ghaemiyeh.com
سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308
عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیهالسلام 1427ق
مشخصات ظاهری:9ج
يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366
یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348
مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--
موضوع : اسلام -- فرقهها
رده بندی کنگره : BP236/س2ب3 1368
رده بندی دیویی : 297/5
شماره کتابشناسی ملی : م68-3742
محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی
بحوث فی الملل و النحل
دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
بحوث فی الملل و النحل
دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
موسسه الامام الصادق علیهالسلام
1427ق
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على النبي الخاتم و على آله المصطفين الأخيار.
أما بعد: فهذا هو الجزء الرابع من موسوعتنا الكلامية حول المذاهب الإسلامية، و نستعرض فيه دراسة المذهب الوهابي الّذي نشأ في أواسط القرن الثاني عشر في إقليم «نجد» و قد غاب نجمه يوم طلوعه، و صار خامل الذكر، ثمّ أُعيد إلى الساحة الإسلامية في أواسط القرن الرابع عشر، بعد استيلاء العائلة السعودية على الحرمين الشريفين (مكة و المدينة)، و تبنّت الدعايات السياسية الزمنية ترويج ذلك المسلك بترغيب و إرهاب، و قامت الدوائر الإعلامية العالمية - عن طريق المجلات و الصحف، و المؤلفين المأجورين الجدد - بنشر تعاليمه و تفاصيله. أسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا في هذا الجزء، و يعيننا في هذه الدراسة، و يوصلنا إلى الحق الصواب إنه قريب مجيب.
إنّ المذهب الوهابي المفروض على الشعب المسلم في الجزيرة العربية و غيرها، قام على الأفكار الّتي ورثها مؤسّسها محمد بن عبد الوهاب
(1115-1207 ه) من أحمد بن تيمية (661-728 ه) الّذي بذر هذه الأفكار في أواخر القرن السابع (698 ه) و أوائل القرن الثامن، و كانت بذرته الّتي بذرها مودوعة في الكتب و زوايا المكتبات، إلى أن أحيا محمد بن عبد الوهاب ما دثره الدهر، و اتّخذ من عقائد شيخه في المذهب ابن تيمية قاعدة لمذهبه، و حذف منها ما يمت إلى مسألة التشبيه و التجسيم و إثبات الجهة و الفوقية بصلة، و اهتم بما يرجع من عقائده إلى مسألة التوحيد و الشرك.
و لأجل أن تكون الدراسة متكاملة الأطراف، مترامية الجوانب، نشرع بادئ بدء في دراسة حياة شيخه ابن تيمية أوّلاً، ثمّ نعقبها بدراسة مجدّد مذهبه و مسلكه في القرن الثاني عشر الهجري، و إليك البحث عن حياة ابن تيمية و آراء معاصريه في حقّه، و آرائه، مع تحليل ما اعتمد عليه من الأُصول لمذهبه، و لكن بعد تقديم مقدّمة تكشف عن الظروف العصيبة الّتي أُلقيت فيها هذه البذرة، و نشأ فيها هذا المذهب.
جعفر السبحاني
قم - الحوزة العلمية
شوال المكرم / 1410 ه
بُنيّ الإسلام على كلمتين هما دعامتاه المبدئيتان: كلمة التوحيد، و توحيد الكلمة؛ أمّا الأُولى فقد دعا إليها النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم، بل الأنبياء و المرسلون قاطبة، و لم يكن لهم هدف سوى إرساء قاعدة التوحيد و القضاء على الوثنية، و ما سوى ذلك من التعاليم من فروع تلك الشجرة الطيبة و أغصانها و ثمارها، و لو لا هذا الأصل لما قام للدين عمود و لا اخضرّ للإسلام عود. قال سبحانه: «وَ لَقَدْ بَعَثْنٰا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلطّٰاغُوتَ».(1)
و أمّا الثانية فهي الدعامة الثانية لإرساء صرح الإسلام، بل هي الركن الركين لنشر تعاليمه و كبح جماح الجبابرة و الطواغيت، و لو لا وحدة الكلمة لكان الإسلام في بدء طلوعه فريسة لمطامع الظالمين، و قد دعا إليها الذكر
1) . النحل: 36.
الحكيم في غير مورد من آياته. قال سبحانه: «وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً وَ لاٰ تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدٰاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰاناً»(1). و قال سبحانه: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ»(2).
و قد قام النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في دار هجرته بتجسيد مفهوم الأُخوّة بين أصحابه، فآخى بين الأوس و الخزرج، و بين المهاجرين و الأنصار، و آخى بين نفسه و صنوه و صهره عليّ صلوات اللّه عليه.(3)
ثمّ إنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم - انطلاقاً من هذا المبدأ - شبّه المؤمنين مع كثرتهم و وفرتهم بالجسد الواحد و قال: «مثل المؤمنين في توادّهم و تعاطفهم و تراحمهم كمثل الجسد (الواحد) إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى».(4)
و لقد كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يراقب أمر الأُمّة، لا يشقّ عصاها منازع جاهل أو عدوّ غاشم، و كان يقودها إلى الامام برعايته الحكيمة، و كلّما واجه خلافاً أو شقاقاً و نزاعاً بادر إلى ترميم صدعها بحزم عظيم و تدبير وثيق، و لقد شهد التاريخ له بمواقف في هذا المجال انتخبنا منها ما يلي:
1 - انتصر المسلمون على قبيلة بني المصطلق و قتل من قتل من العدوّ
و أُسر من أُسر منهم؛ فبينا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم على مائهم، نشب النزاع بين رجل من الأنصار و رجل من المهاجرين، فصرخ الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، و صرخ الآخر و قال: يا معشر المهاجرين، فلمّا سمعها النبي، قال: دعوها فإنّها منتنة.(1)- يعني إنّها كلمة خبيثة، لأنّها من دعوى الجاهلية، و اللّه سبحانه جعل المؤمنين إخوة و صيّرهم حزباً واحداً، فينبغي أن تكون الدعوة في كل مكان و زمان لصالح الإسلام و المسلمين عامة، لا لصالح قوم ضدّ الآخرين، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية يُعزّر.
فالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يصف كل دعوى تشقّ عصا المسلمين و تمزّق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة، فكيف لا يكون كذلك و هي توجب انهدام الدعامة للكيان الإسلامي، و بالتالي انقضاض صرح الإسلام.
2 - نزل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم دار هجرته و التفّت حوله القبيلتان: الأوس و الخزرج، فمرّ شأْس بن قيس - الّذي كان شيخاً عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس و الخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم و جماعتهم، و صلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الّذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملء بني غيلة بهذه البلاد، لا و اللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار، فأمر فتىً شاباً من اليهود كان معهم فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثمّ اذكر يوم بعاث، يوم اقتتلت فيه الأوس
1) . السيرة النبويّة: 303/3، غزوة بني المصطلق. و لاحظ التعليقة للسهيلي، و راجع مجمع البيان: 293/5 و غيره من التفاسير.
و الخزرج، و كان الظفر فيه يومئذٍ للأوس على الخزرج، و كان على الأوس يومئذٍ حضير بن سماك الأشهري، و على الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، فقتلا جميعاً.
دخل الشاب اليهودي مجتمع القوم فأخذ يذكر مقاتلتهم و مضاربتهم في عصر الجاهلية، فأحيا فيهم حميتها حتّى استعدوا للنزاع و الجدال بحجة أنّهم قتل بعضهم بعضاً في العصر الجاهلي يوم بعاث، و أخذ الشاب يُؤجّج نار الفتنة و يصب الزيت على النار حتّى تواثب رجلان من الحيّين فتقاولا.
فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتّى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين! اللّه، اللّه، أ بدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم، بعد أن هداكم اللّه بالإسلام، و أكرمكم به، و قطع به عنكم أمر الجاهلية، و استنقذكم من الكفر و ألّف به بين قلوبكم؟!».
كانت كلمة النبي كالماء المصبوب على النار بشدة و قوة، حيث عرف القوم أنّها نزعة من الشيطان و كيد من عدوهم، فبكوا و عانق الرجال من الأوس و الخزرج بعضهم بعضاً، ثمّ انصرفوا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مذعنين، متسالمين، مطيعين قد دفع اللّه عنهم كيد عدو اللّه شأْس بن قيس، فأنزل اللّه تعالى في شأْس و ما صنع.(1)
3 - كان لقضية الإفك في عصر الرسول دويّ بين أعدائه، فكان عدوّ اللّه «عبد اللّه بن أُبي» يشيع الفاحشة و يؤذي النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فقام رسول اللّه في
1) . السيرة النبوية: 250/2.
الناس يخطبهم، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: «أيّها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي و يقولون عليهم غير الحق، و اللّه ما علمت منهم إلّا خيراً، و يقولون ذلك الرجل، و اللّه ما علمت منه إلّا خيراً، و ما يدخل بيتاً من بيوتي إلّا و هو معي». و كان كبر ذلك الإفك عند عبد اللّه بن أُبي بن سلول في رجال من الخزرج.
فلمّا قال رسول اللّه تلك المقالة، قال «أسيد بن حضير» و كان أوسياً: يا رسول اللّه! إن يكونوا من الأوس نكفكهم، و إن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فو الله إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم، فقال سعد بن عبادة - و كان خزرجياً -: كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم، أما و اللّه ما قلت هذه المقالة إلّا أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج، و لو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: و لكنّك منافق تجادل عن المنافقين. و عندئذٍ تساور الناس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس و الخزرج شرّ. و في لفظ البخاري: فصار الحيّان الأوس و الخزرج حتّى همُّوا أن يَقْتَتِلوا و رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا و سكت.(1)
هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات الّتي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته، و هو صلى الله عليه و آله و سلم كان يصنع من الخلاف وئاماً، و من النزاع وفاقاً، و يدفع الشر بقيادته الحكيمة، و ما هذا إلّا لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين: كلمة التوحيد و توحيد الكلمة.
و هذا صنو النبي الأكرم و وصيّه و خليفته - إذ حرم من حقّه المشروع،
1) . السيرة النبوية: 312/3-313؛ صحيح البخاري: 119/5، باب غزوة بني المصطلق.
و بدّلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعدي، ثمّ إلى أُمية - قد بقي حليف بيته و أليف كتاب اللّه، و هو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل، بل يرى تراثه نهباً، و مع ذلك كله لم ينبس ببنت شفة إلّا في موارد خاصة، حفظاً للوفاق و الوئام، و هو عليه السلام يشرح لنا تلك الواقعة بقوله: «فو الله ما كان يُلْقَى في رُوعي، وَ لا يَخْطُرُ ببالي، أنّ العَرَبَ تُزعِجُ هَذَا الأَمرَ مِنْ بَعْدِهِ صلى الله عليه و آله و سلم عَنْ أهْل بَيتِهِ، وَ لٰا أنّهُمْ مُنَحُّوهُ عنّي مِنْ بَعْدِهِ، فما رَاعَني إلّا انثيالُ الناسِ على فُلانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأمْسَكْتُ يدي حتّى رأيتُ راجعة الناسِ قد رَجَعَتْ عن الإسلام يَدْعُونَ إلىٰ مَحْقِ دينِ مُحَمّدٍ فخَشيتُ إن لَمْ أنْصُر الإسلامَ و أهلَهُ أن أرَى فيه ثَلْماً أو هَدْماً تَكُونُ المُصيبَةُ بِهِ عليَّ أعْظمَ مِنْ فَوْتِ ولايَتِكُم، الّتي إنّما هِيَ مَتاعُ أيّامٍ قَلائِلَ...».(1)
و عند ما تسنّم سدّة الخلافة و رجع الحق إلى مداره، قام خطيباً فقال: «و الزَمُوا السّوادَ الأعظَمَ، فإنَّ يدَ اللّهِ مَعَ الجماعَةِ، و إيّاكُمْ و الفُرْقَةَ، فإنّ الشّاذَّ مِنَ الناسِ للشيطانِ كَما أنّ الشّاذّ مِنَ الغَنَمِ للذِّئْبِ. ألا مَنْ دَعَا إلى هذا الشّعارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تحتَ عِمَامَتي هَذه».(2)
هذه هي سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و سيرة وصيّه و تلميذه، و هما تعربان عن أنّ حفظ الوحدة من أهمّ الواجبات و أوجب الفرائض، و لكن يا للأسف لم تراع الأُمّة نصح النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عبر القرون و الأجيال، و هذه مأساة سقيفة بني ساعدة المسرحية و ما تمخّض عنها إذا قرأتها بدقة و إمعان ترى
أنّ الجانبين المهاجرين و الأنصار تشبّثوا بدعاوي منتنة تشبه دعوى الجاهلية، فمندوب الأنصار يجرّ النار إلى قرصه بحجة أنّهم نصروا النبي الأكرم و آووه، كما أنّ المتكلم عن جانب المهاجرين (و لم يكن في السقيفة منهم آنذاك إلّا خمسة أشخاص) يراهم أحقّ بتداول الخلافة بحجة أنّهم عشيرة النبي الأكرم، و في الوقت نفسه لم نجد في كلامهما ما يشير إلى ما يخدم صالح الإسلام و المسلمين، و أنّ المصالح الكبرى تكمن ضمانتها في تنصيب من توفّرت فيه شرائط و سمات و ملامح القيادة الربّانية دون سائر أفراد الأُمّة.
و قد توالى الخلاف و الشّقاق، و دارت الدوائر على المسلمين بعد مقتل عثمان و انتخاب علي عليه السلام للزعامة باتفاق المهاجرين و الأنصار، إلّا من شذّ و لا يتجاوز عددهم خمسة، و عند ذلك ثقل على الأُمّة عدل عليّ و سيرته، فثارت الضغائن البدرية ضدّه فوقع ما وقع، و توالت الوقائع و الأحداث، فجاءت وقعة الجمل الّتي أُريقت فيها دماء المسلمين، لأجل إزالة الإمام و تنحيته عن حقّه و مقامه. و بعد ما انتصر الإمام على الناكثين و عاد الحق إلى مقره، نجم قرن آخر تمثل في وقعة صفين الّتي ذهبت ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين، إلى أن انتهى الأمر إلى وقعة النهروان الّتي شغلت بال الإمام و استنفدت طاقات المسلمين، و استشهد الإمام، و المسلمون بعد لم يندمل جرحهم، و بويع ولده الإمام الحسن السبط للخلافة، و أخذ بزمام الأمر أشهراً قلائل، غير أنّ ابن ابي سفيان شنّ الغارة على العراق و شيعة الحسن عليه السلام و مبايعيه، فانجرّ الأمر إلى التصالح، و أُنيخ
جمل الخلافة على باب بني أُميّة يتداول كرتها واحد بعد واحد، حتّى انتكث عليهم فتلهم و أجهز عليهم عملهم بانتفاضة الأُمّة ضدّهم، إلى أن استولى العباسيون فصاروا خلفاء الأُمّة و قادتها، و لم يكونوا بأحسن من الأمويين.
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار
كان العباسيون يتوارثون الخلافة من الآباء إلى الأولاد، و كان للإسلام صولة و للمسلمين هيبة، و لم تكن تجترئ القوى الكافرة في العالم عبر قرون على غزو المسلمين، و إن كانت الفتن و الحروب الداخلية دائرة بينهم. غير أنّ تلك الحروب و ضعف القيادة الإسلامية أتاحت فرصة صالحة للقوى الكافرة المتربّصة بالمسلمين لشنّ الغارة على الوطن الإسلامي و ضرب الإسلام و المسلمين ضربة قاضية في أوائل القرن السادس، حيث أنشبت مخالبها في جسد الإسلام و المسلمين، و انقضّت عليهما بالحملات الصليبية في أوائل ذلك القرن، و كان منطلق شنّ تلك الحملات و الغارات من جانب الغرب، عن طريق البحر تارة على سواحل الشامات، و أُخرى عن طريق البر عبر القسطنطنية.
كانت تلك الحروب لا تزال طاحنة و مشتعلة ينتصر فيها المسلمون على العدو في فترة بعد فترة، إذ بدأت الحملات الأُخرى من جانب الشرق على يد التتار و المغول، فكان مختتم الحروب الصليبية مبدأ للحروب الوثنية بأيدي عبدة الشمس و الكواكب، و لعلّ هذا يعرب عن اتفاق الصليب و الصنم، و بالتالي الصليبيين و الصنميين على تدمير الحضارة الإسلامية...
و لسنا أوّل من تنبّه إلى اتفاق هاتين القوتين في ذلك العصر المظلم، بل يظهر عن طريق الإمعان في ثنايا التاريخ أنّ ذلك كان أمراً مدبّراً، و لو لم يكن هناك اتفاق في بدء الأمر لكن حصل الاتفاق بين الصليبي و الوثني في أثناء تلك الحروب، و في كلام ابن الأثير المعاصر لهذه الحروب إشارة إلى ذلك حيث يقول: «و قد بلي الإسلام و المسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأُمم. منها هؤلاء التتار - قبحهم اللّه - أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال الّتي يستعظمها كل من سمع بها، و منها خروج الإفرنج - لعنهم اللّه - من المغرب إلى الشام و قصدهم ديار مصر، و ملكهم ثغر دمياط منها، و أشرفت ديار مصر و الشام و غيرها على أن يملكوها لو لا لطف اللّه تعالى و نصره عليهم».(1)
ثمّ إنّ ابن الأثير يشير إلى ضعف القيادة الإسلامية في تلك العصور، و يزيح النقاب عنها بقوله: «يسّر اللّه للمسلمين و الإسلام من يحفظهم و يحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم، و من الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه و فرجه...».(2)
و لأجل إيقاف القارئ على مدى الخسائر الفادحة الواردة على الإسلام و المسلمين، الناجمة عن هذه الحروب الصليبية و التترية، نذكر لمحة خاطفة من هاتين الحربين كنموذج تمثيلي، ليعلم بذلك داء المسلمين فيه، ثمّ نبحث عن الدواء الّذي كان ينبغي لعلماء الإسلام أن
يقدّموه إلى المجتمع الإسلامي، و المصل الناجع، و نقدّم الكلام عن الحروب الصليبية أوّلاً، ثمّ عن التترية ثانياً، ثمّ تنامي رقعة الهجمات الصليبية في الوطن الإسلامي بهجومهم على الأندلس ثالثاً، و قد استمرت هذه الهجمات الصليبية و التترية من أواخر القرن الخامس إلى القرن التاسع.
كانت النصارى بالمرصاد للمسلمين، و كان من أُمنياتهم الاستيلاء على بيت المقدس و سلبه من أيدي المسلمين بحجّة أنّه قبلة الأُمم المسيحية و مثوى و منتجع عواطفهم الدينية، فشنّوا الغارة على بلاد المسلمين حوالي سنة 491 إلى أواخر القرن السابع، و كانت للحروب الصليبية مراحل ثمان أو تسع، فكانوا ينتصرون في بعضها، كما تلحقهم الهزيمة في بعضها الآخر، و من المراحل التي انتصروا فيها على المسلمين المرحلة المعروفة التي: «ساروا فيها إلى بيت المقدس، فحاصروه و نصبوا عليه برجين، و ملكوه من الجانب الشمالي، و سلّط على الناس السيف، و لبث الإفرنج في البلد أُسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، و قتل بالمسجد ما يزيد على سبعين ألفاً، و غنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء».(1)
إنّ التواريخ الإسلامية تعرف صلاح الدين يوسف بن أيوب (المتوفّى 589 ه) بالقائد الّذي صمد في وجه الصليبيين حيث طرد الإفرنج عن الشامات، غير أنّه لم يقض في فتوحاته على غائلة الحروب الصليبية بشكل
1) . تاريخ مختصر الدول، للملطي المعروف بابن العبري، المتوفى 675 ه.
نهائي، بل امتدت هذه الحروب في الوطن الإسلامي بعده أيضاً. كيف و قد وقعت حرب ضروس في سنة 593 ه بين الملك العادل أبي بكر بن أيوب و بين الإفرنج، فأنقذ مدينة يافا من الساحل الشامي من يد الإفرنج.(1)
و قد ذكر ابن الأثير أيضاً في حوادث سنة 614: «أنّ الإفرنج أقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة 615 فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسلوا على بر الجيزة بينهم و بين دمياط النيل...»(2).
قد ذكر المؤرخون بعض الدوافع لاشتعال هذه الحرب في أوائل القرن السابع بين الوثنيين و المسلمين قالوا: إنّ ملك التتار المعروف ب «جنكيز خان» قد سيّر جماعة من التجار و معهم شيء كثير من النقرة و القندر و غيرهما إلى ما وراء النهر، سمرقند و بخارى، ليشتروا به ثياباً للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمّى «أوترار» و هي آخر ولاية «خوارزم شاه» و كان له نائب هناك، فلما وردت عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم و يذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم و أخذ ما معهم من الأموال، فقتلهم و سيّر ما معهم، و كان شيئاً كثيراً، فلما وصل إلىٰ خوارزم شاه فرّقه علىٰ تجار بخارى و سمرقند، و أخذ ثمنه منهم، فبلغ الخبر إلى جنكيزخان فأرسل رسولاً إلى
خوارزم شاه يقول: «تقتلون أصحابي و تجاري و تأخذون مالي منهم، فاستعدوا للحرب فإنّي واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به».(1)
و يظهر من بعض الآثار أنّ يد بعض الأساقفة كان وراء تحريض ملك التتار على الزحف و الحرب، يقول ابن العبري: «عظم الأمر عند جنكيزخان و تأثر منه إلى الغاية و هجره النوم، و صار يحدث نفسه و يفكر في ما يفعله، ففي الليلة الثالثة رأى في منامه راهباً عليه السواد و بيده عكازة و هو قائم، فذكر رؤياه للأسقف فقال الأسقف: يكون الخان قد رأى بعض قديسينا، و من ذلك الوقت صار يميل إلى النصارى و يحسن الظن بهم و يكرمهم، و من هذه السنة (616) قصد جنكيزخان البلاد الإسلامية».(2)
إنّ عظمة الداهية بلغت حداً لا يستطيع القلم و اللسان تبيينها و ترسيمها، و لا يستطيع المسلم أن يسمع ذكراً منها أو يقرأ فصلاً من فصولها، حتّى أنّ ابن الأثير بقي عدة سنين معرضاً عن ذكر الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فبقي يقدّم رجلاً و يؤخّر أُخرى، ثمّ علّل إعراضه عن تحرير هذه الواقعة بقوله: «و من ذا الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام و المسلمين، و من ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، و يا ليتني متّ قبل حدوثها و كنت نسياً منسيّاً، إلّا أنّه حثّني جماعة من الأصدقاء
على تسطيرها و أنا متوقف، ثمّ رأيت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى و المصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام و الليالي عن مثلها، عمّت الخلائق و خصّت المسلمين، فلو قال قائل إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه و تعالى آدم و إلى الآن لم يبتلوا بمثله لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها و لا ما يدانيها.
و من أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل و تخريب بيت المقدس، و ما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، الّتي كل مدينة منها أضعاف بيت المقدس، و ما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإنّ أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، و لعل الخلق لن يروا مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم و تفنى الدنيا، إلّا يأجوج و مأجوج.
و أمّا الدجال فإنّه يبقي على من اتّبعه و يهلك من خالفه، و هؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء و الرجال و الأطفال، و شقوا بطون الحوامل و قتلوا الأجنة، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، و لهذه الحادثة الّتي استطار شررها، و عمّ ضررها، و صارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر و بلاسغون، ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند و بخارى و غيرهما، فيملكونها و يفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكاً، و تخريباً و قتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الري، و همدان، و بلد الجبل و ما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثمّ
يقصدون بلاد آذربيجان و أرانية يخربونها و يقتلون أكثر أهلها و لم ينجُ إلّا الشريد الفارّ (فعلوا كل ذلك) في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله.
ثمّ لما فرغوا من آذربيجان و أرانية صاروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه و لم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم، و عبروا عندها إلى بلد اللان و اللكز، و من في ذلك الصقع من الأُمم المختلفة فأوسعوهم، قتلاً، و نهباً، و تخريباً، ثمّ قصدوا بلاد قفجاق و هم من أكثر الترك عدداً، فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض و رءوس الجبال، و فارقوا بلادهم و استولى هؤلاء التتر عليها في أسرع زمان، و لم يلبثوا إلّا بمقدار مسيرهم لا غير.
و مضت طائفة أُخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة و أعمالها و ما يجاورها من بلاد الهند و سجستان و كرمان، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء و أشد. و هذا ما لم يطرق الأسماع مثله. فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤرخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنّما ملكها في نحو عشر سنين و لم يقتل أحداً. و إنّما رضي من الناس بالطاعة، و هؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض و أحسنه، و أكثره عمارة و أهلاً، و أعدل أهل الأرض أخلاقاً و سيرة في نحو سنة، و لم يبق في البلاد الّتي لم يطرقوها إلّا و هو خائف يتوقعهم و يترقب وصولهم إليه».(1)
ثمّ إنّ ابن الأثير تتبّع مسير التتار و هجماتهم الوحشية، فذكر الحوادث المفجعة سنة بعد سنة، إلى أن وصل إلى حوادث (628 ه) و بعدها بقليل.
1) . الكامل لابن الأثير: 358/12-361.
و أظنّ أنّ فيما ذكره على وجه الإجمال غنى و كفاية، و لا يحتاج إلى سرد التفاصيل الّتي جاءت بعد هذا الإجمال، و لكنّه لم يدرك الهزيمة النكراء الّتي أصابت المسلمين عند سقوط بغداد، و لكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ذكروا سقوط العاصمة في أيدي أُولئك الوحوش الضواري، و قد ارتكبوا جرائم لا تغسل عن ساحة الذاكرة الإنسانية بماء المحيط، فضلاً عن البحر و النهر، و لأجل إيقاف القارئ على مدى الخسائر الفادحة الروحية و الجسدية الواردة على المسلمين، نذكر من تلك الهجمات العديدة هجومهم على بغداد، فإنّه يوقفنا على حقيقة ما جرى في غيرها، معتمدين في ذلك على ما سطره ابن كثير في تاريخه.
لم تستهل هذه السنة إلّا و جنود التتار قد أحاطت ببغداد بصحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكوخان، و قد جاءت إليهم أمداد صابح الموصل يساعدونهم على البغاددة و ميرته و هداياه و تحفه، و كل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، و مصانعة لهم قبّحهم اللّه تعالى، و قد سترت بغداد و نصبت فيها المجانيق و العرادات و غيرها من آلات الممانعة الّتي لا ترد من قدر اللّه سبحانه و تعالى شيئاً، كما ورد في الأثر «لن يغني حذر عن قدر» و كما قال تعالى: «إِنَّ أَجَلَ اَللّٰهِ إِذٰا جٰاءَ لاٰ يُؤَخَّرُ»(1)و قال تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ
1) . نوح: 4.
وَ إِذٰا أَرٰادَ اَللّٰهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاٰ مَرَدَّ لَهُ وَ مٰا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ»(1). و أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة و تضحكه، و كانت من جملة خطاياه و كانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها و هي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك و فزع فزعاً شديداً، و أحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه و قدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، و كثرت الستائر على دار الخلافة و كان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها - و كانوا نحو مائتي ألف مقاتل - إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.
و وصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن باللّه و لا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية و الشرقية، و جيوش بغداد في غاية القلة و نهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، و هم بقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتّى استعطى كثير منهم في الأسواق و على أبواب المساجد، و أنشد فيهم الشعراء قصائد يرثونهم و يحزنون على الإسلام و أهله.
و لما فتحوا البلد، قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال و النساء و الولدان و المشايخ و الكهول و الشبان، و دخل كثير من الناس في الآبار و أماكن الحوش، وقني الوسخ، و كمنوا كذلك أياماً لا يظهرون، و كان
1) . الرعد: 11.
الجماعة من الناس يجتمعون في الخانات و يغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إمّا بالكسر و إمّا بالنار، ثمّ يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتّى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون. و كذلك في المساجد و الجوامع و الربط، و لم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود و النصارى و من التجأ إليهم... و طائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، و بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتّى سلموا و سلمت أموالهم، و عادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلّها، كأنّها خراب ليس فيها إلّا القليل من الناس، و هم في خوف و جوع و ذلة و قلة.
و قد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد، كما قصّ اللّه تعالى، علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: «وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ فِي اَلْكِتٰابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذٰا جٰاءَ وَعْدُ أُولاٰهُمٰا بَعَثْنٰا عَلَيْكُمْ عِبٰاداً لَنٰا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجٰاسُوا خِلاٰلَ اَلدِّيٰارِ وَ كٰانَ وَعْداً مَفْعُولاً»(1).
و قد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء، و أسر جماعة من أولاد الأنبياء، و خرب بيت المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد و الزهاد و الأحبار و الأنبياء، فصار خاوياً على عروشه واهي البناء.
و قد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف، و قيل ألف ألف و ثمانمائة ألف، و قيل بلغت
1) . الإسراء: 4-5.
القتلى ألفي ألف نفس، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم، و كان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، و ما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً.
و لما انقضى الأمر المقدور و انقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلّا الشاذّ من الناس، القتلى في الطرقات كأنّها التلول، و قد سقط عليهم المطر فتغيّرت صورهم و أنتنت من جيفهم البلد، و تغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتّى تعدى و سرى في الهواء إلى بلاد الشام؛ فمات خلق كثير من تغيّر الجو و فساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء و الوباء و الطعن و الطاعون فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
و لما نودي ببغداد الأمان، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير و القنى و المقابر كأنّهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، و قد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده و لا الأخ أخاه و أخذهم الوباء الشديد فتفانوا و تلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، و اجتمعوا تحت الثرى بأمر الّذي يعلم السرّ و أخفى اللّه لا إله إلّا هو له الأسماء الحسنى، و كان رحيل السلطان المسلّط هولاكوخان عن بغداد في جمادى الأُولى من هذه السنة (666 ه) إلى مقر ملكه.(1)
ثمّ امتدّت الهجمات بعد سقوط بغداد حتّى وصل جيش العدو إلى عين جالوت و غزة في فلسطين، و كانت الأُمنية الكبرى للعدو هي الاستيلاء على الشامات ثمّ مصر، و لكن الزحف توقف بتدبير الملك الظاهر بيبرس
1) . البداية و النهاية: 200/13-213.
(659-676 ه) و لكن العدو حاول الاستيلاء ثانياً على الشامات...(1).
و هذا اليافعي يتتبّع مسير التتار و هجومهم، فيقول في حوادث عام 700 ه:
«حصلت أراجيف بالتتار و جاء غازان بجيشه الفرات و قصد حلب فتشوشت الخواطر...».
و يقول في حوادث عام 702 ه: «طرق غازان الشام و لكن انهزم عند سور دمشق و تفرّقت جيوشه، ثمّ جهّز غازان جيوشه فصاروا إلى مرج دمشق و تأخر المسلمون و بات أهل دمشق في بكاء و استغاثة و خطب شديد، و قدم السلطان و انضمّت إليه جيوشه...»(2).
هذا قليل من كثير مما جنت يد التتار على الإسلام و المسلمين، و قد امتدّ الدمار و الهلاك بعد هذه السنة حتّى تجاوز القرن السابع إلى أواخر القرن الثامن. فابتدأت الحروب التترية من عام 603 ه و انتهت عام 807 ه بموت تيمورلنگ الّذي تظاهر هو بالإسلام و بعض من قبله، و لكن لمن تزل القلوب مضطربة باستيلاء هؤلاء على المناطق الإسلامية.
انتهت الحروب الصليبية و التترية في مختتم القرن الثامن، و لكن نار الحرب بين المسلمين و المسيحيين كانت مشتعلة في الوطن الإسلامي «الأندلس» عن طريق إبادة المسلمين و إجلائهم عن وطنهم و التنكيل بهم.
إنّ المسلمين بفضل المجاهدين الإسلاميين وصلوا إلى تلك البلدة الخصبة عام 92 ه و استمرّوا في الفتح إلى أن وصلوا إلى قلب فرنسا عند مدينتي «تور» و «بواتييه» عام 112 ه(1)و هناك توقفت الفتوحات بسبب ضعف القيادة الإسلامية في بغداد، و قطع صلة الحكام بالأندلس عنها، و عند ذلك طمع الصليبيون في سلب تلك البلاد من أيدي المسلمين، فبدءوا بالحروب ضدهم، و كانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت إلى عدة ممالك صغيرة، عرف حكامها بملوك الطوائف، و كان نصارى الشمال يهددون هذه المنطقة»(2).
إلى أن حلت الهزيمة بالمسلمين في موقعة العقاب في 15 صفر 609 ه، أي في نفس الوقت الّذي كان التتار قد بدءوا بشنّ الغارة على المسلمين من الشرق إلى الغرب و بالتالي زال سلطان «الموحدين» و سقطت هذه البلاد في يد «الأسبان»، و لم يبق في أيدي المسلمين سوى منطقة جبلية في جنوب شرقي إسبانية حيث قامت مملكة «غرناطة» الإسلامية
على أيدي بني نصر (بني الأحمر) الذين بايعوا الخليفة الحفصي أقوى حكام المغرب في ذلك الحين(1).
و لكن العدو لم يرض بما اكتسب من الفتوح، فشنّ الغارة عليهم حتّى أبادهم عام 898 ه، فصار الأندلس كله للاسبان.
ثمّ إنّ التاريخ يحكي لنا تعامل الإفرنج مع المسلمين معاملة سوء، حيث أجبروهم على التنصّر و على خروج النساء مكشوفات، فهرب المسلمون إلى الجبال فصاروا يطاردونهم كما تطارد الفرائس. و قد عدّ بعض المؤرخين عدد العرب المطرودين في قرن واحد (أي من عام 791 إلى عام 898 ه) نحواً من ثلاثة ملايين كانوا نخبة المسلمين و أعظمهم صناعة و علماً.
و أنت إذا قرأت التاريخ و قلبت صفحاته تقف على أنّ هذه القرون الأربعة أي من بداية 500 إلى 900 ه شرّ القرون و أسوأها بالنسبة إلى المسلمين، فقد حلت بهم عقوبات و خسائر لم يسجّل التاريخ لواحد من الأُمم مثلها، و إليك مبدأ هذه الحروب و مختتمها:
1 - الحروب الصليبية. بدأت من عام 489 ه و استمرت إلى عام 660 ه.
2 - الحروب التترية، ابتدأت من عام 603 و انتهت عام 807 ه بموت تيمور لنك الّذي تظاهر بالإسلام.
3 - إبادة المسلمين في الأندلس و إجلاؤهم بعد انحصار سلطانهم في منطقة صغيرة في غرناطة، ابتدأت من عام 609 إلى 898 ه.
1) . المصدر نفسه: 318.
نحن نستنتج من هذا البحث الضافي أنّ الخلافة العباسية و ملوكها و سلاطينها بلغوا من الفساد و الانحلال إلى حدّ غاب عنهم معه ما كان يجري خارج قصورهم، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة، و الخليفة كان غافلاً عمّا يجري خارج القصر، و كانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلّا إصابة نبل الخصم لجاريته، فإذا كان هذا هو الإسلام و هذا خليفته، و هذا شعوره و إحساسه، فعلى الإسلام السلام، و على تلك الخلافة العفاء.
و قد عرفت أنّ ابن الأثير كان من المشاهدين للقضايا عن كثب، و يعرف الخلفاء و سلاطينهم بأنّهم بلغوا من العقلية إلى درجة لا يهمّهم إلّا ما يهمّ البهيمة من إشباع بطنها و إرضاء فرجها.(1)
و من المعلوم أنّ الفساد لم يكن مقتصراً على بلاط الخلفاء، بل الانحلال الخلقي و الانحطاط المعنوي كان سائداً على الغالبية العظمى من المجتمع، إذ الناس على دين ملوكهم، و من العجب أنّ المؤرخين الأباعد يحملون وزر سقوط الخلافة العباسية على عاتق الوزير الشيعي مؤيّد الدين ابن العلقمي، الّذي يصفه ابن كثير بقوله: «و كان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الأدب» و يضيف أيضاً: «إنّه أشار على الخليفة بأن يبعث
1) . الكامل في التاريخ: 375/12.
إلى هولاكو بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عمّا يريده من قصد بلادهم، فخذّل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير «أيبك» و غيره، و قالوا إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، و أشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكوخان».(1)
و من الظلم إلقاء جريرة سقوط بغداد على عاتق هذا الوزير مع كون الخليفة على الحال الّتي سمعتها من ابن كثير، و كون الملوك و السلاطين لا يهمّهم إلّا بطنهم و شهوتهم، مع اشتعال نار الخلاف بين الرؤساء و القادة الشاغلين منصّة قيادة المجتمع الإسلامي، فلا تنتج تلك المقدمات إلّا هذا الوضع الوبيل، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
قد تعرّفت على الأوضاع المؤسفة السائدة في الحواضر الإسلامية، و ما آلت إليه من الدمار و الهلاك و المذابح الفظيعة، و المجازر الرهيبة الّتي تعرّض لها سكانها الأبرياء، بسبب تلك الحملات العدوانية، و عندئذٍ نسأل كل مسلم حر الضمير عن دواء هذا الداء الّذي ألمّ بالمسلمين، و علاج تلك المأساة الّتي وقع فيها الإسلام؟
و لا أشك في أنّ دواءها الوحيد كان هو إحياء التعاليم الإسلامية - آنذاك - في مجال الجهاد و المقاومة، و إعادة الثقة إلى النفوس، و العمل على
1) . البداية و النهاية: 214/13.
تقوية المعنويات و رفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملاً بقوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ»(1).
ثمّ السعي في توحيد ما تفرّق و تشتّت من صفوف المسلمين، و حثّهم على تعمير ما تهدم من حضارة الإسلام، و إحياء شتى مناحي الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، ممّا انهارت تحت ضربات الأعداء من الشرق و الغرب.
و لا يكون ذلك إلا بإعادة العلم الناجع إلى الساحة، و تناسي الخلافات الفرعية، و الدعوة إلى التمسّك بمبادئ الوحدة، و تجسيد قوله سبحانه: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(2)و رفض البحث عن الخلافات الّتي تثير النزاع، و توجد الفرقة و تمزق الصفوف.
هذا ما يحكم به ضمير كل إنسان حر، فلو وجدنا في مثل هذه الظروف العصيبة من يثير نار الخلافات الطائفية و المذهبية، و بالتالي يضرب المسلم بالمسلم و يشغلهم بالبحث عن فروع ليس لها من الأهمية بالقياس إلى علاج الدمار الرهيب الّذي حلّ بالمسلمين - لو وجدنا رجلاً بهذا الوصف و النعت - فلا نشك أنّ نعرته نعرة جاهلية، و حركته حركة مشبوهة، و دعوته دعوة منتنة حسب تعبير النبي، و من الظلم و الجناية على الإسلام و المسلمين تلقيب هذا الداعي ب «شيخ الإسلام» أو «محيي الشريعة» أو
«محيي السنّة» أو غير ذلك من ألفاظ الثناء الوافر الّذي يوصف به هذا الرجل في هذا القرن، بترغيب و ترهيب من أصحاب الثراء و السلطة، بعد أن كان معروفاً بغيرها في القرون الغابرة، كما ستوافيك كلمات معاصريه و من جاء بعدهم إلى هذه الأعصار.
إنّ طرح الخلافات الكلامية و الفقهية - في العصر الّذي كانت القوارع تنصبّ فيه على رءوس المسلمين من الشرق و الغرب، و تهدم الديار و تقتل النفوس البريئة، و تشقّ بطون النساء الحوامل، و يرفع الرجال على أعواد المشانق و تخضب الأراضي بدماء المسلمين - ما هو إلّا من قبيل صب الزيت على النار، و تعميق الجرح غير المندمل.
إنّ طرح المسائل على ضوء العقل إذا كان لغاية التعرّف على الحقائق أمر يستحسنه العقل و يقبله الشرع في جميع الحالات و لكن طرح هذه المسائل على وجه يتضمن تكفير الفرق الإسلامية و اتهامهم بالشرك، و تجويز قتلهم و إهدار دمائهم، في الوقت الّذي غمس العدو يده في دمائهم إلى مرفقه، و قتل منهم الملايين، لا يصحّ تفسيره إلّا بأحد وجهين: إمّا أن يكون رجلاً غبياً لا يعرف الداء و لا الدواء، أو رجلاً مُعقّداً مغرماً بالشهرة و حبّ العظمة.
و ما هذا الرجل إلّا أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (661-728 ه) فقد ولد في شر القرون و عاش في أجوائها الصعبة على المسلمين، و مات في ظروف الهزيمة الّتي حلت بالمسلمين، لعلل تعرّفت عليها، فقد أثار في تلك الظروف العصيبة مسائل خلافية لا تزيد في الطين إلّا بلّة و لا في الجرح إلّا
تعميقاً، فهو بدل أن يعيد إلى الساحة الإسلامية الأخلاق و العمل بالإسلام، و يعظ الملوك و الساسة بالقيام بالوظائف و فتح معسكرات لإعداد الشباب و تدريبهم، و إيجاد روح الكفاح، تجده يرفع عقيرته بالمسائل الّتي لا تعود على المسلمين في تلك الظروف العصيبة بشيء سوى تعميق الخلاف و تعكير الصفو، و تشديد النزاعات المذهبية و الطائفية.
و رءوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية و أصرّ عليها و خالف الرأي العام للمسلمين - و لأجل ذلك اعتقل و نفي إلى مصر - هي الأُمور التالية:
1 - يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف، كالاستواء على العرش، و أن له يداً و وجهاً، و أن له نزولاً و صعوداً.
2 - يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي و تعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك.
3 - يحرم التوسّل بالأولياء و الصالحين.
4 - تحرم الاستغاثة بالأولياء و دعوتهم.
5 - يحرم بناء القبور و تعميرها.
6 - لا يصح أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح و السنن في حقّ عليّ و آله.
إلى غير ذلك من المسائل الفرعية في أبواب الطلاق و غيرها كما ستقف عليها عند عرض آرائه. هب أيّها القارئ أنّ لما تبنّاه من الآراء
مسحة من الحق - و ليست آراء ساقطة تضاد القرآن الكريم و السنة النبوية و سيرة المسلمين - هب أنها آراء صحيحة - و لكنّها هل كانت مفيدة في تلك الظروف، هل كانت دواءً لداء الأُمة الإسلامية؟ أو كانت أُموراً غريبة عمّا يجب القيام به، بل كانت مؤيدة لما يتوخاه العدو من تشتيت الشمل و تمزيق الصفوف؟!!
إنّ من البداهة بمكان أنّ هذه المسائل لم تكن ممّا يخشاه العدو، فإنّ هذا النوع من المسائل الجدلية لا تفضح نوايا العدو و لا تعرقل خططه، لأنّها لا تعيد إلى المسلمين روح الوثبة و المقاومة و الاستبسال، بل من شأنها أن تستنفد طاقاتهم من دون جدوى، و تفني قواهم من دون أثر يتّصل بالواقع.
فلو كان ابن تيمية «شيخ الإسلام» حقاً لكان عليه أن يدع ما يلهي المسلمين عن مصيرهم، بل ما يعمّق محنتهم، و يتصدّى لمواجهة العدو بإعادة الروح الجهادية إلى نفوسهم، و بث المعنويات في قلوبهم، و توجيه همم المسلمين، إلى إعادة بناء كيانهم العسكري و الصناعي و العلوم الناجعة، حتّى يستعيدوا بذلك مجدهم المندثر الّذي تألق في القرن الرابع الهجري.
و يا للأسف إنّه بدل القيام بوظائف شيخوخة الإسلام الحقيقية انصرف إلى مسائل اجتهادية ليست ناجعة في ذلك العصر و لا بعده.
إنّ الموالين لابن تيمية و المقتفين أثره يصفونه بالسلفية، و يتقولون فيه بأنّه محيي مذهب السلف. هب أنّ السلفية مسلك و مذهب، و لكن السلفي عبارة عمَّن لا يتخطّى عمّا سلكه السلف الصالح طيلة قرون سبعة، و لكن آراؤه و أفكاره على طرف النقيض من آراء السلف. إنّ المسلمين طيلة قرون كانوا يحترمون قبر النبي و يزورونه، و لم تقع الزيارة في تلك العصور و لو مرة واحدة ذريعة إلى الشرك، بل كان الداعي إلى زيارته في كل فترة من الفترات، كونه نبيّ الإسلام نبيّ التوحيد، و مكافح الشرك و منابذه، فيجب احترامه و تكريمه و حفظ آثاره و قبره، و آثار أصحابه و زوجاته و أبنائه انطلاقاً من هذا المبدأ (أي كونه نبيّ التوحيد، مشيد بنائه الشامخ) و لكنّا نرى أنّ ابن تيمية يخالف هذه السيرة الموروثة من الصحابة إلى زمانه، و يحرّم شدّ الرحال إلى زيارته تمسكاً بحديث غير دال على ما يرتئيه، كما سيوافيك.
إنّ المسلمين طيلة القرون الغابرة إلى ميلاد ابن تيمية كانوا يتبرّكون بالنبي و آثاره، و لا يرون ذلك شركاً و لا ذريعة إليه، حتّى أنّ الشيخين أوصيا بمواراتهما في جوار النبي، لما استقرّ في قرارة ضميرهما بأنّ للمكان شرافة و مكانة بالغين، و أنّ المواراة في ساحة النبي لها كرامة، و لم ينبس أحد من الصحابة ببنت شفة بأنّ ذلك ذريعة إلى الشرك، إلى أن ألقى الشر بجرانه إلى
الأرض بميلاد ابن تيمية و آرائه الساقطة، فجعل ينكر هذا العمل و يخالف السلف.
إنّ السلف الصالح في حياة النبي و بعده كانوا يستغيثون بالنبي لما له من كرامة عند اللّه، لما أمرهم اللّه سبحانه بالمجيء إليه و طلب الاستغفار منه، و لم يخطر ببال أحد أن الاستغاثة بالمخلوق شرك أو ذريعة إلى الشرك، و كان هذا ديدن السلف في جميع القرون، فجاء ابن تيمية ينكر الاستغاثة و التوسل، ثمّ يصف نفسه سلفياً، فما معنى هذه السلفية؟ (ما هكذا تورد يا سعد الإبل).
إنّ قيمة كل امرئ بما يقدّمه إلى الأُمّة من خدمات و خيرات، فإمّا أن يشيد بناء ثقافتهم و يضمن تقدمهم في ميادين العلم و العمل، و يرفع من مستوى أخلاقهم و سلوكهم الإنساني و الإسلامي، و إمّا أن يرفع مستوى معيشتهم و يسعى في ترفيههم بمشاريع البرّ و الإحسان، من بناء المدارس و مراكز التعليم و المستشفيات و المستوصفات، و دعم الكفاح بالتدريب العسكري و غيره مما يرجع إلى دعم البنية المادية للمجتمع.
هلم معي نطرح إنجازات ابن تيمية على طاولة النقاش و المحاسبة، فهل قام بأحد الأمرين؟
أمّا من جانب المعنى فلم نر أنّه قدم إلى المجتمع، دراسة نافعة في
الحقوق و السياسة و الاقتصاد أو الاجتماع، أو ألف جامعاً حديثياً يكون هو المرجع للمسلمين كما قام بعض معاصريه بهذا الأمر، فلم يبق منه إلّا التركيز على المسائل الّتي قدمنا رءوسها و الّتي كفّر بها مخالفيه، و بالتالي كفّر جمهور المسلمين الذين عاشوا طيلة سبعة قرون.
هب أنّه قدم إلى المسلمين دراسات توحيدية، و لكن ما كانت نتيجة تلك الدراسات، فغاية ما أنجز و أتى - بعد ما تصوب و تصعد - أنّه يجب توصيفه سبحانه بنفس الصفات الخبرية بمعناها اللغوي، فصار معناه هو التجسيم و التشبيه و إثبات الجهة و الفوقية للّه سبحانه، و قد فهم الكل هذا المعنى من دراساته. هب أنّه لم يقصد من إثبات هذه الصفات ما نسب إليه من الجسمية، و لكنّه صبّ ما رآه في قوالب أذْعَنَ الكُلُّ - الداني منهم و النائي - بأنّه مُجسّم مشبّه مُثْبت للّه سبحانه الجهة و الفوقية، مع أنّه سبحانه ليس بجسم و لا جسماني، و أنَّهُ ليس كمثله شيء.
ما معنى هذه الدراسات العميقة الّتي لم تورث إلّا هذه الأفكار الباطلة، و سوف يوافيك أنّ الرجل مجسّم و إن كان لا يتفوه به، و لكن جُمَلَهُ و ألفاظه و عباراته و ما أصرّ عليه لا تنتج إلّا ذلك.
و قس عليه سائر إنجازاته من جانب المعنى، فقد منع شدّ الرحال إلى زيارة النبي الأكرم، مع أنّ قبور الأنبياء لم تزل تزار من عصر النبي و قبله و بعده، و ليست الغاية من زيارتهم إلّا التوقير و التكريم و عقد الميثاق مع ما جاءوا به من أُسس التوحيد، فكيف يكون ذلك ذريعة إلى الشرك؟
و حصيلة البحث هي أنّنا لم نجد في جميع إنجازاته شيئاً بديعاً يرفع به رأسه و يفتخر به على من سواه، سوى ما في كلامه من الغلظة و الأذى.
إنّ اللسان و القلم مرآتان لضمير صاحبهما يعربان عن نفسيته الخبيثة أو الطيبة، الشريرة أو الخيّرة، فاللسان و القلم البذيء يكشف عن نفسيته المستهترة المريضة، كما أنّ اللسان و مثله القلم النزيهين يكشفان عن ملكة فاضلة. و من رجع إلى كتب ابن تيمية يعرف أنّه ما كان يملك لسانه و قلمه عن التقوّل على المسلمين و التهجّم عليهم فجاءت كتاباته مليئة بالقول البذيء و إساءة الأدب، الّذي هو على طرف النقيض من الإسلام و العلم.
و لقد كانت ثورة الرأي العام الإسلامي عليه من جانب الفقهاء و الحكام و المتكلمين و المحدثين أدلّ دليل على انحرافه عن الخط المستقيم و الطريق المهيع، فليس من القضاء الصحيح تخطئة جمهور المسلمين و تصويب رجل واحد، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية عام 698 ه في «الرسالة الحموية» جاءت الاستنكارات تترى من جميع الطوائف، و كلما تعرض الرجل للعقائد الإسلامية الّتي أطبقت عليها الأُمة في جميع القرون، تعالى الاستنكار، حتّى أُلقي عليه القبض و نفي من
بلد إلى بلد، و تعرض لاعتقال بعد اعتقال، إلى أن منع من القرطاس و الكتابة، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء.
و لو كان الرجل شيخ الإسلام و رائده و ناصحه، لما ضاق عليه المجال من جانب أبناء جلدته من قضاة و حكام: شوافع و أحناف.
نعم الأسف كلّه على الناشئة الجدد الذين وقعوا فرائس في أحابيل الدعاية الوهابية الّتي يقودها النظام السعودي و يغذيها بثروته الواسعة، و يدعمها الاستعمار الغاشم لغاية إضعاف المسلمين بالخلافات و إشغالهم بقضايا و مسائل لا تمتّ إلى الحياة بصلة.
و لأجل ذلك نضع حياة الرجل و شخصيته أوّلاً، و آراء معاصريه و من جاء بعده في القرون اللاحقة في حقه في ميزان النقد و القضاء ثانياً، ثمّ نبحث عن آرائه و أفكاره و نعرضها على الكتاب و السنّة ثالثاً، ثمّ نعرج إلى حياة تلميذه و محيي دعوته محمد بن عبد الوهاب و تاريخ العائلة السعودية الحاكمة ضمن فصول سبعة حتّى يتبين الحق و يظهر، و يزهق الباطل.
هو أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 ه، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد، و انغمار المسلمين في مشاكل كثيرة.
كان مولده بمدينة حران مهد الصابئة و الصابئين منذ أقدم العصور، و قد نشأ النشأة الأُولى إلى أن بلغ السابعة من عمره، فلمّا أغار عليها التتار، فرّ سكانها منها، و كان ممّن هاجر أُسرة ابن تيمية، حيث هاجرت إلى دمشق، و قد اتّجه إلى العلم منذ صغره، و كان يدرس الفقه الحنبلي و يتتبّع سير ذلك المذهب، و كان أبوه من شيوخ هذا المذهب، ففي المدارس الحنبلية تخرج ابن تيمية، و درس في كنف أبيه و توجيهه و لم ير منه بادرة إلّا بعد ما كتب رسالة في جواب سؤال أهل حماة، سألوه بقولهم: «ما قول السادة العلماء أئمة الدين - أحسن اللّه إليهم أجمعين - في آيات الصفات، كقوله تعالى: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» و قوله: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ» إلى غير ذلك من الآيات و أحاديث الصفات، و أيضاً كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن» و قوله: «يضع الجبّار
قدمه في النار» إلى غير ذلك، و ما قالت العلماء فيه، و ليبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء اللّه؟»(1).
فأجاب بما هو نصّ في التجسيم، و إن ذيّل كلامه بشيء يريد به الستر على عاره، و لكنّه لا يسمن و لا يغني من جوع، و سيوافيك نصّه عند تبيين عقائده، فأوجد الجواب ضجة كبرى، و عرف بالشذوذ و الانحراف، و كان ذلك عام 698 ه.
يقول تلميذه «ابن كثير» في حوادث تلك السنة: «قام عليه جماعة من الفقهاء و أرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي «جلال الدين الحنفي» فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة، المسماة بالحموية...».(2)
و قد كانت له محنة أُخرى في عام 705 ه يذكرها ابن كثير في حوادث تلك السنة و يقول: «و في يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاء و فيهم «الشيخ تقي الدين ابن تيمية» عند نائب السلطنة بالقصر، و قرأت عقيدة الشيخ تقي الدين (الواسطية)، و حصل بحث في أماكن منها، و أُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور، و حضر الشيخ صفي الدين الهندي و تكلم مع الشيخ تقي
الدين كلاماً كثيراً، ثمّ اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين الزملكاني هو الّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك و شكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين الزملكاني، و جودة ذهنه، و حسن بحثه، حيث قاوم «ابن تيمية» في البحث و تكلم معه...
ثمّ عقد المجلس في يوم سابع شعبان بالقصر، و اجتمع الجماعة على الرضى، إلى أن صدر القرار بنفي الشيخ إلى مصر إن لم يعزف عن بوادره و عقائده، فأدى به الأمر إلى انتدابه في مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة، و انتدب للبحث معه شمس بن عدنان، و ادّعى عليه عند «ابن مخلوف» المالكي أنّه يقول: إنّ اللّه فوق العرش حقيقة، و إنّ اللّه يتكلم بحرف و صوت، فحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياماً، ثمّ نقل منه إلى الحبس المعروف بالجب، و كُتِبَ كتاب نودي به في البلاد الشامية و المصرية، و فيه الحط على الشيخ تقي الدين، فانضمّ إلى صفّه جماعة كثيرة من الفقهاء و الفقراء، و جرت فتن كثيرة منتشرة، و حصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة.(1)
بقي الشيخ في السجن بسبب عقيدته الّتي لا تجتمع مع عقيدة جمهور المسلمين حتّى مطلع سنة (706 ه).
يقول ابن كثير: و في ليلة عيد الفطر من تلك السنة، أحضر الأمير سيف الدين سلار نائب مصر، القضاة الثلاثة و جماعة من الفقهاء، فالقضاة: الشافعي و المالكي و الحنفي، و الفقهاء: الباجي، و الجزري، و النمواري،
1) . المصدر نفسه.
و تكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً في ذلك منها أنّه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده، فأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك، فامتنع عن الحضور.
استهلّت سنة (707 ه) و الشيخ معتقل في قلعة الجبل بمصر، إلى أن أُطلق سراحه يوم الجمعة 23 من ربيع الأول، و خيّر بين الإقامة بمصر أو الرواح إلى موطنه الشام، و قد اختار هو الإقامة بمصر، و لكنّه لم يبرح في غلوائه و أفكاره إلى أن واجهته محنة ثالثة، و قد ذكرها ابن كثير أيضاً في تاريخه.
و في شوال عام 707 ه، شكي منه أيضاً، فردّ الأمر إلى القاضي الشافعي، فعقد له مجلس، و ادّعى له ابن عطاء بأشياء و رأى القاضي بدر الدين بن جماعة أنّ في آرائه قلة أدب بساحة النبي صلى الله عليه و آله و سلم فحضرت رسالة إلى القاضي إلى أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فتمّ الأمر بحسبه في سجن القضاة، و دخل السجن، و أُفرج عنه في مستهل سنة 708 ه و بقي في القاهرة إلى أن توجّه منفياً إلى الإسكندرية في ليلة سلخ صفر في عام 709 ه، و أقام هناك ثمانية أشهر إلى أن تغيرت الظروف، فعاد الشيخ منها إلى القاهرة يوم عيد الفطر سنة 709 ه فأقام بها إلى سنة 712 ه ثمّ رجع إلى الشام.(1)
و شغل الشيخ منصة التدريس و الإفتاء إلى سنة 718 ه. و قد صدر منه
1) . البداية و النهاية: 52/14، و كانت إقامته بمصر سبع سنين.
فتاوى شاذة، و كان مصرّاً عليها، فعقد له يوم الخميس ثاني رجب من شهور سنة 720 ه مجلس بدار السعادة، فحضر نائب السلطنة، و حضر القضاة و المعنيون من المذاهب، و حضر الشيخ و عاتبوه، ثمّ حبس في القلعة خمسة أشهر، إلى أن ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء، سنة 721 ه.
و ظل الشيخ بعد خروجه من الحبس مستمراً في التدريس إلى عام 726 ه.
يقول جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي: «ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يجعل في قلعة دمشق، فأقام فيها مدة مشغولاً بالتصنيف، ثمّ بعد مدة منع من الكتابة و المطالعة، و أخرجوا ما كان عنده من الكتب، و لم يتركوا عنده دواةً و لا قلماً و لا ورقاً».(1)
و قال اليافعي: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير، تقي الدين أحمد بن تيمية، و منع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة و الورق».(2)
هذا، و قد لفظ الرجل أنفاسه، و مات في قلعة دمشق عام 728 ه، و بذلك طويت صحيفة حياته، و بقيت آثاره، إن خيراً فخير، و إن شراً فشر.
إنّ ما تلوناه عليك من حياته يعرب:
أوّلاً: أنّه لم يكن رجلاً موضوعياً يهمّه ما كان يعاني منه المسلمون في
تلك الظروف العصيبة، الّتي كانت الدعوة إلى الوحدة فيها أحوج ما يحتاج إليه الناس، فكان يبثّ بذور الخلاف فترة بعد فترة، و يشغل الحكومات و القضاة عن القيام بالواجب و الانشغال بنقل الشيخ من مقام إلى مقام.
و ثانياً: أنّ جماهير الفقهاء و القضاة كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة، في مجال الأُصول و الفروع، و إنّ آراءه كانت مخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء.
و ثالثاً: أنّ الرجل كان معروفاً بالقول بالتجسيم و التشبيه و الجهة، و كان اعتقاله لأجل التفوّه بها، فكلّ من أراد تنزيهه عن هذه التهمة، خالف الرأي العام في حقّه و ما عُرف منه أيام حياته.
نعم إنّ هناك أُناساً ترجموا للرجل ترجمة وافية، فأثنوا عليه الثناء البالغ، و ذكروا ذكاءه و توقّد ذهنه، و إحاطته بالكتاب و السنّة، كما ذكروا آثاره العلمية من كتب و رسائل، و لكن يؤخذ عليهم بأنّه لما ذا ركّزوا على جانب واحد من حياته، و لم يشيروا إلى الجانب السلبي منها؟! فإنّه لا يمكن لأحد تخطئة أُولئك العلماء الذين ناظروه، و باحثوه، و أصدروا آراءهم فيه، و هم كثيرون، و لأجل ذلك نشير إلى المصادر الّتي أخذتها العصبية العمياء فجاءوا كأنّهم يعرفون رجلاً أطبق علماء عصره على نزاهته وصفاء فكره، فمن أراد أن يقف عليها فليرجع إلى المصادر التالية:
1 - تذكرة الحفاظ للذهبي 1496/4، بالرقم 1175. و إن استدرك زلّته هذه ببعث رسالة مستقلة إلى ابن تيمية يستنكر فيها عليه أعماله و أقواله كما ستوافيك.
2 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 80/6، لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي (المتوفّى 1098).
3 - طبقات الحفاظ: 52، لجلال الدين السيوطي، (المتوفّى 911 ه).
4 - الذيل على طبقات الحنابلة: 387/2، برقم 495، لابن رجب زين الدين، أبي الفرج، عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثمّ الدمشقي الحنبلي، (736-795 ه).
5 - الوافي بالوفيات: 15/7-33 برقم 2964، لصلاح الدين، خليل بن أيبك الصفدي.
6 - طبقات المفسرين: 45-49 برقم 42، للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي (المتوفّى 945 ه).
7 - تاريخ الشيخ زين الدين عمر، الوردي، المعروف بتاريخ ابن الوردي: 406/2.
8 - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: 63/1-72 برقم 40، تأليف محمد بن علي الشوكاني (المتوفّى 1250 ه).
9 - البداية و النهاية: ج 14، في حوادث سنة (698 ه)، للحافظ عماد الدين، أبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، (المتوفّى 744 ه)، و غيرها. و لكنّه أشار في مواضع أُخر إلى بعض زلّاته و مخالفته للرأي العام في ذلك اليوم كما عرفت.
10 - الأعلام للزركلي، ج 1 ص 44.
نعم هؤلاء هم الذين ركّزوا على الجانب الإيجابي و تناسوا الجانب السلبي، مع أنّ التقييم لا يصحّ إلّا بملاحظة كلا الجانبين، و لكن هناك جماعة موضوعيين واقعيين، لم تملأ عيونهم كتب الرجل و رسائله، فجاءوا بتقييم آرائه فيما صار سبباً لاشتهاره، و إليك نصوص هؤلاء حتّى لا نخرج في التقييم عن حد العدل.
قد تعرّفت على حياة الشيخ و أنّه لم يزل ينتقل من معتقل إلى آخر، و من مصر إلى مصر، و كان الرأي المتفق عليه بين القضاة و المعنيين من الحكام هو أنّه رجل يصدر عن عقائد و آراء في مجال العقائد و الأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة، و لأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم، و يعاقبونه مرة بعد أُخرى؛ و قد علمت أنّه منع من الكتابة حتّى في نفس السجن، فما حال من كان على طرف الخلاف من قضاة المذاهب و حكامهم و علمائهم؟
و بذلك تعرف أنّ الدعايات الأخيرة هي الّتي تريد أن تعرّفه بشيخ الإسلام و محيي السنة، فما معنى هذه الشيخوخة لأهل السنّة مع أنّهم أجمعوا على ضَلاله و شذوذه؟!
و لأجل أن يقف القارئ على آراء معاصريه في حقه و مقاربي زمانه، نقتطف من غضون التاريخ جملاً تكشف عن إطباق العلماء، على الرد عليه
و نقد آرائه، و ستوافيك في أثناء البحث رسالة الذهبي إليه بنصها.
و إليك قائمة الشخصيات الذين ردّوا عليه في عصره أو بعده بقليل:
عرّفه السبكي بقوله: «متكلّم على مذهب الأشعري، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن و أدراهم بأسراره، متضلّعاً بالأصلين، و من تصانيفه في علم الكلام «الزبدة»، و في أُصول الفقه: «النهاية»، و كل مصنفاته حسنة جامعة، لا سيما «النهاية».
مولده ببلاد الهند سنة 644 ه، ثمّ قدم دمشق سنة 685 ه و استوطنها و توفّي بها سنة 715 ه. و لمّا وقع من ابن تيمية في «المسألة الحموية» ما وقع، و عقد له المجلس بدار السعادة(1)بين يدي الأمير «تنكز» و جمعت العلماء، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر، فحضر، و كان الهندي طويل النفس في التقرير، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة و لا اعتراضاً إلّا أشار إليه في التقرير، بحيث لا يتم التقرير إلّا و قد بعد على المعترض مقاومته، فلمّا شرع يقرّر، أخذ ابن تيمية يعجّل عليه على عادته، و يخرج من شيء إلى شيء.
فقال له الهندي: ما أراك يا بن تيمية إلّا كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان، فرّ إلى مكان آخر.
1) . قال المعلق: كان ذلك سنة (705 ه)، راجع البداية و النهاية: 36/14-38.
و كان الأمير تنكز يعظم الهندي و يعتقده، و كان الهندي شيخ الحاضرين كلّهم، فكلّهم صدر عن رأيه، و حبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة، و هي الّتي تضمّنت قوله بالجهة، و نودي عليه في البلاد و على أصحابه، و عزلوا من وظائفهم.(1)
قال «السبكي»: «درس و أفتى و شغل بالعلم مدة بالقدس و دمشق.
مات سنة 733 ه و وقفت له على تصنيف صنفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية» و بما أنّ الرسالة مفصّلة نكتفي في المقام بذكر مقدمتها.
يقول: «أمّا بعد فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة. ما وقع في هذه المدة، مما علّقه بعضهم في إثبات الجهة و اغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم، و لم يتعلّق بأذيال المعرفة، و لا كبحه لجام الفهم و لا استبصر بنور الحكمة فأحببت أن أذكر عقيدة أهل السنّة و أهل الجماعة ثمّ أُبيّن فساد ما ذكره، مع أنّه لم يدّع دعوى إلّا نقضها، و لا أطّد قاعدة إلّا هدمها».(2)
عرّفه السبكي بقوله: «الإمام العلّامة المناظر، ولد في شوال سنة 667 ه و درس بالشامية البرانية - إلى أن قال -: ثمّ ولي قضاء حلب، و صنّف
الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق و الزيارة.(1)
ترجمه في «تذكرة الحفاظ» غير أنّه لم يذكر مما ردّ عليه بشيء، و هذا عجيب من الحافظ الذهبي، و لكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه و يذكر ما فيه و يقول:
«الحمد للّه على ذلّتي، يا ربّ ارحمني، و أقلني عثرتي، و احفظ عليّ إيماني، وا حزناه على قلة حزني، وا أسفاه على السنة و ذهاب أهلها، وا شوقاه إلى إخوانٍ مؤمنين يعاونوني على البكاء، وا حزناه على فقد أُناس كانوا مصابيح العلم و أهل التقوى و كنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال و أخ مؤنس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، و تبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.
إلى كم ترى القذاة في عين أخيك و تنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك و شقاشقك و عباراتك و تذمّ العلماء و تتّبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم [و آله]: «لا تذكروا موتاكم إلّا بخير، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا» بل اعرف أنّك تقول لي لتنصر نفسك: إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام، و لا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه و آله و سلم
1) . طبقات الشافعية الكبرى: 190/9-191.
[و آله] و هو جهاد، بلى و اللّه عرفوا أخيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز، و جهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم، و من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل! باللّه عليك كفّ عنّا، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر و لا تنام، إياكم و الغلوطات في الدين، كره نبيك صلى الله عليه و آله و سلم [و آله] المسائل و عابها، و نهى عن كثرة السؤال و قال: «إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كل منافق عليم اللسان» و كثرة الكلام بغير زلل، تقسي القلب إذا كان في الحلال و الحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية و الفلاسفة و تلك الكفريات الّتي تعمي القلوب، و اللّه قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟.
لنرد عليها بعقولنا، يا رجل! قد بلعت «سموم» الفلاسفة و تصنيفاتهم مرات، و كثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم، و تكمن و اللّه في البدن، وا شوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر و خشية بتذكّر و صمت بتفكّر. واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء و اللعنة، كان سيف الحجاج و لسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، باللّه خلّونا من ذكر بدعة الخميس و أكل الحبوب، و جدّوا في ذكر بدع كنّا نعدّها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة و أساس التوحيد، و من لم يعرفها فهو كافر أو حمار، و من لم يكفر فهو أكفر من فرعون، و تعدّ النصارى مثلنا، و اللّه في القلوب شكوك، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة و الانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم و الدين باطولياً شهوانياً، لكنّه ينفعك
و يجاهد عنك بيده و لسانه، و في الباطن عدوّ لك بحاله و قلبه.
فهل معظم أتباعك إلّا قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم و زنهم بالعدل، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها و تعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها و تزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها و تصغر العباد؟ إلى متى تخاللها و تمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح - و اللّه - بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك.
بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف و الإهدار، أو بالتأويل و الإنكار، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب و تنيب؟ أما أنت في عشر السبعين و قد قرب الرحيل؟ بلى - و اللّه - ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي و لا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، و تقطع لي أذناب الكلام، و لا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت، فإذا كان هذا حالك عندي و أنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟ و أعداؤك - و اللّه - فيهم صلحاء و عقلاء و فضلاء، كما أنّ أولياءك فيهم فجرة و كذبة و جهلة و بطلة و عور و بقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية، و تنتفع بمقالتي سراً، فرحم اللّه امرأً أهدى إليّ عيوبي، فإنّي كثير العيوب، غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وا فضيحتي من علّام الغيوب! و دوائي عفو اللّه و مسامحته و توفيقه و هدايته، و الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على
سيدنا محمّد خاتم النبيين و على آله و صحبه أجمعين».(1)
عرّفه السبكي بقوله: «كان إماماً كبيراً، بارعاً في المذهب و الأصلين، يضرب المثل باسمه، فارساً في البحث، نظاراً مفرط الذكاء، عجيب الحافظة - إلى أن قال -: و له مع ابن تيمية، المناظرات الحسنة، و بها حصل عليه التعصّب من أتباع ابن تيمية، قيل فيه ما هو بعيد عنه، و كثر القائل فارتاب العاقل، و كان الوالد يعظّم الشيخ صدر الدين و يحبّه، و يثني عليه بالعلم و حسن العقيدة و معرفة الكلام على مذهب الأشعري.(2)
ترجمهُ ولده في طبقات الشافعية، و هو أحد من ردّ على ابن تيمية، و ألّف فيه كتاباً أسماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة و السلام» و ربما سمي «شنّ الغارة على من أنكر السفر للزيارة»(3)و هو
1) . تكملة السيف الصقيل، للمحقّق المعاصر الكوثري: 190-192 كتبه من خط ابن قاضي شهبة، منقولاً من خط قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة و كتبه، هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ من خط الذهبي، و جاء شطر منه في «فرقان القرآن» تأليف الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي في مقدمة كتاب «الأسماء و الصفات» للبيهقي: 129. و قد طبعت صورة خط ابن قاضي شهبة في تكملة السيف الصقيل: 187-189.
2) . طبقات الشافعية الكبرى: 253/9.
3) . طبقات الشافعية: 308/10.
يعرّف والده و يقول: «إمام ناضح عن رسول اللّه بنضاله، و جاهد بجداله، حمى جناب النبوة الشريف، بقيامه في نصره، و تسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره... إلى أن قال: قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، و سول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة و أنكر شدّ الرحال لمجرّد الزيارة، و ما برح يدلج و يسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الّذي لا ينتهك، و قد كادت تذود عنه قسراً صدور الركائب. و تجر قهراً أعنة القلوب بتلك الشبهة الّتي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام... كيف يزار المسجد و يخفى صاحبه، أو يخفيه الإبهام؟ و لولاه - عليه السلام - لما عرف تفضيل ذلك المسجد، و لولاه لما قدّس الوالي، و لا أسس على التقوى مسجد في ذلك النادي شكر اللّه له، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع».(1)
و كان لهذا الكتاب دوي في ذاك العصر، حيث جابه السبكي ضوضاء الباطل بكتابه الهادي، و صار مدار الدراسة و القراءة، و هذا هو الشيخ صلاح الدين الصفدي قرأ الكتاب على المؤلف، يقول السبكي (ولد المؤلف): قرأ علي الشيخ الإمام (المراد تقي الدين السبكي) - رحمه الله - جميع كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة و السلام».(2)
و قال أيضاً في خطبة كتابه «الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية» ما هذا لفظه: «أمّا بعد فإنّه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد،
و نقض من دعائم الإسلام الأركان و المعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب و السنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحق، هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتّباع إلى الابتداع، و شذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، و قال بما يقتضي الجسمية و التركيب في الذات المقدسة، و إنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، و قال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى، و إنّ القرآن محدث تكلم اللّه به بعد أن لم يكن، و إنّه يتكلم و يسكت، و يحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، و تعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، و التزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة، و المخلوق الحادث قديماً، و لم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل، و لا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث و السبعين الّتي افترقت عليها الأُمّة، و لا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة. و كل ذلك و إن كان كفراً شنيعاً، لكنّه تقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع.
ثمّ إنّ السبكي لما وقف على كتاب «منهاج السنة» في الرد على «منهاج الكرامة» للعلامة الحلي، أنشأ قصيدة، و مما جاء فيها ناقداً لابن تيمية قوله:
و لابن تيمية رد عليه و في *** بمقصد الرد و استيفاء أضربه
لكنّه خلط الحق المبين بما *** يشوبه كدراً في صفو مشربه
يرى حوادث لا مبدأ لأولها *** في اللّه سبحانه عما يظن به
لو كان حيّاً يرى قولي و يفهمه *** رددت ما قال أقفو اثر سبسبه
كما رددت عليه بالطلاق و في *** ترك الزيارة ردّاً غير مشتبه(1)
إنّ الشيخ الذهبي من الحنابلة الذين يتعصّبون للمذهب الحنبلي، و مع ذلك نرى أنّه يصف تقي الدين السبكي الّذي ولي مشيخة دار الحديث و خطابة الجامع الأموي بدمشق بقوله:
لِيَهْنَ المنبرُ الأمويُّ لما *** علاه الحاكمُ البحر التقيُّ
شيوخ العصر أحفظهم جميعاً *** و أخطبهم «و أقضاهم عليُّ»
فإذا كان هذا مقام السبكي عند الذهبي، فليكن حجة على الحنابلة ممن يبغض السبكي لنقده نظرية ابن تيمية في الزيارة و غيرها.(2)
قال في «فوات الوفيات» في ترجمته: «إنّه ألّف رسالة في فضل معاوية، و في أنّ ابنه يزيد لا يسب».(3)
هذه الرسالة تعرب عن نزعته الأموية، و يكفي القول في الوالد و الوالد: «وَ وٰالِدٍ وَ مٰا وَلَدَ»(4)أنّه بدّل الحكومة الإسلامية إلى الملكية الوراثية، و دعا عباد اللّه إلى ابنه يزيد، المتكبّر، الخمّير، صاحب الديوك
و الفهود و القرود، و أخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر و السطوة و التوعيد و الإخافة و التهديد و الرهبة، و هو يطلع على خبثه و رهقه، و يعاين سكره و فجوره، و لما استتبّ الأمر ليزيد، أوقع بأهل الحرة الوقيعة الّتي لم يكن في الإسلام أشنع منها و لا أفحش، و ظن أنّه قد انتقم من أولياء اللّه فقال مجاهراً بكفره:
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحي نزل
و هذا هو المروق من الدين، و قول من لا يرجع إلى اللّه و لا إلى دينه و لا إلى كتابه و لا إلى رسوله. ثمّ من أغلظ ما انتهك و أعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّ، بن فاطمة بنت رسول اللّه، مع موقعه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و مكانه منه، و منزلته من الدين و الفضل، و شهادة رسول اللّه له و لأخيه بسيادة شباب أهل الجنة؛ اجتراءً على اللّه، و كفراً بدينه، و عداوة لرسوله، و مجاهدة لعترته، و استهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به و بأهل بيته، قوماً من الكفّار.(1)
قال في كتابه «مرآة الجنان» في ترجمة ابن تيمية: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن تيمية معتقلاً، و منع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة و الورق، و سمع من جماعة و له مسائل غريبة - أنكر
1) . مأخوذ من كتاب (المعتضد) الّذي تلي على رءوس الأشهاد في أيامه. نقله الطبري في تاريخه: 77/11.
عليها و حبس بسببها - مباينة لمذهب أهل السنة، و من أقبحها نهيه عن زيارة النبي - عليه الصلاة و السلام - و طعنه مشايخ الصوفية، و كذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق و غيرها، و كذلك عقيدته في الجهة، و ما نقل فيها من الأقوال الباطلة، و غير ذلك ما هو معروف من مذهبه، و لقد رأيت مناماً في وقت مبارك يتعلّق بعضه بعقيدته، و يدل على خطئه فيها، و قد قدمت ذكره في حوادث سنة 558 ه في ترجمة صاحب «البيان».
و قال: كان ابن تيمية يقول: قوله: «إنّ اللّه على العرش استوى»، استواء حقيقة، و إنّه يتكلّم بحرف و صوت، و قد نودي في دمشق و غيرها:
من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله و دمه!(1).
و قال في حوادث سنة 728 ه: و له مسائل غريبة أنكر عليها و حبس بسببها مباينة لمذهب (أهل السنّة) ثمّ (عدّ له) قبائح، قال: و من أقبحها نهيه عن زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
يقول: «فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الّذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبّع ما تشابه من الكتاب و السنّة ابتغاء الفتنة، و تبعه على ذلك خلق من العوام و غيرهم ممن أراد اللّه عزّ و جلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به، و لا لي أنامل تطاوعني على رسمه و تسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، و كذا الازدراء
1) . مرآة الجنان: 277/4، في حوادث سنة 728 ه و ص 240.
بأصفيائه، المنتخبين و خلفائهم الراشدين، و اتباعهم الموفقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمّة المتّقون، و ما اتّفقوا عليه من تبعيده و إخراجه ببغضه من الدين.(1)
ترجمه ابن حجر في كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» و ذكر حياته على وجه التفصيل و قال: «و أول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة 698 ه قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية، و بحثوا معه، و منع من الكلام» ثمّ ذكر معتقلاته و سجونه إلى أن أدركته المنيّة بما لا حاجة إلى ذكره، و نقتبس مما ذكره الجمل التالية:
أ - يقول: «حكم المالكي بحبسه فأُقيم من المجلس و حبس في برج، ثمّ بلغ المالكي أنّ الناس يترددون عليه، فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل، و إلّا فقد ثبت كفره، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب، و عاد القاضي الشافعي إلى ولايته، و نودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه و ماله، خصوصاً الحنابلة، و قرأ المرسوم و قرأها ابن الشهاب محمود في الجامع، ثمّ جمعوا الحنابلة من الصالحية و غيرها و أشهدوا على أنفسهم أنّهم على معتقد الإمام الشافعي».
ب - نقل عن جمال الدين السرمري أنّه قال: و كان ابن تيمية يتكلم
1) . دفع شبهة من شبّه و تمرّد: 216، طبع بمصر عام 1350 ه.
على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه و الحديث، فيورد في ساعة من الكتاب و السنة و اللغة و النظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس: «... و من ثمّ نصب أصحابه إلى الغلوّ فيه، و اقتضى ذلك العجب بنفسه حتّى زها على أبناء جنسه، و استشعر أنّه مجتهد يرد على صغير العلماء و كبيرهم، قديمهم و حديثهم، حتىٰ انتهىٰ إلى عمر فخطأه في شيء، و قال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثمّ خالف فيها، و كان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة، حتّى أنّه سب الغزالي،.. فعظم ذلك على الشيخ نصر المنبجي، و أعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد المثيرة وقعت منه في مواعيده و فتاواه، فذكروا أنّه ذكر حديث النزول، فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا(1)، فنسب إلى التجسيم، و ردّه على من توسّل بالنبي، فأشخص من دمشق في رمضان سنة (705 ه).
ثمّ يقول: إنّه اختلف الناس بعد إخراجه عن بعض معتقلاته، فمنهم من نسبه إلى التجسيم، لما ذكر في العقيدة الحموية و الواسطية و غيرهما من ذلك، كقوله إنّ اليد و القدم و الساق و الوجه صفات حقيقية للّه، و إنّه مستو على العرش بذاته، فقيل له يلزم من ذلك التحيّز و الانقسام، و منهم من أنكر كون التحيّز و الانقسام من خواص الأجسام(2).
و منهم من ينسبه إلى الزندقة، لقوله: إنّ النبي لا يستغاث به، و إنّ في ذلك تنقيصاً و منعاً من تعظيم النبي، و منهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في
عليّ ما تقدم، و لقوله إنّه كان مخذولاً حيثما توجّه، و إنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، إنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، و لقوله إنّه كان يحب الرئاسة، و إنّ عثمان كان يحبّ المال، و لقوله أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، و عليّ أسلم صبياً و الصبي لا يصحّ إسلامه على قول.(1)
و قد ترجمه جمال الدين في كتابه: «المنهل الصافي و المستوفي بعد الوافي» و مما جاء فيه: قال القاضي كمال الدين الزملكاني: «ثمّ جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، و شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء و الصالحين، و حبّب للناس القيام عليه، و حبس مرات في القاهرة و الإسكندرية و دمشق، و عقد له مجالس بالقاهرة و دمشق، إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة (726 ه) بأن يجعل في قلعة دمشق، فاقام فيها مدة مشغولاً بالتصنيف، ثمّ بعد مدة منع من الكتابة و المطالعة، و أخرجوا ما كان عنده من الكتب، و لم يتركوا عنده دواةً و لا قلماً و لا ورقة.
و مما وقع له قبل حبسه أنّه ناظر بعض الفقهاء، و كتب محضراً، فإنّه قال. أنا أشعري ثمّ أخذ خطه بما نصه:
أنا أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه، و هو صفة من صفات ذاته القديمة، و هو غير مخلوق، و ليس بحرف و لا صوت، و أنّ قوله تعالى «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» ليس على ظاهره، و لا أعلم كنه المراد به،
1) . الدرر الكامنة: 154/1-165.
بل لا يعلمه إلّا اللّه، و القول في النزول كالقول في الاستواء، و كتبه أحمد بن تيمية، ثمّ أشهدوا عليه جماعة أنّه تاب مما ينافي ذلك مختاراً، و شهد عليه بذلك جمع من العلماء و غيرهم».(1)
و ترجمه أيضاً في كتابه الآخر: «النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة»(2)بنفس النص الوارد في «المنهل الصافي».
قال في ترجمة ابن تيمية: «ابن تيمية عبد خذله اللّه، و أضلّه و أعماه و أصمّه و أذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله و كذب أقواله، و من أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته و جلالته و بلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي و ولده التاج و الشيخ الإمام العزّ بن جماعة، و أهل عصرهم و غيرهم من الشافعية و المالكية و الحنفية و لم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب و عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.
و الحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر و حزن و يعتقد فيه أنّه مبتدع، ضالّ، مضلّ، غالٍ، عامله اللّه بعدله، و أجارنا من مثل طريقته و عقيدته و فعله. آمين! إلى أن قال: إنّه قائل بالجهة، و له في إثباتها
جزء، و يلزم أهل هذا المذهب الجسمية و المحاذاة و الاستقرار. أي فلعلّه بعض الأحيان كان يصرّح بتلك اللوازم فنسبت إليه، و ممن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته و إمامته و ديانته، و إنّه الثقة العدل المرتضى المحقق المدقق، فلا يقول شيئاً إلّا عن تثبت، و تحقق، و مزيد احتياط، و تحر، لا سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره، و ردّته، و ضلاله، و إهدار دمه»(1).
و قال أيضاً في كتابه: «الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم»: «فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة و السفر إليها و طلبها، و ابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله، كما رآه السبكي في خطه، و أطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه الأسماع و تنفر منه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، و أنّه لا تقصر فيه الصلاة، و أنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، و تبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه!.
قلت: من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ و هل هو إلّا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، و حججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، و قبائح أوهامه و غلطاته، كالعز بن جماعة: عبد أذلّه اللّه و أغواه، و ألبسه رداء الخزي و بوّأَهُ من قوة الافتراء و الكذب ما أعقبه الهوان، و أوجب له الحرمان...».(2)
و قال ملّا علي القارئ الحنفي في شرحه على الشفاء(1): «و قد أفرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم كما أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة. و جاحده محكوم عليه بالكفر، و لعلّ الثاني أقرب إلى الصواب، لأنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه على الاستحباب يكون كفراً، لأنّه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب».
و قد ترجمه ابن القاضي في ذيل وفيات الأعيان المسمى ب «درة الحجال في أسماء الرجال» قال: «أحمد بن عبد الحليم مفتي الشام و محدّثه و حافظه، و كان يرتكب شواذ الفتاوى، و يزعم أنّه مجتهد».(2)
قال النبهاني في تأليفه «شواهد الحق» بعد نقل أسماء عدة من الطاعنين به: «فقد ثبت و تحقّق و ظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أنّ
علماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابن تيمية، و منهم من طعنوا بصحة نقله، كما طعنوا بكمال عقله، فضلاً عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل الّتي شذّ بها في الدين، و خالف بها إجماع المسلمين، و لا سيما فيما يتعلّق بسيّد المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم».
إنّ الشيخ الكوثري هو أكثر الناس تتبّعاً لمكامن حياة ابن تيمية، و قد شهره و فضحه، بنشر كتاب «السيف الصقيل» للسبكي و جعل له تكملة، نشرهما، معاً فمن وقف على هذا الكتاب و ما ذيّل به، لعرف مواقع الرجل، و إليك كلمة من الكوثري في حق الحشوية، يقول في تقديمه لكتاب «الأسماء و الصفات» للحافظ البيهقي - بعد ما يسرد أسماء عدة من كتب الحشوية كالاستقامة لخشيش بن أصرم، و السنة لعبد اللّه بن أحمد «و النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم -: «إنّ السجزي أول من اجترأ بالقول «إنّ اللّه لو شاء لا ستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم» و تابعه الشيخ ابن تيمية الحراني في ذلك، كما تجد نص كلامه في «غوث العباد» المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي».(1)
و قال أيضاً في مقدمته على السيف الصقيل:
جزى اللّه علماء أُصول الدين عن الإسلام خيراً، فإنّ لهم فضلاً
1) . مقدمة الأسماء و الصفات للبيهقي، ص «ب».
جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بأدلّة ناهضة مدى القرون، أمام كل فرقة زائفة - إلى أن قال -:
و من طالع من ألّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد و الصفات و السنة، و الردود على أهل النظر، يشكر اللّه سبحانه على النور الّذي أفاضه على عقله، حتّى نبذ مثل تلك الطامات بأوّل نظرة.
و قد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط اللّه تعالى، و لاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق، حرّاني تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل و النقل على حسب فهمه من الكتب، بدون أُستاذ يرشده في مواطن الزلل، و حاشا العقل الناهض و النقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تحريف السخفاء إلّا إذا كان العقل عقل صابئي و النقل نقل صبي، و كم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأهّل للجمع بين الرواية و الدراية في شيء، و له مع خلطائه هؤلاء، موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه.
و من درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله، غير مصاب في دينه، و أنّى يوجد نصّ صريح منقول أو برهان صحيح معقول يثبت الجهة و الحركة و الثقل و المكان و نحوها للّه سبحانه؟.
و كل ما في الرجل أنّه كان له لسان طلق، و قلم سيال، و حافظة جيدة، قلّب - بنفسه بدون أُستاذ رشيد - صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل
الّتي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغترّ بما فهمه من تلك الكتب من الوساوس و الهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوة في المعتقد و الأحكام العملية، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار و أمارة مروق في نظر الناظرين، فانفضّ من حوله أُناس كانوا تعجّلوا في إطرائه - بادئ بدء - قبل تجريبه، و تخلّوا عنه واحداً إثر واحد على تعاب فتنة المدونة في كتب التاريخ، و لم يبقَ(1)معه إلّا أهل مذهبه في الحشو من جهلة المقلدة، و من ظن أنّ علماء عصره صاروا كلهم إلباً واحداً ضدّه حسداً من عند أنفسهم، فَلْيَتّهم عقله و إدراكه قبل اتّهام الآخرين، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد و العمل، و هو لم يزل يستتاب استتابة إثر استتابة، و ينقل من سجن إلى سجن إلى أن أفضى إلى ما عمل و هو مسجون فقير، هو و أهواؤه في البابين، بموته و بردود العلماء عليه، و ما هي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق.
و كان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه حيّاً و ميتاً، و يقلده فيها تقليداً أعمى في الحق و الباطل، و إن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال، لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته، دائباً على إذاعة شواذ شيخه، متوخياً - في غالب مؤلفاته - تلطيف
1) . و قال في التعليق: و ثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه، و وجوه الزيغ في مؤلفاته، و منهم من ظن أنه دام على توبته بعد ما استتيب فدام على الثناء، و لا حجة في مثل تلك الأثنية، و أقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلّا غاوٍ غوى، نسأل اللّه السلامة.
لهجة أُستاذه في تلك الشواذ لتنطلي و تنفق على الضعفاء، و عمله كله التلبيس و المخادعة و النضال عن تلك الأهواء المخزية، حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني.
تراه يثرثر في كل وادٍ و يخطب بكل نادٍ، بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل، و لم يكن له حظ من المعقول، و إن كان كثير السرد لآراء أهل النظر، و يظهر مبلغ تهافته لمن طالع شفاء العليل له بتبصّر، و نونيته(1)و عَزَوْه من الدلائل على أنّه لم يكن ممن له علم بالرجال و لا بنقد الحديث، حيث أثنى فيهما على أُناس هلكى، و استدل فيهما بأخبار غير صحيحة على صفات اللّه سبحانه.
و قد ذكره الذهبي في المعجم المختص بما فيه عبرة، و لم يترجم له الحسيني و لا ابن فهد و لا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ، و ما يقع من القارئ بموقع الاعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد و غيره، فمختزل مأخوذ مما عنده عن كتب قيّمة لأهل العلم بالحديث، ك «المورد الهنيء في شرح سير عبد الغني» للقطب الحلبي و نحوه.
و لو لا محلى ابن حزم «و أحكامه» و «مصنف» ابن أبي شيبه «و تمهيد» ابن عبد البر لما تمكن من مغالطاته و تهويلاته في «أعلام الموقعين».
و كم استتيب و عذر مع شيخه و بعده على مخازٍ في الاعتقاد و العمل،
1) . و هي قصيدته البالغة خمسة آلاف بيت في العقائد، و هي الّتي رد عليها السبكي بتأليف كتاب السيف الصقيل، و أكمله محمد الكوثري و أسماه تكملة السيف الصقيل، و ها نحن ننقل هاتيك العبارات منها.
تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ، و سيلقى جزاء عمله هذا في الآخرة - إن لم يكن ختم له بالتوبة و الأمانة - كما لقي بعض ذلك في الدنيا.
قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: «عني بالحديث بمتونه و بعض رجاله و كان يشتغل في الفقه و يجيد تقريره، و في النحو و يدريه، و في الأصلين. و قد حبس مدة لإنكاره على شد الرحل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم عليه السلام) ثمّ تصدر للاشتغال و نشر العلم، لكنّه معجب برأيه جريء على الأُمور.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة: «غلب عليه حب ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، و هو الّذي هذب كتبه و نشر علمه... و اعتقل مع ابن تيمية بالقلة، بعد أن أُهين و طيف به على جمل مضروباً بالدرة، فلما مات أُفرج عنه، و امتحن مرة أُخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، و كان ينال من علماء عصره و ينالون منه».
قال ابن كثير: «كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق، حتى جرت له بسببها أُمور يطول بسطها مع ابن السبكي و غيره... و كان جماعاً للكتب فحصّل منها ما لا يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.. و هو طويل النفس في مصنفاته، يتعانى
الإيضاح جهده، فيسهب جداً، و معظمها من كلام شيخه بتصرف في ذلك، و له في ذلك ملكة قوية، و لا يزال يدندن حول مفرداته و ينصرها و يحتج لها.. و جرت له محن مع القضاة، منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه، و آل الأمر إلى أنّه رجع عما كان يفتي به من ذلك».
و قال التقي الحصني: كان ابن تيمية ممن يعتقد و يفتي بأنّ شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة، و يصرّح بقبر الخليل و قبر النبي (صلى اللّه عليهما و سلم)، و كان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي، و إسماعيل بن كثير الشركويني، فاتّفق أنّ ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف، ورقي على منبر في الحرم و وعظ و قال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: و ها أنا راجع و لا أزور الخليل.
ثمّ جاء إلى نابلس، و عمل له مجلس وعظ، و ذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فقام إليه الناس و أرادوا قتله، فحماه منهم والي نابلس، و كتب أهل القدس و أهل نابلس إلى دمشق يعرّفون صورة ما وقع منه، فطلبه القاضي المالكي فتردد و صعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي و أسلم على يديه، فقبل توبته و حكم بإسلامه و حقن دمه، و لم يعزّره لأجل ابن تيمية... ثمّ أحضر ابن قيم الجوزية و ادُّعي عليه بما قاله في القدس الشريف و في نابلس فأنكر، فقامت عليه البينة بما
قاله، فأُدّب و حُمل على جملٍ، ثمّ أُعيد إلى السجن، ثمّ أُحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي و أرادوا ضرب عنقه، فما كان جوابه إلّا أن قال: إنّ القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي و بإسلامي و قبول توبتي، فأُعيد إلى الحبس إلى أن أُحضر الحنبلي فأخبر بما قاله، فأُحضر و عزّر و ضرب بالدرة، و أُركب حماراً و طيف به في البلد و الصالحية، و ردّوه إلى الحبس - و جرسوا ابن القيم و ابن كثير، و طيف بهما في البلد و على باب الجوزية لفتواهم في مسألة الطلاق.
قال ابن رجب: قد امتحن و أُوذي مرات، و حبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً، لم يفرج عنه إلّا بعد موت الشيخ.
و قد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه و أضداده و المتحايدين في حقه، ليعتبر بها المغرورون به. على أنّ الخبر اليقين فيما يجده القارئ الكريم في حقه في هذا الكتاب، و أرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقّه فيما كتبناه.
و أحق الناس بالرثاء و أجدرهم بالترحّم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخيّر أُستاذاً رشيداً يهديه، و مثله إذا دوّن أسفاراً لا يزداد بها بعداً عن اللّه و أوزاراً، و هو الّذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلّا بسمعه و لا يبصر إلّا ببصره في جميع شئونه، و يبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى، و لو فكر قليلاً لكان أدرك أنّ من السخف بمكان، وضعه لشيخه في إحدى كفّتي الميزان ليوازن به جميع العلماء و الفقهاء من هذه الأُمة في كفته الأُخرى فيزنهم و يغالبهم به
فيغلبهم في علومهم!! و هذا ما لا يصدر من حاظٍ بعقله، و لا سيما بعد التفكير في تلك المخازي من شواذه.
نعم، يمكن أن يكون عنده أو عند شيخه بعض تفوق في بعض العلوم على بعض مشايخ حارته، أو أهل خطته أو قريته أو مضرب خيام عشيرته، لكن لا يوجب هذا أن يصدق ظنه في حق نفسه أن جوّ هذه الأرض يضيق عن واسع فهومه، و عرض هذه البحار لا يتّسع لزاخر علومه».(1)
قال: «بدأ ابن تيمية حياته بطلب العلم على ذكاء و تصالح، و رفق به أكابر العلماء، لأنّ أباه كان رجلاً هادئاً و كان من بيت علم، فساندوه و شجّعوه و أثنوا عليه خيراً، حتّى إذا أقبل عليه الناس بدأ يظهر بالبدع، و أبطرته الغرة، فتمادى في التعصب لآرائه، و ما زال يتلاعب به الهوى حتّى كان مجموعة بدع شنعاء، و دائرة جهالات و أباطيل شوهاء، فتجده في مسائل من علم التوحيد حشوياً كرامياً، يقول في اللّه بالأجزاء و الجهة و المكان، و النزول و الصعود الحسيّين، و حلول الحوادث بذاته تعالى، و من ناحية أُخرى تجد فيه حضيضة الخوارج، يكفّر أكابر الأُمة و يخطّئ أعاظم الأئمة و قال: من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين و الأولياء من أهل القبور، أو ذبح له ذبيحة كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم و ينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه فيكون بذلك كافراً، و يطيل في ذلك الكلام، و اغترّ بكلامه بعض من
1) . تكملة السيف الصقيل: 4-9.
تأخّر عنه من العلماء ممن ابتلي بصحبته أو صحبة تلاميذه، و هو منه تلبيس في الدين، و صرف إلى معنى لا يريده مسلم من المسلمين، و من خبر حال من فعل ذلك من المسلمين وجدهم لا يقصدون بذبائحهم و نذورهم للمتقين من الأنبياء و الأولياء إلّا الصدقة عنهم، و جعل ثوابها إليهم، و قد علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقدة على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات واصلة إليهم.
و لقد تعدّى هذا الرجل حتّى على الجناب المحمدي فقال: إنّ شدّ الرحال إلى زيارته معصية، و إنّ من ناداه مستغيثاً به بعد وفاته فقد أشرك، فتارة يجعله شركاً أصغر، و أُخرى يجعله شركاً أكبر، و إن كان المستغيث ممتلئ القلب بأنّه لا خالق و لا مؤثر إلّا اللّه، و أنّ النبي إنّما ترفع إليه الحوائج و يستغاث به، على أنّ اللّه جعله منبع كل خير، مقبول الشفاعة، مستجاب الدعاء كما هي عقيدة جميع المسلمين مهما كانوا من العامة.
و قد أوضح ذلك كل الإيضاح قبلنا أكابر جهابذة العلم لا سيما علَمُ أعلام هذا العصر، حامل لواء الحكمة الإسلامية، و أحد جماعة كبار العلماء بحق، الشيخ يوسف الدجوي، فيما كتبه في مجلة الأزهر - أدم اللّه تأييده بروح منه، و جلله بالعافية من لدنه -.
و هذه البدعة من مبتكراته قد اغتر بها ناس، فقالوا بكفر من عداهم من جماهير المسلمين، و سفكت في ذلك دماء لا تحصى، و قد أُلفت الكتب الكثيرة في رد هذه البدعة و فروعها، بين مطوّل قد جوّده صاحبه، و مختصر أفاده مؤلفه و أجاد.
و من عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأوّلين و الآخرين كذباً و زوراً، و ربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة، فتجده في منهاجه مثلاً يدّعي أنّه ما من حادث إلّا و قبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثمّ يقول: و على ذلك أجمع الصحابة و التابعون. و بعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أول مخلوق ما هو؟ أ هو القلم أم الماء؟ و بينما تراه يتكلّم بلسان أهل الحق المنزهين، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً(1)
أو لعل المراد: نسبته إلى من يقول في اللّه بالجهة.
، و سمّى كل من لا يقول بذلك معطّلاً، و زنديقاً، و كافراً، و قد جمع تلميذه «ابن زفيل» سفاهاته و وساوسه في علم أُصول الدين، في قصيدته النونية، و بينما تراه يسب جهماً و الجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى، و أنّ أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً - إلى أن قال -: و ليس من غرضنا بسط الكلام في بدع هذا الرجل، فقد كفانا العلماء - شكر اللّه سعيهم - من عصره إلى هذا العهد، المؤنة بالتصانيف الممتعة في الرد عليها، و لكن رفع الجهل رأسه في عصرنا هذا، و انتدب ناس من شيعته لطبع الكثير من كتبه و كتب تلميذه ابن زفيل، ففضحوا الرجل و شهّروا به عند المحقّقين من أهل الفقه في الدين، و تبيّنت صحّة نسبة ما كان يتورع العلماء عن نسبته إليه، و إنّ نصيحتي الّتي أسديها لكن مسلم نصيحة للّه و لرسوله و لكتابه و أئمة المسلمين و عامتهم، هي لزوم جماعة المسلمين في أُصول الدين و فروعه، و لو لا أنّي أشفق على القارئ أن يملّ لتحدّثت إليه طويلاً فيما1) . كذا في النسخة و لعل المراد: «جهمياً».
أصاب الإسلام و المسلمين من عظائم هذا الرجل، و لبسطت له ما قال أكابر العلماء فيه و في شيعته، و لكنّي أرجو أن يكون ما قدّمته كافياً لذوي النهى».(1)
ألّف الشيخ محمد أبو زهرة، كتاباً في حياة ابن تيمية و شخصيته، و مع أنّه أغمض عن كثير من الجوانب السلبية في حياته، و أخرج كتابه على وجه يلائم روح المحايدة في الكتابة، و مع ذلك انتقده في موارد، و منها: منعه التبرك بآثار النبي. يقول: «دفن النبي في حجرة عائشة لأنّ يكون قبره قريباً من المسجد، و أن يكون قبره معروفاً غير مجهول، فإنّه لو دفن بالبقيع في الصحراء، فقد يجهل موضعه، و يكون بعيداً عن مسجده، و أمّا إذا دفن في حجرة عائشة فإنّه يكون قريباً من مهبط الوحي و مبعث الدعوة و مكان التنزيل، و بعد فإنّا نخالف ابن تيمية منعه التبرك بزيارة قبر الرسول و المناجاة عنده، و عدم الندب إليه، و إنّ التبرك الّذي نريده ليس هو العبادة أو التقرب إلى اللّه بالمكان. إنّما التبرك هو التذكّر و الاعتبار و الاستبصار. و أيّ امرئ مسلم علم حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و سيرته، و هدايته، و غزواته و جهاده، ثمّ يذهب إلى المدينة و لا يحس بأنّه في هذا المكان كان يسير الرسول و يدعو و يعمل و يدبّر و يجاهد، أو لا يعتبر و لا يستبصر، أو لا يحس بروحانية الإسلام و عبقرية النبي الأمين، أو لا تهزّ أعطافه محبة للّه و رسوله و الأخذ بما أمر اللّه
1) . فرقان القرآن: 132-137. و قد فرغ المؤلف منه سنة 1358 ه.
به، و الانتهاء عمّا نهى عنه إلّا من أعرض عن ذكر اللّه و لم يكن من أُولي الأبصار؟ إنّ الزيارة إلى قبر الرسول هي الذكرى و الاعتبار، و الهدي و الاستبصار و الدعاء عند القبر دعاءً، القلب خاشع، العقل خاضع، و النفس مخلصة، و الوجدان مستيقظ، و إنّ ذلك أبرك الدعاء».(1)
و هذه النصوص الرائعة من أئمة الحديث و التفسير و الكلام في حق الرجل تغنينا عن إفاضة القول فيه، و قد اكتفينا بهذا المقدار عن الكثير، فإنّ الناقدين له أكثر مما ذكرنا. و قد نشر كتيب باسم «الوهابية في نظر المسلمين»(2)، و ذكر بعض من لم نذكره، كما أنّه لم يذكر بعض ما ذكرنا من النصوص.
و الّذي يعرب عن أنّ الرأي العام يوم ذاك كان ضدّه هو أنّ لفيفاً من العلماء من معاصريه و المتأخّرين عنه ردّوا عليه بكتب و رسائل فندوا فيها شبه الرجل حول الصفات الخبرية أوّلاً، و الزيارة و التوسّل ثانياً، إلى غير ذلك مما أثار عجاباً في الساحة الإسلامية، و إليك الإيعاز بالردود الّتي كتبت على آرائه.
و إليك قائمة ممن ألف كتاباً أو رسالة حول آرائه:
1 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام، لتقي الدين السبكي.
2 - الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية، له أيضاً.
3 - المقالة المرضية، لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبد اللّه الأخنائي.
4 - نجم المهتدي و رجم المقتدي، للخفر ابن المعلم القرشي.
5 - دفع شبه من شبه و تمرد و نسب ذلك إلى الإمام أحمد، لتقي الدين الإمام أبي بكر الحصني الدمشقي (المتوفّى 729 ه).
6 - التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة، لتاج الدين عمر بن علي اللخمي المالكي الفاكهاني (المتوفّى 734 ه).
و مما جاء فيه قوله: أخبر جمال الدين عبد اللّه بن محمد الأنصاري المحدث قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق، فقصد زيارة نعل رسول اللّه الّتي بدار الحديث الأشرفية بدمشق، و كنت معه، فلما رأى النعل المكرمة، حسر عن رأسه، و جعل يقبله و يمرغ وجه عليه و دموعة تسيل و أنشد:
فلو قيل للمجنون: ليلى و وصلها *** تريد أم الدنيا و ما في طواياها
لقال غبار من تراب نعالها *** أحب إلى نفسي و أشفى لبلواها(1)
7 - اعتراضات على ابن تيمية، لأحمد بن إبراهيم السروطي
1) . الغدير: 155/5 نقلاً عن الديباج المذهب
الحنفي.(1)
8 - إكمال السنة في نقض منهاج السنة، للسيد مهدي بن صالح الموسوي القزويني الكاظمي (المتوفّى 1358 ه).(2)
9 - الإنصاف و الانتصاف لأهل الحق من الإسراف، في الرد على ابن تيمية الحنبلي الحراني، فرغ منه مؤلفه سنة (757 ه)، توجد نسخة منه في المكتبة الرضوية - مشهد - رقم 5643.
10 - البراهين الجلية في ضلال ابن تيمية، للسيد حسن الصدر الكاظمي (المتوفّى 1354 ه).(3)
11 - البراهين الساطعة، للشيخ سلامة العزامي (المتوفّى 1379 ه)(4).
12 - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (أحمد بن تيمية و أحمد بن حجر)، للشيخ نعمان بن محمود الآلوسي.(5)
13 - الدرة المضيّة في الرد على ابن تيمية، لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي كمال الدين المعروف بابن الزملكاني.(6)
14 - الرد على ابن تيمية في الاعتقاد، لمحمد بن حميد الدين الحنفي
الدمشقي.(1)
و في الختام نثبت في المقام صورة الفتيا الّتي أصدرها الشاميون و نقلها الشيخ محمد زاهد الكوثري في «تكملة السيف الصقيل»، و إليك ما ذكره:
«و قد أصدر الشاميون فتياً و كتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء، إلى أن قال بتكفيره، و وافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، و كتب تحت خطه، كذلك المالكي، ثمّ عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر: البدر بن جماعة، فكتب على ظاهر الفتوى:
الحمد للّه، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء و الصالحين بدعة، و ما ذكره من نحو ذلك، و من أنّه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء، باطل مردود عليه، و قد نقل جماعة من العلماء أنّ زيارة النبي فضيلة و سنة مجمع عليها، و هذا المفتي المذكور - يعني: ابن تيمية - ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة و العلماء، و يمنع من الفتاوى الغريبة، و يحبس إذا لم يمتنع من ذلك، و يشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.
و كتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي.
1) . معجم المؤلفين: 316/8.
و كذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري، الحنفي: لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً، و كذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي، و يبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة و غيرها من المفاسد.
و كذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي:
و هؤلاء الأربعة قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة (726 ه).(1)
و لو أردنا أن نستقصي كل ما كتب رداً على ابن تيمية، لخرجنا عمّا هو الهدف، و كفى في ذلك ما نشر باسم «الوهابية في نظر المسلمين».(2)
إلى هنا تمّ تبيين الرأي العام في ابن تيمية، في حياته و مماته، و قد عرفت ما هو الحق، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء و إن كان له قيمة - و لكنّه تقييم تقليدي لهم - و من أراد تقييمه عن اجتهاد و إمعان فيجب أن يستعرض آراءه و أقواله من كتبه و رسائله، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال، و عندئذٍ يصدر القاضي عن اجتهاد و إمعان، لا عن تقليد و اقتداء بالغير، و لأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة، و نكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة، و قام العلماء في وجهه كصف واحد، و زجروه و عاتبوه و نفوه و سجنوه، إلى أن مات في سجن دمشق، و لا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل و فضيلة في نواح من
العلوم الإسلامية، فإنه لو لا تحلّيه بالذكاء و التوقّد، أو بالعلم بالكتاب و السنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية، و لم يكن لآرائه قيمة، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه و ضلاله إلّا إذا خلط الحق بالباطل - و إلّا - فالباطل المطلق لا يكون له نجاح و نفوذ، و لنعم ما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:
«إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، و يتولى عليها رجال رجالاً، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخف على المرتادين، و لو أنّ الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين، و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، و ينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى».(1)
1) . نهج البلاغة: الخطبة 49.
إنّ أكثر شيء تداولاً و أرخصه في كتب الوهابيين و دعاياتهم هو اتّهام المسلمين بالشرك و البدعة، و كأنهم لا يجدون في كنانتهم شيئاً يرمون به المسلمين سوى هاتين الفريتين.
ترى أنّهم يتّهمون جميع المسلمين من عرب و عجم و سنّة و شيعة بالشرك في العبادة، و أنه ليس تحت السماء و فوق أديم الأرض أُمّة موحّدة سوى محمد بن عبد الوهاب و أتباعه.
كما أنّهم بدل تكريم المسلمين عند اللقاء، و تهنئتهم بالتسليم و نشر العطور و نثر الأزاهير عليهم، يتهمونهم بالابتداع، و يسمّونهم بالمبتدعة.
و لأجل ذلك يجب على كل محقّق و ناقد لمزاعم الوهابيين الموروثة من ابن تيمية القيام بأمرين مهمين و هما:
1 - تحديد العبادة تحديداً منطقياً بحيث يكون جامعاً و مانعاً.
2 - تحديد البدعة تحديداً دقيقاً مثل الشرك في العبادة.
ثمّ القيام بتطبيق ما أوقفه عليه البحث و التنقيب على ما يصفونه بالشرك و البدعة، حتّى يتبيّن أنّ التطبيق صحيح أو لا؟ فها نقدّم إليك أيّها القارئ الكريم بحثاً ضافياً حول هذين الموضوعين المهمين، حتّى يتّضح الحقّ بأجلى مظاهره، و تقف على أنّ أكثر من يصفونه بالشرك و البدعة خيال و ضلال و جهل بحقيقتهما.
إنّ المفتاح الوحيد لردّ شُبَهِ الوهابيين هو تحديد العبادة و تمييزها عن غيرها، فما لم يتحدّد مفهوم العبادة بشكل منطقي حتّى تتميز في ضوئه العبادة من غيرها، لم يكن البحث و النقاش ناجحاً، و لأجل ذلك نخصّص هذا الفصل لتعريف العبادة، و نبيّن ما ذكر حولها من التعاريف.
إنّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في الكتب الكلامية و التفسيرية، و نحن نشير إلى هذه المراتب على وجه الإجمال، و نركّز على التوحيد في العبادة:
الأُولى: التوحيد في الذات، أو التوحيد الذاتي، و المراد منه هو: أنّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له. قال سبحانه: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ»(1).
الثانية: التوحيد في الخالقية، و المراد منه هو: أنّه ليس في صفحة
1) . الإخلاص: 1.
الوجود خالق أصيل غير اللّه، و لا مؤثر مستقل سواه، و أنّ تأثير سائر الأسباب الطبيعية و غيرها بأمره و إذنه و إرادته سبحانه. قال سبحانه:
«قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ»(1).
الثالثة: التوحيد في الربوبية و التدبير، و المراد منه أن للكون مدبّراً واحداً و متصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر، و أنّ تدبير الملائكة و سائر الأسباب بأمره و إذنه، فلم يفوّض أمر التدبير إلى الأجرام السماوية و الملائكة و الجن. قال سبحانه: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مٰا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ»(2).
و المراد من الشفيع هو العلل الطولية، و سُمّي بالشفيع لأنّ تأثيره متوقف على ضمّ إذنه سبحانه إليه، و الشفع هو الضم، سمّي السبب شفيعاً، لأنّه يؤثر بانضمام إذنه تعالى.
و إذ انتهى إليه كلّ تدبير من دون الاستعانة بمعين، أو الاعتضاد بأعضاد، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأُمور - و هو الشفاعة - إلّا من بعد إذنه تعالى، فهو سبحانه السبب الأصلي الّذي لا سبب بالأصالة دونه، و أمّا الأسباب فإنها أسباب بتسبيبه، و شفعاء من بعد إذنه(3).
الرابعة: التوحيد في التشريع و التقنين، و المراد منه حصر الحاكمية التشريعية في اللّه، فليس لأحد أن يأمر و ينهى و يحرّم و يحلّل إلّا اللّه
سبحانه. قال تعالى: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ أَمَرَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ»(1).
الخامسة: التوحيد في الطاعة، و المراد منه هو: أنه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلّا اللّه تعالى، فهو وحده الّذي يجب أن يطاع، و لو وجبت طاعة النبي فإنما هو بإذنه. قال سبحانه «فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَ اِسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا»(2).
السادسة: التوحيد في الحاكمية، و المراد منه هو: أن جميع الناس سواسية، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات، بل الولاية للّه المالك الخالق، فمن مارس الحكم في الحياة يجب أن يكون بإذنه، قال سبحانه: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفٰاصِلِينَ».(3)
السابعة: التوحيد في الشفاعة و المغفرة، و المراد منه هو: أن كلا من الشفاعة و المغفرة حق مختص به فلا يغفر الذنوب إلّا هو، و لا يشفع أحد إلّا بإذنه. قال سبحانه: «وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللّٰهُ»(4).
و قال سبحانه: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ»(5).
الثامنة: التوحيد في العبادة، و حصرها في اللّه سبحانه، فلا معبود إلّا هو، لا يشاركه فيها شيء، و هذا الأصل مما اتفق عليه الموحدون، فلا تجد موحداً يجوّز عبادة غير اللّه. إنّما الكلام في المصاديق و الجزئيات، و أنّ هذا العمل مثلاً (الاستغاثة بالأولياء و طلب الدعاء منهم و التوسّل بهم) هل هو
عبادة لهم حتّى يحكم على المرتكب بالشرك، لأنّه عبد غير اللّه، أوْ لا؟ و هذا هو البحث الّذي عقدنا هذا الفصل لبيانه، و ما تقدم ذكره من أقسام التوحيد كان استطراداً في الكلام.(1)
أمّا الأول فالمراد من الربوبية هو تدبير المربوب و إدارته، و أن وظيفة الرب الّذي هو بمعنى الصاحب، إدارة مربوبه، كرب الدابة و الدار و البستان بالنسبة إليها. فالتوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية، و إن كان ربما تنتهي الربوبية إلى الخالقية. راجع مفاهيم القرآن: 379/1، فصل التوحيد في الربوبية و التدبير
و أمّا الثاني، أعني التوحيد في الألوهية فهو مبنيّ على أن الإله بمعنى المعبود، و لكنه خطأ، بل هو و لفظ الجلالة بمعنى واحد، غير أن الأوّل كلّيّ و الثاني علم لواحد من مصاديق ذلك الكلّي.
و من أراد التفصيل فليرجع إلى مفاهيم القرآن، الجزء الأوّل: 487، باب ما معنى الألوهية و ما هو ملاكها. و على ضوء هذا كلّما أطلقنا لفظ الإله أو الألوهية فلا نريد منه إلّا هذا، لا المعبود.
جاءت لفظة العبادة في المعاجم بمعنى الخضوع و التذلّل. قال ابن منظور: أصل العبودية: الخضوع و التذلّل، و قال الراغب: العبودية إظهار التذلّل، و العبادة أبلغ منها، و لكن هذه التعاريف و أمثالها كتفسيرها بالطاعة كما في القاموس، كلها تفسير بالمعنى الأعم، فليس التذلّل و إظهار الخضوع و الطاعة نفس العبادة، و إلّا يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم أن يلتزم بها:
1 - يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد، و التلميذ أمام الأُستاذ، و الجندي أمام القائد، عبادةً لهم.
1) . إنّ الوهابية تعترف بنوعين من التوحيد و هما التوحيد الربوبي و التوحيد الألوهي، و يفسرون الأول بالتوحيد في الخالقية، و الثاني بالتوحيد في العبادة، و كلا الاصطلاحين خطأ.
قال تعالى: «وَ اِخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ»(1).
2 - يلزم أن يكون سجود الملائكة لآدم، الّذي هو من أعلى مظاهر الخضوع، عبادةً لآدم. قال سبحانه: «وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ...»(2).
3 - يلزم أن يكون سجود يعقوب و زوجته و أبنائه ليوسف عبادة له. قال سبحانه: «وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قٰالَ يٰا أَبَتِ هٰذٰا تَأْوِيلُ رُءْيٰايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهٰا رَبِّي حَقًّا».(3)
4 - يلزم أن يكون تذلل المؤمن عبادة له، مع أنه من صفاته الحميدة، قال تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ»(4).
كل ذلك يدفع بنا إلى القول بأنّ تفسير العبادة بالتذلّل و التخضّع أو إظهارهما، و بالطاعة و ما يشابه ذلك تفسير بالمعنى الأعم، و لا يكون الخضوع ضعيفهُ و شديدهُ عبادةً إلّا إذا دخل فيه عنصر قلبي خاص يميزه عن مماثلاته و مشابهاته، و هذا العنصر عبارة عن أحد الأُمور التالية:
1 - الاعتقاد بأُلوهية المعبود.
2 - الاعتقاد بربوبيته.
3 - الاعتقاد باستقلاله في الفعل من دون أن يستعين بمعين أو يعتمد على معاضد.
إنّ هذه العبارات الثلاثة تهدف إلى أمر واحد، و هو أنّ مقوّم العبادة ليس هو ظواهر الأفعال و صورها، بل مقومها هو باطن الأعمال و مناشئها، و الخضوع الّذي ينبعث عن اعتقاد خاص في حق المعبود، و هو:
إمّا عبارة عن الاعتقاد بأُلوهية المعبود، سواء أ كانت أُلوهية حقيقية أم أُلوهية كاذبة مدّعاة، فاللّه سبحانه إله العالم و هو الإله الحقيقي الّذي اعترف به كلّ موحّد على وجه الأرض، كما أنّ الأوثان و الأصنام آلهة مدّعاة اعتقد بأُلوهيتها عبدتها و العاكفون عليها، فاللّه سبحانه عند المشركين كان إلهاً كبيراً و هؤلاء آلهة صغيرة، وزّعت شئون الإله الكبير عليهم.
أو عبارة عن الاعتقاد بربوبية المعبود، و أنّه المدبّر و المدير بنفسه.
أو عبارة عن الاعتقاد باستقلال الفاعل في فعله و إيجاده، سواء أ كان مستقلاً في وجوده و ذاته كما هو شأن الإله الكبير عند المشركين، أم غير مستقل في ذاته و مخلوقاً للّه سبحانه، و لكنه يملك شئونه سبحانه من المغفرة و الشفاعة، أو التدبير و الرزق أو الخلق، إلى غير ذلك مما هو من شئونه سبحانه، و المراد من تملّكه بعض هذه الشئون أو كلها، هو استقلاله في ذلك المجال، فكأنه سبحانه فوضها إليه و تقاعد هو عن العمل .
هذه هي الملاكات الّتي تضفي على كل خضوع خفيف أو شديد، لون العبادة و تميّزه عن أي تكريم و تعظيم للغير. و في الآيات القرآنية إلماعات إلى هذه القيود الّتي ترجع حقيقتها إلى أُمور ثلاثة:
أمّا الأوّل: فإليك بعض الآيات: قال سبحانه: «أَمْ لَهُمْ إِلٰهٌ غَيْرُ اَللّٰهِ
سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يُشْرِكُونَ»(1)، فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بأُلوهية غير اللّه هو الملاك للشرك. يقول سبحانه: «إِنَّهُمْ كٰانُوا إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ يَسْتَكْبِرُونَ»(2)، أي إنّهم يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بأُلوهية معبوداتهم، و يعبدونها بما أنّها آلهة حسب تصورهم، و لأجل تلك العقيدة السخيفة، قال تعالى: «إِذٰا دُعِيَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّٰهِ اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ»(3).
و قال سبحانه: «وَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذٰا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذٰا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»(4).
و الآيات في هذا المجال وافرة جداً لا حاجة لنقلها، و من تدبّر في هذه الآيات يرى أنّ التنديد بالمشركين لأجل اعتقادهم بأُلوهية أصنامهم و أوثانهم. قال سبحانه: «اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»(5).
و أمّا الثاني: أي كون الاعتقاد بالربوبية مؤثراً في إضفاء طابع العبادة على الخضوع، فيكفي قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»(6).
و قال تعالى: «ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ»(7).
فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه «ربكم» في الآية الأُولى أو «ربكم و خالق كلّ شيء» في الآية الثانية، يعرب عن أن الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد، و بالتالي ينتج أنه لا يتصف الخضوع بصفة العبادة إلّا إذا اعتقد الإنسان أنّ المخضوع له خالق و رب أو ما يقاربه، و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينفي صلاحية من في السماوات و الأرض لأن يكون معبوداً لأجل أنّهم عباد الرَّحمن، قال: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي اَلرَّحْمٰنِ عَبْداً»(1)، فليسوا أرباباً ليدبّروا أُمورهم، و لا خالقين ليخلقوهم.
نعم، الاعتقاد بالربوبية ينحل إلى الاعتقاد بأنه يملك شئون العابد، إمّا في جميع الجهات كما هو الحال في إله العالم عند الموحّدين، أو بعض الشئون كالشفاعة و المغفرة، أو قضاء الحوائج و رفع النوازل، كما هو الحال في الآلهة الكاذبة عند المشركين، و لأجل ذلك نرى أنّه سبحانه ينفي عن معبوداتهم كونهم مالكين لكشف الضر. قال: «لاٰ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لاٰ ضَرًّا»(2)، و قال تعالى: «فَلاٰ يَمْلِكُونَ كَشْفَ اَلضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لاٰ تَحْوِيلاً»(3)و قال: «لاٰ يَمْلِكُونَ اَلشَّفٰاعَةَ إِلاّٰ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمٰنِ عَهْداً»(4).
و قال: «إِنَّ اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ لاٰ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً»(5)إلى غير ذلك من الآيات الّتي تنفي بتاتاً، تملّك معبوداتهم المدعاة شيئاً من شئونه سبحانه.
و هذا يعرب عن أنّ وجه اتّصاف خضوعهم بالعبادة و دعائهم لها، هو اعتقادهم بأنّهم أرباب يملكون ما ينفع في حياتهم عاجلاً أو آجلاً، و يؤيد ذلك ما كانوا يردّدون في ألسنتهم حين الطواف و السعي و يقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك، تملكه و ما ملك .
و أما الثالث: و هو الاعتقاد بكون المخضوع له مستقلاً إمّا في ذاته و فعله، أو في فعله فقط، فترى الإلماع إليه في غير موضع من كتاب اللّه العزيز، و هو توصيفه سبحانه بالقيوم، قال سبحانه: «اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ»(1)، و قال: «وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ»(2). و المراد منه هو الموجود القائم بنفسه، ليس فيه شائبة من الفقر و الحاجة، و أنّ كل ما سواه قائم به، و من المعلوم أنّ القائم بنفسه و الغني في ذاته، غني في فعله عن غيره، فلو استغثنا بأحد باعتقاد أنه يملك كشف الضر عنّا فقد طلبنا فعل اللّه سبحانه من غيره، لأنه تعالى وحده الّذي يملك كشف الضر لا غيره، و الغني في الفعل هو اللّه سبحانه، فلو أقمنا موجوداً آخر مكان اللّه سبحانه في مجال الإيجاد، و زعمنا أنه يخلق و يرزق و يدبّر الأُمور، أو أنه يغفر الذنوب و يقضي الحاجات من عند نفسه، أو بتفويض من اللّه سبحانه و اعتزاله عن الساحة، فقد وصفناه بالربوبية أولاً (التعريف الثاني)، و لو زعمنا أنه قائم بنفس الفعل الّذي يقوم به سبحانه ثانياً، فكأنّنا أعطينا غيره صفة من صفاته سبحانه، و هي القيومية و لو في مجال الإيجاد (التعريف الثالث).
هذا و للتفويض شئون واسعة:
منها تفويض اللّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة و الأنبياء و الأولياء، و يسمّى بالتفويض التكويني.
و منها تفويض الشئون الإلهية إلى عباده كالتقنين و التشريع و المغفرة و الشفاعة، و يسمّى بالتفويض التشريعي.
و هذا هو الذكر الحكيم يصف أهل الكتاب بأنهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه يقول: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ»(1).
إنّ أهل الكتاب لم يعبدوهم من طريق الصلاة و الصوم لهم، و إنّما أشركوهم في تفويض أمر التشريع و التقنين إليهم، و زعموا أنهم يملكون شأناً من شئونه سبحانه.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «و اللّه ما صَامُوا لَهُم، وَ لاَ صَلُّوا لَهُم، وَ لَكِن أحَلُّوا حراماً وَ حَرّموا عَلَيْهِم حَلَالاً فاتّبعوهم»(2).
روى الثعلبي في تفسيره: عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه و في عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي، اطرح هذا الربق من عنقك» قال: فطرحته، ثمّ انتهيت إليه و هو يقرأ هذه الآية: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً» حتّى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أ ليس
يحرّمون ما أحلّه اللّه، فتحرّمونه، و يحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادة.(1)
و في ضوء هذا البحث الضافي تستطيع أن تميّز العبادة عن غيرها، و التعبّد عن التكريم، و الخضوع العبادي عن التعظيم العرفي و تقف على أنّ سجود الملائكة لآدم، و يعقوب و زوجته و أبنائه ليوسف، لم تكن عبادة قط، و ما هذا إلّا لأن خضوعهم لم يكن نابعاً عن الاعتقاد بأُلوهيتهما أو ربوبيتهما، أو أنّهما يملكان شئون اللّه سبحانه، كلها أو بعضها، و يقومان بحاجة المستنجد بنفسهما و ذاتهما.
و مما يؤيد أنّ خضوع المشركين أمام أوثانهم و أصنامهم كان ممزوجاً بالاعتقاد بكونهم آلهة صغيرة، أو أرباباً، و موجودات تملك شئون الرب أو بعضها، أنهم كانوا يصفونها بأنّها أنداد للّه سبحانه. قال سبحانه: «وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَنْدٰاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللّٰهِ»(2)، و لمّا زعموا أنّ معبوداتهم المصطنعة، تستجيب دعاءهم و تشفع لهم مثله، عادوا يحبّونها كحب اللّه، و يذكر في آية أُخرى أنّ المشركين كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين.
قال سبحانه: «تَاللّٰهِ إِنْ كُنّٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(3).
و المراد هو التسوية في شئونه سبحانه جميعها أو بعضها، و أمّا التسوية في العبادة فكانت من شئون ذلك الاعتقاد، فإنّ العبادة خضوع من الإنسان للمعبود، فلا تتحقق إلّا أن يكون هناك إحساس من صميم ذاته بأن للمعبود سيطرة غيبية عليه، يملك شئونه في حياته، و كان المشركون في ظل هذه العقيدة يسوّون أوثانهم برب العالمين. و بالتالي يعبدونهم. و ليس المراد من التسوية هو التسوية في خصوص توجيه العبادة، إذ لم يعهد من المشركين المتواجدين في عصر الرسول توجيه العبادة إلى اللّه، و يؤيد ذلك: أنّ الوثنية دخلت مكة و نواحيها أوّل ما دخلت بصورة الشرك في الربوبية، و في ذلك يكتب ابن هشام:
كان عمرو بن لحي أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة و نواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، و عند ما سألهم عما يفعلون بقوله: «ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدونها؟» قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، و نستنصرها فتنصرنا. فقال لهم:
أ فلا تعطونني منه فأسير به إلى أرض العرب فيعبدون؟!.
ثمّ إنّه استصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم (هبل)، و وضعه على سطح الكعبة المشرفة و دعا الناس إلى عبادتها.(1)فطلب المطر من هذه الأوثان يكشف عن اعتقادهم بأن لهذه الأوثان دخلاً في تدبير شئون الكون و حياة الإنسان.
1) . سيرة ابن هشام: 79/1.
ثمّ إنّ الوهابيين لما لم يضعوا للعبادة حدّاً منطقياً تتميّز به عن غيرها، عمدوا إلى وضع ملاكات للعبادة، عجيبة جداً، و هي مبثوثة في كتبهم و ثنايا دعاياتهم و هي:
1 - الاعتقاد بالسلطة الغيبية.
2 - الاعتقاد بأنّ المدعو يقضي حاجته بسبب غير عادي.
3 - طلب الحاجة من الميت.
4 - طلب الحاجة مع كون المطلوب منه عاجزاً.
إلى غير ذلك من المعايير الّتي لا تمت إلى التوحيد و الشرك بصلة أبداً و لكون هذه الملاكات تدور على ألسنتهم و تتكرر في كتبهم، نركّز على هذه المعايير و أشباهها لنخرج بنتيجة قطعية، و هي أنّ الملاك في تمييز التوحيد عن الشرك أمر واحد، و هو الاعتقاد بالأُلوهية و الربوبية، أو كون الفاعل مستقلاً و مفوضاً إليه الأمر، و أمّا هذه المعايير فكلها معايير عرضية، بل لا تمت إلى مسألة العبادة بصلة أصلاً، بل كل منها يوصف بالتوحيد على وجه، و بالشرك على آخر، و إليك البيان:
إنّ هناك من يتصوّر أنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبية في المدعو يلازم الاعتقاد بكونه إلهاً. يقول الكاتب المودودي: «إنّ التصوّر الّذي لأجله يدعو الإنسان الإله و يستغيثه و يتضرّع إليه هو - لا جرم - تصور كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على الطبيعة، و للقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة».(1)و هذا الكلام صريح في أنّه جعل الاعتقاد بهذه السلطة ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة، و على ضوء ذلك فكل من اعتقد في واحد من الصالحين بأنّ له تلك السلطة فهو معتقد بألوهيته، فيصبح دعاؤه عبادة، و الداعي عابداً له.
و هو مردود من وجهين:
أوّلاً: أنّ التصور الّذي لأجله يدعو الإنسان الإله، لا ينحصر في تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة، بل يكفي الاعتقاد بكونه مالكاً للشفاعة و المغفرة، كما كان عليه فريق من عرب الجاهلية، إذ كانوا يعتقدون في شأن أصنامهم بأنّها آلهتهم لأنّها تملك الشفاعة و المغفرة، و هو غير القول بوجود السلطة على عالم التكوين، و بذلك يظهر الضعف في كلام آخر له، حيث يقول:
«إنّ كلاً من السلطة و الألوهية تستلزم الأُخرى».(2)
و الحال أنّ الاعتقاد بالألوهيّة أعمّ من الاعتقاد بالسلطة، فلو افترضنا أنّ الاعتقاد بالسلطة يستلزم الألوهية، و لكن الاعتقاد بالألوهيّة لا يستلزم الاعتقاد بالسلطة، بل يكفي أن يعتقد أنّ المدعو يملك مقام الشفاعة و المغفرة، أو شأناً من شئونه سبحانه.
و ثانياً: أنّ الاعتقاد بالسلطة إنّما يستلزم الاعتقاد بالألوهيّة إذا كان ينطوي على الاعتقاد بأنّه فوّضت إليه تلك السلطة تفويضاً، بحيث يقوم بأعمالها باختياره من دون استئذان من اللّه سبحانه و اعتماد عليه، و على ضوء ذلك لا يكون الاعتقاد بها - إذا كان إعمال تلك السلطة بإذن اللّه - ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة، و إلّا وجب أن لا نسجّل أحداً من المسلمين المعتقدين بالقرآن في ديوان الموحّدين، فإنّه يثبت ليوسف و موسى و سليمان و المسيح، بل لأناس آخرين ليسوا بأنبياء سلطة غيبية. هذا قوله سبحانه في قصة سليمان:
«قٰالَ يٰا أَيُّهَا اَلْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهٰا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قٰالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقٰامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قٰالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّٰا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قٰالَ هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ»(1).
و لا يرتاب أحد في أنّ سليمان سأل ما سأل بعد اعتقاده بكونهم
1) . النمل: 38-40.
أصحاب السلطة الغيبية، أ فيصح للمودودي أن يرمي ذلك النبي العظيم بما لا يليق بساحته، بل لا يحتمل في حقه؟.
إنّ الذكر الحكيم يثبت - لسليمان - نفسه سلطة غيبية، و أنّه كان له سلطة على الجن و الطير حتّى أصبحا من جنوده، كما يقول: «وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ وَ اَلطَّيْرِ...»(1).
و كانت له السلطة على عالم الحيوانات حتّى أنّه كان يخاطبهم و يطلب منهم تنفيذ أوامره، كما يقول: «وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقٰالَ مٰا لِيَ لاٰ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ اَلْغٰائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذٰاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ»(2)، و كانت له السلطة على الجن، فكانوا يعملون بأمره و إرادته، كما يقول:
«وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ... يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ...»(3)، و كانت له السلطة على الريح أيما تسليط كما يقول: «وَ لِسُلَيْمٰانَ اَلرِّيحَ عٰاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ»(4).
و على أيّ تقدير فأيّة سلطة أعظم و أوضح من هذه السلطة الّتي كانت لسليمان؟ و الجدير بالذكر أنّ بعض الآيات صرحت بأنّ كل هذه الأُمور غير العادية كانت تتحقّق بأمره.
هذا ما ذكره القرآن في حقّ سليمان، و قد ذكر نظيره في حقّ غير واحد
من الأنبياء، لاحظ الآيات(1)فكيف يكون الاعتقاد بالسلطة الغيبية المهيمنة على الطبيعة على وجه الإطلاق ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة؟
يرى المودودي أنّ التوسل بالأسباب الطبيعية ليس بشرك، أمّا طلب الحاجة و إنجازها بأسباب غيرها فهو يلازم الشرك. يقول: فالمرء إذا كان أصابه العطش فدعا خادمه و أمره بإحضار الماء، لا يطلق عليه حكم الدعاء، و لا أن الرجل اتّخذ إلهاً، و ذلك أنّ كل ما فعله الرجل جارٍ على قانون العلل و الأسباب، و لكن إذا استغاث بوليّ في هذا الحال فلا شك أنّه دعاه لتفريج الكربة و اتّخذه إلهاً، فكأنّي به يراه سميعاً بصيراً، و يزعم أنّ له نوعاً من السلطة على عالم الأسباب ممّا يجعله قادراً على أن يقوم بإبلاغه الماء، أو شفائه من المرض.(2)
أقول: إنّ ما ذكره صورة أُخرى للمعيار الأوّل، و كلاهما وجهان لعملة واحدة، فإنّ طلب التوسّل بالأسباب غير الطبيعية لا ينفك عن الاعتقاد بكونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة.
يلاحظ عليه: أنّ المودودي تصوّر أنّ طلب التوسّل بالأسباب الطبيعية ليس بشرك، و إنّما الشرك هو طلب التوسل بغيرها. و الحال أنّ كلاً منهما على
وجهين: فلو تصوّر أنّ القائم بعمل على وفق الأُصول الطبيعية، إنّما يقوم به من عند نفسه و باقتدار مستقل من دون اعتماد على إقداره سبحانه و استئذان منه، فقد اعتقد بألوهيته و طلب فعل الإله من غيره، و أمّا إذا اعتقد أنّ الخادم يحضر الماء بقدرة مكتسبة و استئذان منه فهو نفس التوحيد. و مثله الكلام في الأسباب غير الطبيعية، فلا شك أنّ أُمّة المسيح كانوا يعتقدون في حقه - بعد ما رأوا الآيات و المعجزات منه - أنّ له سلطة غيبية، و كانوا يسألونه إبراء مرضاهم و إحياء موتاهم، أ فهل يتصوّر أنّ سؤالهم هذا كان شركاً؟ و أنّ المسيح كان مجيباً لدعوتهم الشركية؟! فمن ذا الّذي يسمع قول المسيح بين بني إسرائيل: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتىٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمٰا تَأْكُلُونَ وَ مٰا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(1).
فَمَنْ ذا الّذي يسمع كلامه هذا و لا يعتقد بسلطته الغيبية؟ و لا يسأله كشف الكرب و الملمات بإذنه سبحانه؟ أ فيصح للمودودي أن يتّهم أُمّة المسيح و فيهم الحواريون الذين أُنزلت عليهم مائدة من السماء و مدحهم سبحانه في الذكر الحكيم(2)بالشرك؟!
هذا هو الذكر الحكيم ينقل عن السامري قوله: «بَصُرْتُ بِمٰا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ اَلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهٰا وَ كَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي»(3).
و مدلول الآية يعني أنّ السامري توسّل بالتراب المأخوذ من أثر الرسول، و كان له أثر خاص في إخراج العجل الّذي كان له خوار. فلو اعتقد المسلم - تبعاً للقرآن - بأنّه توسّل بأسباب غير طبيعية لإضلال قومه، فهل يصحّ اتّهامه بالشرك؟!
و بالجملة: ليس الاعتقاد بالسلطة الغيبية في مقابل الاعتقاد بالسلطة العادية، كما و ليس التوسّل بالأسباب غير العادية في مقابل التوسّل بالأسباب العادية، معيارين للتوحيد و الشرك، بل كل واحد منهما يمكن أن يقع على وجهين، فعلى وجه يوافق الأُصول التوحيدية، و على آخر يخالفها.
يظهر من الوهابيين أنّهم يجوّزون الاستغاثة بالأحياء، و في الوقت نفسه يرون الاستغاثة بالأموات شركاً. يقول محمد بن عبد الوهاب:
و هذا جائز في الدنيا و الآخرة أن تأتي رجلاً صالحاً تقول له: ادع اللّه لي، كما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يسألونه في حياته، و أمّا بعد مماته فحاشا و كلّا أن يكونوا سألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء اللّه عند قبره، فكيف بدعاء نفسه.(1)
عجيب جداً أن يكون عمل محدد و مشخّص إذا طلب من الحي، نفس التوحيد، و إذ طلب من الميت يكون عين الشرك. إنّ القرآن ينقل عن بعض شيعة موسى و يقول: «فَاسْتَغٰاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ
1) . كشف الشبهات - طبع مصر - ص 70.
فَوَكَزَهُ مُوسىٰ فَقَضىٰ عَلَيْهِ»(1)، فنفس هذه الاستغاثة في حال الحياة، يتصوّر على وجهين، يحكم على أحدهما أنّه موافق لأُصول التوحيد، و على الآخر بخلافها!!
إنّ هذه الاستغاثة إنما تكون على وفق التوحيد إذا اعتقد أنّ موسى في حال حياته يقوم بالإغاثة بقدرة مكتسبة و إذن منه سبحانه، و لو اعتقد بأصالته في إغاثة المستغيث فقد اعتقد بألوهيته، فإذا كان هذا هو المعيار في الاستغاثة من الحي، فليكن هذا هو المعيار عند الاستمداد بالأرواح المقدسة العالمة الشاعرة حسب أخبار القرآن (أو الأموات) على زعم الوهابيين.
فلو فرضنا أنّ أحداً من شيعة موسى استغاث به بعد خروج روحه الشريف عن بدنه على نحو الاستغاثة الأُولى، فهل يتصوّر أنّه أشرك باللّه؟ و أنّه عبد موسى لاعتقاده أنّه يغيث المستغيث حيّاً و ميتاً؟!
و لو كانت حياة المستغاث و مماته معياراً، فإنّما يصحّ أن يكون معياراً في الجدوائية و خلافها، لا في الشرك و التوحيد.
و بذلك تقف على ضعف كلام تلميذ ابن تيمية حيث يقول: «و من أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى و الاستغاثة بهم و التوجه إليهم، و هذا أصل شرك العالم، فإنّ الميت قد انقطع عمله، و هو لا يملك لنفسه ضراً و لا نفعاً»(2).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الدليلين لا يثبت مدّعاه، لأنّ قوله: «فإنّ
الميت قد انقطع عمله» على فرض صحّته، يثبت عدم الفائدة في الاستغاثة بالميت، لا أنّه شرك، و أمّا قوله: «و لا يملك لنفسه ضراً و لا نفعاً» فهو جار في الحي و الميت، فليس في صفحة الوجود من يملك لنفسه شيئاً، فإنّما يملك بإذنه و إرادته سواء أ كان حيّاً أم ميتاً، و مع الإذن الإلهي يقدرون على إيصال النفع و الضر أحياءً و أمواتاً.
هذا كلام التلميذ، فهلمّ ندرس كلام أُستاذه ابن تيمية و هو يقول: كل من غلا في نبي أو رجل صالح و جعل فيه نوعاً من الإلهية و جعل يقول: يا سيدي فلان انصرني و أغثني... فكل هذا شرك و ضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب، و إلّا قتل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الاستغاثة بالأموات - حسب تعبير الوهابيين، أو الأرواح المقدّسة حسب تعبيرنا - إذا كانت ملازمة للاعتقاد بنوع من الألوهية، يلزم أن تكون الاستغاثة بالأحياء ملازمةً لذلك، لأنّ حياة المستغاث و مماته حدّ لجدوائية الاستغاثة و عدمها، و ليس حداً للتوحيد و الشرك، في حين أنّ الاستغاثة بالحي تعد من أشد الضروريات للحياة الاجتماعية.
و هناك كلام آخر له هلم معي نستمع إليه يقول:
«و الذين يدعون مع اللّه آلهة أُخرى مثل المسيح و الملائكة و الأصنام لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، و إنّما كانوا يعبدونهم
1) . فتح المجيد: 167.
أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم؛ يقولون: ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى، أو هؤلاء شفعاؤنا».(1)
إنّ قياس استغاثة المسلمين بما يقوم به المسيحيون و الوثنيون، و الخلط بينهما ابتعاد عن الموضوعية، لأنّ المسيحيين يعتقدون بألوهية المسيح، و الوثنيين يعتقدون بتملّك الأوثان مقام الشفاعة و المغفرة، بل مقام التصرف في الكون كإرسال الأمطار على ما نقله ابن هشام.(2)
و لأجل هذا الاعتقاد كان طلبهم و استغاثتهم بالمسيح و الأوثان عبادة لها.
و أمّا استغاثة المسلمين بالأرواح المقدّسة فخالية من هذه الشوائب فعندئذٍ، لا يكون شركاً و لا عبادة، بل استغاثة بعبد لا يقوم بشيء إلّا بإذنه سبحانه، فإن أذن أجاب، و إن لم يأذن سكت، فما معنى توصيف هذا بالشرك؟
و هناك معيار مزعوم آخر يظهر من كلمات ابن تيمية، و هو أنّ قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة يوجب أن لا يكون الطلب شركاً و لكن عجزه عن قضاء الحاجة يضفي على الطلب لون الشرك، يقول ابن تيمية: «مَنْ يأتي إلى قبر نبي أو صالح و يسأل حاجته و يستنجد به، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه و يقضي دينه، و نحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلّا اللّه عزّ و جلّ.
فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب و إلّا قتل».(1)
و ليس هذا ملاكاً جديداً بل هو وجه آخر للملاك السابق، غير أنّه عبّر في السابق بموت المستغاث و حياته، و هنا بالعجز و القدرة، يقول الصنعاني:
«الاستغاثة بالمخلوقين في ما يقدرون عليه ممّا لا ينكرها أحد، و إنّما الكلام في استغاثة القبوريين و غيرهم بأوليائهم، و طلبهم منهم أُموراً لا يقدر عليها إلّا اللّه تعالى، من عافية المرض و غيرها، و قد قالت أُم سليم: يا رسول اللّه. خادمك أنس، ادع اللّه له، و قد كان الصحابة يطلبون الدعاء منه و هو حي، و هذا أمر متفق على جوازه، و الكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء أن يشفوا مرضاهم و يردوا غائبهم، و نحو ذلك من المطالب الّتي لا يقدر عليها إلّا اللّه».(2)
و على أيّ تقدير، فسواء أ كان هذا وجهاً آخر للملاك السابق أم ملاكاً آخر بقرينة عطف الأحياء على الأموات في هذا الكلام، فليست القدرة و العجز ملاكين للتوحيد و الشرك، و إنّما هما ملاك الجدوائية و عدمها.
هذا هو الملاك الحقيقي الّذي أوعز إليه الصنعاني، و يوجد في كلمات ابن تيمية و قد عرفت قوله:
«مَن يأتي إلى قبر نبي أو صالح و يسأله أن يزيل مرضه و يقضي دينه
أو نحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى» و هذا ممّا لا إشكال فيه، غير أنّ الكلام في تمييز فعل اللّه عن فعل غيره، أمّا الكبرى فمسلّمة عند الكلّ، فقد اتّفق الموحّدون على أنّ طلب فعله سبحانه من غيره، ملازم للاعتقاد بألوهية المسئول و ربوبيته، فاللازم دراسة الصغرى، و أنّ فعل اللّه ما هو؟ و التركيز عليه.
ترى أنّ ابن تيمية قد سلم أنّ شفاء المريض و قضاء الدين على وجه الإطلاق من أفعاله سبحانه، مع أنّ الحق أن قسماً منهما يعدّ فعلاً للّه سبحانه دون قسم آخر.
إنّ إبراء المريض و قضاء الدين ورد الضالّة و غيرها بالسنن الطبيعية أو غيرها على وجه الاستقلال و من دون استعانة بأحد هو فعل اللّه سبحانه، فلو طلب نفس ذلك من غيره لا ينفك عن الاعتقاد بالألوهيّة و الربوبية.
و أمّا لو طلب منه مع الاعتقاد بأنّه مستغاث يقوم بهذه الأُمور عن طريق العلل الطبيعية أو غيرها، مستمداً من قدرة اللّه و قائماً بإذنه و مشيئته، فليس هذا فعل اللّه حتّى يكون طلبه من غيره شركاً. لأنّه سبحانه يقوم بالفعل مستقلاً و بلا استمداد.
كيف و قد صرح القرآن بأنّ المسيح «يبرئ الأكمه و الأبرص بإذنه» مع أنّ ابن تيمية و أتباعه زعموا أنّها من أفعاله سبحانه، قال سبحانه:
«وَ تُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ اَلْمَوْتىٰ بِإِذْنِي»(1)، و قد نسب الذكر
1) . المائدة: 110.
الحكيم كثيراً من الأُمور الخارقة للعادة إلى أنبيائه، فلم تكن هذه النسبة إلّا لأجل أنّهم يقومون بما يقومون، بإذنه سبحانه.
و حصيلة الكلام: التوسّل بالأسباب بقيد أنّها أسباب - سواء أ كانت طبيعية أم غير طبيعية - لا يلازم الشرك، نعم، السبب ربما يكون سبباً واقعياً، و أُخرى سبباً كاذباً و خاطئاً، و الاشتباه في سببية السبب لا يستلزم الاعتقاد بألوهية السبب أو ربوبيته، أو كون الطلب منه طلب فعل اللّه من غيره.
و نعيد الكلام حتّى يتّضح الحق بأجلى مظاهره فنقول: إنّ التعلّق بالشيء و الطلب منه مع الاعتقاد بالسببية، و أنّ اللّه سبحانه أعطاه المقدرة على إنجاز المأمول يمتنع أن يتصف بالشرك، لأنّ المفروض أنّ المتوسل إنّما تعلّق به بقيد كونه رابطاً و سبباً.
نعم يمكن أن يكون المتوسل صائباً في الاعتقاد بالسببية أو خاطئاً، و لكن الاشتباه في الموضوع لا يكون دليلاً على الاعتقاد.
و أمّا إذا كان التعلق بالشيء لا بوصف السببية و الرابطية، بل بما أنّ المطلوب منه، موجود مستقل في فعله و إيجاده، يقوم بالفعل بنفسه، و يقوم بحاجة المستنجد من صميم ذاته من دون أن يكون سبباً و رابطاً بين الإنسان و ربّه، فهذا يكون ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة من دون نقاش.
كان اللائق بابن تيمية و نظرائه دراسة فعل اللّه سبحانه و تمييزه عن غيره، حتّى لا يحكموا بضرس قاطع بأنّ الإعانة و الإماتة و الشفاعة و غيرها على الإطلاق من أفعال اللّه سبحانه، بل الحق أنّ كلّاً من هذه الأفعال يقع
على وجهين، فهو على وجهٍ فعله سبحانه، و على وجه آخر يصحّ أن يعدّ فعلاً للسبب، و لأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينسب فعلاً واحداً لذاته، و في الوقت نفسه ينسبه لمخلوق من مخلوقاته، و إليك نماذج من ذلك:
1 - يعدّ القرآن - في بعض آياته - قبض الأرواح فعلاً للّه تعالى، و يصرح بأنّ اللّه هو الّذي يتوفّى الأنفس حين موتها، إذ يقول سبحانه:
«اَللّٰهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا»(1).
بينما تجده ينسب التوفّي في موضع آخر، إلى غيره، قال: «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنٰا»(2).
2 - يأمر القرآن - في سورة الحمد - بالاستعانة باللّه وحده إذ يقول: «وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ»(3)، في حين نجده في آية أُخرى يأمر بالاستعانة بالصبر و الصلاة، إذ يقول: «وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ»(4).
3 - يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده، إذ يقول: «قُلْ لِلّٰهِ اَلشَّفٰاعَةُ جَمِيعاً»(5).
بينما يخبرنا - في آية أُخرى - عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة و يقول: «وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ لاٰ تُغْنِي شَفٰاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللّٰهُ»(6).
4 - إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده، إذ يقول: «وَ اَللّٰهُ يَكْتُبُ مٰا يُبَيِّتُونَ»(1)في حين أنّ القرآن يعتبر الملائكة كتبة أعمال العباد، إذ يقول:
«بَلىٰ وَ رُسُلُنٰا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ»(2).
5 - قد تضافرت الآيات على أنّه سبحانه هو المدبّر، يقول: «وَ مَنْ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اَللّٰهُ»(3)، بينما يصرّح القرآن بمدبرية غيره و يقول: «فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً»(4).
هذه نماذج من الآيات ممّا نسب الفعل إلى اللّه سبحانه، و في الوقت نفسه نسب إلى عباده، و ما المصحّح إلّا ما ذكرنا، و هو أنّ المنسوب إليه سبحانه غير المنسوب إلى العباد، و أنّ قيامه سبحانه بالأفعال على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على سبب عال أو قوة عليا، و أمّا قيام غيره فإنّما هو بالسببية و الرابطية و المأمورية.
و في ضوء هذا تقدر على تمييز فعله سبحانه عن فعل غيره، فليس شفاء المريض و قضاء الدين و ردّ الضالة على وجه الإطلاق، من فعله سبحانه، و لا من فعل عباده، بل لكلّ سمة و علامة، بها يتميز عن غيره. و الحد الفاصل بين فعله سبحانه و فعل غيره هو كون الفاعل مستقلاً في الايجاد، و مالكاً لفعله، و كونه غير مستقل في الفعل و غير مالك له، و الأوّل (أي الّذي يصدر عن الفاعل على وجه الاستقلال) لا يطلب إلّا منه، و الثاني يطلب من غيره.
فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ كل خضوع قلبي أو لساني أو خشوع فعلي لا يتصف بالعبادة إلّا إذا اعتقد الخاضع بأنّ في المخضوع له، عنصر الألوهية و الربوبية، و أنّه مستقل في الذات و الفعل، أو في الفعل فقط، و أمّا إذا كان قلب الخاضع خالياً عن الاعتقاد بهذا العنصر، بل كان معتقداً بعبوديته و عدم مالكيته شيئاً، و عدم قيامه بأمر إلّا بإذنه، و أنّه ليس له دور سوى دور السببية، فطلب أيّ شيء منه لا يتّسم بالعبادة، سواء أطلب منه القيام عن طريق أسباب طبيعية، أم القيام به عن طريق أسباب خارقة للعادة.
و سواء اعتقد أنّ فيه سلطة غيبية يقوم بأعمال خارقة للعادة في ظلها أو لا
و سواء أ كان المطلوب منه عاجزاً أم قادراً.
و سواء أطلب أُموراً عادية كالسقي، أم أُموراً غير عادية كبرء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى.
إذ ليس شيء منها هو العامل المؤثر لإضفاء العبادة على الطلب، و إنّما المؤثر هو ما ذكرناه، و بذلك نقدر على القضاء في الموضوعات التالية الّتي وصفتها الوهابية بأنّها شرك محرّم و هي:
1 - طلب الشفاعة من الأنبياء و الصالحين.
2 - الاستعانة بأولياء اللّه.
3 - طلب شفاء المريض من غير اللّه.
4 - دعوة الصالحين، مثل: يا محمد أغثني.
فإنّ الوهابيين تبعاً لشيخهم في المنهج يصورون جميع هذه الدعوات دعوات شركية أشبه بدعاء عبدة الأصنام.
و لكنّك بعد ما أحطت خبراً بما ذكرنا سرعان ما ترجع و تقضي بحكمين مختلفين ينشئان من اختلاف عقيدة الداعي و تقول: إنّ كل واحد من هذه الأُمور على وجهٍ، شرك، و على وجه آخر ليس بشرك، و لا يعلم أيّ واحد منهما إلّا أن نقف على عقيدة السائل.
فلو كان المدعو في اعتقاد الداعي هو اللّه العالم أو غيره، لكن باعتقاد أن له سهماً من الألوهية أو الربوبية، فهو عبادة بلا شك، حتّى لو سئل منه السقي بالماء و إيصاد الباب، و ما شابههما من الأُمور العادية البسيطة و المتعارفة.
و أمّا إذا كان المدعو حسب اعتقاد الداعي عبداً مرزوقاً و مربوباً محتاجاً، قائماً في ذاته باللّه سبحانه، مستمداً في فعله منه، و لا يقوم بفعل إلّا بإقداره و إذنه، فلا يكون الطلب منه و لا دعاؤه متّسماً بوصف العبادة، بل أقصى ما يمكن أن يقال هو أنّه إذا كان المسئول و المدعو قادراً على العمل، يكون الطلب مفيداً، و إلّا يكون لغواً.
و بذلك يظهر أنّ الميزان في توصيف العمل بالشرك و الانحراف عن خط التوحيد ليس هو صور الأعمال و ظواهرها، بل المراد حقائقها و بواطنها. فما ورد في كلمات القوم من تشبيه عمل المسلمين بعمل عبدة الأصنام تشبيه باطل لا يعوّل عليه.
بقيت هنا كلمة و هي:
إنّ الآفة كلّ الآفة هي أن الوهابيّين كشيخهم ابن تيمية يسردون الآيات و الروايات من دون أن يتفكّروا في مفادهما و مواردهما، و لكنّهم يأخذون بالظواهر الابتدائية مع تناسي ما حول الآيات من القرائن، فتراهم يعدون دعاء الصالحين و الاستغاثة بهم و الطلب منهم شركاً، بحجّة أنّه سبحانه عد دعاء المشركين للأصنام و الأوثان شركاً و قال:
«وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً»(1).
«لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاٰ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ»(2).
«إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ»(3).
«وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مٰا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ»(4).
«قُلِ اُدْعُوا اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاٰ يَمْلِكُونَ كَشْفَ اَلضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لاٰ تَحْوِيلاً»(5).
«أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلىٰ رَبِّهِمُ اَلْوَسِيلَةَ...»(6).
«وَ لاٰ تَدْعُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَنْفَعُكَ وَ لاٰ يَضُرُّكَ...»(1).
«وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مَنْ لاٰ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلىٰ يَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ»(2).
ترى أنّهم يسردون هذه الآيات الواردة في حقّ المشركين المعتقدين بألوهية الأصنام و ربوبيتهم، و كونهم مفوّضاً إليهم القيام بالأفعال و الأعمال، من الشفاعة و المغفرة، و الشفاء و غيرها. يسردون هذه الآيات بصلافة و قحة في حق المسلمين الإلهيين الذين لا يعتقدون في حق الأنبياء و الصالحين سوى كونهم عباداً مقربين، تستجاب دعوتهم إذا دعوا، و يقومون بحاجة المستنجد بإذنه سبحانه و قدرته، و إليك محصّلها:
1 - إنّ هذه الآيات و ما ضاهاها تختص بالمشركين الذين كانوا يصورون أوثانهم و أصنامهم آلهة يملكون كشف الضر و التحويل، و ينصرون بلا استئذان منه سبحانه، لأنّهم يملكون هذا الجانب من الأفعال الإلهية، و أين هو من عقيدة المسلم الموحّد في حقّ الأنبياء و الصالحين من أنّهم عباد مكرمون، لا يعصون اللّه ما أمرهم، و هم بأمره يعملون، و بإذنه يشفعون و...؟
2 - إنّ المراد من الدعاء في هذه الآيات، ليس الدعوة المجردة بمعنى النداء بل المراد هو الدعاء الخاص المرادف للعبادة، و ليس ذلك بغريب، فقد جمع سبحانه في آية واحدة، بين الدعوة و العبادة، و فسّر الأُولى بالثانية
نحو قوله: «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ اَلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ»(1).
يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: «و سمّيت دعاءك عبادة، و تركه استكباراً، و توعّدت على تركه دخول جهنم داخرين».(2)
و ما ورد في الحديث: «الدعاء مخّ العبادة» فالمراد هو هذا القسم من الدعاء، أي الدعاء المقرون بألوهية المدعو بنحو من الأنحاء.
3 - إنّ المنهي عنه هو جعل المدعو في مرتبة اللّه الخالق، كما يعرب عنه قوله: «وَ أَنَّ اَلْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلاٰ تَدْعُوا مَعَ اَللّٰهِ أَحَداً»(3)و كان هو أساس عبادة المشركين، قال سبحانه: «وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ»(4)، و قال: «إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(5)، و أين هذه الآيات من الموحّدين الذين لا يرون مع اللّه شيئاً، بل يرون الكلّ دونه لكونهم مربوبين؟!
للتوحيد الإبراهيمي - و الذي يمثّل حجر الأساس لجميع الأديان السماوية - مراتب و درجات تعرّض لها المتكلّمون الإسلاميّون بالبحث و الدراسة بصورة شاملة و مفصّلة، و سلّطوا الأضواء على جميع أبعادها و زواياها، و ألّفوا في هذا المجال الكثير من الرسائل و الكتب.
و من مراتب التوحيد تلك مرتبة «التوحيد في التشريع و التقنين» بمعنى الاعتقاد الراسخ أنّ «حق التقنين» منحصر باللّٰه تعالى وحده، و لا يحق لأحد غيره مهما كان شأنه أن يصدر قانوناً أو تشريعاً من عند نفسه ليعالج به قضية، أو يرسم به خطاً معيّناً، و يجبر الناس على السير على وفق ذلك القانون و يحدّ من حريّاتهم من خلال إلزامهم بذلك التشريع، بل يجب على كلّ موحّد أن يلتزم نظرياً و عمليّاً بأنّ حقّ التقنين و إصدار التشريعات و التوجيهات و رسم الخطط و تحديد حرية الإنسان في هذا المجال، كلّها من شئون اللّٰه وحده لا يشاركه فيها سواه. فهو صاحب الحقّ المطلق في التشريع، و التصرّف في الأنفس و الأموال، و هو صاحب الأمر و النهي كما يصطلح عليه.
و يمكن إثبات هذه المرتبة من التوحيد من خلال سلوك منهجين، هما:
1 - المنهج العقلي.
2 - المنهج النقلي.
و ها نحن نشرع في دراسة و تحليل المنهج الأوّل ثمّ نعرّج على الحديث عن المنهج الثاني منهما.
إنّ قضية حصر التشريع و التقنين باللّٰه وحده ليست وليدة ضيق الأُفق و قصر النظر و التعصّب الأعمى، بل هي وليدة النظرة الموضوعية و الرؤية الواقعية للأُمور، و نحن إذا أردنا أن ندرس الأُمور بموضوعية و واقعية، لا بدّ أن نسلّط الضوء على الخصائص و المواصفات التي ينبغي أن يتوفّر عليها المقنّن الموضوعي الذي تكون تشريعاته و أحكامه مطابقة للواقع و تمتلك خاصية المعالجة الموضوعية للأُمور.
و من هذا المنطلق نقول: إنّه ينبغي للمقنّن أن يتوفّر على مجموعة من الشروط و المواصفات التي لا تتوفر إلّا باللّٰه وحده و تنحصر به سبحانه، و هي:
1 - أن يكون المقنّن ذا معرفة تامّة و كاملة بالإنسان من جميع أبعاد شخصيته و ما يحيط بها و يؤثر عليها من العوامل.
2 - أن لا ينتفع المقنّن بما يسنّه من القوانين و التشريعات.
3 - أن يكون المقنّن منزّهاً عن الميول الحزبية و التكتّلات الفئوية، و متحرّراً من ضغوط السلطات الحكومية و أصحاب النفوذ.
و ممّا لا ريب فيه أنّ هذه الشروط الثلاثة لا يمكن توفّرها إلّا في خالق العالم و موجده لا غير، و ذلك لأنّ:
ألف: لا بدّ أن يكون المقنّن عالماً بالإنسان علماً تامّاً كي يتسنّى له من خلال معرفة الإنسان و الإحاطة بميوله و غرائزه و عواطفه أن يرسم له خطاً، و يسنّ لها قانوناً ينسجم مع تلك الغرائز و الميول، و يمتلك القدرة على تهذيبها و تربيتها بنحو يسوقها نحو الهداية و الكمال المنشود من وراء خلقها.
كذلك لا بدّ أن يكون المقنّن ذا معرفة كاملة و علم تام بالمجتمع بجميع أبعاده و خصوصياته و زواياه، حتى يتمكّن من معرفة مهام و وظائف الأفراد في المجتمع من جهة و يعرف حقوقهم التي ينبغي للمجتمع توفيرها من جهة أُخرى، كذلك يعرف أُسلوب حركة الأفراد في المجتمع و العوامل المؤثرة على حركتهم، و ردود الفعل التي يبدونها اتّجاه تلك العوامل و الضغوط.
و لا ريب أنّ هذه الخصوصية - المعرفة الكاملة بالمجتمع - هي الأُخرى من خصائصه سبحانه و لا يشاركه فيها أحد من خلقه مهما كان، و لقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى هذه المسألة، حيث قال سبحانه:
«أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ».(1)
ثمّ إنّ اللّٰه الذي خلق ذرّات الإنسان و خلاياه التي لا تحصى و خلق أعضاءه و مكوّناته المختلفة، هو وحده العارف بمتطلّباته و حاجاته المعلنة و الخفية، و ما ينفعه و ما يضرّه، و مصالحه و مفاسده، على أكمل وجه و أتمّ صورة، لا يدانيه في هذه المعرفة أحد أبداً، و هو وحده العالم بطريقة و أُسلوب حركة المجتمع، و منهج التعايش الذي ينبغي أن يعتمدونه، و ردود الفعل التي يبدونها تجاه القوانين و التشريعات، و تحديد المهام و الوظائف التي تكون عاملاً في انسجام المجتمع و سوقه إلى الاستقرار و الرقي و الكمال، و وضع الإنسان في الموضع الذي يليق به و يستحقه.
ب: انّ الواقعية و رعاية مصالح الإنسان و منافعه تقتضي أن يكون المقنّن بعيداً عن كلّ أنواع الهوىٰ، و منزّهاً عن حب الذات، و السعي لجلب المنفعة الشخصية أو الفئوية في سنّه للقوانين و التشريعات، و ذلك لأنّ الغرائز و الميول الضاغطة على الإنسان كالأنانية و النفعية تُعدّ حجاباً غليظاً و مانعاً قوياً بين المقنّن و بين الرؤية الواقعية للأُمور، و انّ المقنّن مهما سعى أن يكون إنساناً موضوعياً منزّهاً عن تلك الميول و متحرّراً منها، إلّا أنّها تفعل فعلها في اللاشعور و من دون إرادته و اختياره، و تؤثّر أثرها في التلاعب بالقانون و الميل به عن جادة الواقعية و الموضوعية.
ج: انّ الميول الحزبية و التوجّهات الفئوية و الخوف من أصحاب النفوذ و القدرة في المجتمع تُعدّ هي الأُخرى من العوامل التي تجنح بالمقنّن
1) . الملك: 14.
إلى الميل عن جادة الحق و الموضوعية، و تحرفه عن أُصول و أُسس التقنين المتزنة و المحايدة، و تبعده عن النظرة الشمولية و اعتماد منهج العدل و الإنصاف، و لذلك تجد المقنّن و المشرع و تحت ضغط عامل الخوف و الخشية من أصحاب النفوذ و السطوة في المجتمع يسنّ القوانين بطريقة تؤمّن مصالح و منافع تلك الثلّة حتّى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة و سحق الطبقات الأُخرى.
ثمّ إنّ عامل الخشية و الخوف من مراكز القدرة و أصحاب السطوة - أفراداً كانوا أو جماعات - يبقىٰ كالسيف المرهف المسلّط على رقبة المقنّن يسوقه إلى الجهة التي يريدها صاحب السيف و ذو السلطة و النفوذ بنحو تجعل المقنن يعيش بين خيارين: إمّا الخضوع إلى السلطة و تلبية رغباتها و سن القانون وفقاً لميولها و إرادتها و الانجراف مع تيارها؛ و أمّا تحمّل أشدّ الضغوط و المصاعب كالسجن و الإبعاد، أو على أقل تقدير المحاربة بلقمة العيش.
من هنا ندرك أهمية هذا الشرط و قيمته في التشريع، و كيف يكون استقلال المقنّن و تحرّره عاملاً فاعلاً في الرؤية الموضوعية، و ممّا لا شكّ فيه أنّ التحرر الكامل و النفوذ المطلق و الغنى التام هو من خصائصه سبحانه وحده لا شريك له، و لهذا فهو الجدير بمقام التشريع و سن القانون و لا يستحق هذا المنصب غيره مهما كان.
و من حسن الحظ أنّ بعض المحقّقين و المفكّرين الغربيين تنبّهوا إلى هذا الشرط و مدى أهميّته في موضوعية القانون و واقعيته من أمثال المفكّر
جان جاك روسو حيث يقول في كتابه «العقد الاجتماعي»: «لاكتشاف أفضل القوانين المفيدة للشعوب لا بدّ من وجود عقل يرى جميع الشهوات البشرية و لكن لا يجد في ذاته ميلاً نحوها. عقل لا يرتبط بالطبيعة و لا يخضع لضغوطها، و لكنّه يعرفها تمام المعرفة، عقل لا ترتبط سعادته بنا و لكنّه مستعد لئن يعيننا في سعادتنا».(1)
إلى هنا اتّضح لنا حكم العقل في حصر حق التقنين و التشريع في اللّٰه وحده لا يشاركه في هذا الحقّ غيره مهما كان، و قد حان الوقت لدراسة المسألة من الزاوية الأُخرى لنرى ما هي الرؤية القرآنية في هذه القضية الحسّاسة و المهمة؟
لقد أقرّ القرآن الكريم حكم العقل بحصر حق التشريع باللّٰه تعالى حيث اعتبرت آيات الذكر الحكيم انّ حقّ التقنين خاصاً باللّٰه وحده، و لا يحق لأحد مهما كان أن يتجاوز على هذا الحق أو يخترق حدود هذا المقام كائناً من كان، و من الملاحظ انّ الآيات التي وردت في هذا المجال كثيرة، نكتفي هنا بذكر نموذجين منها - فقط - روماً للاختصار:
1 - قال تعالى: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ أَمَرَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ»(2).
فإنّ جملة: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ» تحكي و بوضوح تام انّ كافّة أنواع الحكم و القوانين و الدساتير من شئونه و مختصاته وحده سبحانه و تعالى، و بما أنّ شأن الحكم و التقنين مختص به أردفت الآية الجملة المذكورة بالأمر بعبادته وحده و الخضوع له لا لغيره «أَمَرَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ».
2 - و قوله تعالى: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ».(1)
إنّ الآية المباركة تشير و بوضوح تام إلى أنّ أهل الكتاب قد تجاوزوا الخط المرسوم لهم، و اقتحموا دائرة الحقّ الإلهي في الانفراد في التشريع و التقنين، فمنحوا أحبارهم و رهبانهم هذا الحق، و انّهم بدلاً من الرجوع إلى الكتاب السماوي و أخذ الأحكام منه رجعوا في ذلك إلى أحبارهم و رهبانهم، و من الواضح أنّ الرهبان و الأحبار قد يحلّلون - و لأسباب ما - ما حرّم اللّٰه و يحرّمون ما أحلّ اللّٰه.
من هنا اعتبر القرآن الكريم أهل الكتاب غير موحّدين في التشريع و منحرفين عن خط التوحيد.
روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم - و قد كان نصرانياً - قال: أتيت رسول اللّٰه و في عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي «اطرح هذا الربق من عنقك» قال: فطرحته، ثمّ انتهيت إليه و هو يقرأ هذه الآية: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً». حتى فرغ منها. فقلت: إنّا لسنا
1) . التوبة: 31.
نعبدهم. فقال: «أ ليس يحرّمون ما أحلّه اللّٰه فتحرمونه، و يحلّون ما حرم اللّٰه فتستحلونه؟» قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادة».(1)
يتّضح ممّا سبق أنّ مركز التشريع و سنّ القوانين و تنظيمها من مختصّاته سبحانه وحده لا يشاركه فيها سواه. و أمّا عمل الأنبياء و الأئمّة و وظيفتهم فيمكن في بيان تلك التشريعات و القوانين الإلهية، و انّهم عليهم السلام لا يتصرّفون في القانون أبداً.(2)
إذا كان حقّ التشريع من شئونه سبحانه و أنّ زمام أمر القانون بيده تعالى، فما هي يا ترى وظيفة و مهام المجلس التشريعي في الجمهورية الإسلامية و المسمّى «بمجلس الشورى»، فهل يعتبر وجود هذا المجلس تجاوزاً على الحق الإلهي و اعتداء على حدود مقامه سبحانه في التشريع؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مسألتين:
الأُولى منهما هي: أنّه ممّا لا ريب فيه أنّ كلّ دولة تسعى إلى الرقي
1) . نور الثقلين: 209/2؛ بحار الأنوار: 98/9. و قد روى العلّامة البحراني في تفسيره «البرهان» أحاديث جمّة بهذا المضمون فراجع ج 2، ص 120.
2) . إذا ثبت انّ حقّ التشريع و زمامه بيد اللّٰه سبحانه وحده دون سواه، فكيف يفسّر ما ورد في الكافي: 209/1-210 من الأحاديث التي تثبت أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قد شرّع بعض الأحكام، و الجواب: انّ هذه الروايات لها تفسير خاص لا يتنافى مع القول بالتوحيد في التشريع و قد أجبنا عن الشبهة بصورة مفصّلة في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» فمن أراد الاطّلاع فعليه بمراجعة: الجزء الأوّل ص 553-554، الطبعة الثانية، 1404 ه، ط. إيران.
و الرفاه و تنظيم أُمورها و تسيير الحياة فيها على أكمل وجه، لا بدّ لها من وضع مؤسسة تتكفّل بهذه المهمة، و تقوم برسم الخطط و وضع البرامج التي تسهّل عملية حركة الشعب و تنظيم مسيرته. فإذاً وجود مجلس أو مؤسسة تقوم بهذه المهمة أمر ضروري و حيوي لا يمكن الاستغناء عنه و تجاوزه. و هذا من الأُمور الضرورية التي لا تحتاج إلى مزيد بحث و دراسة.
المسألة الثانية: بعد أن عرفنا أهمية المجلس التشريعي أو مجلس الشورى في إدارة البلاد و تنظيم حركتها لا بدّ من التركيز على هذه المسألة، و هي بيان الدائرة التي يتحرك فيها هؤلاء النواب و أعضاء المجلس المذكور، فهل هم يسيرون في دائرة مستقلة عن دائرة القوانين الإلهية و في خط موازٍ للتشريع الإلهي؟ أم أنّهم يتحركون في دائرة و إطار التشريعات الإلهية و القوانين السماوية، و يدورون في فلكها، و يعتمدون على الأُصول الكلّية و العامّة للإسلام؟
الحقيقة انّ مجلس الشورى الإسلامي يتحرك في إطار القوانين العامّة للإسلام، و ليس مهمته إلّا رسم الخطط و البرامج في هذا الإطار و اعتماداً على هذه القوانين الكلية و الأُصول المسلّمة، و ليس له حق التشريع المقابل، و من هنا نجد الدستور في الجمهورية الإسلامية وضع مؤسسة أُخرى للتأكد من صيانة القوانين التي يسنّها المجلس عن الانحراف عن الخط العام للتشريع الإسلامي، و قد أُطلق على هذه المؤسسة اسم «مجلس صيانة الدستور».
و من هنا يتّضح أنّ تشكيل مجلس الشورى لا يمثل أبداً جهة مقابلة
و مضادة للحق الإلهي في التشريع، بل هو في الواقع يدور في فلكها و يتحرك في إطارها و ضمن أُصولها المسلّمة.
كما أنّ حقّ التقنين و التشريع - و كما أثبتنا - منحصر باللّٰه تعالى وحده و لا يحق لأحد مهما كان أن يتجاوز على هذا الحقّ و يعطي لنفسه أو لغيره حقّ التشريع و سن القوانين، كذلك لا يحق لأحد مهما كان التصرّف و التلاعب في الأحكام و القوانين و التشريعات الإلهية الصادرة منه تعالى، سواء كان هذا التصرّف يتمثّل في الزيادة و الإضافة، أو في الحذف و النقصان، فالكلّ «بدعة» لا يحق لأحد القيام بها. و انّ المبتدع خارج عن إطار التوحيد في التشريع.
و بسبب المفاسد و المخاطر التي تكمن في التصرّف في القوانين و التشريعات الإلهية و التي عبّر عنها «بالبدعة» اعتبرت «البدعة» من الذنوب الكبيرة و الموبقات التي تهوي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار.
و من هنا اقتضت الأُمور أن نعرّف البدعة تعريفاً دقيقاً، و نحدّها «نعرفها» حدّاً منطقياً و علمياً، و نسلّط الضوء على جميع أبعادها و زواياها لتتّضح لنا حقيقة الأمر و ينجلي لنا الواقع، و ذلك لأنّه يترتّب على تعريف البدعة و تحديدها بصورة دقيقة الكثير من الثمار العملية، و يمكن من خلالها أيضاً الإجابة عن الكثير من الإشكالات و التساؤلات و الشبهات التي تثار في هذا المجال.
في مقام تعريف البدعة لا بدّ من التحرك في محورين: التعريف اللغوي و الاصطلاحي للبدعة.
تعرّض اللغويون لتعريف البدعة في مصنّفاتهم التي دوّنوها لبيان معاني المصطلحات اللغوية.
فقال الخليل: البدع إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق و لا ذكر و لا معرفة.(1)
و قال ابن فارس: البدع له أصلان: ابتداء الشيء و صنعه لا عن مثال، و الآخر الانقطاع و الكلال.(2)
و قال الراغب: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء و لا اقتداء.(3)
هذه هي بعض أقوال العلماء في هذا المجال.
و ممّا لا شكّ فيه أنّ روحية التجديد و الحداثة حاكمة على الإنسان، فهو يطمح إلى الجديد و ترنو عينه إلى الحديث فلذلك تراه يملّ الحياة
الرتيبة الثابتة و يسعى إلى التجديد و التغيير، و من هنا نجد المهندسين و المصمّمين للأزياء و الأشكال في حركة دءوبة و سباق جاد، بحيث تجد أنّهم في كلّ يوم يأتون بنمط جديد يختلف عمّا سبقه على جميع الأصعدة. و قد يطلق على عملهم هذا لغة «البدعة» أو «البديع»، و من هنا أُطلق مصطلح «البديع» على اللّٰه سبحانه نفسه، حيث قال تعالى: «بَدِيعُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ»،(1)لأنّه سبحانه قد ابتدع خلق السماوات و الأرض و الإنسان من دون مثال سابق.
و الجدير بالذكر أنّ البدعة بهذا المعنى ليست هي محط بحثنا هنا، و بعبارة أُخرى: ليست هي موضوع التحريم و النهي الذي ورد في النصوص. و ذلك لأنّ الدين لا يضاد الحداثة، و لا يخالف التجديد، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، فالمجتمع البشري الآن يعيش حالة من التنوّع و التجديد في جميع نواحي حياته من المسكن و الملبس و المركب و المشرب و وسائل التعليم و أساليبها و... بنحو يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا كان عليه الإنسان في الماضي، و هذه الأُمور و إن كان التعريف اللغوي للبدعة يشملها بحيث يصحّ إطلاق لفظ البدعة لغة عليها، و لكن ذلك ليس من مصاديق البدعة في الاصطلاح و التي تعدّ من الذنوب الكبيرة.
و لقد حدّثنا المؤرّخون: انّ أوّل بدعة حدثت بعد رحيل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بين المسلمين أنّهم عمدوا إلى نخل الدقيق و فصل السبوس «قشور الحب» عنه، و لا ريب أنّ هذه الظاهرة الفتية تُعدّ بدعة مستحدثة في
1) . البقرة: 117.
الحياة ليس لها سابقة، و لكن ذلك لا يعني أنّها من مصاديق البدعة التي قال بحرمتها فقهاء المسلمين. و من هنا اقتضى الأمر البحث في بيان البدعة التي هي موضوع الحكم الشرعي، أي البدعة التي حرّمها الشارع و نهى عنها.
لا ريب أنّ البدعة من المحرمات الشرعية و التي أكّد الشارع على النهي عنها و اجتنابها، و اعتبرها من الذنوب الكبيرة التي تورد صاحبها النار، و تلقيه في المهالك، سواء كانت هذه البدعة بإضافة أشياء جديدة و تشريع قوانين مستحدثة، أو كانت تتمثّل في حذف و نقصان بعض التشريعات.
و من هنا أولى المتكلّمون و الفقهاء هذه المسألة أهمية و عناية خاصة، و أشبعوها بحثاً و تحقيقاً، الأمر الذي يكشف عن أهمّيتها و خطرها في مجال الفكر الإسلامي.
و قد عرّف المحقّقون البدعة بتعاريف مختلفة، منها:
الف: عرّفها الشريف المرتضى بقوله: الزيادة في الدين، أو النقصان منه، مع إسناد إلى الدين.(1)
ب: و عرّفها ابن حجر العسقلاني بقوله: المراد بالبدعة ما أُحدث و ليس له أصل في الشرع، و ما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.(2)
ج: و عرّفها ابن حجر الهيتمي بقوله: ما أُحدث و ليس له أصل في الشرع، و يسمّى في عرف الشرع بدعة.(1)
و نكتفي بذكر هذه التعريفات الثلاثة و نغض النظر عن التعاريف الأُخرى و التي لا تختلف عن هذه التعريفات اختلافاً جوهرياً.
و إذا أمعنّا النظر في التعاريف المذكورة للبدعة، نجد أنّها تعتبر مقوّمات البدعة المحرمة و التي تميّزها عن «السنّة» ثلاثة أُمور أساسية، هي:
الأوّل: التدخل و التصرّف في الدين عقيدة أو حكماً بزيادة أو نقيصة.
الثاني: أن لا تكون لها جذور في الشرع تدعم جوازها لا بالخصوص و لا بالعموم.
الثالث: أن تكون هناك إشاعة بين الناس.
و بعد أن عرفنا الأُسس و المقوّمات الأساسية للبدعة - بصورة إجمالية - نشرع في دراسة تلك المقوّمات بصورة مستقلة و على نحو التفصيل.
لا ريب أنّ التدخّل في الدين بالزيادة أو النقيصة، أو بعبارة أُخرى: استهداف روح الدين و أحكامه و عقائده و إيجاد حالة من التحوّل و التغيّر فيه و نسبة ذلك إلى اللّٰه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، يُعدّ من أنواع التصرّف في الدين المنهي عنه تحت عنوان «البدعة»، و أمّا التجديد و الحداثة التي لا يستهدف صاحبها
1) . التبيين بشرح الأربعين: 221.
روح الدين و أحكامه و عقائده و لم يتصرّف فيها و لم ينسب ذلك إلى اللّٰه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، و إنّما يوجد حالة من التحوّل و التطوير في برامج الإجابة و طريقة الطرح و منهجيّة العرض فقط، فإنّ كلّ ذلك لا يُعدّ من البدعة المصطلحة التي وقعت موضوعاً للنهي و الحرمة، و إن كان يصدق عليه معنى البدعة لغة.
نعم قد يكون التصرّف هذا في حدّ ذاته غير جائز لسبب ما، و لكنّه على كلّ حال ليس من مصاديق البدعة المصطلحة.
يتّضح من البيان السابق انّ قسماً من أعمالنا و تصرفاتنا - الأعمّ من الجائزة و المحرمة - لا يمكن أن تدخل تحت مظلة البدعة و إطارها، من قبيل لعبة كرة القدم و السلّة و الطائرة و أمثال ذلك، فإنّ كلّ هذه الأُمور المستحدثة بالرغم من انتشارها في المجتمع و شيوعها في الأوساط لا يصدق عليها مصطلح البدعة أبداً.
و خذ على سبيل المثال أيضاً حالة الانفلات الجنسي و رفع الحواجز و الموانع بين الرجال و النساء في المجتمع الغربي، و اعتبار ذلك من الأُمور الطبيعية التي يتلقّاها المجتمع الغربي بالقبول، فإنّ هذه الحالة من الانفلات الأخلاقي و التهوّر الجنسي بما أنّها لم تنسب من قبل أصحابها إلى اللّٰه و رسوله و لم توسم بسمة الشرعية، لا تُعدّ بدعة و إن كانت من وجهة نظر المشرّع الإسلامي تُعدّ من المحرّمات و الذنوب الكبيرة.
الخلاصة: اتّضح لنا - من خلال ما سبق - أنّه قد أخذ في مصطلح البدعة قيد «التصرّف في الدين».
و على هذا الأساس نحكم على الأُمور المستحدثة بحكمين مختلفين تبعاً لتوفر الشرط و عدمه، فإذا كانت الأُمور المستحدثة لا تستهدف الدين و لا تنسب نفسها إلى الشرع و دين اللّٰه و رسوله، لا تدخل حينئذٍ في إطار البدعة المصطلحة، سواء كانت تلك المستحدثات محللة كلعبة كرة القدم و غيرها، أو كانت محرمة كالاختلاط و رفع الحواجز بين الجنسين.
و أمّا إذا توفر الشرط «التصرّف في الدين» فهي بدعة محرمة منهيٌّ عنها.
الشرط الثاني لصدق عنوان البدعة المصطلحة هو أن تفتقد الظاهرة المستحدثة الدليل الداعم و المؤيّد لها من الكتاب و السنّة لا على نحو الخصوص و لا على نحو العموم، و لذلك تعتبر - لهذا السبب - تصرّفاً في الدين و تجاوزاً على حدود الشريعة، و أمّا إذا كانت الظاهرة المستحدثة تتوفر على السند الشرعي المؤيد لها فحينئذٍ لا يمكن اعتبارها تصرّفاً في الدين و بدعة في الإسلام، بل تعتبر في حقيقة الأمر تجسيماً و تفعيلاً لأصل قد غفل عنه الآخرون في الوقت الذي التفت إليه صاحب النظرية المستحدثة.
و هذا الشرط المذكور أعلاه قد صرّح به في تعريف البدعة حيث قالوا: «البدعة ما أُحدث و ليس له أصل في الشرع».
و على هذا الأساس يتّضح أنّ الكثير من الأُمور المستحدثة المعاصرة لا تُعدّ من مصاديق البدعة في الدين، و إن نسبها إلى الدين، و ذلك لأنّ هذه الأنواع من الحداثة لها جذورها في الشريعة بنحو يمكن استنباط مشروعيتها من الكتاب و السنّة إمّا على نحو الخصوص، أو نثبت مشروعيتها بصورة عامّة.
خذ على سبيل المثال الجيوش في البلاد الإسلامية عامّة و في الجمهورية الإسلامية خاصة، فإنّها مجهّزة بأحدث التجهيزات و المعدّات العسكرية الحديثة و المتطوّرة، بنحو ترفع درجة القدرات القتالية للجندي المسلم إلى درجة عليا، و من الواضح أنّ هذه المعدّات و أُسلوب التدريب العسكري و النظام الذي يعتمد في الجيوش المذكورة ليست له سابقة مماثلة في الجيوش في صدر الإسلام و ما تلاه من القرون الطويلة. و لكن ذلك التطوّر و هذا التحوّل يمكن أن نلمس له دليله الشرعي الداعم و المؤيّد له في كتاب اللّٰه المجيد حيث قال سبحانه:
«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ».(1)
فقد ورد في الآية المباركة أمران، أحدهما خاص و الآخر عام.
1 - أمّا الدستور و الأمر العام فيتمثّل في قوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ».
1) . الأنفال: 60.
2 - و أمّا الدستور الخاص فيتمثّل في قوله تعالى: «وَ مِنْ رِبٰاطِ اَلْخَيْلِ».
و على هذا الأساس يكون تجهيز الجيش بأحدث الأسلحة المتطوّرة و تدريب الجندي على أحدث الفنون القتالية و تعليمه أنواع الأساليب الحربية، داخلاً تحت إطار الأمر الأوّل «العام» المتمثّل في قوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»، و من هنا يمكن و بلا ريب الاستناد إلى هذه الآية لرفع القدرات القتالية للجيش الإسلامي و نسبتها إلى اللّٰه سبحانه و الشرع الإسلامي، إذ يمكن لنا أن نقول - و بحق -: إنّ اللّٰه أمرنا بإعداد القوة و تطوير الجيوش الإسلامية، و لا يعتبر عملنا هذا بدعة في الدين و تجاوزاً على الحدود الإلهية. بالرغم من أنّه لم تتم الإشارة إلى ذكر المعدّات الحربية و الوسائل القتالية بصورة خاصة. إذاً الآية أشارت إلى الأمر بصورة كلّيّة، و تركت الأمر في تحديد الوسائل و الطرق إلى الحكومة هي التي تتكفّل بوضع الخطط المناسبة و شراء المعدات الحديثة التي تحقّق المفهوم الكلّي و المعنى العام الذي صدر الأمر الإلهي به، و هو إعداد القوّة و التهيّؤ لمواجهة العدو «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ».
الشرط الثالث لتحقّق مفهوم البدعة و صدقها هو أن تكون هناك إشاعة، و نشر للأمر المستحدث بين الناس، و هذا الشرط و إن لم يؤخذ في تعاريف «البدعة» إلّا أنّه كامن في حقيقتها. و هناك الكثير من القرائن التي
تدلّ عليه، فعلى سبيل المثال قد وردت روايات كثيرة توجب الرد على البدع و المبتدعين و مواجهتهم و التصدّي لهم.
و لا شكّ انّ هذا الأمر يكشف عن رواج و انتشار البدعة و شيوعها من قبل أصحابها و نشرها في أوساط المسلمين.
روى مسلم في صحيحه عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».(1)
إنّ هذه الرواية و أمثالها تحكي عن أنّ الظاهرة المستحدثة و التصرف في الدين في الزيادة أو النقيصة إذا كان لوحده و في بيته و منزله و لم يطّلع عليه أحدٌ من الناس بأن يزيد في صلاته أو ينقص منها أو...، فإنّ ذلك كلّه لا يُعدّ «بدعة» و إن كان معصية و حراماً، نعم البدعة تتوقّف على إشاعة الفكرة الخاطئة و النظرية المبتدعة بين الناس و في المجتمع و دعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع.
و مع الالتفات إلى هذه الشروط الثلاثة للبدعة يتّضح لنا جانب مهم من جوانب «مفهوم البدعة».
1) . صحيح مسلم: 62/8، كتاب العلم.
كما ذكرنا انّ البدعة تعتبر تدخلاً في الشأن الربوبي و تجاوزاً على حدود اللّٰه في التقنين و التشريع، و ذلك لأنّ مهمة «التقنين» حق خاص به سبحانه و لا يتعدّى منه إلى غيره، و انّ كلّ أنواع التدخّل في هذا الشأن يعتبر اعتداءً و انتهاكاً لحدوده سبحانه و تجاوزاً على حقّه تعالى. أضف إلى ذلك أنّ نسبة أيّ حكم أو تشريع أو قانون إلى اللّٰه تعالى من دون دليل و سند شرعي، يعتبر «افتراءً» و «كذباً» على اللّٰه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم.
و بسبب وجود هاتين الخاصيّتين في البدعة نجد القرآن الكريم قد ذمّ البدعة و المبتدعين و ردّ عليهم، فعلى سبيل المثال نجده يردّ على المشركين في تقسيمهم النعم الإلهية إلى قسمين بعضها حلال و بعضها الآخر حرام، و نسبوا ذلك إلى اللّٰه سبحانه بلا دليل فقال تعالى:
«آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ».(1)
و قال تعالى في آية أُخرى:
«وَ لاٰ تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ اَلْكَذِبَ هٰذٰا حَلاٰلٌ وَ هٰذٰا حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ إِنَّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ لاٰ يُفْلِحُونَ».(2)
إنّ ذم المبتدع في هذه الآية المباركة ينطلق من كون عمله تدخّلاً في التشريع و التقنين الإلهي، و انّه افتراء على اللّٰه سبحانه، حيث حرّموا و حلّلوا من عند أنفسهم و من دون إذنه سبحانه و نسبوا كلّ ذلك إليه تعالى.
كما ذمّ القرآن الكريم اليهود و النصارى لتلاعبهم و تصرفهم في كتبهم السماوية و تحريفهم لكلام اللّٰه و أحكامه سبحانه ثمّ نسبة ذلك التصرّف كلّه و التغيير إلى اللّٰه سبحانه ليصلوا من خلال هذا الطريق المنحرف و المنهج الملتوي إلى تحقيق أهدافهم و مآربهم المادية و الدنيوية، قال تعالى:
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ».(1)
لقد تصدّى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته بقوّة لأصحاب البدع و المتلاعبين بأحكام اللّٰه و قوانينه، و اعتبروا عمل المبتدعين تصرّفاً مذموماً في الدين و الشريعة، و أنّ عملهم هذا يُعدّ ضلالاً و غواية لهم و للآخرين ممّن يتبعهم في بدعتهم و تحريفهم. و يجدر بنا هنا أن نشير إلى الرواية التي نقلها علماء المسلمين عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و التي يكثر خطباء الجمعة افتتاح الخطبة بها، و هي قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
«أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب اللّٰه، و أفضل الهُدى هدى محمد،
1) . البقرة: 79.
و شرّ الأُمور محدثاتها، و كلّ بدعة ضلالة».(1)
نكتفي بهذه الرواية من بين الروايات الكثيرة التي وردت في هذا المجال، و التي ذكرنا ثلاثين رواية منها في كتابنا «في ظلال التوحيد» فمن أراد المزيد من الاطّلاع فعليه بمراجعة المصدر المذكور.(2)
و بالإضافة إلى موقف القرآن الكريم و السنّة المطهّرة الصارم من البدعة و المبتدعين، نجد العقل أيضاً يذمّ ذلك الفعل الشنيع و يستقبحه، لأنّه في الحقيقة يعدّه تعدّياً على حدود اللّٰه، و تجاوزاً على حريمه سبحانه و تعالى من جهة أُخرى، و افتراء و كذباً عليه سبحانه، و كلّ ذلك من الأُمور الشنيعة و القبيحة التي يذم العقل صاحبها، و ينهى عن ارتكابها بنحو لا يحتاج إلى مزيد تفصيل و بحث و دراسة.
قد خرجنا من البحوث السابقة بالنتيجة التالية:
1 - انّ حقّ التقنين أمر منحصر باللّٰه وحده، و أيّ نوع تدخّل في هذا الحقّ و تجاوز على حدوده، أمرٌ يستقبحه العقل و يذمّه الشرع و ينهى عنه.
2 - انّ انحصار حقّ التقنين باللّٰه تعالى ينطلق من كون المقنّن لا بدّ أن يتوفّر على الخصائص و الشروط التالية:
أ - المعرفة الكاملة بالإنسان و خصوصياته.
ب - عدم الانتفاع و الاستفادة من القانون الذي يسنّه و يقرره.
ج - عدم الخوف و الخشية من أصحاب النفوذ و السطوة و التحرر من هيمنتهم.
و لا ريب أنّ هذه الخصوصيات لا يمكن توفّرها مجتمعة و بالنحو الأكمل إلّا في اللّٰه سبحانه لا يشاركه فيها سواه.
و أمّا القوّة التشريعية في النظام الإسلامي، فمهمتها الحركة في فلك التشريع الإسلامي و إطار الأُصول الكلّية المسلّمة، و سنّ القوانين و الأحكام و التشريعات، و رسم الخطط على أساسها، و لا يحق لتلك القوّة بأيّ وجه الاستقلال في التقنين و التشريع.
3 - انّ أيّ تجاوز على حدود التقنين يُعدّ أمراً محرّماً و ممنوعاً، فعلى هذا الأساس تعتبر أيّ زيادة في أحكام اللّٰه و قوانينه أو الإنقاص منها أمراً محرّماً، و تقع تحت عنوان البدعة المصطلحة التي نهى الشارع عنها.
4 - انّ عنوان البدعة المصطلحة انّما يصدق على الأُمور المستحدثة إذا توفّرت فيها الشروط الثلاثة التالية:
أ - التدخّل في الدين عقيدة و حكماً بزيادة أو نقيصة و نسبة ذلك إلى الدين.
ب - أن تكون هناك إشاعة و دعوة في أوساط المجتمع.
ج - أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص و لا بالعموم.
5 - لقد ذمّ القرآن الكريم المبتدعين باعتبارهم مفترين على اللّٰه و رسوله، و اعتبر ما قاموا به من التدخّل في التقنين أمراً محرماً، كما ذمّ أهل الكتاب لتصرّفهم و تلاعبهم في الكتب المقدّسة و تحريفهم لها.
و هكذا كان موقف السنّة الشريفة من البدعة و المبتدعين حيث وقفت موقفاً صارماً منها بدرجة اعتبرت الروايات الصادرة من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السلام ذلك الفعل من أقبح الأفعال و حكمت عليه بالضلالة و الانحراف الموجبين لإثارة الغضب الإلهي و الدخول في الجحيم.
6 - انّ العقل هو الآخر ذمّ البدعة و اعتبرها أمراً قبيحاً لا ينبغي ارتكابه، و بذلك أيّد العقل حكم الشرع في هذه القضيّة المهمة.
بعد أن تعرّفنا على المعنى اللغوي و الاصطلاحي للبدعة و موقف العقل و النقل منها، لا بدّ من الانتقال إلى الحديث عن بعض الأُمور الفرعية التي لا يخلو البحث فيها هنا من الفائدة، و هي:
من التقسيمات الرائجة لدى بعض الكتّاب تقسيم البدعة إلى جميلة و قبيحة، أو حسنة و سيئة.
و في الحقيقة تعود جذور هذا التقسيم تاريخياً إلى قول الخليفة عمر بن الخطاب، و بالتحديد إلى السنة الرابعة عشرة للهجرة عند ما جمع الخليفة الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان في صلاة النافلة. و وصف الجماعة المذكورة بقوله: «نعم البدعة هذه».
فقد روى البخاري ذلك في صحيحه و قال: قال عبد الرحمن بن عبد القارئ: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون... فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى و الناس يصلّون بصلاة قارئهم. فقال عمر: «نعم البدعة هذه».(1)
و نحن هنا لسنا بصدد البحث عن جواز إقامة الصلاة المستحبة جماعة أو عدم جوازه، بل نحن في الحقيقة في مقام البحث في التقسيم المذكور الذي كان مصدره كلام الخليفة الثاني.
لقد ذكرنا سابقاً أنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب و السنّة هي التدخّل في أمر الدين بالزيادة أو النقيصة، و التصرّف في التشريع الإسلامي من دون أن تكون لهذا التصرّف و التدخّل جذور في التشريع الإسلامي تدعمه لا على نحو العموم و لا على نحو الخصوص، و من هنا لا تكون البدعة إلّا أمراً قبيحاً محرّماً، و لا يصحّ تقسيمها إلى حسنة و قبيحة بأيّ وجه من الوجوه.
1) . فتح الباري: 203/4؛ عمدة القاري: 125/6؛ و انظر الصحيح: 58/3، كتاب الصوم، باب فضل قيام رمضان.
نعم البدعة بالمعنى اللغوي تنقسم إلى قسمين، فكلّ شيء مستحدث أو ظاهرة مستجدة يعتمدها الناس في حياتهم اليومية من العادات و التقاليد و الرسوم، إذا قاموا به من دون إسناده إلى الدين و لم يكن ذلك الشيء محرّماً بالذات شرعاً، كان بدعة حسنة، أي كونه أمراً جديداً مفيداً للمجتمع، كما إذا احتفل الشعب بذكرى استقلاله في كلّ عام، أو اجتمع للبراءة من أعدائه.
و أمّا ما كان محرّماً في ذاته فهو محرّم و منهي عنه و لكن ليس من باب البدعة، لأنّ الحرمة ناشئة من سبب آخر و هو وجود المفسدة في نفس ذلك الفعل، مثل دخول النساء متبرّجات في مجالس الرجال.
إذاً البدعة المصطلحة ليس لها إلّا قسم واحد و هو كونها أمراً قبيحاً و مذموماً، و لا يصحّ وصفها بحال من الأحوال بالحسنة، و أمّا البدعة لغة فيمكن أن تقسّم إلى التقسيمين المذكورين.
و في الحقيقة انّ هذا التقسيم للبدعة إلى حسنة و سيئة في حقيقته خلط للبدعة في المصطلح الشرعي بالبدعة اللغوية.
بالرغم من أنّ حقيقة الدين و جوهره تكمن في «التسليم و الخضوع أمام اللّٰه سبحانه» و أنّ قسماً كبيراً من العقائد و الأحكام الإسلامية تنبع من هذا الأصل الكلّي، من هنا يطرح السؤال التالي:
كيف يتسنّى للإنسان المسلم القيام بعملية التحريف؟ و ما هي العوامل
التي تحثّه على القيام بذلك العمل؟ و ما هي الغاية التي يتوخّاها من وراء ذلك؟
نشير هنا إلى بعض تلك العوامل و الأهداف و التي تندرج جميعها تحت مظلّة «الاجتهاد في مقابل النص»:
هناك بعض الناس ممّن يضفي على تصرّفاته الشخصية و تلاعبه في الأُمور الدينية و تدخله في التشريع نوعاً من القداسة، و قد حدّثنا التاريخ عن الكثير من هذه النماذج، نشير إلى نموذج واحد منها، و هو:
من المسلّم به أنّ الصوم محرّم على المسافر، و من هنا حينما خرج الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لفتح مكة المكرمة في شهر رمضان، فعند ما وصل إلى نقطة يجب عليه الإفطار فيها دعا صلى الله عليه و آله و سلم بقدح من الماء ليفطر به و ينهي صومه و أفطر معه جمع كبير من المسلمين، و لكن - و للأسف الشديد - وقف أمام هذا الحكم الإلهي مجموعة من المتحجّرين و المتقدّسين حيث استمروا على صيامهم تحت ذريعة أنّ التوجّه إلى الجهاد و هم صيام أفضل من غيره و أكثر ثواباً!! و لكن حينما وصل خبرهم إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وصفهم بالعصاة و المذنبين.
روى الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان و معه الناس و فيهم المشاة، فلمّا انتهى
إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر و العصر، فشرب و أفطر، ثمّ أفطر الناس معه، و تمّ أُناس على صومهم، فسمّاهم رسول اللّٰه العصاة، و إنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّٰه».(1)
من الواضح أنّ لكلّ موضوع حكماً واحداً في الشريعة و قانوناً فارداً لا غير، فلا يمكن أن يكون للموضوع الواحد أكثر من حكم واحد في آن واحد و بلحاظ واحد. و لهذا نجد أنّ القسم الأعظم من الاختلافات التي وقعت بين المسلمين في الأحكام و المفاهيم نابعة من اتّباع الهوىٰ و الرغبات و الميول الشخصية، و إذا أحسنّا الظن نقول: إنّها ناتجة من الاختلاف في الذوق و السليقة الشخصية، و لقد أشار أمير المؤمنين في إحدى خطبه إلى هذا الأمر بقوله عليه السلام:
«أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتّبع، و أحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللّٰه».(2)
و لقد حدثنا التاريخ الإسلامي بشواهد كثيرة من هذه البدع التي أُحدثت في الإسلام، نكتفي بذكر نموذجين منها فقط، هما:
1 - من المعلوم أنّ أحد أقسام الحج هو حجّ التمتّع، و هو وظيفة المسلم الذي يبعد موطنه عن مكة المكرمة 48 ميلاً شرعيّاً أو أكثر، و انّ
وظيفة من يحجّ حجّ التمتّع أن يحل من إحرامه بعد أداء مناسك العمرة، فتحل له محرّمات الحجّ جميعاً إلّا الصيد، ثمّ يحرم مجدداً في اليوم التاسع من ذي الحجة بنية حجّ التمتع و يأتي بأعمال الحجّ المفروضة عليه.
و قد نقل لنا المؤرّخون المسلمون أنّ هذا الحكم الإلهي لم يرق لواحد من الصحابة في حياة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، إذ لم تطق نفسه أن يرى الحاج متنعماً باللذائذ الجنسية المحلّلة بين إحرامي المتعة و إحرام الحجّ، و انّه كيف يحرم إلى الحج و رأسه يقطر من غسل الجنابة؟! و لذلك نجد الرجل حينما استلم دفة الأُمور و تصدّى للخلافة نهى المسلمين عن ذلك و حرّم عليهم متعة الحجّ.(1)
قال القوشجي في أواخر مبحث الإمامة من شرح كتاب التجريد في علم الكلام: إنّ عمر قال و هو على المنبر: أيّها الناس! ثلاث كنّ على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أنا أنهى عنهن و أُحرمهنّ و أُعاقب عليهنّ: متعة النساء، و متعة الحجّ، و حيّ على خير العمل.(2)
و من الواضح أنّ هذا الموقف من الخليفة و هذا الأمر الصادر منه مخالفة صريحة لأمر اللّٰه و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، يُعدّ بدعة في الدين، لأنّه لا مبرر له و لا سند له إلّا الميول و الرغبات النفسية و الأهواء الشخصية.
و من حسن الحظ أنّ هذا النهي لم يترك أثره في أوساط المسلمين إلّا فترة قصيرة، حيث نجد الآن أنّ قاطبة المسلمين من أهل السنّة يحجّون حجّ التمتع كإخوانهم الشيعة.
2 - نقل مالك بن أنس إمام المذهب المالكي في «الموطأ»: أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.(1)
و من العوامل التي تؤدّي إلى نشوء ظاهرة الابتداع في الدين هو عامل التقليد الأعمى للآباء و الأجداد، و التعصب الممقوت لسننهم و آدابهم التي كانوا عليها، القبلية منها و القومية، و ما شاكل ذلك، فإنّ هذا العنصر يُعدّ من أعظم السدود و الموانع التي تقف في طريق المعرفة و تحول بين الإنسان و بين الوصول إلى الحقّ. و هذا المانع هو الذي حال بين الأُمم - عبر التاريخ - و بين دعوة الأنبياء و الرسل عليهم السلام، بالرغم من متانة البراهين و قوّة الأدلّة التي جاء بها هؤلاء الرسل عليهم السلام. و ليس التاريخ الإسلامي مستثنى من هذه الظاهرة الخطيرة.
فقد حدّثنا التاريخ أنّه حينما جاء وفد من الطائف إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ليعلنوا استعدادهم للتشرّف بالدين الإسلامي الحنيف و الدخول تحت راية الإسلام الحقّة، جعل الوفد المذكور إسلامهم مشروطاً بثلاثة شروط هي:
1 - أن يحلّ لهم الربا.
2 - أن يحلّ لهم الزنا.
1) . موطأ مالك: 78، رقم 8.
3 - أن يدع لهم اللاّت يعبدونها ثلاث سنين.
يقول المؤرّخون: اقترح تميم بن جراشة على النبي صلى الله عليه و آله و سلم - عند ما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه - أن يكتب لهم كتاباً، بأن يفي لهم بأُمور، يقول: قدمت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في وفد ثقيف فأسلمنا و سألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروطاً، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: اكتبوا ما بدا لكم ثمّ آتوني به، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا و الزنا، فأبىٰ علي رضى الله عنه أن يكتب لنا، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص، فقال له علي: «تدري ما تكتب؟» قال: اكتب ما قالوا، و رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أولىٰ بأمره.
فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فلمّا انتهى إلى الربا قال: «ضع يدي عليها في الكتاب» فوضع يده، فقال: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا»(1)ثمّ محاها، و ألقيت علينا السكينة فما راجعناه، فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها و قال: «وَ لاٰ تَقْرَبُوا اَلزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً»(2)ثمّ محاها و أمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(3)
و رواه ابن هشام بصورة أُخرى قال: و قد كان ممّا سألوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أن يدع لهم الطاغية، و هي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين.(4)
و هذه الواقعة تكشف شدّة التعصب المقيت الذي كان يهيمن على
وفد الطائف، الأمر الذي جعل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يندهش عند سماع هذه الشروط و يرفضها جملة و تفصيلاً.
و لو كان أهل الطائف قد أسلموا إسلاماً حقيقياً، لكان ينبغي عليهم ألّا يتفوّهوا بهذه الشروط التافهة و أن يسلّموا للّٰه و رسوله و يذعنوا إلى الحق و يرفضوا جميع أنواع الباطل، لا السعي للحصول على اعتراف من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بأُمور ذميمة تنافي روح الإسلام و جوهره و مبادئه الحقّة، و إذا أردنا أن نحلّل هذا الطلب من قبل وفد ثقيف و ندرسه دراسة دقيقة، لوجدنا و بوضوح تام أنّ عنصر العصبية الممقوت هو العامل الفاعل في الطلب المذكور و إن كانت هناك عوامل أُخرى غيره.
إلى هنا تمّ الحديث عن العلل و العوامل المساعدة على نشوء ظاهرة الابتداع في المجتمع، و هناك عناصر و أسباب أُخرى لم نذكرها روماً للاختصار.
من مهام الفقهاء و المتكلّمين الأساسية مهمة تحصين الدين من خطر الابتداع و حماية حدود الشريعة من التلاعب فيها و التجاوز على حريمها من خلال دسّ الأفكار المسمومة و التي تؤطّر بأُطر جميلة، و تغلّف بغلاف برّاق. فعلى الفقهاء و المتكلّمين أن يكونوا حذرين و يقظين أمام هذه المحاولات الخادعة، و يتابعوا كلّ ما يصدر أو ينشر من كتاب أو رسالة أو مقالة أو خطاب أو ما شاكل ذلك للتصدّي لها، و بيان زيفها و مخالفتها
لمفاهيم و قيم الدين الإسلامي الحنيف. ليصونوا بذلك المجتمع الإسلامي عن الانحراف و الانزلاق في مهاوي المبتدعين.
و لا ريب أنّ مصونية المجتمع الإسلامي عن الانحراف و السقوط في شباك البدعة و المبتدعين مرهونة بأن يأخذ المسلم دينه من العين الصافية و النبع العذب الذي يتمثّل بالكتاب الكريم و العترة الطاهرة، اللّذين أوصى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بالتمسّك بهما في حديث الثقلين، فقد تواتر عن الفريقين أنّ الرسول الأكرم أرجع الأُمّة إلى هذين المصدرين، و أمرها بالتمسّك بهما لصيانة نفسها عن الانحراف و الضلال، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّٰه، و أهل بيتي؛ و انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)
و في رواية أُخرى: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّٰه، و عترتي أهل بيتي».(2)
و في ثالثة: «إنّي تركت ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّٰه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(3)
و الحديث الآخر الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و الذي يُعدّ هو الآخر صمام الأمان للأُمّة الإسلامية من الانحراف، حيث بيّن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم
فيه الملاذ و المرجع الذي ينبغي على الأُمّة اعتماده و الدخول تحت خيمته هو حديث السفينة حيث شبّه صلى الله عليه و آله و سلم أهل بيته بسفينة نوح عليه السلام التي كانت العنصر الوحيد للهداية و السلامة في وقتها فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق».(1)
فلو أنّ الأُمّة الإسلامية تمسّكت في فروعها و أُصولها بأذيال هذين المصدرين الأساسيّين: القرآن الكريم و أهل بيت الوحي و الطهارة مجتمعين، لاهتدت إلى الصراط المستقيم، و لوصلت إلى أرقى درجات الكمال و الهداية و الرشاد، و لصانت نفسها عن كلّ فكر غريب و بدعة في الدين.
إلى هنا اتّضح لنا معنى «البدعة» و حدودها و شروطها و الفرق بينها و بين «السنّة» و سيكون هذا الأصل بمنزلة المفتاح الأساسي و الرئيسي في حلّ الكثير من الإشكاليات التي تعترض طريقنا في البحوث القادمة إن شاء اللّٰه تعالى.
البحث المهم في المقام هو تعيين حكم هذا المصداق، و أنّ الاحتفال بميلاد النبي هل هو كالاحتفال بمواليد سائر الأفراد كالآباء و الأجداد أو
1) . رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر: 151/3.
الأولاد الّذي جرى عليه ديدن العقلاء في العالم؟ أو أنّ الاحتفال به يعدّ من الأُمور الدينية؟
لا أظن أنّ من لمس روح الاحتفالات و المهرجانات الّتي تقام بين المسلمين يوم الميلاد و غيره أن ينسبها إلى التقاليد و الرسوم و الآداب القومية، فإنّ ذلك شيء لا يلائم روح الاحتفالات و أغراض المقيمين لها، فلا شك أنّهم يقومون به باسم الدين، و يرجون ثواباً جزيلاً في عقباهم، فالإصرار على أنّه من الآداب و الرسوم خطأ، لا يتفوّه به من شاهدها و عاينها و عاشر المقيمين لها، فيجب على المسوغ و المانع البحث في أمر آخر، و هو أنّه هل لهذا الأمر أصل في الشريعة على الوجه الكلي حتّى يكون الاحتفال تجسيداً له في هذه الظروف، أو ليس له أصل في الشريعة حتّى يكون بدعة؟ و الأسف كلّه أنّ المانعين و المسوغين لم يركّزوا على هذا المهم إلّا القليل منهم(1)فعلى من يحاول حسم مادة الخلاف تبيين تلك النقطة الحسّاسة، و ترك ما يثار حوله من الجدال و الحوار.
فنقول:
إنّ كون شيء أمراً جائزاً في الدين على قسمين:
تارة يقع النص عليه بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر و الأضحى، أو الاجتماع في عرفة و منى، فلا شك أنّ هذا الاجتماع و الاحتفال أمر به الشارع بشخصه، فخرج به عن كونه بدعة.
1) . و لقد أعطى العلامة الحجة السيد جعفر مرتضى في كتابه القيم «المواسم و المراسم» للتحقيق في هذا المجال حقه. شكر اللّه مساعيه.
و أُخرى يقع النص عليه على الوجه الكلي، و يترك انتخاب أساليبه و أشكاله و ألوانه إلى الناس حسب الظروف و رعاية المقتضيات، و إليك بعض الأمثلة:
1 - ندب الشارع إلى تعليم الأولاد و مكافحة الأُمّية، و لا شك أنّ لهذا الأمر الكلي أشكالاً أو ألواناً حسب تبدل الحضارات و تكاملها، فلو كان التعليم و الكتابة في الظروف السابقة متحقّقة بالكتابة بالقصب و الحبر، و جلوس المتعلم أمام المعلم على الأرض في الكتاتيب، فقد تطورت كيفية التعليم من هذه الحالة البسيطة إلى حالة تستخدم فيها الأجهزة المتطورة، حيث أصبح الناس يتعلمون عن طريق الإذاعة و التلفاز، و (الكمبيوتر)، و الأشرطة، إلى غير ذلك من وسائل التعليم و أجهزة الإعلام، سواء أ كان ما يذيعه تعليمياً أم تبليغياً، فالشارع أمر بالتعليم و التعلّم، و خوّل اتخاذ الأساليب إلى الظروف و المقتضيات، و لو كان مصراً على لون خاص من كيفية التعليم، لفشل في طريق هدفه المقدس، لأن الظروف ربما لا تناسب الأداة الخاصة و الكيفية المختصة الّتي يعينها و يحددها.
2 - ندب الإسلام إلى الإحسان إلى اليتامى، و التحنّن عليهم و حفظ أموالهم، و تربيتهم، غير أنّ هذا الأمر الكلّي له ألوان و أساليب مختلفة، تجاري مقتضيات العصر و إمكانياته، فاللازم علينا هو امتثال ما ندب إليه الشارع، و أما كيفية الإحسان فقد خولت إلى أوليائهم حسب إمكانيات الظروف و مقتضياتها، فمن أصر على أن الشارع بين خصوصيات الامتثال و مشخصات إطاعة ذلك الأمر، فقد جهل الإسلام و لم يعرف أساس كونه
خاتماً، إذ لا يكون خاتماً إلّا إذا أخذ باللب (الإحسان إلى الأيتام) و ترك القشر و اللباس إلى الناس و مقتضيات الظروف.
3 - إنّ الصحابة - حسب رواية أهل السنّة - قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، و لم يصف أحد منهم هذا العمل بدعة، و ما هذا إلّا لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ»(1)، فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب و السنة، و على ذلك جرىٰ المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته و تنقيطه، و إعراب كلمه و جمله، و عدّ آياته و تمييزها بالنقاط الحمر، و أخيراً طباعته و نشره، و تقدير حفاظه و تكريمهم و الاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي كلها دعم لحفظ القرآن و تثبيته و بقائه، و إن لم يفعله رسول اللّه و لا الصحابة و لا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة.
4 - الدفاع عن بيضة الإسلام و حفظ استقلاله و صيانة حدوده من الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»(2)، و أما كيفية الدفاع و نوع السلاح و لزوم الخدمة العسكرية فالكل تطبيق لهذا المبدأ و تجسيد لهذا الأصل، فما ربما يرمي التجنيد العمومي إلى أنّه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال، و إنّ الإسلام يتبنّى الأصل، و يترك الصور و الألوان و الأشكال إلى مقتضيات الظروف.
هذا هو الأصل الّذي به نميز «البدعة» عن «التطبيق»، و «الابتداع» عن
«الاتّباع» و إليك بعض الكلمات من المخالفين للذكريات و غيرهم حول ما هو بدعة و ما ليس ببدعة، و الكل يؤكد ما قلناه:
قال ابن رجب: قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «و إيّاكم و محدثات الأُمور فإنّ كل بدعة ضلالة» تحذير للأُمّة من اتّباع الأُمور المحدثة المبتدعة، و أكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة» و المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، و أمّا ما له أصل فليس ببدعة، و إن كان بدعة لغةً، و في صحيح مسلم: «عن جابر رضي اللّه عنه أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب اللّه، و خير الهدى هدى محمد، و شرّ الأُمور محدثاتها، و كلّ بدعة ضلالة...» و قوله: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، و هو أصل عظيم من أُصول الدين، و هو شبيه بقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكل من أحدث شيئاً و نسبه إلى الدين، و لم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، و الدين بريء منه.(1)
و قال ابن حجر في شرح قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه» و المحدثات - بفتح الدال - جمع محدثة، و المراد ما أُحدث و ليس له أصل في الشرع، و يسمّى في عرف الشرع بدعة، و ما كان له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإنّ كل شيء أُحدث على غير مثال يسمّى بدعة، سواء أ كان محموداً أم مذموماً، و كذا القول في المحدثة.(2)
و الآن نذكر بعض الأدلّة من القرآن الكريم على جواز تكريم الأنبياء و الأولياء فيما يلي:
إنّ القرآن الكريم يُشيد بجماعةٍ كرَّمت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فيقول:
«فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ».(1)
إنّ الكلمات الّتي وردت في هذه الآية هي:
1 - «آمَنُوا بِهِ».
2 - «عَزَّرُوهُ».
3 - «نَصَرُوهُ».
4 - «اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ».
هل يحتمل أحد أن تكون هذه الكلمات و الأوصاف خاصّة بزمن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟!!
بالتأكيد: لا.
1) . الأعراف: 157.
و مع انتفاء هذا الاحتمال قطعاً، تكون كلمة «عَزَّرُوهُ» - الّتي هي بمعنى التكريم و التعظيم(1)- عامّة لحياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و بعد وفاته، فاللّٰه تعالى يريد أن يكون حبيبه المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم معظَّماً مكرَّماً حتّى الأبد.
و نتساءل: أ ليست إقامة الاحتفالات في يوم ميلاد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و بعثته، و إلقاء الخُطَب و القصائد، مصداقاً واضحاً لقوله تعالى: «عَزَّرُوهُ»؟!
يا للعجب!! إنّ الوهّابيّين يُعظّمون شخصيّاتهم و أُمراءهم أكبر تعظيم، لكن يعتبرون تكريم و تعظيم النبي صلى الله عليه و آله و سلم أو منبره و محرابه بدعة و شركاً!!
إنّ الوهّابيّة - بهذه العقائد الجافّة - تُشوّه سمعة الإسلام أمام الرأي العامّ العالمي، و تعرِّفه ديناً عارياً عن كلّ عاطفة، و فاقداً للمشاعر الإنسانية، و ناقصاً عن كلّ تكريم و احترام، و رافضاً لتكريم عظمائه و قادته، و بهذا تُنفِّر الناس من الإسلام و تتركهم في رفضٍ و اشمئزازٍ منه.
تماماً... بعكس الإسلام الّذي جعله اللّٰه ديناً سهلاً سمحاً يتجاوب مع الفطرة البشرية و يتماشى مع العاطفة الإنسانية، و يجذب - بجماله و روعته - الشعوب و الأُمم إلى اعتناقه.
إنّ الوهّابيّة - الّتي تُعارض كلّ نوع من أنواع العزاء و البكاء على الشهداء الذين قُتلوا في سبيل اللّٰه - ما ذا تقول بشأن ما حصل للنبيّ يعقوب عليه السلام؟!
1) . راجع كتاب مفردات القرآن: للراغب، مادة: عزر.
إذا كان النبيّ الكريم (يعقوب) اليوم حيّاً يعيش بين أهالي «نجد» و أتباع محمّد بن عبد الوهّاب، كيف كانوا يحكمون عليه؟!
لقد كان يعقوب عليه السلام يبكي على فراق ولده يوسف ليلاً و نهاراً، و يستفسر عنه و يترنَّم باسمه حتّى: «... اِبْيَضَّتْ عَيْنٰاهُ مِنَ اَلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ».(1)
و بالرغم من كلّ ما كان يعاني منه يعقوب من ابيضاض العين و حزن القلب و ألم الفراق، فإنّه لم ينس ابنه يوسف، بل كان يزداد شوقاً إليه كلّما قرب الوصال و اللقاء به، حتّى أنّه شمّ ريح يوسف من مسافة بعيدة.
قال تعالى عن لسانه:
«إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاٰ أَنْ تُفَنِّدُونِ».(2)
فكيف تكون هذه المحبّة و المودَّة و التعبير عن العلاقة الشديدة بالمحبوب «يوسف» في حياته عملاً صحيحاً و متّفقاً مع توحيد اللّٰه تعالى، و لكنّها تنقلب بدعة و حراماً بعد وفاته؟!!
مع العلم أنّ فراق العزيز و موته يترك في القلب نيران الأسىٰ و الحزن و الألم بصورة أكثر من فراقه في حياته.
و اليوم... إذا اجتمع المؤمنون - الذين يشبهون يعقوب في حزنه - في عزاء وليّ من أولياء اللّٰه - كالأئمّة الطاهرين الذين يشبهون يوسف في
مصابه، بل مصابهم أشدّ منه كثيراً - و أحيوا ذِكر ذلك الوليّ الصالح، بالكلمات و الخُطَب و القصائد، و ردّدوا سيرته و خُلُقه الكريم و خصاله الحميدة و سلوكه الطيّب، ثمّ ذرفوا دموع العاطفة و الحنان عليه... فهل معنى هذا كلّه أنّهم عبدوا ذلك الولي؟!
قليلاً من التفكّر و الموضوعية!
قليلاً من الفهم و المعرفة!
قال تعالى:
«... قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ...».(1)
ممّا لا شكّ فيه أنّ مودّة ذي القربىٰ هي إحدى الفرائض الدينية الّتي نصّ عليها القرآن بكلّ صراحة.(2)فلو أراد شخص أن يؤدّي هذا الواجب الديني - بعد أربعة عشر قرناً - فما ذا يجب أن يفعل و الحال هذه؟!
أ ليس المطلوب أن «يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم»؟!
فلو أقام مراسم خاصّة أشاد فيها بشخصية ذلك العظيم و حياته المتلألئة و فضائله الكريمة و تضحياته السامية، و استعرض جانباً من آلامه و ما جرى عليه من المصاعب و المصائب... فهل ارتكب حراماً بعمله هذا؟
أم أنّه أحيا ذكر ذلك العظيم و أدّى «المودّة» تجاهه؟!!
و لو أنّ الإنسان - لمزيد المودَّة في القربىٰ - تفقّد من ينتسب إلى ذوي القربىٰ، و قام بزيارة قبور ذي القربى و أقام تلك المجالس عند مراقدهم... أ لا يحكم العقلاء و أهل البصيرة و الدين بأنّه يؤدّي فريضة «المودّة في القربىٰ»؟!
إلّا أن يقول الوهّابيّون: إنّ الواجب هو كتمان المودّة في النفوس و عدم إبرازها بأيّ وجه ممّا هو ثابت البطلان!!
لقد شهد عصر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و ما بعده من العصور الّتي عاشت تغييراً في العقائد و تحوّلاً في الأفكار - شهد إقبالاً عظيماً من الشعوب و الأُمم المختلفة تجاه الإسلام، حتّى قال تعالى:
«... وَ رَأَيْتَ اَلنّٰاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللّٰهِ أَفْوٰاجاً».(1)
و كان الإسلام يحتضنهم و يكتفي منهم - في البداية - بالشهادتين، مع محافظتهم على ثقافتهم و آدابهم و تقاليدهم، و لم يعمل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و من جاء من بعده، على فرض الرقابة على عادات الشعوب و تقاليدها، و صَهْرها في بوتقةٍ واحدة.
إنّ احترام كبار الشخصيّات و إقامة مجالس العزاء في ذكريات وفاتهم، و الاجتماع عند مراقدهم، و إظهار الحبِّ و المودّة لهم... كلّ ذلك كان و لا يزال أمراً متداولاً لدى كافة الشعوب في العالَم كلّه..
1) . النصر: 2.
و في عصرنا الحاضر... ترى الشعوب الشرقية الغربية تقف ساعات طويلة في الانتظار لزيارة الأجساد المحنَّطة لزعمائها و قبور قادتها القدامىٰ، و يذرفون دموع الشوق بجوارها، و يعتبرون ذلك نوعاً من الاحترام و التقدير.
و لم يُعهد من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يجري تحقيقاً عن عقائد الناس و آدابهم المعروفة أوّلاً ثمّ يوافق على دخولهم في الإسلام، بل كان يكفي تشهّدهم للشهادتين، و لو كانت هذه العادات محرَّمة و عبادة لتلك الشخصيّات لاشترط عليهم البراءة و التخلّي من كلّ ما لديهم من عادات و تقاليد، ثمّ الدخول في الإسلام، و لم يكن الأمر كذلك.
إنّ النبيّ عيسى عليه السلام سأل ربّه أن يُنزل عليه مائدة من السماء، و يعتبر يوم نزولها عيداً له و لأصحابه.
يقول القرآن الكريم - عن لسان عيسى -:
«... رَبَّنٰا أَنْزِلْ عَلَيْنٰا مٰائِدَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ تَكُونُ لَنٰا عِيداً لِأَوَّلِنٰا وَ آخِرِنٰا وَ آيَةً مِنْكَ وَ اُرْزُقْنٰا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ».(1)
فهل - يا ترى - أنّ شخصيّة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أقلّ شأناً من تلك المائدة الّتي اتخذ المسيح يوم نزولها عيداً؟!!
1) . المائدة: 114.
إذا كان اتخاذ ذلك اليوم عيداً لكون المائدة آية إلهية و معجزة سماوية... أ ليس نبيّ الإسلام أكبر آية إلهية و معجزة القرون و العصور؟!
تبّاً و بُعداً لقوم يوافقون على اتخاذ يوم نزول المائدة السماوية - الّتي لم يكن لها شأن سوى إشباع البطون الجائعة - عيداً، و لكنّهم يُهملون يوم نزول القرآن على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و يوم مبعثه الشريف، بل و يعتبرون الاحتفال به بدعة و حراماً!!
قال سبحانه: «وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ».(1)
إنّ إقامة المجالس و الاحتفالات هي نوع من رفع الذِّكر، و المسلمون لا يهدفون من الاحتفال بميلاد النبيّ و مبعثه و غير ذلك من المناسبات الدينية سوى رفع ذكره و ذكر أهل بيت الأطهار عليهم السلام.
فلما ذا لا نقتدي بالقرآن؟!
أ ليس القرآن قدوة و أُسوة لنا؟!
هذا... و ليس لأحد أن يقول: «إنّ رفع ذكره صلى الله عليه و آله و سلم خاصّ باللّٰه سبحانه و لا يشمل غيره» لأنّ ذلك يشبه أن يقول: إنّ نصر النبيّ خاصّ باللّٰه سبحانه و لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن ينصره و قد قال تعالى:
«وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً».(2)
و لعلّ الهدف من هذه الآيات هو دعوة المسلمين إلى نصر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و تخليد ذكراه و إحياء اسمه و رسمه.
من راجع القرآن و السنة يقف على أصل رصين في الإسلام في حق النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، و هو لزوم تكريم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و تعظيمه حيّاً و ميتاً، و هو أصل لا يمكن لمسلم إنكاره، و إذا ثبت ذلك الأصل يقع الكلام في أنّ هذه الاحتفالات هل هي تجسيد لهذا الأصل أو لا؟ فيلزم البحث في موردين:
من أمعن في القرآن الكريم يقف على أنّه يحثّ المسلمين على تكريم النبي و تعظيمه، و أنه لا يصحّ للمسلمين أن يعاملوه معاملة الإنسان الاعتيادي، و إليك ما يمكن استنباط هذا الأصل منه.
1 - قال سبحانه: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ»(1).
إن الكلمات الواردة في هذه الآية هي: 1 - «آمنوا به» 2 - «عزّروه» 3 - «نصروه» 4 - «اتبعوا النور الّذي أُنزل معه».
فالآية تدعو إلى الإيمان بالنبي و تعزيره و نصرته و اتّباع النور الّذي أُنزل معه، و المراد من التعزير، ليس مطلق النصرة، لأنّه ذكره
1) . الأعراف: 157.
بقوله «نصروه» و لا حاجة لتكراره؛ و لا مطلق منع الأعداء عنه، بل المراد هو توقيره و تعظيمه(1)، أو نصرته مع التعظيم(2).
و على كل تقدير فالمفهوم من الآية هو تعزير النبي و احترامه، و من المعلوم أنّ احترامه ليس إلّا لأجل كونه سراجاً منيراً للأُمة و هادياً إلى الشريعة و دينه سبحانه.
2 - أشار سبحانه إلى مكانته المرموقة و لزوم توقيره و تكريمه بقوله: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ»(3)، فجعل رفع الصوت فوق صوته و الجهر له كجهر بعضكم بعضاً، سبباً لحبط الأعمال فما أعظم شأنه و أجلّ قدره.
3 - و قال سبحانه: «لاٰ تَجْعَلُوا دُعٰاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعٰاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً»(4).
4 - و أشار إلى حرمة التسرّع في إبداء الرأي بقوله: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(5).
5 - إنّه سبحانه قرن طاعة النبي بطاعته و قال: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ»(6)، و جعل طاعته طاعة نفسه و قال: «مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ
اَللّٰهَ»(1)، و جعل اتّباع الرسول آية لحب اللّه سبحانه، و قال: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّٰهُ»(2)، و ندّد بمن قدّم حبّ الآباء و الأبناء و الإخوان و الأزواج و العشيرة و الأموال و التجارة و المساكن على حب الرسول، و قال: «قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوٰالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهٰا وَ تِجٰارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسٰادَهٰا وَ مَسٰاكِنُ تَرْضَوْنَهٰا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهٰادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّٰى يَأْتِيَ اَللّٰهُ بِأَمْرِهِ»(3).
و روى أنس أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين»، و روى أنّ رسول اللّه قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهن الإيمان، أن يكون اللّه و رسوله أحب إليه ممّا سواهما...»(4).
6 - إنّه سبحانه أمر بالصلاة و التسليم على النبي و قال: «إِنَّ اَللّٰهَ وَ مَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً»(5).
و روي أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلّ عليّ» و قال: «من صلّى عليّ واحدة صلّى اللّه عليه بها عشراً».(1)
و الصلاة عليه صلى الله عليه و آله و سلم أحد أركان الصلاة، من تركها عامداً بطلت صلاته، و الدعاء له بالوسيلة و الفضيلة و المقام المحمود عقيب الأذان أمر محمود، و فيه فضل كبير.
7 - أشار إلى كيفية معاشرة المؤمنين معه و مع أزواجه بعد وفاته، فقال:
«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ وَ لٰكِنْ إِذٰا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لاٰ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ يُؤْذِي اَلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَسْتَحْيِي مِنَ اَلْحَقِّ وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ عِنْدَ اَللّٰهِ عَظِيماً»(2).
و من وقف على خصائص النبي صلى الله عليه و آله و سلم الّتي ذكرها الفقهاء في الكتب الفقهية، يقف على مكانته عند اللّه، و عظمته عند المسلمين، و لزوم توقيره و تكبيره و تعظيمه.
هذه الآيات و الأحاديث تفيد بأنّه سبحانه فرض محبة النبي و مودته
على المؤمنين، و أنّ المؤمن لا يتم له إيمان حتّى يكون صلى الله عليه و آله و سلم أحب إليه من نفسه و ماله و أهله، و من شك في ذلك فهو شاك في البديهيات الدينية.
و هنا يقع الكلام في المقام الثاني، و هو ما يتحقق به التكريم، و ما يمكن الاستقلال به على أنه صادق في حبّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و إليك البحث فيه.
إذا دلّت الآيات و الأحاديث على لزوم تكريم النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تعظيمه أوّلاً، و حبه و مودّته ثانياً، فعندئذٍ يقع الكلام: فيما يتحقّق به ذلك الأصل، و تتجسّم به هذه الفريضة.
لا شك أنّ لتكريم الإنسان و تعظيمه طرقاً مختلفة مألوفة للناس، و لكن صاحب الشخصية العالمية إذا أراد الشعب المسلم تكريمه و تعظيمه، فالاحتفال بولادته و إقامة العزاء يوم رحلته، تكريم و تعظيم له، و تجسيد لذلك الأصل الّذي نطق به الكتاب و السنة، و ليس ذلك أمراً خفياً على الناس فإنّ العقلاء بفطرتهم يحتفلون بذكرى شخصياتهم ولادة و وفاة، تكريماً و احتراماً لهم، و الفرق بين تكريم النبي و تكريم تلك الشخصيات أنّ تكريمهم من قبيل التقاليد و الآداب الشعبية، فلو لم يرد حظر منه كفى في جواز ذلك عدم الحظر.
و أمّا تكريم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم فله أصل في الشريعة الغرّاء، و له تجليات في الظروف المختلفة، فلو احتفل المؤمنون في كل دورة و كورة
بميلاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم من دون اقتراف المعاصي و المنكرات، و أقاموا احتفالاً حاشداً يبهر العيون و يحير العقول، فقام الخطباء فيه بإلقاء الكلم حول فضائله و مناقبه، و ما نزل في حقّه من الآيات و الآثار، و ما ضحّى بنفسه و نفيسه في طريق هداية أُمّته، و قام الشعراء بإنشاء القصائد الّتي تُستلهم من الكتاب و السنّة خالية عن الغلو و الإفراط، ثمّ قاموا بإطعام الإخوان و المحبين لرسول اللّه من مال اللّه الّذي جعل الناس فيه مستخلِفين،... فلا شك أنّهم جسّدوا ذلك الأصل الرصين (تكريم النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تعظيمه) بعملهم المشرق، كما أظهروا بذلك محبتهم و ولاءهم لصاحب الرسالة.
و عند ذلك كيف يمكن أن توصف تلكم الاحتفالات الباهرة بالبدعة؟ أ و ليست البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين؟ و هل المسلمون أدخلوا في الدين ما ليس منه؟ أ و ليس تكريمه و توقيره هو الأصل الرصين؟ أ وَ ليس الاحتفال الباهر تحقيقاً عملياً لذلك المبدأ عند جميع العقلاء، فأين البدعة يا ترى؟ أ وَ ليس القرآن و السنّة ندبا المسلمين إلى حب النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و هل الحب يجب أن يبقى كامناً في مكامن النفس، و لو تظاهر به الإنسان كان عاصياً، أو أن المحبة و المودة لها مظاهر و مجالٍ، و إظهار الفرح يوم ولادته و الحزن يوم رحلته دليل على الحب الأصيل و المودة المكنونة في القلب.
و لسنا ننكر أن لإظهار المودة و توقيره طرقاً أُخرى، منها التمسك بسنّته قولاً و عملاً و تعلماً و تعليماً و إيثاراً، أو التأسّي بأخلاقه و آدابه، و نشر سنته و أحاديثه، إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون مظاهر للحب، - و لكن
أيها الأخ العزيز - لا ينحصر إظهار الحب و التكريم في هذه الأُمور، فإنّها من الوظائف الدينية الّتي يجب على المسلم القيام بها في كل يوم و ليلة، و هي في الوقت نفسه مظاهر لتوقير النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تكريمه و إظهار المودة و الحب له، و لكن الاحتفال بمولده و إقامة العزاء في يوم رحلته أيضاً مظهر آخر للتوقير و التكريم و إظهار المودة، فلما ذا نؤمن ببعض و نكفر ببعض؟
فكيف تقام الاحتفالات في نفس المملكة السعودية لأبناء عائلتها و تغفل عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته؟!، و إن كنت في شك من ذلك فانظر إلى العدد (102) من مجلة «الفيصل» الّتي تصدر في طباعة أنيقة جداً في السعودية، فهو يحتوي على تقرير مبسوط عن الاحتفال الكبير الّذي أقامته السلطات السعودية بمناسبة عودة «الأمير سلطان» من الرحلة الفضائية في مركبة «ديسكفري»، و يحتوي هذا العدد على صور كثيرة تحكي عن حجم المبالغ الطائلة الّتي صرفت في ذلك الاحتفال، و قد نشرت الكلمات و القصائد الّتي أُلقيت فيه، و قرئ فيها المدح المفرط و الثناء المسرف على آل سعود عامة و الأمير العائد من الرحلة الفضائية خاصة...
أ لا يستحق رسول الإسلام أن تخلّد ذكرى مولده الشريف، و تنشر مناقبه و فضائله و إنجازاته العظيمة، و عطاؤه الزاخر، و خدماته الجليلة، و جهاده و جهوده و غير ذلك، حتّى يعرف الصديق و العدو ما أسداه هذا النبي العظيم من خدمة، و ما قدمه من عطاء، و ما تحمّل من عناء و عذاب في سبيل هداية البشر، و هل التكريم إلّا الاحتفال به، و نشر قِيَمهِ الفاضلة، و الحث على الاقتداء به و الأخذ بهديه، و المحافظة على آثاره؟ ما هذا
التناقض بين القول و العمل؟ تقيمون الاحتفال لأمير البلد، و تحرّمون الاحتفال للنبي الأكرم؟!
فلو أُقيم احتفال في أيّ بلد من بلاد اللّه تبارك و تعالى، سواء أ كان في ميلاد النبي أم غيره، و قرأ المقرئ الآيات النازلة في حقّه، أو تليت قصيدة حسان بن ثابت الّذي قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بأنّ لسانه على المشركين أشد وقعاً من السيوف على رقابهم، كقوله في قصيدة رثى بها النبي صلى الله عليه و آله و سلم بعد رحلته، يقول فيها:
بطيبة رسمٌ للرسول و معهد *** منير و قد تعفو الرسوم و تهمد
يدل على الرّحمٰن من يقتدي به *** و ينقذ من هول الخزايا و يرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهداً *** معلِّم صدقٍ إن يطيعوه يسعدوا(1)
أو ألقي فيها شعر كعب بن زهير الّذي يمدح به النبي و يقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيّم إثرها لم يُفْد مكبول
نُبّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني *** و العفو عند رسول اللّه مأمول
مهلاً هداك الّذي أعطاك نافلة ال *** قرآن فيها مواعيظ و تفصيل
إن الرسول لَنورٌ يستضاء به *** مهنّدٌ من سيوف اللّه مسلول(2)
أو ما أنشأه عبد اللّه بن رواحه و يقول فيه:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله *** خلّوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنّي مؤمن بِقيلِه *** أعرف حق اللّه في قبوله(1)
أو قرأ فيها قصيدة البوصيري الّتي أنشأها عن إيمان و إخلاص بالرسول لغاية التكريم و الاحترام مستهلها:
أ مِنْ تذكُّر جيرانٍ بذي سَلَمٍ *** مَزجْتَ دمعاً جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة *** و أومض البرق في الظلماء من أضم(2)
فهل يتصور أن يعد ذلك أمراً محرماً و بدعة؟ و كأنّ الرسول يجب أن يكون خامل الذكر. و لو هتف به هاتف بالتكريم يكون آثماً، يجب أن يجلد أو يقتل لأجل البدعة أو الشرك: سبحانك يا رب ما أعظم جرأتهم على الحط من كرامة الرسول و عظمته!!
نرى أنه سبحانه خَلَّدَ ذكره و رفع مقامه بمنْحِهِ النبوة و قال: «وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ»(3)، فلنفترض أنّ الآية: «رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ» تشير إلى منح منصب النبوة، و مقام الرسالة له، و لكن يستفاد من الآية أنّ رفع ذكر النبي أمر مطلوب للّه سبحانه، و أن تتويجه بالنبوة سبب لذلك الرفع المحمود،
فالاحتفال بمولده ليس إلّا تجسيداً لذلك الرفع المطلوب، و ليس لقائل أن يقول: إنّ المطلوب هو رفعه بمنح النبوة له فقط، فلا يسوغ ترفيعه و تخليد ذكراه في المجتمع عن طريق آخر، فإنّ ذلك يأباه الذوق السليم.
هذا هو معنى البدعة، و هذا تحديدها، فاتخذه مقياساً تميز به المبتدع عن المتشرّع، و البدعة عن السنة، و بذلك تقف على أنّ أكثر ما يصفونه بالبدعة له أصل في القرآن و السنة، و لأجل أن يكون البحث مترامي الأطراف نردفه بالبحث عن التبرك، حتّى يكون الوقوف على حقيقته معيناً على حل عقدهم و مشاكلهم، و سيوافيك البحث مستقلاً عن الاحتفال بالمواليد.
من مراتب التوحيد، التوحيد في الخالقية، بمعنى أنّه لا يوجد للعالم إلّا خالق واحد، و أنّ العالم بكلّ تجلّياته المختلفة مخلوق له سبحانه، و انّ جميع الظواهر المادية و غير المادية فاقدة ذاتاً لكلّ أنواع الكمال، و إذا ما تحلّت ظاهراً بالكمال فما ذلك إلّا في ظل المشيئة و الإرادة الإلهية.
و هذا الأصل من الأُصول المتسالم عليها بين الموحّدين و المشركين، و هذا ما أشارت إليه آيات الذكر الحكيم التي جاءت على نحو السؤال و الجواب أو على نحو القضية الشرطية، و منها قوله تعالى:
«وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اَللّٰهُ».(1)
نعم، انّ الاختلاف بين الموحّدين و بين مشركي عصر الرسالة كان في «المدبريّة» حيث كان يرى الموحّدون انّ «المدبرية» أيضاً تنحصر في اللّٰه سبحانه فهو الخالق و هو المدبّر في آن واحد، و أمّا المشركون فقد كانوا
1) . العنكبوت: 61.
يرون أنّ لآلهتهم المزيّفة نصيباً في تدبير العالم و إدارة شئونه.
و هنا مسألة جديرة بالاهتمام ينبغي الالتفات إليها و هي أنّ حصر الخالقية و المدبّرية في اللّٰه سبحانه لا يعني بحال من الأحوال نفي تأثير الظواهر المادية و غير المادية بعضها بالبعض الآخر، و ذلك لأنّه قد أثبتت آيات الذكر الحكيم و كذلك الأدلّة العلمية و الفلسفية أنّ عالم الخلق قائم على سلسلة من العلل و المعاليل، و بعبارة أُخرى: الأسباب و المسبّبات، و أنّ الظاهرة المتقدّمة تؤثر - و تحت شرائط خاصة - في الظاهرة اللاحقة.
و لكن جميع تلك التجلّيات «المؤثّر» و «المؤثّرية» و «الأثر» كلّها تخضع لمشيئته و إرادته سبحانه، فشعاع الشمس، و تلألؤ القمر، و الإحراق للنار، و نمو النباتات بواسطة الماء، و غير ذلك من الظواهر، كلّها إنّما تعمل عملها و تؤثر أثرها في ظل إرادته سبحانه، و إذا ما انقطعت الإرادة الإلهية و لو لحظة واحدة لم يبق من عالم الخلق شيء يذكر أبداً.
و لمزيد التوضيح نقول: إنّ في عالم الوجود يوجد سبب واحد يتّصف بالأصالة و الواقعية و هو اللّٰه سبحانه، و لكن و في نفس الوقت يوجد في قلب عالم الوجود سلسلة من الأسباب و العلل الفرعية و التبعية التي تعمل في إطار إرادته و مشيئته سبحانه و تعالى، فعلىٰ سبيل المثال نمو الأشجار و حياة الإنسان يخضعان لسلسلة من العلل و الأسباب الطبيعية بحيث لو انتفت لانتفى وجود النبات و الإنسان قطعاً. و هذه الأسباب تتمثّل في الماء و الهواء و النور و...، و من هنا يمكن اعتبار تلك الأسباب و العلل من جنود اللّٰه سبحانه التي تخضع لأوامره و تمتثل مقرراته سبحانه.
و لقد صرحت الآية 22 من سورة البقرة بهذا المؤثر التبعي، أو ما يصطلح عليه الفلاسفة ب «المؤثّر الظلي» حيث جاء فيها:
«اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ اَلسَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ».(1)
فإنّ الحرف «ب» في قوله «به» يعطي معنى السببيّة، و هذا تصريح بمؤثّرية الماء في نمو الثمار.
و من الأُصول المسلّمة لدى علماء الطبيعة عامّة و الأحياء خاصة هو البحث عن العلاقات بين الظواهر المتنوعة لغرض معرفة الأسباب و العلل الطبيعية و المادية، لكي يتسنّى لهم من خلال تلك المعرفة الاستفادة من المنافع الناجمة عنها، و اجتناب الاضرار التي قد تواجههم في ذلك.
إنّ نقطة الخلل في التفكير المادي تكمن في أنّهم نظروا إلى عالم المادة نظرة أُحادية الجانب بحيث اعتبروا تلك العلل و الأسباب التبعية و الظلية أسباباً و عللاً مستقلة غافلين عمّا وراء المادة من عالم غيبي هو الفاعل و السبب الحقيقي و الواقعي و هو المدبّر للعالم و المانح للأسباب و العلل المادية قدرة الفاعلية و إمكانية التأثير، و هو الذي رسم للعالم المادي و غير المادي مساره و نهجه الذي ينبغي السير عليه.
1) . البقرة: 22.
و من هنا يظهر أنّ اللّٰه سبحانه و تعالى في الوقت الذي يهب السببية و الفاعلية للأشياء، فيمنح الشمس القدرة على الإشعاع، و القمر القدرة على الإضاءة، و الماء القدرة على الإنبات، و... هو نفسه سبحانه و تعالى قادر أيضاً على سلب ذلك كلّه من العلل و الأسباب الطبيعية، فالنار التي تمتلك القدرة على إحراق الأخضر و اليابس تتحول و في طرفة عين إلى برد و سلام على إبراهيم عليه السلام بإرادته و مشيئته سبحانه: «قٰالُوا حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فٰاعِلِينَ * قُلْنٰا يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ».(1)
و هو سبحانه الذي يسلب البحر الكثير من خصائصه و يحوله من حالة إلى حالة أُخرى تختلف اختلافاً جوهرياً مع طبيعة الماء في الحالات الاعتيادية، و هذا ما نشاهده في قصة نبي اللّٰه موسى عليه السلام حيث قال تعالى:
«فَلَمّٰا تَرٰاءَا اَلْجَمْعٰانِ قٰالَ أَصْحٰابُ مُوسىٰ إِنّٰا لَمُدْرَكُونَ * قٰالَ كَلاّٰ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصٰاكَ اَلْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكٰانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ».(2)
و من هنا ندرك بما لا مزيد عليه أنّ اللّٰه تعالى هو واهب الأسباب فاعليتها، و هو نفسه قادر على سلب ذلك كلّه منها.
لقد تعلّقت الإرادة الإلهية بأن تصدر الظواهر من عللها و أسبابها الطبيعية، و لكن قد يحدث - و لمصالح ما تقتضي ذلك - أن تصدر الظاهرة من غير مجراها الطبيعي، و ذلك فيما إذا أراد الأنبياء عليهم السلام إثبات أو تأكيد ارتباطهم بالسماء. فحينئذٍ تقع على أيديهم ما يصطلح عليه عنوان «المعجزة».
و لا ريب أنّ معاجز الأنبياء - و بلا استثناء - تسير من خلال هذا الطريق، فمن المسلّم أنّ تحوّل العصا إلى ثعبان مبين، و انفلاق البحر بضربه بالعصا، أو إعادة البصر إلى الأكمه و شفاء الأمراض المستعصية و... كلّ ذلك في الواقع وليد عوامل و أسباب غير طبيعية، و لسنا هنا في صدد بيان ماهيتها.
يتّضح من خلال هذا البيان انّ الفيض الإلهي يصب على الإنسان في الأعم الأغلب من خلال الأسباب و العلل الطبيعية، و لكن قد يصب ذلك الفيض في بعض الأحيان من غير مجراه الطبيعي، و هذا ما يطلق عليه عنوان «المعجزة»، و هذا فيما إذا كان الفاعل بصدد إثبات صدقه في ادّعاء النبوة و ارتباطه بالسماء و عالم الغيب، أمّا إذا لم يكن الفعل مقترناً بدعوى النبوة فحينئذٍ يكون من قبيل «الكرامة».
لقد ذكر القرآن كرامتين كبيرتين للسيدة مريم عليها السلام.
1 - انّها عليها السلام كانت تجد رزقها في محراب عبادتها، و هذا ما أشارت إليه الآية التالية:
«فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهٰا نَبٰاتاً حَسَناً وَ كَفَّلَهٰا زَكَرِيّٰا كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً قٰالَ يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ حِسٰابٍ».(1)
2 - حينما جاءها المخاض إلى جذع النخلة تلقت النداء الإلهي «وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسٰاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا».(2)
و الملاحظ من الآيتين أنّ السيدة مريم عليها السلام كانت تتلقّى رزقها و الرطب الجني من غير المجاري الطبيعية، و ما ذلك إلّا لمقامها و منزلتها الرفيعة عند اللّٰه سبحانه و الروح الزكية و النفس الطاهرة التي كانت تتحلّى بها، و هذه كرامة عظيمة لمريم عليها السلام، و من المعلوم أنّ مريم ما كانت تدّعي مقاماً ما.
إلى هنا تعرفنا على ما يتعلّق بمصطلحي: «المعجزة»، و «الكرامة»، و من الحريّ بنا أن نتعرّف على مصطلح و مفهوم آخر و هو «التبرّك».
التبرّك لغة مشتق من «البركة» بمعنى الزيادة في النعمة.
و أمّا اصطلاحاً فهو: طلب الموحّدين إفاضة النعم عليهم و زيادة البركة من خلال التبرّك بالذوات الصالحة للنبي الأكرم و الصالحين من عباده، أو التبرّك بآثارهم الباقية.
و هذا لا يعني أنّ المتبرّك يسد في وجهه الطرق و الأسباب الطبيعية لتحقيق مراده و الأُمور التي يتوخّاها، بل في الوقت الذي يعتمد فيه الأسباب و العلل الطبيعية، يبقي أمامه باب التبرّك مفتوحاً ليتسنّى له من خلاله نيل الفيض الإلهي النازل من خلال هذا الطريق بالإضافة إلى الفيوضات النازلة من خلال الطرق و الأسباب الطبيعية.
و من المسلّم به أنّه لا توجد علاقة مادية بين آثار الأنبياء عليهم السلام و الصالحين، و بين الخيرات التي يجنيها الإنسان من خلال هذا الطريق، و لكن - كما قلنا سابقاً - انّ الفيوضات الإلهية تارة تفاض على العباد من غير مجاريها الطبيعية حيث تتعلّق الإرادة الإلهية بأن تلبّى حاجات الإنسان المؤمن عن طريق التبرّك بشخص النبي أو الآثار المتبقية منه، و هذه الحقيقة قد أكّدتها آيات الذكر الحكيم و الروايات المتواترة، أضف إلى ذلك أنّه لا يوجد مانع عقلي يمنع عن فاعلية آثار النبي و الصالحين في تلبية حاجات الإنسان و إنجاح طلبته.
و ها نحن نستعرض بعض الآيات الواردة في هذا الصدد:
لقد اعتبر اللّٰه سبحانه و تعالى بعض الأراضي التي لامست بدن دعاة التوحيد، محلاً للعبادة. فعلى سبيل المثال جعل من مقام إبراهيم عليه السلام مصلّى، حيث قال سبحانه:
«وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى».(1)
و لا ريب أنّ الصلاة نفسها لا تختلف من الناحية الجوهرية، سواء أُقيمت في هذا المقام أو سائر نقاط المسجد، و هذا يكشف عن أنّ المقام المذكور قد اكتسب بسبب وجود النبي إبراهيم عليه السلام ميزة أُخرى، فأصبح مكاناً مباركاً، لذلك تجد المصلّي يأتي بصلاته هناك لأجل التبرّك بذلك المكان الطاهر.
و في موضع آخر من القرآن نجد اللّٰه سبحانه و تعالى يعتبر «المسعىٰ» - و هو المسافة الواقعة بين الصفا و المروة - محلاً للعبادة، و ما ذلك إلّا لأنّ السيدة الطاهرة و الموحّدة «هاجر» قد لامست بقدميها المباركتين هذه الأرض سبعة أشواط بحثاً عن الماء، و ليس لذلك الأمر علّة إلّا التبرّك بهذه البقعة المقدّسة التي لامست جزءاً من بدن أُمّ إسماعيل عليه و عليها السلام.
1) . البقرة: 125.
لقد عانى يعقوب عليه السلام ألم فراق ولده العزيز يوسف عليه السلام ردحاً طويلاً من الزمن، و لقد بكاه طوال تلك المدّة حتّى فقد بصره إلى الدرجة التي وصفه فيها الذكر الحكيم بقوله: «وَ اِبْيَضَّتْ عَيْنٰاهُ مِنَ اَلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ».(1)
فشاءت الإرادة الإلهية أن يعود إلى يعقوب بصره عن طريق قميص ولده يوسف عليه السلام حيث قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: «اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً».(2)
و لا ريب أنّ قميص يوسف عليه السلام لا يختلف من الناحية المادية أو من ناحية الشكل عن غيره، و لكن تعلّقت الإرادة الإلهية بأن يصدر الفيض الإلهي إلى عبده يعقوب من خلال هذا الطريق، و قد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة حيث قال سبحانه:
«فَلَمّٰا أَنْ جٰاءَ اَلْبَشِيرُ أَلْقٰاهُ عَلىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً».(3)
لقد وضع موسى عليه السلام و في الأيام الأخيرة من عمره الشريف، الألواح المقدّسة التي تحتوي على شريعته عليه السلام، و درعه و سلاحه و آثاره الأُخرى في
صندوق، و جعل الصندوق عند وصيّه «يوشع بن نون»، و من هنا اكتسب هذا الصندوق أهمية كبرى لدى بني إسرائيل، فكانوا يحملونه معهم أثناء الحروب التي تقع بينهم و بين خصومهم متبرّكين به، و مستنزلين النصر من اللّٰه عن طريقه، و كانوا يعيشون حياة عزيزة ما دام ذلك الصندوق المبارك بين ظهرانيهم، و لكن لمّا دبّ فيهم الضعف الديني، و قلّ تأثير الوازع الأخلاقي في أوساطهم، تمكّن خصومهم من هزيمتهم و التغلّب عليهم، و تمكّنوا كذلك من نهب ذلك الصندوق المبارك.
و لمّا اختار اللّٰه سبحانه - بعد فترة من الزمن - طالوت ملكاً و قائداً لبني إسرائيل، قال لهم نبيّهم: إنّ آية صدقه و كونه قائداً منصباً من قبله سبحانه هو أن يأتيكم ذلك الصندوق، و لقد أشار الذكر الحكيم إلى ذلك بقوله سبحانه:
«وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلتّٰابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَ آلُ هٰارُونَ تَحْمِلُهُ اَلْمَلاٰئِكَةُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».(1)
و الإمعان في الآية المباركة يكشف أنّ القرآن الكريم ينقل لنا على لسان نبيه، تبرّك بني إسرائيل بذلك الصندوق و يؤكّد كذلك مدى قيمته و شرفه بحيث تحمله الملائكة، و حينئذٍ نتساءل لو كان هذا العمل مخالفاً لأُصول التوحيد و متعارضاً معها، فكيف يا ترى جاز لذلك النبي أن يلقي إليهم الخبر على نحو البشرى؟!!
1) . البقرة: 248.
حين اكتشف المؤمنون و الموحّدون المكان الذي اختفىٰ فيه الفتية «أصحاب الكهف» فأخذوا يتداولون الأمر بينهم ما ذا نعمل؟ فكان إطباق الجميع و اتّفاقهم على أن يبنوا على قبورهم مسجداً ليكون محلاً للعبادة و للتبرّك بالعبادة إلى جنب تلك الأجساد الطاهرة، و لقد نقل لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله سبحانه:
«قٰالَ اَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً».(1)
قال المفسّرون: إنّ الهدف من بناء المسجد هو إقامة الصلاة و التبرّك بأجسادهم الطاهرة.
إلى هنا نكتفي بهذه الآيات الأربع، و التي يكشف الإمعان فيها عن حقيقة واضحة و ترشدنا إلى أصل علمي و قرآني جليّ، و هو أنّ المشيئة الإلهية قد تعلّقت بأن تفاض نعمه و مواهبه المادية و المعنوية على البشر من خلال الأسباب الطبيعية، بلا فرق بين الأُمور المادية و المعنوية، فعلى سبيل المثال شاءت الإرادة الإلهية أن تفاض هدايته على البشر عن طريق الأسباب الطبيعية فأرسل لهم الأنبياء مبشّرين و منذرين.
و لكن في الوقت نفسه قد تتعلّق الإرادة الإلهية بأن يجري فيضه عن
1) . الكهف: 21.
طريق الأسباب و الطرق و المجاري غير الطبيعية، و ما التبرّك إلّا واحداً من تلك المجاري التي يتمسّك بها الإنسان لاستنزال الفيض الإلهي و النعم الربّانية عليه.
إنّ الغرض من التبرّك يكمن في أمرين:
1 - طلب الفيض المعنوي و النعم الإلهية التي قد ترد أحياناً من غير المجرى الطبيعي على الإنسان و التي أشرنا إلى نماذج منها في الصفحات السابقة.
2 - لا ريب أنّ مودة النبي الأكرم و محبّة أهل بيته الطاهرين و أصحابه الميامين من الدساتير الإلهية التي نطق بها القرآن الكريم و نزلت بها الآيات الشريفة، و لا ريب - أيضاً - أنّ هذه المودة و هذا الحب لا بدّ أن يتجلّى بمظاهر معيّنة، ففي حياتهم عليهم السلام يتجلّى بما يقوم به التابعون المخلصون لهم، و أمّا بعد مماتهم فيتجلّى بصور أُخرى متنوّعة، أبرزها و أهمها إظهار الفرح و السرور في أيّام مواليدهم، و الحزن و الأسى بمناسبة شهادتهم و رحيلهم من الدنيا، و تقبيل المشاهد التي يرقدون فيها، و الأبواب و الجدران التي شيّدت على قبورهم الطاهرة، و نحن إذا حلّلنا عمل المسلمين و قرأنا ما يكمن في تصرّفهم هذا نجد أنّهم لا يقبّلون الأبواب و الجدران هياماً منهم بها و شوقاً إليها، بل أرواحهم ولهى و قلوبهم هائمة برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته
و الصالحين من أنصاره و أتباعه و لكن بما أنّ أيديهم لا تصل إلى تلك الذوات الطاهرة التي هاموا بها لذلك يقبلون آثارهم و ما يمت إليهم، و لسان حالهم كلسان حال مجنون ليلىٰ حيث يقول:
أمرّ على الديار ديار ليلىٰ *** أقبّل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما حبّ الديار شغفن قلبي *** و لكن حبّ من سكن الديارا
صحيح أنّ أماكن الزيارة تتألّف ظاهراً من الأحجار و الأخشاب و الحديد و...، و لكن إظهار المحبّة الباطنية لها و التعلّق بها، يعكس الحب العميق و المودة الكبيرة التي تصل إلى حد الهيام و الوله بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمّة الطاهرين عليهم السلام، و انّ تلك الأحجار و الأخشاب ما اكتسبت قداستها إلّا من إضافتها إليهم عليهم السلام، فمن أحبّ شخصاً أحبّ كلّ ما يمت إليه بصلة و كأنّه حينما يرى تلك الآثار يرى محبوبه حقيقة.
و من هنا انطلق المسلمون في التعامل مع آثار النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و كلّ ما يمت إليه بصلة، فإنّ حبهم الشديد للرسول صلى الله عليه و آله و سلم جعلهم يبحثون عن كلّ أثر من آثاره صلى الله عليه و آله و سلم من موضع قدم، أو لباس، أو قبر أو ساحة حرب، أو... فيسارعون إلى تلك الأماكن يحدوهم الشوق لرؤية تلك الآثار.
و لقد كانت سيرة المسلمين بحد من الانتشار و السعة بحيث لا يمكن نقل جميع تلك الصور في هذا الفصل، و لذلك سنكتفي بنقل نماذج من ذلك.
كانت السنّة الرائجة في أوساط المسلمين في عصر الرسالة حينما يرزق أحدهم بمولود يأتي به إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، فكان صلى الله عليه و آله و سلم يحنكه بشيء من التمر ثمّ يدعو له، يقول ابن حجر في هذا الصدد: في من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم لبعض الصحابة من النساء و الرجال ممّن مات صلى الله عليه و آله و سلم و هو في دون سن التمييز،... لغلبة الظن على أنّه صلى الله عليه و آله و سلم رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده حين ولادتهم ليحنكهم و يسمّيهم و يتبرّك عليهم، و الأخبار بذلك كثيرة شهيرة، ففي «صحيح مسلم»(1)عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم؛ و أخرجه الحاكم في كتاب الفتن في «المستدرك» عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما كان يولد لأحد مولود إلّا أتى به النبي صلى الله عليه و آله و سلم فدعا له - الحديث.(2)
و لما ولد عبد اللّٰه بن عباس و كان الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و بنو هاشم في شعب أبي طالب، حنكه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بريقه.
لم تنحصر مسألة التبرّك و التحنيك بأطفال المسلمين فقط، بل كان الكبار منهم يصرّون على التبرّك بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، حيث كانوا يطلبون
منه صلى الله عليه و آله و سلم أن يمسح على رءوسهم و يبارك لهم.
فعن ابن جحيفة: خرج رسول اللّٰه بالهاجرة إلى البطحاء فتوضّأ ثمّ صلّى الظهر ركعتين و العصر ركعتين - إلى أن قال: - و قام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، و أطيب رائحة من المسك.(1)
و من هؤلاء زياد بن عبد اللّٰه بن مالك الهلالي، قال ابن حجر: فدخل زياد منزل ميمونة أُمّ المؤمنين و كانت خالته... فقالت يا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّه ابن أُختي، فدعاه فوضع يده على رأسه ثمّ حدرها على طرف أنفه، فكان بنو هلال يقولون: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد.
ثمّ قال ابن حجر: و ذكر ابن سعد القصة مطولة عن هشام بن الكلبي... و قال الشاعر لعلي بن زياد المذكور:
يا ابن الذي مسح الرسول برأسه *** و دعا له بالخير عند المسجد
ما زال ذاك النور في عرنينه *** حتىٰ تبوّأ بيته في ملحد(2)
من الظواهر البارزة و الأعمال الرائجة في حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم تبرّك الصحابة بماء وضوئه و غسله، بحيث كانوا لا يدعون قطرة منه تسقط
على الأرض، و إذا كان ذلك الماء كثيراً يشربونه للبركة.
و قد روى البخاري في صحيحه عن أبي حجيفة قال: خرج علينا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بالهاجرة فأُتي بوضوء فتوضّأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به...(1).
و قد نقل عروة بن مسعود، موفد قريش إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في صلح الحديبية، الصورة التالية:
يا معشر قريش إنّي قد وفدت على الملوك، على قيصر في ملكه بالشام، و على النجاشي بأرض الحبشة، و على كسرىٰ بالعراق، و إنّي و اللّٰه ما رأيت ملكاً هو أعظم ممّن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، و اللّٰه ما يشدّون إليه النظر، و ما يرفعون عنده الصوت، و ما يتوضأ بوضوء إلّا ازدحموا عليه، أيّهم يظفر منه بشيء....(2)
ألف: روى الحاكم في «المستدرك» عن داود بن صالح، قال: «أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، ثمّ قال:
هل تدري ما تصنع؟
فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاري، فقال: نَعم، إنّي لم آت
الحجر، إنّما جئت رسول اللّٰه و لم آت الحجر، سمعت رسول اللّٰه يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، و لكن ابكوا على الدين إذا وليه غيرُ أهله».(1)
إنّ هذه الظاهرة التي نقلها الحاكم في «المستدرك» تحكي أنّ سيرة صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كانت قائمة على التبرّك بقبره الشريف بوضع الخد عليه، كما تحكي في الوقت نفسه عداء مروان و غيره من رجال البيت الأُموي و خصومتهم للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حتى بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.
ب: أقام الصحابي الكبير و مؤذن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بلال الحبشي في الشام في عهد عمر بن الخطاب، فرأىٰ في منامه النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هو يقول له:
«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟
فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم فجعل يبكي عنده و يمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين عليهما السلام، فجعل يضمّهما و يقبلهما...».(2)
ج: انّ فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين بنت رسول اللّٰه، حضرت عند قبر أبيها صلى الله عليه و آله و سلم و أخذت قبضة من تراب القبر تشمّه و تبكي، و هي تقول:
ما ذا على من شمّ تربة أحمد *** ألّا يشم مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا(1)
و من الواضح إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء عليها السلام يدلّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّٰه و تربته الطاهرة.
و قد عقد البخاري في صحيحه باباً سمّاه: «باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه و آله و سلم و عصاه و سيفه و قدحه و خاتمه و ما استعمل الخلفاء بعده من ذلك ممّا لم يذكر قسمته و من شعره و نعله و آنيته ممّا تبرك أصحابه و غيرهم بعد وفاته».(2)
نكتفي هنا بذكر هذه المجموعة القليلة جداً من بين الكثير من الوقائع التي تحكي عن اتّفاق الصحابة على التبرّك بآثار النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و مَن تتبّع كتب السير و الحديث و التاريخ و الصحاح و المسانيد يرى أنّ مسألة التبرّك بالنبي و الصالحين قد بلغت حدّ التواتر بحيث يستحيل عند العقل أن تكون موضوعة و مجعولة.
إنّ دراسة التاريخ الإسلامي و سيرة المسلمين في صدر الإسلام تكشف و بوضوح أنّ التبرّك بآثار النبي صلى الله عليه و آله و سلم و بكلّ ما يرتبط به صلى الله عليه و آله و سلم كقبره، و تربته، و عصاه، و ملابسه، و الصلاة في الأماكن التي صلّى فيها صلى الله عليه و آله و سلم، أو مشى فيها، و كلّ ذلك كان يمثّل في الواقع ثقافة إسلامية رائجة في ذلك الوقت، و كانوا يرومون من ورائه أحد أمرين:
1 - التبرّك بالآثار تيمّناً بها لغاية استنزال الفيض الإلهي من خلال ذلك الطريق، كما حدث ليعقوب عليه السلام عن طريق قميص ولده يوسف عليه السلام.
2 - الدافع و الباعث لهم هو حبّهم و مودتهم للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، إذ يحثّانهم لتكريم كلّ ما ينتسب إليه صلى الله عليه و آله و سلم من درع، أو سيف، أو ملابس، أو قدح قد شرب بها، أو بئر، أو عصاً كان قد استعملها، أو خاتم، أو...، فكلّ تلك الآثار كانت مورد اهتمام أصحابه و أنصاره صلى الله عليه و آله و سلم، بل كان الخلفاء يتوارثون ختمه و خاتمه صلى الله عليه و آله و سلم.
و في الختام نرى من اللازم التذكير بمسألتين مهمتين، هما:
المسألة الأُولى: كانت للإمام أحمد بن حنبل - إمام الحنابلة و الذي له منزلة و قداسة خاصة في أوساط أهل السنّة - رؤية ثاقبة في مسألة التبرّك، و هذا ما أكّدته كلماته التي نقلت عنه و كذلك سيرته، فمن ذلك:
قال العز بن جماعة الحموي الشافعي (المتوفّى 819 ه) في كتاب
«العلل و السؤالات» قال عبد اللّٰه: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و يتبرّك بمسّه و يقبّله، و يفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب اللّٰه تعالى: قال: لا بأس به.(1)
و قال العلاّمة أحمد بن محمد المقري المالكي (المتوفّى 1041 ه) في «فتح المتعال» نقلاً عن ولي الدين العراقي قال: أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر(2)و غيره من الحفّاظ: انّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تقبيل منبره؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال: فأريناه التقي ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك، و يقول: عجبت من أحمد عندي جليل، هذا كلامه أو معنى كلامه.
و قال: و أي عجب في ذلك و قد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي و شرب الماء الذي غسله به.(3)
و إذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بمقادير الصحابة و كيف بآثار الأنبياء عليهم السلام؟(4)
المسألة الثانية: لقد بحث الكثير من العلماء في مسألة التبرّك، إلّا أنّه قد صنف مؤخراً كتابان قيّمان في هذا المجال قد بذل مؤلّفاهما غاية الجهد،
و درسا المسألة من جميع أبعادها، و سلّطا الضوء على كافة الخفايا التي تكمن في البحث و أوضحا بما لا مزيد عليه تلك القضية البالغة الأهمية. و الكتاب الأوّل لأحد أعلام أهل السنّة، و الثاني لعالم شيعي، و الكتابان هما:
1 - «تبرّك الصحابة بآثار النبي و الصالحين» للعلاّمة المحقّق و المؤرّخ الخبير محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود المكي، طبع الكتاب في القاهرة، مطبعة المدني، عام 1385 ه. ق.
2 - «التبرك» بقلم المحقّق الخبير آية اللّٰه علي الأحمدي الميانجي (1344-1421 ه)، فقد تتبّع قدس سره في كتابه هذا و بنحو يثير الإعجاب حقّاً - المسألة من جميع أبعادها التاريخية و الحديثية و...، و أثبت بما لا مزيد عليه و بنحو لا يدع للترديد أو الشكّ مجالاً في أنّ سيرة المسلمين عامّة و الصحابة و التابعين خاصة كانت قائمة على التبرّك بآثار النبي و الصالحين.
و في الختام: إنّ ما نشاهده اليوم عند قبر خاتم المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم، و ما يقوم به من يطلق عليهم لجان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من المنع عن تقبيل ضريح الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و ما يمت إليه بصلة تحت غطاء الاتّهام بالشرك و الابتداع و...، ففي الحقيقة أنّ ما تقوم به هذه اللجان ذنب لا يغتفر، و انحراف فكري نابع عن عدم إدراك المفاهيم الإسلامية، و لو أنّ مشايخ هذه الطائفة سمحت بانعقاد مؤتمر إسلامي يجتمع فيه علماء الفرق الإسلامية لدراسة المسألة من جذورها، لرفع الكثير من الإبهام، و أُزيل الكثير من اللبس، و لانكشفت القضية بأجلى صورها، و لحلّ بدل التكفير و التفسيق الود و الألفة الإسلامية، و لحل الوئام بدل العداوة و الخصام.
إنّ الآراء و المعتقدات، مقياس شخصية الإنسان، و مستوى عقليته و ثقافته، كما أنّ ما يمت منها الى الإسلام بصلة، مقياس عرفانه بالكتاب و السنة، و سلامة ذوقه وصفاء ذهنه، و قد حان تقييم شخصية ابن تيمية عن طريق عرض آرائه على المصادر الإسلامية، ليعلم مدى صحّتها و انطباقها على المصدرين و حدّ سلامة ذوقه وصفاء ذهنه في مقام الاستضاءة بهما، و إليك البيان:
(1) ابن تيمية و رأيه في الصفات الخبرية(1)
إنّ المحنة الأُولى لابن تيمية بدأت ممّا نشره باسم «العقيدة الحموية» حيث أجاب فيها عن سؤال أهل «حماه» في آيات الصفات، مثل قوله: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» و قوله: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ»، و أحاديث الصفات، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من اصابع الرحمن»، و قوله: «يضع الجبار قدمه في النار» بما هذا نصه:
«فهذا كتاب اللّه من أوّله إلى آخره، و سنّة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم من أوّلها إلى آخرها، ثمّ عامة كلام الصحابة و التابعين، ثمّ كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إمّا نص و إمّا ظاهر في أنّ اللّه سبحانه و تعالى فوق كل شيء، و على كل شيء، و أنّه فوق السماء، مثل قوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ»، «إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ»، «أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ...»، «أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
1) . الصفات الخبرية، هي الصفات الّتي أخبر عنها القرآن و السنّة، مقابل ما يدل عليه العقل كالعلم و القدرة.
حٰاصِباً...»، «بَلْ رَفَعَهُ اَللّٰهُ إِلَيْهِ...» «تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ...» «يَخٰافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ...» «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ» (في ستة مواضع). «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»، «يٰا هٰامٰانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبٰابَ أَسْبٰابَ اَلسَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً...»، «تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»، «مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ» إلى أمثال ذلك ممّا لا يكاد يحصى إلّا بكلفة.
و في الأحاديث الصحاح و الحسان ما لا يحصى، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلى ربّه، و نزول الملائكة من عند اللّه و صعودهم إليه، و قوله في الملائكة: «الذين يتعاقبون بالليل و النهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم و هو أعلم بهم»، و في الصحيح في حديث الخوارج: «أ لا تأمنوني و أنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً و مساء» و في حديث الرقية الّذي رواه أبو داود و غيره: «ربنا اللّه الّذي في السماء تقدس اسمك. أمرك في السماء كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا و خطايانا، أنت ربّ الطيبين»، و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ من إخوانه فليقل: «ربنا اللّه الّذي في السماء ذكره»، و قوله في حديث الأعمال: «و العرش فوق ذلك، و اللّه فوق عرشه، و هو يعلم ما أنتم عليه» و قوله في حديث قبض الروح: «حتّى يعرج به إلى السماء الّتي فيها اللّه».
و قول عبد اللّه بن رواحة الّذي أنشده للنبي و أقره عليه:
شهدت بأنّ وعد اللّه حقّ *** و أنّ النار مثوى الكافرينا
و أنّ العرش فوق الماء طافٍ *** و فوق العرش ربّ العالمينا
و قول أُمية بن أبي الصلت الّذي أنشده للنبي، فاستحسنه، و قال: آمن شعره و كفر قلبه.
مجّدوا اللّه فهو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبيراً
بالبناء الأعلى الّذي سبق النا *** س و سوّى فوق السماء سريرا
شرجعاً(1)ما يناله بصر ال *** عين ترى دونه الملائك صوراً(2)
إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلّا اللّه، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية و المعنوية الّتي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، إنّ الرسول المبلغ عن اللّه ألقى إلى أُمّته المدعوين: أنّ اللّه سبحانه على العرش استوى و أنّه فوق السماء، كما فطر اللّه على ذلك جميع الأُمم عربهم و عجمهم في الجاهلية و الإسلام، إلّا من اجتالته الشياطين عن فطرته.
ثمّ عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو أُلوفاً، ثمّ ليس في كتاب اللّه و لا في سنّة رسول اللّه، و لا عن أحد من سلف الأُمّة و لا من الصحابة و التابعين، و لا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء و الاختلاف، حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً و لا ظاهراً، و لم يقل أحد منهم قط إنّ اللّه ليس في السماء و لا أنّه ليس على العرش، و لا أنّه ليس في كلّ مكان، و لا أنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، و لا أنّه لا داخل العالم و لا خارجه، و لا متّصل و لا منفصل، و لا أنّه لا تجوز الإشارة الحسية إليه
بالأصابع و نحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر أنّ النبي لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول اللّه، جعل يقول: ألا هل بلّغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء و ينكبها إليهم فيقول: اللّهمّ اشهد، غير مرة، و أمثال ذلك كثيرة.(1)
و قد كرر ابن تيمية ما اختاره في باب الصفات الخبرية في غير واحد من آثاره، فقال في العقيدة الواسطية: «و ما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح الّتي تلقّاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها، كذلك مثل قوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له».
و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «يضحك اللّه إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر، كلاهما يدخل الجنة».
و قوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول هل من مزيد؟ حتّى يضع رب العزة فيها قدمه».
و قوله صلى الله عليه و آله و سلم في رقية المريض: «ربنا اللّه الّذي في السماء - تقدس اسمك - أمرك في السماء و الأرض...».
و قوله: «و العرش فوق ذلك، و اللّه فوق ذلك، و اللّه فوق عرشه، و هو
1) . العقيدة الحموية الكبرى - الرسالة الحادية عشرة - من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية: 429-432.
يعلم ما أنتم عليه» و قوله صلى الله عليه و آله و سلم للجارية: «أين اللّه؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه. قال: أعتقها فإنّها مؤمنة».
و قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ اللّٰه قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه و لا عن يمينه، و لكن عن يساره أو تحت قدمه». و قوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته».
و قد دخل فيما ذكرناه من الإيمان باللّه، الإيمان بما أخبر اللّه به في كتابه، و تواتر عن رسوله، و أجمع عليه سلف الأُمّة من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، و هو معهم سبحانه أينما كانوا».(1)
و قال: «و قد سألوه صلى الله عليه و آله و سلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم: نعم، و سأله أبو رزين: أ يضحك ربنا؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. ثمّ إنّهم لمّا سألوه عن الرؤية، قال: إنّكم سترون ربكم كما ترون الشمس و القمر، فشبه الرؤية بالرؤية(2).
و قال رداً على نُفاة الصفات(3): إمّا أن يكون اللّه يحب منّا أن نعتقد قول النفاة، أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو نعتقد واحداً منهما؛ فإن كان مطلوبه منّا اعتقاد قول النفاة، و هو أنّه لا داخل العالم و لا خارجه، و أنّه ليس فوق السماوات ربُّ و لا على العرش إله، و أنّ محمداً لم يعرج به إلى اللّه، و إنما عرج به إلى السماوات فقط، لا إلى اللّه، فإنّ الملائكة لا تعرج إلى اللّه
بل إلى ملكوته، و إنّ اللّه لا ينزل منه شيء و لا يصعد إليه شيء، و أمثال ذلك. و إن كانوا يعبّرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال و إبهام و إيهام، كقولهم: ليس بمتحيز، و لا جسم، و لا جوهر، و لا هو في جهة، و لا مكان، و أمثال هذه العبارات الّتي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، و مقصدهم أنّه ليس فوق السماوات ربّ و لا على العرش إله يعبد، و لا عُرج بالرسول إلى اللّه، و لو كان هذا هو المطلوب كان من المعلوم أنّه لا بد أن يبينه الرسول، و قد علم بالاضطرار أنّ الرسول و أصحابه لم يتكلّموا بمذهب النفاة.(1)
و قال: «إنّ المالكية و غير المالكية نقلوا عن مالك أنّه قال: اللّه في السماء، و علمه في كل مكان، و لأنّ علماءهم حكموا إجماع السنة و الجماعة على أنّ اللّه بذاته فوق عرشه».(2)
و قال - نقلاً عن ابن أبي حنيفة - «أنّه سئل عمّن يقول: لا أعرف ربّي في السماء أو في الأرض؟ قال: كفر، لأنّ اللّه يقول: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» و عرشه فوق سبع سماواته، فقال السائل: إنّه يقول على العرش، و لكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟ فقال: إنّه إذا أنكر أنّه في السماء كفر، لأنّه تعالى في أعلى عليين، و إنّه ليدعى من أعلى لا من أسفل.(3)
و نقل عن عبد اللّه بن المبارك أنّه سئل: بما ذا تعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق سماواته على عرشه، بائن عن خلقه قلت بحد لا يعلمه غيره. ثمّ نقل عن كثير من أئمة الحديث كالثوري، و مالك، و ابن عيينة، و حماد بن سلمة، و حماد بن زيد، و ابن المبارك، و فضيل بن عياض، و أحمد، و إسحاق، عن كون اللّه سبحانه فوق العرش بذاته، و أنّ علمه بكل مكان.(1)
إلى غير ذلك ممّا نقله و أرسله على نسق واحد، و الكلّ يهدف إلى أنّ الصفات الخبرية يجب أن تجري على اللّه سبحانه بحرفيتها و ظهورها التصوري، من دون تفصيل و تأويل، بإرجاعها إلى المعاني المجازية أو الكنائية.
إنّ للمتكلّمين و أهل الحديث في تفسير الصفات الخبرية مذاهب نشير إليها:
1 - جريها على اللّه سبحانه كجريها على المخلوقين، و هذا ما يعبّر عنه بالتكييف، و عليه المجسّمة و أصحاب الجهة و التشبيه - خذلهم اللّه سبحانه و تعالى - و هو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً، أو جسمانياً جالساً على كرسي جسماني، ناظراً من عرشه إلى تحته كنظر الملك الجبار إلى عبيده و غلمانه.
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 208/1-209.
2 - جريها على اللّه سبحانه بنفس المفاهيم اللغوية و المعاني الابتدائية، و المدلولات التصوّرية، بلا تصرف و تعليل و تدخّل فيها، و اللّه سبحانه يتّصف بها لكن بلا تكييف، و الفرق بين هذا القول و القول الأوّل هو أنّ القول الأوّل يثبت المعاني مع الكيفية، و هذا القول يثبتها بنفس المعاني لكن بلا تكييف، و هذا هو الّذي اختاره ابن تيمية، و يذكر ذلك في رسائله و يقول: «و القول الفاصل هو ما عليه الأُمة الوسط من أنّ اللّه مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله و يختص به، فكما أنّه موصوف بأنّه بكل شيء عليم، و على كل شيء قدير، و أنّه سميع بصير، و لا يجوز أن نثبت للعلم و القدرة خصائص الأعراض الّتي لعلم المخلوقين و قدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، و لا نثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق، و لوازمها».(1)
و يقول أيضاً: «و مذهب السلف بين التعطيل و التمثيل، فلا يمثلون صفات اللّه بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، و لا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فيعطّلون أسماءه الحسنى يحرّفون الكلم عن مواضعه. أمّا المعطّلون، فإنهم لم يفهموا من أسماء اللّه و صفاته إلّا ما هو اللائق بالمخلوق، ثمّ شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل و التعطيل، مثلوا أولاً و عطلوا آخراً، و هذا تشبيه و تمثيل منهم للمفهوم من أسمائه و صفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه و صفاتهم، و تعطيل
1) . العقيدة الحموية: 428-440.
لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء و الصفات اللائقة باللّه سبحانه».(1)
3 - جريها على اللّه سبحانه بمفاهيمها التصديقية، بعد الإمعان في القرائن الموجودة في نفس الآيات و الروايات الصحيحة و أمّا غيرهما، فأكثر ما ورد في ذلك من وضع الأحبار و الرهبان الذين دسّوا هذه الأحاديث بين المسلمين بخداع خاص.
و على ضوء ذلك فالكلّ قائلون باستوائه على العرش، لكن الطائفة الأُولى يفسرونه بالجلوس و الاستقرار على العرش كاستقرار الإنسان على عرشه، الّذي له قوائم أربع.
و الطائفة الثانية يفسرونه بنفس هذه المفاهيم، و لكن يقولون: استقراراً و جلوساً لائقاً بحاله سبحانه، و عرشاً لائقاً بساحته، فهو مستقر و جالس لا كجلوس الإنسان و له عرش لا كعروشه، بل الكل ما يليق بساحته، من غير تكييف و لا تمثيل.
و الطائفة الثالثة يفسرونه بالاستيلاء، أخذاً بالقرائن الموجودة في نفس الآيات، و ما ورد في كلمات البلغاء و الفصحاء في استعمال نظيره في كلماتهم و محاوراتهم.
4 - و هناك طائفة رابعة يقولون بالتفويض، و أنّه ليس لنا تفسير الآية، بل نفوّض معانيها إليه سبحانه.
قال الشهرستاني: «اعلم إِنَّ جماعة كثيرة من السلف، كانوا يثبتون للّه
1) . المصدر نفسه.
صفات خبرية مثل اليدين و الوجه، و لا يؤوّلون ذلك، إلّا أنّهم يقولون: إنَّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» و لسنا مكلفين بمعرفة هذه الصفات».(1)
و قال الرازي: «إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى اللّه تعالى، و لا يجوز الخوض في تفسيرها»(2).
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي نقلناها في هذه الموسوعة(3).
ثمّ إنّ أصحاب التنابز بالألقاب وصفوا الطائفة الثالثة بالمعطّلة تارة، و المؤوّلة أُخرى، و لكنهم غير معطلة أبداً، لأنّهم لم يعطلوا في مقام توصيفه سبحانه شيئاً ممّا ورد في الكتاب، غير أنّهم قاموا بتعيين المراد من هذه الصفات فأجروها عليه، و أمّا المؤوّلة، فإنما يصحّ توصيفهم بهذا الوصف إذا أُريد منها المعاني التصورية الابتدائية، و أمّا المعاني التصديقية الّتي تدل عليها القرائن، فلا يؤوّلون شيئاً منها، و الملاك في صدق التأويل هو المعاني التصديقية، لا التصورية.
هذه هي الأقوال المعروفة في باب الصفات على وجه الإجمال، هلمّ معي ندرس نظرية ابن تيمية فيها، حتّى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره .
لا يشك من نظر إلى ما نقلناه عن ابن تيمية في مواضع متعددة من رسائله و كتبه في أنّه صريح في التجسيم و التشبيه، خصوصاً أنّه يصرح بأنّه تصحّ الإشارة الحسية بالأصابع إليه، و لا هدف له من جمع كلّ ما ورد في ذلك المجال من غثّ و سمين و صحيح و زائف. إلّا إثبات أنّ هذه الصفات تجري عليه سبحانه بمعانيها اللغوية، غير أنّ تذرعه بلفظ «بلا كيف» أو «بلا تمثيل» أو ما يقاربهما ربما يوجب عدم عدّه من المجسّمة و المشبّهة، لأنّه يقول بأنّ له سبحانه هذه الصفات لا كصفات المخلوقين، و لكن هذا التذرّع واجهة يريد به تبرير توصيفه سبحانه بها بمعانيها اللغوية، و عدم اتهامه بالقول بالتجسيم و التشبيه، و لكنها لا تفيد شيئاً و ذلك:
إنّ هذه الصفات كاليد و الرجل و النزول و الجلوس موضوعة لغةً على معانيها المتكيّفة بكيفيات جسمانية، فاليد هي الجارحة المعروفة من الإنسان و الحيوان، و هكذا الرجل و القدم، و مثلها النزول، فإنّها موضوعة للحركة من العالي إلى السافل، و الحركة من صفات الجسم، فالكيفية مقوّمة لمعاني هذه الألفاظ و الصفات، فاليد و الرجل بلا كيفية ليستا يداً و رجلاً بالمعنى اللغوي المتبادر عرفاً، و على ضوء ذلك فليس هنا إلّا سلوك أحد طريقين:
1 - جريها بنفس معانيها اللغوية الّتي تتبادر منها المفاهيم المتكيفة، فهو نفس القول بالتجسيم.
2 - جريها بمفاهيمها المجازية، ككون اليد كناية عن القدرة، كما في قوله سبحانه: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ»(1)، فهذا هو قول المؤوّلة، أو المعطلة باصطلاح ابن تيمية، و ليس هاهنا معنى ثالث ينطبق على ما يتبنّاه ابن تيمية، و هو إجراؤها على اللّه بنفس مفاهيمها، لكن من غير تكييف، و ذلك لما عرفت أنّ مفاهيمها متقوّمة بالتكييف و التمثيل، فلو حذفنا الهيئة و الكيفية من اليد، فلا يبقي منها شيء، كما أنّا لو حذفنا الحركة الحسية من النزول لا يبقى منه شيء، إلّا إذا حملا على الكناية و التأويل، و هو ما لا يقبله ابن تيمية و أتباعه.
و لو صحّ حمل هذه المفاهيم عليه سبحانه بالتذرّع ب «بلا كيف» و «لا تمثيل» لصحّ توصيفه سبحانه بكل شيء فيه أدنى كمال، و نقول: إنّه جسم لا كالأجسام، و له قلب لا كهذه القلوب، و له لسان ناطق لا كهذه الألسنة.
و خلاصة القول: إنّ ابن تيمية يرى نفسه بين أمرين:
أحدهما: القرآن بظواهره الحرفية حجّة لا يصحّ لأحد تأوليها أو حملها على الكناية و المجاز.
ثانيهما: إنَّ القرآن صريح في أنّه ليس كمثله شيء، و أنّ المشركين ما قدروا اللّه حق قدره، إلى كثير من آيات التنزيه.
فعند ذلك يريد أن يجمع بين الأمرين باللجوء إلى أنّ المقصود ما يناسب ساحته، زاعماً بأنّه ينجيه عن القول بالجهة و التجسيم، مع أنّه ليس
1) . المائدة: 64.
لنا إلّا اختيار أحد الأمرين: الأخذ بالمفاهيم اللغوية بلا تأويل و مرجعه إلى التجسيم، أو الإمعان في الآيات و الآثار الصحيحة و تفسيرها حسب الدلالة التصديقية، بالمعاني الكنائية أو المجازية أو غير ذلك.
و أمّا ما ادّعاه من أنّ ما ذكره نفس معتقد السلف فقد أجاب عنه العلامة الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (المتوفّى 1379 ه) قال:
«إذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف: إنّما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، و يداً لا كالأيدي، فلا تظن أنّهم أرادوا أنّ ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء و أبعاض، فجزء منها يد و جزء منه وجه، غير أنّه لا يشابه الأيدي و الوجوه الّتي للخلق.
حاشاهم من ذلك، و ما هذا إلّا التشبيه بعينه، و إنما أرادوا بذلك أنّ لفظ الوجه و اليد قد استعمل في معنى من المعاني و صفة من الصفات الّتي تليق بالذات العلية، كالعظمة و القدرة، غير أنّهم يتورّعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التهجّم على ذلك المقام الأقدس، و انتهز المجسمة و المشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام، و خدعوا بها الأغمار من الناس، و حملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم و التشبيه، و تبرءوا من اسمه، و ليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء و جهابذة الحكماء».(1)
و قد صرّح بما ذكرنا - الأخذ بالمفاهيم اللغوية يلازم الجهة و التجسيم - ناصر ابن تيمية في جميع المواقف (إلّا في موقف أو موقفين) الشيخ
1) . فرقان القرآن: 80-81.
محمد أبو زهرة حيث لم يستطع أن يستر الحقيقة، فقال: «و لا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع و الإقرار بأنّه في السماء، و أنّه يستوي على العرش، و بين تنزيهه المطلق عن الجسمية و المشابهة للحوادث. و إنّ التأويل (حملها علىٰ المجاز و الكناية) بلا شكّ في هذا يقرب العقيدة الىٰ المدارك البشرية، و لا يصح أن يكلف الناس ما لا يطيقون، و إذا كان ابن تيمية قد اتّسع عقله للجمع بين الإشارة الحسّية و عدم الحلول في مكان و التنزيه المطلق، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً»(1).
و يقول أيضاً: «و مهما حاولوا نفي التشبيه فإنّه لاصق بهم، فإذا جاء ابن تيمية من بعدهم بأكثر من قرن فقال: «إنّه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة» فإن فسّروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الإقعاد و الجلوس، و الجسمية لازمة لا محالة، و إن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل، و قد وقعوا فيما نهوا عنه، و في الحالين قد خالفوا التوقّف الّذي سلكه السلف».(2)
أقول: ليس ابن تيمية فريداً في هذا الباب، بل المذهب الّذي أرسى قواعده شيخه ابن حنبل من التعبّد بالظواهر بحرفيتها و معانيها التصورية لا ينفك عن التجسيم و التشبيه، و مهما حاولوا الفرار عنه وقعوا فيه من حيث لا يشعرون. نعم حاول ابن الجوزي أن يدافع عن أُستاذ مذهبه فوجّه اللوم إلى تلاميذه، فقال: «رأيت من أصحابنا من تكلم في الأُصول بما لا يصلح،
و انتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد اللّه بن حامد(1)و صاحبه القاضي (أبو يعلى)(2)
«لقد شان أبو يعلى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار».
و ابن الزاغواني(3)، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب، و رأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس؛ فسمعوا أنّ اللّه سبحانه و تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته، فأثبتوا له صورة و وجهاً زائداً على الذات، و عينين و فماً و لهوات و أضراساً و أضواءً لوجهه، و يدين و أصابع و كفّاً و خنصراً و إبهاماً و صدراً و فخذاً و ساقين و رجلين، و قالوا ما سمعنا بذكر الرأس.و قد أخذوا بالظاهر في الأسماء و الصفات، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة، و لا دليل لهم في ذلك من النقل و لا من العقل، و لم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة للّه تعالى، و لا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث، و لم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتّى قالوا: صفة ذات، ثمّ لمّا أثبتوا أنّها صفات، قالوا: «لا نحملها على توجيه اللغة، مثل يد على نعمة و قدرة، و لا مجيء و إتيان على معنى بر و لطف، و لا ساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، و الظاهر هو
1) . شيخ الحنابلة في عصره، البغدادي، الوراق (المتوفّى سنة 403 ه) له كتاب في أُصول الاعتقاد سمّاه «شرح أُصول الدين» و فيه أقوال تدلّ على التشبيه و التجسيم.
2) . القاضي أبو يعلى محمد الحسين بن خلف بن الفراء الحنبلي (المتوفّى سنة 458 ه) و قد تكلّم في أُصول الاعتقاد كلاماً تبع أُستاذه ابن حامد و أكثر من التشبيه و التمثيل حتّى قال فيه بعض العلماء:
3) . هو أبو الحسن علي بن عبيد اللّه بن نصر الزاغواني الحنبلي (المتوفّى سنة 527 ه) و له كتاب في أُصول الاعتقاد اسمه «الإيضاح» قال فيه بعض العلماء: «إنّ فيه من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه».
المعهود من نعوت الآدميين»، و الشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن، فإن صرفه صارف حمل على المجاز.
ثمّ يتحرّجون من التشبيه و يأنفون من إضافته إليهم، و يقولون نحن أهل السنّة، و كلامهم صريح في التشبيه، و لقد تبعهم خلق من العوام، و قد نصحت التابع و المتبوع و قلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل و اتّباع، و إمامكم الأكبر أحمد بن حنبل رحمه الله يقول و هو تحت السياط: «كيف أقول ما لم يقل به» فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه.
ثمّ قلتم في أنّ الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم: الجارحة، و من قال استوى بذاته المقدّسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، و ينبغي أن لا يحمل ما لا يثبته الأصل و هو العقل، فإنّا به عرفنا اللّه و حكمنا له بالقدم، فلو أنّكم قلتم نقرأ الأحاديث و نسكت، لما أنكر عليكم، و إنّما حملكم إيّاه على الظاهر قبيح، فلا تُدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه».(1)
أقول: عزب عن ابن الجوزي الحنبلي أنّ إمامه هو الّذي دعم هذه الفكرة في كتبه، و أنّه هو الّذي حشا كتبه بأحاديث التجسيم و التشبيه، و من أراد الوقوف عليها، فليرجع إلى كتاب السنّة الّذي رواه عنه ابنه عبد اللّه، و قد روينا قسماً وافراً من رواياته في الجزء الأوّل.(2)
نعم، قسَّم عز بن عبد السلام الحشوية و قال بأنّهم على ضربين:
أحدهما «يتحاشى عن الحشو و التشبيه و التجسيم، و الآخر تستّر بمذهب السلف، و مذهب السلف إنّما هو التوحيد و التنزيه دون التشبيه و التجسيم».(1)
و الحق أنّ الحشوية بأجمعهم مجسّمة، و التمسّك بمذهب السلف واجهة ستروا بها قبح عقيدتهم، و لو رفع الستر لبان أنّهم مجسِّمة و مشبِّهة، و في هذا الصدد يقول الزمخشري:
و لو حنبلياً قلت قالوا بأنّني *** ثقيل حلوليُّ بغيض مجسم
و يقول أبو بكر ابن العربي في حقّهم:
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا *** عنها العدول إلى رأي و نظر
بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً *** ما للأنام و معلوف من البقر(2)
نعم، الظواهر هي الأصل و لا يجوز لأحد العدول عنه: و لكن الظواهر منها ظاهر حرفي، ابتدائي، تصوّري، فهو ليس بحجّة أبداً، و منها ظاهر جملي تصديقي استمراري، و هو الحجة قطعاً، فإذا قلت: رأيت أسداً في الحمام، فالظهور الابتدائي التصوري الحرفي للفظ الأسد هو الحيوان
المفترس، و يقابله الظهور التصديقي الجملي الاستمراري و هو الرجل الشجاع، و هؤلاء الذين يضلون العوام يغترون بالقسم الأوّل من الظاهر، دون الثاني. و إذا قال المحقّقون: ظواهر الكتاب و السنّة حجّة لا يصح العدول عنها و لا يجوز لأحد تأويلها، يريدون الظهورات التصديقية الّتي تنعقد للكلام بعد الإمعان في القرائن المتصلة أو المنفصلة، و لكن من يتبع الظواهر الحرفية فقد ضل، و غفل عن أن كلام العرب و البلغاء و الفصحاء مليء بالمجازات و الكنايات.
و حصيلة البحث: أنّ الجمود على الظواهر عبارة عن الجمود على ظواهرها الحرفية، و لا شك أنّه يجر إلى الكفر أحياناً، فمن جمد على ظاهر قوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» يجب عليه أن يقول: إنّ للّه مثلاً و ليس كهذا المثل شيء، كما أنّ التأويل ضلال، و المراد منه هو العدول عن الظواهر التصديقية الّتي تتبادر إلى أذهان أهل اللغة بعد الإمعان في سياق الكلام، و التأمّل في نظائره في كلمات العرب. فلو استقرّ ظهور جملة في شيء بهذا الشرط، فالعدول عنه يوجب مسخ كلام اللّه و محو الشريعة.
فعلى العالم الباحث أن يمعن النظر في الصفات الخبرية الّتي جاءت في الكتاب و السنّة، و يتلقّاها آيات متشابهة، و يمعن في الآيات المحكمة حتّى يزيل عنها التشابه. «و من تتبّع براهين القرآن و استقرأ آياته العظام وجد كثيراً ممّا تشابه فيه، و رأى كثيراً منه محكماً، و هو ما كان من المجاز البيّن الشائع في لغة العرب، و على قدر الرسوخ في العلم يكون زوال التشابه أو أكثره عن الكثير من المتشابه، و لما كان الراسخون في
العلم متفاوتين لا جرم تفاوتت أنصباؤهم في زوال التشابه عنهم...».(1)
و في الختام نذكر أُموراً:
الأول: إنّ ابن تيمية و إن تستّر بقوله (بما يناسب ساحته) و نظيره، و لكنّه أظهر عقيدته الواقعية في مجالات خاصة، و هذا ابن بطوطة ينقل في رحلته: «و كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون، إلّا أنّه كان في عقله شيء، و كان أهل دمشق يعظمونه أشدّ التعظيم، و يعظهم على المنبر، و تكلّم مرة بأمر أنكره الفقهاء.. و رفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، و جمع القضاة و الفقهاء بمجلس الملك الناصر، و تكلم شرف الدين الزوادي المالكي و قال: إنّ هذا الرجل قال كذا و كذا، و عدّد ما أنكر على ابن تيمية، و أحضر الشهود بذلك و وضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلّا اللّه، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، و صنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه بالبحر المحيط.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، و شكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، و كنت إذ ذاك بدمشق. فحضرته يوم الجمعة، و هو يعظ الناس على منبر الجامع و يذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، و نزل درجة من درج المنبر، فعارضه
1) . كلام الإمام ابن دقيق العيد، كما في فرقان القرآن: 97.
فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، و أنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، و ضربوه بالأيدي و النعال ضرباً كثيراً».(1)
الثاني: إنّ ابن تيمية و من لفّ لفّه يستدلّون على مقالتهم بالقياس، و يقولون: إنّ الوجه، و العين، و اليدين، و القدمين و الساق صفات مثل سائر الصفات، كالحياة و العلم و الإرادة، فكما أنّ له سبحانه حياة لا كحياة الإنسان، فهكذا صفاته الخبرية، فله وجه لا كالوجوه، و يد لا كالأيدي، و رجل لا كالأرجل.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالقياس في مجال العقائد أشد خطأ من الاستدلال به في المسائل الفقهية، و على فرض الصحّة فالقياس مع الفارق، و ذلك أنّ كلاً من العلم و القدرة موضوع لمعنى غير متقيد بالجسم و المادة، فالعلم من ينكشف لديه المعلوم، و القادر من يستطيع على الفعل عن اختيار، فلأجل ذلك لكلّ واحد منهما مراتب و درجات، فمنه حصولي و منه حضوري، فمنه زائد على الذات، و منه عين الذات، و أمّا الصفات الخبرية كالوجه فإنّها موضوعة على الموجود المادي الّذي له شكل خاص، و لو كانت له مصاديق متفاوتة كوجه الإنسان و الفرس و الأسد فإنما هي في إطار الجسم المادي، فالوجه بأي نحو أطلق يجب أن يكون موجوداً ماديّاً متهيّئاً بهيئة خاصة، فالوجه الفاقد للمادة و الهيئة، ليس وجهاً لغة، و مثله الرجل
1) . ابن بطوطة: الرحلة: 95-96، طبع دار صادر (1384 ه).
و اليد، فالقول بأنّ له سبحانه يداً لا كالأيدي، إن أُريد منه التأويل، أي تأويله بالقدرة، فهذا هو الّذي ذهب إليه أهل التنزيه، و إن أُريد به المعنى اللغوي بلا تدخل و لا تصرف، و مع ذلك فهو يفقد المادة و الهيئة و الشكل فهذا أشبه بالتناقض.
الثالث: إنّ ابن تيمية ينسب إلى السلف بأنّهم لا يؤوّلون ظواهر الكتاب في مجال الصفات الخبرية، ثمّ يستنتج منه أنّهم يحملونها على ظواهرها اللغوية، و يقولون: إنّ للّه وجهاً و يداً و رجلاً، و نزولاً و نقلة بنفس معانيها اللغوية، غاية الأمر أنّ الكيف مجهول.
يلاحظ عليه: أنّ ما نسب إلى السلف إذا كان صحيحاً يهدف إلى توقّفهم في تعيين المراد و تفويض الأمر إلى اللّه، إذ في الأخذ بالظاهر اليدوي مغبة الجهة و التجسيم، و في تعيين المراد مظنة التفسير بالرأي، فكانوا لا يخوضون في هذه الأبحاث الخطرة، و أمّا أنّهم يحملونها على ظواهرها و يفسرونها بنفس معانيها الابتدائية التصورية، كما زعمه ابن تيمية، فهو افتراء على المثبتين منهم.
نعم، كان أهل التحقيق يخوضون في هذه المباحث و يعينون المعنى المراد، و هذا ما يطلق عليه التأويل، و لكن التأويل صحيح على وجه، و باطل على وجه آخر، فإن كان هناك شاهد عليه في نفس الآية و الحديث، أو كان التأويل من قسم المجاز البيّن الشائع، فالحق سلوكه من غير توقف، و إن لم
يكن في النصوص عليه شاهد، أو كان من المجاز البعيد، فهذا هو التأويل الباطل، و هو يلازم الخروج عن الملّة و الدخول في الكفر و الإلحاد.
كما أنّ التأويل بلا قيد و شرط كفر و ضلال، كما عليه الباطنية، فهكذا التعبّد بالظواهر الابتدائية و المعاني التصوّرية، و عدم الاعتناء بالقرائن المتّصلة أو المنفصلة أيضاً كفر و ضلال و تعبّد بالتجسيم و التشبيه.
إنّ المتحرّي للحقيقة يتبع الحق و لا يخاف من الإرهاب و الإرعاب، و لا من التنابز بالألقاب، فلا يهوله ما يسمع من ابن تيمية و ابن عبد الوهاب من تسمية المنزهين للحق عن الجهة و المكان، معطّلة و جهمية، و تلقيب القائلين ببدع اليهود و النصارى بالموحّدين و المثبتين، فلا يصرفنّك النبز بالألقاب إلى الانحراف عن الحق الصراح، الّذي أرشدك إليه كتاب اللّه و سنّة رسوله القويمة، و العقل الّذي به عرفت اللّه سبحانه، و به عرفت رسله و معاجزه و آياته.
و ممّا يدلّ على أنّ السلف لا يحملون الصفات الخبرية على ظواهرها، بل لا يتكلمون و يفوضون الأمر إلى اللّه، هو ما نقل عن عالم المدينة مالك بن أنس عند ما سئل عن قوله سبحانه: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ» أنّه كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، و الكيف غير معقول.(1)
نعم إنّ ابن تيمية و أبناء الوهابية يحكون عنه أنّه قال: «الكيف مجهول»، و الفرق بين العبارتين واضح، فالأوّل يهدف إلى التنزيه، و الثاني يناسب التجسيم، إذ
1) . نقله الذهبي في كتابه «العلو» عن مالك و شيخه ربيعة، كما نقله أيضاً بالسند عن أبي عبد اللّه الحاكم و ابن زرعة، لاحظ فرقان القرآن ص 14-15 و نقله عن الإلكائي في شرح السنّة.
معناه أنّ لاستوائه على العرش كيفية من الكيفيات و لكنّها مجهولة لنا. و يدلّ على أنّ الوارد هو «غير معقول» ما جاء في ذيل الرواية أنّ مالك بعد ما سمع السؤال و أجاب بما ذكرناه، علته الرحضاء، أي العرق الكثير و قال: «ما أظنك إلّا صاحب بدعة»، و ما ظنّه كذلك إلّا لأنّ سؤاله كان عن الكيفية، فأحسّ أن السائل يريد إثبات الكيفية لاستوائه سبحانه، فأخذته الرحضاء من سؤاله و اعتقاده.
الرابع: إنّ ابن تيمية يكرر كثيراً استواءه سبحانه على العرش، و يعتمد على ظاهره، و يتخيل أنّ الاستواء بمعنى الاستقرار أو الجلوس، و لكنّه تستراً لمذهبه، يضيف إليه «بلا تكييف» و لأجل رفع الستر عن معنى الآية نأتي بكلام شيخ السلف من المفسرين أبي جعفر الطبري، و لا يشك أحد في أنّه سلفي، فهو يقول:
الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:
1 - انتهاء شباب الرجل و قوته، و يقال: إذا صار كذلك قد استوى الرجل.
2 - استقامة ما كان فيه أود من الأُمور و الأسباب. يقال: استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود، و منه قول الطرماح:
طال على رسم محدد أبده *** و عفا و استوى به بلده
يعني استقام به.
3 - الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان، بما يكرهه و يسوءه بعد الإحسان إليه.
4 - الاختيار و الاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة، أي احتوى عليها و حازها.
5 - العلو و الارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوه عليه.
ثمّ قال: و أولى المعاني بقول اللّه جلّ ثناؤه: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ»: علا عليهن و ارتفع، قد برهن بقدرته و خلقهن سبع سماوات.(1)
و هذا الشيخ السلفي لا يفسر الاستواء على العرش، بالجلوس و لا بالاستقرار، بل بعلو الملك و السلطان، كما هو المراد من قوله سبحانه:
«وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ»(2)، و العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يفهمون من الاستواء إذا وقع وصفاً لموصوف بالقدرة و العظمة، سوى العلوّ، قال الشاعر:
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ *** من غير سيف و دم مهراق
و قال الآخر:
و لما علونا و استوينا عليهم *** تركناهم مرعىً لنسر و كاسر
و الأسف أنّ ابن تيمية و أتباعه إذ فسروا الاستواء بالعلو، يفسرونه بالعلو بالمكان، و لا يدرون أنّ الفضيلة و الكرامة في العلو المعنوي لا العلو
المكاني، فما قيمة العلو في المكان إذا لم يكن هناك علو معنوي، و هذا هو القرآن يركّز على العلو المعنوي، و يقول: «وَ لاٰ تَهِنُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(1)، و قال سبحانه: «أَلاّٰ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ»(2)، و قال سبحانه: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهٰا شِيَعاً»(3)، و قال تعالى: «وَ أَنْ لاٰ تَعْلُوا عَلَى اَللّٰهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ»(4)، و قال: «لاٰ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلىٰ»(5).
هذا كلّه حول الاستواء، و أمّا العرش فهو سرير الملك الّذي يجلس عليه للحكم، و هذا هو أصل الوضع، ثمّ يكنّى به عن السلطة و السيطرة، حتّى صار يستعمل في هذا المعنى و لا ينصرف إلى المعنى اللغوي، فإذا كان الملك آخذاً بزمام الأُمور و مسيطراً على البلد و أهله يقال: استوى على العرش، أو هو مستو عليه، و إذا كان ضعيفاً في الإدارة غير نافذ أمره في البلد و أهله، و كان هناك انتفاضة بعد انتفاضة، يقال: إنّه غير مستو على عرشه.
و من تتبّع القرآن الكريم و أمعن النظر في الموارد الّتي ورد فيها استواؤه سبحانه على العرش في موارد متعددة يجد أنّه ذكر مقروناً بفعل من أفعاله، دالّ على غناه المطلق، مثل رفع السماوات بغير عمد، قال سبحانه: «اَللّٰهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ سَخَّرَ
اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ»(1)، أو «خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ».
و إليك الآيات الّتي جاء فيها هذا الأمر، قال سبحانه: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ»(2)، و قال سبحانه: «اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مٰا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ»(3)، و قال سبحانه: اللّهُ «اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ اَلرَّحْمٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً»(4)، و قال سبحانه: «اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ شَفِيعٍ أَ فَلاٰ تَتَذَكَّرُونَ»(5)، و قال سبحانه: «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يَعْلَمُ مٰا يَلِجُ فِي اَلْأَرْضِ وَ مٰا يَخْرُجُ مِنْهٰا وَ مٰا يَنْزِلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ مٰا يَعْرُجُ فِيهٰا»(6).
و الناظر في هذه الآيات يرى أنّه سبحانه عند ما يذكر استواءه على العرش يذكر آثار قدرته و عظمته من خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، و تدبيره الأمر «يدبّر الأمر»، و أنّه لا مؤثّر و لا موجد إلّا بإذنه «ما من شفيع إلّا من بعد إذنه»، و من علمه الوسيع بما يلج في الأرض و ما يخرج منها، و ما
ينزل من السماء و ما يعرج فيها. كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية في جميع الموارد تهدف إلى علوّه سبحانه على عالم الوجود الإمكاني، و أنّه بجملته في سلطانه و قدرته، و لا يخرج شيء من حيطة قدرته، و أين هذا من تفسيره بالجلوس على العرش فوق السماوات ناظراً إلى ما دونه.
«تَعٰالىٰ عَمّٰا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً».
و لو تتّبع المعاصرون المنتمون إلى السلف يجدون خير السلف كالطبري(1)يفسر «الواسع» في قوله: «وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ»(2)، و يقول:
و اللّه واسع الفضل، جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم فإنّ اللّه واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء.
كما أنّ الشيخ البخاري يفسر الوجه في قوله: «كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ» بالملك.(3)
الخامس: إنّ الفرقة المشبهة ليست وليدة عصرنا هذا، بل لها عرق ممتدّ إلى زمن التابعين، الّذي كثرت فيه مسلمة اليهود و النصارى، فأدخلوا في الأحاديث ما يروقهم من العقائد، فتأثر بهم السذّج من المسلمين و المحدّثين، فأُولئك هم المعروفون بالحشوية نسبة إلى الحشو (بسكون الشين) و هو اللغو الّذي لا اعتبار له، فضلاً عن أن يكون منسوباً إلى اللّه
و رسوله، أو مذهباً يدان اللّه به، و ما زال أهل الحق لهم بالمرصاد.
و قد كان القول بالتجسيم و التشبيه ردّ فعل لما كان عليه عليّ عليه السلام و أولاده من الدعوة إلى التنزيه، و الاجتناب عن التشبيه، في مجال الحق و ذاته و صفاته، نعم حكي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم معطّل و مقاتل مشبّه، فأفرط جهم في النفي (نفي الصفات الجسمانية) حتّى قال: «و إنّ اللّه ليس بشيء» و أفرط مقاتل في الإثبات، حتّى جعل اللّه تعالى مثل خلقه»(1).
و لكن الإمام أبا حنيفة تسامح في نسبة التجسيم إلى مقاتل، بل لها جذور في الأحاديث المروية في الصحاح و المسانيد التي دسها مسلمة اليهود و النصارى في الأحاديث، و كثير من المحدّثين راقتهم تلك الأحاديث، و بما أنّ عليّاً و أبناء بيته الطاهر كانوا على التنزيه، و هذه خُطَبهُ الرفيعة الرائعة في تنزيه الحق، حاولت السلطة الأموية أنْ تُروّج كلّ حديث يتضمّن ضدّ ما كان عليه عليّ، و يُحترم كل محدث يجنح إلى بثّ هذه الخرافات.
السادس: إنّ أتباع ابن تيمية و من كان على ذاك الخطّ قبله من الحشوية، يفرّون من الاستدلال و البرهنة و علم الكلام و المناظرة، و يحرّمون الاستماع إلى البراهين العقلية و المجادلة بالتي هي أحسن، و لكنّه من تمويهاتهم الّتي يريدون بها دعم مبادئهم و صيانتها عن النقد و الإشكال، و كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه:
1) . تهذيب التهذيب: 281/10 ترجمة مقاتل.
«... قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ»(1).
أو قوله سبحانه:
«اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ...»(2).
أو قوله سبحانه: «اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(3).
و الكل يهدف إلى أنّ المسلم الواعي إنّما يتّبع البرهان و لا يعرض عنه، و لا يعطّل عقله حتّى يميّز الأحسن عن غيره، و يجادل المخالف بالبرهان و الدليل. نعم لو أُريد من علم الكلام، المراء و الجدال و كسب العظمة و المقام، فلا شك أنّه مرغوب عنه.
نعم، ليس لهم هدف من تحريم البحث و النظر إلّا الستر لعوار بدعهم، و عقائدهم الباطلة، و لا يجحد النظر في العقائد إلّا أحد رجلين:
رجل غبيّ يشق عليه سلوك أهل التحصيل و الناس أعداء ما جهلوا، و رجل يعتقد بمذاهب فاسدة يخاف من ظهور عوار مذهبه و فضائح عقيدته.
هذا قليل مما ذكره ابن تيمية و أتباعه في الصفات الخبرية، و لو أردنا أن نستقصي كلمات الرجل في المقام لطال بنا الكلام، و لنكتف بهذا المقدار، و قد عرفت الحق، و الحق أحق أن يتّبع.
ذهب ابن تيمية إلى أنّ شد الرحال إلى زيارة قبر رجل صالح حرام، و قال: ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام، و المسجد الأقصى، و مسجدي هذا» ثمّ قال: و لو نذر السفر إلى قبر الخليل عليه السلام أو قبر النبي لم يجب الوفاء بهذا النذر باتّفاق الأئمة الأربعة، فإنّ السفر إلى هذه المواضع منهيّ عنه لنهي النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد...» فإذا كانت المساجد الّتي هي من بيوت اللّه، الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس، قد نهي عن السفر إليها، فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه، فما ظنك بغيرها؟ فقد رخّص بعض المتأخّرين في السفر إلى المشاهد و لم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، و لا احتجّوا بحجة شرعية - إلى أن قال -: و كل حديث يروى في زيارة قبر النبي فإنّه ضعيف، بل موضوع، و لم يرو أهل الصحاح و السنن و المسانيد، كمسند أحمد و غيره من ذلك شيئاً، و لكن الّذي في السنن ما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «ما من رجل يسلّم عليّ إلّا ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أرد عليه السلام، فهو
يردّ السلام على من سلم عليه عند قبره و يبلغ [إليه] سلام من سلم عليه من البعيد، كما في النسائي عنه أنّه قال: «إنّ اللّه وكّل بقبري ملائكة يبلغون لأُمّتي السلام» و في السنن عنه أنه قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة و ليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ.(1)
أقول: إن هنا مسألتين:
الأُولى: شد الرحال إلى زيارة الأنبياء و الصالحين.
الثانية: حكم زيارة قبر الصلحاء و الأنبياء و النبي الأعظم، و إن لم يكن هناك شد للرحال، و نحن ندرس كلتا المسألتين في ضوء الكتاب و السنّة، فنقول:
أفتى ابن تيمية بتحريم شدّ الرحال إلى زيارة الصلحاء و الأنبياء و الأئمة مستدلّاً بما ورد من النهي من شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، و الاستدلال بهذا يتوقّف على الإمعان في سند الحديث و دلالته، فنقول: روي الحديث بصور ثلاث، و الّذي يصحّ الاستدلال به إنّما هو الصورة الأُولى و الثانية لا الثالثة، و إليك البيان:
1 - لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا و المسجد الحرام و المسجد الأقصى.
2 - إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، و مسجدي، و مسجد إليياء.
1) . مجموعة الرسائل الكبرى: 57/2-65 الرسالة الثالثة في زيارة بيت المقدس.
3 - تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد.(1)
فلو قلنا بأنّ لفظة «إنما» تفيد الحصر، تكون الصورة الثانية مثل الصورة الأُولى في إفادة الحصر، و إلّا فينحصر الاستدلال بالصورة الأُولى، فلنفترض أنّ الحديث ورد على نمط الصورتين الأُوليين، فنقول: إنّ الاستثناء لا يستغني عن وجود المستثنى منه، و حيث لم يذكر في كلامه، فيلزم تقديره و هو أحد الأمرين:
أ - لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلّا إلى ثلاثة.
ب - لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة إلّا إلى ثلاثة مساجد.
أمّا الأوّل فيجب علينا ملاحظة الأُمور التالية:
الأوّل: إنّ الحديث لو دلّ على شيء فإنما يدلّ على النهي عن شدّ الرحال إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة، و أمّا شد الرحال إلى الأماكن الأُخرى فالحديث ساكت عنه، غير متعرّض لشيء من أحكامه، بل النفي و الإثبات يتوجّهان إلى المسجد، فالمساجد ينهى عن شدّ الرحال إليها غير المساجد الثلاثة، و الاستدلال به على حكم شد الرحال إلى المنتزهات و المراكز العلمية أو الصناعية أو مقابر الأولياء و الشهداء أو الصديقين و الصلحاء فهو ساكت عنه، و من العجيب أن نستدل به على تحريم شد الرحال إليها.
1) . أورد مسلم هذه الأحاديث في صحيحه: 126/4، كتاب الحج باب (لا تشد الرحال) و ذكره أبو داود في سننه ج 1 ص 469 كتاب الحج، و كذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي ج 3 ص 37 و 38 و قد ذكر السبكي صوراً أُخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدل، لاحظ شفاء السقام ص 98.
الثاني: إنّ النهي عن شد الرحال إلى غير هذه المساجد لا يعني تحريمه بل يعني نفي الفضيلة فيه، و ذلك لأنّ المساجد سوى الثلاثة، لمّا كانت متساوية في الفضيلة و الثواب فلا ملزم لتحمّل العبء بشد الرحال إليها، فالمساجد الجامعة متساوية في الفضيلة في عامة البلاد، فلا وجه لشد الرحال إلى مسجد لإقامة الصلاة فيه، و لكنّه إذا شدّ الرحال بقصد الصلاة فيه و العبادة لربّه، لا يعد عمله محرماً، بل غاية الأمر لا يترتب عليه ثواب خاص.
و بذلك يتبين بطلان ما ذكره ابن تيمية من الاستدلال بالأولوية بأنّه إذا حرم شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة مع أنه من بيوت اللّه الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس يكون شد الرحال إلى زيارة القبور حراماً بطريق أولى، إذ ليست ساحة القبور مراكز للعبادة، فهي أقل درجة من سائر المساجد.
وجه الضعف أنّ الاستدلال مبني على أنّ التحريم تحريم مولوي تعبدي، و أمّا على ما استظهرناه من أنّ النهي إرشادي إلى أنه لا وجه لتحمّل العبء في هذا الطريق، لتساوي المساجد في الفضيلة و الكرامة، فلا وجه للاستدلال، لترتب الثواب على زيارة القبور.
الثالث: إنّ الحديث نص أو ظاهر في الحصر، مع أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي كان يأتي مسجد قبا راكباً و ماشياً يصلّي فيه.(1)فكيف يجتمع هذا العمل مع هذا الحصر، و لسان الحديث لسان الإباء عن التخصيص؟ فلا
1) . صحيح مسلم: 127/4؛ صحيح البخاري: 176/2؛ السنن للنسائي، المطبوع مع شرح السيوطي: 127/2.
يصحّ لنا أن نقول إنّ النهي خصّص بعمل النبي، و هذا ربما يكشف عن كون الحديث غير صحيح من رأس، أو أنّه نقل محرّفاً، خصوصاً أنّه نقل عن طريق أبي هريرة، و الاستدلال بمتفرداته أمر مشكل، و قد تنبّه ابن تيمية لهذا الإشكال فحاول أن يرفع التناقض بين الحصر، فقال: «إنّه يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إلى مسجد قبا» و لكنّه لا يرفع الإشكال، فإنّ الكلام في تخصيص النص الدال على الحصر، و أنّه لا يشد إلى غيره أبداً، سواء المقيم و المسافر.
هذا كلّه على فرض كون المستثنى منه هو المسجد، و قد عرفت كونه أجنبياً عن السفر إلى غير المساجد، و بما أنّ المستثنى منه هو المسجد فالمناسب هو كون المستثنى من هذا القبيل.
و أمّا على التقدير الثاني و هو تقدير الأماكن و ما يقاربه و يعادله، فلازم ذلك أن تكون كافة الأسفار محرّمة غير السفر إلى المساجد الثلاثة، و هل يلتزم بذلك مسلم، و هل يفتي به أحد؟ كيف و لو كان الحديث بصدد منع كافة الأسفار المعنوية، فكيف كان النبي و المسلمون يشدّون الرحال في موسم الحج إلى عرفات و المشعر و منى، و هذا دليل على أنّ المستثنى منه هو المساجد لا الأماكن.
أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم و الأحاديث الصحيحة حثّا على السفر إلى طلب العلم، و الجهاد في سبيل اللّه، وصلة الرحم، و زيارة الوالدين، قال سبحانه: «فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(1).
مضافاً إلى ما ورد في السفر لطلب الرزق، فلو كان الحكم عاماً، فما معنى هذه التخصيصات الكثيرة الوافرة الّتي تنافي البلاغة، و الّتي تزلزل الحصر، و هناك كلمة قيّمة للغزالي في كتابه «إحياء العلوم» يقول:
«القسم الثاني هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحج أو جهاد.. و يدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام و زيارة قبور الصحابة و التابعين و سائر العلماء و الأولياء، و كلّ من يتبرّك بمشاهدته في حياته، يتبرّك بزيارته بعد وفاته، و يجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، و لا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا و المسجد الحرام و المسجد الأقصىٰ» لأنّ ذلك في المساجد، فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، و إلّا فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء و الأولياء و العلماء في أصل الفضل، و إن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه.(2)
و لنفترض أنّ المستثنى منه هو الأمكنة، و لكن المتبادر من الحديث أن يكون الدافع إلى السفر هو تعظيم ذلك المكان، فيختص النهي بما إذا أُريد من شدّ الرحال إلى مكان، تعظيمه و لو بإيقاع العبادة فيه، و عندئذٍ
يخرج السفر إلى زيارة النبي عن منطوق الحديث، لأنّه لا يسافر لتعظيم بقعته، و إنما يسافر لزيارة من فيها مثل ما لو كان حيّاً. و يؤيد ذلك أمران:
1 - روي عن بعض التابعين أنّه سأل ابن عمر أنّه يريد أن يأتي الطور، فأجابه: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد... ودع الطور فلا تأته.(1)
2 - أفتى الجمهور بأنّه لو نذر أن يأتي مسجداً من المساجد سوى الثلاثة فلا ينعقد النذر، فإنّه ليس في قصد مسجد بعينه غير الثلاثة قربة مقصودة، و ما لا يكون قربة و لا عبادة فهو غير ملزم بالنذر.
كل ذلك يحدد مصب الحديث و هدفه، و أنّ المقصود هو المنع عن تعظيم مكان تشد الرحال إليه، و أمّا إذا كانت الغاية تعظيم من عظّمه اللّه سبحانه و أكرمه و رزقه فضلاً كبيراً - كما قال -: «وَ كٰانَ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»(2)، فهو خارج عن مورد الحديث.
و مع ذلك فإنّ النهي عن شدّ الرحال إلى مكان خاص ليس لغاية تحريمه، و إنّما هو إرشاد إلى نفي الفضيلة. قال ابن قدامة الحنبلي: «إن سافر لزيارة القبور و المشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخّص، لأنّه منهي عن السفر إليها، قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: لا تشدّ الرحال إلّا إلى
ثلاثة مساجد، و الصحيح إباحته و جواز القصر فيه، لأنّ النبي كان يأتي قبا ماشياً و راكباً، و كان يزور القبور، و قال: زوروها تذكركم الآخرة، و أمّا قوله صلى الله عليه و آله و سلم: لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد، فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، فليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر و لا يضر انتفاؤها.(1)
هذا كلّه حول الحديث و تحديد مضمونه، و قد عرفت أنّ شدّ الرحال إلى زيارة النبي خارج عن موضوع الحديث على كلا التقديرين، فالاستدلال به على التحريم باطل جداً.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً يثار في المقام، و هو أنّ الحديث و إن كان قاصراً عن إثبات التحريم، و لكن ما هو الدليل على جواز السفر لزيارة قبر النبي أو سائر القبور، خصوصاً إذا كان السفر دينياً و منسوباً إلى الشرع، فإنّ الإفتاء بجوازه بما أنّه عمل يؤتى به لأجل كونه أمراً دينياً يحتاج إلى الدليل، و إلى الجواب:
يدل على جواز السفر لفيف من الدلائل، و إليك بيانها:
الأوّل: ما ورد من الحثّ على زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و ستوافيك نصوصها فإنّها بين صريح في جواز السفر أو مطلق يعم المقيم و المسافر، فقول النبي و فعله حجّتان، أمّا قوله:
فقد روي عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال: قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «من جاءني زائراً لا تعمله (تحمله) إلّا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».
1) . المغني: 217/2-218، و ذكر في ج 498/3 استحباب الزيارة، و كيفية زيارة النبي فلاحظ، و ما نقله عن ابن عقيل غير ثابت، لأنّ السبكي نقل عنه خلافه. لاحظ شفاء السقام: 113.
و روي أيضاً عن عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي».
و الثاني صريح في جواز السفر، و الأوّل مطلق يعمّ المسافر و المقيم في المدينة، و ستوافيك هذه النصوص عن أعلام المحدّثين.
و أمّا فعله، فقد روي عن طلحة بن عبد اللّه قال: خرجنا مع رسول اللّه يريد قبور الشهداء - إلى أن قال -: فلمّا جئنا قبور الشهداء، قال: هذه قبور إخواننا.(1)
الثاني: الإجماع، لإطباق السلف و الخلف، لأنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجّهون إلى زيارته صلى الله عليه و آله و سلم، و إن منهم من يفعل ذلك قبل الحج. قال السبكي: هكذا شاهدناه، و شاهده من قبلنا و حكاه العلماء عن الأعصار القديمة، و كلّهم يقصدون ذلك و يعرجون إليه و إن لم يكن طريقهم، و يقطعون فيه مسافة بعيدة، و ينفقون فيه الأموال، و يبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة و طاعة، و إطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض و مغاربها على مرّ السنين و فيهم العلماء و الصلحاء و غيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، و كلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّ و جلّ، و من تأخّر فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسّفه عليه، و ودّ لو تيسّر له، و من ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ فهو المخطئ.
1) . أخرجه أبو داود في سننه: 311/1، و البيهقي في السنن الكبرى: 249/5. و المراد من الشهداء شهداء أُحد، كما هو مورد الحديث.
و ما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى و هي الصلاة في المسجد، باطل جداً. فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، و لا يخطر غير الزيارة من القربات إلّا ببال قليل منهم، و لهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه، و إن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت، فالمقصود الأعظم في المدينة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة، الحج أو العمرة، و صاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة ما قصد بذلك.(1)
الثالث: إنّه إذا كانت الزيارة قربة و أمراً مستحباً على الوجه العام و الخاص، فالسفر وسيلة القربة، و الوسائل معتبرة بالمقاصد، فيجوز قطعاً.
الرابع: ما نقله المؤرّخون عن بعض الصحابة و التابعين.
1 - قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالاً رأى في منامه رسول اللّه و هو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجلاً، خائفاً، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم فجعل يبكي عنده و يمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين - رضي اللّه عنهما - فجعل يضمّهما و يقبّلهما، فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الّذي كنت تؤذن به لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الّذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «اللّه أكبر، اللّه أكبر» ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال:
1) . شفاء السقام، في زيارة خير الأنام: 85-86 ط بولاق مصر.
«أشهد أن لا إله إلّا اللّه»، ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: «أشهد أنّ محمداً رسول اللّه» خرجت العواتق من خدورهن، فقالوا: أبعث رسول اللّه؟! فما رئي يوماً أكبر باكياً بالمدينة بعد رسول اللّه من ذلك اليوم.(1)
2 - إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي السلام، ثمّ يرجع، قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، و رسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلّا للزيارة و السلام على النبي، و لم يكن الباعث على السفر غير ذلك من أمر الدنيا، و لا من أمر الدين، و لا من قصد المسجد، و لا غيره.
3 - إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس، و قدم عليه كعب الأحبار و أسلم، و فرح عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة و تزور قبر النبي و تتمتّع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، و لما قدم عمر المدينة أوّل ما بدأ بالمسجد، سلم على رسول اللّه.(2)
4 - ذكر ابن عساكر في تاريخه و ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» بأسانيدهما إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و زرته و سلمت بحذائه، فجاءه أعرابي فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل، إنّ اللّه أنزل إليك كتاباً صادقاً قال فيه: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً» و إنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً فيها بك إلى ربي، ثمّ بكى و أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع و الأكم
نفسي الفداء لقبرٍ ساكنه *** فيه العفاف و فيه الجود و الكرم
و قد ذيّله أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بأبيات و قال:
و فيه شمس التقى و الدين قد غربت *** من بعد ما أشرقت من نورها الظلم
حاشا لوجهك أن يبلى و قد هديت *** في الشرق و الغرب من أنواره الأُمم(1)
و بذلك تعرف قيمة ما ذكره ابن تيمية حول السفر إلى المشاهد و قال: و قد رخّص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد، و لم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، و لا احتجّوا بحجّة شرعية.(2)
و بما أنّك تعرّفت على الحجج الشرعية على الجواز، هلمّ معي ندرس نصوص الأعلام من علماء الإسلام لنعرف موقف ابن تيمية في التثبّت و الأمانة، و إليك نصوصهم حول السفر للزيارة نقتطف موضع الحاجة من كلماتهم:
لعل القارئ يتصوّر أنّ لما ذكره ابن تيمية من عدم الإفتاء بجواز السفر، مسحة من الحق و الصدق، و لكنّه إذا أمعن النظر فيما وصل إلينا من فتاواهم، يقف على أنّ الحق على ضد ما نسب إليهم، و إليك البيان:
1 - قال أبو الحسن أحمد بن محمد المحاملي الشافعي (المتوفّى سنة 425 ه) في «التجريد»: و يستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي.
2 - و قال أبو الحسن الماوردي (المتوفّى سنة 450 ه)، في الأحكام السلطانية، ص 105: «فإذا عاد (ولي الحاج) سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه، ليجمع لهم بين حج بيت اللّه عزّ و جلّ و زيارة قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، رعاية لحرمته، و قياماً بحقوق طاعته.(1)
3 - و قال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الفقيه البغدادي الحنبلي (المتوفّى سنة 510 ه) في كتاب الهداية: «فإذا فرغ من الحج استحبّ له زيارة قبر النبي و قبر صاحبيه».
4 - قال القاضي عياض المالكي، (المتوفّى سنة 544 ه) في «الشفاء»، نقلاً عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه: «ممّا لم يزل من شأن من حج، المزور(2)بالمدينة و القصد إلى الصلاة في مسجد رسول اللّه، و التبرك برؤية روضته و منبره و قبره و مجلسه، و ملامس يديه، و مواطن قدميه، و العمود الّذي استند
إليه، و منزل جبرئيل بالوحي فيه عليه، و من عمره و قصده من الصحابة و أئمة المسلمين.
5 - قال أبو محمد عبد الكريم بن عطاء اللّه المالكي (المتوفّى سنة 612 ه) في مناسكه: فصل: إذا كمل لك حجك و عمرتك على الوجه المشروع، لم يبق بعد ذلك إلّا إتيان مسجد رسول اللّه للسلام على النبي و الدعاء عنده، و السلام على صاحبيه، و الوصول إلى البقيع و زيارة ما فيه من قبور الصحابة و التابعين.
6 - و قال نجم الدين بن حمدان الحنبلي (المتوفّى سنة 595 ه) في الرعاية الكبرى في الفنون الحنبلية: «و يسن لمن فرغ من نسكه، زيارة قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و قبر صاحبيه، و له بعد فراغ حجه، و إن شاء قبل فراغه».
7 - قال القاضي الحسين: «إذا فرغ من الحج... ثمّ يأتي المدينة و يزور قبر النبي».
8 - قال الإمام ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي، (المتوفّى سنة 737 ه) في (المدخل) في فصل زيارة القبور (1:
257): و أمّا عظيم جناب الأنبياء و الرسل - صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين - فيأتي إليهم الزائر، ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة.
9 - قال الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي (المتوفّى سنة 756 ه) في «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»: «و من روي عنه السفر إلى زيارة النبي، بلال بن أبي رباح» ثمّ ذكر قصته. لاحظ الباب الثالث من كتاب شفاء السقام فقد عقده في ما ورد في السفر إلى زيارته.
10 - ذكر شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (المتوفّى سنة 925 ه) في «أسنى المطالب» (501/1) «فيما يستحب لمن حج»: ثمّ يزور قبر النبي و يسلم عليه و على صاحبيه بالمدينة المشرفة..
11 - أفتى الشيخ محمد بن الخطيب الشربيني (المتوفّى سنة 977 ه) في مغني المحتاج (357/1) باستحباب زيارة النبي مطلقاً، و أنّ تخصيص بعضٍ باستحبابه بعد الفراغ عن الحج لأجل التأكيد، و أنّه يتأكّد للحاج أكثر من غيره.
12 - و قال الشيخ زين الدين عبد الرءوف المناوي (المتوفّى سنة 1031 ه) في شرح الجامع الصغير (ج 6 ص 140): و زيارة القبر الشريف من كمالات الحج.
13 - عقد الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي في «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح» فصلاً في زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و قال: زيارة النبي من أفضل القربات فإنّه صلى الله عليه و آله و سلم حرض عليها و بالغ في الندب إليها فقال: من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني.
14 - و قال القاضي شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري (المتوفّى سنة 1062 ه) في شرح الشفاء (566/3): و اعلم أنّ هذا الحديث «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد...» هو الّذي دعا ابن تيمية و من معه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة الّتي كفّروه بها، و صنّف فيها السبكي مصنفاً مستقلاً و هي منعه من زيارة قبر النبي و شدّ الرحال إليه، و هو كما قيل:
لمهبط الوحي حقاً ترحل النجب *** و عند ذاك المرجّى ينتهي الطلب
فتوهّم أنّه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها.
15 - قال الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى سنة 1087 ه) في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (157/1): «من أحسن المندوبات، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا و سيدنا محمد، و قد حرض عليه السلام على زيارته و بالغ في الندب إليها، ثمّ قال: فإن كان الحج فرضاً فالأحسن أن يبدأ به إذا لم يقع في طريق الحاج المدينة المنورة، ثمّ يثني بالزيارة.
16 - قال أبو الحسن السندي محمد بن عبد الهادي الحنفي (المتوفّى سنة 1138 ه) في شرح سنن ابن ماجة (ج 2 ص 268) قال الدميري: فائدة: زيارة النبي من أفضل الطاعات و أعظم القربات، لقوله: «من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلّا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».
17 - قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي (المتوفّى سنة 1277 ه) في حاشيته على شرح ابن الغزي على متن الشيخ أبي شجاع في الفقه الشافعي، (347/1): و يسن زيارة قبره و لو لغير حاج و معتمر كالذي قبله، و يسن لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته أن يكثر من الصلاة و السلام عليه في طريقه.
18 - قال الشيخ عبد المعطي السقاء في الإرشادات السنية (ص 260): زيارة النبي إذا أراد الحاج أو المعتمر الانصراف من مكة - أدام اللّه تشريفها و تعظيمها - طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنورة للفوز بزيارته عليه الصلاة و السلام.
19 - و قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل
(ص 156): و لم يخف ابن تيمية من اللّه في رواية عدّ السفر لزيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام ابن الوفاء ابن عقيل الحنبلي - و حاشاه عن ذلك - راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى و التوسّل به، كما هو مذهب الحنابلة، ثمّ ذكر كلامه و فيه القول باستحباب قدوم المدينة و زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و كيفية زيارته.(1)
و هذه النصوص تدلّ على أنّ شد الرحال إلى زيارة النبي الأكرم كان أمراً متسالماً عليه، و قد شذّ من حرّمه و سعى في منع الناس من زيارته.
20 - ثمّ إنّ تقي الدين السبكي ذكر فروعاً فقهية عن أئمة المذاهب، تدل على محبوبية شد الرحال إليها من أرجاء الدنيا، فمن أراد فليرجع إليه(2).
و فيما ذكرنا من النصوص غنى، كما أنّ فيما ذكرنا من الحجج كفاية لمن أراد الحق و تجنب عن العصبية، فحان حين البحث حول نظريته في نفس الزيارة، و ما أثار حولها من شبهات.
«وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ إِنَّهُ لاٰ يُفْلِحُ اَلظّٰالِمُونَ»(3).
المعروف من ابن تيمية و أبناء الوهابية هو جواز زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تحريم السفر إليها، لكن ما نقلناه في البحث الثاني ينافي ذلك، فإنّ الظاهر أنّه يحرّم أصل الزيارة و قد عرفت أنّه قال: كل حديث يروى في زيارة قبر النبي فإنّه ضعيف، بل موضوع، و لم يرو أهل الصحاح و السنن و المسانيد كمسند أحمد و غيره من ذلك شيئاً.(1)
و قال السبكي: قد يتوهم أنّ نزاع ابن تيمية قاصر على السفر للزيارة دون أصل الزيارة، و ليس كذلك، بل نزاعه في الزيارة أيضاً كما سنذكره من الشبهتين و هما:
1 - كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة.
2 - كون الزيارة من تعظيم غير اللّه المفضي إلى الشرك.
و ما كان كذلك، كان ممنوعاً، و على هاتين الشبهتين بنى كلامه، و قد
1) . مجموعة الرسائل الكبرى: 65/2، الرسالة الثالثة.
نقل السبكي فتياً بخط ابن تيمية و لكن كلامه فيها مضطرب، ففي صدرها ما يشعر بمنع الزيارة مطلقاً، و في ذيلها ما يقتضي أنّه إذا كانت الزيارة بمعنى السلام عليه و الدعاء له، جازت، و يطابق ذلك ما نقلناه عن الرسالة الثالثة.
و الحاصل: أنّه يقسم الزيارة إلى الزيارة البدعية و الزيارة الشرعية، فيجوّز الثانية و يقصرها في السلام على الميت و الدعاء له إن كان مؤمناً، يقول: فالزيارة لقبر المؤمن، نبياً كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له كما يدعى إذا صلى على جنازته.(1)
فاللازم البحث عن زيارة القبور أوّلاً، و زيارة قبر النبي الأعظم بشخصه ثانياً.
حينما يطلّ الإنسان على وادي الصمت المتمثّل في أكبر مقبرة في العالم، و هي مقبرة النجف الأشرف على مشرّفها آلاف التحية و السلام، و يرى عن كثب ذلك الوادي المرعب و يشاهد فيه الملايين من البشر الصغير و الكبير، و الشاب و الكهل، و المرأة و الرجل، و الغني و الفقير، و الضعيف و القوي، و المعدم و أصحاب الجاه و السلطان و...، و يراهم كيف يغطّون في سبات عميق و صمت مخيف في تلك الديار الموحشة و الأرض
1) . شفاء السقام: 107.
القفرة، و القبور التي اندرس أكثرها فتحوّلت إلى بيوت للحشرات و مأوى للديدان، و لا يقف الأمر عند مقبرة النجف الأشرف، بل تجد الأمر يتكرر في كلّ مدينة أو قرية، حينئذٍ تنتابه الدهشة و الذهول، و يذعن من حيث يشعر أو لا يشعر أنّ مصير الجميع إلى الفناء، و يعترف بعجز الإنسان الذاتي أمام التصدي إلى هذا المصير المحتوم الذي يبيد الجميع و يفني الكلّ و يزيل الملك و يسلب السلطان و السطوة. حينئذٍ يأخذ الإنسان في التفكير بمصيره و بما يؤول إليه، و انّه لا بدّ أن يَعدّ العُدّة لمستقبله و يفكر في عاقبة أمره أمام هذا المصير المجهول، و يُعدّ الزاد لهذا السفر الطويل و البلاء العظيم، و يفكر في إعمار آخرته أكثر ممّا يفكر في إعمار دنياه الفانية، و حينها يعود إلى التفكير في ذاته و أصل وجوده و الهدف من خلقة الكون و العالم، و بالنتيجة يعود إلى رشده و يرعوي عن غيّه و يفكّر في الحياة الخالدة التي تنتظره.
انطلاقاً من هذا الدرس التربوي لزيارة القبور نجد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وضع إصبعه على هذا الأمر الحسّاس، و حثّ على زيارة القبور لما فيها من العبرة و الاتّعاظ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم:
«زوروا القبور فإنّها تُذكّركم الآخرة».(1)
و في حديث آخر له صلى الله عليه و آله و سلم قال:
«زوروا القبور فإنّ لكم فيها عبرة».(2)
و قد صب الشاعر المرهف المعاصر المرحوم السيد صادق سرمد هذا
المعنى في قصيدة عصماء باللغة الفارسية حينما زار مصر و شاهد آثار الفراعنة و قبورهم، و كيف لعبت بها يد الدهر، و كيف تحوّلت إلى عبرة و موعظة للآخرين.(1)
و كان لأهل بيت العصمة و الطهارة قصب السبق في الاستفادة من التذكير بالقبور و ما يؤول إليه أصحابها في الوعظ و التربية حتّى مع أعتى الطواغيت و في أشدّ اللحظات.
فقد روى المسعودي في «مروج الذهب» أنّ جماعة من حاشية المتوكّل سعوا بأبي الحسن علي بن محمد عليه السلام إلى المتوكل... فأخذوه - أي الإمام - إلى المتوكل فمثل بين يديه، و المتوكل على مائدة الخمر و في يده كأس...، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال الإمام عليه السلام: «و اللّٰه ما خامر لحمي و لا دمي، فأعفني منه»، فعفاه، ثمّ قال له: أنشدني شعراً أستحسنه. فاعتذر الإمام عليه السلام و قال: «إنّي لقليل الرواية للشّعر». فألحّ عليه و لم يقبل عذراً، فأنشده:
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القُلل
و استنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** فأُودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا *** أين الأسرّة و التيجان و الحُلَلُ
1) . ديوان سيد صادق سرمد: 90، بالفارسية.
أين الوجوه التي كانت مُنعَّمة *** من دونها تُضرب الأستار و الكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
أضحت منازلهم قفراً مُعَطّلة *** و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا(1)
و هكذا تجد كيف يستفيد الإمام من الصورة المرعبة و الموحشة للقبر في ردع الطاغية عن غيّه، و هو في أشدّ حالات زهوه و بطره و تماديه.
لا ريب أنّ الذين يفقدون عزيزاً من أعزّتهم تبقىٰ آثاره - رغم فقده - تلاعب مخيلتهم و ذكره في قلوبهم، فلا ينسوه بحكم العلاقة العاطفية و الآصرة الروحية التي تشدّهم إليه، و لذلك تجدهم دائماً يذكرونه و يجدّدون ذكراه، و بما أنّ الموت يفصل بينهم و بينه جسديّاً إلّا أنّهم يعوضون ذلك باللقاء الروحي و المعنوي، سواء كان ذلك بصورة فردية أو جماعية فيجتمعون على قبره و يقيمون المراسم و يهدون لروحه ثواب الفاتحة، و غيرها من الأعمال التي يهدون ثوابها إليه.
إذاً الحزن على فقد العزيز و إقامة مراسم العزاء أو التأبين لفقده أمرٌ
1) . مروج الذهب: 93/4
رائج بين عامّة الناس، و في جميع إرجاء المعمورة، و من هنا يمكن القول إنّ القضية لها جذور في فطرة الإنسان، و بمعنى آخر: انّ نفس القوّة التي تدفع الإنسان و تجذبه نحو الميل إلى الأهل و الأحبة في حال حياتهم هي نفسها تدفعه و ترغبه للحضور على قبورهم و الالتقاء بهم لقاءً روحيّاً و معنوياً، و تتّضح تلك الظاهرة بصورة أجلى إذا انطلقنا من الرؤية الإسلامية التي تقطع بأنّ الروح لا تفنى بفناء الجسد و لا تنعدم بانعدامه، من هنا يتّضح أمامنا أُفق جديد يحدونا إلى زيارة قبور الأحبّة و تلاوة القرآن الكريم و إهداء الثواب إلى أرواحهم.
لهذا ليس من اللائق نهي الناس و ردعهم عن هذا الأمر الفطري و حثّهم على التمرّد عليه، بل الجدير بنا حثّهم و دفعهم إلى السعي لإقامة هذه المراسم و إظهار الودّ و المحبّة لفقيدهم. نعم لا بدّ أن نكون حذرين أن لا ينجر الأمر إلى أن تختلط تلك الأعمال و المراسم بنوع من الأفعال غير المحمودة و القبيحة و المذمومة شرعاً.
كان الكلام في النقطة السابقة حول زيارة قبور الأحبّة الذين تربطهم بالإنسان آصرة الدم و القرابة، و تشدّهم إليه عاطفة روحية خاصة، فيتحرك من هذا المنطلق لزيارة قبورهم و قراءة القرآن و إهداء ثواب بعض الأعمال الصالحة إلى أرواحهم و السعي إلى عدم اندراس قبورهم و نسيان ذكرهم.
و هناك طائفة أُخرى من الناس تربطهم بالإنسان رابطة روحية و معنوية لا تقلّ فاعلية عن الرابطة الأُسرية إن لم تزد عليها، و هؤلاء هم العلماء و المفكّرون الذين أحرقوا كيانهم و أذابوا وجودهم لينيروا للإنسان ظلمات الطريق الحالكة، فهم كالشمعة التي تذوب ليستنير طريق الآخرين، نعم لقد ضحّى العلماء و المفكّرون بكلّ حياتهم - رغم العسر و الحاجة و قلّة ذات اليد - ليتركوا للأجيال المعاصرة لهم و الآتية فيما بعد الكم الهائل و المخزون الكبير من المعارف و العلوم التي تأخذ بيد الإنسان للرقي الروحي و المعنوي و التطوّر المادي و الاجتماعي و...، و على رأس هؤلاء العلماء و المفكّرون الإسلاميون الذين ينتهجون منهج القرآن الكريم و السنّة المطهرة.
من هنا يُعدّ الحضور إلى جنب قبور هؤلاء العلماء و إقامة مراسم التكريم و إهداء الثواب إلى أرواحهم الطاهرة، نوع تكريم، و ردّاً للجميل، و وفاءً لحقّهم الكبير على الأُمّة، كما يعتبر في نفس الوقت ترويجاً للعلم و المعرفة و تشجيعاً للآخرين لمواصلة طريق كسب العلم و المعرفة.
و لا ريب أنّ الأُمّة التي تبجّل علماءها و تحترم شخصياتها العلمية و الفكرية و تكنّ لهم وافر الاحترام أحياءً و أمواتاً، أُمّة حيّة تجري في عروقها دماء الحياة النابضة، و لا يمكن لمثل هكذا أُمّة أن تصاب بالفقر العلمي و الجدب المعرفي أبداً.
إنّ هنا طائفة أُخرى من الناس لهم منزلتهم الخاصة في المجتمع، و ذلك من خلال الدور الفاعل الذي قاموا فيه في إحياء الأُمّة و إعادة كرامتها المهدورة، و هي طبقة الثائرين و المجاهدين الذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم و هضم الحقوق و سحق الكرامة.
و التمييز العنصري و القومي، فثاروا أمام الظلم و الطغيان، و طالبوا بإعادة الحقوق المهدورة، و الكرامة المسحوقة إلى الأُمّة، و بذلوا في هذا الطريق أثمن ما يملكون، و جادوا بأغلى شيء لديهم، ألا و هو نفوسهم الكريمة، و دماؤهم الطاهرة.
نعم انّ لهذه الطبقة من أفراد المجتمع منزلة خاصة و مكانة متميّزة، تقتضي أن يؤدّي إليها الجمهور حقّها - على أقلّ تقدير بعد رحيلها من هذه الدنيا - و ذلك من خلال الوقوف على تربتهم الزكية و إحياء ذكراهم، أضف إلى ما في ذلك العمل من المردودات التربوية و الروحية السامية.
فإنّ الزائر حينما يقف على قبور هؤلاء الأبطال يجدّد بهذا الوقوف العهد معهم للمضي على نهجهم و السير على طريقهم، و الوفاء للمبادئ التي ضحّى من أجلها الشهداء، و الحفاظ على الراية التي رفعوها خفاقة في ربوع المجتمع، إذ لا ريب أنّ كلّ ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدّر له النجاح، إلّا بدفع الثمن الباهض، و انّ ثمن الثورة ضد الظالمين و تقويض أركان حكمهم هو دماء
الشهداء الزاكية و نفوس الأحرار الآبية، و لا شكّ أنّ هذا الطريق يحتاج إلى ديمومة و استمرار، و أنّ من الطرق المهمّة لهذه الديمومة و الاستمرار وقوف الشباب على قبور هؤلاء الأبطال و التزوّد من معنوياتهم، و الاستلهام من بطولاتهم و أفعالهم الخالدة.
و بعبارة أُخرى: انّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر و التقدير لتضحياتهم، و إعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق و الهدى و الفضيلة و الدفاع عن المبدأ و العقيدة.
و لننطلق هنا إلى ذكر مثال حي يعيشه المسلمون، و هو:
إنّ زائري بيت اللّٰه الحرام يقبّلون الحجر الأسود و يمسحون أكفّهم به قبل الطواف، و هذا في حقيقته تجديد للبيعة مع إبراهيم عليه السلام في الثبات على القيم و الأهداف السامية التي وقف إبراهيم عليه السلام مدافعاً عنها، و على رأس تلك الأهداف «كلمة التوحيد» فيبايع الحاج إبراهيم عليه السلام بأن يبقى وفياً لهذا المبدأ، مدافعاً عنه ساعياً إلى نشره في بقاع المعمورة. و بما أنّ الحاج لا تصل يده إلى يد إبراهيم عليه السلام ليبايعه، يجعل من الأثر الذي تركه إبراهيم عليه السلام و هو الحجر الأسود رمزاً لهذه البيعة و العهد على السير على نفس النهج و اعتماد نفس الطريق.
و لقد أشارت الأحاديث الإسلامية إلى هذا المفهوم العظيم و المعنى السامي حيث ورد أنّ الحاج حينما يستلم الحجر الأسود يردّد تلك الكلمات التي يفوح منها شذى الوفاء و الاستقامة على طريق الحق فيقول:
«أمانتي أدّيتها و ميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة».(1)
و النموذج الحي الآخر زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام و قبور الشهداء الأوفياء الذين سقوا بدمائهم الزاكية شجرة الإسلام التي أراد أعداء الدين عامّة و بنو أُميّة خاصة اجتثاثها من الأرض و القضاء عليها. من هنا يقف الزائر أمام تلك القبور الزاكية مجدّداً العهد مع أصحابها بأن يبقى وفيّاً للمبادئ، محافظاً على الأمانة، حارساً لحدود الدين و الشريعة، رافعاً لنفس الراية محافظاً عليها من السقوط.
من هنا تكتسب الزيارة أهميتها الاجتماعية و التربوية و السياسية في حركة الفرد و المجتمع، فإنّ الأُمّة التي تحافظ على مبادئها و تبقى وفية لرجالاتها و عظمائها و راعية للمسيرة التي ساروا عليها، أُمّة حيّة لا يمكن أن تفنى على مرّ القرون و الأيام.
لقد ذكرنا في البحوث السابقة أنّ زيارة الإنسان لقبر أحبته و أهله و من تربطه به صلة رحم أو قرابة يُعدّ سجية إنسانية و طبيعة فطرية تدعو إليها جميع النفوس السليمة في كافة بقاع المعمورة، و أنّها من الأُمور التي أطبق الجميع على العمل بها، أو على أقلّ تقدير عدم رفضها و الوقوف في وجهها، و يمكن استنتاج ذلك من الآية المباركة التالية:
1) . وسائل الشيعة: 400/10، الباب 12 من أبواب الطواف، الحديث 1.
«وَ لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ».(1)
إنّ الآية المباركة تنطوي على أمرين موجّهين للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم هما:
1 - «لاٰ تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً».
2 - «وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ».
و لا بدّ من تركيز البحث على النهي الثاني الوارد في الآية لنرى ما ذا يراد من قوله تعالى:
«وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ» و ما هو معناه؟
فهل معناه أنّها تنهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن الوقوف على قبره حال الدفن فقط، فلا يجوز ذلك في حقّ المنافق و يستحب في حقّ المؤمن؟ أو معناها أعمّ من وقت الدفن و غيره؟
إنّ بعض المفسّرين خصّوا القيام نفياً و إثباتاً بوقت الدفن فقط، و لكن البعض الآخر من المفسّرين من ذهب إلى إطلاق الآية و فسّر النهي في كلا المجالين الأعم من حال الدفن و غيره، و ها نحن ننقل بعضاً من كلماتهم في هذا المجال:
فممّن ذهب إلى الإطلاق البيضاوي في تفسيره حيث قال: و لا تقف على قبره للدفن أو الزيارة.(2)
و قد تبنّى هذه النظرية جلال الدين السيوطي في «تفسير الجلالين» حيث قال: و لا تقم على قبره لدفن أو زيارة.(1)
و كذلك الشيخ إسماعيل حقّي البروسوي فقد جاء في تفسيره: «وَ لاٰ تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ»: أي لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة.(2)
و الحقّ مع من أخذ بإطلاق الآية المباركة، و من هنا يتّضح انّ اللّٰه سبحانه قد نهى نبيّه الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عن كلّ أنواع الوقوف على قبر المنافق، سواء كان ذلك حال الدفن، أو بعد ذلك. و هذا يحكي أنّ للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أن يقف على قبور المؤمنين و الصالحين و أن يدعو لهم في حال دفنهم، أو بعد ذلك، و إلّا لكان النهي الموجّه إلى النبي عن الوقوف على قبور المنافقين لغواً لا طائل فيه.
و على هذا الأساس ندرك أنّ الآية المباركة أرادت أن تهدم شخصية المنافق، و أن تحرمه من الفيض الإلهي الوارد عن طريق دعاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم و استغفاره، و أن يختص هذا اللطف و تلك الرحمة بالمؤمنين الصالحين، فللرسول أن يقف على قبورهم في حال دفنهم أو بعد ذلك، و أن يطلب من ربّه أن ينزل فيض رحمته و غفرانه على تلك الأرواح المؤمنة.
لا شك أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية و تربوية هامة، لأنّ مشاهدة هذا الوادي الهادي - الّذي يضم في أعماقه مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذا الحياة الدنيا ثمّ انتقلوا إلى الآخرة - تخفّف روح الطمع و الحرص على الدنيا، و لربما يغيّر الإنسان سلوكه في هذه الحياة، فيترك الجرائم و المنكرات، و يتوجّه إلى اللّه و الآخرة.
و لذا يقول الرسول الأعظم:
1 - «زوروا القبور فإنها تذكّركم الآخرة».(1)
و دلّ بعض الأحاديث على أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن زيارة القبور في أوّل الأمر، و لعل النهي كان لأجل أنّ الأموات يوم ذاك كانوا مشركين و عبدة للأصنام، فنهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن زيارة الأموات، و لمّا كثر الشهداء بين المسلمين و ماتت مجموعة كبيرة من المسلمين في المدينة و أطرافها، رخّص النبي بإذن من اللّه سبحانه و قال:
2 - روى ابن ماجة في سننه عن ابن مسعود عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا و تذكّر الآخرة».(2)
3 - و روى مسلم في صحيحه: «زار النبي قبر أُمّه فبكى و أبكى من حوله... و قال: استأذنت ربّي أن أزورَ قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنّها تذكركم الموت».(1)
4 - و قالت عائشة: «إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم رخّص في زيارة القبور».(2)
5 - و قالت: إنّ النبي قال: أمرني ربي أن آتي البقيع فأستغفر لهم. قلت: كيف أقول يا رسول اللّه؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين، يرحم اللّه المستقدمين منّا و المستأخرين، و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.(3)
و جاء في أحاديث أُخرى نص الكلمات الّتي كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقولها عند زيارة القبور، و هي:
6 - «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، و إنّا و إياكم متواعدون غدا و مواكلون، و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد».(4)
و جاء في حديث آخر نص الكلمات بما يلي:
7 - «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين، و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، أنتم لنا فرط و نحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا و لكم».(5)
و في حديث ثالث:
8 - «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون».(1)
و يستفاد من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يخرج إلى البقيع في آخر الليل من كلّ ليلة، و يقول:
9 - «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، و آتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون و إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد».(2)
و يستفاد من حديث آخر أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يزور المقابر مع جماعة من أصحابه، و يعلمهم كيفية الزيارة:
10 - «كان رسول اللّه يعلمهم - إذا خرجوا إلى المقابر - فكان قائلهم يقول: السلام على أهل الديار - أو - السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين، و إنّا إن شاء اللّه لاحقون، أسأل اللّه لنا و لكم العافية».(3)
لقد أسعفني الحظ هذا العام (1421 ه) بزيارة بيت اللّٰه الحرام لأداء العمرة المفردة، و التشرّف بزيارة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أئمّة البقيع عليهم السلام و بقية المشاهد المباركة، و قد استرعىٰ انتباهي عند زيارتي البقيع منع النساء من دخولها من قبل السلطات السعودية، و ذلك بفتوى بعض فقهاء الحنابلة مع أنّ الأدلة الشرعية على خلافها، و هي تدلّ على كون الرجال و النساء في ذلك سواسية، و من حسن الحظ فقد التقيت بأحد الآمرين بالمعروف في البقيع و دار حوار بيني و بينه حول زيارة النساء للقبور، و قد تبادلنا فيه بعض الرسائل، و لذلك عزمت علىٰ كتابة رسالة مفصلة في هذا الموضوع استعرض فيها أدلّة الموافق و المخالف على وجه لا يبقىٰ لمشكّك شك، و لا لمرتاب ريب.
هذه هي الرسالة التي أُقدّمها لطلاّب الفقه في الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة عسى أن تنال رضاهم.
زيارة النساء للقبور في الشريعة الإسلامية
اتّفق المسلمون على استحباب زيارة القبور تأسّياً بالنّبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في قوله و فعله.
«قال النووي تبعاً للعبدري و الحازمي و غيرهما: اتّفقوا على أنّ زيارة القبور للرجال جائزة.
نعم حكي عن ابن أبي شيبة و ابن سيرين و إبراهيم النخعي و الشَّعبي، الكراهة، حتّى قال الشعبي: لو لا نهي النبي صلى الله عليه و آله و سلم لزرت قبر ابنتي...
و كأنّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ».(1)
و سيوافيك تضافر الأدلّة على استحبابها لما فيها من الأمر و البعث و الأثر البنّاء، أعني تذكّر الآخرة، و الزهد في الدنيا. و ما أبعد هذا القول عمّا حكي عن ابن حزم أنّ زيارة القبور واجبة و لو مرّة واحدة، لورود الأمر بها، و بما أنّ استحبابها للرجال أمر متّفق عليه إلّا من شذّ من الذين لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم و فعله، فلا نطيل الكلام فيها.
إنّما الكلام في استحبابها أو جوازها للنساء، فأكثر أهل السنّة على الاستحباب.
1) . فتح الباري: 148/3.
قال ابن حجر: و اختلف في النساء، فقيل دُخلن في عموم الإذن، و هو قول الأكثر، و قيل الإذن خاص بالرجال، و لا يجوز للنساء زيارة القبور، و به قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب.(1)
و قال السندي في شرحه على سنن النسائي عند شرح قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». فيه جمع بين الناسخ و المنسوخ، و الإذن بقوله «فزوروها»، قيل: يعمّ الرجال و النساء، و قيل: مخصوص بالرجال، كما هو ظاهر الخطاب، لكن عموم علّة التذكير الواردة في الأحاديث قد يؤيد عموم الحكم، إلّا أن يمنع شمول قوله: «و تذكر الآخرة» للنساء لكثرة غفلتهن.(2)
و نقل النووي في شرحه على «صحيح مسلم» أقوالاً ثلاثة:
أ. الحرمة، ب. الكراهة، ج. الجواز.(3)
هذه الكلمات تعرب عن اختلاف الآراء و إن كان الأكثر على الجواز، و هو الحقّ المتعيّن للأدلة التالية:
أخرج النسائي في سننه عن عائشة، انّها قالت: أ لا أُحدِّثكم عنّي و عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم؟ قلنا: بلى، قالت: لمّا كانت ليلتي التي هو عندي - تعني
النبي صلى الله عليه و آله و سلم - انقلب فوضع نعليه عند رجليه، و بسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلّا ريثما ظن قد رقدتُ، ثمّ انتعل رويداً، و أخذ رداءه رويداً، ثمّ فتح الباب رويداً، و خرج رويداً، و جعلت درعي في رأسي و اختمرت و تقنعت إزاري، و انطلقت في أثره، حتّى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال، ثمّ انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرولَ فهرولتُ، فأحضرَ فأحضرتُ، و سبقته فدخلتُ فليس إلّا أن اضطجعتُ، فدخل فقال: ما لك يا عائشة حشيا رابية؟.
قالت: لا، قال: لِتُخْبِرَنِّي أو لِيُخْبِرَنِّي اللطيف الخبير، قلت يا رسول اللّٰه: بأبي أنت و أُمّي فأخبرته الخبر، قال: فأنتِ السواد الذي رأيت إمامي، قالت: نعم. فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثمّ قال: أ ظننت أن يحيف اللّٰه عليك و رسوله، قلت: مهما يكتم الناس فقد علمه اللّٰه.
قال: فانّ جبرئيل أتاني حين رأيت و لم يدخل عليَّ، و قد وضعت ثيابك فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، فظننت ان قد رقدتِ و كرهتُ أن أُوقظك و خشيتُ أن تستوحشي، فأمرني أن آتي البقيع فأستغفر لهم، قلت: كيف أقول يا رسول اللّٰه؟
قال: قولي: السّلام على أهل الدّيار من المؤمنين و المسلمين، يرحم اللّٰه المستقدمين منّا و المستأخرين، و إنّا إن شاء اللّٰه بكم لاحقون.(1)
1) . سنن النسائي: 91/4، الأمر بالاستغفار للمؤمنين؛ صحيح مسلم: 64/3، باب ما يقال عند دخول القبور و الدعاء لأهلها. و اللفظ في المتن للنسائي، و بين النقلين اختلاف طفيف. قوله «حَشْيا»: مرتفعة النفس.
وجه الدلالة: انّ تعليم الزيارة آية جواز العمل بها.
مضافاً إلى أنّ قوله: «و كرهت أن أُوقظك» مشيراً إلى أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كره إيقاظها لتشاركه في زيارة البقيع.
نعم ليس في الرواية ما يدلّ على دخولها البقيع، و إنّما خرجت من بيتها للاطلاع على حال الرسول، و انّه إلى أين ذهب، لكن الاستدلال ليس منصبّاً على دخولها البقيع و زيارتها مع النبي، بل هو منصبّ على أنّه صلى الله عليه و آله و سلم علّمها الزيارة، و عندئذٍ لا يخلو الحال من صورتين:
الصورة الأُولى: علّمها و كانت الزيارة للنساء مستحبة أو جائزة.
الصورة الثانية: علّمها و كانت الزيارة لهنّ محرمة.
فعلى الأُولى يثبت المطلوب، و على الثانية يلزم اللغوية كما هو واضح، لأنّه صلى الله عليه و آله و سلم كيف يعلمها الزيارة المحرمة، و هذا أشبه بتعليم الحرام؟!
و ربما يتصور: انّما تعلّمت لتزور البقيع من بعيد، و لكن هذا التصوّر من السخافة بمكان، لأنّ الزيارة عبارة عن حضور الزائر لدى المزور، فما معنى الزيارة من بعيد بدون مانع؟! و لو كانت الغاية من التعليم هو ذاك النوع من الزيارة كان عليه صلى الله عليه و آله و سلم أن ينبهها و يأمرها بذلك.
على أنّ معنى قولها: «كيف أقول؟» أي: كيف أقول عند زيارتي البقيع كزيارتك إيّاه؟ فعلّمها الرسول نفس ما كان يقوله عند زيارته.
أخرج مسلم في صحيحه، عن بريدة، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها.(1)
و أخرجه النسائي في سننه عنه مثل ذلك، و زاد: فمن أراد فليزر و لا تقولوا هجراً.(2)
و أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «زوروا القبور فانّها تذكّركُم الآخرة».
و في نقل آخر: فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت.(3)
أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن مسعود، انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانّها تُزهّد في الدّنيا و تذكّر الآخرة».(4)
قال ابن حجر: و قد أخرج مسلم حديث بريدة، و فيه نسخ النهي عن ذلك، و لفظة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» و زاد أبو داود و النسائي في حديث أنس: «فانّها تذكر الآخرة»، و للحاكم من حديث فيه: «و ترقُّ القلب و تدمع العين، فلا تقولوا هجراً» أي كلاماً فاحشاً.
و له من حديث ابن مسعود: «فانّها تزهد في الدّنيا»، و لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «زوروا القبور فانّها تذكّر الموت».(1)
وجه الاستدلال هو عموم الخطاب للرجال و النساء و لا يضرّ تذكير الضمير، لما ثبت في محلّه من أنّ خطابات القرآن و السنّة تعمّ الصنفين إلّا ما خرج بالدليل، و قوله سبحانه: «وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتُوا اَلزَّكٰاةَ»(2)«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ»(3)«أَلاّٰ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً»(4)إلى عشرات الأمثال، يعم الصنفين بلا ريب و منه هذا الحديث.
أضف إلى ذلك انّ التعليل في الحديث آية الشمول، لأنّ قوله: «فإنّها تذكّركم الآخرة» لا يقبل التخصيص، و قد قرر في علم الأُصول انّ العلّة تعمم و تخصّص، و هل يصحّ في منطق العقل الصريح، اختصاص ما يذكّر الآخرة بالرجال و حرمان النساء منه؟!
أخرج البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، قال: امرَّ النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي اللّٰه و اصبري، قالت: إليك عنّي فانّك لم تُصب بمصيبتي و لم تعرفه.
فقيل لها: إنّه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه و آله و سلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى.(1)
قال ابن حجر في تفسيره: قوله: الصدمة الأُولى: «و في رواية الأحكام عند أوّل صدمة» و نحوه لمسلم، و المعنى إذا وقع الثبات أوّل شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، و أصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.(2)
وجه الدلالة: انّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أوصاها بالتقوى و الصبر، و كأنّها قالت في كلامها شيئاً يخالف التقوى.
قال القرطبي: الظاهر انّه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، و لهذا أمرها بالتقوى.
قال ابن حجر: و يؤيده انّ في مرسل يحيى بن كثير: «سمع منها ما
يكره فوقف عليها» فلو كان وقوفها على القبر و زيارتها له أمراً محرماً كان عليه أن يردعها عنه، مع أنّه صلى الله عليه و آله و سلم أمرها في كلا اللقاءين بالصبر.
أخرج الترمذي في سننه، عن عبد اللّٰه بن أبي مليكة، قال: توفّي عبد الرحمن بن أبي بكر ب «حبشىٰ»، قال: فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلمّا قدمتْ عائشة، أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت:
و كنّا كندماني جذيمة حِقْبةً *** من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني و مالكا *** لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلة معا
ثمّ قالت: و اللّٰه لو حضرتك ما دفنت إلّا حيث مت، و لو شهدتك ما زرتك.(1)
و المتبادر من العبارة انّها لما قدمت مكة ذهبت إلى زيارة قبر أخيها لا انّها مرّت عليه عفواً في طريقها إلى مكة.
و أمّا قولها: «و لو شهدتك لما زرتك» فهو بمعنىٰ انّي بما ان لم أؤدّي حقّك في حال حياتك، فلذلك أزورك بعد مماتك و لو كنت مؤدية لحقّك لما تحملت عبء زيارتك.
1) . سنن الترمذي: 371/3، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث 1055.
أخرج الحاكم في مستدركه، عن علي بن الحسين، عن أبيه: انّ فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه و آله و سلم كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة و تبكي عنده.
قال الحاكم بعد نقل هذا الحديث: «رواته عن آخرهم ثقات».(1)
هذه الروايات العديدة الصحيحة تدل بوضوح على جواز الزيارة للنساء، و من أمعن النظر فيها يقف على أنّ المسألة من الوضوح بمكان غير انّه إكمالاً للبحث نذكر دليل المخالف، و هي ليست إلّا شبهاً طارئة.
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: بما أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لعن زوّارات القبور.(2)
و أخرجه ابن ماجة عن حسّان بن ثابت، و عن ابن عباس و اللفظ في الجميع واحد.
قال الترمذي صاحب السنن: و قد رأى بعض أهل العلم انّ هذا كان قبل أن يرخّص النبي في زيارة القبور، فلمّا رخّص دخل في رخصته الرجال و النساء.
و قال بعضهم: إنّما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهنّ و كثرة جزعهنّ.(1)
و قال القرطبي: لم يلعن النبي كلّ امرأة تزور القبور بل لعن المرأة التي تزور القبور دوماً، و الدليل على ذلك قوله صلى الله عليه و آله و سلم: زوّارات القبور، و كلمة «زوار» هي صيغة المبالغة و تدلّ على الكثرة و التكرار.
أقول: إنّ أمر هذا الحديث دائر بين كونه منسوخاً أو مخصصاً، فلو ورد قبل الترخيص كان عموم الترخيص «فزوروا» ناسخاً و الحديث منسوخاً و إن ورد بعد الترخيص يكون مخصصاً، فإذا دار أمره بين كونه متروكاً أو معمولاً به فلا يحتج به.
الثاني: ما أخرجه ابن ماجة عن ابن الحنفية عن علي، قال: خرج رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فإذا نسوة جلوس، فقال: ما يجلسكنَّ؟ قلنَ: ننتظر الجنازة.
قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا.
قال: هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا.
قال: فأرجعنَ مأزورات غير مأجورات.(2)
انّ الحديث قاصر سنداً و دلالة.
أمّا السند ففيه دينار بن عمر (أبو عمر).
قال أبو حاتم في حقّه: إنّه ليس بالمشهور، و قال الأزدي: متروك، و قال الخليل في الإرشاد: كذّاب، و قال ابن حبان: يخطئ.
فهل يمكن أن يستدل بحديث كهذا.
و أمّا الدلالة ففيها أوّلاً: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يذم النسوة اللواتي لم يكن لهنّ أيّة مسئولية في تجهيز الميّت، و إنّما جلسنَ للنظر و المشاهدة، و إلّا فلو كان لهنّ مهمة معينة فتنعكس القضية، و يكنّ مأجورات لا مأزورات، و لذلك سألهن النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن وجه جلوسهن فلمّا علم حالهنّ ندد بهنّ.
و ثانياً: أنّ غاية ما يمكن حمل الرواية عليها هو النهي عن اتّباع النساء الجنائز، و قد نقله الترمذي أيضاً تحت هذا العنوان و هو أمر مكروه بالاتّفاق، و يدلّ عليه حديث أُمّ عطية حيث قالت: «نهينا عن اتّباع الجنائز، و لم يعزم علينا».(1)
قوله: «و لم يُعزم علينا» أي و لم يوجب علينا، و المراد انّه لم يقطع علينا بالنهي ليكون حراماً فهو مكروه تنزيهاً.(2)
و أين هذا ممّا نحن فيه من زيارة القبور للنساء حيناً بعد حين؟!
و ختاماً نلفت نظر القارئ إلى نكتة، و هي: انّ الإسلام دين الفطرة، و الشريعة السهلة السمحة.
قال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ هذا الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق».
فمنع المرأة المؤمنة الصالحة التي دفنت فلذة كبدها تحت ركام من التراب عن زيارة قبر ولدها على طرف النقيض من الشريعة السهلة السمحة، التي لا تجبر أحداً على كبت أحاسيسه و عواطفه في قلبه دون إظهارها.
الآن حصحص الحقّ و بان بأجلى مظاهره و تبين انّ القول بالجواز هو القول الحقّ المتعيّن.
أرجو من اللّٰه سبحانه أن يحقّ الحقّ و يبطل الباطل و يجمع شمل المسلمين، و يرزقهم توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد، و المسلمون - مع تفرّقهم في الفروع و الأحكام - تجمعهم مشتركات عديدة.
و لنعم ما قال شاعر الأهرام:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** و يضمّنا دين الهدى اتباعا
و يؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
و في الختام نعكس رأي الإمامية في مسألة زيارة القبور للنساء و نكتفي بكلمة العلاّمة الحلي في كتاب «منتهى المطلب» الذي ألّفه في الفقه المقارن، قال:
الرابع: يجوز للنساء زيارة القبور، و عن أحمد روايتان: إحداهما: الكراهة.
لنا: ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» و هو بعمومه يتناول النساء.
و عن ابن أبي مليكة انّه قال لعائشة: يا أُمّ المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى ثمّ أمر بزيارتها.(1)
و من طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن يونس، عن أبي عبد اللّٰه عليه السَّلام، قال: إنّ فاطمة عليها السلام كانت تأتي قبور الشهداء في كلّ غداة سبت، فتأتي قبر حمزة و تترحم عليه و تستغفر له(2).(3)
إنّ الوقوف على قبر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أو الأئمّة الطاهرين عليهم السلام - بالإضافة إلى الشكر و الثناء و الامتنان للجهود الكبيرة و الدور العظيم الذي لعبه صلى الله عليه و آله و سلم هو و أهل بيته في هداية الأُمّة، و إنقاذها من الضلال و الانحراف، و الأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان في بحر الظلمات المتلاطم - بيعة و عهد معهم للسير على نفس النهج و الثبات على المبادئ و القيم التي جاءوا بها.
يقول الإمام الرضا عليه السلام في معرض حديثة عن زيارة مراقد المعصومين عليهم السلام:
«إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه و شيعته، و إنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم».(1)
إذاً الزيارة تمثّل في الحقيقة ميثاقاً و تعهداً يبرمه الزائر مع النبيّ الأكرم و الأئمّة الطاهرين عليهم السلام، بأن يبقى على العهد و يسير على النهج و يحتفظ بالمبادئ و يراعي القيم التي جاء بها هؤلاء العظام.
و كأنّ الزائر يردّد في زيارته للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الكلمات التالية: يا رسول اللّٰه يا نبي الإنسانية و يا أعظم إنسان وطأت قدماه هذا الكوكب، إن كان المهاجرون و الأنصار قد بايعوك في الحديبية و وضعوا أكفّهم في كفّك المبارك(2)، و إذا كانت النسوة المؤمنات قد بايعنك في مكة المكرمة على أن لا يشركن و لا يزنين(3)، و إذا كان المؤمنون - الذين قد زلّت بهم قدمهم و اقترفوا بعض الذنوب و ارتكبوا بعض المعاصي - قد جاءوك طالبين منك الاستغفار لهم و حطّ ذنوبهم «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(4)، فها أنا أقف بين يديك و إلى جوار قبرك الطاهر مجدداً البيعة التي بايعوك عليها، و معاهداً لك على أن أبقىٰ وفيّاً للمبادئ، و محامياً عن حريم القيم التي جئت بها، متجنّباً السيئات و المعاصي طالباً منك أن تدعو اللّٰه لي بالتوفيق و السداد، و أن يأخذ
1) . وسائل الشيعة: 346/10، الباب 44 من أبواب المزار، الحديث 2.
2) . إشارة إلى قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِىَ اللّٰهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (الفتح: 18).
3) . إشارة إلى قوله تعالى: «إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ» (الممتحنة: 12).
4) . النساء: 64.
اللّٰه بيدي لما فيه الخير و الصلاح، و أن يتجاوز عمّا بدر مني من الذنوب و المعاصي.
نعم هذا هو لسان حال الزائر، و هذه هي المفاهيم التي تنطوي عليها الزيارة.
و هناك نكتة جديرة بالاهتمام، و هي أنّنا لا بدّ أن نفرّق تفريقاً جوهرياً بين زيارة المسلم المؤمن لتلك المراقد الطاهرة و ما يقوم به بعض السوّاح (TourisD) من الأقطار الأُخرى، أو بعض المسلمين الذين لا يدركون معنى الزيارة، فإنّ هدف هؤلاء السوّاح هو الاطّلاع على المعالم و التعرّف على الآثار التاريخية و النتاجات الهندسية و المعمارية، و ما تنطوي عليه تلك الأماكن من لذّات و فوائد مادية. و لا ريب أنّ هذه الأُمور إذا تجرّدت عن المحرمات الثانوية كاللعب و اللهو و ما شابه ذلك، تعدّ في حدّ ذاتها أُموراً مباحة، بل قد تُعدّ أُموراً ممدوحة، فممّا لا ريب فيه أنّ الإسلام قد حثّ على العلم و المعرفة، و هذه السياحة و التعرّف على تلك الشخصيات العظيمة و معرفة آثارهم ممّا له دوره في زيادة معارف الإنسان، بل قد يكون ذلك سبباً لهداية الإنسان، و لكن يبقى الفرق بينها و بين زيارة المؤمنين جوهرياً. فهؤلاء يتحرّكون في تلبية و إشباع الحاجات و الغرائز المادية، و انّ حركتهم و تعاملهم المادّي مع البناء و الآثار فحسب، و أمّا المؤمن فهدفه أكبر و غايته أسمى، لأنّهم انّما يشدّون الرحال للقاء الأرواح الزكية، و النفوس الطاهرة، و المبادئ العالية، و القيم السامية، و تجديد البيعة للسير على ذلك الطريق المهيع و المنهج القويم.
إنّ الزائر المؤمن يبحث عن معشوقه في
تلك الديار و الآثار فلا يهمّه إلّا اللقاء بها، و لا يروي غليله إلّا وصال الحبيب و لسان حاله يردّد:
أمرّ على الديار ديار ليلىٰ *** أُقبّل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما حب الديار شغفن قلبي *** و لكن حبُّ من سكن الديارا(1)
و لقد نقل لنا المؤرّخون قصص الزيارة و الزائرين بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، فقد روى سفيان بن عنبر عن العتبي - و كلاهما من مشايخ الشافعي - أنّه قال: كنت جالساً عند قبر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فجاء أعرابي - من خارج المدينة و وقف على قبره الشريف صلى الله عليه و آله و سلم - فقال: السلام عليك يا رسول اللّٰه، سمعت اللّٰه يقول: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(2)و قد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي. ثمّ بكى و أنشأ يقول:
يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع و الأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف و فيه الجود و الكرم
ثمّ استغفر و انصرف.(3)
إنّ هذا الأعرابي قد أدرك بذهنه الوقّاد، و سريرته الصافية، و فطرته
السليمة ما تنطوي عليه زيارة النبي الأكرم من فوائد جمّة، فجاءه زائراً لقبره الشريف.
نعم انّ الزيارة لقبور ذوي الرحم و الصالحين و الشهداء و العلماء، و زيارة المراقد الطاهرة لأعظم خلق اللّٰه الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته الطاهرين عليهم السلام، تنطوي على فوائد جمّة، و منافع وافرة: اجتماعية و تربوية و أخلاقية و...، و من هنا لا بدّ من تسليط الضوء على موضوع زيارة مرقد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في الكتاب و السنّة.
أمر القرآن الكريم المسلمين بالحضور عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ليستغفروا اللّٰه و يطلبوا من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يستغفر لهم، لأنّ دعاءه مستجاب فيهم، فقال تعالى:
«وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً».(1)
و في آية أُخرى نجد القرآن الكريم يذمّ المنافقين، لأنّهم طُلب منهم أن يحضروا عند الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ليستغفر لهم لكنّهم تمرّدوا على هذا الطلب و استكبروا و لم يعيروا له أيّة أهمية. قال تعالى:
1) . النساء: 64.
«وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللّٰهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ».(1)
و قد بسط المحقّق تقي الدين السبكي - أحد كبار محقّقي أهل السنّة - الكلام في هذه الآية و ذهب إلى أنّ حكمها يشمل المسلمين في الوقت الحاضر أيضاً، و لا تختص الآية بعصر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقط، إذ بإمكان المسلمين أن يأتوا إليه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و يطلبوا منه أن يستغفر اللّٰه لهم. و من كلامه في هذا المجال قوله: «دلّت الآية على الحثّ على المجيء إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و الاستغفار عنده و استغفاره لهم، و ذلك و إن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له و لا تنقطع بموته تعظيماً له».(2)
قد يقال: صحيح انّ الآية المذكورة و الآيات الأُخرى نازلة في حقّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لبيان عظمته و منزلته السامية، و لكن من الناحية الواقعية و العملية أنّ الإتيان إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و الاستغفار عنده و طلب الاستغفار منه ممكن في حال حياته، و أمّا بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى أصبح هذا الأمر من الأُمور المتعذّرة التي لا يمكن القيام بها حتّى إذا أراد الإنسان ذلك.
و الجواب: انّ الإشكال غير وارد و انّ الحقّ مع العلاّمة السبكي، و ذلك لأنّ الدليل على شمولية الآية لحياته و مماته صلى الله عليه و آله و سلم لا ينحصر في هذه الآية فقط، بل هناك أدلّة كثيرة تدلّ على أنّ حياته و مماته صلى الله عليه و آله و سلم على السواء، و من هذه الأدلّة:
الأوّل: انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الموت ليس نهاية الحياة و انعدام الإنسان، بل هو في الواقع نافذة تطل على حياة أُخرى أوسع و أشمل و أفضل من هذه الحياة الدنيا، و انّ الإنسان في ذلك العالم حيّ يسمع و يرى، و خاصة الشهداء الذين ما تسقط منهم قطرة من دمائهم حتّى تتلقّاهم الملائكة بالبشرىٰ و النعيم الدائم و اللّذات الروحية التي لا يحصيها إلّا واهبها، و قد ورد في هذا المجال العديد من آيات الذكر الحكيم.(1)و هذا ما نبحثه تحت عنوان «الحياة البرزخية» إن شاء اللّٰه تعالى.
الثاني: انّ الأحاديث الشريفة تصرّح بأنّ الملائكة تبلّغ خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله و سلم سلام من يسلّم عليه، فقد جاء في الصحاح: «ما من أحد يسلّم عليّ إلّا ردّ اللّٰه عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام».(2)
و في رواية أُخرى: «صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيثما كنت».(3)
الثالث: لقد أطبق المسلمون - و على مرّ العصور - على السلام على النبي صلى الله عليه و آله و سلم في صلاتهم بقولهم: «السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّٰه و بركاته» و ليس هذا السلام في واقعه أمراً تشريفياً اعتبارياً، بل هو حقيقة واقعية من الحيّ إلى الحيّ الذي يسمع و يجيب.
إنّ هذه الأدلّة التي ذكرناها تحكي بما لا ريب فيه أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حي يرزق، و يعيش الآن حياة برزخية، و لم تنقطع صلته بهذا
العالم، و هو على ارتباط به يسمع كلامنا و يلبّي طلبتنا مع توفّر بعض الشروط الخاصة.
من هنا يمكن القول: إنّ الآيتين المذكورتين تدلّان على مفهوم أوسع، و معنى أشمل، حيث تطلب تلك الآيات من المؤمنين فعلاً الحضور عند رسول اللّٰه، و تأمرهم بالاستغفار في حرمه الشريف، و أن يطلبوا منه صلى الله عليه و آله و سلم أن يستغفر اللّٰه لهم. و لذلك ورد في زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم - و التي يقرأها الجميع في حرمه الطاهر صلى الله عليه و آله و سلم - الالتفات إلى هذه الآية المباركة، حيث نجد الزائرين يتوجّهون إليه صلى الله عليه و آله و سلم، و يطلبون منه الاستغفار لهم و نزول الرحمة عليهم، و التجاوز عمّا صدر عنهم.
و في الواقع ليست الزيارة إلّا الحضور عند المزور، و إهداء التحيّة و السلام إليه، و طلب الدعاء منه لا أكثر.
من هنا يمكن أن يستدلّ بالآيتين الشريفتين على استحباب زيارة مرقد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.
و الشاهد على ذلك ما رواه المحدّثون من أنّه و بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم جاء أعرابي من خارج المدينة، و بعد أن قرأ الآية المباركة(1)، خاطب رسول اللّٰه بقوله: «و قد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي».(2)
و لقد أشار السبكي في كلامه السابق إلى نكتة مهمة، و هي: انّ دعوة المسلمين و حثّهم على الحضور عند رسول اللّٰه و طلب الاستغفار منه، يُعدّ تعظيماً و تكريماً و تبجيلاً له صلى الله عليه و آله و سلم، و لا ريب أنّ هذا التكريم و التعظيم و التبجيل من قبل المسلمين لا يختص بحياة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الدنيوية فقط، بل أنّ ذلك يجري مطلقاً في حياته و بعد رحيله صلى الله عليه و آله و سلم.
و من هذا المنطلق نجد المفسّرين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنّ احترام الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لا يختص بزمن حياته صلى الله عليه و آله و سلم فقط، بل لا بدّ أن يحفظ ذلك حتى بعد وفاته و رحيله صلى الله عليه و آله و سلم.
بل نجد انّ الآية التي تنهىٰ المسلمين عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه و آله و سلم باقية على حيويتها و استمراريتها و قوّتها، حيث يقول سبحانه:
«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ».(1)
لذلك نجد المسلمين ملتزمين بهذا الأمر الإلهي، فلا يرفعون صوتهم حينما يتشرّفون بالدخول إلى حضرته المباركة. و الملاحظ أنّ هذه الآية المباركة كتبت - و بحق - فوق ضريحه المبارك أمام أعين الزائرين جميعاً، و هذا العمل له دلالته الواضحة بأنّ هذه الآية باقية على حيويتها و فاعليتها و لم يؤثر على إطلاقها رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّه حيّ يرزق، و لا بدّ أن يحترم حيّاً أو ميتاً.
1) . الحجرات: 2.
إذا وقفت على الآثار البنّاءة لزيارة مطلق القبور، و زيارة قبور الأولياء و الصالحين، و تعرّفت على مجموعة من الروايات الحاثّة على زيارة قبور دار المؤمنين، فلنذكر خصوص ما ورد من الروايات الّتي فيها الحث على زيارة قبر النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم.
قد نقل قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن عبد الكافي السبكي 15 حديثاً في ذلك المجال و تكلم في أسنادها و صحّح كثيراً منها.(1)
كما قام العلامة السمهودي المتوفّى سنة (911 ه) في كتابه القيم (وفاء الوفا بأحوال دار المصطفى) بنقل روايات كثيرة في ذلك المجال.(2)
كما أنّ فقهاء المذاهب الأربعة في مصر العزيزة في العصر الحاضر أفتوا بأنّ زيارة قبر النبي أفضل المندوبات. ورد فيها أحاديث. و قد اعتمدوا على رواية عبد اللّه بن عمر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».(3)
و بما أنّ العلّامة الأميني قد تحمّل جهوداً جبارة في جمع الأحاديث الواردة حول زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، و الفحص عن مظانّها و مصادرها من
أقدم العصور إلى عصرنا هذا، فنحن - تقديراً لجهوده الجبارة و مثابرته الجليلة في هذا الطريق - ننقل عن تلك الموسوعة نفس الروايات و مصادرها. قال قدس سره:
(1)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».
أخرجته أُمّة من الحفاظ و أئمة الحديث، منهم:
1 - عبيد بن محمد أبو محمد الوراق النيسابوري (المتوفّى سنة 255 ه).
2 - ابن أبي الدنيا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي (المتوفّى سنة 281 ه).
3 - الدولابي أبو بشر محمد الرازي (المتوفّى سنة 310 ه) في الكنى و الأسماء (ج 2 ص 64).
4 - محمد بن إسحاق أبو بكر النيسابوري (المتوفّى سنة 311 ه) الشهير بابن خزيمة، أخرجه في صحيحه.
5 - الحافظ محمد بن عمرو أبو جعفر العقيلي (المتوفّى سنة 322 ه) في كتابه.
6 - القاضي المحاملي أبو عبد اللّه الحسين البغدادي (المتوفّى سنة 330 ه).
7 - الحافظ أبو أحمد بن عدي (المتوفّى سنة 365 ه) في الكامل.
8 - الحافظ أبو الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن محمد الأنصاري (المتوفّى سنة 369 ه).
9 - الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه) في سننه.
10 - أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي (المتوفّى سنة 450 ه) في «الأحكام السلطانية» ص 105.
11 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه) في «السنن» و غيره.
12 - القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي (المتوفّى سنة 492 ه) في فوائده.
13 - الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل القرشي الأصبهاني (المتوفّى سنة 535 ه).
14 - القاضي عياض المالكي (المتوفّى سنة 544 ه) في «الشفاء».
15 - الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر (المتوفّى سنة 571 ه)، في تاريخه في باب (من زار قبره صلى الله عليه و آله و سلم) و هذا الباب أسقطه المهذب من الكتاب في طبعه، و اللّه يعلم سر تحريفه هذا و ما أضمرته سريرته.
16 - الحافظ أبو طاهر أحمد بن السلفي (المتوفّى سنة 576 ه).
17 - أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأندلسي (المتوفّى سنة 581 ه) الأحكام الوسطى و الصغرى.(1)
18 - الحافظ ابن الجوزي (المتوفّى سنة 597 ه) في «مثير الغرام الساكن».
19 - الحافظ علي بن مفضل المقدسي الإسكندراني المالكي (المتوفّى سنة 611 ه).
20 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (المتوفّى سنة 648 ه).
21 - الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري (المتوفّى سنة 656 ه).
22 - الحافظ أبو الحسين يحيى بن علي القرشى الأموي المالكي (المتوفّى سنة 662 ه). في كتابه «الدلائل المبينة في فضائل المدينة».
23 - الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه).
24 - الحافظ أبو الحسين هبة اللّه بن الحسن.
25 - أبو الحسن يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب «أخبار المدينة».
26 - أبو عبد اللّه محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير
1) . قال في خطبة الأحكام الصغرى: إنّه تخيّرها صحيحة الأسناد معروفة عند النقاد، قد نقلها الإثبات و تداولها الثقات، و قال في خطبة الوسطى: إنَّ سكوته عن الحديث دليل على صحته... الخ راجع (شفاء السقام): 9.
بابن الحاج (المتوفّى سنة 737 ه)، في «المدخل» ج 1 ص 261.
27 - تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (المتوفّى سنة 756 ه)، بسط القول في ذكر طرقه في شفاء السقام، ص 3-12 و قال في ص 8: و الرواة جميعهم إلى موسى بن هلال ثقات لا ريبة فيهم، و موسى بن هلال، قال ابن عدي: أرجو أنّه لا بأس به، هو من مشايخ أحمد، و أحمد لم يكن يروي إلّا عن ثقة، و قد صرح الخصم بذلك في الرد على البكري.
ثمّ ذكر شواهد لقوة سنده فقال: و بذلك تبين أن أقل درجات هذا الحديث أن يكون حسناً إن نوزع في دعوى صحّته، إلى أن قال: و بهذا بل بأقل منه يتبين افتراء من ادّعى أن جميع الأحاديث الواردة في الزيارة موضوعة، فسبحان اللّه! أما استحى من اللّه و من رسوله في هذه المقالة الّتي لم يسبقه إليها عالم و لا جاهل، لا من أهل الحديث و لا من غيرهم؟ و لا ذكر أحد موسى بن هلال و لا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، و لا اتهمه به فيما علمنا، فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كل الأحاديث الّتي هو واحد منها موضوعة، و لم ينقل إليه ذلك عن عالم قبله، و لا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدثين للحكم بالوضع، و لا حكم متنه بما يخالف الشريعة، فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً؟ فكيف و هو حسن و صحيح؟!
28 - الشيخ شعيب عبد اللّه بن سعد المصري، ثمّ المكي الشهير بالحريفيش (المتوفّى سنة 801 ه) في «الروض الفائق» ج 2 ص 137.
29 - السيد نور الدين علي بن عبد اللّه الشافعي القاهري السمهودي(1)(المتوفّى سنة 911 ه) في «وفاء الوفا» ج 2 ص 394.
30 - الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (المتوفّى سنة 911 ه) في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه: ج 8 ص 99.
31 - الحافظ أبو العباس شهاب الدين القسطلاني(2)(المتوفّى سنة 923 ه)، في «المواهب اللدنية» من طريق الدارقطني، و قال: رواه عبد الحق في أحكامه الوسطى و الصغرى و سكت عنه، و سكوته عن الحديث فيه دليل على صحّته.
32 - الحافظ ابن الدبيغ أبو محمد الشيباني (المتوفّى سنة 944 ه)، في «تمييز الطيب من الخبيث» ص 162.
33 - الشيخ شمس الدين محمد الخطيب الشربيني (المتوفّى سنة 977 ه)، في «المغني» ج 1 ص 494 عن صحيح ابن خزيمة.
34 - زين الدين عبد الرءوف المناوي (المتوفّى سنة 1031 ه)، في «كنوز الحقائق» ص 141، و شرح الجامع الصغير للسيوطي ج 6 ص 140.
35 - الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى سنة 1078 ه)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157.
36 - أبو عبد اللّه محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري المالكي
(المتوفّى سنة 1122 ه) في «شرح المواهب» ج 8 ص 298 نقلاً عن أبي الشيخ و ابن أبي الدنيا.
37 - الشيخ إسماعيل بن محمد الجراحي العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 250 نقلاً عن أبي الشيخ، و ابن أبي الدنيا، و ابن خزيمة.
38 - الشيخ محمد بن علي الشوكاني (المتوفّى سنة 1250 ه)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325 نقلاً عن غير واحد من أئمة الحديث.
39 - الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت البيروني (المتوفّى سنة 1276 ه) في «حسن الأثر» ص 246.
40 - السيد محمد بن عبد اللّه الدمياطي الشافعي (المتوفّى سنة 1307 ه)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144.
41 - عدة من فقهاء المذاهب الأربعة في مصر اليوم في «الفقه على المذاهب الأربعة» ج 1 ص 590.
(2)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من جاءني زائراً لا تعمله إلّا زيارتي، كان حقّاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة. و في لفظ: لا تحمله إلّا زيارتي. و في آخر: لم تنزعه حاجة إلّا زيارتي. و في رابع: لا ينزعه إلّا زيارتي كان حقّاً على اللّه عزّ و جلّ. و في خامس للغزالي: لا يهمه إلّا زيارتي.
أخرجه جمع من الحفاظ لا يستهان بهم و بعدتهم، منهم:
1 - الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي المتوفّى بمصر سنة (353 ه) في كتابه «السنن الصحاح» جعل في آخر كتاب الحج (باب ثواب من زار قبر النبي) و لم يذكر في الباب غير هذا الحديث. قال السبكي في «شفاء السقام» ص 16: و ذلك منه حكم بأنّه مجمع على صحّته بمقتضى الشرط الّذي شرطه في الخطبة، و ابن السكن هذا إمام حافظ ثقة كثير الحديث واسع الرحلة... الخ.
قال في خطبة كتابه: أمّا بعد: فإنّك سألتني أن أجمع لك ما صحّ عندي من السنن المأثورة الّتي نقلها الأئمة من أهل البلدان، الذين لا يطعن عليهم طاعن فيما نقلوه، فتدبّرت ما سألتني عنه فوجدت جماعة من الأئمة قد تكلّفوا ما سألتني من ذلك، و قد وعيت جمع ما ذكروه، و حفظت عنهم أكثر ما نقوله، و اقتديت بهم، و أجبتك إلى ما سألتني من ذلك، و جعلته أبواباً في
جميع ما يحتاج إليه من أحكام المسلمين، فأوّل من نصب نفسه لطلب صحيح الآثار: البخاري و تابعه مسلم، و أبو داود، و النسائي و قد تصفّحت ما ذكروه و تدبّرت ما نقلوه فوجدتهم مجتهدين فيما طلبوه، فما ذكرته في كتابي هذا مجملاً فهو ممّا أجمعوا على صحّته، و ما ذكرته بعد ذلك ممّا يختاره أحد من الأئمة الذين سميتهم، فقد بيّنت حجّته في قبول ما ذكره، و نسبته إلى اختياره دون غيره، و ما ذكرته ممّا يتفرّد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بيّنت علّته، و دللت على انفراده دون غيره، و باللّه التوفيق.
2 - الحافظ أبو القاسم الطبراني (المتوفّى سنة 360 ه)، أخرجه في معجمه الكبير.
3 - الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الأصبهاني (المتوفّى سنة 381 ه)، في معجمه.
4 - الحافظ أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه)، أخرجه في أماليه.
5 - الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفّى سنة 402 ه).
6 - القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي (المتوفّى سنة 492 ه) صاحب «الفوائد».
7 - حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي (المتوفّى سنة 505 ه)، في «إحياء العلوم» ج 1 ص 246.
8 - الحافظ ابن عساكر (المتوفّى سنة 571 ه)، صاحب «تاريخ الشام».
9 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (المتوفّى سنة 648 ه).
10 - الحافظ يحيى بن علي القرشي الأموي المالكي (المتوفّى سنة 622 ه).
11 - الحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد في كتابه.
12 - تقي الدين السبكي الشافعي (المتوفّى سنة 756 ه) فصل القول في طرق هذا الحديث، و أخرجه من طرق شتّى و صحّحه في «شفاء السقام» ص 13-16.
13 - السيد نور الدين علي بن عبد اللّه الشافعي القاهري السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 396، ذكره من طرق شتى، منها طريق الحافظ ابن السكن فقال: و مقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث ممّا أجمع على صحّته ثمّ قال: قلت: و لهذا نقل عنه جماعة منهم الحافظ زين الدين العراقي أنّه صحّحه... الخ.
14 - أبو العباس شهاب الدين القسطلاني (المتوفّى سنة 924 ه)، في «المواهب اللدنية» و قال: صحّحه ابن السكن.
15 - الشيخ محمد الخطيب الشربيني (المتوفّى سنة 977 ه)، في «مغني المحتاج» شرح المنهاج ج 1 ص 494 و قال: رواه ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة.
16 - الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى سنة 1078 ه)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157.
(3)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» و في غير واحد من طرقه زيادة: و صحبني.
أخرجه جمع من الحفاظ منهم:
1 - الحافظ عبد الرزاق أبو بكر الصنعاني (المتوفّى سنة 211 ه).
2 - الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان الشيباني (المتوفّى سنة 303 ه).
3 - الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي (المتوفّى سنة 307 ه) في مسنده.
4 - الحافظ أبو القاسم عبد اللّه بن محمد البغوي (المتوفّى سنة 317 ه).
5 - الحافظ أبو القاسم الطبراني (المتوفّى سنة 360 ه).
6 - الحافظ أبو أحمد بن عدي (المتوفّى سنة 365 ه) في «الكامل».
7 - الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري (المتوفّى سنة 381 ه).
8 - الحافظ أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه)، في سننه و غيرها.
9 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه) في سننه ج 5 ص 246.
10 - الحافظ ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى سنة 571 ه) في تاريخه.
11 - الحافظ ابن الجوزي (المتوفّى سنة 597 ه) في «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن».
12 - الحافظ أبو عبد اللّه بن النجار البغدادي (المتوفّى سنة 643 ه)، في كتابه «الدرة الثمينة في أخبار المدينة».
13 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (المتوفّى سنة 648 ه).
14 - الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه).
15 - أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحداد في كتابه.
16 - الحافظ أبو الحسين المصري.
17 - ولي الدين الخطيب التبريزي في «مشكاة المصابيح» (المتوفّى سنة 737 ه)، في باب حرم المدينة في الفصل الثالث.
18 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، بسط القول في طرقه في «شفاء السقام» ص 16-21 و رواه عن كثير من هؤلاء الحفاظ المذكورين و غيرهم.
19 - الشيخ شعيب عبد اللّه المصري الحريفيش (المتوفّى سنة
801 ه)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137.
20 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، فصّل القول في طرقه في «وفاء الوفا» ج 2 ص 397.
21 - الحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ج 8 ص 99.
22 - قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجي الحنفي (المتوفّى سنة 1069 ه)، في شرح الشفاء للقاضي عياض ج 3 ص 567.
23 - الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى سنة 1078 ه)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157.
24 - الشيخ محمد الشوكاني (المتوفّى سنة 1250 ه)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325.
25 - السيد محمد بن عبد اللّه الدمياطي الشافعي (المتوفّى سنة 1307 ه)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144.
(4)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج البيت و لم يزرني فقد جفاني» أخرجه جمع منهم:
1 - الحافظ أبو حاتم محمد بن حبَّان التميمي البستي (المتوفّى سنة 354 ه)، في «الضعفاء».
2 - الحافظ ابن عدي (المتوفّى سنة 365 ه)، في «الكامل».
3 - الحافظ الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه)، في كتابه أحاديث مالك الّتي ليست في الموطأ.
4 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 765 ه)، من غير طريق في «شفاء السقام» ص 22، و ردّ حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع.
5 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 921 ه)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 398.
6 - أبو العباس شهاب الدين القسطلاني (المتوفّى سنة 922 ه)، في «المواهب اللدنية» نقلاً عن ابن عدي، و ابن حبان، و الدارقطني.
7 - الشيخ إسماعيل الجراحي العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278 نقلاً عن ابن عدي، و ابن حبان، و الدارقطني.
8 - الشيخ المرتضى الزبيدي الحنفي (المتوفّى سنة 1205 ه)، في «تاج العروس» ج 10 ص 74.
9 - الشيخ محمد الشوكاني (المتوفّى سنة 1250 ه)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325.
(5)
عن عمر مرفوعاً: «من زار قبري (أو من زارني) كنت له شفيعاً (أو شهيداً) و من مات في أحد الحرمين بعثه اللّه عزّ و جلّ في الآمنين يوم القيامة» أخرجه:
1 - الحافظ أبو داود الطيالسي (المتوفّى سنة 204 ه)، في مسنده ج 1 ص 12.
2 - الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفّى سنة 430 ه).
3 - الحافظ البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه) في «السنن الكبرى» ج 5 ص 245.
4 - الحافظ ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى سنة 571 ه)، في «تاريخ الشام».
5 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (المتوفّى سنة 648 ه).
6 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 22.
7 - نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 399.
8 - أبو العباس القسطلاني (المتوفّى سنة 923 ه)، في «المواهب اللدنية».
9 - الحافظ ابن الدبيع (المتوفّى سنة 944 ه)، في «تمييز الطيب» ص 162.
10 - زين الدين عبد الرءوف المناوي (المتوفّى سنة 1031 ه)، في «كنوز الحقائق» ص 141.
11 - الشيخ إسماعيل العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278.
(6)
عن حاطب بن أبي بلتعة مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، و من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين». أخرجه:
1 - الحافظ أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه)، في «السنن».
2 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه).
3 - الحافظ ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى سنة 571 ه).
4 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي (المتوفّى سنة 648 ه).
5 - الحافظ أبو عبد اللّه عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه).
6 - أبو عبد اللّه العبدري المالك ابن الحاج (المتوفّى سنة 737 ه)، في «المدخل».
7 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 25.
8 - الشيخ شعيب الحريفيش (المتوفّى سنة 810 ه)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137.
9 - نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 399.
10 - أبو العباس القسطلاني (المتوفّى سنة 923 ه) في «المواهب اللدنية» عن البيهقي.
11 - الجراحي العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 551 عن ابن عساكر و الذهبي، و حكى عن الأخير أنّه قال:
إنّ هذا الحديث من أجود أحاديث الباب إسناداً.
12 - الشيخ محمد الشوكاني (المتوفّى سنة 1250 ه) في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325.
13 - الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروني (المتوفّى سنة 1276 ه)، في «حسن الأثر» ص 246.
(7)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج حجة الإسلام و زار قبري، و غزا غزوة و صلى عليّ في بيت المقدس لم يسأل اللّه عز و جل فيما افترض عليه».
أخرجه الحافظ محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي (المتوفّى سنة 374 ه)، في فوائده، و رواه عنه الحافظ السلفي أبو طاهر الأصبهاني (المتوفّى سنة 576 ه) بإسناده، و أخرجه بالطريق المذكور تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه) في «شفاء السقام» ص 25، و ذكره السيد السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 400 و الشيخ محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة (1250 ه)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 326.
(8)
عن أبي هريرة مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني و أنا حي، و من زارني كنت له شهيداً و شفيعاً يوم القيامة» أخرجه:
1 - الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه (المتوفّى سنة 416 ه).
2 - الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن الأصبهاني (المتوفّى سنة 540 ه).
3 - أبو الفتوح سعيد بن محمد اليعقوبي في فوائده (المتوفّى سنة 552 ه).
4 - الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني الشافعي (المتوفّى سنة 562 ه).
5 - ابن الأنماطي إسماعيل بن عبد اللّه الأنصاري المالكي (المتوفّى سنة 619 ه).
6 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه) في «شفاء السقام» ص 26.
7 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 400.
(9)
عن أنس بن مالك مرفوعاً: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً». و في رواية أُخرى عنه أيضاً:
«من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، و من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة».
و في لفظ ثالث له زيادة: و كنت له شهيداً و شفيعاً يوم القيامة. أخرجته أُمة من الحفاظ منهم:
1 - ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل (المتوفّى سنة 200 ه).
2 - ابن أبي الدنيا أبو بكر القرشي (المتوفّى سنة 281 ه).
3 - الحافظ أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري (المتوفّى سنة 405 ه).
4 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه) في «شعب الإيمان».
5 - القاضي عياض المالكي (المتوفّى سنة 544 ه) في «الشفاء».
6 - الحافظ علي بن الحسن الشهير بابن عساكر (المتوفّى سنة 571 ه).
7 - الحافظ ابن الجوزي (المتوفّى سنة 597 ه) في «مثير الغرام الساكن».
8 - الحافظ عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه).
9 - أبو عبد اللّه العبدري المالكي ابن الحاج (المتوفّى سنة 737 ه) في «المدخل» ج 1 ص 261.
10 - شمس الدين أبو عبد اللّه الدمشقي الحنبلي المعروف بابن القيم الجوزية (المتوفّى سنة 751 ه)، في «زاد المعاد ج 2 ص 47».
11 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 27.
12 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 400.
13 - أبو العباس شهاب الدين القسطلاني (المتوفّى سنة 923 ه) في «المواهب اللدنية».
14 - جلال الدين السيوطي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ج 8 ص 99.
15 - الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (المتوفّى سنة 1078 ه)، «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157 بلفظ: «من زارني في المدينة متعمداً كان في جواري إلى يوم القيامة».
16 - الشيخ محمد الشوكاني (المتوفّى سنة 1250 ه)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 326.
17 - أبو عبد اللّه الزرقاني المالكي (المتوفّى سنة 1122 ه)، في «شرح المواهب» ج 8 ص 299.
18 - الجراحي العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في كشف «الخفاء» ج 2 ص 251.
19 - السيد أحمد الهاشمي في مختار الأحاديث النبوية، ص 169.
20 - السيد محمد بن عبد اللّه الدمياطي الشافعي (المتوفّى سنة 1307 ه)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144.
21 - الشيخ منصور علي ناصف في «التاج» ج 2 ص 216.
(10)
عن أنس بن مالك مرفوعاً: «من زارني ميتاً فكأنّما زارني حيّاً، و من زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، و ما من أحد من أُمتي له سعة ثمّ لم يزرني فليس له عذر» أخرجه:
1 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود ابن النجار (المتوفّى سنة 643 ه)، في كتابه «الدرة الثمينة في فضائل المدينة».
2 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 28.
3 - الحافظ زين الدين العراقي (المتوفّى سنة 806 ه)، أشار إليه كما في «المواهب».
4 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه)، في «وفاء الوفا» ج 2 ص 400.
5 - أبو العباس شهاب الدين القسطلاني (المتوفّى سنة 923 ه) في «المواهب اللدنية».
6 - العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه)، في «كشف الخفاء» ص 278.
(11)
عن ابن عباس مرفوعاً: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، و من زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً، أو قال: شفيعاً».
أخرجه الحافظ أبو جعفر العقيلي (المتوفّى سنة 322 ه)، في كتاب «الضعفاء» في ترجمة فضالة بن سعيد المازني، و الحافظ ابن عساكر (المتوفّى سنة (571 ه) كما في «شفاء السقام» ص 21، و «وفاء الوفا» ج 2 ص 401، و «نيل الأوطار» للشوكاني ج 4 ص 325-326.
(12)
عن علي أمير المؤمنين مرفوعاً و غير مرفوع: «من زار قبري بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي، و من لم يزر قبري فقد جفاني» أخرجه:
1 - أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر الحسني في كتابه «أخبار المدينة».
2 - أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري الخركوشي (المتوفّى سنة 406 ه)، في «شرف المصطفى».
3 - الحافظ ابن عساكر (المتوفّى سنة 571 ه).
4 - الحافظ أبو عبد اللّه ابن النجار (المتوفّى سنة 643 ه) في كتاب «الدرة الثمينة».
5 - الحافظ عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه).
6 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 29.
7 - الشيخ شعيب الحريفيش (المتوفّى سنة 801 ه)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137.
8 - السيد نور الدين السمهودي (المتوفّى سنة 911 ه) في «وفاء الوفا» ج 2 ص 401.
9 - زين الدين عبد الرءوف المناوي (المتوفّى سنة 1031 ه) في «كنوز الحقائق» ص 141.
(13)
عن بكر بن عبد اللّه مرفوعاً: «من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، و من مات في أحد الحرمين بعث آمناً».
أخرجه أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسني في كتابه «أخبار المدينة» كما في «شفاء السقام» للسبكي ص 30، و «وفاء الوفا» للسمهودي، ج 2 ص 402.
(14)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي» أخرجه:
1 - الحافظ سعيد بن منصور النسائي أبو عثمان الخراساني (المتوفّى سنة 227 ه).
2 - الحافظ أبو القاسم الطبراني (المتوفّى سنة 360 ه).
3 - الحافظ أبو أحمد ابن عدي (المتوفّى سنة 365 ه).
4 - الحافظ أبو الشيخ الأنصاري (المتوفّى سنة 369 ه).
5 - الحافظ أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه).
6 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه).
7 - القاضي عياض المالكي (المتوفّى سنة 544 ه).
8 - قاضي القضاة الخفاجي الحنفي (المتوفّى سنة 1069 ه)، في شرح الشفاء ج 3 ص 565 نقله عن البيهقي، و الدارقطني، و الطبراني، و ابن منصور.
9 - زين الدين عبد الرءوف المناوي (المتوفّى سنة 1031 ه)، في «كنوز الحقائق» ص 141 بلفظ: «من زار قبري بعد موتي».
10 - العجلوني (المتوفّى سنة 1162 ه) في «كشف الخفاء» ج 2 ص 251، نقلاً عن أبي الشيخ، و الطبراني، و ابن عدي، و البيهقي.
(15)
عن ابن عباس مرفوعاً: «من حجّ إلى مكة ثمّ قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان».
أخرجه الفردوس في مسنده كما في «وفاء الوفا» ج 2 ص 401 و «نيل الأوطار» ج 4 ص 326.
(16)
عن رجل من آل الخطاب مرفوعاً: «من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، و من مات في أحد الحرمين بعثه اللّه في الآمنين (من الآمنين)». و زاد الشحامي عقب قوله «يوم القيامة»: «و من سكن المدينة و صبر على بلائها كنت له شهيداً و شفيعاً يوم القيامة» روي بأسناده. فيه من الحفاظ:
1 - الحافظ أبو جعفر العقيلي (المتوفّى سنة 322 ه).
2 - الحافظ أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 385 ه).
3 - الحافظ أبو عبد اللّه الحاكم (المتوفّى سنة 405 ه).
4 - الحافظ أبو بكر البيهقي (المتوفّى سنة 458 ه)، في «شعب الإيمان».
5 - الحافظ ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى سنة 571 ه).
6 - الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي (المتوفّى سنة 705 ه)، و أخرجه من طريق هؤلاء الحفاظ.
7 - ولي الدين الخطيب العمري التبريزي (المتوفّى سنة 737 ه) في «مشكاة المصابيح» في باب حرم المدينة في الفصل الثالث.
8 - تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756 ه)، في «شفاء السقام» ص 24 و قال: مرسل جيد، و رواه عنه السيد نور الدين السمهودي في «وفاء الوفا» ج 2 ص 399.
(17)
عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «من زارني بالمدينة كنت له شهيداً و شفيعاً»، أخرجه الحافظ الدارقطني بأسناده في «السنن» كما في «وفاء الوفا» ج 2 ص 398.
(18)
روي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، قال: «من وجد سعة و لم يفد «يغد» إلي فقد جفاني».
ذكره ابن فرحون في مناسكه، و الغزالي في «الإحياء» ج 1 ص 246، و القسطلاني في «المواهب اللدنية»، و العجلوني في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278.
(19)
قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من زارني بعد وفاتي و سلم عليّ رددت عليه السلام عشراً، و زاره عشرة من الملائكة، كلهم يسلمون عليه، و من سلم عليّ في بيته رد اللّه تعالى علي روحي حتّى أسلم عليه».
ذكره الشيخ شعيب الحريفيش (المتوفّى سنة 801 ه) في «الروض الفائق» ج 2 ص 137.
(20)
عن أبي عبد اللّه محمد بن العلاء رحمه اللّه قال: دخلت المدينة و قد غلب علي الجوع، فزرت قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و سلمت عليه و على الشيخين رضي اللّه عنهما و قلت: يا رسول اللّه جئت و بي من الفاقة و الجوع ما لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ، و أنا ضيفك في هذه الليلة، ثمّ غلبني النوم فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المنام فأعطاني رغيفاً فأكلت نصفه ثمّ انتبهت من المنام و في يدي نصفه الآخر، فتحقق عندي قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم:
«من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي». ثمّ نوديت: يا أبا عبد اللّه: «لا يزور قبري أحد إلّا غفر له و نال شفاعتي غداً».
ذكره الشيخ شعيب الحريفيش في «الروض الفائق» ج 2 ص 138 فقال في المعنى
من زار قبر محمد *** نال الشفاعة في غد
باللّه كرر ذكره *** و حديثَهُ يا منشدي
و اجعل صلاتك دائماً *** جهراً عليه تهتدي
فهو الرسول المصطفى *** ذو الجود و الكف الندي
و هو المشفع في الورى *** من هول يوم الموعد
و الحوض مخصوص به *** في الحشر عذب المورد
صلى عليه ربنا *** ما لاح نجم الفرقد
(21)
مرفوعاً عنه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا عذر لمن كان له سعة من أُمتي و لم يزرني». رواه الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده في «مجمع الأنهر» في شرح ملتقى الأبحر ص 157، وَ عَدّهُ من أدلة الباب من دون غمز فيه.
(22)
عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: «من زار قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كان في جواره» أخرجه ابن عساكر كما في «نيل الأوطار» للشوكاني ج 4 ص 326.
و بعد هذه النصوص المتضافرة لا حاجة إلى نقل كلمات أعلام المذاهب الإسلامية حول زيارة النبي الأقدس، و هي وافرة، و قد نقلنا شطراً منها عند البحث عن شدّ الرحال إلى زيارته، فمن أراد أن يقف على تلك النصوص فليرجع إلى الأثر القيم «الغدير» للعلامة الأميني.(1)
و أخيراً نذكر كلام محمد بن عبد الوهاب، مجدد مذهب ابن تيمية في المقام قال: «تسن زيارة النبي إلّا أن لا تشد الرحال إلّا إلى زيارة المسجد و الصلاة فيه»(2).
انظر كيف يسير إثر أُستاذه في المنهج حذو النعل بالنعل.
إلى هنا اتّضح الحق بأجلى مظاهره، و بقي هنا أمر و هو دفع ما أثاره ابن تيمية من الشبهة في زيارة النبي الأكرم الّتي أشرنا إليها في صدر البحث و هي:
1 - كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة.
2 - كون الزيارة من تعظيم غير اللّه المفضي إلى الشرك.
أمّا الشبهة الأُولى: فهي باطلة من رأس، و ذلك لأنّ البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، فهل يمكن لأحد بعد هذه النصوص المتضافرة، التقوّل بأنّه لم يرد في الدين شيء حول زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يأمر بها؟ كيف و قد أمر هو بزيارة القبور؟ فهل يُتصوّر أنّه لا يعادل زيارته زيارة قبر مسلم؟ «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ» و قد أمر النبي بزيارة قبور المؤمنين.
و أمّا الشبهة الثانية: فنقول: كيف تكون زيارة النبي مفضية إلى الشرك مع أنّ زيارة قبر نبي التوحيد، استشعار لحقيقته، و تقديس لمعناه؟! فإنّ التقديس الّذي يتصل بالرسل إنّما هو من فكرتهم و هدايتهم. فالتقديس لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم تقديس للمعاني الّتي دعا إليها وَ حَثَّ عليها، فكيف يتصوّر من مؤمن عرف حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مضمراً لأي معنى من معاني الوثنية، و هو يستعبر و يستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة و الروضة المنيفة؟
فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار و الدهور فإنه خوف من غير جهة، لأنّ الناس كانوا يزورون قبر الرسول إلى أوّل القرن الثامن، ثمّ باتوا إلى العصور من بعده إلى يومنا هذا، و مع ذلك لم ينظر أحد إليه نظر عبادة أو وثنية، و لو أفرط بعض العوام فذلك لا يمنع تلك الذكريات العطرة، بل يجب إرشادهم و تفهيمهم لا منعهم من الزيارة و لا تكفيرهم.
قال الشيخ محمد زاهد الكوثري:
«إنّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارته يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و كيف يتصوّر الإشراك بسبب الزيارة، و التوسّل في المسلمين الذين يعتقدون في حقّه أنّه عبده و رسوله، و ينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرة في كلّ يوم على أقل تقدير، إدامة لذكرى ذلك، و لم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شئونهم، و يرشدونهم إلى السنّة في الزيارة و غيرها إذا صدرت منهم بدعة في شيء، و لم يعدّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسّل، و أوّل من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية، و جرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين و دماءهم لحاجة في النفس».(1)
ثمّ إنّ آخر ما في كنانة ابن تيمية و أتباعه في عدّ الزيارة بدعة و تقسيمها إلى قسمين، ما رواه أحمد في مسنده، و هو أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال:
اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد.(2)
و سيوافيك الكلام في معنى الحديث عند البحث عن الاحتفال بميلاد النبي، و لا صلة لهذا الحديث بالزيارة، و الزائر المسلم لا يعبد النبي و لا يعبد قبره، كما هو واضح، بل يعبد اللّه سبحانه، و إنّما يزور قبر نبيه كما يزور قبور آبائه و أجداده من غير فرق، غير أنّه يترتب على زيارة قبر نبي التوحيد ما لا يترتب على غيره.
«أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اِقْتَدِهْ»(3).
إنّ ابن تيمية هو أوّل من أفتى بحرمة البناء على القبور، سواء أ كان صاحب القبر صالحاً أم طالحاً، و إليك نصه:
قال: و قد اتّفق أئمة الإسلام على:
1 - أنّه لا يشرع بناء هذه المشاهد الّتي على القبور.
2 - و لا يشرع اتّخاذها مساجد.
3 - و لا تشرع الصلاة عندها.
4 - و لا يشرع قصدها لأجل التعبّد عندها بصلاة و اعتكاف، أو استغاثة و ابتهال، و نحو ذلك، و كرهوا الصلاة عندها، ثمّ كثير منهم قال:
الصلاة باطلة لأجل النهي عنها... إلى أن قال: و إنما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحده، و هي المساجد التي تشرع فيها الصلاة جماعة و غير جماعة، و الاعتكاف و سائر العبادات البدنية و القلبية من القراءة و الذكر و الدعاء له.. و ذكر بعض الآيات الواردة في تعظيم المساجد، و عدّ منها قوله تعالى:
«فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ إِقٰامِ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءِ اَلزَّكٰاةِ يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَ اَلْأَبْصٰارُ»(1).
و أمّا اتّخاذ القبور أوثاناً فهو من دين المشركين(2).
يقول تلميذه ابن القيم: يجب هدم المساجد الّتي بنيت على القبور، و لا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها و إبطالها يوماً واحداً.(3)
و على هذا الأصل لمّا استولى السعوديون على الحرمين الشريفين هدموا المراقد المقدسة في البقيع، و بيوت أهل البيت، بعد ما رفعوا سؤالاً إلى علماء المدينة المنورة، و إليك السؤال و الجواب:
السؤال: ما قول علماء المدينة المنورة - زادهم اللّه فهماً و علماً - في البناء على القبور، و اتخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟ و إذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها، و منع الصلاة عندها أم لا؟
و إذا كان البناء في مسبلة كالبقيع، و هو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين و منعهم استحقاقهم أم لا؟
1) . النور: 36-37. و قد أفتى في كلامه هذا بحرمة أُمور اربعة، سنبحث عنها واحداً بعد واحد إلّا مسألة قصد المشاهد، لما استوفينا الكلام فيه عند البحث عن قصد السفر إلى زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
2) . مجموعة الرسائل و المسائل: 59/1-60 طبع مصر، تحت إشراف السيد محمد رشيد رضا.
3) . زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم: 661.
الجواب: أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، و لذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث عليّ (رضي اللّه عنه) أنّه قال لأبي الهياج:
«أ لا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالاً إلّا طمسته، و لا قبراً مشرفاً إلّا سويته»(1).
و الإمعان في الاستفتاء يعرب عن أنّه لم تكن الغاية منه الوقوف على حكم اللّه، سواء أ كان جائزاً أم حراماً، و إنما كانت الغاية هي أخذ الاعتراف منهم على الحظر، و لأجل ذلك أدرج المستفتي الجواب في السؤال و قال: «بل هو ممنوع منهي عنه نهياً شديداً» و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المستفتي قام على رأس المفتين فأخذ منهم الجواب بالتخويف و التهديد.
ثمّ إنّ المستفتي أي الشيخ النجدي المعروف بسليمان بن بليهد، يقول في مقال نشرته جريدة «أُم القرى» في عددها الصادر في شهر جمادى الآخرة من شهور سنة 1245 هجرية:
«إنّ بناء القباب على مراقد العلماء صار متداولاً منذ القرن الخامس الهجري».
و هذا ما يكرره علماء الوهابية في دعاياتهم، و يضيفون إلى حديث
1) . جريدة أُم القرى، و قد نشرت نص الاستفتاء و جوابه في العدد الصادر بتاريخ 17 شوال سنة 1344 ه.
«أبي الهياج» حديث «جابر» عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم الّذي سيوافيك بيانه و نقده سنداً و متناً.
و لأجل إيضاح الحال، نحلل ما جاء في الجواب، من الاستدلال بالإجماع تارة، و الحديث ثانياً، فنقول:
إنّ للإجماع الوارد في كلامه احتمالات:
1 - الإجماع التقديري، بحجة وجود الحديث الصحيح في الصحاح، بمعنى أنّه لو وقف العلماء عليه لأفتوا بمضمونه كما أفتى به المجيب، و لا يخفى أنه غير مفيد، إذ هو فرع كون الحديث صحيحاً سنداً و كاملاً من حيث الدلالة على مقصوده عند غيرهم، و كلا الأمرين غير ثابت، بل ثبت خلافهما كما سيوافيك بيانه.
2 - الإجماع المحقّق، و أنّ العلماء أفتوا في كتبهم بالتحريم حدوثاً و بقاءً، و هذا خلاف نصوصهم؛ و نكتفي بالنص الوارد في الفقه على المذاهب الأربعة الّذي اتفق عليه علماء أهل السنّة في العصر الحاضر، حيث قالوا بكلمة واحدة:
«يكره أن يبنى القبر ببيتٍ أو قبةٍ أو مدرسة أو مسجد»(1):
و هذا شارح صحيح مسلم يقول في شرح حديث أبي الهياج: أمّا البناء
1) . الفقه على المذاهب الأربعة: 421/1.
فإن كان في ملك الباني فمكروه، و إن كان في مقبرة مسبلة فحرام، نص عليه الشافعي و الأصحاب(1).
و تحريم البناء - عندئذٍ - لأجل عنوان عرضي لا ذاتي، و هو المزاحمة لأهداف الواقف و أغراضه.
3 - سيرة المسلمين و عملهم منذ أن ارتحل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم إلى يومنا هذا، سوى الوهابيين.
أمّا سيرة المسلمين فحدّث عنها و لا حرج، فقد دفن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في بيته الرفيع، و لم يخطر ببال أحد من الصحابة الحضور أنّ البناء على القبر حرام، و أنّه صلى الله عليه و آله و سلم نهى عنه نهياً شديداً، و لمّا كان البيت متعلّقاً بزوجته (عائشة) جعلوا في وسطه ساتراً، و لما توفّي الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم تبرّكاً بذاته و مكانه، و لم تسمع من أيّ ابن أُنثى نعيرة أنّه حرام و لا مكروه، و على ذلك استمرت سيرة المسلمين في حق الصلحاء و الأولياء و العلماء، يدفنونهم في البيوت المعدة لذلك، أو يرفعون لمراقدهم قواعد و سقفاً بعد الدفن تكريماً لهم و تقديراً لتضحياتهم، و لم يخطر ببال أحد أنّه على خلاف الدين و الشرع.
و هذا عمل المسلمين و سيرتهم القطعية في جميع الأقطار و الأمصار، ملء المسامع و الأبصار على اختلاف نزعاتهم، من بدء الإسلام إلى هذا العصر من الشيعة و السنّة، و أيّ بلاد من بلاد الإسلام من مصر أو العراق أو
1) . صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 كتاب الجنائز طبع مصر.
الحجاز أو سوريا، و تونس و مراكش و إيران، و هلم جرّاً ليس فيها قبور مشيدة، و ضرائح منجدة و هؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، و أبو حنيفة في بغداد، و مالك بالمدينة، و تلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم شاهقة القباب، شامخة المباني غير أنّ الوهابيين لما استولوا على المدينة هدموا قبر مالك. و هذه القبور قد شيّدت و بنيت في الأزمنة الّتي كانت حافلة بالعلماء و أرباب الفتاوى، و زعماء المذهب، فما أنكر منهم ناكر، و ليس هذا رائجاً بين المسلمين فقط، بل جرى على هذا جميع عقلاء العالم، بل يعد تعمير قبور الشخصيات من غرائز البشر و مقتضيات الحضارة و شارة الرقي، فكلّ هذا دليل على الجواز لو لم نقل يفوق ذلك، و لو لم تكن تلك السيرة المسلّمة بين المسلمين و العقلاء عامة غير مفيدة في المقام، فلا يصحّ الاستناد إلى أية سيرة قاطعة بين المسلمين أو الناس.
و ليس يصحّ في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل
إنّ المحافظة على آثار الأنبياء و خاصة آثار النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم من قبره و قبور زوجاته و أولاده و أصحابه و الشهداء الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل دينه، نتائج محمودة لا تستغني عنها الأُمة الإسلامية في وقت من الزمن، فإنّ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، و كتابه خاتم الكتب، و نبيه خاتم الأنبياء، فهي حجّة على الناس إلى قيام الساعة الّتي لا يحيط بوقتها إلّا اللّه تعالى، قال سبحانه:
«قُلْ إِنَّمٰا عِلْمُهٰا عِنْدَ رَبِّي لاٰ يُجَلِّيهٰا لِوَقْتِهٰا إِلاّٰ هُوَ»(1).
فمن الممكن أن تمر على عمر الدنيا، و بالتالي على عمر الشريعة الإسلامية آلاف السنين، فالقضاء على آثار الشريعة و معالم وجود نبيها يجعلها في معرض التشكيك و التردّد، و أنّه هل لما يدّعيه المسلمون من الرجة الكبرى ببعث النبي صلى الله عليه و آله و سلم و مواقفه و قضاياه و تشريعاته مسحة حق؟ بل ربّما تحولها بعد مدة إلى أُسطورة تاريخية، حيث لا يجد الناس بعد حقب من الدهر آثاراً ملموسة من صاحب الشريعة، و ليس هذا شيئاً غريباً، و هذه هي المسيحية قد مضى من عمرها عشرون قرناً، و قد تحول المسيح و أُمّه العذراء و كتابه الإنجيل و تلاميذه إلى أساطير تاريخية، و صار بعض المستشرقين يشككون مبدئياً في وجود رجل اسمه المسيح و اسم أُمّه مريم و كتابه الإنجيل، و كادوا يعتبرونه أُسطورة خيالية تشبه أُسطورة (المجنون العامري و ليلاه) و ما هذا إلّا لعدم وجود أثر ملموس منه، و لا من كتابه الواقعي و أصحابه و حوارييه.
و أمّا المسلمون فهم يواجهون العالم مرفوعي الرءوس، و يقولون: يا أهل العالم قد بعث نبي في أرض الحجاز قبل ألف و أربعمائة سنة، و قد حقّق نجاحاً في مهمته، و هذه آثار وجوده و حياته، فهذه هي الدار الّتي ولد فيها، و هذا هو غار حراء، مهبط وحيه في بدء الأمر، و هذا هو البيت الّذي دفن فيه، و هذه مدارس أولاده و...
فالإبقاء على الآثار الإسلامية و صيانتها من الزوال، صغيرة أو كبيرة،
1) . الأعراف: 187.
دعم لاستمرار رسالة هذا الدين و بقائه على مدى العصور و الأزمان، و تدميرها سبب رئيس لتعريضها للشك و الإنكار، و إعانة على أهداف المخالفين.
و قد اهتمّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبي و سيرته و سلوكه، حتّى أنّهم سجلوا دقائق أُموره و خصائص حياته و مميزات شخصيته إلى درجة أنّهم سجلوا حتّى ما يرتبط بخاتمه و حذائه، و سواكه و سيفه، و درعه، و رمحه، و جواده و إبله و غلامه، و الآبار الّتي شرب منها الماء، و الأراضي التى وقفها لوجه اللّه سبحانه، و مشيته، و أكله، و شربه، و ما يرتبط بلحيته المقدّسة و خضابه لها و غير ذلك، و لا زالت آثار البعض باقية إلى يومنا هذا.
و لو كان ابن تيمية موجوداً في تلك الأعصار، و كان ينظر إلى الموضوع بالفكرة التي نشأ عليها، لرمى الصحابة الأجلاء و السلف الصالح بالشرك و الوثنية، و زعم أنّهم اتّخذوا نبيهم وثناً يعبد، و لكن من حسن الحظ أنّه لم يكن موجوداً فيها، و لكن كتب السير حافلة بذكرها فليقض عليهم بالحق.
و ما أشبه عمل من يدمر الآثار النبوية تحت واجهة قلع الشرك بعمل الصبيان النوكى الذين يتلاعبون بميراث آبائهم بالتمزيق و التدمير، أو البيع بثمن بخس.
و لأجل أن تعرف مدى شيوع هذه السيرة فارجع إلى ما يكتبه أحد الكتاب الوهابيين و يقول:
«و هذا أمر عمّ البلاد، و طبق الأرض شرقاً و غرباً، بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلّا فيها قبور و مشاهد، بل مساجد المسلمين غالباً لا تخلو من قبر و مشهد، و لا يسع عقل عاقل أنّ هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة و يسكت علماء الإسلام»(1).
فلو كانت هذه سيرة المسلمين، فما معنى ادّعاء الإجماع على حرمة البناء و وجوب هدمه؟!
فلو كان الهدم واجباً فلما ذا لم يأمر الخليفة عمر بهدم قبور الأنبياء عند ما فتح المسلمون بيت المقدس؟.
فهل الخليفة تسامح في هذا الأمر الخطير، أم أنّه و سائر الصحابة الحضور في الواقعة، وجدوه أمراً مطابقاً للفطرة و الشريعة الإسلامية، فلأجل ذلك أبقوها على حالها، و قام المسلمون بصيانتها و حفظها طوال القرون؟
إلى هنا تبيّن أنه لا إجماع في المسألة، بل لم تكن المسألة خلافية إلى عصر ابن تيمية، و قد خالف هو وحده و تبعه تلميذه ابن القيم، و كانت الفتوى مدفونة في الكتب إلى أن أحياها تلميذه في المنهج محمد بن عبد الوهاب، فنبش تلك الدفائن و استخرج هاتيك الكوامن و البذور المهلكة، فأثمرت قتل النفوس، و قطع الرءوس كما سيوافيك تفصيل هذه الكوارث.
1) . تطهير الاعتقاد: 17 طبع مصر. ثمّ إنّه حاول أن يجيب عن هذا الأمر بما الإعراض عن ذكره أحسن.
و قد استند ابن تيمية و أتباعه في ادّعاء الحرمة لحديث أبي الهياج، و نحن نذكر متن الحديث بالسند الّذي رواه مسلم في صحيحه.
«حدّثنا يحيى بن يحيى، و أبو بكر بن أبي شيبة، و زهير بن حرب، قال يحيى: أخبرنا و قال الآخران: حدثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: أ لا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالاً إلّا طمسته، و لا قبراً مشرفاً إلّا سوّيته.(1)
زعم المستدلّ أنّ معناه: و لا قبراً عالياً إلّا سوّيته بالأرض.
و الاستدلال به باطل، لأنّه ضعيف السند، قاصر الدلالة.
و أمّا السند فيكفي أنّ علماء الرجال ضعفوا هؤلاء الأربعة الواقعين في السند:
1 - وكيع.
2 - سفيان الثوري.
1) . صحيح مسلم: 61/3، كتاب الجنائز؛ السنن للترمذي: 256/2، باب ما جاء في تسوية القبور؛ السنن للنسائي: 88/4، باب تسوية القبر.
3 - حبيب بن أبي ثابت.
4 - أبو وائل الأسدي.
و يكفي في ضعف الحديث أنّه رواه أبو الهياج و ليس له في الصحاح و المسانيد حديث غير هذا، فكيف يستدل بسند يشتمل على المدلّسين و المضعّفين و الذين لا يحتج بحديثهم، كما ذكره ابن حجر في ترجمة هؤلاء الأربعة؟!
و إليك نقل أقوال العلماء في حقّهم:
1 - وكيع: هو وكيع بن الجراح بن مليح، الرواسي، الكوفي، روى عن عدة منهم سفيان الثوري، و روى عنه جماعة منهم يحيى بن يحيى، و هو مع ما مدحوه نقلوا فيه أيضاً قدحاً كثيراً، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:
قال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه (أحمد بن حنبل) قال: سمعت أبي يقول: كان وكيع أحفظ من عبد الرَّحمن بن مهدي كثيراً كثيراً، و قال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع: و وكيع أكثر خطأ منه.
و قال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث.
و قال ابن عماد: قلت لوكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها، فقال: حدثتهم بعبادان بنحو من ألف و خمسمائة، و أربعة ليس بكثير في ألف و خمسمائة.
و قال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، و لو حدث بألفاظه لكان عجباً.
و قال محمد بن نصر المروزي: كان يحدث بآخره من حفظه، فيغيّر
ألفاظ الحديث كأنّه كان يحدث بالمعنى، و لم يكن من أهل اللسان.(1)
و قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» بعد ما مدحه:
قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، و لو حدث بألفاظه كان عجباً.(2)
2 - سفيان الثوري: و هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أكثروا المدح في حقّه، و قال الذهبي: مع أنه كان يدلّس عن الضعفاء، و لكن كان له نقد و ذوق، و لا عبرة بقول من قال: يدلّس و يكتب عن الكذابين.(3)
و قال ابن حجر: قال ابن المبارك: حدث سفيان بحديث فجئته و هو يدلّس، فلمّا رآني استحيا، و قال: نرويه عنك؟(4).
و قال في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ قال: أبو بكر، و سمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلّس علي رجلاً ضعيفاً فما أمكنه.(5)
و التدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه، و بينه و بينه واسطة فلا يذكر الواسطة.
و قال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص، و لا حيان بن أياس، و لم يسمع من سعيد
بن أبي بردة، و قال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي. و قال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث المسائية، يضع ماله حيث يشاء و لم يسمع من خالد بن سلمة بتاتاً، و لا من ابن عون إلّا حديثاً واحداً.(1)
و هذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلّساً، و عندئذٍ يكون فاقداً لملكة العدالة، لأنّه كان يصور غير الواقع واقعاً.
و قال الإمام الذهبي: قال صاحب الحلية: أخبرنا أبو أحمد الغطريفي، أخبرنا محمد بن أحمد بن مكرم، أخبرنا علي بن عبد الحميد، أخبرنا موسى بن مسعود، أخبرنا سفيان، دخلت على جعفر بن محمد و عليه جبة خزّ و كساء خزّ دخاني، فقلت: يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ليس هذا من لباس آبائك قال: كانوا على قدر اقتار الزمان، و هذا زمان قد اسبل عزاليه ثمّ حسر عن جبّة صوف تحته، و قال: لبسنا يا ثوري هذا للّه و هذا لكم، فما كان للّه أخفيناه و ما كان لكم أبديناه.(2)
إنّ هذا الإعراض يدل على عدم فهمه للأُمور، و عدم معرفته بها.
3 - حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار: تابعي، وثّقه بعض، و لكن قال ابن حبان في «الثقات»: كان مدلساً، و قال العقيلي: غمزه ابن عون، و قال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، و ليست محفوظة.
و قال ابن خزيمة في صحيحة: كان مدلّساً.
و قال العقيلي: و له عن عطاء أحاديث لا يتابع.(1)
و قال ابن حجر أيضاً في «تقريب التهذيب»:
حبيب بن أبي ثابت: قيس، و يقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، و كان كثير الإرسال و التدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة و مائة.(2)
و نقل ابن حجر عن كتاب «الموضوعات» لابن الجوزي من نسخة بخط المنذري أنه نقل فيه حديثاً عن أبي كعب في قول جبرئيل: لو جلست معك مثل ما جلس نوح في قومه ما بلغت فضائل عمر، و قال، و لم يعله ابن الجوزي إلّا بعبد اللّه بن عامر الأسلمي شيخ حبيب بن أبي ثابت.(3)
4 - أبو وائل الأسدي: و هو شقيق بن سلمة الكوفي، كان منحرفاً عن عليّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك: عليّ أم عثمان؟ قال: كان عليّ أحبّ إليّ ثمّ صار عثمان.(4)
و لفظة «أحب» هناك ليست صيغة التفضيل، بل المراد أنّه كنت علوياً ثمّ صرت عثمانياً، و كان الحزبان يومذاك يبغض أحدهما الآخر.
و يشهد لذلك ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال: و منهم أبو وائل
شقيق بن سلمة، كان عثمانياً يقع في عليّ صلى الله عليه و آله و سلم و يقال إنّه كان يرى رأي الخوارج، و لم يختلف في أنّه خرج معهم، و أنّه عاد إلى علي عليه السلام منيباً مقلعاً. روى خلف بن خليفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربَعة آلاف فخرج إلينا عليّ فما زال يكلّمنا حتّى رجع منّا ألفان.
و روى صاحب كتاب «الغارات» عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدت صفين و بئس الصفوف كانت!.
قال و قد روى أبو بكر بن عاصم بن أبي النجود قال: كان أبو وائل عثمانياً.(1)
و يكفي أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه.
قال ابن أبي الحديد: و قال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة.(2)
هذا كلّه حول سند الرواية، و قد عرفت أنّ سندها يشتمل على ضعاف، و على فرض ورود المدح في حقهم فهو معارض بما عرفت من الجرح، و عند التعارض يقدّم الجارح على المادح فيسقط الحديث عن الاعتبار، و يرجع إلى أدلة أُخرى، و سيوافيك أنّ الأصل في المقام الجواز، كما سيأتي ذلك في آخر البحث.
و أمّا ضعفه دلالةً فإليك البيان.
إنّ تبيين ضعف دلالة الحديث يتوقّف على توضيح معنى اللفظين الواردين في الحديث المذكور:
1 - «قبراً مشرفاً».
2 - «إلّا سوّيته».
أمّا الأول فقد قال صاحب القاموس: و الشرف محركة: العلو. و من البعير سنامه، و على ذلك فيحتمل أن يراد منه مطلق العلو، أو العلو الخاص كسنام البعير، و لا يتعيّن ذلك إلّا بالقرينة.
أمّا الثاني، أعني قوله: «سوّيته» فهو يستعمل على وجهين:
أ - يطلق و يراد منه مساواة شيء بشيء، فيتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه «إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(1).
أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع رب العالمين، فنضيف إليكم ما نضيف إلى رب العالمين.
و قال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة «يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا اَلرَّسُولَ لَوْ تُسَوّٰى بِهِمُ اَلْأَرْضُ وَ لاٰ يَكْتُمُونَ اَللّٰهَ حَدِيثاً»(2).
أي يودّون أن يكونوا تراباً أو ميتاً مدفوناً تحت الأرض.
ب - يطلق و يراد منه ما هو وصف لنفس الشيء، لا بملاحظة شيء آخر، فيكتفي بمفعول واحد، قال سبحانه: «اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى»(1)، و قال سبحانه: «بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ»(2)، و قال سبحانه: «فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ»(3). في هذه الموارد وقعت التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره. و يراد منه حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة و استقامتها في مقابل نقصها و اعوجاجها، و هذا هو المقصود في الآيات الكريمة، و أُخرى تسطيحه مقابل اعوجاجه، و بسطه مقابل كونه كالسنام.
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى الحديث و لنطبق الضابطة عليه، فبما أنّه استعمل مع مفعول واحد فلا يراد منه المعنى الأول، أي مساواته بالأرض، و إلّا كان عليه أن يقول «سويته بالأرض» بل يراد منه ما هو وصف لنفس القبر و المعنى المناسب هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، و بسطه في مقابل اعوجاجه، و هذا هو الّذي فهمه شراح الحديث، و بما أنّ السنّة هي التسطيح، و التسنيم بدعة، أمر عليّ عليه السلام بأن تكافح هذه البدعة، و يسطّح كل قبر مسنم.
و يؤيد ما ذكرناه أنّ المحقّقين من أهل السنّة لم يفهموا من الحديث إلّا ما ذكرنا، و إليك نقل كلماتهم:
1 - قال القرطبي في تفسير الحديث: «قال علماؤنا: ظاهر حديث أبي
الهياج منع تسنيم القبور و رفعها و أن تكون واطئة».(1)
إنّ دلالة الحديث على منع تسنيم القبور ظاهرة، و أمّا دلالتها على عدم ارتفاعها فغير ظاهر، بل مردود باتفاق أئمة الفقه على استحباب رفعها قدر شبر.(2)
2 - قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ما هذا نصه:
مسنَّماً بضم الميم و تشديد النون المفتوحة أي: مرتفعاً. زاد أبو نعيم في مستخرجه: و قبر أبو بكر و عمر كذلك، و استدلّ به على أنّ المستحب تسنيم القبور، و هو قول أبي حنيفة و مالك و أحمد و المزني و كثير من الشافعية.
و قال أكثر الشافعية و نص عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم، لأنّه صلى الله عليه و آله و سلم سطح قبر إبراهيم، و فعله حجّة لا فعل غيره، و قول السفيان التمار «رأى قبر النبي مسنّماً في زمان معاوية» لا حجّة فيه، كما قال البيهقي، لاحتمال أنّ قبره صلى الله عليه و آله و سلم و قبري صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة - إلى أن قال -: و لا يخالف ذلك قول عليّ عليه السلام: أمرني رسول اللّه أن لا أدع قبراً مشرفاً إلّا سوّيته، لأنّه لم يرد تسويته بالأرض، و إنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار، و نقله في المجموع عن الأصحاب.(3)
3 - و قال النووي في شرح صحيح مسلم: إنّ السنة أنّ القبر لا يرفع
عن الأرض رفعاً كثيراً، و لا يسنّم بل يرفع نحو شبر، و هذا مذهب الشافعي و من وافقه، و نقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها، و هو مذهب مالك.(1)
و يؤيد ذلك أنّ صاحب الصحيح (مسلماً) عنون الباب ب (باب تسوية القبور) ثمّ روى بسنده إلى تمامه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضال بن عبيد بقبره فسوي، قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يأمر بتسويتها، ثمّ أورد بعده في نفس الباب حديث أبي الهياج المتقدم.(2)
و في الختام نذكر أُموراً:
1 - القول بوجوب مساواة القبر بالأرض مخالف لما اتّفقت عليه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة، و كلّهم متّفقون على أنّه يندب ارتفاع التراب فوق الأرض بقدر شبر.(3)و لو أخذنا بالتفسير الّذي يرومه الوهابي من حديث أبي الهياج من مساواة القبر بالأرض يجب أن يكون القبر لاطئاً مساوياً معه.
2 - لمّا عجز الوهابيون في مقابل سيرة المسلمين، حيث دفنوا النبي في بيته فصار القبر عليه بناء، عمد بعضهم إلى التفريق بين الأمرين فقال: الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، و قد دفنوا النبي تحت البناء
و لم يبنوا على قبره شيئاً.(1)و لكنّه تفريق بلا وجه، لأنّ حديث أبي الهياج مطلق يعم الصورتين.
3 - حديث أبي الهياج - على فرض صحة سنده و دلالته - يهدف إلى تخريب القبر و مساواته بالأرض، لا هدم البناء الواقع عليه، فالاستدلال به على الثاني استدلال عجيب.
إنّ الوهابيين يستدلّون بحديث جابر على حرمة البناء على القبور، و قد ورد بنصوص مختلفة، و نحن نذكر نصاً واحداً منها:
روى مسلم في صحيحه: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص ابن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أن يجصّص القبر، و أن يقعد عليه، و أن يبنىٰ عليه.(2)
و الاستدلال بحديث جابر غير صحيح سنداً و متناً.
أمّا الأوّل فلأنّ جميع أسانيده مشتملة على رجلين هما في غاية الضعف:
1) . رياض الجنة، بقلم مقبل بن الهادي طبع الكويت.
2) . لاحظ للوقوف على متون الحديث المختلفة و أسانيده: صحيح مسلم: 62/3، كتاب الجنائز؛ و السنن للترمذي: 208/2، طبع المكتبة السلفية، و صحيح ابن ماجة: 473/1، كتاب الجنائز؛ و صحيح النسائي: 87/4-88؛ و سنن أبي داود: 216/3، باب البناء على القبر؛ و مسند أحمد: 295/3 و 332 و رواه أيضاً مرسلاً عن جابر ص 399.
1 - ابن جريج: و هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
2 - أبو الزبير. و هو محمد بن مسلم الأسدي.
أمّا الأوّل: فإليك كلمات أئمة الرجال في حقّه:
سئل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج قال: فقال: ضعيف، فقيل له إنّه يقول: أخبرني قال: لا شيء.. كلّه ضعيف.
و قال أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج: قال فلان و قال فلان جاء بمناكير.
و قال مالك بن أنس: كان ابن جريج حاطب ليل.
و قال الدارقطني: يجنب تدليس ابن جريج فإنّه قبيح التدليس، لا يدلّس إلّا في ما سمعه من مجروح.
و قال ابن حبان: كان ابن جريج يدلّس في الحديث.(1)
و أمّا الثاني: فإليك أقوال علماء الرجال فيه:
فعن إمام الحنابلة عن أيوب إنّه كان يعتبر أبا الزبير ضعيف الرواية.
و عن شعبة: لم يكن في الدنيا أحبّ إليّ من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردّ عليه، فافترى عليه فقلت: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنّه أغضبني!! قلت: و من يغضبك تفتري عليه؟! لا رويت عنك شيئاً.
1) . تهذيب التهذيب: 2/6-4 و ص 5-6 طبع دار المعارف العثمانية. و لاحظ ما ذكرناه في الجزء الأول ص 96.
و عن ورقاء قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يزن و يسترجع في الميزان.
و قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير، فقال: يكتب و لا يحتج به. قال: و سألت أبا زرعة عن أبي الزبير فقال: يروي عنه الناس قلت:
يحتج بحديثه؟ قال: إنّما يحتج بحديث الثقات.(1)
باللّه عليك أ يصحّ الاستدلال بهذا الحديث؟ أ فهل يصحّ هدم آثار النبوة و الرسالة و الصحابة بهذه الرواية؟.
على أنّ بعض الأسانيد مشتمل على عبد الرحمن بن أسود المتّهم بالكذب و الوضع.
هذا كلّه ما يتعلّق بالسند، و أمّا المتن ففيه ملاحظتان:
الأُولى: إنّ الحديث روي بِصوَرٍ سبع، مع أنّ النبي نطق بصورة واحدة، و لو رجعت إلى متونه المبعثرة في المصادر الّتي أوعزنا إليها ترى فيها الاضطراب العجيب، و إليك صورها:
1 - نهى رسول اللّه عن تجصيص القبر و الاعتماد عليه.
2 - نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن الكتابة على القبر.
3 - نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن تجصيص القبر، و الكتابة و البناء عليه، و المشي عليه.
4 - نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن الجلوس على القبر، و تجصيصه، و البناء و الكتابة عليه.
1) . تهذيب التهذيب: 442/9 طبع حيدرآباد - دكن عام 1326، و لاحظ: الطبقات الكبرى: 481/5.
5 - نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن الجلوس على القبر، و تجصيصه و البناء عليه.
6 - نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عن الجلوس على القبر و تجصيصه و البناء عليه، و الزيارة عليه، و الكتابة عليه.(1)
مضافاً إلى اختلافات أُخرى في أداء مقصود واحد، فيعبّر عنه تارة بالاعتماد، و أُخرى بالوطء، و ثالثة بالقعود.
و من المعلوم إِنَّ الاعتماد غير الوطء، و هما غير القعود، فمع هذا الاضطراب و الاختلاف في المضمون لا يمكن لأي فقيه أن يعتمد عليه؟!.
الثانية: إنّ الحديث على فرض صحّته لا يثبت سوى ورود النهي من النبي و لكن النهي منه تحريمي و منه تنزيهي، و بعبارة أُخرى: نهي تحريم، و نهي كراهة، و قد استعمل النهي في كلمات الرسول في القسم الثاني كثيراً و لأجل ذلك حمله الفقهاء على الكراهة، فترى الترمذي يذكر هذا الحديث في صحيحه تحت عنوان كراهية تجصيص القبور، و السندي شارح صحيح ابن ماجة ينقل عن الحاكم النيسابوري أنّه لم يعمل بهذا النهي (بالمضمون التحريمي) أحد من المسلمين، بدليل أنّ سيرة المسلمين قائمة على الكتابة على القبور.
و أمّا الكراهة فربما تكون مرتفعة بالنسبة إلى المصالح العظيمة
1) . لاحظ في الوقوف على المتون المختلفة للحديث مضافاً إلى المصادر الّتي أوعزنا إليها، كتابنا (الوهابية في الميزان): 59-67.
المترتبة عليه، كما إذا صار البناء على القبر سبباً لحفظ الآثار الإسلامية، و إظهار المودة لصاحب القبر الّذي فرض اللّه مودته على الناس(1)، أو يكون لاستظلال الزائر و تمكّنه من تلاوة القرآن و إهداء ثوابه إلى صاحب القبر، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يتمكّن الإنسان منها تحت الظل لا تحت الشمس و لا في برد الليل، فالنهي التنزيهي أشبه بالمقتضيات الّتي ترتفع بأقوى منها.
فقد ورد في ذلك المجال أحاديث أُخر نذكرها بسندها و متنها:
روى ابن ماجة في صحيحه ما يلي:
1 - حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن عبد اللّه الرقاشي، حدّثنا وهب، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي سعيد أنّ النبي نهى أن يبنى على القبر.(2)
و يذكر ابن حنبل حديثاً آخر بسندين هما:
2 - حدّثنا حسن، حدّثنا بريد بن أبي حبيب، عن ناعم مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أن يبنى على القبر أو يجصّص.
3 - علي بن إسحاق، حدثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدثني بريد بن أبي
حبيب، عن ناعم مولى أُم سلمة: أنّ النبي نهى أن يجصّص قبر أو يبنى عليه أو يجلس.(1)
فسند الحديث الأوّل يشتمل على (وهب) و هو مردّد بين سبعة عشر رجلاً، و فيهم الوضّاعون و الكذّابون.(2)
و الحديث الثاني و الثالث لا يحتجّ بهما لاشتمال سندهما على (عبد اللّه بن لهيعة) الّذي يقول فيه ابن معين:
ضعيف لا يحتج به، و نقل الحميدي عن يحيى بن سعيد أنّه كان لا يراه شيئاً.(3)
هذه حال الأحاديث الّتي صارت ذريعة بيد الوهابيين لتدمير الآثار الإسلامية منذ أن استولوا على الحرمين الشريفين، حيث لا تمر سنة إلّا و يدمّر أثر من الآثار الإسلامية بحجّة توسيع الحرم الشريف، حتّى المكتبات و بيوتات بني هاشم و مدارسهم، و بيت مضيف النبي أبي أيوب الأنصاري، و في الوقت نفسه يعكفون على حفظ آثار اليهود في خيبر و غيرهم باسم الحفاظ على الآثار التاريخية.
ثمّ إنّ القاضي ابن بليهد قد أعوزته الحجّة فتمسّك بكون البقيع مسبلة موقوفة، و أنّ البناء على القبور مانع عن الانتفاع بأرضها. سبحان اللّه ما أتقنه من برهان؟ من أين علم أنّ البقيع كانت أرضاً حية وقفها صاحبها على دفن الأموات؟
و من أراد أن يقف على حال البقيع، و أنّه لم يكن فيها يوم أُعِدَّت للتدفين أي أثر من الحياة، فليرجع إلى كتاب (وفاء الوفا).
ذكر البخاري في صحيحه في باب كراهة اتّخاذ المساجد على القبور الخبر التالي:
لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبّة على قبره سنة، ثمّ رفعت، فسمعوا صائحاً يقول:
ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.(1)
إنّ هذا الخبر لو صحّ فهو على نقيض المطلوب أدلّ، فهو يدلّ على جواز نصب المظلّة على القبر، و لو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن، لأنّه كان بمرأى و مسمع من التابعين و فقهاء المدينة، و لعلّها نصبت تلك القبة لأجل تلاوة القرآن في جوار زوجها و إهداء ثوابها إلى روحه.
و أمّا قول الصائح فهو قول غير صالح، كما أنّ الجواب أيضاً مثله، لأنّه بصدد الشماتة على امرأة افتقدت زوجها و هي مستحقة للتعزية و التسلية لا الشماتة، لأنّها ليست من أخلاق المسلمين، و لم تكن المرأة تأمل عودة
1) . صحيح البخاري: 111/2، كتاب الجنائز؛ السنن للنسائي: 171/2، كتاب الجنائز.
زوجها إلى الحياة حتّى يقال إنّها يئست، بل كان نصبها للمظلة للغايات الدينية و الأخلاقية.
ترى هؤلاء الأغبياء يدمّرون آثار الرسالة و هم يتمسّكون في ذلك بركام من الأوهام، و يسخرون من الذين أظهروا حباً لأهل بيت رسول اللّه الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و فرض مودّتهم و ولاءهم و قال: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(1).
إلى هنا تبيّن أنّه ليس للقوم دليل، بل و لا شبهه على حرمة البناء على القبور، و أنّهم لم يدرسوا صحاحهم و مسانيدهم حسبما درس السلف الصالح. و الآن هلمّ معي أتلو عليك أدلّة القائلين بالجواز، سواء أ كان صاحب القبر رجلاً عادياً أم كان عظيماً من عظماء الدين، و إليك بيانها:
إذا وقفت على ضعف ما استدلّ به القوم على تحريم البناء على القبور، و سقوطه عن الاعتبار، فيجب عرض المسألة على الأدلة المحكمة الّتي لا يصحّ لأحد النقاش في اعتبارها و حجّيتها.
فإذا دلّت تلك الأدلّة علىٰ الجواز، فلا محيص من طرح هذه الأحاديث الضعاف، أو حملها علىٰ الكراهة، أو غير ذلك. و إليك بيان تلك الأدلّة:
1) . الشورى: 23.
يظهر من الكتاب العزيز أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، و أنّ الناس عند ما وقفوا على قبور أصحاب الكهف، اختلفوا على قولين: فمن قائل: «اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيٰاناً»(1).
و من قائل آخر: «لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً»(2).
و الاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة و أُسوة.
فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما و يردع عنهما بل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، و أنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم و احترامهم، بل التبرّك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم. و آخر باتّخاذ مراقدهم مسجداً، و ليس القرآن كتاب قصة و أُسطورة، و إنّما هو كتاب إرشاد و قدوة و إمام. فلو كانوا في عملهم هذا ضالّين لعلق على قولهم بشيء أو عابه، كما هو الحال عند ما ينقل عن المشركين، و الكافرين، عملاً، أو رأياً.
قال سبحانه حاكياً كيفية غرق فرعون: «حَتّٰى إِذٰا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ قٰالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرٰائِيلَ وَ أَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ»(3)،
و لأجل إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد، عقّب عليه بقوله: «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ»(1).
فلأجل ذلك يكون القرآن قدوة في كلّ ما ينقله من أعمال الماضين، إلّا إذا عقّب عليه بالرد، أو دلّت القرائن على كونه عملاً غير مقبول.
لم يزل الإلهيون من أهل الكتاب و المسلمين في قاطبة الأعصار يهتمون بمقابر الأنبياء و الأولياء بالبناء و التعمير، ثمّ التطهير و التنظيف، حتّى نرى أنّ كثيراً من المتمكّنين يخصصون أموالهم و يوقفونها في هذا المجال.
فهذه القباب الشاهقة، و المنائر الرفيعة، و الساحات الوسيعة حول مراقد الأنبياء و الأولياء، في مختلف البلاد شرقها و غربها، و هذا دليل قاطع على أنّ هذه السيرة كانت مرضية عند صاحب الشريعة و خلفائه و أصحابه، و إلّا كان عليهم رفضها وردها بالبنان و البيان، و السلطة و القوة، فالسكوت في بعض الفترات و دعمها في بعض الأحايين أدلّ دليل على كونها سيرة مرضية.
نعم، إذا كان اتّخاذ المقابر مساجد على النحو الرائج عند اليهود و النصارى فهو محرّم، و قد نصّ الرسول على تحريمه، كما تأتي الروايات مع توضيحها، و هو مسألة أُخرى غير مجرّد البناء على القبور الّذي هو مسألتنا.
1) . يونس: 91.
هذا هو السلف الصالح قد وقفوا - بعد ما فتحوا الشام - على قبور الأنبياء ذوات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم و على رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أن تهدم، و هكذا الحال في سائر القبور المشيدة عليها الأبنية في أطراف العالم، و إن كنت في ريب فاقرأ تواريخهم، و إليك نص ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم ب «حبرون» و لعلهم استغلّوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجاج هذا الحرم.. و ربما يكون توصيف تميم الداري نسبة إلى الدار، أي: الحرم، و ربما كان دخول هؤلاء اللخميين للإسلام، لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديس اليهود و النصارى من قبلهم.(1)
و جاء أيضاً في دائرة المعارف الإسلامية في مادة «الخليل»: و يقول المقدسي، و هو أول من أسهب في وصف الخليل: إنّ قبر إبراهيم كانت تعلوه قبة بنيت في العهد الإسلامي، و يقول مجير الدين: إنها شيدت في عهد الأمويين، و كان قبر إسحاق مغطّى بعضه، و قبر يعقوب قباله، و كان المقدسي أوّل من ذكر تلك الهبات الثمينة الّتي قدّمها الأُمراء الورعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح، و ذلك الاستقبال الكريم الّذي يلقاه الحجاج من جانب التميميين(2).
و لو قام باحث بوصف الأبنية الشاهقة الّتي كانت مشيدة على قبور الأنبياء و الصالحين قبل ظهور الإسلام، و ما بناه المسلمون في عصر الصحابة و التابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان، لجاء بكتاب فخم ضخم، يعرب عن أنّ السنّة السنية الرائجة في تلك الأعصار قبل الإسلام و بعده، من عصر الرسول و الصحابة و التابعين لهم إلى يومنا هذا، هي مشروعية البناء على القبور، و العناية بحفظ آثار رجال الدين، و لم ينبس أيّ ابن أُنثى حول ذلك ببنت شفة، و ما اعترض عليها، بل تلقوها إظهاراً للمحبة و الود لأصحاب الرسالات و النبوات و أصحاب العلم و الفضل، و من خالف تلك السنة و عدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين قال سبحانه:
«وَ مَنْ يُشٰاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً»(1).
و قد وارى المسلمون جسد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في بيته المسقف، و لم يزل المسلمون مذ أن ورِيَ جثمانه، على العناية بحجرته الشريفة بشتى الأساليب، و قد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته جداراً، و قد جاء تفصيل كلّ ذلك مع ذكر وصف الأبنية الّتي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلّقة بتاريخ المدينة، لا سيما «وفاء الوفا» للعلّامة السَّمهودي (المتوفّى عام 911 ه).(2)و البناء الأخير الّذي شيّد عام (1270 ه) قائم لم يمسه سوء،
و سوف يبقى بفضل اللّه تبارك و تعالى محفوظاً عن الاجتراء.
و أمّا المشاهد و القباب المبنية في المدينة في العصور الأُولى فحدّث عنها و لا حرج، و لا سيما في بقيع الغرقد، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ و أخبار المدينة.
هذا هو المسعودي (المتوفّى عام 345 ه) يقول: «و على قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه مبيد الأُمم و محيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم سيدة نساء العالمين، و قبر الحسن بن عليّ بن أبي طالب، و عليّ بن الحسين بن أبي طالب، و محمد بن عليّ و جعفر بن محمد».(1)
و ذكر السبط ابن الجوزي (المتوفّى عام 654 ه) في «تذكرة الخواص» (ص 311) نظير ذلك، و هذا هو محمد بن أبي بكر التلمساني يصف المدينة الطيبة و بقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: «و قبر الحسن بن عليّ عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلاً، عليه مكتوب:
هذا قبر الحسن بن عليّ، دفن إلى جنب أُمّه فاطمة رضي اللّه عنها و عنه.(2)
و يقول الحافظ محمد بن محمود بن النجار (المتوفّى عام 643 ه) في «أخبار مدينة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم»:.. في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع، و عليها بابان يفتح أحدهما في كلّ يوم للزيارة، رضي اللّه عنهم.(3)
يقول ابن جبير ذلك السائح الطائر الصيت (المتوفّى عام 614 ه) في رحلته في وصف بقيع الغرقد: مقابل قبر مالك، قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي عليه قبة بيضاء و على اليمين منها تربة ابن عمر بن الخطاب... و بإزائه قبر عقيل ابن أبي طالب (رضي اللّه عنه)، و عبد اللّه بن جعفر الطيار (رضي اللّه عنه)، و بإزائهم روضة فيها أزواج النبي صلى الله عليه و آله و سلم و بإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و يليها روضة العباس بن عبد المطلب و الحسن بن علي (رضي اللّه عنه)، و هي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، و عن يمين الخارج من رأس الحسن إلى رجلي العباس (رضي اللّه عنهما)، و قبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، و مكوكبة بمسامير على أبدع صفة و أجمل منظر، و على هذا الشكل قبة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و يلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و يعرف ببيت الحزن... و في آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين، و عليه قبة صغيرة مختصرة، و على مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُم عليّ (رضي اللّه عنها) و عن بنيها.(1)
روى البلاذري أنّه لمّا ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلى عليها «عمر» و كان دفنها في يوم صائف، ضرب «عمر» على قبرها فسطاطاً(2)و لم يكن الهدف من ضربه تسهيل الأمر لمن يتعاطى دفنها، بل
لأجل تسهيله لأهلها حتّى يتفيّئوا بظلّه و يقرءوا ما تيسّر من القرآن و الدعاء، فلاحظ.
إنّ سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين، إلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي - فإنّ اتّفاق العلماء في عصر و «إجماعهم على حكم» حجة شرعية عليه، فكيف اتفاقهم عليه طيلة قرون، و لا سيّما الصحابة العدول.
فالصحابة واروا جسد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في بيته، و لم يخطر ببال أحد أنّ البناء على القبور محرّم، و لا أظن أنّ جاهلاً متنسّكاً يفرق بين البناء المتقدّم على الدفن و المتأخّر عنه، فضلاً عن عالم، فإنّ كون قبر الميت تحت بناء تكريم له و تعظيم، و القوم يتلقّونه شركاً لأنّه تعظيم لغير اللّه، فلا يفرق بين البناء على القبور أو دفن الميت تحت بناء.
و ليس هذا شيء ينكره أحد من المسلمين.
و العجب أنّ الوهابيين لمّا واجهوا هذه السيرة المستمرة عمدوا إلى تفسير هذه السيرة بأنّ النبي إنّما دفن في بيته، لأجل حديث رواه أبو بكر، قال ابن كثير: إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يدروا أين يقبرون رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى قال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول: لم يقبر نبيّ إلّا حيث يموت.(1)
1) . البداية و النهاية: 266/5، و قد جاءت مصادر هذه الرواية في كتاب رياض الجنة: 264.
ثمّ أضاف المؤلّف: فعلمنا من هذه الأحاديث أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم دفن في بيته كما أمر بذلك، فعلى هذا فلا حجة فيه للقبوريين في البناء على القبور، إذ لم يبن على قبره، و إنّما دفن في بيته.(1)
و لا يخفى وجود التهافت في عبارته، فصدرها يدلّ على أنّ دفن النبي في بيته كان بأمره صلى الله عليه و آله و سلم، و لو لم يكن أمره لما دفنوه فيه، لأنّ الدفن في البناء حرام، و ذيل العبارة يدل على التفريق بين الدفن تحت البناء القائم و البناء على القبر.
فلو أراد الوجه الأوّل كما هو ظاهره حيث استقصى مصادر الحديث المذكور قرابة ست صفحات، فهو مردود بدفن الشيخين في البيت، مع أنّه لم يرد في حقّهما ما ورد في حق النبي.
و لو أراد الثاني فهو تفريق لا يجنح إليه ذو مسكة، بعد وحدة الملاك و الاشتراك في المفسدة المزعومة.
و بعد دلالة الذكر الحكيم و السيرة على الجواز، لا مناص عن طرح هذه الروايات أو تأوليها.
إنّ تعظيم قبور الأنبياء و الأولياء و تنظيفها و حفظها عن تطرق الفساد و الانهدام مظهر لتعظيم شعائر اللّه قال سبحانه:
1) . رياض الجنة 269.
«ذٰلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اَللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ»(1).
و الاستدلال بالآية يتوقف على ثبوت صغرى و كبرى:
الصغرىٰ عبارة عن كون الأنبياء و أوصيائهم و من يرتبط بهم أحياءً و أمواتاً من شعائر اللّه...
و الكبرى عبارة عن كون البناء و التنظيف و صيانة المقابر تعظيم لشعائر اللّه.
و لا أظن أنّ الكبرى تحتاج إلى مزيد بيان، إنّما المهم بيان الصغرى، و أنّ الأنبياء و الأوصياء من شعائر اللّه، و بيان ذلك يحتاج إلى نقل ما ورد حول شعائر اللّه من الآيات:
1 - «إِنَّ اَلصَّفٰا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اَللّٰهِ»(2).
2 - «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اَللّٰهِ وَ لاَ اَلشَّهْرَ اَلْحَرٰامَ وَ لاَ اَلْهَدْيَ وَ لاَ اَلْقَلاٰئِدَ وَ لاَ آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرٰامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوٰاناً»(3).
3 - «وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنٰاهٰا لَكُمْ مِنْ شَعٰائِرِ اَللّٰهِ لَكُمْ فِيهٰا خَيْرٌ»(4).
4 - و في رواية أُخرى جعل مكان شعائر اللّه، حرمات اللّه و قال:
«ذٰلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اَللّٰهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ
اَلْأَنْعٰامُ إِلاّٰ مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ...»(1).
ما هو المقصود من (شعائر اللّه)؟
هنا احتمالات:
1 - تعظيم آيات وجوده سبحانه.
2 - معالم عبادته و أعلام طاعته.
3 - معالم دينه و شريعته و كل ما يمت إليهما بصلة.
أمّا الأوّل فلم يقل به أحد، إذ كلّ ما في الكون آيات وجوده، و لا يصحّ تعظيم كل موجود بحجة أنّه دليل على الصانع.
و أمّا الثاني فهو داخل في الآية قطعاً، و قد عدّ الصفا و المروة و البدن من شعائر اللّه، فهي من معالم عبادته و أعلام طاعته، إنما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة و أعلام طاعته، الظاهر المتبادر هو الثالث، أي معالم دينه سبحانه، سواء أ كانت أعلاماً لعبادته و طاعته أم لا، فالأنبياء و الأوصياء و الشهداء و الصحف و القرآن الكريم و الأحاديث النبوية كلّها من شعائر دين اللّه و أعلام شريعته، فمن عظمها فقد عظم شعائر الدين.
قال القرطبي: فشعائر اللّه: أعلام دينه، لا سيما ما يتعلق بالمناسك(2)و لقد أحسن حيث عمّم أوّلاً، ثمّ ذكر مورد الآية ثانياً، و ممّا يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلّق ب (حرمات اللّه) في آية أُخرى.
قال سبحانه: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اَللّٰهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ»، و الحرمات ما لا يحل انتهاكه، فأحكامه سبحانه حرمات اللّه، إذ لا يحل انتهاكها، و أعلام طاعته و عبادته و حرمات اللّه، إذ يحرم هتكها و أنبياؤه و أوصياؤهم و شهداء دينه و كتبه و صحفه من حرمات اللّه، يحرم هتكهم، فلو عظّمهم المؤمن أحياء و أمواتاً فقد عمل بالآيتين: «وَ مَن يعظّم حرمات اللّه» «و من يعظّم شعائر اللّه».
لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يذكر فيها اسمه فقال: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ»(1)، و قد عرفت أنّ ابن تيمية جعل الآية دليلاً على تكريم المساجد، و لكنّه غفل عن أنّ البيوت غير المساجد، فهناك بيت و هناك مسجد، و البيت هو البناء الّذي يتشكّل من جدران أربعة و عليها سقف قائم، و لأجل ذلك يقال للكعبة بيت اللّه، و للساحة المحيطة به (المسجد الحرام) و أيضاً يستحب أن تكون المساجد غير مسقّفة، و ترى المسجد الحرام مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يظلّه، دون البيت فالسقف من مقوّماته.
قال سبحانه: «وَ لَوْ لاٰ أَنْ يَكُونَ اَلنّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً لَجَعَلْنٰا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعٰارِجَ عَلَيْهٰا يَظْهَرُونَ»(2).
فالبيوت غير المساجد، و لو تنزلنا فهي أعمّ منها تشمل المسجد و غيره. هذا كله حول البيوت، و أمّا الرفع الوارد في الآية الكريمة فسواء أفسّر بالرفع الحسي بإرساء القواعد و إقامة الجدران كما في قوله سبحانه: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ اَلْقَوٰاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ»(1)، أَمْ فسّر بالرفع المعنوي كما هو الحال في قوله سبحانه: «وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا»(2). أي منحناه مكانة عالية. فلو فسّر بالرفع الحسّي يكون دليلاً على جواز تشييد بيوت الأنبياء و الأولياء، و تعميرها في حياتهم و بعد وفاتهم حسب إطلاق الآية، و قد كان بيوت كثير من الأئمة الصالحين هي مقابرهم، فتشييد هذه البيوت عمل جائز بنص الآية، و أمّا لو فسّر بالرفع المعنوي، و أنّ من وظائف المسلمين تكريم هذه البيوت كما هو المتبادر، فتعمير بيوتهم من مظاهر ذلك التعظيم المعنوي، كما أنّ تدميرها و جعلها معرضة لما لا يناسب ساحتهم، تجاهل لهذه الآية و تولٍّ عنها.
و من لطيف ما روي في المقام ما رواه الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك، و بريدة، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قرأ قوله: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ» فقام إليه رجل و قال: أي بيوت يا رسول اللّه؟ فقال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر و قال: يا رسول اللّه و هذا البيت منها؟ - مشيراً إلى بيت عليّ و فاطمة - فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «نعم من أفاضلها».(3)
فهذه الآية وحدها كافية في جواز تعظيم بيوت الأنبياء و الأوصياء و أهل بيت النبي مطلقاً، و مقابرهم و مراقدهم إذا كانت بيوتهم.
إنّ القرآن الكريم يأمرنا - بكل صراحة - بحب النبي و أقربائه صلى الله عليه و آله و سلم، و مودّتهم و محبّتهم فيقول:
«وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ»(1).
«قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(2).
و من الواضح لدى كلّ من يخاطبه اللّه بهذه الآية أنّ البناء على مراقد النبي و أهل بيته صلى الله عليه و آله و سلم، و هو نوع من إظهار الحب و المودة لهم، و بذلك يخرج عن كونه بدعة لوجود أصل له في الكتاب و السنّة، و لو بصورة كلية.
و هذه العادة متبعة عند كافة الشعوب، و الأُمم في العالم، فالجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودة لصاحب ذلك القبر، و لذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية و العلمية في كنائس و مقابر مشهورة، و يزرعون أنواع الأزهار و الأشجار حولها.
إلى هنا تمّ الكلام حول جواز البناء على القبور مطلقاً، و قبور الأنبياء
و الأوصياء و الصالحين خاصة، على وجه لم يبق لمتدبّر فيه شكّ، و لا لمكابر إنكار، إلّا من أعمى اللّه بصره و بصيرته.
هذه هي الآيات الواضحة الدلالة على جواز البناء، و هذه هي سيرة المسلمين المشرقة طوال القرون.
فلو فرضنا تعارض الأدلة من الجانبين، فالأصل هو الإباحة كما سيوافيك.
إنّ القائل بالحرمة يجب أن يستدل عليها، و القائل بالإباحة يكفيه الأصل (عدم الحرمة إلّا ما قام الدليل على تحريمه) و قد عرفت أنّه ليس هناك شبه دليل على الحرمة، و الآيات أدلّ دليل على أنّه سبحانه لا يعذب أُمَّةً إلّا بعد إرسال الرسل و بعثهم، و هو كناية عن وصول البيان و التشريع إلى الناس، فلو لم يصل - و إن بلغه الرسول - لا يكون منجزاً في حق العبد. قال سبحانه:
«وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً»(1).
و ظاهر الآيات يعطي أنّ وظيفة التشريع تبيين المحرمات لا المباحات. قال سبحانه:
«قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ»(2).
و قال: «قُلْ لاٰ أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ..»(1).
فإذا كان صعيد التشريع فارغاً عمّا يدلّ على التحريم فهو حجة على كون الشيء مباحاً محللاً.
و إليك البحث عن بناء المساجد على قبور الصالحين، و هو الموضوع الخامس فيما طرحه ابن تيمية.
1) . الأنعام: 145.
قال ابن تيمية: «و لا يشرع اتّخاذها - أي القبور - مساجد»(1).
و قال أيضاً: «لا يجوز بناء المسجد على القبور».
و قد استدلّ الوهابيون على ما يتبنّونه بالحديث التالي المروي بعبارات مختلفة:
1 - «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
2 - «لعن اللّه اليهود و النصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
3 - «ألا و من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم و صالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك».
4 - «أخرجوا أهل الحجاز و أهل نجران من جزيرة العرب، و اعلموا أنَّ شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
5 - «لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(2).
1) . مضى مصدرها.
2) . راجع للوقوف على مصادر هذه الأحاديث صحيح البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 111، السنن للنسائي ج 2 كتاب الجنائز ص 871، صحيح مسلم ج 2 ص 568 كتاب المساجد و غيرها. و قد جمع مصادر الحديث و صوره المختلفة محمد ناصر الدين الألباني في كتابه تحذير الساجد: 11-28، فذكر للحديث 14 صورة؛ كما جمعها أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي في كتاب رياض الجنة: 278-281.
إنّ الوهابيين استغلوا هذا الحديث و خرجوا بهذه النتيجة بأنّ مفادها:
أ - حرمة بناء المساجد على القبور.
ب - و حرمة قصد الصلاة فيها.
حتّى قال ابن تيمية: إنّ المسجد و القبر لا يجتمعان(1).
و هذا هو الكلام الّذي يجتره و يكرّره كلّ من جاء بعده، فنظروا إلى الروايات بعقيدة مسبقة، و تركوا إجماع الأُمّة و دلالة الكتاب على الجواز كما بيّنّاه، فنقول: إنّ لهذه الروايات محتملات:
1 - الصلاة على القبور بالسجود عليها تعظيماً.
2 - الصلاة باتّجاه القبور و اتّخاذها قبلة.
3 - بناء المساجد على القبور و قصد الصلاة فيها تبركاً بالمقبور.
4 - إقامة الصلاة عند مراقد الأنبياء و مقابرهم فقط.
فهل للحديث إطلاق يعم هذه الصورة و المحتملات كما ادّعاه الألباني تبعاً لشيخه ابن تيمية، و زعم أنّ هذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه و آله و سلم.
أو أنّ الحديث ينصرف - بشهادة القرائن المتّصلة و المنفصلة - إلى بعض الصور ممّا يلازم كون العمل شركاً، و المصلّي مشركاً و خارجاً عن
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 59/1-60؛ زاد المعاد: 661.
الحدود الّتي حددها الكتاب و السنّة، كما هو الحق بشهادة القرائن العشر التالية؟ و إليك البيان:
1 - إنّ الحديث يركّز على عمل اليهود و النصارى، و أنّهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، و ينهى المسلمين عن متابعتهم في ذلك.
و بما أنّ أهل الكتاب معروفون بالشرك و عبادة غير اللّه طيلة الأجيال و القرون، فالمسيحية تعبد المسيح و أُمّه، كما أنّ كثيراً منهم اتّخذوا الأحبار و الرهبان أرباباً من دون اللّه، يحرّمون ما أحلّ اللّه و يحلّلون ما حرّم اللّه.
اليهود هم الذين طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلهاً كما أنّ لغيرهم آلهة، و هم الذين عبدوا العجل، بل عبدوا بعد رحلة الكليم أرباباً و آلهة، فهم كأنّهم مفطورون على الوثنية و عبادة البشر. فعند ذلك ينصرف الحديث إلى عمل يلحق المسلم بهم، و لا يمكن أن يدّعى أنّ الحديث يعم ما إذا كان عمل اتخاذ القبور مساجد مجرّداً عن أيّ شرك، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرّك بهم.
2 - نرى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يصف هؤلاء الجماعة بكونهم شرار الناس. فقد روى مسلم في كتاب المساجد أنّ أُم حبيبة و أُم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجد، و صَوّر فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند اللّه.(1)
إنّ توصيفهم بأنّهم شرار الخلق عند اللّه، يميط الستر عن حقيقة
1) . صحيح مسلم: 666/2، كتاب المساجد.
عملهم، إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق، إلّا إذا كان مشركاً. قال سبحانه: «إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ»(1)، و قال تعالى: «إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ»(2).
كلّ ذلك يكشف عن مرمى الحديث، و أنّ عملهم لم يكن عملاً مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر و الصلاة فيه، أو إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقترناً بالشرك بألوانه و صوره المختلفة، كاتخاذ القبر إلهاً و معبوداً أو قبلة عند الصلاة، أو السجدة عليها بمعنى اتخاذها مسجوداً.
3 - إنّ الروايات الناهية الواردة في المقام على قسمين:
قسم يشتمل على اللعن، و هذا مختص باتّخاذ قبور الأنبياء و الصالحين مساجد.
و قسم آخر مشتمل على مجرد النهي من دون اقتران باللعن، و قد ورد ذلك في مطلق القبور.
1 - عن أبي مرصد الغنوي قال: قال رسول اللّه: لا تجلسوا على القبور، و لا تصلّوا إليها.(3)
2 - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: الأرض كلّها مسجد إلّا المقبرة و الحمّام.(4)و غير ذلك.
3 - عن عبد اللّه بن عمر: نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن الصلاة في المقبرة.(1)
فعندئذٍ يجب التأمّل في هذا التفريق، لما ذا اقترن الأوّل (اتخاذ قبور الأنبياء مساجد) باللعن دون الآخر، و إنّما ورد فيه مجرد النهي، (المحمول على الكراهة مطلقاً، أو في ما إذا كان القبر بحيال المصلّي، أو كانت الصلاة بين القبرين) و ما هذا إلّا لأنّ القسم الأوّل ناظر إلى عمل اليهود و النصارى في مورد قبور أنبيائهم.
و بما أنّه كان مقترناً بالشرك بالسجود لها تعظيماً لهم، أو باتّخاذها قبلة، استحقوا اللعن، و عرفوا بأنّهم شرار الناس، و نهي المسلمون عن اتّباعهم.
و أمّا القسم الآخر فلم يكن مقترناً بذلك أبداً، فجاء فيه النهي مجرداً عن اللعن.
و بهذا لا يمكن القول بإطلاق الحديث و عموميته لكلّ الأحوال.
4 - إنّ السيدة عائشة، قالت: قال رسول اللّه: «لعن اللّه اليهود و النصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: فلولا ذاك لأبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً.(2)
إنّ المسلمين بعد ما دفنوا النبي في بيته سوّروه بحائط مستدير، لا مربّع، لئلّا يشابه الكعبة.
و من المعلوم أنّ التسوير بالجدران و عدم إبراز قبره إنّما يمنع عن اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، و أمّا الصلاة في جنبه فلم يكن الجدار مانعاً عن إقامة الصلاة.
و مراد السيدة عائشة: إنّ عدم إبراز القبر و ستره بالحيطان منع المسلمين عن أن يرتكبوا ما كان اليهود و النصارى يرتكبونه.
و من المعلوم أنّ الجدران منعت عن الصور الشركية كصورة اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، لا إقامة الصلاة المجردة من هذه الضمائم.
و هذا دليل واضح على أنّ الحديث كان بصدد نهي المسلمين عن اتخاذ القبر مسجوداً له أو قبلة.
و العجب من الشيخ الألباني حيث أراد استغلال الحديث لتأييد مذهبه، و موقفه، و فسِّر قولها: «فلولا ذاك لأبرز قبره» بأنّ المقصود هو الدفن خارج بيته، مع أنّ العبارة لا تتحمّل هذا، لأنّها تركز على القبر الموجود، فيكون المقصود: و لو لا ذاك لكشف قبره و لم يتّخذ عليه حائط.
5 - قال أبو هريرة: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً، لعن اللّه قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
إنّ العلاقة بين الجملتين تكشف عن أنّ المقصود هو: اتخاذ قبور الأنبياء مساجد على نحو يعود القبر وثناً يعبد، أو يصلى إليه.
و أمّا الصلاة للّه تبارك و تعالى و إلى الكعبة عند القبر تبركاً به فلا تجعل القبر وثناً يعبد، و هذا هو قول اللّه تعالى و هو يأمر الحجيج باتّخاذ مقام
إبراهيم مصلّى، و يقول: «وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى»(1)، و ليست الصلاة عند القبر إلّا كمثل الصلاة عند مقام إبراهيم.
غير أنّ جسد النبي إبراهيم قد لامس هذا المكان مرة أو مرات عديدة، و لكن مقابر الأنبياء احتضنت أجسادهم الّتي لا تبلى دائماً.
6 - إنّ علماء الحديث و جهابذته فهموا من هذه الأحاديث نفس ما قلناه، و إن لم يذكر الألباني و غيره شيئاً من هذه التفاسير.
أ - يقول العسقلاني: إنّما صوّروا أوائلهم الصور ليستأنسوا بها، و يتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثمّ خلفهم قوم جهلوا مرادهم و وسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور و يعظمونها... إلى أن يقول: قال البيضاوي: لما كانت اليهود و النصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم، و يجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، و اتخذوها أوثاناً، لعنهم و منع المسلمين عن مثل ذلك.
فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح و قصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم و لا للتوجه نحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور.(2)
ب - و يقول النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء إنّما نهى النبي عن اتّخاذ قبره و قبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه و الافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية. و لما
احتاجت الصحابة و التابعون إلى زيادة في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حين كثر المسلمون، و امتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، و منها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و صاحبيه، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلّا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام و يعود المحذور. و لهذا قالت عائشة في الحديث عنه: و لو لا ذلك لأبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً.(1)
ج - و قال السندي شارح الصحيح للنسائي: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي قبلة للصلاة و يصلّون إليها، أو بنوا مساجد يصلون فيها، و لعلّ وجه الكراهة أنّه قد يقضي إلى عبادة نفس القبر.
إلى أن يقول: يحذّر النبي أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود و النصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها.(2)
د - و قال شارح آخر: إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد النبوي قبل الزيادة فيه... أمّا بعد الزيادة و إدخال حجرتها فيه فقد بنوا الحجرة بشكل مثلث كي لا يتمكّن أحد من الصلاة على القبر، إنّ اليهود و النصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة.(3)
ه - قال الشيخ علي القاري: سبب لعنهم إمّا لأنّهم كانوا يسجدون لقبور
أنبيائهم تعظيماً لهم، و ذلك هو الشرك الجلي، و إمّا لأنّهم كانوا يتّخذون الصلاة للّه تعالى في مدافن الأنبياء، و السجود على مقابرهم، و التوجّه إلى قبورهم حال الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة اللّه، و المبالغة في تعظيم الأنبياء، و ذلك هو الشرك الخفي. فنهى النبي أُمّته عن ذلك إمّا لمشابهة ذلك الفعل سنّة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قال بعض الشراح من أئمتنا و يؤيّده ما جاء في رواية. يحذر مثل الّذي منعوا.(1)
و - إنّ المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام هو ما فهمه أُولئك الشراح.
1 - روى الصدوق مرسلاً قال: و قال النبي: «لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجداً، فإنّ اللّه لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(2)و المراد من قوله «مسجداً» بقرينة «قبلة» هو السجود عليه تعظيماً.
2 - روى الشيخ الطوسي بأسناده عن معمر بن خلاد، عن الرضا عليه السلام قال: «لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة».(3)
3 - روى الصدوق في «علل الشرائع» بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قال: قلت له: الصلاة بين القبور، قال: «بين خللها، و لا تتّخذ شيئاً منها قبلة، فإنّ رسول اللّه نهى عن ذلك و قال: لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجداً، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لعن الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(4)
و لو كان المراد هو اتخاذ القبر قبلة حقيقة، بأن يصلّى عليه من كلّ
جانب كالكعبة، يكون حراماً لكونه بدعة، و لو كان المراد كون القبر أمامه و حيال وجهه، فيحمل على الكراهة لجريان سيرة المسلمين على الصلاة في الصفة في مسجد النبي، و القبر بحيال المصلي.
7 - روى المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: «وَ قٰالُوا لاٰ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاٰ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاٰ سُوٰاعاً وَ لاٰ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً»(1).
عن ابن عباس: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قومهم، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثمّ صوروا تماثيلهم، فلمّا طال عليهم الأمد عبدوهم.
قال القرطبي: روى الأئمة عن أبي مرصد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: لا تصلوا إلى القبور و لا تجلسوا إليها (لفظ مسلم) أي لا تتّخذوها قبلة، فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود و النصارى.(2)
8 - روى مسلم في صحيحه عن النبي الأكرم أنّه قال حينما قالت أُم حبيبة و أُم سلمة بأنّهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة: إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، و صوروا فيه تلك الصورة، أُولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة.(3)
إنّ الهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إمّا لغاية اتّخاذها قبلة أو عبادة ذويها، كالصنم المنصوب، و معه لا يمكن أن يستدلّ به على تحريم مطلق اتخاذ القبور، مساجد.
9 - إنّ أقصى ما يدلّ عليه الحديث لو قلنا بإطلاقه هو أن يتّخذ مدفن الأنبياء مساجد، و أمّا بناء مسجد في جنب مدافنهم بحيث يكون المسجد وراء المدفن كما هو الحال في المشاهد المشرفة لأئمة الشيعة فلا يعمه النهي أبداً.
10 - و على فرض وجود الإطلاق فإذا دار الأمر بين الأخذ بالكتاب(1)و السنة الرائجة بين المسلمين من عهد التابعين إلى يومنا هذا، حيث يصلّون في مسجد النبي و قبره في وسطه، و بين إطلاق هذه الرواية فالأوّل هو المتعيّن.
إذا تبين عدم صلاحية الحديث للاستدلال على التحريم، فيجب علينا عرض المسألة على سائر الأدلة، و إليك البيان.
كان الواجب على الوهابيين الذين يدمّرون الآثار الإسلامية بهذه الأحاديث عرض المسألة على القرآن الكريم الّذي هو تبيان لكلّ شيء.
قال سبحانه:
«وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ»(2).
و القرآن صادق مصدّق لا يكذب - يذكر سبحانه - في قصة أصحاب
الكهف أنّ القوم لمّا عثروا على أجسادهم الطرية في الغار اختلفوا على قولين: تذكرهما الآية التالية:
«وَ كَذٰلِكَ أَعْثَرْنٰا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ وَ أَنَّ اَلسّٰاعَةَ لاٰ رَيْبَ فِيهٰا إِذْ يَتَنٰازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقٰالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيٰاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قٰالَ اَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً»(1).
فالآية صريحة في أنّ القوم بعد ما عثروا عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم و تعظيمهم على قولين:
1 - البناء على قبورهم «اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيٰاناً».
2 - بناء المسجد على قبورهم «لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً».
و كلتا الطائفتين يريدان التعظيم و التكريم على اختلاف منهجهم، و المعروف بين المفسرين أنّ القائلين بالقول الأوّل كانوا هم المشركون، و أنّ القائلين بالقول الثاني هم الموحدون و المسلمون، و سواء أثبت ذلك أم لا فإنّ العاثرين عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم و تعظيمهم، و على كل تقدير فالآية حجة على جواز بناء المسجد على القبور أوّلاً، و على جواز بناء المسلمين عليها ثانياً، و ذلك لأنّ القرآن يذكر القولين من دون رد و طعن، و لو كان كل من القولين - و خصوصاً القول الثاني - على خلاف الهداية و في جانب الضلالة، لأشار إلى ردّه و طعنه، و ليس القرآن كتاب قصة و إنّما هو كتاب هداية، فلو كان يذكر شيئاً من الأُمم السالفة، فإنّما هو للعبرة و الاعتبار،
1) . الكهف: 21.
و لأجل ذلك كثيراً ما يردّ عليهم بعد نقل كلامهم، فسكوت القرآن تجاه هذين القولين و نقلهما عن القوم بصورة كونه عملاً مستحسناً، أقوى دليل على جواز العمل المذكور في الأُمّة المحمدية.
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هٰذِهِ إِلَى اَلْمَدِينَةِ»:
«إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أُناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فرقاً، و رأى أنّه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة و يقول في نفسه: أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلّا قتل، أمّا الغداة فاسمعهم، و كل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثمّ قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف...»(1).
و هذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح، رغم ما كانوا على ضده قبل ثلاثمائة سنة.
و قال في تفسير قوله تعالى: «فَقٰالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيٰاناً» فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف: ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم يقول: رب الفتية أعلم بشأنهم و قوله: «قٰالَ اَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلىٰ أَمْرِهِمْ» يقول جلّ ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنّ عليهم مسجداً.
و قد نقل عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير: فقال المشركون نبني عليهم
1) . تفسير الطبري: 219/15 طبع مصطفى الحلبي بمصر، سورة الكهف الآية 19.
بنياناً، فإنّهم آباؤنا، و نعبد اللّه فيها. و قال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منّا، نبني عليهم مسجداً و نعبد اللّه فيه.(1)
و بذلك يعلم أنّ ما ذكره الألباني في الرد على الاستدلال بالآية، من أنّ المراد من الغالبين هم أهل السلطة و لا دليل على حجية فعلهم، رجم بالغيب، فإنّ ما ذكره الطبري يدل على أنّ المراد هو الغلبة في مجال الدين، و تدهور الوثنية و ازدهار التوحيد.
و هذا يدلّ على أنّ سيرة العقلاء في العالم تكريم موتاهم، و أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين اتّخاذ مقابر الصالحين مساجد ليتبرّكوا بوجودهم و أجسادهم الذين كرسوا حياتهم في إشادة قوائم التوحيد و رفعوا صرحه، و كيف يتصور ممن قام بتكريم إمام الموحدين و سيدهم، أن ينحرف عن خطه الأصيل (التوحيد) و يعبد غيره سبحانه و يكون مشركاً، إلّا إذا كان منحرفاً و أشرب في قلبه العجل، أعادنا اللّه من وساوسهم.
1) . تفسير الطبري: 225/15، و لاحظ تفسير القرطبي و الكشاف للزمخشري و غرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية.
هذا هو الموضوع السادس الّذي قال في حقّه ابن تيمية: «و لا تشرع الصلاة عندها، و لا يشرع قصدها لأجل التعبّد عندها بصلاة و اعتكاف، أو استغاثة و ابتهال و نحو ذلك، و كرهوا الصلاة عندها، ثمّ كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها، إلى أن قال: و إنّما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحدها التي تشرّع فيها الصلوات جماعة و غير جماعة، و الاعتكاف، و سائر العبادات البدنية و القلبية من القراءة و الذكر و الدعاء له.(1)
يقول محمد بن عبد الوهاب: لم يذكر أحد من أئمة السلف أنّ الصلاة عند القبور و في مشاهدها مستحبّة، و لا أنّ الصلاة و الدعاء هناك أفضل، بل اتّفق الكلّ على أنّ الصلاة في المساجد و البيوت أفضل منها عند قبور الأولياء و الصالحين.(2)
و جاء في الجواب المنسوب إلى علماء المدينة: «أمّا التوجّه إلى
حجرة النبي عند الدعاء فالأولى منعه، كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، لأنّ أفضل الجهات جهة القبلة».
و قد تجاوزت هذه المسألة على مرّ الزمان مرحلة المنع إلى مرحلة الشرك، حتّى أنّهم اليوم يعتبرون ذلك شركاً، و كلّ من فعل ذلك يكون عندهم مشركاً، و إليك توضيح المسألة:
1 - لا شك أنّ إقامة الصلاة عند القبور لغاية عبادة صاحب القبر أو اتخاذه قبلة شرك، و لكن لا تجد على وجه البسيطة مسلماً يفعل ذلك، بل لا يحوم حوله البعداء من الأوساط الإسلامية، فضلاً عن المتحضّرين منهم، المتواجدين في الأوساط الدينية.
2 - إنّ هدف المسلمين من إقامة الصلاة و الدعاء عند قبور الأولياء، هو التبرك بالمكان الّذي احتضن جسد حبيب من أحبّاء اللّه، فيتمتع ذلك المكان بمنزلة سامية، فالصلاة و الدعاء هناك يعودان بثواب أكثر على فاعلهما.
إنّ لمشاهد الأولياء و مراقدهم شرفاً و فضيلة خاصة لا توجد في غيرها، و لأجل ذلك أوصى الشيخان بدفنهما في جوار النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فالمصلي لدى قبورهم لا يقصد سوى ما قصده الشيخان لا غير. فلو كان قصد التبرك بمكان شركاً فلما ذا أوصى الشيخان بالدفن بجوار النبي صلى الله عليه و آله و سلم؟
3 - إنّ القرآن الكريم يأمر حجاج بيت اللّه الحرام بإقامة الصلاة عند مقام إبراهيم، و هو الصخرة الّتي وقف عليها إبراهيم لبناء الكعبة، فيقول:
«وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى»(1).
إنّ الصلاة في مقام إبراهيم لأجل التبرك بمقام النبي إبراهيم، فلو كانت عبادة اللّه تبارك و تعالى مقرونة بالتبرك بمكان المخلوق شركاً، فلما ذا أمر به سبحانه، فهل هناك فرق بين مقامهم و مثواهم؟!
4 - سأل المنصور العباسي مالك بن أنس و هما في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا أبا عبد اللّه، أستقبل القبلة و أدعو أم أستقبل رسول اللّه؟ فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه، و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله و استشفع به فيشفعك اللّه.(2)
و العجب أنّ الكاتب الوهابي (الرفاعي) حاول أن يكذب القصة، قال: «إنّ أبا جعفر المنصور كان من أعلم علماء عصره، فلا يصح أن يكون جاهلاً فيستفسر».
يا للعجب! من أين علم أنّه كان مثل مالك بن أنس إمام المدينة المنورة؟!
و هل له آثار في الفقه و الحديث مثل مالك؟!
ما هذه الكلمة الساقطة؟ و أي دليل على أنّه لم يكن جاهلاً بهذه المسألة فيستفسر مثله أو من هو أعلم منه؟!
5 - روى السيوطي في أحاديث المعراج أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم نزل في
المدينة و طور سيناء و بيت لحم، و صلّى فيها، فقال له جبرائيل: يا رسول اللّه أتعلم أين صلّيت؟ إنّك صليت في طيبة، و إليها مهاجرتك، و صلّيت في طور سيناء، حيث كلم اللّه موسى تكليماً، و صليت في بيت لحم حيث ولد عيسى(1).
و لا أظن أن يتوهم أحد وجود الفرق بين المولد و المرقد بالتجويز في الأوّل دون الثاني.
6 - إنّ المسلمين جميعاً يصلّون في حجر إسماعيل، مع أنّ الحجر مدفنه و مدفن أُمّه هاجر، فأي فرق بين مرقد النبي و مدفن أبيه إسماعيل؟
7 - و لقد بلغت هاجر أُم إسماعيل مرتبة عند اللّه بسبب صبرها و تحمّلها المتاعب في سبيل اللّه سبحانه، فجعل اللّه موضع أقدامها محلاً للعبادة، و أوجب على حجاج بيته الحرام أن يسعوا فيها كما سعت هاجر بين جبلي الصفا و المروة، فنسأل إذا كان صبرها على المكاره، و تحمّلها المتاعب في سبيل اللّه تعالى قد منحا الكرامة لموضع أقدامها، و أوجب اللّه على المسلمين أن يعبدوه سبحانه في ذلك المكان بالسعي بين الصفا و المروة، فلما ذا لا يكون قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم مباركاً و مقدساً، في حين أنّه تحمّل أنواع المصاعب و المصائب و المكاره من أجل إصلاح المجتمع و إرشاده.
قال ابن القيم - تلميذ ابن تيمية -: «إنّ عاقبة صبر هاجر و ابنها على البعد و الوحدة و الغربة و التسليم إلى ذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما و مواطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، و متعبّدات لهم إلى
1) . الخصائص الكبرى: 154/1.
يوم القيامة، و هذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه».(1)
8 - إذا كانت الصلاة عند القبر محرّمة في الشريعة الإسلامية، فلما ذا قضت عائشة عمرها في البيت الّذي دفن فيه الرسول؟!
9 - إنّ السيدة فاطمة الزهراء الّتي قال في حقّها النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللّه يرضى برضى فاطمة و يغضب بغضبها».(2)كانت تزور قبر عمّها حمزة في كلّ جمعة أو في كل أُسبوع مرتين، و كانت تبكي و تصلّي عند قبره.
يقول البيهقي: كانت فاطمة (رضي اللّه عنها) تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة، فتصلّي و تبكي عنده.(3)
10 - إنّ مراقد الأنبياء و مشاهدهم تعدّ جزءاً من مطلق الأرض الّتي جعلها اللّه سبحانه محلاً لعبادته، و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً»(4).
فما الدليل على إخراج مشاهد الأنبياء و الأولياء و الصالحين عن إطلاق الحديث المتّفق عليه، أ فيزعم الوهابي انّ الصلاة في مشاهد الأنبياء و مراقدهم أقلّ ثواباً من مطلق الأرض؟!
و أخيراً نرى أنّ المسلمين يقيمون الصلاة طيلة أربعة عشر قرناً عند قبر النبي و الخليفتين، من دون أن يختلج ببال أحد من أنّ إقامة
الصلاة عند القبور حرام أو مكروه.
كيف، و لو كان مكروهاً أو حراماً لما أوصى الإمام الحسن بن علي بدفن جسده المطهر عند قبر جده المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم حتّى حالت بنو أُمية دون إنفاذ وصيته.
هذه الوجوه العشرة كافية لمن أراد اتباع الحق، و لا أظنّ أنّ المنصف المتحرّي للحقيقة - إذا تجرّد عن الهوى - ينبذ هذه الأدلّة وراء ظهره.
و في الختام نذكر حكم الإضاءة عند القبور، فربّما يحكم بالحرمة لما رواه النسائي عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لعن زائرات القبور و المتّخذين عليها المساجد و السرج.(1)
إنّ هذا الحديث و أمثاله يهدف إلى ما إذا كانت الإضاءة تبذيراً للمال، أو تشبّهاً ببعض الأُمم و الشعوب، و إلّا فالإضاءة إذا كانت لغاية قراءة القرآن و الدعاء لا تكون محرّمة.
بل يقول العلامة السندي في شرحه على الحديث: «و النهي عنه لأنّه تضييع مال بلا نفع».(2)
أضف إلى ما في الحديث من لعن زائرات القبور، مع أنّ عائشة زارت البقيع مع النبي، و قد علّمها كيفية الزيارة كما تقدّم حديثه.
إنّ التوسل بالأنبياء و الصالحين في حال حياتهم أو بعد التحاقهم بالرفيق الأعلى من الأُمور الرائجة بين الموحّدين في جميع الأجيال و القرون، و قد أثارت فتوى ابن تيمية فيها بالحرمة ضجّة كبرى بين المسلمين، فالمسلمون كانوا إلى عصر ابن تيمية على جواز التوسّل بشروطه المسوّغة، إلى أن جاء ابن تيمية فأفتى بالحرمة، و تبعه الوهابيون، فأقصى ما جاز عندهم من التوسل هو التوسل بدعاء النبي في حال حياته، غير أنّ الشبه و الظنون الّتي اعتمدوا عليها في منع التوسل كانت تقتضي منع هذا القسم أيضاً، لأنّه توسل بالمخلوق لا محالة في مقام العبادة، لكنّهم لم يجدوا منتدحاً عن القول بجوازه لتصريح القرآن به، حيث حثّ المسلمين على المجيء إلى النبي و طلب الاستغفار منه، قال سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(1)، و قال سبحانه: «وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ
1) . النساء: 64.
اَللّٰهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ»(1)، و قال سبحانه ناقلاً عن أبناء يعقوب: «يٰا أَبٰانَا اِسْتَغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا إِنّٰا كُنّٰا خٰاطِئِينَ»(2).
و لأجل الحط من شأن النبي و كرامته يجعلون النبي مساوياً للمؤمنين و يقولون: «إنّ التوسل الجائز هو التوسل بدعاء المؤمن حال حياته، و لو جاز التوسل بدعاء النبي فليس هذا إلّا لكونه أحد المؤمنين، و يجوز التوسل بدعاء كل أخ مؤمن من غير فرق بين النبي و غيره، و أمّا غير ذلك فكله ممنوع».
و ستوافيك أقسامه و كلماتهم فيها، و بما أنّ الوهابيين ما زالوا يستدلون ضد المتوسلين ببعض الآيات، نقدم البحث عنها و نقول:
«قُلِ اُدْعُوا اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاٰ يَمْلِكُونَ كَشْفَ اَلضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لاٰ تَحْوِيلاً * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلىٰ رَبِّهِمُ اَلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخٰافُونَ عَذٰابَهُ إِنَّ عَذٰابَ رَبِّكَ كٰانَ مَحْذُوراً»(3).
يقول محمد نسيب الرفاعي مؤسس الدعوة السلفية و خادمها في الرياض: إنّك ترى أنّ اللّه تعالى يلفت أنظار المؤمنين إلى أنّ عمل المشركين بالتزلّف إلى اللّه بأشخاص المخلوقين لا يفيدهم شيئاً، لأنّهم لا
يملكون كشف الضرّ عنهم و لا تحويلاً، فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم لا يقدّم و لا يؤخّر، و لا يوصلهم، لأنهم أخطئوا الطريق إلى اللّه .
إنّ هاتين الآيتين في سورة الإسراء نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنّيون، أمّا الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعروا بإسلامهم، فأخبرهم اللّه بوحيه المنزل على عبده و رسوله محمد صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقرّبونهم إلى اللّه زلفى، يتسابقون و يتنافسون فيما بينهم بالتقرّب إلىٰ الله تعالى، و يرجون رحمته و يخشون عذابه، فكيف أيّها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم و توسّطونهم، فما الّذي تؤملون منهم و هم على أشدّ ما يكونون حاجة إلى اللّه تعالى، فالذي لا يملك شيئاً، لا يعطي شيئاً.(1)
إنّ الاستدلال بهاتين الآيتين على رد التوسل الشائع بين المسلمين من عجيب الأُمور، فإنّ التوبيخ فيهما متوجّه إلى المشركين الذين كانوا معتقدين بألوهية معبوداتهم، و أنهم يملكون كشف الضر و تحويل السوء عن الدعاة، و اللّه سبحانه يرد عليهم بأنّ المدعوين في أشد الحاجة إلى طلب التقرب إلى اللّه سبحانه، فكيف يمكن لهم كشف الضر عنهم؟ و أيّة صلة بين أُولئك المشركين المعتقدين بألوهية المدعوين، و الموحّدين الذين يعتقدون بأنّه لا يملك كشف الضر إلّا اللّه، و لكنّهم يوسّطون بينهم و بين ربّهم أحد عباد اللّه الصالحين، الّذي له مكانة عند اللّه، لعلّه سبحانه يجيب دعوته لأجله و حرمته و مقامه، و ليس ذلك ببدعة، فقد أمر بتوسيط دعاء النبي في طلب
1) . التوصل إلى حقيقة التوسل: 12-13.
المغفرة من اللّه، و أمر العصاة أن يطلبوا منه صلى الله عليه و آله و سلم الاستغفار على ما عرفت.
و القسمان يشتركان في توسيط المخلوق، سواء أ كان ذاته القدسية أمْ دعاءَهُ المستجاب.
ثمّ إنّه في ذيل كلامه يقول: «إنّ الذين كان العرب يوسطونهم في توسلاتهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة، فما بال المسلمين المتوسلين لا يقتدون بهم، و لم لا يفعلون ما يفعلون ما داموا بهم و بصلاحهم واثقين»؟.
و للملاحظة و التدبّر في كلامه مجال واسع:
أمّا أوّلاً: فمن أين علم أنّ هؤلاء الذين كان العرب يوسطونهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة؟ فليس في الآية شيء يدل على ذلك.
و ثانياً: لو صحّ ذلك فمعنى كلامه أنّ التوسل منحصر في ذلك، مع أنّه من المجوزين لتوسل المسلم بدعاء النبي في حال حياته، بل بدعاء أخيه المسلم، فلما ذا صار التخلف هاهنا عن هديهم و مذهبهم جائزاً مع أنّهم لم يكونوا متقربين إلّا بأعمالهم فقط.
و الحق أنّ الكاتب اتّخذ موقفاً مسبقاً في مجال التوسل، و هو إحياء ما بذره ابن تيمية، فلذلك ترى أنّه يقفو في كتابه أثر شيخه، بلا تخلّف عنه قيد شعرة، مع أنّه يتظاهر في بدء كتابه بأنّه يريد أن يعالج الموضوع علاجاً محايداً عن كلّ تحيّز.(1)
1) . التوصل إلى حقيقة التوسل: 9.
ثمّ إنّ الرفاعي لغاية التظاهر بالحياد في الكتابة عن التوسل، يقسمه إلى مشروع و ممنوع و يقول: و ينقسم التوسل المشروع إلى ثلاثة أقسام:
1 - توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بذاته العلية، و بأسمائه الحسنى، و بصفاته العلى.
2 - توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بأعماله الصالحة.
3 - توسل المؤمن إلى اللّٰه تعالى بدعاء أخيه المؤمن له.
ثمّ إنّه يقدم الكتابة في الموضوعات الثلاثة فيما يقرب من مائة و سبعين صفحة، مع أنّ هذه الموضوعات من المسائل البديهية لدى الأُمم جمعاء، فضلاً عن المسلمين، و لكنّه جاء يصرف القلم و الحبر و الورق في هذه الموضوعات لغاية التظاهر بأنّه ليس مانعاً من التوسل، لكن التوسل المشروع هو هذا.
ثمّ إنّه خصّ الشطر الآخر من كتابه التوسل الممنوع، و جعله ثلاثة:
1 - التوسل إلى اللّه بذوات النبيين و الصالحين، و بالأمكنة الفاضلة كالكعبة و المشعر الحرام، و بالأزمنة المباركة كشهر رمضان و ليلة القدر و أشهر الحج و الأشهر الحرم.
2 - التوسل إلى اللّه بجاه فلان أو حرمته أو ما أشبه ذلك.
3 - الإقسام على اللّه تعالى بالمتوسل به.
ثمّ إنّه بدأ في البحث عن أحكام هذه التوسلات الثلاثة، و خرج بالمآل بحرمتها إمّا بالطعن في أسناد الأحاديث، أو بنقد مضامينها، مع أنّ المأثورات الواردة في ذلك المقام مستفيضة أو متواترة بالمعنى، فمن العجيب المناقشة في أسناد المستفيض أو المتواتر. نعم إنّ الشيخ الرفاعي تنازل عن توصيف هذه التوسلات بالشرك، و أفتى بحرمتها، مع أنّ المعروف من ابن تيمية و أذنابه هو توصيفها بالشرك، أو كونها ذريعة له.
يقول ابن تيمية في بيان مراتب التوسل:
أحدها: إنَّ الدعاء لغير اللّه سواء أ كان المدعو حيّاً أم ميتاً، و سواء أ كان من الأنبياء عليهم السلام أمْ غيرهم، فيقال: يا سيدي أغثني، و أنا مستجير بك و غير ذلك، فهذا هو الشرك باللّه.
الثاني: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء الصالحين: ادع اللّه و ادع لنا ربك و نحو ذلك، فهذا مما لا يستريب عالم في أنّه غير جائز.
الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك و حرمته و نحو ذلك.(1)
ترى أنّه وصف الصورة الأُولى بالشرك و الثانية و الثالثة بعدم الجواز، فقد فرغنا من تبيين معيار التوحيد و الشرك فلا نعيد، و إنّما نتكلم في الجواز و عدمه، و لنبحث عن الصور الثلاث الّتي جاءت في كلام الرفاعي، و زعم أنّها ممنوعة، فنقول:
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 22/1-23.
اقسام التوسل:
احتج الشيخ السلفي المعاصر على التحريم بوجوه واهية مدحوضة، و إليك بيانها:
1 - لو كان هذا النوع من التوسل مشروعاً حقيقة لذكره الشارع في زمرة ما ذكره و حثّ كذلك الناس عليه، و ليس معقولاً أن يهمله اللّه تعالى و لا يبلّغه رسوله.
2 - إنّ اللّه عاب في الآية المتقدمة (آية الإسراء) محاولتهم القربى و الزلفى إليه تعالى بالأشخاص و العباد المخلوقين، فكلا الأمرين في الآية عيب و ذنب.
3 - إن أرادوا بالواسطة في جلب المنافع و دفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد فهو من أعظم الشرك.(1)
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ القائلين بالتوسل بالأشخاص يدّعون أنّ
1) . التوصل إلى حقيقة التوسل: 177-180.
النبي ذكره في كلامه، و قد نقل هو في نفس الكتاب ستة و عشرين دليلاً عنهم، و هو بين حديث مروي عن النبي، و أثر منقول عن الصحابة في ذلك المجال، و هو و إن ناقش في أسنادها غالباً، لكنّه غفل - بعد تسليم ما ناقشه - عن أنّ هذا العدد الهائل من الأخبار، أخبار متواترة بالمعنى، و لا وجه للمناقشة في المتواتر، و لو صحّ النقاش في المتواتر فربما تكون جميع الأسناد زائفة باطلة.
و يلاحظ على الوجه الثاني: أنّ اللّه تعالى عاب عليهم بعبادتهم الوسائل الّتي يوسّطونها بينهم و بين اللّه، لا لتوسلهم بالأشخاص و العباد. قال سبحانه نقلاً عنهم: «مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اَللّٰهِ زُلْفىٰ»(1)، فكم فرق بين أن يعيب سبحانه توسيط الصالحين في دعائه سبحانه، و أن يعيب عبادتهم الصالحين ليتوسطوا بينهم و بين اللّه، و الآية تهدف إلى الثاني دون الأوّل، و ما هذا الاعوجاج في الفهم لو لم يكن عناداً؟!
يلاحظ على الوجه الثالث: أنّه فرية واضحة لا تصدر عن مسلم، بل يريدون منهم الدعاء و الطلب من اللّه مثل حال حياتهم، أو يطلبون من اللّه سبحانه قضاء حاجتهم، لأجل حرمة الوسائط الذين كرمهم اللّه في الدنيا و الآخرة، فالمدعو الحقيقي هو اللّه سبحانه، و هو الكعبة المقصودة مآلاً.
إذا وقفت على دلائله الداحضة. هلمّ نقرر أدلة القائلين بجواز هذا النوع من التوسل، و هي أدلة مشرقة لا تبقي لأحد شكاً، و إليك البيان:
1) . الزمر: 3.
عن عثمان بن حنيف أنّه قال:
إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال:
ادع اللّه أن يعافيني.
فقال صلى الله عليه و آله و سلم: إن شئت دعوت، و إن شئت صبرت و هو خير.
قال: فادعه! فأمره صلى الله عليه و آله و سلم أن يتوضّأ فيحسن وضوءه، و يصلي ركعتين. و يدعو بهذا الدعاء:
«اللّهمّ إنّي أسألك و أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه في».
قال ابن حنيف: و اللّه ما تفرّقنا و طال بنا الحديث، حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضر.
قال ابن تيمية: و قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه علّم رجلاً أن يدعو فيقول:
«اللّهمّ إنّي أسألك و أتوسل بنبيك...». و روى النسائي نحو هذا الدعاء(1).
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 13/1.
و قال الترمذي: هذا حديث حق حسن صحيح.
و قال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.
و قال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح و مشهور...(1).
نعم حاول محمد رشيد رضا، مؤلف المنار، الّذي علق على كتاب «مجموعة الرسائل و المسائل»، تأليف ابن تيمية، أن يضعف الحديث بحجة أنّه ورد في سنده أبو جعفر، و أنه غير أبي جعفر الخطمي(2).
و لكن المحاولة فاشلة، فإنّ إمام مذهبه أحمد في مسنده وصفه بالخطمي، و نقل الرفاعي عن نفس ابن تيمية أنّه جزم بأنّه هو أبو جعفر الخطمي، و هو ثقة.(3)و وصفه الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه ب (الخطمي المدني).
و لأجل أن يقف القارئ على مظانّ الحديث في الصحاح نذكر مصادره:
1 - سنن ابن ماجة، الجزء الأول، ص 441 رقم الحديث 1385، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتاب العربي، و قد عرفت تنصيصه بأنّه حديث صحيح.
2 - مسند أحمد، ج 4 ص 138 عن مسند عثمان بن حنيف، طبع
المكتب الإسلامي مؤسسة دار صادر، و قد روي هذا الحديث عن ثلاثة طرق.
3 - صحيح الترمذي ج 5، كتاب الدعوات، الباب 119، الحديث برقم 3578، و قد عرفت كلمته في حق الحديث.
4 - مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، الجزء الأول ص 313 طبع حيدرآباد الهند.
قال بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه.
5 - المعجم الكبير للطبراني: الجزء التاسع باب (ما أسند إلى عثمان بن حنيف) ص 17 برقم 8311، قال المعلق في ذيل الصفحة: و رواه في الصغير 183/1-184 و قال: لم يروه عن روح بن أبي القاسم إلّا شبيب بن سعيد المكي، و هو ثقة، و هو الّذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، و قد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي - و اسمه عمير بن يزيد - و هو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر بن فارس بن شعبة، و الحديث صحيح.
و بعد هذا كلّه لا مجال للمناقشة في سند الحديث أو الطعن فيه، كيف و الخصم الّذي يحاول أن يضعف كلّ صحيح، فشلت محاولته في حقّه، فسلم سنده، و لكن مضى يناقش في دلالته، و سيوافيك أنّها أيضاً محاولة فاشلة.
إنّ الحديث يدلّ بوضوح على أنّ الأعمى توسل بذات النبي بتعليم منه صلى الله عليه و آله و سلم فهو و إن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر، و لكنّ النبي علّمه دعاء تضمّن التوسل بذات النبي، و هذا هو المهم في تبيين معنى الحديث.
و بعبارة ثانية: الّذي لا ينكر عند الإمعان في الحديث أمران:
الأول: إنّ الراوي طلب من النبي الدعاء، و لم يظهر منه توسل بذات النبي.
الثاني: إنّ الدعاء الّذي علّمه النبي تضمّن التوسل بذات النبي بالصراحة التامة، فيكون دليلاً على جواز التوسل بالذات، و إليك الجمل الّتي هي صريحة في المقصود:
1 - اللّهمّ إنّي أسألك و أتوجّه إليك بنبيك.
إنّ كلمة «بنبيك» متعلقة بفعلين: «أسألك» و «أتوجه إليك» و المراد من النبي نفسه المقدسة و شخصه الكريم، لا دعاؤه.
إنّ من يقدّر كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيك» و يصوّر أنّ المراد: أسألك بدعاء نبيك، أو أتوجه إليك بدعاء نبيك، فهو يتحكم بلا دليل، و يؤوّل بلا جهة، و لو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهمية و القدرية.
2 - «محمد نبي الرحمة».
لكن يتضح أنّ المقصود هو السؤال من اللّه بواسطة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و شخصيته جاءت بعد كلمة (نبيك) جملة «محمد نبي الرحمة» لكن يتضح الهدف بأكثر ما يمكن.
3 - إنّ جملة «يا محمد إني أتوجه إلى ربي» تدل على أنّ الرجل - حسب تعليم الرسول - اتخذ النبي نفسه وسيلة لدعائه، أي أنّه توسل بذات النبي لا بدعائه.
4 - إنّ قوله: «و شفّعه في»: معناه يا ربّ اجعل النبي شفيعي و تقبّل شفاعته في حقي، و ليس معناه تقبّل دعاءه في حقي.
5 - فإنَّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتّى يكون معناه: استجب دعاءه في حقي، و لو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي، إذ ليس دعاؤه صلى الله عليه و آله و سلم من الأُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقّه.
نعم، إنّ الراوي طلب الدعاء من النبي، و النبي وعده بالدعاء حيث قال: إن شئت دعوت، و لكن النبي لمّا علّمه دعاء مؤثراً في قضاء حاجته، و سكت عن دعاء نفسه، صار هذا قرينة على أنّ وعده بالدعاء، كان أعم من الدعاء المباشري أو التسبيبي. فالدعاء الّذي وعد به النبي هو نفس الدعاء الّذي علمه الضرير، فكان دعاء له صلى الله عليه و آله و سلم بالتسبيب كما كان دعاء للضرير بالمباشرة.
فالنقطة المركزية في هذا التوسل هي شخص رسول اللّه و شخصيته
الكريمة، لا دعاؤه، و إن كان دعاؤه - في سائر المواضع - أيضاً مؤثراً مثل التوسل بشخصيته، و من تأمل في ما ذكرنا من القرائن يجزم بأنّ المتوسل به بعد تعليم النبي، هو نفس الرسول و شخصيته.
6 - و لنفترض أنّ معنى قوله: «و شفّعه في»: استجب دعاءه في حقي، و نفترض أنّه صلى الله عليه و آله و سلم - مضافاً إلى ما علّمه من الدعاء - قام بنفسه أيضاً بالدعاء، و دعا الباري سبحانه أن يرد إليه بصره، و لكن أيّة منافاة بين الدعاءين حتّى يكون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر.
فهناك كان دعاء من النبي و لم يذكر لفظه، و دعاء آخر علمه الرسول للضرير و قد تضمّن هذا الدعاء التوسل بذات النبي و شخصه، و ليس بين الدعاءين أي تزاحم و تعارض حتّى نجعل أحدهما قرينة على الآخر.
إنّ الخصم قد عجز عن الدفاع عن مذهبه و هو يواجه هذه الرواية، فإنّها بصراحتها تقاومه و تكافحه، فعاد يكرر ما ذكره شيخه في رسائله، غير أنّ شيخه: نقله بصورة الاحتمال، و لكن الرفاعي ذكره بحماس.
قال ابن تيمية: «و من الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً، حيّاً و ميتاً، و منهم من يقول: هذه قضية عين و ليس فيها إلّا التوسل بدعائه و شفاعته، لا التوسل بذاته»(1).
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 13/1.
ترى أنّ شيخ الرفاعي ينسبه إلى الغير عن تردد و شك، و لكن الرفاعي عاد يكرر هذا المطلب بثوب جديد، و يدّعي أنّ السائل لم يقصد التوسل بذات الرسول بل بدعائه المستجاب، و يستدل على ذلك بالعبارات التالية:
1 - قول الأعمى لرسول اللّه: ادع اللّه أن يعافيني.
2 - جواب الرسول له: إن شئت دعوت و إن شئت صبرت.
3 - إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه بقوله: فادعه.
4 - قول الأعمى في آخر دعائه الّذي علمه إياه رسول اللّه: اللّهمّ شفّعه في. فاستنتج من ذلك كله أنّ المتوسل به هو دعاؤه.
و لقد عزب عن المسكين أنّ الوجوه الثلاثة الأُولى لا تمت إلى مقصوده بصلة، لما عرفت من أنّ الأعمى في محاورته مع الرسول لم يكن يخطر بباله إلّا طلب الدعاء، و لأجل ذلك طلب منه الدعاء، و أنّ الرسول لما خيره بين الدعاء و الصبر على الأذى، اختار الدعاء و رفض الصبر، غير أنّ النقطة المركزية للاستدلال ليست هذه المحاورة، و إنّما هو الدعاء الّذي علّمه رسول اللّه الضرير، فإنه صلى الله عليه و آله و سلم علمه دعاء يتضمن التوسل بذات النبي: و بعبارة ثانية: كانت هناك حالتان:
الأُولى: المحاورة الابتدائية الّتي وقعت بين النبي و الضرير، فكان الموضوع هناك دعاء الرسول بلا شك.
الثاني: الدعاء الّذي علمه الرسول، فإنّه تضمن التوسل بذات النبي،
فالتصرف في هذا النص بحجة أنّ الموضوع في المحاورة الأُولى هو الدعاء، تصرف عجيب، فإنّ الأعمى و إن لم يتردد في خلده سوى دعاء الرسول المستجاب، و لكن الرسول علمه دعاء جاء فيه التوسل بذاته. و نحن نفترض أنه كان من الرسول، دعاء غير ما علمه للضرير، و لكن أية ضرورة تقضي بأن نؤوّل ما ورد في العبارة التي علّمها للسائل؟
فما هذه الشبه و الظنون الّتي يتمسك بها الرفاعي في سبيل دعم مذهبه؟
باللّه عليك أيها الكاتب الوهابي الّذي يعيش عيشاً رغداً في الرياض في ظل الثروة الطائلة للسلطة، لو لا أنّك من القائلين بمنع التوسل بذات النبي، هل كان يخلد ببالك أن المراد من الدعاء الّذي علمه للضرير، هو التوسل بدعاء النبي لا ذاته؟ و لو لا أنّك قد أخذت موقفاً مسبقاً في الموضوع، هل كان يتردد في ذهنك تأويل ذلك النص؟ و أنت و أشياخك و نظراؤك تصبّون القارعات على الذين يؤوّلون الصفات الخبرية كاليد و الاستواء و الوجه، و تصفونهم بالجهمية و المؤوّلة و غير ذلك من الألفاظ الركيكة، فكيف تسوّغون تأويل هذا النص الّذي لا يرتاب فيه إلّا من اتخذ رأياً مسبقاً؟
و أمّا قوله: «و شفّعه في» فقد قلنا إنّ المراد: اجعله شفيعاً لي، و ليس معناه استجب دعاءه في حقي، و إلّا لما عدل عن اللفظ الصريح إلى هذا اللفظ الّذي ليس بواضح في ما يريدون.
و العجب أنّ الرفاعي يتمسك بالطحلب و يقول:
«لو كان قصده التوسل بشخص الرسول أو بحقه أو بجاهه لكان يكفيه أن يبقى في بيته، و يدعو اللّه قائلاً مثلاً: اللّهمّ ردّ بصري بجاه نبيك، دون أن يحضر و يتجشم عناء المشي...
و لكن ليس هذا بعجيب ممن اتّخذ رأياً مسبقاً في الموضوع، و ذلك لأنّ الضرير لم يكن متذكراً هذا النوع من التوسل حتّى يجلس في بيته و يتوسل به صلى الله عليه و آله و سلم و إنّما علّمه النبي الأكرم، و ما معنى هذا الترقب من الرجل؟!
ثمّ إنّ الكاتب يدّعي أن لفظ الحديث و مفاهيم اللغة العربية و قواعدها كلها تشهد بأنّ معناه هو التوسل بدعاء النبي، ما ذا يريد من لفظ الحديث؟ هل يريد المحاورة الأُولى الّتي لا تمتّ إلى مركز الاستدلال و موضعه بصلة، أو يريد الدعاء الّذي علمه الرسول؟ فهو يشهد بخلافه؟
و ما ذا يريد من مفاهيم اللغة العربية و قواعدها، و أيّة قاعدة عربية تمنع الأخذ بظاهر الدعاء؟
(ما هكذا تورد يا سعد الإبل!).
إنّك إذا قرأت ما جاء به الكاتب من صخب و هياج في ذيل كلامه، لتعجبت من عباراته الفارغة و كلماته الجوفاء، الّتي هي بالخطابة أشبه منها بالبرهان.
روى الطبراني عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه و لا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضاة، فتوضأ، ثمّ ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثمّ قل: اللّهمّ إنّي أسألك و أتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه و آله و سلم نبيّ الرحمة يا محمد! إنّي أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي، فتذكر حاجتك، و رح حتّى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) فجاء البواب حتىٰ أخذ بيده فأدخله علىٰ عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته و قضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كان الساعة؟ و قال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك اللّه خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، و لا يلتفت إليّ حتّى كلّمته في، فقال عثمان بن حنيف: و اللّه ما كلمته، و لكن شهدت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه و آله و سلم: فتصبر! فقال يا رسول اللّه. ليس لي قائد فقد شقّ علي. فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم ائت الميضاة فتوضأ، ثمّ صل ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات...
قال ابن حنيف: فو الله ما تفرقنا و طال بنا الحديث، حتّى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرّ قط.(1)
و رواه في المعجم الصغير فقال: لم يروه عن روح بن القاسم إلّا شبيب بن سعيد، أبو سعيد المكي، و هو ثقة، و هو الّذي يحدث عنه أحمد (ابن أحمد) ابن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، و قد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي و اسمه عمير بن يزيد، و هو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، و الحديث صحيح، و روى هذا الحديث عون بن عمارة عن روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (رضي اللّه عنه) و هو فيه عون بن عمار، و الصواب شبيب بن سعيد(2).
إنّ دلالة الحديث على جواز التوسل بالنبي أظهر من الشمس و أبين من الأمس، و لكن الكاتب الوهابي أخذ يناقش في الحديث من جوانب أُخرى. فقال: «إنّ هذا الحديث تتجلّى فيه آثار الصنع، و يدلّ عليه أُمور:
1 - إنّ ما ذكره لا يوافق سيرة عثمان بن عفان لما اشتهر عنه من الرقة و اللين.
2 - إنّ معنى التوسل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسل به إلى اللّه تعالى بقضاء حاجة المتوسل، لا كما يعرفه القوم في زماننا هذا من التوسل بذات المتوسل به.
3 - لو كان دعاء الأعمى الّذي علّمه رسول اللّه دعاء ينفع لكل زمان و مكان، لما رأينا أيّ أعمى على وجه البسيطة».
يلاحظ عليه: أنّ كل واحد من هذه الوجوه ساقط جداً لا يمكن أن يستدلّ به على جعل [وضع] الحديث.
أمّا الأوّل: فلأنّ المعروف من الخليفة هو تكريم الأقربين و الإحسان إليهم، خصوصاً بني أبيه، لا تعميمه إلى الجميع. هذا هو التاريخ ضبط عطاءه لمروان بن الحكم خمس غنائم افريقية، و الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم، و قضى ما استقرضه الوليد بن عقبة من عبد اللّه بن مسعود الّذي كان أمين بيت المال في عصر ولاية الوليد على الكوفة، إلى غير ذلك من عطاياه إلى بني أبيه و أقربائه.(1)و في الوقت نفسه كان أبو ذر يعيش في الربذة و يعاني من جوع أليم، و يليه في الفقر و بساطة الحياة عبد اللّه بن مسعود، و عمار بن ياسر، فلا يمكن أن يقال إنّ الخليفة كان ينظر إلى الجميع بعين واحدة، و قد كان عمله هذا هو الّذي أجهز عليه و انتكث عليه فتله. هذا هو الإمام عليّ عليه السلام يصف ذلك العصر بقوله:
«إلى أنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أبِيهِ يَخْضمُونَ مَالَ اللّه خِضْمَةَ الإبلِ نَبْتَةَ الرّبيعِ».(2)
و في رسالته إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة يقول:
أوْ أبيتَ مِبْطاناً وَ حَولي بُطُونٌ غَرْثَى و أكْبادٌ حَرّى، أو أكُونَ كَمَا قَالَ القَائِلُ:
وَ حَسْبُكَ دَاءً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ *** وَ حَوْلَكَ أكْبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدّ(1)
و هو يشير بذلك إلى الأوضاع السائدة في عصره و عصر من تقدمه.
و أمّا الثاني: فهو من غرائب الكلام، فقد جعل مذهبه دليلاً على ضعف الرواية، و هو أنّ معنى التوسل عند الصحابة - هو التوسل بدعاء الشخص لا بذاته - فمن أين يدّعي أن هذا مذهب الصحابة، و ما هو المصدر لذاك الحصر؟ مع أنّ الحديثين المرويين من طريق ذلك الصحابي الجليل، يدلان على خلافه.
و أمّا الثالث: فهو إطاحة بالوحي و ازدراء به، و لو صحّ فلقائل أن يقول: لو صحّ قوله سبحانه: «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2)يجب أن لا يبقى على وجه البسيطة ذو حاجة.
و لو صحّ قوله: «أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ اَلسُّوءَ...»(3)يجب أن لا يبقى على وجه البسيطة مضطرّ أو فقير، مع أنّ البسيطة مليئة بالمضطر و المحتاج.
نعم، إنّ الدعاء سبب لنزول الرحمة و دفع الكربة، و لكن ليس تمام السبب لإنجاح المقصود، بل له شروط و معدات، و له موانع و عوائق، و لأجل
ذلك نرى أنّ كثيراً من الأدعية لا تستجاب مع أنّه سبحانه يحث عباده على الدعاء، و أنّه يستجيب إذا دعاه و يقول: «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».
هذا كله حول مناقشاته في متن الرواية و مضمونه.. هلمّ معي نستمع مناقشته في السند:
يقول: إنّ في سند هذا الحديث رجلاً اسمه (روح بن صلاح) و قد ضعّفه الجمهور، و ابن عديّ، و قال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة.
يلاحظ عليه: أنّ الطبراني نقل الرواية بهذا السند:
«حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري، حدثنا أصبغ بن الفرح، حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف».(1)
كما نقله بهذا السند في المعجم باختلاف يسير لا يضرّ بوحدة السند.
و رواه البيهقي بالسند التالي:
«أخبرنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد - رحمه اللّه - أنبأنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، قال: أنبأنا أبو عروبة، حدثنا العباس بن الفرج، حدثنا إسماعيل بن شبيب، حدثنا أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني... (إلى آخر السند).(2)
و أنت ترى أنّه ليس في طريق الرواية «روح بن صلاح» بل الموجود هو روح بن القاسم، و الكاتب صرّح بأن الرواية رواها الطبراني و البيهقي، و هذا يعرب عن أنّ الكاتب لم يرجع إلى المصادر و إنّما اعتمد على تقوّل الآخرين.
نحن نفترض أنّه ورد في سند الرواية روح بن صلاح، و لكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدقه المعاجم الموجودة فيما بأيدينا، و إنّما ضعّفه ابن عدي، و في الوقت نفسه وثّقه ابن حبان و الحاكم. و سيوافيك الكلام في حقه في حديث فاطمة بنت أسد، فانتظر. أ هكذا أدب نقد الرواية يا شيخ؟ هداك اللّه إلى النهج القويم.
و في الختام نقول: إنّ السبكي نقل الرواية عن المعجم الكبير للطبراني بنفس السند الّذي نقلناه، و هذا يكشف عن صحة المطبوع(1).
قبل أن نذكر نص توسل الخليفة عمر بعم النبي: ننبّه على أمر و هو:
إنّ سيرة المسلمين في حياة النبي و بعد وفاته تعرب عن أنهم كانوا يتوسلون بأولياء اللّه، من دون أن يتردد في خلد واحد منهم بأنه أمر حرام أو شرك أبو بدعة، بل كانوا يرون التوسل بدعاء النبي و الصالحين رمزاً إلى
1) . لاحظ: شفاء السقام: 139-140.
التوسل بالنبي و منزلته و شخصيته، فإنه لو كان لدعائه أثر، فإنما هو لأجل قداسة نفسه و طهارة ذاته، و لولاها لما استجيبت دعوته، فما معنى الفرق بين التوسل بدعاء النبي و التوسل بشخصه و ذاته؟ حتّى يكون الأول نفس التوحيد، و الآخر عين الشرك أو ذريعة إليه؟
لم يكن التوسل بالصالحين و الطيبين و المعصومين و المخلصين من عباد اللّه أمراً جديداً بين الصحابة، بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الإسلام، فقد تضافرت الروايات التاريخية على ذلك، و إليك البيان:
إنّ عبد المطلب استسقى بالنبي الأكرم و هو طفل صغير، حتّى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش و النبي معه غلام(1).
أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة، قال: قدمت مكة و هم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، و أجدب العيال، فهلم فاستسق،
1) . فتح الباري: 398/2؛ دلائل النبوة: 126/2.
فخرج أبو طالب و معه غلام - يعني: النبي صلى الله عليه و آله و سلم - كأنّه شمس دجى تجلت عن سحابة قتماء، و حوله أغيلمة، فأخذ النبي أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، و لاذ إلى الغلام و ما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا و أغدق و اغدودق، و انفجر له الوادي، و أخصب النادي، و البادي، و في ذلك يقول أبو طالب:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)
و قد كان استسقاء أبي طالب بالنبي و هو غلام، بل استسقاء عبد المطلب به و هو صبي أمراً معروفاً بين العرب، و كان شعر أبي طالب في هذه الواقعة مما يحفظه أكثر الناس.
و يظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم كان موضع رضا منه صلى الله عليه و آله و سلم فإنّه بعد ما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر و أخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه، و من ينشدنا قوله؟ فقام عليّ عليه السلام و قال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كأنك أردت قوله:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(2)
إنّ التوسل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع؛ هذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «و أحب أن يخرج الصبيان، و يتنظفوا للاستسقاء، و كبار النساء، و من لا هيبة منهن؛ و لا أحب خروج ذات الهيبة، و لا آمر بإخراج البهائم.(3)ما هو الهدف من إخراج الصبيان
و النساء الطاعنات في السن، إلّا استنزال الرحمة بهم و بقداستهم و طهارتهم؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسل بالأبرياء و الصلحاء و المعصومين مفتاح استنزال الرحمة و كأنّ المتوسل يقول: ربي و سيدي، الصغير معصوم من الذنب، و الكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، و كلتا الطائفتين أحق بالرحمة و المرحمة. فلأجلهم أنزل رحمتك علينا، حتّى تعمّنا في ظلّهم.
إنّ الساقي ربما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة، و في ظلّها تسقى الأعشاب و سائر الخضراوات غير المفيدة.
و على ضوء ذلك تقدر على تفسير توسل الخليفة بعمّ الرسول: العباس بن عبد المطلب، الّذي سنتلوه عليك، و أنه كان توسلاً بشخصه و قداسته وصلته بالرسول، و أنه كان امتداداً للسيرة المستمرة قبل هذا، و لا يمت إلى التوسل بدعاء العباس بصلة، و إنما هو شيء اخترعه الوهابيون لحفظ موقفهم المسبق في هذه المباحث.
ما تعرفت عليه سابقاً كان مقدمة لدراسة هذا الحديث الّذي يرويه البخاري في صحيحه و يقول: «كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي اللّه عنه) و قال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا، و إنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا. قال:
فيسقون».(1)
1) . صحيح البخاري: 32/2، باب صلاة الاستسقاء.
هذا نص البخاري، و هو يدل على أنّ عمر بن الخطاب عند دعائه و استسقائه توسل بعم النبي و شخصه و شخصيته، و قداسته و قرابته من النبي، لا بدعائه، و يدلّ على ذلك أُمور:
1 - قول الخليفة عند الدعاء.. قال: «اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، و إنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا». و هذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء، و توسل بعم الرسول في دعائه، و لو كان المقصود هو التوسل بدعائه، كان عليه أن يقول: يا عم رسول اللّه كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا اللّه، و الآن نطلب منك الدعاء فادع لنا.
2 - روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لما اشتدّ القحط، فسقاهم اللّه تعالى به، و أخصبت الأرض، فقال عمر: هذا و اللّه الوسيلة إلى اللّه و المكان منه. و قال حسان:
سأل الإمام و قد تتابع جدبنا *** فسقى الغمام بغرة العباس
عمّ النبي و صنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناس
أَحَيا الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرة الأجناب بعد الياس
و لما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس و يقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.(1)
أمعن النظر في قول الخليفة: هذا و اللّه الوسيلة.
3 - و يظهر من شعر حسان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة و هو
1) . أُسد الغابة: 111/3 طبع مصر.
الداعي حيث قال: «سأل الإمام...» و كان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء.
و أظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكاً و لا ريباً في خلد أحد في جواز التوسل بالصالحين.
يقول الرفاعي: «لا ريب في أنّ هذا الحديث صحيح، و ما ظنك بحديث يرويه الإمام البخاري» و لكنه بصلافة خاصة به يدَّعي أنّه من قبيل توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن، و يقول: إنّ الحديث يخبرنا أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلّف العباس أن يستسقي للمسلمين و يدعو اللّه تعالى أن يستسقيهم الغيث؛ و بيّن الأسباب الموجبة لتكليف العباس، فقال: اللّهمّ إنّا كُنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا، و إنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا.(1)
ثمّ أضاف: أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات النبي صلى الله عليه و آله و سلم أفضل و أعظم و أقرب إلى اللّه من ذات العباس بلا شك و لا ريب، فثبت أن القصد كان الدعاء و لم تكن ذات الرسول مقصودة عند ما كان حيّاً.(2)
لا أظن أنّ أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف تجاه الحقيقة يسوغ لنفسه
أن يفسر الحديث بما ذكره، فمن أين يقول: إنّ عمر بن الخطاب كلّف العباس أن يستسقي للمسلمين، بل الخليفة قام بنفسه بالاستسقاء متوسلاً بعم النبي العباس حيث قال: «اللّهمّ إنّا نتوسل..» فإنّ الاستسقاء وظيفة الإمام، و كان الإمام هو الخليفة نفسه لا العباس و قد عقد البخاري باباً و قال: (باب إذا استشفعوا إلى الإمام يستسقي لهم لم يردهم)(1).
و يؤيد أنّ المستسقي هو الإمام و من كان معه في المصلى، ما رواه المؤرخ الكبير ابن الأثير فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس، عام الرمادة، لما اشتد القحط، فسقاهم اللّه تعالى به و أخصبت الأرض، فقال عمر: هذا و اللّه الوسيلة إلى اللّه و المكان منه. و قال حسان:
سأل الإمام و قد تتابع جدبنا *** فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي و صنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرة الأجناب بعد الياس
و لما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس و يقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.(2)
يقول القسطلاني: إنّ عمر لما استسقى بالعباس قال: أيها الناس إنّ رسول اللّه يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا به في عمه، و اتخذوه وسيلة إلى اللّه تعالى.
ثمّ إنّ الاستسقاء و إن كان يتم بصرف الدعاء، و لكن أفضله هو
الاستسقاء بركعتين من الصلاة. و روى البخاري أنّ النبي استسقى فصلى ركعتين، و قلب رداءه.
و روى أيضاً أنّ النبي خرج إلى المصلّى يصلّي، و أنّه لمّا دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة و حوّل رداءه.(1)
و لو كان الاستسقاء بإقامة الصلاة، فكانت الإمامة للخليفة، و الائتمام للباقين.
و لو تحقق بصورة الدعاء، فكان الدعاء من الخليفة، و المرافقة بالتأمين من غيره. و لا ينافي ذلك أن يكون لكل من المأمومين دعاء على حدة، وراء الدعاء الّذي يدعو به الإمام، و قد ضبط متن الدعاء الّذي دعا به العباس، و قد نقلوا أنّه كان من دعائه:
اللّهمّ لم ينزل بلاء إلّا بذنب، و لم يكشف إلّا بتوبة، و هذه أيدينا إليك بالذنوب و نواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث.(2)
و لقد ورد في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت استحباب إخراج الصغار الرضّع، و الكبار الركّع إلى المصلى، ليكون الحال أنسب لنزول الرحمة الإلهية، فإنّ الصغير معصوم من الذنب، و الكبير الطاعن في السن أسير اللّه في أرضه، و كلتا الطائفتين، أحق بالرحمة و المرحمة، فببركتهم تنزل الرحمة و تعم غيرهم، و بذلك يظهر الجواب عما ذكره الرفاعي من أنّه لو كان قصد الخليفة ذات العباس لكان النبي أولى و أقرب إلى اللّه من ذات
العباس - لما عرفت - من أنّ الهدف من إخراج عم النبي إلى المصلى و ضمه إلى الناس، هو استنزال الرحمة، قائلين بأننا لو لم نكن مستحقين لنزول الرحمة لكن عمّ النبي لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحهُ من أزمة القحط و الغلاء و بالتالي تعم غيره؛ و من المعلوم أن هذا لا يتحقق إلّا بالتوسل بإنسان حي يكون شريكاً مع الجماعة في المصير، و في عناء العيش و رغده، لا مثل النبي الراحل الخارج عن الدنيا و النازل دار الآخرة، و لو توسل به أيضاً، فإنما هو بملاك آخر، و لم يكن مطروحاً في المقام.
روى جمع من المحدثين أنّ أعرابياً دخل على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و قال: لقد أتيناك و ما لنا بعير يئط، و لا صبي يغط، ثمّ أنشأ يقول:
أتيناك و العذراء تدمى لبانها *** و قد شغلت أُم الصبي عن الطفل
و لا شيء مما يأكل الناس عندنا *** سوى الحنظل العامي و العلهز الفسل
و ليس لنا إلّا اليك فرارنا *** و أين فرار الناس إلّا إلى الرسل؟
فقام رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يجر رداءه حتّى صعد المنبر، فرفع يديه و قال:
اللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً... فما رد النبي يديه حتّى ألقت السماء... ثمّ قال: للّه در أبي طالب، لو كان حيّاً لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟
فقام عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قال: كأنّك تريد يا رسول اللّه قوله:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهُلّاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل
فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: أجل.
فأنشد عليّ عليه السلام أبياتاً من القصيدة، و الرسول يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثمّ قام رجل من كنانة و أنشد يقول:
لك الحمد و الحمد ممن شكر *** سقينا بوجه النبي المطر(1)
إنّ الإمعان في مجموع الرواية يعرب عن أنّ الأعرابي توسل بشخص النبي و طلب منه قضاء حاجته، و الدليل على ذلك الأُمور التالية:
أ - أتيناك و ما لنا بعير يئط.
ب - أتيناك و العذراء تدمى لبانها.
1) . السيرة الحلبية: 116/1. لاحظ فتح الباري: 494/2 و القصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام: 272/1-280
ج - و ليس لنا إلّا إليك فرارنا.
د - و أين فرار الناس إلّا إلى الرسل؟
ه - إنشاء عليّ بن أبي طالب شعر والده، و هو يتضمن قوله: «و أبيض يستسقى الغمام بوجهه».
روى ابن عساكر عن أبي عرفة قال: قدمت مكة و هم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب! أقحط الوادي و أجدب، فهلم و استسق، فخرج أبو طالب و معه غلام كأنه شمس دجى، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، و لاذ بإصبعه الغلام و ما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا و أغدق و اغدودق، انفجر له الوادي، و أخصب البادي و النادي، و إلى تلك الحادثة يشير أبو طالب في شعره:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)
فمماثلة الحادثتين تحكم بأنّ التوسل كان بذات النبي، كما كان توسل أبي طالب بنفس النبي.
و - قول رجل من كنانة في شعره، «سقينا بوجه النبي المطر».
كل ذلك يعرب عن أنّ التوسل كان من الأعرابي و غيره بنفس النبي.
نعم إنّ النبي الأكرم قام بالدعاء، فلا يكون دعاء النبي قرينة على أنّ الأعرابي توسل بدعائه، إذ لا منافاة بين أن يكون توسله بشخص النبي
1) . مر المصدر
و كرامته و فضيلته، و بين أن يقوم النبي بقضاء حاجته (استنزال المطر) بطلبه من اللّه سبحانه.
فمن يريد أن يؤوّل هذه النصوص و يجعلها من قبيل التوسل بالدعاء، فهو إنّما يحاول دعم رأيه المسبق.
إنّ الشيخ الرفاعي لكونه قد اتخذ موقفاً مسبقاً خاصاً في التوسل بالأنبياء و الصالحين، تجشّم عناء تأويل نصوص الأحاديث بما يتبناه، و لما كان الحديث صريحاً في التوسل بنفس النبي صار يعترض على هذه الدلالة قائلاً بأنّ الأعرابي جاء إلى النبي ليدعو اللّه لهم بأن يستسقيهم الغيث، و إلّا لبقي الأعرابي في منزله، و اكتفى أن يقول و هو في بيته: اللّهمّ اسقنا الغيث بجاه نبيك، أو بذات نبيك، و لما تجشّم المجيء من أهله و بيته إلى النبي في المدينة.(1)
يلاحظ عليه: أنَّه لا منافاة بين الأمرين حتّى يكون أحدهما قرينة على الأُخرى، حتّى يتصرّف في النصوص بتفسيرها الخاص بالتوسل إلى الدعاء، فالأعرابي توسل بذات النبي، و لا يهمّه سوى قضاء حاجته من أي طريق كان، سواء أتحقق بدعاء النبي أم بإعجازه و كرامته، و أمّا أنه لما ذا تجشم عناء المجيء من أهله و بيته إلى النبي و لم يكتف بالتوسل نفسه، فلأنّه كان
1) . التوصل إلى حقيقة التوسل: 291 و قد أخذه من شيخه ابن تيمية. لاحظ مجموعة الرسائل و المسائل: 13/1.
يرى للمثول أمامه فضيلة و كرامة، أو أنّ توسله بشخصه إذا انضمّ إليه دعاء النبي يوجب قضاء حاجته و لا يتحقق إلّا بالحضور لديه، فلأجل ذلك جاء إلى النبي و توسل بشخصه و شخصيته، فصار ذلك سبباً لقيام النبي، و لا يعني هذا أنّه توسل بدعائه صلى الله عليه و آله و سلم، إذ لا منافاة بين أن يتوسل الأعرابي بشخصه، و بين أن يكون هذا داعياً للنبي أن يقوم بالدعاء، فلا يكون دعاؤه قرينة على كيفية التوسل.
و أخيراً يؤاخذ الرفاعي بأنه ذكر متن الحديث بصورة مختصرة، فترك ما ذكرناه من القرائن، و لم يشر إلى المصادر الكثيرة الّتي نقلت هذا الحديث.
جاء الرفاعي يناقش في سند هذا الحديث بأنّ في سنده (مسلم الملائي)، و نقل عن علماء الرجال أنّه متروك، و قال أحمد: لا يكتب حديثه. و قال يحيى: ليس بثقة، و قال البخاري: يتكلمون فيه، و قال يحيى أيضاً: زعموا أنه اختلط، و قال النسائي و غيره: متروك، و قال الذهبي: إنّه روى حديث الطير الّذي أهدته أُم أيمن لرسول اللّه، و حديث الطائر موضوع عند أهل الحديث.
أقول: إنّ ذيل العبارة يكشف عن الدافع الّذي دفع هؤلاء إلى تضعيف الرجل، و هو ليس إلّا كونه ناقلاً لفضيلة ساطعة للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
روى أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة مولى رسول اللّه قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول اللّه طيرين بين رغيفين، فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: اللّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك و إلى رسولك، فجاء عليّ عليه السلام فرفع صوته، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: من هذا؟ قلت: عليّ، قال: فافتح له، ففتحت له فأكل من الطير مع النبي حتّى فنيا.(1)
و على ضوء هذا لا تقام لهذا التضعيف قيمة.
إنّ المنصور الدوانيقي سأل مالك بن أنس، إمام المالكية، عن كيفية زيارة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و التوسل به، فقال لمالك:
يا أبا عبد اللّه، أستقبل القبلة و أدعو. أَم أَستقبل رسول اللّه؟
فقال مالك في جوابه:
لم تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله و استشفع به فيشفعه اللّه، قال اللّه تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(2).
و قد نقل ابن حجر الهيثمي عن الإمام الشافعي هذين البيتين:
آل النبي ذريعتي *** و همُ إليه وسيلتي
أرجو بهم أُعطىٰ غداً *** بيدي اليمين صحيفتي(1)
هذه النقول و النصوص من أئمة الأُمّة و مشاهيرها تكشف عن أمرين:
1 - إنّ التوسل بالصالحين - و في الطليعة الأنبياء العظام - كان أمراً رائجاً بين المسلمين، و لم يخطر ببال أحد أنّه شرك، كما لم يخطر ببالهم التفريق بين التوسل بأشخاصهم و ذواتهم، و لم يصنع هذا التفريق سوى الوهابيين الذين يسعون في الحط من منزلة الصالحين و مكانتهم، و يجعلون التوسل بدعائهم كالتوسل بدعاء الأخ المؤمن، و إنّه لا فرق بين هذا و ذاك، و هم و إن كانوا لا يصرحون بهذه التسوية، لكنهم يكنون ذلك و يضمرونه.
2 - إنّ هذه النصوص تفسّر لنا قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ وَ جٰاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(2).
فإنّ الوسيلة سواء أ فسّرت بمعنى القرابة و المنزلة و الدرجة، كما عليه أكثر المفسرين مأخوذاً من قولهم توسلت إليه، أي تقرّبت.
قال عنترة بن شداد:
إن الرجال لهم إليك وسيلة *** أن يأخذوك تلجلجي و تحصني
و يقال: وسل إليه، أي: تقرّب. قال لبيد:
بلى كل ذي رأي إلى اللّه واسل.
و عليه فمعنى الوسيلة: الوصلة و القربة.
أم فسرت بما يتقرب به إلى الغير و يجمع على الوسائل و الوسل، كما عليه أهل اللغة، قال الجوهري في صحاحه: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، و الجمع الوسل و الوسائل، و توسل إليه بوسيلة أي: تقرّب إليه بعمل.
و في القاموس: الوسيلة و الواسلة: المنزلة عند الملك و الدرجة و القربة.
و في المصباح: وسلت إلى اللّه بالعمل: رغبت و تقربت، و منه اشتقاق الوسيلة، و هي ما يتقرب به إلى اللّه، و الجمع الوسائل، و على أي تقدير:
فالتوسل بالصالحين بما لهم من مكانة و منزلة عند اللّه، إمّا أنّه بذاته تقرب إلى اللّه تعالى لأنّ إظهار المودة لمن يحبه اللّه محبوب و عمل صالح، أو وسيلة يتقرب به الإنسان إلى اللّه سبحانه، فهذه النقول تعرب عن مصداق للوسيلة في عرض سائر المصاديق من الأعمال الصالحة و العبادات، خصوصاً الجهاد ضد العدو الداخلي و الخارجي الّذي جاء في ذيل الآية، فتخصيص الوسيلة بالعبادات و الاستغفار تخصيص بلا جهة.
إلى هنا تم الكلام حول التوسل بالصالحين أنفسهم و ذواتهم، و بقي الكلام في التوسل بمنزلتهم و كرامتهم و حقّهم، و إليك البيان:
«وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ مٰا يُعْلِنُونَ»(1).
1) . القصص: 69.
أقسام التوسل:
إنّ من التوسلات الرائجة بين المسلمين منذ وقعوا في إطار التعليم الإسلامي، التوسل بمنازل الصالحين و حقوقهم على اللّه.
و ليس معنى ذلك أنّ للعباد أو لبعضهم على اللّه سبحانه حقّاً ذاتياً يلزم عليه سبحانه [عدم] الخروج عنه، بل للّه سبحانه الحق كلّه، فله على الناس حقّ العبادة و الطاعة إلى غير ذلك، بل المراد المقام و المنزلة الّتي منحها سبحانه عباده تكريماً لهم، و ليس لأحد على اللّه حقّ إلّا ما جعله اللّه سبحانه حقّاً على ذمّته لهم تفضّلاً و تكريماً، قال سبحانه: «وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ»(1).
و سيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن أحلاف اللّه سبحانه بحق المخلوق، فانتظر.
1) . الروم: 47.
إنّ هذا النوع من التوسل لا يفترق عن التوسل بذات النبيّ و شخصه، فإنّ المنزلة و المقام مرآة لشخصه و ذاته، فإنّ حرمة الشخص و كرامته و منزلته نابعة من كرامة ذاته و فضيلتها، فلو صحّ التوسل بالأوّل كما تعرفت عليه من الأحاديث، يصحّ الثاني من دون إشكال أو إبهام.
و يدلّ عليه من الأحاديث ما نذكره:
روى عطية بن العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، و أسألك بحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً و لا بطراً و لا رياء و لا سمعة، خرجت اتّقاء سخطك و ابتغاء مرضاتك، أن تعيذني من النار و أن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت. إلّا أقبل اللّه عليه بوجهه، و استغفر له سبعون ألف ملك».(1)
فالحديث واضح مضموناً، و يدل على أنّ للإنسان أن يتوسل إلى اللّه بحرمة أوليائه الصالحين و منزلتهم و جاههم، فيجعلها وسيلة لقضاء حاجته.
إنّ الكاتب الوهابي الرفاعي، حيث لم يجد ضعفاً في الدلالة، أخذ يضعف سند الحديث، قائلاً بأنّ «في سنده عطية العوفي و هو ضعيف»(2).
أقول: إنّ الدافع الوحيد لتضعيف عطية، ذلك التابعي الشهير، كما وصفه به الذهبي في «ميزان الاعتدال» هو تشيّعه و ولاؤه لعلي و آله عليهم السلام، و لأجل ذلك نرى أنّ الذهبي ينقل عن سالم المرادي: «كان عطية يتشيّع»، و إنّ التشيّع أحد وجوه التضعيف لدى القوم، و مع ذلك قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ضعيف، و قال ابن معين: صالح.
و قال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: «عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً».(1)
و قال في «تهذيب التهذيب»: قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، و لعطية عن أبي سعيد أحاديث عدة، و عن غير أبي سعيد، و هو مع ضعفه يكتب حديثه، و كان يعدّ من شيعة أهل الكوفة. قال الحضرمي: توفي سنة إحدى عشرة و مائة.
و قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبّ عليّ - إلى أن قال: - و كان ثقة إن شاء اللّه، و له أحاديث صالحة. كان أبو بكر البزار يعده في التشيع، روى عن جلّة الناس. و قال الساجي: ليس بحجة، و كان يقدّم عليّاً على الكل.(2)
و هذه النصوص تعرب عن تضارب الأقوال في حقه، كما تكشف عن
أنّ الدافع المهم لتضعيفه، تشيّعه و حبّه و ولاؤه و تقديمه علياً، و هل هذا ذنب؟
إنّ لوضع الحديث دوافع خاصة يوجد أكثرها في أبواب المناقب و المثالب و خصائص البلدان و القبائل، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد، كالبدع الموروثة من اليهود و النصارى في أبواب التجسيم و الجهة و الجنة و النار، و أمّا مثل هذا الحديث الّذي يعرب بوضوح عن أنّه كلام إنسان خائف من اللّه سبحانه، ترتعد فرائصه من سماع عذابه، فبعيد عن الوضع و الجعل.
روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، أنه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُم علي - رضي اللّه عنهما - دخل عليها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فجلس عند رأسها، فقال: رحمك اللّه يا أُمي. كنت أُمي بعد أُمي، تجوعين و تشبعينني، و تعرين و تكسينني، و تمنعين نفساً طيباً و تطعمينني، تريدين بذلك وجه اللّه و الدار الآخرة، ثمّ أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الّذي فيه الكافور، سكبه رسول اللّه بيده، ثمّ خلع رسول اللّه قميصه فألبسها إياه، و كفّنها ببرد فوقها، ثمّ دعا رسول اللّه أُسامة بن زيد و أبا أيوب الأنصاري، و عمر بن الخطاب و غلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد، حفره رسول اللّه بيده، و أخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول اللّه فاضطجع فيه و قال: «اللّه الّذي يحيي و يميت و هو حيّ لا يموت،
اغفر لأُمي فاطمة بنت أسد، و لقّنها حجتها، و وسّع عليها مدخلها بحق نبيك و الأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين»، و كبّر عليها أربعاً، و أدخلها اللحد هو و العباس و أبو بكر.
رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260-360 ه).
و الاستدلال به مبني على تمامية الرواية سنداً و مضموناً، و إليك البحث فيهما معاً:
1 - رواه الطبراني في المعجم الأوسط، ص 356-357، و قال: لم يروه عن عاصم إلّا سفيان الثوري، تفرّد به «روح بن صلاح».
2 - و رواه أبو نعيم من طريق الطبراني في حلية الأولياء: 121/3.
3 - رواه الحاكم في مستدركه، ج 3، ص 108، و هو لا يروي في هذا الكتاب إلّا الصحيح على شرط الشيخين (البخاري و مسلم).
4 - رواه ابن عبد البر في الاستيعاب. لاحظ هامش الإصابة، ج 4، ص 382.
5 - نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 118 - برقم 17.
6 - و رواه الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة 708 ه في مجمع الزوائد و منبع الفوائد، ج 9 ص 256-257.
و قد جمع فيه زوائد مسند الإمام أحمد، و أبي يعلى الموصلي أبي بكر البزاز، و معاجم الطبراني الثلاثة، و قال: رواه الطبراني في الكبير و الأوسط،
و فيه روح بن صلاح وثَّقه ابن حبان و الحاكم، و فيه ضعف، و بقية رجاله رجال الصحيح.
7 - رواه المتقي الهندي في كنز العمال، ج 13، ص 636، برقم 37608.
هؤلاء الحفاظ نقلوا الحديث في جوامعهم، و صرّحوا بأنّ رجال السند رجال الصحيح، و أنه لو كان هناك ففي روح بن صلاح، و قد وثَّقهُ العلمان: ابن حبان و الحاكم.
و قال الذهبي: روح بن صلاح المصري، يقال له ابن سيابة، ضعّفه ابن عدي، يكنّى أبا الحارث، و قد ذكره ابن حبان في الثقات، و قال الحاكم: ثقة مأمون.(1)
و لكن الكاتب الوهابي المعاصر يقول في سند الحديث: إنّ هذا الحديث غير صحيح، لأنّ في سنده رجلاً هو روح بن صلاح و قد ضعّفه الجمهور، و قد روى أحاديث منكرة، كما صرح بذلك ابن يونس و ابن عدي.(2)
و أنت خبير بأنّه إنّما ضعّفه (ابن عدي) و أين هذا من قوله: و قد ضعّفه الجمهور، أ ليس ابن حبان من أعلام الحديث و رجاله؟ أو ليس الحاكم هو الحافظ الكبير الّذي استدرك على صحيحي الشيخين بما تركاه؟
إنّ الإنسان إذا اتّخذ موقفاً مسبقاً في الموضوع، يحاول أن يضعف
الصحيح و القوي، و يقوي و يصحح الضعيف، و على كل تقدير فليس لنا ترك هذا الحديث و عدم العمل به بمجرد تضعيف ابن عدي لتوثيق غيره.
و أظن - و ظن الألمعي صواب - أنّ الدافع إلى تضعيف نظراء روح بن صلاح هو ولاؤه و مودته لأهل بيت النبوة، حيث نقل هذه الدرة الباهرة في حق أُم سيد الأوصياء.
هذا كله حول السند، و أمّا الدلالة فلا أظن أنّ من يملك شيئاً من الإنصاف يشك في دلالة الحديث على توسل النبي صلى الله عليه و آله و سلم بحقه و حق أنبيائه.
روى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: ربي أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال اللّه عزّ و جلّ: يا آدم. كيف عرفت محمداً و لم أخلقه؟ قال: لأنّك يا رب لمّا خلقتني بيدك و نفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إلٰه إلّا اللّه محمد رسول اللّه، فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلّا أحب الخلق إليك، فقال اللّه - عزّ و جلّ -: صدقت يا آدم. إنه لأحب الخلق إليَّ و إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك. و لو لا محمد ما خلقتك.
قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه عنه، و هو ضعيف (و اللّه أعلم).(1)
1) . دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 384 - م 458 ه) طبع دار الكتب العلمية - بيروت: 489/5.
إنّ الشيخ الرفاعي لما رأى صراحة الحديث في التوسل بحق النبي أخذ يناقش في الحديث من جهات أُخرى، و إليك بيانه:
1 - إنّ الحديث تضمّن الإقسام على اللّه بمخلوقاته، و هو أمر خطير يقرب من الشرك، إن لم يكن هو ذاته، فالأقسام على اللّه بمحمد و هو مخلوق بل و أشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، و إنه شرك لأنّه حلف بغير اللّه، فالحلف على اللّه بمخلوقاته من باب أولى.
يلاحظ عليه: أنّه سيوافيك جواز الحلف بالمخلوق، سواء حلف بمخلوق على مخلوق أو بمخلوق على اللّه، و أن القرآن مليء بالإقسام بالمخلوقات، فلو كان أمراً حراماً أو ذريعة إلى الشرك أو الشرك نفسه لما حلف سبحانه بمخلوقاته، و سيوافيك توضيحه، و لا يلازم الحلف بالمخلوق جعله في مرتبة الخالق، بحجة «إنّا نحلف باللّه فلو حلفنا بمخلوقه يلزم من ذلك جعله في مرتبة الخالق»، كيف و نحن نطيع اللّه سبحانه و نطيع رسوله، أ فهل يتصور من ذلك أنّا جعلنا الرسول في مرتبة الخالق؟ قال سبحانه: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ...»(1)، و قال سبحانه: «أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ إِلَيَّ اَلْمَصِيرُ»(2)، أ فيلزم من ذلك أن يكون الوالدان في رتبة الخالق لأنّه سبحانه أمر بشكر نفسه و شكر الوالدين.
إنّ الحلف لا يستلزم أزيد من كون المحلوف به أمراً عظيماً عزيزاً لائقاً بالحلف به، و أمّا كونه في درجة الخالق فزعم عجيب و استدلال غريب.
و أمّا كونه شركاً فقد عرفت أنّ المقصود هو الشرك في العبادة، و العنصر المقوم لتحققها هو الاعتقاد بكونها إلٰهاً أو ربّاً أو مفوضاً إليه فعله سبحانه، و المفروض عدمه.
ترى أنّ الكاتب يجعل معتقده دليلاً على بطلان الحديث و ضعفه، أ هكذا أدب النقد؟!
2 - إنّ الحوار الوارد في الحديث كان بعد اقتراب الخطيئة، و لكنّه قبل أن يخطئ، علّمه اللّه الأسماء كلها، و من جملة الأسماء كلها اسم محمد صلى الله عليه و آله و سلم و علم أنّه نبي و رسول، و أنه خير الخلق أجمعين، فكان أحرى أن يقول آدم: ربي إنك أعلمتني به أنه كذلك، لمّا علمتني الأسماء كلها.
يلاحظ عليه: أنَّ المسكين زعم أن المراد من الأسماء أسماء الموجودات، و غفل عن أنّ المراد هو العلم بحقائق الكون و قوانينه و سننه و رموزه بقرينة قوله سبحانه: «ثمّ عرضهم على الملائكة» فلو كان المراد الأسماء لكان الأنسب أن يقول: ثمّ عرضها، على أنّه لا فضيلة رابية في تعلّم أسماء الموجودات و ألفاظها.
سلّمنا أنّ المراد ما ذكره، لكن الظاهر من الحديث أنّه وقف على ذلك بعد الخلقة و نفخ الروح فيه، قبل أن يحظى بتعلّم الأسماء كلّها، حيث قال: لمّا خلقتني بيدك و نفخت فيَّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش...
و المتبادر من العبارة أن هذا العلم كان علماً خاصاً جزئياً وقف عليه بعد فتح عينيه على الحياة في الجنة، قبل تعلمه جميع الأسماء، و أمّا هو فقد كان مرحلة أُخرى أوسع من هذا العلم، بل لا يقاس عليه.
و بالجملة: إنّ الحديث لا غبار عليه من حيث الدلالة. نعم يقع الكلام في السند. فقد ورد فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، و قد ضعّفه الذهبي اعتماداً على تضعيف أحمد و غيره.(1)
و لكن الحاكم النيسابوري أورده في مستدركه، قائلاً بصحته(2).
و على ذلك فليس الخبر على حد يحكم عليه بالوضع و الجعل، كما يصر عليه الرفاعي بل هو كسائر الأحاديث الّتي اختلف العلماء في تصحيحها، فلو لم يكن دليلاً على المدعى يكون مؤيداً له، كيف و قد رواه جلال الدين السيوطي في تفسيره.(3)
و هناك نكتتان ننبه عليهما:
الأُولى: إنّ أحاديث التوسل و إن كانت تتراوح بين الصحيح و الحسن و الضعيف، لكن المجموع يعرب عن تضافر المضمون و تواتره، فعند ذلك تسقط المناقشة في أسنادها بعد ملاحظة ورود كمية كبيرة من الأحاديث في هذا المجال، و أنت إذا لاحظت ما مضى من الروايات، و ما يوافيك، تذعن بتضافر المضمون أو تواتره.
الثانية: نحن نفترض أنّ الحديث الراهن مجعول موضوع، و لكنه يعرب عن أنّ التوسل بالمخلوق و الإقسام على اللّه بمخلوقاته ليس شركاً و لا ذريعة إليه، بل و لا حراماً.
و ذلك لأنّه لو كان شركاً و ذريعة إليه أو حراماً، لما رواه الرواة الثقات واحداً عن واحد، و هم أعرف بموازين الشرك و معاييره، و لما أورده الأكابر من العلماء في المعاجم الحديثية، كالبيهقي في دلائل النبوة، و الحاكم في مستدركه، و السيوطي في تفسيره، و الطبراني في المعجم الصغير، و أكابر المفسرين في القرون الغابرة، لأنّ الشرك أمر بيّن الغيّ، فلا معنى و لا مسوّغ لنقله بحجة أنه رواية.
فكل ذلك يعرب عن الفكرة الخاطئة في توصيف الحلف على اللّه بمخلوقاته شركاً.(1)
«فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ»(2).
أقسام التوسل:
قد تعرفت في صدر البحث على أنّ ابن تيمية و أتباعه يجوّزون التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم في حال حياته، و يجعلونه من التوسلات الجائزة الداخلة في إطار «التوسل بدعاء الأخ المؤمن» و لكنهم يخصّونه بحال حياته، و يحرّمونه بعد رحلته، قال ابن تيمية:
أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به حال حياته و يتوسلون بحضرته، و أمّا في مغيبه أو بعد موته فلم ينقل عن أحد من الصحابة و التابعين، بل عمر بن الخطاب و معاوية و من كان يحضرهما من الصحابة و التابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حيّاً كالعباس و يزيد بن الأسود، و لم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي عند قبره و لا غيره، بل عدلوا إلى خيارهم... ثمّ إنّ المسلمين بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلاً عنه، فلو كان التوسل به - حيّاً و ميتاً - مشروعاً لم يميلوا عنه و هو أفضل الخلق و أكرمهم على ربه، إلى غيره ممن ليس مثله.
فعدولهم عن
هذا إلى هذا مع أنّهم السابقون الأوّلون، و هم أعلم منّا برسوله و بحقوق اللّه و رسوله، و ما يشرع من الدعاء و ما ينفع، و ما لا يشرع و لا ينفع، و ما يكون أنفع من غيره، و هم في وقت ضرورة و مخمصة يطلبون تفريج الكربات، و تيسير العسير، و إنزال الغيث بكل طريق، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، و لهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، و ذلك أنّ التوسل به حيّاً هو الطلب لدعائه و شفاعته، و هو من جنس مسألته أن يدعو، فما زال المسلمون يسألونه ليدعو لهم في حياته، و أمّا بعد موته فلم يسأل الصحابة منه ذلك، لا عند قبره و لا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين.(1)
و قد علّق السيد محمد رشيد رضا مؤلف المنار على هذا الموضوع بقوله:
يزعم بعض الناس في زماننا أنّه لا فرق في طلب الدعاء و الشفاعة منه بين هذه الحياة و الممات، لأنّه حي في قبره و كأنّهم يدعون أنّهم أعلم من الصحابة و سائر أئمة السلف بذلك، فالصحابة - رضي اللّه عنهم - فرقوا بين الحالين، و إن شئت قلت بين الحياتين، و الأُمور التعبّدية لا تشرع بالعقل و لا بالقياس.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المعروف أنّ السنّة عبارة عن قول المعصوم و فعله و تقريره، فالحجة عبارة عن أحد هذه الأُمور، و نحن نفترض أن الصحابة
بأجمعهم من المعصومين. فإنّ أقصى ما يمكن أن يحتج به هو أنّ فعل الصحابة دليل على جواز الفعل، و أمّا أنّ تركهم دليل على حرمته، و عدم جوازه، فمن عجائب الأُمور و غرائبها، و لم يعهد هذا الاستدلال من أهل الفتوى و الدليل.
و أمّا عدول الصحابة عن التوسل بدعاء النبي في حال مماته، إلى التوسل ببعض أهل بيته فقد ذكرنا وجهه، و هو: أنّ التوسل بالإنسان الصالح الحي لأجل إظهار أن ذلك الفرد يتّحد مع المتوسلين في المصير، و أنه لو لا نزول الرحمة لعمَّهُ الهلاك و الدمار مثلهم، و بما أنه صالح لنزول الرحمة عليه، فلتنزل رحمتك عليه يا رب فإنه أهل لذلك، و إن كنا غير مستحقين لها.
و من المعلوم أنّ ترسيم هذا، الّذي هو أحد الأسباب لاستنزال الرحمة، إنما يتحقق بالصالح الحي دون غيره، لأنّ غير الحي ليس متحداً في المصير مع الأحياء، و لأجل ذلك نرى الصحابة يتوسّلون بالحي دون غيره، و ما هذا إلّا لأجل ذلك. و قد أشار إلى ذلك «السبكي» و قال: ليس في توسله بالعباس إنكار للتوسل بالنبي أو بالقبر، و لعل توسل عمر بالعباس لأمرين:
أحدهما: ليدعو كما حكينا من دعائه.
الثاني: إنَّه من جملة من يستسقي و ينتفع بالسقيا و هو محتاج إليه، بخلاف النبي صلى الله عليه و آله و سلم في هذه الحالة فإنه مستغن عنها، فاجتمع في العباس الحاجة و قربه من النبي و شيبه، و اللّه يستحيي من ذي الشيبة المسلم، فكيف
من عم نبيه، و يجيب دعاء المضطر فلذلك استسقى عمر بشيبته.(1)
هذا و يصرح الذكر الحكيم بأنّه ما نفع إيمان قوم بعد إشراف العذاب عليهم، إلّا قوم يونس، قال سبحانه:
«فَلَوْ لاٰ كٰانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهٰا إِيمٰانُهٰا إِلاّٰ قَوْمَ يُونُسَ لَمّٰا آمَنُوا كَشَفْنٰا عَنْهُمْ عَذٰابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ مَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ»(2).
ذكر المفسرون: إنّ قوم يونس لمّا عاينوا العذاب، أشار إليهم العالم الموجود فيهم بقوله: افزعوا إلى اللّه فلعلّه يرحمكم و يرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة و فرّقوا بين النساء و الأولاد و بين سائر الحيوان و أولادها، ثمّ ابكوا و ادعوا. ففعلوا فصرف عنهم العذاب(3).
و لم يكن هذا العمل إلّا لأجل استنزال الرحمة على النحو الّذي عرفت.
نعم، ما ذكره في آخر كلامه من أنه أمر عباديّ يحتاج إلى الدليل فهو كلام متقن، و لكنّه ليس معناه أن يكون الدليل المطلوب دليلاً بالخصوص، بل لو كان هناك عام أو إطلاق حول التوسل بدعاء النبي فيؤخذ بإطلاقه، سواء أ كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم في دار التكليف أم في البرزخ، و إليك البيان:
و هو يتوقف على بيان أُمور:
دلّت الآيات القرآنية على بقاء الروح بعد الموت، و أنّ الموت ليس بمعنى فناء الإنسان، بل هو عبارة عن انخلاع الروح عن البدن، و بقائه مستقلاً عنه، من غير فرق بين المسلم و غيره، و المقتول في سبيل اللّه و غيره، و الآيات في ذلك متضافرة.
قال سبحانه: «وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتٌ بَلْ أَحْيٰاءٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَشْعُرُونَ»(1)، و هناك آيات نشير إلى مواردها، و من أراد التوسّع في الموضوع: فليرجع إليها.(2)
إنّ الإنسان و إن كان بحسب التحليل الظاهري يتركب من شيئين: المادة و المعنى، و الجسم و الروح، و لكن الحقيقة الإنسانية عبارة عن نفس الإنسان و روحه، و لأجل ذلك يردّ الوحي الإلهي على من زعم أنّ البدن الإنساني يضل في العالم بعد الموت، حيث حكى عنهم قولهم:
«وَ قٰالُوا أَ إِذٰا ضَلَلْنٰا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنّٰا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» فردّ عليهم بقوله:
«قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(1).
و معنى التوفّي في الآية هو الأخذ، و معنى الآية أنّ تناثر أجزاء البدن في أجواء العالم و ثناياه، لا يضر بالمعاد، فإنّ الحقيقة الإنسانية و واقعيتها محفوظة عند اللّه، و أنّ ملك الموت يأخذكم، و ليس المأخوذ إلّا الروح.
إنّ الذكر الحكيم يصدق صحّة اتّصال الإنسان العائش في الدنيا بالأرواح المتواجدة في عالم البرزخ، و يصرّح بأنّ بعض الأنبياء كصالح و شعيب كلّموا أرواح أُممهم الهالكة، و يظهر ذلك بالإمعان في الآيات التالية:
يقول في حق أُمة شعيب:
«فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دٰارِهِمْ جٰاثِمِينَ * اَلَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، اَلَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كٰانُوا هُمُ اَلْخٰاسِرِينَ * فَتَوَلّٰى عَنْهُمْ وَ قٰالَ يٰا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسٰالاٰتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسىٰ عَلىٰ قَوْمٍ كٰافِرِينَ»(2).
ترى أنّ قوله: «فتولّى عنهم» جاء بعد الإخبار بدمارهم و هلاكهم كما
هو صريح سياق الآيات، و عندئذ خاطب الهالكين بقوله: «يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي...».
و يقول في حق أُمّة صالح:
«فَعَقَرُوا اَلنّٰاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قٰالُوا يٰا صٰالِحُ اِئْتِنٰا بِمٰا تَعِدُنٰا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دٰارِهِمْ جٰاثِمِينَ * فَتَوَلّٰى عَنْهُمْ وَ قٰالَ يٰا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسٰالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لٰكِنْ لاٰ تُحِبُّونَ اَلنّٰاصِحِينَ»(1).
و كيفية الاستدلال واضحة بعد التدبّر في ما ذكرناه، فإنّ المخاطبة و المحاورة وقعت بعد هلاكهم، فلا يمكن لنا رفض سياق الآية و القول بأنّه كلمهم في حال حياتهم.
إنّ الذكر الحكيم يأمر النبي بسؤال المرسلين و يقول: «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا أَ جَعَلْنٰا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ»(2).
و تأويل الآية بإرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب تأويل بلا دليل، و لا منافاة بينهما حتّى يرجع أحدهما إلى الآخر.
إنّ المسلمين جميعاً يخاطبون النبي بالسلام في حال التشهد، و يقولون: «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته» و قد اتفق الفقهاء على كونه جزءاً من التشهّد.(3)
و في ضوء هذه الأُمور الثلاثة تثبت إمكانية التوسل بالأرواح المقدسة، فالأولياء و الأنبياء من جانب أحياء يرزقون، من جانب آخر، إنّ حقيقة الإنسان هي النفس الباقية بعد الموت أيضاً، و من جانب ثالث، إِنَّ الأنبياء كلّموا أرواح أُممهم الماضية. كل ذلك يدل على إمكانية الاتصال بهم و وقوعه، و أنهم يسمعون كلامنا و سلامنا و محاورتنا.
بقي الكلام في جواز التوسل شرعاً، حتّى يكون تعبداً مع الدليل.
إنّ الذكر الحكيم يحثّ المذنبين على المجيء إلى النبي و طلب الاستغفار منه يقول: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(1)، و المتبادر إلى أذهاننا في هذا الزمان اختصاص الآية بحال حياة النبي، و لكن الصحابة فهموا منه الأعم من حال الحياة و الارتحال إلى الرفيق الأعلى، و يدل على ذلك ما نذكر:
1 - روى البيهقي عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللّه استسق اللّه لأُمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول اللّه في المنام و قال: ائت عمر فاقرئه السلام و أخبره أنهم مسقون.(2)
فالحديث يعرب عن أنّ التوسل بدعاء النبي بعد رحلته كان رائجاً، و لو كان عملاً محرّماً أو بدعة فلما ذا توسل هذا الرجل بدعائه؟ و لما ذا بكى
الخليفة بعد سماع كلامه، كما هو في ذيل الحديث؟
يقول السمهودي بعد نقل الحديث: و محل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه صلى الله عليه و آله و سلم و هو في البرزخ، و دعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع، و علمه بسؤال من يسأله قد ورد، فلا مانع من سؤال الاستسقاء و غيره منه كما كان في الدنيا.(1)
2 - روى ابن عساكر في تاريخه، و ابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» و غيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم فزرته و جلست بحذائه، و جاء أعرابي فزاره ثمّ قال: يا خير الرسل! إنّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - إلى قوله: رَحِيماً» و إني جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي متشفعاً بك، و في رواية: «و قد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي» ثمّ بكى و أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع و الأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف و فيه الجود و الكرم
ثمّ استغفر و انصرف.
3 - و قال السمهودي: قال الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام»: إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا
1) . وفاء الوفا: 1371/4.
رسول اللّه بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي و حثا من ترابه على رأسه و قال: يا رسول اللّه. قلت فسمعنا قولك، و وعيت من اللّه سبحانه ما وعينا عنك، و كان فيما أنزل عليك: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ...» و قد ظلمت و جئتك تستغفر لي.(1)
إنّ للكاتب الوهابي، الرفاعي صخباً و هياجاً حول الحديث، فقد أشكل عليه بوجوه ستة لا يهمنا ذكرها و الإجابة عن جميعها، لأنه غفل عن كيفية الاستدلال بهذه النقول، و سنشير إليها. نعم، يهمنا أن نذكر بعض اعتراضاته:
1 - يقول: إنّ التوسل بدعاء النبي بعد موته رهن أن يسمع الرسول أو يتكلم، أو يصدر عنه أي عمل بعد موته، مع أنه قد انقطع عمله نهائياً كما قال هو عليه السلام: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا عن ثلاث: صدقة جارية، و علم ينتفع به، و ولد صالح يدعو له» و لا شك أنّ رسول اللّه يشمله هذا الحديث.
عزب عن المسكين مفاد الحديث، فإنه بصدد بيان انقطاع ابن آدم عن العمل الّذي يترتب عليه الثواب، بقرينة استثناء الأُمور الثلاثة، و قال أمير المؤمنين في هذا المجال: «و إنّ اليوم عمل و لا حساب، و غداً حساب و لا عمل»(2).
و قال أيضاً: «ألا و إنّ اليوم المضمار، و غداً السباق، و السبقة الجنة، و الغاية النار، أ فلا تائب عن خطيئته قبل منيته، أ لا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه؟»(1).
فكيف يمكن القول بانقطاع عمل الميت نهائياً مع أنّ الشهداء في سبيل اللّه يقومون بأعمال ينوّه بها الذكر الحكيم و يقول: «فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ»(2).
أو ليس الفرح بما أوتوا من فضله سبحانه، و الاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم، و الاستشعار بعدم الخوف و الحزن، و الاستبشار بنعم اللّه سبحانه، أفعالاً للراحلين إلى دار الآخرة؟ مضافاً إلى ما ورد من أنّهم يرزقون عند ربهم(3).
2 - يقول: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلّا اللّه، فهي حياة مستقلة نؤمن بها و لا نعلم ماهيتها، و إنّ بين الأحياء و الأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، و على هذا فيستحيل الاتصال بينهم، لا ذاتاً و لا صفاتاً و اللّه سبحانه يقول: «وَ مِنْ وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(4).
عجيب و اللّه أمر هذا الرجل، إنّه يأتي بالشُّبه و الأوهام بصورة
البرهان، و يجتهد في مقابل النص، و قد تعرفت على الآيات الّتي تحدثت عن محاورة الأنبياء أرواح أممهم الهالكة، و قد تعرفت على أنّه سبحانه أمر النبي بالسؤال عن الأنبياء. فما هذا الاجتهاد في مقابل النص؟
لقد تناسى الرجل حديث تكلم النبي مع أصحاب القليب المقتولين من كفرة قريش، و قد ذكره أصحاب الحديث و التاريخ، و إليك نص صحيح البخاري في ذلك: وقف النبي على قليب بدر و خاطب الذين قُتلوا و أُلقيت أجسادهم في القليب:
لقد كنتم جيران سوء لرسول اللّه، أخرجتموه من منزله و طردتموه، ثمّ اجتمعتم عليه فحاربتموه، و قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً.
فقال له رجل: يا رسول اللّه ما خطاب لِهامٍ سديت؟
فقال صلى الله عليه و آله و سلم: و اللّه ما أنت بأسمع منهم، و ما بينهم و بين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلّا أن أعرض بوجهي - هكذا - عنهم(1).
و روى ابن هشام عن أنس بن مالك، قال: لما سمع أصحاب رسول اللّه كلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من جوف الليل و هو يقول: يا أهل القليب، و يا عتبة بن ربيعة، و يا شيبة بن ربيعة، و يا أُمية بن خلف، و يا أبا جهل بن هشام - فعدّد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول اللّه أ تنادي قوماً قد جيفوا؟(2)قال: ما أنتم بأسمع
لما أقول منهم، و لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.(1)
لما وقعت الفتنة بالبصرة، خرج كعب بن سور، و كان قاضي البصرة لحرب خليفة رسول اللّه و إمام زمانه، و لما كان النصر حليفاً له عليه السلام مرّ على جسد كعب بن سور، فقال لمن حوله: أجلسوا كعب بن سور، فأجلسوه بين شخصين يمسكانه، فقال عليه السلام: يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثمّ قال: أضجعوه، و سار قليلاً حتّى مرّ بطلحة بن عبيد اللّه، فقال: أجلسوا طلحة، فكلّمه بمثل ما كلّم كعب بن سور، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال عليه السلام: يا رجل و اللّه لقد سمعا كلامي، كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه.(2)
3 - يقول إنّ القرآن يخبر بأنّ النبي لا يستطيع إسماع الموتى و يقول: «إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ»(3)، و قال «وَ مٰا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ»(4)، و الرسول بعد أن توفّاه اللّه هو من الموتى و من أهل القبور، فثبت أنّه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا.(5)
و لكنّه غفل عن أنّ طرف المحاورة ليس الأجساد الخالية عن
الأرواح، بل أرواح هذه الأبدان، فإنّ لها عيشة برزخية مقترنة مع بدن برزخي. و أمّا الوقوف على القبر - مع أنّ التكلّم مع أرواحهم لا مع أجسادهم - فإنما هو لأجل تحصيل حالة نفسانية يستطيع معها الإنسان التوجه إلى أرواحهم، و الالتفات إليهم حتّى يكلمهم بما يقصد.
و من عجيب الأمر أنه يقول: إنّ قوله سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...» يختص بالمنافقين، فعلى ما ذكره يكون المنافق أعز عند اللّه من المؤمن، حيث يجوز للأوّل، طلب الاستغفار منه دون المؤمن، فهو أشمل لرحمة اللّه من الثاني «فاقض ما أنت قاض» مع أنّ مورد الآية لا يخصّص إطلاقها، بل الآية عامة لكل من ظلم نفسه سواء أ كان منافقاً أم غيره.
هذا عمدة ما استدلّ به الكاتب على عدم صحة الاحتجاج بالرواية، و أمّا الإشكال على سنده، أو اشتمال متنه على الشذوذ فلا يضر أبداً، فلنفترض نحن أنّ السند ضعيف، و أنّ في المتن بعض الإشكال، لكن لو كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً يوجب الخروج عن الدين، أو أمراً محرّماً يجب أن يتوب عنه المسلم، فلما ذا قامت جموع كثيرة من المحدثين بنقله و الاحتجاج به، أ وَ ليس عاراً على محدّث إسلامي أن ينقل في جامعه و كتابه أثراً يشتمل على الشرك و الأمر المحرّم الواضح، و لا يعود عليه بشيء.
و لنفترض أنّ الراوي وضع هذا الحديث و لم يكن له حقيقة، و لكن الواضع إنما يضع الحديث لأجل إلفات الناس إليه، فلو كان ذلك الأمر موجباً للشرك أو ما يقارنه، فالدواعي تكون عن وضعه مصروفة. كل ذلك
يعرب عن أنّ هذا العمل كان أمراً مباحاً فجاء هذا الراوي ينقل هذا الأمر على عفو الخاطر.
و الاستدلال بهذه الرواية و ما يأتي بعده بهذا الوجه، و لأجل ذلك لم نحاول أن نصحح السند.
4 - روى السمهودي عن الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» عن محمد بن المنكدر: أودع رجل أبي ثمانين ديناراً و خرج للجهاد، و قال لأبي: إنّ احتجت أنفقها إلى أن أعود. و أصاب الناس جهد من الغلاء، فأنفق أبي الدنانير، فقدم الرجل و طلب ماله، فقال أبي: عد إليَّ غداً، و بات بالمسجد يلوذ بقبر النبي مرة و بمنبره مرة، حتّى كاد أن يصبح يستغيث بقبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم فبينما هو كذلك فإذا بشخص في الظلام يقول:
دونكها يا أبا محمد. فمدّ أبي يده، فإذا بصرّة فيها ثمانون ديناراً، فلمّا أصبح جاء الرجل فدفعها إليه(1).
و قد نقل السمهودي في هذا الفصل قصصاً كثيرة عن شخصيات إسلامية، فمن أراد فليرجع إليه(2).
و قد عرّفت أنّ كيفية الاستدلال بهذه القصص ليس على أساس صحة إسنادها أو خلو متونها عن الشذوذ، و إنّما هو على أساس أنّه لو كان هذا الأمر شركاً أو أمراً محرماً لما اهتمّ المحدّثون و المؤرّخون بنقلها، بل و لما
قام الوضّاعون بوضعها، فإن الغرض من وضع الحديث هو بثّه بين المحدّثين الواعين، و من المعلوم أنّه إذا كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً و بدعة على ما تدّعيه الوهابية، لكانت الدواعي عن وضعها و نقلها مصروفة جداً، و هذا يعرب عن أنّ العمل كان مشروعاً و سائغاً بين المسلمين، فلأجل ذلك قام هؤلاء بنقل هذه الأحاديث، و قام المتوسّلون - على فرض الصحة - بهذا العمل، أو قام الوضاعون - على احتمال - بوضعها.
إلى هنا تبيّنت أحكام التوسل بأقسامه الثلاثة:
التوسل بذوات الصالحين و أنفسهم.
التوسل بحقهم و منزلتهم و مكانتهم.
التوسل بدعائهم بعد رحلتهم و وفاتهم.
و أرى أنّ بسط الكلام في هذه المواضيع أزيد من ذلك ضياع للوقت، و من أراد الحق فيكفيه ما حررناه، فطوبى لمن يستمع القول و يتبع أحسنه، و تبّاً لقوم «نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون».
«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ وَ جٰاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(1).
1) . المائدة: 35.
اتّفق المسلمون عامة على شفاعة النبي الأكرم يوم القيامة، و إن اختلفوا في معنى الشفاعة بين كونها سبباً لغفران الذنوب كما عليه الأشاعرة و الإمامية و أهل الحديث، أو لترفيع الدرجة كما عليه المعتزلة. إنّما الكلام في طلب الشفاعة من النبي في حال حياته و مماته، فالمسلمون إلى عهد ابن تيمية اتفقوا على جوازه حيّاً و ميتاً، و هو من فروع طلب الدعاء من المشفوع له، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن الهجري و رفع راية الخلاف بين المسلمين، و قال: «لا يجوز طلب الشفاعة من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم» فهو يسلم بأنّ نبي الإسلام و سائر الأنبياء لهم حق الشفاعة في الآخرة، و لكن يقول: لا يطلب الشفاعة إلّا من اللّه، يقول ابن تيمية:
«قد ذكر العلماء و أئمة الدين الأدعية المشروعة و أعرضوا عن الأدعية المبتدعة، ثمّ بيّن مراتب الأدعية المبتدعة على النحو التالي»:
1 - الدعاء لغير اللّه سواء أ كان المدعو حيّاً أم ميتاً، و سواء أ كان من الأنبياء عليهم السلام أم غيرهم فيقال: يا سيدي فلان أغثني، و أنا مستجيرك و نحو ذلك، فهذا هو الشرك باللّه...
2 - أن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء: ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك و نحو ذلك، فهذا لا يستريب عالمٌ أنّه غير جائز...
3 - أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته و نحو ذلك، فهو الّذي تقدم عن أبي محمد أنّه أفتى بأنّه لا يجوز في غير النبي، و أفتى أبو حنيفة و أبو يوسف و غيرهما أنّه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء، فكيف بغيرهم...؟(1)
أمّا القسم الأوّل، فإنّ عدّه شركاً، عجيب جداً، هذا هو القرآن الكريم يذكر عن شيعة موسى قوله: «فَاسْتَغٰاثَهُاَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسىٰ فَقَضىٰ عَلَيْهِ»(2)، و معه كيف يقول: إنّ قول القائل «يا سيدي فلان أغثني» شرك سواء أ كان المدعو حيّاً أم ميتاً، أ وَ لم يكن موسى حيّاً حين استغاثه الّذي من شيعته؟ و لو خصّ الشرك بصورة كون المدعو ميتاً - فمع أنّه مخالف لصريح كلامه - لا يكون سبباً للشرك، إذ لا معنى لكون خطاب في حال، عين التوحيد، و في أُخرى نفس الشرك، نعم الموت و الحياة يؤثران في الجدوائية و عدمها.
و أمّا القسم الثالث، أعني قول القائل: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته، فهو داخل في القسم الثاني من التوسل الّذي قدمنا الكلام فيه،
و ذكرنا هناك توسل شخص النبي بحقه و حق الأنبياء.
نعم، الكلام في القسم الثاني، و هو أن يخاطب الأنبياء و الصالحين بقوله: «ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك» و هذا هو الّذي ذكر في حقه «أنّه لا يستريب عالم في أنّه غير جائز» مع أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء من الشافعين في حال حياتهم و مماتهم.
ثمّ إنّ لأتباع محيي مسلك ابن تيمية في القرن الثاني عشر، أعني محمد بن عبد الوهاب، تعبيراً واضحاً في ذلك المجال يقول:
«إنّ طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا من الشفعاء بأن يقول:
اللّهمّ شفّع نبيّنا محمداً فينا يوم القيامة، أو اللّهمّ شفّع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك ممّا يطلب من اللّه لا منهم، فلا يقال:
يا رسول اللّه أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها، ممّا لا يقدر عليه إلّا اللّه، فإذا طلبت ذلك في أيام البرزخ كان ذلك من أقسام الشرك.(1)
هكذا نرى أنّ الاتهام بالشرك أرخص و أوفر شيء في كتب الوهابية و شيخها ابن تيمية، و لتحقيق الحال نركّز على أمرين يبتني عليهما جواز طلب الشفاعة من الأنبياء و الصالحين في هذه الدنيا و هما:
1 - إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء.
2 - إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمر مستحب في الإسلام، و قد جوّزته الوهابية إذا كان المدعو حيّاً، و إليك بيانهما:
1) . الهدية السنية، الرسالة الثانية: ص 42 و الرسالة لأحد أتباعه.
إنّ شفاعة النبي و سائر الشفعاء هي الدعاء إلى اللّه و طلب المغفرة منه سبحانه للمذنبين، و اللّه سبحانه أذن لهم في الدعاء في ظروف خاصة، فيستجاب فيما أذن، و هم لا يدعون في غير ما أذن اللّه لهم.
نعم، نحن لا نحيط بكنه الشفاعة في يوم القيامة، و لعلّ لها في ذلك اليوم مرتبة أُخرى، و لكن الدعاء إلى اللّه من مراتبها و من أوضح مصاديقها، فقول القائل مقابل قبر النبي «يا وجيهاً عند اللّه اشفع لنا عند اللّه» لا يقصد إلّا هذا المعنى. هذا هو المفسر المعروف النيسابوري يذكر عن مقاتل في تفسير قوله تعالى: «مَنْ يَشْفَعْ شَفٰاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهٰا وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفٰاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهٰا»(1):... الشفاعة إلى اللّه إنّما هي دعوة اللّه لمسلم.(2)
و هذا هو الإمام الرازي يفسر الشفاعة بالدعاء و التوسل إلى اللّه، فقد قال في تفسير قوله سبحانه: «وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً» هذه الآية تدلّ على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، و إذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء، لانعقاد الإجماع على أنّه لا فرق.(3)
و قال أيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ» فأمر محمداً أن يذكر أوّلاً الاستغفار لنفسه، ثمّ بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح عليه السلام أنّه قال: «رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ».(1)
و على هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب، و طلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه، و قد سمي في الأحاديث: دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي أنّه قال: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون باللّه إلّا شفّعهم اللّه فيه.(2)
فلو أنّ رجلاً أوصى في حال حياته أربعين رجلاً من أصدقائه الأوفياء على أن يقوموا بالدعاء له بعد موته و فوته، فقد طلب الشفاعة منهم.
و قد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم» و أفرد باباً آخر بعنوان «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط».(3)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء إلى اللّه، و طلبها هو طلب الدعاء.
لا يتصور أن يكون طلب الدعاء من المؤمن أو الصالح أو الأنبياء العظام شركاً سواء أ كانوا أحياءً أمْ أمواتاً، أمّا الأحياء فقد صرح القرآن الكريم بجوازه، و أمر الظالمين بالمجيء إلى النبي و طلب الاستغفار منه. قال سبحانه:
«وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً»(1). و حكى عن ولد يعقوب أنّهم قالوا لأبيهم «يٰا أَبٰانَا اِسْتَغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا إِنّٰا كُنّٰا خٰاطِئِينَ * قٰالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي»(2).
كما أنّه لا يكون شركاً، لا يكون حراماً أيضاً، و نحن ننقل مجموعة من الأحاديث ممّا ورد فيه طلب الشفاعة:
1 - هذا هو الترمذي يروي في صحيحه عن أنس أنّه قال: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل. قلت: فأين أطلبك؟ قال:
على الصراط.(3)
و العجب من الشيخ الرفاعي الّذي يأتي بكل ما ذكره ابن تيمية
و محمد بن عبد الوهاب حرفاً بحرف، لكن بثوب جديد و صبغة جديدة، استشكل على الاستدلال بهذا الحديث بقوله:
الف - إنّه ليس من قبيل التوسل بالمخلوق، بل من قبيل التوسل إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن له.
ب - طلب أنس من الرسول أن يشفع له يوم القيامة، يفيد أن أَنَساً يقصد أن يدعو له اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة، أي يجعله في جملة الحد الّذي يحده له فيشفع فيهم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الهدف من الاستدلال بالحديث هو إثبات جواز طلب الشفاعة من المخلوق، لا التوسل بذوات المخلوقين، فإنه بحث آخر، و له حجج أُخرى قدمناها. هذا حول الإشكال الأوّل.
و أمّا الثاني: فهو تأويل لظاهر الحديث دعماً للمذهب الّذي تبنّاه، فإنّ المتبادر من قوله: «سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة» أي قلت له:
يا رسول اللّه اشفع لي يوم القيامة. و أين هو من التأويل الّذي يذكره الرفاعي من أنّه قصد أن يدعو اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة؟ و لو كان المقصود هذا فإنّ أنساً من العرب العرباء، كان له أن يفصح عن مراده و يقول: يا رسول اللّه ادع اللّه تعالى أن يشفعك في، يوم القيامة.
و ليس هذا التأويل و أمثاله الّذي ارتكبه ذلك الكاتب إلّا تحريفاً للكلم ليروّج متاعه.
1) . التوصل إلى حقيقة التوسل: 320.
ثمّ إنه استشكل على الحديث بضعف السند، فقال: «إنّ في سنده أبا الخطاب حرب بن ميمون و قد ضعّف و وثّق» و إليك ما ذكره الذهبي في حقه: حرب بن ميمون، أبو الخطاب الأنصاري، بصري صدوق يخطئ، قال أبو زرعة: ليّن، و قال يحيى بن معين: صالح وثّقه علي بن المديني و غيره.
و أمّا البخاري فذكره في الضعفاء.(1)
و قال ابن حجر: «قال الخطيب في المتفق و المفترق: كان ثقة.
و قال الساجي في حرب بن ميمون: الأصغر، ضعيف عنده مناكير، و الأكبر ثقة، و الوارد في سند الرواية هو الأكبر، و قال ابن حبان: في الثقات، يخطئ.
و قرأت بخط الذهبي: وثّقه ابن المديني و مات في حدود الستين و المائة».(2)
ترى أنّ الأكثرية الغالبة وثّقته غير البخاري، و هو ذكره في الضعفاء، و من المعلوم أنه لا يمكن ترك حديثه بمجرد ذكر البخاري إياه في الضعفاء، و لم يعلم وجه كونه ضعيفاً عنده، و لعله لأجل كونه قدرياً كما يظهر من ابن حجر في تهذيب التهذيب، أي قائلاً بالاختيار الّذي هو على طرف النقيض من القول بالجبر، و هو موجب لقوّته لا لضعفه، فالرواية حجة بلا إشكال.
2 - كيف لا يجوز طلب الشفاعة من الصالحين و هذا هو الطبراني روى
في المعجم الكبير أنّ سواد بن قارب - رضي اللّه عنه - أنشد قصيدته:
و أشهد أنّ الله لا ربّ غيره *** و أنّك مأمون على كل غائب
و أنّك أدنى المرسلين وسيلة *** إلى اللّه يا ابن الأكرمين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل *** و إن كان فيما فيه شيب الذوائب
و كن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب(1)
و الشاهد هو البيت الأخير حيث طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
إنّ الكاتب الوهابي الرفاعي لم يجد بداً عن التسليم لما يفيده البيت الأخير و قال:
«إنّ سواد بن قارب يخاطب رسول اللّه و يرجوه أن يدعو اللّه تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة، و الخطاب هذا لا شك كان في حياته، و طلب الشفاعة منه في حياته لا بأس به، لأنه طلب لدعائه لأن يكون سواد في جملة من يشفعه فيهم يوم القيامة.(2)
أقول: الّذي اعتذر به الرفاعي هو الّذي وصفه بالشرك شيخ منهجه أحمد بن تيمية، قال: الدعاء لغير اللّه سواء أ كان المدعو حيّاً أم ميتاً...
فهذا هو الشرك باللّه.(3)
فما هذا التناقض بين كلامه و كلام شيخه، فالذي يجيزه، هو الّذي يصفه شيخه بالشرك، أ بهذه المناقضات تكفّرون المسلمين و تدعون الناس إلى نهج الحق و معين التوحيد؟!
ثمّ إنّه نقل عن بعض الوهابيين - أعني: إسماعيل الأنصاري - أنّه ضعّف سند الحديث، و ذكر وجوهاً للضعف، و قد سبقه معلق مجمع الزوائد، غير أنّه غفل عن وجه الاستدلال و هو ما ذكرناه فيما سبق:
إِنَّ هذا الحديث و نظائره على فرض الصدق و عدمه حجة على ما في مدلوله، إذ لو كان صادقاً فهو، و إن كان مجعولاً فلما ذا ذكره المحدّثون الكبار في جوامعهم كالطبراني في المعجم الكبير، و البيهقي في دلائل النبوة و غيرهما؟ و لا يعني من هذا أنّهم لا يذكرون الأحاديث الضعاف في جوامعهم حتّى يقال إنّ المحدثين بين ملتزم بنقل الصحيح و غيره، بل المقصود أنّه إذا كان طلب الشفاعة شركاً على ما ذكره أحمد بن تيمية، أو مما لا يستريب عالم في أنّه غير جائز، فلما ذا نقلوا الحديث الباطل من دون أن يناقشوا في مضمونه و متنه؟ إذ لا يصحّ لهؤلاء أن يمروا على خرافة شركية في كتبهم، أو أمر محرّم لا يستريب فيه عالم مرور الكرام.
كل ذلك يعرب عن أنّ المضمون ليس عليه غبار، و أمّا ضعف السند فلا يكون دليلاً على كذبه، فإليك السند الّذي رواه الطبراني به، فقد ورد فيه هؤلاء:
حدثنا محمد بن محمد التمارة البصري، حدثنا: بشر بن حجر الشامي، حدثنا علي بن منصور، عن الأنباري، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي.
3 - كيف يكون شركاً و قد جاء في التاريخ أنّ رجلاً اسمه «تبع» قد بلغه أنّ نبي آخر الزمان سوف يظهر من مكة و يهاجر إلى المدينة، فكتب كتاباً و دفعه إلى بعض أقربائه كي يسلّموه إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و ذكر فيه إسلامه و إيمانه، و أنّه من أُمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و مما جاء في هذه الرسالة: «فإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة و لا تنسني» و مات الرجل، و كان الكتاب ينتقل من واحد إلى آخر، فلما قدم النبي المدينة دفعوا إليه الكتاب فقال: مرحباً بالأخ الصالح»(1).
فهل يصحّ للنبي أن يصف المشرك بالأخ الصالح؟ أو أن تقرأ عليه الرسالة و يقف على ما طلبه منه من الأمر المحرم دون أن يرد عليه؟
كل ذلك يعرب عن أنّ طلب الدعاء و طلب الشفاعة من الصالحين و الأنبياء ليس شركاً في العبادة، و لا أمراً محرماً، ما هذا الجمود في فهم الإسلام؟ و ما هذه الظنون و الشبه الّتي تعتمدون عليها؟ فإنّ الإسلام دين حنيف سهل.
نعم لهم اعتراض على ما ذكرناه من الأدلة، بأنّها ترجع إلى طلب
1) . المناقب، لابن شهرآشوب: 16/1.
الشفاعة من الأحياء، و أنّ البحث إنّما هو في طلبه من غيرهم، و الجواب:
قد عرفت في البحث السابق بوجوه قيمة من أنّ الطلب متوجه إلى الأرواح المقدسة الّتي لم تنقطع صلتها بنا، و قد جرت السنة على ذلك، و قد عرفت الأدلة على جواز التكلم مع الأرواح المؤمنة و المشركة، كما عرفت أنّ الأنبياء العظام كصالح و شعيب، و النبي الأكرم كلّموا قومهم بعد هلاكهم و دمارهم، غير أنّه تكميلاً للبحث نذكر بعض ما ورد من الأثر في ذلك المجال، أي طلب الدعاء بعد الالتحاق إلى رحمة اللّه.
هذا ابن عباس يقول: لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من تغسيل النبي، قال:
«بأبي أنت و أُمّي، اذكرنا عند ربك و اجعلنا من بالك»(1).
و يروي أهل السنّة أنّه لما توفّي رسول اللّه جاء أبو بكر من سلع، و كشف عن وجهه و قبله و قال: بأبي أنت و أُمي طبت حيّاً و ميتاً و اذكرنا عند ربك».(2)
فما معنى المعارضة مع هذه النصوص و معاكستها؟
«فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ»(3).
لقد تعرّفت فيما مضى على أنّ طلب الشفاعة يساوق طلب الدعاء، و لا يتصوّر أن يكون من أقسام الشرك في العبادة، أو يكون طلبه من المخلوق عبادة له، إلّا أن يكون طلب الدعاء من مخلوق شركاً و عبادة، و هو ممّا لم يقل به أحد حتّى الوهابيون.
نعم لهم شبهة ربما يغتر بها البسطاء، و هي أنّ المشركين كانوا يطلبونها من أصنامهم، فسمّاه اللّه عبادة لهم و قال: «وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاٰءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اَللّٰهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اَللّٰهَ بِمٰا لاٰ يَعْلَمُ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ لاٰ فِي اَلْأَرْضِ سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ»(1).
و الشاهد في قوله: «و يعبدون من دون اللّه» مع ملاحظة ما في ذيل الآية: «و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه» و كان وجه عبادتهم لهم هو قولهم: «هؤلاء شفعاؤنا»(2).
إنّ الاستدلال بالآية على كون طلب الشفاعة شركاً من غرائب الاستدلال و عجائبه، فإنّ الآية لو لم تدل على أنّ طلب الشفاعة يغاير عبادتهم لها، لا تدل على أنّ طلب الشفاعة عبادة للمدعو، و ذلك
أنّه ورد في الآية جملتان نسبتهما إلى المشركين:
1 - و يعبدون من دون اللّه ما لا يضرّهم و لا ينفعهم.
2 - و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه.
و العطف يدل على المغايرة، و أنّ هنا عبادة، و أنّ هناك أمراً آخر و هو طلب الشفاعة، و ما هذا الخلط؟
و لنفترض أنّ طلب شفاعتهم كان عبادة لمعبوداتهم، و أنّ الجملة الثانية من قبيل عطف العام على الخاص و لكن أين طلب شفاعة المسلم الموحّد من سيد الموحّدين، من طلب شفاعة عبدة الأصنام و الأوثان، فالمشركون كانوا يعتبرون الأوثان مالكة للشفاعة و المغفرة، فكان اللّه في معزل عنهما تماماً، و لا شك أنّ طلب الشفاعة من أيّ موجود مقروناً بهذا الاعتقاد يعد شركاً، لأنّ هذا الطلب مقرون بألوهية المدعو و ربوبيته، في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة و الدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرباً إلى اللّه، و إنساناً وجيهاً عنده، أذن اللّه تعالى له في شفاعة المجرمين، و ادّخرها النبي لأهل الكبائر من أُمّته، كما ورد عن النبي الأكرم، و رواه الفريقان.
و المصدر لهذه التهمة هو أنّ القوم لم يضعوا حداً منطقياً جامعاً و مانعاً للعبادة حتّى يميزوا به الدعاء العبادي عن غيره، فجعلوا يخبطون خبط عشواء لا يميزون بين الصحيح و السقيم.
نعم، إنّ الشفاعة حق خاص باللّه دل عليه الذكر الحكيم و قال: «أَمِ
اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ شُفَعٰاءَ قُلْ أَ وَ لَوْ كٰانُوا لاٰ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لاٰ يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلّٰهِ اَلشَّفٰاعَةُ جَمِيعاً»(1).
و لأجل كونه حقاً مختصاً باللّه، لا يشفع النبي الأكرم و لا الشفعاء الأُخر لأحد إلّا بإذنه سبحانه، و لكن قوله: «لِلّٰهِ اَلشَّفٰاعَةُ جَمِيعاً» ليس معناه أنّه سبحانه هو الشفيع دون غيره، لبداهة أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند أحد، بل معناه أنه مالكٌ لمقام الشفاعة، لا يملكه غيره و لا يشفع إلّا بإذنه.
هذا و إنّ المشركين كانوا على خلاف ذلك كما يعرب عنه قوله سبحانه: «قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً».
و في الختام نذكر النقطة الأخيرة من كلامهم، و هي أنّ النبي الأكرم بعد التحاقه بالرفيق الأعلى لا يسمع بدليل قوله سبحانه: «إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ وَ لاٰ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعٰاءَ إِذٰا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ»(2).
و قوله: «إِنَّ اَللّٰهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشٰاءُ وَ مٰا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ»(3)، و لكنّك عرفت أنّ الآيتين لا تمتّان إلى طلب الشفاعة من الأنبياء بصلة، فإنّ الأجساد الراقدة تحت التراب، غير قادرة على الإدراك و السماع، و لكن المخاطب هو الروح الطاهرة و الحية الّتي تعيش بالجسد البرزخي في عالم البرزخ، و الخطاب لتلك الأرواح النورانية و الشفاعة تطلب منها، و أمّا السعي إلى الحضور في مقابرهم و مراقدهم فلأجل أنّ الحضور فيها يهيّئ أنفسنا
للاتّصال بأرواحهم المقدسة، و عند ذلك نجد في أنفسنا دافعاً إلى التحدّث معهم و هم يستمعون إلينا.
هذا هو الإمام الصادق عليه السلام أحد الأئمة يعلّم شيعته كيفية زيارة أئمة أهل البيت بقوله:
«عالماً أنّك تسمع كلامي و ترد سلامي... فكن لي إلى اللّه شفيعاً، فما لي وسيلة أوفى من قصدي إليك و توسّلي بك إلى اللّه»(1).
و جاء في كلام آخر له عليه السلام: «اللّهمّ... و أعلم أنّ رسولك و خلفاءك عليهم السلام أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي و يسمعون كلامي و يردون سلامي، و أنّك حجبت عن سمعي كلامهم، و فتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم».(2)
هذا و قد قال ابن تيمية: و في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: ما من رجل مسلم سلّم عليّ إلّا ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام. و في موطأ الإمام مالك أنّ عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه تعالى عنهما - كان يقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبه، ثمّ ينصرف، و كذلك أنس بن مالك و غيره من الصحابة رضي اللّه عنهم، نقل عنهم السلام على النبي صلى الله عليه و آله و سلم.(3)
فأيّ فرق بين التسليم على الميت و بين طلب الدعاء منه؟ و إذا كان قادراً على رد السلام، يكون قادراً على الدعاء إلى اللّه، و الشفاعة للداعي،
و لو فرضنا أنّه قادر على شيء واحد و هو رد السلام، و ليس قادراً على الدعاء، يكون طلبه عندئذ لغواً، لا شركاً و لا محرماً، و يكون أشبه باعتقاد أثر في نبات مع كونه خطأ. أو كون شخص قادراً على إنجاز عمل و لم يكن كذلك. و لم يقل أحد بكون هذا النوع من الاعتقاد شركاً.
قال ابن تيمية: و إذا كان الطلب من الموتى - و لو كانوا أنبياء - ممنوعاً خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكان القبور نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان.
و يقول: و من اعتقد أنّ في النذر للقبور نفعاً أو أجراً فهو ضالّ جاهل، ثمّ يقرر: إنّ ذلك نذر في معصية، و إنّ من يعتقد أنّها باب الحوائج إلى اللّه، و أنّها تكشف الضر و تفتح الرزق و تحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله.(1)
أقول: إنّه قد ذيل كلامه بشيء لا يعتقد به أحد من المسلمين، حتّى يجعل ذلك ذريعة لقبول صدر كلامه. فأيّ مسلم يعتقد أن النبي يكشف الضر و يفتح الرزق و يحفظ العمر؟ بل معتقَدُ جماهير المسلمين هو أنّ كل الأُمور بيده سبحانه، و أنّ الناس هم الفقراء و اللّه هو الغني الحميد، قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ»(2).
و لو اعتقد أحد من المسلمين أن الأنبياء و الصالحين ربما يقومون بأُمور خارجة عن السنن العادية فهو نفس الاعتقاد بأنهم أصحاب المعاجز و الكرامات، و قد تواترت النصوص على ذلك و أنّهم يبرءون الأكمه و الأبرص و يحيون الموتى بإذن اللّه.(1)
و من يصف أحداً من الصالحين بباب الحوائج فإنّما يصفه بهذا المعنى، يعني أنّه سبحانه يستجيب دعاءه إذا دعاه، أو أنّه سبحانه أعطاه مقدرة كبيرة مثل ما أعطى لمن كان عنده علم من الكتاب.(2)
فإذا صحّ ما في القرآن من أنّ أُناساً من الأنبياء و غيرهم كانوا أصحاب مقدرة كبيرة يقومون بخوارق العادات و عجائب الأعمال بإذن اللّه، لصحّ التصديق في غيرهم ممّن لم يجئ عنهم ذكر في القرآن، فما معنى الإيمان ببعض و الكفر ببعض؟
و أمّا النذر للأموات، فتحقيقه يتوقف على بيان مقدمة:
النذر معناه أن يلزم الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقق هدفه و قضيت حاجته، فيقول: للّه عليَّ أن أفعل كذا، إذا كان كذا. مثلاً يقول:
للّه عليَّ أن اختم القرآن إذا نجحت في الامتحانات الدراسية.
هذا هو النذر الشرعي، و يجب أن يكون للّه، فإذا قال الناذر: نذرت لفلان، ففي قوله مجاز لغاية الاختصار، و المعنى نذرت للّه على أن أفعل
شيئاً يكون ثوابه لفلان، و ثواب النذر يقع على ثلاثة أقسام:
1 - أن يكون الثواب لنفس الإنسان الناذر.
2 - أن يكون لشخص ميت.
3 - أن يكون لشخص حي.
و هذه الأقسام الثلاثة كلّها جائزة، و يجب على الناذر الوفاء بنذره إذا قضيت حاجته، و قد مدح اللّه سبحانه أهل البيت، لأجل الوفاء بالنذر.
قال تعالى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخٰافُونَ يَوْماً كٰانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً»(1)، هذا هو النذر.
و قد تعارف بين المسلمين أنّ النذر للّه و إهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه و عباده الصالحين، و كانت عليه السيرة بين المسلمين، إلى أن جاء الدهر بابن تيمية فحرّم ذلك كما عرفت من عبارته، و قد نقل عنه أيضاً العبارة التالية، و قال: «من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين و الأولياء من أهل القبور، أو ذبح ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم و ينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه، فيكون بذلك كافراً».(2)
عجيب جداً حكم ابن تيمية و تكفيره المسلمين بحجة أنّ عمل الناذر يشبه عمل المشركين، أ يصحّ في ميزان النصفة الحكم بتكفير المسلمين الذين أرسوا قواعد التوحيد، و حملوه جيلاً بعد جيل إلى عصر ابن تيمية، بمجرد أنّ عمل الذابح و الناذر يشبه عمل المشركين.
فلو كان هذا ملاكاً للتكفير فابن تيمية و الوهابيون و حماة هذه البدع من أعظم المشركين! فإنّ كثيراً من مناسك الحج و فرائضه (الّتي يقوم بها المسلمون من غير فرق بين الوهابي و غيره) تشبه في ظاهرها أعمال عبدة الأصنام، فقد كانوا يطوفون حول أصنامهم و يقبّلونها، و نحن أيضاً نطوف حول الكعبة المشرفة و نقبّل الحجر الأسود، و نذبح الذبائح و نقرّب القرابين في منى يوم عيد الأضحى، كما كانوا يذبحون لأصنامهم، أ فيصح تكفير الجميع لأجل هذه المماثلة؟
أو المقياس هو النية القلبية، و أنّ المعيار هو النية و الضمائر دون المشابهة و الظواهر، و قد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّما الأعمال بالنيات.(1)
و لا يصحّ التسرّع في الحكم بمجرد المماثلة، لأنّ كل من ينذر لأحد من الأولياء فإنما يقصد النذر للّه، و إهداء الثواب للولي الصالح ليس إلّا، و لا تجد في أديم الأرض من يسجّل اسمه في ديوان المسلمين إلّا و ينوي ذلك، نعم شذّ عنهم ابن تيمية و من أحيا مسلكه حيث اتّهموا المسلمين بغير ذلك.
يقول الشيخ الخالدي رداً على ابن تيمية:
«إنّ المسألة تدور مدار نيات الناذرين، و إنّما الأعمال بالنيات، فإن كان قصد الناذر الميت نفسه، و التقرّب إليه بذلك، لم يجز - قولاً واحداً - و إن كان قصده وجه اللّه تعالى و انتفاع الأحياء بوجه من الوجوه به، و إهداء ثوابه لذلك المنذور له، و سواء عيّن وجهاً من وجوه الانتفاع، أو أطلق القول فيه،
1) . صحيح البخاري: 16/1، كتاب الإيمان.
و كان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس، أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك، ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور»(1).
قال العزامي:
«... و من استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم و نذورهم للأموات - من الأنبياء و الأولياء - إلّا الصدقة عنهم، و جعل ثوابها لهم، و قد علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقد على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات، واصلة إليهم، و الأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.
فمنها: ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: يا نبيّ اللّه إنّ أُمّي قد افتلتت، و أعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت أ فإن تصدّقتُ عنها أ ينفعها ذلك؟
قال صلى الله عليه و آله و سلم: نعم. فسأل النبي: أيّ الصدقة انفع يا رسول اللّه؟
قال: الماء.
فحفر بئراً و قال: هذه لأُم سعد.(2)
و قد أخطأ محمد بن عبد الوهاب فادّعى أنّ المسلم إذا قال: «هذه الصدقة للنبي أو للولي: فاللام بنفسها هي اللام الموجودة في قولنا:
«نذرت للّه» يراد منها الغاية».
بل العمل للّه، بينما لو قال: للنبي، يريد بها الجهة التي يصرف
فيها الصدقة من مصالح النبي صلى الله عليه و آله و سلم في حياته و مماته.
و في هذا الصدد يقول العزامي - بعد ذكر قصة سعد -:
«اللام في هذه لأُم سعد»، هي اللام الداخلة على الجهة الّتي وجهت إليها الصدقة لا على المعبود المتقرب إليه، و هي كذلك في كلام المسلمين، فهم سعديون لا وثنيون، و هي كاللام في قوله تعالى: «إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ» لا كاللام في قوله سبحانه: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً»(1)، أو في قول القائل: صلّيت للّه و نذرت للّه، فإذا ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فهو لا يقصد إلّا أن يتصدق بذلك عنه، و يجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات، المشروعة، المثاب على إهدائها، و المسألة محرّرة في كتب الفقه و في كتب الردّ على الرجل و من شايعه».(2)
و هكذا ظهر لك - أيها القارئ - جواز النذر للأنبياء و الأولياء من دون أن تكون فيه شائبة شرك، فيثاب به الناذر إن كان للّه و ذبح المنذور باسم اللّه: فقول القائل: «ذبحت للنبي» لا يريد أنّه ذبحه للنبي صلى الله عليه و آله و سلم بل يريد أنّ الثواب له، كقول القائل: ذبحت للضيف، بمعنى أنّ النفع له و الفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح.
و يوضح ذلك ما روي عن ثابت بن الضحاك قال:
«نذر رجل عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أن ينحر إبلاً ب «بوانة» فأتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فأخبره، فقال النبي:
هل كان فيها من يعبد من أوثان الجاهلية؟
قالوا: لا.
قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟
قالوا: لا.
قال صلى الله عليه و آله و سلم للسائل: أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء في معصية اللّه، و لا فيما لا يملك ابن آدم».(1)
و روي أيضاً:
«إنّ امرأة أتت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقالت: يا رسول اللّه... إنّي نذرت أن أذبح بمكان كذا و كذا، كان يذبح فيه أهل الجاهلية.
فقال النبي: الصنم؟
قالت: لا.
قال: الوثن؟
قالت: لا.
قال: فِي بنذرك».(2)
و عن ميمونة بنت كردم أنّ أباها قال لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا رسول اللّه إنّي نذرت إن ولد لي ذكر، أن أنحر على رأس بوانة «في عقبة من الثنايا» عدة من الغنم..
قال «الراوي عنها»: لا أعلم إلّا أنّها قالت: خمسين.
فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: هل من الأوثان شيء.
قالت: لا.
قال: فأوف بما نذرت به لله...»(1).
أ رأيت أيّها القارئ كيف يكرر النبي صلى الله عليه و آله و سلم السؤال عن جود الأصنام في المكان الّذي تذبح فيه الذبائح؟
إنّ هذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للأصنام، حيث كان ذلك عادة أهل الجاهلية، كما قال تعالى:
«وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ... ذٰلِكُمْ فِسْقٌ»(2).
و من اطّلع على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة و مراقد أولياء اللّه الصالحين يعلم جيداً أنّهم ينذرون لله تعالى و لرضاه، و يذبحون الذبائح باسمه عزّ و جلّ، بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها، و انتفاع الفقراء بلحومها، و بذلك تعرف سقوط كلمة محمد بن عبد الوهاب في اتّهام المسلمين بأنّهم ينحرون للنبي، وِزانَ النحر لله سبحانه، حيث يلقِّن أتباعه الحجة و يقول: «فقل: فإذا عملت بقول اللّه تعالى: «فصل لربك» و أطعت اللّه و نحرت له هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإن نحرت لمخلوق: نبي أو أجنبي أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير اللّه؟ فلا بد أن يقرّ و يقول: نعم»(3).
و المسكين تخيّل أنّ اللام في «هذا للنبي» نفس اللام في «نذرت لله» و قد عرفت أنّ إحداهما للغاية، و الأُخرى للانتفاع.
و ختاماً لهذا الفصل نذكر كلمة للخالدي - بعد أن ذكر ما رواه أبو داود في سننه - قال:
«و أمّا استدلال الخوارج بهذا الحديث على عدم جواز النذر في أماكن الأنبياء و الصالحين. زاعمين بأنّ الأنبياء و الصالحين أوثان - و العياذ باللّه - و أعياد من أعياد الجاهلية، فهو من ضلالاتهم و خرافاتهم و تجاسرهم على أنبياء اللّه و أوليائه، حتّى سمّوهم أوثاناً، و هذا غاية التحقير لهم، خصوصاً الأنبياء، فإنّ من انتقصهم و لو بالكناية - يكفر و لا تقبل توبته - في بعض الأقوال - و هؤلاء المخذولون بجهلهم، يسمّون التوسل بهم عبادة، و يسمّونهم أوثاناً، فلا عبرة بجهالة هؤلاء و ضلالاتهم، و اللّه أعلم».(1)
«يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخٰافُونَ يَوْماً كٰانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً»(2).
إنّ من المسائل المهمة عند الوهابيين هو الحلف بغير اللّه، و ذهب ابن تيمية إلى كونه شركاً، اعتماداً على ما رواه الترمذي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» و تحقيق الحق يتوقف على توضيح الأُمور التالية:
1 - هل اليمين الفاصل في الدعاوى هو الحلف باللّه، أو يعمه و غيره؟
2 - هل ينعقد اليمين بالحلف بالنبي مثلاً، بحيث لو حنث لزمته الكفّارة أو لا؟
3 - هل يجوز الحلف بغير اللّه سبحانه أولا؟
و إليك نقل أقوال أئمة المذاهب الفقهية في المجالات المتقدّمة:
أمّا فقهاء الشيعة فقد اتّفقت كلمتهم على أنّ اليمين الفاصل في الخصومات هو الحلف باللّه و أسمائه. قال المحقّق الحلّي: لا يستحلف أحد
إلّا باللّه و لو كان كافراً، فلا يجوز الإحلاف بغير أسماء اللّه سبحانه، كالكتب المنزلة، و الرسل المعظمة، و الأماكن المشرفة.(1)و أمّا السنّة فلم أجد لهم نصاً في خصوص هذه المسألة في الكتب الفقهية، نعم يعلم حكمها ممّا سنذكره عنهم في المسألتين التاليتين.
قال ابن تيمية: و قد اتّفق العلماء على أنّه لا ينعقد اليمين بغير اللّه، و لو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالأنبياء عليهم السلام لم تنعقد يمينه، و لم يقل أحد إنّه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء، فإنّ عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي روايتين، لكن الّذي عليه الجمهور كمالك و الشافعي، و أبي حنيفة أنّه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، و هذا هو الصحيح.(2)
و قال ابن قدامة في «المغني»: و لا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة و الأنبياء و سائر المخلوقات، و لا تجب الكفّارة بالحلف فيها...
و هو قول أكثر الفقهاء، و قال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفّارة، و روي عن أحمد أنّه قال: إذا حلف بحق رسول اللّه و حنث فعليه الكفّارة. قال أصحابنا: لأنّه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفّارة، كالحلف باسم اللّه.(3)
و بالإمعان في كلام ابن قدامة يظهر عدم صحة ما ذكره ابن تيمية من أنّه «اتّفق العلماء على أنّه لا ينعقد اليمين بغير اللّه» و أين هو من قول ابن قدامة: «قال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفّارة؟ و هو و ابن قدامة كلاهما حنبليان، و بما أنّ المسألة فقهية لا نستعرضها أزيد من ذلك، و إنّما نركز البحث على المسألة الثالثة.
هذه المسألة هي الّتي عقدنا الفصل لبيان حكمها. قال ابن تيمية: «لا يشرع ذلك بل ينهى عنه إمّا نهي تحريم و إمّا نهي تنزيه، و إنّ للعلماء في ذلك قولين، و الصحيح أنّه نهي تحريم، و في الصحيح عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: من كان حالفاً فليحلف باللّه أو ليصمت، و في الترمذي أنّه قال: من حلف بغير اللّه فقد أشرك.(1)
و قال الصنعاني: إنّ الحلف بغير اللّه شرك صغير(2)، و قال ابن قدامة: و لا يجوز الحلف بغير اللّه و صفاته، نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام. قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية. قال ابن عبد البر: و هذا أصل مجمع عليه، و قيل؛ يجوز ذلك لأنّ اللّه تعالى أقسم بمخلوقاته فقال: «و الصّافّات صفّاً، و المرسلات عرفاً، و النازعات غرقاً»، و قال النبي للأعرابي السائل عن الصلاة: «أفلح و أبيه إن صدق» و في حديث أبي
الشعراء: «و أبيك لو طعنت في فخذها لأجزاك» ثمّ إن لم يكن الحلف بغير اللّه محرّماً فهو مكروه، فإن حلف فليستغفر اللّه تعالى، أو ليذكر اللّه تعالى، كما قال النبي: من حلف باللّات و العزّى فليقل: لا إلٰه إلّا اللّه.(1)
أنت ترى أنّ ابن تيمية و تلميذ منهجه الشيخ الصنعاني أفتيا بالحرمة، و لكن الظاهر من عبارة ابن قدامة أنّ المسألة ممّا اختلف فيه الفقهاء، فهم بين محرّم و مجوّز، حتّى أنّ الشافعي قال: أخشى أن يكون معصية، و إذ كانت المسألة على هذا المستوى من الاختلاف، فهل يجوز تكفير الحالف بمثل هذه المسألة؟ مع أنّ أكثر الفقهاء قائلون بالجواز.
قال في «الفقه على المذاهب الأربعة»: «إذا قصد الحالف إشراك غير اللّه معه في التعظيم ففيه تفصيل في المذاهب، ثمّ ذكر التفصيل بالنحو الآتي»:
«الحلف بالطلاق نحو: عليّ الطلاق: إن فعلت كذا، جائز بدون كراهة، و يلزمه الطلاق إذا كان الغرض منه الوثيقة، أي وثوق الخصم بصدق الحالف، جاز بدون كراهة. و إذا لم يكن الغرض منه ذلك، أو كان حلفاً على الماضي فإنه يكره، و كذلك الحلف (بنحو و أبيك و لعمرك).
و قالت الشافعية: يكره الحلف بغير اللّه إذا لم يقصد شيئاً ممّا ذكر في أعلى الصحيفة، و يكره الحلف بالطلاق.
و قالت الحنابلة: يحرم الحلف بغير اللّه و صفاته، و لو بنبي أو ولي،
1) . المغني لابن قدامة: 163/11 (كتاب الأيمان) طبع دار الكتاب العربي - بيروت.
و يكره الحلف بالطلاق و العتاق و المشهور الحرمة»(1).
فعلى ضوء هذا فقد أفتى الحنابلة من بين المذاهب الأربعة بالحرمة، و ذهبت الحنفية و الشافعية إلى الجواز و للمالكية قولان.
هذه هي الأقوال في المسألة، و إليك تحليلها فقهياً و اجتهاداً:
إنّ القرآن الكريم هو الثقل الأكبر و القدوة العليا و المثل الحي لكلّ مسلم، نرى فيه الحلف بغير اللّه في غير واحد من السور، فقد أقسم تعالى في سورة الشمس وحدها بغير ذاته و صفاته، أعني: الشمس و ضحاها، و القمر و النهار و الليل، و السماء و الأرض، و النفس الإنسانية، و أقسم سبحانه في سورة النازعات بأمرين: المرسلات و الناشرات، كذلك ورد الحلف بغير اللّه في سورة «الطارق» و «القلم» و «العصر» و «البلد» و غيرها.
و إليك نماذج من آيات الحلف بغير اللّه سبحانه الواردة في غير هذه السور:
«وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ * وَ طُورِ سِينِينَ * وَ هٰذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ»(2).
«وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ * وَ اَلنَّهٰارِ إِذٰا تَجَلّٰى»(3).
«وَ اَلْفَجْرِ * وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ * وَ اَلشَّفْعِ وَ اَلْوَتْرِ * وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ»(1).
«وَ اَلطُّورِ * وَ كِتٰابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ * وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ * وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ»(2).
إذا كان القرآن كتاب هداية للبشر و الناس يتّخذونه قدوة و أُسوة، فلو كان هذا النوع من الحلف حراماً على العباد، و أمراً خاصاً باللّه سبحانه، لكان المفروض أن يحذّر منه القرآن، و يذكر بأنّ هذا من خصائصه سبحانه.
و من هنا يعلم أنّ توصيف الحلف بغير اللّه بكونه شركاً صغيراً يستلزم نسبة الشرك إلى اللّه سبحانه، و إذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية فلا يفرق بينه و بين عباده، فإذا كانت ماهية الشيء ظلماً و تجاوزاً على البريء، فاللّه و عباده فيه سيّان، قال تعالى: «قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ»(3).
إنّ الحلف بهذه العظائم كما يتضمّن الدعوة إلى التدبّر و الدقّة في صنعها، و النواميس السائدة عليها، و اللطائف الموجودة فيها، و بالتالي يحتج بها على صانع لها عالم و قادر وحي و...، كذلك يتضمن جواز الحلف بها إذا كان موجوداً مقدساً، كما حلف سبحانه بحياة النبي و قال:
«لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ»(4).
هذا بالنسبة إلى القرآن، و إليك عرض المسألة على سنّة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، أعني: قوله و فعله و تقريره، فقد حلف بغير اللّه في موارد عديدة منها:
1 - روى مسلم في صحيحه:
«جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اللّه أيّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أمّا و أبيك فننبئنّك: أن تصدَّق و أنت صحيح شحيح، تخشى الفقر و تأمل البقاء»(1).
2 - روى مسلم أيضاً:
«و جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم - من نجد - يسأل عن الإسلام، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: خمس صلوات في اليوم و الليل.
فقال: هل عليّ غيرهن؟
قال: لا... إلّا أن تطوّع، و صيام شهر رمضان.
فقال: هل عليّ غيره؟
قال: لا... إلّا أن تطّوّع، و ذكر له رسول اللّه الزكاة.
فقال الرجل: هل عليَّ غيرها؟
1) . صحيح مسلم: 94/3، كتاب الزكاة - باب أفضل الصدقة.
قال: لا... إلّا أن تطّوّع.
فأدبر الرجل و هو يقول: لا أزيد على هذا و لا أنقص منه.
فقال رسول اللّه: أفلح و أبيه(1)إن صدق.
أو قال: دخل الجنة - و أبيه - إن صدق»(2).
3 - و روي الحديث في مسند أحمد بن حنبل، و في نهايته: أنّ النبي قال له:
«... فلعمري لئن تتكلم(3)بمعروف و تنهى عن منكر، خير من أن تسكت».(4)
و هناك أحاديث أُخرى لا يسع الكتاب لذكرها(5).
و قد أقسم الإمام عليّ عليه السلام - ذلك النموذج البارع في التربية الإسلامية و القيم العالية - بنفسه الشريفة مرات في خطبه و رسائله و كلماته.(6)
و هذا أبو بكر بن أبي قحافة يقول للسارق الّذي سرق حلي ابنته، فقال: «و أبيك ما ليلك بليل سارق»(7).
1) . أي حلفاً بأبيه، فالواو واو القسم.
2) . صحيح مسلم: 32/1، باب ما هو الإسلام.
3) . أي تتكلم - للمخاطب - كما في قوله تعالى: «فأنت له تصدى» «أي تتصدى».
4) . مسند أحمد: 225/5.
5) . راجع مسند أحمد: 212/5، و سنن ابن ماجة: 255/1 و ج 595/4.
6) . نهج البلاغة: تعليق محمد عبده: الخطبة رقم 22 و 25 و 56 و 85 و 161 و 168 و 182 و 183 و 187 و الرسالة رقم 6 و 9 و 54.
7) . الموطأ، أخرجه في باب الحدود برقم 29.
و لا أرى البحث أكثر من هذا إلّا تطويلاً بلا طائل، و بما أنّ الوهابيين يتمسكون ببعض الأحاديث فلا بأس بدراستها:
1 - إنّ رسول اللّه سمع عمر و هو يقول: و أبي، فقال: إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، و من كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت.(1)
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ وجه النهي عن الحلف بالآباء، أنّ آباءهم في الغالب كانوا مشركين و عبدة الأصنام، فلم تكن لهم حرمة و لا كرامة حتّى يحلف أحد بهم، و يؤيد ذلك ما روي عن النبي أنه قال: «و لا تحلفوا بآبائكم و لا بأُمهاتكم و لا بالأنداد».(2)و روي أيضاً: «لا تحلفوا بآبائكم و لا بالطواغيت»(3).
على أنّه يحتمل أن يكون النهي عن الحلف بالأب في مقام فصل الخصومات و حسم الخلافات، و قد عرفت أنّ الفاصل في هذا المجال هو الحلف باللّه و صفاته.
و أكثر ما يمكن أن يقال: إنّ النهي تنزيهي لا تحريمي بشهادة ما سبق من الحلف بغير اللّه في حديث الرجل النجدي.
2 - جاء ابن عمر رجل فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، و لكن احلف برب الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم
لا تحلف بأبيك فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك.(1)
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الحديث يتألف من أُمور ثلاثة:
1 - إِنَّ رجلاً جاء إلى ابن عمر فقال: أحلف بالكعبة؟ فأجابه بقوله: لا، و لكن احلف برب الكعبة.
2 - إِنَّ عمر بن الخطاب كان يحلف بأبيه، فنهاه النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن ذلك.
3 - إِنَّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم علل ذلك بقوله: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك».
و المتبادر من كلام الرسول حيث وقع تعليلاً لنهي عمر عن الحلف بوالده - الكافر - ما إذا كان المحلوف به شيئاً غير مقدس كالكافر و الصنم، و أمّا إذا كان المحلوف به مقدساً و ذا فضيلة و كرامة كالكعبة، فكلام الرسول منصرف عنه، و إنما اجتهد ابن عمر حيث حمل كلام الرسول حتّى على الحلف بالمقدس، كالكعبة، و اجتهاده حجة على نفسه لا على غيره.
و هناك جواب آخر: و هو أنّه يحتمل وقوع التحريف في الخبر، و أنّ قوله فقال: «رسول اللّه» مصحّف قوله: و قال رسول اللّه، و عندئذ يكون كلام الرسول مستقلاً، لا تعليلاً بشيء حتّى النهي عن الحلف بالكافر، و على هذا فالحديث مركب من أُمور ثلاثة جمعها ابن عمر في حديث واحد.
و الّذي يعرب عن أنّ كلام الرسول كان كلاماً مستقلاً غير واقع في ذيل النهي عن الحلف بالأب، ما رواه إمام الحنابلة عن ابن عمر، قال:
1) . السنن للبيهقي: 29/1، و قريب منه في مسند أحمد: 69/2.
«كان يحلف أبي، فنهاه النبي و قال: من حلف بشيء دون اللّه فقد أشرك».(1)فلو كان كلام الرسول مصدّراً بنهي عمر عن الحلف بأبيه كان اللازم أن يقول: «فقال» مكان «قال» و على فرض استقلاله و وروده بدون «الفاء» يكون القدر المتيقن منه الحلف بالأصنام.
و يشهد على ذلك ما رواه النسائي: أن النبيَّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من حلف فقال في حلفه باللات و العزى فليقل لا إلٰه إلّا اللّه».(2)
و الحديث يعرب عن أن رواسب الجاهلية كانت باقية في بعض النفوس، فكانوا يحلفون بأصنامهم المعبودة، فأمرهم النبي أن يقولوا بعد الحلف: «لا إلٰه إلّا اللّه» ليقضي على تلك الرواسب الجاهلية.
و حصيلة الجوابين: إنَّ قول النبي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» إمّا مختص بغير المقدسات كالحلف باللات و العزى و الكافر، أو مختص بالأصنام و الأوثان فقط، و لا يعمّ الكافر فضلاً عن المقدّسات.
إنّ من نقاط الاختلاف بين جماهير المسلمين و الوهابيين هي مسألة الحلف على اللّه بحق الأولياء.
قال ابن تيمية: التوسل في لغة الصحابة: أن يطلب من النبي الدعاء و الشفاعة فيكونون متوسلين و متوجهين بدعائه و شفاعته، و دعاؤه و شفاعته من أعظم الوسائل عند اللّه، و أمّا في لغة كثير من الناس: أن يسأل بذلك، و يقسم عليه بذلك، و اللّه تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، فلا يقال أقسمت عليك يا رب بملائكتك، و نحو ذلك، بل إنما يقسم باللّه و أسمائه و صفاته... و أمّا أن يسأل اللّه و يقسم عليه بمخلوقاته، فهذا لا أصل له في الإسلام.
و قال: و قوله: «اللّهمّ إنّي أسألك بمعاقد العز من عرشك، و منتهى الرحمة من كتابك، و باسمك وجدك الأعلى و كلماتك التامة» مع أنّ في جواز الدعاء به قولين للعلماء: فجوّزه أبو يوسف و غيره، و منع منه أبو
حنيفة و أمثاله، فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة الّتي جاء بها الكتاب و السنة.(1)
ترى أنّ ابن تيمية يفتي بالحرمة من دون أن يذكر لها مصدراً، بل يفتي على خلاف النص كما ستعرفه.
و جاء الرفاعي يتفلسف في تبيين حرمة الحلف على اللّه بمخلوقه، و يقول:
إنّ الإقسام على اللّه بمخلوقاته أمر خطير يقرب من الشرك، إن لم يكن هو ذاته، فالأقسام على اللّه بمحمد و هو مخلوق بل و أشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، و إنّه شرك لأنّه حلف بغير اللّه، فالحلف على اللّه، بمخلوقاته من باب أولى، أي جعلنا المخلوق بمرتبة الخالق، و الخالق بمرتبة المخلوق، لأنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، و لذلك كان الحلف بالشيء دليلاً على عظمته، و أنّه أعظم شيء عند المحلوف عليه(2).
و من هنا كان الحلف بالمخلوق على اللّه شركاً باللّه، لأننا خصصنا هذه المكانة العليا بالمخلوق، مع أنّها هي بالخالق أولى.(3)
يلاحظ عليه: أنّ كلامه يشتمل على أمرين:
1 - إنَّ الحلف بغير اللّه شرك.
2 - إنَّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه.
و كلتا الدعويين باطلتان، أمّا الأُولى فقد عرفت في البحث السابق أن الحلف بغير اللّه ليس بحرام، بل هو سنة متبعة بين المسلمين، فقد حلف رسوله و وصيه بغير اللّه، و أنّ الكتاب قدوة و أسوة، فقد حلف بعُمْر النبي و حلف بالقرآن الكريم و قال: «يس و القرآن الحكيم» فما هذا الإفتاء بلا دليل، و التشريع بلا برهان؟
«قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ»(1).
و أمّا الثانية فالمصيبة فيها أعظم، فإنّ لازم الحلف بشيء على اللّه، أن يكون المحلوف به محترماً عند اللّه و مقبول الشفاعة و الدعاء، لا كونه أعظم من المحلوف عليه، فالرجل لم يفرق بين كونه أكرم عند اللّٰه و بين كونه أعظم من اللّه.
و الحاصل أنّ هذه التفلسفات لا تكون مدركاً للتشريع و الإفتاء بالحرمة، فيجب اتّباع النص و تعليل المسألة في ضوء القواعد الفقهية، فها هنا مقامان:
1 - هل الحلف بمخلوق على اللّه شرك؟
2 - هل هناك ما يدل على حكم هذا الحلف؟
1) . يونس: 59.
أمّا الشرك فقد حددناه و وضعنا له حداً منطقياً، و هو الخضوع عن اعتقاد بألوهية المخضوع له و ربوبيته، أو كونه قائماً بفعله سبحانه، و هل ينطبق هذا الحد على الحلف بالمخلوق على اللّه؟
إنّ الذكر الحكيم يصف بعض عباد اللّه و يقول:
«اَلصّٰابِرِينَ وَ اَلصّٰادِقِينَ وَ اَلْقٰانِتِينَ وَ اَلْمُنْفِقِينَ وَ اَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ»(1).
فلو أنّ إنساناً قام في هزيع من الليل و صلّى لربه ركعات، ثمّ تضرع إلى اللّه قائلاً:
«اللّهمّ إنّي أسألك بحق المستغفرين في الأسحار، اغفر لي ذنبي» فهل يصحّ لنا أن نعده مشركاً، و أنّه أشرك الغير في عبادة اللّه، مع أنّه رفع يديه إلى اللّه سبحانه و دعاه بالضراوة؟
إنّ القرآن الحكيم ذكر مقياساً للتمييز بين المشرك و الموحّد فقال:
«إِنَّهُمْ كٰانُوا إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَ يَقُولُونَ أَ إِنّٰا لَتٰارِكُوا آلِهَتِنٰا لِشٰاعِرٍ مَجْنُونٍ»(2).
و قال: «وَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذٰا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذٰا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»(3). و قال سبحانه:
«ذٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذٰا دُعِيَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّٰهِ اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ»(1).
فهل ينطبق هذا المقياس المركز عليه في الذكر الحكيم على من أحلف اللّه بحبيب من أحبائه، أو شهيد من شهداء دينه؟ فهل هو من الذين إذا دعي اللّه وحده كفر، و إن أشرك به آمن؟
كلّا و ألف كلّا.
إنّ أرخص شيء و أوفره في سوق الوهابيين هو البذاءة في اللسان، و تكفير المسلمين و اتهامهم بالشرك، فكأنهم لا يوجد في علبتهم إلّا السب و الكلام البذيء و الاتهام بالشرك، معرضين عن قوله سبحانه:
«وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً»(2).
و كأنّه سبحانه خوّل تفسير الشرك إلى الوهابيين ليفسروه كيف يشاءُون، فيعتبروا جماعة مشركين و أُخرى موحّدين.
أمّا المقام الثاني: أعني: استخراج حكم المسألة من الكتاب و السنّة، فيكفي في ذلك:
1 - ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحق السائلين عليك و بحق ممشاي...(3).
2 - ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم:
لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلّا غفرت لي..»(1).
3 - و ما رواه عثمان بن حنيف عن رسول اللّه من دعاء الرسول للضرير و فيه: «اللّهمّ إنّي أسألك و أتوجه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة...»(2).
4 - و ما روي من دعاء النبي عند دفن فاطمة بنت أسد، قال: اغفر لفاطمة بنت أسد و وسّع عليها مدخلها بحق نبيك و الأنبياء الذين من قبلي»(3).
إنّ هذه الأحاديث و إن خلت من لفظ القسم بعينه، لكن مضمونه موجود لمكان الباء فيها، و المعنى: أُقسم عليك بحقّهم.
هذا ما روي عن النبي الأكرم، و إليك ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
5 - هذا إمام المتقين أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول في دعائه بعد صلاة الليل: «اللّهمّ إني أسألك بحرمة من عاذ بك منك، و لجأ إلى عزّك، و استظلّ بفيئك، و اعتصم بحبلك، و لم يثق إلّا بك»(4).
6 - و يقول في دعاء علّمه لأحد أصحابه: «... و بحق السائلين عليك، و الراغبين إليك، و المتعوذين بك، و المتضرعين إليك، و بحق كل عبد متعبّد
لك في كل برّ أو بحر أو سهل أو جبل، أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته».(1)
7 - و هذا أبو الشهداء الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام يقول في دعائه:
«اللّهمّ إنّي أسألك بكلماتك، و معاقد عزك، و سكان سماواتك و أرضك، و أنبيائك و رسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلي على محمد و آل محمد، و أن تجعل من أمري يسراً».
8 - و هذا هو الإمام زين العابدين يقول في دعائه يوم عرفة و هو يناجي ربّه:
«بحقّ من انتخبت من خلقك، بمن اصطفيته لنفسك، بحقّ من اخترت من بريّتك، و من اجتبيت لشأنك، بحقّ من وصلت طاعته بطاعتك، و من نيطت معاداته بمعاداتك»(2).
و هذا هو الإمام الصادق عليه السلام يقول عند ما زار مرقد جده الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
«اللّهمّ استجب دعائي، و اقبل ثنائي، و اجمع بيني و بين أوليائي بحق محمد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين»(3).
و لعلّ القارئ يسأل: هل للوهابيين على تحريم هذا النوع من الحلف دليل؟
و الجواب: نعم، إنّ لهم شُبهاً و ظنوناً فحسب، و إليك البيان:
1 - إنّ الإقسام على اللّه بمخلوق منهي عنه باتفاق العلماء(1).
إنّ معنى الإجماع على حكم هو اتّفاق علماء الإسلام في جميع الأعصار، أو في عصر واحد على حكم.
و أيضاً نسأل من أين وقف هذا الناقل للإجماع على اتفاق علماء الإسلام على التحريم؟ و نحن نسامحه و نقول: هل أفتى خصوص أئمة المذاهب الأربعة بالحرمة؟ فأين هذه الفتاوى؟ دلونا على محلها و مصادرها و كتبها!.
ثمّ ما قيمة هذه الفتاوى المدّعاة تجاه النصوص و الأحاديث الصحيحة و الآثار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، أو ليسوا من السلف الصالح و القادة الأعلين؟
2 - إنّ المسألة بحق المخلوقين لا تجوز، لأنّه لا حق للمخلوق على الخالق.
إنّ هذا الاستدلال عجيب جداً. هذه هي الآيات القرآنية تثبت حقوقاً على اللّه سبحانه لعباد اللّه الصالحين، و كذلك الأحاديث الشريفة:
«وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ»(2).
«وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ»(3).
«كَذٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنٰا نُنْجِ اَلْمُؤْمِنِينَ»(4).
و بالإضافة إلى ما سبق من الآيات الكريمة... هناك مجموعة كبرى من الأحاديث الشريفة في هذا المجال، و إليك نماذج منها:
ألف - قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «حقٌّ على اللّه عون من نكح التماس العفاف مما حرم اللّه».(1)
ب - «ثلاثة حق على اللّه عونهم: الغازي في سبيل اللّه، و المكاتب الّذي يريد الأداء، و الناكح الّذي يريد التعفف».(2)
ج - «أ تدري ما حق العباد على اللّه...».(3)
نعم إنّ من الواضح أنّه ليس لأحد بذاته حق على اللّه، فعندئذ، ربّما يُسأل عن معنى هذا الحق؟
الجواب: إنّ المقصود من الحق هو المنزلة الّتي يمنحها اللّه تعالى لعباده مقابل طاعتهم و انقيادهم له، و هو مزيد من التفضّل و العناية منه تعالى حقاً، فهذا هو الحق الّذي نقسم به على اللّه، حق جعله اللّه و منحه لعبده، لا أنّ للعبد حقاً على اللّه ذاتاً، و هذا مثل القرض الّذي يستقرضه سبحانه من عباده و يقول:
«مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً»(4).
و هذا النوع من التعبير لطف من اللّه سبحانه و عناية فائقة بعباده، حيث
يعتبر نفسه المقدسة مدينة و عباده دُيّاناً، فما أعظم لطفه، مع أنّه سبحانه هو المالك، و العباد خلفاؤه.
قال: «آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمّٰا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ»(1).
ترى أنّ مالك الملوك يستقرض من خلفائه و نوابه.
3 - عن جندب بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: قال رجل: و اللّه لا يغفر اللّه لفلان، فقال اللّه عزّ و جلّ:
«من ذا الّذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له و أحبطت عملك».
رواه مسلم:
و قد استدل به الشيخ عبد الرَّحمن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه «قرة عيون الموحّدين».(2)
و لم يذكر كيفية الاستدلال، و ذيّل كلامه بحديث أبي هريرة الّذي رواه أبو داود عنه قال: سمعت رسول اللّه يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، و الآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: اقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: اقصر، فقال: خلني و ربي، أ بعثت عليّ رقيباً؟ و اللّه لا يغفر اللّه لك و لا
يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أ كنت بي عالماً؟ أو علىٰ ما في يدي قادراً؟ فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، و قال للآخر: اذهبوا به إلى النار.(1)
و الحديث الثاني يفسر الحديث الأوّل، و أنّ المراد من قوله: «يتألى علي أن لا أغفر لفلان» هو الحلف بلا علم على اللّه، كما ورد في الحديث الثاني: «أ كنت بي عالماً، أو على ما في يدي قادراً»؟.
1) . قرة عيون الموحدين: 233. و الحديث في التعليقة و في المتن إشارة إليه.
إنّ من المنكرات و البدع عند ابن تيمية و ابن عبد الوهاب هو تكريم مولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالاحتفال و قراءة القرآن و إنشاد القصائد و الأشعار، و الإحسان إلى المؤمنين بالإطعام، إلى غير ذلك مما يعد مجالي لحب النبي صلى الله عليه و آله و سلم و تكريمه و رفعه، كما رفعه اللّه سبحانه و قال:
«وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ»(1).
و قد عرفت في ترجمة ابن تيمية أنّ مسلكه يشتمل على أبعاد أربعة، و أحد الأبعاد هو الحط من كرامة النبي و عظمته الّتي جاءت في الكتاب و السنة، فجاء يحقق بغيته بتحريم الاحتفال بالمواليد و التأبين في الوفيات، مع أنّه لا يشك ذو مسكة أنّه ليس عبادة للنبي، لما عرفت من أنّ العنصر المقوم للعبادة هو الاعتقاد بألوهية المعبود أو ربوبيته أو كونه مفوضاً إليه فعل الرب، و ليس في الاحتفال شيء من ذلك.
و كما أنّه ليس عبادة، ليس بدعة، لأنّه تجسيد للأصل الوارد في الذكر
1) . الانشراح: 4.
الحكيم، و هو حب النبي و مودته على وجه يكون النبي مقدماً على الإنسان و نفسه و نفيسه، و قد قام به السلف طيلة قرون، و إجماع العلماء في عصر حجة، فكيف في قرون، و مع ذلك فابن تيمية يظهر ما يضمره عن طريق تحريم هذه الاحتفالات و يقول:
إنّ اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت و لا من غيرهم من اتخذ ذلك عيداً، حتّى يحدث فيه أعمالاً، إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتّباع لا الابتداع، و للنبي صلى الله عليه و آله و سلم خطب و عهود، و وقائع في أيّام متعددة، يذكر فيها قواعد الدين، ثمّ لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً، و إنما يفعل مثل هذا، النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعياداً، أو اليهود، و إنما العيد شريعة، فما شرعه اللّه اتبع، و إلّا لم يحدث في الدين ما ليس منه.
و كذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد المسيح عليه السلام، و إمّا محبة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و تعظيماً له، و اللّه قد يثيبهم على هذه المحبة، و الاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإنّ هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، و عدم المانع منه، و لو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف - رضي اللّه عنهم - أحق به منّا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و تعظيماً له منّا، و هم على الخير أحرص.(1)
1) . اقتضاء الصراط المستقيم: 293-294.
إنّ هذه البذرة الّتي بذرها ابن تيمية استغلّها تلميذه ابن القيم و بعده الوهابية، و إليك بعض نصوصهم:
قال ابن القيم: «نهى رسول اللّه عن اتّخاذ القبور مساجد، و إيقاد السرج، و اشتد نهيه في ذلك حتّى لعن فاعله، و نهى عن الصلاة إلى القبور، و نهى أن يتخذوا عيداً»(1).
و قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:
«و قد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور الّتي تعبد من دون اللّه، و يسمّونها عيداً كمولد البدوي بمصر و غيره، بل هي أعظم لما يوجد فيها من الشرك و المعاصي العظيمة».(2)
و قال محمد حامد الفقي: «و المواليد و الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء، هي نوع من العبادة لهم و تعظيمهم».(3)
و قد استدلّوا بما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، و لا تجعلوا قبري عيداً، و صلّوا عليَّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنت».(4)
و ملاحظة هذه الكلمات تفيد أنهم يستدلون على التحريم بأُمور:
الأوّل: إِنَّها عبادة للأولياء و أصحاب الذكريات.
الثاني: إِنَّها بدعة، و إِنَّها مما لم يشرعه الشارع الشريف.
الثالث: لو كان هذا خيراً لأقامه السلف.
الرابع: الاستدلال برواية أبي هريرة من النهي عن اتخاذ قبر النبي عيداً.
هذه هي الوجوه المهمة الّتي يستدل بها ابن تيمية و أتباعه على تحريم تكريم المواليد، و نحن ندرس كل واحد من هذه الأدلّة واحداً بعد آخر:
قد عرفت أنّ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنّة المحمدية أفتى بكونه شركاً، و قال: هو نوع من العبادة للأولياء و تعظيمهم.
و لكنّه كعامة الوهابيين لم يفرّق بين التكريم و العبادة، و لذلك عطف التعظيم على العبادة، و هذا هو الداء العياء في دعاية الوهابيين و كتبهم و خطبهم، و أرخص شيء عندهم هو الشرك في العبادة، فلا تميل يميناً و لا يساراً إلّا و تسمع من الجماعة المتسمين بالآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر يصرخون في وجهك «يا حاج! هذا شرك» و هم لم يحددوا للعبادة حداً منطقياً حتّى يميزوا في ضوئه العبادة عن التعظيم، فعادوا يسمّون كل تعظيم شركاً، و لو كان التعظيم و الخضوع عبادة، للزم كفر المملوك و الزوجة، و الولد و الخادم، و الأجير، و الرعية، و الجنود، بإطاعتهم و خضوعهم للمولى و الزوج و الأب و المخدوم و المستأجر و الملك و الأُمراء، و جميع الخلق
لإطاعتهم بعضهم بعضاً، بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آباءهم و خضوعهم لهم، و قد أوجب اللّه طاعة أوامر الأبوين، و خفض جناح الذل لهما، و قال لرسوله: «وَ اِخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ»(1)، و أمر بتعزير(2)النبي و توقيره، و أمر بإِطاعة الزوجة لزوجها، و أوجب إطاعة العبيد لمواليهم و سمّاهم عبيداً.(3)
و قد عرفناك على أنّ العنصر المقوم لكون التعظيم عبادة، هو الاعتقاد بألوهية المعظَّم له، أو ربوبيته، أو كونه مالكاً لمصير المعظّم، و أنّ بيده عاجله و آجله، و منافعه و مضارّه، و لا اقل مغفرته و شفاعته، و أمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، و قام بالاحتفال بذكرى رجل ضحّى بنفسه و نفيسه من أجل استقلال أُمته و إخراجها عن نير الاستعباد، و هيّأ لهم أسباب الاستقلال، فلا يعد ذلك عبادة له، و إن كان هناك احتفال أو احتفالات، و أُلقي فيها عشرات القصائد و الخطب فلا صلة لهذا بالعبادة. نعم يدور أمر كل ذلك بين الحلال و الحرام، و هل الشارع رخص ذلك أو لم يرخص، و سيوافيك أنّ باذر هذه الشكوك ابن تيمية، يرىٰ أن الأصل في العادات عدم الحظر، إلا ما حظره اللّه.(4)نعم، الاحتفال بمولد النبي ليس من العادات، و لا يقام بما أنه أمر عادي بل بما هو أمر قربي له أصل في الكتاب و السنة كما مرّ و سيأتي أيضاً.
إنّ القوم يعدّون الاحتفال شركاً تارة، و بدعة ثانياً، و قد عرفت أنّه ليس بشرك لفقدان العنصر المقوم للشرك فيه، و أمّا كونه بدعة فقد عرفت بطلانه عند البحث عن أنّه عبارة عن إحداث أمر باسم الدين، و ليس له فيه نصّ أو أصل، و الاحتفال و إن لم يكن فيه نص، لكن له أصلاً في الكتاب و السنة، و هو حبّ النبي و مودته و إظهاره؛ فليست هذه الاحتفالات إلّا تجسيداً للحب لا للعداء و النصب و البغضاء. نعم، المنع عنه إظهار للضغينة الكامنة في القلوب.
هلمّ معنا ندرس دليلهم الثالث:
هذا هو الدليل الثالث الّذي يركن إليه المانع، و هو من أعجب الدلائل، فكأنّ السلف مقياس الحق و الباطل في الفعل و الترك معاً، فلو تركوا شيئاً دل ذلك على أنه باطل يجب تركه، نحن نفترض أنّ السلف لم يقيموه و لم يحوموا حوله، و لكن الخلف أبناء الدليل، فلو كان له أصل في القرآن و السنة لا يعبأ بترك السلف. على أنّ هذا ما يقوله القائل، و نحن إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أنّ السلف أقامه عبر القرون و الأجيال قبل أن يتولد باذر هذه الشكوك.
هذا مؤلف تاريخ الخميس يقول: و لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، و يعملون الولائم و يتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، يظهرون السرور، و يزيدون في المبرّات، يعتنون بقراءة مولده الشريف، و يظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عميم.(1)
و قال القسطلاني: و لا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام، و يعملون الولائم و يتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، و يظهرون السرور، و يزيدون في المبرات و يعتنون بقراءة مولده الكريم. و يظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم... فرحم اللّه امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشدّ علّةً على من في قلبه مرض و أعياه داء.
و لقد أطنب ابن الحاج في «المدخل» في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع و الأهواء، و الغناء بالآلات المحرمة في العمل بالمولد الشريف، و اللّه تعالى يثيبه على قصده الجميل.(2)
و قال ابن عباد في رسائله الكبرى: «و أمّا المولد فالذي يظهر لي أنّه عيد من أعياد المسلمين، و موسم من مواسمهم، و كل ما يفعل فيه ممّا يقتضيه وجود الفرح و السرور بذلك المولد المبارك... أمر مباح لا منكر».(3)
إنّ المانعين عن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقولون: إنّ أول من احتفل بمولد النبي هو الأمير أبو سعيد مظفر الدين الاربلي عام 630 ه، و ربما يقال: أول من أحدثه بالقاهرة، الخلفاء الفاطميون، أوّلهم المعز لدين اللّه، توجه من المغرب إلى مصر في شوال 361 ه، و قيل في ذلك غيره.(1)
و على أي تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً و أعواماً من دون أن يعترض عليهم أيّ ابن أُنثى، و على أيّ حال فقد تحقق الإجماع على جوازه و تسويغه و استحبابه قبل أن يتولد باذر هذه الشكوك، فلما ذا لم يكن هذا الإجماع حجة؟ مع أنّ اتّفاق الأُمّة بنفسه أحد الأدلّة، و كانت السيرة على تبجيل مولد النبي إلى أن جاء ابن تيمية، و العز بن عبد السلام، و ابن رجب، و الشاطبي فناقشوا فيه و وصفوه بالبدعة، مع أنّ الإجماع انعقد قبل هؤلاء بقرون، أو ليس انعقاد الإجماع في عصر من العصور حجة بنفسه؟
آخر ما في كنانة القوم من نبال مرشوقة إلى المؤمنين المحتفلين بمولد النبي الأكرم، ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، و لا تجعلوا قبري عيداً، و صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم».
1) . المواسم و المراسم: 20.
و في الاستدلال بالحديث مجال للنظر:
أوّلاً: إنّ إمام الحنابلة رواه في مسنده عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. عن النبي أنّه قال: «اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً. لعن اللّه قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(1)
و رواه في كنز العمال بالنحو التالي:
«اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً يصلّى إليه، فإنّه اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(2)
و في الوقت نفسه رواه إمام الحنابلة عن أبي هريرة: قال رسول اللّه: «لا تتخذوا قبري عيداً، و لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، و حيثما كنتم فصلّوا علي فإنّ صلاتكم تبلغني».(3)
و روى أبو داود في صحيحه عن أبي هريرة نفس هذا المتن.(4)
و من المحتمل جداً طروء التصحيف على الرواية، فبدل «وثناً» إلى «عيداً» و يؤيد ذلك ذيل الرواية، أعني قوله: «و لا تجعلوا بيوتكم قبوراً» فإنّه يناسب قوله: «لا تجعل قبري وثناً».
و ثانياً: إنّ العيد في اللغة هو الموسم، و هو كل يوم فيه اجتماع أو تذكار لذي فضل، أو حادثة مهمة، سمّي عيداً لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مجدد.
فعلى هذا لا يصحّ أن يقع خبراً لقوله: «قبراً» إذ لا معنى لجعل القبر عيداً، فإنّما يصحّ جعل موسم أو يوم مشخّص عيداً، فهو يقع خبراً أو صفة للزمان لا للمكان، و لو صحّ جعله صفة للمكان فإنما هو باعتبار اليوم الّذي يجتمع الناس فيه في ذلك المكان، فالتعبير الوارد في الحديث لا يوافق الذوق العربي السليم، فكيف يمكن نسبته إلى أشرف من نطق بالضاد، و لو أُريد منه ما يحاول المستدل أن يثبته كان الأولى أن يقول: لا تتخذوا مولدي عيداً، لا قبري عيداً، أو يقول: لا تتخذوا مولدي حول قبري عيداً.
و حصيلة الكلام: أنّ يوم العيد هو يوم الفرح و يوم الزينة، و لا يمكن تطبيق هذا المعنى على القبر، إلّا بارتكاب مجاز متكلّف فيه.
و ثالثاً: إنّ الرواية لم يعمل بها الصحابة حيث جعلوا بيت النبي قبوراً، إذ دفن فيه النبي الأكرم، و بعده أبو بكر و عمر، فصار بيته قبوراً.
و أمّا الاعتذار بأنّ للأنبياء خصوصية ليست لغيرهم و هي أنّهم يدفنون حيث يقبضون، لا يدفع الإشكال، إذ ليست هذه الخصوصية في غيرهم كصاحبيه «أبي بكر و عمر» فلما ذا جعل بيت النبي قبوراً.
و رابعاً: إنّ الحديث يحتمل معاني مختلفة وراء ما يرتئيه المستدل.
1 - منها ما ذكره الحافظ المنذري من أنّه يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبر النبي، و أن لا يهمل حتّى يكون بمثابة العيد.(1)
2 - و منها ما ذكره السبكي حيث قال: «و يحتمل أن يكون المراد: لا
1) . شفاء السقام: 67، نقلاً عن زكي الدين المنذري (أي: يزار بين المدة الطويلة كالعيد الّذي لا يكون في كل عام إلّا يوماً واحداً أو يومين).
تتّخذوا وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلّا فيه، كما ترى أنّ كثيراً من المشاهد، لزيارتها يوم معين كالعيد، و زيارة قبره صلى الله عليه و آله و سلم ليس لها يوم بعينه، بل أي يوم كان.(1)
3 - و منها ما ذكره أيضاً من أنّه يحتمل أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه، و إظهار الزينة و الاجتماع و غير ذلك ممّا يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلّا للزيارة و السلام و الدعاء ثمّ ينصرف عنه.
و قال العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي: «يحتمل قوياً أن يكون المراد أنّ اجتماعهم عند قبره صلى الله عليه و آله و سلم ينبغي أن يكون مصحوباً بالخشوع و التأمّل و الاعتبار، حسبما يناسب حرمته و احترامه صلى الله عليه و آله و سلم فإنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فلا يكون ذلك مصحوباً باللهو و اللعب و الغفلة و المزاح و غير ذلك ممّا اعتادوه في أعيادهم، ثمّ عقبه بقوله: و لعل هذا مراد السبكي».(2)
و خامساً: إنّ الحديث بكلتا صورتيه (وثناً - عيداً) ضعيف.
أمّا الصورة الأُولى فقد وقع في السند «سهيل بن أبي صالح» و هو ليس بالقوي في الحديث، و الحديث ليس بحجة؛ قال أبو حاتم: يكتب حديثه و لا يحتج به، و قد كان اعتلّ بعلّة فنسي بعض حديثه، و قال ابن المديني: مات أخ لسهيل و وجد عليه فنسي كثيراً من الحديث، و قال ابن أبي خيثمة: ابن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يثقون بحديثه، و قال مرة: ضعيف.(3)
و أمّا الصورة الثانية فقد وردت في مسند الإمام أحمد و أبي داود «عبد اللّه بن نافع» قال البخاري: يعرف حفظه و ينكر، و قال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، و كان ضعيفاً فيه، و لم يكن في الحديث بذاك، و قال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو لين يعرف حفظه و ينكر، و وثّقه يحيى بن معين، و قال أبو زرعة: لا بأس به، و قال ابن عدي: روى عن مالك غرائب، و هو في رواياته مستقيم الحديث.(1)
هذا هو حال الحديث الّذي يحتج به ابن تيمية و من يلعق قصعته من الوهابية، و بذلك أفتوا بحرمة الاحتفال بذكرى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.
و هذه هي أدلّة المانعين و شواهدهم، و قد عرفت ضعفها و عدم دلالتها على ما يرتئون، و لنختم البحث بذكر أُمور:
الأول: إنّ الاحتفال بالمواليد يجب أن يكون بعنوان أنّه تطبيق للأصل القرآني من لزوم تكريم النبي و توقيره و تعظيمه، و لأجل ذلك يصحّ إيقاعه في كلّ شهر و أُسبوع و يوم، و عند ما يقام الاحتفال بمولده فإنما يقام بما أنّه جزئي لذلك الأمر الكلّي الوارد في الكتاب العزيز، و أمّا إذا أُقيم الاحتفال بنيّة أنّه ورد في ذلك اليوم الأمر بالتكريم بالخصوص، حتّى يكون الاحتفال تجسيداً لهذا الأمر، فهو بدعة لا يصار إليها، و لا أرى أحداً يدّعي أنّه ورد الأمر بالخصوص بمولده.
الثاني: يجب أن يكون الاحتفال مطابقاً للسنن الإسلامية، خالياً عمّا
1) . شفاء السقام: 66.
يستقبح فعله في الشريعة، كعزف المعازف، و اتّخاذ القيان، و اختلاط الرجال بالنساء، فلو فرض أنّه اقترنت بعض هذه الاحتفالات بالمحرّمات، فلا يكون دليلاً على حرمة نفس الاحتفال، و لا يكون سبباً للمنع عنه، فإنّ بعض الفرائص ربّما تكون ذريعة لما هو أعظم من هذه المحرمات.
الثالث: ليست لإقامة الاحتفال كيفية خاصة، بل ينبغي أن يكون الكل في إطار الشريعة الغراء، و يكون في طريق تكريم النبي و تعظيمه، و إظهار الحب، و أحسن الطرق هو تلاوة الآيات الواردة في حقّه صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ الإيعاز إلى الجهود الّتي بذلها الرسول في طريق إنقاذ البشر، و بلغ بهم إلى أعلى مراتب العز و العظمة، ثمّ دعوة المسلمين عن طريق إلقاء الخطب بالتمسّك بالكتاب و السنّة، و السعي لتطبيق و تجسيد مبادئها في الحياة، و دعم الصحوة الإسلامية للنهوض و الوقوف في وجه القوى الكبرى الّتي تتربص بهم الدوائر، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي فيها خير و سعادة المسلمين كافة، في عاجلهم و آجلهم.
يقول العالم الجليل السيد محمد علوي بن عباس المالكي المكي الحسني:
«إنّنا نرى أنّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لا بد من الالتزام و إلزام الناس بها، بل إنّ كل ما يدعو إلى الخير و يجمع الناس على الهدى و يرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم و دنياهم، يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي، و لذلك فلو اجتمعنا على
شيء من المدائح الّتي فيها ذكر الحبيب صلى الله عليه و آله و سلم و فضله، و جهاده، و خصائصه، و لم نقرأ قصة المولد النبوي الّتي تعارف الناس على قراءتها، و اصطلحوا عليها حتّى ظن بعضهم أنّ المولد النبوي لا يتم إلّا بها، ثمّ استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ و إرشادات، و إلى ما يتلوه القارئ من آيات؛ أقول: لو فعلناه فإنّ ذلك داخل تحت المولد النبوي الشريف، و يتحقّق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، و أظنّ أنّ هذا المعنى لا يختلف فيه اثنان، و لا ينتطح فيه عنزان» انتهى.(1)
و من المؤسف جداً أنّ الوهابية قامت بشن حملة شعواء على هذا الكتاب، و لم تراع أدب الكتابة و المناظرة إلى حد اعتراف الكاتب بأسلوبه القاسي في المحاورة، و ينتهي في خاتمة كتابه إلى قوله: «و نكرر أسفنا و تأثرنا من القسوة الّتي آثرنا أن يشتمل عليها أسلوبنا في رد ترهاته، و أباطيله، و يعلم اللّه أن الباعث لهذا الأسلوب القاسي، الغيرة لحق اللّه.(2)
و يؤاخذ عليه أن الغيرة لحق اللّه يجب أن تكون في إطار الأدب الّذي ندب إليه الذكر الحكيم و قال: «اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(3).
و كان الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام يؤدب أصحابه عند مقابلة
الشاتمين من الشاميين، من أصحاب معاوية القاسطين بقوله: إنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَن تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَ لَكِنَّكُمْ لَو وَصَفْتُم أعْمَالَهُم وَ ذَكَرتُم حَالَهُمْ، كَانَ أصْوَبَ في القَولِ، و أبلَغَ فِي العُذْرِ، وَ قُلتُم مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللّهُمّ احْقِن دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ، وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِم وَ اهْدِهِم مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتّى يَعْرِفَ الحَقُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَ يَرعَوِيَ عَنِ الغَيِّ وَ العُدوانِ مِن لهج به.(1)
الرابع: روى أهل السنّة عن الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام أنّ رجلاً كان يأتي كلّ غداة فيزور قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يصلّي عليه، و يصنع من ذلك ما انتهره عليه عليّ بن الحسين عليه السلام فقال له: ما يحملك على هذا؟ قال: حبّ التسليم على النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: هل لك أن أُحدّثك حديثاً عن أبي؟
قال: نعم، فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: أخبرني أبي عن جدي أنّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: لا تجعلوا قبري عيداً، و لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، و صلّوا عليّ و سلّموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم و صلاتكم.(2)
و لو صحّ الحديث فلعل انتهاره كان لأجل أنّ الرجل زاد في الحدّ و خرج عن الحد الأوسط، و لا صلة له بنفي الزيارة بتاتاً، كما لا صلة له بإقامة الاحتفال و الذكريات.
إنّ هذه الرواية ظاهرة في أنّه عليه الصلاة و السلام قد لاحظ أنّ ذلك الرجل قد ألزم نفسه بأمر شاق، و هو المجيء، يومياً للصلاة عليه صلى الله عليه و آله و سلم و زيارته، فأراد عليه السلام التخفيف عنه و إفهامه أنّ بإمكانه الصلاة و التسليم عليه صلى الله عليه و آله و سلم حيثما كان، فسيبلغه ذلك، فلا داعي لإلزام نفسه بما فيه كلفة و مشقّة، و لم ينهه عن الصلاة و الدعاء عند قبره صلى الله عليه و آله و سلم.(1)
1) . المواسم و المراسم: 73.
أثبتت البحوث العلمية و الفلسفية أنّ الموت لا يمثّل نهاية حياة الإنسان و فناءَها، بل هو في الحقيقة، يمثّل نقلة من عالم إلى عالم آخر، كما أثبتت تلك البحوث أنّ حقيقة الإنسان و جوهره لا يتمثّل في بدنه المادي حتّى تنعدم بانعدامه، بل الذي يمثّل حقيقة الإنسان و واقعه هو روحه و نفسه، و هذه لا تفنىٰ و لا تنعدم، بموت الجسد و فنائه، و انّما تنتقل لتعيش في بدن يناسب مقامها الجديد في ذلك العالم الذي أطلق عليه العلماء و المفكّرون اسم «عالم البرزخ». و هنا يطرح سؤال و هو: هل الموتى ينتفعون بعمل الأحياء؟
و بعبارة أُخرى: إذا قام الإنسان الحي بعمل صالح ثمّ أهدىٰ ثواب ذلك العمل إلى والده أو أُمّه أو لقريب منه ممّن كانوا قد رحلوا عن هذه الحياة، فهل يا ترى ينتفع هؤلاء الموتى بذلك العمل و يعود ذلك العمل عليهم بالفائدة، أم لا؟
و في مقام الإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ من مراجعة آيات الذكر
الحكيم و الروايات الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السلام لتحدد لنا الإجابة عن ذلك، لأنّها هي المرجع الوحيد في الإجابة عن مثل تلك التساؤلات.
و قبل البدء بدراسة الآيات لا بدّ من التذكير بنكتة مهمة، و هي: انّ من المفاهيم الإسلامية الثابتة و الأُصول الواضحة انّ الإيمان إذا لم يقترن بالعمل لا يجدي نفعاً و لا يكون سبباً للنجاة في ذلك العالم، من هنا نجد أنّ آيات الذكر الحكيم في الغالب تقرن الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ»، و من هنا لا يمكن للإنسان أن يتكئ على إيمانه فقط، أو على عمل ابنه أو صديقه أو...، بل لا بدّ لمن يتوخّى النجاة و يروم الفوز بالنعيم أن يقرن إيمانه بالعمل الصالح.
نعم ظهرت على الساحة الفكرية الإسلامية في نهاية القرن الأوّل و أوائل القرن الثاني فرقة كلامية يقال لها: «المرجئة» ذهبت إلى كفاية الإيمان و لم تعر للعمل الصالح أهمية تذكر، فتصدّى لهذه الفرقة أئمّة الهدى عليهم السلام و بيّنوا نقاط الخلل و الانحراف الكامن في طيّ هذه النظرية، كما حذّروا المسلمين عامّة و شيعتهم خاصة من الانجراف مع هذا التيار المنحرف، و خاصة بالنسبة إلى الشباب حيث قالوا عليهم السلام: «بادروا أولادكم بالأدب قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة».(1)
كما واجه الأئمّة عليهم السلام النظرية الأُخرى التي ترى في الانتساب إلى بيت الرسالة عاملاً للفوز و النجاح حتّى إذا لم يقترن ذلك الانتساب بالعمل
1) . الكافي: 47/6، الحديث 5.
الصالح، و قد اعتبر الأئمّة عليهم السلام انّ هذه النظرية هي الأُخرى لا أساس لها من الصحة و لا تقوم على أُسس قرآنية متينة، بل هي في الحقيقة تمثّل امتداداً للفكر اليهودي المنحرف المتمثّل في قولهم: «نَحْنُ أَبْنٰاءُ اَللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ».(1)
و من هنا ندرك جيداً انّ نجاة الإنسان و فوزه مقترنان بالإيمان أوّلاً و العمل الصالح ثانياً، و أمّا الاتّكاء على مجرد الإيمان أو مجرد العلاقة النسبية بأهل بيت الوحي فهو في الواقع تفكير خاطئ و رؤية باطلة لا يصحّ الاعتماد عليها و الركون إليها أبداً.
و لأمير المؤمنين و إمام البلاغة و سيد الفصاحة كلام رائع في هذا المجال، حيث يقول عليه السلام مؤكداً على العمل:
1 - «ألا و إنّ اليوم عمل و لا حساب، و غداً حسابٌ و لا عمل».(2)
2 - «ألا و إنّ اليوم المضمارُ و غداً السباق، و السبقة الجنة، و الغاية النار، أ فلا تائب من خطيئته قبل منيّته، أ لا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه».(3)
و مع التسليم بهذا الأصل و المفهوم الإسلامي الثابت يبقى السؤال الذي أثرناه مطروحاً، هل ينتفع الميت بعمل الحي أم لا؟
و في مقام الإجابة عن التساؤل المطروح، لا بدّ من الإشارة إلى مقدّمة ضرورية، و هي:
انّ عمل الإنسان الحي بالنسبة إلى الميت تتصوّر على صنفين:
1 - تارة يكون للميت دور في العمل الصادر من الحي.
2 - و تارة أُخرى لا يكون له أيّ دور في ذلك العمل إلّا كونه مؤمناً فقط.
و لا كلام في النوع الأوّل الذي يكون للإنسان المتوفّىٰ دور في صدور العمل من الحي، فلا ريب أنّه يستفيد منه و ينتفع به، و يكفي شاهداً على ذلك الحديث المروي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و الذي رواه الفريقان، فعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».(1)
فالحديث الشريف يشير إلى ثلاثة أُمور يبقى ثوابها يتابع الإنسان حتى بعد رحيله من هذه الدنيا، و هي:
1 - الصدقة الجارية كبناء المسجد، أو تعبيد الطرق أو إقامة جسر، أو بناء مستشفىٰ، أو تشييد مدرسة، و غير ذلك من أعمال الخير التي ينتفع بها الناس.
2 - علم ينتفع به.
3 - ولد صالح يدعو له.
و لا ريب انّ الإنسان ينتفع بهذه الأعمال انطلاقاً من دوره الفاعل في نشوئها في حياته كالبناء، أو التأليف، أو إعداد الولد الصالح و تربيته تربية إسلامية صحيحة.
1) . صحيح مسلم: 73/5، باب «وصول ثواب الصدقات إلى الميت» من كتاب الإلهيات.
روى جرير بن عبد اللّٰه عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها و لا ينقص من أُجورهم شيء؛ و من سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها و لا ينقص من أوزارهم شيء».(1)
إذاً عودة أثر العمل على الميت - سواء كان ذلك الأثر ثواباً أو عقاباً - يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدور الذي يقوم به الميت في أثناء حياته في إظهار السنّة - حسنة كانت أم سيئة -، إذ لو لم يقم هو بذلك العمل لما استنّ به غيره من الناس و لم يعمل بها أحد بعده.
نعم يقع البحث في العمل من الصنف الثاني الذي لم يكن للميت دور فيه أبداً فإذا قام الإنسان الحي بعمل صالح فهل يستطيع أن يهدي ثوابه إلى الميت أم لا؟ و هل ينتفع به الميت أم لا؟
إنّ القرآن الكريم و السنّة المطهّرة يؤكّدان ذلك، و أنّه يمكن للإنسان أن يهدي ثواب ذلك العمل، هذا من جهة و من جهة أُخرى الميت ينتفع بذلك العمل و إن لم يكن له دور فيه. فإذا استغفر الحي للميت، أو قام بعمل صالح من صوم أو صلاة أو صدقة أو برّ - إمّا نيابة عن الميت أو بدون أن يقصد النيابة - ثمّ أهدى ثوابه للميت، فلا ريب أنّ الميت ينتفع بذلك، و لقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج متعدّدة من الاستغفار للآخرين و انتفاعهم بها، مثل:
1) . صحيح مسلم: 61/8، باب «من سنّ سنة حسنة أو سيئة» من كتاب العلم.
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بوضوح تام لا لبس فيه و أكّد أنّ الملائكة تستغفر للمؤمنين، فإذا لم يكن في هذا الاستغفار فائدة تعود على الميت، فحينئذٍ يكون طلب الاستغفار لغواً لا طائل وراءه. و من تلك الآيات:
1 - قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ اَلْجَحِيمِ».(1)
2 - و قوله تعالى: «تَكٰادُ اَلسَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ أَلاٰ إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ».(2)
3 - في الآيتين السابقتين كان الحديث عن استغفار الملائكة للمؤمنين، و أمّا الآية الثالثة فتتحدث عن استغفار المؤمنين للمؤمنين، حيث قال سبحانه:
«اَلَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ
سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ».(1)
إنّ الآيات الثلاث المذكورة تحكي عن انتفاع الموتىٰ باستغفار الملائكة و المؤمنين، و لكن الأمر لا ينحصر بالاستغفار فقط، بل الفائدة أوسع من ذلك و أشمل، و هذا ما أكّدته الروايات الكثيرة، فقد وردت في مجال الإحسان إلى الموتىٰ روايات كثيرة منتشرة في المصادر الحديثية كلّها تؤكّد حقيقة انتفاع الميت بعمل الحي، و ها نحن نستعرض تلك الروايات ضمن العناوين التالية:
و قد ورد في هذا المجال روايات متعدّدة، منها:
الف: انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من مات و عليه صيام، صام عنه وليّه».(2)
ب: روى ابن عباس: أنّ امرأة أتت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقالت: إنّ أُمّي ماتت و عليها صوم شهر فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «أ رأيت لو كان عليها دين أ كنت تقضينه؟».
قالت: نعم.
قال صلى الله عليه و آله و سلم: «فدين اللّٰه أحقّ بالقضاء».(3)
ج: عن عبد اللّٰه بن عطاء، عن عبد اللّٰه بن بريدة، عن أبيه، قال: بينا أنا جالس عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذ أتته امرأة فقالت: إنّي تصدّقت على أُمّي بجارية و انّها ماتت، قال: فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «وجب أجرك»، ثمّ قالت: يا رسول اللّٰه إنّه كان عليها صوم شهر أ فأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» قالت:
إنّها لم تحجّ قط أ فأحجّ عنها؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم: «حجّي عنها».(1)
إنّ الروايات الواردة في هذا المجال كثيرة لا يمكن حصرها هنا، و لذا نكتفي بذكر روايتين منها يكفي نقلهما للإجابة عن بعض الإشكالات المطروحة:
الف: قالت عائشة: إنّ رجلاً أتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللّٰه إنّ أُمّي اقتلعت نفسها، و لم توص و أظنها لو تكلّمت تصدقت، أ فلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم: «نعم».(2)
ب: عن سعد بن عبادة، أنّه قال: يا رسول اللّٰه إنّ أُمّ سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم: «الماء». فحفر بئراً و قال: هذه لأُمّ سعد.(3)
و إذا أردنا أن نحلّل تلك الروايات نقول:
إنّ الإنسان قد يقوم بسلسلة من الأعمال الصالحة من دون تعهد مسبق ثمّ يهدي ثوابها إلى الموتى، فإنّ من المسلّم به أنّ الأعمال التي تصدر من الإنسان و يراد بها وجه اللّٰه تعالى و التقرّب إليه، فإنّ اللّٰه سبحانه يثيب على ذلك و يجزي المحسنين، و لكن هذا الثواب و الجزاء تفضّل منه سبحانه و تعالى و ليس للعبد أو عمله استحقاق على اللّٰه، و انطلاقاً من هذا التفضّل و العطف الإلهي و الرحمة الربانية جاءت الروايات لتجيز العمل النيابي عن الميت، ليتسنّى للميت الحصول على ذلك الفضل الرباني و الرحمة الإلهية.
إنّ النذر سنّة معروفة بين كافّة المسلمين في العالم كلّه، و خاصة في البلاد التي تحتضن قبور أولياء اللّٰه و عباده الصالحين.
و لقد تعارف بين المسلمين النذر للّٰه و إهداء ثوابه للنبي أو لعترته الطاهرة أو لأحد الصالحين، فيقول الناذر: «للّٰه عليّ» ثمّ يهدي ثوابه للنبي مثلاً، و لا مانع من ذلك أبداً.
إذا عرفنا ذلك الأصل حينها تتّضح لنا و بجلاء معنى قول الناذر في بعض الأحيان: «للّٰه عليّ أن أذبح شاة للنبي أو للوصي»، فإنّ مفاد كلمة «للّٰه» غير مفاد كلمة «للنبي» قطعاً، و إن كانت الكلمتان مقرونتين بحرف اللّام، و لكن مفاد الحرف في لفظ الجلالة غير مفاده في لفظ النبي، و ذلك لأنّ
معنى اللام في الأوّل يراد به التقرّب و القيام بالفعل للّٰه تعالى وحده، و الحال أنّ المراد من اللام في الثاني «النبي» ينصرف إلى معنى آخر و يراد به معنى الانتفاع و الاستفادة، و من حسن الحظ انّ كلا التعبيرين قد وردا في الذكر الحكيم حيث قال سبحانه:
«قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ».(1)
و في آية أُخرى قال تعالى:
«إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ».(2)
و على هذا الأساس لا يمكن عدّ هذا النوع من التعبير علامة للشرك باللّٰه و عبادة لغيره، بل انّ هذا التعبير نفسه قد ورد في حديث سعد بن عبادة الذي مرّ ذكره حيث قال: «هذه لأُمّ سعد».
روى المحدّثون عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنيات».(3)
و من هذا المنطلق و اعتماداً على هذا الأصل الإسلامي المسلّم لا بدّ من التفريق و وضع المائز بين العمل الذي يقوم به الموحّدون من النذر أو
الذبح للنبي أو الأولياء و بين ما يقوم به المشركون تجاه أصنامهم و أوثانهم، فإنّ العملين و إن اتّحدا ظاهراً و شكلاً، و لكنّهما يختلفان جوهراً و حقيقة، فلا يمكن قياس أحدهما بالآخر. لأنّ الإنسان الموحّد إنّما ينذر للّٰه وحده و يذبح طمعاً في نيل ثوابه و جزائه تعالى، و الحال انّ المشركين يذبحون باسم أوثانهم و يطلبون الثواب منها، فكيف يا ترى جعل العملين عملاً واحداً و التسوية بينهما؟!!
فإذا كان المعيار في الحكم هو ظاهر العمل، فلا شكّ انّ ظاهر أعمال الحجّ لدى المسلمين يشبه عمل المشركين، فهم يطوفون حول أصنامهم و نحن نطوف حول الكعبة المشرفة و نقبّلها، و هم ينحرون في منىٰ لأصنامهم و نحن أيضاً ننحر في ذلك اليوم، و لكن هل من الصحيح التسوية بين العملين اعتماداً على الشكل الظاهري للعمل و إغفال جانب النيّة التي تدفع الإنسان إلى القيام بذلك الفعل؟!!
فلا ريب أنّ المحرّك و الدافع للمشركين هو التزلّف للأوثان و التقرب إليها و الطمع بنيل رضاها، و الحال انّ المحرك الذي يدفع الموحّدين هو التزلّف و التقرب للّٰه وحده لا شريك له و الطمع بنيل ثوابه و الفوز بالجنة و الرضوان، و لقد أكّدت الروايات صحّة هذا العمل و أضفت عليه صفة الشرعية.
إذا عرفنا ذلك كلّه نعطف عنان القلم للحديث عن نظرية علماء أهل السنّة في هذا المجال و ما يذهبون إليه.
لأجل إتمام الفائدة و اتّضاح الأمر جليّاً نأتي هنا بكلمتين لعلمَيْن و مفكّرين من أهل السنّة، و هما:
الأوّل: الخالدي البغدادي (المتوفّى سنة 1299 ه) حيث قال في كتابه «صلح الإخوان»: إنّ المسألة تدور مدار نيات الناذرين، و إنّما الأعمال بالنيّات، فإن كان قصد الناذر الميت نفسه و التقرب إليه بذلك لم يجز، قولاً واحداً. و إن كان قصده وجه اللّٰه تعالى و انتفاع الأحياء - بوجه من الوجوه - و ثوابه لذلك المنذور له - سواء عيّن وجهاً من وجوه الانتفاع، أو أطلق القول فيه و كان هناك ما يطّرد الصرف فيه في عرف الناس، أو أقرباء الميّت أو نحو ذلك، ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور.(1)
الثاني: العزامي في كتابه «فرقان القرآن» حيث قال:
و من استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم و نذورهم للأموات - من الأنبياء و الأولياء - إلّا الصدقة عنهم و جعل ثوابها إليهم، و قد علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقد على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات، واصلة إليهم، و الأحاديث في ذلك صحيحه مشهورة.(2)
و منها ما نقله أبو داود عن ميمونة بنت كردم قالت: خرجت مع أبي في
حجة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم... إلى أن قالت: فقال (أبي): يا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إنّي نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم، قال: لا أعلم إلّا أنّها قالت خمسين، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «هل بها من الأوثان شيء»؟ قال: لا، قال صلى الله عليه و آله و سلم: «فأوف بما نذرت به للّٰه».(1)
و من الملاحظ أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم قد ركّز في جوابه على وجود الأوثان في المنطقة ممّا يحكي أنّ النذر المحرّم هو النذر للأصنام و الأوثان، لأنّه كان من عادات عرب الجاهلية، و لقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: «وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ... ذٰلِكُمْ فِسْقٌ».(2)
و من يمعن النظر في سلوك و منهج الزائرين و طريقة تصرفهم في العتبات المقدّسة و مراقد الأولياء الصالحين، يصل إلى نتيجة قطعية و يكتشف بما لا مزيد عليه أنّ هؤلاء يذبحون باسمه و لغرض الفوز برضاه و التقرب إليه سبحانه ثمّ انتفاع صاحب القبر بثواب ذلك العمل من جهة و انتفاع الفقراء و المحتاجين من جهة ثانية.
بما انّ المسألة من المسائل الفقهية لذلك من الجدير بنا أن نشير إلى فتاوى فقهاء أهل السنّة، لتتّضح حقيقة الحال و ليتجلّى الأمر بأحسن صورة،
و قد قسّم هؤلاء المسألة إلى صورتين، هما:
الف: إذا أوصى الميت بالقيام بعد وفاته بعمل صالح فقد أجمع الفقهاء الأربعة على لزوم تنفيذ الوصيّة، و قالوا: الميت ينتفع بعمل الحي.
ب: إذا لم يوص الميت، و لكن تصدّى أبناؤه و ذووه للقيام بالعمل نيابة عنه، فقد أفتىٰ بصحّة هذا العمل جميع الفقهاء إلّا الإمام مالكاً.
1 - قال فقهاء الحنابلة: الحج يقبل النيابة و كذلك العمرة... و من توفّي قبل أن يحجّ الحج الواجب عليه، سواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، وجب أن يخرج من جميع ماله نفقة حجّة و عمرة، و لو لم يوص.(1)
2 - و أمّا فقهاء الحنفية فقالوا: إذا لم يوص - الميت - و تبرّع أحد الورثة أو غيرهم، فإنّه يرجى قبول حجّهم عنه إن شاء اللّٰه تعالى.(2)
3 - و أمّا الشافعية فقالوا: فإن عجز عن مباشرة الحجّ بنفسه يحجّ عنه الغير بعد موته من تركته.(3)
و نحن إذا أردنا استعراض جميع كلمات و آراء علماء أهل السنّة لطال بنا المقام، لذا نكتفي بهذا المقدار، و نعطف عنان القلم للحديث عن الشبهات المثارة هنا، و هي:
تنطلق هذه الشبهة من نكتة مفادها أنّ القرآن الكريم قد حصر انتفاع الإنسان بالعمل الذي يتصدّى بنفسه للقيام به و يسعى في تحصيله و يبذل الجهد بإنجازه، حيث قال تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ»(1)، و مع هذا التصريح في الآية كيف ينتفع الميّت بعمل لم يبذل فيه أدنى جهد أو سعي؟!!
إنّ الإجابة عن الشبهة المذكورة واضحة، بشرط بيان المراد من الآية آنفة الذكر، و من هنا نقول:
أوّلاً: انّ الآية المباركة بصدد الحديث عن العقاب و الجزاء و انّ كلّ إنسان إنّما يجازى بعمله و يؤاخذ به و بما يقترفه هو بنفسه، و لا علاقة للآية بالثواب و الجزاء، و الشاهد على ذلك أنّها تقول:
«أَ فَرَأَيْتَ اَلَّذِي تَوَلّٰى * وَ أَعْطىٰ قَلِيلاً وَ أَكْدىٰ * أَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْغَيْبِ فَهُوَ يَرىٰ * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمٰا فِي صُحُفِ مُوسىٰ * وَ إِبْرٰاهِيمَ اَلَّذِي وَفّٰى * أَلاّٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ * وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
1) . النجم: 39.
يُرىٰ * ثُمَّ يُجْزٰاهُ اَلْجَزٰاءَ اَلْأَوْفىٰ * وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ».(1)
فإنّ ملاحظة لحن الخطاب الوارد في الآيات و الذي هو في الحقيقة لحن ذم و توبيخ، يظهر و بجلاء أنّ الآية في مقام الحديث عن العقاب و الجزاء و خاصة الآية السابقة عليها و التي تقول: «أَلاّٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ» و من هنا نعرف أنّ اللام الداخلة على كلمة الإنسان في قوله تعالى «لِلْإِنْسٰانِ» لا يراد منها الانتفاع، بل هي بمعنى الاستحقاق، و لقد أكّد علماء اللغة أنّ أحد معاني «اللام» الاستحقاق كما في قوله تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»(2)، فعلى هذا الأساس لا علاقة للآية بمسألة الهدية و الثواب.
و ثانياً: على فرض التسليم بشمولية الآية و دلالتها على الثواب و العقاب معاً، مع ذلك نقول: يوجد هنا أمران لا ينبغي الخلط بينهما:
1 - انّ سعادة الإنسان و شقاءه مرهون بعمله و سلوكه، فإذا كان محسناً فاعلاً للخيرات فلا ريب أنّه سعيد، و أمّا إذا كان سيِّئ العمل مذموم الطريقة و المنهج فلا ريب أنّ عاقبته الشقاء و الخسران، و هذا أصل قرآنيّ أكّدته آيات الذكر الحكيم حيث قال عزّ من قائل: «مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا»(3).
2 - إذا قام الإنسان بعمل صالح ثمّ أهدى ثواب ذلك العمل إلى آخر قد رحل عن هذه الدنيا، فإنّ الميّت ينتفع بثواب ذلك العمل الصالح.
و لا ريب أنّه لا منافاة بين هذين الأصلين، لأنّ الأصل يمثّل قاعدة
عامّة شاخصة للعيان في حياة الإنسان، كما أنّ هذا الأصل يبيّن المحور الذي تدور عليه كلّ من السعادة و الشقاء. و الحال أنّ الأصل الثاني أصل فرعي و حالة استثنائية، و من الممكن بيان عدم التنافي بين الأصلين من خلال المثال التالي:
لو فرضنا أنّ إنساناً ما ينصح ولده و يقول له: إنّ سعادتك أو شقاءَك في الحياة رهن بعملك و سعيك، و إنّ الأمل بالنجاح و السعادة بلا عمل أو كدح خيال واه و حلم باطل، فهل تعني تلك النصيحة أنّه لا يحقّ لهذا الابن أن يتلقّى الهدية من الآخرين، أو إذا تلقّاها لا تزيده نفعاً؟ أو أنّ استلامه للهدية يُعدّ مخالفة لنصيحة الأب و إرشاده؟
فلا ريب انّ الإجابة عن هذا التساؤل بالنفي قطعاً، و ذلك لأنّ الأب في واقع الأمر بصدد بيان قاعدة كلّية و أصل عام تسير عليه الحياة و تدور عليه رحاها و النجاح أو الإخفاق فيها، و أمّا الانتفاع بهدايا الآخرين و منحهم فهو حالة استثنائية، فإنّ الأب يقول لولده: اعتمد على نفسك و سعيك و جهدك ودع التكاسل و البطالة و الاعتماد على الآخرين بالكلية، و لكن ذلك لا يمنع أن تحصل و في حالات خاصة و استثنائية بين الحين و الآخر على هدية أو هبة تنتفع بها في حياتك.
تقوم هذه الشبهة على الحصر الوارد في الحديث النبوي الشريف حيث حصر انتفاع الإنسان بعد موته بثلاثة أُمور لم يكن من ضمنها انتفاع
الإنسان بعمل غيره، لأنّ الحديث النبوي قال: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
إنّ الحديث ناظر إلى تلك الأعمال التي تصدر من الإنسان بصورة مباشرة، و ليس بالخفي أنّ الإنسان إذا مات انقطعت الأعمال التي يقوم بها بنفسه و بصورة مباشرة إلّا الثلاثة التي بقي أثرها بعده و لم تمت بموته.
و على هذا الأساس لا توجد بين الحديث و بين انتفاع الإنسان بعمل يقوم به غيره أيّة صلة أو علاقة، بل أنّ هيكل الحديث المستثنى «انقطع عمله» و المستثنى منه «إلّا من ثلاثة» ناظر إلى الأعمال التي يقوم بها الإنسان بصورة مباشرة و أنّ محور الحديث يدور حول بيان انقطاع عمل الإنسان بموته إلّا ما استثني في الحديث، و ليس الحديث بصدد بيان الانتفاع بثواب العمل الذي يقوم به غيره و يهدي ثوابه إليه.
إنّ العبادات على صنفين: بعضها يقبل النيابة كالصدقة و الحج، و البعض الآخر لا يقبل النيابة كالصلاة و قراءة القرآن و الصيام، و حينئذٍ كيف يتصدّى الإنسان للنيابة عن الميت في أُمور لا تقبل النيابة أصلاً؟!
إنّ قبول العمل للنيابة أو عدم قبوله لا بدّ أن يؤخذ من الشرع، فالشارع هو الذي يحدّد ذلك، فعلى سبيل المثال: الإسلام لا يقبل النيابة، فلو تشهد الإنسان الشهادتين ألف مرة - نيابة عن الكافر - لا يجدي الكافر نفعاً أبداً، و أمّا الصوم مثلاً فلا ريب أنّ الروايات قد أكّدت قبوله للنيابة فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من مات و عليه صيام، صام عنه وليّه».(1)
و نظير ذلك الروايات التي ذكرناها في صدر البحث، و حينئذٍ كيف يدّعي المستشكل أنّ الصلاة لا تقبل النيابة في الوقت الذي يعترف به بقبول الحجّ للنيابة، و الحال أنّ من أعمال الحجّ الواجبة صلاة الطواف؟! فلا ريب أنّ العمل إذا قبل النيابة في مورد يقبلها في المورد الآخر بلا فرق بين الموردين أبداً.
و لقد روى الإمام أحمد في مسنده الحديث التالي:
و يَس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد اللّٰه تبارك و تعالى و الدار الآخرة إلّا غفر له، و اقرأوها على موتاكم.(2)
الحزن و التأثر عند فقدان الأحبة أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية، فإذا ابتلي بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده و أرحامه، يحسّ بحزن شديد يتعقّبه ذرف الدموع على وجناته، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.
و لا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكار جدٍّ و موضوعية، و من الواضح بمكان أنّ الإسلام دين الفطرة يجاريها و لا يخالفها.
قال سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا».(1)
و لا يمكن لتشريع عالميٍّ أن يحرم الحزن و البكاء علىٰ فقد الأحبة إذا لم يقترن بشيء يغضب الرب.
و من حسن الحظ نرى أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الصحابة الكرام و التابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.
فهذا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يبكي على ولده إبراهيم، و يقول: «العين تدمع،
1) . الروم: 30.
و القلب يحزن، و لا نقول إلّا ما يرضي ربنا، و إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(1)
روىٰ أصحاب السِّيَر و التاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء صلى الله عليه و آله و سلم فوجده في حجر أُمّه، فأخذه و وضعهُ في حجره، و قال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّٰه شيئاً - ثمّ ذرفت عيناه - و قال: إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الربّ، و لو لا أنّه أمرٌ حقٌّ و وعدٌ صدقٌ و أنّها سبيل مأتيّة لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
و لمّا قال له عبد الرحمن بن عوف: أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ أجاب بقوله: «لا، و لكن نهيتُ عن صوتين أحمقين و آخرين، صوت عند مصيبة و خمش وجوه و شقّ جيوب و رنّة شيطان، و صوت عند نغمة لهو، و هذه رحمة، و من لا يَرحم لا يُرحَم».(2)
و ليس هذا أوّل و آخر بكاء منه صلى الله عليه و آله و سلم عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل بكى صلى الله عليه و آله و سلم على ابنه «طاهر» و قال: «إنّ العين تذرف، و إنّ الدمع يغلب و القلب يحزن، و لا نعصي اللّٰه عزّ و جلّ».(3)
و قد قام العلّامة الأميني في موسوعته الكبيرة «الغدير» بجمع موارد كثيرة بكىٰ فيها النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الصحابة و التابعون على موتاهم و أعزّائهم عند
افتقادهم، و إليك نصّ ما جاء به ذلك المتتبع الخبير.
و هذا هو صلى الله عليه و آله و سلم لمّا أُصيب حمزة رضى الله عنه و جاءت صفيّة بنت عبد المطلّب (رضي اللّٰه عنها) تطلبه، فحال بينها و بينه الأنصار، فقال صلى الله عليه و آله و سلم:
دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكىٰ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و إذا نشجت نَشَجَ، و كانت فاطمة عليها السلام تبكي، و رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم كلّما بكت يبكي، و قال: لن أُصاب بمثلك أبداً.(1)
و لمّا رجع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهن، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له»، فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم: لا تبكين أحداً حتّى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلّا بدأن بحمزة.(2)
و هذا هو صلى الله عليه و آله و سلم ينعى جعفراً، و زيد بن حارثة، و عبد اللّٰه بن رواحة، وعيناه تذرفان.(3)
و هذا هو صلى الله عليه و آله و سلم زار قبر أُمّه و بكى عليها و أبكى من حوله.(4)
و هذا هو صلى الله عليه و آله و سلم يقبّل عثمان بن مظعون و هو ميّت و دموعه تسيل على خدّه.(5)
و هذا هو صلى الله عليه و آله و سلم يبكي على ابن لبعض بناته، فقال له عبادة بن الصامت:
ما هذا يا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟ قال: «الرحمة التي جعلها اللّٰه في بني آدم، و إنّما يرحم اللّٰه من عباده الرحماء».(1)
و هذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و تقول: «يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه».(2)
و هذه هي عليها السلام وقفت على قبر أبيها الطاهر، و أخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها و بكت، و أنشأت تقول:
ما ذا على مَن شمَّ تربة أحمد *** أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا
صُبّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها *** صُبّت على الأيّام صِرن لياليا
و هذا أبو بكر بن أبي قحافة يبكي على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و يرثيه بقوله:
يا عين فابكي و لا تسأمي *** و حُقَّ البكاء على السيّد
و هذا حسّان بن ثابت يبكيه صلى الله عليه و آله و سلم و يقول:
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت *** عيونٌ و مثلاها من الجفن أسعد
و يقول:
يُبكّون من تبكي السّماوات يومه *** و من قد بكته الأرض فالناس أكمد
و يقول:
يا عين جودي بدمع منك إسبال *** و لا تملنَّ من سحّ و إعوال
و هذه «أروى» بنت عبد المطّلب تبكي عليه صلى الله عليه و آله و سلم و ترثيه بقولها:
ألا يا عين! ويحكِ أسعديني *** بدمعك ما بقيت و طاوعيني
ألا يا عين! ويحك و استهلّي *** على نور البلاد و أسعديني
و هذه عاتكة بنت عبد المطّلب ترثيه و تقول:
عينيَّ جودا طوال الدّهر و انهمِرا *** سكباً و سحّاً بدمع غير تعذير
يا عين فاسحنفري بالدَّمع و احتفلي *** حتّى الممات بسجل غير منذور
يا عين فانهملي بالدّمع و اجتهدي *** للمصطفىٰ دون خلق اللّٰه بالنور
و هذه صفيّة بنت عبد المطّلب تبكي عليه و ترثيه صلى الله عليه و آله و سلم و تقول:
أ فاطمُ بكّي و لا تسأمي *** بصحبك ما طلع الكوكبُ
هو المرء يُبكىٰ و حقّ البكاء *** هو الماجد السيّد الطيِّبُ
و تقول:
أ عينيّ! جودا بدمع سجْم *** يبادر غرباً بما مُنهدمْ
أ عينيّ! فاسحنفرا و أسكبا *** بوجدٍ و حزنٍ شديد الألمْ
و هذه هند بنت الحارث بن عبد المطّلب تبكي عليه و ترثيه و تقول:
يا عين جودي بدمع منك و ابتدري *** كما تنزّل ماء الغيث فانثعبا
و هذه هند بنت أثاثة ترثيه و تقول:
ألا يا عين! بكّي لا تملّي *** فقد بكر النعيُّ بمن هويتُ
و هذه عاتكة بنت زيد ترثيه و تقول:
و أمست مراكبه أوحشت *** و قد كان يركبها زينها
و أمست تُبكّي على سيِّد *** تردَّد عبرتها عينها
و هذه أُمّ أيمن ترثيه صلى الله عليه و آله و سلم و تقول:
عين جودي فإنّ بذلك للدم *** - ع شفاء فاكثري من بكاء
بدموع غزيرة منك حتّى *** يقضي اللّٰه فيك خير القضاء
و هذه عمّة جابر بن عبد اللّٰه جاءت يوم أُحُد تبكي على أخيها عبد اللّٰه بن عمر، و قال جابر: فجعلتُ أبكي و جعل القوم ينهوني و رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم
لا ينهاني، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أبكوه و لا تبكوه فو الله ما زالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى دفنتموه».(1)
نعم روي عن عمر بن الخطّاب و عبد اللّٰه بن عمر أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّ الميّت يعذَّب ببكاء أهله».(2)
أقول: إنّ ظاهر هذا الحديث يخالف فعل الخليفة في مواطن كثيرة أثبتها التاريخ.
منها: أنّه بكىٰ على النعمان بن مقرن المزني لَمّا جاءه نعيه، فخرج و نعاه إلى الناس على المنبر، و وضع يده على رأسه يبكي.(3)
و منها: بكاؤه على خالد بن الوليد عند ما مات و امتنعت النساء من البكاء عليه، فلما انتهىٰ ذلك إلى عمر، قال: و ما علىٰ نساء بني المغيرة أن يرقن من دمعهنّ على أبي سليمان ما لم يكن لغواً و لا لقلقة.(4)
و منها: بكاؤه على أخيه زيد بن الخطّاب، و كان صحبه رجل من بني عدي ابن كعب فرجع إلى المدينة، فلمّا رآه عمر دمعت عيناه، و قال:
و خلّفت زيداً قاضياً و أتيتني.(5)
فالبكاء المتكرّر من الخليفة يهدينا إلى أنّ المراد من الحديث - لو صحّ سنده - معنى آخر، كيف و أنّ ظاهر الحديث لو قلنا به فإنّه يخالف الذكر الحكيم، أعني قوله سبحانه: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ»(1). فأيّ معنى لتعذيب الميّت ببكاء غيره عليه؟!!
كلّ هذه النقول توقِفنا على أنّ المراد من الحديث «إنّ الميّت يعذَّب...» - إن صحّ سنده - غير ما يفهم من ظاهره، و قد كان محتفّاً بقرائن سقطت عند النقل، و لأجل ذلك توهّم البعض حرمة البكاء على الميّت استناداً إلى هذا الحديث، غافلاً عن مرمى الحديث و مغزاه.
أخرج مسلم في صحيحه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّٰه أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّت علىٰ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم جنازة يهودي، و هم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون و انّه ليعذب.(2)
و أخرج أبو داود في سننه عن عروة عن عبد اللّٰه بن عمر قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه، فذكر ذلك لعائشة فقالت - و هي تعني ابن عمر -: إنّما مرّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم على قبر يهودي فقال: إنّ
صاحب هذا ليُعذَّب و أهله يبكون عليه. ثمّ قرأت «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ».(1)
قال الشافعي: ما روت عائشة عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أشبه أن يكون محفوظاً عنه صلى الله عليه و آله و سلم بدلالة الكتاب و السنّة، فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟ قيل: في قوله عزّ و جلّ: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ...» و «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ»(2)و قوله: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(3)و قوله: «... لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا تَسْعىٰ»(4).
فإن قيل: أين دلالة السنّة؟ قيل: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لرجل: «ابنك هذا؟» قال: نعم، قال: «أما إنّه لا يجني عليك و لا تجني عليه». فأعلم رسول اللّٰه مثلما أعلم اللّٰه من أنّ جناية كلّ امرئ عليه، كما أنّ عمله لا لغيره و لا عليه.(5)
و أخرج مسلم عن ابن عباس: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه»، فقال ابن عباس: فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللّٰه عمر، لا و اللّٰه ما حدّث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم انّ اللّٰه يعذّب المؤمن ببكاء أحد، و لكن قال: إنّ اللّٰه يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، قال:
و قالت عائشة: حسبكم القرآن: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ».(1)
و ما أخرجه مسلم عن هشام بن عروة هو الحقّ دون ما أخرجه عن ابن عباس لأنّ تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه يضاد الذكر الحكيم.
1) . صحيح مسلم: 43/3، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.
قد تصل درجة الحب و الولاء و شدّة الشوق في الإنسان إلى درجة بحيث يرى نفسه «عبداً» أو «غلاماً» لمن يحبه و يوده، و ما ذلك إلّا إمعاناً منه في إبراز الحب و إظهار التصاغر أمام حبيبه.
و من هذا المنطلق تجد الكثير من ذوي النفوس الطاهرة و الأرواح الزكية يعشقون الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، و يهيمون به و بالأولياء و الصالحين إلى درجة يدفعهم ذلك الحب و الشوق و المودة لهم إلى أن يسمّوا أبناءهم «بعبد النبي» أو «عبد الحسين»، و غير ذلك من الأسماء التي تبدأ بكلمة «عبد»، و في الحقيقة أنّ هذه التسمية هي انعكاس طبيعي و تعبير بريء عمّا تكن نفوسهم من الحب و الولاء و الشوق للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و أهل بيت الوحي عليهم السلام.
و ليس وراء تلك التسمية غاية أو قصد آخر غير ما ذكرنا، و ما يدرك ذلك إلّا ذوو النفوس الطاهرة و الأحاسيس المرهفة.
بعد هذه المقدّمة نشير إلى إشكالية أثارها البعض حول تلك التسمية حيث قالوا:
لا ينبغي للإنسان أن يرتدي برداء العبودية إلّا للّٰه سبحانه، لأنّ هذا الرداء من شأنه سبحانه و تعالى وحده لا يشاركه فيه أحد مهما كان، كما يقول عزّ و جلّ: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي اَلرَّحْمٰنِ عَبْداً».(1)
فإذا كان الإنسان عبداً للّٰه سبحانه و تعالى فكيف يصحّ أن نسمّيه ب «عبد زيد» أو «عبد عمرو» فإنّ هذه التسمية تشم منها رائحة الشرك؟!!
جواب الشبهة
من أجل أن تظهر الحقيقة و ينجلي الحق، و ليتّضح مدى وهن هذا الإشكال لا بدّ أوّلاً من معرفة و بيان ملاك «العبودية» ثمّ الانتقال للحديث عن «الانحصار و عدم الانحصار» ثانياً.
و بعبارة أُخرى: لا بدّ من التمييز بين العبودية التكوينية التي عجنت مع جوهر الإنسان، و بين العبودية التشريعية أو القانونية التي قد تنفصل عن الإنسان، فإنّ ذلك مهم جدّاً في مقام الإجابة عن الشبهة المطروحة فنقول:
إذا كان الملاك في العبودية هو «الخالقية» و «منح الوجود» للطرف المقابل، فلا شكّ أنّ جميع بني الإنسان يشتركون في هذه العبودية للّٰه سبحانه و تعالى و لا يشاركه فيها أحدٌ أبداً، و إذا ما وجدنا السيد المسيح عليه السلام يقول: «إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ»(2)، أو نراه سبحانه ينادي المؤمنين بقوله: «يٰا عِبٰادِ»،
و بقوله: «قُلْ يٰا عِبٰادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ»(1)فإنّ ذلك كلّه منطلق من هذا الملاك، أعني: ملاك الخالقية و منح الوجود للإنسان.
و من الواضح أنّ هذا النوع من العبودية ملازم للإنسان و يستحيل أن ينفك عنه أبداً، و لا بدّ للإنسان أن ينطلق في عبوديته للّٰه سبحانه و يطيعه و يعبده من خلال هذا الملاك؛ أمّا إذا كانت العبودية ناشئة من الملاك التشريعي أو العقد الاجتماعي، فحينئذٍ لا تكون العبوديّة هنا منحصرة باللّٰه سبحانه و تعالى، بل يمكن - و تحت شروط خاصة و ظروف معينة - أن يكون الإنسان عبداً لغيره، نشير هنا إلى كلا النموذجين:
1 - طالما هيمن الطواغيت و المستكبرون على مقدّرات المستضعفين و المحرومين و استرقّوهم بحيث أصبحوا بمنزلة السلعة تباع و تشترى في أسواق النخاسة، و لم ينحصر الأمر بهم بل امتد ليشمل أبناءهم و ذراريهم، و ليس التاريخ الأُوروبي و الأمريكي ببعيد عنّا، حيث كانوا و لفترة قريبة جداً يزاولون تجارة الرق، بل كان كسب الكثير منهم قائماً على أساس سرقة و اختطاف الإنسان الأسود في إفريقيا و شحنه بطريقة مأساوية جداً في سفن لا تتوفر فيها أبسط الوسائل لنقل الإنسان، بل كانت تمارس بحقّهم أقسى أنواع المعاملة، و أنت إذا نظرت إلى المجتمع الأُوروبي أو الأمريكي تجد الكثير من نسل أُولئك الأفارقة الذين اختطفوا من أرضهم و أُرسلوا قسراً إلى تلك البلاد. و لقد عارض الإسلام هذا النوع من الاسترقاق و العبودية. و سعى للقضاء على ظاهرة الرق، و إذا ما وجدنا الإسلام قد أجاز ذلك في الحروب
1) . الزمر: 10.
الشرعية فلأجل الحفاظ على حياة الأسرى، و لكنّه في الوقت نفسه جعل لهم أحكاماً خاصة تؤول في النتيجة إلى تحريرهم و خلاصهم، و قد بحثت هذه القضية مفصّلاً في أبواب الفقه الإسلامي.
2 - انّ القرآن الكريم قسّم الناس إلى صنفين، فقال: «اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ»(1)، و لا ريب أنّه ليس المقصود في الآية هو العبد التكويني، و ذلك لأنّ العبودية بهذا المعنى لا تختص بصنف من الناس دون صنف، بل الكلّ فيها سواسية فالجميع عبيد له سبحانه، إذاً المقصود من الآية «العبد» مقابل «الحرّ»، فلا بدّ حينئذٍ من بيان هذه العبودية، و انّ العبد الذي جاء ذكره في القرآن عبد لمن؟
لا ريب أنّ المراد منه الإنسان الذي يكون عبداً لغيره، و الذي يمتلك زمام أُموره و يتسلّط عليه وفقاً للقانون و التشريع الإسلامي.
و في آية أُخرى نجد القرآن المجيد و في مجال الحثّ على التزويج و الترغيب فيه يقول:
«وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ اَلصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ».(2)
و حينئذٍ نتساءل الآية تقصد عبد من؟ و أمة من؟ لا شكّ أنّها تقصد العبد أو الأمة اللذين تسلط عليهما مالكهما بطريقة شرعية.
بعد هذه المقدمة يتّضح لنا و بجلاء أنّ العبودية النابعة من الخالقية
و الربوبية لا يمكن أن تضاف إلى غيره سبحانه و تعالى، فالكلّ عبيده بما فيهم الأنبياء و الأولياء فضلاً عن عامّة الناس، و أمّا العبودية النابعة من التشريع و التقنين فمن الممكن أن تنسب إلى غيره سبحانه فيقال: «زيد غلام النبي صلى الله عليه و آله و سلم»، و «قنبر غلام علي» و «فلان عبد زيد» و «فلانة أمة فلان» و هكذا.
و بالالتفات إلى هذين النوعين من العبودية نفهم: أنّ العبودية القانونية رمز للطاعة و التبعية للمولى، أي ينبغي على العبد أو الأمة إطاعة مولاهما و اتّباع أوامره و نواهيه، و لقد حدّد الفقه الإسلامي دائرة تلك الأوامر و النواهي و مقدار دائرة حقّ المولى على عبيده و إمائه. و من هنا نعرف انّ الغاية من تسمية الأبناء ب «عبد النبي» أو «عبد الحسين» هو تشبيه الأطفال بالعبد القانوني الذي جوهر حقيقته هو الطاعة، فيكون المعنى هكذا: كما أنّ العبد القانوني مطيع و تابع لمولاه، فهكذا صاحب هذا الاسم - أي الوليد - هو عبد للنبي أو لسيد الشهداء و مطيع لهما.
و بعبارة أُخرى: انّ مصطلح «العبد» يراد به هنا «المطيع»، و هذا المعنى قد استعمل في اللغة العربية(1)، و المسلمون و طبقاً لقوله تعالى: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»(2)هم في الحقيقة مطيعون للّٰه و للرسول و لأُولي الأمر و تابعين لهم.
و العجب انّ الذين تثار حميتهم و تنبض عروق الغيرة على الدين في
أبدانهم حينما يسمعون بمثل تلك التسميات، تجدهم في نفس الوقت يقفون موقف الخائر الذليل و العبد المطيع أمام السلاطين و الحكام غير الشرعيين، و لا يكتفون بذلك، بل يسبغون عليهم - زوراً و بهتاناً - صفة أمير المؤمنين!!!
و لقد أشارت الصحف في المملكة العربية السعودية إلى نماذج من ذلك حينما تصدّى الملك «فيصل بن عبد العزيز» لمنصب القيادة في السعودية بعد أخيه «سعود بن عبد العزيز» حيث خاطبه في حينها مفتي الديار السعودية السابق «ابن باز» بلقب أمير المؤمنين، الأمر الذي اعتذر منه الملك فيصل نفسه و وجده لقباً كبيراً لا يستحقه.
و لقد أشارت الصحف و المجلات في المملكة إلى تلك المذكرات، و قد طالعتها بنفسي.
إلى هنا تمّ تبيين عقائد ابن تيمية و محيي مسلكه ابن عبد الوهاب فبقي الإلماع إلى حياة المحيي و الناصر لابن تيمية - أعني: محمد بن عبد الوهاب -، و هو ما سيوافيك في البحث التالي.
نشأته و وفاته
استشفاف بوادر الضلال من كلماته
اتّفاق الشيخ و محمد بن سعود
بدء الدعوة و نشرها
صِدام بين ابن عبد الوهاب و أمير عيينة
تكفير محمد بن عبد الوهاب جميع المسلمين
حروبه مع المسلمين
قد وقفت في الفصول السابقة على العقائد الوهابية عن كثب، و أنّها لم تكن شيئاً جديداً سوى ما ابتدعه أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري، و قد كاد أن يصير نسياً منسيّاً، و يذهب أدراج الرياح، غير أنّ بذورها لما كانت تقبع في طيات كتبه و رسائله، قام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي بتجديد العهد بها، و إحيائها مرة أُخرى بفضل سيف آل سعود في الشطر الثاني من القرن الثاني عشر إلى أوليات القرن الثالث عشر الهجري، أي من سنة 1160 إلى سنة 1207 ه الّتي وافاه الأجل فيها، ثمّ تعاهد أبناؤه من بعده مع أبناء بيت قبيلة آل سعود فترة بعد فترة، على أن تكون الدعوة و الإرشاد و التخطيط على أبنائه، و التطبيق و التنفيذ و السلطة على كاهل آل سعود، فلم تزل هذه المعاهدة باقية إلى يومنا هذا، غير أنّها اتّخذت في هذه الآونة لنفسها شكلاً آخر، و هو أن القوة و السلطة كانت في بدء التأسيس آلة طيّعة بيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و لكنّه في عصرنا هذا تبدّلت رأساً على عقب، فأصبحت السلطة الدينية أداة طيعة في يد آل سعود، يأتمرون
بكلّ ما يلقى إليهم من البلاط السعودي و الملك الحاكم من قبلهم على شبه الجزيرة العربية.
و هذه إحدى الصور الّتي تحكي لنا عن تراجع الوهابية عن مبادئها الأوّلية الّتي قامت على أعتابها يوم تأسيسها، و سنوافيك بما يحكي لك المزيد من ذلك.
اختلف المؤرّخون في عام ولادته و وفاته، فمن قائل(1)بأنّه ولد سنة 1111 ه و توفّي عام 1207 ه فيكون عمره ستاً و تسعين؛ إلى آخر(2)بأنّه ولد عام 1115 ه و توفّي 1207 ه فيكون قد ناهز إحدى و تسعين، نشأ و ترعرع في بلده «العيينة» في نجد، و تلقى دروسه بها على رجال الدين من الحنابلة، ثمّ غادر موطنه و نزل المدينة المنورة ليكمل دروسه.
يقول أحمد أمين المصري: «سافر الشيخ إلى المدينة ليتم تعلمه، ثمّ طاف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، و خمس سنين في بغداد و سنة في كردستان، و سنتين في همدان، ثمّ رحل إلى أصفهان، و درس هناك فلسفة الإشراق و التصوّف، ثمّ رحل إلى «قم» ثمّ
عاد إلى بلده، و اعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثمّ خرج عليهم بدعوته الجديدة».(1)
و قد ذكر كثير من المؤرخين تجواله و ترحاله في هذه البلاد، منهم عبد الرزاق الدنبيلي في كتابه «مآثر سلطانية»(2)، و الشيخ أبو طالب الأصفهاني الّذي كان معاصراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد ذكر سفر الشيخ إلى أصبهان و إلى أكثر بلاد العراق و إيران، حتّى إلى «غزنين» الّذي هو بلد في أفغانستان.(3)
إنّ الإنسان مهما كان ذكياً مواظباً على ستر عقيدته لا يتمكن من إخفائها في الفترة الّتي يكون فيها الوعي غائباً و الذهن خاملاً، و عند ذلك يبدو على صفحات وجهه و فلتات لسانه ما يكتمه و يخفيه في الأوعية، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ما أضمر أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه و صفحات وجهه».(4)و قد كان محمد بن عبد الوهاب ممن يتفرّس مشايخه و أساتذته فيه الضلال، حيث كان عند ما يتردد إلى مكة و المدينة لأخذ العلم من علمائهما، و عند ما كان يدرس على الشيخ محمد بن سليمان الكردي، و الشيخ محمد حياة
السندي كانا يتفرسان فيه الغواية و الإلحاد، بل يتفرس غيرهما فيه مثل ذلك، و كان ينطق الكل بأنّه سيضل اللّه تعالى هذا، و يضل به من أشقاه من عباده، حتّى أنّ والده عبد الوهاب - و هو من العلماء الصالحين - كان يتفرس فيه الإلحاد و يحذّر الناس منه، حتّى أنّ أخاه الشيخ سليمان ألف كتاباً في الرد على ما أحدثه من البدع و العقائد الزائفة، و كان محمد بن عبد الوهاب بادئ بدء كما ذكره بعض المؤلفين مولعاً بمطالعة أخبار من ادّعى النبوة كاذباً كمسيلمة الكذاب و سجاح، و الأسود العنسي، و طليحة الأسدي و أضرابهم.(1)
يكتب ميرزا أبو طالب الأصفهاني و هو معاصره و يقول: أخذ في أوّل أمره عن كثير من علماء مكة و المدينة، و كانوا يتفرسون فيه الضلال و الإضلال، و كان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين، و كان يتفرس فيه ذلك و يذمّه كثيراً، و يحذر الناس منه، و كذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه، و ألف كتاباً في الرد عليه، و كان في أوّل أمره مولعاً بمطالعة أخبار مدّعي النبوة كمسيلمة و...».(2)
لو صحّ هذا فهو يعرب عن أنّ محمد بن عبد الوهاب كان يضمر في مكامن ذهنه شيئاً يشاكل فعل هؤلاء المتنبئين، فصبّ ما أضمره في الدعوة الجديدة إلى التوحيد، و عاد يكفّر رجال الدين عامة في كافة العصور، و ينسبهم إلى الجهل و الضلال، و هذه سمة المبتدعين عامة.
ترك أبوه «العيينة» و نزل بلدة «حريملة» و بقي فيها إلى أن وافته المنيّة سنة 1143(1)و لم يكن راضياً عن ابنه، و طالما زجره و نهاه، و لمّا توفّي الوالد تجرّأ عليه أهل «حريملة» و همّوا بقتله، فلم يجد بداً من الهرب إلى «العيينة» و هي مسقط رأسه و دار نشأته، و قد تعاهد هو و أميرها «عثمان بن معمر» على أن يشد كلٌّ أزر الآخر، فيترك الأمير للشيخ الحرية في إظهار الدعوة و العمل على نشرها، لقاء أن يقوم محمد بن عبد الوهاب بدوره بشتى الوسائل لسيطرة الأمير على نجد بكاملها، و كانت يومذاك موزعة إلى ست أو سبع أمارات منها إمارة العيينة(2)و لكن لكي تقوى الروابط بين الاثنين زوّج الأمير أُخته «جوهرة» من الشيخ، فقال له الشيخ: «إنّي لآمل أن يهبك اللّه نجداً و عربانها».(3)
هكذا بدأ التآلف بين الشيخ و الأمير، واحدة بواحدة... مساومة ثمّ أخذ و عطاء، و الثمن هو الدين و الشعب، أمّا زواج الشيخ من «جوهرة» فتثبيت للتحالف، و ضمان للوفاء... لقد سخّر محمد بن عبد الوهاب الدين لأجل الدنيا، و تطوع لتعزيز حكمه دون أن يكون على يقين من عدله، أو يأخذ منه موثقاً لتحسين الأوضاع و راحة الناس، و العمل للصالح العام، بل على
العكس، فقد وعده بملك نجد و عربانها... و لكن لا بالاقتراع و حرية تقرير المصير، بل بالحرب و الغزو و بأشلاء الضحايا.(1)
أبعد ذلك يصحّ أن يعدّ الشيخ من المصلحين المجددين، و ممّن له رسالة إنسانية كما عدّه نفر منهم أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، و مهما كان فإنّ التحالف بين الشيخ و الأمير لم يطل عمره و لم يتم أمره، و ما تمخّض إلّا عن زواج الشيخ بجوهرة، و هدم قبر زيد بن الخطاب، و إثارة الفتن و القلاقل فقط. لم يطل عمر التحالف بين ابن عبد الوهاب و الأمير ابن معمر، لأنّ سليمان الحميدي صاحب الأحساء و القطيف أمر عثمان بن معمر - و كان أقوى منه - أن يقتل الشيخ.
يقول عبد اللّه فيلبي في «تاريخ نجد»: «قرر عثمان أن يتخلص من ضيفه، فطلب منه أن يختار المكان الّذي يريد الذهاب إليه، فاختار «الدرعية»، فأرسل عثمان معه رجلاً اسمه فريد: و كلّفه أن يقتل ابن عبد الوهاب في الطريق، و لكن فريداً خذلته إرادته، و ترك الشيخ و قفل راجعاً دون أن يمسه بسوء.(2)
و يذكر السيد محمود شكري الآلوسي انتقال الشيخ من «عيينة» إلى «حريملة» نحو ما مرّ و يزيد: خرج إلى «الدرعية» سنة: 1160 ه، و هي بلاد مسيلمة الكذاب.(3)
ورد الشيخ إلى الدرعية في العام الّذي عرفت، و كان أميرها آنذاك محمد بن سعود جد السعوديين، و تمّ الاتفاق بين الأمير و الشيخ على غرار ما كان قد تمّ بينه و بين ابن معمر في «العيينة»، فقد وهب الشيخ نجد و عربانها لابن سعود، كما وهبهما من قبل لابن معمر، و وعده أن تكثر الغنائم عليه و الأسلاب الحربية الّتي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب(1)على أن يدع الأمير للشيخ ما يشاء من وضع الخطط لتنفيذ دعوته.
و تقول الرواة: إنّ الأمير سعود بايع محمد بن عبد الوهاب على القتال في سبيل اللّه... و معلوم انهما لم يفتحا بلداً غير مسلم في الشرق أو في الغرب، و إنّما كانا يغزوان و يحاربان المسلمين الذين لم يدخلوا في طاعة ابن سعود، و لأجل ذلك قال الأمير لابن عبد الوهاب: «أبشر بالنصر لك و لما أمرت به، و الجهاد لمن خالف التوحيد، لكن أُريد أن اشترط عليك اثنين:
أوّلاً: إذا قمنا بنصرتك و فتح اللّه لنا و لك، أخشى أن ترحل عنّا و تستبدل بنا غيرنا. فعاهده الشيخ أن لا يفعل.
ثانياً: إنّي أتقاضى من أهل «الدرعية» مالاً وقت الثمار، و أخاف أن تمنع ذلك، فقال الشيخ: لعل اللّه يفتح الفتوحات فيعوضك اللّه من الغنائم ما هو أعظم منها».(2)
و على هذا تم الاتفاق بين أمير «الدرعية» و الشيخ.
إنّ بعض المستشرقين مثل «فيليب حتّى»(1)و «جولد تسيهر»(2)و غيرهما يذكرون أنّه قد تقوّت الروابط بين الاثنين بمثل ما تقوّت بينه و بين أمير «عيينة» و زوّج محمد بن سعود ابنه عبد العزيز من إحدى بنات محمد بن عبد الوهاب، و لا يزال العهد بين آل سعود و عائلة عبد الوهاب مستمراً إلى يومنا هذا، و إن اختلف مضمونه مع استمرار التزاوج على نطاق وسيع.(3)
شعر محمد بن عبد الوهاب بقوته عن طريق هذا التحالف الجديد، و أنّ الإمارة السعودية أصبحت تناصره و تؤازره، فلأجل ذلك جمع الشيخ أنصاره و أتباعه و حثّهم على الجهاد، و كتب إلى البلدان المجاورة المسلمة أن تقبل دعوته، و تدخل في طاعته، و كان يأخذ ممّن يطيعه عشر المواشي و النقود و العروض، و من أبى غزاه بأنصاره، و قتل الأنفس و نهب الأموال، و سبى الذراري، و كان شعارهم: «ادخل في الوهابية و إلّا فالقتل لك، و الترمّل لنسائك، و اليتم لأطفالك» هذا هو بالذات مبدأ الوهابية الّذي لا تتنازل عنه لأية مصلحة، و من أجله تحالف مع ابن معمر في «العيينة»، ثمّ مع ابن سعود
في «الدرعية»، و كان على أتم استعداد أن يتحالف مع أية قوة يستعين بها على ذلك.(1)
كان الشيخ يغزو بأنصاره و أتباعه عربان نجد، يسلبونهم مصدر حياتهم، ثمّ ينتقلون إلى الدرعية بعد أن يتركوا وراءهم أشلاء الضحايا، و الخرائب و الأرامل و الأيتام، و يوزع الشيخ عليه أربعة أخماس الغنائم و الأسلاب من المسلمين الآمنين، و يخص الخمس بالخزينة الّتي يشرفون عليها هو و الأمير السعودي.
يقول عبد اللّه فيلبي في «تاريخ نجد»: «و قد أدخل الإمام في عقول طلابه مبادئ فريضة الجهاد المقدس، فوجد الكثير منهم في الجهاد أقدس تعاليمه، إذ أنّه يتفق مع ما اعتاد عليه العرب - يريد أنّ العرب قد اعتادوا على السلب و النهب -، كما خصّص الشيخ خمس الأسلاب لخزينته المركزية الّتي كان الأمير و الإمام يتقاضيان منها ما يقوم بأودهما... و هكذا كان سلطان الشيخ في تصرف شئون البلاد بعد مرور سنة أو سنتين، و قد أصبح شريكاً مؤسساً.
ربما يستغرب القارئ عند ما يسمع أنّ الوهابية تحصنت في بدء دعوتها بهذا الشعار، و طبقته في حياتها سنين، و لكنّه لعمر اللّه حقيقة لا مرية
1) . هذه هي الوهابية: 114.
فيها، فقد ارتفع صرح الإمارة السعودية يوم انتشارها إلى العصر الحاضر على هذا الأصل، فإنّ السعودية آنذاك و يوم تعاهدها مع محمد بن عبد الوهاب تعيش حياة البؤس، و لم يكن ابن سعود متمكناً حتّى من تأمين الأغذية لأعز تلاميذ محمد بن عبد الوهاب، الّذي يمارس تأثيره بقوة الإقناع فقط.(1)
و بعد أُولى غزوات الدرعيين على جيرانهم، وزعت الغنائم بالعدل طبقاً لأحكام الوهابية: الخمس لابن سعود، و الباقي للجند؛ ثلث للمشاة، و ثلثان للخيالة؛ و كان التمسك بالوهابية يكافأ ماديّاً، و إذا كان الغزو في السابق مجرد حملة شجاعة، فقد تحول الآن إلى انتزاع أموال المشركين! و إحالتها إلى المسلمين الحقيقيين!
قد تعرفت أنّ التحالف بين الشيخ و أمير «العيينة» لم يلبث إلّا برهة قليلة، و أنّه اعتذر عن ضيفه و سمح له أن يغادر الإمارة و يذهب إلى أية نقطة شاء، و لما التحق محمد بن عبد الوهاب بأمير «الدرعية» و بزغ نجمه، أحسّ عثمان بن معمر أمير «العيينة» بتمخض خطر من جانب السعوديين، فلم يجد مناصاً من إظهار التودد و المداراة معهم، إلى أن انتهى به الأمر إلى تزويج ابنته من ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الّذي بلغ الوهابيون في
1) . عنوان المجد لابن بشر: 13/1.
عهده أوج قوتهم(1). إلّا أنّ العداء حتّى الموت بين الأقارب ظاهرة عادية تماماً في الجزيرة العربية، فلا داعي للدهشة من تطور الأحداث لاحقاً، و كان لموقف محمد بن عبد الوهاب - الّذي لم ينس أنّ أمير «العيينة» نفاه منها - أهمية حاسمة في التنافس بين حكام «الدرعية» و «العيينة»، فلم يلبث إلّا يسيراً حتّى اتّهم أمير «العيينة» بأنّه أجرى مراسلات سرية مع حاكم الأحساء «محمد بن عفالق» و أعد العدة للخيانة.(2)
و لأجل ذلك أرسلوا بعض المرتزقة، و منهم حمد بن راشد، و إبراهيم بن زيد إلى عثمان بن معمر حاكم «العيينة» فاغتالوه أثناء أدائه لصلاة الجمعة.
و ممّا جاء في كتاب أصدره آل سعود و آل الشيخ تحت عنوان: تاريخ نجد، و نقله عن رسائل محمد بن عبد الوهاب، الشيخ حسين بن غنام، و أشرف على طباعته عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية، العبارة التالية:
إنّ عثمان بن معمر مشرك كافر، فلمّا تحقّق أهل الاسلام من ذلك تعاهدوا على قلته بعد انتهائه من صلاة الجمعة، و قتلوه و هو في مصلّاه بالمسجد في رجب سنة 1163 ه، و في اليوم الثالث من مقتله جاء محمد بن عبد الوهاب إلى «العيينة» و عين عليهم مشاري بن معمر، و هو من أتباع محمد بن عبد الوهاب.(3)
هكذا كانوا يحكمون على الموحّدين المصلّين في محراب العبادة بالشرك و الخروج عن التوحيد «و ما نقموا منهم» «إلّا أن قالوا ربنا اللّه ثمّ استقاموا» و لم يخضعوا للسلطة الّتي أسّسها محمد بن عبد الوهاب.
ثمّ إنّ محمد بن عبد الوهاب نحّى «مشاري» عن منصة الحكم و أسكنه «الدرعية» مع عائلته، و عين شخصاً آخر لإشغال الحكم، حتّى يكون الحاكم أطوع له كطوع الظل لذي الظل، و لم يكتف بذلك حتّى جاء إلى قصر آل معمر و أمر بتدميره(1).
إنّ هذه العملية تسفر عن عقيدة محمد بن عبد الوهاب في حق عامة أهل نجد دون استثناء، لأنه لو كان ابن معمر كافراً فقد كان سكنة نجد كلهم على دينه، فهم حينئذ كفرة تباح دماؤهم و نساؤهم و ممتلكاتهم، و المسلم هو من آمن بالطريقة التي يسير عليها محمد بن عبد الوهاب و محمد بن سعود(2).
لم يبرح زمن على سلطة آل سعود على «العيينة» حتّى ثاروا على النظام الّذي فرض عليهم من جانب محمد بن عبد الوهاب، و لكن لم يكتب لانتفاضتهم النجاح، فعاد السعوديون إلى «العيينة» فدمّروا البلد عن آخره، فهدموا الجدران، و ردموا الآبار، و أحرقوا الأشجار، و اعتدوا على أعراضهم و بقروا بطون الحوامل من النساء، و قطعوا أيدي الأطفال، و أحرقوهم بالنار، و سرقوا المواشي و كل ما في البيوت، و قتلوا كل الرجال.
هكذا خربت «العيينة» و ما زالت مخروبة منذ عام 1163 ه حتّى يومنا هذا، و ما زالت الوهابية يبررون أعمالهم بما قاله محمد بن عبد الوهاب: إنّ اللّه سبحانه و تعالى قد صبّ غضبه على العيينة و أهلها و أفناهم تطهيراً لذنوبهم، و غضباً على ما قاله حاكم العيينة، عثمان بن معمر، فقد قيل لحاكمها بأنّ الجراد آت إلى بلادنا و نحن نخشى أن يأكل الجراد زراعتنا، فأجاب الحاكم ساخراً من الجراد: سنخرج على الجراد دجاجاً فتأكله، و بهذا غضب اللّه سبحانه لسخرية الحاكم بالجراد، و هو آية من آيات اللّه لا يجوز السخرية منها، و لهذا أرسل اللّه الجراد على بلدة العيينة فأهلكها عن آخرها.(1)
نحن نفترض أنّ أمير العيينة استهزأ بآية من آيات اللّه فكفر، فيجب ضرب عنقه بسيف الجلادين، فهل كفر الآخرون، و هل تزر وازرة وزر أُخرى، و ما هي إلّا خدعة يموّه بها الأمر على الصبيان و أشباههم.
فلمّا قضى محمد بن عبد الوهاب و آل سعود على مناوئيهم في المنطقة، قويت الإمارة السعودية من طريق الدين باتّباعها محمد بن عبد الوهاب، و قويت دعوة ابن عبد الوهاب بطريق السيف باتّباع ابن سعود له و انتصاره به، فكان ابن سعود الأمير الحاكم، و ابن عبد الوهاب الزعيم الديني، و صارت ذرية كل منهما تتولى مرتبة سلفها.
لقد قوّى انتصار القبيلة السعودية على حاكم «العيينة» عزيمتهم على
1) . تاريخ آل سعود لناصر السعيد: 22-23.
توسيع نطاق حكومتهم، مغبة أمر محمد بن عبد الوهاب بالجهاد و حث أتباعه عليه، و أوّل جيش تمّ تأليفه له من سبع ركائب.(1)و معلوم أنّ هذه الجيوش و الركائب لم تغز بلاد الكفّار و المشركين، و لا الرومان، و إنما غزوا بلاد المؤمنين، بلاد القائلين ب (لا إلٰه إلّا اللّه، محمد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم) و لمّا أحسّ ابن عبد الوهاب بسلطة و قدرة، كتب إلى أهل نجد (و هم المسلمون بزعمهم) على الدخول في مذهب التوحيد، فأطاع بعضهم بينما امتنع آخرون، فأمر أهل «الدرعية» بالقتال، فأجابوه و قاتلوا معه أهل نجد و الأحساء مراراً، حتّى دخل بعضهم في طاعته طوعاً أو كرهاً، و صارت جميع إمارة نجد لآل سعود بالقهر و الغلبة».(2)
قد كان للحركة الوهابية في عصر مؤسسها صدى و دوي، و القريب منها يستشف الحقيقة عن كثب، و يرى أنّها قد بنيت على القتل الذريع، و السفك المروع، و أن محمد بن عبد الوهاب يهتف بأنّه لا عدل و لا سلم، و لا رحمة، و لا إنسانية، و لا حياة، لا شيء أبداً إلّا الوهابية أو السيف.
و هذه السنّة الّتي استنّها محمد بن عبد الوهاب يتحمل وزرها منذ يومه إلى يوم القيامة، لأنّها كما ترى دعوة تقوم على الحرب و الضحايا،
و تتطبع بطابع الدم و الفوضى، و يكفي في ذلك قول أخيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في كتاب الصواعق الإلهية مخاطباً لأخيه و أتباعه:
«فأنتم تكفّرون بأقل القيل و القال، بل تكفّرون بما تظنون أنتم أنّه كفر، بل تكفّرون بصريح الإسلام، بل تكفّرون من توقف عن تكفير من كفّرتموه».(1)
و لم يكن أخوه فريداً في قضائه، فقد رجع عن طريقته بعض المنصفين المنخدعين بدعوته، و هذا هو السيد محمد بن إسماعيل الأمير لمّا بلغه من أحوال الشيخ النجدي، الدعوة إلى التوحيد، فأنشأ قصيدته المشهورة:
سلام على نجد و من حلّ في نجد *** و إن كان تسليمي على البعد لا يجدي
ثمّ حقّق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن، و وجد الأمر على عكس ما روي له، فأنشأ يقول في قصيدته ثانياً عمّا قاله أوّلاً:
رجعت عن القول الّذي قلت في نجد *** فقد صحّ لي عنه خلاف الّذي عندي
حكي عن محمد بن إسماعيل أنّه قال في شرح القصيدة المذكورة المسمّاة ب «محو الحوبة في شرح أبيات التوبة»: لمّا بلغت قصيدتي الأُولى نجداً التي مدحت فيها الحركة الوهابية، جاء إلينا بعد أعوام رجل كان يعرّف
1) . الصواعق الإلهية: 27-29، ط 1306.
نفسه ب «الشيخ مربد بن أحمد التميمي» و ذلك في صفر سنة ألف و مائة و سبعين، و حمل بعض كتب ابن تيمية و ابن القيم بخطه، ثمّ عاد إلى وطنه في شوال تلك السنة، و كان من تلاميذ ابن عبد الوهاب الّذي وجهنا إليه القصيدة، و قد قدم إلينا قبله الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي، و وصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكرناها عليه من سفك الدماء و نهب الأموال و التجري على قتل النفوس، و لو بالاغتيال، و تكفيره الأُمة المحمدية في جميع الأقطار، فبقي فينا تردد فيما نقله ذلك الشيخ، حتّى قدم إلينا الشيخ «مربد» و له نباهة، و معه بعض رسائل ابن عبد الوهاب الّتي جمعها في وجه تكفير أهل الإيمان، و قتلهم و نهبهم، و حقق لنا أحواله، فعرفنا أحوال رجل عرف من الشريعة شطراً و لم يمعن النظر و لا قرأ على من يهديه نهج الهداية، و يدله على العلوم النافعة و يفقّهه، بل طالع بعض مؤلفات ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، و قلدهما من غير إتقان، مع أنّهما يحرمان التقليد.(1)
يقول العلامة السيد محسن الأمين العاملي:
هذا يدل على أنّ محمد بن إسماعيل رجع عن مغالاته في التوهب، و لعل رجوعه كان بعد تأليفه رسالة «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد» فإنّ تلك الرسالة لا تقصر عن كتب ابن عبد الوهاب في المغالاة.(2)
هذه لمحة خاطفة عن حياة محمد بن عبد الوهاب، جئنا بها ليكون القارئ الكريم على اطلاع بحقيقة حاله على جهة الإجمال، و لكن هناك الكثير الكثير في الزوايا و الخبايا ذكرت في تاريخ حياته أغفلنا ذكرها روماً للاختصار، و لكن ما يجب ذكره في المقام كلمة أخيه في حقّه، و هو من أهل بيته و أدرى بحاله منّا و من كل كاتب. يقول في كتاب أسماه «الصواعق الإلٰهية» رداً على آراء أخيه: «فإنّ اليوم ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب و السنّة، و يستنبط من علومهما، و لا يبالي من خالفه.
و إذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله و بمفهومه، و من خالفه فهو عنده كافر، هذا و هو لم تكن فيه خصلة واحدة من فعال أهل الاجتهاد و لا و اللّه، و لا و اللّه عشر واحدة، و مع هذا فراج كلامه على كثير من الجهّال، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، الأُمّة كلّها تصيح بلسان واحد، و مع هذا لا يرد لهم في كلمة بل كلّهم كفّار و جهال! اللّهمّ اهد هذا الضال و ردّه إلى الحق...».(1)
و يقول أيضاً: إنّ هذه الأُمور (الّتي يكفر بها محمد بن عبد الوهاب) حدثت من قبل زمان الإمام أحمد في زمن أئمة الإسلام، حتّى ملأت بلاد الاِسلام كلها، و لم يُرْو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفّروا بذلك، و لا قالوا هؤلاء مرتدون، و لا أمروا بجهادهم، و لا سموا بلاد المسلمين بلاد
1) . الصواعق الإلهية: 3-4.
شرك و حرب كما قلتم أنتم، بل كفّرتم من لم يكفر بهذه الأفاعيل و إن لم يفعلها، و تمضي قرون على الأئمة من ثمانمائة عام، و مع هذا لم يُرْو عن عالم من علماء المسلمين أنّه كفر، بل ما يظن هذا عاقل، بل و اللّه لازم قولكم أن جميع الأُمّة بعد زمان الإمام أحمد رحمه الله، علماؤها و أُمراؤها و عامّتها كلّهم كفّار مرتدّون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، وا غوثاه إلى اللّه! ثمّ وا غوثاه أن تقولوا كما يقول بعض عامتكم إنّ الحجة ما قامت إلّا بكم، و إلّا قبلكم لم يعرف دين الإسلام.(1)
و هذه العبارة من أخيه صريحة في أنّه كان يكفّر جميع طوائف المسلمين، و يعتبر بلادهم بلاد حرب.
و لعلّ القارئ ينتابه الاستغراب ممّا نسبه إليه أخوه، و لكنّه إذا رجع إلى مبادئ دعوته يسهل له التصديق بالنسبة، و إليك خلاصة رسالته تحت عنوان «أربع قواعد»:
الأُولى: إنّ الكفّار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم مقرّون بأنّ (اللّه) هو الخالق الرازق المدبّر، و لم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصٰارَ... فَسَيَقُولُونَ اَللّٰهُ فَقُلْ أَ فَلاٰ تَتَّقُونَ»(2).
الثانية: إنّهم يقولون: ما دعونا الأصنام و ما توجهنا إليهم إلّا لطلب القرب و الشفاعة لقوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اَللّٰهِ زُلْفىٰ»(1). و قوله: «وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاٰءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اَللّٰهِ»(2).
الثالثة: إنّه ظهر (صلّى اللّه عليه و آله) على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، و بعضهم الأنبياء و الصالحين، و بعضهم الأشجار و الأحجار، و بعضهم الشمس و القمر، فقاتلهم و لم يفرّق بينهم.
الرابعة: إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأوّلين، لأنّ أُولئك يشركون في الرخاء، و يخلصون في الشدة، و هؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى:
«فَإِذٰا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ».(3)
و هو لا يريد من قوله: «إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً...» إلّا المسلمين عامّة، و ذلك لأنّهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم في شدّتهم و رخائهم، و لذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة.
و مما يؤخذ عليه فيما ذكره في القاعدة الثانية، و هي المحور الرئيس للضلالة، أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين و عبدة الأوثان و الأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، و لا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلّا بقصد أن
يدعو لهم عند اللّه، و يشفع لهم عنده، و أين هو من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام و لا يعبدون اللّه، و يتوجهون إليها على أنّها آلهة تملك ضرهم و نفعهم، و ما هذه إلّا مغالطة مفضوحة، و قد تكررت هذه الظاهرة في أكثر رسائله و كتبه، فإليك نتفاً منها في كتابه الآخر المسمى ب «كشف الشبهات» الّذي فرض تدريسه على علماء الحرمين في بعض الفترات الّتي شهد لها التاريخ، حيث يقول:
1 - أرسله - أي الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم - إلى أُناس يتعبّدون و يحجّون و يتصدّقون و يذكرون اللّه كثيراً، و لكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم و بين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، و نريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة و عيسى و مريم و أُناس غيرهم من الصالحين.(1)
و في هذه العبارة من المغالطة ما لا يخفى، فقد حاول تزييف الحقيقة و قال: و لكنّهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم و بين اللّه، فقد ركز على التوسيط، مع أنّهم عبدوهم أوّلاً، و اتخذوهم وسائط ثانياً، فالممنوع هو عبادة الغير لا توسيطه، فالشيخ يركز على مجرد الوساطة الّتي ليست ملاكاً لشركهم، و يترك ما هو الملاك لكفرهم، أعني: عبادتهم. و عمل المسلمين على اتّخاذ الوسيلة لا على عبادتها.
2 - يقول في موضع آخر ما نصّه:
إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلاً و نهاراً، ثمّ منهم من
1) . كشف الشبهات: 3.
يدعو الملائكة لأجل صلاحهم و قربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى.(1)
فتراه كيف يستر الحقيقة فيقول: «ثمّ منهم من يدعو الملائكة أو يدعو رجلاً صالحاً فيركّز على الدعوة الّتي هي أعم من العبادة، مع أنّ منهم من يعبد الملائكة، أو يعبد رجلاً صالحاً، و ليس كلّ دعوة عبادة، و إلّا فلا يوجد فوق البسيطة من يصحّ تسجيل اسمه في ديوان الموحّدين، و الرجل لأجل إثبات أنّ المسلمين في دعوة النبي و الصالحين كهؤلاء المشركين في عبادة الملائكة و الصالحين، يركز على كلمة «يدعو» و يترك كلمة «يعبد» فهناك فرق بين الدعوة و العبادة، و ليس كلّ دعوة عبادة، و لا كلّ عبادة دعوة، بل بينهما من النسب عموم و خصوص من وجه، فلو كانت الدعوة تنبثق من ألوهية المدعو و ربوبيته فتتّسم بالعبادة، و لو كان انبثاقها من أنّه عبد من عباد اللّه و لكنّه عبد عزيز عند اللّه تستجاب دعوته إذا دعا، فلا تكون الدعوة عبادة، بل يدور الأمر بين كونه مفيداً إذا كان مستجاب الدعوة، و غير مفيد، إذا لم يكن كذلك.
3 - يقول أيضاً: «تحقّقت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كلّه للّه، و الذبح كلّه للّه، و النذر كلّه للّه، و الاستغاثة كلّها باللّه».
أمّا كون الدعاء كلّه للّه فإن كان المراد به العبادة فلا غبار عليه، و المسلمون على هذا عن بكرة أبيهم، و إن كان المراد هو القسم الّذي لا يراد
1) . كشف الشبهات: 4، ط مصر بتصحيح محب الدين الخطيب.
به العبادة فليس بمنحصر في اللّه، و ما أكثر دعاء إنسان لإنسان و هذا هو الدعاء ورد في القرآن الكريم في غير مورد العبادة. قال سبحانه:
«قٰالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهٰاراً»(1).
و أمّا النذر فلا شك أنّ المسلمين ينذرون للّه سبحانه، و يذكرون لفظ الجلالة في إنشاء صيغته الدالة عليه، و قد أسهبنا القول في ذلك فيما مضى، و الشيخ خلط بين اللام للغاية و اللام للانتفاع، فلو استعملت في بعض الموارد لفظة اللام فإنّما يراد منه الانتفاع، فلو قيل هذا نذر للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أو للروضة المباركة، فالمراد هو إهداء ثوابه إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم أو انتفاع الروضة به.
4 - و يقول أيضاً:
«إنّ المشركين يقرّون بالربوبية و إنّ كفرهم بتعلّقهم بالملائكة و الأنبياء».
يؤاخذ عليه أنّ كفرهم إنّما لعبادتهم الملائكة و الأنبياء لا لتعلّقهم بها، إذ ليس مجرد التعلّق مع الاعتراف بعبوديتهم و عدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير.
5 - و يقول أيضاً: «إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأنّ أوثانهم لا تدبّر شيئاً و إنّما أرادوا منها الجاه و الشفاعة».(2)
فترى أنّه كيف يقلب الحقيقة، فلم يكن تكفيره لهم لأجل طلب
الشفاعة، بل لعبادتهم أوّلاً، ثمّ طلب الشفاعة منهم ثانياً، قال سبحانه:
«وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُمْ وَ لاٰ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلاٰءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اَللّٰهِ»(1).
6 - و يقول: «إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، و كفّر من قصد الصالحين، و قاتلهم رسول اللّه».
كلّا، إنّ رسول اللّه كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب العلم و المال و الدعاء لا يكون كافراً.
7 - و يقول أيضاً - و هو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف -: اقرأ عليه: «اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ» فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه؟ فلا بد أن يقول نعم، و الدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنّها عبادة، ثمّ دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلا بد أن يقول نعم».(2)
و المغالطة في كلامه واضحة، فإنّ الدعاء في قوله: «ادعوا ربكم» مساوق للعبادة لا بمعنى أنّ الدعاء بمعنى العبادة، بل معناه أنّ الدعوة إذا انبثقت من الاعتقاد بالألوهيّة و الربوبية تصير مصداقاً للعبادة، و جزءاً من جزئياته، كما أنّ المراد من قوله: «و الدعاء مخ العبادة» هو أنّ الدعاء مخ العبادة، أو دعاء من يعتقد أنّه ند للّه في جميع الشئون أو بعضها مخ العبادة، و أين هو من دعوة الأنبياء و الصالحين الذين لا يُدعَوْن إلّا بعنوان أنّهم عباد
صالحون لا يعصون اللّه ما أمرهم و هم بأمره يعملون، و لا يملكون شيئاً لأنفسهم و لا لغيرهم نفعاً و لا ضراً إلّا بإذن اللّه، أ فهل تكون الدعوتان متماثلتين حتّى تشتركا في الحكم؟
و إنّك إذا تتبّعت كلماته و جمله في هذا الكتاب يظهر لك أنّه يحاول التضليل من طريق تشبيه توسل المسلمين و دعائهم، بعمل المشركين و عبدة الأوثان، بالتمسك بمشابهات و مشاركات بعيدة، و تناسى ما هو البون الشاسع بين الأُمتين و الدعوتين.
قال زيني دحلان: كان محمد بن عبد الوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية و يقول في كلّ خطبة: و من توسل بالنبي فقد كفر، و كان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكاراً شديداً، فقال لأخيه يوماً: كم أركان الإسلام يا محمد؟ فقال: خمسة(1)فقال أنت جعلتها ستة: السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم، هذا عندك ركن سادس للإسلام.
و قال رجل آخر: كم يعتق اللّه كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف، و في آخر ليلة، يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم يبلغ من اتّبعك عشر ما ذكرت، فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم اللّه تعالى، و قد حصرت المسلمين فيك و في من اتّبعك؟ فبهت الّذي كفر.
و لما طال النزاع بينه و بين أخيه فخاف على نفسه، فارتحل إلى
1) . يشير إلى ما رواه البخاري في كتاب الإيمان.
المدينة المنورة، و ألّف رسالة في الرد على محمد بن عبد الوهاب و أرسلها له، فلم ينته، و ألّف كثير من علماء الحنابلة و غيرهم رسائل في الردّ عليه و أرسلوها إليه، فلم ينته.(1)
و يقول جميل صدقي الزهاوي: كان محمد بن عبد الوهاب يسمّي جماعته من أهل بلده، الأنصار؛ و كان يسمّي متابعيه من الخارج، المهاجرين؛ و كان يأمر من حج حجة الإسلام قبل اتّباعه أن يحج ثانياً قائلاً إنّ حجتك الأُولى غير مقبولة لأنّك حججتها و أنت مشرك، و يقول لمن أراد أن يدخل في دينه: اشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، و اشهد على والديك أنّهما ماتا كافرين، و اشهد على فلان و فلان (يسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنّهم كانوا كفاراً.
فإن شهد بذلك قبله، و كان يصرّح بتكفير الأُمّة منذ ستمائة سنة، و يكفّر كلّ من لا يتبعه و إن كان من أتقى المسلمين، و يسمّيهم مشركين، و يستحل دماءهم و أموالهم، و يثبت الإيمان لمن اتّبعه.
و كان يكره الصلاة على النبي بعد الأذان، و ينهى عن ذكرها ليلة الجمعة و عن الجهر بها على المنابر، و يعاقب من يفعل ذلك عقاباً شديداً، حتّى أنّه قتل رجلاً أعمى مؤذناً لم ينته عن الصلاة على النبي بعد الأذان، و يلبس على أتباعه أنّ ذلك كلّه محافظة على التوحيد.
كان قد أحرق كثيراً من كتب الصلاة على النبي، كدلائل الخيرات
1) . الدرر السنية في الرد على الوهابية: 39-40.
و غيرها، و كذلك أحرق كثيراً من كتب الفقه و التفسير و الحديث ممّا هو مخالف لأباطيله.(1)
قال أحمد زيني دحلان: إنّ الوهابيين أرسلوا في دولة الشريف مسعود بن سعيد بن زيد (المتوفّى سنة 1165 ه) ثلاثين نفراً من علمائهم فأمر الشريف أن يناظرهم علماء الحرمين، فناظروهم فوجدوا عقائدهم فاسدة، و كتب قاضي الشرع حجة بكفرهم فأمر بسجنهم، فسجن بعضهم و فرّ الباقون.
ثمّ في دولة الشريف أحمد (المتوفّى سنة 1195 ه) أرسل أمير الدرعية بعض علمائه فناظرهم علماء مكة و أثبتوا كفرهم، فلم يأذن لهم بالحج.(2)
و قال أيضاً: لما منع الناس من زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم خرج ناس من الأحساء و زاروا النبي صلى الله عليه و آله و سلم و بلغه خبرهم، فلمّا رجعوا مرّوا عليه بالدرعية، فأمر بحلق لحاهم، ثمّ أركبهم مقلوبين من الدرعية إلى الأحساء.
و بلغه مرة أنّ جماعة قصدوا الزيارة و الحج، و عبروا على الدرعية، فسمعه بعضهم يقول لتابعيه: خلّوا المشركين يسيرون طريق المدينة، و المسلمون (أتباعه) يخلفون معنا.(3)
من رجع إلى كتب محمد بن عبد الوهاب و ما ألّف في الفترة المتاخمة إلى عصره يقف على أنّهم اتّفقوا على تكفير المسلمين قاطبة، سنّيهم و شيعيّهم و لم تكن المحاربة و قتل الأنفس و سفك الدماء في عصره و ما بعده إلّا على أساس أنّ غيرهم مشركون، لا حرمة لدمائهم و ممتلكاتهم، يجب تتويبهم قسراً، و إلّا فإنّه ستهدر دماؤهم، و يشهد على ذلك ما كتبه الآلوسي صاحب تاريخ نجد الّذي له مع السعوديين أُلفة وطيدة حيث يقول بعد التطرق لذكر سعود بن عبد العزيز(1): إنه قاد الجيوش و أذعنت له صناديد العرب و رؤساؤهم، بيد أنّه منع الناس عن الحج، و خرج على السلطان و غالى في تكفير من خالفهم، و شدّد في بعض الأحكام، و حمل أكثر الأُمور على ظواهرها، كما غالى الناس في قدحه، و الإنصاف، الطريق الوسطى، لا التشديد الّذي ذهب إليه علماء نجد من تسمية غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل اللّه، و منعهم الحج، و لا التساهل الّذي عليه عامة أهل العراق و الشامات و غيرهما(2).
فهذا الاعتراف الصريح من موالي الوهابيين يدلّ على أنّهم كانوا في فترة من الزمن على تكفير المخالفين، و تسمية الغارة على المسلمين جهاداً في سبيل اللّه.
نعم في الفترة الأخيرة الّتي أخذ فيها أزمة الحكم في نجد و الحرمين الشريفين عبد العزيز، ثمّ خلفه أبناؤه من بعده سعود و فيصل و خالد و فهد اليوم، تنازلوا عن تكفير المسلمين علانية، و لا ترى هذه التهمة في صفحات وسائلهم الإعلامية السمعية و البصرية، فتغيّر موقفهم بالنسبة إلى جميع الطوائف الإسلامية، فيرون الحرمة لبلادهم و دمائهم و ممتلكاتهم، إلّا الشيعة، فهم على موقفهم السابق منهم، و خصوصاً بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران فقد تأجّجت نار أحقادهم و حميتهم العصبية عليهم، فلا تمر برهة زمنية إلّا و ينتشر كتاب ضد الشيعة بأقلام المأجورين في مختلف أنحاء العالم، و يبذلون مال اللّه ليصدّوا الناس عن طريقه.
إنّ الوهابية امتداد فكري لما بذره أحمد بن تيمية في أوائل القرن الثامن و تعتبر حركتهم الهدامة انعكاساً جذرياً لمبادئه الضالة، و يتمخض عن ذلك، سؤال يستثيره نجاح محمد بن عبد الوهاب النسبي في تطبيق و إقرار مبادئ دعوته، دون مؤسس المنهج أحمد بن تيمية، فقد أخفق في دعوته، و أخمدت في بادئ بدئها، و إن كان قد تبعه بعض الناس فلم تكن متابعتهم له عن علم بمبادئه و غاياته.
و هذا ابن كثير الشامي التابع لمنهج ابن تيمية يقول: كان الناس يتبركون بجنازته(1)مع أنّه عنده شرك، و الشرك من أعظم الجرائم عند ابن
1) . البداية و النهاية، ج 14، حوادث عام 728 ه.
تيمية، فلم تكن متابعة جماعة من الناس له عن إحاطة و دراية، بل مخالفته للحكم السائد في الشام، و إبعاده منها إلى مصر ثمّ سجنه، صارت سبباً لاستمالة قلوب الناس إليه من دون وعي بمعتقده، و هذا بخلاف محمّد بن عبد الوهاب، فقد تكللت دعوته بالنجاح النسبي، فيا ترى ما هو السبب؟.
نجيب بكلمة واحدة، إنّ ابن تيمية افتقد الأرضية الكفيلة بإنجاح دعوته، لأنّه بثّها بين أوساط علمية، كان فيهم كبار العلماء و الفقهاء، فأخمدوا ضوضاءها بالاستدلال و البرهنة، فثاروا في وجهه ثائرة أخمدت دعوته و أبطلت كيده، و كانت السلطة أيضاً ناصرت العلماء في مجابهتهم له، فلم يكن لبذرة الفساد نصيب سوى الكمون في ثنايا الكتب، أو النجاح عند مرضى القلوب.
و أمّا ما يرتبط بدعوة محمّد بن عبد الوهاب فقد ساعد على إنجاحها وجود أرضية خصبة مليئة بالأُمية و الجهل بمبادئ الإسلام، مضافاً إلى ذلك مناصرة سلطة آل سعود و تحالفهم معه في تطبيق دعوته، على أن يكون التخطيط من الشيخ، و الإنجاز من السلطة بالقوة و الإغارة و الفتك و التخويف.
يقول الزهاوي: لمّا رأى ابن عبد الوهاب أنّ قاطبة بلاد نجد بعيدون عن عالم الحضارة، لم يزالوا على البساطة و السذاجة في الفطرة، و قد ساد عليهم الجهل حتّى لم تبق للعلوم العقلية عندهم مكانة و لا رواج، وجد هنالك من قلوبهم ما هو صالح لأن تزرع فيه بذور الفساد، ممّا كانت نفسه تنزع إليه و تمنيه به من قديم الزمان، و هو الحصول على رئاسة عظيمة ينالها
باسم الدين - إلى أن قال: - فلم يجد للحصول على أُمنيته طريقاً بين أُولئك إلّا أن يدّعي أنّه مجدد في الدين، مجتهد في أحكامه؛ فحمله هذا الأمر على تكفير جميع طوائف المسلمين، و جعلهم مشركين بل أسوأ حالاً و أشدّ كفراً و ضلالاً، فعمد إلى الآيات القرآنية النازلة في المشركين فجعلها عامة شاملة لجميع المسلمين، الذين يزورون قبر نبيّهم و يستشفعون به إلى ربّهم.(1)
هذا غيض من فيض من حياة محمّد بن عبد الوهاب المليئة بالإجرام و الإفساد و التضليل، و شق عصا المسلمين، فمن أراد التوسّع في دراسة حياته و ما جرّه على المسلمين من حروب و ويلات، فليرجع إلى الكتب المؤلّفة حول الوهابية و مؤسسها، و تاريخ نجد و السلطة القبلية الحاكمة فيه منذ عصر محمّد بن عبد الوهاب إلى يومنا هذا.
إلّا أنّ العلماء الواعين في الحرمين الشريفين في عصره و ما بعده، و في سائر الأقطار الإسلامية، قد أدوا ما عليهم من وظائف رسالية تجاه هذه الحركة الهدامة، فترى كيف أنّهم قد بذلوا الجهود المضنية في سبيل ردّ دعوتهم و إثبات بطلانها، و إليك قائمة من الردود المؤلفة في إبطالها، نأتي بأسمائها و أسماء مؤلّفيها:
1 - «مقدمة شيخه محمّد بن سليمان الكردي الشافعي» الّتي قرّظ بها
1) . الفجر الصادق: 14.
رسالة أخيه سليمان بن عبد الوهاب، وقع في نحو ثلاث ورقات، و قد تضمّنت ما يشير إلى ضلاله و مروقه عن الدين، على نحو ما حكي في ذلك عن شيخه الآخر محمّد حياة السندي، و والده عبد الوهاب.
2 - «تجريد سيف الجهاد لمدّعي الاجتهاد» لشيخه العلامة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي.
3 - «الصواعق و الرعود» للعلامة عفيف الدين عبد اللّه بن داود الحنبلي.
قال العلامة علوي بن أحمد الحداد: كتبت عليه تقاريظ أئمة من علماء البصرة و بغداد و حلب و الأحساء و غيرهم، تأييداً له و ثناء عليه.
ثمّ قال: و لو وقفت عليه قبل هذا ما ألفت كتابي هذا.
و لخصه محمّد بن بشير قاضي رأس الخيمة بعجمان.
4 - «تهكّم المقلدين بمن ادّعى تجديد الدين» للعلّامة المحقق محمّد بن عبد الرحمن ابن عفالق الحنبلي، و قد ترصّد فيه لكل مسألة من المسائل الّتي ابتدعها و ردّ عليها بأبلغ رد، و قد ضمّن كتابه هذا ملحقاً يتناول ما يتعلق بالعلوم الشرعية و الأدبية، كما أرفقه بأسئلة كان قد بعثها إلى محمد بن عبد الوهاب، منها شطر وافر حول علم البيان تتعلق بسورة «و العاديات»، و ألمح في ذيلها إلى عجزه عن الجواب عن أدناها فضلاً عن أجلِّها.
5 - رسالة للعلامة أحمد بن علي القباني البصري الشافعي، و تقع في نحو عشر كراريس عقد فصولها كافة للرد على معتقداته و تزييف أباطيله.
6 - رسالة للعلامة عبد الوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأحمدي المكي.
7 - «الصارم الهندي في عنق النجدي» للشيخ عطاء المكي.
8 - رسالة للشيخ عبد اللّه بن عيسى المويسي.
9 - رسالة للشيخ أحمد المصري الأحسائي.
10 - «السيوف الصقال في أعناق من أنكر على الأولياء بعد الانتقال»، لأحد علماء بيت المقدس.
11 - «السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر»، للسيد علوي بن أحمد الحداد، طبع في نحو مائة ورقة.
12 - رسالة للشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عبد اللطيف الأحسائي.
13 - «تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء و الأولياء»، للعلامة عبد اللّه بن إبراهيم مير غني الساكن بالطائف.
14 - رسالة للشيخ محمد صالح الزمزمي الشافعي، تقع في نحو عشرين كراساً، حكى السيد علوي بن أحمد الحداد أنّه رآها أمام مقام إبراهيم بمكة.
15 - «الانتصار للأولياء الأبرار» للعلامة طاهر سنبل الحنفي، حكى السيد علوي المذكور آنفاً أنّه رآه عند مؤلفه بالطائف.
16 - مجموعة أجوبة و ردود نظماً و نثراً لأكابر علماء المذاهب
الأربعة، لا يحصون، من أهل الحرمين الشريفين و الأحساء و البصرة و بغداد و حلب و اليمن و غيرها.
حكى عنها السيد علوي أيضاً و ذكر أنّه أتى بها إليه رجل من آل ابن عبد الرزاق الحنابلة، الذين يقطنون الزيارة و البحرين.
17 - كتاب ضخم يحتوي على جملة من الأسئلة و الأجوبة، كلّها من علماء أهل المذاهب الأربعة الحنفية و المالكية و الشافعية و الحنابلة، حدّث به أيضاً السيد المذكور، كلّها في الرد على محمّد بن عبد الوهاب.
18 - قصيدة للسيد المنعمي ردّ بها على ابن عبد الوهاب إثر قتله جماعة كانوا قد عفوا شعر رءوسهم، مطلعها:
أ في حلق رأسٍ بالسكاكين «الحدِّ» *** حديث صحيح بالأسانيد عن جدي
19 - «مصباح الأنام و جلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام» للعلامة السيد علوي بن الحداد المتقدم، طبع سنة 1325 ه بالمطبعة العامرية، و ما سبق حكايته عن مؤلفه منقول عنه.
20 - «الصواعق الإلهية» لأخيه سليمان بن عبد الوهاب «مطبوع».
21 - كتاب لشيخ الإسلام بتونس المحقق إسماعيل التميمي المالكي (المتوفّى سنة 1248 ه)، و هو في غاية التحقيق و الإحكام، نقض فيه رسالة لابن عبد الوهاب طبعت في تونس.
22 - رسالة مسجعة محكمة للمحقق الشيخ صالح الكواش التونسي،
طبعت ضمن كتاب «سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين» نقض فيها مؤلفها رسالة لابن عبد الوهاب.
23 - رسالة للعلامة المحقق السيد داود البغدادي الحنفي، مطبوعة.
24 - قصيدة للشيخ غلبون الليبي، ردّ بها على قصيدة الصنعاني الّتي مدح بها ابن عبد الوهاب، تقع في أربعين بيتاً، مطلعها:
سلامي على أهل الإصابة و الرشد *** و ليس على نجدٍ و من حلَّ في نجد
و هي مذكورة في سعادة الدارين.
25 - قصيدة أُخرى للسيد مصطفى المصري البولاقي، يرد فيها أيضاً على قصيدة الصنعاني الّتي ذكرت في المصدر السابق، تقع في مائة و ستة و عشرين بيتاً، مطلعها:
بحمد وليِّ الحمد، لا الذم أستبدي *** و بالحق لا بالخلق، للحق أستهدي
26 - قصيدة ثالثة للسيد الطباطبائي البصري، يرد فيها على قصيدة الصنعاني، و قد كان لهذه القصائد الأثر الأكبر في إرجاع الصنعاني عن غيه الّذي وقع فيه، حتّى بلغ به الأمر إلى إنشاد قصيدة يعلن فيها توبته مما بدر منه: مستهلها:
رجعت عن القول الّذي قلت في نجدِ *** فقد صحّ لي عنه خلاف الّذي عندي
27 - «سعادة الدارين في الرد على الفرقتين - الوهابية و الظاهرية -»
للعلامة الشيخ إبراهيم السمنودي المنصوري المتوفّى في العقد الثاني من هذا القرن، و قد طبع في مجلدين.
28 - «الدرر السنية في الرد على الوهابية» لمفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان (المتوفّى سنة 1304 ه) و هو مطبوع.
29 - «شواهد الحق في التوسل بسيد الخلق» للشيخ يوسف النبهاني. طبع في مجلد.
30 - «الفجر الصادق» لجميل صدقي الزهاوي، مطبوع.
31 - «إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي و الولي الصدوق» للشيخ المشرفي المالكي الجزائري.
32 - رسالة في جواز التوسل، للشيخ المهدي الوازناني مفتي فاس، ردّ فيها على محمّد بن عبد الوهاب في منعه ذلك.
33 - «غوث العباد (في) بيان الرشاد» للشيخ مصطفى الحمامي المصرى، مطبوع.
34 - «جلال الحق في كشف أحوال أشرار الخلق» للشيخ إبراهيم الحلبي القادري الاسكندري، و هو كتاب جيد طبع في الاسكندرية سنة 1355 ه.
35 - «البراهين الساطعة» للعلامة الشيخ سلامة العزامي (المتوفّى سنة 1379 ه).
36 - «النقول الشرعية في الردّ على الوهابية» للشيخ حسن الشطي الحنبلي الدمشقي، مطبوع.
37 - رسالة أُخرى له أيضاً في تأييد مذهب الصوفية و الردّ على من ناوأهم، مطبوعة.
38 - رسالة في حكم التوسل بالأنبياء و الأولياء، للشيخ محمّد حسنين مخلوف، مطبوعة.
39 - «المقالات الوفية في الردّ على الوهابية» للشيخ حسن قزبك، مطبوعة.
40 - «الأقوال المرضية في الردّ على الوهابية» و هي رسالة صغيرة للشيخ عطا الكسم الدمشقي.
و الردود على الوهابية أكثر مما ذكر، و قد اكتفينا بهذا العدد المبارك، و فيه غنى و كفاية، و كلّها لأهل السنّة و الجماعة، و أمّا الشيعة فحدث عنها و لا حرج، و أوّل من ردّ عليه، الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء الأكبر بكتاب أسماه ب «منهج الرشاد لمن أراد السداد» كتبه ردّاً على الرسالة الّتي بعثها سعود بن عبد العزيز إليه يشرح فيها مواقف الوهابية في المسائل الراجعة إلى التوحيد و الشرك، و قد طبع في النجف الأشرف عام 1343 ه، ثمّ توالى النقد من علماء الشيعة بعد تدمير قباب البقيع عام 1344 ه، إلى يومنا هذا، و نشير إلى قليل من كثير ممّا طبع و انتشر باللغة العربية:
1 - الآيات البيّنات في قمع البدع و الضلالات، للشيخ محمد حسين
كاشف الغطاء (1294-1373 ه) طبع بالنجف الأشرف 1345 ه.
2 - الآيات الجلية في ردّ شبهات الوهابية، للشيخ مرتضى كاشف الغطاء (المتوفّى 1349 ه).
3 - «إزاحة الوسوسة عن تقبيل الأعتاب المقدسة»، للشيخ عبد اللّه بن محمد حسن المامقاني (المتوفّى 1351 ه) طبع في النجف الأشرف مع كتابه مخزن المعاني.
4 - «البراهين الجلية في دفع شبهات الوهابية»، للسيد محمد حسن القزويني الحائري (المتوفّى 1380 ه) طبع بالنجف 1346 ه.
5 - «التبرّك»، للشيخ علي الأحمدي الميانجي، طبع في بيروت.
6 - «دعوى الهدى إلى الورع في الأفعال و الفتوى»، للشيخ محمد جواد البلاغي (المتوفّى 1352 ه). طبع في النجف الأشرف 1344 ه.
7 - «الرد على الوهابية»، للشيخ محمّد علي الغروي الأردوبادي، طبع سنة 1345 ه.
8 - الرد على الوهابية للسيد حسن الصدر الكاظمي (المتوفّى 1354 ه)، طبع في بغداد 1344 ه.
9 - «كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب»، للسيد محسن الأمين العاملي (المتوفّى 1373 ه) طبع في صيدا.
10 - «المواسم و المراسم»، للسيد جعفر مرتضى العاملي، يبحث عن
مشروعية إقامة مراسم الاحتفال في الأعياد، أو مظاهر الحزن في المآتم، طبع في طهران.
11 - «هذه هي الوهابية»، للشيخ محمد جواد مغنية العاملي (المتوفّى 1400 ه) طبع في بيروت.
12 - «مع الوهابيين في خططهم و عقائدهم»، لمؤلف هذا الكتاب، طبع في طهران، عام (1406 ه).
13 - «الوهابية في الميزان»، له أيضاً، طبع طبعات عديدة منها ما نشرته مؤسسة الإمام الصادق في قم المقدسة سنة 1424 ه.
14 - و أخير الردود لا آخرها «التوحيد و الشرك في القرآن الكريم» له أيضاً، نشرته مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام في قم المقدسة سنة 1416 ه، استعرض فيه الآيات الواردة حولهما بإمعان و دقة، و فنّد جميع مستمسكات الوهابيين فيه.
و لنكتف بهذا المقدار، و إلّا فالردود عليها من الشيعة بألسنة مختلفة كثيرة.
«فاحتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها»
الإمام الصادق عليه السلام
قد تعرفت على أنّ آل سعود و على رأسهم محمّد بن سعود كانوا هم الحماة لدعوة محمّد بن عبد الوهاب، و قد تمخض عنها إبرام اتفاقية بين ابن عبد الوهاب و أمير العائلة السعودية، و هذه الاتفاقية لا تزال باقية إلى يومنا هذا و إن تبدلت بأشكال مختلفة، غير أن الوقوف على كيفية توسع نطاق دعوة ابن عبد الوهاب يتوقف على دراسة تاريخ حياة هذه القبيلة بعد هذه الاتفاقية، كيف أنّهم سلّوا سيوفهم في طريق نشرها إلى حدّ خضبوا وجه الأرض بإراقة دماء الصالحين و المؤمنين، و قتل الأطفال في حجور أُمهاتهم، و تدمير الأبنية، و إحراق الأشجار و النخيل، إلى غير ذلك ممّا يكلّ البيان عن وصفه و القلم عن الإحاطة به، و القارئ إذا استطلع ما سنذكره مؤيداً بمصادر موثقة، يقف على أنّه لم تكن هناك رسالة دينية و لا إنسانية، بل كانت الدعوة الوهابية واجهة و غطاء لما تربّوا عليه و ألفوه في حياتهم القبلية من النهب و الغارة و القتل و السفك، و توسيع نطاق السلطة، إلى غير ذلك مما كانوا يمارسونه قبل قبول الدعوة الوهابية، الّتي تركز بزعمهم على رفض الشرك و زيادة رقعة الموحّدين، و كانت فكرةً اغترّ بها البسطاء
و انطلت على عقولهم الساذجة، لأنّهم كانوا يعيشون في واحات الصحاري منقطعين عن الأُمم المتحضرة، فلأجل ذلك تمكنت الدعوة الوهابية من النفوذ إلى أذهانهم بيسر و سهولة، فصار البدو أداة طيعة بيد الأمير و صاحب الدعوة، فأشاعا الفساد بما أُوتيا من قوة.
إنّ تاريخ العائلة السعودية حسبما يذكره المؤرخون تتلخص في فترات ثلاث:
الفترة الأُولى: (1137-1233 ه)
و قد تصدى للحكم فيها الأُمراء التالية أسماؤهم: 1 - محمد بن سعود 2 - عبد العزيز بن محمد بن سعود 3 - سعود بن عبد العزيز 4 - عبد اللّه بن سعود.
الفترة الثانية: (1240-1309 ه)
5 - تركي ابن أخي عبد العزيز 6 - مشاري بن عبد الرَّحمن 7 - فيصل بن تركي 8 - خالد بن سعود 9 - عبد اللّه بن ثنيان 10 - فيصل بن تركي 11 - عبد اللّه بن فيصل بن تركي 12 - سعود بن فيصل بن تركي 13 - عبد الرَّحمن بن فيصل.
الفترة الثالثة: (1319 ه -...)
14 - عبد العزيز بن عبد الرَّحمن 15 - سعود بن عبد العزيز
16 - فيصل بن عبد العزيز 17 - خالد بن عبد العزيز 18 - فهد بن عبد العزيز 19 - عبد اللّٰه بن عبد العزيز.
و يعلم اللّه من سيتحكم في الديار المقدسة بعد هذا الرجل.
إنّ محمد بن سعود هو أوّل من صافح محمد بن عبد الوهاب و كان معه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في العام الآنف الذكر، و قد حصل صدام بينه و بين عثمان بن معمر شيخ «العيينة»، و قد خشي عثمان من امتداد السلطة السعودية فعقد حلفاً مع «ثرمدة» و «ابن سويط» شيخ الظفير، و لكنه باء بالفشل و اغتيل على يد الوهابيين عند خروجه من المسجد، فانضمت «العيينة» بعد ذلك إلى الحكم السعودي، و قد آل معمر دورهم السياسي في نجد.(1)
يقول زيني دحلان: «كان ابتداء ظهور أمره (ابن عبد الوهاب) في الشرق سنة 1143 ه، و اشتهر أمره بعد الخمسين و ألف و مائة بنجد و قراها، فتبعه و قام بنصرته أمير الدرعية محمد بن سعود، و جعل ذلك وسيلة إلى اتساع ملكه و نفاذ أمره، فأحمل أهل «الدرعية» على متابعة محمد بن عبد الوهاب فيما يقول، فتبعه أهل «الدرعية» و ما حولها، و ما زال يطيعه على ذلك كثير من أحياء العرب، حي بعد حي، و قبيلة بعد قبيلة، حتّى قوي أمره
1) . محاضرات في تاريخ الدولة السعودية لأبي علية عبد الفتاح: 16.
فخافته البادية، فكان يقول لهم إنّما أدعوكم إلى التوحيد، و ترك الشرك باللّه، و يزين لهم القول و هم بوادٍ في غاية الجهل لا يعرفون شيئاً من أُمور الدين، فاستحسنوا ما جاءهم به، و كان يقول لهم إنّي أدعوكم إلى الدين، و جميع من هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق و من قتل مشركاً فله الجنة، فتابعوه و صارت نفوسهم بهذا القول مطمئنة، و كان محمد بن عبد الوهاب بينهم كالنبي في أُمّته، لا يتركون شيئاً ممّا يقول، و إذا قتلوا إنساناً أخذوا ماله و أعطوا الأمير محمد بن سعود الخمس، و اقتسموا الباقي، و كانوا يمشون حينما مشى، و يأتمرون له بما شاء، و الأمير محمد بن سعود ينفذ كلّ ما يقول، حتّى اتسع له الملك.
تولى ولاية مكة الشريف مسعود من عام 1146 إلى عام وفاته 1165 ه، و قد أرسل محمد بن سعود عند ما استفحل أمر محمد بن عبد الوهاب ثلاثين عالماً إلى مكة يستأذنونه في الحج، و لكن كان هدفهم هو الدعوة إلى الوهابية و نشرها في أوساط أهل الحرمين، و قد كان أهلهما قد سمعوا بظهورهم في نجد و إفسادهم عقائد البوادي، و لم يعرفوا حقيقتهم بعد عن كثب، فلما وصلت بعثته أمر الشريف مسعود أن يناظرهم علماء الحرمين، فإذا بهم فوجئوا بعقائد غريبة، فأقاموا عليهم الحجة و البرهان، فقبض على جماعة منهم، بينما فرّ بجلدته البعض الآخر.(1)
1) . الدرر السنية: 43 - بتصرف.
كان دهام بن دواس حاكماً على الرياض، و كان من ألد الأعداء للدعوة الوهابية، و قد دامت الحروب بين الرياض و الدرعية زهاء سبعة و عشرين عاماً على الرغم من قرب المسافة بينهما، و كانت سجالاً، فلم تمرّ سنة إلّا وقعت فيها غزوة بين البلدين، و في إحدى هذه الهجمات قتل ولدا محمد بن سعود، أعني: فيصلاً و سعوداً.(1)
و ظل أمير الرياض المنافس الرئيسي لمحمد بن سعود، و كانت الغزوات بين الدرعية و الرياض تدور رحاها كل عام تقريباً.
ففي عام 1178 ه اتفق أبناء «يام» من أهالي نجران و قبيلتي العجمان و «بني خالد» و تحالفوا على سحق محمد بن سعود و محمد بن عبد الوهاب.
فقد تحالف بنو يام على أن يسيروا من نجران بقيادة السيد حسن بن هبة اللّه، و أن يسير بنو خالد و العجمان من الأحساء بقيادة حاكمها آنذاك باسم الخالدي، و تواعد الجميع على الزحف على الدرعية، فصارت جموع من نجران و الأحساء، و لكن قائد نجران قد وصل إلى ضواحي «الدرعية» قبل وصول العجمان و بني خالد، و بوحدتهم تمكنوا من سحق الجند السعودي و اختفى محمد بن سعود، و كاد ينتهي أظلم حكم دخيل عرفته
1) . محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأُولى: 19-20.
شبه الجزيرة العربية على أيدي أهالي نجران الأبطال، لو لم يلجأ محمد بن عبد الوهاب إلى المكر و الخداع، فقد رفع راية الصلح على أن يقف أهالي نجران عند حدهم و يمتنعوا من دخول «الدرعية»، و أنّ يسلّموا ما تحت أيديهم من الأسرى السعوديين، و يتعهد كل من محمد بن عبد الوهاب و محمد بن سعود بدفع عشرة آلاف جنيه ذهب كتعويض لأهالي نجران عن رحلتهم هذه، و أن لا يتعدى محمد بن سعود و محمد بن عبد الوهاب حدود «الدرعية»، و بهذا شهد محمد بن عبد الوهاب ببطلان دعوته أمام أهالي نجران.
و لما وصلت قوات الخالدي المسلحة بالمدافع إلى ضواحي «الدرعية»، و كان قد انضمّ إليها الكثير من النجديين فوجئوا بهذا الصلح، و اضطروا لقبوله تمشياً مع ما اتّخذه أبناء عمهم من أبناء نجران، و لم يكن سبب فشلها إلّا التصرفات الفردية للشيخ حسن بن هبة اللّه، و إلّا لقضي على الوجود السعودي في ذلك الوقت، و قد كان عنف الهجوم و إيجاد الرعب على حد أُصيب محمد بن سعود بإسهال، و مرض مرضاً شديداً من جرّاء ما انتابه من رعب شديد حينما شاهد أنّ أبناء يام يحاصرون «الدرعية»، بعد سحقهم للجند السعودي، و قد تسبب ذلك هلاك محمد بن سعود من جراء المرض الّذي أصابه من ذلك الحادث، و مات عام 1179 ه.(1)
1) . تاريخ آل سعود لناصر السعيد: 30.
اختار محمّد بن سعود ولده عبد العزيز وليّاً للعهد من بعده، باقتراح من محمد بن عبد الوهاب، فكان أوّل أمير يبايع بولاية العهد من السعوديين، و منذ ذلك الحين أصبحت الإمارة تنتقل بالمبايعة بولاية العهد، تماماً كما فعل معاوية مع ولده يزيد، و هذه واحدة من بدع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و قد تزوج عبد العزيز ابنة محمد بن عبد الوهاب، و امتزج النسب بعضه ببعض أكثر من ذي قبل.(1)
و لم تكن سيرة عبد العزيز خيراً من سيرة أبيه بل شرّاً منه، و قد نجمت في عهده حروب دامية سفكت فيها دماء الأبرياء بما يتجاوز حد الوصف، و إن كنت في شك مما نقول فعليك بقراءة ما أسجله لك من وثائق موثّقة:
تشكل الأحساء و سواحلها و موانئها جزءاً من البلاد المطلّة على الخليج، و الّتي يتنازع عليها العثمانيون و ولاة العراق و مصر.
كانت الأحساء في القرن الثاني عشر (1100-1200 ه) تخضع لنفوذ قبائل بني خالد، و هي قبائل نجدية كبيرة منتشرة على شاطئ الخليج تحت حكم شيخهم محمد آل حميد، الّذي أنذر عثمان بن معمر شيخ
1) . المصدر السابق: 30.
العيينة بطرد محمد بن عبد الوهاب من قريته، لما أساءت تعاليمه إلى القرى المجاورة، و كان ذلك من أسباب العداء بين بني خالد و آل سعود، بالإضافة إلى رغبة هؤلاء في التوسع، و أدى ذلك إلى سقوط الأحساء في يد الوهابيين عام 1785 م «حوالي 1207 ه».
و في خريف 1793 م «حوالي 1215 ه» توجه سعود بن عبد العزيز مع قوات كبيرة إلى الأحساء، و نهبت قواته البدوية كل ما صادفته في طريقها، و قتلت دون رحمة كل من أبدى مقاومة، و دمرت بساتين النخيل و استأثرت بمحاصيل التمور، ورعت الماشية في الحقول، و أعربت الأحساء كلها عن خضوعها لهم، و عيّن براك بن عبد المحسن أميراً للأحساء(1)و لكنه حاول في ربيع 1796 م أن يتخلص من سلطة الوهابيين، و لكنه اطّلع عليه سعود بن عبد العزيز فجاء بجيش قوي إلى الأحساء و قمع الحركة فيها من جديد(2).
يقول ابن بشر في كيفية إخضاع الأحساء: فلما أصبح الإصباح رحل سعود بعد صلاة الصبح، فلما استووا على ظهور ركائبهم و قربوا من الأحساء، أطلقوا رصاص بنادقهم دفعة واحدة، فأسقط الكثير من النساء الحوامل ما في بطونهم لهول الموقف، فاحتلها، ثمّ نزل سعود فأمرهم بالخروج إليه، فخرج فأقام هناك مدة أشهر يقتل من أراد قتله، و يجلي من أراد إجلاءه، و يحبس من أراد حبسه، و يأخذ من الأموال، يهدم من المحالّ،
و يبني ثغوراً و يهدم دوراً، و ضرب عليهم ألوفاً من الدراهم و قبضها منهم، و ذلك لما تكرر منهم من نقض العهد و منابذة المسلمين و أكثر فيها القتل - إلى أن يقول: - فلما أراد ابن سعود الرحيل من الأحساء أمسك عدة رجال من رؤساء أهلها... فاستقدمهم إلى «الدرعية» و أسكنهم فيها، و استعمل في الأحساء أميراً باسم (ناجم) و هو رجل منهم.(1)
و في سنة 1216 ه جهز سعود بن عبد العزيز بن محمد جيشاً جراراً من أعراب نجد، و غزا به العراق، و حاصر كربلاء ثمّ دخلها عنوة، و أعمل في أهلها السيف، و لم ينج منهم إلّا من فرّ هارباً، أو اختفى في مخبأ من حطب و نحوه فلم يعثروا عليه، و هدم قبر الحسين عليه السلام و اقتلع الشباك الموضوع على القبر الشريف، و نهب جميع ما في خزانة المشهد، و لم يرع لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و لا لذريته أدنى حرمة، و جدد بجريمته النكراء مأساة واقعة كربلاء و يوم الحرة، و جرائم بني أُمية و بني العباس.
و يتناول كوران سيز وصف تلك الواقعة بقوله:
و قد جرت العادة أن يحتفل الشيعة كل عام بعيد الغدير في يوم الغدير في النجف الأشرف، فخرج أهالي كربلاء من بلدتهم، فانتهز الوهابيون فرصة غيابهم عن البلدة و اقتحموها، و هم حوالي اثني عشر ألف جندي،
1) . نفس المصدر: 174/2-175؛ عنوان المجد: 105/1-106.
و لم يكن في البلدة إلّا عدد قليل من الرجال المستضعفين، قتلهم الوهابيون و لم يبقوا أحداً منهم حيّاً، و يقدر عدد الضحايا خلال يوم واحد بثلاثة آلاف، و أمّا السلب فكان فوق الوصف، و يقال إنّ مائتي بعير حملت فوق طاقاتها بالمنهوبات الثمينة، فقد استولى الوهابيون على كل الكنوز و الأموال، و جردوا القبة من صفائح النحاس المطلية بالذهب.(1)
و قال «فيلبي» في «تاريخ نجد»: اقتحم سعود بجيش أبيه كربلاء، و بعد حصار قصير أعمل السيف في رقاب أهلها، و دمر ضريح الحسين عليه السلام، و نهب المجوهرات الّتي كانت تغطي الضريح، و جمع كل شيء ذا قيمة في المدينة...
و الحق أن يقال إنّ عمله هذا هزّ العالم كلّه، فضلاً عن الشيعة، فقد كان منعطفاً تاريخياً للثورة على الوهابيين، كما أدّى فيما بعد إلى عواقب وخيمة على سلطة هذه الإمارة الضالة.(2)
و هذا الكاتب، أعني فيلبي كان رجلاً إنجليزياً باسم «سنت جون فيلبي» فقد أظهر الإسلام و أقام مدة مديدة في نجد، و كان له علاقة وطيدة مع السعوديين ثمّ توترت علاقته معهم بسبب تسجيله هذه الحوادث التاريخية المريرة الّتي أصبحت وصمة عار في جبين الأُسرة السعودية إلى الأبد.
و يقول العلاّمة السيد جواد العاملي مؤلف «مفتاح الكرامة»:
«... فأغار سعود بن عبد العزيز في سنة 1216 ه على مشهد الحسين عليه السلام و قتل الرجال و الأطفال، و أخذ الأموال، و عاث بالحضرة المقدسة، و خرب بنيانها و هدم أركانها، ثمّ إنّه بعد ذلك استولى على مكة
المكرمة و المدينة المنورة، و فعل بالبقيع ما فعل، و لم يستثن من ذلك إلّا قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم».(1)
كان تدمير كربلاء أفدح هزيمة مني بها سليمان باشا والي بغداد، ممّا زاد في تدهور وضع الوالي.
قال الجبرتي: في أواخر سنة 1217 ه أغار الوهابيون على الحجاز، فلمّا قاربوا الطائف خرج إليهم الشريف غالب فهزموه، فرجع إلى الطائف و أُحرقت داره و هرب إلى مكة، فحاربوا الطائف ثلاثة أيام حتّى دخلوها عنوة، و قتلوا الرجال و أسروا النساء و الأطفال، و هذا دأبهم في من يحاربهم، و هدموا قبة ابن عباس في الطائف.(2)
يقول زيني دحلان: فدخلوا البلد عنوة في ذي القعدة سنة 1217 ه فقتلوا الناس قتلاً عاماً حتّى الأطفال، و كانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر أُمّه، و كان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين، فأدركتهم الخيل و قتلت أكثرهم، و فتشوا على من توارى في البيوت و قتلوه، و قتلوا من في المساجد - إلى أن قال: - و صارت الأعراب تدخل كل يوم إلى الطائف و تنقل المنهوبات إلى الخارج حتّى صارت كأمثال الجبال، فأعطوا خمسها للأمير و اقتسموا الباقي، و نشروا المصاحف و كتب الحديث و الفقه و النحو
في الأزقة، و أخبروا أنّ الأموال مدفونة في المخابئ فحفروا في موضع فوجدوا فيه مالاً، و عندها حفروا جميع بيوت البلد حتّى بيوت الخلاء و البالوعات.
عزم الوهابيون في سنة 1217 ه على الاستيلاء على مكة المكرمة و إخضاعها لسيطرتهم و نفوذهم، فأعدّوا العدة و حشدوا الحشود المكثفة لذلك في أوّل الأشهر الحرم، فشاع خبرهم في الآفاق و بلغ مسامع الناس و هم في موسم الحج، و قد كان ممّن حج في ذلك العام، إمام مسقط: سلطان بن سعيد و نقباء و أُمراء حجيج مصر و الشام و غيرهما، فاستنجد بهم الشريف غالب أمير مكة فأبوا عليه، و دعاهم إلى الجهاد ضد الوهابية بعد انقضاء مناسك الحج فأعرضوا عنه، و تعلّلوا بعلل واهية، و أكثر الإلحاح عليهم فلم يجد فيهم أُذناً صاغية، فاضطرّ إلى الجلاء عن مكة برفقة أتباعه و خزائنه و ذخائره، و كثير من أهالي مكة إلى مدينة جدة، للأمن من غائلة سطوة الوهابيين.
و وصل ابن سعود بقواته مشارف مكة المكرمة يومه العاشر من المحرم، فدخلها من دون مقاومة تذكر، ففعل بها و بأهلها ما فعله جنده بأهل الطائف.(1)
و فرض ابن سعود على علمائها تلقّي أفكار ابن عبد الوهاب و مدارسة
1) . آل سعود ماضيهم و مستقبلهم: 64؛ تاريخ الجبرتي: 93.
كتبه، كما منع مسلمي الآفاق من أداء الحج و العمرة، فانقطع عن أهل مكة و المدينة ما كان يصل إليهم من الصدقات، أو أسباب التجارة الّتي كانوا يتعيشون منها.(1)
و بعد استيلائهم على مكة، قدمت جموع غفيرة من نجد من الوهابيين، فتوجّهت حشودهم بتخطيط مسبق إلى الأضرحة و المزارات ذات القباب الّتي شيدت لتكريم شخصيات صدر الإسلام فهدموها، و كذا فعلوا بدار مولد النبيّ و قبّة السيدة خديجة و قبة زمزم(2)، فما مضت عليهم إلّا ثلاثة أيام حتّى محوا جميع آثار صدر الإسلام و معالمه، و آثار الصالحين، فأزالوها عن بكرة أبيها.(3)
كانت الوهابية مسيطرة على الحرم الشريف على نحو ما مرّ ذكره، فدفعت جرائمهم الّتي ارتكبوها بمكة الشريف غالب إلى تصميمه على تجديد العهد بها لتطهيرها من دنس الوهابيين، فسار برفقة الشريف باشا حاكم جدة و كثير من العسكر و العبيد، و تمكّنوا من اقتحام متاريس الوهابيين المحيطة بها، فدخلوها و أحكموا السيطرة عليها، بعد أن طردوا منها كل ما تبقى من شراذم الوهابيين.
ثمّ أخذ الشريف غالب يحارب كل من كان يوالي الوهابيين ممّن جاور مكة من القبائل بالغارة عليهم، حتّى تمكن من استئصالهم و القضاء على تبعيتهم و عمالتهم لهم.
هذا غيض من فيض من جرائم عبد العزيز بن محمّد آل سعود، و هذه كلّها حروب و فتن، و تدمير و تخريب و ضحايا، و نهب و سلب و هتك للمقدسات الدينية، و غارات متصلة ليل نهار على المسلمين الآمنين.
و ظلّ على هذه السيرة إلى عام 1218 ه حتّى اغتاله رجل. قال جبران شامية الكاتب الوهابي: و انتقم الشيعة من غزوة كربلاء بعد سنتين باغتيال الإمام عبد العزيز و هو يصلّي في المسجد عام 1218 ه. و قال فيلبي: لقد تنكّر القاتل بزي «درويش» و ذهب إلى «الدرعية» و بقي فيها أياماً يصلّي خلف عبد العزيز، و في ذات يوم ألقى بنفسه على عبد العزيز و هو يصلّي، و طعنه بمدية في ظهره اخترقت به إلى بطنه، و عجلت به إلى مقره الأخير، و تكاثر الناس على القاتل و قتلوه.(1)
و قال ابن بشر: كان مقتل أمير الدرعية عبد العزيز ضربة جديدة للوهابيين، ففي خريف عام 1803 م قتل في مسجد الطريف بالعاصمة على يد درويش غير معروف يدعى عثمان، و هو كردي من إحدى قرى الموصل، و كان هذا الدرويش قد حلّ ضيفاً على البلاط، و عند ما سجد عبد العزيز أثناء الصلاة هجم هذا الدرويش الّذي كان في الصف الثالث على الأمير و قتله بطعنة من خنجر، ثمّ جرح أخاه عبد اللّه، و تفيد بعض
1) . آل سعود ماضيهم و مستقبلهم: 64.
المعلومات أن قاتل عبد العزيز شيعي هلك كل أفراد عائلته أثناء غزو كربلاء.(1)
و بذلك طويت صفحات حياته السوداء، و قد اقتصرنا في التعرض لتاريخ حياته على ما هو الجدير بالذكر منها، و إلّا فقد قال أحمد بن زيني دحلان: إنّ الشريف غالباً (أمير مكة) غزا الوهابيين ما ينوف عن خمسين غزوة، من سنة 1205 ه إلى سنة 1220 ه، و كانت أكثر هذه الحروب أيام سلطة عبد العزيز آل سعود، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «خلاصة الكلام في أُمراء البلد الحرام» و كتاب «كشف الارتياب» للسيد الأمين، و قد ذكر الأخير نبذاً من هذه الحروب.
استولى سعود على السلطة في الإمارة القبلية السعودية بعد وفاة والده، و كان أوّل عمل قام به غزو بلدتي الزبير و البصرة، و أعمل فيهما القتل و السلب و هدم قبري طلحة و الزبير، و توسعت رقعة النفوذ السعودي في عهده إلى أوجها، فقد كثف الغزوات و الغارات بقصد الاحتلال و السلب و النهب، بشكل رهيب لم يكن له سابقاً في تاريخ دويلتهم، و قد تمخّض عن تلك الأغراض التوسعية ضم جميع نواحي نجد و الأحساء و سواحل
1) . تاريخ العربية السعودية لفاسيليف: 54.
البحر الأحمر إلى نفوذهم، و استمر حكمه أحد عشر عاماً.(1)
و إليك بعض حروبه و غاراته على جدة، و الحرمين الشريفين على وجه الاختصار:
ثمّ دخلت سنة 1219 ه فأقبلت جيوش الوهابيين و على رأسها ابن شكبان و المضايفي باثني عشر ألف مقاتل لحصار جدة، فأراد الشريف غالب تحصين مكة لعلمه بعدم قدرتهم على جدة، فنادى بالنفير العام، فخرج الناس على طبقاتهم إلى «الزاهر» حاملين السلاح، و بقوا هناك سبع ليال.
أمّا الذين حاصروا جدة فبقوا ثلاثة أيام يحملون عليها حملة واحدة، فيفرقهم المدفع و يقتل منهم فينهزمون إلى خيامهم، حتّى قتل الكثيرون منهم و امتلأت الحفر و القنوات من جيفهم، و كانوا يدفنون العشرة في محل واحد، فلما رأوا ذلك ارتحلوا، و قتلوا في طريقهم حيّاً من الأعراب، و أخذوا إبلاً للشريف غالب، فجهز الشريف جيشاً بقيادة الشريف حسين للانتقام منهم، فهجموا عليهم في منطقة تسمى «الليث» فغلبوهم، و قتل كثير من الوهابيين في تلك الملحمة، و استشهد الشريف حسين، فعاود الشريف غالب إرسال الجند و الكتائب عليهم حتّى يترصدوا لهم كل موضع،
1) . آل سعود ماضيهم و مستقبلهم: 62-63 بتصرف.
فهزموهم هزائم ساحقة، و اقتطعوا الكثير من رءوسهم، و علقت على أبواب مكة للعبرة.(1)
يقول زيني دحلان:
و دخلوا مكة في أواخر ذي القعدة سنة 1220 ه و تملكوا المدينة المنورة، على ساكنها أفضل السلام، و انتهبوا الحجرة (النبوية) و أخذوا ما فيها من الأموال، و فعلوا أفعالاً شنيعة، و جعلوا على المدينة أميراً منهم يدعى «مبارك مزيان» و استمر حكمهم سبع سنين و منعوا دخول الحاج الشامي و المصري مع المحامل مكة، و صاروا يصنعون للكعبة ثوباً من العباء، و أكرهوا الناس على الدخول في دينهم، و هدموا القباب الّتي على قبور الأولياء، و كانت الدولة العثمانية في تلك السنة في ارتباك كثير و شدّة قتال مع النصارى، و في اختلاف في خلع السلاطين و قتلهم.(2)
و قال الكاتب جبران شامية: إنّ سعود بن عبد العزيز حاصر المدينة المنورة و فعل بها ما فعله بالطائف و مكة.(3)
و قال السيد جواد العاملي: في سنة 1221 ه في الليلة التاسعة من شهر
صفر قبل الصبح بساعة، هجم علينا بالنجف الأشرف و نحن في غفلة، حتّى بعض أصحابه صعدوا السور و كادوا يأخذون البلد، فظهرت لأمير المؤمنين عليه السلام الكرامات الباهرة، فقتل من جيشه الكثير، و رجع خائباً، و له الحمد على كل حال(1).
و قال أيضاً: جاء سعود بن عبد العزيز عام 1223 ه في شهر جمادى الآخرة من نجد بما يقرب من عشرين ألف مقاتل، أو أزيد، فجاءتنا النذر بأنّه يريد أن يدهمنا في النجف الأشرف غفلة، فتحذرنا منه، و خرجنا جميعاً إلى سور البلد، فأتانا ليلاً فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور بالبنادق و الأطواب، فمضى إلى الحلة فرآهم كذلك، ثمّ مضى إلى مشهد الحسين على حين غفلة نهاراً، فحاصرهم حصاراً شديداً فثبتوا له خلف السور، و قتل منهم و قتلوا منه، و رجع خائباً، ثمّ عاث في العراق فقتل من قتل، و بقينا مدة تاركين البحث و النظر على خوف و وجل، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، و قد استولى على مكة المكرمة و المدينة المنورة، و تعطل الحج سنين و ما ندري ما يكون.(2)
و يظهر من غير واحد من المؤرخين أنّ الحج انقطع من العراق أربع سنين، و من الشام ثلاث سنين، و من مصر سنتين، و لا يعلم هل انقطع بعد ذلك أو لا.
و قد غزا سعود منطقتي عسير و تهامة، ثمّ انسحب منهما و غزا كربلاء مرة ثانية عام 1223 ه، فاستعصت عليه لأنّ أهلها حصنوها بعد الغزوة الأُولى، ثمّ هاجم البصرة و الزبير و غنم بعض الأموال.(1)
و في هذه السنة هجم ولد عبد اللّه بن سعود على بلاد حوران فنهب الأموال، و أحرق الغلال، و قتل الأنفس البريئة، و سبى النساء و قتل الأطفال، و هدم المنازل و عاث في الأرض فساداً.(2)
و يقول صلاح الدين المختار، و هو من المعجبين بآل سعود:
في السادس من ربيع الثاني عام 1225 ه (1809 م) سار الأمير سعود بثمانية آلاف مقاتل إلى الديار الشامية، و قد بلغه أن عشائر سوريا من عنزة و بني صخر و غيرهما قد نزلوا في نقرة الشام، فلما وصلها لم يجد فيها أحداً، فتوجه بقواته إلى «حوران» و هاجم القرى و الدساكر و بصرى، و استولى على ما عثر عليه من مال و متاع و طعام، و كان أهلها قد هربوا إلى مختلف النواحي عند ما سمعوا بقدومه، ثمّ هاجم الأمير قصر المزريب فاستعصى عليه، و ارتحل إلى بصرى ليلاً و منها قفل عائداً إلى بلده و معه غنائم كثيرة.
و قال السيد جواد العاملي: و في سنة 1225 ه قد أحاطت الأعراب من
عنيزة القائلين بمقالة الوهابي بالنجف الأشرف و مشهد الحسين عليه السلام و قد قطعوا الطرق و نهبوا زوار الحسين عليه السلام بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، و قتلوا منهم جمعاً غفيراً، و أكثر القتلى من العجم، و ربما قيل إنّهم مائة و خمسون، و قيل أقل، و بقي جملة من زوّار العرب في الحلّة ما قدروا أن يأتوا إلى النجف، فبعضهم صام في الحلّة، و بعضهم مضى إلى الحسكة، و نحن الآن كأنّا في حصار، و الأعراب إلى الآن ما انصرفوا و هم من الكوفة إلى مشهد الحسين بفرسخين أو أكثر.(1)
و قد بلغ تعصّب الوهابيين إلى حدّ حملهم على قطع العلاقات التجارية مع غيرهم، و كانت التجارة إلى عام 1269 ه مع الشام و العراق محرمة.(2)
و كانوا إذا وجدوا تاجراً في طريق يحمل متاعاً إلى المشركين صادروا ماله.(3)
و في سنة 1226 ه أرسل محمد علي باشا، والي مصر ولده طوسون لتحرير الحجاز من الوهابيين، فصدوه في الكرّة الأُولى، و تغلّب عليهم في الثانية، و استولى على مكة و المدينة، و حاول أن يفتح نجداً، فلم يستطع.
يقول ابن بشر:
«وصلت النجدات المصرية عام 1227 ه فزحف طوسون على
المدينة، و انضم إليه كثير من عرب جهينة و حرب، فحاصرها و قطع عنها المياه، و كان فيها سبعة آلاف من أهل نجد، فدخل المصريون البلد، و قتل من النجديين نحو أربعة آلاف.(1)
ثمّ تابع طوسون حتّى دخل مكة و الطائف بمساعدة الشريف غالب من دون قتال عام 1229 ه (1883 م).
و في سنة 1228 ه حج محمد علي باشا و عزل الشريف غالباً و أرسله منفياً إلى سلانيك، و عيّن مكانه الشريف محمّد بن عون، فانتقلت الإمارة من فرع إلى آخر من أُسرة الأشراف، و محمد بن عون هو جدّ الشريف حسين أبي فيصل ملك العراق و عبد اللّه ملك الأردن.
يقول العلامة الشيخ محمّد جواد مغنية:
إنّ سعود بن عبد العزيز أقام هيئة باسم الآمرين بالمعروف و مهمتها التجول في الأسواق أوقات الصلاة، تحضّ الناس على أدائها، و ما زالت هذه الطريقة متبعة إلى اليوم عند السعوديين، و أصبحت تحمل العصا و تجول في الأسواق و الشوارع تنهال ضرباً بها على حليق الذقن أو من يلمس قبر الرسول، أو قبر إمام من أئمة البقيع، و غير ذلك ممّا يخالف العقيدة الوهابية، بل كانوا إلى الأمس القريب يضربون المدخنين علناً و إن كانوا غرباء عن الديار.(2)
و قد هلك سعود في الدرعية عام 1229 ه و هو في الثامنة و الستين من
عمره، و كانت ولايته إحدى عشرة سنة أي من سنة 1218 ه إلى سنة 1229 ه، و بذلك طويت صحيفة عمره السوداء و كانت حياته كلها مليئة بالحرب و الدمار.
و تولّى بعد سعود ابنه عبد اللّه، و نازعه عمه عبد اللّه بن محمد، و انقسمت الأُسرة على نفسها، و في هذه السنة أرسل الباشا عساكر كثيرة إلى ناحية القنفذة برّاً و بحراً، فاستولوا عليها و هرب من كان فيها من الوهابيين، و في أوّل سنة 1230 ه عاد إلى الطائف، و وقعت بينه و بين الوهابيين حروب كان النصر له فيها عليهم، و استولى على تربة و بيشة و رينة، و قتل الكثير من الوهابيين، فاستسلم أهلها، و منها استولى على عسير، و قضى فيها على آخر مقاومة وهابية، ثمّ عاد إلى مكة و منها إلى القاهرة.(1)
بقي طوسون في الحجاز بعد حملته على نجد.
و في أوائل سنة 1234 ه أرسل محمد علي باشا ولده إبراهيم باشا إلى الحجاز، لإكمال محاربة الوهابيّين و الاستيلاء على «الدرعية»، فتوجه
1) . آل سعود ماضيهم و مستقبلهم: 68.
بعساكر و أموال و ذخائر كثيرة حتّى دخل مكة، ثمّ خرج منها بالعساكر قاصداً «الدرعية»، و جعل يملك كل أرض وصلها بلا معارضة، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و أسر منهم و غنم خياماً و مدفعين.(1)
و في سنة 1233 ه ملك بلداً من بلاد الوهابيين و قبض على أميره، ثمّ استولى على الشقراء، و كان بها عبد اللّه بن سعود، فخرج هارباً إلى «الدرعية» ليلاً، و بينها و بين الشقراء يومان، ثمّ استولى إبراهيم باشا على بلد كبير من بلادهم و لم يبق بينه و بين «الدرعية»، إلّا ثمان عشرة ساعة، ثمّ زحف على «الدرعية»، فملك جانباً منها، و حاصر الوهابيين و أحاط بهم.(2)
و قال جبران شامية: استمر الحصار خمسة أشهر، فكانت تتوالى على إبراهيم باشا النجدات و الذخيرة من مصر، و الأرزاق و المواشي من البصرة و المدينة، و بقيت قبائل البدو التي انضمت إليه تناصره ما دامت عطاياه مستمرة، و في نهاية الشهر الخامس من الحصار، أي في سنة 1234 ه، استسلم عبد اللّه بن سعود لإبراهيم باشا فأرسله أسيراً للقاهرة ثمّ للآستانة، حيث طوفوه في الأسواق ثمّ أعدموه، و قتل في «الدرعية»، عدد كبير من آل سعود و آل الشيخ، و نفي قسم منهم إلى مصر، و بذلك انتهت الدولة السعودية الأُولى.(3)
ثمّ أقام إبراهيم باشا في «الدرعية» سبعة أشهر، ثمّ أمر بتدميرها فأصبحت أثراً بعد عين(4). و انتهت ستة أشهر من المعارك الطاحنة، و فقد
السعوديون أثناء تلك المعارك زهاء عشرين من أقرباء الإمام بمن فيهم ثلاثة من إخوانه، و كتب إبراهيم باشا إلى القاهرة و الآستانة بأنّ الوهابيين خسروا 14 ألف من القتلى، و 6 آلاف من الأسرى، و من بين الغنائم 60 مدفعاً.(1)
بسبب هزيمة الوهابيين جرت في القاهرة احتفالات بهية، أطلقت فيها نيران المدافع، و أُجريت الألعاب النارية، و كان الناس يسرحون و يمرحون، و أعرب شاه إيران (فتح علي شاه) في رسالة إلى محمد علي باشا عن تقديره لدحر الوهابيين.(2)
و قال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في هذا المجال:
«و طغى إبراهيم باشا و بقي في البلاد، و أكثر فيها الفساد، و صادر أموال آل سعود و آل محمد بن عبد الوهاب، و أجلى الكثير من رجالهم و نسائهم و أطفالهم من الديار، و نفى الكثير منهم إلى مصر، و كان هذا جزاء وفاقاً لما فعلوه من قبل بأُمّة محمد صلى الله عليه و آله و سلم من المظالم و المآثم، و ما ارتكبوه من الخيانة للّه و كتابه، و للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و سنّته: و هكذا كل ظالم لا بد أن يبتلى بأظلم و أغشم.(3)
«فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ»(4).
قد هرب كثير من كبار الوهابيين عند ما ملك إبراهيم باشا «الدرعية»، فلما ارتحل عنها رجعوا إليها، منهم عمر بن عبد العزيز و تركي ابن أخي عبد العزيز، و مشاري بن سعود، فعمروا «الدرعية» و رجع أكثر أهلها، فجهّز محمد علي باشا عسكراً بإمرة حسين بك، فقبضوا على مشاري الّذي كان قد انتخب رئيساً ل «الدرعية» و أرسلوه إلى مصر فمات في الطريق، و تحصّن الباقون في قلعة الرياض، بينها و بين «الدرعية» أربع ساعات، فحصارهم حسين بك ثلاثاً فطلبوا الأمان فآمنهم فخرجوا (إلّا تركيّاً فهرب من القلعة ليلاً) فقيّدهم و أرسلهم إلى مصر.
عاش تركي ابن أخي عبد العزيز مختفياً طوال عدة سنوات في المناطق الجنوبية، و كان يتجول في صحراء نجد داعياً العربان إلى إحياء مجد الأسلاف، و تزوج أثناء تجواله بامرأة من آل تامر، ولدت له ذكراً أسماه جلوي، فتجمع حول تركي ثلاثون رجلاً ثمّ انضمت إليه بعض القبائل، و في تلك الأثناء بدأت في القصيم انتفاضة ضد المصريين إلى حدٍّ ألجأهم إلى
الجلاء إلى الحجاز، و تركوا حاميتين في الرياض و منفوخة.(1)
و انتهز تركي فرصة ضعف المواقع المصرية في نجد في عامي 1239 و 1240 ه فوسّع نفوذه في المنطقة المحيطة بالرياض و منفوخة، و عزل الحاميتين المصريتين، و بعد عدة شهور سقطت الرياض بيد تركي، و تمّ جلاء المصريين عن نجد، و أعلنت بعض مناطق القصيم عن اعترافها بحكم تركي، فتركي إذاً هو الأمير السعودي الوهابي الأوّل من الفرع الثاني لمحمد بن سعود، و به انتقلت الإمارة من سلالة عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى سلالة أخيه عبد اللّه بن محمد بن سعود، و ما زالت فيها إلى اليوم.(2)
و لكنّه نشب خلاف في العائلة السعودية، فتمرد مشاري بن عبد الرَّحْمن بن مشاري بن سعود مع بعض أفخاذ قبيلة قحطان على الأمير، فكبر على نسل عبد العزيز أن تخرج الإمارة منهم، فدبّر مشاري أمر اغتيال تركي، و تم له ذلك، و نادى مشاري بنفسه أميراً.
قال جبران شامية: انتهت ولاية الإمام الخامس تركي بن عبد اللّه اغتيالاً على يد ابن عمّه مشاري بن عبد الرحمن، الّذي استولى على السلطة و أصبح الإمام السادس، و دام حكم مشاري أربعين يوماً، إذ زحف فيصل بن
تركي من الهفوف إلى الرياض بمساعدة عبد اللّه، و عبيد اللّه، من آل الرشيد شيوخ حائل، و استولى على المدينة و أعدم مشاري، و أصبح فيصل الإمام السابع في العائلة السعودية.
تولى فيصل بن تركي الحكم بعد أبيه و هو في حوالي الأربعين من العمر، في أوج نضوج قابلياته الجسمانية و الروحانية، و أصبح يتقبل البيعة من أهالي العاصمة، و لكن محمد علي باشا لم يمهله طويلاً، فأرسل حملة كبرى إلى نجد و معها خالد بن سعود، الّذي كان مع السعوديين المنفيين بمصر، فدخل جيش محمد علي باشا و استولى على العاصمة بلا مقاومة، بعد أن فرّ منها فيصل، ثمّ أسر و نفي إلى مصر، و أقام المصريون فيها خالد بن سعود حاكماً مكان فيصل، و كان ذلك سنة 1253 ه.
و كانت الحجاز لم تزل بيد محمد علي، و كان من أعوانه خالد أصغر أبناء سعود الكبير، و أخو الإمام عبد اللّه الّذي استسلم لإبراهيم باشا في الحملة المصرية الأُولى و أُعدم في استنبول.
نشأ خالد بن سعود في القاهرة في كنف محمد علي، الّذي أعدّه ليتولى الحكم في الجزيرة العربية نيابة عنه، و كان لخالد أنصاره الذين لم
يرضوا عن انتقال الإمامة عن أولاد سعود الكبير إلى أولاد عبد اللّه بن محمد.(1)
وجد فيصل أنّ أهل الرياض و قبائل كثيرة مالت إلى الأمير خالد، لأنّه كان يمثّل نزعة دينية بحكم تثقفه في القاهرة، و ذلك ممّا دعا فيصل إلى ترك الرياض، و دخل الأمير خالد الرياض سنة 1253 ه.
فأعاد الحكومة إلى فرع سعود الكبير، و أصبح الأمير الثامن، فاستمر خالد في الإمارة سنتين.
ثمّ ثار عليه عبد اللّه بن ثنيان مع النجديين، فأرادوا الفتك به فهرب إلى مكة، ثمّ مات.(2)
و لمّا بلغ ذلك فيصلاً و هو محبوس بمصر، استطاع أن يهرب ليلاً من القلعة و من معه، حتّى وصلوا جبل شمر مقر عمارة ابن الرشيد، فأكرمهم و توجهوا إلى القصيم فانضاف إليهم كثير منهم.
إلى أن استطاع بعون أهالي عنيزة أن يقاتل ابن ثنيان في الرياض، فقبضوه و حصروا عليه، ثمّ قتل في الحبس خنقاً في سنة 1258 ه.
صار بعد ذلك فيصل سيداً في دياره لمدة تقرب من عشرين عاماً، و في سنة 1262 ه صدر الأمر من الدولة العثمانية بتجهيز العساكر لمحاربة فيصل بن تركي أمير الرياض، لأنّه استفحل أمره و يخشى أن يقع منه ما وقع من أسلافه، و أن يكون ذلك برأي الشريف محمد بن عون أمير مكة المكرمة، فتوجه الشريف مع العساكر من المدينة حتّى وصل جبل شمر، فسار معه أميره ابن الرشيد بكثير من القبائل، و لما وصلوا القصيم أطاعهم أهله، فخاف فيصل فأرسل لأهل القصيم أن يتوسط في الصلح على تأدية عشرة آلاف ريال في كل سنة، فتم الصلح، و رجع الشريف بالعساكر، و استمرّ فيصل يدفع ذلك حتّى مات سنة (1282 ه)(1).
و لكنه بعد ما أُصيب بالشلل فقد البصر، سلّم الأُمور لابنه عبد اللّه، و بعد ما مات نشبت حرب أهلية بين أولاده
1) . آل سعود، ماضيهم و مستقبلهم: 78.
الأربعة، و هم عبد اللّه و سعود و محمد و عبد الرَّحمن، و عمّت الفوضى البلاد.
كان فيصل قد بايع ولده الأكبر عبد اللّه بولاية العهد مطابقاً للتقاليد المتّبعة في البيت السعودي، و لكن نشبت الحروب الأهلية بين أولاده الأربعة و هم: عبد اللّه و سعود و محمد و عبد الرحمن، و عمّت الفوضى في البلاد، و قد نازع سعود أخاه عبد اللّه و ثار عليه، و استمرت الحروب الأهلية بين الطرفين، و نشبت الفتن و القلاقل و استمرت 25 عاماً، ممّا أدى إلى ضعف الإمارة و ذهاب سلطانها، و انتفاضة حكام المقاطعات عليها، و استقلال كلّ بدويلته و احتل الأتراك الأحساء و القطيف.(1)و استمرّ الصراع داخل أُسرة آل سعود، و ظهر عبد اللّه في الأراضي المحتلة من قبل الأتراك، و طرد سعود من الرياض موقتاً، ففي سنة 1283 ه عاد عبد اللّه من جديد إلى الرياض إلّا أنّ الوضع في الإمارة كان ميئوساً منه فالمجاعة مستمرة، و كان الناس يأكلون جيف الحمير و يحرقون جلود الماعز و يدقونها، بل كانوا يدقون العظام و يأكلون مسحوقها، و مع هذا فمن لم يمت بالسيف مات جوعاً.(2)
و في العام القادم 1284 ه عاد سعود مجدداً إلى الرياض، و استمرت المعارك سجالاً بين الأخوين و اقترنت كالعادة بالنهب و القتل، و لكن عبد اللّه بن فيصل كان يعتمد على الأتراك، بينما يعتمد سعود على الإنجليز، حتّى أنّهم أرسلوا أغذية له، و بعد طائفة من الأحداث استتب الأمر إلى سعود، و دخل الرياض في محرم 1290 ه و توفّي بعده بعام 1291 ه. و أمّا عبد الله
فقد تنازل عن الحكم و ترك الرياض هو و أخوه محمد، و رحل إلى مقربة من الكويت و استقرّ في بادية قحطان، ثمّ تركها بعد أن رفضوا الخوض في معركة جديدة يكونون حطبها بلا فائدة، و لما توفي سعود أخذ الحكم مكانه أخوه عبد الرَّحمن الّذي كان يميل إلى سعود بعكس محمد، فحكم لمدة عامين، ثمّ تلاها حرب بينه و بين أخيه محمد الّذي كان يكبره سناً، فوقعت معركة بينهما في ثرمداء في غرب الرياض، و عاد الأمر من جديد للتوتر، حتّى وافق الاثنان على أن يتولى الحكم أخوهم الكبير عبد اللّه، فعاد هذا الأخير من البادية و استلم الحكم عام 1293 ه حتّى عام 1305 ه و لم يقبل أبناء سعود أن يتولى عمّهم الكبير عبد اللّه، فغادروا الرياض احتجاجاً على ذلك، و استقروا في «الخرج». و عندئذٍ توجه عبد الرحمن خوفاً من أبناء أخيه إلى عبد اللّه، فقرر الإخوة الثلاثة (عبد اللّه - محمد - عبد الرحمن) تشكيل جبهة واحدة بزعامة عبد اللّه ضد أولاد سعود الذين تمكنوا من السيطرة على الرياض بضعة أسابيع، ثمّ فرّ أولاده و دخل عبد اللّه الرياض من جديد، و بقي فيها إلى أن مات عام 1305 ه.
و لمّا توفي عبد اللّه أخذ أخوه عبد الرحمن الأمر بيده، و أعلن نفسه أميراً خلفاً لأخيه عبد اللّه، و لم يطل الوقت حتّى اختلف عبد الرحمن مع أولاد سعود، و من جانب آخر جنحت قبائل نجد لمحمد بن الرشيد مع أنّه
لم يكن وهابياً بل كان حليفاً للخليفة العثماني، الّذي يتبع المذهب الحنفي و يستمد منه المال و السلاح.(1)
و لمّا رأى عبد الرحمن قوة ابن الرشيد شعر أنّه بين أمرين: إمّا أن يحارب ابن الرشيد و إمّا أن يخضع له كموظف عنده، و لا طاقة له على الأُولى و لا تطيقه نفسه على الثانية، فلم يبق أمامه إلّا الرحيل، فرحل عن نجد بأهله سنة 1309 ه و ظل منتقلاً في الأمصار، فذهب أوّلاً إلى الأحساء، ثمّ إلى الكويت، ثمّ إلى قبائل بني مرة قرب الربع الخالي، ثمّ إلى قطر و منها عاد إلى الكويت، و استقرّ فيها مع عائلته و أولاده؛ و كان عمر ولده عبد العزيز عشر سنوات، و عين له أمير الكويت الشيخ محمد بن الصباح مرتباً إلى أن خصصت له الدولة العثمانية ستين ليرة عثمانية في الشهر.(2)
فقطع ابن الصباح عنه المرتب، و عاش هو و أفراد عائلته في شدة و ضيق.(3)و بذلك انتهت الدولة السعودية الثانية.
يقول بعض المؤرخين: «إنّ الوهابية فقدت صيتها و بريقها لما توسّعت فوق طاقتها فانهزمت، و هكذا خسروا الأرض و الحركة الوهابية».
لم يكرم الشيخ مبارك الصباح ضيافة آل سعود في الكويت، فسكنوا ثلاث غرف من طين في أحد أزقة الكويت، و مع ذلك كان آل سعود خلال إقامتهم في الكويت مدة سبعة أو ثمانية أعوام متعاونين مع الشيخ مبارك
حسبما تمليه مصالحهم، لقد كانت مجالس الشيخ مبارك بالنسبة إلى الشاب عبد العزيز مدرسة تلقى مما يدور فيها من الأحداث، و لعلّ أهم درس وعاه هو الحذر عند التعامل مع القوى الدولية، و النظر بعين الاعتبار لمركز بريطانيا المتفوق.(1)
1) . العلاقات بين نجد و الكويت لخالد السعدون: 67.
ذات يوم جاء الفتى عبد العزيز إلى الشيخ مبارك و قال له: أُريد أن أنقذ نجداً من ابن الرشيد فهل تساعدني بالمال و العتاد؟ فأعطاه الشيخ مائتي ريال و ثلاثين بندقية و أربعين جملاً و بعض الزاد، فأخذها و مضى هو و أرحامه و أصحابه، و رافق عبد العزيز أخوه محمد و ابن عمه عبد اللّه بن جلوي و بعض أتباعهم و عددهم نحو أربعين رجلاً.(1)
سارت الجماعة متخفّية حتّى وصلت ضواحي الرياض و غافلت حراسها، و ذلك في 3 شوّال سنة 1319 ه، و دخلت المدينة خلسة، و قتلت قائد الحامية الشمري عبد الرَّحْمن بن ضبعان، فاستسلم رجاله و خضعت الواحدة لآل سعود، فأرسل عبد العزيز ناصر بن سعود إلى الشيخ مبارك مبشراً و طالباً المدد، ثمّ بنى سوراً حول الرياض، ثمّ دامت مساعدات شيخ الكويت و استتبّ له الأمر.
و بعد هذا صار عبد العزيز حاكماً للرياض و هو في الثانية و العشرين، و ظل أبوه مستشاراً رئيسياً له و إماماً للمسلمين.(2)
اتصلت الدولة العثمانية بعبد العزيز بن سعود بواسطة الشيخ مبارك ودعته لإرسال والده عبد الرّحْمن لمفاوضة والي البصرة، و لبّى عبد الرّحمن الدعوة و وصل إلى الكويت و منها إلى الزبير برفقة الشيخ مبارك، حيث عقدت الجلسة الأُولى من المباحثات عام 1322 ه و توصل الفريقان إلى اتفاق تضمن إقرار العثمانيين بسيطرة عبد العزيز على مناطقه بوصف أنّه موظف عثماني برتبة قائم مقام، و تعهّد العثمانيون بمنع آل الرشيد عن التدخل في شئون إمارة آل سعود.(1)
انتهز عبد العزيز الفرصة فاجتمع لأوّل مرة في سنة 1328 ه برسمي بريطاني هو المعتمد في الكويت، أعني: «ويليم شكسبير» و نشأت بينهما مودة و تقدير متبادل، و اجتمعا ثانية سنة 1330 ه، و كذلك في ربيع الأوّل 1331 ه، و شرح عبد العزيز لمندوب بريطانيا بأنّ الوقت مناسب لتخليص نجد و الأحساء نهائياً من السيطرة العثمانية.
تمكّن شكسبير من إجراء مباحثات سياسية مع عبد العزيز، فوضع مسودة معاهدة التزم الإنجليز بموجبها بضمان مواقع أمير الرياض في نجد و الأحساء، و حمايته من الهجمات العثمانية المحتملة من جهة البحر و البر إذا التزم بمساعدة الحلفاء، و تخلّى الإنجليز عن سياستهم القديمة، و التزموا بعدم التدخل في الشئون الداخلية لشبه الجزيرة العربية، و التزم عبد العزيز
1) . تاريخ العربية السعودية: 215.
بعدم إقامة علاقات مع البلدان الأُخرى بدون مشاورة تمهيدية مع السلطات البريطانية، و تبين الدراسة التي أجراها «تلولير» لوثائق الأرشيفات الإنجليزية، أن عبد العزيز كان يدرك بدقة مضامين السياسة البريطانية في الجزيرة العربية.(1)
و جاء في المعاهدة أنّ ابن سعود يتعهّد أن يمتنع عن كلّ مخابرة أو اتّفاق أو معاهدة مع أيّة حكومة أو دولة أجنبية، و أنّ أمير نجد لا يمكن أن يتنازل عن الأراضي أو جزء منها، و لا أن يؤجرها أو يرهنها أو يتصرف بها بأيّ شكل، و لا أن يقدمها على سبيل الامتياز إلى أيّة دولة أجنبية، أو إلى أحد من رعايا دولة أجنبية بدون موافقة الحكومة البريطانية.
و جاء في المادة السادسة أنّ ابن سعود يتعهّد كما تعهّد والده من قبل بأن يمتنع عن كل تجاوز و تدخل في أرض الكويت و البحرين و أراضي مشايخ (قطر) و عمان و سواحلها، و كل المشايخ الموجودين تحت حماية الإنجليز، و الذين لهم معاهدات معها، و لم يرد في المعاهدة شيء عن الحدود الغربية لنجد، و هكذا فرضت هذه المعاهدة، الحماية البريطانية على نجد و توابعها، و صارت هذه المعاهدة جزءاً من شبكة النفوذ البريطاني الّتي أرادت لندن فرضه على القسم الأكبر من الشرق الأوسط، و على أيّة حال على الجزيرة العربية كلّها بعد الحرب العالمية الأُولى.
ثمّ استلمت نجد من عام 1344 ه، مقابل توقيع المعاهدة مئونة
1) . كشف الارتياب: 48.
شهرية بمبلغ 5 آلاف جنيه استرليني مع إرساليات معينة من الرشاشات و البنادق.(1)
و كما كان ابن الرشيد حليفاً مخلصاً للأتراك، فقد كان عبد العزيز حليفاً دائماً و صديقاً وفيّاً للإنجليز، فكان يذكرها و يشكرها في خطبه و غيرها، و هذا مثال من أقواله «بحق الانجليز» جاء في خطبة ألقاها بمكة المكرمة عام 1362 ه:
«و لا يفوتني في هذا الموقف أن أتمثّل بأنّ من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه، فأثني على الجهود الّتي قدّمتها الحكومة البريطانية بتقديم بواخر الحجاج و تسهيل سفرهم، كما أثني على مساعدتها و مساعدة الحلفاء القيمة، و متابعتهم تموين البلاد بما يحتاجه الأهالي من أسباب المعيشة و غيرها، و كذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ سيرة البريطانيين معنا طيبة من أوّل الزمن إلى آخره».
يقول العلامة الشيخ محمد جواد مغنية بعد نقل هذا الكلام:
«و يعلم الصغير و الكبير أنّ الإنجليز و الحلفاء و أيّة دولة استعمارية يستحيل أن تفعل شيئاً بقصد الخير و الإنسانية، و إذا فعلت مع بلد أو بلدان ما يبدو كذلك فإنّما تتخذ منه وسيلة إلى التسرب إلى أسواقه و السيطرة على مقدّراته. إنّ الاستعمار يوافق و يتصنع ليمتص دماء الشعوب.
و غريب أن تخفى هذه الحقيقة على الملك عبد العزيز، و أن يقول -
1) . تاريخ العربية السعودية: 251-252.
و هو الوهابي الّذي يصلّي في أوّل الوقت حتّى في بيت عدوه عجلان -: من لم يشكر الناس (أي الإنجليز) لم يشكر اللّه، و هذا مع العلم بأنّ الوهابية تقول بفساد الصلاة عند قبر نبي أو ولي، لأنّها تكون مشوبة بعبادة صاحب القبر، إذاً كيف ربط الملك عبد العزيز شكر اللّه بشكر الإنجليز بحيث لا يقبل الأوّل بدون الثاني، و بعد أن ضعف الإنجليز حلّ محلهم الأمريكيون.(1)
ترافقت هذه الفترة مع تطورات دولية عملت لمصلحة آل سعود، فقد انتهت الحرب العالمية الأُولى و استسلمت تركيا عام 1337 ه، و تبعتها ألمانيا، فانقطع دور تركيا في الجزيرة العربية، و انفردت بريطانيا بالتحكم بشئون المنطقة.
و من ناحية أُخرى نجد بريطانيا قد خانت و عودها للهاشميين بإنشاء الدولة العربية الكبرى في الشمال، و صارت تسعى للتخلّص منهم و من و عودها لهم، فتوجه عبد العزيز ضدهم في هذه الفترة الّتي شهدت احتلال آل سعود للحائل، ثمّ للحجاز و عسير، و اختلطت السياسة بالدين.(2)
في سنة 1340 ه غزا الوهابيون عرب الفرع من قبيلة حرب في عقر دارهم في الحجاز، و نهبوا المواشي، فجاء النذير إلى أهل الفرع فلحقوهم و استخلصوا منهم ما نهبوه، و قتلوا منهم، و غنموا جميع ما معهم و ولوا منهزمين، و من جملة ما غنموه أعلام و بيارق، فدفعوها إلى الملك حسين و انقطع مجيء أعراب نجد إلى الفرع لاكتيال التمر، فحصل بذلك ضيق على أهل الفرع بسبب كساد تمورهم الّتي كان يشتريها النجديون».(1)
في هذه السنة التقى الوهابيون بالحجاج اليمانيين و هم عزل من السلاح و جميع آلات الدفاع، فسايروهم في الطريق و أعطوهم الأمان، ثمّ غدروا بهم لمّا وصلوا إلى سفح جبل، مشى الوهابيون في سفح الجبل و اليمانيون تحتهم، فعطفوا على اليمانيين و أطلقوا عليهم الرصاص حتّى قتلوهم عن بكرة أبيهم، و كانوا ألف إنسان، و لم يسلم منهم غير رجلين هربا و أخبرا بالحال.(2)
و قد هجم الوهابيون في هذه السنة على الحجاز و حاصروا الطائف، ثمّ دخلوها عنوة و أعملوا في أهلها السيف، فقتلوا الرجال و النساء و الأطفال حتّى قتلوا منهم ما يقرب من ألفين، بينهم العلماء و الصلحاء، و أعملوا فيها النهب، و عملوا فيها من الفظائع ما تقشعر منها الجلود، نظير ما عملوه في المرة الأُولى، حتّى أنّ السلطان عبد العزيز بن سعود لما سئل عنها لم ينكر وقوعها، لكنه اعتذر بما وقع من خالد بن الوليد يوم فتح مكة، و قول النبيّ: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد.(1)
أصبح الحجاز بعد معركة الطائف مفتوحاً أمام عبد العزيز، لكنه تباطأ بالزحف على مكة حتّى يستكشف نوايا الإنجليز الذين كانوا أنذروه و طلبوا منه التوقّف عن القتال، لكن سياسة بريطانيا كانت قد تغيّرت خلال هذه المدة، و أصبحوا يريدون التخلص من الملك حسين و أولاده في الحجاز، حتّى يكفوا عن مطالبتهم بتنفيذ تعهداتهم لعرب الشمال، و كانت وسيلتهم المفضلة أن يضربوا العرب بالعرب، و كان عبد العزيز أداتهم في تلك السياسة.(2)
و في سنة 1343 ه هجمت جماعة من الوهابيين فجأة على أعراب شرقي الأردن الآمنين، فهجموا على أُم العمد و جوارها، فقتلوا و نهبوا، و ما لبثوا أن ارتدّوا مدحورين مأسورين، و إنّ الدبابات و الطائرات الإنجليزية اشتركت في قتالهم مع عرب شرقي الأردن، و انجلت المعركة عن قتل ثلاثمائة من الوهابيين بأمر من الإنجليز.
كان الملك حسين يظن أنّ الإنجليز سيتدخلون لإنقاذه على نحو ما فعلوا في شرقي الأردن في الشهر الماضي، فأرسل برقية إلى المستر بولارد القنصل البريطاني في جدة ذكر فيها أنّ الحالة حرجة، و أنّ علاقته بالحكومة البريطانية تجعله يطلب منها الاهتمام بصد ابن سعود، و تجنّب ما وقع في الطائف، و هو يأمل منها النظر في طلبه بأسرع ما يمكن، فأبرق القنصل إلى حكومته في لندن فوافاه الجواب أنّ الحكومة البريطانية متمسكة بسياستها في عدم التدخل في الأُمور الدينية، و هي لذلك لا تريد أن تتدخّل في أي نزاع بشأن امتلاك الأماكن المقدسة في الإسلام.(1)
و في الوقت نفسه كتب الدكتور «ناجي الأصيل» مندوب الحسين في
1) . دائرة الوثائق العامة في لندن (أف، أو رقم 371-10014).
لندن رسالة إلى وزارة الخارجية البريطانية يقول فيها: «إنّ صاحب الجلالة الهاشمية يناشد الحكومة البريطانية - طبقاً لروح المعاهدة الّتي هي تحت المفاوضة - أن تتدخل لوضع حدّ للاعتداء الوحشي الّذي يقوم به الوهابيون ضد الأماكن المقدسة، و إخراجهم من الطائف.
فوافاه الجواب: إنّ الحكومة البريطانية لا تريد أن تتورط في النزاع القائم بين أُمراء عرب مستقلين، حول امتلاك الأماكن المقدسة في الإسلام».
ثمّ رد ناجي الأصيل على جواب وزارة الخارجية في 2 تشرين الأوّل و قال: إنّ ما قام به شعب الحجاز من مخاطرة كبرى في تأييد بريطانيا في الحرب العامة يستدعي من بريطانيا مساعدتها له في إنقاذ مكة من ويلات الحرب، و إنّ العالم الإسلامي لا يرضى أن تقع الأماكن المقدسة و لو لفترة قصيرة جدّاً في أيدي طائفة كالوهابية.(1)
ارتأت الحكومة البريطانية حفاظاً على مصالحها في المنطقة خلع الأُسرة الهاشمية عن الحرمين الشريفين، حتّى تحلّ محلّها السلطة الوهابية، و لأجل ذلك استعملت بريطانيا جميع وسائل الضغط لتجبر الملك حسين على التنازل عن العرش، و على رأسها قطع المساعدات المالية عنه، حتّى عجز عن دفع رواتب الضباط و الجنود.(2)
أصبح وضع الحسين ميئوساً منه، فاجتمع أعيان الحجاز و منهم أشراف مكّة و علماء الدين و كبار التجار في جدة، و قرروا خلع الحسين لترضية ابن سعود، و بعد أخذ ورد، وافق الحسين على التنازل عن العرش لولده الّذي نصب ملكاً على الحجاز في 6 تشرين الأوّل (عام 1924 م) الموافق 1343 ه، و بعد ثلاثة أيام أرسل الحسين مع أمتعته إلى جدة لكن الحكومة البريطانية تضايقت من وجوده هناك، فأرسلت إليه إنذاراً بمغادرة المدينة تلبية لطلب عبد العزيز، و أبلغته بأنّ عليه أن يسافر إلى قبرص، حتّى مات هناك عام 1931 م / 1350 ه، و نقلت جنازته إلى الأردن فدفن في المسجد الأقصى، و انتهت بذلك حقبة محزنة من تاريخ العرب.(1)
دخل الوهابيون مكة بغير قتال بعد ما خرج الملك حسين و ولده منها إلى جدة، فنهبوا داره و استولوا على جميع ما يؤول إليه، ثمّ قامت الحرب بينهم و بين الملك علي المتحصن في جدة، و انقطع الحج في تلك السنة، و عين خالد بن لؤي حاكماً على مكة ثمّ انطلق الوهابيون و فرضوا على السكان حضور صلاة الجماعة خمس مرات في اليوم، كما منعوا التدخين و قراءة المولد النبوي و زيارة القبور، و من يشاهدونه يفعل ذلك يشتمونه و يضربونه، و ربما ساقوه إلى الحبس أو فرضوا عليه الغرامة.(2)
دخل عبد العزيز مكة المكرمة، و استعرض الجيش، و اجتمع مع العلماء و فرض عليهم اعتناق الأُصول الّتي جاء بها محمد بن عبد الوهاب،
و كان يقول و هو يحارب الملك عليّاً: إنّه ما جاء إلى الحجاز إلّا لينقذه من ظلم الأشراف، و لا يريد تملكه و إنّما يجعل مصيره إلى رأي عموم المسلمين.
و هذا هو الأسلوب الماكر لجميع الدهاة إذا تغلبوا على قطر من الأقطار، حتّى أنّ دولة إسرائيل الغاشمة بعد ما استولت على أراض جديدة عام 1967 م كانت تقول بأنّها لا تريد الاستيلاء عليها.
لمّا استتبّ الأمر لعبد العزيز و ملك الحجاز قاطبة، عمد إلى تخريب المعالم الإسلامية في مكّة و جدّة و المدينة، فخربوا في مكة قباب عبد المطلب جدّ النبيّ، و أبي طالب عمّه، و خديجة أُم المؤمنين، و خربوا مولد النبي و مولد فاطمة الزهراء عليها السلام، و لمّا دخلوا جدّة هدموا قبّة حواء، و خربوا قبرها بل خربوا في هذه البلاد كل القباب و المزارات و الأمكنة الّتي يتبرك بها، و لما حاصروا المدينة هدموا مسجد حمزة و مزاره، لوقوعهما خارج المدينة المنورة.(1)
يقول الدكتور علي الوردي أُستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد:
كان البقيع مقبرة المدينة في عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم و ما بعده، دفن فيه العباس و الخليفة عثمان، و زوجات النبي و الكثير من الصحابة و التابعين، كما دفن
1) . كشف الارتياب: 55.
فيه أربعة من أئمة أهل البيت عليهم السلام هم: الحسن بن عليّ، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد، و قد صنع الشيعة لقبور هؤلاء الأربعة ضريحاً باهراً يشبه الأضرحة المعروفة في العراق و إيران، لكن على نطاق أصغر، و اعتاد الشيعة أن يزوروا هذا الضريح فيقبّلونه و يتبرّكون به و يصلّون عنده، على نحو ما يفعلون في أضرحة العراق و إيران.(1)
ظلّت هذه القبور سليمة أكثر من أربعة أشهر دون أن يمسّها أحد بسوء، و لكن اتّهم ابن سعود في تنفيذ مبدأ الوهابية لإبقائه عليها، فاضطر ابن سعود في شهر رمضان سنة 1344 ه إلى إرسال كبير علماء نجد عبد اللّه بن بليهد من مكة إلى المدينة للعمل على هدم القبور، و عند ما وصل ابن بليهد إلى المدينة اجتمع بعلمائها و وجه إليهم الاستفتاء التالي:
«ما قول علماء المدينة - زادهم اللّه فهماً و علماً - في البناء على القبور و اتّخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟ و إذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها و منع الصلاة عندها أم لا؟ و إذا كان البناء في مسبلة كالبقيع، و هو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليها، فهل هو غصب يجب دفعه لما فيه من ظلم المستحقين و منعهم استحقاقهم أم لا؟ و ما يفعله الجهال عند هذه الضرائح من التمسح بها و دعائها مع اللّه، و التقرب بالذبح و النذر لها، و إيقاد السرج عليها، هل هو جائز أم لا؟.
و ما يفعل عند حجرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم من التوجه إليها عند الدعاء و غيره،
1) . لمحات اجتماعية، ملحق الجزء السادس: 305.
و الطواف بها و تقبيلها و التمسح بها، و كذلك ما يفعل في المسجد من الترحيم و التذكير بين الأذان و الإقامة و قبل الفجر و يوم الجمعة، هل هو مشروع أم لا؟ أفتونا مأجورين و بيّنوا لنا الأدلة المستند إليها لا زلتم ملجأ للمستفيدين»(1).
ترى أنّ الأسئلة طرحت بشكل أدرج فيها الجواب، و ألزم المفتين على الإجابة بما يرتئيه السائل، و لأجل ذلك جاء الجواب بالشكل التالي:
«أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحة الأحاديث الواردة في منعه، و لهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين في ذلك بحديث عليّ قال لأبي الهياج:
أ لا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أن لا تدع تمثالاً إلّا طمسته، و لا قبراً مشرفاً إلّا سويته؟» (رواه مسلم).
و أمّا اتّخاذ القبور مساجد و الصلاة فيها و إيقاد السرج عليها فممنوع، لحديث ابن عباس: «لعن اللّه زائرات القبور المتخذين عليها المساجد و السرج»، رواه أهل السنن، و أمّا ما يفعله الجهال عند الضرائح من التمسح بها و التقرب إليها بالذبائح و النذور، و دعاء أهلها مع اللّه فهو حرام ممنوع شرعاً لا يجوز فعله أصلاً.
و أمّا التوجه إلى حجرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم عند الدعاء فالأولى منعه، كما هو معروف عن معتبرات كتب المذهب، و لأنّ أفضل الجهات جهة القبلة، و أمّا
1) . لمحات اجتماعية: 305-306.
الطواف و التمسح بها و تقبيلها فهو ممنوع مطلقاً، و أمّا ما يفعل من التذكير و الترحيم و التسليم في الأوقات المذكورة فهو محدث، هذا ما وصل إليه علمنا.(1)
و على أثر صدور هذه الفتوى هدمت القبور، فأحدثت هذه الجريمة ضجّة مدويّة في أقطار العالم الإسلامي، خصوصاً الشيعية منها، فقرّر علماء الشيعة على أثر تلقّيهم هذا الخبر إعلان الحزن العام و إظهار الحداد و ترك التدريس، و عقد في صحن الكاظمية اجتماع حضرته جماهير كثيرة، و تليت فيه البرقيات و الرسائل الواردة في هذا الشأن، كما نظمت البرقيات الّتي قرّر إرسالها إلى ملوك و علماء العالم الإسلامي في أقطارهم المختلفة، و جرى مثل ذلك في كربلاء و النجف.(2)
و في ذلك يقول الدكتور الوردي: و أخذت الجرائد العراقية تنشر المقالات في التنديد بابن سعود و شجب أعماله، فقد كتبت جريدة «العراق» في مقالة افتتاحية لها تقول: «قضي الأمر و أصدر ابن بليهد الفتوى المعلومة، فقام بأكبر خدمة لسيده ابن سعود، و لم يعلم بأنّ مسعاه كان سهماً أصاب كبد العالم الإسلامي فآلمه أيما ألم».
كما نشرت مقالة أخرى بقلم إسماعيل آل ياسين من الكاظمية عنوانها «الطامة الكبرى و الأماكن المقدسة في الحجاز» و ورد فيها ما نصّه:
«أيّها المسلمون، ما هذا السبات و ما هذا الجمود الّذي أدّى بكم إلى السكون و إلى عدم الاكتراث بهذه القضايا المؤلمة، و الأدوار المخزية الّتي يمثلها ذلك الطاغية في البلاد المقدسة؟»(1).
يقول الوردي: نشرت جريدة «العراق» حديثاً جرى بين أحد محرريها و السيد محمود الكيلاني نقيب أشراف بغداد، أعلن فيه السيد محمود انتقاده لما قام به الوهابيون من هدم قبور البقيع و ذكر أنّ بناء القبب على القبور ليس مخالفاً للسنّة النبوية، لأنّ النبي نفسه دفن في حجرة عائشة و هي حجرة ذات جدران و سقف كقبة، و ذكر أيضاً أنّ تقبيل الأضرحة هو من باب تقبيل المحبوب، و هو أمر غير ممنوع في الإسلام.
و نشرت صحيفة «العراق» بعدئذٍ ثلاثة أبيات من الشعر، طالبة من الشعراء تشطيرها و تخميسها و هي:
لعمري إنّ فاجعة البقيع *** يشيب لهولها فود الرضيع
و سوف تكون فاتحة الرزايا *** إذا لم نَصْحُ من هذا الهجوع
أما من مسلمٍ للّه يرعى *** حقوق نبيّه الهادي الشفيع(2)
حلّ شهر محرّم عام 1344 ه فكانت خطب مجالس التعزية و نوحيّات المواكب الحسينية تدور في معظمها حول فاجعة البقيع، و تطالب الانتقام
من ابن سعود، إنّ يوم 8 شوال أصبح يوم حداد في السنوات التالية في النجف و كربلاء، حيث تغلق فيه الأسواق و تخرج مواكب اللطم.(1)
بعد ما استتبّ الأمر لعبد العزيز بتأييد من بريطانيا، و طرد الملك حسين و ولده الأمير علي من الحجاز، فصار سلطان نجد سلطان الحجاز اليوم، كما صار الأمير ملكاً للقطرين، و لكن أتباعه الذين يعبر عنهم في تاريخ المملكة بالإخوان أورثوا له مشكلة خاصة، و هي الإصرار على تطبيق مبادئ الوهابية، فرموه بموالاة الكفّار الإنجليز و التساهل في الدين، و أنكروا عليه ألقاب السلطان و الملك، و تطويل شاربه و ثوبه، و لبس العقال، و إرساله ولده سعود لزيارة مصر للعلاج، لأنّه بلد الكفّار، و إرسال ابنه فيصل لزيارة البلاد الأوروبية لأنّها أكثر كفراً، و رأوا أنّ استخدام السيارات و أجهزة اللاسلكي و الهاتف بدع لأنّها من صنع الفرنج، و أنّه يجب محاربة الدول المجاورة كالعراق و الأردن و احتلالها و نشر الوهابية بين سكانها، و قد أحرقوا أول شاحنة ظهرت في مدينة (الحول) و كاد سائقها يلقى المصير ذاته، إلى غير ذلك مما عليه بني المذهب الوهابي.(2)
قال أمين الريحاني: إنّ الإخوان فيما ظهر من بسالتهم أورثوا
عبد العزيز مشكلاً آخر، فقد طغى الإخوان و تجبّروا، فضجّ الناس، و راح الإخوان يحاربون من لم يتبعهم من البدو، و يكفّرون و ينهبون و يقتلون و يقولون: أنت يا بدوي مشرك، و المشرك حلال الدم و المال، و قد انتشرت من جراء ذلك الفوضى في البلاد، و كاد يقطع حبل الأمن و السلام.(1)
كان الإخوان كارهين للعلم و التقدّم، فاعتبروا أي نوع من أنواع التكنولوجيا الحديثة شرّاً و كفراً، كالهاتف و التلغراف و السيارات و الساعات و الكهرباء، و قالوا إنّها سحر من عمل الشيطان، فقاوموا استخدامها و نشرها و أخّروا تقدّم البلاد.(2)
و في مطلع عام 1345 ه اجتمع رؤساء الإخوان، و من أبرزهم فيصل الدويش و ابن حثلين و ابن بجاد في الغطغط، و أعدّوا قائمة ذكروا فيها ما يؤاخذون به عبد العزيز و من جملته:
1 - سفرة ابنه سعود إلى مصر.
2 - سفرة ابنه فيصل إلى لندن للتفاوض مع الإنجليز، و هو يعني التعاون مع بلد الشرك.
3 - استخدام التلغراف و الهاتف و السيارة في أرض إسلامية.
4 - فرض رسوم جمركية على مسلمي نجد، و كان هذا في الواقع احتجاجاً على تشديد استغلال السكان عن طريق الضرائب.
5 - منع قبائل الأردن و العراق حق الرعي في أراضي المسلمين.
6 - حظر المتاجرة مع الكويت لأنّهم كفّار لم يأخذوا بمبادئ الوهابية.
7 - التسامح مع الخوارج (الشيعة) في الأحساء و القطيف، فيجب عليه أن يهديهم إلى الإسلام أو يقتلهم.(1)
هذه بعض القرارات الّتي اتّخذها مؤتمر الإخوان، و كان عبد العزيز آنذاك في الحجاز، فأسرع بالسفر إلى نجد عن طريق المدينة محاولاً علاج غضب الإخوان بالحيل و الدجل، و لما وصل إلى الرياض عقد فيها مؤتمراً بتاريخ 25 رجب سنة 1345 ه و حضر الدعوة جميع زعماء الإخوان، إلّا سلطان بن بجاد، و هو القائد الّذي استولى على الحجاز، و برر عدم حضوره بقوله: «إنه لم يثق بعبد العزيز و أقواله، و خاصة بعد أن اتخذنا قراراتنا بتجريمه و تكفيره و عزله» و في هذا الاجتماع قال عبد العزيز عن نفسه إنّه خادم الشريعة، يحافظ عليها أتمّ المحافظة، و هو الّذي يعهدونه من قبل و لم يتغير كما يتوهم الناس، و لا يزال ساهراً على مصالح العرب و المسلمين.
و في عام 1346 ه قررت الحكومة العراقية التفاوض لإقامة مخافر للشرطة مجهزة باللاسلكي و السيارات المصفحة بالقرب من الحدود النجدية، للإشراف على تنقلات البدو، و منع الغزو، و في أثناء إنشاء المخافر هاجم الإخوان مخفر البصية فقتلوا عدداً من العمال و الشرطة الذين كانوا فيه، ثمّ عادوا من حيث أتوا، و تقدر المصادر البريطانية عدد القتلى بعشرين
1) . تاريخ ملوك آل سعود لابن هذلول: 180.
كان من بينهم امرأة واحدة. كان الإخوان يشنون غاراتهم على العشائر العراقية و يعيثون فيها نهباً و قتلاً، إلى أن اضطرت الطائرات الإنجليزية بإصرار من الحكومة العراقية إلى إلقاء منشورات على البادية تنذر الإخوان بالابتعاد عن الحدود العراقية بمسافة أربعمائة ميل، و لكن لم يهتم الإخوان بهذه المنشورات، فانتهت بقصف تجمعاتهم و قواهم.(1)
إنّ قصف الطائرات وضع ابن سعود بين نارين: نار الإنجليز و نار الإخوان، و وجد ابن سعود أن الأفضل أن يتفاوض مع الإنجليز بدلاً من محاربتهم، فجرت مفاوضات في جدة مرتين، و كان يمثل الجانب البريطاني (سرجلبرت كلايتون) و رجع عبد العزيز بعد ذلك إلى الرياض و اجتمع مع الإخوان، فأخذ يهدّئ روعهم، و طلب منهم أن يعرضوا شكاواهم عليه، فذكروا له منها علاقته بالكفّار و صداقته مع الإنجليز، و استعمال مخترعاتهم الشيطانية كالسيارات و أجهزة الهاتف، و تساهله تجاه المخافر الّتي يبنيها الكفّار على الحدود، و منع المسلمين من الجهاد لإعلاء كلمة اللّه و نصر دينه، و في هذا المؤتمر حاول ابن سعود أن يقنعهم بأنّ جهاد الكفّار يجب أن يكون في حدود الطاقة، و أنّ هذه الآلات ليست من السحر و عمل الشيطان.
1) . تاريخ نجد لفيلبي: 359.
إنّ النتيجة الّتي انتهى إليها مؤتمر الرياض لم يرض عنها الرؤساء الثلاثة فيصل الدويش و سلطان بن بجاد و ابن حثلين، فصاروا ينشرون الإشاعات السيئة ضد ابن سعود، و أنّه بصدد هدم الدين و موالاة الكفّار و طلب الملك، و يقطعون الطريق على القوافل، و يهاجمون عشائر العراق.
كان عدد الثائرين نحواً من خمسة آلاف رجل فأعدّ عبد العزيز جيشاً كبيراً لقتالهم يربو على خمسة عشر ألفاً، و وقعت المعركة بين الفريقين في صباح 25 آذار سنة 1929 م الموافق سنة 1349 ه و انتهت بهزيمة الإخوان و انتصار عبد العزيز.
يقول الدكتور علي الوردي: إنّ معظم بناة الدول يقتلون من ساعدهم على بنائها، و سبب ذلك أنّ أُولئك المساعدين يريدون أن يشاركوا الباني في ثمرة بنائه، بينما هو لا يريد أن يتنازل لهم عن تلك الثمرة، فينشب النزاع بينهم، و ربما ينتهي إلى القضاء على أُولئك المساعدين، و قد صدق من قال: السياسة لا أب لها.
و يبدو أنّ هزيمة الإخوان كانت بسبب أنّ المشايخ و العلماء كانوا مع عبد العزيز، و هذا ممّا أدى إلى الوهن في عزيمة الإخوان، و قلّل من فدائيتهم و حماسهم الديني.(1)
1) . العلاقات العراقية السعودية لصادق حسن السوداني: 308؛ لمحات اجتماعية: 335.
لمّا تخلّص عبد العزيز من حركة الإخوان، أنشأ جيشاً تحت إشراف بعض الضباط العرب من بقايا الجيش العثماني و استورد السيارات و أجهزة اللاسلكي، و أنشأ مدارس حديثة في بلاده، و هو و إن تخلّص من شرّ الإخوان لكنّه ابتلي بشر علماء الدين النجديّين، فقد أوجد فتح المدارس الابتدائية في الحجاز ضجة بينهم، فاحتجوا على عبد العزيز بأنّه يجري تعلم الرسم أوّلاً، و اللغات الأجنبية ثانياً، و الجغرافيا ثالثاً في تلك المدارس الحديثة.
ظل المشايخ يستنكرون المخترعات الحديثة الّتي ترد إلى البلاد، فاستنكروا الحاكي و السينما و الأنوار الكشافة و الطائرات، فهم يعتقدون في الطائرات مثلاً أن ركابهم يتحدَّون ربهم بها.(1)
و حين بدأ الأمريكيون ينقبون عن النفط في منطقة الظهران، قال المشايخ لابن سعود: لا يجوز دخول الكفّار البلاد لأنّهم يفسدون الرجال و النساء، و يدخلون الخمر و الفوتوغراف و ما شاكل ذلك من الأُمور الشيطانية إلى داخل البلاد، و من الطرائف الّتي تروى في هذا الصدد أن جماعة من البريطانيين زاروا ابن سعود في قصره في الرياض، و بينما هم في القصر حلّ وقت الصلاة، فقام ابن سعود و حاشيته يصلون خلف إمام لهم، فقرأ الإمام في الركعة الأُولى قوله تعالى: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ» و أعاد قراءة الآية في الركعة الثانية، و لما انتهت الصلاة زحف ابن سعود من مكانه نحو الإمام و أشبعه و خزاً و ركلاً، و هو يؤنّبه قائلاً:
1) . تاريخ نجد لفيلبي: 356.
«ما لك بالسياسة يا خبيث، و ما الّذي تقصده من ترديد هذه الآية في كلّ ركعة؟ أ فلا توجد آيات غيرها».(1)
فلم تُجْدِ اعتراضات الإخوان و معارضة المشايخ نفعاً.
و هنا يقف القارئ على تطور الوهابية في سيرها التاريخي، فمبادئ الوهابية هي الّتي كان الإخوان يطلبونها، فقضى عليهم عبد العزيز بالسيف و النار، ثمّ ما يطلبه المشايخ من تحريم العلم الحديث و الاختراعات الحديثة و إيقاف المجتمع على ما كان عليه من السذاجة و البساطة، و هؤلاء يستنكرون، و عبد العزيز كان يعمل بقوة و قدرة، و يستقطب الرأي العام لصالحه، فلم يجد المشايخ بدّاً من السكوت. و أين هذه المبادئ الّتي تسوق إلى الأُمية من وهابية اليوم الّتي يدرس مشايخها في الجامعات الحديثة و ينالون الدرجات العلمية الرائجة في الغرب، و يأكلون و يلبسون و يسافرون مثل الإفرنج، حتّى أنّ مفتي المملكة تذاع خطبه مباشرة عن طريق وسائل الإعلام السمعية و البصرية، و ها هنّ البنات يدرسن في الجامعات في مختلف العلوم، و هذه المقاهي و دور السينما و الأفلام المبتذلة الخليعة، و أشرطة الأغاني و الموسيقى: هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّه لم يبق من مبادئ الوهابية إلّا ما يمت إلى الأولياء و قبورهم و مراسم إحياء مواليدهم، لم يبق شيء منها، سوى ما يرجع إلى الحط من مقامات الأولياء و توقيرهم و احترامهم، فبناء القباب على مشاهد الصالحين محرم، و التوسل بهم محظور، لكن الربا جائز و الحلف مع الكفّار سائغ، و تسليطهم على بلاد
1) . المملكة العربية السعودية كما عرفتها لأمين المميز: 126-129.
المسلمين لدعم عرش السلطة أمر لا بد منه، و الأغاني الّتي تشيع الخلاعة و تدفع الشباب إلى الميوعة و التسيب الخلقي مباحة و مشروعة، و هكذا دواليك.
«فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ»(1).
قد قضى عبد العزيز على فتنة الإخوان، و كافح مخالفة مشايخ الدين، و لكنّه قد واجه عام 1349 ه و ما بعدها أزمة خاصة، و هذه السنوات كانت منحوسة على أمير الحجاز، حيث إنّ الأزمة الاقتصادية قد خيمت بكابوسها على الحجاز و نجد، و قلّ مجيء الحجاج إلى الحجاز، فبعد ما كان عدد الحجاج في السنوات السابقة يقدر بمائة ألف انخفض إلى أربعين ألفاً في عام 1350 ه و إلى ثلاثين ألفاً في عام 1351 ه و إلى عشرين ألفاً في العام المتأخر عنها، فساد البؤس و الحرمان في أنحاء الحجاز، و أصبح الكثير من سكانه على حافة المجاعة، و أينما سار الحجاج يحيط بهم المتسولون من كل جانب للاستجداء، و إذا رمى أحد الحجاج بفضلات الطعام أو قشور الفواكه تهافت عليها الأطفال متكالبين من شدة الجوع.
و هذا فيلبي يذكر في مذاكراته: بدأ القلق يستحوذ على الملك عبد العزيز، فأعرب عن قلقه في ذات يوم، و قال بأنّا سنواجه كارثة اقتصادية
1) . البقرة: 79.
تحل بالبلاد، و يضيف فيلبي: قلت له إن بلدك مليء بالكنوز الدفينة من نفط و ذهب، و أنت عاجز عن استغلالها بنفسك، و لا تسمح للآخرين باستغلالها بالنيابة عنك، فقال عبد العزيز: لو و جدة من يدفع لي مليون جنيه فإنّني سأمنحه كل ما يريده من امتيازات في بلادي.
لمّا وقف الغرب على وجود الكنوز في أراضي نجد، حصل التنافس للحصول على امتياز التنقيب عن النفط بين شركتين:
إحداهما أمريكية و الأُخرى بريطانية، و قد تمكنت الشركة الأمريكية من الحصول على الامتياز عام 1353 ه، و وقعت الاتفاقية في جدة، من قبل مستر هاملتون و الشيخ عبد اللّه سليمان ممثل الحكومة السعودية.(1)
و كانت هذه هي الخطوة الأُولى الّتي مكنت الأمريكيّين من السيطرة على منابع الثروة في شبه الجزيرة العربية.
و بعد فترة من الزمن، و بشكل تدريجي تمكّن الأمريكيون من إعمال نفوذهم، و السيطرة على جميع مصادر الثروة بالحد الّذي نشاهده اليوم، و لا نطيل الكلام في ذلك، و نحيل القرّاء الكرام إلى مطالعة الصحف اليومية الّتي تصدر من أجهزة الإعلام العالمي، و التي تحكي مراراً و تكراراً أخبار خيانة آل سعود لشعوب العالم الإسلامي، و سعيهم الحثيث لاستنزاف مصادر الثروة لصالح الأمريكيين.
1) . لمحات اجتماعية: 351.
يقول الوردي: كان عبد العزيز مزواجاً إلى درجة يندر أن يكون له مثيل في عصرنا، و كان مولعاً بزيادة نسله حتّى بلغ مجموع أولاده الذكور أخيراً خمسة و أربعين ولداً، مات منهم عشرة و بقي منهم خمسة و ثلاثين، و أما بناته فلا نعلم عن عددهن شيئاً، و قد تولد آخر ولده في عام 1368 ه و كان في الواحدة و السبعين من عمره، و قد ناهز عدد أولاده و أحفاده بما فيهم من البنات عند وفاته الثلاثمائة.
إنّ هذا العدد الكبير من الأُمراء أصبح ظاهرة اجتماعية لها أثرها الكبير في المملكة السعودية، فقد صاروا طبقة متميزة تعيش فوق القانون، و قد توافر لدى أفراد هذه الطبقة من جراء تدفّق النفط مال كثير يكاد لا يحصى، و لا حاجة إلى القول بأنّ اجتماع هذين العاملين - التميز الطبقي و توافر المال - لا بد أن يؤدي بطبيعته إلى الترف الباذخ و الانهماك في الشهوات بلا حدود.(1)
بدأت تظهر على عبد العزيز منذ سنة 1367 ه أعراض الشيخوخة و الانحلال، و زاد الألم في ركبتيه فلم يعد يقوى على المشي، و لجأ إلى
1) . لمحات اجتماعية: 322.
الاستعانة بكرسي متحرك، و عاد لا يميز الأشياء على الرغم من ارتداء النظارات، إلى أن لفظ أنفاسه في ثاني شهر ربيع الأول سنة 1373 ه عن سبعة و سبعين عاماً، و نودي بسعود بن عبد العزيز ملكاً، و بفيصل ولياً للعهد، و بعد ما عُزل سعود عن العرش جرت البيعة لفيصل ملكاً، و لخالد ولياً للعهد، فلما قتل فيصل جرت البيعة لخالد بن عبد العزيز ملكاً، و لفهد ولياً للعهد، و بعد موت خالد ألقيت مقاليد الملوكية بيد فهد، و صار عبد اللّه بن عبد العزيز ولياً للعهد؛ و إليك لمحة خاطفة عن حياة هؤلاء إكمالاً للبحث.(1)
ولد سعود بن عبد العزيز عام 1320 ه و هو الابن الثاني لعبد العزيز، و ولد فيصل عام 1324 ه من الزوجة الثانية لعبد العزيز، و هي من آل الشيخ، و قد جرى بين الأخوين غير الشقيقين تنافس مستمر لم ينقطع حتّى بعد موت عبد العزيز، بالرغم من اليمين الّذي أقسماه، و قد أدلى سعود في أوّل اجتماع لمجلس الوزراء ببيانه السياسي الأوّل بوصفه أنّه ملك، و أنّ من أهدافه تعزيز الجيش و مكافحة الفقر و الجوع و المرض، و تحسين الخدمات الطبية، و تأسيس وزارات للمعارف و الزراعة و المواصلات.(2)
و لكن كان لسعود و فيصل تاريخ من المنافسة حتّى دعاهما أبوهما إلى غرفة نومه الّتي أمضى فيها آخر شهور حياته، و قال لهما: أمسكا
بأيديكما و أقسما بأن تعملا معاً حينما أموت، و أن لا تتجادلا فيما بينكما بحيث لا يسمع العالم عدم توافقكما، و لكن ما مضى شيء من موت الوالد حتّى بدأت الخلافات تظهر بسرعة، و تزايدت الانشقاقات بأكثر ممّا كان يتصور.(1)
سقط الملك سعود عام 1381 ه مريضاً بسبب قرحة في الأمعاء، و أشار الأطباء الأمريكيون عليه بالذهاب للعلاج إلى أمريكا، و لما عاد سعود إلى البلاد بعد بضعة أشهر استغرقت علاجه في الخارج، و بعد أن استحوذ فيصل على كل شيء من أجهزة الدولة، و كادت أن تقع مصادمات عنيفة بين الأخوين لو لا أن تدخلت العائلة، حيث أثمرت تسوية بين الأخوين على أن يتقاسما الوزارة.
و في خريف عام 1382 ه قصد سعود أوروبا للعلاج، فأخذ فيصل يعمل بنشاط لإحكام سيطرته على السلطة، و عيّن أخاه غير الشقيق قائداً للحرس الوطني، و أخاً آخر حاكماً للرياض، فلما عاد سعود فوجئ بالتغييرات الأخيرة، فاضطر إلى الرضوخ لما أملاه عليه أخوه من الظهور بمظهر الملك، دون صلاحية للتدخل في الشئون الداخلية للبلاد.
و انتهى بعد خلافات واسعة إلى خلع سعود بن عبد العزيز عن الملك، و حلّ فيصل بن عبد العزيز ملكاً مطلقاً على المملكة، و صدرت الفتوى (الشرعية) اللازمة من الشيخ محمد إبراهيم مفتي الديار السعودية في 16 من شهر جمادى الثانية عام 1382 ه، و اضطر سعود إلى مغادرة البلاد
1) . صراع الأجنحة في العائلة السعودية لفهد القحطاني: 80، ط لندن.
و الانتقال إلى مصر، فحلّ في القاهرة ضيفاً على عبد الناصر أيام كانت العلاقات بين مصر و الجزيرة العربية متوترة، إلى أن مات فيها عام 1389 ه و قد كان ذا ثروة طائلة بذلها لاسترداد عرشه، و لكنّه خسر في هذه المحاولة.
يقول جبران شامية: ما من رجل استطاع أن يبذل هذه الأموال في مثل هذا الوقت القصير، و بمثل هذه النتائج الضئيلة كسعود(1).
قد تسنّم فيصل منصة العرش بعد خلع أخيه سعود من الحكم و هو يعلم أن الضمان الوحيد للإبقاء عليه على منصة الحكم هو إظهار الولاء للأمريكيين، فاتصل بسفير أمريكا و رؤساء شركة آرامكو مراراً ليقنعهم بأنّه أجدى لهم و أبقى لمصالحهم من سعود، و في عام 1385 ه سافر إلى أمريكا و مكث مدة مبدياً للمسئولين الأمريكان تذمره من سعود، و اجتمع بوزير خارجية أمريكا آنذاك (جون فوستر دالاس) و بالرئيس الأمريكي السابق (أيزنهاور) شاكياً لهما سوء تصرفات سعود.(2)
و قال فيصل: إنّني أقول لكم بصراحة: إنّ هناك من الأمريكان المسئولين عند ما يكتب لكم ضدي و يزعم أن سعوداً أكثر إخلاصاً لإمريكا مني لكنّهم على خطأ، فإنني أصدق صديق لإمريكا.(3)
وجهت مجلة «المصور» لفيصل الأسئلة التالية التي أقحم فيها تعبيره عن حبه لإمريكا بطريقة غير مستقيمة:
س - ما سبب رحلة سموكم إلى أمريكا؟
ج - السبب هو أنّني أصدق صديق لإمريكا، لكن الأمريكان مع الأسف الشديد لم يقدروا هذه الصداقة حتّى الآن. و نشرت له مجلة المصور أيضاً بتاريخ (1958/8/17) تصريحاً قال فيه: يعتقد الأمريكان أنّي عدو لهم، مع أنّهم لو أدركوا معنى نصحي لهم لعرفوا أنّي أصدق صديق لهم.
و عقد «جون فوستر دالاس» وزير خارجية أمريكا مؤتمراً صحيفاً أعلن فيه بكل صراحة عند ما سئل عن رأيه بتولي فيصل لمناصبه، قائلاً: إنّني مطمئن كل الاطمئنان بكل ما حدث في السعودية، نحن قد تفاهمنا مع الأمير فيصل في ذلك عند ما كان في أمريكا.(1)
قد وجه وفد مبعوث عن التلفزيون البريطاني سؤالاً عن إمكان قيام نظام ديمقراطي في السعودية، فأجاب فيصل: في اعتقادنا أنّ في المملكة في وقتها الحاضر أحسن و أجود نظام ديمقراطي، و نحن في بلادنا لا نشعر بأن هناك أي فوارق أو مميزات لفئة أو لأشخاص دون أشخاص، و إنّ الجميع متساوون في الحق أمام الحكم العادل، و لذلك نعتقد أنّنا نمثل أعلى ديمقراطية(2).
و في الوقت الّذي يجيب فيه عن الأسئلة بهذه الصورة بكل صلف و شراسة، نجد أنّ المملكة الواسعة صارت ملكاً لقبيلة واحدة تملك كلّ شيء، و ليس هناك مجلس للنواب و لا مجلس للشيوخ، و مع ذلك فهم يمثلون أجود نظام ديمقراطي، و أقصى ما عندهم مجلس الوزراء، و هم الطبقة الأُولى من هذه العائلة يمثلون الوزارة!
كان فيصل يملك و يحكم إلى أن قتل بيد ابن أخيه فيصل بن مساعد بن عبد العزيز، حيث دخل مكتبه مع الوفد النفطي الكويتي الّذي قدم للقاء فيصل، و حين وصل دوره للسلام على الملك و انحنى لتقبيل كفه، أخرج من معطفه مسدساً أطلق منه ثلاث رصاصات وجهت لرأس الملك و صدره، و بذلك طويت صحيفة عمره، و قد كثرت التعاليق السياسية على هذا القتل حتّى رمي القاتل بالجنون مع أنّه أجري عليه القصاص!
اجتمعت العائلة السعودية و أفراد الأُسرة المالكة و بايعوا خالداً أخاه بالملك، و فهد كولي لعهده، و قد جاءت المبايعة بسرعة لاستباق الأحداث، و لكن منذ اليوم الأوّل لإعلان البيعة لخالد كانت الأنظار متوجة إلى فهد كملك غير متوج، و كان خالد يملك و لا يحكم، و هو يحكم و لا يملك، إن الأمريكيين كانوا يرغبون في وصول فهد إلى الملك، ففهد هو الّذي يلقي بيانات الملك خالد و كلماته و خطبه، و هو الّذي تفرد بالزيارات الرسمية، فزار الكويت و العراق، ثمّ إيران و فرنسا و لندن و سوريا و الأردن و مصر.
و في مطلع القرن الخامس عشر الهجري في شهر محرم، سيطرت مجموعات من الأشخاص الذين ينتمون إلى حركة «الإخوان» على الحرم المكي الشريف، يرافقهم في ذلك نساؤهم و أطفالهم، و حاول النظام السعودي إخفاء ما حدث، و قام بعدة إجراءات ابتدأت بالصمت و انتهت بغلق المطارات و قطع الاتّصالات الهاتفية بالخارج، و لكن لمّا تسرب الخبر إلى الخارج، اضطر آل سعود إلى إعلان النبأ مشوهاً، و منعوا الصحفيين من الدخول إلى البلاد، و قال فاسيليف:
«أعلنت منظمة حركة الثوار المسلمين في شبه الجزيرة العربية، الّتي لم تكن معروفة آنذاك، أنّها تتولى قيادة الانتفاضة، و أعلن الزعيم الروحي للثوار و هو محمد القحطاني الّذي قال عن نفسه إنّه المهدي المنتظر، أنّ هدف الحركة يتمثل في تحرير البلد من زمرة الكفّار (العائلة المالكة و رجال الدين المرتزقة الذين لا همّ لهم سوى التمسك بمناصبهم و امتيازاتهم).
أمّا الزعيم السياسي للحركة فهو الجهيمان العتيبي البالغ من العمر 47 عاماً، فقد ندّد في خطبه بأنّ الحكومة تدّعي من جهة أنّها مركز الدين الحنيف في العالم، و لكنّها من الجهة الأُخرى تناصر الظلم و الفساد و الرشوة، و ندد جهيمان بالأمراء الذين يستولون على الأراضي و يبذّرون أموال الدولة، و نعتهم ب «السكّيرين» الذين يعيشون حياة الفسق و الفجور في البيوت و القصور الفخمة.
و لم يكن في وسع العائلة المالكة القبول بشروط المنتفضين للتفاوض إذ أنّها تضمنت مطالب بإجراء تعديلات في الوزارة، منها إقصاء كبار الأمراء عن مناصبهم، و إعادة النظر جذرياً في سياسة استخراج و تسويق النفط، و طلب المنتفضون بوقف بيع النفط إلى الغرب عموماً، و العودة إلى أحكام الإسلام الخالص، و طرد جميع المستشارين العسكريين الأجانب من البلد.
و أضاف فاسيليف: عاد ولي العهد فهد من تونس، و أصر على قمع الانتفاضة بالقوة، و قد استخدمت قوات الحكومة القنابل المسيلة للدموع و المدافع و الطائرات لإرغام المنتفضين على الانسحاب من المسجد الحرام، و ردّ المنتفضون بإطلاق النار من السطوح و المنائر، و استمرت المقاومة الضارية الّتي أبداها زهاء ألف شخص أسبوعين، و أدّت كما تقول السلطات، إلى مصرع عشرات الأشخاص، بينما يقول شهود العيان إن القتلى كانوا يعدون بالمئات، و كان بين القتلى «المهدي» ذاته، أمّا الزعيم السياسي للحركة (جهيمان العتيبي) فقد أعدم مع 62 شخصاً من رفاقه، في 9 كانون الثاني (يناير) 1970 م، و كان بين من أعدموا علاوة على السعوديين مصريون و يمنيون و كويتيون و عرب آخرون...(1).
1) . تاريخ العربية السعودية: 516-517.
اجتمع الملك خالد مع عدد من العلماء المتواجدين في الرياض بعد وقوع الحادثة، و أطلعهم على ما جرى، فقدم لهم معلومات مصطنعة عن تعداد الرهائن و قتل المصلين و الحجاج و غير ذلك، فاستفتاهم في كيفية حل الأزمة، فوافاه الجواب بالنحو التالي:
«بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ»
أما بعد، ففي يوم الثلاثاء اليوم الأوّل من شهر محرم عام أربعمائة و ألف من الهجرة، دعانا نحن الموقعين أدناه جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود و أخبرنا أنّ جماعة في فجر هذا اليوم بعد صلاة الفجر مباشرة دخلوا في المسجد الحرام مسلّحين، و أغلقوا أبواب الحرم و جعلوا عليها حراساً مسلحين، و أعلنوا طلب البيعة لمن سمَّوه المهدي، و منعوا الناس من الخروج من الحرم، و قاتلوا من مانعهم، و أطلقوا النار على أُناس داخل المسجد و خارجه، و قتلوا بعض رجال الدولة و أصابوا غيرهم، و إنّهم لا يزالون يطلقون النار على الناس و المسجد، و استفتانا في شأنهم و ما يعمل معهم فأفتيناه أنّ الواجب دعوتهم إلى الاستسلام و وضع السلاح، فإن فعلوا قبل منهم و سجنوا حتّى ينظر في أمرهم شرعاً، و إن امتنعوا وجب اتخاذ كافة الوسائل للقبض عليهم و لو أدّى إلى قتالهم و قتل من لم يحصل القبض عليه منهم، و لا يستسلم إلّا بذلك، لقوله تعالى:
«وَ لاٰ تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ».
و لقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «من أتاكم جمع يريد يفرق جماعتكم و يشق عصاكم فاضربوا عنقه...».
هذه الفتوى أُصدرت على أساس المعلومات قدمها الخصم، و كان من واجبهم أن يتقربوا من الحرم حتّى يطّلعوا على الأمر، و كيف يحق للقاضي أن يصدر حكمه على أساس معلومات يقدّمها أحد المتخاصمين، و بالتالي قتل من قتل و أخذ من أخذ، ثمّ قطعت رءوس عدة من المقبوض عليهم و سجن النساء.
و هناك سؤال يتبادر إلى الذهن و هو: لما ذا التجأ هؤلاء إلى بيت اللّه الحرام؟ و لعله لما جاء في الروايات بأن المهدي حين يظهر في الحرم يأتي لقتاله جيش عرمرم يخسف اللّه به الأرض، و هذه الفكرة هي الّتي دفعت بالجماعة إلى الحرم.
و هناك خطأ غير مغفور، و هو أن ما ورد فإنّما هو في المهدي المنتظر، لا في من أسمي نفسه مهدياً.
و بذلك انتهت هذه الحركة الّتي كانت استمراراً لحركة الإخوان، و كان الملك و أبناء العائلة فرحين مسرورين بذلك، و لم يبرح خالد يملك و لا يحكم إلى أن وافته المنية و اخترمه الأجل المحتوم عام 1402 ه، و أصدر الديوان المكي بياناً آخر جاء فيه:
«لقد قام أفراد الأُسرة و على رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز بمبايعة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد، و بعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير عبد اللّه بن عبد العزيز ولياً للعهد.
و قد أجمع أفراد الأُسرة على ذلك و قاموا بمبايعة سمّوه... و قد تقرر أن يقوم المواطنون، بالبيعة لجلالة الملك فهد بن عبد العزيز و لسمو ولي العهد الأمير عبد اللّه بن عبد العزيز في قصر الحكم بالرياض صباح غد».
جدير ذكره أنّ موت الملك لم يحدث فراغاً سياسياً، لما عرفت أنّه كان يملك و لا يحكم.
الملك فهد و استقدامه قوى الكفر(1)
و يكفي في مساوئ «فهد» المتسلط على مقدرات الحرمين الشريفين، و عدم أهليته لهذا المنصب الخطير و هذه المسئولية المقدّسة، استقدامه لقوى الكفر و الشرك إلى أرض مكة و المدينة، المحرمة على المشركين، و استعانته بهم بحجة الدفاع عن الحجاز، و لكن في الحقيقة للدفاع عن مطامع الأمريكان و الصهاينة الكثيرة في ثروات المسلمين، من دون التفات إلى حكم المذاهب الإسلامية بحرمة دخول الكفّار و المشركين مكة
1) . كان تقديم البحوث الأخيرة من هذا الجزء، مقارناً لهذه الحادثة المؤلمة، فأثبتناها في هذا المقام لتبقى في ذاكرة التاريخ غير الناسي، و إن كان الإنسان ذهولاً.
و المدينة و ما حولهما، بل و حكم القرآن قبل ذلك بحرمة الركون إلى الكفّار و توليهم.
فقد قال اللّٰه سبحانه في محكم كتابه: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ»(1).
و قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ»(2).
و قال سبحانه: «وَ لاٰ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ»(3).
و قال تعالى: «إِنَّمٰا يَنْهٰاكُمُ اَللّٰهُ عَنِ اَلَّذِينَ قٰاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ وَ ظٰاهَرُوا عَلىٰ إِخْرٰاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(4).
و قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ»(5).
و قال سبحانه: «اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً»(6).
و قال تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ
هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ اَلْكُفّٰارَ أَوْلِيٰاءَ»(1).
و قال سبحانه: «إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ»(2).
و قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ»(3).
و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث متواتر: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب».(4)
و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».(5)و أمر بمضايقتهم في الطرقات حتّى يضطروا إلى أضيقها.
و أمّا الفقهاء، فقال الإمام النووي في كتاب المنهاج: «و يُمنع كلّ كافر من استيطان الحجاز، و هو مكة و المدينة و اليمامة و قراها...» راجع كتاب الجزية منه.
فكيف يجوز لفهد، و هو يدّعي خدمة الحرمين الشريفين أن يقوم بمثل هذه الخيانة العظمى للحرمين و أهلهما، و يستقدم جيوش الغزو الغربي الصليبي و الصهيوني إلى بلاد الوحي و الرسالة، و يتكفّل مئونتهم، و يحمّل المسلمين مليارات لاستضافتهم، كما صرح المسئولون السعوديون
الوهابيون أنفسهم بذلك، و صرّح به قادة الغزو الغربي، كل ذلك بحجة الدفاع.. الدفاع عن ما ذا؟ عن الحكم الوهابي الرجعي الأسود، و ليس عن الشعب الحجازي المضطهد المظلوم، و ليس عن الحرمين الشريفين، اللَّذين يفديهما المسلمون متى لزم الأمر بأرواحهم، و أنفسهم، و بأعز ما لديهم من الأهل و الولد.
كل هذا بغض النظر عمّا يجلبه هؤلاء الكفّار من فسق و فجور، بل و أمراض و عاهات خلقية إلى شعب هذه البلاد المقدسة.
هذه صورة إجمالية عن حياة العائلة السعودية بسلاطينها و أمرائها و ملوكها، و قد وضعناها أمام القارئ ليقف على حقيقة المذهب، و على نزعات حماته و جناياتهم طيلة استيلائهم على الحكم و العرش، و أمّا تفصيل حياة الملك الأخير الّذي يحكم على البلاد حالياً فنتركه إلى جهد القراء لكي يقفوا على حياته و أعماله و تحالفه مع الكفّار عن كثب، و اللّه يعلم إلى متى يبقى هذا و يبقى عرشه.
إنّ إدارة الحرمين الشريفين رهن كفاءات و مؤهّلات للقائمين بها، و قد قال سبحانه: «وَ مٰا لَهُمْ أَلاّٰ يُعَذِّبَهُمُ اَللّٰهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرٰامِ وَ مٰا كٰانُوا أَوْلِيٰاءَهُ إِنْ أَوْلِيٰاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ»(1).
و هل للعائلة السعودية، التقوى اللازمة لإدارة الحرمين الشريفين؟!
1) . الأنفال: 34.
و هل هم متّقون حتّى يتسنّموا هذه المنصة؟! لا أدري، و لكن القراء يدرون!!
«وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ».
تمّ الجزء الرابع من هذه الموسوعة، و يليه الجزء الخامس في تبيين عقيدة الخوارج، و مبدأ تكونهم، و حياة مشايخهم بإذنه و منّه سبحانه .
و الحمد للّه رب العالمين
جعفر السبحاني
8 جمادى الآخرة 1411 ه
الفهارس
1 - فهرس المصادر
2 - فهرس المحتويات
نبدأ تبركاً بالقرآن الكريم
حرف الألف
1 - آل سعود ماضيهم و مستقبلهم: جبران شامية، طبع الرياض.
2 - ابن تيمية حياته و عصره: محمد أبو زهرة (المتوفّى 1396 ه) دار الفكر العربي.
3 - إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505 ه) دار المعرفة، بيروت.
4 - أخبار الحجاز و نجد في تاريخ الجبرتي: غالب محمد أديب.
5 - أخبار مدينة الرسول: محمد بن محمود النجار (المتوفّى 643 ه) طبع مكة المكرمة - 1401 ه.
6 - اختلاف الحديث (المطبوع بهامش كتاب الأُم): محمد بن إدريس الشافعي (المتوفّى 204 ه) دار المعرفة، بيروت - 1404 ه.
7 - أربع قواعد: محمد بن عبد الوهاب (1115-1206 ه) مؤسسة المنار، مصر.
8 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني (851-923 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9 - أساس التقديس: فخر الدين الرازي (550-606 ه) طبع مصر.
10 - الاستيعاب (المطبوع في حاشية الإصابة): ابن عبد البر (المتوفّى 463 ه) دار النهضة، القاهرة، مصر.
11 - أُسد الغابة: ابن الأثير الجزري (المتوفّى 630 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12 - الأسماء و الصفات: البيهقي أحمد بن الحسين (المتوفّى 458 ه) تعليق محمد زاهد الكوثري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13 - الإصابة: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
14 - الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز: أبو علية عبد الفتاح.
15 - اقتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية الحرّاني (661-728 ه) دار المعرفة، بيروت.
16 - الأُم: محمد بن إدريس الشافعي (150-204 ه) دار المعرفة، بيروت - 1408 ه.
17 - إمتاع الأسماع: أحمد بن علي المقريزي (المتوفّى 845 ه) طبع مصر.
18 - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذري (من أعلام القرن الثالث الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1394 ه.
19 - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: إسماعيل باشا البغدادي (المتوفّى 1339 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.
حرف الباء
20 - بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت.
21 - البداية و النهاية: ابن كثير الدمشقي (المتوفّى 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.
22 - البرهان في تفسير القرآن: السيد هاشم التوبلي البحراني (المتوفّى 1107 ه) مؤسسة البعثة، قم المقدسة.
حرف التاء
23 - تاريخ آل سعود: ناصر السعيد، منشورات اتحاد شعب الجزيرة العربية.
24 - تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر): إسماعيل بن علي بن محمد أبي الفداء (المتوفّى 732 ه) دار المعرفة، بيروت - 1375 ه.
25 - تاريخ الإسلام: حسن إبراهيم حسن، مصر - 1935 م.
26 - تاريخ بغداد: أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفّى 463 ه) المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
27 - تاريخ البلاد العربية: الدكتور منير العجلاني.
28 - تاريخ الجبرتي (عجائب الآثار في التراجم و الأخبار): عبد الرحمن بن حسن الجبرتي (المتوفّى 1237 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1417 ه؛ و طبع مصر.
29 - تاريخ الخميس: حسين بن محمد الديار بكري، مؤسسة شعبان، بيروت.
30 - تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم و الملوك): محمد بن جرير الطبري
(المتوفّى 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.
31 - تاريخ العرب: فيليب حتّى، ترجمة ادوارد جرجي و جبرائيل جبور، بيروت - 1965 م.
32 - تاريخ العربية السعودية: اليكسي فاسيليف، شركة المطبوعات، بيروت - 1995 م.
33 - تاريخ مختصر الدول: ابن العبري (المتوفّى 675 ه) دار الرائد اللبناني، بيروت - 1403 ه.
34 - تاريخ ملوك آل سعود: ابن هذلول.
35 - تاريخ المملكة العربية السعودية: أمين سعيد.
36 - تاريخ نجد: حسين بن غنام، دار الشروق، بيروت - 1415 ه.
37 - تاريخ نجد: عبد اللّٰه فيلبي، المكتبة الأهلية، بيروت.
38 - تاريخ نجد: محمود الآلوسي البغدادي (المتوفّى 1342 ه) القاهرة - 1347 ه.
39 - تاريخ نجد الحديث: أمين الريحاني (1293-1359 ه) المطبعة العلمية، بيروت - 1928 م.
40 - التبيين بشرح الأربعين: ابن حجر الهيتمي (المتوفّى 974 ه) طبع الحلبي.
41 - تذكرة الحفاظ: أبو عبد اللّٰه محمد بن أحمد الذهبي (673-748 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
42 - تطهير الاعتقاد: محمد بن إسماعيل اليماني (1099-1182 ه) المكتب الإسلامي، بيروت - 1405 ه؛ و طبع مصر.
43 - تطهير الفؤاد: محمد بخيت (المتوفّى 1354 ه) طبع مصر - 1318 ه، و طبع اسلامبول - 1405 ه.
44 - تفسير الجلالين: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) الطبعة الحجرية.
45 - تفسير الطبري (جامع البيان): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 ه) دار المعرفة، بيروت.
46 - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1405 ه.
47 - تفسير النيسابوري (غرائب القرآن) المطبوع بهامش تفسير الطبري: الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، دار المعرفة، بيروت.
48 - تقريب التهذيب: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) بيروت - 1975 م.
49 - تكملة السيف الصقيل: محمد زاهد الكوثري، طبع دمشق.
50 - تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي (385-460 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.
51 - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار الفكر، بيروت - 1404 ه.
52 - توحيد المملكة العربية السعودية: محمد المانع، الطبعة الأُولى - 1404 ه.
53 - التوسل بالنبي و الصالحين و جهلة الوهابية: أبو حامد بن مرزوق الدمشقي الشامي، طبعة حسين حلمي، اسلامبول - 1975 و 1984 م.
54 - التوصل إلى حقيقة التوسّل: محمد نسيب الرفاعي، بيروت - 1394 ه.
حرف الجيم
55 - الجزيرة العربية في القرن العشرين: حافظ وهبة، القاهرة - 1956 م.
56 - الجمل: محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336-413 ه) المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.
57 - جوامع العلوم و الحكم: ابن رجب الحنبلي (المتوفّى 795 ه) طبع الهند.
58 - جواهر الأدب: أحمد الهاشمي، انتشارات استقلال، طهران - 1366 ه. ش.
59 - جواهر الكلام: محمد حسن النجفي (المتوفّى 1266 ه) دار الكتب الإسلامية، إيران - 1392 ه.
حرف الحاء
60 - حق اليقين: عبد اللّٰه شبر (1188-1242 ه) المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف - 1375 ه.
61 - حوار مع المالكي: عبد اللّٰه بن سليمان بن منيع، تقديم عبد العزيز ابن باز.
حرف الخاء
62 - الخصائص الكبرى: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.
63 - الخلاف: محمد بن الحسن الطوسي (385-460 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة.
64 - خمسون عاماً في جزيرة العرب: حافظ وهبة (1307-1387 ه).
حرف الدال
65 - دائرة المعارف الإسلامية: مراجعة الدكتور محمد مهدي علّام، دار المعرفة، بيروت.
66 - الدرر السنية في الرد على الوهابية: أحمد زيني دحلان، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر - 1386 ه.
67 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
68 - الدر المنثور: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.
69 - درة الحجال في أسماء الرجال: ابن القاضي محمد بن أحمد، الرباط، المغرب.
70 - دفع الشبهة عن الرسول و الرسالة: تقي الدين الحصني الدمشقي (752-829 ه) تحقيق لجنة من العلماء، الطبعة الثانية - 1418 ه.
71 - دفع شبهة من شبّه و تمرّد: أبو بكر الحصني الدمشقي (المتوفّى 829 ه) طبع مصر - 1350 ه.
72 - دلائل النبوة: أحمد بن الحسن البيهقي (384-458 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1405 ه.
73 - الدولة السعودية الثانية: أبو علية عبد الفتاح.
حرف الذال
74 - الذريعة: آقا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 ه) دار الأضواء، بيروت.
حرف الراء
75 - الرحلة: ابن جبير (المتوفّى 614 ه) دار صادر، بيروت - 1384 ه.
76 - الرحلة: ابن بطوطة محمد بن عبد اللّٰه (المتوفّى 779 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1408 ه.
77 - الرسائل: الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (355-436 ه) مؤسسة النور، بيروت.
78 - رياض الجنة: مقبل بن الهادي، طبع الكويت.
حرف الزاء
79 - زاد المعاد في هدى خير العباد: ابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
80 - زعماء الإصلاح في العصر الحديث: أحمد أمين المصري (المتوفّى 1388 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.
81 - زيارة القبور: محمد بن عبد الوهاب.
82 - زيارة القبور و الاستنجاد بالمقبور (ضمن رسائل ابن تيمية): ابن تيمية الحرّاني (المتوفّى 728 ه) طبعة مصر - 1317 ه.
حرف السين
83 - سفرنامه: الميرزا أبو طالب الاصفهاني (المعاصر إلى محمد بن عبد الوهاب).
84 - السنن: ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني (207-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1395 ه.
85 - السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي (202-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
86 - السنن: الترمذي محمد بن عيسى بن سورة (209-279 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
87 - السنن: النسائي أحمد بن شعيب (215-303 ه) دار الفكر، بيروت - 1348 ه.
88 - السنن الكبرى: البيهقي أحمد بن الحسين (المتوفّى 458 ه) دار المعرفة، بيروت - 1406 ه.
89 - سيرة زيني دحلان (المطبوع بهامش السيرة الحلبية): المكتبة الإسلامية، بيروت.
90 - السيرة الحلبية: علي بن إبراهيم الحلبي (المتوفّى 1044 ه) المكتبة الإسلامية، بيروت.
91 - السيرة النبوية: أبو محمد عبد الملك بن هشام (المتوفّى 218 ه) دار التراث العربي، بيروت.
حرف الشين
92 - شرح الجامع الصغير: عبد الرءوف المناوي (المتوفّى 1031 ه) دار المعرفة، بيروت.
93 - شرح الشفاء في هامش نسيم الرياض: ملا علي القاري الحنفي، مؤسسة دار العلوم، لخدمة الكتاب الإسلامي، دمشق.
94 - شرح صحيح مسلم: النووي يحيى بن شرف (631-676 ه) دار القلم، بيروت - 1407 ه.
95 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1378 ه.
96 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام: علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى 756 ه) مصر - 1419 ه.
حرف الصاد
97 - الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 ه) دار الفكر، بيروت.
98 - الصحيح: مسلم بن الحجاج النيشابوري (المتوفّى 261 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
99 - الصحيفة السجادية: الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام (المتوفّى 94 ه) مؤسسة الإمام المهدي - عجل اللّٰه فرجه الشريف - قم المقدسة.
100 - الصحيفة العلوية: جمع عبد اللّه بن صالح بن جمعة السماهيجي، طبع إيران.
101 - صراع الأجنحة في العائلة السعودية: فهد القحطاني، طبع لندن -
1988 م.
102 - صلح الإخوان: داود بن سليمان الخالدي البغدادي (المتوفّى 1299 ه) طبع بمبئي، الهند.
103 - الصواعق الإلهية: سليمان بن عبد الوهاب النجدي (المتوفّى 1210 ه) استنبول، تركيا - 1399 ه.
104 - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي (المتوفّى 974 ه) مكتبة القاهرة، مصر - 1385 ه.
حرف الطاء
105 - طبقات الشافعية الكبرى: عبد الوهاب بن علي السبكي (المتوفّى 771 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1396 ه.
106 - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 230 ه) دار صادر، بيروت - 1380 ه.
حرف العين
107 - عدة الداعي و نجاح الساعي: أحمد بن فهد الحلّي (المتوفّى 841 ه) دار المرتضى و دار الكتاب الإسلامي، بيروت - 1407 ه.
108 - العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسي (المتوفّى 328 ه) دار الكتب
العلمية، بيروت - 1404 ه.
109 - العقيدة و الشريعة في الإسلام: اجناس جولد تسيهر (1850-1921 م) دار الكتاب العربي، مصر.
110 - العلاقات بين نجد و الكويت: خالد السعدون.
111 - العلاقات العراقية السعودية: صادق حسن السوداني.
112 - العمدة عيون صحاح الأخبار: ابن البطريق الحلّي (المتوفّى 600 ه) مؤسسة النشر الإسلامي، قم - 1407 ه.
113 - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: محمود بن أحمد العيني الحنفي، طبع مصر.
114 - عنوان المجد في تاريخ نجد: عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، طبع مصر - 1349 ه.
115 - العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي (100-175 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1408 ه.
حرف الغين
116 - الغدير: العلّامة عبد الحسين أحمد الأميني (1320-1390 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.
حرف الفاء
117 - الفتاوى الحديثة: ابن حجر الهيثمي (المتوفّى 973 ه) طبع مصر.
118 - الفتاوى الكبرى: ابن تيمية (661-728 ه) دار القلم، بيروت - 1407 ه.
119 - فتح الباري: ابن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
120 - فتح المجيد: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (المتوفّى 1285 ه) دار القلم، بيروت.
121 - فتنة الوهابية: أحمد زيني دحلان (المتوفّى 1304 ه) مكتبة الحقيقة، إسلامبول، تركيا.
122 - الفجر الصادق: جميل صدقي الزهاوي (المتوفّى 1354 ه) مطبعة الواعظ، مصر - 1323 ه.
123 - فرقان القرآن: العزامي الشافعي القضاعي، المطبوع مع كتاب الأسماء و الصفات للبيهقي.
124 - فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) جامعة أُم القرى، مكة المكرمة - 1403 ه.
125 - الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الجزيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
126 - فوات الوفيات: محمد بن شاكر الكتبي (المتوفّى 764 ه) دار صادر، بيروت.
127 - فيصل بن عبد العزيز من خلال أقواله و أفعاله: صلاح الدين المجد.
128 - فيصل القاتل و القتيل: ناصر الشمراني.
حرف القاف
129 - قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة: ابن تيمية الحرّاني (661-728 ه) دار العربية، بيروت - 1390 ه.
130 - قرة عيون الموحّدين: عبد الرحمن (حفيد محمد بن عبد الوهاب).
حرف الكاف
131 - الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.
132 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري (المتوفّى 630 ه) دار
الكتاب العربي، بيروت.
133 - كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب: محسن الأمين (المتوفّى 1371 ه) منشورات مكتبة الحرمين، قم - 1382 ه.
134 - كشف الشبهات: محمد بن عبد الوهاب (1115-1206 ه) دار القلم، بيروت.
135 - كشف الظنون: حاج خليفة مصطفى بن عبد اللّٰه (المتوفّى 1067 ه) طبع استنبول - 1362 ه.
136 - كنز العمال: عماد الدين علي المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.
حرف اللام
137 - لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.
138 - لمحات اجتماعية: علي الوردي.
139 - لمع الشهاب: الشهابي، حقّقه أحمد مصطفى أبو حاكمة، بيروت - 1967 م.
حرف الميم
140 - مآثر سلطانية (فارسي): عبد الرزاق الدنبيلي (المتوفّى 1243 ه. ش) تبريز - 1241 ه. ش.
141 - مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي (المتوفّى 548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1406 ه.
142 - مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي (735-807 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1402 ه.
143 - المجموع من فتاوى ابن تيمية: ابن تيمية الحرّاني (المتوفّى 728 ه).
144 - مجموعة الرسائل الكبرى: ابن تيمية الحرّاني (المتوفّى 728 ه) مكتبة محمد علي صبيح و أولاده، مصر.
145 - مجموعة الرسائل و المسائل: ابن تيمية الحرّاني (المتوفّى 728 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1412 ه.
146 - محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأُولى: أبو علية عبد الفتاح.
147 - مرآة الجنان: عبد اللّه بن أسعد اليافعي (المتوفّى 768 ه) دائرة
المعارف العثمانية، الهند - 1377 ه.
148 - مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح: علي القاري، المكتبة الحبيبية، باكستان.
149 - مروج الذهب: أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (المتوفّى 346 ه) منشورات الجامعة، اللبنانية، بيروت - 1965 م.
150 - المستدرك: الحاكم النيسابوري (المتوفّى 405 ه) دار المعرفة، بيروت.
151 - المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.
152 - المصطلحات الأربعة: أبو الأعلى المودودي، دار التراث العربي، مصر.
153 - مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي (385-460 ه) الطبعة الحجرية.
154 - المعارف: عبد اللّٰه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفّى 276 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1407 ه.
155 - المعجم الصغير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260-360 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1409 ه.
156 - المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني
(260-360 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1404 ه.
157 - معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
158 - المغني: عبد اللّه بن قدامة (541-620 ه) مطبعة الإمام، مصر.
159 - مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني (مؤلف هذا الكتاب - تولّد 1347 ه) مؤسسة الإمام الصادق 7 في 10 أجزاء، قم - 1420 ه.
160 - مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): محمد بن عمر الخطيب الرازي (544-606 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
161 - مفتاح الكرامة: سيد محمد جواد الحسيني العاملي (المتوفّى 1226 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم - 1419 ه.
162 - المفردات: الراغب الاصفهاني (المتوفّى 502 ه) المكتبة المرتضوية، طهران.
163 - مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1366 ه.
164 - المملكة العربية السعودية كما عرفتها: أمين المميز.
165 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب محمد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم.
166 - مناقب أحمد: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه) القاهرة - 1349 ه.
167 - المنتظم في تاريخ الأُمم: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه) حيدرآباد - 1357 ه، و طبعة لبنان.
168 - منتهى المطلب: العلّامة الحلّي الحسن بن يوسف (648-726 ه) مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، إيران - 1412 ه.
169 - المنهل الصافي و المستوفي بعد الوفي: يوسف بن تغري الأتابكي (812-874 ه) الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر - 1984 م.
170 - موارد الظمآن: علي بن أبي بكر الهيثمي (735-807 ه) دار الثقافة العربية، دمشق - 1411 ه.
171 - المواسم و المراسم: جعفر مرتضى العاملي، منظمة الاعلام الإسلامي، طهران - 1408 ه.
172 - المواهب اللدنية: أحمد بن محمد القسطلاني، نشر المكتب الإسلامي، بيروت - 1412 ه.
173 - الموطأ: مالك بن أنس (المتوفّى 179 ه) دار الآفاق الجديدة، بيروت - 1403 ه.
174 - الميزان في تفسير القرآن: العلّامة الطباطبائي (1321-1402 ه)
مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.
175 - ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 ه) دار المعرفة، بيروت.
حرف النون
176 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة: يوسف بن تغري بردي الأتابكي (813-874 ه) المؤسسة المصرية العامة، مصر - 1383 ه.
177 - النهاية: ابن الأثير الجزري (المتوفّى 606 ه) مؤسسة إسماعيليان، قم - 1405 ه.
178 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (المتوفّى 406 ه) بيروت - 1387 ه.
179 - نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (من أعلام القرن الحادي عشر الهجري) مؤسسة إسماعيليان، قم - 1412 ه.
حرف الهاء
180 - الهدية السنية: محمد بن عبد الوهاب (1115-1206 ه).
181 - هذه هي الوهابية: محمد جواد مغنية (المتوفّى 1400 ه) دار
العلم للملايين، بيروت؛ و دار النهضة، بغداد.
حرف الواو
182 - وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحر العاملي (المتوفّى 1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1403 ه.
183 - وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى: نور الدين علي بن أحمد السمهودي (المتوفّى 911 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1401 ه.
184 - الوهابية في الميزان: جعفر السبحاني (مؤلف هذا الكتاب - تولد 1347 ه)، مؤسسة الإمام الصادق 7، قم - 1424 ه.
185 - الوهابية في نظر المسلمين: إحسان عبد اللطيف البكري، مكتبة السيد المرعشي، قم - 1408 ه.
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة