بحوث فی الملل و النحل جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308

عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیه‌السلام 1427ق

مشخصات ظاهری:9ج

يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366

یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348

مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--

موضوع : اسلام -- فرقه‌ها

رده بندی کنگره : BP236/س‌2ب‌3 1368

رده بندی دیویی : 297/5

شماره کتابشناسی ملی : م‌68-3742

محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی

اشارة

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

موسسه الامام الصادق علیه‌السلام

1427ق

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

تمهيد

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثّالث من كتابنا «بحوث في الملل و النحل» نقدّمه للقرّاء الكرام و نبحث فيه عن المدرستين المعروفتين «الماتريديّة» و «المعتزلة»، و المدرسة الأُولى منبثقة من منهج أهل الحديث من الحشويّة و الحنابلة، كانبثاق المنهج الأشعريّ منه، و الفرعان يشتركان في كثير من الأُصول و يختلفان في بعضها الآخر، و ستوافيك الفوارق الموجودة بينهما.

و أمّا المدرسة الثّانية - أعني: مدرسة الاعتزال - فهي منهج عقليّ لا يمت لمنهج أهل الحديث بصلة، و المدرستان تتحرّكان على محورين متخالفين، و نرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لتحرير عقائد الطائفتين متحرّرين من كلّ نزعة، و تعصّب، و رأي مسبق لا دليل عليه، و لنقدّم تحرير منهج الطائفة «الماتريديّة» على «المعتزلة» للصلة التامّة بينه و بين المنهج الأشعري الذي سبق عنه البحث مفصّلاً في الجزء الثّاني.

و لقد نجمت في القرنين الأوّلين مناهج كلاميّة لها صلة بالمدرستين، فلإكمال الفائدة نبحث قبل تبيين منهج الاعتزال عن الفرق التالية:

المرجئة، القدريّة، الجهميّة، الكرّاميّة و الظاهريّة. فالمرجوّ منه سبحانه، التوفيق لبيان الحقّ و الحقيقة، و القضاء بعيداً عن التعصّب و الانحياز الممقوت. إنّه وليّ التوفيق.

1 - الماتريدية

اشارة

قد تعرّفت على جذور الاختلاف في عصر الرّسالة و بعدها، كما تعرّفت على حوافز الاختلاف و دوافعه في عصر الخلفاء، و خرجنا بالنتيجة التالية و هي: أنّ أهل البحث و النّقاش من المسلمين قد تفرّقوا على فرقتين مختلفتين في كثير من المبادئ و الأُصول و إن اشتركتا في كثير منها أيضاً:

1 - فرقة أهل الحديث الّتي يعبّر عنها بالحشويّة تارة، و الحنابلة أُخرى، و السلفيّة ثالثة و كانوا يتّسمون بسمة الاقتفاء لكتاب اللّٰه، و سنّة رسوله، و لا يقيمون للعقل و البرهان وزناً، كما لا يتفحّصون عن مصادر الحديث تفحّصاً يكشف عن صحته، بل و يقبلون كلّ حديث وصل إليهم عن كل من هبّ و دبّ، و يجعلون في حزمتهم كلّ رطب و يابس، و لأجل هذا التساهل ظهرت فيهم آراء و عقائد تشبه آراء أهل الكتاب، كالتشبيه، و التجسيم، و الجبر، و سيادة القضاء و القدر على الإنسان كإله حاكم، لا يُغيّر و لا يُبدّل، و لا يقدر الإنسان على تغيير مصيره إلى غير ذلك من البدع و لا يقصر عمّا ذكرناه

القول بالرؤية تبعاً للعهدين، و كون القرآن قديماً غير مخلوق، مضاهياً لقول اليهود بقدم التوراة، أو النصارى بقدم المسيح، و قد أوضحنا الحال في هذه المباحث في الجزءين الماضيين.

2 - فرقة المعتزلة التي تعتمد على العقل أكثر مما يستحقّه، و تزعم أنّ ظواهر بعض النّصوص الواردة في الكتاب و السنّة، مخالفة لما يوحي إليهم عقلهم و فكرتهم، فيبادرون إلى تأويلها تأويلاً واهياً يسلب عن الكلام بلاغته، فينحطّ من ذروته إلى الحضيض، و هؤلاء هم المعروفون بالمعتزلة، و في ألسن خصومهم ب (القدريّة).

و قد كان الجدال بين الطّائفتين قائماً على قدم و ساق بغلبة الأُولى على الثّانية تارة، و انتصار الثانية على الأُولى أُخرى، و قد كان لأصحاب السياسة و البلاط دور واضح في إشعال نار الاختلاف بإعلاء إحداهما، و حطّ الأُخرى، حسب مصالحهم الوقتية، و الغايات المنشودة لهم.

الداعيان إلى منهج أهل الحديث متعاصران

كان النزاع يعلو تارة، و ينخفض أُخرى، إلى أن دخل القرن الرابع الهجري، فأعلن الشيخ أبو الحسن الأشعري، في أوائل ذلك القرن، رجوعه عن الاعتزال الذي عاش عليه أربعين سنة، و جنح إلى أهل الحديث، و في مقدّمتهم منهج إمام الحنابلة «أحمد بن حنبل»، لكن لا بمعنى اقتفاء منهجه حرفيّاً بلا تصرّف و لا تعديل فيه، بل قبوله لكن بتعديل فيه على وجه يجعله

مقبولاً لكلّ من يريد الجمع بين النقل و العقل، و الحديث و البرهان، و قد أسّس في ضوء هذا منهجاً معتدلاً بين المنهجين و تصرّف في المذهب الأُمّ، تصرّفاً جوهرياً و قد أسعفه حسن الحظّ و نصره رجال في الأجيال المتأخرة، حيث نضّجوا منهجه، حتى صار مذهباً عامّاً لأهل السنّة في الأُصول، كما صارت المذاهب الأربعة مذاهب رسمية في الفروع.

و في الوقت الّذي ظهر مذهب الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر بهذا اللون و الشكل لغاية نصرة السنّة و أهلها، و إقصاء المعتزلة عن السّاحة الإسلاميّة.

كلّ ذلك بالتصرف في المذهب و تعديله، و ذلك المذهب الآخر هو مذهب الماتريديّة للامام محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى عام 333 ه) أي بعد ثلاثة أو تسعة(1)أعوام من وفاة الإمام الأشعري.

و الداعيان كانا في عصر واحد، و يعملان على صعيد واحد، و لم تكن بينهما أيّة صلة، فهذا يكافح الاعتزال و يناصر السنّة في العراق متقلّداً مذهب الشافعي في الفقه، و ذاك يناضل المعتزلة في شرق المحيط الإسلامي (ما وراء النّهر)، متقلّداً مذهب أبي حنيفة في الفقه، و كانت المناظرات و التيّارات الكلامية رائجة في كلا القطرين. فكانت البصرة - يوم ذاك - بندر الأهواء و العقائد، و معقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث و مهبطهم،


1) . على اختلاف في تاريخ وفاته بين كونه في 330 أو 324 ه.

و كانت منبتَ الكرّامية و غيرهم أيضاً، نعم كانت المعتزلة بعيدة عن شرق المحيط الإسلامي، و لكن وصلت أمواج منهجهم الى تلك الديار عن طريق اختلاف العلماء بين العراق و خراسان.

و لأجل انتماء الداعيين إلى المذهبين المختلفين نرى اهتمام الشافعية بترجمة الأشعري في طبقاتهم، و اهتمام علماء الأحناف - أعني المتكلّمين منهم - بالماتريدي و إن قصروا في ترجمته في طبقاتهم، و لم يؤدّوا حقّه في كتبهم.

نعم انتماء الماتريدي للإمام أبي حنيفة في الفقهين (الأكبر و الأصغر)(1)أمر واضح، فإنّه حنفيّ، كلاماً و فقهاً، و أكثر من نصره، بل جميعهم، من الأحناف، مثل فخر الاسلام أبي اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي (المتوفّى عام 493 ه) و الإمام النسفي (المتوفّى عام 573 ه) و سعد الدين التفتازاني (المتوفّى عام 791 ه) و غيرهم كأبي الهمام و البياضي كما سيوافيك في تراجمهم، بخلاف انتماء الأشعري للإمام الشافعي فإنّه ليس بهذا الحدّ من الوضوح.


1) . سمّى أبو حنيفة الكلام بالفقه الأكبر، و علم الشريعة بالفقه الأصغر، و قد سمّى بعض رسائله بهذين الاسمين كما سيوافيك.

منهج الماتريدي موروث من أبي حنيفة

المنهج الذي اختاره الماتريدي، و أرسى قواعده، و أوضح براهينه، هو المنهج الموروث من أبي حنيفة (المتوفّى 150 ه) في العقائد، و الكلام، و الفقه و مبادئه، و التاريخ يحدّثنا عن كون أبي حنيفة صاحب حلقة في الكلام قبل تفرّغه لعلم الفقه، و قبل اتّصاله بحماد بن أبي سليمان الذي أخذ عنه الفقه.

و ليس الماتريدي نسيج وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطّحاوي صاحب «العقيدة الطحاوية» (المتوفّى 321 ه) مقتف أثر أبي حنيفة حتّى عنون و صدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطّحاوية بقوله «بيان عقيدة فقهاء الملّة: أبي حنيفة و أبي يوسف و محمّد بن الحسن»(1).

و يذكر عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب «الفَرْق بين الفِرَقِ» في كتابه الآخر «أُصول الدين» أنّ أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سمّاه «الفقه الأكبر»، و له رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنّة: أنّ الاستطاعة مع الفعل... و على هذا قوم من أصحابنا(2)، و الرسائل الموروثة من أبي حنيفة أكثر ممّا ذكره البغدادي(3).


1) . شرح العقيدة الطحاوية: 25، و الشرح للشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي (المتوفّى سنة 1298 ه).

2) . أُصول الدين: 308.

3) . و سيوافيك فهرس الرسائل الموروثة من أبي حنيفة، و قد طبع قسم كبير منها.

و لمّا كانت المسائل الكلامية في ثنايا هذه الرسائل، غير مرتّبة قام أحد الماتريديّة في القرن الحادي عشر، أعني به كمال الدين أحمد البياضي الحنفي، باخراج المسائل الكلامية عن هذه الرسائل من غير تصرّف في عبارات أبي حنيفة و أسماه «إشارات المرام من عبارات الامام» و يقول فيه: «جمعتها من نصوص كتبه التي أملاها على أصحابه من الفقه الأكبر، و الرسالة، و الفقه الأبسط، و كتاب العالم و المتعلّم، و الوصيّة، برواية من الإمام حمّاد بن أبي حنيفة، و أبي يوسف الأنصاري، و أبي مطيع الحكم بن عبد اللّٰه البلخي، و أبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي.

و روى عن هؤلاء، إسماعيل بن حمّاد، و محمّد بن مقاتل الرازي، و محمد بن سماعة التميمي، و نصير بن يحيى البلخي، و شداد بن الحكيم البلخي، و غيرهم.

ثمّ قال: إنّ الإمام أبا منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي روى عن الطّبقة الثانية، أعني نصير بن يحيى، و محمّد بن مقاتل الرازي، و حقّق تلك الأُصول في كتبه بقواطع الأدلّة، و أتقن التّفاريع بلوامع البراهين اليقينيّة»(1).

هذه جذور منهجه و اُسس مدرسته الكلامية.


1) . إشارات المرام من عبارات الامام للبياضي: 21-22. و هذا الكتاب من المصادر الموثقة في تبيين المنهج الماتريدى بعد كتابيه «التوحيد» و «التفسير». و مثله كتاب «أصول الدين» للامام البزدوي.

لمحة عن حياة الماتريدي

اشارة

من المؤسف جدّاً إهمال كثير من المؤرخين، و كتب التراجم، ذكر الامام الماتريدي، و تبيين خصوصيات حياته، بل ربّما أهملوا الإشارة إليه عند ما يجب ذكره أو الإشارة إليه، فإنّ الرجل من أئمة المتكلّمين، و أقطاب التفسير في عصره فكان الإلمام بحياته عند ذكر طبقات المتكلّمين و المفسرين لازماً، و هذا خلاف ما نجده من العناية المؤكّدة بذكر الأشعري، و تبيين حياته، و الإشارة إلى خصوصياتها، حتّى رُؤاه، و أحلامه، و غلّة ضيعته، و لعلّ إحدى الدوافع إلى هذا، هي أنّ الأشعري استوطن في مركز العالم الإسلامي (العراق)، و شهر سيف بيانه و قلمه على الاعتزال في مركز قدرتهم، و موضع سلطتهم، فصار ذلك سبباً لأن تمدّ إليه الأعين، و تشرئب(1)نحوه الأعناق، فيذكره الصديق و العدو في كتبهم بمناسبات شتّى، و أمّا عديله و قرينه فكان بعيداً عنه، مستوطناً في نقطة يغلب فيها أهل الحديث و فكرتهم، و كانت السلطة في مجالي العلم و العمل لهم، فجهل قدره، و لم تعلم قيمة نضاله مع خصومهم، فقلّت العناية به، و بعلومه، و أفكاره، و الإشارة إليه.

و لأجل ذلك نرى ابن النديم (المتوفّى 385 ه) لم يترجمه في فهرسته، و في الوقت نفسه ترجم الشيخَ الأشعري (المتوفّى 330 ه)،


1) . اشْرَأبّ إليه و له: مدّ عنقه أو ارتفع لينظر إليه.

و الامام الطحاوي شيخ الأحناف في مصر (المتوفّى 321 ه) مؤلّف «عقائد الطحاوي» المسمى ببيان السنّة و الجماعة الذي اعتنى به عدّة من الأعلام بالشرح و التعليق.

هذا و قد أهمله جمع من المتأخّرين، فلم يترجمه أحمد بن محمد بن خلكان (المتوفّى 681 ه) في «وفيات الأعيان» مع أنّه ترجم للطحاوي، و لا صلاح الدين الصفدي (المتوفّى 764 ه) في «الوافي بالوفيات»، و لا محمد بن شاكر الكتبي (المتوفّى 764 ه) في «فوات الوفيات»، و لا تقي الدين محمد بن رافع السلامي (المتوفّى 774 ه) في «الوفيات»، و لم يذكره ابن خلدون (المتوفّى 808 ه) في مقدمته في الفصل الذي خصّه بعلم الكلام، و لا جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) في «طبقات المفسرين» مع كونه أحد المفسرين في أوائل القرن الرابع، إلى غير ذلك من المعنيّين بتراجم الأعيان و الشخصيات، و لم تصل أيديهم إليه، و إلى كتبه، و نشاطاته العلمية، و نضالاته مع خصوم أهل السنّة.

حتى إنّ من ذكره و عنونه، لم يذكر سوى عدة كليات في حقه، لا تلقي ضوءاً على حياته، و لا تبيّن شيئاً من خصوصياته، هذا و المعلومات التي وصلت إلينا بعد الفحص عن مظانّها عبارة عن الأُمور التالية:

1 - ميلاده:

اتّفق المترجمون له على أنّه توفّي عام (المتوفّى 333 ه)، و لم يعيّنوا ميلاده، و لكن نتمكّن من تعيينه على وجه التقريب من جانب مشايخه

الّذين تخرّج عليهم في الحديث، و الفقه، و الكلام، فإنّ أحد مشايخه كما سيوافيك، هو نصير بن يحيى البلخي (المتوفّى عام 268 ه) فلو تلقّى عنه العلم و هو ابن عشرين يكون هو من مواليد عام (248 ه)، أو ما يقاربه، فيكون أكبر سنّاً من الأشعري بسنين تزيد على عشر.

2 - موطنه:

قد اشتهر الإمام، بالماتريدي (بضم التاء) و «ما تريد» قرية من قرى سمرقند في بلاد ما وراء النّهر (جيحون)(1).

و يوصف بالماتريدي تارة، و السمرقندي أُخرى، و يلقب ب «علم الهدى» لكونه في خطّ الدفاع عن السنّة.

3 - نسبه

ينتهي نسبه إلى أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في دار الهجرة، و قد وصفه بذلك البياضي في «إشارات المرام»(2).

4 - مشايخه و أساتذته:

قد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، هم:

1 - أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.


1) . أحد الأنهار الكبيرة المعروفة كالنيل و دجلة و الفرات.

2) . إشارات المرام: 23.

2 - أبو نصر أحمد بن العياضي.

3 - نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).

4 - محمد بن مقاتل الرازي(1).

قال الزبيدي: تخرّج الماتريدي على الإمام أبي نصر العياضي.. و من شيوخه الامام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح الجوزجاني صاحب الفرق، و التمييز.. و من مشايخه محمّد ابن مقاتل الرازي قاضي الريّ.

و الأوّلان من تلاميذ أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، و هو من تلاميذ أبي يوسف، و محمّد بن الحسن الشيباني.

و أمّا شيخه الرابع أعني محمّد بن مقاتل، فقد تخرّج على تلميذ أبي حنيفة مباشرة، و على ذلك فالماتريدي يتّصل بإمامه تارة بثلاث وسائط، و أُخرى بواسطتين. فعن طريق الأوّلين بوسائط ثلاث، و عن طريق الثالث (بن مقاتل) بواسطتين(2).

5 - ثقافته:

إنّ ثقافته و آراءه في الفقهين، الأكبر و الأصغر، ينتهي إلى إمام مذهبه «أبي حنيفة». فإنّ مشايخه الّذين أخذ عنهم العلم، عكفوا على رواية الكتب المنسوبة إليه و دراستها، و قد نقل الشيخ الكوثري أسانيد الكتب المرويّة عن


1) . المصدر نفسه.

2) . لاحظ: إتحاف السادة المتقين: 5/2.

أبي حنيفة عن النسخ الخطّيّة الموجودة في دار الكتب المصرية و غيرها، و فيها مشايخ الماتريدي. قال:

«و من الكتب المتوارثة عن أبي حنيفة، كتاب الفقه الأكبر رواية عليّ بن أحمد الفارسي، عن نصير بن يحيى، عن أبي مقاتل (حفص بن سالم)، و عن عصام بن يوسف، عن حمّاد بن أبي حنيفة، عن أبيه، و تمام السند في النسخة المحفوظة ضمن مجموعة الرقم (226) بمكتبة شيخ الاسلام بالمدينة المنوّرة.

و نصير بن يحيى أحد مشايخ الماتريدي كما عرفت.

و من هذه الكتب «الفقه الأبسط» رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف بطريق «نصير بن يحيى» عن أبي مطيع، عن أبي حنيفة، و تمام السند في المجموعتين (24 و 215 م) بدار الكتب المصريّة.

و من هذه الكتب «العالم و المتعلّم» رواية أبي الفضل أحمد بن علي البيكندي الحافظ، عن حاتم بن عقيل، عن الفتح بن أبي علوان، و محمّد بن يزيد، عن الحسن بن صالح، عن أبي مقاتل حفص بن سالم السمرقندي، عن أبي حنيفة، و يرويه أبو منصور الماتريدي عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن محمد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، و تمام الأسانيد في مناقب الموفّق و التأنيب (73 و 85).

و من تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي، رواية نصير بن يحيى،

عن محمّد بن مقاتل الرازي، عن أبي مقاتل، عنه، و تمام الأسانيد في مناقب الموفق و التأنيب (73 و 85).

و من تلك الرسائل رسالة أبي حنيفة إلى البتّي رواية نصير بن يحيى، عن محمّد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، و بهذا السند رواية الوصيّة أيضاً، و تمام الأسانيد في نسخ دار الكتب المصرية - إلى أن قال: - فبنور تلك الرسائل سعى أصحاب أبي حنيفة و أصحاب أصحابه في إبانة الحقّ في المعتقد.. إلى أن جاء إمام السنّة في ما وراء النهر، أبو منصور محمّد بن محمّد الماتريدي المعروف ب (امام الهدى) فتفرّغ لتحقيق مسائلها، و تدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلّفاته جانبي العقل و النقل في آن واحد»، ثمّ ذكر مؤلفاته.(1)

ترى أنّ أسناد هذه الكتب و الرسائل تنتهي إلى أحد مشايخ الماتريدي و قد طبع منها: «الفقه الأكبر، الرسالة، العالم و المتعلّم، و الوصيّة» في مطبعة حيدرآباد عام (1321 ه).

و هذه المؤلّفات لا تتجاوز عن كونها بياناً للعقيدة و ما يصحّ الاعتقاد به، من دون أن تقترن بالدليل و البرهان، و لكنّها تحوّلت من عقيدة إلى علم، على يد (الماتريدي) فهو قد حقّق الأُصول في كتبه، فكان هو متكلّم مدرسة أبي حنيفة و رئيس أهل السنّة في بلاد ما وراء النهر، و لذلك سمّيت المدرسة


1) . مقدّمة إشارات المرام: 5-6.

باسمه، و أصبح المتكلّمون على مذهب الإمام أبي حنيفة في بلاد ما وراء النهر، يسمّون بالماتريديّين، و اقتصر إطلاق اسم أبي حنيفة على الأحناف المتخصّصين في مذهبه الفقهي.(1)

و في (مفتاح السعادة): «إنّ رئيس أهل السنّة و الجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما حنفيّ، و الآخر شافعي، أمّا الحنفي: فهو أبو منصور محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي، و أمّا الآخر الشافعي: فهو شيخ السنّة أبو الحسن الأشعري البصري».(2)

و في حاشية الكستلي(3)على شرح العقائد النسفية(4)للتفتازاني: «المشهور من أهل السنّة في ديار خراسان و العراق و الشام و أكثر الأقطار، هم الأشاعرة، و في ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي، تلميذ أبي بكر الجرجاني، تلميذ محمّد بن الحسن الشيباني من أصحاب الإمام أبي حنيفة».(5)


1) . مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 5 بقلم الدكتور فتح اللّٰه خليفة - ط 1392 ه -، و هو المراد من «التوحيد» كلما اطلق في هذا الفصل.

2) . مفتاح السعادة و مصباح السيادة: 22/2-23 طبعة حيدرآباد على ما في مقدمة محقق كتاب التوحيد للماتريدي.

3) . هو مصلح الدين مصطفى القسطلاني (المتوفّىٰ 902 ه).

4) . و هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر و غيره، و ما زال كذلك إلى يومنا هذا، و هو بمنزلة «شرح الباب الحادي عشر» عند الامامية، يعرض عقائد أهل السنّة على مذهب الامام «الماتريدي» بشكل واضح.

5) . بهامش شرح العقائد النسفية: 17.

و يقول الزبيدي: «إذا أُطلق أهل السنّة و الجماعة، فالمراد هم الأشاعرة و الماتريدية»(1).

6 - المتخرّجون عليه:

تخرّج عليه عدّة من العلماء منهم:

أ - أبو القاسم إسحاق بن محمّد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340 ه).

ب - الإمام أبو اللّيث البخاري.

ج - الامام أبو محمّد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمّد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف (أُصول الدين).

يقول حفيده: «و وجدت للشيخ الامام الزاهد «أبي منصور الماتريدي السمرقندي» كتاباً في علم التوحيد على مذهب أهل السنّة، و كان من رؤساء أهل السنّة. حكى لي الشيخ الامام والدي رحمه الله عن جده الشيخ الامام الزاهد «عبد الكريم بن موسى» رحمه الله كراماته. فإنّ جدّنا كان أخذ معاني كتب أصحابنا، و كتاب التوحيد، و كتاب التأويلات من خلق(2)عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله إلا أنّ في كتاب التوحيد الذي صنّفه الشيخ أبو منصور قليل


1) . إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار احياء علوم الدين: لمحمد بن محمد بن الحسيني: 8/2.

2) . كذا في النسخة.

انغلاق و تطويل، و في ترتيبه نوع تعسير لو لا ذلك لاكتفينا به.(1)

7 - أنصار مذهبه في الأجيال اللاحقة:

إنّ للمنهج الكلاميّ الموروث من أبي منصور الماتريدي، أنصاراً و أعواناً قاموا بإنضاج المذهب و نصرته، و نشره و إشاعته، و إن لم يصل إلى ما وصل إليه مذهب الأشعري من الانتشار و كثرة الاقتفاء، و إليك ذكر بعض أنصاره:

1 - القاضي الإمام أبو اليسر محمّد بن محمّد بن الحسين عبد الكريم البزدوي (المولود عام 421 ه، و المتوفّى في «بخارى» عام 478 ه) و قد عرفت كلامه في حقّ الماتريدي، و سيوافيك بعض كلامه عند البحث عن فوارق المنهجين، و قد ألّف كتاب أُصول الدين على غرار هذا المنهج، و سيوافيك الإيعاز إليه.

2 - أبو المعين النسفي (المتوفّى 502 ه) و هو من أعاظم أنصار ذلك المذهب فهو عند الماتريديّة كالباقلّاني بين الأشاعرة، مؤلّف كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي ما زال مخطوطاً حتّى الآن، و يعدّ الينبوع الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريدية الّذين جاءوا بعده(2).

3 - الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمّد (المتوفّى 537 ه)


1) . أُصول الدين للبزدوي: 3 و 155-158.

2) . مقدمة التوحيد: 5.

مؤلف «عقائد النسفي» و يقال إنّه بمنزلة الفهرس لكتاب «تبصرة الأدلّة» و مع ذلك ما زال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر، و غيره، إلى يومنا هذا، كما تقدّم.

4 - الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني أحد المتضلّعين في العلوم العربيّة، و المنطق، و الكلام، و هو شارح «عقائد النسفي» الّذي أُلّف على منهاج الإمام الماتريدي، و لكن لم يتحقّق لي كونه ماتريديّاً، بل الظاهر من شرح مقاصده كونه أشعريّاً. خصوصاً في مسألة خلق الأعمال، و كونه سبحانه خالقاً، و العبد كاسباً.

5 - الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى عام 861 ه) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام. نشره و شرحه محمّد محيي الدين عبد الحميد و طبع بالقاهرة.

6 - العلامة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد العلماء في القرن الحادي عشر و كتابه هذا أحد المصادر للماتريديّة.

7 - و أخيراً الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري وكيل المشيخة الإسلاميّة في الخلافة العثمانيّة، أحد الخبراء في الحديث، و التاريخ، و الملل، و النحل. له خدمات صادقة في نشر الثقافة الإسلاميّة و مكافحة الحشوية و الوهابيّة، و لكنّ الحنابلة يبغضونه و ما هذا إلّا لأنّ عقليّته لا تخضع لقبول كلّ ما ينقل باسم الحديث و لا سيّما فيما يرجع إلى

الصفات الخبرية للّٰه سبحانه الذي لا يفترق عن القول بالتشبيه و التجسيم قدر شعرة.

8 - مؤلّفاته و آثاره العلميّة:

سجّل المترجمون للماتريدي كتباً له تعرب عن ولعه بالكتابة و التدوين و الامعان و التّحقيق، غير أنّ الحوادث لعبت بها، و لم يبق منها إلّا ثلاثة، و قد طبع منها اثنان:

1 - «كتاب التوحيد» و هو المصدر الأوّل لطلّاب المدرسة الماتريدية و شيوخها الّذين جاءوا بعد الماتريدي، و اعتنقوا مذهبه، و هو يستمدّ في دعم آرائه من الكتاب، و السنّة، و العقل، و يعطي للعقل سلطاناً أكبر من النقل، و قد قام بتحقيق نصوصه و نشره الدكتور فتح اللّٰه خليف (عام 1970 م، 1390 ه) و طبع الكتاب في مطابع بيروت مع فهارسه في (412) صفحة و قد عرفت من البزدوي مؤلف «أُصول الدين» أنّ الكتاب لا يخلو من انغلاق في التّعبير، و هو لائح منه لمن سبره.

2 - «تأويلات أهل السنّة» في تفسير القرآن الكريم، و هو تفسير في نطاق العقيدة السنيّة، و قد مزجه بآرائه الفقهية و الاُصولية و آراء اُستاذه الإمام أبي حنيفة، فصار بذلك تفسيراً عقيدياً فقهيّاً، و هو تفسير عامّ لجميع السور، و الجزء الأخير منه يفسّر سورة المنافقين، إلى آخر القرآن، و قد وقفنا من المطبوع منه على الجزء الأوّل و ينتهي إلى تفسير الآية (114) من سورة

البقرة. حقّقه الدكتور إبراهيم عوضين و السيد عوضين، و طبع في القاهرة عام (390 ه)، و المقارنة بين الكتابين تعرب عن وحدتهما في المنبع، و التعبير، و التركيب، فمثلاً ما ذكره في تفسير قوله: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» من الاستدلال على جواز الرؤية، هو نفس ما ذكره في كتاب التوحيد، إلى غير ذلك من المواضيع المشتركة بين الكتابين، و لكنّ التفسير أسهل تناولاً، و أوضح تعبيراً.

و أمّا كتبه الأُخر فإليك بيانها:

3 - المقالات: حكى محقّق كتاب (التوحيد) وجود نسخة مخطوطة منه في المكتبات الغربيّة.

4 - مأخذ الشرائع.

5 - الجدل في أُصول الفقه.

6 - بيان و هم المعتزلة.

7 - ردّ كتاب الأُصول الخمسة للباهلي.

8 - كتاب ردّ الإمامة لبعض الروافض.

9 - الردّ على أُصول القرامطة.

10 - كتاب ردّ تهذيب الجدل للكعبي.

11 - رد وعيد الفسّاق للكعبي أيضاً.

12 - رد أوائل الأدلّة له أيضاً.

9 - الفرق بين المنهجين: الأشعرية و الماتريدية:

لا شكّ أنّ الإمامين الأشعري و الماتريدي كانا يتحرّكان في فلك واحد و كانت الغاية هي الدفاع عن عقيدة أهل السنّة، و الوقوف في وجه المعتزلة و - مع ذلك - لا يمكن أن يتّفقا في جميع المسائل الرئيسية، فضلاً عن التّفاريع، و ذلك لأنّ الأشعري اختار منهج الإمام أحمد، و طابع منهجه هو الجمود على الظّواهر، و قلّة العناية بالعقل و البرهان، و الشيخ الأشعري و إن تصرّف فيه و عدّله، و لكن لمّا كان رائده هو الفكرة الحنبليّة فقد عرقلت نطاق عقله عن التوسّع، و لو تجاوز عنها فإنّما يتجاوز مع التحفّظ على أُصولها.

و أمّا الماتريديّ فقد تربّى في منهج تلامذة الإمام أبي حنيفة، و يعلو على ذلك المنهج، الطّابع العقلي و الاستدلال، كيف و من أُسس منهجه الفقهي، هو العمل بالمقاييس و الاستحسانات، و على ضوء هذا فلا يمكن أن يكون التلميذان متوافقين في الأُصول، فضلاً عن الفروع، و أن يقع الحافر على الحافر في جميع المجالات، و قد أشغل هذا الموضوع بالَ المحقّقين، و حاولوا تبيين أنّ أيّاً من الداعيين أعطى للعقل سلطاناً أكبر، و تفرّقوا في ذلك إلى أقوال نذكرها:

1 - قال أحمد أمين المصري: «لقد اتّفق الماتريدي و الأشعري على كثير من المسائل الأساسية، و قد أُلِّفت كتب كثيرة و ملخّصات، بعضها يشرح

مذهب الماتريدي ك (العقائد النسفية) لنجم الدين النسفي، و بعضها يشرح عقيدة الأشعري ك (السنوسية) و (الجوهرة)، و قد أُلِّفت كتب في حصر المسائل الّتي اختلف فيها الماتريدي و الأشعري، ربّما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألة ثمّ قال: إنّ لون الاعتزال أظهر في الأشعريّة بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهداً طويلاً، و استشهد على ذلك بأنّ الأشعري يقول بوجوب المعرفة عقلاً قبل بعث الأنبياء دون الماتريدي»(1).

و الظّاهر أنّ ما ذكره الكاتب من هفو القلم و سهو الفكر، إذ مضافاً إلى أنّ كتابي الماتريدي «التوحيد و التفسير» و آراء تلاميذه تشهد على خلاف ما ذكر. إنّ ما استشهد به على ما تبنّاه خلاف الواقع، فالأشعري يقول بوجوب المعرفة سمعاً لا عقلاً، و الماتريدي على العكس كما ستوافيك نصوص القوم عند عرض المذهب، و العجب أنّه قد سجّل نظرية الإمامين قبيل هذا، على خلاف ما ذكره هنا و قال: يقول الماتريدية: إنّه تعالى لو لم يبعث للناس رسولاً لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، و معرفة وحدانيّته، و اتّصافه بما يليق، و كونه محدثاً للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، و ذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنّه لا يجب إيمان، و لا يحرم كفر قبل البعث.(2)

فإذا كان أحمد أمين قائلاً بغلبة لون الاعتزال على الأشعري، فهناك من ذهب إلى خلافه، و إليك البيان:


1) . ظهر الإسلام: 91/4-95.

2) . المصدر نفسه.

2 - قال أبو زهرة: «إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف، و الأشاعرة يتقيّدون بالنّقل و يؤيِّدونه بالعقل، حتّى إنّه يكاد الباحث يقرّر أنّ الأشاعرة في خطّ بين الاعتزال و أهل الفقه و الحديث، و الماتريديّة في خطّ بين المعتزلة و الأشاعرة، فإذا كان الميدان الّذي تسير فيه هذه الفرق الإسلاميّة الأربع، و الّتي لا خلاف بين المسلمين في أنّها جميعاً من أهل الإيمان، ذا أقسام أربعة، فعلى طرف منه المعتزلة، و على الطرف الآخر أهل الحديث، و في الربع الّذي يلي المعتزلة، الماتريديّة، و في الربع الّذي يلي المحدّثين، الأشاعرة»(1).

يلاحظ عليه: أنّه كيف جعل أبو زهرة هؤلاء كلّهم من أهل الايمان، مع أنّ بين أهل الحديث طوائف المشبِّهة، و المجسِّمة، و القائلين بالجبر المستلزم للغوية التكليف و بعث الأنبياء، فهل يصحّ أن يعدّ من يصوّر بعث الأنبياء لغواً، و إنزال الكتب عبثاً، من أهل الإيمان؟ و الحال أنّه لا تقصر عقيدة هؤلاء عن عقيدة أهل الجاهليّة الأُولى الّذين وصفهم الإمام علي عليه السلام في خطبة بقوله: «و أهل الأرض يومئذ (يوم بعث النّبي الأكرم) ملل متفرِّقة، و أهواء منتشرة، و طوائف متشتّتة، بين مشبِّه للّٰه بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير به إلى غيره»(2).

و يا للعجب! إذا قسّم أبو زهرة ساحة الإيمان كلّها لهذه الطوائف


1) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 199/1.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 1، طبعة عبده ص 25.

الأربع، فأين يقع مكان أئمّة أهل البيت في هذه الساحة و ليس لأحد إنكار فضيلتهم، لأنّهم الّذين أوجب اللّٰه سبحانه مودّتهم في القرآن و جعلها أجر رسالته و قال: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(1).؟!! و عرّفهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بأنّهم أعدال الكتاب و قرناؤه، و قال: «إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتاب اللّٰه و عترتي»(2).

و قد عرف الأبكم و الأصمّ - فضلاً عن غيرهما - أنّ أئمّة أهل البيت لم يكونوا في أحد هذه المذاهب، و لا كانوا مقتفين لأحد هذه المناهج، بل كان لهم منهج خاصّ لا يفترق عن الكتاب، و السنّة، و العقل السليم، فما معنى هذا التقسيم؟ «ما هكذا تورد يا سعد الإبل» و «تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزىٰ»(3)، «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ...»(4).

3 - قال الشّيخ محمّد زاهد الكوثري: «الماتريديّة هم الوسط بين الأشاعرة و المعتزلة، و قلّما يوجد بينهم متصوّف، فالأشعريّ و الماتريدي هما إماما أهل السنّة و الجماعة في مشارق الأرض و مغاربها، لهم كتب لا تحصى، و غالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي»(5).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ الماتريديّة بين الأشاعرة و المعتزلة و إن


1) . الشورى: 23.

2) . حديث متفق عليه رواه الفريقان.

3) . النجم: 22.

4) . الزخرف: 32.

5) . مقدمة تبيين كذب المفتري: 19.

كان متيناً، كما سيأتي عند عرض مذهبهم، لكن كون الخلاف بين الإمامين لفظيّاً واضح البطلان، إذ كيف يكون النّزاع في التحسين و التقبيح العقليّين، أمراً لفظيّاً، مع أنّه تترتّب على الإثبات و الإنكار مسائل كلاميّة كثيرة؟ أو كيف يكون الاختلاف في كون فعل الانسان فعلاً له حقيقة أو مجازاً من الاختلاف اللّفظي؟.

4 - قال محقّق كتاب «التّوحيد» للماتريدي، في مقدّمته: «إنّ شيخيّ السنّة يلتقيان على منهج واحد و مذهب واحد، في أهمّ مسائل علم الكلام الّتي وقع فيها الخلاف بين فرق المتكلّمين»(1).

و لعلّه لا يرى الخلاف في التحسين و التقبيح، و كون فعل الانسان فعلاً له حقيقة، أو مجازاً، اختلافاً جوهريّاً، كما لا يرى الاختلاف في كون صفاته عين ذاته، أو زائدة عليه، أو جواز التّكليف بما لا يطاق، و عدمه كذلك. فاللازم عرض مذهبه عن طريق نصوصه الواردة في توحيده، و تفسيره، و كتب أنصاره، حتى يعلم مدى اتّفاق الداعيين، و اختلافهما.

و قبل ذلك نختم البحث بكلمة الإمام البزدوي، أحد أنصار الماتريديّة في القرن الخامس، و كان جدّ والده أحد تلاميذه.

قال:

«و أبو الحسن الأشعري و جميع توابعه يقولون إنّهم من أهل السنّة و الجماعة، و على مذهب الأشعري عامّة أصحاب الشافعي، و ليس بيننا و بينهم خلاف إلّا في مسائل معدودة قد أخطئوا فيها».(2)و ذكر بعد ذلك،


1) . مقدمة التوحيد، بقلم محققه الدكتور فتح اللّٰه خليف: 18.

2) . أُصول الدين: 242.

تلك المسائل المعدودة و هي لا تتجاوز عن ثلاث، و سيوافيك نصّه! و لأجل وجود الاختلاف الجوهري بين المذهبين قام جماعة من المعنيّين بتبيين الفروق الموجودة فيهما، بين موجز في الكلام، و مسهب فيه، و ربّما ألّفوا كتباً و رسائل، و إليك ما وقفنا عليه في هذا المجال:

أ - «أُصول الدين» للبزدوي، قال فيه تحت عنوان «ما خالف أبو الحسن الأشعري عامّة أهل السنّة و الجماعة».

1 - قال أهل السنّة و الجماعة: إنّ للّٰه تعالى أفعالاً، و هي الخلق، و الرزق، و الرحمة، و اللّٰه تعالى قديم بأفعاله كلّها، و أفعال اللّٰه ليست بحادثة، و لا محدثة، و لا ذات اللّٰه، و لا غير اللّٰه تعالى، كسائر الصِّفات.

و أبو الحسن الأشعري أنكر أن يكون للّٰه تعالى فعل، و قال: الفعل و المفعول واحد، و وافق في هذا القدريّة و الجهميّة، و عليه عامّة أصحابه، و هو خطأ محض(1).

2 - و قال أهل السنّة و الجماعة: المعاصي و الكفر ليست برضى اللّٰه، و لا محبّته، و إنّما هي بمشيئة اللّٰه تعالى.

و أبو الحسن قال: إنّ اللّٰه تعالى يرضى بالكفر و المعاصي، و يحبّها، و هو خطأ محض أيضاً.

3 - و قال أهل السنّة و الجماعة: إنّ الإيمان هو التصديق و الاعتقاد بالقلب،


1) . سيوافيك عند عرض مذهب الماتريديّة توضيح مرامهم.

و الإقرار باللسان، و قال أبو الحسن: إنّ الايمان هو التّصديق بالقلب، و الإقرار باللّسان فرض من الفروض، و هو خطأ أيضاً. و شرّ مسائله مسألة الأفعال.

و ذكر أبو الحسن في كتاب «المقالات» مذهب أهل الحديث، ثمّ قال: و به نأخذ، و مذهب أهل الحديث في هذه المسائل الثّلاث مثل مذهب أهل السنّة و الجماعة. فهذا القول يدلّ على أنّه كان يقول مثل ما قال أهل السنّة و الجماعة في هذه المسائل، و لكن ذكر في الموجز الكبير كما ذكرنا هنا، فكان حبّه(1)في هذه المسائل قولان، فكأنّه رجع عن هذه المسائل الثّلاث.

و كان يقول: كلّ مجتهد مصيب في الفروع، و عامّة أهل السنّة و الجماعة قالت: يخطئ و يصيب.(2)

ب - «إشارات المرام من عبارات الإمام» تأليف كمال الدين البياضي الحنفيّ من علماء القرن الحادي عشر، فقد طرح المسائل الخلافيّة بين الإمامين فبلغ إلى خمسين مسألة.(3)

ج - «نظم الفرائد و جمع الفوائد» في بيان المسائل الّتي وقع فيها الاختلاف بين الماتريديّة و الأشعريّة تأليف عبد الرحيم بن علي المعروف ب «شيخ زاده» طبع في القاهرة (عام 1317 ه).


1) . كذا في الأصل و ضبطه المحقق بضم الباء.

2) . أُصول الدين للبزدوي: 245-246.

3) . إشارات المرام: 53-56.

د - «الروضة البهيّة في ما بين الأشعريّة و الماتريديّة» تأليف أبي عذبة، طبع في حيدرآباد (عام 1332 ه).

ه - خلافيّات الحكماء مع المتكلّمين، و خلافيّات الأشاعرة مع الماتريديّة، تأليف عبد اللّه بن عثمان بن موسى مخطوطة دار الكتب المصريّة (برقم 3441 ج).(1)

و - قصيدة في الخلاف بين الأشعريّة و الماتريديّة تأليف تاج الدين السبكي، مؤلّف (طبقات الشافعيّة الكبرى) المطبوعة بمصر (عام 1324 ه) مخطوطة الجامعة العربيّة الرقم (202) المصوّرة عن مخطوطة جامع الشيخ بالاسكندرية.(2)

و هذه العناية المؤكّدة في طول الأجيال تعرب عن كون الفرق أو الفوارق جوهريّاً، لا لفظيّاً، و إلّا فلا وجه لتأليف الكتب و الرسائل لبيان الفوارق اللّفظية أو الجزئيّة، الموجودة بين المنهجين، و سيظهر الحقّ في البحث التالي.

10 - عرض مذهب الماتريدي:

اشارة

و لا نهدف في هذا الفصل إلى عرض كلّ ما يعتقد به الماتريدي في مجال العقائد و الأُصول، فإنّ قسماً من عقائده هو عين عقيدة أهل الحديث


1) . انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 25.

2) . انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي: 25.

و الأشعري، و قد عرضنا عقائدهم في الجزء الأول من هذه السلسلة، و إنّما نقوم ببيان الأُصول المهمّة الّتي افترق فيها عن الأشعري، مع الاعتراف بأنّ الماتريدي يتدرّع في بعض الموارد بنفس ما يتدرّع به الأشعري، و من هذا الباب تصحيح القول بالرؤية، فإنّ القول برؤيته في النشأة الآخرة ملازم لكونه سبحانه محاطاً و واقعاً في جهة و مكان، و من أجل ذلك قام العلمان في دفع الإشكال على نمط واحد، و هو أنّ الرؤية تقع «بلا كيف» أو ما يفيد ذلك، حتّى يُرضيا بذلك أهل النقل و العقل.

قال ابن عساكر: «قالت الحشويّة المشبِّهة: إنّ اللّٰه سبحانه و تعالى يرى مكيّفاً محدوداً كسائر المرئيات، و قالت المعتزلة و الجهمية و النجارية: إنّه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك الأشعري طريقاً بينهما فقال: يرى من غير حلول، و لا حدود، و لا تكييف، كما يرانا هو سبحانه و تعالى، و هو غير محدود، و لا مكيّف»(1).

و قد نقلنا نصوص نفس الأشعري في موضع الرؤية عند عرض عقائده(2).

و قال الماتريدي في ذلك البحث: «فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفيّة تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام و قعود، و اتّكاء و تعلّق، و اتّصال و انفصال، و مقابلة و مدابرة، و قصير و طويل، و نور و ظلمة،


1) . تبيين كذب المفتري: 149-150.

2) . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 256، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

و ساكن و متحرِّك، و مماسّ و مباين، و خارج و داخل، و لا معنى يأخذه الوهم، أو يقدره العقل، لتعاليه عن ذلك»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الرؤية بهذه الخصوصيّات إنكار لها، و أشبه بالأسد بلا ذنب، و لا رأس.

و الّذي تبيّن لي بعد التأمّل في آرائه في كثير من المسائل الكلاميّة، أنّ منهجه كان يتمتّع بسمات ثلاث:

1 - الماتريدي أعطى للعقل سلطاناً أكبر، و مجالاً أوسع، و ذلك هو الحجر الأساس للسمتين الأخيرتين.

2 - إنّ منهج الماتريدي أبعد من التشبيه و التجسيم من الأشعري، و أقرب إلى التنزيه.

3 - إنّه و إن كان يحمل حملة عنيفة على المعتزلة، و لكنّه إلى منهجهم أقرب من الإمام الأشعري.

و تظهر حقيقة هذا الأمر إذا عرض مذهبه في مختلف المسائل، و لمعرفة جملة من مواضع الاختلاف و دراسة نقاط القوّة و الضعف، نذكر موارد عشرة و نترك الباقي روماً للاختصار.


1) . التوحيد للماتريدي: 85.

1 - استيلاؤه على العرش:

اتّفق الداعيان على أنّه يجب الإيمان بما جاء في القرآن من الصِّفات للّٰه تبارك و تعالى، و منها استيلاؤه على العرش، و الأشعري يفسّره على نحو الإثبات و يؤمن بظاهره بلا تفويض و لا تأويل، و أنّ اللّٰه حقيقةً مستوٍ على العرش لكن استيلاءً مناسباً له، و يقول: «إنّ اللّٰه مستو على العرش الّذي فوق السماوات» و لأجل دفع توهّم التجسيم يقول: «يستوي على عرشه كما قال، يليق به من غير طول الاستقرار» و يستشهد بما روي عن رسول اللّٰه: إذا بقي ثلث الليل ينزل اللّٰه تبارك و تعالى، فيقول: من ذا الّذي يدعوني فأستجيب له(1).

و على ضوء هذا فالأشعري ممّن يثبت الصفات الخبريّة للّٰه بلا تفويض معناها إليه، غاية الأمر يتدرّع بلفظة «على نحو يليق به» أو «بلا كيف» كما في الموارد الأُخر، و لكنّ الماتريدي مع توصيفه سبحانه بالصفات الخبريّة، يفوِّض مفاد الآية إليه سبحانه، فهو يفارق الأشعري في التفويض و عدمه، و يخالف المعتزلة في التأويل و عدمه، فالأشعري من المثبتة بلا تفويض و تأويل، و هو من المثبتة مع التفويض، كما أنّ المعتزلة من المؤوِّلة، و بذلك يتّضح كونه بين الأشعري و المعتزليّ، و إليك نصّه في مورد استوائه على العرش:


1) . الإبانة: 85.

قال: «و أمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ اللّٰه تعالى قال ليس كمثله شيء» فنفى عن نفسه شبه خلقه، و قد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول ب «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» على ما جاء به التنزيل، و ثبت ذلك في العقل، ثمّ لا نقطع تأويله على شيء، لاحتماله غيره مما ذكرنا، و احتماله أيضاً ما لم يبلغنا ممّا يعلم أنّه غير محتمل شبه الخلق، و نؤمن بما أراد اللّٰه به، و كذلك في كلّ أمر ثبت التنزيل فيه، نحو الرؤية و غير ذلك، يجب نفي الشبه عنه، و الإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيءٍ دون شيء، و اللّٰه الموفِّق».(1)

2 - معرفته سبحانه واجبة عقلاً:

اتّفق الداعيان على وجوب معرفة اللّٰه، و اختلفا في طريق ثبوت هذا الوجوب، فالأشعري و أتباعه على أنّه سمعيّ، و المعتزلة على أنّه عقليّ، قال العضدي في المواقف: النّظر إلى معرفة اللّٰه واجب إجماعاً، و اختلف في طريق ثبوته، فهو عند أصحابنا السمع، و عند المعتزلة العقل. أمّا أصحابنا فلهم مسلكان:

الأوّل: الاستدلال بالظواهر مثل قوله تعالى: «قُلِ اُنْظُرُوا مٰا ذٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ» إلى آخره.(2)


1) . التوحيد للماتريدي: 74.

2) . المواقف: 28 و شرحها ج 124/1. و الآية 101 من سورة يونس.

و لا يخفى وهن النّظرية، لاستلزامها الدور، لأنّ معرفة الإيجاب تتوقّف على معرفة الموجِب، فإنّ من لا نعرفه بوجه من الوجوه، كيف نعرف أنّه أوجب؟ فلو استفيدت معرفة الموجِب من معرفة الإيجاب، لزم الدور.

و أيضاً: لو كانت المعرفة تجب بالأمر، فهو إمّا متوجّه إلى العارف باللّٰه أو غيره، فالأوّل تحصيل للحاصل، و أمّا الثاني، فهو باطل، لاستحالة خطاب الغافل، إذ كيف يصحّ الأمر بالغافل المطلق بأنّ اللّٰه قد أمره بالنظر و المعرفة، و أنّ امتثال أمره واجب إلّا إذا خصّ الوجوب بالشاك.

هذا ما عليه الأشاعرة، و أمّا الماتريديّة فتقول بوجوبها عقلاً مثل المعتزلة. قال البياضي: «و يجب بمجرّد العقل في مدة الاستدلال، معرفة وجوده، و وحدته، و علمه، و قدرته، و كلامه، و إرادته، و حدوث العالم، و دلالة المعجزة على صدق الرسول، و يجب تصديقه، و يحرم الكفر، و التكذيب به، لا من البعثة و بلوغ الدعوة»(1).

القول بوجوب هذه الأُمور من جانب العقل من قبل أن يجيء الشرع دفعاً لمحذور الدور يعرب عن كون الداعي، أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري له.


1) . إشارات المرام: 53 فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية و الأشعرية.

3 - الاعتراف بالتحسين و التقبيح العقليين:

إنّ لمسألة التحسين و التقبيح العقليين دوراً مؤثّراً في المسائل الكلامية، فالأشاعرة على إنكارهما زاعمين أنّ القول باستطاعة العقل على دركهما، يستلزم نفي حرّية المشيئة الإلهيّة و التزامها بقيد و شرط، و قد أوضحنا حال هذه النظرية عند عرض عقائد الأشاعرة(1). و أمّا المعتزلة فهم على جانب مخالف، و أمّا الماتريديّة فيعترفون بالتحسين و التقبيح ببعض مراتبهما.

قال البياضي: و الحسن بمعنى استحقاق المدح و الثّواب، و القبح بمعنى استحقاق الذمّ و العقاب على التكذيب عنده (أبي منصور الماتريدي) إجمالاً عقلي، أي يعلم به حكم الصانع في مدّة الاستدلال في هذه العشرة(2). كما في التوضيح و غيره، لا بإيجاب العقل للحسن و القبح، و لا مطلقاً كما زعمته المعتزلة، أمّا كيفيّة الثّواب و كونه بالجنّة، و كيفيّة العقاب و كونه بالنّار، فشرعي، و اختار ذلك الإمام القفّال الشاشي، و الصيرفي، و أبو بكر الفارسي، و القاضي أبو حامد، و كثير من متقدّميهم، كما في القواطع للإمام أبي المظفّر السمعاني الشافعي و الكشف الكبير، و هو مختار الإمام القلانسي و من تبعه كما في (التبصرة البغدادية). و لا يجوز نسخ ما لا يقبل


1) . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 360-383، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

2) . اشارة إلى ما ذكره من المسائل العشر خلال البحث في وجوب المعرفة عقلاً.

حسنه أو قبحه السقوط كوجوب الإيمان، و حرمة الكفر و اختاره المذكورون - إلى أن قال: - و يستحيل عقلاً اتّصافه تعالى بالجور و ما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع، و لا العفو عن الكفر، عقلاً، لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه، كما في التنزيهات(1).

و غير خفيّ على النابه أنّ الشيخ الماتريدي قد اعترف بما هو المهمّ في باب التحسين و التقبيح العقليين و إليك الاشارة إليه:

1 - استقلال العقل بالمدح و الذمّ في بعض الأفعال، و هذا هو محلّ النزاع في بابهما بأن يجد العقل من صميم ذاته أنّ هنا فعلين مختلفين يستحقّ فاعل أحدهما المدحَ، و فاعل الآخر الذمَّ، سواء أ كان الفاعل بشراً، أم ملكاً، أم غيرهما، و تبتنى عليه أُصول كثيرة كلاميّة أوعزنا إليها عند عرض عقائد الأشعري و آرائه.

2 - استقلال العقل بكونه سبحانه عادلاً، فلا يجوز عليه تعذيب المطيع، و أين هو ممّا يقول به الأشعري من أنّه يجوز للّٰه سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة و هو عادل إن فعله(2).

3 - نعم أنكر الشيخ إيجاب العقل للحسن و القبح، و لكنّه لو كان واقفاً على مغزى إيجاب العقل لم يعترض عليه، إذ لا يوجد في أديم الأرض إنسان عاقل عارف بمقام الربّ و الخلق، يجعل العقل موجِباً و مكلِّفاً -


1) . إشارات المرام: 54 فصل الخلافيات بين الماتريديّة و الأشاعرة.

2) . اللمع: ص 116.

بالكسر - و اللّٰه سبحانه موجَباً و مكلَّفاً - بالفتح -، لأنّ شأن العقل هو الإدراك، و معنى إيجابه القيام بالحسن، و الاجتناب عن ضدّه، هو استكشافه لزوم القيام بالأوّل و امتناع القيام بالثاني بالنظر إلى المبادئ الموجودة في الفاعل الحكيم، فالمتّصف بكلّ الكمال، و المبرّأ عن كلّ سوء، لا يصدر منه إلّا الحسن لوجود الصارف عن غيره، و يمتنع صدور غيره عنه، و ليس هذا الامتناع امتناعاً ذاتيّاً بمعنى تحديد قدرته و مشيئته، بل قدرته و مشيئته مطلقتان بالذات غير محدودتين، فهو سبحانه قادر على كلا القسمين من الفعل - أعني: الحسن و القبح - لكن بالنظر إلى أنّه عالم واقف على قبح الأفعال، و غنيُّ عن فعل القبح، يترك القبيح و لا يفعله، و اللّٰه الحكيم كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن و لا يفعل القبيح، و ليس دور العقل إلّا دور الكشف و التبيين، و التعبير بالإيجاب بملاك الوقوف على المبادئ الكماليّة الموجودة في المبدأ كقولك: يجب أن تكون زوايا المثلّث متساوية مع زاويتين قائمتين، فإنّ الخصوصيّة التكوينيّة الكامنة فيه مبدأ ذلك الإيجاب، و العقل كاشفة، و مع ذلك ربّما يعبّر عن ذلك بالإيجاب.

4 - اختار الماتريدي قصور العقل عن تعيين كيفيّة الثواب و كونه بالجنّة، و كيفيّة العقاب و كونه بالنار و هو الحقّ، فإنّ أقصى ما يستقلّ به العقل هو لزوم مثوبة المطيع و مجازاة العاصي، و أمّا الكيفيّة فلا يستقلّ العقل بشيء منها (على فرض كون الثواب بالاستحقاق). نعم ما ذكره من أنّه ليس للّٰه العفو عن الكفر عقلاً، فالظّاهر أنّه تحديد رحمته و قد سبقت غضبه،

و التعذيب حقُّ له، و له الإعمال و له العفو كعصيان المؤمن الفاسق. نعم أخبر المولى سبحانه بأنّه لا يغفر الشرك، و يغفر ما دون ذلك.

4 - التكليف بما لا يطاق غير جائز:

ذهب الأشعري إلى جواز التكليف بما لا يطاق و قال: «و الدليل على جواز تكليف ما لا يطاق من القرآن قوله تعالى للملائكة: «أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ»(1)يعني أسماء الخلق، و هم لا يعلمون ذلك و لا يقدرون عليه.... إلى غير ذلك من الآيات الّتي عرفت مفادها في محلّها(2).

و الماتريدي مخالف صنوه الداعي و يقول: «و لا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم القدرة أو الشرط، و اختاره الأُستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني كما في (التبصرة) و أبو حامد الاسفرائيني كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور»(3).

هذا ما نقله البياضي عن الماتريديّة، و أمّا نفس أبي منصور فقد فصّل في كتابه «التوحيد» بين مضيِّع القدرة فيجوز تكليفه، و بين غيره فلا يجوز. قال: «إنّ تكليف من مُنع عن الطاقة فاسد في العقل، و أمّا من ضيّع القوّة فهو حقّ أن يكلّف مثله، و لو كان لا يكلّف مثله لكان لا يكلّف إلّا من يطيع».(4)


1) . البقرة: 31.

2) . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 239، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

3) . إشارات المرام: 54 في فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية و الأشعرية.

4) . التوحيد: 266.

يلاحظ عليه:

1 - أنّ من الأُصول المسلّمة عند العقل، كون الامتناع بالاختيار غير مناف للاختيار، فمن ألقى نفسه من شاهق عن اختيار فقد قتل نفسه اختياراً، فالقتل بعد الإلقاء و إن كان خارجاً عن الاختيار، و لكنّه لمّا كان الإلقاء - الّذي يُعدّ من مبادئ القتل - في اختياره، يعدّ القتل فعلاً اختياريّاً لا اضطراريّاً.

2 - أنّ من فقد القدرة، و عجز عن القيام بالعمل، سواء أ كان بعامل اختياريّ أم غيره، لا يصحّ تكليفه به عن جدّ، لأنّ فاقد القدرة و الجماد في هذه الجهة سواسية، فلا تظهر الارادة الجدّية في صقع الذهن، و لو خوطب العاجز فإنّما يخاطب بملاكات أُخر من التقريع، و التنديد، و غيرهما.

و في ضوء هذين الأمرين يستنتج أنّ من ضيّع قدرته يُعذَّب، لما تقرّر من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، و لكن لا يصحّ تكليفه بعد الضياع، للغويّة الخطاب و استهجانه، و بذلك يظهر وهن برهان المفصّل من أنّه لو لم يصحّ تكليف المضيِّع للقدرة لاختصّ التكليف بالمطيع، لما عرفت من أنّ سقوط التكليف و الخطاب بالتضييع، لا يستلزم سقوط العقاب و المؤاخذة، و قد اشتهر بين القوم أنّ الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار عقاباً لا خطاباً، و لو كان الماتريدي واقفاً على أنّ القائلين بامتناع التكليف بما لا يطاق، قائلون بصحّة عقوبة من ضيّع القدرة، و جعل نفسه في عداد العجزة، لما فصّل بين من مُنع منه الطّاقة، و من ضيّعها، و لما ضرب الجميع بسهم واحد.

5 - أفعال اللّٰه سبحانه معلّلة بالغايات:
اشارة

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله سبحانه ليست معلّلة بالأغراض، و أنّه لا يجب عليه شيء، و لا يقبح عليه شيء، و استدلّوا على ذلك بما يلي:

الأوّل: لو كان فعله تعالى لغرض، لكان ناقصاً لذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلّا ما هو أصلح له من عدمه، و هو معنى الكمال.(1)

و قالت الماتريديّة: أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح و الحكم تفضّلاً على العباد، فلا يلزم الاستكمال و لا وجوب الأصلح و اختاره صاحب المقاصد.(2)

هل الغاية، غاية للفاعل أو للفعل؟

إنّ الأشعري خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل، و الغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال موجود في الأوّل دون الثاني، و القائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض، و الغايات، و الدواعي، و المصالح، إنّما يعني بها الثاني دون الأوّل، و الغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنيّاً بالذات، و غنيّاً في الصِّفات،


1) . المواقف: 331.

2) . إشارات المرام: 54.

و غنيّاً في الأفعال، و الغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً و لغواً، و كونه سبحانه عابثاً و لاغياً، فالجمع بين كونه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، و كونه حكيماً منزّهاً عن العبث و اللّغو، يتحقّق بالقول باشتمال أفعاله على مصالح و حِكم ترجع إلى العباد و النظام، لا إلى وجوده و ذاته، كما لا يخفى.

تفسير العلّة الغائية:

العلّة الغائيّة الّتي هي إحدى أجزاء العلّة التامّة، يراد منها في مصطلح الحكماء، ما تُخرج الفاعلَ من القوّة إلى الفعل، و من الامكان إلى الوجوب، و يكون مقدّمة صورة و ذهناً، و مؤخّرة وجوداً و تحقّقاً، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، مثلاً النجّار لا يقوم بصنع الكرسيّ إلّا لغاية مطلوبة مترتّبة عليه، و لو لا تصوّر تلك الغاية لما خرج عن كونه فاعلاً بالقوّة، إلى ساحة كونه فاعلاً بالفعل، و على هذا فللعلّة الغائيّة دور في تحقّق المعلول، و خروجه من الإمكان إلى الفعليّة، لأجل تحريك الفاعل نحو الفعل، و سوقه إلى العمل.

و لا نتصوّر العلّة الغائيّة بهذا المعنى في ساحته سبحانه لغناه المطلق في مقام الذات، و الوصف، و الفعل، فكما أنّه تامّ في مقام الوجود، تامّ في مقام الفعل، فلا يحتاج في الإيجاد إلى شيء وراء ذاته، و إلّا فلو كانت فاعليّة الحقّ كفاعليّة الإنسان، الذي لا يقوم بالإيجاد و الخلق، إلّا لأجل الغاية

المترتّبة عليه، لكان ناقصاً في مقام الفاعليّة، مستكملاً بشيء وراء ذاته و هو لا يجتمع مع غناه المطلق.

هذا ما ذكره الحكماء، و هو حقّ لا غبار عليه، و قد استغلّته الأشاعرة في غير موضعه و اتّخذوه حجّة لتوصيف فعله عارياً عن أيّة غاية و غرض، و جعلوا فعله كفعل العابثين و اللاعبين، يفعل (العياذ باللّٰه) بلا غاية، و يعمل بلا غرض، و لكنّ الاحتجاج بما ذكره الحكماء لإثبات ما رامته الأشاعرة واضح البطلان، لأنّ إنكار العلّة الغائيّة بهذا المعنى، لا يلازم أن لا يترتّب على فعله مصالح و حكم ينتفع بها العباد، و ينتظم بها النظام، و إن لم تكن مؤثّرة في فاعليّة الحقّ و عليّته، و ذلك لأنّه سبحانه فاعل حكيم، و الفاعل الحكيم لا يختار من الأفعال الممكنة إلّا ما يناسب ذلك، و لا يصدر منه ما يضادّه و يخالفه.

و بعبارة ثانية، لا نعني من ذلك أنّه قادر لواحد من الفعلين دون الآخر و أنّه في مقام الفاعليّة يستكمل بالغاية، فيقوم بهذا دون ذاك، بل هو سبحانه قادر على كلا الأمرين، لا يختار منهما إلّا ما يوافق شأنه، و يناسب حكمته، و هذا كالقول بأنّه سبحانه يعدل و لا يجور، فليس يعنى من ذلك أنّه تامّ الفاعليّة بالنسبة إلى العدل دون الجور، بل يعنى أنّه تام القادريّة لكلا العملين، لكن عدله، و حكمته، و رأفته، و رحمته، تقتضي أن يختار هذا دون ذلك مع سعة قدرته لكليهما.

هذا هي حقيقة القول بأنّ أفعال اللّٰه لا تعلّل بالأغراض و الغايات

المصطلحة، مع كون أفعاله غير خالية عن المصالح و الحكم من دون أن يكون هناك استكمال.

دليل ثان للأشاعرة:

ثمّ إنّ أئمّة الأشاعرة لمّا وقفوا على منطق العدليّة في المقام، و أنّ المصالح و الحكم ليست غايات للفاعل بل غايات للفعل، و أنّها غير راجعة إلى الفاعل، بل إلى العباد و النظام، طرحوه على بساط البحث فأجابوا عنه و إليك نصّ كلامهم:

1 - «فان قيل: لا نسلّم الملازمة، فإنّما الغرض قد يكون عائداً إلى غيره.

قيل له: نفع غيره و الإحسان إليه إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه، جاء الالزام، لأنّه تعالى يستفيد حينئذ بذلك النفع و الإحسان ما هو أولى به و أصلح، و إن لم يكن أولى بل كان مساوياً، أو مرجوحاً، لم يصلح أن يكون غرضاً له»(1).

و قد جاء بنفس هذا البيان «الفضل بن روزبهان» في ردّه على «نهج الحقّ» للعلاّمة الحلّي و قال:

«إنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلّا ما هو أصلح له من عدمه، و ذلك لأنّ ما يستوي وجوده و عدمه بالنظر إلى الفاعل، أو كان وجوده مرجوحاً بالقياس


1) . المواقف: 332.

إليه، لا يكون باعثاً على الفعل، و سبباً لإقدامه عليه بالضرورة، فكلّ ما يكون غرضاً وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل، و أليق به من عدمه، فهو معنى الكمال، فإذن يكون الفاعل مستكملاً بوجوده، ناقصاً بدونه»(1).

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأصلح و الأولى به، ما يناسب شئونه، فالحكيم لا يقوم إلّا بما يناسب شأنه، كما أنّ كلّ فاعل غيره يقوم بما يناسب المبادئ الموجودة فيه، فتفسير الأصلح و الأولى بما يفيده و يكمِّله، تفسير في غير موضعه.

و معنى أنّه لا يختار إلّا الأصلح و الأولى، ليس أنّ هناك عاملاً خارجاً عن ذاته، يحدِّد قدرته و مشيئته و يفرض عليه إيجاد الأصلح و الأولى، بل مقتضى كماله و حكمته، هو أن لا يخلق إلّا الأصلح و الأولى، و يترك اللّغو و العبث، فهو سبحانه لمّا كان جامعاً للصفات الكماليّة و من أبرزها كونه حكيماً، صار مقتضى ذلك الوصف، إيجاد ما يناسبه و ترك ما يضادّه، فأين هو من حديث الاستكمال، و الاستفادة، و الالزام، و الافراض، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المسائل الكلاميّة طرحت في جوّ غير هادئ و أنّ الخصم لم يقف على منطق الطرف الآخر.

و الحاصل، أنّ ذاته سبحانه تامة الفاعليّة بالنسبة إلى كلا الفعلين: الفعل المقترن مع الحكمة، و الخالي عنها، و ذلك لعموم قدرته سبحانه للحسن و القبيح، و لكن كونه حكيماً يصدّه عن ايجاد الثاني و يخصّ فعله بالأوّل،


1) . دلائل الصدق: 233/1.

و هذا صادق في كلّ فعل له قسمان: حسن و قبيح. مثلاً، اللّٰه سبحانه قادر على إنعام المؤمن و تعذيبه، و تامّ الفاعليّة بالنّسبة إلى الكلّ، و لكن لا يصدر منه إلّا القسم الحسن منهما لا القبيح، فكما لا يستلزم القول بصدور خصوص الحسن دون القبيح (على القول بهما) كونه ناقصاً في الفاعليّة، فهكذا القول بصدور الفعل المقترن بالمصلحة دون المجرّد عنها، و إنعام المؤمن ليس مرجوحاً و لا مساوياً مع تعذيبه بل أولى به و أصلح، لكن معنى صلاحه و أولويّته لا يهدف إلى استكماله أو استفادته منه، بل يهدف إلى أنّه المناسب لذاته الجامعة للصفات الكماليّة، المنزهة عن خلافها، فجماله و كماله، و ترفّعه عن ارتكاب القبيح، يطلب الفعل المناسب له، و هو المقارن للحكمة، و التجنّب عن مخالفتها.

و الحاصل أنّ اللّٰه سبحانه فعل أم لم يفعل فهو كامل بلا نهاية، لكن لو فعل لاختار المناسب للحكمة و أين هو من الاستكمال؟!

دليل ثالث للأشاعرة:

و هناك دليل ثالث لهم حاصله: أنّ غرض الفعل خارج عنه، يحصل تبعاً له و بتوسّطه، و بما أنّه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداءً، فلا يكون شيء من الكائنات إلّا فعلاً له، لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلّا به، ليصلح غرضاً لذلك الفعل، و ليس جعل البعض غرضاً أولى من البعض(1).


1) . المواقف: 322.

و كان عليه أن يقرّر الدليل بصورة كاملة و يقول: لو كان البعض غاية للبعض فإمّا أن ينتهي إلى فعل لا غاية له فقد ثبت المطلوب، أو لا فيتسلسل و هو محال.

يلاحظ عليه: - أنّه لا يشكّ من أطلّ بنظره إلى الكون، أنّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار خلق لأشياء أُخر، فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها، و أمّا الغاية في خلق العالية هي إبلاغها إلى حدٍّ تكون مظاهر و مجالي لصفات ربِّه، و كمال بارئه.

إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي نرى هناك أوائل الأفعال، و ثوانيها، و ثوالثها و... فيقع الداني في خدمة العالي، و يكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الّذي هو أمر جميل بالذات، و لا يطلب إيجاد الجميل بالذات غاية سوى وجوده لأنّ الغاية منطوية في وجوده.

هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي. و أمّا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر الجملي، فالغاية للنظام الجملي ليس أمراً خارجاً عن وجود النظام حتّى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل، بل هي عبارة عن الخصوصيّات الموجودة فيه و هي بلوغ النظام بأبعاضه و أجزائه إلى الكمال الممكن، و الكمال الممكن المتوخّى من الإيجاد خصوصيّة موجودة في نفس النظام، و يعدّ صورة فعليّة له، فاللّٰه سبحانه خلق النظام، و أوجد فعله المطلق، حتّى يبلغ ما يصدق عليه فعله كلّاً أو بعضاً إلى الكمال الّذي يمكن أن يصل إليه. فليست الغاية شيئاً مفصولاً عن النظام، حتّى يقال ما هي الغاية لهذه الغاية

حتّى تتسلسل، أو تصل إلى موجود لا غاية له.

و بما أنّ إيصال كلّ ممكن إلى كماله، غاية ذاتيّة، لأنّه عمل جميل بالذات، فيسقط السؤال عن أنّه لما ذا قام بهذا، لأنّه حين أوصل كلّ موجود إلى كماله الممكن، فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات.

فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد و إبداع النظام، لقلنا: بأنّ الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كلّ ممكن إلى كماله الممكن. ثمّ إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كلِّ ممكن إلى كماله الممكن، لكان السؤال جزافياً ساقطاً، لأنّ العمل الحسن بالذات، يليق أن يفعل، و الغاية نفس وجوده.

فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن، و إبلاغه إلى كماله فيض آخر، يتمّ به الفيض الأوّل، فالمجموع فيض من الفيّاض تعالى إلى الفقير المحتاج، و لا ينقص من خزائنه شيء، فأيّ كمال أحسن و أبدع من هذا؟ و أيُّ غاية أظهر من ذلك، حتّى تحتاج إلى غاية أُخرى؟ و هذا بمثابة أن يسأل لما ذا يفعل اللّٰه الأفعال الحسنة بالذات؟ فإنّ الجواب، مستتر في نفس السؤال و هو أنّه فعله لأنّه حسن بالذات، و ما هو حسن بالذات نفسه الغاية، و لا يحتاج إلى غاية أُخرى.

و لأجل تقريب الأمر إلى الذهن نأتي بمثال: إذا سألنا الشابّ الساعي في التحصيل و قلنا له: لما ذا تبذل الجهود في طريق تحصيلك؟ فيجيب: لنيل الشهادة العلمية. فإذا أعدنا السؤال عليه و قلنا: ما هي الغاية من تحصيلها؟

يجيبنا: للاشتغال في إحدى المراكز الصناعية، أو العلميّة، أو الإداريّة. فإذا أعدنا السؤال عليه و قلنا: ما هي الغاية من الاشتغال فيها؟ يقول: لتأمين وسائل العيش مع الأهل و العيال. فلو سألناه بعدها عن الغاية من طلب الرفاه و تأمين سبل العيش، لوجدنا السؤال جزافياً. لأنّ ما تقدّم من الغايات و أجاب عنها، غايات عرضية لهذه الغاية المطلوبة بالذات، فإذا وصل الكلام إلى الأخيرة يسقط السؤال.

القرآن و أفعاله سبحانه الحكيمة:

و العجب من غفلة الأشاعرة عن النصوص الصريحة في هذا المجال. يقول سبحانه: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ»(1).

و قال عزّ من قائل: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ»(2).

و قال سبحانه: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ»(3).

و قال سبحانه: «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(4). إلى غير


1) . المؤمنون: 115.

2) . الدخان: 38.

3) . ص: 27.

4) . الذاريات: 56.

ذلك من الآيات الّتي تنفي العبث عن فعله، و تصرّح باقترانها بالحكمة و الغرض.

و أهل الحديث و بعدهم الأشاعرة الّذين اشتهروا بالتعبّد بظواهر النصوص تعبّداً حرفيّاً غير مفوّضين معانيها إلى اللّٰه سبحانه و لا مؤوّليها، لا مناص لهم إلّا تناسي الآيات الماضية، أو تأويلها، و هم يفرّون منه، و ينسبونه إلى مخالفيهم.

عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة:

و من الخطأ الواضح، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة، و تصوير أنّ الطائفتين يقولون بأنّ أفعال اللّٰه سبحانه غير معلّلة بالأغراض، و هو خطأ محض. كيف و هذا صدر المتألهين يخطِّئ الأشاعرة و يقول: «إنّ من المعطِّلة قوماً جعلوا فعل اللّٰه تعالى خالياً عن الحكمة و المصلحة، مع أنّك قد علمت أنّ للطبيعة غايات».(1)

و قال أيضاً: «إنّ الحكماء ما نفوا الغاية و الغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً، بل إنّما نفوا عن فعله المطلق (إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة) و في فعله الأوّل غرضاً زائداً على ذاته تعالى، و أمّا ثواني الأفعال و الأفعال المخصوصة، و المقيّدة، فأثبتوا لكلّ منها غاية مخصوصة. كيف و كتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات و منافعها كما يعلم من


1) . الأسفار: 59/2.

مباحث الفلكيّات، و مباحث الأمزجة، و المركّبات، و علم التشريح، و علم الأدوية، و غيرها».(1)

و على ذلك فنظريّة الحكماء تتلخّص في أمرين:

1 - إنّ أفعاله سبحانه غير متّصفة بالعبث و اللّغو، و إنّ هنا مصالح و حِكَماً تترتّب على فعله، يستفيد بها العباد، و يقوم بها النظام.

2 - إذا لوحظ الوجود الإمكاني على وجه الإطلاق، فليس لفعله غرض خارج عن ذاته، لأنّ المفروض ملاحظة الوجود الإمكاني جملة واحدة، و الغرض الخارج عن الذات لو كان أمراً موجوداً فهو داخل في الوجود الإمكاني، و ليس شيء وراءه، و عند ذاك فليس الغرض شيئاً خارجاً عن الذات و إنّما الغرض نفس ذاته، لئلّا يكون ناقص الفاعليّة، لأنّ الحاجة إلى شيءٍ خارجٍ عن ذاته في القيام بالفعل، آية كونه ناقصاً في الفاعليّة، و المفروض أنّه سبحانه تامّ في فاعليّته، غنيّ في ذاته و فعله عن كل شيء سوى ذاته.

ثمّ إنّ لهم بياناً فلسفيّاً ممزوجاً بالدليل العرفاني، يهدف إلى كون الغرض من الخلق هو ذاته سبحانه، و به فسّروا قوله سبحانه: «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ» و قوله في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرفَ، فخلقت الخلقَ لكي أُعرف» و اللّٰه سبحانه هو غاية الغايات، و من أراد الوقوف على برهانهم فليرجع إلى أسفارهم.(2)


1) . الأسفار: 84/7.

2) . الأسفار: 263/2.

6 - الماتريدية و الصفات الخبرية:
اشارة

إنّ تفسير الصفات الخبرية أوجد اختلافاً عميقاً بين المتكلّمين و جعلهم فرقاً متضادّة، و بما أنّ أهل الحديث و الأشاعرة من المثبتين لها، اشتهروا بالصفاتيّة في مقابل المعتزلة الّذين يؤوِّلونها و لا يثبتونها بما يتبادر منها من ظواهرها، و لأجل أن نقف على نظريّة الماتريديّة في هذا المقام، ننقل كلام الامامين الأشعري و الماتريدي ليعلم مدى الاختلاف بين المدرستين، و إليك كلام الأشعري أوّلاً، ثمّ كلام الماتريدي ثانياً:

أ - كلام الإمام الأشعري:

إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يستوي على عرشه كما قال، يليق به من غير طول الاستقرار كما قال: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(1)، و قد قال اللّٰه عزّ و جلّ: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ»(2)، و قال «بَلْ رَفَعَهُ اَللّٰهُ إِلَيْهِ»(3)، و قال عزّ و جلّ: «يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ»(4). و قال حكايةً عن فرعون:


1) . طه: 5.

2) . فاطر: 10.

3) . النساء: 158.

4) . السجدة: 5.

«يٰا هٰامٰانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبٰابَ * أَسْبٰابَ اَلسَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً»(1)، فكذّب فرعون نبيّ اللّٰه موسى عليه السلام في قوله «إنّ اللّٰه عَزّ و جلّ فوق السماوات و الأرض».

و قال عزّ و جلّ: «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ»(2)فالسماوات فوقها العرش، فلمّا كان العرش فوق السماوات قال: «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ» لأنّه مستو على العرش الّذي فوق السماوات، و كلّ ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات. و ليس إذا قال: «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ» يعني جميع السماوات، و إنّما أراد العرش الّذي هو أعلى السماوات. أ لا ترى أنّ اللّٰه عزّ و جلّ ذكر السماوات فقال: «وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً»(3)و لم يرد أنّ القمر يملؤهنّ جميعاً، و أنّه فيهنّ جميعاً، و رأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأنّ اللّٰه مستو على العرش الّذي هو فوق السماوات. فلولا أنّ اللّٰه عزّ و جلّ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض.(4)

و من تأمّل في ظواهر كلماته و دلائله لا يشكّ في أنّ الشيخ يعتقد بكونه سبحانه على العرش فوق السّماوات، و أيّ كلام أصرح من قوله «فلولا أنّ اللّٰه عزّ و جلّ على العرش» فلو صحّت نسبة النسخة من (الابانة) إلى


1) . غافر: 36-37.

2) . الملك: 16.

3) . نوح: 16.

4) . الإبانة: 85-86.

الشيخ، و كانت مصونة عن دسّ الحشويّة و الحنابلة(1)

يقول: و طبع كتاب (الابانة) لم يكن من أصل وثيق، و في (المقالات) المنشور باسمه وقفة، لأنّ جميع النسخ الموجودة اليوم من أصل وحيد كان في حيازة أحد كبار الحشوية ممن لا يؤتمن لا على الاسم، و لا على المسمّى، بل لو صحّ الكتابان عنه على وضعهما الحاضر، لما بقي وجه لمناصبة الحشوية العداء له على الوجه المعروف، على أنّه لا تخلو آراؤه من بعض ابتعاد عن النقل مرّة، و عن العقل مرة أُخرى، في حسبان بعض النظار كقوله في التحسين و التعليل، و فيما يفيده الدليل النقلي (مقدمة اشارات المرام: ص 7). أقول: إنّ الاعتزال عن العقل، و إعلان الالتحاق بأهل الحديث الّذين أعدموا العقل، و الالتجاء إلى كل ما سمي حديثاً لا ينتج إلّا ما جاء في الكتابين، فلا وجه للتشكيك في مضامينهما.

، فهو من المشبّهة قطعاً، غير أنّه لدفع عار التشبيه و التجسيم عن نفسه، يتدرّع بلفظة «بلا كيف» أو «على نحو يليق به» أو «من غير طول الاستقرار» و قد أوضحنا حال هذه الألفاظ في الجزء الثاني.

و العجب أنّ الشيخ يفسّر الرفع الوارد في الآيات تصريحاً، أو تلويحاً، بالرفع الحسّي. مع أنّ في نفس الآيات - عند التدبّر - قرائن تدلّ على كون الرفع، هو الرفع المعنوي لا الحسّي و الصعود المادّي.

و أعجب منه أنّه نسب إلى الكليم عليه السلام أنّه قال لفرعون: إنّ اللّٰه سبحانه فوق السماوات، فصار فرعون بصدد تكذيبه إذ قال لهامان: «ابن لي صرحاً لعلّي أطّلع إلى إله موسى» مع أنّه أشبه بالرجم بالغيب، إذ من الممكن أن يكون المصدر لاعتقاده بكون إله موسى في السماء، هو اجتهاده الشخصي الخاطئ، بأنّه إذا لم يكن إله موسى في الأرض كسائر الآلهة، فلا محالة هو


1) . إنّ الشيخ محمد زاهد الكوثري الماتريدي لا يرى للكتب المطبوعة باسم الأشعري أصالة لأنّها بحرفيتها نفس عقائد الحشوية مع أنّ المعروف أنّهم أعداء له.

في السماء، و لأجل ذلك طلب من هامان بناء الصرح.

ثمّ إنّ نقد كلام الشيخ و تفسير الآيات الّتي استدلّ بها على كونه سبحانه في العرش، يحتاج إلى بسط في الكلام، و سوف نقوم بها عند عرض عقائد المعتزلة إن شاء اللّٰه.

إنّ الصفات المتشابهة الواردة في الكتاب و السنّة، لا تتجاوز عن سبع عشرة، منها اليمين، و الساق، و الأعين، و الجنب، و الاستواء، و الغضب، و الرضى، و النور، على ما ورد في الآيات، و الكفّ و الاصبعان، و القدم، و النزول، و الضحك، و صورة الرحمن، على ما ورد في الأحاديث الّتي لم تثبت صحّة أسنادها، و قد أرسلتها الحشويّة و الحنابلة إرسال المسلّمات، و على أيّ حال فنظريّة الأشاعرة في هذه الصفات هي الإثبات متدرّعة بلفظة «بلا كيف»، أو «بلا تشبيه» أو ما يقرب ذلك.

ب - كلام الماتريدي:

ما ذكره أبو منصور في (توحيده) يعرب بوضوح عن كون منهجه هو التنزيه ظاهراً و باطناً، فهو بعد ما نقل الآراء المختلفة صار بصدد تفسير الآية «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» فقال: إنّ اللّٰه سبحانه كان و لا مكان، و جائز ارتفاع الأمكنة، و بقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، و كان على ما عليه الآن. جلّ عن التغيّر و الزوال، و الاستحالة و البطلان، إذ ذلك أمارات الحدث الّتي بها عرف حدث العالم.

ثمّ ردّ على القائلين بكونه سبحانه على العرش، بأنّه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من مكان للجلوس أو القيام شرف و لا علوّ، و لا وصف بالعظمة و الكبرياء كمن يعلو السطوح و الجبال أنّه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة و الجلال، إذ ذكر في قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ»(1)، فدلّك على تعظيم العرش(2).

و لأجل اختلاف المفسّرين في مفاد الآية، التجأ هو إلى «تفويض معناها إلى اللّٰه»، و قال: «و أمّا الأصل عندنا في ذلك أنّ اللّٰه تعالى قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» فنفى عن نفسه، شبه خلقه، و قد بيّنا أنّه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بأنّ الرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل، و ثبت ذلك في العقل. ثمّ لا نقطع تأويله على شيء لاحتمال غيره ممّا ذكرنا»(3).

فالماتريدي ينفي بتاتاً كونه سبحانه على العرش، حتّى على النحو اللائق به الّذي ملأ كتب الأشاعرة و ينزّهه عن تلك الوصمة، و لكن لمّا كانت المعاني الأُخرى متساوية عنده، لم يجزم بشيء منه، و فوّض المراد إليه سبحانه، و لأجل ذلك لخّص البياضي نظريّة الامام الماتريدي و قال: «و لا يؤوّل المتشابهات و يفوِّض علمها إلى اللّٰه مع التنزيه عن إرادة ظواهرها»(4).


1) . الأعراف: 54.

2) . التوحيد: 69 و 70.

3) . التوحيد: 69 و 74.

4) . إشارات المرام: 54.

و مراده من «المتشابهات» هو الصفات الخبريّة الواردة في الكتاب و السنّة.

و أمّا البزدوي - أحد أئمّة الماتريدية في القرن الخامس - فيظهر منه الجنوح إلى إمكان الوقوف على مقاصد الكتاب في هذه الصفات. قال في مسألة «أنّ اللّٰه لا يشبه شيئاً و لا يشبهه شيء»: فإن قالوا قد وجد دلائل الأجسام فإنّه يوصف بالإتيان قال اللّٰه تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللّٰهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمٰامِ»(1)، و قال «وَ جٰاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا»(2). و يوصف بالاستواء على العرش قال اللّٰه تعالى «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ»(3). و الاتيان و الاستواء على المكان من صفات الجسم. و كذلك يوصف بأنّ له أيدياً و أعيناً، قال اللّٰه تعالى «مِمّٰا عَمِلَتْ أَيْدِينٰا أَنْعٰاماً» (4)«وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا»(5)و هذا من أمارات الأجسام.

ثمّ أجاب عن كلّ واحد بأنّا نصفه بذلك كما وصف اللّٰه تعالى به نفسه و هو الصحيح من مذهب السنّة، فلا بدّ من الوصف بما وصف اللّٰه نفسه به، و لكن هذه الصِّفات ليست من صفات الأجسام، فإنّ الاتيان يذكر و يراد منه الظُّهور. قال اللّٰه تعالى:

«فَأَتَى اَللّٰهُ بُنْيٰانَهُمْ مِنَ اَلْقَوٰاعِدِ»(6)، و قال «فَأَتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا»(7)معناه - و اللّٰه أعلم - ظهرت آثار سخطه في


1) . البقرة: 210.

2) . الفجر: 22.

3) . يونس: 3.

4) . يس: 71.

5) . الطور: 48.

6) . النحل: 26.

7) . الحشر: 2.

بنيانهم، و ظهرت آثار قدرته و قهره فيهم - إلى أن قال: - و كذا الاستواء ليس من صفات الأجسام فإنّ الاستواء هو الاستيلاء على الشيء و القهر عليه. قال اللّٰه تعالى: «وَ لَمّٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اِسْتَوىٰ آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً»(1)معناه - و اللّٰه أعلم - تقوّى حاله بتمام البِنية. و استوى أمر فلان: إذا تناهى، و منه المستوي على الكرسي و هو القاعد عليه، عبارة عن الاستيلاء. فإنّه (لا) يقال: استوى على الكرسي ما لم يجلس مستقرّاً عليه، فالمستقرّ على العرش مستوٍ، فكان معنى قوله: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ اَلرَّحْمٰنُ»(2)- و اللّٰه أعلم - أي استوى عليه بعد خلقه، و اللّٰه تعالى مستول على جميع العالم، إلّا أنّه خصّ العرش بالذكر لأنّه أعظم الأشياء و أشرفها، ثمّ ذكر تفسير سائر الصفات الخبرية من اليد و العين(3).

و كلّ من كلامي الأُستاذ و التلميذ يعربان بوضوح عن اختلاف منهجهما مع منهج الامام الأشعري، فهو يثبت جميع هذه الصِّفات الخبريّة الظاهرة من كونه سبحانه جسماً و ذا أعضاء، و لا يتحرّج من الإثبات، غاية الأمر يتدرّع بما عرفت، و هذا بخلاف الداعي الآخر و تلاميذ منهجه، فإنّهم لا يخرجون من خطّ التنزيه، لكن بين مفوِّض غير قاطع بمراد الآية، أو مفسِّر لها مثل تفسير العدليّة الّذين سمّتهم الأشاعرة بالمؤوِّلة.

ثمّ إنّ الشيخ البزدوي أفاض الكلام في نقد ما استدلّ به الأشعري من


1) . القصص: 14.

2) . الفرقان: 59.

3) . أُصول الدين: 25-28.

كونه سبحانه على العرش من الآيات و الرِّوايات في كتابه، و من أراد الوقوف فليرجع إلى المسألة (14) من كتابه(1).

و في خاتمة المطاف نلفت نظر القارئ إلى ما ذكره الكاتب المصري (أحمد أمين) حول عقيدة الأشاعرة في الصِّفات الخبرية، قال: «و أمّا الأشاعرة فقالوا إنّها مجازات عن معان ظاهرة، فاليد مجاز عن القدرة، و الوجه عن الوجود، و العين عن البصر، و الاستواء عن الاستيلاء، و اليدان عن كمال القدرة، و النزول عن البرد و العطاء، و الضحك عن عفوه».(2)

و ما ذكره هو نفس عقيدة المعتزلة لا الأشاعرة و لا الماتريديّة. فالمعتزلة هم المؤوّلة، يؤوّلون الصِّفات بما ذكره، و الأشاعرة من المثبتة لكن بقيد «بلا كيف» و الماتريديّة هم المفوِّضة، يفوِّضون معانيها إلى قائلها.

و كم لهذا الكاتب المصري من هفوات في بيان الطوائف الإسلاميّة. فقد كتب عقيدة الشيعة في كتابيه: «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» و بين التقريرين في الكتابين بون بعيد. و اللّٰه الحاكم. و العجب أنّه لم يعتمد على مصدر شيعيّ فيهما، و أعجب منه أنّه لم يشر إلى واحد من النقود التي وجّهها علماء الشيعة إلى كتابه «فجر الإسلام»، مع أنّ بعضها طبع في نفس القاهرة عاصمة مصر ك «أصل الشيعة و أُصولها». حيّا اللّٰه الحريّة في القضاء، و الأمانة في النّقل!!


1) . أُصول الدين: 28-31.

2) . ظهر الإسلام: 94/4.

7 - الاستطاعة قبل الفعل أو بعده:

اتّفق الإلهيّون على أنّ استطاعة الواجب سبحانه متقدّمة على الفعل، فهو سبحانه يوصف بالقدرة قبل إيجاد الأشياء، كما يوصف بها معه و بعده.

إنّما الكلام في استطاعة الإنسان على الفعل، فذهب الأشعريّ إلى كونها مقارنة للفعل ببيان عقليّ ذكره في اللّمع(1).

و الماتريدي يفصِّل في المسألة بين العلّة النّاقصة الّتي يعبّر عنها باستطاعة الأسباب و الآلات، و بين العلّة التامّة الّتي يعبّر عنها باستطاعة الفعل، و إليك نصّ عبارته في «التوحيد»:

«الأصل عندنا في المسمّى باسم القدرة أنّها على قسمين: أحدهما: «سلامة الأسباب و صحّة الآلات» و هي تتقدّم الأفعال، و حقيقتها ليست بمجعولة للأفعال، و إن كانت الأفعال لا تقوم إلّا بها، لكنّها نعم من اللّٰه أكرم بها من شاء، و الثاني: معنى لا يقدر على تبيّن حدِّه بشيء يصار إليه، سوى أنّه ليس إلّا للفعل لا يجوز وجوده بحال إلّا و يقع به الفعل عند ما يقع معه».

ثمّ حاول تفسير كثير من الآيات الّتي استدلّوا بها على تقدّم الاستطاعة على الفعل، بأنّ الاستطاعة الواردة فيها، هي استطاعة الأسباب و الأحوال لا استطاعة الفعل(2).


1) . اللمع: 93-94.

2) . التوحيد: 256-257.

8 - القدرة صالحة للضدّين:

القدرة في مقابل «الإيجاب». فالثاني لا يصلح إلّا للتعلّق بشيء واحد، كالنار بالنسبة إلى الإحراق، و هذا بخلاف قدرة الإنسان فإنّها يصحّ أن تتعلّق بالجلوس تارة، و القيام أُخرى.

و ما ذكره من التفصيل في تقدّم الاستطاعة على الفعل، أو كونها معه، يأتي في المقام أيضاً. فالقدرة الناقصة الّتي يعبّر عنها بقابليّة الفاعل و استعداده، و الّتي يعبِّر عنها الماتريدي بصحّة الأسباب و الآلات، صالحة للضدّين.

و أمّا إذا وصل إلى حدٍّ وجب معه الفعل، فحينئذ تكون القدرة أحديّة التعلّق، لا تصلح إلّا بشيء واحد. و قد نقل شارح (المواقف) كلاماً عن الرازي يعرب عن كون النزاع بين الطرفين لفظيّاً.(1)

و هو خيرة الماتريدي أيضاً حيث قال: «ثمّ اختلف أهل هذا القول في قوّة الطاعة، أ هي تصلح للمعصية أم لا؟ قال جماعة: هي تصلح للأمرين جميعاً و هو قول أبي حنيفة و جماعته، و هذا القول أثبته جميع أهل الاعتزال». و استدلّ على ذلك بقوله «و أصل هذا أنّه لما كان سبب من أسباب القول يصلح للشيء و ضدّه، فكذلك القدرة، مع ما في نفي (كذا) أن يصلح للأمرين، [من] فوت القدرة على فعل ضدّ الّذي جاء به، و قد يؤمر به


1) . شرح المواقف: 154/8.

و ينهى عنه في وقته، فيلزم القول بالقدرة على الشيء و ضدِّه ليكون الأمر و النهي على الوسع و القوّة».(1)

و قال البياضي: «و الاستطاعة صالحة للضدّين على البدل، و اختاره الإمام القلانسي، و ابن شريح البغدادي كما في «التبصرة» لعبد القاهر البغدادي، و كثير منهم كما في شرح المواقف».(2)

9 - الماتريدي و أفعال العباد:
اشارة

اتّفق المسلمون على أنّه لا خالق إلّا اللّٰه و اختلفوا في تفسيره في أفعال العباد و آثار الموجودات فذهب أهل السنّة إلى أنّه لا صلة بين الطبائع و آثارها. و الطبائع و آثارها من صنع الخالق مباشرة من دون دخالة للطّبيعة و لو بنحو الشرط، و المعدّ في سطوعها على الطبيعة، و قد اشتهر بين الأزهريّين قول القائل:

و من يقل بالطّبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة

هذا كلّه في غير أفعال العباد، و أمّا فيها فذهبت الجهميّة أتباع جهم بن صفوان إلى أنّ العبد لا يقدر على إحداث شيء، و لا على كسب شيء، و هذه النظرية هي نظرية الجبريّة الخالصة، و لازم ذلك لغويّة بعث الرسل، و إنزال الكتب، و إغلاق باب المناهج التربويّة في العالم.


1) . التوحيد: 263.

2) . إشارات المرام: 55.

و أهل الدقّة من أهل السنّة حاولوا الجمع بين حصر الخلق في اللّٰه سبحانه، و صحّة تكليف العباد، فقالوا: إنّ اللّٰه هو الخالق، و العبد هو الكاسب. و التكليف، و الأمر، و النهي، و الثواب، و العقاب، بالملاك الثاني دون الأوّل، و قد أخذوا مصطلح الكسب من الذكر الحكيم. قال سبحانه «لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اِكْتَسَبَتْ»(1)لكنّهم اختلفوا في تفسير حقيقة الكسب إلى حدٍّ صارت النظرية إحدى الألغاز إلّا ما نقل عن الماتريدي و إمام الحرمين من الأشاعرة، فقد استطاعوا توضيحها إلى حدٍّ معقول و مقبول.

و لا يعلم مدى الاختلاف بين المدرستين في تفسير الكسب إلّا بنقل نصوصهما في هذا المجال.

معنى الكسب عند الأشعري:

قال الفاضل القوشجي و هو من أئمّة الأشاعرة: «المراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته و إرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له»(2). و حاصله أنّه ليس للعبد دور في خلق الفعل و إيجاده، غير كونه ظرفاً و محلا لخلق اللّٰه و إيجاده، غاية الأمر إنّ شرط إيجاده سبحانه هو قصد العبد و عزمه، فإذا قصد و عزم و حدثت فيه القدرة غير المؤثِّرة، خلق اللّٰه الفعل و أوجده، من دون أن يكون لقدرة العبد دور


1) . البقرة: 286.

2) . شرح التجريد للقوشجي: 444-445.

و تأثير، و هذه النظرية قد شغلت بال أئمّة الأشاعرة طوال قرون، و قد بذلوا الجهود لتبيينها فما أتوا بشيء يسكن إليه القلب.

إذ لقائل أن يسأل و يقول:

1 - إذا كان الخالق للفعل هو اللّٰه سبحانه مباشرة، و لم يكن لقدرة العبد دور فيه، فلما ذا صار الإنسان هو المسئول عن فعله دون اللّٰه سبحانه، مع أنّ الفعل فعله، لا فعل الإنسان.

2 - إذا كانت القدرة الحادثة في العبد، غير مؤثِّرة في الإيجاد و التكوين، فما هو الغاية في إحداثها في العبد، و إقداره على العمل، أ ليس هذا عملاً لغواً غير مناسب لساحة الفاعل الحكيم؟

3 - إذا كان قصد العبد و عزمه شرطاً لإيجاده سبحانه الفعل بعده، فيسأل عن نفس ذاك القصد فمن خالقه؟ فهل هو مخلوق للقاصد، أو للّٰه سبحانه؟ فعلى الأوّل تنتقض القاعدة «لا خالق إلّا اللّٰه» و يثبت في صحيفة الكون، فعل مخلوق للعبد دونه سبحانه، و على الثاني تتّحد النظرية مع نظريّة الجهميّة الّتي عرّفوها بالجبريّة الخالصة، فإذا كان وجود العبد و قصده و قدرته غير المؤثرة فعلاً مخلوقاً للّٰه سبحانه فبأيّ ذنب يدخل العاصي النّار؟ و بأيّ عمل حسن، يثاب المطيع و يدخل الجنّة؟

و الحاصل، إنّ تفسير الكسب بإيجاده سبحانه فعل العبد عند عزمه و قصده، يدور أمره بين نقض القاعدة، أو ثبوت الجبر الخالص.

و لو تدبّر القوم في آيات الذّكر الحكيم خصوصاً في الآيات الناصّة

على أنّه لا خالق إلّا اللّٰه، لوقفوا على المعنى الصحيح من الآيات و المراد منها، و ذلك لأنّ المراد من حصر الخالقيّة هو حصرها بالمعنى المناسب لشأنه سبحانه، و ليس اللائق بشأنه إلّا القيام بالايجاد مستقلاً من دون استعانة من أحد، و عليه فلا مانع من حصر الخالقيّة في اللّٰه سبحانه، و في الوقت نفسه أن يكون العبد موجداً لفعله، بقدرة مكتسبة من اللّٰه و إذن منه سبحانه، و حصر الخالقيّة المستقلّة، غير المعتمدة على غيره، في اللّٰه سبحانه، لا ينافي نسبة الخالقيّة إلى بعض الممكنات، لكن خالقيّة مستندة إلى القدرة المكتسبة و المعتمدة إليه، و بالوقوف على اختلاف الخالقيّة المنسوبة إلى اللّٰه، مع الخالقيّة المنسوبة إلى عبده، يتحرّر المفسِّر من مشكلة الجبر و عقدته، و قد أوضحنا الحال في الجزء الثاني عند عرض عقائد الأشعري(1).

نظريّة أبي حنيفة (شيخ الماتريدي) في الكسب:

إذا كان هذا معنى الكسب لدى الشّيخ الأشعري فما معناه لدى الماتريدي؟!

أقول: يعلم مذهبه في هذا المجال مما روى عن شيخه أبي حنيفة، كيف و هو مؤسِّس منهجه و اُستاذ مدرسته. قال في الفقه الأكبر: «لم يجبر أحداً من خلقه على الكفر و لا على الايمان، و لا خلقه مؤمناً و لا كافراً و لكن


1) . الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 160-205، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

خلقهم أشخاصاً، و الايمان و الكفر فعل العباد، و جميع أفعال العباد من الحركة و السكون، كسبهم على الحقيقة، و اللّٰه خالقها»(1).

و قال في الفقه الأبسط (على ما في بعض نسخه): «و العبد معاقب في صرف الاستطاعة الّتي أحدثها اللّٰه فيه، و أمر بأن يستعملها في الطاعة دون المعصية في المعصية»(2).

و لو صحّت هذه الكلمات من شيخ الماتريدي، فالكسب عنده هو صرف العبد القدرة في طريق الطاعة و المعصية عن اختيار، و هو نفس قول العدليّة جمعاء، و أين هو من الكسب عند الأشاعرة المفسّر بإيجاد الفعل من اللّٰه سبحانه مباشرة، من دون أن يكون للعبد و قدرته الحادثة فيه دور في تحقّق الفعل غير كونه ظرفاً و محلّاً، و كون ظهور القصد في ضميره شرطاً لإيجاده سبحانه.

كلام الماتريدي في أفعال العباد:

هذا كلام أبي حنيفة شيخ الماتريدي، و إليك كلام الماتريدي نفسه في هذا المجال. قال: اختلف منتحلو الاسلام في أفعال العباد، فمنهم من جعلها لهم مجازاً و حقيقتها للّٰه لوجوه:

1 - وجوب إضافتها إلى اللّٰه، على ما أُضيف إليه خلق كل شيء في الجملة، فلم يجز أن تكون الإضافة إلى اللّٰه مجازاً.


1) . إشارات المرام: 254.

2) . المصدر نفسه: 259.

2 - إنّ بتحقيق الفعل لغيره تشابهاً في الفعل، و قد نفى اللّٰه ذلك بقوله: «أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ»(1).

قال الشيخ (الماتريدي): و عندنا لازم تحقيق الفعل لهم (العباد) بالسمع و العقل و الضرورة الّتي يصير دافع ذلك مكابراً.

فأمّا السمع فله وجهان: الأمر به و النهي عنه، و الثاني الوعيد فيه و الوعد له. على تسمية ذلك في كلّ هذا فعلاً، من نحو قوله:

«اِعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ»(2)و قوله: «اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ»(3)و في الجزاء «يُرِيهِمُ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ حَسَرٰاتٍ عَلَيْهِمْ»(4)و قوله: «جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(5)و قوله: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ»(6)و غير ذلك مما أثبت لهم أسماء العمّال، و لفعلهم أسماء الفعل بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد، و ليس في الإضافة إلى اللّٰه سبحانه نفي ذلك، بل هي للّٰه، بأن خلقها على ما هي عليه، و أوجدها بعد أن لم تكن، و للخلق على ما كسبوها و فعلوها. على أنّ اللّٰه تعالى إذا أمر و نهى، و محال الأمر بما لا فعل للمأمور أو المنهي. قال اللّٰه تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ»(7)و لو جاز الأمر بذلك بلا معنى الفعل في الحقيقة، لجاز اليوم الأمر بشيء يكون لأمس، أو للعام الأول أو بإنشاء الخلائق، و إن كان لا معنى لذلك في أمر الخلق. ثمّ في العقل قبيح إن انضاف إلى اللّٰه الطاعة و المعصية، و ارتكاب الفواحش


1) . الرعد: 16.

2) . فصّلت: 40.

3) . الحج: 77.

4) . البقرة: 167.

5) . الواقعة: 24.

6) . الزلزلة: 7.

7) . النحل: 90.

و المناكير و أنّه المأمور، و المنهى، و المثاب، و المعاقب، فبطل أن يكون الفعل من هذه الوجوه له، و لا قوّة إلا باللّٰه.

و أيضاً إنّ اللّٰه تعالى إنّما وعد الثّواب لمن أطاعه في الدُّنيا، و العقاب لمن عصاه، فإذا كان الأمران فعله فإذاً هو المُجزَى بما ذكر، و إذا كان الثّواب و العقاب حقيقة، فالائتمار و الانتهاء كذلك، و لا قوّة إلّا باللّٰه.

و كذلك في أنّه محال أن يأمر أحد نفسه، أو يطيعها، أو يعصيها، و محال تسمية اللّٰه عبداً، ذليلاً، مطيعاً، عاصياً، سفيهاً، جائراً، و قد سمّى اللّٰهُ تعالى بهذا كلِّه أُولئك الّذين أمرهم و نهاهم، فإذا صارت هذه الأسماء في التحقيق له، فيكون هو الربّ، و هو العبد، و هو الخالق و المخلوق، و لا غير ثمّة، و ذلك مدفوع في السمع و العقل، و لا قوّة إلّا باللّٰه.

و أيضاً إنّ كلّ أحد يعلم من نفسه أنّه مختار لما يفعله، و أنّه فاعل كاسب - إلى آخر ما أفاده..(1).

هذا كلام الماتريدي، و لا أظنُّ أحداً يتأمّل في أطراف كلامه، فيتصوّره موافقاً مع الشيخ الأشعري، بل هما يتحرّكان في فلكين مختلفين، كيف! و من جاء بعده من الماتريديّة جعل كلامه في مقابل كلام الأشعري. هذا الإمام البزدوي جعل قول أهل السنّة و الجماعة (يعني الماتريديّة المتّصلة إلى الامام أبي حنيفة) في مقابل قول الأشعري(2). و هو يترجم مذهبه بما يلي: «قال أهل السنّة و الجماعة: أفعال العباد مخلوقة للّٰه تعالى و مفعوله، و اللّٰه


1) . التوحيد: 225-226.

2) . أُصول الدين: 101.

هو موجدها و محدثها، و منشئها، و العبد فاعل على الحقيقة، و هو ما يحصل منه باختيار و قدرة حادثين، و هذا هو فعل العبد، و فعله غير فعل اللّٰه تعالى» ثمّ يعرض عقائد سائر الطوائف من المجبِّرة، و الجهميّة، و القدريّة، و الأشعريّة، و يستدلّ على مختاره بالنصوص القرآنيّة و يقول: «فدلّتنا هذه النصوص على أنّ الأفعال منّا بقدرة حديثة منّا، و هي مخلوقة اللّٰه تعالى، فكانت هذه النصوص حجّة على الخصوم أجمع (حتّى الأشعرية). و اللّٰه تعالى أضاف الأفعال إلينا في كتابه في مواضع كثيرة. قال اللّٰه تعالى: «جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(1)، «وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّٰارَأْتُمْ فِيهٰا»(2)و قال: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاٰةِ»(3). و كذلك نهانا عن أفعال كثيرة و أمرنا بأفعال كثيرة، فلا بدّ أن يكون لنا فعل، و يجب أن يكون ذلك بهدايته، و مشيئته، و إرادته»(4).

و لقد رسّم البياضي الماتريدي عقيدة شيخه في كتاب «إشارات المرام» و بيّنه على نحو يتّحد مع ما يعتقده الإماميّة من أنّه لا جبر و لا قدر (تفويض) بل أمر بين الأمرين، فقال: «و قال قوم من العلماء: إنّ المؤثّر مجموع القدرة و قدرة العبد، و هذا المذهب وسط بين الجبر و القدر، و هو أقرب إلى الحقّ و إليه أشار (أبو حنيفة) بقوله: كسبهم على الحقيقة و اللّٰه خالقها»(5).


1) . السجدة: 17.

2) . البقرة: 72.

3) . المائدة: 6.

4) . أُصول الدين: 99 و 104-105.

5) . إشارات المرام: 256 و 257. لاحظ بقية كلامه، فهو ينقل عن الامام الباقر عليه السلام قوله: لا جبر و لا تفويض الخ.

و يقول في فصل الخلافيّات بين جمهور الماتريديّة و الأشاعرة: «و اختيار العبد مؤثّر في الاتّصاف دون الإيجاد، فالقدرتان المؤثِّرتان في محلّين و هو الكسب لا مقارنة الاختيار بلا تأثير أصلاً، و اختاره الباقلاني كما في (المواقف)، و هو مذهب السلف كما في الطريقة للمحقّق البركوي، و اختاره الأُستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني و إمام الحرمين في قوله الأخير: إنّ اختياره مؤثّر في الإيجاد بمعاونة قدرة اللّٰه تعالى، فلا تجتمع القدرتان المؤثِّرتان بالاستقلال، و لا يلزم تماثل القدرتين».(1)

10 - صفاته عين ذاته:

اتّفق المسلمون على إثبات صفات ذاتيّة للّٰه سبحانه مثل العلم، و القدرة، و الحياة. و لكن اختلفوا في كيفيّة الإثبات، فالإماميّة من العدليّة على أنّ صفاته سبحانه ليست زائدة على ذاته، لا بمعنى سلبها عن ذاته، كما هو القول المنسوب إلى الزنادقة، و لا بمعنى نيابة الذات مناب الصِّفات، و لم تكن واقعيّاتها متحقّقة في الذات، بل بمعنى أنّها نفس العلم، و القدرة، و الحياة، لا أنّ لها العلم، و القدرة، و الحياة، فالصفات على القول الأوّل نفس الذات و أنّه بلغ من الكمال و الجمال رتبة صارت الذات نفس الانكشاف و الاستطاعة، كما أنّها على الثاني أُمور زائدة على الذات قائمة معها، قديمة كقدمها.


1) . إشارات المرام: 55.

فالشيخ الأشعري يصرّ على النظريّة الثانية، و يستدلّ عليها بوجوه طرحناها على بساط البحث في محلّه، و لكنّ الظاهر من الماتريدي حسبما ينقله النسفي هو القول بالعينيّة. يقول النسفي: «ثمّ اعلم أنّ عبارة متكلّمي أهل الحديث في هذه المسألة أن يقال: إنّ اللّٰه تعالى عالم بعلم، و كذا فيما وراء ذلك من الصّفات، و أكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة احترازاً عما توهّم أنّ العلم آلة و أداة فيقولون: إنّ اللّٰه تعالى، عالم، و له علم، و كذا فيما وراء ذلك من الصِّفات. و الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله يقول:

إنّ اللّٰه عالم بذاته، حيّ بذاته، قادر بذاته، و لا يريد منه نفي الصِّفات، لأنّه أثبت الصّفات في جميع مصنّفاته، و أتى بالدلائل لإثباتها، و دفع شبهاتهم على وجه لا محيص للخصوم عن ذلك، غير أنّه أراد بذلك دفع وهم المغايرة، و أنّ ذاته يستحيل أن لا يكون عالماً(1).

حصيلة البحث:

اشارة

هذه المسائل العشر الّتي اختلف فيها الماتريدي و الأشعري تميط الستر عن وجه المنهجين، و توقفنا على الاختلاف الهائل السائد عليهما، و تكشف عن أنّ منهج الماتريدي منهج يعلو عليه سلطان العقل، و على ضوء هذا لا يصحّ لمحقّق كتاب «التوحيد» للماتريدي أن يقول: «إنّ توسّط الماتريدي (بين أهل الحديث و المعتزلة) هو بعينه توسّط الأشعري، و إنّ


1) . العقائد النسفية: 76.

شيخي السنّة يلتقيان على منهج واحد، و مذهب واحد، في أهمّ مسائل الكلام الّتي وقع فيها الخلاف بين فرق المتكلّمين»(1).

لا شكّ أنّ الشيخين يلتقيان في عدّة من المسائل، كجواز رؤيته سبحانه في الآخرة، و أنّه متكلّم بالكلام النّفسي الّذي هو صفة له قديمة بذاته، و هو ليس من جنس الحروف و الأصوات، إلى غير ذلك من الأُصول.

لكنّ الاتفاق فيهما، و في بعض الأُصول الأُخر الّتي اتّفق عليها أكثر المسلمين، لا يضفي لون الوحدة للمنهجين.

نعم هناك مسائل اختلف الداعيان فيها، و لا يعدّ الاختلاف فيها جذريّاً، و نحن نشير إلى قسم منها:

1 - الوجود نفس الماهية أو غيرها؟

نقل البياضي في «إشارات المرام» أنّ المختار لدى الماتريديّة هو المغايرة، و لدى الأشعري هو الوحدة.

و الظاهر كون الاختلاف لفظياً، و المراد هو الوحدة في عالم العين و التحقّق، و المغايرة في عالم التصور و الذهن(2).


1) . مقدمة التوحيد: 17-18.

2) . إشارات المرام: 53 و 94.

2 - البقاء هو الوجود المستمر أو وصف زائد؟

البقاء لدى الماتريدي نفس الوجود المستمرّ و ليس شيئاً زائداً على وجود الذات في الزمان الثاني، خلافاً للأشعري حيث إنّ البقاء عنده صفة زائدة على الذات مثل سائر الصفات حتّى في البارئ عزّ اسمه(1).

يلاحَظ عليه: أنّ البقاء وصف انتزاعيّ من استمرار وجود الشيء الزماني، و ليست له واقعيّة وراء استمراره.

و أمّا الوجود الخارج عن إطار الزمان كالمجرّدات، فإطلاق الباقي عليه بملاك آخر، ليس هنا محلّ بيانه.

3 - القدرة غير التكوين، و التكوين غير المكوِّن:

و ممّا اختلف فيه الدّاعيان، هو أنّ القدرة نفس التكوين كما عليه الأشاعرة، أو غيره كما عليه الماتريديّة.

قالت الأشاعرة: إنّ الشأنيّ من الاستطاعة (إن شاء فعل) هو القدرة، و الفعليّ منها (إذا شاء فعل) هو التكوين، فليست هنا صفتان مختلفتان، بل وصف واحد بمعنى القدرة، له حالتان تحصلان باقتران المشيئة و عدمها، فالقدرة قديمة، و التكوين حادث، و أمّا الماتريديّة فتتلقّاهما و صفين ذاتيّين


1) . لاحظ شرح المنظومة بحث أصالة الوجود: 13.

مختلفين، و الصفات الفعليّة من الخلق، و الرزق، و الرحمة، و المغفرة، تجتمع تحت وصف التكوين دون القدرة.

و على أيّ تقدير فهما يختلفان في مسألة اُخرى أيضاً، و هو كون التكوين بالمعنى المصدر، هل هو نفس المكوَّن (اسم المصدر) كما عليه الأشاعرة، أو غيره كما عليه الماتريديّة، فهناك فعل بمعنى الخلق و التكوين، و هناك مخلوق و مكوّن في الخارج، و المسألتان واردتان في كلام البزدوي و غيره.

قال البزدوي: قال أهل السنّة و الجماعة: إنّ التكوين و الإيجاد صفة اللّٰه تعالى غير حادث، بل هو أزلي كالعلم و القدرة (المسألة الأُولى) و المكوّن و الموجود غير التكوين، و كذا التخليق و الخلق صفة اللّٰه تعالى غير حادث بل أزليّ و هو غير المخلوق (المسألة الثانية) و كذا الرحمة و الإحسان و كذا الرزق و المغفرة، و جميع صفات الفعل للّٰه.

و قالت الأشعرية: إنّ هذه الصفات ليست بصفات اللّٰه تعالى، و الفعل و المفعول واحد، و قالوا في صفات الذات كالعلم و الحياة مثل قولنا(1).

و قال البياضي: و صفات الأفعال راجعة إلى صفة ذاتيّة هي التكوين، أي مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود(2)، و ليس بمعنى المكوّن(3).

و الإمعان في هذه العبارات و أمثالها، يدلّ على أنّ صفات الفعل


1) . أُصول الدين للبزدوي: 69. لاحظ إشارات المرام: 69.

2) . إشارة إلى المسألة الأُولى.

3) . إشارة إلى المسألة الثانية: 53.

كالإحسان و الرزق و.. عند الماتريديّة يجمعها وصف التكوين، فالكلّ واقع تحته، لا تحت القدرة، لأنّه يكفي فيها صحّة التعليق (إن شاء فعل) و إن لم يفعل، و هذا بخلاف وصف التكوين، و هو لا يصدق إلّا مع وجود الفعل، و بما أنّ التكوين غير المكوّن، و الأوّل قائم بذاته، بخلاف المكوّن و المخلوق إذ هو موجود منفصل عنه سبحانه، يكون التكوين أو الخلق وصفاً أزليّاً، بخلاف المكوّن و المخلوق فإنّهما حادثان بحدوث الموجودات.

يلاحظ عليه:

1 - أنّ التكوين و الخلق ليس إلّا إعمال القدرة عند تحقّق المشيئة، فلا يكون وصفاً وراء ظهورها و شأنيّة التعلّق في القدرة، و فعليّته في التكوين، لا تجعلانهما شيئين مختلفين، بل أقصى الأمر وحدتهما جوهراً، و اختلافهما مرتبة.

و على ذلك فتكون جميع الصفات الفعليّة مجتمعة تحت القدرة إذا انضمّت إليها المشيئة و الإرادة.

2 - لو كان التكوين وصفاً ذاتيّاً أزليّاً، لاستلزمت أزليّته، أزليةَ بعض المكوّنات و قدمتها، إذ لا يفارق وصف التكوين وجوداً عن وجود المكوّن، و هو ينافي أُصول التوحيد، و لو فسّر بشأنية التكوين، يكون بمعنى القدرة لا شيئاً غيرها، و هو بصدد تصوير المغايرة.

و قد تفطّن البزدوي لهذا الإشكال، و نقله عن بعض مخالفيه و قال: «ربّما يقال: إنّ الايجاد بلا موجود مستحيل، كالكسر بلا مكسور، و الضرب بلا مضروب، فلو قلنا بقدم الإيجاد (التكوين) صرنا قائلين بقدم الموجودات، و ذلك مناف للتوحيد فلم يمكن القول بقدم الإيجاد».

لكنّه تخلّص عنه بقوله: «إنّ للّٰه تعالى فعلاً واحداً غير حادث، بذلك الفعل يوجِد الأشياء في أوقاتها، كما أنّ للّٰه تعالى قدرة واحدة، بتلك القدرة يقدر على إيجاد الأشياء في أوقاتها»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بقدم فعل اللّٰه سبحانه و لو واحداً، يخالف التوحيد و يضادّه، لأنّ قدم الشيء يلازم استغناءه عن الفاعل و الموجد، و المستغني عن العلّة واجب، كذات الواجب، و هل هذا إلّا الشرك الصريح.

و أنا أجلّ البزدوي عن الاعتقاد بما ذكره، و إلّا فأيّ فرق بين ذاك القول و الثنويّة، و لكنّ الإصرار على تصحيح المنهج، و الرأي المسبق، أقحمه في مهالك الضلال. قال الإمام علي عليه السلام: «ألا و إنّ الخطايا خيل شُمُس حُمل عليها أهلها، و خُلعَت لجمها، فتقحّمت بهم في النّار»(2).

3 - جعل التكوين غير المكوّن، و الخلق غير المخلوق مبنيّ على التغاير الجوهريّ بين المصدر و اسمه، فالايجاد هو المصدر، و الموجود هو نتيجته، و لا أظنّ أن يقول به الماتريدي في سائر الموارد. فإذا ضرب زيد


1) . أُصول الدين: 73.

2) . نهج البلاغة: الخطبة: 15.

عمراً، فالصّادر من زيد، يسمّى بالمصدر، و الواقع على عمرو يسمى باسمه، فهل يصحّ لنا أن نعتقد أنّ هنا أمرين، أمر قائم بالفاعل، و أمر قائم بالمفعول و هكذا غيره، أو أنّ هنا شيئاً واحداً إذا نسب إلى الفاعل يسمّى مصدرا. و إذا نسب إلى المفعول يصير اسم المصدر، و هذا هو الفرق بين الايجاد و الموجود أيضاً.

4 - الكلام النفسي لا يسمع:

الكلام النفسي الّذي هو غير الحروف و الأصوات لا يسمع خلافاً للأشعري. قال في «إشارات المرام»: «و لا يسمع الكلام النفسي بل الدالّ عليه، و اختاره الأُستاذ و من تبعه كما في «التبصرة» للامام أبي المعين النسفي»(1).

و قد استند الأشعري في جواز السماع على الدليل الّذي استند عليه في جواز رؤيته سبحانه، و جعل الملاك للسماع هو الوجود، كما جعل الملاك لوقوع الرؤية هو كون الشيء موجوداً.

و قد عرفت في الجزء الثاني عند عرض عقيدة الأشعري أنّ الكلام النفسي ليس شيئاً وراء العلم في الإخبار، و ليس وراء الإرادة و الكراهة في الإنشاء، و القائل به يريد أن يثبت وصفاً مغايراً للعلم و الإرادة.

كما عرفت بطلان كون المصحِّح للرؤية هو كون الشيء موجوداً، و أنّ


1) . إشارات المرام: 55.

كلّ موجود يرىٰ. هذا، و إنّ ملاك السماع ليس هو الوجود حتّى يستنتج منه أنّ كلّ موجود يسمع، و هذا واضح لمن له أدنى إلمام بالعلوم الطبيعيّة.

هذا هو عرض إجمالي لمذهب الإمام الماتريدي، و قد وقفت على مشخِّصات المنهج، و عرفت الأُصول الّتي اختلف فيها الداعيان، و الأُصول الّتي اتّفقا فيها.

و التأمّل فيما ذكرناه من النصوص من نفس الماتريدي و تلاميذ منهاجه، يدفع الإنسان إلى القول بأنّ الشيخين الأشعري و الماتريدي كانا في سبيل واحد من الدعوة، و هو نصرة السنّة و مكافحة الاعتزال، و مع ذلك كلّه فلكلّ واحد أُسلوب خاصّ، و القول بوحدة المنهاجين و كون الاختلاف جزئيّاً، و أنّه في حلبة الدعوة إلى السنّة يقع الحافر على الحافر، مداهنة جدّاً و إخفاء للحقيقة، و إسدال الستر على وجهها.

أنصاره و أتباعه في الأجيال المتأخِّرة:

اشارة

قد انتشر مذهب الأشعري في كثير من الحواضر الإسلاميّة لأنّه ظهر في مركز العالم الإسلامي، و كثرت أنصاره و أعوانه، بين مبيِّن مقاصده، إلى ذابّ عن براهينه و دلائله، إلى مكمِّل لأُصوله و قواعده، و أمّا مذهب الماتريدي فقد نبت في نقطة بعيدة عن الحواضر، فقلّت العناية بنقله و شرحه.

و هناك وجه آخر لقلّة انتشاره، و هو أنّ لمذهب الماتريدي مع كونه

بصدد نصر السنّة، طابع التعقّل، و قد كثرت الدعاية في عصر ظهوره، على ضدّ أهل التعقّل و التفكّر، و صار العكوف على النقل المحض، و ترك التعقّل و البرهنة آية القداسة، و الإمام بما أنّه أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري، و وافق في عدّة من الأُصول، منهاج المعتزلة، فصار هذا و ذاك سببين لقلّة انتشاره، و ندرة أنصاره.

و مع ذلك فقد شاع مذهبه بين علماء ما وراء النهر فقاموا بنشر دعوته و معاضدته، فألّفوا حول منهاجه، كتباً و رسائل منشورة و غير منشورة.

و لأجل إيقاف القارئ على أعلام الماتريديّين نأتي بترجمة عدّة منهم:

1 - أبو اليسر محمّد البزدوي (421-493 ه)

اشارة

إنّ أرباب المعاجم من الأحناف و غيرهم قد قصّروا و لم يؤدّوا حقّ الماتريدي في كتبهم، فإذا كان هذا حال الأُستاذ فما ظنّك بحال التلامذة و الأتباع، و لأجل ذلك نجد أنفسنا أمام ظلام دامس يلفّ حياة البزدوي، و أحسن مرجع للوقوف على حياته هو نفس كتابه «أُصول الدين» الّذي حقّقه و قدّم له الدكتور «هانز بيترلنس» و نشرته عام (1383 ه) دار إحياء الكتب العربية في القاهرة، و نقل محقّق الكتاب أنّه وجد عن طريق المصادفة في هامش كتاب خطّي لابن قطلوبغا «طبقات الحنفيّة» بجانب مَلْزَمة عن حياة البزدوي: روى السمعاني أنّه - أي البزدوي - ولد في عام (421 ه).

و يظهر من غير واحد من مواضع كتابه أنّه تلقّى العلوم على يد أبيه. يقول في مسألة: «هل الايمان مخلوق أو غير مخلوق، و لا يجوز الإطلاق بأنّ الإيمان مخلوق» و نحن نختار هذا القول، فإنّ هذا مذهب أبي حنيفة، و هو ما رواه نوح بن أبي مريم الجامع، عن «أبي حنيفة» روى لنا والدنا الشيخ الامام أبو الحسن محمّد بن الحسين بن عبد الكريم رحمه الله هذا الحديث عن نوح بن أبي مريم(1).

و قال في مسألة أنّ البعث حق: «و قد روى لنا الشيخ الامام محمد بن الحسين بن عبد الكريم حديثاً متّصلاً إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم»(2).

و لم يكتف في تلقّي العلم بوالده، و يظهر من موضع من كتابه أنّه أخذ العلم عن غير واحد من أعلام عصره، و منهم أبو الخطّاب. قال في مسألة (75): هكذا سمعت الشيخ أبا الخطّاب(3).

ثقافته:

ينتسب البزدوي إلى مدرسة الإمام أبي حنيفة، و هو يعترف بالصراحة بانتمائه إلى المذهب الحنفي، كما ينتسب في العقيدة إلى مدرسة الماتريدي، و هو أُستاذ جدّ أبيه «عبد الكريم»(4)الّذي تلقّى العلوم بدوره عن الماتريدي.


1) . أُصول الدين: 155-158.

2) . أُصول الدين: 156.

3) . أُصول الدين: 28.

4) . نسبه هكذا: محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم.

و يظهر من مقدّمة كتاب أُصول الدين أنّه قرأ أكثر الكتب المؤلّفة في ذلك العصر في الفلسفة و الكلام، لا سيّما للمعتزلة و الأشاعرة. قال: «نظرت في الكتب الّتي صنّفها المتقدّمون في علم التوحيد فوجدت بعضها للفلاسفة مثل «إسحاق الكندي» و «الاسفزاري» و أمثالهما، و ذلك كلّه خارج عن الطريق المستقيم، زائغ عن الدين القويم.

و وجدت أيضاً تصانيف كثيرة في هذا الفن من العلم «للمعتزلة» مثل «عبد الجبّار الرازي» و «الجبّائي» و «الكعبي» و «النظّام» و غيرهم.

و كذلك «المجسّمة» صنّفوا كتباً في هذا الفنّ مثل «محمّد بن هيصم» و أمثاله، و لا يحلّ النظر في تلك الكتب، و قد وجدت لأبي الحسن الأشعري كتباً و غيره (غيرها ظ) في هذا الفنّ من العلم، و هي قريب من مائتي كتاب، و الموجز الكبير يأتي على عامّة ما في جميع كتبه، و قد صنّف الأشعري كتباً كثيرة لتصحيح مذهب «المعتزلة»، فإنّه كان يعتقد مذهب الاعتزال في الابتداء، ثمّ إنّ اللّٰه تعالى بيّن له ضلالة «المعتزلة» فتاب عمّا اعتقد من مذاهبهم، و صنّف كتاباً ناقضاً لما صنّف للمعتزلة. و قد أخذ علمه أصحاب الشافعي بما استقرّ عليه «أبو الحسن الأشعري»، و قد صنّف أصحاب الشافعي كتباً كثيرة على وفق ما ذهب إليه الأشعري، إلّا أنّ أصحابنا من أهل السنّة و الجماعة خطّئوا أبا الحسن في بعض المسائل مثل قوله: «التكوين و المكوّن واحد» و نحوه على ما نبيّن في خلال المسائل إن شاء اللّٰه. فمن وقف على المسائل الّتي أخطأ فيها أبو الحسن الأشعري، و عرف خطأه، فلا

بأس بالنظر في كتبه و إمساكها، و قد أمسك كتبه كثير من أصحابنا و نظروا فيها، الّذين هم رؤساء أهل السنّة و الجماعة.

و قد صنّف أبو محمّد عبد اللّٰه بن سعيد بن كلاب القطّان(1)، كتباً كثيرة في هذا النوع من العلم و هو أقدم من أبي الحسن الأشعري، فلم يقع في يدي شيء من كتبه، و عامّة أقاويله توافق أقاويل أهل السنّة و الجماعة إلّا مسائل قلائل لا تبلغ عشرة مسائل، فإنّه خالف فيها أهل السنّة و الجماعة، و قد أخطأ فيها على ما نبيّن في خلال المسائل إن شاء اللّٰه تعالى فلا بأس من إمساك كتبه، و النظر فيها لمن وقف على ما أخطأ من المسائل.

و قد وجدت للشيخ الامام الزاهد «أبي منصور الماتريدي السمرقندي» كتاباً في علم التوحيد على مذهب أهل السنّة و الجماعة، و كان من رؤساء أهل السنّة و الجماعة(2).

و هذا يعرب عن عكوفه على دراسة الكتب للفرق الكلاميّة و عرضها على الأُصول الّتي تلقّاها أنّها أُصول السنّة و الجماعة.

تلاميذه:

قد تلقّى عنه عدّة من أكابر علماء الحنفيّة أشهرهم نجم الدين عمر بن محمّد النسفي (460-537 ه) و هو يقول في حقّ أُستاذه: «كان أبو اليسر


1) . توفي عبد اللّٰه بن سعيد عام 245 ه.

2) . أُصول الدين 1-3 و قد عرفت ذيل كلامه في ما سبق.

شيخ أقراننا في بلاد ما وراء النهر، و كان إمام الأئمّة، و كان يفد عليه الناس من كل فجّ و قد ملأ الشرق و الغرب بمؤلفاته في الأُصول و الفروع»(1).

مؤلفاته:

له مؤلفات منها:

1 - تعليقة على كتاب الجامع الصغير للشيباني.

2 - الواقعات.

3 - المبسوط في بعض الفروع(2).

4 - أُصول الدين المطبوع.


2 - النسفي ميمون بن محمّد (418-508 ه)

ميمون بن محمّد بن معبد بن مكحول، أبو المعين النسفي الحنفي، أحد المتكلّمين البارعين على منهاج الماتريدي، كان بسمرقند سكن «بخارى».

تآليفه: «بحر الكلام» و هو مطبوع، و «تبصرة الأدلة» مخطوط و يقال:


1) . مقدمة أُصول الدين نقلاً من طبقات الحنفية لابن قطلوبغا، المخطوطة.

2) . نفس المصدر.

إنّه الأصل للعقائد النسفية لأبي حفص النسفي، توجد نسخة منه في القاهرة، و غيرهما من الكتب.

و قد ترجم له في: الجواهر المضيئة ج 189:2، و في الأعلام لخير الدين الزركلي ج 341:7، و ريحانة الأدب للمدرس ج 6 ص 174، و ذكر تآليفه الكاتب الجلبي في كشف الظنون.

3 - النسفي عمر بن محمّد (460-537 ه):

عمر بن محمّد بن أحمد بن إسماعيل، أبو حفص المعروف ب «نجم الدين النسفي»، ولد ب «نسف» و توفّي بسمرقند، و كتابه المعروف «عقائد النسفي» من الكتب المشهورة الّتي يدور عليه رحى الدراسة منذ قرون إلى يومنا هذا. و لأجل ذلك كتبت عليه الشروح و التعليقات، و هو على منهاج الماتريدي. و شرحه التفتازاني.

و له ترجمة في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» لمحمّد بن عبد الحي،

ص: 149 طبع في القاهرة عام 1324 ه.

و الجواهر المضيئة ج 1: ص 394، و لسان الميزان ج 4: ص 327، و الأعلام لخير الدين الزركلي ج 5: ص 60، و ريحانة الأدب للمدرس، ج 6: ص 173، و قد تقدّم تتلمذه على البزدويّ.

4 - ابن الهمام: محمد بن عبد الواحد (790-816 ه):

محمّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثمّ الاسكندري، كمال الدين المعروف بابن الهمام، متكلّم حنفي، له تآليف في الكلام و الفقه، و قد ألّف «المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة»، في الكلام، و هو مطبوع. حقّقه محمّد محيي الدين عبد الحميد. و من كتبه «فتح القدير» في شرح الهداية، ثمانية مجلّدات في فقه الحنفية، كما ألّف «التحرير» في أُصول الفقه و قد طبعا.

له ترجمة في: الفوائد البهية ص: 18، و الجواهر المضيئة ج 2: ص 86، و شذرات الذهب ج 7: ص 289، و الأعلام للزركلي ج 2: ص 255، و غيرها.

5 - البياضي: كمال الدين أحمد بن حسن الرومي الحنفي - (القرن 11):

اشارة

هو من بيت قضاء، وفقه، و علم، أخذ العلم ببلاده عن والده، و العلامة يحيى المنقاري، و غيرهما من أفاضلهم، و قد أُسند إليه منصب القضاء بحاضرة حلب الشهباء سنة 1077 ه، كما تولّى قضاء مكّة عام 1083 ه، و من تآليفه «إشارات المرام من عبارات الإمام» الّذي طبع بتقديم محمّد

زاهد بن الحسن الكوثري، الذي هو من دعاة الماتريديّة في العصر الحاضر و بتحقيق يوسف عبد الرزاق سنة 1368 ه ، و قد وقفت على خصوصيات الكتاب في خلال الأبحاث السابقة.

هذا خلاصة القول في الفرقة الماتريدية الّتي انحسرت دعوتها عن الجامعات الإسلاميّة، و قلّت الدعاة إليها، و منهاجها منهاج مزيج من منهاج أهل الحديث و المعتزلة، بل قلّ الاهتمام بهم و دراسة منهاجهم، و الحقّ أنّها مدرسة فكريّة نبتت في المحيط الشرقي و ترعرعت زمناً، ثمّ تراجعت إلى حدّ لا نجد داعياً إليها في العصر الحاضر، غير الشيخ الكوثري و أترابه، و لا مناص لطلّاب الحريّة من شباب أهل السنّة من دراستها و اعتناق أُصولها، لكونها منهاجاً وسطاً بين العقليّة المحضة، و النّقلية الخاصّة.

إنّ الظروف و الشرائط المفروضة عليهم، و إن كانت لا تسمح لهم بالاجتهاد المطلق في الأُصول و العقائد، و دراسة كلّ أصل في جوٍّ هادئ من دون أن يتقلّدوا رأي انسان غير معصوم من سنّة أو شيعة، لكن في وسعهم الاجتهاد في المذاهب المنسوبة إلى أهل السنّة و الجماعة، فعلى طلاب الحريّة، السعي و الاجتهاد، للتعرّف على الحقّ، و إزهاق الباطل، و لو في إطار المذاهب العقيديّة الرسميّة.

بيان لقادة الفكر في الأُمّة:

إنّ الغزو الفكري الّذي يشنّه أعداء الإسلام كلّ يوم من المعسكرين: الشرق و الغرب، لاجتياح العقيدة الاسلاميّة و إقصاء الشباب عن ساحة الإيمان، و بالتالي إفساد عقيدتهم و إحلالهم عن الدين، و عن التفاني دونه - إنّ هذا الغزو - يفرض علينا الخروج عن إطار الجمود في تحليل العقائد و تقييمها، و عدم الاقتصار على الروايات المنقولة عن «كعب الأحبار»، و «تميم الداري» و أضرابهما، و فتح باب التفكر بمصراعيه في وجه الناشئ و تدريبه و تمرينه بالبرهنة و الاستدلال، على ما يعتنقه من العقائد، لأنّه يضفي لأُصول الاسلام ثباتاً و دواماً و للشباب صموداً أمام الهجمات العنيفة، الّتي توجّه إليهم كلّ يوم من المدارس الفكرية المادية المهزوزة و غيرها، فإنّ في حرمان المسلم المستعدّ عن التفكر الصحيح، مظنة جعله فريسة للمناهج الضالّة، المتدرّعة بالسلاح العلمي المادي الفاتك.

و لا نهدف بذلك إلى دمج الدين بالفلسفة اليونانيّة أو الغربيّة بل الغرض هو استخدام العقل السليم الفطري - الذي به عرفنا ربّنا و دعا إليه كتابه - لدرك الدين و الدفاع عنه في المجالات الّتي للعقل إليها سبيل.

و لا شكّ أنّ بعض المشايخ لا يعرفون التوسّط في الحياة، و لا الاعتدال في الرأي، فهم بين غارق في العقليّات، غير مقيم للنّقل وزناً في مجال العقيدة، و بين متزمّت لا يعرف أوضح الواضحات سوى رواية أحمد عن

فلان، و إن كان على خلاف الحسّ و العقل.

هذا و ذاك كلاهما مرفوضان جدّاً، و إنّما المأمول هو تقدير التعقّل، و احترام حريّة الفكر، و هذا أمر يجب علينا أن نروّض أنفسنا عليه.

ثمّ إنّ هنا كلاماً لبعض قادة الفكر، يلقي ضوءاً على ما نتوخّاه و نطلبه بحماس من حاملي لواء الفكر الاسلامي، و نخصُّ بالذكر أساتذة الجامعات الإسلاميّة حيث يقول:

ممّا لا نرتاب فيه إنّ الحياة الانسانيّة حياة فكريّة لا تتمّ له إلّا بالإدراك الّذي نسمّيه فكراً، و كان من لوازم ابتناء الحياة على الفكر، إنّ الفكر كلّما كان أصحّ و أتمّ، كانت الحياة أقوم، فالحياة القيّمة - بأيّة سنّة من السنن أخذ الإنسان، و في أيّ طريق من الطرق المسلوكة و غير المسلوكة سلك الإنسان - ترتبط بالفكر القيّم و تبتني عليه، و بقدر حظّها منه يكون حظّها من الاستقامة.

و قد ذكره اللّٰه سبحانه في كتابه العزيز بطرق مختلفة و أساليب متنوّعة كقوله: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا»(1). و قوله: «هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ»(2). و قوله: «يَرْفَعِ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ»(3). و قوله: «فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ


1) . الأنعام: 122.

2) . الزمر: 9.

3) . المجادلة: 11.

اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ»(1). إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الّتي لا تحتاج إلى العرض، فأمر القرآن في الدعوة إلى الفكر الصحيح، و ترويج طريق العلم، ممّا لا ريب فيه.

و لم يعيّن في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيّم الذي يندب إليه، إلّا أنّه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة، و إدراكهم المركوز في نفوسهم.

إنّك لو تتبّعت الكتاب الإلهي، ثمّ تدبّرت في آياته، وجدت ما لعلّه يزيد على ثلاثمائة آية تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر و التذكّر و التعقّل، و تلقين النبي صلى الله عليه و آله و سلم الحجّة لإثبات حقّ، أو لإبطال باطل، كقوله: «قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اَللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ أَنْ يُهْلِكَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ»(2)أو تحكي الحجّة عن أنبيائه و أوليائه، كنوح و إبراهيم و موسى، و سائر الأنبياء العظام، و لقمان و مؤمن آل فرعون و غيرهما عليهم السلام كقوله: «قٰالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اَللّٰهِ شَكٌّ فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ»(3)، و قوله: «وَ إِذْ قٰالَ لُقْمٰانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(4)، و قوله: «وَ قٰالَ رَجُلٌ


1) . الزمر: 17-18.

2) . المائدة: 17.

3) . إبراهيم: 10.

4) . لقمان: 13.

مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ»(1)، و قوله حكاية عن سحرة فرعون: «قٰالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلىٰ مٰا جٰاءَنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلَّذِي فَطَرَنٰا فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ إِنَّمٰا تَقْضِي هٰذِهِ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا»(2)، إلى آخر ما احتجّوا به.

و لم يأمر اللّٰه تعالى عباده في كتابه، و لا في آية واحدة أن يؤمنوا به، أو بشيء ممّا هو من عنده، أو يسلكوا سبيلاً على العمياء، و هم لا يشعرون، حتّى إنّه علّل الشرائع و الأحكام الّتي جعلها لهم ممّا لا سبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته بأُمور تجري مجرى الاحتجاجات، كقوله: «إِنَّ اَلصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اَللّٰهِ أَكْبَرُ»(3)، و قوله: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(4)، و قوله في آية الوضوء: «مٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(5)، إلى غير ذلك من الآيات(6).


1) . غافر: 28.

2) . طه: 72.

3) . العنكبوت: 45.

4) . البقرة: 183.

5) . المائدة: 6.

6) . الميزان: 273/5-275.

يا أُمّه اثكليه:

يا أُمّه اثكليه(1):

قد بلغ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، و الاكتفاء بالمرويّات الضعاف إلى حدّ استطاع أحد الشيوخ من الحنابلة أن يصعد منبر التوحيد، و هو يرى أنّ للّٰه نزولاً كنزول الإنسان، و حركة و سكوناً كحركته و سكونه.

يعزّ على الإسلام أن يسمع قائلاً متسنّماً منصّة القيادة الروحية، في جامع دمشق يهتف: أنّ اللّٰه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا - ثمّ نزل درجة من درج المنبر - و إن كنت في شكّ مما نقول فاستمع إلى ما ينقل الرحالة ابن بطوطة فهو ينقل في رحلته و يقول: «و كان بدمشق من كبار الفقهاء تقي بن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلّا أنّ في عقله شيئاً.. فحضرته يوم الجمعة و هو يعظ الناس على منبر الجامع و يذكِّرهم، فكان من جملة كلامه: إنّ اللّٰه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، و نزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء. و أنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه و ضربوه بالأيدي و النعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته(2).

اُنظر إلى الوهابيّة كيف اتّخذت هذا القائل شيخاً لإسلامهم و سنداً لمذهبهم، و معلّماً لتوحيدهم، و إليه يرحلون، و عن فتياه يصدرون، و كأنّه صار صنماً يُعبد، و يدور الحقّ مداره، و هؤلاء لا يجوِّزون لأنفسهم الخروج


1) . مثل يضرب عند الدعاء على الانسان. لاحظ مجمع الأمثال: 426/2 حرف الياء.

2) . رحلة ابن بطوطة: 95.

عن خطوطه قدر شعرة، كأنّه تدرّع بالعصمة و المصونيّة عن الخطأ و الزلل.

باللّٰه عليكم أيّها السادة! يا قادة الفكر في الأُمّة! يا أصحاب رسالة هداية الشباب في العصر الحاضر! إذا كان الشابّ المسلم الجامعي لا يملك من العقيدة الإسلاميّة إلّا ما تعلّمه من نظريّات ابن تيميّة، فهل يستطيع أن يرفع رأسه و يدافع عن عقيدته، و كيان نحلته، في وجه هجمات الفلسفة الماديّة الخدّاعة الّتي رفعت عقيرتها بأنّ أُصولها مستمدّة من النظريات العلميّة الّتي فرضها العلم و أثبتتها التجربة.

فإذا دار الأمر في تفسير الكون و تبيين خلق العالم، بين ما يثيره أبناء الحنابلة و أصحاب الحديث في انتهاء العوالم الوجوديّة إلى موجود كائن في العرش عال على السماوات و الأرض، لا ينفكّ عن الحركة و السكون، و عن الجهة و المكان و غير ذلك من لوازم الجسم و الجسمانيات، و بين القول بقدم المادّة و انطوائها تحت سنن و قوانين نابعة عن ذاتها، إمّا عن طريق الصدفة أو عن طريق آخر، فهل يمكن لمفكّر أن يرجّح الأول على الثاني؟ أو أنّ العقول النيّرة الممارسة للعلوم الطبيعية و الحسية لا ينظرون إلى الأوّل إلّا بنظر الاستهزاء و السخرية؟

و ليس ابن تيميّة أوّل بادئ بهذه المهزلة المحزنة، بل سبقه أبناء لهذا المذهب كما لحقه أنصار.

و لأجل إيقاف القارئ على تطرّف الحنابلة في أقوالهم و آرائهم تطرّفاً أدّى بهم إلى التجسيم و التشبيه نأتي بأبيات لأحد شعرائهم في هذا المجال:

فإن كان تجسيماً ثبوت استوائه *** على عرشه إنّي إذاً لمجسِّم

و إن كان تشبيهاً ثبوت صفاته *** فمن ذلك التشبيه لا أتكتّم

و إن كان تنزيهاً جحود استوائه *** و أوصافه أو كونه يتكلّم

فعن ذلك التنزيه نزّهت ربّنا *** بتوفيقه و اللّٰه أعلى و أعظم(1)

و ليس هذا الشاعر وحيداً في هذا المجال. بل الحنابلة يتشدّقون بالتجسيم و يفتخرون به بلا مبالاة، و إليك القصيدة التالية الّتي نظمها حنبلي آخر أيّام محنة ابن حنبل في السجن:

علا في السماوات العلى فوق عرشه *** إلى خلقه في البرّ و البحر ينظر

يداه بنا مبسوطتان كلاهما *** يسحان و الأيدي من الخلق تقتر

نهينا عن التفتيش و البحث رحمة *** لنا و طريق البحث يردي و يخسر

و لم نر كالتسليم حرزاً و موئلا *** لمن كان يرجو أن يثاب و يحذر

و إنّ وليّ اللّٰه في دار خلده *** إلى ربِّه ذي الكبرياء سينظر


1) . الصواعق المرسلة: 170/1 كما في المعتزلة: 252

و لم يحمد اللّٰه الجدال و أهله *** و كان رسول اللّٰه عن ذاك يزجر

و سنّتنا ترك الكلام و أهله *** و من دينه تشديقه و التقعّر(1)

و من أراد أن يقف على كلمات هؤلاء حول التجسيم و التشبيه فعليه بمراجعة كتاب «علاقة الإثبات و التفويض» تأليف رضا بن نعسان معطى بتقديم عبد العزيز بن باز.

فقد حشا فيه كلمات أبناء الحنابلة و غيرهم في مجال الصفات، و ادّعى أنّهم يقولون بكونه سبحانه فوق السماوات.

و هؤلاء لغاية دفع عار التجسيم يتدرّعون بكلمة بلا كيف و تشبيه، و هو بلا شبهة واجهة اتّخذتها أبناء التجسيم لستر ما يعاب بهم.

و هذه التوالي وليدة إقصاء العقل عن ساحة العقائد، و إحلال النقل على وجه الإطلاق مكانه، و إلّا فالنقل الصحيح لا يكافح العقل أبداً.

تم الكلام في الماتريدية

و الحمد للّٰه ربّ العالمين


1) . مناقب أحمد بن حنبل: 425-426

2 - المرجئة

اشارة

المرجئة على وزن المرجعة بصيغة الفاعل من أرجأ الأمر: أخّره. و ترك الهمزة لغة. قال في اللِّسان: أرجأت الأمر و أرجيته: إذا أخّرته. و قرئ أرجه، و أرجئه قال تعالى: «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ»(1). و «الإرجاء» التأخير، و المرجئة صنف من المسلمين و النّسبة إليه مرجئيّ مثال مرجعي(2).

و قال ابن الأثير في (النِّهاية): المرجئة تهمز، و لا تهمز و كلاهما بمعنى التّأخير، يقال: أرجأته و أرجيته: إذا أخّرته فنقول من الهمز رجل مرجئي، و هم المرجئة، و في النسب: مرجئي مثال مرجع و مرجعة و مرجعيّ، و إذا لم تهمز قلت: رجل مرج و مرجية و مرجيّ مثل معط و معطية و معطيّ‌(3).


1) . الأحزاب: 51.

2) . لسان العرب مادة «رجأ».

3) . النهاية: 206/2، مادة «رجأ».

و ظاهر كلامهما أنّها مأخوذة من الإرجاء بمعنى التّأخير، و يحتمل أن يكون مأخوذاً من الرجاء أي الأمل. و المشهور هو الأوّل. و سرّ تسميتهم بالمرجئة بمعنى المؤخِّرة أحد الوجهين:

1 - طال التشاجر في معنى الإيمان في العصر الأوّل، و حدثت آراء و أقوال حول حقيقته بين الخوارج و المعتزلة، فذهبت المرجئة إلى أنّه عبارة عن مجرّد الإقرار بالقول و اللّسان و إن لم يكن مصاحباً للعمل، فأخذوا من الإيمان جانب القول، و طردوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الأوّل و أخّروا الثاني، و اشتهروا بمقولتهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».

و على هذا، فهم و الخوارج في هذه المسألة على جانبي نقيض، فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الايمان، و ترى العاصي و مرتكب الذُّنوب، صغيرها و كبيرها، مؤمناً حتّى تارك الصلاة و الصوم، و شارب الخمر، و مقترف الفحشاء.. و الخوارج يضيّقون الأمر فيرون مرتكب الكبيرة كافراً، و لأجل ذلك قاموا بتكفير عثمان للأحداث الّتي انجرّت إلى قتله و تكفير علي عليه السلام لقبوله التحكيم و إن كان عن اضطرار.

و يقابلهما المعتزلة أيضاً القائلون بأنّ مرتكب الكبيرة لا مؤمن و لا فاسق بل في منزلة بين الأمرين، فزعمت أنّها أخذت بالقول الوسط بين المرجئة و الخوارج.

و القول المشهور بين السنّة و الشيعة أنّه مؤمن فاسق، و سيوافيك القول

في حقيقة الإيمان عند البحث عن عقائد المعتزلة و الخوارج.

و لعلّه إلى ذلك الوجه أيضاً يرجع ما ذكره ابن الاثير في نهايته بأنّهم سمّوا مرجئة لاعتقادهم بأنّ اللّٰه أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخّر عنهم.

يلاحظ على هذا الوجه: أنّ القوم و إن أخّروا العمل و أخرجوه عن كونه مقوّماً للايمان أو بعضه، و لم يعتبروه جزءاً و شرطاً، و لكن لم يتّفقوا على تفسيره بالقول المجرّد، و الاقرار باللّسان، بل لهم آراء في ذلك.

فاليونسيّة منهم (أتباع يونس بن عون) زعمت أنّ الإيمان في القلب و اللسان. و إنّه هو المعرفة باللّٰه، و المحبّة، و الخضوع له بالقلب، و الإقرار باللّسان، أنّه واحد ليس كمثله شيء(1).

و الغسّانية (أتباع غسّان المرجئ) زعمت أنّ الإيمان هو الإقرار أو المحبّة للّٰه تعالى، فاكتفت بأحد الأمرين من الإقرار أو المحبّة للّٰه(2). إلى غير ذلك من الأقوال و الآراء لهم في حقيقة الإيمان(3).

و على ضوء هذا لا يصحّ أن يقال إنّ المرجئة هم الّذين قدّموا القول و أخّروا العمل. بل أخّروا العمل جميعاً، و أمّا غيره فقد اكتفوا في تحقّق الإيمان تارة بالاذعان القلبي، و أُخرى بالإقرار باللسان، هذه ملاحظة بسيطة


1) . الفرق بين الفرق: 202.

2) . الفرق بين الفرق: 202.

3) . فصّل الأشعري في المقالات اختلافهم في الايمان، و جعلهم اثنتا عشرة فرقة. لاحظ ص 135-136.

حول هذه النظرية. و هناك ملاحظة أُخرى ربّما تبطل أصلها و هي:

إنّ التّاريخ يدلّ على أنّ أوّل من قال بالإرجاء هو الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، لا بمعنى تقديم القول أو الإذعان القلبي و تأخير العمل، بل المراد تقديم القول في الشيخين و تصديقهما، و تأخير القول في حقّ عثمان و عليّ و طلحة و الزبير و إرجاء أمرهم إلى اللّٰه سبحانه، و التوقّف فيهم. و إليك النصوص التاريخيّة الّتي تدلّنا على أنّ أساس الإرجاء هو التوقّف في حق الخليفتين الأخيرين و المقاتلين لهما.

قال ابن سعد: «كان الحسن بن محمّد بن الحنفيّة أوّل من تكلّم بالإرجاء و عن زاذان و ميسرة أنّهما دخلا على الحسن بن محمّد بن عليّ، فلاماه على الكتاب الّذي وضعه على الإرجاء. فقال لزاذان: «يا أبا عمرو لوددت أنّي كنت مِتُّ و لم أكتبه» و توفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز»!(1).

و قال ابن كثير في ترجمة الحسن: «و كان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف و الفقه. و قال أيّوب السختياني و غيره: كان أوّل من تكلّم في الإرجاء، و كتب في ذلك رسالة، ثمّ ندم عليها. و قال غيرهم: كان يتوقّف في عثمان و طلحة و الزبير، فلا يتولاهم، و لا يذمّهم. فلمّا بلغ ذلك أباه محمّد بن الحنفيّة ضربه فشجّه و قال: ويحك ألّا تتولّى أباك عليّاً. و قال أبو عبيد: توفّي سنة خمس و تسعين. و قال خليفة: توفّي أيّام عمر بن عبد العزيز و اللّٰه أعلم»(2).


1) . الطبقات الكبرى: 328/5.

2) . البداية و النهاية: 140/9.

و قال ابن عساكر في تاريخه: «قال عثمان بن إبراهيم بن حاطب: أوّل من تكلّم في الإرجاء هو الحسن بن محمّد. كنت حاضراً يوم تكلّم، و كنت مع عمّي في حلقته، و كان في الحلقة جحدب و قوم معه. فتكلّموا في عليّ و عثمان و طلحة و الزبير، فأكثروا، و الحسن ساكت، ثمّ تكلّم فقال: قد سمعت مقالكم. أرى أن يرجأ عليّ و عثمان و طلحة و الزبير فلا يتولّى و لا يتبرّأ منهم.

ثمّ قال: فقمنا، فقال لي عمر: يا بنيّ ليتخذنّ هؤلاء هذا الكلام إماماً. فبلغ أباه محمّد بن الحنفيّة ما قال، فضربه بعصا فشجّه و قال:

أ لا تتولّى أباك عليّاً!! و دخل ميسرة عليه فلامه على الكتاب الّذي وضعه في الإرجاء، فقال: لوددت أنّي كنت مِتّ و لم أكتبه»(1).

و قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحسن ما هذا خلاصته:

«قال ابن حبان: كان الحسن من علماء الناس بالاختلاف، و قال سلام بن أبي مطيع عن أيّوب: أنا أتبرّأ من الإرجاء. إنّ أوّل من تكلّم فيه رجل من أهل المدينة يقال له الحسن بن محمّد. و قال عطاء بن السائب عن زاذان و ميسرة أنّهما دخلا على الحسن بن محمّد فلاماه على الكتاب الّذي وضعه في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو لوددت أنّي كنت مِتُّ و لم أكتبه. قلت (ابن حجر): المراد بالإرجاء الّذي تكلّم الحسن بن محمّد فيه، غير الإرجاء الّذي يعيبه أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، و ذلك أنّي وقفت على كتاب الحسن


1) . تاريخ ابن عساكر: 246/4.

بن محمّد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان له في آخره قال: حدّثنا إبراهيم بن عيينة عن عبد الواحد بن أعين قال: كان الحسن بن محمّد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد، فإنا نوصيكم بتقوى اللّٰه. فذكر كلاماً في الموعظة و الوصيّة لكتاب اللّٰه و اتّباع ما فيه و ذكر اعتقاده - ثمّ قال في آخره: و نوالي أبا بكر و عمر - رضي اللّٰه عنهما - و نجاهد فيهما، لأنّهما لم تقاتل عليهما الأُمّة و لم نشكّ في أمرهما، و نرجئ من بعدهما ممّن دخل الفتنة، فنكل أمرهم إلى اللّٰه - إلى آخر الكلام. فمعنى الّذي تكلّم فيه الحسن أنّه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئاً أو مصيباً و كان يرى أنّه يرجئ الأمر فيهما، و أمّا الإرجاء الّذي يتعلّق بالإيمان فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب»(1).

هذا التاريخ المتضافر يدلّنا على أُمور:

1 - إذا كان الحسن بن محمّد الحنفيّة هو الأصل في الإرجاء فيرجع أصل الإرجاء و تاريخه إلى الربع الأخير من القرن الأوّل للهجرة، و قد توفّي محمّد بن الحنفيّة والد المؤسِّس عام ثمانين أو إحدى و ثمانين، عن عمر يناهز خمساً و ستين سنة، و قد توفّي ولده الحسن (أصل الإرجاء) عام تسعة و تسعين أو قبله أو بعده بقليل، و عليه يعود ظهور الإرجاء إلى حوالي عام سبعين من الهجرة، أو ما يقاربه.


1) . تهذيب التهذيب: 320/2-321.

2 - إنّ الحسن بن محمّد هو وليد البيت الهاشمي العريق في الولاء و المحبّة لأمير المؤمنين و شيعته و محبّيه و أصحابه، و عند ذاك كيف يكون مثل هذا الشخص أساساً للإرجاء بهذا المعنى، و لعلّه أظهر هذه الفكرة في بداية الأمر (و إن ندم عليه في أواخر عمره و تمنّى الموت قبل كتابة ما كتبه) لغاية توحيد الكلمة، و إيقاف الهجمة على جدّه أمير المؤمنين عليه السلام حيث كان الخطباء و وعّاظ السلاطين يسبّونه على صهوات المنابر أعواماً مديدة، فأراد وليد البيت الهاشمي إيقاف السبّ بهذه الفكرة، و إلّا فمن البعيد جدّاً أن لا يطّلع الحسن بن الحنفيّة على انحراف الناكثين و القاسطين و المارقين الّذين ابتزّوا أمر الخلافة، و تطلّعوا إلى أمرٍ، هم أقصر منه فحاول لنيل غايته بالقول بأنّا نتكلّم في الشيخين و لا نتكلّم في غيرهما ممّن جاءوا بعدهما بشيء من المدح و القدح.

و الرجل و إن كان حسن النيّة لكنّه كان سيِّئ العمل لما ترتّبت على هذا العمل من التوالي الفاسدة، و لعلّ ندامته في آخر العمر لأجل ما رأى من المفاسد الّتي ترتّبت على هذه الفكرة.

3 - لو كان الحسن بن محمّد بن الحنفيّة هو الأصل في الإرجاء، فقد عرفت تاريخ حياته و أنّه قام بزرعه في الربع الأخير من القرن الأوّل، و على ذلك لا يصحّ ما نقله أحمد أمين المصري عن ابن عساكر: «أنّهم هم الشكّاك الّذين شكّوا و كانوا في المغازي، فلمّا قدموا المدينة بعد قتل عثمان و كان عهدهم بالناس و أمرهم واحد، ليس بينهم اختلاف قالوا: تركناكم و أمركم

واحد ليس بينكم اختلاف، و قدمنا عليكم و أنتم مختلفون فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلوماً، و كان أولى بالعدل أصحابه، و بعضكم يقول: كان عليّ أولى بالحقّ، و أصحابه كلّهم ثقة و عندنا مصدّق، فنحن لا نتبرّأ منهما، و لا نلعنهما، و لا نشهد عليهما، و نرجئ أمرهما إلى اللّٰه حتّى يكون اللّٰه هو الذي يحكم بينهما»(1).

يلاحظ عليه: أنّه قتل عثمان أواخر عام (35) من الهجرة، و استشهد الإمام أمير المؤمنين في شهر رمضان عام (40 ه)، و مقتضى ما ذكره الدكتور، تكوّن الإرجاء في العقد الرابع من القرن الأوّل. و هذا لا يتّفق مع ذلك التاريخ المتضافر في أنّ أصل الإرجاء هو الحسن بن محمّد بن الحنفيّة لتأخّر عصره، و قد كان لوالده محمّد بن الحنفية يوم قتل عثمان من العمر خمس عشرة و يوم استشهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عشرون سنة، و كان الحسن بن محمّد في أصلاب الآباء و أرحام الأُمّهات، و غاية ما يمكن أن يوجّه به هذا النقل، هو أنّ الأحوال الحاضرة بعد قتل الخليفتين و قدوم المسلمين الغزاة، أوجدت أرضيّة لتكوّن هذه الفكرة، و لكنّها كانت خاملة تدور في الذاكرة، و أوّل من أظهرها و طرحها بصورة علميّة و كتب فيها رسالة هو الحسن بن محمّد و لذلك قال عمّ عثمان بن ابراهيم بن حاطب لابن أخيه: يا بنيّ: ليتخذنّ هؤلاء هذا الكلام إماماً.

4 - و أبعد من هذا الكلام ما ذكره ذلك الكاتب حيث قال: إنّ نواة هذه


1) . فجر الاسلام: 279، نقلاً عن تاريخ ابن عساكر.

الطائفة كانت موجودة في الصحابة في الصدر الأوّل، بحجّة أنّنا نرى أنّ جماعة من أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان مثل «أبي بكرة» و «عبد اللّه بن عمر» و «عمران بن حصين» و روى أبو بكرة أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي..(1).

5 - قد عرفت أنّ من المحتمل أن يكون الحافز لمؤسّس هذه الفكرة، هو إيقاف الهجمة على جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، و لكنّ العامل المؤثّر في نشوء هذه البذرة و نموّها هو اشتداد الدعاية من جانب الأمويين لتبرئة عثمان من الأحداث المؤلمة المنسوبة إليه، و تنزيه الناكثين و من انضمّت إليهم من أُمّهات المؤمنين في نقض البيعة، و الخروج على الإمام المفترض الطاعة، و إكثار الوقيعة في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و قد أثّرت تلك الدعايات و الروايات الّتي كذبوا بها على لسان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في بسطاء القوم و سذّاجهم بحيث أخذت تلك الأكاذيب صورة الحجاج، فلم يكن لهم بدّ أمام هذه الدعايات من أحد أمرين: إمّا الاجتهاد، و خرق الحجب، و شهود الحقائق بعين الفكر و العقل. و إمّا الوقوف على الرأي الوسط و التوقّف عن التكلّم في حقّ هؤلاء، و إرجاء الأمر إلى اللّٰه، و الفرض الأوّل كان أمراً غير ميسور لبساطة الفهم و سذاجته، فصار الثاني متعيّناً.

يقول أحد المصريين حول الدعايات الفارغة بعد عهد عثمان: «و من


1) . فجر الإسلام: 280.

هنا و هناك تألّفت سلسلة الموضوعات و الخرافات و الأساطير الّتي ابتلى بها المسلمون، و انتشرت بينهم التلبيسات الملتوية و الشبه، فشوّهت جمال الشريعة المطهّرة، حتى أصبحت وبالاً على الدين، و شرّاً على المسلمين، و حائلاً دون نهضتهم و تقدّمهم، و عائقاً أمام الوصول إلى كثير من الحقائق التاريخيّة و العلميّة و الدينية»(1).

6 - يعتقد الكاتب المصري «أحمد أمين» أنّ المرجئة تكوّنت، بصورة حزب سياسي لا يريد أن يغمس يده في الفتن و لا يريق دماء حزبٍ، بل و لا يحكم بتخطئة فريق و تصويب آخر.

و ما ذكره حدس لا أساس له، و لقد استنتجه ممّا نقلناه عنه سابقاً من أنّ فكرة الإرجاء ترجع إلى الغزاة القادمين إلى المدينة بعد قتل الخليفتين.. و عرفت أنّه لا ينطبق مع ما تضافر في التاريخ.

و الظاهر أنّ فكرة الإرجاء نشأت في أحضان الدعايات الأُمويّة، و الفضائل المفتعلة لجملة من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم فغشيت وجه الحقيقة، و عاقت البسطاء عن الخوض في الأبحاث الخطيرة، و اقتحام المعارك المدلهمّة، ممّا نقم به على هؤلاء من الطامّات و الأحداث و ما قيل في براءتهم، فتخيّل لهم أنّ الأصلح و الرأي الأوسط هو عدم الجنوح إلى جانب دون آخر.

و هؤلاء و إن كانوا غير معذورين في هذا الأمر، لكنّهم - في زعمهم - أخذوا جانب الاحتياط في مقابل الناقمين.


1) . عثمان بن عفان للأُستاذ صادق إبراهيم عرجون: 41، كما في الغدير: 256/9.

7 - إنّ أصل الإرجاء هو التوقّف و ترك الكلام في حقّ بعض الصحابة. لكنّ هذا الأصل قد نسي في الآونة اللاحقة، و أخذ أصل آخر مكانه، بحيث لم يبق من الأصل الأوّل أثر بين المرجئة اللاحقة و فرقهم المختلفة، و هو البحث عن تحديد الإيمان و الكفر، و المؤمن و الكافر.

فصار تحديد الإيمان بالاقرار دون العمل، أو المعرفة القلبيّة دون القيام بالأركان، ركناً ركيناً لهذه الطائفة بحيث كلّما أطلقت المرجئة، لا يتبادر من هذه الكلمة إلّا من تبنّى هذا المعنى.

و قد أنهاهم أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» في فصل خاصّ إلى اثنتي عشرة طائفة اختلفوا في حقيقة الإيمان بعد اتّفاقهم على إبعاد العمل عن ساحته و حقيقته.

و هذا يوضح صحّة ما قلناه من أنّ الإرجاء - يوم تكوُّنه - لم يظهر بصورة حزب سياسيّ. بل ظهر بصورة منهج فكري دينيّ التجأ إليه أصحابه، خضوعاً للدعايات الفارغة، و تسليماً لها، و بما أنّ الإرجاء على كلا الأصلين كان لصالح السلطة من الأمويين، كانت السلطة يومذاك تؤيّدهم لأنّ في تبنّي كل من الأصلين، صلاحهم و دعم عروشهم.

فالأصل الأوّل يدعو إلى أنّ الإنسان قاصر عن تشخيص المصيب و المخطئ، بل يترك أمر المخطئين إلى اللّٰه، و هذا التسليم هو نفس ما يطلبه أصحاب السلطة، حتّى يجتنب الناس عن القضاء في يزيد الخمور، و عبد الملك السفّاك، و عامله الحجّاج بن يوسف الثقفي، ممّن عاشوا قبل الفكرة

أو بعدها، و سوّدوا صحيفة تاريخهم.

و الأصل الثاني يعرب عن أنّ الشهادة اللّفظية بالتوحيد أو المعرفة القلبيّة يكفي في دخول الإنسان في عداد المؤمنين، فيحرم قتاله و نضاله بل تكون نفسه و ماله مصونين من الاعتداء، و هذا أيضا كان أُمنية الأمويين، إذ على ضوء ذلك، يكون يزيد الخمور و الحجّاج الظلوم من المؤمنين، و يكون دمهما و مالهما مصونين من الاعتداء.

عقيدة المرجئة:

لا تجد للمرجئة رأياً خاصّاً في أبواب المعارف و العقائد سوى باب الإيمان و الكفر، فكلامهم يدور حول هذين الموضوعين و أُسّ نظريّتهم أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب و الإقرار باللسان، أو ما يقرب من ذلك، فأخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، و اكتفوا بالتصديق القلبي و نحوه و يترتّب على ذلك الأصل أُمور:

1 - إنّ الإيمان لا يزيد و لا ينقص، لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود و العدم، و مثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان، فهو أيضاً كذلك و ليس العمل داخلاً في حقيقته حتّى يقال: إنّ العمل يكثر و يقلّ، و سيوافيك نظرنا فيه.

2 - إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقيقة، لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الاتّصاف بالإيمان، و هؤلاء في هذه العقيدة يخالفون الخوارج و المعتزلة. أمّا الأُولى: فلأنّهم يعدّون العمل عنصراً مؤثراً في الإيمان بحيث

يكون تارك العمل كافراً، و قد اشتهر عنهم بأنّ مرتكب الكبائر كافر، و ليس المؤمن إلّا من تحرّز من الكبائر.

و أما الثانية: فلأنّهم يعتقدون أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن و لا كافر. و المعتزلة أخفّ وطأة من الخوارج، و إن كانت الطائفتان مشتركتين في إدخال العمل في حقيقة الإيمان.

3 - إنّ مرتكب الكبيرة لا يخلّد في النار و إن لم يتب، و لا يحكم عليه بالوعيد و العذاب قطعاً لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، خلافاً للمعتزلة الّذين يرون أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقوبة إذا لم يتب و إنّ من مات بلا توبة يدخل النّار، و قد كتبه اللّٰه على نفسه فلا يعفو(1).

هذه عقيدة المرجئة عرضناها على وجه الإجمال. و قد تأثّر أهل السنّة ببعض هذه الفروع كالقول بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار، و جواز تخلّف الوعيد دون الوعد.

و هاهنا سؤال و هو أنّه إذا كانت حقيقة الإرجاء هو الاكتفاء في الحكم بالإيمان بالتصديق القلبي، أو الإقرار باللسان، فما هو الوجه في لعنهم و التبرّي منهم، إذ ليست هذه النظرية بمجرّدها سبباً للّعن و التحاشي و التبرّي بهذه الدرجة.

و الإجابة عنه: هي إنّ التبرّي منهم ليس لأجل هذه النظرية، بل لأجل


1) . ذكر الشيخ الأشعري فروعاً أُخر لهم في هذا المجال. لاحظ مقالات الإسلاميين: 126-147.

أنهّم جرّدوا الأعمال من الإيمان و لم يعتقدوها من الفرائض(1)و لم يتقيّدوا بها في مجال الفعل و الترك، و لأجل ذلك أصبح الإيمان عندهم يتلخّص في التصديق القلبي، و الإقرار اللّفظي.

و لا يخفى أنّ هذه العقيدة خاطئة جدّاً، إذ لو صحّت فعندئذ لا يتجاوز الإيمان عن التصديق القلبي أو الإقرار باللسان، فما أسهل الإسلام و أيسره لكلّ من انتسب إليه و لو انتساباً شكليّاً.

قال الصاحب بن عبّاد: ادّعت المرجئة أنّ قاتل النفس بغير الحقّ، و سارق المال، و مخيف السبل، و مرتكب الزنا، و شارب الخمر، لا يقطع أنّهم من أهل النار، و إن ماتوا مصرّين. و قالت العدليّة: بل هم من أهل النار مخلّدون لا يجدون عنها حولاً، لأنّ اللّٰه أخبر «وَ إِنَّ اَلْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ»(2)و لم يخصّ فاجراً عن فاجر، فقال عزّ و جلّ: «إِنَّ اَلْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَ إِنَّ اَلْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهٰا يَوْمَ اَلدِّينِ * وَ مٰا هُمْ عَنْهٰا بِغٰائِبِينَ»(3)، و قال تعالى:

«وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً» (4).

فإن قالوا فقد قال اللّٰه تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا


1) . كنز الفوائد: 125.

2) . الانفطار: 14.

3) . الانفطار: 13-16.

4) . النساء: 93.

دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ»(1)فالجواب أنّه تعالى قال في هذه الآية: «لمن يشاء» و المشيئة مغيّبة عنّا، إلى أن نعرفها بالأدلّة، و قد بيّن «من يشاء» بقوله: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ»(2)

(_2) . الزمر: 54.

، فهو يكفّر الصغائر بتجنّب الكبائر، و الكبائر بالتوبة، قال سبحانه: «وَ أَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذٰابُ ثُمَّ لاٰ تُنْصَرُونَ»(_2).(3)

و هنا وجه آخر للعنهم و هو يرجع إلى قولهم بالإرجاء بالمعنى الأوّل أعني التوقّف في أمر الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام و عدم الحكم بشيء فيه من الإيمان و ضدّه. و أيّ مصيبة أعظم من التوقّف في إيمان أخي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و صنوه و وزيره، و هو الصدّيق الأكبر، و أوّل المؤمنين. قال - صلوات اللّٰه عليه -: «و لقد كنت أتّبعه (الرسول) اتّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، و يأمرني بالاقتداء به. و لقد كان يجاور في كلّ سنة ب (حراء)، فأراه و لا يراه غيري، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و خديجة و أنا ثالثهما. أرى نور الوحي و الرسالة و أشمّ ريح النبوّة»(4).

أ في مثله يتوقّف الإنسان المنصف في الحكم بإيمانه؟!


1) . النساء: 48.

2) . النساء: 31.

3) . الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن و العقل للصاحب (المتوفّى 385 ه): 23، المطبوع ضمن نفائس المخطوطات.

4) . نهج البلاغة: 161/3-182، الرقم 187، الخطبة القاصعة.

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تبيين حقيقة الإيمان و تحديده لغةً و كتاباً و سنّةً.

آراء و نظريات حول الإيمان:

اختلف العلماء في ماهيّة الإيمان و لهم أقوال أربعة نعرضها مع التحليل:

1 - الإيمان هو معرفة اللّٰه بالقلب فقط، و إن أظهر اليهوديّة، و النصرانية، و سائر أنواع الكفر بلسانه، فإذا عرف اللّٰه بقلبه فهو مؤمن. نسب إلى الجهم بن صفوان و غيره.

2 - إنّ الإيمان هو إقرار باللّسان باللّٰه تعالى و شريعته، و إن اعتقد الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن، و هو قول محمد بن كرّام السجستاني.

3 - الإيمان معرفة بالقلب، و إقرار باللسان، و أنّ الأعمال ليست إيماناً، و لكنّها شرائع الإيمان، و هو قول جماعة من الفقهاء، و هو الأقوى كما سيوافيك.

4 - الايمان هو المعرفة بالقلب، و الإقرار باللسان، و العمل بالجوارح، و أنّ كلّ طاعة واجبة، بل الأعمّ منها و من النافلة فهي إيمان، و كلّما ازداد

الإنسان عملاً، ازداد ايماناً، و كلّما نقص نقص إيمانه.(1)

و إليك تحليل الآراء و الأقوال:

ما هو الإيمان لغةً و كتاباً:

إنّ الإيمان لغة هو التصديق، و هو على وزن «إفعال» من الأمن بمعنى سكون النفس و اطمئنانها لعدم وجود سبب الخوف، فحقيقة قوله «آمن به»: أذعن به، و سكنت نفسه، و اطمأنّت بقبوله فيؤول «الباء» في الحقيقة إلى السببية، و هو تارة يتعدّى بالباء كما في قوله تعالى: «آمَنّٰا بِمٰا أَنْزَلْتَ»(2)، و أُخرى باللام كقوله سبحانه: «وَ مٰا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنٰا»(3)، و قوله تعالى: «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ»(4).

فإذا كان الإيمان بمعنى التصديق لغة، فهل يكفي التصديق لساناً فقط، أو جناناً فقط، أو لا يكفي هذا و لا ذاك، بل يشترط الجمع، و الظّاهر من الكتاب العزيز هو الأخير. فالإيمان بمقتضى الآيات عبارة عن التّصديق بالقلب، الظّاهر باللسان، أو ما يقوم مقامه، و لا يكفي واحد منهما وحده. أمّا عدم كفاية التصديق القلبي فلقوله تعالى: «وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ


1) . الفصل: 188/3، و نسب إلى محمد بن زياد الحريري الكوفي قول خامس ساقط جداً، و من شاء فليرجع إليه.

2) . آل عمران: 53.

3) . يوسف: 17.

4) . العنكبوت: 26.

ظُلْماً وَ عُلُوًّا»(1)، و قوله سبحانه: «فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ»(2)، فأثبت لليهود المعرفة و في الوقت نفسه الكفر. و هذا يعرب عن أنّ الاستيقان النفساني لا بدّ له من مظهر كالإقرار باللسان، أو الكتابة، أو الإشارة كما في الأخرس.

و يمكن أن يقال: إنّه يكفي التّصديق القلبي، و لكنّ الإنكار باللسان مانع، فلو علم أنّه مذعن قلباً، و لم ينكره لساناً، لكفى في الحكم بالإيمان، كما كفى في تحقّقه واقعاً.

و أمّا عدم كفاية التصديق اللّساني فلقوله تعالى: «قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(3)، و الأعراب صدّقوا بألسنتهم، و أنكروه بقلوبهم أو شكّوا فيه.

و هؤلاء جروا في توصيف أنفسهم بالإيمان على مقتضى اللّغة، و ادّعوا أنّهم مصدّقون قلباً و جناناً، فردّ اللّٰه عليهم بأنّهم مصدّقون لساناً، لا جناناً، و أسماهم مسلمين، و نفى كونهم مؤمنين.

و على ضوء هذه الآيات يتبيّن فساد القولين الأوّلين و تظهر قوّة القول الثالث و هو كون الإيمان لغة: هو التّصديق القلبي، لكنّ الكتاب العزيز دلّ على عدم كفاية التصديق القلبي و أنّه يشترط أن يكون معه إقرار أو ما يقوم


1) . النمل: 14.

2) . البقرة: 89.

3) . الحجرات: 14.

مقامه من الكتابة و الإشارة يدلّ على التسليم الباطني، و قد عرفت ما احتملناه أخيراً.

و أمّا الأثر المترتّب على الإيمان بهذا المعنى في الدنيا، فهو حرمة دمه و عرضه و ماله إلّا أن يرتكب قتلاً أو يأتي بفاحشة. و أمّا الأثر المترتّب عليه في الآخرة فهو صحّة أعماله و استحقاق الثواب عليها - لو قام بها - و عدم الخلود في النار، و استحقاق العفو و الشفاعة.

و أمّا السعادة الأُخرويّة فهي رهن العمل كما يأتي بيانه. فمن صدّق لساناً و جناناً، و لكن تجرّد عن العمل و الامتثال، فهو مؤمن فاسق، و ليس بكافر (خلافاً للخوارج)، و لا هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الايمان و الكفر (خلافاً للمعتزلة)، و لا يكفي في النّجاة، بل - إن لم يتب - يدخل النار و يعذّب فيها.

و هذه هي النقطة الّتي يفترق فيها أهل الحقّ عن المرجئة، فإنّهم يقولون إنّ التصديق لساناً أو جناناً أو معاً، يكفي في النجاة من النار و دخول الجنّة، و يثيرون في العصاة روح الطغيان على المُثل و الأخلاق، اعتماداً على أنّهم مؤمنين و إن فعلوا الكبائر و ارتكبوا الموبقات. و إليك تحليل أدلّة سائر الأقوال على ضوء الأقوال الّتي سردناها في صدر البحث.

هل الإيمان هو التصديق القلبي؟

استدلّ القائل بأنّ الإيمان هو التصديق القلبي مضافاً إلى ما مرّ من الآيات في صدر البحث(1)بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين، و خاطبنا اللّٰه بلغة العرب، و هو في اللغة التصديق، و العمل بالجوارح لا يسمّى إيماناً.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في إثبات خروج العمل عن حقيقة الإيمان، و أمّا كون التصديق بالقلب كافياً في صدق الإيمان فلا يثبته، كيف و قد دلّت الآية على أنّ الجحد لساناً أو بغيره، و الاستيقان قلباً يوجب دخول الجاحد في عداد الكفّار. قال سبحانه: «وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا»(2).

غاية ما يمكن أن يقال ما عرفت من أنّ التصديق القلبي كافٍ في تحقّق الايمان، و الجحد لساناً مانع، فلو تحقّق التصديق القلبي و لم يقترن بالجحد عناداً لكفى في كون الرجل مؤمناً ثبوتاً و واقعاً، و أمّا الحكم بكونه مؤمناً إثباتاً فيحتاج إلى إظهاره باللسان، أو بالعمل، أو العلم بكونه معتقداً بطريق من الطرق.

ثمّ إنّ ابن حزم الظاهري (المتوفّى 456 ه) أورد على هذا القول بوجهين:


1) . «وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ» (يوسف: 17)، «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ» (العنكبوت: 26).

2) . النمل: 14.

الأوّل: أنّ الإيمان في اللغة ليس هو التصديق، لأنّه لا يسمّى التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب، و ما قال قطّ عربيّ إنّ من صدّق شيئاً بقلبه فأعلن التكذيب بلسانه، أنّه يسمّى مصدّقاً به و لا مؤمناً به. و كذلك ما سمّي قطّ التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً في لغة العرب أصلاً.

الثاني: لو كان ما قالوه صحيحاً لوجب أن يطلق اسم الإيمان لكلّ من صدّق بشيء ما، و لكان من صدّق بإلهيّة الحلّاج و المسيح و الأوثان مؤمنين، لأنّهم مصدّقون بما صدّقوا به(1).

يلاحظ عليه: أنّ الوجه الأوّل صحيح لو رجع إلى ما ذكرنا من كون الإنكار باللسان مانعاً، و إلّا فلو صدّق قلباً و لم ينكره بلسانه فهو مؤمن لغةً و قرآناً. غير أنّ الحكم في مقام الإثبات يحتاج إلى الدليل من الإقرار باللسان، أو الكتابة باليد، أو الإشارة بالجوارح.

و أمّا الوجه الثاني، فهو من الوهن بمكان لا يحتاج إلى البيان و كم لهذا الرجل من كلمات واهية. أضف إليه ما في كتابه من بذاءة في الكلام.

هل الإيمان هو الإقرار باللسان؟

اشارة

إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه و من بعدهم، اتّفقوا على أنّ من أعلن بلسانه بشهادة الإسلام فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الإسلام.


1) . الفصل: 190/3.

أضف إليه قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في السوداء «اعتقها فإنّها مؤمنة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الحكم لهم بالإيمان كان بحسب الظّاهر لا الحكم بأنّه مؤمن عند اللّٰه واقعاً، و لذلك لو علم عدم مطابقة اللّسان مع الجنان يحكم عليه بالنفاق. قال سبحانه: «وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ»(2). و لمّا كان الرسول و أصحابه مأمورين بالحكم بحسب الظاهر قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله الّا اللّٰه و يؤمنوا بما أُرسلت به، فإذا عصموا منّي دماؤهم و أموالهم إلّا بحقّها، و حسابهم على اللّٰه» و بذلك يظهر وجه حكمه صلى الله عليه و آله و سلم في السوداء «بأنّها مؤمنة».

روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال: ربّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: إنّي لم أُبعث لأشقّ عن قلوب الناس.

إلى هنا تبيّن فساد القولين الأوّلين، و أنّ الحقّ هو القول الثالث، و عرفت الأثر المترتّب عليه، إنّما المهم هو نقد القول الرابع الّذي يجعل العمل جزءاً من الإيمان و إليك البحث فيه:

ليس العمل جزءاً من الايمان:

إذا كانت المرجئة في جانب التفريط، فالخوارج المكفّرة لمرتكبي الكبائر، و المعتزلة القائلة بأنّ من فقد العمل، فهو في منزلة بين المنزلتين، لا


1) . نفس المصدر: 206.

2) . البقرة: 8.

مؤمن و لا كافر، في جانب الإفراط. فإنّ الذكر الحكيم - مع الدعوة المؤكّدة إلى العمل - لا يرى العمل جزءاً من الإيمان بل يعطفه عليه، و يراه كمالاً له، لا عنصراً دخيلاً فيه. و يكفي في ذلك الآيات التالية:

1 - «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ»(1)، فالعطف يقتضي المغايرة، فلو كان العمل داخلاً فيه لزم التكرار، و احتمال كون المقام من قبيل ذكر الخاص بعد العام يحتاج إلى وجود نكتة لذكره بعده، إلّا أن يقال: إنّ الصالحات جمع معرّف يشمل الفرض و النفل، و القائل بكون العمل جزءاً من الإيمان يريد بها خصوص فعل الواجبات و اجتناب المحرّمات، فحينئذ يصحّ عطف الخاص على العام لحصول المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه.

نعم، الآية تصلح دليلاً على ردّ مقالة من جعل مطلق العمل - فرضاً كان أو نفلاً - جزءاً من الإيمان.

2 - «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ»(2)، و الجملة حالية و المقصود: عمل صالحاً حال كونه مؤمناً، و هذا يقتضي المغايرة.

3 - «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ»(3)،


1) . البقرة: 277.

2) . طه: 112.

3) . الحجرات: 9.

فأطلق المؤمن على الطائفة العاصية و قال ما هذا معناه: «فإن بغت إحدى الطائفتين من المؤمنين على الطائفة الأُخرى منهم» إلّا أن يقال: إنّ إطلاق المؤمن بلحاظ حال التلبّس أي بما أنّهم كانوا مؤمنين قبل القتال، لا بلحاظ حال الجري و التكلّم.

4 - «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ اَلصّٰادِقِينَ»(1). فأمر الموصوفين بالإيمان، بالتقوى، أي الإتيان بالطاعات و الاجتناب عن المحرّمات، فدلّ على أنّ الإيمان يجتمع مع عدم التقوى و إلّا كان الأمر به لغواً و تحصيلاً للحاصل، إلّا أن يحمل الأمر على الاستدامة فيخرج عن كونه تحصيلاً للحاصل.

5 - الآيات الدالّة على كون القلب محلّاً للإيمان.

منها قوله تعالى: «أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ»(2). و لو كان العمل جزءاً منه لما كان القلب محلاً لجميعه. و قوله سبحانه: «وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(3)، و قوله تعالى: «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»(4).

6 - آيات الطبع و الختم، فإنّها تشعر بأنّ محلّ الإيمان هو القلب، و لأجل ذلك من طبع أو ختم على قلبه لا يؤمن أبداً.


1) . التوبة: 119.

2) . المجادلة: 22.

3) . الحجرات: 14.

4) . النحل: 106.

قال تعالى: «أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ»(1)، و قال سبحانه: «وَ خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللّٰهِ»(2).

فإن قلت: دلّ الكتاب على أنّ الإيمان عبارة عن التصديق الظاهر بالإقرار باللّسان أو نحوه. فعندئذ كيف يكون محلّه هو القلب مع أنّ جزءاً منه الإظهار باللّسان و نحوه؟

قلت: قد عرفت أنّ الايمان لغة هو التّصديق قلباً، غاية الأمر دلّ الدليل على عدم كفايته إذا أنكره و جحده باللّسان و إن أذعن به في القلب. بل يمكن أن يقال: إنّ الايمان هو التصديق المورث للسكون و السكينة و التسليم. و الجاحد بلسانه لا تحصل له تلك الحالة و إن حصل له العلم، لكن ليس كلّ علم ملازماً للإيمان بل هو أخصّ منه. و لأجل ذلك قال سبحانه: «فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(3)، فالإيمان هو المعرفة المورثة للسكون، الباعثة إلى التسليم، و لا تحصل تلك الحالة للجاحد الحاقد.

هذا هو مقتضى الكتاب، و يؤيّده الإجماع حيث جعلوا الإيمان شرطاً


1) . النحل: 108.

2) . الجاثية: 23.

3) . النساء: 65.

لصحّة العبادات، و لا يكون الشيء شرطاً لصحّة جزئه.

و أمّا السنّة فهناك روايات تدلّ على أنّ الإقرار المقترن بالعرفان، إيمان. و إليك بعضها:

روى الصدوق بسند صحيح عن جعفر الكناسي قال: قلت لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً؟ قال: يشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً عبده و رسوله، و يقرّ بالطّاعة، و يعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن(1).

و مثله غيره.

و أمّا زيادة الإيمان و نقصانه، فالظّاهر من المتكلّمين أنّ الإيمان لو كان هو التصديق فلا يزيد و لا ينقص، بخلاف ما لو جعلنا العمل جزءاً منه فهو يزيد و ينقص بزيادته و نقصانه.

و التحقيق - كما سيأتي - خلافه، فهو على كلا القولين يزيد و ينقص، لأنّ التصديق ذو مراتب، و التسليم مثله ذو درجات، و ليس تسليم الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و آله عليهم السلام للّٰه و لأحكامه و لفروضه و لسننه أو معرفتهم و إذعانهم، كتسليم و معرفة سائر الناس، و من أنكر ذلك فإنّما ينكره بلسانه و لكن قلبه مطمئنّ ببطلانه.


1) . البحار: 16/66، كتاب الإيمان و الكفر نقلاً عن (معاني الأخبار).

هل العمل جزء من الايمان؟

احتجّ القائل بأنّ العمل جزء من الإيمان بآيات:

1 - قوله سبحانه: «هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً مَعَ إِيمٰانِهِمْ»(1). و لو كانت حقيقة الإيمان هي التّصديق، لما قبل الزيادة و النقيصة، لأنّ التصديق أمره دائر بين الوجود و العدم. و هذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً من الايمان. فعندئذ يزيد و ينقص حسب زيادة العمل و نقيصته. و الزيادة لا تكون إلّا في كمّية عدد لا في ما سواه، و لا عدد للاعتقاد و لا كمّية له(2).

يلاحظ عليه: أنّ الإيمان بمعنى الإذعان أمر مقول بالتشكيك. فلليقين مراتب، فيقين الإنسان بأنّ الاثنين نصف الأربع، يفارق يقينه في الشدّة و الظهور، بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس، كما أنّ يقينه الثاني، يختلف عن يقينه بأنّ كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهيّة و وجود، و هكذا يتنزّل اليقين من القوّة إلى الضعف، إلى أن يصل إلى أضعف مراتبه الّذي لو تجاوز عنه لزال وصف اليقين، و وصل إلى حدّ الظنّ، و له أيضاً مثل اليقين درجات و مراتب، و يقين الإنسان بالقيامة و مشاهدها في هذه النشأة ليس كيقينه بعد الحشر و النشر، و مشاهدتها بأُمّ العين. قال سبحانه: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ


1) . الفتح: 4.

2) . الفصل: 194/3.

هٰذٰا فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ»(1)، فمن ادّعى بأنّ أمر الإيمان بمعنى التصديق و الإذعان، دائر بين الوجود و العدم، فقد غفل عن حقيقته و مراتبه. فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ إيمان الأنبياء بعالم الغيب، كإيمان الإنسان العادي، مع أنّ مصونيّتهم من العصيان و العدوان رهن علمهم بآثار المعاصي و عواقبه، الّذي يصدّهم عن اقتراف المعاصي و ارتكاب الموبقات. فلو كان إذعانهم كإذعان سائر الناس، لما تميّزوا بالعصمة عن المعصية. و ما ذكره من أنّ الزيادة تستعمل في كميّة العدد منقوض بآيات كثيرة استعملت الزيادة فيها في غير زيادة الكمّية. قال سبحانه: «وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً»(2). و قال: «وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا فِي هٰذَا اَلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ مٰا يَزِيدُهُمْ إِلاّٰ نُفُوراً»(3). و المراد شدّة خشوعهم و نفورهم، لا كثرة عددهما، إلى غير ذلك من الآيات الّتي استعمل فيها ذلك اللّفظ في القوّة و الشدّة لا الكثرة العدديّة.

2 - قوله سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ»(4)، و إنّما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ بالصّلاة إلى الكعبة.

يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و لا نشكّ في أنّ العمل أثر للإذعان و ردّ فعل له، و من الممكن أن يطلق السبب و يراد به المسبّب. إنّما


1) . ق: 22.

2) . الإسراء: 109.

3) . الإسراء: 41.

4) . البقرة: 143.

الكلام في أنّ الإيمان لغةً و كتاباً موضوع لشيء جزؤه العمل و هذا ممّا لا يثبته الاستعمال. أضف إليه أنّه لو أخذنا بظاهرها الحرفي، لزم أن يكون العمل نفس الإيمان لا جزءاً منه، و لم يقل به أحد.

3 - قوله سبحانه: «فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(1). أقسم سبحانه بنفسه أنّهم لا يؤمنون إلّا بتحكيم النبي صلى الله عليه و آله و سلم و التسليم بالقلب و عدم وجدان الحرج في قضائه. و التحكيم غير التصديق و التسليم، بل هو عمل خارجي.

يلاحظ عليه: أنّ المنافقين - كما ورد في شأن نزول الآية - كانوا يتركون النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يرجعون في دعاويهم إلى الأحبار و - مع ذلك - كانوا يدّعون الإيمان بمعنى الإذعان و التسليم للنبي صلى الله عليه و آله و سلم، فنزلت الآية بأنّه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتّى يرى أثره في حياتهم، و هو تحكيم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في المرافعات، و التسليم العملي أمام قضائه، و عدم إحساسهم بالحرج ممّا قضى. و هذا ظاهر متبادر من الآية و شأن نزولها. فمعنى قوله سبحانه: «فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ»، أنّه لا يقبل ادّعاء الإيمان منهم إلّا عن ذلك الطريق. و بعبارة ثانية؛ إنّ الآية وردت في سياق الآيات الآمرة بإطاعة النّبي صلى الله عليه و آله و سلم قال سبحانه: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اَللّٰهِ»(2)، و المنافقون كانوا


1) . النساء: 65.

2) . النساء: 64.

يدّعون الإيمان، و في الوقت نفسه كانوا يتحاكمون إلى الطاغوت. فنزلت الآية، و أعلنت أنّ مجرّد التصديق لساناً ليس إيماناً. بل الايمان تسليم تامّ باطني و ظاهري. فلا يستكشف ذلك التسليم التامّ، إلّا بالتسليم للرسول ظاهراً، و عدم التحرّج من حكم الرّسول باطناً، و آية ذلك ترك الرُّجوع إلى الطاغوت و رفع النزاع إلى النبي، و قبول حكمه بلا حرج. فأين هو من كون نفس التحكيم جزءاً من الإيمان؟

4 - قوله سبحانه: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(1)سمّى سبحانه تارك الحجّ كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد إمّا كفران النّعمة و أنّ ترك المأمور به كفران لنعمة الأمر، أو كفر الملة لأجل جحد وجوبه.

5 - قوله سبحانه: «وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ»(2). و المشار إليه بلفظة «ذلك» جميع ما جاء بعد «إلّا» من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، فدلّت هذه الآية على دخول العبادات في ماهية الدين.

و المراد من الدين، هو الإسلام لقوله سبحانه «إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ»(3).


1) . آل عمران: 97.

2) . البيّنة: 5.

3) . آل عمران: 19.

و على ضوء هذا، فالعبادات داخلة في الدين حسب الآية الأُولى، و المراد من الدين هو الإسلام حسب الآية الثانية، فيثبت أنّ العبادات داخلة في الإسلام، و قد دلّ الدليل على وحدة الإسلام و الإيمان و ذلك بوجوه:

الف - الإسلام هو المبتغى لقوله: «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاٰمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ»(1)، و الإيمان أيضاً هو المبتغى، فيكون الإسلام و الإيمان متّحدين.

ب - قوله سبحانه: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاٰ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاٰمَكُمْ بَلِ اَللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ»(2)، فجعل الإسلام مرادفاً للإيمان.

ج - قوله سبحانه: «فَأَخْرَجْنٰا مَنْ كٰانَ فِيهٰا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ * فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ»(3)، و قد أُريد من المؤمنين و المسلمين معنى واحداً، فهذه الآيات تدلّ على وحدة الإسلام و الإيمان. فإذا كانت الطاعات داخلة في الإسلام فتكون داخلة في الإيمان أيضاً لحديث الوحدة(4).

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّه من المحتمل قوياً أن يكون المشار إليه في قوله «وَ ذٰلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ» هو الجملة الأُولى بعد «إلّا» أعني: «لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ


1) . آل عمران: 85.

2) . الحجرات: 17.

3) . الذاريات: 35-36.

4) . الفصل: 234/3؛ البحار: 16/66-17.

مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» لا جميع ما وقع بعدها من إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و المراد من قوله: «لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» هو إخلاص العبادة للّٰه، كإخلاص الطاعة(1)له، و الشّاهد على ذلك قوله سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ»(2). فإنّ وزان قوله: «ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ» وزان قوله: «ذٰلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ» و المشار إليه في الجملة الأُولى هو الدين الحنيف الخالص عن الشرك، بإخلاص العبادة و الطاعة له سبحانه.

ثانياً: يمنع كون العبادات داخلة في الإسلام حتّى في قوله سبحانه: «إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ»، و قوله تعالى: «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاٰمِ دِيناً...»، لأنّ المراد منه هو التسليم أمام اللّٰه و تشريعاته، بإخلاص العبادة و الطاعة له في مقام العمل دون غيره من الأوثان و الأصنام، و بهذا المعنى سمّي إبراهيم «مسلماً» في قوله تعالى: «مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(3)، و بهذا المعنى طلب يوسف من ربّه أن يميته مسلماً قال سبحانه حكاية عنه: «تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصّٰالِحِينَ»(4)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول إخلاص العبادة له، و التجنّب من الشّرك، فلو فرض أنّ العبادة داخلة في مفهوم


1) . المراد من الدين في قوله: «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» هو الطاعة.

2) . الروم: 30.

3) . آل عمران: 67.

4) . يوسف: 101.

الدين، فلا دليل على دخولها في مفهوم الإسلام.

ثالثاً: نمنع كون الإسلام و الإيمان بمعنى واحد، فالظاهر من الذكر الحكيم اختلافهما مفهوماً. قال سبحانه: «قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(1)، فلو استعمل الإسلام أو المسلمين و أُريد منهما الإيمان و المؤمنين في مورد أو موردين، فهو لوجود قرينة تدلّ على أنّ المراد من العامّ هو الخاصّ.

إلى غير ذلك من الآيات الّتي جمعها ابن حزم في «الفصل»(2)، و لا دلالة فيها على ما يرتئيه، و الاستدلال بهذه الآيات يدلّ على أنّ الرّجل ظاهريّ المذهب إلى النهاية يتعبّد بحرفيّة الظواهر، و لا يتأمّل في القرائن الحافّة بالكلام و أسباب النزول.

نعم هناك روايات عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام تعرب عن كون العمل جزءاً من الإيمان و إليك بعضها:

1 - روى الكراجكي عن الصادق أنّه قال: «ملعون ملعون من قال: الإيمان قول بلا عمل».(3)

2 - روى الكليني عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «قيل لأمير


1) . الحجرات: 13.

2) . الفصل: بكسر الفاء و فتح الصاد بمعنى النخلة المنقولة من محلّها الى محلّ آخر لتثمر، كقصعة و قصع.

3) . البحار: 19/69، الحديث 1.

المؤمنين عليه السلام: من شهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض اللّٰه؟ قال: و سمعته يقول: كان عليّ عليه السلام يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم، و لا صلاة، و لا حلال، و لا حرام، قال: و قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه فهو مؤمن قال: فلم يضربون الحدود؟ و لم تقطع أيديهم؟ و ما خلق اللّٰه عزّ و جلّ خلقاً أكرم على اللّٰه عزّ و جلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين و أنّ جوار اللّٰه للمؤمنين، و أنّ الجنّة للمؤمنين، و أنّ الحور العين للمؤمنين، ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً».(1)

و المراد من «جحد الفرائض» تركها عمداً بلا عذر، لا جحدها قلباً و إلّا لما صلح للاستدلال.

3 - روى الكليني عن محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: «نعم و ما دون الكبائر، قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: لا يزني


1) . الكافي: 33/2، الحديث 2؛ البحار: 19/66، الحديث 2.

الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن».(1)

4 - و روى أيضاً عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر و عمر بن ذرّ - و أظنّ معهما أبو حنيفة - على أبي جعفر عليه السلام، فتكلّم ابن قيس الماصر فقال: إنّا لا نخرج أهل دعوتنا و أهل ملّتنا من الإيمان في المعاصي و الذنوب. قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: «يا ابن قيس أمّا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقد قال: لا يزني الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن، فاذهب أنت و أصحابك حيث شئت».(2)

5 - و عن الرضا عن آبائه - صلوات اللّٰه عليهم - قال: قال رسول اللّٰه - صلى اللّٰه عليه و آله -: «الإيمان معرفة بالقلب، و إقرار باللسان، و عمل بالأركان».(3)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي جمعها العلاّمة المجلسي قدس سره في بحاره، باب «الإيمان مبثوث على الجوارح».(4)

أقول: الظاهر أنّها وردت لغاية ردّ المرجئة الّتي تكتفي في الحياة الدينية بالقول و المعرفة، و تؤخّر العمل و ترجو رحمته و غفرانه مع عدم القيام بالوظائف، و قد تضافر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام لعن المرجئة.

روى الكليني عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «لعن اللّٰه القدريّة، لعن اللّٰه الخوارج، لعن اللّٰه المرجئة، لعن اللّٰه المرجئة»، فقلت:

لعنت هؤلاء مرّة مرّة و لعنت هؤلاء مرّتين؟ قال: «إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قَتَلَتَنا مؤمنون، فدماؤنا متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة. إنّ اللّٰه حكى عن قوم في كتابه: «أَلاّٰ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّٰى يَأْتِيَنٰا بِقُرْبٰانٍ تَأْكُلُهُ اَلنّٰارُ قُلْ قَدْ جٰاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنٰاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» قال: كان بين القاتلين


1) . الكافي: 284/2-285، الحديث 21.

2) . الكافي: 285/2، الحديث 22.

3) . عيون أخبار الرضا: 226/1.

4) . بحار الأنوار: 18/69-149، الباب 30 من كتاب الكفر و الإيمان.

و القائلين خمسمائة عام فألزمهم اللّٰه القتل برضاهم ما فعلوا».(1)

و روى أيضاً عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد اللّه عليه السلام عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة و قدريّة و حروريّة، قال:

«لعن اللّٰه تلك الملل الكافرة المشركة الّتي لا تعبد اللّٰه على شيء».(2)

إلى غير ذلك من الرِّوايات الواردة في ذمّ هذه الفرقة الّتي كانت تثير روح العصيان و التمرّد على الأخلاق و المثل بين الشباب، و تحرّضهم على اقتراف الذنوب و المعاصي رجاء المغفرة.

و الّذي يظهر من ملاحظة مجموع الأدلّة، هو أنّ الايمان ذو مراتب و درجات، و لكل أثره الخاصّ.

1 - مجرّد التصديق بالعقائد الحقّة، و قد عرفت ثمرته و هي حرمة دمه و عرضه و ماله، و به يناط صحّة الأعمال و استحقاق الثّواب، و عدم الخلود في النار، و استحقاق العفو و الشفاعة.

2 - التصديق بها مع الاتيان بالفرائض الّتي ثبت وجوبها بالدليل القطعي كالقرآن، و ترك الكبائر الّتي أوعد اللّٰه عليها النار، و بهذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة، و مانع الزكاة، و تارك الحجّ، و عليه ورد قوله صلى الله عليه و آله و سلم «لا يزني الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن» و ثمرة هذا الإيمان عدم استحقاق الإذلال و الإهانة و العذاب في الدنيا و الآخرة.


1) . الكافي: 409/2، الحديث 1. و الآية 183 من سورة آل عمران.

2) . الكافي: 409/2، الحديث 2.

3 - التصديق بها مع القيام بفعل جميع الواجبات و ترك جميع المحرّمات. و ثمرته اللّحوق بالمقرّبين، و الحشر مع الصديقين و تضاعف المثوبات، و رفع الدرجات.

4 - نفس ما ذكر في الدرجة الثالثة لكن بإضافة القيام بفعل المندوبات، و ترك المكروهات، بل بعض المباحات، و هذا يختصّ بالأنبياء و الأوصياء(1).

و يعرب عن كون الإيمان ذا درجات و مراتب، ما رواه الكليني عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث قال: «قلت: أ لا تخبرني عن الإيمان؟ أقول هو و عمل، أم قول بلا عمل؟ فقال: «الإيمان عمل كلّه، و القول بعض ذلك العمل، بفرض من اللّٰه بيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد له به الكتاب، و يدعوه إليه»، قال: قلت: صفه لي جعلت فداك حتّى أفهمه، قال: «الإيمان حالات و درجات و طبقات، و منازل: فمنه التامّ المنتهى تمامه، و منه الناقص البيّن نقصانه، و منه الراجح الزائد رجحانه».

قلت: إنّ الإيمان ليتمّ و ينقص و يزيد؟ قال: «نعم»، قلت: كيف ذلك؟ قال: «لأنّ اللّٰه تبارك و تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلّا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أُختها...».(2)


1) . البحار: 126/69-127.

2) . البحار: 23/69-24. لاحظ تمام الرواية و قد شرحها العلامة المجلسي.

و يعرب عنه أيضاً ما رواه الصدوق عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «ليس الايمان بالتحلّي، و لا بالتمنّي، و لكنّ الإيمان ما خلص في القلب، و صدّقه الأعمال».(1)

و المراد بالتحلّي التزيّن بالأعمال من غير يقين بالقلب، كما أنّ المراد من التمنّي هو تمنّي النجاة بمحض العقائد من غير عمل.

و في ما رواه النعماني في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام شواهد على ذلك التقسيم.(2)

خاتمة المطاف

اشارة

إنّ البحث في أنّ العمل هل هو داخل في الإيمان أم لا، و إن كان مهمّاً قابلاً للمعالجة في ضوء الكتاب و السنّة، كما عالجناه، إلّا أنّ للبحث وجهاً آخر لا تقلّ أهميته عن الوجه الأوّل و هو تحديد موضوع ما نطلبه من الآثار. فإذا دلّ الدليل على أنّ الموضوع لهذا الأثر أو لهذه الآثار هو نفس الاعتقاد الجازم، أو هو مع العمل، يجب علينا أن نتّبعه سواء أصدق الإيمان على المجرّد أم لا؟ سواء كان العمل عنصراً مقوّماً أم لا؟

مثلاً؛ إنّ حقن الدماء و حرمة الأعراض و الأموال يترتّب على الإقرار باللسان سواء أ كان مذعناً في القلب أم لا، ما لم تعلم مخالفة اللسان مع


1) . البحار: 72/69، نقلاً عن معاني الأخبار: 187.

2) . البحار: 73/69-74، نقلاً عن تفسير النعماني.

الجنان. و لأجل ذلك نرى أنّ كلّ عربيّ و عجميّ و أعرابيّ و قرويّ أقرّ بالشهادتين عند الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حكم عليه بحقن دمه و احترام ماله. قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلّا اللّٰه، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم و أموالهم»(1).

فهذه الآثار لا تتطلّب أزيد من الإقرار باللّسان ما لم تعلم مخالفته للجنان، سواء أصحّ كونه مؤمناً أم لا.

و أمّا غير هذه من الآثار التي نعبّر عنه بالسعادة الأُخروية فلا شكّ أنّها رهن العمل، و أنّ مجرّد الاعتقاد و الإقرار باللسان لا يسمن و لا يغنى من جوع. و هذا يظهر بالرجوع إلى الكتاب و السنّة. قال سبحانه: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ هُمُ اَلصّٰادِقُونَ»(2).

نرى أنّه ينفي الإيمان عن غير العامل. و ما هذا إلّا لأنّ المراد منه، الإيمان المؤثّر في السعادة الأُخرويّة، و قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، و التسليم هو اليقين، و اليقين هو التصديق، و التصديق هو الإقرار، و الإقرار هو الأداء، و الأداء هو العمل»(3).

فالإمام عليه السلام بصدد بيان الإسلام الناجع في الحياة الأُخروية، و لأجل


1) . بحار الأنوار: 242/68.

2) . الحجرات: 15.

3) . نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 125.

ذلك فسّره نهايةً بالعمل. و لكنّ الإسلام الّذي ينسلك به الإنسان في عداد المسلمين، و يحكم له و عليه ظاهراً ما يحكم للسائرين من المسلمين، تكفي فيه الشهادة باللّفظ ما لم تعلم المخالفة بالقلب، و على ذلك جرت سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه.

فلو أوصلَنا السبر و الدقّة إلى تحديد الإيمان فهو المطلوب، و إلّا فالمهمّ هو النظر إلى الآثار المطلوبة و تحديد موضوعاتها حسب الأدلّة، سواء أصدق عليه الإيمان أم لا، سواء أدخل العمل في حقيقته أم لا كما تقدّم. هذا ما ذكرناه هنا عجالة، و سوف نميط الستر عن وجه الحقيقة عند البحث عن عقيدة الطائفتين - المعتزلة و الخوارج - في مورد مرتكب الكبيرة، و نحدّد مفهوم الإيمان في ضوء الكتاب و السنّة.

المرجئة و الفرق الأُخرى:

الإنسان يتصوّر بادئ بدء أنّ المرجئة كسائر الطوائف لهم آراء في جميع المجالات الكلاميّة، خاصّة بهم، يفترقون بها عن غيرهم، و لكن سرعان ما يتبيّن له أنّ الأصل المقوّم للمرجئة هو مسألة تحديد الإيمان و الكفر. و أمّا الموضوعات الأُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ. و لأجل ذلك تفرّقوا في آخر أمرهم إلى فرق متبدّدة و متضادّة. فترى مرجئياً يتّبع منهج الخوارج، و مرجئياً آخر يقتفي أثر القدريّة، و ثالثاً يشايع الجبريّة. و ما هذا إلّا لأنّ الإرجاء قام على أصل واحد و هو تحديد الإيمان بالإقرار أو باللسان أو

المعرفة القلبية. و أمّا الأُصول الأُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ قطّ. و صار هذا سبباً لذوبانهم في الفرق الأُخرى و تفرّقوا على الفرق التالية:

1 - مرجئة الخوارج.

2 - مرجئة القدرية.

3 - مرجئة الجبرية.

4 - المرجئة الخالصة.

و هذه الطوائف بعضها بالنسبة إلى بعض على نقيض، فمرجئة القدريّة تقول بالاختيار و الحريّة للإنسان، و مرجئة الجبريّة تنكره. و مع ذلك كلّه فالطائفتان تستظلّان تحت سقف واحد، و هو الإرجاء، و إن اختلفوا في سائر المسائل. نعم يوجد هناك مرجئة خالصة لم يتكلّموا بشيء في بقيّة المسائل و ذكر الشهرستاني لهم طوائف ستّ و هي:

1 - اليونسيّة.

2 - العبيديّة.

3 - الغسّانيّة.

4 - الشعبانيّة.

5 - التومينية.

6 - الصالحيّة.

و هؤلاء لم يتكلّموا إلّا في الإرجاء و اختلفوا في تحديد الإيمان بعد

إخراج العمل منه، و تركوا البحث عن سائر الموضوعات، بخلاف الطوائف الثلاث المتقدّمة. فإنّهم اشتركوا في الإرجاء و اختلفوا في سائر الموضوعات. فمن مرجئيّ سلك مسلك الخوارج، يبغض عثماناً و عليّاً، و يناضل ضدّ الحكّام، إلى آخر يتفيّأ بفيء القدريّة يحترم الخلفاء الأربع، و يرى الإنسان فاعلاً مختاراً و فعله متعلّقاً بنفسه. إلى ثالث يركب مطيّة الجبر و يرى الإنسان أداة طيّعة للقضاء و القدر.

شعراء المرجئة:

قد وجد بين المرجئة شعراء عبّروا عن عقيدتهم في قصائدهم و نذكر هنا شاعرين:

1 - ثابت بن قطنة. كان في صحابة يزيد بن المهلّب يولّيه أعمالاً من أعمال الثغور، و قد روى أبو الفرج الأصفهاني قصيدة له في أغانيه مستهلّها:

يا هند فاستمعي لي أنّ سيرتنا *** أن نعبد اللّٰه لم نشرك به أحداً

نرجئ الأُمور إذا كانت مشبهة *** و نصدق القول فيمن جار أو عندا

المسلمون على الاسلام كلّهموا *** و المشركون استووا في دينهم قددا

و لا أرى أنّ ذنباً بالغ أحداً *** مِ النّاس شركا إذا ما وحّدوا الصمدا

لا نسفك الدم إلّا أن يراد بنا *** سفك الدماء طريقاً واحداً جددا

من يتّق اللّٰه في الدنيا فإنّ له *** أجر التقيّ إذا وفّى الحساب غدا

و ما قضى اللّٰه من أمر فليس له *** ردّ و ما يقض من شيء يكن رشدا

كلّ الخوارج مُخطٍ في مقالته *** و لو تعبّد فيما قال و اجتهدا

أمّا عليّ و عثمان فانّهما *** عبدان لم يشركا باللّٰه مذ عبدا

و كان بينهما شغب و قد شهدا *** شقّ العصا و بعين اللّٰه ما شهدا

يجزى عليّاً و عثماناً بسعيهما *** و لست أدري بحقٍ آيةً وردا

اللّٰه يعلم ما ذا يحضران به *** و كلّ عبد سيلقى اللّٰه منفردا(1)

2 - عون بن عبد اللّه بن عقبة بن مسعود: و قد وصف بكونه من أهل الفقه و الأدب و كان يقول بالإرجاء ثمّ عدل عنه و قال مخطئاً ما اعتقده:

فأوّل ما أُفارق غير شكّ *** أُفارق ما يقول المرجئونا

و قالوا مؤمن من آل جور *** و ليس المؤمنون بجائرينا

و قالوا مؤمن دمه حلال *** و قد حرمت دماء المؤمنينا(2)

خطر المرجئة على أخلاق المجتمع:

قد عرفت التطوّر في فكرة الإرجاء و أنّه استقرّ رأي المرجئة أخيراً على أنّ الإيمان عبارة عن الإقرار باللّسان أو الإذعان بالقلب، و هذا يكفي في


1) . فجر الإسلام: 281-282، نقلاً عن الأغاني: 204/4

2) . نفس المصدر: 282، نقلاً عن الأغاني: 92/8

اتّصاف الإنسان بالإيمان. و لو صحّ ما نسب إليهم في شرح المواقف «من عدم العقاب على المعاصي»(1)فالمصيبة أعظم.

و هذه الفكرة فكرة خاطئة تسير بالمجتمع - و خصوصاً الشباب - إلى الخلاعة و الانحلال الأخلاقي و ترك القيم، بحجّة أنّه يكفي في اتّصاف الإنسان بالإيمان، و انسلاكه في سلك المؤمنين، الإقرار باللّسان أو الإذعان بالقلب، و لا نحتاج وراء ذلك إلى شيء من الصوم و الصلاة، و لا يضرّه شرب الخمر و فعل الميسر، و يجتمع مع حفظ العفاف و تركه.

و لو قدر لهذه الفكرة أن تسود في المجتمع، لم يبق من الإسلام إلّا رسمه، و من الدين إلّا اسمه. و يكون المتديّن بهذه الفكرة كافراً واقعياً، اتّخذ هذه الفكرة واجهة لما يكنّ في ضميره.

و لقد شعر أئمّة أهل البيت عليهم السلام بخطورة الموقف، و علموا بأن إشاعة هذه الفكرة عند المسلمين عامّة، و الشيعة خاصّة، سترجعهم إلى الجاهليّة، فقاموا بتحذير الشيعة و أولادهم من خطر المرجئة فقالوا:

«بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة»(2)

و يحتمل أن يكون المراد هو الثاني بقرينة «أولادكم» فإنّ فكرة الإرجاء بالمعنى الأوّل تضرّ الكلّ، و بالمعنى الثاني تضر الشباب الّذين تهدّدهم الغرائز الجامحة كما أوعزنا إليه في المتن.

.

1) . شرح المقاصد للتفتازاني: 229/2 و 238.

2) . الكافي: 47/6، الحديث 5. قال المجلسي في المرآة: 82/21-83 عند شرح هذا الحديث: «أي علموهم في بدو شبابهم بل في أوائل إدراكهم و بلوغهم التميز من الحديث ما يهتدون به الى معرفة الأئمة عليهم السلام و التشيع قبل أن يغويهم المخالفون و يدخلوهم في ضلالتهم، فيعسر بعد ذلك صرفهم عن ذلك. و المرجئة في مقابلة الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير، لتأخيرهم عليّاً عليه السلام عن مرتبته، و قد يطلق في مقابلة الوعيديّة إلّا أن الأول هو المراد هنا».

و فكرة الإرجاء فكرة خاطئة تضرّ بالمجتمع عامّة. و إنّما خصّ الإمام منهم الشباب لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر للشباب لاقتراف الذنوب و الانحلال الأخلاقي و الانكباب وراء الشهوات مع كونهم مؤمنين.

و لو صحّ ما ادّعته المرجئة من الإيمان و المعرفة القلبيّة، و المحبّة لإله العالم، لوجب أن تكون لتلك المحبّة القلبيّة مظاهر في الحياة، فإنّها رائدة الإنسان و راسمة حياته، و الإنسان أسير الحبّ و سجين العشق، فلو كان عارفاً باللّٰه، محبّاً له، لاتّبع أوامره و نواهيه، و تجنّب ما يسخطه و يتّبع ما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق و ليس لها أثر في حياة المحبِّ.

و لقد وردت الإشارة إلى التأثير الذي يتركه الحبّ و الودّ في نفس المحبّ في كلام الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: «ما أحبّ اللّٰه عزّ و جلّ من عصاه» ثمّ أنشد الإمام عليه السلام قائلاً:

تعصي الإله و أنت تظهر حبّه *** هذا محالٌ في الفعال بديع

لو كان حبّك صادقاً لأطعته *** إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(1)

إنّ للإمام الصادق عليه السلام احتجاجاً على المرجئة، علّمه لأحد أصحابه


1) . سفينة البحار: 199/1، مادة «حبب»

و أبطل فيه حجّة القائل بكفاية الإقرار بالإيمان قياساً على كفاية الإنكار باللسان في الكفر، و إليك الحديث: روى محمّد بن حفص بن خارجة قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: و سأله رجل عن قول المرجئة في الكفر و الإيمان و قال: إنّهم يحتجّون علينا و يقولون: كما أنّ الكافر عندنا هو الكافر عند اللّٰه، فكذلك نجد المؤمن إذا أقرّ بإيمانه أنّه عند اللّٰه مؤمن، فقال: سبحان اللّٰه؛ و كيف يستوي هذان، و الكفر إقرار من العبد فلا يكلّف بعد إقراره ببيّنة، و الإيمان دعوى لا يجوز إلّا ببيّنة، و بيّنته عمله و نيّته، فإذا اتّفقا فالعبد عند اللّٰه مؤمن، و الكفر موجود بكلّ جهة من هذه الجهات الثلاث، من نيّة، أو قول، أو عمل. و الأحكام تجري على القول و العمل، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان، و يجري عليه أحكام المؤمنين، و هو عند اللّٰه كافر، و قد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله و عمله(1).

توضيح الرواية؛ أنّ الامام عليه السلام شبّه الإقرار الظاهري بالدعوة كسائر الدعاوى، كما أنّ الدعوة في الدعاوى لا تقبل إلّا ببيّنة، فكذا جعل اللّٰه تعالى هذه الدعوة غير مقبولة إلّا بشاهدين من قلبه و جوارحه فلا يثبت إلّا بهما.

المرجئة و علماء الشيعة

إنّ علماء الشيعة الإماميّة تبعاً لأئمتهم، قاموا في وجه المرجئة و حذّروا الأُمّة من ألوان خدعهم، علماً منهم بأنّ في نفوذ فكرة الإرجاء،


1) . الكافي: 39/2-40، الحديث 8.

مسخ الإسلام و محوه من أديم الأرض، و إليك كلمة قيّمة لفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى عام 260 ه) من أصحاب الأئمة الثلاثة: - الجواد و الهادي و العسكري عليهم السلام ذكرها في كتابه (الإيضاح: 20) قال: «و منهم المرجئة الّذين يروي منهم أعلامهم مثل إبراهيم النخعي، و إبراهيم بن يزيد التيمي، و من دونهما مثل سفيان الثوري، و ابن المبارك و وكيع، و هشام، و علي بن عاصم عن رجالهم أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «صنفان من أُمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب؛ القدريّة و المرجئة». فقيل لهم:

ما المرجئة؟ قالوا: الّذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. و أصل ما هم عليه أنّهم يدينون بأنّ أحدهم لو ذبح أباه و أُمّه و ابنه و بنته و أخاه و أُخته، و أحرقهم بالنار، أو زنى، أو سرق، أو قتل النفس الّتي حرّم اللّٰه، أو أحرق المصاحف، أو هدم الكعبة، أو نبش القبور، أو أتى أيّ كبيرة نهى اللّٰه عنها، إنّ ذلك لا يفسد عليه إيمانه، و لا يخرجه منه، و أنّه إذا أقرّ بلسانه بالشهادتين إنّه مستكمل الإيمان، إيمانه كإيمان جبرئيل و ميكائيل - صلّى اللّٰه عليهما - فعل ما فعل، و ارتكب ما ارتكب ممّا نهى اللّٰه عنه، و يحتجّون بأنّ النّبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: أُمرنا أن نقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا اللّٰه، و هذا قبل أن يفرض سائر الفرائض و هو منسوخ.

و قد روى محمد بن الفضل، عن أبيه، عن المغيرة بن سعيد، عن أبيه، عن مقسم، عن سعيد بن جبير قال: المرجئة يهود هذه الأُمّة. و قد نسخ احتجاجهم قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم حين قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا

إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حجّ البيت، وصوم شهر رمضان»(1).

و له رحمه الله احتجاج و مناشدة مع المرجئة في كتابه، فمن أراد فليرجع إليه(2).

هل كان أبو حنيفة مرجئياً؟

إنّ المشهور بين أرباب الملل و النحل أنّ الامام أبا حنيفة كان مرجئيّاً، و ممّن نقل ذلك، الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين» فقال: «الفرقة التاسعة من المرجئة: أبو حنيفة و أصحابه يزعمون أنّ الإيمان المعرفة باللّٰه، و الإقرار باللّٰه و المعرفة بالرسول و الإقرار بما جاء به من عند اللّٰه في الجملة دون التفصيل».

ثمّ ينقل عن غسّان و أكثر أصحاب أبي حنيفة أنّهم ينقلون عن أسلافهم أنّ الإيمان هو الإقرار و المحبّة للّٰه و التعظيم له و الهيبة منه، و ترك الاستخفاف بحقّه، و أنّه يزيد و لا ينقص(3).

و الظاهر هو الأوّل لتنصيصه في كتاب «العالم و المتعلّم» الذي أملاه و كتبه تلاميذه على ذلك و إليك النصّ:


1) . الإيضاح: 20-21.

2) . الإيضاح: 47-66.

3) . مقالات الإسلاميين: 132.

قال العالم رضى الله عنه: الإيمان هو التصديق و المعرفة و اليقين و الإقرار و الإسلام. و الناس في التصديق على ثلاث منازل:

فمنهم: من يصدِّق باللّٰه و بما جاء منه بقلبه و لسانه.

و منهم: من يصدِّق بلسانه و يكذّب بقلبه.

و منهم: من يصدّق بقلبه و يكذّب بلسانه.

قال المتعلّم رحمه الله: لقد فتحت لي باب مسألة لم أهتد إليه، فأخبرني عن أهل هذه المنازل الثلاث أهم عند اللّٰه مؤمنون؟

قال العالم رضى الله عنه: من صدّق باللّٰه و بما جاء من عند اللّٰه بقلبه و لسانه فهو عند اللّٰه و عند الناس مؤمن.

و من صدّق بلسانه و كذّب بقلبه كان عند اللّٰه كافراً و عند الناس مؤمناً، لأنّ الناس لا يعلمون ما في قلبه. و عليه يسمّونه مؤمناً بما ظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، و ليس لهم أن يتكلّفوا علم ما في القلوب.

و منهم من يكون عند اللّٰه مؤمناً و عند الناس كافراً، و ذلك بأنّ الرجل يكون مؤمناً باللّٰه و بما جاء عنه. و يظهر الكفر بلسانه في حال التقيّة، أي الإكراه، فيسمّيه من لا يعرف أنّه يتّقي، كافراً، و هو عند اللّٰه مؤمن.(1)

و في «الفقه الأكبر» المنسوب له ما هذا نصّه: «الإيمان هو الإقرار


1) . العالم و المتعلم للإمام أبي حنيفة: 52-53، تحقيق عمر رواس قلعة جى و عبد الوهاب الهندي الندوي.

و التصديق» و جاء فيه: «و يستوي المؤمنون كلّهم في المعرفة و اليقين و التوكّل و المحبّة و الرضا و الرجاء و يتفاوتون فيما دون الإيمان في ذلك كلّه». و جاء فيه: «اللّٰه متفضّل على عباده عادل قد يعطي في الثّواب أضعاف ما يستوجبه العبد، تفضّلاً منه و قد يعاقب على الذنب عدلاً منه و قد يعفو فضلاً منه»، و جاء فيه: «و لا نكفّر أحداً بذنب و لا ننفي أحداً عن الإيمان»(1).

أقول: إنّ القول بأنّ الإيمان هو التصديق القلبي فقط، لا يُدخل القائل في عداد المرجئة إذا كان مهتمّاً بالعمل و يرى النجاة و السعادة فيه، و أنّه لولاه لكان خاسراً غير رابح. فالمرجئة هم الّذين يهتمّون بالعقيدة و لا يهتمّون بالعمل و لا يعدّونه عنصراً مؤثراً في الحياة الأُخرويّة، و يعيشون على أساس العفو و الرجاء، و بالجملة يهتمّون بالرغبة دون الرهبة و اللّٰه سبحانه يقول: «إِنَّهُمْ كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً»(2).

و على ذلك؛ فرمي كلّ من قال بأنّ الإيمان هو التصديق بالإرجاء، رمي في غير محلّه، فإذا كان المرميّ ذا عناية خاصّة بالعمل بالأركان، و القيام بالجوارح، و كان شعاره قوله سبحانه: «إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ»(3)فهو على طرف النقيض منهم، خصوصاً على ما نقله شارح المواقف من المرجئة


1) . ضحى الإسلام: 321/3.

2) . الأنبياء: 90.

3) . العصر: 2-3.

بأنّهم ينفون العقاب على الكبائر إذا كان المرتكب مؤمناً على مذهبهم.

هذا إجمال القول في عقيدة المرجئة و ما يترتّب عليها من المفاسد، و لأئمّة أهل البيت عليهم السلام كلمات في حقّهم حذّروا المجتمع فيها من تلك الطائفة يجدها المتتبّع في محلّه(1). و يظهر من الأمير نشوان الحميري (المتوفّى عام 573 ه) شيوع المرجئة في عصره في الأوساط الإسلاميّة قال: «و ليس كورة من كور الإسلام إلّا و المرجئة غالبون عليها إلّا القليل».(2)أعاذنا اللّٰه من شرّ الأبالسة.


1) . بحار الأنوار: 392/18، فصل المعراج، و غيره.

2) . شرح الحور العين: 203، كما في «بحوث مع أهل السنّة».

إكمال:

قد عرفت التطوّر في استعمال لفظ «المرجئة» و أنّها تستعمل تارة في تأخير القول في عثمان و عليّ، و عدم القضاء في حقّهما بشيء، و إرجاع أمرهما إلى اللّٰه. و أُخرى في تقديم القول على العمل و تأخيره عنه قائلاً بأنّه لا تضرّ مع الإيمان المعصية، كما لا تنفع مع الكفر الطاعة، و الحسن بن محمّد بن الحنفيّة مبدع الإرجاء بالمعنى الأوّل، لا الثاني. و إطلاقها على المعنيين لاشتراكهما في التأخير.

غير أنّ الدكتور جلال محمّد عبد الحميد موسى نسب الإرجاء بالمعنى الثاني الى الحسن و قال: «إنّنا نجد بذور هذا المذهب عند الحسن بن محمّد الحنفيّة (المتوفّى 101 ه) و هو عالم من علماء أهل البيت، قد تصدّى للردّ على الخوارج حين نشروا مبدأهم الخطير «لا عقد بدون عمل» و هو يستلزم تكفير مرتكب الكبيرة و استحلال قتله، فأعلن «الحسن» أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية و أنّ الطاعات و ترك المعاصي ليست من أصل الإيمان، حتى يزول الإيمان بزوالها»(1).

و ما ذكره خلط بين معنيي الإرجاء فلاحظ، و قد تقدّم في كلام ابن حجر التصريح بذلك(2).

تمّ الكلام في المرجئة


1) . نشأة الأشعرية و تطورها: 20.

2) . تهذيب التهذيب: 321/2.

3 - القدريّة

القدريّة أسلاف المعتزلة

خرج المسلمون من الجزيرة العربيّة بدافع نشر الإسلام و بسط نفوذه، فلمّا استولوا على البلاد و استتبّ لهم الأمر، تفاجئوا بثقافات و حضارات، و شرائع و ديانات، لم يكن لهم بها عهد، ففرضت الظروف عليهم الاختلاط و التعايش مع غير المسلمين، و ربّما انتهى الأمر إلى التفاعل و التأثر بمبادئهم و أفكارهم، فوقفوا على أُصول و مبادئ تخالف دينهم، فأوجد ذلك اضطراباً فكريّاً بين الأوساط الإسلاميّة. كيف لا، و قد كان الخصم متدرّعاً بالسلاح العلمي، و مجهّزاً بأساليب كلاميّة، و المسلمون الغزاة بسطاء غير مجيدين كيفيّة البرهنة، و المجادلة العلميّة مع خصمائهم، فصار ذلك سبباً لطرح أسئلة و نموّ إشكالات في أذهان المسلمين خارج الجزيرة العربيّة و داخلها، و قد كان الغزاة ينقلون ما سمعوا أو ما تأثّروا به في حلّهم و ترحالهم داخل المدن و خارجها.

و هذا التلاقح الفكري بين المسلمين و غيرهم أدّى إلى افتراق الأُمّة الإسلاميّة إلى طائفتين:

الطائفة الأُولى: و هم يشكّلون الأكثريّة الساحقة بين المسلمين، جنحت إلى الجانب السلبي و أراحت نفسها من الخوض في تلك المباحث، و إن كانت لها صلة بصميم الدين كالقضاء و القدر، و عينيّة الصفات للذات أو زيادتها عليها، و كيفيّة الحشر و النشر، و وجود الشرّ في العالم، مع كون خالقه حكيماً إلى غير ذلك ممّا لا يمكن فصلها عن الدين، و أقصى ما كان لدى هؤلاء المتزمّتين، دعوة المسلمين إلى التعبّد بما جاء من النصوص في القرآن و السنّة، و قد تصدّر هذه الطائفة الفقهاء و أهل الحديث و لقد أثر عنهم قول و عمل يعرِّفان موقفهم في هذه التيّارات، و يرجع مغزى ذلك إلى الأخذ بالجانب السلبي و ترك الكلام الّذي هو أسهل الأمرين، و لأجل ذلك قامت تلك الطائفة بتحريم علم الكلام و المنطق و الفلسفة، و إن كان يهدف إلى تقرير العقائد الإسلاميّة عن طريق العقل و البرهان.

و إليك نماذج من أقوالهم في هذا المضمار:

1 - عن أبي يوسف القاضي (المتوفّى 192 ه): طلب علم الكلام هو الجهل، و الجهل بالكلام هو العلم(1).

2 - و عن الشافعي: لأن يلقى اللّٰه تبارك و تعالى بكلّ ذنب ما خلا


1) . تاريخ بغداد: 253/14.

الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام.(1)

3 - و هذا الإمام مالك (المتوفّى 179 ه) لمّا سئل عن كيفيّة الاستواء على العرش؟ فقال: الاستواء معقول، و الكيف مجهول، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة.(2)

فهؤلاء صوّروا البحث عن قوانين الكون، و صحيفة الوجود جهلاً، و الجهل بها علماً، و البرهنة على وجوده سبحانه أمراً مذموماً، و السؤال عن مفاد الآية و مرماها بدعة. فكأنّ القرآن أُنزل للتلاوة و القراءة دون الفهم و التدبّر، و كأنّ القرآن لم يأمر النّاس بسؤال أهل الذكر إذا كانوا جاهلين. فإذا كان هذا حال قادة الأُمّة و فقهائها، فكيف حال من يَقتدي بهم؟!

4 - سأل رجل عن مالك و قال: ينزل اللّٰه سماء الدنيا؟ قال: نعم. قال: نزوله بعلمه أم بما ذا؟ فصاح مالك: اسكت عن هذا.

و غضب غضباً شديدا.(3)

5 - قد بلغ تطرّف إمام الحنابلة إلى حدٍّ أنّ أبا ثور (المتوفّى 240 ه) فسّر حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللّٰه خلق آدم على صورته» على وجه لا يستلزم التجسيم و التشبيه بإرجاع الضمير إلى آدم حتّى يتخلّص من


1) . حياة الحيوان للدميري: 11/1، كما في كتاب «المعتزلة»: 242.

2) . طبقات الشافعية: 126/3.

3) . الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة، لابن قيم الجوزية: 251/2، طبع مكة المكرمة، عام 1348، كما في «المعتزلة»: 245.

مغبّتهما، فهجره أحمد، فأتاه أبو ثور، فقال أحمد: أيّ صورة كانت لآدم يخلق عليها، كيف تصنع بقوله: «خلق آدم على صورة الرحمن» فاعتذر أبو ثور و تاب بين يديه.(1)

فالدواء عنده لكلّ داء هو الدعوة إلى التعبّد بالنصوص تعبّداً حرفياً من غير تحليل و لا تفسير.

6 - إنّ أحد أصحابه، الحارث المحاسبي (المتوفّى 243 ه) ألّف كتاباً في الردّ على المعتزلة، فأنكره أحمد و هجره. و لمّا اعترض عليه المحاسبي بأنّ الردّ على البدعة فرض، أجاب أحمد بقوله: إنّك حكيت شبهتهم أوّلاً ثمّ أجبت عنها فلم تأمن أطالع الشبهة و لا ألتفت إلى الجواب أو أنظر إلى الجواب و لا أفهم كنهها(2).

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ في أنّ الردود على أصحاب البدع و الضلالات، يجب أن تكون بشكل تهدي الأُمّة و لا تضلّها، و تقمع الإشكال و لا ترسّخه. فمن كانت له تلك الصلاحية فعليه القيام بالردّ و النقد. فهذا هو القرآن الكريم الأُسوة المباركة، ينقل آراء المشركين ثمّ ينقضها و يدمِّرها، و إلّا فمعنى ذلك أن يفسح المعنيّون من علماء الإسلام للأبالسة أن يهاجموا الإسلام و يضعضعوا أركانه، و يتّخذوا الأحداث و الشبّان فريسة لأفكارهم يفتكون بهم، و يكون الغيارى من المسلمين القادرون على دفع هجومهم،


1) . نفح الطيب: 153/3، كما في كتاب «المعتزلة».

2) . المنقذ من الضلال: 45. راجع كتاب المعتزلة: 245-251.

متفرّجين في مقابل جرأة العاصي و حملة الماجن «ما هكذا تورد يا سعد الإبل». و كيف يرضى الشارع الّذي جعل الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر فريضة على المسلمين بهذه النكسة.

هذا حال الطائفة الأُولى و إليك نبذة عن وضع الطائفة الأُخرى.

الطائفة الثانية: و هم الأقليّة من أصحاب الفكر، و قد عاينوا المشاكل عن كثب و حاولوا حلّها بالدراسة و التحليل.

فلأجل تلك الغاية تدرّعوا بمنطق الخصم و أساليبه الكلاميّة، فقلعوا بها الشبه و صانوا دينهم و إيمان أحداثهم عن زيغ المبطلين.

كلّ ذلك بدافع الذبّ عن حريم الدين و صيانته، و تجسيداً للأصل الأصيل في الكتاب و السنّة - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر - و أُسوةً بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الّذي كان يدافع عن دين اللّٰه بسيفه و سنانه، و بنانه و بيانه، و كتبه و رسائله.

و قد نجم بين الأُمّة في هذه الطائفة علماء أخيار اشتروا رضا اللّٰه سبحانه بغضب المخلوق، فكانوا يحمون جسد الإسلام من النّبال المرشوقة و الموجّهة من السلطة الحاكمة إليه، تحت ستار الدفاع عن الدين و مكافحة المضلّين، و قد أساء لهم التاريخ فأسماهم بالقدريّة، حطّاً من شأنهم، و إدخالاً لهم تحت الحديث المرويّ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «القدريّة مجوس هذه الأُمّة». و كان العصر الأموي (من الوقت الّذي استولى فيه معاوية على عرش الملك إلى آخر من تولّى منهم)، يسوده القول بالجبر، الّذي يصوِّر الإنسان و المجتمع أنّهما مسيّران لا مخيّران، و أنّ كلّ ما يجري في الكون من صلاح

و فساد، وسعة و ضيق، و جوع و كظّة، و صلح و قتال بين الناس أمر حتمي قضى به عليهم، و ليس للبشر فيه أيّ صنع و تصرّف.

و قد اتّخذت الطغمة الأمويّة هذه الفكرة غطاءً لأفعالهم الشنيعة حتّى يسدّوا بذلك باب الاعتراض على أفعالهم بحجّة أنّ الاعتراض عليهم اعتراض على صنعه سبحانه و قضائه و قدره، و أنّ اللّٰه سبحانه فرض على الإنسان حكم ابن آكلة الأكباد و ابنه السكّير. و أبناء البيت الأموي الخبيث يعيشون عيشة رغد و رخاء و ترف، و يعيش الآخرون على بطون غرثى و أكباد حرّى.

و قد كانت هذه الفكرة تروّج بالخطباء و وعّاظ السلاطين مرتزقة البلاط الأموي.

ففي هذه الظروف نهض رجال ذوو بصيرة لا يستسيغون هذه الفكرة، بل يرونها من حبائل الشيطان، أُلقيت لاصطياد المستضعفين، و سلب حرّياتهم و نهب إمكانيّاتهم، فثاروا على الفكرة و أصحابها و ناضلوا من أجل ذلك بصمود و حماس، و كان عملهم هذا انتفاضة في وجه المجبّرة تنزيهاً لساحته سبحانه عمّا وصفه به الجاهلون، و سكت عنه الآخرون رهباً أو رغباً، فكان جزاؤهم القتل و الصّلب و التنكيل بعد الحكم بتكفيرهم من جانب قضاة الجور، بدعوى مروقهم عن الدّين و خروجهم على أمير المؤمنين!! عبد الملك بن مروان!! و سيفه الشاهر الحجّاج بن يوسف.

و نقدّم إليك لمحات من حياتهم و نضالهم في طريق عقيدتهم، و أنّهم

لم يكونوا يدينون بشيء ممّا رموا به إلّا القول بأنّ الإنسان مختار في حياته، و أنّه ليس له إلّا ما سعى، و لم تكن عندهم فكرة التفويض التي تعادل الشرك الخفيّ، و إنّما حدثت فكرة التفويض بعدهم بين المعتزلة. و على ذلك فهؤلاء المسمّون بالقدريّة ظلماً و عدوانا، أسلاف المعتزلة في الدعوة إلى حريّة الإنسان، لا في الدعوة إلى التفويض البغيض.

و استغلّت الأشاعرة و مؤلّفو الملل و النّحل لفظ «القدريّة»، فاستعملوها في مخالفيهم تبعاً لأهل الحديث في هذه الظروف، فأطلقوها على كلِّ من ادّعى للانسان حريّة في العمل و اختياراً في الفعل الّذي هو مناط صحّة التكليف، و مدار بعث الرسل، فدعاة الحريّة عندهم قدرية إمّا لاتّهامهم - كذباً و زوراً - بإنكار تقدير اللّٰه و قضائه، من باب إطلاق الشيء (القدريّة) و إرادة نقيضه (إنكار القدر و نفيه)، أو لاتّهامهم بأنّهم يقولون نحن نقدّر أعمالنا و أفعالنا و... و سيوافيك بحث حول هذه اللفظة عند خاتمة البحث.

دعاة الحرية

1 - معبد بن عبد اللّه الجهني البصري (المتوفّى 80 ه): أوّل من قال بالقدر في البصرة. سمع الحديث من ابن عبّاس، و عمران بن حصين و غيرهما و حضر يوم التحكيم، و انتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه، و كان صدوقاً ثقة في الحديث و من التّابعين، و خرج مع ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف، فخرج و أقام بمكّة فقتله الحجّاج صبراً بعد أن عذّبه، و قيل صلبه

عبد الملك بن مروان في دمشق على القول بالقدر ثمّ قتله.(1)

و قال المقريزي في خططه: «أوّل من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني، و كان يجالس الحسن بن الحسين البصري، فتكلّم بالقدر في البصرة، و سلك أهل البصرة مسلكه لمّا رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، و أخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه و يعرف بالأسواري، فلمّا عظمت الفتنة به عذّبه الحجّاج و صلبه بأمر عبد الملك بن مروان، سنة ثمانين من الهجرة - إلى أن قال: و كان عطاء بن يسار قاضياً يرى القدر و كان يأتي هو و معبد الجهني إلى الحسن البصري، فيقولان له إنّ هؤلاء يسفكون الدماء و يقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّٰه فقال: كذب أعداء اللّٰه، فطعن عليه بهذا».(2)

2 - غيلان بن مسلم الدمشقي: و هو ثاني من تكلّم بالقدر و دعا إليه و لم يسبقه سوى معبد الجهني. قال الشهرستاني في «الملل و النحل»: «كان غيلان يقول بالقدر خيره و شرّه من العبد، و قيل تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن عبد العزيز، فلمّا مات عمر جاهر بمذهبه فطلبه هشام بن عبد الملك و أحضر الأوزاعي لمناظرته. فأفتى الأوزاعي بقتله، فصلب على باب كيسان بدمشق و قتل عام (105 ه).(3)


1) . الأعلام للزركلي: 177/8 ناقلاً عن تهذيب التهذيب: 225/10؛ ميزان الاعتدال: 183/3؛ شذرات الذهب: 88/1؛ البداية و النهاية: 34/9.

2) . الخطط المقريزية: 356/2. سيوافيك نظرنا في كلامه فانتظر.

3) . الملل و النحل: 47/1؛ لسان الميزان: 424/4؛ و الأعلام للزركلي: 320/5.

قال القاضي عبد الجبّار: «و منهم (الطبقة الرابعة من المعتزلة) غيلان بن مسلم، أخذ العلم عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة»(1).

و قال ابن المرتضى نقلاً عن الحاكم: «أخذ غيلان الدمشقي المذهب عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة و لم تكن مخالفته (الحسن) لأبيه و لأخيه إلّا في شيء من الإرجاء. روى أنّ الحسن كان يقول - إذا رأى غيلان في الموسم -: أ ترون هذا، هو حجّة اللّٰه على أهل الشام، و لكنّ الفتى مقتول، و كان وحيد دهره في العلم و الزهد و الدعاء إلى اللّٰه و توحيده و عدله، قتله هشام بن عبد الملك و قتل صاحبه. و سبب قتله أنّ غيلان كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتاباً يحذِّره فيه من انطفاء السنّة و ظهور البدعة(2).

فلمّا وصلت الرسالة إلى عمر بن عبد العزيز دعاه و قال: أعنّي على ما أنا فيه. فقال غيلان: ولّني بيع الخزائن و ردّ المظالم فولّاه فكان يبيعها و ينادي عليها و يقول: تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلَف الرسول في أُمّته بغير سنّته و سيرته، و كان فيما نادى عليه جوراب خزّ فبلغ ثلاثين ألف درهم، و قد أتكل بعضها. فقال غيلان: من يعذرني ممّن يزعم أنّ هؤلاء كانوا أئمّة هدى و هكذا يأتكل و الناس يموتون من الجوع. فمرّ به هشام بن عبد الملك قال: أرى هذا يعيبني و يعيب آبائي و إن ظفرت به لأُقطّعنّ يديه و رجليه، فلمّا ولي هشام قتله على النّحو الّذي وعده».(3)


1) . طبقات المعتزلة: 229. و لكلامه ذيل يجيء عن ابن المرتضى عند البحث عن جذور الاعتزال.

2) . ستوافيك رسالته فانتظر.

3) . المنية و الأمل: 26.

و ما ذكرناه من النُّصوص يوقفنا على أُمور:

1 - إنّ القول بكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً يتّصل جذورها بالبيت الهاشمي. فقد عرفت أنّ معبداً الجهني كان تلميذاً لابن عبّاس، و غيلان الدمشقي تتلمذ للحسن بن محمّد بن الحنفيّة. فما ذكره المقريزي من أنّه أخذ ذلك الرأي من أبي يونس سنسويه لا يركن إليه، بعد ثبوت تتلمذهما لقادة الفكر من البيت الهاشمي و لعمران بن حصين الصحابي الجليل و من أعلام أصحاب علي عليه السلام.

2 - إنّ نضال الرجلين في العهد الأموي كان ضدّ ولاة الجور الّذين كانوا يسفكون الدماء و ينسبونه إلى قضاء اللّٰه و قدره، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم و أنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلّته السلطة و برّرت به أعمالها الشنيعة، و إلّا فمن البعيد جدّاً من مسلم واع أن ينكر القضاء و القدر الواردين في الكتاب و السنّة على وجه لا يسلب الحريّة من الإنسان و لا يجعله مكتوف الأيدي.

3 - إنّ هذا التاريخ يدلنا على أنّ رجال العيث و الفساد إذا أرادوا إخفاء دعوة الصالحين اتّهموهم بالكفر و الزندقة و مخالفة الكتاب و السنّة.

4 - إنّ صلب معبد الجهني بيد الحجّاج السفّاك بأمر عبد الملك أوضح دليل على أنّ الرجل كان من دعاة الإصلاح، و لكن ثقل أمره على الطغمة الأمويّة فاستفزّوه من أديم الأرض و قطعوا جذوره بالصلب و القتل، كما أنّ قيام غيلان في وجه هشام بن عبد الملك يعرب عن صموده في سبيل الحقّ

و إزهاق الباطل و قتله به يدلّ على قداسة ما كان يذهب إليه.

و على أيّ تقدير؛ فهذان الرجلان، في الطليعة من دعاة الحريّة و الاختيار، و يعدّان أسلافاً للاعتزال و لا يمتّان له بصلة غير الاشتراك في نفي الجبر و التسيير.

5 - إنّ هؤلاء الأحرار و إن رُموا بالقدرية بمعنى إنكار القضاء و القدر، و لكنّهم كانوا بصدد إثبات الاختيار و الحريّة للإنسان في مقابل الجبر و إغلال الأيدي الّذي كانت السلطة تشجّعه، و الاختيار هو الّذي بُنيت عليه الشرائع و عليه شرّعت التكاليف، فإنكاره إنكار للأمر الضّروري.

و لكنّ السلطة لأجل إخماد ثورتهم اتّهمتهم بالقدريّة حتّى تطعن بهم أنّهم خالفوا الكتاب و السنّة الدالّين على تقدير الأشياء من جانبه سبحانه و قضائه عليها، و أين هذه التهمة ممّا تمسّك به القوم من الدعوة إلى الاختيار و الحريّة؟

و أمّا تفسير القدريّة في حقّ هؤلاء بتفويض الإنسان إلى نفسه و أفعاله، أنّه ليس للّٰه سبحانه أي صنع في فعله فهو تفسير جديد حدث بعد هؤلاء، و به رُميت المعتزلة كما سيأتي الكلام فيه.

و في الحقيقة كانت دعوة هؤلاء ردّ فعل لأسطورة الجبر الّتي كانت ذائعة في الصدر الأوّل عن طريق أهل الكتاب الّذين تلبّسوا بالإسلام، و كانت الأكثريّة الساحقة من المسلمين يؤمنون بالقدر على وجه يجعل

الإنسان مغلول اليدين. و قد قال أحد رجّاز ذلك الزمان معبّراً عن تلك العقيدة:

يا أيّها المضمِر همّاً لا تَهُم *** إنّك إن تُقْدَر لك الحمّى تُحَم

و لو علوت شاهقاً من العلم *** كيف توقِّيك و قد جفّ القلم(1)

فإذا كان الرأي العام عند المسلمين هذا، فعلى العالم أن يظهر علمه. فلأجل ذلك نرى أنّ معبداً الجهني و غيلان الدمشقي و القاضي عطاء بن يسار و غيرهم كعمر المقصوص (المتوفّى 80 ه) الّذي ظهر بدمشق و كان أُستاذاً للخليفة معاوية بن يزيد بن معاوية و قتله الأمويّون بتهمة إفساد الخليفة(2)انتفضوا ضدّ هذه الفكرة الفاسدة فلقوا ما لقوا من القتل و التنكيل، و قد أدّوا رسالتهم.

و لو أنّ علماء الإسلام في السنّة و الجماعة قاموا بواجبهم في تلك الحقبة التأريخيّة و ما هابوا السلطة، لما ظهرت الحركات الرجعيّة بين الأُمّة الإسلاميّة في أوائل القرن الثاني، الّتي كانت تدعو إلى الجاهليّة الأُولى، و لأجل إيقاف القارئ على هذه الحركات و مبادئها سنعرض عليه بعض الحركات الرجعية الّتي ظهرت في القرن الثاني و الثالث بعد إكمال البحث في المقام، فانتظر.


1) . تأويل مختلف الحديث: 28

2) . مختصر الدول لابن العبري: 151. لاحظ كتاب المعتزلة: 91.

رسالة غيلان إلى عمر بن عبد العزيز

الرسالة الّتي بعث بها غيلان إلى عمر بن عبد العزيز توقفنا:

أوّلاً: على مكانته من الصمود في وجه المخالفين، و ممّا جاء في تلك الرسالة: «أبصرت يا عمر..... و ما كدت أعلم يا عمر، أنّك أدركت من الإسلام خلقاً بالياً، و رسماً عافياً، فيا ميّت بين الأموات، لا ترى أثراً فتتبع، و لا تسمع صوتاً فتنتفع، طفئ أمر السنّة، و ظهرت البدعة، أُخيف العالم فلا يتكلّم، و لا يعطى الجاهل فيسأل، و ربّما نجحت الأُمة بالإمام، و ربّما هلكت بالإمام، فانظر أيّ الإمامين أنت، فإنّه تعالى يقول: «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا»(1)فهذا إمام هدى، و من اتّبعه شريكان؛ و أمّا الآخر: فقال تعالى «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّٰارِ وَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ لاٰ يُنْصَرُونَ»(2)، و لن تجد داعياً يقول: تعالوا إلى النار - إذاً لا يتبعه أحد - و لكنّ الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي اللّٰه، فهل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذّب على ما قضى، أو يقضي ما يعذّب عليه، أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثمّ يضل عنه، أم هل وجدت رحيماً يكلّف العباد فوق الطاقة، أو يعذّبهم على الطاعة، أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم و التظالم، و هل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب أو التكاذب


1) . الأنبياء: 73.

2) . القصص: 41.

بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، و بالعمى عنه عمى»(1).

و هذه الرسالة الّتي نقلها ابن المرتضى تعرب أوّلاً: عن أنّ الرّجل كان ذا همّة قعساء، و غيرة لا يرضى معها بتدهور الأُمور في المجتمع و رجوعه القهقرى، أنّه بلغ من الإصحار بالحقيقة أن خاطب خليفة الزمان بما جاء في هذه الرسالة.. و أين كلامه هذا «أُنظر أيّ الإمامين أنت» من كلام مرتزقة البلاط الأموي من حيث تقريظهم للخلفاء و الثناء على أعمالهم القبيحة، و وصفهم بالسير على خطى الرسول محمّد صلى الله عليه و آله و سلم. هذا هو جرير بن عطية الخطفي يمدح بني أُميّة بقوله:

أ لستم خير من ركب المطايا *** و أندى العالمين بطون راح

و هذه ليلى الأخيلية تمدح الحجّاج بن يوسف بقولها:

إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة *** تتبّع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العضال الّذي بها *** غلام إذا هزّ القناة سقاها

و قال الآخر:

رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً *** شديداً بأعباء الخلافة كاهله


1) . المنية و الأمل: 25-26.

إلى غيرهم من الشعراء و الأُدباء الّذين يمدحون الطغاة بشعرهم لا بشعورهم، و نثرهم لا بعقولهم.

ثانياً: إنّ المتبادر من قوله: «أو يعذّب على ما قضى...» إنمّا هو إنكار القضاء الدارج في ألسن الأمويين من غلّ الأيدي و جعل الإنسان كالريشة في مهبّ الريح، و أمّا القضاء بمعنى العلم الأزلي بالأشياء و الحوادث فلم يعرف إنكاره له.

محاكمة غيلان

و من العجب «و ما عشت أراك الدهر عجباً» أنّ هشام بن عبد الملك قبض على غيلان الدمشقي فقال له: قد كثر كلام الناس فيك، فبعث إلى الأوزاعي، فلمّا حضر قال له هشام: يا أبا عمر ناظر لنا هذا القدريّ، فقال الأوزاعي مخاطباً غيلان: اختر إن شئت ثلاث كلمات و إن شئت أربع كلمات و إن شئت واحدة. فقال غيلان: بل ثلاث كلمات.

فقال الأوزاعي: أخبرني عن اللّٰه عزّ و جلّ هل قضى على ما نهى؟

فقال غيلان: ليس عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه واحدة. ثمّ قال: أخبرني عن اللّٰه عزّ و جلّ أحال دون ما أمر؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأُولى، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه اثنتان يا أمير المؤمنين ثمّ قال: أخبرني عن اللّٰه عزّ و جلّ هل أعان على ما حرّم؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأُولى و الثانية، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه ثلاث كلمات. فأمر هشام فضربت عنقه(1).

ثمّ إنّ هشاماً طلب من الأوزاعيّ أن يفسّر له هذه الكلمات الثلاث. فقال الأوزاعي: أمّا الأوّل فإنّ اللّٰه تعالى قضى على ما نهى، نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثمّ قضى عليه بأكلها. أمّا الثاني فإنّ اللّٰه تعالى حال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم ثمّ حال بينه و بين السجود، و أمّا الثالث، فإنّ اللّٰه تعالى أعان على ما حرّم، حرّم الميتة و الدم و لحم الخنزير، ثمّ أعان عليها بالاضطرار...(2).

يلاحظ على هذه المناظرة:

أوّلاً: أنّ الجهل بهذه الأسئلة الثلاثة لو كان مبرّراً لضرب العنق، فهشام بن عبد الملك خليفة الزمان أولى بهذا، لأنّه كان أيضاً جاهلاً بها بدليل سأل الأوزاعي عنها. فلما ذا لا تضرب عنقه أيضاً؟ و هذا يعرب عن أنّ الحكم بالإعدام كان صادراً قبل المناظرة، و إنّما كانت المناظرة بين يدي الأوزاعي


1) . لا تنس أن هشاماً قد يمّم قتله قبل القاء القبض عليه و قبل هذه المناظرة المسرحيّة.

2) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 127/1-128 نقلاً عن العقد الفريد و شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.

تبريراً للإعدام حتّى لا يقال إنّ الحكم صدر اعتباطاً.

ثانياً: ما سأله الأوزاعي عنه ثمّ أجاب عنه، يدل على أنّه كان يمشي على خطّ الجبر، و أنّه كان معتقداً بأنّ قضاء اللّٰه يسلب عن الإنسان الحريّة و الاختيار. فكان أكل آدم من الشجرة بقضاء من اللّٰه و ما كان له محيص عن الأكل، كما أنّ تخلّف إبليس عن السجود كان بقضاء اللّٰه و لم يكن له مفرّ عن المعصية. و قد حال سبحانه بينه و بين السجود لآدم، و من المعلوم أنّ غيلان الدمشقي و كلّ موحّدٍ يعتقد بصحّة بعث الرسل و صحّة التكليف... لا يراه صحيحاً.

ثالثاً: إنّ المناظرة لم تكن مبنيّة على أُصولها. فإنّ من أدب المناظرة أن يطرح السؤال أو الإشكال على وجه واضح، حتى يتدبّر الآخر فيما يرتئيه المناظر من الجواب، و أمّا الأسئلة الّتي طرحها الفقيه الأوزاعي فإنّها أشبه بالأحاجي و اللّغز، لا يستفاد منها إلّا في مواضع خاصّة لاختبار ذكاء الإنسان، و لم يكن المقام إلّا مقام السيف و الدم لا الاختبار للذكاء.

و في حدسي أنّ غيلان الدمشقي قد وقف على نيّة الأوزاعي و أنّه يريد أن يأخذ منه الاعتراف بأحد الأمرين إمّا بالجبر إذا أجاب بمثل ما يريد، و عندئذ يكون مناقضاً لعقيدته.

و إمّا بالاختيار و الحريّة فيكون محكوماً بالإعدام و ضرب العنق. فاختار السكوت و عدم الإجابة حتّى يتخلّص من كلتا المغبّتين. و ما كان المسكين عارفاً بأنّ الحكم بالإعدام قد سبق السؤال و الجواب، و هذه

المناظرة مسرحيّة رُتّبت لتبرير إراقة دمه تحت غطاء السؤال و الجواب.

هذا و قد قام بعض المعنيّين بالملل و النحل، بنشر ما وصل إليه من الوثائق عن بدايات علم الكلام في الاسلام، فنشر ضمن مجموعةِ رسالتين: رسالة الحسن بن محمّد ابن الحنفيّة في القدر، و رسالة عمر بن عبد العزيز فيه أيضاً. و سيوافيك الكلام حولهما في آخر المطاف.

و للكتاب ملحق يهدف إلى تبيان بعض القضايا المتعلّقة بشخصيّة من شخصيات القدريّة المفكّرين و هو غيلان الدمشقي، و خاصة تلك القضايا المتعلّقة بحياته و إعدامه في زمن خلافة هشام بن عبد الملك (المتوفّى 125 ه).

قال محقّق الكتاب: و تدلّ معظم الروايات على أنّها أقاصيص موضوعة اختلقتها رواتها ليبرهنوا على أنّ غيلان كان خارجاً عن الجماعة، و أنّ حججه كانت غير مقنعة، و أنّ السلطة السياسيّة كانت على حقّ عند ما أعدمته. و هذا كلّه مما يجعل استخلاص ما حدث على وجه الدقّة أمراً صعباً، على أنّني حاولت توضيح الأمر بمعلومات استقيتها من كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذري، بالاضافة إلى المصادر الأُخرى.(1)


1) . بدايات علم الكلام في الإسلام: رسالتان في الرد على القدرية مع ملحق في أخبار غيلان الدمشقي حققها و ترجمها و علّق عليها «يوسف فان اسّ» نشرها المعهد الآلماني للأبحاث الشرقية في بيروت. و قد وقفنا على تصوير الرسالتين الأُوليين دون الملحق و اكتفينا ببيان كلام المحقّق.

خاتمة المطاف

اشارة

قد تكرّر لفظ «القدريّة» في كلمات أهل الحديث و المتكلّمين و مؤلّفي الفرق و الملل و النحل، و رويت حولها أحاديث و هي إحدى المصطلحات الدارجة بينهم، و تحاول كلّ طائفة أن تتبرّأ منها و تتّهم مخالفها بها. و لأجل إكمال البحث نتحدّث عن سند الحديث أوّلاً، و دلالته ثانياً على وجه الإجمال، و إليك متن الحديث بصوره:

1 - روى أبو داود عن عبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «القدريّة مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، و إن ماتوا فلا تشهدوهم».

2 - و روى أيضاً عن عبد اللّه بن عبّاس(1)أنّ النّبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا تجالسوا أهل القدر و لا تفاتحوهم».

3 - روى الترمذي عن عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم:

«صنفان من أُمّتي ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة، و القدرية»(2).

إذا عرفت متن الحديث فإنّ الكلام يقع في موردين:


1) . كذا في جامع الأُصول و لكن في سنن أبي داود، «عمر بن الخطاب» مكان «عبد اللّٰه بن عباس»، لاحظ: 228/4، الحديث 4710.

2) . جامع الأُصول: 526/10.

الأوّل: في سند الحديث. فهل روي بسند صحيح يمكن الاحتجاج به أو لا؟

الثاني: فما هو المقصود من القدريّة على فرض صحّته؟

أمّا من ناحية السند، فيكفي في ضعف الأوّل ما قاله المنذري: «إنّه منقطع لأنّه يرويه سلمة بن دينار عن ابن عمر، و لم يدركه، و قد روى عن ابن عمر من طرق لا يثبت منها شيء».

و يكفي في ضعف سند الثاني وجود «حكم بن شريك الهذلي البصري» فيه و هو مجهول لم يعرف.

و في ضعف سند الثالث وجود «محمّد بن فضيل بن غزوان» و هو ضعيف(1).

أضف إلى ذلك أنّ جمعاً من الحفّاظ عدّوا أصل الحديث من الموضوعات. منهم سراج الدين القزويني قال: إنّه موضوع و تعقّبه ابن حجر(2).

و قال أبو حاتم: «هذا الحديث باطل»، و قال النسائي: «هذا الحديث باطل كذب»، و قال ابن الجوزي: «حديث لعن القدريّة لا شكّ في وضعه»(3).


1) . جامع الأُصول: 526/10.

2) . جامع الأُصول: 526/10.

3) . الموضوعات لابن الجوزي: 275/1-276؛ اللآلي المصنوعة للسيوطي: 258/1.

هذا وضع السند، و أمّا الدلالة، فقد اختلف النظر في مفاده، كلّ من المجبّرة و العدليّة يتبرّأ منه، و يريد تطبيقه على خصمه. فأهل الحديث و الحشويّة و السلفيّة و الأشعريّة الّذين يتّسمون بسمة الجبر الجليّ أو الخفيّ، يفسّرون القدريّة بنفاة القدر، من باب إطلاق الشيء و إرادة نقيضه، و المعتزلة و أسلافهم، أعني: دعاة الحريّة و الاختيار يتّهمون الجبرية بالقدريّة، لأنّهم قائلون بالقدر و التقدير، و أنّ كل شيء يتحقّق بتقدير من اللّٰه سبحانه و لا محيص عمّا قدّر و قُضي.

و هناك كلمة للعلاّمة محمّد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449 ه) من تلاميذ الشيخ المفيد لا بأس بنقلها، قال: «و لم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه و يتبرّأ منه سوى القدرية».

فأهل العدل يقولون لأهل الجبر: أنتم «القدريّة»، و أهل الجبر يقولون لأهل العدل: «أنتم القدريّة»، و إنّما تبرّأ الجميع من ذلك، لأنّهم رووا - من طريق أبي هريرة - عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه لعن القدرية و قال: «إنّهم مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، و إن ماتوا فلا تشهدوهم»(1).

و قد حاول الأشعري تطبيق الحديث على المعتزلة و قال: «زعمت القدريّة - يريد بها المعتزلة و أسلافهم - أنّا نستحقّ اسم القدر، لأنّا نقول: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ قدّر الشرّ و الكفر، فمن يثبت القدر كان قدريّاً دون من لم يثبته».


1) . كنز الفوائد: 123/1.

ثمّ أجاب عن استدلال المعتزلة و قال: «القدريّ من يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ و جلّ، و أنّه يقدّر أفعاله دون خالقه، و كذلك هو في اللّغة، لأنّ الصائغ هو من زعم أنّه يصوغ دون من يقول إنّه يصاغ له، فلمّا كانت المعتزلة تزعم أنّهم يقدّرون أعمالهم و يفعلونها دون ربّهم، وجب أن يكونوا قدريّة، و لم نكن نحن قدريّة لأنّا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربّنا و لم نقل:

إنّا نقدّرها دونه. قلنا إنّك تقدّر لنا».(1)

يلاحظ عليه: أنّ القضاء و القدر من الكلمات الواردة في الكتاب و السنّة بكثرة. و الفاعل في الجميع هو اللّٰه سبحانه و تعالى، لا الإنسان قال تعالى: «وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ»(2)و قال: «إِنّٰا كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ»(3). فلو أطلق «القدريّة» يراد به المعتقد لما جاء في المصدرين من قضاء اللّٰه و قدره، لا المعتقد بأنّ الإنسان هو الّذي يقدّر أفعاله و أعماله.

و أعجب من ذلك قياسه اسم الفاعل على المصادر المنسوبة، فالأوّل كالصائغ يراد منه الفاعل أي من يصوغ، دون الثانية.

بل يراد منها المعتقد بالمصدر الّذي نسب إليه، كالجبريّة: من يعتقد بالجبر، و العدليّة: من يعتقد بالعدل، و هكذا.

ثمّ إنّ هنا محاولات أُخرى لأجل تطبيق الحديث على عقيدة دعاة


1) . الإبانة: 146.

2) . الأعلى: 3.

3) . القمر: 49.

الحريّة و الاختيار غير ما عرفته من كلام الأشعري من أنّ الإنسان هو المقدّر لأعماله، كما عرفت ضعفه و إليك بيانها:

1 - القدريّة منسوبة إلى «القدرة» بمعنى الاستطاعة، فمن قال بتأثير قدرة الإنسان في فعله و أنّها المصدر له، فهو قدريّ.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ هذا الوجه لوجب ضمّ الفاء دون فتحها، و المشهور هو الأوّل و لم يسمع الثاني.

أضف إليه أنّ المناسب على هذا الوجه هو التعبير «بالقادرية» لا «القدرية» بضمّ الفاء الّذي هو غير مأنوس للأذهان و الأفهام.

2 - إنّ الحديث من باب إطلاق الشيء و إرادة نقيضه، أي نفاة القدر و منكروه، و سيأتي في حديث أحمد ما يوافق ذلك.

يلاحظ عليه: أنّه لم ير مثله في أمثالها، فلا تطلق الجبريّة، و لا العدليّة على نفاة الجبر و العدل.

أضف إليه أنّه لم يظهر من هؤلاء - أعني: معبداً الجهني و لا غيلان الدمشقي - إنكار التقدير بالمعنى الصحيح، غير المنافي للحريّة و الاختيار، فإذا أردنا أن نعرف مذهبهم في مجال القضاء و القدر، فيلزم علينا الرجوع إلى مذهب خصومهم، فإنّ الأُمور تعرف بأضدادها، و حاشا أن يكون المسلم الواعي منكراً للقضاء و القدر الواردين في الكتاب و السنّة، غير السالبين للاختيار و الحريّة، غير المنافيين لصحّة التكليف و بعث الرسل. و إنّما أنكروا القدر بالمعنى الّذي كان البلاط و مرتزقته ينتحلونه لتبرير

أعمالهم الإجراميّة، و لا يرون للإنسان و لا لأنفسهم أيّة مسئوليّة فيها، و يرفعون عقيرتهم بأنّ كلّ ما في الكون من خير و شرّ، و كظّة و سغب، إنّما يرجع إلى إرادته سبحانه. فلا يصحّ الاعتراض على جوع المظلوم و شبع الظالم. و هؤلاء الأحرار قد قاموا في وجه الأمويين و أنكروا القدر بهذا المعنى الّذي يعرّف الإنسان كالريشة في مهبّ الريح. و نفي القدر بهذا المعنى، غير نفيه بالمعنى الصحيح سواء فسّر بالعلم و الارادة الأزليين، أم بتقدير الأشياء و القضاء على وجودها و تقدير الإنسان بينهما موجوداً مختاراً مسئولاً عن فعله، و القضاء على ما يصدر منه بهذه الصورة على ما أوضحناه في محلّه.

3 - ما نقله الشيخ أبو زهرة عن الشيخ مصطفى الصبري شيخ إسلام (تركيا) السابق و هو مقاربة رأيهم بعض عقائد المجوس، فالمجوس ينسبون الخير إلى اللّٰه و الشرّ إلى الشيطان و كذلك هؤلاء القدريّة يفرقون بين الخير و الشر فيسندون الخير إلى اللّٰه و الشرّ إلى الشيطان(1).

يلاحظ عليه: أنّ نسبة الثنوية بالمعنى الّذي ذكره شيخ إسلام تركيا إلى المعتزلة رجم بالغيب، فإنّ المعروف من مذهب المعتزلة فضلاً عن أسلافهم هو نسبة الخير و الشرّ إلى الإنسان نفسه لا التّفريق بينهما.

و هذا كلام قاضي القضاة عبد الجبّار، يمنع بتاتاً عن انتساب فعل الإنسان إلى اللّٰه خيره و شرّه و يقول: «إنّ أفعال العباد لا يجوز أن توصف


1) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 124/1.

بأنّها من اللّٰه و من عنده و من قبله، و ذلك واضح، فإنّ أفعالهم حدثت من جهتهم و حصلت بدواعيهم و قصودهم، و استحقّوا عليها المدح و الذّم، و الثواب و العقاب فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله لما جاز ذلك...»(1).

هذا بعض الكلام حول الحديث و مفاده، و من أراد البسط و الاستيعاب فعليه المراجعة إلى «شرح الأُصول الخمسة:

772-778؛ و شرح التجريد للعلاّمة الحلّي: 196 ط صيدا؛ و شرح المقاصد للتفتازاني ج 2، ص 122؛ و التمهيد للباقلاني الفصل الثامن و العشرين».

و لو أنّ الرسول يعدّ القدريّة في هذا الحديث مجوس هذه الأُمّة، ففي بعض ما روي عن ابن عمر عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عدّت نفاة القدر مجوس الأُمّة، و إليك نزراً منه:

روى أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «لكلّ أُمّة مجوس، و مجوس أُمّتي الّذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم و إن ماتوا فلا تشهدوهم»(2).

و روى الترمذي و أبو داود عن نافع مولى ابن عمر أنّ رجلاً جاء ابن عمر فقال: «إنّ فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال ابن عمر: بلغني أنّه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن كان قد أحدث فلا تقرأ مني السلام فإنّي سمعت رسول


1) . شرح الأُصول الخمسة: 778.

2) . مسند أحمد: 86/2.

اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «و يكون في هذه الأُمّة، أو في أُمّتي - الشكّ منه - خسف و مسخ و ذلك بالمكذّبين بالقدر».(1)

و لا يخفى وجود التعارض الصريح بين كون القدريّة مجوس الأُمّة، و كون نافي القدر مجوسها. و تفسير الأوّل بنفاة القدر تفسير بلا دليل، بل تفسير على خلاف اللّغة و العرف.

و يكفي في ضعف الحديث الثاني أنّه وقع التكذيب و صدر الشك في القدر في العصور الماضية، و لم يعمّ الخسف و المسخ للمكذّبين و الشاكّين فيه.

إنّ السابر في كتب الحديث و التاريخ و الملل و النحل يرى العناية التامّة من أصحاب الحديث و غيره لمسألة القدر. و قد كانت تحتلّ في تلك العصور، المكانة العليا بين المسائل العقيديّة حتّى كان مدار الإيمان و الكفر فكان المثبت مؤمناً و النافي كافراً.

هذا مع أنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم كان يقبل إسلام آلاف القائلين بالشهادتين من دون أن يسألهم و لو في مورد عن القضاء و القدر، و أنّه هل يعتقد القائل، بأنّ اللّٰه سبحانه يقدّر أفعال الإنسان و أعماله، فيحكم عليه بالإسلام أو لا، فيحكم عليه بالكفر.

إذن فما معنى هذه العناية الحادثة بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بهذه المسألة؟


1) . جامع الأُصول: 526/10-527.

أ ليس هذا يدفع الإنسان إلى القول بأنّها كانت مسألة مستوردة، زرعها الأحبار و الرهبان، و غذّتها السلطة الأموية و...

و بالتالي شقّ بها عصا المسلمين و صاروا يكفّر بعضهم بعضاً.

هذا و إنّ الشيخ البخاري يروي عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزّكاة، و الحجّ، وصوم رمضان».(1)

و روى عبادة بن الصامت و كان شهد بدراً و هو أحد النقباء ليلة العقبة: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال - و حوله عصابة من أصحابه -: «بايعوني على أن لا تشركوا باللّٰه شيئاً و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا أولادكم و لا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلكم و لا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على اللّٰه، و من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، و من أصاب من ذلك شيئاً ثمّ ستره اللّٰه، فهو إلى اللّٰه، إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك.(2)

فلو كان للاعتقاد بالقدر، تلك المكانة العظمى، فلما ذا لم يذكره رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و لو في مورد، و لما ذا تركه سبحانه عند أمره رسوله بأخذ البيعة عن النساء؟(3)


1) . صحيح البخاري: 7/1 من كتاب الإيمان.

2) . صحيح البخاري: 8/1-9، من كتاب الإيمان.

3) . الممتحنة: 12.

كلّ ذلك يشرف الإنسان على القطع بأنّ البحث عن القدر و المغالاة فيه، كان بحثاً سياسياً وراءه غاية سياسية لأصحاب السلطة و الإدارة. و إلّا فلا وجه لأن يتركه الوحي في أخذ البيعة من النساء. و لا الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في عرض الإسلام و تبيينه و قبوله من الآلاف المؤلفة من المتشرفين بالإسلام.

رسائل ثلاث حول القدر

و لو طلب القارئ الكريم التعرّف على التشاجر الّذي كان قائماً على قدم و ساق في بيان معنى القدر و أنّه ما ذا كان يراد منه، و أنّه هل كان الاعتقاد به يوم ذاك ملازماً للجبر أو لا؟ فعليه بدراسة ثلاث رسائل في هذا المجال، تعدّ من بدايات علم الكلام في الإسلام و قد نشرت تلك الرسائل حديثاً و هي:

1 - الرسالة المنسوبة إلى الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، و الرسالة كتبت بإيحاء من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (المتوفّى 86 ه)، و يرجع تأريخ تأليفها إلى عام 73 ه، فتكون أقدم رسالة في هذا المجال إن صحّت النسبة إليه.

2 - ما كتبه الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (المتوفّى 101 ه) إلى بعض القدريّة المجهول الهوية، و قد جاء القدر في الرسالتين مساوقاً للجبر. و قد فرض الحاكم الأموي قدريّاً ينكر علمه سبحانه الأزلي بالأشياء و أفعال العباد، فيردّ عليه بحماس على نحو يستنتج منه الجبر، و الرسالة جديرة

بالقراءة حتّى يعلم أنّ الأمويين من صالحهم إلى طالحهم كيف شوّهوا الإسلام، و صاروا أصدق موضوع لقول القائل:

«و لولاكم لعمّ الإسلام العالم كلّه».

و قد نشرت هذه الرسالة بصورة مستقلّة. و طبعت ضمن ترجمة عمر بن عبد العزيز في كتاب حلية الأولياء ج 5 ص 346-353.

3 - ما كتبه الحسن بن يسار المعروف بالحسن البصري (المتوفّى 110 ه) حيث إنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن: «بلغنا عنك في القدر شيء» فكتب إليه رسالة طويلة ذكر أطرافاً منها ابن المرتضى في «المنية و الأمل» ص 13-14.

قال الشهرستاني: «و رأيت رسالة(1)نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان و قد سأله عن القول بالقدر و الجبر. فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة، و استدلّ فيها بآيات من الكتاب و دلائل من العقل. و قال: و لعلّها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدر خيره و شرّه من اللّٰه تعالى. فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم.

و العجب أنّه حمل هذا اللّفظ الوارد في الخبر على البلاء و العافية، و الشدّة و الرخاء، و المرض و الشفاء، و الموت و الحياة، إلى غير ذلك من أفعال اللّٰه تعالى دون الخير و الشرّ، و الحسن و القبيح، الصادرين من اكتساب العباد.


1) . نقل القاضي عبد الجبار نصّ الرسالة في كتابه «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة»: 215-223.

و كذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم»(1).

و لا وجه لما احتمله من كون الرسالة لواصل، إلّا تصلّبه في مذهب الأشعري، و أنّ فاعل الخير و الشر مطلقاً - حتّى الصادر من العبد - هو اللّٰه سبحانه دون العبد، و من كان هذا مذهبه، يستبعد أن ينسب ما في الرسالة إلى الحسن البصري - ذلك الإمام المقدّم عند أهل السنّة -.

و أمّا على المذهب الحقّ من أنّ الفاعل الحقيقي لأفعال الإنسان هو نفسه، لا على وجه التفويض من اللّٰه إليه، بل بقدرة مفاضة منه إليه في كلّ حين، و اختيار كُوِّنت ذاته به، و حريّة فطرت بها فالفعل فعل الإنسان، و في الوقت نفسه فعل اللّٰه تسبيباً، بل أدقّ و أرقّ منه كما حقّق في محلّه.

و أخيراً نلفت نظر القارئ إلى ما كتبه كافي الكفاة الصاحب إسماعيل بن عبّاد (326-385 ه) في الردّ على القدريّة أسماها «الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن و العقل».

و بما أنّ هذه الرّسالة طريفة في بابها نأتي بنصّ ما يخصّ بردّ القدريّة، و يريد من هذه اللّفظة القائلين بالقدر على وجه يستلزم الجبر و إليك نصّها:

رسالة الصاحب في الرد على القدريّة (المجبّرة)

زعمت المجبّرة القدريّة: أنّ اللّٰه يريد الظلم و الفساد، و يحبُّ الكفر و العدوان، و يشاء أن يشرك به و لا يعبد، و يرضى أن يجحد و يسبّ و يشتم،


1) . الملل و النحل: 47/1. لاحظ نصّ الرسالة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة ثمّ اقض.

و قالت العدليّة: بل اللّٰه لا يرضى إلّا الصلاح و لا يريد إلّا الاستقامة و السداد، و كيف يريد الفساد و قد نهى عنه و توعّد، و كيف لا يريد الصلاح و قد أمر به و دعا إليه، و لو لم يفعل العباد إلّا ما أراد اللّٰه تعالى لكان كلّهم مطيعاً للّٰه تعالى، فإن كان الكافر قد فعل ما أراد منه مولاه فليس بعاص، و أطوع ما يكون العبد لمولاه إذا فعل ما يريده، و أيضاً فليس بحكيم من أراد أن يشتم، و لم يرد أن يعظّم، و رضى أن تجحد نعمه، و أحبّ أن لا تشكر مننه، قال اللّٰه تعالى: «وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ»(1)، و قال تعالى : «وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ»(2)، و قال تعالى: «وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ»(3)، و قال تعالى في تكذيب من زعم أنّ الكفّار كفروا بمشيئة اللّٰه: «سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا وَ لاٰ حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْ‌ءٍ كَذٰلِكَ - إلى قوله - وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّٰ تَخْرُصُونَ»(4)، أي تكذبون.

فإن قالوا: و قال اللّٰه «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ»(5)فقل: هذه الآية وردت على الخير دون الشرّ. و قال تعالى: «لِمَنْ شٰاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ»(6). و قال تعالى في سورة أُخرى:

«فَمَنْ شٰاءَ اِتَّخَذَ إِلىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً * وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ»(7).


1) . المؤمن: 31.

2) . الزمر: 9.

3) . البقرة: 205.

4) . الأنعام: 148.

5) . الدهر: 30.

6) . التكوير: 28-29.

7) . الدهر: 29-30.

فإن قالوا: لو أراد من العبد شيئاً و لم يفعل لكان العبد قد غلبه، فهذا ينقلب في الأمر، لأنّه قد خولف و لم يكن مغلوباً، و كذلك الإرادة. أ لا ترى إلى من قال و أراد من مملوك شيئاً و لم يفعله، و أمر آخر بفعل فخالف لكان المخالف في الأمر أعظم في النفوس عصيانا، كلّا... بل هو الغالب، و إنّما أمهل العصاة حلماً و لم يجبرهم على الإيمان، لأنّ المكره لا يستحقّ ثواباً، بل أزاح عللهم، و أقدرهم و أمكنهم، فمن أحسن فإلى ثوابه، و من أساء فإلى عقابه، و لو شاء لأكرههم على الإيمان أجمعين، كما قال تعالى: «وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»(1)، و كقوله تعالى: «وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا - إلى قوله - أَجْمَعِينَ»(2)، و قال تعالى:

«لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ» (3).

و زعمت القدريّة: أنّ اللّٰه تعالى خالق الكفر و فاعله، و منشئ الزنا و مخترعه و متولّي القيادة و موجدها، و مبتدع السرقة و محدثها، و كلّ قبائح العباد من صنعته، و كلّ تفاوت فمن عنده، و كلّ فساد فمن تقديره، و كلّ خطأ فمن تدبيره.

فإن قالوا على سبب التلبيس: إنّ العبد يكتسب ذلك، فإذا طولبوا بمعنى الكسب لم يأتوا بشيء معقول، و قالت العدليّة:

معاذ الله أن يكون فعله إلّا حكمة و حقّاً، و صواباً و عدلاً، فالزنا فعل الزاني انفرد بفعله، فكلّ قبيح


1) . يونس: 99.

2) . السجدة: 13.

3) . البقرة: 256.

منسوب إلى المذموم به، و إنّما تولّى المذمّة العاصي، إذ باع الآخرة بالدُّنيا، و لم يعلم أنّ ما عند اللّٰه خير و أبقى، و لو كان قد خلق أعمال العباد لما جاز أن يأمر بها و ينهاهم عنها كما لم يجز أن يأمرهم بتطويل جوارحهم و تقصيرها، إذ خلقها على ما خلقها، و لو خلق الكفر لما جاز أن يعيب ما خلق، و لو كان فاعل الكفر لما جاز أن يذمّ و يعيب ما خلق و يذمّ ما فعل، و لو كان مخترعَ الفساد لما جاز أن يعاقب على ما اخترع، و لا تنفكّ القبائح من أن تكون من اللّٰه تعالى فلا حجّة على العبد، أو من اللّٰه و من العبد فمن الظلم أن يفرده بعقاب ما شارك في فعله، أو من العبد فهو يستحقّ العقاب، و قال تعالى: «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ - إلى قوله - وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»(1)فلو كان لوي ألسنتهم من خلق اللّٰه تعالى لما قال: «وَ مٰا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ»(2).

و بعد، فالكفر قبيح و أفعال اللّٰه حسنة، فعلمنا أنّ الكفر ليس منها، و هكذا أخبر تعالى بقوله: «اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ»(3)، و قوله تعالى: «صُنْعَ اَللّٰهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ»(4).

فإن سألوا عن قوله تعالى: «وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ»(5)، فقل: هذه الآية لو تلوتم صدرها لعلمتم أن لا حجّة لكم فيها، لأنّه تعالى أراد بالأعمال


1) . آل عمران: 78.

2) . آل عمران: 78.

3) . السجدة: 7.

4) . النمل: 88.

5) . الصافات: 96.

هاهنا الأصنام، و الأصنام أجساد، و ليس من مذهبنا أنّا خلقنا الأصنام، بل اللّٰه خلقها، أ لا ترى أنّه قال تعالى: «أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ * وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ»(1).

فإن قالوا: «لاٰ يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ»(2)، فقل: إنّه أدلّ على العدل، لأنّ العباد يُسألون عن أفعالهم لما كان فيها العبث و الظلم و القبيح، و اللّٰه تعالى لمّا كانت أفعاله كلّها حسنة لا قبيح فيها، و عدلاً لا ظلم معها، تنزّه عن أن يسأل، و لم يرد بهذا ما تريده الفراعنة إذ قالت لرعيّتها: و قد سألناكم فلا تسألونا لم أظلمكم و أفسقكم (كذا)، كلّا... فإنّه تعالى لم يدع للسؤال موضعاً بإحسانه الشامل، و عدله الفائض، و لو لا ذلك لم يقل: «لِئَلاّٰ يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَى اَللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ»(3)فنحن نقول: إنّ أفعالنا الصالحة من اللّٰه ليس بمعنى أنّه فعلها، و كيف يفعلها و فيها خضوع و طاعة، و اللّٰه تعالى لا يكون خاضعاً و لا مطيعاً، بل نقول: إنّها منه، بمعنى أنّه مكّن منها، و دعا إليها و أمر بها و حرّض عليها، و نقول: إنّ القبائح ليست منه لأنّه نهى عنها، و زجر و توعّد عليها، و خوّف منها و أنذر، و نقول: إنّها من الشيطان بمعنى أنّه دعا إليها و أغوى، و مَنّى في الغرور «وَ مٰا رَبُّكَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ»(4)، «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(5)، و قال تعالى في صفة الشيطان: «يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً»(6). فإن قالوا:


1) . الصافات: 95-96.

2) . الأنبياء: 23.

3) . النساء: 165.

4) . فصلت: 46.

5) . النحل: 90.

6) . النساء: 120.

فقد قال تعالى: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ»(1)قلنا: معنى الآية غير ما قدّرت و لو قدّرتها كما نقدّر لعلمت أن لا حجّة فيها لك، لأنّه تعالى يقول: «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ - إلى قوله - قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ»(2)، فإنّما هذا في الكفّار حيث تطيّروا بنبيّ اللّٰه عليه السلام و كانوا إذا أتاهم الخصب يقولون هذا من عند اللّٰه و إذا أتاهم الجدب يقولون: هذا من عندك، كما قال تعالى: «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسىٰ وَ مَنْ مَعَهُ - إلى قوله - لاٰ يَعْلَمُونَ»(3)، فبيّن اللّٰه تعالى أنّ ذلك كلّه - يعني الخصب و الجدب - من عنده، إلّا أنّه لم يقل: و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندنا على ما تذكره المجبّرة، و قد دلّ اللّٰه على بطلان قولهم: «مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»(4).

و زعمت المجبّرة القدريّة أنّ اللّٰه خلق أكثر العباد للنّار، و خلقهم أشقياء بلا ذنب و لا جرم، و غضب عليهم و هو حليم من غير أن يغضبوه، و خذلهم من قبل أن يعصوه، و أضلّهم عن الطريق الواضح من غير أن خالفوه، و قالت العدليّة: خلق اللّٰه الخلق لطاعته، و لم يخلقهم لمخالفته، و أوضح الدلالة و الرسل لصلاح الجماعة، و لم يضلّ عن دينه و سبيله.

و كذا أخبر بقوله تعالى: «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(5)،


1) . النساء: 78.

2) . النساء: 78.

3) . الاعراف: 131.

4) . النساء: 79.

5) . الذاريات: 56.

و كيف يمنع إبليس من السجدة ثمّ يقول: «مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»(1).

فإن سألوا عن قوله تعالى: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ»(2)قيل: «لام العاقبة» معناها أنّ مصيرهم إلى النار، كما قال تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً»(3)و إن كانوا التقطوه ليكون لهم قرّة عين، و قد بيّن ذلك بقوله تعالى: «وَ قٰالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ»(4)- إلى آخره - و كذلك الجواب بقوله تعالى: «إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً»(5).

و زعمت المجبّرة القدريّة أنّ اللّٰه يضلّ أكثر عباده من دينه، فإنّه ما هدى أحداً من العصاة إلى ما أمرهم به، و أنّ الأنبياء عليهم السلام أراد اللّٰه ببعثهم الزيادة في عمى الكافرين، و قالت العدليّة: أنّ اللّٰه لا يضلّ عن دينه أحداً، و لم يمنع أحداً الهدى الّذي هو الدلالة، و قد هدى و من لم يهتد فبسوء اختياره غوى. قال اللّٰه تعالى: «وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىٰ عَلَى اَلْهُدىٰ»(6)على أنّا نقول أنّ اللّٰه يضلّ من شاء و يهدي، و أنّه يضلّ الظالمين عن ثوابه و جنّاته، و ذلك جزاء على سيئاتهم، و عقاب على جرمهم، قال اللّٰه


1) . ص: 75.

2) . الأعراف: 179.

3) . القصص: 8.

4) . القصص: 9.

5) . آل عمران: 178.

6) . فصلت: 16.

تعالى: «وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفٰاسِقِينَ - إلى قوله - أُولٰئِكَ هُمُ اَلْخٰاسِرُونَ»(1)، فأمّا الضلال عن الدين فهو فعل شياطين الجنّ و الإنس، أ لا ترى أنّ اللّٰه تعالى ذمّ عليهم فقال: «وَ أَضَلَّهُمُ اَلسّٰامِرِيُّ»(2)، و قد حكى عن أهل النّار أنّهم يقولون: «وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ»(3)و ما يقولون: و ما أضلّنا إلّا ربّ العالمين.

و قالت المجبّرة القدريّة: أنّ اللّٰه كلّف العباد ما لا يطيقون، و ذلك بادّعائها أنّ اللّٰه خلق الكفر في الكفّار، و لا يُقدرهم على الإيمان ثمّ يأمرهم به، فإذا لم يفعلوا الإيمان الّذي لم يُقدره عليهم، و فعلوا الكفر الّذي خلقه فيهم، و أراده منهم، و قضاه عليهم، عاقبهم عذاباً دائماً.

و قالت العدليّة: معاذ اللّٰه! إنّ اللّٰه لا يكلّف العباد ما لا يتّسعون له (الوسع: دون الطاقة) إذ تكليف ما لا يطاق ظلم و عبث، و أنّه لا يظلم و لا يعبث و لو جاز أن يكلّف من لا يُقدره على الإيمان لجاز أن يكلّف من لا مال له بإخراج الزكاة، و أن يكلّف المُقعد بالمشي و العدو و قال تعالى: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»(4)، فهو لا يكلّف من لا يستطيع قبل الفعل أن يفعل، قال تعالى: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»(5)-


1) . البقرة: 26-27.

2) . طه: 85.

3) . الشعراء: 99.

4) . البقرة: 286.

5) . آل عمران: 97.

إلى آخره - فهو يأمر بالحجّ قبل الحجّ، فكذلك استطاعته قبل أن يحجّ، و لو لم يستطيعوا الإيمان لم يقل لهم: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ»(1)، و لو نصرهم على الإفك لم يقل: «فَأَنّٰى يُؤْفَكُونَ»(2).

و ادّعت المجبّرة أنّ الأقدار المذمومة حتم من اللّٰه، و نفيناها عنه سبحانه، لأنّ تقديره لا يكون باطلاً و لا متناقضاً، فلمّا وجدنا الأشياء المتناقضة الباطلة علمنا أنّه لا يقدّرها و كفى القدريّة إذا أثبتوا ما تنازعنا فيه و نفيناه، و لو جاز لجاز أن يكون من ينفي التنصّر نصرانيّاً، و من ينفي التهوّد يهوديّاً.

فإن قالوا: إنّكم أثبتّم ذلك لأنفسكم، و مثبت الشيء لنفسه أولى ممّن ينسبه إليه، فالجواب: أنّ التنازع بيننا لم يقع في كوننا قادرين، فإنّما تنازعنا في أنّ الأقدار المذمومة تثبت للّٰه سبحانه و تعالى أو ينزّه عنها، فأثبتوها إن كنتم قدريّة.

و بعد: فلو كان من أثبتها لنفسه قدريّاً لكان على زعمكم قد أثبته اللّٰه لنفسه فهو قدريّ و بعد هذا القول، فلو كان هذا اسم ذمّ فهو لكم أليق، لأنّكم فعلتم القبائح و أضفتموها إلى اللّٰه تعالى البريء منها، و قد قال عزّ من قائل: «وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً»(3)- إلى آخرها -.

تمّ الكلام في القدريّة


1) . التكوير: 26.

2) . العنكبوت: 61.

3) . النساء: 112.

4 - الجهميّة

الحركات الرجعية

الحركات الرجعية و نعني بها الحركات الفكرية الّتي ظهرت بين المسلمين بين القرنين الثاني و الثالث، و هي ترمي إلى إرجاع الأُمّة إلى العقائد السائدة في العصر الجاهلي بين المشركين و أهل الكتاب، من القول بالجبر و التجسيم إلى غير ذلك من البضائع الفكريّة المستوردة منهم إلى أوساط المسلمين.

و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذه الحركات، نبحث عن عدّة مناهج زرعت شروراً في المجتمع الإسلامي، و بقيت آثارها إلى العصر الحاضر لكن بتغيير الاسم و العنوان، و تحت غطاء مخدع. و السبب الوحيد لبثّ هذه السموم هو إقصاء العقل عن ساحة العقائد و إخضاعه لكلّ رطب و يابس يتّسم بسمة الحديث، و ليس بحديث، بل يعدّ من مرويات العهدين

و أقاصيص الأحبار و الرهبان. و من هذه الحركات الرجعية: الجهمية، و الكرامية، و الظاهرية. و إليك بيانها واحدة تلو الأُخرى:

الجهميّة و سماتها: الجبر و التعطيل

مؤسّسها جهم بن صفوان السمرقندي (المتوفّى 128 ه). قال الذهبي: «جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي الضالّ المبتدع، رأس الجهميّة، هلك في زمان صغار التّابعين، و ما علمته روى شيئاً، لكنّه زرع شرّاً عظيماً»(1).

قال المقريزي: «الجهميّة أتباع جهم بن صفوان التّرمذي مولى راسب، و قتل في آخر دولة بني أُميّة، و هو:

1 - ينفي الصفات الإلهية كلّها، و يقول: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه.

2 - أنّ الإنسان لا يقدر على شيء و لا يوصف بالقدرة، و لا الاستطاعة.

3 - أنّ الجنّة و النار يفنيان، و تنقطع حركات أهلهما.

4 - أنّ من عرف اللّٰه و لم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأنّ العلم لا يزول بالصمت، و هو مؤمن مع ذلك.

و قد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة. و كفّره أهل السنّة بنفي الصفات و خلق القرآن و نفي الرؤية.


1) . ميزان الاعتدال: 426/1 رقم الترجمة 1584.

5 - و انفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر.

6 - و زعم أنّ علم اللّٰه حادث لا بصفة يوصف بها غيره(1).

و قد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (128 ه) كيفيّة قتله بيد نصر بن سيّار، و من أراد فليرجع إليه(2).

و قد نسب إليه عبد القاهر البغدادي، أُصولاً تقرب ممّا نسب إليه المقريزي في خططه على ما عرفت.

و قال: «و كان جهم مع ضلالاته الّتي ذكرناها يحمل السلاح و يقاتل السلطان و خرج مع السريج بن حارث(3)على نصر بن سيّار و قتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان، و أتباعه اليوم ب (نهاوند)، و خرج إليهم في زماننا إسماعيل بن إبراهيم بن كبوس الشيرازي الديلمي، فدعاهم إلى مذهب شيخنا أبي الحسن الأشعري، فأجابه قوم منهم و صاروا مع أهل السنّة.(4)

و قد نسب إليه الشهرستاني عدّة أُمور نذكر منها أمرين:

1 - إنّ الإنسان لا يقدر على شيء، و لا يوصف بالاستطاعة و إنّما هو مجبور على أفعاله لا قدرة له، و اللّٰه هو الّذي يخلق الأفعال فيه على حسب ما


1) . الخطط المقريزية: 349/3. و لاحظ ص 351.

2) . الكامل لابن الأثير: 342/5-345.

3) . في تاريخ الطبري: الحارث بن سريج و هو الصحيح.

4) . الفرق بين الفرق: 212.

يخلق في سائر الجمادات، و تنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة، و جرى الماء، و تحرّك الحجر، و طلعت الشّمس و غربت، و تغيّمت السماء و أمطرت، و اهتزّت الأرض و أنبتت، إلى غير ذلك، و الثواب و العقاب جبر. كما أنّ الأفعال كلّها جبر. قال: و إذا ثبت الجبر فالتكليف إذاً جبر.

2 - إنّ حركات أهل الخلدين تنقطع، و الجنّة و النار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما، و تلذّذ أهل الجنّة بنعيمها، و تألّم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصوّر حركات لا تتناهى آخراً، كما لا تتصوّر حركات لا تتناهى أوّلاً. و حمل قوله تعالى: «خٰالِدِينَ فِيهٰا» على المبالغة و التأكيد دون الحقيقة في التخليد. كما يقال خلد اللّٰه ملك فلان، و استشهد على الانقطاع بقوله تعالى:

«خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ»(1)، فالآية اشتملت على شريطة و استثناء، و الخلود و التأبيد لا شرط فيه و لا استثناء(2).

و قد نقل الشهرستاني عنه أُموراً أُخر، مضى بعضها في كلام غيره.

أقول: قاعدة مذهبه أمران:

الأوّل: الجبر و نفي الاستطاعة و القدرة، فالجهم بن صفوان رأس الجبر و أساسه، و يطلق عليه و على أتباعه الجبريّة الخالصة في مقابل غير الخالص منها.


1) . هود: 107.

2) . الملل و النحل: 87/1-88.

قال الشهرستاني: «الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد و إضافته إلى الربّ تعالى، و الجبريّة أصناف، فالجبرية الخالصة هي الّتي لا تثبت للعبد فعلاً و لا قدرة على الفعل أصلاً. و الجبريّة المتوسطة هي الّتي تثبت للعبد قدرة غير مؤثّرة أصلاً. فأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل و سمّى ذلك كسباً فليس بجبري».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الفرق الثلاث كلّهم جبريّون من غير فرق بين نافي القدرة و الاستطاعة كما عليه «الجهم» أو مثبتها، لكن قدرة غير مؤثّرة، بل مقارنة لإيجاده سبحانه فعل العبد و عمله، أو مؤثّرة في اتّصاف الفاعل بكونه كاسباً و الفعل كسباً، لما عرفت من أنّ القول بالكسب نظريّة مبهمة جدّاً لا ترجع إلى أصل صحيح، و أنّ القول بأنّه سبحانه هو الخالق المباشر لكلّ شيء لا يترك لنظريّة الكسب مجالاً للصحّة، لأنّ الكسب لو كان أمراً وجوديّاً فاللّٰه هو خالقه و موجده (أخذاً بانحصار الخلق في اللّٰه)، و إن كان أمراً عدميّاً اعتبارياً، فلا يخرج الفاعل من كونه فاعلاً مجبوراً.(2)

و على أيّ تقدير، فالقول بالجبر و إذاعته بين الناس و انقيادهم له كان حركة رجعيّة إلى العصر الجاهلي، و قد كان الجبر سائداً على مشركي العرب و غيرهم.(3)


1) . الملل و النحل: 86/1.

2) . راجع: الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 147 و ما بعدها، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

3) . راجع: الجزء الأوّل من هذه الموسوعة: 388، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

الثاني: تعطيل ذاته سبحانه عن التوصيف بصفات الكمال و الجمال و من هنا نجمت المعطّلة. و لكنّه لم يتبيّن لي صدق ما نسبه إليه البغداديّ و الشهرستاني من أنّه قال: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، لأنّ ذلك يقتضي تشبيهاً، فنفى كونه حيّاً عالماً و أثبت كونه قادراً، فاعلاً، خالقاً، لأنّه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة و الفعل و الخلق(1).

و أظنّ أنّ مراده من قوله: «بصفة يوصف بها خلقه» هي الصفات الخبرية، كاليد، و العين، و الرجل، و ما أشبهها، مما أصرّ أهل الحديث و الحشوية على توصيفه سبحانه بها، بالمعنى اللغوي الملازم للتجسيم و التشبيه.

هاتان قاعدتا مذهب الجهم، و أمّا غيرهما ممّا نسب إليه، فمشكوك جدّاً، و بما أنّه استدلّ لمذهبه في مورد عدم الخلود في الجنّة و النار بما عرفت من الآية، فنرجع إلى توضيح الآية فنقول:

جعل الجهم الاستثناء في الآية دليلاً على عدم الخلود.

يلاحظ عليه: أنّه استدلّ بالآية على عدم الخلود بوجهين:

الأوّل: تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات و الأرض و هما غير مؤبّدتين بالضرورة قال سبحانه: «مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا


1) . الملل و النحل: 86/1.

إِلاّٰ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى»(1)، و قال تعالى: «وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ»(2).

الثاني: الاستثناء الوارد في الآية من الخلود بقوله: «إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ» في كلا الموردين: نعيم الجنّة و عذاب الجحيم.

أمّا الأوّل: فالإجابة عنه واضحة، لأنّ المراد من السماوات و الأرض فيها، ليس سماء الدنيا و أرضها، بل سماء الآخرة و أرضها، و الأُوليتان فانيتان، و الأُخريتان باقيتان و اللّٰه سبحانه يذكر للنظام الآخر أرضاً و سماءً غير ما في الدنيا. قال تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ»(3)، و قال حاكياً عن أهل الجنّة:

«وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي صَدَقَنٰا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشٰاءُ»(4)، فللآخرة سماء و أرض، كما أنّ فيها جنّة و ناراً و لهما أهل، و تحديد بقاء الجنّة و النار و أهلها بمدّة دوام السماوات و الأرض راجع إلى سماء الآخرة و أرضها و هما مؤبّدتان غير فانيتين، و إنّما تفنى سماء الدنيا و أرضها، و أمّا السماوات الّتي تظلّل الجنّة مثلاً و الأرض الّتي تقلّها و قد أشرقت بنور ربّها فهما ثابتتان غير زائلتين.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه وصف الجنّه بأنّها عنده و قال: «مٰا عِنْدَكُمْ


1) . الأحقاف: 3.

2) . الزمر: 67.

3) . إبراهيم: 48.

4) . الزمر: 74.

يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ بٰاقٍ»(1)، فالجنّة باقية غير فانية، و لا يفترق عنها الجحيم و نارها.

و أمّا الإشكال الثاني: فالجواب عنه في مورد الجنّة أوضح من الآخر، لأنّه يذكر فيها قوله: «عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» الظّاهر في دوام النعمة و عدم تحقّق المشيئة.

توضيح ذلك أنّه سبحانه يقول في مورد أهل النار:

«فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ * خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ» (2).

و يقول في أهل الجنّة:

«وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (3).

ترى أنّه سبحانه يذيّل المشيئة في آية الجنّة بقوله: «عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»(4)الدالّ على عدم انقطاع النعمة، و أنّ تلك المشيئة أي مشيئة الخروج لا تتحقّق.

و على كلّ تقدير، فالجواب عن الاستثناء في الآيتين هو أنّ الاستثناء


1) . النحل: 96.

2) . هود: 106-107.

3) . هود: 108.

4) . مقالات الاسلاميين: 494/2؛ الفرق بين الفرق: 211.

مسوق لإثبات قدرة اللّٰه المطلقة، و أنّ قدرة اللّٰه سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنّة و النار، و ملكه لا يزول و لا يبطل، و أنّ قدرته على الإخراج باقية، فله تعالى أن يخرجهم من الجنّة و إن وعد لهم البقاء فيها دائماً، لكنّه سبحانه لا يخرجهم لمكان وعده، و اللّٰه لا يخلف الميعاد.

نعم قوله سبحانه في آية النّار «إِنَّ رَبَّكَ فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ» يشير إلى تحقّق المشيئة في جانب النار كما في المسلمين العصاة دون المشركين و الكفّار.

التطوير في لفظ «الجهمي»

لمّا كان نفي الصفات عن اللّٰه، و القول بخلق القرآن و نفي الرؤية، ممّا نسب إلى منهج الجهم و قد عرفت أساس مذهبه فيما مرّ، صار لفظ «الجهميّ» رمزاً لكلّ من قال بأحد هذه الأُمور، و إن كان غير قائل بالجبر و نفي القدر. و لأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة و يراد منها المعتزلة أو القدريّة، و على هذا الأساس يقول أحمد بن حنبل:

«و القرآن كلام اللّٰه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، و من زعم أنّ القرآن كلام اللّٰه و وقف و لم يقل مخلوق و لا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، و من زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة، و القرآن كلام اللّٰه، فهو جهميّ، و من لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم»(1).


1) . السنّة لأحمد بن حنبل: 49.

نعم، القوم و إن نسبوا إلى الجهم كون القرآن مخلوقاً، لكنّه بعيد جدّاً، لأنّه مات في آخر دولة الأمويين و لم تكن المسألة معنونة في تلك الأيّام، و إنّما طرحت في العصر العبّاسي خصوصاً في عصر المأمون.

و قد ألّف البخاري و الإمام أحمد(1)كتابين في الردّ على الجهمية و عنيا بهم المعتزلة. و المعتزلة يتبرّءون من هذا الاسم.

و يتبرّأ بشر بن المعتمر - أحد رؤساء المعتزلة - من الجهميّة في ارجوزته إذ يقول:

ننفيهم عنّا و لسنا منهم *** و لا هم منّا و لا نرضاهم

إمامهم جهم و ما لجهم *** و صحب عمرو ذي التقى و العلم(2)

و يريد عمرو بن عبيد الرئيس الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء.

و على كلِّ تقدير، فعدُّ المعتزلة «جهميّة» ظلم و اعتساف، و لم يذكر أحد منهم الجهم من رجالهم، و قد أرسل واصل بن عطاء، حفص بن سالم إلى خراسان، و أمره بلقائه فمناظرته و إنّه لقيه في مسجد «ترفد» حتّى قطعه(3).



1) . طبع مع كتاب السنّة له.

2) . فجر الإسلام: 287-288.

3) . طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار: 97-163.

مقاتل بن سليمان المجسِّم

إنّ القضاء على العقل في ساحة العقائد، و الاعتماد على النّقل المحض - الّذي انقطع أثره بعد رحلة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلى عصر أبي جعفر المنصور - إلّا شيئاً لا يذكر أيّد هذه الحركات الرجعيّة لو لم نقل إنّه أنتجها.

و من رافع ألوية التشبيه و التجسيم، و ناقل أقاصيص الأحبار و الرهبان في القرن الثاني، هو مقاتل بن سليمان الذي كان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه و التشبيه على طرفي نقيض، فالأوّل غلا في التنزيه حتى عطّل، و ذاك غلا في الاثبات حتى شبّه، فهذا معطّل و ذاك مشبّه، و قد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل و آرائه فليعرف القارئ مكانه في الوثاقة و تنزيه الربّ عن صفات الخلق.

قال ابن حبّان: «كان يأخذ من اليهود و النصارى في علم القرآن الّذي يوافق كتبهم، و كان يشبّه الربّ بالمخلوقات، و كان يكذب في الحديث».

قال أبو حنيفة: «أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، و أفرط مقاتل في الإثبات حتّى جعله مثل خلقه».

و قال وكيع: «كان كذّاباً».

و قال البخاري: «قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم

يخرج الدجّال في سنة خمسين و مائة فاعلموا أنّي كذّاب»(1).

و قال النسائي: «كان مقاتل يكذب».

و قال الجوزجاني: «كان دجّالاً جسوراً. سمعت أبا اليمان يقول: قدم هاهنا فلمّا أن صلّى الإمام أسند ظهره إلى القبلة و قال: سلوني عمّا دون العرش، و حدّثت أنّه قال مثلها بمكّة، فقام إليه رجل، فقال: أخبرني عن النملة أين أمعاؤها؟

تم الكلام في الجهمية


1) . لم يخرج الدجال في هذه السنة و لا بعدها، فهل يبقى الشك في أنه كذّاب؟ نعم، مات هو في تلك السنة فبموته مات الدجل و الكذب القائم به.

5 - الكراميّة

و هذه الفرقة منسوبة إلى محمّد بن كرّام السجستاني شيخ الكرامية (المتوفّى 255 ه).

قال الذهبي: «ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري و محمّد بن تميم السعدي و كانا كذّابين».

قال ابن حبّان: «خذل، حتّى التقط من المذاهب أردأها، و من الأحاديث أوهاها... و جعل الإيمان قولاً بلا معرفة».

و قال ابن حزم: «قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، و إن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. و من بدع الكرّاميّة قولهم في المعبود تعالى إنّه جسم لا كالأجسام و قد سُقت أخبار ابن كرّام في تأريخي الكبير. و له أتباع و مريدون و قد سجن في نيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثمّ أخرج و سار إلى بيت المقدس، و مات بالشام سنة 255 ه»(1).


1) . ميزان الاعتدال: 21/4.

يلاحظ عليه: أنّ ما أسماه مؤمناً سمّاه القرآن منافقاً. قال سبحانه «إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ»(1).

و قاعدة مذهبه التجسيم، و توصيف الواجب بأُمور حادثة، و كلّ ما يذكره أصحاب الملل و النحل يرجع إلى هذا الأصل، و أمّا أصنافهم فقد ذكر البغدادي أنّ للكرّامية بخراسان ثلاثة أصناف: حقائقية، و الطرائقية و إسحاقية(2). و ذكر الشهرستاني لها اثنتي عشرة فرقة و أنّ أُصولها ستّة.

و كانت الحركة الكرّامية، حركة رجعية بحتة حيث دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، و أنّه جسم له حدّ و نهاية من تحت و الجهة الّتي منها يلاقي عرشه. و قال البغدادي: و هذا شبيه بقول الثنوية: إنّ معبودهم الّذي سمّوه نوراً، يتناهى من الجهة التي تُلاقي الظلام و إن لم يتناه من خمس جهات.

و من عقائده: أنّ معبودهم محلّ للحوادث و زعموا أنّ أقواله و إراداته، و إدراكاته للمرئيات، و إدراكاته للمسموعات، و ملاقاته للصفحة العليا من العالم، أعراض حادثة فيه، و هو محلّ لتلك الحوادث الحادثة فيه(3).

و من غرائب آرائه أنّه وصف معبوده بالثِّقل و ذلك أنّه قال في كتاب «عذاب القبر» في تفسير قول اللّٰه عزّ و جلّ: «إِذَا اَلسَّمٰاءُ اِنْفَطَرَتْ»: أنّها انفطرت من ثقل الرحمن عليها.


1) . المنافقون: 1.

2) . الفرق بين الفرق: 215.

3) . الملل و النحل: 108/1.

إلى غير ذلك من المضحكات و المبكيات في الأُصول و الفقه. و قد ذكر البغدادي آراءه الفقهيّة أيضاً و ذكر فيه قصّة عجيبة من أرادها فليرجع إليه(1).

إنّ للكرّامية نظريات في موضوعات أُخر، ذكرها البغدادي، و قد بلغت جرأتهم في باب النبوّة حتّى قال بعضهم: إنّ النّبيّ أخطأ في تبليغ قوله «و مناة الثالثة الأُخرى» حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى، و إنّ شفاعتها ترتجى»(2).

مع أنّ قصّة الغرانيق اقصوصة ابتدعها قوم من أهل الضلالة و قد أوضحنا حالها في محاضراتنا باسم سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم فلاحظ.

و نكتفي بهذا النزر في بيان عقائدهم و كلّها وليد إقصاء العقل و المنطق عن ساحة العقائد و الاكتفاء بالروايات، مع ما فيها من أباطيل و ترّهات وضعها الأعداء، و اختلقتها الأهواء فهي من أسوأ الحركات الرجعية، الظاهرة في أواسط القرن الثالث.

ثم الكلام في الكرّامية


1) . الفرق بين الفرق: 218-225.

2) . الفرق بين الفرق: 222.

6 - الظاهرية

اشارة

6 - الظاهرية(1)

و هذا المسلك الفقهي منسوب إلى داود بن علي الاصفهاني الظاهري (200-270 ه) و سمع من سليمان بن حرب و أبي ثور.

قال الخطيب: «كان إماماً ورعاً، زاهداً ناسكاً، و في كتبه حديث كثير لكنّ الرواية عنه عزيزة جدّاً»(2).

و قال ابن خلّكان: «كان من أكثر النّاس تعصّباً للإمام الشافعي و صنّف في فضائله و الثناء عليه كتابين، و كان صاحب مذهب مستقلّ و تبعه جمع كثير - يعرفون بالظّاهرية - و كان ولده - أبو بكر محمّد - على مذهبه، و انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد»(3).


1) . التعرّض للمذهب الظاهري في المقام مع أنّه مذهب فقهي لا كلامي، لاشتراكه مع الحركات الرجعية الكلامية في طرد العقل و التفكير عن ساحة العلم، و قد ظهر ذلك المذهب في نفس الوقت الذي ظهرت فيه سائر المناهج الفكرية الكلامية، و الكل يحمل طابعاً واحداً و هو اعدام العقل و اقصاؤه عن الأوساط العلمية فناسب ذكره في المقام.

2) . ميزان الاعتدال: 15/2.

3) . وفيات الأعيان: 255/2.

و قد بسط الخطيب الكلام في تأريخه و نقل بعض ما رواه و أشار إلى جوانب من حياته(1).

و ما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع و الأحكام، لا العقائد و الأُصول فالمصدر الفقهي عنده هو النصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنصوص وحدها و إذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة.

أقول: إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد يستلزم طرده عن ساحة الفقه بوجه أولى، لأنّ أساسه هو التعبّد بالنصوص، و عدم الإفتاء بشيء لا يوجد له أصل في الكتاب و السنّة، لكنّ الجمود على حرفيّة النصوص شيء و التعبّد بالنصوص و عدم الإفتاء في مورد لا يوجد فيه أصل و دلالة في المصدرين الرئيسيين شيء آخر. فالظاهرية على الأوّل، و الفقهاء على الثاني، و لأجل إيضاح الحال نأتي بمثالين:

1 - إنّ الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة ضروريّ الإنتاج من غير فرق بين الأُمور التكوينيّة أو الأحكام الشرعيّة، فكما أنّ الحكم بحدوث العالم نتيجة حتميّة لقولنا: العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث، فهكذا الحكم بحرمة كلّ مسكر، نتيجة قطعيّة لقولنا: الفقاع مسكر، و كلّ مسكر حرام، فالفقاع حرام. لكنّ الظاهري يقبل المقدّمتين و لكن لا يفتي بالنتيجة بحجّة أنّها غير مذكورة في النصوص.


1) . تاريخ بغداد للخطيب: 369/8.

2 - ما يسمّيه الفقهاء بلحن الخطاب و إن كان شيئاً غير مذكور في نفس الخطاب، لكنّه من اللوازم البيِّنة له، بحيث يتبادر إلى الذّهن من سماعه، فإذا خاطبنا سبحانه بقوله: «فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ»(1)يتوجّه الذهن إلى حرمة ضربهما و شتمهما بطريق أولى، و لكنّ الفقيه الظاهري يأبى عن الأخذ به بحجّة كونه غير منصوص.

قال سبحانه: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اَلْأَوَّلِينَ»(2)، فالموضوع للحكم «مغفرة ما سلف عند الانتهاء» و إن كان هو الكافر، لكن الذهن السليم يتبادر إلى فهم شيء آخر لازم لهذا الحكم بالضّرورة و هو تعميم الحكم إلى المسلم أيضاً بوجه آكد. و لكنّ الظاهري يتركه بحجّة أنَّه غير مذكور في النصّ.

و هذا النوع من الجمود يجعل النُّصوص غير كافلة لاستخراج الفروع الكثيرة و تصبح الشريعة ناقصة من حيث التشريع و التقنين، و غير صالحة لجميع الأجيال و العصور، و فاقدة للمرونة اللازمة الّتي عليها أساس خاتمية نبوّة نبيّنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم و كتابه و سنّته و....

و هؤلاء بين السنّة كالاخباريين بين الشيعة، غير أنّ الظاهرية ظهرت في القرن الثالث و قد عمل فيما لا نصّ فيه بالإباحة الأصليّة، و الأخباريّة ظهرت في الشيعة في القرن العاشر و هم يعملون فيما لا نصّ فيه بالاحتياط.


1) . الإسراء: 23.

2) . الأنفال: 38.

إنّ الاكتفاء بظاهر الشريعة و أخذ الأحكام من ظواهر النصوص له تفسيران؛ أحدهما صحيح جدّاً، و الآخر باطل، فإن أُريد منه نفي الظنون الّتي لم يدلّ على صحّة الاحتجاج بها دليل، فهو نفس نصّ الكتاب العزيز. قال سبحانه: «قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ»(1)، فالشيعة الإماميّة بفضل النصوص الوافرة عن أئمّة أهل البيت المتصلة أسنادها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم استطاعت أن تستخرج أحكام الحوادث و الموضوعات الكثيرة منها، و امتنعت عن العمل بالقياس و الاستحسان و غيرهما من الأدلّة الظنّية الّتي لم يقم الدليل القطعي على صحّة الاحتجاج بها، بل قام الدّليل على حرمة العمل على بعضها كالقياس و قد ورد في نصوص أئمّتهم عليهم السلام: «و إنّ السنّة إذا قيست محق الدين»(2).

و إن أُريد بها لوازم الخطاب أي ما يكون في نظر العقلاء كالمذكور أخذاً بقولهم: «الكناية أبلغ من التصريح» و يكون التفكيك بينهما أمراً غير صحيح، فليس ذلك عملاً بغير النصوص. نعم ليس عملاً بالظاهر الحرفي، و لكنّه عمل بها بما يفهمه المخاطبون بها.

و على ذلك الأساس يكون لوازم الخطاب حجّة إذا كانت الملازمة ثابتة بيّنة في نظر العقلاء الّذين هم المعنيّون بهذه الخطابات، كادّعائها بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو حرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع وجوبه


1) . يونس: 59.

2) . الوسائل ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.

مع حرمته، إلى غير ذلك من المداليل الالتزامية كمفاهيم الجمل الشرطية أو الوصفيّة أو المغيّاة بغاية.

و لأجل كون هذه المداليل على فرض ثبوت الملازمة، بحكم المنطوق، ذهب المحقّقون في باب «المفاهيم» إلى أنّ النزاع في باب «حجّية المفاهيم» صغروي - أي في ثبوت أصل المفهوم و الملازمة، و أنّه إذا قال المولى: إن سلّم زيد فأكرمه، هل يتبادر منه إلى الأذهان الصافية وجوب الإكرام عند التسليم، و ارتفاعه عند انتفائه أو لا؟ - لا كبروي، بمعنى البحث عن حجّية هذه الملازمة بعد ثبوتها، إذ لا كلام في الحجية بعد ثبوتها.

و بذلك يتبيّن الحقّ الصراح في مسألة «تبعية النصوص الشرعية» و عدم الخروج عن إطارها، و أنّ أهل السنّة فيها بين مفرط و مفرّط. و الطريق الوسطى هي الجادة(1).

فأصحاب القياس و الاستحسان مفرطون في الخروج عن النُّصوص الشرعيّة، و يعملون بما لم يدلّ على الاحتجاج به دليل.

كما أنّ الظاهرية مفرِّطة في عدم الخروج عن ظواهر النصوص بحرفيتها، و إن كان العقلاء على خلافهم في محاوراتهم العرفيّة، و من المعلوم أنّه ليست للشارع طريقة للمفاهمة غير الطريقة الدارجة.


1) . اقتباس من كلام الإمام علي عليه السلام في النهج قال: «اليمين و الشمال مضلة، و الطريق الوسطى هي الجادة». نهج البلاغة قسم الخطب، الرقم 15، ط عبده.

تلاميذه و مدى سلطان مذهبه

قال الخطيب في تأريخه: «روى عنه ابنه محمّد، و زكريّا بن يحيى الساجي، و يوسف بن يعقوب بن مهران الداودي، و العباس بن أحمد المذكّر، و هؤلاء رووا عنه و انتحلوا مذهبه»(1).

«و لكن عامّة الفقهاء و المحدّثين تركوا الرواية عنه كما تركوا مذهبه، و كثرت المعارضة، و قلّ التأييد، و لم يكن لمذهبه سلطان إلّا في بلاد الشرق (نيسابور و ضواحيها) في القرنين الثالث و الرابع. و نقل عن صاحب «أحسن التقاسيم» أنّه كان رابع مذهب في القرن الرابع في الشرق، و كان الثّلاثة الّتي هو رابعها: مذهب الشافعي، و مذهب أبي حنيفة، و مالك، فكأنّه كان في الشرق أكثر انتشاراً أو تابعاً من مذهب أحمد إمام السنّة في القرن الرابع الهجري، و لكن في القرن الخامس جاء أبو يعلى و جعل المذهب الحنبلي مكانه، و بذلك زحزح المذهب الظاهري و حلّ محلّه»(2).

ابن حزم (384-458 ه) آخر تلميذ فكري لداود الظاهري

قد عرفت أنّ أبا يعلى الحنبلي (المتوفّى 458 ه) قد زحزح المذهب الظاهري، و أحلّ محلّه مذهب إمامه أحمد في أواسط القرن الخامس و بذلك


1) . تاريخ بغداد: 370/8.

2) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 351/2، نقلاً عن مقدمة «النبذ» للشيخ الكوثري.

خبأ ضوؤه و انحسر عن المدارس الفقهيّة، و لم يبق له وجود إلّا في ثنايا الكتب، لو لا أنّ عليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي أعاد ذكره بلسانه و قلمه، و ألّف حول ذلك المذهب كتباً و رسائل و انتقل المذهب الظاهري من الشرق إلى الغرب، و دخل الأندلس و قد حمل العبء وحده و خدم المذهب الظاهري بتأليفه:

1 - الإحكام في أُصول الأحكام: بيّن فيه أُصول المذهب الظاهري.

2 - النبذ: و هو خلاصة ذلك الكتاب.

3 - المحلّى: و هو كتاب كبير انتشر في عشرة أجزاء، جمع أحاديث الأحكام وفقه علماء الأمصار. طبع في بيروت، بتحقيق أحمد محمّد شاكر.

نزر من آرائه الشاذّة

1 - بطلان الاجتهاد:

أفتى ببطلان الاجتهاد في استخراج الأحكام الفقهيّة مستدلاً بقوله سبحانه: «مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ»(1)، و لو كان ثمّة موضع للرأي لكان الكتاب قد فرّط في شيء، و قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّٰهِ


1) . الأنعام: 38.

وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ»(1).(2)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بهاتين الآيتين يعرب عن كون ابن حزم فقيهاً ظاهريّاً بحتاً، ينظر إلى الظواهر بحرفيّتها و لا يتأمّل حتّى في القرائن الموجودة في نفس الآيات.

أمّا الآية الأُولى؛ فالمراد من الكتاب فيها، هو صحيفة الكون لقوله سبحانه في صدرها: «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلاّٰ أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ثُمَّ...»(3). لأنّ التفريط في المقام بمعنى التضييع و التقصير، و المعنى أنّ الدوابّ و الطيور لمّا كانت أُمماً أمثال الإنسان، فما قصّر سبحانه في حقّهم من إعطاء الكمال بمقدار ما لها من اللّياقة و الشأن.

و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ المراد منه، هو اللّوح المحفوظ الّذي يسمّيه سبحانه في موارد من كلامه كتاباً مكتوباً فيه كلّ شيء، و أمّا تفسيره بالقرآن فضعيف لا يركن إليه بعد ملاحظة جمل الآية.

و أمّا الآية الثانية؛ فهي راجعة إلى القضاء في المنازعات و المرافعات فالمرجع هو اللّٰه سبحانه و رسوله، و لا صلة للآية بحصر المصادر في الكتاب و السنّة.


1) . النساء: 59.

2) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 388/2.

3) . الأنعام: 38.

و لأجل ذلك لم يذكر فيه الإجماع الّذي هو حجّة عند ابن حزم و مؤسّس منهجه، و ما هذا إلّا أنّ الآية وردت في مجال القضاء في المرافعات، دون الإفتاء في الأحكام الكلّية.

توضيح ذلك: أنّ القضاء في المنازعات يشترك مع الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة في أنّ كلّاً من القاضي و المجتهد يسعى لكسح الجهل و رفع الشبهة، غير أنّ الشبهة في مجال القضاء، موضوعيّة على الأغلب مع كون الحكم الكلّي معلوماً، كاختلاف الناس في الأموال و الديون، بخلاف الشبهة في مجال الاجتهاد فإنّ الحكم الكلّي مشتبه غير معلوم، و المجتهد يسعى بكلّ حول و قوّة لدفع الشبهة، و إراءة مُحيّا الحقيقة.

و الآية كما هو صريح سياقها، ناظرة إلى المقام الأوّل، و لا صلة لها بالمقام الثاني. يقول سبحانه بعد هذه الآية «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى اَلطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ اَلشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاٰلاً بَعِيداً»(1)، و قد ورد في أسباب نزولها ما يؤيّد ما ذكرناه فلاحظ.

2 - يجوز للجنب مسُّ المصحف

قال في المحلّى: «و أمّا مسّ المصحف، فإنّ الآثار الّتي احتجّ بها من لم يجز للجنب مسّه، فإنّه لا يصحّ منها شيء، لأنّها إمّا مرسلة، و إمّا ضعيفة لا


1) . النساء: 60.

تسند، و إمّا عن مجهول... فإن ذكروا قول اللّٰه: «فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ * لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ»(1). فهذا لا حجّة لهم فيه، لأنّه ليس أمراً، و إنّما هو خبره و اللّٰه تعالى لا يقول إلّا حقّاً، و لا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلّا بنصّ جلي أو إجماع متيقّن. فلمّا رأينا المصحف يمسّه الطّاهر و غير الطّاهر علمنا أنّه عزّ و جلّ لم يعن المصحف و إنّما عنى به كتاباً آخر»(2).

و استدلّ على الجواز بعمل النبي و أنّه كتب كتاباً إلى عظيم «بصرى» ليدفعه إلى هرقل و فيه قوله سبحانه: «قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً»(3). و قد أيقن أنّهم يمسّون ذلك الكتاب(4).

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ قوله «فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ» وصف ثان للقرآن في قوله: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ» و المراد أنّ القرآن في كتاب محفوظ من التّغيير و التبديل، و المراد من الكتاب هو اللّوح المحفوظ بشهادة قوله: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»(5). و ليس المراد منه المصحف، لاستلزامه وحدة الظرف و المظروف.

و ثانياً: أنّ الظّاهر من ابن حزم الظاهري، أنّ الاستدلال على حرمة


1) . الواقعة: 78-79.

2) . المحلى: 83/1.

3) . آل عمران: 64.

4) . الدر المنثور: 40/1.

5) . البروج: 21-22.

مسّ المصحف للجنب مبنيّ على تعيين المراد من الكتاب في قوله: «فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ» فهل المراد منه هو المصحف أو غيره؟ فعلى الأوّل يثبت حرمة مسّ المصحف لغير المتطهّر بخلاف الثاني.

فرجّح كون المراد منه هو غيره، لما ذكر من الدليل و لكن خفى عليه أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على ما ذكره، بل الاستدلال مبنيّ على كون الضمير في قوله: «لاٰ يَمَسُّهُ» هل هو عائد إلى القرآن، أو إلى الكتاب، المتقدّمين عليه في الآية؟ فإن قلنا بالأوّل يكون المراد من المسّ هو مسّ كتابة القرآن، و من التطهير هو الطهارة من الخبث و الحدث. و لا مناص عندئذ من حمل النفي على النهي لصيانة كلامه عن الكذب، نظير قوله سبحانه: «فَلاٰ رَفَثَ وَ لاٰ فُسُوقَ وَ لاٰ جِدٰالَ فِي اَلْحَجِّ»(1).

و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» على القول الحق(2).

و إن قلنا بالثاني، يكون المراد من المسّ، هو العلم به، و يكون المراد من المطهّرين، من طهّر اللّٰه نفوسهم من أرجاس المعاصي و أقذار الذنوب.

و أمّا تعيين أحد الاحتمالين فخارج عن موضوع البحث، و إنّما الهدف إراءة نماذج من تفكير ابن حزم.

أمّا الاستدلال بكتابة الآية و بعثها إلى عظيم «بصرى» و النبيّ يعلم أنّ الكافر سيمسّها.


1) . البقرة: 197.

2) . لاحظ محاضرات المؤلف باسم «قاعدتان فقهيتان» تقف على اسناد الحديث و مضمونه.

فيلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما هم مكلّفون بالأُصول و هو بعدُ أمر متنازع فيه.

و ثانياً: أنّ التسبيب إنّما يحرم إذا كان مؤدّياً إلى مسّ الجاهل القاصر، كما إذا وضع الإنسان يد غير المتطهّر على كتابة القرآن و هو جاهل أو غافل، لا ما إذا كان غير معذور كعظيم «بصرى» و غيره من الطغاة غير المعذورين في ترك الأُصول و مخالفة الفروع، إذ في وسعهم أن يعتنقوا الإسلام و يدخلوا تحت السلم و يتعرّفوا على أُصوله و يعملوا بفروعه و يجتنبوا محرّماته. و هذا الجواب سائد في تمكين الكافرين من الكتب الّتي فيها أسماؤه سبحانه بعد إتمام الحجّة عليهم و إن كان في جريانه في المقام خفاء.

و ثالثاً: أنّ المصالح الكبرى الّتي تتبلور في بثّ الدعوة الإسلاميّة في المناطق المعمورة و إنقاذ الأجيال عن الوثنيّة و عبادة الطغاة ربّما ترخّص للرسول أن يقوم بعمل ربّما ينتهي إلى مسّ غير المتطهّر آية من الكتاب العزيز و له نظائر في الشريعة الإسلاميّة.

3 - قاتل الإمام عليّ عليه السلام كان مجتهدا

و هذا هو النموذج الثالث من آراء الرجل نأتي بنصّه من كتاب المحلّى، فقال: «مسألة، مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون اختلف الناس في هذا: فقال أبو حنيفة: إذا كان للمقتول بنون و فيهم واحد كبير و غيرهم صغار، أنّ للكبير أن يقتل و لا ينتظر بلوغ الصغار. ثمّ أورد على

الشافعيّة القائلة بعدم الجواز بأنّ الحسن بن عليّ عليهما السلام قد قتل عبد الرحمن بن ملجم، و لعليّ بنون صغار. ثمّ قال: هذه القصة - يعني: قتل ابن ملجم - عائدة على الحنفيّين بمثل ما شنّعوا على الشافعيين سواء سواء، لأنّهم و المالكيّين لا يختلفون في أنّ من قتل آخر على تأويل فلا قود في ذلك، و لا خلاف بين أحد من الأُمّة في أنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً عليه السلام إلّا متأوّلاً مجتهداً مقدّراً أنّه على صواب، و في ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفرية:

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه *** أوفى البريّة عند اللّٰه ميزانا

أي لأُفكّر فيه ثمّ أحسبه، فقد حصل الحنفيّون من خلاف الحسن بن عليّ على مثل ما شنّعوا به على الشافعيّين و ما ينقلون أبداً في رجوع سهامهم عليهم، و من الوقوع فيما حفروه(1).

يلاحظ عليه: أنّ الفقيه الأندلسي قد خرج في فتياه هذه عن مسلكه و هو التقيّد بالنصوص الشرعية تعبّداً حرفيّاً غير معتمد على العقل و الاجتهاد، مع أنّه هو طرح النصّ و لجأ إلى الاجتهاد الخاطئ. فهذا هو النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يقول لعليّ: «أ لا أخبرك بأشدّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: أخبرني يا رسول اللّٰه قال: فإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود و خاضب لحيتك بدم رأسك».(2)


1) . المحلى: 482/10-484.

2) . العقد الفريد: 298/2.

و قد وصف النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قاتل عليّ في غير واحد من أحاديثه بأنّه أشقى الآخرين و أشقى هذه الأُمّة.(1).... إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا السياق.

و الحقّ أنّ الاجتهاد الّذي يؤدّي إلى وجوب قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ، اجتهاد يهتزّ منه العرش، و نحن أيضاً نصافق ابن حزم و أُستاذه داود الاصفهاني في ردّ هذا القسم من الاجتهاد الّذي تكون نتيجته نجاح الخوارج المارقين عن الدين، و ما ذكره من الشعر هو لعمران بن حطّان رأس الخوارج في عصره، و قد أجابه معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللّه الشافعي قائلاً:

يا ضربة من شقي ما أراد بها *** إلّا ليهدم للاسلام أركاناً

إنّي لأذكره يوماً فألعنه *** ديناً و ألعن عمراناً و حطّاناً

عليه ثمّ عليه الدهر متّصلاً *** لعائن اللّٰه إسراراً و إعلانا

فأنتما من كلاب الدهر *** جاء به نصّ الشريعة برهاناً و تبيانا(2)

و له في كتابه «الفصل» كلام يشبه ما ذكره في قاتل الإمام حيث عدّ فيه


1) . مسند أحمد: 263/4.

2) . مروج الذهب: 415/2

قاتل عمّار و هو أبو الغادية يسار بن سبع السلمي متأوّلاً مجتهداً مخطئاً مأجوراً بأجر واحد، و عدّ عمّاراً الثائر على الخليفة فاسقاً محارباً سافكاً دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم و العدوان(1).

و ما تلك المذاهب إلّا نتيجة تقاعس العلماء الأخيار عن وظيفتهم، و نتيجة طرد العقل الصحيح الفطري عن مناهج الحياة.

و لا أظنّ أنّ إنساناً منصفاً يفكّر في هذه المناهج و المسالك، يعدّ دعاة الحرية و الاختيار و التعقّل ضلّالاً كفّاراً، و دعاة الجبرية و التشبيه و التجسيم و الجمود الفكري علماء وعاة.

«وَ لَقَدْ جِئْنٰاهُمْ بِكِتٰابٍ فَصَّلْنٰاهُ عَلىٰ عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (2).

تمّ الكلام حول الحركات الرجعية الثلاث


1) . الفصل: 161/4.

2) . الأعراف: 52.

7 - المعتزلة

[تمهيد]

اشارة

المعتزلة بين المدارس الكلاميّة المختلفة، مدرسة فكريّة عقليّة، أعطت للعقل القسط الأوفر و السهم الأكبر حتّى فيما لا سبيل له للقضاء فيه، و لها من نتائج الفكر و المعرفة ما شهد له التأريخ، و دلّت عليه كتب القوم و رسائلهم الباقية. و ما نقله عنهم خصومهم و أعداؤهم. و باختصار، إنّه مذهب فكري كبير يزخر بمعارف حول المبدأ و المعاد، و بأنظار عقليّة أو تجريبيّة حول صحيفة الكون.

و من المؤسف جدّاً أنّ هوى العصبيّة بل يد الخيانة و الجناية لعبت بكثير من مخلّفاتهم الفكريّة و أطاحت به فأضاعتها بالخرق و المزق و إن كان فيما بقي و ما كشفت عنه بعثة وزارة المعارف المصريّة إلى اليمن و نشرتها(1)كفاية لمن أراد التعرّف على المذهب عن لسان شيوخهم، ثمّ


1) . أصدرت دار الكتب المصرية عام 1967 قائمة المخطوطات العربية المصوّرة بالميكروفيلم من الجمهورية العربية اليمنية. كما قامت بنشر كتب القاضي عبد الجبار رئيس الاعتزال في أوائل القرن الخامس فطبعت منها كتاب شرح الأُصول الخمسة و كتاب المغني له أيضاً في أربعة عشر جزءاً و غيرهما.

دراستها، و سنتلو عليك قائمة الكتب الباقية أو المنشورة في هذه الآونة الأخيرة عنهم، و بالنظر إليها يعلم أنّ الباقي يشكل طفيفاً من الكثير المضاع - و مع ذلك - فهو يستطيع أن يرسم لنا معالم هذا المذهب بوضوح بحيث يغني عن المراجعة إلى كتب خصومهم و أعدائهم.

إنّ ضياع كتب المعتزلة في القرون السابقة و عدم عثور الباحثين عليها، ألجأهم في كتابة عقائدهم و تحليل أُصولهم إلى الاعتماد على كتب الأشاعرة في مجال علم الكلام و الملل و النحل، و من الواضح جدّاً أنّ كثيراً من الخصوم ليسوا بمنصفين و موضوعيين و قد نسبوا إليهم ما لا يوافق الأُصول الموثوق بها(1).

إنّ الدراسة الموضوعيّة الهادفة تكلّف الباحث الرجوع إلى الكتب المؤلفة بيد أعلام المذاهب و خبرائه المعروفين بالحذق و الوثاقة، و الاعتماد على كتب الخصوم خارج عن أدب الجدل و رسم التحقيق.

بيد أنّنا نرى كثيراً من الكتّاب المعاصرين يعتمدون في تحليل عقائد الطوائف الإسلاميّة على «مقالات الإسلاميّين» للشيخ الأشعري و «الفرق


1) . مثلاً نسب إليهم أنّهم لا يقولون بعذاب القبر مع أنّ القاضي في شرح الأُصول الخمسة: 732 يقول: إنّ المعتزلة تقول بعذاب القبر و لا تنكره قال: و أمّا فائدة عذاب القبر و كونه مصلحة للمكلّفين فإنّهم متى علموا أنّهم إن أقدموا على المقبحات و أخلوا بالواجبات عذّبوا في القبر... و سيأتي البحث عنه في محلّه.

بين الفرق» لعبد القادر البغدادي و «الملل و النحل» للشهرستاني، و هؤلاء كلّهم من أعلام الأشاعرة و يرجع إليهم في الوقوف على التفكير الأشعري، و أمّا في غيره فلا يكون قولهم و نقلهم حجّة في حقّهم، إلّا إذا طابق الأصل، فإنّ الكاتب مهما يكون أميناً - إذا كان في موقف الجدال و النِّقاش و حاول إثبات مقاله و تدمير مقالة الخصم - لا يصحّ الرُّكون إلى نقله، إلّا إذا أتى بنصّ عبارة الخصم بلا تصرّف و لا تبديل. و من المعلوم أنّ الكتب المؤلّفة في العصور الماضية لا تسير على هذا المنهاج، كما هو واضح لمن سبر.

إنّ من الظلم البارز الاعتماد في تحليل عقائد الطوائف الإسلاميّة على كتب ابن حزم الأندلسي (المتوفى عام 456 ه) و ابن خلدون المغربي (المتوفّى عام 808 ه) و غيرهما خصوصاً فيما كتبوه حول الشيعة لبعدهم عن البيئة الشيعيّة و مؤلّفاتهم، و لذلك ترى فيها الخبط و الخطاء... و هذا مبلغ علم الشهرستاني و اطّلاعه عنهم حيث يذكر الأئمّة الاثني عشر و يقول: إنّ عليّ بن محمّد النقي مشهده بقم.(1)و يكفيك فيما ذكرناه ما قاله أحد معاصريه (أبو محمّد الخوارزمي) قال بعد ذكر مشايخه في الفقه و أُصوله و الحديث: «و لو لا تخبّطه في الاعتقاد و ميله إلى الإلحاد لكان هو الإمام، و كثيراً ما كنّا نتعجّب في وفور فضله و كمال عقله، و كيف مال إلى شيء لا أصل له و اختار أمراً لا دليل عليه لا معقولاً و لا منقولاً، و نعوذ باللّٰه من الخذلان و الحرمان من نور الإيمان».(2)


1) . الملل و النحل: 169/1.

2) . معجم البلدان: 377/3، مادة شهرستان.

اهتمام المستشرقين بتراث المعتزلة

اهتمّ المستشرقون في العصور الأخيرة بدراسة مذهب الاعتزال و ما فيه من الخطوط و الأُصول في الكون و حياة الإنسان و اختياره و حرّيته، و لقد أعجبتهم فكرتهم في أفعال العباد و صار ذلك سبباً لاهتمام الجدد من أهل السنّة و بالأخص المصريّين منهم إلى دراسة مذهبهم و نشر كتبهم و تقدير فكرتهم و الدفاع عنهم قدر الإمكان و ردّ الاعتبار إليهم.

و لأجل ذلك نشرت في العهد القريب كتب تتناول البحث عن ذلك المذهب مثل:

1 - تأريخ الجهمية و المعتزلة: لجمال الدين القاسمي الدمشقي، طبع في القاهرة عام 1331 ه.

2 - المعتزلة: تأليف زهدي حسن جار اللّٰه طبع في القاهرة عام 1366 ه، و هي رسالة تبحث في تأريخ المعتزلة و عقائدهم و أثرهم في تطوّر الفكر الإسلامي. قدّمها مؤلّفها إلى دائرة التأريخ العربي في كلّية العلوم و الآداب بجامعة بيروت الأمريكيّة. و نال عليه رتبة أُستاذ في العلوم و له في الكتاب مواقف موضوعيّة.

3 - فجر الإسلام: لأحمد أمين المصري، الفصل الرابع، ص 283-303.

4 - ضحى الإسلام: له أيضاً، الفصل الأوّل ص 21-107.

5 - تأريخ المذاهب الإسلاميّة: تأليف محمّد أبو زهرة فصل القدريّة، ص 123-179.

6 - فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد السيّد، نشرته الدار التونسيّة للنشر، عام 1406 ه، الطبعة الثّانية، و هو يضمّ كتباً ثلاثة لأئمّة الاعتزال: أبي القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبّار، و الحاكم الجشمي، و الكتاب مزدان بتحقيقات نافعة.

و هذه العناية الكبيرة المؤكّدة من أبناء الأشاعرة لبيان تأريخ المعتزلة و عقائدهم و إظهار الأسف و الأسى لذهاب ثروتهم العلميّة، و إنشاء بعثة علميّة لأخذ الصّور من مخلّفاتهم الخطّية المبعثرة في بلاد اليمن و القيام بنشرها، عمل مبارك و جهد مقدّر، لكن أثاره أبناء الاستشراق في نفوس هؤلاء. هذا هو (آلفرد جيوم) أُستاذ الدراسات الشّرقية في جامعة لندن يقول:

«إنّ ما انتهى إلينا من كتابات رجال الاعتزال قليل جدّاً إلى حدّ أنّنا مضطرّون إلى أن نعتمد على ما يقوله مخالفوهم عنهم، و قد كانوا يحملون لهم ذكريات مريرة لما قام به المعتزلة من أعمال تعسّفيّة لذلك، فإنّ أملنا لكبير، إذا كانت مكتبات الشيعة في اليمن أو في غير اليمن تحوي مخطوطات من أصل معتزلي أن نقوم بنشرها. هذا، و إنّ أُولئك الّذين يرغبون في الوقوف على نتاج العقل العربي في عصور الخلافة الذهبية،

يحسنون صنعاً إذا أقدموا على درس هذه الرسالة اللمّاعة في تأريخ حركة عظيمة في حركات الفكر العربي»(1).

و هذا «شتيز» المستشرق وصفهم بأنّهم المفكِّرون الأحرار في الإسلام، و ألّف كتاباً بهذا الاسم.

و وصفهم «آدم ميت» و «هاملتون» بأنّهم دعاة الحريّة الفكرية و الاستنارة(2).

و قال «جولد تسيهر»: «إنّ المعتزلة وسّعوا معين المعرفة الدينية بأن أدخلوا فيها عنصراً مهمّاً آخر قيّماً و هو العقل الّذي كان حتّى ذلك الحين مبعداً بشدّة عن هذه الناحية»(3).

و ربّما يرد على الأخير بأنّه تجاسر على قلب الحقائق مسقطاً الواقع الّذي يثبت اجتهاد الرسول و الصحابة و التابعين...

و كتب السنّة و السيرة و التاريخ و الفقه و الخلاف و المقارنات الفقهيّة حافلة بما يؤيِّد اجتهادهم و تعويلهم على العقل.

يلاحظ عليه: أنّ كلام هذا الرادّ أقرب إلى قلب الواقع ممّا ذكره «جولد تسيهر» ذلك المستشرق الحاقد على الإسلام و نبيّه، و ذلك لأنّ أهل الحديث


1) . من مقدمة كتاب المعتزلة، تأليف زهدي حسن جار اللّٰه، قدّم له «آلفرد جيوم» أُستاذ الدراسات الشرقية في جامعة لندن. عام 1947 م \ 1366 ه.

2) . أدب المعتزلة: 172.

3) . المعتزلة بين العمل و الفكر: 103، تأليف: علي الشابي، أبو لبابة حسن، عبد المجيد النجار. طبع الشركة التونسية.

و الحنابلة ينكرون الحسن و القبح العقليّين، و إنكار ذلك مساوق لإنكار كثير من المعارف الدينيّة، و المعارف الدينيّة عندهم قائمة على السنّة فقط، و أحيانا على الكتاب. و أمّا العقل فهو محكوم عندهم بالإعدام، حتّى أنّ طريق الإمام أبي الحسن الأشعري غير مقبول لدى أهل الحديث و الحنابلة، و لأجل ذلك ما ذكروه في طبقاتهم، قائلين بأنّ الشيخ الأشعري يستدلّ على العقائد، مكان أن يعتمد فيها على الحديث و السنّة.

و أمّا الاعتماد على العقل في الفقه، فلو أُريد منه القياس و الاستحسان فهو من قبيل العقل الظنّي الذي لا يغني من الحقّ شيئاً، و إن أُريد منه الحكم القطعي من العقل، فهو مبنيّ على التحسين و التقبيح العقليين، و أهل الحديث و الحنابلة حتّى الأشاعرة ينكرون إمكان هذا الإدراك العقلي.

هذا و للمستشرقين كلمات أُخر في تحسين منهج الاعتزال ضربنا عنها صفحاً.

أحمد أمين و مدرسة الاعتزال

إنّ أحمد أمين (الكاتب الشهير المصري) مع أنّه لم يقف من كتب المعتزلة إلّا على الأقل القليل، كالانتصار لأبي الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 ه)، و الكشّاف للزمخشري (المتوفّى 538 ه)، و بعض كتب الجاحظ (المتوفّى 255 ه) و قد اعتمد في نقل عقائد المعتزلة على كتب الأشاعرة، كمقالات الإسلاميين للشيخ الأشعري (المتوفّى 324 ه)، و نهاية الاقدام

للشهرستاني (المتوفّى 548 ه)، و الاقتصاد للغزالي (المتوفّى 505 ه)، و المواقف للعضدي (المتوفّى 775 ه) إلى غير ذلك، و هؤلاء كلّهم أعداء المعتزلة و لا يستطيعون تقرير مواقف خصومهم في المسائل مجرّدين عن كلّ انحياز، - مع أنّه لم يقف - تأثّر كثيراً بمنهج الاعتزال تبعاً لأساتذته الغربيّين، و لولاهم لما خرج الأُستاذ أحمد أمين عمّا حاكت عليه البيئة المصريّة الأشعريّة من الشباك الفكري قدر أنملة، و لا بأس بنقل جمل من إطرائه للمعتزلة في فصول مختلفة.

1 - يقول حول توحيد المعتزلة و تنزيههم: «و قد كانت نظرتهم في توحيد اللّٰه نظرة في غاية السموّ و الرفعة، فطبّقوا قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» أبدع تطبيق، و فصّلوه خير تفصيل و حاربوا الأنظار الوضعيّة من مثل أنظار الّذين جعلوا اللّٰه تعالى جسماً»(1).

2 - يقول حول نظريّتهم في حرّية العباد: «و قالت المعتزلة بحرّية الإرادة و غلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته حتّى جعلوه كالريشة في مهبّ الريح أو كالخشبة في اليمّ. و عندي أنّ الخطأ في القول بسلطان العقل و حرّية الإرادة و الغلوّ فيهما خير من الغلوّ في أضدادهما، و في رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التأريخ غير موقفهم الحالي، و قد أعجزهم التسليم و شلّهم الجبر و قعد بهم التواكل»(2).


1) . ضحى الإسلام: 68/3.

2) . نفس المصدر: 70/3.

3 - يقول في حقّ إبراهيم بن سيّار المعروف بالنظّام، الشخصيّة الرابعة بين المعتزلة بعد واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد، و أبي الهذيل العلاف، أُستاذ الجاحظ و قد توفّي عام 231: «أمّا ناحيته العقليّة ففيها الركنان الأساسيّان اللّذان سبّبا النهضة الحديثة في أروبا و هما الشكّ و التجربة، و أمّا الشكّ فقد كان يعتبره النظّام أساساً للبحث فكان يقول: الشاكّ أقرب إليك من الجاحد، و لم يكن يقين قطّ حتّى صار فيه شكّ، و لم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شك.

و أمّا التجربة فقد استخدمها كما يستخدمها الطبيعي أو الكيمياوي اليوم في معمله»(1).

و قال أحمد أمين في مقال خاصّ تحت عنوان «المعتزلة و المحدثون»:

كان للمعتزلة منهج خاصّ أشبه ما يكون بمنهج من يسمّيهم الإفرنج العقليين، عمادهم الشكّ أوّلاً و التجربة ثانياً، و الحكم أخيراً. و للجاحظ في كتابه «الحيوان» مبحث طريف عن الشكّ، و كانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلّا إذا أقرّه العقل، و يؤوّلون الآيات حسب ما يتّفق و العقل كما فعل الزمخشري في الكشّاف، و لا يؤمنون برؤية الإنسان للجنّ لأنّ اللّٰه تعالى يقول: «إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ تَرَوْنَهُمْ»(2)و يهزءون بمن يخاف من الجنّ، و لا يؤمنون بالخرافات و الأوهام، و يؤسّسون دعوتهم إلى


1) . ضحى الإسلام: 112/3.

2) . الأعراف: 27.

الإسلام حسب مقتضيات العقل و فلسفة اليونان، و لهم في ذلك باع طويل، و لا يؤمنون بأقوال أرسطو لأنّه أرسطو، بل نرى في «الحيوان» أنّ الجاحظ يفضّل أحياناً قول أعرابيّ جاهلي بدويّ على قول أرسطو الفيلسوف الكبير.

هكذا كان منهجهم، و هو منهج لا يناسب إلّا الخاصّة، و لذلك لم يعتنق الاعتزال إلّا خاصّة المثقّفين، أمّا العوام فكانوا يكرهونه.

و يقابل هذا المنهج منهج المحدِّثين، و هو منهج يعتمد على الرواية لا على الدراية، و لذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن، و متى صحّ السند صحّ المتن و لو خالف العقل، و قلّ أن نجد حديثاً نُقد من ناحية المتن عندهم، و إذا عُرض عليهم أمر رجعوا إلى الحديث و لو كان ظاهره لا يتّفق و العقل، كما يتجلّى ذلك في مذهب الحنابلة.

و كان من سوء الحظّ أن تدخل المعتزلة في السياسة و لم يقتصروا على الدين، و السياسة دائماً شائكة، فنصرهم على ذلك المأمون و الواثق و المعتصم، و امتحنوا الناس و أكرهوهم على الاعتزال، فكرههم العامّة و استبطلوا الإمام ابن حنبل الّذي وقف في وجههم، فلمّا جاء المتوكّل انتصر للرأي العام ضدّهم، و انتصر للإمام أحمد بن حنبل على الجاحظ و ابن أبي دؤاد و أمثالهما، و نكّل بهم تنكيلاً شديداً، فبعد أن كان يتظاهر الرجل بأنّه معتزلي، كان الرجل يعتزل و يختفي حتّى عدّ جريئاً كلّ الجراءة الزمخشري الّذي كان يتظاهر بالاعتزال و يؤلّف فيه، و لم يكن له كلّ هذا

الفضل، لأنّه أتى بعد هدوء الفورة الّتي حدثت ضدّ الاعتزال.

فلنتصوّر الآن ما ذا كان لو سار المسلمون على منهج الاعتزال إلى اليوم؟. أظنّ أنّ مذهب الشكّ و التجربة و اليقين بعدهما كان يكون قد ربى و ترعرع و نضج في غضون الألف سنة الّتي مرّت عليه، و كنّا نفضّل الأروبيّين في فخفختهم و طنطنتهم بالشكّ و التجربة الّتي ينسبانها إلى «بيكن» مع أنّه لم يعمل أكثر من بسط مذهب المعتزلة. و كان هذا الشكّ و هذه التجربة مما يؤدّي حتماً إلى الاختراع و بدل تأخّر الاختراع إلى ما بعد بيكن و ديكارت، كان يتقدم مئات من السنين، و كان العالم قد وصل إلى ما لم يصل إليه إلى اليوم، و كان وصوله على يد المسلمين لا على يد الغربيّين، و كان لا يموت خلق الابتكار في الشرق و يقتصر على الغرب.

فقد عهدنا المسلمين بفضل منهج المحدِّثين يقتصرون على جمع متفرّق أو تفريق مجتمع، و قلّ أن نجد مبتكراً كابن خلدون الّذي كانت له مدرسة خاصّة، تلاميذها الغربيّون لا الشرقيون.

فالحقّ أن خسارة المسلمين بإزالة المعتزلة من الوجود كانت خسارة كبرى لا تعوّض.

ثمّ بدأ المسلمون ينهجون منهج الحضارة الغربيّة تقليداً من الخارج لا بعثاً من الداخل، و شتّان ما بينهما، فالتقليد للخارج بثّ فيهم ما يسمّيه علماء النفس مركب النقص، فهم يرون أنّهم عالة على الغربيّين في منهجهم، و لو

كان من أنفسهم لاعتزّوا به و افتخروا، و لكن ما قُدّر لا بدّ أن يكون، و للّٰه في خلقه شئون»(1).

هذا بعض ما تأثّر به الأُستاذ المصري بمنهج الاعتزال فأطلق قلمه بمدحهم، و لكن لمّا وقف في غضون التأريخ على أنّ المعتزلة تربّت في أحضان البيت العلوي و أنّ واصل بن عطاء مؤسّس المنهج تتلمذ على أبي هاشم بن محمّد الحنفيّة، و أنّهم أخذوا التوحيد و العدل من الأُصول الخمسة من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ثارت ثورته و ثقل عليه البحث لما يكنّه في نفسه من عداء و حقد للشيعة و أئمّتهم، فانبرى لتحريف التأريخ و إسدال الستر على الحقيقة و إنكار كون الأصل لبعض أُصول المعتزلة هو البيت العلوي. و لنا معه في ذلك الفصل بحث ضاف فانتظر. هذا و الكلام حول هذه الطائفة يأتي في فصول:


1) . رسالة الإسلام التي تصدرها «دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة» بالقاهرة: العدد الثالث من السنة الثالثة.

الفصل الأوّل: سبب تسميتهم بالمعتزلة

اشارة

لقد شغل بال الباحثين من المسلمين و المستشرقين سبب تسمية هذه الطائفة بالمعتزلة، فاختار كلّ مذهباً، و نحن نأتي بجميع الآراء أو أكثرها على وجه الإجمال، مع التحليل و القضاء بينها.

1 - اعتزالهم عن علي عليه السلام في محاربته لمخالفيه

قال أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث في كتابه «فرق الشيعة» عند البحث عن الأحداث الواقعة بعد قتل عثمان: «فلمّا قُتِل بايع الناس عليّاً فسمّوا الجماعة، ثمّ افترقوا بعد ذلك و صاروا ثلاث فرق: فرقة أقامت على ولايته عليه السلام، و فرقة خالفت عليّاً و هم طلحة و الزبير و عائشة؛ و فرقة اعتزلت مع سعد بن مالك و هو سعد بن أبي وقّاص، و عبد اللّٰه بن عمر بن الخطّاب، و محمّد بن مسلمة الأنصاري، و أُسامة بن زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فإنّ هؤلاء اعتزلوا عن علي عليه السلام و امتنعوا عن محاربته و المحاربة معه بعد دخولهم في بيعته و الرضا به.

فسمّوا المعتزلة، و صاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد، و قالوا: لا يحلّ قتال عليّ و لا القتال معه.

و ذكر بعض أهل العلم أنّ الأحنف بن قيس التميمي اعتزل بعد ذلك في خاصّة قومه من بني تميم لا على التديّن بالاعتزال. و لكن على طلب السلامة في القتل و ذهاب المال و قال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم».(1)

و ذكر نصر بن مزاحم المنقري أنّ المغيرة بن شعبة كان مقيماً بالطائف لم يشهد صفّين. فقال معاوية: يا مغيرة: ما ترى؟ قال: يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك، و لكن عليّ أن آتيك بأمر الرجلين (أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص) فركب حتّى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى كأنّه زائر له، فقال: يا أبا موسى! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء؟ قال: أُولئك خيار الناس خفّت ظهورهم من دمائهم و خمصت بطونهم من أموالهم.

ثمّ أتى عمراً فقال: يا أبا عبد اللّه! ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء؟

فقال: أُولئك شرّ الناس لم يعرفوا حقّاً و لم ينكروا باطلا(2).

غير أنّ شيوخ المعتزلة يردّون هذه الرواية و لا يقيمون لها وزناً. بل يقول البلخي: «و من الناس من يقول سمّوا معتزلة لاعتزالهم عليّ بن أبي


1) . فرق الشيعة: 5.

2) . وقعة صفين: 620-621.

طالب في حروبه، و ليس كذلك، لأنّ جمهور المعتزلة بل أكثرهم إلّا القليل الشاذّ منهم يقولون إنّ عليّاً عليه السلام كان على صواب، و إنّ من حاربه فهو ضالّ، و تبرّءوا ممّن لم يتب عن محاربته، و لا يتولّون أحداً ممّن حاربه إلّا من صحّت عندهم توبته منهم، و من كان بهذه الصفة فليس بمعتزل عنه عليه السلام، و لا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم»(1).

أقول: لو لا أنّ النوبختي ذكر بعد نقل هذه الرواية قوله: «و أنّهم صاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد» لأمكن المناقشة في كونه وجه التّسمية، و أنّ الاعتزال بالطابع الفكري و العقلي كان استمراراً للاعتزال بطابعه السياسي. إذ من الممكن أن تستعمل كلمة واحدة في طائفتين يجمعهما جامع و هو العزلة و ترك الجماعة. فهؤلاء الّذين خذلوا عليّاً بترك البيعة و الحرب معه ضدّ الناكثين و القاسطين معتزلون، كما أنّ واصل بن عطاء و تلاميذه معتزلون لأجل تركهم مجلس درس أُستاذه و تلاميذه كما يأتي في الرواية الأُخرى. و إطلاق كلمة واحدة على الطائفتين اللّتين لهما طابعان مختلفان لا يدلّ على أنّ الطائفة الثانية هي استمرار للأُولى. و إنّما يمنعنا عن ردّ هذه النظرية على وجه القطع هو صراحة كلام النوبختي في ذلك.


1) . فضل الاعتزال: 13-14.

2 - اعتزالهم عن الحسن بن علي عليهما السلام

و هناك رواية أُخرى تدلّ على أنّ تسميتهم بهذا اللّقب لاعتزالهم عن الحسن بن عليّ و معاوية، نقله الملطي (المتوفّى عام 373 ه) في «التنبيه و الردّ» و استحسنه الكوثري(1)و حسب أنّه وقف على أمر بديع. يقول الملطي: «و هم سمّوا أنفسهم معتزلة و ذلك عند ما بايع الحسن بن عليّ عليهما السلام معاوية و سلّم إليه الأمر اعتزلوا الحسن بن علي و معاوية و جميع الناس، و ذلك أنّهم كانوا من أصحاب علي و لزموا منازلهم و مساجدهم و قالوا نشتغل بالعلم و العبادة و سمّوا بذلك معتزلة»(2).

أقول: هذا الرأي قريب من جهة، لأنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد و العدل عن عليّ عليه السلام كما سيأتي، فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية.

و مع ذلك كلّه، يمكن أن يقال فيه مثل ما قلناه في النظرية السابقة، و هو أنّه كانت طائفتان مختلفتان لا صلة بينهما سوى الاشتراك الاسمي، ظهرت إحداهما بعد صلح الحسن عليه السلام و كان لها طابع سياسي؛ و ظهرت الأُخرى في زمن الحسن البصري عند اعتزال واصل عن حلقة بحثه كما سيأتي بيانه، لها طابع عقلي.


1) . تعليق «تبيين كذب المفتري»: 10.

2) . التنبيه و الرد: 26.

و هناك إشكال آخر يتوجّه على رواية الملطي حيث قال: «و هم سمّوا أنفسهم معتزلة» و هو أنّ لفظ الاعتزال ليس لفظاً يعرب عن المنهج حتّى يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم، إن لم يكن فيه دلالة على ذمٍّ ما.

3 - اعتزال عامر عن مجلس الحسن البصري

و هناك رواية ثالثة رواها ابن دريد يتحدّث عن بني العنبر قال: «و من رجالهم في الإسلام عامر بن عبد اللّه يقال له عامر بن عبد قيس، و كان عثمان بن عفّان كتب إلى عبد اللّه بن عامر أن يسيّره إلى الشام، لأنّه يطعن عليهم و كان من خيار المسلمين و له كلام في التوحيد كثير، و هو الّذي اعتزل الحسن البصري فسمّوا المعتزلة»(1).

و روى أبو نعيم بالإسناد عن الحسن البصري أنّه قال: «كان لعامر بن عبد اللّه بن عبد قيس مجلس في المسجد فتركه حتّى ظننّا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء، قال: فأتيناه فقلنا له: كان لك مجلس في المسجد فتركته؟ قال: أجل، إنّه مجلس كثير اللغط و التخليط، قال: فأيقنّا أنّه قد ضارع أصحاب الأهواء، فقلنا: ما تقول فيهم؟ قال: و ما عسى أن أقول فيهم... الخ».

و نقل أبو نعيم الاصفهاني أيضاً أنّه عتب أبو موسى الأشعري(2)


1) . الاشتقاق: 213/1، كما في تعاليق «فضل الاعتزال»: 15.

2) . كان أبو موسى والي الكوفة أواخر خلافة عثمان إلى عام 36، حتّى عزله علي عليه السلام لأجل قعوده عن نصرة الامام.

عامر بن عبد قيس اعتزاله مجلسه الّذي اعتاده في المسجد، فكتب إليه قائلاً:

«فإنّي عهدتك على أمر و بلغني أنّك تغيّرت فاتّق اللّٰه و عد»(1).

و قال المعلِّق على كتاب «فضل الاعتزال»: إذا كان ابن دريد و أبو نعيم لم يحدّدا لنا زمن اعتزال عامر بن عبد قيس، فمن الممكن أن نستنتج أنّه تمّ في خلال تسع سنوات من سنة 35 و هو تأريخ اعتزال جماعة سعد بن أبي وقّاص إذ عناهم الحسن البصري في حديثه، إلى سنة 44 و هو تأريخ وفاة أبي موسى الأشعري إذ أفاد أبو نعيم أنّه عاتب عامر لاعتزاله مجلسه».

يلاحظ عليه: أنّ الحسن البصري ولد بالمدينة عام (21)، ثمّ سكن البصرة و توفّي عام (110)، فمن البعيد أن يكون له مجلس بحث في المسجد و هو من أبناء العشرين أو دونه، فلو صحّ ما حدّده المعلّق من زمن الاعتزال يلزم أن يكون له مجلس بحث في المسجد بين أعوام 35-44، و يكون عامر بن عبد اللّه الشخصيّة المعروفة أحد حضّار بحثه، و قد قدّر الزركلي في كتابه «الأعلام» وفاة عامر نحو سنة (55)(2).

ثمّ إنّ عتب أبي موسى لا يصحّ أن يكون في خلال تسع سنوات بين أعوام 35-44 لأنّه عزل عن الولاية عام 36 و غادر الكوفة و لم يرجع إليها، و لمّا أصدر حكمه الجائر في دومة الجندل ضدّ عليّ عليه السلام خاف من انتفاضة الناس و ثورتهم عليه، و غادرها إلى مكّة المكرّمة و مات بها عام 43 أو 44.


1) . حلية الأولياء: 93/2-95.

2) . الأعلام: 21/4.

و لو صحّ عتابه لكان قبل سنة 36، و هذا يستلزم أن تكون للحسن حلقة بحث في أوان البلوغ، و هو بعيد، مع وجود وجوه الصحابة و أكابر التابعين في الكوفة.

ثمّ لو صحّت الرواية لما صحّ أن يكون عامر بن عبد اللّه، المؤسّس الأوّل لمذهب الاعتزال و إن استعمل في حقّه كلمة الاعتزال، لأنّ كلمة الاعتزال في تلك العصور كانت رمزاً للتخلّف عن الفكرة السائدة في المجتمع، فمن خالف الفكرة و انحاز عنها، أُطلق على فعله الاعتزال و على نفسه المعتزل، ازدراءً به، و تلك الكلمة بمنزلة الرجعية في أعصارنا هذه، و ما جاء في تلك الروايات إشارة إلى أنّ هؤلاء اعتزلوا عن السياسة السائدة على المجتمع كما في اعتزال سعد بن أبي وقّاص و نظائره. أو اعتزال جماعة عن الحسن بن عليّ عليهما السلام أو عن الفكرة الدينيّة كما في الرواية الثالثة. و الحقّ في التسمية ما نذكره في القول الرابع و قد تواتر نقله.

4 - اعتزال واصل عن مجلس الحسن البصري

قد عرفت أنّ حكم مرتكب الكبيرة قد أوجد ضجّة كبيرة في الأوساط الإسلاميّة في عصر عليّ عليه السلام و بعده، حيث عدّ الخوارج مرتكب الكبيرة كافراً، كما عدّه غيرهم مؤمناً فاسقاً، و عدّت المرجئة من شهد بالتوحيد و الرسالة لساناً أو جناناً مؤمناً.

و قد أخذت المسألة لنفسها مجالاً خاصّاً للبحث عدّة قرون. و كان للمسألة في زمن الحسن البصري دويّ خاصّ.

نقل الشهرستاني أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، و الكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، و لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة و هم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟

فتفكّر الحسن في ذلك و قبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً و لا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن و لا كافر. ثمّ قام و اعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو و أصحابه: معتزلة(1).

و ربّما نسبت هذه الواقعة بشكل آخر إلى «عمرو بن عبيد». قال ابن خلّكان في ترجمة قتادة السدوسي: «كان قتادة من أنسب الناس كان قد أدرك دغفلاً و كان يدور البصرة أعلاها و أسفلها بغير قائد فدخل مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عبيد و نفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري و حلّقوا و ارتفعت أصواتهم، فأمّهم و هو يظن أنّها حلقة الحسن، فلمّا صار معهم عرف أنّها ليست هي. فقال: إنّما هؤلاء المعتزلة، ثمّ قام عنهم فمذ يومئذ سمّوا المعتزلة»(2).


1) . الفرق بين الفرق: 21، و في ذيل عبارته ما يدل على أنّ تسميتهم بها لأمر آخر سيوافيك بيانه.

2) . وفيات الأعيان: 85/4 رقم الترجمة 541.

و تظهر تلك النظرية من الشيخ المفيد في «أوائل المقالات» حيث قال: «و أمّا المعتزلة و ما وسمت به من اسم الاعتزال، فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، و ما أحدثه واصل بن العطاء من المذهب في ذلك و نصب من الاحتجاج له، فتابعه عمرو بن عبيد، و وافقه على التديّن به من قال بها و من اتّبعهما عليه، إلى اعتزال الحسن البصري و أصحابه و التحيّز عن مجلسه فسمّاهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفرّدهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الأُمّة و سائر العلماء و لم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال و لا كان علماً على فريق من الناس»(1).

و لو لا قوله: «و تفرّدهم بما ذهبوا إليه في هذه المسألة من جميع الأُمّة و سائر العلماء» لكان نصّاً في هذه النظرية، إلّا أنّ هذا الذيل يمكن أن يكون إشارة إلى النظرية الأُخرى الّتي ستبيّن.

قد نقل اعتزال واصل حلقة الحسن جماعة كثيرة، فنقلها المرتضى في أماليه ج 1 ص 167، و البغدادي في الفرق بين الفرق ص 118، و الشهرستاني في الملل و النحل ج 1 ص 48، و ابن خلكان في وفيات الأعيان ج 6 ص 8، و المقريزي في خططه ج 2 ص 346.

و على كلّ تقدير فقد ناقش الدكتور «نيبريج» المستشرق هذه النظرية بأنّه وردت تسمية هذه المدرسة بأهل الاعتزال بمن قال بالاعتزال، و لو كان


1) . أوائل المقالات: 5-6.

معنى الكلمة ما زعموه لما جاز مثل هذه التسمية، ثمّ إنّ لها عدّة نظائر في عرف ذلك الزمان كالمرجئة يرادفها أهل الإرجاء و هم الّذين قالوا بالإرجاء، و الرافضة يرادفها أهل الرفض و من قال بالرفض(1).

و لعلّ المناقشة في محلّها كما سيظهر ممّا ننقله عن المسعودي في النظرية السادسة.

5 - الاعتزال عن القولين السائدين في ذلك العصر

و هناك رأي خامس في تسميتهم بالاعتزال يظهر من شيخ المعتزلة أبي القاسم البلخي (المتوفّى 317 ه) يقول:

«و السبب الّذي له سمّيت المعتزلة بالاعتزال؛ أنّ الاختلاف وقع في أسماء مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة، فقالت الخوارج: إنّهم كفّار مشركون و هم مع ذلك فسّاق، و قال بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون لإقرارهم باللّٰه و رسوله و بكتابه و بما جاء به رسوله و إن لم يعملوا به، فاعتزلت المعتزلة جميع ما اختلف فيه هؤلاء و قالوا نأخذ بما اجتمعوا عليه من تسميتهم بالفسق و ندع ما اختلفوا فيه من تسميتهم بالكفر و الإيمان و النفاق و الشرك، قالوا: لأنّ المؤمن وليّ اللّٰه، و اللّٰه يجب تعظيمه و تكريمه و ليس الفاسق كذلك، و الكافر و المشرك و المنافق يجب قتل بعضهم و أخذ الجزية من بعض، و بعضهم يعبد في السرّ إلهاً غير اللّٰه، و ليس الفاسق بهذه الصفة.


1) . مقدمة كتاب الانتصار لأبي الحسين الخياط: 54.

قالوا: فلمّا خرج من هذه الأحكام، خرج من أن يكون مسمّى بأسماء أهلها و هذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أي الفسق منزلة بين الكفر و الإيمان»(1).

و يظهر هذا من البغدادي أيضاً قال: «و منها اتّفاقهم على دعواهم في الفاسق من أُمّة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين، و هي أنّه فاسق لا مؤمن و لا كافر، و لأجل هذا سمّاهم المسلمون «معتزلة» لاعتزالهم قول الأُمّة بأسرها».(2)و في الوقت نفسه نقل البغدادي، قصّة اعتزال «واصل» حلقة الحسن بنحو يوهم كون وجه التسمية هو اعتزال واصل مجلس الحسن. لاحظ ص 118.

و يظهر من ابن المرتضى تأييده. قال في ذيل كلامه: «سمّي و أصحابه معتزلة لاعتزالهم كلّ الأقوال المحدّثة و المجبّرة».

ثمّ ردّ على من زعم أنّ إطلاق المعتزلة لمخالفتهم الإجماع بقوله: «لم يخالفوا الإجماع، بل عملوا بالمجمع عليه في الصدر الأوّل و رفضوا المحدثات المبتدعة»(3).

و يظهر هذا أيضاً من نشوان بن سعيد اليمني حيث قال:

«و سمّيت المعتزلة معتزلة لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، و ذلك أنّ المسلمين اختلفوا في أهل الكبائر فقالت الخوارج:

هم كفّار مشركون، و قال


1) . باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين للبلخي: 115.

2) . الفرق بين الفرق: 21 و 115.

3) . المنية و الأمل: 4.

بعض المرجئة: إنّهم مؤمنون، و قالت المعتزلة: لا نسمّيهم بالكفر و لا بالإيمان، و لا نقول إنّهم مشركون و لا مؤمنون بل فسّاق، فاعتزلوا القولين جميعاً و قالوا بالمنزلة بين المنزلتين فسمّوا بالمعتزلة»(1).

6 - جعل الفاسق معتزلاً عن الإيمان و الكفر

اشارة

و هذه النظرية غير النظرية الماضية، فإنّ الاعتزال فيها كان وصفاً لنفس المعتزلة فهم اعتزلوا عن جميع ما اختلفت فيه من الآراء و أخذوا بالمتّفق عليه، و لكنّه في هذه النظرية وصف لمورد الخلاف، أعني: الفاسق، فجعلوه معتزلاً عن الإيمان و الكفر، فلا هو مؤمن و لا كافر، و تظهر تلك النظرية من المسعودي في مروجه، قال في بيان الأصل الرابع من الأُصول الخمسة:

«و أمّا القول بالمنزلة بين المنزلتين و هو الأصل الرابع، فهو أنّ الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن و لا كافر، بل يسمّى فاسقاً على حسب ما ورد التوقيف بتسميته و أجمع أهل الصلاة على فسوقه».

قال المسعودي: «و بهذا الباب سمّيت المعتزلة، و هو الاعتزال، و هو الموصوف بالأسماء و الأحكام مع ما تقدّم من الوعيد في الفاسق من الخلود في النار»(2).

و قال أيضاً: «مات واصل بن عطاء - و يكنّى بأبي حذيفة - في سنة


1) . شرح رسالة الحور العين: 204-205.

2) . مروج الذهب: 222/3.

إحدى و ثلاثين و مائة و هو شيخ المعتزلة و قديمها، و أوّل من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين و هو أنّ الفاسق من أهل الملّة ليس بمؤمن و لا كافر، و به سمّيت المعتزلة و هو الاعتزال»(1).

و الدقّة في قوله: «و به سمّيت...» (أي بعزل الفاسق عن الإيمان و الكفر) تعطي أنّ وجه التسمية يعود إلى جعل الفاسق منعزلاً عنهما.

و هناك نظريّة سابعة ذكرها أحمد أمين المصري في فجر الإسلام ص 344، و لكنّها من الوهن بمكان لم يرتضها هو نفسه في كتبه اللاحقة فلنضرب عنها صفحاً.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّه لو كان أساس الاعتزال هو واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد، فتسميتهم بالمعتزلة، إمّا لاعتزال المؤسّس عن مجلس البحث أو باعتزاله عن الرأيين السائدين، أو لاعتقادهم بكون الفاسق منعزلاً عن الكفر و الإيمان، و خروج مرتكب الكبيرة عن عداد المؤمنين و الكافرين.

و العجب أنّ أُستاذ واصل كان يذهب إلى أنّه منافق، و أراد بذلك تخفيف أمره بالنسبة إلى الكافر، مع أنّ جزاء المنافق في الآخرة لو لم يكن أشدّ من الكافر ليس بأقلّ منه.

أرى أنّ إفاضة الكلام في تحقيق وجه التسمية أزيد من هذا خروج عن وضع الرسالة، فلنرجع إلى سائر أسمائهم.


1) . نفس المصدر: 22/4.

سائر ألقاب المعتزلة

فقد ذكر ابن المرتضى لهم أسماء أُخر.

1 - العدليّة: لقولهم بعدل اللّٰه و حكمته.

2 - الموحّدة: لقولهم لا قديم مع اللّٰه(1).

و لأجل هذا يطلق على هذه الطائفة أهل العدل و التوحيد، و لعلّهم يعنون بالعدل مضافاً إلى ما ذكر ابن المرتضى نفي القدر بالمعنى المستلزم للجبر، أو يريدون بذلك نفي كونه سبحانه خالقاً لأفعال العباد، إذ فيه الظلم و القبح و الجور، و أمّا التوحيد فإنّهم يريدون منه نفي الصفات الزائدة القديمة، فإنّ في الاعتقاد بزيادة الصفات اعتراف بقدماء معه سبحانه، و تنزيهه سبحانه عن التشبيه و التجسيم، و سيأتي أنّ هذين الأصلين اللّذين يعدّان الركنين الأساسيين لمدرسة الاعتزال مأخوذان من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

3 - أهل الحق: المعتزلة يعتبرون أنفسهم أهل الحقّ، و الفرقة الناجية من ثلاث و سبعين فرقة، و قد فرغنا الكلام عن هذا الحديث و تعيين الفرقة الناجية في الجزء الأوّل.

4 - القدرية: يعبّر عن المعتزلة في الكتب الكلاميّة بالقدريّة. و المعتزلة


1) . المنية و الأمل: 1.

يطلقونها على خصمائهم، و ذلك لما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: أنّ القدريّة مجوس هذه الأُمّة. فلو قلنا بأنّ القدريّة منسوبة إلى القدر عِدْل القضاء، فتنطبق على خصماء المعتزلة القائلين بالقدر السالب للاختيار. و لو قلنا بأنّها منسوبة إلى القدرة، أي القائلين بتأثير قدرة الإنسان في فعله و اختياره و تمكّنه في إيجاده، فتنطبق - على زعم الخصماء - على المعتزلة لقولهم بتأثير قدرة الإنسان في فعله. و قد طال الكلام بين المتكلّمين في تفسير الحديث و ذكر كلّ طائفة وجهاً لانطباقه على خصمها(1).

و الحقّ أنّ المتبادر من الحديث هو القدريّة المنسوبة إلى القدر الّذي هو بمعنى التقدير، و إطلاقه على مثبت القدر كأهل الحديث و الحنابلة متعيّن، إذ لا يطلق الشيء و يراد منه ضدّه.

فلو كان المراد منه المعتزلة يجب أن يراد منها نفي القدر. و قد روي عن زيد بن عليّ أنّه قال - حين سأله أبو الخطّاب عمّا يذهب إليه -: «أبرأ من القدريّة الّذين حملوا ذنوبهم على اللّٰه و من المرجئة الّذين أطمعوا الفسّاق». هذا، و لقد أوضحنا المراد من الحديث في محلّه(2).

5 - الثنوية: المعتزلة يدعون بالثنوية و لعلّ وجهه ما يتراءى من


1) . لاحظ في الوقوف على هذه الوجوه كشف المراد للعلامة الحلي: 195، و شرح المقاصد للتفتازاني: 143/2. و قد مضى الكلام في سند الحديث و دلالته في فصل القدرية من هذا الجزء، فلاحظ.

2) . لاحظ الجزء الأول من الملل و النحل للمؤلف: 153-161، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام و لاحظ الإلهيات في ضوء الكتاب و السنة و العقل: محاضراتنا الكلامية بقلم الفاضل الشيخ حسن مكي.

بعضهم لقولهم الخير من اللّٰه و الشرّ من العبد.

و هناك وجه آخر لتسميتهم بالثنويّة، أو المجوسيّة، و هو أنّ المعتزلة قالت باستقلال الإنسان في إيجاد فعله، بل نقل عن بعضهم القول بحاجة الموجود في حدوثه إلى الواجب دون بقائه و استمراره، فصيّروا الإنسان كأنّه مستقلّ في فعله، بل صيّروا الممكنات كواجب غنىٍّ عن العلّة في بقائه و استمراره، دون حدوثه.

و لكنّ النسبة غير صحيحة، إلّا إلى بعض المتأخّرين من المعتزلة، و لم يظهر لنا أنّ المتقدّمين منهم كانوا على هذا الرأي.

6 - الوعيديّة: و إنّما أُطلقت عليهم هذه الكلمة لقولهم بالوعد و الوعيد، و أنّ اللّٰه صادق في وعده، كما هو صادق في وعيده و أنّه لا يغفر الذنوب إلّا بعد التوبة، فلو مات بدونها يكون معذّباً قطعاً و لا يغفر له جزماً و يخلّد في النار و يعذّب عذاباً أضعف من عذاب الكافر.

7 - المعطّلة: أي تعطيل ذاته سبحانه عن الصفات الذاتية، و هذا ألصق بالجهميّة الّذين يعدّون في الرعيل الأوّل في نفي الصفات. و أمّا المعتزلة فلهم في الصفات مذهبان:

أ - القول بالنيابة، أي خلوّ الذات عن الصفات و لكن تنوب الذات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها، و قد اشتهر قولهم: «خذ الغايات و اترك المبادئ»، و هذا مخالف لكتاب اللّٰه و السنّة و العقل. فإنّ النقل يدلّ بوضوح على اتّصافه سبحانه بالصفات الكماليّة، و أمّا العقل، فحدث عنه و لا

حرج، لأنّ الكمال يساوق الوجود و كلّما كان الوجود أعلى و أشرف يكون الكمالات فيه آكد.

ب - عينيّة الصفات مع الذات و اشتمالها على حقائقها. من دون أن يكون ذات و صفة، بل الذات بلغت في الكمال إلى درجة صار نفس العلم و القدرة.

و هذا هو الظاهر من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و تعضده البراهين العقليّة و إطلاق المعطّلة على هذه الطائفة لا يخلو من تجنٍّ و افتراء.

و الأولى بهذا الاسم أهل الحديث و الحنابلة، فإنّهم المعطِّلة حقيقة، إذ عطّلوا العقول عن معرفة اللّٰه و أسمائه و صفاته و أفعاله، و منعوا الخوض في المسائل العقليّة، و كأنّ العقل خلق لا لغاية إلّا للسعي وراء الحياة الماديّة.

8 - الجهميّة: (1)و هذا اللّقب منحه أحمد بن حنبل لهم، فكلّما يقول: قالت الجهميّة، أو يصف القائل بأنّه جهمي يريد به المعتزلة لما وجد من موافقتهم الجهميّة في بعض المسائل، و إن كانت الجهمية متقدّمة على المعتزلة، لكنّها على زعمهم مهّدت السبيل للمعتزلة، مع أنّك عرفت أنّ واصلاً أرسل أحد تلاميذه إلى معارضته و أنّهم لا يعدّون الجهم من رجالهم أو طبقاتهم لاختلافهم معه في بعض المسائل الجوهرية، فإنّ الجهم جبريّ


1) . نسبة إلى الجهم بن صفوان، و قد عرفت القول في عقائده و آرائه و أنّ المهم منه أمران: نفي الرؤية و الجبر.

و المعتزلة قائلة بالاختيار، و لعلّ بعض هذه التسميات من مصاديق قوله سبحانه «وَ لاٰ تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ»(1).

9 - المفنية.

10 - اللفظيّة.

11 - القبريّة.

هذه الالقاب ذكرها المقريزي و قال: إنّهم يوصفون بالمفنية لما نسب إلى أبي الهذيل من فناء حركات أهل الجنّة و النار، و اللّفظيّة لقولهم: ألفاظ القرآن مخلوقة، و القبريّة، لإنكارهم عذاب القبر.(2)


1) . الحجرات: 11.

2) . الخطط للمقريزي: 169/4.

الفصل الثاني: المبادئ الفكرية للاعتزال و خطب الإمام عليّ عليه السلام

قد تعرّفت فيما مضى على تأريخ ظهور المعتزلة و أنّ الاعتزال بعنوان المنهج الفكري العلمي لا السياسي يرجع إلى أوائل القرن الثاني، و ذلك عند ما اعتزل واصل بن عطاء عن حلقة الحسن البصري و شكّل حلقة دراسية فكريّة في مقابل أُستاذه، و القرائن القطعيّة تؤكّد ظهوره في أوائل ذلك القرن، فإنّ واصل بن عطاء من مواليد عام 80 من الهجرة، و قد توفّي أُستاذه الحسن البصري عام 110، و ليس من البعيد أن يشكّل حلقة دراسية قابلة للذكر و له من العمر دون الثلاثين. و هذا يؤكّد على أنّ الاعتزال ظهر في أوائل القرن الثاني.

ثمّ إنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين و إن كان يعدُّ منطلق الاعتزال، و مغرس بذره، و لكن حقيقة الاعتزال لا تقوم بهذا الأصل، و لا يعدّ الدرجة

الأُولى من أُصوله، فإنّ الأصلين التوحيد و العدل يعدّان حجر الأساس لهذا المنهج، و سائر الأُصول في الدرجة الثانية.

و في ضوء هذا يقف القارئ بفضل النصوص الآتية على أنّ الاعتزال أخذ ذينك الأصلين من البيت العلويّ عامّة، و من خطب الإمام عليّ عليه السلام و كلماته خاصّة، و لأجل ذلك يجب أن يعترف بأنّ الاعتزال أخذ الأُصول الأصليّة لمنهجه من بيت الولاية.

و لأجل إيقاف القارئ على هذا الاستنتاج، نضع أمامه شواهد من التأريخ و الاعترافات الّتي أجهر بها شيوخ المعتزلة:

1 - هذا هو الكعبي إمام المعتزلة في أوائل القرن الرابع يقول: «و المعتزلة يقال إنّ لها و لمذهبها إسناداً تتّصل بالنبيّ و ليس لأحد من فرق الأُمّة مثلها، و ليس يمكن لخصومهم دفعهم عنه، و هو أنّ خصومهم يقرّون بأنّ مذهبهم يسند إلى واصل بن عطاء، و أنّ واصلاً يسند إلى محمّد بن عليّ بن أبي طالب و ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي، و أنّ محمّداً أخذ عن أبيه عليّ و أنّ علياً عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)

2 - كان واصل بن عطاء من أهل المدينة ربّاه محمّد بن عليّ بن أبي طالب و علّمه، و كان مع ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد في الكتاب، ثمّ صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، و حكي عن بعض السلف أنّه قيل له: كيف كان علم محمّد بن عليّ؟ فقال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره


1) . ذكر المعتزلة من مقالات الإسلاميين للبلخي: 68.

في واصل. ثمّ انتقل واصل إلى البصرة فلزم الحسن ابن أبي الحسن(1).

3 - و قال القاضي عبد الجبّار في «طبقات المعتزلة»: «و أخذ واصل العلم عن محمّد بن الحنفيّة و كان خالاً لأبي هاشم و كان يلازم مجلس الحسن»(2).

و ما ذكره القاضي لا ينطبق على الحقيقة، فإنّ واصل بن عطاء الغزّال ولد بالمدينة سنة ثمانين، و قد مات محمّد بن الحنفيّة عام 80 أو 81، فلا يصحّ أخذ العلم منه، و الصحيح أن يقال أخذ واصل العلم من أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة، و قد نقل المحقّق أنّ في حاشية الأصل «من أبي هاشم».

و الصحيح ما في عبارته التالية، قال:

4 - و قال: «إنّ أبا الهذيل قد أخذ هذا العلم عن عثمان الطويل، و أخذ هو عن واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد، و أخذ واصل و عمرو عن أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة، و أخذ أبو هاشم عن أبيه محمّد بن الحنفيّة، و أخذ محمّد عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أخذ عليّ عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم»(3).

و قد تنبّه الشريف المرتضى لما ذكرنا. قال: «و ذكر أبو الحسين الخيّاط أنّ واصلاً كان من أهل مدينة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و مولده سنة ثمانين و مات سنة إحدى و ثلاثين و مائة. و كان واصل ممّن لقى أبا هاشم عبد اللّه بن محمّد بن


1) . ذكر المعتزلة للكعبي: 64.

2) . طبقات المعتزلة: 234.

3) . المصدر نفسه: 164.

الحنفيّة و صحبه، و أخذ عنه. و قال قوم: إنّه لقى أباه محمّداً و ذلك غلط، لأنّ محمّداً توفّي سنة ثمانين أو إحدى و ثمانين و واصل ولد في سنة ثمانين»(1).

5 - و قال القاضي أيضاً: «فأمّا أبو هاشم عبد اللّه بن محمّد بن عليّ، فلو لم يظهر علمه و فضله إلّا بما ظهر عن واصل بن عطاء لكفى، و كان يأخذ العلم عن أبيه.

فكان واصل بما أظهر بمنزلة كتاب مصنّفه أبو هاشم، و ذكر قوله فيه. و كذلك أخوه، فإنّ غيلان يقال إنّه أخذ العلم من الحسن بن محمّد بن الحنفيّة أخي أبي هاشم»(2).

6 - و قال الشهرستاني: «يقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفيّة»(3).

7 - و قال ابن المرتضى: «و سند المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق، إذ يتّصل إلى واصل و عمرو اتّصالاً شاهراً ظاهراً.

و هما أخذا عن محمّد بن علي بن أبي طالب و ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، و محمّد هو الذي ربّى واصلاً و علّمه حتّى تخرّج و استحكم. و محمّد أخذ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم».


1) . أمالي المرتضى: 164/1-165.

2) . طبقات المعتزلة: 226.

3) . الملل و النحل: 49/1.

8 - و قال أيضاً: «و من أولاد عليّ عليه السلام أبو هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفيّة و هو الّذي أخذ عنه واصل و كان معه في المكتب فأخذ عنه و عن أبيه، و كذلك أخوه الحسن بن محمّد أُستاذ غيلان و يميل إلى الإرجاء»(1).

9 - و قال ابن أبي الحديد: «إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم و معلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم و من كلامه (عليّ عليه السلام) اقتبس و عنه نقل، و منه ابتدأ و إليه انتهى. فإنّ المعتزلة - الّذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر، و منهم تعلّم الناس هذا الفنّ - تلامذته و أصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفيّة. و أبو هاشم تلميذ أبيه، و أبوه تلميذه عليه السلام»(2).

10 - و قال المرتضى في أماليه: «اعلم أنّ أُصول التوحيد و العدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين - صلوات اللّٰه عليه - و خطبه، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه و لا غاية وراءه، و من تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في تصنيفه و جمعه، إنّما هو تفصيل لتلك الجمل و شرح لتلك الأُصول، و روي عن الأئمّة (من أبنائه عليهم السلام) من ذلك ما يكاد لا يحاط به كثرة، و من أحبّ الوقوف عليه و طلبه


1) . المنية و الأمل: 5-6 و ص 11.

2) . الشرح الحديدي: 17/1.

من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الّذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة، و نتاج للعقول العقيمة»(1).

11 - و قال القاضي عبد الجبّار: «و هذا المذهب - أعني: صاحب الكبيرة لا يكون مؤمناً و لا كافراً و لا منافقاً بل يكون فاسقاً - أخذه واصل بن عطاء عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفيّة و كان من أصحابه»(2).

12 - و قال الدكتور حسن إبراهيم حسن: «فقد نسبت المعتزلة عقائدها إلى عليّ بن أبي طالب، و قلّما نجد كتاباً من كتبهم و على الأخصّ كتب المتأخّرين منهم إلّا ادّعوا فيه أنّهُ ليس ثمّة مؤسّس لمذهب الاعتزال و علم الكلام غير الإمام عليّ عليه السلام»(3).

13 - يقول محقّق كتاب شرح الأُصول الخمسة: «و يؤكّد المعتزلة أنّهم تلقّوا هذه الأُصول عن الرسول - عليه الصلاة و السلام - و يذكرون سندهم في ذلك و نحن نثبت فيما يلي هذا السند - كما على أوّل ورقة من شرح الأُصول(4)- تعليق الفرزاذي.

يقول: أخذ هذه الأُصول من الفقيه الإمام الأوحد نجم الدين أحمد بن أبي الحسين الكني، و هو عن الفقيه الإمام الأجلّ محمّد بن أحمد الفرزاذي،


1) . أمالي المرتضى: 148/1.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 138.

3) . تاريخ الإسلام: 156/2، الطبعة السابعة.

4) . النسخة المخطوطة.

و هو عن عمّه الشيخ السعيد البارع إسماعيل بن عليّ الفرزاذي، و هو عن محمّد بن مزدك، و هو عن أبي محمّد بن متّويه، و هو عن الشيخ أبي رشيد النيسابوري، و هو عن قاضي القضاة عماد الدين عبد الجبار بن أحمد - رحمه اللّٰه - و هو عن الشيخ المرشد أبي عبد اللّه البصري، و هو عن الشيخ أبي علي ابن خلّاد، و هو عن الشيخ أبي هاشم، و هو عن أبيه الشيخ أبي علي الجبائي، و هو عن أبي يعقوب الشحّام، و هو عن عثمان الطويل، و هو عن الشيخ أبي الهذيل، و هو عن واصل بن عطاء، و هو عن أبي هاشم(1)محمّد بن الحنفية، و هو عن أبيه أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، و هو عن خير الأوّلين و الآخرين و خاتم النبيّين محمد المصطفى - صلوات اللّٰه عليه - و هو عن جبرئيل عليه السلام، و هو عن اللّٰه تعالى و ليس لأحد من أرباب المذاهب مثل هذا الإسناد.(2)

أ فبعد هذه التصريحات يبقى شكّ في أنّ المعتزلة في أُصولهم عالة لعلوم أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

و سيوافيك التصريح من القاضي عبد الجبّار أنّ أُصول الاعتزال ترجع إلى أصلين: التوحيد و العدل، و أمّا الأُصول الثلاثة فهي داخلة تحت الأصلين، و قد عرفت أنّ المعتزلة أخذت الأصلين من أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

14 - و قال أبو سعيد بن نشوان الحميري (المتوفّى 573 ه) إنّ لمذهب المعتزلة أسانيد تتصل بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم و ليس لأحد من فرق الأُمّة مثلهم، و لا


1) . و في العبارة سقط و الصحيح: «عبد اللّه بن محمد عن أبيه».

2) . مقدمة شرح الأُصول الخمسة: 24.

يمكن لخصومهم دفعه، و ذلك ان مذهبهم مستند إلى واصل بن عطاء، و أنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب و هو ابن الحنفية، و إلى ابنه أبي هاشم عبد اللّٰه بن محمد بن علي، و أنّ محمداً يسند إلى أبيه علي بن أبي طالب - رضي اللّٰه عنه - و إن علياً يسند إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم(1).

15 - و قال ابن المرتضى: و سند مذهبهم أصح أسانيد أهل القبلة إذ يتصل إلى واصل و عمرو...، عن عبد اللّٰه بن محمد، عن أبيه محمد بن علي بن الحنفية، عن أبيه علي عليه السلام، عنه صلى الله عليه و آله و سلم، و ما ينطق عن الهوى.(2)

«كَلاّٰ إِنَّهٰا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شٰاءَ ذَكَرَهُ».


1) . الحور العين: 206.

2) . البحر الزخار 44:1.

الفصل الثالث: الشيعة و المعتزلة أيّتهما أصل للآخر

اشارة

إنّ بعض المتسرِّعين من الكتّاب المتأخّرين كأحمد أمين المصريّ و من حذا حذوه، يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في الأُصول و العقائد من المعتزلة، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد و العدل، و إنكار الرؤية و إثبات الحسن و القبح العقليين، و قدرة العبد و اختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

نظريّة أحمد أمين و مناقشتها

يقول أحمد أمين: «و لقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب أُصول المعتزلة إلّا في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة، و لكن أيّهما أخذ من الآخر؟

أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم، و أنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفر الصادق عليه السلام، و إنّي أُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة

تعاليمهم، و نشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك».

استدلّ أحمد أمين على ما يرتئيه بأنّ زيد بن عليّ زعيم الفرقة الشيعيّة الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء.

و كان جعفر الصادق عليه السلام يتّصل بعمّه زيد. و يقول أبو الفرج في «مقاتل الطالبيّين»: «كان جعفر بن محمّد يمسك لزيد بن عليّ بالركاب، و يسوي ثيابه على السرج» فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني و غيره من تتلمذ زيد لواصل، فلا يعقل كثيراً أن يتتلمذ واصل لجعفر، و كثير من المعتزلة كان يتشيّع، فالظّاهر أنّه عن طريق هؤلاء تسرّبت اُصول المعتزلة إلى الشيعة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا أُصولهم من أبي هاشم ابن محمّد الحنفيّة، و أخذ هو عن أبيه محمّد، و هو أخذ من عليّ بن أبي طالب، و مع هذا التنصيص من نفس المعتزلة فما معنى هذا الاجتهاد؟!

ترى ابن المرتضى يعدّ عليّاً من الطبقة الأُولى للمعتزلة، كما يعدّ الحسنين اللّذين اشتهر منهما القول بالتوحيد و العدل من الطبقة الثانية. و هكذا يذكر عدّة من علماء أهل البيت كالنفس الزكيّة و غيره من الطبقة الثالثة. و قد نقل في كتابه هذا كلمات أئمّة أهل البيت و علمائهم في الأُصول و العقائد(2).


1) . ضحى الاسلام: 267/3-268، الطبعة الثالثة.

2) . المنية و الأمل: 7-10.

و مع هذا كيف يصحّ أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة؟!

و نظير ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي في «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة»(1).

أ فبعد هذا التنصيص منهم يصحّ الاجتهاد في مقابل النصّ؟!

و أمّا ما استند إليه أحمد أمين، فالحقّ أنّه لم يثبت أوّلاً تتلمذ واصل للإمام الصادق عليه السلام حتّى يثبت قوله: إنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل و هو زيد، و لم يدّع أحد من المحقّقين تتلمذه للصادق. كما أنّه لم يثبت تتلمذ زيد بن عليّ لواصل.

و من سبر تأريخ أئمّة أهل البيت و ذرّيتهم الطيّبة وقف على أنّهم لم يدقّوا باب أحد من الناس، بل تلقّوا ما تلقّوه عن نفس الأئمّة، على أنّ زيد بن عليّ قد صلب عام 121 و له من العمر في ذلك الوقت 42. فيكون من مواليد عام 79 أو 80، و كان واصل من مواليد عام 80، فمن البعيد أن يكون وليد البيت العلويّ تلميذاً لمن هو أصغر منه سنّاً أو مثله، و قد عدّه الرجاليون من أصحاب أبيه عليّ السجاد عليه السلام (المتوفّى 94 ه) و أخيه الإمام الباقر عليه السلام (المتوفّى 114 ه) و الإمام الصادق عليه السلام الّذي استشهد زيد في حياته.


1) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 214.

نظريّة بعض المستشرقين و مناقشتها

اشارة

و هناك رجال آخرون قد وقعوا في نفس هذه الشبهة، و أرسلوها إرسال المسلّمات، إمّا مجرّدة عن الدليل أو مقرونة بتلفيقات غير منتجة. فمن الطائفة الأُولى المستشرق «آدم متز» يقول:

«لم يكن للشيعة حتّى ذلك الوقت (عام 334 ه) مذهب كلامي خاصّ بهم، فاقتبسوا عن المعتزلة أُصول الكلام و أساليبه... حتّى إنّ ابن بابويه أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتّبع في كتابه «العلل» طريقة علماء المعتزلة الّذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء - إلى أن قال -: إنّ الشيعة من حيث العقيدة و المذهب هم ورثة المعتزلة»(1).

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ ما ذكره يعرب عن قلّة اطّلاع المستشرق على الثقافة الشيعية، و عدم تعرّفه على المتكلمين البارزين فيهم قبل السنة المذكورة. و يكفي في ذلك مراجعة كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام» للسيد حسن الصدر ص 353-402. لقد كان للشيعة متكلّمون بارعون في الجدل و المناظرة في أبواب العقائد في القرون الثلاثة الأُول. و ها نحن نأتي بأسماء نماذج من أبرع متكلّمي الشيعة في القرن الثاني، و نترك البحث عن غيرهم من السابقين و اللاحقين إلى محلّه.


1) . الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع الهجري لآدم متز: 102/1.

1 - عيسى بن روضة

يعرّفه النجاشي بقوله: «عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلّماً جيّد الكلام، و له كتاب في الإمامة و قد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد، و ذكر أنّه رأى الكتاب، و قال بعض أصحابنا رحمهم اللّٰه: إنّه رأى هذا الكتاب. و قرأت في بعض الكتب أنّ المنصور لما كان بالحيرة تسمّع على عيسى بن روضة و كان مولاه و هو يتكلّم في الإمامة فأُعجب به و استجاد كلامه».(1)

2 - علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار البغداديّ‌

يقول ابن النديم: «أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة: علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار، و ميثم من جلّة أصحاب عليّ عليه السلام و لعليّ من الكتب كتاب الإمامة و كتاب الاستحقاق».(2)

و قال النجاشي: «عليّ بن إسماعيل... كوفيّ سكن البصرة، و كان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل و النظام، له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة... و كتاب مجالس هشام بن الحكم».(3)


1) . رجال النجاشي: رقم الترجمة 796.

2) . فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة، ص 223.

3) . رجال النجاشي: رقم الترجمة 661.

3 - أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الملقّب بمؤمن الطاق

قال النجاشي: «و أمّا منزلته في العلم و حسن الخاطر فأشهر...، و له كتاب افعل لا تفعل... كتاب كبير حسن... و له كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و كتاب كلامه على الخوارج و كتاب مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة.... الخ»(1).

و قال ابن النديم: «كان حسن الاعتقاد و الهدى، حاذقاً في صناعة الكلام، سريع الحاضر و الجواب، و له مع أبي حنيفة مناظرات. ثمّ ذكر مناظرته مع أبي حنيفة في المتعة و الرجعة»(2).

4 - هشام بن الحكم

يقول ابن النديم: «هو من جلّة أصحاب أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام و هو من متكلّمي الشيعة الإماميّة و بطائنهم و هو الّذي فتق الكلام في الإمامة، و هذّب المذهب، و سهّل طريق الحجاج فيه، و كان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. و كان أوّلاً من أصحاب الجهم بن


1) . رجال النجاشي: رقم الترجمة 886.

2) . فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة، ص 264.

صفوان، ثمّ انتقل إلى القول بالإمامة بالدلائل و النظر»(1).

يقول أحمد أمين: «أمّا هشام بن الحكم فيظهر أنّه أكبر شخصيّة شيعيّة في علم الكلام... جدلاً، قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه، و نقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته و قوة حجّته قد ناظر أبا الهذيل العلّاف المعتزلي»(2).

أ فبعد هذه الشخصيات البارزة(3)في علم الكلام يصحّ قول هذا المستشرق الحاقد إنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصّ بهم؟

و ثانياً: إنّ الاستدلال على تأثّر الشيعة بالمعتزلة بتأليف الشيخ الصدوق «علل الشرائع» على غرار كتب المعتزلة الّذين يبحثون عن علل كلّ شيء، يكشف عن أنّ المستشرق لم يرجع إلى نفس الكتاب رجوعاً دقيقاً، فإنّ الكتاب فسّر علل الشرائع و الأحكام، بالأحاديث المرويّة عن النّبيّ و الوصيّ و الأئمّة من بعدهما عليهم السلام و ليس الكتاب تفسيراً للأحكام من نفس المؤلّف حتّى يقال إنّه ألّفه على غرار كتب المعتزلة.

و ثالثاً: أنّ المناظرات الّتي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر عليه السلام إلى العصر الّذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتّفق مع المعتزلة من لدن تكوّن


1) . نفس المصدر.

2) . ضحى الاسلام: 268/3.

3) . هذا قليل من كثير و قد جئنا بأسماء لفيف من متكلمي الشيعة في القرون الثلاثة في رسالتنا «الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة».

المذهبين، و من أراد الوقوف على تلك المساجلات فعليه الرجوع إلى المصادر(1).

و هذا محمّد بن عبد الرحمن بن قبة (المتوفّى قبل سنة 317 ه) له كتاب الردّ على الجبّائي. و نقل النّجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي، أنّه قال: «مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا عليه السلام بطوس فسلّمت عليه و كان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالإنصاف فوقف عليه و نقضه ب «المسترشد في الإمامة»، فعدت إلى الريّ فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه ب «المستثبت في الإمامة»، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه ب «نقض المستثبت»، فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات رحمه الله»(2).

و هذا الحسن بن موسى النوبختي من أكابر متكلّمي الشيعة له ردود على المعتزلة:

1 - الردّ على الجبّائي.

2 - الرد على أبي الهذيل العلّاف في أنّ نعيم الجنّة منقطع.

3 - النقض على أبي الهذيل في المعرفة.


1) . لاحظ: الفصول المختارة من العيون و المحاسن، للشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه)، و كنز الفوائد للعلامة الكراجكي (المتوفّى 449 ه) و مناظرات هشام و مؤمن الطاق و غيرهم الواردة في بحار الأنوار.

2) . رجال النجاشي: رقم 1023.

4 - النقض على جعفر بن حرب.

5 - الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين(1).

و قد قام الشيخ المفيد (336-413 ه) بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم.

1 - الردّ على الجاحظ العثمانية.

2 - نقض المروانيّة له أيضاً.

3 - نقض فضيلة المعتزلة له أيضاً.

4 - النقض على ابن عبّاد في الإمامة.

5 - النقض على عليّ بن عيسى الرماني.

6 - النقض على أبي عبد اللّه البصري في المتعة.

7 - نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي.

8 - نقض الإمامة على جعفر بن حرب.

9 - الكلام على الجبائي في المعدوم.

10 - نقض كتاب الأصمّ في الإمامة.

11 - كتاب الردّ على الجبّائي في التفسير.

12 - عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من كتبه حول الإمامة الّتي أكثر ردودها على ما ألّفته المعتزلة في هذا المجال(2).


1) . رجال النجاشي: رقم 146.

2) . رجال النجاشي: رقم 1067.

كما أنّ تلميذه السيّد المرتضى (355-436 ه) نقض بعض كتب المعتزلة، فألّف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 ه)(1).

كلّ ذلك يعرّف موقف الطائفتين في المسائل الكلاميّة و أنّهما و إن اجتمعتا في مسائل، اختلفتا في مسائل كثيرة أُخرى.

نظرية مؤلف كتاب «المعتزلة» و مناقشتها

اشارة

إنّ هنا وجوهاً أُخر لفّقها مؤلف كتاب «المعتزلة» تبعاً لأحمد أمين ربّما يستظهر منها عيلولة الشيعة في العقائد على المعتزلة و إليك تحليلها:

1 - إنّ المقدسي نظر في كتب الفاطميّين الشيعة في شمال إفريقيا فوجد أنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأُصول.(2)

يلاحظ عليه: أنّ موافقة الشيعة للمعتزلة في القول بالتوحيد و العدل لا يدلّ على أنّ الشيعة أخذتهما من المعتزلة، لما عرفت من أنّ الفريقين في القول بهما عيال على خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

نعم، إنّ المعتزلة بعد النكبة و طرق النّكسة في حياتهم لجئوا الى أُمراء آل بويه في أوائل القرن الرابع لما وجدوا فيهم من سعة الصدر، و استعادوا


1) . المصدر نفسه: رقم 708.

2) . يأتي سائر الوجوه ص 289 فانتظر.

في ظلّ حكمهم شيئاً من القوّة و السيطرة، و لعلّنا نتحدّث عنه في محلّه، و لم تكن تلك الأُلفة موجودة قبل النكبة. كيف و من قرأ تأريخ المعتزلة يقف على أنّهم كانوا خصماء الشيعة في العصور السابقة، فكانت الطائفتان تتصارعان صراع الأقران و ربّما يقتتلان قتال موت و حياة، فكيف يمكن أنّ تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدهم؟! فمن نسب ذلك إلى الشيعة فقد جهل تأريخ علم الكلام. فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال؟ فهما و إنّ كانا يشتركان في التوحيد و العدل و نفى الرؤية و التجسيم و القول بالتحسين و التقبيح العقليّين، و لكن يفترقان أنّ في كثير من الأُصول و تكفي في ذلك المراجعة لكتاب «أوائل المقالات»(1)للشيخ المفيد، فقد عنون فيه بعض الفوارق الموجودة بين عقيدة الشيعة و سائر الفرق و منهم المعتزلة.

الفوارق الفكرية بين الشيعة و المعتزلة
اشارة

إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات و مفترقات، و قد تعرفت على قسم من المشتركات، فها نحن نلمح إلى الفوارق بينهما، الّتي جعلهما منهجين كلاميين مختلفين لكلٍّ ميزة و خصوصيّة، و إليك رءوسها على وجهه الإجمال:


1) . أوائل المقالات: 8-16.

1 - عينية الصفات مع الذات:

اتفقت الطائفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات، بمعنى أنّ تكون هناك ذات، و صفة وراءها، كما في الممكنات فإنّ الإنسان له ذات و له علم و قدرة، هذا ممّا اتّفقتا عليه، و لكنّهما اختلفتا في تفسير ذلك، فالشيعة الإمامية ذهبت إلى أنّ الوجود في مقام الواجب بالغ من الكمال على حدّ يعد نفس العلم و القدرة، و كون الصفة في الموجودات الإمكانية زائداً على الذات لا يكون دليلاً على الضابطة الكلية حتى في مقام الواجب بل الموصوف هناك لأجل الكمال المفرط نفس الصفة، و لا مانع من كون العلم في درجة، قائماً بالذات، و في أُخرى نفس الذات، و ما هذا إلّا لأنّ زيادة الوصف على الذات توجب حاجتها إلى شيء وراءها، و هو ينافي وجوب الوجود و الغناء المطلق. هذه هي نظرية الشيعة مقرونة بالدليل الإجمالي، و قد اقتفوا في ذلك ما رسمه علي عليه السلام فقال: «و كمال الإخلاص له نفي الصفات (الزائدة) عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كل موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّٰه (بوصف زائد على ذاته) فقد قرنه (قرن ذاته بشيء غيرها) و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله».(1)

و قال الإمام الصادق: «لم يزل اللّٰه جلّ و عزّ، ربّنا و العلم ذاته، و لا


1) . نهج البلاغة: الخطبة (1).

معلوم، و السمع ذاته، و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور».(1)

هذا ما لدى الشيعة، و أمّا المعتزلة فقد اضطرب كلامهم في المقام، فالقول المشهور عندهم هي نظرية نيابة الذات عن الصفات، من دون أنّ تكون هناك صفة، و ذلك لأنّهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين:

1 - لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم، وجب الاعتراف بالتعدّد و الاثنينية، لأنّ واقع الصفات هو المغايرة للموصوف.

2 - إنّ نفي العلم و القدرة و سائر الصفات الكمالية يستلزم النقص في ذاته أولاً و يكذبه اتقان آثاره و أفعاله ثانياً.

فالمخلَص و المفرّ من هذين المحذورين يتلخّص عندهم في انتخاب نظرية النيابة، و هي القول بأنّ الذات نائبة مناب الصفات، و إن لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذات، فما يترقب من الذات المقرونة بالصفة، يترتب على تلك الذات النائبة مقامها، هذا هو المشهور عن المعتزلة و إليك نصّ كلام عباد بن سليمان في ذلك المجال قال: «هو عالم قادر، حيّ، و لا أثبت له علماً، و لا قدرةً، و لا حياةً، و لا أثبت سمعاً، و لا أثبت بصراً و أقول هو عالم لا بعلم، قادر لا بقدرة، حيّ لا بحياة، و سميع لا بسمع،


1) . توحيد الصدوق: 139.

و كذلك سائر ما يسمّى من الأسماء الّتي يسمّى بها».(1)

يلاحظ عليه: أنّ نظرية النيابة المشهورة عن المعتزلة، مبنية على تخيّل كون الشيء وصفاً ملازم للزيادة دائماً، فوقعوا بين المحذورين و تخلّصوا بالنيابة، و من المعلوم أنّ مرجع النيابة إلى خلو الذات عن الكمال أوّلاً، و كون الذات الفاقدة للعلم، نائبة عن الذات المقرونة بها أشبه باللغز.

نعم، بعض المعتزلة كأبي هذيل العلاف (130-235 ه) ذهب إلى نفس ما ذهب الشيعة إليه، و قد ذكرنا كلامه في الجزء الثاني(2).

2 - إحباط الأعمال الصالحة بالطالحة

الإحباط في عرف المتكلّمين عبارة عن بطلان الحسنة، و عدم ترتّب ما يتوقع منها عليها، و يقابله التكفير و هو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة، و المعروف عن الإماميّة و الأشاعرة هو أنّه لا تحابط بين المعاصي و الطاعات و الثواب و العقاب، و المعروف من المعتزلة هو التحابط(3)، ثمّ إنّهم اختلفوا في كيفيته.

فمنهم من قال: من أن الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة


1) . مقالات الإسلاميين: 335/1.

2) . لاحظ بحوث في الملل و النحل: 111/2، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه، نقلا عن شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 183، و مقالات الإسلاميين: 225.

3) . أوائل المقالات: 57. و سيوافيك نصوص المعتزلة في محلها.

و تمحوها بالكلية من دون أنّ يكون لها تأثير في تقليل الإساءة و هو المحكي عن أبي علي الجبائي.

و منهم من قال: بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة، و لكنّه يقلل في تأثير الإساءة فينقص الإحسان من الإساءة فيجزي العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، و هو المنسوب إلى أبي هاشم.

و منهم من قال: إنّ الإساءة المتأخّرة تحبط جميع الطاعات و إن كانت الإساءة أقل منها، حتى قيل: إنّ الجمهور من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ الكبيرة الواحدة، تحبط ثواب جميع العبادات.(1)

هذا على قول المعتزلة. و أمّا على قول نفاة الإحباط فالمطيع و العاصي يستحق الثواب و العقاب معاً فيعاقب مدّة ثمّ يخرج من النار فيثاب بالجنّة.

نعم، ثبت الإحباط في موارد نادرة، كالارتداد بعد الإسلام، و الشرك المقارن للعمل، و الصدّ عن سبيل اللّٰه، و مجادلة الرسول و مشاقّته، و قتل الأنبياء، و قتل الآمرين بالقسط، و إساءة الأدب مع النبي، و النفاق، و غير ذلك ممّا شرحناه في الإلهيات(2).


1) . شرح المقاصد: 232/2؛ شرح الأُصول الخمسة: 625.

2) . الإلهيات: 870/1-874.

3 - خلود مرتكب الكبيرة في النار

اتّفقت الإماميّة على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصّة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة باللّٰه تعالى و الإقرار بفرائضه من أهل الصلات، و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، و زعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عامّ في الكفّار و جميع فساق أهل الصلاة.

و يظهر من العلّامة الحلي أنّ الخلود ليس هو مذهب جميع المعتزلة حيث قال: أجمع المسلمون كافة على أنّ عذاب الكافر مؤبّد لا ينقطع، و أمّا أصحاب الكبائر من المسلمين، فالوعيدية على أنّه كذلك. و ذهبت الإماميّة و طائفة كثيرة من المعتزلة و الأشاعره إلى أنّ عذابه منقطع.(1)

و الظاهر من القاضي عبد الجبار هو الخلود، و استدل بقوله سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا»(2). فاللّٰه تعالى أخبر أنّ العصاة يعذّبون بالنار و يخلدون فيها، و العاصي اسم يتناول الفاسق و الكافر جميعاً فيجب حمله عليهما، لأنّه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبيّنه فلمّا لم يبيّنه دلّ على ما ذكرناه.


1) . كشف المراد: 265.

2) . النساء: 14.

فإن قيل: إنّما أراد اللّٰه تعالى بالآية الكافر دون الفاسق، أ لا ترى إلى قوله تعالى: «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ»، و ذلك لا يتصوّر إلّا في الكفرة و إلّا فالفاسق لا يتعدى حدود اللّٰه تعالى أجمع. ثمّ أجاب عنه، فلاحظ كلامه(1).

4 - لزوم العمل بالوعيد و عدمه

المشهور عن المعتزلة أنّهم لا يجوّزون العفو عن المسيء لاستلزامه الخلف، و أنّه يجب العمل بالوعيد كالعمل بالوعد، و الظاهر من القاضي أنّها نظرية البغداديين من المعتزلة قال: اعلم أنّ البغدادية من أصحابنا أوجبت على اللّٰه أنّ يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محال، و قالت: لا يجوز أنّ يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لا يجب إلا من حيث الجود، و ليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله بكل حال.(2)

و ذهبت الإماميّة إلى جواز العفو عن المسيء إذا مات بلا توبة، و استدلّ الشريف المرتضى بقوله سبحانه: «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ اَلْمَثُلاٰتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّٰاسِ عَلىٰ ظُلْمِهِمْ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ اَلْعِقٰابِ»(3). و قال: في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع


1) . شرح الأُصول الخمسة: 675.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 644.

3) . الرعد: 6.

كونهم ظالمين، لأنّ قوله: «عَلىٰ ظُلْمِهِمْ» جملة حالية إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، و يجري ذلك مجرى قول القائل:

«أنا أودّ فلاناً على غدره (و) و أصله على هجره»(1).

و قد أوضحنا الحال في دلالة الآية و أجبنا عن إشكال القاضي على دلالتها في الإلهيات(2).

5 - الشفاعة حطّ الذنوب أو ترفيع الدرجة:

لما ذهبت المعتزلة إلى خلود مرتكب الكبيرة في النار، و إلى لزوم العمل بالوعيد، و رأت أنّ آيات الشفاعة تضاد تلك الفكرة، التجأت إلى تفسيرها بغير ما هو المعروف و المتبادر منها، فقالوا: إنّ شفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق و لم يتوبوا تتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير و ترصّد للآخر حتى يقتله، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا(3).

فالشفاعة عندهم عبارة عن ترفيع الدرجة، فخصوها بالتائبين من المؤمنين و صار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الإنقاذ من العذاب أو الخروج منه، قال القاضي: إنّ فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع و الدلالة على منزلة من المشفوع(4).


1) . مجمع البيان: 287/3.

2) . الإلهيات: 910/1.

3) . شرح الأُصول الخمسة: 688.

4) . شرح الأُصول الخمسة: 689.

و أمّا عند الشيعة الإماميّة فهو عبارة عن إسقاط العذاب، قال الشيخ المفيد: اتفقت الإماميّة على أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته، و أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، و أنّ أئمة آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم يشفعون كذلك و ينجي اللّٰه بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، و وافقهم على شفاعة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم المرجئة سوى ابن شبيب و جماعة من أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعمت أنّ شفاعة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم للمطيعين دون العاصين و أنّه لا يشفع في مستحقي العقاب من الخلق أجمعين(1).

6 - مرتكب الكبيرة لا مؤمن و لا كافر

إنّ مقترف الكبيرة عند الشيعة و الأشاعرة مؤمن فاسق خرج عن طاعة اللّٰه. و هو عند الخوارج، كافر كفر ملة عند جميع فرقهم إلّا الإباضية فهو عندهم كافر كفر النعمة، و أمّا المعتزلة فهو عندهم في منزلة بين المنزلتين قال القاضي: إنّ صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، و حكم بين الحكمين لا يكون اسمه اسم الكافر، و لا اسمه اسم المؤمن فلا يكون حكمه حكم الكافر و لا حكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث. و هذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، قال:

صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان(2).


1) . أوائل المقالات: 14-15.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 697.

و هذا أحد الأُصول الخمسة الّتي عليها يدور رحى الاعتزال و من أنكر واحداً منها فليس بمعتزلي(1).

7 - النسخ جائزٌ و البداء ممتنع عند المعتزلة

اتفق المسلمون على جواز النسخ خلافاً لليهود، و اختلفوا في البداء حيث ذهبت الشيعة إلى إمكانه و وقوعه، خلافاً لغيرهم فقالوا بالامتناع.

ثمّ إنّ الّذي صار سبباً للتفريق عند القاضي هو أنّه اشترط في النسخ أُموراً أهمها: أنّ النسخ لا يتعلّق بعين ما كان ثابتاً، بل يتعلّق بمثل ما كان ثابتاً أشار إليها بقوله: النسخ إزالة مثل الحكم الثابت بدلالة شرعية، بدليل آخر شرعي على وجه لولاه لثبت، و لم يزل مع تراخيه عنه.

قال: فاعتبرنا أنّ يكون إزالة مثل الحكم الثابت، لأنّه لو زال عين ما كان ثابتاً من قبل لم يكن نسخاً بل كان نقضاً، و هذا بخلاف البداء فإنه يتعلّق بعين ما كان ثابتاً. و مثاله أنّ يقول أحدنا لغلامه: إذا زالت الشمس و دخلت السوق فاشتر اللحم. ثمّ يقول له: إذا زالت الشمس و دخلت السوق فلا تشتر اللحم، و هذا هو البداء و إنما سمّي به لأنه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خافياً عليه من قبل(2).

و قال أيضاً: الّذي يدل على البداء، أن يأمر اللّٰه جلّ و عزّ بنفس ما نهى


1) . الانتصار للخياط: 126؛ مروج الذهب: 222/3.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 584، 585.

عنه في وقت واحد على وجه واحد، و هذا محال لا نجيزه البتة(1).

نحن لا نحوم حول البداء و ما هو الفرق بينه و بين النسخ، فقد أشبعنا الكلام فيه في بحوثنا الكلامية(2). غير أنّ الّذي يتوجّه على كلام القاضي أنّ ما أحاله هو أيضاً من أقسام النسج لا من أقسام البداء المصطلح فإنه على قسمين:

1 - النسخ بعد حضور وقت العمل.

2 - النسخ قبل حضور وقت العمل.

و الّذي أحاله هو القسم الثاني، و أمّا الوجه الّذي اعتمد عليه فموهون بأنّه ربّما تترتّب المصلحة على نفس إنشاء الحكم و إن لم يكن العمل به مراداً جدياً كما هو الحال في أمر إبراهيم بذبح ولده، و الأوامر الامتحانية كلّها من هذا القبيل، فإذا شوهد من الإنسان القيام بمقدّمات الواجب، ينسخ الحكم، و على كل تقدير فما سماه بداء، ليس هو محل النزاع بين الإماميّة و غيرهم.

و البداء عندهم عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة و هو شيء اتفق عليه المسلمون، و ورد به النص في القرآن و السنّة.

هذه هي حقيقة البداء في عالم الثبوت، و له أثر في عالم الإثبات و هو أنّه ربّما يقف النبي على مقتضي المصير و لا يقف على ما يغيره، فيخبر به


1) . رسائل العدل و التوحيد 1، رسالة القاضي عبد الجبار: 241.

2) . لاحظ الالهيات: 565/1.

على حسب العلم بالمقتضي و لكن لا يتحقّق لأجل تحقّق ما يغيّره، فيقال هنا: بدا للّٰه و المقصود بداء من اللّٰه للعباد، كما هو الحال في إخبار يونس عن تعذيب القوم و غير ذلك، و قد وردت جملة «بدا للّٰه» في صحيح البخاري(1).

قال الشيخ المفيد: أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ و أمثاله من الإفقار بعد الإغناء، و الإمراض بعد الإعفاء، و ما يذهب إليه أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال، و أمّا إطلاق لفظ البداء، فإنّما صرت إليه لأجل السمع الوارد عن الوسائط بين العباد و بين اللّٰه - عزّ و جلّ - و ليس بيني و بين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، و إنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه.(2)

و هذا يعرب عن أنّ القوم لم يقفوا على مصطلح الإماميّة في البداء و إلّا لأصفقوا على جوازه.

8 - الواسطة بين الوجود و العدم

اتفق المفكرون من الفلاسفة و المتكلمين على أنه لا واسطة بين الوجود و العدم كما لا واسطة بين الموجود و العدم، و إنّ الماهيات قبل اتصافها بالوجود معدومات حقيقة، غير أنّ المعتزلة ذهبت إلى أنّها في حال


1) . البخاري: الصحيح: 172/4 باب حديث «أبرص و أعمى و أقرع في بني إسرائيل».

2) . أوائل المقالات: 53.

العدم غير موجودة و لا معدومة، بل متوسط بينهما، و هذا هو المعروف منهم بالقول بالأحوال.

قال الشيخ المفيد: المعدوم هو المنفي العين، الخارج عن صفة الموجود، و لا أقول: إنّه جسم و لا جوهر و لا عرض، و لا شيء على الحقيقة، و إن سميته بشيء من هذه الأسماء، فإنّما تسميه به مجازا. و هذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة و أصحاب المخلوق (كذا)، و البلخي يزعم أنّه شيء و لا يسميه بجسم و لا جوهر و لا عرض، و الجبائي و ابنه يزعمان أنّ المعدوم شيء و جوهر و عرض، و الخياط يزعم أنّه شيء و عرض و جسم.(1)

و بما أنّه المسألة واضحة جداً لا نحوم حولها.

9 - التفويض في الأفعال

ذهبت المعتزلة إلّا من شذّ كالنجار و أبي الحسين البصري(2)إلى أنّ أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب(3)بل باختيار.


1) . أوائل المقالات: 79.

2) . لاحظ حاشية شرح المواقف لعبد الكريم السيالكوتي: 146/2.

3) . و لعل قولهم: «بلا إيجاب» إشارة إلى أنّ الفعل حال الصدور لا يوصف بالوجوب أيضاً. و القاعدة الفلسفية: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» غير مقبولة عندهم.

قال القاضي: أفعل العباد لا يجوز أنّ توصف بأنها من اللّٰه تعالى و من عنده و من قبله...(1).

قال السيد الشريف إنّ المعتزلة استدلوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد و هو أنّه لو لا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار، لبطل التكليف و بطل التأديب الّذي ورد به الشرع و ارتفع المدح و الذم، إذ ليس للفعل استناد إلى العبد أصلاً، و لم يبق للبعثة فائدة لأن العباد ليسوا موحدين أفعالهم، فمن أين لهم استحقاق الثواب و العقاب(2).

ثمّ إنّ نظريتهم في استقلال العبد في الفعل مبنية على مسألة فلسفية و هو أنّ حاجة الممكن إلى العلّة تنحصر في حدوثه، لا فيه و في بقائه، و على ضوء ذلك قالوا باستقلال العبد في مقام الإيجاد.

و المبنى و البناء كلاهما باطلان. أمّا الافتقار حدوثاً فقط، فهو لا يجتمع مع كون الإمكان من لوازم الماهية، و هي محفوظة حدوثاً و بقاء، فكيف يجوز الغناء عن الفاعل بقاء؟!

قال الحكيم الشيخ محمد حسين الأصفهاني:

و الافتقار لازم الإمكان *** من دون حاجة إلى البرهان


1) . شرح الأُصول الخمسة: 778، و في ذيله ما ربّما يوهم خلاف ما هو المشهور عنهم.

2) . شرح المواقف: 156/8.

لا فرق ما بين الحدوث و البقاء *** في لازم الذات و لن يفترقا

هذا كلّه حول المبنى و أمّا البناء فيكفي في التخلص عن الجبر استناد الفعل إلى الفاعل و الخالق معاً، لكن يكون قدرة المخلوق في طول قدرة الخالق، و منشعبة عنها، و هذا يكفي في الاستناد و صحّة الأمر و النهي و التأديب و التثويب، فالجبر و التفويض باطلان، و الأمر بين الأمرين هو الحق الصراح، و قد تواتر عن أئمة أهل البيت قولهم: «لا جبر و لا تفويض لكن أمر بين الأمرين».(1)

ثمّ إنّ الدافع إلى القول بالتفويض هو صيانة عدله سبحانه فزعموا أنّ الصيانة لها رهن القول بالتفويض و استقلال العبد بالفعل، و غفلوا عن أنّ هناك طريقاً آخر، و هو ما ذهبت إليه الإماميّة، ثمّ إنّهم و إن نزّهوا العبد عن الظلم و لكن صوّروا له شريكاً في الإيجاد، و لأجل ذلك قال الإمام الرضا عليه السلام:

«مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا اللّٰه - عزّ و جلّ - بعدله، فأخرجوه من قدرته و سلطانه.(2)


1) . توحيد الصدوق: 362، الحديث 8، و لاحظ الأحاديث الأُخرى.

2) . نفس المصدر: 54، الحديث 93.

10 - قبول التوبة واجب على اللّٰه أو تفضّل منه؟

اتّفق المسلمون على أنّ التوبة تسقط العقاب، و إنّما الخلاف في أنّه هل يجب على اللّٰه قبولها فلو عاقب بعد التوبة كان ظالماً، أو هو تفضّل منه سبحانه؟ فالمعتزلة على الأوّل، و الأشاعرة و الإماميّة على الثاني(1).

قال المفيد:

«اتفقت الإماميّة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّٰه عزّ و جلّ، و ليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب، و لو لا أنّ السمع ورد بإسقاطها لجاز في العقول بقاء التائبين على شرط الاستحقاق، و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أنّ التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب.(2)

و لقد أحسن - قدّس اللّٰه سره - حيث جعل محور المسألة قبول التوبة و عدمه بما هو هو لا بلحاظ آخر كما في صورة الأخبار بقبول التوبة قال سبحانه: «يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ»(3). إذ عندئذ يجب قبول التوبة عقلاً و إلّا لزم الخلف في الوعد. قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: «إِلاَّ اَلَّذِينَ تٰابُوا


1) . لاحظ: شرح المقاصد: 242/2؛ كشف المراد: 268؛ شرح الأُصول الخمسة: 798.

2) . أوائل المقالات: 15.

3) . التوبة: 104.

وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ»(1). و وصفه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه و رحمة من جهته، على ما قاله أصحابنا، و أنّه غير واجب عقلاً على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة.(2)

و من أراد أنّ يقف على دلائل المعتزلة في المقام فليرجع إلى كشف المراد و شرح المقاصد.

11 - عصمة الأنبياء قبل البعثة و بعدها

اتفقت الإمامية على أنّ جميع أنبياء اللّٰه - صلوات اللّٰه عليهم أجمعين - معصومون من الكبائر قبل النبوة و بعدها، و ممّا يستخف فاعله من الصغائر و أما ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة و على غير تعمد و ممتنع منهم بعدها، على كل حال هذا مذهب جمهور الإمامية، و المعتزلة بأسرها تخالف فيه.(3)

و المقول عن أبي علي الجبائي التفصيل في الكبائر بين قبل البعثة و بعدها فيجوز في الأوّل دون الثاني، و المختار عند القاضي في الكبائر عدم الجواز مطلقاً، و أمّا المنفّرات فاتفقوا على عدم جوازه.(4)


1) . البقرة: 160.

2) . مجمع البيان: 242/1.

3) . أوائل المقالات: 30.

4) . شرح الأُصول الخمسة: 573.

12 - وجوب الأمر بالمعروف عقلاً و عدمه

اتفقت الأُمّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بلا استثناء غير أنهم اختلفوا في وجوبه عقلاً و سمعاً، أو سمعاً فقط، فالمعتزلة على الأوّل و الإماميّة على الثاني.

قال المفيد: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لا يعلم لديه إلّا بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبه الظن بذلك.(1)

ثمّ إنّ المحقق الطوسي ذكر في متن التجريد دلائل المعتزلة على وجوبهما عقلاً، ثمّ عقب عليها بنقد و تحليل(2).

13 - آباء رسول اللّٰه كلّهم موحّدون

اتفقت الإماميّة على أنّ آباء رسول اللّٰه من لدن آدم إلى عبد اللّٰه بن عبد المطلب مؤمنون باللّٰه عزّ و جلّ - موحّدون له، و خالفهم على هذا القول جميع الفرق(3).


1) . أوائل المقالات: 98. و بذلك يظهر وهن ما ذكره القاضي في شرح الأُصول الخمسة من نسبة عدم الوجوب على الإطلاق إلى الإماميّة. لاحظ ص 741.

2) . كشف المراد: 271.

3) . أوائل المقالات: 12.

14 - تفضيل الأنبياء على الملائكة

اتفقت الإماميّة على أنّ أنبياء اللّٰه عزّ و جلّ و رسله من البشر أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء و الرسل.(1)

15 - الرجعة: إمكانها و وقوعها

قضية الرجعة الّتي تحدثت عنها بعض الآيات القرآنية و الأحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة ممّا تعتقد به الشيعة من بين الأُمّة الإسلاميّة قال الشيخ المفيد: إنّ اللّٰه يحشر قوماً من أُمّة محمد صلى الله عليه و آله و سلم بعد موتهم قبل يوم القيامة و هذا مذهب يختص به آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم و القرآن شاهد به.(2)

و خالفت المعتزلة و الأشاعرة و أهل الحديث في ذلك.

16 - الجنّة و النار مخلوقتان أو لا؟

إنّ اللّٰه سبحانه وعد المتقين بالجنّة و أوعد العصاة بالنار، فهل هما مخلوقتان أو لا؟


1) . أوائل المقالات: 16.

2) . البحار: 136/53، نقلاً عن المسائل السرورية للشيخ المفيد.

و المسألة نقلية محضة فالإماميّة إلّا من شذ، ذهبت إلى أنّ الجنّة و النار في هذا الوقت مخلوقتان. قال الشيخ المفيد:

و بذلك جاءت الأخبار و عليه إجماع أهل الشرع و الآثار.(1)

و قال التفتازاني: «جمهور المسلمين على أنّ الجنّة و النار مخلوقتان الآن خلافاً لأبي هاشم و القاضي عبد الجبار و من يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنّهما إنما يخلقان يوم الجزاء».(2)

و الظاهر من السيد الرضي من الشيعة (359-406 ه) أنّهما غير مخلوقتين الآن حيث قال: الصحيح أنّهما إنّما تخلقان بعده.(3)

17 - تأويل النصوص اعتماداً على القواعد العقلية:

إنّ الأُصول الخمسة عند المعتزلة توصف بالصحة و الإتقان على درجة تقدّم على النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم و السنّة، فقد أعطوا للعقل أكثر ممّا يستحقّه، و لذلك نرى أنّهم لما بنوا على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في النار أوّلوا النصوص القرآنية، فقالوا: إنّ المراد في الشفاعة هو ترفيع الدرجة لا رفع العقاب، و قس على ذلك سائر تأويلاتهم في الكتاب و السنّة.


1) . أوائل المقالات: 102.

2) . شرح المقاصد: 318/2. و لاحظ شرح التجريد للقوشجي: 507، و عبارة الأخيرين واحدة.

3) . حقائق التأويل: 245/5.

إنّ النص الوارد في القرآن الكريم دليل قطعي لا يعادله شيء فعند ذلك تجب تخطئة العقل لا تأويل القرآن، و التعارض بين القطعيين غير معقول، و تأويل النص القطعي كرفضه، نعم لو كان النص ظني السند أو كان الدليل الشرعي ظنّي الدلالة فللتأويل مجال، هذا و للبحث صلة تطلب في مجالها.

18 - الإمامة بالتنصيص أو بالشورى:

اتفقت الإماميّة على أنّ الإمامة بالتنصيص خلافاً للأشاعرة و المعتزلة فقالوا بالشورى و غيرها، و يتفرع على ذلك أمر آخر و هو: أنّ النبي نص على خليفته بالذات عند الإمامية، و قال الآخرون: سكت و ترك الأمر شورى بين المسلمين.

قال القاضي عند البحث عن طرق الإمامة (عند المعتزلة): إنها العقد و الاختيار(1).

19 - هل يشترط في الإمام كونه معصوماً

اتفقت الإمامية على أنّ الامام يجب أنّ يكون معصوماً عن الخطأ و المعصية خلافاً للمعتزلة حيث اكتفت أنه يجب أنّ يكون مبرزاً في العلم


1) . شرح الأُصول الخمسة: 753.

مجتهداً ذا ورع شديد، يوثق بقوله و يؤمن منه و يعتمد عليه(1).

قال المفيد: إنّ الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، و إقامة الحدود، و حفظ الشرائع، و تأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، و انّهم لا يجوز منهم صغيرة إلّا ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، و انه لا يجوز منه سهو في شيء في الدين و لا ينسون شيئاً من الأحكام، و على هذا مذهب سائر الإماميّة إلّا من شذّ منهم و تعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد في الباب، و المعتزلة بأسرها تخالف في ذلك و يجوّزون من الأئمّة وقوع الكبائر و الردّة عن إسلام.(2)

20 - حكم محارب الإمام علي أمير المؤمنين:

اتّفقت الإمامية على أنّ الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفّار ضلّال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين عليه السلام و انّهم بذلك في النار مخلدون و أجمعت المعتزلة سوى الغزّال منهم و ابن باب، و المرجئة و الحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك، فزعمت المعتزلة كافّة إلّا من سمّيناه و جماعة من المرجئة و طائفة من أصحاب الحديث، انّهم فسّاق ليسوا بكفار، و قطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون.(3)


1) . نفس المصدر: 754.

2) . أوائل المقالات: 35.

3) . نفس المصدر: 10.

هذه جملة من الأُصول الّتي يختلف فيها المنهجان و بقيت هناك أُصول أُخرى تضاربت فيها آراء الفريقين لم نذكرها روماً للاختصار.

و لنعد إلى تحليل سائر الوجوه لمؤلف كتاب المعتزلة.

2 - قال الذهبي: «وجد الرفض و الاعتزال في زمانه متصادقين متآخيين»(1).

3 - و قال المقريزي: «قلّما يوجد معتزلي إلّا و هو رافضي»(2).

4 - يقول الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي (المتوفّى 1331 ه): «إنّ المعتزلة اليوم كفرقة أهل السنّة و الجماعة، من أعظم الفرق رجالاً و أكثرها تابعاً، لأنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة. و كذلك شيعة الأقطار الهندية و الفارسية و الشامية، و مثلهم الشيعة الزيديّة باليمن»(3).

إنّ هذه الكلمات لا تدلّ على عيلولة الشيعة في عقائدهم على المعتزلة، فإنّ الشيعة الإماميّة تقتدي في أُصولها و فروعها بأئمّة أهل البيت عليهم السلام الّذين جعلهم الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم عدلاً للقرآن الكريم و قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه و عترتي»، و لا ترجع إلى غيرهما. و لم نر شيعيّاً إماميّاً أخذ عقيدته من عالم معتزلي.

و مع هذين المصدرين الصحيحين لا حاجة للرجوع إلى غيرهما.


1) . ميزان الاعتدال: 235/2، كما في «المعتزلة»: 218.

2) . الخطط: 169/4، كما في المصدر نفسه: 218.

3) . تاريخ الجهمية و المعتزلة: 42، كما في المصدر نفسه: 219.

و المعتزلة كما أقرّ أعلامهم اقتفوا في التّوحيد و العدل أثر خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام و تتلمذوا على حفيده أبي هاشم ابن محمّد بن الحنفيّة.

و ما ذكره القاسمي الدمشقي من أنّ شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، صحيحة إن أراد أنّ شيعة العراق بل الشيعة في جميع الأقطار قائلون بالتوحيد و العدل، اقتفاءً لأثر الكتاب و السنّة الصحيحة المرويّة عن أئمّة أهل البيت لا سيّما خطب الإمام عليّ عليه السلام، كما أنّ المعتزلة أيضاً قائلون بهما مقتفين أثر ما أخذوه من البيت العلوي.

نعم إنّ المعتزلة أقرب إلى الشيعة من الحنابلة و الأشاعرة، فإنّ ولاء كثير منهم لأهل البيت لا ينكر، كما أنّ تمسّكهم بالأُصول العقلية المبرهنة، و رفض الآخرين لها، جعلهم متّحدين في كثير من الأُصول مع الشيعة، و مع ذلك فإنّ لجميع الطوائف الإسلاميّة، أُصولاً مشتركة، و أُصولاً يتميّز بها بعضهم عن بعض فلكلّ طائفة إسلاميّة مشتركات و مميّزات.

رمي الاعتزال بالتشيّع

إنّ من عجائب الدهر - و ما عشت أراك الدهر عجباً - رمي المعتزلة بالتشيّع، و ترى تلك النسبة في كتب الأشاعرة و الحنابلة، خصوصاً الرجاليّين منهم، فلم تكن الشيعة وحدها متّهمة بالاعتزال، بل صارت المعتزلة متّهمة بنظيرتها، غير أنّ رمي الشيعة بالاعتزال لا يختصّ بقوم دون قوم، حتّى إنّ أصحاب الطبقات من المعتزلة عدّوا أئمّة أهل البيت عليهم السلام و كبار علماء الشيعة

من المعتزلة، حتّى قالوا: إنّ الحسن بن موسى النوبختي من المعتزلة، و لم يكتفوا بذلك، بل عدّوا المرتضى و الرضي منهم.(1)

و قد عرفت مدى صدق هذه النسبة، و أنّ كثيراً من أعلام الشيعة نقدوا كتب المعتزلة، حتّى إنّ الشيخ المفيد نقض كتاب «فضيلة المعتزلة» للجاحظ.

إنّما الكلام في التهمة الأُخرى، و هو رمي الاعتزال بالتشيّع، و الحقّ أنّه لو فسِّر التشيّع بحبّ عليّ و أهل بيته عليهم السلام فأعلام السنّة من الأشاعرة و المعتزلة و الحنابلة كلّهم شيعة إلّا من له هوى العثمانيّة، الّذين يكثرون من الوقيعة في عليّ و أولاده عليهم السلام.

أمّا لو فسّر بتقديم عليّ على سائر الخلفاء في العلم و الزهد و سائر المثل الأخلاقيّة، فمعتزلة بغداد إلّا من شذّ شيعة، فإنّهم و إن اعترفوا بخلافة الخلفاء، لكن يعترفون بفضل عليّ عليه السلام و تقدّمه على أقرانه، و هذا هو الّذي صار سبباً لجرح كثير من الرواة العدول، و ما ذنبهم إلّا تقديم عليّ على غيره في الفضائل، أخذاً بنصوص الآيات و الروايات في حقّه.

نعم، لو فسّر التشيع بالاعتراف بخلافة عليّ بتنصيب من النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أمر منه سبحانه، فالشيعة تنحصر بمن يعتقد بهذا المبدأ، و المعتزلة كلّهم يخالفون و لا يعترفون به.

و الّذي أوقع جمعاً من مؤلّفي المقالات في الوهم الأوّل هو التقاء


1) . طبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى المرتضى، ص 9 و 15 و 117.

التشيّع مع الاعتزال في بعض المواضع و النقاط كالتوحيد و العدل، و لو صار ذلك سبباً لرمي الشيعة بالاعتزال، صحّ عدّ الأشاعرة منهم لالتقائهم معهم في عدّة من الأُصول.

و أمّا الّذي أوقعهم في الوهم الثّاني هو انحيازهم إلى عليّ في كثير من المبادئ خصوصاً التوحيد و العدل.

و على أيّ تقدير، فلفظ التشيع قد تطوّر من جهة المعنى بعد ما كان معناه في اليوم الأوّل، بعد رحلة الرسول، هو من شايع عليّاً دون غيره، و قال بخلافته دون سائر الخلفاء، فأُطلق على من أحبّ عليّاً و أولاده، و ناضل العثمانيّة و أهوائها، و على من قدّم عليّاً في الفضائل و المناقب، لا في الخلافة، فلأجل هذا التطوّر فربّما يشتبه المراد منه في كلمات الرّجاليين و أصحاب المقالات، و ربّما تعدّ أُناس شيعةً بالمعنى الأوّل، مع أنّهم شيعة بالمعنيين الأخيرين، فلاحظ، و سيوافيك التوضيح عند البحث عن عقائد الشيعة الزيدية و الإسماعيليّة و الإماميّة.

«رزقهم اللّٰه توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد»

«و بني الإسلام على دعامتين:

«كلمة التوحيد، و توحيد الكلمة»

الفصل الرابع: أئمّة المعتزلة

اشارة

دلّت النصوص التأريخيّة على أنّ «واصل بن عطاء» هو المؤسّس الأوّل لمنهج الاعتزال، و قد طرح أُصولاً نضجت و تكاملت بأيدي تلامذته و مقتفي منهجه عبر العصور و القرون.

و من أراد أن يكتب تأريخ المعتزلة و طبقاتهم، فعليه أن يجعل «واصلاً» رأس مخروط الاعتزال إلى أن يصل بالتدريج إلى قاعدته.

و أمّا من تقدّم عليه من الصحابة و التابعين حتّى القدريّة المتبلورة في «معبد الجهني» و «غيلان الدمشقي» و غيرهم... فلا يمتّون للاعتزال بصلة، و إن اتّفقوا مع المعتزلة في القول بالتوحيد و العدل، و حريّة الإنسان و استطاعته على الفعل و الترك. و ذلك لأنّ التوحيد و العدل، كان شعار المسلمين من عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى الزمان الّذي طلع فيه منهج الاعتزال، كما أنّ القول بالحريّة و استطاعة الإنسان على أحد الطرفين قول بأمر فطري جبل عليه الإنسان طوال القرون و الأدوار قبل الإسلام و بعده، فلا يعدّ الاعتقاد به إحداثاً للمنهج و تأسيساً له.

نعم، القول بكون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً، و أنّ فاعل الخير و الشرّ هو

اللّٰه سبحانه، و أنّ كلّ إنسان خلق لما قدّر له في علمه الأزلي، و أنّ التقدير لا يتغيّر حكمه و قضاؤه، إحداث منهج جديد رغم أنّ العقلاء و نصوص الكتّاب على خلافه في جميع الأدوار.

و على ضوء هذا، فلا يصحّ عدّ كلّ من قال بواحد من هذه الأُصول سلفاً للاعتزال، و شيخاً للمعتزلة، و إن اتّفق معهم فيها.

و على هذا الخطّ الّذي رسمناه مشى أبو القاسم البلخي (المتوفّى 317 ه) في كتابه «مقالات الإسلاميين - باب ذكر المعتزلة» فابتدأ في ذكر طبقاتهم ب «واصل بن عطاء» و «عمرو بن عبيد» و انتهى إلى أعلامهم في عصره و قال: «و في زماننا هذا شيخنا أبو الحسين الخيّاط عبد الرحيم بن محمّد (المتوفّى 311 ه) و أحمد بن الشنطوي»(1).

نعم، خالفه القاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 ه) فعدّ للمعتزلة طبقات قبل واصل، فعدّ الخلفاء من الطبقة الأُولى، و الحسن و الحسين عليهما السلام و محمّد (بن الحنفيّة) بن عليّ من الطبقة الثانية، و أبا هاشم عبد اللّه بن محمّد (بن الحنفيّة) بن عليّ و أخاه الحسن بن محمّد و الحسن البصري و ابن سيرين و من في طبقتهم ممّن حكي العدل عنه من الطبقة الثالثة، و عدّ غيلان بن مسلم و واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد من الطبقة الرابعة إلى أن أنهاهم إلى عشر طبقات(2).


1) . مقالات الاسلاميين: باب ذكر المعتزلة ص 64-74. و قد طبع من المقالات خصوص هذا الباب بتحقيق فؤاد سيد، ط. تونس.

2) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 214-333.

و قد كتب الحاكم الجشمي اليمني الزيدي (413-494 ه) ذيلاً له فأضاف إليها طبقتين أُخريين و هو جزء من كتابه «شرح العيون»(1).

و أمّا أحمد بن يحيى بن المرتضى، فقد مشى على ضوء القاضي فأعاد ما ذكره هو و غيره في باب خاصّ، أسماه «باب ذكر المعتزلة» و هو جزء من كتابه «المنية و الأمل» في شرح كتاب الملل و النحل، و قد طبع منه خصوص ذلك الباب كراراً، فنحن ننقل عن النسخة الّتي حقّقها المستشرق «توما أرنلد» طبع دار صادر، بيروت.

و لقد أجاد أبو الحسين الخيّاط، حيث جعل الاعتقاد بالأُصول الخمسة ملاكاً لصدق الاعتزال و كون المعتقد معتزلياً.

قال: «الاعتزال قائم على أُصول خمسة عامّة، من اعتقد بها جميعاً كان معتزلياً، و من نقص منها أو زاد عليها و لو أصلاً واحداً لم يستحقّ اسم الاعتزال، و تلك الأُصول مرتّبة حسب أهميتها و هي:

1 - التوحيد.

2 - العدل.

3 - الوعد و الوعيد.

4 - المنزلة بين المنزلتين.

5 - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر(2).


1) . طبع هذا الجزء مع كتاب فضل الاعتزال بتحقيق فؤاد سيد.

2) . الانتصار: 5، و مقالات الاسلاميين للأشعري: 278/1.

إنّ عدّ أمثال الشريف المرتضى من المعتزلة بحجّة قوله بالتوحيد و العدل، يستلزم أن يعدّ شيخه المفيد و تلميذه الطوسي منهم. مع أنّ موقف هؤلاء من تلك الطائفة موقف النقد و الردّ. و قد ردّ الشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه) في أكثر كتبه عليهم، لا سيّما في كتابه «أوائل المقالات» كما نقد الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه) خصوص الجزء العشرين من «المغني» للقاضي عبد الجبّار و أسماه «الشافي» و اختصره تلميذه شيخ الطّائفة الطوسي (المتوفّى 460 ه) و أسماه «تلخيص الشافي» و قد انتشر الجميع بطباعة قديمة و حديثة، و من طالع تلك الكتب يقف على أنّ موقف الشيعة الإماميّة من المعتزلة موقف الموافقة في بعض الأُصول و المخالفة في البعض الآخر، كشأنهم مع الأشاعرة و غيرهم من الطوائف الإسلاميّة.

و العجب أنّ أكثر من كتب عن المعتزلة من المتأخّرين اشتبه عليهم الأمر، و ربّما عدّوا أعلام الإماميّة من مشايخ الاعتزال و روّاد منهجه، و الشيعة الإماميّة بفضل علوم أئمّتهم و نصوص رواياتهم في غنى عن كلّ منهج لا يمت للكتاب و العترة (أعداله و قرناؤه) بصلة.

و هذا الفصل الّذي نقدّمه للقرّاء يختص بتعريف أئمّة المعتزلة و مشايخهم الكبار، الّذين نضج المذهب بأفكارهم و آرائهم و وصل إلى القمّة في الكمال.

و أمّا أعلام الطائفة الّذين كان لهم دور في تبنّي هذا الخطّ من دون أنّ

يتركوا أثراً يستحقّ الذكر، في الأصول الخمسة نذكرهم في فصل لاحق حتّى تتميّز الطائفتان.

نعم، انطفأت دعوة الاعتزال و ضعفت شوكتهم بعد سادس القرون أو سابعها، فلا تسمع لهم ذكراً في الأجيال اللّاحقة فلا إمام و لا علم و لا.... فقد انقرضوا بسيف السلطة و قسوة الحنابلة و الأشاعرة، و تركوا آثاراً و كتباً عبث بها الزمان، فلم يبق إلّا النزر اليسير. و لكن آثارهم...

إنّ آثارنا تدلّ علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار

1 - واصل بن عطاء (80-131 ه)

اشارة

أبو حذيفة واصل بن عطاء مؤسس الاعتزال، المعروف بالغزّال. يقول ابن خلّكان: «كان واصل أحد الأعاجيب ذلك أنّه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء فكان يخلّص كلامه من الراء و لا يُفطَن لذلك، لاقتداره على الكلام و سهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق يمدحه بإطالة الخطب و اجتنابه الراء على كثرة تردّدها في الكلام حتّى كأنها ليست فيه.

عليم بإبدال الحروف و قامع *** لكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله

و قال الآخر:

و يجعل البرّ قمحاً في تصرّفه *** و خالف الرّاء حتّى احتال للشعر

و لم يطق مطراً و القول يعجله *** فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر

قد ذكر عنده بشر بن برد (المتّهم بالزندقة) فقال: «أما لهذا الأعمى المكنّى بأبي معاذ من يقتله؟ أما و اللّٰه لو لا أنّ الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثمّ لا يكون إلّا سدوسياً أو عقيليّاً».

فلاحظ أنّه قال: «هذا الأعمى» و لم يقل: بشّار و لا ابن برد، و لا الضرير. و قال: «من أخلاق الغالية» و لم يقل: المغيرية و لا المنصورية، و قال: «لبعثت» و لم يقل: لأرسلت، و قال: «على مضجعه» و لم يقل: على مرقده و لا على فراشه، و قال: «يبعج» و لم يقل: يبقر(1).

يقول ابن العماد الحنبلي: «كان واصل ألثغ يبدل الراء غيناً في كلامه، و كان يخلِّص كلامه بحيث لا تسمع منه الراء حتّى يظنّ خواصّ جلسائه أنّه غير ألثغ، حتّى يقال: إنّه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الأُمراء الكرام أنّ يحفر بئراً على قارعة الطريق، فيشرب منه الصادر و الوارد.

فقرأ على الفور: حكم حاكم الحكّام الفخام، أنّ ينبش جُبّاً على جادّة الممشي فيسقى منه الصادي و الغادي.

فغيّر كلّ لفظ برديفه و هذا من عجيب الاقتدار، و قد أشارت الشعراء إلى عدم تكلّمه بالراء. من ذلك قول بعضهم:


1) . وفيات الأعيان: 8/6؛ أمالي المرتضى: 139/1-140.

نعم تجنّب لا يوم العطاء كما *** تجنّب ابن عطاء لفظة الرّاء(1)

و قد كانت بينه و بين بشّار بن برد قبل اظهاره ما يخالف عقيدة واصل أواصر الصداقة و قد ذكر بشّار خطبته الّتي ألقى فيها الرّاء و قال:

تكلّف القول و الأقوام قد حلفوا *** و حبّروا خطباً ناهيك من خطب

و قال مرتجلاً تغلى بداهته *** كمرجل القين لما حفّ باللّهب

و جانب الرّاء و لم يشعر به أحد *** قبل التصفّح و الإغراق في الطلب

و لمّا تبرّأ منه واصل لما ظهر منه ما لا يرضيه، هجاه بشّار و قال:

مالي أُشايع غزّالاً له عنق *** كنِقْنِق الدَوّ إن ولي و إن مَثلا

عنق الزرافة ما بالي و بالكم *** تُكفّرون رجالاً كفّروا رجلا(2)

بثّ الدعاة في البلاد

كان واصل صموداً في عقيدته، و لمّا تمكّن من إنفاذ الدعاة إلى الآفاق، فرّق أصحابه في البلاد حتّى يكونوا دعاة إلى طريقه. فبعث عبد اللّه بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، و بعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل «ترمذ» و لزم المسجد حتّى اشتهر، ثمّ ناظر جهماً فقطعه،


1) . شذرات الذهب: 182/1 و 183 حوادث عام 131 ه

2) . المنية و الأمل: 19

و بعث القاسم إلى اليمن، و بعث أيّوب إلى الجزيرة، و بعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، و عثمان الطويل إلى أرمينية.(1)

يقول صاحب كتاب «المعتزلة»:

«درج أصحاب واصل و تلاميذه من بعده على هذه الخطة (المناظرة) في الردّ على المخالفين، فكان عمرو بن عبيد حيث التقى بأحدهم لا يتركه حتّى يناظره. ناظر جرير بن حازم الأزدي السمني في البصرة و قطعه، و اشترك مع واصل بن عطاء في مناظرة بشار بن برد، و صالح بن عبد القدوس، و كلاهما من الثنوية المعروفين فقطعاهما، و تناظر عمرو بن عبيد مع مجوسي على ظهر سفينة فقطعه المجوسيّ. [كذا] قال له عمرو: لما لا تسلم؟ فقال: لأنّ اللّٰه لم يرد إسلامي، فإذا أراد اللّٰه إسلامي أسلمت. قال عمرو: إنّ اللّٰه تعالى يريد إسلامك و لكنّ الشياطين لا يتركونك.

فأجاب المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب!»(2).

يلاحظ عليه: أنّه كان اللازم على عمرو أنّ يقول: إنّ اللّٰه تعالى أراد إسلامك و لكن بحرّية و اختيار، لا بإلجاء و اضطرار. فلو أسلمت كان إسلامك على طبق ما يريد، و إنّ كفرت لم يكن كفرك آية غلبتك عليه، و قد أوضحنا كيفيّة تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد.


1) . المنية و الأمل: 19-20.

2) . كتاب المعتزلة: 39-40.

من آرائه و مناظراته
اشارة

إنّ واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين، لأنّ الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال.

كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر و الشرك. و المرجئة تسمّيهم بالإيمان. و كان الحسن و أصحابه يسمّونهم بالنفاق.

1 - رأيه في مرتكب الكبيرة

ذهب واصل بن عطاء إلى القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، لا كفّار و لا منافقون. و استدلّ على ذلك بما نقله المرتضى عنه في أماليه من أنّنا نجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقاً، و يختلفون في ما عدا ذلك من أسمائه، لأنّ الخوارج تسمّيه مشركاً فاسقاً، و الشيعة الزيدية تسمّيه كافر نعمة فاسقاً، و الحسن يسمّيه منافقاً فاسقاً، و المرجئة تسمّيه مؤمناً فاسقاً. فاجتمعوا على تسميته بالفسق. و اختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه فالواجب أن يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه و هو الفسق. و لا يسمّى بما عدا ذلك من الأسماء الّتي اختلف فيها. فيكون صاحب الكبيرة فاسقاً، و لا يقال فيه إنّه مؤمن و لا منافق و لا مشرك، و لا كافر نعمة، فهذا أشبه بأهل الدّين(1).


1) . أمالي المرتضى: 161/1.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يثبت أزيد من أنّ المسلمين اتّفقوا على كون مرتكب الكبيرة فاسقاً و لم يتّفقوا على غيره من سائر الأسماء. لكن عدم اتّفاقهم على شيء منها لا يدلّ على أنّه ليس منها أبداً، كما هو ظاهر قوله: «و لا يقال فيه إنّه مؤمن...» فإنّ عدم وجود الإجماع على واحدة من تلك الأسماء لا يلازم عدم وجود دليل آخر على وجود واحد منها فيه. فكان اللاّزم على واصل أنّ يقيم الدّليل على أنّه لا يسمّى بواحد منها.

و إلى ما ذكرنا ينظر قول السيّد المرتضى في أماليه حيث قال: «إنّ الإجماع و إنّ لم يوجد في تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق، و لا في غيره من الأسماء، كما وجد في تسميته بالفسق، و لكنّه غير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، و وجود الإجماع في الشيء، و إن كان دليلاً على صحّته لكن ليس فقده دليلاً على فساده»(1).

و قد اعترض ابن المرتضى صاحب «المنية و الأمل» على كلام السيّد المرتضى بكلام واه، يشبه كلام الهازل حيث قال:

«يصحّ الاستدلال بالإجماع المركّب و صورته هنا أنّه أجمعوا على تسميته فاسقاً و اختلفوا فيما عداه، و هو حكم شرعي فلا يثبت إلّا بدليل و لا دليل على ما عدا المجمع عليه هاهنا»(2).

يلاحظ عليه: أنّه اشتبه عليه معنى الإجماع المركّب، لأنّ معناه أنّه إذا


1) . أمالي المرتضى: 167/1. و لكلامه ذيل فراجع.

2) . المنية و الأمل: 24.

كانت المسألة بين الأُمّة ذات قولين، مثلاً قالت طائفة من الفقهاء: الحبوة للولد الأكبر، و قالت الأُخرى: الحبوة لجميع الورثة، فيقال: لا يجوز إحداث قول ثالث، أخذاً بالإجماع المركّب، لأنّ الأُمّة اتّفقت على نفي الثالث. و أين هو في المقام؟ إذ لم تتّفق الأُمّة على نفي هذه الأسماء، بل اختلفوا على أقوال، فالرجل غير عارف بمصطلح الأُصوليين فاستعمله في غير محلّه.

2 - مناظرته مع عمرو في مرتكب الكبيرة

إنّ عمرو بن عبيد كان من أصحاب الحسن و تلاميذه. فجمع بينه و بين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلمّا وقفوا على الاجتماع ذكر أنّ واصلاً أقبل و معه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، و فيها عمرو بن عبيد جالس. فلمّا نظر إلى واصل و كان في عنقه طول و اعوجاج، قال: أرى عنقاً لا يفلح صاحبها، فسمع ذلك واصل فلمّا سلّم عليه قال له: يا ابن أخي إنّ من عاب الصنعة عاب الصانع، فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة قد وعظت فأحسنت و لن أعود إلى مثل الّذي كان منّي.

و جلس واصل في الحلقة و سأل أنّ يكلّم عمراً، فقال واصل لعمرو: لم قلت: إنّ من أتى كبيرة من أهل الصّلاة استحقّ اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول اللّٰه تعالى: «وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لاٰ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ

اَلْفٰاسِقُونَ»(1). ثمّ قال في موضع آخر: «إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(2)فكان كلّ فاسق منافقاً. إذ كانت ألف و لام المعرفة موجودتين في الفاسق.

فقال له واصل: أ ليس قد وجدت اللّٰه تعالى يقول: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(3)، و أجمع أهل العلم على أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ اسم الظالم، كما يستحق اسم الفاسق، فألّا كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول اللّٰه تعالى: «وَ اَلْكٰافِرُونَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(4)، فعرّف بألف و لام التعريف.(5)

يلاحظ عليه: أنّ «واصلاً» دفع دليل خصمه بالنقض، و لأجل ذلك يقول السيّد المرتضى في حقّه: «أمّا ما ألزمه واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد فسديد لازم» و لكن كان في وسعه الإجابة عنه بشكل جليّ، و هو أنّ ما استدلّ به «عمرو» من الآيات غير كاف في إثبات ما يرتئيه. لأنّ آية النور و إنّ حكمت بفسق مرتكب الكبيرة، و لكن آية التوبة لم تحكم بأنّ كلّ فاسق منافق، و إنّما حكم بأنّ كلّ منافق فاسق، و بعبارة واضحة حصرت الآية، المنافقين بالفاسقين و لا العكس. و من المحتمل أنّ يكون المنافق أخصّ من الفاسق. و الفاسق أعمّ منه فيكون استدلاله عقيماً. قال سبحانه: «إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ» و لم يقل: إنّ الفاسقين هم المنافقون.


1) . النور: 4.

2) . التوبة: 67.

3) . المائدة: 45.

4) . البقرة: 254.

5) . أمالي المرتضى: 166/1. و لكلامه ذيل لا حاجة لنقله، و ربّما أوجد تشويشاً في الاستدلال و قد نقله ابن المرتضى في المنية و الأمل بصورة واضحة ص 23.

و بذلك تقف على مغزى ما نقض به واصل دليل عمرو، فإنّه صحيح إذا كان الهدف إفحام الخصم بالجواب النقضي.

و أمّا إذا كانت الإجابة على الوجه الحلّي فهي ساقطة جدّاً، لأنّه سبحانه حصر الكافرين في الظالمين لا العكس. فقال:

«وَ اَلْكٰافِرُونَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ» فمن الممكن أنّ يكون كلّ كافر ظالماً و لا العكس. و صاحب الكبيرة و إن استحقّ اسم الظالم، كما استحقّ اسم الفاسق، و لكنّه لا يستحقّ اسم الكافر بحجّة أنّه سبحانه قال: «وَ اَلْكٰافِرُونَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»، و لم يقل: (و الظالمون هم الكافرون).

3 - من لطائف تفسيره للقرآن

حكي أنّ واصلاً كان يقول: «أراد اللّٰه من العباد أن يعرفوه ثمّ يعملوا ثمّ يعلّموا. قال اللّٰه تعالى «يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا اَللّٰهُ» فعرّفه نفسه، ثمّ قال: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ»(1)، فبعد أنّ عرّفه نفسه أمره بالعمل قال: و الدّليل على ذلك قوله تعالى:

«وَ اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا - يعني صدقوا - وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ» علموا و عملوا و علّموا(2).

يلاحظ عليه: أنّ الآية الاُولى دلّت على تقدّم العلم على العمل، و أمّا


1) . طه: 12.

2) . أمالي المرتضى: 168/1.

تقدّم العمل على تعليم الغير فهي ساكتة عنها. نعم الآية الثالثة ربّما تكون ظاهرة فيما يدّعيه بحجّة النظم و الترتيب في الذكر، و إنّ كانت واو العاطفة لا تدلّ على الترتيب.

4 - من نوادر حكاياته

روى المبرّد قال: حُدّثتُ أنّ واصل بن عطاء أقبل في رفقة فأحسّوا بالخوارج، و كانوا قد أشرفوا على العطب. فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني و إيّاهم، فقالوا: شأنك. فقال الخوارج له: ما أنت و أصحابك؟ قال:

مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام اللّٰه، و يقيموا حدوده فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلّمونا أحكامه، فجعلوا يعلّمونه أحكامهم، و جعل يقول: قد قبلت أنا و من معي، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنّكم إخواننا، قال لهم: ليس ذلك لكم. قال اللّٰه تعالى: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اَللّٰهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ»(1)، فأبلغونا مأمننا، فساروا بأجمعهم حتّى بلغوا الأمن.(2)

5 - تهجّده و لقبه بالغزّال

ينقل ابن المرتضى عن أُخت «عمرو بن عبيد» - و كانت زوجة واصل - أنّها قالت: «كان واصل إذا جنّه اللّيل صفّ قدميه يصلّي و لوح و دواة


1) . التوبة: 6.

2) . المصدر نفسه.

موضوعان، فإذا مرّت به آية فيه حجّة على مخالف، جلس فكتبها ثمّ عاد في صلاته.

و نقل أيضاً: أنّ واصلاً كان يلزم أبا عبد اللّه الغزّال - و كان صديقاً له - ليعرف المتعفّفات من النساء فيجعل صدقته لهنّ و كان يعجبه ذلك، و قال الجاحظ: لم يشكّ أصحابنا أنّ واصلاً لم يقبض ديناراً و لا درهماً، و في ذلك قال بعضهم في مرثيته:

و لا مسّ ديناراً و لا مسّ درهماً *** و لا عرف الثوب الّذي هو قاطعه(1)

مؤلّفاته

ذكر ابن النديم في «الفهرست» - و تبعه ابن خلّكان - أنّ لواصل التصانيف التالية:

1 - كتاب أصناف المرجئة.

2 - كتاب التوبة.

3 - كتاب المنزلة بين المنزلتين.

4 - كتاب خطبته الّتي أخرج منها الراء. و قد نشرت هذه الخطبة عام 1951 م في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات بتحقيق عبد السلام هارون.


1) . المنية و الأمل: 18

5 - كتاب معاني القرآن.

6 - كتاب الخطب في التوحيد و العدل.

و من المحتمل أنّه قام بجمع خطب الإمام عليّ عليه السلام في التوحيد و العدل فأفرده تأليفاً.

7 - كتاب ما جرى بينه و بين عمرو بن عبيد.

8 - كتاب السبيل إلى معرفة الحقّ.

9 - كتاب في الدعوة.

10 - كتاب طبقات أهل العلم و الجهل(1). و غير ذلك.

القواعد الأربع لواصل بن عطاء

إنّ الاعتزال مذهب عقلي أُلقيت نواته في أوائل القرن الثاني بيد واصل بن عطاء، ثمّ نمت عبر العصور، فكلّما تقدّم الاعتزال إلى الامام، و ربّى في أحضانه ذوي الحصافة، و الأدمغة الكبيرة، أخذ يتكامل في ضوء البحث و النقاش، و كان الاعتزال في زمن المؤسّس يدور على أربع قواعد فقط، و هي بالنسبة إلى ما تركته المعتزلة من التراث الكلامي إلى فترة الانقراض شيء قليل، و أين هو من الاعتزال الّذي تريه لنا كتب القاضي عبد الجبّار في كتاب المغني أو غيره من البسط في تلك القواعد، و تأسيس أُصول و قواعد أُخر، لم تخطر ببال المؤسّس.


1) . فهرست ابن النديم: 203، الفن الأول من المقالة الخامسة.

قال الشهرستاني: «الواصليّة هم أصحاب واصل بن عطاء و اعتزالهم يدور على أربع قواعد:

القاعدة الأُولى: القول بنفي صفات الباري من العلم و القدرة و الإرادة و الحياة، و كانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة، و كان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، و هو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليّين(1)قال: و من أثبت معنى، و صفة قديمة فقد أثبت إلهين.

القاعدة الثانية: القول بالقدر، و حاصلها أنّ العبد هو الفاعل للخير و الشرّ و الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و الربّ أقدره على ذلك.

القاعدة الثالثة: المنزلة بين المنزلتين، و أنّ مرتكب الكبيرة ليس كافراً و لا مؤمناً، بل فاسق مخلّد في النّار إن لم يتب.

القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل و صفّين، أنّ أحدهما مخطئ لا بعينه، و كذلك قوله في عثمان و خاذليه، أنّ أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أنّ أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه».

ثمّ رتّب الشهرستاني على تلك القاعدة و قال: «و قد عرفت قوله في الفاسق و أقلّ درجات الفريقين أنّه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة


1) . و هذا يعرب بوضوح عن أنّ الداعي لتأسيس هذه القاعدة ليس إنكار صفاته سبحانه كالملاحدة المنكرين لكونه عالماً قادراً، بل الداعي هو تنزيه الرب عن وجود قديم مثله، و ما نسب إليه الأشعري في كتاب الإبانة: 107 من الداعي ليس في محله.

المتلاعنين، فلم يجوِّز شهادة عليّ و طلحة و الزبير على باقة بقل، و جوّز أنّ يكون عثمان و عليّ على الخطأ»(1).

أقول: إنّ القاعدة الأُولى إشارة إلى الأصل الأوّل من الأُصول الخمسة، أعني التّوحيد، و هذا الأصل عندهم رمز إلى تنزيهه سبحانه عن التشبيه و التجسيم، كما أنّ القاعدة الثانية من فروع الأصل الثاني، أعني القول بالعدل، فتوصيفه سبحانه به يقتضي القول بالقدر، أي إنّ الانسان يفعل بقدرته و استطاعته المكتسبة، و لا معنى لأن يكون خالق الفعل هو اللّٰه سبحانه، و يكون العبد هو المسئول. نعم دائرة الأصل الثاني (العدل) أوسع من هذه القاعدة.

و القاعدة الثالثة نفس أحد الأُصول الخمسة، و بقي منها أصلان - الوعد و الوعيد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر - و لم يأت ذكر منهما في كلام «واصل».

و أمّا القاعدة الرابعة فقد خالف فيها واصل و تلميذه عمرو بن عبيد جمهور المعتزلة.

قال ابن حزم: «اختلف الناس في تلك الحرب على ثلاث فرق:

1 - فقال جميع الشيعة و بعض المرجئة و جمهور المعتزلة و بعض أهل السنّة: إنّ عليّاً كان هو المصيب في حربه، و كلّ من خالفه على خطأ. و قال واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد و أبو الهذيل و طوائف من المعتزلة:


1) . الملل و النحل: 49/1.

إنّ عليّاً مصيب في قتاله مع معاوية و أهل النهروان، و وقفوا في قتاله مع أهل الجمل، و قالوا: إحدى الطائفتين مخطئة و لا نعرف أيّهما هي، و قالت الخوارج: عليّ المصيب في قتال أهل الجمل و أهل صفّين و هو مخطئ في قتاله أهل النهر.(1)

و لا يخفى وجود الاختلاف بين النقلين، فعلى ما نقله الشهرستاني كانت الواصليّة متوقّفة في محاربي الإمام في وقعتي «الجمل و صفّين» و على ما نقله ابن حزم يختصّ التوقّف بمحاربيه في وقعة «الجمل» و يوافق ابن حزم عبد القاهر البغدادي، و قال: «ثمّ إنّ واصلاً فارق السلف ببدعة ثالثة، و ذلك أنّه وجد أهل عصره مختلفين في عليّ و أصحابه، و في طلحة و الزبير و عائشة، و سائر أصحاب الجمل - إلى ما ذكره»(2).

و يوافقهما نقل المفيد حيث قال ما هذا خلاصته:

«اتّفقت الإماميّة و الزيديّة و الخوارج، على أنّ الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام كفّار ضلّال، ملعونون بحربهم أمير المؤمنين. و زعمت المعتزلة كلّهم أنّهم فسّاق ليسوا بكفّار، و قطعت المعتزلة من بينهم على أنّهم لفسقهم في النار خالدون، و زعم واصل الغزّال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافّة المعتزلة أنّ طلحة و الزبير و عائشة و من كان في حربهم، من عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين و محمّد و من كان في حزبهم


1) . الفصل في الملل و الأهواء و النحل: 153/4.

2) . الفرق بين الفرق: 119.

كعمّار بن ياسر و غيره من المهاجرين، و وجوه الأنصار و بقايا أهل بيعة الرضوان، كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين و أنّ إحدى الطائفتين فسّاق ضلّال مستحقّون للخلود في النّار إلّا أنّه لم يقم دليل عليها»(1).

نقد النظرية

إنّ واصل بن عطاء و من لفّ لفّه في هذا الباب، يلوكون في أشداقهم ما يضادّ نصّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقد أخبر عليّاً بأنّه يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، و قد عهد له الرسول و أمره بقتالهم.

روى أبو سعيد الخدري قال: «أمرنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين.

قلنا: يا رسول اللّٰه أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام».

روى أبو اليقظان عمّار بن ياسر قال: «أمرني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين».

و قد رواه الحفاظ من أهل الحديث و أرباب المعاجم و التأريخ، و من أراد الوقوف على تفصيله فعليه الرجوع إلى «الغدير: ج 3 ص 192-195».


1) . أوائل المقالات: 10-11.

و يكفي في ذلك ما نقله ابن عساكر في تأريخه عن أبي صادق أنّه قال: قدم أبو أيّوب الأنصاري العراق، فأهدت له الأزد «جزراً» فبعثوا بها معي فدخلت فسلّمت إليه و قلت له: قد أكرمك اللّٰه بصحبة نبيّه و نزوله عليك، فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم؟ تستقبل هؤلاء مرّة و هؤلاء مرّة؟ فقال: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ الناكثين، فقد قاتلناهم، و عهد إلينا أنّ نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم - يعني معاوية و أصحابه -، و عهد إلينا أنّ نقاتل مع عليّ المارقين فلم أرهم بعد(1).

و قد تجاهل واصل و أتباعه الحقّ و أنكروه، فإنّ حكم الخارج على الإمام المفترض طاعته ليس أمراً مخفياً على رئيس المعتزلة، و لا أرى باغياً أخسر من الزبير، و لا أشقى من طلحة، غير ابن آكلة الأكباد حزب الشيطان.

«وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ»(2).

و في نهاية المطاف نقول: إنّه من مواليد عام الثمانين في المدينة و توفّي في البصرة عام 131، كما أرّخه المسعودي و غيره.(3)


1) . الغدير: 192/3.

2) . النحل: 14.

3) . وفيات الأعيان: 11/6؛ المنية و الأمل: 18.

2 - عمرو بن عبيد (80-143 ه)

اشارة

2 - عمرو بن عبيد (80-143 ه)(1)

الشخصيّة الثانية للمعتزلة بعد واصل بن عطاء هو عمرو بن عبيد و كان من أعضاء حلقة الحسن، مثل واصل، لكنّه التحق به بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة كما نقلناها.

يقول السيّد المرتضى في أماليه: «يكنّى أبا عثمان مولى لبني العدوية من بني تميم. قال الجاحظ: و هو عمرو بن عبيد بن باب. و «باب» نفسه من سبي كابل من سبي عبد الرحمن بن سمرة، و كان باب مولى لبني العدوية قال: و كان عبيد شرطيّاً، و كان عمرو متزهّداً، فكان إذا اجتازا معاً على الناس قالوا هذا أشرّ الناس، أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم هذا إبراهيم و أنا تارخ».

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره عبيد من التشبيه إنّما يتمُّ على عقيدة أهل السنّة، بأنّ أبا إبراهيم كان وثنيّاً، و أمّا على عقيدة الشيعة، و هي الّتي تؤيّدها الآيات القرآنية، أنّ أباه كان مؤمناً موحّداً و أنّ «آزر» كان عمّه لا والده(2)فلا يتمّ.

و قد روى السيّد في أماليه و غيره من أرباب المعاجم قصصاً في زهده و ورعه غير أنّ قسماً منها يعدّ مغالاة في الفضائل و إليك نموذجاً منها:


1) . فهرست ابن النديم: الفن الأول من المقالة الخامسة، ص 203.

2) . مجمع البيان: 319/3، في تفسير قوله «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَىَّ» إبراهيم: 41.

روى ابن المرتضى عن الجاحظ أنّه قال: صلّى عمرو أربعين عاماً صلاة الفجر بوضوء المغرب. و حجّ أربعين حجّة ماشياً، و بعيره موقوف على من أحصر، و كان يحيي اللّيل بركعة واحدة، و يرجِّع آية واحدة.(1)

و قد روى نظيره في حقّ الشيخ أبي الحسن الأشعري، و قد قلنا إنّه من المغالاة في الفضائل،(2)إذ قلّما يتّفق لإنسان ألّا يكون مريضاً و لا مسافراً و لا معذوراً طيلة أربعين سنة، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة.

ما اثر عنه في مجالي التفسير و العقيدة

1 - روى المرتضى في أماليه أنّ ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد في المسجد الحرام فسلّم عليه و جلس إليه و قال له: يا أبا عثمان ما تقول في قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ»(3)، فقال: ذلك في محبّة القلوب الّتي لا يستطيعها العبد و لم يكلّفها، فأمّا العدل بينهنّ في القسمة من النفس و الكسوة و النفقة، فهو مطيق لذلك، و قد كلّفه بقوله تعالى: «فَلاٰ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ» فيما تطيقون «فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» بمنزلة من ليست أيّماً و لا ذات زوج.

فقال ابن لهيعة: هذا و اللّٰه هو الحق(4).


1) . المنية و الأمل: 22.

2) . لاحظ الجزء الثاني من كتابنا: 26.

3) . النساء: 129.

4) . أمالي المرتضى: 170/1-171.

أقول: ما سأله ابن لهيعة كان سؤالاً دارجاً في ذلك العصر، و قد طرحه بعض الزنادقة، كابن أبي العوجاء في البصرة - بندر الأهواء و الآراء - ليوهم أنّ في القرآن تناقضاً. و لأجل ذلك سأل عنها هشام بن الحكم تارة و أبا جعفر الأحول مؤمن الطّاق، اُخرى، فغادر الرجلان البصرة، لزيارة الإمام الصادق عليه السلام في المدينة في غير موسم الحجّ و العمرة للتعرّف على الجواب و قد عرضا السؤال عليه، فأجاب بنفس الجواب الّذي مرّ في كلام عمرو بن عبيد، فلمّا سمع ابن أبي العوجاء الجواب قال: هذا ما حملته الإبل من الحجاز(1).

و لعلّ ما أجاب الإمام عليه السلام كان منتشراً في البصرة من جانب تلميذيه، و انتهى إلى عمرو بن عبيد، فأجاب بنفس ما أجاب به الإمام، و يظهر من كلام ابن أبي العوجاء، تقدّم إجابة الإمام على جواب عمرو بن عبيد زماناً و إلّا لما صحّ أنّ يقال «هذا ما حملته الإبل من الحجاز» بل كان له أنّ يحتمل أنّ الجواب أُخذ من عمرو بن عبيد، عميد الاعتزال.

نعم يحتمل أنّ تكون الإجابتان من قبيل توارد الخاطر و مجيئهما على سبيل الاتّفاق، بلا أخذ أحدهما من الآخر.

2 - روى السيّد المرتضى في أماليه و قال: «إنّ هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها و عمرو لا يعرفه فقال لعمرو: أ ليس قد جعل اللّٰه لك عينين؟ قال: بلى، قال: و لم؟ قال: لأنظر بهما في


1) . البرهان في تفسير القرآن: 420/1، الحديث 2-3.

ملكوت السماوات و الأرض فأعتبر، قال: و جعل لك فماً؟ قال: نعم، قال: و لِمَ؟ قال: لأذوق الطعوم و أُجيب الداعي، ثمّ عدّد عليه الحواسّ كلّها، ثمّ قال: و جعل لك قلباً؟ قال: نعم، قال: و لِمَ؟ قال لتؤدّي إليه الحواسّ ما أدركته فيميّز بينها. قال: فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواسّ حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه، أ ترضى لهذا الخلق الّذين جشأ بهم العالم ألّا يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟ فقال له عمرو: ارتفع حتّى ننظر في مسألتك و عرفه. ثمّ دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا»(1).

أقول: ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم، يدلّ على دماثة في الخلق و سماحة في المناظرة مع أنّه طعن في السنّ، و هشام بن الحكم كان يعدّ في ذلك اليوم من الأحداث، و قد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته و لم يرفع عليه صوته و عقيرته بالشتم و السبّ، كما هو عادة أكثر المتعصّبين، و لم يرمه بالخروج عن المذهب.

3 - قال الجاحظ: «نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو: إنّ اللّٰه تعالى قال في كتابه ما يزيل الشك عن قلوب المؤمنين في القضاء و القدر قال تعالى:

«فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2). و لم يقل لنسألنّهم عمّا قضيت عليهم، أو قدّرته فيهم، أو أردته منهم، أو شئته لهم،


1) . أمالي المرتضى: 176/1-177.

2) . الحجر: 92-93.

و ليس بعد هذا الأمر، إلّا الإقرار بالعدل، أو السكوت عن الجور الّذي لا يجوز على اللّٰه تعالى»(1).

أقول: روي نظير ذلك من الإمام جعفر الصادق عليه السلام و قد سئل عن القدر؟ فقال: «ما استطعت أنّ تلوم العبد عليه فهو فعله، و ما لم تستطع فهو فعل اللّٰه، يقول اللّٰه للعبد: لم كفرت و لا يقول لم مرضت»(2).

و أخيراً روى السيّد المرتضى أنّ أبا جعفر المنصور مرّ على قبره بمرّان - و هو موضع على ليال من مكّة على طريق البصرة - فأنشأ يقول:

صلّى الإله عليك من متوسّد *** قبراً مررت به على مَرّان

قبراً تضمّن مؤمناً متخشّعاً *** عبد الإله ودان بالفرقان

و إذا الرجال تنازعوا في شبهة *** فصل الخطاب بحكمة و بيان

فلو أنّ هذا الدهر أبقى صالحاً *** أبقى لنا عمراً أبا عثمان(3)

4 - قال الخطيب: «كان عمرو يسكن البصرة، و جالس الحسن البصري، و حفظ عنه، و اشتهر بصحبته، ثمّ أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة فقال بالقدر و دعا إليه، و اعتزل أصحاب الحسن و كان له سمعة و إظهار زهد - ثمّ نقل بعض ما يدلّ على زهده أو إظهاره»(4).


1) . أمالي المرتضى: 177/1.

2) . المنية و الأمل: 21.

3) . أمالي المرتضى: 178/1؛ وفيات الأعيان: 462/2

4) . تاريخ بغداد: 166/12، رقم الترجمة 6652.

ما ذكره الخطيب من تخصيص أهل السنّة باتّباع مذهبه تخصيص بلا دليل، فإنّ الفرق الإسلاميّة يحترمون السنّة الصّحيحة، و الكلّ بهذا المعنى أهل السنّة. و لو كان وجه إزالته عنهم قوله بالقدر، فقد سبقه أُستاذه الحسن إلى هذا القول، كما تدلّ عليه رسالته إلى عمر بن عبد العزيز، الّتي أتى بنصّها القاضي عبد الجبّار في «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة»(1)، فلو خرج عمرو بالقول بالقدر عن مذهب أهل السنّة، فهذه شنشنة أعرفها من عبد القاهر في كتابه «الفرق بين الفرق»، و الخطيب في تأريخه، و غيرهما من الكتّاب المتعصّبين الّذين يفتحون أبواب الجنّة على مصاريعها على وجوه أصحابهم، و يقفلونها بإحكام أمام الفرق الأُخرى.

نعم، تطرّف من قال: «إنّ تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة، تسمية متأخِّرة يرجع تأريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري، إلى بعد عصر آخر الأئمّة المشهورين و هو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون».(2)

فإنّ أهل الحديث كانوا يسمّونهم أهل السنّة، و هذا أحمد بن حنبل يقول في ديباجة كتابه «السنّة»: «هذه مذاهب أهل العلم و أصحاب الأثر و أهل السنّة المتمسّكين بعروتها المعروفين بها».(3)و هذا الشيخ الأشعري يعرض عقائد أهل الحديث باسم أهل السنّة.(4)


1) . طبقات المعتزلة: 215-223. مرّ نصّ الرسالة في الجزء الأول: ص 441-451، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

2) . الإباضية بين القرون الإسلاميّة: 128/2 تأليف علي يحيى معمر.

3) . السنّة: ص 44.

4) . مقالات الإسلاميين: 290.

إنّما الإشكال في احتكار هذا الاسم في طائفة خاصّة من المسلمين، مشعراً به إلى أنّ غيرهم رفضوا السنّة و عملوا بالبدعة.

نعم، لم تكن هذه التسمية في عصر النبي، و لا الخلفاء، و لا في أوائل القرن الثاني، و إنّما حدثت في أواسطه. و قد ألّفنا رسالة حول مفهوم «أهل السنّة» و تطوره عبر القرون طبعت في الجزء السادس من موسوعتنا «رسائل و المقالات» فراجعها.

5 - نقل الخطيب بسنده عن معاذ قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: «إن كانت «تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ» في اللّوح المحفوظ، فما على أبي لهب من لوم».

و ينقله أيضاً عن معاذ بصورة أُخرى قال: «كنت جالساً عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل يقال له عثمان أخو السمري فقال:

يا أبا عثمان! سمعت و اللّٰه اليوم بالكفر فقال: لا تعجل بالكفر، و ما سمعت؟ قال: سمعت هاشماً الأوقصي يقول: إنّ «تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ»(1)و قوله: «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً»(2)و: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ»(3)إنّ هذا ليس في أُمّ الكتاب، و اللّٰه تعالى يقول: «حم * وَ اَلْكِتٰابِ اَلْمُبِينِ * إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ»(4)فما الكفر إلّا هذا يا أبا عثمان. فسكت عمرو هنيئة، ثمّ أقبل عليّ فقال: و اللّٰه لو كان القول كما يقول، ما كان على أبي لهب من لوم، و لا على الوحيد من لوم. قال: يقول عثمان ذاك؟ هذا


1) . المسد: 1.

2) . المدثر: 11 و 26.

3) . المدثر: 11 و 26.

4) . الزخرف: 1-4.

و اللّٰه الدين يا أبا عثمان. قال معاذ: فدخل بالإسلام و خرج بالكفر»(1).

ثمّ ينقل عن معاذ أنّه نقل مقالة عمرو لوكيع بن الجرّاح فقال: «من قال هذا القول استتيب، فإن تاب و إلّا ضربت عنقه».

يلاحظ عليه: أنّ تأريخ بغداد عيبة الأعاجيب و الموضوعات. إنّه يروي في بداية ترجمة «عمرو بن عبيد» قصصاً في زهده و تمرّده على الطواغيت، كأبي جعفر المنصور العبّاسي على وجه يليق أنّ تنسب إلى الأنبياء و الأولياء، و لا يلبث فيأتي بهذه الأعاجيب الّتي لا يليق أنّ تنسب إلى مسلم عادي، فضلاً عن شيخ الكلام في عصره. لأنّ المعتزلة و في مقدّمهم الشيخان، اعترفوا بأنّ علمه سبحانه بالأشياء و الحوادث أزلي لا حادث.(2)و معه كيف يمكن لمثل عمرو شيخ المنهج أنّ ينكر علمه سبحانه بما يصدر من الوليد ابن المغيرة، أو أبي لهب من الأفعال و الأقوال؟ و كيف يمكن لمسلم أنّ ينكر كون القرآن موجوداً في الكتاب «لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» مع وروده فيه على وجه الصراحة. كلّ ذلك يعرب عن أنّ ما نسب إليه من السفاسف أخيراً، وليد العداء و البغضاء. فالمسلم الّذي يأخذ عقائده و آراءه من الكتاب و السنّة الصحيحة و العقل السليم، يعترف بأنّ كلّ شيء معلوم للّٰه سبحانه في الأزل. غير أنّ علمه الأزلي لا يصيِّر الإنسان مسيّراً مكتوف


1) . تاريخ بغداد: ج 12 ص 170-172.

2) . قال القاضي عبد الجبار: فاعلم أنّ تلك الصفة التي يقع بها الخلاف و الوفاق (عالم، لا عالم) يستحقها لذاته و هذه الصفات الأربع التي هي كونه قادراً عالماً حيّاً موجوداً لما هو عليه في ذاته... إلى آخر ما ذكر في شرح الأُصول الخمسة: 129.

الأيدي، لأنّ علمه سبحانه لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن الإنسان على الإطلاق و بأيّ وجه كان، و إنّما تعلّق بصدوره منه في ظلّ المبادئ الموجودة فيه، و منها الإرادة و الاختيار و الحريّة و الانتخاب و باختصار؛ علمه سبحانه تعلّق بأنّ الإنسان فاعل مختار يفعل كلّ شيء بإرادته و مثل هذا العلم لو لم يؤكّد الاختيار لما كان سبباً للجبر.

و قد أوضحنا هذا الجواب عند البحث عن عموم مشيئته سبحانه و علمه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة:

نعم، عمرو بن عبيد و كلّ من يعتقد بعدله سبحانه لا يجنح إلى روايات القدر الّتي تعرِّف الإنسان كالريشة في مهبِّ الريح. و لقد ذكرنا نزراً من تلك الأحاديث في كتابنا هذا.

وفود عمرو على الإمام الباقر عليه السلام

روي أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام لامتحانه بالسؤال عن بعض الآيات، فقال له: «جعلت فداك، ما معنى قوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا»(1)، ما هذا الرتق و الفتق؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: كانت السّماء رتقاً لا ينزل القطر و كانت الأرض رتقاً لا تخرج النّبات، ففتق اللّٰه السّماء بالقطر، و فتق الأرض بالنبات». فانطلق عمرو و لم يجد اعتراضاً و مضى.


1) . الأنبياء: 30.

ثمّ عاد إليه فقال: أخبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ»(1)ما غضب اللّٰه؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: «غضب اللّٰه تعالى عقابه يا عمرو. من ظنّ أنّ اللّٰه يغيّره شيء فقد كفر»(2).

وفود عمرو على الإمام الصادق عليه السلام

روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء و حفص بن سالم، و أناس من رؤسائهم و ذلك حين قتل الوليد(3)و اختلف أهل الشّام بينهم فتكلّموا و أكثروا، و خطبوا فأطالوا فقال لهم أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «إنّكم قد أكثرتم عليّ و أطلتم فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلّم بحجّتكم و ليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ و أطال، فكان فيما قال: قتل أهل الشام خليفتهم، و ضرب اللّٰه بعضهم ببعض، و تشتّت أمرهم. فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين و عقل و مروّة و معدن للخلافة و هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن(4)فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ثمّ نظهر أمرنا معه، و ندعو الناس إليه، فمن بايعه كنّا معه و كان معنا...


1) . طه: 81.

2) . بحار الأنوار: 354/46 نقلاً عن المناقب لابن شهرآشوب. و غيره.

3) . الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. قتل في جمادى الآخرة عام 126 و كان فاسقاً شرّيباً للخمر.

4) . الملقّب بالنفس الزكية، قتل بالمدينة في خلافة المنصور عام 145 ه.

إلى آخر ما قال. فلمّا تمّ كلامه أجابه الإمام بكلام مسهب. و في آخر كلامه: «اتّق اللّٰه يا عمرو و أنتم أيها الرّهط، فاتّقوا اللّٰه، فإنّ أبي حدّثني و كان خير أهل الأرض و أعلمهم بكتاب اللّٰه و سنّة رسوله أنّ رسول اللّٰه قال: من ضرب الناس بسيفه و دعاهم إلى نفسه و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالّ متكلِّف».(1)

روى الصدوق في عيونه عن عليّ الرضا عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام قال: «دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد اللّه، فلمّا سلّم و جلس عنده تلا هذه الآية: «اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ اَلْإِثْمِ»(2)ثمّ سأل عن الكبائر فأجابه عليه السلام فخرج عمرو بن عبيد و له صراخ من بكائه و هو يقول: هلك و اللّٰه من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم».(3)

3 - أبو الهذيل العلّاف (135-235 ه)

اشارة

أبو الهذيل محمّد بن الهذيل العبدي - نسبة إلى عبد القيس - و كان مولاهم و كان يلقّب بالعلّاف، لأنّ داره في البصرة كانت في العلّافين(4).

قال ابن النديم: «كان شيخ البصريّين في الاعتزال و من أكبر علمائهم


1) . بحار الأنوار: 213/47-215.

2) . الشورى: 37.

3) . بحار الأنوار: 19/47، باب مكارم أخلاقه، الحديث 13.

4) . أمالي المرتضى: 178/1؛ وفيات الأعيان: 265/4-267 رقم الترجمة 606. و قد قيل في تاريخ وفاته غير هذا نقله المرتضى في أماليه.

و هو صاحب المقالات في مذهبهم و مجالس و مناظرات.

نقل ابن المرتضى عن صاحب المصابيح أنّه كان نسيج وحده و عالم دهره و لم يتقدّمه أحد من الموافقين و لا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه، ثمّ انقطع عنه مدّة و نظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك فخيّل إليّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلّا به لتصرّفه فيه و حذقه في المناظرة فيه.(1)

قال القاضي: «و مناظراته مع المجوس و الثنويّة و غيرهم طويلة ممدودة و كان يقطع الخصم بأقلّ كلام. يقال إنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل».

قال المبرّد: «ما رأيت أفصح من أبي الهذيل و الجاحظ، و كان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدته في مجلس و قد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت... و في مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت»(2).

و ما ناظر به المخالفين دليل على نبوغه المبكر و تضلّعه في هذا الفن، فلنذكر بعضه:

1 - مات ابن لصالح بن عبد القدّوس الّذي يرمى بالزندقة، فجزع


1) . فهرست ابن النديم: 225-226.

2) . المنية و الأمل: 26-27.

عليه، فقال له أبو الهذيل: «لا أعرف لجزعك عليه وجهاً، إذ كان الناس عندك كالزرع، فقال صالح:

يا أبا الهذيل إنّما أجزع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب «الشكوك». فقال: ما هذا الكتاب يا صالح؟

قال: هو كتاب قد وضعته، من قرأه يشك فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، و يشكّ فيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان.

فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك، و اعمل على أنّه لم يمت و إن كان قد مات. و شكّ أيضاً في قراءته كتاب «الشكوك» و إن كان لم يقرأه»(1).

2 - بلغ أبا الهذيل في حداثة سنّه أنّ رجلاً يهوديّاً قدم البصرة و قطع جماعة من متكلّميها، فقال لعمّه: «يا عمّ امض بي إلى هذا اليهودي حتّى أُكلّمه. فقال له عمّه: يا بنيّ كيف تكلّمه و قد عرفت خبره، و أنّه قطع مشايخ المتكلّمين! فقال: لا بدّ من أن تمضي بي إليه. فمضى به. قال: فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى عليه السلام، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتّفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه، فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألني؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لي: أ تعترف بأنّ موسى نبيّ صادق أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألني عنه هو الّذي بشّر بنبيّي عليه السلام و شهد بنبوّته و صدّقه فهو نبيّ صادق، و إن كان غير من وصفت، فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته؛ فورد عليه ما لم يكن في حسابه، ثمّ


1) . الفهرست لابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 204؛ وفيات الأعيان: 265/4-266.

قال لي: أ تقول إنّ التوراة حقّ؟ فقلت: هذه المسألة تجري مجرى الأُولى، إن كانت هذه التوراة الّتي تسألني عنها هي الّتي تتضمّن البشارة بنبيّي عليه السلام فتلك حقّ، و إن لم تكن كذلك فليست بحقّ، و لا أقرّ بها.

فبهت و أُفحم و لم يدر ما يقول. ثمّ قال لي: أحتاج أن أقول لك شيئاً بيني و بينك، فظننت أنّه يقول شيئاً من الخير، فتقدّمت إليه فسارّني فقال لي: أُمّك كذا و كذا و أُمّ من علّمك، لا يكنّي، و قدّر أنّي أثب به، فيقول: وثبوا بي و شغبوا عليّ، فأقبلت على من كان في المجلس فقلت: أعزّكم اللّٰه، أ لستم قد وقفتم على سؤاله إيّاي و على جوابي إيّاه؟ قالوا: بلى، قلت: أ فليس عليه أن يردّ جوابي أيضاً؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنّه لمّا سارّني شتمني بالشتم الّذي يوجب الحدّ، و شتم من علّمني، و إنّما قدّر أنّني أثب عليه، فيدّعي أنّنا واثبناه و شغبنا عليه، و قد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع فانصروني، فأخذته الأيدي من كلّ جهة فخرج هارباً من البصرة».(1)

أقول: إنّ ما طرحه الرجل اليهودي من الشبهة كانت شبهة دارجة لأهل الكتاب يتمسّكون بها كلّ منهم من غير فرق بين اليهودي و المسيحي. و قد سأل الجاثليق النصراني الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في مجلس المأمون عن هذه الشبهة، فقال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسى و كتابه هل تنكر منهما شيئاً؟ قال الرضا عليه السلام: «أنا مقرّ بنبوّة عيسى و كتابه... و كافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و كتابه و لم يبشّر به أُمّته»(2).


1) . أمالي المرتضى: 178/1-179.

2) . الاحتجاج للشيخ الطبرسي: 202/2 و للمناظرة صلة، من أراد فليراجع.

إنّ الإمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قدم خراسان عام 199، و توفّي بها عام 203 ه، و كانت المناظرات خلال هذه السنوات دائرة و مجالسها بالعلماء و الأُدباء حافلة، فنقلوا ما دار بين الإمام و الجاثليق إلى العواصم الإسلاميّة. فليس من البعيد أن يكون أبو الهذيل قد اقتبس كلامه من الإمام عليه السلام، كما أنّ من المحتمل أن يكون من باب توارد الخاطر.

3 - أتى إليه رجل فقال: «أُشكل عليّ أشياء من القرآن فقصدت هذا البلد فلم أجد عند أحد ممّن سألته شفاء لما أردته، فلمّا خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: إنّ بغيتك عند هذا الرجل فاتّق اللّٰه و أفدني، فقال أبو الهذيل ما ذا أشكل عليك؟ قال:

آيات من القرآن توهمني أنّها متناقضة و آيات توهمني أنّها ملحونة. قال: فما ذا أحبّ إليك، أُجيبك بالجملة أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة، فقال أبو الهذيل: هل تعلم أنّ محمّداً كان من أوساط العرب و غير مطعون عليه في لغته، و أنّه كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللّهمّ نعم، قال أبو الهذيل: فهل تعلم أنّ العرب كانوا أهل جدل؟ قال:

اللّهمّ نعم، قال: فهل اجتهدوا عليه بالمناقضة و اللّحن؟ قال: اللّهمّ لا، قال أبو الهذيل: فتدع قولهم على علمهم باللّغة و تأخذ بقول رجل من الأوساط؟ قال: فأشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، قال: كفاني هذا و انصرف و تفقّه في الدين»(1).


1) . طبقات المعتزلة للقاضي: 254.

تآليفه

بينما لم يذكر ابن النديم أيّ تأليف لأبي الهذيل يحكي ابن المرتضى عن يحيى بن بشر أنّ لأبي الهذيل ستّين كتاباً في الردّ على المخالفين في دقيق الكلام.(1)

نعم، ذكر ابن النديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن أنّ لأبي الهذيل العلّاف كتاباً في ذلك الفن.(2)

قال ابن خلّكان: «و لأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس، و كان «ميلاس» رجلاً مجوسياً و أسلم، و كان سبب إسلامه أنّه جمع بين أبي الهذيل و بين جماعة من الثنويّة، فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس عند ذلك».(3)

و ذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل هما «الحجج» و «القوالب» و الثاني ردّ على الدهريّة.(4)

أقول: إنّ من سبر كتاب «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي يعرف حقده على المعتزلة و على ذوي الفكر و لذلك ترجمه بصورة تكشف عن عمق غيظ له، فقال: «كان مولى لعبد القيس و قد جرى على منهاج أبناء


1) . المنية و الأمل: 25.

2) . الفهرست لابن النديم: الفن الثالث من المقالة الأُولى ص 39.

3) . وفيات الأعيان: 266/4.

4) . الفرق بين الفرق: 124.

السبايا لظهور أكثر البدع منهم، و فضائحه تترى تكفِّره فيها سائر فرق الأُمّة من أصحابه في الاعتزال و من غيرهم، و للمعروف بالمزدار من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل، و في تكفيره بما انفرد به من ضلالته. و للجبّائي أيضاً كتاب في الردّ على أبي الهذيل في المخلوق، يكفّره فيه، و لجعفر بن حرب المشهور في زعماء المعتزلة أيضاً كتاب سمّاه «توبيخ أبي الهذيل» و أشار بتكفير أبي الهذيل، و ذكر فيه أنّ قوله يجرّ إلى قول الدهريّة»(1).

تشيّعه

قال ابن المرتضى: «ذكروا أنّه صلّى عليه أحمد بن أبي دؤاد القاضي فكبّر عليه خمساً، ثمّ لمّا مات هشام بن عمرو فكبّر عليه أربعاً، فقيل له في ذلك (ما وجه ذلك)؟ فقال: «إنّ أبا الهذيل كان يتشيع لبني هاشم فصلّيت عليه صلاتهم. و أبو الهذيل كان يفضّل عليّاً على عثمان. و كان الشيعي في ذلك الزمان من يفضّل عليّاً على عثمان»(2).

و هذا يكشف عن أنّ التشيّع ربّما يستعمل في تفضيل الإمام عليه السلام على خليفة أو على الخلفاء الثلاث فقط، و لا يلازم التشيّع القول بكون عليّ هو خليفة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بلا فصل. فإنّ هذا هو التشيّع بالمعنى الأخصّ.

قال ابن أبي الحديد: «سئل شيخنا أبو الهذيل أيّما أعظم منزلة عند اللّٰه:


1) . الفرق بين الفرق: 121-122.

2) . المنية و الأمل: 28.

عليّ عليه السلام أم أبو بكر؟ فقال: و اللّٰه لمبارزة عليّ عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين و الأنصار و طاعاتهم كلّها، فضلاً عن أبي بكر»(1).

وفاته

إذا كانت ولادة أبي الهذيل 135 و وفاته 235، فقد توفّي الرجل عن عمر يناهز المائة.

و يقول ابن خلّكان: «و كان قد كفّ بصره، و خرف في آخر عمره إلّا أنّه كان لا يذهب عليه شيء من الأُصول، لكنّه ضعف عن مناهضة المناظرين و حجاج المخالفين و ضعف خاطره»(2).

و جرى ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» على ذمّ مشايخ المعتزلة و رميهم بقصص خرافيّة، فنقل أوّلاً عن بعض أصدقاء أبي الهذيل أنّه بذل مائة ألف درهم على الإخوان. ثمّ قال ردّاً على هذه القصّة: «و كان أبو الهذيل أهدى دجاجة إلى موسى بن عمران فجعلها تأريخاً لكلّ شيء، فكان يقول: فعلت كذا و كذا قبل أن أهدي إليك تلك الدجاجة أو بعد أن أهديت إليك تلك الدجاجة». ثمّ فرّع على ذلك و قال: «هذا نظر من لا يقسم على الاخوان عشرة أفلس فضلاً عن مائة ألف»(3).

«اللّهمّ لا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا».


1) . شرح نهج البلاغة: 60/19.

2) . وفيات الأعيان: 267/4.

3) . تأويل مختلف الحديث: 43.

كلمة بذيئة

عنون الخطيب شيخ المعتزلة محمّداً أبا الهذيل، و لكنّه جرى فيه كعادته فيهم بتسليط لسانه عليهم فقال: «شيخ المعتزلة»، و مصنّف الكتب في مذاهبهم و هو من أهل البصرة. ورد بغداد و كان خبيث القول. فارق إجماع المسلمين و ردّ نصّ كتاب اللّٰه عزّ و جلّ إذ زعم أنّ أهل الجنّة تنقطع حركاتهم فيها، حتّى لا ينطقوا نطقة و لا يتكلّموا بكلمة، فلزمه القول بانقطاع نعيم الجنّة عنهم و اللّٰه تعالى يقول: «أُكُلُهٰا دٰائِمٌ».(1)

و جحد صفات اللّٰه الّتي وصف بها نفسه، و زعم أنّ علم اللّٰه هو اللّٰه، و قدرة اللّٰه هي اللّٰه. فجعل اللّٰه علماً و قدرة - تعالى اللّٰه عمّا وصفه به علوّاً كبيراً -»(2).

يلاحظ عليه: أنّ النسبة الأُولى لم تثبت بعد، و هؤلاء هم الأشاعرة ينقلونه عن أبي الهذيل و أتباعه، و قد اعتذر أبو الحسين الخيّاط عن هذه النسبة في كتابه «الانتصار» و بما أنّ كتب الرجل قد ضاعت و عبث بها الزمان، فلا يصحّ في منطق العقل الجزم بذلك إلّا إذا تواتر النقل و هو مفقود.


1) . الرعد: 35.

2) . تاريخ بغداد: 366/3.

و أمّا النسبة الثانية فقد غفل عن مغزاها الخطيب فتصوّره أمراً شنيعاً مع أنّ أبا الهذيل يقصد بذلك الوصول إلى قمّة التوحيد، و هو نفي كون صفاته سبحانه زائدة على ذاته. لأنّ القول بالزيادة يستلزم التركيب (تركيب ذاته مع صفاته السبع الكماليّة) و قد أوضحناه في الجزء الثاني من كتابنا فراجع.(1)

و الّذي يندي الجبين أن يقذف الشيخ بأمر شنيع. نقل الخطيب عن أبي حذيفة: كان أبو الهذيل يشرب عند ابن لعثمان بن عبد الوهاب، قال: فراود غلاماً في الكنيف... إلى آخر ما ذكره في الوقيعة به الّتي يجب أن يحدّ القاذف و يبرأ المرميّ بها، و لكنّ الطائفيّة البغيضة دفعت الخطيب إلى نقل القصّة بلا اكتراث.

«إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ».(2)

4 - النظّام (160-231 ه)

اشارة

4 - النظّام (160-231 ه)(3)

إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام

النظّام: هو الشخصيّة الثالثة للمعتزلة و من متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال.


1) . ص 111-112، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه. و سيوافيك بيانه في الفصل المختص ببيان الأُصول الخمسة للمعتزلة.

2) . النور: 19.

3) . في ميلاده و وفاته أقوال أُخر و ما ذكرناه هو المؤيد بالقرائن.

قال ابن النديم: يكنّى أبا إسحاق، كان متكلّماً شاعراً أديباً و كان يتعنّف أبا نؤاس، و له فيه عدّة مقطّعات، و إيّاه عنى أبو نؤاس بقوله:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة *** حفظت شيئاً و غابت عنك أشياء

لا تحظر العفو إن كنت امرأً حرجاً *** فانّ حظركه بالدين إزراء(1)

و ذكره الكعبي في «ذكر المعتزلة» و قال: «هو من أهل البصرة ثمّ نقل آراءه الّتي تفرّد بها».(2)

و قال الشريف المرتضى: «كان مقدّماً في علم الكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق و الغوص على المعاني، و إنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرّد بها و استشنعت منه، تدقيقه و تغلغله و قيل: إنّه مولى الزياديين من ولد العبيد و إنّ الرق جرى على أحد آبائه»(3).

و ذكره القاضي عبد الجبّار في «طبقات المعتزلة» و قال: «إنّه من أصحاب أبي الهذيل و خالفه في أشياء».(4)


1) . فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة ص 205-206

2) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 70.

3) . أمالي المرتضى: 187/1.

4) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 264.

ذكاؤه المتوقّد

1 - روى الشريف المرتضى أنّ أبا النظّام جاء به و هو حدث إلى الخليل بن أحمد (المتوفّى 170 ه) ليعلِّمه فقال له الخليل يوماً يمتحنه - و في يده قدح زجاج -: يا بني، صف لي هذه الزجاجة، فقال: أ بمدح أم بذمّ؟ قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، و لا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف هذه النخلة، و أومأ إلى نخلة في داره، فقال: أ بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناظر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى، فقال الخليل: يا بنيّ، نحن إلى التعلّم منك أحوج.

قال الشريف المرتضى بعد نقل هذه القصّة: «و هذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه».(1)

2 - قال أبو عبيدة: «ما ينبغي أن يكون في الدنيا مثله، فإنّي امتحنته فقلت: ما عيب الزجاج؟ فقال على البديهة: يسرع إليه الكسر و لا يقبل الجبر»(2).

3 - روي أنّه كان لا يكتب و لا يقرأ و قد حفظ القرآن و التوراة


1) . أمالي المرتضى: 189/1.

2) . المنية و الأمل: 29.

و الانجيل و الزبور و تفسيرها مع كثرة حفظه الأشعار و الأخبار و اختلاف الناس في الفتيا.(1)

4 - قال الجاحظ: «الأوائل يقولون: في كلّ ألف سنة رجل لا نظير له. فإن كان ذلك صحيحاً فهو: أبو إسحاق النظّام»(2).

و لو صحّ ما نقلناه في حقّه، فهو يحكي عن كون المترجم له ذا نبوغ مبكر، و ذكاء وقّاد، و قابليّة كبيرة، و مثل هذا لو وقع تحت رعاية صحيحة و تربّى على يدي أُستاذ بارع يتجلّى نبوغه بأحسن ما يمكن و تتفجّر طاقاته لصالح الحقائق، و إدراك الواقعيّات، و إذا فقد مثل ذلك الأُستاذ البارع و هو على ما ذكرناه من المواهب و القابليّات انحرف انحرافاً شديداً، و تحرّكت طاقاته في اتّجاه الجناية على الحقائق و ظلم الواقعيات.

و لعلّ ما يحكى عن النظام من بعض الأفكار المنحرفة - إن صحّت - فذلك نتيجة النبوغ غير الموجّه، و القابليّة غير الخاضعة للإرشاد و الهداية.

و سيوافيك بعض أفكاره غير الصحيحة، غير أنّ أكثر مصادرها هي كتب الأشاعرة ك «مقالات الإسلاميين» للأشعري، و «الفرق بين الفرق» و غيرهما من كتب الأشاعرة الّذين ينظرون إلى المعتزلة بعين العداء و مخالفي السنّة.


1) . المنية و الأمل: 29.

2) . المنية و الأمل: 29.

نعم هجوم الأشاعرة عليه، و ردّ بعض المعتزلة عليه(1)يعرب عن شذوذ في منهجه، و انحراف في فكره.

5 - روى القاضي أنّه كان يقول عند ما يجود بنفسه: «اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أُقصّر في نصرة توحيدك و لم أعتقد مذهباً إلّا سنده التوحيد، اللّهمّ إن كنت تعلم ذلك فاغفر لي ذنوبي و سهِّل عليّ سكرات الموت». قال: فمات من ساعته.(2)

و لو صحّ هذا فلا يصحّ ما ينسب إليه البغدادي من أنّ النظّام كان أفسق خلق اللّٰه عزّ و جلّ و أجرأهم على الذنوب العظام و على إدمان شرب المسكر. و قد ذكر عبد اللّه بن قتيبة في كتاب «مختلف الحديث» أنّ النظّام كان يغدو على مسكر و يروح على مسكر و أنشد قوله في المسكر:

ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف *** و أستبيح دماً من غير مذبوح

حتّى انثنيت ولي روحان في بدن *** و الزقّ مطرح جسم بلا روح

ثمّ أخذ البغدادي في ذمِّه بكلمات رديئة لا تصلح للنقل، و قد عدّ البغدادي له أزيد من عشرين فضيحة، و جعل بعضها سبباً لكفره، غير أنّ بعضها ليس بفضيحة، و بعضها الآخر لا يوجب الكفر.(3)و البغداديّ في هذه


1) . لاحظ الفرق بين الفرق: 132 ترى ردود المعتزلة عليه. فقد ذكر أنّ لأبي الهذيل و الجبائي و الاسكافي و جعفر بن حرب ردوداً عليه.

2) . فضل الاعتزال: 264؛ المنية و الأمل: 29-30.

3) . الفرق بين الفرق: 131-150.

التهم و النسب - كما قال - تبع شيخ أصحاب الحديث ابن قتيبة حيث قال: «وجدنا النظّام شاطراً من الشطّار يغدو على سكر و يروح على سكر و يبيت على جرائرها و يدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش و الشائنات» ثمّ ذكر البيتين(1).

أ في ميزان النّصفة الاعتماد على قول الخصم عند القضاء عليه؟.

و ذكر الشهرستاني له مسائل انفرد بها و أنهاها إلى ثلاث عشرة مسألة.(2)و في قلمه نزاهة قابلة للتقدير بخلاف البغدادي في الفرق و نذكر نموذجين من هذه الفضائح المذمومة:

1 - قوله بانقسام كلِّ جزء لا إلى نهاية. فزعم البغدادي أنّ نتيجة ذلك القول إحالة كون اللّٰه تعالى محيطاً بأجزاء العالم، عالماً بها، و ذلك قول اللّٰه تعالى: «وَ أَحٰاطَ بِمٰا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ عَدَداً»(3).(4)

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ القائل ببطلان تركّب الجسم من أجزاء لا يتجزّأ، و أنّ كلّ جزء مفروض ينقسم إلى ما لا نهاية له، لا يعني به انقسام كلِّ جزء إلى ما لا نهاية له بالفعل، بحيث يكون في كلِّ ذرة أجزاء فعليّة مترتبة متسلسلة، بل المراد هو الانقسام بالقوّة، بمعنى أنّ الانقسام لا ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه عقلاً، لأنّ ما نفرضه جزءاً غير متجزّئ، شرقه غير غربه،


1) . تأويل مختلف الحديث: 17 و 18.

2) . الملل و النحل: 54/1-58.

3) . الجن: 28.

4) . الفرق بين الفرق: 139.

فيكون منقسماً بهذا الشكل إلى ما لا نهاية له، و إن كان ينتهي إلى جزء لا يمكن تقسيمه حسّاً لأجل ضعف أدوات التقسيم، و لكن هذا لا يصدّ التقسيم العقلي و لا يمنع منه.

و هذا واضح لمن أمعن النظر في أدلّة القائلين ببطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ. فالبغدادي خلط بين مسألة أجزاء غير متناهية بالفعل و مسألة أجزاء غير متناهية بالقوّة، و ما فرضه إشكالاً - على فرض صحّته في نفسه - إنّما يترتّب على الأوّل دون الثاني، لأنّ العالم على الفرض الثاني يكون متناهياً بالفعل، و يكون سبحانه محيطاً بأجزاء العالم، عالماً به، و إن كان غير متناه بالقوّة، لكن مناط العلم هو الأوّل لا الثاني.

و ثانياً: نفرض أنّ العالم له أجزاء غير متناهية، و لكنّه سبحانه أيضاً موجود غير متناه، على ما برهن عليه في محلّه، فلا يشذّ عن حيطة وجوده شيء، نعم من خصّ وجوده سبحانه بالعرش فوق السماوات لا محيص له عن توصيفه بالتناهي و اللّٰه سبحانه منزّه عن التناهي و أحكام الممكنات.

2 - قوله بأنّ الإنسان هو الروح و هو جسم لطيف تداخل بهذا الجسم، ثمّ رتّب عليه على زعمه إشكالات: منها؛ أنّ الإنسان على هذا لا يرى على الحقيقة و إنّما يرى الجسد الّذي فيه الإنسان.

و منها؛ أنّه يوجب أنّ الصحابة ما رأوا رسول اللّٰه و إنّما رأوا قالباً فيه الرسول، إلى غير ذلك من الإشكالات الواهية.

أقول: لا يظهر من القرآن كون الروح هو الجسم اللطيف المتداخل في

البدن، و لكنّه يظهر منه كون حقيقة الإنسان هي روحه، و أنّ واقعيَّته و شخصيّته بروحه لا بجسده. قال سبحانه: «قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»(1). إنّ كلمة «التوفّي» لا تعني الإماتة كما هو معروف، بل تعني الأخذ و القبض، فقوله سبحانه «يَتَوَفّٰاكُمْ» بمعنى يأخذكم و يقبضكم، فالآية ظاهرة في أنّ ملك الموت يأخذ الإنسان كلّه، و يكون محفوظاً عند ربّه، و هذا إنّما يتمّ و لو كان حقيقة الإنسان هو روحه و نفسه، لا روحه و جسمه، و إلّا يكون المأخوذ بعض الإنسان و جزءه، لوضوح أنّ ملك الموت يأخذ أحد الجزءين و هو الروح و يترك الجزء الآخر و هو يودع في القبر الّذي لا علاقة لملك الموت به.

و ما رتّب البغدادي على نظريّة النظّام من الإشكالات لا يستحقّ الردّ و النقد.

إذا عرفت هذين النموذجين الّذين عدّهما البغدادي من فضائح النظّام - و ليسا منها - فعند ذا يتبيّن وجوب دراسة آراء ذلك الرجل في جوّ هادئ بعيد عن الحقد و البغض حتّى يتّضح الحقّ عن الباطل، مع أنّه لا مصدر لنسبة هذه الآراء إلّا كتب الأشاعرة و بصورة ناقصة «الانتصار» لأبي الحسين الخيّاط، و ليس كتابنا هذا كتاباً كلاميّاً و إنّما هو كتاب تأريخ العقائد و لأجل ذلك نكتفي بهذا المقدار، غير أنّه نرى من الواجب التعرّض لعقيدة منسوبة إليه في إعجاز القرآن المعروفة بمذهب الصِّرفة.


1) . السجدة: 11.

النظّام و مذهب الصرفة في إعجاز القرآن

من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام، هو حصر إعجاز القرآن في الاخبار عن المغيبات، و أمّا التأليف و النّظم فقد كان يجوِّز أن يقدر عليه العباد لو لا أنّ اللّٰه منعهم بمنع.(1)

و قد نقل عنه البغدادي في «الفرق» بقوله: «إنّه أنكر إعجاز القرآن في نظمه».(2)

و قال الشهرستاني: «قوله في إعجاز القرآن إنّه من حيث الإخبار عن الأُمور الماضية و الآتية و من جهة صرف الدواعي عن المعارضة، و منع العرب عن الاهتمام به جبراً و تعجيزاً، حتّى لو خلّاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و فصاحة و نظماً».(3)

أقول: لا شكّ أنّ مذهب الصرفة في إعجاز القرآن مذهب مردود بنصّ القرآن و إجماع الأُمّة، لأنّ مذهب الصرف يرجع إلى أنّ القرآن لم يبلغ في مجال الفصاحة و البلاغة حدّ الإعجاز، حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته و مقابلته، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء و البلغاء، و لكنّه سبحانه يحول بينهم و بين الإتيان بمثله، إمّا بصرف


1) . مقالات الإسلاميين: 225.

2) . الفرق بين الفرق: 132.

3) . الملل و النحل: 56/1-57.

دواعيهم عن المعارضة، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة.

و من المعلوم أنّ تفسير إعجاز القرآن بمثل هذا باطل جدّاً، لأنّ القرآن عند المسلمين معجز لكونه خارق للعادة لما فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة:

1 - الفصاحة القصوى.

2 - البلاغة العليا.

3 - النظم المخصوص.

4 - الأُسلوب البديع.

فقد تجاوز عن حدِّ الكلام البشري و وصل إلى حدّ لا تكفي في الإتيان بمثله القدرةُ البشريّة.

يقول الطبرسى في تفسير قوله: «قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».(1)«معناه قل يا محمد لهؤلاء الكفّار: لئن اجتمعت الإنس و الجنّ متعاونين متعاضدين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من فصاحته و بلاغته و نظمه على الوجوه الّتي هو عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة و الدرجة القصوى من حسن النظم و جودة المعاني و تهذيب العبارة.. لعجزوا عن ذلك و لم يأتوا بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيراً»(2).

إنّ مذهب الصرفة كمذهب الصّدفة لدى المادِّيين في الوهن


1) . الإسراء: 88.

2) . مجمع البيان: 676/6.

و البطلان، فإنّه سبحانه أرفع شأناً من أن يأمر الإنسان و الجنّ بأن يباروا القرآن، و يرضى منهم بمباراة بعضه لو تعذّر عليهم الكلّ، ثمّ يعترض سبيلهم و يصرف منهم القوّة و الهمّة و يمنعهم من أن يأتوا بما أراد منهم مع قدرتهم عليه قبل عزم المباراة و المقابلة.

و لو صحّ وجه إعجازه في الصرفة، فيتمّ حتّى مع كونه كلاماً مغسولاً من الفصاحة، و مبذولاً مرذولاً للغاية، و كلّما حاول الإنسان أن يقابله، صرفت دواعيه و سلبت قدرته عن الإتيان بمثله، و هو كما ترى.(1)

مؤلّفاته

مع أنّه كثر اللّغط و الصياح حول آراء النظّام(2)فطبع الحال يقتضي أن يكون له عشرات المؤلّفات، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلينا أزيد ممّا يلي:

1 - التوحيد.


1) . و من أراد البحث حول تلك النظرية فعليه الرجوع إلى المصادر التالية: أوائل المقالات للشيخ المفيد: 31، بحار الأنوار: 1/12-32. المعجزة الخالدة للعلامة الشهرستاني: 92-93. مقال للكاتب الفكيكي في مجلّة رسالة الإسلام، العدد الثالث من السنة الثالثة، و العدد الأول من السنة الرابعة. الجزء الثاني من الإلهيات من محاضراتنا الكلامية التي قام بتحريرها الشيخ الفاضل حسن مكي العاملي.

2) . ألّف محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاباً مستقلاً حول آراء النظام و أسماه «إبراهيم بن سيار النظام» و طبع عام 1365 بالقاهرة و قد جمع آراءه عن مصادر مطبوعة و مخطوطة.

2 - العالم.(1)

3 - الجزء.(2)

4 - كتاب الردّ على الثنويّة(3).

و من أراد أن يرجع إلى متفرِّداته - إن صحّت النّسبة - فليرجع إلى «الملل و النحل» للشهرستاني، فإنّه جمعها تحت ثلاث عشرة مسألة، مع النزاهة و رعاية أدب البحث، خلافاً للبغدادي، فإنّ كلامه بعيد عن الأدب.

5 - أبو علي محمّد بن عبد الوهّاب الجبّائي (235-303 ه)

اشارة

هو أحد أئمّة المعتزلة في عصره، و إماماً في الكلام و يعرّفه ابن النديم في فهرسته بقوله: «هو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام و سهّله و يسّر ما صعب منه، و إليه انتهت رئاسة البصريّين في زمانه، لا يدافع في ذلك. و أخذ عن أبي يعقوب الشحّام.

و ورد البصرة و تكلّم مع من بها من المتكلّمين، و صار إلى بغداد، فحضر مجلس أبي... (كذا) الضّرير و تكلّم فتبيّن فضله و علمه، و عاد إلى العسكر. و مولده سنة 235 ه و توفّي سنة 303 ه».(4)

و قال ابن خلّكان: «إنّه أحد أئمّة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام،


1) . ذكرهما أبو الحسين الخياط في الانتصار: 14-172.

2) . مقالات الإسلاميين: 316/2.

3) . الفرق بين الفرق: 134.

4) . فهرست ابن النديم الفن الأول من المقالة الخامسة ص 217-218.

و أخذ هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد اللّه الشحّام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة و عنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام و له معه مناظرة روتها العلماء».(1)

قال الياقوت: «الجبّائي منسوب إلى «جبّا» بضمّ الجيم و تشديد الباء: بلد أو كورة من خوزستان، و من الناس من جعل عبّادان من هذه الكورة و هي في طرف من البصرة و الأهواز، حتّى جعل من لا خبرة له «جبّا» من أعمال البصرة و ليس الأمر كذلك - إلى أن قال -: «جبّا» في الأصل عجمي و كان القياس أن ينسب إليها جُبّوي، فنسبوا إليها جبّائي على غير قياس مثل نسبتهم إلى الممدود، و ليس في كلام العجم ممدود، و جبّا أيضاً من أعمال النهروان».(2)

و قد أثنى عليه ابن المرتضى في «المنية و الأمل» بما لا مزيد عليه فقال: «و هو الّذي سهّل علم الكلام و يسّره و ذلّله و كان مع ذلك فقيهاً ورعاً زاهداً جليلاً نبيلاً، و لم يتّفق لأحد من إذعان سائر طبقات المعتزلة له بالتقدّم و الرئاسة بعد أبي الهذيل مثله، بل ما اتّفق له هو أشهر أمراً و أظهر أثراً، و كان شيخه أبا يعقوب الشحّام، و لقى غيره من متكلّمي زمانه و كان على حداثة سنّه معروفاً بقوّة الجدل».(3)


1) . لاحظ الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 21، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

2) . معجم البلدان: 96/2-97.

3) . المنية و الأمل: 45.

مناظراته

1 - حضر من علماء المجبِّرة رجل يقال له صقر. فإذا غلام أبيض الوجه زجّ نفسه في صدر صقر و قال له: أسألك؟ فنظر إليه الحاضرون و تعجّبوا من جرأته مع صغر سنّه. فقال له: سل، فقال: هل اللّٰه تعالى يفعل العدل؟ قال: نعم، قال: أ فتسمّيه بفعله العدل عادلاً؟ قال: نعم، قال: فهل يفعل الجور؟ قال: نعم، قال: أ فتسمّيه جائراً؟ قال: لا، قال: فيلزم أن لا تسمّيه بفعله العدل عادلاً، فانقطع صقر، و جعل الناس يسألون من هذا الصّبي؟ فقيل: هو غلام من جبّاء.(1)

يلاحظ على تلك المناظرة: أنّه في وسع المجبِّر أن يقول: إن أسماءه سبحانه توقيفيّة و لا يصحّ لنا تسميته بما لا يسمّي به نفسه.

2 - روى ابن المرتضى أنّ أبا عليّ ناظر بعضهم في الإرجاء و أبو حنيفة و الزبير حاضران، فقال أبو حنيفة: إنّ أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد، فقال له: يا أبا عثمان إنّك أعجميّ و لست بأعجميّ اللسان و لكنّك أعجميّ الفهم. إنّ العرب إذا وعدت أنجزت، و إذا أوعدت أخلفت و أنشد شعراً:

إنّي و إن أوعدته و وعدته *** لمخلف إيعادي، و منجز موعدي


1) . المنية و الأمل: 46.

فقال أبو عليّ: إنّ أبا عثمان أجابه بالمسكت و قال له: إنّ الشاعر قد يكذب و قد يصدق، و لكن حدّثني عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ أَجْمَعِينَ»(1)إن ملأها أ تقول صدق؟ قال: نعم، و إن لم يملأها أ فتقول صدق؟ فسكت أبو حنيفة.

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه إنّما يخلف بما أوعده إذا عفا عن الكافر و المشرك و المسلم جميعاً، و أمّا إذا عفا عن المسلمين خاصّة فلا يلزم الكذب، لأنّه لا يستلزم خلف الإيعاد الوارد في الآية المباركة، و لا يلزم خلوّ جهنّم من الجنّة و الناس الّذي أشار اللّٰه إليه بقوله: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ أَجْمَعِينَ»، لأنّ من يجري عليه العفو أقلّ ممّن يكون محكوماً بدخول الجحيم، و ليس القائل بالعفو يقول بأنّ العفو يعمّ كلّ كافر و مشرك و مسلم، و إنّما يتحقّق في إطار محدود و مضيّق. كيف و قد وعد سبحانه على وجه الجزم و القطع بقوله: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ»(2)و ليس المراد من الغفران هو المغفرة لأجل التّوبة، لأنّ الغفران بعد التوبة يعمّ المشرك و غيره، و إنّما المراد هو الغفران و المغفرة بلا توبة و إنابة، و المشرك و المنافق لا يعمّهما العفو أبداً، و يكفي ذلك في تحقّق وعيد الربّ و صدق إخباره «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ».

و خلاصة القول: أنّ القائل بالعفو في مورد الإيعاد يدّعي قضيّة جزئيّة


1) . هود: 119؛ السجدة: 13.

2) . النساء: 48.

لا قضيّة كلّيّة استيعابيّة، و للبحث صلة تمرّ عليك عند البحث عن أُصول المعتزلة فارتقب.

ثمّ إنّ في وسع أبي عليّ أن يقابل شعر المناظر بشعر شاعر آخر و ينشد قوله:

إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأي *** شريف الآباء و البيت

لا يخلف الوعد و الوعيد و لا *** يبيت من ثاره على فوت(1)

تأليفاته

يظهر ممّا نقله ابن المرتضى أنّه غزير الإنتاج. قال: قال أبو الحسين: «و كان أصحابنا يقولون: إنّهم حرّروا ما أملاه أبو عليّ فوجدوه مائة ألف و خمسين ألف ورقة، قال: و ما رأيته ينظر في كتاب إلّا يوماً نظر في زيج الخوارزمي، و رأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمّد بن الحسن و كان يقول: إنّ الكلام أسهل شيء، لأنّ العقل يدلّ عليه»(2).

يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام كما يستمدّ من العقل، يستمدّ من الكتاب و السنّة الصحيحة خصوصاً فيما يرجع إلى ما بعد الموت، و أنّ الاستبداد بالعقل الشخصي من دون المراجعة لآراء من سبق من الأعاظم لا ينتج شيئاً


1) . المنية و الأمل: 48

2) . نفس المصدر: 47.

ناضجاً. فكما أنّ التقاء الأسلاك الكهربائيّة يوجب تفجّر النور و الطاقة، فهكذا التقاء الأفكار و الآراء يوجب اكتساح ظلمات الجهل من أمام المفكّر.

و يظهر من ابن المرتضى في ترجمة الأصمّ أنّ لأبي عليّ تفسيراً، قال: «و كان أبو عليّ لا يذكر أحداً في تفسيره إلّا الأصمّ».(1)و من المحتمل أن يكون المقصود أنّه لا يذكر من آراء الرجال في التفسير شيئاً إلّا عن الأصمّ.

و يظهر أيضاً منه - في ترجمة أبي محمّد عبد اللّه بن العبّاس الرامهرمزي تلميذه - أنّ لأبي عليّ كتباً في الردّ على أهل النجوم، و يذكر أنّ كثيراً منها يجري مجرى الأمارات الّتي يغلب الظنّ عندها.(2)

كما يظهر منه - في ترجمة الخراسانيّين الثلاثة الّذين خرّجوا على أبي عليّ و أخذوا عنه - أنّ أبا عليّ أملى كتاب «اللّطيف» لأبي الفضل الخجندي، ثالث الخراسانيّين.(3)

و نقل ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» عن الشيخ الأشعري أنّ له كتاباً في الردّ على كتاب «الأُصول» لأُستاذه أبي عليّ الجبّائي.(4)

إلى غير ذلك ممّا أهمل أرباب التراجم ذكره في ترجمته.


1) . المنية و الأمل: 33.

2) . نفس المصدر: 58.

3) . نفس المصدر: 65.

4) . تبيين كذب المفتري: 130.

لمحة من أحواله

روى ابن المرتضى و قال: قال أبو الحسن: «و كان من أحسن الناس وجهاً و تواضعاً - إلى أنّ قال -: و كان إذا روى عن النّبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال لعليّ و الحسن و الحسين و فاطمة: «أنا حرب لمن حاربكم، و سلم لمن سالمكم» يقول: العجب من هؤلاء النوابت(1)يروون هذا الحديث ثمّ يقولون بمعاوية».(2)

و روى عن عليّ عليه السلام أنّ رجلين أتياه فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه. فقال عليّ عليه السلام: «أما إنّ اللّٰه قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما».(3)

قال أبو الحسن: «و الرافضة لجهلهم بأبي عليّ و مذهبه يرمونه بالنصب، و كيف و قد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر، و لم ينقض كتاب الاسكافي المسمّى «المعيار و الموازنة في تفضيل عليّ على أبي بكر».(4)

إنّ العالم العابد رضي الدين ابن طاوس (المتوفّى سنة 664 ه) نقل كثيراً من آرائه في كتاب «سعد السعود» و نقضه، و لو صحّت نسبة تلك


1) . تطلق على الحشوية و من لفّ لفّهم.

2) . المنية و الأمل: 47.

3) . المنية و الأمل: 47.

4) . المنية و الأمل: 47.

الآراء إليه فهو مبغض للشيعة، و قد أنكر كثيراً من الحقائق التأريخية فراجعه.

6 - أبو هاشم الجبّائي (277-321 ه)

اشارة

عبد السلام بن محمّد بن عبد الوهّاب بن أبي عليّ الجبائي، قال الخطيب: «شيخ المعتزلة و مصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته».(1)

و قال ابن خلّكان: «المتكلّم المشهور، العالم بن العالم، كان هو و أبوه من كبار المعتزلة و لهما مقالات على مذهب الاعتزال، و كتب الكلام مشحونة بمذاهبهما و اعتقادهما. و كان له ولد يسمّى أبا عليّ و كان عامّياً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد فظنّه عالماً فأكرمه و رفع مرتبته. ثمّ سأله عن مسألة، فقال: «لا أعرف نصف العلم»، فقال له الصاحب: «صدقت يا ولدي، إلّا أنّ أباك تقدّم بالنصف الآخر».(2)

و قد حكى الخطيب عنه تأريخ ولادته، أنّه قال: «ولدت سنة سبع و سبعين و مائتين، و ولد أبي أبو عليّ سنة خمس و ثلاثين و مائتين و مات في شعبان سنة ثلاث و ثلاثمائة». قال أبو الحسن: و مات أبو هاشم في رجب سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة ببغداد و تولّيت دفنه في مقابر باب البستان من الجانب الشرقي، و قد توفّي في اليوم الّذي توفّي أبو بكر بن دريد. و عن


1) . تاريخ بغداد: 55/11.

2) . وفيات الأعيان: 183/3.

الحسن بن سهل القاضي: بينا نحن ندفن أبا هاشم إذ حملت جنازة أُخرى و معها جُميعَة عرفتهم بالأدب. فقلت لهم:

جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي بكر ابن دريد، فذكرت حديث الرشيد لمّا دفن محمّد بن الحسن و الكسائي بالري في يوم واحد. قال: و كان هذا في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة، فأخبرت أصحابنا بالخبر، و بكينا على الكلام و العربيّة طويلاً ثمّ افترقنا.

و علّق عليه الخطيب: «الصحيح أنّ أبا هاشم مات في ليلة السبت الثالث و العشرين من رجب سنة إحدى و عشرين، قال:

و كان عمره ستّاً و أربعين سنة و ثمانية أشهر و إحدى و عشرين يوماً».(1)

و قال القاضي نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه أنّه بلغ من العلم ما لم يبلغه رؤساء علم الكلام. و ذكر أنّه كان من حرصه يسأل أبا عليّ (والده) حتّى يتأذّى منه، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة و هو يقول لا تؤذنا و يزيد فوق هذا الكلام.

و كان يسأله طول نهاره ما قدر على ذلك، فاذا جاء اللّيل سبق إلى موضع مبيته لئلّا يغلق أبو عليّ دونه الباب، فيستلقي أبو عليّ على سريره، و يقف أبو هاشم بين يديه قائماً يسأله حتّى يضجره، فيحوّل وجهه عنه، فيتحوّل إلى وجهه، و لا يزال كذلك حتّى ينام، و ربّما سبق أبو عليّ فأغلق الباب دونه. قال: و من هذا حرصه على ما اختصّ به من الذكاء، لم يتعجّب من تقدّمه.(2)


1) . تاريخ بغداد: 56/11.

2) . طبقات المعتزلة للقاضي: 304.

كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً و أطلقهم وجهاً، و استنكر بعض الناس خلافه مع أبيه (في المسائل الكلاميّة) و ليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إياه. و قال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك شعراً و هو قوله:

يقولون بين أبي هاشم *** و بين أبيه خلاف كبير

فقلت و هل ذاك من ضائر *** و هل كان ذلك ممّا يضير

فخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا *** لبحر تضايق عنه البحور

فان أبا هاشم تلوه *** إلى حيث دار أبوه يدور

و لكن جرى في لطيف الكلام(1)*** كلام خفي و علم غزير

فإيّاك إيّاك من مظلم *** و لا تعد عن واضح مستنير(2)

تأليفاته

ذكر ابن النديم لأبي هاشم كتباً، و قال: «أبو هاشم عبد السلام بن محمّد الجبّائي، قدم مدينة السلام سنة 314 و كان ذكيّاً حسن الفهم، ثابت الفطنة، صانعاً للكلام، مقتدراً عليه، قيّماً به، و توفّي سنة 321 ه. و له من الكتب:


1) . المراد من لطيف الكلام، المباحث التي لها صلة لاثبات بعض العقائد الاسلاميّة و ليست منها، كالبحث عن الجوهر و العرض و الأكوان و الأفلاك و في الحقيقة كان البحث عنها تبعاً للفلاسفة

2) . طبقات المعتزلة للقاضي: 305.

1 - الجامع الكبير.

2 - كتاب الأبواب الكبير.

3 - كتاب الأبواب الصغير.

4 - الجامع الصغير.

5 - كتاب الإنسان.

6 - كتاب العوض.

7 - كتاب المسائل العسكريات.

8 - النقض على أرسطو أرسطوطاليس في الكون و الفساد.

9 - كتاب الطبائع و النقض على القائلين بها.

10 - كتاب الاجتهاد كلام(1).

انتشار مذهبه

يظهر من البغدادي أنّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد و قد سمّى أتباعه بالبهشميّة و قال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبّائي، و أكثر معتزلة عصرنا على مذهبه، لدعوة ابن عبّاد وزير آل بويه إليه.(2)


1) . فهرست ابن النديم: الفن الأوّل من المقالة الخامسة، ص 222.

2) . تاريخ بغداد: 113/11.

تلاميذه

قد ذكر ابن المرتضى أبا هاشم في الطبقة التاسعة، و ذكر تلاميذه في الطبقة العاشرة، و قال: «اعلم أنّ هذه الطبقة تشتمل على من أخذ عن أبي هاشم و عمّن هو في طبقته مع اختلاف درجاتهم و تفاوت أحوالهم و قدّمنا أصحاب أبي هاشم لكثرتهم و براعتهم». ثمّ ذكر أسماء تلاميذه، فمن أراد فليرجع إليه.

7 - قاضي القضاة عبد الجبّار (ت نحو 324 - م 415 أو 416 ه)

اشارة

هو عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار الهمداني الأسدآبادي، الملقّب بقاضي القضاة، و لا يطلق ذلك اللّقب على غيره.

قال الخطيب: «كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع و مذاهب المعتزلة في الأُصول، و له في ذلك مصنّفات، و ولي قضاء القضاة بالري و ورد بغداد حاجّاً و حدّث بها.

و قال: مات عبد الجبّار بن أحمد قبل دخولي الري في رحلتي إلى خراسان، و ذلك في سنة 415»(1).

و ترجمه الحاكم الجشمي (المتوفّى عام 494 ه) في كتاب «شرح


1) . المصدر نفسه.

عيون المسائل» و عدّه من الطبقة الحادية عشرة من طبقات المعتزلة و قال: «يعدّ من معتزلة البصرة من أصحاب أبي هاشم لنصرته مذهبه».

قرأ على أبي إسحاق بن عيّاش أوّلاً، ثمّ على الشيخ أبي عبد اللّٰه البصري.(1)

و ليست تحضرني عبارة تنبئ عن محلِّه في الفضل و علوّ منزلته في العلم، فإنّه الّذي فتق الكلام و نشره و وضع فيه الكتب الجليلة الّتي سارت بها الركبان و بلغ المشرق و المغرب، و ضمّنها من دقيق الكلام و جليله ما لم يتّفق لأحد قبله، و طال عمره مواظباً على التدريس و الاملاء حتّى طبق الأرض بكتبه و أصحابه. و بَعُدَ صوته و عظم قدره و إليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتّى صار شيخها و عالمها غير مدافع، و صار الاعتماد على كتبه و مسائله حتّى نسخ كتب من تقدّم من المشايخ و قرب عهده، و شهرة حاله تغني عن الإطناب من وصفه. و فيه يقول أبو الأسعد الآبي في قصيدة له في التوحيد و العدل:

و يعدّ من مشايخ أهل العدل.

أم لكم مثل إمام الأُمّة *** قاضي القضاة سيّد الأئمّة

من بثّ دين اللّٰه في الآفاق *** و بتّ حبل الكفر و النفاق

و أصله من أسدآباد همدان، ثمّ خرج إلى البصرة و اختلف إلى مجالس


1) . كلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.

العلماء و كان يذهب في الأُصول مذهب الأشعريّة و في الفروع مذهب الشافعي، و لما حضر المجالس و ناظر و نظر عرف الحقّ، و انقاد و انتقل إلى أبي إسحاق بن عيّاش فقرأ عليه مدّة ثمّ رحل إلى بغداد و أقام عند الشيخ أبي عبد اللّه مدّة مديدة حتّى فاق الأقران و خرج واحد دهره و فريد زمانه، و صنّف و هو بحضرته كتباً كثيرة و كان ربّما يدرس بها و بالعسكر(1)و رامهرمز(2).

و ابتدأ بها إملاء «المغني» في مسجد عبد اللّه بن عبّاس متبرّكاً به. فلمّا قدم الريّ سألوه أن يجعله باسم بعض الكبار فأبى و استدعاه الصاحب إلى الريّ بعد سنة ستّين و ثلاثمائة فبقى بها مواظباً على التدريس إلى أن توفّي سنة 415 أو 416، فكان يدرس و يملي و كثر الانتفاع به و طار ذكره في الآفاق.

و روي أنّه كان في التفضيل بمذهب الشيخين(3)في التوقف، ثمّ رجع في آخر عمره إلى تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام و هو المذكور في كتبه.

و كان الصاحب يقول فيه مرّة: هو أفضل أهل الأرض، و أُخرى: هو أعلم أهل الأرض.(4)


1) . عسكر مكرم بلد مشهور من نواحي خوزستان.

2) . مدينة من بلاد خوزستان.

3) . هما الجبائيان أبو علي و أبو هاشم.

4) . مقدّمة فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 131.

اسلوبه في الكتابة

يظهر من ترجمة حياته أنّ كتابه الكبير «المغني» الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه و لم يكتبه ببنانه.

يقول الحاكم: كان رحمه الله يختصر في الإملاء و يبسط في الدرس على ضدّ ما كان يفعله الشيخ أبو عبد اللّه(1)فكان من حسن طريقته ترك الناس كتب من تقدّم. و لما فرغ من كتاب «المغني» بعث به إلى (الصاحب) فكتب (الصاحب) إليه كتاباً هذه صورته:

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

أتمّ اللّٰه على قاضي القضاة نعمته، و أجزل لديه منّته، لقد أتمّ من كتاب «المغني» ذخيرة للموحّد، و شجى للملحد، و عتاداً للحق، و سداداً للباطل، و إنّه كتاب تفخر به شرعتنا على الشرع، و نحلتنا على النحل، و أُمّتنا على الأُمم و ملّتنا على الملل، وفّقه اللّٰه له حين نامت الخواطر و كلّت الأوهام و ظنّ الظانّون باللّٰه أنّ العلم قد قبض و نخاعه قد ضعف، و أنّ شيوخه الأعلون (كذا) قد شالت نعامتهم و خفّت بضاعتهم، و وهن كاهلهم، و درج أفاضلهم، و لم يدروا أنّ في سرّ الغيب إن كان آخراً بالاضافة إليهم، إنّه الأوّل بالامامة عليهم، كذلك يفعل اللّٰه ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون. فليقرّ قاضي القضاة - أدام اللّٰه تمكينه - عيناً بما قدّم لنفسه و أخّر و اكتسب لغده و ذخر، و ليرينّ في ميزانه - إن شاء اللّٰه - من ثواب ما دأب فيه و احتسب


1) . هو الشيخ أبو عبد اللّه الحسين بن علي البصري من الطبقة العاشرة.

و سهر ليله و انتصب، صابراً على كدّ الخواطر و معانياً برد الأصايل إلى حرّ الهواجر، أثقل من أحد و أرزن، و أوفى من الرمل و أوزن «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً»(1)و ورد محمّد ولدنا بالنبإ العظيم و الصراط المستقيم من الجزء الأخير من كتاب «المغني» فقلت يا بشراي، هذا زاد المسافر، و كفاية الحاضر و تحفة المرتاد و طفقت أنشئ و أقول:

و لو أنشر الشيخان عمرو و واصل *** لقالا جوزيت الخير عنّا و أنعما

فأتمّ على قاضي القضاة نعمه، كما أورد علينا ديمه و السلام(2).

ثمّ إنّ الحاكم بسط الكلام في أسماء تآليفه، و قال: «إنّ له 400 ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فنًّ و كان موفّقاً في التصنيف و التدريس، و كتبه تتنوّع أنواعاً فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب.

ثمّ سرد أسماء كتبه البالغة إلى ثلاثة و أربعين، نأتي بها ملخّصاً:

1 - الدواعي و الصوارف.

2 - الخلاف و الوفاق.

3 - الخاطر.

4 - الاعتماد.

5 - المنع و التمانع.


1) . آل عمران: 30.

2) . الطبقتان 11 و 12 من كتاب شرح العيون ص 369-371 للحاكم الجشمي.

6 - كتاب ما يجوز فيه التزايد و ما لا يجوز.

7 - المغني.

8 - الفعل و الفاعل.

9 - المبسوط.

10 - المحيط.

11 - الحكمة و الحكيم.

12 - شرح الأُصول الخمسة.

13 - شرح الجامعين.

14 - شرح الأُصول.

15 - شرح المقالات.

16 - شرح الأعراض

و هذا كلّه في الكلام.

و منها في اُصول الفقه:

17 - النهاية.

18 - العمدة.

19 - شرحها.

و هناك كتب في النقض على المخالفين:

20 - نقض اللمع.

21 - نقض الامامة.

و هناك جوابات مسائل وردت عليه من الآفاق:

22 - الرازيات.

23 - العسكريات.

24 - القاشانيات.

25 - الخوارزميات.

26 - النيسابوريات.

و هناك كتب في الخلاف و المواعظ:

27 - الخلاف بين الشيخين.

28 - نصيحة المتفقّهة.

و له كتب تكلّم فيها على أهل الأهواء الخارجين عن الإسلام و غيرهم أوضح فيها الحقّ:

29 - شرح الآراء.

و له كتب في علوم القرآن:

30 - المحيط.

31 - الأدلّة.

32 - التنزيه.

33 - المتشابه.

34 - شهادات القرآن».

ثمّ قال الحاكم: «له كتب في كلّ فنّ بلغني اسمه أو لم يبلغ، أحسن فيها غاية الاحسان، نحو كتابه:

35 - التجريد.

36 - المكّيات.

37 - الكوفيات.

38 - الجمل.

39 - العهود.

40 - المقدّمات.

41 - الجدل.

42 - الحدود

إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، و ذكر جميع مصنّفاته يتعذّر».(1)

و من حسن حظّ القاضي دون سائر المعتزلة أنّه قد طبعت كميّة هائلة من كتبه في الآونة الأخيرة، و هذه الكتب رفعت الستار عن وجه عقائد


1) . الطبقتان 11 و 12 من شرح العيون: 267-269. للحاكم الجشمي تحقيق فؤاد سيّد. ط تونس.

المعتزلة و أغنتنا عن الرجوع إلى كتب خصومهم، فنذكر ما طبع:

1 - «تنزيه القرآن عن المطاعن»: طبع في بيروت، دار النهضة الحديثة.

و اسمه يحكي عن محتواه و يجيب فيه عن كثير من الأسئلة التي تدور حول الآيات.

قال في ديباجته: «فقد أملينا كتاباً يفصِّل بين المحكم و المتشابه. عرضنا فيه سور القرآن على ترتيبها و بينّا معاني ما تشابه من آياتها، مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها، ليكون النفع به أعظم».

و طبع أيضاً في القاهرة سنة 1326 ه.

2 - «طبقات المعتزلة»: و هو أساس «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى. نشره فؤاد سيّد، و أسماه «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة» مع كتاب «ذكر المعتزلة» للكعبي و «الطبقات الحادية عشرة و الثانية عشرة من شرح العيون» للحاكم الجشمي طبع سنة 1406 ه.

3 - «شرح الأُصول الخمسة»: نشره عبد الكريم عثمان في القاهرة سنة 1384 ه.

و هو كتاب مختصر جامع يعرض عقائد المعتزلة عامّة و عقيدة القاضي خاصّة، و هو أحسن كتاب لمن أراد أن يطّلع على عقائدهم، و قد أملاه على تلاميذه.

4 - «المغني»: و هو من الكتب المبسوطة في عقائد المعتزلة. اكتشفته البعثة المصريّة في اليمن عام 1952 م و قد عثر منه حتّى الآن على 14 جزءاً.

و الكتاب يقع في عشرين جزءاً، و إليك الأجزاء المطبوعة 4-5-6-7-8-9-11-12-13-14-15-1716-20.

و الجزء الأخير يختصّ بالإمامة و هو الّذي نقضه السيّد المرتضى و أسماه «الشافي» و طبع في مجلّد كبير، و لخّصه الشيخ الطوسي و أسماه «تلخيص الشافي» و طبع في جزءين.

5 - «المحيط بالتكليف»: تحقيق السيّد عزمي، طبع الدار المصريّة للتأليف، جمعه الحسن بن أحمد بن متّويه (المتوفّى 683 ه). لاحظ مقدّمة المحقّق.

6 - «متشابه القرآن»: تحقيق عدنان محمّد زر زور، طبع دار التراث في القاهرة في جزءين.

تلاميذه

و قد فصّل الكلام ابن المرتضى في تلاميذه و جعلهم من الطبقة 12 و أسماهم واحداً بعد آخر، منهم: أبو رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري و الشريف المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوي. أخذ عن قاضي القضاة عند انصرافه من الحجّ، إلى غير ذلك من تلاميذه.(1)

و قال الرضي في «شرح المجازات النبويّة» عند البحث عن حديث الرؤية: «ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر» قال: «و ممّا علّقته


1) . المنية و الأمل: 69-71.

عن قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند بلوغي في القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية أنّ من شروط قبول خبر الواحد أن يكون راويه عدلاً، و راوي هذا الخبر: قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد اللّه البجلي، و كان منحرفاً عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام و يقال إنّه كان من الخوارج، و ذلك يقدح في عدالته و يوجب تهمته في روايته، و أيضاً فقد كان رمي في عقله قبل موته و كان مع ذلك يكثر الرواية، فلا يعلم هل روى هذا الخبر في الحال الّتي كان فيها سالم التمييز أو في الحال الّتي كان فيها فاسد المعقول، و كلّ ذلك يمنع من قبول خبره، و يوجب إطراحه. ثمّ قال: و أقول أنا: و من شرط قبول خبر الواحد أيضاً مع ما ذكره قاضي القضاة من اعتبار كون راويه عدلاً، أن يعرى الخبر المرويّ من نكير السلف، و قد نقل نكير جماعة من السلف على راوي هذا الخبر. منهم العرباض بن سارية السلمي و هو من مختصّي الصحابة، روى عنه أنّه قال: من قال: إنّ محمّداً رأى ربّه فقد كذب. و روى أيضاً عن بعض أزواج النبيّ - عليه الصلاة و السلام - أنّها قالت: من زعم أنّ محمّداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على اللّٰه.

و قالت ذلك عند ذهاب بعض الناس إلى أنّ قوله تعالى «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ»(1)إنّما أُريد بها رؤية اللّٰه سبحانه لا رؤية جبرائيل كما يقوله أهل العدل. و أيضاً ففي هذا الخبر كاف التشبيه، لأنّه قال: «ترونه كما ترون القمر» الذي هو في جهة مخصوصة و على صفة معلومة. و إذا كان الأمر كما


1) . النجم: 13.

قلنا لم يكن للخبر ظاهر و احتجنا إلى تأويله كما احتجنا إلى ذلك في غيره»(1).

و قال أيضاً في تفسير قوله صلى الله عليه و آله و سلم «قيّدوا العلم بالكتاب»: «و ذكر لي قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم بالعمد في أُصول الفقه: إنّ هذه العلوم المخصوصة (العلوم العقليّة العمليّة كالتّحسين و التّقبيح العقليّين) إنّما سمّيت عقلاً، لأنّها تعقل من فعل المقبّحات، لأنّ العالم بها إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شيء من المقبّحات، منعه علمه بقبحه من ارتكابه و الإقدام على طرق بابه، تشبيهاً بعقال الناقة المانع لها من الشرود، و الحائل بينها و بين النهوض. و لهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنّه عاقل، لأنّ هذه العلوم غير حاصلة له، إذ هو عالم بالمعلومات كلّها لذاته.

قال: و قيل أيضاً إنّما سمِّيت هذه العلوم المخصوصة عقلاً، لأنّ ما سواها من العلوم يثبت بثباتها و يستقرّ باستقرارها تشبيهاً بعقال الناقة الّذي به تثبت في مكانها، و لمثل ذلك قيل معقل الجبل للمكان الذي يلجأ إليه و يعتصم به، و له سمّيت المرأة عقيلة، و هي الّتي يمنعها شرف بيتها و كرم أهلها و قوّة حزمها من الإقدام على ما يشينها، و التعرّض لما يعيبها. و الكلام في تفصيل هذه العلوم و بيان ما لأجله احتيج إلى كلّ واحد منها يطول و ليس هذا الكتاب من مظانّ ذكره و مواضع شرحه»(2).


1) . المجازات النبوية: 48-49.

2) . المجازات النبوية: 180-181.

الفصل الخامس: أعلام المعتزلة

اشارة

قد تعرّفت على أئمّة المعتزلة الّذين رسموا معالم المذهب. و هناك شخصيّات لامعة شاركوا الأئمّة في نضج المذهب و نشره، و لكنّهم دون الأئمّة في العلم و التفكير. و لأجل إيقاف القارئ على حياتهم و آرائهم و آثارهم نورد ترجمة قسم قليل منهم:

1 - أبو سهل بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 ه) مؤسّس مدرسة اعتزال بغداد

قال الشريف المرتضى: «هو من وجوه أهل الكلام و يقال: إنّ جميع المعتزلة بعده من مستجيبيه.

و قال أبو القاسم البلخي: إنّه من أهل بغداد و قيل من أهل الكوفة... و له أشعار كثيرة يحتجّ فيها على أهل المقالات».(1)


1) . أمالي المرتضى: 186/1-187.

و قال القاضي: «إنّه زعيم البغداديين من المعتزلة و له قصيدة طويلة يقال إنّها أربعون ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين، و يقال إنّ الرشيد حبسه حين قيل له: إنّه رافضيّ. فقال في السجن أبياتاً بعثها إليه فأفرج عنه». توفّي عام 210 ه.(1)

كما أرّخه الذهبي في «لسان الميزان».

2 - معمّر بن عبّاد السلمي (المتوفّى 215 ه) خريج مدرسة البصرة

يكنّى أبا عمرو و كان عالماً عدلاً و تفرّد بمذاهب و كان بشر بن المعتمر و هشام بن عمرو و أبو الحسين المدائني من تلامذته.

قال القاضي عبد الجبّار: «لمّا منع الرشيد من الجدال في الدين و حبس أهل علم الكلام، كتب إليه ملك السند: إنّك رئيس قوم لا ينصفون و يقلِّدون الرجال و يغلبون بالسيف، فإن كنت على ثقة من دينك فوجّه إليّ من أُناظره، فإن كان الحقّ معك تبعناك، و إن كان معي تبعتني. فوجّه إليه قاضياً، و كان عند الملك رجل من السمنية و هو الّذي حمله على هذه المكاتبة، فلمّا وصل القاضي إليه أكرمه و رفع مجلسه، فسأله السمني فقال: أخبرني عن معبودك هل هو القادر؟ قال: نعم، قال: أ فهو قادر على أن يخلق مثله؟ فقال القاضي: هذه المسألة من علم الكلام و هو بدعة، و أصحابنا ينكرونه.


1) . فضل الاعتزال للقاضي: 265.

فقال السمني: من أصحابك؟ فقال: فلان و فلان و عدّ جماعة من الفقهاء، فقال السمني للملك: قد كنت أعلمتك دينهم و أخبرتك بجهلهم و تقليدهم و غلبتهم بالسيف، قال: فأمر ذلك الملك القاضي بالانصراف، و كتب معه إلى الرشيد: إنّي كنت بدأتك بالكتاب و أنا على غير يقين ممّا حكي لي عنكم، فالآن قد تيقّنت ذلك بحضور هذا القاضي - و حكى له في الكتاب ما جرى.

فلمّا ورد الكتاب على الرشيد قامت قيامته، و ضاق صدره، و قال: أ ليس لهذا الدين من يناضل عنه؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين و جماعة منهم في الحبس. فقال: أحضروهم، فلمّا حضروا قال: ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال صبي من بينهم: هذا السؤال محال، لأنّ المخلوق لا يكون إلّا محدثاً، و المحدث لا يكون مثل القديم، فقد استحال أن يقال: يقدر على أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما استحال أن يقال: يقدر أن يكون عاجزاً أو جاهلاً، فقال الرشيد: وجّهوا بهذا الصبي إلى السند حتّى يناظرهم. فقالوا: إنّه لا يؤمّن أن يسألوه عن غير هذا، فيجب أن توجّه من يفي بالمناظرة في كلّ العلم.

قال الرشيد: فمن لهم؟ فوقع اختيارهم على معمّر، فلمّا قرب من السند بلغ خبره ملك السند فخاف السمني أن يفتضح على يديه و قد كان عرفه من قبل، فدسّ من سمّه في الطريق فقتله».(1)


1) . ذكر المعتزلة من كتاب المنية و الأمل: 31 و 32.

أقول: ما أجاب به الصبي صحيح، غير أنّ العبارة غير وافية، و المقصود: ما سألته (خلق المثل) محال لا نفس السؤال محال.

قال صاحب كتاب «المعتزلة»: «فلئن صحّت هذه القصّة فإنّها تعني أنّ الرشيد لم يجد في مملكته الواسعة من يدافع عن الإسلام غير المعتزلة.

و الواقع أنّ المعتزلة تحمّسوا لهذه القضية كثيراً، فلم يكتفوا بالردّ على المخالفين و تقطيعهم بل تعدّوا ذلك إلى التبشير بالدين الإسلامي و حمل الناس على اعتناقه فكانوا لا ينفكّون يرسلون وفودهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين».(1)

و يقول صفوان الأنصاري شاعر المعتزلة في مدح واصل و صحبه ما يظهر حقيقة الجهود الّتي بذلوها في سبيل الدفاع عن حوزة الدين و التبشير به:

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم *** تحكّم جبّار و لا كيد ساحر

إذا قال مرّوا في الشتاء تطاوعوا *** و إن كان صيفاً لم يخف شهر ناجر(2)


1) . المعتزلة: 44.

2) . البيان و التبيين: 37/1، نقلاً عن «المعتزلة»: 45. و الناجر: أشدّ أشهر الصيف حرّاً

3 - ثمامة بن الأشرس النميري (المتوفّى 213 ه) خرّيج مدرسة بغداد

قال ابن النديم: «نبيه من جلّة المتكلّمين المعتزلة، كاتب بليغ، بلغ من المأمون منزلة جليلة و أراده على الوزارة فامتنع».(1)

قال البغدادي: «كان زعيم القدريّة في زمن المأمون و المعتصم و الواثق، و قيل: إنّه هو الّذي دعا المأمون إلى الاعتزال».(2)

و قال ابن المرتضى: «ثمامة ابن الأشرس، يكنّى أبا معن النميري و كان واحد دهره في العلم و الأدب، و كان جدلاً حاذقاً.

قال أبو القاسم: قال ثمامة يوماً للمأمون: أنا أُبيّن لك القدر بحرفين و أزيد حرفاً للضعيف. قال: و من الضعيف؟ قال: يحيى بن أكثم، قال: هات، قال: لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إمّا كلّها من اللّٰه و لا فعل لهم، لم يستحقُّوا ثواباً و لا عقاباً و لا مدحاً و لا ذمّاً. أو تكون منهم و من اللّٰه، وجب المدح و الذمّ لهم جميعاً؛ أو منهم فقط، كان لهم الثواب و العقاب و المدح و الذّم. قال:

صدقت.(3)

أقول: ذهب عنه أنّ استناد الفعل إلى اللّٰه و العبد إنّما يقتضي الاشراك في الثّواب و العقاب أو المدح و الذّم إذا كانا فاعلين بالسويّة في جميع


1) . الفهرست لابن النديم، الفن الاول من المقالة الخامسة: 207.

2) . الفرق بين الفرق: 172.

3) . المنية و الأمل: 35.

المراحل، حتّى في مرحلة الجزء الأخير من العلّة التامّة للفعل كما إذا اشترك الفاعلان معاً في إنقاذ غريق أو قتل إنسان، و أمّا إذا كان أحدهما هو الجزء المؤثّر دون الآخر فيكون هو المسئول، و عليه الثواب و العقاب، و هذا هو الأمر بين الأمرين، و العبد غير مجبور و لا مفوّض، و التّفصيل في محله.

روى المرتضى أنّه سأل مجبر بشر بن المعتمر و قال له: «أنتم تحمدون اللّٰه على إيمانكم؟ قال: نعم، فقال له: فكأنّه (اللّٰه) يحبُّ أن يحمد على ما لم يفعل و قد ذمّ ذلك في كتابه. فقال له: إنّما ذمّ من أحبّ أن يحمد على ما لم يفعل ممّن لم يعن عليه، و لم يدع إليه. و هو يشغب إذ أقبل ثمامة بن أشرس، فقال بشر للمجبر: قد سألت القوم و أجابوك، و هذا أبو معن فاسأله عن المسألة، فقال له: هل يجب عليك أن تحمد اللّٰه على الإيمان؟ فقال: لا، بل هو يحمدني عليه، لأنّه أمرني به ففعلته، و أنا أحمده على الأمر به، و التقوية عليه، و الدعاء إليه، فانقطع المجبر، فقال بشر: شنُعتْ فسهُلت»(1).

و قال يوماً للمأمون: «إذا وقف العبد بين يدي اللّٰه تعالى يوم القيامة فقال اللّٰه تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا ربِّ أنت خلقتني كافراً و أمرتني بما لم أقدر عليه، و حلت بيني و بين ما أمرتني به و نهيتني عمّا قضيته عليّ و حملتني عليه أ ليس هو بصادق؟ قال: بلى، قال: فإنّ اللّٰه تعالى يقول: «يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصّٰادِقِينَ صِدْقُهُمْ»(2)أ فينفعه هذا الصدق؟


1) . أمالي المرتضى: 186/1؛ فضل الاعتزال: 273 و في المصدر الأخير: «سهّلت بعد ما صعبت».

2) . المائدة: 119.

فقال بعض الهاشميّين: و من يدعه يقول هذا أو يحتجّ (به). فقال ثمامة: أ ليس إذا منعه الكلام و الحجّة يعلم أنّه قد منعه من إبانة عذره، و أنّه لو تركه لأبان عذره؟ فانقطع»(1).

و قد ترجم له الخطيب في تأريخه، و من ظريف ما نقل عنه أنّه قال: شهدت رجلاً يوماً من الأيّام و قد قدّم خصماً إلى بعض الولاة فقال: أصلحك اللّٰه ناصبيّ رافضيّ جهمىُّ مشبِّه مجبّر قدريّ يشتم الحجّاج بن الزبير الّذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان و يلعن معاوية بن أبي طالب. فقال له الوالي: ما أدري ممّا أتعجّب؟ من علمك بالأنساب أو من معرفتك بالمقالات؟ فقال: أصلحك اللّٰه ما خرجت من الكتاب حتّى تعلّمت هذا كلّه».(2)

و قال الذهبي: «من كبار المعتزلة و من رءوس الضلالة، كان له اتّصال بالرشيد، ثمّ بالمأمون و كان ذا نوادر و ملح».(3)

و من أراد الوقوف على نوادره فعليه الرجوع إلى «المنية و الأمل» و «فضل الاعتزال» و قد اتّفقا على أنّ وجه اتّصاله بالخلفاء صار سبباً لوجود بعض الهزل في كلامه و قد اتّخذه طريقاً إلى ميلهم إليه ليتوصّل به إلى المعونة في الدين.


1) . فضل الاعتزال: 273؛ المنية و الأمل: 35 و 36.

2) . تاريخ بغداد: 146/7.

3) . ميزان الاعتدال: 371/1.

4 - أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ (المتوفّى قريباً من 225 ه) خرّيج مدرسة البصرة

قال القاضي: «كان من أفصح الناس و أفقههم و أورعهم. لكنّه ينفي الأعراض و له تفسير عجيب، و كان جليل القدر يكاتبه السلطان، و عنه أخذ ابن عليّة(1)العلم، و الذي نقم عليه أصحابنا بعد نفي الأعراض، ازوراره عن عليّ عليه السلام و كان أصحابنا يقولون: بلى بمناظرة هشام بن الحكم فيعلوه هذا و يعلوه هذا».(2)

5 - أبو موسى عيسى بن صبيح المردار (المتوفّى 226 ه)

اشارة

قال القاضي: «كان متكلّماً عالماً زاهداً و كان يسمّى راهب المعتزلة لعبادته، و يقال: إنّ أبا الهذيل حضر مجلسه و سمع قصصه بالعدل و حسن بيانه على اللّٰه تعالى و عدله و تفضّله، فقال: هكذا شهدت أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء، و أبي عثمان عمرو، و له كتب في الجليّ من الكلام و لمّا حضرته الوفاة ذكر أنّ ما كان في يديه من المال شبهة لم يدر ما حكمها، فأخرجها إلى المساكين تحرّزاً و إشفاقاً، و قيل فيه شعر:


1) . إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، توفي 193 أو 194.

2) . فضل الاعتزال: 267.

لكنّ من جمع المحاسن كلّها *** كهلٌ يقال لشيخه المردار(1)

تلاميذه

ذكر القاضي أنّ من تلاميذه الجعفرين و المراد: جعفر بن حرب و جعفر بن مبشر و ذكر ترجمتهما في الطبقة السابعة.

تأثير كلامه

إنّ جعفر بن حرب كان من الجند و كان في جنديّته (ن خ حداثته) يمرّ على أصحاب أبي موسى و يعبث بهم و يؤذيهم، فشكوا إلى أبي موسى فقال: تعهّدوا إلى أن يصير إلى مجلسي، فلمّا صار إلى مجلسه و سمع كلامه و وعظه مرّ (ظ خرج) حتى دخل الماء عارياً من ثيابه، و بعث إلى أبي موسى أن يبعث له ثياباً ليلبسها ففعل، ثمّ لزمه فخرج في العلم ما عرف به.

و كان أبو الوليد بشر بن وليد بن خالد الكندي قاضياً على مدينة للخليفة المأمون، و كان شديد القسوة على أبي موسى و أصحابه، فدخل إبراهيم بن أبي محمّد اليزيدي و هو رضيع المأمون عليه فأنشد هذه الأبيات:

يا أيّها الملك الموحِّد ربّه *** قاضيك بشر بن الوليد(2)حمار


1) . المصدر نفسه: 277 و 278

2) . هو أبو الوليد، بشر بن الوليد بن خالد الكندي قاضي مدينة منصور كما عرفت. توفّي سنة 238. لاحظ تاريخ بغداد: 80/7

ينفي شهادة من يبثّ بما به *** نطق الكتاب و جاءت الآثار

فالنفي للتشبيه عن ربِّ العلا *** سبحانه و تقدس الجبّار

و يعدّ عدلاً من يدين بأنّه *** شيخ تحيط بجسمه الأقطار

إنّ المشبِّه كافر في دينه *** و الدائنون بدينه كفّار

فاعزله و اختر للرعية قاضياً *** فلعلّ من يرضي و من يختار

عند المريسى(1)اليقين بربِّه *** لو لم يشب توحيده اجبار

و الدين بالارجاء مبنى أصله *** جهل و ليس له به استبشار

لكن من جمع المحاسن كلّها *** كهل يقال لشيخه المزدار(2)

6 - أبو جعفر محمّد بن عبد اللّه الاسكافي (المتوفّى 240 ه)

قال الخطيب: «محمد بن عبد اللّه أبو جعفر المعروف بالاسكافي أحد المتكلّمين من معتزلة البغداديّين، له تصانيف معروفة، و كان الحسين بن عليّ بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلّم معه و يناظره و بلغني أنّه مات في سنة أربعين و مائتين».(3)


1) . هو بشر بن غياث المريسي العدوي، كان يسكن بغداد و أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة و كان الشافعي من أصدقائه مدّة إقامته ببغداد. توفّي سنة 219. لاحظ تاريخ بغداد: 56/7.

2) . و قد ضبطه بعض المحقّقين بالزاء و بعده الدال. راجع فضل الاعتزال: 277-279.

3) . تاريخ بغداد: 416/5.

و قال ابن أبي الحديد: «كان شيخنا أبو جعفر الاسكافي رحمه الله من المتحقّقين بموالاة عليّ عليه السلام و المبالغين في تفضيله، و إن كان القول بالتفضيل عامّاً شائعاً في البغداديّين من أصحابنا كافّة إلّا أنّ أبا جعفر أشدُّهم في ذلك قولاً و أخلصهم فيه اعتقاداً».(1)

و قال أيضاً: «و أمّا أبو جعفر الاسكافي و هو شيخنا محمّد بن عبد اللّٰه الاسكافي، عدّه قاضي القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، مع عبّاد بن سليمان الصيمري، و مع زرقان، و مع عيسى بن الهيثم الصوفي، و جعل أوّل الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن، ثمّ أبا عثمان الجاحظ، ثمّ أبا موسى عيسى بن صبيح المردار، ثمّ أبا عمران يونس بن عمران... إلى أن قال: كان أبو جعفر فاضلاً عالماً صنّف سبعين كتاباً في علم الكلام».(2)

و هو الّذي نقض كتاب «العثمانيّة» على أبي عثمان الجاحظ في حياته، و دخل الجاحظ الورّاقين ببغداد، فقال: من هذا الغلام السواري الّذي بلغنا أنّه يعرض لنقض كتبنا و الاسكافي جالس، فاختفى حتّى لم يره».(3)

و كان أبو جعفر يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد و يبالغ في ذلك و كان علوي الرأي، محقّقاً منصفاً، قليل العصبيّة.(4)


1) . شرح ابن أبي الحديد: 63/4. و لكلامه ذيل نافع و لكنّه خارج عن موضوع البحث.

2) . لم نجد هذا النص في ترجمته في طبقات القاضي المطبوع و الذي حققه «فؤاد سيد». و هذا يعرب عن كون المطبوع ناقصاً محرّفاً. نعم ما بعد هذا النص موجود فيها.

3) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 276.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد؛ 133/17.

و ظاهر نصّ القاضي أنّه ألّف تسعين كتاباً في علم الكلام.(1)

و هذه صورة بعض كتبه: كتاب اللّطيف، كتاب البدل، كتاب الردّ على النظّام في أنّ الطّبعين المختلفين يفعل بهما فعلاً واحداً، كتاب المقامات في تفضيل عليّ عليه السلام، كتاب إثبات خلق القرآن، كتاب الردّ على المشبّهة، كتاب المخلوق على المجبِّرة، كتاب بيان المشكل على برغوث، كتاب التمويه نقض كتاب حفص، كتاب النقض لكتاب أبي الحسين النجّار، كتاب الردّ على من أنكر خلق القرآن، كتاب الشرح لأقاويل المجبِّرة، كتاب إبطال قول من قال بتعذيب الأطفال، كتاب جمل قول أهل الحقّ، كتاب النعيم، كتاب ما اختلف فيه المتكلّمون، كتاب الردّ على أبي حسين في الاستطاعة، كتاب فضائل عليّ عليه السلام، كتاب الأشربة، كتاب العطب، كتاب الردّ على هشام، كتاب نقض كتاب أبي شبيب في الوعيد(2).

و قد اشتهر من بين كتبه كتاب «النقض على العثمانيّة» للجاحظ، و هذا يدلّ على أنّ الرجل كان مبدئياً متحمّساً حيث قام بالمحاماة عن أكبر شخصيّة إسلاميّة من أهل بيت الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في العصر الذي استفحل الانحراف عن أهل البيت، و شاع التكالب على الدُّنيا بين الناس، و راج التقرّب إلى أرباب السلطة من بني العبّاس أعداء أهل البيت.

و لكن هذا الكتاب لم يصل لحدّ الآن إلى أيدي المحقّقين في عصرنا


1) . فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: 285.

2) . المعيار و الموازنة: 4.

هذا، غير ما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، و قد استقصى محمّد هارون المصري محقِّق كتاب العثمانيّة للجاحظ ما رواه ابن أبي الحديد عن كتاب النقض في شرحه، فجمعه و طبعه في آخر كتاب «العثمانيّة».

هذا، و قد نقل المقريزي في خططه آراء خاصّة عنه و هي ساقطة وضعها أعداؤه عليه. قال: «الاسكافيّة أتباع أبي جعفر محمّد بن عبد اللّه الاسكافي، و من قوله: إنّ اللّٰه تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، و يقدر على ظلم الأطفال و المجانين...»(1).

7 - أحمد بن أبي دؤاد (160-240 ه) خريج مدرسة بغداد

قال ابن النديم: «هو من أفاضل المعتزلة و ممّن جرّد في إظهار المذهب و الذّب عن أهله و العناية به، و هو من صنايع يحيى بن أكثم و به اتّصل بالمأمون، و من جهة المأمون اتّصل بالمعتصم و لم ير في أبناء جنسه أكرم منه و لا أنبل و لا أسخى».(2)

قال الذهبي: «أحمد بن أبي دؤاد القاضي جهمي بغيض، هلك سنة 240. قلّ ما روى».(3)

و في «العبر» أنّه قال: «قاضي القضاة كان فصيحاً مفوّهاً شاعراً جواداً


1) . الخطط المقريزيّة: 246/2.

2) . الفهرست لابن النديم: الفنّ الأوّل من المقالة الخامسة، ص 212.

3) . ميزان الاعتدال: 97/1، رقم الترجمة: 374.

و كان مع ذلك رأساً من رءوس الجهميّة و المعتزلة، و هو الّذي شغب على إمام أهل السنّة أحمد بن حنبل و أفتى بقتله، و قد غضب عليه و على آله المتوكّل العبّاسي سنة 237 فصادرهم و أخذ منهم ستّة عشر ألف ألف درهم و حبسه و مرض بالفالج، و مات سنة 240 ه».(1)

بذل القاضي أحمد بن دؤاد أقصى جهده في نشر الاعتزال و استغلّ السلطة الّتي جعلت له في ذلك السبيل بالترغيب تارة و بالترهيب أُخرى. و الحنابلة و الأشاعرة يواجهونه بالسبِّ و الشتم، لأنّه هو الّذي حاكم الإمام أحمد في قوله بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق فأفحمه.

و قد استخرج مؤلّف كتاب «المعتزلة» صورة المحاكمة من «الفصول المختارة» المطبوعة بهامش «الكامل» للمبرّد، و إليك بيانه:

ابن أبي دؤاد: أ ليس لا شيء إلّا قديم أو حديث؟

ابن حنبل: نعم.

ابن أبي دؤاد: أو ليس القرآن شيئاً؟

ابن حنبل: نعم.

ابن أبي دؤاد: أو ليس لا قديم إلّا اللّٰه؟

ابن حنبل: نعم.

ابن أبي دؤاد: القرآن إذاً حديث.


1) . العبر في خبر من غبر: 339/1.

ابن حنبل: لست أنا بمتكلّم.(1)

و هذه إحدى صور المحاكمة، و لها صور أُخر طوينا الكلام عن ذكرها و تأتي عند البحث عن محنة أحمد. و هذا يعرب عن براعة الرجل في مقام قطع الطريق على الخصم، و هذا و أشباهه ممّا دفع الحنابلة و الأشاعرة على التحامل و الازدراء بالرجل، و سيوافيك أنّ أكثر ما نقل في محنة الإمام من التشديد و التغليظ عليه، و دوسه بالأقدام و سحبه، يرجع إلى أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي المتعصّب لإمامه و ليس له مصدر في التأريخ سواه.

و قد نقل البغدادي حول و فاته قصّة أشبه بالاسطورة(2)، و كم له في كتابه «الفرق بين الفرق» من نظائر.

8 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 ه)

اشارة

قال القاضي نقلاً عن «المصابيح»: «إنّه نسيج وحده في العلوم، لأنّه جمع إلى علم الكلام و الفصاحة، العلم بالأخبار و الأشعار و الفقه و تأويل الكلام و هو متقدّم في الجدّ و الهزل، و له كتب في التوحيد و إثبات النبوّة و نظم القرآن و حدثه، و في فضائل المعتزلة».(3)

أقول: كتابه الأخير هو كتاب «فضيلة المعتزلة» الّذي ردّ عليه ابن


1) . المعتزلة: 175.

2) . الفرق بين الفرق: 174-175.

3) . فضل الاعتزال: 275.

الراوندي في كتاب خاصّ أسماه «فضيحة المعتزلة» ثمّ إنّ أبا الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 ه) ألّف كتاب «الانتصار» و انتصر فيه للجاحظ، و قد طبع الانتصار لأوّل مرّة في القاهرة عام 1925 م.

و من أحسن تصانيفه و أمتنها كتاب «الحيوان» في أربعة أجزاء، و «البيان و التبيين» في جزءين، و «البخلاء»، و «مجموع الرسائل»، و أردأها كتاب «العثمانيّة». و قد كتبت عن الجاحظ دراسات كثيرة بأقلام المستشرقين و العرب و من أراد فليرجع إلى:

كتاب: «الجاحظ معلّم العقل و الأدب» لشفيق جبري.

و كتاب: «أدب الجاحظ» لحسن السندوبي.

و كتاب: «الجاحظ» لفؤاد أفرام البستاني... و غيرها.

و إنّ أدب الرجل و اطّلاعه الوسيع شيء لا ينكر و تشهد عليه آثاره المطبوعة، و لكنّ الكلام في ورعه و تقاه و نفسيّته و روحيّته، فلا يشكّ من سبر حياته في طيّات المعاجم و الكتب أنّه لم يكن رجلاً مبدئيّاً أبداً، بل كان متقرّباً لفراعنة عصره، و كفى أنّه كان ملازماً لمحمّد بن عبد الملك المعروف بالوزير الزيّات. يقول ابن خلّكان: «كان محمّد المذكور شديد القسوة، صعب العريكة، لا يرقّ لأحد و لا يرحمه، و كان يقول: الرحمة خور في الطبيعة. و وقع يوماً على رقعة رجل توسّل إليه بقرب الجوار منه، فقال: الجوار للحيطان و التعطّف للنسوان.

فلمّا أراد المتوكّل قتله أحضره و أحضر تنّورَ خشب فيه مسامير من

حديد، أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة، كان محمّد اتّخذه ليعذّب فيه من يطالبه - و هو أوّل من عمل ذلك و عذّب فيه ابن أسباط المصري - و قال: أجرينا فيك حكمك في الناس.

فأجلس فيه. فمات بعد ثلاث و ذلك في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين، و قيل: إنّه كتب في التنّور بفحمة:

من له عهد بنوم *** يرشد الصبَّ إليه

رحم اللّٰه رحيماً *** دلّ عينيَّ عليه

و دفن و لم يعمق قبره فنبشته الكلاب و أكلته».(1)

هذا حال صديق الرّجل و زميله، فاعرف حاله من حاله. فإنّ الرجل على دين جليسه.

تلوّن الرجل في حياته

تدلّ آثاره على أنّ الرجل كان متلوّناً في حياته غير جانح إلى فئة، بل كان كالريشة في مهبّ الريح يميل مع كلّ ريح، فتارة يكون عثماني الهوى و يؤلّف كتاباً في ذلك، و يدعمه بكتاب آخر في إمامة المروانيّة و خلافة الشجرة الملعونة في القرآن، و أُخرى علويّاً يجمع الكلم القصار لعليّ عليه السلام يفضّل عليّاً على غيره. قال ابن قتيبة في شأنه: «تجده يحتجّ مرّة للعثمانيّة


1) . وفيات الأعيان: 102/5.

على الرافضة، و مرّة للزيديّة على العثمانيّة و أهل السنّة، و مرّة يفضّل عليّاً - رضي اللّٰه عنه - و مرّة يؤخّره... إلى أن قال:

و يعمل كتاباً يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الردّ عليهم تجوّز في الحجّة كأنّه انما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون و تشكيك الضعفة من المسلمين. و تجده يقصد في كتبه المضاحيك و العبث، يريد بذلك استمالة الأحداث و شرّاب النبيذ.

و يستهزئ من الحديث استهزاءً لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت و قرن الشيطان و ذكر الحجر الأسود و أنّه كان أبيض فسوّده المشركون، و قد كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا و يذكر الصحيفة الّتي كان فيها المنزل في الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها الشاة.

و هو مع هذا من أكذب الأُمّة و أوضعهم للحديث و أنصرهم للباطل»(1).

و قال المسعودي في «مروج الذهب» عند ذكر الدولة العبّاسية: «و قد صنّف الجاحظ كتاباً استقصى فيه الحجاج عند نفسه، و أيّده بالبراهين و عضده بالأدلّة فيما تصوّره من عقله و ترجمه بكتاب «العثمانيّة» يحلّ فيه عند نفسه فضائل عليّ عليه السلام و مناقبه، و يحتجّ فيه لغيره طلباً لإماتة الحقّ و مضادّة لأهله، و اللّٰه متمّ نوره و لو كره الكافرون.


1) . تأويل مختلف الحديث: 59-60.

ثمّ لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب «العثمانيّة» حتّى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانيّة و أقوال شيعتهم، و رأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية في الانتصار له من عليّ بن أبي طالب عليه السلام و شيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروانيّة و يؤيّد فيه إمامة بني أُميّة و غيرهم.

ثمّ صنّف كتاباً آخر ترجمه بكتاب «مسائل العثمانيّة» يذكر فيه ما فاته ذكره و نقضه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام و مناقبه فيما ذكرنا. و قد نقضت عليه ما ذكرنا من كتبه لكتاب العثمانيّة و غيره.

و قد نقضها جماعة من متكلّمي الشيعة كأبي عيسى الورّاق و الحسن بن موسى النّخعي(1)، و غيرهما من الشيعة ممّن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة مجتمعة و متفرّقة».(2)

و من أراد أن يقف على ضعف الرجل في مجال العفاف و الورع فعليه أن يرجع إلى ما نقله عنه ابن خلّكان في «وفيات الأعيان».(3)


1) . كذا في النسخة و الصحيح: النوبختي.

2) . مروج الذهب: 237/3-238.

3) . وفيات الأعيان: 471/3-473.

9 - أبو الحسين عبد الرّحيم بن محمّد المعروف بالخيّاط (المتوفّى 311 ه)، خريج مدرسة بغداد

ترجمه القاضي في «فضل الاعتزال» و قال: «كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر(1)، و له كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي و غيره. و هو أُستاذ أبي القاسم البلخي رحمه الله و ذكر أنّه لمّا أراد العود إلى خراسان من عنده أراد أن يجعل طريقه على أبي عليّ (الجبّائي) فسأله أبو الحسين بحقّ الصحبة أن لا يفعل ذلك، لأنّه خاف أن ينسب إلى أبي عليّ و هو من أحفظ الناس باختلاف المعتزلة في الكلام و أعرفهم بأقاويلهم.

و قد كان الشيخ أبو القاسم يكاتبه بعد العود من عنده حالاً بعد حال فيعرف من جهته ما خفى عليه».(2)

و من أشهر كتبه: «الانتصار» ردّ فيه على كتاب «فضيحة المعتزلة» لابن الراوندي، و طبع بالقاهرة - 1925 م.

و سأل أبو العبّاس الحلبي أبا الحسين الخيّاط فقال: «أخبرني عن إبليس هل أراد أن يكفر فرعون؟ قال: نعم، قال الحلبي:

فقد غلب إبليس


1) . يريد: جعفر بن مبشر بن أحمد بن محمد أبو محمد الثقفي المتكلم (المتوفّى سنة 234 ه) من معتزلة بغداد له ترجمة في تاريخ بغداد: 162/7؛ و لسان الميزان: 121/2.

2) . فضل الاعتزال: 29.

إرادة اللّٰه؟ قال أبو الحسين: هذا لا يجب فإنّ اللّٰه تعالى قال: «اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ وَ اَللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً»(1)، و هذا لا يوجب أن يكون أمر إبليس غلب أمر اللّٰه، فكذلك الإرادة، و ذلك لأنّ اللّٰه تعالى لو أراد أن يؤمن فرعون كرهاً لآمن.(2)

و بعبارة واضحة: إنّ إرادة كلّ منهما (اللّٰه سبحانه و إبليس المطرود) ليست إرادة تكوينيّة قاهرة سالبة للاختيار، بل إرادة أشبه بإرادة تشريعيّة يتراءى أنّها تعلّقت بفعل الغير، و هو مختار في فعله و عمله و تطبيقه على كلّ من الطّلبين، فليس في موافقته أو مخالفته أيّ غلبة من المريدين على الآخر. نعم لو كانت إرادة كلّ منهما إرادة تكوينيّة تعلّقت واحدة بإيمان فرعون و الأُخرى بكفره فكفر و لم يؤمن لزمت غلبة إرادة إبليس على إرادة اللّٰه تعالى.

و سئل عن أفضل الصحابة فقال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لأنّ الخصال الّتي فضّل الناس بها متفرّقة في الناس و هي مجتمعة فيه، و عدّ الفضائل فقيل فما منع الناس من العقد له بالإمامة؟ فقال: هذا باب لا علم لي به إلّا بما فعل الناس و تسليمه الأمر على ما أمضاه عليه الصحابة، لأنّي لمّا وجدت الناس قد عملوا و لم أره أنكر ذلك و لا خالف، علمت صحّة ما فعلوا»(3).


1) . البقرة: 268.

2) . المنية و الأمل: 49.

3) . المنية و الأمل: 49 و 50.

يلاحظ عليه: إذا أثبت كونه أفضل الصحابة، فتقدّم المفضول على الفاضل قبيح عقلاً، و به ردّ سبحانه اعتراض بني إسرائيل على جعل طالوت ملكاً. قال سبحانه: «وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ وَ اَللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ»(1).

و أمّا تسليم الإمام لعمل الصحابة فهو غير صحيح، فقد اعترض على عملهم مرّة بعد مرّة، و يكفي في ذلك خطبه و قصار حكمه و ما نقله عنه المؤرّخون(2).

هذا و أشباهه قابل للإغماض، و إنّما الكلام فيما نسب إلى الشيعة من النسب المفتعلة و الأكاذيب الشائنة. و إليك نماذج من قذائفه و طامّاته في كتاب «الانتصار»:

1 - الرافضة تعتقد أنّ ربّها ذو هيئة و صورة يتحرّك و يسكن و يزول و ينتقل، و أنّه كان غير عالم فعلم... إلى أن قال: هذا توحيد الرافضة بأسرها إلّا نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة و اعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم و تبرّأت منهم. فأمّا جملتهم و مشايخهم مثل هشام بن سالم، و شيطان الطاق،


1) . البقرة: 247.

2) . لاحظ: الامامة و السياسة: 11 لابن قتيبة و غيره.

و عليّ بن ميثم، و هشام بن الحكم بن منصور، و السكاك فقولهم ما حكيت عنهم.

2 - فهل على وجه الأرض رافضي إلّا و هو يقول: إنّ للّٰه صورة، و يروي في ذلك الروايات و يحتجّ فيه بالأحاديث عن أئمّتهم، إلّا من صحب المعتزلة منهم قديماً، فقال بالتوحيد فنفته الرافضة عنها و لم تقربه.

3 - يرون الرافضة أن يطأ المرأة الواحدة في اليوم الواحد مائة رجل من غير استبراء و لا قضاء عدّة. و هذا خلاف ما عليه أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم(1).

نحن لا نعلّق على تلك الأساطير شيئاً و إنّما نمرّ عليها كراماً.

10 - أبو القاسم البلخي الكعبي (273-317 أو 319) خريج مدرسة بغداد

اشارة

عبد اللّه بن أحمد بن محمود أبو القاسم البلخي. قال الخطيب: من متكلّمي المعتزلة البغداديين، صنّف في الكلام كتباً كثيرة و أقام ببغداد مدّة طويلة و انتشرت بها كتبه، ثمّ عاد إلى بلخ فأقام بها إلى حين وفاته. أخبرني القاضي أبو عبد اللّه الصيمري، (حدّثنا) أبو عبد اللّه محمّد بن عمران المرزباني، قال: كانت بيننا و بين أبي القاسم البلخي صداقة قديمة وكيدة، و كان إذا ورد مدينة السلام قصد أبي و كثر عنده، و إذا رجع إلى بلده لم تنقطع


1) . لاحظ: الانتصار: 8، 144، 89.

كتبه عنّا، و توفّي أبو القاسم ببلخ في أوّل شعبان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة».(1)

و قال ابن خلّكان: «العالم المشهور كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم «الكعبيّة» و هو صاحب مقالات، و من مقالته:

أنّ اللّٰه سبحانه و تعالى ليست له إرادة، و أنّ جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة و لا مشيئة منه لها، و كان من كبار المتكلّمين، و له اختيارات في علم الكلام، توفّي مستهلّ شعبان سنة سبع عشرة و ثلاثمائة. و الكعبي نسبة إلى بني كعب، و البلخي نسبة إلى بلخ إحدى مدن خراسان».(2)

و قد خفي على الخطيب و ابن خلّكان ما يهدف إليه الكعبي من نفي الإرادة و المشيئة عنه سبحانه، و قد اختار من أنظاره تلك النظريّة للازدراء عليه، و لكنّهما غفلا عن أنّ الكعبي لا يهدف إلى نفي الإرادة عن اللّٰه سبحانه حتّى يعرّفه كالفواعل الطبيعية، بل له هناك هدف سام لا يقف عليه إلّا العارف بالأُصول الكلاميّة، و هو أنّ الإرادة أو المشيئة حسب طبعها من الأُمور الحديثة الجديدة المسبوقة بالعدم فلا تتصوّر مثل هذه الإرادة للّٰه، أي الإرادة الحادثة القائمة بذاته.

و بعبارة واضحة: إنّ حقيقة الإرادة تلازم التجدّد و الحدوث و التجزي و التقضي، و مثل ذلك لا يليق بساحته سبحانه.

فلأجل ذلك يرى الكعبي


1) . تاريخ بغداد: 384/9.

2) . وفيات الاعيان: 45/3 رقم الترجمة 330.

تنزيهه سبحانه عن وصمة الحدوث و التجدّد. و مع ذلك لا يسلب عنه ما يعدّ كمالاً للإرادة، فإنّ الإرادة من الصفات العالية الكماليّة بما أنّها رمز للاختيار، و آية الحرّيّة، و هذا غير منفيّ عن اللّٰه سبحانه عند البلخي. و يدلّ على ذلك ما نقله ابن شاكر الكتبي في «عيون التواريخ» ما هذا لفظه، قال: «كان الكعبي تلميذ أبي الحسين الخيّاط و قد وافقه في اعتقاداته جميعاً، و انفرد عنه بمسائل. منها قوله: إنّ إرادة الرّبّ تعالى ليست قائمة بذاته، و لا هو يريد إرادته و (لا) إرادته حادثة في محلّ، بل إذا أطلق عليه: إنّه يريد، فمعناه أنّه عالم قادر غير مكره في فعله و لا كاره. و إذا قيل: إنّه مريد لأفعاله، فالمراد أنّه خالق لها على وفق علمه، و إذا قيل إنّه مريد لأفعال عباده، فالمراد أنّه راض بما أمر به».(1)

مؤلفاته

قال ابن حجر في «لسان الميزان»: «عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي أبو القاسم الكعبي من كبار المعتزلة، و له تصانيف في الطعن على المحدِّثين تدلّ على كثرة اطّلاعه و تعصّبه».(2)

غير أنّ أكثر هذه الكتب قد بطش بها الزمان و أضاعها كما أضاع أكثر


1) . باب ذكر المعتزلة من مقالات الاسلاميين، لأبي القاسم البلخي: 44، المقدمة، نقلاً عن عيون التواريخ: 106/7 مخطوطة دار الكتب.

2) . لسان الميزان: 252/3.

كتب المعتزلة و قد استقصى فؤاد سيّد في مقدّمته على كتاب «ذكر المعتزلة» لأبي القاسم البلخي أسماء كتبه و أنهاها إلى ستّة و أربعين كتاباً.

و قال النجاشي في ترجمة محمّد بن عبد الرحمن بن قبة: «و أخذ عنه ابن بطّة و ذكره في فهرسه و قال: و سمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة، له كتاب الانصاف في الإمامة و كتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي» ثمّ قال: «سمعت أبا الحسين المهلوس العلوي الموسوي رضى الله عنه يقول في مجلس الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسى و هناك شيخنا أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان - رحمهم اللّٰه أجمعين -: سمعت أبا الحسين السوسنجردي رحمه الله و كان من عيون أصحابنا و صالحيهم المتكلّمين و له كتاب في الإمامة معروف به و كان قد حجّ على قدميه خمسين حجّة - يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا عليه السلام بطوس فسلّمت عليه و كان عارفاً، و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف، فوقف عليه و نقضه ب «المسترشد في الإمامة» فعدت إلى الري، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه ب «المستثبت في الإمامة» فحملته إلى أبي القاسم فنقضه ب «نقض المستثبت» فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات رحمه الله».(1)


1) . رجال النجاشي: الرقم 1023.

مناظرته مع رجل سوفسطائي

حكى في كتابه «مقالات أبي القاسم» أنّه وصل إليه رجل من السوفسطائية راكباً على بغل، فدخل عليه فجعل ينكر الضروريات و يلحقها بالخيالات، فلمّا لم يتمكّن من حجّة يقطعه قام من المجلس موهماً أنّه قام في بعض حوائجه، فأخذ البغل و ذهب به إلى مكان آخر ثمّ رجع لتمام الحديث، فلمّا نهض السوفسطائي للذهاب و لم يكن قد انقطع بحجّة عنده طلب البغل حيث تركه فلم يجده، فرجع إلى أبي القاسم و قال: إنّي لم أجد البغل، فقال أبو القاسم: لعلّك تركته في غير هذا الموضع الّذي طلبته فيه، و خيِّل لك أنّك وضعته في غيره، بل لعلّك لم تأت راكباً على بغل و إنّما خيِّل اليك تخييلاً و جاءه بأنواع من هذا الكلام، فأظن أنّه ذكر أنّ ذلك كان سبباً في رجوع السوفسطائي عن مذهبه و توبته عنه.(1)

تلك عشرة كاملة من أعلام المعتزلة و فطاحلهم. و لعلّ هذا المقدار في ترجمة أئمّتهم و مشايخهم يوقفنا على موقفهم في الفضل و الفضيلة و هذا البحث الضافي يوقفك على أنّ تدمير تلك الطائفة - مع ما فيها، ما فيها - كانت خسارة لا تجبر.


1) . المنية و الأمل: 51.

الفصل السادس: في طبقات المعتزلة و مدارسهم

اشارة

المعتزلة تنقسم تارة بحسب الطبقات و أُخرى بحسب المدارس. أمّا الأوّل، فقد قسمها القاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 ه) إلى طبقات عشر. ثمّ جاء بعده الحاكم(1)فأضاف عليها طبقتين فصارت اثنتي عشرة طبقة.

و قد أدرجها ابن المرتضى في كتابه «المنية و الأمل» الّذي طبع منه هذا القسم فقط. و لأجل رفع الاشتباه في الاسم نعبّر عن كتاب القاضي بالطبقات، و عن هذا القسم باسم كلِّ الكتاب: المنية و الأمل.

إنّ ملاك التقسيم في ترتيب الطبقات هو التسلسل الزمني و الترتيب التأريخي. فالأساتذة في طبقة و التلامذة في طبقة بعدها. و من أراد الوقوف على أسمائهم و حياتهم فعليه المراجعة إلى المصادر السابقة بإضافة «ذكر


1) . المراد منه المتكلم المعتزلي الزيدي أبو سعد المحسن بن محمد كرامة الجشمي البيهقي صاحب المؤلفات، توفّي مقتولاً بمكة في شهر رجب سنة 465، أو 445. و توهمت المستشرقة سوسنه «ديفلد ملزر» أنّ المراد منه هو المحدث المشهور محمد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك المتوفّى عام 405 ه و هو وهم.

المعتزلة» للكعبي. و بما أنّ الاكتفاء بذكر الأسماء وحده لا يفيد شيئاً و التفصيل خارج عن موضوع البحث، فنحيل القارئ إلى الكتب المذكورة و نكتفي بذكر مدارس الاعتزال و بعض الفروق الموجودة بينها.

مدارس الاعتزال

إنّ مدارس الاعتزال لا تتجاوز مدرستين: مدرسة البصرة، و مدرسة بغداد. و الأُولى منهما مهد الاعتزال و مغرسه، و فيها برز واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد، و أبو الهذيل العلّاف و النظّام.

غير أنّه تأسّست في أواخر القرن الثاني مدرسة أُخرى في عاصمة الخلافة العبّاسيّة «بغداد» بمهاجرة أحد خرّيجي مدرسة البصرة إليها و هو بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 ه). فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال، و أثار التعدّد و البعد المكاني خلافات بين خرّيجي المدرستين في كثير من المسائل الفرعيّة بعد الاتفاق على المسائل الرئيسيّة.

و لكلّ من المدرستين مميّزات و مشخّصات يقف عليها من تدبّر في أفكار أصحابها و آرائهم. و لبعض المعتزلة رسائل مخصوصة في هذا المضمار.

غير أنّ الناظر فيما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي من مشايخه البغداديّين أنّهم يوافقون الشيعة أكثر من معتزلة البصرة.

و قد ألّف الشيخ

المفيد (المتوفّى 413 ه) رسالة باسم «المقنعة» في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روى عن الأئمّة عليهم السلام.(1)

و إليك بعض مشايخ المدرستين:

مشايخ مدرسة البصرة

1 - واصل بن عطاء (المتوفّى 131 ه).

2 - عمرو بن عبيد (المتوفّى 143 ه).

3 - أبو الهذيل العلّاف (المتوفّى 235 ه).

4 - إبراهيم بن سيّار النظّام (المتوفّى 231 ه).

5 - عليّ الأسوار (المتوفّى حوالى المائتين).

6 - معمر بن عباد السلمي (المتوفّى 220 ه).

7 - عبّاد بن سليمان (المتوفّى 220 ه).

8 - هشام الفوطي (المتوفّى 246 ه).

9 - عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 ه).

10 - أبو يعقوب الشحّام (المتوفّى 230 ه).

11 - أبو عليّ الجبّائي (المتوفّى 303 ه).


1) . أوائل المقالات: 25. و هذا الكتاب غير كتابه الآخر بهذا الاسم في الفقه.

12 - أبو هاشم الجبّائي (المتوفّى 321 ه).

13 - أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ البصري (المتوفّى 367 ه).

14 - أبو إسحاق بن عياش (شيخ القاضي).

15 - القاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 ه).

مشايخ مدرسة بغداد

1 - بشر بن المعتمر (المتوفّى 210 ه)، مؤسّس المدرسة.

2 - ثمامة بن الأشرس (المتوفّى 234 ه).

3 - جعفر بن المبشر (المتوفّى 234 ه).

4 - جعفر بن حرب (المتوفّى 236 ه).

5 - أحمد بن أبي دؤاد (المتوفّى 240 ه).

6 - محمّد الاسكافي (المتوفّى 240 ه).

7 - أبو الحسين الخيّاط (المتوفّى 311 ه).

8 - أبو القاسم البلخي الكعبي (المتوفّى 317 ه).

من أراد أن يقف على بعض آرائهم الّتي يخالفون فيها مشايخهم البصريّين فعليه بمطالعة شرح النهج لابن أبي الحديد، فإنّه يعرض آراءهم في شرحه في مجالات مختلفة.

الفصل السابع: في الأُصول الخمسة عند المعتزلة

[تمهيد]

اشارة

اشتهرت المعتزلة بأُصولها الخمسة، فمن دان بها فهو معتزلي و من نقص منها أو زاد عليها فليس منهم. و تلك الأُصول المرتّبة حسب أهمّيتها، عبارة عن: التوحيد، و العدل، و الوعد و الوعيد، و المنزلة بين المنزلتين، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فمن دان بها ثمّ خالف بقيّة المعتزلة في تفاصيلها أو في فروع أُخر لم يخرج بذلك عنهم.

قال الخيّاط: «فليس يستحقّ أحد منهم الاعتزال حتى يجمع القول بالأُصول الخمسة: التوحيد، و العدل، و الوعد و الوعيد، و المنزلة بين المنزلتين، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي».(1)

قال المسعودي (المتوفّى 345 ه) بعد سرد الأُصول الخمسة حسب ما سمعت منّا: «فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة و من اعتقد ما ذكرناه من الأُصول الخمسة، كان معتزليّاً، فان اعتقد الأكثر أو الأقلّ لم يستحقّ اسم


1) . الانتصار للخيّاط: 126.

الاعتزال، فلا يستحقّه إلا باعتقاد هذه الأُصول الخمسة. و قد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم».(1)

و العجب من ابن حزم (المتوفّى 456 ه) حيث زعم أنّ الأُصول الخمسة عبارة عن القول بخلق القرآن، و نفي الرؤية، و التشبيه و نفي القدر، و القول بالمنزلة بين المنزلتين، و نفي الصفات.(2)

فقد ذكر من الأُصول ثلاثة، حيث إنّ نفي القدر و خلق القرآن إيعاز إلى العدل(3)، كما أنّ نفي الصفات و الرؤية إشارة إلى التوحيد أي تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق، و أهمل اثنتين منها، أعني: الوعد و الوعيد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فإذا كان هذا مبلغ علم الرجل بأُصول الاعتزال الّذي هو أقرب إليه من الشيعة، فما ظنّك بعلمه بطوائف أُخرى كمعتقدات الشيعة الّذين يعيشون في بيئة بعيدة منه، و لأجل ذلك رماهم بنسب مفتعلة.

إيعاز إلى الأُصول الخمسة

و قبل كلّ شيء نطرح هذه الأُصول على وجه الإجمال حتّى يعلم ما ذا يريد منها المعتزلة، ثمّ نأخذ بشرحها واحداً بعد واحد فنقول:

1 - التوحيد: و يراد منه العلم بأنّ اللّٰه واحد لا يشاركه غيره فيما


1) . مروج الذهب: 222/3.

2) . الفصل: 113/2.

3) . سيأتي في الأصل الثاني أنّ القاضي أدخل البحث عن خلق القرآن تحت ذلك. و إن كان غير صحيح.

يستحقُّ من الصفات نفياً و إثباتاً على الحدّ الّذي يستحقّه. و سيوافيك تفصيله فيما بعد، و التوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان و وهم المثليّة و غيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه كالتجسيم و التشبيه و إمكان الرؤية و طروء الحوادث عليه، غير أنّ المهمّ في هذا الأصل هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه و نفي الرؤية، و غيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل، لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه إلّا القليل منهم.

2 - العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة، و أنّه لا يفعل القبيح، و أنّه لا يخلّ بما هو واجب عليه.

و على ضوء هذا لا يكذب في خبره، و لا يجور في حكمه، و لا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، و لا يُظهر المعجزة على أيدي الكذّابين، و لا يكلِّف العباد ما لا يطيقون، و ما لا يعلمون، بل يقدرهم على ما كلّفهم، و يعلِّمهم صفة ما كلّفهم، و يدلّهم على ذلك و يبيّن لهم «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»(1)، و أنّه إذا كلّف المكلّف و أتى بما كلّف على الوجه الّذي كلف فإنّه يثيبه لا محالة، و أنّه سبحانه إذا آلم و أسقم فإنّما فعله لصلاحه و منافعه و إلّا كان مخلّاً بواجب...

3 - الوعد و الوعيد: و المراد منه أنّ اللّٰه وعد المطيعين بالثواب، و توعّد العصاة بالعقاب، و أنّه يفعل ما وعد به و توعّد عليه لا محالة. و لا يجوز


1) . الأنفال: 42.

الخلف لأنّه يستلزم الكذب. فإذا أخبر عن الفعل ثمّ تركه يكون كذباً، و لو أخبر عن العزم، فبما أنّه محال عليه كان معناه الإخبار عن نفس الفعل، فيكون الخلف كذباً، و على ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة.

4 - المنزلة بين المنزلتين: و تلقّب بمسألة الأسماء و الأحكام، و هي أنّ صاحب الكبيرة ليس بكافر كما عليه الخوارج، و لا منافق كما عليه الحسن البصري، و لا مؤمن كما عليه بعضهم، بل فاسق لا يحكم عليه بالكفر و لا بالإيمان.

5 - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: و المعروف كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه، و المنكر كلّ فعل عرف فاعله قبحه أو دلّ عليه، و لا خلاف بين المسلمين في وجوبهما، إنّما الخلاف في أنّه هل يعلم عقلاً أو لا يعلم إلّا سمعاً؟ ذهب أبو عليّ (المتوفّى 303 ه) إلى أنّه يعلم عقلاً و سمعاً، و أبو هاشم (المتوفّى 321 ه) إلى أنّه يعلم سمعاً، و لوجوبه شروط تذكر في محلّها، و منها أن لا يؤدّي إلى مضرّة في ماله أو نفسه إلّا أن يكون في تحمّله لتلك المذلّة إعزاز للدّين.

قال القاضي: «و على هذا يحمل ما كان من الحسين بن عليّ عليهما السلام لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين اللّٰه عزّ و جلّ، و لهذا نباهي به سائر الأُمم فنقول: لم يبق من ولد الرّسول صلى الله عليه و آله و سلم إلّا سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتّى قتل دون ذلك».(1)


1) . الأُصول الخمسة: 142.

و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على ضربين:

أحدهما: إقامة ما لا يقوم به إلّا الأئمّة، كإقامة الحدود و حفظ بيضة الإسلام و سدّ الثغور و إنفاذ الجيوش و نصب القضاة و الأُمراء و ما أشبه ذلك.

و الثاني: ما يقوم به كافة الناس، و في المسلمين - كالإماميّة - من يقول بأنّ بعض المراتب منه كالجهاد الابتدائي مع الكفّار مشروط بوجود إمام معصوم مفترض الطاعة.

و هذا إلماع إلى معرفة الأُصول الخمسة الّتي يدور عليها فلك الاعتزال و قد أخذناها من شرح الأُصول الخمسة و قد أتى بها في الفصل الّذي عقده لبيان أُصول المعتزلة على وجه الاختصار. ثمّ أخذ بالتفصيل في ضمن فصول.

و المعتزلة قد اتّفقوا على هذه الأُصول و إن اختلفوا في تفاصيلها. نعم، إنّ هناك اختلافات فيها بين أصحاب المدرستين:

أصحاب مدرسة البصرة و على رأسهم واصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد، و النظّام و الجبائيان و القاضي، و أصحاب مدرسة بغداد و في مقدّمهم بشر بن المعتمر، و أبو الحسين الخيّاط، و أبو القاسم البلخي، و قد عرفت في الفصول السابقة ترجمة حياتهم.

هذه الأُصول الخمسة الّتي بها يناط دخول الرجل في سلك المعتزلة.

و قد ذكر الشهرستاني الأُصول الّتي اتّفقت المعتزلة عليها، من دون أن يفرّق بين ما يدخل في الأُصول الخمسة و ما هو خارج عنها، و إليك نصّه:

«القول بأنّ اللّٰه تعالى قديم، و القدم أخصّ وصف ذاته، و نفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حيّ بذاته، لا بعلم و قدرة و حياة. هي صفات قديمة، و معان قائمة به، لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الّذي هو أخصّ الوصف، لشاركته في الإلهيّة.

و اتّفقوا على أنّ كلامه محدث مخلوق في محلّ، و هو حرف و صوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه. فإنّ ما وجد في المحلّ عرض قد فني في الحال. و اتّفقوا على أنّ الإرادة و السمع و البصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها، و محامل معانيها كما سيأتي.

و اتّفقوا على نفي رؤية اللّٰه تعالى بالأبصار في دار القرار، و نفي التشبيه عنه من كلّ وجه: جهة، و مكاناً، و صورة و جسماً، و تحيّزاً، و انتقالاً، و زوالاً و تغيّراً و تأثّراً. و أوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، و سمّوا هذا النمط توحيداً.

و اتّفقوا على أنّ العبد قادر خالق لأفعاله خيرها و شرّها مستحقّ على ما يفعله ثواباً و عقاباً في الدار الآخرة. و الربّ تعالى منزّه أن يضاف إليه شرّ و ظلم، و فعل هو كفر و معصية، لأنّه لو خلق الظلم كان ظالماً، كما لو خلق العدل كان عادلاً.

و اتّفقوا على أنّ اللّٰه تعالى لا يفعل إلّا الصلاح و الخير، و يجب من

حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، و أمّا الأصلح و اللّطف ففي وجوبه عندهم خلاف. و سمّوا هذا النمط عدلاً.

و اتّفقوا على أنّ المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة و توبة، استحقّ الثواب و العوض. و التفضل معنى آخر وراء الثّواب و إذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحقّ الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفّار و سمّوا هذا النمط وعداً و وعيداً.

و اتّفقوا على أنّ أُصول المعرفة، و شكر النعمة واجبة قبل ورود السمع، و الحسن و القبح يجب معرفتهما بالعقل، و اعتناق الحسن و اجتناب القبيح واجب كذلك و ورود التكاليف ألطاف للبارئ تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء عليهم السلام امتحاناً و اختباراً «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»(1).

و اختلفوا في الإمامة، و القول فيها نصّاً و اختياراً، كما سيأتي عند مقالة كلّ طائفة»(2).

يلاحظ عليه: أنّ المعتزلة لم تقل في الإمامة بالنصّ، و إنّما يقولون بالاختيار. و نسبة نظرية النصّ إليهم مبنيّ على عدّ الشيعة القائلين بالنص منهم، و هو خطأ.

و لا يخفى على القارئ بعد الإحاطة بما حقّقنا حول الأُصول الخمسة


1) . الأنفال: 42.

2) . الملل و النحل: 44/1-46.

تفكيك الأُصول عمّا يترتب عليها من الأحكام، و قد خلط هو و قبله الأشعري بين المبني و ما يترتب عليه من البناء و غيرهما من الأُصول.


[تحقيق]
اشارة

و تحقيق الحقّ حول هذه الأُصول يستدعي رسم أُمور تلقي ضوءاً على الأبحاث التالية:

1 - أصلان أو أُصول خمسة؟

إنّ القاضي عبد الجبّار ليس أوّل من ألّف في عقائد المعتزلة باسم الأُصول الخمسة، بل سبق في ذلك شخصان آخران من خرّيجي المدرستين، أحدهما: أبو الهذيل العلاّف البصري، و الثاني: جعفر بن حرب البغدادي.

قال النسفي في «بحر الكلام»: «خرج أبو الهذيل فصنّف لهم كتابين و بيّن مذهبهم، و جمع علومهم، و سمّى ذلك:

«الخمسة الأُصول»، و كلّما رأوا رجلاً قالوا له: هل قرأت «الأُصول الخمسة» فإن قال: نعم، عرفوا أنّه على مذهبهم».(1)

و قال ابن المرتضى: «و منهم جعفر بن حرب (المتوفّى 236 ه) الّذي عدّه المرتضى من الطبقة السابعة فقال: له الأُصول الخمسة».(2)


1) . نقله محقق شرح الأُصول الخمسة للقاضي: 26، عن مخطوط دار الكتب المصرية لبحر الكلام، ورقة 57.

2) . المنية و الامل: 41. و الصحيح «الخمسة».

و الظاهر أنّ القاضي أملى شرح الأُصول الخمسة على غرار الكتابين الماضيين و كتبه عدد من تلاميذه، و قد اختلفت كلمة القاضي في عدّ الأُصول، فجعلها في شرح الأُصول خمسة على الوجه الّذي عرفت، و جعلها في «المغني»(1)اثنين:

التوحيد و العدل. و جعل غيرهما داخلاً في ذينك الأصلين. و جعلها في كتاب «مختصر الحسنى»، أربعة: التوحيد و العدل و النبوّات و الشرائع، و أدخل الوعد و الوعيد و المنزلة بين المنزلتين و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الشرائع. و يظهر من كلمات تلاميذه الّذين أملى لهم القاضي كتاب «الأُصول الخمسة» أنّ ما فعله في «المغني» هو الأرجح، قالوا: إنّ النبوّات و الشرائع داخلان في العدل، لأنّه كلام في أنّه تعالى إذا علم أنّ صلاحنا في بعثة الرُّسل و أن نتعبّد بالشريعة، وجب أن يبعث و نتعبّد، و من العدل أن لا يُخلّ بما هو واجب عليه. و كذلك الوعد و الوعيد داخل في العدل. لأنّه كلام في أنّه تعالى إذا وعد المطيعين بالثّواب، و توعّد العصاة بالعقاب فلا بدّ من أن يفعل و لا يخلف في وعده و لا في وعيده، و من العدل أن لا يُخلف و لا يكذب، و كذلك المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل، لأنّه كلام في أنّ اللّٰه تعالى إذا علم أنّ صلاحنا في أن يتعبّدنا بإجراء أسماء و أحكام على المكلّفين وجب أن يتعبّدنا به، و من العدل أن لا يُخلّ بالواجب و كذا الكلام في الأمر بالمعروف و النهي عن


1) . من أبسط كتب القاضي و أهمها، يقع في عشرين جزءاً، طبع منه أربعة عشر جزءاً و لم يعثر على الباقي.

المنكر، فالأولى أن يقتصر على ما أورده «في المغني».(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّه لو صحّ إدخال المنزلة بين المنزلتين في باب العدل، حسب البيان الّذي سمعت، لصحّ إدخال المعارف العقليّة كلّها تحته بنفس البيان، بأن يقال إنّ اللّٰه تعالى إذا علم أنّ صلاحنا أن يتعبّدنا بالمعارف وجب أن يتعبّدنا بها، و من العدل أن لا يُخلّ بالواجب، و لا أرى أنّ واحداً من المعتزلة يقبل ذلك.

و ثانياً: إنّ الأُصول الاعتقاديّة على قسمين:

قسم يجب الاعتقاد به بنفس عنوانه و لا يكفي الاعتقاد بالجامع البعيد الّذي يشمله، و ذلك كالاعتقاد بنبوّة النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و عموميّة رسالته و خاتميتها، فالكلّ ممّا تجب معرفته بنفس عنوانه و لا يكفي في معرفته عرفان عدله سبحانه، بحجّة أنّ النبوّات و الشرائع داخلة تحته، فمن عرف اللّٰه سبحانه بالعدل كفى في معرفة ما يقع تحته.

و لعلّ المعارف العقليّة الّتي يستقلّ العقل بعنوانها من مقولة القسم الأوّل.

و قسم آخر يكفي فيه الاعتقاد بالعنوان البعيد و لا يلزم الاعتقاد بشخصه، كالاعتقاد ببعض الخصوصيّات الواردة في الحياة البرزخيّة و الأُخروية.



1) . شرح الأُصول الخمسة: 123.

2 - ما يلزم المكلّف عرفانه من أُصول الدين

عرّف المتكلّمون أُصول الدين ب «ما يجب الاعتقاد به على وجه التفصيل أو الإجمال» و يقابلها الفروع فهي ما يجب العمل به. و يظهر من القاضي أنّه يجب على كلّ مسلم، عالماً كان أو غيره، الاعتقاد بالأُصول الخمسة أمّا التوحيد و العدل فذلك لوجهين:

1 - إنّ في ترك الاعتقاد بالتوحيد و العدل مظنّة الضرر و يخاف الإنسان من تركه.

2 - إنّهُ لطف في أداء الواجبات و اجتناب المقبّحات.

و أمّا الأُصول الأُخر فيجب الاعتقاد بها، لأنّ العلم بكمال التوحيد و العدل موقوف على ذلك، أ لا ترى أنّ من جوّز على اللّٰه تعالى في وعده و وعيده الخلف و الإخلال بما يجب عليه من إزاحة علّة المكلّفين و غيره فإنّه لا يتكامل له العلم بالعدل، و لا فرق في ذلك بين من يسلك طريقة العلماء و بين من لا يكون كذلك، لأنّ العامي أيضاً يلزمه معرفة هذه الأُصول على سبيل الجملة، و إن لم يلزمه معرفتها على سبيل التفصيل، لأنّ من لم يعرف هذه الأُصول، لا على الجملة، و لا على التفصيل، لم يتكامل علمه بالتوحيد و العدل.(1)

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ القول بلزوم معرفة الأُصول الخمسة على النحو


1) . شرح الأُصول الخمسة: 123-124.

الّذي تسرده المعتزلة قول بلا دليل. كيف و النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كان يقبل إسلام من شهد الشهادتين و إن لم يشهد على بعض هذه الأُصول، و معنى الشهادة الثانية هو التصديق بكلّ ما جاء به و هذا يكفي في تسمية الشاهد مسلماً إذا اعترف بلسانه، و مؤمناً إذا اعترف بقلبه. و على ضوء ذلك فلا يلزم عرفان هذه الأُصول، لا على وجه التفصيل أي بالبرهنة و الاستدلال، و لا على وجه الإجمال أي تلقّيها أُصولاً مسلّمة.

و ثانياً: أنّه لو صحّ ما ذكره من البيان بطل الاقتصار على الأُصول الخمسة، لأنّ الاعتقاد بالنبوّات و الشرائع و المعاد و حشر الأجساد ممّا يتكامل به العلم بالعدل، فمن لم يعرفها، لا على وجه الجملة و لا على وجه التفصيل، لم يتكامل اعتقاده بالتوحيد و العدل، و قس عليه سائر الأُصول.

و الّذي يمكن أن يقال في المقام أنّ ما يجب تحصيله من هذه الأُصول الخمسة هو وجوب معرفة وحدانيّته على الوجه اللائق به، و أمّا الأُصول الأربعة فلا دليل على وجوب عرفانها بعينها استدلالاً أو تعبّداً.


3 - سبب الاقتصار على الأُصول الخمسة

قد تعرّفت على أنّه لا وجه للاقتصار على الأُصول الخمسة، لما مرّ من أنّ أمر النبوّات و الشرائع و المعاد أولى بأن يعدّ من الأُصول، غير أنّ القاضي حاول أن يبيّن وجه الاقتصار على الخمسة فقال: «إنّ المخالف في هذه

الأُصول ربّما كفر و ربّما فسق و ربّما كان مخطئاً.

أمّا من خالف في التوحيد و نفى عن اللّٰه تعالى ما يجب إثباته، و أثبت ما يجب نفيه عنه، فإنّه يكون كافراً.

و أمّا من خالف في العدل و أضاف إلى اللّٰه تعالى القبائح كلّها من الظّلم و الكذب و إظهار المعجزات على الكذّابين و تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم و الإخلال بالواجب، فإنّه يكفر أيضاً.

و أمّا من خالف في الوعد و الوعيد و قال: إنّه تعالى ما وعد المطيعين بالثواب، و لا توعّد العاصين بالعقاب البتّة، فإنّه يكون كافراً، لأنّه ردّ ما هو معلوم ضرورة من دين النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.

و كذا لو قال: إنّه تعالى وعد و توعّد و لكن يجوز أن يخلف في وعيده، لأنّ الخلف في الوعيد كرم، فإنّه يكون كافراً لإضافة القبيح إلى اللّٰه تعالى.

فان قال: إنّ اللّٰه تعالى وعد و توعّد، و لا يجوز أن يخلف في وعده و وعيده، و لكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط أو استثناء لم يبيّنه اللّٰه تعالى، فإنّه يكون مخطئاً.

و أمّا من خالف في المنزلة بين المنزلتين، فقال: إنّ حكم صاحب الكبيرة حكم عبدة الأوثان و المجوس و غيرهم فإنّه يكون كافراً، لأنّا نعلم خلافه من دين النبيّ و الأُمّة ضرورة.

فإن قال: حكمه حكم المؤمن في التعظيم و الموالاة في اللّٰه تعالى، فإنّه

يكون فاسقاً، لأنّه خرق إجماعاً مصرّحاً به على معنى أنّه أنكر ما يعلم ضرورة من دين الأُمّة.

فإن قال: ليس حكمه حكم المؤمن و لا حكم الكافر و لكن أُسمّيه مؤمناً، فإنّه يكون مخطئاً.

و أمّا من خالف في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أصلاً، و قال: إنّ اللّٰه تعالى لم يكلّف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أصلاً، فإنّه يكون كافراً، لأنّه ردّ ما هو معلوم ضرورة من دين النبيّ و دين الأُمّة.

فان قال: إنّ ذلك ممّا ورد به التكليف، و لكنّه مشروط بوجود الإمام فإنّه يكون مخطئاً».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الوجوه الثلاثة من الكفر و الفسق و الخطاء، لا تختصّ بهذه الخمسة، فهناك أُصول حالها حال الخمسة. فإنّ منكر نبوّة النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم أو عالميّة رسالته أو خاتميّتها كافر. و منكر عصمته بلا شبهة فاسق، و معها مخطئ.

و هناك وجه آخر لتخصيص الخمسة من الأُصول بالذكر أشار إليه القاضي في كلامه و قال: «إنّ خلاف المخالفين لنا لا يعدو أحد هذه الأُصول. أ لا ترى أنّ خلاف الملحدة و المعطّلة و الدهرية و المشبّهة قد دخل في التوحيد. و خلاف المجبّرة بأسرهم دخل في باب العدل. و خلاف المرجئة


1) . شرح الأُصول الخمسة: 125-126، يريد من العبارة الأخيرة الشيعة الإمامية القائلين بأنّ بعض المراتب من الأمر بالمعروف مشروط بوجود الإمام المعصوم عليه السلام مع بسط اليد.

دخل في باب الوعد و الوعيد. و خلاف الخوارج دخل تحت المنزلة بين المنزلتين. و خلاف الإماميّة دخل في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر».(1)

و هذا الوجه و إن صحّح سبب الاقتصار على الخمسة، لكنّه يدلّنا على شيء آخر غريب في باب العقائد و الأُصول، و هو أن السابر في كتب الحنابلة و الأشاعرة و المعتزلة يقف بوضوح على أنّ أكثر الأُصول الّتي اتّخذتها الطوائف الإسلاميّة أُصولاً عقائدية ليست إلّا أُصولاً كلاميّة ناتجة من المعارك العلمية، و ليست أُصولاً للدين، أعني: ما يجب على كلِّ مؤمن الإيمان به بالتفصيل و البرهنة أو بالإجمال و إن لم يقترن بالبرهان.

و الأُصول الخمسة الّتي يتبنّاها المعتزلة مؤلّفة من أُمور تعدُّ من أُصول الدين كالتوحيد و العدل على وجه، و من أُصول كلاميّة أنتجوها من البحث و النقاش، و أقحموها في الأُصول لغاية ردّ الفرق المخالفة الّتي لا توافقهم في هذه المسائل الكلاميّة.

و عند ذاك يستنتج القارئ أنّ ما اتّخذته المعتزلة من الأُصول، و جعلته في صدر آرائها ليست إلّا آراء كلاميّة لهذه الفرقة، تظاهروا بها للردّ على المجبّرة و المشبّهة و المرجئة و الإمامية و غيرهم من الفرق على نحو لو لا تلكم الفرق لما سمعت من هذه الأُصول ذكراً، «و ليس هذه أوّل قارورة كسرت في الإسلام»، فإنّ السلفيّين و أهل الحديث و الحنابلة و بعدهم


1) . شرح الأُصول الخمسة: 124.

الأشاعرة ذهبوا هذا المذهب فقاموا بتنظيم قائمة بيّنوا فيها «قولهم الّذي يقولون به، و ديانتهم الّتي يدينون بها»(1). و بيّنوا «مذاهب أهل العلم و أصحاب الأثر و أهل السنّة، فمن خالف شيئاً منها في هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع و خارج عن الجماعة، زائل عن منهج أهل السنّة و سبيل الحقّ».(2)

و في الوقت نفسه إنّ أكثر ما جاء في قائمتي الشيخين أُصول كلاميّة نتجت من البحث و النزاع، وصفت لدى الشيخين بعد عراك، و من تلك الأُصول القول بقدم القرآن و كونه غير مخلوق، مع تصريح أئمّة الحديث بعدم ورود نصّ في ذلك من الرسول و منها كون خير الأُمّة الخلفاء الراشدين و يتفاضلون بحسب تقدّم تصدّيهم للخلافة، فالأوّل منهم هو الأفضل ثمّ الثاني ... و معنى هذا أنّ الأُصول الّتي يدين بها أهل السنّة لم تكن منتظمة و لا مرتّبة في عصر الرسول و الصحابة و لا التابعين، و إنّما انتظمت بعد احتكاك الآراء و اختلاف الأفكار حتّى أنتج البحث و النقاش هذه الأُصول و الكلّيات. و إنّ ذا من العجب.

إنّ الأُصول الّتي يدين بها أهل الحديث و الأشاعرة هي الّتي مزّقت الأُمّة الواحدة تمزيقاً، و صيّرتها فرقاً شتى، و ما هذا إلّا لأجل إصرارهم على أنّ هذه الأُصول أُصول الديانة، و الزائل عنها خارج عن الجماعة. و كان في


1) . هذه نفس عبارة الشيخ الأشعري في «الابانة» الباب الثاني: 17.

2) . و هذه نفس عبارة إمام الحنابلة في كتابه «السنة»: 44.

وسعهم التفريق بين الأُصول العقائدية الّتي لا منتدح لمسلم من عرفانها و الإيمان بها إجمالاً أو تفصيلاً، و الأُصول الكلاميّة الّتي وصل إليها البحث الكلامي بفضل النقاش في ضوء الكتاب و السنّة و البرهان العقلي القائم على أُصول موضوعية مبرهنة.

و عند ذلك تتجلّى عندك حقيقة ناصعة و هي أنّ أكثر الفرق الّتي عدّها أصحاب الملل و النحل و المقالات فرقاً إسلاميّة، فإنّما هي فرق كلامية و ليست فرقاً دينية إسلاميّة داخلة في الثلاث و السبعين فرقة بحيث تكون الواحدة منها ناجية و البواقي هلكى، لأنّ الإذعان بحكم مرتكب الكبيرة ليس ملاكاً للنجاة و الهلاك حتّى تكون فرقة منهم من أهل النجاة و غيرهم من أهل النار، و يكون الإيمان منوطاً بالإذعان به، و عدم الإيمان موجباً للخروج عنها، بل أقصى ما يقال في حقّ هذه الأُصول أنّها أُصول حقّة صحيحة دلّ على صحّتها الدليل، و لكن ليس كلّ حقّ ممّا يجب الإذعان به أو يؤاخذ على عدم الاعتقاد به.

هذا هو الشيخ أبو جعفر الطحاوي المصري (المتوفّى 321 ه) كتب رسالة حول عقيدة أهل السنّة تشتمل على مائة و خمسة أُصول زعم أنّها عقيدة الجماعة و السنّة على مذهب فقهاء الأُمّة: أبي حنيفة، و أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، و أبي عبد اللّه محمّد بن الحسن الشيباني.(1)و قد كتب على هذه الرسالة شروح و تعاليق، و احتلّت مكانها - بعد زمن - «


1) . شرح العقائد الطحاوية: 25.

العقائد النسفية». و للأسف أنّ كلّ أصل من الكتابين ردّ على فرقة و ملّة. فصارت الأُصول الإسلاميّة عبارة عن عدّة أُصول يرد بكلِّ أصل ملّة و نحلة، كالملاحدة و المجبِّرة و القدرية و الرافضة من الفرق الكلامية الّتي أنجبتها الأبحاث و التيّارات الفكرية.

ثمّ إنّي وقفت بعد ما حرّرته على ما نقلته المستشرقة «سوسنه ديفلد» محقّقة كتاب «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى عن الأُستاذ «ه. ريتر»: «من أراد أن يفهم إحدى العقائد السنّية فعليه أن يستحضر في خاطره أنّ كلّ جملة منها إنّما هي ردّ على إحدى الفرق المخالفة لها من الشيعة و الخوارج و المرجئة و الجهمية و المعتزلة، و لقد تشكّلت عقيدة أهل السنّة بردّ الفرق الضالّة الّتي لم تسمّ «ضالّة» إلّا بعد غلبة أصحاب السنّة و الجماعة».(1)

فواجب على الباحث المنصف الّذي يبتغي الحقيقة، التفكيك بين أُصول الدين و الأُصول الكلامية. و عند ذلك تحصل الوحدة بين الأُمّة أو تقرّب الخطى بين الفرق، و يقلّ التشاحّ و النزاع المؤدّي إلى الهلاك.

إذا عرفت هذه الأُمور فلنأخذ بتفصيل الأُصول الخمسة واحداً بعد آخر:


1) . طبقات المعتزلة لابن المرتضى: المقدمة.

الأصل الأوّل: التوحيد

اشارة

عرِّف التوحيد في مصطلح المتكلّمين بأنّه العلم بأنّ اللّٰه سبحانه واحد لا يشاركه غيره في الذات و الصفات و الأفعال و العبادة و بالجملة «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(1). و الّذي يصلح للبحث عنه في هذا الأصل عبارة عن الأُمور التالية:

1 - إثبات وجوده سبحانه في مقابل الدهريّة و الماديّة القائلين بأصالة المادّة و قدمها و غناها في الفعل و الانفعال و إيجاد الأنواع عن قدرة خارجة عن نطاقها.

2 - إنّه سبحانه واحد لا ثاني له، بسيط لا جزء له، فهو الواحد الأحد، خلافاً للثنويّة و المانويّة في الواحديّة، و للنصارى في الأحديّة.

3 - عرفان صفاته سبحانه سواء أ كانت من صفات الذات ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً مدركاً، أم من صفات الأفعال ككونه خالقاً رازقاً غافراً.


1) . الشورى: 11.

4 - كيفيّة استحقاقه لهذه الصفات و تبيّن وجه حملها عليه سبحانه، فهل تحمل عليه كحملها على سائر الممكنات أو لا؟

5 - تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق به كالحاجة و كونه جسماً أو جسمانيّاً، عرضاً أو جوهراً أو غير ذلك.

6 - تنزيهه سبحانه عن إمكان الرؤية الّتي يتبنّاها أهل الحديث و الأشاعرة بحماس.

فمع أنّ هذه الأبحاث الستّة صالحة للبحث في هذا الأصل، لكن نرى أنّ المعتزلة يركّزون على البحث عن الرابع و السادس أكثر من غيرهما، و يمرّون على الأبحاث الباقية مروراً إجمالياً. و ما هذا إلّا لأنّ أهل الحديث و الأشاعرة متّفقون معهم فيها. و هذا أيضاً يؤيّد ما ذكرنا من أنّ الأُصول العقائدية إنّما رتّبت و نظمت بين كلّ فرقة لأجل الردّ على مخالفيها لا لبيان الأُصول الّتي يناط بها الإسلام و الإيمان في عصر النبيّ و الصحابة.

و لأجل ذلك صار التوحيد عند المعتزلة رمزاً للتنزيه، فكلّما أطلقت هذه الكلمة، انصرفت أذهانهم إلى تنزيهه سبحانه عمّا لا يليق به في باب الصفات و مجال الرؤية.

و بما أنّهم ينفون الصفات الزائدة على ذاته سبحانه، و تثبته الأشاعرة و قبلهم أهل الحديث، صارت الصفاتية شعاراً لهذه الفرقة.

إذا وقفت على ذلك فلنركّز على النقاط الّتي يرجى تبيينها في زاوية فكر الاعتزال و نطوي الكلام عن غيرها لعدم الخلاف، فنقول:

إنّ البحث عن صفاته سبحانه يتمركز على نقاط ثلاث:

الأُولى: تبيين كيفيّة استحقاقه سبحانه لصفاته الكماليّة و حملها عليه، فهل هذه الصفات حادثة أو قديمة، زائدة على الذات أم لا؟

الثانية: تبيين كيفية حمل الصفات الخبرية عليه الواردة في الذكر الحكيم من اليد و الوجه و العين، فهل تحمل على اللّٰه سبحانه بظواهرها الحرفيّة كما عليه السلفية و الأشاعرة، أو تحمل عليه بظواهرها التصديقيّة، أو لا هذا و لا ذاك بل تؤوّل لقرائن عقليّة؟

الثالثة: نفي الرؤية الحسية الّتي يدّعيها أهل الحديث.

فلنرجع إلى تبيين النقطة الأُولى، أعني: تبيين كيفيّة حمل الصفات عليه.

أ - نفي الصفات الزائدة على ذاته
اشارة

اتّفق أهل الحديث و الكلابيّة و تبعهم الشيخ الأشعري على أنّ للّٰه سبحانه صفات ذات كماليّة قديمة، زائدة على ذاته.

قال القاضي: «و عند الكلابيّة إنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزليّة، و أراد بالأزلي القديم، إلّا أنّه لمّا رأى المسلمين متّفقين على أنّه لا قديم مع اللّٰه تعالى لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك، ثمّ نبغ الأشعري و أطلق القول بأنّه تعالى يستحقُّ هذه الصفات لمعان قديمة لوقاحته و قلّة مبالاته

بالإسلام و المسلمين».(1)و رائدهم في هذه العقيدة هو الظواهر القرآنية. قال سبحانه: «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ»(2)، و قال تعالى: «وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لاٰ تَضَعُ إِلاّٰ بِعِلْمِهِ»(3)، و قال عزّ من قائل: «ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ»(4).

قالوا: إنّ ظواهر هذه الآيات تعرب عن أنّ هنا ذاتاً و لها علم و لها قدرة كلاهما يغايران ذاته. و لو كانا نفس ذاته لما صحّ التعبير بقوله «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ» أو «ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ» و مثلها سائر الآيات الظاهرة في مغايرة الصفات للذات.(5)

هذا دليل أهل الحديث و الكلابيّة و الأشاعرة و نرجع إلى تبيين مفاد الآيات بعد الفراغ من دليل المعتزلة.

تثنية القديم في نظريّة أهل الحديث

إنّ هذه النظريّة الّتي يتبنّاها أهل الحديث اغتراراً بظواهر النصوص، تؤدّي إلى تعدّد القديم المنتهي إلى تعدّد الواجب حسب عدد الصفات، و أيّ ثنويّة أسوأ من هذه؟ فلو قالت الثنويّة بأصلين أزليّين هما النور و الظلمة، و قالت المانويّة بأنّ العالم مركّب من أصلين قديمين أحدهما نور


1) . شرح الأُصول الخمسة: 183.

2) . النساء: 166.

3) . فاطر: 11.

4) . الذاريات: 58.

5) . لاحظ: الإبانة للشيخ الأشعري: 107.

و الآخر ظلمة، أو قالت النصارى بالأقانيم الثلاثة فقد قال هؤلاء الأشاعرة بقدماء كثيرين بحسب تعدّد الصفات.

و بذلك تقف على أنّ الحافز على التركيز على نفي الصفات الزائدة، هو التحفّظ على التوحيد و وحدانيّة الواجب و القديم، و نفي المثيل و النظير له أخذاً بقوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» و «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ».

فمن المحتمل عند البعض أنّ المعتزلة أرادوا بهذا، الردّ على فكرة الأقانيم لدى النصارى، فإنّ القول بأنّ الذات الإلهيّة جوهر يتقوّم بأقانيم أي صفات هي الوجود و العلم و الحياة، قد أدى إلى الاعتقاد باستقلال الأقانيم عن الجوهر، و إلى اعتبار الصفات أشخاصاً، و إلى تجسّد «الاقنوم الثاني» - اقنوم العلم - في الابن. فلمواجهة هذا الاعتقاد نفى المعتزلة وصف اللّٰه بأنّه جوهر و اعتبروا الصفات هي الذات غير مغايرة لها، فصفات اللّٰه ليست حقائق مستقلّة و إنّما هي اعتبارات ذهنيّة، و يمكن أن تختلف وجوه الاعتبارات في النظر إلى الشيء الواحد دون أن يلزم من ذلك التعدّد في ذاته، فيقال عالم و نعني إثبات علم هو ذاته، و نفي الجهل عن ذاته، و يقال: قادر و نعني إثبات ذاته و نفي العجز، فاللّٰه حيّ عالم قادر بذاته لا بحياة و علم و قدرة زائدة على ذاته.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصح لو كانت الصفات الذاتيّة منحصرة في


1) . نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني: 192-194؛ «في علم الكلام» قسم المعتزلة للدكتور أحمد محمود صبحي: 123.

الثلاث: العلم و القدرة و الحياة حتّى يقال إنّ الهدف من القول بالعينيّة نفي توهّم التثليث، بل الصفات الذاتية أكثر من ذلك.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير عقيدة المعتزلة في باب الصفات بأنّها ليست حقائق مستقلّة و إنّما هي اعتبارات ذهنيّة، غير تامّة ناشئة من تفسير خصومهم بما ذكر، بل الحقُّ أنّ مرادهم هو أنّ واقعيّة خارجيّة بسيطة تجمع هذه الواقعيات ببساطتها و وحدتها، لا أنّها اعتبارات ذهنيّة، و ليست للصفات واقعيّة خارجية، فإنّه لا ينطبق إلّا على القول بالنيابة.

محاولة الأشاعرة لتصحيح تثنية القديم

لمّا كان ما استند إليه أهل الاعتزال من البرهان في نفي الصفات الزائدة برهاناً دامغاً قاطعاً للنزاع، حاول أهل التفكير من الأشاعرة نقده، و لكن أتوا بالعجب العجاب. فهذا هو القاضي عضد الدين الإيجي يجيب عن البرهان في مواقفه بقوله: «إنّ الكفر إثبات ذوات قديمة لا ذات و صفات».(1)و قد أقرّه شارحه الشريف الجرجاني.

و هو من الوهن بمكان، إذ هو أشبه بتخصيص القاعدة العقليّة، و القاعدة العقليّة لا تخصّص. إذ لسائل أن يسأل: أيّ فرق بين الذات و الوصف حتّى يكون القول بتعدّد الأوّل موجباً للكفر دون الثاني، مع أنّ ملاك الكفر موجود في كلا الموضعين، فإنّ القول بتعدّد القدماء قول بتعدّد


1) . المواقف: 280.

الواجب، قول بتعدد الغنيّ بالذات المستغني عن غيره، قول بتعدّد من يكون وجوده عن ذاته لا عن غيره، و هذا كلّه من صفات الباري عزّ اسمه، فلو كانت صفاته غير ذاته و كانت قديمة، تكون واجبة غنيّة عن كلّ شيء، واجدة لوجودها.

و هناك محاولة ثانية للتخلّص عن تعدّد القدماء و هي القول بأنّ الصفات لا هو و لا غيره،(1)و هذا أشبه باللّغز مع أنّ العقائد الإسلاميّة تتّسم بسمة الوضوح و السهولة، لا التعقيد و الغموض الّذي ربّما ينتهي في المقام إلى رفع النقيضين.

و لو قال بحدوث الصفات - و لن يقول أبداً - يكون الفساد أفحش، و المصيبة أعظم، لأنّ اتّصافه بالقدرة الحادثة مثلاً إمّا بالاختيار و إمّا بالإيجاب. و الأوّل محال لاستلزامه محذور التسلسل في صفاته، لأنّ الكلام ينتقل إلى القدرة الثانية. فهل اتّصافه بها عن اختيار أو بايجاب؟ فعلى الأول يعود السؤال فيلزم التسلسل. و على الثاني يلزم أن يكون فاعلاً موجباً بالذات، و أيُّ نقص أعظم من تصوير مبدأ الكمال و الجمال و خالق القدرة و الاختيار في الإنسان، فاعلاً موجباً في اتّصافه بصفاته، فلو صحّ كونه موجباً في مورد، فليصحّ في سائر الموارد ككونه فاعلاً موجباً بالقياس إلى مصنوعاته.

و هذه الأُمور هي الحوافز الحقيقية الّتي دعت المعتزلة إلى القول


1) . أوائل المقالات: 17.

بالتوحيد و التنزيه في باب الصفات و نفي الصفات الزائدة و المعاني القائمة بذاته، و لم يكن الحافز إلّا الفرار عن الثنويّة و توابعها.

و من الجسارة الواضحة بل الظلم الفاحش اتّهام هذه الفرقة بما كتبه عنهم أهل الملل و المقالات. فهذا الأشعري يتّهمهم بقوله «أرادت المعتزلة أن تنفي أنّ اللّٰه عالم قادر حيّ سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه، لأنّهم إذا قالوا: لا علم للّٰه و لا قدرة له، فقد قالوا: إنّه ليس بعالم و لا قادر و وجب ذلك عليهم، و هذا إنّما أخذوه عن أهل الزندقة و التعطيل، لأنّ الزنادقة قال كثير منهم إنّ اللّٰه ليس بعالم و لا قادر و لا حيّ و لا سميع و لا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه و قالت: إنّ اللّٰه عالم قادر حيّ سميع بصير من طريق التسمية (الكتاب و السنّة) من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم و القدرة و السمع و البصر.(1)

و حاصل تحليل الشيخ أنّ المعتزلة كانت بصدد نفي الأسماء و الصفات وفاقاً للزنادقة، فلم يقدروا عليه خوفاً من السلطة، و لكنّهم نفوا العلم و القدرة و الحياة حتّى يتسنّى لهم نفي الأسماء و الصفات (العالم و القادر) بالملازمة، فمثلهم كمثل من خرج من الباب موهماً للانصراف ثمّ دخل من النافذة.

تلك و اللّٰه جرأة في الدين و جسارة بلا مبرّر، و الآثار الباقية من المعتزلة تبيّن لنا جهة إصرارهم على نفي الصفات الزائدة على الذات.


1) . الإبانة: 107-108.

و ليست الغاية نفي أسمائه و صفاته و تصوير كونه سبحانه غير عالم و لا قادر، بل الغاية نفي الثنويّة و تعدُّد الواجب.

قال القاضي: «لو كان عالماً بعلم، لكان لا يخلو إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، لا يجوز أن يكون معدوماً، و إن كان موجوداً فلا يخلو إمّا أن يكون قديماً أو محدثاً، و الأقسام كلُّها باطلة، فلم يبق إلّا أن يكون عالماً بذاته على ما نقوله».(1)

و قال أيضاً: «لو كان يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، وجب أن تكون هذه المعاني مثلاً للّٰه تعالى... إلى آخر ما أفاده».(2)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الداعي لنفي الصفات الأزليّة هو تنزيهه سبحانه عن المثل بل الأمثال. تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

نعم هناك حافزان آخران صارا سببين لنفي الصفات الزائدة على الذات نشير إليهما:

1 - تركيب الذات مع الصفات، فإنّه سبحانه كما هو واحد لا نظير له و لا مثيل فهو عزّ و جلّ «أحد» بسيط لا جزء له، و التركيب حليف الإمكان، لأنّ المركّب متقوّم بالأجزاء، و المتقوّم لا يكون واجباً و لا غنياً.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 183.

2) . المصدر نفسه: 195، و لاحظ ص 197. و لاحظ الملل و النحل: 46/1 في تبيين القاعدة الأُولى من القواعد الأربع الّتي اختارها واصل بن عطاء، ترى فيها التصريح منه بأنّ الغاية لنفي الصفات هو التنزيه.

2 - استلزام القول بالصفات الزائدة على الذات كونه سبحانه ناقصاً مستكملاً بالخارج عن ذاته و حيطة وجوده، مع أنّه سبحانه كلّ الجمال و الكمال، لا يشذُّ كمال عن حيطة وجوده، و لا جمال عن حدِّ ذاته.

و لأجل هذين الأمرين مع ما تقدّم من حديث تعدّد القدماء اشتهرت المعتزلة بنفاة الصفات «الصفات الزائدة على الذات» كما اشتهرت الأشاعرة بالصفاتية، متظاهرين بأنّ هناك ذاتاً و وصفاً، و الذات غير الوصف، و كلاهما قديمان.

إذا عرفت موقف المعتزلة في نفي الصفات الزائدة على الذات، فهلمّ معي نقرأ بحثاً آخر من هذا المقام و هو تبيين كيفيّة حمل الصفات على ذاته سبحانه على مذهبهم، إذ كيف يمكن توصيفه سبحانه بأنّه عالم و قادر مع القول بعدم الصفات الزائدة على الذات، أي عدم العلم و القدرة المغايرين لها.

و هذا هو البحث المهمّ في المقام، فنقول: إنّ لهم في تبيين كيفيّة الحمل آراء مختلفة بين صحيح و زائف، و إليك الإشارة إلى عناوين مذاهبهم إلى أن نأخذ بالتّفصيل.

أ - مذهب أبي الهذيل: إنّه عالم بعلم هو هو.

ب - مذهب أبي عليّ الجبّائي: إنّه يستحقُّ هذه الصفات الأربع الّتي هي كونه قادراً، عالماً، حيّاً، موجوداً لذاته.

ج - مذهب أبي هاشم: إنّه يستحقّها لما هو عليه في ذاته.(1)


1) . شرح الأُصول الخمسة: 182.

هذه هي مذاهبهم الثلاثة في تبيين كيفيّة الحمل، و قد حاق بها الإبهام، و إليك التوضيح:

توضيح مذهب أبي الهذيل

إنّ أبا الهذيل من كبار رجال الاعتزال و أحد شيوخ مدرسة البصرة، توفّي سنة 235 ه، و يعتبر أوّل من نظم قواعد الاعتزال و وضع أُصوله، و لكنّ الزمان عبث بكتبه، و لأجل ذلك طرأ على مذهبه الإبهام حتّى إنّ القاضي عبد الجبّار أرجعه إلى مذهب أبي عليّ الجبّائي و قال: «أراد أبو الهذيل ما ذكره الشيخ أبو عليّ إلّا أنّه لم تتلخّص له العبارة».(1)

لكن ما نقل عنه حول مذهبه في علم الباري يدفعنا إلى القول بأنّ مذهبه في باب الصفات يغاير مختار الجبّائي. و إليك هذه الكلمات:

قال الشيخ الأشعري: «و الفرقة الهذيليّة يزعمون أنّ للّٰه علماً هو هو، و قدرة هي هو، و حياة هي هو، و سمعاً هو هو، و كذلك قالوا في سائر صفات الذات».(2)

قال الشهرستاني: «انفرد أبو الهذيل بعشر قواعد، الأُولى: إنّ الباري تعالى عالم بعلم و علمه ذاته، قادر بقدرة و قدرته ذاته، حيّ بحياة و حياته ذاته، و إنّما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الّذين اعتقدوا أنّ ذاته واحدة لا


1) . المصدر نفسه: 183.

2) . مقالات الإسلاميين: 179.

كثرة فيها بوجه، و إنّما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته بل هي ذاته».(1)

و لو صحّ نقل هذه الكلمات عن أبي الهذيل فهو لا يهدف إلى إنكار أسمائه كالعالم و القادر و الحيّ، و لا إلى إنكار صفاته من العلم و القدرة و الحياة، بل يعترف بهما معاً، غير أنّه يقول باتّحاد الصفات مع الذات وجوداً و عينيّة، و تغايرهما مفهوماً دفعاً للإشكالات المتوجّهة إلى القول بالزيادة.

و لأجل إيقاف القارئ على مرام الشيخ أبي الهذيل نأتي بالتوضيح التالي:

إنّ المتبادر من قولنا: «عالم، قادر، حيّ» في نظر أهل اللّسان هو الذات الموصوفة بالعلم و القدرة و الحياة، بمعنى أنّه يتبادر مفهوم بسيط ينحلّ إلى ذلك المركّب مآلاً. فتكون هناك اثنينيّة باعتبار أنّ هناك موصوفاً و معروضاً و وصفاً و عرضاً.

هذا هو المتبادر في الاستعمالات العرفيّة، و لا يمكن إنكار ذلك أبداً. و لكنّه بهذا المعنى لا يصحّ إطلاقه على اللّٰه، لاستلزامه تثنية الواجب أوّلاً، و تركّبه من شيئين ثانياً، و استكماله بغيره ثالثاً. فلأجل ذلك يجب أن يصار في توصيفه سبحانه إلى فرض آخر يحفظ معه أمران: كونه سبحانه واجداً لحقيقة العلم و القدرة و الحياة حتّى لا يلزم التعطيل، و كونه واحداً بسيطاً غير مركّب من شيء و شيء حتّى لا ترد الإشكالات الثلاثة الماضية، و التحفّظ


1) . الملل و النحل: 49/1-50.

على هذين الأمرين لا يحصل إلّا بالقول بأنّ أوصافه سبحانه و نعوته كلّها موجودة بوجود واحد و هو وجود الذات، و هي بمفردها مصداق لهذه النعوت، و يكفي نفس وجودها في حمل هذه الصفات الكماليّة عليها بلا طروء تعدُّد في مرحلة الذات. و لأجل تقريب المطلب و أنّه يمكن أن تحمل صفات كثيرة على شيء واحد، و ينتزع منه مفاهيم عديدة، نأتي بمثال و إن كان الفرق بين المثل و الممثّل عظيماً، و لكنّ الهدف هو التقريب لا التشبيه.

إذا تصوّرنا الإنسان الخارجي و فرضنا له ماهيّة، فلها ذاتيات - كالحيوان و الناطق - يعدّان من الأُمور الذاتية بالنسبة إلى ماهيته، فهذه الذاتيات موجودة بوجود واحد شخصي من دون أن تكون حيثيّة الحيوان في الخارج غير حيثيّة الناطق، بل الإنسان الخارجي كلّه بوحدته مصداق للحيوان، كما هو كلّه مصداق للناطق.

فهنا شيء واحد و هو الشخصية الخارجية الّتي هي مصداق الإنسان، يصحّ أن ينتزع منه مفاهيم كثيرة من دون أن تنثلم وحدته.

و على ضوء هذا المثال نقول: إنّ ذاته سبحانه بوحدتها و بساطتها، مصداق لكونه عالماً و قادراً و حيّاً، و ليست حقيقة العلم في ذاته تغاير واقعيّة القدرة فيه. كما أنّ كليهما لا يغايران حقيقة الحياة. بل الذات الواحدة بما أنّها موجود بسيط، مصداق لهذه الكمالات من دون أن تضمّ إلى الذات ضميمة أو تطرأ كثرة.

و بهذا البيان تحفظ على بساطته، كما تحفظ على كونه واجداً لحقيقة

الصفات الكماليّة. و لا يهدف هذا البيان إلى إخلاء الذات عن حقيقة هذه الصفات، و لا تعطيلها عن الاتصاف بها، بل يريد أنّ الذات لأجل كونها كلّ الكمال و كلّ الجمال، و ليس فوقها موجود أكمل و أجمل، بوحدتها و بساطتها واجدة لحقيقة هذه الصفات. و الفرق بين كونه سبحانه عالماً و كون زيد عالماً، بعد اشتراكهما في كونهما واجدين لحقيقة هذا الوصف، هو أنّه سبحانه ببساطته واجد لهذا الكمال، و ذاته مصداق للعلم، و لكنّ زيداً بذاته غير واجد لهذا الكمال و إنّما وصل إليه في مرتبة بعدها.

نعم، كونه سبحانه عالماً بهذا المعنى يخالف ما هو المتبادر منه لفظ «العالم» و أشباهه، فإنّ المتبادر منه هو الذات المتّصفة بالمبدإ لا الذات البسيطة المتحقّق فيها المبدأ، و القسم الثاني مصداق جديد لم يتعرّف عليه العرف كما لم يتعرّف عليه الواضع، و إنّما هو مصداق كشف عنه العقل بدقّته و غفل عنه العرف لمسامحته، و لكنّه لا يضر بالإطلاق، لأنّ العرف لا يتوجّه إلى هذه الدقائق، و أهل الدقّة غير غافلين عن هذا الفرق، و ارتكاب خلاف الظواهر بهذا المقدار فراراً عن الإشكالات العقليّة كثير النظير.(1)

ثمّ إنّ القائلين بوحدة الصفات مع الذات لا يعنون منها الوحدة من حيث المفهوم و الموضوع له، بداهة أنّ ما يفهم من لفظ الجلالة في قولنا «اللّٰه عالم» غير ما يفهم من المحمول كلفظ «العالم» و إنّما يعنون بها الوحدة من


1) . قال سبحانه «اَلْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفا» (الأنفال: 66) فهل يمكن الأخذ بظاهره البدئي في أنّه لم يكن عالماً قبله؟

حيث العينيّة و التحقّق، بمعنى أنّ ما هو المصداق للفظ الجلالة هو المصداق للفظ العالم، و هكذا سائر الصفات.

برهان بديع لإثبات الوحدة

ثمّ إنّ لأهل التحقيق في إثبات الوحدة العينيّة براهين دقيقة نكتفي بذكر واحد منها:

«إنّ بديهة العقل حاكمة بأنّ ذاتاً ما إذا كان لها من الكمال ما هو بحسب نفس ذاتها، فهي أفضل و أكمل من ذات لها كمال زائد على ذاتها، لأنّ تجمّل الأُولى بذاتها، و تجمّل الثانية بصفاتها. و ما تجمّل بذاته أشرف ممّا يتجمّل بغير ذاته، و إن كان ذلك الغير صفاته. و واجب الوجود يجب أن يكون في أعلى ما يتصوّر من البهاء و الشرف و الجمال، لأنّ ذاته مبدأ سلسلة الوجودات و واهب كلّ الخيرات و الكمالات، و الواهب المفيض لا محالة أكرم و أمجد من الموهوب المفاض عليه، فلو لم يكن كماله بنفس حقيقته المقدّسة، بل مع اللّواحق لكان المجموع من الذات و اللّواحق أشرف من الذات المجرّدة، و المجموع معلول فيلزم أن يكون المعلول أشرف و أكمل من علّته، و هو محال بيّن الاستحالة».(1)

هذا هو واقع النظرية و حقيقتها، و أنت إذا لاحظت دليلها و ما أوضحناها به تقف على أنّ ما ردّ به تلك النظرية ناش عن عدم الوقوف على


1) . الأسفار: 134/6-135.

مراد القائل، و لو أنّهم كانوا واقفين على مصدر هذه النظريّة لما وجّهوا إليها سهامهم المسمومة، و إليك تلك الردود واحداً بعد الآخر.

1 - قال الأشعري: «و ألزم أبو الهذيل فقيل له: إذا قلت إنّ علم اللّٰه هو اللّٰه فقل: يا علم اللّٰه اغفر لي و ارحمني فأبى ذلك، فلزمته المناقضة».

2 - و قال: «إنّ من قال عالم و لا علم، كان مناقضاً، كما أنّ من قال علم و لا عالم كان مناقضاً».(1)

يلاحظ عليه:

أمّا أوّلاً: فإنّ أبا الهذيل لم يقل بالوحدة من حيث المفهوم، و إنّما قال بالوحدة من حيث التحقّق و العينيّة، و ما ذكره من النقض إنّما يرد على الوجه الأوّل لا على الوجه الثاني. فلا يصحّ أن يقال: «يا علم اللّٰه اغفر لي»، لأنّ المفهوم من لفظ علم اللّٰه غير المفهوم من لفظ الجلالة، فلا يصحّ أن يوضع «علم اللّٰه» من حيث المفهوم مكان لفظ «اللّٰه» و يدعى بمفهوم غيره، و لأجل ذلك لا يصحّ أن يقال يا موجود، و يقصد به اللّٰه سبحانه، بحجّة أنّ ماهيّته إنيّته، و وجوده نفس ماهيّته.

و أمّا ثانياً: فبأنّ الشيخ الأشعري خلط بين نظريّة أبي الهذيل و نظرية الجبّائي الّذي تتلمذ عليه الشيخ الأشعري سنين متمادية إلى أن رفضه و رفض مذهبه، و انسلك في عداد الحنابلة. فتصوّر أنّ مذهب أبي عليّ نفس مذهب أبي الهذيل. ففي مذهب أبي عليّ، الذات خالية من الصفات


1) . الإبانة: 108.

الحقيقيّة، غير أنّها نائبة منابها، و لأجل هذه النيابة يصحّ الحمل، و يجيء توضيحه عمّا قريب، بخلافه على مذهب أبي الهذيل.

3 - قال البغدادي: «الفضيحة الرابعة من فضائحه (أبي الهذيل) قوله بأنّ علم اللّٰه سبحانه و تعالى هو اللّٰه و قدرته هي هو، و يلزمه على هذا القول أن يكون اللّٰه تعالى علماً و قدرة، و لو كان هو علماً و قدرة لاستحال أن يكون عالماً قادراً، لأنّ العلم لا يكون عالماً و القدرة لا تكون قادرة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الاشكال مبنيّ على اقتناص المعارف الإلهية من اللّغة و العرف، أو من باب مقايسة الواجب بالممكن، فيما أنّ العلم و القدرة في الإنسان عرض و الإنسان معروض لهما، تخيّل أنّ العلم و القدرة في جميع المراتب أعراض لا تخرج عن حدِّها، و لكنّه غفل عن أنّ للعلم و القدرة و الحياة مراتب و درجات. فالعلم منه عرض كعلمنا بالأشياء الخارجيّة، و منه جوهر كعلمنا بذاتنا و حضور ذاتنا لدى ذاتنا، و منه واجب قائم بنفسه كعلم اللّٰه سبحانه بذاته. فعند ذلك لا مانع من أن يكون هناك علم قائم بالذات و قدرة مثلها و حياة كذلك.

و هناك كلمة قيّمة للحكيم الفارابي حيث يقول: «يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات، و في العلم علم بالذات، و في القدرة قدرة بالذات، و في الإرادة إرادة بالذات، حتّى تكون هذه الأُمور في غيره لا بالذات».(2)


1) . الفرق بين الفرق: 127.

2) . تعاليق الأسفار: 135/6.

و مصدر هذه الكلمات العجيبة هو مقايسة الغائب بالشاهد و تصوّر أنّ علمه سبحانه أو قدرته و حياته كعلم الممكنات و قدرتها و حياتها. فذلك هو التشبيه الّذي هو الأساس لمذهب أهل الحديث و من لفّ لفّهم.

4 - ذكر الشهرستاني أنّ أبا الهذيل اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الّذين اعتقدوا أنّ ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه.(1)

يلاحظ عليه: أنّه رجم بالغيب و من الممكن أنّه وصل إليه من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كما سيوافيك كلامه، و قد عرفت أنّ المعتزلة في التوحيد و العدل عالة على خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

5 - قال القاضي الإيجي: «لو كان مفهوم كونه عالماً حيّاً قادراً نفس ذاته، لم يفد حملها على ذاته، و كان قولنا: «اللّٰه الواجب» بمثابة حمل الشيء على نفسه».

6 - و قال أيضاً: «لو كان العلم نفس الذات و القدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة فكان المفهوم من العلم و القدرة واحداً».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الإشكالين من الوهن بمكان، حتّى إنّ المستشكل لم يقبله. و أساس الإشكال هو الخلط بين الوحدة المفهوميّة و الوحدة المصداقيّة، و القائل يقول بالثاني لا بالأوّل. و لأجل ذلك يقول الإيجي في دفع الإشكال الأوّل: «و فيه نظر، فإنّه لا يفيد إلّا زيادة هذا المفهوم على


1) . الملل و النحل: 50/1.

2) . المواقف: 280.

مفهوم الذات، و أمّا زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا».

و عند ذلك يصحّ لشيخ الاعتزال أن يتمثّل و يقول:

و كم من عائب قولاً صحيحاً *** و آفته من الفهم السقيم

كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عينيّة الصفات مع الذات

قد ورد في خطب الإمام عليه السلام ما يدلّ على نفي زيادة الصفات للّٰه تعالى بأبلغ وجه و آكده حيث قال في خطبة من خطبه المشهورة: «أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصِّفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصِّفة، فمن وصف اللّٰه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال فيم فقد ضمّنه، و من قال علام فقد أخلى منه».(1)

و توضيح هذه الجمل الدريّة تدفعنا إلى البسط في الكلام و لكنّ المقام لا يقتضيه و إنّما نشير إلى بعضها.

قال عليه السلام: «و كمال توحيده الإخلاص له»، يريد تخليصه سبحانه من الزوائد و الثواني حتّى لا يكون خليطاً مع غيره، ثمّ فرّع على ذلك قوله:


1) . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

«و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه» يريد نفي الصفات الّتي وجودها غير وجود الذات لا نفي حقائقها عن ذاته، فإنّ ذاته بذاته مصداق لجميع النعوت الكماليّة و الأوصاف الإلهيّة من دون قيام أمر زائد على ذاته، فعلمه و قدرته و.... كلُّها موجودة بوجود ذاته الأحديّة مع أنّ مفاهيمها متغايرة.

و قال عليه السلام: «لشهادة كلِّ صفة أنّها غير الموصوف...» إشارة إلى برهان نفي الصفات العارضة، سواء فرضت قديمة كما عليه الكلابيّة و الأشاعرة أو حادثة. فإنّ الصفة إذا كانت عارضة كانت مغايرة للموصوف بها.

فعندئذ يترتّب عليه قول: «فمن وصفه فقد قرنه» أي من وصفه بصفة زائدة فقد قرنه بغيره، فإن كان ذلك الغير مستقلّاً في الوجود يلزم أن يكون له ثان في الوجود، و إن كان غير مستقلّ فبما أنّه جزء له فقد جعله مركّباً ذا جزءين و إليه يشير بقوله:

«و من ثنّاه فقد جزّأه»، و من المعلوم أنّ من جزّأه فقد جهله، و لم يعرفه على ما هو عليه. و من جهله بهذا المعنى فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، لأنّ الإشارة إلى الشيء حسّيّة كانت أو عقليّة تستلزم جعله محدوداً بحدّ خاصّ، و من حدّه بحد معيّن فقد جعله واحداً بالعدد، إلى آخر ما أفاده.

هذا هو توضيح نظريّة أبي الهذيل و هو المختار لدى الإماميّة و عليه خطب الإمام و كلمات أئمّة أهل البيت عليهم السلام و عندئذ يحين وقت إيضاح النظرية الثانية المنسوبة إلى أبي علي الجبّائي.

توضيح مذهب أبي عليّ الجبّائي

إنّ أبا عليّ الجبّائي يقول: إنّه تعالى يستحقّ هذه الصّفات الأربع الّتي هي كونه قادراً عالماً حيّاً موجوداً لذاته. فهو يهدف إلى نظريّة أُخرى يليق أن يتّهم معها بالتعطيل.

و قد أوضح الشهرستاني الفرق بين هذه النظرية و النظرية السابقة بقوله: «و الفرق بين قول القائل: «عالم بذاته لا بعلم» و بين قول القائل: «عالم بعلم هو ذاته»، أنّ الأوّل هو نفي الصفة، و الثاني إثبات ذات هو بعينه صفة، أو إثبات صفة هي بعينها ذات».(1)

و لقد أحسن في التوضيح و أصاب الغرض. فعلى هذا القول ليست الذات واجدة لواقعيات الصفات، غير أنّ ما يترقّب من الذات المتصفة بها، يترتّب على ذاته سبحانه و إن لم تكن هناك تلك الصفات. مثلاً أثر الذات الموصوفة بالعلم هو إتقان الفعل و هو يترتّب على ذاته سبحانه بلا وجود وصف العلم فيه، و قد اشتهر عندهم «خذ الغايات و اترك المبادئ».

و صاحب النظريّة توفّق في الجمع بين الأمرين الخطيرين. فمن جانب اتّفقت الشرائع السماويّة على أنّه سبحانه عالم حيّ قادر. و من جانب آخر واقعية الصفة لا تنفكّ عن القيام بالغير بحيث لو لم تكن قائمة به لما صدق عليه الوصف. فعندئذ يدور الأمر بين الأُمور التالية:


1) . الملل و النحل: 50/1.

1 - نفي كونه عالماً قادراً حيّاً.... و هذا يكذّبه اتّفاق الشرائع السماوية و وجود آثار الصفات في أفعاله من الإتقان و النظم البارزين.

2 - كون صفاته زائدة على ذاته و هو يستلزم المفاسد السابقة من تعدّد القدماء و غيره.

3 - كون صفاته عين ذاته كما عليه شيخ المعتزلة في عصره «أبي الهذيل» و هو لا يتّفق مع واقعيّة الصِّفات، فإنّ واقعيّتها نفس قيامها بالغير لا صيرورتها نفسه، فتعيّن القول التالي:

4 - كون ذاته نائبة مناب الصفات و إن لم تكن هناك واقعيّتها. و ممّن اختار هذا القول قبل الجبّائي هو عبّاد بن سليمان المعتزلي. قال: «هو عالم، قادر، حيّ، و لا أثبت له علماً، و لا قدرة، و لا حياة و لا أثبت سمعاً و لا أثبت بصراً. و أقول: هو عالم لا بعلم، و قادر لا بقدرة، و حيّ لا بحياة، و سميع لا بسمع، و كذلك سائر ما يسمّى به من الأسماء الّتي يسمّى بها».(1)

تقييم نظريّة النيابة

إنّ هذه النظريّة من الوهن بمكان، فإنّ أبا عليّ لو تأمّل في واقعيّة الصفات الكماليّة لما أصرّ على أنّ واقعيّتها في جميع المجالات و المراحل، واقعية القيام بالغير. و إنّما هي واقعيتها في بعض المراتب كعلم الإنسان


1) . مقالات الإسلاميين: 225/1. نعم نقل القاضي في شرح الأُصول الخمسة: 183 رأياً آخر لسليمان بن جرير، و هو غير عباد بن سليمان، فلا يختلط عليك الأمر.

و قدرته و حياته، و ليس في جميع المراتب كذلك. و ذلك لأنّ الكمالات ترجع إلى الوجود، و له شئون و عرض عريض. فكما أنّ منه وجوداً رابطاً و رابطيّاً و جوهراً، فكذا العلم. فمنه عرض قائم بالغير، و منه جوهر قائم في نفسه كعلم الإنسان المدرك بذاته، و منه ممكن و منه واجب، و هكذا سائر الصفات. و على ذلك فالإصرار على واقعيّة واحدة تجمع شتات العلم، إصرار في غير محلِّه. فإنّ للعلم و كلّ كمال مثله، إطارات و قوالب و مظاهر و مجالات تختلف حسب اختلاف المراتب.

إذا وقفت على مذهب الوالد (أبو عليّ) فهلمّ معي ندرس مذهب الولد في باب حمل الصفات الذاتية عليه سبحانه.

مذهب أبي هاشم

إنّ لأبي هاشم في كيفيّة استحقاق الصفات مذهباً خاصّاً عبّر عنه القاضي بقوله: «و عند أبي هاشم يستحقّها لما هو عليه في ذاته» و عبّر عن نظرية أبيه بقوله: «إنّه يستحقّها القديم تعالى لذاته».(1)

و قد حاول البغدادي تبيين الفرق بقوله: «إنّ أبا عليّ جعل نفس الباري علّة لكونه عالماً و قادراً، و خالف أبو هاشم أباه و زعم أنّ اللّٰه عالم لكونه على حال، قادر لكونه على حال، و زعم أنّ له في كلِّ معلوم حالاً مخصوصاً،


1) . شرح الأُصول الخمسة: 129.

و في كلِّ مقدور حالاً مخصوصاً. و زعم أنّ الأحوال لا موجودة و لا معدومة و لا معلومة و لا أشياء».(1)

و أوضحه الشهرستاني بقوله: «قال الجبّائي: عالم لذاته، قادر حيّ لذاته، و معنى قوله: «لذاته» أي لا يقتضي كونه عالماً، صفة هي علم أو حال توجب كونه عالماً، و عند أبي هاشم: «هو عالم لذاته» بمعنى أنّه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتاً موجوداً، و إنّما تعلم الصِّفة على الذات، لا بانفرادها. فأثبت أحوالاً هي صفات لا موجودة و لا معدومة و لا معلومة و لا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات».(2)

و أنت تعلم أنّ هذه المحاولات تزيد في الغموض، و قد أصبحت نظريّته لغزاً من الألغاز لم يقف عليه أحد. قال الشريف المرتضى: «سمعت الشيخ المفيد يقول: ثلاثة أشياء لا تعقل و قد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلِّ حيلة، فلم يظفروا منهم إلّا بعبارات يناقض المعنى فيها مفهوم الكلام: اتّحاد النّصرانية (التثليث مع ادّعاء الوحدة)، و كسب النّجارية و أحوال البهشميّة»(3).

ممّا يقال و لا حقيقة عنده *** معقولة تدنو إلى الأفهام

الكسب عند الأشعري و الحال *** عند البهشمي و طفرة النظام(4)


1) . أُصول الدين للبغدادي: 92.

2) . الملل و النحل: 82/1.

3) . الفصول المختارة: 128.

4) . القضاء و القدر، لعبد الكريم الخطيب: 185

و بما أنّ تحقيق نظريته مبنيّ على تحقيق «الأحوال» الّتي يتبنّاها أبو هاشم فلنكتف بهذا المقدار.

هذا كلّه حول المسألة الأُولى الّتي تركِّز المعتزلة عليها عند البحث عن الأصل الأوّل (التوحيد) و إليك البحث في المسألة الثانية الّتي يركّزون عليها في إطار هذا الأصل، و هي تبيين كيفيّة حمل الصفات الخبريّة عليه سبحانه.


ب - المعتزلة و حمل الصفات الخبريّة
اشارة

ب - المعتزلة و حمل الصفات الخبريّة(1)

قسّم الباحثون صفاته سبحانه إلى صفات ذاتيّة و صفات خبريّة، فتوصيفه سبحانه بالعلم و القدرة توصيف بصفات ذاتيّة، كما أنّ توصيفه بما دلّ عليه ظواهر الآيات و الأحاديث كالوجه و اليدين صفات خبريّة.

و أمّا عقيدة المعتزلة في هذه الصفات، فقد وصفها الشيخ الأشعري في كتابه بأحسن وجه. و إليك نصّ كلامه:

«أجمعت المعتزلة على أنّ اللّٰه واحد ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، و ليس بجسم، و لا شبح، و لا جثّة، و لا صورة لحم و لا دم، و لا شخص و لا جوهر و لا عرض، و لا بذي لون و لا طعم و لا رائحة و لا مجسّة، و لا بذي حرارة و لا برودة و لا رطوبة و لا يبوسة، و لا طول و لا عرض و لا


1) . هذه هي النقطة الثانية التي تركّز عليها المعتزلة في هذا الأصل.

عمق، و لا اجتماع و لا افتراق. و لا يتحرّك و لا يسكن و لا يتبعّض، و لا بذي أبعاض و أجزاء و جوارح و أعضاء، و ليس بذي جهات و لا بذي يمين و شمال و أمام و خلف و فوق و تحت، و لا يحيط به مكان و لا يجري عليه زمان و لا تجوز عليه المماسّة و لا العزلة و لا الحلول في الأماكن، و لا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، و لا يوصف بأنّه متناه، و لا يوصف بمساحة و لا ذهاب في الجهات، و ليس بمحدود، و لا والد و لا مولود، و لا تحيط به الأقدار، و لا تحجبه الأستار، و لا تدركه الحواسّ و لا يقاس بالناس، و لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه و لا تجري عليه الآفات، و لا تحلّ به العاهات، و كلّ ما خطر بالبال، و تصوّر بالوهم فغير مشبه له. لم يزل أوّلاً، سابقاً، متقدّماً للمحدثات، موجوداً قبل المخلوقات، و لم يزل عالماً قادراً حيّاً و لا يزال كذلك. لا تراه العيون، و لا تدركه الأبصار، و لا تحيط به الأوهام، و لا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حيّ لا كالعلماء القادرين الأحياء. و إنّه القديم وحده و لا قديم غيره و لا إله سواه، و لا شريك له في ملكه، و لا وزير له في سلطانه و لا معين على إنشاء ما أنشأ و خلق ما خلق. لم يخلق الخلق على مثال سبق، و ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر و لا بأصعب عليه منه، و لا يجوز عليه اجترار المنافع و لا تلحقه المضارّ، و لا يناله السرور و اللذات، و لا يصل إليه الأذى و الآلام، ليس بذي غاية فيتناهى، و لا يجوز عليه الفناء، و لا يلحقه العجز و النقص، تقدّس عن ملامسة النساء، و عن

اتّخاذ الصاحبة و الأبناء، قال: فهذه جملة قولهم في التّوحيد».(1)

و السابر في «نهج البلاغة» يقف على أنّ المعتزلة أخذت جلّ هذه الكلمات من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لكن باختلاف في التعبير و الألفاظ.

و قد ذكرت المعتزلة و غيرهم دليلاً عقليّاً على تنزيهه سبحانه عن هذه الصفات، خلاصته: أنّه سبحانه ليس مادّة و لا ماديّاً و لا مركّباً منهما، و ما ليس كذلك يمتنع عليه هذه الصفات. فمن يُثبت له حركة أو سكوناً أو يداً أو رجلاً فلا منتدح له عن القول بكونه جسماً أو جسمانياً.

هذا هو الحقّ القراح الّذي لا يشكّ فيه مسلم واع. إنّما الكلام في تفسير ما ورد من النُّصوص المشتملة بظواهرها على هذه الصفات. و هذه النقطة هي المخمصة الكبرى للمعتزلة. فلا بدّ لهم من الجمع ما بين العقل و النقل بوجه يقبله العقل، و لا يكذّبه النقل.

ثمّ إنّ للباحثين من المتكلِّمين و أهل الحديث في المقام طرقاً نشير إليها:

الأوّل: الإثبات مع التشبيه و التكييف.

الثّاني: الإثبات بلا تشبيه و لا تكييف.


1) . مقالات الاسلاميين للاشعري: 155-156. و قد كتب أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449 ه) قائمة تشتمل على أُصول التنزيه على مذهب الامامية أسماها «البيان عن جمل اعتقاد أهل الايمان» فمن أراد فليرجع إلى كنز الفوائد: 240/1.

الثالث: التفويض.

الرابع: التأويل.

و قد بحثنا عن الوجوه الثلاثة الأُول في الجزء الثاني، و هي خيرة أهل الحديث و الأشاعرة. و الأمر الرابع هو خيرة المعتزلة. و لأجل ذلك يسمّون المؤوّلة، فيؤوّلون الآيات المشتملة على اليد و الوجه و الاستيلاء و غير ذلك، و لنا هنا كلمة موجزة و هي:

إنّ التأويل على قسمين: قسم يرفضه الكتاب و لا يرضى به العقل و هو تأويل النصوص القرآنيّة و الأحاديث المتواترة بحجّة أنّها تخالف العقل الصريح فقط، و هذا رأي عازب، بل فكرة خاطئة. فإنّ ظواهر الكتاب و النصوص الصحيحة لا يمكن أن تكون مخالفة للعقل.

و لقد كذب من قال من المؤوّلة: إنّ الأخذ بظواهر الكتاب و السنّة من أُصول الكفر أو إنّ التمسّك في أُصول العقائد بمجرّد ظواهر الكتاب و السنّة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية.(1)

فإنّ هؤلاء لم يعرفوا موقف الكتاب و السنّة الصحيحة، فإنّ من الممتنع أن يشتمل الكتاب الهادي على ما يضادّ العقل الصحيح. و هو القائل «أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا»(2).


1) . علاقة الإثبات و التفويض: 67، نقلاً عن الصاوي على تفسير الجلالين: 10/3 و غيره.

2) . محمد: 24.

و قسم يراد منه تمييز الظاهر التصديقي عن الظاهر الحرفي، و تمييز الظاهر البدوي عن الظاهر الاستمراري (ما يستقرّ في الذهن بعد التدبّر) و مثل هذا لا يتحقّق إلّا بالتأمّل في نفس الآية الكريمة و ما احتفّ بها من القرائن اللفظية أو ما جاء في الآيات الأُخر. و هذا القسم لو صحّت تسميته بالتأويل، تأويل مقبول. كيف و هو ليس بتأويل بمعنى صرف الكلام عن ظاهره و الأخذ بخلاف الظاهر، بل واقعيته تحديد ظاهر الكلام، و تعيينه. و هذا من خواصّ كلِّ كلام مشتمل على نكات بديعة و معاني رفيعة ألقي لهداية الناس باختلاف طبقاتهم و تعدّد ثقافاتهم. و مثل هذا لو صحّ عليه أنّه أخذ بخلاف الظاهر فإنّما هو أخذ بخلاف الظاهر الحرفي و رفض لظاهره الابتدائي. و أمّا الظاهر التصديقي و الاستمراري فهو عين الأخذ به. و نمثِّل لك مثالاً:

إذا قال القائل في تبيين سماحة شخص وجوده: «فلان كثير الرماد» فهناك ظاهر حرفي و ظاهر تصديقي، كما أنّ هناك ظاهراً بدئياً و ظاهراً استمراريّاً.

فالأوّل مرفوض جدّاً، فإنّ كثرة الرماد في البيت لو لم يكن ذمّاً لا يكون مدحاً، مع أنّ القائل بصدد المدح.

و الثاني مقبول عند العقلاء و عليه يدور رحى الفصاحة و البلاغة و إلقاء الخطب الرنّانة و إنشاء الكلم البليغ على الأسماع.

المعتزلة بين التأويل المرفوض و المقبول

إنّ المعتزلة في تفسير الآيات الواردة في مجال الصفات بين تأويل مرفوض، و تأويل مقبول. فتارة يؤوّلون الكلام بحجّة أنّه يخالف العقل و لا يذكرون للتأويل قرينة مقاليّة أو شاهداً من سائر الآيات. و هذا يعرب عن أنّ الغاية منه هو التخلّص من مخالفة النقل مع العقل، و هذا هو التأويل المرفوض، فحاشا أن يكون النقل مخالفاً للعقل. بل المخالفة تتراءى إمّا لعدم تشخيص حقيقة النقل و تخيّل ما ليس بظاهرها ظاهراً، أو لاشتباه العقل فيما يحكم و يبرم.

و أُخرى يؤوّلون معتمدين على القرائن و الشواهد الّتي تثبت الظهور التصديقي و توقفنا على أنّ الظهور البدائي أو التصوّري ليس بمراد. و هذا هو التأويل المقبول، و إليه الاستناد في تأويل المتشابهات بالمحكمات و تعيين الظهور التصديقي.

و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من التأويلين نأتي بمثالين:

1 - قال سبحانه: «قٰالَ يٰا إِبْلِيسُ مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعٰالِينَ»(1).

ترى أنّ القاضي يبادر إلى تأويل الآية بأنّ اليد هنا بمعنى القوّة.(2)


1) . ص: 75.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 228.

يلاحظ عليه: أنّ اليد و إن كانت تستعمل في القوّة و النعمة، قال سبحانه: «وَ اُذْكُرْ عَبْدَنٰا دٰاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّٰابٌ»(1)، فإنّ اليد في هذه الآية مردّدة ابتداء بين النعمة و القوّة و العضو المخصوص، إلّا أنّ القرينة في الآيات تدلُّ على أنّها كناية عن النعمة أو القوّة، و القرينة عليه ورودها في قصّة داود المشهورة في القرآن. فقد كان ذا نعمة و قوّة، أشار إليهما سبحانه في تلك السورة و قال: «إِنّٰا سَخَّرْنَا اَلْجِبٰالَ مَعَهُ...»(2)، و هذه الآيات قرينة على أنّ اليد إنّما كنّى بها عن النعمة و القوّة.

إلّا أنّ الآية السابقة تفارق هذه الآية و ليس مثلها، و ذلك لأجل أمرين:

أوّلاً: أنّ من المعلوم أنّ الخالق لا يخلق شيئاً إلّا عن قوّة، فلا معنى لذكرها إلّا أن تكون هنا نكتة، مثل دفع توهّم العجز في المتكلّم و ليس المقام كذلك كما سيأتي في قوله سبحانه: «وَ اَلسَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ»(3).

و ثانياً: أنّه لو كان المراد منها هو القوّة، فما هو وجه التثنية؟

فلأجل ذلك كان اللّازم على القاضي و أمثاله، الإمعان في الآية حتّى يقفوا على الظهور التصديقي، ليستغنوا به عن مخالفة العقل. فنقول:

إنّ اليد في الآية استعملت في العضو المخصوص، و لكنّها كُنّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتّى يتسنّى بذلك ذمّ إبليس على ترك السجود لآدم.


1) . ص: 17.

2) . ص: 19-29.

3) . الذاريات: 47.

فقوله سبحانه: «مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتّى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجّة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقته بنفسي، و نفخت فيه من روحي، فهو مصنوعي و مخلوقي الّذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.

فأُطلقت الخلقة باليد و كنّى بها عن قيامه سبحانه بخلقه، و عنايته بإيجاده، و تعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي و يراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل، و ربّما استعان فيه بعينه و سمعه و غيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها و يكتفي باليد. و كأنّه سبحانه يندِّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه و صنعه.

و نظير ذلك قوله سبحانه: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا خَلَقْنٰا لَهُمْ مِمّٰا عَمِلَتْ أَيْدِينٰا أَنْعٰاماً فَهُمْ لَهٰا مٰالِكُونَ»(1)، فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيه. فهي مصنوعة للّٰه تعالى و الناس يتصرّفون فيها تصرف الملّاك كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. و أنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، و المدار في الموافقة و المخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوّري.

قال الشريف المرتضى: «قوله تعالى: «لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»» جار مجرى قوله: «لما خلقت أنا»، و ذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما


1) . يس: 71.

كسبت يداك، و ما جرت عليك يداك. و إذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون:

فلان لا تمشي قدمه، و لا ينطق لسانه، و لا تكتب يده، و كذلك في الإثبات، و لا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل».(1)

و أمّا قوله سبحانه: «وَ اَلسَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ وَ إِنّٰا لَمُوسِعُونَ»(2)، فالمراد من الأيدي هو القوّة و الإحكام، و القرينة عليه قوله: «لَمُوسِعُونَ» و كأنّه سبحانه يقول: و السماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها و إنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة عظيمة و نوسعها في الخلقة. و من أراد أن يقف على تأويل غير مقبول في تفسير الآية فعليه أن يرجع إلى كلام الزمخشري في هذا الباب، فإنّ تأويله أردأ من تأويل القاضي، و هو من ذلك العالم البارع الأديب بعيد جدّا.(3)

هذا نموذج من التأويل المردود، و أمّا التأويل المقبول فحدّث عنه و لا حرج، و إليك نموذجاً منه:

2 - قوله سبحانه: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مٰا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ»(4).


1) . أمالي المرتضى: 565/1.

2) . الذاريات: 47.

3) . لاحظ الكشاف: 21/3.

4) . يونس: 3.

و قوله سبحانه: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ تَبٰارَكَ اَللّٰهُ رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ»(1).

و قد شغل بال المفسّرين و أهل الكلام استواؤه سبحانه على العرش، فأقصى ما عند أهل التنزيه من الأشاعرة أنّه سبحانه مستو على عرشه (جالس أو مستقرّ عليه) و لكن من غير كيف.(2)

و أمّا المشبّهة فهم يقولون بالجلوس على العرش على الكيف و التشبيه.

و لو أنّ القوم تدبّروا في نفس الآيتين الماضيتين و الآيات الأُخر(3)التي ورد فيها قوله سبحانه: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ»، لوقفوا على أنّ الظهور التصوّري و هو كونه سبحانه ذا سرير متربّعاً عليه، غير مراد قطعاً، إذ لا مناسبة لهذا المعنى مع ما جاء في الآيات من بيان عظمة قدرته وسعة ملكه و تدبيره، و إنّه لا يشذّ عن علمه شيء، بل المراد هو الظهور التصديقي، و أنّ الاستواء بمعنى التمكّن و الاستيلاء التام، لا الجلوس و لا الاستقرار بعد التزلزل، كما أنّ المراد من العرش، عرش التدبير و عرش


1) . الأعراف: 54.

2) . الإبانة: 85، باب ذكر الاستواء على العرش.

3) . الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 5، الحديد: 5، غافر: 15، طه: 8 باختلاف يسير.

الملك لا الّذي يجلس عليه الملوك. و ليس هذا شيئاً غير موجود في الأدب العربي بل هو مملوء من هذه المعاني.

أمّا الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبد الملك بن مروان حين ولى إمرة العراقين:

قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف و دم مهراق

فالحمد للمهيمن الخلّاق

فليس المراد من الاستواء الجلوس أو الاستقرار، بل التمكّن و الاستيلاء التام و السيطرة على العراقين و كسح كلِّ مزاحم و مخالف.

و قال الطرمّاح بن حكيم:

طال على رسم مهدد أبده *** و عفى و استوى به بلده

و المراد استقام له الأمر و استتبّ.

و قال آخر:

فلمّا علونا و استوينا عليهم *** تركناهم صرعى لنسر و كاسر

هذا حول الاستواء. و أمّا العرش، فالمتبادر منه تصوّراً هو السرير يجلس عليه الملوك، و يدبّرون منه ملكهم و يصدرون الأوامر و النواهي. غير أنّه هناك كناية عن الملك و السلطة. يقال: ثلّ عرش بني فلان، إذا زال ملكهم. يقول الشاعر:

إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم *** و أودت كما أودت أياد و حمير

فليس المراد تهدّم العروش الّتي كانوا يجلسون عليها، بل كناية عن زوال الملك و السيطرة و انقطاع سلطتهم. و الدقة في الآيات الّتي ورد فيها استيلاؤه سبحانه على العرش يثبت بوضوح أنّ المراد من الآية هو السيطرة و التمكّن على صحيفة الكون و الخلقة، و أنّها بعد الخلقة في قبضة قدرته و حوزة سلطنته لم تفوّض لغيره، و لأجل ذلك يذكر في سورة يونس بعد هذه الجملة قوله: «يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مٰا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ» معرباً عن أنّه المدبِّر لأمر الخلقة، و ذلك لاستيلائه على عرش ملكه. فمن استولى على عرش ملكه يقوم بتدبيره، و من ثلّ عرشه أو زال ملكه أو انقطع عنه لا يقدر على التدبير. كما أنّه سبحانه يذكر بعد هذه الجملة في سورة الأعراف كيفيّة التدبير و يقول: «يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ» فهذه الجمل تعابير عن تدبيره صحيفة الكون. و كونه مصدراً لهذه التدبيرات الشامخة، دليل على أنّه مستول على ملكه، مهيمن عليه، مسيطر على ما خلق و لم يخرج الكون عن حوزة قدرته، و مثله سائر الآيات الواردة فيها تلك الجملة، فإنّك ترى أنّه جاء في ضمن بيان فعل من أفعاله سبحانه. ففيها دلالات على «التوحيد في التدبير» الّذي هو أحد مراتبه.

و أمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس و الاستقرار، و العرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي و القيام بهذه التدابير الرفيعة.

فإن المصحِّح للتدبير هو السيطرة و الهيمنة على الملك و هو لا يحتاج إلى التربّع و الجلوس على الكرسي، بل يتوقّف على سعة ملكه و نفوذ سلطته.

و قد قام القاضي بتأويل الآية بمثل ما ذكرنا - بعبارات قليلة - و هو نموذج واضح للتأويل المقبول.

و إذا وقفت على هذا المقياس تقدر على تمييز المقبول عن الزائف في الصفات الخبريّة، و عليك بالآيات الوارد فيها الألفاظ التالية:

الوجه، العين، الساق، مجيئه سبحانه.

و في الأحاديث المرويّة عن طرق ضعاف ورد: الرجل، و القدم.

فالمعتزلة بل العدليّة عامّة يصفونه سبحانه بكلِّ ما وصف نفسه به. و لكنّ الاختلاف في تمييز المراد الجدّي عن الصوري، و الظاهر التصديقي عن الظاهر الحرفي. فالمشبِّهة و الأشاعرة مصرّون على الأخذ بالأوّل مع أنّ سيرة العقلاء العارفين بالكلام و أساليب البلاغة على الثاني. و عند ذلك لا تجد أيّ مخالفة بين العقل و النقل الصحيح كالقرآن الكريم. و أمّا الروايات فأكثرها إسرائيليات دسّت في الأحاديث الإسلاميّة من طريق الأحبار و الرهبان و نقلها السذّج من أصحاب الحديث زاعمين أنّها حقائق راهنة يلزم الأخذ بها، و قد استوفينا الكلام فيها عند البحث عن عقائد أهل الحديث.


ج - نفي الرؤية الحسية
اشارة

هذه هي النقطة الثالثة الّتي تركز عليها المعتزلة عند البحث عن التوحيد، و قد عرفت أنّ التوحيد رمز للتنزيه، أي تنزيهه سبحانه عن الجسم و الجسمانيّات و أحكامها. و قد شغلت هذه المسألة بال المفسِّرين و المتكلِّمين و قد بحث عنها القاضي في كتابيه «شرح الأُصول الخمسة»، و «المغني» على وجه البسط.

يقول القاضي: «و ممّا يجب نفيه عن اللّٰه تعالى الرؤية، و هذه مسألة خلاف بين الناس، و في الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنّما يتحقّق بيننا و بين هؤلاء الأشاعرة الّذين لا يكيّفون الرؤية. و أمّا المجسّمة فهم يسلِّمون أنّ اللّٰه تعالى لو لم يكن جسماً لم يصحّ أن يرى، و نحن نسلِّم لهم أنّ اللّٰه تعالى لو كان جسماً لصحّ أن يرى و الكلام معهم في هذه المسألة لغو».

و بما أنّا استوفينا دراسة أدلّة المجوّزين للرؤية في الجزء الثاني، فلنكتف في المقام بدراسة أدلّة النافين على وجه الإجمال. فنقول:

استدلّت المعتزلة على نفي الرؤية بالأدلّة العقليّة و السمعية.

أمّا العقلية، فهي ما أثبتها الحسّ و العلوم الطبيعية من أنّ الرائي بالحاسّة لا يرى الشيء إلّا إذا كان مقابلاً أو حاّلاً في المقابل أو في حكم المقابل. و قد ثبت أنّ اللّٰه تعالى لا يجوز أن يكون كذلك، لأنّ المقابلة من أحكام الأجسام

و الأعراض و هو سبحانه فوق الممكنات و المادّيات.

هذا ما استدلّ به القاضي تبعاً لمشايخه. ثمّ أجاب عمّا ربّما يتمسّك به المجوّز من أنّه يمكن أن نرى القديم تعالى بحاسّة سادسة من دون الحاجة إلى المقابلة. و قال: إنّه لو جاز أن يرى القديم بحاسّة سادسة لجاز أن يذاق بحاسّة سابعة، و أن يلمس بحاسّة ثامنة، و أن يشمّ بحاسّة تاسعة، و يسمع بحاسّة عاشرة. تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.(1)

أقول: كان على القاضي أن يعترض أيضاً بأنّ الرؤية بحاسّة سادسة مضافاً إلى أنّه رجم بالغيب، خروج عن الموضوع.

و أمّا السمعيّة: فقد استدلّ القاضي بقوله تعالى: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(2).

قال: «وجه الدلالة في الآية هو ما قد ثبت من أنّ الإدراك إذا قرن بالبصر، لا يحتمل إلّا الرؤية. و ثبت أنّه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، و نجد في ذلك تمدّحاً راجعاً إلى ذاته. و ما كان نفيه تمدّحاً راجعاً إلى ذاته كان إثباته نقصاً، و النقائص غير جائزة على اللّٰه تعالى في حال من الأحوال.

ثمّ قال: فإن قيل: أ ليس يقولون: «أدركت ببصري حرارة الميل» فكيف يصحّ قولكم إنّ الادراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلّا الرؤية؟ أُجيب بأنّ هذا ليس من اللّغة في شيء، و إنّما اخترعه ابن أبي بشر الأشعري ليصحّح مذهبه


1) . شرح الأُصول الخمسة: ص 248-253.

2) . الأنعام: 103.

به، إذ لم يرد في كلامهم لا المنظوم و لا المنثور».

أقول: إنّ العرب في هذا المجال تقول: «أحسست ببصري حرارة الميل» على أنّ الباء إنّما تدخل على الآلة كقولهم:

«مشيت برجلي و كتبت بقلمي» و البصر ليس بآلة في إدراك الحرارة، بل يستوي فيه البصر و السمع، فلو أُطلق البصر فلا يراد منه إلّا العضو الحاسّ لا العضو الّذي يرى به.

ثمّ إنّ القاضي أفاض الكلام في دلالة الآية و ردّ ما أُثير حولها من الشبهات بوجه ممتاز، فمن أراد فليرجع إليه.(1)

و من لطيف ما أفاده في المقام، هو الإجابة عن احتجاج المثبتين بما رووه عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر»(2). فأجاب عن الاستدلال بوجوه:

الأوّل: إنّ الأخذ بظاهر الخبر يستلزم أن نرى اللّٰه سبحانه مثلما نرى القمر، فإنّا لا نرى القمر إلّا مدوّراً عالياً منوّراً، و اللّٰه سبحانه أعلى من هذه الصفات.

يلاحظ عليه: أنّ وجه الشبه هو الرؤية الحسيّة اليقينيّة. فكما أنّ الإنسان لا يشكّ - بعد ما رأى القمر - أنّه رآه، فهكذا فيه سبحانه لاتمام الخصوصيات.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 248-253.

2) . صحيح البخاري، كتاب المواقيت، الباب 16، الحديث 26 ج 1 ص 111، و باب الاذان و غيره.

الثاني: أنّ هذا الخبر يروى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللّه البجلي، عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم. و قيس هذا مطعون فيه من وجهين:

أحدهما: أنّه كان يرى رأي الخوارج. يروى أنّه قال: «منذ سمعت عليّاً على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقيّة الأحزاب - يعني النهروان -، دخل بغضه على قلبي» و من دخل بغض أمير المؤمنين عليه السلام قلبه فأقلّ أحواله أن لا يعتمد على قوله، و لا يحتجّ بخبره.

و ثانيهما: قيل إنّه خولط في عقله آخر عمره، و الكتبة يكتبون عنه على عادتهم في حال عدم التمييز، و لا ندري أنّ هذا الخبر رواه و هو صحيح العقل أو مختلطه.

الثالث: إن صحّ هذا الخبر فأكبر ما فيه أن يكون خبراً من أخبار الآحاد. و خبر الواحد ممّا لا يقتضي العلم. و مسألتنا طريقها القطع و الثبات.

ثمّ إنّ هذا الخبر معارض بأخبار رويت. ثمّ ذكر بعض الأخبار.(1)

الإجابة عن الشبه الثلاث

إنّ للمثبتين، شبهاً ثلاثاً أشبه ما تكون بشبهات الأحداث:

الأُولى: إنّ القديم تعالى عندكم راء لذاته، فيجب أن يرى نفسه فيما لم يزل. و كلّ من قال: إنّه يرى نفسه، قال إنّه يراه غيره.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 269.

يلاحظ عليه: أنّ الصغرى و الكبرى ممنوعتان. فإن اُريد من رؤيته لذاته حضور ذاته لذاته و عدم غيبوبتها عنها، فهو صحيح و لا صلة له بالرؤية الحسّيّة، و إن أُريد الرؤية بالبصر فالصغرى ممنوعة. و أمّا الكبرى فزعم المستدلّ أنّ المسألة مسألة فقهيّة لا يصحّ التفكيك بينهما.

الثانية: إنّ مصحِّح الرؤية هو الوجود، بدليل أنّ الشيء متى كان موجوداً كان مرئياً. و متى لم يكن كذلك لم يكن مرئيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ الوجود شرط الرؤية لا العلّة التامّة. و لأجل ذلك لا يرى الإنسان الإرادات و الكراهات و لا غير ذلك.

فللرؤية شرائط قد حقِّقت في العلوم الطبيعية.

الثالثة: إنّ إثبات الرؤية للّٰه تعالى لا تؤدّي إلى حدوثه، و لا إلى حدوث معنى فيه، و لا إلى تشبيهه بخلقه.

و أجاب القاضي أنّ إثبات الرؤية تؤدّي إلى تشبيهه بخلقه، لأنّ الشيء إنّما يرى إذا كان مقابلاً، أو حالاً في المقابل، و هذه من صفات الأجسام، فيجب أن يكون تعالى جسماً، و إذا كان جسماً يجب أن يكون محدثاً(1).


1) . كان على القاضي و غيره البحث عن حدوث كلامه سبحانه أو قدمه في المقام، لأنّ نفي قدمه من شئون توحيده، و لكنه غفل عن ذلك.

الأصل الثاني: العدل

اشارة

هذا هو الأصل الثاني من الأُصول الخمسة، و الأصل الأوّل يهدف إلى تنزيه ذاته سبحانه عمّا لا يجوز حمله عليه، و تمييزه عمّا يجوز، و هذا يهدف إلى أفعاله سبحانه و تمييز ما يجوز عليه عمّا لا يجوز، فإذا وصفنا القديم تعالى بأنّه عدل حكيم، فالمراد به أنّه لا يفعل القبيح أو لا يختاره و لا يخلّ بما هو واجب عليه و إنّ أفعاله كلّها حسنة. و خالفتهم المجبِّرة و أضافت إلى اللّٰه تعالى كلّ قبيح، و قد تعرّفت على تعريف القاضي لهذا الأصل في مدخل البحث عن الأُصول الخمسة.

و خلاصة هذا الأصل عند العدليّة من غير فرق بين المعتزلة و الإماميّة، هو أنّ اللّٰه عزّ و جلّ عدل كريم، خلق الخلق لعبادته، و أمرهم بطاعته، و نهاهم عن معصيته، و عمّهم بهدايته، بدأهم بالنعم و تفضّل عليهم بالإحسان. لم يكلِّف أحداً إلّا دون الطاقة، و لم يأمره إلّا بما جعل له عليه الاستطاعة. لا عبث في صنعه و لا قبيح في فعله. جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال، و تعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال لا يعذِّب أحداً إلّا على ذنب فعله، و لا يلوم عبداً

إلّا على قبيح صنعه. لا يظلم مثقال ذرّة، و إن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجراً عظيماً.

ثمّ إنّ لهذا الأصل دوراً كبيراً في تطوير المسائل الكلاميّة، و هو الحجر الأساس لكثير من آراء المعتزلة كما نشير إليها.

و هو يبتني على التحسين و التقبيح العقليّين، فلو ثبتا بالبرهان العقلي، يثبت العدل كما ثبت كلّ ما بنى عليه من المسائل، و إلّا يصبح الأساس و البناء خاليين من البرهان. و ترى ما ذكرنا في نصّ القاضي، يقول:

«إنّ العَدْل مصدر عَدَلَ يَعْدلُ عَدْلاً، ثمّ قد يذكر و يراد به الفعل، و قد يذكر و يراد به الفاعل، فإذا وصف به الفعل، فالمراد به كلّ فعل حسن يفعله الفاعل لينفع به غيره أو ليضرّه.

فأمّا إذا وصف به الفاعل، فعلى طريق المبالغة كقولهم للصائم: صوم، و نحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنّه عدل حكيم، فالمراد به أنّه لا يفعل القبيح، أو لا يختاره، و لا يخلّ بما هو واجب عليه، و أنّ أفعاله كلّها حسنة، و قد خالفنا في ذلك المجبِّرة و أضافت إلى اللّٰه تعالى كلّ قبيح».(1)

إنّ إثبات عدله سبحانه مبنيّ على ثبوت أُمور ثلاثة:

الأوّل: إنّ هناك أفعالاً تتّصف بذاتها بالحسن و القبح.

الثاني: إنّ اللّٰه تعالى عالم بحسن الأشياء و قبحها.

الثّالث: إنّه سبحانه لا يصدر منه القبيح.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 301.

أمّا الأوّل: فقد برهنوا عليه بوجوه مختلفة، أوضحها ما أشار إليه أبو عبد اللّه البصري في عبارة مختصرة و قال: «إنّ كلّ عاقل يستحسن بكمال عقله التفرقة بين المحسن و المسيء، و إنّما تفرق بينهما الحسنة و إلّا فلا نفع في ذلك و لا دفع ضرر».

قال القاضي عبد الجبّار: «و معرفة حسن الأفعال أو قبحها كمعرفة حسن الصِّدق و قبح الكذب، إنّما يعلم ببداهة العقول.

أمّا استنباط وجوه الحسن أو القبح في فعل معيّن فذلك يحتاج إلى تفكير و استدلال، و من ثمّ لا تختلف العقول في التمييز بين حسن الأفعال و قبحها على وجه الجملة، كمعرفة قبح الظلم، و لكنّها تختلف في الحكم على الإفعال تفصيلاً، فيستحسن الخوارج قتل مخالفيهم بينما تستقبح ذلك معظم فرق المسلمين».(1)

توضيحه: إنّ في الحكمة النظريّة قضايا نظريّة تنتهي إلى قضايا بديهيّة، و لو لا ذلك لعقمت القياسات و صارت غير منتجة، و مثلها الحكمة العمليّة، ففيها قضايا غير معلومة لا تعرف إلّا بالانتهاء إلى قضايا ضروريّة، و إلّا لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العمليّة. فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهيّة في الحكمة النظريّة من صميم ذاتها، فهكذا يدرك بديهيّات القضايا في الحكمة العمليّة من صميم ذاتها بلا حاجة إلى تصوّر شيء آخر.

مثلاً، إنّ كلّ القضايا النظريّة يجب أن تنتهي إلى قضيّة امتناع اجتماع


1) . المغني: 20/6.

النقيضين و ارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بهما لما أمكن التصديق بشيء من القضايا و لذا تسمّى ب «أُمّ القضايا» فلا يحصل اليقين بأنّ زوايا المثلّث مثلاً تساوي قائمتين، إلّا إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضيّة، أي عدم مساواتها لهما. و إلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة، و لأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ إقامة البرهان على المسائل النظريّة إنّما تتمّ إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا الّتي قد عرفت.

و على ضوء هذا البيان نقول: كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهيّة أو قضايا أوّليّة تنتهي إليها، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي يجب أن تنتهي إلى قضايا أوّليّة و واضحة عند ذلك العقل، بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العمليّة لما صحّ التصديق بقضيّة من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهيّة في العقل العملي مسألة التحسين و التقبيح العقليّين الثابتين لجملة من القضايا مثل قولنا:

«العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن» و «جزاء الإحسان بالإساءة قبيح». فهذه القضايا قضايا أوّلية في الحكمة العمليّة، و العقل العملي يدركها من ملاحظة القضيّة بنفسها و في ضوئها يحكم بما ورد في مجال العقل العملي من الأحكام المربوطة بالأخلاق أوّلاً، و تدبير المنزل ثانياً، و سياسة المدن ثالثاً، الّتي يبحث عنها في العقل العملي. و ليس استقلال العقل في تلك القضايا

الأوّلية الراجعة إلى العقل العملي إلّا لأجل أنّه يجدها إمّا ملائمة للجانب العالي من الإنسانيّة، المشترك بين جميع أفراد الإنسان، أو منافرة له. و بذلك تصبح قضيّة التحسين و التقبيح في قسم من الأفعال، قضيّة كلّية لا تختصّ بزمان دون زمان، و لا جيل دون جيل. بل لا تختصّ - في كونها كمالاً أو نقصاً - بالإنسان بل تعمّ الموجود الحيّ المدرك المختار، لأنّ العقل يدركها بصورة قضيّة عامّة شاملة لكلّ من يمكن أن يتّصف بهذه الأفعال كالعدل و الظلم، فهو يدرك أنّ الأوّل حسن عند الجميع و من الجميع، و الثاني قبيح كذلك، و ليس للانسان خصوصيّة في ذلك القضاء.

و بذلك يصبح المدّعي للتحسين و التقبيح العقليّين الذاتيّين في غنى عن البرهنة لما يتبنّاه، كما أنّ المدّعي لامتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما كذلك.

و العجب أنّ الحكماء و المتكلّمين اتّفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظريّة في العقل النظري إلى قضايا بديهيّة، و إلّا عقمت الأقيسة و لزم التسلسل في مقام الاستنتاج، و لكنّهم غفلوا عن إجراء ذلك الأصل في جانب العقل العملي و لم يقسّموا القضايا العمليّة إلى فكرية و بديهيّة، أو نظريّة و ضروريّة. كيف و الاستنتاج و الجزم بالقضايا الواردة في مجال العقل لا يتمّ إلّا إذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال.

فالمسائل المطروحة في الأخلاق ممّا يجب الاتصاف به أو التنزّه عنه، أو المطروحة في القضايا البيتيّة و العائليّة الّتي يعبّر عنها بتدبير المنزل، أو

القضايا المبحوث عنها في علم السياسة و تدبير المدن، ليست في الوضوح على نمط واحد، بل لها درجات و مراتب.

فلا ينال العقل الجزم بكلّ القضايا العمليّة إلّا إذا كانت هناك قضايا بديهيّة واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العمليّة حتّى يحصل الجزم بها و يرتفع الإبهام عن وجهها. و لأجل ذلك فالقائل بالتحسين و التقبيح العقليّين في غنى عن التوسّع في طرح أدلّة القائلين بهما.

و بهذا البيان يستغني الإنسان عن كثير من الأدلّة الّتي أقامها القائلون بالحسن و القبح، سواء أ كانت صحيحة أم لا. نظير ما ربّما يقال من أنّ أحدنا لو خيّر بين الصدق و الكذب و كان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر و قيل له: إن كذبت أعطيناك درهماً و إن صدقت أعطيناك درهماً، فإنّه قطُّ لا يختار الكذب على الصدق. ليس ذلك إلّا لعلمه بقبحه و بغناه عنه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ اختيار الصِّدق على الكذب يمكن أن يكون مستنداً إلى أمر آخر، و هو كون الصِّدق مطابقاً للفطرة و الكذب على خلافها. و لأجل ذلك لا يختار الصبي إلّا الصِّدق و ليس ذلك لأجل العلم بقبح الكذب. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني: أعني كونه سبحانه عالماً بحسن الأشياء و قبحها، فقد استدلّ عليه القاضي بأنّه تعالى عالم لذاته، و من حقِّ العالم لذاته - أن يعلم جميع المعلومات على الوجوه الّتي يصح أن تعلم عليها. و من الوجوه الّتي


1) . شرح الأُصول الخمسة: 303.

يصحّ أن يعلم المعلوم عليه قبح القبائح، فيجب أن يكون القديم تعالى عالماً به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ كلامه مجمل و لعلّه يريد أنّ ذاته سبحانه علّة الأشياء و علّة لصفاتها، و العلم بالعلّة، علم بالمعاليل.

فهو سبحانه بما أنّه عالم لذاته، عالم بمعاليله من الذوات و الصفات.

و لكن التقرير عليل من وجهين:

الأوّل: أنّ الحسن و القبح من صفات الأفعال لا من صفات الأشياء الخارجية من الجواهر و الأعراض القائمة بها، و أفعال الإنسان ليست مخلوقة له سبحانه عند المعتزلة فلا تكون معلولة لذاته حتّى يلزم من العلم بالذات، العلم بها.

الثاني: أنّ الحسن و القبح، بمعنى يجب أَنْ يفعل أو لا يفعل، من الأحكام العقلية و ليست من الصفات الخارجية للأفعال و الأشياء، حتّى يكونا مخلوقين له سبحانه، و حتى يقال بأنّ خالق القبيح و الحسن خالق لقبحه أو حسنه. فالطريق الأوسط، الاستدلال على علمه بالحسن و القبيح بعلم الإنسان بهما، و اللّٰه سبحانه عالم بما خلق، و بما ينطوي عليه مخلوقه من التصورات و التصديقات.

فإذا كان حسن الأشياء و قبحها بذاتها معلومة للإنسان المخلوق، فهي


1) . المصدر السابق: 302.

معلومة له بالضرورة، لانتهاء ما في الكون إلى اللّٰه سبحانه. قال تعالى: «أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(1)و قد تعرّفت في البيان الّذي أوضحنا به دليل أبي عبد اللّه البصري أنّ العقل يدرك أن هنا شيئاً حسناً لدى الكلّ و قبيحاً كذلك. فلا يختصّ قبح الأشياء و لا حسنها بشخص دون آخر.

و أمّا الأمر الثالث: فقد استدلّوا عليه بما ورد في الكتب الكلاميّة من أنّ القبيح لا يختاره إلّا الجاهل بالقبح أو المحتاج إليه، و كلاهما منفيّان عنه تعالى، و لأجل ذلك إنّ الظلمة و الفسقة لا يرتكبون القبائح إلّا لجهلهم بقبحها أو لاعتقادهم أنّهم سيحتاجون إليها في المستقبل، كما في غصب الأموال.

يلاحظ عليه: أنّ هذا الدليل مبنيّ على كون فاعليّة الواجب بالداعي الزائد على ذاته، و هو خلاف التحقيق لكونه تامّاً في الفاعليّة. فلا يكون في الإيجاد محتاجاً إلى شيء وراء ذاته.

و الأولى أن يقرّر بأنّ مقتضى التحسين و التقبيح العقليّين - على ما عرفت - هو أنّ العقل بما هو هو، يدرك أنّ هذا الشيء بما هو هو، حسن أو قبيح، و أنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء بما هو هو، من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود، و من دون دخالة درك مدرك خاصّ.

و على ذلك فالعقل في تحسينه و تقبيحه يدرك واقعيّة عامّة و متساوية


1) . الملك: 14.

بالنسبة إلى جميع المدركين و الفاعلين، من غير فرق بين الممكن و الواجب. فالعدل حسن يمدح فاعله عند الجميع، و الظلم قبيح يذمّ فاعله عند الجميع، و على هذا الأساس فاللّٰه سبحانه، المدرك للفعل و وصفه - أعني: استحقاق الفاعل للمدح أو الذمّ من غير خصوصيّة للفاعل - كيف يقوم بفعل ما يحكم بأنّ فاعله مستحقّ للذّم، أو يقوم بفعل ما يحكم بأنّه يجب التنزّه عنه؟!

و على ذلك فاللّٰه سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح و ممّا يجب التنزّه عنه، و لا يصدر القبيح من الحكيم، و العدل حسن و ممّا ينبغي الاتّصاف به، فيكون الاتّصاف بالعدل من شئون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي.

و إن شئت قلت: إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال لكلّ أحد، و ارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد. و هو كذلك حسب إدراك العقل، عنده سبحانه. و معه كيف يجوز أن يرتكب الواجب خلاف الكمال، و يقوم بما يجرّ النّقص إليه؟!

ما يتفرّع على العدل من المسائل
اشارة

قد عرفت أنّ الحسن و القبح أساس القول بالعدل، و عنه تتفرّع عدّة مسائل تفترق فيها مدرسة الاعتزال عن مدرسة أهل الحديث و الأشاعرة. و نحن نشير إلى عناوينها، ثمّ نبحث عن كلّ واحد تلو الآخر، و هي عبارة عن:

1 - اللّٰه قادر على القبيح.

2 - أفعال العباد غير مخلوقة فيهم و أنّهم المحدثون لها.

3 - الاستطاعة متقدِّمة على الفعل.

4 - قبح التكليف بما لا يطاق.

5 - اللّٰه تعالى لا يكون مريداً للمعاصي.

6 - اللّطف واجب على اللّٰه سبحانه.

7 - حكم القرآن الكريم من حيث الحدوث و القدم.

8 - ما يتعلّق بالنبوّات و الشرائع و معاجز الأنبياء.

هذه هي المسائل المبنيّة على العدل، و نحن نأخذ بالبحث عنها على منهج الاعتزال، و سيوافيك أنّ ثمرات التحسين و التقبيح العقليّين أوسع ممّا ذكر.

المسألة الأُولى: قدرته سبحانه على القبيح

قد عرفت أنّ القاضي قد رتّب على القول بالعدل عدّة مسائل، و لأجل التعرّف على منهج الاعتزال نطرح هذه المسائل مكتفين على ما جاء به القاضي في (شرح الأُصول الخمسة) فهو رائدنا في هذه المباحث، و من أراد التبسّط فعليه المراجعة لكتابه الآخر: «المغني» و قد طبع منه أربعة عشر جزءاً، و على كلّ حال فكتب القاضي هي الممثّلة لرأي المعتزلة في أعصارهم.

و المسألة الأُولى في قدرته سبحانه على القبيح و إنّما عنونها في هذا الفصل لأدنى مناسبة، مع أنّ عنوانها في عموم القدرة أولى من عنوانها في مسألة التحسين و التقبيح، و المخالف فيها عدّة من المعتزلة منهم النظّام و عليّ الأسواري و الجاحظ، حيث ذهبوا إلى أنّه تعالى غير موصوف بالقدرة على ما لو فعله لكان قبيحاً، و قد ردّ عليهم القاضي بقوله: «إنّه تعالى قادر على أن يخلق فينا العلم كما هو قادر على أن يخلق بدله الجهل، و أيضاً قادر على أن يخلق الشهوة في أهل الجنّة كما هو قادر على أن يخلق فيهم النفرة».(1)


1) . شرح الأُصول الخمسة: 314.

أقول: إنّ التفصيل بين القدرة على الحسن و القدرة على القبيح، موهون جدّاً، و ناشٍ عن عدم التعرّف على مفهوم القدرة، فإنّها تستعمل فيما إذا كان الفاعل بالنسبة إلى الفعل و الترك متساوياً، و إلّا لما وصف بالقدرة، بل بالإيجاب. فلو كان قادراً على إدخال المطيع إلى الجنّة، و لم يكن قادراً على إدخاله في النار لما وصف بالقادر، بل كان فاعلاً موجباً، و بذلك يعلم حال عدّة من المسائل الّتي اختلف فيها المعتزلة، و إليك عناوينها:

1 - ذهب عبّاد بن سليمان إلى عدم قدرته تعالى على خلاف معلومه، قائلاً بأنّ ما علم وقوعه يقع قطعاً، فهو واجب الوقوع، و ما علم عدم وقوعه لا يقع قطعاً، فهو ممتنع الوقوع.

يلاحظ عليه: أنّ معناه نفي القدرة و توصيفه سبحانه بالإيجاب أوّلاً، و أن تعلّق العلم بوقوعه لا يخرجه عن الاختيار ثانياً، لأنّه تعلّق بصدوره عنه سبحانه اختياراً لا اضطراراً و إيجاباً، و قد قلنا نظير ذلك في تعلّق علمه سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم. فلاحظ(1).

2 - ذهب البلخي إلى عدم قدرته تعالى على مثل مقدور العبد، لأنّه إمّا طاعة، أو معصية، أو عبث. و هو منزّه عن أن يكون مطيعاً، أو عاصياً، أو عابثاً.

و قد غفل عن أنّ الاطاعة و المعصية، ليستا من الأُمور الحقيقيّة الدخيلة في ماهيّة العمل، فلو قام إنسان كالخليل لبناء بيت امتثالاً لأمره سبحانه، فاللّٰه


1) . لاحظ الجزء الثاني: ص 357-358، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

سبحانه يقدر على إيجاد بيت مثله، و الفعلان متّحدان ماهيّة و هيئة، و إن كان الأوّل مصداقاً للإطاعة دون الآخر.

و بعبارة أُخرى: أنّ الإطاعة أمر انتزاعيّ ينتزعه العقل من مطابقة المأتي به لما أمر به المولى، و على هذا فهناك واقعيّتان: الأوّل: الأمر، الثاني: المأتيّ به، و أمّا الموافقة و المخالفة فهما أمران ذهنيّان يتواردان على الذهن من ملاحظتهما، فإن وجد بينهما المشابهة أو المخالفة يعبّر عن الأُولى بالطاعة، و عن الثانية بالعصيان، و ليس لهما واقعيّة وراء الذهن، فلا تكون الحقيقة الخارجيّة سواء صدرت عن اللّٰه سبحانه، أو عن عباده، أمرين متباينين.

3 - ذهب الجبّائيان إلى عدم قدرته تعالى على عين مقدور العبد، و إلّا لزم اجتماع النقيضين إذا أراده اللّٰه و كرهه العبد، أو بالعكس.

يلاحظ عليه: أنّه كان على القائل الاستدلال بوجه آخر، و هو أنّه يلزم حينئذ اجتماع العلّتين على معلول واحد. و مع ذلك كلّه، فما جاء في الاستدلال نشأ من فكرة ثنويّة ناشئة عن مبادئ الاعتزال، فتخيّل أنّ فعل العبد يجب أن يكون مخلوقاً للعبد وحده و لا يكون للّٰه سبحانه فيه شأن، لما أنّ هناك فاعلين مستقلّين: «اللّٰه» و «الإنسان»، و لكلّ مجاله الخاص. و عند ذلك لا يرتبط مقدور العبد باللّٰه سبحانه كما لا يرتبط مقدوره بعباده، و لكنّه باطل، لما عرفت من أنّ العلّتين ليستا عرضيّتين بل طوليّتين، فالعلل الإمكانيّة في طول العلّة الواجبة، و بما أنّه تنتهي العلل إلى الواجب، يكون مخلوق العبد مخلوقه سبحانه.

المسألة الثانية: في أنّ أفعال العباد، ليست مخلوقة للّٰه سبحانه
اشارة

من فروع القول بالعدل كون فعل الإنسان فعله، لا فعل خالقه.

توضيحه: أنّ أهل الحديث و الأشاعرة يعتقدون بكون أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه، و عندئذ يلزم على أُصول الاعتزال كونه سبحانه موصوفاً بفعل القبيح، و ذلك لأنّ أفعال العباد بين حسن و قبيح، فلو كان هو الفاعل يلزم أن يكون فاعل القبيح. ثمّ الجزاء على القبيح قبيح مع كون الفاعل هو اللّٰه سبحانه.

و يفصّل القاضي الأقوال في المسألة على النحو التالي:

1 - العباد هم المحدثون لأفعالهم، و يقابلهم الجبريّة كالجهميّة القائلون بأنّ أفعالهم مخلوقة للّٰه و لا تعلّق لها بالعباد.

2 - من ذهب إلى كونها مخلوقة للّٰه و لكن لها تعلّق بهم من جهة الكسب.

3 - من سوّى في هذه القضيّة بين المباشر و المتولّد، و قال: كلاهما مخلوق للّٰه سبحانه و متعلّق بنا من جهة الكسب، و ينسب هذا إلى ضرار بن عمرو.

4 - و منهم من فصل بين المباشر و المتولّد، فقال: إنّ المباشر خلق اللّٰه تعالى فينا متعلّق بنا من حيث الكسب، و أمّا المتولّد كالإحراق بعد الإلقاء فاللّٰه تعالى متفرّد بخلقه.

و بما أنّا استوفينا الكلام في عقيدة الأشاعرة و مفهوم الكسب في الجزء الثاني، نركّز البحث هنا على عقيدة المعتزلة.

فالمنقول عنهم تفويض، أفعال العباد إلى أنفسهم و أنّه لا شأن للّٰه سبحانه في أفعال عباده، فذواتهم مخلوقة للّٰه و أفعالهم مفوّضة إلى أنفسهم.

و بعبارة ثانية: العباد في ذواتهم محتاجون إلى الواجب لا في أفعالهم و حركاتهم و سكناتهم. فالمعتزلة في كتب الأشاعرة و الشيعة الإماميّة، مرميّة بهذه العقيدة، و إليك نقل ما يعرب عن مذهبهم:

1 - قال الأشعري: «زعمت المعتزلة أنّ اللّٰه تعالى لم يخلق الكفر و المعاصي و لا شيئاً من أفعال غيره. و أنّ اللّٰه خلق الكافر لا كافراً، ثمّ إنّه كفر و كذلك المؤمن، و اختلفت في الإنسان يخلق فعله أم لا، على ثلاث مقالات:

فزعم بعضهم أنّ معنى فاعل و خالق واحد، و أنّا لا نطلق ذلك في الإنسان لأنّا مُنعنا منه.

و قال بعضهم: هو الفعل لا بآلة و لا بجارحة، و هذا يستحيل منه.

و قال بعضهم: معنى خالق: أنّه وقع منه الفعل مقدّراً، فكلّ من وقع فعله مقدّراً فهو خالق، قديماً كان أم محدثاً».(1)


1) . مقالات الإسلاميين: 295.

و حاصله أنّهم لم يقولوا بكون أفعال العباد مخلوقة لله، و أمّا كونها مخلوقة لأنفسهم فمن فسّر الخلق بالإيجاد لا بآلة و لا بجارحة، فمنع عن الإطلاق. و أمّا من فسّر الخلق بالتقدير فقد جوّزه، و سيوافيك التصريح من أبي بكر الأنباري و غيره أنّ الخلق ربّما يستعمل في التقدير.

2 - و قال البغدادي: «و قالت المعتزلة: إنّ اللّٰه تعالى غير خالق لأكساب الناس، و لا لشيء من أعمال الحيوانات، و قد زعموا أنّ الناس هم الّذين يقدرون على أكسابهم و أنّه ليس للّٰه عزّ و جلّ في أكسابهم و لا في أعمال سائر الحيوانات صنع و تقدير».(1)

3 - و قال القاضي عبد الجبّار: «ذكر شيخنا أبو عليّ رحمه الله: اتّفق كلّ أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرّفهم و قيامهم و قعودهم، حادثة من جهتهم، و أنّ اللّٰه عزّ و جلّ أقدرهم على ذلك، و لا فاعل لها و لا محدث سواهم، و أنّ من قال إنّ اللّٰه سبحانه خالقها و محدثها، فقد عظم خطاؤه، و أحالوا حدوث فعل من فاعلين».(2)

4 - و قال أيضاً: «نحن نبيّن أنّ العبد إنّما يقدر على إحداث و إيجاد، و أنّ القدرة لا تتعلّق بالشيء إلّا على طريق الحدوث، و أنّه يستحيل أن يفعل الشيء من وجهين، و يستحيل تعلّق الفعل بفاعلين محدثين، أو قديم و محدث.... و نبيِّن من بعد إبطال قول من أضاف أفعال العباد إلى اللّٰه تعالى.


1) . الفرق بين الفرق: 114-115.

2) . المغني: 41/6 و ج 1/8.

و نذكر ما يلزمهم على قوده من الفساد، و الخروج عن الدين، و التزام جحد الضروريات».(1)

5 - قال صدر المتألّهين: «ذهبت جماعة إلى أنّ اللّٰه أوجد العباد و أقدرهم على بعض الأفعال، و فوّض إليهم الاختيار، فهم مستقلّون بإيجادها على وفق مشيئتهم و طبق إرادتهم».(2)

و هذه النصوص الخمسة من أكابر الأشاعرة و المعتزلة و الإماميّة، تحاول أن ترميهم بالتّفويض و إن لم تكن في الصراحة بمكان يجزم الإنسان معها بصحّة النسبة. و لأجل ذلك يلزم المزيد من التتبّع في كتبهم الّتي قصرت أيدينا عنها. و لأجل التوضيح نبحث عن أُمور:

1 - لا شكّ في وجود القول بالتفويض في عصر الإمام الباقر عليه السلام كيف و قد طلب عبد الملك بن مروان (المتوفّى 86 ه)، من عامله في المدينة، أن يوجّه محمّد بن علي الباقر إلى الشام حتّى يناظر قدريّاً أعيا الشاميين جميعاً. فبعث الإمام ولده جعفراً الصادق عليه السلام. فلمّا ورد الشام و اجتمع مع القدري، فقال للإمام: سل عمّا شئت. فقال: اقرأ سورة الحمد. قال: فقرأها...

حتّى بلغ قول اللّٰه تبارك و تعالى: «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» فقال له جعفر عليه السلام: قف. من تستعين؟ ما حاجتك إلى المعونة؟ إنّ الأمر إليك. فبهت القدري.(3)


1) . المغني: 41/6 و ج 1/8.

2) . رسالة خلق الأعمال.

3) . بحار الأنوار: 55/5-56.

2 - تضافر عنهم عليهم السلام التنديد بالجبر و التفويض بمضامين مختلفة، نأتي بواحد منها حتّى تقف على ما يشابهه:

سأل محمّد بن عجلان الصادق عليه السلام أنّه هل فوّض اللّٰه الأمر إلى العباد؟ قال: «اللّٰه أكرم من أن يفوّض إليهم. قال: فأجبرهم على أفعالهم؟ فقال: اللّٰه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه».(1)

3 - تضافر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام قولهم: «لا جبر و لا تفويض» و ذلك يدفعنا إلى القول بوجود المفوِّضة في زمن صدور هذه الروايات بين الأُمة الإسلاميّة، و يرجع صدورها إلى أواخر القرن الأوّل، و أواسط القرن الثاني.

4 - إنّما الكلام في أنّ المعتزلة هل هم المعنيّون في هذه الأخبار، أو هم غيرهم، و هذا هو الّذي يحتاج إلى دراسة عميقة بالغور في الآثار الباقية من المعتزلة.

أمّا ما نقلناه من «المغني» فهو محتمل الوجهين، فيمكن أن يكون إشارة إلى استقلال العباد في أفعالهم و أعمالهم كما نسب إليهم صدر المتألّهين. كما أنّه يمكن أن يكون قوله: «لا فاعل لأفعال العباد و لا محدث لها سواهم»، هو نفي كونها مخلوقة للّٰه سبحانه مباشرة و بلا واسطة. و الشاهد عليه قوله فيما بعد: «و أنّ من قال إنّ اللّٰه سبحانه خالقها و محدثها، فقد عظم خطاؤه و أحالوا حدوث فعل من فاعلين».


1) . المصدر نفسه: 51.

فالعبارة بصدد نفي كون فعل العباد مخلوقاً للّٰه مباشرة على النحو الّذي يذهب إليه أهل الحديث و الأشاعرة. و هذا غير القول باستقلال العباد في أفعالهم و غناهم عن الواجب في أعمالهم.

و بعبارة ثانية: كان المذهب في أفعال العباد أحد أمرين: كون أفعالهم مخلوقة للّٰه مباشرة و بلا واسطة، أو كون أفعالهم مخلوقة للعبد كذلك. فأهل الحديث و الأشاعرة على الأوّل، و المعتزلة على الثاني. لكنّ القول بالثاني ليس بمعنى انقطاع عمل العباد عن اللّٰه سبحانه، و عدم انتهاء سلسلة العلل إلى الحقّ عزّ اسمه.

نعم، لم يكن الأمر بين الأمرين شيئاً مفهوماً لديهم حتّى يعتقدوا به، لأنّه من الكنوز العلميّة الّتي ظهرت من معادن العلم و أهل بيت النبوّة. و لكن عدم الوقوف على هذا المذهب غير الاعتقاد على التفويض و الإذعان بالمعنى الباطل الّذي لا يفارق الشرك.

5 - إنّ ما استدلّ به القاضي على مذهبه لا يثبت سوى نفي الجبر و كون أفعال العباد غير مخلوقة للّٰه سبحانه. و أمّا التفويض الّذي اتّهم به، فلا تثبته أدلّته، و إليك بعض ما استدلّ به على ردّ الخصم على وجه الإجمال:

الأوّل: قال: «و الّذي يدلّ على ذلك أن نفصل بين المحسن و المسيء، و بين حسن الوجه و قبيحه. فنحمد المحسن على إحسانه و نذمّ المسيء على إساءته. و لا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه و قبيحه. فلولا أنّ

أحدهما متعلّق بنا بخلاف الآخر، لما وجب هذا الفصل».(1)

الثاني: قال: «لو صحّ الجبر لزمهم التسوية بين الرسول و إبليس، لأنّ الرسول يدعوهم إلى خلاف ما أراد اللّٰه تعالى منهم، كما أنّ إبليس يدعوهم إلى ذلك، بل يلزمهم أن يكون حال الرسول أسوأ من حال إبليس».(2)

الثالث: قال: «يلزم قبح مجاهدة الكفّار، لأنّ للكفرة أن يقولوا لما ذا تجاهدونا؟ فإن كان جهادكم إيّانا على ما لا يريده اللّٰه تعالى منّا و لا يحبّه، فالجهاد لكم أولى و أوجب، و إن كان الجهاد لنا على ما خلق فينا... فذلك جهاد لا معنى له».(1)

إلى غير ذلك من الأدلّة الّتي أقامها القاضي على نفي الجبر، فلا يجد الإنسان في كتابه ما يثبت به التفويض و لو بصورة الدليل.

6 - إنّ فكرة التّفويض فكرة ثنويّة لا يعرج عليها مسلم واع، عارف بالكتاب و السنّة و بدايات الفلسفة الإلهيّة، و لا ينطق بها من وقف على موقف الممكن من الواجب، و واقعيّة العلل و المعاليل الإمكانيّة بالنسبة إلى الواجب المكوِّن لها بأسرها، فإنّ صفحة الوجود الإمكاني صفحة فقيرة متدلّية بالذات قائمة بالغير، ذاتاً كان أم فعلاً. و نسبة الوجود الإمكاني إلى الوجود الواجبي، كنسبة الوجود الحرفي إلى الاسمي. و عندئذ كيف يعقل لموجود امكاني الاستقلال في التّأثير و الفعل من دون أن يستند إلى الواجب و يعتمد عليه.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 336.

و بعبارة ثانية: كما أنّه ليس للمعنى الحرفي الخروج عن إطار المعنى الاسمي في المراحل الثلاث: التصور، و الدلالة، و التحقّق في الخارج، فهكذا المعلول الامكاني بهويّته و أفعاله، فليس له الخروج عن إطار العلّة الواجبة في حال من الحالات.

هذا، و قد أوضحنا بطلان التفويض كتاباً و عقلاً في أبحاثنا الكلاميّة.(1)

7 - هنا مسألتان:

الاُولى: هل أفعال العباد مفوّضة إليهم أنفسهم أو لا؟

الثانية: هل الذوات الإمكانيّة محتاجة إلى الواجب في حدوثهم فقط، أو في حدوثهم و بقائهم؟

فمن قال بالأوّل وجب له القول بالتفويض في الأفعال بوجه أولى، لأنّ الذات إذا كانت غنيّة عن الواجب في بقائه، فأولى أن يكون كذلك في أفعالها.

قال الشيخ الرئيس في إشاراته: «و قد يقولون إنّه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل، حتّى إنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما يشاهدونه من فقدان البنّاء و قوام البناء، و حتّى إنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم، لأنّ


1) . لاحظ «الإلهيات في الكتاب و العقل و السنة» الجزء الثاني 321-331.

العالم عندهم إنّما احتاج إلى الباري تعالى في أن أوجده أي أخرجه من العدم إلى الوجود، حتّى كان بذلك فاعلاً. فإذا قد فعل و حصل له الوجود عن العدم، فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم حتّى يحتاج إلى الفاعل».(1)

أقول: ما نقله الشيخ عنهم مبنيّ على أنّ مناط حاجة الممكن إلى العلّة هل هو إمكانه أو حدوثه، فمن قال بالثاني، صوّر الممكن غنياً في بقائه - فضلاً عن فعله - عن الواجب. و من قال بالأوّل، أظهر الممكن محتاجاً في كلِّ حال من الأحوال إلى الواجب حدوثاً و بقاءً و ذاتاً و فعلاً. و بما أنّ التحقيق كون مناط الحاجة هو الإمكان، فإذاً يصبح التفويض أمراً باطلاً لا يحتاج إلى التدليل أكثر من ذلك.

و لأجل ذلك نأتي ببعض الدلائل المتقنة على أنّ مناط الحاجة هو الإمكان، و هو لا يزول عن الممكن أبداً. فذاته تتعلّق به دائماً، فكيف بأفعاله، فانتظر.

8 - الظاهر من الشيخ المفيد موافقة المعتزلة للإماميّة في مسألة أفعال العباد. قال: «إنّ اللّٰه عدل كريم - إلى أن قال: - جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال، و تعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال. لا يعذّب أحداً إلّا على ذنب فعله، و لا يلوم عبداً إلّا على قبيح صنعه. لا يظلم مثقال ذرّة، فإن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجراً عظيماً.


1) . الإشارات، للشيخ الرئيس: 68/3.

و على هذا القول جمهور أهل الإمامة، و به تواترت الآثار عن آل محمّد عليهم السلام، و إليه يذهب المعتزلة بأسرها إلّا ضراراً منها و أتباعه. و هو قول كثير من المرجئة، و جماعة من الزيديّة و المحكّمة، و نفر من أصحاب الحديث، و خالف فيه جمهور العامّة و بقايا ممّن عددناه».(1)

و ما ذكره الشيخ المفيد يعرب عن أنّ المعتزلة في ذلك العصر لم تكن معتقدة بالتفويض، و إلّا لم يعدّها الشيخ متّحدة مع الإماميّة القائلة بنفي الجبر و التفويض معاً.

9 - يظهر من المفيد أنّ المراد من التفويض الوارد في الروايات غير ما هو المصطلح بيننا حيث قال: «الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقهر و الغلبة. و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون له قدرة على دفعه، و الامتناع من وجوده فيه.... و التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال، و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال. و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات. و الواسطة بين هذين القولين أنّ اللّٰه أقدر الخلق على أفعالهم، و مكّنهم من أعمالهم، و حدّ لهم الحدود في ذلك... إلى آخر ما أفاده».(2)

10 - هل يصحّ إطلاق «الخلق» في مورد فعل الإنسان، أو يختصّ «الخلق» بفعل اللّٰه سبحانه؟


1) . أوائل المقالات: 24-25.

2) . شرح عقائد الصدوق: 14-15.

لا شكّ أنّ اللّٰه سبحانه هو الخالق، و أنّه خلق السموات و الأرض بجواهرها و أعراضها. إنّما الكلام في أنّه هل يصحُّ استعمال كلمة الخلق في مورد فعل الإنسان، فإذا قام أو قعد يصحّ لنا أن نقول: «خلق القيام و القعود» أو إذا أكل و شرب هل يصحّ لنا أن نقول: «خلق الأكل و الشرب» أو لا يجوز ذلك إلّا في مورد يكون هناك عناية في استعمال هذه اللّفظة.

و الرائج في مصطلح القرآن هو التّعبير بالكسب و الفعل. قال سبحانه: «لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اِكْتَسَبَتْ»(1).

و قال تعالى: «كَذٰلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»(2).

و قال سبحانه: «لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ»(3).

فالتعبير الرائج عن أفعال الإنسان بصورة عامّة هو الكسب و الفعل، و بصورة خاصّة هو الأفعال المخصوصة من الأكل و الشرب.

و أمّا استعمال كلمة الخلق في مورد الفعل بأن يقال: «خلق الفعل و العمل» فليس بمعهود، و إنّما هو اصطلاح تسرّب إلى كلمات المحدِّثين و المتكلِّمين في نهاية القرن الأوّل و أوائل الثاني، حتّى قام البخاري بتأليف أسماه «خلق الأعمال».

قال الشيخ المفيد: «إنّ الخلق يفعلون، و يحدثون، و يخترعون،


1) . البقرة: 286.

2) . النحل: 33.

3) . الصف: 2.

و يصنعون، و يكتسبون، و لا أطلق القول عليهم بأنّهم يخلقون و لا لهم خالقون، و لا أتعدّى ذكر ذلك فيما ذكر اللّٰه تعالى، و لا أتجاوز به مواضعه من القرآن، و على هذا القول إجماع الإماميّة، و الزيديّة، و البغداديّين من المعتزلة، و أكثر المرجئة، و أصحاب الحديث، و خالف فيه البصريّون من المعتزلة، و أطلقوا على العباد أنّهم خالقون، فخرجوا بذلك من إجماع المسلمين».(1)

أمّا القرآن فلم يصف فعل الإنسان بما هو فعله من دون أن يحدث هيئة أو تركيباً بالخلق إلّا في مورد واحد، قال سبحانه:

«إِنَّمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَوْثٰاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً»(2)مع أنّه يحتمل أن يكون الخلق فيه بمعنى الكذب.

قال في اللّسان: «الخلق: الكذب. و خلق الكذب و الإفك: افتراه، ابتدعه. و منه قوله سبحانه: «وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً»، و منه أيضاً قوله سبحانه: «إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ» أي كذب الأوّلين.(3)

نعم، وصف القرآن عمل المسيح بالخلق، لكن في مورد خاصّ و هو إحداث صورة و هيئة و تركيب في الخارج. فعند ما جعل من الطّين كهيئة الطير، خاطبه سبحانه بقوله: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ


1) . أوائل المقالات: 25.

2) . العنكبوت: 17.

3) . لسان العرب: مادة خلق.

فِيهٰا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي»(1)، و عليه يحمل قوله سبحانه: «فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ»(2).

و أمّا في غير هذه الصورة، كالفعل المجرّد عن إحداث شيء مثل المشي و القعود، فلم يعهد توصيفه بالخلق، و إنّما حدث هذا الاصطلاح (أي خلق الأفعال و الأعمال) في أواخر القرن الأوّل و أوائل الثاني. و لأجل ذلك تنصرف الإطلاقات الواردة في القرآن الكريم من أنّه خالق كلّ شيء إلى غير أفعاله.

هذا من حيث القرآن. و أما اللّغة، فالظاهر من «اللّسان» التفريق بين الخلق بمعنى الانشاء على مثال أبدعه، و الخلق بمعنى التقدير، و الأوّل يختصّ باللّٰه سبحانه، و الثاني يعمّه و غيره، و عليه حملوا قوله سبحانه: «أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ» (أي المقدّرين).

قال في اللّسان: «الخلق بمعنى التقدير، و خلق الأديم يخلقه خلقاً: قدّره لما يريد قبل القطع، و قاسه ليقطع منه».(3)

و لأجل ذلك، فالأولى في عنوان البحث مكان خلق الأعمال أن يقال: هل أفعال العباد مستندة إلى اللّٰه سبحانه فقط، أو إلى العباد فقط، أو إليهما معاً، أو ما يشبه ذلك؟

11 - إنّ الأبحاث العقليّة لا تدور مدار صحّة التسمية. فسواء أصحّ


1) . المائدة: 110.

2) . المؤمنون: 14.

3) . لسان العرب: مادة خلق.

توصيف أفعال العباد بالخلق أم لا، ففعل الإنسان بما أنّه من الموجودات الإمكانيّة، لا يخرج من كتم العدم إلى حيِّز الوجود إلّا بعلّة واجبة أو ممكنة منتهية إلى الواجب. فعلى الأوّل يكون فعلاً مباشرياً له، و على الثاني يكون فعلاً تسبّبياً له.

و بذلك يظهر بطلان كلا المذهبين، أمّا الجبر - و هو تصوير أنّ العلّة التامّة للفعل هو الواجب - فيلزم من كون الفعل الصادر من العبد فعلاً مباشريّاً للواجب، و كيف يمكن أن يكون الأكل، و الشرب، و المشي، و القعود أفعالاً له مع أنّ ماهيات هذه الأفعال واقعة بأعمال الجوارح من الإنسان.

و أمّا التفويض - و هو تصوير استقلال العبد في مقام الفعل و العمل - فلازمه كون الإنسان فاعلاً واجباً في مقام الفعل غير محتاج إلى الواجب في عمله، و مرجعه إلى الثّنويّة في الاعتقاد، و الشرك في الفاعليّة.

فلا مناص من رفض القولين و اختيار مذهب بين المذهبين الّذي يدعمه العقل، و الكتاب، و أحاديث العترة الطاهرة.

و من أراد الوقوف على حقيقته فعليه بالمؤلفات الكلامية لأصحابنا الإماميّة.

12 - إنّ الجنوح إلى التفويض لأحد أمرين أو كليهما:

ألف - كون الحادث في حدوثه محتاجاً إلى الواجب لا في بقائه. فإذا كان هذا حال الذات فيكون الفعل الصادر عنها غير مستند إليه بوجه أولى؟!

ب - لو كان الفعل مستنداً إلى خالق العبد و نفسه يلزم توارد القدرتين

على مقدور واحد. و لأجل إيضاح حال كلا الدليلين نبحث عن كلّ منهما مستقلاّ.

مناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان لا الحدوث

إنّ هذا الأصل (كون مناط الحاجة إلى العلّة هو الحدوث لا الإمكان) الّذي بنت عليها المفوِّضة نظريّتهم في أفعال العباد، بل و آثار كلِّ الكائنات، باطل من وجوه:

الوجه الأوّل: إنّ مناط حاجة المعلول إلى العلّة هو الإمكان، أي عدم كون وجوده نابعاً من ذاته، أو كون الوجود و العدم بالنسبة إلى ذاته متساويين، و هذا الملاك موجود في حالتي البدء و البقاء. و أمّا الحدوث فليس ملاكاً للحاجة فإنّه عبارة عن تحقّق الشّيء بعد عدمه و مثل هذا، أمر انتزاعيّ ينتزع بعد اتّصاف الماهيّة بالوجود، و ملاك الحاجة يجب أن يكون قبل الوجود لا بعده.

إنّ الحدوث أمر منتزع من الشيء بعد تحقّقه، و يقع في الدرجة الخامسة من محلّ حاجة الممكن إلى العلّة، و ذلك لأنّ الشيء يحتاج أوّلاً، ثمّ تقترنه العلّة ثانياً، فتوجده ثالثاً، فيتحقّق الوجود رابعاً، فينتزع منه وصف الحدوث خامساً. فكيف يكون الحدوث مناط الحاجة الّذي يجب أن يكون في المرتبة الأُولى، و قد اشتهر قولهم: الشيء قرّر (تصوّر)، فاحتاج، فأُوجد، فوجد، فحدث.

و بعبارة ثانية: ذهب الحكماء إلى أنّ مناط الحاجة هو كون الشيء (الماهيّة) متساوي النسبة إلى الوجود و العدم، و أنّه بذاته لا يقتضي شيئاً واحداً من الطرفين، و لا يخرج عن حدِّ الاستواء إلّا بعلّة قاهرة تجرّه إلى أحد الطرفين و تخرجه عن حالة اللّااقتضاء إلى حالة الاقتضاء.

فإذا كان مناط الحاجة هو ذاك (إنّ الشيء بالنّظر إلى ذاته لا يقتضي شيئاً) فهو موجود في حالتي الحدوث و البقاء، و القول باستغناء الكون في بقائه عن العلّة، دون حدوثه، تخصيص للقاعدة العقليّة الّتي تقول: إنّ كلّ ممكن ما دام ممكناً، بمعنى ما دام كون الوجود غير نابع من ذاته، يحتاج إلى علّة، و تخصيص القاعدة العقليّة مرفوض جدّاً.

و يشير الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الاصفهاني (1296-1361) في منظومته إلى هذا الوجه بقوله:

و الافتقار لازم الإمكان *** من دون حاجة إلى البرهان

لا فرق ما بين الحدوث و البقا *** في لازم الذّات و لن يفترقا

الوجه الثاني: إنّ القول بأنّ العالم المادّي بحاجة إلى العلّة في الحدوث دون البقاء، يشبه القول بأنّ بعض أبعاد الجسم بحاجة إلى العلّة دون الأبعاد الأُخرى. فإنّ لكلِّ جسم بعدين، بعداً مكانياً و بعداً زمانياً، فامتداد الجسم في أبعاده الثلاثة، يشكّل بعده المكاني. كما أنّ بقاءه في عمود الزمان يشكّل بعده الزماني. فالجسم باعتبار أبعاضه ذو أبعاد مكانيّة و باعتبار استمرار وجوده مدى الساعات و الأيّام ذو أبعاد

زمانيّة، فكما أنّ حاجة الجسم إلى العلّة لا تختصّ ببعض أجزائه و أبعاضه، بل الجسم في كلِّ بعد من الأبعاد المكانيّة محتاج إلى العلّة، فكذا هو محتاج إليها في جميع أبعاده الزّمانيّة، حدوثاً و بقاء من غير فرق بين آن الحدوث و آن البقاء و الآنات المتتالية، فالتفريق بين الحدوث و البقاء يشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه عن العلّة. فالبعد الزماني و المكاني وجهان لعملة واحدة، و بعدان لشيء واحد فلا يمكن التفكيك بينهما.

و تظهر حقيقة هذا الوجه إذا وقفنا على أنّ العالم في ظلّ الحركة الجوهريّة، في تبدّل مستمرّ و تغيّر دائم، نافذين في جوهر الأشياء و طبيعة العالم المادّي، فذوات الأشياء في تجدّد دائم و انتثار متواصل و العالم حسب هذه النظريّة أشبه بنهر جار تنعكس فيه صورة القمر، فالناظر الساذج يتصوّر أنّ هناك صورة منعكسة على الماء و هي باقية ثابتة، و الناظر الدقيق يقضي على أنّ الصور تتبدّل حسب جريان الماء و سيلانه، فهناك صور مستمرّة.

و على ضوء هذه النظرية، العالم المادّي أشبه بعين نابعة من دون توقّف حتّى لحظة واحدة، فإذا كان هذا حال العالم المادّي، فكيف يصحّ لعاقل أن يقول إنّ العالم، و منه الإنسان، إنّما يحتاج إلى العلّة في حدوثه دون بقائه، مع أنّه ليس هنا أيّ بقاء و ثبات، بل العالم في حدوث بعد حدوث و زوال بعد زوال، على وجه الاتصال و الاستمرار بحيث يحسبه الساذج بقاء

و هو في حال الزوال و التبدّل و السيلان «وَ تَرَى اَلْجِبٰالَ تَحْسَبُهٰا جٰامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحٰابِ»(1).(2)

الوجه الثالث: إنّ القول بحاجة الممكن إلى العلّة في حدوثه دون بقائه غفلة عن واقعيّة المعلول و نسبته إلى علّته، فإنّ وزانه إليها وزان المعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي، فكما أنّه ليس للأوّل الخروج عن إطار الثاني في المراحل الثلاث: التصوّر، و الدلالة، و التحقق، فهكذا المعلول ليس له الخروج عن إطار العلّة في حال من الحالين الحدوث و البقاء.

فإذا كان هذا حال المقيس عليه فاستوضح منه حال المقيس. فإنّ المفاض منه سبحانه هو الوجود، و هو لا يخلو عن إحدى حالتين: إمّا وجود واجب، أو ممكن، و الأوّل خلف لأنّ المفروض كونه معلولاً، فثبت الثاني، و ما هو كذلك لا يمكن أن يخرج عمّا هو عليه (أي الإمكان). فكما هو ممكن حدوثاً ممكن بقاء، و مثل ذلك لا يستغني عن الواجب في حال من الحالات.

لأنّ الاستغناء آية انقلابه عن الإمكان إلى الوجوب و عن الفقر إلى الغنى.

نعم، ما ذكرنا من النسبة إنّما يجري في العلل و المعاليل الإلهيّة لا الفواعل الطبيعيّة، فالمعلول الإلهي بالنسبة إلى علّته هو ما ذكرنا، و المراد من


1) . النمل: 88.

2) . البحث عن الحركة الجوهرية طويل الذيل. لاحظ كتاب (اللّٰه خالق الكون: 514-560) تجد فيه بغيتك.

العلّة الإلهيّة مفيض الوجود و معطيه، كالنفس بالنسبة إلى الصور الّتي تخلقها في ضميرها، و الإرادة الّتي توجدها في موطنها، ففي مثل هذه المعاليل تكون نسبة المعلول إلى العلّة كنسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي.

و أمّا الفاعل الطبيعي، كالنار بالنسبة إلى الإحراق، فخارج عن إطار بحثنا، إذ ليس هناك علّيّة حقيقيّة، بل حديث العلّيّة هناك لا يتجاوز عن تبديل أجزاء النار إلى الحرارة، و ذلك كما هو الحال في العلل الفيزيائيّة و الكيميائيّة، فالعلّيّة هناك تبدّل عنصر إلى عنصر في ظلّ شرائط و خصوصيات توجب التبدّل، و ليس هناك حديث عن الإيجاد و الإعطاء.

و على ذلك فالتفويض - أي استقلال الفاعل في الفعل - يستلزم انقلاب الممكن و صيرورته واجباً في جهتين:

الأُولى: الاستغناء في جانب الذات من حيث البقاء.

الثانية: الاستغناء في جانب نفس الفعل مع أنّ الفعل ممكن مثل الذات.

الوجه الرابع: إنّ القول بالتفويض يستلزم الشرك، أي الاعتقاد بوجود خالقين مستقلّين أحدهما العلّة العليا الّتي أحدثت الموجودات و الكائنات و الإنسان، و الأُخرى الإنسان بل كلّ الكائنات، فإنّها تستقلّ بعد الخلقة و الحدوث في بقائها أوّلاً، و تأثيراتها ثانياً.

فلو قالت المعتزلة بالتفصيل بين الكائنات و الإنسان و نسبت آثار

الكائنات إلى الواجب، فهو لأجل أنّها لا تزاحم العدل دون الإنسان، و على ما ذكرنا يكون التفصيل بلا دليل.

ثمّ إنّ القوم استدلّوا على المسألة العقليّة (غناء الممكن في بقائه عن العلّة)، بالأمثلة المحسوسة، منها: بقاء البناء و المصنوعات بعد موت البنّاء و الصانع، و لكنّ التمثيل في غير محلّه، لأنّ البنّاء و الصانع فاعلان للحركة أي ضمّ بعض الأجزاء إلى بعض و الحركة تنتهي بانتهاء عملهما فضلاً عن موتهما. و أمّا بقاء البناء و المصنوعات فهو مرهون للنظم السائد فيهما، فإنّ البناء يبقى بفضل القوى الطبيعيّة الكامنة فيه، الّتي أودعها اللّٰه سبحانه في صميم الأشياء فليس للبنّاء و الصانع فيها صنع، و أمّا الهيئة و الشكل فهما نتيجة اجتماع أجزاء صغيرة، فتحصّل من المجموع هيئة خاصّة و ليس لهما فيها أيضاً صنع.

تمثيلان لإيضاح الحقيقة

الحقّ إنّ قياس المعقول بالمحسوس الّذي ارتكبته المعتزلة - لو صحّت النسبة - قياس غير تامّ، و لو أراد المحقّق القياس و التمثيل فعليه أن يتمسّك بالمثالين التاليين:

الأوّل: إنّ مثل الموجودات الإمكانيّة بالنسبة إلى الواجب، كمثل المصباح الكهربائي المضيء، فالحسّ الخاطئ يزعم أنّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأوّل، و يتصوّر أنّ المصباح إنّما يحتاج

إلى المولِّد الكهربائي في حدوث الضوء دون استمراره. و الحال إنّ المصباح فاقد للإضاءة في مقام الذات، محتاج في حصولها إلى ذلك المولِّد في كلِّ لحظة، لأنّ الضوء المتلألئ من المصباح إنّما هو استضاءة بعد استضاءة و استنارة بعد استنارة، من المولّد الكهربائي، أ فلا ينطفئ المصباح إذا انقطع الاتصال بينه و بين المولّد؟ فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً، فهو لكونه فاقداً للوجود الذّاتي يحتاج إلى العلّة في حدوثه و بقائه، لأنّه يأخذ الوجود آناً بعد آن، و زماناً بعد زمان.

الثاني: نفترض منطقة حارّة جافّة تطلع عليها الشمس بأشعّتها المحرقة الشديدة. فإذا أردنا أن تكون تلك المنطقة رطبة دائماً بتقطير الماء عليها، و إفاضته بما يشبه الرذاذ(1)، فإنّ هذا الأمر يتوقّف على استمرار تقاطر الماء عليها، و لو انقطع لحظة ساد عليها الجفاف، و صارت يابسة.

فمثل الممكن يتّصف بالوجود باستمرار، مثل هذه الأرض المتّصفة بالرطوبة دائماً، فكما أنّ الثاني رهن استمرار إفاضة قطرات الماء عليها آناً بعد آن، فهكذا الأوّل لا يتحقّق إلّا باستمرار إفاضة الوجود عليه آناً بعد آن، و لو انقطع الفيض و الصِّلة بينه و بين المفيض لانعدم و لم يبق منه أثر.


1) . المطر الضعيف.

تعلّق مقدور واحد بقادرين أو قدرتين

قد سبق أن القاضي اعتمد على هذا الوجه(1)في نفي صلة فعل العبد باللّٰه سبحانه، و زعم أنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقه للّٰه سبحانه يستلزم تعلّق المقدور الواحد بقادرين أو بقدرتين، و هذا أمر محال سواء أ كانا حادثين أم قديمين، أم كان أحدهما حادثاً و الآخر قديماً.

و قد خصّص القاضي الجزء الثامن من أجزاء موسوعته «المغني» بالجبر و الاختيار، و أسماه «المخلوق» و يشتمل على عشرين فصلاً، عرض فيها آراء المعتزلة المتنوِّعة في خلق الأفعال و ناقش خصومهم، و ردّ على شبهاتهم.

و قد عقد فصلاً خاصّاً(2)لهذا الأمر، و استدلّ على الامتناع بأدلّة عشر أو أزيد، و هو أبسط الفصول و أوسعها من بينها، و قد فات على القاضي تحرير محلِّ النزاع، و أنّ المراد من القدرتين ما هو؟ فهل المراد القدرتان العرضيّتان أو الطوليتان؟

فإن كان المراد هو الأُولى فاستحالة اجتماع قدرتين تامّتين عرضيّتين على مقدور واحد لا يحتاج إلى الإطناب الّذي ارتكبه القاضي، لأنّه ينتهي إلى خلف الفرض، و تخرج العلّة التامّة عن كونها علّة تامّة، و تصير علّة ناقصة.


1) . لاحظ ص 472 من هذا الجزء.

2) . المغني: 109/8-161.

لأنّ المقدور بعد التحقّق إمّا أن ينسب إلى كلتا القدرتين، بحيث يكون لكلِّ منهما تأثير و دخالة، فتعود العلّة التامّة إلى العلّة الناقصة، و القادر التامّ إلى القادر غير التامّ و هو خلف الفرض، و هذا كما إذا اشترك رجلان في رفع الصخرة، مع قدرة كلِّ منهما على الرفع وحده. فعند ذاك لا يعدّ كل منهما علّة تامّة في مقام الرفع.

و إمّا أن ينسب إلى واحدة منهما دون الأُخرى، و هذا هو المطلوب.

و إمّا أن لا ينسب إلى واحدة منهما، فكيف خرج عن كتم العدم، مع أنّ حاجة الحادث إلى العلّة أمر واضح.

و أمّا اجتماع قدرتين عرضيّتين لكن ناقصتين على مقدور واحد، فلا يترتّب عليه محذور أبداً.

و اللائق بالبحث غير هاتين الصورتين، فإنّ قدرة اللّٰه سبحانه و قدرة العبد ليستا في عرض واحد، بل الثانية في طول الأُخرى، فهو الّذي خلق العبد، و حباه القدرة، و أقدره على الإيجاد و هو في كلِّ آن و حين يستمدُّ من مواهب ربّه. فالعبد و كلّ ما في الكون من علل و أسباب، جنوده و قواه، بين فاعل بالاختيار، و مؤثّر بالاضطرار. فللفعل صلة بقدرة العبد، كما أنّ له صلة باللّٰه سبحانه و قدرته. و بوجه بعيد كالرؤية و السماع، فهما فعلان للأجهزة الظاهريّة من العين و الأُذن، و في الوقت نفسه فعلان للنفس القاهرة على قواه الباطنيّة و الظاهريّة. فاجتماع قدرتين مثل هاتين لا يستلزم شيئاً من الإشكالات.

إنّ المعتزلة لم تجد في حلِّ مشكلة فعل الإنسان إلّا سلوك أحد الطريقين و زعمت أنّه لا طريق غيرهما ينتهي أحدهما إلى الجبر، و الآخر إلى التفويض.

1 - صلة الفعل باللّٰه سبحانه و انقطاعه عن العبد، فعند ذاك يقال: فعلام يحاسَب العبد و يعاقب؟

2 - نسبة الفعل إلى العبد و انقطاعه عن بارئه، فيسأل: هل هناك أفعال تجاوز قدرة اللّٰه و هل يصدر في ملكه ما لا يريد؟

فالأشاعرة استسهلوا الإشكال الأوّل و نسبوا الفعل إلى اللّٰه سبحانه و صوّروا العبد محلاً لإرادته و قدرته سبحانه، من دون أن يقيموا لإرادة العبد و قدرته وزناً و قيمة.

و المعتزلة اختارت الثاني و استسهلت وقوع ظاهرة خارجة عن سلطانه سبحانه.

و لو أنّ القوم وقفوا على الطريق الثالث الّذي يتنزّه عن فساد المسلكين و يجمع مزيّتهما، لأعرضوا عنهما و التجأوا إلى الحقّ اللّاحب و هو القول بالأمر بين الأمرين، فللفعل صلة لخالق العبد، كما أنّ له صلة لفاعل الفعل، و لكنّ المسئولية متوجّهة على العبد، إذ هو الّذي يصرف القدرة الموهوبة عن اختيار فيما يختاره من الأفعال و يعمله من الأعمال. و سوف تقف على حقيقة الحال عند بيان عقائد الإماميّة فانتظر.

المسألة الثالثة: في تقدّم الاستطاعة على الفعل

اختلفت المعتزلة و الأشاعرة في تقدّم القدرة على المقدور، فالطائفة الأُولى على لزوم تقدُّمها عليه و الثانية على لزوم المقارنة بينهما.

و كان الأولى البحث عن هذه المسألة في باب القدرة. غير أنّ القاضي طرحه في باب العدل و قال: «و وجه اتّصاله به أنّه يلزم على القول بمقارنتها للمقدور، تكليف ما لا يطاق و ذلك قبيح، و من العدل أن لا يفعل القبيح».

ثمّ استدلّ على مذهبه بوجهين:

الأوّل: لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلمّا لم يقع دلّ على أنّه كان غير قادر عليه. و تكليف ما لا يطاق قبيح.

الثاني: إنّ القدرة صالحة للضدّين، فلو كانت مقارنة لهما لوجب بوجودها وجود الضدّين، فيجب في الكافر و قد كلّف بالإيمان، أن يكون كافراً مؤمناً دفعة واحدة، و ذلك محال.(1)


1) . شرح الأُصول الخمسة: 396.

يلاحظ على الاستدلال الأوّل: أنّه مبنيّ على تفسير القدرة بالعلّة التامّة الّتي يكون الفعل معها ضروريّ الوجود فيصحّ كلّ ما جاء فيه. و ذلك لأنّ التكليف مشروط بالقدرة، و القدرة المفسّرة بالعلّة التامّة لا تنفكّ عن المقدور. فيستكشف عند عدم اعتناقه له بعد التكليف، فقدان القدرة و الطاقة، إذ لو كانت لآمنت، لاستحالة انفكاك العلّة التامّة عن معلولها. فيلزم تكليف ما لا يطاق و هو قبيح.

هذا، و لكنّ المستدلّ غفل عن أنّ المراد من القدرة هو الاستعداد للفعل بحيث لو أراد وقع، و مثل هذا لا يستلزم وجود المقدور، و لا يستكشف من عدمه عدمه، لأنّ الاستعداد للفعل ليس علّة تامّة للمقدور.

فللأشعري أن يلتزم باقتران القدرة للفعل في تكليف أبي جهل، و لا يترتّب عليه أيّ تال فاسد عند امتناعه.

و يلاحظ على الثاني: أنّه فسِّرت القدرة فيه على خلاف ما فسّرت به في الدليل الأوّل. و مبنى استدلاله في هذا الدليل هو تفسير القدرة بالعلّة الناقصة و الاستعداد، لوضوح أنّ القدرة بهذا المعنى صالحة للضدّين، لا القدرة بمعنى العلّة التامّة، فلو قلنا باقترانها بالمقدور يصحّ أن نقول: إنّ القدرة صالحة للضدّين و لكن لا يلزم منه أن يكون مؤمناً و كافراً.

و بالجملة: كونها صالحة للضدّين مبنيّ على كونها علّة ناقصة، و لزوم

كون الإنسان مؤمناً و كافراً معاً، مبنيّ على كونها علّة تامّة. فالاستدلال الواحد مبنيّ على مبنيين مختلفين.

و الحقّ إنّ المسألة غير منقّحة في كلام الطّائفتين، إذ لم ينقّح موضوع البحث، و لا المراد من القدرة. فالحقّ هو التفصيل بين القدرة بمعنى الاقتضاء فهي مقدّمة على الفعل، و العلّة التامّة فمقارنة له.(1)


1) . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 234، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

المسألة الرابعة: في قبح التكليف بما لا يطاق

القول بجواز التكليف بما لا يطاق نشأ من المسألة السابقة. و لو كانت السابقة منقّحة من حيث الموضوع و الحكم، لما اندفعت الأشاعرة إلى اختيار الجواز في هذه المسألة الّتي يشهد العقل السليم بقبحه أوّلاً، و عدم إمكانه ثبوتاً ثانياً، إذ كيف يريد الإنسان بالإرادة الجدّيّة الركض من الفالج، و النكاح من الطفل الرضيع؟

و لكنّهم لمّا فسّروا القدرة بالعلّة التامّة من جانب، و اعتقدوا بلزوم اقترانها بالمقدور من جانب آخر، و استنتجوا من عدم الاعتناق عدم القدرة، فلزمهم عند تكليف الكفّار بالإيمان و عدم اعتناقهم، القول بجواز التكليف بما لا يطاق، و إنّه كان هناك تكليف للكافر، و لم تكن له طاقة، و ذلك لأنّه لو كانت له طاقة لآمن قطعاً. فبقاؤه على الكفر يكشف عن عدم قدرته، إذ لو كانت لآمن قطعاً لحديث امتناع الانفكاك. فينتج أنّ التكليف كان موجوداً و لم يكن هناك قدرة.

غير أنّ الأشعري و من قبله و من بعده، لو فسّروا القدرة الّتي هي من شرائط التكليف بمعنى العلّة الناقصة و الاقتضاء، لما لزمهم الالتزام بهذه

النتيجة الفاسدة، حتّى و لو قالوا بلزوم الاقتران. ففي مورد أبي جهل و أبي لهب كان هناك تكليف أوّلاً، و طاقة بمعنى الاستعداد و الاستطاعة على نحو لو أراد كلّ لآمن ثانياً، و كانت القدرة بهذا المعنى مقارنة للتكليف ثالثاً. و لكن عدم إيمانه و إصراره على الكفر، لا يكشف عن فقدان الشرط، لأنّ الاستطاعة بمعنى الاقتضاء أعمّ من تحقّق المعلول معها و عدمه.

و العجب أنّ هؤلاء استدلّوا بآيات على ما يتبنّونه من جواز التّكليف بالقبيح. و بذلك عرّفوا الإسلام و القرآن مناقضين للفطرة و حكم العقل و إدراك العقلاء - أعاذنا اللّٰه من سوء الموقف -.

و بما أنّ الاجابة عن الاستدلال بالآيات واضحة، طوينا الكلام عن استدلالاتهم، روماً للاختصار و لما سبق منّا في الجزء الثاني في تحليل عقائد الأشعري(1).


1) . لاحظ الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 239، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه.

المسألة الخامسة: في أنّ اللّٰه لا يريد المعاصي

ذهبت المعتزلة إلى أنّه لا يجوز أن يكون سبحانه مريداً للمعاصي. و أوضح القاضي وجه صلة هذا البحث بباب العدل بأنّ الإرادة فعل من الأفعال، و متى تعلّقت بالقبيح كانت واجبة لا محالة، و كونه تعالى عدلاً يقتضي أن تنفى عنه هذه الإرادة.(1)

المعتزلة ينظرون إلى المسألة من زاوية التنزيه فيتصوّرون أنّ تنزيه الربِّ يتحقق بعدم تعلّق إرادته بالقبائح، لأنّ من أراد القبيح يتّصف فعله بالقبح و يسري إلى الفاعل، بينما يريد الأشعري تعظيم الربّ، و أنّه لا يكون في ملكه ما لا يريد و يذهب إلى سعة إرادته.

و قد نقل التفتازاني في «شرح المقاصد» أنّه دخل القاضي عبد الجبّار دار الصاحب بن عبّاد (المتوفّى 385 ه) فرأى الأُستاذ أبا إسحاق الإسفرائيني (المتوفّى 413 ه)، فقال القاضي: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء» (مزدرياً بالأسفراييني بأنّه لأجل القول بسعة إرادته يصفه سبحانه


1) . شرح الأُصول الخمسة: 431.

بالفحشاء) فأجابه الإسفرائيني بقوله: «سبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء» إيماءً بأنّ القاضي لأجل قوله بضيق إرادته سبحانه، يعتقد بأنّ هناك أشياء تقع في سلطانه و مملكته خارجة عن مشيئته».(1)

لكنّ القولين بين الإفراط و التفريط. و ما يتبنّيانه من الغاية (التنزيه و التعظيم) يحصل برفض القولين، و الاعتناق بالقول الثالث الّذي هو مذهب بين المذهبين، و أمر بين الأمرين.

و هذا المذهب هو المرويّ عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام و يوافقه العقل و تؤيّده نصوص الكتاب، و هو جامع بين المزيّتين و منزّهٌ عن شناعة القولين.

فالمعتزلة، و إن أصابوا في تنزيه الربّ عن القبائح، لكنّهم أخطئوا في تحديد سلطنته بإخراج أفعال عباده عن إحاطة إرادته و سلطنته و ملكه، فصوّروا الإنسان فاعلاً يفعل بإرادته، و يعمل بمشيئته مستقلاً بلا استمداد من إرادته و مشيئته سبحانه.

و الأشاعرة، و إن أصابوا في إدخال أفعال العباد في ملكه و سلطنته، لكنّهم أخطئوا في جعل أفعال العباد مرادة للّٰه بالإرادة المباشريّة. فصار هناك مريد واحد و هو اللّٰه سبحانه و غيره من الفواعل مظاهر إرادته. و هذا يستلزم كونه سبحانه هو المسئول عن القبائح لكونه الفاعل لها.


1) . انظر شرح المقاصد: 145/2.

و أمّا القول الثالث فهو عبارة عن سعة إرادته لكلِّ ظاهرة إمكانيّة، لكن لا بمعنى كونه سبحانه هو المصدر المباشر لكلِّ شيء، بل بمعنى أنّه تعلّقت إرادته على صدور كلِّ فعل عن فاعله بما فيه من الخصوصيّات، فلو صدر عنه بلا هذه الخصوصيّات لزم تخلّف مراده عن إرادته، فتعلّقت إرادته سبحانه على كون النار مصدراً للحرارة بلا علم و شعور، بل عن جبر و اضطرار. كما تعلّقت إرادته على صدور فعل الإنسان عنه باختيار ذاتيّ و حرّيّة فطريّة.

و باختصار، شاء أن يكون الإنسان مختاراً في فعله و عمله. فإذا اختار و فعل فقد فعل بإرادته، كما فعل بإرادة اللّٰه سبحانه.

و ليست الإرادة الأزليّة منافية لحرّيّته و اختياره، و قد أوضحنا ذلك في أبحاثنا الكلاميّة(1). فلاحظ.

و هناك كلام للشهيد الأجلّ محمّد بن مكّي (المتوفى عام 786 ه) عند بحثه عن تضافر الأخبار على أنّ صلة الأرحام تزيد في العمر، يقرب ممّا ذكرناه، قال قدس سره:

«أُشكل هذا بأنّ المقدّرات في الأزل، و المكتوبات في اللّوح المحفوظ لا تتغيّر بالزيادة و النقصان لاستحالة خلاف معلوم اللّٰه تعالى، و قد سبق العلم بوجود كلِّ ممكن أراد وجوده و بعدم كلِّ ممكن أراد بقاءه على حالة العدم أو إعدامه بعد إيجاده، فكيف


1) . لاحظ: الإلهيات على ضوء الكتاب و السنة و العقل: 632، و الجزء الثاني من هذه الموسوعة: 352، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام.

يمكن الحكم بزيادة العمر و نقصانه بسبب من الأسباب؟».

ثمّ أجاب و قال: «إنّ اللّٰه تعالى كما علم كميّة العمر، علم ارتباطه بسببه المخصوص، و كما علم من زيد دخول الجنّة، جعله مرتبطاً بأسبابه المخصوصة، من إيجاده، و خلق العقل له، و بعث الأنبياء و نصب الألطاف، و حسن الاختيار، و العمل بموجب الشرع، فالواجب على كلِّ مكلّف الإتيان بما أُمر به، و لا يتّكل على العلم، فإنّه مهما صدر منه فهو المعلوم بعينه.

و بالجملة: جميع ما يحدث في العالم، معلوم للّٰه تعالى على ما هو عليه واقع، من شرط أو سبب و ليس نصب صلة الرحم زيادة في العمر إلّا كنصب الإيمان سبباً في دخول الجنّة».(1)

و لو أمعنت في أطراف كلامه تجد أنّه (قدّس اللّٰه سرّه) يشير إلى نفس الجواب الّذي بيّناه خصوصاً قوله: «جعله مرتبطاً بأسبابه المخصوصة من إيجاده.. و حسن الاختيار» و قوله: «جميع ما يحدث في العالم معلوم للّٰه تعالى على ما هو عليه...».


1) . القواعد و الفوائد: 56/2، القاعدة 163.

المسألة السادسة: في وجوب اللّطف
اشارة

اشتهرت العدليّة بوجوب اللّطف(1)على اللّٰه سبحانه، و خالفتهم الأشعريّة و بشر بن المعتمر من معتزلة بغداد، و إيضاح الحقّ يستدعي البحث عن أُمور:

الأوّل: تعريف اللّطف و بيان حقيقته و أقسامه.

إنّ اللّطف، في اصطلاح المتكلّمين، يوصف بوصفين:

1 - اللّطف المُحَصِّل.

2 - اللّطف المُقَرِّب.

و هناك مسائل تترتّب على اللّطف بالمعنى الأوّل، و مسائل أُخرى


1) . المراد من الوجوب كونه مقتضى الحكمة، أو الجود و الكرم، لا الوجوب بالمعنى المتبادر في أوساط الناس من حاكمية العباد على اللّٰه، و كون تركه مستلزماً للذم و اللوم أو العقاب، و على ذلك فالحكم مستكشف العقل باعتبار ملاحظة أوصافه الجميلة. و على أيّ تقدير فمن قال به فإنما قال به من باب الحكمة، تحصيلاً لهدف الخلقة، أو هدف التكليف، أو من باب الجود و الكرم، و أما إيجابه من باب العدل فلم يعلم له معنى محصل.

تترتّب على اللّطف بالمعنى الثاني، و ربّما يؤدّي عدم التّمييز بين المعنيين إلى خلط ما يترتّب على الأوّل بما يترتّب على الثاني.. و لأجل الاحتراز عن ذلك نبحث عن كلٍّ منهما بنحو مستقل.

1 - اللُّطف المحصِّل

اللُّطف المحصِّل: عبارة عن القيام بالمبادئ و المقدّمات الّتي يتوقّف عليها تحقّق غرض الخلقة، و صونها عن العبث و اللغو، بحيث لو لا القيام بهذه المبادئ و المقدّمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغاً عن الغاية، و ناقَضَ حكمته الّتي تستلزم التحرّز عن العبث، و ذلك كبيان تكاليف الإنسان و إعطائه القدرة على امتثالها.

و من هذا الباب بعث الرسل لتبيين طريق السعادة، و تيسير سلوكها. و قد عرفت في الأدلّة السابقة، أنّ الإنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقّة، أو يهتدي إلى طريق السعادة في الحياة بالاعتماد على عقله، و الاستغناء عن التعليم السماوي.

و وجوب اللّطف بهذا المعنى، ليس موضع مناقشة لدى القائلين بحكمته سبحانه، و تنزيهه عن الفعل العبثي الّذي اتّفق عليه العقل و النقل(1). و إنّما الكلام في «اللّطف المقرِّب»، و إليك البيان فيه:


1) . لاحظ: سورة الذاريات: الآية 56، و سورة المؤمنون: الآية 115.

2 - اللُّطف المقرِّب

اللّطف المقرِّب: عبارة عن القيام بما يكون محصِّلا لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه و ذلك كالوعد و الوعيد، و الترغيب و الترهيب، الّتي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، و بعده عن المعصية(1)

فخرج بالقيد الأوّل (لم يكن له حظ...) اللطف المحصّل، فإنّ له دخالة في تمكين المكلّف من الفعل بحيث لولاه لانتفت القدرة.

و خرج بالقيد الثاني (لا يبلغ حدّ الإلجاء) الإكراه و الإلزام على الطاعة و الاجتناب عن المعصية، فإنّ ذلك ينافي التكليف الذي يتطلب الحرية و الاختيار في المكلف (لاحظ: كشف المراد: 201).

و قال القاضي عبد الجبار: «اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب و يتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إمّا إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح» (شرح الأُصول الخمسة: 519).

.

و هذا النوع من اللّطف ليس دخيلاً في تمكين العبد من الطاعة، بل هو قادر على الطاعة و ترك المخالفة، سواء أ كان هناك وعد أم لا، فإنّ القدرة على الامتثال رهن التعرّف على التكليف عن طريق الأنبياء، مضافاً إلى إعطاء الطاقات الماديّة، و المفروض حصول هذه المبادئ و المقدّمات، غير أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرّد الوقوف على التكليف ما لم يكن هناك وعد و وعيد و ترغيب و ترهيب، فهذا النوع من اللّطف قد وقع موقع النِّقاش بين المتكلِّمين.


1) . عرّف اللطف المقرب بأنّه هيئة مقرِّبة إلى الطاعة و مبعِّدة عن المعصية، من دون أن يكون له حظّ في التمكين و حصول القدرة، و لا يبلغ حدّ الإلجاء.

و الحقّ هو القول بوجوب اللّطف إذا كان غرض التكليف (لا غرض الخلقة) موقوفاً عليه عند الأكثريّة الساحقة من المكلّفين.

مثلاً لو فرضنا أنّ غالب المكلّفين، لا يقومون بتكاليفهم بمجرّد سماعها من الرسل - و ان كانوا قادرين عليها - إلّا إذا كانت مقرونة بالوعد و الوعيد، و الترغيب و الترهيب، وجب على المكلّف القيام بذلك، صوناً للتكليف عن اللّغوية، و لو أهملها المكلّف ترتّب عليه بطلان غرضه من التكليف، و بالتالي بطلان غرضه من الخلقة.

و في الكتاب و السنّة إشارات إلى هذا النوع من اللّطف. يقول سبحانه:

«وَ بَلَوْنٰاهُمْ بِالْحَسَنٰاتِ وَ اَلسَّيِّئٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»(1).

و المراد من الحسنات و السيئات، نعماء الدنيا و ضرّاؤها، و كأنّ الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحقّ و الطاعة.

و يقول سبحانه: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّٰ أَخَذْنٰا أَهْلَهٰا بِالْبَأْسٰاءِ وَ اَلضَّرّٰاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ»(2)، و في الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللّطف، و مفاد الآية أنّ اللّٰه تعالى أرسل رسله لإِبلاغ تكاليفه إلى العباد و إرشادهم إلى طريق الكمال (اللّطف المحصِّل)، غير أنّ الرفاه و الرخاء و التوغّل في النعم المادّية، ربّما يسبِّب الطغيان و غفلة الإِنسان عن هدف الخلقة و إجابة دعوة الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء


1) . الأعراف: 168.

2) . الأعراف: 94.

و الضرّاء، لعلّهم يَضّرّعون و يبتهلون إلى اللّٰه تعالى.

و لأجل ذلك نشهد أنّ الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجّة و البرهان، و الإتيان بالمعاجز، بل كانوا - مضافاً إلى ذلك - مبشِّرين و منذرين، و كان الترغيب و الترهيب من شئون رسالتهم، قال تعالى: «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ»(1)، و الإنذار و التبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة و ابتعادهم عن المعصية.

و في كلام الإِمام عليّ عليه السلام إشارة إلى هذا:

قال عليه السلام: «أيّها الناس، إنّ اللّٰه تبارك و تعالى لمّا خلق خلقَه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة و أخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلّا بأن يعرّفهم ما لهم و ما عليهم، و التعريف لا يكون إلّا بالأمر و النهي(2)، و الأمر و النهي لا يجتمعان إلّا بالوعد و الوعيد، و الوعد لا يكون إلّا بالترغيب، و الوعيد لا يكون إلّا بالترهيب، و الترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم و تلذّه أعينهم، و الترهيب لا يكون إلّا بضدّ ذلك...».(3)

و قوله عليه السلام: «و الأمر و النهي لا يجتمعان إلّا بالوعد و الوعيد» إشارة إلى أنّ امتثال الأمر و النهي و نفوذهما في نفوس الناس، يتوقّف على الثواب و العقاب، فلولاهما لما كان هناك حركة إيجابيّة نحو التكليف إلّا من


1) . النساء: 165.

2) . هذا إشارة إلى اللطف المحصل.

3) . بحار الأنوار: 316/5، كتاب العدل و المعاد، الباب الخامس عشر، الحديث 13.

العارفين الّذين يعبدون اللّٰه تعالى، لا رغبة و لا رهبة، بل لكونه مستحقّاً للعبادة.

فتحصّل من ذلك أنّ ما هو دخيل في تحقّق الرغبة بالطاعة، و الابتعاد عن المعصية في نفوس الأكثريّة الساحقة من البشر، يجب على اللّٰه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللّغو، و بالتالي صوناً للخلقة عن العبث.

نعم، إذا كانت هذه المبادئ كافية في تحريك الأكثريّة نحو الطاعة، و لكنّ القليل منهم لا يمتثلون إلّا في ظروف خاصّة كاليسار في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على اللّٰه سبحانه؟ الظاهر لا، إلّا من باب الجود و التفضّل.

و بذلك يعلم أنّ اللّطف المقرِّب إذا كان مؤثّراً في رغبة الأكثريّة بالطاعة و ترك المعصية يجب من باب الحكمة، و أمّا إذا كان مؤثّراً في آحادهم المعدودين، فالقيام به من باب الفضل و الكرم. و بذلك تقف على مدى صحّة ما استدلّ به بعضهم على اللّطف في المقام، أو سقمه.

استدلّ القاضي عبد الجبّار على وجوب اللّطف بقوله: «إنّه تعالى كلّف المكلّف، و كان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، و علم أنّ في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب، و اجتنب القبيح، فلا بدّ من أن يفعل به ذلك الفعل و إلّا عاد بالنقض على غرضه، و صار الحال فيه كالحال في أحدنا إذ أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد اتّخذه، و علم من حاله أنّه لا يجيبه، إلّا إذا بعث إليه بعض أعزّته من ولد أو غيره، فإنّه يجب

عليه أن يبعث، حتّى إذا لم يفعل عاد بالنقض على غرضه و كذلك هاهنا».(1)

قال الشهرستاني: «اللّطف عبارة عن كلِّ ما يوصل الإنسان إلى الطاعة و يبعِّده عن المعصية، و لمّا كان اللّٰه عادلاً في حكمه، رءوفاً بخلقه، ناظراً لعباده، لا يرضى لعباده الكفر، و لا يريد ظلماً للعالمين، فهو لم يدّخر عنهم شيئاً ممّا يعلم أنّه إذا فعل بهم، أتوا بالطاعة و الصلاح»(2).

و قال العلّامة الحلي: «إنّ المكلّف - بالكسر - إذا علم أن المكلّف - بالفتح - لا يطيع إلّا باللّطف، فلو كلّفه من دونه، كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام، و هو يعلم أنّه لا يجيبه إلّا أن يستعمل معه نوعاً من التأدّب، فإن لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدّب كان ناقضاً لغرضه، فوجوب اللّطف يستلزم تحصيل الغرض».(3)

و قال الفاضل المقداد: «إنّا بيّنّا أنّه تعالى مريد للطاعة و كاره للمعصية، فإذا علم أنّ المكلّف لا يختار الطاعة، أو لا يترك المعصية، أو لا يكون أقرب إلى ذلك إلّا عند فعلٍ يفعله به، و ذلك الفعل ليس فيه مشقّة و لا غضاضة، فإنّه يجب في حكمته أن يفعله، إذ لو لم يفعله لكشف ذلك، إمّا عن عدم إرادته لذلك الفعل، و هو باطل لما تقدّم، أو عن نقض غرضه إذا كان مريداً له، لكن ثبت كونه مريداً له فيكون ناقضاً لغرضه.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 521.

2) . الملل و النحل: 107/1.

3) . كشف المراد: 325، الفصل الثاني، المسألة الثانية عشرة.

و يجري ذلك في الشاهد مجرى من أراد حضور شخص إلى وليمة، و عرف أو غلب على ظنِّه أنّ ذلك الشخص لا يحضر إلّا مع فعل يفعله، من إرسال رسول، أو نوع أدب، أو بشاشة، أو غير ذلك من الأفعال، و لا غضاضة عليه في فعل ذلك، فمتى لم يفعل عُدّ ناقضاً لغرضه، و نقض الغرض باطل، لأنّه نقص، و النقص عليه تعالى محال، و لأنّ العقلاء يعدّونه سَفَهاً و هو ينافي الحكمة».(1)

و هذه البيانات تدلّ على أنّ اللّطف واجب من باب الحكمة.

هذا كلام القائلين بوجوب اللّطف، و هو على إطلاقه غير تامّ، بل الحقّ هو التفصيل بين ما يكون مؤثِّراً في تحقّق التكليف بشكل عامّ بين المكلّفين، فيجب من باب الحكمة، و إلّا فيرجع إلى جوده و تفضّله من دون إيجاب عليه.

و استدلّ القائل بعدم وجوبه بقوله: «لو وجب اللّطف على اللّٰه تعالى لكان لا يوجد في العالم عاص، لأنّه ما من مكلّف إلّا و في مقدور اللّٰه تعالى من الألطاف ما لو فعله به لاختار عنده الواجب و اجتنب القبيح، فلمّا وجدنا في المكلّفين من أطاع و فيهم من عصى، تبيّن أنّ الألطاف غير واجبة على اللّٰه تعالى».(2)

يلاحظ عليه: أنّ هذا المستدلّ لم يقف على حقيقة اللّطف، و لذلك


1) . إرشاد الطالبين: 277-278.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 523.

استدلّ بوجود العصاة على عدم وجوبه، فهو تصوّر أنّ اللّطف عبارة عمّا لا يتخلّف معه المكلّف عن الإتيان بالطاعة و ترك المعصية، فنتيجته كون وجود العصيان دليلاً على عدم وجوبه، و عدم وجوده دليلاً على وجوبه، مع أنّك قد عرفت في أدلّة القائلين به بأنّه ما يكون مقرِّباً إلى الطاعة و مبعِّداً عن المعصية من دون أن يبلغ حدّ الإلجاء.

يقول القاضي عبد الجبّار: «إنّ العباد على قسمين، فإنّ فيهم من يعلم اللّٰه تعالى من حاله أنّه إن فعل به بعض الأفعال كان عند ذلك يختار الواجب و يتجنّب القبيح، أو يكون أقرب إلى ذلك، و فيهم من هو خلافه حتّى إن فعل به كلّ ما فعل لم يختر عنده واجباً و لا اجتنب قبيحاً».(1)

و يؤيِّده ما ورد في الذِّكر الحكيم من أنّ هناك أُناساً لا يؤمنون أبداً و لو جاءهم نبيّهم بكلِّ أنواع الآيات و المعاجز.

قال سبحانه: «وَ مٰا تُغْنِي اَلْآيٰاتُ وَ اَلنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاٰ يُؤْمِنُونَ»(2).

و قال سبحانه: «وَ لَئِنْ أَتَيْتَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ بِكُلِّ آيَةٍ مٰا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ»(3).

و في الختام نقول: إنّ اللُّطف سواء أ كان المراد منه اللّطف المحصِّل أم اللّطف المقرِّب، من شئون الحكمة، فمن وصفه سبحانه بالحكمة و التنزّه


1) . شرح الأُصول الخمسة: 520.

2) . يونس: 101.

3) . البقرة: 145.

عن اللّغو و العبث، لا مناص له عن الاعتقاد بهذه القاعدة، غير أنّ القول بوجوب اللّطف في المحصِّل أوضح من القول به في المقرِّب.

و لكن يظهر من الشيخ المفيد أنّ وجوب اللّطف من باب الجود و الكرم، قال: «إنّ ما أوجبه أصحاب اللّطف من اللّطف، إنّما وجب من جهة الجود و الكرم، لا من حيث ظنّوا أنّ العدل أوجبه، و أنّه لو لم يفعل لكان ظالماً».(1)

يلاحظ عليه: أنّ إيجابه من باب الجود و الكرم يختصّ باللّطف الراجع إلى آحاد المكلّفين، لا ما يرجع إلى تجسيد غرض الخلقة، أو غرض التكليف، عند الأكثريّة الساحقة من المكلّفين، كما عرفت.

ثمّ إنّ المراد من وجوب اللّطف على اللّٰه سبحانه ليس ما يتبادر إلى أذهان السطحيّين من الناس، من حاكميّة العباد على اللّٰه، مع أنّ له الحكم و الفصل، بل المراد استكشاف الوجوب من أوصافه تعالى، فإنّ أفعاله مظاهر لأوصافه تعالى، كما أنّ أوصافه مظاهر لذاته تبارك و تعالى. فإذا علمنا - بدليل عقليّ قاطع - أنّه تعالى حكيم، استتبع ذلك و استلزم العلم بأنّه لطيف بعباده، حيثما يَبطل غرض الخلقة أو غرض التكليف لو لا اللّطف.


1) . أوائل المقالات: 25-26.

المسألة السابعة: في حدوث كلامه تعالى
اشارة

من المسائل الّتي أثارت ضجّة كبرى بين العلماء و انتهت إلى محنة تعرف في التأريخ بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، هي البحث عن حدوث القرآن و قدمه، و عن كونه مخلوقاً أو لا. فالمعتزلة على حدوث القرآن و نفي قدمه تنزيهاً له سبحانه عن المثل القديم و غير المخلوق، و أصحاب الحديث و الحنابلة و بعدهم الأشاعرة على ضدّهم و أنّه قديم أو ليس بمخلوق فراراً عن سمة الحدوث الطارئ على صفاته مثل التكلّم.

و لمّا وصلت المعتزلة في عصر المأمون و بعده في عصر الواثق إلى قمّة القدرة و كانت الخلافة العبّاسية تؤازرهم و تؤيّدهم، خرجوا عن منهجهم السابق - منهج الحرّيّة في الرأي و التفكّر - و سلكوا في هذه المسألة مسلك الضغط. فطفقوا يحملون الناس على عقيدتهم (خلق القرآن) بالقوّة و الإكراه، فمن خالفهم و لم يقرّ به يحكم عليه بالحبس تارة و الضرب أُخرى.

و أوجد ذلك في حياتهم العلميّة نقطة سوداء، و سيوافيك تفصيل حمل الناس على اعتناق عقيدتهم في هذا المجال في فصل خاصّ.

هذا من جانب و من جانب آخر، لمّا أخذ أحمد بن حنبل في هذا

المجال موقف الصمود و الثبات في عقيدته صار بطلاً في حياته، و بعدها يضرب به المثل في الصمود على العقيدة، و قد استبطلته المعتزلة و صار إماماً في عقائد أهل السنّة بصموده في طريق عقيدته. و لإيضاح الحقّ نرسم أُموراً:

1 - مسلك أهل الحديث

إنّ مسلك أهل الحديث في اتّخاذ العقيدة في مسائل الدين هو اقتفاء كتاب اللّٰه و سنّة رسوله. فما جاء فيها يؤخذ به و ما لم يجئ فيها يسكت عنه و لا يبحث فيه، و لأجل ذلك كان أهل الحديث يحرِّمون علم الكلام، و يمنعون البحث عن كلِّ ما ليس وارداً في الكتاب و السنّة.

و على ضوء هذا كان اللازم على أهل الحديث السكوت و عدم النبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها حرام على أُصولهم، سواء أ كان الموقف هو قدم القرآن أم حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول اللّٰه، و لا عن أصحابه، و مع الأسف كان موقفهم - و في مقدّمهم أحمد بن حنبل - موقف الإيجاب و تكفير المخالف.

يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»: «و القرآن كلام اللّٰه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، و من زعم أنّ القرآن كلام اللّٰه عزّ و جلّ و وقف و لم يقل مخلوق و لا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، و من زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن و تلاوتنا له مخلوقة و القرآن كلام اللّٰه،

فهو جهميّ، و من لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم».(1)

إنّ السّلفيين و حتّى أتباعهم في هذه الأيّام يتحرّجون من القول بأنّ اللّٰه ليس بجسم، قائلين بأنّه لم يرد نصّ فيه في الشريعة، و لكن يتشدّقون بقدم القرآن و عدم حدوثه، بلا اكتراث - سالفهم و لاحقهم - حتّى جعلوه أصلاً يدور عليه إسلام المرء و كفره.

2 - النصارى و قدم الكلمة

إنّ القول بقدم القرآن تسرّب إلى أوساط المسلمين من المسيحيّين، حيث كانوا يقولون بقدم الكلمة. و قد صرّح بذلك الخليفة العبّاسي في كتابه الّذي بعثه من الرقّة إلى رئيس شرطة بغداد إسحاق بن إبراهيم يقول: «و ضاهوا به قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة اللّٰه».(2)

قال أبو العبّاس البغوي: «دخلنا على «فثيون» النصراني و كان في دار الروم بالجانب الغربي، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب (الّذي كان يقول بأنّ كلام اللّٰه هو اللّٰه) فقال: «رحم اللّٰه عبد اللّه كان يجيء فيجلس إلى تلك الزاوية و أشار إلى ناحية من البيعة و عني أخذ هذا القول (كلام اللّٰه هو اللّٰه) و لو عاش لنصّرنا المسلمين؛ قال البغوي: و سأله محمّد بن إسحاق


1) . كتاب السنّة: 49.

2) . تاريخ الطبري: 198/7، حوادث سنة 218.

الطالقاني، فقال: ما تقول في المسيح؟ قال: ما يقوله أهل السنّة من المسلمين في القرآن».(1)

قال أبو زهرة: «إنّ النصارى الّذين كانوا في حاشية البيت الأُموي و على رأسهم يوحنّا الدمشقي و غيرهم، كانوا يبثّون الشكوك بين المسلمين. فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمة اللّٰه ألقاها إلى مريم. فكان يبثّ بين المسلمين أنّ كلمة اللّٰه قديمة فيسألهم: أ كلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق. و إن قالوا:

قديمة، ادّعى أنّ عيسى قديم».(2)

و بعد ذلك لا يعبأ بما قاله مؤلّف كتاب «المعتزلة» من أنّ القول بخلق القرآن جاء من اليهود، و أنّ أوّل من نشرها منهم لبيد بن الأعصم عدوّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم اللّدود الّذي كان يقول بخلق القرآن، ثمّ أخذ ابن أُخته طالوت هذه المقالة عنه، و صنّف في خلق القرآن.(3)

هذا، و إنّ المشهور بين اليهود هو قدم التوراة.(4)

و على كلِّ تقدير، فالمسألة مستوردة و ليست نابتة من صميم الدين و أُصوله. و قد طرحت في أواخر القرن الثاني في عصر المأمون، و امتدّت


1) . فهرست ابن النديم: الفن الثالث من المقالة الخامسة: 230.

2) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 394/2.

3) . المعتزلة: 22، زهدي حسن جار اللّٰه.

4) . اليهودية: 222، تأليف أحمد شلبي، كما في بحوث مع أهل السنّة و السلفية: 153.

إلى عصر المتوكّل و من بعده الّذين يضغطون على المعتزلة و ينكِّلون بهم.

إنّ تأريخ البحث يعرب عن أمرين:

أ - إنّ المسألة طرحت في جوّ غير هادئ و مشحون بالعداء، و لم يكن البحث لكشف الحقيقة و ابتداعها، بل كلُّ يصرّ على إثبات مدّعاه.

ب - لم يكن موضوع البحث منقّحاً حتّى يتوارد عليه النفي و الإثبات، و أنّهم لما ذا يفرّون من القول بحدوث القرآن و لما ذا يكفّرون القائل به. أهم يريدون من قدم القرآن، قدم الآيات الّتي يتلوها القارئ، أم النبي الأكرم، أم أمين الوحي، أم يريدون قدم معانيه و المفاهيم الواردة فيه، أم يريدون قدم علمه سبحانه إلى غير ذلك من الاحتمالات الّتي لم يركّز البحث على واحد منها.

يقول القاضي: «ذهبت الحشويّة من الحنابلة إلى أنّ هذا القرآن المتلوّ في المحاريب و المكتوب في المصاحف، غير مخلوق و لا محدث، بل قديم مع اللّٰه تعالى».

و قال ابن قتيبة: «اتّفقوا على أنّ القرآن كلام اللّٰه غير مخلوق و إنّما اختلفوا في اللّفظ بالقرآن لغموض وقع في ذلك و كلّهم يجمعون على أنّ القرآن بكلّ حال - مقروءاً و مكتوباً و مسموعاً و محفوظاً - غير مخلوق».(1)


1) . تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 16.

و ذهبت الكلابيّة(1)إلى أنّ كلام اللّٰه تعالى هو معنى أزليّ قائم بذاته مع أنّه شيء واحد.

و أمّا مذهبنا في ذلك فهو أنّ القرآن كلام اللّٰه تعالى و وحيه و هو مخلوق محدث أنزله اللّٰه على نبيِّه ليكون علماً و دالاّ على نبوّته، و جعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال و الحرام و استوجب منّا بذلك الحمد و الشكر و التحميد و التقديس، و اذن هو الّذي نسمعه اليوم و نتلوه و إن لم يكن محدثاً من جهة اللّٰه تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، و إن لم يكن مُحدِثاً لها من جهته الآن.(2)

3 - استدلالهم على حدوث القرآن

إذا كان محلّ النزاع هو القرآن المتلوّ كما يظهر من كلام القاضي فحدوثه أمر واضح، فإنّ الكلام هو الحروف المنظومة الّتي تظهر بالأصوات المقطّعة و ليس حدوثه شيئاً يحتاج إلى دليل، و لو احتاج حدوث مثل هذا إلى دليل إذاً احتاج النهار إلى دليل. كيف و إنّ ترتيب حروف الكلمات و الجمل يستلزم الحدوث، لأنّ تحقّق كلمة بسم اللّٰه يتوقّف على حدوث


1) . المؤسس هو عبد اللّه بن محمد بن كلاب، و له مع عباد بن سليمان مناظرات، و كان يقول: إنّ كلام اللّٰه هو اللّٰه، و كان عباد يقول: إنّه نصراني بهذا القول: فلاحظ فهرست ابن النديم الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 230.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 528.

الباء و انعدامها، ثمّ حدوث السين كذلك، ثمّ حدوث الميم و هكذا إلى آخر البسملة. فالحدوث ثمّ الانعدام لا يفارقان مفردات الحروف. و في ضوء هذا توجد الكلمة فكيف يمكن أن يكون مثل هذا قديماً أزليّاً مع اللّٰه تعالى؟!

و هذا الاستدلال متين لا مفرّ منه.

ثمّ إنّ القاضي استدلّ على حدوث القرآن بآيات:

1 - «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ»(1)، و الذِّكر هو القرآن بدليل قوله: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ»(2). فقد وصفه بأنّه محدث، و وصفه بأنّه منزّل، و المنزّل لا يكون إلّا محدثاً. و فيه دلالة على حدوثه من وجه آخر، لأنّه قال: (وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ» فلو كان قديماً لما احتاج إلى حافظ يحفظه.

2 - «الر كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ»(3).

بيّن كونه مركّباً من هذه الحروف و ذلك دلالة حدوثه، ثمّ وصفه بأنّه كتاب، أي مجتمع من كتب، و منه سمّيت الكتيبة كتيبة، و ما كان مجتمعاً لا يجوز أن يكون قديماً.

3 - «اَللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ»(4).


1) . الأنبياء: 2.

2) . الحجر: 9.

3) . هود: 1.

4) . الزمر: 23.

وصفه بأنّه «منزّل» أوّلاً، ثمّ قال: «أحسن الحديث». وصفه بالحسن، و الحسن من صفات الأفعال. و وصفه بأنّه «حديث» و هو و المحدث واحد. فهذا صريح ما ادّعيناه. و سمّاه «كتاباً»، و ذلك يدلّ على حدوثه كما تقدّم. و قال: «متشابهاً» أي يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز و الدلالة على صدق من ظهر عليه. و ما هذا حاله لا بدّ من أن يكون محدثاً.(1)

4 - محاولة بعض الحنابلة لإثبات القدم

و لمّا كانت العقيدة بقدم القرآن منافية لتوحيده سبحانه، حاول ابن تيميّة تصحيح عقيدة الحنابلة - الّتي صارت متروكة و مندرسة بعد ثورة الإمام الأشعري على الطّائفتين - بالتفريق بين القدم و عدم المخلوقيّة و قال:

«و كما لم يقل أحد من السلف إنّ كلام اللّٰه مخلوق، فلم يقل أحد منهم إنّه قديم، و لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة، و لا التابعين لهم بإحسان، و لا من بعدهم من الأئمّة الأربعة و لا غيرهم. و أوّل من عرف أنّه قال «هو قديم»، عبد اللّه بن سعيد بن كلاب».(2)

و لا يخفى أنّ التفريق بين عدم الخلقة و القدم، كالتفريق بين المترادفين مثل «الإنسان» و «البشر» فكما لا يصحّ أن يقال:

هذا بشر لا إنسان، فهكذا لا يصحّ أن يقال: «القرآن غير مخلوق و لكن ليس بقديم»، لأنّ


1) . شرح الأُصول الخمسة: 532.

2) . مجموعة الرسائل: 20/3.

الشيء إذا لم يكن مخلوقاً يكون وجوده لذاته، و ما كان كذلك لا يكون مسبوقاً بالعدم فيكون قديماً.

أضف إلى ذلك أنّ ابن الجوزي صرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا: إنّ القرآن كلام اللّٰه قديم.(1)

فكما أنّ هذه المحاولة فاشلة، فهكذا محاولته الثانية الّتي لا يليق بها أن تسطر. و هي القول بقدم حروف المعجم الّتي هي موادّ كلمة اللّٰه، حيث قال: «و ما تكلّم اللّٰه به فهو قائم به، ليس مخلوقاً منفصلاً عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء اللّٰه سبحانه و كتبه المنزلة مخلوقة، فقول القائل بأنّ الحروف قديمة، أو حروف المعجم قديمة، فإن أراد جنسها فهذا صحيح. و إن أراد الحرف المعيّن فقد أخطأ».(2)

إنّ القول بقدم موادِّ القرآن - أعني: حروف المعجم - أشبه بالقول بقدم الماهيّات المنفكّة عن الوجود. و هذه الحروف بجنسها، كما أنّ الماهيّات بنوعها، ليست إلّا مفاهيم بحتة معدومة و إنّما تتشخّص بالوجود، و تتحقّق بالكينونة، و لا يكون ذلك إلّا فرداً و هو حادث قطعاً حسب ما اعترف به.

هذه المسائل صارت سبباً لسقوط عقيدة الحنابلة في أعين المفكِّرين و المحقّقين من علماء الإسلام. و لأجل ذلك التجأ الأشعري لتصحيح العقيدة إلى الكلام النفسي القائم بذاته سبحانه. و قد عرفت في تبيين عقيدة


1) . المنتظم في ترجمة الأشعري: 332/6.

2) . مجموعة الرسائل: 45/3.

الأشعري أنّ مرجع الكلام النفسي إلى العلم، و ليس شيئاً غيره.

ثمّ إنّ هاهنا أدلّة سمعيّة للحنابلة في إثبات قدم القرآن نأتي بها على وجه الإجمال، و قد طرحها القاضي في كتبه و قام بتحليلها.

5 - نقد أدلّة القائلين بالقدم

إنّ القاضي يذكر أدلّة القائلين بقدم القرآن و يقول: «و للمخالف في قدم القرآن شبه، من جملتها:

الشبهة الأُولى: قولهم: قد ثبت أنّ القرآن مشتمل على أسماء اللّٰه تعالى و الاسم و المسمّى واحد، فيجب في القرآن أن يكون قديماً مثل: اللّٰه تعالى. قالوا: و الّذي يدلّ على أنّ الاسم و المسمّى واحد، هو أنّ أحدنا عند الحلف يقول: تاللّٰه و و اللّٰه. و هكذا يقول: بسم اللّٰه. و لا يكون كذلك إلّا و الأمر على ما قلناه. و كذلك فقد قال لبيد:

إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما *** و من يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

أي السلام عليكما.

و هكذا فإنّ أحدنا إذا قال: طلّقت زينب، كان الطلاق واقعاً عليها. فلو لم يكن الاسم و المسمّى واحداً لا يكون كذلك».

و أجاب عنه القاضي بأنّ الاسم غير المسمّى و إلّا فمن قال: ناراً، يجب أن يحترق فمه.

و على هذا قال بعضهم:

لو كان من قال ناراً أُحرقت فمه *** لما تفوّه باسم النار مخلوق

فكيف يكون الاسم و المسمّى واحداً، مع أنّ الاسم عرض و المسمّى جسم؟.

أقول: يجب إلفات نظر القارئ إلى أُمور:

1 - إنّ اتّحاد الاسم مع المسمّى صحيح على وجه و باطل على وجه آخر. فإن أرادوا اتّحاد واقعيّة العالم مع ذاته سبحانه فذلك صحيح، لما قلنا من أنّ ذاته سبحانه بلا ضمّ ضميمة مصداق للعالم، و ليست ذاته شيئاً و عالميّته شيئاً آخر، و لأجل ذلك، الاسم هو واقعيّة العالميّة، و لفظ (العالم) اسم للاسم.

و إن أرادوا اتّحاد لفظ (العالم) الّذي حدوثه ذاتيّ، و تدرّجه عين تحقّقه، مع المسمّى فذلك من البطلان بمكان.

2 - إنّ المعارف الإلهيّة لا تبتنى على المسائل الفقهيّة، فإنّ لكلِّ علم منهجاً خاصّاً لتحليل مسائله. فالمعارف الإلهيّة مسائل حقيقيّة تطرح على بساط البحث، و ينظر إليها من زاوية البرهان العقلي. و أمّا المسائل الفقهيّة فهي مسائل اعتباريّة، اعتبرها الشارع موضوعاً لأمره و نهيه و طاعته و عصيانه، فلا يصحّ الاستدلال عليها إلّا من زاوية العلوم الاعتباريّة.

فالعالم كلُّ العالم من يحلِّل كلّ مسألة بمنهجها الخاصّ، و لا يخلط هذا بذاك. و لكنّ الحنابلة طفقوا يستدلّون على اتّحاد الاسم مع المسمّى بمسألة فقهيّة، و هذا مثل من أنكر كرويّة الأرض بحجّة أنّ كرويّتها لا توافق كون ليلة القدر ليلة واحدة، بل تستلزم أن تكون ليلتين. و قد أوضحنا حال هذه الشبهة في أبحاثنا الفقهيّة.

3 - إنّ الحلف في قول «تاللّٰه» و «و اللّٰه»، واقع على الاسم لا على المسمّى، لوضوح أنّ المقسم به هو لفظ الجلالة لا مصداقه، غاية الأمر اللّفظ طريق و مرآة إلى المسمّى، و مع ذلك فالمحلوف به لفظه و اسمه، لا مصداقه و ذاته مباشرة، فأين للإنسان الناقص شهود ذاته حتّى يحلف بها. فلو تصعّد و تصوّب لا يكون حلفه خارجاً عن الحلف باللّفظ. فإذا كان الحلف هنا على الاسم، يكون الحلف في قوله «باسم اللّٰه» أيضاً على الاسم بحجّة أنّ الإضافة بيانيّة، بمعنى أحلف على الاسم الّذي هو اللّٰه.

ففي كلا القسمين الحلف واقع على الاسم، دون المسمّى، و ليس الحلف في الأوّل على المسمّى حتّى يستدلّ بصحّة الحلف في الثاني المشتمل على لفظ الاسم، على أنّ الاسم هو المسمّى و يستنتج من قدم المسمّى قدم الاسم و منه قدم القرآن لاشتماله على أسمائه.

إنّ اتّحاد الاسم مع المسمّى من الأفكار الباطلة الّتي شطب العلم و الفكر الصحيح عليها طيلة قرون. و مع الأسف إنّ الشيخ الأشعري جعله من جملة عقائد أصحاب الحديث و أهل السنّة، و قال في قائمة عقائد تلك

الطائفة: «إنّ أسماء اللّٰه لا يقال إنّها غير اللّٰه، كما قالت المعتزلة و الخوارج».(1)

يحكى أنّ بعض الحنابلة ناظر أبا الهذيل في هذه المسألة فأخذ لوحاً و كتب عليه «اللّٰه». قال: أ فتنكر أن يكون هذا هو اللّٰه و تدفع المحسوس؟ فأخذ أبو الهذيل اللّوح من يده و كتب بجنبه: «اللّٰه» آخر. فقال للحنبليّ: أيّهما اللّٰه إذن؟ فانقطع المدبر(2).

فلو صحّت هذه الوحدة لوجب تعدّد الآلهة حسب تعدُّد أسمائه و كثرتها في لغة العرب و سائر اللّغات.

الشبهة الثانية: إنّ القوم تعلّقوا بآيات من القرآن في إثبات قدمه. منها قوله تعالى: «أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ» (3)قالوا: إنّه تعالى فصّل بين الخلق و الأمر، و في ذلك دلالة على أنّ الأمر غير مخلوق(4). و القرآن مشتمل على الأمر فيكون غير مخلوق.

و أجاب عنه القاضي بأنّ ذلك من قبيل عطف الخاصِّ على العامّ، مثل قوله سبحانه: «فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ»(5).

و يمكن أن يجاب بالنقض و الحلّ.


1) . المقالات: 290. و في هذا المصدر تكلّم عن أصحاب الحديث حول اتحاد الاسم مع المسمى، فراجعه.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 544.

3) . الاعراف: 54.

4) . المصدر نفسه

5) . الرحمن: 68.

أمّا نقضاً فبقوله سبحانه: (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»(1).

فلو كان الأمر غير مخلوق يلزم أن يكون الروح الّذي من الأمر غير مخلوق و قديماً.

و أمّا حلّاً فبوجهين:

أ - المراد من الخلق هنا هو التقدير، قال في اللّسان: «الخلق: التقدير، و خلَق الأديم يخلقه خلقاً: قدّره لما يريد قبل القطع.

قال زهير يمدح رجلاً:

و لأنت تَفري ما خلقتَ *** و بعض القوم يَخلق ثمّ لا يفري(2)

و المراد من الأمر هو الإيجاد، لقوله سبحانه: «إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(3). و على ذلك يعود معنى الآية إلى أنّ التقدير و الإيجاد في عالم الكون من السّماوات و الأرض و ما بينهما له سبحانه. و يشهد عليه ملاحظة نفس الآية: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ تَبٰارَكَ اَللّٰهُ رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ»(4).


1) . الإسراء: 85.

2) . لسان العرب: مادة «خلق»

3) . يس: 82.

4) . الأعراف: 54.

فخلق العالم من الذرّة إلى المجرّة، رهن التقدير و الإيجاد، و لا شريك له سبحانه في واحد من هذين الأمرين، و عندئذ لا صلة لكلمة الأمر، بالأوامر الشرعية الواردة في القرآن الكريم حتّى يستدلّ من حديث المقابلة أنّ الأمر غير الخلق.

ب - المراد من الخلق هو الإيجاد، كما هو الشائع، و المراد من الأمر السنن السائدة على العالم، الحاكمة عليه و الوسيلة للتدبير. و يشهد له قوله قبل ذلك: «مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ» أي مسخّرات بسننه و قوانينه سبحانه. فيعود معنى الآية أيضاً إلى أنّ الخلق و التدبير بالسنن له سبحانه، لا يشاركه فيهما شيء.

و يظهر ذلك إذا علمنا أنّ «الألف و اللام» في «له الأمر» إشارة إلى الأمر الوارد قبله أي: «مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ»، و من المعلوم أنّ التسخير قائم بوضع سنن و قوانين على عالم الخلق.

الشبهة الثالثة: إنّ توصيف القرآن بأنّه مخلوق ربّما يوهم وصف القرآن بالكذب و الاختلاق، و لهذا يقال: قصيدة مخلوقة و مختلقة، إذا كانت مشتملة على أكاذيب و أباطيل.

قال سبحانه: «إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ»(1).

و قال سبحانه: «إِنْ هٰذٰا إِلاَّ اِخْتِلاٰقٌ»(2).


1) . الشعراء: 137.

2) . ص: 7.

و الإجابة عنه واضحة، فإنّ المراد من كونه مخلوقاً، كونه مخلوقاً للّٰه سبحانه.

و يشهد له أنّه سبحانه وصفه ب «أنزله»، و «جعله»، و غير ذلك من الأفعال الدالّة على انتسابه إلى اللّٰه سبحانه.

و استغلال الملحد لهذه الكلمة بتفسيرها بالكذب و الاختلاق لا يغيِّر الواقع، فالمراد أنّ القرآن المتلوّ على لسان النبي و الصحابة و التابعين و المسلمين، شيء موجود و لا بدّ له من محدث و خالق، و خالقه هو اللّٰه سبحانه.

قال المفيد رحمه الله: «إنّ كلام اللّٰه تعالى محدث، و بذلك جاءت الآثار عن آل محمّد عليهم السلام، و المراد أنّ القرآن كلام اللّٰه و وحيه و أنّه محدث كما وصفه اللّٰه تعالى. و أمنع من إطلاق القول عليه بأنّه مخلوق. و بهذا جاءت الآثار عن الصادقين، و عليه كافّة الإماميّة إلّا من شذّ».(1)

و الحاصل إنّ إطلاق لفظة «الخلق» على القرآن، لمّا كان موهماً لكونه كذباً و مختلقاً، منع من إطلاقه في هذا المقام، و أجيز إطلاق ما لا يوهم مثل هذا المعنى. كلفظ «محدث». و أنّه كلام اللّٰه و كتابه و تنزيله، مما يفيد أنه غير أزليّ، و ليس بقديم.

فإذن، يكون من قبيل:

عباراتنا شتّى و حسنك واحد *** و كلّ إلى ذاك الجمال يشير


1) . أوائل المقالات: 18-19.

و قد وردت الروايات في النهي عن إطلاق الخلق على القرآن - لصدّ استغلال الملاحدة - في (توحيد الصدوق)(1).

هذا، و قد أشار القاضي عبد الجبّار إلى هذا الوجه و قال:

«فان قيل: أ ليس قوله تعالى «و تخلقون إفكاً» أريد به كونه كذباً فما أنكرتم، أ ليس من أنّ القرآن لا يوصف بذلك من إيهام كونه كذباً... أ ليس يقولون قصيدة مخلوقة مختلقة يعني أنّها كذب، و على هذا الوجه يقول القائل: خلقت حديثاً و اختلقته».(2)

و لكنّ الإجابة عنه واضحة، لما عرفت من أنّه يمكن التعبير عنه بوجه لا يستلزم ذلك الوهم ككونه محدثاً، أو إنّه غير قديم.

و الظاهر أنّ الوجه في عدم توصيفه بكونه مخلوقاً هو تصوّر الملازمة بين كونه مخلوقاً و كون علمه سبحانه حادثاً.

و هناك وجه آخر لعدم التزامهم بكونه مخلوقاً و هو تصوّر أنّ كلّ مخلوق فان، فيلزم فناء القرآن و موته مع أنّه سبحانه يقول: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ»(3).

الشبهة الرابعة: إنّ اللّٰه سبحانه خلق العالم بلفظ «كن»، يقول: «إِنَّمٰا أَمْرُهُ


1) . لاحظ: توحيد الصدوق: 221-222، باب القرآن، الأحاديث 2 و 3 و 4 و 5.

2) . المغنى: 216/7-217، أبواب التوحيد و العدل.

3) . المغنى: ج 7، ص 121 و هو أيضاً كما ترى.

إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(1)، و يقولون لو لم يكن هذا ال «كن» قديماً، لوجب أن يكون محدثاً. فكان لا يحدث إلّا ب «كن» آخر. و الكلام في ذلك ال «كن» كالكلام فيه، فيتسلسل إلى ما لا نهاية له.(2)

و أجاب عنه القاضي: ليس المراد من هذه اللّفظة هو المركّب من الكاف و النون، إذ لا شكّ في حدوثه، فيجب أن يكون المراد هو الإرادة.(3)

ثمّ قال: «و الغرض من هذه الآية و ما جرى مجراها إنّما هو الدلالة على سرعة استجابة الأشياء له من غير امتناع، نظيرها قوله تعالى: «فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً»(4).

و منه قول الشاعر:

و قالت له العينان سمعاً و طاعة *** و حدرتا كالدُّرّ لمّا يثقّب

و الّذي يدلّ على أنّ المراد هنا ليس لفظة «كن»، أنّه ليس في المقام مخاطب ذو سمع يسمع الخطاب فيوجد به، و عندئذ تصير الآية تمثيلاً لحقيقة فلسفيّة، و هي أنّ إفاضته سبحانه وجود الشيء لا تتوقّف على شيء


1) . يس: 82.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 560.

3) . المصدر السابق. و لمّا كان القول بالإرادة الحادثة في ذاته مستلزماً لحدوث الذات، التجأ القاضي و أتباعه إلى أنّ للّٰه سبحانه إرادة غير قائمة بذاته، و هو كما ترى.

4) . فصلت: 11.

وراء ذاته المتعالية. فمشيئته سبحانه مساوقة لوجود الشيء بلا تخلّف. و أمّا حقيقة إرادته فلبيانها مقام آخر.

و في نفس الآيات إشارات لطيفة إلى هذا المعنى.

قال سبحانه: «وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»(1)، فيكون الهدف من الآية و نظائرها بيان أنّ إرادته و مشيئته المتعلِّقة بتحقّق الشيء يساوق وجوده و ليست كإرادة الإنسان. فإنّ الإرادة و المشيئة فيه لا تساوق وجود الشيء، بل يحتاج إلى مقدّمات و أسباب.


1) . القمر: 50.

المسألة الثامنة: ما تتعلّق بالنبوّات و الشرائع و معاجز الأنبياء

إنّ القاضي رتّب على القول بالعدل عدّة مسائل زعم أنّها من نتائج القول به، و بما أنّ الاختلاف فيها بين المعتزلة و غيرهم بسيط، نكتفي بإيرادها إجمالاً:

1 - بعث الأنبياء: قال: «و وجه اتّصاله بباب العدل هو أنّه سبحانه إذا علم أنّ صلاحنا يتعلّق بالشرعيات، فلا بدّ من أن يعرِّفناها، لكي لا يكون مُخلّاً بما هو واجب عليه، و من العدل أن لا يخلّ بما هو واجب عليه».

2 - لزوم اقتران النبوّة بالمعجز: قال: «إذا بعث إلينا رسولاً ليعرِّفنا المصالح، فلا بدّ من أن يدّعي النبوّة و يظهر عليه العلم المعجز الدالّ على صدقه عقيب دعواه النُّبوة».

ثمّ فصّل حقيقة المعجز.

يلاحظ عليه: إنّ مقتضى العدل بعث الأنبياء بالدلائل و البيّنات المثبتة لدعواهم النبوّة، و لا تنحصر البيّنات بالمعجزات، بل المعجز إحدى الطرق إلى التعرّف على صدق النبي. و هناك طريقان آخران نشير إلى عنوانيهما:

أ - تصديق النبيّ السابق (الّذي ثبتت نبوّته قطعيّاً) نبوّة النبيِّ اللاحق.

ب - جمع القرائن و الشواهد الّتي تدلّ على صدق دعواه صدقاً قطعيا(1).

3 - صفات النبي: يقول: «الرسول لا بدّ أن يكون منزّهاً عن المنفِّرات جملة، كبيرة أو صغيرة، لأنّ الغرض من البعثة ليس إلّا لطف العباد و مصالحهم. فلا بدّ من أن يكون مقبولاً للمكلّف.

ثمّ جوّز صدور الصّغائر عن الأنبياء الّتي لا حظّ لها إلّا في تقليل الثواب دون التنفير...، لأنّ قلّة الثواب ممّا لا يقدح في صدق الرُّسل و لا في القبول منهم».(2)

يلاحظ عليه: أنّ صدور الذنب من النبي يوجب زوال الثقة بصدق قوله، فيقال: لو كان صادقاً فيما يرويه فلما ذا يتخلّف عنه.

4 - نسخ الشرائع: فقد ذكر جملة من الأدلّة على جواز النسخ في الشرائع و طرح القول بالبداء و بيّن الفرق بينه و بين النسخ.

5 - نبوّة نبيّ الإسلام و دلائل نبوّته و أنّ القرآن معجز: ثمّ بسط الكلام في إعجاز القرآن إلى أن وصل بحثه إلى القول بالتحريف في القرآن.

و من أعجب ما أتى به قوله إنّ الإماميّة جوّزوا في القرآن الزيادة


1) . قد فصلنا تلك الطرق في بحوثنا الكلامية لاحظ الإلهيات: 61/3-114.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 574-575.

و النقصان حتّى قالوا: إنّ سورة الأحزاب كانت بحمل جمل، و إنّه قد زيد فيها، و نقص، و غيِّر و حرِّف.(1)

أقول: غاب عن القاضي أنّ الإماميّة عن بكرة أبيهم لم يصدر منهم هذا الكلام الركيك.

نعم، روى القرطبي عند تفسيره سورة الأحزاب عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مائتي آية، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلّا على ما هي الآن.(2)

تمّ الكلام حول الأصل الثاني و الفروع الّتي تترتّب عليه.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 601.

2) . تفسير القرطبي: 113/14.

الأصل الثالث: الوعد و الوعيد

اشارة

هذا هو الأصل الثالث من الأُصول الّتي بني عليها الاعتزال، و المراد من الوعد هو المدح و الثواب على الطاعات، و من الوعيد الذمّ و العقاب على المعاصي.

و المسائل المبتنية على الوعد و الوعيد في الكتاب و السنّة و العقل كثيرة طرحها المتكلِّمون و المفسِّرون في كتبهم الكلاميّة و التفسيريّة. و ليست المعتزلة متفرِّدة بالرأي في هذه المسائل و إنّما تفرّدوا في بعض الفروع و لأجل ذلك نذكر عناوين المسائل الكليّة، ثمّ نركِّز على متفرِّدات المعتزلة، و إليك البيان:

1 - الكلام في المستحَقّ بالأفعال (الطّاعة و العصيان) فهو إمّا المدح و الذمّ، أو الثواب و العقاب.

2 - الكلام في الشروط الّتي معها تستحقّ هذه الأحكام.

3 - هل الثواب على وجه التفضّل كما هو المشهور لدى الشيعة

و جماعة من أهل السنّة، أو من باب الاستحقاق، كما هو المشهور لدى معتزلة البصرة؟

4 - هل استحقاق العقاب عقليّ و سمعيّ، أو سمعيّ فقط؟

5 - هل الطاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، و المعاصي مؤثِّرة في سقوط الثواب، فيعبّر عن الأوّل بالتكفير، و عن الثاني بالإحباط؟

6 - تقسيم المعاصي إلى الكبائر و الصغائر.

هذه هي المسائل الّتي اختلفت فيها كلمة المتكلّمين من غير فرق بين المعتزليّ و غيره، و لا نركّز البحث على هذه المسائل، و إنّما نبحث في المسائل الآتية الّتي تعدّ من متفرّدات المعتزلة.

أ - هل يحسن من اللّٰه تعالى عقلاً أن يعفو عن العصاة و أن لا يعاقبهم إذا ماتوا بلا توبة، أو إنّه ليس له إسقاطه؟

ب - هل الفاسق (مرتكب الكبائر) مخلّد في العذاب أو لا؟ سواء أ كان العذاب بالنّار أم بغيرها.

ج - إذا كان التخليد في العذاب أمراً محقّقاً، فما معنى الشفاعة الّتي تضافر عليها الكتاب و السنّة المفسّرة بخروج الفسّاق من النار بشفاعة الرسول و غيره؟

د - هل القائلون بجواز العفو أو عدم الخلود مرجئة أم راجية؟

ه - هل الطاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، و المعاصي مؤثرة في سقوط الثواب؟

هذه هي المسائل الّتي تفرّدت بها المعتزلة، و اشتركت معهم فئة الخوارج في تخليد الفسّاق في العذاب، لقولهم بكفر المرتكب للكبيرة، و هذا الأصل - أي الوعد و الوعيد - رمز إلى هذه المسائل الخمس الأخيرة.

أ - هل يحسن العفو عن العصاة من اللّٰه أو لا؟

اختلفت مدارس الاعتزال فيها، فالبصريّون و منهم القاضي عبد الجبّار على الجواز، و البغداديّون على المنع، حتّى قالوا:

يجب عليه أن يعاقب المستحقّ للعقوبة، و لا يجوز أن يعفو عنه، حتّى صار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب.

فإنّ الثواب عندهم لا يجب إلّا من حيث الجود. و ليس هذا قولهم في العقاب فإنّه يجب فعله على كلِّ حال.

احتجّ القاضي على الجواز بأنّ العقاب حقّ اللّٰه تعالى على العبد، و ليس في إسقاطه إسقاط حقّ ليس من توابعه، و إليه استبقاؤه فله إسقاطه، كالدَّين فإنّه لمّا كان حقّاً لصاحب الدَّين خالصاً، و لم يتضمّن إسقاط حقّ ليس من توابعه و كان إليه استبقاؤه، كان له أن يسقط كما أنّ له أن يستوفيه.

استدلّ البغداديّون بوجوه:

الأوّل: إنّ العقاب لطف من جهة اللّٰه تعالى و اللُّطف يجب أن يكون

مفعولاً بالمكلّف على أبلغ الوجوه، و لن يكون كذلك إلّا و العقاب واجب على اللّٰه تعالى. فمعلوم أنّ المكلّف متى علم أنّه يفعل به ما يستحقّه من العقوبة على كلِّ وجه، كان أقرب إلى أداء الواجبات و اجتناب الكبائر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ اللُّطف عبارة عمّا يقرِّب الإنسان من الطاعة و يبعِّده عن المعصية، و هذا لا يتصوّر إلّا في دار التّكليف لا دار الجزاء، ففي الأُولى العمل و السعي، و في الأُخرى الحساب و الاجتناء.

و أمّا ما ذكروه أخيراً من أنّه لو علم المكلّف أنّه يفعل به ما يستحقّه من العقوبة على كلِّ وجه كان أقرب إلى أداء الواجبات و اجتناب الكبائر.

فيلاحظ عليه: أنّه لو تمّ لوجب سدّ باب التوبة، لإمكان أن يقال إنّ المكلّف لو علم أنّه لا تقبل توبته، كان أقرب إلى الطاعة، و أبعد من المعصية.

أضف إلى ذلك إنّ للرجاء آثاراً بنّاءة في حياة الإنسان، و لليأس آثاراً سلبيّة في الإدامة على الموبقات، و لأجل ذلك يشتمل الذِّكر الحكيم على آيات الترغيب كما يشتمل على آيات الترهيب.

و أخيراً نقول: إنّ القول بجواز العفو، غير القول بحتميّته. و الأثر السلبي - لو سلّمنا - يترتّب على الثاني دون الأوّل، و الكلام في جواز العفو لا في وجوبه و حتميّته.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 646 و 647.

الثاني: ما نقله عنهم العلّامة الدواني في (شرح العقائد)، قال: «المعتزلة و الخوارج أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة، و حرّموا عليه العفو. و استدلّوا عليه بأنّ اللّٰه أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعده و الكذب في خبره، و هما محالان».(1)

و أُجيب عنه بأنّ الوعد و الوعيد مشروطان بقيود و شروط معلومة من النصوص، فيجوز التخلّف بسبب انتفاء بعض تلك الشروط.(2)

و ربّما أُجيب بوجه آخر و هو أنّ الخلف في الوعيد جائز على اللّٰه تعالى و إن كان لا يجوز أن يخلف الوعد. و روي عن أنس بن مالك أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من وعده اللّٰه على عمله ثواباً فهو منجز له، و من أوعده على عمله عقاباً فهو في الخيار».(3)

و روي أنّ عمرو بن عبيد (رئيس المعتزلة بعد واصل) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء و قال: يا أبا عمرو، يخلف اللّٰه ما وعده؟ قال: لا. قال: أ فرأيت من أوعده اللّٰه على عمل عقاباً، أ يخلف اللّٰه وعيده فيه؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان، إنّ الوعد غير الوعيد. إنّ العرب لا يَعدّ عيباً و لا خلفاً، أن يعد شرّاً ثمّ لم يفعل، بل يرى ذلك كرماً و فضلاً، و إنّما الخلف أن


1) . شرح العقائد العضدية: 194/2-198.

2) . شرح العقائد العضدية: 194/2-198.

3) . شرح العقائد العضدية ج 2 ص 194-199. و المتن للقاضي الإيجي (المتوفّى عام 756 ه) و الشرح لجلال الدين الدواني (المتوفّى عام 908، أو 909 ه) طبعا مع حواشي الشيخ إسماعيل الكلنبوي (المتوفّى عام 1205 ه) في استنبول (عام 1317 ه).

يعد خيراً ثمّ لم يفعل. قال (عمرو بن عبيد) فأوجدني هذا العرب. قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:

و إنّي إذا أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي و منجز موعدي

و ذكر الشاعر الآخر:

إذا وعد السرّاء أنجز وعده *** و إن أوعد الضرّاء فالعفو مانع(1)

يلاحظ على الجواب الأوّل: أنّه احتمال محض يثبت به الإمكان لا الوقوع، و يرتفع به الاستحالة. و لعلّ الغاية هي إثبات الإمكان.

و أمّا الجواب الثاني فظاهره أشبه بالبحث اللّفظي و الأدبي، مع أنّ المسألة عقليّة، و لعلّ المجيب يريد شيئاً آخر أشار إليه شيخنا المفيد في كتاب «العيون و المحاسن» و هو التفصيل بين الوعد و الوعيد، و أنّ الخلف في الأوّل قبيح عقلاً و الخلف في الثاني ليس بقبيح عقلاً. و الدليل على ذلك أنّ كلّ عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد في ظروف خاصّة، و لا يعلِّقون بصاحبه ذمّاً.

فلو كان العفو من اللّٰه تعالى مع الوعيد قبيحاً، يجب أن يكون كذلك عند كلِّ عاقل.

و لعلّ وجه ذلك أنّ الخلف في الوعد إسقاط لحقّ الغير و إمساك عن أداء ما عليه من الحقّ، و أمّا الوعيد فإنّ مآل الخلف إلى إسقاط حقّ نفسه،


1) . المعتزلة: 157. و الظاهر منه أنّه نقله عن الجويني في كتابه «الارشاد الى قواطع الأدلّة إلى صحيح الاعتقاد»

و مثل ذلك يعدّ مستحسناً لا قبيحاً إذا وقع الخلف في موقعه.

الثالث: إنّ في جواز ذلك إغراء للمكلّف بفعل القبيح اتّكالاً منه على عفو اللّٰه، فالعقاب ضروري، لأنّه زاجر عن ارتكاب القبائح، كما أنّ في العفو تسوية بين المطيع و العاصي و ذلك ما لا يتّفق مع العدل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الإغراء لازم القول بالعفو قطعاً كما عليه المرجئة، لا القول به احتمالاً كما عليه الراجئة، و لو صحّ ما ذكر، لبطل الوعد بالتّوبة و الشفاعة، و أمّا حديث التسوية، فهو يرتفع بإثابة المطيع دون العاصي و إنّما يلزم بتسويتهما في الثواب أيضاً.

إلى هنا تمّ الكلام في المسألة الأُولى و ثبت أنّ العفو عن العصاة من المسلمين جائز. و لأجل ذلك يقول الصدوق في تبيين عقائد الإماميّة:

اعتقادنا في الوعد و الوعيد هو أنّ من وعده اللّٰه على عمل ثواباً فهو منجّزة، و من وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار إن عذّبه فبعدله، و إن عفا عنه فبفضله «وَ مٰا رَبُّكَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ»، و قال عزّ و جلّ: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ»(2).

هذا هو موجز الكلام في المسألة الأُولى، و إليك البحث في مسألة التخليد.


1) . المعتزلة: 157. و الظاهر منه أنّه نقله عن الجويني في كتابه «الإرشاد الى قواطع الأدلّة إلى صحيح الاعتقاد».

2) . أوائل المقالات: 14. و الآيتان من سورتي فصّلت 46 و النساء 48.

ب - هل الفاسق مخلد في العذاب أو لا؟

هذا هو البحث المهمّ في هذا الأصل، و يعدّ بيت القصيد في فروعه. لا شكّ أنّ اللّٰه تعالى أوعد المجرمين التخليد في العذاب، فهل هو مختصّ بالمشركين و المنافقين أو يعمّ مرتكب الكبائر؟ ذهبت المعتزلة إلى عمومها و صار القول بالتخليد شارة الاعتزال وسمته، و خالفوا في ذلك جمهور المسلمين. قال المفيد: «اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصّة، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة باللّٰه تعالى و الإقرار بفرائضه من أهل الصلاة، و وافقهم على هذا القول كافّة المرجئة سوى محمّد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة. و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عامّ في الكفّار، و جميع فسّاق أهل الصلاة».(1)

ثمّ إنّ المعتزلة استدلّت على خلود الفاسق في النار بالسّمع و هو عدّة آيات، استظهرت من إطلاقها أنّ الخلود يعمّ الكافر و المنافق و الفاسق، و إليك هذه الآيات واحدة بعد الأُخرى:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا وَ لَهُ عَذٰابٌ مُهِينٌ»(2).(3)


1) . أوائل المقالات: 14.

2) . النساء: 14.

3) . و أمّا قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا» (الجن: 23). فهو راجع الى الكفّار، كما هو واضح لمن لاحظ آيات السورة.

و لا شكّ أنّ الفاسق ممّن عصى اللّٰه و رسوله بترك الفرائض و ارتكاب المعاصي.

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ دلالة الآية على خلود الفاسق في النّار لا يتجاوز حدّ الإطلاق، و المطلق قابل للتّقييد، و قد خرج عن هذه الآية باتّفاق المسلمين، الفاسق التائب. فلو دلّ دليل هنا على أنّ المسلم الفاسق ربّما تشمله عناية اللّٰه و رحمته، و يخرج عن العذاب، لكان المطلق مقيّداً بقيد آخر وراء التائب. فيبقى تحت الآية، المشرك و المنافق.

و ثانياً: أنّ الموضوع في الآية ليس مطلق العصيان، بل العصيان المنضمّ إليه تعدّي حدود اللّٰه، و من المحتمل جدّاً أنّ المراد من التعدّي هو رفض أحكامه سبحانه، و طردها، و عدم قبولها. كيف، و قد وردت الآية بعد بيان أحكام الفرائض.

يقول سبحانه: «يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ...»(1).

و يقول سبحانه: «وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ...»(2).

و يقول سبحانه: «تِلْكَ حُدُودُ اَللّٰهِ وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ...»(3).

ثمّ يقول سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ...»(4).


1) . النساء: 11.

2) . النساء: 12.

3) . النساء: 13.

4) . النساء: 14.

و قوله: «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ» و إن لم يكن ظاهراً في رفض التشريع، لكنّه يحتمله، بل ليس الحمل عليه بعيداً بشهادة الآيات الأُخرى الدالّة على شمول غفرانه لكلِّ ذنب دون الشرك، أو شمول رحمته للناس على ظلمهم إلى غير ذلك من الآيات الواردة في حقّ الفاسق غير التائب كما سيوافيك.

يقول الطبرسي رحمه الله: «إنّ قوله: «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ» ظاهر في تعدّي جميع حدود اللّٰه، و هذه صفة الكفّار. و لأنّ صاحب الصّغيرة بلا خلاف خارج عن عموم الآية و إن كان فاعلاً للمعصية، و متعدّياً حدّاً من حدود اللّٰه. و إذا جاز إخراجه بدليل، جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النبي، أو يتفضّل اللّٰه عليه بالعفو، بدليل آخر. و أيضاً فإنّ التائب لا بدّ من إخراجه من عموم الآية لقيام الدليل على وجوب قبول التّوبة. و كذلك يجب إخراج من يتفضّل اللّٰه بإسقاط عقابه منها لقيام الدّلالة على جواز وقوع التفضّل بالعفو».(1)

الآية الثانية: قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً»(2).

قال القاضي: «وجه الاستدلال هو أنّه تعالى بيّن أنّ من قتل مؤمناً عمداً جازاه، و عاقبه، و غضب عليه، و لعنه و أخلده في جهنّم».(3)


1) . مجمع البيان: 20/2.

2) . النساء: 93.

3) . شرح الأُصول الخمسة: 659.

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ دلالة الآية بالإطلاق، فكما خرج منه القاتل الكافر إذا أسلم، و المسلم القاتل إذا تاب، فليكن كذلك من مات بلا توبة و لكن اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يتفضّل عليه بالعفو. فليس التخصيص أمراً مشكلاً.

و ثانياً: أنّ المحتمل أن يكون المراد القاتل المستحلّ لقتل المؤمن، أو قتله لإيمانه. و هذا غير بعيد لمن لاحظ سياق الآيات.

لاحظ قوله سبحانه: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمٰا رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهٰا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولٰئِكُمْ جَعَلْنٰا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطٰاناً مُبِيناً»(1).

ثمّ ذكر سبحانه بعد هذه الآية حكم قتل المؤمن خطأً و تعمّداً، و في ضوء هذا يمكن أن يستظهر أنّ الآية ناظرة إلى القتل العمديّ الّذي يقوم به القاتل لعداء دينيّ لا غير، فيكون ناظراً إلى غير المسلم.

الآية الثالثة: قوله سبحانه: «بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ»(2).

و الاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ مع غضِّ النظر عن سياقها، و أمّا مع


1) . النساء: 91.

2) . البقرة: 81.

النظر إليه فإنّها واردة في حقِّ اليهود، أضف إليه أنّ قوله سبحانه: «وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ» لا يهدف إلّا إلى الكافر، فإنّ المسلم المؤمن مهما كان عاصياً لا تحيط به خطيئته، ففي قلبه نقاط بيضاء يشعّ عليها إيمانه و اعتقاده باللّٰه سبحانه و أنبيائه و كتبه على أنّ دلالة الآية بالإطلاق، فلو ثبت ما تقوله جمهرة المسلمين، يخرج الفاسق من الآية بالدليل.

الآية الرابعة: قوله سبحانه: «إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ * لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا هُمُ اَلظّٰالِمِينَ»(1).

إنّ دلالة الآية بالإطلاق فهي قابلة للتقييد أوّلاً. و سياق الآية في حقِّ الكفّار ثانياً، بشهادة قوله سبحانه قبل هذه الآية:

«اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ تُحْبَرُونَ»(2).

ثمّ يقول: «إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ»» ف «اَلْمُجْرِمِينَ» في مقابل «اَلَّذِينَ آمَنُوا» فلا يعمّ المسلم.

هذه هي الآيات الّتي استدلّت بها المعتزلة على تخليد الفاسق في النار. و قد عرفت أنّ دلالتها بالإطلاق لا بالصِّراحة، و تقييد المطلق أمر سهل، مثل تخصيص العام، مضافاً إلى انصراف أكثرها أو جميعها إلى الكافر


1) . الزخرف: 74-76.

2) . الزخرف: 69-70.

و المنافق. و هناك آيات(1)أظهر ممّا سبق تدلّ على شمول الرحمة الإلهيّة للفسّاق غير التائبين، و إليك بيانها:

1 - قوله سبحانه: «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ اَلْمَثُلاٰتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّٰاسِ عَلىٰ ظُلْمِهِمْ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ اَلْعِقٰابِ»(2).

قال الشريف المرتضى: «في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين. لأنّ قوله: «عَلىٰ ظُلْمِهِمْ» إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، و يجري ذلك مجرى قول القائل: أنا أودّ فلاناً على غدره، و أصِلُه على هجره».(3)

و قد قرّر القاضي دلالة الآية و أجاب عنه بأنّ الأخذ بظاهر الآية ممّا لا يجوز بالاتّفاق، لأنّه يقتضي الإغراء على الظلم، و ذلك ممّا لا يجوز على اللّٰه تعالى، فلا بدّ من أن يؤوّل، و تأويله هو أنّه يغفر للظّالم على ظلمه إذا تاب.(4)


1) . كما تدلّ هذه الآيات على عدم الخلود في النار، تدلّ على جواز العفو عن الفاسق من بدء الأمر، و أنّه يعفى عنه و لا يعذّب من رأس، فهذا الصنف من الآيات كما تحتجُّ بها في هذه المسألة، تحتج بها في المسألة السالفة أيضاً فلاحظ.

2) . الرعد: 6.

3) . مجمع البيان: 278/3.

4) . شرح الأُصول الخمسة: 684.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الإشكال، جار في صورة التوبة أيضاً، فإنّ الوعد بالمغفرة مع التوبة يوجب تمادي العاصي في المعصية برجاء أنّه يتوب. فلو كان القول بعدم خلود المؤمن موجباً للإغراء، فليكن الوعد بالغفران مع التوبة كذلك.

و الّذي يدلّ على أنّ الحكم عامّ للتائب و غيره هو التّعبير بلفظ «الناس» مكان «المؤمنين». فلو كان المراد هو التائب لكان المناسب أن يقول سبحانه: «و إنّ ربّك لذو مغفرة للمؤمنين على ظلمهم» مكان قوله للناس. و هذا يدلّ على أنّ الحكم عامّ يعمّ التائب و غيره.

و في الختام، إنّ الآية تعد المغفرة للنّاس و لا تذكر حدودها و شرائطها، فلا يصحّ عند العقل الاعتماد على هذا الوعد و ارتكاب الكبائر. فإنّه وعد إجماليّ غير مبيّن من حيث الشروط و القيود.

2 - قوله سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اِفْتَرىٰ إِثْماً عَظِيماً»(1).

وجه الاستدلال بهذه الآية على أنّ رحمته تشمل غير التائب من الذنوب، أنّه سبحانه نفى غفران الشِّرك دون غيره من الذنوب، و بما أنّ الشرك يغفر مع التوبة فتكون الجملتان ناظرتين إلى غير التائب، فمعنى قوله: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ» أنّه لا يغفر إذا مات بلا توبة، كما أنّ معنى قوله:


1) . النساء: 48.

«وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ» أنّه يغفر ما دون الشِّرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين. و لو كانت سائر الذنوب مثل الشِّرك غير مغفورة إلّا بالتوبة، لما حسن التّفصيل بينهما، مع وضوح الآية في التفصيل.(1)

و قد أوضح القاضي دلالة الآية على ما يتبنّاه الجمهور بوجه رائع، و لكنّه تأثّراً بعقيدته الخاصّة في الفاسق قال: «إنّ الآية مجملة مفتقرة إلى البيان لأنّه قال: «وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ» و لم يبيِّن من الّذي يغفر له. فاحتمل أن يكون المراد به أصحاب الصغائر، و احتمل أن يكون المراد به أصحاب الكبائر. فسقط احتجاجهم بالآية(2).

أقول: عزب عن القاضي أنّ الآية مطلقة تعمّ كلا القسمين، فأيّ إجمال في الآية حتّى نتوقّف. و العجب أنّه يتمسّك بإطلاق الطائفة الأُولى من الآيات، و لكنّه يتوقّف في إطلاق هذا الصِّنف.

نعم، دفعاً للإغراء، و قطعاً لعذر الجاهل، قيّد سبحانه غفرانه بقوله: «لِمَنْ يَشٰاءُ» حتّى يصدّه عن الارتماء في أحضان المعصية بحجّة أنّه سبحانه وعد له بالمغفرة.

ثمّ إنّ القاسم بن محمّد بن عليّ الزّيدي العلويّ المعتزلي تبع القاضي في تحديد مداليل هذه الآيات و قال: آيات الوعيد لا إجمال فيها، و هذه


1) . مجمع البيان: 57/2 بتلخيص.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 678.

الآيات و نحوها مجملة فيجب حملها على قوله تعالى: «وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اِهْتَدىٰ»(1)، ثمّ ساق بعض الآيات الواردة في غفران العباد في مجال التوبة.(2)

و يظهر النظر في كلامه ممّا قدّمناه في نقد كلام القاضي فلا نعيد.

إلى غير ذلك من الآيات الّتي استدلّ بها جمهور المسلمين على شمول مغفرته سبحانه لعصاة المسلمين، و عدم تعذيبهم، أو إخراجهم من العذاب، بعد فترة خاصّة.

هذا، و البحث أشبه بالبحث التفسيري منه بالكلامي. و من أراد الاستقصاء في هذا المجال فعليه جمع الآيات الواردة حول الذنوب و الغفران، حتّى يتّضح الحال فيها، و يتّخذ موضعاً حاسماً بإزاء اختلافاتها الأوّليّة.

ج - هل الشفاعة للتائبين من المؤمنين أو للفسّاق منهم؟

إنّ هذه المسألة مبنيّة على المختار في المسألة السابقة، و لمّا كان المختار عند جمهور المسلمين جواز العفو عن الفاسق، أو عدم تخليده بعد تعذيبه مدّة، قالوا بأنّ الشّفاعة للفسّاق و أنّ شفاعة الشفعاء تجلب عفوه سبحانه إليهم، فيعفو عنهم من بدء الأمر، أو بعد ما يعذِّبهم فترة.


1) . طه: 82.

2) . الأساس لعقائد الأكياس: 198.

و أمّا المعتزلة، فلمّا كان المختار عندهم في المسألة السابقة خلود الفاسق في العذاب، خصّوا الشّفاعة بالتّائبين من المؤمنين، و صار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الانقاذ من العذاب، أو الخروج منه.

و هذه هي النقطة الحسّاسة في الأبحاث الكلاميّة الّتي لها صلة بكتاب اللّٰه و سنّته. فالمعتزلة في المقام أوّلوا صريح القرآن و الروايات و قالوا: إنّ شفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق و لم يتوبوا، يتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير و ترصّد للآخر حتّى يقتله؛، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا.(1)

و الخطأ في تفسير آيات الشفاعة، و رفض الروايات المتواترة، حدث من الخطأ في المسألة السابقة. و هكذا شيمة الخطأ و خاصّته فلا يقف عند حد، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا و إنّ الخطايا خيل شمس، حمل عليها أهلها، و خلعت لجمها».(2)

و ما ذكره القاضي غفلة عن شروط الشفاعة، المحرّرة في محلِّها، فإنّ بعض الذنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانيّة باللّٰه سبحانه، كما تقطع الأواصر الروحيّة مع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشفاعة، و قد وردت الروايات الإسلاميّة حول شروط الشفاعة، و في حرمان طوائف من الناس منها.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 688.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 16.

و العجب أنّ القاضي يستدلّ على أنّ العقوبة على طريق الدوام، و لا يخرج الفاسق من النّار بشفاعة النّبي صلى الله عليه و آله و سلم بقوله سبحانه: «وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاٰ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً»(1)، و قوله سبحانه: «مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ»(2).(3)

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الأُسلوب الصحيح لتفسير القرآن الكريم هو تجريد المفسِّر نفسه عن كلِّ رأي سابق أوّلاً، و جمع الآيات المربوطة بموضوع واحد ثانياً. فعند ذلك يقدر على فهم المراد. و القاضي نظر إلى الآيات بمنظار الاعتزال أوّلاً، و لم يجمع الآيات الراجعة إلى الشفاعة ثانياً، مع أنّ الآيات الراجعة إلى الشفاعة على سبعة أصناف(4)فأخذ صنفاً واحداً و ترك الأصناف الأُخر.

ثانياً: ما ذكره من الآيتين في نفي الشفاعة راجعتان الى الكفّار. فالآية الأُولى ناظرة إلى نفي الشّفاعة الّتي كانت اليهود يتبنّونها كما هو صريح سياقها، و الآية الثانية الّتي وردت في السورة المكّية ناظرة إلى الشفاعة الّتي كان المشركون يعتقدون بها.

قال سبحانه حاكياً عنهم: «إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ * وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ * فَمٰا لَنٰا مِنْ شٰافِعِينَ * وَ لاٰ صَدِيقٍ حَمِيمٍ»(5).


1) . البقرة: 48.

2) . غافر: 18.

3) . شرح الأُصول الخمسة: 689.

4) . لاحظ في الوقوف على هذه الأصناف الجزء الرابع من مفاهيم القرآن: 177-199.

5) . الشعراء: 98-101.

و قال سبحانه: «وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ * حَتّٰى أَتٰانَا اَلْيَقِينُ * فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ اَلشّٰافِعِينَ»(1).

ثالثاً: أنّ مسألة الشفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الإسلام و انفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين أُمم العالم من قبل، و خاصّة الوثنيّين و اليهود، و الإسلام طرحها مهذّبة من الخرافات، و ممّا نسج حولها من الأوهام، و قرّرها على أُسلوب يوافق أُصول العدل و العقل، و صحّحها تحت شرائط في الشافع و المشفوع له، و هي الّتي تجرّ العصاة إلى الطهارة من الذنوب، و كفّ اليد عن الآثام و المعاصي، و لا توجد فيهم جرأة و جسارة على هتك الستر.

و من أمعن النظر في آراء اليهود و الوثنيّين في أمر الشفاعة يرى أنّ الشفاعة تقف على الدارجة بينهم، خصوصاً اليهود، و كانت مبنيّة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم و آبائهم في حطِّ ذنوبهم، و غفران آثامهم. و لأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي، و يرتكبون الذّنوب تعويلاً على ذلك الرجاء.

و في هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ»(2)، و يقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحرّرة من كلِّ قيد: «وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ اِرْتَضىٰ»(3).


1) . المدثر: 46-48.

2) . البقرة: 255.

3) . الأنبياء: 28.

و حاصل الآيتين: أنّ أصل الشفاعة الّتي تدّعيها اليهود و يلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابت في الشريعة السماويّة، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشّافع، و رضاه للمشفوع له.

و على ذلك فكيف يصحّ لنا تخصيص الآيات بقسم خاصّ من الشفاعة و هي شفاعة الأولياء لرفع الدرجة و زيادة الثواب.

و أوضح دليل على عموميّة الشفاعة ما أصفق على نقله المحدِّثون من قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي». و القاضي رمى هذا الحديث بأنّه خبر واحد لا يصحّ به الاحتجاج في باب العقائد. و ما ذكره يعرب عن قصور باعه في مجال الحديث. فقد رواه من أئمّة الحديث أبو داود في سننه، و التّرمذي في صحيحه، و ابن حنبل في مسنده، و ابن ماجة في صحيحه.(1)

و ليس حديث الشفاعة الدالّ على شمولها لأصحاب الكبائر منحصراً به، بل أحاديث الشفاعة في هذا المجال متواترة، و قد جمعنا ما رواه السنّة و الشيعة في هذا المجال في كتابنا «مفاهيم القرآن»(2).


1) . راجع سنن ابي داود: 236/4؛ صحيح الترمذي: 45/4؛ صحيح ابن ماجة: 144/2؛ مسند أحمد: 213/3.

2) . لاحظ: ج 4، فصل الشفاعة في الأحاديث الاسلاميّة، ص 289-311. فتجد في تلك الصحائف (112) حديثاً عن النبي و عترته. و قد قام العلامة المجلسي بجمع أحاديث الشفاعة في موسوعته بحار الأنوار (ج 29/8-63) و روى بعضها الآخر في سائر أجزائه. كما روى علاء الدين المتقي أحاديث الشفاعة في كنز العمال: 628/14-640.

د - القائلون بجواز العفو أو عدم الخلود، مرجئة أو راجية؟

قد تعرّفت على عقيدة المرجئة في الفصول السابقة و أنّ شعارهم أنّه لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الشِّرك طاعة. و قد عرّفناك منهجهم و أنّ هؤلاء بهذا الشعار يغرّون الجهّال بالمعصية و اقتراف الذنوب و لا يعتنون بالعمل بحجّة أنّهم مؤمنون في كلِّ حال، و يعيشون في جميع الأحوال بإرجاء العمل و يقولون: إنّ إيمان واحد منّا يعدل إيمان جبرائيل و النبيّ الأكرم. هذه هي المرجئة.

و أمّا جمهرة المسلمين القائلون بجواز العفو و عدم الخلود، فهم راجية، يعتقدون بالعقاب و الثواب، يدعون ربّهم رغباً و رهباً، و لا يتّكلون في حياتهم على العفو و الرجاء من دون عمل، غير أنّهم يبثّون بذور الرجاء في قلوب العباد لما فيه من آثار تربويّة. و قد ذكرنا في محلِّه أنّ في القول بالعفو عن العصاة و خروجهم من النار بالشفاعة و غيرها، بصيص من الرجاء، و نافذة من الأمل فتحه القرآن في وجه العصاة حتّى لا ييأسوا من روح اللّٰه و رحمته، و لئلّا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه، فيتمادوا في العصيان.

فالمرجئة من قدّموا الإيمان و أخّروا العمل، بخلاف الراجية، فإنّهم جعلوا الإيمان غير منفكّ عن العمل و ينادون بأعلى أصواتهم أنّ الإيمان بلا عمل كشجرة بلا ثمر، لا يغني و لا يسمن من جوع، و يخافون

ربّهم بالغيب، و مع ذلك يرجون رحمته. فلا ينفكّ الخوف عن الرجاء، و الرهبة عن الرغبة.

ه - هل الطاعات مؤثِّرة في سقوط العقاب، و المعاصي مؤثِّرة في سقوط الثواب، و هذا ما يعبّر عنه بالإحباط و التكفير.
اشارة

الإحباط في اللّغة بمعنى: الإبطال، يقال: أحبط اللّٰه عمل الكافر. أي أبطله.(1)

و الكفر بمعنى «الستر» و «التغطية»، يقال لمن غطّى درعه بثوب: قد كفر درعه، و المكفّر: الرجل المتغطّي بسلاحه، و يقال للزّارع: كافر، لأنّه يغطي الحَبّ بتراب الأرض، قال اللّٰه تعالى: «كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ»(2). و الكفر ضدّ الإيمان، سمّي بذلك لأنّه تغطية الحقّ.(3)

و المراد من الحبط هو: سقوط ثواب العمل الصالح المتقدَّم، بالذنوب المتأخّرة، كما أنّ المراد من التكفير هو سقوط الذنوب المتقدَّمة، بالطاعة المتأخِّرة.

و بعبارة أُخرى: إنّ الإحباط في عرف المتكلّمين: عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتّب ما يتوقّع منها عليها، و يقابله التكفير و هو: إسقاط السيّئة


1) . المقاييس: 129/2، مادة حبط.

2) . الحديد: 20.

3) . المقاييس: 91/5، مادة كفر.

بعدم جريان مقتضاها عليها، فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة و لنقدّم الكلام في الإحباط أوّلاً.

1 - الإحباط
اشارة

المعروف عن المعتزلة هو القول بالإحباط، كما أنّ المعروف عن الإماميّة و الأشاعرة هو أنّه لا تحابط بين المعاصي و الطاعات و الثواب و العقاب(1).

قال القاضي عبد الجبّار: «إنّ المكلّف لا يخلو إمّا أن تخلص طاعاته و معاصيه، أو يكون قد جمع بينهما، فلا يخلو إمّا أن تتساوى طاعاته و معاصيه، أو يزيد أحدهما على الآخر، فإنّه لا بدّ من أن يسقط الأقلّ بالأكثر.... و هذا هو القول بالإحباط و التكفير على ما قاله المشايخ، و قد خالفنا في ذلك المرجئة، و عبّاد بن سليمان الصيمري».(2)

قال التفتازاني: «لا خلاف في أنّ من آمن بعد الكفر و المعاصي فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له، و من كفر بعد الإيمان و العمل الصالح، فهو من أهل النّار بمنزلة من لا حسنة له. و إنّما الكلام فيمن آمن و عمل


1) . أوائل المقالات: 57.

2) . الأُصول الخمسة: 624، و قد ذهب القاضي إلى عدم جواز استحقاق المكلّف الثواب و العقاب إذا كانا مساويين، فانحصر الأمر في المطيع المحض و العاصي كذلك و من خلط أحدهما بالآخر على وجه لا يتساويان، و هذا القسم هو مورد نظريّة الإحباط و التكفير. فلاحظ.

صالحاً و آخر سيّئاً، و استمرّ على الطاعات و الكبائر، كما يشاهد من الناس، فعندنا مآله إلى الجنّة و لو بعد النّار، و استحقاقه للثواب و العقاب، بمقتضى الوعد و الوعيد من غير حبوط. و المشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة، فأشكل عليهم الأمر في إيمانه و طاعته و ما يثبت من استحقاقاته، أين طارت؟ و كيف زالت؟ فقالوا بحبوط الطاعات، و مالوا إلى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات».(1)

أقول: اشتهر بين المتكلّمين أنّ المعتزلة يقولون بالإحباط و التكفير، و أمّا الأشاعرة و الإماميّة فهم يذهبون إلى خلافهم. غير أنّ هنا مشكلة و هي أنّ نفيهما على الإطلاق يخالف ما هو مسلّم عند المسلمين من أنّ الإيمان يُكفِّر الكفر، و يُدخل المؤمن الجنّة خالداً فيها، و أنّ الكفر يُحبط الإيمان و يخلِّد الكافر في النار. و هذا النوع من الإحباط و التكفير ممّا أصفقت عليه الأُمّة، و مع ذلك كيف يمكن نفيهما في مذهب الأشاعرة و الإماميّة؟ و لأجل ذلك، يجب الدقّة في فهم مرادهما من نفيهما على الإطلاق، و سوف يتبيّن الحال في هذين المجالين. هذا، و إنّ القائلين بالإحباط اختلفوا في كيفيّته، فمنهم من قال بأنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة، و تمحوها بالكليّة، من دون أن يكون لها تأثير في تقليل الإساءة، و هو المحكيّ عن أبي عليّ الجبّائي.

و منهم من قال بأنّ الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة، و لكنّه


1) . شرح المقاصد: 232/2.

يؤثّر في تقليل الإساءة فينقص الإحسان من الإساءة، فيجزى العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، و هو المنسوب إلى أبي هاشم.

و هناك قول آخر في الإحباط و هو عجيب جدّاً، حكاه التفتازاني في «شرح المقاصد» و هو أنّ الإساءة المتأخِّرة تحبط جميع الطاعات و إن كانت الإساءة أقلّ منها قال: حتّى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات.

و على هذا(1)ففي الإحباط أقوال ثلاثة:

1 - الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة من دون تأثير في تقليل الإساءة.

2 - الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة، مع تأثير الإحسان في تقليل الإساءة.

3 - إنّ الإساءة المتأخِّرة عن الطاعات، تبطل جميع الطاعات من دون ملاحظة القلّة و الكثرة.

إذا عرفت موضع النزاع في كلام القوم، فلننقل أدلّة الطرفين:

أدلّة نفاة الإحباط

استدلّ النافون بوجهين: عقليّ و نقليّ.

أمّا الوجه العقليّ: فهو أَنّ القول بالإِحباط يستلزم الظلم، لأنّ من أساء


1) . شرح المقاصد: 232/2.

و أطاع و كانت إساءته أكثر، يكون بمنزلة من لم يُحسن. و إن كان إحسانه أَكثر، يكون بمنزلة من لم يسئ. و إن تساويا يكون مساوياً لمن يصدر عنه أحدهما، و هو نفس الظّلم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الإِحباط إنّما يعدّ ظلماً، و يشمُلُه هذا الدليل، إذا كان الأكثر من الإِساءة مؤثِّراً في سقوط الأقلّ من الطاعة بالكلّية، من دون أن تؤثّر الطاعة القليلة في تقليل الإساءة الكثيرة، كما عليه أبو عليّ الجبّائي. و أمّا على القول بالموازنة، كما هو المحكيّ عن ابنه أبي هاشم، فلا يلزم الظلم، و صورته أن يأتي المكلّف بطاعة استحقّ عليها عشرة أجزاء من الثواب، و بمعصية استحقّ عليها عشرين جزءاً من العقاب، فلو قلنا بأنّه يَحسُن من اللّٰه سبحانه أَن يفعل به عشرين جزءاً من العقاب، و لا يكون لما استحقّه من الطاعة أيّ تأثير للزم منه الظّلم. و أَمّا إذا قلنا بأنّه يقبح من اللّٰه تعالى ذلك، و لا يحسن منه أَن يفعل به من العقاب إلّا عشرة أجزاء، و أَمّا العشرة الأُخرى فإنّها تسقط بالثواب الّذي استحقّه على ما أتى به من الطاعة، فلا يلزم ذلك.

يقول القاضي عبد الجبّار بعد نقل مذهب أبي هاشم: «وَ لَعَمري إنّه القول اللّائق باللّٰه تعالى. دون ما يقوله أبو عليّ و الّذي يدلّ على صحّته هو أَنّ المكلّف أتى بالطاعات على الحدّ الذي أُمر به، و على الحدّ الّذي لو أتى به منفرداً عن المعصية لكان يستحقّ عليها الثواب، فيجب أن يستحقّ عليها الثواب و إن دَنّسها بالمعصية، إلّا أَنّه لا يمكن و الحالة هذه أَن يوفّر عليه،


1) . كشف المراد: 260.

على الحدّ الّذي يستحقّه، لاستحالته، فلا مانع من أَن يزول من العقاب بمقداره، لأنّ دفع الضرر كالنفع في أنّه مما يعدّ من المنافع.

ثمّ قال: فأَمّا على مذهب أبي عليّ فيلزم أن لا يكون قد رأى صاحب الكبيرة شيئاً ممّا أتى به من الطاعات. و قد نصّ اللّٰه تعالى على خلافه».(1)

و الأولى أن يستدلّ على بطلان الإحباط بأَنّه يستلزم خُلف الوعد إذا كان الوعد منجّزاً، كما هو في محلّ النّزاع، و أمّا إذا كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان به، فهو خارج عن محلِّ البحث هذا، من غير فرق بين قول الوالد و الولد.

و أمّا الوجه النقلي، فقوله سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية إنّما يتمّ على القولين الأوّل و الثالث، حيث لا يكون للإحسان القليل دور، و أمّا على القول الثاني، فالآية قابلة للانطباق عليه، لأنّه إِذا كان للإحسان القليل، تأثير في تقليل الإِساءة الكثيرة، فهو نحو رؤية له، لأنّ دفع المضرّة كالنفع في أنّه مما يُعَدّ منفعة. و هذا كما إذا ربح إنسان في تجارة قليلاً، و خسر في تجارة أُخرى أكثر فأَدّى بعض ديونه من الرِّبح القليل.

نعم الظاهر من الآية رؤية جزاء الخير، و هو بالقول بعدم الإِحباط ألصق و أطبق.


1) . شرح الأصول الخمسة: 629.

2) . الزلزلة: 7.

سؤال و إجابة

السؤال: لو كان القول بالإحباط مستلزماً للظلم، أو كان مستلزماً لخلف الوعد، فما هو المخلص فيما يدلّ على حبط العمل، في غير مورد من الآيات الّتي ورد فيها أنّ الكفر و الارتداد و الشرك و الإِساءة إلى النبي و غير ذلك ممّا يحبط الحسنات(1). ما هو الجواب عن هذه الآيات؟ و ما هو تفسيرها؟

الجواب: إنّ القائلين ببطلان الإحباط يفسِّرون الآيات بأنّ الاستحقاق في مواردها كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان بالطاعات، فإذا عصى الإِنسان و لم يحقِّق الشرط، انكشف عدم الاستحقاق.

و يمكن أن يقال بأنّ الاستحقاق في بدء صدور الطاعات لم يكن مشروطاً بعدم لحوق العصيان، بل كان استقرار الاستحقاق في مستقبل الأيّام، هو المشروط بعدم لحوق المعصية، فإن فُقِد الشرط فُقِد استقرار الاستحقاق و استمراره.

يقول الشيخ الطوسي في تفسير قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ»(2)«معناه أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن،


1) . سنذكرها في آخر البحث.

2) . البقرة: 217.

لإيقاعهم إيّاها على خلاف الوجه المأمور به، و ليس المراد أنّهم استحقّوا عليها الثواب ثمّ انحبطت، لأنّ الإحباطَ عندنا باطل على هذا الوجه».(1)

و يقول الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ فِي اَلْآخِرَةِ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ»(2). «و في قوله: «فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» هنا دلالة على أنّ حبوط الأعمال لا يترتّب على ثبوت الثواب. فإنّ الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب، و إنّما يكون له عمل في الظاهر لو لا كفره لكان يستحقّ الثواب عليه، فعبّر سبحانه عن هذا العمل بأنّه حبط، فهو حقيقة معناه».(3)

و يقول في تفسير قوله سبحانه: «وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هٰؤُلاٰءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّٰهِ جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خٰاسِرِينَ»(4). «أي ضاعت أَعمالهم الّتي عملوها لأنّهم أَوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، و بَطَلَ ما أظهروه من الإِيمان، لأنّه لم يوافق باطنُهم ظاهرَهُم، فلم يستحقّوا به الثواب».(5)

و بما ذكره الطبرسي يظهر جواب سؤال آخر، و هو أنّه إذا كان الاستحقاق مشروطاً بعدم صدور العصيان، فإذا صدر يكشف عن عدم


1) . التبيان: 208/2. و لاحظ: مجمع البيان: 313/1.

2) . المائدة: 5.

3) . مجمع البيان: 163/2.

4) . المائدة: 53.

5) . مجمع البيان: 207/2.

الاستحقاق أبداً، فكيف يطلق عليه الإِحباط، و ما الإحباط إلّا الإِبطال و الإسقاط، و لم يكن هناك شيء حتّى يبطل أو يسقط؟

و ذلك لأنّ نفس العمل في الظاهر سبب و مقتضٍ، فالإبطال و الإسقاط كما يصدقان مع وجود العلّة التامّة، فهكذا يصدقان مع وجود جزء العلّة و سببها و مقتضيها، و هذا كمن ملك أَرضاً صالحة للزراعة فأَحدث فيها ما أفقدها هذه الصلاحيّة.

و بعبارة أُخرى: إنّ الموت على الكفر، و إن كان يُبطل ثواب جميع الأعمال، لكن ليس هذا بالإحباط، بل لاشتراط الموافاة على الإِيمان في استحقاق الثواب على القول بالاستحقاق. أو في إنجاز الوعد بالثواب على القول بعدم الاستحقاق.

و هكذا القول في المعاصي الّتي ورد أنّها حابطة لبعض الحسنات من غير قول بالحبط، بل يكون الاستحقاق أَو الوعد مشروطاً بعدم صدور تلك المعصية.

و الّذي يبدو لنا من هذه الكلمات إنّ النزاع بين نافي الإحباط و مثبته في هذه الموارد الخاصّة، أشبه بنزاع لفظي، لأنّهما متّفقان على النتيجة و هي عدم ترتّب الثواب على الإيمان و الأعمال الحسنة إذا لحقها الكفر أو بعض الكبائر، غير أنّ النافي يقول بأنّه لم يكن هناك ثواب فعليّ حتّى يحبطه الكفر أو بعض الكبائر، لأنّ ترتّب الثواب أو الاستحقاق كان مشروطاً بشرط غير حاصل، و المثبت له يقول بوجوده فعلاً، لكنّه يسقط بهما. و على كلّ واحدة من النظريّتين فالكافر و المرتكب للكبائر، صفر اليد يوم القيامة.

نعم، هذا التفسير إنّما نحتاج إليه في جانب الإحباط، و أمّا في جانب

التكفير فلا حاجة إليه، بل لنا أَن نقول إنّ التوبة و الأعمال المكفِّرة يذهبان العقاب المكتوب على المعاصي من دون حاجة إلى القول بكون الاستحقاق مشروطاً بالموافاة على الكفر، لجواز تفضّله سبحانه بالعفو.

هذا، و لا يصحّ القول بالإِحباط و التكفير في كلِّ المعاصي عند النافي، بل يجب عليه تَتَبُّعُ النّصوص، فكلّ معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصحيحة إنّها مذهبة لأثر الإيمان و الحسنة نقول بالاحباط فيها على التفسير الّذي ذكرناه.

و هكذا في جانب التكفير فلا يمكن لنا أَن نقول إِنّ كلّ حسنة تُذهب السيّئة إلّا بالنّص. و أمّا على قول المثبت فالظاهر أنّه يقول بأنّ كلّ كبيرة توجب الإحباط للأصل الّذي افترضه صحيحاً و هو خلود مرتكب الكبيرة في النار على الإطلاق.

إلى هنا تمّ بيان دليل النافين للإحباط على الوجه اللائق بكلامهم، و الإجابة عليه.

أدلّة مُثبِتي الإِحباط

استدلّ القاضي على ثبوت الإحباط بوجه عقليّ فقال: «قد ثبت أَنّ الثواب(1)و العقاب يستحقّان على طريق الدوام. فلا يخلو المكلّف إمّا أن يستحقّ الثواب فيثاب، أَو يستحقّ العقاب فيعاقب، أَو لا يستحقّ الثواب و لا


1) . يكفي في ذلك كونه مستحقاً للعقاب دائماً فقط و لا يتوقف على استحقاقه للثواب كذلك، فلاحظ.

العقاب، فلا يثاب و لا يعاقب، أَو يستحقّ الثواب و العقاب، فيثاب و يعاقب دفعة واحدة، أَو يؤثّر الأكثر في الأقلّ على ما نقوله:

لا يجوز أن لا يستحقّ الثواب و لا العقاب، فإنّ ذلك خلاف ما اتّفقت عليه الأُمّة. و لا أَن يستحقّ الثواب و العقاب معاً فيكون مثاباً و معاقباً دفعة واحدة، لأنّ ذلك مستحيل و المستحيل ممّا لا يستحقّ...

فلا يصحّ إلّا ما ذكرناه من أنّ الأقلّ يسقط بالأكثر. و هذا هو الّذي يقوله الشيخان أبو عليّ و أبو هاشم و لا يختلفان فيه، و إنّما الخلاف بينهما في كيفيّة ذلك».(1)

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على أنّ استحقاق العقاب على وجه الدوام، و هو مبنيّ على أنّ مرتكب الكبيرة مُخلّد في النار، و بما أنّ الأساس باطل، فيبطل ما بنى عليه، فلا دليل على دوام استحقاق العقاب، و على ذلك فالحصر غير حاصر، و أنّ هنا شقّاً سادساً ترك في كلامه و هو أنّه يستحقّ الثواب و العقاب معاً لكن لا دفعة واحدة، بل يعاقب مدّة ثمّ يخرج من النار فيثاب بالجنّة على ما عليه جمهور المسلمين.

و قد نقل القاضي عبد الجبّار وجهاً عقليّاً آخر للإِحباط عن الشيخ أبي عليّ و أجاب عنه، فلاحظ(2).


1) . شرح الأُصول الخمسة: 625. و ترك تعليل الوجه الأول (و هو أن يستحق الثواب فقط) و الثاني (و هو أن يستحق العقاب فقط) لوضوحه.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 630-631، و حاصل هذا الدليل أنّ المكلّف، بارتكاب الكبيرة يخرج نفسه من صلاحيّة استحقاق الثواب. و هو كما ترى دعوى بلا دليل، إذ لا دليل على أنّ كلّ معصية لها هذا الشأن، و ليست كلّ معصية كالكفر و الارتداد و النفاق.

تحليل لمسألة الإِحباط

و هاهنا تحليل آخر للمسألة و هو أَنّ في الثواب و العقاب أقوال:

1 - الثواب و العقاب في الآخرة من قبيل الأُمور الوضعيّة الجعليّة، كجعل الأُجرة للعامل، و العقاب للمتخلّف في هذه النشأة.

2 - الثواب و العقاب في الآخرة مخلوقان لنفس الإنسان حسب الملكات الّتي اكتسبها في هذه الدنيا، بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة، السُّكون و الهدوء إلّا بفعل ما يناسبها.

3 - الثواب و العقاب في الآخرة عبارة عن تمثّل العمل في الآخرة و تجلّيه فيها بوجوده الأُخروي من دون أَن يكون للنفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأعمال بتلك الصور، بل هي من ملازمات وجود الإنسان المحشور.

فلو قلنا بالوجه الأوّل، كان لما نقلناه من نفاة الحبط (من أنّ الاستحقاق أو استمراره مشروط بعدم الإتيان بالمعصية) وجه حسن، لأنّ الأُمور الوضعيّة، رفعها و وضعها و تبسيطها و تضييقها، بيد المقنِّن و المشرع، و عندئذ يُجمع بين حكم العقل بلزوم الوفاء بالوعد، و ما دلّ من الآيات على وجود الإحباط في موارد مختلفة، كما سيوافيك.

و قد عرفت حاصل الجمع، و هو أَنّ إطلاق الإحباط ليس لإبطال

استحقاق الإنسان الثواب، بل لم يكن مستحقّاً من رأس لعدم تحقُّق شرط الثواب، و أمّا مصحِّح تسميته بالإحباط فقد عرفته أَيضاً، و هو أَنّ ظاهر العمل كان يحكي عن الثواب و كان جزء علّة له.

و لو قلنا بالوجه الثاني، و حاصله أَنّ الملكات الحسنة و السيّئة الّتي تعدّ فعليّات للنّفس، تحصل بسبب الحسنات و السيّئات الّتي كانت تصدر من النفس. فإذا قامت بفعل الحسنات، تحصل فيها صورة معنويّة مقتضية لخلق الثواب. كما أَنّه إذا صدر منها سيّئة، تقوم بها صورة معنويّة تصلح لأن تكون مبدأ لخلق العقاب. و بما أَنّ الإنسان في معرض التحوّل و التغيّر من حيث الملكات النفسانيّة، حسب ما يفعل من الحسنات و السيّئات، فإنّ من الممكن بُطلان صورة موجودة في النفس و تبدُّلها إلى صورة غيرها ما دامت تعيش في هذه النشأة الدنيوية.

نعم، تقف الحركة و يبطل التّحوّل عند موافاة الموت، فعند ذلك تثبت لها الصور بلا تغيير أصلاً.

فلو قلنا بهذا الوجه، كان الإحباط على وفق القاعدة، لأنّ الجزاء في الآخرة، إِذا كان فعل النفس و إِيجادها، فهو يتبع الصورة الأخيرة للنفس، الّتي اكتسبتها قبل الموت، فإن كانت صورة معنويّة مناسبة للثواب فالنفس منعّمة في الثواب من دون مقابلة بالعقاب، لأنّ الصورة المناسبة للعقاب قد بطلت بصورة أُخرى. و إذا انعكست الصورة انعكس الحُكم.

و أمّا لو قلنا بالوجه الثالث، و هو تَجَسّم الأعمال و تمثّلها في الآخرة

بالوجود المماثل لها، فالقول بعدم الإحباط هو الموافق للقاعدة، إذ لا معنى للإِبطال في النشأة الأُخرى.

غير أَنّ الكلام كلّه في انحصار الثواب و العقاب بهذين الوجهين الأخيرين.(1)

عوامل الإحباط و أَسبابه

البحث عن عوامل الإِحباط و أَسبابه، بحث نقليّ يتوقّف على السبر و الفحص في الكتاب و السنّة، و نكتفي في المقام بما جاء في الكتاب العزيز.

1 - الارتداد بعد الإِسلام

قال سبحانه: «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ»(2).

2 - الشرك المقارن بالعمل

يقول سبحانه: «مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ وَ فِي اَلنّٰارِ هُمْ خٰالِدُونَ»(3).


1) . لاحظ: الإلهيات: 299/1.

2) . البقرة: 217.

3) . التوبة: 17.

و قد كان المشركون يزعمون أَنّ العمل الصالح بنفسه موجب للثواب، غير أنّ القرآن شطب على هذه العقيدة، و صرّح بأنّ الثواب يترتّب على العمل الصالح، إذا صدر من فاعل مؤمن.

و لأجل ذلك اتبع سبحانه الآية السابقة بقوله: «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ»(1).

3 - كراهة ما أنزل اللّٰه

قال سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ * ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأَحْبَطَ أَعْمٰالَهُمْ»(2).

4 - الكُفر

5 - الصدُّ عن سبيل اللّٰه

6 - مجادلة الرسول و مشاقّته

و قد جاءَت هذه العوامل الثلاثة في قوله سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ شَاقُّوا اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدىٰ لَنْ يَضُرُّوا اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمٰالَهُمْ»(3).


1) . التوبة: 18.

2) . محمد: 8 و 9.

3) . محمد: 32. و لاحظ في عامل الكفر؛ التوبة: 69.

و هل كلٌّ منها عاملٌ مستقلٌّ، أَو أَنّ هنا عاملاً واحداً هو الكفر، و يكون حينئذ الصدُّ عن سبيل اللّٰه و مشاقّة الرّسول من آثار الكفر، فهم كفروا، فصدوا و شاقّوا؟ وجهان.

و تظهر الثمرة فيما لو صَدّ إنسانٌ عن سبيل اللّٰه لأغراض دنيويّة، أَو شاقّ الرسولَ لحالة نفسانيّة مع اعتقاده التام بنبوّة ذاك الرسول و قبح عمل نفسه. فلو قلنا باستقلال كلّ منها في الحبط، يحبط عمله، و إلّا فلا، و بما أَنّ الآية ليست في مقام البيان، بل تحكي عمل قوم كانت لهم هذه الشئون فلا يمكن استظهار استقلال كلّ منها في الحبط. نعم، يمكن القول بالاستقلال من باب الأولويّة، و ذلك أنّه إذا كان رفع الصوت فوق صوت النبي من عوامل الإحباط كما سيأتي فكيف لا يكون الصدّ و المشاوقة من عوامله؟

7 - قتل الأنبياء

8 - قتل الآمرين بالقِسط من الناس

قال سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ اَلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ اَلنّٰاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مٰا لَهُمْ مِنْ نٰاصِرِينَ»(1).


1) . آل عمران: 21-22.

9 - إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه و آله و سلم

قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ»(1).

و ربّما يُتصوّر أَنّ رفع الصوت ليس عاملاً مستقلّاً في الإحباط، بل هو كاشف عن كفر الرافع، و لكنّه احتمال ضعيف، لأنّ الآية تخاطب المؤمنين به بقولها: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا».

نعم، لا يمكن الالتزام بأنّ كلّ إساءة بالنسبة إلى النبي تُحبط الأعمال الصالحة(2)، إِلّا إِذا كانت هتكاً في نظر العامّة، و تحقيراً له في أَوساط المسلمين، كما هو الظاهر من أَسباب نزول الآية.

10 - الإقبال على الدُّنيا و الإعراض عن الآخرة

قال سبحانه: «مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لاٰ يُبْخَسُونَ * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(3).


1) . الحجرات: 2.

2) . كالغضب في محضره - صلوات اللّٰه عليه و آله -.

3) . هود: 15-16.

و يمكن أَن يقال إنّ الإقبال على الدنيا بهذا النحو الّذي جاء في الآية يساوق الكفر، أَو يساوق ترك الفرائض، و التوغّل في الموبقات، فتكون إِرادة الحياة الدنيا و زينتها إشارة إلى العامل الواقعي.

11 - إنكار الآخرة

قال سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا وَ لِقٰاءِ اَلْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ»(1).

و هو فرع من فروع الكفر و ليس عاملاً مستقلّاً.

12 - النِّفاق

قال سبحانه: «قَدْ يَعْلَمُ اَللّٰهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاّٰ قَلِيلاً... أُولٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً»(2).

و قوله: «لِإِخْوٰانِهِمْ»، يدلّ على أَنّهم لم يكونوا مؤمنين، بل كانوا منافقين. و يصرّح به قوله: «أُولٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا». و على ذلك فيَرجع النفاق إلى عامل الكفر و عدم الإِيمان، و ليس سبباً مستقلاً.


1) . الأعراف: 147. و لاحظ سورة الكهف: 105.

2) . الاحزاب: 18-19.

هذه هي أبرز أسباب الإِحباط في الذكر الحكيم، و قد عرفت إمكان إدغام البعض في البعض، و على كلِّ تقدير، فالإحباط هنا هو بطلان أَثر المقتضي، لا إبطال أَثر ثابت بالفعل، كما تقدّم.(1)

2 - التكفير

التكفير هو إسقاط ذنوب الأفعال المتقدّمة بثواب الطاعات المتأَخِّرة، و هو لا يعدّ ظلماً، لأنّ العقاب حقّ للمولى، و إسقاط الحقّ ليس ظلماً بل إحسان، و قد عرفت أَنّ خلف الوعيد ليس بقبيح و إنّما القبيح خلف الوعد. فلأجل ذلك لا حاجة إلى تقييد استحقاق العقاب أو استمرار استحقاقه بعدم تعقّب الطاعات. بل الاستحقاق و استمراره ثابتان، غير أَنّ المولى سبحانه، تَفَضّلاً منه، عفا عن عبده لفعله الطاعات.

قال سبحانه: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً»(2).

و قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ»(3).

و قال سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ آمَنُوا بِمٰا نُزِّلَ


1) . و أمّا بيان عوامل الإحباط في السنّة فهو موكول إلى محل آخر.

2) . النساء: 31.

3) . الأنفال: 29.

عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بٰالَهُمْ»(1).

و لا يمكن استفادة الإطلاق من هذه الآيات، و أَنّ كلّ معصية تكفَّر، لأنّها بصدد بيان تشريع التكفير، و أمّا شروطه و بيان المعاصي الّتي تكفّر دون غيرها، فلا يستفاد منها، و إنّما الظاهر من الآية الأُولى هو اشتراط تكفير الذنوب الصغيرة باجتناب الكبيرة منها، و من الآية الثانية اشتراط تكفير السيئات بالتّقوى، و من الثالثة تكفير السيّئات للّذين آمنوا و عملوا الصالحات و آمنوا بما نُزِّل على الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.

روى الكراجكي بسنده عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: «و إنْ كان عليه فضل، و هو من أَهل التقوى، و لم يشرك باللّٰه تعالى، و اتّقى الشرك به، فهو من أَهل المغفرة، يغفر اللّٰه له برحمته إن شاء و يتفضّل عليه بعفوه».(2)


1) . محمد: 2.

2) . البحار: 335/5.

الأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين

إنّ هذا الأصل يهدف إلى أنّ صاحب الكبيرة لا يسمّى مؤمناً، كما عليه جمهور المسلمين، و لا كافراً كما عليه الخوارج، و إنّما يسمّى فاسقاً. فهو من حيث الإيمان و الكفر في منزلة بين المنزلتين.

قال القاضي: «لا يكون اسمه اسم الكافر و لا اسمه اسم المؤمن، و إنّما يسمّى فاسقاً. و كذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر و لا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث و هذا الحكم الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين. فإنّ صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، و لا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما».(1)

ثمّ إنّه قسّم المكلّف من حيث استحقاق الثواب و العقاب إلى قسمين: إمّا أن يكون مستحقّاً للثواب فهو من أولياء اللّٰه، و إمّا أن يكون مستحقّاً للعقاب فهو من أعداء اللّٰه.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 697.

ثمّ الثاني إمّا أن يكون مستحقّاً للعقاب العظيم فهو الكافر و المنافق و المرتدّ، و إمّا أن يكون مستحقّاً لعقاب دون ذلك سمّي فاسقاً «و هو المرتكب للكبيرة».

ثمّ إنّ الأساس لإخراج الفاسق عن المؤمن هو جعل العمل جزءاً من الإيمان، و على هذا فإذا ترك فريضة أو ارتكب حراماً يخرج من عداد المؤمنين و فيه تشترك المعتزلة و الخوارج، و لكن تنشعب المعتزلة عن الخوارج بقولهم إنّه لا مؤمن و لا كافر، بل في منزلة - أو له - بين المنزلتين، و لكنّه عند الخوارج ليس بمؤمن بل كافر.

ثمّ إنّهم استدلّوا على كونه ليس بمؤمن بوجوه نأتي بها مع تحليلها:

الدليل الأوّل: ما مرّ في مناظرة واصل بن عطاء مع عمرو بن عبيد من اختلاف المسلمين في سائر الأسماء و اتّفاقهم على كونه فاسقاً، فنأخذ بالمجمع عليه و نطرح ما اختلفوا فيه، حيث إنّهم اختلفوا في كونه مؤمناً أو كافراً أو منافقاً، و لكن اتّفقوا في كونه فاسقاً، فنأخذ بالمتيقّن و نطرح المختلف فيه. و قد عرفت ضعف هذا الدّليل فلا نعيده.

الدليل الثاني: ما ذكره القاضي من أنّ «المؤمن» نقل عن معناه اللّغوي إلى معنى آخر و صار بالشرع اسماً لمن يستحقّ المدح و التعظيم، و الدليل على ذلك أنّه تعالى لم يذكر اسم المؤمن إلّا و قد قرن إليه المدح و التعظيم. أ لا ترى إلى قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ»(1)، و قوله: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ


1) . المؤمنون: 1.

اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ»(1)، و قوله: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذٰا كٰانُوا مَعَهُ عَلىٰ أَمْرٍ جٰامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّٰى يَسْتَأْذِنُوهُ»(2)إلى غير ذلك من الآيات.

و مثله لفظ المسلم فهو منقول إلى من يستحقّ المدح و التعظيم.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ادّعاء محض غير مقترن بالدليل ناش من خلط الأثر بذي الأثر، و لو صحّ لوجب أن يقول القاضي: إنّ الصلاة موضوع لمعراج المؤمن، و الصوم للجُنّة من النار، و الزكاة لتنمية المال، لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «الصلاة معراج المؤمن» و «الصوم جُنّة من النار» و «الزكاة تنمية للمال».

و الّذي يدلّ على فساد ما ذكره أنّه لو صحّ لوجب أن يصحّ وضع الممدوح مكان المؤمن في الآيات التالية، مع أنّه لا يقبله أيّ ذوق سليم.

1 - قال سبحانه: «وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ»(3).

2 - و قال سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّٰ خَطَأً»(4).

3 - و قال سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ»(5)إلى غير ذلك من الآيات.


1) . الأنفال: 2.

2) . النور: 62.

3) . البقرة: 221.

4) . النساء: 92.

5) . الأحزاب: 36.

و العجب من القاضي كيف غفل عن الآيات الّتي ذكر فيها متعلّق الإيمان، و معه لا يمكن حمله إلّا على أنّه بمعنى الإذعان. قال سبحانه: «وَ مٰا ذٰا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ»(1).

و قال سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ»(2).

و قال سبحانه: «فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ اِعْتَصَمُوا بِهِ»(3).

إلى غير ذلك من الآيات الّتي لا تبقي شكّاً في أنّ الإيمان بمعنى الإذعان مطلقاً، و في المقام بمعنى الإيمان باللّٰه و اليوم الآخر و رسوله.

و أمّا ما ذكر من أنّه سبحانه لم يذكر اسم المؤمن إلّا و قد قرن إليه المدح و التّعظيم منقوض بقوله سبحانه: «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ وَ يَعْمَلْ صٰالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئٰاتِهِ»(4).

و قال سبحانه: «اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ»(5). و الظّاهر أنّ القيد «و لم يلبسوا إيمانهم بظلم» احترازيّ لا توضيحيّ.


1) . النساء: 39.

2) . النساء: 152.

3) . النساء: 175.

4) . التغابن: 9.

5) . الأنعام: 82.

أضف إليه أنّ الإيمان ذو درجات و مراتب، فالمدح المطلق للدرجة العليا و المدح النسبي للدرجات التالية لها.

ثمّ إنّ تقسيم الناس إلى قسمين: من يستحقّ الثّواب، و من يستحقّ العقاب، لا يصدقه القرآن، بل هناك قسم ثالث و هو عبارة عمّن يستحقّ كلا الأمرين. قال سبحانه: «وَ آخَرُونَ - من الأعراب - اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1)، فلأجل كونه ذا عمل صالح يستحقّ الثواب قطعاً لقوله: «مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»(2)و يستحقّ العقاب لكونه ذا عمل سَيّئ.

ثمّ إنّ القاضي عطف على دليله السابق قوله:

1 - لو كان لفظ المؤمن باقياً على ما كان عليه في اللّغة لكان يجب إذا صدّق المرء غيره أو آمنه من الخوف أن يسمّى مؤمناً و إن كان كافراً.

2 - و لكان يجب أن لا يسمّى الأخرس مؤمناً.

3 - و لكان أن لا يجري على النائِم و الساهي، لأنّ الانقياد غير مقصود منهما.

4 - و لكان يجب أن لا يسمّى الآن بهذا الاسم إلّا المشتغل به دون من


1) . التوبة: 102.

2) . النحل: 97.

سبق منه الإسلام، و لازمه أن لا نسمّي أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مؤمنين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه الوجوه عليلة جدّاً لا تليق بمقام القاضي.

أمّا الأوّل، فالمؤمن هو المذعن المصدّق، و يختلف متعلّقه بحسب اختلاف الموارد، فإذا أُطلق في عرف اللّغة يراد منه نفس المذعن، سواء كان متعلّقه هو اللّٰه سبحانه أو غيره. قال سبحانه: «وَ مٰا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنٰا»(2).

و أمّا في عرف الشرع و المتشرّعة و مصطلح القرآن و الحديث، فالمراد هو الإذعان باللّٰه و اليوم الآخر و رسالة الرسول الخاتم، فالّذي يصدق شخصاً في قضية من القضايا مؤمن حسب اللّغة، و ليس كذلك حسب مصطلح الشرع و المتشرّعة.

و أمّا الأخرس فهو مؤمن لكشف إشاراته عن إذعانه، و النائم و الساهي مؤمنان لوجود الإذعان في روحهما، غاية الأمر يكون النوم و السهو مانعين عن بروزهما. و أمّا من مات مؤمناً فهو أيضاً مؤمن بلحاظ حال النسبة، لا حال التكلّم، فالضارب و القاتل في اليوم الماضي يطلق عليهما المشتقّ باعتبار زمان النسبة لا باعتبار زمان التكلّم، و الشجرة المثمرة في الشتاء مثمرة بلحاظ حال النسبة.

ثمّ إنّ القاضي استدلّ بآيات ربّما يستظهر منها دخول الأعمال في الإيمان، فقد أوضحنا مداليلها عند البحث عن عقائد المرجئة، فلا نطيل.


1) . شرح الأُصول الخمسة: 703-705.

2) . يوسف: 17.

ثمّ إنّ هناك اختلافاً بين نفس المعتزلة، فذهب أبو الهذيل إلى أنّ الإيمان عبارة عن أداء الطاعات: الفرائض و النوافل، و اجتناب المقبّحات. و هو أيضاً خيرة القاضي.

و اختار الجبّائيان أنّه عبارة عن أداء الطّاعات، الفرائض دون النوافل، و اجتناب المقبّحات.

و قد عرفت ضعف الكلّ عند البحث عن المرجئة.

بقي هنا بحث و هو الإجابة عن الاستدلالات الّتي تمسّك بها الخوارج على أنّ مرتكب الكبائر كافر. و نبحث عنها في الجزء(1)المختصّ بعقائدهم، فانتظر.


1) . لاحظ الجزء الخامس من هذه الموسوعة.

الأصل الخامس: الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر

هذا هو الأصل الخامس من الأُصول الخمسة. و الأُصول المتقدّمة تتعلّق بالنظر و الاعتقاد بخلافه، فهو بالعمل ألصق و على هذا الأصل بعث واصل بن عطاء و غيره دعاته إلى الأقطار المختلفة كما عرفته في ترجمته. و يبحث فيه عن المسائل التالية.

1 - هل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب أو لا؟

2 - هل وجوبهما سمعيّ أو عقلي؟

3 - ما هي شرائط وجوبهما؟

4 - هل وجوبهما عيني أو كفائي؟

5 - مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

أمّا الأُولى، فقد ذكر القاضي أنّه لا خلاف بين الأُمّة في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلّا ما يحكى عن شرذمة من الإماميّة لا يقع بهم و بكلامهم اعتداد.(1)


1) . شرح الأُصول الخمسة: 741.

يلاحظ عليه: أنّه ما ذا يريد من قوله «من الإماميّة»؟ هل كلمة من تبعيضيّة أو بيانيّة؟ فإن كان الأوّل كما هو الظاهر، فلا نعرف تلك الشرذمة من الإماميّة، فإنّهم عن بكرة أبيهم مقتفون للكتاب و السنّة، و صريح الكتاب و أحاديث العترة الطاهرة على وجوبهما. فمن أراد فليرجع إلى جوامعهم الحديثيّة.(1)

و نكتفي برواية واحدة من عشرات الروايات. روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال: «إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض و تؤمن المذاهب، و تحلّ المكاسب، و تردّ المظالم، و تعمّر الأرض، و ينتصف من الأعداء، و يستقيم الأمر».(2)

و إن كان الثاني، فهو غير صحيح. و هذه كتب الإماميّة في الكلام و التفسير و الفقه مشحونة بالبحث عن فروع المسألة بعد تسليم وجوبهما.

قال الشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه): «إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللّسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه، لقيام الحجّة على من لا علم لديه إلّا بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبة الظنّ بذلك».(3)

و هذا المحقّق الطّوسي نصير الدين (المتوفّى 672 ه) يقول في


1) . لاحظ: وسائل الشيعة: 393/11 الباب الأول من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

2) . المصدر السابق، الحديث السابع.

3) . أوائل المقالات: 98.

«تجريد الاعتقاد»: «و الأمر بالمعروف واجب، و كذا النهي عن المنكر. و بالمندوب مندوب»(1).

نعم، بعض مراتب الأمر بالمعروف كالجهاد الابتدائي مع العدوّ الكافر مشروط بوجود الإمام العادل. قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون: «و الجهاد واجب مع إمام عادل، و من قاتل فقتل دون ماله و رحله و نفسه فهو شهيد».(2)

و قد استظهر بعض الفقهاء من هذا الحديث و غيره أنّ المراد هو الإمام المعصوم المنصوص على ولايته من جانب اللّٰه سبحانه بواسطة النّبي صلى الله عليه و آله و سلم. غير أنّ في دلالة الروايات على هذا الشرط نوع خفاء، بل عموم ولاية الفقيه في زمان الغيبة كاف في تسويغ ذلك للفقيه الجامع للشرائط.(3)

و أمّا سائر مراتب الأمر بالمعروف من الإنكار بالقلب و التذكير باللّفظ و العمل باليد فسيأتي البحث عنه في المسألة الخامسة.

نعم، كان على القاضي أن يذكر خلاف الحنابلة و الأشاعرة في مجابهة الظالم و مكافحته. قال إمام الحنابلة: «السمع و الطاعة للأئمّة و أمير المؤمنين البرّ و الفاجر».

و قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي: «و لا نرى الخروج على أئمّتنا


1) . كشف المراد: 271.

2) . الوسائل: ج 11، الباب الثاني عشر من أبواب جهاد العدو، الحديث 10.

3) . جواهر الكلام: 13/21-14.

ولاة أمرنا، و إن جاروا، و لا ندعو على أحد منهم، و لا ننزع يداً من طاعتهم، و نرى طاعتهم من طاعات اللّٰه فريضة علينا ما لم يأمروا بمعصية»(1).

و هؤلاء يرون إطاعة السلطان الجائر، مع أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم قال: «و من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».(2)

و روى أبو بكر أنّه سمع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّٰه بعقاب منه».(3)

و مع ذلك كلّه فقد نسي القاضي أن ينسب عدم وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى هذه الجماهير، و نسبه إلى الإماميّة و قد عرفت كيفيّة النسبة.

و المسألة من الوضوح بمكان لا تحتاج معه إلى تكثير المصادر.

و أما الثانية، فقد ذهب أبو عليّ الجبّائي إلى أنّ ذلك يعلم عقلاً. و قال ابنه أبو هاشم: «بل لا يعلم عقلا إلّا في موضع واحد، و هو أن يرى أحدنا غيره يظلم أحداً فيلحقه بذلك غمّ، فإنّه يجب عليه النهي و دفعه، دفعاً لذلك الضرر الّذي لحقه من الغمّ عن نفسه. فإمّا فيما عدا هذا الموضع فلا يجب إلّا شرعاً». و قال القاضي: «و هو الصحيح من المذهب».(4)


1) . قد ذكرنا عبارات القوم في وجوب طاعة السلطان الظالم في الجزء الأول من كتابنا هذا.

2) . صحيح الترمذي: 471/4، كتاب الفتن، الباب 14، رقم الحديث 2174.

3) . المصدر السابق: الباب 8، رقم الحديث 2168.

4) . شرح الأُصول الخمسة: 742.

يلاحظ عليه: أنّ أبا هاشم يصوّر حياة الفرد منقطعة عن سائر الناس، فلأجل ذلك أخذ يستثني صورة واحدة. و لو وقف على كيفيّة حياة الفرد في المجتمع لحكم على الكلّ بحكم واحد، و ذلك أنّ أعضاء المجتمع الواحد الّذين يعيشون في بيئة واحدة مشتركون في المصير، فلو كان هناك خير لعمّ الجميع و لم يقتصر على فاعله، و لو كان هناك شرّ يشمل الجميع أيضاً و لم يختصّ بمرتكبه، و من هنا يجب أن تحدّد تصرّفات الأفراد في المجتمع و تحدّد حرّياتهم بمصالح الأُمّة و لا تتخطّاها. و لأجل ذلك يشبّه النبيُّ صلى الله عليه و آله و سلم وحدة المجتمع بركّاب سفينة في عرض البحر إذا تهدّدها خطر تهدّد الجميع و لم يختصّ بأحد دون أحد.

و لذلك لا يجوز لأحد ركّابها أن يثقب موضع قدمه، بحجّة أنّه مكان يختصّ به و لا يرتبط بالآخرين، لأنّ ضرر هذا العمل يعود إلى الجميع و لا يعود إليه خاصّة.

روى البخاري عن النعمان بن بشير أنّه قال: سمعت عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «مثل القائم على حدود اللّٰه، و الواقع فيها، كمثل قوم استهمّوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها و بعضهم أسفلها. فكان الّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً و لم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم و ما أرادوا، هلكوا جميعاً، و إن أخذوا على أيديهم نجوا و نجوا جميعاً»(1).


1) . صحيح البخاري: 139/3، باب هل يقرع في القسمة و الاستهام فيه. المطبوع على النسخة الاميرية. و رواه الجاحظ في البيان و التبيين: 49/2.

و روى الترمذي نظيره في سننه كتاب الفتن.

روى جعفر بن محمّد عن آبائه، عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلّا عاملها، فإذا عمل علانية و لم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة». قال جعفر بن محمّد عليهما السلام: «و ذلك أنّه يذلُّ بعمله دين اللّٰه و يقتدي به أهل عداوة اللّٰه».(1)

و بهذا يعرف قيمة كلام أبي هاشم حيث إنّه نظر إلى حقيقة المجتمع بنظرة فرديّة، و لأجل ذلك لم يقل بوجوب الأمر بالمعروف عقلاً إلّا في مورد واحد و هو ما إذا عرضه الغمّ من ظلم أحد أحداً، مع أنّه لو كان هذا هو الملاك لوجب في كثير من الموارد بنفس الملاك، غاية الأمر ربّما يكون الضرر مشهوداً و ربّما يكون مستوراً.

ثمّ إنّ البحث عن وجوبه سمعيّاً أو عقليّاً بحث كلامي لا صلة له بكتاب تاريخ العقائد، غير أنّا إكمالاً للفائدة نأتي بنكتة و هي: أنّ الظاهر من القول بوجوب اللّطف هو أنّ وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عقليّ، و ذلك لأنّ اللُّطف ليس إلّا تقريب العباد إلى الطاعة و إبعادهم عن المعصية، و من أوضح ما يحقّق تلك الغاية هو الأمر بالمعروف بعامّة مراتبه.

غير أنّ المحقّق الطوسي استشكل على وجوبهما عقلاً و قال: «لو كانا واجبين عقلاً، لزم ما هو خلاف الواقع أو الإخلال بحكمته».

و أوضحه شارح كلامه العلّامة الحلّي و قال: «إنّهما لو وجبا عقلاً لوجبا على اللّٰه تعالى. فإنّ كلّ واجب عقليّ يجب على كلّ من حصل في حقّه وجه


1) . الوسائل: ج 11، كتاب الجهاد، الباب 4 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.

الوجوب، و لو وجبا عليه تعالى لكان إمّا فاعلاً لهما، فكان يلزم وقوع المعروف قطعاً، لأنّه تعالى يحمل المكلّفين عليه، و انتفاء المنكر قطعاً، لأنّه تعالى يمنع المكلّفين منه، و هذا خلاف ما هو الواقع في الخارج. و إمّا غير فاعل لهما فيكون مخلّاً بالواجب، و ذلك محال لما ثبت من حكمته تعالى».(1)

يلاحظ عليه: أنّ وجوبهما عقلاً لا يلازم وجوبهما على اللّٰه سبحانه بعامّة مراتبه، لأنّه لو وجب عليه بعامّة مراتبه يلزم إخلال الغرض و إبطال التكليف. و هذا يصدّ العقل عن إيجابهما على اللّٰه سبحانه فيما لو استلزم الإلجاء و الإخلال بالغرض، فيكتفي فيه بالتبليغ و الإنذار و غيرهما ممّا لا ينافي حريّة المكلّف في مجال التكليف. و إلى ذلك يشير شيخنا الشهيد الثاني بقوله: «لاستلزام القيام به على هذا الوجه (من وجوبه قولاً و فعلاً) الإلجاء الممتنع في التكليف، و يجوز اختلاف الواجب باختلاف محالّه، خصوصاً مع ظهور المانع، فيكون الواجب في حقّه تعالى الانذار و التخويف بالمخالفة لئلّا يبطل التكليف، و المفروض أنّه قد فعل».(2)

و أمّا الثالثة، و هي شرائط وجوبهما، فقد فصِّل فيه الكلام المتكلّمون و الفقهاء فقالوا: شرائط الأمر بالمعروف و النَّهي عن المنكر ثلاثة:

الأوّل: علم فاعلهما بالمعروف و المنكر.


1) . كشف المراد: 271.

2) . الروضة البهية: 262/1، كتاب الجهاد، الفصل الخامس، الطبعة الحجرية.

الثّاني: تجويز التأثير، فلو عرف أنّ أمره و نهيه لا يؤثّران لم يجبا.

الثالث: انتفاء المفسدة، فلو عرف أو غلب على ظنّه حصول مفسدة له أو لبعض إخوانه في أمره و نهيه سقط وجوبهما دفعاً للضرر.(1)

و هناك شروط أُخر لم يذكرها العلّامة في كلامه. منها:

الرابع: تنجّز التكليف في حقّ المأمور و المنهيّ، فلو كان مضطرّاً إلى أكل الميتة لا تكون الحرمة في حقّه منجّزة، فلا يكون فعله حراماً و لا منكراً، و إن كان في حقّ الآمر و الناهي منجّزاً.

و على كلّ تقدير فالشرط الثالث - أي عدم المفسدة - شرط في موارد خاصّة لا مطلقاً. فربّما يجب على الآمر و الناهي تحمّل المضرّة و عدم ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما إذا كان تركه لهما لغاية دفع المفسدة موجباً لخروج الناس عن الدين و تزلزلهم و غير ذلك ممّا أوضحنا حاله في أبحاثنا الفقهيّة.(2)

و أمّا الرّابعة، و هي كون وجوبهما عينيّاً أو كفائياً، فالأكثر على أنّه كفائيّ، لأنّ الغرض شرعاً وقوع المعروف و ارتفاع المنكر، من غير اعتبار مباشر معيّن، فإذا حصلا ارتفع الوجوب و هو معنى الكفائي. و الاستدلال على كونه عينيّاً بالعمومات غير كاف كما حقّق في محلّه.


1) . كشف المراد: ص 271، ط صيدا.

2) . لاحظ: رسالتنا الفقهية في التقية. فقد قلنا إنّ التقية ربّما تحرم إذا كان الفساد في تركها أوسع.

و أمّا الخامسة، أعني مراتبهما، فتبتدئ من القلب، ثمّ اللّسان، ثمّ اليد و تنتهي بإجراء الحدود و التعزيرات. قال الباقر عليه السلام: «فأنكروا بقلوبكم، و الفظوا بألسنتكم، و صكّوا بها جباههم، و لا تخافوا في اللّٰه لومة لائم».(1)

و على هذا يصبح الأمر بالمعروف على قسمين: قسم لا يحتاج إلى جهاز و قدرة، و هذا ما يرجع إلى عامّة الناس.

و قسم يحتاج إلى الجهاز و القوّة و يتوقّف على صدور الحكم، و هذا يرجع إلى السلطة التنفيذيّة القائمة بالدولة الإسلاميّة بأركانها الثلاثة.

و قد بسط الفقهاء الكلام في بيان مراتبهما. فمن لاحظ الروايات و كلمات الفقهاء يقف على أنّ بعض المراتب واجب على الكلّ و البعض الآخر يجب على أصحاب القوّة و السلطة.

إلى هنا تمّ البحث عن الأُصول الخمسة للمعتزلة، و بقي هنا بحوث نجعلها خاتمة المطاف.


1) . الوسائل: ج 11، كتاب الجهاد، الباب الثالث من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.

خاتمة المطاف

اشارة

و فيها فروع:

الأوّل: تحليل بعض ما رمي به مشايخ المعتزلة من الانحلال الأخلاقي، فإنّ في ذلك توضيحاً للحقّ، بل دفاعاً عنه.

الثاني: تبيين تاريخ المعتزلة من حيث تدرّجهم من القدرة إلى الضعف، و ذلك بحث تاريخيّ يهمّنا من بعض الجهات، و سيظهر في طيّات البحث.

الثالث: الآثار العلميّة الباقية من المعتزلة.

1 - دفاع عن الحقّ‌

الاعتزال ظهر في أوساط المسلمين بطابعه العقلي لتحقيق العقائد الإسلاميّة، و دعمها على ضوء الدليل و البرهان.

فكانوا يدافعون عنها حسب طاقاتهم الفكريّة، يشهد بذلك حياة مشايخهم و أئمّتهم و تلاميذهم.

و لعلّ تصلّبهم في المناظرة، و عدم السكوت في مقابل الملاحدة و أهل الكتاب من اليهود و النصارى، لأجل عنايتهم بالأمر بالمعروف و النهي

عن المنكر، حتّى صار ذلك أحد أُصولهم الّتي بها يتميّزون عن غيرهم، و قد عرفت نماذج من مناظراتهم مع المخالفين فلا نعيد.

و لم يكن دفاعهم عن الإسلام منحصراً بالمناقشات اللّفظية، بل كانوا يستعملون القوّة إذا أُتيح لهم ذلك.

مثلاً: إنّ بشّار بن برد كان متّهماً بالالحاد، فهدّده واصل بالقتل، و لم يكتف بذلك حتّى نفاه من البصرة، فذهب إلى حرّان و بقي فيها إلى أن توفّي واصل ثمّ عاد إلى البصرة. و في ذلك يقول صفوان الأنصاري مخاطباً لبشّار:

كأنّك غضبان على الدّين كلّه *** و طالب دخل لا يبيت على حقد

رجعت إلى الأمصار من بعد واصل *** و كنت شريراً في التهائم و النّجد(1)

و من مظاهر دعمهم لأُصول العقائد الإسلاميّة و مكافحة التجسيم و التشبيه هو أنّ واصل بن عطاء بعث تلاميذه إلى الأطراف و الأكناف لتبليغ رسالة التنزيه و رفض التشبيه، و قد أتينا بأسماء المبعوثين في ترجمته.(2)

و روى عمر الباهلي أنّه قرأ الجزء الأوّل من كتاب «الألف مسألة في الردّ على المانويّة» لواصل، كان فيها نيّف و ثلاثون مسألة، و هو الّذي أوفد حفص بن سالم إلى خراسان، فناظر جهم بن صفوان و قطعه و جعله يرجع إلى القول الحقّ. و على ذلك درج أصحاب واصل و تلاميذه من بعده.(3)


1) . البيان و التبيين: 25/1

2) . المنية و الامل: 20.

3) . المنية و الامل: 21.

و تبع واصلاً و عمرو بن عبيد، أبو الهذيل العلّاف و قد قرأت في ترجمته بعض مناظراته.

و لا تنس ما ذكرناه في ترجمة «معمر بن عباد» و قد بعثه الرشيد إلى مناظرة السمني، و هو يدلّ على أنّ المعتزلة كانوا هم المتحمّسين للمناظرة بين أهل السنّة، و أمّا غيرهم فلا يملكون في مقام المناظرة سوى القول بأنّ البحث حرام.

هذا هو القاضي عبد الجبّار قد قام في وجوه الملحدين و الشاكّين في إعجاز القرآن، فألّف كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن» و كتاباً آخر في نبوّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أسماه «تثبيت دلائل نبوّة سيّدنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم» قال محقّق كتاب «شرح الأُصول الخمسة» بأنّه أعدّه للطّبع.

و نحن إذا قرأنا في حياتهم هذه البطولات الفكريّة و العمليّة، يشكل علينا قبول ما نسبه إليهم أعداؤهم من المجون و الانحلال الأخلاقي.

لا أقول إنّ كلّ عالم معتزلي، عادل لا يعصي و لا يخطأ، غير أنّ الكلام في أنّ تنزيه طائفة خاصّة كالحنابلة و الأشاعرة، و رمي طائفة أُخرى بضدّه، ممّا لا يؤيّده الإنصاف، فلو قلنا إنّما حكمهم حكم سائر الطوائف الإسلاميّة حيث في كلّ طائفة ظالم لنفسه، و مقتصد، و سابق بالخير(1)لكان أقرب إلى الواقع و الحقيقة.


1) . اقتباس من قوله سبحانه: «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ» (فاطر: 32).

و لأجل إيقاف القارئ على بعض ما رميت به تلك الطائفة نذكر ما يلي:

ما زلت آخذ روح الزقّ في لطف *** و أستبيح دماً من غير مجروح

حتّى انثنيت ولي روحان في جسد *** و الزق منطرح جسم بلا روح(1)

1 - روى ابن قتيبة أنّ النّظام كان يغدو على سكر و يروح على سكر و يبيت على حرائرها، و يدخل في الأدناس و يرتكب الفواحش و الشائنات، و له في الشراب شعر.

2 - نقل البغدادي عن كتاب «المضاحك» للجاحظ، أنّ المأمون ركب يوماً فرأى ثمامة سكران قد وقع على الطين، فقال المأمون له: أ لا تستحيي؟ قال: لا و اللّٰه. قال: عليك لعنة اللّٰه. قال ثمامة: تترى ثمّ تترى.(2)

3 - و ذكر أيضاً أنّ أبا هاشم الجبّائي كان أفسق أهل زمانه، و كان مصرّاً على شرب الخمر، و قيل: إنّه مات في سكره حتّى قال فيه بعض المرجئة:

يعيب القول بالإرجاء حتّى *** يرى بعض الرجاء من الجرائر

و أعظم من ذوي الإرجاء جرماً *** وعيديّ أصرّ على الكبائر(3)


1) . تأويل مختلف الحديث: 18

2) . الفرق بين الفرق: 173.

3) . المصدر السابق: ص 191

يلاحظ عليه: أنّ ابن قتيبة و البغدادي تفرّدا في نقل هذه النقول و النسب، و أمّا غيرهما من الأشاعرة فنزّهوا أقلامهم عن ذكرها، و لو كانت لهذه النسب مسحة من الحقّ أو لمسة من الصدق لما تورّعوا عن ذكرها، على أنّ من سبر كتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي يرى فيه قسوة عجيبة في حقّ الطوائف الإسلاميّة لا سيّما المعتزلة.

و على ذلك، فما أحسن قول القائل إذا تمثّل به في حقّ هذه الطائفة:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالكلّ أعداء له و خصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً و بغياً إنّه لدميم(1)

«رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ»(2).

2 - المعتزلة من القوّة إلى الضعف

اشارة

إنّ فكرة الاعتزال كانت فكرة بدائية، و نبتة غرسها واصل بن عطاء في أوائل القرن الثاني، و أخذت تتكامل عن طريق تلاميذه و بعض زملائه كعمرو بن عبيد. و قد كان له تأثير في بدء ظهورها إلى أن استطاع أن يستجلب إليه بعض الخلفاء الأمويين المتأخّرين، كيزيد بن وليد بن


1) . الشعر لأبي الأسود الدؤلي صاحب الامام أمير المؤمنين عليه السلام راجع ملحق ديوانه

2) . الحشر: 10.

عبد الملك (المتوفّى 126 ه)، و مروان بن محمّد بن مروان آخر خلفائهم (المتوفّى 132 ه)، حيث اشتهر أنّ الأخير كان يقول بخلق القرآن و نفي القدر.(1)

و لمّا اندلعت نيران الثورات ضدّ الأمويين، و قضت على خلافة تلك الطغمة الأثيمة، لمع نجم المعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور (136-158 ه) و قد عرفت في ترجمة عمرو بن عبيد وجود الصلة الوثيقة بينه و بين المنصور.

و لمّا هلك المنصور، أخذ المهدي ابنه زمام الحكم، و لم ير للمعتزلة في زمنه أيّ نشاط يذكر، خصوصاً أنّ المهدي كان شديداً على أصحاب الأهواء، حسب ما يقولون.

روى الكشّي عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام... أنّه لمّا كان أيّام المهدي، شدّد على أصحاب الأهواء، و كتب له ابن المفضّل صنوف الفرق، صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب على الناس، فقال يونس: «قد سمعت الكتاب يقرأ على النّاس على باب الذّهب بالمدينة، مرّة أُخرى بمدينة الوضّاح»(2).


1) . الكامل لابن الاثير: 332/4 قال: «و كان مروان يلقب بالحمار، و الجعدي لأنّه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن و القدر و غير ذلك.

2) . رجال الكشي: 227، ترجمة هشام بن الحكم، الرقم 131. و لعل هذا الكتاب أوّل كتاب أُلِّف في الملل و النحل بين المسلمين.

و بما أنّ أهل الحديث كانوا يشكّلون الأكثريّة الساحقة، فيكون المراد من أصحاب الأهواء الّذين شدّد عليهم المهدي، غيرهم من سائر الفرق فيعمّ المعتزلة و المرجئة و المحكّمة و الشيعة و غيرهم.

و لأجل ذلك لم ير أيّ نشاط للمعتزلة أيّامه، حتّى مضى المهديُّ لسبيله، و جاء عصر الرّشيد (170-193 ه) فيحكي التاريخ عن وجود نشاط لهم في أيّامه، حتّى أنّه لم يوجد في عصره من يجادل السمنية غيرهم.(1)

و مع ذلك لم يكن الرشيد يفسح المجال للمتكلّمين. يقول ابن المرتضى: «و كان الرّشيد نهى عن الكلام، و أمر بحبس المتكلّمين»(2).

نعم ابتسم الدّهر للمعتزلة أيّام المأمون، لأنّه كان متعطّشاً إلى العلم و التعقّل، و البحث و الجدال، فنرى في عصره أنّ رجال المعتزلة يتّصلون ببلاطه، و كان لهم تأثير كبير في نفسيّته.

يقول الطبري: «و في هذه السنة (212 ه) أظهر المأمون القول بخلق القرآن و تفضيل عليّ بن أبي طالب عليه السلام و قال: هو أفضل الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و ذلك في شهر ربيع الأوّل.(3)

و لمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن و اشتدّ أمرهم كتب


1) . لاحظ: طبقات المعتزلة، لابن المرتضى: 55.

2) . طبقات المعتزلة: 56.

3) . تاريخ الطبري: 188/7، حوادث سنة 212.

المأمون عام (218 ه) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة و المحدّثين، و ممّا جاء في تلك الرسالة:

فاجمع من بحضرتك من القضاة، و اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، و تكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق اللّٰه القرآن و إحداثه، و أعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، و لا واثق فيما قلّده اللّٰه و استحفظه من أُمور رعيّته، بمن لا يوثق بدينه و خلوص توحيده و يقينه، فإذا أقرّوا بذلك و وافقوا أمير المؤمنين فيه، و كانوا على سبيل الهدى و النجاة، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشهود على الناس، و مسألتهم عن علمهم في القرآن، و ترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنّه مخلوق محدث و لم يره، و الامتناع من توقيعها عنده، و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك. ثمّ أشرف عليهم و تفقّد آثارهم حتّى لا تنفذ أحكام اللّٰه إلّا بشهادة أهل البصائر في الدين و الإخلاص للتوحيد و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء اللّٰه، و كتب في شهر ربيع الأوّل سنة (218 ه)».(1)

رسالة ثانية من المأمون في إشخاص سبعة نفر إليه

ثمّ إنّ المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يشخص إليه سبعة نفر من المحدّثين. منهم:


1) . تاريخ الطبري: 197/7، حوادث سنة 218.

1 - محمّد بن سعد كاتب الواقدي 2 - أبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون 3 - يحيي بن معين 4 - زهير بن حرب أبو خثيمة 5 - إسماعيل بن داود 6 - إسماعيل بن أبي مسعود 7 - أحمد بن الدورقي، فامتحنهم المأمون و سألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً أنّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام و أحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه فشهّر أمرهم و قولهم بحضرة الفقهاء و المشايخ من أهل الحديث، فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون، فخلّى سبيلهم. فقد فعل ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون.

رسالة ثالثة للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم
اشارة

ثمّ إنّ المأمون كتب بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم رسالة مفصّلة و ممّا جاء فيها:

«و ممّا بيّنه أمير المؤمنين برويّته و طالعه بفكره، فتبيّن عظيم خطره و جليل ما يرجع في الدّين من وكفه و ضرره، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الّذي جعله اللّٰه إماماً لهم. و أثراً من رسول اللّٰه و صفيّه محمّد - صلّى اللّٰه عليه و آله - باقياً لهم و اشتباهه على كثير منهم حتّى حسن عندهم و تزيّن في عقولهم أن لا يكون مخلوقاً، فتعرّضوا لذلك لدفع خلق اللّٰه الّذي بان به عن خلقه، و تفرّد بجلالته من ابتداع الأشياء كلّها بحكمته، و أنشأها بقدرته، و التقدّم عليها بأوّليّته الّتي لا يبلغ أولاها و لا يدرك مداها، و كان كلّ شيء دونه خلقاً من خلقه و حدثاً هو المحدِث له، و إن كان القرآن

ناطقاً به و دالاً عليه و قاطعاً للاختلاف فيه، و ضاهوا به قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق إذ كان كلمة اللّٰه.

و اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»(1)، و تأويل ذلك أنّا خلقناه كما قال جلّ جلاله: «وَ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا لِيَسْكُنَ إِلَيْهٰا»(2)، و قال: «وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ لِبٰاساً * وَ جَعَلْنَا اَلنَّهٰارَ مَعٰاشاً»(3)، و «جَعَلْنٰا مِنَ اَلْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ»(4)فسوّى عزّ و جلّ بين القرآن و بين هذه الخلائق الّتي ذكرها في شية الصنعة، أخبر أنّه جاعله وحده فقال: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»(5)فقال ذلك على إحاطة اللّوح بالقرآن و لا يحاط إلّا بمخلوق، و قال لنبيّه: «لاٰ تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ»(6)، و قال: «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ»(7)، و قال: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ»(8)، و أخبر عن قوم ذمّهم بكذبهم أنّهم قالوا ما أنزل اللّٰه على بشر من شيء، ثمّ أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ»(9)، فسمّى اللّٰه تعالى القرآن قرآناً و ذكراً و إيماناً و نوراً و هدى و مباركاً و عربياً و قصصاً، فقال: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ


1) . الزخرف: 3.

2) . الأعراف: 189.

3) . النبأ: 10-11.

4) . الأنبياء: 30.

5) . البروج: 21-22.

6) . القيامة: 16.

7) . الأنبياء: 2.

8) . الأنعام: 21.

9) . الأنعام: 19.

أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ هٰذَا اَلْقُرْآنَ»(1)، و قال: «قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ»(2)، و قال: «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيٰاتٍ»(3)، و قال: «لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ»(4)، فجعل له أوّلاً و آخراً، و دلّ عليه أنّه محدود مخلوق، و قد عظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم و الحرج في أمانتهم، و سهّلوا السبيل لعدوّ الإسلام، و اعترفوا بالتبديل و الالحاد على قلوبهم حتّى عرّفوا و وصفوا خلق اللّٰه و فعله بالصفة الّتي هي للّٰه وحده و شبّهوه به، و الأشباه أولى بخلقه، و ليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّاً في الدين و لا نصيباً من الإيمان و اليقين.... إلى أن قال: فاقرأ على جعفر بن عيسى و عبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتابَ أمير المؤمنين بما كتب به إليك و انصصهما عن علمهما في القرآن و أعلمهما أنّ أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أُمور المسلمين إلّا بمن وثق بإخلاصه و توحيده، و أنّه لا توحيد لمن لم يقرّ بأنّ القرآن مخلوق. فإن قالا: بقول أمير المؤمنين في ذلك فتقدّم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما في الشهادات على الحقوق و نصّهم عن قولهم في القرآن، فمن لمن يقل منهم إنّه مخلوق أبطلا شهادته و لم يقطعا حكماً بقوله و إن ثبت عفافه بالقصد و السداد في أمره، و افعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، و أشرف عليهم إشرافاً يزيد اللّٰه


1) . يوسف: 3.

2) . الإسراء: 88.

3) . هود: 13.

4) . فصلت: 42.

به ذا البصيرة في بصيرته و يمنع المرتاب من إغفال دينه، و اكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء اللّٰه».(1)

دعوة المحدّثين و القضاة لسماع كتاب الخليفة

و لما جاءت الرسالة الثالثة إلى إسحاق بن إبراهيم، أحضر لفيفاً من المحدّثين منهم 1 - أبو حسّان الزيادي، 2 - و بشر بن وليد الكندي، 3 - و عليّ بن أبي مقاتل، 4 - و الفضل بن غانم، 5 - و الذيال بن الهيثم، 6 - و سجّادة، 7 - و القواريري، 8 - و أحمد بن حنبل، 9 - و قتيبة، 10 - و سعدويه الواسطي، 11 - و عليّ بن الجعد، 12 - و إسحاق بن أبي إسرائيل، 13 - و ابن الهرش، 14 - و ابن عليّة الأكبر، 15 - و يحيى بن عبد الرحمن العمري، 16 - و شيخاً آخر من ولد عمر بن الخطّاب، كان قاضي الرقّة، 17 - و أبو نصر التمّار 18 - و أبو معمر القطيعي، 19 - و محمّد بن حاتم بن ميمون، 20 - و محمّد بن نوح المضروب، 21 - و ابن الفرخان، 22 - و النّضر بن شميل، 23 - و ابن عليّ بن عاصم، 24 - و أبو العوام البزاز، 25 - و ابن شجاع، 26 - و عبد الرّحمان بن إسحاق.

فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموه، ثمّ سأل كلّ واحد عن رأيه في خلق القرآن.

فنجد في الأجوبة عيّاً و غباوة، لا يتطلّبون الحقّ. و إليك نصّ محاورة إسحاق مع بعض هؤلاء.


1) . تاريخ الطبري: 198/7 و 199 و 200، حوادث سنة 218.

1 - إسحاق بن إبراهيم، مخاطباً بشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟

بشر: القرآن كلام اللّٰه.

إسحاق: لم أسألك عن هذا، أ مخلوق هو، قال اللّٰه: «خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ» ما القرآن شيء؟

بشر: هو شيء.

إسحاق: فمخلوق؟

بشر: ليس بخالق.

إسحاق: ليس أسألك عن هذا، أ مخلوق هو؟

بشر: ما أُحسن غير ما قلتُ لك، و قد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلّم فيه، و ليس عندي غير ما قلت لك.

محاورته مع عليّ بن أبي مقاتل

إسحاق بن إبراهيم: القرآن مخلوق؟

عليّ بن أبي مقاتل: القرآن كلام اللّٰه.

إسحاق: لم أسألك عن هذا.

ابن أبي مقاتل: هو كلام اللّٰه.

محاورته مع أبي حسّان الزيادي

إسحاق: القرآن مخلوق هو؟

أبو حسّان: القرآن كلام اللّٰه، و اللّٰه خالق كلّ شيء، و ما دون اللّٰه مخلوق، و أمير المؤمنين إمامنا و بسببه سمعنا عامّة العلم، و قد سمع ما لم نسمع، و علم ما لم نعلم، و قد قلّده اللّٰه أمرنا، فصار يقيم حجّنا و صلاتنا و نؤدّي إليه زكاة أموالنا، و نجاهد معه، و نرى إمامته إمامة، و إن أمرنا ائتمرنا، و إن نهانا انتهينا، و إن دعانا أجبنا.

إسحاق: القرآن مخلوق هو؟

أبو حسّان: (أعاد كلامه السابق).

إسحاق: إنّ هذه مقالة أمير المؤمنين.

أبو حسّان: قد تكون مقالة أمير المؤمنين و لا يأمر بها الناس و لا يدعوهم إليها، و إن أخبرتني أنّ أمير المؤمنين أمرك أن أقول، قلت ما أمرتني به، فإنّك الثقة المأمون عليه فيما أبلغتني عنه من شيء، فإن أبلغتني عنه بشيء صرت إليه.

إسحاق: ما أمرني أن أبلغك شيئاً.

قال «علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في الفرائض و المواريث، و لم يحملوا الناس عليها».

أبو حسّان: ما عندي إلّا السمع و الطاعة، فمرني أئتمر.

إسحاق: ما أمرني أن آمرك و إنّما أمرني أن أمتحنك.

محاورته مع أحمد بن حنبل

إسحاق: ما تقول في القرآن؟

أحمد: هو كلام اللّٰه.

إسحاق: أ مخلوق هو؟

أحمد: هو كلام اللّٰه، لا أزيد عليها.

إسحاق: (قرأ عليه رقعة و فيها: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه أحداً فرداً لم يكن قبله شيء و لا بعده شيء، و لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني و لا وجه من الوجوه). فلمّا أتى إسحاق إلى قوله: «ليس كمثله شيء و هو السميع البصير»(1)، و أمسك عن قوله: «لا يشبهه شيء، من خلقه في معنى من المعاني و لا وجه من الوجوه»، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر(2)فقال: أصلحك اللّٰه، إنّه (أحمد) يقول: سميع من اذن، بصير من عين.

فقال إسحاق: ما معنى قوله سميع بصير؟

أحمد: هو كما وصف نفسه.


1) . سقط قوله: «ليس كمثله شيء و هو السميع البصير» من الرقعة التي نقلها ص 200 و لكن نقله ص 201.

2) . في المصدر «أصغر» و الصحيح ما أثبتناه.

إسحاق: فما معناه؟

أحمد: لا أدري، هو كما وصف نفسه.

ثمّ إنّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً، كلّهم يقولون: القرآن كلام اللّٰه إلّا هؤلاء النفر: قتيبة و عبيد اللّٰه بن محمّد بن الحسن، و ابن علية الأكبر، و ابن البكاء، و عبد المنعم بن إدريس، و المظفّر بن مرجا، و رجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه و لا يعرف بشيء منه إلّا أنّه دسّ في ذلك الموضع، و رجلاً من ولد عمر بن الخطّاب قاضي الرقة، و ابن الأحمر. فأمّا ابن البكاء الأكبر فإنّه قال:

القرآن مجعول لقول اللّٰه تعالى: «إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»، و القرآن محدث لقوله: «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ».

قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق؟

قال: نعم.

قال إسحاق: فالقرآن مخلوق؟

قال: لا أقول مخلوق، و لكنّه مجعول، فكتب مقالته.

فلمّا فرغ من امتحان القوم و كتبت مقالاتهم رجلاً رجلاً و وجّهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيّام ثمّ دعا بهم، و قد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمر هؤلاء.

الرسالة الرابعة للمأمون إلى إسحاق
اشارة

كتب المأمون في جواب رسالته كتاباً مفصّلاً نأخذ منها ما يلي:

«أمّا بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، جوابَ كتابه كان إليك فيما ذهب إليه متصنّعة أهل القبلة و ملتمسو الرِّئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملّة من القول في القرآن و أمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم و تكشيف أحوالهم و إحلالهم محالّهم».

ثمّ تكلّم المأمون في حقِّ الممتنعين عن الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً و الرِّسالة مفصّلة.(1)و الملفَت للنّظر فيها أمران:

الأوّل: أمر المأمون رئيس الشرطة بضرب عنق بشر بن الوليد، و إبراهيم المهدي إذا لم يتوبا بعد الاستتابة، و حمل الباقين موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين و تسليمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصّهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا و يتوبوا حملهم جميعاً على السيف.

الثاني: تذكّر بعض أفعال الممتنعين بالاعتراف بخلق القرآن، بوجه يعرب أنّهم لم يكونوا أهل صلاح و فلاح، بل كانوا من مقترفي المعاصي نقتطف منها ما يلي:


1) . لاحظ تاريخ الطبري: 202/7-203.

«و أمّا الذيّال بن الهيثم فأعلمه أنّه كان في الطعام الّذي كان يسرقه في الأنبار، و فيما يستوي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العبّاس ما يشغله و أنّه لو كان مقتفياً آثار سلفه و سالكاً مناهجهم و مهتدياً سبيلهم لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه.

و أمّا أحمد بن حنبل و ما تكتب عنه فاعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة و سبيله فيها و استدلّ على جهله و آفته بها.

و أمّا الفضل بن غانم فأعلمه أنّه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، و ما اكتسب من الأموال في أقلّ من سنة، و ما شجر بينه و بين المطّلب بن عبد اللّه في ذلك، فإنّه من كان شأنُه شأنَه، و كانت رغبته في الدنيا و الدِّرهم رغبته فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما و إيثاراً لعاجل نفعهما.

و أمّا الزّيادي فأعلمه أنّه كان منتحلاً، و لا أوّل دعيّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول اللّٰه و كان جديراً أن يسلك مسلكه.

و أمّا الفضل بن الفرخان فأعلمه أنّه حاول بالقول الّذي قاله في القرآن أخذ الودائع الّتي أودعها إيّاه عبد الرحمن بن إسحاق و غيره، تربّصاً بمن استودعه و طمعاً في الاستكثار لما صار في يده و لا سبيل عليه عن تقادم عهده و تطاول الأيّام به.

و أمّا محمد بن حاتم و ابن نوح و المعروف بأبي معمر فأعلمهم أنّهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، و إنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في اللّٰه و مجاهدتهم إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب اللّٰه في

أمثالهم لاستحلّ ذلك، فكيف بهم و قد جمعوا مع الأرباء شركاً و صاروا للنصارى مثلاً».

ثمّ وقّع في الوقيعة في كلّ واحد من الممتنعين ما يشمئزّ القلم من نقله، فلو كانت تلك النّسب على وجهها فويل لهم مما كسبت أيديهم من عظائم المحرّمات و ما كسبت قلوبهم من الشِّرك.(1)

فلمّا وصل كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم دعا القوم و قرأ عليهم كتاب المأمون، فأجاب القوم الممتنعون كلّهم، و اعترفوا بأنّ القرآن مخلوق إلّا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل، و سجادة، و القواريري، و محمّد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدّوا في الحديد. فلمّا كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده و خلّى سبيله، و أصرّ الآخرون على قولهم.

فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري إلى أنّ القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده و خلّى سبيله، و أصرّ أحمد بن حنبل و محمّد بن نوح على قولهما و لم يرجعا، فشدّا جميعاً في الحديد و وجِّها إلى طرسوس و كتب معهما كتاباً بإشخاصهما.

ثمّ لمّا اعترض على الراجعين من عقيدتهم برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حيث أُكره على الشِّرك و قلبه مطمئنّ بالإيمان(2)، و قد كُتب


1) . تاريخ الطبري: 203/7-204.

2) . إشارة إلى قوله سبحانه «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ» (النحل: 106).

تأويلهم إلى المأمون، فلأجل ذلك ورد كتاب المأمون بأنّه قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه، و أنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية الّتي أنزل اللّٰه تعالى في عمّار بن ياسر و قد أخطأ التأويل إنّما عني اللّٰه عزّ و جلّ بهذه الآية من كان معتقد الإيمان مظهر الشرك، فأمّا من كان معتقد الشِّرك مظهر الإيمان فليس هذه له، فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم.

فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا بالعسكر بطرسوس، فأشخص كلّ من ذكرنا أسماءهم، فلمّا صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون، فأمر بهم عنبسة بن إسحاق - و هو والي الرقة - إلى أن يصيروا إلى الرقة، ثمّ أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السلام (بغداد) مع الرسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين، فسلّمهم إليه فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثمّ رخّص لهم ذلك في الخروج.(1)

و ما ذكرناه هو خلاصة محنة أحمد و من كان على فكرته في زمن المأمون، و ليس فيه إلّا إشخاص أحمد و محمّد بن نوح موثّقين في الحديد إلى طرسوس و إشخاص غيرهما مطلقين، و لمّا بلغهم وفاة المأمون رجعوا من الرقّة و لم يسيروا إلى طرسوس.

هذا و قد ذكر القصّة اليعقوبي بصورة مختصرة و قال:


1) . تاريخ الطبري: 195/7-206 بتلخيص منّا.

«و صار المأمون إلى دمشق سنة (218 ه) و امتحن الناس في العدل و التوحيد و كتب في إشخاص الفقهاء من العراق و غيرها فامتحنهم في خلق القرآن و أكفر من امتنع أن يقول -: القرآن غير مخلوق، و كتب أن لا تقبل شهادته، فقال كلّ بذلك إلّا نفراً يسيراً».(1)

هذا تفصيل المحنة أيّام المأمون، و أمّا ما وقع في أيّام الخليفتين: المعتصم و الواثق، فسيوافيك بيانه بعد تعليقتنا.

تعليق على محنة خلق القرآن

إنّ هنا أُموراً لا بدّ من الإلفات إليها:

1 - لم يظهر من كتب الخليفة إلى صاحب الشرطة وجه إصراره على أخذ الاعتراف من المحدِّثين بخلق القرآن. فهل كان الحافز إخلاصه للتوحيد، و صموده أمام الشِّرك؟ أو كان هناك مرمى آخر لإثارة هذه المباحث، حتّى ينصرف المفكِّرون بسبب الاشتغال بهذه المباحث عن نقد أفعالهم و انحرافاتهم، و بالتالي إيقاف الثورة أو إضمارها. فإنّ القلوب إذا اشتغلت بشيء، منعت عن الاشتغال بشيء آخر؟

2 - لو كانت الرِّسالة مكتوبة بيد الخليفة أو بإملائه، فهي تحكي عن عمق تفكيره في المباحث الكلاميّة، و إحاطته بأكثر الآيات و قد جاء في


1) . تاريخ اليعقوبي: 468/2.

المقام بأسدِّ الدلائل و أتقنها، حيث استدلّ تارة بتعلّق الجعل بالقرآن، و أُخرى بإحاطة اللّوح المحفوظ به، و لا يحاط إلّا بمخلوق، و ثالثة بتوصيفه ب «محدث»، و رابعة بتوصيفه بصفات كلّها صفات المخلوق من تعلّق النزول به و نهي النبي عن العجلة بقراءته، و الدعوة إلى الإتيان بمثله، و أنّ له أماماً و خلفاً، إلى غير ذلك.

3 - إنّ الرِّسالة كشفت القناع عن السبب الّذي أدخل هذه المسألة في أوساط المسلمين، و قال: «إنّ القائلين بقدم القرآن يضاهئون قول النصارى في أنّ المسيح كلمة و ليس بمخلوق»، و هو يعرب عن أنّ الفكرة دخلت إلى أوساط المسلمين بسبب احتكاك المسلمين بهم. و ما يقال من أنّ اليهود هم المصدر لدخول هذه الفكرة بينهم غير تامّ، و المأمون أعرف بمصدر هذه الفكرة.

4 - لو صحّ ما ذكره الطبري من صورة المحاورة الّتي دارت بين رئيس الشرطة و المحدِّثين، فإنّه يكشف عن جمود المجيبين و عيّهم في الجواب، فإنّهم اتّفقوا على أنّ القرآن ليس بخالق، و لكنّهم امتنعوا عن الاعتراف بأنّه مخلوق، و بالتالي جعلوا واسطة بين الخالق و المخلوق أو بين النفي و الإثبات، و هو كما ترى.

و لو كان عذرهم في عدم الاعتراف بأنّ القرآن مخلوق، هو الخوف من أن يكون هذا الاعتراف ذريعة للملاحدة حتّى ينسبوا إلى المسلمين بأنّهم يقولون إنّ القرآن مخلوق أي مختلق و مزوّر أو مخلوق للبشر، فيمكن

التخلّص منه بالتّصريح بأنّه مخلوق للّٰه سبحانه لا غير، و اللّٰه هو خالقه و جاعله ليس غير.

5 - لا شكّ أنّ عمل الخليفة كان أشبه بعمل محاكم التفتيش في القرون الوسطى حيث كان البابا و البطارقة و القساوسة، يتحرّون عقائد الناس لا سيّما المكتشفين أمثال غاليليو، و كان ذلك و صمة عار على حياة الخليفة و بالتّالي على المعتزلة الّذين كان الخليفة يلعب بحبالهم، و يلحقهم وزر أعماله، و ما يترك في المجتمع من ردّ فعل سيّئ. و من المعلوم أنّ أخذ الاعتراف بكون القرآن مخلوقاً في جوّ رهيب، لا يوافق تعاليم المعتزلة، كما لا يوافق تعاليم الإسلام، على أنّه لا قيمة لهذا الاعتراف عند العقل و النقل فكيف رضي القوم بهذا العمل.

6 - العجب من تلوّن الخليفة في قضائه في حقّ الممتنعين عن الاعتراف بخلق القرآن، فيرى أنّ بشر بن الوليد، و إبراهيم المهدي مستحقّان لضرب العنق إذا استتيبا و لم يتوبا، و الباقين مستحقّون للإشخاص إلى عسكره، مع أنّ الجرم واحد، و الكلّ كانوا محدِّثين فهماء، و لم يكن الأوّلان قائدي الشرك، و الباقون مقتفين له. فلو كان القول بعدم خلق القرآن أو قدمه موجباً للردّة و الرجوع إلى الشرك فالحكم الإلهي هو القتل و إلّا فلا، و هذا يعرب عن أنّ جهاز القضاء كان أداة طيّعة بأيدي الخلفاء، يستغلّونه حسب أهوائهم.

7 - إنّ محنة القائلين بعدم خلق القرآن، تمّت في زمن الخليفة

المأمون بالإشخاص و الإبعاد من دار السلام إلى طرسوس. غير أنّ التأريخ يذكر إشخاص اثنين موثّقين إلى عسكر الخليفة، و إشخاص الباقين بلا قيود و لا ضرب و لا قتل إلى الخليفة. و لم يحدّث التاريخ هنا عن ضرب و قتل.

و لكنّ المحنة لم تنته بموت المأمون، بل استمرّت في خلافة أخيه المعتصم، فالواثق ابنه و لكن بصورة سيّئة، حدث عنها التاريخ.

قضى المأمون نحبه و جاء بعده أخوه المعتصم (218-227 ه) فضيّق الأمر على القائلين بعدم خلق القرآن.

يقول اليعقوبي: «و امتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً و لم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء و ناظره عبد الرحمن بن إسحاق و غيره، فامتنع أن يقول إنّ القرآن مخلوق، فضرب عدّة سياط. فقال إسحاق بن إبراهيم: ولِّني يا أمير المؤمنين مناظرته فقال: شأنك به.

إسحاق بن ابراهيم: هذا العلم الّذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟

ابن حنبل: علمته من الرِّجال.

إسحاق: علمته شيئاً بعد شيء أو جملة؟

ابن حنبل: علمته شيئاً بعد شيء.

إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟

ابن حنبل: بقي عليّ.

إسحاق: فهذا ممّا لم تعلمه و قد علّمكه أمير المؤمنين.

ابن حنبل: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين.

إسحاق: في خلق القرآن؟

ابن حنبل: في خلق القرآن.

فأشهد عليه و خلع عليه و أطلقه إلى منزله.(1)

هذا ما كتبه ذلك المؤرخ المتوفّى (عام 290 ه).

و أمّا الطبري فلم يذكر في حياة المعتصم ما يرجع إلى مسألة خلق القرآن.

و قال المسعودي: «و فيها (سنة 219 ه) ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية و ثلاثين سوطاً ليقول بخلق القرآن».(2)

نعم ذكر الجزري في كامله في حوادث سنة (219 ه) و قال: «و فيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل و امتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلداً عظيماً حتّى غاب عقله و تقطّع جلده و حبس مقيّداً».(3)

و روى الجاحظ أنّه لم يكن في مجلس الامتحان ضيق، و لا كانت حاله


1) . تاريخ اليعقوبي: 472/2.

2) . مروج الذهب: 464/3.

3) . الكامل: 233/5.

حالاً مؤيساً، و لا كان مثقّلاً بالحديد، و لا خلع قلبه بشدّة الوعيد، و لقد كان ينازع بألين الكلام و يجيب بأغلظ الجواب و يرزنون و يخفّ و يحلمون و يطيش».(1)

هذا و لكن المتحيّزين إلى الحنابلة يذكرون المحنة بشكل فظيع. هذا أبو زهرة قد لخّص مقالهم بقوله:

«و قد تبيّن أنّ أحمد بن حنبل كان مقيّداً مسوقاً عند ما مات المأمون، فأُعيد إلى السجن ببغداد حتّى يصدر في شأنه أمر، ثمّ سيق إلى المعتصم و اتّخذت معه ذرائع الإغراء و الإرهاب، فما أجدى في حمله ترغيب و لا ترهيب، فلمّا لم يجد القول رغباً و رهباً، نفّذوا الوعيد فأخذوا يضربونه بالسياط، المرّة بعد الأُخرى، و لم يترك في كلِّ مرّة حتّى يغمى عليه و ينخس بالسيف فلا يحسّ. فتكرّر ذلك مع حبسه نحواً من ثمانية و عشرين شهراً فلمّا استيأسوا منه و ثارت في نفوسهم بعض نوازع الرحمة أطلقوا سراحه و أعادوه إلى بيته و قد أثخنه الجراح و أثقله الضرب المبرح المتوالي و الإلقاء في غيابات السِّجن».(2)

و ليس لما ذكره أبو زهرة مصدر سوى «مناقب الإمام أحمد بن حنبل» للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، و من تبعه مثل الحافظ ابن كثير في «البداية و النهاية».(3)


1) . الفصول المختارة على هامش الكامل للمبرد: 139/2.

2) . ابن حنبل حياته و عصره: 65.

3) . البداية و النهاية: 340/10-357.

و الناظر في هذين الكتابين يرى تحيّزهما لأحمد بن حنبل و أنّهما يريدان نحت الفضائل له و عند ما قصرت أيديهما عنها لجئوا إلى المنامات، فلا يمكن الاعتماد عليهما فيما يرويان من التفاصيل في هذه المحنة. و قد عرفت التضارب في التاريخ بين قائل بأنّ أحمد رجع عن رأيه أثناء الضرب كاليعقوبي، و قائل بأنّه بقي على إنكاره.

محنة خلق القرآن و الواثق

قضى المعتصم نحبه و خلفه ابنه الواثق (227-232 ه)(1)، و كان للمعتزلة في عصره قوّة و قدرة و نشاط و سيطرة.

قال اليعقوبي: «و امتحن الواثق الناس في خلق القرآن، فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان، و أن لا يجيزوا إلّا شهادة من قال بالتوحيد، فحبس بهذا السبب عالماً كثيراً».(2)

يقول الحافظ ابن كثير:

«و أمر الواثق بامتحان الأسارى الّذين فودوا من أسر الفرنج، بالقول بخلق القرآن و أنّ اللّٰه لا يرى في الآخرة، فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن و أنّ اللّٰه لا يرى في الآخرة فودي و إلّا ترك في أيدي الكفّار. و هذه بدعة


1) . البداية و النهاية: 297/10.

2) . تاريخ اليعقوبي: 482/2.

صلعاء، شنعاء، عمياء، صمّاء لا مستند لها من كتاب و لا سنّة و لا عقل صحيح».(1)

و لكن تحيّز ابن كثير للحنابلة و أصحاب القول بعدم خلق القرآن واضح في كتابه. فالاعتماد على ما ينقل من المحنة في حقِّ الحنابلة إن لم تؤيّده سائر الآثار مشكل، و بما أنّ في الكتاب مغالاة في الفضائل، و محاولة لجعله اسطورة في التأريخ بنقول مختلفة، نكتفي بما يذكره الطبري في المقام.

يقول: «إنّ مالك بن هيثم الخزاعي كان أحد نقباء بني العبّاس، و كان حفيده أحمد بن نصر بن مالك، يغشاه أصحاب الحديث كيحيى بن معين و ابن الدورقي و ابن خيثمة، و كان يظهر المباينة لمن يقول: القرآن مخلوق، مع منزلة أبيه من السلطان في دولة بني العبّاس، و يبسط لسانه فيمن يقول ذلك مع غلظة الواثق على من يقول ذلك. فحرّك أصحاب الحديث و كلّ من ينكر القول بخلق القرآن أحمد بن نصر و حملوه على الحركة لإنكار القول بخلق القرآن، و الغاية من هذه الحركة، الثورة في بغداد على الخليفة الواثق، و خلعه من الخلافة، غير أنّ هذه المحاولة فشلت فأخذوا و حملوا إلى سامراء، الّتي كانت مقرّاً للواثق، فحضر القوم و اجتمعوا عنده، فلمّا أُتي بأحمد بن نصر قال له: يا أحمد ما تقول في القرآن؟ قال: كلام اللّٰه، قال أ فمخلوق هو؟ قال:

هو كلام اللّٰه، قال: فما تقول في ربِّك أ تراه يوم القيامة؟


1) . البداية و النهاية: 307/10.

قال: يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول اللّٰه أنّه قال: ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فنحن على الخبر.

فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. و قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، كافر يستتاب لعلّ به عاهة، أو تغيّر عقليّ، فقال الواثق، إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي، فإنّي أحتسب خطاي إليه، و دعا بالصمصامة، سيف عمرو بن معديكرب، فمشى إليه و هو في وسط الدّار، و دعا بنطع فصير في وسطه حبل فشدّ رأسه، و مدّ الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق، ثمّ ضربه أُخرى على رأسه، ثمّ انتضى سيما الدمشقي سيفه، فضرب عنقه و حزّ رأسه».(1)

هذه خلاصة القصّة. و من المعلوم أنّ هذه القسوة من الخليفة كانت مبرّرة عنده، لا لأجل قوله بخلق القرآن و رؤية اللّٰه، بل لما قام به من الثورة عليه.

و يقول أيضاً: «أمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن، فقالوا بخلقه جميعاً إلّا أربعة نفر، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه».(2)

و قام الواثق بنفس العمل الّذي قام به أبوه في امتحان أسرى المسلمين، فمن قال إنّ القرآن مخلوق فودي به، و من أبى ذلك ترك في


1) . تاريخ الطبري: 328/7، 329، حوادث سنة 231.

2) . المصدر السابق: ص 331.

أيدي الروم و أمر لطالب بخمسة آلاف درهم، و أمر أن يعطوا جميع من قال إنّ القرآن مخلوق ممن فودي به ديناراً لكلِّ إنسان من مال حمل معهم.(1)

و كانت المحنة مستمرّة، و الضيق على أصحاب القول بعدم خلق القرآن متواصلاً إلى أن وافاه الأجل، و مات الواثق عام 232.

و قد اتّفقت كلمة أهل السير على أنّ الخلفاء كانوا يلعبون بحبال عدّة من المعتزلة الّذين كسبوا منزلة عظيمة لدى الخلفاء، و هم ثمامة بن أشرس و أحمد بن أبي دؤاد الزيّات و غيرهم. و بموت الخليفة و تسنّم ابنه المتوكّل الخلافة، غاب نجم المعتزلة و انحدروا من الأوج إلى الحضيض و من العزِّ إلى الذلّة، و إليك هذا القسم من التاريخ.

قصّة المحنة و خلافة المتوكّل

قضى الواثق نحبه و قام مقامه المتوكّل و أمر الناس بترك النظر و البحث و الجدال و ترك ما كانوا عليه في أيّام الخلفاء الثلاث: المأمون و المعتصم و الواثق، و أمر شيخ المحدِّثين بالتحديث و إظهار السنّة.(2)

قال اليعقوبي: «نهى المتوكِّل النّاس عن الكلام في القرآن و أطلق


1) . المصدر السابق: ص 332.

2) . مروج الذهب: 1/4.

من كان في السجون من أهل البلدان، و من أخذ في خلافة الواثق، فخلّاهم جميعاً و كساهم، و كتب إلى الآفاق كتباً ينهي عن المناظرة و الجدل».(1)

هذه هي الضربة الأُولى الّتي وجّهها المتوكِّل إلى المعتزلة، و أقفل باب البحث و المناظرة الّذي كان لصالح المعتزلة ضدِّ أهل الحديث، حيث كان المعتزلة يتفوّقون على خصمائهم في مجال النِّقاش. و مع ذلك كلّه لم يكن ذلك ضربة قاضية لنظام الاعتزال، و لأجل ذلك لم يعزل أحمد بن دؤاد عن قضاء القضاة و لا عن مظالم العسكر، بل أبقاه على منصبه إلى أن عجز عن القيام بالعمل لإصابته بالفالج عام 233 ه، و اختار بعده ولده محمّد بن أحمد.

يقول الخطيب: «فلمّا فلج أحمد بن أبي دؤاد في جمادي الآخرة سنة 233... ولّى المتوكِّل ابنه محمّد بن أحمد أبا الوليد القضاء و مظالم العسكر مكان أبيه»(2).

و من المعلوم أن أحمد بن أبي دؤاد هو العامل المؤثِّر في دعوة الخلفاء على ضدِّ أهل الحديث القائلين بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق.

و يظهر من ابن الجوزي في كتاب مناقب الإمام أحمد أنّ المتوكِّل وجّه إلى المعتزلة ضربة ثانية مؤثِّرة في إبعادهم عن ساحة المساجد و المدارس


1) . تاريخ اليعقوبي: 484/2-485.

2) . تاريخ بغداد: 298/1.

و إشخاص أهل الحديث و دعوتهم إليها. يقول: «في سنة 234 أشخص المتوكِّل الفقهاء و المحدِّثين، و أمرهم أن يجلسوا للناس و أن يحدِّثوا بالأحاديث فيها الردّ على المعتزلة و الجهميّة، و أن يحدِّثوا في الرؤية، فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور، و وضع له منبر و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس، و جلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة و اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً».(1)

و التاريخ يعرب عن شدّة تفاقم أمر المعتزلة سنة بعد سنة و انجذاب المتوكِّل إلى أهل الحديث، و تخطئة عمل أبيه الواثق، حيث إنّ أباه قتل بسيفه أحمد بن نصر لأجل قوله بعدم خلق القرآن و صلبه و كانت جثّته باقية على الصليب إلى عام 237، و لكنّ المتوكِّل أمر بإنزال جثّته و هو نوع تخطئة لعمل أبيه أوّلاً، و إمضاء لمنهج أهل الحديث ثانياً.

يقول الطبري: «و قد كان المتوكِّل لمّا أفضت إليه الخلافة، نهى عن الجدال في القرآن و غيره، و نفذت كتبه بذلك إلى الآفاق، و همّ بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته، فاجتمع الغوغاء و الرعاع إلى موضع تلك الخشبة و كثروا و تكلّموا، فبلغ ذلك المتوكّل، فوجّه إليهم نصر بن اللّيث، فأخذ منهم نحواً من عشرين رجلاً فضربهم و حبسهم، و ترك إنزال جثّة أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامّة في أمره، و بقي الّذين أُخِذوا بسببه في الحبس حيناً... فلمّا دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الّذي ذكرت، حمله ابن


1) . مناقب الامام أحمد: 375-385.

أخيه موسى إلى (بغداد) و غسل و دفن و ضمّ رأسه إلى بدنه».(1)

و مع ذلك لم يكتف في قطع جذور المعتزلة عن بلاطه و صار بصدد الانتقام من آل ابن أبي دؤاد. يقول الطبري: «و في سنة 237 غضب المتوكِّل على ابن أبي دؤاد و أمر بالتّوكيل على ضياع أحمد بن أبي دؤاد لخمس بقين من صفر، و حبس يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأوّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد بن أبي دؤاد في ديوان الخراج و حبس إخوته عند عبيد اللّٰه بن السريّ خليفة صاحب الشرطة».(2)

و الظاهر من الخطيب في تاريخه أنّ عزل محمّد بن أحمد كان يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة 240 و صودرت أمواله، و مات أبو الوليد محمّد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة 240، و مات أبوه أحمد بعده بعشرين يوماً.(3)

ثمّ إنّ إبعاد المعتزلة عن ساحة القدرة فسح للشعب إظهار حقده و إبداء كامل غيظه في مناسبات شتّى. منها ما عرفت عند إنزال جثّة أحمد بن نصر، و منها ما فعلوه في تشييع جنازة أحمد بن حنبل، فقد شيّعه جماعة كثيرة و إن غالى ابن الجوزي - كما هو شأنه - في حقِّ إمامه و قال: «و عن بعض الشهود أنّه مكث طول الأسبوع رجاء أن يصل إلى القبر فلم يتمكّن إلّا


1) . تاريخ الطبري: 368/7-369، حوادث سنة 237.

2) . تاريخ الطبري: 367/7-368، حوادث سنة 237.

3) . تاريخ بغداد: 298/1. و لاحظ الكامل لابن الاثير: 294/5، حوادث سنة 240.

بشقِّ النفس لكثرة ازدحام الناس عليه»(1). و أخذ الشعراء يهجون المعتزلة. يقول شاعرهم:

أفلت سعود نجومك ابن دؤاد *** و بدتْ نحوسك في جميع إياد

فرحت بمصرعك البريّة كلّها *** من كان منها موقناً بمعاد

كم من كريمة معشر أرملتَها *** و محدِّث أوثقتَ بالأقيادِ

كم مجلس للّٰه قد عطّلتَه *** كيلا يحدّث فيه بالاسناد

كم من مساجد قد منعتَ قضاتها *** من أن يعدّل شاهد برشاد

كم من مصابيح لها أطفأتها *** كيما تزلّ عن الطريق الهادي(2)

و أخذ أهل الحديث يجلسون في المساجد و يروون الأحاديث ضدّ الاعتزال و يكفّرون المعتزلة. سأل أحدهم أحمد بن حنبل عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق، فقال: كافر. قال: فابن دؤاد؟ قال كافر باللّٰه العظيم.(3)

عند ذلك شعرت المعتزلة بأنّ الظروف قاسية و أنّ السلطة و الأكثريّة الساحقة من أهل السنّة يريدون أن يقضوا عليهم و يشفوا غيظ صدورهم منهم، و مع ذلك كلّه كانت عندهم طاقة يردّون بها عن أنفسهم الّتي رشقوا بها. فقام الجاحظ أحد أُدباء المعتزلة فألّف كتاباً باسم «فضيلة المعتزلة» فأثنى


1) . مناقب الامام أحمد: 418.

2) . تاريخ بغداد: 155/4

3) . تاريخ بغداد: 285/3.

عليهم و عدّ فضائلهم و كان الكتاب من حيث الصياغة و التعبير بمكان توجّهت إليه أبصار الخاصة و العامّة، و بالتّالي ظهر عليه ردّ أو ردود، أشهرها ما كتبه أحمد بن يحيى الراوندي (المتوفّى 345 ه) الّذي كان من المعتزلة، ثمّ رجع عنهم فألّف كتابه «فضيحة المعتزلة» و لم يبرح زمان حتّى جاء أبو الحسين عبد الرحمن بن محمّد بن عثمان الخيّاط فألّف «الانتصار» انتصر فيه للجاحظ على ابن الراوندي، و الموجود من هذه الكتب الثلاثة هو الأخير.

ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم و فرقهم، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين، مدرسة معتزلة بغداد و مدرسة معتزلة البصرة، و لم تكن حتّى في نفس المدرستين وحدة في التفكير، فصاروا فرقاً تنوف على العشرين، و عند ذلك بلغوا إلى درجة من الضعف و الانحلال ساعد على زوالهم و انقراضهم.

و جاءت الضربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي و تلميذه، و رجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً و نادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، و أنّ اللّٰه لا تراه الأبصار، و أنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها و أنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم و معايبهم».(1)


1) . فهرست ابن النديم، الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 231؛ وفيات الاعيان: 275/3.

فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النفوس، و بذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة و الفلك المصنوعة، بين بالغ إلى ساحل النجاة و هالك في أمواج الدهر. هذا هو القادر باللّٰه أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة (408 ه) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم و الواثق. يقول الحافظ ابن كثير: «و في سنة (408 ه)، استتاب القادر باللّٰه الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع و تبرّءوا من الاعتزال و الرفض و المقالات المخالفة للإسلام، و أخذت خطوطهم بذلك و أنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النكال و العقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، و امتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك و استنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان و غيرها في قتل المعتزلة و الرافضة و الإسماعيليّة و القرامطة و الجهميّة و المشبّهة، و صلبهم و حبسهم و نفاهم و أمر بلعنهم على المنابر، و أبعد جميع طوائف أهل البدع و نفاهم عن ديارهم، و صار ذلك سنّة في الإسلام».(1)

قال الخطيب: «و صنّف القادر باللّٰه كتاباً في الأُصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، و أورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز و إكفار المعتزلة و القائلين بخلق القرآن، و كان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، و يحضر الناس سماعه».(2)


1) . البداية و النهاية: 6/12.

2) . تاريخ بغداد: 37/4 و 38.

أقول: و هذا الكتاب هو المعروف «بالبيان القادري»، و صار هذا الكتاب محوراً لتمييز الحقِّ عن الباطل، و الصحيح عن الزائف كما يدّعون.

و قال ابن الجزري في حوادث سنة (420 ه): «و لمّا ملك محمود بن سبكتكين الريّ.. نفى المعتزلة إلى خراسان و أحرق كتب الفلسفة و مذاهب الاعتزال و النّجوم و أخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل».(1)

و قال ابن كثير في حوادث سنة (456 ه) ناقلاً عن ابن الجوزي: «و في يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد على أبي عليّ بن الوليد المدرس للمعتزلة فسبّوه و شتموه، لامتناعه من الصلاة في الجامع و تدريسه للناس بهذا المذهب، و أهانوه و جرّوه، و لعنت المعتزلة في جامع المنصور، و جلس أبو سعيد بن أبي عمامة و جعل يلعن المعتزلة».(2)

و قال في حوادث سنة (477 ه): «إنّ أبا عليّ بن الوليد شيخ المعتزلة كان مدرّساً لهم فأنكر أهل السنّة عليه، فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفّي في ذي الحجّة منها».

و يقول أيضاً في حوادث (461 ه): «و فيها نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء عليّ بن عقيل و هو من كبرائهم بتردّده إلى أبي عليّ بن الوليد المتكلّم المعتزلي و اتّهموه بالاعتزال».(3)


1) . الكامل: ج 7، حوادث سنة 420.

2) . البداية و النهاية: 91/12.

3) . المصدر نفسه: 98.

و يقول في حوادث سنة (465 ه): «و في يوم الخميس حادي عشر المحرّم حضر إلى الديوان أبو الوفاء عليّ بن محمّد بن عقيل العقيلي الحنبلي و قد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال».(1)

و بذلك حقّق التّاريخ السنّة المعروفة «كما تدين تدان» و أخذت الطائفتان، الحنابلة و المعتزلة يتصارعان و يقتتلان قتال موت أو حياة، فصار الانتصار لأصحاب الحديث، و الهلاك و الاضطهاد للمعتزلة، فلم يظهر بعد هذه القرون إلّا آحاد ينجمون في الفينة بعد الفينة و الفترة بعد الفترة لا تجد لهم ذكراً بارزاً في ثنايا التاريخ.

إنّ تكامل الأُمم و بلوغها الذّروة من العظمة، ثمّ انحدارها إلى هاوية الضعف و الانحلال سنّة إلٰهيّة قضى بها على جميع الأُمم، فلم يكن ارتقاء المعتزلة بلا سبب، كما أنّه لم يكن ضعفهم بلا علّة. فيجب على الباحث المتأمِّل في ثنايا القضايا التّاريخية تحليل هذه الظاهرة تحليلاً علميّاً يوافق الأُصول المسلّمة في تحليل هذه المباحث.

أقول: إنّ المعتزلة لم يسقطوا سياسيّاً فحسب، بل سقطوا فكريّاً، فلا تسمع بعد أبي هاشم الجبائي (المتوفّى 321 ه) في القرن الرابع، و بعد القاضي عبد الجبّار (المتوفّى 415 ه) في القرن الخامس، مفكّراً قويّاً في المسائل الكلاميّة، يوازي المتقدّمين منهم مثل أبي هذيل العلّاف، و النّظام. بل أكثر ما قام به المتأخّرون بعد القاضي لا يتجاوز عن تبيين المذهب


1) . المصدر نفسه: 105.

و توضيح صياغته من دون تأسيس قاعدة أو أصل في المجالات الكلاميّة.

و الظاهر أنّه لم يكن لسقوطهم سبب واحد، بل يستند انحلالهم إلى أسباب متعدّدة أدّت بهم إلى الهلاك و الدمار و الانقراض إلّا في نقاط خاصّة كاليمن و غيرها.

و ها إليك بيان الأُمور الّتي سبّبت سقوطهم:

1 - إنّ مذهب السنّة بمفهومه الحقيقي، يبتني على عدالة الصحابة أجمعين و إجلالهم، بل على تعديل السلف من التابعين و تابعي التّابعين في الأقوال و الأفعال، كيف و هؤلاء عند أهل السنّة عمد المذهب، الّتي قام عليها صرحه. و جرح واحد من الصحابة أو ترك قوله، إخلال في الأساس، و هو ما لا يقبله المذهب بتاتاً. فلأجل ذلك ترى أنّ أهل السنّة، يقدِّسون السلف و يكسونهم حلية العدالة الّتي لا تقلُّ عن العصمة في حقِّ النبي الأكرم و العترة الطاهرة عليهم السلام عند الشيعة. و ما هذا إلّا لأنّ المذهب مبنيّ على تلك الأُسس من أوّل يوم اجتمعوا فيه لاختيار خليفة للرسول إلى يومنا هذا.

فمع أنّ كثيراً من المفكِّرين منهم يتلون كتاب اللّٰه الصريح في التنديد ببعض الصحابة، و يقرءون الصحاح و المسانيد الصريحة في ارتداد الكثير منهم بعد رحلة النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يقلبون التاريخ ظهر المِجنّ، فيشاهدون فيه موبقات بعض الصحابة و خداعهم و ضلالهم، مع ذلك كلِّه لا ينبسون فيهم ببنت شفة و يحكِّمون الأصل على هذه المعارف الصحيحة. و هذه قاصمة للمذهب السنّي بالمعنى الحقيقي. هذا من جانب.

و من جانب آخر، إنّ المعتزلة كانوا منتمين لأهل السنّة، و في الوقت نفسه كانوا يعطون للعقل قسطاً أوفر و يقدِّمونه على النصوص الواردة في الصِّحاح و المسانيد عن الصحابة و التابعين. مثلاً إنّ النصوص النبويّة الّتي يرويها المحدِّثون من أهل السنّة تركِّز على التجسيم و الرؤية و التشبيه و الجبر و سلب الاختيار عن الإنسان، فمعنى كون الفرقة فرقة سنّية، تكريم هذه الأُصول و الأحاديث و عدم الخروج عن خطوطها، و لكنّهم مع الانتماء واجهوا هذه النصوص بشدّة و قسوة، فأخذوا يردّونها و يضربونها عرض الجدار، و هذان لا يجتمعان.

فكون الإنسان مقتفياً لمذهب أهل السنّة لا ينفكّ عن اقتفاء هذه الآثار و عدم التخطّي عنها، و الثورة على هذه النصوص، إمحاء لمذهب السنّة و هدم لأُسسه، فكيف يجتمعان. فلازم ذلك أنّهم صاروا يتبنّون مبدأين متناقضين يضربون بواحد منهما المبدأ الآخر.

فالحقّ أنّ التسنّن بالمعنى الصحيح هو ما كان عليه أحمد بن حنبل و نظراؤه من الجمود على الظواهر، و الأخذ في الصفات الخبريّة بالمعنى الحرفي، و رفض العقل و البرهان في مجالي العقائد و الأحكام، و ترك التفكير و التعقّل في المعارف، و هذا هو الخطّ السنّي الحقيقيّ الّذي عليه وهّابية اليوم في نجد و الحجاز، فمن أراد الانتماء إلى هذا المذهب، يجب أن يسلك هذا الطريق و يترك التفكّر و البرهنة في جميع المجالات، و من جمع بينهما فقد جمع بين الضدّين و النقيضين.

إنّا نرى أنّ الشيخ أبا الحسن الأشعريّ بعد ما تاب و التحق بالحنابلة، و حاول إثبات عقائد أهل الحديث بالبرهنة و الدليل، قابله إنكار شديد من قبل الحنابلة، و لأجل ذلك لم يترجموه في طبقاتهم و لا عدّوه من أنفسهم، بل استنكر «البر بهاري» رئيس حنابلة بغداد طريقته بأنّه يتجاوز في طرح الأُصول و العقائد عن النصوص و يدخل في باب الدليل و البرهان، و قد صار ذلك سبباً لحدوث مخاصمة شديدة بين الحنابلة و الأشاعرة على مدى القرون.

و قد عرفت في الجزء الثاني شكوى الأشاعرة من المتوسّمين بالحنبليّة، و ما هذا إلّا لأنّ خطّ الحنابلة خطّ الرواية عن التابعين و الصحابة و الاقتفاء بهم من دون أن يقيموا للعقل وزناً، و هذا على طرف النقيض من كتب الإمام الأشعري (سوى الإبانة) و كتب أئمّة الأشاعرة، فإنّها مشحونة بالاستدلال العقليّ على العقائد و إن كان لصالح آراء أهل الحديث.

و في ضوء ذلك تقف على أنّ موضع المعتزلة من المجتمع السنّي موضع الرقعة من اللّباس، فكانوا من أهل السنّة و يدّعون الانتماء إليهم، غير أنّ أهل السنّة لا يقبلونهم، و هذا وحده يكفي في سقوطهم من أعين العامّة و أوساط الناس.

2 - كان لأصحاب الحديث - بما أنّهم حفظة السنّة و علماء الدين - نفاذ عجيب في نفوس العامّة، و كان ذلك كافياً في إثارة سخطهم على المعتزلة، لأنّهم ما زالوا يذكرونهم على صهوات المنابر و أندية الوعظ

و الإرشاد بالإلحاد و رفض السنّة و مخالفة الدين، و لم تكن الوقيعة فيهم منحصرة بيوم أو شهر أو سنة، بل امتدّت طوال قرون في العواصم الإسلاميّة حتّى أيقن بسطاء الأُمّة، بل علماؤهم بأنّ الاعتزال خروج على الدين باسم الدين و محو للسنّة باسم البرهنة بالعقل. و كفى هذا في إبعاد المعتزلة عن ساحة المجتمع و إسقاطهم عن أعين الناس و الهجوم عليهم و على أموالهم إذا أتيحت للناس الفرصة و وافقت عليه السلطة الحاكمة.

3 - إنّ المعتزلة كانوا يتبنّون عقائد تخدش عواطف العامّة، بخلاف أهل الحديث فقد كانوا يتبنّون ما يوافق أفكارهم و مصالحهم في الدنيا و الآخرة، فأهل الحديث كانوا يدّعون بأنّ شفاعة الشافعين تعمّ العادل و الفاسق و أنّ رسول اللّٰه ادّخرها للمذنبين من أُمّته، و مثل هذا يوجب التفاف عامّة الناس حول رايتهم، و هذا بخلاف ما يتبنّاه المعتزلة، فإنّهم يقولون بأنّها لا تشمل إلّا صلحاء الأُمّة، و الغرض منها رفع الدرجة لا إمحاء الذنوب. فأيُّ العقيدتين أولى بأن تتّبع عند عامّة النّاس؟

إنّ أهل الحديث يقولون بأنّ الخلود في النّار يختصّ بالكافر، و المؤمن و إن كان فاسقاً لا يخلّد و إن مات بلا توبة.

و هذا بخلاف ما يقوله المعتزلة من خلود مرتكبي الكبائر في النار إذا ماتوا بلا توبة. فكان لفكرة أهل الحديث جاذبيّة تضمّ العامّة إليهم، و هذا بخلاف ما تقوله المعتزلة.

4 - إنّ نجم المعتزلة أفل بعد الواثق عند ما تسنّم المتوكِّل منصّة

الخلافة، فعند ذلك صارت السلطة الحكوميّة سيفاً مصلتاً فوق رقابهم و شبحاً مرعباً يلاحقهم بعد ما كانت أداة طيّعة لهم، و الناس على دين ملوكهم و سلاطينهم، ثمّ اشتدّ غضب الخلفاء عليهم على مرِّ الزمن، فصار ذلك سبباً لذبح المعتزلة تحت كلّ حجر و مدر، و قد استغلّ أهل الحديث و الحنابلة غضب السلطة على المعتزلة و قادوهم إلى الحدّ الّذي عرفت من النكاية.

5 - إنّ المعتزلة قد اشتهروا بالقول بحريّة الفرد في أعماله و كانوا يدافعون عن حريّة الإنسان و احترام العقل، و هذا لا يجتمع مع ما ارتكبوه في أيّام الخلفاء الثلاث، فناقضوا بذلك أنفسهم و عارضوا تعاليمهم و أظهروا أنّهم لا يقدّرون العقل حقّ قدره، فإذا كانت الحريّة تفرض على المعتزلة أن يدينوا بخلق القرآن، فهذا بنفسه يفرض عليهم أن لا يسوقوا الناس بالجبر و الحبس و الضرب على الاعتراف بخلق القرآن، و غاية ما كان على المعتزلة تشكيل أندية الوعظ و الإرشاد و الجدال الصحيح حتّى يتمّوا الحجّة على متحرّي الحقيقة أخذاً بقوله سبحانه: «اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»(1).

و أين هذا من الإصرار على تبديل السرائر و الحكومة على الضمائر و فرض العقيدة بالجبر و الضرب؟ «إنّ الحركة الفلسفيّة العلميّة الّتي بدأت


1) . النحل: 125.

تتقوّى و تنتشر بيد المعتزلة و أخذت تلقى أنصاراً و أعواناً، لو تركت تسير في مجراها الطبيعي، لاستطاعت أن تقضي على الروح الرجعية في الأُمّة على قوّتها و عنفها. و لكتب لها الفوز و النجاح، و لكنّ المعتزلة استبقوا الزمن و استعجلوا الأُمور، فأرادوا في زمن دولتهم أن يحقِّقوا ما لا يتحقّق إلا بالاقناع، و أن ينجزوا في برهة وجيزة ما قد يتطلّب قروناً».(1)

6 - إنّ صمود أحمد بن حنبل في طريق عقيدته أضفى عليه عند الأُمّة بطولة في طريق حفظ السنّة و جعل منه أُسطورة للدفاع عن العقائد و قبول الاضطهاد في طريق الدين، و لمّا أفرج عنه التفّ النّاس حوله و اندفعوا يحاربون أعداءه و يكيدون لهم، و لم يبرح في الإجهار ضدّ المعتزلة و إثارة الناس عليهم.

7 - إنّ الرجعيّة كانت متأصّلة في نفوس العامّة، متحكّمة في كثير من العلماء، و كانوا لا يرغبون في مخالفة السلف قدر شعرة، و هذا أوجب انتصار أهل الحديث على أهل العقل و الاستدلال، و كان عمل المعتزلة مثيراً لروح التعصّب فيهم أزيد ممّا كانوا عليه، و لعلّهم كانوا يتقرّبون في ضربهم و شتمهم و قتلهم إلى اللّٰه.

8 - و قد كان للشيخ أبي الحسن الأشعري دور مؤثّر في تأليب العامّة و الخاصّة على المعتزلة، فإنّه كان معتزليّاً عارفاً بسلاح العقل و المنطق. فقد رجع عن المعتزلة لأجل أنّه رأى الهوّة السحيقة بين أهل السنّة و أهل


1) . المعتزلة لحسن زهدي جار اللّٰه: 252.

الاعتزال، فأراد أن يتّخذ طريقاً وسطاً بين المذهبين، و لكنّه بدلاً من أن يستعمل ذلك السِّلاح في نصرة الدين قام بمقاومة الاعتزال و هدمه، و لم يفعل ذلك إلّا مجاراة للرأي العامّ و طمعاً في كسب عطفهم و تأييدهم، و بالتالي خضع للقوى الرجعية إلى حدّ كبير، فأمضى كلّ ما كان عليه الحنابلة من مسألة القدر و الرؤية بحرفيّتها.

9 - إنّ جنوح السلطة إلى أصحاب الحديث من عصر المتوكِّل إلى آخر العبّاسيّين و تولّيهم عن المعتزلة دعاة العدل و التوحيد، لم يكن خالياً عن الأهداف السياسيّة الّتي كانت لمصالح عروشهم و حكومتهم، لأنّ من مبادئ أهل الحديث وجوب إطاعة السلطان الجائر و حرمة الخروج عليه و وجوب الصلاة خلف كلّ برّ و فاجر، إلى غير ذلك من الأحكام الّتي ذكرها إمام الحنابلة في عقيدة أهل الحديث، و من المعلوم أنّ هذا هو ما تتوخّاه السلطة، فإنّ في ذلك دعماً لجورها و استبدادها.

و أين هذا من القول بالعدل و الدعوة إلى التفكّر و وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و وجوب الخروج على السلطان الجائر و نصب الإمام العادل، إلى غير ذلك من الأُصول الّتي كانت المعتزلة تتبنّاها و لم تكن لصالح الحكومة.

هذا و ذاك صار سبباً لرجوع السلطة إلى أهل الحديث و تقديمهم على المعتزلة.

10 - إنّ للّٰه سبحانه سنّة في الأقوام و الأُمم عبّر عنها في الكتاب العزيز بقوله:

«وَ تِلْكَ اَلْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ اَلنّٰاسِ»(1)فلا ترى أُمّة في ذروة العزِّ دائماً و لا في حضيض الذلّ كذلك. نعم لتحقّق السنّة و تبلورها في المجتمع أسباب و علل ربّما يكون ما ذكرنا من الأسباب بعضها.

3 - الآثار الباقية من المعتزلة

3 - الآثار الباقية من المعتزلة(2)

كان مشايخ الاعتزال و أئمّتهم ذوي قرائح خصبة، و كفايات خاصّة في نضد القريض و ارتجال الخطب. فكان إلقاء الكلام على الوجه البليغ، المطابق لمقتضى الحال، أحد أسلحتهم الفتّاكة في باب المناظرة. و من المحتمل أيضاً أنّ تسمية علم الكلام به، لأنّ المعتزلة هم الأُسس لتدوين علم الكلام بين أهل السنّة، و بما أنّهم قد بلغوا الذروة و السنام في البلاغة و الفصاحة و إلقاء الكلام، سمّيت صناعتهم بأوصافهم و خصوصيّاتهم، فأطلقوا على منهجهم الفكري لفظ الكلام و علمه. و يظهر ذلك من الرّجوع إلى تاريخ حياتهم، و قد عرفت أنّ واصل بن عطاء مع أنّه كان به لثغة بالراء و لكن كان يتجنّب عن الراء في خطبه، فيتكلّم بالقمح مكان البُرّ، و الغيث مكان المطر. و لم يكن التفوّق في البلاغة مختصّاً به، بل هو الغالب على أئمّة


1) . آل عمران: 140.

2) هذا هو البحث الثالث الذي وعدنا به في صدر خاتمة المطاف.

المعتزلة. فلا عجب لأن يتركوا كتباً قيّمةً في مجالات العقيدة و الأدب و التفسير، غير أنّ الدهر لعب بكتبهم، و أعان على حرقها و إعدامها خصماؤهم، فلم يصل إلينا إلّا النزر القليل الّذي حفظته الصدفة. و نذكر من آثار المعتزلة ما طبع و نشر، و أمّا المخطوطة منها الموجودة في المكتبات العالميّة فهي على عاتق الفهارس، و لو قمنا به لطال بنا المقام، فنذكر المطبوع حسب التسلسل التاريخي للتأليف.

1 - «المعيار و الموازنة» لأبي جعفر الاسكافي (المتوفّى 240 ه)، في فضائل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، تحقيق محمد باقر المحمودي، طبع في بيروت / 1402 ه.

2 - «درّة التنزيل و غرّة التأويل» له أيضاً طبع في مطبعة السعادة، عام (1326 ه).

3 - «البيان و التبيين» لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 ه) في أربعة أجزاء، طبع عدّة مرّات، منها طبعة دار الفكر عام 1968.

4 - «المحاسن و الأضداد» له أيضاً، طبع في القاهرة (عام 1331 ه).

5 - «الفصول المختارة من كتب الجاحظ» جمعها الإمام عبيد اللّٰه بن حسّان، طبع على هامش «الكامل» للمبرّد في القاهرة، (عام 1324 ه).

6 - «العثمانيّة» تحقيق محمّد هارون المصري طبع مصر، و استقصى المحقّق ما بثّه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة من كتاب (نقض

العثمانية) لأبي جعفر الاسكافي، فجمعه و طبعه في آخر «العثمانيّة» فجاء الكتاب و نقضه في مجلّد واحد. و تعرّفت على شأن الكتاب في ترجمة الجاحظ.

7 - «رسائل الجاحظ» في جزءين، تحقيق عبد السلام هارون، طبع في القاهرة عام (1964 م).

8 - «البخلاء» له أيضاً، تحقيق طه الحاجزي، طبع في مصر.

9 - «الانتصار» في الردّ على ابن الراوندي، تأليف أبي الحسين المعروف بالخيّاط، طبع مع مقدّمة و تحقيق و تعليق للدكتور نيبرج الاستاذ بجامعة (آبسالة) في (مملكة السويد). و في آخره قائمة لفهرس الكتب المذكورة في هذا الكتاب أكثرها للمعتزلة يبلغ عددها أربعين كتاباً(1).

10 - «فضل الاعتزال أو ذكر المعتزلة» لأبي القاسم البلخي (المتوفّى 317 أو 319 ه) تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدار التونسية، عام (1406 ه).

11 - «شرح الأُصول الخمسة» لقاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد (المتوفّى 415 ه). حقّقه و قدّم له الدكتور عبد الكريم عثمان، المطبوع بمصر، عام (1364 ه)، في (804) صفحة وراء الفهارس، و هو أجمع كتاب لتبيين الأُصول الخمسة الّتي تتبنّاها المعتزلة في مجال العقائد.

12 - «المغني» له أيضاً، و هو إملاء القاضي لتلاميذه، و قد طبع منه


1) . الانتصار: قسم الفهرس، ص 249-252.

لحدّ الآن أربعة عشر جزءاً و هو في عشرين جزءاً، و قد اكتشفته البعثة العلميّة المصريّة باليمن، و هو أبسط كتاب للمعتزلة في مجال الكلام، و الجزء الأخير منه في الإمامة، الّذي نقضه السيّد المرتضى بكتاب أسماه ب «الشافي» و لخّصه الشيخ الطُّوسي، و الأصل و الملخّص مطبوعان.

13 - «تنزيه القرآن عن المطاعن» طبع عن النسخة المخطوطة بدار الكتب المصريّة. و له أيضاً ما يلي:

14 - «متشابه القرآن» له في جزءين. طبع في القاهرة، دار التراث، تحقيق الدكتور عدنان زرزور.

15 - «المجموع المحيط بالتكليف له».

16 - «المختصر في أُصول الدين» من رسائل العدل و التوحيد، تحقيق محمد عمارة.

17 - «طبقات المعتزلة» له أيضاً، تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدار التونسية، عام (1406 ه).

18 - «ديوان الأُصول في التوحيد» لأبي رشيد سعيد بن محمّد النيسابوري رئيس المعتزلة بعد القاضي عبد الجبّار، طبع مصر، عام (1968 م)، تحقيق محمّد عبد الهادي أبو ريدة، و قد تبعنا في نسبة الكتاب إليه، رأي محقِّق الكتاب.

19 - «الطبقتان الحادية عشرة و الثانية عشرة من طبقات المعتزلة»

لأبي السعد المحسن بن محمّد كلام الجشمي البيهقي (المتوفّى 494 ه)، و كأنّه ذيل لكتاب «طبقات المعتزلة» للقاضي حيث ترجم فيه الطبقتين الحادية عشرة و الثانية عشرة من المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، طبع الدار التونسية، و هو جزء من كتابه «شرح العيون».

20 - «رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس» له أيضاً، تحقيق حسين المدرسي الطباطبائي، طبع عام (1406)، و قد ألّفه بصورة روائيّة على النهج المعروف اليوم.

21 - «تفسير الكشّاف» للشّيخ محمود بن عمر بن محمود الزمخشري (المتوفّى 538 ه) و قد طبع عدّة مرّات، و هو أحد التفاسير الّتي يرجع إليها جميع المسلمين في الوقوف على بلاغة القرآن، و لا يزال إلى اليوم ينظر إليه كأحد التفاسير المهمّة، و قد أدرج في تفسيره حسب تناسب الآيات آراء المعتزلة و أخضع الآيات لتلك المبادئ. و له أيضاً ما يلي:

22 - «أساس البلاغة» في اللّغة، طبع في مصر.

23 - «أطواق الذهب في المواعظ و الخطب» تحتوي مائة مقالة في النصائح، طبع في مصر و بيروت و استنبول.

24 - «عجب العجاب في شرح لامية العرب» طبع في القاهرة و استنبول.

25 - «الانموذج» طبع في إيران مع شرح عبد الغني الأردبيلي.

26 - «الجبال و الأمكنة و المياه» طبع في ليدن.

27 - «ربيع الأبرار و نصوص الأخبار».

28 - «الفائق في غريب الحديث» طبع في حيدرآباد.

29 - «الكلم النوابغ أو نوابغ الكلم» طبع في القاهرة و بيروت.

30 - «المفصّل في صناعة الإعراب» طبع في مصر و غيرها.

31 - «مقدّمة الأدب» في اللّغة، طبع في ليبسيك.

32 - «شرح نهج البلاغة» لعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد البغدادي المدائني (المتوفّى 655 ه) و هو أعظم الشروح و أطولها و أشملها بالعلوم و الآداب و التاريخ و المعارف، ألّفه لمؤيّد الدّين محمد بن أحمد بن العلقمي وزير المستعصم باللّٰه آخر الخلفاء و الملوك العبّاسيّين، و كان له كتب فيها عشرة آلاف مجلّد من نفاس الكتب(1)، طبع في عشرين جزءاً بتحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم في القاهرة.

33 - «طبقات المعتزلة» لأحمد بن يحيى بن المرتضى أحد أئمّة الزّيدية، ولد عام (المتوفّى 764 ه) و توفّي بظفار عام (840 ه)، و هو جزء من كتابه الآخر «المنية و الأمل» في شرح كتاب الملل و النحل.

34 - البحر الزخّار دورة فقهية على مذهب الإمام زيد طبع في ستة أجزاء.


1) . مقدمة نهج البلاغة، بقلم المحقق.

35 - «كتاب الأساس لعقائد الأكياس» تأليف القاسم بن محمّد بن علىّ الزيديّ العلويّ (المتوفّى 1029 ه). حقّقه و قدّم له الدكتور البيرنصري نادر، طبع دار الطليعة بيروت، عام 1980 م.

36 - «العلم الشامخ في إيثار الحقّ على الآباء و المشايخ» للشيخ صالح المقبلي (م 1108 ه)، طبع القاهرة عام (1331 ه).(1)


هذه هي المعتزلة و تأريخها، هذه تعاليمها و مشايخها و آثارها، فمن أراد الكتابة عن المعتزلة فعليه الرجوع إلى هذه المصادر و إن كانت قليلة، لكنّها تغنيه عن الرجوع إلى كتب خصمائهم ك «الفرق بين الفرق» للبغدادي، فإنّه أخذ ما أخذه عن خصمهم ابن الراونديّ فنسب إليهم في كتابه فضائح لا يمكن الرّكون إليها، فإنّ الخصم لا يصدّق في النسبة و النقل.

نعم، كان انقراض المعتزلة انهزاماً لدعاة الحرّيّة و انتصاراً للتحجّر و تقوية لقوى الجهل و الأُميّة، و لو كانت الحرّيّة سائدة على الأُمّة الإسلاميّة لكان الوضع غير ما نشاهده بين الأُمّة، و الحكم للّٰه العليّ القدير.

بلغ الكلام إلى هنا و فرغنا من تأليف هذا الجزء و ترصيفه و تبييضه


1) . و لعل الفائت منّي أكثر من المذكور، و التكليف على حدّ المقدور، و قد اكتفينا بذكر ما وقفنا على المطبوع من كتبهم، أمّا المخطوط منها فحدّث عنه و لا حرج، يقف عليها من راجع فهرس مخطوطات المكتبة المتوكلية في جامع صنعاء باليمن، و قد صور أكثرها دار الكتب المصرية و نشر قسماً كبيراً منها.

يوم الجمعة يوم القدس العالمي التاسع و العشرين من شهر رمضان من شهور عام 1409 ه / ق.

و الحمد للّٰه أوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً.

جعفر السبحاني

قم - مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام

الفهارس

1.

فهرس المصادر

2.

فهرس المحتويات

فهرس المصادر

نبدأ تبرّكاً بالقرآن الكريم

حرف الألف

1 - الاباضية بين الفرق الإسلامية: علي يحيى معمّر، وزارة التراث القومي و الثقافة - سلطنة عمان - 1406 ه.

2 - الإبانة عن أُصول الديانة: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260-324 ه)، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - 1975 م.

3 - إبراهيم بن سيار النظَّام و آراؤه الكلامية و الفلسفية: محمد عبد الهادي أبو ريدة، طبع القاهرة - 1946 م.

4 - ابن حنبل حياته و عصره: محمد أبو زهرة (المتوفّى 1396 ه) دار الفكر العربي، مصر.

5 - إتحاف السادة المتقين: محمد بن محمد بن الحسيني، طبع القاهرة.

6 - الاحتجاج: أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (من علماء القرن السادس الهجري)، مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.

7 - الأساس لعقائد الأكياس: القاسم بن محمد بن علي، دار الطليعة، بيروت - 1980 م.

8 - الإشارات و التنبيهات: أبو علي ابن سينا حسين بن عبد اللّٰه (المتوفّى 427 ه)، مطبعة الحيدري، طهران - 1377 ه.

9 - إشارات المرام من عبارات الإمام: أحمد البياضي (من علماء القرن الحادي عشر): تحقيق يوسف عبد الرزاق، طبعة القاهرة - 1949 م.

10 - الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية: صدر الدين الشيرازي (ملا صدرا) (971-1050 ه) مكتبة المصطفوي، قم - 1378 ه.

11 - أُصول الدين: البزدوي محمد بن عبد الكريم (421-493 ه)، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت - 1401 ه.

12 - أُصول الدين: عبد القاهر البغدادي (المتوفّى 429 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1401 ه.

13 - الأعلام: خير الدين الزركلي (1311-1396 ه)، دار العلم للملايين، بيروت - 1984 م.

14 - الأغاني: أبو الفرج الاصفهاني (المتوفّى 356 ه) طبع بيروت.

15 - الإمامة و السياسة: عبد اللّٰه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفّى 276 ه) طبع مصر.

16 - الأمالي (غرر الفوائد و درر القلائد): الشريف المرتضى (355-436 ه)، دار إحياء الكتب العربية، بيروت - 1373 ه.

17 - الانتصار في الرد على ابن الراوندي: أبو الحسين الخياط (المتوفّى 311 ه)، دار قابس، بيروت - 1986 م.

18 - أوائل المقالات: المفيد محمد بن محمد بن النعمان (336-413 ه)، مكتبة الحقيقة، تبريز - 1371 ه.

19 - الإلهيات على هدى الكتاب و السنّة و العقل: حسن محمد مكي العاملي (محاضرات الشيخ جعفر السبحاني) المركز العالمي للدراسات الإسلامية، قم - 1411 ه.

20 - الإيضاح: الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 ه) نشر جامعة طهران، طهران - 1404 ه.

حرف الباء

21 - بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه)، مؤسسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.

22 - البحر الزخّار: أحمد بن يحيى بن المرتضى (764-840 ه) دار الحكمة اليمانية، صنعاء، الطبعة الأُولى - 1409 ه.

23 - بحوث أهل السنّة و السلفية: مهدي الروحاني، المكتبة الإسلامية، بيروت - 1399 ه.

24 - البداية و النهاية: ابن الكثير الدمشقي (المتوفّى 774 ه)، دار الفكر، بيروت - 1402 ه.

25 - البرهان في تفسير القرآن: السيد هاشم التوبلي البحراني (المتوفّى 1107 ه) قم - 1375 ه.

26 - البيان و التبيين: عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 ه)، دار الفكر للجميع، بيروت - 1968 م.

حرف التاء

27 - تاريخ ابن عساكر (تاريخ مدينة دمشق): علي بن الحسن بن هبة اللّٰه ابن عساكر (500-573 ه) دمشق - 1332 ه؛ دار التعارف، بيروت - 1395 ه.

28 - تاريخ الإسلام: حسن إبراهيم حسن المصريّ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة - 1964 م.

29 - تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي أحمد بن علي (المتوفّى 463 ه)،

المكتبة السلفية، المدينة المنورة.

30 - تاريخ الجهمية و المعتزلة: جمال الدين القاسمي الدمشقي (1283-1332 ه)، طبع دمشق.

31 - تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم و الملوك): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 ه)، مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1409 ه.

32 - تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة (1316-1396 ه)، القاهرة.

33 - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب المعروف بابن واضح الأخباري اليعقوبي (من علماء القرن الثالث)، دار صادر، بيروت.

34 - تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينوري عبد اللّٰه بن مسلم (213-276 ه)، دار الجيل، بيروت - 1393 ه .

35 - التبيان في تفسير القرآن: الطوسي محمد بن الحسن (385-460 ه)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

36 - تبيين كذب المفتري: علي بن الحسن بن هبة اللّٰه (500-573 ه)، دار الكتاب العربي، بيروت - 1404 ه.

37 - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (المتوفّى 671 ه)، دار الفكر، بيروت.

38 - التنبيه و الرد: أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي (المتوفّى 377 ه)، تقديم محمد زاهد بن الحسن الكوثري، مكتبة المثنى، بغداد - 1388 ه.

39 - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 582 ه)، دار الفكر، بيروت - 1404 ه.

40 - التوحيد: الصدوق محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (المتوفّى 381 ه) مكتبة الصدوق، طهران.

41 - التوحيد: الماتريدي السمرقندي محمد بن محمد (المتوفّى 333 ه)، دار المشرق، بيروت - 1986 م.

حرف الجيم

42 - جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري المبارك بن محمد (544-606 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

43 - جواهر الكلام: محمد حسن النجفي (المتوفّى 1266 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1981 م.

حرف الحاء

44 - حاشية شرح المواقف: عبد الكريم السيالكوتي (المتوفّى 1068 ه).

45 - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: آدم متز، ترجمة الدكتور عبد الهادي أبو ريدة، مصر - 1367 ه.

46 - حقائق التأويل: الشريف الرضي (المتوفّى 406 ه) دار المهاجر، بيروت.

47 - حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد اللّٰه الاصبهاني (المتوفّى 430 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

48 - الحور العين: سعيد بن نشوان الحميري (المتوفّى 573 ه)، تحقيق و تعليق كمال مصطفى، طهران، الطبعة الثانية - 1972 م.

49 - حياة الحيوان: الدميري محمد بن موسى المصري (742-808 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حرف الخاء

50 - الخطط المقريزية (المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار): أحمد بن علي المقريزي (المتوفّى 845 ه) دار صادر، بيروت.

حرف الدال

51 - الدر المنثور: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

52 - درة التنزيل وغرة التأويل: أبو جعفر الاسكافي (المتوفّى 240 ه)

مطبعة السعادة، القاهرة - 1326 ه.

53 - دلائل الصدق: محمد حسن المظفر (المتوفّى 1375 ه) منشورات بصيرتي، قم - 1395 ه.

حرف الراء

54 - الرجال: الكشي أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز (من أعلام القرن الرابع الهجري) مؤسسة الأعلمي، كربلاء.

55 - الرجال: النجاشي أحمد بن علي الأسدي الكوفي (372-450 ه)، دار الأضواء، بيروت - 1408 ه.

56 - الرحلة: ابن بطوطة محمد بن عبد اللّٰه اللواتي (المتوفّى 779 ه) دار صادر، بيروت.

57 - رسالة الإسلام: مجلّة فصلية، تصدرها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، القاهرة.

58 - الروضة البهيَّة في شرح اللمعة الدمشقية: الشهيد الثاني زين الدين العاملي (911-966 ه) جامعة النجف الدينية - 1986 م.

حرف السين

59 - سفينة البحار: الشيخ عباس القمي (1294-1359 ه) الطبعة الحجرية.

60 - السنّة: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1405 ه.

61 - السنن: ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني (207-275 ه) دار التراث العربي، بيروت - 1395 ه.

62 - السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (202-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

63 - السنن: الترمذي محمد بن عيسى بن سورة (209-279 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حرف الشين

64 - شذرات الذهب: عبد الحيّ بن أحمد ابن العماد (1032-1089 ه) دار الفكر، بيروت - 1399 ه.

65 - شرح الأُصول الخمسة: القاضي عبد الجبار الهمداني (المتوفّى 415 ه) تحقيق عبد الكريم عثمان، مصر - 1384 ه.

66 - شرح التجريد: علاء الدين علي بن محمد القوشجي (المتوفّى 879 ه) الطبعة الحجرية، تبريز، ايران - 1307 ه.

67 - شرح عقائد الصدوق (تصحيح الاعتقاد): المفيد محمد بن محمد بن النعمان (336-413 ه) مكتبة الحقيقة، تبريز - 1371 ه.

68 - شرح العقائد العضدية: جلال الدين الدواني (المتوفّى 908 أو 909 ه) مطبوع مع حواشي الشيخ إسماعيل الكلنبوي (المتوفّى 1205 ه) استنبول - 1317 ه.

69 - شرح العقيدة الطحاوية: علي بن أبي العز الحنفي (من علماء القرن الثامن) المكتب الإسلامي، بيروت - 1404 ه.

70 - شرح غرر الفرائد: عبد الوهاب بن علي بن الكافي السبكي (727-771 ه) الطبعة الحجرية، طهران - 1318 ه .

71 - شرح المقاصد في علم الكلام: سعد الدين عمر التفتازاني (المتوفّى 791 ه) استنبول - 1305 ه.

72 - شرح المواقف: الشريف الجرجاني علي بن محمد (المتوفّى 816 ه) مؤسسة السعادة، القاهرة - 1325 ه.

73 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد عبد الحميد البغدادي المدائني (المتوفّى 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1378 ه.

حرف الصاد

74 - الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 ه) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر - 1314 ه.

75 - الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة: ابن قيم الجوزية

(المتوفّى 751 ه) طبع مكة المكرمة - 1348 ه.

حرف الضاد

76 - ضحى الإسلام: أحمد أمين المصري (المتوفّى 1388 ه) مكتبة النهضة، القاهرة.

حرف الطاء

77 - طبقات الشافعية الكبرى: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي (727-771 ه) عيسى البابي الحلبي، القاهرة - 1383 ه.

78 - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 231 ه) دار صادر، بيروت - 1380 ه.

79 - طبقات المعتزلة: القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه) تحقيق فؤاد سيّد، الدار التونسية، تونس - 1406 ه.

80 - الطبقات 11 و 12 من كتاب شرح العيون: الحاكم الجشمي البيهقي المحسن بن محمد (المتوفّى 494 ه) تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية، تونس - 1406 ه.

حرف الظاء

81 - ظهر الإسلام: أحمد أمين (المتوفّى 1388 ه) مصر، الطبعة الثالثة - 1964 م.

حرف العين

82 - العبر في خبر من غبر: الذهبي محمد بن محمد بن عثمان (المتوفّى 748 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

83 - العقائد النسفية: أبو حفص عمر بن محمد النسفي (461-537 ه) كلكتا - 1260 ه.

84 - العقد الفريد: أحمد بن عبد ربه الأندلسي (246-328 ه) دار مكتبة الهلال، بيروت - 1986 م.

85 - علاقة الإثبات و التفويض بصفات ربِّ العالمين: رضا نعسان معطي، مطابع التراث، مكة المكرمة - 1405 ه.

86 - عيون الأخبار: ابن قتيبة عبد اللّٰه بن مسلم الدينوري (213-276 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

87 - عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق (306-381 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1404 ه.

حرف الغين

88 - الغدير: عبد الحسين الأميني النجفي (1320-1390 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

حرف الفاء

89 - فجر الإسلام: أحمد أمين (المتوفّى 1388 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

90 - الفرق بين الفرق: عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفّى 429 ه) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت؛ و طبع مصر.

91 - فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي (من أعلام القرن الثالث الهجري) دار الأضواء، بيروت - 1404 ه؛ و النجف الأشرف - 1355 ه.

92 - الفصل في الملل و الأهواء و النحل: ابن حزم علي بن أحمد (المتوفّى 456 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

93 - الفصول المختارة من العيون و المحاسن للمفيد: الشريف المرتضى (355-436 ه) مكتبة الداوري، قم - 1396 ه.

94 - فضل الاعتزال أو ذكر المعتزلة: أبو القاسم البلخي (المتوفّى 317 أو 319 ه) الدار التونسية، تونس - 1406 ه.

95 - فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة: القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه) تونس - 1974 م.

96 - الفهرست: ابن النديم محمد بن إسحاق (297-380 ه) القاهرة - 1348 ه.

97 - في التوحيد: سعيد بن محمد النيسابوري (من تلاميذ القاضي عبد الجبار) المؤسسة المصرية العامّة، القاهرة - 1385 ه.

98 - في علم الكلام: أحمد محمود صبحي، دار النهضة العربية، بيروت - 1405 ه.

حرف القاف

99 - القضاء و القدر بين الفلسفة و الدين: عبد الكريم الخطيب (المتوفّى 1396 ه) دار المعرفة، بيروت.

100 - القواعد و الفوائد: الشهيد الأوّل محمد بن مكي (733-786 ه) مكتبة المفيد، قم.

حرف الكاف

101 - الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.

102 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري محمد بن محمد (المتوفّى 630 ه) دار الكتاب العربي.

103 - الكشاف عن حقائق التنزيل: محمود بن عمر بن محمود

الزمخشري (المتوفّى 538 ه) نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة - 1367 ه.

104 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: العلّامة الحلّي حسن بن يوسف بن مطهر (648-726 ه) مطبعة العرفان، صيدا، لبنان - 1353 ه؛ و طبع قم - 1407 ه.

105 - كنز العمال: علاء الدين علي المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.

106 - كنز الفوائد: أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي (المتوفّى 449 ه) بيروت.

حرف اللام

107 - اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) دار المعرفة، بيروت - 1403 ه.

108 - لسان العرب: ابن منظور محمد بن مكرم (630-711 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1408 ه.

109 - لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 582 ه) حيدرآباد - الدكن، الهند - 1330 ه.

110 - اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع: أبو الحسن الأشعري (260-324 ه)

تحقيق الدكتور حمودة غرابة، مطبعة مصر، القاهرة - 1955 م.

حرف الميم

111 - المجازات النبوية: الشريف الرضي (359-406 ه) تحقيق طه محمد طه، مطبعة الآداب، بغداد.

112 - مجمع البيان: الطبرسي الفضل بن الحسن (471-548 ه) مطبعة العرفان، صيدا، لبنان.

113 - مجمع المثال: أحمد بن أحمد إبراهيم النيسابوري الميداني (المتوفّى 518 ه) مطبعة السعادة، القاهرة - 379 ه.

114 - المُحلّى في فقه الظاهرية: ابن حزم علي بن أحمد (المتوفّى 456 ه) تحقيق محمد أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

115 - مختصر الدول: أبو الفرج الملطي المعروف بابن العبري (623-685 ه) بيروت - 1958 م.

116 - مرآة العقول: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1404 ه.

117 - مروج الذهب: علي بن الحسين بن علي المسعودي (المتوفّى 345 ه) دار الأندلس، بيروت.

118 - المسايرة في علم الكلام: ابن الهمام محمد بن همام الدين

(المتوفّى 861 ه) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة.

119 - المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.

120 - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق (306-381 ه) دار المعرفة، بيروت - 1399 ه.

121 - المعتزلة: زهدي حسن جار اللّٰه المصري، طبع القاهرة.

122 - المعتزلة بين العمل و الفكر: تأليف علي الشابي، عبد المجيد النجار، و أبو لبابة حسن، طبع الشركة التونسية.

123 - معجم البلدان: ياقوت بن عبد اللّٰه الحموي (المتوفّى 626 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1399 ه.

124 - المعيار و الموازنة في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أبو جعفر الاسكافي (المتوفّى 240 ه) مؤسسة المحمودي، بيروت - 1402 ه.

125 - المغني: القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه) الدار المصرية للتأليف و الترجمة، مصر.

126 - مفتاح السعادة و مصباح السيادة: أحمد بن مصطفى المعروف ب (طاش كبرى زادة) (المتوفّى 968 ه) دار المعارف العثمانية، حيدرآباد الدكن، الهند - 1397 ه.

127 - مقالات الإسلاميين و اختلاف المصلّين: أبو الحسن الأشعري (260-324 ه) اشتانير، فيسبادن، ألمانيا، الطبعة الثالثة - 1400 ه / 1980 م.

128 - مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1366 ه.

129 - الملل و النحل: الشهرستاني محمد بن عبد الكريم (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت.

130 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب محمد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم.

131 - مناقب أحمد: عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (المتوفّى 597 ه) القاهرة - 1349 ه.

132 - المنتظم في تاريخ الأُمم: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه) حيدرآباد - 1357 ه؛ و طبعة لبنان.

133 - المنية و الأمل (طبقات المعتزلة): ابن المرتضى أحمد بن يحيى (المتوفّى 840 ه) دار صادر، بيروت؛ و فرانز إشتاينر، فيسبادن، ألمانيا، الطبعة الثانية - 1407 ه.

134 - المواقف في علم الكلام: عبد الرحمن بن أحمد القاضي الإيجي

العضدي (المتوفّى 756 ه) بيروت، الطبعة الثانية.

135 - الموضوعات: ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (510-597 ه) المكتبة السلفية، المدينة المنورة - 1386 ه.

136 - الميزان في تفسير القرآن: محمد حسين الطباطبائي (1321-1402 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1393 ه.

137 - ميزان الاعتدال: محمد بن محمد بن عثمان الذهبي (المتوفّى 748 ه) دار المعرفة، بيروت - 1382 ه.

حرف النون

138 - نشأة الأشعرية و تطوّرها: جلال محمد موسى، دار الكتاب اللبناني، بيروت - 1982 م.

139 - النهاية: ابن الأثير الجزري المبارك بن محمد (544-606 ه) المكتبة الإسلامية، بيروت.

140 - نهاية الاقدام في علم الكلام: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (المتوفّى 548 ه) تحقيق الفرد جيوم.

141 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (المتوفّى 406 ه) بيروت - 1387 ه.

حرف الواو

142 - وسائل الشيعة: الحُرّ العاملي محمد بن الحسن (المتوفّى 1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1403 ه .

143 - وقعة صفين: ابن مزاحم المنقري (المتوفّى 216 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1365 ه.

144 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان أحمد بن محمد (608-681 ه) منشورات الرضي، قم - 1364 ه؛ و دار صادر، بيروت.

حرف الياء

145 - اليهودية (مقارنة الأديان): أحمد شلبي، مكتبة النهضة، مصر - 1973 م.

فهرس المحتويات

الصورة

C01

الصورة

C02

الصورة

C03

الصورة

C04

الصورة

C05

الصورة

C06

الصورة

C07

الصورة

C08

الصورة

C09

الصورة

C10

الصورة

C11

الصورة

C12

الصورة

C13

الصورة

C14

الصورة

C15

الصورة

C16

الصورة

C17

الصورة

C18

الصورة

C19