصرنا هذا بين السعوديين و الهاشميين.(2)

هذه نماذج من مخالفة القوم لصريح النصوص الصادرة عن النبي الأكرم، و كل ذلك يعرب عن فقدانهم روح التسليم للنبي و لأحكامه، فلم يكونوا ملتزمين بما لا يوافق أهواءهم و أغراضهم من النصوص، نعم، ربّما يوجد بينهم من كان أطوع للنبي من الظل لذي الظل، و لكن المتنفّذين لم يكونوا متعبّدين بالنصوص فضلاً عن تعبّدهم بالإشارات و الرموز، و ربّما كانوا يقابلون النبي بكلمات عنيفة لا يقابل بها من هو أقل منه شأناً.

و يا ليت انّهم اكتفوا في مجال المخالفة للنصوص أثناء حياته، و لكنّهم خالفوها بعد وفاته أكثر ممّا خالفوها أيّام حياته، يقف على ذلك من سبر التاريخ و سيرة الخلفاء في غير واحد من المجالات.

و لقد حاول الشهرستاني في ملله و نحله(3)، و السيد الشريف في شرح المواقف(4)تحديد بدء الخلاف بين المسلمين بأيّام مرض النبي عند ما كان


1) . و الصحيح: اللغط.

2) . يوم الإسلام: 41.

3) . الملل و النحل: 29/1. و لاحظ التبصير في الدين للاسفرائيني: 19.

4) . شرح المواقف: 372/8.

طريح فراشه. و لكن ذلك التحديد من حسن ظنّهما بالصحابة و أنّهم كلّهم عدول، غير أنّك عرفت أنّ تاريخ الخلاف يرجع إلى بدايات الهجرة، و قد اكتفينا بموارد خمسة و ضربنا الصفح عن ذكر موارد أُخرى.

هذا كلّه يرجع إلى مخالفتهم الرسول فيما يأمر و ينهى أيّام حياته، و أمّا مخالفتهم لنصوص الرسول بعد رحلته فحدّث عنها و لا حرج.

[مخالفتهم لنصوص الرسول بعد رحلته]

1 - التصرّف في أذان الفجر:

أخرج الإمام مالك في موطّئه: انّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح، فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم. فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.

و قال الزرقاني في تعليقته على هذه الكلمة من شرحه للموطأ ما هذا لفظه: هذا البلاغ أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنّفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنّه قال لمؤذّنه: إذا بلغت حيّ على الفلاح في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.(1)

2 - الحيلولة بين فاطمة و ميراثها:

استفاضت الآيات بإطلاقاتها تارة و نصوصها تارة أُخرى على أنّ أولاد الأنبياء يرثون آباءهم كسائر الناس.

أمّا الاطلاقات فيكفي في ذلك قوله سبحانه: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ»(2).


1) . الموطأ: 78، باب ما جاء من النداء في الصلاة الحديث 8، و الموطأ مع شرح الزرقاني: 150/1 طبع مصر.

2) . النساء: 11.

و أمّا النصوص فيكفي في ذلك قوله سبحانه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ»(1)و قال سبحانه ناقلاً عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا»(2).

إنّ طلب زكريا من اللّه سبحانه أن يهبه ولداً و أن يجعله رضيّاً لأوضح دليل على أنّ المراد من الوراثة، الوراثة في المال لا النبوّة، لبداهة أنّ الإنسان لا يكون نبيّاً إلّا أن يكون رضيّاً، على أنّ لفظ الوراثة و ما يشتق منه ظاهر في الوراثة في المال و لا يستعمل في غيره إلّا توسّعاً و مجازاً، و مع ذلك فقد خالفت القيادة بعد رسول اللّه هذا النص و حرمت فاطمة من ميراث أبيها بحجّة أنّه سمع من النبي قوله: نحن الأنبياء لا نورّث، مع أنّه لو صحّ هذا الحديث لكان على النبي أن يذكره لورّاثه حتّى لا يقعوا في الخطأ و لا يطلبوا شيئاً ليس لهم، فهل أنّ النبي أهمل هذا البيان اللازم و ذكره لغير وارثه؟!

روى البخاري عن عائشة: أنّ فاطمة عليها السلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال»، و إنّي و اللّه لا أُغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول اللّه، و لأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه.

فأبىٰ أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر،


1) . النمل: 16.

2) . مريم: 5-6.

فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، و عاشت بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً، فلم يؤذِن بها أبا بكر، و صلّى عليها.(1)

و قال ابن قتيبة: قال عمر لأبي بكر (رضى اللّه عنهما): انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوَّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم ترد السلام، فتكلّم أبو بكر و قال: يا حبيبة رسول اللّه، و اللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي، و انّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، و لوددت يوم مات أبوك أنّي متّ و لا أبقى بعده، أ فتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنَعْك حقّك و ميراثك من رسول [اللّٰه]، إلّا أنّي سمعت أباك رسول اللّه يقول:

«لا نورث ما تركنا فهو صدقة».(2)

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الرسول الأعظم و كذا كل من يتولّى الحكومة الإسلامية تكون له ملكيّتان: ملكية شخصية تتعلّق بنفسه و يتصرّف فيها بما أنّها ماله الشخصي، و ملكية تتعلّق بمقام الرسالة و يتصرّف فيها بما أنّه رسول و ممثّل الدولة الإلهية، و القسم الثاني من الملكيّتين لا تورث بل تنتقل إلى من يمارس المسئولية بعده. و نحن نربأ بفاطمة أن تطالب أبا بكر بالأموال الّتي تعد من شئون الدولة الإسلامية و انّما جاءت لتطلب ما كان ملكاً خاصّاً لأبيها، بما أنّه أحد الناس و المسلمين، يملك ما شاء بإحدى الطرق الشرعية و يرثه أولاده بعده.

ثانياً: أنّ ما يرويه البخاري عن الخليفة أنّه قال: «و إنّي و اللّه لا أُغيّر شيئاً من صدقة رسول اللّه عن حالها الّتي كان عليها» واقع في غير محلّه،


1) . صحيح البخاري: 139/5 باب غزوة خيبر.

2) . الإمامة و السياسة: 13/1.

لأنّ حبيبة رسول اللّه لم تطلب منه صدقات أبيها حتّى تجاب بأنّ الصدقة لا تتغيّر و لا تتبدّل و إنّما سألته أن يدفع لها ما ملكه رسول اللّه و نحله لبنته - أعني: فدكاً - أيّام حياته عند ما نزل قوله سبحانه: «وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ»(1).

نحن نفترض أنّ الرسول قال: لا نورث ما تركناه صدقة، و لكن من المحتمل جدّاً، أنّ الفعل «لا نورث» فعل معلوم لا مجهول، و معناه نحن معاشر الأنبياء لا نورث الأشياء الّتي تركناها صدقة، فيكون لفظة ما مفعولاً للفعل المبني على الفاعل و عند ذلك لا صلة للحديث بكل ما يتركه النبي حتّى أمواله الشخصية و المقصود النهائي هو أنّ الصدقة لا تورث كالزكاة و أمثالها.

3 - النهي عن متعة الحج:

قال سبحانه: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ‌(2)فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلاٰثَةِ أَيّٰامٍ فِي اَلْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ»(3).

إنّ صفة التمتّع بالعمرة إلى الحج عبارة عن الإحرام في أشهر الحج من إحدى المواقيت، ثمّ الدخول إلى مكّة للطواف بالبيت و الصلاة بعده، و السعي


1) . الاسراء: 26.

2) . أي فعليه ما يتيسّر له من الهدي، و من لم يجد الهدي و لا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، و هي يوم السابع من ذي الحجّة و تنتهي بيوم عرفة، و التمتّع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكّة و من يجري مجراهم في القرب إليها.

3) . البقرة: 196.

بين الصفا و المروة ثمّ التقصير، و عندئذ يحلّ له كلّ ما كان محرماً عليه، فيقيم على هذه الحالة حتّى ينشأ في تلك السنة إحراماً آخر للحج و يخرج إلى عرفات ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام، إلى آخر الأعمال، هذا هو التمتّع بالعمرة إلى الحج، و انّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتع و قال سبحانه: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ» لما فيه من المتعة و اللذّة بإباحة محرمات الإحرام في المدّة المتخلّلة بين الإحرامين من غير فرق بين محرَّم و آخرَ حتّى مسِّ النساء.

هذا هو الّذي شرّعه القرآن و خالفه بعض أصحاب السلطة، روى مالك عن سعد بن أبي وقّاص و الضّحّاك بن قيس: عام حجّ معاوية بن أبي سفيان و هما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلّا من جهل أمر اللّه عزّ و جلّ، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و صنعناها معه.(1)

روى أحمد بن حنبل عن أبي موسى: أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل:

رويدك ببعض فتياك فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، حتّى لقيه بعد فسأله، فقال عمر رضى الله عنه: قد علمت أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد فعله و أصحابه و لكن كرهت أن يظلّوا بهن معرسين في الاراك ثمّ يروحون بالحج تقطر رءوسهم.(2).

و روى أيضاً عن طريق آخر عنه: انّ عمر رضى الله عنه قال: هي سنّة رسول اللّه -


1) . موطأ مالك: 235، باب ما جاء في التمتّع برقم 767.

2) . مسند أحمد: 49/1-50.

يعني المتعة - و لكن أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك، ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً(1).

و قد استفاض القول عن الخليفة انّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه و أنا أنهى عنهما و أُعاقب عليهما.(2)

قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في أنّ التمتّع جائز و أنّ الإفراد جائز، و أنّ القِران جائز، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم رضي كلاًّ و لم ينكره في حجّته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم و رضيه منهم... احتجّ من فضّل التمتّع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه - يعني متعة الحج - و أمرنا بها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، و لم ينه عنها رسول اللّه حتّى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء.(3)

4 - إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بعد وفاة الرسول:

ورد النص في الذكر الحكيم على أنّ لذي القربى سهم من الخمس قال سبحانه: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ اَلْفُرْقٰانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ»(4). و قد أجمع أهل القبلة


1) . مسند أحمد: 49/1-50.

2) . تفسير الرازي: 167/5، و فسّر الآية بالتمتّع بمحظورات الإحرام؛ و شرح التجريد للمحقّق القوشجي (و هو من أئمة الأشاعرة): و قد عدّه من اجتهاد الخليفة. نعم هو من اجتهاده مقابل النص!!

3) . الجامع لأحكام القرآن: 388/2.

4) . الأنفال: 41.

على أنّ الرسول كان يختصّ بسهم من الخمس و يخصّ أقاربه بسهم آخر. و أنّه لم يعهد تغيير ذلك حتّى دعاه اللّه إليه. غير أنّ أصحاب السلطة بعد الرسول أسقطوا سهم بني هاشم من الخمس، و جعلوهم كغيرهم من يتامىٰ النساء و مساكينهم و أبناء السبيل منهم، و قد عرفت في المخالفة الثالثة أنّ فاطمة عليها السلام طلبت من أبي بكر ما بقي من خمس خيبر.

و يشهد بذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس أنّه كتب إليه نجدة يسأله عن سهم ذي القربى؟ و عن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ و عن المرأة و العبد يشهدان الغنيمة؟ و عن قتل أطفال المشركين؟ فكتب إليه ابن عباس: انّك كتبت إليّ تسأل عن سهم ذي القربى لمن هو؟ و انّا كنّا نراها لقرابة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، فأبى ذلك علينا قومنا؛ و عن اليتيم متى ينقضي يتمه؟ قال: إذا احتلم....(1)

هذا و قد نقل القرطبي أقوالاً في كيفيّة تقسيم الخمس، و هي بين من يأخذ بنص الآية و يجعل سهماً لذي القربى و من يجتهد أمام النص. و نقلها صاحب المنار في تفسيره.(2)

5 - قطع سهم المؤلّفة قلوبهم:

قال سبحانه: «إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ اَلْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ


1) . مسند أحمد: 248/1.

2) . تفسير القرطبي: 10/8؛ تفسير المنار: 17/10-18.

اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(1)، الآية صريحة في أنّ لكلّ واحد من الأصناف المذكورة سهم و دلّت كتب السيرة و الفقه على أنّ الرسول يعطي سهم المؤلّفة قلوبهم، فيؤلّف بذلك قلوبهم، و هذه سيرته المستمرّة معهم، لكن لمّا ولي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم جرياً على عادتهم مع رسول اللّه فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطّه عليه فمزّقه و قال:

لا حاجة لنا بكم، فقد أعزّ الله الإسلام و أغنى عنكم، فإن أسلمتم و إلّا فالسيف بيننا و بينكم، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا له: أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء اللّه تعالى، و أمضى ما فعله عمر.(2)

فاستمرّ الأمر على ذلك بعدهم، و أقصى ما عند المحقّقين من تبرير عمل الخليفة ما ذكره الدواليبي في كتابه «أُصول الفقه» و قال: و لعلّ اجتهاد عمر رضى الله عنه في قطع العطاء الّذي جعله القرآن الكريم للمؤلّفة قلوبهم كان في مقدّمة الأحكام الّتي قال بها عمر تبعاً لتغيير المصلحة بتغير الأزمان رغم أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غير منسوخ.(3)

و ما ذكره الأُستاذ يعارض ذيله صدره، فما معنى أنّ النص القرآني لا يزال ثابتاً غير منسوخ؟ فإذا كان غير منسوخ فما معنى الاجتهاد في مقابل النص؟ لأنّ معنى ذلك إبطال القرآن في فترة خاصة، و لو صحّ لأصحاب السلطة هذا النمط من العمل لما بقي من الإسلام أثر، فالنص لا يتغيّر و لا يتبدّل و لا تتقيّد إطلاقاته و لا عموماته بالمصالح المرسلة.


1) . التوبة: 60.

2) . الجوهرة النيرة: 164/1 و هي في الفقه الحنفي و نقله في المنار: 576/10.

3) . أُصول الفقه: 239.

نعم يجوز على القول بعدم لزوم الاستيعاب في تقسيم الزكاة، دفعها إلى صنف دون صنف، لكنّه إنّما يجوز مؤقّتاً لا دائماً، غير أنّ الخليفة قام بقطع سهم المؤلّفة قلوبهم من رأس، و هذا هو الّذي فهمه أبو حنيفة، و الشافعي(1)بحجّة أنّ اللّه أعزّ الإسلام و هو اجتهاد من عمر بأنّه ليس من المصلحة استمرار هذا الأمر.

و لا نريد من الاجتهاد في مقابل النص إلّا هذا.

هذه نماذج خمسة من مخالفتهم للنصوص و العمل وفق اجتهادات ذوقية، غير أنّ أصحاب السلطة قدّموها على النصوص بقوة و حماس، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النصوص كانت أداة طيّعة للتغيير حسب الأهواء و الميول الشخصية، سواء أ كانوا مقصّرين في هذا التأويل أم قاصرين.

و الهدف إيقاف القارئ على أن مخالفة النصوص لأصحاب النفوذ لم يكن أمراً عسيراً أو شيئاً نادراً.

و بذلك تبيّن أنّ إعراضهم عن أدلّة تنصيب الإمام للخلافة، لم يكن أمراً عجيباً، و ذلك لجريان سيرة الصحابة على تقديم المصالح المزعومة على النصوص و بذلك يقطع العذر على من زعم أنّه لو كان في مسألة الخلافة و إمامة الإمام أمير المؤمنين، نصّ، لما خالفه الصحابة العدول و تلقّوه بالقبول. فيقال: أو ما أمرهم النبيّ، بإحضار القلم و الدواة، فحالوا بينه و بين منيته؟! أو ما حثهم على تجهيز جيش أُسامة و لعن المتخلّفين عنه، و لكنّهم اثّاقلوا إلى الأرض؟! أو ما..

أو ما...

و هناك كلمة لابن أبي الحديد، و هو يقارن بين سياستي علي و عمر و سياستي علي و معاوية، و إليك نصّها:


1) . تفسير المنار: 576/10.

اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه، و بما يرى فيه صلاح ملكه و تمهيد أمره و توطيد قاعدته، سواء أوافق الشريعة أم لم يوافقها، و متى لم يعمل في السياسة و التدبير بموجب ما قلناه، و إلّا فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله.

و أمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً بقيود الشريعة، مدفوعاً إلى اتّباعها، و رفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب و الكيد و التدبير، إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته، قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك، و لسنا بهذا القول ضارّين على عمر بن الخطاب و لا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه، و لكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس و الاستحسان، و المصالح المرسلة، و يرى تخصيص عمومات النص بالآراء و بالاستنباط، من أُصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النص، و يكيد خصمه، و يأمر أُمراءه بالكيد و الحيلة، و يؤدّب بالدرّة و السوط من يغلب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك، و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التأديب. كلّ ذلك بقوّة اجتهاده و ما يؤدّيه إليه نظره. و لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك، و كان يقف مع النصوص و الظواهر و لا يتعدّاها إلى الاجتهاد و الأقيسة، و يطبّق أُمور الدنيا على الدين و يسوق الكلّ مساقاً واحداً، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة و السياسة.(1)

و قال الجاحظ: و ربّما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل و التحسين و الفهم و التمييز، و هو من العامة و هو يظن أنّه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غوراً، و أصحّ فكراً، و أجود روية، و أبعد غاية، و أدق مسلكاً، و ليس الأمر


1) . شرح نهج البلاغة: 572/10.

كذلك، و سأومي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه، و المكان الّذي دخل عليه الخطأ من قبله.

كان علي عليه السلام لا يستعمل في حربه، إلّا ما وافق الكتاب و السنّة، و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السنّة، كما يستعمل الكتاب و السنّة.(1)

و في حياة الخليفة عشرات الشواهد على اجتهاده تجاه النص، و أي اجتهاد تجاهه أظهر و أولى من منع تدوين الحديث و كتابته الّذي هو المصدر الثاني الرئيسي للمسلمين بعد الذكر الحكيم، و قد بلغت السنّة من الكمال مكانة حتّى صار لفظ السنّي شعاراً لجمهور المسلمين.

و لعلّ في قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(2). إشارة إلى بعض هذه الأُمور، و معنى الآية: لا تقولوا حتّى يقول، و لا تأمروا حتّى يأمر، و لا تفتوا حتّى يفتي، و لا تقطعوا أمراً حتّى يقطع، بالتالي: لا تقولوا خلاف الكتاب و السنّة فانّه تقدُّم على اللّه و رسوله.

فإذا كان هذا حال الخليفة و عمله طيلة حياته، فلا عجب أن يجتهد أمام نصوص الولاية و الخلافة و يسدل عليها الستار، و لا يلتفت إليها و يندفع إلى تتبع مظان المصالح المزعومة في مجال الخلافة بعد عصر الرسول، و في ما ذكرنا من مظان الاجتهاد أمام النص كفاية لطالب الحق.


1) . شرح نهج البلاغة: 578/10، نقلاً عن أبي عثمان الجاحظ.

2) . الحجرات: 1.

الفصل الخامس: مبدأ التشيُّع و تاريخ نشأته

اشارة

زعم غير واحد من الكتّاب القدامى و الجدد: أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بأنّه نتاج الجدال الكلامي و الصراع الفكري. فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه و ظهوره في الساحة الإسلامية، و كأنّهم يتلقّون التشيّع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي، و يعتقدون بأنّ القطاع الشيعي و إن كان من جسم الأُمّة الإسلامية إلّا أنّه تكوّن على مرّ الزمن نتيجة لأحداث و تطوّرات سياسية أو اجتماعية فكرية أدّت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، و من ثمّ اتّسع ذلك الجزء بالتدريج.

و لعلّ هذا التصور الخاطئ لمفهوم التشيّع هو ما دفع أصحاب هذه الأُطروحات إلى التخبّط و التعثّر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب، و محاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب، و لو أنّ أُولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأُطروحات العقائدية و الفكرية التي ابتني عليها التشيّع لأدركوا بوضوح و دون لبس أنّ هذا المذهب لا يؤلّف في جوهر تكوينه و قواعد أركانه إلّا الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي و الذي قام عليه كيانه.

و إذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التشيّع يظهر بأوضح صوره

من خلال الالتفاف و المشايعة للوصي الذي اختاره رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله خليفة له بأمر اللّٰه تعالى ليكون قائداً و إماماً للناس - كما كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله - ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء و تبلور الفكر الإسلامي الكبير، و الذي لا بدّ له من الاستمرار و التواصل و التكامل حتّى بعد رحيل صاحب الرسالة صلى الله عليه و آله، و الذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية و حامل أعباء تركتها.

فإذا اعتبرنا بأنّ التشيّع يرتكز أساساً في استمرار القيادة بالوصي، فلا نجد له تأريخاً سوى تأريخ الإسلام، و النصوص الواردة عن رسوله صلى الله عليه و آله.

قد عرفت في الصفحات السابقة نصوصاً متوفرة في وصاية الإمام أمير المؤمنين، و إذا كانت تلك النصوص من القوّة و الحجّية التي لا يرقى إليها الشكّ، و تعدّ و بدون تردّد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أُسسها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فهي بلا شك تدلّ و بوضوح على أنّ هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و إذا كان كذلك فإنّ جميع من استجابوا لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و انقادوا له انقياداً حقيقياً، يعدّون بلا شكّ روّاد التشيع الأوائل و حاملي بذوره، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين و الأنصار و من تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة، و لم يغيِّروه، و لم يتعدوا عنه إلى غيره، و لم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص، و صاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(1)


1) . الحجرات: 1.

ففزعوا في الأُصول و الفروع إلى عليّ و عترته الطاهرة، و انحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة و الولاية و زعامة العترة، حيث تركوا النصوص، و أخذوا بالمصالح.

إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم - و الذين هم بالتالي شيعة لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله - ترفع اللثام عن وجه الحقيقة، و تعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة، و إنّ النبيّ الأكرم وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون، و إن كنت في شكّ من هذا فسنتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام:

1 - أخرج ابن مردويه عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول اللّٰه من أكرم الخلق على اللّٰه؟ قال: «يا عائشة أما تقرئين: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ»».(1)

2 - أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّٰه قال: كنّا عند النبيّ صلى الله عليه و آله فأقبل عليّ فقال النبيّ: «و الذي نفسي بيده إنّ هذا و شيعته لهم الفائزون يوم القيامة»، و نزلت: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البريّة.(2)

3 - أخرج ابن عدي و ابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: «عليّ خير البريّة».(3)


1) . الدر المنثور: 589/6، و الآية هي السابعة من سورة البيّنة.

2) . الدر المنثور: 589/6.

3) . نفس المصدر.

4 - و أخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لعليّ: «هو أنت و شيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين».

5 - أخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أ لم تسمع قول اللّٰه: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» أنت و شيعتك، موعدي و موعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».(1)

6 - روى ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة قالت: كانت ليلتي، و كان النبيّ صلى الله عليه و آله عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ - رضي اللّٰه عنهما - فقال النبيّ: «يا عليّ أنت و أصحابك في الجنّة، أنت و شيعتك في الجنّة».(2)

7 - روى ابن الأثير في نهايته: قال النبيّ مخاطباً عليّاً: «يا عليّ، إنّك ستقدم على اللّٰه أنت و شيعتك راضين مرضيّين، و يقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح. قال ابن الأثير: الإقماح:

رفع الرأس و غض البصر.(3)

8 - روى الزمخشري في ربيعه: أنّ رسول اللّٰه قال: «يا عليّ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة اللّٰه تعالى، و أخذت أنت بحجزتي، و أخذ ولدك


1) . الدر المنثور: 589/6.

2) . الصواعق المحرقة: 161.

3) . النهاية: 106/4. و رواه ابن حجر في الصواعق: 154.

بحجزتك، و أخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى أين يؤمر بنا؟».(1)

9 - روى أحمد في المناقب: أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال لعليّ: «أما ترضى أنّك معي في الجنّة، و الحسن و الحسين و ذرّيتنا خلف ظهورنا، و أزواجنا خلف ذرّيتنا، و شيعتنا عن أيماننا و شمائلنا».(2)

10 - روى الطبراني: أنّه صلى الله عليه و آله قال لعليّ: «أوّل أربعة يدخلون الجنّة: أنا و أنت و الحسن و الحسين، و ذرّيتنا خلف ظهورنا، و أزواجنا خلف ذرّياتنا، و شيعتنا عن أيماننا و شمائلنا».(3)

11 - أخرج الديلمي: «يا علي، إنّ اللّٰه قد غفر لك و لذرّيّتك و لولدك و لأهلك و لشيعتك، فأبشر فإنّك الأنزع البطين».(4)

12 - أخرج الديلمي عن النبيّ أنّه قال: «أنت و شيعتك تردون الحوض رواء مرويّين، مبيضّة وجوهكم، و إنّ عدوّك يردون على الحوض ظماء مقمحين».(5)

13 - روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّٰه:

«يدخلون من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم - ثمّ التفت إلى عليّ فقال:

• هم شيعتك و أنت إمامهم».(6)

14 - روى المغازلي عن كثير بن زيد قال: دخل الأعمش على المنصور،


1) . ربيع الأبرار: 808/1.

2) . الصواعق: 161.

3) . الصواعق: 161.

4) . الصواعق: 161.

5) . الصواعق: 161.

6) . مناقب المغازلي: 293.

فلمّا بصر به قال له: يا سليمان تصدَّر، قال: أنا صدر حيث جلست - إلى أن قال في حديثه: - حدّثني رسول اللّٰه قال: «أتاني جبرئيل عليه السلام آنفاً فقال: تختّموا بالعقيق، فإنّه أوّل حجر شهد للّٰه بالوحدانيّة، ولي بالنبوّة، و لعليّ بالوصيّة، و لولده بالإمامة، و لشيعته بالجنّة».(1)

15 - روى ابن حجر: أنّه مرّ عليّ علىٰ جمعٍ فأسرعوا إليه قياماً، فقال: «من القوم؟» فقالوا: من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم خيراً، ثمّ قال: «يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا و حلية أحبَّتنا؟» فأمسكوا حياءً، فقال له من معه: نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت و خصّكم و حباكم، لما أنبأتنا بصفة شيعتكم فقال: «شيعتنا هم العارفون باللّٰه، العاملون بأمر اللّٰه».(2)

16 - روى الصدوق (306-381 ه): أنّ ابن عباس قال: سمعت رسول اللّٰه يقول: «إذا كان يوم القيامة و رأى الكافر ما أعدّ اللّٰه تبارك و تعالى لشيعة عليّ من الثواب و الزلفى و الكرامة...».(3)

17 - و روى أيضاً بسنده إلى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه و آله قال: «يا علي تختّم باليمين تكن من المقرّبين، قال: يا رسول اللّٰه و من المقرّبون؟ قال: جبرئيل


1) . مناقب المغازلي: 281، و رواه السيد البحراني في غاية المرام عنه، و أنت إذا تدبّرت في الآيات الدالّة على سريان العلم و الشعور في عامّة الموجودات مثل قوله: «وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ» - البقرة: 74 - تستطيع أن تُصَدّقَ ما جاء في الحديث من شهادة العقيق بوحدانية اللّٰه.

2) . الصواعق: 154.

3) . علل الشرائع: 156.

و ميكائيل، قال: فبما أتختّم يا رسول اللّٰه؟ قال: بالعقيق الأحمر؛ فإنّه جبل أقرّ للّٰه بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة، و لك يا عليّ بالوصيّة، و لولدك بالإمامة، و لمحبّيك بالجنّة، و لشيعتك و شيعة ولدك بالفردوس».(1)

و هذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسنادها، تعرب عن كون عليّ عليه السلام متميزاً بين أصحاب النبيّ بأنّ له شيعة و أتباعاً، و لهم مواصفات و سمات كانوا مشهورين بها، في حياة النبيّ و بعدها، و كان صلى الله عليه و آله يشيد بهم و يبشّر بفوزهم، و هم - بلا ريب - ليسوا بخارجين قيد أُنملة عن الخط النبوي المبارك للفكر الإسلامي العظيم، و الذي يؤكّد على حقيقة التشيّع و مبدئه الذي لا يفترق عن نشوء الدين و استقراره.

فبعد هذه النصوص لا يصحّ لباحث أن يلتجئ إلى فروض ظنّية أو وهمية في تحديد تكوّن الشيعة و ظهورها.

الشيعة في كلمات المؤرّخين و أصحاب الفرق

قد غلب استعمال لفظ الشيعة بعد عصر الرسول تبعاً له فيمن يوالي عليّاً و أهل بيته و يعتقد بإمامته و وصايته، و يظهر ذلك من خلال كلمات المؤرّخين و أصحاب المقالات و التي نشير إلى بعضها:

1 - روى المسعودي في حوادث وفاة النبي: أنّ الإمام عليّاً أقام و من معه من شيعته في منزله بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر.(2)


1) . علل الشرائع: 158.

2) . الوصية: 121.

2 - قال أبو مخنف: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكروا هلاك معاوية فحمدنا اللّٰه عليه فقال: إنّ معاوية قد هلك، و أنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، و قد خرج إلى مكّة و أنتم شيعته و شيعة أبيه.(1)

3 - و قال محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه): إنّ أصحاب عليّ ينقسمون إلى الأصحاب، ثمّ الأصفياء، ثمّ الأولياء، ثمّ شرطة الخميس...

و من الأصفياء: سلمان الفارسي، و المقداد، و أبو ذر، و عمّار، و أبو ليلى، و شبير، و أبو سنان، و أبو عمرة، و أبو سعيد الخدري، و أبو برزة، و جابر بن عبد اللّٰه، و البراء بن عازب، و طرفة الأزدي.(2)

4 - و قال النوبختي (المتوفّى 313 ه): إنّ أوّل فرق الشيعة، و هم فرقة عليّ بن أبي طالب، المسمّون شيعة عليّ في زمان النبيّ و بعده، معروفون بانقطاعهم إليه و القول بإمامته.(3)

5 - و قال أبو الحسن الأشعري: و إنّما قيل لهم الشيعة؛ لأنّهم شايعوا عليّاً، و يقدّمونه على سائر أصحاب رسول اللّٰه.(4)

6 - و قال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً على الخصوص، و قالوا بإمامته و خلافته نصّاً و وصيّةً.(5)


1) . مقتل الإمام الحسين لأبي مخنف: 15 و لاحظ ص 16.

2) . الرجال للبرقي: 3، و لاحظ فهرست ابن النديم: 263، و عبارته قريبة من عبارة البرقي.

3) . فرق الشيعة: 15.

4) . مقالات الإسلاميين: 65/1.

5) . الملل و النحل: 131/1.

7 - و قال ابن حزم: و من وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول اللّٰه و أحقّهم بالإمامة، و ولده من بعده، فهو شيعيّ، و إن خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً.(1)

هذا غيض من فيض و قليل من كثير ممّا جاء في كلمات المؤرّخين و أصحاب المقالات، تعرب عن أنّ لفيفاً من الأُمّة في حياة الرسول و بعده إلى عصر الخلفاء و بعدهم كانوا مشهورين بالتشيّع لعليّ، و أنّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول و تبعته الأُمّة في ذلك.

و إنّ الإمام علياً و إن تسامح و تساهل في أخذ حقّه - تبعاً لمصالح عظيمة مكنونة في مثل هذا التصرّف الحكيم - إلّا أنّ حقيقة استخلاف النبيّ له أمست فكرة عقائدية ثابتة في النفوس و القلوب، و تضاعف عدد المؤمنين بها و المتشيّعين له على مرور الأيام، و رجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب، و احتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ صلى الله عليه و آله، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، و يلمّح فيها أُخرى، فالتفّوا حول عليّ عليه السلام و أصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، و ما زال التشيّع ينمو و ينتشر بين المسلمين في الأقطار المختلفة، يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، بل أنّ حقيقته استحكمت من خلال التطبيق العملي لهذا الاستخلاف عبر السنوات القصيرة التي تولّى فيها الإمام عليّ منصب الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفّان، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، و وجد الناس من سيرته و زهده و حكمته ما أكّد لهم صحّة


1) . الفصل في الملل و النحل: 113/2.

تلك المرويّات، و أنّه هو المختار لقيادة الأُمّة و حماية القرآن و نشر تعاليمه و مبادئه.(1)

و إذا كان العنصر المقوّم لإطلاق عبارة الشيعة هو مشايعة عليّ بعد النبيّ الأكرم في الزعامة و الوصاية أوّلاً، و في الفعل و الترك ثانياً؛ فإنّه من غير المنطقي محاولة افتراض علّة اجتماعية أو سياسية أو كلامية لتكوّن هذه الفرقة. و من أجل أن ترتسم في الأذهان الصورة واضحة عن مجسّدي هذه التسمية في تلك الحقبة البعيدة في التأريخ و الملاصقة لعصر الرسالة الأوّل، نستعرض جملة من رواد هذا الميدان المقدّس و الذين يعدّون بحقّ أوائل حملة هذه التسمية المباركة على وجه الإجمال. و من أراد التفصيل فليرجع إلى ما كتب حولهم من المؤلّفات، و سنأتي بأسماء تلك الكتب في آخر البحث:

روّاد التشيّع في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله

إنّ الإحالة للتعرّف على روّاد التشيّع إلى الكتب المؤلّفة في ذلك المضمار لا تخلو من عسر و غموض، قد تدفع بالأمر إلى جملة من المناقشات، إلّا أنّنا سنقتصر في حديثنا على إيراد جملة من أُولئك الصحابة الذين اشتهروا بالتشيّع و نسبوا له:

1 - عبد اللّٰه بن عبّاس.


1) . الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة: 28-29.

2 - الفضل بن العبّاس.

3 - عبيد اللّٰه بن العبّاس.

4 - قثم بن العبّاس.

5 - عبد الرحمن بن العبّاس.

6 - تمام بن العبّاس.

7 - عقيل بن أبي طالب.

8 - أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.

9 - نوفل بن الحرث.

10 - عبد اللّٰه بن جعفر بن أبي طالب.

11 - عون بن جعفر.

12 - محمّد بن جعفر.

13 - ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب.

14 - الطفيل بن الحرث.

15 - المغيرة بن نوفل بن الحارث.

16 - عبد اللّه بن الحرث بن نوفل.

17 - عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحرث.

18 - العبّاس بن ربيعة بن الحرث.

19 - العبّاس بن عتبة بن أبي لهب.

20 - عبد المطّلب بن ربيعة بن الحرث.

21 - جعفر بن أبي سفيان بن الحرث.

هؤلاء من مشاهير بني هاشم، و أمّا غيرهم فإليك أسماء طائفة منهم:

22 - سلمان الفارسي المحمّدي.

23 - المقداد بن الأسود الكندي.

24 - أبو ذرّ الغفاري.

25 - عمّار بن ياسر.

26 - حذيفة بن اليمان.

27 - خزيمة بن ثابت.

28 - أبو أيوب الأنصاري، مضيّف النبيّ صلى الله عليه و آله.

29 - أبو الهيثم مالك بن التيهان.

30 - أُبيّ بن كعب.

31 - سعد بن عبادة.

32 - قيس بن سعد بن عبادة.

33 - عديّ بن حاتم.

34 - عبادة بن الصامت.

35 - بلال بن رباح الحبشي.

36 - أبو رافع مولى رسول اللّٰه.

37 - هاشم بن عتبة.

38 - عثمان بن حنيف.

39 - سهل بن حنيف.

40 - حكيم بن جبلة العبدي.

41 - خالد بن سعيد بن العاص.

42 - ابن الحصيب الأسلمي.

43 - هند بن أبي هالة التميمي.

44 - جعدة بن هبيرة.

45 - حجر بن عديّ الكندي.

46 - عمرو بن الحمق الخزاعي.

47 - جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري.

48 - محمّد بن أبي بكر.

49 - أبان بن سعيد بن العاص.

50 - زيد بن صوحان العبدي.

هؤلاء خمسون صحابياً من الطبقة الأُولى للشيعة، فمن أراد التفصيل و الوقوف على حياتهم و تشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في الرجال، و لكن بعين مفتوحة و بصيرة نافذة.

في الختام نورد ما ذكره محمّد كرد عليّ في كتابه «خطط الشام»

قال: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللّٰه على النصح للمسلمين و الائتمام بعليّ بن أبي طالب و الموالاة له.

و مثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع و تركوا واحدة، و لمّا سئل عن الأربع، قال: الصلاة، و الزكاة، وصوم شهر رمضان، و الحجّ.

قيل: فما الواحدة التي تركوها؟

قال: ولاية عليّ بن أبي طالب.

قيل له: و إنّها لمفروضة معهنّ؟

قال: نعم هي مفروضة معهنّ.

و مثل أبي ذر الغفاري، و عمّار بن ياسر، و حذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، و أبي أيّوب الأنصاري، و خالد بن سعيد، و قيس بن سعد بن عبادة.(1)

الكتب المؤلّفة حول روّاد التشيّع:

إنّ لفيفاً من علماء الإمامية و مفكّريها قاموا بإفراد العديد من المؤلّفات القيّمة و التي تناولت في متونها بالشرح و التفصيل ما يتعلّق بروّاد التشيع الأوائل و دورهم في تثبيت الأركان العقائدية للفكر الإسلامي الناصع، نذكر في هذا المقام ما وقفنا عليه:


1) . خطط الشام: 251/5.

1 - صدر الدين السيّد عليّ المدني الحسيني الشيرازي، صاحب كتاب سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر، و أنوار الربيع في علم البديع، و طراز اللغة، توفّي عام (1120 ه) أفرد تأليفاً في ذلك المجال أسماه ب «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية» خصَّ الطبقة الأُولى بالصحابة الشيعة، و خصَّص الباب الأوّل لبني هاشم من الصحابة، و الباب الثاني في غيرهم منهم. و قام في الباب الأوّل بترجمة (23) صحابيّاً من بني هاشم لم يفارقوا عليّاً قط، كما قام في الباب الثاني بترجمة (46) صحابيّاً.(1)

2 - ذكر الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه «أصل الشيعة و أُصولها» أسماء جماعة من الصحابة الذين كانوا يشايعون عليّاً في حلّه و ترحاله و قال - معلقاً على قول أحمد أمين الكاتب المصري: «و الحقّ أنّ التشيع كان مأوى يرجع إليه كل من أراد هدم الإسلام» -:

و نحن لو لا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكّر، و نيران البغضاء أن لا تتسعّر، و أن تنطبق علينا حكمة القائل: «لا تنه عن خلق و تأتي مثله» لعرّفناه مَن الذي يريد هدم قواعد الإسلام بمعاول الإلحاد و الزندقة، و من الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع و التفرقة، و لكنّا نريد أن نسأل ذلك الكاتب: أيّ طبقة من طبقات الشيعة أرادت هدم الإسلام؟ هل الطبقة الأُولى و هم أعيان صحابة النبيّ و أبرارهم كسلمان المحمّدي أو الفارسي، و أبي ذر، و المقداد، و عمّار، و خزيمة ذي الشهادتين، و ابن التيهان، و حذيفة بن اليمان، و الزبير، و الفضل بن العبّاس، و أخيه الحبر عبد اللّٰه، و هاشم بن عتبة المرقال،


1) . الدرجات الرفيعة: 79-452.

و أبي أيّوب الأنصاري، و أبان و أخيه خالد بن سعيد بن العاص، و أُبيّ بن كعب سيد القرّاء، و أنس بن الحرث بن نبيه، الذي سمع النبيّ يقول: «إنّ ابني الحسين يقتل في أرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس و قتل مع الحسين، راجع الإصابة و الاستيعاب و هما من أوثق ما ألّف علماءُ السنّة في تراجم الصحابة، و لو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة و إثبات تشيّعهم من نفس كتب السنّة لأحوجني ذلك إلى إفراد كتاب ضخم.(1)

3 - كما أنّ الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين (1290-1377 ه) قام بجمع أسماء الشيعة من الصحابة حسب حروف الهجاء، و قال: و إليك - إكمالاً للبحث - بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول اللّٰه لتعلم أنّ بهم اقتدينا، و بهديهم اهتدينا، و سأُفرد لهم - إن وفّق اللّٰه - كتاباً يوضّح للناس تشيّعهم، و يحتوي على تفاصيل شئونهم، و لعلّ بعض أهل النشاط من حملة العلم و سدنة الحقيقة يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب، فيكون لي الشرف إذ خدمته بذكر أسماء بعضهم في هذا الباب و هي على ترتيب حروف الهجاء.

ثمّ ابتدأ بأبي رافع القبطي مولى رسول اللّٰه، و ختمهم بيزيد بن حوثرة الأنصاري، و لم يشر إلى شيء من حياتهم، و إنّما ألقى ذلك على الأمل أو على من يسبقه من بعض أهل النشاط.

إلّا أنّه رحمه اللّٰه ذكر ما يربو على المائتين من أسمائهم.(2)

4 - قام الخطيب المصقع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي «حفظه اللّٰه» بذكر


1) . أصل الشيعة و أُصولها: 53-54.

2) . الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة: 179-190.

أسماء روّاد التشيّع في عصر الرسول في كتابه «هويّة التشيّع» فجاء بأسماء مائة و ثلاثين من خُلَّص أصحاب الإمام من الصحابة الكرام، و قال بعد ذكره لتنويه النبيّ باستخلاف عليّ في غير واحد من المواقف:

و لا يمكن أن تمرّ هذه المواقف و الكثير الكثير من أمثالها من دون أن تشد الناس لعليّ، و دون أن تدفعهم للتعرف على هذا الإنسان الذي هو وصيّ النبيّ، ثمّ لا بدّ للمسلمين من إطاعة الأوامر التي وردت في النصوص، و الالتفاف حول من وردت فيه. ذلك معنى التشيّع الذي نقول إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله هو الذي بذر بذرته، و قد أينعت في حياته، و عرف جماعة بالتشيّع لعليّ و الالتفاف حوله، و للتدليل على ذلك سأذكر لك أسماء الرعيل الأوّل من الصحابة الذين عرفوا بتشيّعهم للإمام عليّ.(1)

5 - آخرهم و ليس أخيرهم كاتب هذه السطور حيث قام مجيباً دعوة السيّد شرف الدين فألّف كتاباً باسم «الشخصيات الإسلامية» في ذلك المجال في عدّة أجزاء، طُبع منه جزءان، و انتهينا في الجزء الثاني إلىٰ ترجمة أبي ذر (جندب بن جنادة) ذلك الصحابي العظيم، و الكتاب باللغة الفارسية، و نقله إلى العربية الشيخ المحقّق البارع جعفر الهادي و طبع و نشر.

و أخيراً فإنّ من أراد أن يقف بشكل جليّ على روّاد التشيّع في كتب الرجال لأهل السنّة فإنّ هذا الأمر ليس بمتعسّر و لا بممتنع، و التي يمكننا الإشارة إلى البعض منها أمثال:

1 - الاستيعاب لابن عبد البرّ (المتوفّى 456 ه).


1) . هويّة التشيّع: 34.

2 - أُسد الغابة للجزري (المتوفّى 606 ه).

3 - الإصابة لابن حجر (المتوفّى 852 ه).

و غير ذلك من أُمّهات كتب الرجال المعروفة.

الفصل السادس: فرضيّات وهميّة لمبدإ التشيّع

اشارة

لقد تقدّم الحديث منّا في الصفحات السابقة حول ما يمكن تسميته بنشأة التشيّع، و التي تبيّن لنا بوضوح أنّه لا فصل هنا بين النشأتين، نشأة الإسلام، و نشأة التشيّع، و أنّهما وجهان لعملة واحدة، إلّا أنّ هناك جماعة من المؤرّخين و كتّاب المقالات ممّن قادهم الوهم و سوء الفهم إلى اعتبار التشيّع أمراً حادثاً و طارئ على المجتمع الإسلامي، فأخذوا يفتّشون عن مبدئه و مصدره، و أشدّ تلك الظنون عدوانية فيه ما تلوكه أشداق بعض المتقدّمين و المتأخّرين، هو كونه وليد عبد اللّٰه بن سبأ ذلك الرجل اليهودي، الذي - بزعمهم - طاف الشرق و الغرب، و أفسد الأُمور على الخلفاء و المسلمين، و ألّب الصحابة و التابعين على عثمان فقتل في عقر داره، ثمّ دعا إلى عليّ بالإمامة و الوصاية، و إلى النبيّ بالرجعة، و كوَّن مذهباً باسم الشيعة، فهو كما يتصوّر هؤلاء و صوّروه لغيرهم صنيع ذلك الرجل اليهودي المتظاهر بالإسلام. و بما أنّ لهذا الموضوع أهمية خاصة لما احتلّه من المساحة الواسعة في أذهان العديد من السذج و السطحيّين، فإنّا لا نكتفي ببيان توهّم واحد بل نأتي على ذكر كلّ تلك الادّعاءات واحدة بعد الأُخرى، مع رعاية التسلسل الزمني.

الفرضيّة الأُولىٰ: الشيعة و يوم السقيفة

ليس بخاف على أحد مدى الانعطافة الخطيرة التي حدثت في تأريخ الإسلام عقب انتهاء مؤتمر سقيفة بني ساعدة، و ما ترتّب عليه من نتائج و قرارات خطيرة.

و الحقّ يقال إنّ هذا المؤتمر الذي ضمّ بين صفوفه ثلّة كبيرة من وجوه الصحابة - من المهاجرين و الأنصار - قد أغفل عند انعقاده الواجب الأعظم في إكرام رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله صاحب الفضل الأكبر فيما وصل إليه الجميع - عند ما تُرك مُسجّى بين يدي أهل بيته و انشغلوا بما كان من غير الإنصاف أن ينسب إليه صلى الله عليه و آله من قصور لا عذر فيه في ترك الأُمّة حائرة به بعد موته.

أقول: و نتيجة لانشغالهم ذاك فقد حرموا من واجب إكرام الرسول صلى الله عليه و آله جلّه، ففاتهم أعظمه، و قصروا في تأديته، و كان لأهل بيته وحدهم ذلك الدور كلّه، فأوفوه، و لم يألوا في ذلك جهداً.

و إذا كان المؤتمرون في السقيفة قد خرجوا إلى الملأ بقرار كان ثمرة مخاض عسير و اعتراك صعب؛ فإنّه أوضح و بلا أدنى ريب تبعثر الآراء و اختلافها، بل و ظروف خطرة كان من الممكن أن تؤدي بالجهد العظيم الذي بذله رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و من معه من المؤمنين في إرساء دعائم هذا

الدين و تثبيت أركانه، و أوضحت - و ذاك لا خفاء عليه - أنّ من غير المنطقي لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن يرحل - مع أنّه لم يفاجئه الموت - دون أن يدرك هذه الحقيقة التي ليس هو ببعيد عنها، و لا يمكن أن يتغاضى عنها، و هو الذي ما خرج في أمر جسيم إلّا و خلّف عنه من ينوبه في إدارة شئون الأُمّة في فترة غيابه التي لا يلبث أن يعود منها بعد أيّام معدودات، فكيف بالرحيل الأبدي؟!

نعم إنّ هذا الأمر لا بدّ و إن يستوقف كلّ ذي لبّ و عقل مستنير.

كما أنّ الاستقراء المتأنّي لأحداث السقيفة قد أوضح و بقوّة في أثناء المؤتمر و بعده وجود تيار قوي و متماسك تبنّته جملة من وجوه الصحابة و متقدّميها، و عمدت إلى التذكير بوجوده و الإجهار به، و لو قادهم هذا الأمر إلى الاقتتال دون تنفيذه، و ذاك الأمر هو الإصرار على إيكال أمر الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام دون غيره، رغم ابتعاده عليه السلام عن ساحة الاعتراك و ميدان التنازع في تلك السقيفة.

و لعلّ تمسّك هذه الثلّة من الصحابة بموقفها من بيعة الإمام دون غيره هو ما دفع بعض المؤرّخين إلى الذهاب بأنّ التشيّع كان وليد هذا المؤتمر و نتاج مخاضه، و أن يليهم آخرون يتعبّدون بهذا الرأي و يرتّبون من خلاله تصوّراتهم و أفكارهم، فيتشعّب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنّيات غير الواقعية و القائمة على أرض واسعة من الأوهام و الاسترسال غير المنطقي.

و لعلّ هذه التصوّرات تعتمد في فهمها أساساً لمبدإ نشأة التشيّع على ما رواه الطبري و غيره عن مجريات هذا المؤتمر و ما ترتّب عليه من

نتائج، دون أن تمد بصرها إلى أبعد من هذه النقطة اللامعة و التأمل في أبعادها.

قال الطبري: اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم و معه عمر و أبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أمير و منكم أمير ، فقال أبو بكر: منّا الأُمراء و منكم الوزراء - إلى أن قال: - فبايعه عمر و بايعه الناس، فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار: لا نبايع إلّا عليّاً.

ثمّ قال (أي الطبري): أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين، فقال: و اللّٰه لأحرّقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة.

فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.

و قال أيضاً: و تخلّف عليّ و الزبير، و اخترط الزبير سيفه و قال: لا أغمده حتى يبايع عليّ. فبلغ ذلك أبا بكر و عمر فقالا: خذوا سيف الزبير.(1)

و قال اليعقوبي في تأريخه: و مالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العبّاس بن عبد المطّلب، و الفضل بن العبّاس، و الزبير بن العوّام، و خالد بن سعيد بن العاص، و المقداد بن عمرو، و سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمّار بن ياسر، و البراء بن عازب، و أُبيّ بن كعب.(2)


1) . تاريخ الطبري: 443/2-444.

2) . تاريخ اليعقوبي: 103/2.

و روى الزبير بن بكار في الموفّقيات: انّ عامّة المهاجرين و جلّ الأنصار كانوا لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر.

و روى الجوهري في كتاب السقيفة: أنّ سلمان و الزبير و بعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً.

و روى أيضاً: أنّه لما بويع أبو بكر و استقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، و لام بعضهم بعضاً، و هتفوا باسم الإمام عليّ، و لكنّه لم يوافقهم.(1)

و روى ابن قتيبة في «الإمامة و السياسة»: كان أبو ذر وقت أخذ البيعة غائباً عن هذه الأحداث، فلمّا جاء قال: أصبتم قناعة، و تركتم قرابة، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم الاثنان.

و قال سلمان: أصبتم ذا السن، و أخطأتم المعدن، أمّا لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان، و لأكلتموها رغداً.

و هكذا فمن خلال هذه النصوص المتقدّمة و غيرها اعتقد ذاك البعض - الذي أشرنا إليه سابقاً - أنّ مبتدأ التشيّع و نشأته كان في تلك اللحظات الحرجة في تأريخ الإسلام، متناسين أنّ ما اعتمدوه في بناء تصوّراتهم هو ما ينقضها و يثبت بطلانها، فإنّ المتأمل في هذه النصوص يظهر له و بوضوح أنّ فكرة التشيّع لعليّ ليست وليدة هذا الظرف المعقّد، و ثمرة اعتلاجه، و نقيض تصوّره، بقدر ما تؤكّد على أنّ هذه الفكرة كانت مختمرة في أذهانهم و مركوزة في


1) . انظر شرح نهج البلاغة: 43/6-44.

عقولهم و لسنين طوال، فلمّا رأت هذه الجماعة انصراف الأمر إلى جهة لم تكن في حساباتهم و لا في حدود تصوّراتهم، و انحساره عمّا كان معهوداً به إليهم، عمدوا إلى التمسّك به بالاجتماع في بيت عليّ و الإعلان صراحة عن موقفهم و معتقدهم.

نعم إنّ من غير المتوقع و المعهود أن يجتمع رأي هذه الجماعة - التي تؤلف خلاصة غنيّة من متقدّمي الصحابة - على هذا الأمر في تلك اللحظات المضطربة و المليئة بالمفاجئات، و أن يترتّب عليه موقف موحّد ثابت، فهذا الأمر يدلّ بوضوح على أنّه ما كان وليد يومه و نتاج مخاضه.

و ممّا يؤكد ذلك و يقوي أركانه ما نقلته جميع مصادر الحديث المختلفة من نداءات رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و توصياته بحقّ عليّ و عترته و شيعته في أكثر من مناسبة و مكان، و ما كان يشير إليه صلى الله عليه و آله من فضل شيعة عليّ و مكانتهم، و التأكيد على وجوب ملازمتهم، و في هذا دلالة لا تقبل النقض على أنّ التشيّع ما كان وليد السقيفة أو ردّة رافضة آنية لمجريات أحداثها، بل إنّ هذا الوجود يمتد عمقاً مع نشأة الإسلام و اشتداد عوده في زمن النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و حياته المباركة المقدّسة.

الفرضيّة الثانية: التشيّع صنيع عبد اللّٰه بن سبأ

اشارة

لنقرأ ما كتبه الطبري حول هذا الوهم المصطنع:

قال: «إنّ يهودياً باسم عبد اللّٰه بن سبأ المكنّى بابن السوداء في صنعاء أظهر الإسلام في عصر عثمان، و اندسّ بين المسلمين، و أخذ يتنقّل في حواضرهم و عواصم بلادهم: الشام، و الكوفة، و البصرة، و مصر، مبشّراً بأنّ للنبيّ الأكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، و أنّ عليّاً هو وصي محمّد صلى الله عليه و آله كما كان لكل نبيّ وصي، و أنّ عليّاً خاتم الأوصياء كما أنّ محمّداً خاتم الأنبياء، و أنّ عثمان غاصب حقّ هذا الوصيّ و ظالمه، فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله».

«إنّ عبد اللّٰه بن سبأ بثّ في البلاد الإسلامية دعاته، و أشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الطعن في الأُمراء، فمال إليه و تبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير و التابعي الصالح من أمثال أبي ذر، و عمّار بن ياسر، و محمّد بن حذيفة، و عبد الرحمن بن عديس، و محمّد بن أبي بكر، و صعصعة بن صوحان العبدي، و مالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرار المسلمين و أخيارهم، فكانت السبئية تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطّة زعيمها، و تضع كتباً في عيوب الأُمراء و ترسل إلى غير مصرهم من الأمصار. فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين -

بتحريض السبئيين - و قدومهم إلى المدينة و حصرهم عثمان في داره، حتّى قتل فيها، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين و مباشرتهم».

«إنّ المسلمين بعد ما بايعوا عليّاً، و نكث طلحة و الزبير بيعته و خرجا إلى البصرة، رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، و أنّه إنّ تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً و قرّروا أنّ يندسّوا بين الجيشين و يثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، و أنّهم استطاعوا أنّ ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسّون من السياسيين في جيش عليّ من كان بإزائهم من جيش البصرة، ففزع الجيشان و فزع رؤساؤهما، و ظنّ كلّ بخصمه شرّاً، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم».

روى الطبري عن هذا الوهم في موضع آخر من كتابه:

«فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد اللّٰه بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: العجب فيمن يزعم أنّ عيسى يرجع و يكذب بأنّ محمداً يرجع، و قد قال اللّٰه عزّ و جلّ: «إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ»(1)، فمحمّد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال:

فَقُبِل ذلك عنه، و وضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان


1) . القصص: 85.

ألف نبيّ، و لكلّ نبيّ وصيّ، و كان عليّ وصي محمّد. ثمّ قال: محمّد خاتم الأنبياء و عليّ خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أظلم ممّن لم يجز وصية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و وثب على وصيّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و تناول أمر الأُمّة. ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حق و هذا وصيّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، و ابدأوا بالطعن على أُمرائكم، و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تستميلوا الناس، و ادعوهم إلى هذا الأمر. فبثّ دعاته، و كاتب من كان استفسد في الأمصار و كاتبوه، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و جعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، و يكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، و يكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أُولئك في أمصارهم، و هؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينة و أوسعوا الأرض إذاعة، و هم يريدون غير ما يظهرون، و يسرّون غير ما يبدون...» إلى آخر ما يذكره الطبري في المقام، حتّى يتوقّف عن إيراد هذه الأحداث بعد حرب الجمل و لا يأتي بعد ذلك بشيء عن السبئية.(1)

و هكذا فقد تبيّن لك ممّا أوردناه عن الطبري إنّ جلّة من فضلاء الصحابة قد عُدّوا من كبار السبئية و قادتها، و هم الذين كانوا يعرفون بالزهد و التقى و الصدق و الصفاء:

فأمّا عبد الرحمن بن عديس البلوي فهو ممّن بايع النبي تحت الشجرة و شهد فتح مصر، و كان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر.(2)


1) . تاريخ الطبري: 378/3.

2) . أُسد الغابة: 309/3 قال: و شهد بيعة الرضوان و بايع فيها و كان أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان بن عفان - رضي اللّٰه عنه - لمّا قتلوه، روى عنه جماعة من التابعين بمصر....

و أمّا محمّد بن أبي بكر: فأُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية، تزوّجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب، فولدت له محمّداً في حجّة الوداع بطريق مكّة، ثمّ نشأ في حجر عليّ بعد أبيه، و شهد معه حرب الجمل، كما شهد صفّين، ثمّ ولي مصر عن عليّ إلى أن قتل فيها بهجوم عمرو بن العاص عليها.(1)

و أمّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلم على عهد رسول اللّٰه و كان خطيباً مفوّهاً، شهد صفّين مع علي. و لما استشهد عليّ و استولى معاوية على العراق نفاه إلى البحرين و مات فيها.(2)

و أمّا الأشتر: فهو مالك بن الحرث النخعي، و هو من ثقات التابعين، شهد وقعة اليرموك، و صحب عليّاً في الجمل و صفّين، ولّاه على مصر سنة (38 ه) و لمّا وصل إلى القلزم دسّ إليه معاوية السمّ بواسطة أحد عملائه فتوفّي مسموماً.(3)

هذا هو الذي ذكره الطبري، و قد أخذه من جاء بعده من المؤرّخين و كتّاب المقالات حقيقة راهنة، و بنوا عليه ما بنوا من الأفكار و الآراء، فصارت الشيعة وليدة السبئية في زعم هؤلاء عبر القرون و الأجيال.


1) . كان أحد من توثّب على عثمان حتّى قتل ثمّ انضمّ إلى عليّ. أُسد الغابة: 324/4، الاستيعاب: 328/3، الجرح و التعديل: 301/7.

2) . أُسد الغابة: 320/3 قال: تقدّم نسبه في أخيه زيد، و كان صعصعة مسلماً على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و لم يره، و صغر عن ذلك، و كان سيّداً من سادات قومه عبد القيس، و كان فصيحاً بليغاً لسناً ديّناً فاضلاً يعد في أصحاب علي - رضي اللّٰه عنه - و شهد معه حروبه.

3) . ملك العرب، أحد الأشراف و الأبطال. الطبقات الكبرى: 213/6، الإصابة: 459/3، سير أعلام النبلاء: 34/4.

و من الذين وقعوا في هذا الخطأ الفاحش دون فحص و تأمل في حقائق الأُمور:

1 - ابن الأثير (المتوفّى 630 ه)، فقد أورد القصّة منبثّة بين حوادث (30 - 36 ه) و هو و إن لم يذكر المصدر في المقام، لكنّه يصدر عن تاريخ الطبري في حوادث القرون الثلاثة الأُول.(1)

2 - ابن كثير الشامي (المتوفّى 774 ه) فقد ذكر القصّة في تأريخه «البداية و النهاية» و أسندها عند ما انتهى من سرد واقعة الجمل إلى تاريخ الطبري، و قال:

هذا ملخّص ما ذكره أبو جعفر بن جرير.(2)

3 - ابن خلدون (المتوفّى 808 ه)، في تأريخه «المبتدأ و الخبر» أورد القصّة في حادثة الدار و الجمل و قال: هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبرى.(3)


1) . لاحظ مقدّمة تاريخ الكامل يقول فيه: فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري؛ إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه، و المرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها. لاحظ: 3/1 ط دار صادر.

2) . البداية و النهاية: 246/7.

3) . تاريخ ابن خلدون يقول: «و بعث (عثمان) إلى الأمصار من يأتيه بصحيح الخبر: محمد بن مسلمة إلى الكوفة، و أُسامة بن زيد إلى البصرة، و عبد اللّٰه بن عمر إلى الشام، و عمار بن ياسر إلى مصر، و غيرهم إلى سوى هذه، فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئاً و لا أنكره أعيان المسلمين و لا عوامّهم إلّا عماراً فإنّه استماله قوم من الأشرار و انقطعوا إليه، منهم عبد اللّٰه بن سبأ و يعرف بابن السوداء كان يهوديّاً و هاجر أيّام عثمان فلم يحسن إسلامه و أُخرج من البصرة... تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر: 139/2، و قال: 166: هذا أمر الجمل ملخّص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به و لسلامته من الأهواء.

و أمّا من جاء بعد أُولئك المؤرّخين و أخذوا ما أورده السابقون مأخذ التسليم فنذكر منهم:

4 - محمّد رشيد رضا، مؤسس مجلة المنار (المتوفّى 1354 ه)، ذكره في كتابه «السنّة و الشيعة» و قال: و كان مبتدع أُصوله (أي التشيّع) يهودي اسمه عبد اللّٰه بن سبأ، أظهر الإسلام خداعاً، و دعا إلى الغلو في عليّ كرم اللّٰه وجهه، لأجل تفريق هذه الأُمّة، و إفساد دينها و دنياها عليها، ثمّ سرد القصّة و قال: و من راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلاً يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيّين دون ما كاد يقع من الصلح.(1)

5 - أحمد أمين (المتوفّى 1372 ه)، و هو الذي استبطل عبد اللّٰه بن سبأ في كتابه «فجر الإسلام» و قال: إنّ ابن السوداء كان يهوديّاً من صنعاء، أظهر الإسلام في عهد عثمان، و حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، و بثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة، و قد طاف في بلاد كثيرة، في الحجاز، و البصرة، و الكوفة، و الشام، و مصر. ثمّ ذكر أنّ أبا ذر تلقّى فكرة الاشتراكية من ذلك اليهودي، و هو تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّي العراق أو اليمن.

و قد كان لكتاب «فجر الإسلام» عام انتشاره (1952 م) دويّ واسع النطاق في الأوساط الإسلامية؛ فإنّه أوّل من ألقى الحجر في المياه الراكدة بشكل واسع، و قد ردّ عليه أعلام العصر بأنواع الردود، فألّف الشيخ المصلح كاشف الغطاء «أصل الشيعة و أُصولها» ردّاً عليه، كما ردّ عليه العلامة الشيخ عبد اللّٰه السبيتي بكتاب أسماه «تحت راية الحق».


1) . السنّة و الشيعة: 4، 6، 45، 49 و 103.

6 - فريد وجدي مؤلّف دائرة المعارف (المتوفّى 1370 ه) فقد أشار إلى ذلك في كتابه عند ذكره لحرب الجمل ضمن ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب.(1)

7 - حسن إبراهيم حسن، و ذكره في كتابه «تاريخ الإسلام السياسي» في أُخريات خلافة عثمان بقوله: «فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملاءمة و مهيّأً لقبول دعوة (عبد اللّٰه بن سبأ) و من لفّ لفّه و التأثّر بها إلى أبعد حدّ - و أضاف - و قد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع و التقوى - و كان من كبار أئمّة الحديث - و هو أبو ذر الغفاري الذي تحدّى سياسة عثمان و معاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء و هو عبد اللّٰه بن سبأ، و كان يهوديّاً فأسلم، ثمّ أخذ ينتقل في البلاد الإسلامية، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة فالكوفة و الشام و مصر....(2)

هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين، و أمّا المستشرقون المتطفّلون على موائد المسلمين فحدّث عنهم و لا حرج، فقد ابتغوا تلك الفكرة الخاطئة في كتبهم الاستشراقية التي تؤلّف لغايات خاصّة، فمن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى ما ألّفه الباحث الكبير السيّد مرتضى العسكري في ذلك المجال، فإنّه - دام ظلّه - حقّق المقال و لم يبق في القوس منزعاً.(3)


1) . دائرة معارف القرن العشرين: 637/6.

2) . تاريخ الإسلام السياسي: 347.

3) . عبد اللّٰه بن سبأ: 46/1-50.

نظر المحقّقين في الموضوع:

1 - إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصّة، على وجه لا يصحّ نسبته إلّا إلى عفاريت الأساطير و مردة الجنّ؛ إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدّق أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء و أسلم في عصر عثمان، و استطاع أن يغري كبار الصحابة و التابعين و يخدعهم، و يطوف بين البلاد ناشراً دعواه، بل و استطاع أن يكوّن خلايا ضدّ عثمان و يستقدمهم على المدينة، و يؤلّبهم على الخلافة الإسلامية، فيها جموا داره و يقتلوه، بمرأى و مسمع من الصحابة العدول و من تبعهم بإحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل و إن وطّن على قبول العجائب و الغرائب.

بل إنّ هذه القصّة تمسّ كرامة المسلمين و الصحابة و التابعين و تصوّرهم أُمّة ساذجة يغترّون بفكر يهودي، و فيهم السادة و القادة و العلماء و المفكّرون.

2 - إنّ القراءة الموضوعية للسيرة و التاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان و معاوية بن أبي سفيان؛ فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهما، و ينفون المخالفين و يضربونهم، فهذا أبو ذر الغفاري - رحمه اللّٰه - نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء و بيت المال بين أبناء بيته، كما أنّه ضرب الصحابي الجليل عمّار بن ياسر حتى انفتق له فتق في بطنه و كسروا ضلعاً من أضلاعه(1)، إلى غير ذلك من مواقفهم


1) . الاستيعاب: 422/2.

من مخالفيهم و معارضيهم التي يقف عليها المتتبّع، و مع ذلك نرى في الأوهام التي عرضناها مسبقاً أنّ رجال الخلافة و عمالها يغضّون الطرف عمّن يؤلِّب الصحابة و التابعين على إخماد حكمهم، و قتل خليفتهم في عقر داره، و يجرّ الويل و الويلات على كيانهم!! و هذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة و سيرة معاوية.

يقول العلاّمة الأميني: لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، و شقّ عصا المسلمين، و قد علم به و بعبثه أُمراء الأُمّة و ساستها في البلاد، و انتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلما ذا لم يقع عليه الطلب؟ و لم يبلغه القبض عليه، و الأخذ بتلكم الجنايات الخطرة و التأديب بالضرب و الإهانة، و الزجّ إلى أعماق السجون؟ و لا آل أمره إلى الإعدام المريح للأُمّة من شرّه و فساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر؟ و هتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني: «إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(1)فهلّا اجتاح الخليفة جرثومة تلك القلاقل بقتله؟ و هل كان تجهّمه و غلظته قصراً على الأبرار من أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله ففعل بهم ما فعل(2)؟!!

و هناك لفيف من الكتّاب ممّن حضر أو غبر، بدل أن يفتحوا عيونهم على الواقع المرير، ليقفوا على الأسباب المؤدّية إلى قتل الخليفة، حاولوا التخلّص من أوزار الحقيقة بالبحث عن فروض وهميّة سبّبت قتل الخليفة و أودت به.


1) . المائدة: 33.

2) . الغدير: 219/9-220.

و في حقّ هؤلاء يقول أحد الكتّاب المعاصرين:

«و في الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ و لا من الحياة حالٌ أو ظرف، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على عثمان، و يحصرون أحداث عصر، بل عصور، بإرادة فرد يطوف في الأمصار و الأقطار و يؤلّب الناس على خليفة و دولة!!

إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم و هذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان و وزيره مروان إنَّما كانت دولة مثاليّة، و أنّ الأمويين و الولاة و الأرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُل العدالة الاجتماعية و الإخاء البشري في أرض العرب. غير أنّ رجلاً فرداً هو عبد اللّٰه بن سبأ أفسد على الأمويين و الولاة و الأرستقراطيين صلاحهم و برّهم؛ إذ جعل يطوف الأمصار و الأقطار مؤلّباً على عثمان و أُمرائه و ولاته الصالحين المُصلحين، و لو لا هذا الرجل الفرد و طوافه في الأمصار و الأقطار لعاش الناس في نعيم مروان و عدل الوليد و حلم معاوية عيشاً هو الرغادة و هو الرخاء.

في مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع، و اعتداء على الخلق، و مسايرة ضئيلة الشأن لبعض الآراء، يغلّف ذلك جميعاً منطق ساذج و حجّة مصطنعة واهية. و فيه ما هو أخطر من ذلك؛ فيه تضليل عن حقائق أساسية في بناء التاريخ؛ إذ يحاول صاحب هذا المسعى الفاشل أن يحصر أحداث عصر بكامله، بل عصور كثيرة، بإرادة فردٍ يطوف في الأمصار و يؤلّب الناس على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلّا لأنّ هذا الفرد طاف بهم و أثارهم!!

أمّا طبيعة الحكم، و سياسة الحاكم، و فساد النظام الاقتصادي و المالي و العمراني، و طغيان الأثرة على ذوي السلطان، و استبداد الولاة بالأرزاق، و حمل بني أُميّة على الأعناق، و الميل عن السياسة الشعبية الديمقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية، و إذلال من يضمر لهم الشعبُ التقدير و الاحترام الكثيرين أمثال أبي ذرّ و عمّار بن ياسر و غيرهما، أمّا هذه الأُمور و ما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية، فليست بذات شأن في تحريك الأمصار و إثارتها على الأُسرة الأمويّة الحاكمة و من هم في ركابها، بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبد اللّٰه بن سبأ الذي يلفت الناس عن طاعة الأئمّة و يلقي بينهم الشرّ.

أ ليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في الشرق من يعلّلون الحوادث العامّة الكبرى المتّصلة اتّصالاً وثيقاً بطبيعة الجماعة و أُسس الأنظمة الاقتصادية و الاجتماعية بإرادة فرد من عامّة الناس يطوف في البلاد باذراً للضلالات و الفساد في هذا المجتمع السليم.

أ ليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الإصلاحية في التاريخ تعليلاً صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاءوا أن يحدثوا شغباً فطافوا الأمصار و أحدثوه».(1)

3 - إنّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم:

أ - السري: إنّ السري الذي يروي عنه الطبري، إنّما هو أحد رجلين:


1) . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 894/4-896، و للكلام صلة من أراد فليرجع إليه.

1 - السري بن إسماعيل الهمداني الذي كذّبه يحيي بن سعيد، و ضعّفه غير واحد من الحفّاظ.(1)

2 - السري بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد المتوفّى عام (258 ه)، و قد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، و وهّاه ابن عدي، و قال: يسرق الحديث، و زاد ابن حبّان:

و يرفع الموقوفات، لا يحلّ الاحتجاج به، و قال النقاش في حديث: وضعه السري(2).

فالاسم مشترك بين كذّابين لا يهمّنا تعيين أحدهما.

و أمّا احتمال كونه السري بن يحيى الثقة غير صحيح، لأنّه توفّي عام (167 ه) مع أنّ الطبري من مواليد عام (234 ه) فالفرق بينهما (57) عاماً، فلا مناص أن يكون السري، أحد الرجلين الكذابين.

ب - شعيب: و المراد منه شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، و قال الذهبي: راوية، كتب سيف عنه: فيه جهالة.(3)

ج - سيف بن عمر: قال ابن حبّان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات، و قال: قالوا: إنّه كان يضع الحديث و اتّهم بالزندقة. و قال الحاكم:


1) . قال يحيى القطّان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، و قال النسائي: متروك، و قال غيره: ليس بشيء، و قال أحمد: ترك الناس حديثه. لاحظ ميزان الاعتدال: 117/2.

2) . تاريخ الخطيب: 993؛ ميزان الاعتدال: 117/2؛ لسان الميزان: 12/3.

3) . ميزان الاعتدال: 275/2؛ لسان الميزان: 145/3.

اتّهم بالزندقة و هو في الرواية ساقط، و قال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، و عامّتها منكرة لم يتابع عليها. و قال ابن عدي: عامّة حديثه منكر. و قال البرقاني - عن الدارقطني -: متروك. و قال ابن معين: ضعيف الحديث فليس خير منه. و قال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي. و قال أبو داود: ليس بشيء. و قال النسائي: ضعيف، و قال السيوطي: وضّاع، و ذكر حديثاً من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال:

موضوع، فيه ضعفاء أشدّهم سيف.(1)

د - فإذا كان هذا حال السند، فكيف نعتمد في تحليل نشوء طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تؤلّف خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية، مع أنّ هذا هو حال سندها و متنها، فالاعتماد عليها خداع و ضلال لا يرتضيه العقل.

عبد اللّٰه بن سبأ أُسطورة تاريخية:

إنّ القرائن و الشواهد و الاختلاف الموجود في حقّ الرجل و مولده، و زمن إسلامه، و محتوى دعوته يشرف المحقّق على القول بأنّ مثل عبد اللّٰه بن سبأ مثل مجنون بني عامر و بني هلال، و أمثال هؤلاء الرجال و الأبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصّاصون و أرباب السمر و المجون؛ فإنّ الترف و النعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين: الأُمويّة و العباسيّة، و كلّما اتّسع العيش و توفّرت دواعي اللهو اتّسع المجال للوضع و راج سوق الخيال، و جعلت القصص و الأمثال كي تأنس بها ربّات الحجال، و أبناء الترف و النعمة.(2)


1) . ميزان الاعتدال: 438/1؛ تهذيب التهذيب: 295/4؛ اللآلي المصنوعة: 157/1، 199 و 429.

2) . أصل الشيعة و أُصولها: 73.

هذا هو الذي ذكره المصلح الكبير كاشف الغطاء، و لعلّ ذلك أورث فكرة التحقيق بين أعلام العصر، فذهبوا إلى أنّ عبد اللّٰه بن سبأ أقرب ما يكون إلى الأُسطورة منه إلى الواقع. و في المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين، يدعم كون الرجل أُسطورة تاريخية عمد أعداء الشيعة إلى تضخيمها و تهويلها لاستغفال الناس نكاية بالشيعة و محاولة خبيثة لإلقاء التفرقة و التباغض بين عموم المسلمين، و لا بأس بالوقوف على كلامه حيث قال:

و أكبر الظنّ أنّ عبد اللّٰه بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً - إنّما قال و دعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، و عظم الخلاف، فهو قد استغلّ الفتنة، و لم يثرها.

إنّ خصوم الشيعة أيّام الأُمويين و العباسيين قد بالغوا في أمر عبد اللّٰه بن سبأ هذا ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان و ولاته من ناحية، و ليشنّعوا على عليّ و شيعته من ناحية أُخرى، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين، و ما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة.

فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ و التحرّج و الاحتياط، و لنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم و سياستهم و عقولهم و دولتهم رجل أقبل من صنعاء، و كان أبوه يهودياً و كانت أُمّه سوداء، و كان هو يهوديّاً ثمّ أسلم، لا رغباً و لا رهباً و لكن مكراً و كيداً و خداعاً، ثمّ أُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه، و فرّقهم بعد ذلك أو قبله شيعاً و أحزاباً.

هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل، و لا تثبت للنقد، و لا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ، و إنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي، و افتراق الأهواء، و نشأة المذاهب السياسيّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن و سنّة النبيّ و سيرة صاحبيه كانوا يرون أُموراً تطرأ، ينكرونها و لا يعرفونها، و يريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم و شدة و ضبط للنفس و ضبط للرعية، و الشباب الناشئون في قريش و غير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، و فيها الطموح، و فيها الأثرة، و فيها الأمل البعيد، و فيها الهَمّ الذي لا يعرف حدّاً يقف عنده، و فيها من أجل هذا كلّه التنافس و التزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها و على كل شيء من حولها، و هذه الأُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ و الشباب إلى ما دفعوا إليه، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم، و هذه الأموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة، و الانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ و هذه بلاد أُخرى لم تفتح، و كلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟ و ما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد و الغنيمة إن كانوا من طلّاب الدنيا، و من الأجر و المثوبة إن كانوا من طلّاب الآخرة؟ ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم و هذا الثراء العريض؟ و أيّ غرابة في أن يندفع الطامحون الطامعون من شباب قريش من خلال هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد و السلطان و الثراء؟ و أيّ غرابة في أن يهمّ بمنافستهم في

ذلك شباب الأنصار و شباب الأحياء الأُخرى من العرب؟ و في أن تمتلئ قلوبهم موجدة و حفيظة و غيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم و بين هذه المنافسة، و يؤثر قريشاً بعظائم الأُمور، و يؤثر بني أُميّة بأعظم هذه العظائم من الأُمور خطراً و أجلّها شأناً؟

و الشيء الذي ليس فيه شكّ هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد و سعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً، و ولّى عبد اللّٰه بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى، و جمع الشام كلّها لمعاوية، و بسط سلطانه عليها إلى أبعد حدّ ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريش و غيرها من أحياء العرب، و ولّى عبد اللّٰه بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص، و كلّ هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم أخوه لأُمّه، و منهم أخوه في الرضاعة، و منهم خاله، و منهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أُميّة بن عبد شمس.

كلّ هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها، و ما نعلم أنّ ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولّى و عزل من عزل، و قد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك و القياصرة و الولاة و الأُمراء إيثار ذوي قرابتهم بشئون الحكم، و ليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعاً من الناس، فهم قد أنكروا و عرفوا ما ينكر الناس و يعرفون في جميع العصور.(1)

هكذا نرى أنّ الموارد التي يستنتج منها كون ابن سبأ شخصية وهميّة خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الأُمور التالية:


1) . الفتنة الكبرى: 134؛ و لاحظ أيضاً الغدير: 220/9-221.

1 - إنّ المؤرّخين الثقات لم يشيروا في مؤلّفاتهم إلى قصّة عبد اللّٰه بن سبأ، كابن سعد في طبقاته، و البلاذري في فتوحاته.

2 - إنّ المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر و هو رجل معلوم الكذب، و مقطوع بأنّه وضّاع.

3 - إنّ الأُمور التي نسبت إلى عبد اللّٰه بن سبأ، تستلزم معجزات خارقة لا تتأتّىٰ لبشر، كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد اللّٰه بن سبأ، و سخّرهم لمآربه - و هم ينفّذون أهدافه بدون اعتراض - في منتهى البلاهة و السخف.

4 - عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان و عمّاله عنه، مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمّد بن أبي حذيفة، و محمّد بن أبي بكر، و غيرهم.

5 - قصّة إحراق عليّ إيّاه و تعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة، و لا يوجد لها في هذه الكتب أثر.

6 - عدم وجود أثر لابن سبأ و جماعته في وقعة صفّين و في حرب النهروان.

و قد انتهى الدكتور بهذه الأُمور إلى القول: بأنّه شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة و لا وجود له في الخارج.(1)


1) . الفتنة الكبرى: فصل ابن سبأ، و قد لخّص ما ذكرنا من الأُمور من ذلك الفصل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه هوية التشيّع: 146.

و قد تبعه غير واحد من المستشرقين، و قد نقل آراءهم الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإمامة(1).

إلى أن وصل الدور إلى المحقّق البارع السيّد مرتضى العسكري - دام ظلّه - فألّف كتابه «عبد اللّٰه بن سبأ» و درس الموضوع دراسة عميقة، و هو الكتاب الذي يحلّل التاريخ على أساس العلم، و قد أدّى المؤلّف كما ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية: إلى الدين و العلم و بخاصّة إلى مبدأ التشيّع خدمة لا يعادلها أيّ عمل في هذا العصر الذي كثرت فيه التهجّمات و الافتراءات على الشيعة و التشيّع، و أقفل الباب في وجوه السماسرة و الدسّاسين الذين يتشبّثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين و إضعاف قوّتهم.(2)

و نحن و إن افترضنا أنّ لهذا الرجل وجوداً حقيقياً على أرض الواقع إلّا أنّ ذلك لا يعني الاقتناع بما نُقل و روي عنه، لأنّه لا يعدو كونه سوى سراب و وهم و خداع لا ينطلي على أحد. يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: و ليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان ليحدث فتنة و ليزيدها اشتعالاً، و ليؤلّب الناس على عثمان، بل أن ينادي بأفكار غريبة، و لكن السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين.(3)

و هكذا، فإن ما يبدو واضحاً للعيان بطلان ما ذهب إليه بعض المنحرفين


1) . نظرية الإمامة: 37.

2) . عبد اللّٰه بن سبأ: 11/1، و الكتاب يقع في جزءين وصل فيهما إلى النتيجة التي تقدّمت، و قد استفدنا من هذا الكتاب في هذا الفصل.

3) . نظرية الإمامة: 37.

و المنخدعين من اعتبار أنّ نشأة التشيع عن هذا الطريق، بل و يزيد الحقّ وضوحاً أنّنا إذا راجعنا كتب الشيعة نرى أنّ أئمّتهم و علماءهم يتبرّءون منه أشدّ التبرّؤ.

1 - قال الكشّي، و هو من علماء القرن الرابع: عبد اللّٰه بن سبأ كان يدّعي النبوّة و أنّ عليّاً هو اللّٰه!! فاستتابه ثلاثة أيّام فلم يرجع، فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلاً.(1)

2 - قال الشيخ الطوسي (385-460 ه) في رجاله في باب أصحاب أمير المؤمنين: عبد اللّٰه بن سبأ الذي رجع إلى الكفر و أظهر الغلوّ.(2)

3 - و قال العلاّمة الحلّي (648-726 ه): غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين بالنار، كان يزعم أنّ عليّاً إله و أنّه نبيّ، لعنه اللّٰه.(3)

4 - و قال ابن داود (647-707 ه): عبد اللّٰه بن سبأ رجع إلى الكفر و أظهر الغلوّ.(4)

5 - و ذكر الشيخ حسن بن زين الدين (المتوفّى 1011 ه) في التحرير الطاووسي: غالٍ ملعون حرقه أمير المؤمنين عليه السلام بالنار.(5)

و من أراد أن يقف على كلمات أئمّة الشيعة في حقّ الرجل، فعليه أن يرجع إلى رجال الكشّي، فقد روى في حقّه روايات كلّها ترجع إلى غلوّه في


1) . رجال الكشي: 98 برقم 48.

2) . رجال الطوسي: باب أصحاب علي: 51 برقم 76.

3) . الخلاصة: 236 القسم الثاني الباب الثاني: عبد اللّٰه.

4) . رجال ابن داود: 254 برقم 278 القسم الثاني.

5) . التحرير الطاووسي: 173 برقم 234.

حقّ عليّ، و أمّا ما نقله عنه سيف بن عمر فليس منه أثر في تلك الروايات، فأدنى ما يمكن التصديق به أنّ الرجل ظهر غالياً فقتل أو أُحرق، و القول بذلك لا يضرّ بشيء، و أمّا ما ذكره الطبري عن الطريق المتقدّم فلا يليق أن يؤمن و يعتقد به من يملك أدنى إلمام بالتاريخ و السير.

و أخيراً فقد تبيّن و بدون شك بطلان و فساد هذه النظرية المختلقة حول نشأة التشيّع، و التي لم تصمد أمام النقد و التمحيص، بل و تحمل بذور سقوطها في ذاتها، و في ذلك الدليل البيّن على أصالة مذهب التشيع و الذي أسلفنا القول بأصالة نشأته، و أنّه وليد العقيدة الإسلامية الأصيلة و امتدادها الحقيقي، و أمّا ما قام به ابن سبأ - على فرض صحّة وقوعه - فإنّه يعبّر عن موقف فردي و تصرّف شخصي خارج عن إطار المذهب، و من تبعه فقد أدخل نفسه دار البوار، و أين هذا الأفّاك و زمرته من أُولئك الذين لا يخالفون اللّٰه و رسوله و أُولي الأمر و لا يتخلّفون عن أوامرهم قيد أُنملة، كالمقداد و سلمان و حجر بن عدي و رشيد الهجري و مالك الأشتر و صعصعة و أخيه و عمرو بن الحمق، ممّن يُستدرّ بهم الغمام و تنزل بهم البركات.

إلى هنا تمّ تحليل النظرية الثانية في تكوّن الشيعة فلننتقل إلى مناقشة النظرية الثالثة.

الفرضيّة الثالثة: التشيّع فارسيّ المبدأ أو الصبغة

اشارة

و هناك فرضية ثالثة اخترعها المستشرقون لتكوّن مذهب الشيعة في المجتمع الإسلامي، و هذه الفرضية كسابقتيها تعتمد اعتبار حداثة هذا المذهب قصداً أم جهلاً، فقادها هذا التصوّر الخاطئ إلى اعتماد نظرية تقول بفارسيّة المبدأ أو الصبغة لمذهب التشيّع، و هذا الترديد بين الأمرين مرجعه رأيان لأصحاب هذه النظرية في المقام:

1 - إنّ التشيع من مخترعات الفرس؛ اخترعوه لأغراض سياسية و لم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس، و لكنّهم لما أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصّة.

2 - إنّ التشيّع عربي المبدأ، و إنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام، و لمّا أسلموا اعتنقوه و صبغوه بصبغة فارسية لم تكن من قبل.

و هذان الرأيان هما اللّذان عبّرنا عنهما في العنوان بما عرفت، و إليك تفصيل أمرهما:

أمّا النظرية الأُولى: فقد اخترعها المستشرق دوزي، و ملخّصها: أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية؛ لأنّ العرب كانت تدين بالحرّيّة، و الفرس

تدين بالملك و الوراثة، و لا يعرفون معنى الانتخاب، و لمّا انتقل النبيّ إلى دار البقاء و لم يترك ولداً، قالوا: علي أولى بالخلافة من بعده.

و حاصله: أنّ الانسجام الفكري بين الفرس و الشيعة - أعني: كون الخلافة أمراً وراثياً - دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس.

و هذا التصوّر مردود لجملة واسعة من البديهيات، منها:

أنّ التشيّع حسبما عرفت ظهر في عصر النبيّ الأكرم، و هو الذي سمّى أتباع عليّ بالشيعة، و كانوا موجودين في عصر النبيّ و بعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس - سوى سلمان - في الإسلام.

بلىٰ، فإنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول و الوصي كانوا كلّهم عرباً و لم يكن بينهم أيّ فارسيّ سوى سلمان المحمّدي، و كلّهم كانوا يتبنّون فكرة التشيّع .

و كان لأبي الحسن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أيام خلافته ثلاثة حروب: حرب الجمل، و صفّين، و النهروان. و كان جيشه كلّه عرباً ينتمون إلى أُصول و قبائل عربية مشهورة بين عدنانية و قحطانية، فقد انضمّ إلى جيشه زرافات من قريش و الأوس و الخزرج، و من قبائل مذحج، و همدان، و طي، و كندة، و تميم، و مضر، بل كان زعماء جيشه من رءوس هذه القبائل كعمّار بن ياسر، و هاشم المرقال، و مالك الأشتر، و صعصعة بن صوحان و أخوه زيد، و قيس بن سعد بن عبادة، و عبد اللّٰه بن عباس، و محمّد بن أبي بكر، و حجر بن عدي، وعدي بن حاتم، و أضرابهم. و بهذا الجند و بأُولئك الزعماء فتح أمير المؤمنين البصرة، و حارب القاسطين - معاوية و جنوده - يوم صفّين، و بهم قضى على المارقين.

فأين الفرس في ذلك الجيش و أُولئك القادة كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الأساس للتشيّع؟ ثمّ إنّ الفرس لم يكونوا الوحيدين ممّن اعتنقوا هذا المذهب دون غيرهم، بل اعتنقه الأتراك و الهنود و غيرهم من غير العرب.

شهادة المستشرقين و غيرهم على أنّ التشيّع عربي المبدأ:

إنّ عدداً من المستشرقين و غيرهم صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس و إليك نصوصهم:

1 - قال الدكتور أحمد أمين: الذي أرى - كما يدلّنا التاريخ - أنّ التشيّع لعليّ بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام و لكن بمعنى ساذج، و لكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأُخرى في الإسلام، و حيث إنّ أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس فلهم أكبر الأثر في التشيّع.(1)و سيوافيك الكلام على ما في ذيل كلامه من أنّ التشيّع أخذ صبغة جديدة بعد فترة من حدوثه.

2 - و قال المستشرق فلهوزن: كان جميع سكان العراق - في عهد معاوية - خصوصاً أهل الكوفة، شيعة على تفاوت بينهم، و لم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل القبائل و رؤساء القبائل.(2)

3 - و قال المستشرق جولد تسيهر: إنّ من الخطأ القول بأنّ التشيّع في نشأته و مراحل نموه يمثّل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأُمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح و الدعاية، و هذا


1) . فجر الإسلام: 176.

2) . الخوارج و الشيعة: 113.

الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة.(1)

4 - و أمّا المستشرق آدم متز فإنّه قال: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض ردّ فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام، فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها عدا المدن الكبرى مثل مكّة و تهامة و صنعاء، و كان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان، و هجر، و صعدة، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة، ما عدا قم، و كان أهل أصفهان يغالون في معاوية حتى اعتقد بعض أهلها أنّه نبي مرسل.(2)

و لعلّ المتأمّل في كلمات هؤلاء يجد بوضوح أنّهم يقطعون بفساد الرأي الذاهب إلى فارسيّة التشيّع، و أنّهم لم يجدوا له تبريراً معقولاً، بالرغم من عدم تعاطفهم أصلاً مع التشيّع، فتأمل.

5 - يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب و ليس التشيّع مخلوقاً لهم، و يضيف: و أمّا فارس و خراسان و ما وراءهما من بلدان الإسلام، فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الأُمويين أوّلاً، ثمّ العباسيين ثانياً، و أنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأُموية بفرار أتباع زيد و من قبله إليها(3).


1) . العقيدة و الشريعة: 204.

2) . الحضارة الإسلامية: 102.

3) . الإمام جعفر الصادق: 545.

6 - و قال السيّد الأمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الأمر إلّا القليل، و جلّ علماء السنّة و أجلّائهم من الفرس، كالبخاري و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و الحاكم النيسابوري و البيهقي، و هكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية.(1)

و أما النظرية الثانية: فإنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا بالصبغة السنّية، و هذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه عن ذلك بقوله:

كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف، و كانوا خدمه و خاصّته، ثمّ كانوا على تلك المنزلة بعده، و شهدوا القادسية مع رستم، و لمّا قتل و انهزم المجوس اعتزلوا، قالوا: ما نحن كهؤلاء و لا لنا ملجأ، و أثرنا عندهم غير جميل، و الرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا. فقال سعد: ما لهؤلاء؟ فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروا بخبرهم، و قالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد فأخبره فآمنهم، فأسلموا و شهدوا فتح المدائن مع سعد، و شهدوا فتح جلولاء، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين(2).

لم يكن إسلامهم - يوم ذاك - إلّا كإسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال: إنّ إسلامهم يوم ذاك كان إسلاماً شيعياً؟

و أمّا النظرية الثالثة: فإنّ الإسلام كان ينتشر بين الفرس بالمعنى الذي كان ينتشر به في سائر الشعوب، و لم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريين الشيعة إلى قم و كاشان، فبذروا بذرة التشيّع، و كان


1) . أعيان الشيعة: 50/1-51 القسم الأول ط 2 - دمشق سنة 1363 ه.

2) . فتوح البلدان: 279.

ذلك في أواخر القرن الأوّل، مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني؛ أي ابتداء من عام (17 ه)، و هذا يعني أنّه قد انقضت أعوام كثيرة قبل أن يدركوا و يعلموا معنى و مفهوم التشيّع، فأين هذا من ذاك. و هذا هو ياقوت الحموي يحدّثنا في «معجم البلدان» بقوله:

قم، مدينة تذكر مع قاشان، و هي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للأعاجم فيها، و أوّل من مصّرها طلحة بن الأحوص الأشعري، و كان بدو تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة (83 ه)، و ذلك أنّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس، كان أمير سجستان من جهة الحجّاج، ثمّ خرج عليه، و كان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماء التابعين من العراقيين، فلمّا انهزم ابن الأشعث و رجع إلى كابل منهزماً كان في جملة إخوة يقال لهم: عبد اللّٰه، و الأحوص، و عبد الرحمن، و إسحاق، و نعيم، و هم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وقعوا في ناحية قم، و كان هناك سبع قرى اسم احداها «كمندان» فنزل هؤلاء الأُخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها و استولوا عليها، و انتقلوا إليها و استوطنوها، و اجتمع عليهم بنو عمّهم و صارت السبع قرى سبع محالّ بها، و سمّيت باسم إحداها «كمندان»، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قماً، و كان متقدّم هؤلاء الأُخوة عبد اللّٰه بن سعد، و كان له ولد قد ربّي بالكوفة، فانتقل منها إلى قم، و كان إمامياً، و هو الذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سنّيّ قط.(1)

إذن فهذا كلّه راجع إلى تحليل النظرية من منظار التاريخ، و أمّا دليله فهو


1) . معجم البلدان: 397/4، مادة قم، و يقول في «مراصد الاطلاع» بأنّ أهل قم، و كاشان كلّهم شيعة إمامية. و لاحظ رجال النجاشي، ترجمة الرواة الأشعريين فيه.

أوهن من بيت العنكبوت، فإذا كان الفرس لا يعرفون معنى الانتخاب و الحرية، فإنّ العرب أيضاً مثلهم، فالعربي الذي كان يعيش بالبادية عيشة فردية كان يحبّ الحرية و يمارسها، و أمّا العربي الذي يعيش عيشة قبلية، فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام أُمورهم و شئونهم و عند موته يقوم أبناؤه و أولاده مكانه واحداً بعد الآخر، فما معنى الحرية بعد هذا؟!

تحليل النظرية:

إنّ هذه النظرية و إن كانت تعترف بأنّ التشيّع عربي المولد و المنشأ، و لكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام، و هذا هو الذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت و لفيف من المستشرقين ك «فلهوزن» فيما ذهبوا إليه في تفسير نشأة التشيّع.

يقول الثاني: إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الإيرانيين فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك؛ إذ تقول إنّ التشيّع الواضح الصريح كان قائماً أوّلاً في الأوساط العربية، ثمّ انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، و جمع بين هؤلاء و بين تلك الأوساط.

و لكن لمّا ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية، و كانت حلقة الارتباط هي الإسلام، و لكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين.(1)


1) . الخوارج و الشيعة: 169.

أقول: إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول و بعده بمعنى الحبّ و الولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر و هو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت عليّ عليه السلام و هو الذي يصرّح به الدكتور أحمد أمين في قوله:

إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، و المقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان و غيرهم.

إلّا أنّه يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم و الملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس، بل إنّ مبدأ وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة و غسّان و حمير في العراق و الشام و اليمن كان هو الوراثة، و الحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً، و المناصب المعروفة لدى قريش من السقاية و الرفادة و عمارة المسجد الحرام و السدانة كانت أُموراً وراثية، حتّى أنّ النبيّ الأكرم لم يغيّرها بل إنّه أمضاها كما في قضيّة دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة و إقرارهم على منصبهم هذا إلى الأبد.

فإلصاق مسألة الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقرّه العقلاء، فعلى ذلك يجب أن نقول: إنّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية و غسّانية و حميرية و أخيراً عربية، و إلّا فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامّة عالمية؟!

إنّ النبوّة و الوصاية من الأُمور الوراثية في الشرائع السماوية، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوّة و الإمامة في بيوتات خاصّة، فكان يتوارث نبيّ نبيّاً، و وصيّ وصيّاً، يقول سبحانه:

«وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً وَ إِبْرٰاهِيمَ وَ جَعَلْنٰا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتٰابَ»(1).

«وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ» (2).

«أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً»(3).

لما ذا لا يكون سبب تشيّع الفرس مفاد هذه الآيات و الروايات التي تصرّح بأنّ الوصاية بين الأنبياء كانت أمراً وراثياً؟ و إنّ هذه سنّة اللّٰه في الأُمم كما هو ظاهر قوله سبحانه: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ» فسمّى الإمامة عهد اللّٰه لا عهد الناس.

ثمّ إنّ من زعم أنّ التشيّع من صنع الفرس مبدأ و صبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس، و ذلك لأنّ التسنّن كان هو السائد فيهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في عصر الصفويين، نعم كانت مدن ري و قم و كاشان معقل التشيّع و مع ذلك يقول أبو زهرة: إنّ أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة، و إنّ الشيعة الأوّلين كانوا من فارس.(4)

أمّا غلبة التشيّع عليهم في الأوان الأخير فلا ينكره أحد، إنّما الكلام في كونهم كذلك في بداية دخولهم إلى الإسلام، فالذي يظهر أنّ الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران و ليس له معرفة حقيقية بتفاصيل التركيبة المذهبية المختلفة


1) . الحديد: 26.

2) . البقرة: 124.

3) . النساء: 54.

4) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 35.

التي كانت واضحة في أطراف المجتمع الإيراني و بيّنة فيه.

و إليك ما ذكره شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي، و هو أحد الكتّاب القدامى في كتابه «أحسن التقاسيم» لتقف على أنّ المذهب السائد في ذلك القرن، هل كان هو التشيّع أم التسنّن؟ يقول:

إقليم خراسان للمعتزلة و الشيعة، و الغلبة لأصحاب أبي حنيفة، إلّا في كورة الشاش؛ فانّهم شوافع، و فيهم قوم على مذهب عبد اللّٰه السرخسي؛ و إقليم الرحاب مذاهبهم مستقيمة، إلّا أنّ أهل الحديث حنابلة، و الغالب بدبيل - لعلّه يريد أردبيل - مذهب أبي حنيفة و بالجبال؛ أمّا بالريّ فمذاهبهم مختلفة، و الغلبة فيهم للحنفية، و بالري حنابلة كثيرة، و أهل قم شيعة، و الدينور غلبه مذهب سفيان الثوري، و إقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة، أكثر أهل الأهواز و رامهرمز و الدورق حنابلة، و نصف أهل الأهواز شيعة، و به أصحاب أبي حنيفة كثير، و بالأهواز مالكيّون... إقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث و أصحاب أبي حنيفة... إقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي... إقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب حديث، و أهل الملتان شيعة يهوعلون في الأذان - أي يقولون:

حيّ على خير العمل - و يثنّون في الإقامة - أي يقولون اللّٰه أكبر مرّتين، و أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه مرّتين أيضاً و هكذا - و لا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة.(1)

و أمّا ابن بطوطة في رحلته فيقول: كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمّى جمال الدين


1) . أحسن التقاسيم: 119 (ألّفه عام 375 ه).

بن مطهّر - يعني العلاّمة الحلي (648-726 ه) - فلمّا أسلم السلطان المذكور و أسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه، فزيّن له مذهب الروافض و فضّله على غيره... فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض، و كتب بذلك إلى العراقين و فارس و آذربايجان و اصفهان و كرمان و خراسان، و بعث الرسل إلى البلاد، فكان أوّل بلاد وصل إليها الأمر بغداد و شيراز و اصفهان، فأمّا أهل بغداد فخرج منهم أهل باب الأزج يقولون: لا سمعاً و لا طاعة، و جاءوا للجامع و هدّدوا الخطيب بالقتل إن غيّر الخطبة، و هكذا فعل أهل شيراز و أهل أصفهان(1).

و قال القاضي عيّاض في مقدّمة «ترتيب المدارك» و هو يحكي انتشار مذهب مالك: و أمّا خراسان و ما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أوّلاً بيحيى بن يحيى التميمي، و عبد اللّٰه بن المبارك، و قتيبة بن سعيد، فكان له هناك أئمّة على مرّ الأزمان، و تفشّى بقزوين و ما والاها من بلاد الجبل.

و كان آخر من درس منه بنيسابور أبو إسحاق بن القطّان، و غلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة و الشافعي.(2)

قال «بروكلمان»: إنّ شاه إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على «الوند» توجّه نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أنّ ثلثي سكان المدينة - الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف - من السنّة.(3)

إذن فالنصوص المتقدّمة تدلّ دلالة واضحة على أنّ مذهب التسنّن كان


1) . رحلة ابن بطوطة: 219-220.

2) . ترتيب المدارك: 53/1.

3) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 140/1.

هو المذهب السائد إلى القرن العاشر بين الفرس، فكيف يمكن أن يقال: إنّ بلاد فارس كانت هي الموطن الأصلي للتشيّع؟

و ممّا يؤكّد ذلك أيضاً ما رواه ابن الأثير في تأريخه في ضمن حوادث سنة 431 ه من أنّ أهل طوس كانوا سنّة إلى عصر محمود بن سبكتكين، قال:

إنّ محمود بن سبكتكين جدّد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا و أحسن عمارته، و كان أبوه سبكتكين أخربه، و كان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم ابنه عن ذلك، و كان سبب فعله ذلك أنّه رأى في المنام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و هو يقول: إلى متى هذا؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته.(1)

و يؤيّد ذلك ما رواه البيهقي: أنّ المأمون العباسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية، فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، العامّة لا تتحمّل هذا و لا سيما أهل خراسان، و لا تأمن أن يكون لهم نفرة(2).

إلّا أنّ المتوكل عمد و بصلافة و تهتّك إلى هدم قبر الحسين عليه السلام و في ذلك قال الشاعر المعروف بالبسّامي:

تاللّٰه إن كانت أميّة قد أتت *** قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا علىٰ أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما(3)


1) . الكامل في التاريخ: 139/5.

2) . المحاسن و المساوئ: 108/1.

3) . تاريخ أبي الفداء: 68/2

فقد بان ممّا ذكر أمران:

1 - إنّ التشيّع ليس فارسيّ المبدأ، و إنّما هو حجازي المولد و المنشأ، اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس - سوى سلمان المحمّدي - و إنّ الإسلام دخل بين الفرس مثل دخوله بين سائر الشعوب، و أنّهم اعتنقوا الإسلام بمذاهبه المختلفة مثل اعتناق سائر الأُمم له، و بقوا على ذلك طويلاً إلى أن اشتد عود التشيّع و كثر معتنقوه في عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية (905 ه).

2 - إنّ كون الإمامة منحصرة في عليّ و أولاده ليس صبغة عارضة على التشيّع، بل هو جوهر التشيّع و حقيقته، و لولاه فقد التشيّع روحه و جوهره، فجعل الولاء لآل محمّد أو تفضيل عليّ على سائر الخلفاء أصله و جوهره، و اعتبار هذا الأمر - كما يعتقده البعض - أمراً عرضياً دخيلاً على مذهب التشيع، تصوّر لا دليل له إلّا التخرص و الاختلاق.

قال المفيد - رحمه اللّٰه -: الشيعي من دان بوجوب الإمامة و وجودها في كل زمان و أوجب النصّ الجليّ و العصمة و الكمال لكلّ إمام، ثمّ حصر الإمامة في ولد الحسين بن عليّ عليهما السلام و ساقها إلى الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام.

الفرضيّة الرابعة: الشيعة و يوم الجمل

اشارة

و أمّا الافتراض الخاطئ الرابع فيذهب إلى أنّ الشيعة تكوّنت يوم الجمل، حيث ذكر ابن النديم في الفهرست: أنّ عليّاً قصد طلحة و الزبير ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر اللّٰه - جلّ اسمه - و تسمّى من اتّبعه على ذلك الشيعة، و كان يقول: شيعتي، و سمّاهم عليه السلام: الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب.(1)

و على ذلك جرى المستشرق «فلهوزن» حيث يقول: بمقتل عثمان انقسم الإسلام إلى فئتين: حزب عليّ، و حزب معاوية، و الحزب يطلق عليه في العربية اسم «الشيعة» فكانت شيعة عليّ في مقابل شيعة معاوية، لكن لمّا تولّى معاوية الملك في دولة الإسلام كلّها... أصبح استعمال لفظة «شيعة» مقصوراً على أتباع عليّ.(2)

الملفت للنظر أن ما ذكره ابن النديم من تقسيمه لشيعة عليّ عليه السلام إلى الأصفياء و الأولياء و... هو عين التقسيم الذي أورده البرقي(3)لأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال:


1) . فهرست ابن النديم: 263.

2) . الخوارج و الشيعة: 146.

3) . توفّي البرقي عام (274) أو (280) و ألّف ابن النديم كتابه عام (377) و توفّي عام (378).

أصحاب أمير المؤمنين:

من أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: الأصحاب، ثمّ الأصفياء، ثمّ الأولياء، ثمّ شرطة الخميس:

من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام: سلمان الفارسي، المقداد، أبو ذر، عمّار، أبو ليلى، شبير، أبو سنان، أبو عمرة، أبو سعيد الخدري (عربي أنصاري)، أبو برزة، جابر بن عبد اللّٰه، البراء بن عازب (أنصاري)، عرفة الأزدي، و كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله دعا له فقال: «اللّهمّ بارك له في صفقته».

و أصحاب أمير المؤمنين، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة آلاف رجل، و قال عليّ بن الحكم: (أصحاب) أمير المؤمنين الذين قال لهم:

«تشرّطوا إنّما أُشارطكم على الجنّة، و لست أُشارطكم على ذهب أو فضّة، إنّ نبيّنا عليه السلام قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فانّي لست أُشارطكم، إلّا على الجنّة».(1)

و ممّا تقدّم يظهر أنّ من عدّه ابن النديم من أصحاب الإمام رجالاً ماتوا قبل أيام خلافته كسلمان و أبو ذر و المقداد، و كلّهم كانوا شيعة للإمام، فكيف يكون التشيّع وليد يوم الجمل؟ و الظاهر وجود التحريف في عبارة ابن النديم.

على كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص الدالّة على وجود التشيّع في


1) . رجال البرقي: 3.

عصر الرسول و ظهوره بشكل جليّ بعد وفاته صلى الله عليه و آله و هذا قبل أن تشبّ نار الحرب في البصرة، دليل على وهن هذا الرأي - على تسليم دلالة كلام ابن النديم - فإنّ الإمام و شيعته بعد خروج الحقّ عن محوره، و استتباب الأمر لأبي بكر، رأوا أنّ مصالح الإسلام و المسلمين تكمن في السكوت و مماشاة القوم، بينما كان نداء التشيّع يعلو بين آن و آخر من جانب المجاهرين بالحقيقة، كأبي ذر الغفاري و غيره، و لكن كانت القاعدة الغالبة هي المحافظة قدر الإمكان على بقاء الإسلام و عدم جرّ المسلمين إلى صدام كبير و نار متأجّجة لا تبقي و لا تذر، و العمل قدر الإمكان لدعم الواجهة السياسية للخلافة الإسلامية و رفدها بالجهد المخلص و النصح المتواصل.

إلّا أنّ الأمر عند ما آل إلى الإمام عليّ وجدت شيعته متنفساً واسعاً للتعبير عن وجودها و الإفصاح عن حقيقتها، فظهرت بأوضح و أجلى صورها، فمن هنا وقع أصحاب هذه الفرضية و غيرها في هذه الاشتباهات الواضحة البطلان.

الفرضيّة الخامسة: الشيعة و يوم صفّين

زعم بعض المستشرقين(1)أنّ الشيعة تكوّنت يوم افترق جيش عليّ في مسألة التحكيم إلى فرقتين، فلمّا دخل عليّ الكوفة و فارقته الحرورية، و ثبت إليه الشيعة، فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت.

و هذا الفهم الخاطئ لهذه الواقعة، و امتطاء هذه العبارة المذكورة لتحديد نشأة التشيّع يعتمد بالأساس على افتراض أنّ لتكوّن الشيعة تاريخاً مفصولاً عن تاريخ الإسلام، فأخذ يتمسّك بهذه العبارة، مع أنّ تعبير الطبري - أعني قوله:

و ثبت إليه الشيعة(2)- دليل على سبق وجودهم على ذلك.

نعم كان للشيعة بعد تولّي الإمام الخلافة وجود واضح حيث ارتفع الضغط فالتفّ حوله موالوه من الصحابة و التابعين، إلّا أنّ الأمر الثابت هو أنّ ليس جميع من كان في جيشه من شيعته بالمعنى المفروض و الواقعي للتشيّع، بل أغلب من انخرط في ذلك الجيش كانوا تابعين له لأنّه خليفة لهم، و قد بايعوه على ذلك.


1) . تاريخ الإمامية: 37.

2) . تاريخ الطبري: 46/4.

الفرضيّة السادسة: الشيعة و البويهيّون

تقلّد آل بويه مقاليد الحكم و السلطة من عام (320) إلىٰ (447 ه)، فكانت لهم السلطة في العراق و بعض بلاد إيران كفارس و كرمان و بلاد الجبل و همدان و اصفهان و الري، و قد أُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليهم عام (420 ه). و قد ذكر المؤرّخون - خصوصاً ابن الأثير في الكامل و ابن الجوزي في المنتظم - شيئاً كثيراً من أحوالهم، و خدماتهم، و إفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرقوا بينهم بمختلف طوائفهم، و قد ألّف المستشرق «استانلي لين بول» كتاباً في حياتهم ترجم باسم: طبقات سلاطين الإسلام.

يقول ابن الأثير في حوادث عام (372 ه) في حديثه عن أحد الملوك البويهيّين، و هو عضد الدولة: و كان عاقلاً، فاضلاً، حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمّة، ثاقب الرأي، محبّاً للفضائل و أهلها، باذلاً في مواضع العطاء... إلى أن قال: و كان محبّاً للعلوم و أهلها، مقرّباً للعلماء، محسناً إليهم، و كان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كلّ بلد، و صنّفوا له الكتب، و منها الإيضاح في النحو، و الحجّة في القراءات، و الملكي في الطبّ، و التاجي في التاريخ إلى غير ذلك.(1)


1) . الكامل في التاريخ: 19/9-21.

و هذا يدل على أنّهم كانوا محبّين للعلم و مروّجين له و لهم أياد مشكورة في نشر العلم و مساندة العلماء.

و بالرغم من أنّ في عصرهم كان يغلب على أكثر البلاد مذهب التسنّن إلّا أنّ البويهيّين لم يقفوا موقف المعادي لهم على الرغم مما وقفه غيرهم من الملوك الآخرين من غير الشيعة من معاداة التشيّع و محاربته.

و لعلّ التأريخ قد سجّل في صفحاته أحداثاً مؤلمة بعد سقوط البويهيين و دخول طغرل بك مدينة السلام (بغداد) عام (447 ه)، عند ما أُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي و كرسيّه الذي كان يجلس عليه للتدريس.(1)

نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم و استنشق رجالاته نسيم الحرية بعد أن تحملوا الظلم و الاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصاً في عهد المتوكّل و من بعده، غير أنّ تكوّن مذهب الشيعة في أيّامهم شيءٌ و كونهم مروّجين و معاضدين له شيءٌ آخر، و من السذاجة بمكان الخلط بين الحالين و عدم التمييز بينهما.


1) . المنتظم: 108/16.

الفرضيّة السابعة: الشيعة و الصفويّون

اشارة

و الكلام عن هذه الأُسرة هو عين الكلام عن البويهيين.

إنّ الصفويين هم أُسرة الشيخ صفيّ الدين العارف المشهور في أردبيل المتوفّى عام (735 ه). فعند ما انقرضت دولة المغول، انقسمت البلاد التي كانت تحت نفوذهم إلى دويلات صغيرة شيعية و غير شيعية، إلى أن قام أحد أحفاد صفيّ الدين، الشاه إسماعيل عام (905 ه) بتسلّم مقاليد الحكم و السيطرة على بلاد فارس و إقامة حكومة خاصّة به استطاع أن يمدّ نفوذها و يبسط سلطتها، و استمرّ في الحكم إلى عام (930 ه)، ثمّ ورثه أولاده إلى أن أُقصوا عن الحكم بسيطرة الأفاغنة على إيران عام (1135 ه) فكان الصفويون خير الملوك؛ لقلّة شرورهم و كثرة بركاتهم، و قد راج العلم و الأدب و الفنون المعمارية أثناء حكمهم، و لهم آثار خالدة إلى الآن في إيران و العراق، و من وقف على أحوالهم و وقف على تاريخ الشيعة يقف على أنّ عصرهم كان عصر ازدهار التشيّع لا تكوّنه، و هو أمر لا مراء فيه، و لا يقتنع به إلّا السذّج و الجهلاء.

نعم إنّ هذه الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة و مبدأ تكوّنهم، كلّها كانت أُموراً افتراضية بنوها على أساس خاطئ، و هو أنّ الشيعة ظاهرة

طارئة على المجتمع الإسلامي بعد عهد النبيّ، سامح اللّٰه الذين لم يتعمّدوا التزييف و غفر اللّٰه لنا و لهم.

زلّة لا تستقال:

إنّ الدكتور عبد اللّٰه فياض زعم أنّ التشيّع بمعنى الموالاة لعليّ عليه السلام نضج في مراحل ثلاث:

1 - التشيّع الروحي، يقول: إنّ التشيّع لعليّ بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبيّ و تمّت قبل تولّيه الخلافة. ثمّ ساق الأدلّة على ذلك و جاء بأحاديث يوم الدار أو بدء الدعوة و أحاديث الغدير و ما قال النبيّ في حقّ عليّ من التسليم على عليّ بإمرة المؤمنين.

2 - التشيّع السياسي، و يريد من التشيّع السياسي: كون عليّ أحق بالإمامة لا لأجل النص بل لأجل مناقبه و فضائله، و يقول: إنّ التشيّع السياسي ظهرت بوادره - دون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية (يريد النصّ) - في سقيفة بني ساعدة، حين أسند حقّ عليّ بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير و العبّاس و غيرهما، و بلغ التشيّع السياسي أقصى مداه حين بويع عليّ بالخلافة بعد مقتل عثمان.

3 - ظهوره بصورة فرقة، فإنّما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة (61 ه) و لم يظهر التشيّع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة. ثمّ استشهد بكلام المقدسي حيث قال: إنّ أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من أربع:

الشيعة، و الخوارج، و المرجئة، و المعتزلة. و أصل افتراقهم قتل عثمان، ثمّ تشعّبوا.(1)

و أيّد نظريته بما ذكره المستشرق «فلهوزن» من قوله: تمكّن الشيعة أوّلاً في العراق و لم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كلّه، فكان جميع سكان العراق خصوصاً أهل الكوفة شيعة عليّ على تفاوت بينهم.(2)

و هذا التصوّر المذكور يمكن تثبيت جملة من الملاحظات عليه:

أوّلاً: انّ التفكيك بين المرحلتين الأوليين، و إنّ الأُولى منهما كانت في عصر النبيّ، و ظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبيّ، قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال: كان روّاد التشيّع الروحي يلتزمون بآراء عليّ الفقهية إلى جانب الالتزام بإسناده سياسياً.(3)

و ثانياً: إنّ ما ذكره من النصوص في مجال التشيّع الروحي كما يدلّ على أنّ عليّاً هو القائد الروحي، فإنّه يدلّ بوضوح على أنّه القائد السياسي، و قد نقل الكاتب جلّ النصوص الواردة في هذا المبنىٰ، فمعنى التفكيك بينهما هو أنّ الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها و تركوا بعضها، و لو صحّ إسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصح إسناده إلى سلمان، و أبي


1) . أحسن التقاسيم: 38.

2) . تاريخ الإمامية: 38-47.

3) . تاريخ الإمامية: 45.

ذر، و عمّار، الذين لا يتركون الحق و إن بلغ الأمر ما بلغ.

و بما أنّ النبيّ كان هو القائد المحنَّك للمسلمين، فإنّه لم تكن هناك حاجة لظهور التشيّع السياسي في حياته، بل كان المجال واسعاً لظهور التشيّع الروحي و رجوع الناس إلى عليّ في القضايا و الأحكام الفقهية، و هذا لا يعني عدم كونه قائداً سياسياً و إنّ وصايا النبيّ لم تكن هادفة إلى ذلك الجانب.

و ثالثاً: إنّ التشيّع السياسي ظهر في أيّام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية؛ فإنّ الطبري و غيره و إن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير و العباس إلى عليّ، و لكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية.

فقد روى الصدوق عن زيد بن وهب أنّه قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر تقدّمه على عليّ بن أبي طالب اثني عشر رجلاً من المهاجرين و الأنصار؛ فمن المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، و المقداد بن الأسود، و أُبيّ بن كعب، و عمّار بن ياسر، و أبو ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و عبد اللّٰه بن مسعود، و بريدة الأسلمي.

و من الأنصار: زيد بن ثابت، و ذو الشهادتين، و ابن حنيف، و أبو أيّوب الأنصاري، و أبو الهيثم بن التيهان.

و بعد ما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد بن سعيد: يا أبا بكر اتق

اللّٰه... ثمّ استدل على تقدم عليّ بما ذكره النبيّ فقال: «معاشر المهاجرين و الأنصار، أُوصيكم بوصيّة فاحفظوها، و انّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه: ألا إنّ علياً أميركم من بعدي و خليفتي فيكم» - إلى آخر ما ذكره - ثمّ قام أبو ذر و قال:

يا معاشر المهاجرين و الأنصار... طرحتم قول نبيّكم و تناسيتم ما أوعز إليكم.

ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالأحاديث التي سمعوها من النبيّ الأكرم.(1)و هذا يعرب عن أنّ التشيّع السياسي - الذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال بعد الرحلة - كان مستفاداً من نصوص النبيّ صلى الله عليه و آله.

رابعاً: ما ذا يريد من الفرقة و أنّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الإمام الحسين؟ فهل يريد الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الأُخرى؟ فهذا الأمر لم يعلم له أيّ وجود يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة، و لم تكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة عليّ بجانب و الآخرون بجانب آخر، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد و الأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول، و لم يكن آنذاك أيّ اختلاف عقائدي إلّا في مسألة القيادة، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين.

و إن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية عليّ روحيّاً و سياسياً و أنّه


1) . الخصال: 461، لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لإثبات الخلافة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

أحقّ بالقيادة على جميع الموازين، فإنّها كانت موجودة في يوم السقيفة و بعدها.

نعم إنّ توسّع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية و ما رافق ذلك من احتكاك مباشر بكثير من الفرق و الجماعات صاحبة الأفكار العقائدية المختلفة، و تأثّر بعض الفرق الإسلامية و مفكّريها بجملة من تلك الآراء و التصوّرات، ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعدّدة في كيان المجتمع الإسلامي، و لمّا كان الشيعة أشد تمسّكاً بحديث الثقلين المشهور، فقد رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الأفنان، ضاربة جذورها في الكتاب و السنّة و العقل.

و هكذا فلا مرية من القول بخطإ كلّ الافتراضات السابقة و عدم حجّيتها في محاولة تثبيت كون التشيّع ظاهرة طارئة على الإسلام، و إنّما هو نفس الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعليّ بعد رحلة النبيّ بتنصيصه، و تبنّاه منذ بعثة النبيّ الأكرم جملة من الصحابة و التابعين و امتدّ ذلك حسب الأجيال و القرون، بل و ظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء مجاهدون، و شعراء مجاهرون، و عباقرة في الحديث، و الفقه، و التفسير، و الفلسفة، و الكلام، و اللغة، و الأدب، و شاركوا جميع المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية بجوانبها المختلفة، يتّفقون مع جميع الفرق في أكثر الأُصول و الفروع و إن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها الآخر. و سيوافيك تفصيل عقائدهم في مبحث خاصّ بإذن اللّٰه.

كما يظهر لك أيضاً وهن ما ذهب إليه الدكتور عبد العزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبيّ و باعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل عليّ.(1)


1) . لاحظ الصلة بين التصوّف و التشيّع: 18.

الفصل السابع: صيغة الحكومة عند أهل السنّة

اشارة

قد تعرّفت على صيغة الحكومة عند الشيعة، و حان البحث عن صيغتها لدى أهل السنّة، و أنّهم يختلفون عن الشيعة في شكل الحكومة بعد رسول اللّه، في أمرين:

الأوّل: فيما يتعلّق بجوهرها و صلبها و أساسها، فانّ الخلافة عند الشيعة إمرة إلٰهية، و استمرار لوظائف النبوّة كلّها، سوى تلقّي الوحي الإلٰهي، و الامام نفس الرسول في الصلاحيات و الوظائف غير أنّه ليس بنبيّ، لأنّ النبوّة أُوصدت و ختمت بالرسول... فلا نبي و لا رسول بعده، و لكن الوظائف كلّها مستمرّة، فلأجل ذلك يجب أن يكون الإمام قائماً بوظائفه صلى الله عليه و آله و سلم المعنوية و المادية و العلمية و الاجتماعية، و يسد الفراغات الحاصلة بوفاته، و قد عرفت قسماً منها، و كان الإمام علي و عترته الطاهرة على هذا الوصف فكانوا خلفاءً إلٰهيّين عيّنهم الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، لكن لم تسمح الظروف للقيام بجميع وظائفهم إلّا لعلي بعد حرمانه من حقّه سنين متمادية، فلمّا استتبّت له الأُمور قام بنفس وظائف النبيّ، من غير فرق بين الاجتماعية منها و العلمية، وسد الفراغات الهائلة.

و لكن الخلافة عند أهل السنّة رئاسة دينية لتنظيم أُمور الأُمّة من

تدبير الجيوش، وسد الثغور، و ردع الظالم، و الأخذ للمظلوم، و قسمة الفيء بين المسلمين، و قيادتهم في حجّهم و غزوهم.(1)

و لأجل اختصاص وظائف الإمام بهذه الأُمور السياسية لا تشترط فيه العصمة، و لا الإحاطة بالشرع أُصوله و فروعه، بل يكفي فيه المقدرة لتدبير الأُمور، و قطع كيد الأعداء، و تسهيل الحياة للأُمّة فعلىٰ ذلك، فلا تتجاوز وظائفه عن الوظائف المخوّلة للحكومات الحاضرة، غير أنّه يجب أن يكون مؤمناً باللّه و رسوله و قائماً بالوظائف الفردية، و لا يعزل عن مقامه بالخروج عن الطاعة و اقتراف المعصية حسب ما ذكروه في محلّه.(2)

و هذا الاختلاف بين الفريقين يرجع إلى تفسير جوهر الإمامة و حقيقتها، و يتفرّع على ذلك خلاف آخر، و هذا هو الّذي نذكره في الأمر التالي.

الثاني: انّ الإمام عند الشيعة يعيّن من جانب اللّه سبحانه و يبلّغ بواسطة الرسول، و أمّا الإمام عند أهل السنّة، فقد فوّض أمر انتخابه إلى الأُمّة على وجه الإجمال و لم تذكر خصوصياته على وجه التفصيل، و الّذي يظهر من مجموع كلامهم، انّ الإمامة تنعقد عن طريق الشورى، و اختيار أهل الحل و العقد أوّلاً، و بتعيين الإمام السابق ثانياً، و بالغلبة ثالثاً.(3)

قال الماوردي: الإمامة تنعقد بوجهين:

أحدهما: باختيار أهل الحل و العقد.


1) . قد لخّص الماوردي مسئوليات الإمام في عشرة، لاحظ الأحكام السلطانية: 15-16.

2) . التمهيد للباقلاني: 181.

3) . الأحكام السلطانية: 6 و شرح مقاصد الطالبيين في علم أُصول عقائد الدين: 272.

و الثاني: بعهد الإمام من قبل.(1)

و قال العضدي: إنّها تثبت بالنص من الرسول، و في الإمام السابق بالإجماع، و تثبت ببيعة أهل العقد و الحل.(2)

ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد بهم الإمامة على مذاهب شتّى، فقالت طائفة: لا تنعقد الإمامة إلّا بجمهور أهل العقد و الحل من كل بلد، ليكون الرضا به عامّاً.

و قالت طائفة: أقلّ ما تنعقد به منهم خمسة، بشهادة أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة و هم: عمر بن الخطاب، و أبو عبيدة الجرّاح، و اسيد بن حضير، و بشر بن سعد، و سالم مولى أبي حذيفة.

و قال آخرون: تنعقد بثلاثة، يتولّاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكماً و شاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي و شاهدين.

و قالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعلي: امدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن عمّه فلا يختلف عليك اثنان، و لأنّه حكم و حكم الواحد نافذ.(3)

إنّ هذا الاختلاف الهائل فيما تنعقد به الإمامة، ناجم عن القول بأنّ أمر الخلافة مفوّض إلى الأُمّة مع عدم النص على أصل التفويض و لا على خصوصياته. و هذا من عجيب الأمر، حيث إنّ النبيّ يفوّض ذلك الأمر الحيوي


1) . الأحكام السلطانية: 4.

2) . شرح المواقف: 265/3.

3) . الأحكام السلطانية: 4.

إلى الأُمّة، و لا يتكلّم بأصل التفويض و لا خصوصياته، فيترك الأُمّة في حيرة.

و قد وقف على ذلك، الكاتب المصري الخضري، قال: لم يرد في الكتاب أمر صريح بشكل انتخاب خليفة لرسول اللّه، اللّهمّ إلّا تلك الأوامر العامة الّتي تتأول الخلافة و غيرها، مثل وصف المسلمين بقوله تعالى: «وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ»(1).

و كذلك لم يرد في السنّة بيان نظام لانتخاب الخليفة، إلّا بعض نصائح تبعد عن الاختلاف و التفرّق، كأنَّ الشريعة أرادت أن تكل هذا الأمر للمسلمين حتّى يحلّوه بأنفسهم، و لو لم يكن الأمر كذلك لمهّدت قواعده و أُوضحت سبله، كما أُوضحت سبل الصلاة و الصيام.(2)

إنّ ما ذكره الخضري لا يسمن و لا يغني من جوع، لأنّ الحكومة بعد النبي الأكرم كانت من عظائم الأُمور، فلا يخطر ببال أحد أن يكتفي الرسول بجميع تفاصيلها و خصوصياتها الّتي لم تمارسها الأُمّة و لا ذاقتها طوال حياته بآية الشورىٰ، و هذا أشبه بالاكتفاء في إقامة الصلاة بالمجملات الواردة في نص الكتاب.

«كيف يخطر ببال أحد أن يهمل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم القيادة السياسية للدولة الإسلامية الّتي أسّسها، و ثبّت عناصرها، و مرتكزاتها، فلم يضع قاعدة معيّنة للخلافة كما زعموا، مع العلم بأنّ القيادة بالنسبة للدولة كالرأس من الجسد، و كالقلب من سائر الأعضاء و الجوارح. أ يهمل القيادة و الرئاسة للدولة، و لا يتكلّم


1) . الشورى: 38.

2) . محاضرات في تاريخ الأُمم الإسلامية: 161/2.

عنها بنفي أو إثبات؟ أ يهملها و يتركها نهباً لأصحاب المطامع، و المطامح، و الأهواء، و لشهوات أصحاب القوّة و الفساد في الأرض؟ فتعود بذلك بعد موته، الجاهلية، و عبادة الطواغيت، بعد أن عانى و أصحابه ما عانوا من متاعب، و مشقّات، و ما قدّموه من تضحيات غالية و عزيزة للخلاص من أوبائها و تحرير العباد من فحشائها؟ أ يتركها لتكون سبباً لإراقة الدماء و إزهاق الأرواح؟ و هو المرسل رحمة لا نقمة للعالمين، و نوراً و هدًى للحائرين و الضالّين.

حاشاه حاشاه لقد وضع لأُمّته و بوحي من ربّه العليم الخبير كل قواعد و أُسس الحياة الإنسانية بمجالاتها الواسعة، و لم يهمل حتّى آداب الأكل و الشرب و لبس النعال و حتّى آداب التبوّل و التبرّز، و وضّح لأُمّته معالم الحياة الرفعية الراقية و في مقدّمتها الحياة السياسية، و رأسها المفكر و قلبها النابض، هو القيادة المعروفة في لغة القرآن و السنّة باسم - الإمامة و الخلافة - و الملك و السلطان - و بذلك نزلت البشرى من عالم الغيب و الشهادة بإكمال الدين، و إتمام النعمة، و الرضى بالإسلام قال تعالى: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً»(1)».(2)

لو كانت صيغة الحكومة قائمة على أساس الشورىٰ، و كانت هي طريقاً لتعيين الحاكم، كان من الضروري أن يقوم النبي بتوعية الأُمّة، و إيقافها بصورة واسعة على حدود الشورىٰ و تفاصيلها و خطوطها العريضة، حتّى لا تتحيّر الأُمّة و لا تختلف في أمرها، و لكنّا رغم هذه الأهمية القصوى، لا نجد لهذه التوعية الضرورية أي أثر في الكتاب و السنّة في مجال انتخاب الحاكم. أجل إنّ مقتضى


1) . المائدة: 3.

2) . الزيدية نظرية و تطبيق: 102-103.

كون الدين الإسلامي ديناً خاتماً هو التعرّض لصلب الموضوع مُوكِلاً شكله إلى نظر الأُمّة، حتّى يتماشىٰ مع جميع العصور. و لا نعني من هذا أنّه يجب على الشارع إعطاء كل التفاصيل و الخصوصيات الراجعة إلى الشورىٰ، غير أنّ هناك أُموراً ترجع إلى جوهر الشورى و صميمها، فلا يصحّ للشارع أن يترك بيانها، إذاً هناك أسئلة تطرح نفسها في المقام لا يمكن الوقوف على أجوبتها، إلّا عن طريق الشرع، و هي:

1 - من هم المشاركون في الشورى، فهل العلماء وحدهم، أو السياسيون وحدهم، أو الضبّاط و العساكر وحدهم، أو المختلط منهم؟

2 - من هم الذين يختارون أهل الشورى؟

3 - لو اختلف أهل الشورى في شخص أو أمر، ما هو الملاك لتقديم رأي على آخر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المطروحة الّتي ترتبط بنظام الشورىٰ المجمل، و لا يستطيع أحد أن يجيب عنها إلّا رجماً بالغيب.

ثمّ إنّ القوم ربّما يعبّرون عن صيغة الحكومة باتّفاق أهل الحل و العقد، و هذه الكلمة أشد غموضاً من السابقة، إذ لا يعرف الإنسان من هم أهل الحل و العقد، و ما ذا يُحلّون و ما ذا يعقِدون؟ أهم أصحاب الفقه و الرأي الذين يرجع إليهم الناس فيما ينوبهم من حوادث؟ و هل هناك درجة معيّنة من الفقه و العلم إذا بلغها الإنسان صار من أهل الحل و العقد؟ ما هي تلك الدرجة؟ و بأي ميزان توزن؟ و لأجل هذه الإبهامات حول نظام الشورىٰ أوّلاً، و أهل الحل و العقد ثانياً، تنبّه بعض دكاترة العصر إلى وهن هذه النظرية.

قال الدكتور طه حسين: لو كان للمسلمين هذا النظام المكتوب - أي

نظام الشورىٰ - لعرف المسلمون في أيام عثمان ما يأتون من ذلك، و ما يدعون، دون أن تكون بينهم فرقة أو اختلاف.

و قال الخطيب: إنّ كلمة أهل العقد و الحل لأغمض غموضاً من كلمة الأفراد المسئولين.(1)

كل ذلك يعرب عن أنّ مسألة نظام الشورىٰ انّما اخترعها المتقمّصون للخلافة في أيام الأمويين.

آيتان حول الشورى:

إنّ القائلين بكون صيغة الحكم بعد رحلة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم هو الشورى، استدلّوا بأمرين:

1 - الآيتان الواردتان حول الشورى.

2 - انّ خلافة الخلفاء تمّت بالشورى.

و نحن نبحث عن كلا الموضوعين بوجه موجز، و نحيل التفصيل إلى الموسوعات الكلامية، و إليك الآية الأُولىٰ و تحليلها:

الآية الأُولىٰ: «فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ».(2)

إنّ الاستدلال بها سببه الغفلة عن موردها و مضمونها، فإنّ الخطاب فيها


1) . الخلافة و الإمامة: 271.

2) . آل عمران: 159.

موجّه إلى الحاكم الّذي فرضه سبحانه حاكماً على الأُمّة، فيأمره أن يشاور أفراد الأُمّة، فلا صلة للآية بالمدعىٰ. فإنّ أقصى ما تفيده الآية هو أن لا يكون الحاكم الإسلامي الّذي تمّت سلطته، مستبدّاً في أعماله، و أمّا أنّ الإمام، يتعيّن عن طريق الشورى فالآية لا تدلّ عليه، و الّذي يؤكّد ما قلناه إنّه يأمر النبيّ بعد المشاورة، بالتوكّل عند العزم، و أنّ له الرأي النهائي و الأخير.

و الحاصل: انّ الآية خطاب للحاكم الإسلامي و أنّ عليه المشورة أوّلاً و أخذ التصميم النهائي ثانياً، و أمّا أنّ الحاكم الإسلامي يتعيّن من جانب الشورى، فالآية أجنبية عنه فانّ الخطاب في الآية للحاكم لا لغيره.

و أمّا الآية الثانية: أعني قوله سبحانه في صفات المؤمنين: «وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ»(1)فهي تحثّ المؤمنين على المشورة في جميع الأُمور المرتبطة بهم، و أمّا أنّ أمر الخلافة و الولاية، من الأُمور المرتبطة بهم فلا تظهر من الآية.

و التمسّك بها في مثل هذا المقام المردّد بين كونه من أُمور المؤمنين أو ممّا يرجع إلى اللّه و نبيّه تمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية.

و بعبارة أُخرى: انّ الإمامة لو كانت أمراً إلهيّاً، متوقّفاً على ولاية مفاضة من اللّه سبحانه إلى الولي يكون من الأُمور المربوطة باللّه و رسوله، و أمّا لو كانت إمرة عرفية و ولاية شعبية تكون من الأُمور المتعلّقة بالمؤمنين، و في مثله حيث الأمر مردّد لا يمكن التمسّك بالعموم و إثبات انّ الولاية من شئون المؤمنين.

أضف إلى ذلك أنّه لو كان أساس الحكم في الإسلام هو الشورى لوجب


1) . الشورىٰ: 38.

على الرسول الأكرم بيان تفاصيلها و خصوصياتها و خطوطها العريضة. على ما عرفت تفصيلا.

و لأجل عدم وجود أيّ إيضاح من قبل النبيّ حول النظام المذكور، التجأ الكاتب المصري إلى رفض أن يكون ذلك أساساً للحكم و انّما كانت تجربة من المسلمين بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.

يقول الخطيب: «ينظر بعضهم إليه على أنّه (أي تعيين الإمام بالشورى) نواة صالحة لأوّل تجربة، و انّ الأيام كفيلة بأن تنميها و تستكمل ما يبدو فيها من نقص، فلم تكن الأحوال الّتي تمّت فيها هذه التجربة تسمح بأكثر ممّا حدث، إذ لم يكن من المستطاع - حينذاك الوقوف على رأي الأُمّة كلّها، فرداً فرداً - في من يخلف النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و ينظر بعض آخر إلى هذا الاسلوب بأنّه أُسلوب بدائي عالج أهم مشكلة في الحياة، و قد كان لهذا الاسلوب أثر في تعطيل القوى المفكّرة للبحث عن اسلوب آخر من أساليب الحكم الّتي جربتها الأُمم».(1)

و معنى ذلك أنّ الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات قد أهملت هذا الجانب المصيري في حياة الأُمّة، و انّه اهتمّ بكلّ صغير و كبير سوى هذا الأمر الخطير الّذي به يناط بقاء الإسلام و استمراره. علماً أنّ الظروف كانت مساعدة لوصول ذلك و لا مانع يعترض الطريق.

خلافة الخلفاء و مسألة الشورى:

هذا كلّه حول الدليل الأوّل و أمّا الدليل الثاني، و هو انّ خلافة الخلفاء تمّت


1) . الخلافة و الإمامة: 272.

عن هذا الطريق، فهو أوهن و أضعف من الأوّل، فمن قرأ تاريخ السقيفة و انتخاب الخلفاء الثلاثة يقف على أنّه لم يكن هناك أي مشورة و لا استشارة، و انّما تمّت خلافة الأوّل في جوّ إرهابي و في محفل ساد فيه، السب و الشتم و الضرب، إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة الّتي لا تليق بمجلس كهذا.

كما أنّ خلافة الثاني تمّت بتنصيص من الخليفة الأوّل و انّه استبدّ بالأمر و لم يدع مجالاً للأُمّة.

و أمّا خلافة الثالث فهي و إن كانت مصبوغة بصبغة الشورى، و لكن الخليفة هو الّذي عيّن أعضاء الشورى و استبدّ بالأمر و عيّن المرشحين للخلافة، بل كان ما قام به يؤدي إلى تعيّن الخليفة. و مثل ذلك لا ينطبق عليه شروط الشورى و انّما كان استبداداً في لباس الحرية.

و إن كنت في شك ممّا تلوناه عليك فلندرس تاريخ انتخاب الخلفاء عن كثب.

السقيفة و خلافة أبي بكر:

توفّي رسول اللّه و كان أبو بكر خارج المدينة فقام عمر بن الخطاب فقال:

إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه قد توفّي، و انّ رسول اللّٰه ما مات، و لكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل أنّه قد مات فو اللّه ليرجعنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كما رجع موسى و ليقطعنّ أيدي رجال و أرجلهم زعموا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مات، فما زال عمر يتكلّم حتّى أزبد شدقاه. فقال العباس: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يأسن كما يأسن البشر، و انّ رسول اللّه قد مات فادفنوا صاحبكم أ يميت أحدكم إماتة

و يُميته إماتتين؟! هو أكرم على اللّه من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على اللّه بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء اللّه.

و ما زال الجدال مستمرّاً بين عمر و العباس و شاركهم سائر المسلمين إلى أن نزل أبو بكر من السُّنح، فسمع مقالة عمر، فدخل البيت فكشف عن وجه النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقبّله و قال: بأبي أنت و أُمّي طبت حيّاً و ميّتاً و الّذي نفسي بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبداً(1). ثمّ خرج فقال: على رسْلِك يا عمر. فجلس عمر.

فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه ثمّ قال: ألا من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات، و من كان يعبد اللّه فانّ اللّه حيّ لا يَمُوت و قال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» و قال: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ».

فقال عمر: و اللّه ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فدهشت. حتّى وقعت إلى الأرض، و عرفت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قد مات.(2)

نقاش مع الخليفة:

هناك تساؤلات تطرح نفسها و لعلّه كان عند الخليفة أجوبة لها أو أنّ القارئ، يتفطّن للإجابة عنها و هي:

1 - انّ موت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن فُجائيّاً، بل كان بعد مرض ألمّ به عدّة أيام، فكانت القرائن و الشواهد تدلّ على أنّه قد دنا فراقه للأُمّة، و قد صرّح


1) . أين الوهابيون من موقف الخليفة هذا، حيث أخذ يخاطب النبي و هو ميّت، و يقبّله و يتبرّك به، و يقول له: بأبي أنت و أُمّي.

2) . السيرة النبوية: 655/2؛ الطبقات الكبرى: 268/2-269.

بذلك لغير واحد من أصحابه، آخرها طلبه للقلم و الدواة و كتابة الصحيفة و الوصية للأُمّة حتّى لا تضلّ الأُمّة من بعده، و قد حال الخليفة الثاني بين النبي و أُمنيته و قال ما قال.(1)

و عندئذ فكيف أذعن بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم ما مات و إنّما غاب كغيبة موسى، و قد أصرّ على ذلك حتّى أزبد شدقاه و لم يكن بين الصحابة من يدافع عن تلك العقيدة، سوى نفسه؟!

فهل كان الخليفة موقناً بذلك جدّاً، أو أنّه كان له في تبنّي هذه الفكرة (لساناً لا قلباً) هدف سياسيّ يخبّئ فيه مصالحه أو مصالح الأُمّة؟

2 - هل كانت الغيبة سنّة رائجة بين جميع الأنبياء أو كانت من مختصّات بعض الأنبياء كالكليم و نحوه. و لو صحّ الثاني كما هو الحق فما هو الوجه في إلحاقه بالنادر؟ 3 - نرى أنّ عم النبي صلى الله عليه و آله و سلم العباس، واجهه بما واجهه أبو بكر، و هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أكرم من أن يُميته سبحانه موتتين، مع أنّه لم يقتنع بكلامه، بل اقتنع بما ذكره أبو بكر!!

4 - انّه كان مصرّاً على الغيبة ما دام أبو بكر غائباً عن المدينة، فلمّا نزل من السُّنح و أدلى بمقاله سرعان ما تراجع عن موقفه، و أيّ سرّ كان في هذا الرجوع السريع عن فكرة كان يستميت في الدفاع عنها؟!

5 - كيف يقتنع القارئ بأنّ الخليفة لم يكن ذاكراً قوله سبحانه: «إِنَّكَ مَيِّتٌ


1) . صحيح البخاري: 22/1 كتاب العلم، و ج 14/2.

وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»، و قوله سبحانه: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ» و غيرهما؟!

هذه الأسئلة لم نجد لها أجوبة شافية، و من المحتمل جداً أن يكون وراء الكواليس شيئاً ما. و أن تكون أُطروحة الغيبة مناورة سياسية، الغاية منها منع المسلمين من اتّخاذ أيّ موقف في المسائل المصيرية للأُمّة حتّى يجيء أبو بكر من السُّنح و يجتمعا على رأي واحد. و لأجل ذلك تنازل عن موقفه بعد ما جاء أبو بكر من خارج البلد. فاتّخذوا موقفاً واحداً، تجاه المسائل المصيرية.

مأساة السقيفة:

كان علي بن أبي طالب و جمهور المهاجرين منهمكين في تجهيز النبي فوقف الخليفتان على اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتداول في مسألة الخلافة. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ما هم عليه فدخلا و معهما بعض المهاجرين كأبي عبيدة بن الجراح و كان خطيب الأنصار و نقيبهم سعد بن عبادة يخطب و يحث الأنصار على الأخذ بمقاليد الخلافة بحجّة أنّهم آووا النبي الأكرم عند ما أخرجه قومه. و ضحّوا في سبيل دعوته بكل غالٍ و رخيص.

فلمّا أتمّ كلامه ابتدأ أبو بكر بالبحث و الكلام فاستند إلى أنّ اللائق بالخلافة هو قوم النبي و قبيلته بحجّة أنّهم أوسط العرب داراً و أحسنهم أحساباً، و لم يكتف بذلك حتّى أخذ بيد عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجراح و رشحهما للبيعة.

ترى أنّ الطائفتين اتّخذوا في حل مشكلة الخلافة قواعد كانت سائدة في عصر الجاهلية، فالأنصار ترى نفسها أحق بالخلافة لحمايتها النبي الأكرم و تقديم المأوى له، و أمّا هؤلاء الحاضرون من المهاجرين فاحتجّوا بمثل ما احتجّت به الأنصار و هو أنّ قريشاً أوسط داراً و أحسن نسباً.

و لم يكن هناك من يذكّرهم و يوقفهم على أنّ الإسلام عصف بهذه الأساليب من الاحتجاجات و حطّم أحكام الجاهلية(1)فلو كان هناك مشورة إسلامية كان عليهم أن يتفحّصوا عن أعلم القوم بالكتاب و السنّة و أكثرهم دراية بهما. و أسوسهم و أخشنهم في ذات اللّٰه و أسبقهم إلى الإيمان و الإسلام. كما هو الوارد عن الكتاب و السنّة قال سبحانه: «اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتَوُا اَلزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ اَلْأُمُورِ»(2).

و قال النبي الأكرم لا تصلح الإمامة إلّا لرجل فيه خصال ثلاث:

1 - ورع يحجزه عن معاصي اللّه.

2 - و حلم يملك به غضبه.

3 - و حسن الولاية على من يلي حتّى يكون كالأب الرحيم.(3)

و قال الإمام علي عليه السلام: «أيّها الناس إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، و أعلمهم بأمر اللّه فإن شغب شاغب استعتب فإن أبى قوتل».(4)


1) . لاحظ: في الوقوف على احتجاج الطائفتين: السيرة النبوية لابن هشام: 659/2، و الطبقات الكبرى لابن سعد: 269/2، و تاريخ الطبري: 442/2-446.

2) . الحج: 41.

3) . الكافي: 407/1.

4) . نهج البلاغة: قسم الخطب برقم 173.

و قال - صلوات اللّه عليه - أيضاً عند ما قال قائل: «إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم و اللّه لأحرص و أبعد، و أنا أخصّ و أقرب، و انّما طلبت حقاً لي و أنتم تحولون بيني و بينه و تضربون وجهي».(1)

و قال الإمام السبط الطاهر الحسين بن علي عليهما السلام: «فما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، الدائن بدين الحق، القائم بالقسط، الحابس نفسه على ذات اللّه».(2)

و أين هذه الملاكات و الضوابط ممّا جاء في احتجاجات المهاجرين و الأنصار، و كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه: «أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ»(3).

ما سمعت من الكلمات، كانت احتجاجاتهم و شعاراتهم في نادي السقيفة، و أمّا ما قاموا به من الأعمال المخزية أو ما صدر منهم من الضرب و السباب، فحدّث عنه و لا حرج. و بذلك تقف على أنّه لم تكن هنا أي مشورة، و لا تلاقح فكري و انّما كان أشبه بملعب يتسابق فيه الجميع لأخذ كرة الخلافة بأيّ طريق حصل، و إن كنت في شك منها فاستمع لما نتلوه عليك من المصادر الموثقة.

هذا الحباب بن المنذر الصحابي البدري الأنصاري قد انتضى سيفه على أبي بكر و كان داعياً إلى قيادة الأنصار و قال: «و اللّه لا يرد عليَّ أحد ما أقول إلّا حطّمت أنفه بالسيف، أنا جُذيلها المحكّك (أصل الشجرة) و عُذيقها المرجَّب


1) . نهج البلاغة: قسم الخطب برقم 172.

2) . روضة الواعظين: 206.

3) . الأنبياء: 105.

(النخلة المشتملة بالتمر) أنا أبو شبل في عرِّيسة الأسد، و اللّٰه إن شئتم لنُعيدنَّها جَذعة.(1)

و هو بكلامه هذا يتهدّد كل من يحاول إخراج القيادة من الأنصار و إقرارها لغيرهم.

و ها هو آخر (و هو سعد بن عبادة) يخالف مبايعة أبي بكر و ينادي: «أنا أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، و أخضب منكم سناني و رمحي، و أضربكم بسيفي ما ملكته يدي و أُقاتلكم مع من معي من أهلي و عشيرتي».(2)

و ها هو ثالث يتذمّر من تلك البيعة و يشب نار الحرب بقوله: «إنّي لأرىٰ عجاجة لا يطفئها إلّا الدم».(3)

و هذا هو سعد بن عبادة أمير الخزرج الّذي طلب أن تكون الخلافة في الأنصار يداس بالأقدام، و ينزى عليه و ينادى عليه بغضب: «اقتلوا سعداً قتله اللّه إنّه منافق أو صاحب فتنة»، و قد قام عمر على رأسه و هو يقول: لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك أو تندر عيونك.(4)

فإذا بقيس بن سعد يأخذ بلحية عمر و يقول: و اللّٰه لو حصصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة! أو: لو خفضت منه شعرة ما رجعت و في فيك جارحة.(5)


1) . شرح ابن أبي الحديد: 38/2-39.

2) . الغدير: 76/7.

3) . الإمامة و السياسة: 11/1؛ تاريخ الطبري: 210/3.

4) . مسند أحمد: 56/1؛ تاريخ الطبري: 210/3، و غيرهما.

5) . تاريخ الطبري: 210/3؛ السيرة الحلبية: 387/3.

و هذا نفس عمر بن الخطاب يصف تلك المشاجرة بقوله: كثر اللغط و ارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت الاختلاف، فقلت: ابسط يديك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، ثمّ بايعه المهاجرون، و نزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة.(1)

إنّ الشورىٰ الإسلامية حسب ما توحي كلمتها السامية، لا تنعقد إلّا بدراسة الموضوع دراسة موضوعية واقعية، و أن تكون هناك حرّية في الرأي و النظر، و نزاهة في الكلام، و يقوم مندوب كل جماعة بإدلاء رأيه بدليل و برهان، و ربّما تتطلّب دراسة مثل ذلك الموضوع الحيوي عقد مجالس متعدّدة حتّى يصل من خلالها المسلمون إلى الأمثل فالأمثل في موضوع القيادة، و أمّا المجلس الّذي تسلّ فيه السيوف على المخالف، و يداس المقابل بالأقدام، فهذا أشبه، بميدان الحرب و القتال لا المفاهمة و المشاورة، بل أشبه...

هذا حال السقيفة و أمّا ما جرى بعد السقيفة فحدّث عنه و لا حرج، فقد خرج الخليفة من السقيفة مع من بايعوه، فلم يلاقوا أحداً في الطريق إلّا وضعوا يده على يد الخليفة بيعة له.

ثمّ إنّ علياً و جماعة معه كانوا متخلّفين عن البيعة، و لمّا كان تخلّفه و من معه من أصحابه إخلالاً بالبيعة، بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى بيت علي و فاطمة، ليتهدّدوا اللائذين به، الممتنعين عن مبايعته، و قال له: إن أبوا فقاتلهم، و أتى عمر إلى بيت فاطمة و هو يقول: و اللّه لنحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فقالت فاطمة لمّا سمعت ذلك صائحة منادية: «يا أبت


1) . السيرة النبوية: 660/2.

يا رسول اللّه ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة».(1)

ثمّ بعد هنّ وهنات أُخرج الإمام من بيته، و قادوه إلى البيعة كما يقاد البعير المخشوش، وسيق سوقاً عنيفاً، و قالوا له: بايع، فيقول: «إن أنا لم أفعل فمه؟»

فيقال: و اللّه الّذي لا إلٰه إلّا هو نضرب عنقك، فقال علي: «إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسول اللّه».(2)

و لم يكن الضغط منحصراً في علي، بل لمّا سمع الزبير ما جرى في السقيفة سلّ سيفه و قال: لا أغمده حتّى يبايع علي، فيقول عمر: عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده، و يضرب به الحجر فيكسر.(3)

هذه صورة إجمالية وضعناها أمام القارئ ليقف على مدى صحّة الشورى الّتي بنيت عليها خلافة الخليفة الأوّل، ثمّ هو عقد الخلافة بنفسه لعمر من دون أي مشاورة للمسلمين(4)كما فوّض الثاني أمر الخلافة إلى ستّة و قد استبدّ في تعيينهم من دون مشورة، و ليس هذا شيئاً ينكر أو يشك فيه(5). و قد بلغت فضاحة الأمر في السقيفة إلى حدّ يصفه عمر بقوله: كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى اللّه المسلمين شرّها. أو قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت، و أنّها قد كانت كذلك إلّا أنّ اللّه قد وقى شرّها، فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فانّه لا بيعة له.(6)


1) . تاريخ الطبري: 210/3؛ الإمامة و السياسة: 13/1.

2) . الإمامة و السياسة: 13/1.

3) . تاريخ الطبري: 199/3؛ الإمامة و السياسة: 11/1.

4) . سيأتي مصدره.

5) . سيأتي مصدره.

6) . السيرة النبوية: 658/2؛ تاريخ الطبري: 446/2.

الخلفاء و تناسي الشورى:

قد درسنا كيفية انعقاد الإمامة لأوّل الخلفاء هلمّ معي ندرس خلافة غيره، فسوف ترى أنّه لم يكن هناك أيّ مشورة و لا أيّ استفتاء شعبي، و لا أيّ ديمقراطية كما يدّعيها بعض الكتّاب المعاصرين.

روى المؤرّخون: انّه دعا أبو بكر عثمان بن عفان، فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان و أملى عليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا، نازحاً عنها، و أوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها، إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب...(1).

و الإنسان عند ما يقرأ هذه الصفحة من التاريخ، يقف على قيمة ما ذكره الإمام، عند ما رفعوا السيف على رأسه ليبايع أبا بكر، فقال: «احلب يا عمر حلباً لك شطره، اُشدد له اليوم أمره، ليردّه عليك غداً، ألا و اللّه لا أقبل قولك و لا أُبايع»(2)فو الله، لقد تحقّق قول الإمام حيث ردّ عليه الأمر من بعد، كما عرفت.

و هذا عمر بن الخطّاب، فبعد ما جرح و دنا أجله قال: سأستخلف النفر الذين توفّي رسول اللّه و هو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم و هم: علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفّان، و طلحة، و الزبير بن العوّام، و سعد بن أبي وقّاص، و عبد الرحمن بن عوف، و كان طلحة غائباً.

فقال: يا معشر المهاجرين الأوّلين، إنّي نظرت في أمر الناس فلم أجد


1) . الإمامة و السياسة: 18؛ الكامل في التاريخ: 425/2.

2) . الإمامة و السياسة: 23؛ الكامل: 35/3.

فيهم شقاقاً و لا نفاقاً فإن يكن بعدي شقاق و نفاق فهو فيكم، فتشاوروا ثلاثة أيّام، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك و إلّا فأعزم عليكم أن لا تتفرّقوا من اليوم الثالث حتّى تستخلفوا أحدكم.

ثمّ قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيّام و أدخل هؤلاء الرهط بيتاً و قم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة و أبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف... و إن اتّفق أربعة و أبى اثنان فاضرب رءوسهما... فان رضى ثلاثة رجلاً منهم و ثلاثة رجلاً منهم، فحكّموا عبد اللّه بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و اقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.(1)

فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة و وقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار، حاملي سيوفهم ثمّ تكلّم القوم و تنازعوا، فأوّل ما عمل طلحة أنّه أشهدهم على نفسه أنّه قد وهب حقّه من الشورى لعثمان، و ذلك لعلمه أنّ الناس لا يعدلون به عليّاً و عثمان، و انّ الخلافة لا تخلص له و هذان موجودان فأراد تقوية أمر عثمان و إضعاف جانب علي عليه السلام بهبة أمر لا انتفاع له به و لا تمكّن له منه.

و لمّا رأى الزبير أنّ علياً قد ضعف، و انخذل بهبة طلحة حقّه لعثمان، دخلته حميّة النسب فوهب حقّه من الشورى لعلي. لأنّه ابن عمّته. و هي صفية بنت عبد المطلب و أبو طالب خاله.

و قال سعد بن أبي وقاص: أنا قد وهبت حقّي من الشورى لابن عمي


1) . تاريخ الطبري: 294/3.

عبد الرحمن، و ذلك لأنّهما من بني زهرة و لعلمه أنّ الأمر لا يتم له.

فلمّا لم يبق إلّا الثلاثة. علي و عثمان و عبد الرحمن و لكل واحد صوتان و بما أنّ عمر بن الخطاب قال في وصيته لأبي طلحة الأنصاري: بأنّه إذا تساوت الآراء فرجّح الفئة الّتي فيها عبد الرحمن بن عوف. و من المعلوم أنّ عبد الرحمن ما كان يميل إلى علي و يترك نفسه أو صهره عثمان، و لأجل ذلك قام بلعبة أُخرى يريد بها حرمان علي.

فقال عبد الرحمن لعلي و عثمان: أيّكما يخرج نفسه من الخلافة و يكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟ فلم يتكلّم منهما أحد، فقال عبد الرحمن:

أُشهدكم انّني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدكما، فأمسكا، فبدأ بعلي عليه السلام و قال له: أُبايعك علىٰ كتاب اللّه و سنّة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و سيرة الشيخين: أبي بكر و عمر، فقال: بل على كتاب اللّه و سنّة رسوله و اجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض عليه ذلك، فقال: نعم، فعاد إلى علي عليه السلام فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثاً، فلمّا رأى أنّ علياً غير راجع عمّا قاله و أنّ عثمان يَنْعم له بالإجابة، صفق على يد عثمان، و قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال: إنّ عليّاً عليه السلام قال له: و اللّه ما فعلتها إلّا لأنّك رجوت منه ما رجاه صاحبكما من صاحبه، دقَّ اللّه بينكما عطر «منشم».

قيل: ففسد بعد ذلك بين عثمان و عبد الرحمن، فلم يكلّم أحدهما صاحبه حتّى مات عبد الرحمن.(1)


1) . شرح ابن أبي الحديد: 188/1، الطبري: التاريخ 3، الجزري: الكامل 3 و «منشم» اسم امرأة عطّارة بمكة و كانت خزاعة و جرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا بطيبها، و كانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى، فكان يقال: أشأم من عطر منشم. لاحظ الصحاح للجوهري.

شورى سداسية أو لعبة سياسية؟:

إذا ألقيت نظرة على كيفية تشكيل الشورى و أعضائها أدركت أنّها كانت لعبة سياسية و كان الهدف منها تسليم الخلافة إلى عثمان و لكن بصبغة شرعية و قانونية. إذ لم تكن الظروف تسمح بتنصيبه أو الإيصاء به صريحاً. فدقَّ الخليفة باب الشورى حتّى يسدّ به أفواه المعترضين بالقدر الميسور. و كانت الغاية واضحة لدى المطّلعين على خبايا الأُمور. منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال لعمّه العباس: «عُدل بالأمر عنّي يا عم» قال: و ما عيبك؟! قال:

«قرن بي عثمان، و قال عمر: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلاً، و رجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه (عبد الرحمن بن عوف) و عبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان».(1)

و قال ابن عباس: الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان.(2)

و قد نال الخليفة بغيته من خلال الأُمور التالية:

1 - إنّ الشخصيات المشاركة في الشورى فرضت من جانب الخليفة، و قد احتكر ذلك الحقّ لنفسه و سلبه عن الأُمّة - و لو كان الانتخاب بيد الأُمّة ربّما كان المصير على خلاف ما أراده. فأدخل في الشورى رجالاً يسيرون على الخط الّذي رسمه الخليفة في نفسه.

و برّر الخليفة حصر أعضاء الشورى فيهم بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم مات و هو راض


1) . شرح النهج: 191/1.

2) . شرح النهج: 189/1.

عنهم، و هو تبرير تافه، فانّ النبي مات و هو راض عن غير هؤلاء أيضاً و لقد أثنى على عدّة من أصحابه، كأبي ذر الغفاري و عمّار بن ياسر و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبي أيوب مضيّفه صلى الله عليه و آله و سلم و غيرهم، بيد أنّ هؤلاء لمّا كانوا لا يحقّقون مطامع الخليفة أعرض عنهم و أدلى بأسماء هؤلاء الذين يتجاوبون مع ما يريد.

2 - انتخب رجالاً لعضوية الشورى كانوا مختلفي النزعة و الهوى و لكن الجامع بين أغلبهم هو الانحراف عن علي عليه السلام و إضمار العداء له. فعند ذلك أصبح إقصاء عليّ أمراً محتوماً إن لم نقل انّ تعيين عثمان أضحى أمراً مفروضاً، و ذلك لأنّ طلحة بن عبيد اللّه كان معروفاً بعدائه لعلي و انحرافه عنه. فلأجل ذلك وهب حقّه لعثمان تضعيفاً لجانب علي.

إنّ سعد بن أبي وقاص كان ابن عم عبد الرحمن بن عوف و كلاهما من بني زهرة، فلا يميل إلى علي و في الشورى واحد من عشيرته.

و عبد الرحمن بن عوف كان صهر عثمان. لأنّ أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجته و هي أُخت عثمان من أُمّه.

على هذا كانت القرائن تشهد على أنّ الخليفة كان يضمر حرمان علي من الخلافة. و لم يكن في الشورى منافس لعلي سوى عثمان، فطبيعة الحال كان يوحي بأنّ عثمان هو الّذي سيأخذ بمقاليد الحكم، إذ لم يكن لسائر الأعضاء الأربعة مكانة اجتماعية مثل علي و عثمان، بل لم يكن لهم إربة في الخلافة و إنّما أطمعهم فيها الخليفة للتوصّل إلى مأربه.

3 - انّه لمّا كان من المحتمل أن تتساوى الأصوات بين علي و عثمان جعل الرجحان و التقديم للفئة الّتي فيها عبد الرحمن بن عوف، فكأنّه جعل

صوته صوتين. و أمّا عبد الرحمن بن عوف (و هو ذلك الرجل الثري الذي ترك كمية هائلة من الذهب و الفضة و قد كُسرت بالفئوس عند تقسيمها) فهل يترك عثمان و يميل إلى علي و انّ الطيور على أشكالها تقع؟!

و بالتالي لم يفسد الخليفة على علي في هذه الواقعة فحسب، بل أفسده على علي بعد رحيل عثمان، حيث إنّ إدخال هؤلاء في الشورى أطمعهم في الخلافة و جعلهم يعتقدون في أنفسهم بأنّهم مؤهّلين لها، و أنّهم أعدال علي و أقرانه. و لأجل ذلك قاموا في وجه الإمام علي يدّعون الخلافة لأنفسهم تحت غطاء أخذ الثار لعثمان.

إنّ الامام أمير المؤمنين عليه السلام قد أفصح بما يكنّه ضميره حول وصية الشورى، فقال في بعض خطبه:

«فيا للّه و للشورى، متى اعترض الريب في مع الأوّل منهم حتّى صرت أُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسففت إذ أسفّوا، و طرت إذ طاروا؛ فصغا رجل منهم لضغنه، و مال الآخر لصهره مع هن وهن».(1)هذا كلام علي في أواخر أيامه، فقد اعترض هو أيضاً في أيام الشورى و كذلك فعل أصحابه، فروى الطبري أنّ عبد الرحمن قال: أيّها الناس أشيروا عليّ في هذين الرجلين؟ فقال عمّار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف الناس فبايع علياً؛ فقال المقداد: صدق عمّار، و إن بايعت علياً سمعنا و أطعنا.

فقال عبد اللّه بن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان؛ و قال عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي: صدق، إن بايعت عثمان سمعنا و أطعنا.


1) . نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة 3.

فشتم عمّارُ ابنَ أبي سرح و قال له: متى كنت تنصح الإسلام؟!

فتكلّم بنو هاشم و بنو أُميّة و قام عمّار و قال: أيّها الناس إنّ اللّه أكرمكم بنبيّه و أعزّكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؟!

فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها.

فقال سعد: يا عبد الرحمن أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس، فحينئذ عرض عبد الرحمن على علي عليه السلام العمل بسيرة الشيخين.

فقال: «بل أجتهد برأيي» فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال: نعم، فقال علي عليه السلام: «ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون، و اللّه ما ولّيته الأمر إلّا ليردّه إليك و اللّه كل يوم في شأن».(1)

و بهذا تبيّن أنّ الشورى كانت نظرية بدون تطبيق، و كانت اسماً بلا مسمّى.

إجابة عن سؤال:

إذا لم تكن الشورىٰ مبدأ للحكم في الإسلام، فما ذا يعني الإمام علي من قوله في رسالته إلى معاوية حيث يقول: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يردّ، إنّما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماماً كان ذلك للّه رضاً».(2)


1) . شرح النهج: 193/1-194.

2) . الإمامة و السياسة: 23؛ و نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 45.

نقول: إنّ ابن أبي الحديد أوّل من احتجّ بهذه الخطبة، على أنّ نظام الحكومة بعد وفاة النبيّ هو نظام الشورىٰ، و تبعه البعض غفلة عن حقيقة المراد، و ذلك لأنّ ملاحظة اسلوب الكلام، و ما صدَّر به الإمام رسالته، أعني قوله: «إنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان» تدلّ بوضوح على أنّ الإمام كان في مقام الاحتجاج بمسلَّم الخصم - أعني: معاوية - على قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، فإنّه خرج عن طاعة الإمام مع اعتناقه إمامة من تقدّم، فالإمام يحتجّ عليه بأنّه بايعني الذين بايعوا الثلاثة فما وجه البغي عليّ و الطاعة لهم؟! و لو لم يكن في مقام الجدل و إفحام الخصم، لما كان لذكر خلافة الخلفاء في صدر الرسالة وجه، مع أنّ للإمام كلمات في تخطئة الشورىٰ الّتي تمّت بها، أو بادّعائها خلافة الخلفاء، و من تصفّح «نهج البلاغة» يقف عليها.

و العجب أنّ أحداً من المهاجرين و الأنصار لم يستند في مأساة السقيفة، إلى نظام الشورىٰ، بل استند كل من اللفيفين بأُمور لا تمت إلى هذا الأصل، فادّعىٰ أبو بكر أنّ المهاجرين من أقوام النبيّ و عشيرته، و احتجّ الأنصار بأنّهم هم الذين آووا الرسول، و ضحّوا بأنفسهم و نفائسهم لحراسته و حفظه، فانظر ما ذا ترى! قاتل اللّه الأنانية، و حيّا اللّه الحقيقة و حماتها.

الفصل الثامن: نصوص الخلافة و الركون إلى الأمر الواقع

اشارة

دلّت نصوص الخلافة الماضية، بوضوح على أنّ الإمام علياً كان هو الخليفة الشرعي و القائم بالأمر بعد الرسول، و انّه كان من واجب المسلمين الرجوع إليه فيما يمت إلى حياتهم السياسية و الاجتماعية و الدينية، غير أنّ رجالاً بعد النبيّ تناسوا النصّ بعد تلبية النبيّ نداء ربّه، و انثالوا على أبي بكر، و بعده على عمر و عثمان، إلى أن عاد الحق إلى نصابه، و دار الأمر على مداره. و هناك سؤال يطرحه كلّ من يؤمن بتواتر النصوص و وضوح دلالتها، لما يشاهد المعارضة بينها و بين الأمر الواقع في السقيفة و ما بعدها، و انثيال كثير من المهاجرين و الأنصار إلى غير علي، فيقع في حيرة و تعجّب!! فيقول: لو كانت النصوص النبويّة على هذا المستوى، فلما ذا أعرض عنها المسلمون؟ و لما ذا لم يطلب الإمام حقّه الشرعي؟ و لما ذا رضي بالأمر الواقع، و لم ينبس فيه ببنت شفة؟ و هذا هو الّذي نجيب عنه في المقام، فنقول:

إنّ المهم هو بيان السرّ الّذي دفع الإمام إلى ترك المطالبة بحقّه بالقوة و العنف، و أمّا إعراض المهاجرين و الأنصار، أو في الحقيقة - إعراض الرءوس منهم عن النص، و انثيال غيرهم إليهم، فليس هذا أمراً عجيباً، فقد أعرضوا

عن كثير من النصوص، و اجتهدوا اتجاهها كما تقدّم البحث عن موارده -. و إليك تشريح ما هو المهم:

إنّ الامام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه و إرشاد الناس إليه، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع و أنّه تعبير آخر عن غصب حقّه، يقف عليه كلّ من قرأ مأساة السقيفة في كتب التاريخ، فلا يفوتنّك قراءة طبقات ابن سعد، و تاريخ الطبري، و السيرة النبويّة لابن هشام، و لا العقد الفريد، و لا الإمامة و السياسة لابن قتيبة، فكلّها مفعمة بشكوى الإمام و عدم قبوله بالأمر الواقع، غير أنّ التكليف حسب القدرة، - و بعدها - في ظلّ المصالح العامّة، فلم يكن للإمام قدرة على المطالبة بحقّه، و على فرض وجودها كانت المصلحة تكمن يومذاك في إدلاء الأمر إلى متقمّصيها و عدم المطالبة بها بالقهر و القوّة، و إليك ما يدل على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ:

1 - هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة، و ما فيه من مآسي، يقول: إنّ علياً كرّم اللّه وجهه أُتي به إلى أبي بكر و هو يقول: «أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه» فقيل له: بايع، فقال: «أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، و احتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ، و تأخذوه منّا أهل البيت غصبا! أ لستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد فيكم فسلّموا إليكم الإمارة، فإذن أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار. نحن أولى برسول اللّه حيّاً و ميتاً، فأنصفوا إن كنتم تؤمنون، و إلّا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون». فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له علي: «احلب حلباً لك شطره، و شُدَّ له اليوم، يردده عليك غداً - ثمّ قال: - و اللّه يا عمر لا أقبل قولك و لا أُبايعه» فقال أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح

لعلي كرم اللّه وجهه: يا ابن عم إنّك حديث السن و هؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالأُمور، و لا أرى أبا بكر إلّا أقوى على هذا الأمر منك و أشدّ احتمالاً و استطلاعا، فسلِّم لأبي بكر فإنّك إن تعش و يطل لك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق و حقيق في فضلك و دينك و علمك و فهمك و سابقتك و نسبك و صهرك. فقال علي كرم اللّه وجهه: «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره، و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم، و تدفعون أهله عن مقامه في الناس، و حقّه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت، و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المتطلّع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الأُمور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، و اللّه إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا».(1)

فأيّ بيان أروع من هذا البيان، و أيّ بلاغ أصرح منه، فقد فنَّد خلافة المتقمّص ببيان فقده مؤهّلاتها و هي الأُمور التالية: «1 - ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، 2 - الفقيه في دين اللّه، 3 - العالم بسنن رسول اللّه، 4 - المتطلّع لأمر الرعيّة، 5 - الدافع عنهم الأُمور السيّئة، 6 - القاسم بينهم بالسويّة» و معنى ذلك انّ المتقمّص و مؤيديه فاقدون لهذه الصلاحيات.

2 - لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين أنباء السقيفة قال عليه السلام: «ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت منّا أمير و منكم أمير، فقال: «فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم؟» قالوا: و ما في هذا من


1) . الإمامة و السياسة: 11/1-12.

الحجّة عليهم؟! فقال عليه السلام: «لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصيّة بهم - ثمّ قال: - فما ذا قالت قريش؟» قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، فقال عليه السلام: «احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة».(1)

و روى الرضي في المقام شعراً للإمام:

فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم *** فكيف بهذا و المشيرون غيّب

و إن كنت بالقربىٰ حججت خصيمهم *** فغيرك أولىٰ بالنبي و أقرب(2)

3 - الإمام لم يكتف بهذه الجمل في بادئ الأمر، بل استمرّ على بيان الحق بأساليب مختلفة منها احتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورىٰ سنة 23، قال عمرو بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى و علي عليه السلام في البيت، فسمعته يقول: «لأحتجنَّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم و لا أعجميّكم تغيير ذلك - ثمّ قال: - أُنشدكم اللّه، أ فيكم من وحّد اللّه قبلي؟» قالوا: لا... - إلى أن قال: - «فأُنشدكم باللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّه: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، ليبلّغ الشاهد الغائب غيري؟» قالوا: اللّهمّ لا.(3)

4 - كما ناشد يوم الرحبة سنة 35، روى الأصبغ قال: نشد علي الناس في


1) . نهج البلاغة: الخطبة 67.

2) . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 190

3) . الصواعق المحرقة: 75؛ المناقب للخوارزمي: 135 برقم 152.

الرحبة: «من سمع النبي يوم غدير خم ما قال، إلّا قام، و لا يقوم إلّا من سمع رسول اللّه» يقول: فقام بضعة عشر رجلاً، فيهم: أبو أيّوب الأنصاري، و سهل بن حنيف، و خزيمة بن ثابت، و عبد اللّه بن ثابت الأنصاري... فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللّه يقول: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحبّ من أحبّه، و ابغض من أبغضه، و أعن من أعانه».(1)

و لم تكن المناشدة، منحصرة بهذين الموردين، بل ناشد الإمام في غير واحد من المواقف الأُخرى كما ناشدت زوجته الصدّيقة الطاهرة بحديث الغدير، و بعده الحسنان السبطان، و عبد اللّه بن جعفر و عمّار بن ياسر، حتّى ناشد به عدوّه عمرو بن العاص عند احتجاجه على معاوية.(2)

و هذه شواهد باهرة على عدم سكوته و لا رضاه بالأمر الواقع، بل استمرّ على هذا إلى أُخريات حياته، و يتّضح هذا بالرجوع إلى خطبته المعروفة الشقشقية الّتي ألقاها في آخر خلافته.

و أمّا عدم القيام بأخذ الحقّ بالقوة، فلأجل أنّ القيام فرع القدرة، و لم يكن يومذاك أيّ منعة و قدرة للإمام، و يكفي في ذلك كلامه في خطبته الأخيرة:

«فسدلت دونها ثوباً، و طويت عنها كشحاً، و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه».(3)


1) . أُسد الغابة: 307/3 و 205/5.

2) . راجع للوقوف على هذه المناشدات كتاب الغدير: 159/1-213.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 3.

و لو افترضنا وجود القدرة، لكن مصالح الإسلام كانت تكمن في المسالمة و إدلاء الأمر إليهم، يشير إليه الإمام تارة بالكناية و أُخرى بالتصريح، أمّا الأوّل فيقول: «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، و عرِّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجن، و لقمة يغصّ بها آكلها، و مجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه.

فإن أقل، يقولوا: حرص على الملك، و إن أسكت، يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيَّا و الّتي و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بُحْتُ به، لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويِّ البعيدة».(1)

و قد خطب بها الإمام لمّا قبض رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و خاطبه العباس و أبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة. و ذلك بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر في السقيفة، فيشير الإمام إلى ما لديه من العلم المكنون، و هو إشارة إلى الوصيّة الّتي خصّ بها عليه السلام و أنّه كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف عليه.(2)

و قد أوضح ما ذكره مجملاً في هذه الخطبة الّتي ألقاها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بخطبته الّتي ألقاها بعد رجوع الناس إليه و صرّح بأنّ لمسالمته الخلفاء لأجل أخطار كانت تحدق بالمسلمين بعد موت النبيّ، فقال عليه السلام: «إنّ اللّه


1) . نهج البلاغة: الخطبة 5.

2) . شرح نهج البلاغة: 215/1.

سبحانه بعث محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم نذيراً للعالمين، و مهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى عليه السلام، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقىٰ في روعي، و لا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه و آله و سلم عن أهل بيته، و لا أنّهم مُنحّوه عنّي من بعده! فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرىٰ فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل و زهق، و اطمأن الدين و تنهنه».(1)

و رواه أبو الحسن علي بن محمّد المدائني عن عبد اللّه بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أُريد العراق في أوّل إمارة علي عليه السلام، فمررت بمكّة فاعتمرت، ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه، إذ نودي:

الصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس و خرج علي عليه السلام متقلّداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمد اللّه و صلّى على رسوله، ثمّ قال: أمّا بعد، فلمّا قبض اللّه نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم قلنا: نحن أهله و ورثته، و عترته، و أولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، و لا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرىٰ لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الإمرة لغيرنا - إلى أن قال: - و أيم اللّه، لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين، و أن يعود الكفر و يبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه، فوليَ الأمر ولاة لم يألوا الناس خيراً».(2)


1) . نهج البلاغة: قسم الكتب برقم 62.

2) . شرح نهج البلاغة: 307/1، و الكلمتان متقاربتان.

كان الإمام عليه السلام يرى أنّ الدعوة إلى نفسه تؤدّي إلى تعرّض الإسلام إلى الأخطار المهلكة.

روى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن إسحاق أنّ أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: و كان عامة المهاجرين و جلّ الأنصار لا يشكون انّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و قال بعض بني هاشم شعراً مدح فيه الإمام و عاب المتقمّصين و قال:

ما كنت أحسِب أنّ الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

أ ليس أوّل من صلّى لقبلتكم *** و أعلم الناس بالقرآن و السنن؟

و أقرب الناس عهداً بالنبيّ و مَن *** جبريل عون له في الغسل و الكفن

ما فيه ما فيهم لا يمترون به *** و ليس في القوم ما فيه من الحسن

ما ذا الّذي ردّهم عنه فنعلمه؟ *** ها إنّ ذا غبننا من أعظم الغبن!

قال الزبير: فبعث إليه علي فنهاه، أمراً لا يعود و قال: لسلامة الدين أحبُّ إلينا من غيره. فهذه الكلم و الخطب عن عليٍّ تعرب عن إخلاصه للدين و حبّه لحفظ الوئام و السلام بين المسلمين، و انّه لو لا خوف محق الدين لما ترك الأمر إلى الغير، و لقام بالسلاح و الكراع على أخذ حقّه.

«و لو لا مراعاة عليّ للأوضاع و الظروف الّتي أحاطت بالإسلام في تلك الفترة من تاريخه، لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أن نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول و الوصي و المخلصين من الصحابة،

و لكنّه أدرك ذلك، و أحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين و المنافقين الذين أضمروا الدمار للإسلام».(1)

كان الإمام ينظر إلى أنّ طوائف من العرب على عتبة الارتداد عن الإسلام، و انّ بين المسلمين في المدينة طابوراً خامساً يتحيّن الفرص للقضاء على الإسلام و إحياء الجاهلية، فلم ير بدّاً من التسليم للأمر الواقع و مماشاة الخلفاء، و رفع مشاكل المسلمين في المسائل المستجدّة و المستعصية و الإجابة على أسئلة الوافدين إلى المدينة، و تعليم القرآن للفيف من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم، و الإدلاء بالرأي الحق عند المشاورة، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي استغرقت قرابة خمس و عشرين سنة من حياته، إلى عام 35 الّذي قتل فيه عثمان بمرأى و مسمع من المهاجرين و الأنصار. و قد أحدث في الإسلام أُموراً أدَّت إلى الفتك به، و كان الخليفة الثاني متنبّئاً به، فقال له: لئن وليتها (الخلافة) لتحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس، فحمل بني أبيه على رقابهم، يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع، فأدّى ذلك و غيره إلى قتله في عقر داره.

تسنّم الإمام مقاليد الحكم بعد ربع قرن:

كان الإمام قرابة ربع قرن جليس بيته، يشتغل ببعض الأُمور لما فيه صلاح الإسلام و المسلمين، إلى أن قُتِل عثمان و انثال الناس على الإمام من كل جانب هاتفين: لا يصلح للخلافة إلّا علي. فقال لهم: «دعوني و التمسوا غيري».

روى الطبري نقلاً عن محمّد بن الحنفية: كنت مع أبي، حين قتل عثمان


1) . الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة: 28.

فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللّه، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، و لا بدّ للناس من إمام، و لا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك، و لا أقدم سابقة، و لا أقرب من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: «لا تفعلوا فانّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميرا» فقالوا: و اللّه ما نحن فاعلين حتّى نبايعك، فقال: «ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفياً، و لا تكون إلّا عن رضا المسلمين»، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد اللّه بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، و أبى هو إلّا المسجد. فلمّا دخل، دخل المهاجرون و الأنصار، فبايعوه، ثمّ بايعه الناس.(1)

و في رواية أُخرى: غشى الناس عليّاً، فقالوا: نبايعك، فقد ترى ما نزل بالإسلام و ما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال علي: «دعوني و التمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه، و له ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول» فقالوا: ننشدك اللّه، أ لا ترىٰ ما نرى، أ لا ترى الإسلام، أ لا ترى الفتنة، أ لا تخاف اللّه، فقال: «قد أجبتكم لما أرى، و اعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و إن تركتموني، فانّما أنا كأحدكم، إلّا أنّي أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه أمركم».(2)

هذا ما يذكره الطبري، و أمّا الامام فهو يصف كيفية هجوم الناس على بيته لمبايعته فيقول: «فتداكّوا عليَّ، تداكّ الإبل الهيم يوم وِرْدِها، و قد أرسلها راعيها، و خُلعت مثانيها، حتّى ظننت أنّهم قاتلي، أو بعضهم قاتل بعض لديَّ».(3)


1) . تاريخ الطبري: 450/3.

2) . تاريخ الطبري: 456/3.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 54، تداكوا: ازدحموا، و الهيم: العطاش، يوم وردها: يوم شربها، و المثاني: الحبال.

و في خطبة أُخرى: «فما راعني إلّا و الناس كعرف الضبع إِليَّ، ينثالون عليّ من كل جانب حتّى لقد وطئ الحسنان، و شقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم».(1)

و لم تشهد ساحة الخلافة احتشاداً جماهيرياً إلى يومنا هذا، مثلما شهدته في ذلك الزمان، فقد اتّفق المهاجرون و الأنصار، و التابعون لهم بإحسان على المبايعة، و لم يتخلّف إلّا قليل من الناس لا يتجاوز عدد الأنامل. و قد جاء الطبري بأسمائهم يقول: بايعت الأنصار علياً إلّا نفراً يسيراً، منهم: حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبو سعيد الخدري، و محمّد بن مسلمة، و النعمان بن بشير، و زيد بن ثابت، و رافع بن خُديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة و كانوا عثمانية. فقال رجل لعبد اللّه بن حسن: كيف أبىٰ هؤلاء بيعة علي و كانوا عثمانية، فقال: أمّا حسّان، فكان شاعراً لا يبالي ما يصنع، و أمّا زيد بن ثابت فولّاه عثمان الديوان و بيت المال، فلمّا حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار اللّه - مرتين - فقال أبو أيوب: ما تنصره إلّا إنّه كثر لك من العضدان(2)، فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة «مُزِينة» و ترك ما أخذ منهم له.(3)

قام الإمام بواجبه، و همَّ بالإصلاح، و حوله حُسّاد حاقدون، و أعداء يترقّبون الفرص، و عمّال للخليفة يسألونه البقاء على مناصبهم، فعند ذلك حاقت به الأزمات و الشدائد، و هو يصف ذلك بقوله: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة،


1) . نهج البلاغة: الخطبة 3، عُرْف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر، يضرب به المثل في الكثرة، ينثالون: يتتابعون، شقّ عطفاي: خدش جانباه من الاصطكاك.

2) . العضاد: كل ما يحيط بالعضد من حلي و غيرها.

3) . تاريخ الطبري: 452/3.

و مرقت أُخرى، و قسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول: «تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1)بلىٰ! و اللّه لقد سمعوها و وعوها، و لكنّهم حَلِيَتِ الدنيا في أعينهم، و راقهم زِبْرجها. أما و الّذي فلق الحبة، و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر، و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة(2)ظالم، و لا سغب(3)مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عَنْز»(4).

فقد أشار الإمام بكلامه هذا إلى حروبه الثلاثة مع طوائف ثلاث، فالناكثون هم أصحاب الجمل، الذين لم يجدوا عند الإمام إلّا الحقّ، فطلبوا منه من المناصب ما كان فوق شأنهم و أمانتهم فاجتمعوا في مكّة تحت غطاء المطالبة بدم عثمان مع أنّهم هم المحرّضون على قتله، و موَّلهم جماعة من بني أُميّة، و لم يكتفوا بذلك، و إنّما غرّوا و حرّضوا أُمّ المؤمنين عائشة، و أركبوها على الجمل يقطعون بها الفيافي و القفار، حتّى نزلوا البصرة، فقتلوا من شيعة علي و محبّيه ما استطاعوا. فلمّا لاقوا عليّاً بجيوشهم أبوا إلّا الحرب، فدارت الدوائر على الناكثين، فقتل رءوس الفتنة، و أُرسلت أُمّ المؤمنين إلى المدينة بتكريم و احترام.

و لكن لم يقف الأمر على هذا الحد، فقام ابن آكلة الأكباد، الطليق ابن الطليق الّذي خَذَلَ عثمان، و لم ينصره، ثمّ انتحل دمه و طلب ثأره، فجمع حوله


1) . القصص: 83.

2) . الكظّة: البِطْنَة (ما يعتري الآكل عند امتلائه بالطعام) و المراد: استئثار الظالم بالحقوق.

3) . السغب: شدة الجوع.

4) . نهج البلاغة: الخطبة 3.

الهمج و الرعاع، و تحالف مع عمرو بن العاص الّذي عزله عثمان عن ولاية مصر، فألّب عليه كل راع رآه في البادية، و ساومه معاوية على ولاية مصر، فقابلهم الإمام في أرض صفين، و قد كادت الحرب تنتهي لصالح الحق و المسلمين لو لا أنّهم رفعوا المصاحف على الرماح، و انطلت الحيلة على عسكر الإمام، و قالوا له:

أجب القوم، فحذّرهم الإمام بأنّه مكر و خداع، و القوم ليسوا أهل قرآن و سنّة، فطلب منهم المهلة فما أجابوه، بل هدّدوا بإراقة دمه و قتاله إن لم يُوقف الحرب، و لم يسترجع قائده من ساحة القتال، حتّى أنّ الأشتر قائد القوات طلب منهم المهلة و لو بقدر فواق ناقة أو عدوة فرس، فما وافقوه، فاضطرّ الإمام إلى إيقاف الحرب، و إدلاء الأمر إلى الحكمين بشرط أن لا يخرجوا عن حكم الكتاب و السنّة، و كانت نهاية الأمر، عزل مندوب الإمام (أبو موسى الأشعري) خليفة المسلمين، و نصب عمرو بن العاص معاوية للخلافة، كل ذلك بمكر و خداع و احتيال على أبي موسى، فقام الحكمان و من حولهما يشتتمان و يتسابّان.

ثمّ أُولئك الذين فرضوا قبول التحكيم على علي، ندموا على ذلك، و طفقوا يطالبونه بنقض الميثاق قبل حكم الحكمين، فخرجوا عن طاعة علي، و عن جيشه، فنزلوا حروراء و لم يرجعوا إلى الطاعة حتّى بعد ما دعاهم الإمام لإعادة الحرب على معاوية، لما ظهر لهم كون قول حكم الحكمين على خلاف الكتاب و السنّة، بل أصبحوا يطالبون عليّاً أن يتوب من كفره، كما هم تابوا من كفرهم، لأجل تحكيمه الرجال في أمر الدين، و لم يكتفوا بذلك، فصاروا كقطّاع الطريق يقتلون البريء، و يسفكون الدماء، فأوجدوا دهشة و رعباً في قلوب المسلمين، فلم يجد الإمام بدّاً من قتالهم، و إن كان قتالهم أمراً عظيماً، لأنّهم كانوا أصحاب الجباه السود، يصومون النهار و يقومون الليل، و في الوقت نفسه

هم المارقون، المعاندون للّه و رسوله، و في حقّهم يقول الإمام:

«إنّي فقأت عين الفتنة، و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها(1)، و اشتدّ كلبها(2)»(3).

هذه حياة الإمام علىٰ وجه الإجمال، حياة من ولد في الكعبة و لم يسجد لصنم و رافق النبيّ منذ صباه في موطنه و مهجره، و لم يتخلّف عنه في غزوة من غزواته إلّا غزوة تبوك، حيث خلّفه في المدينة لإدارة شئونها في غيابه.

و مع الأزمات الّتي خلّفها عثمان و عمّاله، و سوّدوا بها وجه التاريخ، و قطعوا عرى الوحدة بين الخلافة و الناس «استطاع أن يجعل من نظامه السياسي المثل الكامل للنظام السياسي للدولة الّتي أسّسها و رفع كيانها رسول اللّه، و أن يجعل من أعماله و أقواله في السلم و الحرب، التجسيد الكامل للشريعة الإسلامية و أن يجعل من سلوكه و أخلاقه الصورة الكاملة لأخلاق الرسول و سلوكه، و بذلك ربط كل مسيرة عهده بمسيرة العهد النبوي الشريف، و ثبّت للإسلام دعائمه، و أعاد إلى النفوس المؤمنة أمنها و يقينها بالرسالة الإسلامية الخالدة».(4)قام الإمام بالخلافة، و تقلّدها بعد مقتل عثمان، و قد ترك ولاة يمتصّون دماء الناس، و لم يكن الإمام ممّن يساوم و يداهن و يترك الحق جانباً، و أوّل ما قام


1) . الغيهب: الظلمة، و موجها: شمولها و امتدادها.

2) . الكلب - محركة - داء معروف يصيب الكلاب، فكل من عظه أُصيب به فجنّ و مات إن لم يبادر بالدواء.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 93.

4) . الزيدية نظرية و تطبيق: 19.

به، هو أنّه أزال الظلم عن الناس بإزالة العمّال و الولاة الظالمين، الذين اكتنزوا الذهب و الفضّة، و ملكوا العقارات و المواشي، فعند ذلك قامت قيامة هؤلاء فهم بين ناكث، و قاسط، و ضمّ إليهم أعداء يترقّبون الفرص للوثوب، و الانتقام، لأنّه قتل آباءهم و استأصل شأفتهم في الحروب و الغزوات، كلّ ذلك صار سبباً لانشغال الإمام بالحروب الداخلية. و لو كان الامام آخذاً مقاليد الخلافة بعد الرسول، بل حتّى بعد خلافة الشيخين لما وجد الانحراف عن الدين و تعاليمه في الحياة مجالاً، و لكنّه - يا للأسف - أخذ بها و المجتمع مثقّل بالأزمات و الانحرافات.

إغارة معاوية على البلاد الآمنة:

هذا ابن أبي سفيان، لمّا رأىٰ أنّ الأمصار الإسلامية ما عدا الشام في طاعة الإمام، جمع حوله الأشقياء و البغاة، يغيرون على البلاد الآمنة، و ينشرون الفوضى و الفساد واحداً بعد واحد.

1 - فأرسل سفيان بن عوف الغامدي، و قال: إنّي موجّهك في جيش كثيف، ذي أداة و جلادة فالزم لي جانب الفرات، حتّى تمر بهيت(1)فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليها، و امض، حتّى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جنداً، فامض حتّى توغل المدائن، فكأنّك غرت على الكوفة، إنّ هذه الغارة يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، و تفرح كلّ من له فينا هوى منهم، و تدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر، فاقتل من لقيته ممّن ليس على مثل رأيك، و أخرب كل ما مررت به من القرى، و احرب


1) . هيت: بلد على الفرات فوق الأنبار.

الأموال فإنّ حرب الأموال - أي سلبها - شبيهة بالقتل، و هو أوجع للقلب».(1)

و لمّا بلغ عليّاً جنايات الرجل، خطب خطبته المعروفة و قال:

«فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، و هو لباس التقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنّته الوثيقة - إلى أن قال: - و هذا أخو غامد، و قد وردت خيله الأنبار و قد قتل حسّان بن حسّان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها، و لقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و الأُخرى المعاهدة، فينتزع حجلها و قلبها و قلائدها و رُعُثها، ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع و الاسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلم، و لا أُريق لهم دم، فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً، ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديرا».(2)

2 - هذا بسر بن أرطاة، بعثه معاوية إلى اليمن في جيش كثيف و أمره أن يقتل كل من كان في طاعة علي عليه السلام، فقتل خلقاً كثيراً، و قتل فيمن قتل ابني عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، و كانا غلامين صغيرين، فقالت أُمّهما ترثيهما:

يا من أحسّ بابنيّ اللذين هما *** كالدرّتين تشظّىٰ عنهما الصدف(3)

و قد خطب الإمام بعد ما بلغه النبأ بقوله: «أُنبئتُ بُسراً قد اطّلعَ اليمنَ، و انّي


1) . شرح نهج البلاغة: 85/2.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 27.

3) . شرح نهج البلاغة: 340/1. تشظّا: تفرّق شظايا. راجع للوقوف على بقية الأبيات الكامل للمبرد، و قد ذكره ابن أبي الحديد في شرحه: 13/2

و اللّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، و تفرّقكم عن حقّكم، و بمعصيتكم إمامكم بالحق، و طاعتهم إمامهم بالباطل، و بأَدائهم الأمانة إلى صاحبهم، و خيانتكم، و بصلاحهم في بلادهم، و فسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب، لخشيت أن يذهب بعلاقته»(1).

3 - دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، و قال له: سر حتّى تمر بناحية الكوفة، و ترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي، فأغر عليه، و إن وجدت له مسلحة أو خيلاً، فأغر عليها، و إذا أصبحت في بلد فامس في أُخرى، و لا تقيمن لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها، ثمّ جهّزه بثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف.

فاقبل الضحاك، فنهب الأموال، و قتل من لقي من الأعراب، حتّى مرّ بالثعلبية(2)، فأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، ثمّ أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي، و هو ابن أخي عبد اللّه بن مسعود، صاحب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة(3)، و قتل معه ناساً من أصحابه.(4)

4 - و لم يكتف معاوية بهذه الهجمات العنيفة على البلاد الآمنة، بل جهّز بسر بن أرطاة مرّة ثانية، لإراقة الدماء في حرم الرسول. و يقول ابن أبي الحديد:

كان بسر بن أرطاة قاسي القلب فظّاً سفّاكاً للدماء لا رأفة عنده و لا رحمة، و قد جهّزه معاوية في ثلاثة آلاف، و قال له: سر حتّى تمرّ بالمدينة، فاطرد الناس،


1) . نهج البلاغة: الخطبة 25.

2) . الثعلبية: من منازل طريق مكّة إلى الكوفة.

3) . بالضم ثمّ السكون: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف.

4) . شرح نهج البلاغة: 116/2-117.

و أخف من مررت به، و انهب أموال كل من أحصيت له مالاً، ممّن لم يكن دخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنّك تريد أنفسهم، و اخبرهم أنّه لا براءة لهم عندك و لا عذر. و وصل بسر إلى المدينة المنوّرة، فشتم أهلها و تهدّدهم و توعّدهم و أحرق دوراً كثيرة، منها دار زرارة بن حرون، و دار عمرو بن عوف، و دار رفاعة بن رافع الرزقي، و دار أبي أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم(1).

و قال المسعودي: قتل بسر بالمدينة و بين المسجدين خلقاً كثيراً من خزاعة و غيرهم، و كذلك بالجرف قتل بها خلقاً كثيراً من رجال همدان، و قتل بصنعاء خلقاً كثيراً. و لمّا بلغ الخبر عليّاً أنفذ حارثة بن قدامة السعدي في ألفين، و وهب بن مسعود في ألفين، و حين علم بسر بخبر حارثة فرّ هاربا.(2)

و كانت هذه العصابات الإجرامية، تأتي إلى العراق فتقتل و تحرق و تدمّر، إلى آخر حياة الإمام، الّذي قضى نحبه في الحادي و العشرين من شهر رمضان سنة 40 ه. و أصبحت شيعته كغنم غاب عنها راعيها، يفترسهم أعداؤهم عند ما استتبّ الأمر لآل أبي سفيان و آل مروان، و هذا هو الّذي نطرحه في الفصل التالي:


1) . شرح نهج البلاغة: 10/2، و ما ذكرناه ملخّص ما ذكره مفصّلا.

2) . مروج الذهب: 21/3-22 بتصرف.

الفصل التاسع: الشيعة في العصرين الأموي و العباسي

اشارة

لا نأتي بجديد إذا ذهبنا إلى القول بأنّ الهجمة الشرسة التي كانت تستهدف استئصال الشيعة و القضاء عليهم قد أخذت أبعاداً خطيرة و دامية أبان الحكمين الأُموي و العباسي، فما أن لبّى الإمام دعوة ربّه في ليلة الحادي و العشرين من رمضان على يد أشقى الأوّلين و الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، و هو يصلّي في محراب عبادته، حتّى شرع أعداء الإمام و خصوم التشيّع إلى التعرّض الصريح بالقتل و التشريد لأنصار هذا المذهب و المنتسبين إليه، و إذا كان استشهاد الإمام علي يؤلّف في حدّ ذاته ضربة قاصمة في هيكلية البناء الإسلامي، إلّا أنّ هذا لم يمنع البعض ممّن وقفوا موقفاً باطلاً و منحرفاً من الإمام عليّ في حياته من التعبير عن سرورهم من هذا الأمر الجلل، كما نقل ذلك ابن الأثير عن عائشة زوجة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حيث قالت عند ما وصلها النبأ:

فألقت عصاها و استقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافرُ

ثمّ قالت: من قتله، فقيل: رجل من مراد، فقالت:

فإن يك نائياً فلقد نعاهُ *** نعيّ ليس في فيه الترابُ

فقالت زينب بنت أبي سلمة: أ تقولين هذا لعليّ؟ فقالت: إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكّروني...!!(1).


1) . الكامل في التاريخ 394/3.

الشيعة في العصر الأُموي

اشارة

و أمّا معاوية فلا مناص من القول بأنّه أكثر المستبشرين بهذا الأمر، حيث إنّه قال لمّا بلغه: إنّ الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه.

ثمّ أنشد:

قل للأرانب ترعى أينما سرّحت *** و للظباء بلا خوف و لا وجلِ‌(1)

في الجانب الآخر نرى أنّ الإمام الحسن الابن الأكبر للإمام عليّ و وارثه ينعى أباه بقوله في مسجد الكوفة: «ألا أنّه قد مضي في هذه الليلة، رجل لم يدركه الأوّلون، و لن يري مثله الآخرون. من كان يقاتل و جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله. و اللّٰه لقد توفّي في هذه الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران، و رفع فيها عيسى بن مريم، و أُنزل القرآن. ألا و إنّه ما خلّف صفراء و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله».(2)

ثمّ بويع الحسن في نهاية خطبته، و كان أوّل من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، ثمّ تتابع الناس على بيعته، و كان أمير المؤمنين قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت. فبينما هو يتجهّز للمسير قُتل عليه السلام. فبايع هؤلاء ولده الحسن، فلمّا بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه، تجهّز هو و الجيش الذين كانوا قد بايعوا عليّاً. و سار عن الكوفة إلى لقاء معاوية(3).


1) . ناسخ التواريخ: 692 القسم المختص بحياة الإمام

2) . تاريخ اليعقوبي: 213/2.

3) . الكامل: 404/3.

بيد إنّ الأُمور لم تستقم للإمام الحسن لجملة من الأسباب المعروفة، أهمّها تخاذل أهل العراق أوّلاً؛ و كون الشيوخ الذين بايعوا عليّاً و التفّوا حوله كانوا من عبدة الغنائم و المناصب، و لم يكن لهؤلاء نصيب في خلافة الحسن إلّا ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانياً؛ و إنّ عدداً غير قليل ممّن بايع الحسن كانوا من المنافقين، يراسلون معاوية بالسمع و الطاعة ثالثاً. كما أنّ قسماً من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعاً. إلى غير ذلك من الأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاوية تحت شروط خاصّة تضمن لشيعة عليّ الأمن و الأمان، إلّا أنّ معاوية و بعد أن وقّع على صلحه مع الإمام الحسن لم يتردد من الإعلان عن سريرته بكل صراحة و وضوح على منبر الكوفة:

إنّي و اللّٰه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا، و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا - و إنّكم لتفعلون ذلك - و لكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم، و قد أعطاني اللّٰه ذلك و أنتم له كارهون، ألا و إنّي قد كنت منَّيتُ الحسن أشياء، و جميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له.(1)

و كان ذلك التصريح الخطير، و المنافي لأبسط مبادئ الشريعة الإسلامية، يمثل الإعلان الرسمي لبدء الحملة الشرسة و المعلنة لاستئصال شيعة علي و أنصاره تحت كلّ حجر و مدر. و توالت المجازر تترى بعد معاوية إلى آخر عهد الدولة الأُمويّة، فلم يكن للشيعة في تلك الأيّام نصيب سوى القتل و النفي و الحرمان. و هذا هو الذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الإجمال، حتّى يقف القارئ على أنّ بقاء التشيّع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز


1) . الإرشاد للشيخ المفيد: 191.

اللّٰه سبحانه، كما يتوضّح له مدى الدور الخطير الذي لعبه الشيعة في الصمود و الكفاح و الردّ على الظلمة و أعوانهم منذ عصر الإمام إلى يومنا هذا. و إليك بعض الوثائق من جرائم معاوية.

رسالة الإمام الحسين إلى معاوية:

«أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أُمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها، و أنّ الحسنات لا يهدي لها و لا يسدّد إليها إلّا اللّٰه تعالى، و أمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي، فإنّما رقّاه الملّاقون المشّاءون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، و كذب الغاوون المارقون، ما أُريد لك حرباً و لا خلافاً، و إنّي لأخشى اللّٰه في ترك ذلك منك و من حزبك القاسطين حزب الظلمة و أعوان الشيطان الرجيم. أ لست قاتل حجر و أصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، فقتلتَهم ظلماً و عدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة و العهود المؤكّدة جرأة على اللّه و استخفافاً بعهده. أ و لست بقاتل عمرو بن الحمق الّذي أخلقت و أبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته الصم لنزلت من سقف الجبل.

أو لست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، و قد قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم انّ الولد للفراش و للعاهر الحجر، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم و يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يصلبهم على جذوع النخل؟

سبحان اللّه يا معاوية! لكأنّك لست من هذه الأُمّة، و ليسوا منك، أ وَ لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك في زياد أنّه على دين عليّ كرّم اللّٰه وجهه، و دين عليّ هو دين ابن عمّه صلى الله عليه و آله الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، و لو لا ذلك كان أفضل شرفك و شرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء و الصيف، فوضعها اللّٰه عنكم بنا منّة عليكم، و قلت فيما قلت: لا ترد هذه الأُمّة في فتنة، و إنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، و قلت فيما قلت: انظر لنفسك و لدينك و لأُمّة محمّد. و إنّي و اللّٰه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي، و إن لم أفعله فأستغفر اللّٰه لديني. و أسأله التوفيق لما يحب و يرضى، و قلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية ما بدا لك، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون و إنّي لأرجو أن لا تضرّ إلّا نفسك و لا تمحق إلّا عملك فكدني ما بدا لك، و اتّق اللّٰه يا معاوية، و اعلم أنّ للّٰه كتاباً لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها، و اعلم أنّ اللّٰه ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، و أخذك بالتهمة، و إمارتك صبيّاً يشرب الشراب و يلعب بالكلاب، ما أراك إلّا قد أوبقت نفسك، و أهلكت دينك، و أضعت الرعيّة و السلام».(1)

و لعلّ المتأمل في جوانب هذه الرسالة و المتدبّر لمفرداتها يدرك و بوضوح مدى الدور المنحرف الذي وقفه الأُمويّون و على رأسهم معاوية في


1) . الإمامة و السياسة: 164/1؛ جمهرة الرسائل: 67/2. و رواه الكشي في رجاله: 48-51 و المجلسي في البحار: 212/44-214.

محاربة أنصار مذهب التشيّع و روّاده، كما تتوضح له الصورة عن حجم المحنة التي مرّ بها الشيعة إبّان تلك الحقبة الزمنية.

و لكي تتوضّح الصورة في ذهن القارئ الكريم ندعوه إلى قراءة رسالة الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام لأحد أصحابه، حيث قال:

«إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قبض و قد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا. ثمّ تداولتها قريش، واحد بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا و نصبت الحرب لنا، و لم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتّى قتل، فبويع الحسن ابنه و عُوهد ثمّ غدر به و أُسلم، و وثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه، و نهبت عسكره، و عولجت خلاخيل أُمّهات أولاده، فوادع معاوية و حقن دمه و دماء أهل بيته، و هم قليلُ حقٍّ قليل.

ثمّ بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، و خرجوا عليه، و بيعته في أعناقهم و قتلوه.

ثمّ لم نزل - أهل البيت - نستذلّ و نستضام، و نقصى و نمتهن، و نحرم و نقتل، و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا، و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم و قضاة السوء و عمّال السوء في كل بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، و رووا عنّا ما لم نقله و لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، و قطعت الأيدي و الأرجل على الظنّة، و كان من يذكر بحبّنا

و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ و يزداد إلى زمان عبيد اللّٰه بن زياد قاتل الحسين عليه السلام، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، و أخذهم بكل ظنّة و تهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ، و حتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير - و لعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة و لم يخلق اللّٰه تعالى شيئاً منها، و لا كانت و لا وقعت و هو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب و لا بقلّة ورع»(1).

بل و إليك ما أورده ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة:

كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة عليّ بن أبي طالب، فلمّا قدم زياد الكوفة - والياً عليها - أخافه فطلبه زياد، فأتى الحسن بن عليّ عليه السلام، فوثب زياد على أخيه و ولده و امرأته، فحبسهم و أخذ ماله و هدم داره.

فكتب الحسن عليه السلام إلى زياد: «من الحسن بن عليّ إلى زياد، أمّا بعد: فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم، و عليه ما عليهم، فهدمت داره و أخذت ماله، و حبست أهله و عياله، فإذا أتاك كتابي هذا، فابن له داره، و اردد عليه عياله و ماله، و شفّعني فيه فقد أجرته و السلام».

فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أمّا بعد:

فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي و أنت طالب حاجة، و أنا سلطان و أنت سوقة، و تأمرني فيه بأمر المطاع المسلّط علىٰ رعيّته، كتبت إليّ في فاسق آويتَه


1) . شرح نهج البلاغة: 43/11-44.

إقامة منك علىٰ سوء الرأي و رضاً منك بذلك، و أيم اللّٰه لا تسبقني به و لو كان بين جلدك و لحمك، و إن نلت بعضك فغير رفيق بك و لا مرع عليك، فإنّ أحبّ لحم عليّ أن آكله اللّحم الذي أنت منه، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك فيه، و إن قتلته لم أقتله إلّا لحبّه أباك الفاسق، و السلام».(1)

«كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ أو البراءة منه، فملأ منهم المسجد و الرحبة، فمن أبى ذلك عرضه على السيف»(2).

و عن المنتظم لابن الجوزي: أنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة و هو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، و همّ أن يخرب دورهم و يحرق نخلهم، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد و الرحبة يعرضهم على البراءة من عليّ، و علم أنّهم سيمتنعون، فيحتجّ بذلك على استئصالهم و إخراب بلدهم.(3)

بيان معاوية إلى عماله:

روى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة!!: «أن برأت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب و أهل بيته» فقامت الخطباء في كلّ كورة، و على كلّ منبر، يلعنون عليّاً و يبرءون منه، و يقعون فيه و في أهل بيته، و كان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة عليّ عليه السلام


1) . شرح بن أبي الحديد: 194/16.

2) . مروج الذهب: 26/3.

3) . المنتظم: 263/5.

فاستعمل عليها زياد بن سميّة، و ضمّ إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة و هو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام عليّ عليه السلام، فقتلهم تحت كلّ حجر و مدر، و أخافهم، و قطع الأيدي و الأرجل، و سمل العيون، و صلبهم على جذوع النخل، و طردهم و شرّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألّا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ و أهل بيته شهادة. و كتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه و أهل ولايته، و الذين يروون فضائله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قرّبوهم و أكرموهم، و اكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.

ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات و الكساء و الحباء و القطائع، و يفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه و قرّبه و شفّعه. فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عمّاله: إنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر و في كلّ وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأوّلين، و لا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا و تأتوني بمناقض له في الصحابة؛ فإنّ هذا أحبّ إلىّ و أقرّ لعيني، و أدحض لحجّة أبي تراب و شيعته، و أشدّ إليهم من مناقب عثمان و فضله!!

فقرأت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة

مفتعلة لا حقيقة لها، و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و أُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه و تعلّموه كما يتعلّمون القرآن، و حتّى علّموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّٰه.

ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً و أهل بيته، فامحوه من الديوان، و أسقطوا عطاءه و رزقه.

و شفع ذلك بنسخة أُخرى: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، و اهدموا داره.

فلم يكن بلدٌ أشدّ بلاءً من العراق، و لا سيّما الكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ عليه السلام ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، و يخاف من خادمه و مملوكه، و لا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه. فظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة، و كان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء و المراءون و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يتقرّبوا من مجالسهم، و يصيبوا الأموال و الضياع و المنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب و البهتان، فقبلوها و رووها، و هم يظنّون أنّها حقّ، و لو علموا أنّها باطلة لما رووها، و لا تديّنوا بها.

و قال ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ عليه السلام فازداد البلاء و الفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلّا و هو خائف على دمه، أو طريد في الأرض.

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام و ولّي عبد الملك بن مروان، فاشتدّ على الشيعة، و ولّي عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب إليه أهل النسك و الصلاح و الدين ببغض عليّ و موالاة أعدائه، و موالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم و سوابقهم و مناقبهم، و أكثروا من الغضّ من عليّ عليه السلام و عيبه، و الطعن فيه، و الشنآن له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجّاج - و يقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به:

أيّها الأمير انّ أهلي عقّوني فسمّوني علياً، و انّي فقير بائس، و أنا إلى صلة الأمير محتاج. فتضاحك له الحجّاج، و قال: للطف ما توسّلت به، قد ولّيتك موضع كذا.

و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه - و هو من أكابر المحدّثين و أعلامهم - في تأريخه ما يناسب هذا الخبر، قال: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم.(1)

ضحايا الغدر الأُموي:

لعلّ المرء يصاب بالذهول و هو يتأمّل أسماء الصحابة و التابعين ذوي المنازل الرفيعة و المكانة السامية و الدور الجليل في خدمة الإسلام و أهله، كيف سقطوا صرعى بسيف الأُمويّين لا لشيءٍ إلّا لأنّهم شيعة عليّ عليه السلام، و من هؤلاء:


1) . شرح نهج البلاغة: 46/11.

1 - حجر بن عديّ: الذي قبض عليه زياد بعد هلاك المغيرة سنة (51 ه) و بعثه مع أصحابه إلى الشام بشهادة مزوّرة، و فرية ظالمة، كان يراد منها قتله و توجيه ضربة قوية لشيعة عليّ و تصفيتهم.

يقول المسعودي:

«في سنة ثلاث و خمسين قتل معاوية حجر بن عديّ الكندي - و هو أوّل من قتل صبراً في الإسلام - و حمله زياد من الكوفة و معه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة و أربعة من غيرها، فلمّا صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول - و لا عقب له من غيرها -:

ترفّع أيّها القمر المنير *** لعلّك أن ترىٰ حجراً يسير

يسير إلىٰ معاوية بن حرب *** ليقتله، كذا زعم الأمير

و يصلبه علىٰ بابي دمشق *** و تأكل من محاسنه النسور

فقتله مع أصحابه في مرج عذراء(1)بصورة بشعة يندى لها الجبين، و هي مذكورة في جميع كتب التأريخ، فراجع.

2 - عمرو بن الحمق: ذلك الصحابي العظيم الذي وصفه الإمام الحسين سيّد الشهداء بأنّه: «أبلت وجهه العبادة». قتله معاوية بعد ما أعطاه الأمان.(2)

3 - مالك الأشتر: ملك العرب، و أحد أشرف رجالاتها و أبطالها، كان


1) . مروج الذهب: 3/3-4؛ سير أعلام النبلاء: 462/3-466 برقم 95.

2) . سير أعلام النبلاء: 34/4-35 برقم 6.

شهماً مطاعاً و كان قائد القوات العلوية. قتله معاوية بالسمّ في مسيره إلى مصر بيد أحد عمّاله.(1)

4 - رشيد الهجري: كان من تلاميذ الإمام و خواصّه، عرض عليه زياد البراءة و اللعن فأبىٰ، فقطع يديه و رجليه و لسانه، و صلبه خنقاً في عنقه.(2)

5 - جويرية بن مسهر العبديّ: أخذه زياد و قطع يديه و رجليه و صلبه على جذع نخلة.(3)

6 - قنبر مولى أمير المؤمنين: روي أن الحجّاج قال لبعض جلاوزته:

أُحبّ أن أُصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فقالوا: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من مولاه قنبر. فبعث في طلبه، فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال له:

ابرأ من دين عليّ، فقال له: هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟ قال: إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك، قال: أخبرني أمير المؤمنين: أنّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حقّ. فأمر به فذبح كما تذبح الشاة.(4)

7 - كميل بن زياد: و هو من خيار الشيعة و خاصّة أمير المؤمنين، طلبه الحجّاج فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم، فلمّا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير و قد نفد عمري و لا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي. فاستسلم للحجّاج، فلمّا رآه قال له: كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلاً، فقال له كميل: لا تبرق و لا ترعد، فو الله ما بقي من عمري إلّا مثل الغبار، فاقض فإنّ الموعد اللّٰه عزّ


1) . شذرات الذهب: 91/1.

2) . شرح نهج البلاغة: 294/2-295.

3) . شرح نهج البلاغة: 290/2-291.

4) . رجال الكشي: 68-21/69؛ الشيعة و الحاكمون: 95.

و جلّ، و بعد القتل الحساب. و قد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي، فقال الحجّاج: الحجّة عليك إذن، فقال: ذلك إن كان القضاء لك، قال: بلى، اضربوا عنقه.(1)

8 - سعيد بن جبير: التابعي المعروف بالعفّة و الزهد و العبادة، و كان يصلّي خلف الإمام زين العابدين، فلمّا رآه الحجّاج قال له: أنت شقي ابن كسير، فقال: أُمّي أعرف باسمي منك. ثمّ بعد أخذ و ردّ أمر الحجاج بقتله، فقال سعيد: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً - مسلما - وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(2). فقال الحجّاج: شدّوه إلى غير القبلة، فقال: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»(3)، فقال: كبّوه على وجهه، قال: «مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهٰا نُخْرِجُكُمْ تٰارَةً أُخْرىٰ»(4). ثمّ ضربت عنقه.(5)

و سيوافيك ما جرى على زيد بن عليّ من الصلب أيّام خلافة هشام بن عبد الملك عام (122 ه) عند الكلام عن فرقة الزيدية إن شاء اللّٰه تعالى. هذا غيض من فيض و قليل من كثير ممّا جناه الأُمويّون في حقّ الشيعة طوال فترة حكمهم و تولّيهم لدفّة الأُمور و زمام الحكم، و تاللّٰه إنّ المرء ليصاب بالغثيان و هو يتأمّل هذه الصفحات السوداء التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ و كيف لطّخت بالدماء الطاهرة المقدسة و التي أُريقت ظلماً و عدواناً و تجنّياً على الحقّ و أهله.


1) . شرح نهج البلاغة: 149/17؛ الشيعة و الحاكمون: 96.

2) . الأنعام: 79.

3) . البقرة: 115.

4) . طه: 55.

5) . سير أعلام النبلاء: 321/4-328؛ الجرح و التعديل: 9/4 برقم 29.

الشيعة في العصر العباسيّ:

دار الزمان على بني أُميّة، و قامت ثورات عنيفة ضدّهم أثناء خلافتهم، إلى أن قضت على آخر ملوكهم (مروان الحمار): «فَقُطِعَ دٰابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(1)و امتطى ناصية الخلافة بعدهم العباسيون، و الذين تسربلوا بشعار مظلومية أهل البيت للوصول إلى سدّة الخلافة و إزاحة خصومهم الأُمويين عنها، بيد أنّهم ما أن استقر بهم المقام و ثبتت لهم أركانه حتّى انقلبوا كالوحوش الكاسرة في محاربتهم للشيعة و تشريدهم و تقتيلهم، فكانوا أسوأ من أسلافهم الأُمويين و أشدّ إجراماً، و للّٰه درّ الشاعر حين قال:

و اللّٰه ما فعلت أُميّة فيهم *** معشار ما فعلت بنو العباسِ

1 - كان أوّل من تولّى منهم أبو العباس السفّاح، بويع سنة (132 ه) و مات سنة (136 ه)، قضى وقته في تتبّع الأُمويّين و القضاء عليهم، و هو و إن لم يتعرّض للعلويّين، لكنّه تنكّر لهم و لشيعتهم، بل و أوعز إلى الشعراء أن يتعرّضوا لأولاد عليّ و أهل بيته في محاولة مدروسة للنيل من منزلتهم و تسفيه الدعوة المطالبة بإيكال أمر الخلافة الإسلامية إليهم. هذا محمّد أحمد براق يقول في كتابه «أبو العباس السفاح»: «إنّ أصل الدعوة كان لآل عليّ؛ لأنّ أهل خراسان كان هواهم في آل عليّ لا آل العباس، لذلك كان السفّاح و من جاء بعده مفتّحة عيونهم لأهل خراسان حتّى لا يتفشّى فيهم التشيّع لآل عليّ... و كانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم، فيقدّمون لهم الجوائز، و كان الشعراء يعرّضون


1) . الأنعام: 45.

بأبناء عليّ و ينفون عنهم حقّ الخلافة؛ لأنّهم ينتسبون إلى النبيّ عن طريق ابنته فاطمة، أمّا بنو العباس فإنّهم أبناء عمومة».(1)

2 - ثمّ جاء بعده أبو جعفر المنصور، و بالرغم ممّا أُثير حوله من منزلة و مكانة و ذكاء، إلّا أنّ في ذلك مجافاة عظيمة للحقّ و ابتعاداً كبيراً عن جادّة الصواب، نعم حقّاً إنّ هذا الرجل قد ثبّت أركان دولته و أقام لها أُسساً قوية صلبة، إلّا أنّه أسرف كثيراً في الظلم و القسوة و الإجرام بشكل ملفت للأنظار، و يكفي للإلمام بجرائمه و قسوته ما كتبه ابن عبد ربّه في العقد الفريد عن ذلك حيث قال:

إنّ المنصور كان يجلس و يُجلس إلى جانبه واعظاً، ثمّ تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثيابه، يلتفت إلى الواعظ و يقول: عظني فإذا ذكّره الواعظ باللّٰه، أطرق المنصور كالمنكسر ثمّ يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانياً قال لواعظه: عظني!!(2).

فما ذا يا ترى يريد المنصور من قوله للواعظ: عظني، و ما ذا يعني بإطراقه بعد ذلك و سكوته، هل يريد الاستهزاء بالدين الذي نهى عن قتل النفس و سفك الدماء، أو يريد شيئاً آخر؟! وليت شعري أين كان المؤرّخون و أصحاب الكلمات الصادقة المنصفة من هذه المواقف المخزية التي تقشعر لها الأبدان، و هم يتحدّثون عن هذا الرجل الذي ما آلوا يشيدون بذكره و يمجّدون بأعماله،


1) . أبو العباس السفّاح: 48، كما في الشيعة و الحاكمون: 139.

2) . العقد الفريد: 41/1.

و هلّا تأمّل القرّاء في سيرة هذا الرجل ليدركوا ذلك الخطأ الكبير.

بلى إنّ هذا الرجل أسرف في القتل كثيراً، و كان للعلويين النصيب الأكبر، و حصّة الأسد من هذا الظلم الكبير.

يقول المسعودي: جمع المنصور أبناء الحسن، و أمر بجعل القيود و السلاسل في أرجلهم و أعناقهم، و حملهم في محامل مكشوفة و بغير وطاء، تماماً كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين. ثمّ أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار، و أُشكلت أوقات الصلاة عليهم، فجزَّءوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلّون على فراغ كلّ واحد من حزبه، و كانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم، فاشتدّت عليهم الرائحة، و تورّمت أجسادهم، و لا يزال الورم يصعد من القدم حتّى يبلغ الفؤاد، فيموت صاحبه مرضاً و عطشاً و جوعاً.(1)

و قال ابن الأثير: دعا المنصور محمّد بن عبد اللّٰه العثماني، و كان أخاً لأبناء الحسن من أُمّهم، فأمر بشقّ ثيابه حتّى بانت عورته، ثمّ ضرب مائة و خمسون سوطاً، فأصاب سوط منها وجهه فقال: ويحك اكفف عن وجهي، فقال المنصور للجلّاد: الرأس الرأس، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً، و أصاب إحدى عينيه فسالت على وجهه، ثمّ قتله - ثمّ ذكر -: و أحضر المنصور محمّد بن إبراهيم بن الحسن، و كان أحس الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصفر، لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحداً، ثمّ أمر به، فبني عليه أُسطوانة و هو حيّ، فمات فيها(2).


1) . مروج الذهب: 310/3 ط سنة 1948 م.

2) . الكامل: 375/4.

3 - ثمّ ولي بعده المهدي ولد المنصور، و بقي في الحكم من سنة (158 ه) إلى سنة (169 ه) و كفى في الإشارة إلى ظلمه للعلويّين، أنّه أخذ علي بن العبّاس بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب، فسجنه فدسّ إليه السمّ فتفسّخ لحمه و تباينت أعضاؤه.

4 - و لمّا هلك المهدي بويع ولده الهادي، و كانت خلافته سنة و ثلاثة أشهر، سار فيها على سيرة من سبقه في ظلم العلويين و التضييق عليهم، و كفى في الإشارة إلى ذلك ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين حيث قال:

إنّ أُمّ الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتل المنصور أباها و إخوتها و عمومتها و زوجها عليّ بن الحسن، ثمّ قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين، و كانت تلبس المسوح على جسدها، لا تجعل بينها و بينه شيئاً حتّى لحقت باللّٰه عزّ و جلّ.(1)

5 - ثمّ تولّى بعده الرشيد سنة (170 ه) و مات (193 ه) و كان له سجّل أسود في تعامله مع الشيعة تبلورت أوضح صوره فيما لاقاه منه الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، و هو ما سنذكره لاحقاً إن شاء اللّٰه تعالى، و إليك واحدة من تلك الأفعال الدامية التي سجّلها له التأريخ و رواها الأصبهاني عن إبراهيم بن رباح، قال: إنّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبد اللّٰه بن الحسن، بنى عليه أُسطوانة و هو حيّ، و كان هذا العمل الإجرامي موروثاً من جدّه المنصور(2)،


1) . مقاتل الطالبيين: 285.

2) . مقاتل الطالبيين: 320، و روي في مقتله أمر آخر.

و أما ما جرى منه في حق الإمام الكاظم عليه السلام فنذكره في الفصل الحادي عشر عند ذكر أئمّة الشيعة.

6 - ثمّ جاء بعده ابنه الأمين، فتولّى الحكم أربع سنين و أشهراً، يقول أبو الفرج: كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدّم لتشاغله بما كان فيه من اللهو ثمّ الحرب بينه و بين المأمون، حتّى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيّامه حدث.

7 - و تولّى الحكم بعده المأمون، و كان من أقوى الحكّام العباسيّين بعد أبيه الرشيد. فلمّا رأى المأمون إقبال الناس على العلويّين و على رأسهم الإمام الرضا، ألقى عليه القبض بحيلة الدعوة إلى بلاطه، ثمّ دسّ إليه السمّ فقتله.

8 - مات المأمون سنة (210 ه) و جاء إلى الحكم ابنه المعتصم فسجن محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلّا أنّه استطاع الفرار من سجنه.

9 - ثمّ تولى الحكم بعده الواثق الذي قام بسجن الإمام محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام و دسّ له السمّ بيد زوجته الأثيمة أُمّ الفضل بنت المأمون.

10 - و ولي الحكم بعد الواثق المتوكّل، و إليك نموذجاً من حقده على آل البيت و هو ما ذكره أبو الفرج قال: كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً في جماعتهم، شديد الغيظ و الحقد عليهم، و سوء الظنّ و التهمة لهم.

و اتّفق له أنّ عبيد اللّٰه بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسَّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله،

و كان من ذلك أن كرب(1)قبر الحسين و عفّى آثاره، و وضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلّا أتوه به و قتله أو أنهكه عقوبة.

و قال: بعث برجل من أصحابه (يقال له الديزج و كان يهودياً فأسلم) إلى قبر الحسين و أمره بكرب قبره و محوه و إخراب ما حوله، فمضي ذلك فخرّب ما حوله، و هدم البناء و كرب ما حوله مائتي جريب، فلمّا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، و أجرى الماء حوله، و وكل به مسالحَ، بين كلّ مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلّا أخذوه و وجّهوا به إليه.

و قال أيضاً: حدّثني محمّد بن الحسين الأشناني: بَعُدَ عهدي بالزيارة في تلك الأيّام، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها، و ساعدني رجل من العطّارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار و نسير الليل، حتى أتينا نواحي الغاضريّة، و خرجنا نصف الليل، فصرنا بين مسلحتين، و قد ناموا، حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمّه (نتسمه خ ل) و نتحرّى جهته حتّى أتيناه، و قد قلع الصندوق الذي كان حواليه، و أُحرق و أُجري الماء عليه، فانخسف موضع اللبن و صار كالخندق، فزرناه و أكببنا عليه - إلى أن قال: - فودّعناه و جعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع، فلمّا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين و الشيعة حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات و أعدناه إلى ما كان عليه.

و قال أيضاً: و استعمل على المدينة و مكّة عمر بن الفرج، فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس و منع الناس من البرّ بهم، و كان لا يبلغه أنّ أحداً


1) . الكرب: إثارة الأرض للزرع.

أبرّ أحداً منهم بشيء و إن قلّ إلّا أنهكه عقوبة، و أثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة، ثمّ يرقعنه و يجلسن على مغازلهن عواري حواسر، إلى أن قتل المتوكّل فعطف المنتصر عليهم و أحسن إليهم بمال فرّقه بينهم، و كان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله و مضادّة مذهبه.(1)

11 - و ولّي بعده المنتصر ابنه، و ظهر منه الميل إلى أهل البيت و خالف أباه - كما عرفت - فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه فيما بلغنا.

و أوّل ما أحدثه انّه لمّا ولي الخلافة عزل صالح بن عليّ عن المدينة، و بعث عليّ بن الحسين مكانه فقال له - عند الموادعة -: يا عليّ إنّي أُوجّهك إلى لحمي و دمي فانظر كيف تكون للقوم، و كيف تعاملهم - يعني آل أبي طالب - فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين - أيّده اللّٰه - فيهم، إن شاء اللّٰه. قال: إذاً تسعد بذلك عندي.(2)

12 - و قام بعده المستعين بالأمر، فنقض كلّما غزله المنتصر من البرّ و الإحسان، و من جرائمه أنّه قتل يحيى بن عمر بن الحسين، قال أبو الفرج:

و كان - رضي اللّٰه عنه - رجلاً فارساً شجاعاً، شديد البدن، مجتمع القلب، بعيداً من رهق الشباب و ما يعاب به مثله، و لمّا أُدخل رأسه إلى بغداد جعل أهلها يصيحون من ذلك إنكاراً له، و دخل أبو هاشم على محمّد بن


1) . مقاتل الطالبيين: 595-599.

2) . مقاتل الطالبيين: 639.

عبد اللّٰه بن طاهر، فقال: أيّها الأمير، قد جئتك مهنّئاً بما لو كان رسول اللّٰه حيّاً يُعزّى به.

و أُدخل الأُسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد و لم يكن فيما رؤي قبل ذلك من الأُسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف و سوء الحال، و كانوا يساقون و هم حفاة سوقاً عنيفاً، فمن تأخّر ضربت عنقه.

قال أبو الفرج: و ما بلغني أنّ أحداً ممّن قتل في الدولة العباسيّة من آل أبي طالب رثي بأكثر ممّا رثي به يحيى، و لا قيل فيه الشعر بأكثر ممّا قيل فيه.

أقول: إنّ العباسيين قد أتوا من الجرائم التي يندى لها الجبين و تقشعرّ منها الجلود في حقّ الشيعة بحيث تغصّ بذكرها المجلّدات الكبيرة الواسعة، بل و فاقوا بأفعالهم المنكرة ما فعله الأُمويّون من قبل، و للّٰه درّ الشاعر حيث قال:

تاللّٰه إن كانت أُميّة قد أتت *** قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها *** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا علىٰ أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما

و من أراد أن يقف على سجلّ جرائم الدولتين (الأُموية و العباسية) و ملفّ مظالمهم فعليه قراءة القصائد الثلاث التي نظمها رجال مؤمنون مخلصون، عرّضوا أنفسهم للمخاوف و الأخطار طلباً لرضى الحقّ:

1 - تائية دعبل الخزاعي الشهيد عام (246 ه)، فإنّها وثيقة تأريخية خالدة تعرب عن سياسة الدولتين تجاه أهل البيت:، و قد أنشدها الشاعر للإمام الرضا، فبكى و بكت معه النسوة.

أخرج الحموي عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال: أنشدت قصيدة لمولاي عليّ الرضا عليه السلام:

مدارس آيات خلت من تلاوةٍ *** و منزل وحي مقفر العرصاتِ

قال دعبل: ثمّ قرأت باقي القصيدة، فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة واقع *** يقوم على اسم اللّٰه و البركاتِ

فبكى الرضا بكاءً شديداً. و من هذه القصيدة قوله:

هُمُ نقضوا عهد الكتاب و فرضه *** و محكمه بالزور و الشبهاتِ

تراث بلا قربىٰ، و ملك بلا هدىٰ *** و حكم بلا شورى، بغير هداةِ

و فيها أيضاً قوله:

لآل رسول اللّٰه بالخيف من منىٰ *** و بالبيت و التعريف و الجمراتِ

ديار عليّ و الحسين و جعفر *** و حمزة و السجّاد ذي الثفناتِ

ديار عفاها جور كلّ منابذ *** و لم تعف للأيّام و السنواتِ

منازل كانت للصلاة و للتقى *** و للصوم و التطهير و الحسناتِ

منازل وحي اللّٰه معدن علمه *** سبيل رشاد واضح الطرقاتِ

منازل وحي اللّٰه ينزل حولها *** علىٰ أحمد الروحاتِ و الغدواتِ

إلى أن قال:

ديار رسول اللّٰه أصبحن بلقعا *** و دار زياد أصبحت عمراتِ

و آل رسول اللّٰه غُلَّتْ رقابهم *** و آل زياد غُلّظُ القصراتِ

و آل رسول اللّٰه تُدْمىٰ نحورهم *** و آل زياد زيّنوا الحجلاتِ

و فيها أيضاً:

أ فاطم لو خلت الحسين مجدّلاً *** و قد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

إذاً للطمتِ الخدّ فاطم عنده *** و أجريت دمع العين في الوجناتِ

أ فاطم قومي يا ابنة الخير و اندبي *** نجوم سماوات بأرض فلات(1)

2 - ميميّة الأمير أبي فراس الحمداني (320-357 ه)، و هذه القصيدة


1) . لاحظ للوقوف على هذه القصيدة: المناقب لابن شهرآشوب: 394/2، و روضة الواعظين للفتّال النيسابوري: 194، و كشف الغمّة للإربليّ: 112/3-117، بحار الأنوار: 244/49-251 و قد ذكرها أكثر المؤرّخين

تعرف بالشافية، و هي من القصائد الخالدة، و عليها مسحة البلاغة، و رونق الجزالة، و جودة السرد، و قوّة الحجّة، و فخامة المعنى، أنشدها ناظمها لمّا وقف على قصيدة ابن سكرة العبّاسي التي مستهلّها:

بني عليّ دعوا مقالتكم *** لا يُنقص الدُّرَّ وضع من وضعه

فقال الأمير في جوابه ميميّته المعروفة و هي:

الحقّ مهتضمٌ و الدين مخترم *** و فيء آل رسول اللّٰه مقتسمُ

إلى أن قال:

يا للرجال أما للّٰه منتصرٌ *** من الطغاة؟ أما للّٰه منتقمُ؟

بنو علي رعايا في ديارهم *** و الأمر تملكه النسوان و الخدم!(1)

3 - جيميّة ابن الرومي التي رثىٰ بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد، و هي:

أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج *** طريقان شتّى مستقيم و أعوج

ألا أي هذا الناس طال ضريركم *** بآل رسول اللّٰه فاخشوا أو ارتَجُوا

أ كلّ أوانٍ للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرّج(2)

و كم من الانصاف فيما كتبه الأصبهاني عن مدى العبء الذي تحمله أهل البيت و شيعتهم من أجل كلمة الحق، و موقف الصدق، و ما ترتّب على ذلك من تكالب لا يعرف الرحمة من قبل الحكومات الجائرة المتلاحقة


1) . نقلها في الغدير برمتها و أخرج مصادرها، لاحظ الغدير: 399/3-402

2) . مقاتل الطالبيين: 639-646

للقضاء على هذا الوجود المقدّس و اجتثاثه من أصله، حيث ذكر:

«و لا يعرف التأريخ أُسرة كأُسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة، و طيب النجار، ضلّ عنها حقّها، و جاهدت في سبيل اللّٰه حقّ الجهاد من الأعصار، ثمّ لم تظفر من جهادها المرير إلّا بالحسرات، و لم تعقب من جهادها إلّا العبرات، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى، راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم، و صافحوا الموت في بسالة فائقة، و تلقّوه في صبر جميل يثير في النفس الإعجاب و الإكبار، و يشيع فيها ألوان التقدير و الإعظام.

و قد أسرف خصوم هذه الأُسرة الطاهرة في محاربتها، و أذاقوها ضروب النكال، و صبّوا عليها صنوف العذاب، و لم يرقبوا فيها إلاّ و لا ذمّةً، و لم يرعوا لها حقّاً و لا حرمة، و أفرغوا بأسهم الشديد على النساء و الأطفال، و الرجال جميعاً، في عنف لا يشوبه لين، و قسوة لا تمازجها رحمة، حتّى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال، في فظاعة النكال، و قد فجّرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة و المودّة في قلوب الناس، و أشاعت الأسف الممض في ضمائرهم، و ملأت عليهم أقطار نفوسهم شجناً، و صارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثاً يروى، و خبراً يتناقل، و قصصاً تقص، يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم و إرواء مشاعرهم، فتطلّبوه و حرصوا عليه»(1).

نعم، لقد اقترن تأريخ الشيعة بأنواع الظلم و النكال، و القتل و التشريد، بحيث لم تشهده أيّ طائفة أُخرى من طوائف المسلمين. بلى، لم ير


1) . مقدّمة مقاتل الطالبيين، بقلم السيد أحمد صقر: الصفحة ي - ك، طبع دار المعرفة.

الأُمويّون و لا العباسيّون و لا الملوك الغزانوة و لا السلاجقة و لا من أتى بعدهم أيّ حرمة لنفوسهم و أعراضهم و علومهم و مكتباتهم، فحين كان اليهود و النصارى يسرحون و يمرحون في أرض الإسلام و المسلمين، و قد كفل لهم الحكّام حرّيّاتهم باسم الرحمة الإسلامية، كان الشيعة يأخذون تحت كلّ حجر و مدر، و يقتلون بالشبهة و الظنّة، و تشرّد أُسرهم، و تصادر أموالهم، و لا يجدون بدّاً من أن يخفوا كثيراً من عقائدهم خوف النكال و القتل، و بأيدي و قلوب نزعت منها الرحمة.

فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية، و أن يظهر خلاف ما يعتقده، بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك، بعد أن أباح دمه و عرضه و ماله.

هذا هو طغرل بيك أوّل ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447 ه، و شنّ على الشيعة حملة شعواء، و أمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، و كانت من دور العلم المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد، و كانت من الأهمية العلمية بمكان؛ حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس و العراق، و استكتب تآليف أهل الهند و الصين و الروم، كما قاله محمد كرد علي، و نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار و مهام الأسفار، و أكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين.(1)


1) . خطط الشام: 185/3.

قال ياقوت الحموي: و بها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، و لم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة و أُصولهم المحرّرة.(1)

و كان من جملتها مصاحف بخطّ ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير.(2)

و لمّا كان الوزير سابور من أهل الفضل و الأدب، فقد أخذ العلماء يهدون إليه مصنّفاتهم المختلفة، فأصبحت مكتبته من أغني دور الكتب ببغداد، و قد أُحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما أُحرق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك، و توسّعت الفتنة حتّى اتّجهت إلى شيخ الطائفة و أصحابه فأحرقوا كتبه و كرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.

قال ابن الجوزي في حوادث سنة (448 ه): و هرب أبو جعفر الطوسي و نهبت داره، ثمّ قال في حوادث سنة (449 ه): و في صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة في الكرخ، و أُخذ ما وجد من دفاتره و كرسي يجلس عليه للكلام، و أُخرج إلى الكرخ و أُضيف إليه ثلاث مجانيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع.(3)


1) . معجم البلدان: 342/2.

2) . الكامل في التاريخ: 3/10.

3) . المنتظم: 173/8-179، نقلنا ما يتعلّق بمكتبة أبي نصر سابور و الشيخ الطوسي عن مقدّمة شيخنا الطهراني على التبيان، و ذكرنا المصادر التي أومأ هو إليها في الهامش، لاحظ الصفحة (ه - و) من المقدّمة.

و أخيراً فلعلّ القارئ الكريم إذا تأمّل بتدبّر و تأنّ إلى جملة ما كتب و أُلّف من المراجع التاريخية - و حتّى تلك التي كتبت في تلك العصور التي شهدت هذه المجازر المتلاحقة، و التي بلا أدنى شكّ كان أغلبها يجاري أهواء الأُسر الحاكمة آنذاك - فإنّه سيجد بوضوح أنّ بقاء الشيعة حتّى هذه الأزمنة من المعاجز و الكرامات و خوارق العادات، كيف و إنّ تاريخهم كان سلسلة من عمليات الذبح، و القتل، و القمع، و الاستئصال، و السحق، و الإبادة، قد تظافرت قوى الكفر و الفسق على إهلاكهم و قطع جذورهم، و مع ذلك فقد كانت لهم دول و دويلات، و معاهد و كلّيّات، و بلدان و حضارات، و أعلام و مفاخر، و عباقرة و فلاسفة، و فقهاء، و محدّثون، و وزراء و سياسيّون، و يؤلّفون اليوم خمس المسلمين أو ربعهم.

نعم إنّ ذلك من فضله سبحانه لتعلّق مشيئته على إبقاء الحقّ و إزهاق الباطل في ظلّ قيام الشيعة طيلة القرون بواجبها و هو الصمود أمام الظلم، و التضحية و التفدية للمبدأ و المذهب و قد قال سبحانه: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاٰ يَفْقَهُونَ»(1).

و لا يفوتنّك أخي القارئ الكريم أنّ ثوراتهم المتعاقبة على الحكومات الظالمة الفاسدة الخارجة عن حدود الشريعة الإسلامية العظيمة هي التي أدّت إلى تشريدهم و قتلهم و الفتك بهم، و لو أنّهم ساوموا السلطة الأُموية و العباسية،


1) . الأنفال: 65.

لكانوا في أعلى المناصب و المدارج، لكنّ ثوراتهم لم تكن عنصرية أو قوميّة أو طلباً للرئاسة، بل كانت لإزهاق الباطل و رفع الظلم عن المجتمع، و الدعوة إلى إعلاء كلمة اللّٰه و غير ذلك ممّا هو من وظائف العلماء العارفين.

الفصل العاشر: مع الشيعة الإماميّة في عقائدهم

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة

اشارة

إنّ المناهج الكلامية التي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري، و استمرّت في القرون التالية، فنجمت عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة، و الجهمية، و المعتزلة، و الحشوية، و الأشعرية، و الكرّامية بفرقهم المتشعّبة. و هذه الفرق بمجموعها تكون نتاجاً حقيقياً لمخاض البحث و المذاكرة، و كنتيجة منطقية للتوسع الأُفقي في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأُمم و القوميات المختلفة، و ما يؤلّفه ذلك من احتكاك و جدل فكري و تأثّر و تأثير في تلك التيّارات الفكرية و تداخل غير محسوس في أحيان كثيرة أوجد و دون وعي من الكثيرين، ركائز وجود هذه التصوّرات التي تبلورت فيما بعد فيما يسمّى بالفرق الإسلامية.

و من هنا فإنّ المرء لا يجد لها تاريخاً متّصلاً بزمن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، و يقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا.

فالخوارج مثلاً كانوا فرقة سياسية نشأت في عام (37 ه) أثناء حرب صفّين، ثمّ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل و أوائل القرن الثاني.

و المرجئة ظهرت في الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفة عثمان و الإمام عليّ، ثمّ تطورت إلى معنى آخر، و كان من حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان و تأخير العمل.

و الجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة (128 ه).

و المعتزلة تستمدّ أُصولها من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى عام (131 ه)، و هكذا القدريّة و الكرّاميّة و الظاهريّة و الأشعريّة فجميعها فرق نتجت عن البحث الكلامي و صقلها الجدل عبر القرون، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلاً بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله.

و أمّا عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض من ذلك، و لا صلة في نشأتها بينها و بين تلك الفرق، لأنّها أُخذت أساساً من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام، و هي: الذكر الحكيم أوّلاً، و السنّة النبويّة ثانياً، و خطب الإمام عليّ و كلمات العترة الطاهرة الصادرة من النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله ثالثاً. فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام و حياة أئمّتهم الطاهرين.

و هذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها المذكورة من دون تحليل و تفكير، بل إنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم منها و حرّروها بأوضح الوجوه ، و دعموها بالبراهين الواضحة، كما أنّهم لا يعتدّون في بناء معتقداتهم و متبنّياتهم برواية الآحاد، بل يشترطون فيها أن تكون متواترة، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم و اليقين؛ إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل، بل المطلوب هو الإذعان و الإيمان، و هذا لا يحصل برواية الآحاد.

إلّا أنّ الأمر الجدير بالذكر هو أنّ المرتكز الأساسي لبناء العقيدة الخاصّة بالشيعة الإمامية هو الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، و أنّه و عترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم.

و هذا هو العنصر المقوّم للتشيّع، و أمّا سائر الأُصول فإنّها عقائد إسلامية لا تختصّ بالشيعة الإمامية وحدها.

و سنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضاً من جوانب عقائد الشيعة الإمامية، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة، و كلمات علمائهم الأقدمين ثانياً، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد و تتوضّح له الصورة الحقيقية عن ركائز هذه المعتقدات، و التي تستمدّ كيانها من الأخبار و الروايات الواردة من أئمّتهم الطاهرين و التي تكوّن كلمات الإمام عليّ عليه السلام و خطبه البعد الأكبر فيها، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم، و التي تتفق كثيراً مع جمهور المسلمين في أبعادها المختلفة.

1 - ما كتبه الإمام الرضا عليه السلام للمأمون عن محض الإسلام

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز و الاختصار، فكتب عليه السلام له:

«إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إلٰه إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، إلٰهاً واحداً، أحداً، فرداً، صمداً، قيّوماً، سميعاً، بصيراً، قديراً، قديماً، قائماً، باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنيّاً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، و أنّه خالق كلّ شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له، و لا ضدّ له،

و لا ندّ له، و لا كفو له، و أنّه المقصود بالعبادة و الدعاء و الرغبة و الرهبة.

و أنّ محمّداً عبده و رسوله و أمينه و صفيّه و صفوته من خلقه، و سيّد المرسلين و خاتم النبيين و أفضل العالمين، لا نبيّ بعده و لا تبديل لملّته و لا تغيير لشريعته، و أنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد اللّٰه هو الحقّ المبين، و التصديق به و بجميع من مضى قبله من رسل اللّٰه، و أنبيائه، و حججه، و التصديق بكتابه الصادق العزيز الذي: «لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(1)و أنّه المهيمن على الكتب كلّها، و أنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه و متشابهه، و خاصّه و عامّه، و وعده و وعيده، و ناسخه و منسوخه، و قصصه و أخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله. و أنّ الدليل بعده و الحجّة على المؤمنين و القائم بأمر المسلمين، و الناطق عن القرآن، و العالم بأحكامه: أخوه و خليفته و وصيّه و وليّه، و الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى: عليّ بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، و أفضل الوصيّين، و وارث علم النبيّين، و المرسلين، و بعده الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ عليّ بن موسى الرضا، ثمّ محمّد بن عليّ،


1) . فصّلت: 42.

ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر - صلوات اللّٰه عليهم أجمعين -.

أشهد لهم بالوصية و الإمامة، و أنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّٰه تعالى على خلقه في كلّ عصر و أوان، و أنّهم العروة الوثقى، و أئمّة الهدى، و الحجّة على أهل الدنيا، إلى أن يرث اللّٰه الأرض و من عليها، و أنّ كل من خالفهم ضالّ مضلّ باطل، تارك للحقّ و الهدى، و أنّهم المعبّرون عن القرآن، و الناطقون عن الرسول صلى الله عليه و آله بالبيان، و من مات و لم يعرفهم مات ميتة جاهلية، و أنّ من دينهم الورع و الفقه و الصدق و الصلاة و الاستقامة و الاجتهاد، و أداء الأمانة إلى البرّ و الفاجر، و طول السجود، و صيام النهار و قيام الليل، و اجتناب المحارم، و انتظار الفرج بالصبر، و حسن العزاء و كرم الصحبة.»(1)

ثمّ ذكر الإمام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه و أشار إلى بعض الفوارق بين مذهب أهل البيت و غيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها، و من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر.

2 - عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي عليه السلام

روى الصدوق عن عبد العظيم الحسني(2)قال: دخلت على سيّدي عليّ


1) . عيون أخبار الرضا: 121/2-122.

2) . عبد العظيم بن عبد اللّٰه بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام من أصحاب الإمام الهادي، قال النجاشي: له كتاب خطب أمير المؤمنين، ورد الري هارباً من السلطان و سكن سُرَباً (حفيراً تحت الأرض) في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد اللّٰه في ذلك السرب و يصوم نهاره و يقوم ليله، و كان يخرج مستتراً، فيزور القبر المقابل قبره و بينهما الطريق و يقول: هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر عليه السلام. فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب و يقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد عليهم السلام حتّى عرفه أكثرهم. رجال النجاشي (65/2-66)، و مات عبد العظيم بالري و قبره مزار يزوره الناس. و ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي و العسكري تحت رقم (1 و 20)، و ذكره أيضاً صاحب عمدة الطالب: 94.

بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فلمّا بَصُرَ بي، قال لي: «مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا» قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّٰه إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّاً أثبت عليه حتّى ألقى اللّٰه عزّ و جلّ. فقال: «هاتها أبا القاسم».

فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّٰه تبارك و تعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين؛ حدّ الإبطال، و حدّ التشبيه، و أنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر، بل هو مجسِّم الأجسام و مصوِّر الصور، و خالق الأعراض و الجواهر، و ربُّ كلّ شيء و مالكه و جاعله و محدثه، و إنّ محمّداً عبده و رسوله، خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، و أقول: إنّ الإمام و الخليفة و وليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنت يا مولاي.

فقال عليه السلام: «و من بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟» قال: فقلت: و كيف ذاك يا مولاي؟ قال: «لأنّه لا يرى شخصه و لا يحل ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً».

قال: فقلت: أقررت و أقول: إنّ وليّهم وليّ اللّٰه، و عدوّهم عدوّ اللّٰه، و طاعتهم طاعة اللّٰه و معصيتهم معصية اللّٰه، و أقول: إنّ المعراج حقّ و المساءلة في القبر حقّ، و إنّ الجنّة حقّ، و النار حقّ، و الميزان حقّ، و إنّ الساعة آتية لا ريب فيها و إنّ اللّٰه يبعث من في القبور، و أقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية:

الصلاة و الزكاة، و الصوم، و الحجّ، و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فقال عليّ بن محمّد عليه السلام: «يا أبا القاسم، هذا و اللّٰهِ دين اللّٰه الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه ثبّتك اللّٰه بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة».(1)

و قد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين، أحدهما قولي، و الآخر إمضائي، و قد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين.

3 - رسالة الصدوق في عقائد الإمامية

إنّ لمشايخنا الإمامية مؤلّفات شهيرة في بيان عقائد الشيعة و معارفهم، نختار في المقام رسائل موجزة من المتقدّمين منهم:

صنّف الشيخ الصدوق (306-381 ه) رسالة موجزة في عقائد الإمامية، قال: اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد: أنّ اللّٰه تعالى واحد أحد، ليس كمثله شيء، قديم، لم يزل، و لا يزال سميعاً بصيراً، عليماً، حكيماً، حيّاً، قيّوماً، عزيزاً، قدّوساً، عالماً، قادراً، غنيّاً، لا يوصف بجوهر و لا جسم و لا صورة و لا عرض - إلى أن قال: - و أنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه، خارج عن الحدّين:


1) . التوحيد: 81 برقم 37، باب التوحيد و التشبيه.

حدّ الإبطال، و حدّ التشبيه، و أنّه تعالى شيء لا كالأشياء، أحد صمد لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك، و لم يكن له كفواً أحد، و لا ندّ و لا ضدّ، و لا شبه و لا صاحبة، و لا مثل و لا نظير، و لا شريك له، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و لا الأوهام، و هو يدركها، لا تأخذه سنة و لا نوم، و هو اللطيف الخبير، خالق كلّ شيء لا إلٰه إلّا هو، له الخلق و الأمر تبارك اللّٰه ربّ العالمين.

و من قال بالتشبيه فهو مشرك، و من نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، و كلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّٰه فهو باطل، و إن وجد في كتب علمائنا فهو مدلّس... ثمّ إنّه - قدّس اللّٰه سرّه - ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز و فسّرها، و بيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات و صفات الأفعال، و ما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد، و أنّه بين الجبر و التفويض، كما ذكر عقائدهم في القضاء و القدر، و الفطرة، و الاستطاعة، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلٰهية، إلى أن قال: اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّٰه تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين، و هو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، و مبلغ سوره عند الناس (114) سورة، و عندنا أنّ الضحى و الانشراح سورة واحدة، كما أنّ الإيلاف و الفيل سورة واحدة. و من نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب... إلى آخر الرسالة.(1)


1) . لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات، و قد طبعت غير مرّة، و عليها شروح و تعاليق العلماء منهم العلّامة المجلسي.

ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336-413 ه) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق، أو تصحيح الاعتقاد، ناقش فيها أُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد(1).

4 - أمالي الصدوق رحمه الله

و هو ما أملاه الصدوق أيضاً على جماعة في المجلس الثالث و التسعين، يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان من سنة 368 و جاء فيه: و اجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه و المشايخ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز و الاختصار، فقال: دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد اللّٰه تعالى ذكره، و نفي التشبيه عنه، و تنزيهه عمّا لا يليق، و الإقرار بأنبياء اللّٰه و رسله و حججه و ملائكته و كتبه، و الإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء و المرسلين، و أنّه أفضل منهم و من جميع الملائكة المقرّبين، و أنّه خاتم النبيّين؛ فلا نبيّ بعده... إلى آخر ما ذكر.(2)

5 - جمل العلم و العمل للسيّد الشريف المرتضى

اشارة

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم و العمل. أورد فيها - رحمه اللّٰه - عقائد الشيعة على وجه الإيجاز، نذكر منها


1) . طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام (1371 ه). و طبع أخيراً في الجزء الخامس من كتب المؤتمر العالمي للشيخ المفيد - 1413 ه.

2) . الأمالي للشيخ الصدوق: 509، المجلس الثالث و التسعون و انظر الحديث المتقدم في آخر كتاب المقنع و الهداية نشر مؤسسة المطبوعات الدينية و المكتبة الإسلامية - 1377 ه.

ما يرتبط بالتوحيد، و ندعو القارئ الكريم إلى مطالعة الرسالة لما فيها من العرض الدقيق لهذه الجوانب:

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد:

الأجسام محدثَة لأنّها لم تسبق الحوادث، فلها حكمها في الحدوث، و لا بدّ لها من محدِث؛ لحاجة كلّ محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة و الكتابة.

و لا بدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً، و تيسّره على من كان كذلك.

و لا بدّ من كون محدِثها عالماً؛ لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم، و المحكَم لا يقع إلّا من عالم.

و لا بدّ من كونه موجوداً؛ لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً، و هذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلّا مع الوجود.

و يجب كونه قديماً؛ لانتهاء الحوادث إليه.

و يجب كونه حيّاً، و إلّا لم يصحّ كونه قادراً، عالماً، فضلاً عن وجوبه.

و يجب أن يكون مدركاً إذا وجدت المدركات، لاقتضاء كونه حيّاً.

و وجب كونه سميعاً بصيراً؛ لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت، و هذه فائدة قولنا: سميع بصير.

و من صفاته - و إن كانتا عن علّة - كونه تعالى مريداً و كارهاً؛ لأنّه تعالى قد أمر و أخبر و نهى، و لا يكون الأمر و الخبر أمراً و لا خبراً إلّا بالإرادة. و النهي لا يكون نهياً إلّا بالكراهة. و لا يجوز أن يستحقّ هاتين الصفتين لنفسه؛ لوجوب كونه مريداً كارهاً للشيء الواحد، على الوجه الواحد.

و لا لعلّة قديمة، لما سنبطل به الصفات القديمة.

لا لعلّة محدثة في غير حيّ لافتقار الإرادة إلى تنبيه. و لا لعلّة موجودة في حيّ؛ لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحيّ. فلم يبق إلّا أن توجد لا في محلّ.

و لا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه؛ لأنّه لا حكم لها معقول.

و إثبات ما لا حكم له معقول من الصفات، يفضي إلى الجهالات.

و يجب أن يكون قادراً فيما لم يزل؛ لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلّا لقدرة محدثة، و لا يمكن إسناد إحداثها إلّا إليه، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً، و كونه محدثاً بكونه قادراً. و ثبوت كونه قادراً فيما لم يزل يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً.

و يجب أن يكون عالماً فيما لم يزل؛ لأنّ تجدّد كونه عالماً يقتضي أن يكون بحدوث علم، و العلم لا يقع إلّا ممّن هو عالم.

و وجوب هذه الصفات لم تدلّ على أنّها نفسيّة، و ادّعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس، و لأنّ الاشتراك في القدم يوجب التماثل و المشاركة في سائر الصفات و لا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لإسنادها إلى النفس.

و يجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج؛ لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع و يستضرّ، و تؤدّي إلى كونه جسماً.

لا يجوز كونه تعالى متّصفاً بصفة الجواهر و الأجسام و الأعراض لقدمه و حدوث هذه أجمع، و لأنّه فاعل الأجسام، و الجسم يتعذّر عليه فعل الجسم.

و لا يجوز عليه تعالى الرؤية؛ لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع و صحّة أبصارنا أن نراه.

و لمثل ذلك يعلم أنّه لا يُدرك بسائر الحواس.

و يجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم؛ لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة، و يؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول، و إذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية و النصارى و المجوس... إلى آخرها.(1)

6 - البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي

اشارة

كتب الإمام الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية و سمّاها: «البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان» و ممّا جاء فيها:

قال: سألت يا أخي - أسعدك اللّٰه بألطافه، و أيّدك بإحسانه و إسعافه - أن أُثبت لك جملاً من اعتقادات الشيعة المؤمنين، و فصولاً في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين، لتذاكر نفسك بها، و تجعلها عدّة لطالبها، و أنا أختصر لك القول و أُجمله، و أُقرّب الذكر و أُسهّله و أورده على سنن الفتيا في المقالة، من غير حجّة و لا دلالة، و ما توفيقي إلّا باللّٰه:

في توحيده سبحانه:

اعلم أنّ الواجب على المكلّف: أن يعتقد حدوث العالم بأسره، و أنّه لم


1) . جمل العلم و العمل قسم العقائد، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفّار، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها. نعم؛ رأيه في إعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له و لا يمثل رأي جمهور الإمامية.

يكن شيئاً قبل وجوده، و يعتقد أنّ اللّٰه تعالى هو محدِث جميعه، من أجسامه، و أعراضه، إلّا أفعال العباد الواقعة منهم؛ فإنّهم محدثوها دونه سبحانه.

و يعتقد أنّ اللّٰه قديم وحده، لا قديم سواه، و أنّه موجود لم يزل، و باق لا يزال، و أنّه شيء لا كالأشياء. لا شبيه الموجودات، و لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، و أنّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره، و هي كونه حيّاً، عالماً، قديماً، باقياً، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها، يعلم الكائنات قبل كونها، و لا يخفى عليه شيء منها.

في عدله سبحانه:

و أنّ له صفات أفعال، لا يصحّ إضافتها إليه في الحقيقة إلّا بعد فعله، و هي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، و رازق، و معط، و راحم، و مالك، و متكلّم، و نحو ذلك.

و أنّ له صفات مجازات و هي ما وصف به نفسه، من أنّه يريد و يكره، و يرضى و يغضب.

فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه، و إرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل، و ليس تسميتها بالإرادة حقيقة، و إنّما هو على مجاز اللغة، و غضبه هو وجود عقابه، و رضاه هو وجود ثوابه، و أنّه لا يفتقر إلى مكان، و لا يدرك بشيء من الحواسّ.

و أنّه منزّه من القبائح، لا يظلم الناس و إن كان قادراً على الظلم؛ لأنّه عالم بقبحه، غنيّ عن فعله، قوله صدق، و وعده حقّ، لا يكلّف خلقه على ما لا

يستطاع، و لا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع، و لا يأمر بما لا يريد، و لا ينهى عمّا يريد. و أنّه خلق الخلق لمصلحتهم، و كلّفهم لأجل منازل منفعتهم، و أزاح في التكليف عللهم، و فعل أصلح الأشياء بهم. و أنّه أقدرهم قبل التكليف، و أوجد لهم العقل و التمييز.

و أنّ القدرة تصلح أن يفعل بها و ضدّه بدلاً منه. و أنّ الحق الذي تجب معرفته، يدرك بشيئين، و هما العقل و السمع، و أنّ التكليف العقلي لا ينفكّ عن التكليف السمعي. و أنّ اللّٰه تعالى قد أوجد (للناس) في كلّ زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه و حججه بينه و بين الخلق، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات، و يفقّههم على ما لا يعلمونه إلّا به من السمعيات. و أنّ جميع حجج اللّٰه تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد. و إنّهم معصومون من الخطأ و الزلل عصمة اختيار. و أنّ اللّٰه فضّلهم على خلقه، و جعلهم خلفاءه القائمين بحقّه. و أنّه أظهر على أيديهم المعجزات، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء و الأخبار. و أنّهم - مع ذلك - بأجمعهم عباد مخلوقون، بشر مكلّفون يأكلون و يشربون، و يتناسلون، و يحيون بإحيائه، و يموتون بإماتته، تجوز عليهم الآلام المعترضات، فمنهم من قتل، و منهم من مات، لا يقدرون على خلق، و لا رزق، و لا يعلمون الغيب إلّا ما أعلمهم إلٰه الخلق. و أنّ أقوالهم صدق، و جميع ما أتوا به حق.

في النبوّة العامّة و الخاصّة:

و أنّ أفضل الأنبياء أُولو العزم، و هم خمسة: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمّد صلى الله عليه و آله و عليهم، و أنّ محمّد بن عبد اللّٰه صلى الله عليه و آله أفضل الأنبياء

أجمعين، و خير الأوّلين و الآخرين. و أنّه خاتم النبيين، و أنّ آباءه من آدم عليه السلام إلى عبد اللّٰه بن عبد المطّلب - رضوان اللّٰه عليهم - كانوا جميعاً مؤمنين، و موحّدين للّٰه تعالى عارفين، و كذلك أبو طالب - رضوان اللّٰه عليه -.

و يعتقد أنّ اللّٰه سبحانه شرّف نبيّنا صلى الله عليه و آله بباهر الآيات، و قاهر المعجزات، فسبّح في كفّه الحصى، و نبع من بين أصابعه الماء، و غير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء، و أجمع على صحّته العلماء، و أتى بالقرآن المبين، الذي بهر به السامعين! و عجز من الإتيان بمثله سائر الملحدين.

و أنّ القرآن كلام ربّ العالمين، و أنّه محدَث ليس بقديم. و يجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه اللّٰه تعالى بخلقه، و أنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها، و أنّ له تأويلاً يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات اللّٰه تعالى، و صفات أنبيائه.

فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن، و إلّا أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات، و أنّ لها تأويلاً ملائماً، يشهد بما تشهد به العقول و الآيات المحكمات، و في القرآن المحكم و المتشابه، و الحقيقة و المجاز، و الناسخ و المنسوخ، و الخاص و العامّ.

و يجب عليه أن يقرّ بملائكة اللّٰه أجمعين، و أنّ منهم جبرئيل و ميكائيل، و أنّهما من الملائكة الكرام، كالأنبياء بين الأنام، و أنّ جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيّين، و هو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين.

و يجب الإقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد صلى الله عليه و آله ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين.

و إنّه يجب التمسّك بها و العمل بما تضمّنته من فرائضها، و أنّ ذلك دين اللّٰه الثابت الباقي إلى أن يرث اللّٰه الأرض و من عليها، لا حلال إلّا ما أحلّت و لا حرام إلّا ما حرّمت، و لا فرض إلّا ما فرضت، و لا عبادة إلّا ما أوجبت.

و إنّ من انصرف عن الإسلام، و تمسّك بغيره، كافر ضالّ، مخلّد في النار، و لو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع.

و إنّ من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلماً، و من صدّق بقلبه و لم يشكّ في فرض أتى به محمّد صلى الله عليه و آله كان مؤمناً.

و من الشرائط الواجبة للإيمان، العمل بالفرائض اللازمة، فكلّ مؤمن مسلم، و ليس كلّ مسلم مؤمناً.

و قوله تعالى: «إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ»(1)إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام، الذي يكون المسلم فيه عارفاً، مؤمناً، عالماً بالواجبات، طائعاً.

في الإمامة و الخلافة:

و يجب أن يعتقد أنّ حجج اللّٰه تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه، و حفظة شرعه، و أئمّة أُمّته، اثنا عشر أهل بيته، أوّلهم أخوه و ابن عمّه، و صهره، بعل فاطمة الزهراء ابنته، و وصيّه على أُمّته، عليّ بن أبي طالب


1) . آل عمران: 19.

أمير المؤمنين، ثمّ الحسن بن عليّ الزكي، ثمّ الحسين بن عليّ الشهيد، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين، ثمّ محمّد بن عليّ باقر العلوم، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ عليّ بن موسى الرضا، ثمّ محمّد بن عليّ التقي، ثمّ عليّ بن محمّد المنتجب، ثمّ الحسن بن عليّ الهادي، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي - صلوات اللّٰه عليهم أجمعين -.

لا إمامة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إلّا لهم عليهم السلام و لا يجوز الاقتداء في الدين إلّا بهم، و لا أخذ معالم الدين إلّا عنهم.

و أنّهم في كمال العلم و العصمة من الآثام نظير الأنبياء عليهم السلام.

و أنّهم أفضل الخلق بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

و أنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل اللّٰه على اليقين و البيان.

و أنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات، و أعلمهم كثيراً من الغائبات، و الأُمور المستقبلات، و لم يعطهم من ذلك إلّا ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف و الصلاح.

و ليسوا عارفين بجميع الضمائر و الغائبات على الدوام، و لا يحيطون بالعلم بكلّ ما علمه اللّٰه تعالى.

و الآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل اللّٰه دونهم، أكرمهم بها، و لا صنع لهم فيها.

و أنّهم بشر محدَثون، و عباد مصنوعون، لا يخلُقون، و لا يرزُقون، و يأكلون و يشربون، و تكون لهم الأزواج، و تنالهم الآلام

و الأعلال، و يستضامون، و يَخافون فيتّقون، و أنّ منهم من قتل، و منهم من قبض.

و أنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي، و أنّه الحجّة على العالمين، و خاتم الأئمّة الطاهرين، لا إمامة لأحد بعد إمامته، و لا دولة بعد دولته، و أنّه غائب عن رعيته، غيبة اضطرار و خوف من أهل الضلال، و للمعلوم عند اللّٰه تعالى في ذلك الصلاح.

و يجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس، و أنّ اللّٰه عزّ و جلّ سيظهره وقت مشيئته، و يجعل له الأعوان و الأصحاب، فيمهّد الدين به، و يطهّر الأرض على يديه، و يهلك أهل الضلال، و يقيم عمود الإسلام، و يصير الدين كلّه للّٰه.

و أنّ اللّٰه عزّ و جلّ يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام، و تأتيه المعجزات بخرق العادات، و يحيي له بعض الأموات، فإذا قام في الناس المدّة المعلومة عند اللّٰه سبحانه قبضه إليه، ثمّ لا يمتدّ بعده الزمان، و لا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط الساعة، و إماتة من بقي من الناس، ثمّ يكون المعاد بعد ذلك.

و يعتقد أنّ أفضل الأئمّة عليهم السلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، و أنّه لا يجوز أن يسمّى بأمير المؤمنين أحد سواه.

و أنّ بقيّة الأئمّة - صلوات اللّٰه عليهم - يقال لهم: الأئمّة، و الخلفاء، و الأوصياء، و الحجج، و إن كانوا في الحقيقة أُمراء المؤمنين؛ فإنّهم لم يمنعوا

من هذا الاسم لأجل معناه، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق، و إنّما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين عليه السلام.

و أنّ أفضل الأئمّة بعد أمير المؤمنين، ولده الحسن، ثمّ الحسين، و أفضل الباقين بعد الحسين، إمام الزمان المهدي - صلوات اللّٰه عليه - ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر و ثبت في النظر.

و أنّ المهدي عليه السلام هو الذي قال فيه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:

«لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد، لطوّل اللّٰه تعالى ذلك اليوم حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي، يملأها عدلاً و قسطاً كما ملئت ظلماً و جوراً»(1)

«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي، منهم: الترمذي، و أبو داود، و البزّار، و ابن ماجة، و الحاكم، و الطبراني، و أبو يعلى الموصلي، و أسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي، و ابن عبّاس، و ابن عمر، و طلحة، و ابن مسعود، و أبي هريرة، و أنس، و أبي سعيد الخدري، و أُمّ حبيبة، و أُمّ سلمة، و ثوبان، و قرّة بن إياس، و عليّ الهلالي».

.

فاسمه يواطئ اسم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و كنيته تواطئ كنيته، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي، و المنتظر، و القائم بالحق، و الخلف الصالح، و إمام الزمان، و حجّة اللّٰه على الخلق.

و يجب أن يعتقد أنّ اللّٰه فرض معرفة الأئمّة عليهم السلام بأجمعهم، و طاعتهم، و موالاتهم، و الاقتداء بهم، و البراءة من أعدائهم و ظالميهم... و أنّه لا يتم الإيمان إلّا بموالاة أولياء اللّٰه، و معاداة أعدائه.


1) . روى هذا الحديث و أمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني و الخمسين عن الترمذي و أبي داود باختلاف بعض ألفاظه، و روى نحو اثنين و ثلاثين حديثاً، و قال في ص 311 من المقدّمة:

في التوبة و الحشر و النشر:

و يعتقد أنّ اللّٰه يزيد و ينقص إذا شاء في الأرزاق و الآجال.

و أنّه لم يرزق العبد إلّا ما كان حلالاً طيّباً.

و يعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها، و هي الندم على ما مضى من المعصية، و العزم على ترك المعاودة إلى مثلها.

و أنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها.

و تجوز التوبة من زلّة إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها، و يكون له الأجر على التوبة، و عليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة.

و أنّ اللّٰه يقبل التوبة بفضله و كرمه، و ليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد، و إنّما علم بالسمع دون غيره.

و يجب أن يعتقد أنّ اللّٰه سبحانه، يميت العباد و يحييهم بعد الممات ليوم المعاد.

و أنّ المحاسبة حقّ و القصاص، و كذلك الجنّة و النار و العقاب.

و أنّ مرتكبي المعاصي من العارفين باللّٰه و رسوله، و الأئمّة الطاهرين، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها، المسوّفين التوبة منها، عصاة فسّاق، و أنّ ذلك لا يسلبهم اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام(1).


1) . صرّح بهذا الشيخ المفيد - أُستاذ الشيخ الكراجكي - في كتابه أوائل المقالات (ص 48) و نسبه إلى اتّفاق الإمامية، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً و كافراً، و الحسن البصري - أُستاذ واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد - سمّاهم منافقين، و أمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين، و قال: إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين، و لا كفّار، و لا منافقين.

و أنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم، و الثواب على معرفتهم باللّٰه تعالى، و رسوله، و الأئمّة من بعده صلى الله عليه و آله، و ما بعد ذلك من طاعتهم، و أمرهم مردود إلى خالقهم، و إن عفا عنهم فبفضله و رحمته، و إن عاقبهم فبعدله و حكمته، قال اللّٰه سبحانه: «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللّٰهِ إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ»(1)و أنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها اللّٰه تعالى لا تكون مؤبّدة، و لها آخر، يكون بعده دخولهم الجنّة، و ليس من جملة من توجّه إليهم الوعيد بالتخليد، و العفو من اللّٰه تعالى يرجى للعصاة المؤمنين.

و قد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً، و انّما يجب أن يسمّى راجياً، و لا طريق إلى القطع على العفو، و إنّما هو الرجاء فقط.

و يعتقد أنّ لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و الأئمّة من بعده عليهم السلام شفاعة مقبولة يوم القيامة، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام.

و لا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كلّ حال، و لا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال، و إنّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف و الرجاء.

و يعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا و هم غير عاصين، يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجنّة بغير حساب.


1) . التوبة: 106.

و أنّ جميع الكفّار و المشركين، و من لم تصحّ له الأُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب، و إنّما يحاسب من خلط عملاً صالحاً و آخر سيّئاً، و هم العارفون العصاة.

و أنّ أنبياء اللّٰه تعالى و حججه عليهم السلام هم في القيامة المسئولون للحساب بإذن اللّٰه تعالى، و أنّ حجّة أهل كلّ زمان يتولّى أمر رعيّته الذين كانوا في وقته.

و أنّ سيّدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و الأئمّة الاثني عشر من بعده عليهم السلام هم أصحاب الأعراف الذين لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النار إلّا من أنكرهم و أنكروه.

و أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يحاسب أهل وقته و عصره، و كذلك كل إمام بعده.

و أنّ المهدي عليه السلام هو المواقِف لأهل زمانه، و المسائل للذين في وقته.

و أنّ الموازين (التي) توضع في القيامة، هي إقامة العدل في الحساب، و الإنصاف في الحكم و المجازاة، و ليست في الحقيقة موازين بكفّات و خيوط كما يظنّ العوامّ.

و أنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد و آل محمّد - عليه و عليهم السّلام - و هو في الآخرة طريق الجنان.

و أنّ الأطفال و المجانين و البله من الناس، يتفضّل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم، و يدخلون الجنان.

و أنّ نعيم أهل الجنّة متّصل أبداً بغير نفاد، و أنّ عذاب المشركين و الكفّار متّصل في النار بغير نفاد.

و يجب أن تؤخذ معالم الدين في الغَيبة من أدلّة العقل، و كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، و الأخبار المتواترة عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و عن الأئمّة عليهم السلام(1)

أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته، و لكلّ من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الأُصول.

و ما أجمعت عليه الطائفة الإمامية، و إجماعها حجّة.

فأمّا عند ظهور الإمام عليه السلام فإنّه المفزع عند المشكلات، و هو المنبّه على العقليات، و المعرّف بالسمعيات، كما كان النبيّ صلى الله عليه و آله.

و لا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس و لا اجتهاد(2).

أمّا العقليات فيدخلها القياس و الاجتهاد، و يجب على العاقل مع هذا كلّه ألّا يقنع بالتقليد في الاعتقاد، و أن يسلك طريق التأمّل و الاعتبار، و لا يكون نظره لنفسه في دينه أقلّ من نظره لنفسه في دنياه؛ فإنّه في أُمور الدنيا يحتاط و يحترز، و يفكّر و يتأمّل، و يعتبر بذهنه، و يستدلّ بعقله، فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف هذه الحال، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا.


1) . ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية، كالشريف المرتضى، و ابن زهرة، و ابن البرّاج، و الطبرسي، و ابن إدريس و غيرهم، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم، و خصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور، سواء أ كان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية أُخرى، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم، و لو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي، بل صرّح المفيد في «أوائل المقالات» بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد.

2) . المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، و إنّما المراد به الاعتماد على الرأي و الاستحسان و القياس، من دون الرجوع إلى القواعد و الأُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً.

فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلّا ما صحّ عنده حقّه، و لا يسلّم في السمعيات إلّا لمن ثبت له صدقه.

نسأل اللّٰه حسن التوفيق برحمته، و ألّا يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته.

قد أثبتُّ لك يا أخي - أيّدك اللّٰه - ما سألت، اقتصرت و ما أطلت.

و الذي ذكرت أصل لما تركت، و الحمد للّٰه و صلواته على سيّدنا محمّد و آله و سلّم.(1)

7 - العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي رحمه الله

اشارة

الشيخ الطوسي رحمه الله غنيّ عن التعريف، فهو شيخ الطائفة على الإطلاق و كان قد أخذ على يد المفيد و المرتضى، و قد ورد بغداد عام (408 ه) و حضر في أندية دروس أُستاذه المفيد، فلمّا لبّى الأُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس و الإفتاء في عصره و بعده، و له رسائل و كتب كلامية قيّمة مفعمة بالتحقيق، و نحن نورد هنا جانباً مختصراً عمّا دوّنه في عقائد الشيعة في المسائل الآتية:

[المسائل:]

«المسألة 1»: معرفة اللّٰه واجبة على كلّ مكلّف، بدليل أنّه منعم فيجب معرفته.

«المسألة 2»: اللّٰه تعالى موجود، بدليل أنّه صنع العالم، و أعطاه الوجود، و كلّ من كان كذلك فهو موجود.


1) . أدرج المصنّف الرسالة في كتابه القيّم: كنز الفوائد فلاحظ ص 240-252.

«المسألة 3»: اللّٰه تعالى واجب الوجود لذاته، بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره، و لا يجوز عليه العدم، بدليل أنّه لو كان ممكناً لافتقر إلى صانع، كافتقار هذا العالم، و ذلك محال على المنعم المعبود.

«المسألة 4»: اللّٰه تعالى قديم أزلي، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم. باقٍ أبديّ، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم.

«المسألة 5»: اللّٰه تعالى قادر مختار، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل، و إن شاء أن يترك ترك، بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر.

«المسألة 6»: اللّٰه تعالى قادر على كلّ مقدور، و عالم بكلّ معلوم، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات و المعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السويّة، فاختصاص قدرته تعالى و علمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح، و هو محال.

«المسألة 7»: اللّٰه تعالى عالم، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له، حاضرة عنده غير غائبة عنه، بدليل أنّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة، و كلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة.

«المسألة 8»: اللّٰه تعالى يدرك لا بجارحة، بل بمعنى أنّه يعلم ما يُدرَك بالحواسّ، لأنّه منزّه عن الجسم و لوازمه، بدليل قوله تعالى: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(1)فمعنى قوله تعالى: «إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ»(2)أنّه عالم بالمسموعات لا بإذن، و بالمبصرات لا بعين.


1) . الأنعام: 103.

2) . الإسراء: 1، غافر: 56.

«المسألة 9»: اللّٰه تعالى حيّ، بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر و يعلم، بدليل أنّه ثبتت له القدرة و العلم، و كلّ من ثبت له ذلك فهو حيّ بالضرورة.

«المسألة 10»: اللّٰه تعالى متكلّم لا بجارحة، بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام، أو جسم من الأجسام، لإيصال عظمته إلى الخلق، بدليل قوله تعالى: «وَ كَلَّمَ اَللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً»(1)، و لأنّه قادر، فالكلام ممكن.

«المسألة 11»: اللّٰه تعالى صادق، بمعنى أنّه لا يقول إلّا الحقّ الواقع، بدليل أنّ كلّ كذب قبيح، و اللّٰه تعالى منزّه عن القبيح.

«المسألة 12»: اللّٰه تعالى مريد، بمعنى أنّه رجح الفعل إذا علم المصلحة (يعني أنّه غير مضطر و أنّ إرادته غير واقعة تحت إرادة أُخرى، بل هي الإرادة العليا التي إن رأى صلاحاً فعل، و إن رأى فساداً لم يفعل، باختيار منه تعالى) بدليل أنّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت، مع علمه و قدرته - على كلّ حال - بالسويّة. و لأنّه نهى، و هو يدلّ على الكراهة.

«المسألة 13»: أنّه تعالى واحد، بمعنى أنّه لا شريك له في الأُلوهية، بدليل قوله: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ»(2)و لأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع، ففسد النظام، كما قال: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا»(3).

«المسألة 14»: اللّٰه تعالى غير مركَّب من شيء، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء، و المفتقر ممكن.

«المسألة 15»: اللّٰه تعالى ليس بجسم، و لا عرض، و لا جوهر، بدليل أنّه لو


1) . النساء: 164.

2) . الإخلاص: 1.

3) . الأنبياء: 22.

كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع، و هو محال.

«المسألة 16»: اللّٰه تعالى ليس بمرئي بحاسّة البصر في الدنيا و الآخرة، بدليل أنّه تعالى مجرّد، و لأنّ كلّ مرئي لا بدّ أن يكون له الجسم و الجهة، و اللّٰه تعالى منزّه عنهما، و لأنّه تعالى قال: «لَنْ تَرٰانِي»(1)و قال: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»(2).

«المسألة 17»: اللّٰه تعالى ليس محلاًّ للحوادث، و إلّا لكان حادثاً، و حدوثه محال.

«المسألة 18»: اللّٰه تعالى لا يتّصف بالحلول، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن، و ذلك محال.

«المسألة 19»: اللّٰه تعالى لا يتّحد بغيره؛ لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة و نقصان، و ذلك محال، و اللّٰه لا يتّصف بالمحال.

«المسألة 20»: اللّٰه تعالى منفيّ عنه المعاني و الصفات الزائدة، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم، و لا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه، و قدرة كلّها)، بدليل أنّه لو كان كذلك لزم كونه محلاًّ للحوادث لو كانت حادثة، و تعدّد القدماء لو كانت قديمة، و هما محالان، و أيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له، فيصير ممكناً، و هو ممتنع.

«المسألة 21»: اللّٰه تعالى غنيّ، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه، و الدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته، فلا يكون مفتقراً.


1) . الأعراف: 143.

2) . الأنعام: 103.

«المسألة 22»: اللّٰه تعالى ليس في جهة، و لا مكان، بدليل أنّ كلّ ما في الجهة و المكان مفتقر إليهما، و أيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض، فلا يكون في المكان و الجهة.

«المسألة 23»: اللّٰه تعالى ليس له ولد و لا صاحبة، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره، و لأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات، و لقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(1)و: «مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ»(2).

«المسألة 24»: اللّٰه تعالى عدل حكيم، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً، و لا يخلّ بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح، و الإخلال بالواجب نقص عليه، فاللّٰه تعالى منزّه عن كلّ قبيح و إخلال بالواجب.

«المسألة 25»: الرضا بالقضاء و القدر واجب، و كلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء و القدر و لا يلزم بهما الجبر و الظلم؛ لأنّ القدر و القضاء هاهنا بمعنى العلم و البيان، و المعنى أنّه تعالى يعلم كلّ ما هو (كائن أو يكون)(3).

«المسألة 26»: كلّ ما فعله اللّٰه تعالى فهو أصلح، و إلّا لزم العبث، و ليس تعالى بعابث؛ لقوله: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً»(4).

«المسألة 27»: اللّطف على اللّٰه واجب؛ لأنّه خَلَق الخلق، و جَعَل فيهم الشهوة، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء، و ذلك قبيح، (و اللّٰه لا يفعل القبيح)


1) . الشورى: 11.

2) . آل عمران: 59.

3) . الاضافة منّا لإكمال العبارة.

4) . المؤمنون: 115.

فاللطف هو نصب الأدلّة، و إكمال العقل، و إرسال الرسل في زمانهم، و بعد انقطاعهم إبقاء الإمام؛ لئلّا ينقطع خيط غرضه.

«المسألة 28»: نبيّنا محمّد بن عبد اللّٰه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حقّاً صدقاً، بدليل أنّه ادّعى النبوّة و أظهر المعجزات على يده، فثبت أنّه رسول حقّاً، و أكبر المعجزات القرآن الحميد و الفرقان المجيد، الفارق بين الحقّ و الباطل، باق إلى يوم القيامة، حجّة على كافّة النسمة.

و وجه كونه معجزاً: فرط فصاحته و بلاغته، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة و البلاغة حيث تحدّوا به، أن يأتوا و لو بسورة مصغّرة، أو آية تامّة مثله.

«المسألة 29»: كان نبياً على نفسه قبل البعثة، و بعده رسولاً إلى كافة النسمة، لأنّه قال: «كنت نبيّاً و آدم بين الماء و الطين» و إلّا لزم تفضيل المفضول، و هو قبيح.

«المسألة 30»: جميع الأنبياء كانوا معصومين، مطهّرين عن العيوب و الذنوب كلّها، و عن السهو و النسيان في الأفعال و الأقوال، من أوّل الأعمار إلى اللحد، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلّهم من القلوب، فارتفع الوثوق و الاعتماد على أقوالهم و أفعالهم، فتبطل فائدة النبوّة، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل.

«المسألة 31»: يجب أن يكون الأنبياء أعلم و أفضل أهل زمانهم؛ لأنّ تفضيل المفضول قبيح.

«المسألة 32»: نبيّنا خاتم النبيين و المرسلين، بمعنى أنّه لا نبيّ بعده

إلى يوم القيامة، يقول تعالى: «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ»(1).

«المسألة 33»: نبيّنا أشرف الأنبياء و المرسلين؛ لأنّه ثبتت نبوّته، و أخبر بأفضليته فهو أفضل، لمّا قال لفاطمة عليها السلام: «أبوك خير الأنبياء، و بعلك خير الأوصياء، و أنت سيدة نساء العالمين، و ولدك الحسن و الحسين عليهما السلام سيّدا شباب أهل الجنّة، و أبوهما خير منهما».(2)

«المسألة 34»: معراج الرسول بالجسم العنصري علانية، غير منام، حقّ، و الأخبار عليه بالتواتر ناطقة، صريحة، فمنكره خارج عن الإسلام، و أنّه مرّ بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق و الالتيام، و هذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالّها.

«المسألة 35»: دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة؛ لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان و الأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج و المرض.

«المسألة 36»: الإمام بعد نبيّنا عليُّ بن أبي طالب عليه السلام بدليل قوله صلى الله عليه و آله: «يا علي أنت أخي و وارث علمي و أنت الخليفة من بعدي، و أنت قاضي ديني، و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»(3)، و قوله: «سلّموا على


1) . الأحزاب: 40.

2) . راجع ينابيع المودّة: 434-436.

3) . راجع صحيح مسلم: 120/7-121، باب فضائل عليّ عليه السلام؛ صحيح البخاري: 19/5، باب مناقب عليّ عليه السلام و 3:6 باب غزوة تبوك؛ مسند أحمد: 174/1-177 و ج 32/3 و ج 369/6.

عليّ بإمرة المؤمنين، و اسمعوا له و أطيعوا له، و تَعَلّموا منه و لا تُعَلّموه»(1)، و قوله: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه»(2).

«المسألة 37»: الأئمّة بعد عليّ عليه السلام أحد عشر من ذرّيته: الأوّل منهم ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي ابن الحسن صاحب الزمان، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد، حقّاً، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة، و قوله: «الحسين إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو الأئمّة التسعة، تاسعهم قائمهم، يملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً».

«المسألة 38»: يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها، صغيرة و كبيرة عمداً و سهواً، و من السهو في الأفعال و الأقوال، بدليل أنّه لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب، و ارتفع الوثوق، و كيف يهدون بالضالّين المضلّين، و لا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً، فثبت إمامتهم.

«المسألة 39»: يجب أن يكون الأئمّة أفضل و أعلم، و لو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول، أو الترجيح بلا مرجّح، و لا يحصل الانقياد به، و ذلك قبيح عقلاً و نقلاً، و فضل أئمّتنا و علمهم مشهور، بل أفضليتهم أظهر من الشمس و أبين من الأمس.


1) . راجع البحار: 290/37-340.

2) . راجع مسند أحمد: 84/1-152 و ج 281/4 و 370 و 372 و ج 366/5-419؛ سنن الترمذي: 633/5.

«المسألة 40»: يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا و أئمّتنا مسلمون أبداً، بل أكثرهم كانوا أوصياء، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة، و سيرته تدل عليه، و مثله مثل مؤمن آل فرعون.

«المسألة 41»: الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه، و هو غائب حيّ باق إلى بقاء الدنيا؛ لأنّ كلّ زمان لا بدّ فيه من إمام معصوم لما انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة أو خافية مستورة، و لأنّ اللطف في كلّ زمان واجب، و الإمام لطف، فوجوده واجب.

«المسألة 42»: لا استبعاد في طول عمره؛ لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً، كشعيب و نوح و لقمان و الخضر و عيسى عليهم السلام و إبليس و الدجّال، و لأنّ الأمر ممكن، و اللّٰه قادر على جميع الممكنات.

«المسألة 43»: غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه؛ لأنّه معصوم، فلا يخلّ بواجب، و لا من قبل اللّٰه تعالى، لأنّه عدل حكيم، فلا يفعل القبيح؛ لأنّ الإخفاء عن الأنظار و حرمان العباد عن الإفادات قبيحان. فغيبته لكثرة العدوّ و الكافر، و لقلّة الناصر.

«المسألة 44»: لا بدّ من ظهور المهدي، بدليل قول النبي صلى الله عليه و آله: «لو لم يبق من الدنيا إلّا ساعة واحدة لطوّل اللّٰه تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي، اسمه اسمي و كنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً»(1).

و يجب على كلّ مخلوق متابعته.


1) . راجع سنن أبي داود: 106/4-107؛ كنز العمال: 264/14-267.

«المسألة 45»: في غيبة الإمام فائدة، كما تنير الشمس تحت السحاب، و المشكاة من وراء الحجاب.

«المسألة 46»: يرجع نبيّنا و أئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأُمم السابقة و اللاحقة، لاظهار دولتهم و حقهم، و به قطعت المتواترات من الروايات و الآيات لقوله تعالى: «وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً»(1)فالاعتقاد به واجب.

«المسألة 47»: إنّ اللّٰه يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا، ليوصل كلّ حق إلى المستحقين، و ذلك أمر ممكن، و الأنبياء أخبروا به، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به و لا مجال للتأويل، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب.

«المسألة 48»: كلّ ما أخبر به النبيّ أو الإمام فاعتقاده واجب، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين، و الكتب المنزلة، و وجود الملائكة، و أحوال القبر و عذابه و ثوابه، و سؤال منكر و نكير، و الإحياء فيه، و أحوال القيامة و أهوالها، و النشور، و الحساب و الميزان، و الصراط، و إنطاق الجوارح، و وجود الجنّة و النار، و الحوض الذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشى يوم القيامة، و شفاعة النبي و الأئمّة لأهل الكبائر من محبّيه، إلى غير ذلك، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون.

«المسألة 49»: التوبة - و هي الندم على القبيح في الماضي، و الترك في الحال، و العزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال - واجبة، لدلالة السمع على وجوبها، و لأنّ دفع الضرر واجب عقلاً.


1) . النمل: 83. أصل الرجعة اجماعيّ و الكيفية الواردة في المتن ليست كذلك.

«المسألة 50»: الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر واجبان، بشرط تجويز التأثير و الأمن من الضرر.(1)

ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟

1 - إنّ هذه الرسائل تدلّ بوضوح لا يقبل الشكّ أنّ جلّ عقائد الشيعة تمتد جذورها الحقيقية في كتاب اللّٰه المنزل و سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و ما جاء عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام و أنّ صورة هذه العقائد كانت تبدو واضحة المعالم و مستوعبة لجميع الجوانب المرتبطة بالمعارف الإلهية.

2 - تنبثّ في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها، ربّما يقع فيها النقاش و الجدال و الخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة، فليس كلّ ما جاء فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة و مؤلّفيهم، إلّا أنّ ما يهمّنا من الإشارة إليه هو أنّ هذه الرسائل تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفات اللّٰه سبحانه و أفعاله، و ما يرجع إلى النبوّة و الإمامة، و الحياة الأُخروية، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة و صفاتهم. فمن يريد أن يتعرّف بوضوح على عقائد الشيعة فليرجع إليها. 3 - إنّ الإمعان في الأُصول التي جاءت في هذه الكتب و الرسائل يعرب عن اتّفاق الشيعة في أكثر مسائلهم العقائدية مع عموم عقائد المسلمين. و إن كانوا يختلفون عنهم في أُصول تختصّ بمجال الإمامة و القيادة بعد الرسول.


1) . طبعت الرسالة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم عام (1412 ه) مع جواهر الفقه للقاضي ابن البرّاج و في ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي قدس سره.

و سنحاول في الصفحات اللاحقة أن نستعرض أهمّ الفوارق الجوهرية بين الشيعة و غيرهم من الفرق الإسلامية، و التي لا يمكن أن تكون حدّاً فاصلاً دون التقارب بين هذه المذاهب و نبذ الاختلاف بينها، و الذي لن يفيد إلّا أعداء هذا الدين و المتربّصين به، و سنشرع في أوّل بحثنا المقتضب هذا في تحديد الاختلافات التي أشرنا إليها بين الشيعة و المعتزلة، و بين الشيعة و الأشاعرة، و ذلك لما كانت تؤلّفه هاتان الفرقتان من جبهة واسعة من جمهور المسلمين إبّان تلك العصور السالفة.

الفرق بين الشيعة الإمامية و المعتزلة

إنّ المتأمّل في مجمل عقائد هاتين الفرقتين يمكنه أن يتبيّن بوضوح جوانب الاتفاق و الاختلاف فيما بينهما، و هو ما سنحاول أن نشير إليه اختصاراً في نقاط محدّدة واضحة، و إذا كان البعض قد اعتقد جهلاً بأنّ الشيعة قد أخذت عقائدها عن المعتزلة فإنّه يردّ بأكثر من دليل، نحن في غنى عن إيرادها الآن، إلّا أنّه لا ينفى أنّ بين هاتين الطائفتين أُصولاً مشتركة نذكرها في حينها، و هو ما قد يتّفق مع غير ذلك من فرق المسلمين المختلفة:

1 - الشفاعة: أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة و أنّها تقبل من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، إلّا أنّهم اختلفوا في تعيين المشفَّع، فقالت الإمامية و الأشاعرة: إنّ النبيّ يشفع لأهل الكبائر بإسقاط العقاب عنهم أو بإخراجهم من النار، و قالت المعتزلة: لا يشفع إلّا للمطيعين، المستحقّين للثواب، و تكون نتيجة الشفاعة ترفيع الدرجة.

2 - مرتكب الكبيرة: هو عند الإمامية و الأشاعرة مؤمن فاسق، و قالت المعتزلة: بل منزلته بين المنزلتين؛ أي بين الكفر و الإيمان.

3 - الجنّة و النار: قالت الإمامية و الأشاعرة: إنّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك، و أكثر المعتزلة يذهب إلى أنّهما غير موجودتين.

4 - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: اتّفق المسلمون على وجوبهما، فقالت الإمامية و الأشاعرة: يجبان سمعاً، و لو لا النص لم يكن دليل على الوجوب، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا: بوجوبهما عقلاً.

5 - الإحباط: اتّفقت الإمامية و الأشاعرة على بطلان الإحباط، و قالوا: لكلّ عمل حسابه الخاصّ، و لا ترتبط الطاعات بالمعاصي و لا المعاصي بالطاعات، و الإحباط يختصّ بذنوب خاصة كالشرك و ما يتلوه، بخلاف المعتزلة حيث قالوا: إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم، فمن عَبَدَ اللّٰه طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد اللّٰه أبداً.

6 - الشرع و العقل: تشدّدت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل، و تشدّد أهل الظاهر في تمسكهم بظاهر النصّ، و خالفهما الإمامية و الأشاعرة، فأعطوا للعقل سهماً فيما له مجال القضاء، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالاً أوسع ممّا أعطته الأشاعرة. و سيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة. 7 - اتفقت الإمامية و الأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّٰه و لا يجب عقلاً إسقاطها للعقاب، و قالت المعتزلة: إنّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب.

8 - اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك.

9 - اتفقت الإمامية على أنّ الانسان غير مسيّر و لا مفوّض إليه، بل هو في ذلك المجال بين أمرين، بين الجبر و التفويض، و أجمعت المعتزلة على التفويض.

10 - اتفقت الإمامية و الأشاعرة على أنّه لا بدّ في أوّل التكليف و ابتدائه من رسول، و خالفت المعتزلة و زعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع.

هذه هي الأُصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة و وافقت في أكثرها الأشاعرة، و هناك أُصول أُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة و مخالفتها للأشاعرة، و إليك بعضها:

الفرق بين الشيعة الإمامية و الأشاعرة

هناك أُصول خالفت الإمامية فيها الأشاعرة، مخالفة بالدليل و البرهان و تبعاً لأئمّتهم، و نذكر المهم منها:

1 - اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات: إنّ للّٰه سبحانه صفاتٍ ذاتية كالعلم و القدرة، فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها، و هي عند الإمامية و المعتزلة متّحدة مع الذات.

2 - الصفات الخبرية الواردة في الكتاب و السنّة، كالوجه و الأيدي و الاستواء و أمثالها، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلاً مقبولاً لا تأويلاً مرفوضاً؛ أي أنّها تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة لا بالمفهوم التصوّري

للمفردات ، فيقولون: إنّ معنى: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ»(1)معناه:

أنّه بريء من البخل، بل هو باذل و سخيّ، و قادر على البذل. و أمّا الأشاعرة فهم يفسّرونها بالمفهوم التصوّري و يقولون: إنّ للّٰه سبحانه يدين، إلّا أنّهم يتهرّبون عن التجسيم و التشبيه بقولهم: بلا كيف.

3 - أفعال العباد عند الإمامية صادرة من نفس العباد، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع، فالإنسان هو الضارب، هو الآكل، هو القاتل، هو المصلّي، هو القارئ و هكذا، و قد قلنا: إنّ استعمال كلمة «الخلق» في أفعال الإنسان استعمال غير صحيح، فلا يقال: خلقت الأكل و الضرب و الصوم و الصلاة، و إنّما يقال:

فعلتها، فالصحيح أن يقال: إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من اللّٰه، و إنّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة بإذن من اللّٰه سبحانه.

و أمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه، فليس للإنسان فيها صنع و لا دور، و ليس لقدرته أيّ تأثير في تحقّق الفعل، و أقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن إيجاد اللّٰه سبحانه فعله في عالم التكوين و الوجود.

إلّا أنّهم و تحاشياً من الذهاب إلى الجبر في تلك الأفعال و بالتالي إقصاء الإنسان عن أفعاله، و من ثمّ براءته من مسئوليتها عمدوا إلى ابتداع نظرية الكسب المعقدة فقالوا: إنّ اللّٰه هو الخالق و الإنسان هو الكاسب، إلّا أنّها نظرية غريبة غير مفهومة، و مليئة بالألغاز التي عجز عن فهمها و إيضاحها حتّى مبتدعوها أنفسهم.


1) . المائدة: 64.

4 - إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة، و تتقدّم عليه أُخرى؛ فلو أُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة، و لو أُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة، خلافاً للأشاعرة فقد قالوا بالتقارن مطلقاً.

5 - رؤية اللّٰه بالأبصار في الآخرة: فهي مستحيلة عند الإمامية و المعتزلة، ممكنة عند الأشاعرة.

6 - كلامه سبحانه عند الإمامية هو فعله، فهو حادث لا قديم، و هذا خلافاً للأشاعرة: فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته، فهو قديم كقدم الذات.

7 - التحسين و التقبيح العقليان: ذهبت الإمامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر، سواء أ كان الفاعل قديماً أو حادثاً، واجباً أو ممكناً، يتّصف بأحدهما، فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً، و مقابلته بالإساءة أمراً قبيحاً، و يتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ الحقب، و الأزمان، لا يغيّره شيء، و هذا خلافاً للأشاعرة؛ فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن و القبيح، و بذلك خالفوا الإمامية و المعتزلة في الفروع المترتّبة عليه.

هذه هي الأُصول التي تخالف فيها الإمامية الأشاعرة، و ربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها، كلّ ذلك يثبت أنّ للشيعة الإمامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من الكتاب و السنّة، و كلمات العترة الطاهرة و العقل فيما له مجال القضاء، و ليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين.

و أنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر فضل بن شاذان (المتوفّى 260 ه) إلى عصر شيخنا الطوسي (385-460 ه)

و من بعده بقليل، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متّزناً واضحاً لا تعقيد فيه و لا غموض، و على تلك الأُصول و ذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية، فألّف الشيخ الحلبي (374-447 ه) «تقريب المعارف» و الشيخ سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600 ه) كتابه «المنقذ من التقليد»، و توالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي (597-672 ه) و ابن ميثم البحراني (المتوفّى 589 ه) في «تقريب المعارف»، و تلميذه العلّامة الحلّي (648-726 ه) في جملة من المؤلّفات القيّمة. و هكذا... فإنّ كلّ ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا أُصول العقائد، و غذّوا أصحابهم و تلاميذهم بمعارف سامية، اعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي، و تكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي و النقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة و القمّة.

فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى ك «الشافي»(1)و «الذخيرة»(2)يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية، كما أنّ الناظر في كتب العلّامة الحلّي المختلفة ك «كشف المراد»(3)و «نهاية المرام»(4)و غيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث و النقاش عبر القرون، فبلغت غايتها القصوى. و قد توالى التأليف في عقائد الشيعة و أُصولهم من العصور الأُولى إلى يومنا هذا، بشكل واسع لا يحصيه إلّا محصي قطرات المطر و حبّات الرمال.


1) . المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء.

2) . المطبوع في إيران في جزءين.

3) . الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية.

4) . حقّقته مؤخراً مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام و نشر في ثلاثة مجلّدات.

هذا و إنّ الشيعة و إن خالفوا في هذه الأُصول طائفة من الطوائف الإسلامية و وافقوا طوائف أُخرى، و لكن هناك أُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء، و هو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل و الكتيبات.

أ فما آن للمسلمين أن يتّحدوا في ظلّ هذه الأُصول المؤلّفة لقلوبهم، و يستظلّوا بظلالها، و يتمسّكوا بالعروة الوثقى، و يكون شعارهم: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» و لا يصغوا إلى النعرات المفرّقة، المفترية على الشيعة و أئمّتهم، و ليكن شعارنا في التأليف: التحقيق و التأكّد من عقائد الآخرين، ثمّ التدوين.

الفرق بين الشيعة الإمامية و سائر الفرق

اشارة

إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة و بعض طوائف المسلمين، فهلمّ معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم و بين سائر الطوائف التي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين، و أكثرها يرجع إلى مسألة القيادة و الخلافة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال.

المسألة الأُولى: وجوب تنصيب الإمام على اللّٰه سبحانه

تتّفق جميع الفرق الإسلامية على وجوب نصب الإمام، سوى العجاردة من الخوارج، و منهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة (المتوفّى 237 ه)(1)قد شذّوا عن ذلك، و اعتقاد المسلمين بذلك يفترق إلى مذهبين اثنين في ماهيّة هذا الوجوب، فالشيعة يذهبون إلى وجوبه على اللّٰه تعالى، و باقي الفرق على الأُمّة؛ فوجوب نصب الإمام لا خلاف فيه بين المسلمين، و إنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك.

و ليس المراد من وجوبه على اللّٰه سبحانه، هو إصدار الحكم من العباد على اللّٰه سبحانه، حتّى يقال: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ»(2)بل المراد كما ذكرنا غير مرّة:

أنّ العقل - حسب التعرّف على صفاته سبحانه، من كونه حكيماً غير عابث - يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه، و إلّا فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على اللّٰه سبحانه.


1) . ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون و التعاضد لإحياء الحقّ و إماتة الباطل، و مع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد، أمّا إذا اختلفت الأُمّة و لم تتعاون على نشر العدل و إحقاق الحقّ فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات، و على ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع و لا بالعقل، و إنّما تجب للمصلحة أحياناً.

2) . يوسف: 40.

ثمّ إنّ اختلاف المسلمين في كون النصب فرضاً على اللّٰه أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة و الإمامة عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله. فمن ينظر إلى الإمام بوصفه رئيس دولة ليس له وظيفة إلّا تأمين الطرق و السبل، و توفير الأرزاق، و إجراء الحدود، و الجهاد في سبيل اللّٰه، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة، فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة؛ إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلّا الكفاءة و المقدرة على تدبير الأُمور، و هذا ما يمكن أن تقوم به الأُمّة الإسلامية.

و أمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة فإنّ الرسالة و النبوّة مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بالرفيق الأعلى) فمن المتّفق عليه أنّ تعهّد هذا الأمر يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلّا إذا حظي بعناية إلهية خاصّة، فيخلف النبيّ في علمه بالأُصول و الفروع، و في سدّ جميع الفراغات الحاصلة بموته، و من المعلوم أنّ هذا الأمر لا تتعرّف عليه الأُمّة إلّا عن طريق الرسول، و لا يتوفّر وجوده إلّا بتربية غيبيَّة و عناية سماوية خاصّة.

و هكذا فلا يخفى أنّ كون القيادة الإسلامية بعد النبيّ صلى الله عليه و آله بيد اللّٰه أو بيد الأُمّة، أو أنّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم؟، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة.

فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الأُمّة بأحد الطرق، قال في حقّه: لا ينخلع الإمام بفسقه و ظلمه بغصب الأموال و ضرب الأبشار، و تناول النفوس المحرمة، و تضييع الحقوق، و تعطيل الحدود، و لا يجب الخروج

عليه، بل يجب وعظه و تخويفه، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّٰه.(1)

و من قال: بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة أو أحد الحكام، و تنتخبه الأُمّة الإسلامية، قال في حقّه: و لا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أُمورنا و إن جاروا، و لا ندعو عليهم، و لا ننزع يداً من طاعتهم، و نرى طاعتهم من طاعة اللّٰه فريضة ما لم يأمروا بمعصية، و ندعو لهم بالصلاح و المعافاة. و الحجّ و الجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين، برّهم و فاجرهم، إلى قيام الساعة، و لا يبطلهما شيء، و لا ينقضهما.(2)

و قد درج على هذه الفكرة متكلّمو السنّة و محدّثوهم، حتّى قال التفتازاني: و لا ينعزل الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعة اللّٰه تعالى، و الجور (الظلم على عباد اللّٰه) لأنّه قد ظهر الفسق و انتشر الجور من الأئمّة و الأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، و السلف كانوا ينقادون لهم، و يقيمون الجمع و الأعياد بإذنهم، و لا يرون الخروج عليهم، و نقل عن كتب الشافعية: أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام، و الفرق أنّ في انعزاله و وجوب نصب غيره إثارة الفتنة؛ لما له من الشوكة؛ بخلاف القاضي.(3)

أمّا من فسّر الإمامة بأنّها عبارة عن إمرة إلٰهية و استمرار لوظائف النبوّة


1) . التمهيد: 181.

2) . العقيدة الطحاوية: 379-387.

3) . شرح العقائد النسفية لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي (المتوفّى 573 ه) و الشرح لسعد الدين التفتازاني (المتوفّى 791 ه): 185-186. و لاحظ في هذا المجال مقالات الإسلاميين للأشعري: 323، و أُصول الدين لمحمّد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية: 190.

كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي، فلا مناص له عن القول بوجوب نصبه على اللّٰه سبحانه.

و قد استدلّت الإمامية على وجوب نصب الإمام على اللّٰه سبحانه: بأنّ وجود الإمام الذي اختاره اللّٰه سبحانه، مقرّب من الطاعات، و مبعد عن المعاصي، و قد أوضحوه في كتبهم الكلامية. و المراد من اللطف المقرّب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الأُمّة في مجالي العقيدة و الشريعة، كما تترك جدالاً و نزاعاً عنيفاً بين الأُمّة في تعيين الإمام. فالواجب على اللّٰه سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله في علمه بالعقيدة و الشريعة، و في العدالة و العصمة، و التدبير و الحنكة، و حسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول صلى الله عليه و آله، و لمّ شعث الأُمّة، و جمعهم على خطّ واحد.

و الغريب أنّ المعتزلة الذين يذهبون إلى وجوب اللطف و الأصلح على اللّٰه سبحانه، يشذّون في هذا المقام عن معتقدهم هذا، مع العلم بأنّ هذا المورد من جزئياته، و الذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحّة خلافة الخلفاء المتقدّمين على عليّ؛ لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من اللّٰه سبحانه.

ثمّ إنّك قد تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله - و بوحي من اللّٰه سبحانه - قام بتطبيق القاعدة، و نصب إماماً للأُمّة؛ ليقود أمرهم و يسدّ جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى، و بذلك حسم مادة النزاع، و قطع الطريق

على المشاغبين، و لكن - و للأسف - تناست الأُمّة وصيّة الرسول صلى الله عليه و آله و أمره، فانقسموا إلى طوائف و أحزاب، و قامت بينهم المعارك و الحروب التي أُريقت فيها الدماء، و استبيحت بسببها الأعراض، و تبدّلت نتيجة لذلك المفاهيم، و اختلفت القيم، و استثمر أعداء الدين هذه الاختلافات بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوّة بينهم و كرّسوا لذلك أقصى جهودهم حتّى أصبح التقريب فضلاً عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكّرين، نسأل اللّٰه سبحانه أن يسدّ تلك الفجوة العميقة بإيقاظ شعور علماء الأُمّة و مصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء اللّٰه تعالى.

المسألة الثانية: عصمة الإمام

اشارة

تفرّدت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب و الخطأ، مع اتّفاق غيرهم على عدمها.

قال الشيخ المفيد: إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء، و لا تجوز عليهم صغيرة إلّا ما قدّم ذكر جوازه على الأنبياء، و لا ينسون شيئاً من الأحكام، و لا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي، و لا كون المعصوم مضطرّاً إلى فعل الطاعات؛ فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب و العقاب.

هذه هي عقيدة الإمامية في الإمامة، و قد استدلّوا عليها بوجوه من العقل و السمع. أمّا العقل فقالوا: إنّ الإمام منفّذ لما جاء به الرسول، و حافظ للشرع، و قائم بمهام الرّسول كلّها، فلو جاز عليه الخطأ و الكذب، لا يحصل الغرض من إمامته.

حقيقة العصمة

العصمة قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية و الخطأ، حيث لا يترك واجباً، و لا يفعل محرّماً، مع قدرته على الترك و الفعل، و إلّا لم يستحقّ مدحاً و لا ثواباً.

و إن شئت قلت: إنّ المعصوم قد بلغ من التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه الشهوات و الأهواء، و بلغ من العلم في الشريعة و أحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً.

و ليست العصمة فكرة ابتدعتها الشيعة، و إنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة كتاب اللّٰه و سنّة رسوله، قال سبحانه: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1)و ليس المراد من الرجس إلّا الرجس المعنوي، و أظهره هو الفسق.

و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «علي مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور معه كيفما دار»(2)و من دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ.

و قوله صلى الله عليه و آله في حقّ العترة: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّٰه و عترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً»(3)فإذا كانت العترة عدل القرآن و القرآن هو كلام اللّٰه تعالى، فمن المنطقي أن تكون معصومة كالكتاب، لا يخالف أحدهما الآخر.

و إذا توضّحت الصورة الحقيقية لتبلور عقيدة العصمة عند الشيعة، و إنّ منشأها هو الكتاب و السنّة، فإنّ هذا الوضوح لم يتحسّسه البعض، بل و لم يكلّف نفسه عناء التثبّت من حقيقة مدّعياته و تصوّراته، حيث يقول:

«إنّ عقيدة العصمة تسرّبت إلى الشيعة من الفرس الذين نشئوا على


1) . الأحزاب: 33.

2) . حديث مستفيض، رواه الخطيب في تاريخه: 321/14 و الهيثمي في مجمعه: 236/7 و غيرهما.

3) . حديث متواتر، أخرجه مسلم في صحيحه، و الدارمي في فضائل القرآن، و أحمد في مسنده: 114/2 و غيرهم.

تقديس الحاكم، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية، و لا أعرف أحداً من العرب قال ذلك في حدود اطّلاعي، و لعلّ غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه عليّ من الخطأ حتّى يتضح للملأ عدوان بني أُمية في اغتصاب الخلافة. هذا و في اليهودية كثير من المذاهب التي تسرَّبت إلى الشيعة»(1).

هكذا و دون أيّ دليل و بيّنة متناسياً أنّ جميع المسلمين يذهبون إلى عصمة النبيّ صلى الله عليه و آله و لا يختلف في ذلك أحد، فهل إنّ هذه الفكرة تسرّبت إلى أهل السنّة من اليهود؟! أو أنّ المسلمين أرادوا بذلك إيضاح عداوة قريش للنبيّ صلى الله عليه و آله؟ أو غير ذلك من التخرصات الباطلة؟!!

لا و اللّٰه إنّها عقيدة إسلامية و اقتبسها القوم من الكتاب و السنّة من دون أخذ من اليهود و الفرس، فما ذكره الكاتب تخرُّص بالغيب، بل فرية واضحة.

إنّ الاختلاف في لزوم توصيف الإمام و عدمه، ينشأ من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول و ماهيتها و حقيقتها كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، فمن تلقّى الإمامة - بعد الرسول - بأنّها مقام عرفي لتأمين السبل، و تعمير البلاد، و إجراء الحدود، فشأنه شأن سائر الحكّام العرفيّين. و أمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة، و أنّ الإمام ليس نبيّاً و لا يوحى إليه، لكنّه مكلّف بملء الفراغات الحاصلة برحلة النبيّ صلى الله عليه و آله، فلا محيص له عن الالتزام بها؛ لأنّ الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلٰهي كما سيوافيك، نعم إنّ أهل السنّة يتحرَّجون من توصيف الإمام بالعصمة، و يتصوّرون أنّ ذلك يلازم النبوّة، و ما


1) . مظاهر الشعوبية في الأدب العربي للدكتور نبيه حجاب: 492، كما في هوية التشيّع: 166.

هذا إلّا أنّهم لا يفرّقون بين الإمامتين، و أنّ لكلٍّ معطياته. و التفصيل موكول إلى محلّه.

الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله

يمكن الاستدلال على لزوم العصمة في الإمام بوجوه متعدّدة نورد أهمها:

الأوّل: إنّ الإمامة إذا كانت استمراراً لوظيفة النبوّة و الرسالة، و كان الإمام يملأ جميع الفراغات الحاصلة جرّاء رحلة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، فلا مناص من لزوم عصمته، و ذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية التي لأجلها نصبه اللّٰه سبحانه إماماً للأُمّة؛ فإنّ الغاية هي هداية الأُمّة إلى الطريق المهيع، و لا يحصل ذلك إلّا بالوثوق بقوله، و الاطمئنان بصحّة كلامه، فإذا جاز على الإمام الخطأ و النسيان، و المعصية و الخلاف، لم يحصل الوثوق بأفعاله و أقواله، و ضعفت ثقة الناس به، فتنتفي الغاية من نصبه، و هذا نفس الدليل الذي استدلّ به المتكلّمون على عصمة الأنبياء، و الإمام و إن لم يكن رسولاً و لا نبيّاً و لكنّه قائم بوظائفهما.

نعم لو كانت وظيفة الإمام مقتصرة علىٰ تأمين السبل و غزو العدو و الانتصاف للمظلوم و ما أشبه ذلك، لكفى فيه كونه رجلاً عادلاً قائماً بالوظائف الدينية، و أمّا إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك - كما هو الحال في مورد النبيّ صلى الله عليه و آله - فكون الإمام عادلاً قائماً بالوظائف الدينية، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الإمام.

فقد كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يفسّر القرآن الكريم و يشرح مقاصده و أهدافه و يبيّن أسراره، كما كان يجيب على الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة، و كان يردّ على الشبهات و التشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام، و كان يصون الدين من محاولات التحريف و التغيير، و كان يربّي المسلمين و يهذّبهم و يدفعهم نحو التكامل.

فالفراغات الحاصلة من رحلة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لا تسدّ إلّا بوجود إنسان مثالي يقوم بتلك الواجبات، و هو فرع كونه معصوماً عن الخطأ و العصيان.(1)

الثاني: قوله سبحانه: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»»(2).

و الاستدلال مبني على دعامتين:

1 - إنّ اللّٰه سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق؛ أي في جميع الأزمنة و الأمكنة، و في جميع الحالات و الخصوصيات، و لم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم و نواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية.

2 - إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر و العصيان:

«وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ»(3)من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناهٍ، أو يقومون به بعد صدور أمر و نهي من أُولي الأمر.


1) . هذا إجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية، فلاحظ الإلهيات: 528/2-539.

2) . النساء: 59.

3) . الزمر: 7.

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق، و حرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق، بخصوصية ذاتية و عناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية و النهي عن الطاعة. و ليس هذا إلّا عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، و إلّا فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط. فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة.

و ممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره، و يطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته و أتباع طريقته، قال:

إنّ اللّٰه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، و من أمر اللّٰه بطاعته على سبيل الجزم و القطع لا بدّ و أن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّٰه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، و الخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر و النهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، و أنّه محال، فثبت أنّ اللّٰه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، و ثبت أنّ كلّ من أمر اللّٰه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بدّ و أن يكون معصوماً.(1)

بيد أنّ الرازي، و بعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة


1) . مفاتيح الغيب: 144/10.

المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر، و لم يستثمر نتائج أفكاره، لا لسبب إلّا لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة، فأخذ يؤوّل الآية و يحملها على غير ما ابتدأه و عمد إلى إثباته، حيث استدرك قائلاً بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، عاجزون عن استفادة الدين و العلم منه، فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة، بل المراد هو أهل الحلّ و العقد من الأُمّة.

إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها، و في دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم، و ادّعاء العجز هروب من الحقيقة، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني. فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ صلى الله عليه و آله و عصر نزول الآية، و بالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه، حلقة بعد أُخرى، و لا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي و المعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله؛ إذ لا معنى أن يأمر اللّٰه سبحانه بإطاعة المعصوم، و لا يقوم بتعريفه.

ثمّ إنّ تفسير «أُولِي اَلْأَمْرِ» بأهل الحلّ و العقد، تفسير للغامض - حسب نظر الرازي - بما هو أشد غموضاً؛ إذ هو ليس بأوضح من الأوّل، فهل المراد منهم: العساكر و الضبّاط، أو العلماء و المحدّثون، أو الحكام و السياسيون، أو الكلّ؟ و هل اتّفق إجماعهم على شيء، و لم يخالفهم لفيف من المسلمين؟

إذا كانت العصمة ثابتة للأُمة عند الرازي كما علمت، فهناك من يرى

العصمة لجماعة من الأُمّة كالقرّاء و الفقهاء و المحدّثين، هذا هو ابن تيمية يقول في ردّه على الشيعة عند قولهم: إنّ وجود الإمام المعصوم لا بدّ منه بعد موت النبيّ يكون حافظاً للشريعة و مبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة، حيث يقول: إنّ أهل السنّة لا يسلّمون أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي، و ذلك لأنّه حاصل للمجموع، و الشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن و تبليغه، و المحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث و تبليغها، و الفقهاء معصومون في الكلام و الاستدلال.(1)

و هذا الرأي أغرب من سابقه و أضعف حجّة! فكيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقون في الاختلاف في القراءة و التفسير، و الحديث و الأثر، و الحكم و الفتوى، و العقيدة و النظر؟ و لو أغمضنا عن ذلك، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف، خصوصاً على قول البعض بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية؟

الثالث: قوله سبحانه: «وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ»(2).

و الاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية و أنّ المقصود منها غير النبوّة و غير الرسالة، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي، و أمّا الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس.


1) . منهاج السنّة، كما في نظرية الإمامة: 120.

2) . البقرة: 124.

و الإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه و تلك؛ لأنّه كان نبيّاً و رسولاً و قائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة، و تنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة و قدرة، و يعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه: «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً»(1).

فالإمامة التي أنعم بها اللّٰه سبحانه على الخليل و بعض ذرّيته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. و علينا الفحص عن المراد بالملك العظيم؛ إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة يلي النبوّة و الرسالة، لأنَّها قيادة حكيمة، و حكومة إلٰهيّة، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة، و اللّٰه سبحانه يوضّح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية:

1 - يقول سبحانه - حاكياً قول يوسف عليه السلام -: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحٰادِيثِ»(2)و من المعلوم أنّ الملك الذي منّ به سبحانه على عبده يوسف ليس هو النبوّة، بل الحاكمية؛ حيث صار أميناً مكيناً في الأرض؛ لقوله: «وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحٰادِيثِ» إشارة إلى نبوّته، و الملك إشارة إلى سلطته و قدرته.

2 - و يقول سبحانه في داود عليه السلام: «وَ آتٰاهُ اَللّٰهُ اَلْمُلْكَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمّٰا يَشٰاءُ»(3)، و يقول سبحانه: «وَ شَدَدْنٰا مُلْكَهُ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطٰابِ»(4).


1) . النساء: 54.

2) . يوسف: 101.

3) . البقرة: 251.

4) . ص: 20.

3 - و يحكي اللّٰه تعالى عن سليمان عليه السلام أنّه قال: «وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهّٰابُ»(1).

و التأمّل في هذه الآيات الكريمة يفسّر لنا حقيقة الإمامة باعتبار الملاحظات التالية:

أ - إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذرّيته، و قد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب - إنّ مجموعة من ذرّيته، كيوسف و داود و سليمان، نالوا - وراء النبوّة و الرسالة - منصب الحكومة و القيادة.

ج - إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب، و الحكمة، و الملك العظيم.

فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض، يخرج بهذه النتيجة: أنّ ملاك الإمامة في ذرّية إبراهيم هو قيادتهم و حكمهم في المجتمع، و هذه هي حقيقة الإمامة، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الآخرين، كما في الخليل، و يوسف، و داود، و سليمان، و غيرهم، و ربّما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه: «وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ وَ اَللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ»(2).

و الإمامة التي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة.


1) . ص: 35.

2) . البقرة: 247.

ما هو المراد من الظالم؟

قد تعرّفت على المقصود من جعل إبراهيم عليه السلام إماماً للناس، و أنّ المراد هو القيادة الإلهية و سوق الناس إلى السعادة بقوّة و قدرة و منعة. بقي الكلام في تفسير الظالم الذي ليس له من الإمامة سهم، فنقول:

لمّا خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله، و نصبه إماماً للناس، و دعا إبراهيمُ أن يجعل من ذرّيته إماماً، أُجيب بأنّ الإمامة منصب إلهيّ لا يناله الظالمون؛ لأنّ الإمام هو المطاع بين الناس، المتصرّف في الأموال و النفوس، فيجب أن يكون على الصراط السويّ و الظالم المتجاوز عن الحدّ لا يصلح لهذا المنصب.

كما أنّ الظالم الناكث لعهد اللّٰه، و الناقض لقوانينه و حدوده، على شفا جرف هارٍ، لا يؤتمن عليه و لا تلقى إليه مقاليد الخلافة؛ لأنّه على مقربة من الخيانة و التعدّي، و على استعداد لأن يقع أداة للجائرين، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً، نافذ القول، مشروع التصرّف؟! و على ذلك؛ فكلّ من ارتكب ظلماً، و تجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن - و بالجملة ارتكب ما هو حرام فضلاً عمّا هو شرك و كفر - ينادى من فوق العرش في حقّه: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ» من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة، أو البقاء على ما كانوا عليه.

نعم اعترض «الجصّاص» على هذا الاستدلال و قال: «إنّ الآية إنّما

تشمل من كان مقيماً على الظلم و أمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم؛ لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة، و زالت تلك الصفة، زال الحكم. أ لا ترى أنّ قوله: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا»(1)إنّما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم، فقوله تعالى: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ» لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه؛ لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالماً، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً»(2).

إلاّ أنّه يلاحظ عليه: أنّ قوله: «الحكم يدور مدار وجود الموضوع» ليس ضابطاً كلّياً، بل الأحكام على قسمين: قسم كذلك، و آخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف و العنوان آناً ما، و لحظة خاصّة، و إن انتفى بعد الاتّصاف، فقوله: «الخمر حرام»، أو «في سائمة الغنم زكاة» من قبيل القسم الأوّل، و أمّا قوله: «الزاني يحدّ»، و «السارق يقطع» فالمراد منه أنّ الانسان المتلبّس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما و إن زال العنوان و تاب السارق و الزاني، و مثله:

«المستطيع يجب عليه الحجّ» فالحكم ثابت، و إن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور.

و على ذلك فالمدّعى أنّ: «اَلظّٰالِمِينَ» في الآية المباركة كالسارق و السارقة و الزاني و الزانية و غيرها من الموارد المشابهة لها.

نعم المهمّ في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل الثاني، و أنّ التلبّس بالظلم - و لو آناً ما - يسلب عن الإنسان صلاحية الإمامة، و إن تاب من ذنبه، فإنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:


1) . هود: 113.

2) . تفسير آيات الأحكام: 72/1.

1 - من كان طيلة عمره ظالماً.

2 - من كان طاهراً و نقياً في جميع فترات عمره.

3 - من كان ظالماً في بداية عمره، و تائباً في آخره.

4 - من كان طاهراً في بداية عمره، و ظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم عليه السلام، الذي سأل الإمامة لبعض ذرّيته، أيَّ قسم منها أراد؟

إنّ من غير المعقول و البديهي أن يسأل خليل اللّٰه تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأوّل و الرابع من ذرّيته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة، لا يصلح لأن يؤتمن عليها.

و لمّا كان اللّٰه تعالى قد نفى امتلاك الإمامة من قبل الظالم و هو ما سبق أن وقع في تسميته أصحاب القسم الثالث، في حين يقابله في القسم الثاني من هو بريء عن الظلم مطلقاً طيلة عمره، و تتمثّل فيه جميع الصفات المطلوبة و المحدّدة في الآية الكريمة، فلا مناص من الجزم بتعلّقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام.

العصمة في القول و الرأي

إنّ الأئمّة معصومون عن العصيان و المخالفة أوّلاً، و عن الخطأ و الزلّة في القول ثانياً، و ما ذلك إلّا لأنّ كل إمام من الأوّل إلى الثاني عشر، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية

من آي الذكر الحكيم تنزيلاً و تأويلاً، و لا شيء من سنّة رسول اللّٰه قولاً و فعلاً و تقريراً، و كفى بمن أحاط بعلوم الكتاب و السنّة فضلاً و علماً، و من هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول صلى الله عليه و آله باتّفاق الجميع المطلق دليلاً واضحاً على أنّهم هم الأئمّة المعصومون وقادة المسلمين بعد غياب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و حتّى قيام يوم الدين.

و قد أخذ أهل البيت علوم الكتاب و السنّة و فهموها عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله تماماً(1)

صحيح البخاري: 194/2، باب مناقب عمر بن الخطّاب.

كما أخذها و وعاها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن جبرئيل، و كما وعاها جبرئيل عن اللّٰه، و لا فرق أبداً في شيء إلّا بالواسطة.

نعم أخذ عليّ عن النبيّ صلى الله عليه و آله، و أخذ الحسن عن أبيه، و هكذا كلّ إمام يأخذ عن أبيه، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة، لم يأخذ أحد منهم عليهم السلام عن صحابي و لا تابعي أبداً، بل أخذ الجميع عنهم، و منهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من لدن حكيم خبير.

قال الإمام الباقر عليه السلام: «لو كنّا نحدّث الناس برأينا و هوانا لهلكنا، و لكن نحدّثهم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضّتهم».(2)


1) . أو إلهاماً غيبياً لأنّهم محدَّثون، كما أنّ مريم كانت محدَّثة، و في صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال: قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي منهم أحد فعمر».

2) . الشيعة و التشيّع: 44.

المسألة الثالثة: الإمام المنتظر

إنّ الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلّا من أصمّه اللّٰه، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبي و آله و أصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل و الظلم، و نشر أعلام العلم و العدل، و إعلاء كلمة الحقّ، و إظهار الدين كلّه، و لو كره المشركون، و هو بإذن اللّٰه ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّٰه، و يبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، و يقطع أواصر التعصّبات القومية و العنصرية، و يميت أسباب العداء و البغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة و اضطراب الكلمة، و مصدراً خطيراً لإيقاد نيران الفتن و المنازعات، و يحقق اللّٰه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

«وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(1).


1) . النور: 55.

قال سبحانه: «وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ»(1).

هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل و الأزمنة اللاحقة، و قد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّٰه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً و قسطاً كما ملئت ظلماً و جوراً».

بلى إنّ جميع المسلمين يتّفقون أساساً على فكرة قيام المهدي و ما سيعم الأرض في عهده من العدل و الأمن و الخير العميم، و إن كان هناك من اختلاف يذكر في مضمون هذا الأمر العظيم، و الحلم المنشود، فإنّه قد لا يتجاوز في أهم نقاطه الحدود الأساسية المرتكز عليها، و التي تتمحور أهمها في تحديد ولادته عليه السلام، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، و أمّا الشيعة و لاستنادهم على جملة واسعة من الروايات و الأدلّة الصحيحة يذهبون إلى أنّه عليه السلام ولد في «سرّ من رأى» عام 255 ه، و غاب بأمر اللّٰه سبحانه سنة وفاة والده الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام، عام 260 ه، و هو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه و لا يعرفونه، و سوف يظهره اللّٰه سبحانه ليحقّق عدله.

هذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية، و من أراد أن يقف على عقيدة السنّة و الشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة و محدّثيهم:


1) . الأنبياء: 105.

•

«صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الأصفهاني.

•

«البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.

•

«البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لملّا علي المتقي.

•

«العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.

•

«القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.

•

«عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.

من أراد التفصيل فليرجع إلى «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» للعلّامة الصافي - دام ظلّه -، و إلى كتاب «المهدي عند أهل السنّة» صدر في مجلّدين و طبع في بيروت.

لعلّ الروايات و الأخبار المستفيضة المؤكدة على قضية الإمام المهدي من الوفرة و قوّة الحجية بحيث لا يرقى إليها الشك و النقاش سواء في متونها أو في أسانيدها، و على ذلك دأب الماضون و تبعهم اللاحقون، إلّا ما أورده ابن خلدون في مقدّمته من تضعيفه لهذه الأخبار و التشكيك في صحّتها، و في مدى حجيتها، و قد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون».

قد كتب أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه «بين يدي الساعة» يشير فيه إلى تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي بقوله:

إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث و الأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، و أكثر من صاحب كتاب صحيح.

لما ذا نردّ كل هذه الكمّية؟ أ كلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين - و العياذ باللّٰه - نتيجة تطرّق الشك و الظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، و إنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ خفي و سيظهر؟ ظهر أو سيظهر؟ و لا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.

ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، و الذي أجده إنّما هو مناقشة و خلاف حول السند، و اتّصاله و عدم اتّصاله، و درجة رواته، و من خرّجوه، و من قالوا فيه.

إذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجرّدة فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها و تصديقها، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، و الأحاديث المتعددة، و رواتها مسلمون مؤتمنون، و الكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، و الترمذي من رجال التخريج و الحكم، بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري و مسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، و حديث أبي هريرة في البخاري، و فيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم و إمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، و هذا الإمام هو المهدي.


1) . صحيح مسلم: 59/1، باب نزول عيسى.

2) . صحيح البخاري، بشرح الكرماني: 88/14.

يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف - رضي اللّٰه عنهم - لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم و تقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين.(1)


1) . بين يدي الساعة للدكتور عبد الباقي: 123-125.

المسألة الرابعة: التقية

(مفهومها، غايتها، دليلها، حدّها في ضوء الكتاب و السنّة)
اشارة

التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، و في تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه أو من يمت إليه بصلة و عرضه و ماله، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل و التنكيل(1)، و لاذ بها عمّار عند ما أُخذ و أُسِر و هُدِّد بالقتل(2)، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب و السنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً و غايةً و دليلاً و حدّاً، حتّى نتجنَّب الإفراط و التفريط في مقام القضاء و التطبيق.

إنّ التقية، اسم ل «اتّقى يتّقي»(3)و التاء بدل من الواو، و أصله من الوقاية، و من ذلك إطلاق التقوى على إطاعة اللّٰه؛ لأنّ المطيع يتّخذها وقاية من


1) . القصص: 20.

2) . النحل: 106.

3) . قال ابن الأثير في النهاية: 217/5، و أصل اتّقى: اوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء و أُدغمت. و منه حديث علي عليه السلام: «كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله»، أي جعلناه وقاية من العدوّ. و لاحظ لسان العرب مادة «وقى».

النار و العذاب. و المراد هو التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.

مفهومها

إذا كانت التقيّة هي اتّخاذ الوقاية من الشرّ، فمفهومها في الكتاب و السنّة هو: إظهار الكفر و إبطان الإيمان، أو التظاهر بالباطل و إخفاء الحقّ. و إذا كان هذا مفهومها، فهي تُقابل النفاق، تَقابُل الإيمان و الكفر، فإنّ النفاق ضدّها و خلافها، فهو عبارة عن إظهار الإيمان و إبطان الكفر، و التظاهر بالحقّ و إخفاء الباطل، و مع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق. نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن، و به صوَّر التقية - الواردة في الكتاب و السنّة - من فروعه، فقد فسّره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن؛ فإنّه يُعرِّف المنافقين المتظاهرين بالإيمان و المبطنين للكفر بقوله تعالى: «إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ»(1)، فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُّ من يستعمل التقية تجاه الكفّار و العصاة؛ فيخفي إيمانه و يظهر الموافقة لغاية صيانة النفس و النفيس، و العرض و المال من التعرّض؟!

و يظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي، و لو كانت من قسم النفاق، لكان ذلك أمراً بالقبح و يستحيل على الحكيم أن يأمر به:

«قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ»(2).


1) . المنافقون: 1.

2) . الأعراف: 28.

غايتها

الغاية من التقيّة: هي صيانة النفس و العرض و المال، و ذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحقّ صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضارّ و تهلكة من قوى ظالمة غاشمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الإرهاب، و التشريد و النفي، و القتل و التنكيل، و مصادرة الأموال، و سلب الحقوق الحقّة، فلا يكون لصاحب العقيدة الذي يرى نفسه محقّاً محيص عن إبطانها، و التظاهر بما يوافق هوى الحاكم و توجّهاته حتّى يسلم من الاضطهاد و التنكيل و القتل، إلى أن يُحدِث اللّٰه أمراً.

إنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه و عرضه و ماله، لا لشيء إلّا لأنّه لا يتّفق معه في بعض المبادئ و الأفكار.

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول و العمل، و الرأي و العقيدة فلا ينجو المخالف إلّا بالصمت و السكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة و أفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لا بدّ منها من أجل إغاثة الملهوف المضطهد و المستضعف الذي لا حول له و لا قوّة، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولاً إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم.

إنّ أكثر من يَعيبُ التقيّة على مستعملها، يتصوّر أو يصوّر أنّ الغاية منها هو تأليف جماعات سرية هدفها الهدم و التخريب، كما هو المعروف من الباطنيين و الأحزاب الإلحادية السرّية، و هو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلاً أو

عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يذكره؟ و لو لم تُلجئ الظروف القاهرة و الأحكام المتعسّفة هذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، و لما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم و لدعوا الناس إليها علناً و دون تردّد، إلّا أنّ السيف و النطع سلاح لا تتردّد كلّ الحكومات الفاسدة من التلويح به أمام من يخالفها في معتقداتها و عقائدها.

أين العمل الدفاعي من الأعمال البدائية التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرّية للإطاحة بالسلطة و امتطاء ناصية الحكم، فأعمالهم كلّها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة.

و هؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكلّ قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشئومة.

إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء و بين من يتّخذ التقية غطاءً، و سلاحاً دفاعياً ليسلم من شرّ الغير، حتّى لا يُقْتَل و لا يُستأصل، و لا تُنهب داره و ماله، إلى أن يُحدث اللّٰه أمراً، من قبيل عطف المباين على مثله.

إنّ المسلمين القاطنين في الاتّحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب و المحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها و لا أن تتصوّرها؛ فإنّ الشيوعيّين و طيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر المجَنّ، فصادروا أموالهم و أراضيهم، و مساكنهم، و مساجدهم، و مدارسهم، و أحرقوا مكتباتهم، و قتلوا كثيراً منهم قتلاً ذريعاً و وحشياً، فلم ينج منهم إلّا من اتّقاهم بشيء من

التظاهر بالمرونة، و إخفاء المراسم الدينية، و العمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّٰه سبحانه بانحلال تلك القوّة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم و ديارهم، و أخذوا يستعيدون مجدهم و كرامتهم شيئاً فشيئاً، و ما هذا إلّا ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّٰه تعالى لعباده بفضله و كرمه سبحانه على المستضعفين.

فإذا كان هذا معنى التقية و مفهومها، و كانت هذه غايتها و هدفها، فهو أمر فطري يسوق الإنسان إليه قبل كلّ شيء عقلُه و لبُّه، و تدعوه إليه فطرته، و لأجل ذلك يستعملها كلّ من ابتُلي بالملوك و الساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم و فكرتهم و مطامعهم و سلطتهم و لا يتردّدون عن التنكيل بكلّ من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم - شيعياً كان أم سنيّاً - و غيره، و من هنا تظهر جدوى التقية و عمق فائدتها.

و لأجل دعم هذا الأصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن و السنّة.

دليلها في القرآن و السنّة
اشارة

شرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة(1)سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:

الآية الأُولى:

قال سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ


1) . غافر: 28 و 45، القصص: 20 و ستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.

بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(1).

ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً و مجاراةً للكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، و صرّح بذلك لفيف من المفسّرين القدامى و الجدد، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة و الإسهاب، و لمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة:

1 - قال الطبرسي: قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر، و هم عمّار و أبوه ياسر و أُمّه سميّة، و قُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر و لم ينالا من النبيّ، و أعطاهم عمّار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول اللّٰه، و انتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال الرسول: «كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، و اختلط الإيمان بلحمه و دمه».

و في ذلك نزلت الآية السابقة، و كان عمّار يبكي، فجعل رسول اللّٰه يمسح عينيه و يقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(2)

2 - و قال الزمخشري: روي أنّ أُناساً من أهل مكة فُتِنُوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، و كان فيهم من أُكره و أجرى كلمة الكفر على لسانه و هو معتقد للإيمان، منهم عمّار بن ياسر و أبواه: ياسر و سميّة، و صهيب و بلال و خباب.


1) . النحل: 106.

2) . مجمع البيان: 388/3.

أمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً....(1)

3 - و قال الحافظ ابن ماجة: و الإيتاء: معناه الإعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيّة، و التقيّة في مثل هذه الحال جائزة؛ لقوله تعالى: «إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ».(2)

4 - و قال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة - ثمّ قال: - أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر و قلبه مطمئن بالإيمان و لا تبين منه زوجته و لا يحكم عليه بالكفر، هذا قول مالك و الكوفيين و الشافعي.(3)

5 - قال الخازن: التقية لا تكون إلّا مع خوف القتل مع سلامة النيّة، قال اللّٰه تعالى: «إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» ثمّ هذه التقية رخصة.(4)

6 - قال الخطيب الشربيني: «إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ» أي على التلفّظ به «و قلبه مطمئن بالإيمان» فلا شيء عليه، لأنّ محل الإيمان هو القلب.(5)

7 - و قال إسماعيل حقّي: «إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ» أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه... لأنّ الكفر اعتقاد، و الإكراه على القول دون الاعتقاد، و المعنى: و لكن المكره على الكفر باللسان، «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»


1) . الكشاف عن حقائق التنزيل: 430/2.

2) . سنن ابن ماجة: 53/1، شرح الحديث 150.

3) . الجامع لأحكام القرآن: 57/4.

4) . تفسير الخازن: 277/1.

5) . السراج المنير في تفسير الآية.

لا تتغيّر عقيدته، و فيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند اللّٰه، هو التصديق بالقلب.(1)

الآية الثانية:

قال سبحانه: «لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ»(2).

و كلمات المفسّرين حول الآية تغنينا عن أيّ توضيح:

1 - قال الطبري: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً»: قال أبو العالية: التقيّة باللسان، و ليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال:

سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» قال: التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به و هو للّٰه معصية فتكلّم مخافة على نفسه «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان.(3)

2 - و قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً»:

رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، و المراد بتلك الموالاة: مخالفة و معاشرة ظاهرة، و القلب مطمئنّ بالعداوة و البغضاء و انتظار زوال المانع.(4)

3 - قال الرازي في تفسير قوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً»: المسألة


1) . تفسير روح البيان: 84/5.

2) . آل عمران: 28.

3) . جامع البيان: 153/3.

4) . الكشّاف: 422/1.

الرابعة: اعلم: أنّ للتقية أحكاماً كثيرة، و نحن نذكر بعضها:

أ: إنّ التقية إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، و يخاف منهم على نفسه، و ماله، فيداريهم باللسان، و ذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبّة و الموالاة، و لكن بشرط أن يضمر خلافه و أن يعرض في كلّ ما يقول؛ فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

ب: التقية جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه و آله: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» و لقوله صلى الله عليه و آله: «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)

4 - و قال النسفي: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» إلّا أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، أي ألّا يكون للكافر عليك سلطان، فتخافه على نفسك و مالك، فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة و إبطان المعاداة.(2)

5 - و قال الآلوسي: و في الآية دليل على مشروعية التقية؛ و عرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء. و العدوّ قسمان:

الأوّل: من كانت عداوته مبنيّة على اختلاف الدين، كالكافر و المسلم.

الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال و المتاع و الملك و الإمارة.(3)


1) . مفاتيح الغيب: 13/8.

2) . تفسير النفسي بهامش تفسير الخازن: 277/1.

3) . روح المعاني: 121/3.

6 - و قال جمال الدين القاسمي: و من هذه الآية: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف، و قد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق»(1).

7 - و فسر المراغي قوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» بقوله: أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال، إلّا في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء؛ إذ القاعدة الشرعية «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح».

و إذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، و ليس لها أن تواليها في شيء يضرّ المسلمين، و لا تختصّ هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كلّ وقت.

و قد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.

فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، و قلبه مطمئنّ بالإيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً و قلبه مطمئنّ بالإيمان و فيه نزلت الآية:

«مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ».(2)


1) . محاسن التأويل: 82/4.

2) . تفسير المراغي: 136/3.

هذه الجمل الوافية و العبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالاً إلّا أن يحكم بشرعية التقية بالمعنى الذي عرفته، بل قد لا يجد أحد مفسّراً أو فقيهاً وقف على مفهومها و غايتها يتردّد في الحكم بجوازها، كما أنّك أخي القارئ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها.

و إنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسّرها بالتقيّة الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرّية و المذاهب الهدّامة كالنصيرية و الدروز، و الباطنية كلّهم، إلّا أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقيّة الهدامة لكلّ فضيلة رابية.

الآية الثالثة:

قال تعالى: «وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كٰاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صٰادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ»(1).

و كانت عاقبة أمره أن: «فَوَقٰاهُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِ مٰا مَكَرُوا وَ حٰاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذٰابِ»(2).

و ما كان ذلك إلّا لأنّه بتقيّته استطاع أن يُنجي نبيّ اللّٰه من الموت: «قٰالَ يٰا مُوسىٰ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ اَلنّٰاصِحِينَ»(3).

و هذه الآيات تدلّ على جواز التقيّة لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.


1) . غافر: 28.

2) . غافر: 45.

3) . القصص: 20.

اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصّة

إنّ مورد الآيات و إن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر، و لكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية فقط، إذ ليس الغرض من تشريع التقيّة عند الابتلاء بالكفّار إلّا صيانة النفس و النفيس من الشرّ، فإذا ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع و لا يتردّد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكّل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس و النفيس عن طريق كتمان العقيدة و استعمال التقية، و لو كان هناك وزر إنّما يتوجّه على من يُتّقى منه لا على المتّقي، فلو سادت الحرّية جميع الفرق الإسلامية، و تحمّلت كلّ فرقة آراء الفرقة الأُخرى بصدر رحب، و فهمت بأنّ ذلك هو قدر اجتهادها، لم يضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقيّة، و لساد الوئام مكان النزاع.

و قد فهم ذلك لفيف من العلماء و صرّحوا به، و إليك نصوص بعضهم:

1 - يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلّا أنّ مذهب الشافعي - رضي اللّٰه عنه -: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين و الكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس.

و قال: التقيّة جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال؟

يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه و آله: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» و قوله صلى الله عليه و آله: «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)

2 - ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه: «و زاد الحق غموضاً و خفاءً أمران: أحدهما:

خوف العارفين - مع قلّتهم - من علماء السوء و سلاطين الجور و شياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، و إجماع أهل الإسلام، و ما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، و لا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، و قد صحّ عن أبي هريرة - رضي اللّٰه عنه - أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، و أمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».(2)

3 - و قال المراغي في تفسير قوله سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»: و يدخل في التقية مداراة الكفرة و الظلمة و الفسقة، و إلانة الكلام لهم، و التبسّم في وجوههم، و بذل المال لهم؛ لكفّ أذاهم و صيانة العرض منهم، و لا يعدّ هذا من الموالاة المنهيّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله صلى الله عليه و آله: «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(3)

إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّيّ، غير أنّ الشيعي و لأسباب لا تخفى، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا قصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك؛ لأنّه يدرك أنّ الفتك و القتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو موافق لأُصول الشرع الإسلامي و عقائده، نعم كان


1) . مفاتيح الغيب: 13/8 في تفسير الآية.

2) . محاسن التأويل: 82/4.

3) . تفسير المراغي: 136/3.

الشيعي و إلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ اللّٰه ليس له جهة، أو إنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، و إنّ المرجعية العلمية و السياسية لأهل البيت بعد رحيل النبيّ الأكرم، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ؛ فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق - التي استنبطت من الكتاب و السنّة - سوف يُعرّض نفسه و نفيسه للمهالك و المخاطر.

و قد مرّ عليك كلام الرازي و جمال الدين القاسمي و المراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية و سدّ لباب الفهم، و رفض للملاك الذي شُرّعت لأجله التقية، و إعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارض المهمّ.

و التاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تؤدي بحياتهم و بما يملكون، و خير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة و المحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى و إن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة، و لمّا أبصر أُولئك المحدِّثون حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه و أسرّوا معتقدهم في صدورهم، و لمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون، برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك و قلبه مطمئنّ بالإيمان، و القصّة شهيرة و صريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة؛ و كأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد و أُصول إسلامية ثابتة و معلومة.(1)


1) . تاريخ الطبري: 195/7-206.

الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة

الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم و أبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك في غابر القرون - من عصر الأُمويين ثمّ العباسيين و العثمانيين - أيّ ضغط على الشيعة، و لم تكن بلادهم و عقر دارهم مخضّبة بدمائهم - و التاريخ خير شاهد على ذلك - كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية، و أن تحذفها من ديوان حياتها، و لكن يا للأسف!! فإنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأُمويين و العباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلِّبون العامّة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم و يضطهدونهم و ينكّلون بهم، و لذا و نتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة، بل لكلّ من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلّا اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه و ماله.

و الشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدّ، إلّا أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا و كيفما كانوا.

كتاب معاوية إلى عماله

قد مرّ ذكر كتاب معاوية إلىٰ عمّاله في الفصل التاسع: الشيعة في العصرين الأُموي و العباسي تحت عنوان بيان معاوية إلى عماله، فراجع.

و نتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات

الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، و أمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتّى صنوف التنكيل و الإرهاب و التخويف، و الحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير و القتل الذريع، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة و عدّة، و أقامت دولاً و شيّدت حضارات و برز منها الكثير من العلماء و المفكرين.

فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي، و أن لا يضيق عليه في الحرّية التي سمح بها الإسلام لأبنائه، و ليعذره في عقيدته و عمله كما عذر أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب و السنّة و أراقوا الدماء و نهبوا الدور، فكيف بطائفة تدين بدينه و تتّفق معه في كثير من معتقداته؟ و إذا كان معاوية و أبناء بيته و العباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم و إراقة دماء مخالفيهم، فما ذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين؟

و إذا كانوا يقولون - و ذاك هو العجيب - إنّ الخروج على الإمام عليّ عليه السلام غير مضرّ بعدالة الخارجين و الثائرين عليه، و في مقدّمتهم طلحة و الزبير و أُمّ المؤمنين عائشة، و إنّ إثارة الفتن في صفّين - التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة و التابعين، و إراقة دماء الآلاف من العراقيين و الشاميين - لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين، و هم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد و أخطأ، فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم، و يذهب إلى أنّهم معذورون و مثابون!!

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة و تتضاءل أُخرى، حسب قوّة الضغط و ضآلته، فشتّان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، و يكرم العلويين، و بين عصر المتوكّل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة.

فهذا ابن السكّيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكّل، و قد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن و الحسين؟ قال ابن السكّيت: و اللّٰه إنّ قنبر خادم عليّ عليه السلام خير منك و من ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات، و ذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع و أربعين و مائتين، و قيل ثلاث و أربعين، و كان عمره ثمانياً و خمسين سنة. و لمّا مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم و قال:

هذه دية والدك!!(1).

و هذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:

أ كلّ أوانٍ للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرّجُ

بني المصطفىٰ كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ

أبعد المكنّىٰ بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ‌(2)

فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم و مقتفي آثارهم؟!

قال العلّامة الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها؛ لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه، و في عهد العباسيين على طوله، و في أكثر أيام الدولة العثمانية، و لأجله استشعروا بشعار


1) . وفيات الأعيان: 33/3؛ سير أعلام النبلاء: 16/12.

2) . ديوان ابن الرومي: 243/2

التقية أكثر من أيّ قوم، و لمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين، و في كثير من الأحكام الفقهيّة، و المخالفة تستجلب بالطبع رقابة، و تصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس و النفيس، و المحافظة على الوداد و الأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين، لئلا تنشق عصا الطاعة، و لكي لا يحسّ الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي، فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية.

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة و تحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى، متّبعة في ذلك سيرة الأئمة من آل محمّد و أحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني و دين آبائي»، إذ أنّ دين اللّٰه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم(1).

روي عن صادق آل البيت عليهم السلام في الأثر الصحيح: «التقية ديني و دين آبائي» و «من لا تقية له لا دين له» و كذلك هي.

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت عليهم السلام دفعاً للضرر عنهم، و عن أتباعهم، و حقناً لدمائهم، و استصلاحاً لحال المسلمين، و جمعاً لكلمتهم، و لمّاً لشعثهم، و ما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف و الأُمم. و كلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لا بدّ


1) . غافر: 28، النحل: 106.

أن يتكتّم و يتّقي مواضع الخطر. و هذا أمر تقتضيه فطرة العقول.

و من المعلوم أنّ الإمامية و أئمتهم لاقوا من ضروب المحن، و صنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، و ترك مظاهرتهم، و ستر عقائدهم، و أعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.

و لهذا السبب امتازوا بالتقية و عرفوا بها دون سواهم.

و للتقية أحكام من حيث وجوبها و عدم وجوبها، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة.(1)

حدّ التقيّة

قد تعرّفت على مفهوم التقية و غايتها، و دليلها، و بقي الكلام في تبيين حدودها، فنقول:

عرفت الشيعة بالتقية و أنّهم يتّقون في أقوالهم و أفعالهم، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين و المغالطين، فقالوا: بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد على كلّ ما يقولون و يكتبون و ينشرون؛ إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعاياتٍ و الواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة، و يكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة التي يتحامل بها على الشيعة.

و لكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود


1) . مجلّة المرشد: 252/3، 253 كما في تعليقة أوائل المقالات: 96.

القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس و النفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها، و يحكم العقل و الشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه و نفيسه عن الخطر. و أمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقيّة، و الكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير؛ إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد، حيث لم يكن هناك لزوم للكتابة أصلاً في هذه الحال، فله أن يسكت و لا يكتب شيئاً.

فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم بحقيقة التقيّة عند الشيعة.

و الحاصل: أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم، و لا قدرة و لا منعة تدفع عنهم الأخطار. و أمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ و لا مبرر للتقيّة إلّا في موارد خاصة.

إنّ الشيعة - و كما ذكرنا - لم تلجأ إلى التقية إلّا بعد أن اضطرّت إلى ذلك، و هو حقّ لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه، إلّا أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقيّة - إلّا في حدود ضيّقة - تنحصر في مستوى الفتاوى، و لم تترجم إلّا قليلاً على المستوى العملي، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية، و بوسع كلّ باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية و غيره من الحكام الأُمويين، و الحكّام العباسيين، أمثال حجر بن عدي، و ميثم التمار، و رشيد الهجري، و كميل بن زياد، و مئات غيرهم، و كمواقف العلويين على امتداد التاريخ و ثوراتهم المتتالية.

التقية المحرّمة

إنّ التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس و الأعراض و الأموال، فإنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين و خفاء الحقيقة على الأجيال الآتية، و تسلّط الأعداء على شئون المسلمين و حرماتهم و مقدّساتهم، و لأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقيّة في بعض الأحيان و قدّموا أنفسهم و أرواحهم أضاحي من أجل الدين، فللتقيّة مواضع معيّنة، كما أنّ للقسم المحرّم منها مواضع خاصّة أيضاً.

إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتّى يزول الخطر، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش، و لكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذلّ، كلّا!! إنّ للتقية حدوداً لا تتعدّاها، فكما هي واجبة في حين، هي حرام في حين آخر، فالتقيّة أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلاً محرّمة؛ إذ فيها الذلّ و الهوان و نسيان المثل و الرجوع إلى الوراء، فليست التقيّة في جوازها و منعها تابعة للقوّة و الضعف، و إنّما تحدّدها جوازاً و منعاً مصالح الإسلام و المسلمين.

إنّ للإمام الخميني - قدّس اللّٰه سرّه - كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتّى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة و ربّما تحرم لمصالح عالية. قال قدس سره:

تحرم التقية في بعض المحرّمات و الواجبات التي تمثّل في نظر الشارع و المتشرّعة مكانة بالغة، مثل هدم الكعبة، و المشاهد المشرّفة، و الردّ على الإسلام و القرآن و التفسير بما يضرّ المذهب و يطابق الإلحاد و غيرها من

عظائم المحرمات، و لا تعمّها أدلّة التقية و لا الاضطرار و لا الإكراه.

و تدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة و فيها: «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز».(1)

و من هذا الباب ما إذا كان المتّقي ممّن له شأن و أهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقيّة أو تركه لبعض الواجبات كذلك ممّا يعدّ موهناً للمذهب و هاتكاً لحرمه، كما لو أُكره على شرب المسكر و الزنا مثلاً؛ فإنّ جواز التقية في مثله متمسكاً بحكومة دليل الرفع(2)و أدلّة التقية مشكل، بل ممنوع، و أولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية فيه ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال و الهدم و التغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث و الطلاق و الصلاة و الحجّ و غيرها من أُصول الأحكام فضلاً عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب و حفظ الأُصول و جمع شتات المسلمين لإقامة الدين و أُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، و هو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدّمة.(3)

و هكذا فقد بيّنا للجميع الأبعاد الحقيقية و الواقعية للتقية، و خرجنا بالنتائج التالية:

1 - إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، و قد استعملها في


1) . الوسائل: 11، كتاب الأمر بالمعروف، الباب 25 ح 6.

2) . قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «رفع عن أُمّتي ما اضطرّوا إليه و ما استكرهوا عليه».

3) . الإمام الخميني، الرسائل: 177-178.

عصر الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه، فلم يعارضه الرسول، بل أيّده بالنصّ القرآني، كما في قضية عمّار بن ياسر؛ حيث أمره صلى الله عليه و آله بالعودة إذا عادوا.

2 - إنّ التقية بمعنى تأليف جماعات سرّية لغاية التخريب و الهدم، مرفوضة عند المسلمين عامّة و الشيعة خاصّة، و هو لا يمت للتقية المتبنّاة من قبل الشيعة بصلة.

3 - إنّ المفسرين في كتبهم التفسيرية عند ما تعرّضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية.

4 - إنّ التقية لا تختصّ بالاتقاء من الكافر، بل تعمّ الاتّقاء من المسلم المخالف، الذي يريد السوء و البطش بأخيه.

5 - إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع، فهي محرمة في موضع آخر.

6 - إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، و هي فيما إذا كان الخوف قائماً، و أمّا إذا ارتفع الخوف و الضغط، فلا موضع للتقية لغاية الصيانة.

و في الختام نقول:

نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتّقي لصيانة دمه و عرضه و ماله، و لكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم و يدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول و الفعل الذي لا يعتقد به، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد، أن يفسح له الحرية في مجال الحياة و يتركه بحاله، و أقصى ما يصحّ في منطق العقل، أن يسأله عن دليل عقيدته و مصدر عمله؛

فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه، و إن كان على خلافها يعذره في اجتهاده و جهاده العلمي و الفكري.

نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية، و أن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين؛ فإنّ لكلّ فقيه مسلم رأيه و نظره، و جهده و طاقته.

إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمة أهل البيت في العقيدة و الشريعة، و يرون رأيهم؛ لأنّهم هم الذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و أحد الثقلين اللّذين أمر الرسول صلى الله عليه و آله بالتمسّك بهما في مجال العقيدة و الشريعة، و هذه عقائدهم لا تخفى على أحد، و هي حجّة على الجميع.

نسأل اللّٰه سبحانه أن يصون دماء المسلمين و أعراضهم عن تعرّض أيّ متعرّض، و يوحّد صفوفهم، و يؤلّف بين قلوبهم، و يجمع شملهم، و يجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء، إنّه على ذلك قدير و بالإجابة جدير.

المسألة الخامسة: البداء عند الشيعة الإمامية

اشارة

إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية، هو القول بالبداء، و من الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ و البداء صنوان، غير أنّ الأوّل في التشريع، و الثاني في التكوين، و قد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقية و جواز متعة النساء. و صار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم و قد أنكرت عليهم السنّة أشد الإنكار خصوصاً في مسألة البداء، و لكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على اللّٰه لتوقّفوا عن الاستنكار، و لأعلنوا الوفاق، و أقول عن جدّ: لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصّب و التشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره، و لأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلاّ في فترات خاصة، و قد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام، فتعجّب عن إتقان معناه، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظرية شخصية لا صلة لها بنظرية الإمامية في البداء، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة، فدفعت إليه أوائل المقالات، و شرح عقائد الصدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336-413 ه) فقرأهما بدقة، و جاء بالكتاب بعد أيام و قال: لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة و لا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً.

و لتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات:

الأُولى: اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها و حاضرها، و مستقبلها، لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء، فلا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء، و لا العلم بعد الجهل، بل الأشياء دقيقها و جليلها، حاضرة لديه، و يدلّ عليه الكتاب و السنّة المروية عن طريق أئمّة أهل البيت - مضافاً إلى البراهين الفلسفية المقرّرة في محلّها -.

أمّا من الكتاب:

فقوله سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَخْفىٰ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي اَلسَّمٰاءِ»(1).

و قوله تعالى: «وَ مٰا يَخْفىٰ عَلَى اَللّٰهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي اَلسَّمٰاءِ»(2).

و قوله سبحانه: «إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً» (3)كيف و هو محيط بالعالم صغيره و كبيره، مادّيّه وم جرّده، و الأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي و الرابطي بالطرفين، و يكفي في توضيح ذلك قوله سبحانه: «مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ»(4).

و قوله سبحانه: «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ عَلَى اَللّٰهِ رِزْقُهٰا وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهٰا وَ مُسْتَوْدَعَهٰا كُلٌّ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ»(5).


1) . آل عمران: 5.

2) . إبراهيم: 38.

3) . الأحزاب: 54.

4) . الحديد: 22.

5) . هود: 6.

و أمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها:

قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: «لم يزل اللّٰه عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء».(1)

و قال الإمام عليّ عليه السلام: «كلّ سرّ عندك علانية، و كلّ غيب عندك شهادة».(2)

قال عليه السلام: «لا يعزب عنه عدد قطر الماء، و لا نجوم السماء، و لا سوافي الريح في الهواء، و لا دبيب النمل على الصفا، و لا مقيل الذرّ في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، و خفيّ طرف الأحداق».(3)

و قال الصادق عليه السلام في تفسير قوله: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»(4): «فكل أمر يريده اللّٰه، فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلّا و قد كان في علمه، إنّ اللّٰه لا يبدو له من جهل».(5)

و قال عليه السلام: «من زعم أنّ اللّٰه عزّ و جلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس؛ فابرءوا منه».(6)

إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على إحاطة علمه بكلّ شيء قبل خلقه و حينه و بعده، و أنّه لا يخفى عليه شيء أبداً.(7)


1) . الكافي: 107/1، باب صفات الذات، الحديث 4.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 105، طبعة عبده.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 171.

4) . الرعد: 39.

5) . البحار: 111/4 باب البداء، الحديث 30؛ البرهان: 300/2.

6) . المصدر نفسه.

7) . للاطّلاع على المزيد من الروايات حول علمه تعالى أُنظر البحار: 121/4.

و أمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث و التغيير، و أنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث و التغييرات، و لأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه - بمعنى الظهور بعد الخفاء و العلم بعد الجهل - لاستلزامه كون ذاته محلاًّ للتغيّر و التبدّل، المستلزم للتركيب و الحدوث، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه.

فالآيات و كذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة عليهم السلام تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل، و على سعته لكلّ شيء قبل الخلق و بعده، و أنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء، و العلم بعد الجهل.

و عليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات و الأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت.

و بذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو و الإثبات، حيث يقول: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّٰه تعالى، و هو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسّكوا فيه بقوله: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ»، ثمّ قال: إنّ هذا باطل؛ لأنّ علم اللّٰه من لوازم ذاته المخصوصة، و ما كان كذلك كان دخول التغيّر و التبدّل فيه باطلاً.(1)

و ما حكاه الرازي عن «الرافضة» كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة، و إنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة، و قد


1) . تفسير الرازي: 216/4 تفسير سورة الرعد.

قبله من دون إمعان و دقّة، مع أنّ موطنه و مسقط رأسه بلدة (ري) التي كانت آنذاك مزدحم الشيعة و مركزهم، و كان الشيخ محمود بن عليّ بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي - علّامة زمانه في الأُصولين - معاصراً و مواطناً للرازي و هو مؤلّف كتاب «المنقذ من التقليد و المرشد إلى التوحيد»(1)، و لو كان الفخر الرازي رجلاً منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة، و لما هجم عليهم بسباب مقذع، و ربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره.

و ليس الرازي فريداً في التقوُّل في هذا المجال، بل سبقه البلخي (319 ه) في هذه النسبة(2)، و نقله الشيخ الأشعري (260-324 ه)(3)و نقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيدية(4).

الثانية: كما دلّت الآيات و الأحاديث(5)على أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق و الإيجاد، و التدبير و التربية، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر، بحسن أفعالهم و صلاح أعمالهم، من الصدقة و الإحسان وصلة الأرحام و برّ الوالدين، و الاستغفار و التوبة و شكر النعمة و أداء حقّها، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّر المصير و تبدّل القضاء، و تفرّج الهموم و الغموم، و تزيد في الأرزاق، و الأمطار، و الأعمار، و الآجال، كما أنّ لمحرَّم الأعمال و سيّئها من قبيل البخل و التقصير، و سوء الخلق، و قطيعة الرحم، و عقوق الوالدين، و الطيش، و عدم الإنابة، و كفران النعمة، و ما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من


1) . الثقات العيون في سادس القرون: 295 و طبع الكتاب أخيراً.

2) . التبيان: 13/1.

3) . مقالات الإسلاميين: 107.

4) . فرق الشيعة: 76، نقله عن سليمان بن جرير الذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفير عثمان، فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله؟

5) . البحار: 104/4 ح 17 و غيره.

إكثار الهموم، و القلق، و نقصان الأرزاق، و الأمطار، و الأعمار، و الآجال، و ما شاكلها.

فليس للإنسان مصير واحد، و مقدّر فارد؛ يصيبه على وجه القطع و البتّ، و يناله، شاء أو لم يشأ، بل المصير أو المقدر يتغيّر و يتبدّل بالأعمال الصالحة و الطالحة و شكر النعمة و كفرانها، و بالإيمان و التقوى، و الكفر و الفسوق. و هذا ممّا لا يمكن - لمن له أدنى علاقة بالكتاب و السنّة - إنكاره أو ادّعاء جهله.

و نحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدلّ على ذلك من الآيات و الروايات.

البداء في القرآن الكريم

منها: قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء: «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً * يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً * وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّٰاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهٰاراً»(1).

ترى أنّه عليه السلام يجعل الاستغفار علّة مؤثّرة في نزول المطر، و كثرة الأموال و البنين، و جريان الأنهار إلى غير ذلك، و أمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية، فيطلب من محلّه.

و قوله سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ»(2).

و قوله تعالى: «ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا عَلىٰ قَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ»(3).


1) . نوح: 10-12.

2) . الرعد: 11.

3) . الأنفال: 53.

و قوله سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ»(1).

و قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ»(2).

و قوله تعالى: «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ»(3).

و قوله سبحانه: «وَ نُوحاً إِذْ نٰادىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ فَنَجَّيْنٰاهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ اَلْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ»(4).

و قال تعالى: «وَ أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرّٰاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ فَكَشَفْنٰا مٰا بِهِ مِنْ ضُرٍّ»(5).

و قال سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»(6). و قال تعالى: «فَلَوْ لاٰ أَنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ * وَ أَنْبَتْنٰا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ»(7).

و قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْغَمِّ وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ»(8).

و قال سبحانه: «فَلَوْ لاٰ كٰانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهٰا إِيمٰانُهٰا إِلاّٰ قَوْمَ يُونُسَ لَمّٰا


1) . الأعراف: 96.

2) . الطلاق: 3.

3) . إبراهيم: 7.

4) . الأنبياء: 76.

5) . الأنبياء: 83.

6) . الأنفال: 33.

7) . الصافات: 143-146.

8) . الأنبياء: 88.

آمَنُوا كَشَفْنٰا عَنْهُمْ عَذٰابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ مَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ»(1).

و هذه الآيات بالإضافة إلى كثير من الأحاديث - التي سيوافيك بيان نزر منها - تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان، و أنّ الإنسان بعمله يؤثّر في تحديد قدره و تبديل القضاء، و ليس هناك مقدّر محتوم فيما يرجع إلى أفعاله الاختيارية حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي و الأرجل.

البداء في الروايات
اشارة

و أمّا الأحاديث التي تدلّ على هذا المطلب فكثيرة جدّاً مبعثرة في كتب الحديث تحت مواضيع مختلفة مثل الصدقة و الاستغفار و الدعاء وصلة الرحم، و ما أشبه ذلك، و سنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالّة على هذه المطالب:

ألف - الصدقة و أثرها في دفع البلاء:

روى الصدوق في «الخصال» عن أنس قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أكثر من صدقة السرِّ؛ فإنّها تُطفئ غضب الربِّ جلّ جلاله».

و روى في «عيون الأخبار» عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «باكروا بالصدقة، فمن باكر بها لم يتخطّاها البلاء».


1) . يونس: 98. و قد استشهد الإمام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء، فقال: «إنَّ اللّٰه يبتلي عبادَهُ عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات...» نهج البلاغة، الخطبة 143.

و روى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر عليه السلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام:

أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان باللّٰه، و صدقة السرِّ؛ فإنّها تذهب الخطيئة، و تطفئ غضب الرب، و صنائعُ المعروف؛ فإنّها تدفع ميتة السوء، و تقي مصارع الهوان».

و روى الصدوق في «ثواب الأعمال» عن الصادق عليه السلام: قال: «الصدقة بالليل تدفع ميتة السوء، و تدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء».

إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة و التي يضيق المجال بذكرها، و للمستزيد الرجوع إلى كتاب «بحار الأنوار» للعلّامة المجلسي ضمن أبواب الزكاة و الصدقة و غيرها.(1)

ب - أثر الاستغفار في الرزق:

روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «الاستغفار يزيد في الرزق».

و روى أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أكثروا الاستغفار؛ تجلبوا الرزق».(2)

ج - الدعاء و آثاره:

روى الحميري في «قرب الإسناد» عن الصادق عليه السلام: «إنّ الدعاء


1) . بحار الأنوار: 176/93، 177، 181، الباب 21، الأحاديث 4، 7، 9، 26 و روى هناك أحاديث أُخرى.

2) . المصدر نفسه كتاب الذكر و الدعاء باب الاستغفار و فضله و أنواعه، الحديث 4-17 (و روى أحاديث من الفريقين).

يردّ القضاء، و إنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق».(1)

و روى أيضاً عنه عليه السلام: قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «داووا مرضاكم بالصدقة، و ادفعوا أبواب البلاء بالدعاء».

و روى الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام: «ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء».(2)

و قد عقد الكليني في «الكافي» باباً أسماه «إنّ الدعاء يردّ البلاء و القضاء» و من جملة أحاديث هذا الباب: روي عن حمّاد بن عثمان قال: سمعته يقول:

«إنّ الدعاء يردّ القضاء؛ ينقضه كما ينقض السلك و قد أُبرم إبراماً».(3)

و روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام: «عليكم بالدعاء؛ فإنّ الدعاء للّٰه و الطلب إلى اللّٰه يردّ البلاء و قد قدّر و قضى و لم يبق إلّا إمضاؤه، فإذا دعي اللّٰه عزّ و جلّ و سئل، صرف البلاء صرفة».(4)

و أمّا من طرق العامّة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس - رضي اللّٰه عنه - قال: «لا ينفع الحذر عن القدر، و لكن اللّٰه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر».

قال: و أخرج ابن أبي شيبة في المصنّف، و ابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود - رضي اللّٰه عنه - قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلّا وسّع اللّٰه له في


1) . قرب الاسناد: 32 برقم 104 ط مؤسسة آل البيت - قم.

2) . البحار: 289/93 كتاب الذكر و الدعاء، أبواب الدعاء، الباب 16 / ح 2، 3، 5 (و روى أحاديث من الفريقين).

3) . الكافي: 469/2 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 1.

4) . الكافي: 470/2 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 8.

معيشته: «يا ذا المنّ و لا يمنّ عليه، يا ذا الجلال و الإكرام، يا ذا الطول، لا إلٰه إلّا أنت ظهر اللّاجين وجار المستجيرين، و مأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عنّي اسم الشقاء و أثبتني عندك سعيداً، و إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً، مقتّراً على رزقي، فامح حرماني، و يسّر رزقي، و أثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ».(1)

و روى أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى: «يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ» ما يقرب من هذا، فلاحظ.(2)

د - أثر صلة الرحم:

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها اللّٰه ثلاثين سنة، و يفعل اللّٰه ما يشاء».(3)

و روى أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام قال: «صلة الأرحام تزكّي الأعمال، و تنمي الأموال و تدفع البلوى، و تيسّر الحساب، و تنسئ في الآجال».(4)

و من طرق العامّة وردت روايات متعدّدة في هذا المنحى، نكتفي منها بما رواه السيوطي في «الدر المنثور» عن عليّ رضى الله عنه: أنّه سأل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن هذه


1) . الدر المنثور: 66/4.

2) . المصدر نفسه: 143/6.

3) . الكافي: 149/2، باب صلة الرحم، الحديث 3.

4) . الكافي: 150/2، باب صلة الرحم، الحديث 4. و لاحظ البحار: 121/4، باب البداء، الحديث 66.

الآية: «يَمْحُوا اَللّٰهُ» فقال له: «لأقرّن عينيك بتفسيرها، و لأقرّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، و برّ الوالدين، و اصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة، و يزيد في العمر، و يقي مصارع السوء».

و كما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير و حسن العاقبة، و شمول الرحمة و زيادة العمر وسعة الرزق، كذلك الأعمال الطالحة و السيّئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان.

و يدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه:

«وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ»(1).

و قال سبحانه: «ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا عَلىٰ قَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(2).

و قال سبحانه: «وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»(3).

أمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها و لا حرج منها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عند ما قال في خطبة له: «أعوذ باللّٰه من الذنوب التي تعجّل الفناء» فقام إليه عبد اللّٰه بن الكوّاء اليشكري، فقال: يا أمير المؤمنين أ وَ تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال: «نعم ويلك! قطيعة الرحم».


1) . النحل: 112.

2) . الأنفال: 53.

3) . الأعراف: 130.

و قال أيضاً: «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار».(1)

و قد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها.

فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيه ستّ خصال ثلاث منها في الدنيا و ثلاث منها في الآخرة، أمّا التي في الدنيا فيذهب بالبهاء و يعجّل الفناء و يقطع الرزق.(2)

و أيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام من أنّه قال: «لتأمرُنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، أو لتستعملنّ عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».(3)

و عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي و لم ينههم الربّانيون و الأحبار نزلت بهم العقوبات».(4)

و ورد عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «لا تزال أُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و تعاونوا على البرّ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، و سلّط بعضهم على بعض، و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء»(5)إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها.

فقد تحصّل ممّا ذكرنا:

أوّلاً: أنّ علمه سبحانه يعمّ كلّ الأشياء؛ ماضيها و حاضرها و مستقبلها.


1) . الكافي: 347/2-348، كتاب الإيمان و الكفر، باب قطيعة الرحم، الحديث 7 و 8.

2) . سفينة البحار: 560/1 مادة (زنا).

3) . الوسائل: 11 كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الباب 1، الحديث 4.

4) . المصدر نفسه، الحديث 7.

5) . المصدر نفسه، الحديث 18.

و ثانياً: أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن.

و ثالثاً: أنّ لأفعال العباد تأثيراً في حسن العاقبة و سوئها، و نزول الرحمة و البركة، أو العقاب و النقمة.

إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم: أنّه يقع الكلام في البداء في مقامين:

1 - البداء في مقام الثبوت: أي تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة.

2 - البداء في مقام الإثبات: أي الإخبار عن تحقّق الشيء علماً بالمقتضي مع خفاء المانع.

البداء في مقام الثبوت
اشارة

إنّ حقيقة البداء أنّه سبحانه - على خلاف ما اعتقده اليهود و النصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق و التدبير، و الإحياء و الإماتة، و التوسيع و التقدير في الرزق، و التعمير و التنقيص، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون و الإنسان - هو القائم دائماً بالأمر و التدبير، و هو القيّوم على كلِّ شيء، و كلّ يوم في شأن، و ليست يداه مغلولتين، بل يداه مبسوطتان (في كلّ شيء) يمحو و يثبت حسب مشيئته الحكيمة و إرادته النافذة، فهو المتجلّي في كلّ زمان بأسمائه الحسنى و صفاته العليا، كالخالقية و الرازقية، و الإحياء و الإماتة، إلى غير ذلك من أسمائه و صفاته سبحانه و تعالى.

و من شعب هذا الأمر، هو أنّه سبحانه: يزيد في الرزق و العمر

و ينقص منهما، و ينزل الرحمة و البركة، كما ينزل البلاء و النقمة، حسب مشيئته الحكيمة، النافذة، و لا تصدر عنه الأُمور جزافاً و اعتباطاً، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال و قبحها، و صالح الأعمال و طالحها. فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال.

و بالجملة: فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود و النصارى المشار إليه في قوله سبحانه: «وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيٰاناً وَ كُفْراً»(1)، و قد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح.

و لأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان، يزيد في الخلق ما يشاء - و في العمر - و ينقص منه، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه: «اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ... يَزِيدُ فِي اَلْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ إِنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ»(2).

قال سبحانه: «وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لاٰ تَضَعُ إِلاّٰ بِعِلْمِهِ وَ مٰا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لاٰ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ»(3).

و بناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين، على مذاهبهم المختلفة، من دون اختصاص بالشيعة، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن، و أنّه جلّ و علا يبدئ و يعيد، و يحيي و يميت،


1) . المائدة: 64.

2) . فاطر: 1.

3) . فاطر: 11.

كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق و العمر و ينقص، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة و المصالح الكامنة في أفعاله.

بحث في قوله تعالى: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»:

هذا الأصل - الذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود، من سيادة القدر على كلّ شيء حتى إرادته سبحانه - يستفاد بوضوح من قوله سبحانه: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»(1)، و هذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت، و يكفي في إيضاح دلالتها، نقل كلمات المحقّقين من المفسّرين، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح، ممّا أصفقت عليه الأُمّة.

1 - روى الطبري (المتوفّى 310 ه) في تفسير الآية عن جمع من الصحابة و التابعين أنّهم كانوا يدعون اللّٰه سبحانه بتغيير المصير و إخراجهم من الشقاء - إن كتب عليهم - إلى السعادة، مثلاً كان عمر بن الخطاب - رضي اللّٰه عنه - يقول و هو يطوف بالكعبة: اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، و إن كنت كتبتني على الذنبِ [الشقاوة] فامحني و أثبتني في أهل السعادة؛ فإنّك تمحو ما تشاء و تثبت و عندك أُمّ الكتاب.

و روى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود، و ابن عبّاس، و شقيق و أبي وائل.(2)


1) . الرعد: 39.

2) . جامع البيان: 112/13-114.

روي عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ» بما يُنزِّلُ على الأنبياء، «وَ يُثْبِتُ» ما يشاء ممّا ينزله إلى الأنبياء و قال: «وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ» لا يُغيّر و لا يُبدَّل».(1)

2 - قال الزمخشري (المتوفّى 528 ه): «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ» ينسخ ما يستصوب نسخه و يثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ.(2)

3 - ذكر الطبرسي (471-548 ه): لتفسير الآية وجوهاً متقاربة و قال:

«الرابع أنّه عامٌّ في كلّ شيء، فيمحو من الرزق و يزيد فيه، و من الأجل، و يمحو السعادة و الشقاوة و يثبتهما. (روى ذلك) عن عمر بن الخطاب، و ابن مسعود، و أبي وائل، و قتادة. و أُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات و الكائنات.

و روى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء....(3)

4 - قال الرازي (المتوفّى 608 ه): إنّ في هذه الآية قولين:

القول الأوّل: إنّها عامة في كلّ شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا: إنّ اللّٰه يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر و هو مذهب عمر و ابن مسعود، و القائلون بهذا القول كانوا يدعون


1) . جامع البيان: 112/13-114.

2) . الكشاف: 169/2.

3) . مجمع البيان: 398/6.

و يتضرّعون إلى اللّٰه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. و هذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

و القول الثاني: إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض.

ثمّ قال: فإن قال قائل: أ لستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم و ليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو و الإثبات؟

قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضاً مما جفّ به القلم، فلأنّه لا يمحو إلّا ما سبق في علمه و قضائه محوه.(1)

5 - قال القرطبي (المتوفّى 671 ه) - بعد نقل القولين و أنّ المحو و الإثبات هل يعمّان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضها -: مثل هذا لا يدرك بالرأي و الاجتهاد، و إنّما يؤخذ توقيفاً، فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده، و إلّا فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء، و هو الأظهر - ثمّ نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف و دعاء عبد اللّه بن مسعود ثمّ قال: روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول: «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ و يُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».(2)

6 - قال ابن كثير (المتوفّى 774 ه) بعد نقل قسم من الروايات: و معنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ اللّٰه ما يشاء منها و يثبت منها ما يشاء، و قد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «إن الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه و لا يردّ القَدَرُ إلّا بالدعاء، و لا يزيد في العمر


1) . تفسير الرازي: 64/10-65.

2) . الجامع لأحكام القرآن: 329/5.

إلّا البر» ثمّ نقل عن ابن عبّاس: «الكتاب كتابان؛ فكتاب يمحو اللّٰه منه ما يشاء و يثبت عنده ما يشاء، و عنده أُمّ الكتاب».(1)

7 - روى السيوطي (المتوفّى 911 ه) عن ابن عبّاس في تفسير الآية: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة اللّٰه، ثمّ يعود لمعصية اللّٰه فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، و الذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية اللّٰه تعالى و قد سبق له خير حتّى يموت و هو في طاعة اللّٰه سبحانه و تعالى. ثمّ نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة و التابعين.(2)

8 - ذكر الآلوسي (المتوفّى 1270 ه) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها و قال: أخرج ابن مردويه و ابن عساكر عن عليّ - كرم اللّٰه وجهه - أنّه سأل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن قوله تعالى: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ...» الآية فقال له عليه الصلاة و السلام: «لأقرّنّ عينك بتفسيرها، و لأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، و برّ الوالدين و اصطناع المعروف، محوِّل الشقاء سعادة، و يزيد في العمر، و يقي مصارع السوء» ثمّ قال: دفع الإشكال عن استلزام ذلك، بتغيّر علم اللّٰه سبحانه، و من شاء فليراجع.(3)

9 - قال صديق حسن خان (المتوفّى 1307 ه) في تفسير الآية: و ظاهر النظم القرآني العموم في كلّ شيء ممّا في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوةٍ أو سعادةٍ أو رزقٍ أو عمرٍ أو خيرٍ أو شرّ و يبدّل هذا بهذا، و يجعل هذا


1) . تفسير ابن كثير: 520/2.

2) . الدر المنثور: 660/4. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات.

3) . روح المعاني: 111/13.

مكان هذا. لا يُسأل عمّا يفعل و هم يُسألون. و إلى هذا ذهب عمر بن الخطّاب و ابن مسعود و ابن عبّاس و أبو وائل و قتادة و الضحّاك و ابن جريج و غيرهم....(1)

10 - قال القاسمي (المتوفّى 1332 ه): تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى:

«يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ» فقالوا: إنّها عامَّة في كلّ شيء كما - يقتضيه ظاهر اللفظ - قالوا يمحو اللّٰه من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر.(2)

11 - قال المراغي (المتوفّى 1371 ه) في تفسير الآية: و قد أُثر عن أئمة السلف أقوال لا تناقض، بل هي داخلة فيما سلف. ثمّ نقل الأقوال بإجمال.(3)

و هذه الجمل و الكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة و التابعين لهم بإحسان و المفسّرين؛ تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة و الطالحة، و منها الدعاء و السؤال، و أنّه ليس كلّ تقدير حتمياً لا يغيّر و لا يبدّل، و أنّ للّٰه سبحانه لوحين: لوح المحو و الإثبات و لوح «أُمّ الكتاب» و الذي لا يتطرّق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل، و أنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة و المعصية؛ قول بالجبر الباطل بالعقل و الضرورة و محكمات الكتاب. و من جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل و إنزال الكتب «ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ»(4).


1) . فتح البيان: 171/5.

2) . المحاسن و التأويل: 372/9.

3) . تفسير المراغي: 155/5-156.

4) . ص: 27.

و كما أنّه سبحانه يداه مبسوطتان، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسيّر، و حرٌّ في تصرّفاته(1)لا مجبور، له أن يغيّر مصيره و مقدَّره بحسن فعله و جودة عمله، و يخرج اسمه من الأشقياء، و يدخله في السعداء، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء و يدخله في الأشقياء بسوء عمله.

فاللّٰه سبحانه كما يمحو و يثبت في التكوين، فيحيي و يميت، كذلك يمحو مصير العبد و يغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه (فعله و عمله) لقوله سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ»(2)، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان، و أنّ العبد حرٌّ مختار، قادر على تغيير القضاء، و تبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه، كما دلّت عليه الآيات و الروايات.

و ليس في ذلك أيّ محذور و لا مخالفة للعقل و لا الكتاب و السنّة، بل تغيير القضاء بحسن الفعل و تغيير القدر بسوئه، هو أيضاً من قدره و قضائه و سننه التي لا تبديل لها و لا تغيير، فاللّٰه سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً و قضى له بأمر، فلم يقدّره و لم يقضِ به على وجه القطع و البتِّ، بحيث لا يتغيّر و لا يتبدّل، بل قضى به على وجه خاصّ، و هو أنّ القضاء و القدر يجري عليه، ما لم يغيّر العبد حاله، فإذا غيّر حاله بحسن فعله أو سوئه، يتغيّر القضاء و يتبدّل القدر، و يخلف قضاء و قدر آخر مكانهما الأوّل، و كلّ هذه أيضاً قضاء و قدر منه، كما لا يخفى.

و هذا (البداء في الثبوت) أولى من التسمية بالمحو و الإثبات، و التغيير


1) . لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلاً.

2) . الرعد: 11.

و التبديل في الكون و في مصير الإنسان، غير أنّ المحو و الإثبات في الكون بيد اللّٰه سبحانه، يتصرّف فيه حسب مشيئته، و لا دخل لإرادة الإنسان و في صلاح فعله و فساده، و أمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه؛ على كيفية حال العبد و كيفية عمله من حسن أو قبح.

الأثر التربوي للاعتقاد بالبداء:

الاعتقاد بالمحو و الإثبات، و أنّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله و أعماله، لا بدّ من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر، و ينمي نواة الخير الكامنة في نفسه. فتشريع البداء، مثل تشريع قبول التوبة، و الشفاعة، و تكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، كلّها لأجل بعث الرجاء و إيقاد نوره في قلوب العصاة و العتاة، حتّى لا ييأسوا من روح اللّٰه، و لا يتولّوا بتصور أنّهم من الأشقياء و أهل النار قدراً، و أنّه لا فائدة من السعي و العمل، فلعلم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو و الإثبات، و له أن يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء، يسعد من يشاء، و يشقي من يشاء «و ليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية» لأنّ العبد لو تاب، و عمل بالفرائض، و تمسّك بالعروة الوثقى، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء، و يدخل في صنف السعداء، و بالعكس. و هكذا فإنّ كلّ ما قدّر في حقّه من الموت و المرض و الفقر و الشقاء يمكن تغييره بالدعاء، و الصدقة، وصلة الرحم، و إكرام الوالدين، و غير ذلك، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان، و على هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب و صريح آياته و أخبار الهداة.

و بهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة

المسلمين، و إن غفل عن معناه الجمهور (و لو عرفوه لأذعنوا له).

و أمّا اليهود - خذلهم اللّٰه - فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم، و لأجل ذلك قالوا: يد اللّٰه مغلولة عن القبض و البسط، و الأخذ و الإعطاء، و بعبارة أُخرى: فإنّهم يذهبون إلى أنّ للإنسان مصيراً واحداً لا يمكن تغييره و لا تبديله، و أنّه ينال ما قدّر له من الخير و الشر.

و لو صحّ ذلك لبطل الدعاء و التضرّع، و لبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة و غير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان.

على ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء و أهميته في الروايات مثل ما روى زرارة، عن أحدهما (الباقر أو الصادق عليهما السلام): «ما عُبد اللّٰه عزّ و جلّ بشيء مثل البداء».(1)

و ما روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «ما عُظِّم اللّٰه عزّ و جلّ بمثل البداء».(2)

إذ لو لا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عُرف اللّٰه حقّ المعرفة، بل و يبدو سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنّه مكتوف الأيدي، لا يقدر على تغيير ما قدّره، و لا محو ما أثبته. و من الروايات في هذا المعنى ما روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال:

«لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه».(3)


1) . البحار: 107/4، باب البداء، الحديث 19، 20.

2) . التوحيد للصدوق: 333، باب البداء، الحديث 2.

3) . الكافي: 115/1؛ التوحيد للصدوق: 334، باب البداء، الحديث 7.

و ذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء نظير الاعتقاد بتأثير التوبة و الشفاعة يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغيِّ و الضلالة، و الإنابة إلى الصلاح و الهداية.

البداء في مقام الإثبات

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ المراد من البداء في مقام الإثبات هو وقوع التغير في بعض مظاهر علمه سبحانه؛ فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر، منها: ما لا يقبل التغيير، و منها ما يقبل ذلك.

أمّا الأوّل: فهو المعبّر عنه ب «اللوح المحفوظ» تارة و ب «أُمّ الكتاب» أُخرى، قال سبحانه: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»(1). و قوله تعالى:

«وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»(2).

و قال سبحانه: «مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ»(3).

فاللوح المحفوظ و أُمّ الكتاب يمكن التعبير عنه بأنّه ذلك الكتاب الذي كتب فيه ما يصيب الإنسان طيلة حياته من بلايا و فتن و نعيم و سرور بشكل لا يمكن أن يتطرّق إليها المحو و الإثبات قدر شعرة، و لأجل ذلك لو تمكّن الإنسان أن يتّصل به، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ و لا تخلّف.


1) . البروج: 21-22.

2) . الزخرف: 4.

3) . الحديد: 22.

أمّا الثاني: فهو لوح المحو و الإثبات الذي أشار إليه سبحانه بقوله: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»(1)فالأحكام الثابتة فيه أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها، فالتغيّر فيها لأجل إعواز شرطها أو تحقّق مانعها، فمثلاً يمكن أن يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضياته في الوقت المعين المتّصل بالمقتضيات، إلّا أنّه ربّما يمحى و يؤجل و يكتب بدله توفر الصحّة؛ لفقدان شرط التقدير الأوّل أو طروّ مانع من تأثير المقتضي.

فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه - الذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط و عدم موانع - يمكن تقدير وجوده، بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته التي منها الشرائط و عدم الموانع، و يقدّر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه، و تحقّق موانعه. إذا علمت ذلك فاعلم: أنّه ربّما يتّصل النبيّ أو الوليّ بلوح المحو و الإثبات، فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه، فيخبر عن وقوع شيء ما، و لكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه، و ذلك هو البداء في عالم الإثبات.

و إن شئت قلت: إنّ موارد وقوع البداء حسب الإثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت، و لم يرد في الأخبار من هذا القسم من البداء إلّا موارد لا تتجاوز عدد الأصابع(2)، نشير إليه بعد الفراغ عمّا ورد في الذكر الحكيم.


1) . الرعد: 39.

2) . الدر المنثور: 280/5.

تلميحات للبداء في الذكر الحكيم:

1 - قال سبحانه: «فَبَشَّرْنٰاهُ بِغُلاٰمٍ حَلِيمٍ * فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قٰالَ يٰا بُنَيَّ إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مٰا ذٰا تَرىٰ قٰالَ يٰا أَبَتِ اِفْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ مِنَ اَلصّٰابِرِينَ»(1).

أخبر إبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل عليه السلام بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه، و رؤيا الأنبياء (كما ورد في الحديث) من أقسام الوحي، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة، و هي أمر اللّٰه إبراهيم بذبح ولده، و قد تحقّق ذلك الأمر، أي أمر اللّٰه سبحانه به.

و لكن قوله: «إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» يكشف عن أمرين:

أوّلاً: الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت و قد تحقّق.

ثانياً: الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي و أنّ إبراهيم سيمتثل ذلك، و الحال أنّه لم يتحقّق لفقدان شرطه و هو عدم النسخ، و يحكي عن كلا الأمرين قوله: «وَ فَدَيْنٰاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ».

و عندئذ يطرح هذا السؤال نفسه: بأنّه كيف أخبر خليل الرحمن بشيء من الملاحم و المغيبات، ثمّ لم يتحقّق؟ و الجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً و هو أنّ إبراهيم عليه السلام وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي، و لكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامّة، و ليس لعلمه هذا مصدر سوى اتّصاله بلوح المحو و الإثبات.


1) . الصافات: 102-101

2 - و أمّا يونس عليه السلام فإنّه أنذر قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام(1)و ما كان قوله تخرّص أو تخويف، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها، إلّا أنّ هذا الأمر لم يقع كما هو معروف، و في هذا إشارة واضحة إلى أنّه عليه السلام وقف على المقتضي و لم يقف على المانع، و هو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها اللّٰه تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به، و إلى ذلك يشير قوله سبحانه: «فَلَوْ لاٰ كٰانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهٰا إِيمٰانُهٰا إِلاّٰ قَوْمَ يُونُسَ لَمّٰا آمَنُوا كَشَفْنٰا عَنْهُمْ عَذٰابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ مَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ»(2).

3 - أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة، كما روي عن ابن عبّاس حيث قال: إنّ موسى قال لقومه: إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه و أخلف هارون فيكم، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده اللّٰه عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده اللّٰه.(3)

و إلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه: «وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلاٰثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ»(4).

فلا شكّ أنّ موسى اُطّلع على الخبر الأوّل و لم يطلع على نسخه، و أنّ التوقيت سيزيد، و لا مصدر لعلمه إلّا الاتّصال بلوح المحو و الإثبات.

هذه جملة الأخبار التي تحدَّث بها الذكر الحكيم عن أحداث و وقائع كان


1) . مجمع البيان: 135/3.

2) . يونس: 98.

3) . مجمع البيان: 115/2.

4) . الأعراف: 142.

النبيّون عليهم السلام قد أخبروا بحتمية وقوعها على حدّ علمهم، إلّا أنّها لم تتحقّق، و عندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء اللّٰه تعالى على المقتضي دون العلّة التامّة.

فعند ما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء، و المراد به أنّه بدا من اللّٰه لنبيّه و للناس ما خفي عليهم، على غرار قوله سبحانه: «وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اَللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ»(1)، فالبداء إذا نسب إلى اللّٰه سبحانه فهو بداء منه، و إذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم.

و بعبارة أُخرى: البداء من اللّٰه هو إظهار ما خفي على الناس، و البداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم، و هذا هو الحقّ الصراح الذي لا يرتاب فيه أحد.

تلميحات للبداء في الروايات الشريفة

و أمّا ما ورد في الروايات، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل:

1 - إنّ المسيح عليه السلام مرّ بقوم مجلبين(2)، فقال: «ما لهؤلاء»؟ قيل: يا روح اللّٰه فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه، فقال: «يجلبون اليوم و يبكون غداً»، فقال قائل منهم: و لم يا رسول اللّٰه؟ قال: «لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه»... فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا: يا روح اللّٰه إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمت. فدخل المسيح دارها فقال: «ما صنعت


1) . الزمر: 47.

2) . أي تعلو منهم أصوات الفرح.

ليلتك هذه»؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلّا و كنت أصنعه فيما مضى، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فَنُنيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: «تنحّي عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، فقال عليه السلام: «بما صنعتِ، صُرِفَ عنكِ هذا».(1)

2 - روى الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام انّه قال: «مرّ يهودي بالنبيّ صلى الله عليه و آله فقال: السام عليك، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: عليك. فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت فقال: الموت عليك. فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: و كذلك رددت. ثمّ قال النبيّ صلى الله عليه و آله:

إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله.

قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: ضعه، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلّا حطبي هذا حملته فجئت به و كان معي كعكتان، فأكلت واحدة و تصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: بها دفع اللّٰه عنه، قال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».(2)

و لا يمكن لأحدٍ تفسير مضامين الآيات الماضية و هذين الحديثين إلّا عن طريق البداء بالمعنى الذي تعرّفت عليه، و هو اتّصال النبيّ بلوح المحو و الإثبات، و الوقوف على المقتضي، و الإخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلّة التامّة.


1) . بحار الأنوار: 94/4.

2) . بحار الأنوار: 121/4.

3 - روى الصدوق عن الإمام الباقر عليه السلام: «إنّ اللّٰه تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء و أعمارهم، فمرّ بآدم اسم داود النبيّ عليه السلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة، فقال آدم: يا ربِّ ما أقل عمر داود و ما أكثر عمري، يا ربّ إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة، أ تثبت ذلك له؟ قال اللّٰه: نعم يا آدم، فقال آدم:

فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة» قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «فأثبت اللّٰه عزّ و جلّ لداود في عمره ثلاثين سنة».(1)

ترى أنّه سبحانه أثبت شيئاً، ثمّ محاه بدعاء نبيّه، و هذا هو المراد من قوله سبحانه: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ» فلو أخبر نبيّ اللّٰه عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذباً في إخباره؛ لأنّه وقف على الإثبات الأوّل، و لم يقف على محوه.

4 - أوحى اللّٰه تعالى إلى نبيّ من أنبيائه أن يخبر أحد ملوك عصره بأنّه تعالى متوفّيه يوم كذا، فما كان من ذلك الملك إلّا أن رفع يديه بالدعاء إلى اللّٰه تعالى قائلاً: ربّ أخّرني حتّى يشبَّ طفلي و أقضي أمري، فأوحى اللّٰه عزّ و جلّ إلى ذلك النبيّ: أنِ ائت فلاناً الملك و أخبره أنّي قد زدت في عمره خمس عشرة سنة.(2)

5 - روى عمرو بن الحمق، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه، فقال لي: «يا عمرو إنّي مفارقكم، ثمّ قال: سنة سبعين فيها


1) . بحار الأنوار: 102/4.

2) . بحار الأنوار: 121/4 (و في رواية أُخرى أنّ ذلك النبيّ هو حزقيل، البحار: 112/4 و ذكر مثله في قضية شعيا ص 113).

بلاء» - قالها ثلاثاً - فقلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني و أُغمي عليه، فبكت أُمّ كلثوم فأفاق... فقلت: بأبي أنت و أُمّي قلتَ: إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: «نعم يا عمرو إنّ بعد البلاء رخاء و «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»».(1)

هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الإثبات، و إن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت، و لا تجد في الأحاديث الشيعية بداء غير ما ذكرنا، و لو عثر المتتبّع على مورد، فهو نظير ما سبق من الموارد، و التحليل في الجميع واحد.

إذا وقفت على ذلك تدرك بوضوح ضعف مقالة الرازي التي يقول فيها:

إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم، لا يظهر معهما أحد عليهم:

الأوّل: القول بالبداء، فإذا قال: إنّهم سيكون لهم قوّة و شوكة، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا، قالوا: بدا للّٰه فيه.(2)

إنّ الذي نقله أئمّة الشيعة هو ما تعرّفت عليه من الروايات، و ليس فيها شيء مما نسبه الرازي إليهم، فقد نقلوا قصّة رسول اللّٰه مع اليهودي، و قصة المسيح مع العروس، كما نقلوا قصّة عمر داود و عمر الملك، فهل يجد القارئ المنصف شيئاً مما ذكره الرازي؟! و أمّا ما رواه عمرو بن الحمق فإنّما هو خبر واحد ذيّل كلامه بالآية قائلاً:

بأنّ هذا ليس خبراً قطعياً و أنّه في مظانّ المحو و الإثبات.


1) . بحار الأنوار: 119/4 ح 60.

2) . نقد المحصل: 421، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي، و الأمر الثاني هو التقية كما عرفت.

أ فيصحّ لأجل مثله رمي أئمّة الشيعة «بأنّهم وضعوا قاعدتين، و أنّهم كلّما يقولون سيكون لهم قوّة ثمّ لا يكون، قالوا بدا للّٰه تعالى فيه»؟!

و قد سبق الرازي في هذا الزعم أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه.(1)

تتمّة البحث
اشارة

ثمّ إنّ إكمال البحث يتوقّف على ذكر أُمور:

الأمر الأوّل:

إنّ البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء و وحيهم، و ذلك بأن تدلّ قرائن على صحّة الإخبار الأوّل كما صحّ الخبر الثاني، و هو ما نراه واضحاً في قصّة يونس و إبراهيم الخليل، فإنّ القوم قد شاهدوا طلائع العذاب فأذعنوا بصحّة خبر يونس، كما أنّ التفدية بذبح عظيم دلّت على صحّة إخبار الخليل، و هكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلّان على صحّة إخبار النبيّ الأعظم.

كلّ ذلك يشهد على أنّ الخبر الأوّل كان صحيحاً و مقدّراً، غير أنّ الإنسان يمكن له أن يغيّر مصيره بعمله الصالح أو الطالح كما في غير تلك المقامات.

و بالجملة: يجب أن يكون وقوع البداء مقروناً بما يدلّ على صحة إخبار


1) . التبيان: 13/1-14، ط النجف، و قد عرفت بعض المتشدّقين بهذه الكلمة المكذوبة.

النبيّ عليه السلام و لا يكون البداء على وجه يعدّ دليلاً على كذبه، ففي هذه الموارد دلّت القرائن على أنّ المخبر كان صادقاً في خبره.

الأمر الثاني:

إنّ البداء لا يتحقّق فيما يتعلّق بنظام النبوّة و الولاية و الخاتمية و الملاحم الغيبية التي تعدّ شعاراً للشريعة، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبيّ اسمه أحمد، أو أخبر النبيّ بكونه خاتماً للرسل، أو أنّ الخلافة بعده لوصيّه، أو أنّه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطاً و عدلاً، و نظير ذلك، فلا يتحقّق فيه البداء قطعاً؛ لأنّ احتمال البداء فيه ناقض للحكمة، و موجب لضلال العباد، و لو كان احتمال هذا الباب مفتوحاً في تلك المسائل الأُصولية لما وجب على أحد أن يقتفي النبيّ المبشَّر به، و لا يوالي الوصي المنصوص عليه، و لا يتلقّى دين الإسلام خاتماً، و لا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً، بحجّة أنّه يمكن أن يقع فيه البداء. ففتح هذا الباب في المعارف و العقائد و الأُصول و السنن الإسلامية مخالف للحكمة و موجب لضلالة الناس، و هذا ما يستحيل على اللّٰه سبحانه، و إنّما مصبّ البداء هو القضايا الجزئية أو الشخصيّة، كما هو الحال في الأخبار الماضية.

الأمر الثالث:

أنّ إطلاق البداء في هذه الموارد، إنّما هو بالمعنى الذي عرفت، و أنّ حقيقته بداء من اللّٰه للناس و إظهار منه، و لو قيل بدا للّٰه، فإنّما هو من باب المشاكلة و المجاز، و القرآن مليء به، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه

المكر و قال: «وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ»(1)و ليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء للّٰه، فليغيّروا التعبير و يعبّروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم.

و لكن الشيعة تبعت النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله في هذا المصطلح، و هو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه، و ما يؤكّد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوّة «قصّة بدء الخليقة» و فيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض و يتّهم الشيعة بابتداعها و اختلاقها، فقد روى أبو هريرة:

أنّه سمع من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص و أقرع و أعمى بدا للّٰه أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، و جلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً و جلداً حسناً، فقال: أيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر - هو شكّ في ذلك أنّ الأبرص و الأقرع قال أحدهما: الإبل و قال الآخر: البقر - فأُعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك اللّٰه لك فيها.

و أتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن و يذهب عنّي هذا، قد قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب، و أُعطي شعراً حسناً، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، و قال: يبارك لك فيها.

و أتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: يردّ اللّٰه إليّ بصري، فأُبصر


1) . آل عمران: 54، و هنا آيات أُخر يستدلّ بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية.

به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّٰه إليه بصره. قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال:

الغنم، فأعطاه شاة والداً، فأنتج هذان و ولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، و لهذا واد من بقر، و لهذا واد من الغنم.

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته و هيئته فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلّا باللّٰه ثمّ بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن و الجلد الحسن و المال بعيراً أتبلّغ عليه في سفري، فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك أ لم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك اللّٰه؟ فأجابه: لقد ورثت لكابر عن كابر! فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّٰه إلى ما كنت.

و أتى الأقرع في صورته و هيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّٰه إلى ما كنت.

و أتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين و ابن سبيل و تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلّا باللّٰه، ثمّ بك. أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فردّ اللّٰه بصري، و فقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فو اللّٰه لا أجحدك اليوم بشيء أخذته للّٰه، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضى اللّٰه عنك و سخط على صاحبيك».(1)


1) . صحيح البخاري: 208/4، كتاب الأنبياء، باب 51 حديث أبرص و أعمى و أقرع في بني إسرائيل.

المسألة السادسة: الرجعة في الكتاب و السنّة

اشارة

إنّ فكرة الرجعة التي تحدّثت عنها بعض الآيات القرآنية و الأحاديث المرويّة عن أهل بيت الرسالة ممّا يشنّع بها على الشيعة، فكأنَّ من قال بها رأى رأياً يوجب الخروج عن الدين، غير أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا أنّ أوّل من أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطّاب، فقد أعلن عند ما شاعت رحلة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بأنّه ما مات و ليعودنّ فيقطعنّ أيدي و أرجل أقوام...

عن أبي هريرة قال: لمّا توفّي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قام عمر بن الخطّاب، فقال:

إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله توفّي، و إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و اللّٰه ما مات، و لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، و اللّٰه ليرجعنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال و أرجلهم زعموا أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مات(1)!!

و لا يخفى أنّ كلام الخليفة لو كان كلاماً حقيقياً لا بدّ أن يُحمل على أنّ النبيّ ما مات موتاً لا رجوع فيه و إنّما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة، و لو أراد من نفي موته أنّه ما زال حيّاً فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتّفقوا على موته صلى الله عليه و آله، و لم يكن موت النبيّ صلى الله عليه و آله أمراً يدركه جميع الناس و لا يدركه الخليفة.


1) . السيرة النبوية لابن هشام: 305/4.

إنّ الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم و حشرهم مجدّداً يوم القيامة ليس شيئاً يضادّ أُصول الإسلام، و ليس فيه إنكار لأيّ حكم ضروري، و ليس القول برجعتهم إلى الدنيا يلغي بعثهم يوم القيامة، و كيف لا يكون كذلك و قد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية، نظير:

1 - إحياء جماعة من بني إسرائيل(1).

2 - إحياء قتيل بني إسرائيل(2).

3 - موت أُلوف من الناس و بعثهم من جديد(3).

4 - بعث عزير بعد مائة عام من موته(4).

5 - إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام(5).

فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة أمراً محالاً، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟

و لو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه الإطلاق تناسخاً فكيف تفسّر هذه الآيات؟

إنّ الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرّنا إلى القول بأنّه ليس كلّ رجوع إلى الدنيا تناسخاً، و إنّما التناسخ الباطل عبارة عن رجوع الإنسان إلى الدنيا عن طريق النطفة و المرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير إنساناً مرّة أُخرى،


1) . البقرة: 55-56.

2) . البقرة: 72-73.

3) . البقرة: 243.

4) . البقرة: 259.

5) . آل عمران: 49.

و أين هذا من الرجعة و عود الروح إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوّة إلى الفعلية، أو دخول روح في بدن آخر، إنساناً كان أو حيواناً؟!

اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ و امتناعه، و قد كتبوا فيه مقالات و رسائل يقف عليها من كان له إلمام بكتبهم و عقائدهم، و قد ذكروا أنّ للتناسخ أنواعاً و أقساماً، غير أنّ الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الذي فارقه عند الموت لا يعدّ تناسخاً، و إنّما هو إحياء للموتىٰ، الذي كان معجزة من معاجز المسيح.

كلّ ذلك يدلّ على أنّه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل و موانع، و إنّما هو أمر ممكن لو دلّ عليه الدليل القطعي نأخذ به و إلّا فنتركه في سنبله، و الحال أنّ بعض الآيات و الروايات تدلّ على أنّه سيتحقّق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الإجمال، و أمّا من هم؟ و في أيّ وقت يرجعون؟ و لأيّ غرض يعودون إلى الدنيا؟ فليس هنا مقام بيانها، إنّما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالّة على وقوعه قبل البعث، و إليك الآيات.

قال سبحانه: «وَ إِذٰا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنٰا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ اَلنّٰاسَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا لاٰ يُوقِنُونَ * وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيٰاتِنٰا فَهُمْ يُوزَعُونَ»(1).

لا يشكّ من أمعن النظر في سياق الآيات و ما ذكره المفسّرون حولها، في أنّ الآية الأُولى تتعلّق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة، و عليه تكون الآية


1) . النمل: 82-83.

الثانية مكمّلة لها، و تدلّ على حشر فوج من كلّ جماعة قبل يوم القيامة، و الحال أنّ الحشر في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض، يقول سبحانه: «وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبٰالَ وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بٰارِزَةً وَ حَشَرْنٰاهُمْ فَلَمْ نُغٰادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً»(1).

أ فبعد هذا التصريح يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث و القيامة؟

و هذه الآية تعرب عن الرجعة التي تعتقد بها الشيعة في حقّ جماعة خاصّة، و أمّا خصوصياتها فلم يحدّث عنها القرآن الكريم، و جاء التفصيل في السنّة.

و قد سأل المأمون العباسي الإمام الرضا عليه السلام عن الرجعة، فأجابه بقوله:

«إنّها حقّ قد كانت في الأُمم السالفة و نطق بها القرآن، و قد قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:

يكون في هذه الأُمّة كلّ ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة».(2)

و أمّا من هم الراجعون؟ و ما هو الهدف من إحيائهم؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع، و إجمال الجواب عن الأوّل: أنّ الراجعين لفيف من المؤمنين و لفيف من الظالمين.

و قال الشيخ المفيد ناقلاً عن أئمّة أهل البيت: إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم مَن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، و أمّا ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب.(3)


1) . الكهف: 47.

2) . بحار الأنوار: 59/53 ح 45.

3) . تصحيح الاعتقاد: 40.

و قال أيضاً في المسائل السروية: و الرجعة عندنا تختصّ بمن محض الإيمان، و محض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين.(1)

و إجمال الجواب عن الثاني ما ذكره السيّد المرتضى، قال: إنّ اللّٰه تعالى يعيد عند ظهور المهدي - عجَّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف - قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته و مشاهدة دولته، و يعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم.

ملاحظات جديرة بالانتباه

1 - إنّ الرجعة و إن كانت من مسلّمات عقائد الشيعة، و لكن التشيّع ليس منوطاً بالاعتقاد بها، فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلّمة بين أكثر الشيعة، و لكن لم يكن ركناً من أركان التشيّع، و لأجل ذلك نرى أنّ جماعة من الشيعة أوّلوا الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم و أخذهم بمجاري الأُمور دون رجوع أعيان الأشخاص، و الباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم عن تصحيح القول بها نظراً و استدلالاً، و لكن المحقّقين من الإمامية، أخذوا بظواهرها و بيّنوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة اللّٰه على كلّ مقدور، و أجابوا عن الشبه الواردة عليها، و إلى هذا الاختلاف يشير الشيخ المفيد بقوله: و اتّفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة و إن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف.

و يشير إلى الاختلاف تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل التي


1) . المسائل السروية: 35، فصل في من يرجع من الأُمم.

وردت عليه من الريّ و منها حول حقيقة الرجعة، فأجاب: بأنّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أنّ اللّٰه تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته، و قوماً من أعدائه، و أنّ قوماً من الشيعة تأوّلوا الرجعة على أنّ معناها رجوع الدولة و الأمر و النهي إلى شيعتهم، من دون رجوع الأشخاص، و إحياء الأموات(1).

2 - كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه: «وَ حَرٰامٌ عَلىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا أَنَّهُمْ لاٰ يَرْجِعُونَ»(2)فإنّ هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً، و حشر لفيف من الظالمين يخالفها.

و الإجابة عن السؤال واضحة؛ فإنّ الآية مختصّة بالظالمين الذين أُهلكوا في هذه الدنيا و رأوا جزاء عملهم فيها، فالآية تحكم بأنّهم لا يرجعون، و أمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة فتُرجع طائفة منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب في الآخرة، فالآية لا تنفي رجوع طائفة من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف.

3 - إنّ الظاهر من قوله تعالى: «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قٰالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ كَلاّٰ إِنَّهٰا كَلِمَةٌ هُوَ قٰائِلُهٰا وَ مِنْ وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(3)هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيء الموت لأيّ أحد.


1) . بحار الأنوار: 138/53.

2) . الأنبياء: 95.

3) . المؤمنون: 100-101.

و الإجابة عنها واضحة؛ فإنّ الآية كسائر السنن الإلٰهية الواردة في حقّ الإنسان؛ فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع، و هذا لا ينافي رجوع البعض استثناءً و لمصالح عليا، كما مرّت الآيات الواردة في هذا المضمار.

أضف إلى ذلك أنّ عود بعض الظالمين إلى الدنيا - على القول بالرجعة - إنّما هو لأجل عقابهم و الانتقام منهم، و أين هذا من طلب هؤلاء الكفّار الرجوع لأجل تصحيح عملهم و القيام بما تركوه من الصالحات، و ردّ هذا الفرع من الرجوع لا يكون دليلاً على نفي النوع الأوّل منه.

المسألة السابعة: زواج المتعة

اشارة

و ممّا يشنع به على الشيعة: قولهم بجواز نكاح المتعة، و يعدّون القول بتشريعه أو بعدم نسخه مخالفاً للكتاب و السنّة. و رغم أنّ المسألة فرعية فقهية لا يناسب البحث عنها في كتب تاريخ العقائد، إلّا أنّه لما كانت من شعائر فقه الشيعة، آثرنا أن نبحث عنها في إطار الكتاب و السنّة، على وجه الإجمال، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بأصل تشريعها و عدم نسخها ممّا يثبته الكتاب و السنّة، و أنّ القول بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما. و سيوافيك أنّ لفيفاً من الصحابة و التابعين كانوا يفتون بجوازها و عدم نسخها، و إنّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه و ليس حجّة على الآخرين. و قد أبدى بنظيره في متعة الحجّ في زمن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

فأمّا زواج المتعة: فهو عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها و بين الزوج مانع - من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية - بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا و الاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق. و يجب عليه مع الدخول بها - إذا لم تكن يائسة - أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض و إلّا فبخمسة و أربعين يوماً.(1)


1) . لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الإمامية في ذلك المجال.

و ولد المتعة - ذكراً كان أو أُنثى - يلحق بالأب و لا يدعى إلّا به، و له من الإرث ما أوصانا اللّٰه سبحانه به في كتابه العزيز. كما يرث من الأُمّ، و تشمله جميع العمومات الواردة في الآباء و الأبناء و الأُمّهات، و كذا العمومات الواردة في الأُخوة و الأخوات و الأعمام و العمّات.

و بالجملة: المتمتّع بها زوجة حقيقة، و ولدها ولد حقيقة. و لا فرق بين الزواجين: الدائم و المنقطع إلّا أنّه لا توارث هنا ما بين الزوجين، و لا قسمة و لا نفقة لها. كما أنّ له العزل عنها. و هذه الفوارق الجزئية فوارق في الأحكام لا في الماهية؛ لأنّ الماهية واحدة غير أنّ أحدهما مؤقّت و الآخر دائم، و أنّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت و الآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ.

و قد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام، و لا يشكّ أحد في أصل مشروعيّته، و انّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته.

النكاح المنقطع في القرآن الكريم
اشارة

و الأصل في مشروعيته قوله سبحانه: «وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلاّٰ مٰا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِلاّٰ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ كِتٰابَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ عَلِيماً حَكِيماً»(1).


1) . النساء: 23-24.

الآية ناظرة إلى نكاح المتعة و ذلك لوجوه:

1 - الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه:

إنّ هذه السورة؛ أي سورة النساء، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام و الحقوق، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلاٰثَ وَ رُبٰاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً...»(1).

و أمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية: «وَ آتُوا اَلنِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً»(2).

و أمّا نكاح الإماء فقد جاء في قوله سبحانه: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنٰاتِ وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لاٰ مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ...»(3).

فقوله سبحانه: «فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» إشارة إلى نكاح السيّد لأمته، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً: «إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ...»(4).

و قوله سبحانه: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» إشارة إلى الزواج من أمة الغير.

فإلى هنا تمّ بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلّا نكاح المتعة، و هو الذي جاء في


1) . النساء: 3.

2) . النساء: 4.

3) . النساء: 25.

4) . المؤمنون: 6.

الآية السابقة، و حمل قوله سبحانه: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ» على الزواج الدائم، و حمل قوله: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» على المهور و الصدقات يوجب التكرار بلا وجه، فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاصّ و لا يتحقّق ذلك إلّا بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً.

2 - تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع:

إنّ تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع في قوله سبحانه: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» يناسب نكاح المتعة الذي هو زواج مؤقّت لا النكاح الدائم، فإنّ المهر هنا يجب بمجرّد العقد و لا يتنجّز وجوب دفع الكلّ إلّا بالمسّ، و أمّا المتعارف فيختلف حسب اختلاف العادات العرفية، فربّما يؤخذ قبل العقد و أُخرى يترك إلى أن يرث أحدهما الآخر.

3 - تصريح جماعة من الصحابة بشأن نزولها:

ذكرت أُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها، و ينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عبّاس، و أُبي بن كعب، و عبد اللّٰه بن مسعود، و جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، و حبيب بن أبي ثابت، و سعيد بن جبير، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع و الجعل.

و قد ذكر نزولها من المفسّرين و المحدّثين:

إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده(1).

و أبو جعفر الطبري في تفسيره(2).


1) . مسند أحمد: 436/4.

2) . تفسير الطبري: 9/5.

و أبو بكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن(1).

و أبو بكر البيهقي في السنن الكبرى(2).

و محمود بن عمر الزمخشري في الكشاف(3).

و أبو بكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن(4).

و فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب(5).

إلى غير ذلك من المحدّثين و المفسّرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا، و لا نطيل الكلام بذكرهم.

و ليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يتّقون به. و بملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة.

و نزيد الوضوح بياناً بقوله سبحانه: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ».

أنّ قوله سبحانه: «أَنْ تَبْتَغُوا» مفعول له لفعل مقدّر، أي بيّن لكم ما يحلّ ممّا يحرم لأجل أن تبتغوا بأموالكم، و أمّا مفعول قوله: «تَبْتَغُوا» فيعلم من القرينة و هو النساء؛ أي طلبكم النساء؛ أي بيّن الحلال و الحرام لغاية ابتغائكم النساء من طريق الحلال لا الحرام.

و قوله سبحانه: «مُحْصِنِينَ» و هو من الإحصان بمعنى العفّة و تحصين


1) . أحكام القرآن: 178/2.

2) . السنن الكبرى: 205/7.

3) . الكشاف: 360/1.

4) . جامع أحكام القرآن: 13/5.

5) . مفاتيح الغيب: 267/3.

النفس من الوقوع في الحرام، و قوله سبحانه: «غَيْرَ مُسٰافِحِينَ» هو جمع مسافح بمعنى الزاني مأخوذ من السفح بمعنى صبّ الماء، و المراد هنا هو الزاني بشهادة قوله سبحانه في الآية المتأخّرة في نكاح الإماء: «وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ» أي عفائف غير زانيات.

و معنى الآية: أنّ اللّٰه تبارك و تعالى شرّع لكم نكاح ما وراء المحرّمات لأجل أن تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم و يصون عفّتكم و يصدّكم عن الزنا، و هذا المناط موجود في جميع الأقسام، النكاح الدائم، و المؤقّت، و الزواج بأمة الغير المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الآية 25.

هذا هو الذي يفهمه كلّ انسان من ظواهر الآيات غير أنّ من لا يروقه الأخذ بظاهر الآية: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبق معنى الآية على العقد الدائم، و ذكر في المورد شبهات ضعيفة لا تصمد أمام النقاش نجملها بما يلي:

شبهات ضعيفة حول دلالة الآية

الشبهة الأُولى: أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين الأُسرة و إيجاد النسل، و هو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتّب عليه إلّا إرضاء القوّة الشهوية و صبّ الماء و سفحه.

و يجاب عنها: بأنّه خلط بين الموضوع و الفائدة المترتّبة عليه، و ما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة، و ليس الحكم دائراً مدارها، لضرورة أنّ النكاح صحيح و إن لم يكن هناك ذلك الغرض، كزواج العقيم و اليائسة و الصغيرة.

بل أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلّا قضاء الوطر و استيفاء الشهوة من طريقها المشروع، و لا يخطر ببالهم طلب النسل أصلاً و إن حصل لهم قهراً، و لا يقدح ذلك في صحّة زواجهم.

و من العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل و الخدمة و تدبير المنزل و تربية الأولاد و الإرضاع و الحضانة.

و نسأل المانعين الذين يتلقّون نكاح المتعة، مخالفاً للحكمة، التي من أجلها شرّع النكاح، نسألهم عن الزوجين اللّذين يتزوّجان نكاح دوام، و لكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين، فهل هذا نكاح صحيح أو لا؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام يمنع ذلك إلّا إذا أفتى بغير دليل و لا برهان، و بهذا الشكل يتعيّن الجزم بصحّة هذا النكاح، فأيّ فرق يكون حينئذ بين المتعة و هذا النكاح الدائم سوى أنّ المدّة مذكورة في الأوّل دون الثاني؟

يقول صاحب المنار: إنّ تشديد علماء السلف و الخلف في منع المتعة بنيّة الطلاق، و إن كان الفقهاء يقولون إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت، و لم يشترطه في صيغة العقد، و لكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً و غشّاً و هو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت(1).

أقول: نحن نفترض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً، حتّى لا يكون هناك خداع و غشّ، فهو صحيح بلا إشكال.

الشبهة الثانية: إنّ تسويغ النكاح المؤقّت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّ و جلّ في صفة المؤمنين: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ


1) . تفسير المنار: 17/3.

عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ»(1).

و المراد من الآية: أنّ من ابتغى وراء ذلك، هم المتجاوزون ما أحلّه اللّٰه لهم إلى ما حرّمه عليهم. و المرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف.

إلاّ أنّه يرد عليها: أنّها دعوة بلا دليل. فإنّها زوجة و لها أحكام، و عدم وجود النفقة و القسمة لا يخرجانها عن الزوجيّة، فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة و حقّ القسمة، و مثلها الصغيرة. و العجب أن يستدلّ بعدم وجود الأحكام على نفي الماهية، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين تترتّب عليها جملة من الأحكام و ربّما تختص بعض الأحكام ببعض الأقسام.

الشبهة الثالثة: إنّ المتمتّع في النكاح المؤقّت لا يقصد الإحصان دون المسافحة، بل يكون قصده مسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه و منعها من التنقّل في دِمنِ الزنا، فإنّه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي تؤجر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حُذِفت بصوالجة *** فتلقّفها رجل رجل(2)

و يرد على هذه الشبهة: أنّه من أين وقف على أنّ الإحصان في النكاح المؤقّت يختصّ بالرجل دون المرأة، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً، فكلّ واحد من الطرفين يُحصن نفسه من هذا الطريق، و إلّا فلا محيص عن التنقّل في دمن الزنا. و الذي يصون الفتاة عن البغي أحد الأُمور الثلاثة:


1) . المؤمنون: 5-7.

2) . تفسير المنار: 13/5.

1 - النكاح الدائم.

2 - النكاح المؤقّت بالشروط الماضية.

3 - كبت الشهوة الجنسية.

فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب و الطالبة اللّذين يعيشان بمنح و رواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة، و كبت الشهوة الجنسية أمر شاقّ لا يتحمّله إلّا الأمثل فالأمثل من الشباب و المثلى من النساء؛ و هم قليلون، فلم يبق إلّا الطريق الثاني، فيحصنان نفسهما عن التنقّل في بيوت الدعارة.

إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم، و نبيّه خاتم الأنبياء، و كتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، فلا بدّ أن يضع لكلّ مشكلة اجتماعية حلولاً شرعية، يصون بها كرامة المؤمن و المؤمنة، و ما المشكلة الجنسية عند الرجل و المرأة إلّا إحدى هذه النواحي التي لا يمكن للدين الإسلامي أن يهملها، و عندئذ يطرح هذا السؤال نفسه:

ما ذا يفعل هؤلاء الطلبة و الطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم، و تمنعهم كرامتهم و دينهم عن التنقّل في بيوت الدعارة و الفساد، و الحياة الماديّة بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم؟ فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلّا من عصمه اللّٰه، فلم يبق طريق إلّا زواج المتعة، الذي يشكّل الحلّ الأنجع لتلافي الوقوع في الزنا، و تبقى كلمة الإمام علي بن أبي طالب ترنّ في الآذان محذّرة من تفاقم هذا الأمر عند إهمال العلاج الذي وصفه المشرّع الحكيم له، حيث قال عليه السلام: «لو لا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلّا شقيّ أو شقيّة».

و أمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة و حدودها، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل(1)و غيره إلى الشيعة، و هم براء من هذا الإفك؛ إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة الاعتداد على ما ذكرنا، فكيف يمكن أن تؤجّر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان اللّٰه! ما أجرأهم على الكذب على الشيعة و الفرية عليهم، و ما مضمون الشعر إلّا جسارة على الوحي و التشريع الإلٰهي، و قد اتّفقت كلمة المحدّثين و المفسّرين على التشريع، و أنّه لو كان هناك نهي أو نسخ فإنّما هو بعد التشريع و العمل.

الشبهة الرابعة: إنّ الآية منسوخة بالسنّة، و اختلفوا في زمن نسخها إلى أقوال شتّى:

1 - أُبيحت ثمّ نهي عنها عام خيبر.

2 - ما أُحلّت إلّا في عمرة القضاء.

3 - كانت مباحة و نهي عنها في عام الفتح.

4 - أُبيحت عام أوطاس ثمّ نهي عنها.(2)

و هذه الأقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ، كما أنّ نسخ القرآن بأخبار الآحاد ممنوع جدّاً، و قد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال: «إنّ اللّٰه أنزل المتعة و ما نسخها بآية أُخرى، و أمرنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالمتعة و ما نهانا عنها، ثمّ قال رجل برأيه»، يريد به عمر بن الخطّاب.


1) . لاحظ كتابه: السنّة و الشيعة: 65-66.

2) . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال، مسائل فقهية لشرف الدين: 63-64، الغدير: 225/6، أصل الشيعة و أُصولها: 171، و الأقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن.

إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ و إنّما أسند التحريم إلى نفسه، و لو كان هناك ناسخ من اللّٰه عزّ و جلّ أو من رسوله، لأسند التحريم إليهما، و قد استفاض قول عمر و هو على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و أنا أنهى عنهما و أُعاقب عليهما: متعة الحج و متعة النساء.

بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد أنّه قال: أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و أنا أنهى عنهنّ، و أُحرمهنّ، و أُعاقب عليهنّ:

متعة النساء، و متعة الحج، و حيّ على خير العمل.(1)

و قد روي عن ابن عبّاس - و هو من المصرّحين بحلّية المتعة و إباحتها - في ردّه على من حاجّه بنهي أبي بكر و عمر لها، حيث قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و تقولون: قال أبو بكر و عمر. حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها، أفتى بالإباحة، فعارضوه بقول أبيه، فقال لهم: أمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أحقّ أن يتّبع أم أمر عمر؟

كلّ ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ و لا نهي نبوي، و إنّما كان تحريماً من جانب الخليفة، و هو في حدّ ذاته يعتبر اجتهاداً قبالة النصّ الواضح، و هو ما انفكّ يعلن جملة من الصحابة رفضهم له و عدم إذعانهم لأمره، و إذا كان الخليفة قد اجتهد لأسباب رآها و أفتى على أساسها، فكان الأولى بمن لحقوه أن يتنبّهوا لهذا الأمر لا أن يسرفوا في تسويغه دون حجّة و لا دليل.


1) . مفاتيح الغيب: 52/10-53؛ شرح التجريد للقوشجي: 484 ط إيران.

المنكرون للتحريم
اشارة

ذكرنا أنّ جمعاً من وجوه الصحابة و التابعين أنكروا هذا التحريم و لم يقرّوا به، و منهم:

1 - عليّ أمير المؤمنين، فيما أخرجه الطبري بالإسناد إليه أنّه قال: «لو لا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلّا شقيّ».(1)

2 - عبد اللّٰه بن عمر، أخرج الإمام أحمد من حديث عبد اللّٰه بن عمر، قال - و قد سئل عن متعة النساء -: و اللّٰه ما كنّا على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله زانين و لا مسافحين، ثمّ قال: و اللّٰه لقد سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: «ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال و كذّابون ثلاثون و أكثر».(2)

3 - عبد اللّٰه بن مسعود، روى البخاري عن عبد اللّٰه بن مسعود، قال: كنّا نغزو مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و ليس لنا شيء، فقلنا: أ لا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّن، ثمّ قرأ علينا: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ لاٰ تَعْتَدُوا إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ»(3).(4)

4 - عمران بن حصين، أخرج البخاري في صحيحه عنه، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّٰه، ففعلناها مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و لم ينزل قرآن يحرّمها، و لم ينه عنها حتّى مات. قال رجل برأيه ما شاء.(5)


1) . تفسير الطبري: 9/5.

2) . مسند أحمد: 95/2.

3) . المائدة: 87.

4) . صحيح البخاري: 4/7، كتاب النكاح، الباب 8، الحديث 3.

5) . صحيح البخاري: 27/6، كتاب التفسير، تفسير قوله تعالى: «فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ من سورة البقرة.

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، قال:

نزلت آية المتعة في كتاب اللّٰه و عملنا بها مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فلم تنزل آية تمنعها، و لم ينه عنها النبيّ صلى الله عليه و آله حتّى مات.(1)5 - كما أنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن ينادي في أيام حكمه، بتحليل المتعة إلّا أنّه توقّف خوفاً من الفتنة و تفرّق المسلمين. قال ابن خلّكان، نقلاً عن محمّد بن منصور: قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي و لأبي العيناء: بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، و إلّا فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه و هو يستاك و يقول و هو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و على عهد أبي بكر - رضي اللّٰه عنه - و أنا أنهى عنهما، و من أنت يا جعل حتّى تنهى عمّا فعله رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و أبو بكر - رضي اللّٰه عنه -؟! فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور و قال:

رجل يقول: من عمر بن الخطاب، نكلّمه نحن؟ فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس و جلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: و ما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟! قال: نعم، المتعة زنا، قال: و من أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، و حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، قال اللّٰه تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ» إلى قوله:

«وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ»(2)يا أمير المؤمنين زوج المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند اللّٰه ترث و تورث و تلحق


1) . مسند أحمد، و لاحظ مسائل فقهيّة للسيد شرف الدين: 70.

2) . المؤمنون: 1-7.

الولد و لها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين.(1)

أقول: هل عزب عن ابن أكثم - و قد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت - أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه: «إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ» و انّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، و هو لا ينافي ثبوتها، و كم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، و بالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث و هكذا العكس، و أمّا الولد فيلحق قطعاً، و نفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.

و ما أقبح كلامه حيث فسّر المتعة بالزنا و قد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول صلى الله عليه و آله و الخليفة الأوّل، أ فيحسب ابن أكثم أنّ الرسول صلى الله عليه و آله حلّل الزنا و لو مدَّة قصيرة؟!

كبرت كلمة تخرج من أفواههم

و هناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه، تعرب عن أنّ التحريم كان من صميم رأيه، من دون استناد إلى آية أو رواية.

فقد روى مسلم في صحيحه: عن ابن أبي نضرة قال: كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة، و كان ابن الزبير ينهى عنها، فذكر ذلك لجابر، فقال: على يدي دار الحديث: تمتّعنا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّٰه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، فأتمّوا الحجّ و العمرة و أبتّوا نكاح هذه النساء، فلئِن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة.(2)


1) . وفيات الأعيان: 149/6-150.

2) . صحيح مسلم: 130/4، باب نكاح المتعة، الحديث 8، طبع محمد علي صبيح.

و روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي نضرة قال: قلت لجابر: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، و انّ ابن عبّاس يأمر بها، فقال لي: على يدي جرى الحديث : تمتّعنا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و مع أبي بكر، فلمّا ولي عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، و إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله هو الرسول، و إنّهما متعتان كانتا عَلى عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إحداهما متعة الحج و الأُخرى متعة النساء.(1)

و هذه المأثورات تعرب عن جملة من الملاحظات نجملها بملاحظتين اثنتين:

أوّلاً: أنّ المتعة كانت باقية على الحلّ إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، و بقيت لوقت في أيامه حتى نهى عنها و منع.

و ثانياً: أنّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب و السنّة، و من المعلوم أنّ اجتهاده - لو صحّت تسميته بالاجتهاد - حجّة على نفسه لا على غيره.

و في الختام نقول:

إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى بكثير من الكتّاب إلى التقوّل على الشيعة، و خصوصاً في مسألة المتعة التي نحن في صدد الحديث عنها، بجملة منكرة من الآراء و الأحكام تدلّ على جهل مطبق أو خبث سريرة، و من هذه الأقوال: إنّ من أحكام المتعة عند الشيعة أنّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه، و أنّ المتمتَّع بها لا عدّة لها، و انّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت. و من أجل هذا استقبحوا المتعة و استنكروها و شنَّعوا على من أباحها.


1) . مسند أحمد: 52/1.

و قد خفي الواقع على هؤلاء، و انّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلّا بالعقد الدالّ على قصد الزواج صراحة، و انّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من جميع الموانع، و انّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوارث، و الإنفاق و سائر الحقوق الماديّة، و انّ عليها أن تعتدّ بعد انتهاء الأجل مع الدخول بها، و إذا مات زوجها و هي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت، إلى غير ذلك من الآثار.(1)

على أنّ الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه و إدراكه بوضوح، أنّ الشيعة و رغم إدراكهم و إيمانهم بحلّية زواج المتعة و عدم تحريمه - و هو ما يعلنون عنه صراحة و دون تردد - إلّا أنّهم لا يلجئون إلى هذا الزواج إلّا في حدود ضيّقة و خاصّة، و ليس كما يصوّره و يتصوّره البعض من كونه ظاهرة متفشية في مجتمعهم و بشكل مستهجن ممجوج.


1) . الاثنا عشرية و أهل البيت: 46.

المسألة الثامنة: متعة الحجّ‌

إنّ الكاتب المصري أحمد أمين، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه.(1)و هو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد المخالفة للنصوص، و لو صحّ ما ذكره في بعضها؛ فإنّ البعض الآخر غير صحيح. و نحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النصّ، و يأخذ بالرأي، مكان الأخذ بالدليل.

إنّ العاطفة الدينية هي الّتي دفعت الكاتب المصري إلى ذلك التفسير، و لو أنّه تأمّل فيما سبق من تنفيذ طلاق الثلاث، و ما يأتي منه في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع، و حصره في القِران و الإفراد، يقف على أنّه كان ممّن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم و تنصيص النبيّ الأكرم، و إنّه ما نهى عن متعة الحجّ و ما هدّد بفاعلها إلّا أنّه كان يكره أن يغتسل الحاجّ تحت الأراك ثمّ يفيض منه إلى الحجّ و رأسه يقطر ماءً؛ لأنّ التحلّل من محظورات الإحرام بين العمرة و الحجّ، من لوازم ذاك النوع من الحجّ، و هو ممّا كان لا يروقه.

و إن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك:

اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحجّ ثلاثة: تمتّع، و قران، و إفراد.


1) . فجر الإسلام: 238/2 نشر دار الكتاب.

و المقصود من الأوّل، هو إحرام الشخص بالحجّ في أشهره (شوال وذي القعدة وذي الحجّة). و الإتيان بأعمالها، و التحلّل من محظورات الإحرام بالفراغ منها، ثمّ الإحرام بالحجّ من مكّة و الإتيان بأعماله من الوقوف بعرفات و الإفاضة إلى المشعر و...

و يصحّ هذا النوع من الحجّ ممّن كان آفاقياً، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام و يبتعد بيته عن مكّة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة.

و عند الإماميّة من نأى عن مكّة (48) ميلاً من كلّ جانب و هو لا يتجاوز عن (16) فرسخاً.

و أمّا القسمان الآخران، فالقِران عند أهل السنّة هو الإحرام بالحجّ و العمرة معاً و يقول: لبّيك اللّهمّ بحجّ و عمرة، فيأتي بأعمال الحجّ أوّلاً ثمّ العمرة بإحرام واحد؛ و هو القِران الحقيقي.

و هناك قسم يسمّى بالقِران الحكمي؛ و هو أن يدخل إحرام الحجّ في إحرام العمرة، ثمّ يجمع بين أعمالها. و ذلك بأن يحرم بالعمرة أولاً، و قبل أن يطوف لها؛ إمّا أربعة أشواط، أو قبل أن يشرع فيه يحرم للحجّ، على اختلاف بين الحنفية و الشافعية، و هل يكتفي بطواف وسعي واحد، أو لكلٍّ طوافه و سعيه؟ فيه اختلاف.

و أمّا الإفراد، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقاتِ بلده، و بعد الفراغ من أعماله، يُحرِم بالعمرة. و القِران و الإفراد، يشترك فيهما جميع الناس و لا يختصّ بغير الآفاقي.

هذا ما لدى أهل السنّة، و أمّا الإماميّة، فالقران و الإفراد واجب على من

لم يكن بين مكّة و بيته (48) ميلاً، و أمّا النائي عن هذا الحد، فواجبه هو حجّ التمتع.

و القِران و الإفراد، ليسا أمرين متغايرين عندهم، بل يتمتّع كلّ منهما بإحرام للحجّ و إحرام للعمرة، غير أنّ الإحرام في الأوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني، و على ذلك لا يجوز عندهم الإتيان بالحجّ و العمرة بإحرام واحد، و لا إدخال إحرام الحجّ في إحرام العمرة، كما في القِران الحكمي.(1)

و الأصل حجّ التمتع، كما في قوله سبحانه: «فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلاٰثَةِ أَيّٰامٍ فِي اَلْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ»(2).

و تفسير الآية: أنّ من «تَمَتَّعَ» بسبب الإتيان «بِالْعُمْرَةِ» بما يحرم على المحرم، كالطيب و المخيط و النساء و متوجّهاً «إِلَى اَلْحَجِّ فَ» عليه «مَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ» من البدنة أو البقرة أو الشاة. ثمّ بيّن كيفية الصيام و قال: «ثَلاٰثَةِ أَيّٰامٍ فِي اَلْحَجِّ» متواليات و «سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ» إلى أوطانكم «تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ ذٰلِكَ» أي التمتّع بالعمرة إلى الحجّ فرض على من «لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ» باعتبار موطنه و مسكنه «حٰاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ» أي لم يكن من أهل مكّة و قراها «وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ» فيما أُمرتم به و نهيتم عنه في أمر الحجّ «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ».


1) . لاحظ المختصر النافع للمحقّق الحلّي: 78؛ الجامع لأحكام القرآن: 391/2؛ المغني لابن قدامة: 233/3؛ الفقه على المذاهب الأربعة: 684/2 و غيرها.

2) . البقرة: 196.

و الآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الإحرام بعد الإتيان بأعمال العمرة، و قبل التوجّه إلى الحجّ، و لم يدّع أحد كونها منسوخة بآية، أو قول أو فعل، بل أكّد النبيّ الأكرم تشريعه بعمله.

روى أهل السير و التاريخ: أنّ رسول اللّٰه خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، و قد نقل ابن هشام عن عائشة أنّها قالت: لا يُذكَر و لا يَذكُر النّاسُ إلّا الحجّ حتّى إذا كان بسرف و قد ساق رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله معه الهدي، و أشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلّا من ساق الهدي - إلى أن قالت: - و دخل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مكة فحلّ كلّ من كان لا هدي معه، و حلّت نساؤُه بعمرة.

و روى ابن هشام أيضاً عن حفصة بنت عمر، قالت: لمّا أمر رسول اللّٰه نساءه أن يحلُلن بعمرة، قلن: فما يمنعك يا رسول اللّٰه أن تحلّ معنا؟ فقال: إنّي أهديتُ و لبّوت فلا أُحلّ حتّى انحَرَ هديي.

إنّ رسول اللّٰه كان بعث علياً رضى الله عنه إلى نجران فلقيه بمكّة و قد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فوجدها قد حلَّتْ و تهيّأت فقال: ما لك يا بنت رسول اللّٰه؟ قالت: أمرنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن نحلّ بعمرة فحللنا، ثمّ أتى رسول اللّٰه، فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: انطلق فطف بالبيت و حلّ كما حلّ أصحابك، قال: يا رسول اللّٰه إنّي أهللتُ كما أهللتَ فقال: ارجع فاحلل كما حلّ أصحابُك، قال: يا رسول اللّٰه إنّي قلت حين أحرمت: اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك و عبدُك و رسولُك صلى الله عليه و آله قال:

فهل معك من هدي؟! قال: لا. فأشركه رسول اللّٰه في هديه و ثبتَ على

إحرامه مع رسول اللّٰه حتّى فرغا من الحجّ، و نحر رسول اللّٰه الهدي عنهما.(1)

هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة و إجماع الأُمّة، و مع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحجّ لا في عصر الرسالة و لا بعده بل يفتي بتحريمها! و إليك البيان:

1 - روى أبو داود أنّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، يطوفوا ثمّ يُقصِّروا و يُحلّوا إلّا من كان معه الهدي فقالوا: أ ننطلق إلى منى و ذكورنا تقطر؟ فبلغ ذلك رسول اللّٰه فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، و لو لا أنّ معي الهدي لأحللت».(2)

2 - روى مالك، عن محمد بن عبد اللّٰه أنّه سمع سعد بن أبي وقاص و الضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان و ممّا يذكران أن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ. فقال الضحّاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلّا من جهل أمر اللّٰه عزّ و جلّ. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحّاك: إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللّٰه و صنعناها معه.(3)

3 - و روى عن عبد اللّٰه بن عمر أنّه قال: و اللّٰه لئن أعتمر قبل الحجّ و أهدي أحبّ إليّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجّة.(4)

4 - روى الترمذي عن سالم بن عبد اللّٰه أنّه سمع رجلاً من أهل الشام و هو


1) . السيرة النبوية: 601/2-602.

2) . سنن أبي داود: 156/2 برقم 1789.

3) . الموطأ: 344، كتاب الحج رقم 60، و سنن الترمذي: 159/2، كتاب الحج رقم 822.

4) . الموطّأ: 344، كتاب الحج، رقم 61.

يسأل عبد اللّٰه بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ. فقال عبد اللّٰه بن عمر: هي حلال، فقال الشاميّ: إنّ أباك قد نهى عنها! فقال عبد اللّٰه بن عمر: أ رأيت إن كان أبي نهى عنها و صنعها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أ أمرُ أبي نتّبع أم أمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فقال: لقد صنعها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.(1)

5 - روى مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة، و كان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّٰه فقال: على يديّ دار الحديث و تمتّعنا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّٰه كان يُحلّ لرسوله ما شاء، بما شاء، و إنّ القرآن قد نزل منازلهُ، فأتمّوا الحجّ و العمرة للّٰه كما أمركم اللّٰه - إلى أن قال في الحديث: - فافصلوا حجّكم من عمرتكم، فإنّه أتمّ لحجّكم و أتمّ لعمرتكم.(2)

و من العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة و يعلّق على الرواية و يقول: الإتمام في قوله سبحانه: «وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» يقتضي استمرارَ الإحرام إلى فراغ الحجّ و منع التحلّل، و المتمتّع متحلّل و يستمتع بما كان محظوراً عليه.(3)

يلاحظ عليه

أوّلاً: لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية، أعني قوله: «وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» و بين ذيلها الدّالّ على جواز التمتّع بين الإحرامين بقوله: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ» و هو كما ترى.


1) . سنن الترمذي: 159/2، كتاب الحج، باب ما جاء في التمتع رقم 823.

2) . صحيح مسلم: 38/4، كتاب الحج، باب في المتعة بالحج و العمرة.

3) . تعليقة الزرقاني، المطبوعة بهامش صحيح مسلم: 38/4.

و ثانياً: أنّ الإتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحجّ و العمرة تماماً، بمعنى: إذا شرعتم في فعلِ كلّ فأتمّوه، مثل قوله: «وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ»(1)، و قوله سبحانه: «ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيٰامَ إِلَى اَللَّيْلِ»(2)، لا إلى الاستمرار.

و ثالثاً: إذا كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة؛ فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الأكرم؛ حيث أمر أصحابه و أهل بيته بالتحلّل، و إنّما هو لم يتحلّل لسوقه الهدي.

نعم أراد الخليفة من قوله: «فافصلوا حجّكم من عمرتكم»، هو الإتيان بالعمرة في غير أشهر الحجّ. روى الجصّاص عن ابن عمر أنّ عمر قال: أن تُفرّقوا بين الحجّ و العمرة؛ فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتمّ لحجّ أحدكم.(3)

6 - روى الإمام أحمد عن أبي نضرة، عن جابر قال: متعتان كانتا على عهد النبيّ، فنهانا عنها عمر رضى الله عنه فانتهينا.(4)

7 - روى ابن حزم في «المحلّىٰ» بسنده قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و سلم و أنا أنهى عنهما و أضرب عليهما - ثمّ قال: - هذا لفظ أيوب، و في رواية خالد: أنا أنهى عنهما و أُعاقب عليهما: متعة النساء و متعة الحجّ.(5)

8 - لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحجّ مستنداً إلى دليل شرعي و انّما نهى


1) . البقرة: 124.

2) . البقرة: 187.

3) . أحكام القرآن: 285/1.

4) . مسند أحمد: 52/1 و 325/3.

5) . المحلّى: 107/7؛ الجامع لأحكام القرآن: 392/2.

عنه لما كرهه أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك، ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رءوسهم.(1)

و هذا هو الّذي نوّهنا عنه في صدر البحث: أنّ الخليفة و من لفّ لفّه، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت و تواترت.

ثمّ إنّ المتأخّرين أرادوا حفظ كرامة الخليفة، فحرّفوا الكلم عن مواضعه و أوّلوا نهي الخليفة بوجهين:

1 - قالوا: إنّ ما حرّمه و أوعد عليه، غير هذا، و إنّما هو أن يحرم الرجل بالحجّ حتّى إذا دخل مكّة فسخ الحجّ إلى العمرة، ثمّ حَلّ و أقام حلالاً حتّى يهلّ بالحجّ يوم التروية.(2)

و هذا - كما ترى - لا يوافق ما مرّ من النصوص، خصوصاً ما نقلناه من المناظرة بين سعد و الضحّاك بن قيس من صحيح مسلم. و من يقف على النصوص الكثيرة، و المناظرة الدائرة بين النبيّ و أصحابه، و بين الصحابة أنفسهم يطمئنّ إنّما نهى عن حجّ التمتع.

و قد روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمانَ و عليّاً - رضي اللّٰه عنهما - و عثمان ينهى عن المتعة و أن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليٌّ (النهي) أهلّ بهما: لبّيك بعمرة و حجّة قال: ما كنت لأدع سنّة النبيّ صلى الله عليه و آله لقول أحد.(3)


1) . مسند أحمد: 50/1؛ سنن ابن ماجة: 992/2، كتاب الحج، باب التمتع بالعمرة إلى الحج، رقم 2979، و سنن البيهقي: 20/5.

2) . الجامع لأحكام القرآن: 292/2.

3) . عمدة القاري: 198/5.

2 - إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول اللّٰه فحسب.

و يكفينا في الردّ عليه قول ابن قيّم الجوزية: «إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ، عمّن نُسب إليه البتّة، و بين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرِّع المعصوم، ففي صحيحة الشيخين و غيرهما عن سراقة بن مالك قال: مُتعتُنا هذه يا رسول اللّٰه أ لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «لا بل للأبد».(1)

قال العيني في قوله سبحانه: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ»: أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الأعصار، و أمّا السنّة فحديث سراقة:

المتعة لنا خاصّة أم هي للأبد؟ قال: «بل للأبد»، و حديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحجّ نحو هذا. و معناه أنّ أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتّع، و لا يرون العمرة في أشهر الحجّ، فبيّن النبيّ صلى الله عليه و سلم أنّ اللّٰه قد شرّع العمرة في أشهر الحج و جوّز المتعة إلى يوم القيامة.(2)


1) . صحيح البخاري: 148/3 كتاب الحج، باب عمرة التنعيم؛ مسند أحمد: 388/3 و 175/4؛ سنن البيهقي: 19/5.

2) . عمدة القاري: 198/5.

المسألة التاسعة: مسح الأرجل في الوضوء

اشارة

اختلف المسلمون في غسل الرجلين و مسحهما، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، و قالت الشيعة الإمامية: إنّه المسح، و قال داود بن علي و الناصر للحقّ من الزيدية: يجب الجمع بينهما، و هو صريح الطبري في تفسيره: و نقل عن الحسن البصري: أنّه مخيّر بينهما.(1)

و ممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كلّ يوم و ليلة في موطنه و مهجره، و في حضره و سفره، و مع ذلك اختلفوا في أشدّ المسائل ابتلاءً، و هذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً، فجعل أوضح المسائل أبهمها.

إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة و ما أبقى فيها إبهاماً و إعضالاً، و مثل ذلك بيّنه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و من هنا فلا بدّ من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل واحد، و إلّا فما كان هذا الأمر بخفي، و كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقوم بتوضيحه، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً: إمّا المسح أو الغسل، و لم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً.

و لو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله على الأجيال الآتية فلا غرو في أنّ يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل.


1) . تفسير الطبري: 86/6؛ مفاتيح الغيب: 162/11؛ تفسير المنار: 228/6.

وقفة مع آية الوضوء

و ليس فيها شيء أوثق من كتاب اللّٰه فعلينا دراسة ما جاء فيه، قال سبحانه:

«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرٰافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ»(1)و قد اختلف القرّاء في قراءة:

«وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» فمنهم من قرأ بالفتح، و منهم من قرأ بالكسر إلّا أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فإنّ تجويزهما يضفي على الآية إبهاماً و إعضالاً، و يجعل الآية لغزاً، و القرآن كتاب الهداية و الإرشاد، و تلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح و جلاء البيان، خصوصاً فيما يتعلّق بالأعمال و الأحكام التي يبتلي بها عامّة المسلمين، و لا تقاس بالمعارف و العقائد التي يختصّ الإمعان فيها بالأمثل فالأمثل.

و على كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية و بيّنها الإمام الرازي في تفسيره، ننقل كلامه بتلخيص:

قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: «وَ أَرْجُلَكُمْ» و هما:

الأوّل: قرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم - في رواية أبي بكر عنه - بالجرّ.

الثاني: قرأ نافع و ابن عامر و عاصم - في رواية حفص عنه - بالنصب.


1) . المائدة: 6.

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرءوس فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الأرجل.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» و قوله: «كَبيرُ أُناسٍ في بِجٰادٍ مَزَمّلٍ».

قيل: هذا باطل من وجوه:

1 - إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر، و كلام اللّٰه يجب تنزيهه عنه.

2 - إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، و في هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

3 - إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف و أمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.

و أمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح، و ذلك لأنّ «بِرُؤُسِكُمْ» في قوله: «وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» في محل النصب(1)بامسحوا لأنّه المفعول به، و لكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرءوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرءوس، و جاز الجرّ عطفاً على الظاهر.

نزيد بياناً انّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محلّ برؤسكم، و لا


1) . يقال: ليس هذا بعالم و لا عاملاً. قال الشاعر: معاويَ إنّنا بشر فاسجح فلسنا بالجبال و لا الحديدا لاحظ: المغني لابن هشام: الباب الرابع.

يجوز العطف على ظاهر «أَيْدِيَكُمْ» لاستلزامه الفصل بين العاطف و المعطوف عليه بجملة أجنبية و هو غير جائز في المفرد، فضلاً عن الجملة.

هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم، و لا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ و الباطل، و المأثورات التي الحديث فيها ذو شجون. مع كونها متضاربة في المقام، فلو ورد فيها الأمر بالغسل، فقد جاء فيها الأمر بالمسح، رواه الطبري عن الصحابة و التابعين نشير إليه على وجه الإجمال.

1 - ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان و مسحتان.

2 - كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما، و لمّا خطب الحجّاج و قال: ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه، فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما، قال أنس: صدق اللّٰه و كذب الحجّاج، قال اللّٰه: «وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ» و كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

3 - عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل، و إنّما نزل فيهما المسح.

4 - الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح و قال: أ لا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسلاً و يلغى ما كان مسحاً.

5 - عامر: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء، و أُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء؛ الرأس و الرجلان. و قيل له: إنّ أُناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين فقال: نزل جبرئيل بالمسح.

6 - قتادة في تفسير الآية: افترض اللّٰه غسلتين و مسحتين.

7 - الأعمش: قرأ «وَ أَرْجُلَكُمْ» مخفوضة اللام.

8 - علقمة: قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام.

9 - الضحاك: قرأ «و أرجلكم» بالكسر.

10 - مجاهد: مثل ما تقدّم.(1)

و هؤلاء من أعلام التابعين و فيهم الصحابيان: ابن عبّاس و أنس و قد أصفقوا على المسح و قراءة الجرّ الصريحة في تقديم المسح على الغسل، و جمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة، فلما ذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهمّ و الحسّاس في عبادة المسلم.

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام و هم يسندون المسح إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، و يحكون وضوءه به، قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله»؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه و قدميه.

و في رواية أُخرى: ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء.(2)

و في ضوء هذه الروايات و المأثورات اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ الوضوء غسلتان و مسحتان، و إلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة:

إن الوضوء غسلتان عندنا *** و مسحتان و الكتاب معنا


1) . تفسير الطبري: 82/6-83.

2) . الوسائل ج 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9 و 10.

فالغسل للوجه و لليدينِ *** و المسح للرأس و للرجلينِ

و بعد وضوح دلالة الآية، و إجماع أئمّة أهل البيت على المسح، و استناداً إلى جملة الأدلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها، فانّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً و لا يصمد أمام النقاش، إلّا أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدلّ بها القائلون بالغسل ليتبين للقارئ الكريم مدى ضعف حجّيتها:

أدلة القائلين بالغسل و نقضها

1 - إنّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، و يكون غسل الأرجل يقوم مقام مسحها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح، و ليس شيء أوثق من كتاب اللّٰه، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيح أخبار الغسل على روايات المسح. و القرآن هو المهيمن على الكتب و المأثورات، و المعارض منها للكتاب لا يقام له وزن.

و أعجب من ذلك قوله: إنّ الغسل مشتمل على المسح، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان، فالغسل إمرار الماء على المغسول، و المسح إمرار اليد على الممسوح(2)و هما حقيقتان مختلفتان لغة و عرفاً و شرعاً، و لو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح و الغسل، لا الاكتفاء بالغسل.


1) . مفاتيح الغيب: 162/11.

2) . قال سبحانه حاكياً عن سليمان: «رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ و الأعْناق» (ص: 33)؛ أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد و أعناقها.

2 - ما روي عن علي عليه السلام من أنّه كان يقضي بين الناس فقال: ««وَ أَرْجُلَكُمْ» هذا من المقدّم و المؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال: فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق و اغسلوا أرجلكم و امسحوا برؤسكم.

لكنّه يرد بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر و الصادق عليهما السلام أدرى بما في البيت، و هما اتّفقا على المسح، و هل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ المؤكّد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الإمام ليثيروا الشكّ بين أتباعه و شيعته. و لا نعلّق على احتمال التقديم و التأخير شيئاً، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح؛ إذ هي المرجع للقروي و البدوي، و للحاضر عصر النزول، و الغائب عنه، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقديم و التأخير، مع إنّه كان من الممكن ذكر الأرجل بعد الأيدي من دون تأخير؟ و لو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب، و إنّ غسل الأرجل بعد مسح الرأس، فكان من الممكن أن يُذكر فعله و يقال: «فامسَحُوا بِرءُوسِكُم و اغْسلوا أرجلكم إلى الكعبين». كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النصّ، و ما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح.

3 - ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال: تخلّف عنّا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في سفرة، فأدركنا و قد أرهقنا العصر، و جعلنا نتوضّأ و نمسح على أرجلنا، قال:

فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» - مرتين أو ثلاثاً -.(1)


1) . صحيح البخاري: 18/1 كتاب العلم، باب من رفع صوته، الحديث 1.

و يردّ هذا الاستدلال: أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين؛ فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون، و هذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح، و ما ذكره البخاري من أنّ الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل، اجتهاد منه، و هو حجّة عليه لا على غيره، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتّى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!

على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات، فقد روي: أنّ قوماً من أجلاف العرب، كانوا يبولون و هم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم و أرجلهم فلا يغسلونها و يدخلون المسجد للصلاة، و كان ذلك سبباً لذلك الوعيد(1)و يؤيّد ذلك ما يوصف به بعض الأعراب بقولهم: بوّال على عقبيه، و على فرض كون المراد ما ذكره البخاري، فلا تقاوم الرواية نصّ الكتاب.

4 - روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة، قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال: «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم».(2)

إلّا أنّه يلاحظ عليه: أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف، و نقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ و نسي و اختلط و ترك الناس روايته.(3)أضف إليه أنّه يعارض ما رواه


1) . مجمع البيان: 167/2.

2) . سنن ابن ماجة: 170/1، باب ما جاء في غسل القدمين، الحديث 1.

3) . لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة: 170/1؛ ميزان الاعتدال للذهبي: 519/4 برقم 10138 و ص 489 باب «أبو إسحاق».

عنه أئمة أهل بيته، و أهل بيته، كابن عباس الّذي لازمه في حياته كما مرّ.

5 - قال صاحب المنار: و أقوى الحجج اللفظية على الإمامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين، و هذا لا يحصل إلّا باستيعابهما بالماء؛ لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل.

و هذا القول يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره، لكنّا نسأله: لما ذا لا تحصل تلك الغاية إلّا باستيعابهما بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد، و الاختبار سهل، فها نحن من الذين يمسحون الأرجل إلى العظمين الناتئين بنداوة اليد، و لا نرى في العمل إعضالاً و عسراً.

6 - و قال: إنّ الإمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق و القدم، و يقولون هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم، فلو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب كما قال في اليدين: «إِلَى اَلْمَرٰافِقِ».(1)

أقول: إنّ المشهور بين الإمامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك، و هناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق و القدم، و ذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل. و على كلّ تقدير، يصحّ إطلاق الكعبين، و إن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل، فيكون المعنى: «فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين» منكم، إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه.

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسّع الممسوح و يحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل، و كأنّه تخيّل


1) . تفسير المنار: 234/6.

أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها، و أنّ اليد تجفّ قبل الوصول إليهما.

و لعمري أنّ هذه اجتهادات واهية، و تخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم.

7 - آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الأرجل هو التمسّك بالمصالح، حيث قال: لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء؛ لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، و ينال اليد الماسحة حظّ من هذه الوساخة.

و هذا القول يردّه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النصّ، فلا شكّ أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية و لا يجب علينا أن نقف عليها، فأيّ مصلحة في المسح على الرأس و لو بمقدار إصبع أو إصبعين حتّى قال الشافعي: إذا مسح الرجل بإصبع واحدة أو بعض إصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

و هناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصّها، قال - رحمه اللّٰه -: نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كلّ ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلّا بما فيه مصلحتهم، و لم ينههم إلّا عمّا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح و المفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة عنها إلى ما سواها. و أوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب

اللّٰه عزّ و جلّ، و قد حكم بمسح الرءوس و الأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلا بدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه(1). و لعلّ غسل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله رجليه - المدّعى في أخبار الغسل - إنّما كان من هذا الباب، و لعلّه كان من باب التبرّد، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء. و اللّٰه أعلم(2).


1) . و لذا ترى حفاة الشيعة و العمّال منهم - كأهل الحرث و أمثالهم و سائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة - إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّئوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.

2) . مسائل فقهية: 82.

المسألة العاشرة: السجود على الأرض

اشارة

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية و الانقياد و التذلّل من قبل المخلوق لخالقه، هو السجود، و به يؤكّد المؤمن عبوديته المؤكّدة للّٰه تعالى، و من هنا فانّ البارئ عزّ اسمه يقدّر لعبده هذا التصاغر و هذه الطاعة؛ فيضفي على الساجد فيض لطفه و عظيم إحسانه، لذا روي في بعض المأثورات: «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده».

و لمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها المؤمن عن الكافر، و كان السجود ركناً من أركانها، فليس هناك أوضح في إعلان التذلّل للّٰه تعالى من السجود على التراب و الرمل و الحجر و الحصى، لما فيه من تذلّل أوضح و أبين من السجود على الحصر و البواري، فضلاً عن السجود على الألبسة الفاخرة و الفرش الوثيرة و الذهب و الفضّة، و إن كان الكلّ سجوداً، إلّا أنّ العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره.

و الإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم و سفرهم، و لا يعدلون عنها إلّا إلى ما أنبت منها من الحصر و البواري بشرط أن لا يؤكل و لا يلبس، و لا يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و أهل بيته و صحبه. و سيظهر - في ثنايا البحث - أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت، كانت هي السنّة

بين الصحابة، و أنّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخّرة، و لأجل توضيح المقام نقدّم أُموراً:

1 - اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين، و لم يختلفوا في المسجود له؛ فإنّه هو اللّٰه سبحانه الذي له يسجد من في السماوات و الأرض طوعاً و كرهاً(1)، و شعار كلّ مسلم قوله سبحانه: «لاٰ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاٰ لِلْقَمَرِ وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ اَلَّذِي خَلَقَهُنَّ»(2)و إنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه - أعني: ما يضع الساجد جبهته عليه - فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول و لا ملبوس كالحصر و البواري، و ما أشبه ذلك. و خالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب، و إليك نقل الآراء:

قال الشيخ الطوسي و هو يبيّن آراء الفقهاء: لا يجوز السجود إلّا على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل و لا يلبس من قطن أو كتّان مع الاختيار.

و خالف جميع الفقهاء في ذلك و أجازوا السجود على القطن و الكتان و الشعر و الصوف و غير ذلك - إلى أن قال -: لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة، و طرف الرداء، و كمّ القميص، و به قال الشافعي، و روي ذلك عن عليّ - عليه الصلاة و السلام - و ابن عمر، و عبادة بن الصامت، و مالك، و أحمد بن حنبل.


1) . إشارة إلى قوله سبحانه: «وَ للّٰه يَسْجُدُ مَنْ في السَّماواتِ و الأرضِ طَوْعاً وَ كرْهاً و ظلالُهُم بِالغُدُوِّ و الآصال»، الرعد: 15.

2) . فصلت: 37.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه.

و إن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده و يسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه، و روي ذلك عن الحسن البصري.(1)

و قال العلّامة الحلّي - و هو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه -: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض و لا من نباتها كالجلود و الصوف عند علمائنا أجمع، و أطبق الجمهور على الجواز.

و قد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب و قرناؤه في حديث الثقلين، و نحن نكتفي هنا بإيراد جانب ممّا روي في هذا الجانب:

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد اللّٰه عليه السلام:

أخبرني عمّا يجوز السجود عليه، و عمّا لا يجوز قال: «السجود لا يجوز إلّا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما أُكل أو لبس». فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟

قال: «لأنّ السجود خضوع للّٰه عزّ و جلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّٰه عزّ و جلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها».(2)


1) . الخلاف: 357/1-358، كتاب الصلاة، المسألة 112-113.

2) . الوسائل: 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 1. و هناك روايات بمضمونه، و الكلّ يتضمّن أنّ الغاية من السجود التي هي التذلّل لا تحصل بالسجود على غيرها، فلاحظ.

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته؛ إذا لم يكن مأكولاً و لا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم، على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام، يدعم نظريّة الشيعة، و سيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم، و يتّضح أنّ السنّة كانت هي السجود على الأرض، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر و البواري فقط، و لم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

2 - الفرق بين المسجود له و المسجود عليه

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة، و يتخيّل الحجر المسجود عليه وثناً، و هؤلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له، و المسجود عليه، و يزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي وثناً يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه. و لكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف، و لم يفرّق بين الأمرين، و زعم المسجود عليه مسجوداً له، و قاس أمر الموحّد بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر، فأخذ بالصور و الظواهر، مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن و الضمائر، فالوثن عند الوثني معبود و مسجود له يضعه أمامه و يركع و يسجد له، و لكن الموحّد الذي يريد أن يصلّي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها، يخضع للّٰه سبحانه و يسجد له، و يضع جبهته و وجهه على التراب و الحجر و الرمال و الحصى، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلاً: أين التراب و ربّ الأرباب.

نعم؛ الساجد على التربة غير عابد لها، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها، و من توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان، و سيؤدّي إلى إرباك كلّ المصلين و الحكم بإشراكهم، فمن يسجد على الفرش و القماش و غيره لا بدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال، فيا للعجب العجاب!!

3 - السنّة في السجود في عصر الرسول صلى الله عليه و آله و بعده
اشارة

إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و صحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا يستهان بها، متحمّلين شدّة الرمضاء، و غبار التراب، و رطوبة الطين، طيلة أعوام. و لم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب و كور العمامة، بل و لا على الحصر و البواري و الخمر، و أقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها، و قد شكا بعضهم إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله شدّة الحرّ، فلم يجبه؛ إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر و الحصر، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود، و على ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير:

1 - ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب و الرمل و الحصى و الطين، و لم تكن هناك أيّة رخصة.

2 - المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصى و البواري و الخمر، تسهيلاً للأمر، و رفعاً للحرج و المشقّة، و لم تكن هناك أيّة مرحلة أُخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه البعض، و إليك البيان:

المرحلة الأُولى: السجود على الأرض:
اشارة

1 - روى الفريقان عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال: «و جُعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً».(1)

و المتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الأرض مسجد و طهور يُسجد عليه و يُقصد للتيمّم، و على ذلك فالأرض تقصد للجهتين: للسجود تارةً، و للتيمّم أُخرى.

و أمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة و السجود للّٰه سبحانه لا يختصّ بمكان دون مكان، بل الأرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم؛ حيث خصّوا العبادة بالبِيَع و الكنائس، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه؛ فإنّه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الأرض كلّها صالحة للعبادة، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه، و يعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» و جعلهما مفعولين ل «جُعلت» و النتيجة هو توصيف الأرض بوصفين:

كونها مسجداً، و كونها طهوراً، و هذا هو الذي فهمه الجصّاص و قال: إنّ ما جعله من الأرض مسجداً هو الذي جعله طهوراً.(2)

و مثله غيره من شرّاح الحديث.

تبريد الحصى للسجود عليها:

2 - عن جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، قال: كنت أُصلّي مع النبيّ صلى الله عليه و آله الظهر،


1) . صحيح البخاري: 91/1، كتاب التيمّم، الحديث 2؛ سنن البيهقي: 433/2، باب: أينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد، و رواه غيرهما من أصحاب الصحاح و السنن.

2) . أحكام القرآن: 389/2.

فآخذ قبضة من الحصى، فأجعلها في كفّي ثمّ أُحوّلها إلى الكفّ الأُخرى حتّى تبرد ثمّ أضعها لجبيني، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ.(1)

و علّق عليه البيهقي بقوله: قال الشيخ: و لو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكفّ و وضعها للسجود.(2)

و نقول: و لو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى، و لأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه.

3 - روى أنس قال: كنّا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده، فإذا برد وضعه و سجد عليه.(3)

4 - عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله شدّة الرمضاء في جباهنا و أكفّنا، فلم يشكّنا.(4)

قال ابن الأثير في معنى الحديث: إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم.(5)

هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط، حتّى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى


1) . مسند أحمد: 327/3 عن جابر؛ سنن البيهقي: 439/1، باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ.

2) . سنن البيهقي: 105/2.

3) . سنن البيهقي: 106/2.

4) . سنن البيهقي: 105/2، باب الكشف عن الجبهة.

5) . النهاية: 497/2 مادة «شكا».

الثياب المتّصلة أو المنفصلة، و هو صلى الله عليه و آله مع كونه بالمؤمنين رءوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباههم الأرض، و إن آذتهم شدّة الحرّ.

و الذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض، و عن إصرار النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل و السجاجيد، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات.

الأمر بالتتريب:

5 - عن خالد الجهني: قال: رأى النبيّ صلى الله عليه و آله صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له: «ترّب وجهك يا صهيب».(1)

و الظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب بالسجود على الثوب المتّصل و المنفصل، و لا أقلّ بالسجود على الحصر و البواري و الأحجار الصافية، و على كلّ تقدير؛ فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى؛ لما دلّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض.

6 - روت أُمّ سلمة - رضي اللّٰه عنها -: رأى النبي صلى الله عليه و آله غلاماً لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد، فقال: «يا أفلح ترّب».(2)

7 - و في رواية: «يا رباح ترّب وجهك».(3)


1) . كنز العمال: 465/7 برقم 19810.

2) . كنز العمال: 459/7 برقم 19776.

3) . المصدر نفسه: برقم 19777.

8 - روى أبو صالح قال: دخلت على أُمّ سلمة، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين، فلمّا سجد نفخ التراب، فقالت أُمّ سلمة: ابن أخي لا تنفخ؛ فإنّي سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول لغلام له يقال له يسار - و نفخ -: «ترّب وجهك للّٰه».(1)

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة:

9 - روي: أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته.(2)

10 - روي عن عليّ أمير المؤمنين أنّه قال: «إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه»، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة.(3)

11 - روي عن صالح بن حيوان السبائي: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله رأى رجلاً يسجد بجنبه و قد اعتمّ على جبهته فحسر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن جبهته.(4)

12 - عن عياض بن عبد اللّٰه القرشي: رأى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله رجلاً يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: «ارفع عمامتك» و أومأ إلى جبهته.(5)

هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلّا السجود على الأرض، و لم يكن هناك أيّ رخصة سوى تبريد الحصى، و لو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك، و لما أمر النبيّ صلى الله عليه و آله بالتتريب، و حسر العمامة


1) . كنز العمال: 465/7 برقم 19809؛ مسند أحمد: 301/6.

2) . الطبقات الكبرى: 151/1 كما في السجود على الأرض: 41.

3) . منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند: 194/3.

4) . سنن البيهقي: 105/2.

5) . سنن البيهقي: 105/2.

عن الجبهة.

المرحلة الثانية: الترخيص في السجود على الخمر و الحصر:

هذه الأحاديث و المأثورات المبثوثة في الصحاح و المسانيد و سائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي صلى الله عليه و آله و أصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها، و أنّهم كانوا لا يعدلون عنه، و إن صعب الأمر و اشتدّ الحرّ، لكن هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي صلى الله عليه و آله - بإيحاء من اللّٰه سبحانه إليه - السجود على ما أنبتت الأرض، فسهّل لهم بذلك أمر السجود، و رفع عنهم الإصر و المشقّة في الحرّ و البرد، و فيما إذا كانت الأرض مبتلّة، و إليك تلك النصوص:

1 - عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة.(1)

2 - عن ابن عباس: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة، و في لفظ: و كان النبيّ صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة.(2)

3 - عن عائشة: كان النبيّ صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة.(3)

4 - عن أُمّ سلمة: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة.(4)

5 - عن ميمونة: و رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة فيسجد.(5)

6 - عن أُمّ سليم قالت: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمرة.(6)

7 - عن عبد اللّٰه بن عمر: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الخمر.(7)


1) . أخبار اصبهان: 141/2.

2) . مسند أحمد: 269/1، 303، 309 و 358.

3) . المصدر نفسه 179:6 و فيه أيضاً قال للجارية و هو في المسجد: ناوليني الخمرة.

4) . المصدر نفسه: 302.

5) . مسند أحمد: 331/1-335.

6) . المصدر نفسه: 377.

7) . المصدر نفسه: 92/2-98.

المرحلة الثالثة: السجود على الثياب لعذر:

قد عرفت المرحلتين الماضيتين، و لو كان هناك مرحلة ثالثة فإنّما مرحلة جواز السجود على غير الأرض و ما ينبت منها لعذر و ضرورة. و يبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يُجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ و الرمضاء، و راح هو و أصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحرّ و الأذى، و لكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر و ضرورة، و إليك ما ورد في هذا المقام.

1 - عن أنس بن مالك: كنّا إذا صلّينا مع النبيّ صلى الله عليه و آله فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض، طرح ثوبه ثمّ سجد عليه.

2 - و في صحيح البخاري: كنّا نصلّي مع النبيّ صلى الله عليه و آله فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه.

3 - و في لفظ ثالث: كنّا إذا صلّينا مع النبيّ صلى الله عليه و آله فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود.(1)

و هذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح و المسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً. و ذلك لأنّ رواية أنس نصّ في اختصاص الجواز على حالة


1) . صحيح البخاري: 101/1؛ صحيح مسلم: 109/2؛ مسند أحمد: 100/1؛ السنن الكبرى: 106/2.

الضرورة، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات، و إليك بعض ما روي في هذا المجال:

1 - عبد اللّه بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على كور عمامته.(1)

إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن السجود عليه، محمولة على العذر و الضرورة، و قد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه، حيث قال: قال الشيخ: «و أمّا ما روي في ذلك عن النبيّ صلى الله عليه و آله من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك، و أصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله.(2)

و قد روي عن ابن راشد قال: «رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت:

لما تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أنساني - أي عيني -».(3)

2 - ما روي عن أنس: «كنّا نصلّي مع النبيّ صلى الله عليه و آله فيسجد أحدنا على ثوبه».(4)

و الرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه، و بما رواه عنه البخاري: «كنّا نصلّي مع النبيّ صلى الله عليه و آله في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه».(5)


1) . كنز العمال: 130/8 برقم 22238.

2) . السنن الكبرىٰ: 106/2.

3) . المصنّف لعبد الرزاق: 400/1 كما في السجود على الأرض: 112.

4) . السنن الكبرى: 106/2، باب من بسط ثوباً فسجد عليه.

5) . صحيح البخاري: 64/2، كتاب الصلاة، باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.

و يؤيّده ما رواه النسائي أيضاً: «كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ صلى الله عليه و آله بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ».(1)

و هناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلّا على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله صلّى على الفرو. و أمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه.

3 - عن المغيرة بن شعبة: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصلّي على الحصير و الفروة المدبوغة.(2)

و الرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث، ليست ظاهرة في السجود عليه. و لا ملازمة بين الصلاة على الفرو و السجدة عليه، و لعلّه صلى الله عليه و آله وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها. و على فرض الملازمة لا تقاوم هي و ما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

حصيلة البحث
اشارة

إنّ المتأمّل في الروايات يجد و بدون لبس أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرّت بمرحلتين أو ثلاث مراحل؛ ففي المرحلة الأُولى كان الفرض السجود على الأرض و لم يرخّص للمسلمين السجود على غيرها، و في الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض، و ليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أُخرى إلّا جواز السجود على الثياب لعذر و ضرورة، فما يظهر من


1) . جامع الأُصول: 468/5 برقم 3660.

2) . سنن أبي داود: 155/1، باب الصلاة على الحصير برقم 659.

بعض الروايات من جواز السجود على الفرو و أمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة، أو لا دلالة لها على السجود عليها، بل غايتها الصلاة عليها.

و من هنا فإنّ ما يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة، و لم تنحرف عنه قيد أُنملة، و لعلّ الفقهاء هم أدرى بذلك من غيرهم، لأنّهم الأُمناء على الرسالة و الأدلّاء في طريق الشريعة، و نحن ندعو إلى برهة من التأمّل لإحقاق الحقّ و تجاوز البدع.

ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟

بقي هنا سؤال يطرحه كثيراً إخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر و الحضر و السجود عليها دون غيرها. و ربّما يتخيّل البسطاء - كما ذكرنا سابقاً - أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها، و يعبدون الحجر و التربة، و ذلك لأنّ هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة، و السجود لها.

و على أيّ تقدير فالإجابة عنها واضحة، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها، من أيّ أرض أُخذت، و من أيّ صقع من أرجاء العالم كانت، و هي كلّها في ذلك سواء.

و ليس هذا الالتزام إلّا مثل التزام المصلّي بطهارة جسده و ملبسه و مصلّاه، و أمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها، و يتّخذها مسجداً، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه و ترحاله، بل و أنّى له ذلك و هذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر، مسلمين كانوا أم غيرهم، ملتزمين بأُصول الطهارة أم غير ذلك، و في ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصاً من أن يتّخذ لنفسه تربة

طاهرة يطمئنّ بها و بطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة و النجاسة، و الأوساخ التي لا يتقرّب بها إلى اللّٰه قطّ و لا تجوّز السنّة السجود عليها و لا يقبله العقل السليم، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي و لباسه و النهي عن الصلاة في مواطن منها:

1 - المزبلة، و المجزرة، و قارعة الطريق، و الحمّام، و معاطن الإبل، بل و الأمر بتطهير المساجد و تطييبها.(1)

و هذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح و إن غفل التاريخ عن نقلها، فقد روي: أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع (المتوفّى 62 ه) كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنّف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.(2)

إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلّا تسهيل الأمر للمصلّي في سفره و حضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهرة أو حصيراً طاهراً فيصعب الأمر عليه، و هذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها.

و أمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية، فإنّ من الأغراض العالية و المقاصد السامية منها، أن يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة، تضحية ذلك الإمام بنفسه و أهل بيته و الصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة و المبدأ و مقارعة الجور و الفساد.


1) . سيرتنا و سنّتنا: 135.

2) . المصنّف: 400/1 كما في السجدة على التربة: 93.

و لمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة، و في الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية، أُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ، و ارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى، ليخشع و يخضع و يتلازم الوضع و الرفع، و تحتقر هذه الدنيا الزائفة، و زخارفها الزائلة، و لعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر، فيكون حينئذ في السجود سرّ الصعود و العروج من التراب إلى ربّ الأرباب.(1)

و قال العلّامة الأميني: نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً، و أقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها، و الرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة، و معلّم السنّة بها، و حاشاه من البدعة. فليس في ذلك أيّ حزازة و تعسّف أو شيء يضادّ نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة اللّٰه و سنّة رسوله صلى الله عليه و آله أو خروج من حكم العقل و الاعتبار.

و ليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم، و لا من واجب الشرع و الدين، و لا ممّا ألزمه المذهب، و لا يفرق أيّ أحد منهم منذ أوّل يومها بينها و بين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم و بآرائهم، و إن هو عندهم إلّا استحسان عقلي ليس إلّا، و اختياراً لما هو الأولى بالسجود لدى العقل و المنطق و الاعتبار فحسب كما سمعت، و كثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء


1) . الأرض و التربة الحسينية: 24.

ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله و يسجدون عليه في صلواتهم(1).

هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية و التفصيل موكول إلى محلّه، و قد أغنانا عن ذلك ما سطّره أعلام العصر و أكابره، و أخص بالذكر منهم.

1 - المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295-1373 ه) في كتابه «الأرض و التربة الحسينية».

2 - العلّامة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني مؤلّف الغدير (1320 - 1390 ه) فقد دوّن رسالة في هذا الموضوع طبعت في آخر كتابه «سيرتنا و سنّتنا».

3 - «السجود على الأرض» للعلّامة الشيخ عليّ الأحمدي قدس سره فقد أجاد في التتبّع و التحقيق.

و ما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم. رحم اللّٰه الماضين من علمائنا و حفظ اللّٰه الباقين منهم.

.


1) . سيرتنا و سنّتنا: 142.

المسألة الحادية عشرة: عدالة الصحابة كلّهم

اشارة

صحابة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله هم المسلمون الأوائل الذين رأوا النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و تشرّفوا بكرامة الصحبة، و تحمّلوا جانباً مهمّاً في عملية نشر الدعوة الإسلامية، و بذل جمع منهم النفس و النفيس في نشر الإسلام، حتّى امتدّ إلى أقاصي المعمورة فأقاموا أُسسه، و شادوا بنيانه، و رفعوا قواعده بجهادهم المتواصل، و بلغوا ذروة المجد باستسهال المصاعب، فلولا بريق سيوفهم، و قوّة سواعدهم، و خوضهم عباب المنايا، لما قام للدين عمود، و لا اخضرّ له عود.

و لمّا كان الكتاب و السنّة هما المصدرين الرئيسيين عند المسلمين جميعاً، و الشيعة منهم، و بهدي نورهما يسترشد في استشراف الحقائق الثابتة التي لا غبار عليها، فإنّ التأمل في هذين المصدرين الغدقين يبيّن مدى فضل أُولئك و منزلتهم في الإسلام.

و لعلّ المتأمل في الكتاب و السنّة يجد مدى ما يحفى به الصحابة الصادقون من ثناء و تكريم، و من تلا آيات الذكر الحكيم حول المهاجرين و الذين اتّبعوهم بإحسان، لا يملك نفسه إلّا أن يغبط منزلتهم و علوّ شأنهم، بل و يتمنّى من صميم قلبه أن يكون أحدهم و يدرك شأنهم، و من استمع للآيات النازلة في الذين بايعوا رسول اللّٰه 9 تحت الشجرة أو أصحاب

سورة الفتح(1)فلا بد أن تفيض عيناه دمعاً و يرتعش قلبه شوقاً نحو تلك الثلّة المؤمنة التي صدقت ما عاهدت اللّٰه عليه و رسوله صلى الله عليه و آله.

فإذا كان هذا حال الصحابة في الذكر الحكيم فكيف يتجرّأ مسلم على تكفير الصحابة و رميهم بالردّة و الزندقة أو تفسيقهم جميعاً؟ «سُبْحٰانَكَ هٰذٰا بُهْتٰانٌ عَظِيمٌ».

و كيف يستطيع أن يصوّر دعوة النبيّ صلى الله عليه و آله ضئيلة الفائدة أو يتّهمه بعدم النجاح في هداية قومه و إرشاد أُمّته، و أنّه لم يؤمن به إلّا شرذمة قليلة لا يتجاوزون عدد الأصابع، و أنّ ما سواهم كانوا بين منافق ستر كفره بالتظاهر بالإيمان، أو مرتدّ على عقبيه القهقرىٰ بعد رحلة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله.

كيف يجوز لمسلم أن يصف دعوته و يقول: إنّه لم يهتد و لم يثبت على الإسلام بعد مرور (23) عاماً من الدعوة إلّا ثلاثة أو سبعة أو عشرة. إنّ هذا ليس إلّا هراء و كذب رخيص لا تقبله العقول.

و الأنكى من ذلك كلّه أن يُرمى الشيعة بهذا التقوّل الممجوج، و أن تجد من يصدّق ذلك و يرتّب على أساسه مواقف و آراء، و إنّا نسأل أُولئك عن هذا فنقول لهم: أيّ شيعي واع ادّعى ذلك؟ و متى قال؟ و أين ذكره؟ إنّ الشيعة بريئة من هذه التخرّصات، و ما هذه الحكايات السقيمة إلّا جزءاً من الدعايات الفارغة ضدّ الشيعة و التي أثارها الأمويّون في أعصارهم، ليسقطوا الشيعة من عيون المسلمين، و تلقّفتها أقلام المستأجرين لتمزيق الوحدة الإسلامية، و فصم عرى الأُخوّة. و ترى تلك الفرية في هذه الأيام في كتيّب نشره الكاتب أبو الحسن


1) . لاحظ الآيتين 18 و 29 من سورة الفتح، ففيهما إشارة واضحة إلى ما تحدّثنا عنه.

الندوي أسماه ب «صورتان متعارضتان». و هو يجترّ ذلك مرّة بعد أُخرى، و ما يريد من ذلك إلّا زيادة الأُمّة فرقة و تمزيقاً.

نعم وردت روايات في ذلك، و لكنّها لا تكون مصدراً للعقيدة، و لا تتّخذ مقياساً لها؛ لأنّها روايات آحاد لا تفيد علماً في مجال العقائد، و ستوافيك دراسة متونها و أسانيدها.

إنّا لو أحصينا المهتدين في عصر الرسول صلى الله عليه و آله من بني هاشم لتجاوز عددهم العشرات، بدءاً من عمّه أبي طالب و مروراً بصفيّة عمّته، و فاطمة بنت أسد، و بحمزة و العبّاس و جعفر و عقيل و طالب و عبيدة بن الحارث «شهيد بدر» و أبي سفيان بن الحارث و نوفل بن الحارث و جعدة بن أبي هبيرة و أولادهم و زوجاتهم، و انتهاءً بعليّ عليه السلام و أولاده و بناته و زوجته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين.

أمّا الذين استشهدوا في عهد النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله فهم يتجاوزون المئات، و لا يشكّ أيّ مسلم في أنّهم كانوا مثال المؤمنين الصادقين الذين حوّلهم الإسلام و أثّر فيهم، فضربوا في حياتهم أروع الأمثلة في الإيمان و التوحيد و التضحية بالغالي و النفيس، خدمة للمبدأ و العقيدة. و لعلّ الاستعراض المتعجّل لمجموع تلك الأسماء لا يملك إلّا أن يجزم بصحّة ما ذهبنا إليه من القول بمكانة أُولئك الصحابة ابتداءً بآل ياسر الذين كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول لهم و هو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب: «صبراً آل ياسر إنّ موعدكم الجنّة»(1)، و مروراً بمن توفّي في مهجر الحبشة و شهداء بدر و أُحد، و قد استشهد في معركة أُحد سبعون


1) . السيرة النبوية لابن هشام: 320/1.

صحابياً كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يزورهم و يسلّم عليهم، ثمّ شهداء سائر المعارك و الغزوات، حتّى قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله في حقّ سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق:

«اهتزّ العرش لموته»، و شهداء بئر معونة و التي يتراوح عدد الشهداء فيها بين (40) حسب رواية أنس بن مالك و (70) حسب رواية غيره، إلى غير ذلك من الأصحاب الصادقين الأجلّاء الذين: «صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»(1)، «اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ إِنَّ اَلنّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزٰادَهُمْ إِيمٰاناً وَ قٰالُوا حَسْبُنَا اَللّٰهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ»(2)، «لِلْفُقَرٰاءِ اَلْمُهٰاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ... وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدّٰارَ وَ اَلْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(3).

أو ليست هذه الآيات تثبت نجاح النبيّ صلى الله عليه و آله في دعوته، و أنّه اجتمع حوله رجال صالحون و مخلصون، فكيف يمكن رمي مسلم يتلو الذكر الحكيم ليل نهار باعتقاده بخيبة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله في دعوته و تهالكه في هداية أُمّته. إنّ الموقف الصحيح من الصحابة هو ما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

«أين إخواني الذين ركبوا الطريق و مضوا على الحقّ؟ أين عمّار؟ و أين ابن التّيهان؟ و أين ذو الشهادتين؟ و أين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة و أُبرد برءوسهم إلى الفجرة؟ أوّه على إخواني الذين تلوا القرآن


1) . الأحزاب: 23.

2) . آل عمران: 173.

3) . الحشر: 8-9.

فأحكموه و تدبّروا الفرض فأقاموه. أحيوا السنّة و أماتوا البدعة، دُعوا للجهاد فأجابوا، و وثقوا بالقائد فاتّبعوه».(1)

و ليس ما جاء في هذه الخطبة فريداً في كلامه، فقد وصف أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يوم صفّين، يوم فرض عليه الصلح بقوله:

«و لقد كنّا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلّا إيماناً و تسليماً، و مضياً على اللقم، و صبراً على مضض الألم، و جدّاً في جهاد العدوّ، و لقد كان الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدوّنا، و مرّة لعدوّنا منّا. فلمّا رأى اللّٰه صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت، و أنزل علينا النصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه و متبوّئاً أوطانه، و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، و لا اخضرّ للإيمان عود».(2)

هذه كلمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قائد الشيعة و إمامهم، أ فهل يجوز لمن يؤمن بإمامته أن يكفّر جميع صحابة النبيّ صلى الله عليه و آله أو يفسّقهم أو ينسبهم إلى الزندقة و الإلحاد أو الارتداد، من دون أن يقسّمهم إلى أقسام، و يصنّفهم أصنافاً و يذكر تقاسيم القرآن و السنّة في حقّهم!! كلّا و ألف كلّا.

و هذا هو الإمام عليّ بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبيّ صلى الله عليه و آله و يقول: «اللّهمّ و أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله خاصّة الذين أحسنوا الصحبة، و الذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، و كانفوه و أسرعوا إلى وفادته، و سابقوا إلى دعوته،


1) . نهج البلاغة: الخطبة 182.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 56.

و استجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته، و فارقوا الأزواج و الأولاد في إظهار كلمته، و قاتلوا الآباء و الأبناء في تثبيت نبوّته، و انتصروا به، و من كانوا منطوين على محبّته، يرجون تجارة لن تبور في مودّته، و الذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، و انتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّ قرابته، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك و فيك، و أرضهم من رضوانك، و بما حاشوا الخلق عليك و كانوا مع رسولك دعاة لك إليك، و اشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، و خروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، و من كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم.

اللّهمّ و أوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا و لإخواننا...»(1).

فإذا كان الحال كذلك، و اتّفق الشيعي و السنّي على إطراء الذكر الحكيم للصحابة و الثناء عليهم، فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعدّ ذلك من أعظم الخلاف بينهما؟ إنّ موضع الخلاف ليس إلّا في نقطة واحدة، و هي أنّ أهل السنّة يقولون بأنّ كلّ من رأى النبيّ صلى الله عليه و آله و عاشره و لو يوماً أو يومين فهو محكوم بالعدالة منذ اللقاء إلى يوم أُدرج في كفنه، و لو صدر منه قتل أو نهب أو زنا أو غير ذلك، محتجّين بما نسب إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» و في ذلك خلل كبير أعاذ اللّٰه المسلمين منه، فالتاريخ بين أيدينا، و صفحاته خير شاهد على ما نقول، و نحن لا نقول كما قال الحسن البصري:


1) . الصحيفة السجادية: الدعاء 4.

«طهّر اللّٰه سيوفنا عن دمائهم، فلنطهّر ألسنتنا»، لأنّا لا نظنّ أنّ الحسن البصري يعتقد بما قال، بل إنّه تدرّع بهذه الكلمة و صان بها نفسه عن هجمات الأمويين الذين كانوا يروّجون عدالة الصحابة في جميع الأزمنة، بل يلبسونهم ثوب العصمة، إلى حدّ كان القدح بالصحابي أشدّ من القدح برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فنفي العصمة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و اتّهامه بالذنب قبل بعثه و بعده كان أمراً سهلاً يطرح بصورة عقيدة معقولة و لا يؤاخذ القائل به، و أمّا من نسب صغيرة أو كبيرة إلى صحابي فأهون ما يواجهونه به هو الاستتابة و إلّا فالقتل!!

فإذا كان هذا هو محلّ النزاع - أي عدالة الكل بلا استثناء أو تصنيفهم إلى مؤمن أو فاسق، و مثالي أو عادي، إلى زاهد أو متوغّل في حبّ الدنيا، إلى عالم بالشريعة و عامل بها أو جاهل لا يعرف منها إلّا شيئاً طفيفاً - فيجب تحليل المسألة على ضوء الكتاب و السنّة، مجرّدين عن كلّ رأي مسبق، لا يقودنا في ذلك إلّا الدليل الصحيح و الحجّة الثابتة، و لأجل إماطة الستر عن وجه الحقيقة نذكر أُموراً:

الصحابة في القرآن الكريم

1 - إنّ القرآن الكريم يصنّف الصحابة إلى أصناف مختلفة؛ فهو يتكلّم عن السابقين الأوّلين، و المبايعين تحت الشجرة، و المهاجرين المهجّرين عن ديارهم و أموالهم، و أصحاب الفتح، إلى غير ذلك من الأصناف المثالية، الذين يثني عليهم و يذكرهم بالفضل و الفضيلة، و في مقابل ذلك يذكر أصنافاً أُخر يجب أن لا تغيب عن أذهاننا و تلك الأصناف هي التالية:

1 - المنافقون المعروفون(1).

2 - المنافقون المتستّرون الذين لا يعرفهم النبيّ صلى الله عليه و آله(2).

3 - ضعفاء الإيمان و مرضى القلوب(3).

4 - السمّاعون لأهل الفتنة(4).

5 - المسلمون الذين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً(5).

6 - المشرفون على الارتداد عند ما دارت عليهم الدوائر(6).

7 - الفاسق أو الفسّاق الذين لا يصدق قولهم و لا فعلهم(7).

8 - المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم(8).

9 - المؤلّفة قلوبهم الذين يظهرون الإسلام و يتآلفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم(9).

10 - المولّون أمام الكفّار(10).

هذه الأصناف إذا انضمّت إلى الأصناف المتقدّمة، فإنّها تعرب عن أنّ صحابة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله لم يكونوا على نمط واحد، بل كانوا مختلفين من حيث قوّة الإيمان و ضعفه، و القيام بالوظائف و التخلّي عنها، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي توزن به أفعال جميع الناس، و عندئذ يتحقّق أنّ الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة إلّا إذا كان أهلاً لها، و توضّح بجلاء أنّ محاولة المساواة في الفضل بين جميع الصحابة أمر فيه مجافاة صريحة للحقّ و كلمة الصدق، و هذا


1) . المنافقون: 1.

2) . التوبة: 101.

3) . الأحزاب: 11.

4) . التوبة: 45-47.

5) . التوبة: 102.

6) . آل عمران: 154.

7) . الحجرات: 6، السجدة: 18.

8) . الحجرات: 14.

9) . التوبة: 60.

10) . الأنفال: 15-16.

ما ذهبت إليه الشيعة، و هو نفس النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبّر للقرآن الكريم.

2 - إنّ الآيات التي تناولت المهاجرين و الأنصار و غيرهم بالمدح و الثناء، لا تدلّ على أكثر من أنّهم كانوا حين نزول القرآن مُثلاً للفضل و الفضيلة، و لكن الأُمور إنّما تعتبر بخواتيمها، فيحكم عليهم - بعد نزول الآيات - بالصلاح و الفلاح إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات، و أمّا لو ثبت عن طريق السنّة أو التاريخ الصحيح أنّه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته، فحينئذ لا مندوحة لنا إلّا الحكم بذلك، و لا يعد مثل ذلك معارضاً للقرآن الكريم؛ لأنّه ناظر إلى أحوالهم في ظروف خاصّة، لا في جميع فصول حياتهم، فليس علينا رفع اليد عن السنّة و التاريخ الصحيح بحجّة أنّ القرآن الكريم مدحهم، و أنّ اللّٰه تعالى كان في وقت ما راضياً عنهم، لما عرفت من أنّ المقياس القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم و إخضاعها للقرآن و السنّة، فكم من مؤمن زلّت قدمه في الحياة، فعاد منافقاً، أو مرتدّاً، و كم من ضالّ شملته العناية الإلٰهية، فبصر الطريق و صار رجلاً إلٰهياً.

و بالجملة: فمن ثبت عن طريق الدليل الصحيح انحرافه و زيغه عن الصراط المستقيم و شوب إيمانه بالظلم و العيث و الفساد، فيؤخذ بما هو الثابت في ذينك المصدرين، و أمّا من لم يثبت زيغه فلا نتكلّم في حقّه بشيء سوى ما أمر اللّٰه به سبحانه من طلب الرحمة لهم حيث قال: «رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ»(1).


1) . الحشر: 10.

3 - و من سوء الحظ أنّ شرذمة قليلة من الصحابة زلّت أقدامهم و انحرفوا عن الطريق، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين، و تبيين مواقفهم، و انحرافهم عن الطريق المستقيم بكرامة الباقين، و لعلّ عدد المنحرفين (غير المنافقين) لا يتجاوز العشرة إلّا بقليل.

أ فيسوغ في ميزان العدل رمي الشيعة بأنّهم يكفّرون الصحابة و يفسّقونهم بحجّة أنّهم يدرسون حياة عدّة قليلة منهم و يذكرون مساوئ أعمالهم، و ما يؤاخذ عليهم على ضوء الكتاب و السنّة و التاريخ الصحيح.

و ما نسب إلى الحسن البصري فهو أولى بالإعراض عنه، إذ لو كانت النجاة في ترك ذكرهم، فلما ذا اهتمّ ببيان أفعالهم و صفاتهم التاريخ المؤلّف بيد السلف الصالح الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف؟ فلو كان الحقّ ترك التكلّم فيهم و إعذارهم بالاجتهاد ، فلما ذا وصف النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بعضهم بالارتداد، كما رواه البخاري و غيره؟(1).

و إذا دار الأمر بين كون القرآن أو النبيّ صلى الله عليه و آله أُسوة، أو الكلمة المأثورة عن الحسن البصري، فالأوّل هو المتعيّن، و يضرب بالثاني عرض الجدار.

الردّة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله

بقيت هنا كلمة و هي: إذا كان موقف الشيعة و أئمّتهم من الصحابة ما ذكر آنفاً، فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشّي من أنّه ارتدّ الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله


1) . صحيح البخاري: 118/5-119 في تفسير سورة النور.

إلّا ثلاثة؟ إذ لو صحّ ما ذكر، وجب الالتزام بأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله لم ينجح في دعوته، و لم يتخرّج من مدرسته إلّا قلائل لا يعتدّ بهم في مقابل ما ضحّى به من النفس و النفيس.

و الإجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحّص عنها سنداً و متناً؛ فإنّ ما رواه لا يتجاوز السبع روايات؛ و هي بين ضعيف لا يعوّل عليه، و موثّق - حسب اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث - و صحيح قابلين للتأويل، و لا يدلّان على الارتداد عن الدين، و الخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر.

أمّا الضعيف فهو ما رواه الكشّي عن حمدويه و إبراهيم ابني نصير قال:

حدّثنا محمّد بن عثمان، عن حنّان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كان الناس أهل الردّة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله إلّا ثلاثة...».(1)

و كفى في ضعفها وجود محمّد بن عثمان في سندها؛ و هو من المجاهيل.

ما رواه أيضاً عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «ارتدّ الناس إلّا ثلاثة نفر: سلمان، و أبو ذر، و المقداد».(2)

و كفى في ضعفها أنّ الكشّي من أعلام القرن الرابع الهجري القمري، فلا يصحّ أن يروي عن عليّ بن الحكم، سواء أ كان المراد منه الأنباري الراوي عن ابن عميرة المتوفّى عام (217 ه)، أو كان المراد الزبيري الذي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا عليه السلام المتوفّى عام 203 ه.

و ما نقله أيضاً عن حمدويه بن نصير قال: حدّثني محمّد بن عيسى


1) . رجال الكشي: 12 برقم 1.

2) . رجال الكشي: 16 برقم 13.

و محمّد بن مسعود قال: حدّثنا جبرئيل بن أحمد قال: حدثنا محمّد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عن محمّد بن البشير، عمّن حدثه قال: «ما بقي أحد إلّا و قد جال جولة إلّا المقداد بن الأسود؛ فإنّ قلبه كان مثل زبر الحديد».(1)

و الرواية ضعيفة بجبرئيل بن أحمد؛ فإنّه مجهول كما أنّها مرسلة في آخرها.

و أمّا الروايات الباقية فالموثّق عبارة عمّا ورد في سنده عليّ بن الحسن الفضال، و الثلاثة الباقية صحيحة، و من أراد الوقوف على أسنادها و متونها فليرجع إلى رجال الكشّي.(2)

و مع ذلك كلّه فإنّ هذه الروايات لا يحتجّ بها أبداً لجهات عديدة نشير إلى بعض منها:

1 - كيف يمكن أن يقال إنّه ارتدّ الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و لم يبق إلّا ثلاثة تمسّكوا بولاية عليّ و لم يعدلوا عنها، مع أنّ ابن قتيبة و الطبري رويا أنّ جماعة من بني هاشم و غيرهم تحصَّنوا في بيت علي معترضين على ما آل إليه أمر السقيفة، و لم يتركوا بيت الإمام إلّا بعد التهديد و الوعيد و إضرام النار أمام البيت.

و هذا يدلّ على أنّه كان هناك جماعة مخلصون بقوا أوفياء لما تعهّدوا به في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله، و إليك نصّ التاريخ: قال ابن قتيبة:

إنّ بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى عليّ بن أبي طالب، و معهم الزبير بن العوّام - رضي اللّٰه عنه -.(3)


1) . رجال الكشي: 16 برقم 11.

2) . المصدر نفسه: 13 برقم 3 و 4 و 6 و 7.

3) . الإمامة و السياسة: 10/1-12.

و قال في موضع آخر: إنّ أبا بكر - رضي اللّٰه عنه - تفقّد قوماً تخلَّفوا عن بيعته عند عليّ - كرّم اللّٰه وجهه - فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم و هم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب و قال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: و إن...(1).

روى الطبري: قال: أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين فقال: و اللّٰه لأُحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه(2).

و قال ابن واضح الأخباري: و تخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين و الأنصار و مالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العبّاس بن عبد المطلب، و الفضل بن العبّاس، و الزبير بن العوّام بن العاص، و خالد بن سعيد، و المقداد بن عمرو، و سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمّار بن ياسر، و البراء بن عازب، و أُبي بن كعب. فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجراح و المغيرة بن شعبة فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً...(3).

كلّ ذلك يشهد على أنّه كان هناك أُمّة بقوا على ما كانوا عليه، في عصر الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله، و لم يغترّوا بانثيال الأكثرية إلى غير من كان الحقّ يدور


1) . المصدر نفسه.

2) . تاريخ الطبري: 442/2.

3) . تاريخ اليعقوبي: 124/2.

مداره. و كيف يمكن ادّعاء الردّة لعامة الصحابة إلّا القليل.

2 - كيف يمكن أن يقال: ارتدّ الناس إلّا ثلاثة مع أنّ الصدوق - رضي اللّٰه عنه - ذكر عدّة من المنكرين للخلافة في أوائل الأمر و قد بلغ عددهم اثنا عشر رجلاً من المهاجرين و الأنصار و هم: خالد بن سعيد بن العاص، و المقداد بن الأسود، و أُبي ابن كعب، و عمّار بن ياسر، و أبو ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و عبد اللّٰه بن مسعود، و بريدة الأسلمي، و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و سهل بن حنيف، و أبو أيّوب الأنصاري، و أبو هيثم بن التيهان و غيرهم.

ثمّ ذكر اعتراضاتهم على مسألة الخلافة واحداً بعد واحد(1).

3 - إنّ وجود الاضطراب و الاختلاف في عدد من استثناهم الإمام يورث الشكّ في صحّتها، ففي بعضها «إلّا ثلاثة» و في البعض الآخر «إلّا سبعة» و في ثالث «إلّا ستة» فإنّ التعارض و إن كان يمكن رفعه بالحمل على اختلافهم في درجات الإيمان غير أنّه على كلّ تقدير يوهن الرواية.

4 - كيف يمكن إنكار إيمان أعلام من الصحابة مع اتّفاق كلمة الشيعة و السنّة على علوّ شأنهم، أمثال: بلال الحبشي، و حجر بن عدي، و أُويس القرني، و مالك بن نويرة المقتول ظلماً على يد خالد بن الوليد، و العبّاس بن عبد المطلب و ابنه حبر الأُمّة و عشرات من أمثالهم، و قد عرفت أسماء المتخلّفين عن بيعة أبي بكر في كلام اليعقوبي، أضف إلى ذلك أنّ رجال البيت الهاشمي كانوا على خطّ الإمام و لم يتخلّفوا عنه، و إنّما غمدوا سيوفهم اقتداءً بالإمام لمصلحة عالية ذكرها في بعض كلماته(2).


1) . الخصال: 461-465 أبواب الاثني عشر.

2) . نهج البلاغة: الكتاب 62.

و أقصى ما يمكن أن يقال في حقّ هذه الروايات هو أنّه ليس المراد من الارتداد الكفر و الضلال و الرجوع إلى الجاهلية، و إنّما المراد عدم الوفاء بالعهد الذي أُخذ منهم في غير واحد من المواقف و أهمّها غدير خم. و يؤيّد ذلك:

ما رواه وهب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام: «جاء المهاجرون و الأنصار و غيرهم بعد ذلك(1)إلى عليّ عليه السلام فقالوا له: أنت و اللّٰه أمير المؤمنين و أنت و اللّٰه أحقّ الناس و أولاهم بالنبيّ صلى الله عليه و آله هلمّ يدك نبايعك فو الله لنموتنّ قدامك. فقال عليّ عليه السلام: إن كنتم صادقين فاغدوا غداً عليّ محلّقين.

فحلق أمير المؤمنين و حلق سلمان و حلق المقداد و حلق أبو ذر و لم يحلق غيرهم(2).

و هذه الرواية قرينة واضحة على أنّ المراد هو نصرة الإمام عليه السلام لأخذ الحق المغتصب، فيكون المراد من الردّة هو عدم القتال معه.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضاً الرواية التي جاء فيها أنّ قلب المقداد بن الأسود كزبر الحديد، فهي و إن كانت ضعيفة السند لكنّ فيها إشعاراً على ذلك؛ لأنّ وصف قلب المقداد إشارة إلى إرادته القويّة و ثباته في سبيل استرداد الخلافة.

و ظنّي أنّ هذه الروايات صدرت من الغلاة و الحشوية دعماً لأمر الولاية و تغابناً في الإخلاص، غافلين عن أنّها تضادّ القرآن الكريم، و ما روي عن أمير المؤمنين و حفيده سيّد الساجدين، من الثناء و المدح لعدّة من الصحابة. و هناك كلام قيّم للعلّامة السيد محسن الأمين العاملي نذكر نصّه و هو يمثّل عقيدة


1) . أي بعد بيعة أبي بكر.

2) . لاحظ رجال الكشي: 14 برقم 7 من هذا الباب.

الشيعة فقال:

و قالت الشيعة: حكم الصحابة في العدالة حكم غيرهم، و لا يتحتّم الحكم بها بمجرّد الصحبة؛ و هي لقاء النبي صلى الله عليه و آله مؤمناً به و مات على الإسلام. و إنّ ذلك ليس كافياً في ثبوت العدالة بعد الاتّفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب، فمن علمنا عدالته حكمنا بها و قبلنا روايته، و لزمنا له من التعظيم و التوقير، بسبب شرف الصحبة و نصرة الإسلام و الجهاد في سبيل اللّٰه ما هو أهله، و من علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته، أمثال مروان بن الحكم، و المغيرة بن شعبة، و الوليد بن عقبة، و بسر بن أرطاة و بعض بني أُميّة و أعوانهم، و من جهلنا حاله في العدالة توقّفنا في قبول روايته.

و ممّا يمكن أن يذكر في المقام أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله توفّي و من رآه و سمع عنه يتجاوز مائة ألف إنسان من رجل و امرأة على ما حكاه ابن حجر في «الإصابة» عن أبي زرعة الرازي: «و قيل مات صلى الله عليه و آله عن مائة و أربعة عشر ألف صحابي» و من الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته و تفرّق أهوائه و كون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلّهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر، و الإصرار على الصغائر بمجرّد رؤية النبيّ صلى الله عليه و آله و الإيمان به، و نحن نعلم أنّ منهم من أسلم طوعاً و رغبة في الإسلام، و منهم من أسلم خوفاً و كرهاً، و منهم المؤلّفة قلوبهم، و ما كانت هذه الأُمّة إلّا كغيرها من الأُمم التي جبلت على حبّ الشهوات و خلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع و الكل من بني آدم، و قد صحّ عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لتسلكنّ سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة حتّى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه». و لو منعت رؤية النبيّ صلى الله عليه و آله من وقوع الذنب لمنعت من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد اللّٰه بن جحش، و عبيد اللّٰه بن خطل، و ربيعة بن أُمية بن خلف،

و الأشعث بن قيس(1)و غيرهم. هذا مع ما شوهد من صدور أُمور من بعضهم لا تتّفق مع العدالة، كالخروج على أئمّة العدل، و شقّ عصا المسلمين، و قتل النفوس المحترمة، و سلب الأموال المعصومة، و السبّ و الشتم و حرب المسلمين و غشهم، و إلقاح الفتن، و الرغبة في الدنيا، و التزاحم على الإمارة و الرئاسة و غير ذلك ممّا تكفّلت به كتب الآثار و التواريخ و ملأ الخافقين. و أعمال مروان بن الحكم في خلافة عثمان معلومة مشهورة، و كذلك بسر بن أرطاة و المغيرة بن شعبة و الوليد بن عقبة، و كلّهم من الصحابة(2).

و حصيلة البحث: أنّ موضع الاختلاف، و مصبّ النزاع ليس إلّا كون عدالة الصحابة قضية كلّية أو جزئيّة؟ فالسنّة على الأُولى، و الشيعة على الثانية، و أمّا ما سواها من سبّ الصحابة و لعنهم، أو ارتدادهم عن الدين بعد رحلة الرسول، أو عدم حجّية رواياتهم على وجه الإطلاق، فإنّها تُهمٌ أُموية ناصبية، اتُّهم بها شيعة آل محمّد صلى الله عليه و آله و هم براء منها. و نعم الحكم اللّٰه. فالشيعة يعطون لكلّ ذي حقّ حقّه، فيأخذون معالم دينهم عن ثقات الصحابة، و لا يتكلّمون في حقّ من لم يتعرّفوا على حاله، و يحكمون على القسم الثالث على ضوء الكتاب و السنّة.

إنّ هناك رجالاً من السلف لا يسوغ لمنصف يمتلك مقياساً شرعياً سليماً أن يذهب إلى جواز حبّهم أو الترحّم عليهم؛ لأنّ في ذلك خروجاً صارخاً عن أبسط المقاييس و الموازين الشرعية، و من هؤلاء:

1 - معاوية بن أبي سفيان - و يكفي في حقّه إيراد ما ذكره الجاحظ في


1) . الثلاثة الأوّلون ارتدّوا و ماتوا على الردّة، و الأشعث ارتدّ فأُتي به إلى الخليفة أبي بكر أسيراً فعاد إلى الإسلام و زوّجه أُخته، و كانت عوراء، فأولدها محمّداً أحد قتلة الحسين عليه السلام.

2) . أعيان الشيعة: 113/1-114.

رسالته في بني أُمية و الآثام التي اقترفوها -: استوى معاوية على الملك، و استبدَّ على بقيّة أهل الشورى، و على جماعة المسلمين من المهاجرين و الأنصار في العام الذي سمّوه عام الجماعة، و ما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة و قهر و جبرية و غلبة، و العام الذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسروياً، و الخلافة غصباً قيصرياً، ثمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكيناه، و على منازل ما رتّبناه، حتّى ردّ قضية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ردّاً مكشوفاً و جحد حكمه جحداً ظاهراً(1)، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار.

أو ليس قتل حجر بن عدي، و إطعام عمرو بن العاص خراج مصر، و بيعة يزيد الخليع، و الاستئثار بالفيء، و اختيار الولاة على الهوى، و تعطيل الحدود بالشفاعة و القرابة، من جنس الأحكام المنصوصة و الشرائع المشهورة، و السنن المنصوبة، و سواء جحد الكتاب، و ردّ السنّة إذا كانت في شهرة الكتاب و ظهوره، إلّا أنّ أحدهما أعظم و عقاب الآخرة عليه أشدّ(2).

و قد أربت نابتة عصرنا و مبدعة دهرنا فقالت: لا تسبّوه؛ فإنّ له صحبة، و سبّ معاوية بدعة، و من بغضه فقد خالف السنّة، فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة ممّن جحد السنّة.(3)2 - عمرو بن العاص، الذي ألَب على عثمان و سرّ بقتله، ثمّ اجتمع مع معاوية يطالب بدمه عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي كان من أشدّ المدافعين عنه، و أعطفهم عليه يوم أمر طلحة بمنع الماء عنه و تعجيل قتله. كلّ ذلك كان من ابن


1) . إشارة إلى استلحاق زياد بن أبيه وليد فراش غير أبي سفيان.

2) . أي ردّ السنّة مثل ردّ الكتاب إذا بلغت السنّة في الشهرة شهرة الكتاب.

3) . رسائل الجاحظ: 294.

العاص حبّاً بخراج مصر، لا بعثمان و لا بمعاوية أيضاً، و العجب أنّ الرسول صلى الله عليه و آله تنبّأ بذلك و صرّح بأنّهما لا يجتمعان إلّا على غدر.(1)

3 - يزيد الخليع المستهتر خليفة معاوية الذي ولي ثلاث سنين بعده، فقتل في الأُولى الإمام الحسين عليه السلام، و في الثانية أغار على المدينة و قتل من الصحابة و التابعين ما لا يحصى و أباح أعراضهم، و في الثالثة رمي الكعبة(2)، و كفى في كفره و إلحاده جهره بقول ابن الزبعرى:

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحي نزلْ

4 - مروان بن الحكم، الذي كان من أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت. قال ابن حجر: و من أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم.

روى الحاكم: أنّ عبد الرحمن بن عوف - رضي اللّٰه عنه - قال: كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلّا أُتي به النبيّ صلى الله عليه و آله، فأُدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: «هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون».(3)

5 - الوليد بن عقبة شارب الخمر، و الزائد في الفريضة.(4)

6 - و عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سرح الذي أهدر النبيّ دمه.(5)

7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الذي يخاطب كتاب اللّٰه العزيز بعد أن ألقاه و رماه بالسهام بقوله:


1) . تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة: 102.

2) . تذكرة الخواص: 257، فصل يزيد بن معاوية.

3) . المستدرك: 479/4.

4) . الأنساب للبلاذري: 33/5؛ مسند أحمد: 144/1.

5) . تاريخ الطبري: 300/3، فصل: ذكر الخبر عن فتح مكّة.

تهدّدني بجبار عنيد *** فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر *** فقل يا ربّ مزّقني الوليد (1)

و يقول السيوطي: إنّ الوليد هذا كان فاسقاً خميراً لوّاطاً، راود أخاه سليمان عن نفسه، و نكح زوجات أبيه. (2)

هؤلاء و أضرابهم هم الذين تتبرّأ الشيعة منهم و تحكم عليهم بما حكم اللّٰه به عليهم. أ فيصحّ تكفير الشيعة و تفسيقهم لأجل سبّ هؤلاء و التبرّي منهم؟! إنّ أعمال هؤلاء يندى لها جبين الإنسانية و لا يمكن أن تغضي عنها، فيا للّٰه!! أمن الإنصاف أن تتّهم الشيعة بالانحراف و الخروج عن الدين لأنّها تدين هؤلاء و تلعنهم، و اللّٰه تعالى لعن أقواماً كثيرين في كتابه الحكيم و كذلك رسوله صلى الله عليه و آله؟ و لعلّ أعمال أُولئك لو وزنت بأعمال هؤلاء لما رجحت عليها.

المسألة الثانية عشرة: في عالمية رسالة النبي صلى الله عليه و آله و خاتميّتها

تمهيد: ملامح الشريعة الإسلاميّة

تمتاز الشريعة الإسلامية بنقطتين رئيسيتين:

الأُولى: عالميّتها و شموليّتها.

الثانية: كونها خاتمة الشرائع.

أمّا الأُولى: فمعناها أنّ دعوتَها عالمية لا تنحصر بإقليم معيّن، و هي من أبرز الملامح التي يستهدفها القرآن في دعوته و رسالته.

يقول سبحانه: «تَبٰارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً»(1).

و يقول أيضاً: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ كَافَّةً لِلنّٰاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ»(2).

و قال سبحانه: «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً...»(3).


1) . الفرقان: 1.

2) . سبأ: 28.

3) . الأعراف: 158.

لقد بعثَ الرسولُ الأعظم صلى الله عليه و آله سفراءَه إلى أنحاء المعمورة لنشر دعوته فيها و بيد كلّ واحد منهم كتاب يعبِّر عن عالميّة دعوته، فقد بعثَ إلى قيصر الروم، و كسرى فارس، و عظيم القبط، و ملك الحبشة، و الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك تخوم الشام، و حوزة بن عليّ الحنفي ملك اليمامة، و غيرهم من ملوك العرب و شيوخ القبائل و الأساقفة، و المرازبة، و العمّال، و هذه المواثيق أوضح دليل على أنّ رسالته عالمية لا تحدُّ بحدّ، بل تجعل الأرض كلها ساحة لإشاعة دينه و تطبيق شريعته.

هذا و البراهين على عالمية دعوته كثيرة لا مجال لذكرها .

نعم ربما قد تظهر بعض المغالطات من النصارى القدامىٰ في هذه النقطة؛ حيث حاولوا تحجيم أمر الرسالة و تخصيصها بمكان و عنصر خاصَّين، و ليست شبهاتهم قابلة للذكر.

كيف و بيانات القرآن و خطاباته للبشر كافة و مواثيق الرسول و دعواته المتجاوزة حدود الجزيرة العربية، و اجتياح جيوش المسلمين و رجالهم أرض غير العرب، و استقرار الأُمّة الإسلامية في أكثر مناطق المعمورة بل معظمها يومذاك، أبطلت هذه المغالطات و جعلتها في مدحرة البطلان، و لذلك نعود إلى النقطة الثانية من ملامح الشريعة الإسلامية، في بحثنا و هو خاتميتها؛ و هي تعني: أنّها آخر الشرائع، و أنّ المبعوث بها هو خاتم الأنبياء؛ فشريعته خاتمة الشرائع، و هذا ما نحاول دراسته في هذه الرسالة، و نستدلّ عليه عن طريق الكتاب و السنّة و نحلّل الإشكالات المثارة حوله كل ذلك في ضمن فصولٍ.

الخاتمية في الذكر الحكيم
اشارة

اتّفقت الأُمّة الإسلامية - عن بكرة أبيها - على أنّ نبيّهم محمداً صلى الله عليه و آله خاتم النبيّين، و أنّ دينه خاتم الأديان، و كتابه خاتم الكتب و الصحف، فهو صلى الله عليه و آله آخر السفراء الإلهيّين، أُوصد به باب الرسالة و النبوة، و ختمت به رسالة السماء إلى الأرض.

لقد اتّفق المسلمون كافّة على أنّ دين نبيّهم دين اللّٰه الأبدي، و كتابه كتاب اللّٰه الخالد و دستوره الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و قد أنهى اللّٰه إليه كلّ تشريع و أودع فيه أُصول كلّ رقي، و أناط به كلّ سعادة و رخاء، فاكتملت بدينه و كتابه الشرائع السماوية التي هي رسالة السماء إلى الأرض.

توضيحه: أنّ الشريعة الإلهية الحقّة التي أنزلها اللّٰه تعالى إلى أوّل سفرائه لا تفترق جوهراً عمّا أنزله على آخرهم، بل كانت الشريعة السماوية في بدء أمرها نواة قابلة للنموّ و النشوء؛ فأخذت تنمو و تستكمل عبر القرون و الأجيال؛ حسب تطور الزمان و تكامل الأُمم، و تسرّب الحصافة إلى عقولهم، و تسلّل الحضارة إلى حياتهم.

و يفصح عمّا ذكرنا قوله سبحانه: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً...»(1)فقد وصّى نبينا محمداً بما وصّى به نوحاً، من توحيده سبحانه و تنزيهه عن الشرك، و الدعوة إلى مكارم الأخلاق و التنديد بالجرائم


1) . الشورى: 13.

الخلقية، و القضاء على أسبابها، إلى غير ذلك ممّا تجده في صحف الأوّلين و الآخرين.

و تتجلّى تلك الحقيقة الناصعة؛ أي وحدة الشرائع السماوية من مختلف الآيات في شتّى المواضع، قال سبحانه: «إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ وَ مَا اِخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ»(1)و ظاهر الآية يعطي أنّ الدين عند اللّٰه - لم يزل و لن يزال - هو الإسلام في طول القرون و الأجيال، و يعاضدها قوله تعالى: «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاٰمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ»(2). و قال سبحانه في مورد آخر مخطّئاً مزعمة اليهود و النصارى في رَمي بطل التوحيد إبراهيم باليهودية و النصرانية قال: «مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(3).

فحقيقة الشرائع السماوية في جميع الأدوار و الأجيال كانت أمراً واحداً و هو التسليم لفرائضه و عزائمه وحده جلّ و علا.

و لأجل ذلك كتب الرسول إلى قيصر عند ما دعاه إلى الإسلام، قوله سبحانه: «قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ».(4)

و قد أمر سبحانه في آية أُخرى رسوله بدعوة معشر اليهود أو الناس


1) . آل عمران: 19.

2) . آل عمران: 85.

3) . آل عمران: 67.

4) . السيرة الحلبية: 275/2؛ مسند أحمد: 262/1. و الآية هي الرابعة و الستّون من سورة آل عمران.

جميعاً إلى اتّباع ملّة إبراهيم قال سبحانه: «فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(1).

و صرّح سبحانه بأنّ كلّ نبيّ جاء عقب نبيّ آخر، كانَ يصرِّح بأنّه مصدِّق بوجود النبيّ المتقدّم عليه و كتابه و دينه، فالمسيح مصدّق لما بين يديه من التوراة و محمّد صلى الله عليه و آله مصدّق لما بين يديه من الكتب و كتابه مهيمن عليها، كما قال سبحانه: «وَ قَفَّيْنٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلتَّوْرٰاةِ»(2)، «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ»(3).

و هذه النصوص كلّها تعبّر عن وحدة أُصول الشرائع و جذورها و لبابها.

و على هذا فرسالة السماء إلى الأرض، رسالة واحدة في الحقيقة، متكاملة عبر القرون جاء بها الرسل طوال الأجيال و كلّهم يحملون إلى المجتمع البشري رسالة واحدة؛ لتصعد بهم إلى مدارج الكمال، و تهديهم إلى معالم الهداية و مكارم الأخلاق.

نعم كان البشر في بدايات حياتهم يعيشون في غاية البساطة و السذاجة، فما كانت لهم دولة تسوسهم، و لا مجتمع يخدمهم، و لا ذرائع تربطهم، و كانت أواصر الوحدة و وشائج الارتباط بينهم ضعيفة جداً، فلأجل ذاك القصور في العقل، و قلّة التقدم، و ضعف الرقي، كانت تعاليم أنبيائهم، و الأحكام المشروعة لهم طفيفة في غاية البساطة، فلما أخذت الإنسانية بالتقدّم و الرقي، و كثرت


1) . آل عمران: 95.

2) . المائدة: 46.

3) . المائدة: 48.

المسائل يوماً فيوماً، اتّسع نطاق الشريعة و اكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال و التطوّرات.

فهذه الشرائع (مع اختلافها في بعض الفروع و الأحكام نظراً إلى الأحوال الأُممية و الشئون الجغرافية) لا تختلف في أُصولها و لبابها، بل كلّها تهدف إلى أمر واحد، و تسوق المجتمع إلى هدف مفرد، و الاختلاف إنّما هو في الشريعة و المنهاج لا في المقاصد و الغايات كما قال سبحانه: «لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً وَ لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرٰاتِ»(1).

و قال سبحانه: «ثُمَّ جَعَلْنٰاكَ عَلىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ اَلْأَمْرِ فَاتَّبِعْهٰا وَ لاٰ تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ»(2).

و خلاصة القول: إنّ السنن مختلفة، فللتوراة شريعة، و للإنجيل شريعة، و للقرآن شريعة، و لكن الدين هو الأُصول و العقائد و الأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية و لا تخالفها واحدة منها.

و هاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادّها، و مواردها اختلافاً كلّياً بحيث تكون النسبة بينها نسبة التباين، كيف و هو سبحانه يأمر نبيَّه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين و يقول: «أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اِقْتَدِهْ»(3).


1) . المائدة: 48. أي جعلنا لكلٍّ من موسى و عيسى و محمد عليهم السلام، أو لكلٍّ من أُمم التوراة و الإنجيل و القرآن شريعة و طريقاً خاصاً إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل و منهاجاً واضحاً، و الاختلاف بين الكتب و الشرائع جزئي لا كلّي، و النسخ في بعض الأحكام لا في جميعها.

2) . الجاثية: 18.

3) . الأنعام: 90.

نعم جاءت الرسل تترى، و تواصلت حلقات النبوّة في الأدوار الماضية إلى أن بعث اللّٰه آخر سفرائه فأتمّ نعمته و أكمل به دينه، فأصبح المجتمع البشري في ظلّ دينه الكامل، و كتابه الجامع، غنياً عن تواصل الرسالة و تعاقب النبوّة، و أصبح البشر غير محتاجين إلى إرسال أيّ رسول بعده؛ إذ جاء الرسول بأكمل الشرائع و أتقنها و أجمعها للحقوق و بكلّ ما يحتاج إليه البشر في أدوار حياتهم و أنواع تطوراتهم، و في الوقت نفسه فيها مرونة تتمشى مع جميع الأزمنة و الأجيال، من دون أن تمسّ جوهرَ الرسالة الأصلي بتحوير و تحريف. و إليك أدلّة خاتميته من الكتاب أولاً، و السنّة ثانياً، أمّا الكتاب ففيه نصوص:

النصّ الأول:
اشارة

قوله سبحانه: «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً»(1).

توضيح الآية: تبنّىٰ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله زيداً قبل عصر الرسالة، و كانت العرب يُنزِّلون الأدعياء منزلة الأبناء في أحكام الزواج و الميراث، فأراد اللّٰه سبحانه أن ينْسخ تلك السنّة الجاهلية، فأمر رسوله أن يتزوّج زينب زوجة زيدٍ بعد مفارقته لها، فلمّا تزوّجها رسول اللّٰه أوجد ذلك ضجّة بين المنافقين و المتوغّلين في النزعات الجاهلية و المنساقين وراءها، فردّ اللّٰه سبحانه مزاعمهم بقوله «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ» من الذين لم يلدهم و منهم زيد «وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ» و هو لا يترك ما أمره اللّٰه به «وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ» و آخرهم خُتِمت به النبوّة، فلا نبيّ بعده، و لا شريعة بعد شريعته، فنبوّته أبدية، و شريعته باقية إلى يوم الدين.


1) . الأحزاب: 40.

الخاتم و ما يراد منه:

لقد قرئ لفظ الخاتم بوجهين:

الأوّل: بفتح التاء و عليه قراءة عاصم، و يكون بمعنى الطابع الذي تختم به الرسائل و المواثيق، فكان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بالنسبة إلى باب النبوة كالطابع؛ ختم به باب النبوة، و أُوصِدَ و أُغْلِقَ فلا يفتح أبداً.

الثاني: بكسر التاء و عليه يكون اسم فاعل؛ أي الذي يختم باب النبوّة، و على كلتا القراءتين فالآية صريحة على أنّ باب النبوة أو بعث الأنبياء خُتم بمجيء النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله.

قال أبو محمد الدميري:

و الخاتِم الفاعلُ قُل بالكسر *** و ما به يُختم فتحاً يجري

و أنت إذا راجعت التفاسير المؤلّفة منذ العصور الأُولىٰ إلى يومنا هذا ترى أنّ عامّة المفسّرين يفسّرونها بما ذكرنا و يصرحون بأنّ وصفه صلّى اللّٰه عليه و آله و تشبيهه بالخاتم (بالفتح) لأنّه كان الرسم الدائر بين العرب هو ختم الرسالات بخاتمهم الذي بين أصابعهم، فكانت خواتيمهم طوابعهم، فكأنَّ النبيّ الأكرم بين الأنبياء هو الخاتم ختم به باب النبوّات، و لك أن تستلهم هذا المعنى من الآيات الكثيرة التي وردت فيها مادة تلك الكلمة، فترى أنّ جميعها يفيد هذا المعنى، كالآيات التالية:

1 - قال سبحانه: «يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ»(1)أي مختوم بابه بشيء مثل الشمع و غيره دليلاً على خلوصه.


1) . المطففين: 25.

2 - و قال سبحانه: «خِتٰامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ اَلْمُتَنٰافِسُونَ»(1)أي آخر شربه تفوح منه رائحة المسك.

3 - و قال سبحانه: «اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ»(2)أي يطبع على أفواههم فتوصدُ، و تَتكلَّم أيديهم.

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها مادّة تلك الكلمة، و الكلّ يهدف إلى الانتهاء و الانقطاع. و في مورد الآية.. انتهاء النبوّة و انقطاعها.

النصّ الثاني:

قوله سبحانه: «تَبٰارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً»(3).

و الآية صريحة في أنّ الغاية من تنزيل القرآن على عبده (النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله) كون القرآن نذيراً للعالمين من بدء نزوله إلى يوم يبعثون، من غير فرق بين تفسيرها بالإنس و الجنّ أو الناس أجمعهم، و إن كان الثاني هو المتعيّن، فإنّ العالمين في الذكر الحكيم جاء بهذا المعنى.

قال سبحانه حاكياً عن لسان لوط: «قٰالَ إِنَّ هٰؤُلاٰءِ ضَيْفِي فَلاٰ تَفْضَحُونِ * وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لاٰ تُخْزُونِ * قٰالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(4).

فإنّ المراد من العالمين في كلامهم هم الناس؛ إذ لا معنى لأن ينهونه عن استضافة الجن و الملائكة، و نظيره قوله سبحانه حاكياً عن لسان لوط: «أَ تَأْتُونَ


1) . المطففين: 26.

2) . يس: 65.

3) . الفرقان: 1.

4) . الحجر: 68-70.

اَلذُّكْرٰانَ مِنَ اَلْعٰالَمِينَ»(1)فالمراد من العالمين في كلتا الآيتين هم الناس.

و بذلك يعلم قوّة ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من أنّ العالمين عنى به الناس و جعل كلّ واحد عالماً، و لا يعدل عن ذلك الظاهر إلّا بقرينة، و بما أنّه لا قرينة على العدول من الظاهر فيكون معنى قوله: «لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً» أي نذيراً للناس أجمعهم من يوم نزوله إلى يوم يبعثون.

النصّ الثالث:

قوله سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّٰا جٰاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ * لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(2).

وجه الدلالة على الخاتمية، أنّ المراد من الذكر هو القرآن بقرينة قوله سبحانه: «ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ اَلْآيٰاتِ وَ اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ»(3).

و الضمير في «لاٰ يَأْتِيهِ» يرجع إلىٰ الذكر و مفاد الآية أنّ الباطل لا يتطرّق إليه و لا يجد إليه سبيلاً من أيّ جهة من الجهات؛ فلا يأتيه الباطل بأيّة صورة متصوّرة، و دونك صوره.

1 - لا يأتيه الباطل: أي لا ينقص منه شيء و لا يزيد عليه شيء.

2 - لا يأتيه الباطل: أي لا يأتيه كتاب يبطله و ينسخه و أن يجعله سُدى فهو حقّ ثابت لا يبدّل و لا يغيّر و لا يترك.

3 - لا يأتيه الباطل: لا يتطرق الباطل في إخباره عمّا مضىٰ و لا في إخباره بما يجيء، فكلّها تطابق الواقع.


1) . الشعراء: 165.

2) . فصلت: 41-42.

3) . آل عمران: 58.

و حاصل الآية أنّ القرآن حقّ لا يداخله الباطل إلىٰ يوم القيامة، فإذا كان حقّاً مطلقاً مصوناً عن تسلّل البطلان إليه و متّبعاً للناس إلى يوم القيامة يجب عند ذلك دوام رسالته و ثبات نبوّته و خاتمية شريعته.

و بتعبير آخر أنّ الشريعة الجديدة إمّا أن تكون عين الشريعة الإسلامية الحقّة أو غيرها، فعلى الأول لا حاجة إلى الثانية، و على الثاني: فإمّا أن تكون الثانية حقّة كالأُولى؛ فيلزم كون المتناقضين حقاً، أو أن تكون الأُولى حقّاً دون الأُخرى؛ و هذا هو المطلوب، و شريعة الرسول الأعظم جزءٌ من الكتاب الحقّ الذي لا يدانيه الباطل، و سنّته المحكمة التي لا تصدر إلّا بإيحاء منه كما قال تعالى: «وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوىٰ»(1)فالآية صريحة في نفي أيّ تشريع بعد القرآن و أيّة شريعة بعد الإسلام، فتدلّ بالملازمة على عدم النبوّة التشريعية بعد نبوته.

النصّ الرابع:

قوله سبحانه: «قُلْ أَيُّ شَيْ‌ءٍ أَكْبَرُ شَهٰادَةً قُلِ اَللّٰهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا اَلْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ...»(2).

و ظاهر الآية: أنّ الغاية من نزول القرآن تحذير من بلغه إلى يوم القيامة، و بذلك يُفسّر قوله سبحانه في آية أُخرى: «وَ كَذٰلِكَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا...»(3).

فإنّ المراد «وَ مَنْ حَوْلَهٰا» جميع أقطار المعمورة، و على فرض انصرافها


1) . النجم: 3-5.

2) . الأنعام: 19.

3) . الشورى: 7.

عن هذا المعنى العامّ فلا مفهوم للآية بعد ورود قوله سبحانه: «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ».

النصّ الخامس:

قوله سبحانه: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ كَافَّةً لِلنّٰاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ»(1).

و المتبادر من الآية كون «كَافَّةً» حالاً من الناس قُدّمتْ على ذيها و تقدير الآية و ما أرسلناك إلا للناس كافّة بشيراً و نذيراً.

و إليك محصّل الآيات الخمس:

أمّا الأُولى فهو: أنّ باب الإخبار عن السماء الذي كان هو النبوّة قد أُوصد، و بإيصاده تكون النبوّة مختومة، و بختمها تكون الشريعة المحمدية أبديّة؛ لأنّ تجديد الشريعة فرع فتح باب النبوّة، فإذا كان التنبّؤ بإخبار السماء مغلقاً؛ فلا يمكن الإخبار عن السماء بوجه من الوجوه، و منها نسخ الشريعة.

و أمّا الآيات الأربع الباقية فهي صريحة ببقاء الشريعة الإسلامية بعموميتها، فمجموع الآيات يركِّز على أمر واحد: غلق باب النبوة و أبدية الشريعة الإسلامية.

هذه هي النصوص، و مع ذلك ففي القرآن إشارات إلى الخاتمية بعناوين أُخرى نشير إلى بعض منها:

الأُولى: «أَ فَغَيْرَ اَللّٰهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ اَلْكِتٰابَ مُفَصَّلاً وَ اَلَّذِينَ


1) . سبأ: 28.

آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ * وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لاٰ مُبَدِّلَ لِكَلِمٰاتِهِ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ»(1).

إنّ دلالة قوله سبحانه: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ...» على إيصاد باب الوحي إلى يوم القيامة واضحة بعد الوقوف على معنى الكلمة؛ فإنّ المراد منها الدعوة الإسلامية، أو القرآن الكريم و ما فيه من شرائع و أحكام، و الشاهد عليها الآية المتقدمة حيث قال سبحانه: «وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ اَلْكِتٰابَ مُفَصَّلاً وَ اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ»(2)فالمراد من قوله «أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ اَلْكِتٰابَ» هو القرآن النازل على العالمين، ثمّ يقول: بأنّ الذين آتيناهم الكتاب من قبل كاليهود و النصارى إذا تخلّصوا من الهوى يعلمون أنّ القرآن وحي إلهي كالتوراة و الإنجيل، و أنّه منزّلٌ من اللّٰه سبحانه بالحقّ، فلا يصحّ لأيّ منصف أن يتردّد في كونه نازلاً منه إلى هداية الناس.

ثمّ يقول في الآية التالية: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» بظهور الدعوة المحمدية، و نزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب، و صارت مستقرة في محلّها بعد ما كانت تسير دهراً طويلاً في مدارج التدرّج بنبوّة بعد نبوّة و شريعة بعد شريعة.(3)

و هذه الكلمة الإلهية - أعني: الدعوة الإلهية المستوحاة في القرآن الكريم - صدق لا يشوبه كذب و ما فيه من الأحكام من الأمر و النهي، عدل لا يخالطه


1) . الأنعام: 114-115.

2) . الأنعام: 114.

3) . الميزان: 338/7؛ مجمع البيان: 354/2.

ظلم، و لأجل تلك التمامية لا تتبدّل كلماته و أحكامه من بعد(1).

هذه نظرة إلى القرآن حول الخاتمية و من أراد التفصيل و التحقيق فليراجع التفاسير، و كما أنّ الكتاب الحكيم اهتمّ بالخاتمية، فهكذا اهتمت بها السنّة النبوية و روايات العترة الطاهرة و لو حاولنا أن نذكر ما وقفنا عليه في ذلك المجال من المآثر لطال وقوفنا مع القرّاء، و لذلك نقتصر على اثنتي عشرة رواية مع أنّ المأثور يتجاوز المائة.

الخاتمية في الأحاديث النبويّة

لقد حصحص الحقّ بما أوردناه من النصوص القرآنية و انكشف الريب عن مُحيّا الواقع؛ فلم تبق لمجادلٍ شبهة في أنّ الرسول في الذكر الحكيم خاتم النبيين و شريعته خاتمة الشرائع و كتابَه خاتم الكتب.

و قد وردت الخاتمية على لسان النبيّ الأكرم، نذكر منها ما يأتي:

1 - خرج رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من المدينة إلى غزوة تبوك و خرج الناس معه فقال علي عليه السلام: «أخرج معك؟» فقال: «لا»، فبكى عليّ فقال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي - أو ليس بعدي نبيّ - و لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي».

و الحديث على لسان المحدّثين حديث المنزلة؛ لأنّ النبيّ نزّل فيه نفسه منزلة موسى و نزّل عليّاً مكان هارون، أخرجه البخاري في صحيحه في غزوة


1) . و قد استعملت الكلمات في القرآن الكريم في الشرائع الإلهية قال سبحانه واصفاً مريم: «وَ صدَّقتْ بِكلماتِ ربِّها و كُتُبهِ...» التحريم: 12.

تبوك، و مسلم في صحيحه في باب فضائل علي عليه السلام، و ابن ماجة في سننه في باب فضائل أصحاب النبيّ، و الحاكم في مستدركه في مناقب عليّ عليه السلام، و إمام الحنابلة في مسنده بطرق كثيرة.(1)

و وضوح دلالة الحديث على الخاتمية بمكان أغنانا عن البحث حولها.

2 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «مَثَلي و مَثل الأنبياء كمَثل رجلٍ بنى داراً فأتمّها و أكملها إلّا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها و يتعجّبون منها و يقولون، لو لا موضع هذه اللّبنة» قال رسول اللّٰه: «فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء».

أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي.(2)

3 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، و أحمد، أنا الماحي يمحو اللّٰه بي الكفر، و أنا الحاشر، يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب الذي ليس بعده نبي».(3)

4 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أنا قائد المرسلين و لا فخر، و أنا خاتم النبيّين و لا فخر، و أنا أوّل شافع و مشفّع و لا فخر».(4)

5 - قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «يا عليّ أخصمك بالنبوّة؛ فلا نبوّة بعدي و تخصم الناس بسبع و لا يجاحدك فيها أحد من قريش، أنت أوّلهم إيماناً باللّٰه».(5)

6 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «إنّ الرسالة و النبوّة قد انقطعت و لا رسولَ بعدي


1) . صحيح البخاري: 58/3؛ صحيح مسلم: 323/2؛ سنن ابن ماجة: 28/1؛ المستدرك: 109/3؛ مسند أحمد: 321/1، و 369/2، 437.

2) . التاج الجامع للأُصول: 22/3 و الكتاب يجمع أحاديث الستة إلّا ابن ماجة.

3) . صحيح مسلم: 89/8؛ مسند أحمد: 81/4 و 84؛ الطبقات الكبرىٰ: 65/1.

4) . سنن الدارمي: 27/1.

5) . حلية الأولياء: 66/1.

و لا نبيّ» قال: فشقّ ذلك على الناس فقال: «و لكن المبشّرات» فقالوا: يا رسول اللّٰه و ما المبشّرات؟ فقال: «رؤيا المسلم، و هي جزء من أجزاء النبوة».(1)

7 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أُرسلتُ إلى الناس كافّة و بي خُتم النبيّون».(2)

8 - قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «كنت أوّل الناس في الخلق، و آخرهم في البعث».(3)

9 - استأذن العباس بن عبد المطّلب النبيّ في الهجرة فقال له: «يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه؛ فإنّ اللّٰه تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوّة» ثمّ هاجر إلى النبيّ و شهد معه فتح مكّة و انقطعت الهجرة.(4)

10 - قال صلى الله عليه و آله: «يكون في أُمتي ثلاثون كذّاباً؛ كلّهم يزعم أنّه نبيّ و أنا خاتم النبيين؛ لا نبيّ بعدي».(5)

11 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «فُضِّلتُ بستٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلم، و نُصِرتُ بالرعب، و أُحلّت لي الغنائم، و جُعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً، و أُرسلت إلى الخلق كافة، و ختم بي النبيّون».(6)

12 - روى الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنه قال: «قال النبيّ صلى الله عليه و آله:

يا أيّها الناس إنّه لا نبيّ بعدي، و لا سنّة بعد سنّتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه و بدعته في النار فاقتلوه و من تبعه؛ فإنّه في النار».(7)


1) . سنن الترمذي: 364/3.

2) . مسند أحمد: 412/2؛ الطبقات الكبرى: 128/1.

3) . الطبقات الكبرىٰ: 96/1؛ ينابيع المودة: 17 و فيه أوّل الأنبياء في الخلق.

4) . أُسد الغابة: 110/3.

5) . جامع الأُصول: 410/10، عن الترمذي.

6) . الجامع الصغير: 126/2.

7) . من لا يحضره الفقيه: 163/4.

الخاتميّة في أحاديث العترة الطاهرة

قد روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أحاديث أُخر في مجال كونه خاتماً إلّا أنّ ذكر الجميع غير ميسور لنا، و أُردف البحث بما روي عن عترته الطاهرة عليهم السلام في هذا المجال، و اقتصر على القليل من الكثير؛ فإنّ المروي عنه في ذلك المجال متوفّر جداً.

1 - قال الإمام عليّ عليه السلام: «إلى أن بَعثَ اللّٰه محمداً صلى الله عليه و آله لإنجاز عدته، و إتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماتُه، كريماً ميلادُه»(1).

2 - قال الإمام عليّ عليه السلام: «اجعل شريف صلواتك، و نامي بركاتك، على محمّد صلى الله عليه و آله عبدك و رسولك الخاتم لما سبق».(2)

3 - و قال عليه السلام: «أرسله على حين فترة من الرسل، و تنازع من الألسن، فقفا به الرسل و ختَم به الوحي».(3)

4 - قال عليه السلام و هو يلي غسل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و تجهيزه: «بأبي أنت و أُمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة و الأنباء و أخبار السماء، خصّصت حتّى صِرتَ مسلّياً عمّن سواك، و عمّمتَ حتّى صار الناس فيك سواء».(4)

هذا و قد روي عن غير الإمام علي عليه السلام من العترة الطاهرة و نذكر منهم ما يأتي:


1) . نهج البلاغة: الخطبة 1.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 69.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 129.

4) . نهج البلاغة: الخطبة 235.

5 - عن فاطمة الزهراء عليها السلام قالت: «لمّا حملتُ بالحسن و ولدته جاء النبيّ ثمّ هبط جبرئيل فقال: يا محمّد، العليّ الأعلىٰ يقرؤك السلام و يقول: عليٌّ مِنك بمنزلة هارون من موسى، و لا نبيّ بعدك، سَمّ ابنك هذا باسم ابن هارون».(1)

6 - و روي عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: «جاء نفر إلى رسول اللّٰه فقالوا: يا محمّد إنّك الذي تزعم أنّك رسول اللّٰه، و أنّك الذي يوحى إليك كما أوحىٰ اللّٰه إلىٰ موسى بن عمران؟ فسكت النبيّ ساعة ثمّ قال: أنا سيّد ولد آدم و لا فخر، و أنا خاتم النبيّين، و إمام المتّقين، و رسول ربّ العالمين».(2)

7 - روي عن الحسين بن عليّ عليهما السلام أنّه قال لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «فأخبرني يا رسول اللّٰه هل يكون بعدك نبيّ؟ فقال: لا، أنا خاتم النبيّين، لكن يكون بعدي أئمة قوّامون بالقسط، بعدد نقباء بني إسرائيل».(3)

8 - و قال الإمام السجّاد عليه السلام في بعض أدعيته: «صلّ على محمّد خاتم النبيّين، و سيّد المرسلين، و أهل بيته الطيّبين الطاهرين، و أعذْنا و أهالينا و إخواننا و جميع المؤمنين و المؤمنات ممّا استعذنا منه».(4)

9 - و قال الإمام الباقر في حديث: «و قد ختم اللّٰه بكتابكم الكُتبَ و ختم بنبيّكم الأنبياءَ».(5)

10 - و قال الإمام الصادق عليه السلام: «فكلّ نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته


1) . عيون أخبار الرضا: 25/2.

2) . البرهان: 41/2.

3) . مناقب ابن شهرآشوب: 300/2؛ إثبات الهداة: 544/2.

4) . الصحيفة السجادية: الدعاء 17.

5) . الكافي: 177/1؛ الوافي: 19/2.

و منهاجه حتّى جاء محمّد صلى الله عليه و آله فجاء بالقرآن و بشريعته و منهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة».(1)

11 - و قال عليه السلام: «بعث اللّٰه سبحانه أنبياءَه و رسلَه و نبيَّه محمداً، فأفضل الدين معرفة الرسل و ولايتِهم، و أخبرك أنّ اللّٰه أحلّ حلالاً و حرّم حراماً إلى يوم القيامة».(2)

12 - روى زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الحرام و الحلال فقال:

«حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره و لا يجيء غيره».(3)

13 - و قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: «إذا وقفت على قبر رسول اللّٰه فقل أشهد أن لا إلٰه إلّا اللّٰه وحده لا شريك له و أشهد أنّك خاتم النبيّين».(4)

14 - و قال الإمام الرضا عليه السلام في سؤال من سأله: ما بال القرآن، لا يزداد عند النشر و الدراسة إلّا غضاضة؟ قال: «لأنّ اللّٰه لم ينزّله لزمان دون زمان و لا لناسٍ دون ناس، فهو في كلّ زمانٍ جديد، و عند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة».(5)

هذه أربعة عشر حديثاً عن العترة الطاهرة، و لو أردنا أن نذكر ما وقفنا عليه لطال بنا المقام، غير أنّ المهم طرح أسئلة حول الخاتمية و تحليلها بإيجاز


1) . الكافي: 17/2؛ المحاسن: 196.

2) . بحار الأنوار: 288/24.

3) . الكافي: 57/1.

4) . عيون أخبار الرضا: 87/2.

5) . عيون أخبار الرضا: 87/2.

أسئلة حول الخاتميّة
اشارة

هناك أسئلة حول الخاتمية تثار بين آن و آخر، و هي بين سؤال قرآني و فلسفي و فقهي، و نكتفي من الأوّل بواحد من الأسئلة.

السؤال الأوّل: تنصيص القرآن على أنّ جميع أهل الشرائع ينالون ثواب اللّٰه.
اشارة

إنّ القرآن الكريم ينصّ على أنّ المؤمنين باللّٰه و باليوم الآخر من جميع الشرائع سينالون ثواب اللّٰه، و أنّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و معنى ذلك أنّ جميع الشرائع السماوية تُحفَظ إلى جانب الإسلام، و أنّ أتباعها ناجون شأنُهم شأن من اعترف بالإسلام و صار تحت لوائه تماماً، و على ضوء هذا، فكيف تكون الشريعة الإسلامية واقعة في آخر مسلسل الشرائع السماوية؟ و كيف تكون رسالته خاتمة الشرائع؟ و إليك ما يدل على ذلك حسب نظر السائل:

1 - قال سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هٰادُوا وَ اَلنَّصٰارىٰ وَ اَلصّٰابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ»(1).

2 - «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هٰادُوا وَ اَلصّٰابِئُونَ وَ اَلنَّصٰارىٰ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَلاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ»(2).


1) . البقرة: 62.

2) . المائدة: 69.

3 - «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هٰادُوا وَ اَلصّٰابِئِينَ وَ اَلنَّصٰارىٰ وَ اَلْمَجُوسَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اَللّٰهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ إِنَّ اَللّٰهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ»(1).

إنّ استنتاج بقاء شرعية الشرائع السماوية من هذه الآيات مبنيّ على غضّ النظر عمّا تهدف إليه الآيات، و ذلك أنّ الآيات بصدد ردّ مزاعم ثلاثة كانت اليهود تتبناها، لا بصدد بيان بقاء شرائعهم بعد بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله. و هي:

1 - فكرة «الشعب المختار»!

كانت اليهود و النصارى يستولون على المسلمين، بل العالم بادّعائهم فكرة «الشعب المختار»، بل إنّ كل واحدة من هاتين الطائفتين: اليهود و النصارى، كانت تدّعي أنّها أرقى أنواع البشر، و كانت اليهود أكثرهم تمسّكاً بهذا الزعم و قد نقل عنهم سبحانه قولهم:

«وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصٰارىٰ نَحْنُ أَبْنٰاءُ اَللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ...» (2)و اللّٰه سبحانه يردّ هذا الزعم بكلّ قوة عند ما يقول:

«فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ»، و قد بلغت أنانية اليهود و استعلاؤهم الزائف حدّاً بالغاً و كأنّهم قد أخذوا على اللّٰه عهداً بأن يستخلصهم و يختارهم، حيث قالوا:

«وَ قٰالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنّٰارُ إِلاّٰ أَيّٰاماً مَعْدُودَةً» (3).

2 - الانتماء إلى اليهودية و النصرانية مفتاح الجنة!

قد كانت اليهود و النصارى تبثّان وراء فكرة: «الشعب المختار»، فكرة


1) . الحج: 17.

2) . المائدة: 18.

3) . البقرة: 80.

أُخرى، و هي: أنّ الجنة نصيب كل من ينتسب إلى بني إسرائيل أو يُسمّى مسيحياً ليس إلّا، و كأنَّ الأسماء و الانتساب مفاتيح للجنة، قال سبحانه ناقلاً عنهم: «وَ قٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاّٰ مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ»(1).

و لكنّ القرآن يردّ عليهم و يقول: «تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ * بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ»(2)، فإنّ قوله سبحانه: «بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ» يعني الإيمان الخالص، و قوله: «وَ هُوَ مُحْسِنٌ» يعني العمل وفق ذلك الإيمان، و كلتا الجملتين تدلّان على أنّ السبيل الوحيد إلى النجاة يوم القيامة هو الإيمان و العمل لا الانتساب إلى اليهودية و النصرانية، فليست المسألة مسألة أسماء، و إنّما هي مسألة إيمان صادق و عمل صالح.

3 - الهداية في اعتناق اليهودية و النصرانية!

و هذا الزعم غير الزعم الثاني، ففي الثاني كانوا يقتصرون في النجاة بالانتماء إلى الأسماء، و في الأخير يتصوّرون أنّ الهداية الحقيقية تنحصر في الاعتناق لليهودية و النصرانية «وَ قٰالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ تَهْتَدُوا»(3)، و القرآن الكريم يردّ هذه الفكرة كما سبق، و يقول إنّ الهداية الحقيقية تنحصر في الاقتداء بملّة إبراهيم و اعتناق مذهبه في التّوحيد الخالص الذي أمر الأنبياء بإشاعته بين أُممهم، قال سبحانه: «قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(4)، و في آية أُخرى «مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(5).


1) . البقرة: 111.

2) . البقرة: 111-112.

3) . البقرة: 135.

4) . البقرة: 135.

5) . آل عمران: 67.

نستخلص من كلّ هذه الآيات أنّ اليهودَ و المسيحيّين و بخاصة القدامى منهم كانوا يحاولون - بهذه الأفكار الواهية - التفوّق على البشر، و التمرّد على تعاليم اللّٰه، و التخلّص بصورة خاصّة من الانضواء تحت لواء الإسلام، مرة بافتعال أُكذوبة «الشعب المختار» الذي لا ينبغي أن يخضع لأيّ تكليف، و مرّة أُخرى بافتعال خرافة «الأسماء و الانتساب» و ادّعاء النجاة بسبب ذلك، و الحصول على مغفرة اللّٰه و جنّته و ثوابه، و مرّة ثالثة بتخصيص «الهداية» و حصرها في الانتساب إلى إحدى الطائفتين بينما نجد أنّه كلّما مرّ القرآن على ذكر هذه المزاعم الخرافية أعلن بكلّ صراحة و تأكيد: أنّه لا فرق بين إنسان و آخر إلّا بتقوى اللّٰه؛ فإنّ أكرمكم عند اللّٰه أتقاكم.

و أمّا النجاة و الجنّة فمن نصيب من يؤمن باللّٰه، و يعمل بأوامره دون ما نقصان لا غير، و هو بهذا يقصد تفنيد مزاعم اليهود و النصارى الجوفاء.

بهذا البحث حول الآيات الثلاث (المذكورة في مطلع البحث) نكشف بطلان الرأي القائل بأن الإسلام أقرّ - في هذه الآيات - مبدأ «الوفاق الإسلامي المسيحي و اليهودي» تمهيداً لإنكار عالمية الرسالة الإسلامية و خاتميتها، بينما نجد أنّ غاية ما يتوخّاه القرآن - في هذه الآيات - إنما هو فقط نسف و إبطال عقيدة اليهود و النصارى، و ليعلن مكانه بأنّ النجاة إنما هي بالإيمان الصادق و العمل الصالح.

فلا استعلاء و لا تفوّق لطائفة على غيرها من البشر مطلقاً، كما أنّ هذا التشبّث الفارغ بالأسماء و الدعاوى ليس إلّا من نتائج العناد و الاستكبار عن الحقّ.

فليست الأسماء و لا الانتساب هي التي تنجي أحداً في العالم الآخر، و إنّما هو الإيمان و العمل الصالح، و هذا الباب مفتوح في وجه كلّ إنسان يهودياً كان أو نصرانياً، مجوسياً أو غيرهم.

و يوضّح المراد من هذه الآية قوله سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتٰابِ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَكَفَّرْنٰا عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْنٰاهُمْ جَنّٰاتِ اَلنَّعِيمِ»(1).

فتصرّح الآية بانفتاح هذا الباب بمصراعيه في وجه البشر كافّة من غير فرق بين جماعة دون جماعة، حتّى أنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما آمن به المسلمون لقبلنا إيمانهم و كفّرنا عنهم سيئاتهم.

هذا هو كل ما كان يريد القرآن بيانه من خلال هذه الآيات، و ليس أيّ شيء آخر.

إذن فلا دلالة لهذه الآيات الثلاث على إقرار الإسلام لشرعيّة الشرائع بعد ظهوره... و إنّما تدلّ على أنّ القرآن يحاول بها إبطال بعض المزاعم.

هذا كله حول السؤال القرآني، و هناك أسئلة أُخرى جديرة بالذكر و التحليل، و إليك بيانها:

السؤال الثاني: لما ذا ختمت النبوّة التبليغية؟

إنّ الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة الأركان؛ فلا شريعة بعدها، و مع الاعتراف بذلك يطرح هذا السؤال:

إنّ الأنبياء كانوا على قسمين: منهم من كان صاحب شريعة، و منهم من


1) . المائدة: 65.

كان مبلّغاً لشريعة مَن قبله من الأنبياء، كأكثر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يبلِّغون شريعة موسى بين أقوامهم.

فهب أنّه ختم باب النبوّة التشريعية لكون الشريعة الإسلامية متكاملة، فلما ذا ختم باب النبوّة التبليغية؟

و الجواب عنه، غنى الأُمة الإسلامية عن هذا النوع من النبوّة، و ذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ النبيّ الأكرم ترك بين الأُمّة الكتابَ و العترة و عرّفهما إليها، و قال: لن تضلّ الأُمّة ما دامت متمسّكة بهما.

فإذا كانت الهداية تكمن في التمسّك بهما فالأُمّة الإسلامية في غنى عن المهمّة التبليغية؛ إذ مهمّتها موجَدة بالتمسّك بهما فالعترة الطاهرة مشاعل الحقّ، و منارات التوحيد، أغنت الأُمّة، علومُهم و توجيهاتُهم عن بعث نبيّ يبلّغ رسالات اللّٰه ، و هذا إجمال الكلام في أئمة أهل البيت عليهم السلام، و التفصيل موكول إلى محلّه.

الوجه الثاني: أنّ علماء الأُمّة المأمورين بالتبليغ بعد التفقّه أغنوا الأُمّة عن أيّ نبوّة تبليغية، قال سبحانه: «فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(1)، و قال سبحانه:

«وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ»(2).


1) . التوبة: 122.

2) . آل عمران: 104.

السؤال الثالث: لما ذا حرم الخلف من المكاشفة الغيبية و الاتصال بعالم الغيب و استطلاع ما هناك من المعارف و الحقائق؟

الجواب: إنّ الفتوحات الغيبية من المكاشفات و المشاهدات الروحية لم توصد بابها، و إنّما أُوصد باب خاصّ و هو باب النبوّة الذي يحمل الوحي التشريعي أو التبليغي.

قال سبحانه: «سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ»(1).

فالفتوحات الباطنية من المكاشفات و الإلقاءات في الروع غير مسدودة بنصّ الكتاب العزيز قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً»(2)أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرِّقون به بين الحقِّ و الباطل و تميِّزون به بين الصحيح و الزائف لا بالبرهنة و الاستدلال، بل بالشهود و المكاشفة، قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(3).

و هناك آيات و روايات تدلّ بوضوح على انفتاح هذا الباب في وجه الإنسان، نكتفي بما ذكرناه.

السؤال الرابع: ادّعاء النقص في التشريع الإسلامي
اشارة

كلّما تكاملت جوانب الحضارة و تشابكت، و تعدّدت ألوانها، واجه


1) . فصلت: 53.

2) . الأنفال: 29.

3) . الحديد: 28.

المجتمع أوضاعاً و أحداثاً جديدة و طرحت عليه مشاكل طارئة لا عهد للأزمنة السابقة بها، إذن فحاجة المجتمع إلى قوانين و تشريعات جديدة لا تزال تتزايد كلّ يوم تبعاً لذلك، و ما جاء به الرسول لا يجاوز قوانين محدودة، فكيف تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟

الجواب: إنّ خلود التشريع و بقاءه في جميع الأجيال و مسايرته للحضارات الإنسانية، و استغناءه عن كلّ تشريع سواه، يتوقّف على وجود أمرين فيه:

الأول: أن يكون التشريع ذا مادّة حيوية خلّاقة للتفاصيل بحيث يقدر معها علماء الأُمّة و الأخصائيون منهم علىٰ استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من الأعصار.

الثاني: أن ينظر إلىٰ الكون و المجتمع بسعة و انطلاق، مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة و الأجيال، و تساير الحضارات الإنسانية المتعاقبة. و قد أحرز التشريع الإسلامي كِلا الأمرين، أمّا الأوّل فقد أحرزه بتنفيذ أُمور:

الف - الاعتراف بحجّية العقل في مجالات خاصّة:

إنّ من سمات التشريع الإسلامي التي يمتاز بها عن سائر التشريعات هي إدخال العقل في دائرة التشريع، و الاعتراف بحجّيّته في الموارد التي يصلح له التدخّل و القضاء فيها، فالعقل أحد الحجج الشرعيّة، و في مصافّ المصادر الأُخرىٰ للتشريع، و قد فتح هذا الاعتراف للتشريع الإسلامي سعةً و انطلاقاً و شمولاً لما يتجدّد من الأحداث، و لما يطرأ من الأوضاع الاجتماعية الجديدة.

إنّ الملازمة بين حُكمي العقل و الشرع (إنّه كلّما حكمَ بِه العقلُ حكمَ بِه الشرع) ترفع كثيراً من المشاكل التي لم يرد فيها نصّ، فللعقل دور كبير في استنباط كثير من الأحداث التي يصلح للعقل القضاء فيها، و يقدر على إدراك حكم الشرع من حكم نفس العقل، و ذلك في الموارد التالية:

1 - القول بالملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها.

2 - القول بالملازمة بين حرمة الشيء و مقدمته.

3 - الحكم بالبراءة عند عدم النصّ.

4 - الحكم بالامتثال القطعي عند العلم الإجمالي.

5 - الحكم بالملازمة بين الحرمة و فساد العبادة.

6 - الحكم بالملازمة بين تعلّق النهي بنفس المعاملة و فسادها.

7 - الحكم بالإجزاء عند الامتثال وفق الأمر الاضطراري.

8 - الحكم بالإجزاء عند الامتثال وفق الأمر الظاهري.

9 - استكشاف الأمر الشرعي بالأهم عند التزاحم.

10 - استكشاف بطلان الصلاة عند اجتماع الأمر و النهي بتقديمه على الآمر.

إلى غير ذلك من الأحكام التي تعدّ من ثمرات القول بالتحسين و التقبيح العقليين، فمن عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال، فقد قصرت فكرته عن تقديم أيّ حلّ لهذه الأحكام و ما ذكرناه نماذج لما للعقل من دور، و إلّا فالأحكام المستنبطة من العقل في مجالات مختلفة أكثر من ذلك.

ب - إنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد عند العدلية:

إنّ من أمعن في الكتاب و السنّة يقف على أنّ التشريع الإسلامي تابع لملاكات؛ فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله و لا حرام إلّا لمفسدة في اقترافه، و يشهد بذلك كتاب اللّٰه في موارد:

يقول سبحانه: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةَ وَ اَلْبَغْضٰاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ عَنِ اَلصَّلاٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»(1)، فالآية تعلّل حرمة الخبيثين باستتباعهما العداوة و البغضاء و صدّهما عن ذكر اللّٰه، يقول سبحانه: «... وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ إِنَّ اَلصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ...»(2).

إلى غير ذلك من الآيات التي تصرّح بملاكات الأحكام.

و قد تضافرت النصوص عن أئمة أهل البيت عليهم السلام على أنّ الأحكام الشرعية تخضع لملاكات، قال الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى لم يبح أكلاً و لا شرباً إلّا لما فيه المنفعة و الصلاح، و لم يحرّم إلّا ما فيه الضرر و التلف و الفساد»(3).

و قال عليه السلام في الدم: «إنّه يسيء الخلق، و يورث القسوة للقلب، و قلّة الرأفة و الرحمة، و لا يؤمن أن يقتل ولده و والده»(4).


1) . المائدة: 91.

2) . العنكبوت: 45.

3) . مستدرك الوسائل: 71/3.

4) . بحار الأنوار: 165/62 ح 3.

و هذا باقر العلوم و إمامها عليه السلام يقول: «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن، و يورثه الارتعاش، و يهدم مروّته، و يحمله إلى التجسّر على المحارم من سفك الدماء، و ركوب الزنا»(1).

و غيرها من النصوص المتضافرة عن أئمة الدين(2).

فإذا كانت الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد في الموضوع، فالغاية المتوخّاة من تشريعها إنّما هي الوصول إليها، أو التحرّز عنها، و بما أنّ المصالح و المفاسد ليست على وزان واحد، بل رُبّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحارم، لاشتماله على مصلحة كبيرة لا يجوز تركها أصلاً، و رُبّ حرام ذي مفسدة كبيرة، لا يجوز اقترافه، و إن استلزم ترك الواجب أو الواجبات.

و لأجل ذلك فقد عقد الفقهاء باباً خاصاً لتزاحم الأحكام و تصادمها في بعض الموارد، فيقدّمون الأهم على المهم و الأكثر مصلحة على الأقل منها، و الأعظم مفسدة على الأحقر منها، و هكذا... و يتوصلون في تمييز الأهم عن المهم، بالطرق و الأمارات التي تورث الاطمئنان، و باب التزاحم في علم الأُصول غير التعارض فيه، و لكلٍّ أحكام.

و قد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من المشاكل الاجتماعية التي


1) . بحار الأنوار: 164/62 ح 2.

2) . راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق فقد أورد فيه ما أُثر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام في بيان علل التشريع.

ربّما يتوهّم الجاهل أنّها تعرقل خطا المسلمين في معترك الحياة، و أنّها من المعضلات التي لا تنحلّ أبداً، و لنأتي على ذلك بمثال و هو:

إنّه قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليه نظام الطبّ الحديث، فلا يتسنّىٰ تعلّم الطبّ إلّا بالتشريح و الاطّلاع علىٰ خفايا الأمراض و الأدوية.

غير أنّ هذه المصلحة، تصادمها مسألة احترام الإنسان حيّاً و ميتاً، إلى حدّ أوجب الشارع الإسراع في تغسيله و تكفينه و تجهيزه للدفن، و لا يجوز نبش قبره إذا دفن، و لا يجوز التمثيل به و تقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة التي لم يجوّزها الشارع حتّى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامة و تقدّم العلوم جعلته يسوّغ اقتراف هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم و المسلم غير المعروف على المعروف منه، و هكذا...

ج - التشريع الإسلامي ذو مادة حيوية:

إنّ التشريع الإسلامي في مختلف الأبواب مشتمل على أُصول و قواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع التي يحتاج إليها المجتمع البشري على امتداد القرون و الأجيال.

أخرج الكليني عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: سمعته يقول: «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله، و جعل لكلّ شيء حدّاً، و جعل عليه دليلاً يدلّ عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».

روى الكليني عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام أنّه قال: «ما من شيء إلّا و فيه كتاب أو سنّة»(1).

و قال الإمام الطاهر موسى الكاظم عليه السلام عند ما سئل عن وجود كلّ شيء في كتاب اللّٰه و سنّة نبيه قال مجيباً: «بل كلّ شيء في كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه»(2).

نعم تتجلّى حيوية مادة التشريع إذا أخذنا بسنّة رسول اللّٰه المرويّة عن طريق أئمة أهل البيت؛ فقد حفظوا سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عند ما كانت كتابة الحديث أمراً معرضاً عنه، و لذلك صارت أدلّة الفقه الإسلامي متوسّعة كافلة لاستنباط الأحكام، و بذلك أغنوا الأُمة الإسلامية عن مقاييس ظنّية كالقياس و الاستقراء، و ما لا دليل عليه من الكتاب و السنّة علىٰ وجه القطع و اليقين.

إنّ الاكتفاء بما ورد عن النبيّ عن طريق الصحابة و عدم الرجوع إلى ما رواه أئمة أهل البيت عن جدّهم متسلسلاً كابر عن كابر لخسارة عظمى، فعلى المشغوف بتجديد حياة الإسلام و إغنائه عن أيّ تشريع غربيّ و شرقيّ و تجسيد الخاتمية في مجال التشريع أن يجتاز الحدود التي ضربها الأُمويون و مَن لفّ لفّهم بين الناس و أئمة أهل البيت عليهم السلام فعند ذلك ستنفتح آفاق من حديث الرسول ممّا يحتار اللبّ به، و يثير الحسرة لما فات الأُمّة من التنوّر بنورهم في القرون الماضية.


1) . الكافي: 59/1-62، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة.

2) . الكافي: 59/1-62، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة.

د - تشريع الاجتهاد و عدم غلق بابه:

و ممّا أضفى على التشريع الإسلامي خلوداً و غضاضة و شمولية و إغناءً عن موائد الأجانب، فتح باب الاجتهاد فيما تحتاج إليه الأُمّة في حياتها الفردية و الاجتماعية، و من أقفله في الأدوار السابقة قطع الأُمّة الإسلامية عن مواكبة التطوّر و الحضارة، و مِن ثَمَّ جعل التشريع الإسلامي ناقصاً غير كامل لما تحتاج إليه الأُمّة، و أمّا لزوم فتحه فهو أنّ الأُمّة الإسلامية في زمن تتوالى فيه الاختراعات و الصناعات، و تتجدّد الأحداث التي لم يكن لها مثيل في عصر النبيّ و لا بعده، فهم أمام أحد أُمور:

1 - بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات الحديثة من الأُصول و القواعد الإسلامية.

2 - اتّباع المبادئ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة.

3 - الوقوف من غير إعطاء حكم.

و من المعلوم بطلان الثاني و الثالث فيتعيّن الأوّل.

نعم، لم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة بعد رحيل صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، و بذلك أنقذوا الشريعة من الانطماس و أغنوا الأُمّة الإسلامية عن التطلّع إلى موائد الغربيين.

و بما أنّ الاجتهاد الحرّ، و الخروج عن قيد المذاهب صار واضح اللزوم نقتصر علىٰ هذا المقدار.

ه - حقوق الحاكم الإسلامي أو ولاية الفقيه:
اشارة

من الأسباب الباعثة على بقاء الدين و كونه مادّة حيوية صالحة لحلّ المشاكل و المعضلات الطارئة، كون الحاكم الإسلامي بعد النبيّ و الأئمة ممثّلاً لقيادتهم الحكيمة في أُمور الدين و الدنيا، التي من شأنها أن توجّه المجتمع البشري إلى أرقى المستويات الحضارية، فقد فتحت لمثل هذا الحاكم الصلاحيات المؤدّية إلى حقّ التصرّف في كلّ ما يراه ذا مصلحة للأُمّة في إطار القوانين العامّة؛ لأنّه يتمتّع بمثل ما يتمتّع به النبيّ و الإمام من النفوذ المطلق إلّا ما كان من خصائص النبيّ و الأئمة.

و بما أنّ المحقّقين أسهبوا الكلام في معنى ولاية الفقيه اقتصرنا على هذا المقدار.

مرونة التشريع الإسلامي:

لقد سبق الحديث عن أنّ استغناء التشريع الإسلامي عن كلّ تشريع سواه رهن أمرين:

الأوّل: إنّه ذو مادة حيوية خلّاقة للتفاصيل بحيث يقدر على الإجابة ببيان حكم جميع الأحداث التالية و الطارئة.

الثاني: النظر إلى الكون و المجتمع بسعة و انطلاق مع مرونة خاصة تماشي جميع الأزمنة و الأجيال، و قد مرّ الكلام في الأمر الأوّل و إليك الكلام حول الأمر الثاني.

إنّ الذي فتح للتشريع الإسلامي خلوداً و غناءً عن سائر التشريعات هو مرونة أحكامه التي تماشي جميع الأزمنة و الحضارات، و قد تمثّلت هذه المرونة بأُمور:

الأوّل: كونه جامعاً بين الدعوة إلى المادّة و الروح

إذا غالت المسيحية في التوجّه إلى الناحية الروحية، فدعت إلى الرهبانية و التعزّب، و غالت اليهودية في الدعوة إلى ملاذّ الحياة و الانكباب على المادّة حتّى نسيت كلّ قيمة روحية، فالإسلام دعا إلى المادّية و المعنوية على وجه يطابق الفطرة الإنسانية، و جعل الفطرة مقياساً للحلال و الحرام، و شرع للإنسان ما يسعده في الدنيا و الآخرة على ما هو مفصّل في محله.

الثاني: النظر إلى المعاني لا إلى الظواهر

الإسلام ينظر إلى المعاني و الحقائق لا الظواهر و القشور، فيأمر بالأخذ باللبّ لا بالقشر، و هذا هو السرّ في خاتمية الدين الإسلامي و تمشّيه مع تطوّر الحياة، و لا يتوهّم من ذلك جواز التدخّل في التشريع بحجّة الأخذ باللبّ دون القشر؛ فإنّ الكبريات الواردة في الكتاب و السنّة كلّها لبّ، و أمّا القشر فإنّما يرجع إلى التخطيط و التجسيد.

و سيوافيك عند الإجابة على السؤال الخامس أنّ الإسلام دعا الإنسان إلى الملبس و المسكن و إشاعة العلم و التربية، و هذا هو اللبّ، و أمّا الأشكال و الأنماط لهذا التشريع فمتروك إلى مقتضيات العصور.

إنّ الذي يهتمّ به التشريع كون البيت مُقاماً على أرض غير مغصوبة

و من مال حلال بحيث يتمكّن المسلم من إقامة فرائضه فيه و حفظ كيانه، و قد أناط شكل البيت و هندسته إلى مقتضيات الظروف و المصالح؛ و كذا الملابس و وسائل التعليم ابتداءً من الحفر على الصخر و الجدران و الكتابة على الجلود و القراطيس، إلى ابتكار وسائل إلكترونية متطوّرة لإنجاز الغرض، فمن أراد الحفاظ على الصور، فقد عرقل الأُمّة الإسلاميّة عن التقدّم و أثار مشاكل في تطبيق الشريعة في الأزمنة الحاضرة.

الثالث: الأحكام التي لها دور التحديد

من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين و انطباقه على جميع الحضارات الإنسانية تشريعه القوانين الخاصّة التي لها دور التحديد و الرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته و قد اصطلح عليها الفقهاء بالأدلّة الحاكمة؛ لأجل حكومتها و تقدّمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هو هو، فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي لبّها كلّ حضارة إنسانية، مثلاً قوله سبحانه: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...»(1)حاكم على كلّ تشريع استلزم العمل به حرجاً، لا يتحمّل عادة للمكلّف فهو مرفوع في الظروف الحرجة، و مثله قوله صلى الله عليه و آله: «لا ضرر و لا ضرار» فكلّ حكم استتبع العمل به ضرراً شديداً، فهو مرفوع في تلك الشرائط، و قس عليهما غيرهما من القوانين الحاكمة.

نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم، و ما يرجع إلى العمل بالحاكم من الشرائط، يحتاج إلى الدقّة و الإمعان و التفقّه و الاجتهاد، و رأْينا أنّ الموضوع يحتاج إلى التبسّط أكثر من هذا، فإلى مجال آخر أيّها القارئ الكريم.


1) . الحج: 78.

السؤال الخامس: القوانين الثابتة و الحياة المتطوّرة
اشارة

إنّ مقتضى كون الإسلام ديناً خاتماً، ثبات قوانينه و تشريعاته، و من المعلوم أنّ المجتمع الإنساني لم يزل في تطوّرٍ و تغيّرٍ، فعند ذلك يُطْرح السؤال التالي:

كيف يمكن للقانون الثابت معالجة متطلّبات المجتمع المتغيّر؟ فإنّ من لوازم التغيّر و التطوّر، تغييرُ ما تسُود عليه من قوانين و تشريعات؟

هذا هو السؤال الذي يُطرح بين آن و آخر، و الإجابة عنه تتوقّف على بيان ما هو الثابت من حياة الإنسان عن متغيّرها، و أنّ للثابت من جانب حياته تشريعاً ثابتاً، و للجانب المتغيّر منها تشريعاً متغيّراً فالتشريع الثابت لما هو الثابت و المتغيّر لما هو المتغيّر، و إليك البيان:

الجانب الثابت من حياة الإنسان:

1 - إنّ للحياة الإنسانية جانبين: متغيّر و ثابت، فالثابت منها عبارة عن الغرائز الثابتة و الروحيات الخالدة التي لا تتغيّر و لا تتبدّل ما دام الإنسان إنساناً و لا يتسرّب التغيّر إليها.

فالإنسان الاجتماعي بما هو موجود ذو غرائز يحتاج لحفظ حياته و بقاء نفسه إلى العيش الاجتماعي و الحياة العائلية، و هذان الأمران من أُسُس حياة الإنسان لا تفتأ تقوم عليهما حياته منذ وجوده إلى يومنا هذا.

فإذا كان التشريع الموضوع منسجماً و متطلبات الغرائز، و معدِّلاً إيّاها

عن الإفراط و التفريط و مرتكزاً على العدل و الاعتدال، فذلك التشريع يكون خالداً في ظلّ خلود الغرائز.

2 - إنّ التفاوت بين الرجل و المرأة أمر لا ينكر؛ فهما موجودان مختلفان اختلافاً عضوياً و روحياً رغم كلّ الدعايات السخيفة المنكرة لذلك الاختلاف، و لكلّ من الرجل و المرأة متطلّب وفق تركيبه، فإذا كان التشريع متجاوباً مع التركيب و الفطرة، يكون خالداً حسب خلود الفطرة و التركيب.

3 - الروابط العائلية كعلاقة الأب بولده و بالعكس، علاقات طبيعية مبنية على الفطرة، فالأحكام الموضوعية وفق هذه الروابط من التوارث و لزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان.

إنّ السؤال مبنيّ على أنّ الإنسان بفطرته و تركيبه يقع في مهبِّ التغيّر و التطوّر؛ فلا يبقى منه شيء عبر القرون، فكأنّ الإنسان الحالي غير الإنسان الغابر، مع أنّها فكرة باطلة، فلو كان هناك تغيّر فإنّما يعود هذا إلى غير الجانب الثابت من حياته.

4 - إنّ في حياة الإنسان قضايا أخلاقية ثابتة عبر الزمان لا يتسرَّب إليها التغيير ككون الظلم قبيحاً و العدل حسناً، و جزاء الإحسان بالإحسان حسناً و بالسيّئ قبيحاً، و العمل بالميثاق حسناً و نقضه قبيحاً، إلى غيرها من القضايا الأخلاقية الثابتة في حياة الإنسان. سواء قلنا بأنّها أحكام فطرية نابعة من الخلقة أو قلنا إنّ هناك عوامل عبر التاريخ رسخت هذه المفاهيم في ذهن الإنسان؛ فإنّ الاختلاف في جذور تلك المُثُل لا يضرّ بما نحن بصدده؛ لأنّها على كلّ تقدير ثابتة في حياة الإنسان، و التشريع الموضوع وفقها يتمتّع بالثبات.

إنّ هناك موضوعات في الحياة الإنسانية لم تزل ذات مصالح و مفاسد أبدية، فما دام الإنسان إنساناً فالخمر يزيل عقله و الميسر ينبت العداوة في المجتمع، و الإباحة الجنسية تفسد النسل و الحرث مدى الدهور و الأجيال، فبما أنّ هذه القضايا قضايا ثابتة في حياته، فالتشريع على وفقها يكون ثابتاً وفق ثباتها.

فهذه نماذج من الجانب الثابت من حياة الإنسان تناولناها لإيقاف القارئ على أنّ التغيّر في حياة الإنسان ليس أمراً كلّياً و لا يتسرَّبُ إلى أعماق حياته، و إنّما التغيّر يرجع إلى صور من حياته فالتغيّر - كما سيوافيك بيانه - إنّما يكون مثلاً في المواصلات، و في التكتيك الحربي، و في طراز البناء و أشكاله، و في معالجة الأمراض و غيرها، فأين مثل هذا التغيّر من حرمة الظلم، و وجوب العدل، و لزوم أداء الأمانات، و دفع الغرامات، و لزوم الوفاء بالعهد و الايمان، و تكريم ذوي الحقوق إلى غير ذلك من القوانين الثابتة الموضوعة على غرار الفطرة مبنياً على الجانب الثابت من حياته فهو يحتلّ مكان التشريع الدائم.

الجانب المتغيّر في الحياة الإنسانية:

إنّ للإنسان جانباً آخر في حياته لا يزال يتغيّر من حال إلى حال، فمثل هذا يتطلّب تشريعات متغيّرة حسب تغيّره و تبدّله، و من حسن الحظّ أنّه ليس في الإسلام الخاتم تشريعٌ ثابتٌ لهذا الجانب من الحياة الّذي يمثل ظاهر الحياة لا جوهرها، و لذلك لم يتدخّل فيه الإسلام تدخُّلاً مباشراً، بل ترك أمرها للمجتمع الإسلامي في ظلّ إطارٍ خاص. و سوَّغ للمجتمع البشري إدارة شئون حياته في مجال العمران و البناء و تطور وسائل الحياة المختلفة في مجال

الثقافة و الدفاع و الاقتصاد في ظلّ إطارٍ عام الذي يتجاوب مع التغيّر و التطوّر.

فترك للإنسان مجالاً متحرّكاً يختار به أيّ نوع من الألبسة و البناء و المعدّات و الوسائل المختلفة ضمن شروط معلومة في الفقه الإسلامي، و لأجل هذه المرونة فيه نرى أنّه يتجاوب مع جميع الحضارات الإنسانية، و ما هذا إلّا لأنّه لم يتدخّل في الجزئيات المتغيّرة إلّا بوضع إطار خاصّ لا يمنع حرّيته و لا يزاحم التغيّر، و هنا كلمة قيّمة للشيخ الرئيس ابن سينا نذكرها، قال:

«يجب أن يفوّض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد؛ فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط، و أمّا ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة و معرفة الدخل و الخرج و إعداد أهب الأسلحة و الحقوق و الثغور و غير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة، و لا تفرض فيها أحكام جزئية؛ فإنّ في فرضها فساداً؛ لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات، و فرض الكليّات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة».(1)

نعم إنّ عنوان مقتضى الزمان صار رمزاً لكلّ من أراد أن يتحرّر من القيم الأخلاقية، و يعيش متحلّلاً من كلّ قيد و حدّ، خالعاً كلّ عذار.

و هؤلاء حيثما رأوا الإباحة الجنسيّة، و اختلاط الرجال و النساء، و اتّخاذ الملاهي بأنواعها و شرب المسكر، و اللعب بالميسر، و اقتراف المعاصي و أخذ الربا و غير ذلك ممّا حرّمته الشريعة الإسلامية، لم يجدوا مبرِّراً لاقترافها إلّا بالتمسّك بمقتضيات الزمان و جبر التاريخ.


1) . الشفاء، قسم الإلهيات: 566.

و هذا أبرز دليل على أنّ التمسّك به غطاء للتحرّر من القيود الشرعية و الأخلاقية، و إلّا فلو كان المقصود من تطبيق الحياة على مقتضيات الزمان، هو ترفيع الثقافة الإنسانية، و الاستفادة من أحدث الأجهزة في المجالات كافّة؛ فهذا ممّا لا يرفضه الإسلام، و ليس له فيه قانون يعرقل خطا الترقّي و حدوده بإطار عام، و هو عبارة أن لا يزاحم سعادة الإنسان، و أن لا يكون فيه ضرر على روحه و جسمه، و القيم التي بها يمتاز عن الحيوان.

نماذج من الأحكام المتغيرة حسب تغير الظروف:
اشارة

و ها نحن نأتي في المقام بنماذج من الأحكام المتغيرة بتغيّر الظروف وراء ما ذكرناه في مجال الصناعة و المسكن و الملبس بشرط أن لا يزاحم المثل و القيم.

1 - في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية:

يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام و المسلمين، فهذا أصل ثابت و قاعدة عامّة، و أمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية و المكانية، فتارة تقتضي المصلحة السلام و المهادنة و الصلح مع العدوّ، و أُخرى تقتضي ضدّ ذلك.

و هكذا تختلف المقرّرات و الأحكام الخاصّة في هذا المجال، باختلاف الظروف، و لكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:

«وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(1)، و قوله سبحانه:

«لاٰ يَنْهٰاكُمُ اَللّٰهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمٰا يَنْهٰاكُمُ اَللّٰهُ عَنِ اَلَّذِينَ قٰاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ وَ ظٰاهَرُوا عَلىٰ إِخْرٰاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(2).

2 - في العلاقات الدولية التجارية:

قد تقتضي المصلحة عقدَ اتفاقيات اقتصاديّة و إنشاء شركات تجارية، أو مؤسّسات صناعية، مشتركة بين المسلمين و غيرهم، و قد تقتضي المصلحة غير ذلك. و من هذا الباب حكم الإمام المغفور له المجدِّد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران و إنجلترا؛ إذ كانت مُجحِفة بحقوق الشعب الإيراني المسلم؛ لأنّها خوّلت إنجلترا حقّ احتكار التنباك الإيراني.

3 - في مجال الدفاع عن حريم الإسلام:

الدفاع عن بيضة الإسلام و حفظ استقلاله و صيانة حدوده من الأعداء، قانون ثابت لا يتغيّر، فالمقصد الأسنىٰ لمشرِّع الإسلام، إنّما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه و أضرارهم، و لأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوّة ضاربة ضدّ الأعداء، و إعداد جيش عارم جرّار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه:


1) . النساء: 141.

2) . الممتحنة: 8-9.

«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»(1)فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيّده العقل و الفطرة أمّا كيفية الدفاع و تكتيكه و نوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية و عدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغيّر بتغيّره، و لكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت، حتّى مسألة لزوم التجنيد العمومي، الذي أصبح من الأُمور الأصلية في غالب البلاد.

و ما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب، أو وضع كتاب خاص، لأحكام السبق و الرماية، و غيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة و نقل أحاديث في ذلك الباب عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و أئمة الإسلام، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم، و الغرض منه تحصيل القوة الكافية، تجاهَ العدو في تلكم العصور، و أمّا الأحكام التي ينبغي أنْ تطبّق في العصر الحاضر فإنّه تفرضها مقتضيات العصر نفسه.

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه و قواته المسلّحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام و معتنقيه عن الخطر، و يصدّ كلّ مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت.

و المقنِّن الذي يتوخّىٰ ثباتَ قانونه و دوامه و سيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرّض إلى تفاصيل الأُمور و جزئيّاتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات و الأُصول ليساير قانونه جميعَ الأزمنة بأشكالها و صورها المختلفة، و لو سلك غير هذا السبيل لصار حظّه من البقاء قليلاً جداً.


1) . الأنفال: 60.

4 - في نشر العلم و المعارف و الثقافة:

نشر العلم و الثقافة، و استكمال المعارف التي تَضمنُ سيادةَ المجتمع ماديّاً و معنويّاً، يعتبر من الفرائض الإسلامية، أمّا تحقيق ذلك و تعيين نوعه و نوع وسائله فلا يتحدّد بحدّ خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي و اللجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.

و بالجملة: فقد ألزم الإسلام رُعاة المسلمين و ولاة الأمر نشرَ العلم بين أبناء الإنسان، و اجتثاث مادّة الجهل من بينهم، و مكافحة أيّ لون من الأُميّة، و أمّا نوع العلم و خصوصياته، فكلّ ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي و هو أعلم بحوائج عصره.

فربّ علم لم يكن لازماً؛ لعدم الحاجة إليه في العصور السابقة، و لكنّه أصبح اليوم في الرعيل الأوّل من العلوم اللازمة التي فيها صلاح المجتمع كالاقتصاد و السياسة.

5 - في مجال إقامة النظام:

حفظ النظام و تأمين السبل و الطرق، و تنظيم الأُمور الداخلية و رفع مستوى الاقتصاد و... من الضرورات، فيتبع فيه و أمثاله مقتضيات الظروف، و ليس فيه للإسلام حكم خاصّ يتّبع، بل الذي يتوخّاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغايات، و تحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد و تعيين لنوع هذه الوسائل، و إنّما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، و كلّها في ضوء القوانين العامّة.

6 - في مجال المبادلات المالية:

قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال و هو قوله سبحانه: «وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ»(1)و قد فرّع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحّة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحّة المعاملة وجود فائدة مشروعة، و إلّا فلا تصحّ المعاملة و من هنا حرّموا بيع «الدم» و شراءه.

إلّا أنّ تحريم بيع الدم أو شراءه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام بل الحكم الثابت هو حرمة أكل المال بالباطل، و كانت حرمة الدم في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل و مصداقاً لها في ذلك الزمان، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن أن تكون أكلاً للمال بالباطل) و عدم تحقّق الفائدة، فلو ترتّبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّيّة، و الحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: «وَ لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ».

و في هذا المضمار ورد أنّ عليّاً عليه السلام سئل عن قول الرسول صلى الله عليه و آله: «غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود؟» فقال: عليه السلام: «إنّما قال صلى الله عليه و آله ذلك و الدِّينُ قَلّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه، و ضرب بِجِرانِهِ‌(2)فالمرء و ما اختار».(3)


1) . البقرة: 188.

2) . الجِران: باطن العُنُق، و قيل: مقدّم العنق من مذبح البعير إلىٰ منحره، فإذا بَرَك البعير و مدّ عنقه علىٰ الأرض قيل: جرانه بالأرض (لسان العرب: مادّة جرن).

3) . نهج البلاغة: الحكمة 16.

الشيعة و الخاتميّة

اتّفقت الشيعة - قاطبة - تبعاً للكتاب و السنّة على أنّ نبيّ الإسلام، هو النبيّ الخاتم، و كتابه خاتم الكتب، و رسالته خاتمة الرسالات، و قد أُوصِد برحيله باب الوحي، و أُقفل بموته باب التشريع؛ فلا وحي و لا تشريع بعد ذهابه، و قد وقفت على كلام الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عند تغسيل النبيّ صلى الله عليه و آله و تجهيزه فلا نعيد(1).

غير أنّ هناك شبهات ضئيلة في المقام تطرح من جانب أُناس لا عرفان لهم بمذهب الشيعة و لا تعرّفَ لهم عليه عن كثب، و قد تلقّوها من المستشرقين أو من البعداء عن البيئات الشيعية.

و هذه الأسئلة تجمعها الأُمور التالية:

1 - كيف تقولون بالخاتمية و إيصاد باب الوحي و التشريع و أنتم تعملون بكتاب عليّ عليه السلام؟

2 - كيف تقولون بذلك، و عندكم مصحف باسم مصحف فاطمة، و هل كان عند بنت المصطفى صلى الله عليه و آله قرآن غير القرآن الموجود عند المسلمين؟

3 - كيف تقولون ذلك و أنتم تعتمدون على روايات مروية عن الأئمة الاثني عشر بصورة موقوفة غير متّصلة إلى النبيّ الأكرم؟ و هل الأئمة الاثنا عشر


1) . لاحظ الحديث 4 في فصل (الخاتمية في أحاديث العترة الطاهرة).

ممّن يوحى إليهم؟

إنّ هذه الأسئلة ربّما تنطلي على الجاهل غير العارف بمعتقدات الشيعة فيرميهم بما هم براء منه، و لأجل رفع الغطاء نأخذ كلَّ واحد بالدراسة بوجه موجز.

كتاب عليّ و إملاء رسول اللّٰه:

إنّ السؤال الأوّل يرجع إلى كتاب عليّ و ماهيّته؟ و هل هو أحاديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله التي دوّنها الإمام دون غيره؟ و إليك التفصيل:

كانت لمدرسة أئمة أهل البيت عناية خاصة بضبط و تدوين كلّ ما أُثِر عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله من قول و فعل؛ لأنّه صلى الله عليه و آله لا يصدر في مجال التشريع و التعليم إلّا عن الوحي قال سبحانه: «وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ»(1)و كان صلى الله عليه و آله على علم قاطع بأنّه سوف ينتقل إلى بارئه، و أنّ الأُمّة الإسلامية سوف تحتاج إلى كلماته و أقواله، و أفعاله و أعماله و لا تبقى خالدة إلّا بالضبط و التدوين.

إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان وليدَ البيت النبويّ، و كان مع الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله منذ نعومة أظفاره إلى رحيل رسول اللّٰه عن الدنيا، و هو عليه السلام يصف حياته في صباه و ما بعده و يقول: «و لقد كنتُ أتّبعُه (يعني: رسول اللّٰه) اتِّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفعُ لي في كلّ يومٍ من أخلاقه علماً، و يأمرني بالاقتداء به، و لقد كان يجاور في كلّ سنة بِحِراءَ فأراه و لا يراه غيري. و لم يجتمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحي و الرسالة، و أشمّ ريح النبوّة».(2)

كان ربيبة عليّ عليه السلام يلازمه ليلاً و نهاراً، سفراً و حضراً، في موطِنه و مهجَره،


1) . النجم: 3-4.

2) . نهج البلاغة: الخطبة: 192.

لم يفارقه في غزوة إلّا غزوة تبوك، و قد أقامه رسول اللّٰه مقامه في المدينة ليكون عيناً للمسلمين على المنافقين، و صاعقة على المتمرّدين إذا حاولوا المؤامرة، أو إيذاء من بقي من المسلمين من الشيوخ و الأطفال، إلى أن دخل العام الحادي عشر للهجرة و قد قرب أجله و ارتحاله صلى الله عليه و آله و مرض و كان عليّ هو الممرّض له، و قُبض و رأسه لَعلى صدره عليه السلام.

إنّ علياً عليه السلام يشرح ذلك الموقف و يقول: «و لقد قُبِضَ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و إنّ رأسه لَعلَى صدري - إلى أن يقول - و لقد ولّيتُ غسلَه صلى الله عليه و آله و الملائكة أعواني، فضجّت الدار و الأفنية، ملأ يهبط، و ملأ يعرُج و ما فارقَتْ سمعي هينمة(1)منهم، يصلّون عليه. حتّى واريناه في ضريحه. فَمَن ذَا أحقُّ به منّي حيّاً و ميِّتاً؟».(2)

كلّ ذلك يعرب عن لواذ الإمام و اختصاصه بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و التجائه إليه.

و قد اختصّ الإمام بهذا المقام من بين الصحابة و لم يشاركه غيره، و بذلك صار باب علم النبيّ‌(3)، و الحاكم الروحي على الإطلاق حتّى عصر الخلفاء، و لا يشكّ في ذلك من فتح عينيه على سيرة الخلفاء و تاريخ المسلمين.

و لمثل هذا النوع من التلاحم يصف عليّ عليه السلام حاله مع النبيّ و يقول: «إنّي إذا كنت سألته أنبأني، و إذا سكتُّ ابتدأني».(4)

كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يأمر عليّاً عليه السلام أن يكتب كلّ ما يملي عليه، فقال عليه السلام مرّة لرسول اللّٰه:


1) . الصوت الخفي.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 197.

3) . كنز العمال: 156/6 و 401.

4) . تاريخ الخلفاء: 115.

«يا نبيّ اللّٰه أ تخاف عليَّ النسيان؟» قال: «لستُ أخاف عليك النسيان، و قد دعوت اللّٰه أن يحفظك و لا ينسيك، و لكن اكتب لشركائك» قال «قلت: و من شركائي يا نبيّ اللّٰه؟» قال: «الأئمة من ولدك».(1)

و كان من جملة ما أملاه عليه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و كتب عليّ عليه السلام بخطّه، كتاب طوله سبعون ذراعاً في عرض الأديم، و هذا هو المعروف بكتاب عليٍّ أو صحيفته، اشتهر أمره بين الشيعة و أئمتهم، و فيها ما يحتاج إليه الناس في مجال الأحكام إلى يوم القيامة، و كانت الأئمة بعد الإمام يصدرون عنه و يروُونَ عنه، و يستشهدون في مواقع خاصّة به، و ليس كتابه سوى أحاديث أملاها النبيّ، و كَتبها الوصيّ و ورثها أبناؤه كابر عن كابر، و نقلوا عنه شيئاً كثيراً، و بذلك صار الإمام هو المدوِّن الرسمي للحديث النبويّ، و إن كان بعض الصحابة(2)شاركه في ضبط الحديث النبوي، لكن صحائفهم و كتبهم أُحرقت - و يا للأسف - في عصر الخلفاء لمصالح هم أعرف بها، و بذلك خسر المسلمون و السنّة النبوية خسارة كبرى لا تستقال، و بالتالي صار الحديث النبوي مرتعاً لوضع الوضّاعين و الكذّابين يلصقون به ما شاءوا من الإسرائيليات و المسيحيات و المجوسيات، لكن بقي كتاب الإمام غضّاً طريّاً مصوناً من الشرّ، يرثه إمام بعد إمام.

و لأجل إيقاف القارئ علىٰ واقع الأمر، نذكر مواصفات الكتاب و ميزاته، و شيئاً من نصوصه، حتّى يتبيّن أنّ كتاب عليّ عليه السلام لم يكن إلّا جامعاً حديثياً، و كان تدويناً مبكراً للسنّة النبوية المطهرة:


1) . إكمال الدين: 206/1، و أماليه: 227، و غيرهما.

2) . سنن الترمذي: 39/5 كتاب العلم؛ سنن الدارمي: 125/1، باب من رخص في كتابة العلم؛ مسند أحمد: 215/2، و غيره.

أ - روى: بكر بن كرب الصيرفي قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: «إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، و إنّ الناس ليحتاجون إلينا، و إنّ عندنا كتاباً إملاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و خطّ عليّ عليه السلام، صحيفة فيها كلّ حلال و حرام».(1)

ب - روى فضيل بن يسار قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: «يا فضيل! عندنا كتاب عليّ سبعون ذراعاً، ما على الأرض شيء يحتاج إليه إلّا و هو فيه حتّى أرش الخدش».(2)

ج - روى أبو بصير - في حديث - عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «يا أبا محمّد! و إنّ عندنا الجامعة، و ما يُدريهم ما الجامعة؟» قال قلتُ: جعلتُ فداك، و ما الجامعة؟ قال: «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و إملائه من فَلق فيه، و خطّ عليّ عليه السلام بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام، و كلّ شيء يحتاج إليه الناس حتّى الأرش في الخدش».(3)

د - روى أيضاً عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: سمعته يقول - و ذكر ابنَ شبرمة - «أين هو من الجامعة؛ إملاء رسول اللّٰه و خطّه عليّ بيده، فيها جميع الحلال و الحرام حتّى أرش الخدش».(4)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية لخصوصيات الكتاب و ميزاته الذي رواه أصحاب المعاجم من محدّثي الشيعة، فتسمية أئمة أهل البيت تارة بكتاب عليّ، و أُخرى بالجامعة، و ثالثة بصحيفة عليّ، و الكتاب، يعرب عن عناية الإمام بضبط أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله، كما يعرب عن عناية سيّد الثقلين،


1) . الكافي: 241/1؛ بصائر الدرجات: 142.

2) . بصائر الدرجات: 147.

3) . الكافي: 239/1؛ بصائر الدرجات: 143.

4) . بصائر الدرجات: 146.

بكتابة حديثه، ليبقى علىٰ مرّ العصور و القرون، لا يعتريه الوضع و الدسُّ.

و في العصر الذي كان الناس يروون عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أنّه قال: لا تكتبوا عنّي!! و من كتب عنّي غير القرآن فليمحه(1)و إنّ فريقاً من الصحابة استأذنوا النبيّ صلى الله عليه و آله أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم(2)!

و في العصر الذي كانت مدرسة الخلفاء تروّج تقليل الرواية عن الرسول، و كلّما يبعث الخليفة عمر بن الخطاب والياً إلى قطرٍ أو بلدٍ يوصيه في جملة ما يوصيه بقوله: «جرّدوا القرآن، و أقلّوا الرواية عن محمّد و أنا شريككم!!»(3)و ربّما يعيب إفشاء الحديث عنه صلى الله عليه و آله و يقول مخاطباً لأبي ذر، و عبد اللّٰه بن مسعود، و أبي الدرداء «و ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد؟»(4).

ففي تلك العصور الحرجة، نرى أئمة أهل البيت يحتفظون بكتاب عليّ، و يعتمدون عليه في نقل الحلال و الحرام، و به يردّون ما كان يصدر من الفتيا الشاذّة عن الكتاب و السنّة و لا يقيمون للمنع عن الكتابة و الرواية وزناً و لا قيمة، و لنذكر نماذج من روايات كتاب عليّ ليعلم موقفه من صيانة السنّة من الضياع:

1 - روى أبو بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كنت عنده فدعا بالجامعة فنظر فيها أبو جعفر عليه السلام فإذا فيها: «المرأة تموت و تترك زوجَها ليس لها وارث غيره قال: فله المال كلّه».(5)

2 - روى أبو بصير المرادي قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن شيء من الفرائض، فقال: «أ لا أُخرِج لك كتاب عليّ عليه السلام» - إلى أن قال: - فأخرجه فإذا كتاب جليل


1) . سنن الدارمي: 119/1؛ مسند أحمد: 12/3.

2) . المصدر نفسه.

3) . تاريخ الطبري: 273/3.

4) . كنز العمال: 293/10 برقم 294.

5) . بصائر الدرجات: 145.

و إذا فيه: «رجل مات و ترك عمّه و خاله فقال: للعمّ الثلثان، و للخال الثلث».(1)

3 - روى عبد الملك بن أعين قال: دعا أبو جعفر بكتاب عليّ فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويّاً، فإذا فيه: «إنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل - إذا هو توفّي عنها - شيءٌ فقال أبو جعفر عليه السلام: هذا و اللّٰه خطّ عليّ بيده، و إملاء رسول اللّٰه».(2)

4 - روى محمّد بن مسلم الثقفي: قال: أقرأني أبو جعفر كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّٰه و خطّ علي فإذا فيها: «إنّ السهام لا تعول».(3)

5 - روى عذافر الصيرفي قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر عليه السلام فجعل يسأله و كان أبو جعفر عليه السلام له مكرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر:

«يا بُنيّ قُم فأخرِج كتابَ عليّ» فأخرج كتاباً مدرّجاً عظيماً و فتحه و جعل ينظر حتّى أخرج المسألة فقال أبو جعفر عليه السلام: «هذا خطّ عليّ عليه السلام، و إملاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله».(4)

و هذه الروايات تكشف عن أنّ كتاب الفرائض الذي ذكر لعليّ عليه السلام كان جزءاً من كتابه الكبير.

6 - روى ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الصلاة في الثعالب و السنجاب و غيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «إنّ الصلاة


1) . الكافي: 119/7.

2) . وسائل الشيعة: 522/17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 17.

3) . تهذيب الاحكام: 247/9؛ وسائل الشيعة: 423/17، الباب 6 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 11.

4) . رواه النجاشي في رجاله في ترجمة محمّد بن عذافر بن عيسى الصيرفي المدائني: 260/2 برقم 967.

في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و ألبانه و كلّ شيء منه فاسدة، لا تقبل تلك الصلاة حتّى تصلّي في غيره ممّا أحل اللّٰه أكله» ثمّ قال: «يا زرارة هذا عن رسول اللّٰه».(1)

و قد اقتصرنا علىٰ هذا المقدار ليعلم أنّ الكتاب أقدم جامع حديثي، أملاه النبيّ و كتبه الإمام عليّ، و كان الكتاب موجوداً بين أئمة أهل البيت يرثه كابر عن كابر، يصدرون عنه في الإفتاء و شاهده غير واحد من أصحابهم، و الكتاب و إن لم يكن موجوداً بشخصه بيننا، لكن روى أصحاب الجوامع الحديثية كالكليني، و الصدوق و الطوسي قسماً كبيراً منه، و فرّقوا أحاديثه على أبواب كتبهم على الترتيب المألوف، و قد جمعها العلّامة الحجّة الشيخ علي الأحمدي في موسوعته «مكاتيب الرسول».(2)

نعم بقي هنا سؤال:

هل هذا الكتاب، نفس الصحيفة التي كانت في قراب سيفه أو غيره؟

الجواب: قد ذكر غير واحد من المحدّثين انّه كانت لعليّ في قراب سيفه صحيفة، لكن الخصوصيات التي ذكرت للكتاب في الروايات تدلّ مائة بالمائة على أنّه غير الصحيفة التي كان يجعلها في قراب سيفه، و كيف و قراب السيف لا يسع إلّا صحائف صغار، مهما لفَّت و أُدرِجت فأين هي من المواصفات التي وقفت عليها من أنّه كتاب طوله سبعون ذراعاً، أو طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم، أو مثل فخذ الفالج،(3)أو أخرج أبو جعفر كتاباً مدرّجاً عظيماً، أو كتاباً جليلاً أو هو مثل فخذ الرجل مطوياً، إلى غير ذلك ممّا مرّ ذكرها.


1) . الكافي: 397/3 ح 1.

2) . مكاتيب الرسول: 72/1-79.

3) . الكافي: 241/1، و الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين.

نعم روى أبو جحيفة، قال: سألت علياً رضى الله عنه: هل كان عندكم من النبيّ صلى الله عليه و آله شيء سوى القرآن؟ قال: «و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة، إلّا أن يؤتي اللّٰه عبداً فهماً في القرآن، و ما في الصحيفة»، قلت: و ما الصحيفة؟ قال: «العقل و فكاك الأسير، و لا يقتل مؤمن بكافر».(1)

إنّ هذه الرواية مهما صحّت و نقلها أئمة الحديث، لا تقابل ما نقلناه عن أئمة أهل البيت حول كتاب عليّ، و مواصفاته، و مشاهدة جمّ غفير لهذا الكتاب، و قد نقلنا النزر اليسير من الكثير، و هذا الحديث و ما شابهه في التعبير وضع لنفي ما عند عليّ من ودائع النبوة و علوم النبيّ صلى الله عليه و آله، و الذي يعرب عن ذلك، الإصرار على أنّه ليس عند عليّ سوى كتاب اللّٰه أو الصحيفة الموجودة في قراب سيفه، فقد رووها بالعبارات التالية:

أ - «ما كتبنا عن النبيّ إلّا القرآن و ما في هذه الصحيفة».

ب - «من زعم أنّ عندنا شيئاً نقرأه إلّا كتاب اللّٰه أو هذه الصحيفة فقد كذب».

ج - «ما خصّنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بشيء لم يخصّ به الناس إلّا ما في قراب سيفي هذا».

د - «ما عهد إليَّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله شيئاً خاصّاً دون الناس إلّا شيء سمعته، و هو في صحيفة قراب سيفي...».(2)


1) . مسند أحمد: 79/1.

2) . لاحظ المصادر التالية: مسند أحمد: 81/1، 100، 102، 110؛ البداية و النهاية: 251/5؛ صحيح مسلم: 217/4.

إلى غير ذلك من التعابير الهادفة إلى نفي علمه بشيء إلّا بالكتاب و الصحيفة الصغيرة.

نحن نغضّ الطرف عمّا ذكرنا، فلو صحّ ما في هذه الرواية، فما معنى قوله صلى الله عليه و آله لعليّ: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها»؟ و قد نقله كثير من الحفاظ و المحدّثين، فهذا شمس الدين المالكي يذكره في شعره بقوله:

و قال رسول اللّٰه إنّي مدينة *** من العلم و هو الباب و البابَ فاقصد

و قد رواه من الحفاظ و الأئمة ما يناهز مائة و ثلاثة و أربعين شخصاً(1)، و قد ذكروا حول الحديث كلمات تعرب عن مفاد الحديث.

قال الحافظ أبو عبد اللّٰه محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 ه): قال العلماء من الصحابة و التابعين و أهل بيته بتفضيل عليّ عليه السلام و زيادة علمه و غزارته، و حدّة فهمه، و وفور حكمته، و حسن قضاياه، و صحّة فتواه، و قد كان أبو بكر و عمر و عثمان و غيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام و يأخذون بقوله في النقض و الإبرام، اعترافاً منهم بعلمه، و وفور فضله، و برصانة عقله، و صحّة حكمه، و ليس هذا الحديث في حقّه بكثير؛ لأنّ رتبته عند اللّٰه و عند رسوله و عند المؤمنين أجلّ و أعلى من ذلك.(2)

و قال فضل بن روزبهان في ضمن ردّه على حجاج العلّامة بأعلمية أمير المؤمنين بحديثي: «أقضاكم عليّ»، و «أنا مدينة العلم»، من طريق الترمذي، قال ما هذا نصّه: و أمّا ما ذكره المصنّف من علم عليّ فلا شكّ في أنّه من علماء


1) . لاحظ الغدير: 61/6-77.

2) . كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب: 195.

الأُمّة، و الناس محتاجون إليه فيه، و كيف لا؛ و هو وصيّ النبيّ في إبلاغ العلم و ودائع حقائق المعارف؟ فلا نزاع لأحد فيه، و ما ذكره من صحيح الترمذي صحيح.(1)

و قال المناوي في فيض القدير تفسيراً لقوله صلى الله عليه و آله: «عليّ عيبة علمي»: أي مظنّة استفصاحي و خاصّتي و موضع سرّي، و معدن نفائسي. و العيبة: ما يحرز الرجل فيه نفائسه قال ابن دريد: و هذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل بشيء أراده اختصاصه بأُموره الباطنة التي لا يطّلع عليها أحد غيره، و ذلك غاية في مدح عليّ.(2)

و أخرج الطبراني عن ابن عبّاس أنّه قال: كنّا نتحدّث معاشر أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله عهد إلى عليّ سبعين عهداً، لم يعهدها إلى غيره.(3)

و رواه القندوزي في ينابيعه ثمانين عهداً مكان سبعين.(4)

فقد خرجنا بالنتائج التالية:

1 - إنّ كتاب عليّ من إملاء رسول اللّٰه و خطّ عليّ.

2 - إن الكتاب أوّل جامع حديثيّ قام بكتابته عليّ عليه السلام لتدوين السنّة و صيانتها من الضياع.

3 - كانت في قرابة سيف عليّ عليه السلام صحيفة، و لكن لم تكن هي الشيء الوحيد عند عليّ، و إنّ كتاب عليّ - حسب ما مرّ من المواصفات - غير تلك الصحيفة.


1) . دلائل الصدق: 515/3.

2) . فيض القدير: 356/4.

3) . المعجم الصغير: 69.

4) . ينابيع المودة: 89.

4 - إذا كان عليّ هو باب علم النبيّ، و الحاكم الروحيّ في عصر الخلفاء و ما بعده؛ فيلزم أن يكون عنده ودائع النبوّة، و جميع ما تحتاج إليه الأُمّة في مجال الأحكام.


مصحف فاطمة:

لا شكّ أنّه كان عند فاطمة مصحف، حسبما تضافرت عليه الروايات، و لكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن، حتى تختص بنت المصطفى بقرآن خاصّ، و إنّما كان كتاباً فيه الملاحم و الأخبار.

المصحف: من أصحف، بمعنى ما جعل فيه الصحف، و إنّما سمي المصحف مصحفاً؛ لأنّه جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين.

و لم يكن ذلك اللفظ علماً للقرآن في عصر نزوله، و إنّما صار علماً له بعد رحيل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال السيوطي: روى ابن أشتة في كتاب المصاحف أنّه لمّا جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسماً، فقال بعضهم:

السِّفْر، و قال بعضهم: المصحف؛ فانّ الحبشة يسمّونه المصحف قال: و كان أبو بكر أوّل من جمع كتاب اللّٰه و سمّاه المصحف.(1)

و أمّا ما هو واقع هذا الكتاب؟ فقد كشفت عنه الروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت، و قد جمع قسماً كبيراً منها العلاّمة الشيخ مصطفى قصير العاملي في دراسته «كتاب عليّ و مصحف فاطمة».


1) . الإتقان في علوم القرآن: 185/1.

و إليك بعضها:

1 - روى أبو عبيدة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «... إنّ فاطمة مكثت بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله خمسة و سبعين يوماً، و كان دخلها حزن شديد على أبيها، و كان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، و يطيب نفسها، و يخبرها عن أبيها و مكانه، و يخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها، و كان عليّ عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة».(1)

2 - روى أبو حمزة عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب اللّٰه، و إنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلوات اللّٰه عليهما».(2)

و العجب أنّ الدسّ الإعلامي قد اتّخذ لفظ «مصحف فاطمة» ذريعة لاتّهام الشيعة بأنّ عندهم قرآناً يسمى «مصحف فاطمة»، و قد سعى غير واحد من دعاة التفرقة إلى نشر تلك الفكرة الخاطئة بين المسلمين، و لكن خاب سعيهم؛ فإنّ للحقّ دولة، و للباطل جولة.

و لعلّ القارئ يسأل نفسه عن كون فاطمة محدَّثة تحدّثها الملائكة، كما ورد في الرواية السابقة، غير أنّ فاطمة عليها السلام لا تقلّ شأناً عن مريم البتول، و لا عن امرأة الخليل، قال سبحانه: «وَ إِذْ قٰالَتِ اَلْمَلاٰئِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفٰاكِ عَلىٰ نِسٰاءِ اَلْعٰالَمِينَ»(3)إلى غير ذلك من الآيات الواردة في سورتي آل عمران، و مريم. و هذه امرأة إبراهيم تسمع كلام الملك، يقول سبحانه: «وَ لَقَدْ جٰاءَتْ


1) . الكافي: 241/1.

2) . بصائر الدرجات: 195.

3) . آل عمران: 42.

رُسُلُنٰا إِبْرٰاهِيمَ بِالْبُشْرىٰ... وَ اِمْرَأَتُهُ قٰائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنٰاهٰا بِإِسْحٰاقَ وَ مِنْ وَرٰاءِ إِسْحٰاقَ يَعْقُوبَ * قٰالَتْ يٰا وَيْلَتىٰ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هٰذٰا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ‌ءٌ عَجِيبٌ * قٰالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللّٰهِ رَحْمَتُ اَللّٰهِ وَ بَرَكٰاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»(1).

فإذا كانت مريم و امرأة الخليل محدّثتين، ففاطمة سيدة نساء العالمين أولى بأن تكون محدّثة.


ما هو مصدر روايات أئمّة أهل البيت؟
اشارة

هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة الثلاثة المطروحة حول الخاتمية لدى الشيعة فنقول:

إنّ لعلوم أئمة أهل البيت مصادر مختلفة، و نشير إلى أُصولها تاركين البحث في فروعها:

1 - النقل عن آبائهم عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله

إنّهم عليهم السلام كثيراً ما يروون الحديث عن آبائهم عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله معنعناً، من دون أن يتوسّط بين الأسانيد شخص بين آبائهم و أجدادهم.

فمثلاً لمّا ترك عليّ بن موسى الرضا نيسابور عازماً إلى مرو، اجتمعت حوله مجموعة كبيرة من المحدّثين و طلبوا منه أن يحدّثهم بحديث عن جدّه صلى الله عليه و آله، فقال:


1) . هود: 69-73.

«حدّثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي جعفر الصادق، قال:

حدّثني أبي أبو جعفر الباقر، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب، قال: حدّثني رسول اللّٰه عن جبرئيل عليه السلام عن اللّٰه قال: لا إلٰه إلّا اللّٰه حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».(1)

إنّ هذا النوع من الأحاديث متوفّر في الجوامع الحديثية للشيعة؛ فلو قام باحث بجمع هذا النوع الذي يروي فيه كابر عن كابر و الإمام بعد الإمام لبلغ موسوعة كبيرة.

و هذا هو هشام بن سلمان، و حمّاد بن عثمان، و غيرهما من أصحاب الإمام الصادق، قالوا: سمعنا أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: «حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث الحسين، و حديث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و حديث رسول اللّٰه قول اللّٰه عز و جل».(2)

2 - النقل عن كتاب عليّ‌

إنّ أئمة أهل البيت كانوا يستندون إلى كتاب عليّ و يحتجّون به، فكان الكتاب أحد مصادر علومهم التي يصدرون عنها، و قد وقفت على قسم قليل منها فيما تقدّم.


1) . عيون أخبار الرضا: 143/2.

2) . الكافي: 53/1 برقم 14.

3 - الإلهام أو تحديث الملائكة
اشارة

إنّ أئمة أهل البيت حسب النصوص محدّثون؛ تحدّثهم الملائكة، كما كانت تحدّث مريم البتول و امرأة الخليل، فما كان يخبرون به من الملاحم أو يجيبون عن الأسئلة فالكلّ ممّا كان يلقى في روعهم.

و هذا النوع من المصدر و إن كان ثقيلاً على من لم يعرف مقاماتهم، إلّا أنّه صحيح لمن درس حياتهم، و وقف على أحوالهم. و لأجل إيقاف القارئ على أنّ (المحدَّث) أمر ممّا اتّفق عليه الأعلام نبحث عنه على وجه الإيجاز:

المُحَدّث في الإسلام:

المحدَّث - بصيغة المفعول -: مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة و لا رؤية صورة، أو يلهم له و يلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام و المكاشفة من المبدأ الأعلىٰ، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفىٰ علىٰ غيره.

المحدّث بهذا المعنىٰ ممّا اتفق عليه الفريقان: الشيعة و السنّة، و لو كان هناك خلاف فإنّما هو في مصداقه.

و قبل ذلك نجد المحدّث في الأُمم السالفة؛ فهذا صاحب موسىٰ كان محدّثاً، فقد أخبره عن مصير السفينة و الغلام و الجدار علىٰ وجه جاء في سورة الكهف(1)، فهو لم يكن نبيّاً، و لكنّه كان عارفاً بما سيحدث، و قد عرفه بإحدىٰ الطرق المذكورة.


1) . من الآية: 60-82.

و هذه مريم البتول، كانت الملائكة تكلّمها و تحدّثها و لم تكن نبيّة، قال سبحانه:

«وَ إِذْ قٰالَتِ اَلْمَلاٰئِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اِصْطَفٰاكِ عَلىٰ نِسٰاءِ اَلْعٰالَمِينَ»(1).

و قال سبحانه: «إِذْ قٰالَتِ اَلْمَلاٰئِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اَللّٰهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ»(2).

و هذه أُمّ موسىٰ يلقىٰ في روعها و يوحى إليها و لم تكن نبيّة، قال سبحانه:

«وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ» (3).

و أمّا السنّة النبوية ففيها تصريح بأنّ في الأُمّة الإسلامية - نظير الأُمم السالفة - رجالاً يكلّمون من دون أن يكونوا أنبياء؛ و إليك بعض هذه النصوص:

1 - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال النبيّ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فعمر بن الخطاب».(4)

2 - أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: «أنّه قد كان فيما مضىٰ قبلكم من الأُمم محدّثون، إن كان في أُمّتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب».(5)


1) . آل عمران: 42.

2) . آل عمران: 45.

3) . القصص: 7.

4) . صحيح البخاري: 194/2، باب مناقب عمر بن الخطّاب.

5) . صحيح البخاري: 171/2، بعد حديث الغار.

قال القسطلاني في شرح الحديث: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوّة. و قال الخطّابي: يلقىٰ الشيء في روعه فكأنّه قد حُدّث به، يظنّ فيصيب، و يخطر الشيء بباله فيكون. و هي منزلة رفيعة من منازل الأولياء.(1)

3 - أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «قد كان في الأُمم قبلكم مُحدّثون فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطّاب منهم»، قال ابن وهب: تفسير «محدّثون» ملهَمون.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف العلماء في تفسير المراد ب «محدَّثون» فقال ابن وهب: ملهَمون، و قيل: مصيبون إذا ظنّوا، فكأنّهم حدّثوا بشيء فظنّوه، و قيل تكلّمهم الملائكة، و جاء في رواية «مكلَّمون»، و قال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم، و فيه كرامات الأولياء.(2)و من راجع شروح الصحيحين يجد نظير هذه الكلمات بوفرة؛ و الرأي السائد في تفسير المحدّث هو تكليم الملائكة أو الإلقاء في الروع. هذا ما لدىٰ السنّة.

روايات الشيعة حول المحدَّث

و أمّا الشيعة، فعندهم أخبار عن أئمتهم تصرّح بأنّهم محدّثون و في الوقت نفسه ليسوا بأنبياء، فقد روى الكليني في باب الفرق بين الرسول و النبيّ


1) . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 431/5، و انظر أيضاً: 99/6.

2) . شرح صحيح مسلم: 166/15.

و المحدّث أحاديث أربعة:

قال: «المحدّث الذي يسمع الصوت و لا يرىٰ الصورة».

و في رواية أُخرىٰ: سألته عن الإمام ما منزلته؟ قال: «يسمع الصوت و لا يرىٰ و لا يعاين الملك».

إلىٰ غير ذلك من الروايات المصرّحة بأنّ الأئمة الاثني عشر محدَّثون.(1)

روى الصفّار في «بصائر الدرجات» عن بريد: قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السلام: ما منزلتكم بمن تُشَبَّهون ممّن مضىٰ؟

فقال: «كصاحب موسىٰ وذي القرنين كانا عالمين و لم يكونا نبيّين».(2)

هذا ما لدىٰ الفريقين. و بذلك يُعْلَم أنّ الإخبار عن الغيب بإذن من اللّٰه سبحانه لا يلازم كون المخبر نبياً، و أنّ تَكَلُّم الملائكة مع إنسان لا يصلح دليلاً علىٰ كونه مبعوثاً من اللّٰه سبحانه للنبوّة.

و لو اعتمدت الشيعة علىٰ علم الأئمة فلكونهم وارثين لعلم النبيّ، و وارثين لما عند عليّ عليه السلام من الكتب التي كتبها بإملاء من رسول اللّٰه، أو محدَّثين تلقىٰ في روعهم الإجابات على الأسئلة، فلا يدلّ علىٰ أنّهم أنبياء، و من نسبهم إلىٰ تلك الفرية الشائنة بحجة إخبارهم عن الملاحم، فقد ضلّ عن سواء السبيل، و لم يفرّق بين النبوّة و الرسالة و التحدّث.


1) . الكافي: 176/1، باب الفرق بين الرسول و النبيّ و المحدّث.

2) . بصائر الدرجات: 368.

الفصل الحادي عشر: الأئمة الاثنا عشر

اشارة

تعرف الشيعة الإمامية بالفرقة الاثني عشرية، و مبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثني عشر إماماً من بني هاشم نصّ عليهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، كما هو معلوم للجميع، ثمّ نصّ كلّ إمام على الإمام الذي بعده، بشكل يخلو من الشكّ و الإبهام.

لقد تضافر عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أنّه يملك هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، و كما هو معلوم و مبسّط في كتب الشيعة بشكل لا يقبل الشك. إنّ هذه الروايات مع ما فيها من المواصفات لا تنطبق إلّا على أئمّة الشيعة و العترة الطاهرة «و إذا كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله هو الشجرة و هم أغصانها، و الدوحة و هم أفنانها، و منبع العلم و هم عيبته، و معدن الحكم و هم خزائنه، و شارع الدين و هم حفظته، و صاحب الكتاب و هم حملته»(1)فتلزم علينا معرفتهم، كيف و هم أحد الثقلين اللَّذَين تركهما الرسول صلى الله عليه و آله، قدوة للأُمّة و نوراً على جبين الدهر.

و نحن نحاول هنا أن نعرض في هذا الفصل موجزاً عن أحوالهم و حياتهم متوخّين الاختصار و الإيجاز فيما نورده، لأنّ بسط الكلام عنهم يحتاج إلى


1) . اقتباس ممّا ذكره أمين الإسلام الطبرسي في مقدّمة كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى: 3.

تدوين موسوعة كبيرة، و قد قام بذلك لفيف من علماء الإسلام فأثبتوا الشيء الكثير عن حياتهم و سيرتهم و أقوالهم، جزاهم اللّٰه عن الإسلام و أهله خير الجزاء.

الأئمّة الاثنا عشر في حديث الرسول صلى الله عليه و آله

إنّ من تصفّح مصنّفات الحديث النبوي الشريف يجد أنّ هناك روايات تحدِّد و تعيِّن عدد الأئمّة بعد الرسول و سماتهم، من دون ذكر لأسمائهم، و هي أحاديث الأئمّة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح و المسانيد، و هي على وجه لا ينطبق إلّا على من عيّنهم الرسول صلى الله عليه و آله للخلافة و الزعامة، و لذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة، و الإمعان فيها يرشد القارئ إلى الحقّ، و يأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطئ الأمان و الحقيقة.

و يطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص؛ فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً، و إليك البيان.

1 - روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول:

«يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كلّهم من قريش».(1)

2 - روى مسلم عنه أيضاً، قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه و آله فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».


1) . صحيح البخاري: 101/9، كتاب الأحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف).

3 - و روى عنه أيضاً، قال: سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» ثمّ تكلّم النبي صلى الله عليه و آله بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ما ذا قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».

4 - و روى عنه أيضاً نفس الحديث إلّا أنّه لم يذكر: «لا يزال أمر الناس ماضياً».

5 - و روى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».(1)

6 - و روى مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و معي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال: «كلّهم من قريش».

7 - و روى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش».(2)

8 - روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول:

«لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» فكبّر الناس و ضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيّة، قلت لأبي: يا أبتِ ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».(3)


1) . صحيح مسلم: 3/6.

2) . صحيح مسلم: 3/6-4.

3) . سنن أبي داود: 207/2 كتاب المهدي و روى أيضاً نحوه بطريقين آخرين.

9 - روى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني، فقال: قال:

«كلّهم من قريش».

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، و قد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر.(1)

10 - روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه و آله يقول: «يكون لهذه الأُمّة اثنا عشر خليفة» و رواه عن 34 طريقاً.(2)

11 - روى الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة، عن أبيه، قال: كنت مع عمّي عند النبي صلى الله عليه و آله فقال:

«لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة» ثمّ قال كلمة و خفض بها صوته، فقلت لعمّي - و كان أمامي -: ما قال يا عمّ؟ قال: يا بني قال: «كلّهم من قريش»(3).

12 - و روى أيضاً بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر، قال: كنت عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فسمعته يقول: «لا يزال أمر هذه الأُمّة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة» و قال كلمة خفيت عليّ، و كان أبي أدنى إليه مجلساً منّي فقلت: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش».


1) . صحيح الترمذي: 45/2 ط سنة 1342 ه.

2) . مسند أحمد: 86/5-108.

3) . المستدرك على الصحيحين: 617/3-618 (كتاب معرفة الصحابة) (ط الهند).

13 - قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش».(1)

كما أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قد شبَّه عدّة خلفائه بعدّة نقباء بني إسرائيل.

14 - فقد روى أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبد اللّه بن مسعود و هو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول اللّٰه كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال عبد اللّه بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، و لقد سألنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل».(2)

15 - و رواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة.(3)

16 - و أورده المتقي الهندي في منتخب كنز العمّال عن أحمد و الطبراني في المعجم الكبير، و الحاكم في المستدرك.(4)

17 - قال السيوطي في تاريخ الخلفاء بسند حسن عن ابن مسعود: أنّه سئل كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل».(5)

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على أنّ الأئمّة بعد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله اثنا عشر، و قد جاء فيها سماتهم و صفاتهم و عددهم، غير أنّ المهمّ هو تعيين مصاديقها و الإشارة إلى أعيانها و أشخاصها، و لا تعلم إلّا باستقصاء و حصر


1) . الصواعق: 189.

2) . مسند أحمد: 398/1.

3) . تاريخ بغداد: 353/14 برقم 7673.

4) . منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد: 312/5.

5) . تاريخ الخلفاء: 10.

السمات الواردة في هذه الأحاديث، و هذا ما يمكن إجماله بما يلي:

1 - لا يزال الإسلام عزيزاً.

2 - لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

3 - لا يزال الدين قائماً.

4 - لا يزال أمر الأُمّة صالحاً.

5 - لا يزال أمر هذه الأُمّة ظاهراً.

6 - كلّ ذلك حتّى يمضي فيهم اثنا عشر أميراً من قريش.

7 - و حتى يليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.

8 - و إنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.

و هذه السمات و الخصوصيات لا تتمثّل مجتمعة إلّا في الأئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، و هذه الأحاديث من أنباء الغيب و معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين و السفينة و كون أهل بيت النبي أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، و سيوافيك تفصيل هذه الأحاديث الثلاثة.

فالأئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، و الذين ينادي بإمامتهم الشيعة الإمامية، و الذين أوّلهم علي أمير المؤمنين و آخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم، و من وقف على حياتهم العلمية و الاجتماعية و السياسية يقف على أنّهم هم المَثَل الأعلى في الأخلاق، و القمّة السامقة في العلم و العمل و التقوى و الإحاطة بالقرآن و السنّة، و بهم حفظ اللّٰه تعالى دينه و أعزّ رسالته.

و أمّا ما ورد في بعض هذه الطرق أنّ: «كلّهم تجتمع عليهم الأُمّة» فهو على فرض الصحّة، فالمراد منه تجتمع على الإقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و - على فرض الإبهام - لا تمنع عن الأخذ بمضامين الحديث.

هلمّ معي نقرأ ما ذا يقول غير الشيعة في حقّ هذه الأحاديث، و كيف يؤوّلونها بالخلفاء القائمين بالأمر بعد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و إليك نصوص كلامهم:

1 - إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أُميّة!! و أوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية و آخرهم مروان الحمار و عدّتهم اثنا عشر، و لا يعد عثمان و معاوية و لا ابن الزبير؛ لكونهم صحابة، و لا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لأنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبد اللّه بن الزبير، و ليس على المدح بل على استقامة السلطنة، و هم يزيد بن معاوية و ابنه معاوية ثمّ عبد الملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر بن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام بن عبد الملك ثمّ الوليد بن يزيد ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمد(1).

و جوابه: أنّه لو كان الرسول أراد هذا و لم يكن في مقام مدحهم فأيّ فائدة في الإخبار بذلك. ثمّ كيف يقول: إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً قائماً»، أو «أمر أُمّتي صالحاً». و العجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة و قد ثار عليه العراق في السنة الأُولى، و ثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية، و كان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية و قتل و نهب و تدمير لا يقرّ بها صاحب ذرّة من الشرف و الإيمان.


1) . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 212/13. و في المصدر: عدّتهم ثلاثة عشر.

2 - «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي»(1)و هذا من أغرب التفاسير؛ لأنّ الأخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و لأجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبد اللّه بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الأُمّة.

3 - ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض: أنّ المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس، و هم أبو بكر، و عمر، و عثمان، و علي، و معاوية، و يزيد، و عبد الملك، و أولاده الأربعة، الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، و عمر بن عبد العزيز بن سليمان و يزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، و الثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك(2).

و لا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض و ابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الإسلام و الدين و صار منيعاً و فيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر و يدع الصلاة، و لم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق، و أباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها و أموالها و أنفسها بعد قتله لابن بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله الحسين بن علي عليهما السلام و إخوانه و أبنائه و خيرة أصحابه، و سيَّر بنات رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله سبايا دون حرمة لجدّهم إلى الشام من أرض كربلاء، فليت شعري ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنّة النبوية و تعاملهم معها؟ و كلّ الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه و ما صرّحوا به.

و هل اعتزّ الإسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه


1) . المصدر نفسه: 213/13 و مثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة.

2) . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 213/13، و لاحظ تاريخ الخلفاء: 11.

الحجّاج على العراق فقتل من الصحابة و التابعين ما لا يخفى(1)؟!

و كيف اعتزّ الدين بالوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات اللّٰه، و هو الّذي حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة: «وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ»(2)فألقاه و رماه بالسهام و أنشد:

تهدّدني بجبّار عنيد *** فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر *** فقل يا ربّ مزّقني الوليد

و من أراد أن يقف على جنايات الرجل و أقربائه و أجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودّت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شيء و لا يغفل عنها إلّا السذج و البلهاء.

أقول: إنّ للكاتب القدير السيّد محمد تقي الحكيم كلاماً في هذه الأحاديث يطيب لي نقله. قال: و الذي يستفاد من هذه الروايات:

1 - أنّ عدد الأُمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر و كلّهم من قريش.

2 - أنّ هؤلاء الأُمراء معيّنون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، لقوله تعالى: «وَ لَقَدْ أَخَذَ اَللّٰهُ مِيثٰاقَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ وَ بَعَثْنٰا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً»(3).

3 - أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي أو حتى


1) . تاريخ الخلفاء: 250 و غيره.

2) . إبراهيم: 15.

3) . المائدة: 12.

تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» و أصرح من ذلك روايته الأُخرى في نفس الباب: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان».

إذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلّا مع مبنى الإمامية في عدد الأئمّة و بقائهم و كونهم من المنصوص عليهم من قبله صلى الله عليه و آله و هي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين و بقاؤهما حتّى يردا عليه الحوض.

و صحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة و الخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية؛ لأنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمدّ سلطته من اللّٰه، و هي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية؛ لأنّ هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرّعاً، و لا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي و تسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولّاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم و عدم النص على أحد منهم - أُمويين و عباسيين - باتّفاق المسلمين.

و من الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح و المسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمّة، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنّة و من الموثوقين لديهم، و لعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث، و محاولة ملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، و من هنا تضاربت الأقوال في توجيهها و بيان المراد منها.

و السيوطي - بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة - خرج برأي غريب و هو أنّه وجد من الاثني عشر الخلفاء الأربعة، و الحسن، و معاوية، و ابن الزبير، و عمر بن عبد العزيز في بني أُمية، و كذلك الظاهر لما أُوتيه من العدل، و بقي اثنان منتظران، أحدهما المهدي؛ لأنّه من أهل بيت محمّد صلى الله عليه و آله.

و لم يُبيّن المنتظر الثاني، و رحم اللّٰه من قال في السيوطي: إنّه حاطب ليل.

الإمام الأوّل: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

اشارة

إنّ الإمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرَّف، و لقد قام لفيف من السنّة و الشيعة بتأليف كتب و موسوعات عن حياته، و مناقبه، و فضائله، و جهاده، و علومه، و خطبه، و قصار كلماته، و سياسته، و حروبه مع الناكثين و القاسطين و المارقين، فالأولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال، و إحالة القارئ إلى تلك الموسوعات، بيد أنّنا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنّة فنقول:

هو أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين، و قائد الغرّ المحجّلين، و خاتم الوصيّين، و أوّل القوم إيماناً، و أوفاهم بعهد اللّٰه، و أعظمهم مزيّة، و أقومهم بأمر اللّٰه، و أعلمهم بالقضية، و راية الهدى، و منار الإيمان، و باب الحكمة، و الممسوس في ذات اللّٰه، خليفة النبيّ صلى الله عليه و آله، الهاشمي، وليد الكعبة المشرّفة، و مُطهّرها من كل صنم و وثن، الشهيد في البيت الإلٰهي (مسجد الكوفة) في محرابه حال الصلاة سنة 40 ه.

و كلّ جملة من هذه الجمل، و عبارة من هذه العبارات، كلمة قدسيّة نبويّة أخرجها الحفّاظ من أهل السنّة.(1)


1) . راجع مسند أحمد: 331/1 و 182/5-189؛ حلية الأولياء: 62/1-68؛ الغدير: 33/2.

مكوّنات الشخصيّة الإنسانية

تعود شخصية كلّ إنسان - حسب ما يرى علماء النفس - إلى ثلاثة عوامل هامّة لكلّ منها نصيب وافر في تكوين الشخصية و أثر عميق في بناء كيانها.

و كأنّ الشخصية الإنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألّف من اتّصال هذه الأضلاع الثلاثة بعضها ببعض، و هذه العوامل الثلاثة هي:

1 - الوراثة.

2 - التعليم و الثقافة.

3 - البيئة و المحيط.

إنّ كلّ ما يتّصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الإنسان عبر هذه القنوات الثلاث، و تنمو فيه من خلال هذه الطرق.

و إنّ الأبناء لا يرثون منّا المال و الثروة و الأوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه و لون العيون و كيفيات الجسم، بل يرثون كلّ ما يتمتّع به الآباء من خصائص روحية و صفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك.

فالأبوان - بانفصال جزئي «الحويمن» و «البويضة» المكوّنين للطفل منهما - إنّما ينقلان - في الحقيقة - صفاتهما ملخّصة إلى الخلية الأُولى المكوّنة من ذينك الجزءين، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات و الخصوصيات الموروثة.

و يشكّل تأثير الثقافة و المحيط، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الإنسانية، فإنّ لهذين الأمرين أثراً مهمّاً و عميقاً في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبليّة أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الأبوين.

فإنّ في مقدور كل معلّم أن يرسم مصير الطفل و مستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات و توصيات و ما يعطيه من سيرة و سلوك و من آراء و أفكار، فكم من بيئة حوّلت أفراداً صالحين إلى فاسدين، أو فاسدين إلى صالحين.

و إنّ تأثير هذين العاملين المهمّين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى المزيد من البيان و التوضيح. على أنّنا يجب أن لا ننسي دور إرادة الإنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة.

مكوّنات شخصيّة الإمام علي عليه السلام

اشارة

لم يكن الإمام علي عليه السلام بصفته بشراً بمستثنى من هذه القاعدة؛ فقد ورث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام جانباً كبيراً من شخصيته النفسية و الروحية و الأخلاقية من هذه العوامل و الطرق الثلاثة، و إليك تفصيل ذلك:

1 - الإمام علي عليه السلام و الوراثة من الأبوين:

لقد انحدر الإمام علي من صلب والد عظيم الشأن، رفيع الشخصيّة هو أبو طالب، و لقد كان أبو طالب زعيم مكّة، و سيّد البطحاء، و رئيس بني هاشم، و هو إلى جانب ذلك، كان معروفاً بالسماحة و البذل و الجود و العطاء

و العطف و المحبّة و الفداء و التضحية في سبيل الهدف المقدّس، و العقيدة التوحيديّة المباركة.

فهو الذي تكفّل رسول اللّٰه منذ توفّي جدّه و كفيله الأوّل عبد المطلب و هو آنذاك في الثامنة من عمره، و تولّى العناية به و القيام بشئونه، و حفظه و حراسته في السفر و الحضر، بإخلاص كبير و اندفاع و حرص لا نظير لهما، بل و بقي يدافع عن رسالة التوحيد، و الدين الحق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه و آله و يقوم في سبيل إرساء قواعده و نشر تعاليمه بكل تضحية و فداء، و يتحمّل لتحقيق هذه الأهداف العليا كلّ تعب و نصب و عناء.

و قد انعكست هذه الحقيقة و تجلّى موقفه هذا في كثير من أشعاره و أبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله:

ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً *** نبيّ كموسى و المسيح ابن مريم

و قوله:

أ لم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب(1)

إنّ من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعاً في الشعب، و مقاطعتهم القاسية، من دافع غير الإيمان العميق بالهدف و الشغف الكبير بالمعنوية، الذي كان يتّصف به أبو طالب؛ إذ لا تستطيع مجرّد الوشائج العشائرية، و روابط القربى، أن توجِد في الإنسان مثل هذه الروح التضحويّة.


1) . مجمع البيان: 37/4

إنّ الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة و الكثرة بحيث استقطبت اهتمام كلّ المحقّقين المنصفين و المحايدين، و لكن بعض المتعصّبين توقّف في إيمان تلك الشخصية المتفانية العظيمة، بالدعوة المحمدية، بينما تجاوز فريق هذا الحدّ إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قالوا بأنّه مات غير مؤمن.

و لو صحّت عُشر هذه الدلائل الدالّة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ و الحديث في حقّ رجل آخر لما شكّ أحد في إيمانه فضلاً عن إسلامه، و لكن لا يعلم الإنسان لما ذا لا تستطيع كل هذه الأدلّة إقناع هذه الزمرة، و إنارة الحقيقة لهم؟!

هذا عن والد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

و أمّا أُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم، و هي من السابقات إلى الإسلام و الإيمان برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و قد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم.

إنّها المرأة الطاهرة التي لجأت - عند المخاض - إلى المسجد الحرام، و ألصقت نفسها بجدار الكعبة و أخذت تقول:

«يا ربّ إنّي مؤمنة بك و بما جاء من عندك من رسل و كتب، و إنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم و إنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت و (بحقّ) المولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي». فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة و وضعت عليّاً هناك.(1)


1) . كشف الغمّة: 60/1.

تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرّخين و المحدّثين الشيعة، و كذا علماء الأنساب في مصنّفاتهم، كما نقلها ثلّة كبيرة من علماء السنّة و صرّحوا بها في كتبهم، و اعتبروها حادثة فريدة، و واقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل.(1)

و قال الحاكم النيسابوري: و قد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّٰه وجهه في جوف الكعبة.(2)

و قال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي: و كون الأمير كرّم اللّٰه وجهه، ولد في البيت، أمر مشهور في الدنيا و لم يشتهر وضع غيره كرّم اللّٰه وجهه، كما اشتهر وضعه.(3)

2 - الإمام عليّ و تربيته في حجر النبيّ صلى الله عليه و آله:
اشارة

و أمّا التربية الروحية و الفكرية و الأخلاقية فقد تلقّاها علي عليه السلام في حجر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و هي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة.

و لو أنّنا قسّمنا مجموعة سنوات عمر الإمام عليه السلام إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الأوّل من هذه الأقسام الخمسة من حياته الشريفة، يؤلّف السنوات التي قضاها عليه السلام قبل بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله.

و انّ هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات؛ لأنّ


1) . مروج الذهب: 349/2، شرح الشفاء للقاضي عياض: 151/1 و غيرهما، و قد أفرد العلاّمة الأُردوبادي رسالة في هذه المنقبة و سمّاها: عليّ وليد الكعبة.

2) . شرح عينية عبد الباقي العمري: 15.

3) . الغدير: 22/6.

اللّحظة التي ولد فيها عليّ عليه السلام لم يكن النبيّ صلى الله عليه و آله قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك، هذا مع العلم بأنّه صلى الله عليه و آله قد بعث بالرسالة في سنّ الأربعين.

و على هذا الأساس لم يكن الإمام عليّ عليه السلام قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالرسالة، و توّج بالنبوّة.

إنّ أبرز الحوادث في حياة الإمام عليّ عليه السلام هو تكوين الشخصية العلوية، و تحقّق الضلع الثاني من المثلّث الذي أسلفناه بواسطة النبيّ الأكرم، و في ظلّ ما أعطاه صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام من أخلاق و أفكار؛ لأنّ هذا القسم في حياة كل إنسان و هذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة، و القيّمة جدّاً، فشخصيّة الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقيّة تقبل كلّ لون، و هي مستعدّة لأن ينطبع عليها كلّ صورة مهما كانت، و هذه الفترة من العمر تعتبر - بالتالي - خير فرصة لأن ينمي المربّون و المعلّمون فيها كلّما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيّبة و صفات كريمة، و فضائل أخلاقية نبيلة، و يوقفوا الطفل - عن طريق التربية - على القيم الأخلاقية و القواعد الإنسانية و طريقة الحياة السعيدة، و تحقيقاً لهذا الهدف الساميّ تولّى النبي الكريم صلى الله عليه و آله بنفسه تربية عليّ عليه السلام بعد ولادته، و ذلك عند ما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها عليّ عليه السلام إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فلقيت من رسول اللّٰه حبّاً شديداً لعليّ حتّى أنّه قال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي» و كان صلى الله عليه و آله يطهّر علياً في وقت غسله، و يوجره اللّبن عند شربه، و يحرّك مهده عند نومه، و يناغيه في يقظته، و يلاحظه و يقول: «هذا أخي، و وليّي، و ناصري، و صفيّي، و ذخري، و كهفي، و صهري، و وصيّي، و زوج كريمتي، و أميني على وصيّتي، و خليفتي».(1)


1) . كشف الغمة: 60/1.

و لقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتمّ توفير الضلع الثاني في مثلّث الشخصية (و هو التربية) بواسطته صلى الله عليه و آله، و أن لا يكون لأحد غير النبيّ صلى الله عليه و آله دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة.

و قد ذكر الإمام عليّ عليه السلام ما أسداه الرسول الكريم إليه و ما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال:

«و قد علمتم موضعي من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالقرابة القريبة، و المنزلة الخَصيصة، وضعني في حجره و أنا وليد، يضمّني إلى صدره، و يَكنُفني في فراشه، و يمسُّني جسدَه، و يُشمّني عَرْفَه، و كان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه».(1)

النبي يأخذ عليّاً إلى بيته:

و إذ كان اللّٰه تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة و أن يأخذ النبي عليّاً إلى بيته و أن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ألفت نظر نبيّه إلى ذلك.

قد ذكر المؤرّخون أنّه أصابت مكّة - ذات سنة - أزمة مهلكة و سنة مجدبة منهكة، و كان أبو طالب - رضي اللّٰه عنه - ذا مال يسير و عيال كثير فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم و الضائقة و الجهد و الفاقة، فعند ذلك دعا رسول اللّٰه عمّه العباس إلى أن يتكفّل كل واحد منهما واحداً من أبناء أبي طالب و كان العباس ذا مال و ثروة و جدة فوافقه العباس على ذلك؛ أخذ النبي عليّاً، و أخذ العباس جعفراً و تكفّل أمره، و تولّى شئونه.(2)


1) . نهج البلاغة: الخطبة (192) المسمّاة بالخطبة القاصعة.

2) . بحار الأنوار: 44/35؛ سيرة ابن هشام: 246/1.

هكذا و للمرّة الأُخرى أصبح عليّ عليه السلام في حوزة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بصورة كاملة، و استطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية و سجاياه النبيلة، الشيء الكثير، و أن يصل تحت رعاية النبي و عنايته و بتوجيهه و قيادته، إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي.

و هذا هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يشير إلى تلك الأيام القيّمة و إلى تلك الرعاية النبويّة المباركة المستمرّة، إذ يقول:

«و لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علماً و يأمرني بالاقتداء به».(1)

عليّ في غار حراء

كان النبيّ - حتّى قبل أن يبعث بالرسالة و النبوّة - يعتكف و يتعبّد في غار حراء شهراً من كلّ سنة، فإذا انقضى الشهر و قضى جواره من حراء انحدر من الجبل، و توجّه إلى المسجد الحرام رأساً و طاف بالبيت سبعاً، ثمّ عاد إلى منزله. و هنا يطرح سؤال: ما ذا كان شأن عليّ عليه السلام في تلك الأيام التي كان يتعبّد و يعتكف فيها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في ذلك المكان مع ما عرفناه من حبّ الرسول الأكرم له؟ هل كان يأخذ صلى الله عليه و آله عليّاً معه إلى ذلك المكان العجيب، أم كان يتركه و يفارقه؟

إنّ القرائن الكثيرة تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه و آله منذ أن أخذ علياً لم يفارقه يوماً


1) . نهج البلاغة: 182/2 - شرح عبده -.

أبداً؛ فها هم المؤرّخون يقولون: كان عليّ يرافق النبيّ دائماً و لا يفارقه أبداً، حتّى أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليّاً معه.(1)

يقول ابن أبي الحديد: و قد ذكر عليّ عليه السلام هذا الأمر في الخطبة القاصعة إذ قال:

«و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه و لا يراه غيري».(2)

إنّ هذه العبارة و إن كانت محتملة في مرافقته للنبيّ في حراء بعد البعثة الشريفة إلّا أنّ القرائن السابقة و كون مجاورة النبيّ بحراء كانت في الأغلب قبل البعثة، تؤيّد أنّ هذه الجملة، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة عليّ للنبيّ في حراء قبل البعثة.

إنّ طهارة النفسيّة العلوية، و نقاوة الروح التي كان عليّ عليه السلام يتحلّى بها، و التربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف عليّ عليه السلام - و منذ نعومة أظفاره - ببصيرة نفّاذة و قلب مستنير، و أُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءَ و يسمع أمواجاً تخفى على الناس العاديين، و يتعذّر عليهم سماعها و رؤيتها، كما يصرّح نفسه بذلك إذ يقول:

«أرى نور الوحي و الرسالة، و أشمّ ريح النبوّة».(3)

يقول الإمام الصادق عليه السلام:

«كان عليّ عليه السلام يرى مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قبل الرسالة الضوء، و يسمع الصوت».


1) . شرح نهج البلاغة: 208/13.

2) . نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.

3) . المصدر نفسه.

و قد قال له النبيّ صلى الله عليه و آله: «لو لا أنّي خاتم الأنبياء لكنتَ شريكاً في النبوّة، فإن لا تكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ و وارثه، بل أنت سيّد الأوصياء و إمام الأتقياء».(1)

و يقول الإمام عليّ عليه السلام: «لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه و آله فقلت: يا رسول اللّٰه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته»، ثمّ قال له:

«إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ و لكنّك وزير».(2)

هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالأخلاق و السجايا الرفيعة.

3 - البيئة الرسالية و شخصية الإمام:

و لو أضفنا ذينك الأمرين (أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة، و ما تلقّاه في حجر النبيّ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة و الإسلام من أفكار و آراء رفيعة، و تأثّر عنها أدركنا عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب.

و من هنا يحظى الإمام عليّ عليه السلام بمكانة مرموقة لدى الجميع؛ مسلمين و غير مسلمين؛ لما كان يتمتّع به من شخصية سامقة، و خصوصيات خاصّة يتميّز بها.

و هذا هو ما دفع بالبعيد و القريب إلى أن يصف عليّاً بما لم يوصف به أحد من البشر، و يخصّه بنعوت، حرم منها غيره، فهذا الدكتور شبلي شميل (المتوفّى


1) . شرح نهج البلاغة: 210/13.

2) . نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.

سنة 1335 ه / 1917 م) و هو من كبار المادّيين في القرن الحاضر يقول:

الإمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق و لا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً و لا حديثاً.(1)

قال عمر بن الخطّاب:

عقمت النساء أن يلدن مثل عليّ بن أبي طالب.(2)

و يقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف:

و ما ذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كلّ زمن عليّاً بعقله و قلبه و لسانه وذي فقاره.(3)

هذه الأبعاد التي ألمحنا إليها هي الأبعاد الطبيعية للشخصية العلوية.

البعد المعنوي لشخصيّة الإمام عليه السلام:

غير أنّ أبعاد شخصية الإمام عليّ عليه السلام لا تنحصر في هذه الأبعاد الثلاثة؛ فإنّ لأولياء اللّٰه سبحانه بعداً رابعاً، داخلاً في هويّة ذاتهم، و حقيقة شخصيتهم، و هذا البعد هو الذي ميّزهم عن سائر الشخصيات و أضفى عليهم بريقاً خاصّاً و لمعاناً عظيماً.

و هذا البعد هو البعد المعنوي الذي ميّز هذه الصفوة عن الناس، و جعلهم نخبة ممتازة و ثلّة مختارة من بين الناس؛ و هو كونهم رسل اللّٰه و أنبياءه، أو خلفاءه و أوصياء أنبيائه.


1) . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 37/1.

2) . الغدير: 38/6.

3) . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 49/1.

نرى أنّه سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله: «قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً».(1)

فقوله: «بَشَراً» إشارة إلى الأبعاد البشرية الموجودة في كلّ إنسان طبيعيّ، و إن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالاً و لمعاناً.

و قوله: «رَسُولاً» إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي ميّزه صلى الله عليه و آله عن الناس و جعله معلّماً و قدوة للبشر، فلأجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات الإلهية على شخصية مركّبة من بعدين: طبيعي و إلهي و لا يقدر على توصيفها إلّا بنفس ما وصفهم به اللّٰه سبحانه مثل قوله في شأن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ» (2)، و قد نزلت في حقّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام آيات، و وردت روايات.

كيف و قد قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:

«عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام».(3)

و قال صلى الله عليه و آله:

«من سرّه أن يحيا حياتي و يموت مماتي، و يسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً بعدي، و ليوال وليّه، و ليقتد بالأئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي خلقوا


1) . الإسراء: 93.

2) . الأعراف: 57.

3) . أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه: 410/4.

من طينتي، رزقوا فهماً و علماً، و ويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم اللّٰه شفاعتي».(1)

و قال الإمام أحمد بن حنبل:

ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعليّ رضى الله عنه.(2)

و قال الإمام الفخر الرازي:

من اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه.(3)

و قال أيضاً:

من اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ صلى الله عليه و آله: اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار.(4)

تسليط الضوء على شخصيته السامية:

اشارة

لا عتب على اليراع لو وقف عند تحديد شخصيّة كريمة معنويّة خصّها اللّٰه تعالى بمواهب و فضائل، و كفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب، قال: كنت عند عبد اللّه بن عباس فجاء أُناس من أبناء المهاجرين فقالوا له: يا بن عباس أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟

قال: ملئ جوفه حكماً و علماً و بأساً و نجدة و قرابة من رسول اللّٰه.(5)


1) . أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: 86/1.

2) . مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي: 163.

3) . تفسير مفاتيح الغيب: 205/1.

4) . المصدر نفسه: 204.

5) . شواهد التنزيل: 108/1 ح 153.

روى عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزل في القرآن: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلّا و عليّ عليه السلام رأسها و أميرها، و لقد عاتب اللّٰه أصحاب محمّد في غير مكان، و ما ذكر عليّاً إلّا بخير.(1)

و روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب اللّٰه ما نزل في عليّ.(2)

و قال ابن عباس: نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه.(3)

نكتفي في ترجمة عليّ عليه السلام بكلمتين عن تلميذيه اللّذين كانا معه سرّاً و جهراً.

1 - قال ابن عباس - عند ما سئل عن عليّ -: رحمة اللّٰه على أبي الحسن، كان و اللّٰه علم الهدى، و كهف التقى، و طود النهى، و محلّ الحجى، و غيث الندى، و منتهى العلم للورى، و نوراً أسفر في الدجى، و داعياً إلى المحجّة العظمى، و مستمسكاً بالعروة الوثقى، أتقى من تقمّص و ارتدى، و أكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى، و صاحب القبلتين، و أبو السبطين، و زوجته خير النساء، فما يفوقه أحد، لم تر عيناي مثله، و لم أسمع بمثله، فعلى من أبغضه لعنة اللّٰه و لعنة العباد إلى يوم التناد.(4)

2 - إنّ معاوية سأل ضرار بن ضَمرة بعد موت عليّ عنه، فقال: صف لي


1) . مسند أحمد: 190/1؛ تاريخ الخلفاء: 171.

2) . الصواعق المحرقة: 76، الباب التاسع، الفصل الثالث.

3) . تاريخ الخلفاء: 172.

4) . ميزان الاعتدال: 484/1.

عليّاً، فقال: أ و تعفيني؟ قال: صفه، قال: أ و تعفيني؟ قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لا بدّ فأقول ما أعلمه منه:

و اللّٰه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، و يحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و اللّٰه غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، و من الطعام ما جشب.

كان و اللّٰه كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و يبتدئنا إذا أتيناه، و يأتينا إذا دعوناه، و نحن و اللّٰه مع تقريبه لنا و قربه منّا لا نكلّمه هيبة، و لا نبتدئه عظمة، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، و يحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله.

فأشهد باللّٰه لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، و قد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، و كأنّي أسمعه و هو يقول: يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، و عيشك حقير، و خطرك كثير، آه من قلّة الزاد، و بعد السفر، و وحشة الطريق.

قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها و هو ينشفها بكمّه و قد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: رحم اللّٰه أبا الحسن! كان و اللّٰه كذلك،

فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها؛ فلا ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها.(1)

هذه شذرات من فضائله، و قبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ من تلاعب الأيدي.

غير أنّه لا يعرف عليّاً غير خالقه، و بعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى صلى الله عليه و آله.

النبوّة و الإمامة توأمان:

لقد وردت أخبار و روايات في المصادر المعتبرة تثبت صحّة الموقف و الرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة و تصدّقه، فقد نصّ النبيّ صلى الله عليه و آله على خليفته من بعده في الفترة النبوية من حياته مراراً و تكراراً، و أخرج موضوع الإمامة من مجال الانتخاب الشعبي و الرأي العام.

فهو لم يعيّن (و لم ينصّ على) خليفته و وصيّه من بعده في أُخريات حياته فحسب، بل بادر إلى التعريف بخليفته و وصيّه منذ بدء الدعوة يوم لم ينضو تحت راية رسالته بعدُ سوى بضعة عشر من الأشخاص، و ذلك يوم أُمر من جانب اللّٰه العليّ القدير أن ينذر عشيرته الأقربين من العذاب الإلٰهي الأليم، و أن يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يصدع برسالته للجميع، و يبدأ دعوته العامة للناس كافة.

فجمع أربعين رجلاً من زعماء بني هاشم و بني المطلّب، ثمّ وقف فيهم خطيباً فقال:


1) . شرح نهج البلاغة: 225/18 و غيره.

«أيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟»

فأحجم القوم، و قام عليّ عليه السلام و أعلن مؤازرته و تأييده له، فأخذ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله برقبته، و التفت إلى الحاضرين، و قال:

«إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم».(1)

و قد عرف هذا الحديث عند المفسّرين و المحدّثين: ب «حديث يوم الدار» و «حديث بدء الدعوة».

على أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لم يكتف بالنصّ على خليفته في بدء رسالته، بل صرّح في مناسبات شتّى في السفر و الحضر، بخلافة عليّ عليه السلام من بعده، و لكن لا يبلغ شيء من ذلك في الأهمية و الظهور و الصراحة و الحسم ما بلغه حديث الغدير.

قصة الغدير:

لمّا انتهت مراسم الحجّ، و تعلّم المسلمون مناسك الحجّ من رسول اللّٰه، قرّر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله الرحيل عن مكّة، و العودة إلى المدينة، فأصدر أمراً بذلك، و لمّا بلغ موكب الحجيج العظيم إلى منطقة «رابغ»(2)التي تبعد عن «الجحفة»(3)بثلاثة أميال، نزل أمين الوحي جبرئيل على


1) . تاريخ الطبري: 216/2؛ الكامل في التاريخ: 62/2 و 63، و قد مرّ مفصّلاً في هذه الدراسة فراجع.

2) . رابغ: تقع الآن على الطريق بين مكّة و المدينة.

3) . من مواقيت الإحرام و تنشعب منها طرق المدنيين و المصريين و العراقيين.

رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بمنطقة تدعى «غدير خم»، و خاطبه بالآية التالية:

«يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ»(1).

إنّ لسان الآية و ظاهرها يكشف عن أنّ اللّٰه تعالى ألقى على عاتق النبيّ صلى الله عليه و آله مسئولية القيام بمهمّة خطيرة، و أيّ أمر أكثر خطورة من أن ينصّب علياً عليه السلام لمقام الخلافة من بعده على مرأى و مسمع من مائة ألف شاهد؟!

من هنا أصدر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أمره بالتوقّف، فتوقّف طلائع ذلك الموكب العظيم، و التحق بهم من تأخر.

لقد كان الوقت وقت الظهيرة، و كان المناخ حارّاً إلى درجة كبيرة جدّاً، و كان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه و القسم الآخر منها تحت قدميه، و صنع للنبيّ صلى الله عليه و آله مظلّة، و كانت عبارة عن عباءة أُلقيت على أغصان شجرة (سمرة)، و صلّى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالحاضرين الظهر جماعة و فيما كان الناس قد أحاطوا به صعد صلى الله عليه و آله على منبر أُعدّ من أحداج الإبل و أقتابها، و خطب في الناس رافعاً صوته، و هو يقول:

«الحمد للّٰه نحمده و نستعينه و نؤمن به و نتوكّل عليه، و نعوذ به من شرور أنفسنا، و من سيّئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، و لا مضلّ لمن هدى، و أشهد أن لا إلٰه إلاّ هو، و أنّ محمداً عبده و رسوله.

أمّا بعد؛ أيّها الناس إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، و إنّي مسئول و أنتم


1) . المائدة: 67.

مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟»

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و جهدت، فجزاك اللّٰه خيراً.

قال صلى الله عليه و آله: «أ لستم تشهدون أن لا إلٰه إلّا اللّٰه، و أنّ محمداً عبده و رسوله، و أنّ جنّته حقّ، و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ اللّٰه يبعث من في القبور؟».

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال صلى الله عليه و آله: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال صلى الله عليه و آله: «و إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

فنادى منادٍ: بأبي أنت و أُمّي يا رسول اللّٰه، و ما الثقلان؟

قال صلى الله عليه و آله: «كتاب اللّٰه سبب طرف بيد اللّٰه، و طرف بأيديكم، فتمسّكوا به؛ و الآخر عترتي، و إنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا».

و هنا أخذ بيد عليّ عليه السلام و رفعها، حتى رؤي بياض آباطهما، و عرفه الناس أجمعون ثمّ قال:

«أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟»

قالوا: اللّٰه و رسوله أعلم.

فقال صلى الله عليه و آله:

«إنّ اللّٰه مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه(1).


1) . لقد كرّر النبيّ صلى الله عليه و آله هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لأيّ التباس أو اشتباه.

اللّهمّ والِ من والاه، و عادِ من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أحب من أحبّه، و ابغض من بغضه، و أدر الحق معه حيث دار».(1)

فلمّا نزل من المنبر، استجازه حسّان بن ثابت شاعر عهد الرسالة في أن يفرغ ما نزل به الوحي في قالب الشعر، فأجازه الرسول، فقام و أنشد:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ و أكرم بالنبيّ مناديا

يقول فمن مولاكم و وليّكم *** فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا و أنت وليّنا *** و لم ترَ منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أنصار صدقٍ مواليا

هناك دعا: اللّهمّ! وال وليّه *** و كن للذي عادى عليّاً معاديا

مصادر الواقعة:

هذه هي واقعة الغدير استعرضناها لك على وجه الإجمال، و هي بحقّ واقعة لا يسوغ لأحد إنكارها بأدنى مراتب التشكيك و القدح، فقد تناولها بالذكر أئمّة المؤرّخين أمثال: البلاذري، و ابن قتيبة، و الطبري، و الخطيب البغدادي، و ابن عبد البرّ، و ابن عساكر، و ياقوت الحموي، و ابن الأثير، و ابن أبي الحديد، و ابن خلّكان، و اليافعي، و ابن كثير، و ابن خلدون، و الذهبي، و ابن حجر العسقلاني، و ابن الصباغ المالكي، و المقريزي، و جلال الدين


1) . راجع للوقوف على مصادر هذا الحديث المتواتر موسوعة الغدير للعلّامة الأميني رحمه الله.

السيوطي، و نور الدين الحلبي إلى غير ذلك من المؤرّخين الذين جادت بهم القرون و الأجيال.

كما ذكره أيضاً أئمّة الحديث أمثال: الإمام الشافعي، و أحمد بن حنبل، و ابن ماجة، و الترمذي، و النسائي، و أبو يعلى الموصلي، و البغوي، و الطحاوي، و الحاكم النيسابوري، و ابن المغازلي، و الخطيب الخوارزمي، و الكنجي، و محبّ الدين الطبري، و الحمويني، و الهيثمي، و الجزري، و القسطلاني، و المتقي الهندي، و تاج الدين المناوي، و أبو عبد اللّه الزرقاني، و ابن حمزة الدمشقي إلى غير ذلك من أعلام المحدّثين الذين يقصر المقال عن عدّهم و حصرهم.

كما تعرّض له كبار المفسرين، فقد ذكره: الطبري، و الثعلبي، و الواحدي - في أسباب النزول، و القرطبي، و أبو السعود، و الفخر الرازي، و ابن كثير الشامي، و النيسابوري، و جلال الدين السيوطي، و الآلوسي، و البغدادي.

و ذكره من المتكلّمين طائفة جمّة في خاتمة مباحث الإمامة و إن ناقشوا نقضاً و إبراماً في دلالته كالقاضي أبي بكر الباقلاني في تمهيده، و القاضي عبد الرحمن الإيجي في مواقفه، و السيد الشريف الجرجاني في شرحه، و شمس الدين الأصفهاني في مطالع الأنوار، و التفتازاني في شرح المقاصد، و القوشجي في شرح التجريد إلى غير ذلك من المتكلّمين الذين تعرّضوا لحديث الغدير و بحثوا حول دلالته و وجه الحجّة فيه.

واقعة الغدير و رمز الخلود:

أراد المولى عزّ و جلّ أن يبقى حديث الغدير غضّاً طرياً على مرّ الأجيال

لم يُكدّر صفاء حقيقته الناصعة تطاول الأحقاب، و كرّ الأزمان، و انصرام الأعوام، و يرجع ذلك إلى أُمور ثلاثة:

1 - إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد هتف به في مزدحم غفير يربو على عشرات الآلاف عند منصرفه من الحجّ الأكبر، فنهض بالدعوة و الإعلان، و حوله جموع من وجوه الصحابة و أعيان الأُمّة، و أمر بتبليغ الشاهد الغائب ليكونوا كافّة على علم و خبر بما تمّ إبلاغه.

2 - إنّ اللّٰه سبحانه قد أنزل في تلك المناسبة آيات تلفت نظر القارئ إلى الواقعة عند ما يتلوها و إليك الآيات:

أ - «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ»(1).

و قد ذكر نزولها في واقعة الغدير طائفة من المفسّرين يربو عددهم على الثلاثين، و قد ذكر العلّامة البحّاثة المحقّق الأميني في كتاب «الغدير» نصوص عبارات هؤلاء، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إليه.

ب - «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً» (2).

و قد نقل نزول الآية جماعة منهم يزيدون على ستّة عشر.

ج - «سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ * لِلْكٰافِرينَ لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ * مِنَ اَللّٰهِ ذِي اَلْمَعٰارِجِ»(3).


1) . المائدة: 67.

2) . المائدة: 3.

3) . المعارج: 1-3.

و قد ذكر أيضاً نزول هذه الآية جماعة من المفسّرين ينوف على الثلاثين، أضف إلى ذلك أنّ الشيعة عن بكرة أبيهم متّفقون على نزول هذه الآيات الثلاث في شأن هذه الواقعة.(1)

3 - إنّ الحديث منذ صدوره من منبع الوحي، تسابقت الشعراء و الأُدباء على نظمه، و إنشاده في أبيات و قصائد امتدّت رقعتها منذ عصر انبثاق ذلك النصّ في تلك المناسبة إلى عصرنا هذا، و بمختلف اللغات و الثقافات، و قد تمكّن البحّاثة المتضلّع العلّامة الأميني من استقصاء و جمع كلّ ما نظم باللغة العربية حول تلك الحادثة، و المؤمّل و المنتظر من كافّة المحقّقين على اختلاف ألسنتهم و لغاتهم استنهاض هممهم لجمع ما نظم و أُنشد في أدبهم الخاص.

و حصيلة الكلام: قلّما نجد حادثة تاريخية حظيت في العالم البشري عامّة، و في التاريخ الإسلامي و الأُمّة الإسلامية خاصّة بمثل ما حظيت به واقعة الغدير، و قلّما استقطبت اهتمام الفئات المختلفة من المحدّثين و المفسّرين و الكلاميّين و الفلاسفة و الأُدباء و الكتّاب و الخطباء و أرباب السير و المؤرّخين كما استقطبت هذه الحادثة، و قلّما اعتنوا بشيء مثلما اعتنوا بها.

هذا و يستفاد من مراجعة التاريخ أنّ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام كان معروفاً بين المسلمين بيوم عيد الغدير ، و كانت هذه التسمية تحظى بشهرة كبيرة إلى درجة أنّ ابن خلّكان يقول حول «المستعلي


1) . راجع في شأن نزول هذه الآيات كتاب الغدير: 214/1 و 217.

ابن المستنصر»:

«فبويع في يوم غدير خمّ؛ و هو الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة 487 ه».(1)

و قال في ترجمة المستنصر باللّٰه، العبّاسي: و توفّي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، قلت: و هذه هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، و هو غدير خمّ.(2)

و قد عدّه أبو ريحان البيروني في كتابه «الآثار الباقية ممّا استعمله أهل الإسلام من الأعياد».(3)

و ليس ابن خلّكان، و أبو ريحان البيروني، هما الوحيدين اللّذين صرّحا بكون هذا اليوم هو عيد من الأعياد، بل هذا الثعالبي قد اعتبر هو الآخر ليلة الغدير من الليالي المعروفة بين المسلمين.(4)

إنّ عهد هذا العيد الإسلامي، و جذوره ترجع إلى نفس يوم «الغدير»؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أمر المهاجرين و الأنصار، بل أمر زوجاته و نساءه في ذلك اليوم بالدخول على عليّ عليه السلام و تهنئته بهذه الفضيلة الكبرى.

يقول زيد بن أرقم: كان أوّل من صافح النبيّ صلى الله عليه و آله و عليّاً: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و باقي المهاجرين و الأنصار، و باقي الناس.(5)

فالحمد للّٰه الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


1) . وفيات الأعيان: 60/1.

2) . المصدر نفسه.

3) . ترجمة الآثار الباقية: 395؛ الغدير: 267/1.

4) . ثمار القلوب: 511.

5) . راجع مصدره في الغدير: 270/1.

شذرات من فضائله

يطيب لي أن أُشير إلى بعض خصائصه قياماً ببعض الوظيفة تجاه ما له من الحقوق على الإسلام و المسلمين عامّة، فنقول: إنّ له خصائص لم يشاركه فيها أحد:

1 - ولادته في جوف الكعبة.

2 - احتضان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله له منذ صغره.

3 - سبقه الجميع في الإسلام.

4 - مؤاخاة النبيّ صلى الله عليه و آله له من دون باقي الصحابة.

5 - حمله من قبل النبيّ صلى الله عليه و آله على كتفه لطرح الأصنام الموضوعة في الكعبة.

6 - استمرار ذريّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من صلبه.

7 - بصاق النبيّ صلى الله عليه و آله في عينيه يوم خيبر، و دعاؤه له بأن لا يصيبه حرّ و لا قرّ.

8 - إنّ حبّه إيمان و بغضه نفاق.

9 - إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله باهل النصارىٰ به و بزوجته و أولاده دون سائر الأصحاب.

10 - تبليغه سورة براءة عن النبيّ صلى الله عليه و آله.

11 - إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله خصّه يوم الغدير بالولاية.

12 - إنّه القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني».

13 - إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله خصّه بتغسيله و تجهيزه و الصلاة عليه.

14 - إنّ الناس جميعاً من أرباب الأديان، و غيرهم ينظرون إليه كأعظم رجل عرفه التاريخ.(1)


1) . قد استخرج هذه الخصائص الكاتب القدير محمّد جواد مغنية - رحمه اللّٰه - في كتابه: الشيعة و التشيّع: 234.

الإمام الثاني: أبو محمد الحسن بن علي المجتبىٰ عليه السلام

اشارة

هو ثاني أئمّة أهل البيت الطاهر، و أوّل السبطين، و أحد سيّدي شباب أهل الجنّة، و ريحانة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و أحد الخمسة من أصحاب الكساء، أُمّه فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله سيّدة نساء العالمين.

ولادته

ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة، و هو أوّل أولاد عليّ و فاطمة عليهما السلام.

نسب كان عليه من شمس الضحىٰ *** نور و من فلق الصباح عمودا

و روي عن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من الحسن بن علي عليهما السلام.(1)

فلمّا ولد الحسن قالت فاطمة لعليّ: سمّه، فقال: «ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله»، فجاء النبيّ صلى الله عليه و آله فأُخرج إليه فقال: «اللّهمّ إنّي أُعيذه بك و ولده من الشيطان الرجيم»، و أذّن في أُذنه اليمنى و أقام في اليسرى.


1) . الفصول المهمّة لابن الصباغ المالكي: 152.

ألقابه عليه السلام

أشهرها: التقيّ و الزكيّ و السبط.

علمه عليه السلام

يكفي أنّه كان يجلس في مسجد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و يجتمع الناس حوله فيتكلّم بما يشفي غليل السائل و يقطع حجج المجادلين. من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط: أنّ رجلاً دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصاً يحدّث عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و الناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل، قال: أخبرني عن «شٰاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ»(1)؟ فقال: «نعم، أمّا الشاهد فيوم الجمعة و المشهود فيوم عرفة».

فتجاوزه إلى آخر غيره يحدّث في المسجد، فسأله عن «شٰاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ» قال: «أمّا الشاهد فيوم الجمعة، و أمّا المشهود يوم النحر».

قال: فتجاوزه إلى ثالث، غلام كأنّ وجهه الدينار، و هو يحدّث في المسجد، فسأله عن شاهد و مشهود، فقال: «نعم، أمّا الشاهد فرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و أمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعته عزّ و جلّ يقول: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً»(2)، و قال تعالى: «ذٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنّٰاسُ وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»»(3).

فسأل عن الأوّل، فقالوا: ابن عبّاس، و سأل عن الثاني، فقالوا: ابن عمر،


1) . البروج: 3.

2) . الأحزاب: 45.

3) . هود: 103.

و سأل عن الثالث، فقالوا: الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.(1)

زهده عليه السلام

يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنّه عليه السلام قال: «إنّي لأستحيي من ربّي أن ألقاه و لم أمش إلى بيته» فمشى عشرين مرّة من المدينة إلى مكّة على قدميه.

و روي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضاً: أنّه عليه السلام خرج من ماله مرّتين، و قاسم اللّٰه تعالى ثلاث مرّات ماله و تصدّق به.

و كان عليه السلام من أزهد الناس في الدنيا و لذّاتها، عارفاً بغرورها و آفاتها، و كثيراً ما كان عليه السلام يتمثّل بهذا البيت شعراً:

يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها *** إنّ اغتراراً بظلّ زائلٍ حَمَقُ‌(2)

حلمه عليه السلام

روى ابن خلّكان عن ابن عائشة: أنّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة و السلام - فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً و لا سمتاً و لا ثوباً و لا دابّة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل:

هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بغضاً و حسدت عليّاً أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه و قلت له: أ أنت ابن عليّ بن أبي طالب؟ قال: «أنا ابنه»، قلت: فعل بك و بأبيك، أسبّهما، فلمّا انقضى كلامي قال لي: «أحسبك غريباً»؟


1) . بحار الأنوار: 13/1.

2) . الفصول المهمّة: 154

قلت: أجل، قال: «مِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آتيناك، أو إلى حاجة عاونّاكَ» قال: فانصرفت عنه و ما على الأرض أحبّ إليّ منه، و ما فكرت فيما صنع و صنعت إلّا شكرته و خزيت نفسي.(1)

إمامته عليه السلام

يكفي في ذلك ما صرّح به النبيّ صلى الله عليه و آله من قوله: «هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا...».

و روت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام و أشهد على وصيّته الحسين عليه السلام و محمّداً و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب و السلاح و قال له: «يا بنيّ إنّه أمرني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن أُوصي إليك، و أدفع إليك كتبي و سلاحي، كما أوصى إليّ و دفع إليّ كتبه و سلاحه، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثمّ أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال:

و أمرك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين و قال:

و أمرك رسول اللّٰه أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ فاقرئه من رسول اللّٰه و مني السلام»(2).

روى أبو الفرج الأصفهاني: أنّه خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير


1) . وفيات الأعيان: 68/2.

2) . إعلام الورى بأعلام الهدى: 405/1، تحقيق مؤسسة آل البيت. و من أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى الكافي: 297/1، و إثبات الهداة: 543/2-568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام.

المؤمنين عليّ عليه السلام و قال: «قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل، و لا يدركه الآخرون بعمل، و لقد كان يجاهد مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فيقيه بنفسه، و لقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّٰه عليه، و لقد توفّي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، و لقد توفّي فيها يوشع بن نون وصي موسى، و ما خلّف صفراء و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيّة من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله».

ثمّ خنقته العبرة فبكى و بكى الناس معه.

ثمّ قال: «أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد صلى الله عليه و آله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّٰه عزّ و جلّ بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و الذين افترض اللّٰه مودّتهم في كتابه إذ يقول: «وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً»(1)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».

قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له و قالوا: ما أحبّه إلينا و أحقّه بالخلافة، فبايعوه.(2)

و قال المفيد: كانت بيعته يوم الجمعة الحادي و العشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتّب العمّال و أمّر الأُمراء، و أنفذ عبد اللّٰه بن العبّاس إلى البصرة، و نظر في الأُمور.(3)


1) . الشورى: 23.

2) . مقاتل الطالبيين: 52.

3) . الإرشاد للمفيد: 188.

و قال أبو الفرج الأصفهاني: و كان أوّل شيء أحدثه الحسن عليه السلام أنّه زاد في المقاتلة مائة مائة، و قد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، و هو فعله يوم الاستخلاف، فتبعه الخلفاء بعد ذلك.(1)

قال المفيد: فلمّا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين و بيعة الناس ابنه الحسن، دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة، و رجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار و يفسدا على الحسن الأُمور، فعرف ذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام في الكوفة فأُخرج و أمر بضرب عنقه، و كتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فأُخرج و ضربت عنقه.(2)

صلحه عليه السلام مع معاوية

ثمّ إنّه استمرّت المراسلات(3)بين الحسن و معاوية و انجرّت إلى حوادث مريرة إلى أن أدّت إلى الصلح و اضطرّ إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية، فعقدا صلحاً و إليك صورته:


1) . مقاتل الطالبيين: 55.

2) . الإرشاد: 188؛ مقاتل الطالبيين: 52.

3) . و من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين: 53-72 و بالإمعان فيها و ما أظهر أصحابه من التخاذل، يتضح سرّ صلح الإمام و تنازله عن الخلافة، فلم يطاع إلاّ أنّه أتم الحجّة عليهم، و من أراد التفصيل فليرجع إلى «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين.

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب اللّٰه و سنّة رسول اللّٰه، و ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّٰه تعالى في شامهم و يمنهم و عراقهم و حجازهم.

على أنّ أصحاب عليّ و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و أولادهم حيث كانوا، و على معاوية بذلك عهد اللّٰه و ميثاقه.

على أن لا يبغي للحسن بن علي و لا لأخيه الحسين و لا لأحد من أهل بيت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله غائلة سوء سرّاً و جهراً، و لا يخيف أحداً في أُفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان و فلان، و كفى باللّٰه شهيداً.(1)

و لمّا تمّ الصلح صعد معاوية المنبر و قال في خطبته: إنّي و اللّٰه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا، و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، و لكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، و قد أعطاني اللّٰه ذلك و أنتم كارهون. ألا و إنّي كنت منّيت الحسن و أعطيته أشياء و جميعها تحت قدميّ هاتين لا أفي بشيء منها له.(2)

شهادته و دفنه عليه السلام

لمّا نقض معاوية عهده مع الإمام الحسن عليه السلام، و ما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبو سفيان، و أُمّه هند، و هو طليق ابن طلقاء عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه و تهتكه و زندقته، و ما كان شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن عليّ عليهما السلام، فدسّ إليه السمّ، فمات بسببه.


1) . الفصول المهمّة: 163.

2) . الإرشاد: 191.

فقد روي: أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث - و كانت تحت الحسن عليه السلام -:

إنّي مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن عليّ. و بعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت و سمّت الحسن، فسوّغها المال و لم يزوّجها منه.(1)

فلمّا دنا موته أوصى لأخيه الحسين عليه السلام و قال: «إذا قضيت نحبي غسّلني و كفّني و احملني على سريري إلى قبر جدّي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك، و باللّٰه أُقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم».

فلمّا حملوه إلى روضة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لم يشكّ مروان و من معه من بني أُميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فتجمّعوا له و لبسوا السلاح، و لحقتهم عائشة على بغل و هي تقول: ما لي و لكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أُحبّ!! و جعل مروان يقول: يا ربّ هيجاء هي خير من دعةٍ، أ يدفن عثمان في أقصى المدينة و يدفن الحسن مع النبيّ؟! و كادت الفتنة تقع بين بني هاشم و بني أُميّة.

و لأجل وصيّة الحسن مضوا به إلى البقيع و دفنوه عند جدّته فاطمة بنت أسد.(2)

و توفّي الحسن و له من العمر (47) عاماً و كانت سنة وفاته سنة (50) من الهجرة النبويّة. و العجيب أنّ مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين: «أ تحمل سريره؟! أما و اللّٰه لقد كنت تجرّعه الغيظ» فقال مروان: إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.(3)


1) . مقاتل الطالبيين: 73.

2) . الإرشاد: 193؛ كشف الغمة: 209/1؛ مقاتل الطالبيين: 74-75.

3) . مقاتل الطالبيين: 76.

فرح معاوية بموته:

و لما بلغ معاوية موت الحسن عليه السلام سجد و سجد من حوله و كبّر و كبّروا معه. ذكره الزمخشري في «ربيع الأبرار» و ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» و غيرهما.

فقال بعض الشعراء:

أصبح اليوم ابن هند شامتاً *** ظاهر النخوة إذ مات الحسن

يا ابن هند إن تذق كأس الردىٰ *** تكُ في الدهر كشيء لم يكنْ

لستَ بالباقي فلا تشمت به *** كلّ حيّ للمنايا مرتهن(1)

هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة. و تركنا الكثير ممّا يرجع إلى جوانب حياته، خصوصاً ما نقل عنه من الخطب و الرسائل و الكلم القصار، و من أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول(2)فقد ذكر قسماً كبيراً من كلماته.


1) . في رحاب أئمّة أهل البيت: 43

2) . تحف العقول: 225-236.

الإمام الثالث: أبو عبد اللّه الحسين بن علي سيّد الشهداء عليه السلام

اشارة

هو ثالث أئمّة أهل البيت الطاهر، و ثاني السبطين، و سيدي شباب أهل الجنّة، و ريحانتي المصطفى صلى الله عليه و آله، و أحد الخمسة أصحاب الكساء، و سيّد الشهداء، و أُمّه فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

ولادته عليه السلام

ولد في المدينة المنوّرة في الثالث من شعبان سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، و لمّا ولد جيء به إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فاستبشر به، و أذّن في أُذنه اليمنى و أقام في اليسرى، فلمّا كان اليوم السابع سمّاه حسيناً، و عقَّ عنه بكبش، و أمر أُمّه أن تحلق رأسه و تتصدّق بوزن شعره فضّة، كما فعلت بأخيه الحسن، فامتثلت عليها السلام ما أمرها به.

خصائصه عليه السلام

إنّ حياة الإمام الحسين من ولادته إلى شهادته حافلة بالأحداث، و الإشارة - فضلاً عن الإحاطة - إلى كلّ ما يرجع إليه يحتاج إلى تأليف مفرد، و قد أغنانا في ذلك ما كتبه المؤلّفون و الباحثون عن جوانب حياته عليه السلام، حيث تحدّثوا في مؤلّفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من جدّه و أبيه في حقّه، و عن

علمه و مناظراته، و خطبه و كتبه و قصار كلمه، و فصاحته و بلاغته، و مكارم أخلاقه، و كرمه وجوده، و زهده و عبادته، و رأفته بالفقراء و المساكين، و عن أصحابه و الرواة عنه، و الجيل الذي تربّى على يديه. و ذلك في مؤلّفات قيّمة لا تعد و لا تحصى.

كفاحه و جهاده الرسالي:

غير أنّ للحسين عليه السلام وراء ذلك، خصّيصة أُخرى و هي كفاحه و جهاده الرسالي و السياسي الذي عُرِفَ به، و الذي أصبح مدرسة سياسية دينيّة، لعلها أصبحت الطابع المميّز له عليه السلام و الصبغة التي اصطبغت حياته الشريفة بها، و أُسوة و قدوة مدى أجيال و قرون، و لم يزل منهجه يؤثّر في ضمير الأُمّة و وعيها، و يحرّك العقول المتفتّحة، و القلوب المستنيرة إلى التحرّك و الثورة، و مواجهة طواغيت الزمان بالعنف و الشدّة.

و ها نحن نقدّم إليك نموذجاً من غرر كلماته في ذلك المجال حتّى تقف على كفاحه و جهاده أمام التيّارات الإلحاديّة و الانهيار الخلقي.

إباؤه للضيم و معاندة الجور

لمّا توفّي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه بالإمامة فاجتمعت الشيعة حوله، يرجعون إليه في حلّهم و ترحالهم، و كان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه ما يكون من الأحداث المهمّة التي لا توافق هوى السلطة الأُموية المنحرفة، و التي قد تؤلّف خطراً جدّياً على وجودها غير المشروع، و لقد كان همّ هذه السلطة هو الإمام الحسين عليه السلام لما يعرفونه عنه من

موقف لا يلين و لا يهادن في الحقّ، و من هنا فقد كتب مروان بن الحكم - و كان عامل معاوية على المدينة -: إنّ رجالاً من أهل العراق و وجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن عليّ و أنّه لا يأمن وثوبه، و لقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، و لست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده.

و لمّا بلغ الكتاب إلى معاوية كتب رسالة إلى الحسين و هذا نصّها:

أمّا بعد؛ فقد انتهت إليّ أُمور عنك إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها، و لعمر اللّٰه إنّ من أعطى اللّٰه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء، و إنّ أحقَّ الناس بالوفاء من كان في خطرك و شرفك و منزلتك التي أنزلك اللّٰه لها...(1).

و لمّا وصل الكتاب إلى الحسين بن عليّ، كتب إليه رسالة مفصّلة ذكر فيها جرائمه و نقضه ميثاقه و عهده، نقتبس منها ما يلي:

«أ لست قاتل حجر بن عديّ أخا كندة و أصحابه المصلّين، العابدين، الّذين ينكرون الظلم، و يستفظعون البدع، و يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر، و لا يخافون في اللّٰه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً و عدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة و المواثيق المؤكّدة، و لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم، جرأة على اللّٰه و استخفافاً بعهده؟!

أ و لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّٰه، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه و اصفرّ لونه، فقتلته بعد ما أمنته و أعطيته العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال(2)؟!


1) . الإمامة و السياسة: 163/1.

2) . أي قممها و أعاليها.

أ و لست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنّه ابن أبيك، و قد قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر»، فتركت سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله تعمّداً و تبعت هواك بغير هدي من اللّٰه، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم، و يقطع أيديهم و أرجلهم، و يُسمل أعينهم، و يصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأُمّة و ليسوا منك.

أ و لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين عليّ - صلوات اللّٰه عليه - فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم و مثّل بهم بأمرك، و دين عليّ هو دين ابن عمّه صلى الله عليه و آله الذي كان يضرب عليه أباك و يضربك، و به جلست مجلسك الذي أنت فيه، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء و الصيف».(1)

هذا هو الحسين، و هذا هو إباؤه للضيم و دفاعه عن الحق و نصرته للمظلومين في عصر معاوية. و ذكرنا هذه المقتطفات كنموذج من سائر خطبه و رسائله التي ضبطها التاريخ.


1) . الإمامة و السياسة: 164/1.

الإمام الحسين عليه السلام و كربلاء

رفضه البيعة ليزيد:

لمّا هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له، فأنفذ الوليد إلى الحسين عليه السلام فاستدعاه، فعرف الحسين ما أراد، فدعا جماعة من مواليه و أمرهم بحمل السلاح و قال: «اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه و لا تخافوا عليّ».

و صار عليه السلام إلى الوليد فنعى الوليد إليه معاوية، فاسترجع الحسين عليه السلام ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد بن معاوية، فقال الحسين عليه السلام: «إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّى أُبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس»، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين عليه السلام: «فتصبح و ترى رأيك في ذلك» فقال الوليد: انصرف على اسم اللّٰه تعالى، فقال مروان: و اللّٰه لئن فارقك الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتلى بينكم و بينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين عليه السلام و قال: «أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت و اللّٰه و أثمت» ثمّ خرج.(1)

و أصبح الحسين من غده يستمع الأخبار، فإذا هو بمروان بن الحكم قد


1) . الإرشاد: 200.

عارضه في طريقه فقال: أبا عبد اللّٰه إنّي لك ناصح فأطعني ترشد و تسدّد، فقال:

«و ما ذاك قل اسمعْ» فقال: إنّي أرشدك لبيعة يزيد؛ فانّها خير لك في دينك و في دنياك!! فاسترجع الحسين و قال: «إنّا للّٰه و إنّا إليه راجعون و على الإسلام السَّلام إذا بليت الأُمّة براع مثل يزيد، ثمّ قال: يا مروان أ ترشدني لبيعة يزيد!! و يزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً من القول و زللاً، و لا ألومك؛ فإنّك اللعين الذي لعنك رسول اللّٰه و أنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، و من لعنه رسول اللّٰه فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد، إليك عنّي يا عدوّ اللّٰه، فإنّا أهل بيت رسول اللّٰه الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا، و قد سمعت جدّي رسول اللّٰه يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء و أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. و لقد رآه أهل المدينة على منبر رسول اللّٰه فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد».(1)

خروجه من مكّة و مكاتبة أهل الكوفة له:

ثمّ إنّ الحسين غادر المدينة إلى مكّة، و لمّا بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فاتّفقوا أن يكتبوا إلى الحسين رسائل و ينفذوا رسلاً طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة؛ لأنّ القوم قد بايعوه و نبذوا بيعة الأمويّين، و ألحّوا في ذلك الأمر أيّما إلحاح، مبيّنين للإمام عليه السلام أنّ السبل ميسّرة و الظروف مهيّأة لقدومه، حيث كتب له وجهاؤهم من جملة ما كتبوه:

«أمّا بعد؛ فقد اخضرّ الجناب و أينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنّدة».


1) . مقتل الحسين للخوارزمي: 184/1-185.

و لما جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين عليه السلام أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل - رضوان اللّٰه عليه - إلى الكوفة ممثّلاً عنه لأخذ البيعة له منهم، و للتحقّق من جدّية هذا الأمر، ثمّ كتب إليهم: «أمّا بعد؛ فإنّ هانئاً و سعيداً قدما عليَّ بكتبكم، و كانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، و قد فهمت كلّ الذي اقتصصتم و ذكرتم، و مقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ اللّٰه أن يجمعنا بك على الحقّ و الهدى، و إنّي باعث إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ: أنّه قد اجتمع رأي ملَئِكم و ذوي الحجى و الفضل منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، و قرأته في كتبكم، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً إن شاء اللّٰه، فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات اللّٰه».(1)

ثمّ خرج الإمام من مكة متوجّهاً إلى الكوفة يوم التروية أو يوماً قبله مع أهل بيته و جماعة من أصحابه و شيعته، و كان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة، و ذلك قبل أن تنقلب الأُمور على مجاريها بشكل لا تصدّقه العقول، حيث استطاع عبيد اللّٰه بن زياد بخبثه و دهائه، و إفراطه في القتل، أن يثبّط همم أهل الكوفة، و أن تنكث بيعة الإمام الحسين عليه السلام، و يقتل سفيره بشكل وحشيّ بشع.

و لمّا أخذ الإمام عليه السلام يقترب من الكوفة استقبله الحرّ بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد اللّٰه بن زياد لاستقدامه و إكراهه على إعطاء البيعة ليزيد، و إرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الإمام و خطب بأصحابه


1) . الإرشاد: 204.

و أصحاب الحرّ بقوله: «أيّها الناس إنّ رسول اللّٰه قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً حرم اللّٰه ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه، يعمل في عباده بالإثم و العدوان، فلم يغيّر عليه بفعل و لا قول كان حقّاً على اللّٰه أن يدخله مدخله، ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن، و أظهروا الفساد، و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّٰه و حرّموا حلاله، و أنا أحقّ من غَيَّر».(1)

الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق:

رغم انّ الدافع الظاهري لهجرته عليه السلام إلى العراق كانت رسائل أهل الكوفة و رسلهم حتّى أنّ الإمام احتجّ بها عند ما واجه الحرّ بن يزيد الرياحي و عمر بن سعد عند ما سألاه عن سرّ مجيئه إلى العراق فقال: «كتب إليَّ أهل مصركم هذا أن أقدم»(2). إلّا أنّ السرّ الحقيقي لهجرته عليه السلام رغم إدراكه الواضح لما سيترتّب عليها من نتائج خطرة ستؤدي بحياته الشريفة - و هو ما وطّن نفسه عليه السلام عليه - يمكن إدراكه من خلال الاستقراء الشامل لمسيرة حياته، و كيفية تعامله مع مجريات الأحداث.

إنّ الأمر الذي لا مناص من الذهاب إليه هو إدراك الإمام عليه السلام ما ينتجه الإذعان و التسليم لتولّي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين رغم ما عُرف عنه من تهتّك و مجون و انحراف واضح عن أبسط المعايير الإسلامية، و في هذا مؤشّر


1) . تاريخ الطبري: 304/4، حوادث سنة 61 ه، و لمعرفة ما جرى على الإمام و أهل بيته حتّى نزل أرض كربلاء راجع المقاتل.

2) . الإرشاد: 224-228.

خطر علىٰ عظم الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الإسلامية، و ابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي.

و من هنا فكان لا بدّ من وقفة شجاعة تعيد للأُمّة جانباً من رشدها المضاع و تفكيرها المسلوب. إنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أعلنها صراحة بقوله لمّا طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد، حيث قال: «فعلى الإسلام السلام إذا بليت الأُمّة براع مثل يزيد» كما عرفت سابقاً.

نعم إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، و إذا فسدا فسدت أُمّتي، قيل: يا رسول اللّٰه و من هما؟ فقال: الفقهاء و الأُمراء».(1)فإذا كان صلاح الأُمّة و فسادها رهن صلاح الخلافة و فسادها، فقيادة مثل يزيد لا تزيد الأمر إلّا عيثاً و فساداً.

إنّ القيادة الإسلامية بين التنصيص و الشورى، و لم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من اللّٰه سبحانه و لا بشورى من الأُمّة، و هذا ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين عليه السلام رسالة جاء فيها: أمّا بعد فالحمد للّٰه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزّها أمرها و غصبها فيئها و تأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها و استبقى شرارها.(2)

و لم يكن الولد (يزيد) فريداً في غصب حقّ الأُمّة، بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف، و ليس بخاف على أحد، و إلى تلك الحقيقة المرّة يشير الإمام عليّ عليه السلام في كتاب له إلى معاوية، حيث يقول:


1) . سفينة البحار: 30/2 مادة أمر.

2) . الكامل: 266/2-267؛ الإرشاد: 203.

«فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأُمور، فقد سلكت مدارج أسلافك بادّعائك الأباطيل و اقتحامك غرور المين و الأكاذيب، و بانتحالك ما قد علا عنك، و ابتزازك لما قد اختزن دونك فراراً من الحقّ و جحوداً لما هو ألزم لك من لحمك و دمك ممّا قد وعاه سمعك، و ملئ به صدرك، فما ذا بعد الحق إلّا الضلال المبين».(1)

هذا و نظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة، و تقديم نفسه و أهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم، مع علمه بأنّه وفقاً لما تحت يديه من الإمكانات المادّية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات المادّية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أيّ ثورة فتيّة، نعم إنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يدرك قطعاً هذه الحقيقة، إلّا أنّه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدّسة شجرة الإسلام الوارفة التي يريد الأُمويّون اقتلاعها من جذورها.

كما أنّ الإمام عليه السلام أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الأُمّة فجعلها حائرة متردّدة أمام طغيان الجبابرة و حكّام الجور، و أن تصبح ثورته مدرسة تتعلّم منها الأجيال معنى البطولة و التضحية من أجل المبادئ و العقائد، و كان كلّ ذلك بعد استشهاد الإمام عليه السلام، و التاريخ خير شاهد على ذلك.

كان المعروف منذ ولادة الإمام الحسين عليه السلام أنّه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء و عرف المسلمون ذلك في عصر النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و وصيّه، لذا كان


1) . نهج البلاغة، الكتاب رقم 65.

الناس يترقّبون حدوث تلك الفاجعة، كما أنّ هناك الكثير من القرائن التي تدلّ بوضوح على حتميّة استشهاده عليه السلام، و من ذلك:

1 - روى غير واحد من المحدّثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في كربلاء أنّه قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: «إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين عليه السلام.(1)

2 - إنّ أهل الخبرة و السياسة في عصر الإمام كانوا متّفقين على أنّ الخروج إلى العراق يكون خطراً كبيراً على حياة الإمام عليه السلام و أهل بيته، و لأجل ذلك أخلصوا له النصيحة، و أصرّوا عليه عدم الخروج، و يتمثّل ذلك في كلام أخيه محمّد بن الحنفيّة، و ابن عمّه ابن عبّاس، و نساء بني عبد المطّلب، و مع ذلك اعتذر لهم الإمام و أفصح عن عزمه على الخروج.(2)

3 - لمّا عزم الإمام المسير إلى العراق خطب و قال: «الحمد للّٰه و ما شاء اللّٰه و لا قوّة إلّا باللّٰه و صلّى اللّٰه على رسوله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، و خُيّر لي مصرع أنا أُلاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس و كربلاء فيملأن منّي أكراشاً جُوَّفاً و أجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضى اللّٰه رضانا أهل البيت، نصبر على


1) . الإصابة: 81/1 برقم 266.

2) . لاحظ المحاورات التي جرت بين الإمام و هؤلاء في الإرشاد: 201-202، مقاتل الطالبيين: 109، اللهوف: 20 ط بغداد.

بلائه، و يوفينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقرّ بهم عينه، و ينجز بهم وعده، ألا و من كان فينا باذلاً مهجته، موطِّناً على لقاء اللّٰه نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء اللّٰه تعالى».(1)

4 - لمّا بلغ عبد اللّٰه بن عمر ما عزم عليه الحسين عليه السلام دخل عليه فلامه في المسير، و لما رآه مصرّاً عليه قبّل ما بين عينيه و بكى و قال: أستودعك اللّٰه من قتيل.(2)

5 - لمّا خرج الحسين عليه السلام من مكّة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: إلى أين يا بن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله؟ ما أعجلك عن الموسم؟ قال: «لو لم أعجل لأُخذْتُ، ثمّ قال له: أخبرني عن الناس خلفك» فقال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، و أسيافهم عليك.(3)

6 - لما أتى إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و عبد اللّٰه بن يقطر، قال لأصحابه: «لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرجٍ ليس عليه ذمام» فتفرّق الناس عنه، و أخذوا يميناً و شمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة و نفر يسير ممّن انضمّوا إليه.

و مع ذلك فقد واصل عليه السلام مسيره نحو الكوفة، و لما مرّ ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان، فسأل الإمام: أين تريد؟ فقال له الحسين عليه السلام: «الكوفة» فقال الشيخ: أُنشدك لمّا انصرفت، فو الله ما تقدِمُ إلّا على


1) . اللهوف: 41.

2) . تذكرة الخواصّ: 217-218.

3) . الإرشاد: 218.

الأسنّة و حدّ السيوف، فقال له الحسين: «ليس يخفى عليّ الرأي، و أنّ اللّٰه تعالى لا يُغلب على أمره».(1)

في نفس النصّ دلالة على أنّ الإمام كان يدرك ما كان يتخوّفه غيره، و أنّ مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل، و مع ذلك أكمل السير طلباً للشهادة من أجل نصرة الدين و ردّ كيد أعدائه، و حتى لا تبقى لأحد حجة يتذرّع بها لتبرير تخاذله و ضعفه.

نعم لقد كان الحسين عليه السلام على بيّنة من أمره و ما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم، فلا شيء يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين و تثبيت دعائمه التي أراد الأُمويّون تقويضها، انظر إليه و هو يخاطب الحرّ بن يزيد الرياحي الذي يحذّره من مغبّة إصراره على موقفه حيث يقول له: «أ فبالموت تخوّفني، و هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، و سأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه و هو يريد نصرة رسول اللّٰه فخوّفه ابن عمّه و قال: أين تذهب فإنّك مقتول، فقال:

سأمضي و ما بالموت عار علىٰ الفتىٰ *** إذا ما نوىٰ حقّاً و جاهد مسلما

و واسى الرجال الصالحين بنفسه *** و فارق مثبوراً و خالف مجرما

فإن عشت لم أندَم و إن مِتُّ لم أُلمْ *** كفىٰ بك ذلاً أن تعيش و ترغما».(2)

ثمّ إنّه كان لشهادة الحسين عليه السلام أثر كبير في إيقاظ شعور الأُمّة و تشجيعها


1) . الإرشاد: 223.

2) . الإرشاد: 225؛ تاريخ الطبري: 204/5

على الثورة ضدّ الحكومة الأُموية التي أصبحت رمزاً للفساد و الانحراف عن الدين، و لأجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق و الحجاز، و هذه الانتفاضات و إن لم تحقّق هدفها في وقتها، و لكن كان لها الدور الأساسي في سقوط الحكومة الأُمويّة بعد زمان.

و لقد أجاد من قال: لو لا نهضة الحسين عليه السلام و أصحابه - رضي اللّٰه عنهم - يوم الطفّ لما قام للإسلام عمود، و لا اخضرّ له عود، و لأماته معاوية و أتباعه و لدفنوه في أوّل عهده في لحده. فالمسلمون جميعاً بل الإسلام من ساعة قيامه إلى قيام الساعة رهين شكر للحسين عليه السلام و أصحابه - رضي اللّٰه عنهم -.(1)

بلىٰ، فلا مغالاة في قول من قال: إنّ الإسلام محمّديّ الحدوث حسينيّ البقاء و الخلود.

ترىٰ أنّى للإمام الحسين عليه السلام الإذعان لحقيقة تسلّم يزيد مقاليد خلافة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، يزيد المنحرف الفاسد، عدوّ اللّٰه و عدوّ رسوله، الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عند ما أُحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد:

ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسلْ

لأهلّوا و استهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلّ

قد قتلنا القرم من ساداتهم *** و عدلنا قتل بدر فاعتدل

لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل


1) . جنّة المأوى: 208 للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحي نزل(1)

و أمّا بيان خروجه من مكة متوجّهاً إلى العراق و الحوادث التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء، و التي استشهد فيها مع أولاده و أصحابه البالغ عددهم 72 شخصاً، ظمآنَ و عطشانَ، فهو خارج عن موضوع البحث.

و قد أُلّفت فيه مئات الكتب و عشرات الموسوعات.

شهادته عليه السلام

لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من الهجرة، و قيل يوم السبت، و كان قد أدرك من حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله خمس أو ستّ سنوات، و عاش مع أبيه 36 سنة، و مع أخيه 46 سنة.

فسلام اللّٰه عليه يوم ولد، و يوم استشهد و يوم يبعث حيّاً.


1) . البيتان الأوّلان لابن الزبعرى، و الثلاثة الأخيرة ليزيد، لاحظ تذكرة الخواص: 235

الإمام الرابع: عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين عليه السلام

اشارة

هو رابع أئمّة أهل البيت الطاهر، المشهور بزين العابدين أو سيّدهم، و السجّاد، وذي الثفنات.

ولادته و جوانب من سيرته عليه السلام

اشارة

ولد في المدينة سنة 38 أو 37 ه.

قال ابن خلّكان: هو أحد الأئمّة الاثني عشر و من سادات التابعين. قال الزهري: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه. و فضائله و مناقبه أكثر من أن تحصى و تذكر، و لمّا توفّي دفن في البقيع في جنب عمّه الحسن في القبّة التي فيها قبر العباس - رضي اللّٰه عنه -.(1)

و لقد تولّى الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسين عليه السلام في كربلاء، و للاطّلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي الرجوع إلى كتب الحديث و العقائد المتكفّلة بهذا الجانب المهم، و أخصّ منها بالذكر كتاب «الكافي» للكليني، و «الإرشاد» للشيخ المفيد، و «كفاية الأثر» للخزّاز، و «إثبات الهداة» للحرّ العاملي.


1) . وفيات الأعيان: 267/3-269.

و من أراد الاطّلاع على مناقبه و كراماته و فضائله في مجالات شتّى كالعلم، و الحلم، و الجرأة و الإقدام، و ثبات الجنان، و شدة الكرم و السخاء، و الورع، و الزهد، و التقوى، و كثرة التهجّد و التنفّل، و الفصاحة و البلاغة، و شدّة هيبته بين الناس و محبّتهم له، و تربيته لجيل عظيم من الصحابة و العلماء وقّفوا حياتهم في خدمة الإسلام، و غير ذلك ممّا لا يسعنا التعرّض لها هنا، فعليه بطلب ذلك في الموسوعات المتعدّدة التي تعرّضت لذلك بالشرح و التفصيل.

إلّا أنّا نكتفي هنا بجانب من سيرته عليه السلام تتعلّق بجملة محدّدة من الأُمور:

1 - هيبته و منزلته العظيمة:

لقد كان عليه السلام مهاباً جليلاً بين الناس بشكل كبير، حتّى أنّ هذه المنزلة العظيمة جعلت الأُمراء و الحكّام يحسدونه عليها، و التاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة و متعدّدة، و من ذلك:

لمّا حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه ذلك، و جاء عليّ بن الحسين عليهما السلام فتوقّف له الناس، و تنحّوا حتّى استلم، فقال جماعة لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه (مع أنّه كان يعرفه أنّه عليّ بن الحسين عليه السلام) فسمعه الفرزدق، فقال: لكنّي أعرفه، هذا عليّ بن الحسين زين العابدين، و أنشد هشاماً قصيدته التي منها هذه الأبيات:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** و البيت يعرفه و الحلّ و الحرمُ

هذا ابن خير عباد اللّٰه كلّهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلمُ

يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ

يُغضي حياء و يُغضى من مهابته *** فما يكلّم إلّا حين يبتسمُ

إذا رأته قريش قال قائلها *** إلىٰ مكارم هذا ينتهي الكرمُ

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمّتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجدّه أنبياء اللّٰه قد خُتموا

و ليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت و العجمُ

إلى آخر القصيدة التي حفظتها الأُمّة و شطّرها جماعة من الشعراء. و قد ثقل ذلك على هشام فأمر بحبسه، فحبسوه بين مكّة و المدينة، فقال معترضاً على عمل هشام:

أ يحبسني بين المدينة و التي *** إليها قلوب الناس يهوى منيبها

يقلّب رأساً لم يكن رأس سيّدٍ *** و عيناً له حولاء بادٍ عيوبها

فأخرجه من الحبس فوجّه إليه علي بن الحسين عليهما السلام عشرة آلاف درهم و قال: «اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به» فردّها الفرزدق و قال: ما قلت ما كان إلّا للّٰه، فقال له علي عليه السلام: «قد رأى اللّٰه مكانك فشكرك، و لكنّا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه» و أقسم عليه فقبلها.

2 - زهده و عبادته و مواساته للفقراء:

أمّا زهده و عبادته و مواساته للفقراء، و خوفه من اللّٰه فغني عن البيان.

فقد روي عنه عليه السلام أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه، فيقال: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ قال: «أ تدرون بين يَدي من أُريد أن أقف».

من كلماته عليه السلام: «إنّ قوماً عبدوا اللّٰه رياضة؛ فتلك عبادة العبيد، و أنّ قوماً عبدوه رغبة؛ فتلك عبادة التجّار، و أنّ قوماً عبدوه شكراً؛ فتلك عبادة الأحرار».

و كان إذا أتاه سائل يقول له: «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة».

كان عليه السلام كثير الصدقات حريصاً عليها، و كان يوصل صدقاته ليلاً دون أن يعلم به أحد، و قد روي أنّه عليه السلام كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا يدرون من يأتيهم بالصدقات، و لما توفّي عليه السلام أدركوا ذلك.

و في رواية: أنّه عليه السلام كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به و يقول: «صدقة السر تطفئ غضب الربّ».

و في رواية كان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتّى مات عليّ بن الحسين عليه السلام.(1)

و قال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت رجلاً أورع من فلان - و سمّى رجلاً - فقال له سعيد: أما رأيت عليّ بن الحسين؟ فقال: لا، فقال: ما رأيت أورع منه.

قال أبو حازم: ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين.

قال طاوس: رأيت عليّ بن الحسين عليهما السلام ساجداً في الحجر فقلت: رجل


1) . تذكرة الخواصّ: 294.

صالح من أهل بيت طيّب لأسمعنّ ما يقول، فأصغيت إليه فسمعته يقول:

«عُبيدُك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك» قال طاوس:

فو الله ما دعوت بهنّ في كرب إلّا كشف عنّي.

و كان يصلّي في كل يوم و ليلة ألف ركعة، فإذا أصبح سقط مغشيّاً عليه، و كانت الريح تميله كالسنبلة، و كان يوماً خارجاً فلقيه رجل فسبّه، فثارت إليه العبيد و الموالي، فقال لهم علي عليه السلام: «مهلاً كفّوا» ثمّ أقبل على ذلك الرجل فقال له: «ما سُترَ عنك من أمرنا أكثر، أ لك حاجة نعينك عليها؟» فاستحيا الرجل فألقى إليه عليه السلام خميصة كانت عليه، و أمر له بألف درهم، فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنّك من أولاد الرسل.(1)

ثروته عليه السلام العلمية

اشارة

أمّا الثروة العلمية و العرفانية، فهي أدعيته التي رواها المحدّثون بأسانيدهم المتضافرة، و التي جمعت بما سمّي بالصحيفة السجّادية المنتشرة في العالم، فهي زبور آل محمد، و من الخسارة الفادحة أنّ إخواننا أهل السنّة - إلّا النادر القليل منهم - غير واقفين على هذا الأثر القيّم الخالد.

نعم، إنَّ فصاحة ألفاظها، و بلاغة معانيها، و علوّ مضامينها، و ما فيها من أنواع التذلّل للّٰه تعالى و الثناء عليه، و الأساليب العجيبة في طلب عفوه و كرمه و التوسّل إليه، أقوى شاهد على صحّة نسبتها إليه، و إنّ هذا الدرّ من ذلك البحر، و هذا الجوهر من ذلك المعدن، و هذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى


1) . كشف الغمّة: 292/2-293.

اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، و تعدّد أسانيدها المتّصلة إلى منشئها، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتّصلة، إلى زين العابدين.(1)

و قد أرسل أحد الأعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلّامة الشيخ الجوهري الطنطاوي (المتوفّى عام 1358 ه) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «و من الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيّم الخالد في مواريث النبوّة و أهل البيت، و إنّي كلّما تأمّلتها رأيتها فوق كلام المخلوق، و دون كلام الخالق».(2)

و كان المعروف بين الشيعة هو الصحيفة الأُولى التي تتضمّن واحداً و ستّين دعاء في فنون الخير و أنواع السؤال من اللّٰه سبحانه، و التي تعلّم الإنسان كيف يلجأ إلى ربّه في الشدائد و المهمّات، و كيف يطلب منه حوائجه، و كيف يتذلّل و يتضرّع له، و كيف يحمده و يشكره. غير أنّ لفيفاً من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلّامة السيد محسن الأمين العاملي قدس سره.

و لقد قام العلّامة الحجة السيّد محمد باقر الأبطحي - دام ظلّه - بجمع جميع أدعية الإمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد، و قال في مقدّمته:

و حريّ بنا القول إنّ أدعيته عليه السلام كانت ذات وجهين: وجهاً عبادياً، و آخر اجتماعياً يتّسق مع مسار الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام عليه السلام في ذلك الظرف


1) . في رحاب أئمّة أهل البيت: 414/3.

2) . مقدّمة الصحيفة بقلم العلّامة المرعشي قدس سره: 28.

الصعب. فاستطاع بقدرته الفائقة المسدّدة أن يمنح أدعيته - إلى جانب روحها التعبّدية - محتوى اجتماعياً متعدّد الجوانب، بما حملته من مفاهيم خصبة، و أفكار نابضة بالحياة، فهو عليه السلام صاحب مدرسة إلٰهيّة، تارة يعلّم المؤمن كيف يمجّد اللّٰه و يقدّسه، و كيف يلج باب التوبة، و كيف يناجيه و ينقطع إليه، و أُخرى يسلك به درب التعامل السليم مع المجتمع فيعلّمه أُسلوب البرّ بالوالدين، و يشرح حقوق الوالد، و الولد، و الأهل، و الأصدقاء، و الجيران، ثمّ يبيّن فاضل الأعمال و ما يجب أن يلتزم به المسلم في سلوكه الاجتماعي، كلّ ذلك بأُسلوب تعليميّ رائع و بليغ.

و صفوة القول: إنّها كانت أُسلوباً مبتكراً في إيصال الفكر الإسلامي و المفاهيم الإسلامية الأصيلة إلى القلوب الظمأى، و الأفئدة التي تهوى إليها لترتزق من ثمراتها، و تنهل من معينها، فكانت بحقّ عملية تربوية نموذجية من الطراز الأوّل، أسّس بناءها الإمام السجاد عليه السلام مستلهماً جوانبها من سير الأنبياء و سنن المرسلين.(1)

و من أدعيته عليه السلام في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة، و منه:

«اللّٰهمَّ هذا يوم عرفةَ، يومٌ شرَّفتهُ و كرَّمتهُ و عظَّمتهُ، نَشَرتَ فيهِ رحمتَكَ، وَ مَننتَ فيهِ بعفوك، و أجزلتَ فيهِ عطيتكَ، و تفضَّلتَ بهِ على عبادِك.

اللّهمَّ و أنا عبدك الذي أنعمتَ عليهِ قَبلَ خَلقِكَ لهُ، و بعدَ خَلقِكَ إيّاهُ، فَجَعَلتَهُ مِمَّن هَديتَهُ لدينِكَ، وَ وفَّقتَهُ لِحقّك، و عصمتَهُ بِحَبلِكَ، و أدْخَلتَهُ في حِزبِكَ، و أَرْشَدتَهُ لموالاةِ أوليائِكَ و معاداةِ أعدائِكَ».


1) . الصحيفة السجّادية الجامعة: 13.

رسالة الحقوق:

إنّ للإمام عليّ بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق، أوردها الصدوق في خصاله(1)بسند معتبر، و رواها الحسن بن شعبة في تحف العقول(2)مرسلة، و بين النقلين اختلاف يسير.

و هي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، يذكر الإمام فيها حقوق اللّٰه سبحانه على الإنسان، و حقوق نفسه عليه، و حقوق أعضائه من اللسان و السمع و البصر و الرجلين و اليدين و البطن و الفرج، ثمّ يذكر حقوق الأفعال، من الصلاة و الصوم و الحجّ و الصدقة و الهدي... التي تبلغ خمسين حقّاً، آخرها حقّ الذمّة.

كما روى الحفّاظ و تلاميذ مدرسته أحاديث و حكماً مختلفة جليلة حوَتها بطون الكتب المختلفة، جمع الكثير منها العلّامة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الأنوار من مختلف المصادر، فراجع.

شهادته عليه السلام

توفّي بالمدينة عام 95 أو 94 ه، يوم السبت الثاني عشر من محرّم. و قيل الخامس و العشرين منه.


1) . الخصال: 564-570 في أبواب الخمسين.

2) . تحف العقول: 183-195.

الإمام الخامس: أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام

اشارة

هو خامس أئمّة أهل البيت الطاهر، المعروف بالباقر، و قد اشتهر به لبقره العلم و تفجيره له. قال ابن منظور في «لسان العرب»: لقّب به؛ لأنّه بقر العلم و عرف أصله و استنبط فرعه و توسّع فيه.(1)

أقوال العلماء فيه عليه السلام

و قال ابن حجر: سمّي بذلك لأنّه من بقر الأرض؛ أي شقّها، و إثارة مخبّئاتها، و مكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبّئاتها كنوز المعارف و حقائق الأحكام، و الحكم و اللطائف ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة و السريرة، و من ثمّ قيل فيه هو باقر العلم و جامعه و شاهر علمه و رافعه.(2)

و قال ابن كثير: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و سمّي بالباقر لبقره العلوم، و استنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، و كان من سلالة النبوّة، رفيع النسب، عالي الحسب، و كان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء و العبرات، معرضاً عن الجدال و الخصومات.(3)


1) . لسان العرب: 74/4.

2) . الصواعق المحرقة: 201.

3) . البداية و النهاية: 309/9.

و قال ابن خلّكان: أبو جعفر محمّد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإماميّة، و هو والد جعفر الصادق. كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، و إنّما قيل له الباقر؛ لأنّه تَبقَّر في العلم؛ أي توسّع، و فيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لأهل التُّقى *** و خير من لبّى على الأجبُلِ‌(1)

ولد بالمدينة غرّة رجب سنة 57 ه و قيل 56 ه، و توفّي في السابع من ذي الحجّة سنة 114 ه، و عمره الشريف 57 سنة. عاش مع جدّه الحسين عليه السلام 4 سنين، و مع أبيه عليه السلام بعد جدّه عليه السلام 39 سنة، و كانت مدة إمامته عليه السلام 18 سنة.(2)

و أمّا النصوص الدالّة على إمامته من أبيه و أجداده و التي ذكرها المحدّثون و المحقّقون من علمائنا الأعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني - رضي اللّٰه عنه - و غيره.

و قال ابن سعد: محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة، كان عالماً عابداً ثقة، و روى عنه الأئمّة أبو حنيفة و غيره.

قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: لقيت محمّد بن علي الباقر؟ فقال: نعم و سألته يوماً فقلت له: أراد اللّٰه المعاصي؟ فقال: «أ فيعصى قهراً»؟ قال أبو حنيفة:

فما رأيت جواباً أفحم منه.


1) . وفيات الأعيان: 174/4

2) . إعلام الورى بأعلام الهدى: 264-265.

و قال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب، و يعني الحكم بن عيينة، و كان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه.

و ذكر المدائني عن جابر بن عبد اللّٰه: أنّه أتى أبا جعفر محمّد بن علي إلى الكتّاب و هو صغير فقال له: رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يسلّم عليك، فقيل لجابر: و كيف هذا؟ فقال: كنت جالساً عند رسول اللّٰه و الحسين في حجره و هو يداعبه فقال: «يا جابر يولد مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثمّ يولد له ولد، اسمه محمّد، فإن أدركته يا جابر فاقرئه منّي السلام».

و ذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد نقل القصّة: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال لجابر: «و إن لاقيته فاعلم أنّ بقاءك في الدنيا قليل» فلم يعش جابر بعد ذلك إلّا ثلاثة أيّام. ثمّ قال: هذه منقبة من مناقبه باقية على ممر الأيّام، و فضيلة شهد له بها الخاصّ و العام.(1)

و قال المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين عليهما السلام في علم الدين و الآثار و السنّة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر عليه السلام.(2)

و روى عنه معالم الدين بقيّة الصحابة و وجوه التابعين و فقهاء المسلمين، و سارت بذكر كلامه الأخبار و أُنشدت في مدائحه الأشعار....(3)


1) . تذكرة الخواص: 302-303؛ الفصول المهمّة: 215-216.

2) . الإرشاد: 262.

3) . الفصول المهمّة: 210 نقله عن إرشاد الشيخ المفيد: 261، فلاحظ.

قال ابن حجر: صفا قلبه، و زكا علمه و عمله، و طهرت نفسه، و شرف خلقه، و عمرت أوقاته بطاعة اللّٰه، و له من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، و له كلمات كثيرة في السلوك و المعارف لا تحتملها هذه العجالة.(1)

مناظراته

و أمّا مناظراته مع المخالفين فحدّث عنها و لا حرج، و قد جمعها العلّامة الطبرسي في كتاب «الاحتجاج»(2).

قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: و جاءت الأخبار: أنّ نافع بن الأزرق(3)جاء إلى محمّد بن عليّ، فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال و الحرام.

فقال له أبو جعفر في عرض كلامه: «قل لهذه المارقة، بم استحللتم فراق أمير المؤمنين، و قد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته و القربة إلى اللّٰه بنصرته؟ فسيقولون لك: إنّه حكَّم في دين اللّٰه، فقل لهم: قد حكَّم اللّٰه تعالى في شريعة نبيّه صلى الله عليه و آله رجلين من خلقه فقال: «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا إِنْ يُرِيدٰا إِصْلاٰحاً يُوَفِّقِ اَللّٰهُ بَيْنَهُمٰا»، و حكَّم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم فيهم بما أمضاه اللّٰه، أو ما علمتم أنَّ أمير المؤمنين إنَّما أمر الحكمين أن


1) . الصواعق المحرقة: 301.

2) . الاحتجاج: 54/2-69.

3) . الإرشاد: 265، و لعلّ المناظر هو عبد اللّٰه بن نافع بن الأزرق؛ لأنّ نافعاً قتل عام 65 من الهجرة و للإمام عندئذ من العمر دون العشرة، و قد نقل ابن شهرآشوب بعض مناظرات الإمام مع عبد اللّٰه بن نافع فلاحظ: 201/4.

يحكما بالقرآن و لا يتعدّياه، و اشترط ردّ ما خالف القرآن في أحكام الرجال، و قال حين قالوا له: حكّمت على نفسك من حكم عليك؟ فقال: ما حكّمت مخلوقاً و إنّما حكّمت كتاب اللّٰه. فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن، و اشترط ردّ ما خالفه لو لا ارتكابهم في بدعتهم البهتان»؟ فقال نافع بن الأزرق: هذا و اللّٰه كلام ما مرّ بسمعي قط، و لا خطر منّي ببال، و هو الحقّ إن شاء اللّٰه.

ثمّ إنّ الشيعة الإمامية أخذت كثيراً من الأحكام الشرعية عنه و عن ولده البارّ جعفر الصادق عليه السلام و حسب الترتيب المتداول في الكتب الفقهيّة، حيث روي عنه عليه السلام الكثير من الروايات الفقهيّة التي تناولت مختلف جوانب الحياة، و للاطلاع على ذلك تراجع كتب الفقه و موسوعاته المختلفة.

و أمّا ما روي عنه في الحِكَم و المواعظ، فقد نقلها أبو نعيم الأصفهاني في «حلية الأولياء»، و الحسن بن شعبة الحرّاني في تحفه.(1)

و قد توفّي الإمام محمّد الباقر عليه السلام عام 114 ه، و دفن في البقيع إلىٰ جنب قبر أبيه، و من أراد البحث عن فصول حياته في شتّى المجالات فليراجع الموسوعات التي تحفل بها المكتبات العامّة و الخاصّة.


1) . حلية الأولياء: 180/3-235، و في بعض ما نقل عنه تأمّل؛ و نظر تحف العقول: 284-300.

الإمام السادس: أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام

اشارة

هو الإمام السادس من أئمّة أهل البيت الطاهر - رضي اللّٰه عنهم أجمعين - و لقّب بالصادق لصدقه في مقاله، و فضله أشهر من أن يذكر.

ولادته و خصائصه عليه السلام

ولد عام 80 ه، و توفّي عام 148 ه، و دفن في البقيع جنب قبر أبيه محمّد الباقر و جدّه عليّ زين العابدين و عم جدّه الحسن بن عليّ - رضي اللّٰه عنهم أجمعين - فللّه درّه من قبر ما أكرمه و أشرفه!(1).

قال محمّد بن طلحة: هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم، ذو علوم جمّة، و عبادة موفورة، و زهادة بيّنة، و تلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، و يستخرج من بحره جواهره، و يستنتج عجائبه، و يقسِّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، و استماع كلامه يزهّد في الدنيا، و الاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، و طهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّيّة الرسالة. نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة و أعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، و ابن


1) . وفيات الأعيان: 327/1 رقم الترجمة 31.

جريج، و مالك بن أنس، و الثوري، و ابن عيينة، و أبي حنيفة، و شعبة، و أبي أيّوب السجستاني(1)و غيرهم، و عدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، و فضيلة اكتسبوها.(2)

ذكر أبو القاسم البغّاء في مسند أبي حنيفة: قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة و قد سئل: من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئ لي من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر و هو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، و جعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا عبد اللّٰه هذا أبو حنيفة. قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبد اللّه من مسائلك، فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا، و نحن نقول كذا، فربّما تابعنا و ربّما تابعهم، و ربّما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلّ منها بشيء. ثمّ قال أبو حنيفة: أ ليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(3)

عن مالك بن أنس: جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّ، و إمّا صائم، و إمّا يقرأ القرآن، و ما رأت


1) . في الأصل أيّوب السختياني و الصحيح ما ذكرناه.

2) . كشف الغمّة: 367/2-368.

3) . بحار الأنوار: 217/47-218؛ الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: 335/4 نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للمكّي: 173/1؛ جامع مسانيد أبي حنيفة: 252/1؛ تذكرة الحفّاظ: 157/1.

عين، و لا سمعت أُذن، و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً و عبادة و ورعاً.(1)

و عن عمرو بن بحر الجاحظ (مع عدائه لأهل البيت): جعفر بن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه و فقهه، و يقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته، و كذلك سفيان الثوري، و حسبك بهما في هذا الباب.(2)

مناقبه عليه السلام

و أمّا مناقبه و صفاته فتكاد تفوق عدّ الحاصر، و يحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، و العلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه و تروى عنه(3)

و قال ابن الصبّاغ المالكي: كان جعفر الصادق عليه السلام من بين إخوته خليفة أبيه، و وصيّه، و القائم بالإمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل، و كان أنبههم ذكراً و أجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر صيته و ذكره في البلدان، و لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقلوا عنه من الحديث.

إنّك إذا تتبّعت كتب التاريخ و التراجم و السير تقف على نظير هذه الكلمات و أشباهها، كلّها تعرب عن اتّفاق الأُمّة على إمامته في العلم و القيادة


1) . الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: 53/1 نقلاً عن التهذيب: 104/2 و المجالس السنيّة ج 5.

2) . الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: 55/1 نقلاً عن رسائل الجاحظ: 106.

3) . كشف الغمّة: 368/2.

الروحيّة، و إن اختلفوا في كونه إماماً منصوصاً من قبل اللّٰه عزّ و جلّ، فذهبت الشيعة إلى الثاني نظراً إلى النصوص المتواترة المذكورة في مظانّها.(1)

حياته العلميّة عليه السلام

و لقد امتدّ عصر الإمام الصادق عليه السلام من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83 ه إلى سنة 148 ه. فقد أدرك طرفاً كبيراً من العصر الأُموي، و عاصر كثيراً من ملوكهم، و شاهد من حكمهم أعنف أشكاله، و قضى سنوات عمره الأُولى حتّى الحادية عشرة من عمره مع جدّه زين العابدين، و حتّى الثانية و الثلاثين مع أبيه الباقر و نشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما و تنمو مواهبه و تربّى تربيته الدينية، و تخرّج من تلك المدرسة الجامعة فاختصّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114 ه، و اتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلميّة في المدينة و مكّة و الكوفة و غيرها من الأقطار الإسلامية.

و قد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الإمام بظهور الحركات الفكريّة، و وفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الإسلامي، و أهمها عنده هي حركة الغلاة الهدّامة، الذين تطلّعت رءوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بثّ روح التفرقة بين المسلمين، و ترعرت بنات أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الإسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بثّ تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الإسلامي، فكانوا يبثّون الأحاديث الكاذبة و يسندونها إلى حملة العلم من آل محمد، ليغروا بها العامّة، فكان المغيرة بن


1) . لاحظ الكافي: 306/1-307.

سعيد يدّعي الاتصال بأبي جعفر الباقر و يروي عنه الأحاديث المكذوبة، فأعلن الإمام الصادق عليه السلام كذبه و البراءة منه، و أعطى لأصحابه قاعدة في الأحاديث التي تروى عنه، فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن و السنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة».

ثمّ إنّ الإمام قام بهداية الأُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء و الأفكار، و اشتعلت فيه نار الحرب بين الأُمويين و معارضيهم من العباسيين، ففي تلك الظروف الصعبة و القاسية استغلّ الإمام الفرصة فنشر من أحاديث جدّه، و علوم آبائه ما سارت به الركبان، و تربّى على يديه آلاف من المحدّثين و الفقهاء. و لقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات - على اختلاف آرائهم و مقالاتهم - فكانوا أربعة آلاف رجل(1). و هذه سمة امتاز بها الإمام الصادق عن غيره من الأئمّة - عليه و عليهم السلام -.

إنّ الإمام عليه السلام شرع بالرواية عن جدّه و آبائه عند ما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبيّ صلى الله عليه و آله بعد الغفلة التي استمرّت إلى عام 143 ه(2)حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف و تسرّبت إلى السنّة، العديد من الروايات الإسرائيلية و الموضوعة من قبل أعداء الإسلام من الصليبيين و المجوس، بالإضافة إلى المختلقات و المجعولات على يد علماء السلطة و مرتزقة البلاط الأُموي.

و من هنا فقد وجد الإمام عليه السلام أنّ أمر السنّة النبويّة قد بدأ يأخذ اتّجاهات


1) . الإرشاد: 270؛ المناقب لابن شهرآشوب: 257/4.

2) . تاريخ الخلفاء للسيوطي - خلافة المنصور الدوانيقي، فقد حدّد تاريخ التدوين بسنة 143 ه.

خطيرة و انحرافات واضحة، فعمد عليه السلام للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة، و تفنيد الآراء الدخيلة على الإسلام و التي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري و العقائدي بين المسلمين و غيرهم.

إنّ تلك الفترة كوّنت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبويّة، و خلطاً واضحاً في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الإمام عليه السلام كان بحقّ سفينة النجاة من هذا المعترك العسر.

إنّ علوم أهل البيت عليهم السلام متوارثة عن جدّهم المصطفى محمّد صلى الله عليه و آله، الذي أخذها عن اللّٰه تعالى بواسطة الأمين جبرئيل عليه السلام، فلا غرو أن تجد الأُمّة ضالّتها فيهم عليهم السلام، و تجد مرفأ الأمان في هذه اللجج العظيمة، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلّ يحدّث عن مجاهيل و نكرات و رموز ضعيفة و مطعونة، أو أسانيد مشوّشة، تجد أنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول: «حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب، و حديث عليّ حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و حديث رسول اللّٰه قول اللّٰه عزّ و جلّ».

بيد أنّ ما يثير العجب أن تجد من يعرض عن دوحة النبوّة إلى رجال قد كانوا وبالاً على الإسلام و أهله، و تلك وصمة عار و تقصير لا عذر فيه خصوصاً في صحيح البخاري.

فالإمام البخاري مثلاً يروي و يحتج بمثل مروان بن الحكم، و عمران بن حطّان و حريز بن عثمان الرحبي و غيرهم، و يعرض عن الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام!!

أمّا الأوّل: فهو الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين على لسان

رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و أمّا الثاني: فهو الخارجي المعروف الذي أثنى على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، و أمّا الثالث: فكان ينتقص عليّاً و ينال منه، و لست أدري لِمَ هذا الأمر؟ إنّه مجرد تساؤل.

إنّ للإمام الصادق وراء ما نشر عنه من الأحاديث في الأحكام التي تتجاوز عشرات الآلاف، مناظرات مع الزنادقة و الملحدين في عصره، و المتقشّفين من الصوفيّة، ضبط المحقّقون كثيراً منها، و هي في حد ذاتها ثروة علميّة تركها الإمام عليه السلام، و أمّا الرواية عنه في الأحكام فقد روى عنه أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث.

حتّى أنّ الحسن بن عليّ الوشّاء قال: أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمّد.(1)

و أمّا ما أُثر عنه من المعارف و العقائد فحدّث عنها و لا حرج، و لا يسعنا نقل حتى القليل منها، و من أراد فليرجع إلى مظانّها.(2)

يقول «سيد أمير علي» بعد النقاش حول الفرق المذهبيّة و الفلسفيّة في عصر الإمام:

«و لم تتخذ الآراء الدينيّة اتّجاهاً فلسفياً إلّا عند الفاطميّين، ذلك أنّ انتشار العلم في ذلك الحين أطلق روح البحث و الاستقصاء، و أصبحت المناقشات الفلسفية عامّة في كلّ مجتمع من المجتمعات، و الجدير بالذكر أنّ زعامة تلك الحركة الفكريّة إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة، و التي


1) . الرجال للنجاشي: 139 برقم 79.

2) . الاحتجاج: 69/2-155؛ التوحيد للصدوق، و قد بسطها على أبواب مختلفة.

أسّسها حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالإمام جعفر و الملقّب بالصادق، و كان رجلاً بحّاثة و مفكّراً كبيراً جيد الإلمام بعلوم ذلك العصر، و يعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفيّة الرئيسيّة في الإسلام.

و لم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهيّة فحسب(1)، بل كان يحضرها الفلاسفة و طلّاب الفلسفة من الأنحاء القصيّة، و كان الإمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفيّة في مدينة البصرة، و واصل بن عطاء مؤسّس مذهب المعتزلة من تلاميذه، الذين نهلوا من معين علمه الفيّاض، و قد عرف واصل و الإمام العلوي بدعوتهما إلى حرية إرادة الانسان....(2)

و أمّا حِكَمه و قصار كلمه، فلاحظ «تحف العقول»، و أمّا رسائله فكثيرة منها رسالته إلى النجاشي والي الأهواز، و منها: رسالته في شرائع الدين نقلها الصدوق في الخصال، و منها: ما أملاه في التوحيد للمفضّل بن عمر، إلى غير ذلك من الرسائل التي رسمها بخطّه.(3)

نتف من أقواله

و نقتطف من وصاياه و كلماته الغزيرة وصية واحدة و هي وصيته لسفيان الثوري:

«الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و ترك حديث


1) . كأبي حنيفة و مالك.

2) . مختصر تاريخ العرب، تعريب: عفيف البعلبكي: 193.

3) . و لقد جمع أسماء هذه الرسائل السيّد الأمين في أعيانه: 668/1.

لم تُرْوَه(1)، أفضل من روايتك حديثاً لم تحصِه».

«إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّٰه فخذوه و ما خالفه فدعوه».(2)

من أقوال العلماء المحدِّثين فيه عليه السلام

و نختم هذا البحث بما قاله أبو زهرة في هذا المجال:

إنّ للإمام الصادق فضل السبق، و له على الأكابر فضل خاصّ، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه، و يراه أعلم الناس باختلاف الناس، و أوسع الفقهاء إحاطة، و كان الإمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، و كان له فضل الأُستاذية على أبي حنيفة فحسبه ذلك فضلاً.

و هو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلاً و شرفاً و ديناً و علماً، و قد تتلمذ له ابن شهاب الزهري، و كثير من التابعين، و هو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم و وصل إلى لبابه، فهو ممّن جعل اللّٰه له الشرف الذاتي و الشرف الإضافي بكريم النسب، و القرابة الهاشمية، و العترة المحمّديّة.(3)

و بما كتبه الأُستاذ أسد حيدر إذ قال:

كان يؤمّ مدرسته طلاب العلم و رواة الحديث من الأقطار النائية، لرفع


1) . أي لم تروه عن طريق صحيح، و الفعل مبني للمجهول.

2) . تاريخ اليعقوبي: 115/3.

3) . محمد أبو زهرة، الإمام الصادق: 30.

الرقابة و عدم الحذر فأرسلت الكوفة، و البصرة، و واسط، و الحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها، و من كلّ قبيلة من بني أسدّ، و مخارق، وطي، و سليم، و غطفان، و غفار، و الأزد، و خزاعة، و خثعم، و مخزوم، و بني ضبة، و من قريش، و لا سيّما بني الحارث بن عبد المطلب، و بني الحسن بن الحسن بن عليّ.(1)

وفاته

و لمّا توفّي الإمام شيّعه عامّة الناس في المدينة، و حُمِل إلى البقيع، و دفن في جوار أبيه و جدّه عليهما السلام، و قد أنشد فيه أبو هريرة العجلي قوله:

أقول و قد راحوا به يحملونه *** علىٰ كاهل من حامليه و عاتقِ

أ تدرون ما ذا تحملون إلىٰ الثرى *** ثبيراً ثوىٰ من رأس علياء شاهقِ

غداة حثا، الحاثون فوق ضريحه *** تراباً و أولى كان فوق المفارقِ

فسلام اللّٰه عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيّاً.


1) . الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: 38/1 نقلاً عن كتاب جعفر بن محمد، لسيد الأهل.

الإمام السابع: أبو الحسن موسىٰ بن جعفر الكاظم عليه السلام

ولادته عليه السلام

ولد بالأبواء بين مكة و المدينة يوم الأحد في 7 صفر سنة 128 ه.

إمامته عليه السلام

كان عليه السلام نموذج عصره، و فريد دهره، جليل القدر، عظيم المنزلة، مهيب الطلعة، كثير التعبّد، يطوي ليله قائماً و نهاره صائماً، عظيم الحلم، شديد التجاوز، حتّى سمّي لذلك كاظماً، لاقى من المحن ما تنهدّ لهولها الجبال فلم تحرّك منه طرفاً، بل كان عليه السلام صابراً محتسباً كحال آبائه و أجداده عليهم السلام.

يُعرَف بأسماء عديدة منها: العبد الصالح، و الكاظم، و الصابر، و الأمين.

قال ابن الصباغ: روى عبد الأعلى عن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه السلام: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ فدخل موسى الكاظم و هو يومئذ غلام، فقال (أي الصادق عليه السلام): «هذا صاحبكم فتمسّك به».(1)


1) . الفصول المهمّة: 231.

قال الشيخ المفيد: هو الإمام بعد أبيه، و المقدّم على جميع بنيه؛ لاجتماع خصال الفضل فيه، و ورود صحيح النصوص و جليّ الأقوال عليه من أبيه بأنّه وليّ عهده و الإمام القائم من بعده.(1)

و قد تولّى منصب الإمامة بعد أبيه الصادق عليه السلام في وقت شهدت فيه الدولة العبّاسية استقرار أركانها و ثبات بنيانها، فتنكّرت للشعار الذي كانت تنادي به من الدعوة لآل محمد - عليه و عليهم السلام - فالتفتت إلى الوارث الشرعي لشجرة النبوّة مشهرة سيف العداء له و لشيعته تلافياً من تعاظم نفوذه أن يؤتي على أركان دولتهم و ينقضها، فشهد الإمام الكاظم عليه السلام طيلة سنيّ حياته صنوف التضييق و المزاحمة، إلّا أنّ ذلك لم يمنعه عليه السلام من أن يؤدّي رسالته في حماية الدين و قيادة الأُمّة، فعرفه المسلمون آية من آيات العلم و الشجاعة، و معيناً لا ينضب من الحلم و الكرم و السخاء، و نموذجاً عظيماً لا يدانى في التعبّد و الزهد و الخوف من اللّٰه تعالى.

جوانب من سيرته العطرة عليه السلام

و لقد أفرد الباحثون و المحقّقون مصنّفات كثيرة في سيرة هذا الإمام العظيم، كفتنا عن التعرّض لها هنا في هذه العجالة، إلّا أنّنا سنحاول في هذه الصفحات التعرّض لجوانب مختارة من تلك السيرة العطرة:

1 - روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده قال: حجّ هارون الرشيد فأتى


1) . لاحظ للوقوف على تلك النصوص الكافي: 307/1-311، إثبات الهداة: 156/3-170 فقد نقل في الأخير 60 نصّاً على إمامته.

قبر النبيّ صلى الله عليه و آله زائراً، و حوله قريش و معه موسى بن جعفر، فلمّا انتهى إلى القبر قال: السلام عليك يا رسول اللّٰه يا بن عمّي - افتخاراً على من حوله - فدنا موسى بن جعفر فقال: «السلام عليك يا أبة» فتغيّر وجه الرشيد و قال: هذا الفخر يا أبا الحسن حقّاً!(1).

2 - ذكر الزمخشري في «ربيع الأبرار»: أنّ هارون كان يقول لموسى بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدكاً(2)حتّى أردّها عليك، فيأبى، حتى ألحّ عليه فقال:

«لا آخذها إلّا بحدودها» قال: و ما حدودها؟ قال: «يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردّها»، قال: بحقّ جدّك إلّا فعلت، قال: «أمّا الحدّ الأوّل فعدن» فتغيّر وجه الرشيد و قال: هيه، قال: «و الحدّ الثاني سمرقند» فأربد وجهه، قال: «و الحدّ الثالث إفريقية» فاسودّ وجهه و قال: هيه، قال: «و الرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر و إرمينية»، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل في مجلسي، قال موسى عليه السلام: «قد أعلمتك أنّي إن حددتها لم تردّها».

فعند ذلك عزم على قتله.(3)


1) . وفيات الأعيان: 309/5.

2) . قرية بالحجاز بينها و بين المدينة يومان و قيل ثلاثة، أفاءها اللّٰه تعالى على رسوله صلى الله عليه و آله صلحاً سنة سبع من الهجرة، و أعطاها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إلى ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين عليها السلام، و كانت ملكاً لها في حياته تستفيد من خيراتها، إلّا أنّ أبا بكر حرمها منها، فاغتاظت منه الزهراء و حاججته في ذلك الأمر لكنّه أبى، و بقيت فدك هكذا حتى ردّها الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز إلى أبناء فاطمة عليها السلام ثمّ نزعها منهم يزيد بن عبد الملك، فلم تزل في أيدي الأُمويين حتى ولي العباسيون فدفعها أبو العباس السفاح إلى الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ثمّ أخذها المنصور، ثمّ أعادها ولده المهدي، ثمّ أخذها موسى الهادي، إلى أن ولي المأمون فأعادها إليهم.

3) . ربيع الأبرار: 315/1.

3 - كان يصلّي نوافل الليل و يصلها بصلاة الصبح ثمّ يعقّب حتّى تطلع الشمس و يخرّ للّٰه ساجداً، فلا يرفع رأسه من الدعاء و التحميد حتّى يقرب زوال الشمس.

كان يدعو كثيراً فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت، و العفو عند الحساب»، و يكرّر ذلك.

و كان من دعائه عليه السلام: «عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك».

و كان يبكي من خشية اللّٰه حتّى تخضل لحيته بالدموع.

و كان أوصل الناس لأهله و رحمه.

و كان يتفقّد فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين و الورق و الأدقة و التمور، فيوصل إليهم ذلك و لا يعلمون من أيّة جهة هو.(1)

4 - في «تحف العقول» للحسن بن عليّ بن شعبة: قال أبو حنيفة:

حججت في أيام أبي عبد اللّٰه الصادق عليه السلام فلمّا أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه، إذ خرج صبي فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال: «على رسلك»، ثمّ جلس مستنداً إلى الحائط، ثمّ قال:

«توقّ شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و أفنية المساجد، و قارعة الطريق، و توار خلف جدار، وشل ثوبك، و لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، وضع حيث شئت» فأعجبني ما سمعت من الصبيّ فقلت له: ما اسمك؟ فقال: «أنا موسى بن


1) . الإرشاد: 296.

جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب» فقلت له: يا غلام ممّن المعصية؟ فقال: «إنّ السيّئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تكون من اللّٰه و ليست من العبد؛ فلا ينبغي للربّ أن يعذّب العبد على ما لا يرتكب، و إمّا أن تكون منه و من العبد - و ليست كذلك - فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف، و إمّا أن تكون من العبد - و هي منه - فإن عفا بكرمه وجوده، و إن عاقب فبذنب العبد و جريرته».

قال أبو حنيفة: فانصرفت و لم ألق أبا عبد اللّٰه و استغنيت بما سمعت.

و روى ابن شهرآشوب في «المناقب» نحوه إلّا أنّه قال: «يتوارى خلف الجدار و يتوقّى أعين الجار»، و قال: فلمّا سمعت هذا القول منه نبل في عيني، و عظم في قلبي. و قال في آخر الحديث: فقلت: «ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ»(1).(2)

5 - روى أبو الفرج الأصفهاني: حدّثنا يحيى بن الحسن قال: كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير. و كانت صراره ما بين الثلاثمائة و إلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلاً.

و قال: إنّ رجلاً من آل عمر بن الخطّاب كان يشتم عليّ بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر، و يؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه و شيعته: دعنا نقتله، فقال: «لا» ثمّ مضى راكباً حتّى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح: لا تدس زرعنا.

فلم يصغ إليه و أقبل حتّى نزل عنده، فجلس معه و جعل يضاحكه، و قال له: «كم غرمت على زرعك هذا»؟ قال: مائة درهم. قال: «كم ترجو أن تربح»؟


1) . آل عمران: 34.

2) . تحف العقول: 303؛ المناقب لابن شهرآشوب: 314/4.

قال: لا أدري. قال: «إنّما سألتك كم ترجو». قال: مائة أُخرى. قال: فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له، فقام فقبّل رأسه، فلمّا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول: اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته.

و كان بعد ذلك كلّما دخل موسى خرج و سلّم عليه و يقوم له، فقال موسى لجلسائه الذين طلبوا قتله: «أيّما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت».(1)

6 - حكي أنّ الرشيد سأله يوماً: كيف قلتم: نحن ذرّية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و أنتم بنو عليّ، و إنّما ينسب الرجل إلى جدّه لأبيه دون جدّه لأُمّه؟ فقال الكاظم عليه السلام:

«أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ وَ إِلْيٰاسَ...» و ليس لعيسى أب إنّما أُلحق بذريّة الأنبياء من قبل أُمّه، و كذلك أُلحقنا بذريّة النبيّ من قبل أُمّنا فاطمة الزهراء، و زيادة أُخرى يا أمير المؤمنين: قال اللّٰه عزّ و جلّ: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ...» و لم يدع صلى الله عليه و آله عند مباهلة النصارى غير عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و هما الأبناء».(2)

7 - أمّا علمه و الحديث عنه فقد روى عنه العلماء في فنون العلم ما ملأ الكتب، و كان يعرف بين الرواة بالعالم. و قد روى الناس عنه فأكثروا، و كان أفقه أهل زمانه و أحفظهم لكتاب اللّٰه.(3)


1) . مقاتل الطالبيين: 499-500؛ تاريخ بغداد: 28/13.

2) . الفصول المهمّة: 238، و الآيتان من سورتي الأنعام: 84، و آل عمران 61.

3) . الإرشاد: 298. و لاحظ جوانب من حكمه و وصاياه في الكافي: 13/1-20؛ تحف العقول: 283.

وفاته:

و قد اتفقت كلمة المؤرّخين على أنّ هارون الرشيد قام باعتقال الإمام الكاظم عليه السلام و إيداعه السجن لسنين طويلة مع تأكيده على سجّانيه بالتشديد و التضييق عليه.

قال ابن كثير: فلمّا طال سجن الإمام الكاظم عليه السلام كتب إلى الرشيد: «أمّا بعد يا أمير المؤمنين إنّه لم ينقض عنّي يوم من البلاء إلّا انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون».(1)

و لم يزل ذلك الأمر بالإمام عليه السلام، يُنقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الأمر إلى سجن السندي بن شاهك(2)

فوجّه الرشيد من تسلّمه، و حبسه عند الفضل بن الربيع في بغداد، فبقي عنده مدة طويلة، ثمّ كتب إليه ليسلّمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلّمه منه، و طلب منه أن يعمد إلى قتل الإمام كما طلب من عيسى بن جعفر فلم يفعل، بل عمد إلى إكرام الإمام عليه السلام و الاحتفاء به، و لما بلغ الرشيد ذلك أمر به أن يجلد مائة سوط، ثمّ أخذ الإمام منه و سلّمه إلى السندي بن شاهك لعنه اللّٰه، و كانت نهاية حياة الإمام الطاهرة على يده الفاجرة.

، و كان فاجراً فاسقاً، لا يتورّع عن أي شيء تملّقاً و مداهنة للسلطان، فغالى في سجن الإمام عليه السلام و زاد في تقييده حتّى جاء أمر الرشيد بدسّ السمّ للكاظم عليه السلام، فأسرع السندي إلى إنفاذ هذا الأمر

1) . البداية و النهاية: 183/10.

2) . قال أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: 502: لمّا اعتقل الرشيد الإمام الكاظم عليه السلام أمر بإرساله إلى البصرة ليسجن عند عيسى بن جعفر المنصور، و كان على البصرة حينئذ، فحبس عنده سنة، ثمّ كتب إلى الرشيد: أن خذه منّي و سلّمه إلى من شئت، و إلّا خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة فما أقدر على ذلك، حتّى أنّي لأتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليَّ أو عليك، فما أسمعه يدعو إلّا لنفسه، يسأل اللّٰه الرحمة و المغفرة.

العظيم، و استشهد الإمام عليه السلام بعد طول سجن و معاناة في عام 183 ه.

و لمّا كان الرشيد يخشى ردّة فعل المسلمين عند انتشار خبر استشهاد الإمام عليه السلام، لذا عمد إلى حيلة ماكرة للتنصّل من تبعة هذا الأمر الجلل، فقد ذكر أبو الفرج الاصفهاني و غيره(1): أنّ الإمام الكاظم لما توفّي مسموماً أدخل عليه الفقهاء و وجوه أهل بغداد، و فيهم الهيثم بن عديّ و غيره ليشهدوا على أنّه مات حتف أنفه دون فعل من الرشيد و جلاوزته، و لما شهدوا على ذلك أُخرج بجثمانه الطاهر و وضع على الجسر ببغداد و نودي بوفاته. و دفن في بغداد في الجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش المشهورة في أيامنا هذه بالكاظمية.

فالسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد سجيناً مظلوماً مسموماً، و يوم يبعث حيّاً.


1) . مقاتل الطالبيين: 504.

الإمام الثامن: أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام

ولادته عليه السلام

ولد في المدينة سنة 148 ه.

إمامته عليه السلام

هو الإمام الثامن من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، القائم بالإمامة بعد أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام لفضله على جماعة أهل بيته و بنيه و إخوته في عصره، و لعلمه و ورعه و كفايته لمنصب الإمامة، مضافاً إلى النصوص الواردة في حقّه من أبيه على إمامته.(1)و كانت مدة إمامته بعد أبيه 20 سنة.(2)

أقوال العلماء فيه عليه السلام

قال الواقدي: عليّ بن موسى، سمع الحديث من أبيه و عمومته و غيرهم، و كان ثقة يفتي بمسجد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و هو ابن نيف و عشرين سنة، و هو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة.(3)


1) . لاحظ للوقوف على النصوص الكافي: 311/1-319؛ الإرشاد: 304-305، إثبات الهداة: 228/3 روي فيه 68 نصاً على إمامته.

2) . الإرشاد: 304.

3) . تذكرة الخواص: 315.

قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: و من أمعن نظره و فكره، وجده في الحقيقة وارثهما (المراد عليّ بن أبي طالب و عليّ بن الحسين عليهما السلام) نما إيمانه، و علا شأنه، و ارتفعت مكانته، و كثر أعوانه، و ظهر برهانه، حتّى أدخله الخليفة المأمون محلّ مهجته، و أشركه في مملكته، و فوّض إليه أمر خلافته، و عقد له على رءوس الأشهاد عقد نكاح ابنته، و كانت مناقبه عليّة، و صفاته ثنيّة، و نفسه الشريفة زكيّة هاشميّة، و أرومته النبوية كريمة.(1)

و قد عاش الإمام الرضا عليه السلام في عصر ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية، و كثرت الترجمة لكتب اليونانيين و الرومانيين و غيرهم، و ازداد التشكيك في الأُصول و العقائد من قبل الملاحدة و أحبار اليهود، و بطارقة النصارى، و مجسّمة أهل الحديث.

و في تلك الأزمنة أُتيحت له عليه السلام فرصة المناظرة مع المخالفين على اختلاف مذاهبهم، فظهر برهانه و علا شأنه. يقف على ذلك من اطّلع على مناظراته و احتجاجاته مع هؤلاء.(2)

و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من احتجاجاته نذكر ما يلي:

دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال: روينا أنّ اللّٰه قسَّم الرؤية و الكلام بين نبيَّين، فقسم لموسى عليه السلام الكلام و لمحمّد صلى الله عليه و آله الرؤية.

فقال أبو الحسن عليه السلام: «فمن المبلّغ عن اللّٰه إلى الثقلين الجنّ و الإنس: أنّه


1) . الفصول المهمّة: 243 نقلاً عن مطالب السئول.

2) . لقد جمع الشيخ الطبرسي قسماً من هذه الاحتجاجات في كتابه الاحتجاج: 170/2-237.

«لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»(1)، و «لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»(2)، و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(3)، أ ليس محمد صلى الله عليه و آله؟» قال: بلى.

قال: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّٰه، و أنّه يدعوهم إلى اللّٰه بأمر اللّٰه، فيقول: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»، و «لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»، و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علماً، و هو على صورة البشر. أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يأتي من عند اللّٰه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».

قال أبو قرّة: فإنّه يقول: «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ»(4).

قال أبو الحسن عليه السلام: «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: «مٰا كَذَبَ اَلْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ»(5)يقول: ما كذب فؤاد محمّد صلى الله عليه و آله ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال: «لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىٰ»(6)فآيات اللّٰه غير اللّٰه، و قال:

«لا يُحيطون بِهِ عِلْماً» فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة».

فقال أبو قرة: فتكذّب بالرواية؟

فقال أبو الحسن: «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، و ما أجمع المسلمون عليه: أنّه لا يحاط به علماً، و لا تدركه الأبصار، و ليس كمثله شيء».(7)

و لما انتشر علم الإمام و فضله، أخذت الأفئدة و القلوب تشدّ إليه، و في


1) . الأنعام: 103.

2) . طه: 110.

3) . الشورىٰ: 11

4) . النجم: 13.

5) . النجم: 11.

6) . النجم: 18.

7) . الاحتجاج للطبرسي: 184/2.

الأُمّة الإسلامية رجال واعون يميزون الحق من الباطل، فكثر التفاف المسلمين حول الإمام الرضا عليه السلام و ازدادت أعدادهم، ممّا دفع بالخلافة العباسية إلى محاولة سحب البساط من تحت رجلي الإمام عليه السلام و أعوانه قبل أن تستفحل الأُمور و يصعب السيطرة على الموقف بعدها، فلجأ المأمون إلى مناورة ذكيّة ماكرة استطاع من خلالها قلب تيار الأحداث لصالحه، حيث استقدم الإمام الرضا عليه السلام و جملة من وجوه الطالبيين إلى مقر الحكومة آنذاك في مرو من مدينة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، معزّزين مكرّمين حتّى أنزلوهم إلى جوار مقر الخلافة ريثما يلتقي المأمون بالإمام عليّ بن موسى عليهما السلام.

الإمام الرضا عليه السلام و ولاية العهد

و ما كان من المأمون إلّا أن بعث إلى الإمام الرضا عليه السلام قبل اجتماعه به: إنّي أُريد أن أخلع نفسي من الخلافة و أُقلّدك إيّاها فما رأيك؟ فأنكر الرضا عليه السلام هذا الأمر و قال له: «أُعيذك باللّٰه يا أمير المؤمنين من هذا الكلام و أن يسمع به أحد» فردّ عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بد من ولاية العهد بعدي، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً.

فاستدعاه و خلا به و معه الفضل بن سهل ذو الرئاستين - ليس في المجلس غيرهم - و قال له: إنّي قد رأيت أن أُقلّدك أمر المسلمين و أفسخ ما في رقبتي و أضعه في رقبتك.

فقال له الرضا عليه السلام: «اللّٰه اللّٰه يا أمير المؤمنين إنّه لا طاقة لي بذلك و لا قوّة لي عليه».

قال له: فإنّي موليك العهد من بعدي.

فقال له: «أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين».

فقال له المأمون - كلاماً فيه التهديد له على الامتناع عليه و قال في كلامه -:

إنّ عمر بن الخطّاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين عليه السلام و شرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، و لا بد من قبولك ما أُريد منك فإنّي لا أجد محيصاً عنه.

فقال له الرضا عليه السلام: «فإنّي أُجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنّني لا آمر، و لا أنهى، و لا أفتي، و لا أقضي، و لا أُولي، و لا أعزل، و لا أُغير شيئاً ممّا هو قائم» فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه.(1)

أقول: ليس بخاف على ذي لبّ مغزى إصرار المأمون على تولية الإمام الرضا عليه السلام لمنصب ولاية العهد، و تبدو هذه الصورة واضحة عند استقراء الأحداث التي سبقت أو رافقت هذه المؤامرة المحكمة.

فعند ما قدّم هارون الرشيد ولده الأمين رغم إقراره و معرفته بقوّة شخصيّة المأمون و ذكائه قياساً بأخيه المدلّل الذي لا يشفع له إلّا مكانة أُمّه زبيدة الحاكمة في قصر الرشيد، كان يعني ذلك إيذاناً بقيام الفتنة التي حصلت من بعد و راح ضحيتها عشرات الأُلوف و على رأسهم الأمين الذي وقف العباسيون إلى صفّه و قاتلوا معه، و لما انتقلت السلطة بأكملها إلى المأمون المستقرّ في خراسان و المدعوم بأهلها آنذاك، فقد واجه خطر نقمة أكثر العباسيين و عدائهم له و تحيّنهم الفرص السانحة للانقضاض عليه و على حكمه.

و في الجانب الآخر كان الشيعة في كلّ مكان يرفضون و يناصبون الخلافة


1) . الإرشاد: 310.

العباسية العداء نتيجة سوء صنيعهم و ظلمهم للعلويين و لآل البيت خاصة، و الذين يؤلف شيعة خراسان جانباً مهماً منهم.

و كان في أوّل سنة لخلافة المأمون أن خرج السري بن منصور الشيباني المعروف بأبي السرايا في الكوفة منادياً بالدعوة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي عليه السلام حيث بايعه عامّة الناس على ذلك.

و في المدينة خرج محمد بن سليمان بن داود بن الحسن، و في البصرة عليّ بن محمد بن جعفر بن عليّ بن الحسين و زيد بن موسى بن جعفر الملقّب بزيد النار، و في اليمن إبراهيم بن موسى، و من ثمّ فقد ظهر في المدينة أيضاً الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين المعروف بالأفطس.

و هكذا فقد اندلعت في أنحاء الدولة الكثير من الثورات تناصرها الآلاف من الناس الذين ذاقوا الأمرين من حكم الطواغيت و الظلمة.

و هكذا فقد أدرك المأمون مدى تأزّم الموقف، و تخلخل وضع الحكومة آنذاك، فلم يجد بداً من تظاهره أمام الرأي العام الشيعي - الذي كان من أقوى التيّارات المؤهلة للإطاحة بالخلافة العباسية دون أيّ شكّ - بتنازله عن الخلافة - التي قتل أخاه من أجلها - إلى الإمام الرضا عليه السلام إمام الشيعة و قائدهم.

و هكذا فبعد قبول علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد قام بين يديه الخطباء و الشعراء، فخفقت الألوية على رأسه، و كان فيمن ورد عليه من الشعراء دعبل بن عليّ الخزاعيّ، فلمّا دخل عليه قال: قلت قصيدة و جعلت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فأمره بالجلوس حتى خفّ مجلسه ثمّ قال له: «هاتها» فأنشد قصيدته المعروفة:

مدارس آيات خلت من تلاوة *** و منزل وحي مقفر العرصاتِ

لآل رسول اللّٰه بالخيف من منىٰ *** و بالركن و التعريف و الجمراتِ

ديار علي و الحسين و جعفر *** و حمزة و السجاد ذي الثفناتِ

ديار عفاها كلّ جون مبادر *** و لم تعف للأيّام و السنواتِ

إلى أن قال:

قبور بكوفان و أُخرى بطيبة *** و أُخرى بفخ نالها صلواتي

و قبر ببغداد لنفس زكيّة *** تضمّنها الرحمن بالغرفاتِ

فأمّا الممضّات التي لست بالغاً *** مبالغها منّي بكنه صفاتِ

إلىٰ الحشر حتّىٰ يبعث اللّٰه قائماً *** يفرّج منها الهمّ و الكربات

إلى أن قال:

أ لم تر أنّي مذ ثلاثين حجّة *** أروح و أغدو دائم الحسرات؟

أرىٰ فيئهم في غيرهم متقسماً *** و أيديهم من فيئهم صفرات

إذا وتروا مدّوا إلىٰ أهل وترهم *** أكفّاً من الأوتار منقبضات

حتّى أتى على آخرها، فلمّا فرغ من إنشادها قام الرضا عليه السلام فدخل إلى

حجرته و أنفذ إليه صُرّة فيها مائة دينار و اعتذر إليه، فردّها دعبل و قال: و اللّٰه ما لهذا جئت، و إنّما جئت للسلام عليك و التبرّك بالنظر إلى وجهك الميمون، و إنّي لفي غنى، فإن رأيت أن تعطيَني شيئاً من ثيابك للتبرّك فهو أحب إليَّ. فأعطاه الرضا جبّة خزّ و ردّ عليه الصُّرّة.(1)

الإمام الرضا عليه السلام و صلاة العيد

كان الإمام في مرو يقصده البعيد و القريب من مختلف الطبقات و قد انتشر صيته في بقاع الأرض، و عظم تعلّق المسلمين به، ممّا أثار مخاوف المأمون و توجّسه من أن ينفلت زمام الأمر من يديه على عكس ما كان يتمنّاه، و ما كان يبتغيه من ولاية العهد هذه، و قوي ذلك الظن أنّ المأمون بعث إليه يوم العيد في أن يصلّي بالناس و يخطب فيهم فأجابه الرضا عليه السلام: «إنّك قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول الأمر، فاعفني من الصلاة بالناس». فقال له المأمون: إنّما أُريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس، و يعرفوا فضلك.

و لم تزل الرسل تتردّد بينهما في ذلك، فلمّا ألحّ عليه المأمون، أرسل إليه الرضا: «إن أعفيتني فهو أحبّ إليّ و إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّٰه و أمير المؤمنين عليه السلام» فقال له المأمون: اخرج كيف شئت. و أمر القوّاد و الحجاب و الناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السلام.


1) . الفصول المهمّة: 246؛ الإرشاد: 316؛ الأغاني: 58/18؛ زهر الآداب: 86/1؛ معاهد التنصيص: 205/1؛ الإتحاف: 165؛ تاريخ دمشق: 234/5. و للقصّة صلة و من أراد فليرجع إلى المصادر المذكورة.

قال: فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات و السطوح، و اجتمع النساء و الصبيان ينتظرون خروجه، فاغتسل أبو الحسن و لبس ثيابه و تعمّم بعمامةٍ بيضاء من قطنٍ، ألقى طرفاً منها على صدره و طرفاً بين كتفيه، و مسّ شيئاً من الطيب، و أخذ بيده عكازة و قال لمواليه: «افعلوا مثل ما فعلت» فخرجوا بين يديه و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق و عليه ثياب مشمّرة، فمشى قليلاً و رفع رأسه إلى السماء و كبّر و كبّر مواليه معه، فلمّا رآه الجند و القوّاد سقطوا كلّهم عن الدوابّ إلى الأرض، ثمّ كبّر و كبّر الناس، فخيّل إلى الناس أنّ السماء و الحيطان تجاوبه، و تزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج لمّا رأوا الإمام الرضا عليه السلام و سمعوا تكبيره، فبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل فتن به الناس، و خفنا كلّنا على دمائنا، فأنفذ إليه أن يرجع. فأرسل إليه من يطلب منه العودة، فرجع الرضا عليه السلام و اختلف أمر الناس في ذلك اليوم.(1)

و قد أشار الشاعر البحتري إلى تلك القصّة بأبيات منها:

ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا *** لما طلعت من الصفوف و كبّروا

حتّىٰ انتهيت إلىٰ المصلّىٰ لابساً *** نور الهدىٰ يبدو عليك فيظهر


1) . الإرشاد: 312.

و مشيت مشية خاشع متواضع *** للّٰه لا يزهي و لا يتكبّر(1)

إنّ هذا و أمثاله، و بالأخصّ خروج بعض العباسيّين بالبصرة على المأمون؛ لتفويضه ولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا الذي كان في تصوّره سيؤدي إلى خروج الأمر من بيت العباسيين، كل ذلك و غيره دفع المأمون إلى أن يريح نفسه و قومه من هذا الخطر فدسّ إليه السم على النحو المذكور في كتب التاريخ.

من شعر أبي نؤاس فيه عليه السلام

و من لطيف ما نقل عن أبي نؤاس أنّه كان ينشد الشعر في كلّ جليل و طفيف و لم يمدح الإمام، و لما عوتب على ذلك من قبل بعض أصحابه حيث قال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً و لا طرداً و لا معنىٰ إلّا قلت فيه شيئاً، و هذا عليّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً! فقال أبو نؤاس:

و اللّٰه ما تركت ذلك إلّا إعظاماً له، و ليس قدر مثلي أن يقول في مثله، ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الأبيات:

قيل لي أنت أحسن الناس طراً *** في فنون من الكلام النبيه

لك من جيّد القريض مديحٌ *** يثمر الدر في يديّ مجتنيه

فعلامَ تركت مدح ابن موسى *** و الخصال التي تجمّعن فيه

قلت لا أستطيع مدح إمامٍ *** كان جبريلُ خادماً لأبيه

و قال فيه عليه السلام أيضاً:


1) . أعيان الشيعة: 21/2-22

مطهّرون نقيّات جيوبهم *** تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علوياً حين تنسبه *** فما له في قديم الدهر مفتخر

اللّٰه لمّا برا خلقاً فأتقنه *** صفّاكُم و اصطفاكم أيّها البشر

فأنتم الملأ الأعلىٰ و عندكم *** علم الكتاب و ما جاءت به السور (1)

شهادته عليه السلام

و استشهد في طوس من أرض خراسان في صفر 203 ه، و له يومئذ 55 سنة. و لما استشهد الإمام عليه السلام دفن في مدينة طوس في قبر ملاصق لقبر هارون الرشيد، و قبر الإمام الرضا الآن مزار مهيب يتقاطر المسلمون على زيارته و التبرك به.

فسلام اللّٰه عليه يوم ولد، و يوم استشهد، و يوم يبعث حيّاً.

الإمام التاسع: أبو جعفر محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام

ولادته عليه السلام

ولد بالمدينة المنورة في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين بعد المائة، فورث الشرف من آبائه و أجداده، و استسقت عروقه من منبع النبوّة، و ارتوت شجرته من منهل الرسالة.

إمامته عليه السلام

قام بأمر الولاية بعد شهادة والده الرضا عليه السلام عام 203 ه، و استشهد ببغداد عام 220 ه، أدرك خلافة المأمون و أوائل خلافة المعتصم.

أمّا إمامته و وصايته فقد وردت فيها النصوص الوافرة(1).

لقّب بالجواد و القانع و المرتضى و النجيب و التقيّ و الزكيّ و غيرها من الألقاب الدالّة على علو شأنه و ارتفاع منزلته.


1) . انظر الكافي: 320/1-323؛ إثبات الهداة: 321/3-328.

استقدامه إلىٰ بغداد

لمّا توفّي الرضا عليه السلام كان الإمام الجواد في المدينة، و قام بأمر الإمامة بوصية من أبيه و له من العمر تسع أو عشر سنين، و كان المأمون قد مارس معه نفس السياسة التي مارسها مع أبيه عليه السلام خلافاً لأسلافه من العباسيين، حيث إنّهم كانوا يتعاملون مع أئمّة أهل البيت بالقتل و السجن، و كان ذلك يزيد في قلوب الناس حبّاً لأهل البيت و بغضاً للخلفاء، و لمّا شعر المأمون بذلك بدّل ذلك الأُسلوب بأُسلوب آخر و هو استقدام أهل البيت من موطنهم إلى دار الخلافة لكي يشرف على حركاتهم و سكناتهم، و قد استمرّت هذه السياسة في حقّهم إلى الإمام الحادي عشر كما ستعرف.

و ما كان من المأمون عند ما استقدم الإمام إلى مركز الخلافة، إلّا أن شغف به لما رأى من فضله مع صغر سنّه و بلوغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أُمّ الفضل و حملها معه إلى المدينة، و كان حريصاً على إكرامه و تعظيمه و إجلال قدره، و نحن نكتفي في المقام بذكر أمرين:

1 - لمّا توفّي الإمام الرضا عليه السلام و قدم المأمون بغداد، اتّفق أنّ المأمون خرج يوماً يتصيّد، فاجتاز بطرف البلدة و صبيان يلعبون و محمّد الجواد واقف عندهم، فلمّا أقبل المأمون فرّ الصبيان و وقف محمّد الجواد، و عمره آنذاك تسع سنين، فلمّا قرب منه الخليفة قال له: يا غلام ما منعك أن لا تفرّ كما فرّ أصحابك؟! فقال له محمّد الجواد مسرعاً: «يا أمير المؤمنين فرّ أصحابي فرقاً و الظنّ بك حسن أنّه لا يفرّ منك من لا ذنب له، و لم يكن بالطريق ضيق فانتحي

عن أمير المؤمنين» فأعجب المأمون كلامه و حسن صورته فقال له: ما اسمك يا غلام؟ قال: «محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام» فترحّم على أبيه.(1)

2 - لمّا أراد المأمون تزويج ابنته أُمّ الفضل من الإمام الجواد ثقل ذلك على العباسيين و قالوا له: ننشدك اللّٰه أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا؛ فانّا نخاف أن تخرج به عنّا أمراً قد ملّكناه اللّٰه! و تنزع منّا عزّاً قد ألبسناه اللّٰه! فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديماً و حديثاً، و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم و التصغير بهم، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفى اللّٰه المهمّ من ذلك - إلى أن قالوا -: إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه؛ فإنّه صبي لا معرفة له؛ فأمهله حتّى يتأدّب و يتفقّه في الدين ثمّ اصنع ما ترى.

قال المأمون: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، و إنّ أهل هذا البيت علمهم من اللّٰه تعالى و إلهامه، و لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين و الأدب من الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر حتّى يتبيّن لكم ما وصفت لكم من حاله. قالوا: رضينا.

فخرجوا و اتّفق رأيهم على أنّ يحيى بن أكثم يسأله مسألة و هو قاضي الزمان فأجابهم المأمون على ذلك.

و اجتمع القوم في يوم اتّفقوا عليه، و أمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ففعل ذلك، و جلس يحيى بن أكثم بين يديه، و قام الناس في مراتبهم، و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السلام.


1) . الفصول المهمّة: 266.

فقال يحيي بن أكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟

فقال: استأذنه في ذلك.

فأقبل عليه يحيى و قال: أ تأذن لي - جعلت فداك - في مسألة؟

فقال: «سل إن شئت».

فقال: ما تقول - جعلت فداك - في مُحْرم قتل صيداً؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: «في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً كان بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها؟ من صغار الصيد أم كبارها؟ مصرّاً كان على ما فعل أو نادماً؟ ليلاً كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟».

فتحيّر يحيى و بان في وجهه العجز و الانقطاع، و تلجلج حتّى عرف أهل المجلس أمره.

فقال المأمون: الحمد للّٰه على هذه النعمة و التوفيق لي في الرأي، ثمّ قال لأبي جعفر عليه السلام: اخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي و أنا مزوّجك أُمّ الفضل ابنتي.(1)

و لمّا تمّ الزواج قال المأمون لأبي جعفر: إن رأيت - جعلت فداك - أن تذكر الجواب فيما فصّلته من وجوه قتل المُحْرم الصيد لنعلمه و نستفيده.


1) . الإرشاد: 319-321؛ إعلام الورى: 352. و للقصّة صلة فراجع.

فقال أبو جعفر عليه السلام: «إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحل و كان الصيد من ذوات الطير و كان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً؛ فإن قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن، و إذا قتله في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ، و إن كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و إن كان نعامة فعليه بدنة، و إن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، و إذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه و كان إحرامه بالحج نحره بمنى، و إن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء، و في العمد له المأثم و هو موضوع عنه في الخطأ، و الكفّارة على الحرّ في نفسه، و على السيّد في عبده، و الصغير لا كفّارة عليه و هي على الكبير واجبة، و النادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة».

فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر....(1)

رجوعه عليه السلام إلى المدينة

ثمّ إنّ أبا جعفر بعد أن أقام مدّة في بغداد هاجر إلى المدينة و سكن بها مدّة إلى أن توفّي المأمون و بويع المعتصم، و لم يزل المعتصم متفكّراً في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله و وثوبه على الخلافة، فلأجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها أخوه المأمون من قبله فاستقدم الإمام الجواد عليه السلام إلى بغداد


1) . الارشاد: 322.

سنة 220(1)

و لا يخفى أنّه لو كان تاريخ وروده إلى بغداد هي سنة 225 ه، يكون له يوم وفاته 30 سنة من العمر لأنّه ولد عام 195 ه.

و بقي فيها عليه السلام حتى توفّي في آخر ذي القعدة من تلك السنة، و له من العمر 25 سنة و أشهر. و دفن عند جدّه موسى بن جعفر في مقابر قريش.

و قال ابن شهرآشوب: إنّه قبض مسموماً.(2)

فسلام اللّٰه على إمامنا الجواد يوم ولد، و يوم مات أو استشهد بالسمّ، و يوم يبعث حيّاً.


1) . و في الإرشاد: 326، و في إعلام الورى: 304: و كان سبب ورود الإمام إلى بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد بغداد لليلتين بقيتا من محرّم الحرام سنة 225 ه... ثمّ يقول: و كان له يوم قبض 25 سنة.

2) . مناقب ابن شهرآشوب: 379/4.

الإمام العاشر: أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام

ولادته و إمامته عليه السلام

ولد عام 212 ه، و هو من بيت الرسالة و الإمامة، و مقر الوصاية و الخلافة، و ثمرة من شجرة النبوّة.

قام عليه السلام بأمر الإمامة بعد والده الإمام الجواد عليه السلام، و قد عاصر خلافة المعتصم و الواثق و المتوكّل و المنتصر و المستعين و المعتز، و له مع هؤلاء قضايا لا يتّسع المقام لذكرها.

قال ابن شهرآشوب: كان أطيب الناس مهجة، و أصدقهم لهجة، و أملحهم من قريب، و أكملهم من بعيد، إذا صمت علَتْه هيبة الوقار، و إذا تكلّم سماه البهاء.(1)

و قال عماد الدين الحنبلي: كان فقيهاً إماماً متعبّداً.(2)

و قال المفيد: تقلّد الإمامة بعد أبي جعفر ابنه أبو الحسن عليّ بن محمّد، و قد اجتمعت فيه خصال الإمامة و ثبت النص عليه بالإمامة، و الإشارة إليه من أبيه بالخلافة.(3)


1) . مناقب آل أبي طالب: 401/4.

2) . شذرات الذهب: 128/2 في حوادث سنة 254.

3) . الإرشاد: 327.

و قد تضافرت النصوص على إمامته عن طرقنا، فمن أراد فليرجع إلى «الكافي» و «إثبات الهداة» و غيرهما من الكتب المعدّة لذلك.(1)

المتوكّل و مواقفه الشنيعة مع الإمام عليه السلام

لقد مارس المتوكّل نفس الأُسلوب الخبيث الذي رسمه المأمون ثمّ أخوه المعتصم من إشخاص أئمّة أهل البيت من موطنهم و إجبارهم على الإقامة في مقرّ الخلافة، و جعل العيون و الحرّاس عليهم حتى يطّلعوا على دقيق حياتهم و جليلها.

و كان المتوكّل من أخبث الخلفاء العباسيين، و أشدّهم عداءً لعليّ، فبلغه مقام عليّ الهادي بالمدينة و مكانته هناك، و ميل الناس إليه، فخاف منه(2)، فدعا يحيى بن هرثمة و قال: اذهب إلى المدينة، و انظر في حاله و أشخصه إلينا.

قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلمّا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله، خوفاً على عليّ الهادي، و قامت الدنيا على ساق؛ لأنّه كان مُحْسِناً إليهم، ملازماً للمسجد لم يكن عنده ميل إلى الدنيا.

قال يحيى: فجعلت أُسكِنهم و أحلِف لهم أنّي لم أُومر فيه بمكروه، و أنّه لا بأس عليه، ثمّ فتّشت منزله فلم أجد فيه إلّا مصاحف و أدعية و كتب العلم، فعظم في عيني، و تولّيت خدمته بنفسي، و أحسنت عشرته، فلمّا قدمت به بغداد،


1) . الكافي: 323/1-325؛ إثبات الهداة: 355/3-358.

2) . روي أنّ بريحة العباسي أحد أنصار المتوكل و أزلامه كتب إليه: إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها عليّ بن محمد؛ فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه و تبعه خلق كثير.

بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري و كان والياً على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول اللّٰه، و المتوكّل مَنْ تعلَم، فإن حرّضته عليه قتله، كان رسول اللّٰه خصمك يوم القيامة. فقلت له: و اللّٰه ما وقعت منه إلّا على كلّ أمر جميل.

ثمّ صرت به إلى «سرّ من رأى» فبدأت ب «وصيف» التركي، فأخبرته بوصوله، فقال: و اللّٰه لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك، فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته و سلامة طريقه و ورعه و زهادته، و أنّي فتّشت داره و لم أجد فيها إلّا المصاحف و كتب العلم، و أنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل و أحسن جائزته و أجزل برّه، و أنزله معه سامراء.(1)

و مع أنّ الإمام كان يعيش في نفس البلد الذي يسكن فيه المتوكّل، و كانت العيون و الجواسيس يراقبونه عن كثب، إلّا أنّه وشي به إلى المتوكّل بأنّ في منزله كتباً و سلاحاً من شيعته من أهل قم، و أنّه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، و وجدوه في بيت مغلق عليه، و عليه مدرعة من صوف و هو جالس على الرمل و الحصى، و هو متوجّه إلى اللّٰه تعالى يتلو آيات من القرآن، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل و قالوا له: لم نجد في بيته شيئاً، و وجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، و كان المتوكّل جالساً في مجلس الشراب فأُدخل عليه و الكأس في يده، فلمّا رآه هابه و عظّمه و أجلسه إلى جانبه، و ناوله الكأس التي كانت في يده، فقال الإمام عليه السلام:

«و اللّٰه ما خامر لحمي و دمي قط، فاعفني» فأعفاه، فقال له: انشدني شعراً، فقال عليّ: «أنا قليل الرواية للشعر» فقال: لا بدّ، فأنشده و هو جالس عنده:


1) . تذكرة الخواص: 322.

«باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القلل

و استنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** و أُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهمُ صارخ من بعد دفنهم *** أين الأسرّة و التيجان و الحلل

أين الوجوه التي كانت منعّمة *** من دونها تضرب الأستار و الكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل(1)

قد طال ما أكلوا دهراً و ما شربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا»

فبكى المتوكّل حتى بلّتْ لحيته دموع عينه و بكى الحاضرون، و رفع إلى عليّ أربعة آلاف دينار ثمّ ردّه إلى منزله مكرّماً.(2)

آثاره العلمية

روى الحفّاظ و الرواة عن الإمام أحاديث كثيرة في شتّى المجالات من العقيدة و الشريعة، و قد جمعها المحدّثون في كتبهم، و بثّها الحرّ العاملي في كتابه الموسوم ب «وسائل الشيعة» على أبواب مختلفة، و ممّا نلفت إليه النظر أنّ للإمام عليه السلام بعض الرسائل؛ و هي:

1 - رسالته في الردّ على الجبر و التفويض و إثبات العدل و المنزلة بين المنزلتين، أوردها بتمامها الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني في كتابه الموسوم ب «تحف العقول».(3)


1) . ربّما يروى «ينتقل»

2) . مروج الذهب: 11/4.

3) . تحف العقول: 238-352.

2 - أجوبته ليحيى بن أكثم عن مسائله، و هذه أيضاً أوردها الحرّاني في «تحف العقول».

3 - قطعة من أحكام الدين، ذكرها ابن شهرآشوب في المناقب.

و لأجل إيقاف القارئ على نمط خاصّ من تفسير الإمام نأتي بنموذج من هذا التفسير:

قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت» فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنٰا بِمٰا كُنّٰا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا سُنَّتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبٰادِهِ وَ خَسِرَ هُنٰالِكَ اَلْكٰافِرُونَ»(1)، فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(2)

شهادته عليه السلام

توفّي أبو الحسن عليه السلام في رجب سنة أربع و خمسين و مائتين و دفن في داره بسرّمن رأى، و خلّف من الولد أبا محمّد الحسن ابنه و هو الإمام من بعده،


1) . غافر: 84-85.

2) . مناقب آل أبي طالب: 403/4-405.

و الحسين، و محمّد، و جعفر، و ابنته عائشة، و كان مقامه بسرّمن رأى إلى أن قبض عشر سنين و أشهر، و توفّي و سنّه يومئذ على ما قدمناه إحدى و أربعون سنة.(1)

و قد ذكر المسعودي في «إثبات الوصيّة» «تفصيل كيفية وفاته و تشييعه و إيصاء الإمامة لابنه أبي محمّد العسكري» فمن أراد فليراجع.(2)


1) . الإرشاد: 327.

2) . إثبات الوصية: 257.

الإمام الحادي عشر: أبو محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام

أبو محمّد الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد، أحد أئمّة أهل البيت، و الإمام الحادي عشر، الملقب بالعسكري، ولد عام 232 ه(1)، و قال الخطيب في تاريخه(2)و ابن الجوزي في تذكرته(3): أنّه ولد عام 231 ه و أشخص والده إلى العراق سنة 236 ه و له من العمر أربع سنين و عدّة شهور، و قام بأمر الامامة و القيادة الروحية بعد شهادة والده، و قد اجتمعت فيه خصال الفضل، و برز تقدّمه على كافة أهل العصر، و اشتهر بكمال الفعل و العلم و الزهد و الشجاعة(4)، و قد روى عنه لفيف من الفقهاء و المحدّثين يربو عددهم على 150 شخصاً(5). و توفّي عام 260 ه و دفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء.

و خلّف ابنه المنتظر لدولة الحق، و كان قد أخفى مولده و ستر أمره لصعوبة الوقت، و شدّة طلب السلطة، و اجتهادها في البحث عن أمره، و لكنّه سبحانه حفظه من شرار أعدائه كما حفظ سائر أوليائه كإبراهيم الخليل و موسى الكليم، فقد خابت السلطة في طلبهما و الاعتداء عليهما.

و قد اشتهر الإمام بالعسكري لأنّه منسوب إلى عسكر، و يراد بها سرّ من


1) . الكافي: 503/1.

2) . تاريخ بغداد: 366/7.

3) . تذكرة الخواص: 322.

4) . الإرشاد: 335.

5) . العطاردي، مسند الإمام العسكري، و قد جمع فيه كلّ ما روي عنه و أُسند إليه.

رأى التي بناها المعتصم، و انتقل إليها بعسكره، حيث أشخص المتوكل أباه عليّاً إليها و أقام بها عشرين سنة و تسعة أشهر فنُسب هو و ولده إليها(1).

قال سبط ابن الجوزي: كان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جدّه و من جملة مسانيده حديث في الخمر عزيز.

ثمّ ذكر الحديث عن جدّه أبي الفرج الجوزيّ في كتابه المسمّى ب «تحريم الخمر»، ثمّ ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري و هو يسند الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب و هو يقول: «أشهد باللّٰه لقد سمعت محمّداً رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: أشهد باللّٰه لقد سمعت جبرائيل يقول: أشهد باللّٰه لقد سمعت ميكائيل يقول: أشهد باللّٰه لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهد باللّٰه على اللوح المحفوظ أنّه قال: سمعت اللّٰه يقول: شارب الخمر كعابد الوثن».(2)

و لقد وقع سبط ابن الجوزي في الاشتباه عند ما توهّم أنّ اسناد الإمام عليه السلام هذا الحديث إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مختص بهذا المورد، و لكن الحقيقة غير ذلك، فإنّ أحاديث أهل البيت مروية كلّها عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، فهم لا يروون في مجال الفقه و التفسير و الأخلاق و الدعاء إلّا ما وصل إليهم عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله عن طريق آبائهم و أجدادهم، و مروياتهم لا تعبّر عن آرائهم الشخصية، فمن قال بذلك و تصوّر كونهم مجتهدين مستنبطين، فقد قاسهم بالآخرين ممّن يعتمدون على آرائهم الشخصية، و هو في قياسه خاطئ؛ منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس، و لم يحضروا مجلس


1) . وفيات الأعيان: 94/2.

2) . تذكرة الخواص: 324.

أحد من العلماء، و لا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم، فما يذكرونه من علوم ورثوها من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وراثة غيبية لا يعلم كنهها إلّا اللّٰه سبحانه و الراسخون في العلم.

و هذا الإمام جعفر الصادق عليه السلام يبيّن هذا الأمر بوضوح لا لبس فيه، حيث يقول: «إنّ حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، و حديث علي أمير المؤمنين حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و حديث رسول اللّٰه قول اللّٰه عزّ و جلّ».(1)

و روى حفص بن البختري، قال: قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك، فقال: «ما سمعته منّي فاروه عن أبي، و ما سمعته منّي فاروه عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله».(2)

فأئمّة المسلمين على حد قول القائل:

و وال أُناساً نقلهم و حديثهم *** روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

و لقد عاتب الإمام الباقر عليه السلام سلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة حيث كانا يأخذان الحديث من الناس و لا يهتمان بأحاديث أهل البيت، فقال لهما: «شرّقا و غرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلّا شيئاً خرج من عندنا أهلَ البيت».

و رغم أنّ الخلفاء العباسيين قد وضعوا الإمام تحت الإقامة الجبرية و جعلوا عليه عيوناً و جواسيس، و لكن روى عنه الحفّاظ و الرواة أحاديث جمّة في شتى المجالات، بل يروى أنّ الإمام عليه السلام و رغم كلّ ذلك كان على اتّصال


1) . الإرشاد: 274.

2) . وسائل الشيعة ج 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 86.

مستمر بالشيعة الذين كان عددهم يقدر بمئات الآلاف، و حيث كان لا مرجع لهم سوى الإمام عليه السلام.

كما أنّ الكلام عن أخلاقه و أطواره، و مناقبه و فضائله، و كرمه و سخائه، و هيبته و عظمته، و مجابهته للخلفاء العباسيين بكل جرأة و عزّة و ما نقل عنه من الحكم و المواعظ و الآداب، يحتاج إلى تأليف مفرد و كفانا في ذلك علماؤنا الأبرار، بيد أنّا نشير إلى لمحة من علومه.

1 - لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسّرين فضربوا يميناً و شمالاً، و قد أنهى الرازي أقوالهم فيها في أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولاً، و لكن الإمام عليه السلام عالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه و أقربها للطبع، فقال:

«كذبت قريش و اليهود بالقرآن، و قالوا سحر مبين تقوّله، فقال اللّٰه: «الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ» أي: يا محمّد، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة الّتي منها «ألف»، «لام»، «ميم» و هو بلغتكم و حروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، و استعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّه لا يقدرون عليه بقوله: «قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً»(1)».(2)

و قد روي هذا المعنى عن أبيه الإمام الهادي عليه السلام.(3)

2 - كان أهل الشغب و الجدل يلقون حبال الشك في طريق المسلمين


1) . الإسراء: 88.

2) . معاني الأخبار: 24، و للحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.

3) . الكافي: 24/1-25، كتاب العقل و الجهل، الحديث 20.

فيقولون إنّكم تقولون في صلواتكم: «اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ» أو لستم فيه؟ فما معنى هذه الدعوة؟ أو أنّكم متنكّبون عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الإمام الآية قاطعاً لشغبهم فقال: «أدِم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمالنا».

ثمّ فسّر الصراط بقوله: «الصراط المستقيم هو: صراطان: صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، أمّا الأوّل فهو ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير، و استقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل، و أمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنّة إلى النار و لا إلى غير النار سوى الجنّة».(1)

و كان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الإمام العسكري و نسبوا إلى الأئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء، و لأجل ذلك يركّز الإمام على أنّ الصراط المستقيم لكل مسلم هو التجنّب عن الغلو و التقصير.

3 - ربّما يغتر الغافل بظاهر قوله سبحانه: «صِرٰاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» و يتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال و الأولاد و صحّة البدن، و إن كان كلّ هذا نعمة من اللّٰه، و لكنّ المراد من الآية بقرينة قوله: «غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ»(2)هو نعمة التوفيق و الهداية، و لأجل ذلك نرى أنّ الإمام يفسّر هذا الإنعام بقوله: «قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك، و هم الذين قال اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ


1) . معاني الأخبار: 33.

2) . الفاتحة: 7.

اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً» ثمّ قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال و صحّة البدن و إن كان كلّ هذا نعمة من اللّٰه ظاهرة».(1)

4 - لقد تفشّت آنذاك فكرة عدم علمه سبحانه بالأشياء قبل أن تخلق، تأثراً بتصورات بعض المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان، فسأله محمّد بن صالح عن قول اللّٰه: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ»(2)فقال:

«هل يمحو إلّا ما كان و هل يثبت إلّا ما لم يكن»؟

فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي: إنّه لا يعلم الشيء حتى يكون، فنظر إليَّ شزراً، و قال: «تعالى اللّٰه الجبّار العالم بالشيء قبل كونه، الخالق إذ لا مخلوق، و الربّ إذ لا مربوب، و القادر قبل المقدور عليه».(3)


1) . معاني الأخبار: 36.

2) . الرعد: 39:

3) . إثبات الوصية: 241.

الإمام الثاني عشر: المهدي ابن الحسن المنتظر عليه السلام

اشارة

هو أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري الحجّة، الخلف الصالح، ولد عليه السلام بسرّمن رأى ليلة النصف من شعبان، سنة خمس و خمسين و مائتين، و له من العمر عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه اللّٰه الحكم صبيّاً كما حدث ليحيى، حيث قال سبحانه: «يٰا يَحْيىٰ خُذِ اَلْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا».(1)

و جعله إماماً و هو طفل، كما جعل المسيح نبيّاً و هو رضيع قال سبحانه عن لسانه و هو يخاطب قومه: «إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا»(2).

اتّفق المسلمون على ظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل و الظلم، و الجور، و نشر أعلام العدل، و إعلاء كلمة الحق، و إظهار الدين كلّه و لو كره المشركون، فهو بإذن اللّٰه ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير اللّٰه، و يلغي الأخلاق و العادات الذميمة، و يبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، و يقطع أَواصر التعصّبات القومية و العنصرية، و يمحي أسباب العداء و البغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة و افتراق الكلمة، و يحقّق اللّٰه سبحانه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:


1) . مريم: 12.

2) . مريم: 30.

1 - «وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(1).

2 - «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوٰارِثِينَ» (2).

3 - «وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ» (3).

و تشهد الأُمّة بعد ظهوره عليه السلام عصراً ذهبياً لا يبقى فيه على الأرض بيت إلّا و دخلته كلمة الإسلام، و لا تبقى قرية إلّا و ينادى فيها بشهادة «لا إله إلّا اللّٰه» بكرة و عشياً.

أقول: لقد تواترت النصوص الصحيحة و الأخبار المروية من طريق أهل السنّة و الشيعة المؤكدة على إمامة أهل البيت عليهم السلام، و المشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل، و أنّ آخر هؤلاء الأئمّة هو الذي يملأ الأرض - في عهده - عدلاً و قسطاً كما ملئت ظلماً و جوراً، و أنّ أحاديث الإمام الثاني عشر الموسوم بالمهدي المنتظر قد رواها جملة من محدثي السنَّة في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي (المتوفّى عام 297 ه)، و أبي داود (المتوفّى عام 275 ه) و غيرهم؛ حيث أسندوا رواياتهم هذه إلى جملة من أهل بيت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله،


1) . النور: 55.

2) . القصص: 5.

3) . الأنبياء: 105.

و صحابته، أمثال علي بن أبي طالب عليه السلام، و عبد اللّٰه بن عباس، و عبد اللّٰه بن عمر و أُمّ سلمة زوجة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و أبي سعيد الخدري، و أبي هريرة و غيرهم:

1 - روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «لو لم يبق من الدهر إلّا يوم واحد لبعث اللّٰه رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً».(1)

2 - أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».(2)

3 - أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة - رضي اللّٰه عنها - قالت: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».(3)

4 - أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».(4)

إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه حتّى قال الدكتور عبد الباقي: إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث و الآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة و أكثر من صاحب كتاب صحيح.(5)

هذا هو المهدي الذي اتّفق المحدّثون و المتكلّمون عليه، و إنّما الاختلاف


1) . مسند أحمد: 99/1، 17/3 و 70.

2) . جامع الأُصول: 48/11 برقم 7810.

3) . جامع الأُصول: 48/11 برقم 7812.

4) . المصدر نفسه برقم 7810.

5) . بين يدي الساعة: 123.

بين الشيعة و السنّة في ولادته، فالشيعة ذهبت إلى أنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر الذي ولد بسامراء عام 255 ه و اختفى بعد وفاة أبيه عام 260 ه، و قد تضافرت عليه النصوص من آبائه، على وجه ما ترك شكّاً و لا شبهة(1)و وافقتهم جماعة من علماء أهل السنّة، و قالوا بأنّه ولد و أنّه محمّد بن الحسن العسكري.

نعم كثير منهم قالوا: بأنّه سيولد في آخر الزمان، و بما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، فمن رجع إلى روايات أئمّة أهل البيت في كتبهم يظهر له الحق، و أنّ المولود للإمام العسكري هو المهدي الموعود.

و ممّن وافق من علماء أهل السنّة بأنّ وليد بيت الحسن العسكري هو المهدي الموعود:

1 - كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي الشافعي في كتابه «مطالب السئول في مناقب آل الرسول». و قد أثنى عليه من ترجم له مثل اليافعي في «مرآة الجنان» في حوادث سنة 652 ه.

قال - بعد سرد اسمه و نسبه -: «المهدي الحجّة، الخلف الصالح المنتظر، فأمّا مولده فبسرمن رأى، و أمّا نسبه أباً فأبوه الحسن الخالص» ثمّ أورد عدّة أخبار واردة في المهدي من طريق أبي داود، و الترمذي و مسلم، و البخاري و غيرهم، ثمّ ذكر بعض الاعتراضات بالنسبة إلى أحواله عليه السلام من حيث الغيبة و طول العمر و غير ذلك، و أجاب عنها جميعاً، ثمّ قال رادّاً على تأويل البعض لهذه الروايات بأنّها لا تدلّ على أنّه محمّد بن الحسن العسكري


1) . اقرأ هذه النصوص في كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق: 360-381، ترى فيه النصوص المتضافرة على أنّ المهدي الموعود هو ولد الإمام أبي محمّد الحسن العسكري و أنّ له غَيبة.

قائلاً: بأنّ الرسول لما وصفه و ذكر اسمه و نسبه وجدنا تلك الصفات و العلامات موجودة في محمّد بن الحسن العسكري علمنا هو المهدي.

2 - أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في كتابيه:

«البيان في أخبار صاحب الزمان» و «كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب».

3 - نور الدين علي بن محمّد بن الصباغ المالكي في كتابه: «الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة».

4 - الفقيه الواعظ شمس الدين المعروف بسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص».

إلى غير ذلك من علماء و حفّاظ ذكر أسماءهم و كلماتهم السيد الأمين في «أعيان الشيعة» و أنهاها إلى ثلاثة عشر، ثمّ قال: و القائلون بوجود المهدي من علماء أهل السنّة كثيرون، و فيما ذكرناه منهم كفاية، و من أراد الاستقصاء فليرجع إلى كتابنا «البرهان على وجود صاحب الزمان» و رسالة «كشف الأستار» للشيخ حسين النوري.(1)

و قد كان الاعتقاد بظهور المهدي في عصر الأئمّة الهداة أمراً مسلّماً، حتى أنّ شاعراً مثل دعبل الخزاعي ذكره في قصيدته التي أنشدها لعلي بن موسى الرضا عليه السلام فقال:

خروج إمام لا محالة قائم *** يقوم على اسم اللّٰه و البركات


1) . أعيان الشيعة: 64/2-75.

يميز فينا كل حق و باطل *** و يجزي على النعماء و النقمات

و لمّا وصل دعبل إلى هذين البيتين بكى الرضا عليه السلام بكاءً شديداً ثمّ رفع رأسه، فقال له: «يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟».

فقلت: لا يا مولاي، إلّا أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد، و يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.

فقال: «يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني (الجواد) و بعد محمّد ابنه علي (الهادي)، و بعد علي ابنه الحسن (العسكري)، و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّٰه ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً، و أمّا متى؟ فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قيل له: يا رسول اللّٰه متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله الساعة لا يجلّيها لوقتها إلّا هو، ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة».(1)

ثمّ إنّ للمهدي - عجّل اللّٰه تعالى فرجه - غيبتين صغرى و كبرى، كما جاءت بذلك الأخبار عن أئمّة أهل البيت، أمّا الغيبة الصغرى فمن ابتداء إمامته إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته بوفاة السفراء و عدم نصب غيرهم، و قد مات السفير الأخير علي بن محمّد السمري عام 329 ه، ففي هذه الفترة كان السفراء يرونه و ربّما رآه غيرهم و يصلون إلى خدمته و تخرج على أيديهم توقيعات منه إلى شيعته في أُمور شتّى.


1) . كمال الدين و تمام النعمة: 372/2.

و أمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الأُولى إلى أن يقوم بإذن اللّٰه تعالى.

و أمّا من رأى الحجّة في زمان أبيه و في الغيبة الصغرى و حتى في الكبرى، فحدّث عنه و لا حرج، و قد أُلّفت في ذلك كتب أحسنها و أجملها: «كمال الدين» للصدوق، و «الغيبة» للشيخ الطوسي.

فنذكر هنا بعض من رآه في صباه:

فيمن رأى المهدي في بيت الإمام العسكري:

إنّ هناك لفيفاً من أصحاب الإمام العسكري رأوا الإمام المهدي في أيام صباه، و والده بعد حي. و ها نحن نذكر من الكثير شيئاً قليلاً حتى لا يرتاب المنصف في ولادته:

1 - روى يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام و هو جالس على دكّان في الدار، و عن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: من صاحب هذا الأمر؟ فقال: «ارفع الستر». فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشرة أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال، و في رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد، ثمّ قال لي: «هذا صاحبكم».(1)

2 - روى إبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري قال: لما همّ الوالي عمر بن عوف بقتلي غلب عليَّ خوف عظيم، فودعت أهلي و توجهت إلى دار أبي محمّد لأُودّعه، و كنت أردت الهرب، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في


1) . كمال الدين: 407/2 الباب 38، الحديث 2.

جنبه و كان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره و ضيائه و كاد ينسيني ما كنت فيه، فقال: «يا إبراهيم لا تهرب فإنّ اللّٰه سيكفيك شره»، فازداد تحيّري، فقلت لأبي محمّد: يا سيدي يا بن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من هذا و قد أخبرني بما كان في ضميري؟ فقال: «هو ابني و خليفتي من بعدي».(1)

3 - روى أحمد بن إسحاق قال: قلت لأبي محمد الحسن العسكري: يا ابن رسول اللّٰه فمن الإمام و الخليفة بعدك؟ فنهض عليه السلام مسرعاً فدخل البيت ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك علىٰ اللّٰه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و كنيّه، الّذي يملأ الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً».(2)

4 - روى أبو الحسين الحسن بن وجناء قال: حدثني أبي عن جده أنّه كان في دار الحسن بن علي عليه السلام فكبستنا الخيل و فيها جعفر بن علي الكذّاب و اشتغلوا بالنهب و الغارة و كانت همّتي في مولاي القائم عليه السلام، قال: فإذا أنا به، قد أقبل و خرج عليهم من الباب و أنا أنظر إليه و هو عليه السلام ابن ست سنين فلم يره أحد حتى غاب.(3)

5 - روى عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: سألت أبا عمر عثمان بن سعيد العمري (أحد وكلاء الإمام أيام غيبته) فقلت له: هل أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد عليه السلام؟ فقال: أي و اللّٰه و رقبته مثل ذا - أومأ بيده - فقلت له: فبقيت


1) . إثبات الهداة: 700/3، الباب 33، الحديث 136.

2) . كمال الدين: 384/2، الباب 38، الحديث 1.

3) . المصدر نفسه: 473/2، الباب 43، الحديث 25.

واحدة؟ فقال لي: هات. قلت: الاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك....(1)

6 - روت حكيمة بنت الإمام محمد الجواد قالت: بعث إليَّ أبو محمّد الحسن بن علي عليه السلام فقال: «يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ اللّٰه تبارك و تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، و هو حجّته في أرضه». ثمّ إنّ حكيمة عمة الإمام العسكري تتحدث عن ولادة الإمام المهدي و تقول: فضممته إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف، فصاح بي أبو محمد عليه السلام:

«هلمّ إليَّ ابني يا عمة»، فجئت إليه....(2)

7 - و روى كامل بن إبراهيم فقال: دخلت على سيدي أبي محمد عليه السلام إذ نظرت إليه على ثياب بيض ناعمة فقلت في نفسي: ولي اللّٰه و حجّته يلبس الناعم من الثياب، و يأمرنا بمواساة إخواننا و ينهانا عن لبس مثله، فقال الإمام: «يا كامل» و حسر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن، فقال: «هذا للّٰه و هذا لكم»، فجاءت الريح، فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: «يا كامل بن إبراهيم». فاقشعررت من ذلك، و ألهمت أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: «جئت إلى وليّ اللّٰه و حجّته تريد أن تسأل: لا يدخل الجنة إلّا من عرف معرفتك و عرف مقالتك»... إلى أن قال:

فنظر إليَّ أبو محمّد و تبسّم و قال: «يا كامل بن إبراهيم، ما جلوسك و قد أبانك المهدي و الحجّة من بعدي بما كان في نفسك و جئت تسألني عنه». قال:


1) . الكافي: 329/1 الحديث 1.

2) . كمال الدين: 424/2، الباب 42، الحديث 1.

فنهضت و قد أخذت الجواب الذي أسررته في نفسي من الإمام المهدي و لم ألقه بعد ذلك.(1)

هذه نماذج ممّن رأى الإمام المهدي بعد ولادته، و قبل غيبته ذكرناها و لو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام في المقال.

أسئلة مهمّة حول المهدي - عجّل اللّٰه تعالى فرجه -

اشارة

إنّ القول بأنّ الإمام المهدي لا يزال حيّاً يرزق منذ ولادته عام 255 هجرية إلى الآن، و أنّه غائب سوف يظهر بأمر من اللّٰه سبحانه، أثار أسئلة حول حياته و إمامته، نذكر رءوسها:

1 - كيف يكون إماماً و هو غائب، و ما الفائدة المرتقبة منه في غيبته؟

2 - لما ذا غاب؟

3 - كيف يمكن أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟

4 - ما هي أشراط و علائم ظهوره؟

هذه أسئلة أُثيرت حول الإمام المهدي منذ أن غاب، و كلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها، و قد قام المحقّقون من علماء الإمامية بالإجابة عليها في مؤلّفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها، غير أنّ الإحالة لما كانت غير خالية عن المحذور، نبحث عنها على وجه الإجمال، و نحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال.


1) . الغَيبة: 148؛ كشف الغمة: 289/3 عن الخرائج، و غيرهما من المصادر.

الأوّل: كيف يكون إماماً و هو غائب؟ و ما فائدته؟

إنّ القيادة و الهداية و القيام بوظائف الإمامة، هو الغاية من تنصيب الإمام، أو اختياره، و هو يتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء الأُمة، مشاهداً لهم، فكيف يكون إماماً قائداً، و هو غائب عنهم؟!

و الجواب: على وجهين نقضاً و حلاً.

أمّا النقض: فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أولياء اللّٰه، و أنّهم بين ظاهرٍ قائم بالأُمور و مُختَفٍ قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إنّ كتاب اللّٰه العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الأئمّة و الأولياء و القادة للأُمّة: وليّ غائب مستور، لا يعرفه حتى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى عليه السلام بقوله: «فَوَجَدٰا عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا آتَيْنٰاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنٰا وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً * قٰالَ لَهُ مُوسىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّٰا عُلِّمْتَ رُشْداً» الآيات(1).

و وليّ ظاهر باسط اليد، تعرفه الأُمّة و تقتدي به.

فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربّما يكون غائباً، و لكنّه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أُمّته، بل يتصرّف في مصالحها و يرعى شئونها، من دون أن يعرفه أبناء الأُمّة.


1) . الكهف: 65-82.

فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الولي إمّا ولي حاضر مشاهَد، أو غائب محجوب.

و إلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ، يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصحر، تنفَّس الصعداء، و كان ممّا قاله: «اللّهم، لا تخلو الأرض من قائم للّٰه بحجّةٍ، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلّا تبطل حُجج اللّٰه و بيِّناته».(1)

و ليست غيبة الإمام المهدي، بِدعاً في تاريخ الأولياء، فهذا موسى بن عمران، قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً، و كان نبيّاً وليّاً، يقول سبحانه:

«وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلاٰثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ»(2).

و هذا يونس كان من أنبياء اللّٰه سبحانه، و مع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه: «وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنٰادىٰ فِي اَلظُّلُمٰاتِ أَنْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْغَمِّ وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي اَلْمُؤْمِنِينَ»(3).

أولم يكن موسى و يونس نبيَّين من أنبياء اللّٰه سبحانه؟ و ما فائدة نبي يغيب عن الأبصار، و يعيش بعيداً عن قومه؟


1) . نهج البلاغة بتعليقات عبده: 186/3 قصار الحكم، الرقم 147.

2) . الأعراف: 142.

3) . الأنبياء: 87-88.

فالجواب في هذا المقام، هو الجواب في الإمام المهدي عليه السلام، و سيوافيك ما يفيدك من الانتفاع بوجود الإمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.

و أمّا الحلّ: فمن وجوه:

الأوّل: إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته، لا يدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالسائل جَعَلَ عدم العلم طريقاً إلى العلم بالعدم!! و كم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الإسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، و هذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، و لا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأُمور المهمّة في عالم التكوين و التشريع، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه، و إن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.

و على ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته.

الثاني: إنّ الغَيبَة لا تلازم عدم التصرف في الأُمور، و عدم الاستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه أكبر أنبياء اللّٰه في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، و لم يَعْلَم أصحاب السفينة بتصرّفه، و إلّا لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية علمه. كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كلّ يوم و ليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. و يؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، و يحجّ و يصاحب الناس،

و يحضر المجالس، كما دلّت على أنّه يغيث المضطرين، و يعود المرضى، و ربّما يتكفّل - بنفسه الشريفة - قضاء حوائجهم، و إن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث: المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته، و أمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الأُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، و الاستفادة من نور وجوده، و بالتالي تستفيد الأُمّة بواسطتهم.

الرابع: لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأُمور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره على التصرف في الأُمور كما فعل الإمام المهدي - أرواحنا له الفداء - في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، و كانت الصلة بينه و بين الناس مستمرّة بهم. و في الغيبة الكبرى نصب الفقهاء و العلماء العدول العالمين بالأحكام، للقضاء و تدبير الأُمور، و إقامة الحدود، و جعلهم حجة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، و بيان الأحكام، و دفع الشبهات، و بكل ما يتوقّف عليه نظم أُمور الناس.(1)

و المراد من الغيبة الكبرى: غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق أشخاص معينين، و حلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء و العلماء العدول، كما جاء في توقيعه الشريف: «و أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّٰه عليهم» (كمال الدين، الباب 45، ص 484).


1) . المراد من الغيبة الصغرى، غيبته - صلوات اللّٰه عليه - منذ وفاة والده عام 260 ه إلى عام 329 ه، و قد كانت الصلة بينه و بين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الأربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، و ولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان، و الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، و الشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري.

و إلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي عليه السلام في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقوله: «و أمّا وجهُ الانتفاع بي في غَيبتي، فكالانتفاع بالشَّمسِ إذا غيّبَها عن الأبصار السحاب».(1)

الثاني: لما ذا غاب المهدي عليه السلام؟

إنّ ظهور الإمام بين الناس، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتب عليه في زمن الغيبة، فلما ذا غاب عن الناس، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده، و ما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

الجواب:

أنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض و الحل:

أمّا النقض: فبما ذكرناه في الإجابة عن السؤال الأوّل، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته، لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة، بل هو المتعيّن.

و أمّا الحلّ: فإنّ أسباب غيبته، واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات، فإنّ الإمام المهدي عليه السلام هو آخر الأئمة الاثني عشر الذين وعد بهم الرسول، و أناط عزّة الإسلام بهم، و من المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تُقدِّرْهُم، بل كانت لهم بالمرصاد، تلقيهم في السجون و تريق دماءهم الطاهرة


1) . كمال الدين: 485، الباب 45، الحديث 4. و قد ذكر العلّامة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحار الأنوار: 93/52-94، الباب 20.

بالسيف أو السمّ، فلو كان ظاهراً، لأقدموا على قتله، إطفاءً لنوره، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكن مستوراً عن أعين الناس، يراهم و يرونه و لكن لا يعرفونه، إلى أن تقتضي مشيئة اللّٰه سبحانه ظهوره، بعد حصول استعدادٍ خاص في العالم لقبوله، و الانضواء تحت لواء طاعته، حتى يحقّق اللّٰه تعالى به ما وعد به الأُمم جمعاء من توريث الأرض للمستضعفين.

و قد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة، روى زرارة قال:

سمعت أبا جعفر (الباقر عليه السلام) يقول: «إنّ للقائم غَيبة قبل أن يقوم»، قال: قلت:

و لِمَ؟ قال: «يخاف». قال زرارة: يعني القتل.

و في رواية أُخرى: يخاف على نفسه الذبح.(1)

و سيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره.

الثالث: الإمام المهدي و طول عمره:

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي، طول عمره في فترة غَيبته، فإنّه ولد عام 255 ه، فيكون عمره إلى العصر الحاضر أكثر من ألف و مائة و خمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

الجواب:

من وجهين، نقضاً و حلّاً.


1) . لاحظ كمال الدين: 281، الباب 44، الحديث 8 و 9 و 10.

أمّا النقض: فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الأنبياء عاش قرابة ألف سنة، قال تعالى : «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّٰ خَمْسِينَ عٰاماً»(1).

و قد تضمّنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمّرين، و ذكرت أحوالهم في سِفْر التكوين(2).

و قد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين، ككتاب «المعمّرين» لأبي حاتم السجستاني، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب «كمال الدين»(3)، و العلّامة الكراجكي في رسالته الخاصّة، باسم «البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان»(4)، و العلاّمة المجلسي في البحار(5)، و غيرهم.

و أمّا الحلّ: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة اللّٰه سبحانه: «وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ»(6)، فإنّه إذا كانت حياته و غيبته و سائر شئونه، برعاية اللّٰه سبحانه، فأي مشكلة في أن يمدّ اللّٰه سبحانه في عمره ما شاء، و يدفع عنه عوادي المرض و يرزقه عيش الهناء.

و بعبارة أُخرى: إنّ الحياة الطويلة إمّا ممكنة في حد ذاتها أو ممتنعة،


1) . العنكبوت: 14.

2) . التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الجملة 5، و ذكر هناك أعمار آدم، و شيث، و نوح، و غيرهم.

3) . كمال الدين: 555.

4) . البرهان على صحة طول عمر صاحب الزمان، ملحق ب «كنز الفوائد»، له. أيضاً الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمرين ص 114-155.

5) . بحار الأنوار: 225/51-293، الباب 14.

6) . الأنعام: 91.

و الثاني لم يقل به أحد، فتعيّن الأوّل، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه، لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الإنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة، و أنّ موت الإنسان في فترة متدنية، ليس لقصور الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، و لو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية و المعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء اللّٰه.

و هناك كلمات ضافية من مَهَرة علم الطب في إمكان إطالة العمر، و تمديد حياة البشر، نشرت في الكتب و المجلات العلمية المختلفة.(1)

و بالجملة، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحّة، توجب طول العمر، فكلّما كثرت العناية برعاية تلك الأُصول، طال العمر، و لأجل ذلك نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، أقلّ من السابق، و المعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، و ما هو إلّا لرعاية أُصول الصحّة، و من هنا أُسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلىٰ أمد معلوم تحت مقرّرات خاصة و حدود معيّنة، جارية على قوانين حفظ الصحّة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحّة من كلّ وجه، طال عمره إلى ما شاء اللّٰه.

و إذا قرأت ما تُدَوِّنه أقلام الأطباء في هذا المجال، يتّضح لك معنى قوله سبحانه: «فَلَوْ لاٰ أَنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(2).

فإذا كان عيش الإنسان في بطون الحيتان، في أعماق المحيطات، ممكناً


1) . لاحظ مجلة المقتطف، الجزء الثالث من السنة التاسعة و الخمسين.

2) . الصافات: 143-144.

إلى يوم البعث، فكيف لا يعيش إنسان على اليابسة، في أجواء طبيعية، تحت رعاية اللّٰه و عنايته، إلى ما شاء اللّٰه؟

الرابع: ما هي علائم ظهوره عليه السلام؟

إذا كان للإمام الغائب، ظهورٌ بعد غيبة طويلة، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علامات و أشراط تخبر عن ظهوره، فما هي هذه العلامات؟

الجواب:

إنّ ما جاء في كتب الأحاديث من الحوادث و الفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين:

قسم هو من أشراط الساعة و علامات دنوّ القيامة.

و قسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

و ربّما وقع الخلط بينهما في الكتب، و نحن نذكر القسم الثاني منهما، و هو عبارة عن أُمور عدّة، منها:

1 - النداء في السماء.

2 - الخسوف و الكسوف في غير مواقعهما.

3 - الشقاق و النفاق في المجتمع.

4 - ذيوع الجور و الظلم و الهرج و المرج في الأُمّة.

5 - ابتلاء الإنسان بالموت الأحمر و الأبيض.

6 - قتل النفس الزكية.

7 - خروج الدجّال.

8 - خروج السفياني.

و غير ذلك مما جاء في الأحاديث الإسلامية.(1)

هذه هي علامات ظهوره، و لكن هناك أُمور تمهّد لظهوره، و تسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى أبرزها:

1 - الاستعداد العالمي: و المراد منه أنّ المجتمع الإنساني - و بسبب شيوع الفساد - يصل إلى حدّ، يقنط معه من تحقّق الإصلاح بيد البشر، و عن طريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة، و أنّ ضغط الظلم و الجور علىٰ الإنسان يحمله عن أن يُذعن و يُقرّ بأنّ الإصلاح لا يتحقّق إلّا بظهور إعجاز إلهي، و حضور قوّة غيبية، تدمّر كلّ تلك التكتلات البشرية الفاسدة، التي قَيّدَتْ بسلاسلها أعناق البشر.

2 - تكامل العقول: إنّ الحكومة العالمية للإمام المهدي عليه السلام لا تتحقّق بالحروب و النيران و التدمير الشامل للأعداء، و إنّما تتحقّق برغبة الناس إليها، و تأييدهم لها، لتكامل عقولهم و معرفتهم.

يقول الإمام الباقر عليه السلام في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف، تجتمع عقول البشر و تكتمل أحلامهم: «إذا قام قائمنا، وَضَعَ اللّٰه يده على رءوس العباد، فيجمع بها عقولهم، و كملت به أحلامهم».(2)


1) . لاحظ للوقوف على هذه العلامات، بحار الأنوار: 181/52-308، الباب 25؛ كتاب المهدي، للسيد صدر الدين الصدر؛ و منتخب الأثر: 424-462.

2) . منتخب الأثر: 483.

فقوله عليه السلام: «فيجمع بها عقولهم»، بمعنى أنّ التكامل الاجتماعي يبلغ بالبشر إلى الحدّ الذي يَقْبَلُ فيه تلك الموهبة الإلهية، و لن يترصّد للثورة على الإمام و الانقلاب عليه، و قتله أو سجنه.

3 - تكامل الصناعات: إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلّا بتكامل الصناعات البشرية، بحيث يسمع العالم كلّه صوته و نداءه، و تعاليمه و قوانينه في يوم واحد، و زمنٍ واحدٍ.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ المؤمنَ في زمان القائم، و هو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب، و كذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق».(1)

4 - الجيش الثوري العالمي: إنّ حكومة الإمام المهدي، و إن كانت قائمة على تكامل العقول، و لكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر و فعّال، يُمَهِّد الطريق للإمام عليه السلام و يواكبه بعد الظهور إلى تحقّق أهدافه و غاياته المتوخّاة.


1) . منتخب الأثر: 483.

حصيلة البحث

هؤلاء هم أئمّة الشيعة و قادتهم بل أئمّة المسلمين جميعاً، و كيف لا يكونون كذلك؟ و قد ترك رسول اللّٰه بعد رحلته الثقلين و حثّ الأُمّة على التمسّك بهما و قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».(1)

و لكن المؤسف أنّ أهل السنّة و الجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب اللّٰه العزيز على أقوال أئمّة أهل البيت و هم قرناء القرآن و أعداله و الثقل الآخر من الثقلين، و إنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم و لا يشقّون غبارهم، نظراء مجاهد بن جبر (المتوفّى عام 104 ه)، و عكرمة البربري (المتوفّى عام 104 ه)، و طاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 106 ه) و عطاء بن أبي رباح (المتوفّى عام 114 ه)، و محمّد بن كعب القرظي (المتوفّى عام 118 ه)، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة و المكانة العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت - صلوات اللّٰه عليهم -...

فالإسلام عقيدة و شريعة، و النجاة عن الضلال - حسب مفاد حديث الثقلين - هو الرجوع إليهما، و أمّا غيرهما فإن رجع إليهما فنعم المطلوب و إلّا فلا قيمة له، أمّا الصحابة و التابعون، فلا يعتد برأيهم إلّا إذا كان مأخوذاً عن كتابه سبحانه أو سنّة نبيّه، و ليس حديث أئمّة أهل البيت إلّا إشراقاً خالداً لحديث جدّهم الأكرم و سنّته.


1) . رواه غير واحد من أصحاب الصحاح و المسانيد و هو من الأحاديث المتواترة، (لاحظ نشرة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، حول هذا الحديث، ترى أسنادها موصولة إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله).

الفصل الثاني عشر: دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلاميّة

تمهيد

إنّ الحديث عن دور الإنسان في بناء الحضارة البشرية حديث ذو شجون لا يسع المرء و هو يتحدّث عنه إلّا أن يتبيّن بوضوح أثر العمق العقائدي في استقرار هذه الحضارات المتلاحقة و التي تركت - و بلا شكّ - لها بعض الآثار الدالّة عليها، و هذا العامل الداعم لقيام تلك الحضارات يكون و بلا أدنى ريب المفصل الأساسي في هيكلية ذلك البناء الكبير.

و لقد شهدت الحياة البشرية على هذا الكوكب (الأرض) حضارات متعدّدة، لكلّ ميزاتها و خصائصها التي ضبطها التاريخ، و أفصحت عنها الاكتشافات الأثرية.

و من مشاهير هذه الحضارات: الحضارة الصينية، المصرية، البابلية، اليونانية، الرومانية، الفارسية، و أخيراً الحضارة الغربية القائمة في عصرنا الحاضر، و لكلّ من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصة.

و أمّا الحضارة الإسلامية و التي تتوسّط بين الحضارة الأخيرة (الغربية) و ما تقدّمها فهي تعدّ بلا شكّ من أكبر الحضارات في تاريخ الإنسان و أكثرها اهتماماً بالعلم و الفلسفة و الأدب و الفنون. و هي الأساس الوطيد الذي قامت عليه

حركة النهضة الأوروبية. و لقد وضع عشرات من العلماء موسوعات و كتباً لبيان ما قدّمته الحضارة الإسلامية من خدمات جليلة إلى المجتمع البشري في المجالات المختلفة.

و لا يمكن لأحد القول بأنّ الحضارة الإسلامية حضارة عربية بحتة تفرَّد العرب في إقامة بنيانها و تثبيت أركانها، بقدر ما كانت تمثّل الجهد المتفاعل لجميع الشعوب الإسلامية بقومياتها المختلفة من عرب و فرس و ترك و غيرهم من القوميات، الذين ذابوا في الإسلام و نسوا قوميّاتهم و مشخّصاتهم العنصرية و البيئية.

و من هنا فإنّ أيّ تعبير عن الحضارة التي سادت إبّان تلك الحقبة الزاهرة من حياة البلاد العربية و ما يجاورها، فإنّ المراد به الإشارة إلى الحضارة الإسلامية بكلّ أبعادها و أُسس بنيانها، و التي شارك فيها جميع المسلمين، المخلصين لرسالة السماء التي جاء بها نبيّ الرحمة محمّد صلى الله عليه و آله.

إنّ المسلمين الأوائل و بفضل جهدهم المخلص في بناء حياة الأُمم و الشعوب، استطاعوا أن يقيموا للإسلام حضارة عظيمة و رائعة مترامية الأطراف كانت متوازية مع خطّ انتشار الدعوة الإسلامية، فلا غرو أن تخفق راياتها في بقاع واسعة من العالم تمتد من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.

بلى لقد استطاع المسلمون أن يقيموا حضارة حقيقية ترتكز على أُسس أخلاقية و عقائدية سماوية، ضربت جذورها في أعماق البناء الإنساني و استطاعت أن تجعل منه و كما أراد خالقه له أن يكون خليفته في أرضه.

و إذا كان «ويل دورانت» في كتابه الشهير «قصّة الحضارة» قد أشار إلى أنّ الحضارة تتألّف من عناصر أربعة، و هي:

1 - الموارد الاقتصادية.

2 - النظم السياسية.

3 - التقاليد الخلقية.

4 - متابعة العلوم و الفنون.

و هي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب و القلق؛ لأنّه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحرّرت في نفسه دوافع التضلّع و عوامل الإبداع و الإنشاء، و بعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة و ازدهارها.(1)

فإنّ ما ذكره ذلك العالم الباحث من أُسس الحضارة و أركانها يرجع إلى تفسير الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الإلٰهية و الماديّة، و أمّا بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الأُسس الدينية فمن أهمّ أركانها توعية الإنسان في ظلال الاعتقاد باللّٰه سبحانه و اليوم الآخر، حتى يكون هو الدافع إلى العمل و الالتزام بالسلوك الأخلاقي و الديني، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية، و تمدّن مادّي و ليس بإلٰهي.

إنّ مؤسّس الحضارة الإسلامية هو النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، و قد جاء بسنن و قوانين دفعت البشرية إلى مكارم الأخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم


1) . قصة الحضارة: 3/1.

و الفنون، و استغلال الموارد الطبيعية، و تكوين مجتمع تسود فيه النظم الاجتماعية المستقيمة.

و لا يشكّ في ذلك من قرأ تاريخ الإسلام، و تاريخ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، خصوصاً إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الإسلام بما قبلها.

ثمّ إنّ المسلمين شيّدوا أركان الحضارة الإسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله من خلال القرآن و السنّة، فأصبحت لهم قوّة اقتصادية، و نظم سياسية، و تقاليد دينية و خلقية، و أعطوا العلوم المختلفة جلّ اهتمامهم، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوّقين و البارعين في شتّى مناحي العلم، و رفدوا حركة تطوّر الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة، و التي تعكسها مؤلّفاتهم القيّمة و التي لا زالت حتّى يومنا هذا مثار إعجاب الجميع، بل إنّهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة لدى غيرهم من الأُمم، مثل الفرس و اليونانيين و غيرهم، فأغنوا المكتبة الإسلامية بسيل وافر من المؤلّفات القيّمة و المهمة.

لقد شملت الحضارة الإسلامية كلّ ميادين الحياة المختلفة، فلم تلق جلّ جهدها في جانب واحد من جوانب الرقيّ الحضاري دون غيره، بل شمل اهتمامها كلّ جوانب الحياة المختلفة، و تلك حقيقة لا يمكن لأحد الإغضاء عنها، فإذا كانت كلّ حضارة من الحضارات المعروفة قد تميّزت برقيّ في جانب واحد من الجوانب الحياتية، سواء الاقتصادي كان أو العسكري، فإنّ الحضارة الإسلامية تتمتّع بمجموع هذه المميزات؛ فلم تترك ميزة دون أُخرى.

و الذي يطيب لنا هنا ذكر مشاركة الشيعة في بناء هذه الحضارة، خصوصاً

فيما يتعلّق بالركن الرابع و هو متابعة العلوم و الفنون، و أمّا الأركان الثلاثة الباقية فغير مطلوبة لنا في هذا المقام؛ و ذلك لأنّ الموارد الاقتصادية شارك فيها المسلمون انطلاقاً من دوافعهم النفسية من خلال الاهتمام بالأُمور التالية:

1 - التنمية الزراعية بجوانبها المختلفة.

2 - استخراج و صناعة المعادن المختلفة، مثل الذهب و الفضة و الأحجار الكريمة بأنواعها النفيسة المختلفة.

3 - إحداث القنوات المائية و بناء السدود.

4 - الاهتمام بتطوير الثروة الحيوانية و توسيعها.

5 - صناعة الألبسة و الأقمشة و غيرها.

6 - صناعة الورق و كتابة الكتب و نشرها في العالم.

7 - إيجاد المواصلات البريّة و البحريّة، و تنظيم حركة الملاحة، و محاربة قطّاع الطرق و اللصوص في البرّ و البحر.

8 - العناية الفائقة بالتجارة، و عقد الاتّفاقيات التجارية مع البلدان المجاورة.

إلى غير ذلك ممّا يوجب ازدهار الوضع الاقتصادي، فلا يصح إبعاد قوم عن تلك الساحة و تخصيص الازدهار الاقتصادي بطائفة دون أُخرى؛ فإنّ الإنسان حسب الفطرة و الدافع الغريزي ينساق إلى ذلك.

و أمّا النظم السياسية؛ فإنّ الدول الإسلامية المختلفة قد ساهمت في إرساء دعائمها و تثبيت أركانها خلال سني حكمها، و لا فرق في ذلك بين دول الشيعة

منها كالحمدانيين و البويهيين و الفاطميين و غيرهم كالساميين و السلاجقة و غيرهم.

و أمّا التقاليد الخلقية فقد كانت منبثقة من صميم الإسلام، و مأخوذة من الكتاب و السنّة، كما أنّ التقاليد القومية للشعوب المختلفة، و التي لم تكن معارضة لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء فقد فسح لها الإسلام المجال و لم ينه عنها.

فلأجل ذلك نركّز على الركن الرابع من هذه الأركان الأربعة للحضارة، و هو متابعة العلوم و الفنون، فهي الطابع الأساسي للحضارة الإسلامية، و بها تتميّز عمّا تقدّم عليها و ما تأخّر، فنأتي بموجز عن دور الشيعة في بناء هذا الركن - أي ازدهار العلوم و الفنون - ليظهر أنّهم كانوا في الطليعة، و كان لهم الدور الأساسي في ازدهارها.

و لمّا كانت الحضارة الإسلامية تستمدّ أسباب وجودها من الكتاب و السنّة، فكلّ من قدّم خدمة للقرآن و السنّة لفظاً و معنى، صورة و مادة، فقد شارك في بناء الحضارة الإسلامية. و إليك هذا البيان تأييداً لما أسلفنا:

1 - قدماء الشيعة و علم البيان 2 - قدماء الشيعة و علم النحو

إنّ دراسة القرآن بين الأُمّة و نشر مفاهيمه يتوقّف على معرفة العلوم التي تعدّ مفتاحاً له؛ إذ لو لا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة، و نشرها في ربوع العالم غير ميسور جدّاً. بل لو لا هذه العلوم و نضجها لحرم جميع

المسلمين حتّى العرب منهم من الاستفادة من القرآن الكريم؛ لأنّ الفتوحات فرضت على المجتمع العربي الاختلاط مع بقية القوميات، و سبَّب ذلك خطراً على بقاء اللغة العربية، و كان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن، إلّا من خالطهم من الموالي و المتعرّبين، و لكن اللحن لم يكثر إلّا بعد الفتوح و انتشار العرب في الآفاق، فشاع اللحن في قراءة القرآن، فمسّت الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللّغة.(1)

فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فأبو الأسود إمّا واضع علم النحو أو مدوّنه، و كان من سادات التابعين، و قد صاحب عليّاً و شهد معه صفّين، ثمّ أقام في البصرة.

يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي: إنّ علياً دخل عليه أبو الأسود يوماً. قال: فرأيته مفكّراً، فقلت له: ما لي أراك مفكّراً يا أمير المؤمنين؟ قال: «إنّي سمعت من بعض الناس لحناً، و قد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب».

فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك.

فألقى إليَّ صحيفة فيها: «الكلام كلّه اسم و فعل و حرف، فالاسم ما دلّ على المسمّى، و الفعل ما دلّ على حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى و ليس باسم و لا فعل». و جعل يزيد على ذلك زيادات.

قال: و استأذنته أن أصنع في النحو ما صنع، فأذن، و أتيته به فزاد فيه و نقص.


1) . تاريخ آداب اللغة العربية: 219/1.

و في رواية: أنّه ألقى إليه الصحيفة و قال له: «انحَ نحو هذه» فلهذا سمّي النحو نحواً.(1)

و من المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحّة، و لكن أبا الأسود قام بإكمالها و ضبطها و بتمييز المنصوب من المرفوع، و الاسم من الفعل، بعلامات نسمّيها الإعراب. فالروايات مجمعة على أنّ أبا الأسود (و هو شيعي المذهب توفّي سنة 69 ه) إمّا مدوّن علم النحو أو واضعه، و أضحى ما دوّنه مصدراً لهذا العلم في العصور اللاحقة.

و هناك كلام لابن النديم دونك لفظه، يقول:

قال محمّد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أنّ النحو أُخذ عن أبي الأسود الدؤلي، و أنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

ثمّ نقل عن الطبري و قال: إنّما سمّي النحو نحواً لأنّ أبا الأسود الدؤلي قال لعليّ عليه السلام و قد ألقى عليه شيئاً من أُصول النحو، قال أبو الأسود: و استأذنته أن أصنع نحو ما صنع. فسمّي ذلك نحواً.(2)

2 - و إذا كان أبو الأسود الدؤلي واضعاً للنحو، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقّح له و الباسط له. قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي:

و الخليل بن أحمد، أوحد العصر، و فريد الدهر، و جهبذ الأُمّة، و أُستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، و لا عرف في الدنيا عديله، و هو الذي بسط النحو و مدّ


1) . تأسيس الشيعة: 51. و لقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرّخين فيما قام به الإمام و تلميذه في تأسيس علم النحو.

2) . فهرست ابن النديم: 66، و للكلام صلة فمن أراد فليرجع إلى المصدر.

أطنابه و بيّن علله و فتق معانيه و أوضح الحجاج فيه، حتّى بلغ أقصى حدوده، و انتهى إلى أبعد غايته... و سيوافيك أنّ الخليل من أصحاب الإمام الصادق و من شيعته.

ثمّ إنّ علماء الفريقين شاركوا في إنضاج هذا العلم و إيصاله إلى القمّة.

و ليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أُخرى، و لكن لمّا كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير العلوم و تتبّعها فانّا نذكر من ألّف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط، و منهم:

1 - عطاء بن أبي الأسود: قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن عليّ: و منهم ابن أبي الأسود الدؤلي.

و قال الحافظ السيوطي في الطبقات: عطاء، أُستاذ الأصمعي و أبو عبيدة.(1)

2 - أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي: قال السيوطي: هو أوّل من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو و سمّاه الفيصل، و هو أُستاذ الكسائي و الفرّاء.(2)

قال النجاشي: روى هو و أبوه عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السلام و له: كتاب الوقف و الابتداء، و كتاب الهمز، و كتاب إعراب القرآن.(3)

3 - حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين: كان نحوياً إماماً فيه، عالماً بالحديث و اللغة و القرآن، أخذ النحو و القراءة عن ابن أبي الأسود، و أخذ عنه


1) . تأسيس الشيعة: 65.

2) . المصدر نفسه: 67.

3) . رجال النجاشي: 200/2 برقم 884.

الفرّاء، و كان قد أخذ الحديث عن الإمام السجّاد و الباقر و الصادق. و آل أعين بيت كبير بالكوفة من أجلّ بيوت الشيعة، و لأبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال: كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة و كان عالماً بالنحو و اللغة.(1)

4 - أبو عثمان المازني، بكر بن محمّد: قال النجاشي: كان سيّد أهل العلم بالنحو و العربية و اللغة، و مقدّمته بذلك مشهورة، و كان من علماء الإمامية، قد تأدّب على يد إسماعيل بن ميثم(2)، له في الأدب: كتاب التصريف، كتاب ما يلحن فيه العامة، التعليق. مات سنة 248 ه.(3)

5 - ابن السكيت، يعقوب بن إسحاق السكيت: كان مقدّماً عند أبي جعفر (الجواد) و أبي الحسن (الهادي) عليهما السلام و كانا يختصّانه. و له عن أبي جعفر عليه السلام رواية و مسائل، و قتله المتوكّل لأجل تشيّعه عام 244 ه، و أمره مشهور. و كان وجيهاً في علم العربية و اللغة، ثقة، مصدّقاً، لا يطعن عليه. و له كتب: إصلاح المنطق، كتاب الألفاظ، كتاب ما اتّفق لفظه و اختلف معناه، كتاب الأضداد، كتاب المذكّر و المؤنث، كتاب المقصور و الممدود، و....(4)

و سبب قتله: أنّ المتوكّل سأله يوماً و هو يعلّم ابنيه و قال: يا يعقوب، أيّهما أحبّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن و الحسين؟ فأجابه: «انّ قنبر خادم علي خير منك و من ابنيك» فأمر المتوكّل، فسلّوا لسانه من


1) . رسالة في آل أعين: 2-3 بتلخيص.

2) . و هو من أئمّة المتكلّمين الشيعة.

3) . رجال النجاشي: 272/1 برقم 277. و ذكره ابن النديم في أخبار النحويين و اللغويين: 90، و الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد: 93/7 برقم 3529.

4) . رجال النجاشي: 425/2 برقم 1215.

قفاه فمات، و قد خلّف بضعة و عشرين أثراً في النحو و اللغة و الشعر.(1)

6 - ابن حمدون، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون: قال فيه النجاشي: الكاتب النديم شيخ أهل اللغة و وجههم. أُستاذ أبي العبّاس(2)و كان خصّيصاً بسيّدنا أبي محمّد العسكري و أبي الحسن قبله. له كتب. ثمّ ذكر كتبه.(3)

7 - أبو إسحاق النحوي، ثعلبة بن ميمون: قال عنه النجاشي: كان وجهاً في أصحابنا، قارئاً، فقيهاً، نحويّاً، لغويّاً، راوية، و كان حسن العمل، كثير العبادة و الزهد، روى عن الصادق و الكاظم(4). و بما أنّ الإمام الكاظم توفّي عام مائة و ثلاثة و ثمانين، فهو من أهل المائة الثانية.

8 - قتيبة النحوي الجعفي الكوفي: قال النجاشي: المؤدّب، المقرئ، ثقة عين، روى عن الصادق عليه السلام.(5)

و ذكره السيوطي في بغية الوعاة، و وصفه في تأسيس الشيعة بأنّه إمام أهل النحو و اللغة.(6)

9 - إبراهيم بن أبي البلاد: قال النجاشي: كان ثقة، قارئاً، أديباً، روى عن الصادق و الكاظم عليهما السلام.(7)


1) . تاريخ آداب اللغة العربية: 424/1 و ترجمه ابن خلّكان في وفياته، و ياقوت في طبقات الأُدباء و غيرهم.

2) . يريد ثعلباً (200-291 ه).

3) . رجال النجاشى: 237/1 برقم 228.

4) . المصدر نفسه: 294/1 برقم 300. و ذكره ابن حجر في لسان الميزان ج 2 برقم 332.

5) . المصدر نفسه: 185/2 برقم 867.

6) . تأسيس الشيعة: 76.

7) . رجال النجاشي: 102/1 برقم 31.

10 - محمّد بن سلمة اليشكري: قال النجاشي: جليل من أصحابنا الكوفيين، عظيم القدر، فقيه، قارئ، لغوي، راوية، خرج إلى البادية و لقى العرب و أخذ عنهم. و أخذ عنه يعقوب بن السكّيت. ثمّ ذكر كتبه(1)، و بما أنّه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية و أوائل الثالثة.

11 - أبو عبد اللّٰه النحوي، الحسين بن أحمد بن خالويه: سكن حلب و مات بها، و كان عارفاً بمذهبنا، مع علمه بعلوم العربية، و اللغة، و الشعر. و له كتب، و من كتبه: مستحسن القراءات و الشواذّ، كتاب في اللغة.(2)

و وصفه السيوطي في الطبقات: إنّه إمام اللغة و العربية، و غيرهما من العلوم الأدبية، دفن ببغداد سنة 314 ه.

12 - أبو القاسم التنوخي: قال الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب: إنّه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت.

و قال ياقوت: كان في النحو و حفظ الأحكام و علم الهيئة و العروض قدوة، و كان يحفظ من اللغة و النحو شيئاً عظيماً.(3)ما ذكرناه نماذج من أئمّة اللغة من الشيعة الإمامية في القرون الأُولى، و أمّا من وليهم من الأئمّة فحدّث عنهم و لا حرج، فإنّ ذكر أسمائهم و نبذٍ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد، و قد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال، فقد بلغ النهاية، و قد ذكر أئمّة النحو من الشيعة إلى


1) . المصدر نفسه: 218/2 برقم 897.

2) . المصدر نفسه: 188/1 برقم 159.

3) . تأسيس الشيعة: 91.

القرن السابع(1)فبلغوا (140) إماماً و أُستاذاً و مؤلّفاً في الأدب العربي، و لا سيما النحو، و بينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى و الشريف الرضي و ابن الشجريّ الذي يقول في حقّه السيوطي: كان أوحد زمانه، و فرد أوانه في علم العربية و معرفة اللغة و أشعار العرب، توفّي عام (542 ه).

و نجم الأئمّة الرضي الاسترآبادي، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة.

3 - قدماء الشيعة و علم الصرف

إنّ أوّل من دوّن الصرف أبو عثمان المازني، و كان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو، كما ذكره في «كشف الظنون»، و شرحه أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّى في (392 ه)(2).

و أبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الأئمّة محمّد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، و له شرح الشافية في الصرف، كما له شرح الكافية في النحو، و كلا كتابيه جليل الخطر، محمود الأثر، قد جمع فيهما بين الدلائل و المباني.

قال في «كشف الظنون»: للكافية شروح أعظمها شرح الشيخ رضيّ الدين محمّد بن الحسن الطوسي الاسترآبادي النحوي. قال السيوطي: لم يؤلّف عليها، بل و لا في غالب كتب النحو مثله جمعاً و تحقيقاً، فتداوله الناس و اعتمدوا عليه، و له فيه أبحاث كثيرة و مذاهب ينفرد بها، فرغ من تأليفه سنة (683 ه).


1) . لاحظ تأسيس الشيعة: 39-137.

2) . كشف الظنون: 249/1 مادة «كافية».

أقول: فرغ من شرح الكافية سنة (686 ه) في النجف الأشرف، كما هو مذكور في آخر الكتاب.

و لنكتف بهذا المقدار عن مساهمة الشيعة مع غيرهم في بناء الأدب العربي، و تجديد قواعده و إرسائها في مجالي النحو و الصرف، و فيما ذكرناه غنى و كفاية.

4 - قدماء الشيعة و علم اللغة

و نريد بعلم اللغة: الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث أُصولها، و اشتقاقاتها و معانيها، و هو يعدّ بحقّ من العلوم الإنسانية التي ساهمت بشكل مباشر في إقامة صرح الحضارة الإسلامية، و قد ظهر في ميدان هذا العلم المهم جملة واسعة من علماء الشيعة، خلَّفوا آثاراً مهمة أصبحت زاداً لطلّاب العلم و المعرفة، و من هؤلاء الأفاضل:

1 - أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الأزدي: سيد أهل الأدب، و هو أوّل من ضبط اللغة، و أوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود، فهو أسبق العرب إلى تدوين اللغة و ترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه «العين» الذي جمع فيه ما كان معروفاً في أيّامه من ألفاظ اللغة، و أحكامها، و قواعدها، و رتّب ذلك على حروف الهجاء، لكنّه رتّب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان، فالأسنان، فالشفتين، و بدأ بحرف العين و ختمها بحروف العلّة «و ا ي» و سُمِّي الكتاب بأوّل لفظ من ألفاظه.(1)


1) . آداب اللغة العربية: 427-428.

و كان الكتاب مخطوطاً عزيز النسخة، لكنّه رأى النور أخيراً و طبع محقّقاً.

و الخليل بن أحمد الذي لا يشكّ أحد في تشيّعه من أعلام القرن الثاني الهجري، قال المرزباني: إنّه ولد عام مائة من الهجرة و توفّي سنة (170) أو (175 ه)، و قال ابن قانع: إنّه توفّي سنة (160 ه).(1)

قد ألّف كتاباً في الإمامة، أورده بتمامه محمّد بن جعفر المراغي في كتابه، و استدرك عليه ما لم يذكره و أسماه «الخليلي».

قال النجاشي: محمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني الوادعي المعروف ب «المراغي» كان يتعاطى الكلام، له: كتاب مختار الأخبار، كتاب الخليلي في الإمامة، و كتاب ذكر المجاز من القرآن.(2)

قال العلّامة في «الخلاصة»: كان خليل بن أحمد أفضل الناس في الأدب و قوله حجّة فيه و اخترع علم العروض، و فضله أشهر من أن يذكر، و كان إماميّ المذهب.(3)

و قال ابن داود: الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الأدب، فضله و زهده أشهر من أن يخفى، كان إماميّ المذهب.(4)

2 - أبان بن تغلب بن رباح الجريري: من أصحاب الباقر و الصادق، قال النجاشي: كان قارئاً من وجوه القرّاء، فقيهاً، لغوياً، سمع من العرب،


1) . تنقيح المقال: 403/1 برقم 3739.

2) . رجال النجاشي: 318/2 برقم 1054.

3) . الخلاصة: 67، القسم الأول.

4) . رجال ابن داود الحلّي: 574/88، القسم الأول.

و حكى عنهم.(1)

و قال ياقوت: ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنّفي الإمامية. و قال: هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، و قال: كان قارئاً، فقيهاً، لُغويّاً، نبيهاً، ثبتاً.(2)

3 - ابن حمدون النديم: شيخ أهل اللغة و وجههم و أُستاذ أبي العباس ثعلب.(3)

4 - أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي: الأديب اللغوي، صاحب الجمهرة في اللغة، مات هو و أبو هاشم الجبّائي في يوم واحد، فقال الناس:

مات علم اللغة و الكلام. و ألّف كتاب «جمهرة اللغة» على منوال كتاب «العين» للخليل، و اختصره الصاحب بن عباد و سمّاه «جوهرة الجمهرة».(4)

5 - الصاحب بن عباد: عظيم الشأن، جليل القدر في العلم و الأدب، و ألّف الصدوق (306-381 ه) كتاب «عيون أخبار الرضا عليه السلام» لأجله، و من كتبه في اللغة: «المحيط» عشرة مجلدات، و قد عرفت تلخيص «الجوهرة»، و أمّا تشيّعه فحدّث عنه و لا حرج.

و كم له من قصائد في مدح أهل البيت نذكر منها:

أ لم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي *** آتىٰ الزكاة و كان في المحراب

أ لم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي *** حكم الغدير له علىٰ الأصحاب(5)

و هكذا فإنّنا نتوقّف عند هذا الحد من إيراد نماذج من كبار القدماء الذين


1) . رجال النجاشي: 73/1 برقم 6.

2) . معجم الأدباء: 107/1.

3) . الفهرست للطوسي: 11 برقم 56. و قد تقدم ذكره في أساتذة النحو.

4) . تاريخ بغداد: 195/2.

5) . الغدير: 66/4 و له قصائد أُخرى مذكورة فيه

شاركوا المسلمين في تأسيس العلوم العربية و تطويرها، و من أراد التفصيل فليطلبه من محالّه.(1)

5 - قدماء الشيعة و علم العروض

كما أسلفنا سابقاً من أنّ الشيعة بمفكّريها كانت هي المبتكرة لعلم النحو بتوجيه من الإمام علي عليه السلام باب علم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله؛ فإنّها أيضاً المبتكرة لعلم العروض و المؤسسة لبنيانه الشامخ، و إليك أسماء بعض روّاده و رجاله:

1 - الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري: قال ابن خلّكان: هو الذي استنبط علم العروض و أخرجه إلى الوجود، و حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً(2).

2 - كافي الكفاة الصاحب بن عباد: الطائر الصيت، له كتاب الإقناع في العروض(3).

و قد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة الإمامية.

و من أبرز ما ألّف في العروض أخيراً أثران:


1) . لاحظ تأسيس الشيعة للسيد الصدر فقد ترجم فيه (24) شخصاً كلّهم من أقطاب علم اللغة، و للمناقشة في بعض ما ذكره و إن كان له مجال لكنّه لا يحطّ من عظم الجهد الذي بذله في طريق تأليفه.

2) . وفيات الأعيان: 244/2 برقم 220.

3) . قال في كشف الظنون: 132/1 الإقناع في العروض لأبي القاسم إسماعيل بن عباد الوزير المعروف بالصاحب المتوفّى سنة (385 ه).

أحدهما: للسيد الشريف هبة الدين الشهرستاني (1301-1386 ه) أسماه «رواشح الفيوض في علم العروض» و قد طبع في طهران (1324 ه).

ثانيهما: منظومة رصينة قيّمة قلّما رأى الدهر مثلها للشيخ مصطفى التبريزي (1298-1338 ه) شرحها العلاّمة أبو المجد الشيخ محمّد رضا الأصفهاني (1286-1362 ه) و أسماها «أداء المفروض في شرح أُرجوزة العروض» و إليك مستهلّها:

الحمد للّٰه علىٰ إسباغ ما *** أولىٰ لنا من فضله و أنعما

و خصّنا منه بواف وافر *** من بحر جوده المديد الزاخر

صلّى علىٰ نبيّنا المختار *** ما عاقب الليل علىٰ النهار

و آله معادن الرسالة *** بهم يداوي علل الجهالة

خذها ودع عنك رموز الرامزة *** كعادة تجلىٰ عليك بارزة

تجمع كلّ ظاهر و خافِ *** في علمي العروض و القوافي(1)

6 - قدماء الشيعة و طرائف الشعر

اشارة

لا نريد من الشعر في المقام الألفاظ المسبوكة، و الكلمات المنضَّدة على أحد الأوزان الشعرية، و انّما نريد منه ما يحتوي على المضامين العالية في الحياة، و ما يبثّ روح الجهاد في الإنسان، أو الذي يشتمل على حجاج في الدين أو تبليغ للحقّ. و على مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الإنسانية، و هو


1) . نحتفظ منها بنسخة بخطّ السيد الإمام الخميني قدس سره و فرغ من نسخها عام 1346 ه

مقياس ثقافة الأُمّة و رقيّها، و له خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور و الأيّام.

فما نقرأه في الذكر الحكيم من التنديد بالشعراء من قوله تعالى:

«وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ»(1)، إنّما يراد بذلك الشعراء المأجورون الذين يتاجرون بالشعر فيقلبون الحقائق، و يصنعون من الظالم مظلوماً، و من المظلوم ظالماً، و لأجل ذلك قال سبحانه: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ * وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مٰا لاٰ يَفْعَلُونَ»(2).

و من هنا فإنّا نعني بحديثنا هنا أُولئك الشعراء الذين أوقفوا أشعارهم في خدمة كلمة الحق و إعلاء شأن الدين الحنيف. و لقد ظهرت في سماء الشعر و في القرون الأُولى للعهد الإسلامي من بين رجالات الشيعة طائفة من الشعراء حظوا برعاية أهل البيت عليهم السلام و تقديرهم.

و إليك أسماء بعض من شعراء الشيعة مع ذكر أبيات من شعرهم الخالد:

1 - قيس بن سعد بن عبادة:

سيّد الخزرج، و الصحابي الجليل، كان زعيماً مطاعاً، كريماً ممدوحاً، و كان من شيعة عليّ عليه السلام و من أشدّ المتحمّسين له، بعثه أميراً على مصر سنة (36 ه)، و هو و أبوه و أهل بيته من الذين لم يبايعوا أبا بكر و قالوا: لا نبايع إلّا عليّاً(3).

و من أشعاره التي أنشدها بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين:


1) . الشعراء: 224.

2) . الشعراء: 225-226.

3) . تاريخ الطبري: 462/3.

قلتُ لما بغىٰ العدوّ علينا *** حسبنا ربّنا و نعم الوكيلُ

حسبنا الذي فتح البص *** - رة بالأمس و الحديث الطويلُ

و عليٌّ إمامنا و إمامٌ *** لسوانا أتىٰ به التنزيلُ

يوم قال النبيّ من كنت مو *** لاه فهذا مولاه خطبٌ جليلُ

إنّما قاله النبيّ علىٰ الأُمّ *** - ة حتمٌ ما فيه قالٌ و قيلُ‌(1)

2 - الكميت بن زيد (60-126 ه):

شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، و من شعراء مضر. كان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم، مشهوراً بذلك، و قد حظي بتقدير أئمّة أهل البيت لإجهاره بالحق، و لجهاده في سبيله، و هاشمياته المقدّرة ب 578 بيتاً خلّدت ذكراه في التاريخ و هي مشتملة على ميمية و بائية ورائية و غيرها.

و إليك أبياتاً من عينيّته:

و يوم الدوح دوح غدير خمٍّ *** أبان له الولاية لو أُطيعا

و لكن الرجال تبايعوها *** فلم أر مثلها خطراً مبيعا

إلى أن قال:

أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا *** و أقومهم لدىٰ الحدثان ريعا

تناسوا حقّه و بغوا عليه *** بلا ترة و كان لهم قريعا

فقل لبني أُميّة حيث حلّوا *** و إن خفت المهنّد و القطيعا


1) الفصول المختارة: 87؛ كنز الفوائد: 234؛ تذكرة الخواص: 20.

و لقد طبع ديوان الكميت غير مرّة، و شرحه الأُستاذ محمد شاكر الخيّاط و الأُستاذ الرافعي.(1)

3 - السيد الحميري (المتوفّى 173 ه):

أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الملقّب بالسيّد، الشاعر المعروف، و من المكثرين المجيدين، و من الثلاثة الذين عدّوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام و هم: «السيّد» و «بشار» و «أبو العتاهية»، و كان السيّد الحميري متفانياً في حبّ العترة الطاهرة فلم يكن يرى لمناوئيهم حرمة و قدراً، و كان يشدّد النكير عليهم في كلّ موقف و يهجوهم بألسنة حداد في كلّ حول و طول.

و من قصائده المعروفة عينيّته، و قد شرحها عدة من الأُدباء و مستهلّها:

لأُمّ عمرو باللوىٰ مربَع *** طامسة أعلامها بلقعُ

تروع عنها الطير وحشيّة *** و الوحشُ من خيفته تفزعُ‌(2)

4 - دعبل الخزاعي (المتوفّى 246 ه):

أبو عليّ دعبل بن عليّ الخزاعي، من بيت علم و فضل و أدب، يرجع نسبه إلى بديل بن ورقاء الخزاعي الذي دعا له النبيّ صلى الله عليه و آله.

قال النجاشي: أبو علي الشاعر المشهور في أصحابنا، صنّف كتاب


1) . اقرأ حياة الكميت في الغدير: 180/2-212.

2) . اقرأ ترجمة السيّد في الغدير: 213/2-289

طبقات الشعراء، و من أراد التوغّل في حياته و سيرته فليقرأ النواحي الأربعة من حياته:

1 - تهالكه في ولائه لأهل البيت عليهم السلام.

2 - نبوغه في الشعر و الأدب و التاريخ و تآليفه.

3 - روايته للحديث و الرواة عنه و من يروي عنهم.

4 - سيرته مع الخلفاء ثمّ ملحه و نوادره ثمّ ولادته و وفاته.(1)

و إليك مطلع تائيّته المعروفة:

تجاوبن بالأرنان و الزفراتِ *** نوائح عجم اللفظ و النطقات

5 - الأمير أبو فراس الحمداني (320-357 ه):

أبو فراس الحارث بن أبي العلاء، قال عنه الثعالبي: كان فرد دهره، و شمس عصره، أدباً و فضلاً و كرماً و نبلاً و مجداً و بلاغة و براعة و فروسية و شجاعة، و شعره مشهور سائر بين الحسن و الجودة، و السهولة و الجزالة، و العذوبة و الفخامة، و الحلاوة و المتانة.(2)

و تبعه في إطرائه و الثناء عليه ابن عساكر.

من قصائده المعروفة ميميّته التي مستهلّها:

الحقّ مهتضم و الدين مخترم *** و فيء آل رسول اللّٰه مقتسمُ


1) . لاحظ حياته في الغدير: 369/2-386. و قد تقدّم الكلام في تائيته في الفصل التاسع و الحادي عشر من هذا الكتاب فراجع.

2) . يتيمة الدهر: 270.

و الناس عندك لا ناس فيحفظهم *** سوم الرعاة و لا شاءٌ و لا نعمُ

إلى أن قال:

يا للرجال أما للّٰه منتصر *** من الطغاة أما للّٰه منتقم

بنو عليّ رعايا في ديارهم *** و الأمر تملكه النسوان و الخدمُ

إلى أن قال:

أبلغ لديك بني العباس مالكةً *** لا يدّعوا ملكها ملّاكها العجمُ

أيّ المفاخر أمست في منازلكم *** و غيركم آمر فيها و محتكمُ

أنّى يزيدكم في مفخر علَمٌ *** و في الخلاف عليكم يخفق العلمُ

يا باعة الخمر كُفّوا عن مفاخركم *** لمعشرٍ بَيْعهم يوم الهياج دمُ‌(1)

و يطيب لي في هذا المقام أن أُشير إلى أسماء بعض من أنجبتهم مدرسة أهل البيت عليهم السلام في حلبة الشعر و الأدب في القرن الرابع و الخامس، من أُناس معدودين في القمّة، يمكن للقارئ الكريم أن يجد الشيء الكثير عن حياتهم في دواوينهم، أو في كتب الأدب المختلفة:


1) . الغدير: 399/3-401

1 - ابن الحجّاج البغدادي (المتوفّى 321 ه) صاحب القصيدة المعروفة:

يا صاحب القبّة البيضاء في النجف *** من زار قبرك و استشفىٰ لديك شُفي

2 - الشريف الرضي (359-406 ه) الغني عن كل تعريف و بيان.

3 - الشريف المرتضى (355-436 ه) و هو كأخيه أشهر من أن يعرّف.

4 - مهيار الديلمي (المتوفّى 448 ه) الذي يُعد في الرعيل الأوّل من شعراء القرن الخامس و له غديريات كثيرة منها:

هل بعد مفترق الأظعان مجتمع *** أم هل زمان بهم قد فات يرتجع(1)

هذا عرض موجز لبعض الشعراء البارزين من الشيعة، و فيه كفاية لمن أراد الإجمال، و أمّا من أراد التوسّع فليرجع إلى الكتب التالية:

1 - الأدب في ظلّ التشيّع: للشيخ عبد اللّٰه نعمة.

2 - تأسيس الشيعة: للسيّد حسن الصدر، الفصل السادس.

3 - الغدير: للعلّامة الأميني بأجزائه الأحد عشر.

7 - قدماء الشيعة و علم التفسير

اشارة

إنّ القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة و الشريعة، و هو المعجزة الخالدة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، و قد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الإلهي على وجه لا تجد له مثيلاً بين أصحاب الشرائع السابقة، حتّى


1) . ديوان مهيار الديلمي: 512

أسّسوا لفهم كتابهم علوماً قد بقي في ظلّها القرآن مفهوماً للأجيال، كما قاموا بتفسيره و تبيين مقاصده بصور شتى، لا يسع المقام ذكرها. فأدّوا واجبهم تجاه كتاب اللّٰه العزيز - شكر اللّٰه مساعيهم - من غير فرق بين الشيعة و السنّة.

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة، و خدمت الذكر الحكيم بصور شتّى، نأتي بوجه موجز، لما ألّف في القرون الإسلامية الأُولى.

إنّ أئمّة أهل البيت - بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله - هم المفسّرون الحقيقيون للقرآن الكريم، حيث فسّروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول صلى الله عليه و آله بأقوالهم و أفعالهم و تقريراتهم التي لا تشذّ عن قول الرسول صلى الله عليه و آله و فعله و حجته، و من الظلم الفادح أن نذكر الصحابة و التابعين في عداد المفسّرين و لا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت و هم عديله باتفاق الجميع.

و هذا ما فعله في كتابه محمّد حسين الذهبي، جعل عليّاً - و هو الوصي و باب علم النبيّ صلى الله عليه و آله - في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه، و جعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الأُولى!!(1)، و لم يذكر عن بقية الأئمّة شيئاً مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة.

أقول: ما إن ارتحل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله حتّى عكف المسلمون على دراسة القرآن و تدبره، بيد أنّهم وجدوا أنّ لفيفاً من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن. و القرآن و إن نزل بلغة الحجاز إلّا أنّه يحوي ألفاظاً غير رائجة فيها، و ربّما كانت رائجة بين القبائل الأُخرى، و هذا النوع من الألفاظ ما


1) . التفسير و المفسّرون: 89/1-90.

سمّوه ب «غريب القرآن» و قد سأل ابن الأزرق - رأس الخوارج - ابن عبّاس عن شيء كثير من غريب القرآن و أجاب عنه مستشهداً بشعر العرب الأقحاح، و قد جمعها السيوطي في إتقانه(1).

و بما أنّ تفسير غريب القرآن كان الخطوة الأُولى لتفسيره، فقد ألّف أصحابنا في إبّان التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر قليلاً من كثير:

1 - غريب القرآن، لأبان بن تغلب بن رباح البكري (المتوفّى 141 ه).(2)

2 - غريب القرآن، لمحمّد بن السائب الكلبي، من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.(3)

3 - غريب القرآن، لأبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي، قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت.(4)

4 - غريب القرآن، لعبد الرحمن بن محمّد الأزدي الكوفي، جمع فيه ما ورد في الكتب الثلاثة المتقدّمة.(5)

5 - غريب القرآن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمّد الطبري الآملي الوزير الشيعي (المتوفّى 313 ه).(6)

و قد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية، فبلغ


1) . الإتقان: 55/4-88.

2) . رجال النجاشي: 73/1 برقم 6.

3) . المصدر نفسه: 78 برقم 6.

4) . فهرست ابن النديم: 57؛ رجال النجاشي: 78/1.

5) . رجال النجاشي: 78/1.

6) . فهرست ابن النديم: 58.

العشرات، و كان أخيرها - لا آخرها - ما ألّفه السيّد محمّد مهدي الخرسان في جزءين.(1)

مجازات القرآن:

إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن و ألفاظه، فإنّ في الجانب الآخر منه لوناً آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده و معانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز و الكناية و الاستعارة. إليك أخي القارئ الكريم نماذج قليلة ممّا أُلّف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة:

1 - مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفرّاء يحيى بن زياد الكوفي (المتوفّى عام 207 ه)، و قد طبع أخيراً في جزءين.(2)

2 - مجاز القرآن، لمحمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني. قال النجاشي: له كتاب «ذكر المجاز من القرآن»(3).

3 - مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بتلخيص البيان في مجازات القرآن، و هو أحسن ما أُلّف في هذا الباب و هو مطبوع.

التفسير بصور متنوّعة:

اشارة

و هناك لون آخر من التفسير، يعمد فيه المفسّر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصّة كالمحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و آيات


1) . الذريعة: 50/16 برقم 208.

2) . المصدر نفسه: 351/19 برقم 1567.

3) . رجال النجاشي: 319/2 برقم 1054.

الأحكام، و قصص الأنبياء، و أمثال القرآن، و أقسامه، و الآيات الواردة في مغازي النبيّ صلى الله عليه و آله، و النازلة في حقّ العترة الطاهرة عليهم السلام إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعمّ جميع آيات القرآن، بل تختصّ بموضوع واحد.

و كان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب الحيوي و المهم، و رفدوا المكتبة الإسلامية بهذه الأنواع من التفاسير، و من أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم، و أخص بالذكر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

الشيعة و التفسير الموضوعي:

إنّ نزول القرآن نجوماً، و توزّع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور متعدّدة، يطلب لنفسه نمطاً آخر، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي؛ فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة، و آية بعد آية، و أمّا النمط الأوّل فيحاول فيه المفسّر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاصّ، في مجال البحث، و تفسير الجميع جملة واحدة و في محلّ واحد.

فيستمدّ المفسّر من المعاجم المؤلّفة حول القرآن، و من غيرها، في الوقوف على الآيات الواردة في جانب معيّن، مثلاً في خلق السماء و الأرض، أو الإنسان، أو أفعاله و حياته الأخروية، فيفسّر المجموع مرّة واحدة، و يرفع إبهام آية بآية أُخرى، و يخرج بنتيجة واحدة، و هذا النوع من التفسير و إن لم يهتم به القدماء و اكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الأحكام، و الناسخ و المنسوخ، إلّا أنّ المتأخّرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه، و لعلّ العلاّمة المجلسي (1037-1110 ه) كان أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه

في موسوعته الموسومة ب «بحار الأنوار»، حيث أورد في أوّل كل باب من أبواب كتابه المتخصّصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب، ثمّ لجأ إلى تفسيرها إجمالاً، ثمّ أورد ما جمعه من الأحاديث التي لها صلة بالباب.

و قد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد و المعارف و انتشر باسم «مفاهيم القرآن» في عشرة أجزاء.

الشيعة و التفسير الترتيبي:

قد تعرّفت على أنّ المنهج الراسخ بين القدماء و أكثر المتأخّرين هو التفسير الترتيبي، و قد قام فضلاء الشيعة من صحابة الإمام علي و التابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير، إمّا بتفسير جميع سوره، أو بعضها، و الغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الأُولى، هو التفسير بالأثر، و لكن انقلب النمط إلى التفسير العلمي و التحليلي من أواخر القرن الرابع. فأوّل من ألّف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي (359-406 ه) مؤلّف كتاب «حقائق التأويل» في عشرين جزءاً(1)، ثمّ جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة ب «الدرر و الغرر»، ثمّ توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الأكبر الطوسي (385-460 ه) مؤلّف «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء كبار، إلى عصرنا هذا.

فقد قامت الشيعة في كلّ قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوّعة، و لغات متعدّدة. لا يحصيها إلّا المتوغّل في المعاجم و بطون المكتبات.


1) . و للأسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلّا الجزء الخامس و هو يكشف عن عظمة هذا السفر و يدل على جلالة المؤلّف.

و لقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسّرين من الشيعة و أعلامهم في 14 قرناً، و فصّلنا كلّ قرن عن القرن الآخر، و اكتفينا بالمعروفين منهم؛ لأنّ ذكر غيرهم عسير و محوج إلى تأليف حافل. فبلغ عددهم (122) مفسّراً. و من أراد الإلمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدّمة التي قدّمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي، و لأجل ذلك نطوي الكلام في المقام.

8 - قدماء الشيعة و علم الحديث

اشارة

إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الإسلامية بجميع مجالاتها، و لم يكن شيء أوجب بعد كتابة القرآن و تدوينه و صيانته من نقص أو زيادة، من كتابة حديث الرسول صلى الله عليه و آله و تدوينه و صيانته من الدسّ و الدجل، و قد أمر به الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله غير مرّة، فقد روى الإمام أحمد عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّه قال للنبيّ صلى الله عليه و آله: يا رسول اللّٰه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا و السخط؟ قال صلى الله عليه و آله: «نعم، فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلّا حقّاً».(1)

إنّ اللّٰه سبحانه أمر بكتابة الدَّين حفظاً له، و احتياطاً عليه، و إشفاقاً من دخول الريب فيه، فالعلم - الذي حفظه أصعب من حفظ الدَّين - أحرى بأن يكتب و يحفظ من دخول الريب و الشكّ فيه.(2)

فإذا كان النبيّ صلى الله عليه و آله لا ينطق عن الهوى و إنّما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه(3)فيجب حفظ أقواله و أفعاله أُسوة بكتاب اللّٰه المجيد، حتّى لا يبقى المسلم


1) . مسند أحمد: 207/2.

2) . تقييد العلم: 70.

3) . اقتباس من قوله سبحانه: «ما ضَلَّ صاحبُكُم و ما غوى * و ما ينطقُ عن الهوى * إنْ هو إلّا وحيٌ يُوحىٰ» النجم: 2-4.

في حيرة من أمره، و يستغني عن المقاييس الظنّية و الاستنباطات الذوقية.

و بالرغم من وضوح الأمر و أهميته القصوى إلّا أنّ الخلافة الإسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك، بل و حاسبت عليه حتّى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب قال لأبي ذر و عبد اللّٰه بن مسعود و أبي الدرداء: «ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟»(1).

و لقد أضحى عمل الخليفة سنّة فاتّبعه عثمان و مشى على خطاه معاوية، فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، و عدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و كتابته و تدوينه، و فسح المجال في نفس الوقت للرهبان و الأحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح و باطل، و لقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقصّ.(2)

و لما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة، أدرك ضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، أن يقوم بتدوين الحديث قائلاً: إنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً.(3)

و مع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة؛ لأنّ رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء حالت دون أُمنيته، إلى أن زالت دولة الأُمويين و جاءت دولة العبّاسيين، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر


1) . كنز العمال: 293/10 برقم 29479. و فيه: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّٰه في الآفاق.

2) . كنز العمال: 281/10.

3) . صحيح البخاري: 27/1.

أبي جعفر المنصور سنة (143 ه)، و أنت تعلم أخي القارئ الكريم أنّ الخسارة التي لحقت بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنّة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن و نيّف، و بعد موت الصحابة و كثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي و سمعوا منه الحديث، و لم يحدّثوا بما سمعوه إلّا سرّاً و من ظهر القلب إلى مثله.

أضف إلى ذلك أنّ الأحبار و الرهبان و المأجورين للبلاط الأُموي نشروا كلّ كذب و افتراء بين المسلمين.

اهتمام الشيعة بتدوين الحديث:

قام الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام بتأليف عدّة كتب في زمان النبيّ صلى الله عليه و آله، فقد أملى رسول اللّٰه كثيراً من الأحكام عليه و كتبها الإمام و اشتهر بكتاب علي، و قد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث»(1)و باب «أثم من تبرّأ من مواليه»(2)و تبعه عليه السلام ثلّة من الصحابة الذين كانوا شيعة له، و إليك أسماء من اهتمّ بتدوين الآثار و ما له صلة بالدين، و إن لم يكن حديث الرسول.

1 - قام أبو رافع صحابي الرسول صلى الله عليه و آله بتدوين كتاب السنن و الأحكام و القضايا.(3)

2 - و قام الصحابي الكبير سلمان الفارسي: (المتوفّى 34 ه) بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله.


1) . صحيح البخاري: 27/1 كتاب العلم.

2) . المصدر نفسه: 154/8، كتاب الفرائض، الباب 20.

3) . رجال النجاشي: 64/1 برقم 1.

قال الشيخ الطوسي: روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ صلى الله عليه و آله.(1)

3 - و ألّف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري (المتوفّى سنة 32 ه) كتاب الخطبة التي يشرح فيها الأُمور بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.(2)

هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة، و أمّا الشيعة من غير الصحابة - أعني: التابعين و تابعي التابعين منهم - فقد قام عدد منهم بتدوين السنّة إلى عصر الغيبة الكبرى، و قد تكفّلت بذكرهم و ذكر تآليفهم معاجم الرجال قديماً و حديثاً، و إليك عرضاً موجزاً من محدّثي الشيعة و مؤلّفيهم في القرن الأوّل و بداية القرن الثاني.

طبقات محدّثي الشيعة

الطبقة الأُولى:

1 - الأصبغ بن نباتة المجاشعي، كان من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام روى عنه عليه السلام عهد الأشتر، و وصيته إلى ابنه محمّد(3).

2 - عبيد اللّٰه بن أبي رافع المدني، مولى النبيّ صلى الله عليه و آله، كان كاتب أمير المؤمنين عليه السلام، له كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام و تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل و صفّين و النهروان.(4)


1) . فهرست الطوسي: 8.

2) . المصدر نفسه: 54.

3) . رجال النجاشي: 70/1 برقم 4.

4) . فهرست الطوسي: 107.

3 - ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم عن أمير المؤمنين عليه السلام.(1)

4 - سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب مطبوع باسم:

سليم بن قيس.

5 - عليّ بن أبي رافع، قال النجاشي عنه: تابعيّ من خيار الشيعة، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين عليه السلام، و كان كاتباً له، و حفظ كثيراً، و جمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء، و الصلاة، و سائر الأبواب.(2)

6 - عبيد اللّٰه بن الحرّ الجعفي، الفارس، الفاتك، الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين عليه السلام.(3)

7 - زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر في الجمع و الأعياد و غيرها.(4)

الطبقة الثانية:

1 - الإمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، له الصحيفة الكاملة، المشتهرة بزبور آل محمّد عليهم السلام.

2 - جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّٰه، (المتوفّى 128 ه)، له كتب.(5)

3 - لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة، له كتب


1) . رجال النجاشي: 67/1 برقم 2.

2) . رجال النجاشي: 65/1 برقم 1.

3) . المصدر نفسه: 71/1 برقم 5.

4) . فهرست الطوسي: 72.

5) . رجال النجاشي: 313/1 برقم 330.

كثيرة، أوردها الشيخ في رجاله و عدّه في أصحاب الحسن و الصادق عليهما السلام.(1)

4 - جارود بن منذر، الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الحسن و الباقر و الصادق عليهم السلام، له كتب.(2)

الطبقة الثالثة:

و هم من أصحاب السجّاد و الباقر عليهما السلام:

1 - برد الإسكاف، من أصحاب السجاد و الصادقين عليهم السلام، له كتاب.(3)

2 - ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي الأزدي، الثقة، (المتوفّى 150 ه)، روى عنهم عليهم السلام، له كتاب، و له النوادر و الزهد، و له تفسير القرآن.(4)

3 - ثابت بن هرمز الفارسي، أبو المقدّم العجلي، مولاهم الكوفي، روى نسخة عن عليّ بن الحسين عليهما السلام.(5)

4 - بسّام بن عبد اللّٰه الصيرفي، مولى بني أسد، أبو عبد اللّٰه، روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السلام، له كتاب.(6)

5 - محمّد بن قيس البجلي، له كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام.(7)


1) . رجال الطوسي: 279 من أصحاب الصادق عليه السلام و لاحظ تعليقة المحقّق.

2) . المصدر نفسه: 112 في أصحاب الباقر عليه السلام.

3) . رجال النجاشي: 284/1 برقم 289.

4) . المصدر نفسه: 289/1 برقم 294.

5) . المصدر نفسه: 292/1 برقم 296.

6) . المصدر نفسه: 282/1 برقم 286.

7) . فهرست الطوسي: 131.

6 - حجر بن زائدة الحضرمي، روى عن الباقر و الصادق عليهما السلام، له كتاب.(1)

7 - زكريا بن عبد اللّٰه الفياض، له كتاب.(2)

8 - ثوير بن أبي فاختة «أبو جهم الكوفي»، و اسم أبي فاختة: سعيد بن علاقة.(3)

9 - الحسين بن ثور بن أبي فاختة، سعيد بن حمران، له كتاب نوادر.(4)

10 - عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري، (المتوفّى 147 ه)، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب السجّاد و الصادقين عليهم السلام، له كتاب.(5)

و لقد خصّص أبو عمرو الكشي باباً للمحدّثين المتقدّمين من الشيعة و جعله في صدر رجاله، و تبعه النجاشي في رجاله فخصّ الطبقة الأُولى بباب، ثمّ أورد أسماء الرواة على حسب الحروف الهجائية. و لقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرّف على طبقات الشيعة بعد رسول اللّٰه إلى عصره، فذكر الأئمّة الاثني عشر، و ذكر أصحاب كلّ إمام وفق الترتيب الزمني، ثمّ ذكر باباً آخر باسم من لم يرهم و لكن روى عنهم بالواسطة.

و أحسن كتاب أُلّف في هذا المجال هو ما ألّفه أُستاذنا الجليل السيد النحرير المحقّق البروجردي - رحمه اللّٰه - الذي أخرج رجال الشيعة في (34)


1) . رجال النجاشي: 347/1 برقم 382.

2) . رجال النجاشي: 391/1 برقم 452.

3) . المصدر نفسه: 295 برقم 301.

4) . المصدر نفسه: 166 برقم 124.

5) . المصدر نفسه: 168/2 برقم 653.

طبقة، من عصر الصحابة إلى زمانه (1292-1380 ه) فهذا الكتاب يكشف عن سبق الشيعة في نظم الحديث و تدوينه، و أنّهم لم يقيموا لمنع الخلفاء وزناً و لا قيمة. و بذلك حفظوا نصوص النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و أهل بيته و قدموها إلى المجتمع الإسلامي، فعلى جميع علماء المسلمين أن يتمسّكوا بهذا الحبل الذي هو أحد الثقلين.

هذا عرض موجز لمحدّثي الشيعة من عصر الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى عصر السجّاد و الباقر عليهما السلام، و أمّا الطبقات الأُخرى فيأتي الكلام في فصل قدماء الشيعة و الفقه؛ لأنّهم تجاوزوا التحديث إلى درجة الاجتهاد.

9 - قدماء الشيعة و الفقه الإسلامي

اشارة

إنّ الفقه الشيعي هو الشجرة الطيّبة الراسخة الجذور، المتّصلة الأُسس بالنبوّة، و التي امتازت بالسعة، و الشمولية، و العمق، و الدقّة، و القدرة على مسايرة العصور المختلفة، و المستجدّات المتلاحقة من دون أن تتخطّى الحدود المرسومة في الكتاب و السنّة.

إنّ الفقه الإمامي يعتمد في الدرجة الأُولى على القرآن الكريم، ثمّ على السنّة المحمّدية المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه و آله عن طريق العترة الطاهرة عليهم السلام أو الثقات من أصحابهم و التابعين لهم بإحسان.

و كما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب و السنّة، فإنّه كذلك يتّخذ من العقل مصدراً في المجال الذي له الحقّ في إبداء الرأي، كأبواب الملازمات العقلية، أو قبح التكليف بلا بيان، أو لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني.

و لا يكتفي بذلك، بل يستفيد من الإجماع الكاشف عن وجود النص

في المسألة أو موافقة الإمام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور.

إنّ الشيعة الإمامية قدّمت في ظلّ هذه الأُسس الأربعة فقهاً يتناسب مع المستجدّات، جامعاً لما تحتاج إليه الأُمّة، و لم يقفل باب الاجتهاد، منذ رحلة النبيّ صلى الله عليه و آله إلى يومنا هذا، بل فتح بابه طيلة القرون، فأنتج عبر العصور فقهاء عظاماً، و موسوعات كبيرة، لم يشهد التاريخ لها و لهم مثيلاً، و إليك عرضاً موجزاً لمشاهير فقهائهم مع الإيعاز إلى بعض كتبهم في القرن الثاني و الثالث.

فقهاء الشيعة في القرن الثاني:

تخرّجت من مدرسة أهل البيت و على أيدي أئمة الهدى عليهم السلام عدّة من الفقهاء العظام لا يستهان بعددهم، فبلغوا الذروة في الاجتهاد، كزرارة بن أعين، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية، و الفضيل بن يسار، و كلّهم من أفاضل خرّيجي مدرسة أبي جعفر الباقر و ولده الصادق عليهما السلام فأجمعت الطائفة على تصديق هؤلاء، و انقادت لهم في الفقه و الفقاهة

و يليهم في الفضل لفيف آخر، هم أحداث خرّيجي مدرسة أبي عبد اللّٰه الصادق عليه السلام، أمثال: جميل بن دراج، و عبد اللّٰه بن مسكان، و عبد اللّٰه بن بكير، و حمّاد بن عثمان، و حمّاد بن عيسى، و أبان بن عثمان.

و هناك ثلّة أُخرى يعدّون من تلاميذ مدرسة الإمام موسىٰ الكاظم و ابنه أبي الحسن الرضا عليهما السلام منهم: يونس بن عبد الرحمن، و محمّد بن أبي عمير، و عبد اللّٰه بن المغيرة، و الحسن بن محبوب، و الحسين بن عليّ بن فضال، و فضالة بن أيّوب.(1)


1) . رجال الكشي: 206، 322، 466. و راجع رجال النجاشي في ترجمتهم و ذكر آثارهم و منزلتهم في الفقه.

و أكثر هؤلاء من فقهاء القرن الثاني و أوائل القرن الثالث.

هؤلاء أعلام الشيعة في الفقه و الحديث في القرن الثاني، و كلّهم خرّيجو مدرسة أهل البيت عليهم السلام و لقد خلّفوا آثاراً علمية باسم الأصل، و الكتاب، و النوادر، و الجامع، و المسائل، و عناوين أُخرى.

أصحاب الجوامع الفقهية في القرن الثالث:

لقد تخرّج من مدرسة أهل البيت عليهم السلام جملة كبيرة من أعاظم الفقهاء؛ أوقفوا علمهم في خدمة هذا الدين الحنيف؛ فشمّروا عن سواعدهم، و سخّروا أنفسهم قدر ما مكَّنهم اللّٰه تعالى عليه، فخلَّفوا جوامع فقهيّة مهمّة كانت و لا زالت خير زاد للمسلمين، و من هؤلاء الأعلام:

1 - يونس بن عبد الرحمن، الّذي وصفه ابن النديم في فهرسته بعلّامة زمانه، له جوامع الآثار، و الجامع الكبير، و كتاب الشرائع.

2 - صفوان بن يحيى البجلي، الذي كان أوثق أهل زمانه، صنّف ثلاثين كتاباً.

3 و 4 - الحسن و الحسين ابنا سعيد بن حمّاد الأهوازي، صنّفا ثلاثين كتاباً.

5 - أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه)، صاحب كتاب المحاسن و غيره.

6 - محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي (المتوفّى 293 ه)، صاحب نوادر الحكمة و كتاب الجامع المعروف.

7 - أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى 221 ه)، صاحب الجامع المعروف.

فقهاء الشيعة في القرن الرابع:

هؤلاء هم فقهاء الشيعة في القرن الثالث و تليهم عدّة أُخرى في القرن الرابع نذكر أسماءهم على وجه الإجمال:

1 - الحسن بن علي بن أبي عقيل، شيخ الشيعة و فقيهها، صاحب كتاب المتمسّك بحبل آل الرسول، المعاصر للكليني.

2 - عليّ بن الحسين بن بابويه (المتوفّى 329 ه)، صاحب كتاب الشرائع.

3 - محمّد بن الحسن بن الوليد القمي، شيخ القميّين و فقيههم و متقدّمهم، مات سنة 343 ه، و لقد بلغ في الوثاقة و الدقة على حد يسكن إليه الشيخ الصدوق في تصحيحاته و تضعيفاته.

4 - جعفر بن محمّد بن قولويه، أُستاذ الشيخ الصدوق، و مؤلّف كامل الزيارات، يقول النجاشي عنه: إنّه من ثقات أصحابنا و أجلّائهم في الفقه و الحديث.

5 - محمّد بن عليّ بن الحسين الصدوق (306-381 ه) مؤلّف: من لا يحضره الفقيه و المقنع و الهداية.

6 - محمّد بن أحمد بن الجنيد المعروف بالإسكافي (المتوفّى 385 ه).

قال عنه النجاشي: وجه في أصحابنا، ثقة جليل القدر، صنّف فأكثر، ثمّ ذكر فهرس كتبه، و منها كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة، و كتاب الأحمدي للفقه المحمّدي.

مشاهير الفقهاء في القرن الخامس:

و في القرن الخامس نبغ فقهاء كبار، ازدان الفقه الشيعي بل الإسلامي بأسمائهم و آرائهم، و منهم: الشيخ المفيد (336-413 ه) و السيّد المرتضى (355-436 ه) و الشيخ الكراجكي (المتوفّى 449 ه) و الشيخ الطوسي (385-460 ه) و سلّار الديلمي مؤلّف المراسم (المتوفّى 463 ه)، و ابن البرّاج (401-489 ه) مؤلّف المهذّب، و غيرهم من الذين ملأت أسماؤهم كتب التراجم و الرجال.

و من أراد الوقوف على حياتهم و كتبهم فعليه الرجوع إلى الموسوعات الرجالية، و أخص بالذكر كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة».

هذا عرض موجز لمشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية على المستوى الفقهي. و يشهد اللّٰه أنّ علماء الشيعة قاموا بهذه الجهود في ظروف قاسية و رهيبة، و كانت الحكومات الظالمة و مرتزقتها لا ينفكّون عن مطاردتهم و إيداعهم في السجون و عرضهم على السيف، و مع ذلك نرى هذا الإنتاج العلمي الهائل في مجال الفقه. و الذي لو تأمل فيه علماء المسلمين بفرقهم المختلفة، و تجنّبوا أهواء التعصب، لأقرُّوا بلا ريب بما فيه من سعة الفكر، و عمق النظر، و غزارة الانتاج.

هذا هو الشيخ الطوسي الذي ألّف المبسوط في الفقه المقارن (في 8 أجزاء) في زمن كانت الفتن الطائفية على أوجها، و الشيعة هم الضحية في هذه المخاضات العسرة، و التي امتدت ألسنتها نحو الشيخ الطوسي نفسه، فأُحرقت داره، و مكتبته في كرخ بغداد، فالتجأ سرّاً إلى النجف الأشرف، تاركاً بلده

الذي عاش فيه قرابة نصف قرن، و أين هؤلاء من الفقهاء الذين تنعّموا بالهدوء و الاستقرار، و استقبلتهم السلطات الحاكمة بصدر رحب، و أُجيزوا مقابل أبيات معدودة من الشعر الرخيص، أو كتيب أو رسالة صغيرة بالهبات و العطايا.

10 - قدماء الشيعة و علم أُصول الفقه

إنّ السنّة النبوية بعد القرآن الكريم هي المصدر للتشريع، و قد سبق أنّ الخلافة - بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله - حالت دون تحديث ما تركه بين الأُمّة، و كتابته و تدوينه. فلم تدوّن السنّة إلى عصر أبي جعفر المنصور، إلّا صحائف غير منظّمة و لا مرتّبة، إلى أن شرع علماء الإسلام في التدوين سنة (53 ه).(1)

إنّ الحيلولة بين السنّة و تدوينها و نشرها أدّت إلى نتائج سلبية عظيمة، منها قصور ما وصل إلى الفقهاء في ذلك العصر صحيحاً من الرسول صلى الله عليه و آله عن تلبية متطلّباتهم في مجال الأحكام، حتّى اشتهر عن إمام الحنفية أنّه لم يثبت عنده من أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله في مجال التشريع إلّا سبعة عشر حديثاً.

و نحن و إن كنّا لا نتوافق مع ما حُكي عن النعمان، و لكن نؤكّد على شيء آخر، و هو أنّ ما ورد في مجموع الصحاح و المسانيد و السنن الأعم من الصحيح و الضعيف في مجال الأحكام الشرعية لا يتجاوز 500 حديث.

قال السيّد محمّد رشيد رضا: إنّ أحاديث الأحكام الأُصول لا تتجاوز 500 حديث تمدّها أربعة آلاف موقوفات و مراسيل.(2)


1) . تاريخ الخلفاء: 261.

2) . الوحي المحمّدي: 212، ط 6. نعم أنهاه ابن حجر في كتابه «بلوغ المرام» إلى (1596) حديثاً لكن كثيراً منها لا يتضمّن حكماً شرعياً، و إنّما هي أحاديث أخلاقية و غيرها، فلاحظ.

و يقول أيضاً في تفسيره: يقولون إنّ مصدر القوانين الأُمّة، و نحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب و السنّة. كما قرّره الإمام الرازي و المنصوص قليل جدّاً.(1)

و ما ذكره من قضية الإمداد، يوحي إلى الموقوفات عن الصحابة، من دون أن يثبت صدورها عن النبيّ صلى الله عليه و آله فهذه الموقوفات تعرب عن اجتهادات الصحابة في المسألة. و من المعلوم أنّ قول الصحابي لا يكون حجّة إلّا إذا نسبه إلى الرسول صلى الله عليه و آله.

هذا و إنّ الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) جمع كلّ ما ورد في مجال التشريع في كتاب أسماه «بلوغ المرام من أدلّة الأحكام»(2)و هو كتاب صغير جدّاً.

إنّ افتقاد النصّ في مجال التشريع الذي واجه فقهاء أهل السنّة بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله، هو الذي دعاهم إلى التفحّص عن الحلّ لهذه الأزمة حتّى تسدّ حاجاتهم الفقهية، فعكفوا على المقاييس الظنّية التي ما أنزل اللّٰه بها من سلطان، كالقياس، و الاستقراء، و الاستحسان، و سدّ الذرائع، و سنّة الخلفاء، أو سنّة الصحابة، أو رأي أهل المدينة، إلى غير ذلك من القواعد، أسّسوا عليها فقههم عبر قرون متمادية، و قد جاء ذلك نواة لتأسيس علم أُصول الفقه بصورة مختصرة نمت و نضجت في الأجيال.

و أمّا الشيعة فحيث إنّهم لم يفتقدوا سنّة الرسول بعد وفاته لوجود باب


1) . تفسير المنار: 189/5.

2) . بلوغ المرام من أدلّة الأحكام، ط مصر تحقيق محمّد حامد الفقيّ.

علم النبيّ صلى الله عليه و آله؛ علي عليه السلام و الأئمّة المعصومين بين ظهرانيهم، فلم تكن هناك أيّة حاجة للعمل بتلك المقاييس، و بالتالي لم يكن هناك أيّ دافع للاتّجاه نحو أُصول الفقه.

نعم لمّا كان الإسلام ديناً عالمياً، و النبيّ صلى الله عليه و آله خاتم الأنبياء، و الأُصول و السنن مهما كثرت لا يمكن أن تلبّي بحرفيّتها حاجات المسلمين إلى يوم القيامة، انبرى أئمّة أهل البيت إلى إملاء ضوابط و قواعد يرجع إليها الفقيه عند فقدان النص أو إجماله أو تعارضه إلى غير ذلك من الحالات التي يواجه بها الفقيه. و تلك الأُصول هي التي تكون أساساً لعلم أُصول الفقه، و لقد جمعها عدّة من الأعلام في كتاب خاصّ أفضلها «الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة» للشيخ المحدّث الحرّ العاملي المتوفّى سنة (1104 ه).

و من هنا فإنّا يمكننا القول إنّ وجود أئمّة أهل البيت عليهم السلام بين ظهراني الشيعة أغنى هذه الطائفة عن الحاجة الملحّة لتدوين مسائل أُصول الفقه إبّان تلك الفترة الماضية، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه لم ينبرِ لفيف من صحابة الأئمّة لدراسة بعض مسائل الفقه نظير:

1 - هشام بن الحكم (المتوفّى 199 ه)، صنّف كتاب الألفاظ.(1)

2 - يونس بن عبد الرحمن، صنّف كتاب اختلاف الحديث و مسائله. و هو مبحث تعارض الحديثين.(2)


1) . رجال النجاشي: 398/2 برقم 1165 و هو مردّد بين كونه كتاب لغة أو أدب، أو كونه باحثاً عن الألفاظ التي يستخدمها الفقيه في استنباط الأحكام لكون الأمر للوجوب و المرّة و التكرار، أو الفورية و التأخير إلى غير ذلك.

2) . فهرست الطوسي: 211 برقم 810؛ رجال النجاشي: 420/2.

3 - إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت (237 - 311 ه).

قال عنه النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا. و ذكر مصنّفاته و عدّ منها كتاب الخصوص و العموم.(1)

و ذكره ابن النديم في فهرسته، و عدّ من مصنّفاته كتاب إبطال القياس، و كتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي.(2)

4 - أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي، من علماء القرن الثالث، له كتاب الخصوص و العموم و الخبر الواحد و العمل به.(3)

5 - أبو منصور صرّام النيشابوري، من علماء القرن الثالث و أوائل القرن الرابع، له إبطال القياس(4).

6 - محمّد بن أحمد بن داود بن عليّ (المتوفّى 368 ه)، قال النجاشي:

شيخ هذه الطائفة و عالمها، له كتاب الحديثين المختلفين.(5)

7 - محمّد بن أحمد بن الجنيد (381 ه) المتوفّى سنة، له كتاب كشف التمويه و الالتباس في إبطال القياس.(6)


1) . رجال النجاشي: 121/1 برقم 67.

2) . فهرست ابن النديم: 265.

3) . رجال النجاشي: 180/1-181 برقم 146.

4) . الطوسي، الفهرست، قسم الكنى 588/381.

5) . رجال النجاشي: 305/2 برقم 1046.

6) . المصدر نفسه: 304/2 برقم 1048.

و الطابع السائد على هذه الكتب هو دراسة بعض المسائل الأُصولية، كحجّية خبر الواحد، أو حلّ مشكلة اختلاف الحديثين، أو نقد بعض الأساليب الرائجة في تلك الأجيال في استنباط الأحكام، كالقياس و غيره، و لا يصح عدّها كتباً أُصولية بالمعنى المصطلح.

نعم؛ يمكن عدّها مرحلة أُولى و نواة بالنسبة إلى المرحلة الثانية.

و أمّا المرحلة الثانية فقد امتازت بالسعة و الشمول، بإدخال كثير من المسائل الأدبية و الكلامية في علم أُصول الفقه، و أوّل من فتح هذا الباب للشيعة على مصراعيه:

1 - معلم الأُمّة الشيخ المفيد (336-413 ه) ألّف رسالة في هذا المضمار و أدرجها تلميذه العلّامة الكراجكي في كتابه «كنز الفوائد»(1).

و ألّف بعده تلميذه الجليل علم الهدى المعروف بالسيّد المرتضى كتابه القيّم «الذريعة إلى أُصول الشريعة»، و الذي طبع في جزءين، و قد رأيت منه نسخة مخطوطة في مدينة قزوين كتب فيها: إنّ تاريخ فراغ المؤلّف منه عام (400 ه).

2 - الشيخ الطوسي: (385-460 ه) ألّف كتاب «عدّة الأُصول» و الذي يحتلّ مكانة رفيعة في هذا الميدان، حتّى أنّه أُعيد طبعه لمرات متكرّرة.

و هكذا يمكن القول بأنّ هذه الكتب كوّنت اللبنة الأساسية التي توسعت بواسطتها و انتشرت آراء الشيعة في علم الأُصول. و أمّا في المرحلة الثالثة من مراحل تطوّر علم الأُصول لدى الشيعة فقد شهدت بزوغ جملة واسعة من كبار العلماء توسّعوا بشكل كبير في


1) . كنز الفوائد: 15/2-30.

تثبيت و شرح الأبعاد الأساسية لعلم الأُصول، فكان من نتاج تلك المرحلة:

1 - «التقريب في أُصول الفقه» للشيخ أبي ليلى المعروف بسلّار بن عبد العزيز الديلمي صاحب المراسم، (المتوفّى عام 463 ه).

2 - «غنية النزوع إلى علمي الأُصول و الفروع»، تأليف أبي المكارم حمزة بن علي المعروف بابن زهرة، (المتوفّى عام 585 ه).

3 - المصادر، تأليف الشيخ سديد الدين الحمصي، (المتوفّى حدود سنة 600 ه).

هذه هي المراحل الثلاث التي مرّ بها علم الأُصول، و قد تلتها مراحل أُخرى إلى أن بلغت في القرن الرابع عشر ذروتها و قمّتها، و أعلى مراحل كمالها، و يتّضح ذلك من ملاحظة ما أُلّف من عصر الأُستاذ الأكبر المحقّق البهبهاني (1118-1206 ه) إلى يومنا؛ فقد راج التحقيق في المسائل الأُصولية من عصره إلى عصر الشيخ مرتضى الأنصاري (1212-1281 ه) و عصر تلميذه الشيخ محمّد كاظم الخراساني (1255-1329 ه) ففي هذه الفترة؛ أي القرون الثلاثة، أُلّفت مئات الكتب و الرسائل في ذلك المجال، و لا أُغالي إذا قلت: إنّه لم تبلغ طائفة من الطوائف الإسلامية تلك الدرجة التي وصلت إليها الشيعة في علمي الفقه و الأُصول من جانب كثرة الانتاج و الاستيعاب و دقّة النظر، شكر اللّٰه مساعيهم.

11 - قدماء الشيعة و علم المغازي و السير

مغازي النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله جزء من تاريخ حياته و سيرته، و الرسول صلى الله عليه و آله قدوة و أُسوة، و فعله كقوله حجّة بلا إشكال، و قد وضع بعضهم كتباً في

فقه السيرة(1)فكان على المسلمين ضبط دقيقها و جليلها، و قد قاموا بذلك لو لا أنّ الخلافة حالت دون الأُمنية، و لكن قيّض اللّٰه سبحانه، رجالاً من الشيعة في ذلك المجال ضبطوا سيرة الرسول صلى الله عليه و آله و مغازيه، منهم:

1 - ابن إسحاق، محمّد بن إسحاق (المتوفّى 151 ه) عدّه الشيخ الطوسي في رجاله(2)من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. و لأجل انتمائه إلى بيت النبوّة وصفه ابن حجر في التقريب: «بأنّه إمام المغازي، صدوق، يدلّس، و رمي بالتشيّع و القدر».(3)

و في مختصر الذهبي: أنّه كان صدوقاً من بحور العلم.

في تاريخ اليافعي عن شعبة بن الحجّاج أنّه قال: محمّد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث.(4)

و عن الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في المغازي فهو عيال محمّد بن إسحاق.(5)

و لمّا كان المترجم شيعياً مجاهراً في ولائه لأهل البيت عمد ابن هشام (المتوفّى 212 ه) بتلخيص كتابه على أساس حذف ما لا يلائم نزعته، فحذف أكثر ما له صلة بفضائل الإمام علي و أهل بيته.

فعلى المسلمين الغيارى الباحثين عن الحقيقة التفحّص في مكتبات


1) . كزاد المعاد لابن القيّم، وفقه السيرة للغزّالي المعاصر له.

2) . رجال الطوسي: 281.

3) . التقريب: 144/2 برقم 40.

4) . مرآة الجنان: 313/1.

5) . تنقيح المقال: 79/3 برقم 1038.

العالم و فهارسها، حتّى يعثروا على النسخة الأُمّ، و ينشروا هذا الكنز الدفين خدمة للدين و إحياءً لسيرة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، و كان قد أعلن أحد المستشرقين أنّه قد عثر على الأصل و نشره باسم سيرة ابن إسحاق إلّا أنّه جزء من السيرة لا كلّها.

و من حسن الحظّ أنّ سيرة ابن إسحاق و إن لم تكن موجودة بصورتها لكنّها موجودة بمادتها، فقد بثّها الطبرسي (470-548 ه) في أجزاء «مجمع البيان»، و ابن الجوزي (المتوفّى 597 ه) في «المنتظم»، و ابن كثير في تاريخه و غيرهم. فيمكن للباحثين، استخراج مادة السيرة متفرّقة عن هذه الكتب، و ملخّصها المعروف بالسيرة النبوية لابن هشام.

2 - عبيد اللّٰه بن أبي رافع، و كان قد سبق ابن إسحاق، و هو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقد ألّف كتاباً أسماه «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل و صفّين و النهروان من الصحابة» ذكره الشيخ في الفهرست(1)، إلّا أنّه أُلّف في مغازي الإمام علي عليه السلام لا في مغازي الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.

3 - جابر الجعفي (المتوفّى 128 ه) ألّف كتباً في ذلك المجال: قال النجاشي: جابر: عربيّ قديم، ثمّ ذكر نسبه و عدّ من كتبه: كتاب الجَمل، و كتاب صفّين، و كتاب النهروان، و كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، و كتاب مقتل الحسين عليه السلام.(2)

4 - أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي، هو ممّن ألّف في ذلك المجال


1) . فهرست الطوسي: 202.

2) . رجال النجاشي: 313/1 برقم 330.

أيضاً و الذي أخذ عنه أبو عبيدة معمّر بن المثنّى (110-209 ه) و أبو عبد اللّه بن القاسم بن سلّام (157-224 ه) و أكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء و النسب و الأيّام.

له كتاب حسن يجمع المبتدأ و المغازي و الوفاة و الردّة(1). و قد جمع فيه أخبار ابتداء أمر النبي صلى الله عليه و آله من مبعثه و مغازيه و وفاته، و أخبار يوم السقيفة و ارتداد بعض القبائل.

5 - و من مشاهير هذا الفن من الشيعة أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة، روى عن جعفر بن محمّد عليهما السلام.

و صنّف كتباً: منها كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام....(2)

6 - و من أعلامه نصر بن مزاحم (المتوفّى 212 ه) ألّف كتباً كثيرة في ذلك المجال، لعلّ أهمها كتاب «وقعة صفّين» الشهير.(3)

7 - هشام بن محمّد بن السائب الكلبي (المتوفّى 206 ه) أعلم علماء النسب و السير و الآثار، ذكره النجاشي و قال: الناسب، العالم بالأيّام، المشهور بالفضل و العلم، و كان يختصّ بمذهبنا، ثمّ ذكر كتبه.(4)هذا عرض موجز لمن شارك المسلمين من قدماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تدوين السيرة و المغازي و المقاتل و التاريخ، و أمّا


1) . المصدر نفسه: 80/1 برقم 7 و في فهرست الشيخ برقم 62 يجمع المبدأ و المبعث.

2) . المصدر نفسه: 384/2 برقم 1149.

3) . المصدر نفسه: 191/2-192 برقم 873.

4) . المصدر نفسه: 399/2 برقم 1167.

المتأخّرون فسل عنهم و لا حرج، و راجع المعاجم كأعيان الشيعة للسيد الأمين العاملي، و الذريعة لشيخنا الطهراني.

12 - قدماء الشيعة و علم الرجال

اهتمّ علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال، و أولوه اهتماماً كبيراً، فبرزت منهم ثلّة كبيرة من سادة هذا العلم، و سنحاول هنا أن نذكر أوائل المؤلّفين منهم:

1 - عبد اللّٰه بن جبلة الكناني (المتوفّى 219 ه).

قال النجاشي: و بيت جبلة مشهور بالكوفة، كان فقيهاً ثقة مشهوراً، له كتب، منها كتاب الرجال....(1)

2 - عليّ بن الحسن بن فضّال، كان فقيه أصحابنا بالكوفة و وجههم و ثقتهم، و عارفهم بالحديث، من أصحاب الإمام الهادي و العسكري، له كتب منها كتاب الرجال.(2)

3 - الحسن بن محبوب السّراد (150-224 ه) الراوي عن ستّين رجلاً من أصحاب الصادق عليه السلام، له كتاب «المشيخة» و كتاب «معرفة رواة الأخبار».(3)

4 - أبو عمرو الكشّي، البصير بالأخبار و الرجال، تلميذ الشيخ العيّاشي، و كتابه المعروف ب «معرفة الرجال» هو الذي لخّصه الشيخ الطوسي و أسماه ب «اختيار معرفة الرجال» و هو الموجود في الأعصار الأخيرة.


1) . رجال النجاشي: 13/2 برقم 561.

2) . المصدر نفسه: 82/2 برقم 674.

3) . فهرست الطوسي: 96 برقم 162؛ معالم العلماء: 333 برقم 182؛ مصفّى المقال: 128.

5 - الشيخ أبو العبّاس أحمد بن عليّ النجاشي (372-450 ه) من نقّاد هذا الفن و من أجلّائه و أعيانه حاز قصب السبق في ميدان علم الرجال، له كتاب فهرس مصنّفي الشيعة المعروف برجال النجاشي.

6 - و الشيخ الطوسي (385-460 ه) الغني عن التعريف، عمل كتابين أحدهما الفهرست و الآخر الرجال، و يعدّان من أُمّهات الكتب الرجالية.

و توالى التأليف في علم الرجال كما في قرينه علم الدراية إلى عصرنا هذا، و قد أنهى الشيخ الطهراني، المؤلّفين من الشيعة في علم الرجال فبلغوا قرابة خمسمائة مؤلّف، شكر اللّٰه مساعي الجميع.

هذا عرض موجز لمشاركة علماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تأسيس العلوم و إكمالها و تطويرها، و أنت إذا وقفت على جهودهم الجبّارة في القرون الأُولى و ما بعدها إلى عصرنا الحاضر، تقف على طائفة كبيرة من عمالقة العلم و جهابذة الفضل، كرّسوا حياتهم الثمينة في إرساء صرح الحضارة الإسلامية و رفع قواعدها، فخلّدوا لأنفسهم صحائف بيضاء، و لصالح أُمّتهم حضارة إنسانية، كل ذلك في ظروف قاسية، و سلطات ظالمة شديدة الكلب، و أضغان محتدمة، إلّا في فترات يسيرة.

13 - قدماء الشيعة و العلوم العقلية

اشارة

جاء الإسلام ليحرّر عقل الإنسان و تفكيره من الأغلال المتراكمة الموروثة التي توارثها قهراً من الأجيال الماضية، فهو يخاطب العقل و يدعوه إلى التأمّل و التفكير، و يخاطب القلب و الضمير بما حوله من الأدلّة الناطقة، و يكفي في توضيح ذلك أنّ الذكر الحكيم استعمل مادة «العقل» بمختلف صورها (47)

مرّة، و «التفكّر» (18) مرّة، و «اللب» (16) مرّة و «التدبّر» (4) مرات و «النُّهى» مرتين. فبذلك نهى عن التقليد و حثّ على التعقّل ببيانات مختلفة.

فتارة يدعو الإنسان إلى التأمّل فيما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه و صفاته. قال سبحانه: «أ أنْتُمْ أشَدُّ خَلْقاً أمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها * و أغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها * و الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها * أخْرَجَ مِنْها ماءَها و مَرْعاها * وَ الجِبالَ أرْساها * متاعاً لَكُمْ و لأنْعامِكُمْ»(1).

و أُخرى يدعوه إلى التفكير و الاستدلال المنطقي، فقال سبحانه: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ اَلْخٰالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ بَلْ لاٰ يُوقِنُونَ» (2)فعالج المشاكل العلمية و الفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة، و أُخرى بالحثّ على التفكير في المعارف بأُسلوب منطقي و برهاني، و بذلك أيقظ عقول المسلمين و حثّهم على التأمّل و التدبّر في العلوم المختلفة، دون التقليد الأعمى و التتبّع غير المتبصّر، و جعل لأُولئك المكانة المتميّزة.

غير أنّ المسلمين سوى قليل منهم تنكّبوا عن هذا الطريق، خصوصاً فيما يرجع إلى المعارف العليا، فصاروا بين مشبّه و معطّل، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب و السنّة، و بذلك استغنوا عن أيّ تعقّل و تفكّر، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حدّ قال بعضهم في الخالق:

اعفوني عن الفرج و اللحية و اسألوني عمّا وراء ذلك(3)!!! فهؤلاء هم المجسّمة و المشبّهة، و أمّا غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكّر في اللّٰه سبحانه،


1) . النازعات: 27-33.

2) . الطور: 35-36.

3) . الملل و النحل، للشهرستاني: 105/1.

فقالوا: أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شَغَل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية، و لم يدرك الربوبية.(1)

فالأكثرية الساحقة في القرون الأُولى كانوا بين مشبّه و معطّل، غير أنّه سبحانه شملت عنايته أُمّة من المسلمين رفضوا التشبيه و التعطيل، و سلكوا طريقاً ثالثاً و قالوا بأنّه يمكن للإنسان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال و الكمال عن طريقين:

1 - النظرة الفاحصة إلى عالم الوجود و جمال الطبيعة كما وردت في القرآن الكريم.

2 - ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا، و هذا أيضاً هو الخطّ الذي رسمه القرآن الكريم، و سار على هذا الخطّ الأئمّة عليهم السلام من أوّلهم إلى آخرهم. ترى ذلك في كلام الإمام علي عليه السلام بوضوح، في أحاديثه و خطبه و رسائله، و لا يسعنا هنا أن نستعرض و لو بعضاً ممّا له عليه السلام في هذا المجال، إلّا أنّا نكتفي بحديث واحد.

سأله سائل: هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغّر الدنيا أو يُكبّر البيضة؟ فقال: «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى لا يُنسب إلى العجز، و الذي سألتني لا يكون».(2)

إنّ خطب الإمام علي عليه السلام و رسائله و قصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة و آرائهم في العقائد و المعارف، و لم يتوقّف نشاط الشيعة


1) . علاقة الإثبات و التفويض نقلاً عن الحجّة في بيان المحجة: 33.

2) . الصدوق، التوحيد: 130 باب «القدرة» برقم 9.

في ذلك المجال، بل و نتيجة لتوالي الأئمة عليهم السلام إمام بعد إمام، كان يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق الذي ربّى عليه الإمام عليّ عليه السلام شيعته، فواصل الأئمّة من بعده - عليهم و عليه السلام - في حياتهم تربية شيعتهم، فشحذوا عقولهم بالدعوة إلى التدبّر و التفكّر في المعارف، حتّى تربّى في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيّد الساجدين إلى عصر الإمام العسكري، تجد أسماءهم و تآليفهم و أفكارهم في المعاجم و كتب الرجال، و قد نبغ في عصر أئمّة أهل البيت مفكّرون بارزون أدّوا لعموم المسلمين خدمات لا تنكر، و أشرعوا أبواب المعرفة للباحثين و المفكّرين الذين تلوهم، و من هؤلاء:

متكلّمو الشيعة في القرن الثاني:

1 - زرارة بن أعين: مولى بني عبد اللّٰه بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، أبو الحسن: شيخ أصحابنا في زمانه، و متقدّمهم، و كان قارئاً، فقيهاً، متكلّماً، شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خصال الفضل و الدين، صادقاً فيما يرويه.

قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه: رأيت له كتاباً في الاستطاعة و الجبر.(1)

و قال ابن النديم: و زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً و حديثاً و معرفة بالكلام و التشيّع.(2)و هو من الشخصيات البارزة للشيعة التي أجمعت الطائفة على تصديقهم، و هو غنيّ عن التعريف و التوصيف.


1) . رجال النجاشي: 397/1 برقم 481؛ فهرست الطوسي: 133 برقم 312؛ رجال الكشّي: 62؛ ميزان الاعتدال: 69/2 برقم 2853.

2) . فهرست ابن النديم: 323.

2 - محمّد بن عليّ بن النعمان بن أبي طريفة البجلي: مولى الأحول «أبو جعفر» كوفي، صيرفي يلقب ب «مؤمن الطاق» و «صاحب الطاق»، و يلقّبه المخالفون ب «شيطان الطاق»... و كان دكّانه في طاق المحامل في الكوفة، فيرجع إليه في النقد فيردّ ردّاً فيخرج كما يقول، فيقال «شيطان الطاق».

أمّا منزلته في العلم و حسن الخاطر فأشهر، و قد نسبت إليه أشياء لم تثبت عندنا.

و له كتاب «افعل لا تفعل» و هو كتاب حسن كبير، و قد أدخل فيه بعض المتأخّرين أحاديث تدلّ على فسادها، و يذكر تباين أقاويل الصحابة.

و له كتاب «الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام» و كتاب كلامه على الخوارج، و كتاب مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة...(1).

و قال ابن النديم: و كان متكلّماً حاذقاً، و له من الكتب كتاب الإمامة، كتاب المعرفة، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول، كتاب في أمر طلحة و الزبير و عائشة(2).

3 - هشام بن الحكم: قال ابن النديم: هو من متكلّمي الشيعة الإمامية و بطانتهم، و ممّن دعا له الصادق عليه السلام، فقال: «أقول لك ما قال رسول اللّٰه لحسّان:

لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

و هو الذي فتق الكلام في الإمامة، و هذّب المذهب، و سهّل طريق الحجاج فيه، و كان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب.(3)


1) . رجال النجاشي: 203/2 برقم 887؛ رجال الطوسي: 343 برقم 18، أصحاب الكاظم عليه السلام؛ فهرست الطوسي: 207 برقم 594؛ رجال الكشي: 163 برقم 77.

2) . فهرست ابن النديم: 264 و أيضاً 258.

3) . المصدر نفسه: 257.

و يقول الشهرستاني: و هذا هشام بن الحكم، صاحب غور في الأُصول، لا ينبغي أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة؛ فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه، و ذلك أنّه ألزم الغلاة....(1)

و قال النجاشي: هشام بن الحكم، أبو محمّد مولى كندة، و كان ينزل بني شيبان بالكوفة، انتقل إلى بغداد سنة (199 ه)، و يقال: إنّه مات في هذه السنة، له كتاب يرويه جماعة. ثمّ ذكر أسماء كتبه فبلغت ثلاثين كتاباً.(2)

علل التحريم، الفرائض، الإمامة، الدلالة على حدث الأجسام، الردّ على الزنادقة، الرد على أصحاب الاثنين، التوحيد، الرد على هشام الجواليقي، الردّ على أصحاب الطبائع، الشيخ و الغلام في التوحيد، التدبير في الإمامة، الميزان، إمامة المفضول، الوصيّة و الردّ على منكريها، الميدان، اختلاف الناس في الإمامة، الجبر و القدر، كتاب الحكمين، الرد على المعتزلة و طلحة و الزبير، القدر، الألفاظ، الاستطاعة، المعرفة، الثمانية أبواب، على شيطان الطاق، الأخبار، الردّ على المعتزلة، الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد، المجالس في التوحيد، المجالس في الإمامة.

و أمّا أحمد أمين فيقول عنه: أكبر شخصية شيعية في الكلام، و كان قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه، و نقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدل على حضور بديهيته و قوّة حججه.

إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام، ثمّ تبع الجهم بن صفوان الجبري المتطرّف المقتول بترمذ عام (128 ه)، ثمّ لحق بالإمام الصادق عليه السلام ودان بمذهب الإمامية، و ما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الإمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية، و أمّا بعد ما لحق


1) . الملل و النحل: 185/1.

2) . رجال النجاشي: 397/2 برقم 1165. و ذكر أسماء كتبه على النحو التالي:

بالإمام الصادق عليه السلام فقد انطبعت عقليته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتّى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية.(1)

4 - قيس الماصر: أحد أعلام المتكلّمين، تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليهما السلام.

روى الكليني: أنّه أتى شاميّ إلى أبي عبد اللّٰه الصادق عليه السلام ليناظر أصحابه، فقال عليه السلام ليونس بن يعقوب: أُنظر من ترى بالباب من المتكلّمين... إلى أن قال يونس: فأدخلت زرارة بن أعين و كان يحسن الكلام، و أدخلت الأحول و كان يحسن الكلام، و أدخلت هشام بن الحكم و هو يحسن الكلام، و أدخلت قيس الماصر و كان عندي أحسنهم كلاماً و قد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليهما السلام.(2)

5 - عيسى بن روضة حاجب المنصور: قال عنه النجاشي: كان متكلّماً، جيد الكلام، و له كتاب في الإمامة. و قرأت في بعض الكتب: أنّ المنصور لمّا كان بالحيرة، تسمّع على عيسى بن روضة، و كان مولاه، و هو يتكلّم في الإمامة فأُعجب به و استجاد كلامه.(3)

6 - الضحّاك، أبو مالك الحضرمي: كوفي، عربي، أدرك أبا عبد اللّٰه عليه السلام و قال قوم من أصحابنا: روى عنه، و قال آخرون: لم يرو عنه، روى عن أبي الحسن، و كان متكلّماً ثقة ثقة في الحديث، و له كتاب في التوحيد رواه عنه


1) . إنّ للعلّامة الحجّة الشيخ عبد اللّٰه نعمة كتاباً في حياة هشام بن الحكم، و قد أغرق نزعاً في التحقيق، و أغنانا عن كلّ بحث و تنقيب.

2) . الكافي: 171/1.

3) . رجال النجاشي: 145/2 برقم 794.

عليّ بن الحسن الطاطري(1)فالرجل من متكلّمي القرن الثاني.

و قال ابن النديم: من متكلّمي الشيعة، و له مع أبي عليّ الجبّائي مجلس في الإمامة و تثبيتها بحضرة أبي محمّد القاسم بن محمّد الكوفي، و له من الكتب: كتاب الإمامة، نقض الإمامة على أبي عليّ و لم يتمّه.(2)

7 - عليّ بن الحسن بن محمّد الطائي: المعروف ب «الطاطري» كان فقيهاً ثقة في حديثه، له كتب منها: التوحيد، الإمامة، الفطرة، المعرفة، الولاية.(3)و غيرها.

و عدّه ابن النديم من متكلّمي الإمامية و قال: و من القدماء الطاطري، و كان شيعياً، و له من الكتب كتاب الإمامة حسن.(4)

8 - الحسن بن عليّ بن يقطين بن موسى، مولى بني هاشم، و قيل مولى بني أسد، كان فقيهاً متكلّماً، روى عن أبي الحسن و الرضا عليهما السلام، و له كتاب مسائل أبي الحسن موسى عليه السلام(5)و بما أنّ أبا الحسن الأوّل توفّي عام (183 ه)، و الثاني توفّي عام (203 ه)، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني و أوائل الثالث.

و ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام.(6)


1) . المصدر نفسه: 451/1 برقم 544.

2) . فهرست ابن النديم: 266.

3) . رجال النجاشي: 77/2 برقم 665.

4) . فهرست ابن النديم: 266.

5) . رجال النجاشي: 148/1 برقم 9.

6) . رجال الطوسي: 354 برقم 7.

9 - حديد بن حكيم: أبو علي الأزدي المدائني، ثقة، وجه، متكلّم، روى عن أبي عبد اللّه، و أبي الحسن عليهما السلام و له كتاب يرويه محمّد بن خالد.(1)

10 - فضّال بن الحسن بن فضّال: و هو من متكلّمي عصر الصادق عليه السلام و ذكره الطبرسي في احتجاجه و مناظرته مع أبي حنيفة، فلاحظ.(2)

إنّ ما ذكرناه من أساتذة الكلام كانوا نماذج مصغّرة من تلامذة أهل البيت عليهم السلام و خرّيجي مدرستهم، و قد اكتفينا بذكر هذه الطائفة تجنّباً عن الإطالة و الإسهاب، و من ابتغى الاستزادة فعليه بالمراجع التاريخية و كتب الكلام المختلفة التي حفلت بأسماء الأعلام الباقين، أمثال حمران بن أعين الشيباني، و هشام بن سالم الجواليقي، و السيد الحميري، و الكميت الأسدي.(3)

متكلّمو الشيعة في القرن الثالث:

1 - الفضل بن شاذان بن خليل أبو محمّد الأزدي النيشابوري: كان أبوه من أصحاب يونس، و روى عن أبي جعفر الثاني و قيل الرضا عليهما السلام و كان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء، و المتكلّمين، و له جلالة في هذه الطائفة، و هو في قدره أشهر من أن نصفه، و ذكر الكنجي أنّه صنّف مائة و ثمانين كتاباً.


1) . رجال النجاشي: 377/1 برقم 383، و ذكره الخطيب في تاريخه: 280/8 برقم 4377.

2) . قاموس الرجال: 313/4.

3) . لاحظ أعيان الشيعة: 134/1-135.

و ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الهادي و العسكري. و قد توفّي عام (260 ه) فهو من متكلّمي القرن الثالث. و قد ذكر النجاشي فهرس كتبه فراجع للاستزادة.(1)

النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، الوعيد، الردّ على أهل التعطيل، الاستطاعة، مسائل في العلم، الأعراض و الجواهر، العلل، الإيمان، الردّ على الثنوية، إثبات الرجعة، الردّ على الغالية المحمّدية، تبيان أصل الضلالة، الردّ على محمّد بن كرّام، التوحيد في كتب اللّٰه، الرد على أحمد بن الحسين، الردّ على الأصمّ، في الوعد و الوعيد آخر، الردّ على بيان إيمان ابن رباب (الخارجي)، الردّ على الفلاسفة، محنة الإسلام، الأربع مسائل في الإمامة، الردّ على المنّانية، الرد على المرجئة، الردّ على القرامطة، الردّ على البائسة، اللطيف، القائم عليه السلام، كتاب الإمامة الكبير، حذو النعل بالنعل، فضل أمير المؤمنين عليه السلام، معرفة الهدى و الضلالة، التعري و الحاصل، الخصال في الإمامة، المعيار و الموازنة، الردّ على الحشوية، الردّ على الحسن البصري في التفضيل، النسبة بين الجبرية و البترية.

2 - حكم بن هشام بن الحكم: أبو محمّد، مولى كندة، سكن البصرة، و كان مشهوراً بالكلام، كلّم الناس، و حكي عنه مجالس كثيرة، ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له كتاباً في الإمامة.(2)و قد توفّي والده عام (200 ه أو 199 ه) فهو من متكلّمي أواخر القرن الثاني و أوائل القرن الثالث.

3 - داود بن أسد بن أعفر: أبو الأحوص البصري - رحمه اللّٰه - شيخ جليل، فقيه متكلّم من أصحاب الحديث، ثقة ثقة، و أبوه من شيوخ أصحاب الحديث الثقات، له كتب منها: كتاب في الإمامة على سائر من خالفه من الأُمم، و الآخر مجرّد الدلائل و البراهين.(3)


1) . رجال النجاشي: 168/2 برقم 838؛ رجال الطوسي: 39 و 401 برقم 1 و 2 في أصحاب الهادي و العسكري؛ رجال الكشّي: 451 برقم 416. و ذكر النجاشي أسماء كتبه على النحو التالي:

2) . رجال النجاشي: 328/1 برقم 349.

3) . رجال النجاشي: 364/1 برقم 412.

و ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست» في باب الكنى و قال: إنّه من جملة متكلّمي الإمامية، لقيه الحسن بن موسى النوبختي و أخذ عنه، و اجتمع معه في الحائر على ساكنه السلام، و كان ورد للزيارة.(1)فبما أنّه من مشايخ الحسن بن موسى النوبختي المعاصر للجبّائي (المتوفّى 303 ه) فهو من متكلّمي القرن الثالث.

4 - محمّد بن عبد اللّٰه بن مملك الاصبهاني: أصله من جرجان، و سكن أصبهان، جليل في أصحابنا، عظيم القدر و المنزلة له كتب منها كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام كبير، كتاب المسائل و الجوابات في الإمامة، كتاب مواليد الأئمة عليهم السلام، كتاب مجالسه مع أبي علي الجبّائي (235-303 ه).(2)

5 - ثبيت بن محمّد، أبو محمّد العسكري: صاحب أبي عيسى الوراق (محمّد بن هارون) متكلّم حاذق، من أصحابنا العسكريين، و كان أيضاً له اطّلاع بالحديث و الرواية، و الفقه، له كتب في الحديث و الإمامة و غيرها.(3)

6 - إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن هلال المخزومي: أبو محمّد، أحد أصحابنا، ثقة فيما يرويه له كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة.(4)

7 - محمّد بن هارون، أبو عيسى الوراق: له كتاب الإمامة، و كتاب السقيفة.


1) . فهرست الطوسي: 221 برقم 875.

2) . رجال النجاشي: 297/2 برقم 1034.

3) . المصدر نفسه: 293/1 برقم 298، و ثبيت على وزن زبير.

4) . المصدر نفسه: 120/1 برقم 66.

قال ابن حجر: له تصانيف على مذهب المعتزلة، و قال المسعودي: له مصنّفات حسان في الإمامة و غيرها، و كانت وفاته سنة (247 ه).(1)

8 - إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المزني: مولى آل طلحة بن عبيد اللّٰه، أبو إسحاق، و كان وجه أصحابنا البصريين في الفقه و الكلام و الأدب و الشعر.(2)

9 - الشكّال: قال ابن النديم: صاحب هشام بن الحكم و خالفه في أشياء إلّا في أصل الإمامة، و له من الكتب: كتاب المعرفة، كتاب في الاستطاعة، كتاب الإمامة، كتاب على من أبىٰ وجوب الإمامة بالنصّ.(3)

10 - الحسين بن اشكيب: ثقة مقدّم، ذكره أبو عمرو في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن العسكري عليه السلام و وصفه بأنّه عالم متكلّم مؤلّف للكتب له من الكتب: كتاب الردّ على من زعم أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان على دين قومه، و الردّ على الزيدية.(4)

11 - عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه، أبو محمّد العسكري: متكلّم من أصحابنا، حسن التصنيف، جيّد الكلام. من كتبه: كتاب الكامل في الإمامة، كتاب حسن.(5)

12 - عليّ بن منصور، أبو الحسن، كوفي سكن بغداد، متكلّم من أصحاب هشام، له كتب، منها كتاب التدبير في التوحيد و الإمامة.(6)


1) . رجال النجاشي: 280/2 برقم 1017؛ لسان الميزان: 412/5 برقم 1360؛ الرواشح السماوية: 55 و مر ذكره في ترجمة ثبيت. و ما في كلام ابن حجر من عدّه من المعتزلة، ناشئ عن الخلط بين المعتزلة و الإمامية.

2) . المصدر نفسه: 87/1 برقم 13.

3) . فهرست ابن النديم: 264.

4) . رجال النجاشي: 146/1 برقم 87.

5) . رجال النجاشي: 47/2 برقم 623.

6) . المصدر نفسه: 71/2 برقم 656.

13 - عليّ بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّار: أبو الحسن مولى بني أسد، كوفي، سكن البصرة، و كان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل (135-235 ه) و النظّام (160-231 ه) له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة، كتاب مجالس هشام بن الحكم و كتاب المتعة.(1)

و قال ابن النديم: أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة عليّ بن إسماعيل بن ميثم التمّار، و ميثم (جدّه) من أجلّة أصحاب عليّ - رضي اللّٰه عنه - و لعليّ من الكتب كتاب الإمامة و كتاب الاستحقاق.(2)

متكلّمو الشيعة في القرن الرابع:

1 - الحسن بن علي بن أبي عقيل: أبو محمّد العماني، الحذّاء، فقيه متكلّم ثقة، له كتب في الفقه و الكلام، منها كتاب «المتمسّك بحبل الرسول».(3)

2 - إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا و غيرهم، له جلالة في الدنيا و الدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب، صنّف كتباً كثيرة، منها: كتاب الاستيفاء في الإمامة، التنبيه في الإمامة.

و قال ابن النديم: أبو سهل، إسماعيل بن عليّ بن نوبخت، من كبار الشيعة، و كان أبو الحسن الناشئ يقول: إنّه أُستاذه، و كان فاضلاً، عالماً، متكلّماً، و له مجالس بحضرة جماعة من المتكلّمين... و ذكر فهرس كتبه.(4)


1) . رجال النجاشي: 72/2 برقم 659.

2) . فهرست ابن النديم: 263.

3) . رجال النجاشي: 153/1 برقم 99.

4) . فهرست ابن النديم: 265.

3 - الحسين بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه: (أخو الصدوق) القمي أبو عبد اللّٰه، ثقة، روى عن أبيه إجازة، و له كتب منها: كتاب التوحيد و نفي التشبيه، و قد توفّي أخوه عام (381 ه) فهم من أعيان القرن الرابع، و هو و أخوه ولدا بدعوة صاحب الأمر عليه السلام، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان.(1)

4 - محمّد بن بشر الحمدوني «أبو الحسين السوسنجردي»: متكلّم جيد الكلام، صحيح الاعتقاد، كان يقول بالوعيد، له كتب، منها: كتاب المقنع في الإمامة، كتاب المنقذ في الإمامة.(2)

و قال ابن النديم: السوسنجردي من غلمان أبي سهل النوبختي و يكنّى أبا الحسن، و يعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون، و له من الكتب كتاب الإنقاذ في الإمامة.(3)

و قال ابن حجر: كان زاهداً ورعاً متكلّماً، على مذهب الإمامية، و له مصنّفات في نصرة مذهبه.(4)

5 - يحيى أبو محمّد العلوي من بني زبارة: علوي، سيّد، متكلّم، فقيه، من أهل نيشابور. قال الشيخ الطوسي: جليل القدر، عظيم الرئاسة، متكلّم، حاذق، زاهد، ورع، لقيت جماعة ممّن لقوه و قرءوا عليه، له كتاب إبطال القياس، و كتاب في التوحيد.(5)


1) . رجال النجاشي: 189/1 برقم 161؛ لسان الميزان: 306/2 برقم 1260.

2) . المصدر نفسه: 298/2 برقم 1037.

3) . فهرست ابن النديم: 266.

4) . لسان الميزان: 93/5 برقم 304.

5) . رجال النجاشي: 413/2 برقم 1192، و قد جاءت ترجمته أيضاً برقم 1195؛ فهرست الطوسي برقم 803.

6 - محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، أبو جعفر: متكلّم، عظيم القدر حسن العقيدة، قويّ في الكلام، له كتب في الكلام، و قد سمع الحديث، و أخذ عنه ابن بطّة و ذكره في فهرسته الذي يذكر فيه من سمع منه فقال: و سمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة.

و قال ابن النديم: أبو جعفر بن محمّد بن قبة من متكلّمي الشيعة و حذّاقهم، و له من الكتب: كتاب الإنصاف في الإمامة، كتاب الإمامة.(1)

و قال العلاّمة الحلّي عنه: «و كان حاذقاً شيخ الإمامية في عصره».(2)

7 - عليّ بن وصيف، أبو الحسن الناشئ: (271-365 ه) ذكره النجاشي و قال: الشاعر المتكلّم، ذكر شيخنا - رضي اللّٰه عنه - أنّ له كتاباً في الإمامة.(3)

و قال الطوسي: كان شاعراً مجوّداً في أهل البيت عليهم السلام و متكلّماً بارعاً و له كتب.(4)

و قال ابن خلّكان: من الشعراء المحبّين، و له في أهل البيت قصائد كثيرة، و كان متكلّماً بارعاً، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت المتكلّم، و كان من كبار الشيعة، و له تصانيف كثيرة، و قال ابن كثير: إنّه كان متكلّماً، بارعاً من كبار الشيعة، فهو من متكلّمي القرن الرابع.(5)

10 - الحسن بن موسى، أبو محمد النوبختي: شيخنا المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدها، له على الأوائل كتب كثيرة، منها:


1) . فهرست ابن النديم: 262.

2) . الخلاصة: 143 - القسم الأوّل -.

3) . رجال النجاشي: 105/2 برقم 707.

4) . فهرست الطوسي: 233، ط ليدن.

5) . تنقيح المقال: 313/2 برقم 8549.

1 - كتاب الآراء و الديانات، يقول النجاشي: كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّٰه (المفيد) - رحمه اللّٰه -.

2 - كتاب فرق الشيعة.

3 - كتاب الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإمامية.

4 - كتاب الجامع في الإمامة.(1)

و الرجل من أكابر متكلّمي الشيعة، عاصر الجبّائي (المتوفّى 303 ه)، و البلخي (المتوفّى 319 ه)، و أبا جعفر بن قبة المتوفّى قبل البلخي، فهو من أعيان متكلّمي الشيعة في أواخر القرن الثالث، و أوائل القرن الرابع.

و قال عنه ابن النديم: أبو محمّد الحسن بن موسى بن أُخت أبي سهل بن نوبخت، متكلّم فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقي، و إسحاق و ثابت و غيرهم، و كانت المعتزلة تدّعيه، و الشيعة تدّعيه و لكنّه إلى حيّز الشيعة ما هو (كذا) لأنّ آل نوبخت معروفون بولاية عليّ و ولده عليهم السلام في الظاهر، فلذلك ذكرناه في هذا الموضع... و له مصنّفات و مؤلّفات في الكلام و الفلسفة و غيرها. ثمّ ذكر فهرس كتبه و لم يذكر إلّا القليل من الكثير.(2)

أقول: إنّ بيت نوبخت من أرفع البيوتات الشيعية نبغ منه فلاسفة كبار،


1) . رجال النجاشي: 179/1 برقم 146؛ ترجمه ابن حجر في لسان الميزان: 258/2 برقم 1075، و ترجمه هبة الدين الشهرستاني في مقدّمة «فرق الشيعة».

2) . فهرست ابن النديم: 265-266 الفن الثاني من المقالة الخامسة.

متكلّمون عظام، لا يسعنا هنا الحديث عنهم، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المؤلّفة حول هذا البيت.

هؤلاء هم بعض أعلام الشيعة و متكلّموهم في القرون الأربعة من الذين ذادوا عن حياض الإسلام و التشيّع ببيانهم و بنانهم، أتينا بأسمائهم في هذا المقام كنموذج عن رجالات الشيعة الأفذاذ الذين ساهموا مع إخوانهم من المفكّرين المسلمين في بناء صرح الحضارة الإسلامية الخالد، و نختم بحثنا هذا بذكر أكبر فطاحلة الكلام و رجاله الأفذاذ، رجل قلّ أن يسمع الدهر بمثله، و نقصد به شيخ الأُمّة و أُستاذ المتكلّمين شيخنا المفيد (336-413 ه) الذي نطق بفضله و علمه و ورعه و تقاه لسان كل موافق و مخالف، و إليك نموذجاً ممّا ذكرته كتب التراجم و علماء الرجال في كتبهم على وجه الإيجاز، و نركّز على كلمات أهل السنّة مع ذكر القليل من كلمات الشيعة في حقّه.

1 - قال عنه معاصره ابن النديم (المتوفّى 388 ه) في «الفهرست»:

ابن المعلم أبو عبد اللّٰه، في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطرة، شاهدته فرأيته بارعاً....(1)

2 - و قال عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه):

شيخ الإمامية و عالمها، صنّف على مذهبه، و من أصحابه المرتضى، كان لابن المعلم مجلس نظر بداره - بدرب رياح - يحضره كافّة العلماء، له منزلة عند أُمراء الأطراف، لميلهم إلى مذهبه.(2)


1) . فهرست ابن النديم: 266 في فصل أخبار متكلّمي الشيعة.

2) . المنتظم: 157/15.

3 - و قال أبو السعادات عبد اللّٰه بن أسعد اليافعي (المتوفّى 768 ه):

و في سنة ثلاث عشرة و أربعمائة توفّي عالم الشيعة و إمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد، و ابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام و الجدل و الفقه، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة و العظمة في الدولة البويهية. قال ابن أبي طي: و كان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة و الصوم، خشن اللباس، و قال غيره: كان عضد الدولة ربّما زار الشيخ المفيد، و كان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستّاً و سبعين سنة، و له أكثر من مائتي مصنّف، و كانت جنازته مشهورة و شيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة و الشيعة.(1)

4 - و وصفه أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (المتوفّى 774 ه) بقوله:

شيخ الإمامية الروافض، و المصنّف لهم، و المحامي عن حوزتهم، و كان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء و سائر الطوائف.(2)

5 - و قال الذهبي (المتوفّى 748 ه):

عالم الشيعة و إمام الرافضة و صاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طي في تاريخه - تاريخ الإمامية: - هو شيخ مشايخ الطائفة و لسان الإمامية و رئيس الكلام و الفقه و الجدل، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهية.(3)


1) . مرآة الجنان: 28/3 ط الهند.

2) . البداية و النهاية: 15/11.

3) . العِبَر: 225/2.

6 - قال ابن حجر (المتوفّى 852 ه) بعد نقل ما ذكره الذهبي:

و كان كثير التعقيب و التخشّع و الإكباب على العلم، تخرّج به جماعة، و برع في المقالة الإمامية حتّى يقال: له على كلّ إمامي منّة، و كان أبوه معلماً بواسط، و ما كان المفيد ينام من الليل إلّا هجعة ثمّ يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن.(1)

7 - و قال عنه ابن العماد الحنبلي (المتوفّى 1089 ه):

ابن المعلم، عالم الشيعة، إمام الرافضة، و صاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طي في «تاريخ الإمامية»: هو شيخ مشايخ الطائفة و لسان الإمامية و رئيس الكلام، و الفقه، و الجدل، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة و العظمة في الدولة البويهية.(2)

هذا جانب ممّا ترجم له أهل السنّة، و أمّا الشيعة فنقتصر على كلام تلميذيه الطوسي و النجاشي توخّياً للاختصار:

1 - يقول الشيخ الطوسي (385-460 ه) في «الفهرست»:

المفيد يكنّى أبا عبد اللّٰه، المعروف بابن المعلم، من جملة متكلّمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، و كان مقدّماً في العلم، و صناعة الكلام، و كان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، و له قريب من مائتي مصنّف كبار و صغار، و فهرست كتبه معروف، ولد سنة


1) . لسان الميزان: 368/5 برقم 1196.

2) . شذرات الذهب: 199/3 و فيه مكان الطائفة «الصوفية» و هو لحن.

(338 ه)، و توفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة (413 ه)، و كان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه و كثرة البكاء من المخالف و الموافق.(1)

2 - و يقول تلميذه الآخر، النجاشي (372-450 ه):

شيخنا و أُستاذنا - رضي اللّٰه عنه - فضله أشهر من أن يوصف في الفقه و الكلام و الرواية و الوثاقة و العلم. ثمّ ذكر تصانيفه.(2)

و هكذا و بعد أن أوردنا بعضاً من رجالات الطائفة الذين برعوا في علم الكلام حتّى نهاية القرن الرابع، أودّ أن أُشير إلى بعض أساتذة الفلسفة الذين لمعت أسماؤهم في سماء العالم الإسلامي بعد القرن الرابع الهجري.

مشاهير أئمّة الفلسفة بعد القرن الرابع:

1 - الشيخ أبو علي بن سينا: إذا كان الشيخ المفيد أكبر متكلّم للشيعة ظهر في العراق، فإنّ الشيخ الرئيس ابن سينا (370-428 ه) أكبر فيلسوف إسلامي شيعي ظهر في المشرق، و هو من الذين دفعوا عجلة الفكر و العلم إلى الامام خطوات كثيرة، و قد ذاع صيته شرقاً و غرباً، و كتبت عنه دراسات ضافية من المسلمين و المستشرقين، و نحن في غنى عن إفاضة القول في ترجمة حياته، و آثاره التي خلّفها، و التلاميذ الذين تربّوا في مدرسته، و لكن نشير إلى كتابين من كتبه لما لهما من الشهرة و المكانة:

ألف - الشفاء: و هو يشتمل على المنطق و الطبيعيات و الإلهيات و الرياضيات و قد طبع أخيراً في مصر في أجزاء، و بالإمعان فيما ذكره في مبحث


1) . فهرست الطوسي: 238 برقم 711.

2) . رجال النجاشي: 327/2 برقم 1068.

النبوّة يعلم منه مذهبه، قال: و الاستخلاف بالنص أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب و التشاغب و الاختلاف.(1)

باء - الإشارات: و هو يشتمل على المنطق و الطبيعيات و الإلهيات، و هو من أحسن مؤلّفاته، و فيه آراؤه النهائية، و قد وقع موقع العناية لمن بعده، فشرحه الإمام الرازي (543-606 ه) و المحقّق الطوسي (597-672 ه) و الشرح الثاني كان محور الدراسة في الحوزات العلمية.

2 - نصير الدين الطوسي: سلطان المحقّقين و أُستاذ الحكماء و المتكلّمين (597-672 ه) و هو أشهر من أن يذكر، شارك في جميع العلوم النظرية فأصبح أُستاذاً محقّقاً مؤسّساً، أثنى عليه الموافق و المخالف.

3 - الشيخ كمال الدين، ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني (636-699 ه) الفيلسوف المحقّق، و الحكيم المدقّق، قدوة المتكلّمين، تظهر جلالة شأنه و سطوع برهانه من الإمعان في شرحه لنهج البلاغة في أربعة أجزاء، و له «قواعد المرام في الكلام» و كلاهما مطبوعان.

4 - العلّامة الحلّي: شيخ الشيعة جمال الدين المعروف بالعلّامة الحلّي (648-726 ه) له الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد، و كشف المراد في الكلام، و كتبه في المنطق و الكلام و الفلسفة تنوف على العشرين.

5 - قطب الدين الرازي (المتوفّى 766 ه) تلميذ العلّامة الحلّي و أُستاذ الشهيد الأوّل، له شرح المطالع في المنطق، و المحاكمات بين العلمين: الرازي و نصير الدين الطوسي.


1) . الشفاء، قسم الإلهيات: 564/2 ط إيران.

إلى غير ذلك من العقول الكبيرة التي ظهرت في الحوزات الشيعية، كالفاضل المقداد (المتوفّى 808 ه) مؤلّف نهج المسترشدين في الكلام، و الشيخ بهاء الدين العاملي (953-1030 ه)، و السيد محمّد باقر المعروف بالداماد (المتوفّى 1040 ه)، و تلميذه المعروف بصدر المتألّهين مؤلّف الأسفار الأربعة (971-1050 ه)، و غيرهم ممّن يتعسّر علينا إحصاء أسمائهم فضلاً عن تحرير تراجمهم.

هذه لمحة عابرة عن مشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية في مجال العلوم العقلية، و التي اقتصرنا فيها على ذكر ما يتّسع به المجال من بعض المشاهير منهم إلى أواسط القرن الحادي عشر، حيث إنّ هناك العديد من الأسماء الكبيرة و اللامعة.

هذا و قد قام المتتبّع المتضلّع الشيخ عبد اللّٰه نعمة بتأليف كتاب حول فلاسفة الشيعة و متكلّميهم أسماه «فلاسفة الشيعة» فسدّ بذلك بعض الفراغ جزاه اللّٰه خيراً.

و من الجانب الآخر يجد المرء أنّ هذا العطاء المقدّس في علوم التفكير و البرهنة لم يزل متواصلاً لدى الشيعة و حتّى عصرنا الحاضر هذا، حيث ظهرت العديد من الشخصيات الفذّة و البارزة، رفدت المكتبة الإسلامية بمؤلّفات غنيّة في الكلام و الفلسفة و المنطق، في الوقت الذي عاش فيه كثير من هؤلاء العلماء و المفكّرين في ظروف قاهرة و مصاعب جمّة، لعبت فيها السلطات الجائرة دوراً كبيراً في مطاردة و تصفية الكثير منهم، حتّى صار ذلك سبباً في اختفاء آثارهم و ضياعها، بل و تراكم الأساطير حولها.

و بذلك تقف على ضعف و ركاكة ما ذكره المستشرق آدم متز في حقّ كلام الشيعة:

«أمّا من حيث العقيدة و المذهب، فإنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، و لا بدّ أن يكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءم أغراض الشيعة، و لم يكن للشيعة في القرن الرابع مذهب كلامي خاصّ بهم».(1)

إنّ الشيعة عن بكرة أبيهم كانوا مقتفين أثر أئمّتهم، و لم يكونوا ورثة للمعتزلة و لا لغيرهم، و إنّما أخذت المعتزلة أُصول مذهبهم عن أئمّة أهل البيت، كما هو واضح للجميع، بل و المعروف كثرة المناظرات بين الشيعة و المعتزلة منذ عصر الإمام الصادق عليه السلام و إلى عصر المفيد و ما بعده.

نعم، ما أضعف ما ذهب إليه هذا المستشرق، و في ذلك دلالة واضحة على سطحيّة الآراء التي يذهب إليها الغرباء في الحكم على عقائد المسلمين، و لسنا نلومه بقدر ما نلوم به إخواننا المسلمين و مفكّريهم الذين يستندون في كثير من مذاهبهم على أقوال هؤلاء و تخرّصاتهم، حتّى أنّ الشيخ المفيد وضع كتباً في نقد المعتزلة، كما وضع قبله بعض أئمّة المتكلّمين من الشيعة ردوداً على المعتزلة، فكيف يكون الشيعة ورثة للمعتزلة؟ نعم إنّ القائل خلط مسألة الاتّفاق في بعض المسائل بالتبعية و الاقتفاء، فالشيعة و المعتزلة تتّفقان في بعض الأُصول، لا أنّ أحدهما عيال على الآخر.

14 - قدماء الشيعة و العلوم الكونية

اشارة

لم يكن اتّجاه الشيعة مختصّاً بالعلوم العقلية كالكلام و الفلسفة و المنطق فحسب، بل امتدّ نشاطهم و حركتهم الفكرية إلى العلوم الرياضية، و الكونية،


1) . الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 106:1، ط الثالثة، تعريب محمّد عبد الهادي أبو ريدة.

فتجد هذا النشاط بارزاً في مؤلّفاتهم طيلة القرون الماضية، و نحن نأتي هنا بذكر موجز عن مشاهير علمائهم و مؤلّفاتهم في القرون الأُولى تاركين غيرهم للمعاجم:

1 - هشام بن الحكم (المتوفّى 199 ه)، له آراء في الأعراض كاللون و الطعم و الرائحة، و قد أخذ منه إبراهيم بن سيّار النظّام، و حاصل هذا الرأي أنّ الرائحة جزئيات متبخّرة من الأجسام تتأثّر بها الغدد الأنفية، و أنّ الأطعمة جزئيات صغيرة تتأثّر بها الحليمات اللسانية.(1)

2 - إنّ بيت آل نوبخت بيت شيعي عريق، فقد قاموا بترجمة الكثير من كتب العلوم و المعرفة من اللغة الفارسية إلى العربية، كما برع منهم من له باع طويل في كثير من العلوم، و منها العلوم الكونية.

قال ابن النديم: آل نوبخت معروفون بولاية علي و ولده.

و قال الأفندي في «رياض العلماء»: بنو نوبخت طائفة معروفة من متكلّمي الإمامية منهم:

أ - أبو الفضل بن نوبخت، قال ابن النديم: كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد، و قال ابن القفطي في تاريخ الحكماء: إنّه مذكور مشهور من أئمّة المتكلّمين و ذُكر في كتب المتكلّمين. و كان في زمن هارون الرشيد و ولّاه القيام بخزانة كتب الحكمة، و هو من متكلّمي أواخر القرن الثاني.

ب - ولده إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، من متكلّمي القرن الثالث.


1) . فلاسفة الشيعة: 56.

ج - يعقوب بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، متقدّم في الحكمة و الكلام و النجوم.(1)

3 - أبو عليّ أحمد بن محمّد بن يعقوب بن مسكويه، من أعيان الشيعة و أعلام فلاسفتهم، صنّف في علوم الأوائل، و له تعليقات في المنطق، و مقالات جليلة في أقسام الحكمة و الرياضة.(2)

4 - جابر بن حيّان، و يعدّ من أشهر علماء الشيعة و أقدمهم الذين برزوا في علم الكيمياء، و هو أوّل من أشار إلى طبقات العين قبل «يوحنا بن ماسويه» (المتوفّى 243 ه) و قبل حنين بن إسحاق (المتوفّى 264 ه) و أوّل من أثبت إمكان تحويل المعدن الخسيس إلى الذهب و الفضة، فلم تقف عبقريته في الكيمياء عند هذا الحدّ، بل دفعته إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء فأدخل فيها ما سمّاه بعلم الميزان، و المقصود منه معادلة ما في الأجسام و الطبائع، و جعل لكلّ جسم من الأجسام، موازين خاصّة(3)و قد أُلّفت حول جابر و عبقريته كتب كثيرة، فمن أراد فليرجع إليها، و قد اتّفق الكلّ على أنّه تلميذ الإمام الصادق عليه السلام.

5 - الشريف أبو القاسم عليّ بن القاسم القصري، و هو من علماء القرن الرابع، ذكره ابن طاوس في «فرج المهموم» في عداد منجّمي الشيعة.(4)

هذه نماذج من علماء الشيعة في الطبيعيات و الفلكيات، و أمّا المتأخّرون،


1) . أعيان الشيعة: 135/1.

2) . روضات الجنات: 254/1.

3) . فلاسفة الشيعة: 57/1.

4) . فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: 128، ط النجف 1368 ه.

فحدّث عنهم و لا حرج، و قد أتى بقسم كبير منهم الشيخ عبد اللّٰه نعمة في كتابه «فلاسفة الشيعة» فمن أراد فليرجع إليه، غير أنّا نذكر هنا المحقّق الطوسي الذي له حقّ على الأُمّة جمعاء، و الذي تقول في حقّه المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه:

و حصل نصير الدين الطوسي على مرصده، فكان معهداً للأبحاث لا مثيل له، و زوّده بالآلات الفلكية التي زادت في شهرة المعهد، و رفعت مكانته...

و يحكى أنّ زائراً قصد ابن الفلكي نصير الدين في مرصده في مراغة، فلمّا رأى الآلات الفلكية المتنوّعة ذُهل، و قد ازداد دهشة حين رأى «المحلقة» ذات الخمس حلقات و الدوائر من النحاس: أولاها: تمثل خطّ الطول الذي كان مركّزاً في الأسفل، و ثانيتها: خطّ الاستواء، و ثالثتها: الخطّ الاهليلجي، و رابعتها:

دائرة خطّ الأرض، و خامستها: دائرة الانقلاب الصيفي و الشتوي، و شاهد أيضاً دائرة السمت التي يمكن للمرء بواسطتها أن يحدّد سمت النجوم، أي الزاوية الناتجة على خطّ أُفقي ثابت و خطّ أُفقي آخر صادر عن كوكب في السماء.

و تقول أيضاً: إنّ نصير الدين أحضر إلى مكتبة المعهد أربعمائة ألف مجلّد كانت قد سرقت من مكتبات بغداد و سورية و بلاد بابل، و قد استدعى علماء ذوي شهرة طائرة من إسبانيا و دمشق و تفليس و الموصل إلى مدينة مراغة لكي يعملوا على وضع الازياج بأسرع وقت ممكن.(1)

و يناسب في المقام ذكر إجمالي عمّا قدّموا من الخدمة في مجال الجغرافية و علم البلدان فنقول:


1) . شمس العرب تسطع على الغرب: 133، و الصحيح أن يسمّى: شمس الإسلام.

الجغرافية و تقويم البلدان

نذكر في المقام رحّالتين طافا البلاد الإسلامية و كتبا ما يرجع إلى جغرافية البلدان، و قد صار كتاباهما أساساً للآخرين:

1 - أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، المعروف باليعقوبي، المتوفّى في أواخر القرن الثالث، فهو أوّل جغرافي بين العرب، وصف الممالك معتمداً على ملاحظاته الخاصّة، و متوخّياً قصد ما أراد من وصف البلد و خصائصها، و هو يقول عن نفسه: إنّه عنى في عنفوان شبابه و حدّة ذهنه بعلم أخبار البلدان و مسافة ما بين كل بلد و بلد، لأنّه سافر حديث السنّ، و اتّصلت أسفاره، و دام تغرّبه، و قد طاف في بلاد المملكة الإسلامية كلّها، فنزل إرمينية، و ورد خراسان، و أقام بمصر و المغرب، بل سافر إلى الهند و كان متى لقى رجلاً سأله عن وطنه و مصره، و عن زرعه ما هو؟ و ساكنيه من هم؟ عرب أو عجم؟ و عن شرب أهله و لباسهم و دياناتهم و مقالاتهم، من غير أن يلحقه من ذلك ملال و لا فتور، و قد وصف المملكة الإسلامية مبتدئاً ببغداد وصفاً منظّماً مع إصابة جديرة بالثقة و الإعجاب.(1)

2 - أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعودي (المتوفّى 346 ه) فقد ألّف في ذلك المضمار كتابه «مروج الذهب و معادن الجوهر» و كتابه الآخر «التاريخ في أخبار الأُمم من العرب و العجم» و كتابه الثالث «التنبيه و الأشراف» فقد اشتمل وراء التاريخ على الجغرافية و تقويم البلدان، و قد جرّه حُبّه للاستطلاع إلى السفر إلى بلاد بعيدة، فكتب ما رآه و شاهده.


1) . الحضارة الإسلامية: 34/2 و كتاب اليعقوبي في الجغرافية هو كتاب «البلدان» المنتشر.

الفصل الثالث عشر: بلدان الشيعة و أماكن تواجدهم

اشارة

يمثّل الشيعة شريحة كبيرة من المجتمع الإسلامي الكبير المتوزّع في بقاع العالم المختلفة، حيث ساهموا كما أسلفنا مع إخوانهم المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية، و إقامة صرح الدين الحنيف، و نشره في أصقاع المعمورة، و سنحاول في بحثنا هذا استعراض وجود الشيعة في بلدان العالم مع ذكر مختصر عن جوامعهم و معاهدهم و دورهم و أعدادهم، لكي يكون القارئ الكريم على تصوّر واضح عنهم.

بلدان الشيعة:

اشارة

ينتشر الشيعة في جميع أنحاء العالم بنسب مختلفة، و ربّما تعد بعض البلدان معقل الشيعة و مزدحمها حيث يكون المذهب السائد فيها هو مذهب التشيع، في حين تتفاوت هذه النسبة في بلدان أُخرى. و إليك أسماء بعضها، و هي إيران، و العراق، و سورية، و السعودية، و تركيا، و أفغانستان، و الباكستان، و الهند، و اليمن، و مصر، و الأمارات العربية المتّحدة، و البحرين، و الكويت، و مسقط، و عمان، و التبت، و الصين، و آذربيجان، و طاجيكستان، و باقي الجمهوريات المتحرّرة بانحلال الاتحاد السوفيتي، و ماليزيا، و أندونيسيا، و سيلان، و تايلند، و سنغافورة، و شمال إفريقيا، و الصومال،

و الأرجنتين، و بريطانيا، و ألمانيا، و فرنسا، و ألبانيا، و الولايات المتّحدة، و كندا و غيرها من الدول المختلفة التي يضيق المجال بحصرها.

و لا بأس بالإيعاز إلى خصوصيّات بعض البلدان؛ إذ فيه تسليط لبعض الضوء للتعرّف على ماضي التشيّع و ما لاقاه أتباعه من العدوان و الويلات و المصائب.

التشيّع حجازي المحتد و المولد:

التشيّع حجازي المحتد و المولد؛ إذ فيه نشأ، و في تربته غرست شجرته، ثمّ نمت و كبرت، فصارت شجرة طيّبة ذات أغصان متّسقة و ثمار يانعة. و فيه حثّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله على ولاء الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام و سمّى أولياءه شيعة، و حدّث بحديث الثقلين، و جعل أئمة أهل البيت قرناء الكتاب في العصمة و لزوم الاقتفاء و الطاعة، و فيه رَقى النبيّ صلى الله عليه و آله المنبر الذي صنعوه من رحال الإبل و أخذ بيد وصيّه و وليّ عهده عليّ المرتضى و حمد اللّٰه و أثنى عليه و قال: «أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فقالوا: اللّهمّ بلى، و لما أخذ من الجمع المحتشد الإقرار بأولويّته على النفس و النفيس عرَّف عليّاً خليفة بعده و قال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» و نزل من المنبر ثمّ نزلت آيات من الذكر الحكيم تشير إلى هذه البيعة و تؤكّدها، و من ثمّ تبودلت التهاني و التحيّات بين الإمام و الصحابة.(1)


1) . لقد أفرد علماء الإمامية كتباً كثيرة أشاروا فيها إلى بيعة الغدير التي حدثت بعد عودة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و المسلمين من حجّة الوداع، و قد بسطوا القول فيها و عضدوها بالأدلّة القوية و الثابتة، كما أنّ كتب أهل السنّة حافلة بهذا الخبر تصريحاً أو إشارة إليه، فمن شاء فليراجع.

و قد أشار إلى بعض ما ذكر مؤلّف «خطط الشام» و قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله هو الذي حثّ على ولاء عليّ و أهل بيته عليهم السلام و هو أوّل من سمّى أولياءه بالشيعة، و في عهده ظهر التشيّع و سمّي جماعة بالشيعة.(1)

و لما ارتحل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله إلى دار البقاء تناسى أُولو القوّة و المنعة من الصحابة عهد النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله فحالوا بين النبيّ صلى الله عليه و آله و أُمنيته كما حالوا بين أُمّته و إمامها، فتداولوا كُرة الخلافة بينهم، و أخذوا بمقاليد الحكم واحداً بعد آخر، و الإمام منعزل عن الحكم، لا عمل له إلّا هداية الأُمّة و إرشادها بلسانه و بيانه و قلمه و بنانه.

و لقد كان الذي دعا عليّاً إلى السكوت و الانحياز، هو مشاهدة ظاهرة الردّة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن طريق مسيلمة الكذاب، و طليحة بن خويلد الأفّاك، و سجاح بنت الحرث الدجّالة، و أتباعهم الرعاع الذين كانوا على الدين الفتيّ خطراً جدّياً كان من الممكن أن يؤدّي إلى محق الإسلام و سحق المسلمين. و يحدّث عن هذه الحقيقة الإمام في رسالته التي أرسلها مع مالك الأشتر إلى أهل مصر، حيث يقول فيها: «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه و آله فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم».(2)

رأى الإمام أنّ صيانة الإسلام و ردّ عادية الأعداء تتوقّفان على المسالمة و الموادعة، فألقى حبل الخلافة على غاربها، تقديماً للأهمّ على المهمّ، و تبعته شيعته صابرين على مضض الحياة و مرّها.


1) . خطط الشام: 251/5.

2) . نهج البلاغة: الكتاب 62.

بقي الإمام منعزلاً عن الحكم قرابة ربع قرن إلى أن قتل عثمان في عقر داره، و انثال الناس إلى دار عليّ من كلّ جانب مجتمعين حوله كربيضة الغنم، يطلبون منه القيام بالأمر و أخذ مقاليد الحكم، و فيهم شيعته المخلصون الأوفياء، فلم ير بدّاً من قبول دعوتهم لقيام الحجّة بوجود الناصر.(1)

و لمّا نكث الناكثون البيعة، و قادوا حبيسة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله «عائشة» معهم إلى البصرة، ارتحل الإمام بأنصاره و شيعته إلى العراق إلّا قليلاً بقوا في الحجاز لقلع مادّة الفساد قبل أن تستفحل، و لمّا قلع عين الفتنة، استوطن الإمام الكوفة، و استوطنها معه شيعته، و صارت الكوفة عاصمة التشيّع، و معقله، و فيها نما و أينع و أثمر و منها انحدر إلى سائر البلدان، بعد ما كان الحجاز مهبط التشيّع و مغرسه و محتده. فكان حجازي المحتد و المغرس، عراقي النشوء و النمو، و لم يكن يوم ذاك يتظّلل في ظلال التشيّع إلّا عربي صميم، من عدنانيّ و قحطانيّ، و لم يكن بينهم فارسيّ و لا بربريّ الأصل و لا شعوبيّ العقيدة يمقت العرب.

و هكذا فإنّا يمكننا القول بأنّ مهد التشيّع الأوّل كان في أرض الحجاز الطيّبة و منها درج و اشتد حتّى تسامق و تطاول و أصبح له وجود في كلّ بقاع المعمورة.

و لا زال الشيعة يعيشون مع إخوانهم المسلمين في مكّة المكرّمة، و المدينة المنوّرة، و حضرموت، و نجران، و غيرها، كما توجد في أنحاء من أرض الحجاز الكثير من القبائل العربية الشيعية أمثال بني جهم، و بنو عليّ، و غيرهم.


1) . إشارة إلى قوله عليه السلام: «أما و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر... لألقيت حبلها على غاربها» نهج البلاغة: الخطبة 3.

و أمّا المنطقة الشرقية كالأحساء و القطيف و الدمّام، فأكثر سكّانها من الشيعة.

التشيّع عراقي النشوء و النمو:

قد عرفت أنّه لمّا غادر الإمام المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى العراق و استوطن الكوفة هاجر كثير من شيعته معه و استوطنوا العراق، فصار ذلك أقوى سبب لنشوء التشيّع و نموّه في العراق، و لا سيما في الكوفة، فصارت معقل الشيعة، و لمّا قضى الإمام نحبه حاولت السلطة الأُموية و عمّالها استئصال التشيّع منها بأبشع صورة مستخدمة في ذلك شتّى الأساليب الإجرامية الرهيبة من دون أيّ وازع من ضمير.

و بالرغم من أنّ العراق و أخصّ منه الكوفة كان علوي النزعة هاشمي الولاء، إلّا أنّ الحسين ابن الإمام عليّ عليهما السلام قتل بسيف الكوفيين، و سقط عطشان و حوله أجساد أبنائه و أبناء أخيه و أصحابه، إلّا أنّ ذلك لا يدلّ على انسلاخهم عن التشيّع؛ لأنّ الشيعة يوم ذاك كانوا بين مسجون في زنزانات الأُمويين، أو مرعوب متخاذل فاقد للتصميم و الحمية، أو منتظر لما تؤول إليه الأُمور، أو ناصر التحق بالحسين في أحلك الظروف. هؤلاء هم الشيعة.

و أمّا الذين شاركوا في قتل الحسين فلم يكونوا من الشيعة أبداً، بل كانوا أتباع الأُمويين و المنضوين تحت راياتهم. فلما قتل الحسين أثار قتله شجون الشيعة، و بقوا يتحيّنون الفرص للانقضاض على الحكم الأُموي الفاسد و أتباعه، حتّى تهيّأت الفرصة عند خروج المختار من سجنه، فالتفوا حوله في ثورة كبيرة اقتلعت جذور الاُمويين و اقتصّت من أعوانهم قتلة الحسين و أهل بيته و أصحابه.

و قد حاول الأُمويون جعل العراق أُموياً، و بذلوا جهوداً حثيثة في سبيل هذا الأمر، إلّا أنّ جهودهم ذهبت أدراج الرياح، و بقي العراق هاشمياً و علوياً، حتّى أنّ دعوة العباسيين نجحت في بداية الأمر في العراق في ظلّ طلب ثأر الحسين و أهل بيته، و كانت الدعوة للرضا من آل محمّد صلى الله عليه و آله.

لقد تبلور التشيّع بعد حادثة الطفّ بقليل و اتّسع نطاقه و صار العراق مركزه، و كانت القوافل من أنحاء العراق و غيره من بلاد المسلمين تؤمّ قبر الحسين و أصحابه، فصارت مشاهد أهل البيت فيها معمورة بالزائرين و المجاورين، و كانت المآتم تقام في حواضرها تخليداً لذكرى استشهاد الإمام الحسين المفجع، و اتّخذت الشيعة قرب مشاهد أئمّتهم، حوزات علمية و معاهد فكرية، فازدهر العراق بعمالقة الفكر، و أساتذة الفقه، و أساطين الكلام، و أعان على نشر التشيّع و نموّه في العراق نشوء دول و أمارات للشيعة في القرن الرابع و ما بعده.

يقول الشيخ المظفّر(1): و ساعد على نمو التشيّع و انتشاره في العراق، أن تكوّنت من الشيعة فيه سلطنات دول و أمارات كسلطنة آل بويه، و إمارة بني مزيد في الحلّة و النيل، و بني شاهين في البطائح، و بني حمدان و آل المسيّب في الموصل، و نصيبين، و كدولة بعض المغول أمثال محمّد خدابنده و ابنه أبي سعيد، و أمّا محمود غازان فقد قيل بتشيّعه و هناك أمارات عليه إلّا أنّه لم يصارح به، و كدولة الجلائرية التي أسّسها الشيخ حسن الجلائري أحد قوّاد المغول و ابن أُخت محمود غازان و محمّد خدابنده، و كانت بغداد عاصمة ملكه،


1) . انظر: تاريخ الشيعة: 69-71 و 110-111.

و كالدولة الصفوية التي ناصرت التشيّع و نشرته في البلاد بشتّى الطرق، فكأنّما هي دولة دينية تأسّست لنشر مذهب أهل البيت.

و أيّد مذهب التشيّع أيضاً أن انعقدت عدّة وزارات من رجاله، فقد استوزر السفاح أوّل ملوك بني العباس أبا سلمة الخلّال الكوفي الهمداني داعية أهل البيت، و قتله على التشيّع.

و استوزر المنصور: محمّد بن الأشعث الخزاعي.

و استوزر المهدي: أبا عبد اللّٰه يعقوب بن داود، و حبسه لتشيّعه، و استوزر الرشيد: عليّ بن يقطين، و جعفر بن الأشعث الخزاعي.

و استوزر المأمون: الفضل بن سهل ذا الرئاستين لجمعه بين القلم و السيف، و قتله عند ما أحسّ بميله إلى الرضا عليه السلام، و استوزر من بعده أخاه الحسن بن سهل.

و استوزر المعتزّ و المهتدي: أبا الفضل جعفر بن محمود الإسكافي.

و استوزر المقتدي: أبا شجاع ظهير الدين محمّد بن الحسين الهمداني، و عزله لتشيّعه.

و استوزر المستظهر: أبا المعالي هبة الدين بن محمّد بن المطّلب، و عزله لتشيّعه، ثمّ أعاده على أن لا يخرج من مذهب أهل السنّة، ثمّ تغيّر عليه و عزله.

و استوزر الناصر و الظاهر و المستنصر: مؤيّد الدين محمّد بن عبد الكريم القمّي من ذريّة المقداد - رضوان اللّٰه عليه -.

و استوزر المستعصم آخر ملوك بني العباس: أبا طالب محمّد بن

أحمد العلقمي الأسدي، و أقرّه هولاكو على الوزارة، و لمّا مات - رحمه اللّٰه - استوزر: ولده أبا الفضل عزّ الدين. إلى ما سوى هؤلاء.

و أمّا الإمارات، و القيادات، و الكتابة، و الخزانة، فما أكثرها، أمثال: إمارة آل قشتمر، و آل أبي فراس الشيباني، و آل دبيس كما أشرنا إليهم.

و قيادة طاهر بن الحسين الخزاعي، و قيادة أولاده كابنه عبد اللّٰه، و محمّد بن عبد اللّٰه و غيرهما، و تولّيهم إمارة هراة.

و كان عبد اللّٰه بن سنان خازناً للمنصور و المهدي و الهادي و الرشيد، و كان من ثقات الرواة لأبي عبد اللّٰه الصادق عليه السلام. إلى ما يعسر استقصاؤه.

و كفاك برهاناً على أنّ التشيّع كان ضارباً أطنابه على بسيطة العراق، ما كان من نقابة الطالبيين في بغداد، فما أكثر ما كان يتولّاها الشيعة، أمثال الشريف الرضي و أبيه و ابنه و أخيه المرتضى، و قد تولّوا المظالم أيضاً، و تولّى الشريف الرضي و أبوه أيضاً إمارة الحاج، كما تولّاها ثلاث عشرة حجّة حسام الدين أبو فراس جعفر بن أبي فراس الشيباني.

و تولّى آل طاوس نقابة الطالبيين في العراق عامة، تولّاها منهم السيّدان العلمان رضي الدين و غياث الدين عبد الكريم.(1)كما تولّى الأوقاف في العراق و غيرها ممّا كان تحت حكم المغول الخواجة نصير الدين الطوسي - طاب ثراه - و عند ما قبض عليها، أقام ببغداد،


1) . انظر: الحوادث الجامعة، في حوادث عام (661 ه) و ما ذكره فيها من تولّي السيد رضي الدين بن طاوس نقابة الطالبيين بالعراق، و ذكر أنّ وفاته عام (664 ه)، و في حوادث عام (693 ه) قال: و فيها توفّي النقيب غياث الدين عبد الكريم بن طاوس.

و تصفّح الأوقاف، و أدار أخبار الفقهاء و المدرّسين، و قرّر القواعد في الوقف، و أصلحها بعد اختلالها(1)، و من بعده تولّاها ابنه أحمد فخر الدين، و لمّا وليها حذف الحصّة الديوانية في الوقوف، و وفّرت على أربابها.(2)

و هكذا فإنّ الاستقراء الموضوعي لسكان العراق يكشف بوضوح التفوّق الكبير في عدد الشيعة على ما عداهم، فجنوب العراق يغلب على سكّانه الشيعة بشكل واضح جدّاً، و أما وسطه فتتركّز شيعته في أغلب محافظاته أمثال محافظة النجف و كربلاء و بابل و واسط و السماوة و الديوانية و غيرها، و أما شمال العراق فتقلّ نسبة الشيعة فيه بشكل ملحوظ، إلّا أنّ هناك أعداداً لا بأس بها في محافظتي الموصل و كركوك.

الشيعة في اليمن:

دخل التشيّع في اليمن بعد أن أسلموا على يد عليّ عليه السلام، حيث يحدّثنا التاريخ: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بعث خالد بن الوليد إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، فأقام هناك ستّة أشهر فلم يجيبوه إلى شيء. فبعث النبيّ صلى الله عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أمره أن يُرجع خالد بن الوليد و من معه.

قال البراء: فلمّا انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له فصلّى بنا عليّ الفجر، فلمّا فرغ صفّنا صفّاً واحداً ثمّ تقدّم بين أيدينا فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثمّ قرأ عليهم كتاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فأسلمت همدان كلّها في يوم واحد، و كتب بذلك إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فلمّا قرأ كتابه خرّ ساجداً ثمّ


1) . انظر: تاريخ مختصر الدول للعبري: 500؛ و الحوادث الجامعة، في حوادث عام (672 ه).

2) . انظر: الحوادث الجامعة، في حوادث عام (683 ه).

جلس فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان» ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام.(1)

فكان تمسّكهم بعرى الإسلام على يد عليّ عليه السلام، و صار هذا أكبر العوامل لصيرورتهم علويين مذهباً و نزعة. و في ظلّ هذه النزعة ضحّوا بأنفسهم و نفيسهم بين يدي عليّ عليه السلام في حروبه.

أضف إليه أنّهم سمعوا من المصطفى صلى الله عليه و آله فضائل إمامهم و مناقبه غير مرّة، و هذا ممّا زادهم شوقاً و ملأ قلوبهم حبّاً و ولاءً له، فقد روى المحدثون: أنّ اليمانيّين طلبوا من النبيّ صلى الله عليه و آله أن يبعث إليهم رجلاً يفقّههم في الدين و يعلّمهم السنن و يحكم بينهم بكتاب اللّٰه، فبعث النبيّ صلى الله عليه و آله علياً و ضرب على صدره و قال:

«اللّهمّ اهد قلبه، و ثبّت لسانه». قال الإمام عليّ عليه السلام: «فما شككت في قضاء بين اثنين حتّى الساعة».(2)

بقي الإمام عليّ عليه السلام بينهم مدّة يفقّههم في الدين، و يقضي بكتاب اللّٰه، و يحلّ المشاكل القضائية، بما تنبهر به العقول.

و من هنا تتوضّح الصورة عن حقد الأُمويين على أهل اليمن و قسوتهم في تعاملهم معهم، كما فعل ذلك بسر بن أرطاة عند حملته على اليمن، حيث لم يترك محرّماً إلّا استحلّه، و لا جريمة إلّا فعلها فلحقته اللعنة في الدارين.

نعم إنّ شيعة أهل اليمن كانوا من خلّص شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فلا غرو و لا غرابة أن يذكرهم في شعره بقوله:


1) . الكامل: 300/2 في حوادث السنة العاشرة.

2) . كنز العمال: 158/6 و 392، باب فضائل عليّ.

فلو كنت بوّاباً علىٰ باب جنّة *** لقلت لهمدان ادخلي بسلام

و ممّا يدل على فرط حبّهم و ولائهم لعليّ عليه السلام ما قاله سيّدهم سعيد بن قيس الهمداني - رضوان اللّٰه عليه - في وقعة الجمل:

قل للوصيّ أقبلت قَحطانُها *** فادع بها تكفيكها هَمدَانُها

همُ بنوها و هُم أخوانها (1)

نعم رحل يحيى بن الحسين الرسّي العلوي من العراق إلى اليمن في القرن الثالث و دعا إلى المذهب الزيدي في ظلّ ولاء أهل البيت و أخذ بمجامع القلوب و انتشرت دعوته فانتموا إلى زيد، فالشيعة إلى اليوم في اليمن زيديّو المذهب يهتفون في الأذان ب «حيّ على خير العمل».

و يوجد هناك شيعة إماميّة قليلون.

كانت الحكومة منذ دعوة الرسّي العلوي بيد الزيدية، و كان آخر حاكم مقتدر زيدي يحكم البلاد هو حميد الدين يحيى المتوكّل على اللّٰه، و لما اغتيل هو و ولداه الحسن و المحسن، و حفيده الحسين بن الحسن بيد بعض وزرائه عام (1367 ه) في ظلّ مؤامرة أجنبية، قام مكانه ولده الإمام بدر الدين، و لم يكن له نصيب من الحكم إلّا مدّة قليلة حتّى أُزيل عن الحكم عن طريق انقلاب عسكري، و بذلك انتهى الحكم الزيدي في اليمن، و لكنّ اليمنيّين بقوا على انتمائهم إلى التشيّع.

الشيعة في سورية و لبنان:

ظلّ التشيّع سائداً في الشام و حلب و بعلبك و جبل عامل منذ القرن الأوّل إلى يومنا هذا، و من المعروف أنّ أبا ذر الصحابي الجليل هو الذي بذر بذرته، أو غرس شجرته، و ذلك عند ما نفاه عثمان من المدينة إلى الشام، و كان يجول في الشام و ضواحيه و هو يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، من دون أن يخاف قوّة أو سطوة، أو إهانة أو قسوة، و طبع الحال يقتضي أن يبوح بما انطوت عليه جوانحه من الولاء لعليّ و أهل بيته، يدعو له على القدر المستطاع، فنمت بذرة التشيّع في ظلّ التستّر و التقيّة، و أمّا اليوم فالشيعة مجاهرون و لهم شأن عند الدولة، و لهم مظاهر في الشام و ضواحيه، ترى اسم عليّ و الحسين مكتوبين تحت قبّة المسجد الأُموي، و في الجانب الشرقي مسجد خاصّ باسم رأس الحسين، و في نفس البلد قباب مشيّدة لأهل البيت، أمثال زينب بنت عليّ عليهما السلام و رقيّة بنت الحسين عليهما السلام في الوقت نفسه لا تجد أثراً لمعاوية(1)و يزيد و الحكّام الأُمويين. إنّ في ذلك لعبرة لأُولي الألباب.

قويت شوكة التشيّع في سورية بعد قيام دولة الحمدانيين في الشام و الجزيرة، و كان لسيف الدولة أيادٍ بيضاء في رفع منارة التشيّع، كيف و أبو فراس صاحب القصيدة الميمية هو ابن عمّه الذي يقول:

الحقّ مهتضم و الدين مخترمُ *** و فَيءُ آل رسول اللّٰه مقتسمُ

و أمّا جبل عامل فقد انتشر فيه التشيّع منذ دخل إلى الشام و وجد في تلك


1) . نعم في داخل البلد بيت يقال فيه قبر معاوية لا يزوره أحد إلّا للعبرة و الاطّلاع على ما آلت إليه أعمالهم من مصير بائس بعد مماتهم.

البقاع مرتعاً خصباً و نفوساً متلهّفة، فتعلّق به أهله تعلّقاً شديداً حتّى لقد برز منهم العديد من العلماء الكبار طبقوا البلاد شهرة و صيتاً أخصّ منهم بالذكر:

1 - محمّد بن مكّي المعروف بالشهيد الأوّل (734-786 ه) و كان إماماً في الفقه، و لكنّه صلب بيد الجور، ثمّ رجم، ثمّ أُحرق، بذنب أنّه شيعي موالٍ لأهل البيت و لا يفتي بفتوى أئمّة المذاهب الأربعة.

و له كتب فقهية أشهرها كتاب اللمعة الدمشقية، ألّفه في السجن خلال أُسبوع و لم يكن عنده من الكتب الفقهية سوى المختصر النافع للمحقّق الحلّي (600-676 ه).

2 - زين الدين بن عليّ الجبعي (911-966 ه) المعروف بالشهيد الثاني صاحب الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، و المسالك في شرح الشرائع الذي يتضمّن مجموع الكتب الفقهية مع ذكر المستند و الدليل. و قد امتدت إليه أيدي الظلم كسلفه الشهيد الأوّل، حيث اعتقل بأمر الخليفة العثماني ثمّ قتله معتقلوه قرب شاطئ البحر و جُزّ رأسه من جسده و أُرسل إلى السلطان.

و تاللّٰه إنّها لجرائم بشعة تقشعرّ منها الأبدان، و يندى لها جبين البشرية خجلاً، فما معنى هذه القسوة المتناهية في قتل الشيعة و علمائها، و إذا كان هذا مصير الشيعة من قبل الحكومات المتعاقبة و الظالمة، فهل يلومهم أحد على اتّخاذهم التقية حجاباً لحقن دمائهم و حفظ أعراضهم؟! لا أعتقد أن يلومهم عليها عاقل؛ لأنّ الملام من دفعهم إليها لا هم.

أقول: و رغم هذا الإسراف في مطاردة الشيعة و قتلهم، فقد ظهر في جبل عامل بعد هذين العالمين الجليلين، علماء فضلاء و فقهاء عظام، و لم يزل

منار التشيّع مرتفعاً و لواؤه خفاقاً بهم، و لقد تحمّلوا عبر القرون و خصوصاً في عهد السلطة العثمانية المصاعب الجسام و التي ذكرها التاريخ في صفحات سوداء لا تنسى، و لا سيما في عهد أحمد باشا الجزّار، ممثّل الدولة العثمانية في بلاد الشام من (1195-1198 ه).

و لقد ألّف الشيخ الحرّ العاملي كتاباً أسماه «أمل الآمل في علماء جبل عامل» طبع في جزءين، و استدرك عليه السيد الجليل حسن الصدر.

و أمّا بالنسبة إلى بعلبك فهي من المدن الشيعية العريقة، و التي ظهر بها التشيّع منذ دخل بلاد الشام و راج في ظلّ الدولة الحمدانية، و وجد في نفوس أهلها خير موطن، فاحتضنوه و تمسّكوا به.

الشيعة في مصر:

دخل التشيّع مصر في اليوم الذي دخل فيه الإسلام، و لقد شهد جماعة من شيعة عليّ عليه السلام فتح مصر، منهم: المقداد بن الأسود الكندي، و أبو ذر الغفاري، و أبو رافع، و أبو أيوب الأنصاري، و زارها عمّار بن ياسر في خلافة عثمان.(1)

و هؤلاء ما كانوا يبطنون فكرة التشيّع التي كانوا يؤمنون بها منذ عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.

و لأجل ذلك حين قتل عثمان، بإجهاز المصريين عليه، بايعوا عليّاً كما بايع أهلها طوعاً و رغبة.

لمّا بعث عليّ عليه السلام قيس بن سعد أميراً على مصر بايع أهلها طوعاً، إلّا قرية يقال لها خربتاء.(2)


1) . الخطط المقريزية: 74/2.

2) . المصدر نفسه: 149/4؛ الكامل: 61/3 حوادث عام (36).

كان هذا نواة لمذهب التشيّع في تلك البلاد، و إن تغلّب عليها الأمويون بعد ذلك حين قَتلَ عمرو بن العاص و معاوية بن حديج - اللذان أرسلهما معاوية بن أبي سفيان إلى مصر - والي عليّ عليه السلام على مصر محمّد بن أبي بكر بشكل بشع، ثمّ جعلوا جثّته في جيفة حمار و أحرقوها بالنار، و هو أُسلوب يدلّ على انحراف كبير عن الدين، و انسلاخ عن أبسط معاني الإنسانية، و لكن للحقّ دولة و للباطل جولة، فهذه الأعمال الإجرامية و ما ارتكبه العباسيون من الجرائم صارت سبباً لابتعاد الناس عن السلطات المتعاقبة الظالمة و تعاطفهم مع العلويين و احتضانهم لهم، و يظهر ذلك بوضوح عند قيام الدولة الفاطمية الشيعية هناك و التفاف المسلمين حولها، و التي كان لها الدور الأكبر في انتشار التشيّع و اعتناق المسلمين له في شمال إفريقيا، حيث امتدّ نفوذها و سلطانها إلى الجزائر و المغرب و تونس و ليبيا، و كذا إلى السودان جنوب مصر.

لقد اعتنق المصريّون التشيّع برغبة و جهروا بحيّ على خير العمل، و تفضيل عليّ على غيره، كما جهروا بالصلاة على النبيّ و آله صلى الله عليه و آله.

لقد قامت في عهد الفاطميين مراسم عاشوراء، وعيد الغدير، و لم تزل هذه المراسم إلى يومنا هذا. و كان التشيّع مخيّماً على مصر في عهد الفاطميين و ضارباً أطنابه في القرى و البلدان، لو لا أنّ صلاح الدين الأيوبي أزال سلطتهم و مذهبهم من مصر بقوّة السيف و النار، و التاريخ يشهد على عظم الجرائم و قسوتها التي قام بها صلاح الدين و أتباعه في سبيل هذا الأمر. و هذه الصفحة من تاريخ مصر مليئة بالأسى و الحزن، راح ضحيتها العديد من أتباع المذهب المحمّدي، إلّا أنّها لم تستطع أن تقضي عليه، فلا زال هناك الكثير من الشيعة و من المتعاطفين روحياً معهم، و الذين يعبّرون عن ذلك بوضوح في

حرصهم على زيارة المشاهد المعروفة برأس الإمام الحسين عليه السلام و مرقد أُخته السيدة زينب - رضوان اللّٰه عليها -.

الشيعة في إيران:

اشارة

إنّ التشيّع هو المذهب الساحق في إيران من أوائل القرن العاشر (905 ه) إلى يومنا هذا و ذلك أنّ الدولة الصفويّة الشيعية هي التي أشاعت التشيّع في إيران، و في عصرها ثبّتت أركانه، و تعلّق به المسلمون تعلّقاً عظيماً، و تزايد عدد الشيعة بتقادم السنين، فإن بلغ عدد النفوس في إيران الإسلامية قرابة ستّين مليوناً، فالأكثرية هم الشيعة، و لا يتجاوز عدد سائر الطوائف عن أربعة ملايين نسمة، يرفل الجميع بثوب الأُخوّة الإسلامية و المحبّة و التفاهم في ظلّ العقائد العظيمة التي يتمسّك بها الشيعة و التي تحدّد علاقتهم بإخوانهم من سائر المذاهب الإسلامية، و التي كرّسها قيام الجمهورية الإسلامية المباركة، بزعيمها الراحل الإمام الخميني قدس سره و الذي دعا إلى تقوية الترابط بين المذاهب الإسلامية المختلفة، و أمر بإثبات أيّام معيّنة خلال العام سمّيت بأُسبوع الوحدة، و على نفس خطاه واصل خلفه سماحة آية اللّٰه السيد عليّ الخامنه اي تعهّد شجرة الوحدة بتكافل جميع المسئولين في الدولة الإسلامية المباركة، و التي يلمسها بوضوح كلّ من زار هذه الدولة أو مرّ بها.

أسباب اعتناق الفرس للإسلام و لمذهب التشيّع:
اشارة

ثمّ إنّ هنا أُموراً لا محيص عن طرحها و تحليلها؛ لأنّها من المواضيع التي كثر فيها اللغط، و قد أكثر المستشرقون و غيرهم فيها الصخب و الهياج و هي:

1 - ما هو السبب الحقيقي لدخول الفرس في الإسلام؟

2 - ما هو السبب الحقيقي لجنوحهم إلى آل البيت؟

3 - سببان مزعومان: الإصهار، و إرادة هدم الإسلام.

و إليك تحليل تلك النقاط:

1 - ما هو السبب الحقيقي لدخول الفرس في الإسلام؟

إنّ الفرس دخلوا في الإسلام كدخول سائر الشعوب، و العلّة في الجميع واحدة أو متقاربة، و حاصلها: أنّهم وقفوا على أنّ في هذه الشريعة الغرّاء من سمات العدل و المساواة، و رفض التمييز العنصري، و النظام الطبقي، و أنّ الناس فيه كأسنان المشط لا فضل لأعجمي على عربي و لا لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى، و كانت الدعوة الإسلامية تحمل يوم تفجّرها رايات العدل العظيمة، فكان ذلك هو الدافع المهمّ للشعوب للدخول في الإسلام، و الانضواء تحت رايته، من غير فرق بين قوم دون قوم و شعب دون شعب.

2 - ما هو السبب الحقيقي لولائهم آل البيت عليهم السلام؟

إنّ السبب الحقيقي لولائهم و جنوحهم إلى أهل البيت هو أنّهم شاهدوا أنّ علياً و أهل بيته - خلافاً للخلفاء عامّتهم - يكافحون فكرة القومية و يطبّقون المساواة، فأخذوا يتحنّنون إليهم حيناً بعد حين، و شبراً بعد شبر، فكان ذلك نواة لبذر الولاء في قلوب بعضهم، يرثه الأبناء من الآباء، و إن لم يكن الحبّ - يوم ذاك - ملازماً للقول بخلافتهم عن الرسول صلى الله عليه و آله و إمامتهم بعده، بل كان حبّاً و ودّاً خالصاً لأسباب نفسية لا قيادية، و تدلّ على ذلك عشرات من القضايا نذكر بعضها:

1 - روى الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «أتت الموالي أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: نشكو إليك هؤلاء العرب، إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كان يعطينا معهم العطايا بالسويّة، و زوّج سلمان، و بلالاً، و صهيباً، و أبوا علينا هؤلاء، فقالوا: لا نفعل، فذهب إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكلّمهم فيهم، فصاح الأعاريب: أبينا ذلك يا أبا الحسن، أبينا ذلك، فخرج و هو مغضب يجرّ رداءه و هو يقول: يا معشر الموالي إنّ هؤلاء قد صيّروكم بمنزلة اليهود و النصارى، يتزوّجون إليكم و لا يزوّجونكم، و لا يعطونكم مثل ما يأخذون، فاتَّجروا بارك اللّٰه لكم؛ فانّي قد سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: الرزق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء في التجارة و واحد في غيرها».(1)

2 - و روى أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي في غاراته: عن عبّاد بن عبد اللّٰه الأسدي، قال: كنت جالساً يوم الجمعة، و عليّ عليه السلام يخطب على منبر من آجر، و ابن صوحان جالس، فجاء الأشعث، فجعل يتخطى الناس فقال:

يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك، فغضب، فقال ابن صوحان:

ليبين اليوم من أمر العرب ما كان يخفى، فقال عليّ عليه السلام: «من يعذرني من هؤلاء الضياطرة، يقبل أحدهم يتقلّب على حشاياه، و يهجّد قوم لذكر اللّٰه، فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين، و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لقد سمعت محمّداً صلى الله عليه و آله يقول: ليضربنّكم و اللّٰه على الدين عَوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً».

قال المغيرة: كان عليّ عليه السلام أميل إلى الموالي و ألطف بهم، و كان عمر أشدّ تباعداً منهم(2).


1) . الكافي: 318/5.

2) . الغارات: 340. الحمراء: الموالي، الضياطرة جمع الضياطر: الضخام الذين لا عناد عندهم.

3 - روى ابن شهرآشوب: لما ورد بِسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بيع النساء، و أن يجعل الرجال عبيد العرب، و عزم على أن يحملوا العليل و الضعيف، و الشيخ الكبير في الطواف و حول البيت على ظهورهم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: أكرموا كريم قوم و إن خالفوكم، و هؤلاء الفرس حكماء كرماء، فقد ألقوا إلينا بالسلام، و رغبوا في الإسلام، و قد أعتقت منهم لوجه اللّٰه حقّي و حقّ بني هاشم» فقالت المهاجرون و الأنصار: قد وهبنا حقّنا لك يا أخا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فقال: «اللّهمّ فاشهد أنّهم قد وهبوا، و قبلت و أعتقت»، فقال عمر: سبق إليها عليّ ابن أبي طالب عليه السلام و نقض عزمي في الأعاجم.(1)

4 - روى الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام: قال: قال رجل له: إنّ الناس يقولون: من لم يكن عربياً صلباً، أو مولى صريحاً، فهو سفلي، فقال: «و أيّ شيء المولى الصريح»؟! فقال له الرجل: من ملك أبواه، فقال: «و لِمَ قالوا هذا»؟! قال: يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مولى القوم من أنفسهم، فقال: «سبحان اللّٰه، أما بلغك أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: أنا مولى من لا مولى له، أنا مولى كلّ مسلم، عربيّها و عجميّها، فمن والى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أ ليس يكون من نفس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله؟» ثمّ قال:

«أيّهما أشرف، من كان من نفس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أو من كان من نفس أعرابي جلف بائل على عقبيه؟ ثمّ قال: من دخل في الإسلام رغبة، خير ممّن دخل رهبة، و دخل المنافقون رهبة، و الموالي دخلوا رغبة».(2)


1) . مناقب آل أبي طالب: 48/4.

2) . معاني الأخبار: 405.

5 - روى الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 ه): أنّ عمر بن الخطاب نهى عن أن يتزوّج العجم في العرب و قال: لأمنعنّ فروجهنّ إلّا من الأكفاء.(1)

6 - روى المفيد: أنّ سلمان الفارسي - رضي اللّٰه عنه - دخل مجلس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ذات يوم فعظّموه و قدّموه و صدّروه إجلالاً لحقّه، و إعظاماً لشيبته، و اختصاصه بالمصطفى صلى الله عليه و آله و آله فدخل عمر فنظر إليه، فقال: من هذا العجمي المتصدّر فيما بين العرب؟ فصعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله المنبر فخطب، فقال: «إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، و لا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى، سلمان بحر لا ينزف، و كنز لا ينفد، سلمان منّا أهل البيت، سلسل يمنح الحكمة و يؤتي البرهان».(2)

7 - روى الثقفي في «الغارات»: أنّ امرأتين أتتا علياً عليه السلام عند القسمة، إحداهما من العرب، و الأُخرى من الموالي، فأعطى كلّ واحدة خمسة و عشرين درهماً، و كرّاً من الطعام، فقالت العربية: يا أمير المؤمنين، إنّي امرأة من العرب، و هذه امرأة من العجم، فقال عليّ عليه السلام: «إنّي لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق».(3)

8 - روى المفيد عن ربيعة و عمارة و غيرهما: أنّ طائفة من أصحاب أمير


1) . الإيضاح: 280.

2) . الاختصاص: 341.

3) . الغارات: 341.

المؤمنين عليّ بن أبي طالب مشوا إليه عند تفرّق الناس عنه و فرار كثير منهم إلى معاوية، طلباً لما في يديه من الدنيا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، أعط هذه الأموال، و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قريشاً على الموالي و العجم، و من يخاف خلافه عليك من الناس و فراره إلى معاوية.

فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: «أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور؟! لا و اللّٰه لا أفعل ما طلعت شمس و لاح في السماء نجم، و لو كانت أموالهم لي لواسيت بينهم، فكيف و إنّما هي أموالهم».(1)

9 - روى المبرّد: قال الأشعث بن قيس لعليّ بن أبي طالب عليه السلام و أتاه يتخطّى رقاب الناس و عليّ على المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك، قال: فركض على المنبر برجله، فقال صعصعة بن صوحان العبدي: ما لنا و لهذا؟ - يعني الأشعث - ليقولنّ أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر، فقال عليّ: «من يعذرني من هذه الضياطرة، يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرّغ الحمار، و يهجر قوم للذكر، فيأمرني أن أطردهم، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين، و الذي فلق الحبة، و برأ النسمة ليضربنّكم على الدين عَوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً».(2)

هذه الشواهد الكثيرة توقفنا على السبب الحقيقي لتوجّه الفرس و الموالي إلى آل البيت، و أنّه لم يكن إلّا لصمودهم في طريق تحقيق العدل و المساواة، و المكافحة ضد العنصرية و التعصّب.


1) . أمالي المفيد: 57 طبعة النجف.

2) . الكامل: 53/2، ط مصر سنة 1339 ه.

3 - سببان مزعومان: الإصهار، و إرادة هدم الإسلام:
أوّلاً: هل الإصهار كان سبباً للولاء؟

روى الزمخشري في «ربيع الأبرار» و غيره: أنّ الصحابة جاءوا بسبي فارس في خلافة الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا، و أمر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الإمام عليّ: «إنّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن» فقال الخليفة: كيف الطريق إلى العمل معهنّ؟ فقال: «يقوَّمن و مهما بلغ ثمنهنَّ قام به من يختارهنَّ» فقوِّمن فأخذهنَّ عليّ فدفع واحدة لعبد اللّٰه بن عمر، و أُخرى لولده الحسين، و أُخرى لمحمّد بن أبي بكر، فأولد عبد اللّٰه بن عمر: ولده سالماً، و أولد الحسين: زين العابدين، و أولد محمّد: ولده القاسم، فهؤلاء أولاد خالة، و أُمّهاتهم بنات يزدجرد.(1)

و قد استند إلى هذه القصّة أحمد أمين في «فجر الإسلام»، و الدكتور حسن إبراهيم في «تاريخ الإسلام السياسي»(2)، و ذهبا إلى أنّ الاصهار صار سبباً لتشيّع الفرس.

لن ندخل في نقاش مع هذه القصّة و أنّها هل هي صادقة أو ممّا وضعه أصحاب الأساطير، و كفانا في هذا الأمر ما ألّفه زميلنا العزيز الدكتور السيد جعفر شهيدي(3)، و لو وقفنا إلى جانب هذه القصّة و سلّمنا بها، فإنّا نسأل أيّ صلة بين دخول الفرس في التشيّع و مصاهرة الإمام الحسين يزدجرد، فلو كانت تلك علّة فليكن تسنّن الفرس لأصهار عبد اللّٰه بن عمر و محمّد بن أبي بكر لهم، فإنّ


1) . ربيع الأبرار: 19/3.

2) . تاريخ الإسلام السياسي: 7/2.

3) . الإمام علي بن الحسين، باللغة الفارسية.

الرجلين من أبناء الخليفتين، على أنّ هذا التفسير يدلّ على سطحية في التفكير و سقم في المنطق لا يقرّ به العقلاء.

ثانياً: إرادة هدم الإسلام:

أثار بعض أعداء الإسلام، و من أعماه الحقد و خبث السريرة، الكثير من الشبهات حول تمسّك الفرس بالمذهب الشيعي، و ولائهم العميق لأهل البيت عليهم السلام، و من هذه الشبهات السقيمة التي وجدت من يطبّل لها و يزمّر، هي أنّ الفرس ما دخلوا في المذهب الشيعي إلّا للتستّر من أجل هدم الإسلام تحت هذا الغطاء.

و إلى هذا الرأي السقيم يذهب ضمناً أحمد أمين في تخرّصاته دون أن يحاسب نفسه على تقوّلاته التي هي أشدّ المعاول هدماً في صرح الإسلام لا الفرس الذين يتّهمهم ظلماً و جوراً، حيث قال: و الحقّ أنّ التشيّع كان مأوى يلجأ إليه كلّ من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، و من كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية و نصرانية و زرادشتية و هندية، و من يريد استقلال بلاده و الخروج على مملكته، كلّ هؤلاء كانوا يتّخذون حبّ أهل البيت ستاراً!!(1)

و قد استغل هذه الأُطروحة الخبيثة الكاتب الأمريكي «لوتروب ستودارد» في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» الذي نقله إلى العربية الأمير شكيب أرسلان، و تجد الفكرة أيضاً عند صاحب المنار، و محبّ الدين الخطيب، و غيرهم من كتّاب العصر.


1) . فجر الإسلام: فصل الشيعة.

و هذا الكلام أشبه بكلام من أعمى اللّٰه بصره و بصيرته؛ فإنّ من نظر إلى تاريخ الفرس يجد أنّهم خدموا الإسلام بنفسهم و نفيسهم و أقلامهم و آرائهم من غير فرق بين الشيعي و السنّي، و خدمات المذهب الشيعي للإسلام أعظم من أن تحصى، و أوضح من أن تخفيها إرهاصات الحاقدين، و قد تقدّم منّا في الصفحات الأُولى و ما بعدها دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية، و ما شيعة الفرس إلّا جزءاً من عموم الشيعة المسلمين، و لهم أيادٍ بيضاء مشكورة في خدمة الإسلام، و لن يضرّهم نفث السموم و تخرّص المتخرّصين.

دول الشيعة

رغم أنّ الأُمويين حاولوا جاهدين القضاء على التشيّع، و أراد العباسيّون الوقوف في وجه انتشاره بعد اليأس عن استئصاله، إلاّ أنّه بلطف اللّٰه تعالى نما و ازدهر عبر القرون بالرغم من تلك العوائق، بل قامت لهم هنا و هناك دول و دويلات نظير:

1 - دولة الأدارسة في المغرب (194-305 ه).

2 - دولة العلويين في الديلم (205-304 ه).

3 - دولة البويهيين في العراق و ما يتّصل به من بلاد فارس (321-447 ه).

4 - دولة الحمدانيين في سورية و الموصل و كركوك (293-392 ه).

5 - دولة الفاطميين في مصر (296-567 ه).

6 - دولة الصفويين في إيران (905-1133 ه).

7 - دولة الزنديين (1148-1193 ه).

8 - دولة القاجاريين (1200-1344 ه).

أضف إلى ذلك وجود أمارات للشيعة في نقاط مختلفة من العالم.

أقول: إنّ إفاضة القول في مؤسّسي هذه الدول و ترجمة أحوالهم و ما آل إليه مصيرهم يحوجنا إلى تأليف كتاب مستقلّ في ذلك، فمن أراد الاطّلاع على ذلك فليراجع الكتب المؤلّفة في هذه المواضيع.(1)

الجامعات العلمية للشيعة

اشارة

الإسلام دين العلم و المعرفة، دفع الإنسان من حضيض الجهل و الأُميّة إلى أعلى مستويات العلم و الكمال من خلال تشجيعه على القراءة و الكتابة(2)، و التدبّر في آثار الكون و مظاهر الطبيعة، و نبذ التقليد في تبنّي العقيدة، فأراد للإنسان حياة نابضة بالفكر و الثقافة.

و قد كانت للشيعة خلال القرون الماضية جامعات و حوزات علمية نشير إلى بعضها إجمالاً:

1 - المدينة المنورة:

إنّ المدينة المنوّرة هي المنطلق العلمي الأوّل لنشر العلم و الثقافة فهي المدرسة الأُولى للمسلمين، نشأ فيها عدّة من الأعلام من شيعة أمير المؤمنين


1) . راجع كتاب «الشيعة و التشيّع» للكاتب القدير محمّد جواد مغنية - رضوان اللّٰه عليه -.

2) . قال سبحانه: «اقْرَأ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ» و هي أوّل سورة نزلت على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله. و أقسم اللّٰه عزّ و جلّ بالقلم فقال سبحانه: «ن و القلم» و بذلك أوقف المجتمع الإنساني على العلم و علوّ شأنه.

عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و على رأسهم: ابن عباس حبر الأُمّة، و سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و أبو رافع الذي هو من خيار شيعة الإمام علي مؤلّف كتاب السنن و الأحكام و القضاء(1)، و غيرهم.

ثمّ جاءت بعدهم طبقة من التابعين تخرّجوا من تلك المدرسة على يد الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليهما السلام و لقد روى الكليني عن الإمام الصادق أنّه قال: «كان سعيد بن المسيّب، و القاسم بن محمّد بن أبي بكر، و أبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين عليهما السلام».(2)

و ازدهرت تلك المدرسة في عصر الإمامين الباقر و الصادق عليهما السلام و زخرت بطلّاب العلوم و وفود الأقطار الإسلامية، فكان بيتهما جامعة إسلامية يزدحم فيها رجال العلم و حملة الحديث، يأتون إليها من كلّ فجّ عميق.

2 - الكوفة و جامعها الكبير:

قد سبق أنّ الإمام أمير المؤمنين هاجر من المدينة إلى الكوفة و استوطن معه خيار شيعته و من تربّى على يديه من الصحابة و التابعين.

و لقد أتى ابن سعد في طبقاته الكبرى على ذكر جماعة من التابعين الذين سكنوا الكوفة.(3)و كان قد أعان على ازدهار مدرسة الكوفة مغادرة الإمام الصادق عليه السلام المدينة المنوّرة إلى الكوفة أيّام أبي العباس السفاح حيث بقي فيها مدّة سنتين.


1) . رجال النجاشي: 64 برقم 1.

2) . الكافي كما في تأسيس الشيعة: 299.

3) . الطبقات الكبرى: 6 و قسّمهم إلى تسع طبقات.

و قد اغتنم الإمام فرصة ذهبية أوجدتها الظروف السياسية آنذاك، و هي أنّ الحكومة العباسية كانت جديدة العهد بعد سقوط الدولة الأُموية و لم يكن للعباسيين يومذاك قدرة على الوقوف في وجه الإمام لانشغالهم بأُمور الدولة، بالإضافة إلى أنّهم كانوا قد رفعوا شعار العلويين للوصول إلى السلطة، فلم يكن من مصلحتهم في تلك الفترة الوقوف في وجه الإمام عليه السلام، فعمد في زمن وجوده عليه السلام إلى نشر علوم جمّة، و تخرّج على يديه الكثير من الطلبة النابغين.

هذا الحسن بن علي بن زياد الوشّاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الكوفة في تلك الظروف كما ينقله عنه النجاشي:

أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كلّ يقول:

حدّثني جعفر بن محمّد. و يضيف النجاشي: كان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة و له كتب، ثمّ ذكر أسماءها.(1)

و كان من خرّيجي هذه المدرسة لفيف من الفقهاء الكوفيين، نظير أبان بن تغلب بن رباح الكوفي، و محمّد بن مسلم الطائفي، و زرارة بن أعين، إلى غير ذلك ممّن تكفّلت كتب الرجال بذكرهم و التعريف بهم.

و لقد ألّف فقهاء الشيعة و محدّثوهم في هذه الظروف في الكوفة (6600) كتاب، و لقد امتاز من بينها (400) كتاب اشتهرت بالأُصول الأربعمائة.(2)فهذه الكتب هي التي أدرجها أصحاب الجوامع الحديثية في كتبهم المختلفة.


1) . رجال النجاشي: 137/1 برقم 79.

2) . وسائل الشيعة ج 20 الفائدة الرابعة. و قد بيّنا الفرق بين الكتاب و الأصل في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».

و لم تقتصر الدراسة آنذاك على الحديث و التفسير و الفقه، بل شملت علوماً أُخرى ساعدت على تخريج جملة واسعة من المؤلّفين الكبار الذين صنّفوا كتباً كثيرة في علوم مختلفة و متنوّعة كهشام بن محمّد بن السائب الكلبي الذي ألّف أكثر من مائتي كتاب(1)، و ابن شاذان ألّف 280 كتاباً(2)، و ابن عمير صنّف 194 كتاباً، و ابن دول الذي صنّف 100 كتاب(3)، و جابر بن حيان أُستاذ الكيمياء و العلوم الطبيعية، إلى غير ذلك من المؤلّفين العظام في كافّة العلوم الإسلامية.

3 - مدرسة قم و الري:

دخل الفرس الإسلام و كان أكثرهم على غير مذهب الشيعة، نعم كانت قم و الري و كاشان و قسم من خراسان مركزاً للشيعة، و قد عرفت أنّ الأشعريين هاجروا - خوفاً من الحجّاج - إلى قم و جعلوها موطنهم و مهجرهم، و كانت تلك الهجرة نواة للشيعة في إيران.

كانت مدرسة الكوفة مزدهرة بالعلم و الثقافة، رغم ما كانت تتعرّض له من مضايقات من قبل العباسيين، إلّا أنّها لم تقف عائقاً أمام تطوّر العلوم المختلفة و ازدياد طلب العلم فيها، و لما هاجر إبراهيم بن هاشم الكوفي تلميذ يونس بن عبد الرحمن و هو من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام إلى قم، نشر فيها حديث الكوفيين فصارت مدرسة قم و الري مزدهرة بعد ذاك بالمحدّثين و الرواة الكبار.


1) . الذريعة: 17/1.

2) . المصدر نفسه.

3) . المصدر نفسه.

و ساعد على ذلك بسط الدولة البويهية نفوذها على تلك البلدان، و لقد تخرّج من تلك المدرسة علماء و محدّثون منهم:

1 - عليّ بن إبراهيم شيخ الكليني. الذي كان حيّاً سنة (307 ه)(1).

2 - محمّد بن يعقوب الكليني، (المتوفّى 329 ه)، مؤلّف «الكافي» في الفروع و الأُصول.

3 - عليّ بن الحسين بن بابويه، والد الشيخ الصدوق صاحب الشرائع، (المتوفّى 329 ه).

4 - ابن قولويه أبو القاسم جعفر بن محمّد (285-368 ه) من تلامذة الكليني و أُستاذ الشيخ المفيد.

و الذي يدلّ على وجود النشاط الفكري في أوائل القرن الثالث ما رواه الشيخ في كتاب «الغيبة»: أنّه أنفذ الشيخ حسين بن روح - رضي اللّٰه تعالى عنه - النائب الخاصّ للإمام المنتظر - عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف - كتاب التأديب إلى قم و كتب إلى جماعة الفقهاء بها و قال لهم: انظروا ما في هذا الكتاب، و انظروا فيه شيء يخالفكم. فكتبوا إليه: إنّه كلّه صحيح....(2)

فهذه الرواية و غيرها تعرب عن وجود نشاط فكري و فقهي في ذينك البلدين في القرن الثالث و الرابع، و كفى في فضلها أنّ كتاب «الكافي» و كتاب «من لا يحضره الفقيه» و كتب محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه) من ثمار هذه المدرسة العظيمة.


1) . الذريعة: 302/4 برقم 1316.

2) . الذريعة: 210/3 برقم 775.

4 - مدرسة بغداد:

كانت مدرسة الكوفة تزدهر بمختلف النشاطات العلمية عند ما كانت بغداد عاصمة الخلافة، و لمّا دبّ الضعف في السلطة العباسية و صارت السلطة بيد البويهيين تنفّس علماء الشيعة في أكثر مناطق العراق الصعداء، فأُسّست مدرسة رابعة للشيعة في العاصمة أنجبت شخصيات مرموقة تفتخر بها الإنسانية، نظير:

1 - الشيخ المفيد (336-413 ه) تلك الشخصية الفذّة الذي اعترف المؤالف و المخالف بعلمه، و ذكائه، و زهده، و تقواه، و كان شيخ أساتذة الكلام في عصره الذي شهد قمة الجدل الفكري و العقائدي بين المدارس الفكرية المختلفة، و كان - رحمه اللّٰه - عظيم الشأن رفيع المنزلة، له كرسي للتدريس في مسجد براثا في بغداد، يقصده العلماء و العوام للاستزادة من علمه، و له أكثر من (200) مصنّف في مختلف العلوم.

2 - السيد المرتضى علم الهدى (355-436 ه)، قال عنه الثعالبي في يتيمته (53:1) قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الأدب و الفضل و الكرم.

و في تاريخ ابن خلّكان: كان إماماً في علم الكلام و الأدب و الشعر.

السيد المرتضى الذي حاز من العلوم ما لم يدانه فيها أحد في زمانه، أخذ العلم على يد أُستاذ المتكلّمين الشيخ المفيد - رحمه اللّٰه - و له مصنّفات كثيرة لا يسعنا عدّها هنا، منها: الانتصار، تنزيه الأنبياء، جمل العلم و العمل و غيرها.

3 - السيد الرضي (359-406 ه)، علم من أعلام عصره في

العلم و الحديث و الأدب، درس العلم هو و أخوه السيد المرتضى على يد الشيخ المفيد - رحمه اللّٰه - له مؤلّفات جمّة منها: خصائص الأئمّة، معاني القرآن، حقائق التأويل.

4 - الشيخ الطوسي (385-460 ه) و هو شيخ الطائفة و من أعلام الأُمّة، تربّى على يد شيخه المفيد و السيد المرتضى. و له مؤلّفات جمّة غنية عن التعريف، منها كتابا: «التهذيب» و «الاستبصار» و هما من المصادر المهمّة عند الشيعة.

و كانت مدرسة بغداد زاهرة في عهد هؤلاء الأعلام واحد بعد الآخر، و قام كلّ منهم بدور كبير في تطوير العلوم و تقدّمها، و كان يحضر في حلقات دروسهم مئات من المجتهدين و المحدّثين من الشيعة و السنّة.

و استمرّ هذا الحال إلى أن ضعفت سلطة البويهيين، و دخل طغرل بك الحاكم التركي بغداد، فأشعل نار الفتنة بين الطائفتين السنّة و الشيعة، و أحرق دوراً في الكرخ، و لم يكتف بذلك حتّى كبس دار الشيخ الطوسي و أخذ ما وجد من دفاتره و كتبه، و أحرق الكرسي الذي كان الشيخ يجلس عليه.(1)

5 - مدرسة النجف الأشرف:

إنّ هذه الحادثة المؤلمة التي أدّت إلى ضياع الثروة العلمية للشيعة و قتل العديد من الأبرياء، دفعت الشيخ الطوسي - رحمه اللّٰه - إلى مغادرة بغداد و اللجوء إلى النجف الأشرف و تأسيس مدرسة علمية شيعية في جوار قبر أمير


1) . المنتظم: 8/16 و 16 حوادث عام 447-449.

المؤمنين عليه السلام، و شاء اللّٰه تبارك و تعالى أن تكون هذه المدرسة مدرسة كبرى أنجبت خلال ألف سنة من عمرها عشرات الآلاف من العلماء و الفقهاء و المتكلّمين و الحكماء.

و المعروف أنّ الشيخ الطوسي هو المؤسّس لتلك الجامعة العلمية المباركة، و هو حقّ لا غبار عليه، و مع ذلك يظهر من النجاشي و غيره أنّ الشيخ ورد عليها و كانت غير خالية من النشاط العلمي. يقول في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة: له كتاب عمل السلطان أجازنا بروايته أبو عبد اللّٰه بن الخمري الشيخ صالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين سنة (400 ه).(1)

و لقد استغلّ الشيخ تلك الأرضية العلمية، و أعانته على ذلك الهجرة العلمية الواسعة التي شملت أكثر الأقطار الشيعية، فتقاطرت الوفود إليها، من كلّ فجّ، فصارت حوزة علمية، و كلّيّة جامعة في جوار النبأ العظيم عليّ أمير المؤمنين - من عصر تأسيسها (448 ه) - إلى يومنا هذا، و لقد مضى على عمرها قرابة (1000) سنة، و هي بحقّ شجرة طيبة أصلها في الأرض و فرعها في السماء آتت أُكلها كلّ حين بإذن ربّها.

إنّ لجامعة النجف الأشرف حقوقاً كبرى على الإسلام و المسلمين عبر القرون، فمن أراد الوقوف على تاريخها و البيوتات العلمية التي أنجبتها، فعليه الرجوع إلى كتاب «ماضي النجف و حاضرها» يقع في ثلاثة أجزاء(2). و قد قام الشيخ هادي الأميني بتخريج أسماء طائفة من العلماء الذين تخرّجوا من هذه المدرسة الكبرى، فراجع.


1) . رجال النجاشي: 190/1 برقم 162.

2) . تأليف الشيخ جعفر آل محبوبة، ط النجف.

6 - مدرسة الحلّة:

في الوقت الذي كانت جامعة النجف تزدهر و تنجب جملة من العلماء الأفذاذ، تأسّست للشيعة في الحلّة الفيحاء جامعة كبيرة أُخرى كانت تحفل بكبار العلماء، و تزدهر بالنشاط الفكري، عقدت فيها ندوات البحث و الجدل، و أُنشئت فيها المدارس و المكاتب، و ظهر في هذا الدور فقهاء كبار كان لهم الأثر الكبير في تطوير الفقه الشيعي و أُصوله، نأتي بأسماء بعضهم:

1 - المحقّق الحلّي، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد، من كبار فقهاء الشيعة، يصفه تلميذه ابن داود بقوله: الإمام العلّامة، واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، و أقواهم بالحجّة، و أسرعهم استحضاراً.(1)توفّي عام (676 ه). له من الكتب: «شرائع الإسلام» في جزءين، و هو أثر خالد شرحه العلماء و علّقوا عليه. و اختصره في كتاب أسماه «المختصر النافع» و شرحه أيضاً و أسماه «المعتبر في شرح المختصر».

2 - العلّامة الحلّي، جمال الدين الحسن بن يوسف (648-726 ه) تخرّج على يد خاله المحقّق الحلّي في الفقه، و على يد المحقّق الطوسي في الفلسفة و الرياضيات، و عرف بالنبوغ و هو بعد لم يتجاوز سنّ المراهقة، و قد بلغ الفقه الشيعي في عصره القمة، و له موسوعات فيه أجلّها «تذكرة الفقهاء» و لعلّه لم يؤلّف مثله.

3 - فخر المحقّقين، محمّد بن الحسن بن يوسف (682-771 ه)


1) . رجال ابن داود: 62 برقم 304، القسم الأوّل.

ولَد العلّامة الحلّي، تتلمذ على يد أبيه، و نشأ تحت رعايته و عنايته، و ألّف والده قسماً من كتبه بالتماس منه، و قد تتلمذ عليه إمام الفقه الشهيد الأوّل (734-786 ه).

إلى غير ذلك من رجال الفكر كابن طاوس، و ابن ورّام، و ابن نما، و ابن أبي الفوارس الحلّيِّين، الذين حفلت بهم مدرسة الحلّة، و لهم على العلم و أهله أيادٍ بيضاء، لا يسعنا ذكر حياتهم.

7 - الجامع الأزهر:

امتدّ سلطان الدولة الفاطمية من المحيط الأطلسي غرباً، إلى البحر الأحمر شرقاً، و نافست الدولة الفاطمية الشيعية خلافة الحكّام العباسيين في بغداد، و كان المعزّ لدين اللّٰه - أحد الخلفاء الفاطميين بمصر - رجلاً مثقّفاً و مولعاً بالعلوم و الآداب، و قد اتّخذ بفضل تدبير قائده العسكري القاهرة عاصمة للدولة الجديدة، و بنى الجامع الأزهر، و عقدت فيه حلقات الدرس، و كان يركّز على نشر المذهب الشيعي بين الناس، و قد أمر أن يؤذّن في جميع المساجد ب «حيّ على خير العمل» و منع من لبس السواد شعار العباسيين.

إنّ المسلمين عامّة - و في طليعتهم المصريون - مدينون في ثقافتهم و ازدهار علومهم و تقدّمهم في مجال العلم و الصنعة للفاطميين و هممهم العالية؛ فإنّ الجامع الأزهر لا يزال مزدهراً من يوم بني إلى يومنا هذا باعتباره أعظم الجامعات العلمية(1)، و هي كانت جامعة شيعية من بدء تأسيسها إلى قرنين.


1) . تاريخ الشعوب الإسلامية: 108/2.

و إن شئت أن تقف على صورة صغيرة من خدماتهم الجليلة فاقرأ ما كتبه السيّد مير علي حيث ذكر: كان الفاطميون يشجّعون على العلم، و يكرمون العلماء، فشيّدوا الكلّيّات، و المكاتب العامة، و دار الحكمة، و حملوا إليها مجموعات عظيمة من الكتب في سائر العلوم و الفنون، و الآلات الرياضية، لتكون رهن البحث و المراجعة، و عيّنوا لها أشهر الأساتذة، و كان التعليم فيها حرّاً على نفقة الدولة، كما كان الطلّاب يمنحون جميع الأدوات الكتابية مجّاناً، و كان الخلفاء يعقدون المناظرات في شتّى فروع العلم، كالمنطق و الرياضيات و الفقه و الطب، و كان الأساتذة يرتدون لباساً خاصاً عرف بالخلعة، أو العباءة الجامعية - كما هي الحال اليوم - و أُرصدت للإنفاق على تلك المؤسّسات، و على أساتذتها، و طلّابها، و موظّفيها، أملاك بلغ إيرادها السنوي (43) مليون درهم، و دعي الأساتذة من آسيا و الأندلس لإلقاء المحاضرات في دار الحكمة، فازدادت بهم روعة و بهاء.(1)

و قد ألّف غير واحد من المؤرّخين كتباً و رسائل حول الأزهر الشريف و من أراد التفصيل فليرجع إليها.

8 - مدارس الشيعة في الشامات:

كانت الشيعة تعيش تحت الضغط و الإرهاب السياسي من قبل الأُمويين و العباسيين، فلمّا دبّ الضعف في جهاز الخلافة العباسية، و ظهرت دول شيعية في العراق - خصوصاً دولة الحمدانيين في الموصل و حلب - استطاعت الشيعة


1) . مختصر تاريخ العرب: 510.

أن تجاهر بنشاطها الثقافي، و في ظلّ هذه الحرّية أُسّست مدارس شيعية في جبل عامل، و حلب، تخرّج منها العديد من العلماء الأفذاذ و الفضلاء.

فأمّا حلب فقد ازدانت بالعديد من الأسماء اللامعة كأبناء زهرة و غيرهم، من رجال العلم و الأدب.

و أمّا مدرسة جبل عامل فقد كانت تتراوح بين القوّة و الضعف، إلى أن رجع الشهيد الأوّل من العراق إلى مسقط رأسه «جزّين»، فأخذت تلك المدرسة في نفسها نشاطاً واسعاً، و قد تخرّج من تلك المدرسة منذ تلك العهود إلى يومنا هذا مئات من الفقهاء و العلماء لا يحصيها إلّا اللّٰه سبحانه، و من الشخصيات البارزة في هذه المدرسة: المحقّق الشيخ علي الكركي مؤلّف «جامع المقاصد» (المتوفّى عام 940 ه) و بعده الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني (911-966 ه).

هذا غيض من فيض و قليل من كثير، ممّن أنجبتهم هذه التربة الخصبة بالعلم و الأدب.

و لنكتف بهذا المقدار من الإشارة إلى الجامعات الشيعية؛ فإنّ الإحصاء يحوجنا إلى بسط في المقال، و يطيب لنا الإشارة إلى أسماء المعاهد الأُخرى مجرّدة.

جامعات أُخر للشيعة في أقطار العالم:

كانت للشيعة جامعات متعدّدة في أقطار العالم المختلفة لم تزل بعضها زاهرة إلى اليوم. فالشرق الإسلامي كأفغانستان و الباكستان و الهند تزخر بالشيعة، و لهم هناك جامعات و كلّيّات في هراة و لكنهو و بومبي، كما أنّ للشيعة

نشاطات ثقافية في آسيا الجنوبية الشرقية كماليزيا و تايلند، و من أراد الوقوف على الخرّيجين من هذه المدارس فعليه أن يقرأ تاريخ هذه البلاد، خصوصاً بلاد الهند.

و منذ تسنّم الصفويّة منصّة الحكم أُسّست في إيران حوزات فقهية و كلامية و فلسفية زاهرة، و قد تخرج منها آلاف من العلماء، و من هذه الجامعات: جامعة أصفهان، و طهران، و خراسان، و تبريز، و قزوين، و زنجان، و شيراز، و أخيراً الجامعة الكبرى للشيعة في قم المحمية بجوار فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر عليه السلام. و قد أُسِّست هذه الجامعة سنة (1340 ه) على يد رجل العلم و الزهد الشيخ عبد الكريم اليزدي (1274-1355 ه)، و لم تزل هذه الجامعة مشعَّة زاهرة، و قد تقاطر إليها الأساتذة و وفود الطلاب من نقاط شتّى، و من جنسيّات مختلفة منذ أوّل يومها، و يتجاوز عدد الطلاب فيها في هذه السنين (25000 طالب)، و فيها مكتبات زاخرة، و مؤسّسات علمية، و مراكز تحقيقية، و مطابع حديثة، و عمالقة الفكر و أساتذة القلم، و منها تفجّرت الثورة الإسلامية على يد أحد خرّيجيها ألا و هو الإمام الخميني - قدس اللّٰه سره - فانبثقت أنوارها على ربوع العالم، و أيقظت الأُمّة من سباتها العميق.

عدد الشيعة

إنّ مراكز الإحصاء في العالم تخضع لنفوذ أعداء الإسلام خصوصاً الصهاينة، و قد صار ذلك سبباً لعدم وجود إحصاء دقيق بأيدينا عن عدد المسلمين و عامّة طوائفهم و منهم الشيعة. و لكن القرائن تشهد على أنّ الشيعة بطوائفها الثلاث: الإمامية و الزيدية و الإسماعيلية يؤلّفون خمس أو

ربع المسلمين، فلو كان عدد المسلمين - على ما يقولون - مليار نسمة فالشيعة تبلغ (200) مليون، و أكثرهم عدداً هم الإمامية المعروفون بالاثني عشرية أو الجعفرية.

نسأله سبحانه أن يرفع كلمة التوحيد في ربوع العالم، و يوفّق المسلمين لتوحيد الكلمة و رصّ الصفوف، إنّه على ذلك لقدير.

الفصل الرابع عشر: مصادر الأُصول و الفروع عند الإماميّة

اشارة

إنّ بعض المتعصّبين يحاولون التشكيك في انتهاء الشيعة الإمامية في مذهبهم إلى أئمّة أهل البيت، و قد نقل هذه المحاولة السيد عبد الحسين شرف الدين في مراجعاته.(1)

و لا شك أنّ هذه المحاولة فاشلة، و لا نحتاج إلى بسط في الجواب، و ربّما يتّضح استناد مذهبهم إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام ممّا مضى في الفصل الحادي و الثاني عشر.

يقول السيد شرف الدين: إنّ الشيعة الإمامية في الفروع و الأُصول و سائر ما يؤخذ من الكتاب و السنّة أو يتعلّق بهما من جميع العلوم، لا يعولون في شيء من ذلك إلّا عليهم و لا يرجعون فيه إلّا إليهم، فهم يدينون اللّه تعالى و يتقرّبون إليه بمذهب أئمّة أهل البيت عليهم السلام لا يجدون عنه حولاً و لا يرتضون به بدلاً. على ذلك مضىٰ سلفهم الصالح في عهد أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ذريّة الحسين عليهم السلام إلى زماننا هذا، و قد أخذ الفروع و الأُصول عن كل واحد منهم جمّ من ثقات الشيعة و حفّاظهم.(2)


1) . راجع المراجعات: 109.

2) . المراجعات: 303 المراجعة 110.

إنّ الشيعة يتّخذون الكتاب مصدراً رئيسياً في العقيدة و التشريع، كما يتّخذون سنّة النبي صلى الله عليه و آله و سلم مصدراً رئيسياً ثانياً، و يعملون بحكم العقل في المجال الّذي له صلاحية القضاء، و يتّخذون من الإجماع دليلاً فيما لو كشف عن الدليل الشرعي و هذا ممّا لا شك فيه.

و لكن يوجد في الكتاب عمومات و مطلقات و قد خصّصت في السنّة كما أنّ فيه مجملات تطلب لنفسها بياناً من السنّة، و الشيعة ترجع إلى أئمّة أهل البيت في هاتيك الموارد لأجل أنّ كلامهم و قولهم هو كلام و قول النبي الأكرم، و هناك مسائل مستحدثة و أُمور طارئة لا يجد لها الفقيه حلولاً في السنّة النبوية، لأنّها طرأت بعد رحلة النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقام أئمة أهل البيت بالإجابة عنها من غير فرق بين مجالي الالتزام و العمل.

هذا هو مذهب الإمامية و على ذلك جرى سلفهم و خلفهم من عصر أمير المؤمنين إلى يومنا هذا.

إنّ انتماء الشيعة الإمامية إلى أئمّة أهل البيت أظهر من الشمس، و قد تعرّفت على الرواة الثقات الذين أخذوا الأُصول و الفروع عن الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا عليهم السلام، كما تعرّفت على الجوامع الّتي دوّنها أصحابهم في تلك العصور، و كانت الجوامع مفزعاً للشيعة في عصر الأئمة، حتّى عصر الغيبة، لأنّها تحتوي علوم أهل البيت عليهم السلام.

و لمّا كانت هذه الجوامع غير خالية عن النقص الفنّي في التبويب و غير جامعة لما تركه أئمة أهل البيت من العلوم و المعارف، قام المحمدون الثلاثة بتأليف جوامع ثانوية أحسن ترتيباً و تبويباً و أكثر شمولاً.

1 - محمّد بن يعقوب الكليني ولد في عهد إمامة العسكري (254 - 260 ه) و توفّي عام 329 ه، فهو أوثق الناس في الحديث و أعرفهم به، صنّف كتاب «الكافي» و هذبه في عشرين سنة(1)، و لقد حصروا أحاديثه في ستة عشر ألف حديث و مائة و تسعة و تسعين حديثاً (16199)، و الصحيح منها باصطلاح المتأخرين خمسة آلاف و اثنان و سبعون حديثاً، و الحسن مائة و أربعة و أربعون حديثاً، و الموثّق مائة حديث و ألف حديث و ثمانية عشر حديثاً، و القويّ منها اثنان و ثلاثمائة، و الضعيف منها أربعمائة و تسعة آلاف و خمسة و ثمانون حديثا.(2)

و قال الشهيد في «الذكرى»: إنّ ما في «الكافي» يزيد على ما في مجموع الصحاح الستّة للجمهور، و عدّة كتب الكافي اثنان و ثلاثون كتاباً».(3)

و قال في «كشف الظنون» نقلاً عن الحافظ «ابن حجر»: إنّ جميع أحاديث صحيح البخاري بالمكرّر سوى المعلّقات و المتابعات على ما حرّرته و حقّقته سبعة آلاف و ثلاثمائة و سبعة و تسعون حديثاً، و الخالص من ذلك بلا تكرير ألفا حديث و ستمائة و حديثان، و إذا انضمّ إليه المتون المعلّقة المرفوعة و هي مائة و خمسون حديثاً، صار مجموع الخالص ألفي حديث و سبعمائة و واحد و ستون حديثا.

و روي أيضاً عن مسلم أنّ كتابه أربعة آلاف حديث دون المكررات و بالمكررات سبعة آلاف و مائتان و خمسة و سبعون حديثا.


1) . رجال النجاشي: برقم 1027.

2) . لؤلؤة البحرين للمحدث البحراني، و ما ذكره عند الجمع ينقص 78 حديثاً فلاحظ.

3) . الذكرى: 6.

و قال أبو داود في أوّل سننه: «و جمعت في كتابي هذا أربعة آلاف حديث و ثمانية أحاديث في الصحيح و ما يشبهه و ما يقاربه».(1)

2 - محمّد بن علي بن الحسين الصدوق (306-381 ه) مؤلّف «من لا يحضره الفقيه» و هو الجامع الثاني للشيعة.

إنّ أحاديث كتاب الفقيه لا تتجاوز عن 5963 حديثاً منها ألفان و خمسون حديثاً مرسلاً.

3 - محمّد بن الحسن الطوسي (385-460 ه) مؤلّف تهذيب الأحكام و الاستبصار و عدد أحاديث الأوّل 13590(2)و عدد أحاديث الثاني 5511 حديثاً كما ذكره المؤلّف في آخر الكتاب.

هذه هي الكتب الأربعة، المصادر المهمة عند الشيعة.

الجوامع الحديثية الأخيرة:

إنّ هناك لفيفاً من العلماء قاموا بجمع روايات الكتب الأربعة و إليك إيعاز إلى أسماء مؤلّفيها.

1 - محمّد بن الحسن الحر العاملي (المتوفّى 1104 ه) مؤلّف كتاب «تفصيل وسائل الشيعة» طبع في عشرين جزءاً في الفروع و الأحكام فقط، و لم يجمع ما يرجع إلى الأُصول و العقائد.


1) . كشف الظنون كما في مستدرك الوسائل: 541/3، لاحظ فتح الباري في شرح أحاديث البخاري: 465/1.

2) . المستدرك: 756/3.

2 - محمّد بن المرتضى المعروف بالفيض (المتوفّى 1091 ه) مؤلّف «الوافي» في 14 جزءاً في الفروع و الأُصول و السنن و الأحكام و قد طبع الكتاب طبعة حديثة في 26 جزءاً.

3 - المجلسي محمّد باقر (1037-1110 ه) مؤلّف «بحار الأنوار» في 110 أجزاء، و هو من أبسط الجوامع و أكثرها شمولاً.

و هناك جوامع أُخرى طوينا الكلام عنها، فمن أراد فليرجع إلى مظانّها.

هذه هي المصادر الّتي تفزع إليها الشيعة في أُصولها و فروعها أتينا على ذكرها على وجه الإجمال ليكون القارئ على بصيرة.

هذا هو مذهب الشيعة و هؤلاء هم خلفهم و سلفهم، و مبدأ نشوئهم، و هذه آراؤهم و عقائدهم، و هؤلاء أئمتهم، و هذه بلدانهم و دولهم، و عدد نفوسهم، و هذه جامعاتهم و حوزاتهم، فهم أُمّة منتشرة في العالم و بلادهم مفتوحة لكلّ قاصد، و هذه كتبهم المعبّرة عن تاريخهم و عقائدهم و كيانهم و شرفهم، و هذا تاريخهم المأساوي جزاءً للخدمات الجليلة الّتي قدّموها للحضارة الإسلامية بأفكارهم و آرائهم و أقلامهم و كتبهم.

خاتمة المطاف: بيان لكتّاب المقالات و مؤرّخي العقائد

لقد حصحص الحق و بانت الحقيقة لذوي النصفة و نختم الكتاب بذكر أُمور مهمة ربّما مضى البحث عن بعضها في الفصول السابقة، و إليك البيان:

الأوّل: إنّ التشيّع لم يكن فكرة سياسية ابتدعتها الأهواء، و طبعته بطابع الدين، و لا عقيدة دينية لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة، بل هو نفس الإسلام في مجالي العقيدة و التشريع، جاء به النبي الأكرم في كتابه و سنّته، و ليس التشيّع إلّا تعبيراً آخر عن الإسلام، في إطار ولاء أهل بيته الطاهرين و تتبّع آثارهم و أقوالهم و آرائهم.

الثاني: إنّ كلّما تدين به الشيعة التزاماً و عملاً، له مصدر متسالم على صحّته عند أهل السنّة، و أنّهم لو نظروا إليه بعين الإنصاف و طلب الحقيقة، و ابتعدوا عن كل رأي مسبق، لوجدوا الفوارق الموجودة بين الطائفتين أُموراً واقعية لها دليل في الكتاب و السنّة، حتّى في الأُمور الّتي يستنكرونها في بدء الأمر، كالقول بالبداء، و عصمة الإمام و ميلاد المهدي المنتظر، و حياته فعلاً، و كون الأئمة محصورين في اثني عشر.

الثالث: إنّ الشيعة ليست من الفرق البائدة الّتي خيّم الظلام عليها، و على آثارهم و صارت مستورة تحت أطباق الثرى، حتّى لا يعاب فيه التقوّل

و الحدس و التخمين، و انّما هي فرقة حيّة منتشرة في العالم و لهم بلاد واسعة، و حكومات قائمة، و جامعات و كليات، و معاهد و حلقات، و مكتبات غاصة بالكتب، فعلى طالب الحقيقة و مؤرّخ العقائد أن يتّصل بعلمائهم عن كثب، أو أن يرجع إلى الكتب المؤلّفة بأيدي علمائهم الذين اجتمعت كلمتهم على وثاقته و علمه و معرفته و يجتنب الرجوع إلى كتب المتطفّلين على موائد العربية من مستشرق حاقد، أو كاتب متحامل، بل يجتنب عن الرجوع إلى كتاب عالم من الشيعة إذا لم تجتمع كلمتهم على وثاقته و علمه أو صحة نظريته، إذ في كل طائفة غال متنكّب عن الصراط، خابط خبطة عشواء، رفض العلماء كتابه و كلامه.

إنّ بين كل طائفة و منهم الشيعة كاتب غال خلط الغث بالسمين، و الصحيح بالزائف، و ربّما تكون له مكانة علمية و - مع ذلك - لا يصحّ الاستناد إلى مثل ذلك الكاتب و لا إلى كتابه، بل يطرح الشاذ، و يؤخذ بالمجمع عليه أو المشهور بينهم.

إنّ المستند لرمي التشيّع بالاعتقاد بالتحريف في هذه الأيام هو كتاب «فصل الخطاب» الّذي ألّفه الشيخ المحدّث النوري، و جمع مواده من هنا و هناك من غير تحقيق في السند و لا تحليل في الدلالة، و لكن الاستناد إلى هذا الكتاب و رمي طائفة كبيرة بهذه التهمة الشائنة تقوّل بالباطل، لأنّ علماء الشيعة أنكروا هذا الكتاب على المؤلّف من أوّل يوم نشره، و أخذوا بالردّ عليه ردّاً عنيفاً(1).

و لو كان تأليف ذلك الكتاب دليلاً على قول الشيعة بالتحريف، فليكن كتاب «الفرقان» الّذي عرّفه أحد الأزهريين المعاصرين دليلاً على قول السنّة بها.


1) . ردّ عليه في حياته و بعده لفيف من العلماء أخص بالذكر العلامة الحجة: الشيخ محمد هادي معرفة بكتاب أسماه «صيانة القرآن عن التحريف» و قد طبع و انتشر.

الرابع: التعرّف الصحيح على المبادئ الّتي تعتمد عليها كل طائفة في مجال الالتزام القلبي يحصل من خلال السبر في الكتب العقائدية الكلامية المؤلّفة بيد عمالقة الفكر منهم، و أمّا الكتب الحديثية المعتبرة فبما أنّ فيه الصحيح و السقيم، و المشهور و الشاذ، و المحكم و المتشابه، فلا يصحّ الاستناد إلى رواية رويت في كتب الحديث في مجال تبيين عقائد الفرقة، فلو وجد في «الكافي» الّذي هو من أتقن الكتب الحديثية عند الشيعة ما يضاد المشهور بين العلماء، لما صحّ لنا الاعتماد عليه و ترك ما ذهب إليه المشهور من علمائهم، فليس معنى كون الكتاب معتبراً انّ جميع ما ورد فيه قابل للالتزام و العمل، و هذا أمر واضح لدى الشيعة عامة، و إن غفل عنه كتّاب تاريخ الفرق.

الخامس: إنّ هناك فرقاً بين الجوامع الحديثية عند الشيعة و الصحاح عند السنّة، فانّ الأُولى لديهم كتب معتبرة بمعنى أنّها صالحة للرجوع إليها بعد تمحيصها و تمييز الجيّد من الرديء فيها. و على ضوء ذلك لا يكون وجود الحديث فيها دليلاً على كون مضمونه حجّة في مفاده. و أمّا الصحاح الستّة عند السنّة فبما أنّ أكثرهم أضفى على الجميع وصف الصحة، فللقائل أن يتصوّر أنّ وجود الحديث فيها دليل على كون مضمونه مذهباً لأهل السنّة.

السادس: إنّ المطلوب في العقائد، غير المطلوب في الأحكام، فالغاية من الثانية هي العمل و إن لم يكن إذعان بصحّته و كونه مطابقاً للواقع، بل يكفي قيام الدليل على جواز تطبيق العمل عليه. بخلاف الأُولى فانّ الغرض المنشود منها هو الاعتقاد و الإيمان، و من المعلوم أنّ اليقين رهن مقدّمات مفيدة لليقين و مجرّد وجود خبر حتّى الصحيح في الجوامع الحديثية لا يؤدّي إلى اليقين فلا يمكن أن يحتجّ بها في مجال العقيدة إلّا إذا كانت

مفضية إلى اليقين، و الإذعان، و الخبر الواحد، و إن صحّ، خال من هذا الشأن.

السابع: عرفت الشيعة بالتقيّة و أنّهم يتقون في أقوالهم و أفعالهم، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض المشاغبين و المغالطين فيقولون: بما أنّ التقيّة من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد بكل ما يقولون و يكتبون و ينشرون، إذ من المحتمل جدّاً أن تكون هذه الكتب دعايات و الواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرة، و يكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه الردية على الشيعة.

و لكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقيّة انّما هي القضايا الشخصية الجزئية أي عند وجود الخوف على النفس و النفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب إمام من أئمّة أهل البيت احتمال توجّه الضرر، يصير المورد من مواردها و يحكم العقل و الشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه و نفيسه عن الخطر. و أمّا الأُمور الكليّة الخارجة عن إطار الخوف فلا يتصوّر فيها التقيّة، و الكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في النوع الثاني، إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد، بل لا ملزم للكتابة أصلاً فله أن يسكت و لا يكتب شيئا.

فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناش عن عدم عرفانهم لحقيقة التقية عند الشيعة.

و الحاصل: انّ الشيعة انّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم، و لا قدرة و منعة تدفع عنهم، و أمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ و لا مبرّر للتقية إلّا في موارد خاصة.

إنّ الشيعة منذ أن تعرضوا للضغط، عاشت عندهم التقية على مستوى الفتاوى، و لم تعش على المستوى العملي، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية، و بوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف الشيعة مع معاوية و غيره من الحكام الأمويين، و الحكام العباسيين، كحجر بن عدي، و ميثم التمّار، و رشيد الهجري، و كميل بن زياد، و مئات من غيرهم، و كمواقف العلويين على امتداد التاريخ و ثوراتهم المتتالية.(1)

إنّ القول بالتقية ليس شيئاً مختصّاً بالشيعة، بل يقول به المسلمون جميعاً هذا أبو الهذيل العلاف رئيس المعتزلة يقول: إنّ المكره إذا لم يعرف التعريض و التورية فيما أُكره عليه فله أن يكذب و يكون وزر الكذب موضوعاً عنه.(2)

بل يقول به كل مسلم واع، و كل كاتب قدير و ناطق مصقع، يعيش في بلاد يسود عليه الاستبداد و سلب الحريات الاجتماعية و السياسية بمختلف أشكاله و صوره.

الثامن: لم يزل أهل السنّة يصفون المسانيد و السنن بالصحاح و ربّما يغالون في حق بعض الصحاح - كالبخاري بأنّه أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه - أو ليس هذا مغالاة في القول؟ و إن كنت في شك من ذلك فاستمع لما نتلوه عليك عن ذلك الكتاب الّذي هو الأصحّ في زعمهم بعد كتاب اللّه و غيره من الصحاح.

1 - روى في تفسير سورة الإسراء انّ جبرئيل ليلة أُسري بالنبي إلى السماء


1) . هوية التشيّع: 203.

2) . الانتصار للخياط: 128.

جاءه بقدحين، أحدهما من لبن و آخر من خمر، و خيّره بين شرب واحد منهما(1).

أ فيصح في منطق العقل أن يأتي جبرئيل في تلك الليلة بقدح من الخمر الّتي وصفها رسول اللّه بأُمّ الخبائث و وصفه الكتاب العزيز بأنّه من عمل الشيطان؟! و لا يصحّ لمتقوّل أن يفسّرها بخمر الجنّة الّتي لا سكر فيها و هو بعد في الدنيا؟

2 - روى أحمد في مسنده عن عائشة أنّها قالت: سحر النبي حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء و ما يفعله.(2)

فعلى ذلك لا يحصل أي ثقة بكلام النبي و قوله، و لأجل ذلك نرى أنّ الجصاص يقول في حقّ هذه الروايات: و مثل هذه الأخبار من وضع الملحدين.(3)

3 - و أخرج في صحيحه في كتاب الغسل باب إذا جامع ثمّ عاد و من دار على نسائه في غسل واحد عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة في الليل و النهار و هنّ إحدى عشرة، قال: قلت لأنس:

أو كان يطيقه؟ قال: كنّا نتحدّث أنّه أُعطي قوّة ثلاثين.(4)

إنّ النبي الأكرم كان يقضي ليله بالتهجّد و العبادة، قال سبحانه: «إِنَّ رَبَّكَ


1) . صحيح البخاري: 104/6، تفسير سورة الإسراء.

2) . مسند أحمد: 5/6.

3) . أحكام القرآن: 55/1.

4) . صحيح البخاري: 13/6.

يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طٰائِفَةٌ مِنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ».(1)

و ما جاء في الرواية انّما يلائم حال الخلفاء الأمويين و العباسيين الذين كانت قصورهم تزخر بالجواري و النساء، و حاشا النبي الأكرم الّذي عَبَدَ اللّٰه سبحانه حتّى تورّمت قدماه و نزل قوله سبحانه: «طه * مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ * إِلاّٰ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ»(2).

إنّ الرواية وضعت لتبرير أعمال هؤلاء الذين يعرّفهم الإمام في كتابه إلى عامله بالبصرة، عثمان بن حنيف و يقول: «كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها»(3)و لا يهمهم سوى إرضاء البطن و الفرج.

4 - و العجب أنّه روي عن عائشة خلاف ذلك و أنّه لم يكن للنبي الأكرم الطروقة و قوة النكاح و كثرة الجماع قالت: إنّ رجلاً سأل رسول اللّه، عن الرجل يجامع أهله ثمّ يكسل (لا ينزل منه المني) هل عليهما الغسل؟ و عائشة جالسة فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّي لأفعل ذلك أنا و هذه ثمّ نغتسل.(4)

حاشا نبيّ العظمة و القداسة أن يتفوّه بحضرة زوجته ما لا يتكلّم به إلّا الإنسان الماجن، المنهمك في الشهوات البهيمية، و اللّه سبحانه يصف حياءه بقوله: «فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لاٰ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ يُؤْذِي اَلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَسْتَحْيِي مِنَ اَلْحَقِّ»(5).


1) . المزمّل: 20.

2) . طه: 1-3.

3) . نهج البلاغة: قسم الكتب 45.

4) . صحيح مسلم: 186/1، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين.

5) . الأحزاب: 53.

هذه نماذج من الأحاديث الواردة في أصحّ الكتب عند أهل السنّة، لا أظن أنّ من يملك شيئاً من الدراية يحتمل صحّتها، و هذا يدفع كلّ مسلم واع إلى دراسة هذه الكتب من جديد، و تنزيه الحديث النبوي عن هذه الأباطيل، و لعلّك إذا رجعت إلى الجزء الأوّل من موسوعتنا في مجال التوحيد و التنزيه تجد هناك أحاديث لا يصدقها العقل و لا النقل.

التاسع: لقد ذكر أبو زهرة سبب نمو المذهب الإمامي، و قال:

لقد نما هذا المذهب و انتشر لأسباب:

1 - إنّ باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، و هذا يفتح باب الدراسة لكل المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و النفسية.

2 - كثرة الأقوال في المذهب - أي في المسائل الفقهية النظرية - و اتّساع الصدر للاختلاف ما دام كل مجتهد يلتزم المنهاج المسنون، و يطلب الغاية الّتي يبتغيها من يريد محص الشرع الإسلامي، خالصاً غير مشوب بأيّة شائبة من هوى.

3 - إنّ المذهب الجعفري قد انتشر في أقاليم مختلفة الألوان من الصين إلى بحر الظلمات حيث أُوروبا و ما حولها، و تفريق الأقاليم الّتي تتباين عاداتهم و تفكيرهم و بيئاتهم الطبيعية و الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية. إنّ هذا يجعل المذهب كالنهر الجاري في الأرضين المختلفة الألوان، يحمل في سيره، ألوانها و أشكالها من غير أن تتغير في الجملة عذوبته.

4 - كثرة علماء المذهب الذين يتصدّون للبحث و الدراسة و علاج المشاكل المختلفة، و قد آتى اللّه ذلك المذهب من هؤلاء العلماء

عدداً وفيراً عكفوا على دراسة و علاج المشاكل على مقتضاه.(1)

العاشر: نجد بعض المشاغبين يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف، بحجة أنّ لدى الشيعة مصحفاً باسم «مصحف فاطمة» و اختصاصه بها كاشف عن مغايرته مع المصحف الرائج.

إنّ هذا المشاغب، لم يقرأ تاريخ الشيعة و لم يقف على كلمات أئمتهم حول هذا المصحف. و زعم أنّ المصحف بمعنى القرآن، و غفل عن أنّ المقصود منه، هو الكتاب قال سبحانه: «وَ إِذَا اَلصُّحُفُ نُشِرَتْ»(2)و قد أملى النبيّ الأكرم في مجالي العقيدة و التشريع و الملاحم أُموراً على ابنته و زوجها فجمعت في «صحف مكرمة»، سميت مصحف فاطمة. و هذا هو الإمام الصادق حفيد فاطمة الطاهرة و هو من أهل البيت، و هم أدرى بما في البيت، يحدّثنا عن هذا المصحف و يقول: «عندنا مصحف فاطمة أما و اللّه ما فيه حرف من القرآن و لكنّه إملاء من رسول اللّه».

روى الكليني انّ المنصور سأل فقهاء أهل المدينة عن مسألة في الزكاة فما أجابه عنها إلّا الإمام الصادق و لمّا سُئِل من أين أخذ هذا؟ قال: «من كتاب فاطمة».(3)

نرى أنّ الامام يعبّر عن مصحف فاطمة بكتاب، مشيراً إلى أنّه كتاب لا قرآن يختص به.


1) . أبو زهرة: الإمام الصادق، بتلخيص محمّد جواد مغنية في كتابه الشيعة و التشيّع: 225.

2) . التكوير: 10.

3) . الكافي: 507/3 و قد وردت روايات أُخرى حول مصحف فاطمة ذكرناها في آخر المسألة الثانية عشرة من الفصل العاشر تحت عنوان مصحف فاطمة فراجع.

فإذا كان الغرض هو التعرّف على الواقع فهذا هو الواقع. و إن كان الهدف هو الشغب فالأُولى بهذه النسبة هي عائشة، روى السيوطي أنّه قالت حميدة بنت أبي يونس: قرأ أبي و هو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: انّ اللّه و ملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما و على الذين يصلّون في الصفوف الأُولى.(1)


هذه هي الشيعة الإمامية و هذا تاريخها المشرق و هؤلاء أئمتها أئمة أهل البيت و هذه عقائدها الوضّاءة، و هؤلاء علماؤها و أبطالها المشاركون في بناء الحضارة الإسلامية و هذه و هذه و هذه.

فما ذا بعد الحق إلّا الضلال. نسأله سبحانه أن يتفضّل علينا بتوحيد الكلمة كما أولانا بكلمة التوحيد إنّه خير مدعو و خير مجيب، و صلّى اللّه على سيدنا محمّد و آله الطاهرين و صحبه المنتجبين.

و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين.

جعفر السبحاني

قم - مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام


1) . الإتقان: 25/2.

الفهارس الفنّية

اشارة

1 - فهرس الآيات القرآنية

2 - فهرس المصادر

3 - فهرس المواضيع

فهرس الآيات القرآنية

البقرة: /رقم الآية/الصفحة

وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ/ 88/7(4)

وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ... / 380/12(4)

وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ... / 282/24(7)

وَ آتٰاهُ اَللّٰهُ اَلْمُلْكَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمّٰا يَشٰاءُ/ 281/25(1)

آل عمران:

إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَخْفىٰ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ... / 306/(5)

إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ/ 242/19 و 43(4)

لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ/ 299/2(8)

وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ/ 349/5(4)

مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ/ 254/5(9)

فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا... / 40/61 و 61 و 58(5)

وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ... / 163/144 و 16(5)

فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ... / 159/15(9)

اَلَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ اَلنّٰاسُ إِنَّ اَلنّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا... / 414/17(3)

النساء: /رقم الآية/الصفحة

وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتٰامىٰ... / 360/(3)

وَ آتُوا اَلنِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً... / 360/(4)

وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاٰلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ/ 25/1(2)

وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ... / 23 و 354/2(4)

وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ... / 360/2(5)

مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ/ 29/4(6)

أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ... / 135/54 و 28(1)

أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ... / 277/5(9)

وَ كَلَّمَ اَللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً/ 252/16(4)

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ/ 25/17(6)

المائدة:

اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ/ 31/3 و 157 و 52(8)

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ... / 384/(6)

إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ... / 115/3(3)

وَ اَلسّٰارِقُ وَ اَلسّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا/ 25/3(8)

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ... / 53/51 و 57 و 59 و 6(0)

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا... / 58/5(7)

وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ... / 330/6(4)

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ... / 369/8(7)

الأنعام: /رقم الآية/الصفحة

وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ... / 84 و 585/8(5)

لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ... / 251/103 و 253 و 59(0)

الأعراف:

قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ... / 293/2(8)

وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ... / 322/9(6)

وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ... / 327/13(0)

وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اُخْلُفْنِي... / 342/142 و 62(8)

... لَنْ تَرٰانِي/ 253/14(3)

الأنفال:

وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ... / 322/3(3)

ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهٰا... / 321/53 و 32(7)

إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا... / 225/6(5)

التوبة:

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا آبٰاءَكُمْ... / 60/2(3)

وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اَللّٰهِ إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا... / 247/10(6)

يونس: /رقم الآية/الصفحة

فَلَوْ لاٰ كٰانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهٰا إِيمٰانُهٰا... / 322/98 و 34(2)

هود:

وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ عَلَى اَللّٰهِ رِزْقُهٰا/ 317/(6)

وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا/ 284/11(3)

يوسف:

إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ/ 268/4(0)

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ اَلْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ... / 281/10(1)

الرعد:

إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ/ 321/11 و 33(6)

وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً/ 395/1(5)

يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ/ 318/39 و 326 و 331 و 332 و 340 و 345 و 346 و 61(8)

إبراهيم:

وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ... / 322/(7)

النحل: /رقم الآية/الصفحة

وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ/ 23/4(4)

وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ اَلَّذِي... / 23/6(4)

مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ... / 296/106 و 301 و 30(4)

وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا... / 327/11(2)

الإسراء:

قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ... / 614/8(8)

الكهف:

وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبٰالَ وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بٰارِزَةً... / 354/4(7)

مريم:

يٰا يَحْيىٰ خُذِ اَلْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا/ 617/1(2)

إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا/ 617/3(0)

طه:

طه * مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ إِلاّٰ تَذْكِرَةً... / 1 و 766/(2)

وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي... / 29 و 48/3(6)

الأنبياء:

لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا/ 252/2(2)

وَ نُوحاً إِذْ نٰادىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ فَنَجَّيْنٰاهُ... / 322/7(6)

وَ أَيُّوبَ إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ... / 83 و 322/8(4)

فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ اَلْغَمِّ وَ كَذٰلِكَ... / 628/8(8)

وَ حَرٰامٌ عَلىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا أَنَّهُمْ لاٰ يَرْجِعُونَ/ 356/9(5)

وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ... / 288/105 و 61(8)

الحج:

اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ... / 166/4(1)

المؤمنون:

قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ... فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ/ 1 و 366/7 و 37(0)

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ/... / 6(2)

وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا... / 287/3(6)

حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ... / 356/5(5)

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً/ 100 و 101 و 254/11(5)

الشعراء:

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ/ 38/21(4)

وَ اَلشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغٰاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي... / 657/22(4)

وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مٰا لاٰ يَفْعَلُونَ/ 225 و 657/22(6)

النمل: /رقم الآية/الصفحة

وَ إِذٰا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنٰا لَهُمْ دَابَّةً... / 82 و 353/8(3)

القصص:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي... / 618/(5)

فَاسْتَغٰاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ/ 7/1(5)

قٰالَ يٰا مُوسىٰ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ... / 302/2(0)

وَ أَخِي هٰارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسٰاناً فَأَرْسِلْهُ... / 48/3(4)

تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ... / 190/8(3)

إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرٰادُّكَ إِلىٰ مَعٰادٍ/ 108/8(5)

الأحزاب:

... صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ... / 414/2(3)

إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ... / 61/33 و 27(4)

فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لاٰ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ... / 766/3(5)

مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ... / 256/40 و 43(7)

يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً... / 534/4(5)

إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ بِكُلِّ... / 317/5(4)

فاطر:

اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ... / 330/(1)

وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لاٰ تَضَعُ إِلاّٰ بِعِلْمِهِ... / 330/1(1)

يس: /رقم الآية/الصفحة

لِتُنْذِرَ قَوْماً مٰا أُنْذِرَ آبٰاؤُهُمْ فَهُمْ غٰافِلُونَ/ 37/(6)

الصافّات:

وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ * إِذْ جٰاءَ رَبَّهُ... / 83 و 7/8(4)

فَبَشَّرْنٰاهُ بِغُلاٰمٍ حَلِيمٍ * فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ/ 101 و 341/10(2)

فَلَوْ لاٰ أَنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ... / 143 و 322/146 و 63(4)

ص:

وَ شَدَدْنٰا مُلْكَهُ وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطٰابِ/ 281/2(0)

ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ... / 335/2(7)

رُدُّوهٰا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنٰاقِ/ 388/3(3)

وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي... / 282/3(5)

الزمر:

وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ/ 277/(7)

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ/ 163/30 و 16(4)

وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اَللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ/ 343/4(7)

غافر:

وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ... / 302/2(8)

فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ... / 84 و 609/8(5)

فصّلت: /رقم الآية/الصفحة

لاٰ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاٰ لِلْقَمَرِ وَ اُسْجُدُوا لِلّٰهِ... / 395/3(7)

فَوَقٰاهُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِ مٰا مَكَرُوا... / 302/4(5)

الشورى:

قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي... / 7/23 و 6(1)

يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً/ 537/3(8)

وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ/... / 156 و 16(0)

الزخرف:

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ/ 328/(4)

الحجرات:

يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ... / 64/1 و 82 و 8(4)

النجم:

مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ * وَ مٰا يَنْطِقُ... / 2 و 668/(4)

الحديد:

فَالْيَوْمَ لاٰ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاٰ مِنَ اَلَّذِينَ... / 46/1(5)

مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي... / 317/22 و 33(9)

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً وَ إِبْرٰاهِيمَ وَ جَعَلْنٰا فِي... / 135/2(6)

المنافقون: /رقم الآية/الصفحة

إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا... / 293/(1)

الطلاق:

وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ... / 2 و 322/(3)

نوح:

اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً * يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ... / 10 و 321/1(2)

المزّمّل:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ... / 765/2(0)

البروج:

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ/ 21 و 339/2(2)

البيّنة:

إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ... / 85/7 و 8(6)

الإخلاص:

قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ/ 252/(1)

فهرس مصادر الكتاب

نبدأ تبركاً بالقرآن الكريم

حرف الألف

1 - أبو العباس السفاح: محمّد أحمد براق.

2 - الإتحاف بحب الإشراف: عبد اللّٰه بن محمد الشبراوي، المطبعة الأدبية، مصر.

3 - الإتقان: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) دار ابن كثير، بيروت.

4 - إثبات الهداة: الحر العاملي: محمّد بن الحسن (1033-1104 ه) المطبعة العلمية، قم.

5 - إثبات الوصية: المسعودي: علي بن الحسين بن علي (المتوفّى 345 ه) قم - 1404 ه.

6 - الاثنا عشرية و أهل البيت: محمّد جواد مغنية (المتوفّى 1400 ه).

7 - الاحتجاج: أبو منصور: أحمد بن علي الطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.

8 - أحسن التقاسيم: شمس الدين محمّد بن أحمد المقدسي، طبع ليدن - 1906 م.

9 - الأحكام السلطانية: الماوردي: علي بن محمّد البصري (م 450 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

10 - أحكام القرآن: الجصّاص: أحمد بن علي (م 370 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1401 ه.

11 - أخبار اصبهان: أبو نعيم الاصفهاني: أحمد بن عبد اللّه (المتوفّى 430 ه) منشورات جهان، إيران.

12 - أخبار النحويين و اللغويين: ابن النديم (المتوفّى 385 ه).

13 - الاختصاص: الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336 - 413 ه) مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.

14 - الأربعون حديثاً: النبهاني.

15 - الإرشاد: المفيد: محمّد بن محمّد بن النعمان (336-413 ه) طبع قم - 1402 ه.

16 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني (851-923 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

17 - الأرض و التربة الحسينية: الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295 - 1373 ه).

18 - الاستيعاب (المطبوع في هامش الإصابة): أبو عمرو يوسف بن عبد اللّه بن عبد البرّ، دار نهضة مصر، القاهرة.

19 - أسد الغابة: ابن الأثير: علي بن أبي الكرم (المتوفّى 630 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

20 - الإصابة: ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني (م 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

21 - أصل الشيعة و أُصولها: الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (1295 - 1373 ه) مؤسسة الإمام علي عليه السلام - قم، 1415 ه.

22 - أُصول الدين: محمّد بن عبد الكريم البزدوي (421-493 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1383 ه.

23 - أُصول الفقه: الدواليبي.

24 - اعتقادات (عقائد) الإمامية: الصدوق: محمّد بن بابويه القمي (306 - 381 ه)، المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد المجلد الخامس - قم، 1413 ه.

25 - إعلام الورى بأعلام الهدى: الطبرسي: الفضل بن الحسن (471 - 548 ه) مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم - 1417 ه.

26 - أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي (المتوفّى 1371 ه) دار التعارف، بيروت.

27 - الأغاني: أبو الفرج الاصفهاني علي بن الحسين (284-356 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

28 - الإلهيات: محمّد مكي العاملي من محاضرات الأُستاذ جعفر السبحاني، الدار الإسلامية، بيروت - 1410 ه.

29 - الأمالي: الصدوق: محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306 - 381 ه) المكتبة الإسلامية، طهران.

30 - الأمالي: المفيد: محمّد بن محمّد بن النعمان (336-413 ه) قم - 1404 ه.

31 - الإمام جعفر الصادق: محمّد أبو زهرة (المتوفّى 1396 ه).

32 - الإمام الصادق و المذاهب الأربعة: أسد حيدر، دار الكتاب العربي، بيروت - 1390 ه.

33 - الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: جورج جرداق، دار الروائع، بيروت.

34 - الإمامة و السياسة: ابن قتيبة: عبد اللّه بن مسلم الدينوري (المتوفّى 276 ه) مطبعة مصطفى محمّد، مصر.

35 - الانتصار: أبو الحسين الخياط المعتزلي، تحقيق د. نيبرج، طبع مصر - 1344 ه.

36 - أنساب الأشراف: البلاذري: أحمد بن يحيىٰ (من أعلام القرن الثالث الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1394 ه.

37 - أوائل المقالات: المفيد: محمّد بن محمّد بن النعمان (336-413 ه) مكتبة الحقيقة، تبريز - 1371 ه.

38 - الإيضاح: الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 ه) منشورات جامعة طهران، طهران - 1404 ه.

حرف الباء

39 - بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.

40 - البداية و النهاية: ابن كثير: الحافظ أبو الفداء (المتوفّى 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.

41 - البرهان في تفسير القرآن: السيد هاشم التوبلي البحراني (المتوفّى 1107 ه) قم - 1375 ه.

42 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسن بن فروخ الصفّار القمي (المتوفّى 290 ه) منشورات مكتبة آية اللّٰه العظمى المرعشي النجفي، قم المقدّسة - 1404 ه.

43 - البلدان: اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب (من أعلام القرن الثالث).

44 - بلوغ المرام من أدلّة الأحكام: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) تحقيق حامد الفقي، دار النهضة، مصر.

45 - البيان و التبيين: أبو عثمان: عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 ه) دار الفكر للجميع، بيروت - 1968 م.

46 - بين يدي الساعة: الدكتور عبد الباقي المعاصر.

حرف التاء

47 - التاج الجامع للأُصول: منصور علي ناصف، دار الفكر، بيروت - 1406 ه.

48 - تاريخ آداب اللغة العربية: جرجي زيدان، دار الهلال، القاهرة - 1931 م.

49 - تاريخ ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون (المتوفّى 808 ه) بيروت - 1956 م.

50 - تاريخ الإسلام السياسي: الدكتور حسن إبراهيم حسن (المعاصر) مصر - 1935 م.

51 - تاريخ الإمامية: الدكتور عبد اللّه فياض، مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1395 ه.

52 - تاريخ الأُمم و الملوك: الطبري: محمّد بن جرير (المتوفّى 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.

53 - تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي: أحمد بن علي (المتوفّى 463 ه) المكتبة السلفية، المدينة المنورة.

54 - تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) مطبعة المدني، القاهرة - 1383 ه.

55 - تاريخ الشعوب الإسلامية: كارل بروكلمان، طبع بيروت - 1965 م.

56 - تاريخ الشيعة: محمّد حسين المظفر (المتوفّى 1375 ه) منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

57 - تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر علي بن الحسن بن هبة اللّٰه (500 - 573 ه) دار التعارف، بيروت - 1395 ه.

58 - تاريخ المذاهب الإسلامية: محمّد أبو زهرة (المتوفّى 1396 ه) دار الفكر العربي، بيروت.

59 - تاريخ مختصر الدول: ابن العبري: العلامة غريغوريوس الملطي (المتوفّى 685 ه) مؤسسة منابع الثقافة الإسلامية، قم.

60 - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب (من علماء القرن الثالث الهجري) المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف - 1348 ه.

61 - تأسيس الشيعة: السيد حسن الصدر (1272-1354 ه)، مطبعة المعارف، بغداد - 1370 ه.

62 - التبيان في تفسير القرآن: الطوسي: محمّد بن الحسن (385-460 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

63 - التبصير في الدين: أبو المظفر الاسفرائيني (المتوفّى 471 ه) بيروت - 1403 ه.

64 - التحرير الطاووسي: الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (المتوفّى 1011 ه) منشورات دار الذخائر، قم - 1409 ه.

65 - تحف العقول: الحرّاني: الحسن بن علي (من أعلام القرن الرابع الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1394 ه.

66 - تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي (581-654 ه) مؤسسة أهل البيت، بيروت - 1401 ه.

67 - ترتيب المدارك: القاضي عياض، بيروت - 1976 م.

68 - ترجمة الآثار الباقية: أبو ريحان البيروني (المتوفّى 440 ه).

69 - تصحيح الاعتقاد: المفيد: محمّد بن محمّد بن النعمان (336-413 ه) مكتبة الحقيقة، تبريز - 1371 ه.

70 - تطهير الجنان (المطبوع بهامش الصواعق المحرقة): ابن حجر الهيتمي (899-974 ه) مكتبة القاهرة، مصر - 1385 ه.

71 - تفسير ابن كثير (القرآن العظيم): إسماعيل الدمشقي (المتوفّى 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

72 - تفسير الخازن: الشيخ علاء الدين محمّد البغدادي، طبع القاهرة.

73 - تفسير الرازي (مفاتيح الغيب): محمّد بن عمر الخطيب (544 - 606 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

74 - تفسير روح البيان: إسماعيل حقّي البروسوي (المتوفّى 1137 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1405 ه.

75 - تفسير الطبري (جامع البيان): محمّد بن جرير (المتوفّى 310 ه) دار المعرفة، بيروت.

76 - تفسير القرطبي (جامع أحكام القرآن): محمّد بن أحمد الأنصاري (المتوفّى 671 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1405 ه.

77 - تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1406 ه.

78 - تفسير المنار: محمّد رشيد رضا (المتوفّى 1354 ه) دار المنار، مصر - 1373 ه.

79 - تفسير النسفي: المطبوع بهامش تفسير الخازن، طبع القاهرة، مصر.

80 - التفسير و المفسرون: الدكتور محمّد حسين الذهبي (المتوفّى 1396 ه) دار الكتب الحديثة، مصر - 1396 ه.

81 - تقريب التهذيب: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه)، بيروت - 1975 م.

82 - تقييد العلم: الخطيب البغدادي (المتوفّى 463 ه) نشر دار السنّة - 1974 م.

83 - التمهيد: الباقلاني: محمّد بن الطيب (المتوفّى 403 ه) القاهرة - 1366 ه.

84 - تنقيح المقال: عبد اللّه المامقاني (1290-1351 ه) النجف الأشرف - 1350 ه.

85 - تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي (385-460 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.

86 - تهذيب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773 - 852 ه) دار الفكر، بيروت - 1404 ه.

87 - التوحيد: الصدوق: محمّد بن بابويه القمي (306-381 ه) مكتبة الصدوق، طهران.

حرف الثاء

88 - الثقات العيون في سادس القرون (المجلد الثاني من طبقات اعلام الشيعة): آقا بزرگ الطهراني (1293-1389 ه) مؤسسة إسماعيليان، قم المقدسة.

89 - ثمار القلوب: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (350-429 ه) دار المعارف، القاهرة.

حرف الجيم

90 - جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري: المبارك بن محمّد (544-606 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

91 - الجامع الصغير: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (849-911 ه) دار الفكر، بيروت.

92 - جامع مسانيد أبي حنيفة: محمد بن محمود الخوارزمي (593 - 665 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

93 - الجرح و التعديل: أبو حاتم الرازي (المتوفّى 327 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1371 ه.

94 - جمل العلم و العمل: الشريف المرتضى: علي بن الحسين الموسوي (355-436 ه) المطبوع ضمن رسائل الشريف المرتضى - مؤسسة النور، بيروت.

95 - جنة المأوى: محمّد حسين كاشف الغطاء (1295-1373 ه) مكتبة الحقيقة - تبريز، 1380 ه.

حرف الحاء

96 - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: آدم متز، ترجمة الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، مصر - 1367 ه.

97 - حقائق التنزيل: الشريف الرضي (359-404 ه) مؤسسة البعثة، طهران - 1406 ه.

98 - حلية الأولياء: أبو نعيم: أحمد بن عبد اللّه الاصبهاني (المتوفّى 430 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

99 - الحوادث الجامعة: ابن الفوطي: عبد الرزاق بن أحمد (المتوفّى 733 ه) تحقيق الدكتور مصطفى جواد، بغداد - 1351 ه.

حرف الخاء

100 - الخصائص العلوية: أبو عبد الرحمن أحمد النسائي (المتوفّى 303 ه) المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف - 1388 ه.

101 - الخصال: الشيخ الصدوق: محمّد بن بابويه (306-381 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم - 1403 ه.

102 - خطط الشام: محمّد كرد علي، مصر - 1963 م.

103 - الخطط المقريزية: تقي الدين المقريزي (المتوفّى 845 ه) دار صادر، بيروت.

104 - الخلاصة: العلّامة الحلي (648-726 ه) النجف الأشرف.

105 - الخلاف: الشيخ الطوسي (385-460 ه) دار الكتب العلمية، قم.

106 - الخلافة و الإمامة: عبد الكريم الخطيب (المتوفّى 1396 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

107 - الخوارج و الشيعة: يوليوس فلهوزن، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت - 1978 م.

حرف الدال

108 - دائرة المعارف: فريد وجدي، مطبعة دائرة معارف القرن العشرين - 1386 ه.

109 - الدرجات الرفيعة: صدر الدين السيد علي خان المدني الحسيني (المتوفّى 1120 ه) منشورات المكتبة، الحيدرية، النجف الأشرف - 1381 ه.

110 - الدر المنثور: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

111 - دلائل الصدق: محمد حسن المظفر (المتوفّى 1375 ه) مكتبة بصيرتي، قم المقدّسة - 1395 ه.

112 - ديوان ابن الرومي: أبو الحسن علي بن العباس بن جريج (المتوفّى

283 ه) تحقيق كامل الكيلاني، طبعة - مصر 1924 م.

113 - ديوان مهيار الديلمي: مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1420 ه.

حرف الذال

114 - الذخيرة: الشريف المرتضىٰ (355-436 ه) طبع ايران.

115 - الذريعة: آقا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 ه) دار الأضواء، بيروت.

116 - الذكرىٰ: الشهيد الأوّل: محمّد بن مكي العاملي (733-786 ه) طبعة حجر، إيران.

حرف الراء

117 - ربيع الأبرار: الزمخشري: محمود بن عمر (467-538 ه) منشورات

الشريف الرضي، قم - 1410 ه.

118 - الرجال: ابن داود: الحسن بن علي الحلي (647-707 ه) منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، 1392 ه.

119 - الرجال: البرقي: أحمد بن عبد اللّه (274 أو 280 ه) طهران - 1383 ه.

120 - الرجال: الطوسي: محمّد بن الحسن (385-460 ه) النجف الأشرف - 1381 ه.

121 - الرجال: أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي (من علماء القرن الرابع) مؤسسة الأعلمي، كربلاء - العراق.

122 - الرجال: النجاشي: أحمد بن علي (372-450 ه) بيروت - 1409 ه.

123 - الرحلة (تحفة النظّار في غرائب الأمصار): ابن بطوطة: محمّد بن عبد اللّه (المتوفّى 779 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1407 ه.

124 - الرسائل: أبو عثمان عمرو الجاحظ (المتوفّى 255 ه) طبع مصر.

125 - الرسائل: الإمام الخميني (1320-1409 ه) مؤسسة إسماعيليان، قم - 1385 ه.

126 - رسالة في آل أعين: أبو غالب الزراري (المتوفّى 368 ه) مطبعة ربّاني، اصفهان - 1399 ه.

127 - الرواشح السماوية: المحقّق الداماد (1041 ه) طبعة حجر، إيران.

128 - روح المعاني: الآلوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود البغدادي (المتوفّى 1270 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

129 - روضات الجنات: محمّد باقر الخوانساري (المتوفّى 1313 ه) طهران - 1390 ه.

130 - روضة الواعظين: الفتّال النيسابوري: محمّد بن علي (من علماء القرن السادس الهجري) تبريز - 1330 ه.

حرف الزاي

131 - الزيدية نظرية و تطبيق: علي عبد الكريم فضيل، شرف الدين، طبع عمان - 1405 ه.

حرف السين

132 - السجود على الأرض: العلّامة علي الأحمدي الميانجي (المتوفّى 1422 ه)، مؤسسة في طريق الحق، قم.

133 - السراج المنير: الخطيب الشربيني، دار المعرفة، بيروت.

134 - سفينة البحار: الشيخ عباس القمي (1294-1359 ه) طبعة حجر، النجف الأشرف.

135 - السنة و الشيعة: محمّد رشيد رضا (المتوفّى 1354 ه).

136 - السنن: ابن ماجة: محمّد بن يزيد القزويني (207-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1395 ه.

137 - السنن: الدارمي: عبد اللّٰه بن عبد الرحمن (181-255 ه) دار إحياء السنّة النبوية.

138 - السنن الكبرى: البيهقي: أحمد بن الحسين (المتوفّى 458 ه) دار المعرفة، بيروت - 1406 ه.

139 - سيد المرسلين: محاضرات جعفر السجاني (مؤلّف هذا الكتاب تولد 1347 ه) بقلم: جعفر الهادي، مؤسسة النشر الاسلامي، قم - 1412 ه.

140 - سير أعلام النبلاء: الذهبي: شمس الدين محمّد بن أحمد (المتوفّى 848 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1409 ه.

141 - السيرة الحلبية: الحلبي: برهان الدين علي بن إبراهيم (المتوفّى 1044 ه) المكتبة الإسلامية، بيروت.

142 - السيرة النبوية: ابن هشام: عبد الملك بن أيوب الحميري (المتوفّى 213 أو 218 ه) دار التراث العربي، بيروت.

143 - سيرتنا و سنتنا: العلّامة عبد الحسين الأميني (1320-1390 ه) المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

حرف الشين

144 - الشافي في الإمامة: الشريف المرتضى (355-436 ه) مؤسسة الصادق، طهران - 1410 ه.

145 - شذرات الذهب: ابن عماد الحنبلي (1032-1089 ه) دار الفكر، بيروت - 1399 ه.

146 - شرح التجريد: القوشچي: علاء الدين، طبعة حجر، تبريز.

147 - شرح العقائد النسفية: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 792 ه) مكتبة المثنى، بغداد.

148 - شرح عينية عبد الباقي العمري: الحاكم النيسابوري (المتوفّى 405 ه).

149 - شرح مقاصد الطالبيين: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 ه) طبع مصر.

150 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1378 ه.

151 - شرح النووي على صحيح مسلم: أبو زكريا يحيى بن شرف (631 - 676 ه) دار القلم، بيروت - 1407 ه.

152 - الشفاء: الشيخ الرئيس ابن سينا (المتوفّى 428 ه) انتشارات بيدار، إيران.

153 - شمس العرب تسطع على الغرب: المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، الترجمة العربية، دار الآفاق الجديدة، بيروت - 1410 ه.

154 - شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني عبيد اللّٰه بن عبد اللّٰه (من أعلام القرن الخامس الهجري) مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي، طهران - 1411 ه.

155 - الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة: هاشم معروف الحسني (المتوفّى 1407 ه) دار القلم، بيروت - 1978 م.

156 - الشيعة و التشيّع: محمّد جواد مغنية، مكتبة المدرسة و دار الكتاب العربي، بيروت.

157 - الشيعة و الحاكمون: محمّد جواد مغنية، دار و مكتبة الهلال، بيروت - 1404 ه.

حرف الصاد

158 - الصحيح: أبو داود السجستاني (المتوفّى 275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

159 - الصحيح: البخاري: محمّد بن إسماعيل (المتوفّى 256 ه) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر - 1314 ه.

160 - الصحيح: الترمذي: محمّد بن عيسى بن سورة (209-279 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

161 - الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

162 - الصحيفة السجادية الجامعة: الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، مؤسسة الإمام المهدي - عجل اللّه فرجه الشريف - قم - 1411 ه.

163 - الصلة بين التصوّف و التشيع: الدكتور كامل مصطفى الشيبي، دار المعارف، مصر - 1969 م.

164 - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي (899-974 ه) مكتبة القاهرة، مصر - 1385 ه.

حرف الطاء

165 - الطبقات الكبرى: محمّد بن سعد (المتوفّى 230 ه) دار صادر، بيروت - 1380 ه.

حرف العين

166 - عبد اللّه بن سبأ: السيد مرتضى العسكري (المعاصر) النجف الأشرف.

167 - العبر في خبر من غبر: الذهبي: أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد (673 - 748 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

168 - عبقات الأنوار: السيد مير حامد حسين الهندي (المتوفّى 1306 ه) مؤسسة الإمام المهدي - عجل اللّه فرجه الشريف - قم - 1406 ه.

169 - العقائد الجعفرية: الطوسي: محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه) طبعت على شكل رسالة مع كتاب جواهر الفقه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم - 1412 ه.

170 - العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (246-328 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1404 ه.

171 - العقيدة الطحاوية: أبو جعفر الطحاوي (المتوفّى 321 ه).

172 - العقيدة و الشريعة في الإسلام: المستشرق اجناس جولد تسيهر (1850 - 1921 م) دار الكتاب العربي، مصر.

173 - علل الشرائع: الشيخ الصدوق (المتوفّى 381 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت 1408 ه.

174 - عمدة الطالب: ابن مهنا: جمال الدين أحمد بن علي (المتوفّى 828 ه) النجف الاشرف - 1380 ه.

175 - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: محمود بن أحمد العيني الحنفي، طبع مصر.

176 - عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق (المتوفّى 381 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1404 ه.

حرف الغين

177 - الغارات: ابن هلال الثقفي (المتوفّى 283 ه) دار الكتاب الإسلامي، قم - 1411 ه.

178 - غاية المرام: السيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107 ه) طبعة حجر، إيران.

179 - الغدير: العلّامة عبد الحسين أحمد الأميني (1320-1390 ه)

دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

حرف الفاء

180 - فتح الباري: ابن حجر: شهاب الدين أحمد العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

181 - فتح البيان: صديق حسن خان (المتوفّى 1307 ه) دار الفكر العربي.

182 - الفتنة الكبرى: الدكتور طه حسين، القاهرة - 1951 م.

183 - فتوح البلدان: البلاذري: أبو الحسن (المتوفّى 279 ه) المكتبة التجارية، مصر - 1959 م.

184 - فجر الإسلام: أحمد أمين (المتوفّى 1388 ه) نشر دار الكتاب العربي.

185 - فرج المهموم: علي بن موسى بن طاوس (المتوفّى 664 ه)، النجف الأشرف - 1368 ه.

186 - فرق الشيعة: النوبختي: الحسن بن موسى (من أعلام القرن الثالث الهجري) دار الأضواء، بيروت - 1404 ه.

187 - الفصل في الملل و الأهواء و النحل: ابن حزم الأندلسي (المتوفّى 456 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

188 - الفصول المختارة من العيون و المحاسن للشيخ المفيد: الشريف

المرتضى علي بن الحسين الموسوي (355-436 ه)، منشورات مكتبة الداوري، قم - 1396 ه.

189 - الفصول المهمة: ابن الصبّاغ المالكي (المتوفّى 855 ه) المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف - 1381 ه.

190 - فضائل القرآن: عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الدارمي (181-255 ه).

191 - الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الجزيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

192 - فلاسفة الشيعة: الشيخ عبد اللّه نعمة (المعاصر)، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

193 - الفهرست: ابن النديم: محمّد بن اسحاق (296-385 ه) القاهرة - 1348 ه.

194 - الفهرست: محمّد بن الحسن الطوسي (385-460 ه) جامعة مشهد، ايران - 1351 ه.

195 - في رحاب أئمة أهل البيت: السيد محسن الأمين العاملي (المتوفّى 1371 ه) دار التعارف، بيروت - 1400 ه.

196 - فيض القدير: محمد المدعو بعبد الرءوف المناوي، دار الفكر، بيروت - 1391 ه.

حرف القاف

197 - قاموس الرجال: التستري: محمّد تقي (المتوفّى 1416 ه) طهران - 1397 ه.

198 - قرب الإسناد: عبد اللّٰه بن جعفر الحميري القمي (من أعلام القرن الثالث الهجري) مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم المقدّسة - 1413 ه.

199 - قصة الحضارة: ويل دورانت، دار الجيل، بيروت - 1408 ه.

حرف الكاف

200 - الكافي: الكليني: محمّد بن يعقوب (المتوفّى 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.

201 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: محمّد بن محمّد (المتوفّى 630 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

202 - الكشّاف: الزمخشري: محمود بن عمر (المتوفّى 538 ه) مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة - 1367 ه.

203 - كشف الظنون: حاج خليفة مصطفى بن عبد اللّه (المتوفّى 1067 ه) طبع استانبول - 1362 ه.

204 - كشف الغمة: الإربلي: علي بن عيسى (المتوفّى 693 ه) دار الأضواء، بيروت - 1405 ه.

205 - كفاية الطالب: أبو عبد اللّٰه محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي (المتوفّى 658 ه) شركة الكتبي، بيروت - 1993 م.

206 - كمال الدين: الشيخ الصدوق (المتوفّى 381 ه) طهران - 1405 ه.

207 - كنز العمال: المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.

208 - كنز الفوائد: الكراجكي: محمّد بن علي بن عثمان (المتوفّى 449 ه) دار الأضواء، بيروت - 1405 ه.

حرف اللام

209 - اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) دار المعرفة، بيروت - 1403 ه.

210 - لسان العرب: العلامة ابن منظور: محمّد بن مكرم (المتوفّى 711 ه) قم - 1405 ه.

211 - لسان الميزان: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (المتوفّى 852 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.

212 - اللهوف: ابن طاوس علي بن موسى بن جعفر (المتوفّى 664 ه)

منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف - 1369 ه.

213 - لؤلؤة البحرين: المحدث البحراني: الشيخ يوسف، النجف الأشرف - 1386 ه.

حرف الميم

214 - ماضي النجف و حاضرها: الشيخ جعفر آل محبوبة (المتوفّى 377 ه) دار الأضواء، بيروت - 1406 ه.

215 - المجالس السنية في مناقب و مصائب العترة النبوية: السيد محسن الأمين (المتوفّى 1371 ه) دار التعارف، بيروت - 1406 ه.

216 - مجمع البيان: الطبرسي: الفضل بن الحسن (471-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1408 ه.

217 - مجمع الزوائد: الهيثمي: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر (735 - 807 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1402 ه.

218 - المحاسن: البرقي أحمد بن محمد بن خالد (المتوفّى 274 أو 280 ه) دار الكتب الإسلامية، قم.

219 - محاسن التأويل: جمال الدين القاسمي (المتوفّى 1332 ه) دار الفكر، بيروت - 1398 ه.

220 - المحاسن و المساوئ: البيهقي: أحمد بن الحسين (المتوفّى 458 ه)

مكتبة النهضة، مصر.

221 - محاضرات في تاريخ الأُمم الإسلامية: محمّد الخضري، دار إحياء الكتب العربية - 1349 ه.

222 - المحلّى: ابن حزم الأندلسي محمد علي بن أحمد (المتوفّى 456 ه) دار الآفاق الجديدة، بيروت.

223 - مختصر تاريخ العرب: السيد أمير علي، طبع مصر - 1938 م.

224 - المختصر النافع: المحقّق الحلّي جعفر بن الحسن (المتوفّى 676 ه) دار الكتاب العربي، مصر.

225 - مرآة الجنان: أبو محمّد، عبد اللّه بن أسعد اليافعي (المتوفّى 768 ه) دائرة المعارف العثمانية، الهند - 1337 ه.

226 - المراجعات: السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290-1377 ه) طبع مصر.

227 - مروج الذهب: المسعودي: علي بن الحسين (المتوفّى 345 ه) منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت - 1965 م.

228 - مسائل فقهية: السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 ه) منظمة الإعلام الإسلامي، طهران - 1407 ه.

229 - المستدرك: الحاكم النيسابوري: محمّد بن عبد اللّه (المتوفّى 405 ه) دار المعرفة، بيروت.

230 - مستدرك الوسائل: الشيخ النوري: الحسين بن محمّد تقي (1254 - 1320 ه) مؤسسة آل البيت، قم - 1407 ه.

231 - المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.

232 - مصفى المقال: آقا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 ه) دار العلوم، بيروت - 1408 ه.

233 - المصنف: أبو بكر بن أبي شيبة (المتوفّى 235 ه) دار الفكر، بيروت - 1409 ه.

234 - المصنف: عبد الرزاق، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، 11 مجلداً، دار الكتب السلفية، القاهرة.

235 - مظاهر الشعوبية في الأدب العربي: الدكتور محمّد نبيه حجاب، طبع مصر - 1961 م.

236 - معالم العلماء: ابن شهرآشوب: محمّد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) النجف الأشرف - 1380 ه.

237 - معاني الأخبار: الصدوق: محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (المتوفّى 381 ه) دار المعرفة، بيروت - 1399 ه.

238 - معجم الأدباء: الحموي: ياقوت بن عبد اللّه (المتوفّى 262 ه) دار الفكر، بيروت - 1400 ه.

239 - معجم البلدان: الحموي: ياقوت بن عبد اللّه (المتوفّى 262 ه) دار

إحياء التراث العربي، بيروت - 1399 ه.

240 - المعجم الصغير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260-360 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1409 ه.

241 - المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260-360 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1409 ه.

242 - المغني: عبد اللّه بن قدامة (541-620 ه) مطبعة الإمام، مصر.

243 - مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الاصفهاني (284-356 ه) مؤسسة دار الكتاب، قم.

244 - مقالات الإسلاميين: الأشعري: علي بن إسماعيل (المتوفّى 324 ه) الطبعة الثالثة، 1400 ه.

245 - مقتل الإمام الحسين: أبو مخنف: لوط بن يحيى الغامدي (المتوفّى 158 ه) المكتبة العلمية، قم.

246 - مقتل الحسين عليه السلام: الخوارزمي الموفق بن أحمد المكي (المتوفّى 568 ه) مطبعة الزهراء، النجف الأشرف - 1367 ه.

247 - مكاتيب الرسول: علي الأحمدي الميانجي (المتوفّى 1422 ه) المطبعة العلمية، قم المقدّسة - 1379 ه.

248 - الملل و النحل: الشهرستاني: محمّد بن عبد الكريم (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1402 ه.

249 - المناقب: الخوارزمي: أحمد بن محمّد (المتوفّى 568 ه) مؤسسة النشر الإسلامي، قم - 1411 ه.

250 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب: محمّد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم.

251 - مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام: ابن المغازلي: علي بن محمّد الشافعي الواسطي (م 483 ه) المكتبة الإسلامية، طهران - 1403 ه.

252 - منتخب الأثر: لطف اللّٰه الصافي الگلپايگاني، مركز نشر كتاب طهران - 1373 ه.

253 - منتخب كنز العمال (هامش مسند أحمد): المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) دار الفكر.

254 - المنتظم: ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي البغدادي (المتوفّى 597 ه) حيدرآباد، 1357 ه، و أخيراً في لبنان.

255 - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق (306-381 ه) مؤسسة النشر الإسلامي، قم.

256 - منهاج السنة: أحمد بن تيمية (661-728 ه) طبع مصر.

257 - المهدي: صدر الدين الصدر (المتوفّى 1373 ه) طبع إيران - 1358 ه.

258 - الموطأ: مالك بن أنس (المتوفّى 179 ه) دار الآفاق الجديدة، بيروت - 1403 ه.

259 - الميزان في تفسير القرآن: العلّامة الطباطبائي (1321-1402 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.

260 - ميزان الاعتدال: محمّد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 ه) دار المعرفة، بيروت.

حرف النون

261 - ناسخ التواريخ: لسان الملك محمد تقي بن محمد علي (المتوفّى 1297 ه) طبع طهران.

262 - نظرية الإمامة: أحمد محمود صبحي (المعاصر) دار المعارف، مصر.

263 - نقد المحصل: فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 ه).

264 - النهاية: ابن الأثير: مبارك بن محمّد الجزري (المتوفّى 606 ه) مؤسسة إسماعيليان، قم - 1405 ه.

265 - نهاية المرام: العلّامة الحلي: الحسن بن يوسف (648-726 ه) مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - قم، 1419 ه.

266 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359-404 ه) بيروت - 1387 ه.

حرف الهاء

267 - الهدى الساري مقدمة فتح الباري: ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

268 - هشام بن الحكم: عبد اللّه نعمة، دار الفكر العربي، بيروت - 1405 ه.

269 - هوية التشيع: الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (المعاصر) دار الكتبي، بيروت - 1407 ه.

حرف الواو

270 - الوافي: الفيض الكاشاني (1007-1091 ه) منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، اصفهان - 1406 ه.

271 - الوحي المحمّدي: محمّد رشيد رضا (المتوفّى 1354 ه) طبع مصر.

272 - وسائل الشيعة: الحر العاملي: محمّد بن الحسن (1033-1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1403 ه.

273 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان، أحمد بن أحمد (608-681 ه) منشورات الشريف الرضي، قم 1364 ه.

274 - وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري (المتوفّى 212 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1365 ه.

حرف الياء

275 - يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: أبو منصور: عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (المتوفّى 429 ه) دار الفكر، بيروت - 1392 ه.

276 - ينابيع المودة: القندوزي: سليمان بن إبراهيم البلخي (المتوفّى 1294 ه) مطبعة اختر، اسلامبول، 1301 ه.

277 - يوم الإسلام: أحمد أمين (المتوفّى 1388 ه) نشر مؤسسة الخانجي، مصر.

فهرس محتويات الكتاب

الصورة

F01

الصورة

F02

الصورة

F03

الصورة

F04

الصورة

F05

الصورة

F06

الصورة

F07

الصورة

F08

الصورة

F09

الصورة

F10

الصورة

F11

الصورة

F12

الصورة

F13

الصورة

F14

الصورة

F15

الصورة

F16

الصورة

F17

الصورة

F18

الصورة

F19

الصورة

F20

الصورة

F21

الصورة

F22