الصراط المستقیم إلی مستحقی التقدیم جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

الصراط المستقيم

إلى مستحقي التقديم

تأليف العلامة المتكلم الشيخ زين الدين

أبي محمّد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي

المتوفى 877

صححه وحققه وعلق عليه

محمّد الباقر البهبودي

الجزء الثالث المكتبة المرتضوية

رقم التليفون - 57135

مطبعة الحيدري

المؤلف : علي بن يونس العاملي

الجزء : 3

المجموعة : مصادر الحديث الشيعية - القسم العام

تحقيق : تصحيح وتعليق : محمّد الباقر البهبودي

محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد

اشارة

الصراط المستقيم

إلى مستحقي التقديم

تأليف العلامة المتكلم الشيخ زين الدين

أبي محمّد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي

المتوفى 877

صححه وحققه وعلق عليه

محمّد الباقر البهبودي

الجزء الثالث المكتبة المرتضوية

رقم التليفون - 57135

مطبعة الحيدري

بسم اللّه الرحمن الرحيم

تتمة الباب الثاني عشر: في الطعن فيمن تقدمه بظلمه وعدوانه

النوع الثاني: في عمر

في قوله: إنَّ النبيّ یهجر، حسبنا کتاب اللّه

وهو أمور. منها: أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) طلب دواة وكتفا ليكتب لهم كتاباً لا يختلفون بعده، وأراد النصّ على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتوكيد ما قال في حقّه يوم الغدير وغيره، فلمّا أحس عمر بذلك منعه وقال: إنّه يهجر (1)

حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاس قال: لما اشتد بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا فاختلفوا وكثر اللّه قال: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عبّاس يقول، إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبين كتابه.

وهكذا في كتاب المرض باب قول المريض قوموا عنّي (ج، ص 7) ولفظه: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر وحدثني عبد اللّه بن محمّد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال، لما حضر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر: إنّ النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر فلمّا أكثروا الاختلاف عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قوموا: قال عبيد اللّه: فكان ابن عبّاس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

قال السيد شرف الدين في كتابه النصّ والاجتهاد - وقد بحث عن ذلك أحسن بحث - وهذا الحديث أخرجه مسلم في آخر كتاب الوصايا (ص 325 من الجزء الأول) وسائر أصحاب السنن والأخبار، وقد تصرفوا فيه فنقلوه بالمعنى لأن لفظه الثابت: (إنّ النبيّ يهجر) لكنهم ذكروا أنّه قال إنّ النبیّ قد غلب عليه الوجع، تهذيبا للعبارة، واتقاء فظاعتها.

ويدلك على هذا أنّ المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ نقلوا المعارضة بعين لفظها، قال البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير (ج 2 ص 178) من صحيحه:

حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنّه قال: (يوم الخميس وما يوم الخميس) ثمَّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء، فقال: واشتد برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول اللّه، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): دعوني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيروا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة!

هذه روايتهم فيه قالوا: إنّما أراد أن يكتب بخلافة أبي بكر إذ أسر الحديث المضمون في

1) رواه البخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم (ج 1 ص 32 ط دار إحياء الكتب العربية) ولفظه:

الآية (1)إلى حفصة أن أبا بكر وأباك يليان أمر أُمّتي من بعدي.

قلنا: من أين لكم العلم بهذا المراد، استفدتموه من عزله عن براءة؟ أم من تأخيره عن الصلاة، أم من فراره بالراية حين ولاه؟ ولو علم عمر النصّ على أبي بكر لسارع إلى فعله، لا إلى منعه.


1) سورة التحريم الآية 3: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا).

والأخبار أنّهما يليان ذلك إن صحّ فالمراد الولاية ظلماً كما حبّر عن ولاية غيرهم ظلماً بني أمية وغيرهم، وقد نقل ابن أبي الحديد (1)عن كتاب تاريخ بغداد أن عمر سأل ابن عبّاس كيف خلفت عليّاً؟ قال: يمنح بالدلو، ويقرأ القرآن، قال: ألقي في نفسه شئ من الخلافة يزعم أن رسول اللّه جعل له، قلت: نعم قال: أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت إشفاقاً على الاسلام، وعلم رسول اللّه أني علمت ما في نفسه فأمسك فدل على أنّه نسب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى أنّه أشفق منه على الاسلام وعلى أنّه علم خلافة علي، وعلى معاندته للنبيّ وأنّه كان مترقبا لموته ليغصب الحقّ من أهله وهذه من أفحش المطاعن وأوجبها للبعد عن الإمامة، وعلى الاجماع في خلافة أبي بكر لمخالفة عليّ ومن في جانبه.

وقد حدَّث عليّ ابن طلحة بأنّه لمّا خرج عمر حدَّثه النبيّ بما أراد أن يكتب ومنه أنّه سيلي الأمر اثنا عشر إمام ضلالة عليهم مثل أوزار الأُمّة إلى يوم القيامة وأوصى إليه بالإمامة وأن يدفعها إلى أولاده إلى تكملة اثني عشر إمام هدى.

وفي رواية أبي ذر أنّه لمّا جمع القرآن أتى به إلى أبي بكر فوجد فيه فضايحهم فردوه، وأمر عمر زيد بن ثابت بجمع غيره، قال زيد: فإذا أخرجه بطل عملي فبعث ليريد من علي ليحرفه مع نفسه، فأبى ذلك فدبروا قتله على يد خالد وهو مشهور.

قالوا: أشفق على النبيّ حيث كان مجهوداً وكثرت الغوغاء عنده فقال: فينا كتاب اللّه يكفينا.

قلنا: أوّل ما فيه أنّه خالف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الّذي (لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (2)).

وثانيا أنّه لم يرض بحكمه، ووجد؟ الحرج من قوله، وقد نفى اللّه الإيمان عند مخالفة حكمه، وعدم التسليم لحتمه، في قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (3)فعمر حاد اللّه ورسوله، وأبو بكر واده حيث نصبه خليفة بعده وقد نفى الإيمان عن


1) شرح النهج ج 3 ص 114.

2) النجم: 3.

3) النساء: 65.

المواد المحاد للّه ورسوله، في قوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (1)).

وثالثا أن الغوغاء لم تكن بطلب الكتاب بل بالمخالفة كما أخرجه البخاري وغيره من قول بني هاشم: قربوا إليه كتابا، وقول عمر ومن معه: لا ندعه يكتب وإنّه قد هجر، وفي رواية: ولا يعلم ما يقول، فعندها قال: اخرجوا عني، وهذا أذى لرسول اللّه، وقد قال اللّه: (إِنَّ الّذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) الآية (2).

قالوا: اعتقد عمر الصواب في ترك الكتاب، وكان ذلك في مستقبل الأزمان بويع أبو بكر فلم يختلف عليه اثنان.

قلنا: أوّل ما فيه أنّه اجتهاد بحضرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، والاجماع في منعه للعدول إلى الطعن في اليقين الحاصل، وثانيا قبح اعتقاده أن الصواب في عقله وتدبيره، و الخطأ في عقل النبيّ وتدبيره، وثالثا ورد في كتبهم ما أجمعوا عليه من قول ابن عبّاس الرزية كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبين كتابه.

ورابعا قولهم: لم يختلف عليه اثنان وقد خالف سعد سيِّد الخزرج، حتّى قتل لأجل خلافه، وخالف عليٌّ حتّى قالوا: نضرب عنقك، وخالف أهل الردة في ولايته، وقوم جبلة في ولاية عمر، واجتمع أكثر الصحابة على قتل عثمان، و خالف الفرق الثلاث لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذا وقد تلقت الأُمّة بالقبول، قول الرسول ستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية، والباقون في النار.

قالوا: ليس في قوله: يهجر منقصة لأن المراد بالهجر الخارج عن حدِّ الصحة من حيث الكثرة والقلّة، لانغمار قلبه بجهد المرض، وقد سها في حال صحّته، فسلم في العصر على ركعتين كما في خبر ذي اليدين.

قلنا: أمّا ما ذكرتم في تعريف الهجر فخارج عن اللّغة، قال الجوهري: الهجر الهذيان، وروى أبو عبيد (3)في قوله: إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا


1) المجادلة: 22.

2) الأحزاب: 57.

3) في الصحاح ص 851: قال أبو عبيد: يروى عن إبراهيم - يعني إبراهيم بن زيد النخعي - ما يثبت هذا القول في قوله تعالى: إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) الخ.

لأنّهم قالوا فيه غير الحقّ ألم تر أن المريض إذا هجر قال غير الحقّ، وقال عكرمة ومجاهد نحو ذلك نصَّ عليه الجوهري.

وجواز السهو على النبيّ يرفع الثقة بقوله، وحديث ذي اليدين من الكذب والمين. وقد تمسّكوا بخلافه أبي بكر بقول عائشة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مروا أبا بكر فليصلِّ فلم يهجرهما ويقل غير الحقّ وجعلوا منعه من الكتاب الّذي كان أساس الضلالة و الذهاب حسنة من حسنات عمر (1)مع وضوح مخالفته لسيّد البشر، ولو احتمل هذا الرد التأويل، لم يجزم بحديث لأن تحريم رد قول النبيّ مع وضوحه إذا قبل التأويل، قبله كلَّما جاء عنه من الأقاويل، فكأن عمر قال: إنَّ اللّه يهجر لأن كلام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إنّما هو يوجبه كما في كتابه.

تذنيب

هذه المخالفة مجمع عليها، ذكرها مسلم والبخاري ورواها عبد الرزاق عن الزهري عن ابن عبّاس والطبري والبلاذري ورووه عن سعيد بن جبير بطريقين وعن جابر الأنصاري (2)وكيف يصح وصفه بالهجر، وقد صحَّ أنَّه قال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، وكان يتوضّأ وينام، حتّى يسمع غطيطه، ثمَّ يصلي من غير استئناف وضوء.

قال الديلمي:

وصى النبيّ فقال قائلهم ***قد ظل يهجر سيِّد البشر

ورووا أبا بكر أصاب ولم ***يهجر وقد أوصى إلى عمر وقال:

وما رأيت من الآيات معتبراً***إن كنت مدَّكراً أو كنت معتبراً


1) كذا. والظاهر أن هنا سقطاً.

2) راجع صحيح مسلم ج 1 ص 222 و 325، شرح النهج لابن أبي الحديد، عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري ج 2 ص 20، مسند أحمد ج 1 ص 355. والطبراني في الأوسط كما في ج 3 ص 138 من كنز العمال.

أوصى النبيّ أمير النحل دونهما***وخالفاه لأمر عنده اشتورا

وقال هاتوا كتابا لا تضلوا به ***بعدي فقالوا رسول اللّه قد هجرا

تعصّباً لأبي نصر فحين ثوى ***وفا فوصى به من بعده زفرا

تحمّل الوزر فيها ميّتاً عجباً***وقال حيا أقيلوني بها ضجرا

إن قال إن رسول اللّه غادرها ***شورى فهلا اقتفى من بعده الأثرا

وقال أوصى فلم تقبل وصيّته***يوم الغدير فلا تعجل فسوف ترا

ومنها: أّنهما خالفا لنبي اللّه حال صحته فيما لا يتّهم فيه (1)فقد ذكر الموصلي في مسنده وأبو نعيم في حليته، وابن عبد ربه في عقده، وأبو حاتم في زينته، والشيرازي في التفسير المستخرج من الاثني عشر تفسيراً أن الصحابة مدحوا رجلاً بكثرة العبادة فدفع النبيّ سيفه إلى أبي بكر وأمره بقتله، فدخل فرآه يصلي، فرجع، فدفعه إلى عمر وأمره بقتله، فدخل فرجع، ودفعه إلى علي فدخل فلم يجده.

النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يأمرهما بقتل ذي الثدية وهما لا يطيعان

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو قتل لم يقع بين أُمّتي اختلاف أبداً، وفي قول آخر: لو قتل لكان أوّل الفتنة وآخرها، فالعجب من الأوّل كيف تركه وقد وصفوا للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عبادته، وأعجب منه الثاني أفكانا أعلم من النبيّ بباطنه، و كانت تلك المخالفة سبب هلاك الأُمّة وضلالها، والرجل المأمور بقتله ذو الثدية رئيس الخوارج (2).

ومنها: الحديث التاسع والسبعين بعد المائة من الجمع بين الصحيحين (3)


1) وممن أخرج الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 ص 15. وذكره ابن حجر في الإصابة نقلا عن أبي يعلى في مسنده في ترجمة الرجل بعنوان ذي الثدية وهكذا ابن الأثير في أسد الغابة، نقلا عن البخاري تحت عنوانه لذي الخويصرة ج 2 ص 139.

2) هو ذو الخويصرة التميمي: حرقوص بن زهير، صار بعد ذلك قائد الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) رواه مسلم في صحيحه أوائل جزئه الأوّل باب من لقي اللّه تعالى بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنّة وحرم على النار. وهكذا شرح صحيح مسلم للنووي ج 1 ص 44.

أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعث أبا هريرة ببغلته يبشّر بالجنّة من شهد بالوحدة مستيقناً وضربه عمر ورده، وقال: خفت أن يتّكلوا عليها، أفتراه أشفق من النبيّ أو من الربّ تعالى فإنّ قوله يوجبه، وخصوصاً هذه الرسالة وأيّ ضرر كان عليه إذ قنع اللّه من عباده بإخلاص هذه الشهادة، بل هذه جناية عمر على الاسلام كافّة.

ومنها: ما ذكره صاحب العقد في المجلد الأوّل منه أنّ عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل الحارث بن وهب وشاطره ماله، و كتب إلى عمرو بن العاص: بلغني أنّه قد فشت لك فاشية من خيل وإبل وبقر وعبيد فمن أين لك هذا؟ فكتب إني أعالج من الزراعة ما لا يعالجه النّاس فشاطره ماله حتّى أخذ إحدى نعليه، فغضب ابن العاص وقال: قبح اللّه زمانا عمل فيه ابن العاص لابن الخطاب، واللّه إنّي لأعرف الخطاب يحمل على رأسه حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها.

جعل الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد

ومنها: أنّه وضع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد (1)حين قال: أرى ألسنة النّاس قد استعذبوا الإيمان بالطلاق والوجه أن يغلب عليهم الحنث، لعلهم يرتدعون واشتهر عنه أنّه أتي برجل طلق ثلاثاً، فأوجع رأسه وردها عليه، وقد ذكر اللّه (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ (2)) فمن قال: أنت طالق ثلاثاً، فالثلاث لغو لأن الواحدة لا تكون ثلاثاً، كما أنّ من سبح مرة وقال ثلاثاً أو قرأ مرة وقال عشرا، أو قال الملاعن: أشهد باللّه أربعاً لم يكن كذلك اتفاقاً، وقد استفاض عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)


1) صحيح مسلم بشرح النووي ج 10 ص 70، الدر المنثور ج 1 ص 279، سبل السلام ج 3 ص 173، أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 459، سنن أبي داود ج 2 ص 509 تحت الرقم 2200 سنن النسائي ج 6 ص 142، وهكذا أخرجه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 196، وابن حنبل في مسنده ج 1 ص 314، والبيهقي في سننه ج 7 ص 336، و القرطبي في تفسيره ج 3 ص 130 وغيرهم.

2) البقرة: 229.

إيّاكم والمطلقات ثلاثاً فإنهن ذوات أزواج.

وذكر الجاحظ في كتاب النساء أن رجلاً طلق ثلاثاً جميعاً (1)فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غضبان وقال: يلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟ (2)وفي سير ابن ماجة وأبي داود ومسند أحمد وأبي يعلى والشافعي وإحياء الغزالي وكشف الثعلبي أن ابن عمر طلق ثلاثاً حائضا فأمره النبيّ بمراجعتها وإن أراد طلاقها للسنة (3).

قال ابن المغربي:

ولو رخّص اللّه في دينه *** لأوشك من مكره أن يزيله

ولكن أتيح له حية *** وعاجله اللّه بالقتل غيلة

وغادر من فعله سنة *** يجر الزمان عليها ذيوله

وسيأتي شئ من ذلك في باب الأحكام إن شاء اللّه.

أخذ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجلبه إلى المسجد للبيعة

ومنها: أن عمر وأصحابه أخذوا عليّاً أسيرا إلى البيعة، وهكذا لا ينكره عالم من الشيعة وقد أورد ابن قتيبة وهو أكبر شيوخ القدرية في المجلد الأوّل في كتاب السياسة (4)قوله له حين قال: إن لم أبايع: نضرب عنقك، فأتى قبر النبيّ باكيا قائلا: (يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)، وهذا فيه غاية


1) لم يذكر في الحديث اسم الرجل، ولعله عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أو هو عبد يزيد أبو ركانة.

2) رواه من سنن النسائي ج 6 ص 142، وبعده: حتّى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله.

3) وتراه في تفسير الكشاف ج 3 ص 240، تفسير الإمام الرازي ج 3 ص 30 و في نيل الأوطار ج 6 ص 241 نقلاً عن المنتقى بإسناده إلى الحسن عن عبد اللّه بن عمر قال: إنّه طلق امرأة تطليقة وهي حائض ثمَّ أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرءين فبلغ ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال: يا ابن عمر ما هكذا أمرك اللّه تعالى: إنك أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء.

4) راجع الإمامة والسياسة ج 1 ص 13.

الأذى للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لما رواه ابن حنبل عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من آذى عليّاً فقد آذاني وقد عيره معاوية به، في قوله: كنت بالأمس تنقاد كالجمل المخشوش، أي في أنفه خشاش، أجاب ماذا على المسلم من غضاضة، ما لم يكن شاكاً في دينه، وروى البلاذري أنّ عليّاً قال لعمر: احلب حلباً لك شطره اشدده له اليوم يرد عليك غداً(1)

تذنيب

سئل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ - إلى قوله -: ومكر السئ) قال: (2)مرض عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأعاده النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في أناس فسأله أبو بكر ثلاثاً بأمر عمر: كنت قد عهدت إلينا في علي فإن حدث أمر فإلى من؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّه لن يموت حتّى تملئانه غضباً، وتوسّعانه غدراً.

قالوا: فما ذكرتم من أخذه أسيراً نسبة خسّة وعجز إلى الشجاع الأعظم وإلى شجعان بني هاشم، ذوي الآنفة والحميّة.

قلنا: قد قتل وغصب جمع من الأنبياء، ولم ينسب إليهم بذلك خسة، هذا نوح قال: رب إني مغلوب (3)) ولوط (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً (4)) وموسى (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (5)) وعيسى فر من اليهود والفجار، والنبيّ هرب من الكفار إلى الغار، فإذا جاز ذلك للأنبياء، فالأولى جوازه على الأولياء وعصابة بني هاشم لم تكن لتقاوم الكثرة في جانب الغاشم، ولجاز تركهم القيام بوصية علي المستندة إلى وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هذا.


1) أخرجه البحراني في غاية المرام ص 557، وقد ذكر ذلك بنحو آخر في نهج البلاغة في الخطبة الشقشقية وأخرجه علم الهدى السيد المرتضى في الشافي كما في تلخيصه ج 3 ص 75، فراجع.

2) الأحزاب: 57.

3) القمر: 10 والآية: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.

4) هود: 80.

5) الشعراء: 21.

وقد أخرج الطبري قول علي لحذيفة: كيف أنت وقد ظلمت العيون العين؟ قال حذيفة له: فلم أعلم تأويل كلامك إلى أن قام عتيق مقام الرسول، وأوله عين ثمَّ عمر وأوله عين، ثمَّ عثمان، وأوله عين، فقال له: عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) نسيت عبد - الرحمن وقد عدل بها إلى عثمان، ثمَّ عمرو بن العاص، ثمَّ أخوهم عبد الرحمن ابن ملجم.

ولما تظلّم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له الأشعث بن قيس: لم لم تقاتل؟ فأجاب بأنّ لي أسوة بسنّة الأنبياء، وقد صرحنا منهم بخمسة وأشرنا إلى هارون (استضعفوني) (1)وقد نطق القرآن بأحوالهم، والإمام أعذر منهم.

وأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأشعث مرة أخرى بأنّه عهد النبيّ إلي أن لا أجاهد إلّا إذا وجدت أعوانا فلو وجدت أعوانا لجاهدت، وقد طفت على المهاجرين والأنصار فلم أحد سوى أربعة، ولو وجدت أربعين يوم بويع لأخي تيم لجاهدتهم.

حصر فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بين الباب والجدار

ومنها: ما رواه البلاذري (2)

والروايات بهذا المضمون كثيرة وفي بعضها التعرض لذكر المحسن وسقطه، راجع الإمامة والسياسة ج 1 ص 12، العقد الفريد ج 2 ص 250 تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 أعلام النساء ج 3 ص 1027، تاريخ الطبري ج 3 ص 202 (ط دار المعارف) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص 131، مروج الذهب ج 1 ص 414، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 105.

وأما كتاب البلاذري، فالمطبوع منه يبدأ من بعد الشورى، ولم يطبعوه كاملا

واشتهر في الشيعة أنّه حصر فاطمة في الباب حتّى أسقطت محسنا مع علم كلّ أحد بقول أبيها لها: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني.

1) الأعراف: 105.

2) روى البلاذري بإسناده إلى أبي عون أن أبا بكر أرسل إلى علي يريده على البيعة فلم يبايع، ومعه قبس، فتلقته فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) على الباب، فقالت: يا بن الخطاب أتراك محرقا على بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء على فبايع.

إن قالوا: لا اختصاص لها بذلك فلا فضيلة لها، فإنّه قال: من أذى ذميا فقد آذاني.

قلنا: هذا لا يضرُّنا لأنَّ المراد أذيته بغير حق، وإذا كان هدا زجره عن أذية ذمي علم كلّ عاقل أن جميع أهل الذمة وكثير من الأُمّة لا توازي أذية بضعته والفلذة من جسده، ولم يقل: بضعة مني لأحد غيرها، لتنبيهه على عظيم شأنها، و تفخيم أمر الإساءة إليها.

قال الحميري:

ضربت واهتضمت من حقّها *** وأذيقت بعده طعم السلع

قطع اللّه يدي ضاربها *** ويد الراضي بذاك المتّبع

لا عفى اللّه له عنه ولا *** كف عنه هول يوم المطلع

وقال البرقي:

وكللا النار من بيت ومن حطب *** والمضرمان لمن فيه يسبّان

وليس في البيت إلّا كلّ طاهرة *** من النساء وصديق وسبطان

فلم أقل غدرا بل قلت قد كفرا *** والكفر أيسر من تحريق ولدان

وكل ما كان من جور ومن فتن *** ففي رقابهما في النار طوقان

إن قيل: يجوز للإمام تهديد مخالف الاجماع بذلك وغيره.

قلنا: لا خلاف أن ذلك كان قبل مبايعة علي، وحينئذٍ لا إجماع.

قالوا: عائشة لم تكن ابنة محمّد، وحين عقر جملها حمت المسلمون لحرمة زوجها فتطايرت الرؤس والأكف حولها، وما فعل بفاطمة من النكير أعظم من عقر البعير فكيف لم يتحمَّ المسلمون لها؟

قلنا: أين كانت حميّة المسلمين حيث قتل أصحاب عائشة رسول عليّ إليهم بكتاب اللّه يعظهم كما أخرجه ابن مسكويه وابن قتيبة وغيرهما (1)وثنّوا بقتل حكيم


1) قال الطبري: ج 3 ص 522 من تاريخه: ورجع على إلى أصحابه فقال لهم: أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى، فإن قطعت أيضاً أخذه بأسنانه قال فتى شاب: أنا. فطاف علي على أصحابه يعرض ذلك عليهم فلم يقبله إلّا ذلك الشاب، فقال له علي، اعرض عليهم هذا وقل هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره، اللّه الله في دمائنا ودمائكم، فلمّا جاءهم الفتى حملوا عليه وفي يده المصحف فقطعوا يديه فأخذه بأسنانه حتّى قتل وقد ذكر هو وغيره من المؤرخين ومؤلفي التراجم قصة حكيم بن جبلة وعثمان بن حنيف كما في شرح النهج ج 2 ص 500.

مع سائر أصحابه، وثلّثوا بنتف لحية ابن حنيف وأجفانه، وهو من شيوخ الأنصار وزهّادهم، وقد كانت عائشة وأصحابهم أقلّ من قبيلة عمر وأتباعها.

على أنّ عليّاً سب ألف شهر على المنابر، ولم يوجد لذلك حميّة من البرّ والفاجر، أما الأوّل فلعذره، وأما الثاني فلغدره.

قالوا: فتأذّى عمر لسوقي من ملك غسّان جبلة (1)

وحضر جبلة بأصحابه الموسم من عامهم ذاك مع الخليفة، فبينما يطوف جبلة بالبيت إذ وطئ إزاره رجل من فزارة فحله، فلطمه جبلة، فاستعدى الفزاري عمر، فأمر عمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه، وضيق عليه في ذلك حتّى بلغ اليأس، فلمّا جنه الليل خرج بأصحابه فأتوا القسطنطينية فتنصروا جميعاً مرغمين.

فكيف يتحمل أذية فاطمة.

قلنا: فما له يحمل أذاها في بعلها عند قوله: نضرب عنقك وقوله لأبي بكر: ألا تأمر فيه بأمرك كما ذكره ابن قتيبة.

قضى في قضايا كثيرة برأيه المخالف للحق

ومنها: أنّه جاهل بالأحكام فأمر برجم حامل أقرت بالزنا فقال له عليّ (2): إن


1) قال ابن عبد ربه في العقد ج 1 ص 187 أن جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني وفد على عمر بن الخطاب في 500 من فرسان عك وجفينة وعليهم الوشي المنسوج بالذهب والفضة وعلى رأس جبلة تاجه، وفيه قرط جدته مارية فأسلموا جميعاً، وفرح المسلمون بهم وبمن وراءهم من أتباعهم فرحاً شديداً.

2) المعروف بينهم أن الّذي نبهه على ذلك معاذ بن جبل، راجع الإصابة ترجمة معاذ بن جبل، ج 3 ص 427، شرح النهج ج 3 ص 150 وفتح الباري لابن حجر ج 12 ص 120، التمهيد للباقلاني ص 199، سنن البيهقي ج 7 ص 443.

كان لك سبيل عليها فلا سبيل على حملها، دعها حتّى تضع وترضع ولدها فتركها، وقال: لولا عليّ لهلك عمر.

قالوا: لم يكن عارفاً بالحمل قلنا: اعترافه ينفي جهله إذ لا إثم يتوجه مع الجهل بالحمل، ولأن عليّاً عرفه بما يترتب ولم يعرفه بنفس الحمل، ولما كان عمر أقر عليه بل كان اعتذر بأني لم أعرف.

وكذا أمر برجم مجنونة شهد عليها بالزنا فأخرج البخاري أن عليّاً قال له: أما علمت أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق؟ فقال: لولا علي لهلك عمر (1).

قالوا: لم يكن عارفاً بالجنون قلنا: قد سلف الجواب عن هذا الباب، وقد ثبت رجوعه إلى علي رغاماً بعد عجزه، وعجز الصحابة في ثلاث وعشرين مسألة.

وأصاب رجل من بني كنانة مأمومة فأراد الاقتياد منه، فقال العبّاس: سمعت النبيّ يقول: لا قود في جائفة ولا مأمومة ولا منقلة فأغرمه العقل.

وفي إحياء الغزالي أنّ عمر هو الّذي سدّ باب الكلام والجدل وفي تفسير النقاش وابن بطة والأنباري أنّه ضرب رجلاً اسمه ضبيع حين سأله عن (الذاريات) و (النازعات) و (المرسلات) وحبسه طويلا ثمَّ نفاه إلى البصرة وكتب لا تجالسوه.

ومنها: ما ذكره الحميدي في فصل مفرد في آخر الجمع بين الصحيحين أنّه منع المغالاة في المهور وقال: من غالى في مهر ابنته جعلته في بيت المال (2)بشبهة


1) رواه البخاري في كتاب المحاربين، باب لا يرجم المجنونة ج 4 ص 176 ط دار إحياء الكتب العربية وترى القصة في مستدرك الحاكم ج 4 ص 389، ج 2 ص 59 شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 150، سنن أبي داود ج 2 ص 227 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 227. سنن البيهقي ج 8 ص 264، تذكرة سبط ابن الجوزي ص 57 وغير ذلك من الكتب.

2) تعرض لذلك الزمخشري والرازي والسيوطي وابن كثير والنيسابوري، والنسفي في تفسيرهم عند تفسير آية النساء: 20، وتراه في كتب الحديث في مجمع الزوائد ج 4 ص 284، سنن البيهقي ج 7 ص 233، كنز العمال ج 8 ص 298، شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 61 و ج 3 ص 96، مستدرك الحاكم ج 2 ص 177.

زواج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لفاطمة بخمسمائة، وفي الكتاب (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (1)) فنبهته امرأة بقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) (2)فقال: كلّ أفقه من عمر حتّى المخدرات، وفي رواية السمعاني كلّ أفقه من عمر حتّى النسوان، وفي رواية ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت.

قالوا: طلب الاستحباب في ترك المغالاة قلنا: المروي أنّه حرمه حتّى قالت المرأة: كيف تمنعنا ما أحله اللّه لنا في محكم كتابه.

قالوا: تواضع بقوله: كلّ أفقه من عمر قلنا: لو كان ذلك حقّاً لكان هو المصيب دونها، ورووا أن عمر مر بصبيان يلعبون فقال: ما رأينا خيراً منذ فارقناكم، فقال واحد منهم: أتقول هذا وقد رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهو الخير كله؟ فأخذ ترابا فجعله في فيه، وقال: كلّ أعقل من عمر حتّى الصبيان.

أبو أيّوب السختيانيّ وإسماعيل بن علية: حكم عمر بين خصمين فقال رجل: أصبت، فقال: واللّه ما يدري زفر أصاب أم أخطأ.

وروى عاصم بن سمرة أن غلاما ادعى أمومة امرأة فأنكرته أمّه فأمر عمر بحده فصاح إلى علي فطلب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يزوجها منه، فأقرت به فقال: لولا علي لهلك عمر.

الأصبغ بن نباته: جئ عمر بخمسة زنوا فأمر برجمهم فخطأه علي، وقتل واحداً ورجم ثانياً، وحد ثالثاً، وحد رابعاً، منصفاً، وعزر خامسا فقال المردبود كيف ذلك؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذمي زنى بمسلمة، والثاني محصن بكر، والثالث غير محصن والرابع عبد، والخامس مجنون فقال زفر: لا عشت في أمة لست فيها يا أبا الحسن.

وأتي برجل قال لامرأته: يا زانية قالت: أنت أزنى مني، فأمر بجلدهما فقال


1) المائدة: 44.

2) ترى هذه الروايات في البحار مستخرجة عن كتب الأصحاب وغيرها الباب 97 من تاريخ أمير المؤمنين ج 40 ص 218 - 317 من طبعته الحديثة.

عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): تجلد هي دونه حدين، أحدهما لفريتها، والآخر لإقرارها (1).

وسأله أربعون امرأة: كم شهوة الرجل من شهوة المرأة؟ فقال: له جزء و لها تسعة، قلن: فما باله يتسرى (2)ويتمتع بجزء، وليس لها ذلك مع تسعة أجزاء فأفحم، فرجع بذلك إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمر كلّ واحدة أن تأتي بقارورة ماء وتضعه في إجانة فلمّا فعلن ذلك قال: كلّ كل منكن تأخذ ماءها، فقلن: لا نميزه، فأشار إلى أنّه لو فعل ذلك لبطلت الأنساب والمواريث (3).

وادَّعى صبيّ مال أبيه، فزجره عمر وطرده فصاح إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستجرَّ من قبر أبيه ضلعه فأشمّه إيّاه فانبعث الدَّم من أنفه فقال لعمر: سلَّم المال إليه ثمَّ أشمَّه الحاضرين، فلم ينبعث الدَّم، فأعاده إليه فانبعث فقال: إنّه أبوه واللّه ما كذبت ولا كذبت (4).

قال الصاحب:

ناصبة هبني قد صدقتها *** فيما روى الأوّل من أمر فدك

لم قدَّموا على عليّ رجلاً***مع قوله لولا عليٌّ لهلك

وهذا كلّه يبطل ما رووه من قول النبيّ: الحقّ ينطق على لسان عمر، وقد علمت من شأنه إنطاق الباطل بلسانه، على أنّ الحديث لو صحّ لصدق بفرد واحد لأنّه مهمل في قوّة الجزئيِّ.

قال الجاحظ: ما كان عليّ إلّا كبعض فقهائهم، الّذين يكثر صوابهم، و يقلّ خطأهم.

قلنا: قد روى منكم من لا يتهم عليكم قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أقضاكم عليّ


1) وذلك لأن قولها (أنت أزنى مني) يستلزم الزناء لنفسه من دون تفضيل، ولكن الاقرار بالزناء لا بد وأن يقع أربع مرات حتّى يستلزم الحد، فتأمل.

2) أي يأخذ السرية، وهي الجارية المملوكة.

3) أخرجه ابن شهرآشوب عن روض الجنان لأبي الفتوح الرازي ج 1 ص 492 ط إيران.

4) راجع المناقب ج 1 ص 491.

وكان عمر أحد الفقهاء يضطر إليه اضطرار الفقير إلى الغني. والضعيف إلى القوي فأراد الجاحظ الحط لعليّ من رتبته، فبالغ في تنقيص أحبته، وهذا من حمق الجاحظ وجهالته.

وقد روى البخاري قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللّهمّ أدر الحقّ مع علي، وروى ابن مردويه قول النبيّ: الحقّ مع علي، وروى أيضاً قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ألا وإن الحقّ معه يتبعه ألا فميلوا معه، ونحو ذلك كثير ولو فرضنا أنّه اجتهد وأخطأ فلا لوم عليه، وقد روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أيضاً كلّ مجتهد مصيب.

ومنها: أنّه بلغ به الجهل إلى إنكار موت النبيّ حتّى قال له أبو بكر: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (1)(أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (2)) فقال: الآن أيقنت بوفاته، وكأني لم أسمعها (3)

إن قيل: كان ذلك سهوا قلنا: كيف يقع السهو في الأمور المحسوسة، و خاصة في احترام خاتم النبوّة، ومتى جاز السهو في هذه، جاز في جميع الأحكام فلا يوثق بها، وغلبة السهو توجب انعزال قاضي الأُمّة فضلا عن إمام الأُمّة.

وقد روى إنكاره لموته جميع أهل السير منهم البخاري والشعبي والجرجاني والطبري والزمخشري حتّى قال العبّاس: إنّما يقوله ابن الخطاب، فإنّه لا يعجز أن يحثوا عنه خلوا بيننا وبينه، فإنّه يأسن، أي يتغير، ولا عجب من إنكاره لموته وخطائه في أحكامه، وقد اجتهد في حفظ سورة البقرة بسبع سنين وقيل: اثنتي عشرة ونحر جزورا وليمة عند فراغه.

قالوا: إنّما أنكر موته استصلاحا للرعية قلنا هذا يبطله قوله: الآن تيقنت وقوله لابن عبّاس: ما حملني على ذلك إلّا قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً


1) الزمر: 30.

2) آل عمران: 154

3) راجع تاريخ الطبري ج 3 ص 200 ط دار المعارف، الكامل لابن الأثير ج 2 ص 219 وفي مسند ابن ماجة الحديث المرقم 1627، شرح النهج ج 2 ص 40 ط دار المعارف بمصر.

وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاس وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (1)فظننت أنّه يبقى بعدنا حتّى يشهد على آخر أعمالنا.

فاعترف أنّه كان يعتقد ذلك حتّى قال في إنكاره: لا يموت حتّى يقطع أيدي وأرجل ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، فانظر كيف تهجم بالكذب على رسوله، وتخرص على الغيب المستلزم لأعظم العيب.

قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيا لاستخلفته وهو غير قرشي

ومنها: أنّه لما طعن قيل له: استخلف! فقال: لو كان أبو عبيدة ابن الجرّاح حياً أو سالم مولى حذيفة لاستخلفته ذكره الطبري في تاريخه من طرق مختلفة عن مشايخه، وذكره البلاذري في تاريخ الأشراف (2)

أقول: وفي روايات أصحابنا عند تفسير قوله تعالى: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) الزخرف: 79، أن ستة من المهاجرين والأنصار وهم أبو بكر وعمر ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة وأبو عبيدة ابن الجراح عهدوا فيما بينهم وأبرموا عهدهم على أن يخرجوا سلطان محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن أهل بيته.

ولذلك ترى ثلاثة منهم عندما كانوا حضروا يوم السقيفة، إنّما يداولون البيعة فيما بينهم، وبعد ما وقعت البيعة لأبي بكر فلتة تداولوها كالكرة فيما بينهم، فأوصى أبو بكر إلى عمر، وقال عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا أو كان أبو عبيدة ابن الجراح حيا لما جعلتها شورى وأوصيت إليه، ثمَّ إنّه جعلها شورى في ستة وجعل الخيرة لعبد الرحمان ابن عوف لعلمه بأنّه لا يدع جانب عثمان فيكون قد أخرج سلطان محمّد عن أهل بيته.

ولولا شدة بغضه لعليّ ذي الخصال الجليلة، ما تمنى لها من لا يدانيه في الفضيلة.

ومنها: أنّه أوجب على جميع الخلق إمامة أبي بكر، ودعا إليها لا عن وحي من اللّه، ولا خبر من رسول اللّه، أتراه كان أعلم منهما بمصالح العباد، أو استناباه في نصب أبي بكر إماماً على البلاد، أم الأُمّة حكمته على أنفسها، حتّى قضى بذلك


1) البقرة: 143.

2) كلامه هذا من المتواترات ذكره الطبري وابن الأثير أيضاً في حوادث سنة 23 وذكره شارح النهج في شرح الخطبة الشقشقية وذكره ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 ص 246 ولفظه، لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى.

عليها، فلزمها فساد أمرها، وقد سنح لمؤلف الكتاب شعر فيها:

يا بيعة القفة كم هدَّمت *** في الخلق من أركان أديانها

وبدَّلت ما قاله اللّه في *** علي إذ تنباد أركانها

فأفسدت صالح أعمالها *** تبا لها بات بخسرانها

توضيح: القفّة هو الّذي وضع يده في بوله فواضع يده في هذه البيعة كواضعها في بوله.

ومنها أنّه تجسّس على قوم في دارهم ذكره الطبري والرازي والثعلبيّ والقزوينيّ والبصريّ وفي محاضرات الراغب والإحياء عن الغزالي وقوت القلوب عن المالكي فقال أصحاب الدار: أخطأت لقوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا (1)) ودخلت من غير باب لقوله: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (2)) ودخلت من غير إذن لقوله: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (3)).

قالوا: له أن يجتهد في إزالة المنكر، لأنّه بلغه أنّهم كانوا على منكر قلنا: لا يجوز الاجتهاد في محرم بغير علم وظن، ولهذا لما أظهر أنّه كذب لحقه الخجل.

ومنها: أنّه كان يعطي عائشة وحفصة كلّ سنة من بيت المال عشرة آلاف درهم، ومنع أهل البيت خمسهم، وكانت غلته ثمانون ألفا، ومنع فاطمة إرثها ونحلتها (4)

لكن ولا خلاف في أنّه كان لا يقسم العطية بالسوية راجع الأحكام السلطانية ص 177 فتوح البلدان للبلاذري ص 435، طبقات ابن سعد ج 3 ص 223، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص: 51، شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 153، مستدرك الحاكم ج 4 ص 8 وغير ذلك من الكتب.

وأما منعه الخمس عن أهل بيت الرسول، فقد تأولوا آية الخمس باختصاص سهم اللّه ورسوله وذي القربى بالرسول، وقالوا ذهب ذلك بذهاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأجروا الخمس على ثلاثة أصناف منهم على اليتامى والمساكين وابن السبيل وعزلوه عن القرابة، راجع في ذلك كتب التفاسير عند قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى).


1) الحجرات: 12.

2) البقرة: 189.

3) النور: 27.

4) فرض عمر لأزواج النبيّ صلوات اللّه عليه عشرة آلاف درهم إلّا عائشة فإنّه فرض لها اثنى عشر ألف درهم، كما ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال ص 226 وهكذا ذكره الطبري في تاريخه ج 3 ص 614.

قالوا: يجوز تفضيل النساء في العطاء قلنا: لا بسبب خطأ.

ومنها: أنّه خرق كتاب فاطمة الّذي أعطاها أبو بكر وقال: لا تعطها بغير بينة أسنده إبراهيم الثقفي إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذكره المرتضى في شافيه، قال: وروي من طرق مختلفة فأقول: فما باله رد سبي اليمن بعد أن شراه المسلمون، بقول الأشعري: إنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعطاهم عهدا فمن أين لعمر أن يخرج حقوق المسلمين من أيديهم بغير بينة.

ومنها: أنّه ترك حي على خير العمل، وقال: خفت أن يتكل النّاس عليها وتدع غيرها، وروى أبو بكر بن شيبة وهو أحد شيوخ الحديث أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالها وقال: هذا الأذان الأول، يعني أذان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وأسند محمّد بن منصور الكوفي في كتابه الجامع إلى أبي محذورة أنّ النبيّ أمره بها، وقال ابن عبّاس لعمر: ألقيتها من الأذان، وبها أذن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وأبدع الكتف وهو في الصلاة من فعل اليهود والنصارى، وحذف البسملة منها، وزاد (آمين) فيها وهي كلمة سريانية يهودية، ووضع في التشهد الأوّل تسليما مع أنهم؟ ووا قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): تحليلها التسليم، ولا خلاف عندهم أن من سلم قبل التشهد عمدا فلا صلاة له.

درء الحدّ عن المغيرة بن الشعبة وحدّ ثلاثة من الشهود

ومنها: أنّه عطّل حدّ اللّه لما شهدوه على المغيرة بن شعبة بالزنا فلقّن الرابع وهو زياد بن سمينة فتركها فحدّ الثلاثة وكيف يجوز له صرف الحد عن مستحقّه

ويوضع فيه ثلاثة بهوى نفسه، وكان كلَّما لقي المغيرة يقول: قد خفت أن يرميني اللّه بحجارة من السماء (1).

إن قيل: فعليٌّ لم يحدّ رجلاً أقرّ بالسّرقة بل أسقطه بحفظه سورة البقرة فقال الأشعث بن قيس: تعطل حد اللّه؟ قلنا: قال له ويحك: إن للإمام الخيار في المقر أن يعفو أما مع الشهود فليس له أن يعفوا.

ومنها: ما ذكره الشهيد في قواعده أنّه حدّ رجلاً زوَّر عليه كتاباً مائة فشفّع فيه قوم فجلده مائة ثانية ثمَّ مائة أخرى، وليس ذلك من موجبات الحدّ، بل التعزير ولا يجوز أن يبلغ مائة جلدة.

ومنها: أنّه كان يتلوّن في الأحكام ويتّبع الظنّ، حتّى قضى في الجدّ بسبعين قضية، وقيل: بمائة قضية وقال: إني قضيت في الجدّ تسعين قضيّة، وقيل: مائة قضية وقال: إني قضيت في الجد قضايا مختلفة كلّها لم أكن فيها على الحقّ، ذكره عنه أيوب السختياني عن ابن سيرين.

وحكى الجاحظ قول عمر: أجرأكم على الجدّ أجرأكم على النار، ثمَّ اختلف قضاؤه فيه، وهذا دليل مناقضته وخبطه، مع قوله: أيّ سماء تظلني وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللّه، بغير ما أراد اللّه.

وقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، ومنع متعة الحجّ مع وجوبها في الكتاب ومتعة النساء، وسيأتي القول فيها محرّرا فليطلبه من أراده مأجورا.

ومنها: أنّه أبدع في الشورى أموراً خرج بها عن النصّ والاختيار جميعاً فروى الجمهور أنّه نظر إلى أهل الشورى وقال: قد جاءني كلّ واحد منهم يهز عقيرته يرجو أن يكون خليفة.


1) ذكر القصة بطولها أصحاب السير، وتراه في ابن خلكان ج 2 ص 455، تاريخ ابن كثير ص 7 ص 81، شرح النهج لابن أبي الحديد ص 3 ص 161، السنن الكبرى للبيهقي ص 8 ص 235، تاريخ أبي الفداء ص 1 ص 174، الأغاني ص 14 ص 146 ط الساسي، تاريخ الطبري ص 4 ص 207 ط قديم مصر، وغير ذلك من الكتب.

مدح أصحاب الشورى ثمَّ ذمهم بمنكرات

أمّا أنت يا طلحة أفلست القائل (لئن مات النبيّ لننكحن أزواجه؟) فنزل تحريمهنّ أبداً.

وأمّا أنت يا زبير فواللّه مالان قبلك يوماً ولا ليلة، وما زلت جلفا جافيا مؤمن الرضا، كافر الغضب يوماً شيطانا ويوماً رحمانا.

وأمّا أنت يا عثمان فواللّه لروثة خير منك، ولئن وليتها لتحملن بني معيط على رقاب النّاس ولئن فعلتها لتقتلن قالها ثلاثا.

وأمّا أنت يا عبد الرحمن فعاجز تحب قومك.

وأمّا أنت يا سعد فصاحب عصبة وفتنة مفتتن وقتال لا تقوم بقرية لو حملتها.

وأمّا أنت يا علي فواللّه لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحتهم، ثمَّ قام علي وخرج فقال عمر: واللّه إني لأعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم ليحملنكم على المحجة البيضاء قالوا: فلم لا توليه؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل. (1)وقال له ابنه مثل ذلك فقال: أكره أن أتحملها حيا وميتا (2).

وفي كتاب السقيفة للجوهريّ منهم ما يناسب ذلك وفي كتاب الاستيعاب منهم قول ابن عبّاس: ما أدري ما أصنع بأمة محمّد؟ قلت: إنك القادر على أن تضع ذلك مكان الثقة، قال: تعني عليّاً؟ قلت: أجل قال: إنّه كان كما ذكرت لكنه كثير الدعابة.

قال ابن طاووس: الدّعابة من أخلاق النبيّين، فانظر كيف طعن عمر فيهم ثمَّ أهلهم وجعل الأمر إليهم، دون غيرهم ثمَّ نقل الأمر إلى أربعة وأمر بقتل من خالفهم، ثمَّ نقله إلى ثلاثة، وجعل للثلاثة الّذين فيهم عبد الرحمن، لعلمه أنّه لا يعدل بها عن ختنه وابن عمه عثمان، وأن عليّاً وعثمان لا يجتمعان ثمَّ أمر بقتل


1) راجع شرح النهج ج 1 ص 185 ط دار المعارف، أنساب الأشراف ج 5 ص 18، كنز العمال ج 3 ص 158، الاستيعاب في ترجمة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) تراه في الاستيعاب في ترجمة عمر بن الخطاب، كنز العمال ج 6 ص 359 الرياض النضرة ج 2 ص 72.

الثلاثة الأخر، ثمَّ أمر بقتلهم إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيّام، وكيف يستحقّون القتل، وقد كلفوا اختيار الإمام، وربّما طال زمان الاجتهاد بحسب تعارض الصلاح والفساد.

قالوا: أمر بقتلهم إن تأخروا على طريق شق العصا، وطلب الأمر من غير جهته قلنا: ذلك لا يوجب القتل، ولئن أوجبه لم يجز تأخيره ثلاثاً ولله در القائل:

وما ترك النبيّ النّاس شورى *** بلا هاد ولا علم مقيم

ولكن سول الشيطان أمراً *** فأردى بالسواء وبالسئيم

وقد كانت الشورى سبب اختلاف الآراء، وتشتيت الأهواء، كما ذكره أهل التواريخ، وصاحب العقد في المجلد الرابع عن معاوية بن أبي سفيان، فكان عمر سبب الاختلاف في منع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من الكتاب أولا، وفي جعل الأمر شورى ثانياً.

ومنها: أنّه لم يحكم على نفسه بل أخرجها من أولياء اللّه الّذين هم ناجون (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (1)فقد أسند الواقدي إلى ابن عبّاس أنّه دخل عليه حين طعن، وقال: مضى النبيّ وهو عنك راض، فقال: المغرور من غررتموه، أما واللّه لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، فأين هذا من قول عليّ: إنّي إلى لقاء ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، وإني لعلى صراط مستقيم من أمري، وبينة من ربي، وسنذكر شيئاً من ذلك عند ذكر الصحيفة.

وقال ابن عمر لابن أبي بكر: اكتم علي ما أقول، إنّ أبي لمّا حضرته الوفاة بكى فقلت: مم؟ قال: آت عليّاً ليحلني وأردد عليه الأمر فلمّا جاء قال له ذلك قال: أجيبك على أن تشهد رجلين من الأنصار ورجلين من المهاجرين أنك وصاحبك ظلمتماني فحول أبي وجهه، فخرج عليٌّ فقلت: قد أجابك فأعرضت عنه؟ فقال: يا أحمق أراد أن لا يصلّي علي أحد.


1) يونس: 62.

فلمّا حضرته الوفاة كان يقول مثل ما كان أبوك يقول وكان في حياته شاكّاً في دينه، وسنذكر طرفا منه في باب المجادلة.

وفي مسند ابن سليمان قال رجل للشعبيّ: إن عليّاً شهد للثاني بالجنّة، فما تقول أنت؟ فقال: يبكي في خطيئته، وأنا أشهد له بالجنّة؟.

وفي الحلية إن عمر قال: لو نادى منادي السماء أنكم داخلون الجنّة إلّا واحداً لخفت أن أكون هو.

وفي مواعظ الكرامي أنّه قال عند احتضاره: ليتني كنت كبشاً لأهلي فأكلوا لحمي، ومزقوا عظمي، ولم أرتكب إثمي، وهذا يدل على خروجه من الدنيا على غير يقين.

وأسند الحسين بن عبد اللّه إلى الحسن بن عليّ أنّه قال عند موته: أتوب إلى اللّه من اغتصابي هذا الأمر أنا وأبو دور.

وفي الحديث الأوّل من أفراد البخاريّ من الجمع بين الصحيحين أن ابن عبّاس دخل عليه لما طعن وهو يتألم فقال: جزعي من أجلك وأجل صاحبك، واللّه لو أن لي تلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب اللّه، قبل أن أراه، ونحو هذا أحاديث أخر تأتي إن شاء اللّه.

ومنها: ما أسنده جعفر بن عليّ الخزّاز إلى سعيد بن المسيّب ومحمّد بن عليّ البصريّ إلى أبي سعيد الخدري أنّه كتب إلى معاوية عهدا يذم فيه الاسلام ومحمّداً وجعله ساحراً ويقسم باللات والعزى ما جحدها منذ عبدها، ويشكرها أنّها هي التي دلت عتيقا بحيلته، وشهادته بفضائله، وتسرّعه إلى بيعته، وادعائه أن عليّاً سلم خلافته بعد أن جره إلى سقيفته، بحبل في عنقه، وأشاع القول ببيعته، وحلف أبو ذر أن عليّاً ما أجاب إلى بيعته، ولا واحد من عشيرته، ثمَّ فمن يا معاوية فعل فعلي، واستشاد أحقاد أسالفه غيري.

وذكر له أنّه إنّما قلده الشام، ليتم له هذا المرام، وذكر ذلك في شعره (معاوي إنَّ القوم ضلت حلومهم) إلى آخره.

ولما قدم ابن عمر على يزيد منكرا عليه قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوقفه على هذا العهد، فرجع مستبشرا وادا أن يكون له مشاركا.

وروي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ):

لآل محمّد في كلّ عصر *** تجدد في أذى زفر جديد

إذا زفر مضى زفر تولى *** يشيب نواصيا طفل وليد

ولقد أبدع في وضع الخراج على السواد.

أبدع صلاة التراويح جماعة وصلاة الضحى ولم يفعلهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

ومنها: أنّه أبدع التراويح جماعة في شهر رمضان، وقال نعمت البدعة، وقد قال النبيّ: كلّ بدعة ضلالة، فكأنه قال: نعمت الضلالة، وقد امتنع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من أن يكون إماماً في نافلة رمضان كما أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحيحين ورووا عن عائشة أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أوّل من صلاها وإنّما تركها لئلّا يظنوا وجوبها.

قلنا: لو كان كذلك، لأسنده عمر إليه، ولم يقل إنها بدعة، على أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) داوم على سنن كثيرة، ولم يظنوا بذلك وجوبها، وسأل أهل الكوفة عليّاً أن ينصب لهم إماماً يصليها، فزجرهم وعرفهم أنّ السنة خلافها، فاجتمعوا ونصبوا لأنفسهم إماماً فيها، فبعث الحسن إليهم بالدرة، ليردهم عنها، فلمّا دخل المسجد تبادروا الأبواب، وصاحوا واعمراه.

وقيام رمضان ثابت عندنا انفرادا، لا جماعة. لقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أيّها النّاس إنّ النافلة بالليل في رمضان جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمعوا في رمضان في النافلة، ولا تصلوا الضحى، فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة.

ألا وإن كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار.

تذنيب

روى الحميديّ في مسند عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب من رواية مرزوق والعجلي قلت: أكان عمر يصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعثمان؟ قال: لا، قلت: فأبا بكر قال: لا، قلت: فالنبيّ؟ قال: ما إخاله.

وروى الحميدي أيضاً في مسند عائشة قالت: إنّ النبيّ ما صلّى الضحى، و

في مسندها عن ابن عمر أن صلاة الضحى بدعة، وفي مسند ابن حنبل ما يدل على مثل ذلك.

ومنها: أنّه عارض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في مواضع منها في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والتسعين لما أراد أن يصلي على ابن أبي سلول نهاه عمر، وقال: قد نهاك ربك، فقال: بل خيرني ثمَّ صلى، فنزلت (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ (1)) فآذى النبيّ بالرد عليه، ولم يوقره ولم يتعظ بقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (2)) وكيف لعمر النبيّ ولا يعلمه النبيّ على أن آية (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ) إنّما نزلت بعد ذلك كما في حديثهم.

ومنها: في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني من المتّفق عليه، أنّ عمر أمر جنبا لم يجد الماء بترك الصلاة، فإن كان عرف شرعيّة التيمّم في كتابه فلم لم يأمر به؟ وإلّا فيأمر به بجرأته! وإلّا فيأمر به بجهالته.

وذكر أبو هلال العسكريّ في كتاب الأوائل وذكره غيره أيضاً أنّ أوّل من أعال الميراث عمر، فقال ابن عبّاس لو قدموا من قدمه اللّه، وهو الّذي اهبط من فرض إلى فرض، وأخّروا من أحرّه اللّه، وهو الّذي أهبط من فرض إلى ما بقي ما عالت فريضة قطّ.

قال الزهريّ: فقلت له: من أوّل من أعال؟ قال: عمر بن الخطاب.

فيا عجبا لمن يقع منه هذه الجهالات، ويسمّونه فاروقاً على منابرهم، ولا يستحيون من هذه المناقضات، وقد رووا أن الفاروق الفارق بين المؤمن والكافر، وفاروق الحقّ والباطل علي بن أبي طالب.


1) براءة: 84.

2) الأحزاب: 36.

كلام في خساسته وخبث سريرته

ذكر الحنبليّ في كتاب نهاية الطلب أن عمر بن الخطّاب كان قبل الاسلام نخاس الحمير.

في المجلّد الثاني من كتاب العقد قالت له امرأة من قريش: يا عمير فوقف فقالت: كنا نعرفك عمير، ثمَّ صرت عمر، ثمَّ صرت أمير المؤمنين، فاتق اللّه وانظر في أمور الناس.

وفي الفصل الرابع من الجزء الأوّل من الإحياء للغزالي أن عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا؟ ولولا أنّه علم من نفسه صفات تناسب صفات المنافقين، لم يشك فيها، وتقدم على فضيحتها.

وذكر هشام بن السائب الكلبيّ من رجالهم في كتاب المثالب أنّ صهّاك جارية حبشيّة لهاشم بن عبد مناف، وقع عليها فضلة بن هاشم، وعبد العزّى بن رباح، فولدت جد عمر وقد قالوا: أنّه نجب فردوا على نبيهم أن ولد الزنا لا ينجب.

فلينظر عقلاء الأنام، هل يقدَّم من هذه أحواله على بني هاشم الكرام، ذوي الأحلام في الجاهلية والاسلام، ولا غرو من ولد الزنا، وخبيث الأصل أن يجترئ على الاسلام. فقد روي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ (1)) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ (2)) نزلتا فيه وقد عرف أهل الأنساب أنّ أباه الخطاب، وجدّه نفيل، وأمّه حنتمة، وجدّته صهاك، وليس في قريش أوضع منها ولا تيم مع ضعتها.

وقد روى عنه جماعة: تعلموا أنسابكم تصلوا بها أرحامكم. ولا يسألني أحد ما وراء الحطاب وصحح أبو يحيى الجرجاني المحدث أن الصهاكي كان أبوه شاكرا (3).


1) المائدة: 100.

2) النور: 26.

3) يعني أنّه كان أجيراً يخدم. وشاكر بفتح الكاف معرب جاكر؟ بالفارسية.

وفي البخاري والإحياء أسند أحمد بن موسى أنّ رجلاً قال للنبيّ: من أبي؟ قال: حذافة، فسأله آخر من أبي؟ قال: سالم، فبرك عمر على ركبتيه وقال بعد كلام: لا تبد علينا سوءتنا: واعف عنا رواه أبو يعلى الموصلي في المسند عن أنس.

قال شاعر:

إذا نسبت عديّاً في بني مضر *** فقدَّم الدال قبل العين في النسب

وقدم السوء والفحشاء في رجل *** وغد زنيم عتلّ خائن نصب

وفي خرائج الراوندي سأل الثمالي زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الأوّل والثاني فقال: عليها لعائن اللّه كلها، كانا واللّه كافرين مشركين باللّه العظيم.

قلت: ويعضد ذلك مناداتهما بالويل والثبور، عند احتضارهما لما رأيا من سوء عاقبتهما ويعضده أيضاً ما أسنده علي بن مظاهر الواسطي إلى الإمام العسكري أنّه جعل موت عمر يوم عيد وأنشد الكميت الشاعر بحضرة الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إن المصرين على ذنبيهما *** والمخفيا الفتنة في قلبيهما

والخالعا العقدة من عنقيهما *** والحاملا الوزر على ظهريهما

كالجبت والطاغوت في مثليهما *** فلعنة اللّه على روحيهما

فضحك الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسيجئ في كتابنا ما يؤكّد هذا المقام.

النوع الثالث: في عثمان

في تسميته نعثل وتوليته بني أمية على رقاب الناس

مقدمة:

في تسميته نعثل أقوال: ففي حديث شريك أنّ عائشة وحفصة قالتا له: سمّاك رسول اللّه نعثلا تشبيها بكر يهودي (1)وقال الكلبي: إنّما قيل: نعثلاً تشبيهاً برجل لحياني من أهل مصر، وقيل: من خراسان، وقال الواقديّ: شبه بذكر الضباع فإنّه نعثل لكثرة شعره، وقال: إنّما شبه بالضبع لأنّه إذا صاد صيدا قاربه ثمَّ أكله؟ إنّه أتي بالمرأة لتحد فقاربها ثمَّ أمر برجمها ويقال: النعثل التيس الكبير العظيم اللّحية.

قال الكلبيّ في كتاب المثالب: كان عثمان (2)ممّن يلعب به ويتخنّث و كان يضرب بالدفِّ، وقد أحدث عثمان أموراً. منها: أنّه ولى أمر المسلمين من لا يؤتمن عليه ولا علم له به، التفاتا عن حرمة الدين إلى حرمة القرابة، فولى الوليد بن عقبة فظهر منه شرب الخمر والفساد، وفيه نزل (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا (3)) قال المفسرون: المؤمن علي والفاسق الوليد، وفيه نزل (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (4)) وصلى بالناس في إمارته سكراناً فقال: أزيدكم قالوا: لا.

وولّى سعيد بن العاص الكوفة فقال: إنّما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت، فمنعوه دخولها، وتكلموا فيه، وفي عثمان، حتّى كادوا يخلعونه: فعزله قهراً.

وولّى عبد اللّه بن أبي سرح مصر، فتكلّموا فيه فولّى محمّد بن أبي بكر وكاتبه أنّه يقتل ابن أبي بكر وكل من يرد عليك وتستمر فلمّا ظفر بالكتاب كان سبب حصره وقتله.


1) كذا.

2) عفان، خ ل.

3) السجدة: 19.

4) الحجرات: 7.

قالوا: ذلك مروان لا عثمان قلنا: فكان يجب على عثمان تعزيره، والتبريّ منه، فلمّا لم يفعل ذلك دلّ على خبثه وكذبه، ومن هذا حاله لا يصلح لأدنى ولاية مع إجماع الصحابة على قتله، وترك دفنه ثلاثاً لما تحقّقوا من أحداثه.

قالوا: والحسين جرى له مثل ذلك قلنا: لا قياس لإجماع المسلمين على أنّه قتل ظلما، ولم يحدث حدثاً بخلاف عثمان، فقد روى الواقدي أن أهل المدينة منعوا من الصلاة عليه وحمل ليلا ليدفن فأحسّوا به فرموه بالحجارة وذكروه بأسوء الذكر وقد روى الجوزي في زاد المسير أنّ عثمان من الشجرة الملعونة في القرآن.

ومنها: أنّه آوى الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه من المدينة.

قالوا: ذكر أنّه استأذن النبيّ في ردّه قلنا: لم ينقل ذلك في كتاب بل المرويّ خلافه.

قال الواقديّ من طرق مختلفة وغيره أنّ الحكم قدم المدينة بعد الفتح فطرده النبيّ ولعنه لتظاهره بعداوته، والوقيعة فيه، والعيب بمشيته، وصار اسم الطريد علما عليه فكلمه عثمان فيه، فأبى عنه، وكلم الشيخين في زمن ولايتهما فيه، فأغلظا القول عليه وقال له عمر: يخرجه رسول اللّه وتأمرني أن أدخله؟ واللّه لو أدخلته لم آمن من قائل: غير عهد رسول اللّه، فإيّاك أن تعاودني، فلو كان النبيّ أذن له لأعتذر عثمان إليهما به، ولما لامه عليّ وعمّار وطلحة والزّبير وسعد وعبد الرحمن قال: إنّه قرابتي، وفي النّاس من هو شرّ منه.

وقال: لو نال أحد من القدرة ما نلت فكان قرابته لأدخله، فغضب علي وقال: لتأتينا بشر من ذلك إن سلمت وسترى غبّ ما تفعل.

وقد روى صاحب كتاب الشفا من الجمهور قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من أحدث في المدينة حدثاً فعليه لعنة اللّه وأورده البخاري في أوّل الكراس الثاني من الجزء الرابع وزاد: الملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفاً، ولا عدلاً، ومثل هذا أورد الحميدي في الحديث الثامن عشر من الجمع بين الصحيحين، ومثله أيضاً في

الحديث الثامن والأربعين من أفراد مسلم.

إيثاره أهله وذويه بأموال الملمين

ومنها: أنّه آثر أهله بأموال المسلمين، فدفع إلى أربعة زوَّجهم بناته أربعمائة ألف دينار وإلى مروان مائة ألف دينار.

قالوا: ربما كان ذلك من ماله قلنا: روى الواقديّ أنَّ عثمان قال: إن أبا بكر وعمر كانا يناولان من هذا المال قرابتهما وإنّي ناولت منه صلة رحمي.

وروى الواقديّ أنّه قسّم مال البصرة بين ولده وأهله بالصحاف وروى الواقدي أيضاً أن إبلا من الصدقة وهبها عثمان للحارث ابن الحكم بن أبي العاص وولى الحكم بن أبي العاص على صدقات قضاعة، فبعث ثلاثمائة ألف فوهبها له و أعطى سعيد بن العاص مائة ألف دينار، فأنكر النّاس عليه، وقسّم بيت المال على المقاتلة وغيرهم.

قالوا: ذلك بالاجتهاد قلنا: اللّه ورسوله أعلم بمصالح العباد، فإذا عيّنا لبيت المال جهة مخصوصة لم يجز العدول عنها بالاجتهاد.

تذنيب

قال أهل التواريخ وصاحب الاستيعاب منهم: لمّا مات خلّف ثلاث زوجات أصاب كلّ واحدة منهن ثلاثة وثمانون ألف دينار، فجملة المتروك أضعافها، فمن له هذا التكالب على الدنيا، كيف يصلح لخلافة الأنبياء؟

ومنها: ما ذكره عبد اللّه بن طاهر في كتاب لطائف المعارف أنّه كسر ضلع ابن مسعود لما أبى أن يأتيه بمصحفه ليحرقه، ومنعه العطا وأنّه كان مع كونه عظيم الشأن يكفر عثمان.

ففي مسلم والبخاريّ قيل لابن مسعود: صلّى عثمان بمنى أربع ركعات فاسترجع وقال: صليت مع النبيّ ومع أبي بكر وعمر ركعتين ونحوه في مسند أحمد وفي تاريخ الطبري قال له عليّ: لقد عهدت نبيّك يصلّي ركعتين وأبا بكر وعمر فما أدري ما ترجع إليه، قال: رأي رأيته، وعاده عثمان في مرضه وسأله الاستغفار له فقال:

أسأل اللّه أن يأخذ لي منّك بحقّي وأوصى أن لا يصلّي عليه عثمان.

ولمّا مرّ ابن مسعود من العراق معتمرا وجد أبا ذرّ على الطريق ميّتاً مكفناً

فدفنه، فضربه عثمان أربعين سوطاً ذكر ذلك ابن طاهر في لطائف المعارف، وقد كان عثمان نفاه إلى الشام، فكان يخطئ معاوية في الأحكام، ويتحسّر على الاسلام وكان عثمان الّذي نصب معاوية مع علمه عدم استحقاقه، فولّاه بغضاً لمن جعله اللّه مولاه، فبعث إلى عثمان يشكوه فبعث إليه أن يحمله إليه مهانا فحمله على قتب حتّى سقط لحم فخذيه.

أرجع لمريد رسول اللّه الحكم إلى المدينة و أعطاه و طرد حبيب رسول الله أبا ذر و أقصاه إلى الربذة

فروى الواقدي أنّه لما دخل على عثمان قال له: لا أنعم اللّه بك عيشاً يا جندب أنت الّذي تزعم إنا نقول: (يد اللّه مغلولة وأن اللّه فقير ونحن أغنياء) فقال: لو كنتم لا تزعمون ذلك لأنفقتم مال اللّه على عباده، أشهد لقد سمعت رسول اللّه يقول:

إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثون رجلاً جعلوا مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، ودين اللّه دخلاً.

فقال للجماعة: هل سمعتم هذا من النبيّ؟ فقال علي والحاضرون: نعم سمعناه يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

فنفاه إلى ربذة وقال لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): بفيك التراب فقال علي: بل بفيك التراب وسيكون، قال جماعة: فلقد رأينا عثمان مقتولاً وبفيه التراب.

وروى الواقدي أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) رآه نائما في المسجد فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ قلت: الحقّ بالشام، قال: فإذا أخرجوك منها قلت: أرجع إلى المسجد قال: فإذا أخرجوك منه قلت: أضرب بسيفي، قال: هل أدلك على خير من ذلك؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت فهذه الروايات ترد قول القاضي: أنّه خرج باختياره.

ضرب عماراً حتّى أحدث به فتقا وكسر ضلع ابن مسعود

ومنها: أنّه ضرب عماراً حتّى أحدث به فتقاً، ولما قتل قال عمار: قتلنا كافراً فأين مسعود وعمار مع كونهما صدرين عظيمين كانا لعثمان في حياته وبعد موته مكفرين، وباقي الصحابة لم يدفعوا القتل عنه، حيث علموا موجبه، وترك بغير غسل ولا كفن ملقى على المزبلة ثلاثاً وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الّذي هو مع الحقّ والحق معه، لم ينه عن ذلك فدل على تكفيره لأن الفاسق لا يجوز التخلف عن دفنه مع

تكفنه، وكان لعليّ المكية حيث إنّه كان في ذلك الوقت بالاجماع خليفة.

قال البرقي:

ألم يدس بطن عمّار بحضرته *** ودق للشيخ عبد اللّه ضلعان

وقد نفى جندبا فردا إلى بلد *** ناء المحلة من أهل وجيران

وقد روى أحمد في مسنده عن أنس أنّه لما ماتت رقية بنت النبيّ بضرب زوجها عثمان لعنه النبيّ خمس مرات وقال: لا يتبعنا أحد ألم بجاريته البارحة لأجل أنّه كان ألم بجارية رقية، فرجع جماعة وشكى عثمان بطنه ورجع، ولعنه جماعة حيث حرموا الصلاة عليها بسببه.

ومنها: أنّه لم يحضر بدرا ولا بيعة الرضوان.

قالوا: أشغله عن بدر مرض زوجته بنت رسول اللّه بإذنه، فضرب لهم بسهم من غنائمها فكان حكمه حكم حاضرها، ووضع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في بيعة الرضوان إحدى يديه على الأخرى وقال: هذه عن عثمان.

قلنا: هذه الاعتذارات خالية من دليل إلّا أن يسلّمها خصمه، وليس إلى ذلك من سبيل.

في هربه عن الزحف يوم أحد ولم يرجع إلى ثلاثة أيّام

ومنها: أنّه هرب يوم أحد، ولم يرجع إلى ثلاثة أيّام، وقد حكم عليه الشيطان كما نطق به القرآن (إن الّذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلهم الشيطان (1)) وقد شرط المخالف شجاعة الإمام، والمؤالف عصمته، فدلّ على عدم صلاحه؟ فراره وخطيئته.

قالوا: نطق القرآن بالعفو عنه قلنا: فيه التزام بالذنب منه، على أن العفو عنهم قد يراد به أكثرهم مثل قرآناً عربياً (2)) فلا يتعين العفو عن عثمان ولجاز كون العفو في الدنيا عن تعجيل المعاقبة، ولأنّه لا يلزم من العفو عن الذنب العفو عن كلّ ذنب.

ومنها: أنّه كان يستهزئ بالشرائع ويتجرَّئ عليها بالمخالفة لها، ففي


1) آل عمران: 155.

2) يوسف: 2.

صحيح مسلم: ولدت امرأة لستة أشهر، فأمر برجمها فقال له علي (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (1)وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ (2)) فعانده فبعث فرجمها (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هُمُ الكَافِرونَ) في آيات (3). وقتلها فحق عليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (4)).

وفي الجمع بين الصحيحين أن عثمان نهى عن عمرة التمتّع وفعلها عليّ فقال: أنا أنهي عنها وتفعلها؟ فقال: ما كنت لأدع سنة رسول اللّه لقول أحد، وفيه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلى في السفر دائما ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته ثمَّ صلى عثمان. أربعا فكيف جاز له تبديل الشريعة.

وفي صحيح مسلم أنّ رجلاً مدح عثمان فحثى المقداد مع عظم شأنه الحصى في وجهه، لما كبر عليه من مدحه، وأن الذم أولى به، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فروى أنّ النبيّ قال: إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب، ومن المعلوم مدح الصحابة بعضهم بعضا ولم يحث أحد في وجوههم التراب، فلولا بلوغ عثمان إلى حد استوجب ذلك، لم يفعل بمادحه ذلك، والمقداد من أجلاء الصحابة ولم ينكر أحد عليه، ويكون الخبر الّذي ذكره المقداد مخصوصا بمن يستحقّ الذم لأن المدح كذب حينئذٍ والعقل قاض بقبحه فمن يمدح الآن عثمان ينبغي فيه الاقتداء بالمقداد في حثو التراب.

ومنها: جرأته على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فروى الحميديّ أنّ السديّ قال: لما توفي أبو سلمة وخنيس بن صداقة وتزوّج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) زوجتيهما حفصة وأم سلمة قال طلحة وعثمان: ينكح محمّد نساءنا ولا ننكح نساءه؟ واللّه لو مات لأجلنا عليهن بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد أم سلمة، فأنزل اللّه (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) (5)وأنزل


1) الأحقاف: 15.

2) لقمان: 14.

3) النساء: 44 و 45.

4) النساء: 93.

5) الأحزاب: 53.

الله (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (1).

ومنها: أن عثمان باع عليّاً أرضا وأنكره فقال: حاكمني إلى النبيّ فقال: إنّه ابن عمك، ويحابيك فنزل (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ (2)) أي كفر.

وفي تفسير الثعلبي قضى النبيّ عليه ليهودي فغضب فنزل فيه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (3)).

ومنها: ما ذكره عكرمة ومجاهد والسدي والفراء والزجاج والجبائي وابن عبّاس وأبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه كان يكتب الوحي ويغير، فكتب موضع (غفور رحيم) (سميع عليم) (عزيز حكيم) فأنزل اللّه فيه (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (4)حين ارتد ولحق بمكة وقال ذلك (5).

ورووا أنّه كان يخطب فرفعت عائشة قميص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقالت: قد أبليت سنته [وهذا قميصه لم يبل] فقال: اسكتي أنت كامرأة نوح وامرأة لوط الآية (6).

تذنيب

روى أبو وائل أنّ عمّاراً قال: ما كان لعثمان اسم في أفواه النّاس إلّا الكافر حتّى ولى معاوية.

وروى حذيفة أنّه قال: لا يموت رجل يرى أن عثمان قتل مظلوماً إلّا لقي اللّه يوم القيامة يحمل من الأوزار أكثر ممّا يحمل أصحاب العجل، وقال: ولينا الأوّل فطعن في الاسلام طعنة، والثاني فحمل الأوزار، والثالث فخرج منه عريان وقد دخل حفرته وهو ظالم لنفسه، وقد اجتمع خمسة وعشرون ألفا لقتله.


1) الأحزاب: 57.

2) البقرة: 10.

3) النساء: 65.

4) الأنعام: 93.

5) هذه القصة لابن أبي سرح، وكان كاتبا للوحي، فارتد ولحق بمكة، ثمَّ آمن وبعد ذلك ولاه عثمان على مصر.

6) التحريم: 11 و 12.

ومنها: ما رواه السدي أنّه لما غنم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بني النضير وقسم أموالهم قال عثمان لعليّ: آت النبيّ واسأله كذا، فإن أعطاك فأنا شريكك، وأنا أسأله فإن أعطاني فأنت شريكي، فسأله عثمان أوّلاً فأعطاه فأبى أن يشرك عليّاً فقاضاه إلى النبيّ فأبى، وقال: إنّه ابن عمه، فأخاف أن يقضي له فنزلت (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إلى قوله: بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (1)) فلمّا بلغه ما أنزل فيه جاء إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأقر بالحق لعليّ.

ومنها: ما رواه السّدي في تفسير (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (2)) لما أصيب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأحد قال عثمان: لألحقن بالشام فإن لي بها صديقا يهوديا فآخذ منه أماناً إني أخاف أن يدل علينا، وقال طلحة: إن لي بها صديقاً نصرانياً فآخذ منه أماناً قال السدي: فأراد أحدهما أن يتهود، والآخر أن يتنصر، فاستأذن طلحة النبيّ في المسير إلى الشام معتلا أن له بها مالا فقال: تخذلنا و تخرج وتدعنا؟ فألح عليه فغضب علي وقال: ائذن له فواللّه لا عز من نصر، و لا ذل من خذل، فنزل (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (3).

ومنها: في تفسير الثعلبي في قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ (4)) قال عثمان:إنّ في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها فقيل: لا تغيره فقال دعوه فإنّه لا يحلّل حراماً ولا يحرم حلالاً إن قيل: إنّما قصد بنفي التحريم تلك الآية خاصة فظاهر خلوها عن الأمر والنهي وإنّما هي إخبار وحكاية قلنا: لو كان كذلك لأضاف اللحن إليها لا إلى القرآن.

إن قيل: لضمائر التي في كلام عثمان عايدة إلى اللحن فإنّه أقرب قلنا: قوله: وستقيمه العرب عائد إلى القرآن إذ اللحن لا يمكن أحد [إقامته] وإنّما توهم ذلك


1) النور: 48 - 50.

2) المائدة: 51.

3) المائدة: 53.

4) طه: 63.

لجهله باللغة فإنّه لغة كنانة وقيل: لغة بني الحارث، فإنّهم يثبتون ألف التثنية في النصب والجرّ فيقولون: من يشتري الخفان ومررت بالزيدان ولبعضهم:

إنّ أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها

هذا قوله! مع قولهم: إنّه جمع القرآن، فإن اعتقد أنّ اللّحن من اللّه فهو كفر، وإن اعتقده من غيره فكفر آخر، حيث لم يغيّره إلى ما أنزل عليه، ولم يؤد الأمانة فيه، وذكر الحديث عنه ابن قتيبة في كتاب المسلك.

وقد ذكر الغزالي في الإحياء أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مات عن عشرين ألف صحابي لم يحفظ القرآن منهم سوى ستة، اختلف منهم في اثنين وفي البخاري قال أنس: جمع القرآن على عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أربعة أبي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، ورووا أنّه لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء.

فهذه نبذة من مخازي الثلاثة متخرّجة عن كتب محبّيهم ومقدّميهم، تدلّ بأدنى فكر على عدم استحقاقهم الخلافة فليجل المنصف رويته ويوجّه إلى طلب الحقّ خلويته، ويسعى في فكاك نفسه من رهان رمسه، فيخرج بعظيم مساويهم عن اعتقاد أن عليّاً مساويهم وسيأتي في آخر باب المجادلة رد الأخبار المزورة في عثمان فلتطلب منه.

لعمري لقد أنذرت إنذار مشفق *** وجاوزت في الأيضاًح حدّ الوصيّة

فواعجبا ممّن يروم لنفسه؟*****خلاصاً ولم يرغب بها عن جريرة

وغاية مقدوري فعلت وإنّما *** قبولك ممّا ليس في وسع قدرتي

وما أصدق مقالة ابن نبهان يعرض بأبي بكر وعمر وعثمان:

يا إلهي أشكو إليك رجالاً *** ظلمهم للهدى عريض طويل

رشدهم للأنام غي وللغي *** رشاد وهديهم تضليل

هجروا رشدهم وقالوا رسول *** اللّه بالهجر عنكم مشغول

أجمعوا أمرهم على شبهة الاجماع *** جهلاً وفي النصوص الدليل

جعلوها طريدة للقناص *** المحتال والكل في الضلال خيول

ليس فيهم كفو وفي كلّ كف *** منهم لاقتناصها أحبول

في قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تحشر أُمّتي على خمس رايات

تذنيب

أخبار الطالبيين: لما نزلت يوم (تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ (1)) قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تحشر أُمّتي على خمس رايات: راية مع عجل هذه الأُمّة، و راية مع فرعونها، وراية مع سامريها، وراية ذي الثدية فأسألهم ما فعلتم بالثقلين؟ فيقولون: الأكبر مزقنا والأصغر عادينا فأقول: ردوا ظامئين مسودة وجوهكم ثمَّ ترد راية علي إمام المتقين فأسألهم فيقولون: الأكبر اتبعنا، والأصغر وازرنا حتّى أهريقت دماؤنا فأقول: ردوا رواء مبيضة وجوهكم وعن هذا قال السيد الحميري:

والناس يوم البعث راياتهم *** خمس فمنهم هالك أربع

الأبيات (2)

لام عمر وباللوى مربع *** طامسة أعلامها بلقع

وبعد هذا البيت:

قائدها العجل وفرعونها *** وسامري الأُمّة المفضع

ومخدع من دينه مارق *** أجدع عبد لكع أوكع

ورأية قائدها وجهه *** كأنه الشمس إذا تطلع

.

وروي عن القاسم بن جندب عن ابن عبّاس وعن الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في قوله تعالى: (أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (3)) هم الأوّل والثاني.

عكرمة عن ابن عبّاس قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أوّل من يدخل النار في مظلمتي عتيق و ابن الخطاب، وقرأ الآية وروي أنّها لمّا نزلت دعاهما النبيّ وقال: فيكما نزلت.


1) آل عمران، 106.

2) هذا من قصيدة للسيد إسماعيل بن محمّد الحميري مشهورة أولها:

3) فصلت: 29.

قال أبو حمزة قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما بعث اللّه نبيّاً إلّا وفي زمانه شيطانان يؤذيانه ويضلان النّاس من بعده، وصاحباً محمّد حبتر ودلام، ونحوه عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتلا (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) الآية (1).

فكن من عتيق ومن غندر (2)*** أبيا بريئاً ومن نعثل

كلاب الجحيم خنازيرها *** أعادي بني أحمد المرسل

أبو الحسن في قوله: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (3)) الشمس الأول، والقمر الثاني، وقال: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (4)) أي هما يعذبان.

وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلّ ما في الرحمن (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فهي في أبي فلان وفلان.

قال البرقي:

رضيت لنفسي إماماً عليّاً *** وأصبحت من آل تيم بريّا

تنقصت تيما لبغضي لها *** وأبغضت من أجل تيم عديّا

ولما نزلت (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ*أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (5)) دعا النبيّ الثلاثة وقال: فيكم نزلت هذه الآية قال ديك الجن:

ما كان تيم لهاشم بأخ *** ولا عديّ لأحمد بأب

لكن حديثي عداوة وقلا *** تهوّ كافي غيابة الشعب


1) الأنعام: 112.

2) عنتر، خ، حبتر ظ.

3) القيامة: 9.

4) الرحمن: 5

5) القتال: 22

فصل في شئ من تظلمات عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد وأبو هلال العسكريّ في كتاب الأوايل خطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عقيب مبايعة النّاس له وذكر فيها تألمه وتظلمه، ولعنه على من تقدمه؟ فمنها: كانت أمور ملتم فيها عن الحقّ ميلاً كثيراً وكنتم فيها غير محمودين.

وفي موضع آخر: سبق الرجلان وقام الثالث [كالب] كالغيران همّه بطنه، ويله لو قص جناحه وقطع رأسه لكان خيراً له.

وفي موضع آخر: لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، فقد وضع من قدره بإضافته إلى عضروطه (1)وجعل نفسه كالقطب الّذي لا تدور الرحا بدونه.

قالوا: ليس في إضافته انتقاص من قدره لجريان العادة به قلنا: قد كان ألقاب أجمل من هذا كما جرت عادة من يراد تعظيمه.

قالوا: ليس في تقميصها دليل ظلمه قلنا: بلى لورود ذلك في معرض ذمّه، و اعتضاده بقرائن أخر من كلامه.

وفي خرائج الراونديّ أتى إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعرابيّ يتظلم فقال: أنا أعظم ظلامة منك، ظلمت المدر والوبر، ولم يبق بيت من العرب إلّا وقد دخلت مظلمتي عليهم وما زلت مظلوماً حتّى قعدت مقعدي هذا.

وفي خطبة أخرى لقد تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيها فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، لبئس ما وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في مقيلهما إذ يتبرأ كلّ منهما من صاحبه، يقول لقرينه إذا التقيا: (يَا [وَيْلَتَى] لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (2)).


1) يعني أبا قحافة، فإنّه كان عضروطا: خادما على طعام بطنه.

2) الفرقان: 28.

وأسند أبو إسحاق ابن إبراهيم إلى عبد الرحمن بن أبي بكر أنّه سمعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وما من النّاس أحد أولى بهذا الأمر مني.

وأسند إبراهيم الثقفي إلى حريث أنّه سمعه يقول: ما زلت مظلوماً منذ قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى يوم الناس.

وروي من طرق كثيرة أنّه قال: أنا أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة وهذا دليل أنّه لم يزل الخلاف، ولم يحصل الرضا الباطني والائتلاف.

إن قيل، هذا أخبار آحاد، قلنا: رواها جم غفير من القبيلين يحصل بهم التواتر المعنوي، ولو سلم كونها آحادا فهي ترفع القطع بالائتلاف.

إن قيل: عدم اشتهار الاختلاف، دليل على عدمه، كعدم شهرة معارضات القرآن، فإنّه دليل عدمها قلت: الخوف منع من اشتهار الخلاف، بخلاف المعارضة فافترق الأمران.

ومن خطبة أخرى: ما تنكر منا قريش غير أنا أهل بيت شيد اللّه فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى فوق رؤسهم رؤسنا، واختارنا عليهم فنقموا عليه أن اختارنا اللّهمّ إني أستعديك على قريش، فخذ لي بحقي منها، ولا تدع ظلامتي لها، فإنّها صغرت قدري واستحلت المحارم مني، ألم أخلصها من نيران الطغاة، وسيوف البغاة.

ثمّ قال: سبقني إليها يعني الخلافة التيمي والعدوي اختيالاً واغتيالاً أين كان سبقهما إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة يوم الأنواء إذ تكاثفت الصفوف، و تكاثرت الحتوف، وهلا خشيا على الاسلام إذ شمخ أنفه، وطمح بصره ولم يشفقا على الدين يوم بواط إذا أسود الأفق، وأعوج العنق، ولم يشفقا يوم رضوى إذ السهام تطير، والمنايا تسير، والأسد تزير، وهلا بادرا يوم العشيرة إذا الأسنان تصطك، و الآذان تستك، وهلا بادرا يوم بدر إذا الأرواح في الصعداء ترتقي، والجياد بالصناديد ترتدي، والأرض من دماء الأبطال ترتوي.

ثمّ عدّ وقايعه مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقرعهما بأنهما كانا في النظارة، وعلى هذا قال الناشي:

فلم لم يثور ببدر وقد *** متنت قوى القوم إذ بارزوكا

ولم هربوا إذ شجيت العدا *** بمهراس أحد ولم نازلوكا

ولم أحجموا يوم سلع وقد *** ثبت لعمرو ولم أسلموكا

ولم يوم خيبر لم يثبتوا *** براية أحمد واستركبوكا

ولم يحضروا بحنين وقد *** صككت بنفسك جيشاً صكوكا

فأنت المقدم في كلّ ذا *** فلّله درك لم أخروكا

وقال محمّد الموسوي في جملة أبيات:

لا أنثني خوف قرن عنه يوم وغى *** بل باسل قاتل في كلّ أفاك

وقد طلبناك يا تيم هناك وفي *** بدر واحد وسلع ما وجدناك

ومن نهج البلاغة (1)اللّهمّ إني أستعديك على قريش فإنّهم قد قطعوا رحمي وكفروا آبائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري، فجرعت ريقي على الشجى، وصبرت على الأذى، حتّى مضى الأوّل لسبيله، وأدلى بها إلى فلان بعده، فيا عجباً بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلّمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا للّه وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر فصغى رجل لضغنه، و مال آخر لصهره، فقام ثالث إلى أن انتكث فتله، وكبت بها بطنته.

فما راعني إلّا والناس إلي كعرف الضبع فلمّا نهضت نكثت طائفة، و مرقت أخرى، أما والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء ألا يغاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم أوهن عندي من عفطة عنز، ونحو ذلك ذكر في خطبته الشقشقية وغيرها (2).


1) ملتقطات من نهج البلاغة من الخطبة 3 و 117 و 215.

2) كلامه هذا من الخطبة الشقشقية بعينها.

تذنيب

أسند صاحب مراصد العرفان أنّ ابن مسعود حلف بحضرة عثمان فقال: و واللّه ما أنت على الحقّ، ولا صاحباك، فإن شئت فاضربني وإن شئت فدع، فإني سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: علي مع الحقّ والباطل مع غيره، والويل لعيون تظلم عيناً، فضربه أربعين درة.

والعيون أبو بكر اسمه عبد اللات، وعمر وعثمان يظلمون عينا يعني بذلك عليّاً.

الحاق في المنافقين من أهل العقبة

وهي عقبة أوس ويقال: اسمها عقبة دقيق، وفي خرايج الراوندي أنّها في طريقه إلى تبوك.

ففي مسند الأنصار: هم أربعة عشر رجلا، ورواه جابر عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعدّ منهم أبا السرور، وأبا الدواهي وأبا المعارف، وابن عوف، وسعد وأبا سفيان و ابنه وفعل وفعيل والمغيرة بن شعبة وأبا الأعور السلمي وأبا قتادة الأنصاري.

وعن عمّار وحذيفة نزل فيهم (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا (1)).

ابن جريج وابن جبير نزل فيهم (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ) الآية (2).

ابن كيسان نزل فيهم (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ) الآيات (3)مقاتل نزل فيهم (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ (4)الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) نزل فيهم (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ) الآية (5)ونزل فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (6).

ولما عنفهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قالوا: لن نؤمن بك يقينا قبل الساعة وفي رواية


1) براءة: 74.

2) براءة: 48.

3) براءة: 64.

4) الأحزاب: 15.

5) براءة: 64.

6) النساء: 150.

الأصبغ أنّه قال: منافقون إلى يوم القيامة ثمَّ قال للأوّل: ما أوقفك هذا الموقف: قال: آخيت بيني وبين زفر، وقال للثاني: فقال: برح الحفابي، وقال لفعيل قال: خفت الفوت فسبقت، وقال للثالث: فقال: أمرني الثاني، فقال: أما أنت يا فعيل فروثة حمار خير منك وأما أنت يا عثمان فجيفة الصراط يطأك المنافقون، و أما أنتم فمنافقون إلى يوم القيامة.

وسيأتي في باب المجادلة جواب بين لما اقترحوه من البهتان، في عمر وعثمان.

وقد ذكر مسلم حديث العقبة في الجزء الثالث من صحيحه وفي الخامس أيضاً، وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث الأوّل من أفراد مسلم، وفي الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة وذكرها الكلبي والثعلبي ومحمّد بن إسحاق وابن حنبل والحافظ في حليته.

وفي تفسير الثعلبي قال حذيفة: يا رسول اللّه ألا تقتلهم؟ فقال: يكفيناهم اللّه بالدبيلة وهي شهاب من جهنم، يضعه على فؤاد أحدهم، حتّى يريق نفسه و كان كذلك.

فصل في بدع معاوية ومساويه ومثالبه

في حلية الأولياء سبّه سعيد بن المسيب برده قضاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وفي تفسير الثعلبي صلى بالمدينة ولم يقرأ البسملة في الفاتحة، رواه عن جماعة، ونحوه في مسند الشافعي.

قال صاحب المصالت: كان على المنبر يأخذ البيعة ليزيد فقالت عائشة: هل استدعى الشيوخ لبنيهم البيعة؟ قال: لا، قالت: فبمن تقتدي؟ فخجل وهيّأ لها حفرة فوقعت فيها فماتت.

وفي رواية ابن أبي العاص قال لها: أي موضع ترضين لدفنك قالت: كنت عزمت على جنب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلّا أنّي أحدثت بعده، فادفنوني بالبقيع وروي

أنّه كان يهدد النّاس لأخذ البيعة ليزيد، فبلغه عنها كلام، فدخلت بعد عماها عليه راكبة حمارا، فبال وراث على بساطه فقال: لا طاقة لي بكلام هذه الفاجرة، ثمَّ دبر لها الحافر، وكان عبد اللّه بن الزبير يعرض به:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو *** فلا رجعت ولا رجع الحمار

وفي الحديث الثاني من أفراد البخاري من الجمع بين الصحيحين أنّه نازع عمر في الخلافة وقال: من أراد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنة، فنحن أحق به منه، ومن أبيه، فإذا كان لعمر فيها منازعاً، ولعليّ مقاتلاً، فقد كفر بخروجه عن إجماع أهل الاسلام.

وذكر الكلبيّ منهم في المثالب أنّ معاوية كان لأربعة لعمارة ولمسافر ولأبي سفيان، ولرجل آخر سماه، قال: وكانت أمه هند من المغتلمات تحت السودان قال: وكانت حمامة بعض جداته لها راية بذي الحجاز لأجل الزنا، وكان يكتب عن نفسه كاتب الوحي، وقد صح من التاريخ أنّه أظهر الاسلام سنة ثمان من الهجرة وقيل قبل وفاة النبيّ بخمسة أشهر، فكيف يثق النبيّ بكتبه مع قرب عهد إسلامه ولو سلم ذلك لهذه القبيلة، فبدعة تسقط تلك الفضيلة.

وقد ذكر في كتبهم أن ابن أبي سرح كان منهم فارتد فمات فدفن، فلم تقبله الأرض.

وفي الثامن والأربعين بعد المائة من المتّفق عليه في الجمع بين الصحيحين أن رجلاً من بني النجار قرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب الوحي فارتد، فمات عند أهل الكتاب، فدفن فقذفته الأرض ثلاث مرات فترك منبوذا على وجهها، وقد ظهر من معاوية من مخالفة قواعد الدين، ومن قتل الصالحين، ما يزيد على أفعال المرتدين.

إن قيل: فما بال الأرض لم تقذفه قلنا: هذا ليس بواجب، فإن كثيراً من المرتدّين لم تقذفهم الأرض، وكذا قاتلي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيرهم فإنّ للّه العقوبة والفضيحة بما يشاء.

وفي المجلد الثالث في صحيح مسلم أن النبيّ أرسل ابن عبّاس يدعو معاوية فدعاه فلم يأته، وقال: إنّه يأكل، فقال: لا أشبع اللّه بطنه، فلو كان عنده من المؤمنين لكان رؤوفا كما جاء في قوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (1)) ونطق الذكر الحكيم بكونه على خلق عظيم، وكان يدعو بهداية قومه من الكافرين، فلولا أنّه من المنافقين الهابطين عن الكافرين. في قوله:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (2)) والدعاء إنّما هو بأمر شديد القوى لعموم (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)) فلولا علمه بنفاقه لم يأمر نبيه بدعائه عليه وشقاقه.

وفي المجلّد الثالث من صحيح مسلم: المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر في سبعة أمعاء، وذكره في الجمع بين الصحيحين في الثاني والتسعين من المتّفق عليه.

ورووا في كتبهم لا يؤمن عبد حتّى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله، و أكل معاوية أحبّ إليه من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وكان هو مع أقاربه أعداء للنبيّ ولأقاربه أسلم طمعا في الملك لما سمع من كعب الأحبار وسطيح: كيف لا تؤمن بمحمّد وأنت ولي الثارات من أولاده، ففرحت هند بذلك وأسلما.

وفي صفوة التاريخ لأبي الحسن الجرجاني أنّه لعن علي عليّاً المنبر وكتب إلى سائر البلاد بذلك فلعنوه، فإن كان علي ملعونا ظلما على المنابر فمعاوية ملعون عدلا من القنابر (4).

وفي الكتاب قال عتيبة الأسدي:

معاوي إننا بشر فأسجح (5)*** فلسنا بالجبال ولا الحديد

أكلتم أرضنا فجزدتموها *** فهل من قائم أو من حصيد


1) براءة: 128.

2) النساء: 145.

3) النجم: 3.

4) في تفسير الثعلبي في قوله تعالى: (علمنا منطق الطير) أن القنبر يقول (اللّهمّ العن [ظالم] آل محمّد. كذا في هامش بعض النسخ.

5) السجاحة السهولة، منه رحمه اللّه.

وروى الأعمش أنّه لمام قدم الكوفة قال: ما قتلتكم على أن تصلّوا وتصوموا فإني أعلم أنكم تفعلون ذلك، بل لأتأمر عليكم، فقال الأعمش: هل رأيتم رجلاً أقل حياء منه؟ قتل سبعين ألفاً فيهم عمار وخزيمة وحجر وعمرو بن الحمق ومحمّد بن أبي بكر والأشتر وأويس وابن صوحان وابن التيهان وعائشة وابن حسان ثمَّ يقول هذا وفي رواية ابن عبد الملك أنّه لما قبض عمرو بن الحمق حفر له قبرا وكفنه وقال: ضعوا الحربة فوقه، فإن تبرأ من علي فأطلقوه وأعطوه خراج البلاد، و إن أبى فاطعنوه سبعا كما فعل بعثمان، فأبي فقتلوه وحملوا رأسه إليه فبعثه إلى امرأته وهي في الحبس، فرمي في حجرها فقالت: نفيتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إلي قتيلا وفي حديقة الحدق عن هارون الضميري أتي إليه بسكران فقال: ما شربت فقال:

مشعشعة كانت قريش تكنّها *** فلمّا استحلوا قتل عثمان حلّت

فقال: مع من شربت؟ فقال:

شربت مع الجوزاء كأساً رويّة *** وأخرى مع الشعرى إذا ما استقلّت

فدرأ عنه الحدّ.

وقيل لأبي نعيم: تركت ذكر معاوية في كتابك قال: إنّما ألّفت حلية الأولياء لا حلية الأمراء.

وروى أبو بكر الهذليّ قال: ضرط عند معاوية أبو الأسود الدئلي فاستكتمه فلمّا خرج حدث بها ابن العاص ومروان، فلمّا غدا أبو الأسود قال عمرو: ما فعلت ضرطتك بالأمس؟ قال: ذهبت كما يذهب الريح من شيخ ألان الدهر أعضاءه من إمساكها، وكل أجوف ضروط، وكيف نجاك دبرك يا عمرو يوم صفين ثمَّ أقبل على معاوية وقال: إن امرءا ضعفت أمانته ومروته عن كتمان ضرطة، فحقيق أن لا يؤتمن على المسلمين.

وفي الكتاب قال معاوية: فضل اللّه قريشا بثلاث (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (1)) ونحن الأقربون (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (2)ونحن قومه، (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ). فقال رجل أنصاري: على رسلك يا معاوية قال اللّه: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ (3)) وأنت من قومه (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (4)وأنت من قومه (ِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (5)وأنت من قومه، فهذه ثلاث بثلاث ولو زدتنا لزدناك فأفحمه.

وقال لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ولو أرهم امرأة، فقال: أجهل منهم قومك إذ قالوا حين دعاهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (6)ولم يقولوا: إن كان هو الحقّ فاهدنا له.

ولمّا دخل عليه عقيل قال له: كيف رأيت عليّاً وأصحابه؟ قال: كأنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأصحابه، قال: فأنا؟ قال: فكأنك أبا سفيان وأصحابه، فقال له: أنت ضرير، قال: هو أولى أن لا أراك قال: أنتم تصابون في أبصاركم قال: و أنتم تصابون في بصائركم.

ثمّ قال لأهل الشام: هذا ابن أخي أبي لهب، فقال: هذا ابن أخي أم جميل حمالة الحطب، فقال: يا عقيل أين تراهما قال: إذا دخلت النار فانظر على يسارك تراه مفرشا لها، فانظر أيّهما أسوء؟ النّاكح أم المنكوح؟ فقال: واحدة بواحدة والبادي أظلم.

ودخل مولى أبي ذرّ فقال: أتعلم متى قامت القيامة؟ قال: نعم حين هدموا بيت النبوّة والبرهان، وسلبوا أهل العزة والسلطان، وأطفأوا مصابيح النور والفرقان، وعصوا في صفوة الملك الديان، ونصبوا ابن آكل الذبان، شر كهول الورى والشبان، وأحيوا بدعة الشيطان، وأماتوا سنة الرحمن، فقد قامت القيامة


1) الشعراء: 214.

2) الزخرف: 44

3) الأنعام: 66.

4) الزخرف: 57

5) الفرقان: 30

6) الأنفال: 32.

العظمى، وجاءت الطّامّة الكبرى.

قال: أفتعلم متى هلكت الأُمّة؟ قال: نعم حين كنت أنت أميرها، وابن عاصي اللّه خطيبها، وابن طريد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقيهها، وصار غلام ثقيف يسوسها و ابن أبي معيط يتلف بأحقاد الجاهلية نفوسها، وزياد سوء العذاب يسومها، ويزيد السوء بعدك الخلافة يرومها.

وجد على بساطه يوم صفّين:

معاوي للّه من خلقه *** عباد قلوبهم قاسية

وقلبك من شر تلك القلوب *** وليس المطيعة كالعاصية

أردت الخلافة من دونه *** وغرتك أكلبك العاوية

وأنت طليق فلا ترجها***وإن ترجها تهو في الهاوية

وروى سعيد بن حسّان أنّه كان في مرضه يقول: اسقوني ونغب ولا يروي ويقول: ما لي وما لك يا حجر! ما لي وما لك يا ابن أبي طالب، ويتململ على فراشه ويقول: لولا هواي في يزيد لأبصرت به رشدي، ونحو ذلك في تاريخ النشويّ.

سلمة ابن كهيل قال الأحنف: سمعت عليّاً يقول: ما يموت فرعون حتّى يعلق الصليب في عنقه، فدخلت عليه وعنده عمرو والأسقف فإذا في عنقه صليب من ذهب، فقال: أمراني وقالا: إذا أعيا الداء الدواء تروحنا إلى الصليب فنجد له راحة.

الزهري دخل عليه راهب وقال: مرضك من العين، وعندنا صليب يذهب العين فعلقه في عنقه فأصبح ميتا فنزع منه على مغتسله.

وفي المحاضرات لما علقه قال الطبيب: إنّه ميت لا محالة، فمات من ليلته فقيل له في ذلك فقال: روي عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخبر السالف.

فصل في عمرو بن العاص

في التفاسير لما مات إبراهيم (1)ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هجاه بثمانين بيتا فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللّهمّ إن عمرا هجاني ولا أحسن الشعر اللّهمّ فالعنه بكل بيت سبعين لعنة، فنزل فيه (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

وقال بمصر على المنبر: محي من كتاب اللّه ألف حرف وزيد فيه ألف حرف وبذلت مائة ألف على أن تمحى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) فما استوى.

وفي العقد سمعه ابن عبّاس يزكّي نفسه، فقال: بعت دينك من معاوية، و مناك ما بيد غيره، فلمّا صارت مصر بيدك، كدرها بالعزل عليك، وكدرت مشاهدك بصفين، فواللّه ما ثقلت علينا وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك ولقد كنت طويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يد لا تبسطها إلى خير، وأخرى لا تقبضها عن شرّ، فأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك، وهذا على قول عمر: لما بعث يطلب مصر من معاوية:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل *** به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة *** أخذت بها شيخا يضر وينفع

ولمّا عزله قال ابن عمر له:

ألا يا عمرو ما أحرزت مصرا *** ولا أنت الغداة إلى رشاد

أبعت الدين بالدنيا خسارا *** فأنت بذاك من شر العباد

وروي أنّه بارز بصفين قائلا:

يا قادة الكوفة يا أهل الفتن *** يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

كفى بهذا حزنا من الحزن *** أضربكم ولا رأى أبا الحسن


1) الصحيح: القاسم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فإن القصة وقعت في مكة، و سورة الكوثر مكية.

فتثاقل عنه علي وكان متنكرا حتّى تبعه وأنشأ:

أنا الغلام القرشيّ المؤتمن *** الماجد الأبلج ليث كالشطن

رضي به السادة من أهل اليمن *** أبو الحسين فاعلمن أبا الحسن

فهرب فطعنه فوقعت في ذيل درعه، فاستلقى وأبدى عن عورته، فصفح عنه حياء وتكرما وأنشأ معاوية:

ألا للّه من هفوات عمرو *** يعاتبني على ترك البراز

فقد لاقى أبا حسن عليّاً *** فآب الوائلين مآب خاز

ولو لم يبد عورته لأدى *** إلى الشيخ يذلل كلّ باز فقال عمرو:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة *** لقى فارسا لا تعتليه الفوارس

معاوي لو أبصرت في الحرب مقبلا *** أبا حسن صدتك عنه الفوارس

وقد تمثل الشعراء بفعله فقال أبو فرّاس:

فلا خير في دفع الردا بمذلّة *** كما رده يوماً بسوءته عمرو

ومن العجب تسليم نفوس أعدائه لما يعلمونه من وقايعه هذا مع هيجان الغضب وتراكمه، وثوران الحرب وتزاحمه، قال جامع الكتاب في هذا الباب:

ليس العجيب لعمرو عند سورته *** عن سوء تيه بلى من عفة العافي

هذا وقد هاجت الهيجاء من غضب *** والحرب تسقي بكأس مترع وافي

لولا الوثوق به لم يبد عورته *** له وذلك أبين (1)ليس بالخافي

وسيأتي في باب رد الشبهات طرف من ذلك.


1) وذاك مبين، خ.

باب: في المجادلة لنصرة دينه

إشارة:

وفيه فصول ومناظرات فيما وقع من ذلك للمنحرفين عنه ولأصفيائه، و يلحق بذلك بحث في التقية وبحث في البراءة من أعداء العترة النقية.

فلا خفاء في العقل لشرف العلم، للقضاء الضروري حتّى أنّه نسب إلى الجاهل فرح به، وإن علم بكذبه:

كفى شرفا للعلم دعواه جاهل *** ويفرح إذا يعزى إليه وينسب

وقد اشتهر فضله في الذكر الإلهي (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (1)) (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (2)).

قال الزمخشري في كشافه: فيه دليل على أن من ذهب إلى تشبيه أو جواز رؤية أو جبر الّذي هو محض الجور لم يكن على دين اللّه.

قال الإمام الطبرسيّ: وفي اقتران العلماء بالملائكة، دليل فضلهم وأنّه لا عبرة بغيرهم، والعلم هنا التوحيد وعلوم الدين، لأن الشهادة وقعت فيه، واشتهر فضله أيضاً في الحديث النبويّ في قوله: ساعة من العالم متكئ على فراشه ينظر في علمه، خير من عبادة العباد سبعين عاما، تعلموا العلم فإنّه للّه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وتذكيره قربة، لأنّه منار سبيل الجنّة والنار، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغربا، يرفع اللّه به قوما فيجعلهم في الخير قادة يقتص بآثارهم، وينتهي إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم. وفي صلاتها مع كلّ رطب ويابس تستغفر لهم، حتّى حيتان البحار و


1) الزمر: 9.

2) آل عمران: 18.

هوامّها، وسباع الأرض وأنعامها، وهو حياة القلوب، وقوة الأبدان، ونور الأبصار، يبلغ به العبد مجالس الملوك، ومنازل الأحرار، الذكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحرام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهم السعداء ويحرم الأشقياء.

فصل في أن الجدال بالتي هي أحسن مأمور به في القرآن والسنة

فصل

ذكر عند الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) نهوا عن الجدال فقال: المنهي عنه هو الجدال بغير التي هي أحسن، فإن اللّه أمر نبيه في قوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1)) وغير الحسن أن يجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة نصبها اللّه، والتي هي أحسن مثل جدال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لجاحدي البعث بقوله: (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أوّل مَرَّةٍ (2)) نبه سبحانه على عظيم قدرته بقوله:(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا (2)) على أن من كمن النار الحارة في الأخضر، هو على إعادة ما يفنى أقدر.

وقال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ العليّمُ (3)) وقد جادل النبيّ أهل خمسة أديان: اليهود، والنصارى والدهرية، والثنوية، ومشركي العرب، من أراد وقف عليه من تفسير الإمام العسكري واحتجاج الطبرسي.

وقد أورد المفيد في كتاب الكامل وكتاب الأركان وكتاب المحاسن حديثا مسندا إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (خاصموهم وبينوا لهم الهدى الّذي أنتم عليه، وضلالهم و باهلوهم في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)).

وقد جادل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) المشركين مرارا عند قولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ (4)) (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ


1) النحل: 125.

2) يس: 79.

3) يس: 81.

4) الفرقان: 7.

عَظِيمٍ (1)) (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (2)) الآيات.

وفي كتاب مشكاة الأنوار مسندا إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: نحن المجادلون في دين اللّه على لسان سبعين نبيا ومسندا إلى الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: أشد من يتم يتيم انقطع عن أبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ألا ومن كان من شيعتنا عالما لعلمنا، فهداه وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى.

وإلى العسكريّ إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلم جهلهم إلى نور العلم الّذي حبوناه به، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لأهل العرصات، وحلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثمَّ ينادي مناد هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمّد، ألا فمن أخرجه من ظلمة جهله فليتشبث بنوره، ليخرجه من ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنات فيخرج كلّ من علّمه خيراً أو فتح عن قلبه من الجهل قفلاً.

وإلى العسكريّ: فضل كافل يتيم آل محمّد، المنقطع عن مواليه، الناشب في تيه الجهل يخرجه ويوضح له، على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السها.

وإلى العسكريّ إلى الحسين بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتّى أرشده قال اللّه عز وجل: أيها العبد الكريم المواسي، أنا أولى بالكرم اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بكل حرف علمه ألف ألف قصر، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم.

وإلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الّذي يلي إبليس وعفاريته وشيعته النواصب، يمنعونهم من الخروج والتسلط على ضعفاء شيعتنا، ألا ومن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممّن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرّة، لأنّه


1) الزخرف: 31.

2) أسرى: 90.

يدفع عن أديان محبينا، وذلك عن أبدانهم.

وإلى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشد على إبليس من ألف ألف عابد، وألف ألف عابد، لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا همّه ذات نفسه وذات عباد اللّه وإمائه ينقذهم من إبليس ومردته.

وعن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرّجل كنت، همّتك ذات نفسك وكفيت النّاس مؤنتك فادخل الجنّة ويقال للفقيه: أيها الكافل لأيتام آل محمّد، الهادي لضعفاء محبيهم: قف حتّى تشفع في كلّ من تعلّم منك أو تعلّم ممّن تعلّم منك إلى يوم القيامة، فيدخل الجنّة ومعه فئاما وفئاما حتّى عدّ عشراً فانظركم حرف ما بين المنزلتين.

وعن الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تكفل لأيتام آل محمّد، المنقطعين عن إمامهم، المتحيّرين في جهلهم، الأسرى في أيدي النواصب وشياطينهم، فاستنقذهم من حيرتهم، وقهر شياطينهم برد وساوسهم، والناصبين بحجج ربهم دليل أئمتهم، ليفضلون عند اللّه العباد بأكثر من فضل السماء على الأرض، والعرش والكرسي والحجب على السماء فضلهم على هذا العابد، كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء.

وعن الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الدالين عليه، و الداعين إليه، والذابين عن دينه بحجج اللّه، والمنقذين لضعفاء عباد اللّه من شياطين إبليس ومردته؟ ومن محاج لما بقي أحد إلّا ارتد عن دين اللّه، ولكنهم الّذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الأفضلون عند اللّه عز وجل.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعتنا القائمون بضعفاء محبينا يوم القيامة، والأنوار تسطع من تيجانهم، قد انبثت في عرصات القيامة ودورها ثلاثمائة ألف سنة، فلا يبقى يتيم قد كفلوه، ومن ظلمة الجهل أخرجوه، إلّا تعلق بشعبة من أنوارهم حتّى ينزلون في جوار استاديهم وأئمتهم، ولا يصيب النور ناصبيا إلّا عميت عيناه من ذلك النور

وصمّت أذناه، وخرس لسانه، ويتحوّل عليه أشدّ من لهب النار، حتّى تدعهم الزبانية إلى سواء الجحيم.

وقال أبو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن من محبي محمّد وآله مساكين مواساتهم أفضل مواساة الفقراء وهم الّذين سكنت جوارحهم، وضعفت قواهم عن مقابلة أعداء اللّه، الّذين يعيرونهم بدينهم، ويسفهون أحلامهم، ألا فمن قواهم بفقهه، ثمَّ سلطهم على الأعدا الظاهرين النواصب، والباطنين إبليس ومردته، حتّى هزموهم عن دين اللّه وأوليائه؟ حول اللّه تلك المسكنة إلى شياطينهم فأعجرهم عن إضلالهم قضاء اللّه بذلك.

وقال: اختصم إلى فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في أمر الدين معاندة، ومؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة، ففرحت فرحا شديدا فقالت فاطمة: فرح الملائكة أشد من فرحك، وحزن الشيطان ومردته لحزنها أشد من حزنها، وإن اللّه قال للملائكة: أحبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف ضعف ما كنت أعددته لها، واجعلوا ذلك سنة في كلّ من فتح على مسكين فغلب معانداً.

وقال: حمل رجل إلى الحسن بن علي هدية فقال أيما أحب إليك أن أرد لك بدلها عشرين ضعفاً وعشرين ألف درهم أو أفتح لك بابا من العلم تقهر به فلانا الناصبي في قريتك، تنقذ به ضعفاءها وإن أحسنت الاختيار جمعت لك الأمرين فقال:

قهري له قدر عشرين ألف؟ قال: بل قدر الدنيا عشرين ألف مرة قال: فكيف أختار الأدون؟ فعلمه كلمة وأعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل ثمَّ حضر فقال له: ما ربح أحد مثل ربحك كسبت مودة اللّه أولا، ومودة محمّد وعلي ثانيا والسبطين والأئمّة ثالثا، وجبرائيل والملائكة رابعاً، وإخوانك المؤمنين خامسا واكتسبت بعدد كلّ مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة، واكتسبت مالاً.

وقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): من قوى مسكينا في دينه، ضعيفاً في معرفته، على ناصب مخالف فأفحم لقنه اللّه يوم يدلى في قبره أن يقول: اللّه ربي، ومحمّد نبيي، وعلي وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن عدتي، والمؤمنون إخواني فيقول اللّه أدليت

بالحجّة، فوجبت لك عالي درجات الجنّة، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنّة.

وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من كان همه في كسر النواصب عن موالينا، وكشف مخازيهم، جعل اللّه همة أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره، يشغل بكل حرف من حروف حجته أكثر من عدد أهل الدنيا، قدرة كلّ واحد يفضل عن حمل السماوات والأرضين، فكم من نعمة وكم من قصور لا يعرف قدرها إلّا رب العالمين.

وقال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفضل ما يقدمه العالم من محبّينا ليوم فقره ومسكنته أن يعين في الدنيا مسكينا من يد ناصب عدو اللّه ورسوله، يقوم من قبره والملائكة صفوف إلى محل من الجنان، فيحملونه على أجنحتهم، ويقولون: طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار، ويا أيها المتعصب للأئمة الأخيار.

وقال بعض الموالي لأبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن لنا جارا ناصبيا يحتج علينا في تفضيل من تقدم على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا ندري ما جوابه؟ فأمر بعض تلامذته بالمصير إليه فذهب فأفحمه، ففرحوا وحزن الرجل وقبيلته، فرجعوا فأخبر الإمام فقال: ما في السماء من الفرح أكثر من ذلك وما بإبليس وشياطينه أشد من حزن أولئك، ولقد صلى على هذا الكاسر ملائكة السماء والعرش والكرسي، وقابلها اللّه بالإجابة فأكرم إيابه، وعظم ثوابه، ولعنت تلك الأملاك عدو اللّه المكسور، وقابلها اللّه بالإجابة فشدد حسابه وأطال عذابه.

تذنيب

كان محمّد بن الحنفيّة يحدّث عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما خلق اللّه شيئاً أشر من الكلب والناصب شرّ منه.

أبو بصير: مدمن الخمر كعابد وثن، والناصب شرّ منه، لأن الشارب تدركه الشفاعة يوماً، والناصب لو شفع فيه أهل السماوات والأرض لم يشفعوا.

تذنيب آخر

أبو ذر قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يؤتى بجاحد حقّ عليّ يوم القيامة أعمى أبكم يكبكب

في الظلمات، ينادي (یَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (1)) وفي عنقه طوق من نار، له ثلاثمائة شعبة، على كلّ شعبة شيطان يتفل في وجهه.

فصل في مجادلات حسنة للشيعة مع أعدائهم وخصومهم

فصل رفع أبو العتاهية يده بحضرة المأمون وقال لثمامة: من رفعها؟ قال: من أمه زانية، قال: شتمتني؟ قال ثمامة: تركت مذهبك فانقطع.

قيل لأبي الهذيل: من جمع بين الزانيين قال: القواد، فسكت السائل.

قال أبو الهذيل لحفص: هل شئ غير اللّه وغير خلقه؟ قال: لا قال: فعذب على أنّه اللّه؟ أو على أنّه خلقه؟ قال: لا على واحد منهما بل على أنّه عصى، قال:

فكونه عصى قسم ثالث؟ قال: لا، فأعاد السؤال فانقطع.

قال النظام - وكان حاضراً: قد عذبه على الكسب، قال: فالكسب شئ غير اللّه وغير ما خلق؟ قال: فأعاد السؤال فانقطع.

قيل لأبي يعقوب المجبر: من خلق المعاصي؟ قال: اللّه، قال: فلم عذب عليها؟ قال: لا أدري.

قال عدلي لمجبر: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ (2)) فلا بد أن يكون الّذي أوقدها غير الّذي أطفأها.

أتي إلى بعض الولاة بطرار أحول فقال لعدلي: ما تفعل فيه؟ قال: أضربه خمسة عشر سوطاً لكونه طراراً، ومثلها لكونه أحول، فقال مجبر: لا صنع له في الحول، وكيف يضرب عليه؟ قال العدلي: إذا كان الكل من اللّه فالطرار والحول سواء، فانقطع.

قال عدلي لمجبر: هل تملك من أهلك ومالك شيئاً؟ قال: لا، قال: كلّ ما تملك جعلته في يدي؟ قال: نعم، قال اشهدوا أن نساءه طوالق، وعبيده أحرار


1) الزمر: 56.

2) المائدة: 64.

وماله صدقة فتحوّلت زوجته عنه، وسألت الفقهاء فأفتوا بوقوع ذلك كلّه، فصارت قضية ضحكة.

وقال بعض الظرفاء: إذا سئلت يوم الحساب عمّا فعلت طلبت العفو من ربي وإن سئلت عمّا خلق في، قلت: يا معشر الخلائق العدل الّذي كنا نسمع به في الدنيا ما هنا منه قليل ولا كثير.

قال عدليّ لمجبر: ما تقول فيمن غرس في بستانه نوع فاكهة ثمَّ قال لغلامه:

آتني منه بكل فاكهة، فذهب وجاء، وقال: ليس فيه سوى نوع واحد فقال: اذهب فأحرقه لم لم يكن فيه سوى نوع، أهذا فعل حكيم؟ فانقطع.

احتضر مجبّر مديون فقال لأولاده: لا تقضوا لأحد شيئاً لأني قد علمت أني من إحدى القبضتين فإن كنت من أهل الجنّة، لم يضرّني، وإن كنت من أهل النار لم ينفعني شئ.

فصل آخر من ذاك الباب وفيه مجادلة العدلي والمجبر

1 - روى كثير من المسلمين أن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لمجبّر: هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من اللّه؟ قال: لا، قال: فإذا كان اللّه علم من خلقه عدم القدرة على طاعته، وقالوا: أنت منعتنا منها، أما يكون عذرهم صحيحاً؟ قال: بلى، قال:

فيجب قبوله، وأن لا يؤاخذهم بشئ أبداً، فتاب الرجل من القول بالجبر.

2 - استعظم قول المشركين في قوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (1)) وإذا كان ذلك من فعل نفسه كيف يليق إنكاره به.

3 - قال عدلي لمجبر: ممّن الحقّ؟ قال: من اللّه قال: فمن الحقّ؟ قال:


1) مريم 90.

اللّه قال: فممن الباطل؟ قال: من اللّه قال: فمن المبطل؟ فانقطع وكان يلزمه أن يقول: هو اللّه.

4 - طلب اللّه التوبة من عباده، فمنهم من أقر وأناب، ومنهم من أصر و خاب، فمن التائب والخائب؟ إذا لم يكن له فعل، إنّما هو اللّه.

5 - يلزم أن كلّ ما في الوجود من الكفر والمناقضات، والسب والمنازعات والرذايل والمجاحدات إنّما وقعت من اللّه لنفسه، فهو الّذي سبها وناقضها ونازعها.

6 - يقال للمجبّر: المناظرة التي جرت لي معك إن كانت مني ومنك بطل مذهبك، وإن كانت من اللّه لنفسه، فهل تقبل العقول أنّه يناظر نفسه ليغلب نفسه فيصير اللّه غالبا مغلوبا، عالما جاهلا، محقا مبطلا؟

7 - الإنسان ينقل من جهل إلى علم، ومن شكّ إلى يقين. فهذه الأفعال إن كانت من اللّه لزم الكفر والجهل به، وإن كانت من العبد فالمطلوب.

8 - في الوجود عبد ومعبود، فإن كان الكل من اللّه، فالعبد المتخشع المتذلل هو المعبود المتكبر المتجلل.

فصل في أن الجبر معتقد علمائهم وأعاظمهم

فصل لعلّ أحداً يقول هذه لا يعتقدها علماؤهم، وإنّما هو في عوامهم، قلنا: ذكر الرازي وهو من أعاظمهم في المسألة الثالثة والعشرين من كتاب الأربعين الّذي صنفه لولده العزيز عليه أنّه لا يخرج شئ إلى الوجود إلّا بقدرة اللّه، وفي الرابعة والعشرين أنّه مريد لجميع الكائنات، لأنّ كلَّما علم وقوعه فهو مراد الوقوع، و كلَّما علم عدمه فهو مراد العدم.

قال: فعلى هذا إيمان أبي جهل مأمور به وغير مراد، وكفره منهيّ عنه و هو مراد.

قلنا: لو كان كذا لزم أن يقطع أبو جهل وكل كافر حجة النبيّ بأن يقول:

اتباع إرادة اللّه أولى وأوجب من اتباع إرادتك لأن الّذي أرسلك لا يريد إيماننا

فعلام تحاربنا؟ وإن كان الرازي يزعم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أيضاً لا يريد إيمانهم قويت بذلك حجتهم حيث تبعوا الإرادتين.

ولقد كان الجاحدون أقل كفرا من اعتقاد المجبرة فإنّهم لم يعرفوه فنسبوا إليه من الشر والقبايح والفساد ما لا نسبته المجبرة، ولما أعجب الرازي علمه تحدى به العلماء، فبلغ زاهد ذلك فقال: إنّه لا يعرف اللّه، فجاء إليه وقال: من أين عرفت أني لا أعرف اللّه؟ فقال: لو عرفته حق معرفته شغلتك خدمته ومراقبته عن الدنيا الفانية التي تعبدها، فانقطع الرازي، ومن وقف على وصيته، عرف أن ما صنفه لم يكسب منه دينا، ولا حصل منه يقينا، بل كان في سيره ليلا ونهارا كالحمار يحمل أسفاراً.

وذكر الغزالي في الإحياء وفي منهاج العابدين أنّه لا يجري في الملك طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا فلتة ناظر، إلّا بقضاء اللّه وإرادته ومشيئته من الخير و الشر والنفع والضرّ، والطاعة والعصيان، والكفر والإيمان، ومن تصفح الكتابين، وجد الحث على استعمال الزهد [وهو] يوجب قدرة العبد كما هو مقتضى العقد وقد صرح في العارض الثاني من الباب الرابع في منهاج العابدين أن الصحيح عند علمائه أن كون العبد مختارا لا يقدح في تفويضه.

فصل في أنهم القدرية التي قال رسول اللّه إنهم مجوس هذه الأُمّة

اشتهر في الحديث: القدرية مجوس هذه الأُمّة فقالوا: هم أنتم لأنكم جعلتم لكم قدرة على الفعل قلنا: ليس من أثبت القدرة للعبد، قدريا إنّما هو (قدري) بضم القاف بل أنتم القدرية بدليل اللغة والمعنى والأثر:

أمّا اللّغة فالاسم إنّما يشتق لمن أثبت الشئ لا لمن نفاه، كما أن الموحد من أثبت الوحدة والمجسم من أثبت الجسم فالقدري من أثبت القدر، ولو اشتق اسم المعنى لمن نفاه صدق على المنزهين للّه أنّهم ثنوية ومجسمة إلى غير ذلك من

السلوب ولو كان من أثبت لنفسه قدرة قدريا، لكان اللّه قدريا وقد رأيناهم يلهجون في كلّ واقعة بالقدر، ومن أكثر من شئ عرف به، كما جاء في الخبر.

وأما المعنى فلأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذمهم ونهى عن مجالستهم وحكم بأنّهم شهود الشيطان، وخصماء الرحمن، وجعل شبه المجوس فيهم، وهذه النعوت صادقة عليهم فالذم أحق بهم، لإضافتهم القبيح إلى ربهم.

وأما النهي عن مجالستهم فلمّا فيها من الاغراء بالمعاصي، حيث يقولون:

ما قدره اللّه كان، وما لم يقدره لم يكن، فلا وجه للتحفظ من المعصية، ويؤيسون جليسهم من رحمة اللّه، حيث يقررون له أن اللّه يعذب من غير ذنب وأنّه خلق للنار خلقا لا تنفعهم الطاعات، وللجنة خلقا لا تضرهم المعصيات، فلا تسكن نفس بطاعة ولا تخاف بمعصية، وأساءوا الثناء على اللّه بنسبة كلّ ثناء إليه، وأحسنوا الثناء على العصاة بقولهم: لا حيلة لهم فيه.

وأما كونهم شهود الشيطان وخصماء الرحمن فإن اللّه إذ قال له: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ (1)) فيقول: قضاؤك، فيقول: هل من شاهد؟ فلا يجد غير أولئك.

وحكى الحاكم أنّه كان بالبصرة نصرانيّ فكتب أن اللّه فعل الكفر فيه، و منعه من الإيمان، وقضاه عليه، وأتى المجبر فأخذ خطوطهم ليشهدون له يوم القيامة والعدليّون يسخرون منهم.

وأمّا شبه المجوس فإنّهم يقولون: الإله القادر على الخير لا يقدر على الشر، وبالعكس، وهؤلاء يقولون: الكافر يقدر على الكفر لا الإيمان، و المؤمن بالعكس، والمجوس يمدحون ويذمون بما لا اختيار في فعله وتركه:كما يحكون أنّهم يرمون بالبقرة من شاهق، ويقولون: انزلي لا تنزلي! فإذا وقعت قالوا: عصت وأكلوها وهؤلاء يقولون مثل ذلك، والكافر والمؤمن و المجوس علقوا المدح والذم بما لا يعقل، وهو الطبع، وهؤلاء علّقوهما بما لا يعقل وهو الكسب، والمجوس ينكحون المحارم، ويقولون: أرادها اللّه منا، وهؤلاء


1) ص: 75.

يفعلون المعاصي ويقولون: قضاها اللّه علينا.

وتشاجر عدليّ ومجبر من المجوس؟ فقال المجوسي: ممّن المجوسي؟ قال: من اللّه، فقال العدلي: للمجبّر أيّنا يوافقه؟

إن قالوا: بل أنتم المجوس لإضافتكم الشرور إلى الشيطان دون اللّه، وكذا المجوس قلنا: الشرور التي أضافوها إلى الشيطان هي الأمراض والمصائب، ونحن نضيف هذه إلى اللّه والشرور التي هي الاغواء ونحوه نضيفها إلى الشيطان ولما كان هذا ليس مختصا بالمجوس، بل قال به الكتابيون كافة لم يكن التشبيه لأجل هذا، لعدم اختصاص المجوس به، بل وقد أضافه اللّه ورسوله إليه، وهو ظاهر.

وقد قال أبو بكر في مسألة: هذا ما رأيته فإن يك صوابا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللّه ورسوله منه بريئان، ومثله عن عمر وابن مسعود.

وأما الأثر فقد روى في الفائق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا قيل: ومن القدرية؟ قال قوم يزعمون أن اللّه قدر المعاصي عليهم وعذبهم عليها.

وقال في الفائق أيضاً: وأما المجبرة فإن شيوخنا كفّروهم، وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي أنّ المجبّر كافر، ومن شكّ في كفره فهو كافر. وروى أبو الحسن عن محمّد بن علي المكي بإسناده أن فارسياً قدم إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال:

أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت قوما ينكحون محارمهم، ثمَّ يقولون: قضاه اللّه وقدره قال النبيّ: سيكون في أُمّتي صلهم؟ أولئك مجوس أُمّتي.

وذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم في رواية الأصبغ أن شيخاً سأل عليّاً بعد انصرافه من صفين أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال:عند اللّه أحتسب عنائي، ما أرى لي من الأجر شيئاً، قال لعلك ظننت قضاءا لازماً وقدراً حاتماً، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان، وشهود الزور، وأهل العمى عن الصواب، قدرية هذه الأُمّة ومجوسها، فنهض الشيخ مسرورا وقال:

أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته *** يوم الحساب من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً *** جزاك ربك عنا فيه إحسانا

وعن الحسن البصري: بعث اللّه محمّداً والعرب قدرية مجبرة لقوله تعالى فيهم:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا (1)) ولقوله (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا (2)).

وعنه أيضاً أن من المخالفين قوما يقصرون في أمر دينهم، ويحملونه على القدر ولو أمرتهم في شئ قالوا: لا نستطيع قد جفت الأقلام، وقضي الأمر، ولا يرضون في أمر دنياهم إلّا بالاجتهاد والحذر، ولو قلت لهم: لا تشقوا نفوسكم، ولا تخاطروا في الأسفار بها، ولا تسقوا زروعكم واتركوا أنعام من حراستها، فإنّه لا يأتيكم إلّا ما قدر لكم لأنكروا ذلك، ولم يرضوه لأنفسهم، وقد كان ذلك في الدين أولى بهم.

فصل آخر في مجادلة العدلي والمجبر

قال عدليّ لمجبّر: قاتل معاوية عليّاً على شئ قضاه اللّه له أو لعليّ؟ قال: بل له، قال: فمعاوية أحسن حالا من علي، حيث رضي بالقضاء ولم يرض عليّ فانقطع المجبر.

قال عدليّ لمجبّر: كان قتل الأنبياء بقضاء اللّه؟ قال: نعم، قال: أفترضون به فسكت.

قال عدليّ لمجبّر: تقول بالقدر إذا ناظرت أحدا، وإذا رجعت إلى منزلك فوجدت جاريتك كسرت كوزاً يساوي فلساً شتمتها وضربتها وتركت لأجل فلس واحد مذهبك.

وقال مجبّر لعدليّ: لي خمس بنات لا أخاف على فسادهنّ غير اللّه.

ورأى مجبّر غلامه يفجر بجاريته، فضربه فقال: القضاء ساقنا فرضي وعتقه.

رأى شيخ رجلاً يفجر بأهله فضربها، فقالت: القضاء ساقنا تركت السنة و


1) الأعراف: 28.

2) الأنعام: 148.

أخذت مذهب ابن عباد فتنبه، وألقى السوط واعتذر إليها وأكرمها.

قال عمرو بن عبيد لأبي عمر وابن العلى: ما معنى (يا حسرتي على يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (1)) فسكت أبو عمرو.

وقال سلام لتلميذه: قول موسى: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (2)) يوهم الجبر وقال التلميذ: وقول يوسف: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي (3)) يدل على القدر، فقال ثالث: قال موسى: (لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي (4)) فقال عدلي: ما رضيتم بمذهب موسى ويوسف حتّى تزروا عليهما فسكتوا.

وحكى الحاكم أن جبريا قال: زنية أحب إلي من عبادة الملائكة، لأن اللّه قضاها علي، ولا يقضي إلّا ما هو خير لي.

وأدخل عدلي على محمّد بن سليمان فأمر بضرب عنقه فضحك فقال: كيف تضحك في هذا الحال؟ قال: لو قال رجل: محمّد بن سليمان يقضي بالجور، ويفعل الظلم، ويريد الفساد، فقال آخر: كذبت بل يفعل ضد ذلك، أيهما أحب إليك؟ قال: الّذي دفع عني، وأحسن الثناء علي، قال: فلا أبالي أحسنت الثناء على ربي، فانقطع من القدرية من حوله وخلى سبيله.

تذنيب اعترف الشيطان في القيامة بأنّه أضلهم في قوله: (وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي (5)) وشهد اللّه عليه بذلك في قوله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (6)) فردوا اعترافه بإضلالهم وشهادة ربهم بتسويله، وسيعترفون كما حكاه القرآن عنهم في قوله: (أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا


1) الزمر: 56.

2) القصص: 15.

3) يوسف: 100.

4) المائدة: 25.

5) إبراهيم: 22.

6) القتال: 25.

فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ) (1)) ولو عرفوا أن اللّه أضلهم فلمن كانوا يطلبون العذاب واللعن (وَقَالَ رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا) (2)) فإن علموا يوم كشف الأسرار وعلم الأشياء بالاضطرار أن اللّه أضلهم، فلمن يجعلون تحت أقدامهم؟ ومن أكبر المكابرات أن منهم من ينكر الشرك في القيامة كما حكاه اللّه عنهم في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (3)) فلو علموا أن شركهم منه لكانت إضافته إليه أقطع وأولى، من كذبهم على أنفسهم، حتّى يعجب اللّه منهم في قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (4)) ولو كان هو أضلهم وألجأهم إلى إنكار الشرك لم يتعجب منهم.

قالوا: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قلنا: فيها إضافة فعلهم إليهم، وإلّا ارتفع السؤال، إذ لا يسألون عما يفعل

فصل آخر في إلزام المجبرة

يقال لهم: أراد اللّه كفر الكافر، فإن أردتموه كفرتم، وإن أردتم إيمانه فإن كان ما أراد اللّه خيراً له كفرتم، وإن قلتم: ما أردنا خير فأنتم أحق بالمدح منه.

وأيضاً يلزم كون إبليس يوافق إرادة اللّه والنبيّ يخالفها، وإذا أراد كفره وأمره بالإيمان، فإن كان الأولى بالوقوع الكفر كان أولى من الإيمان، وإن كان الإيمان أولى كان الأمر بما فيه تعجيزه عندكم أولى بالوقوع.

قال الجاحظ لأبي عبد اللّه الجديّ: هل أمر اللّه المشرك بالإيمان؟ قال:إي واللّه، قال: فهل أراد منه؟ قال: لا واللّه، قال: فيعذبه عليه؟ قال: إي واللّه قال: فهل هذا حسن؟ قال: لا واللّه.

قال عدليّ لمجبّر: ما تقول فيمن قال: كلَّما كان في زمن النبيّ وصحابته من


1) الأحزاب 67.

2) فصلت: 29.

3) الأنعام: 23

4) الأنعام: 24.

الكفر والفتن، فمنهم وبإرادتهم، قال: كافر لطعنه فيهم، قال: فلو قال: ذلك من اللّه فسكت.

طبَّ نصرنيّ عين مسلم فصحت فقال: قد وجب علي حقك وأريد نصيحتك بأن تسلم، قال: فهل يريد اللّه إسلامي؟ قال: لا قال: فأيكما أحق أن أعبد.

قالوا: الإرادة مطابقة للعلم فما لا يعلم وقوعه لإيراد، قلنا: هذا مصادرة لأنّه نفس الدعوى، ولم لا ينعكس بأن يكون العلم هو المطابق للإرادة.

قالوا: إرادة ما لا يكون تمن قلنا: التمني في قبيل الكلام لا الإرادات.

قالوا: خلاف المعلوم مستحيل فلا يراد، قلنا: لو كان خلاف المعلوم مستحيلا كان المعلوم واجبا فلا اختيار للّه في وقوعه، ولو كان مستحيلا لم نصف اللّه بالقدرة على إقامة الساعة.

قالوا: لو وقع في ملكه ما لا يريد، كان عاجزا كالشاهد قلنا: باطل عند قياس الغالب على الشاهد، ويعارض بأنّه لو وقع في ملكه خلاف ما أمر به، دل على عجزه بل المعصية منسوبة إلى الآمر عندكم كقوله: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (1)).

قالوا: أخبر اللّه بالكفر، ولا يكون خبره صدقا إلّا به، فيرده لئلا يكذب نفسه قلنا: أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمر بالاغتسال من الزنا، فيجب أن يريد قتل الحسين ليكون الصدق في خبره، والزنا لتحصل الفائدة في أمره.

تذنيب

ذكر الغزالي في الإحياء قوة اللّه على خليقته، وشبهه بالأسد في سطوته وبطشته، روى أنّه قبض من ظهر آدم قبضة وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وقبض أخرى وقال: هؤلاء إلى الجنّة ولا أبالي قلنا: كيف يليق بمن وصف نفسه مع تحتم صدقه، بأنّه أرحم الراحمين، أن يقول في كتبكم ما ينافيه ففي الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) رأى امرأة من السبي ترضع ولدا لها فقال: أترونها طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: فالله أرحم لعباده منها بولدها.


1) طه: 93.

وفي الجمع أيضاً أن للّه مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى خلقه يتراحمون بها وبها تعطف الوحوش على أولاده، وأخر لنفسه تسعة وتسعين، يرحم بها عباده يوم القيامة.

وفيه أيضاً يقول اللّه يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني، فيقول: كيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول: مرض فلان فلم تعده، واستطعمك فلان شيئاً فلم تطعمه، واستسقاك فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو فعلت ذلك لوجدته عندي، فانظر ما في شفقته عليهم أن جعل كالواصل إليه ما يصل إليهم.

وفيه لو نام رجل في أرض دوية (1)فانتبه فلم يجد راحلته ولا زاده، فطلبهما حتّى اشتدّ جهده، فرجع فنام ليموت فانتبه فرأهما عنده، فاللّه أشدّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده، فكيف يليق بالرحيم المتعالي أن يقول: هؤلاء إلى النار ولا أبالي.

فصل: فيما يلزمهم من القول في عدم الاستطاعة

يلزمهم أن لا يقدر الكافر المأمور بالإيمان عليه، وأن يذهب الفرق بين كفره وسواده، ويلزم أن يكون فقده لقدرة الإيمان، كفقده لآلة الفعل، فيكون معذورا كفاقد الآلة ويلزم أن يتساوى الزمن والصحيح في العذر، لترك المشي، ويتساوى الكائن على نهر بالعاجز عن الماء، فيعذر في التيمم، فإذا صلى وحلف بطلاق زوجته أنّه لا يقدر على الماء أن تصحّ صلاته، ولا تطلق امرأته.

وألزم سلام الفارسي بذلك فالتزم بطلاق امرأته، ويلزم أن لو حملت ذرة خردلة عجز جبريل القادر على قلب المدن عن حملها، ويلزم أن الأنبياء لو قدروا على الكفر لكانوا أكفر خلق اللّه وأن إبليس والطغاة لو قدروا على الإيمان لكانوا أفضل عباد اللّه، وذلك من أسوء الثناء عليهم، وأحسن الثناء على العصاة.


1) أي غير موافقة وذات أدواء.

ولو قيل لرجل منهم: إنّك لا تترك المعاصي إلّا عجزاً ولو قدرت كنت أعصى خلق اللّه، لنفاه عن نفسه نفي مضطر إلى قبحه، ويقال لهم: هل عفى ملك عن جان وهو قادر على عقابه؟ فإن قالوا: عفى وهو يقدر، تركوا أصلهم، وإن قالوا: وهو لا يقدر لزم أن يكون ملك الروم قد عفى عن المسلمين وإن لم يقدر عليهم.

ولو قال اللّه للعاصي لم لا تطيع؟ فقال: لا أقدر، فقد صدق فينفعه صدقه لقوله تعالى: (يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) (1)ويلزم سقوط الحجّ عن كلّ أحد لأن اللّه أو جبه بشرط الاستطاعة فإذا انتفت انتفى.

مناظرات طريفة في ذلك

قال عدليّ لمجبّر: ما معنى قوله تعالى: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ (2)) قال: صدقوا، قال: فما معنى تكذيبهم؟ قال: لا أدري؟.

وقال الواثق ليحيى ابن كامل: ما التوبة؟ قال: الندم، قال: فتقدر عليها؟ قال: لا، قال: فما التوبة حينئذٍ؟ فانقطع.

وقال مجبر: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (3)) تكسر قولنا في عدم الاستطاعة فقال عدلي: كسره اللّه.

وقيل لصفو المجبّر: أكان فرعون يقدر على الإيمان؟ قال: لا، قيل: أفعلم موسى ذلك قال: نعم، قال: فلم بعثه اللّه؟ قال سخرية.

قال النجار للنظّام: بم تدفع تكليف ما لا يطاق؟ فسكت، فقيل: لم سكت قال: كنت أريد ألزمه تكليف ما لم يطق، فإذا التزمه ولم يستحي فبم ألزمه.

ومرّ أبو الهذيل راكبا على النجار فقال: انزل حتّى أسألك قال: هل أقدر


1) المائدة: 119.

2) براءة: 42.

3) التغابن: 16.

أن أنزل أو تقدر أن تسألني؟ قال: لا.

وقال مجبّر لعدليّ: ما دليلك على تقدم الاستطاعة على الفعل؟ قال: الهرة والفارة لولا أن الهرة والفارة تعلم قدرتها على أخذها لم تهرب منها.

قالوا قوله تعالى: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (1)) قلنا: المراد لا يستطيعون تصحيح ما نسبوه إليه من الشعر والجنون والسحر، والمراد كأنهم لا يستطيعون مثل (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (2)) ولأن الآية جاءت للتوبيخ، ولولا الاستطاعة انتفى المعنى.

واجتمع إلى بحر الخاقاني جماعة من اليهود، قالوا: كيف تأخذ منا الجزية وفي بلدك علماء مجبرة وأنت على قولهم، يقولون: إنا لا نقدر على الاسلام، فجمعهم فقالوا: نعم نقول بذلك، فطالبهم بالدليل فلم يقدروا عليه فنفاهم.

تذنيب في بحث التقية

تذنيب بحث في التقية قال اللّه تعالى: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (3)إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (4)وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (5)) وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): التّقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، التقية ترس اللّه في الأرض، ليس منا من لم يلزم التقية، ويصوننا عن سفلة الرعية، خالطوا النّاس بالبرانية وخالفوهم بالجوانية، ما دامت الإمرة صبيانية.

ولمّا هاجر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أسر أبو جهل عمارا وألزمه بسبّ النبيّ وضربه عليه فسبه وهرب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) باكيا فقال قوم: كفر عمار، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):كلا؟ إنّه ملئ إيمانا فقال: عمار أيفلح من سب النبيّ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن عاد ذلك فعد لهم بما قلت (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) (6).


1) الفرقان: 9.

2) البقرة: 18.

3) آل عمران: 28.

4) الحجرات: 13.

5) غافر: 28.

6) النحل: 106.

ابن مسعود في قوله تعالى: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (1)) قال: حرّفوا التوراة، وأعرضوها على ذي القرن أفضل أحبارهم، وقالوا: إن لم يقبل قتلناه فعلم فجاء بها في عنقه تحت ثوبه فلمّا أعرضوا عليه المحرف وضع يده على صدره، وقال، هذا كتاب اللّه فلمّا مات أفشى سره خلصاؤه فاختلفت بنوا إسرائيل فرقا وكانت الناجية أصحابه.

وسعي برجل إلى فرعون أنّه يقول: بوحدانية اللّه فجئ به، فقال: أشهد أن ربهم ربي، وخالقهم خالقي، لا رب لي ولا خالق سوى خالقهم وربهم، فعذب السعاة وذلك قوله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (2).

تذنيب في تقية الشيعة بالوجه الحسن

في التوراة ذكر الدينوري في محاسن الجوابات، وابن عبد ربه في العقد أن معاوية أعطى عقيلا جملة دراهم ليصعد المنبر ويلعن عليا، فصعد وقال: إن معاوية أمرني أن ألعن عليّاً فالعنوه، فقال: أخذت مالي ولعنتني؟ قال: فاستر لئلا ينكشف للناس.

وفي العقد إن معاوية أمر الأحنف يشتم عليّاً فأبى، فقال: اصعد وأنصف فقال: إن عليّاً ومعاوية كلّ منهما ادعى بغي الآخر عليه، اللّهمّ العن الفئة الباغية.

وذكر الكشي أن معاوية أمر صعصعة بن صوحان أن يلعن عليّاً فصعد المنبر وقال: إن معاوية أرني أن ألعن عليّاً فالعنوه، فقال: واللّه ما عنيت غيري، ارجع حتّى تذكره باسمه واسم أبيه، فرجع، وقال: العنوا من لعنه اللّه ولعن علي ابن أبي طالب فقال معاوية: واللّه ما عنى غيري أخرجوه عنّي لا يساكنني.


1) البقرة: 101.

2) غافر: 45.

ولقي الطاقي خارجي فقال: لا أفارقك أو تتبرأ من علي فقال: أنا من علي ومن عثمان برئ فسلم منه.

مسلم إلياس المعدل على قوم فلم يردوا، فقال: لعلكم تظنون في ما قيل من الرفض؟ إن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا من أبغض واحداً (1)منهم فهو كافر فسروا بذلك ودعوا له.

وكان بعضهم يلعن السلف فسعي به إلى الوالي فقال: قد خسرت في السلف كثيراً يريد السلم.

ودخل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي العبّاس في يوم شكّ وهو يتغدى فقال: ليس هذا من أيّامك فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما صومي إلّا صومك ولا فطري إلّا فطرك فقال: ادن فدنوت وأكلت، وأنا واللّه أعلم أنّه من رمضان.

وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تقول في العمرين؟ فقال: إمامان عادلان قاسطان كانا على الحقّ فرحمة اللّه عليهما، فلمّا خف المجلس سئل عن التأويل فقال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (2)وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (3)) وعدلا عن الحقّ وهو علي، فالرحمة وهو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليهما (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (4)).

وفي تفسير العسكري قال رجل لشيعي بحضرة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما تقول: في العشرة فقال: أقول فيهم الخير الجميل الّذي تحط به سيئاتي، وترفع به درجاتي فقال: كنت أظنك رافضيا تبغضهم، فقال: من أبغض واحداً منهم أو بعضهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين فقبل الرجل رأسه وقال: اجعلني في حل فقال: أنت في حلّ أي غير حرم.


1) يعني بالواحد عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) القصص: 41.

3) الجن: 15.

4) الأنبياء: 107.

بحث في الولاء والبراء

بحث في الولاء والبراء قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ (1)لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (2) لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (2)لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية (3).

وقد سلف أن محمّد بن يحيى أسند إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (4)) قال: آمنوا بما جاء به محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولم يلبسوه بظلم أي لم يخلطوه بولاية فلان وفلان.

وقد نبّه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على وجوب الولاء والبراء بقوله في علي بخم: اللّهمّ وآل من والاه، وعاد من عاداه، وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحب كافرا فهو كافر، و عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جالس لنا غائبا، أو مدح لنا قاليا، أو وصل لنا قاطعا، أو قطع لنا واصلا، أو والى لنا عدوا، أو عادى لنا وليا فقد كفر بالّذي أنزل السبع المثاني.

وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه يحبّ بهذا قوما وبالآخر عدوهم.

وقال له رجل: إني أتولاك وأتولى فلانا وفلانا، فقال: أنت اليوم أعور فانظر تعمي أو تبصر.


1) براءة: 23.

2) الممتحنة: 13.

3) المجادلة: 22.

4) الأنعام: 82.

فقال الحميري رحمه اللّه شعراً:

أتانا رجل جلف *** وقد وافى على المنبر

فقال الرجل الداخل *** قولا بعضه منكر

لقد حبّب لي الكل *** في سري وما أظهر

فقال الطهر أنت اليوم *** فيما قد بدا أعور

فإما أن ترى تعمى *** وإما أن ترى تبصر

وما للمرء من قلبين *** ذا صافي وذا أكدر

وقال أبو البركات في أخيه:

رأيت أبي في النوم بعد وفاته *** عفا خالقي عنه وعن كلّ مسلم

فقلت له ماذا لقيت؟ فقال لي *** نجوت بحب الطالبيين فاعلم

فليس سوى الأطهار آل محمّد *** فسلم إليهم فرط حبك تسلم

فقلت له واللّه ما في شعرة *** تخلص من حبّ الوصيّ المكرم

بلى قد توالى يا أبي غيرهم أخي *** وقدم جهلا منه عير المقدّم

فقال أبي أنت الحلال بعينه *** وغيرك من غيري ومن غير آدم

وقال العوني:

فإن قلت أهواهم وأهوى عدوّهم *** فأنت المقر الجاحد المتوقّف

تعيش كما قال الإله مذبذباً *** تسخر تسخير الحمار وتعلف

يجوّدك النقاد طرّاً وتارة *** تبهرج فيما بينهم وتزيف

صديق عدوّ القوم بعض عداهم *** فإن لم يقاتل فهو بالقوم مرجف

تذنيب في علة تسمية الرافضة

الرفض: الترك ولم يخل أحد من الرفض الّذي هو الترك قال الشهرستاني في الملل والنحل: إن جماعة من شيعة الكوفة رفضوا زيدا فجرى الاسم وذكر نحوه نظام الدين شارح الطوالع، وصاحب منهاج التحقيق.

قال ابن شهرآشوب: الصحيح أن أبا بصير قال للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن النّاس يسمونا الرافضة، فقال: واللّه ما سموكم به ولكن اللّه سماكم، فإن سبعين رجلاً من خيار بني إسرائيل آمنوا بموسى وأخيه، فسمّوهم رافضة، فأوحى اللّه إلى موسى أثبت هذا الاسم لهم في التوراة، ثمَّ ادخره اللّه لينحلكموه.

يا أبا بصير رفض النّاس الخير، وأخذوا بالشر، ورفضتم الشر وأخذتم بالخير.

الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لأبي الهيثم ابن التيهان والمقداد وعمّار وأبي ذر وسلمان هؤلاء رفضوا الناس، ووالفوا عليا، فسماهم بنوا أمية الرافضة.

سماعة بن مهران قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من شرّ الناس؟ قلت: نحن فإنّهم سمونا كفارا ورافضة، فنظر إلي وقال: كيف إذا سيق بكم إلى الجنّة، وسيق بهم إلى النار؟ فينظرون فيقولون: (مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (1)).

شهد عمّار الدهني عند ابن أبي ليلى، فقال: لا نقبلك لأنك رافضي فبكى وقال: [تبكي] تبرء من الرفض وأنت من إخواننا فقال: إنّما أبكي لأنك نسبتي إلى رتبة شريفة لست من أهلها، وبكيت لعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي

وعيّرتني بالشيب وهو وقار *** وليتها عيرتني بما هو عار

قيل لعلوي: يا رافضي فقال: النّاس ترفضت بنا، فنحن بمن نترفّض.

لقي الصاحب رجلاً حجازيا معه رقعة فيها: أنا من أولاد فلان الصديق فكتب في ظهرها.

أنا رجل مذ كنت أعرف بالرفض *** فلا كان بكري لدي على الأرض

ذروني وآل المصطفى عترة الهدى *** فإن لهم حبي كما لكم بغضي

وقال أيضاً:

قالوا ترفضت قلت كلا *** ما الرفض ديني ولا اعتقادي

لكن توليت غير شكّ *** خير إمام وخير هادي

إن كان حب الوصيّ رفضاً *** فإنّني أرفض العباد


1) ص: 62.

وقال منصور الفقيه:

إن كان حبي خمسة***زكت بهم فرائضي

وبغض من عاداهم***رفضا فإني رافضي

وقال السوسيّ:

يا سيدي يا أمير المؤمنين ومن***عند الصلاة به أدعو وأبتهل

لولاك لم يقبل الرحمن لي عملا***ولا سعدت ولا أعطيت ما أسل

رفضي عدوك ثوب الرفض ألبسني***والاعتزال لأني عنه معتزل

وقال ابن حماد:

عقد الإمامة في الإيمان مندرج***والرفض دين قويم ما له عوج

ما في عداوة من عادى الوصي علي***من كان مولى له إثم ولا حرج

اللّه شرفني إذ كنت عبدهم***وحبهم بدمي واللحم ممتزج

دين الولي والبرا لا أبتغي بدلا***ولا إلى غيره ما عشت أنعرج

وقال الشافعي:

إذا في مجلس ذكروا عليّاً ***وسبطيه وفاطمة الزكيّة

فقطب وجهه من نال منهم***فأيقن أنّه لسلقلقيّة

إذا ذكروا عليّاً أو بنيه***تشاغل بالروايات الغبيّة

يقول لما يصح ذروا فهذا***سقيم من حديث الرافضيّة

برئت إلى المهيمن من أناس***يرون الرفض حب الفاطميّة

على آل الرسول صلاة ربي***ولعنته لتلك الجاهليّة

وقال مؤلف الكتاب:

ما الرفض لي برذيلة***ولا أنا منه برئ

بل هو لي فضيلة***أنجوا به في محشري

وإنما يغضبني***قول عدو مفتري

من حيث كان عقده***أنا من الحقّ عري

فلعنة اللّه على***كلّ مضل مجتري

يصلى به سعيره***مع زفر وحبتر

فصل في مناظرات الشيعة في مسئلة الولاية والبراءة

قال هشام بن الحكم لضرار بن عمر: على ما تجب الولاية والبراءة؟ على الظاهر أم الباطن؟ قال: على الظاهر، قال: أفكان علي أذب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأقتل لأعداء اللّه، أم فلان؟ فقال: علي ولكن فلان أشد يقينا قال: هذا هو الباطن الّذي نفيته.

قال: فإذا كان الباطن مع الظاهر قال: فضل لا يدفع قال: أفقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا وهو عنده مؤمن في الباطن قال: لا، قال: فقد صحَّ لعليّ الظاهر والباطن ولم يصح لأبي بكر شئ منهما.

جاء ضرار إلى ابن ميثم مناظرا فقال: أدعوك إلى منصفة وهي أن تقبل قولي في صاحبي، وأقبل قولك في صاحبك قال: لا يمكن، قال: ولم؟ قال: لأني إذا قبلت قولك في صاحبك قلت: إنّه كان الإمام والأفضل بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فلا ينفعني أن أقول في صاحبي: صهر النبيّ واختاره المسلمون.

قال: فاقبل قولي في صاحبك وأقبل قولك في صاحبي قال: لا يمكن، قال: ولم؟ قال: لأني إن قبلت قولك فيه نسبته إلى الضلال والنفاق، فلا ينفعني قبولك قولي إنّه صاحب وأمين، قال: فإذا كنت لا تقبل قولي في صاحبي، ولا في صاحبك فما جئتني مناظرا بل متحكما.

محمّد بن عبد الحميد وأبان ابن تغلب: قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): أتى الأوّل إلى علي معتذرا فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: اجتمع النّاس وسمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: لا تجتمع أُمّتي على ضلال، قال: فأنا وأهلي والعصابة التي معي من الأُمّة أم لا؟ قال: من خيار الأُمّة ثمَّ عدد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مناقبه نحو أربعمائة وقال: وأنت خلو منها فما حالك فيمن يأتيك منابذا مجادلا؟ فبكى وقال: صدقت، أنظر في أمري.

فبات فرأى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في نومه، فأقبل يسلم عليه، فصرف وجهه عنه ثلاثاً وقال: رد الحقّ إلى أهله علي بن أبي طالب، فانتبه فأتى عليّاً فبايعه، وخرج فلقيه الثاني فأخبره فلامه فرجع إلى حاله الأول.

وفي رواية أبان ابن عثمان عن ابن عبّاس أن ذلك كان سبب صعوده المنبر وقوله: أقيلوني، وبدأ يقص رؤياه، فقام الثاني وقال: ما دهاك واللّه لا أقلناك و رده عن عزمه.

قال المفيد لأبي عمرو السطويّ: الشيخان كفرة بجحد النصّ المتواتر، و قد روى مسلم والبخاري وابن عبّاس وجابر الأنصاري والمسور وسهل وأبو وائل والقاضي والجبائيّ والإصفهانيّ، والقزوينيّ والثعلبيّ والطبريّ والسمعانيّ و ابن إسحاق والواقدي والزهري والموصلي بل هو إجماع أن عمر شكّ في دينه فقال: ما شككت منذ أسلمت إلّا يوم قاضي النبيّ أهل مكة، والاجماع أن الشكّ في الدين كفر.

ثم ادعوا أنّه رجع وتيقن، قلنا: لا برهان عليه، ولا نقل لأحد فيه.

ومن شكه أنّه قال لحذيفة لما سمع النبيّ يقول: إنّه أعلم بالمنافقين: أمنهم أنا؟ ولم يخرج حذيفة في جنازة صحابي فقال له عمر: هو من القوم؟ فقال: نعم، فقال: أنا منهم، قال: لا.

وفي الإحياء للغزالي كان عمر لا يحضر جنازة لم يحضرها حذيفة وفي مسند النساء الصحابيات روى أبو وائل عن مسروق عن أم سلمة قالت: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من أصحابي من لا أراه ولا يراني، فناشدها عمر: هل أنا منهم؟ الخبر، وكيف يسأل الإمام رعيته عن أحوال إيمانه وقد رويتم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شهد له بالجنّة و رأى له قصرا فيها، فلا يعتمد على قول نبيه، ويعتمد على غيره إن قيل: إنّما سأل رعيته بعد موت نبيه قلنا: موته لا يبطل قوله.

إن قيل: فقد أجابه حذيفة بأنّه ليس منهم، قلنا: جاز أن يكون هابه وخافه لما شاهد من جرأته على من هو أعظم منه.

فصل في شناعتهم وسوء أدبهم في المقال بحضرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

رووا أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: وزنت بأمتي فرجحت، وزنت بالأوّل فرجح، وبالثاني فرجح، ورجح ورجح، فظلموا النبيّ وأبا بكر بترجيح عمر عليهما في الفضل، وعلى سائر الأنام ولا خفاء أن الموازنة ليست بالأجسام وإلّا لم تقدر على حملهم الأنعام.

وفي الأغاني: سمع الحميري هذا من واعظ، فقال: إنّما رجحا بسيئاتهما فإن من سن سنة قبيحة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة.

ورووا أنّه نادى سارية وهو بنهاوند: الجبل الجبل، فسمعه فانحاز إلى الجبل قلنا: ولم لا تكون الكرامة لسماع سارية لا لعمر، وقد طعن جماعة منهم في رواة هذا الحديث.

وروى الحاتمي بإسناده أن الثاني والثالث تشاجرا في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال الثاني أتذكر يوماً قال فيه ابن أبي كبشه: لولا أني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك مقالا لا تمر بملأ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك؟ قال نعم، سأريك كذبه آتني بتراب من تحت قدميه، فجاء به فمسح به عينيه فرأى سارية من بعيد فأراد اللّه تصديق رسوله وإظهار فضل وصيه.

ورووا أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ما احتبس الوحي عنّي إلّا ظننته نزل على آل الخطاب ولو لم أبعث لبعث عمر بن الخطاب، وما رأيته إلّا تخوفت أن ينزع خاتم النبوّة من بين كتفي ويوضع بين كتفيه.

قلنا: في هذه الروايات ما لا يخفى من المحالات والشناعات إذ في الأوّل الشكّ في نبوته، وهو مناف لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ (1)) والثاني يوجب كون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أثقل النّاس على عمر، لأنّه ولو لم يبعث لبعث وفي الثالث تجويز عزل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن نبوته، وهل يجوز نقل النبوّة


1) الأحزاب: 7.

عن المصطفى إلى من عبد الأوثان بغير خفا.

ورووا أن ملكا ينطق على لسانه ويسدده، وهذا بهت لأنّه رجع إلى علي وغيره في قضإيّاه، وقال: كلّ أفقه من عمر، والأوّل عندكم أفضل منه، وله شيطان يعتريه، وقد قال عمر يوم حديبية: إن الشيطان ركب عنقي، فأين الملك حينئذٍ.

ورووا أن الشيطان يهرب من ظل عمر قلنا: كيف يهرب من ظله، ويلقي على لسان نبيه الكفر عندكم، حيث قلتم، إنّه قرأ (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى).

ورووا أن اللّه أعز الاسلام بعمر فأين عزه للاسلام، وقد فر في مغازي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقد أنزل اللّه في بدر (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (1)).

إن قالوا: أعزه بالفتح بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قلنا: قد قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إن اللّه ليؤيد هذا الدين بقوم لا خلاق لهم، وبالرجل الفاجر. إن قيل: فهذا يعود عليكم في علي بن أبي طالب قلنا: أخرجه ثبوت عصمته، وقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في حقه، علي مع الحقّ والحق معه، ونحو ذلك كثير، ولم ينقل له أحد فجورا في عمره كما روينا ورواه المخالف في عمر، وفي تاريخ الطبري أوّل من سماه الفاروق أهل الكتاب فآثره المسلمون به، ولم يرد فيه رواية عن النبيّ نعم يشتق له ذلك من جهله وخطائه في قضائه.

صل في رد الأخبار المزورة في عثمان

رووا أنّ اللّه جعل لعثمان نورين قلنا: إن أريد جعلهما في الدنيا أو في الآخرة فكيف يخص دون غيره، وهو عندكم مفضول عن الشيخين، وإن أريد أنّه خص بنور في الدنيا ونور في الآخرة قلنا: لا اختصاص فإن اللّه جعل؟ ذلك لكل مؤمن ففي الدنيا (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاس (2)) وفي الآخرة (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ


1) آل عمران: 123.

2) الأنعام: 132.

مِنْ نُورِكُمْ) (1)فيلزم كون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عابثا بتخصيصه.

إن قلت: لا يلزم من الذكر التخصيص قلت: فذهب الفضل المدعى لعثمان حينئذٍ.

ورووا أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: من يشتري بئر أرومة فله الجنّة فاشتراها عثمان قلنا: إن صح ذلك لم يكن لوجه اللّه، ولو كان لنزل فيه قرآن بالاختصاص، كما نزل في أصحاب الأقراص (2)سلمنا لكن رويتم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى لم يبق بينهما إلّا قليل، فيسبق عليه القضاء فينقله إلى النار، ولا يخفى ما أحدث عثمان ممّا يوجب النار.

ورووا أنّه أتى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بدنانير كثيرة فقلبها بيده وقال: لا يضر نعثل ما فعل بعدها قلنا: كيف يصح هذا، وفيه إغراء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالقبائح إذا لم يضره شئ.

قالوا: جلس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوماً مكشوف الفخذين بين أصحابه، فدخل عثمان فغطاهما النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقال: إني لأستحيي ممّن تستحيي منه الملائكة قلنا: رويتم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: الركبة من العورة، فكيف يكشفها وما فوقها، وفي ذلك تفضيل نعثل على الشيخين وهو يناقض قولكم.

وأما سبب حياء الملائكة منه، فبجناية جنتها عليه، أو نعمة أسداها إليهم على يده، حتّى أوجبت على نفسها إجلاله.

قالوا: جهر جيش العسرة وهو خارج إلى تبوك قلنا: كان الجيش خمسمائة وعشرون ألفا فأعطى عثمان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مائتي راحلة ففرقها، فكم يبلغ ذلك من تجهيز خمسمائة وعشرين ألفا وقد تخلف عن الجيش ضعفاء متأسفين على الجهاد ولم يجهزهم.


1) الحديد: 13.

2) يريد نزول هل أتى في شأن أهل البيت في صدقتهم الأقراص المعدة للافطار علي المسكين واليتيم والأسير.

قالوا: زوجه النبيّ بنتيه رقية وزينب (1)قلنا: ذكر صاحب كتاب الأنوار وأبو القاسم الكوفي أنّهما إنّما كانتا بنتي خديجة فلمّا تزوجها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صارتا في حجره، والعرب تسمي الربيبة ابنة فنسبتهما إليه بذلك لا بالولادة، وقد قيل:إنّه كان للكافر أن ينكح المؤمنة حتّى نسخ ذلك.

وفي كتاب الأنوار أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ضمن بيتا في الجنّة لمن حفر بئر أرومة ويجهز جيش العسرة، ففعل ذلك عثمان، فخطب رقية فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أبت إلّا أن أصدقتها البيت الّذي في الجنّة فأصدقها إيّاه وبرئ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إليه من ضمانه، وأشهد على ذلك ثمَّ توفت رقية قبل أن يراها عثمان.

قالوا: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لو كان عندنا ثالثة لما عدوناك قلنا: في هذا تفضيل له على الشيخين، إذ خطبا فاطمة فردهما، هذا إن دلّ التزويج على الأفضلية و إلّا سقطت بالكلية.


1) المشهور أن زوجته الثانية أم كلثوم ولعله كان اسمها زينب وكان أكبر بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أيضاً يسمى زينب زوجة أبي العاص.

الباب الرابع عشر: في رد الشبهات الواردة من مخالفيه

في قولهم أن مذهب الشيعة مستحدث وغير ذلك

وفيه فصول، منها في الآيات، ومنها في الروايات، ويلحقه كلام في وقعة الجمل ونحوها.

ذكر بعض الجهال طرفا من الالباس على ضعفاء الناس، أن مذهب الشيعة حدث على رأس أربعمائة من خلافة بني العبّاس، ولم ينظر إلى قول أكابر شيوخه كابن مسكويه وغيره ذكر في كتابه تجاريب الأمم أنّه لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اجتمعت الشيعة بالكوفة وقد ذكرنا علة تسمية الرافضة في باب المجادلة، ولو سلم ذلك فحدوث اللقب قد يتوخر عن حدوث الملقب، وقد قال يحيى القرشي في منهاج التحقيق: إن معاوية لما سن سب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) سمى ذلك عام السنة وبه سميت أهل السنة لا ما يوهمون به أهل السنة والجماعة.

وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد أن هذين أحدثهما معاوية بعد قتل علي وصلح الحسن، ونحوه ذكر العسكري في كتاب الزواجر، وحكى الكرابيسي أن ذلك من يزيد حين دخل عليه رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحكى صاحب الإبانة أن الحجاج قال: سنة الجماعة سنة أربعين، وقال أبو يوسف: يقولون: السنة السنة إنّما هي سنن الحجاج وأصحاب الشرط.

وفي مسند ابن حنبل قال أنس: ما أعرف اليوم شيئاً ممّا كنا عليه على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قلنا: فالصلاة قال: أولم يضعوا فيها ما قد علمتم.

قال الصاحب:

حب علي بن أبي طالب***هو الّذي يهدي إلى الجنّة

إن كان تفضيلي له بدعة***فلعنة اللّه على السنة

وقد أسند ابن السمعانيّ وابن مردويه قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من سب عليّاً فقد سبني وروى ابن مردويه من عدة طرق: من سب عليّاً فقد سبني ومن سبني فقد سب اللّه، ومن طريق الحسن وزيد ابني عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو ذلك قال شاعر:

لعن اللّه من يسب عليّاً ***وحسينا من سوقة وإمام

أيسب المطهرون جدودا***وكريموا الأخوال والأعمام

وروى مسندا إلى أنس قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أن للّه خلقا ليسوا من ولد آدم ولا إبليس، وهم القنابر يقولون في السحر: ألا لعنة اللّه على مبغض علي بن أبي طالب وقد نظم ذلك مؤلف هذا الكتاب:

يسب علي بأعلى المنابر***وفي جهلهم حسبوا أنّها برّ

فقد سخّر اللّه من لطفه***خليقة معروفة بالقنابر

تقوم بلعنة من يبغض***الوصي عليّاً عدو مكابر

رواه أنيس عن المصطفى***وقد كان فيما رواه لخابر

قالوا: كيف سمّيتم بالمؤمنين وقد تركتم الجمعة وهي من أعظم أركان الدين قلنا: لم نقل نحن ولا أنتم أن العبادات من أركان الدين، وإنّما هو التصديق القلبي فقط، وقد شرط الشافعي في الجمعة أربعين، وشرط أبو حنيفة السلطان أو من أمره، وشرط فيها المصر، وأنّها لا تصح في القرى، ولأنا سمينا أيضاً بالمؤمنين لاتباعنا أمير المؤمنين.

قالوا: فعمر سمي أمير المؤمنين، قلنا: ذلك من تسمية المعاندين، كما سموا به يزيد، أو غيره؟ وهم أعداء المؤمنين، بخلاف من سماه النبيّ الأمين، حيث قال في علي: سلموا عليه بإمرة المؤمنين.

قالوا: نمنع ورود ذلك قلنا: قد رويتم أنّه يعسوب الدين، وقد أسلفنا في الباب التاسع فصلا في تسميته أمير المؤمنين مستوفى فليراجع منه.

قالوا: فأنتم لا جهاد لكم، فلستم بمؤمنين، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا (1)) قلنا: لو انحصر الجهاد بضرب السيف، لم يكن الشيخان من المؤمنين، حيث فرا بخيبر وحنين، فلم يكونا إذ ذاك بالمؤمنين.

بل من الجهاد جهاد النفس في الصبر، ومنه حراسة الدين بالحجج والبراهين وبهذا يندفع قولهم: لو كنتم مؤمنين لانتصرتم لقوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (2)) قلنا: لو أريد نصرة الحرب لم يكن أنبياء بني إسرائيل مؤمنين، وقد أخرجوا أمعاء حبيب النجار بالوطي، وهو مؤمن آل ياسين وقد كسر المسلمون بأحد، وحصر عثمان وحزبه، وتولت البرامكة على الناصبية فلا إيمان لهم ولا لأئمتهم، بموجب تقريرهم، فللّه الحمد على لزومهم التناقض كطوق الحمامة إلى يوم القيامة، وقد ذكر حزقيل من آل فرعون يكتم إيمانه.

قالوا: بلغ من إخفاء دينكم أن تلعنوا أنفسكم، إذا قيل: لعن اللّه الرافضيّ قلتم مثله، قلنا: فأنتم لعنتم إمامكم الّذي هو أعظم من ذلك إذا قلنا: لعن اللّه من خالف النبيّ، قلتم مثله، مع نقلكم في صحاحكم أن عمر خالفه في كتابة الكتاب، ولعن الإمام عمدا أبلغ من لعن النفس تقية، ويكفيكم ما خرج في كتبكم عن عائشة من قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): شر النّاس من يتقي النّاس فحشه.

وقد ذكر صاحب كتاب الأوصياء أن القهر والاضطهاد في صالحي ولد آدم طبقة بعد طبقة إلى ما يشاء.

ولقد بلي أيوب بالبلاء، وعني يعقوب بالعناء وناح نوح حتّى ثوى، وبكى داود حتّى ذوي، ونشر يحيى، وذبح زكريا، وقتل بنو إسرائيل الأنبياء، و لو دلت المغلوبية على بطلان الدين، بطل الاسلام، حيث هرب في ابتدائه سيِّد المرسلين ولا عيب إذا ظفر الشقي بالولي.

فحربة وحشي سقت حمزة الرّدى***وحتف عليّ في حسام ابن ملجم


1) الحجرات: 15.

2) غافر: 51

وقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أشدهم بلاء الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل.

وقد أخرج البخاري ومسلم حديث المغيرة لا تزال أُمّتي ظاهرين حتّى يأتيهم أمر اللّه، وهم ظاهرون، قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): أهل العلم وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي: لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرهم خذلان من خذلهم فهذا صريح في أن خذلانهم لا يبطل أديانهم. ومع ذا فليتخذ الناصبة حكام الجور أئمة لهم، لأنّهم الآن تحت قهرهم، مع إجماعهم على الباطل، إذ يجب عليهم نصب الإمام شرعاً بزعمهم، فالظلمة على قولهم أحق بالأمر منهم، إذا كان السلطان لهم.

ومن أحسن ما يتمثل به:

فكم في الأرض من عبد هجين***يقبل كفّه حرّ هجان

وقد يعلو على الرأس الذباب***كما يعلوا على النار الدخان

وأمّا مغلوبية الشيعة بالدليل، فليس إليها بحمد اللّه من سبيل، فإن براهينها من المعقول مشهورة، ومن المنقول في صحاح مخالفيهم مذكورة.

قالوا: فأنتم الأقلون، قلنا: فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأصحابه أولا هم الأقلون، و هل هذا إلّا مثل قول فرعون: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (1)) وقد قال تعالى:( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (2)) ونحوه كثير ومنه (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (3)) قالوا: كلّ قليل شكور، ولا ينعكس إلى كلّ شكور قليل، بل إلى بعض الشكور قليل قلنا: فإذا حصل الشكور ببعض القليل، خرج البعض الآخر منه، وجميع الكثير، ولزم المطلوب. على أن قولهم المعنى كلّ شكور قليل، ينعكس بالنقيض إلى كلّ ما ليس بقليل ليس بشكور، فالكثير ليس بشكور، فالكثير مذموم والمراد إيقاع نسبة (ليس بشكور) على ما ليس بقليل، لوجوب تطابق العكس للأصل في الكيف كما علم في المنطق.


1) الشعراء: 54.

2) هود: 40.

3) سبأ. 13:

فصل في ذكر آيات ادعي نزولها في أبي بكر وصاحبيه

فمنها: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (1)والأتقى في كتاب اللّه أكرم والأكرم مقدم.

قلنا: ذلك أبو الدحداح كما حكى شارح الطوالع ورواه الواحديّ بإسناده إلى عكرمة وابن عبّاس أنّه ابتاع نخلة لرجل في دار فقير بأربعين نخلة، وجعلها للفقير بنخلة في الجنّة.

وأسند الثعلبي إلى عطا أنّه أبو الدحداح وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الأتقى علي بن أبي طالب قال شارح الطوالع: ويؤيده (ويُطعِمَونَ الطَعَامَ) الآيات (2)إن قلت: من صفة الأتقى سلب نعمة تجزى، وعلي في تربية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ونفقته نشأ وتلك نعمة تجزى قلنا: نفي الإجزاء من علي لا يدل به على نفيه من اللّه للنبيّ، ولا نسلم أنّه ليس على أبي بكر نعمة تجزى، كيف ذلك وقد احتاج إلى معاضدته في حروبه وتدبيره، وأحوال معاشه ونعمة النبيّ عليه في إرشاده جزاؤها للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من ربه، مع أن الأتقى إن حمل على أفعل التفضيل، لرم كون أبي - بكر أفضل من النبيّ، بل المراد التقى كقوله تعالى: (وَهُوَ أَهوَنُ عِلَيهِ (3)) أي هين وكقول طرفة:

تمنت سليمى أن أموت فإن أمت***فتلك سبيلي لست فيها بأوحد

ولئن سلم أنّه لا فعل التفضيل، فهو من الأمور الإضافية، تصدق بالكثير والقليل، ولو سلمنا أنّه أتقى منعنا أنّه الأتقى في الآية الأخرى فلا ينتج، لعدم اتحاد واسطته.


1) الليل: 19.

2) الإنسان: 8.

3) الروم: 27.

على أن الآية فيها: من كان أكرم فهو أتقى، ولا يلزمه من كان أتقى فهو أكرم لما تقرر في الميزان أن الموجبة الكلية لا تنعكس كلية إلّا إذا تلازم الأتقى والأكرم كالانسان والناطق، ولا يلزم هنا لأن ظاهر الأتقى أنّه مجانبة للعصيان وجائز كون الأكرم بملازمة الطاعات، فجائز وجود أحد الصفتين في شخص والأخرى في آخر.

وفي هذا نظر إذ يجوز كون الأتقى بمخالفة الأمر والنهي، فيتلازم هو والأكرم، ومن عدم عنه إحدى الصفتين عدم عنه الأخرى إلّا أن يحمل الأتقى على التقّى، والأكرم على الكريم، كما سلف فيفترقان.

على أن الخصم لما أسقط العلل الغائية عن أفعاله تعالى سقط احتجاجه بهذه الآية إذ ليست الكرامة معللة بالتقوى عندهم، فجاز حصولها لغير المتقي، فلا يلزم تقدم الأتقى وكيف قلتم: الأكرم مقدّم، وأنتم تجوزون تقديم المفضول.

فإن قلتم هو إلزام قلنا: نلتزم به ونثبت الأفضلية لعليّ بخبر الطائر، و بكونه لم يكفر قط، فكيف يجعل من مضى أكثر زمانه على الكفر أتقى منه، و بقوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ (1)) وعلي بالاتفاق من أجهد المجاهدين، وأبو بكر من ملازمي القاعدين، ومتى كان ثبات علي أكبر فثوابه أكثر.

وقد أخرج صاحب الوسيلة عن أبي سعيد قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعليّ: لك من الثواب ما لو قسم على أهل الأرض لوسعهم.

إن قلت: كان أبو بكر يجاهد بلسانه قلت: فعلي بلسانه وسنانه، وكانت هداية أكثر الضلال على يده.

إن قلت: فكان النبيّ في القاعدين، فيدخل بزعمكم في جملة المفضولين قلت:

ليس للملوك مباشرة الضروب لما فيها من فساد نظام الحروب.

وكيف يقال إن الآية نزلت في أبي بكر وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ما أنزل اللّه فينا شيئاً من القرآن إلّا أنّه أنزل عذري، وبعيد أن ينزل


1) النساء: 95.

في أبيها قرآن ولا تعلمه لشدة حرصها على قيام ناموسه كما دل عليه تقديمها له وفي منصب نبيّه وغيره، ولو نزل به شئ لاحتج به يوم السقيفة ولم يحتج بالأئمّة من قريش، لخروج علي من شركته، بل أولى لمسيس قرابته، وليحسن أن يقال في علي الولي شعرا:

علونا فلو مدت إلينا بنانها***يمين المناوي زايلتها المعاصم

وعلت بمجد من سناء محلق***إذا ما يمين قيدتها الأداهم

مفاخر ميراث ومجد مؤثل***رفيع الذرى يشقى بهن المخاصم

ومنها: قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (1)) فالداعي ليس النبيّ لقوله تعالى: (قل لن تتبعونا) ولا علي لقوله: (أَوْ يُسْلِمُونَ) لأنّه لم يقاتل في خلافته إلّا مسلما، فهو أبو بكر حين بعث خالدا لقتال أهل الردة، وهم الموصوفون بالبأس والشدة كانوا ثمانون ألفا فغنم وسبي وقتل مسيلمة وتسرى علي من سبيه بالحنفية وكان ذلك أسا لبقاء الاسلام بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

قلنا: لا نسلم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يكون داعيا بقوله: (لن تتبعونا) فإن اللّه بشر من حضر الحديبية بغنيمة خيبر، فأراد المخلفون مشاركتهم، فقال النبيّ.

(لن تتبعونا) لأن اللّه وعدنا بها خاصة هكذا قال ابن عبّاس، ومجاهد، وغيرهما على أن (لا تتبعونا) خبر لا نهي، فلا يدل على عدم الدعوة كما قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ممّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (2)) قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خبر بأن المخلفين لن يتبعوه لامتناع تبديل كلام اللّه مع أنّه دعاهم بعد ذلك إلى قوم ذي قوة مثل حنين والطائف وثقيف وهوازن في حياته، فلا موجب للحمل على ما بعد وفاته. ولئن سلم كون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ليس داعيا لا يلزم كونه أبو بكر لجواز كونه عليّاً.


1) الفتح: 16.

2) البقرة: 22 و 23.

وقولهم: ما حارب في خلافته إلّا مسلماً ممنوع، بما أخرجه البخاري وغيره قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): صرورة يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأخرج الفراء في مصابيحه وغيره قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعليّ وفاطمة والحسنين أنا حرب لمن حاربتم وحرب النبيّ كفر، ولأن من استحل دم مؤمن كفر، فكيف بالإمام.

إن قالوا: لو كانوا كفارا لسباهم قلنا: معارض بفعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأهل مكة:

قالوا: لا يعلم بقاء المخلفين إلى زمان علي حتّى يتم كونهم مدعوين قلنا ولا يعلم بقاهم إلى زمان أبي بكر على أن قوله: (ستدعون) يحتمل كون الداعي هو اللّه بإيجاب القتال عليهم، وذبهم عن أهل دينهم، ولو سلم كون أبي بكر داعيا لم يلزم كونه إماماً لما أخرجه البخاري في صحيحه من قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إن اللّه ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر فلعلهم دعاهم إلى حق ولم يكن على حق، و الطاعة للّه فيه لا لداعيه، وإن كان على حق لم يلزم أن يكون رئيسا، إذ يتعين على كلّ مدعو إلى صواب الإجابة، سواء كان الداعي شريفا أم لا، فسقط الاحتجاج.

ومنها: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (1)) والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لم يأخذ سوى جزيرة العرب، وإنّما ظهر الدين في خلافة المشايخ، فإنّهم أجلسوا على التراب ملوك الأديان، وكان في سبيهم بنت كسرى شاه زنان، فلا دليل أظهر منه على صحة خلافتهم، لظهور دين الحقّ بإمامتهم قلنا: المراد ظهوره على أهل الأديان بالحجة والبرهان، لقرينة (الهدى) لا لغلبة الأعداء، ولأن ما ذكروه ظهور على أهل الأديان لا على نفس الأديان والأصل عدم الاضمار وقد سلف أن اللّه لينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر، وقد علم أن السلاطين الفسقة بمصر وغيرها يغزون الكفار من الأنام، ويحمون بيضة الاسلام، فليتخذوهم مع ما هم من الآثام خلفاء للنبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثم نقول لهم: يلزم على تقديركم، كون الدين ناقصا في حياة نبيكم، و


1) براءة: 33. الصف: 9.

فيه رد لقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)) وأي وصمة تصل إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعظم من التعريض بنقص دينه في حياته.

ومنها: قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (2)) قالوا: في الآفاق ما ذكره في الكشاف انتشار الدين في الأقطار (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) تملك الضعفا ممالك ملوك الكفار فحكم سلمان في ملك كسرى مع غربته، والمغيرة بن شعبة في ملك النعمان بحيرته، ومعاوية في ملك هرقل بالشام، مع كونه من صعاليك قومه وابن العاص في ملك فرعون بمصره، وفيه دليل حقية خلافة الثلاثة إذ كانوا أصلا لفرعيته.

قلنا: قد فسر من نسبتم التفسير إليه مقاتل بن سليمان (الْآفَاقِ) بمرورهم على ديار عاد وثمود ولوط (والأنفس) بالقتل ببدر، وليس لهم تكذيب مقاتل و تصديق الكشاف لأن فيهم من يكفره حيث حكم بأنّهم القدرية المجوس في تفسير (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ (3)) ونحوها مع أن اللام في (الآفاق) للعموم ولم يقع مقتضاها لاستمرار الشرك إلى الآن في أكثر البلدان، ولكنه سيقع بالمهدي إن شاء اللّه في آخر الزمان، كما أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن كعب ينزل عيسى من السماء فتأتيه اليهود والنصارى، ويقولون: نحن أصحابك فيقول: كذبتم أصحابي المهاجرون، بقية أصحاب الملحمة فيأتي مجمع المسلمين فيجد خليفتهم يصلي بهم، فيقول: يا مسيح صل بنا فيقول: بل صل أنت بأصحابك إنّما بعثت وزيرا ولم أبعث أميرا. ثمَّ إن أصل انتشار الدين كان بالنبيّ وحزبه وبسيف علي وحربه.

ومنها: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار (4)الآية قلنا: أما أولا فإنّه لا


1) المائدة: 6.

2) فصلت: 53.

3) فصلت 17.

4) الفتح: 29.

حله

عموم لها ولأنّه لم يرد بالمعية المكان والزمان، لقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (1)) ولا المعية في الدين لأن في الآية أوصاف لا تصدق على من كان مع في الدين، وخصوصا أبو بكر لم يكن له شدة على الكفار، لما عرف له من الفرار وقد ذكر ابن قتيبة في المعارف وهو عامي المذهب فرار الشيخين يوم حنين.

إن قالوا: تصدق تلك الأوصاف بفرد فرد قلنا: لو كفى لم يختص المصاحبون بالمدحة على أنكم عدوا لأبي بكر قتيلا واحدا.

إن قالوا: تحمل المعية على المصاحبة، وتعم إلّا من أخرجه الدليل في المنافقين قلنا: فتصير الآية من المجاز، لأجل التخصيص، فحملها على المعية؟ في النصرة حقيقة لعدم التخصيص، فهي أولى، نعم وجدنا شدتهم على عترة نبيهم، في غصب عليهم وسيدة النساء فيهم، وسرى ذلك في أولادهما وشيعتهما، ولعل من من فعل ذلك بهم اعتقد الكفر فيهم، وسيأتي تكميل بحث في هذه في مكان قريب. إن شاء اللّه.

ومنها: آية المحبة (2)ادعوا نزولها فيه، وقد سلف نزولها في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فليطلب منه.

ومنها: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (3)) قلنا: هذه الآية سلفت في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما أنزل فيه، ولكن أعيدت استيناساً بها، ولنرد فيها على من حرفها عن موضعها، ولزياد؟ بحث لم ينظم فيها، فأثرنا أن نعثر عليها.

قالوا: الركّوع التواضع، والثلاثة مؤمنون مصلّون مزكّون متواضعون ولقد كان أبو بكر يلين جانباً، وعمر يلبس مرقعاً، وعثمان مع حصره لم يرق من مسلم دماً، ولفظ الجمع في الآية صادق عليهم، والشروط صالحة فيهم دون


1) براءة: 101.

2) يريد قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) الآية 54 من المائدة

3) المائدة: 55.

غيرهم وذلك كله دليل صحة إمامتهم في زمانهم دون غيرهم.

قلنا: نمنع كون الركوع التواضع، بل قال الجوهريّ في صحاحه: هو الانحناء فحمله على التواضع مجاز لا يصار إليه مع إمكان الحقيقة، ولئن سلم كونه التواضع كما فهم من قول الأضبط بن قريع من رواية الصغاني.

لا تحقرن الوضيع علك أن***تركع يوماً والدهر قد رفعه

فإنه يجب الحمل على الحقيقة الشرعية لطريانها على اللغوية فهي كالناسخة لها.

إن قيل: الحمل على اللغوية أولى لكونه تأسيسا فإن الركوع الشرعي دخل في قوله: (يقيمون الصلاة) فالحمل عليه يكون تأكيدا.

قلنا: بل الحمل هنا على الشرعي أولى، لأن المراد ليس بيان وقوع الركوع بل بيان أمر وقع حال الركوع، وقولهم: شرط الولاية حاصل فيهم دون غيرهم فيه إبطال لإمامة علي بمقتضى الحصر، وهو باطل إجماعا.

وأين لين أبي بكر مع هجومه على الخلافة غصبا، والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لم يدفن وأين زهد عمر مع كشفه بيت فاطمة وضربها، ومع ما فيه من الفظاظة والغلظة كما في كتاب المحاسن: دخل المهاجرون على أبي بكر لما بلغهم أنّه يستخلف عمر وقالوا: نراك مستخلفا عمر علينا وقد عرفته وبوائقه إلينا.

ومن كتاب ابن قتيبة: دخل رجل على عمر لما ولي، وقال: بغضك النّاس للسانك وعصاك، ومن الكتاب دحل رجل شامي عليه، فسأله عن أهل الشام فقال:سالمون ولولايتك ومن شرك مشفقون.

وأما ترك عثمان الدفاع عن نفسه، فهو ألقى إلى التهلكة بيده، ومعلوم أن الدفاع من الجهاد المأمور به، ومن يفعل ذلك بنفسه لا يصلح لأدنى ولاية. هذا إن كان تركه للقتال عن قدرة، وإن لم يكن فلا مدحة في عجزه وضعفه. وقد أنكر الناصب الشقي الأعور الواسطي نزول الآية في علي حيث ذكر لفظ الجمع فيها الممتنع حمله عليه، ومن حيث ذكر الزكاة المنفية عن الفقير الّذي يلبس القصير، ويأكل

الشعير ومن حيث إن إخراج الزكاة يصرف عن الخشوع الّذي هو روح الصلاة.

قلنا: قد جاء في الذكر الحكيم لفظ الجمع على الواحد للتعظيم فقد ذكر البخاري أن قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ (1)) نزلت في النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حيث أخذ غوثر (2)سيفه حين نام، وقد غلقه بشجرة، وهم به فنادته الملائكة والمراد جبريل ومثله (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ (3)).

إن قلت: كيف يعظم علي ويخلو اللّه ورسوله منه قلت: وهمت، فإن لفظة الجلالة على ذات الواجب وإضافة الرسول تعظيم بالغ على أن الجمع قد جاء بدون التعظيم ففي تفسير مقاتل (الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (4)) نزلت في ابن أبي بن سلول (والّذين يظاهرون (5)) نزلت في أوس بن الصامت.

وفي تفسير الزمخشري وابن المرتضى وهو من أكابرهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاس إِنَّ النّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (6)) نزلت في نعيم بن مسعود، وقال: إنّه قول عكرمة ومجاهد.

قوله: لا مال له ولا صدقة له قلنا: إخبار اللّه بزكاته أصدق من اعتداء الناصب وتخييلاته وقد قال العاقولي في شرحه للمصابيح من مسند ابن حنبل وغيره: إن عليّاً قال: لقد ربطت الحجر من الجوع على بطني، وبلغت أربعة آلاف دينار صدقتي وروي أربعين ألف دينار.

قالوا: نمنع الحصر بل المعنى أن كلّ فرد من المؤمنين موصوف بنصرة


1) المائدة: 11.

2) ويقال غورث أيضاً.

3) آل عمران: 42.

4) المنافقون: 7.

5) المجادلة: 4.

6) آل عمران: 173.

الآخر، فكأنه قال: إنّما ناصركم اللّه ورسوله والبعض الآخر من المؤمنين ولا ينافي ذلك قوله: (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض (1).

أجبنا بأن ذلك إثبات مطلوبنا الّذي هو المغايرة وإلّا لزم التكرار، فإن الإمامة أخص من النصرة.

قالوا: حسن التوكيد في قولنا: إنّما جاءني زيد وحده، دليل عدم الحصر في (إنما) أجبنا بأن التوكيد تقوية المؤكد، فلولا الحصر تناقضا فلا تقوية.

قالوا: حسن الاستفهام بقولنا: كم أكلت؟ عند قولنا: إنّما أكلت رغيفا أجبنا بمنع حسنه كما لا يحسن عند قولنا: إنّما أكلت رغيفا واحدا، لعدم الفرق بينهما عقلا ولغة، ولو حسن الاستفهام لزم الاشتراك.

قالوا: (وهم راكعون) مشتركة بين الحال والاستيناف، لحسن الاستفهام بهل أداها حال ركوعه أو قبله؟ أجبنا بمنع حسنه، وإلّا لزم الاشتراك.

قالوا: نفهمه من قوله: (يقيمون) إلى آخرها أن ذلك عادتهم إذ لا يطلق ذلك إلّا على المعتاد أجبنا بالمنع من كونه ليس عادتهم، ولو سلم لكن أهليتهم له و فعلهم وقعها يجري مجرى عادتهم.

قالوا: لو كان المدح على الايتاء حال الركوع، لزم صيرورته سنة فينا وليس.

أجبنا بأن ليس كلّ حسن يفعل يصير سنة لنا، أو يكون صار سنة لهم دوننا.

قالوا: قلتم: لو لم يرد بالركوع الحال بل الاستيناف لزم التكرار لدخوله في (يقيمون الصلاة) قلنا: ذكره تشرفا له.

قالوا: إن قلتم: فذكر السجود أولى لكونه أشرف قلنا: جاز كون ذكر الركوع لمصلحة لا نعلمها أجبنا عن ذلك كله بأن ذلك رجوع منكم إلى أن (الواو) للاستيناف، ولو كان له، لزم ركة الكلام، لأن ذكر إقامة الصلاة أشرف من ذكر بعض أجزائها إذ لا يحسن الوصف بالأنقص بعد الوصف بالأكمل، ولو كان (الواو)


1) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ: براءة: 71.

للاستيناف، لانقطع الكلام عما قبله، ويصير كأنه قال ابتداء: هم راكعون.

إن قالوا: الواو مع كونه للاستيناف هو للعطف أجبنا بأن (واو) الاستيناف لا تطلق على واو العطف، ولو جامعت واو العطف صار التقدير (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فيلزم عطف الجملة على المفرد، وهو غير جائز أو يصير التقدير (والّذين هم راكعون) فيلزم الاضمار وهو خلاف الأصل.

قالوا: إذا قيل: فلان يحارب عنّي ويبني داري لم يفهم منه الحال أجبنا بأن الموجب لذلك عدم إمكان الجمع بخلاف الآية.

قالوا: يحمل الراكع على ما من شأنه أن يكون راكعا وتصير الآية عامة لكل المؤمنين أجبنا بأن ذلك مجاز لم تلجئ الضرورة إليه قالوا: المقصود من الآية إثبات نصرة المؤمنين ونفيها عن الكتابيين، أجبنا بأن ذلك قد مر في قوله قبلها: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (1)) فحمل آية (إنما وليكم) على الإمامة أكثر فايدة من حملها على النصرة، لاستلزام الخاص العام، ولرفع تكثير التكرار عن الكلام.

قالوا: لم يرد بالصدقة زكاة آتاها بل وقوفا أجراها فهدا؟؟ شيخه عن علمائه ولم ينقل لأحد الثلاثة ولا لمجموعها ما يقارب ذلك.

قوله: الزكاة تسلب الخشوع قلنا: لا، فإن هذا من خصائصه فإنّه لما سمع السائل خشع قلبه للّه خوفا من رده، فكان الاشتغال باللّه لا عن اللّه، وأي تناف بين الخشوع للّه في الصلاة لسبب خارج عن الصلاة.

وإنكاره نزول الآية في علي، فيه خلاف لشيوخه وغيرهم من المفسرين ذكر ذلك الزمخشري في كشافه، وعبد المطلب في تبصيره وهو من أكبر مشايخه ومقاتل في تفسيره، وذكره الواحدي، والكلبي والثعلبي، ورواه عن علي أبو ذر الغفاري قال: وكان الانزال بسؤال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حين قال للسائل: من أعطاك؟ فقال: ذلك المصلي، فقال: يا رب إن موسى سألك أن تجعل له وزيرا من [أهله


1) المائدة: 51.

وأنا أسألك أن تجعل لي وزيرا من] أهلي عليّاً أخي اشدد به أزري، فظهر بهذا خلاف الناصب لمفسريه، وخالف أيضاً محدثيه، فان صاحب جامع الأصول ذكره في حديث ورواه عن رزين في الجمع بين الصحاح ورواه سبط الجوزي في خصائصه وذكر صاحب المنهاج شعر حسان فيه مرفوعا بإسناده وقد أسلفناه مع أطراف أخر، في باب نزول الآيات وأسلفنا نيفا وعشرين من الروايات فليراجع منه.

فلا تغتر أيها العاقل بتمويه الناصبين وتفحص عن كتب علمائهم، لتخرج من زمرة الجاحدين، فانظر إلى الكتاب الأكبر كيف أوضح فضل علي، ويأباه الواسطي الغوي فظهر من جحده وكتمانه ظن البغض له في جنانه وإن أظهر المحبة والترضي بلسانه، فما أحقه بقول بعضهم:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت***له عن عدو في ثياب صديق

وإذا اتفق الخصمان على نزولها فيه، أوجبت له الولاية بأداة الحصر المذكور في الآية.

قالوا: فإذا دل الحصر على نفي غيره. لزم عدم إمامة أولاده، قلنا: كلّ من قال بإمامته قال بإمامة أولاده، فالقائل بها له دونهم خارق للاجماع، وجاز أن يدخلوا ضمنا وإن لم تكن الصفة ظاهرة فيهم، وما أحسن ما قال بعض الأدباء في مدحهم:

ليس كالمصطفى ولا كعلي***سيِّد الأوصياء من يدّعيه

من توالى غير الإمام عليّ***رغبة فيه فالتراب بفيه

إنما هذه وليكم اللّه***أتت بالولا من اللّه فيه

فإذا ما اقتضى بها اللفظ معنا***عنه كانت من بعده لبنيه

ومنها: قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا (1)) والشروط الثلاثة حصلت بعد النبيّ في الثلاثة.


1) النور: 55.

قلنا: قد أنزل اللّه في كتابه كمال الدين، فكيف يصرف نبيه ومن مات قبله عن هذا التكميل، ويخص به المخالفين والتابعين.

قال مقاتل: نزلت عند صد المسلمين عام الحديبية فقالوا: لو دخلنا مكة آمنين فنزلت، وعنى بالأرض مكة وبتمكين الدين الاسلام وبتبديل الخوف من أهل مكة أمنا.

هذا قول مقاتل: وهو من أكبر شيوخهم قال ابن حنبل: ما رأيت أعلم بالتفسير من مقاتل بن سليمان وقال الشافعي: النّاس عيال على مقاتل في التفسير وعلى زهير في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام.

وقال شارح الطوالع نظام: لا يدل الاستخلاف على الرئاسة العامة، بل قد يكون المراد توريثهم بلاد الكفار، وقد جاء الاستخلاف بجميع المهاجرين بقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (1)ولم يرد بذلك الإمامة، والتوريث والتمكن والأمن لا تخصيص للخلفاء بها، فإن اللّه علق ذلك على الإيمان وعمل الصالحات وهما حاصلان لكثير وقد فتح بنو مروان كثيراً من البلدان واعلم أن الناصبة استدلوا بالآية على خلافة الأربعة، والواسطي الغوي خصها بالثلاثة معاندة لعليّ، وقد روى ابن جريج عن مجاهد أن المراد بالاستخلاف جميع الأُمّة وروت الفرقة المحقة أنّه عند خروج المهدي وأسند الشيرازي وأبو - عبيدة من أهل المذاهب إلى ابن مسعود نزولها في حلافة علي ثمَّ إن أريد التمكن التام لم يحصل لأحد، وإن أريد غيره لم يخل منه أحد، على أنّه ليس لأحد فضل في فعل يكون الكل من اللّه عندكم قال منصور:

سبحان ممهل من يقول***بأن آل أبي قحافة

أولى وأحرى حرمة***من آل أحمد بالخلافة

ومنها: قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) الآية (2)


1) فاطر: 39

2) التحريم: 3.

قالوا: أجمع المفسرون أنّه أسر إلى حفصة أن أباك وأبا بكر يليان الأمر بعدي.

قلنا: هذا غير صحيح، وإلّا لاحتجّ به أبو بكر يوم السقيفة لأنّه أدل على تعيينه من قوله: الأئمّة من قريش، وأقطع لقول علي: أنا أحق بهذا الأمر منكم أتأخذونه منا أهل البيت غصبا، لا تخرجوا سلطان محمّد من داره، كما ذكره ابن قتيبة وغيره.

وقد أخرج البخاري ومسلم حديث ابن عبّاس أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في مرضه طلب أن يكتب كتاباً لن نضل بعده، فقال عمر: إنّه ليهجر، وقد سلف، ولو كان ما ذكروه أنّه أراد أن يكتب بخلافتهم لسارعوا إلى الكتابة.

وأخرج البخاري عن ابن عبّاس الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه ولو أنّه أسر إليها جاز ذلك أن يليا الأمر غصبا، كولاية بني أمية وبني العبّاس فلا يدل وقوع الآية على جوازها، كما أخبر بأشياء قبل وقوعها خولف الدين فيها.

ولقد أجزل أجر السيد الحميري حيث قال في ذلك:

إحداهما نمت عليه حديثه***وبغت عليه بغشها أخراهما

لم تنصحا لمحمّد بل غشتا***وكذاك غش وصيه أبواهما

ومنها: قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (1)) وقد علم أن فيهم أبا بكر وعمر.

قلنا: أوّل ما فيها أن الألف واللام ليس للاستغراق، وثانيا أنّه علق الرضا عنهم بحال مبايعتهم لقوله: (إذ يبايعونك) فلا تعم، ولا شكّ في الرضا عمن جمع الإيمان والبيعة، فمن أين لكم أن من بايع اتصف بهما، فإن ظاهر الآية لا يفيده مع أنّه تعالى وصفهم بالسكينة والفتح، وهو فتح خيبر بلا خلاف، وقد علم هرب


1) الفتح: 18.

الشيخين منها، فيخرجان من الآية بمقتضى هربهما عنها، وقد كانت البيعة على أن لا يفروا وقد فر الشيخان، وفيه نكث للعهد والإيمان، وقد أخرج في المجلد الأوّل من جامع الأصول قول علي والعبّاس إن أبا بكر وعمر غادران ناكثان خائنان ولهذا أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لما هادن أهل مكة بعد البيعة تحت الشجرة حمل المسلمون بالسلاح على قريش، فهزمتهم قريش فبعث عليّاً فردهم فتابوا فقال النبيّ: الآن عودوا إلى البيعة فقد نقضتم ما كان في أعناقكم، فبايعوا على أن لا يفروا فسميت بيعة الرضوان لوقوعها بعد العصيان، وقد فر الشيخان بخيبر وحنين وجماعة من المسلمين أيضاً، وهذا نكث لبيعة الرضوان.

على أنّ الرضا ماض جاز أن يتعلق بفعل ماض، فلا يدل على الرضا في الآتي ولنعم ما قال العوني في هذا الشأن:

فهل بيعة الرضوان إلّا أمانة***فأول من قد خانها السلفان

وما استوجب الرضوان من خاف ربه***فما لكما إياي تختدعان

وبئس الرفيقان الشريكان في الرخى***وفي ساعة الأهوال ينهزمان

وكان الفتح لعليّ فيها، فهو المخصوص بحكمها.

إن قالوا: يضاف الفتح إلى جميع المسلمين وإن جرى على يد بعضهم فدخل أهل البيعة فيهم فعم الرضا لجميعهم قلنا: هذا عدول عن الظاهر، فإن إضافة الفتح إلى متوليه حقيقة وإلى تابعيه مجاز ولهذا لا يوصف المسلمون المتباعدون بأن الفتح لهم، وإن أضيف إليهم، فلا يطلق على النائمين والنساء والنائين، أنّهم هزموا جيوش المشركين.

ومنها: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (1)) قلنا: عندكم أن أبا بكر كان غنيا، فلا يدخل في الآية.

إن قالوا: الفقر هنا هو الفقر إلى اللّه من المال قلنا: الفقر حقيقة من المال، فلا


1) الحشر: 8.

يخرج عنها إلى المجاز، لعدم الاستدلال.

إن قالوا: المال المدَّعى لأبي بكر كان قبل الهجرة والآية فيما بعدها قلنا: و لو سلم ذلك فإن الألف واللام في (الفقراء) ليس للعموم كما سلف، ولأن اللّه وصف بالصدق من جمع الفقر والهجرة، وابتغاء الفضل والرضوان والنصرة، وليس لهم من الآية دليل على اجتماع هذه الأوصاف في أهل الهجرة.

تذنيب في أن أباه كان عضروطاً

قد جاء في التواريخ أن أباه كان عضروطا لابن جذعان أي مناديا على السماط ذكر ذلك جماعة منهم الكلبي في كتاب المثالب، وهو من علمائهم فلو كان غنيا لصان أباه، وقد من اللّه على نبيه بأنّه أغناه فواخيبتاه لمن رد كلام اللّه.

ففي الحديث الثالث بعد المائة من الجمع بين الصحيحين من أفراد مسلم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خرج فوجد أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: الجوع فأين الغنا؟.

ومنها: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) (1)قلت: قد عرفت أولا أن في العموم قولا ولا شكّ أن توبة اللّه عليهم مشروطة بتوبتهم، لأن اللّه لا يقبل توبة من لم يتب، وحينئذٍ فلا دليل على وقوع التوبة من جميعهم، حتّى وقع قبولها لجميعهم.

ومنها: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ (2)) قلنا: سلف الكلام في العموم، ولو سلم جاز حمل العفو على عقاب الدنيا دون المستحق في العقبى، وقد روي هذا المعنى بعينه وجاز حمل العفو على هذا الذنب دون غيره.

ومنها: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ


1) براءة: 117.

2) آل عمران: 155.

سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ (1)) قلنا: لا دليل على سبق الشيخين إلى الإيمان، مع أن هذا سؤال، وليس كلّ سؤال تقع إجابته.

ومنها: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (2)) قلنا: لا يتعين هنا السبق إلى الاسلام، بل جاز كونه إلى الخيرات، فإن اللّه يقول: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ (3)).

قالوا: لو أراد السبق بالخيرات لم يخص المهاجرين والأنصار، قلنا: التخصيص بالذكر لا يوجب التخصيص بالحكم، وقد قرر في الأصول مع أنّه قال بعد ذلك:

(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) ولو سلم أن المراد السبق إلى إظهار الاسلام، كان ذكر الشدة على الكفار التي هي ببذل النفس في جهادهم في قوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار (4)) في آية أخرى ادعي نزولها فيهم، مخرجا لما يعنونه إذ لاحظ لهم في القتال ونصرة الاسلام بحال.

إن قالوا: فأي شدة على الكفار في ستة نفر كانوا في جانب علي قلنا:ومن حصر المتمسكين بالحق في ستة أو ستين أو ستمائة أو أكثر؟ على أن الّذين معه لم يختص بمعاصريه لوجود النفاق في كثير منهم، بل بمن كان على دينه إلى يوم القيامة ولا شبهة أن فيهم من يغيظ الكفار، ولو سلم اختصاصها بمن في عصره فقد مات في حياته جم غفير منهم تنغاظ الكفار ببغضهم، على أنا لا نقطع بحصول الرضا لكل السابقين، فإن اللّه وعد الصادقين والصابرين ولم يلزم حصول الموعود به لكل صادق وصابر، فكذا ثم.

على أنّه لم يعن بالسابق من سبق غيره، وإن كان مسبوقا وإلّا لدخل فيه


1) الحشر: 10.

2) براءة: 100.

3) فاطر: 32.

4) الفتح: 29.

ما عدا الأخير، بل عنى السابق مطلقا، ولهذا أكده بالأولية وذلك هو علي بالاتفاق، وسبق غيره على هذا الوجه مختلف فيه، وفرارهم في المواطن معروف قال سلامة شعرا:

قعدوا عن كلّ هذا جزعا***ثمَّ قالوا نحن أرباب الرتب

نحن أولى بالنبيّ المصطفى***من بنيه وأخيه في النسب

وابنة الهادي الرضا فاطمة***حقها بعد أبيها يغتصب

ما لهم لا غفر اللّه لهم***جعلوا الدين إلى الدنيا سبب

ومنها: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا (1)) قلنا: لفظة (من) من الصيغ المدعى فيها العموم، وقد عرفتم الكلام فيه، ونفي الاستواء ليس للعموم أيضاً، وقد قرر في الأصول، ولو سلم عمومه فعظم الدرج مربوط بالاتفاق، وقد عرف من حال الشيخين عدم القتال، على أن لا نسلم النفقة على حال، وإلّا لنقل وجهها الفريقان كما نقلوا تجهيز جيش العسرة من عثمان ولأن خبر إنفاق أبي بكر رواية عائشة وهي متهمة فيه، لأن لها فيه الحظ الأوفر ممّا يصل إليه، والإنفاق، إما بمكّة ولم يجهز النبيّ هناك جيشا وكان بمال خديجة غنيا، وإما بالمدينة فأبو بكر وردها فقيرا وكان خياطا، وللصبيان معلما، وكان أبوه لما عمي لابن جذعان عضروطا، و لو سلم الإنفاق لم يعلم كونه غير بطر ولا رئاء، أو ترجي، لا كما أنزل؟ في علي لأن صدق النية يمتنع الاطلاع عليه بدون وحي قال العوني شعرا:

فإن تزعماه أنفق المال قربة***فإنكما في ذاك تدّعيان

وما باله لم يأت في الذكر ذكره***يترجمه للناس وحي قران

كما جاءت الآيات في أهل هل أتى***بأنهم من ربهم بمكان

لإطعام مسكين ومأسور قوته***وقوت يتيم ما له أبوان


1) الحديد: 10.

فلم شكر اللّه اليسير وأهمل***الكثير أما باللّه تدكران

ومنها: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ (1)) قال أبو العالية: صدق به:

أبو بكر. قلنا: قد ذكرتم عند قولنا: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (2)) أنّها لفظة جمع لا توضع لواحد فكيف جعلتم (أولئك هم المتقون) إلى آخر الآية لواحد، ولو سلم أن المراد به واحد لم يتعين كونه أبا بكر، وقول بعض المفسرين: لا يقطع به لمقابلة الآخر له.

فقد روى أبو بكر الحضرمي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه عليّ، ورواه علي بن أبي - حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).

إن قالوا: ليس حجّة علينا رواياتكم قلنا: قد جاء من طرقكم فرواه إبراهيم ابن الحكم عن أبيه عن السدي عن ابن عبّاس وعبيدة بن حميد عن منصور عن مجاهد وقال مقاتل: المصدق به المؤمنون قال السدي: جاء بالصدق جبرئيل، و صدق به محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تلقاه بالقبول وقال ابن عبّاس: جاء بالصدق محمّد وهو (لا إله إلّا اللّه) وصدق به وبلغه إلى الخلق.

قال: وهو أقوى الأقوال، ولقد حدث أبو هريرة معاوية قال: حدثني الصادق المصدق الّذي جاء بالحق وصدق به، أنّه سيكون أمر يود أحدهم لو علق بلسانه منذ خلق اللّه السماوات والأرض، وأنّه لم يل ما ولي.

وظاهر العامة تفضيل أبي بكر على النبيّ، حيث يقولون: بحق الصادق والصديق، وفعيل للمبالغة فكان النبيّ وعلي الّذي يدور الحقّ معه أحق به منه.

ومنها: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (3)) نزلت في أبي بكر لمّا اشترى مماليك أسلموا وأعتقهم بلال وغيره.

قلنا: إن حملناها على العموم، لم يتعيّن أبو بكر لها وإن حملناها على الخصوص


1) الزمر: 33.

2) المائدة: 55.

3) الليل: 6.

فقد رويتم عن ابن عبّاس وأنس وغيرهم أنّه أبو الدحداح وإذا تكافأت الروايات تساقطت ورجح حمل الآية على العموم.

ومنها: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى (1)) قالوا: نزلت في أبي بكر لما حلف أنّه لا يعول مسطح بن أثاثة.

قلنا: حمل الآية على العموم أولى من الخصوص بغير دليل، وقد قرر في الأصول أن السبب لا يخص مع أن في الآية الوصف بالفضل والسعة، وليس لأبي بكر واحد منهما، على أن الشيعة روت أن سبب نزولها كلام وقع بين المهاجرين والأنصار، فحلفت الأنصار أن لا تبرهم، فنزلت فعادوا إلى برهم.

فصل في قولهم شهد لأبي بكر ثمانون ألف وغير ذلك

قالوا: جعل اللّه طريق إثبات الحقّ شاهدين، وقد شهد لأبي بكر ثمانون ألف هم صدر الأُمّة وعدولها، بلا التباس، في قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاس (2)) أو تسليم الخصم، وعلي لم ينازع فثبت لحق لأبي بكر.

قلنا: لا اعتبار بكثرة العوام، فإنّهم كالهوام، بل الاعتبار بالرؤساء أولي الأحلام الّذين هم أساطين الاسلام، وقد كانوا في جانب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقد ذكر البخاري حديث البيعة وفيه خالف عنا علي والزبير ومن معهما وأخرج مسلم أنّه قيل للزهري: لم يبايع علي ستة أشهر؟ فقال: لا واللّه، ولا واحد من بني هاشم وقال نظام الدين الشافعي في شرح الطوالع: مالت طائفة إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم أكثر أكابرهم وروي تخلفه عنها البلاذري وهو من ثقاتهم وابن عبد ربه وعمر بن علية والطبري والواقدي فقد ظهر بهذا ونحوه من نقلهم عدم تسليم علي بخلافتهم، وقد ثبت بحديث الراية وغيره محبة اللّه ورسوله له، ولا يحبانه إلّا وهو متبع لهما لآية (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (3)) فامتنع


1) النور: 22.

2) البقرة: 143.

3) آل عمران: 31.

دخوله حال اتباعه تحت (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (1)) ودخل تحت متابعته (الضالون) ورجعت الأنصار عن قولهم: منا أمير ومنكم أمير، ومن رجع عن شهادته لم تقبل شهادته بإجماع الأُمّة.

وعدول الأُمّة إن أرادوا بعضهم فهم في جانب علي كما عرفت وإن أرادوا كلهم نقض بحديث الحوض وغيره أخرجه البخاري وغيره (ليردون علي الحوض، وفي رواية أعرفهم ويعرفوني، وفي أخرى يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي! فيقال: ليسوا أصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وفي رواية لم يزالوا مرتدين فأقول: سحقا لمن غير بعدي).

وحديث حذيفة في أهل العقبة أخرجه الحميدي في الجمع بين الصحاح في الحديث الأوّل من أفراد مسلم وفي الحديث الخامس أيضاً وأخرجه العبدي في الجزء الثالث في ثاني كراس من صحيح مسلم، وفي ذلك أن منهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سم الخياط وفي الجزء الثالث من صحيح مسلم أنّه قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعائشة أشد ما لقيت من قومك القيامة.

ولما حدث الخدري أبا بكر بقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من أحب أن يلقى اللّه وهو عليه عصبان فليبغضن عليّاً وفاطمة، منعه. وشك أنس في قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إن عليّاً يدخل فيأكل معه من الحلوى فلم يتيقن حتّى دخل فهذا حال من صاحب الرسول وشاهدوا منه ما بهر العقول.

وحديث ذات أنواط أخرجه في جامع الأصول أنّه كان للمشركين شجرة يسمونها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقال المسلمون للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اجعل لنا ذات أنواط، فقال: هذا مثل قول موسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (2)) لتركبن سنن من كان قبلكم أخرجه الترمذي وزاد فيه: حذوا النعل بالنعل، والقذة


1) النساء: 115.

2) الأعراف: 138.

بالقذة، حتّى أنّه كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا وقد أخبر الكتاب السماوي بمخالفة أكثر الصحابة في قوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (1)) وقد أجمع المؤالف والمخالف أنّهم انصرفوا والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يخطب [للجمعة] بجامعة، إلّا اثنا عشر.

وفي قوله (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ إلى قوله: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (2)) قالوا: عاد إلى الوفاق بعد الخلاف قلنا: نمنع ذلك وتظلماته طول عمره مشهورة في كتبهم، وقد سلف منها جانب وقد أنكر قوم على أبي بكر في مقام بعد مقام ولو فرض سكوته لم يدل على رضاه، وقعوده عن البيعة إن كان حقّاً، فالبيعة باطلة وإن كان باطلا بطل قول النبيّ فيه: علي مع الحقّ والحق معه، فسيأتي تحقيقه.

قالوا: صارت حقّاً بموافقته قلنا: لا يصير الباطل حقّاً بالموافقة، وحينئذٍ فمن مات قبل الموافقة أيضاً ولم يجدد بيعة بعدها، مات بغير إمام على أن المخالفة دراية من الفريقين، والموافقة رواية من أحد الخصمين وقد أسلفنا تظلماته وهي تنافي موافقاته.

قالوا: أجمع على إمامة عمر بنص أبي بكر، وفي تصحيح إمامة الخليفة تصحيح إمامة المستخلف قلنا: قد بينا بطلان إمامة أبي بكر، وفي بطلان إمامة المستخلف بطلان إمامة الخليفة.

ثم نقول: إن كانت خلافة أبي بكر لا تثبت إلّا بالبيعة، والبيعة لا تجوز إلّا لخليفة لزم الدور، وقد ذكر البخاري حديث عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة خالفت الأنصار يوم السقيفة، وعلي والزبير ومن معهما، وقالت: منا أمير ومنكم أمير فخشيت إن فارقنا ولم يكن بيعة أن يبايعوا رجلاً بعدنا فبايعته ثمَّ بايعه المهاجرون


1) الجمعة: 11.

2) الأنفال: 5 - 6.

ثم الأنصار، وامتنع سيدهم سعد بن عبادة، فوعك فقيل قتلتموه فقال عمر: قتله اللّه.

قالوا: فبال في جحر فرمته الجن بسهم وسمع قائلا ينشد:

قد قتلنا سيِّد الخزرج سعد بن عبادة***ورميناه بسهم لم يكن يخطئ فؤاده

ولو لم يكن لبطلان البيعة وأنّها وقعت فجأة لا عن تراض، إلّا قول عمر: خشيت إن فارقنا لم يكن بيعة، ومخالفة الأنصار وزعيمها، لكفى، ولما امتنع سعد دسّوا إليه من رماه، ورموا قتله على الجن، ولفقوا شعرهم هرباً من عداوة الأنصار قال شاعرهم شعراً:

يقولون سعد شقق الجن بطنه***ألا ربما حققت فعلك بالغدر

وما ذنب سعد أنّه بال قائما***ولكن سعدا لا يبايع أبا بكر

وأنشأ ابنه قيس:

وقالوا دهى سعدا من الجن عارض***غدا هالكا منه وذا لكذابها

أتغتصب الجن النفوس فمن رأى***بعينيه ميت قد عراه اغتصابها

وخفي على النّاس قاتله، وإنّما قتله خالد، حيث كان بالشام، وكان سعد بقرى غسان بالشام، هاربا من البيعة، فلم يظهر ذلك حتّى لقي عمر خالداً فعاتبه في قتل مالك فقال: إن كنت قتلته لهنات بيني وبينه، فقد قتلت سعداً لهنات بينكم و بينه فأعجب عمر قوله وضمّه وقبّله.

وقد ذكر الرازي في النهاية رواية أبي بكر للأنصار (الأئمّة من قريش) أنّه خبر واحد، ودلالته على منع غير القرشي من الإمامة ضعيفة فلا يعارض ما يدعونه من النصّ المتواتر.

ونحن نقول: ولو سلمنا الخبر، فعلي أقرب وأشرف، فقد أخرج مسلم في رواية واثلة بن الأسقع عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و قريشا من كنانة، وهاشماً من قريش، واصطفاني من هاشم، وعلي أفضل بني هاشم بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فله التقدم لو خلا عن النصّ فكيف معه شعر:

وإذ كنت بالقربى ملكت أمورهم***فإن عليّاً منك أولى وأقرب

أنشأ بريدة الأسلمي في البيعة:

يا بيعة هدموا بها***أسا وجث دعائم

أتكون بيعتهم هدى***وتغيب عنها هاشم

ويكون رائد أهلها***مولى حذيفة سالم

فليصبحن وكلهم***أسف عليها نادم

أمر النبيّ معاشرا***هم أسرة ولهاذم

أن يدخلوا ويسلموا***تسليم منه عالم

أن الوصي له الإمامة***بعده والقائم

والعهد لا مخلولق***منه ولا متقادم

وقال السيد الحميري:

غششت أبا حفص وصي محمّد***وظاهرت من يبغي عليه أبا بكر

وقلدته أمر الخلافة بعده***وغيركما أولى بذالكما الأمر

فما لعدي والمكارم والعلا***وما لبني تيم بن مرة والفخر

أطعت به رأي ابن شعبة مذهبا***وهل لامرئ في طاعة الرجس من عذر

فصل في أن عليّاً رضي ببيعته وخلافته

وقد علمت احتجاجهم بسكوت علي عند بيعة النّاس لأبي بكر قلنا: مع ما سلف من الجواب قد طلب حقه في مواضع.

منها: حديث سعد بن قدامة في قوله: نحن واللّه أولى بمحمّد ونحوه كلام طويل وفي حديث مخول أنّه قال لهم: ما أسرع ما نقضتم، وفي حديث إسحاق وغيره لما أبى البيعة توعدوه بضرب عنقه ثمَّ ارتد جماعة من العرب، وخاف على الاسلام فدخل مع النّاس بوساطة عثمان رواه الواقدي.

ورأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسياف الفتن شاهرة، وشواهد الفساد ظاهرة، ولئن سلم سكوته فسببه أمور.

منها: حشو المدينة من المنافقين الّذين يعضون الأنامل من الغيظ، وينتهزون الفرصة وقد وثبوا وتهيؤا للفتنة، ووافق ذلك ارتداد العرب ومن حولهم، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن دودان: لما تعجب من تقدمهم عليه كانت أثرة سخت عنها نفوس قوم وشحت عليها نفوس آخرين، فإن ترتفع عنا محن البلوى نحملهم من الحقّ على محصنه وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تأس على القوم الفاسقين.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخوارج لما قالوا: كان وصيا فضيع الوصية: أنتم كفرتم وأزلتم الأمر عنّي وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم لغنائم عن ذلك بنص الأنبياء عليهم، وقد نصبني النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) علما، وقال: أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي.

وقد روى الشعبي عن شريح بن هاني قول علي: إن عندي من نبي اللّه عهدا ليس لي أن أخالفه، ولو خزموا أنفي، فلمّا بويع لأبي بكر مسكت يدي فلمّا ارتد قوم خشيت ثلمة الاسلام، فبايعت لئلا يبيد الاسلام، ورأيت ذلك أعظم من فوت ولاية أيّام قلائل.

وقد روى البلاذري وهو من أكبر ثقاتهم أن عليّاً قال لعمر: احلب حلبا لك شطره، واللّه ما حرصك على إمارته اليوم إلّا ليؤمرك غدا.

وروى إبراهيم بطريقين أن عليّاً قال لبريدة ولجماعة أخر أبوا البيعة: بايعوا إن هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم، أو أقاتلهم وأفرق أمر المسلمين ويرتد الناس.

إن قالوا: هذه ونحوها أخبار آحاد قلنا: اتفقت معنا فتواترت فيه.

وبهذا يبطل ما قالوا: إنّه كان يعلم بوقت وفاته، فلا معنى لتقيته مع فرط شجاعته، ففي سكوته إما بطلان عصمته، أو اعتقاده في ذلك الوقت عدم خلافته.

قلنا: لا يختص الخوف بنفسه، بل على ذريته وأهل ولايته، وذهاب دين نبيه، مع أنّه وإن علم بسلامته لم يأمن من جروح بدنه، وتطويل ألمه وشينه، و من أثره الّذي يلحقه من المذلة به، ما يوفي على قتله، على أن ما أعلمه النبيّ من بقائه كان متعلقا بعلمه بكفه عن القوم، ومداراته على أنّه معارض بكف النبيّ

عن أهل بلده وهربه إلى غاره ودار هجرته، هذا كله مع تقدم وعد اللّه لنبيه ببقائه وإتمام دعوته وإظهاره على الدين كلّه.

قالوا: طلب علي للبيعة فقال: اتركوني والتمسوا غيري، فإني أسمعكم وأطوعكم إن وليتم غيري قلنا: إنّما قال ذلك ليختبر صدق نياتهم في الاقبال عليه فإن رآه التزم بما طلبوه، وإلّا فلا فائدة.

تذنيب

علي مع الحقّ والحق معه، رواه سعد بن أبي وقّاص وحذيفة وأبو موسى الأشعريّ وأبو موسى الأشعريّ وأبو سعيد وعائشة وأم سلمة.

إن قيل: هذه مهملة فهي جزئية فلا تدل على عموم الكون مع الحقّ قلت:قد تقرر في المنطق أن الشخصية كالكلية (1)والألف واللام في الحقّ للاستغراق ولو كانت خبرية لم يكن تخصيص علي بالذكر فائدة.

إن قلت: التخصيص بالذكر ليس فيه تخصيص بالحكم قلت: سلمت وقد اشترك في الحكم النبيّ وبقية المعصومين، وخرج من تواترت معاصيه، وقد عرف في بابه، على أن في الحديث (يدور معه حيث دار) وفي هذا برهان الحصر وهو المطلوب.

تنبيه في رد الإجماع على خلافته وبيعته

قالوا: الاجماع على خلافة أبي بكر، قلت: لا يخفى ما وقع فيها من خلاف الأنصار وغيرهم، وقد سلف ذلك بنقلهم بل الاجماع على إمامة علي لأن الأُمّة فيه بين قائل: كان إماماً في كلّ الأوقات بعد النبيّ إلى الممات، وبين قائل كان إماماً في بعض تلك الأوقات والأُمّة في أبي بكر بين قائل أنّه كان إماماً في وقت ما وقائل لم يكن إماماً أصلا، وفي كون هذا إجماعا نظر لأن القائل بإمامة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض الأوقات لا ينافيه القائل بإمامة الآخر في بعض الأوقات لعدم تنافي الجزئيتين، كما قرر في المنطق، إنّما يكون إجماعا لو كان الكل قائلا بأنّه كان إماماً في الكل، وليس كذلك إلّا أن يعتبر في الاجماع قول المعصوم كما هو المشهور من مذهب الشيعة فلا يضر خروج غيره منه.


1) يعني لشخص الموضوع.

قالوا: لو قدموا عليّاً لارتدّ أكثر النّاس لما علموا منه من شدة البأس، و للحقد المركوز في صدورهم بقتله لأقاربهم قلنا: إذا كان علي سياف ربه وسيف رسوله، فأي وصمة في فعله، وهذا قدح فيهم إذ لم يرضوا من اللّه بحكمه وقد أنزل فيه (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (1).

على أن ما ذكروه من إمكان الارتداد ظن يمكن وقوعه وعدمه، (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (2)مع أن الارتداد وقع بما فعلوا كما في حديث الحوض وغيره (فأقول: سحقا لمن غير بعدي).

إن قالوا: هم قليلون والأكثر على الاستقامة، ولا تقدم مصلحة الخاصة على العامة قلنا: بل الأكثر منحرف عن الاستقامة، ومن نظر في القرون الماضية والأمم الخالفة علم ذلك، على أن اللّه علم كفر الأكثر عند إرسال الأنبياء، فلم يكن ذلك صارفا له عن بعثهم فكذلك القول في إمامة علي لولا بغيهم، ومن الّذي يقطع بالارتداد عنه قيامه، ولم لا يكون علم العوام بشدة البأس، يذهب الاختلاف، و هذا فظاهر بغير التباس.

قال شاعر:

لو سلموا لولاة الأمر أمرهم***ما سل بينهما في النّاس سيفان

فصل في احتجاجهم بسكوت عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند النصّ على عمر

ثمَّ احتجّوا بسكوت عليّ وغيره عند النصّ على عمر، وبدفن أبي بكر في الحجرة، وقد كانت مقفولة ففتحت من غير فتح، وسمع فيها صوت: أدخلوا الحبيب على الحبيب.


1) المائدة: 54.

2) النجم: 28.

قلنا: لا نسلم السكوت لما أخرجه ابن قتيبة في كتابه أن أبا بكر قال في وجعه ما ألقى منكم يا معاشر المهاجرين أشد من وجعي وليت أمركم خيركم فكلكم ورم من ذلك أنفه، أراد أن يكون هذا الأمر له.

ومن الكتاب قول علي للحسن: ما زلت مظلوماً منذ هلك جدك وقد ذكرنا طرفا ممّا يدل على كراهة النّاس لعمر، عند قولنا في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (1)إذا كان إذا قد صدرفأين الرضا بخلافة عمرولئن سلم سكوته فهو أعم من رضاه، وقد عرف في الأصول بطلان الاجماع السكوتي، إذ لا ينسب إلى ساكت قول، بل دلالة السكوت على السخط أولى من دلالته على الرضا.

قالوا: يكفي في الرضا ترك النكير، قلنا: لا فإن السخط أسبق للاجماع على تأخره عن البيعة كراهة لها.

قالوا: في وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) له أن لا توقع فتنة، دليل صحة خلافتهم، قلنا: قد أمر اللّه نبيه بالصبر على أذى الكفار حتّى نزلت آية السيف وقد أخرج صاحب جامع الأصول عن أبي ذر قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): كيف أنتم وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفئ؟ قلت: أضرب بسيفي حتّى ألقاك قال: هل أدلك على خير من ذلك؟ تصبر حتّى تلقاني.

وفي صحيح مسلم والبخاري عن حذيفة نحو ذلك وأمره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يسمع ويطيع وإن ضرب ظهره، وأخذ ماله، فهذا نص كتبهم وهم يستدلون بذلك على إمامة صاحبهم، فما أحسن قول بعضنا:

خصرك يا من حوت محاسنه***غرائبا ما روين في عصر

أضعف من حجة النواصب في***أن إمام الهدى أبو بكر

وأما الدفن، ففيه جرءة على اللّه ورسوله، حيث قال: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (2)(لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (3)) وحيث قال:


1) المائدة: 55.

2) الأحزاب: 53.

3) الحجرات: 2.

حرمة المؤمن من ميتا كحرمته حيّاً.

قيل: الحجرة لعائشة قلنا: يكذبه البخاري حيث روى في صحيحه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبني النجار: ثامنوني وغير ذلك ولم يذكر أنّها انتقلت إليها بسبب ناقل.

قيل: أضافها اللّه إليها بقوله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (1)) قلنا: الإضافة إليهن لا توجب الملك لقوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) (2)وقد سلف (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ).

فروا إلى أخذها إيّاها بإرثها، أدركناهم بقول إمامهم (لا نورث) فخصمها جميع المسلمين فيها، وبأن النبيّ مات عن تسع نصيبها لا يسعه.

فروا إلى أخذها إيّاها من صداقها أدركناهم بأنّه لم يدخل بامرأة حتّى وفاها مهرها بقوله تعالى: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ (3)) وقد نسب النبيّ البيت إلى نفسه فروى الطبري في خبر ابن مسعود أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: غسّلوني وكفّنوني وضعوني في بيتي على شفير قبري، واخرجوا عنّي فإن أوّل من يصلي علي جبرائيل جليسي وخليلي ثمَّ ميكائيل ثمَّ إسرافيل ثمَّ ملك الموت مع جنوده ثمَّ الملائكة بأجمعها قالت عائشة منكرة عليه: فأين أسكن أنا؟ فقال:إنما هو بيتي، فبلغ ذلك عمر فقال: إنّما هو بيتك.

وقولهم: أدخلوا الحبيب على الحبيب منقوض بما روته عائشة أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:ادعوا لي حبيبي فجئ بأبي بكر ثمَّ بعمر فغطى وجهه منهما فقالت عائشة: ادعوا له عليّاً فواللّه ما يريد غيره، فأدخله تحت ثوبه وقد سلف ذلك.

إن قيل: فالحسن أوصى بدفنه مع جده وفيه ما ذكرتم من المحذور قلنا: لا بل الوارد من طرقنا أنّه أوصى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يدخله ليجدد به عهدا ثمَّ يدفنه بالبقيع، فلمّا أراد ذلك ظنّوا أنّه يدفنه، فمنعه مروان وعائشة في قوم من بني أمية حتّى قال لها ابن أبي عتيق: نحن إلى الآن ما خلصنا من وقعة الجمل، فباللّه


1) الأحزاب: 33.

2) الطلاق: 2.

3) الأحزاب: 50.

عليك لا تجعليها وقعة البغلة، ومن العجب العجيب، تقريب البعيد، وتبعيد القريب.

وكيف ضاقت عن الأهلين تربته***وللأجانب في جنبيه متّسع

وما جاء في طرقهم من كتاب الفتن من وصية الحسن، بدفنه مع جده المؤتمن فليس علينا فيه حجّة، لكونه من طرق الخصم المائل عن المحجة، وقولهم: فتحت من غير فاتح، فهو من أكبر القبائح، لأنّه كذب على مالك العباد، حيث لم يرد في متواتر الأخبار والآحاد، وقد رووا أنّها أذنت في دفن عمر في حجرته، وكان ذلك شكرا منها لنعمته، حيث شارك أباها في معصيته، وتمهيد طريق غصبيته بالمسارعة إلى بيعته.

تذنيب روى عاصم بن حميد عن صفوان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّهما لم يبيتا معه إلّا ليلة ثمَّ نقلاً إلى واد في جهنم يقال له: واد الدود قال الضبي:

ما ضرّ جدّك أحمداً في قبره***قبر اللذين كلاهما ظلّام

ولجا عليه بغير إذن نبيه***غصبا وكانا ناكثان غشام

وقال آخر:

ألا يا معشر الناس***إلى ما هذه البدعة

رسول اللّه مدفون***وشيطانان في بقعه

فصل في احتجاجهم لامامه عثمان بالشورى في ستة من المهاجرين

احتجّوا لإمامة عثمان بالشورى حين قال لعمر: استخلف، فقال: لا أحملها حيّاً وميّتاً، إن كان الخلافة خيراً فقد أصبنا منها، وإن كانت شرّاً فقد كفانا ما حملنا منها بل اجعلوا الشورى لهؤلاء الستة الّذين مات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهو عنهم راض:علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص فبايع عبد الرحمن لعثمان.

قلنا: كيف لم يحملها ميتا وقد جعلها شورى في تلك القوم، وقد كانت الشورى سببا لكل شر إلى اليوم، وفي ذلك قوله (إن كانت خيرا) شكّ في خلافة نفسه وقول عثمان: لا أخلع قميصا قمصنيه اللّه، يناقض قول عمر هذا، وقول أبي بكر أقيلوني.

وقد ذكر نظام الدين الشافعي في شرحه للطوالع أن عبد الرحمن عرض على علي أن يبايعه على كتاب اللّه وسنة نبيه وسيرة الشيخين - ثلاث مرات - فأبى سيرة الشيخين، فأعرض ذلك على عثمان ثلاثاً فقبله وهو من أقوى الأدلة على اعتقاده فساد سيرتهما وبايعه عليّاً خوفا عند قول عبد الرحمن له بايع ولا تجعل على نفسك سبيلا كما نقله المخالف عنه، والتخويف والتهديد ظاهر فيه.

وفي رواية ابن قتيبة عن عبد الرحمن أنّه قال له: فإنّه السيف لا غير، وفي كتاب ابن قتيبة قول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) [عند قول عبد الرحمن] بايع عثمان وإلّا جاهدناك:

فبايعت مستكرها وفي رواية المخالف فبايعت واللج على قفي، واللج السيف والقف الفقار قال علي لعبد الرحمن: ما أملت منه إلّا ما أمل صاحبك من صاحبه، فدق اللّه بينكما عطر منشم (1).

والعجب لعمر كيف يشهد لهم برضى النبيّ عنهم ثمَّ يأمر أبا طلحة الأنصاري أن يكون في جيش من قومه إن مضت ثلاثة أيّام ولم يتفقوا بقتلهم، ثمَّ بقتل الثلاثة الّذين ليس فيهم عبد الرحمن لعلمه أنّه لا يعدل بها من ختنه عثمان، ثمَّ وصف عمر كلّ واحد من الخمسة بوصف فيه تعريض بعدم صلاحه للخلافة، وقال في علي: ما يمنعني منك إلّا حرصك عليها وأنّك أجرى القوم إن وليتها تقيمهم على الحقّ


1) المنشم كمجلس ومقعد: عطر شاق الدق، أو قرون السنبل سم ساعة، و - امرأة عطارة من همدان كانوا إذا تطيبوا من ريحها اشتدت الحرب فصارت مثلا في الشر، يقال: أشأم من عطر منشم فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة تقول الناس: قد دقوا بينهم عطر منشم. فذهب مثلا.

المبين، هذا قول ابن قتيبة في كتابه وهل ذلك إلّا انحراف منه عن الحقّ وبغض منه لإمام الخلق.

وقد ورث بغضه له عبد الرحمن ابنه، فإنّه أتى يبايع الحجاج ليزيد، وقيل لعبد الملك (1)قائلا: من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية فأخرج إليه الحجاج رجله ليبايعه بها استهانة به، حيث روى ابن عمر أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال بحضرته لعليّ:

أنت خليفتي ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية ثمَّ قال الحجاج: يا أهل الكوفة هذا زاهد زمانكم يروي في علي هذا، ويبايع لغيره برجل الحجاج فما أصدق قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): البغض يتوارث والحب يتوارث.

وقد ذكر الملّا في آخر المجلّد الخامس من كتاب وسيلة المتعبدين قول ابن عمر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من فارق عليّاً فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق اللّه فلينظر العاقل فيمن هذا حاله.

الحاق في كلام عمر: إن وليتموا عليّاً ليحملنكم على المحجة البيضاء

وفي كلام عمر إن وليتموه ليحملنكم على المحجة البيضاء إلّا أن فيه دعابة ولعمري إنها كلمة هو قائلها وإنّما منعه مع البغض والحسد الصحيفة التي توافقوا فيها على منعه كما روي عن علي ذلك بعينه، وأقر ابن عمر أن عثمان قال له ذلك واستكتمه فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أخبرني به النبيّ في حياته وفي منامي بعد وفاته ذكره مسيلمة بن قيس في كتابه ويدل على عدم رضاه بالشورى، وإن دخلها ما ذكره في خطبته الشقشقية، فيا للّه والشورى، متى اعترض الريب في مع الأولين حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر.

ولأنه خاف على نفسه لو لم يدخلها أن يفهموا منه تخطئتها وادعاء النصّ عليها دونها أو دخلها طمعا في أن يتفق عليه أو ليورد عليهم ما جاء من المناقب فيه وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اليوم أدخلت في باب إن أنصفت فيه وصلت إلى حقي، يعرض بيوم السقيفة حيث لم يشاور فيه! ذكره المفيد في المحاسن أو طلب الاحتجاج كما


1) زاد في النسخة: لما صار الأمر إلى علي كراهة له.

أمر اللّه نبيه بسؤال الكتابيين (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (1)) ولأنّه لو لم يدخل لفهم بعضهم أنّه لا يصلح للإمامة، وأدى ذلك إلى عدم تنفيذه لأحكام اللّه سبحانه وقد صالح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سهيل بن عمر، ومحا اسم النبوّة من الكتاب وشرط عليه رد من أسلم إليه، وليس في ذلك دخول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في ضلال، فسقط ما ذكرتم في الشورى من الاستدلال.

وقد أسند أخطب خوارزم برجاله إلى أبي الطفيل قال: كنت على الباب وقت الشورى، فارتفعت الأصوات فسمعت عليّاً يقول: بايع النّاس أبا بكر وأنا واللّه أحق منه، فأطعت مخافة أن يرجع النّاس كفارا ثمَّ بايع أبو بكر لعمر، وأنا واللّه أولى بالأمر منه فأطعت مخافة أن يرجع النّاس كفرا ثمَّ تريدون أن تبايعوا لعثمان فإذا لا أطيع ثمَّ شرع في المناشدة بخصال اعترفوا بها وذكر نحو ذلك ابن مردويه وهو من ثقاتهم.

وذكر ابن الراوندي من أعيانهم في منهاج البراعة أن عليّاً قال: أدخل معهم لأن عمر روى أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: لا تجتمع النبوّة والإمامة في بيت، و الآن فقد استصلحني لها، فأدخل ليظهر أنّه كذب نفسه، فأين الرضا بالشورى مع هذه الأمور المشهورة.

فصل في أن إمامة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما ثبتت بالبيعة

قالوا في إمامة عليّ: لم يكن لها سبب سوى البيعة والاجماع فيها، بل من النّاس من أباها ومنهم من سكت عنها، ومنهم من أتاها، وقد كانت عائشة في الحجّ فلمّا قدمت وعلمت قتل عثمان طلبت من علي قتل قتلته وهم عشرون ألفاً فأبى ذلك فخرجت إلى البصرة ساخطة عليه، قائلة ما باله يستولي على رقابنا، لا أدخل المدينة ولعليّ فيها سلطان.


1) آل عمران: 93.

وخرج معها طلحة والزّبير ومعظم الصحابة وكانت المحاربة فقتل طلحة و كفّ يده عن الزبير، لقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): بشروا قاتل ابن صفية بالنار، فصرف زبير الرمح عن ترقوة علي لما رآه لا يمد يده إليه فقال له: أنسيت قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ستحاربه وأنت ظالم له؟ فحطم رمحه فولى فتبعوه وقتلوه، و انكسر العسكر، وأمر علي بستر عائشة ثمَّ اجتمع معها، وتباكياً وندما، على ما كان منهما.

قالوا: ثمَّ بعث علي إلى معاوية يعزله عن الشام، فدفع كتابه إلى عمرو بن العاص، فقال: اجعل لي مصر حتّى أكفيك همه، ففعل قال: اكتب إليه: من ارتضاك حتّى يصل عزلك إلي؟ ثمَّ امتد الشر حتّى كان حرب صفين، وقتل سبعون ألفا من المسلمين: من أصحابك علي خمسة وعشرون، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ثمَّ جرى التحكيم فاتفق عمرو والأشعري على خلعهما، ونصب عبد اللّه بن عبّاس (1)فلمّا عزلهما الأشعري أثبتها عمرو في معاوية فقال: ما على هذا كان الاتفاق أنت كالحمار تحمل أسفارا فقال عمرو: وأنت كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ثمَّ افترق الفيلقان، فشاق عليّاً الخوارج من أصحابه وكان حرب النهروان وكان منهم ابن ملجم، فقتل عليّاً بمسجد الكوفة ودفن علي فيه بين قصر الإمارة والقبلة.

قلنا: نمنع من عدم سبب آخر غير البيعة، لأن الأُمّة لما افترقت ثلاث و سبعين للحديث المشهور، خرج منها أربع النصيرية والناكثون والقاسطون والمارقون والباقون ادعوا النصّ وأنكروا الاختيار وقد أسلفنا ذلك في الآيات والأحبار.

وقد قال إمام الحرمين: الاجماع على إمامة علي لا حاجة له، وإنّما هاجت الفتن لأمور أخر قلت: هي التهمة بقتل عثمان المسبب عن الشورى التي لم تكن برضا علي، فكان حرب الجمل وصفين عنها، والخوارج مسبب عن المسبب عنها.


1) بل عبد اللّه بن عمر.

وقال المتكلمون منهم الإمامة: استقرت لعليّ بالاجماع لانعقاده زمان الشورى على أنّها له، أو لعثمان، فتعينت له بعد عثمان ذكر ذلك نظام الدين الشافعي في شرحه للطوالع.

كلام في شهادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وموضع دفنه بالغري

وقد اعترفوا بسخط عائشة على عليّ في زمان إمامته المجمع عليها فلينظر العاقل في إيمان من هذا فعلها ولو فعل ذلك أحد غيرها بخليفة غيره لسارعوا إلى تكفيره مع أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لم يقل في حق غير علي: حربك حربي، وحرب النبيّ كفر بالاجماع وقد أسلفنا طرفا من حرب صفين في بدع معاوية، وسيأتي منه جانب آخر قريب إن شاء اللّه ويأتي أيضاً حرب الجمل، في فصل مفرد، وأما الخوارج فقد ظهرت فيهم علامة المروق من الدين بقتل ذي الثدية كما أخبر به سيِّد المرسلين أمير المؤمنين، فليس في ذلك كله طعن في الاجماع، بل عارضوا الدين بالاجماع.

وما ذكر من دفن عليّ في موضع قتله فزور إذ قد أخبر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأولاده به، وأولاد كلّ شخص أعرف بقبره، ومذهب الإمامية مشهور بتحريم الدفن في المساجد، فلا عبرة بما افتراه المعاند.

وقال الغزالي: ذهب النّاس إلى أن عليّاً دفن على النجف وأنّهم حملوه على الناقة، فسارت حتّى انتهت إلى موضع قبره، فبركت ولم تنهض فدفنوه فيه.

وقال أبو بكر الشيرازي في كتابه عن الحسن البصري: أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لولديه:

إذا أنا مت ستجدان عند رأسي حنوطا من الجنّة وثلاثة أكفان من استبرقها، فوجدوا عند رأسه طبقا من ذهب، عليه خمس خامات، فلمّا جهزوه حملوه على بعير، فبرك عند قبره، وكان قد أعلمهم بذلك فواللّه ما علم أحد من حفره فالحدّ فيه وأظلت النّاس غمامة بيضاء، وطير أبيض حتّى فزعوا.

وأخرج الشيخ في تهذيب الأحكام عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أوصى ولديه بحمل مؤخر السّرير، وقال: تكفيان مقدمه، وتنتهيان إلى قبر محفور، واللّبن موضوع فألحداني وأشرجا اللبن علي.

وفي دلائل البطائني كان في مقدم سريره جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، و

زمرة من الملائكة، يسمع منهم التقديس وفي حديث آخر مسندا إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أوصاهما بإخفاء أمره، وأن يستخرجا من الزاوية اليمنى لوحا، ويكفناه فيما يجدان، فإذا غسلاه وضعاه على اللوح، فإذا رأيا مقدم سريره يشال شالا بمؤخره وأن الحسن يصلي عليه ثمَّ الحسين ففعلا ما رسم، فوجدا اللوح مكتوبا عليه بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما ادّخره النبيّ نوح لعليّ بن أبي طالب، وأصابا الكفن في دهليز الدار، وفيه حنوط قد أضاء نوره على نور النهار وفي حديث آخر عن أم كلثوم نحو ذلك.

وفي حديث آخر عن الحسين لما قضينا صلاة العشاء إذا قد شيل بمقدم السرير فلم نزل نتبعه إلى الغري فوجدنا قبرا على ما وصف، ونحن نسمع حفيف أجنحة كثيرة، وجلبة وضجة، فوضعناه ونضدنا عليه.

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نضدوا عليه أخذت اللبنة من عند رأسه، وإذا ليس في القبر أحد، وهاتف يقول: إن أمير المؤمنين كان عبدا صالحا فألحقه اللّه بنبيه وكذلك يفعل بالأوصياء حتّى لو مات نبي بالمشرق ووصيه بالمغرب لألحق به.

وفي خبر أنّ إسماعيل بن عيسى العبّاسي سنة ثلاثة ومائتين أنفذ غلاماً له في جماعة وقال: احفروا هذا القبر الّذي افتتن به الناس، ويقولون: إنّه علي فحفر خمسة أذرع فبلغوا أرضا صعبة فجاء الغلام وضرب فيها ثمَّ صاح واستغاث فأخرجوه فإذا على يده دم إلى ترقوته فحملوه إلى مولاه ولم يزل لحمه ينتثر من عضده وساير شقه الأيمن حتّى مات، وتاب مولاه، وتبرأ، وركب ليلاً إلى علي بن مصعب بن جابر، وسأله أن يعمل على علي صندوقا.

وقال أبو جعفر الطوسي: حدّثني محمّد بن همام الكوفي عن أبي الحسن بن الحجاج قال: رأينا هذا الصندوق قبل أن يبني عليه الحسن بن زيد الحائط.

وفي الأمالي خرج بعض الخلفاء يتصيد في ناحية الغريين فأرسل الكلاب فلجأت الظبا إلى أكمة فرجعت عنها فهبطت منها فرجعت إليها فسأل شيخا من بني أسد فقال: إن فيها قبر علي بن أبي طالب جعله اللّه حرماً لا يأوي إليه شئ إلّا

أمن، قال: بل قبره في جامع الكوفة.

قال ابن الجوزي: لو علمت الرافضة قبر من هذا لرجموه، فإنّه قبر مغيرة ابن شعبة فأخفى اللّه قبر علي وظهر للرافضة غيره، لعلمه أنّهم ينقلون موتاهم إليه فمنعهم من الاتصال به.

قلنا: هذا النقل عن ابن الجوزي غير صحيح، لأنّه قال في كتاب تاريخه:

إنّ أبا الغنايم من عباد أهل السنة ومحدثيهم قال: مات بالكوفة ثلاثمائة صحابي ليس قبر أحد منهم بمعروف إلّا قبر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو هذا الّذي تزوره النّاس الآن.

جاء الصادق والباقر فزاراه وقد كان أرضاً حتّى جاء محمّد بن زيد الداعي صاحب الديلم فأظهره.

السرّ في إنكاره أن لا ينقل المخالف إليه ميّتاً لا يتصل به فقطعوا أفلاذ أكباده وشردوا أولاده، من أجل هذا طرد اللّه عن جيرته أرواح أضداده.

قالوا: جعلتم في صندوقه معيديا كلم بعض السلاطين فرده رافضيا فكسر العاقولي الصندوق وأخرجه قلنا: لو كان ذلك حقّاً لورخ المخالف اسم ذلك السلطان وعين ما وقع فيه من الأزمان لينتهز به الفرصة لكسر أهل الإيمان ولو فرض وقوع ذلك من خدام الإمام لم يضر المذهب كما يضر الاسلام فسقة بني شيبة سدنة البيت الحرام، وقد تشيع السلطان خدابنده وكان من كمال إيمانه وعقله أن كتب الثلاثة على أسفل نعله، وليس هذا بأعجب من إنكارهم إبراء قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذوي العاهات، محتجين بأن الشفا يضاد فعل اللّه، قلنا: هذا رد لصريح القرآن في عيسى وباقي معاجز الأنبياء.

قالوا: هي هناك قلنا: فكذا هنا، ويلزم على قولهم إبطال الرقيّات، وتحريم صناعة الأطباء على أنّه قد أسند ابن الجوزي في المجلد الرابع من المنتظم إلى جعفر الجلوديّ أنّه كان به جرب فمسحه بقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونام فانتبه، وليس به شئ منه.

تذنيب

عابنا المخالف بما نفعل في العزا اقتداء بسيد الأنبياء فقد أخرج في المصابيح وجامع الأصول وغيرهما قول أم سلمة رأيت البارحة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وعلى رأسه ولحيته التراب، وهو يبكي قلت: ما لك؟ قال: شهدت قتل الحسين، فقبلنا عليهم ذلك وقلنا: أنتم خالفتم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في المصاب، وتشاهرتم بالاكتحال والخضاب، اقتداء بمن خضب بدمائه بنانه، وأجرى بالفرح والشماتة بنانه ولسانه.

(شعر)

فتوارث الهمج الخضاب فمن***كفر تولّد ذلك الكفر

نبكي فتضحكهم مصائبكم***وسرورهم بمصائبكم نكر

تاللّه ما سر النبيّ ولا***لوصيه بسرورهم سرّ [وا]

قال الثعلبيّ في تفسيره: قال السدي: لمّا قتل الحسين بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها، وحكى ابن سيرين أن الحمرة لم تر قبل قتل الحسين، وعن سليم القاضي مطرنا دما أيّام قتله.

فصل في احتجاجهم بقوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس

قالوا: عدل اللّه الأُمّة بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (1)) وقد شهدت لأبي بكر بلا نص قلنا: قد سلف في هذا الحديث الرابع من حديث الحوض وغيره، و نريد هنا أن نخص هذه الآية بعض الأُمّة قلنا أن نخصّ بعض الآخر، فلا حجة، و البعض هم الأئمّة وقد دل صاحب الناسخ والمنسوخ أنّها كانت (وكذلك جعلناكم أئمة) فحرفت إلى (أمة) إذ كيف تكون خير أمة وفيها أنواع المعصيات وترك الطاعات.

قالوا: إنّما كفرتم بسبّ السلف قلنا: منع إمامكم الرازي في كتابه نهاية العقول من الكفر بذلك، وقد قرأ الكوفيون (كنتم غير أمة) وروي ذلك عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) البقرة 143.

قالوا: في الآية (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فتبطل الآية لو كانت خلافة الثلاثة من المنكر قلنا: الظاهر من (كنتم) تدل على الماضي فلا تستعمل في الآتي عند من يقول بدليل الخطاب.

إن قالوا: (تَأْمُرُونَ) تدل على الآتي قلنا: جاء الآتي بمعنى المضي فلا يتمحض اللفظ للآتي بل هو أعم ولا دلالة لعام، على أن الأُمّة تقال على البعض (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (1)) فيجب الحمل هنا على البعض لعدم اتصاف الكل بالخير، والبعض من ثبتت عصمته دون غيره، على أن الآمر بالمعروف قد يصير ناهيا عنه بتجديد الفسق وبالعكس، فلو لم يكن البعض هو المعصوم، لزم كون المأمور به منهيا بغير نسخ، والعدالة التي وصف اللّه بها الأُمّة ليست عامة لفسق البعض فهي موجبة جزئية ونقيضها لا شئ من الأُمّة بعدل، والإمام في زمان إمامته ليس من الأُمّة فلا ينقض به.

أو نقول: السلب الكلي كاذب، فيصدق نقيضه، وهو الايجاب الجزئي، ويلزم المطلوب من سلب العدالة عن المجموع.

وأيضاً فشهادة الأُمّة على من سلف، وإلّا لكانت شهادة على نفسها.

قالوا: قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كونوا مع السواد الأعظم؟ قلنا: ممنوع الصحة، ومعها ممنوع العموم، وإلّا لوجب الكون مع الكفار، ولأن رواته إن كانوا من السواد الأعظم لزم إثبات الشئ بنفسه، وإن كانوا من غيرهم فكيف تقبل روايتهم.

قالوا: لا تجتمع أُمّتي على خطأ قلنا: وأين الاجتماع مع افتراقها إلى اثنتين وسبعين فرقة، فما نراها اجتمعت إلّا على الاختلاف والتساب فليس بخطاء.

قالوا: قال مؤمن الطاق في كتابه: افعل لا تفعل، أي لا تجتمع على خطأ بعينه، يعني أن خطأ الكثرة مثبت، فلم تعم هذا، وقد منع النظام حجية الاجماع بأدلة سلمها الرازي في معالمه هي أن الخطاب في الآية للحاضرين، وهم غير معلومين فلا يدخل غيرهم تحتهم.


1) النحل: 120.

إن قيل: لما لم تثبت حجيته هناك لم تثبت في كلّ إجماع لعدم القائل بالفرق قلنا: هذا إثبات لأصل الاجماع بأضعف أنواع الاجماع، وهو دور.

سلمنا وصف الأُمّة بالعدالة، فلم قلتم هي عدل في كلّ شئ فإن الوصف الثبوتي يكفي صورة صدقه، فإذا قلنا: فلان عالم لا يقتضي عموم علمه.

سلّمنا تعميم العدالة لكن يجوز أن تكون شهادتها لأبي بكر خطأ لعدم عصمتها وهي من الصغائر، فلا تقدح في عدالتها انتهى معنى ما حكاه الرازي منها ولم يأت بنقض عليها.

قالوا: قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تجتمع أُمّتي على ضلال قلنا: قد سلف هذا، ونزيد هنا بأنّه خبر واحد، فيرجع الاجماع إليه، فلا حجة فيه، وإن كان مجمعا عليه لزم إثبات الشئ بنفسه، وقد أنكره النظام وجماعة وهو أيضاً مخصوص بمن عدا المجانين والأطفال والعوام وقد اختلف في حجية العام المخصوص، وحينئذٍ نخص كلّ أدلة الاجماع، وخيار الأُمّة وأفضلها الإمام، فالعبرة بقوله فمن ثمَّ لا تجتمع الأُمّة على ضلال.

على أنّه يجوز تأويل الأُمّة بالأئمّة كما سلف وقد قرئت (تجتمع) بسكون العين على أنّه نهي لا خبر، وهو أولى وإلّا لزم كذب الخبر عندهم لوجوب الأمر شرعا على النّاس في كلّ أوان، وقد أجمعوا على تركها الآن.

إن قيل: لا تجتمع أُمّتي على ضلال اختيارا لا قهرا قلنا: فجاز اجتماعكم على خلافة أبي بكر قهراً، لا اختياراً، ولئن سلمت حجيته لا نسلّم حصوله لخروج وجوه بني هاشم منه، والاثنى عشر الّذين شهدوا على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عند أبي بكر بالخلافة لعليّ، وقد سلفت أقاويلهم وأسماؤهم ولقد أحسن بعض الفضلاء في قوله شعرا:

الناس للعهد ما والواو ما قربوا***وللخيانة ما عابوا ولا شنعوا

وفيم صيرتم الاجماع حجتكم***والناس ما اتفقوا طورا وما اجتمعوا

أمسى عليّ بعيداً من مشورته***مستنزعا فيه والعبّاس يمتنع

وتدعيها قريش بالقرابة والأنصار***ما رفعوا فيها ولا وضعوا

فأي خلف كخلف كان بينهم***لولا تلفق أخبار وتصطنع

وقد سلف شئ من ذلك.

فصل في أن الواجب اتباع سبيل المؤمنين

قالوا: توعّد اللّه اتباع غير سبيل المؤمنين قلنا: قال النظام: ليست متابعة الغير الاتيان بمثل فعله، وإلّا لكان اتباع اليهود في كلمة التوحيد، بل هو فعل مثل فعل الغير لأجل أنّه فعله فلو فعل مثل فعل الغير لأن الدليل أداه إليه لم يكن متبعا له، وحينئذٍ فمتابعة سبيلهم وغير سبيلهم بينهما واسطة هي عدم المتابعة لأحد حتّى يظهر الدليل، فلا يلزم من تحريم غير سبيلهم وجوب سبيلهم، فإن المتوقف غير تابع لأحد، و (سبيل) نكرة مثبتة، فلا تعم فتحمل على ما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان انتهى نقل الرازي في معالمه عن النظام، ولم يحصل منه جواب تام.

على أنّ سبيل المؤمنين هو التمسك بالدليل لا الاجماع، إذ لو اجتمعوا على مباح وجب وهو تناقض، وفي هذا نظر إذ اللازم من الاجماع على إباحته وجوب اعتقاد إباحته لا أنّه يصير واجباً حتّى يلزم التناقض ولو سلم ذلك فالمراد بالمؤمنين من علم إيمانهم، وذلك متعذر إلّا من المعصوم، لعدم العلم بموافقة باطنهم لظاهرهم.

ثمّ نقول: لا بدّ للاجماع من دليل، وليس في العقل ولا القرآن دليل إمامته ولا في السنّة، لأنّهم لا يقولون: بنص ولا وصية، ولأن كلّ فرد يجوز خطاؤه فما يعصم الكل عنه، ولأن الاجماع إن اعتبر فيه البعض، فقتل عثمان حقّ وإن اعتبر فيه الكل فقد قال إمام الحرمين: اجتماع الجمع العظيم على القول الواحد لا ينعقد إلّا لدليل قاهر جمعهم عليه.

قال الرازي: وهو منقوض بإطباق الكتابيين على التثليث وصلب عيسى فالمعتمد على قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (1)) قال: وهو كلّ الأُمّة فالاجماع حجة.


1) براءة: 119.

ونحن نقول: يصير المعنى كونوا معكم وهو مناف للمبالغة، على أنا قد بينا النصّ على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالاجماع على خلافة غيره خطأ بغير نزاع.

إن قالوا: سند الاجماع قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): اقتدوا باللذين من بعدي أبا بكر وعمر قلنا: على تسليمه، المراد كتاب اللّه والعترة كما هو مشهور من وصية النبيّ بهما وقد وردت أبا بكر بالنصب على النداء فيكون أمرا للرجلين بالاقتداء بهما، وجهة تخصيصهما بعد دخولهما بالعموم ما علمه من خلافهما وأيضاً فيمتنع الاقتداء بهما لما شهر من خلافهما، ولو كان الاقتداء موجبا لخلافتهما لزم ذلك في غيرهما على العموم لحديث أصحابي كالنجوم.

قالوا: نكح علي من سبيهم خولة، فهو دليل على الرضا بهم، وأنكح الحسين شاه زنان قلنا: قد روى البلاذري منكم في كتابه تاريخ الأشراف أن عليّاً اشتراها منهم ثمَّ أعتقها وأمهرها وتزوجها، وولدت له محمّداً، وشاه زنان بعث بها وبأختها الوالي من قبله على جهة المشرق، وهو حريث بن جابر فنحلها الحسين، فولدت له زين العابدين ونحل أختها محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم، على أنّهم إذا كانوا أهل ردة لا منع من نكاحهم لأحد من المسلمين، فضلا عن ولاة الدين.

وقد أسند ابن جبير في كتاب إبطال الاختيار إلى الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رجلين أتياه واحتجا بذلك على رضاه، فدعا بجابر بن حزام وأخبره بقولهما فقال: ظننت أن أموت ولا أسأل عن ذلك إن خولة لما دخلت المسجد أتت قبر النبيّ وسلمت و شكت فطرح طلحة والزبير ثوبيهما عليها، فقالت: أقسم بربي ونبيي لا يملكني إلّا من يخبرني بما رأت في منامها أمي، وهي حامل بي، وما قالت لي عند ولادتي وإن ملكني أحد بقرت بطني، فيذهب ماله ونفسي، ويكون اللّه المطالب بحقي فدخل علي فأخبروه فقال: ما دعت إلى باطل أخبروها تملكوها.

قالوا: ومن فينا يعلم الغيب؟ قال أبو بكر: فأنت أخبرها، قال: فإن أخبرتها ملكتها بلا اعتراض فيها؟ قال: نعم، فقالت: من أنت لعلك الّذي نصبه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بغدير خم؟ قال: نعم، قالت: من أجلك غصبنا ومن قبلك

أتينا فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حملت بك أُمّك في زمان قحط، وكانت تقول: إنك حمل ميشوم ثمَّ بعد سبعة أشهر رأت في نومها أنّها قد وضعتك وهي تقول لك ذلك وإنك تقولين لا تشأمي في، فإني ولد مبارك يملكني سيِّد يولدني ولد، يكون للحنفية فخراً.

قالت: صدقت أنى لك هذا؟ قال: من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قالت: فما العلامة بيني وبين أمي؟ قال: لوح في عقيصتك قد كتبت فيه رؤياها وكلامك ثمَّ دفعته إليك لما بلغت عشر سنين، وقالت: اجهدي أن لا يملكك إلّا من يخبرك به فأخرجت اللوح بين النّاس فملكها علي دون غيره بما ظهر من حجته وروي أنّه حملها إلى أم سلمة فلمّا ورد أهلها خطبه منهم وتزوجها.

على أنّه قد قيل بجواز نكاح سبي الكفّار، وإن سباهم من لم يكن إليه: سبيهم، وهذا يسقط السؤال عندكم.

قالوا: جلس في مجالسهم مباشرا لأشوارهم قلنا: لا بل كان يجلس في المسجد وليس هو مختصا بهم وكان يتّفق الاجتماع معهم، ولو سلم أنّه قصد ذلك فإنما كان ليردهم عن خطائهم، وقد رجعوا في مواضع إلى قوله عن آرائهم، ودخوله في أشوارهم ليرشدهم إلى ما يشذّ من أمر الدين عنهم، أو لينهاهم عن ما يمكنه من مناكرهم.

قالوا: أخذ عطاهم، قلنا: له أخذه لأنّه أحق به من حيث عموم ولايته.

فصل في نكاح عمر أم كلثوم ابنة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فصل قالوا: أنكح عمر ابنته، قلنا: قال المرتضى في كتابه الشافي: العقل لا يمنع إباحة نكاح الكفار، وإنّما يمنع منه الشرع، وفعل علي أقوى حجة في أحكام الشرع على أنّه لا يمتنع شرعا إنكاح الكافر قهرا لا اختيارا، وقد كان عمر على الاسلام ظاهرا وعمر ألح على علي وتوعده بما خاف علي على أمر عظيم فيه من ظهور ما لم يزل يخفيه، فسأله العبّاس لما رأى ذلك رد أمرها إليه فزوجها منه.

وقد أخرج ابن المغازلي الشافعي في مناقبه والبخاريّ في صحيحه أنَّ عمر

صعد المنبر وقال: حملني الالحاح على علي في ابنته كذا وكذا الحديث.

وفي الحديث أن عمر أحضر العبّاس وقال على المنبر: أيّها النّاس هنا رجل من علية أصحاب النبيّ قد زنى وهو محصن، وقد اطلع أمير المؤمنين وحده عليه فقالوا: ليمض حكم اللّه فيه فلمّا انصرفوا قال للعبّاس: واللّه لئن لم يفعل لأفعلن فأعلمه فأبى، فسأله العبّاس السكوت ومضى إلى عمر فزوجه أم كلثوم وفي حديث آخر إنّه أمر الزبير يضع درعه على سطح علي فوضعه بالرمح ليزميه؟ بالسرقة.

وفي كافي الكليني أنّه قال: لأغورن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلّا هدمتها ولأقيمن شاهدين بأنّه سرق وأقطعه.

وسئل مسعود العياشي عن أم كلثوم، فقال: كان سبيلها سبيل آسية مع فرعون، وذكر النوبختي أنّها كانت صغيرة ومات عنها قبل الدخول بها.

إن قيل: إنّما منع عليّاً تزويجه الحياء والأنفة فولى العبّاس، قلنا: قد تولى تزويج غيرها من بناته ولم يمنعه ذلك فلم تبق علة الامتناع سوى الكراهة، و قد روى أهل المذاهب الأربعة عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي مسندا إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال: ذلك فرج غصبنا عليه، وروته الفرقة المحقة أيضاً.

على أنّه لا خلاف أن التناكح والتوارث على الاسلام، ولا شكّ في كونه على ظاهر الاسلام.

وقد ذكر الراونديّ في خرايجه رواية متصلة إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عليّاً دعا يهوديّة نجرانيّة، فتمثّلت بأمّ كلثوم فزوَّجه وحجبت أمّ كلثوم، فلمّا قتل ظهرت.

وحكى المفيد في المحاسن عن ابن هيثم أنّه أراد بتزويجه استصلاحه وكفه عنه، وقد عرض لوط بناته على الكفار ليردهم عن ضلالهم (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (1)) قالوا: أثبتم خلافة علي بالميراث، وظاهر أن الميراث والخلافة لا تقسم


1) هود: 78.

قلنا: لم نثبتها بالميراث بل بالنص والأفضلية، على أن أقارب الإنسان أحق بمعروفه لا على حد الميراث لآية (أولوا الأرحام) (1).

وما أحسن قول بعض المؤمنين: لو بعث النبيّ اليوم أين كان ينزل برحله؟ قال السامع: مع أهله؟ قال: فأنا أضع محبتي حيث ينزل النبيّ برحله.

قالوا: فالعبّاس أقرب منه فإن كان بالميراث فله: قلنا: قد أجمعنا وإيّاكم على أنّه طلب مبايعة علي، وفي ذلك نفي استحقاقه، وقد رويتم في مسند ابن حنبل قول علي في حياة النبيّ: واللّه إني لأخوه وابن عمه ووليه ووارثه، ومن أحقّ به مني؟ ولا نسلم أقربية العبّاس لأنّه عم للأب وعلي ابن عم للأبوين.

إن قيل: فعقيل أخوه قلنا: لا خفاء في امتياز علي عنه بشدة الملازمة والتربية والتزويج وغير ذلك لا يحصى.

قالوا: لم يخصّ النبيّ أحداً حيث قال: الأئمّة من قريش، فرجحت الأُمّة المتقدّمين من الأئمّة قلنا: الخبر من طرقكم فليس حجة علينا، مع أن عليّاً أقرب قريش وأفضل، هذا مع قولكم: إنّ النبیّ لم يوص، فيكون الأحق بميراثه بمنطوق الكتاب ابنته وباقيه، للأقرب إليه.

قالوا: فقد استخلف موسى يوشع بن نون دون أولاد هارون، قلنا: هذا لنا لا لكم، لأنّه إذا استخلف، ولا شكّ أن النبيّ أشفق منه، فكيف لم يستخلف عندكم؟ وأيضاً فالكلام في استخلاف الأُمّة لا في استخلاف الأنبياء والمعصومين الأئمّة.

على أن مقاتل ذكر في تفسيره أن يوشع ابن أخت موسى، وهو أفضل من أولاد هارون وهذا ما نقوله في علي والعبّاس


1) الأنفال: 75.

فصل في تقدم أبي بكر في صلاة الجماعة في مرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

قالوا: قدم في الصلاة قلنا: هي عندكم جائزة خلف كلّ برّ وجافر، مع أن الصلاة خاص وهو لا يدل على العام، على أنَّ الأمر بالصلاة كان من عائشة لا غير، وإن اختلف طرقه إليها ولهذا لما عرف خرج غلى ما به من الجهد، وعزله كما أخرجه البخاري وغيره ورواه منهم إبراهيم بن ميمون والواقدي والشاذ - كوني ورواه أبو حنيفة عن إبراهيم النخعي، ومن هذا الرسول الّذي بعثه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إليه يأمره بالصلاة؟ كان ينبغي ذكره باسمه وقبيلته، لأنّه عندهم من المهمات.

ثم إن كانت صلاته أمارة ظنية دالة على خلافته كان عزل النبيّ له برهانا قاطعا على عدم إمامته.

إن قالوا: لا يدل عزله على عدم أمره كما في براءة، فإنّه أمره ثمَّ عزله قلنا: كفانا ما في عزله من عدم صلاحه، ويكون أمر النبيّ له في الجماعة اليسيرة لينبه بعزله على عدم صلاحه في المحافل الكثيرة، وإنّما رواه عن النبيّ الحسن البصري حيث أجاز النصّ الخفي مستدلا بصلاة أبي بكر عن أمر النبيّ.

قالوا: لمّا أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أبا بكر بالصلاة، قالت عائشة: لا يحتمل أن يقوم مقامك، فدل قولها على أن الأمر ليس منها، قلنا: هذا يبطله ما رواه البخاري ومسلم أنّه صلى بالناس عند خروج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى الصلح بين بني عمرو بن عوف فحضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخره عنها.

وفي الحديث الثاني والسبعين من الجمع بين الصحيحين قالت عائشة: لما اشتدّ وجع النبيّ استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن فحمل.

وفي الحديث الثالث والسبعين عنها أنّه كان يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا، استبطاء ليوم عائشة وفي مسلم والبخاري أنّها وضعت له الماء ثلاث مرات و يغمى عليه في كلّ مرة، ويقول: أصلى الناس؟ ثمَّ أرسل إلى أبي بكر يصلي

بالناس فوجد خفا فخرج.

وفي هذا الحديث دلالة على أنّه كان يكره صلاة أبي بكر بالناس، وأنّه ساء به ظنه أن يتقدم بغير إذنه في مرضه، كما تقدم بغير إذنه في صحته، وأنّه كان يسئ الظن بهم أن يصلّوا قبل إذنه وفي حديثها أن أباها لما أتته الرسالة بالصلاة أشار إلى عمر أن يصلي، فإن كان عرف أن الرسالة من النبيّ حرمت مخالفتها، و إن عرف أنّها ليست منه لم يسع له فعلها، وفي حديثها أنّها راجعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فاعتقد أن رأيها لأبيها أصلح له من رأي النبيّ، وكيف لم يصل النبيّ على حالة مرضه في بيته.

هذا وقد استخلف جماعة من الصحابة ولم يدع أحدهم إمامة ولا ادعاها لهم أحد من العامة فاستخلف أبا لبابة في غزاة بدر، وغزاة قينقاع، وابن أم مكتوم في عام الفتح، وفي غزاة الكدر، مع أنّه لا يتحرز من أكثر النجاسات لكونه أعمى وفي حنين أبا ذر وفي الحديبية سباع بن عرفطة وفي ودان سعد بن عبادة، وفي بواط سعد بن معاذ، وفي طلب كرز زيد بن حارثة وفي بدر الموعد عبد اللّه بن رواحة وفي غزاة العشيرة أبا سلمة واستخلف عتاب ابن أسيد على مكة والنبيّ مقيم بالأبطح.

قالوا: صلاته متأخرة وقد علم وجوب الأخذ بالأقرب فالأقرب، قلنا: قد جاءت رواياتكم أن المأمور بالصلاة على فقد روى علي بن بشر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابن المبارك عنه أيضاً أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أمر عليّاً بالصلاة فخشي أن تفوته نفس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأمر أبا بكر بالصلاة ورجع، فقال: أصليت بالناس قال:أمرت أبا بكر وخشيت أن تفوتني نفسك فقال: أخرجني فخرج فعزله وفي حديث عبد اللّه بن زمعة: لئلا يصلي بهم ابن أبي قحافة.

إن قيل: فما ورد على أبي بكر من رد رسالة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يرد على علي قلنا: إنّما جاء من طرقكم، فذكرناه إلزاما لكم فلا ورود، وقد روى جماعة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: مروا بعض القوم أن يصلي بالناس، فقالت عائشة لبلال: قل لأبي يصلّي، وقالت حفصة: مر أبي يصلي فأفاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال: إنكن

لصويحبات يوسف، وأورده الغزاليّ في الإحياء.

وعن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أخره آخر الصفوف وصلى ثمَّ قال: ما بال قوم تقدموا بغير أمري حسداً لأهل بيتي، ملأ اللّه أجوافهم ناراً وقلوبهم ناراً فعاد بالتوبيخ عليهن، وهو دليل أن الأمر منهن.

قالوا: إنّما قال: صويحبات يوسف عند قول عائشة: أبا بكر لا يحتمل القيام مقامك قلنا: لو كان كذلك لم يحسن تشبيههن بهن لأن نساء يوسف لا يخالفن يوسف، وإنّما طلبت كلّ واحدة لنفسها كما طلبت كلّ من عائشة وحفصة الفخر لنفسها، ثمَّ نقول: كيف يأمره بالصلاة وقد أنفذه في جيش أسامة لما خاف منه و من جماعة أن يبدلوا أمره.

قالوا: لم يكن أبو بكر فيه، قلنا: روى الواقدي عن ابن زياد عن هشام عن أبيه عروة قال: كان فيهم أبو بكر وروى عن عمرو بن دينار مثله، وقد اشتهر قول أسامة: أمّرني النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على أبي بكر، وقد أسلفنا ذلك في المطاعن.

والصلاة وإن صحّت لم توجب الإمامة، وإلّا لاحتج بها على الأنصار و لوجبت إمامة صهيب حيث قدمه عمر يصلي بالمهاجرين والأنصار، وقد يؤمر المفضول على الفاضل عندكم، كما في أسامة، ولم يدع له أحد إمامة وقد قلتم أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة من الصبح، ولم توجب له إمامة، مع أن صلاته به أقوى دلالة لأنّه أم سيِّد الأُمّة في رواية أبي شيبة وابن الإصبهاني وغيرهما وإن لم ينتظر النبيّ حتّى يتطهّر لا غير، كما في الحديث الأوّل من الجمع بين الصحيحين فإذا تقدموا بغير إذنه في صحّته فكيف حال اليأس منه لمرضه.

إن قلت: لا يلزم من تسرّع ابن عوف إلى ذلك تسرع غيره، قلت: قد ذكر البخاري ومسلم في صحيحيهما أن أبا بكر صلى بالناس من دون إذن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حين مضى ليصلح بين بني عوف فجاء النبيّ فتأخر فكيف يقال: إنّه يتوقف عن التقدم إلى الرياسة و [لا] يصلي بغير إذن.

صلاة أبي بكر بالناس برواية عيسى بن المستفاد عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نقلنا من الأطراف لابن طاوس: سأل عيسى بن المستفاد الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الصلاة فقال: لما ثقل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) دعا عليّاً ووضع رأسه في حجره، فأغمي عليه فحضرت الصلاة فأذن لها فخرجت عائشة وقالت، يا عمر صل بالناس، فقال: أبوك أولى فقالت: صدقت ولكنه لين وأكره أن يواثبه القوم، فقال: بل يصلي وأنا أكفيه من يثب عليه، مع أن محمّداً مغمى عليه، لا أراه يفيق منها والرجل مشغول به، يعني عليّاً فبادر بالصلاة قبل أن يفيق منها فإن أفاق خفت أن يأمر عليّاً بها، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة وفي آخر كلامه: الصلاة الصلاة.

فخرج أبو بكر ليصلي، فلم يكبر حتّى أفاق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فخرج متكيا على العبّاس وعلي، فصلى ثمَّ حمل على المنبر، واجتمع أهل المدينة حتّى خرجت العواتق فبين باك وصائح ومسترجع وصارخ، فخطب على جهد، وكان في خطبته: خلفت فيكم كتاب اللّه فيه النور والبيان، وخلفت فيكم العلم الأكبر علم الدين ونور الهدى، هو حبل اللّه فاعتصموا به ولا تتفرقوا عنه، ألا وإنّه كنز اللّه اليوم، وما بعد اليوم، ومن أحبه وتولاه اليوم وما بعد اليوم، فقد أوفى بما عاهد عليه اللّه ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى أصم لا حجة له عند اللّه، ألا ومن أم قوما إمامة عمياء، وفي الأُمّة من هو أعلم منه فقد كفر.

قال البرقي:

لقد فتنوا بعد موت النبيّ***وقد فاز من مات عبداً رضيا

غداة أتى صائحا للصلاة***بلال وقد كان عبداً تقيّا

وأحمد إذ ذاك في حضرة***يعالج للموت أمراً وحيّا

فقامت من الدار شيطانة***تنادي بلالا نداءً حفيّا

يصلي عتيقك بالمسلمين***فجاءت بذلك أمراً فريّا

فلمّا توسط محرابه***أتى جبرئيل ينادي النبيّا

محمّد قم فتن المسلمون***فقام النبيّ ينادي عليّاً

توكّا على عمّه والوصيّ***سريعا على ضعفه منحنيّا

فنحاه عنه مزيلا له***وقد كان - لا كان - داءً غبيّا

وما قدموه بأمر النبيّ***وما كان يوماً له مرتضيّا

فصل في صحبة الغار وأنها لا تدل على فضيلة لأبي بكر

قالوا: صحبة الغار دليل الأفضلية، قلنا: قد أسند ابن حنبل إلى ابن عبّاس أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ما أصحبه إلى غاره ولا اطلعه على أسراره، حيث قال أبو بكر: فجئت وعلي نائم فحسبت أنّه رسول اللّه فقال علي: إنّه قد انطلق نحو بئر ميمون فهذا يشهد أن اتباعه لم يكن بأمره، على أنّه قد وردت رواية أنّه إنّما أخذه خوفا منه وقد سلف ذلك في مبيت علي للفداء مستوفى ولئن سلم اصطحابه فالصحبة لا توجب الفضيلة لقول اللّه: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ) (1)(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (2)وقال أمية بن الصلت:

إنّ الحمار مع الحمير مطيّة***وإذا خلوت به فبئس الصاحب

وقال الشنفري:

وإني كفاني فقد من ليس جارياً***بحسبي ولا في قومه متعلّل

ثلاث صحاب لي فؤاد مشيّع***وأبيض إصليت وصفراء عيطل

وأبلغ من هذا أن الصحبة تصدق مع الكراهة والبغضاء، فقد سمي الزوجة صاحبة (3)وهي عدو (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (4)


1) الكهف: 37.

2) التكوير: 22.

3) في قوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) الأنعام: 101، وقوله:(مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) الجن: 3، وقوله (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) عبس: 36.

4) التغابن: 14.

وسمى المعذبين في النار أصحابها (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (1)).

قالوا: هي أفضل من النوم على الفراش، لأن نفسه كالمساوية لنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ونفس علي كالفادية لها، قلنا: جاز أن يكون خادمه ولا مساواة للخدمة مع أن فيه ردا لما أجمع المفسرون عليه (وَأنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم (2)) أنّها في علي دون كلّ أحد، وقد نزل فيه، إنّه الأذن الواعية، والهادي، وصالح المؤمنين وغير ذلك كثير قد ذكرناه في بابه، ولم ينزل في أبي بكر شئ لما في صحيح البخاري أن عائشة قالت: ما أنزل اللّه فينا شيئاً إلّا أنّه أنزل عذري ولو نزل في أبيها شئ لعلمته مع حرصها على علوه قالوا: وجاء النوم في التواريخ والسير فهو مظنون والغار مقطوع، قلنا: قد عرف نقل النوم بالتواتر وجميع العلماء يسندون إلى التواريخ والسير على أنّه مقطوع الدلالة على الأفضلية وقصة الغار مظنون الدلالة، لعدم تصريحها باسم أبي بكر.

قالوا: عتب اللّه على كلّ الأُمّة غير أبي بكر بقوله: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ (3)) ولم يقل: إذ نام على فراشه، قلنا: تلك حكاية حال تحتمل عدم الفضيلة بخلاف النوم المصرح فيه بالفضيلة في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) (4)الآية ولا نسلم عتب اللّه على كلّ الأُمّة، فإن الآية مختصة بقوم تثاقلوا في الجهاد، ويلزم على القول بالعموم دخول عمر وعثمان فيها، والعتب على الكل ينفي ما استدلوا به على عدالة الأُمّة في قوله:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (5)) قالوا: نصر أبو بكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في ذلك الوقت


1) غافر: 43.

2) آل عمران: 61.

3) براءة: 40.

4) البقرة: 207.

5) البقرة: 143.

دون غيره، قلنا: يرده قوله تعالى: (فَقَد نَصَرَهُ اللّه (1)) ولم يذكره.

قالوا: أنزل اللّه سكينته على أبي بكر لأنّها لم تفارق النبيّ قط قلنا: لو نزلت عليه لكان في المحاربين، وقد عرفت أنّه من جملة الهاربين، والسكينة أجل قدرا وأعظم خطرا من أن يطيش محلها أو يهرب من وصف بها، وهذه كتب المغازي لم يذكر في شئ منها ثابتا، ولا لضعيف فضلا عن غيره قاتلا ولا جارحا، بل المشركون بريئون من محاربته، مبتلون بعلي ونكايته، وقد وسمه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالفرار كما سمى عليّاً بالكرار، وهما من أسماء المبالغة وأيضاً فلو كانت لم تفارق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قط فما بالها نزلت بعد ذلك في قوله: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ (2)) بل نقول: اختصت في الغار بالنبيّ إذ لو كان معه مؤمن لشركه فيها كغيرها، وما هذا إلّا كتنبيه الغافلين، وإرشاد الضالين، ولأن (الهاء) كناية عن النبيّ من أوّل الآية إلى آخرها، ولم يأت بالتثنية في نزولها.

إن قالوا: جازت العناية بالواحد عن الاثنين في (انْفَضُّوا إِلَيْهَا (3)) (ولا ينفقونها) (4)قلنا: معلوم عند السامع الرجوع إليها بخلاف ما نحن فيه إذ لا يعلم السامع بدخول أبي بكر معه كما تدعيه، فيكون ملغزا غير لايق بقوله: (تِبيَانَاً لِكُلِّ شَئ (5).

قالوا: اختص أبو بكر بالحزن فاختص بالسكينة لحاجته قلنا: جاز مشاركة النبيّ له فيه فهو أولى بها منه، على أن السكينة لم ترتبط بالحزن لنزولها على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في بدر وحنين.

إن قالوا: خاف ولم يظهره، قلنا: وفي الغار خاف ولم يظهره.


1) براءة: 40.

2) الفتح: 26.

3) الجمعة: 11.

4) براءة: 34.

5) النحل: 89.

قالوا: نهي النبيّ عن حزنه دليل شفقته، قلنا: حزنه ليس مباحا ولا طاعة وإلّا لما نهى النبيّ عنه، فهو إما معصية أو مكروه فمرجوح ولا فضيلة في المرجوح.قالوا: نهى اللّه نبيه في قوله: (فَلَا تَحزَن عَليَهِم (1)) ونحوها فما ذكرتم ورد فيه، قلنا: ثبوت عصمته يوجب حمله على التنزيه.

قالوا: فليحمل نهي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لصاحبه على التنزيه، قلنا: النهي حقيقة في التحريم، فلا يعدل عنها لغير دليل، فالمعصية لازمة دائما إذ لم تنقل التوبة وقد روى أبو إسحاق وهو من أمنائهم أن أبا بكر قال:

فلما ولجت الغار قال محمّد***أمنت فثق من كلّ ممس ومدلج

بربك إن اللّه ثالثنا الّذي***وثقنا به في كلّ مثوى ومفرج

ولا تحزنن فالحزن لا شكّ فتنة***وإثم على ذي البهجة المتحرّج

فقد شهد في شعره على نفسه أن النبيّ جعل حزنه فتنة، وهي أكبر من القتل.

إن قلت: لم تخص الفتنة في المعصية، لأنّ لها معان متكثرة، قلت: حيث إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإثم قرنها، ارتفع باقي وجوهها.

قالوا: أخبر أن اللّه معهما في قوله: (إنَّ اللّهَ مَعَنَا) قلنا: جاز كون الجمع للعظمة، وقد ذكر البيهقي أنّه قال له: على ما تحزن؟ قال: على ابن عمك النائم على فراشك فقال: (إنَّ اللّهَ مَعَنَا) أي معي ومعه، ولأن اللّه مع كلّ لقوله:( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ (2)) الآية.

قالوا: إنّما كان حزنه على النبيّ فإن الحزن ما كان على الغير، والخوف ما كان على النفس، والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لم يقل: لا تخف، قلنا: ذكر الزمخشري في كشافه أن الخوف غم يلحق الانسان لمتوقع، والغم حزن يلحقه لواقع، وأيضاً فالقرآن عاكس ما قالوا، قال لأم موسى: (فَإِن خِفتَ عَلَيهِ (3)) وقال: (لَا يَحزُنهُم


1) النحل: 127، النمل: 70.

2) المجادلة: 7.

3) القصص: 7.

الفَزَعُ الأَكبَر (1)) وهذا على النفس.

قالوا: جمعهم اللّه في كلمة وهي قوله: (إذ هُمَا فِي الغَار) وهي شدة المناسبة بينهما، ولهذا ذم النبيّ الخطيب الجامع بين اللّه ورسوله في قوله: (وَمَن عَصَاهُمَا) قلنا: لا شكّ في رفع المناسبة بين اللّه ورسوله، فلهذا حسن ذمه، أما بينه وبين أبي بكر فالمناسبة ثابتة في الجسمية والامكان والحاجة ونحو ذلك فجاز الجمع بهذه الأشياء لا للمناسبة في الفضيلة.

قالوا: جمعهما الغار فهو دليل الملازمة قلنا: المسجد أفضل من الغار وقد اجتمع فيه مع النبيّ الكفار في قوله: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (2)) فقد صار ما تمسك به المخالف (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)

إذا جاء تيمي يريد تفاخرا***فقل عد عن ذا كيف أكلك للضبّ

ولو سلّمت له تلك الأمور، فقد زالت بما أحدثه من الشرور، في سلب وصيه قميص خلافته، وما تبع ذلك من مخالفته، وفد؟ ورد في حديث الحوض عند قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وقال عثمان للصحابة: ألم تعلموا أني جهزت جيش العسرة، واشتريت بئر أرومة، وفعلت وفعلت؟ قالوا: بلى إلّا أنك غيرت وبدلت، وأيضاً فإن الناكثين سلبتهم محاربة أمير المؤمنين ثمرة صحبة سيِّد المرسلين ولهذا اعتذروا لهما (3)بالتوبة وهي رواية فلا تخرجهما من الحوبة لأن المحاربة دراية.


1) الأنبياء: 103.

2) المعارج: 37.

3) يعني طلحة والزبير.

فصل في أن أهل السنة يتشيعون ولا يرجع إليهم من الشيعة أحد

لما قلنا: نرى من السنة من تشيع، ولا نرى من الشيعة من يتسنن، وذلك دليل على حقية التشيع.

قالوا: هذا يدل على بطلان التشيّع، ولأنّ جميع الأديان إنّما فسد في آخرها بالخروج إلى الأصنام وغيرها عنها، ودين الاسلام إنّما فسد بحدوث الرفض فيه، وتقوم الساعة على هذا الفساد، حتّى يعود الدين غريبا كما في الحديث فالرفض منقصة.

قلنا: أوّل ما فيه أنّه معارض بقول المسلمين: نرى من الكفّار من أسلم فالاسلام منقصة.

وثانياً أنّ حدوث الفساد إنّما هو بفعل السنة حيث قتلوا أولاد نبيّهم، و شرَّدوهم عن أوطانهم، ومنعوهم عن ميراثهم، وسبّوا عليّاً في زمان إمامته بالاتفاق على منابرهم.

قال شيعي:

يا أمة كفرت وفي أفواهها***القرآن فيه صلاحها ورشادها

أعلى المنابر تعلنون بسبه***وبسيفه نصبت لكم أعوادها

وثالثاً أنّ التشيّع لم يكن كما ذكرته لك فيما سلف حادثاً، والإمامية لم تفارق كتاب ربها وذرية نبيها، فلينظر ذو البصيرة والدين أبفعلهم فسد الدين أم بفعل الناصبين؟

ورابعاً بالمنع من قيام الساعة على فساد الدين بل على إصلاحه لإجماع المسلمين على قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (يملأها عدلا كما ملئت جورا).

قالوا: أفسدتم الدين بسب الصحب الصالحين قلنا: لا إنّما تبرأنا من الفاسقين المتغيرين كما ذكرته في كتبهم من حديث الحوض، لم يزالوا مرتدّين فقال النبيّ: سحقاً لمن غير بعدي، فاتّبعنا سيِّد المرسلين.

قالوا: تبرَّأتم من أزواج النبيّ، قلنا: إنّما تبرأنا من زوجة خالفت ربها في قوله: (وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُن (1)) ونبيها في قوله: من هنا تخرج الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان، وأشار إلى مسكن عائشة وقال: لن تفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما أخرجهما البخاري في صحيحه وقولهم فعلوا كذا وكذا، فقد أجبنا عنه وهم افترقوا أربعا خارجة عن سنن الصواب، فصدق عليهم قول مؤلف هذا الكتاب:

افترقوا أربعا بلا نكر***وكل فرقة تضلل الأخرى

إذ عثروا عثرة لها بتر***وأمرضوا مرضة فلا تبرى

وأمّا الشيعة فلم تخالف أدلة العقول، ولزمت مع ذلك قول اللّه والرسول فما أحقها بقول الأعرابي لناقته حيث سلكت أوسط السبّل به:

أقامت على ملك الطريق فملكه***لها ولمنكوب المطايا جوانبه

فالشيعة صبرت على موالاة اللّه ورسوله، وأهل بيته، ورأت الذلّ معهم خيراً من الغز؟ بمخالفتهم، والفقر بحفظهم خيراً من الغنى بإضاعتهم، والخوف مع قضاء حقّهم خيراً من الأمن مع كفرانهم، والقتل معهم خيراً من الحياة مع أعدائهم، و سيأتي أقوال محررة في باب تخطئة الأربعة.

فصل في رويات اختلقوها ليستدلّوا على خلافتهما بها مثل قولهم إن أبا بكر وعمر سيداً كهول أهل الجنّة

منها: قولهم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنّة رووه عن ابن عمر وهو عن أهل البيت منحرف، وبذكر أبيه متهم معتسف، مع أن الجنّة لا كهول فيها كما أجاب به أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليحيى بن أكثم ولاتفاق المفسرين أنّهم يحشرون جردا مردا مكحلين. قال الطبرسي أبناء ثلاث وثلاثين، وإنّما أرادوا بهذا معارضة قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) المتواتر: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.


1) الأحزاب: 33.

أخرجه الترمذي في صحيحه مسندا إلى الخدري، وأخرجه أيضاً مسندا إلى حذيفة وأخرجه ابن خالويه في كتاب الآل والبخاري في حديث ابن عمر.

قالوا: يلزم كونهما سيّداً أبيهما وجدهما قلنا: خرج النبيّ بقوله: أنا سيِّد ولد آدم وعلي بقوله: وأبوهما خير منهما.

قالوا: فلزم كونهما خيراً من الأنبياء قلنا: لا يبعد ذلك وإن بعد جاز إطلاق العام وإرادة الخاص مثل (وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَئ (1)) على أنّه يلزمهم كون أبي بكر وعمر سيدا من مات كهلا من الأنبياء، ولم يقل به أحد.

قالوا: المراد من قوله: سيدا شباب أهل الجنّة من مات شابا وفي أبي بكر وعمر من مات كهلا، وقد مات الحسنان كهلين فيكون الشيخان لهما سيدين.

قلنا: هذا خلاف ما أجمع عليه قال العاقولي في شرحه للمصابيح: لم يرد سن الشباب لأن الحسنين ماتا كهلين، بل ما يفعله الشاب فيقال: فلان فتى إذا كان ذو مروة وفتوة وإن كان شيخا، فعلى هذا هما سيدا الشباب والكهول، وسيدا الشيخين إن كان لهما فتوة، وفيه تصريح بكذب سيدا كهول أهل الجنّة فالمخالف يجتهد بإبطال تلك الفضائل، ويلزم النبيّ بمناقضة كلامه، وهي من أعظم الرذائل.

على أنّه روي عن عائشة وقيس بن حازم الإصفهاني والشيرازي وابن مردويه والخوارزمي وابن حنبل والبلاذري وابن عبدوس والطبراني أنّ عليّاً خير البشر من أبى فقد كفر، وخير البرية وخير الخليقة وخير من أخلف، وخير النّاس ولا يقاس، وهذه الأخبار تنقض ما قالوه، فيجب المصير إليها للاتفاق عليها.

إن قالوا: فتنقض سيادة الحسنين، قلنا: خرج والدهما بقوله: أبوهما خير منهما.

إن قالوا: فليخرج الشيخان بما ذكرنا، قلنا: لا اتفاق عليه.

قالوا: الحسنان لم ينفقا قبل الفتح ولا بعده ولم يقاتلا، فلا يعدلان من فعل ذلك لآية (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ


1) النمل: 16.

الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا (1)) قلنا: الشيخان قد بينا عدم إنفاقهما ولهذا لم ينزل به آية فيهما، وقد عرف من الغزوات هربهما وأنزل اللّه عدة آيات في نفقة الحسنين وأبيهما، فالإنفاق بعد الفتح من الحسنين لا يقاس به عدمه مطلقا من الشيخين.

قالوا: فيلزم أن يكون أوّل منفق كان قبل الفتح أفضل من الحسنين، قلنا: جاز أن يكون الخطاب في الآية متناولا لمن كان له أهلية الإنفاق في ذلك الوقت فلا يدخل الحسنان فيه، فلا يكون لمن تقدم إنفاقه فضل عليهما.

إن قالوا: لا يستوي سالبة كلية، قلنا: لا، فإن الأرجح في الأصول أن نفي (لَا يَسْتَوِي) أعم من نفيه من وجه ومن كلّ وجه، ولو سلم فتخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائز.

ومنها: ما قاله أنس بن مالك: أن النبيّ أمره أن يبشر أبا بكر بالجنّة والخلافة بعدة، وعمر بالجنّة والخلافة بعد أبي بكر، قلنا: أنس مشهور بالإعراض عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الّذي كتم فضيلته ورده يوم الطائر، وفي دون هذا تتهم روايته وتسقط عدالته.

قالوا: فلترد روايته في خبر الطائر لعليّ بتفضيله قلنا: تلقته الأُمّة بقبوله ولم يكن أحد منكرا لصحته، وقد رواه غيره: أم أيمن وسفينة واحتج علي يوم الدار والشورى به، فاعترف الجميع بصحته، ولئن سلمت عدالته لم يفد خبره علما لكونه آحاديا ولو سلم ذلك كله فهو موقوف على الوفاة.

ومنها: أنّه لما أسري بالنبيّ رأى على العرش لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه أبو بكر الصديق قلنا: قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): غيروا كلّ شئ حتّى هذا، إنّما كتب مع الشهادتين عليّاً أمير المؤمنين، وكتب ذلك على اللوح، وعلى جناحي جبرئيل وعلى السماوات والأرضين، وعلى رؤس الجبال، وعلى الشمس والقمر، وهو السواد الّذي يرى فيه.

فی قولهم اقتدوا باللذين من بعدي أبا بكر وعمر

ومنها: قوله: اقتدوا باللذين من بعدي أبا بكر وعمر. قلنا: أوّل ما فيه أنّه


1) الحديد: 10.

خبر واحد لا يفيد علما، ومسألة الإمامة علمية وقد رد أبو حنيفة خبر الواحد فيما تعم به البلوى، ورواية عبد الملك اللخمي مطعون فيها، بأنّه كان فاسقا جريئا على اللّه بالقتل، وهو قاتل عبد اللّه بن يقطر، وهو رسول الحسين إلى مسلم بعد رمي ابن زياد له، وكان مروانيا يتولى القضاء لبني أمية، شديد النصب والانحراف عن أهل بيت النبوّة، ولو كان صحيحاً لاحتج به أبو بكر في السقيفة، لأنّه أقطع من قوله: الأئمّة من قريش، لأنّهما حينئذٍ أخص من قريش.

ولو سلم لم يمكن العمل به، لأنّه إن أريد الاقتداء بهما في كلّ الأمور فلا شكّ في أنّهما اختلفا وهو يمنع عموم الاقتداء بهما، ولو اتفقا لم يؤمن الخطأ منهما لإجماع الأُمّة على سلب العصمة عنهما، وإن أريد بعضها وهو ما يعلم حسنه منها قلنا: بطل اختصاص الاقتداء بهما، ولأن علم الحسن إن استفيد من غيرهما استغني عنهما، ويلزم الدور إن استفيد منهما.

ولأنّ الخبر روي بنصب (أبا بكر وعمر) اقتديا باللذين من بعدي، وهما كتاب اللّه وعترتي، فإنّه حث عليهما ونفى الضلالة عند التمسك بهما ورواه أهل المذاهب في الجمع بين الصحاح وسنن أبي داود وصحيح مسلم والترمذي وابن عبد ربه والثعلبي وابن حنبل وابن المغازلي.

قالوا: لفظة (اقتدوا) جمع فلو كان ذلك نداء لهما لم يصح الجمع فيهما قلنا: إن جعلنا أقل الجمع اثنين سقط كلامكم، وإن لم نجعله جاز وضع الجمع على الاثنين كما جاز على الواحد.

على أنّا لا نسلم أنّه حال الخطاب لم يكن معهما ثالث، وأقله الراوي، و أنتم قلتم يراد به كلّ الأُمّة.

إن قالوا: نعم أُريد الكلّ وحينئذٍ يسقط النداء لأنّه لا اختصاص لهما بالنداء لو كانا داخلين في الأُمّة فعلم أن المراد الاقتداء بهما لا اقتداؤهما قلنا: وجه اختصاص النداء بهما تأكيد الحجة عليهما، لعلمه أنّهما يليان الأمر بعده، فلذلك أفردهما كما رويتم أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لعائشة: إن أباك يلي الأمر من بعدي، ثمَّ عمر، مع أنّه

لا حجّة فيه، لأن الولاية أعم من الاستحقاق، وهو ظاهر في الظلمة على أنّهم رووا (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم) فعلى هذا الكل خلفاء.

إن قالوا: ليس في هذا أمر بالاقتداء، بل تعريض بخلاف الأوّل فإن الأمر للوجوب، قلنا: في كون الأمر للوجوب كلام، وقد جاء الأمر في التعريض في النصوص الخفية وغيرها، على أنكم رويتم قوله: اهتدوا بهدى عمار، ففيه الأمر ولم توجبوا خلافة عمار.

فصل في أن لفظ الاقتداء لا يلزم منه العموم

لفظ الاقتداء لا يلزم منه العموم، وقد قيل: إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان سالكاً طريقاً فسئل عنه وكان الشيخان خلفه، فقال في الجواب: اقتدوا باللذين من بعدي، و هذا وإن كان غير مقطوع به، فإن لفظ الحديث لا يأباه على أنّه يلزم كونهما إمامين في عصر واحد وهو باطل.

وخطاب (أصحابي كالنجوم) إن كان للحاضرين فقد قتل بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، وإن كان لمن لم يسلم بعد، فليسوا بأصحاب لأنّهم لم يروه، و لزم أن أصحابه يقتدون بمن لم يره، فلو كان الاقتداء بكل واحد منهم صواباً كان الاقتداء بكل واحد خطأ لشهادة بعضهم على بعض بالخطأ.

ومنها: ما رواه أبو مالك الأشجعيّ أن أبا العريض من أهل خيبر كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يعطيه كلّ سنة مائة راحلة تمرا، فقال: أخاف أن لا أعطاها بعدك، فقال: بلى يعطيكها أبو بكر، قلنا: ليس في العطية دليل الولاية.

ومنها: ما رواه الشعبي أن رسول بني المصطلق سأله من يلي صدقاتهم بعده؟ فقال أبو بكر ثمَّ عمر، قلنا: ليس في أخذ الصدقات أيضاً دليل الولاية لأنّها قد تكون بغير استحقاق، وقد أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأمور غير جائزة كحرب عائشة والفرقة الباغية.

في قولهم: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمَّ تصير ملكاً عضوضاً

ومنها: قوله في خبر سفينة (1)الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمَّ تصير ملكاً عضوضاً.


1) شعبة خ ل.

وصف القائمين تلك المدة بالوصف المقتضي للمدح، ووصف الّذي بعدهم بالوصف الدالّ على القدح، وذلك نصّ على صحة خلافتهم.

قلنا: أوّل ما فيه أنّه حبر واحد، وجاز أن يكون مزيِفة نظر إلى الواقع وبنى عليه الخبر، والثاني أنّ فيه اختلالاً لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قبض سنة عشر من الهجرة لليلتين بقيتا من صفر، وعلي سنة أربعين من الهجرة لتسع بقين من رمضان فهذه ستة أشهر وثلاثة عشر ليلة زائدة.

وفي رواية أنّ النبيّ قبض لاثني عشرة خلت من ربيع الأوّل سنّة إحدى عشرة، فهذه نقيضه، ولا يجوز دخول اختلال في إخباراته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

على أن توزيع السنين لم يسنده سفينة إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بل هو من جهته، فلا يلتفت إليه وحينئذٍ لو فرضنا صحته كانت المدة بكمالها بعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد نطقت بخلافته دونهم الآيات المحكمات، والروايات المتواترات، ولو سلم التوزيع لم يدل على الجواز، ويكون النبيّ قد أخبر عن الواقع لا عن الفرض الواجب.

قالوا: رأى أبو بكر في النوم أن عليه بردا وأن فيه رقمتين ففسّره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالخلافة بعده سنتين قلنا: قد قدمنا الجواب عنه.

ومنها: أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لما بنى مسجد قبا، وضع في قبلته حجراً ثمَّ أمر أبا بكر وعمر وعثمان أن يضع كلّ حجراً، وقال: هؤلاء الأئمّة من بعدي، قلنا: لو كان حقّاً لاحتج به أبو بكر في السقيفة، ولاستغنى به عمر عن الشورى، ومن العجب أنّه لم يذكر عليّاً بذلك وهو أحدهم إجماعاً، وفي تركه بخس لحقه.

وهذا أيضاً رواية سفينة وفي طريقه حشرج قال صاحب كتاب المجروحين لا يحتج بما تفرد به، وهو منهم لامنّا.

ومنها: ما رووا أنّ أبا بكر أعتق مسلمين من أيدي الكفار، قلنا: لا صحة لذلك ولو سلم لم يواز فضيلة علي إذ فيه الخلاص من عذاب عاجل منقطع، وفي إعتاق علي بسيفه جميع المسلمين من العذاب الأبدي المهين فله على الكل حق السيد المحسن على عبده بسيوفه البواتر، وغروبه القواطر، فهذا شرف شامخ، و

مجد باذخ، تعدّى شرف الأفلاك، وتردى به شرف الأملاك.

قال الجاحظ:

رأينا الرئيس الكبير اختار أبا بكر وزيراً وصاحباً ومعيناً، قلنا: هذا بهت محض، فقد أسند ابن مردويه منهم برجاله أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) طلب من ربه عليّاً وزيراً ولا يطلب ذلك إلّا بإذن اللّه، حيث قال: (وَمَا يَنطِقُ عَن الهَوَى (1)وفي رواية الثعلبي في حديث الدار أنّه وازره وأما معونة أبي بكر فظاهرة من هربه بخيبر ومجاهدته بحنين، وفراره بأحد، وقتله شجعان بدر، وغير ذلك من وقايعه المشهورة!

في قولهم: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر وغير ذلك

ومنها: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، قلنا: ولو وقعت لم توجب الخلافة، ولأنّه قد روي أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال قبيل وفاته: برئت إلى كلّ خليل من خلته.

إن قالوا: نحن نثبت الخلة فتقدم، قلنا: ونحن نثبت البراءة فتقدَّم، إذ البراءة تنسخ الخلة.

قالوا: الأصل في الخلة عدم الناسخ، قلنا: الأصل عدم الخلة.

ومنها: ما رووه من قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ما طلعت شمس على أحد بعد النبيّين والمرسلين أفضل من أبي بكر، قلنا: هذا ممّا تفردتم به، فلا يحكم بصحته، بل لم يذكر في صحاحكم، ولا هو متواتر عندكم، ولا دلالة فيه لجواز طلوعها على مساويها، ولأن لفظة طلعت ماضية، فجاز طلوعها فيما بعد على من هو أفضل منه.

إن قالوا: فلا يحكم بصحّة ما تفردتم به، قلنا: لكم ذلك في غير المتواتر أما فيه فلا، ولأن أكثر أحاديثنا تروونها ويعز على أحاديثكم مشاركتنا فيها على أن هذا الحديث ينقضه قول أبي بكر وليتكم ولست بخيركم، وكيف ينكر قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إنّه خير، ويقول هو: إني لست بخير، وهل هذا إلّا رد لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) النجم: 3

قالوا: الصحابة وأمير المؤمنين خاطبوا أبا بكر بالإمامة والخلافة لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيكون إماماً صونا لألفاظهم عن النفاق قلنا: ذلك تبع لتسمية النّاس له كما يقال: فلان عظيم الروم أي عندهم، وقال تعالى: (انظر إلى إلهك (1)) أي في اعتقادك (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (2)) أي عند نفسك، ومخاطبة علي بها خبر واحد، ولو سلم جازت منه تقية.

إن قيل: كان له مندوحة عنها، قلنا: لا، كيف وهي المرادة دون غيرها وإنّما أحدث إخراج علي قهرا، وأحرق بيته لأجلها.

ومنها: قولهم كان مع النبيّ في عريشه، قلنا: قعوده إما للمشاورة أو السياسة أو لنشر علم وحكومة، والنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) غني عنه في ذلك كله، للوحي المتصل به من ربه، ثمَّ إن قعوده إما من تلقاء نفسه، وفيه نزول عن الجهاد وفضيلته أو بإذن رسوله لألفة، وحاشاه من ذلك، إذ فيه منع لفضيلة جهاده، أو أراد الأنس به وفيه هبوط أيضاً لمنزلته، فلم يبق إلّا أنّه خاف الضرر بوهنه وفشله، حيث يرى النّاس شيخا كبيرا في الاسلام قد آثر الانهزام، وهرب الشيخين أمر لا ينكر وقد رواه الثعلبي وغيره في خيبر.

ومنها: قولهم إنّ النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إن اللّه بعثني إليكم جميعاً فقلتم: كذبت وقال صاحبي: صدقت، قلنا: هذا يقتضي كذب الجميع إلّا أبا بكر، وكيف يصح ذلك وقد صدق من سبقه إلى الاسلام وهو على التكذيب حينئذٍ.

ومنها: ما رووا من قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أن أبا بكر لم يسؤني قطّ، قلنا:هذه صيغة ماض، وهي يستلزم أن كفر أبي بكر لم يسؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك كفر.

ومنها: ما رووه أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في خطبته: اللّهمّ أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين: قيل: منهم؟ قال: أبو بكر وعمر إماماً الهدى، من اقتدى


1) طه: 97.

2) الدخان: 49.

بهما عصم، ومن تبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم.

قلنا: كيف صدر هذا من عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد اشتهر عنه التظلم في مقام بعد مقام، وقد نقل الفريقان قوله: اللّهمّ إني أستعديك على قريش فإنّهم ظلموني، و قال: لم أزل مظلوماً منذ قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقال: بايع النّاس أبا بكر وأنا أولى بهم منه مني بقميصي هذا، وقال عند استخلافه عمر نحو ذلك وقال عند الشورى: جعلني عمر سادس ستة، فكظمت غيظي حتّى ما وجدت إلّا القتال أو الكفر باللّه.

وأسند الشيخ أبو جعفر الطوسيّ برجاله إلى أبي بكرة قول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): قبض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وما من النّاس أحد أولى بهذا الأمر مني وأسند قوله: ما زلت مظلوماً منذ قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى يوم النّاس هذا، وأسند في حديثين قوله: ظلمت عدد المدر والوبر وأسند إلى جعفر بن حريث قال: حدثني والدي أن عليّاً لم يقم على المنبر مرّة إلّا قال في آخر كلامه قبل نزوله: ما زلت مظلوماً وقد أسلفنا في آخر الباب الثاني عشر طرفاً من تظلماته.

على أنّ قوله فيهما إن صحّ خرج على التقية، ويقبل التأويل بكونهما إماماً هدى أي إمامان في الاسلام، وهو الهدى، من اقتدى بهما فيه عصم من الكفر، و من تبع آثارهما فرأى خلافهما على أهل بيت رسولهما وتركهما نصب الأولى منهما وانحرافهما عن وصايا نبيهما هدي إلى صراط مستقيم بمخالفتهما.

ومنها: ما رووا من قول عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): خير هذه الأُمّة بعد نبيها أبو بكر و عمر، قلنا: هذا أخيره، حذف صدره، لأن الشيخ الطوسي رواه عن جماعة منحرفين عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال: ما هذا الكذب الّذي تقولون: ألا إنّ خير الأُمّة بعد نبيها أبو بكر وعمر؟! وهذا يدل على أن ذلك إنكار منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما أنكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على أبي عبيدة حين أودعوه الصحيفة بقوله. أصبحت أمين هذه الأُمّة، وأيضاً يجوز أن يريد الازراء على اعتقاد المخاطبين، أنّهما خير الأُمّة كقوله

تعالى: (انظُر إلَى إلهَكَ (1)) أي في اعتقادك (إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيم (2)) أي عند نفسك في قومك.

إن قيل: هذا خروج عن الظاهر، قلنا: ذلك متعيّن لأجل دليل قاهر، هو ما ذكرناه من الفريقين، ومن كونه خير البرية ونحوه، وقد قيل: إن معاوية بث الرجال في الشام يخبرون بأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبرأ منهما وأنّه شرك في دم عثمان ليصرف وجوه النّاس عن نصرته، فغير بعيد أن يكون قال ذلك: لإطفاء هذه النائرة.

وأيضاً لم يدل قوله: إنهما خير هذه الأُمّة، على تفضيل لهما عليه، لأن المتكلّم يخرج من الخطاب فإن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر، ولم يكن كونه أصدق من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وأيضاً فإنّه فأشار إلى أمة كانت حاضرة وهي دونهما في الفضل، ولأن تلك الأُمّة هي المتحيرة بنصبها من عزل اللّه، وعزلها من نصب اللّه، ولأنّه أراد أن يستنهضهم بما تميل قلوبهم إليه فإن الحرب خدعة.

في قولهم: إذا سلك عمر طريقا سلك الشيطان في غيرها

ومنها: قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إذا سلك عمر طريقا سلك الشيطان في غيرها، قلنا:الشيطان لم يهب آدم فأخرجه من الجنّة وهي محفوفة بالملائكة، ولا موسى إذ قتل الرجل، فقال: (هَذَا مِن عَمَلِ الشَيطَانِ (3)) ولا يوشع إذ قال: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ (4)(وقد قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (5)) وقال: (الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ (6)) وقد كان عمر منهم، فكيف يستزله وهو يهابه.


1) طه: 97.

2) الدخان: 49.

3) القصص: 15.

4) القصص: 28.

5) الحج: 52.

6) آل عمران: 155.

ومنها: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا أوتي برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلّا جلدته حد المفتري، قلنا: راويه وهو سويد بن غفلة، أجمع أهل الأثر على كثرة غلطه وكيف يحد من ليس بمفتر، حد المفتري، أو نقول: تفضيله عليهما ولا فضل لهما من أعظم الافتراء. وهذا كمن فضل البر التقي على الكافر الشقي، أو فضل النبيّ على إبليس الغوي، مع أنّ الرسول قد فضله في المباهلة والمؤاخاة والطائر والموالاة والمصاهرة والمظاهرة وغير ذلك.

على أنا لا نمنع العبارة في أفضليته عليهما جدلاً أو على اعتقاد الخصم وهذا مثل قول حسان:

أتهجوه ولست له بندّ***فشركما لخيركما الفداء

ولم يكن في النبيّ شر بل على اعتقاد الهاجي.

هذا وقد رووا أن أبا بكر قال: وليتكم ولست بخيركم، وهذا يسقط فضيلته سواء كان صادقاً أو كاذباً.

قالوا: قاله تواضعاً، قلنا: وعلي قال ذلك تواضعا، إن كان، على أن التواضع لا يجوز في موضع يوجب التلبيس، وهل يسوغ للحرة أن تقول: لست بحرة، وقد كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أولى بمثل ذلك فلا وجه لقوله: أنا سيِّد ولد آدم.

ومنها: أن أبا سفيان جاء إلى علي يبايعه، فقال: هذه من دواهيك قد أجمع النّاس على أبي بكر ما زلت تبغي العوج للاسلام في الجاهلية والاسلام، قلنا:هذا غير صحيح لعدم دورانه بين الفريقين، وإن صح فليس في الاجماع دليل الصواب لأنّه قد يكون على الخطأ كما أجمع قوم موسى على العجل، والقبايل على قتل النبيّ ليلة المبيت.

إن قيل: لو كان خطأ لم يجز أن يقعد عنه علي وقد قال له أبو سفيان: واللّه لأملأنها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً قلنا: خاف على ذهاب أصل الدين، بإثارة الفتنة، خصوصا مع كون المشير منافقاً، وعلي بخبث سريرته قاطعا، على أن

العقود لو دل على الصواب، دل قعود النّاس على الظلمة كبني أمية وغيرهم على استحقاقهم.

ذكر الصحيفة التي عهدوها على أن يخرجوا سلطان محمّد عن أهل بيته

ومنها: ذكر الصحيفة رووا أن عمر لما كفن قال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): وددت أن ألقى اللّه بصحيفة هذا المسجى، قلنا: كيف يقول ذلك وقد اتفق الفريقان على أفضليته.

على أن عمل إنسان لا يصح أن يكون لآخر، فلا بد لهم من إضمار مثلها وحينئذٍ لنا أن نضمر خلافها بل هو المعهود من تظلماته من عمر، وقد سلف ويعضده ما أسند سليم إلى معاذ بن جبل أنّه عند وفاته دعا على نفسه بالويل والثبور قلت: إنك تهذي قال: لا واللّه قلت: فلم ذلك؟ قال: لموالاتي عتيقا وعمر على أن أزوي خلافة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن علي وروي مثل ذلك عن عبد اللّه بن عمر أن أباه عمر قال له.

وروي عن محمّد بن أبي بكر أن أباه قال له وزاد فيه أن أبا بكر قال: هذا رسول اللّه ومعه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: لقد وفيت بها وتظاهرت على ولي اللّه، أنت وأصحابك، فأبشر بالنار، في أسفل السافلين ثمَّ لعن ابن صهاك وقال: هو الّذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني.

قال العبّاس بن الحارث: لما تعاقدوا عليها نزلت (الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) الآية (1)وقد ذكرها أبو إسحاق في كتابه، وابن حنبل في مسنده، والحافظ في حليته، والزمخشري في فائقه، ونزل (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا (2)) الآيتان عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) نزلت (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (3)) الآيتان.

ولقد وبخهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لما نزلت فأنكروا فنزلت (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا


1) القتال: 25.

2) النمل: 50.

3) الزخرف: 79.

وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا) الآية (1)وقد سلف في باب إنزال الآيات، وسلف في الباب الثاني عشر مثل ذلك الدعوات.

ورووا أن عمر أودعها أبا عبيدة فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أصبحت أمين هذه الأُمّة، وروته العامة أيضاً وقال عمر عند موته: ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا علي ولا لي، فقال ابنه: تقول هذا؟ فقال: دعني نحن أعلم بما صنعنا: أو صاحبي وأبو عبيدة ومعاذ.

قال البشنويّ:

جر الضلال صحيفة ختمت***بعد النبيّ ختامها فضّوا

فكل قلب مسلم حرقوا***وكل عظم مؤمن رضوا

إن قيل: كيف يصدر ذلك وقد كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يعظمه ويمدحه؟ قلنا:ذلك غير معلوم، والخبر بذلك آحادي، ومطعون فيه، على أن المدح لا يستلزم الإمامة.

قالوا: فيدل على إيمانه وأنتم قلتم: إنّه كفر بجحد النصِّ، والإيمان عندكم لا يتعقبه كفر، قلنا: جار مدحه على الظاهر فإن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يعلم الباطن.

قالوا: المدح ينافيه، قلنا: جاز كون المدح قبل أن يعلمه اللّه بالميل عنه على أنا نجوز كفر المؤمن.

تذنيب:

هذه الصحيفة تعاقد عليها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم الأبكم على أن لا يورثوا أحدا من أهل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولا يولوهم مقامه، وكان أبي (2)يصيح في المسجد ألا هلك أهل العقدة، فسئل عنهم، فقال: ما ذكرناه ثمَّ قال: لئن عشت إلى الجمعة لأبينن للناس أمرهم، فمات قبلها.


1) براءة: 74.

2) القائل محمّد بن أبي بكر برواية سليم بن قيس الهلالي.

قال محمّد بن أبي بكر: فحدثت مولاي أمير المؤمنين به، فقال: لقد حدثني بذلك عن أبيك وعمر وأبو عبيدة وسالم ومعاذ من هو أصدق منك، فعلمت من عنى، فإنّه يرى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في كلّ ليلة ويحدثه في المنام، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة، ولعل ملكا يحدثه، فإن الأنبياء والأئمّة محدّثون، بل و فاطمة ومريم وسارة محدّثات.

إذا عرفت هذا فالصحيفة التي أحب أن يلقى اللّه بها هي هذه إلى اللّه فيها، وقد تلونا عليك جانباً من البدع التي أحدثت بأفعاله فكيف يتمنى علي أن يلقى اللّه بصحيفة أعماله، وقد شهد عليه بالظلم في كثير من أقواله.

إن قالوا: فعله عنى ما فيها من الحسنات قلنا: ظلم الوصي، والرد على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يقابله شئ من الحسنات، وقد اشتهر أنّه آذى فاطمة، المربوطة أذية أبيها بأذيتها، أذية النبيّ كفر فلا حسنة.

إن قيل: فكيف نكح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ابنتهما على تقدير كفرهما؟ قلنا: جاز ألا يعلم عاقبتهما أو جوز توبتهما أو كان مخاطبا بالبناء على ظاهر إسلامهما، أو كان ذلك من خصائصه، ولا دليل أوضح من فعله.

ومنها: ما قالوا: إنّ أبا بكر شبه من الملائكة بميكائيل، ومن الأنبياء بإبراهيم قلنا: لا يروي هذا إلّا من روى أن اللّه بكى على عثمان حتّى هاجت عيناه، وأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) رأى في الإسراء ملائكة ملتفّين بأكسية، فسألهم عنها، فقالوا: تشبهنا بأبي بكر حين تجلل بالعباءة، كيف يشبه من مضى أكثر زمانه على الكفر والمين بالملك والنبيّين المعصومين.

إن قالوا: رويتم تشبيه عليّ بآدم ونوح وموسى وعيسى ومحمّد قلنا: لا يقاس من لم يكفر طرفة عين بالرحمن، بمن خدم في أكثر عمره للأوثان، على أن ما تفردتم به من الحديث غير مسموع، لكونكم خصوصا، وليس لكم علينا مثله، لأنكم نقلتم ما نقلنا ورويتم ما روينا فتشبيه علي، نقله ابن حنبل وغيره، ونقلنا وأنتم أنّه خير

البرّية، فلا معنى لإيرادكم هذه الكلمة الفريّة، وتشبّه عليّ يوافق السنة و الكتاب المطاع، ودليل العقل الصريح والاجماع.

أمّا سنّة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقد تواترت بأن عليّاً هو الإمام، وأمّا الكتاب المبين ففيه آيات كثيرة بولاية أمير المؤمنين، وقد أسلفنا هذين في بابين.

وأمّا دلائل العقول فلقبح تقديم المفضول، وقد روينا وأنتم أن عيسى يصلي خلف المهدي، وهو أحد أتباع أبيه علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وأما الاجماع فالحجّة الكبرى فيه قول الإمام، وهو داخل في اتّباعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ليس لتشبيه أبي بكر من هذه الأربعة شاهد، بل كلّ واحد منها لولايته جاحد.

وقد روى الطبرسي في احتجاجه قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في حجّة وداعه، قد كثرت علي الكذابة، وستكثر، فمن كذب علي فليتبوء مقعده من النار، فإذا جاء الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه وسنتي فإن وافقهما فخذوا به وإلّا فاطرحوه.

تذنيب

حدث عبد الرزاق اليماني عن معمر عن الزهري والكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قالا: كان لتيم صنما من تمر يعجنونه غدوة ويعبدونه يومهم، فإذا أمسوا اقتسموه وأكلوه، ثمَّ اتّخذوا غيره.

وذكر صاحب اللؤلؤيات أنّه قيل للأول: العن أبا قحافة، فإنّه كان لا يقاتل عدواً ولا يقري ضيفاً، وقال الكلبي: كان أبو قحافة دنيا ساقطا، وكان لجذعان أجيراً.

قال مؤلّف الكتاب:

عجبت لتيم في سخافة عقلها***إذ اتخذت تمرا إلها فضلّت

تدين له يوماً فعند مسائها***تغذت به لما عليه تولّت

فصيّر مأكولاً ومنهضماً به***وفضلات من بول رزيّ وعذرة

فكيف دنيّ القوم يضحي رئيسهم***ويمسي بما فيه إماماً لأمة

ومنها: ما رووه عن أبي نضرة في إبطاء عليّ والزبير عن بيعة أبي بكر، فقال:

أبطأتما وأنا أسلمت قبلكما؟ قلنا: أبو نضرة مشهور بعداوة علي مع أنّه معارض بأصح منه طريقا أسند علي بن مسلم الطوسي إلى الشعبي أن أبا بكر قال: من سره أن ينظر إلى أوّل النّاس سبقا في الاسلام فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

ومنها: ما رووه عن عمر بن عيينة قال قلت للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا، قلنا: في طريقه أبو أمامة وهو من المنحرفين عنه إلى معاوية مع أنّ في الحديث مع وحدته اختلافاً ذكر فيه تارة أنّه لقي النبيّ بمكة مستخفياً، وتارة بعكاظ، وتارة ظاهراً يقيم الصلاة بالناس، وفي اختلافه مع وحدته دليل تزويره.

ومنها: حديث الشعبيّ سألت ابن عبّاس من أوّل من أسلم؟ فقال: أبو بكر قلنا: الشعبيّ منحرف عن علي وللشعبيّ حديث آخر من طريق الصلت بن بهرام بضده، وعزاه إلى ابن عبّاس، والمشهور عنه اعترافه بسبقه، وقد كان أبو صالح معروفا بعكرمة، وعكرمة معروف بابن عبّاس وقد روى عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، لم يكن معي من الرجال غيره.

إنما كان أبو بكر أوّل من أسلم من غير بني هاشم

ومنها: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما دعوت إلى الاسلام أحداً إلّا وله كبوة غير أبي بكر فإنّه لم يتلعثم أي لم يشك ويتأن، فلو تأخر إسلامه فإن كان قبل عرضة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليه كان مقصراً في تبليغه، وإن كان بعده رده الخبر المذكور.

قلنا: جاز أن يكون تأخره قبل تبليغه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا تقصير منه، لعلمه بعدم قبوله له، في ذلك الوقت، فالمانع منه لا من النبيّ، على أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يجب عليه إعلام الأُمّة دفعة، وإن صح الحديث فمعنى ما عرضت الإيمان: حين عرضته، فلا يدل ذلك على سبق العرض على أبي بكر.

قالوا: قال حسان في شعره: إنّ أبا بكر أوّل من أسلم قلنا: حسان مشهور بالانحراف عن علي إلى معاوية، ويطالب عليّاً بدم عثمان، وليس في شعره أنّه أوّل الأولين الّذي هو محل النزاع.

ومنها: ما رووه عن مجاهد: أوّل من أظهر الاسلام سبعة وعد منهم أبا بكر

قلنا: بإزائه عالم من النّاس ينكرون قوله، على أن سفيان بن عيينة روى عن مجاهد قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): السباق أربعة: يوشع إلى موسى، وصاحب يس إلى عيسى (1)و علي إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

ومنها: حديث عمر بن مرة عن النخعي: أبو بكر أوّل من أسلم، قلنا: يقابله من هو أجل منه الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وقتادة والحسن وغيرهم وقد روى تمدحه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك من طرق لا تحصى وأخبار من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والصحب والتابعين لا تستقصى، وأنشأت الفضلاء فيه أشعارهم، فلم ينكر عليهم، من طلبها عثر عليها، وقد أسلفنا جانبا منها.

ومنها: أنّ عليّاً احتجَّ على طلحة والزبير بالبيعة ونكثها، ولم يذكر النصّ فدل على عدمه، واحتج على معاوية ببيعة النّاس له.

قلنا: الإمامة لا تصحّ بالبيعة لأن البيعة لا تصحّ إلّا لإمام كالنبوّة فلو توقفت عليها لزم الدور، وإنّما احتج عليهم لأنّها حجة عندهم أي أقطع لعذرهم.

ومنها: قول العبّاس لعليّ: امدد يدك أبايعك، دليل عدم النصّ قلنا: لا بل إنّما طلبها لأنّها الحجة القاطعة عندهم، فأراد إلزامهم إن تمسكوا بها، و لأن البيعة لا تنافي النص، فإنّها تقع للنصرة والدفاع، ولهذا قال: فلا تختلف عليك ولو كانت البيعة لتثبيت الإمامة لأوجبت الاختلاف، وقد بايع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عند الشجرة بعد ثبوت نبوته، وحمل عمر النّاس على بيعته بعد نصّ أبي بكر عليه، فما الحاجة إلى ذلك على ما ذكرتم، ولهذا لما ألح عليه قال: إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أمرني أن لا أجرد سيفاً بعده، حتّى يأتيني النّاس طوعا أو أنّه كره أن يتوصل إلى حقه بباطل مع قيام النص.

إن قيل: فقد توصّل بباطل بعد عثمان، قلنا: كان النصّ مندرسا بمرور الأزمان، أو لأنّه لو بايع لزمه الحرب والقيام، وفيه درس الاسلام، كما قال: لولا قرب عهد النّاس بالكفر لجاهدتهم، وقد احتج في الشورى بالنصّ، فلم يكن في حال من الأحوال ثابتاً على الاختيار.


1) ومؤمن آل فرعون.

قالوا: قال العبّاس لعليّ: اذهب حتّى نسأل النبيّ عن هذا الأمر أهو فينا أم في غيرنا؟ وهذا دليل عدم النصّ قلنا: لا بل علم النصّ وأراد بالسؤال هل هو لهم أم يغصبون عليه؟ ولهذا قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إنكم المقهورون المظلومون، ولو كان السؤال: هل يستحقونه أم لا لم يكن للجواب بالقهر والظلم معنى، والنبيّ جليل عن هذه الوصمة، وباللّه العون والعصمة.

على أنّه يجوز أن يكتم النصّ عن بعض أهله خوفا عليهم من رده، ولهذا أن مؤمن الطاق لما دعاه زيد للخروج معه، فأبى فقال: أبي يخبرك بالدين ولم يخبرني؟ قال مؤمن الطاق: خاف عليك إن أخبرك لم تقبل، فتدخل النار، ولم يبال بي نجوت أم دخلت النار.

وقد أوصى يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته خوفاً من كيدهم.

في قولهم: إن عليّاً لم يرد فدكاً على وارث فاطمة حين تولى الخلافة

ومنها: أن عليّاً لم يرد فدكا على وارث فاطمة عند مصير الأمر إليه، و فيه دليل على نفي ظلم المتقدم عليه، قلنا: أما استحقاقها فلا شكّ فيه، وقد ذكرنا طرفا جيدا من هذه الواقعة ففي باب المطاعن، وقد جمع المأمون مائتي رجل من أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه وسألهم عنها فرووا أحاديث فيها، وأن عليّاً و أسماء وأم أيمن شهدوا لها عند أبي بكر، فكتب لها صحيفة بها، وأن عمر محاها فسألهم عن فاطمة فأخبروه بقول أبيها فيها: يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها وسألهم عن فضائل بعلها فأوردوا جملة منها، فسألهم عن أسماء وأم أيمن ما حالهما؟ فقالوا: شهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالجنّة لهما، فقال: إنّ الطعن على هؤلاء طعن على كتاب اللّه، وقال: قد نادى علي بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من كان له عدة أو دين فليحضر فحضر جماعة فأعطاهم بغير بينة، وأبو بكر نادى بذلك فادعى جرير بن عبد اللّه فإعطاء بغير بينة، وادعى جابر بن عبد اللّه أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وعده أن يحثو له من مال البحرين ثلاثاً فأعطاه أبو بكر بغير بينة، أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى هؤلاء؟ ثمَّ جعلها المأمون في يد محمّد بن يحيى بن الحسين بن زين العابدين.

وقد ذكر هذه القصة صاحب الشافي مروية عن محمّد بن زكريّا الغلابي عن

شيوخه عن هشام ابن زياد وأيضاً لو لم يكن الأمر معروفا مشهورا لم يفعله عمر بن عبد العزيز، لما فيه من التنفير مع موضعه من الخلافة، وعاتبه بنو أمية على ذلك، وقالوا: هجنت فعل الشيخين، فقال: إنكم جهلتم وعلمت ونسيتم وذكرت وطرف من ذلك قد تقدم في باب الطعن على من تقدم.

وأمّا تركه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ردَّها في ولايته فلمّا أسنده ابن بابويه في كتاب العلل إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن الظالم والمظلوم كانا قد انتقلا إلى اللّه، فعاقب الظالم، وأثاب المظلوم، فلذلك كره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارتجاعها وأسند إلى إبراهيم الكرخي قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن عليّاً اقتدى في ذلك برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فإن عقيلا باع دوره بمكة فلمّا فتحها قيل: ألا تدخل دورك فقال: وهل ترك لنا عقيل دورا، إنا أهل بيت لا نسترجع شيئاً يؤخذ منا ظلما، ونحوه أسند ابن فضال إلى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقد قالت لأبي بكر: سيجمعني وإيّاك يوم يكون فيه فصل الخطاب، فلمّا وكلت الأمر فيه إلى اللّه أراد علي ما أرادته، أو تركها بوصيتها أو ليعلم بني أمية وغيرهم ظلمه لها.

وأيضاً نقول: إنّما لم يردها لاستمرار التقية، وخوف إفساد الدين، فإن أكثر من تابعه كان يعتقد إمامة الثلاثة، وأنّها ثبتت بالاختيار، فإن أكثرهم بايعه على موالاة من كان قبله، والحذو على سيرتهم، فلم يتمكن من تغيير ما يقدح في إمامتهم، ولهذا لما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وسنة نبيه نزع (1)يده من يده، وبايع غيره.

إن قيل: فقد خالفهم في مسائل فما بال فدك؟ قلنا: ليس في تلك ما يؤدي إلى تظليم القوم، وتحريك الأحقاد الكامنة فيهم، وقد وافقهم في كثير، ولهذا قال لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون، حتّى تكون النّاس جماعة أو أموت كما مات أصحابي، فلينظر العاقل ما في هذه الأحوال.


1) يعني في شورى الستة، والرجل النازع عبد الرحمن بن عوف.

فصل في أم الشرور عائشة أم المؤمنين

أكثر اعتقاد القوم على رواياتها، وقد خالفت ربها ونبيها في قوله تعالى:(وَقَرنَ فِي بُيُوتِكَن) (1)الآية.

قال ابن عبّاس: لمّا علم اللّه حرب الجمل قال لنساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): (وَقَرنَ فِي بُيُوتِكَن) الآية وفي أعلام النبوّة للماوردي وفردوس الديلمي عن ابن عبّاس قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لنسائه: أيّكم صاحبة الجمل الأديب تخرج فتفضحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها ويسارها كثير.

وفي تاريخ البلاذريّ وأربعين الخوارزميّ وابن مردويه في الفضائل قال سالم ابن الجعد: ذكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) خوارج بعض نسائه فضحكت الحميرا فقال: انظري أن لا تكوني هي، والتفت إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: إذا وليت من أمرها شيئاً فارفق بها.

إن قيل: هذا دليل على محبة النبيّ لها مع علمه بمحاربتها، فلم تنته المحاربة بها إلى تكفيرها كما تزعمون فيها قلنا: كيف ذلك وقد أجمعنا وإيّاكم على قوله: يا علي حربك حربي، وحرب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كفر وقد نقل ابن البطريق في عمدته عن الجمع بين الصحيحين قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من سل علينا السيف فليس منا، وقال النبيّ في موضع آخر: علي مني بمنزلة الرأس من الجسد، ولم يرد بقوله: ليس منا نفي الجنسية، ولا القرابة، ولا الزوجية، لأن ذلك لا تنفيه المحاربة فالمراد ليس من ديننا.

وأمّا وصيته له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالارفاق فإنما هو صون لعرض عليّ من أهل النفاق وقد بعث معها نساءا في زي الرجال، فنعت عليه في المدينة فانكشف حالهن ليظهر كذبها وافتراءها، وقد بذل أهل عسكرها مهجهم في رضاها، وقعدوا عن ابنة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لما طلبت إرثها ونحلة أبيها، ولم يكن في معونة فاطمة كفر ولا


1) الأحزاب: 33.

مجاهدة، كما في عائشة فقعودهم عنها أعظم نكر كنهوضهم مع ابنة أبي بكر:

ما صح أن المسلمين بأمّة***لمحمّد بل أمة لعتيق

جاءت تطالب فاطم بتراثها***فتقاعدوا عنها بكل طريق

وتسارعوا نحو القتال جميعهم***لما دعتهم ابنة الصديق

فقعودهم عن هذه ونهوضهم***مع هذه يغني عن التحقيق

حديث ماء الحوأب ونهي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن خروج عائشة

وقد أخرج أبو نعيم في كتاب الفتن وغيره حديث ماء الحوأب وأخرج صاحب المراصد قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعائشة: أما تستحين أن تحاربين لمن رضي اللّه عنه؟ إنّه عهد إلي أنّه من خرج على علي فهو في النار، وقد رويتم قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعليّ بغضك سيئة لا تنفع معها حسنة، فحرب الجمل أكان من حب أو بغض؟

والعجب أنكم رويتم أنّه قال: خذوا عن عائشة ثلث دينكم، بل ثلثيه، بل كلّه. فكان من دين النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قتال الوصي، وقد كتبت إلى صعصعة بن صوحان حين توجهت إلى الحرب أن يكسر سيفه ويجلس في بيته، فكتب إليها: أتاني كتابك تأمريني فيه بما أمرك اللّه من القرار في البيت وترك الفساد، وتفعلين ما أمرني اللّه به من الجهاد، فاتقي اللّه وارجعي إلى البيت الّذي أمرت، وأنا في أثر كتابي خارج لألاقي لعليّ ببيعتي، فالقرار في بيتها فعل من ضربت الصفائح على هودجها تتّقي السهام بها.

وفي تاريخ الطبري أنّها كانت تركب الجمل وتحمل السلاح وترتجز.

شكوت رأسا قد مللت حمله***وقد مللت دهنه وغسله ألا فتى يحمل عنّا كلّه.

وقطع علي خطام جملها أربعمائة وهي مسرورة.

وروى الواقدي أن عمارا قال لها: كيف رأيت ضرب بنيك عن أديانهم؟ قالت: لستم لي ببنين، قال: صدقت أمهاتنا نساء النبيّ، ذوات الحجاب، المطيعات للّه ولرسوله، وأنت فمخالفة لهما.

وقد روت أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعن المرأة المشبّهة بالرجال والرجل المشبه

بالنساء، قال الفضل بن العبّاس:

آضت أمور الورى إلى امرأة***وليتها لم تكن إذا آضت

مبشّر جاءنا يبشرنا***أميرة المؤمنين قد باضت

هبها تصلّي بنا إذا طهرت***فمن يصلّي بنا إذا حاضت

وقد أسند الخوارزمي أن أبا الحارث مولى أبي ذر دخل على أم سلمة فقالت: أين طار قلبك لما طارت القلوب؟ قال: مع علي، قالت: وثقت والّذي نفسي بيده لقد سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: علي مع القرآن، والقرآن معه، لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض، ومن العجب أن طلحة يطلب بدم عثمان، وهو ممّن ألب على عثمان، ولما جاء لحرب البصرة أتاه عبد اللّه بن حكيم التميمي بكتابه إليه يدعوه إلى قتل عثمان، ويعيبه عليه قال السيد الحميري:

جاءت مع الأشقين في جحفل***تزجي إلى البصرة أجنادها

كأنها في فعلها هرة***تريد أن تأكل أولادها

عاصية للّه في فعلها***موقدة للحرب إيقادها

فبئست الأم وبئس الهوى***هوى حداها وهوى قادها

وفي رواية الشعبيّ: استشارت أم سلمة في الخروج فنهتها وقالت: ألا تذكرين قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لا تذهب الأيّام والليالي حتّى تنابح كلاب الحوأب على امرأة من نسائي في فئة طاغية فضحكت أنت، فقال: إني لأحسبك هي، فلمّا تهيأت للخروج أنشأت أم سلمة تقول:

نصحت ولكن ليس للنصح قابل***ولو قبلت ما عنفتها العواذل

وقالت في طريقها وقد استبطأت بعض جندها: ما كان أغناني عن هذا لولا نفثة الشيطان، وعجلة الانسان، قال الزاهي:

كم نهيت عن تبرج فعصت***وأصبحت للخلاف متّبعه

قال لها اللّه في البيوت قري***فخالفته العفيفة الورعه

وقال السوسي:

وما للنساء وحرب الرجال***وهل غلبت قط أنثى ذكر

ولو أنّها لزمت بيتها***ومغزلها لم ينلها ضرر

فيا سفراً ضل تصحيفه***لها وهو لما يصحَّ السقر

وقد تمثّل ابن عبّاس فيها بشعر بني أسد:

ما زال إيماء العصائب بينهم***ثمَّ الصديق وكثرة الألقاب

حتّى تركت كأن رأيك فيهم***في كلّ معركة طنين ذباب

إذا عرفت هذا فالقوم ادعوا توبتها ليزيلوا بها جريمتها، وهي رواية من طرقهم فليست حجة على خصمهم، مع ذلك فالتوبة رواية والمحاربة دراية، والرواية لا تعارض بالدراية، وأين التوبة والنزوع عن بغضة إمام العصر؟ وقد قالت: حين بلغها قتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما ذكره ابن مسكويه وتاريخ الطبريّ:

فألقت عصاها واستقرت بها النوى***كما قر عينا بالإياب المسافر

ادّعوا توبتها وليس في كلامها وفعلها ما يدل على ندامتها

وقد ادّعوا أنّها لم تكن قاصدة حرب، فلا وجه لتوبتها وقد ذكر المؤرّخون أنّها نهبت بيت المسلمين بالبصرة، وقتلت عمال علي بها، ونتفت لحية عثمان بن حنيف، وذكر أن عليّاً ندم على ذلك وهذا زور بحت، كيف ذلك وقد أخبره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّها تقاتله ظالمة له وفي صحيح البخاري الفتنة تخرج من ههنا من حيث تطلع قرن الشيطان وأشار إلى مسكن عائشة، وقد نقل ابن أعتم صاحب الفتوح أنّها كانت قبل ذلك تقول: اقتلوا نعثلاً قتل اللّه نعثلا، فلقد أبلى سنة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وثيابه لم تبل، ولما قتل قالت: قتل مظلوماً وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد: أوّل من طمع النّاس فيه أنت، فقلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر، قالت: قلته وقاله النّاس فأنشأ:

منك البداء ومنك الغير***ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام***وقلت لنا إنّه قد فجر

ونحن أطعناك في قتله***وقاتله عندنا من أمر

قالوا: برّأها اللّه في قوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ ممّا يَقُولُونَ (1)) قلنا: ذلك تنزيه لنبيه عن الزنا، لا لها كما أجمع فيه المفسرون، على أن في تفسير مجاهد (المبرؤون) هم الطيبون من الرجال، صيغة التذكير، وليس فيها ما يدل على التغليب.

قالوا: هي محبوبة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وتوفّى بين سحرها ونحرها، قلنا: لا تنفعها المحبة، وقد صدر حرب النبيّ عنها، ويكذب توفيته بين سحرها ونحرها ما أخرجه في المجلد الخامس من الوسيلة من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ادعوا لي حبيبي فادخل عليه أبو بكر فغيب وجهه عنه ثمَّ عمر فغيب وجهه عنه، فدخل علي فساره ولم يزل محتضنه حتّى مات هذه رواية عائشة فيه.

قالوا: لم ينزل القرآن في بيت غيرها قلنا: كيف ذلك وقد نزل أكثر القرآن في بيت غيرها.

قالوا: أذهب اللّه الرجس عنها قلنا: وأي رجس أعظم من محاربة إمامها فهذا أعظم فاحشة، وقد قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ (2)) وقد أخبر اللّه عن امرأتي نوح ولوط أنّهما لم يغنيا عنهما من اللّه شيئاً (3)

والدليل على أن الآية فيها وفى حفصة قوله تعالى في صدر السورة النازلة في ذلك (ِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا).

والعجب من غفلة المسلمين عن تعاريض هذه الآية الأخيرة حيث ينفى عنهما الاسلام و الإيمان والقنوت والتوبة والعبادة والسياحة.

وكان ذلك تعريضاً من اللّه لعائشة وحفصة في فعلهما وتنبيهاً على أنّهما لا يتكلان

1) النور: 26.

2) الأحزاب: 30.

3) يريد قوله تعالى: ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين، التحريم الآية العاشرة.

على رسوله فإنّه لم يغن شيئاً عنهما.

تذنيب في أنها كانت تسوء الأدب مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في معاشرتها

قالت أم أفعه العبدية لعائشة: ما تقولين فيمن قتلت ابنا لها؟ قالت: في النار قالت: فمن قتلت عشرين ألفا من أولادها؟ فقالت: خذوا بيد عدوة اللّه، وهذا شأن المجبرين إذا أعجزهم الخطاب أمروا بالعذاب (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) (1)(أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) (2).

هذا وقد شكت عائشة في نبوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذكر الغزالي في الإحياء أنّها قالت:أنت تزعم أنك نبي؟ ولم ينقل أحد أنّها تيقنت بعد بذلك، وفي الإحياء أيضاً كان بينها وبينه كلام فأدخل أباها حاكما فقالت: قل ولا تقل إلّا حقا! فلطمها أبوها وقال: يا عدوة اللّه النبيّ يقول غير الحق؟ وفي مجمع البيان لما نزلت (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) (3)قالت عائشة: ما أرى اللّه إلّا يسارع في هواك! وفي هذا تهمة لرسوله، وعدم الرضا بقضائه.

ولقد افترت على نبيها ما رواه الزهري عنها أنّها قالت: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إن عليّاً والعبّاس يموتان على غير ملتي وقالت: قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن سرك أن تنظرين إلى رجلين من أهل النار فانظري إليهما.

فقبح اللّه قوما يروون ذلك في وصي نبيه، وقد تواترت فيه محبة اللّه ورسوله وغيرها من فضائله، وقبلوا شهادة عائشة فيه مع كونها من أكبر أعدائه.

روى سعيد بن المسيب عن وهب أن فاطمة لما زفت إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت نسوة الأنصار: أبوها سيِّد الناس، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قلن: وبعلها ذو الشدة و


1) الأنبياء: 68.

2) النمل: 56.

3) الأحزاب: 50.

البأس، فلم يذكرن عليّاً فقال في ذلك فقلن: منعتنا فقلن: منعتنا عائشة فقال ما تدع عائشة عداوتنا أهل البيت، وهم يفضلونها على فاطمة فكأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال في عائشة: سيدة نساء هذه الأُمّة وإنها بضعة منه يؤذيه ما يؤذيها، وينصبه ما ينصبها، ويغضبه ما يغضبها، ويريبه ما رابها. كما أسنده مسلم والبخاري وأبو داود والترمذي في صحاحهم.

وفي مسند أبي داود سيدة نساء العالمين، وفي الجزء الرابع من صحيح مسلم سيدة نساء المؤمنين ونساء هذه الأُمّة، ورواه الثعلبي في تفسير (إنِّي سَمَّيتُهَا مَريَم) (1)وذكره رزين في الكراس الخامس من الجزء الثاني من الجمع بين الصحاح، وفي الجزء الثالث أيضاً منه.

أفلا تنظر العقول السّليمة إلى ما صححوه في كتبهم ممّا يناقض ما هم عليه من جميع أمورهم، بل قد أنكر الجاحظ في كتاب الإنصاف مساواة عائشة لخديجة فضلا عن فاطمة هذا وفي الجمع بين الصحيحين من أفراد مسلم والبخاريّ أنّ ابن الزبير أراد أن يحجر عليها، فهذه شهادة منه وممن سمع حديثه، ولم ينكره: أنّها أتت بما يوجب الحجر كالسفه والجنون.


1) آل عمران: 36.

فصل في أختها حفصة ونزول آية التحريم فيهما

طلّقها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في حديث أنس وخيرة الزجاج فسأله أبوها من طلاقها فقال: انطلق عنّي أما واللّه إن قلبك لوعر، وإن لسانك لقذر، وإن دينك لعور ثمَّ إنك لأضل مضل ذكر، وإنك من قوم عذر، أما واللّه لولا ما أمرني اللّه من تألف عباده، لأبدين للناس أمركم، اعزب عني! فواللّه ما يؤمن أحدكم حتّى يكون النبيّ أحب إليه من أبيه وأمه، وولده، وماله، فقال: واللّه أنت أحب إلي من نفسي، فأنزل (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (1)) وفي حديث الحسين بن علوان والديلمي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا (2)) هي حفصة قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): كفرت في قولها: (من أنبأك هذا) وقال اللّه فيها وفي أختها: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (3)) أي زاغت والزيغ الكفر، وفي رواية أنّه أعلم حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الأمر، فأفشت إلى عائشة، فأفشت إلى أبيها فأفشى إلى صاحبه، فاجتمعا على أن يستعجلا ذلك يسقينه سما فلمّا أخبره اللّه بفعلهما هم بقتلهما، فحلفا له أنّهما لم يفعلا، فنزل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (4)) قال الناشي:

إذ أسر النبيّ فيه حديثاً***عند بعض الأزواج ممّن تليه

نبأتها به وأظهره اللّه***عليه فجاء من قيل فيه

سئل المصطفى فعرف بعضا***بعض ابطان بعضه يستحيه

وغدا يعتب اللّتين بفضل***أبدأتا سرَّه إلى حاسديه


1) يوسف: 106.

2) التحريم: 2.

3) التحريم: 4.

4) التحريم: 7.

فأتى الوحي إن تتوبا إلى اللّه***فقد صاغ قلب من يتّقيه

أو تحبا تظاهرا فهو مولاه***وجبريل ناصر في ذويه

ثمَّ خير الورى أخوه علي***صالح المؤمنين من ناصريه

كتبت عائشة إلى حفصة: نزل علي بذي قار، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر فجمعت حفصة النساء وضربن بالمزامر، وقلن: ما الخبر ما الخبر؟ علي في سفر إن تقدم نحر، أو تأخر عقر، فدخلت أم سلمة وقالت: إن تظاهرا عليه فقد تظاهرتما على أخيه من قبل.

تذنيب

في الطرف: تخرج عليك فلانة، وتتخلف الأخرى تجمع لها هما سواء، فما أنت صانع؟ قال: أدعوهما إلى الكتاب والسنة وبيان حقي عليهما، فإن قبلتا وإلّا قاتلتهما، قال: وتعقر الجمل وإن وقع في النار، قال: نعم، قال: اللّهمّ فاشهد ثمَّ قال: فأبنهما مني فإنّها بائنتان، وأبوهما شريكان لهما فيما فعلتا.

ملحة

قال ناصبي لشيعي: أتحب أم المؤمنين؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لئلا يقول النبيّ: لم تجد امرأة غير امرأتي تحبها؟ ما لي ولزوجة النبيّ؟ أفترضى أن أحب امرأتك.

فصل في حرب الجمل ونكث طلحة والزبير وعاقبتهما

خرج الناكثان يطلبان عليّاً بدم عثمان، وقد روى المدائني أن عليّاً سمع بعض بنات أبي سفيان تضرب بالدف وتقول:

ظلامة عثمان عند الزبير***وأوثر منه بها طلحة

هما سعراها بأجذالها***وكانا حقيقين بالفضحة

يهران سرا هرير الكلاب***ولو أعلنا كانت النبحة

فقال عليّ: قاتلها اللّه ما أعلمها بموضع ثأرها.

ويعضده ما رواه الواقديّ أن مروان لما رأى طلحة يحثّ الحرب على عليّ قال: واللّه إني لأعلم أنّه ما حرض على قتل عثمان كتحريض طلحة ولا قتله سواه وقد أسلفنا كتابه إلى عبد اللّه بن حكيم يحثه على قتل عثمان ولما رمى طلحة بسهم أسقط مغشيا عليه، فأفاق واسترجع، وقال: أظن أنا عنينا بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (1)) ما أظن هذا السهم إلّا أرسله اللّه علي، ثمَّ دفن بالصبخة (2)ولم يصل عليه أحد، وكان الرامي له مروان، وذكره في المعارف قال الأصمعي: رماه بسهم وقال: لا أطلب ثأر عثمان بعد اليوم فمات طلحة (3)

رمى طلحة بن عبيد اللّه بسهم فأصاب ثغرة نحره قال: فأقر مروان أنّه رماه.

وروى عن يحيى بن سعيد عن عمه قال: رمى مروان طلحة بسهم ثمَّ التفت إلى أبان بن عثمان فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك.

وذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا قيس قال رمى مروان ابن الحكم يوم الجمل طلحة بسهم في ركبته، قال فجعل الدم يسيل فإذا أمسكوه أمسك، وإذا تركوه سال، قال: فقال دعوه، قال: وجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه، فإنما هو سهم أرسله اللّه. فمات فدفناه على شاطئ الكلا.

.

1) الأنفال: 25.

2) الصبخة لغة في السبخة، وهي محركة: أرض ذات نزو ملح و - ما يعلو الماء كالطحلب، يقال: علت هذا الماء سبخة.

3) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: روى حصين عن عمرو بن جاوان قال: سمعت الأحنف يقول: لما التقوا، كان أوّل قتيل طلحة بن عبيد اللّه، وروى عن ابن سيرين قال:

وأما الزبير فقال ابن عبّاس: نزلت (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ) الآية في طلحة والزبير، قال الزبير: لقد قرأناها ولم نعلم فإذا نحن المعنيون بها.

قال سلمان قال عثمان: يقتل ابن الجاهلية وهو مرتد عن الاسلام، قال:فقلت لعليّ ذلك: فقال: صدق عثمان وذلك أنّه يبايعني ثمَّ ينكث، فيقتل مرتدا وقد روى ابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين من طرق ثمانية أن عليّاً ذكر الزبير بقول النبيّ له: ستقاتل عليّاً وأنت ظالم له (1)

شهد الجمل مقاتلا لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فناداه علي ودعاه فانفرد به وقال له: أتذكر إذ كنت أنا وأنت مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فنظر إلي وضحك وضحكت، فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال: ليس بمزه، ولتقاتلنه وأنت له ظالم؟ فتذكر الزبير ذلك فانصرف عن القتال فنزل بوادي السباع، وقام يصلى فأتاه ابن جرموز فقتله، وجاء بسيفه ورأسه إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن هذا سيف طالما فرج الكرب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

ثم قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى من سنة ست وثلاثين.

وقيل: إن ابن جرموز استأذن على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يأذن له وقال للآذن: بشره بالنار فقال:

أتيت عليّاً برأس الزبير***أرجو لديه به الزلفه

فبشر بالنار إذ جئته***فبئس البشارة والتحفه

وسيان عندي: قتل الزبير***وضرطة عنز بذى الجحفة

وقيل: إن الزبير لما فارق الحرب وبلغ سفوان أتى إنسان إلى الأحنف بن قيس فقال: هذا الزبير قد لقى بسفوان، فقال الأحنف ما شاء اللّه كان، قد جمع بين المسلمين حتّى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثمَّ يلحق ببيته وأهله؟!.

فسمعه ابن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع بن غواة من تميم فركبوا، فأتاه ابن جرموز من خلفه فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزبير وهو على فرس له يقال له: ذو الخمار حتّى إذا ظن أنّه قاتله. نادى صاحبيه فحملوا عليه فقتلوه، بل الظاهر من بعض الأخبار أن ابن جرموز قتله في النوم، وقد روى المسعودي في مروج الذهب أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثمَّ الزبير قالت في ذلك:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة***يوم اللقاء وكان غير مسدد

يا عمرو! لو نبهته لوجدته***لا طائشا رعش الجنان ولا اليد

هبلتك أمك إن قتلت لمسلما***حلت عليك عقوبة المتعمد

ما أن رأيت ولا سمعت بمثله***فيمن مضى ممّن يروح ويغتدي

أقول: إنّما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): بشر قاتل ابن صفية بالنار، لأن القاتل وهو عمرو بن جرموز - مع أعوانه - قتله غدرا وغيلة ومغافصة، بعد ما ترك الزبير القتال فهو من أهل النار من جهتين.

الأوّل لقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الإيمان قيد الفتك، فمن فتك مسلما وقتله غيلة كان بمنزلة من قتل مسلما متعمدا لإسلامه، فهو من أهل النار، ولو كان المقتول ظالما مهدور الدم.

فالّذي قتله إنّما قتله غدراً وبغيا وعدوانا فهو من أهل النار وإنّما يقتله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) به ولم يقد منه، لأنّه كان جاهلاً بذلك كله، متأولا يعتقد أن قتله واجب وهو مهدور الدم. لأجل أنّه أجلب على إمامه أمير المؤمنين وخرج عليه بالسيف، ولم يظهر توبة ولم يستغفر عند وليه أمير المؤمنين.

لكنه كان مقصرا في جهالته ذلك، حيث إن اعتزاله كان بمسمع ومرأى من أمير المؤمنين ولم يحكم فيه بشئ ولا هو استأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قتله، مع وجوده بين ظهرانيهم واللّه أعلم.

وأما الزبير فالظاهر من الأحاديث أنّه ندم عن فعله ندامة قطعية بحيث التزم العار فرارا من النار، لكنه لم يظهر منه توبة ولا استغفار، ولو كان أراد التوبة والاستغفار، كان عليه أن يفئ أولا إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويستغفره ممّا فعله، ويجدد بيعته، فلم يفعل.

وقد روى المفيد قدس سره في جمله أنّه لما رأى أمير المؤمنين رأس الزبير وسيفه قال للأحنف: ناولني السيف فناوله، فهزه وقال: سيف طالما قاتل بين يدي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولكن الحين ومصارع السوء، ثمَّ تفرس في وجه الزبير وقال: لقد كان لك بالنبيّ صحبة ومنه قرابة، ولكن دخل الشيطان منخرك فأوردك هذا المورد.

وفي حلية الأولياء والواقدي و

1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي يكنى أبا عبد اللّه وكان أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فهو ابن عمة رسول اللّه و ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

الطبري والبلاذري أنّه رجع فلامه ابنه، فقال: حلفت لا أقاتله، فقال: كفر يمينك وفي رواية الطبري والواقدي أنّه أعتق عبدا وعاد إلى القتال، وفي خبر أنّه قال: كيف أرجع ألا إنّه لهو العار، فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ارجع قبل أن يجتمع عليك العار والنار، قال: كيف وقد سمعت عثمان يقول: شهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لي و لعشرة بالجنّة فقال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: تسعة ممّن ذكرتهم في

تابوت في أسفل درك الجحيم، على رأسه صخرة إذا أراد اللّه عذاب أهلها رفعت، فرجع وهو يقول: نادى علي بأمر لست أنكره، الأبيات.

ادعوا لهما التوبة قلنا: ذكر المفيد في المحاسن أنّ عليّاً مر به وهو مرمي فقال: قد كان لك صحبة لكن دخل الشيطان منخريك فأوردك النار، ودعوى التوبة دعوى علم الغيب، إذ كلّ كافر وضال مات يمكن دعوى توبته باطنا، وانهزام الزبير لا يدل على توبته، وإلّا لكان كلّ من يحارب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولا أقر بنبوته ظاهرا يمكن دعوى إيمانه باطناً.

قالوا: لما حمل فيهم قال لهم علي: أفرجوا له فإنّه مغضب، وهذا يدل على توبته، قلنا: الكف عنه إنّما هو استصلاح ومن كما من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على أهل مكة مع كفرهم.

قالوا: لمّا قتله ابن جرموز قال علي قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): بشروا قاتل ابن صفية بالنار، قلنا: قتل الكافر قد يوجب النار، كما في قتل المعاهد، والقتل غيلة والقتل للسمعة، والقتل المزبور علامة الفجور، وابن الجرموز آمن الزبير، ثمَّ اغتاله، وقد كان أيضاً مع عائشة فلمّا رأى الدائرة عليهم اعتزلهم، وقد كان علي نادى لا يتبع مدبر، فتبعه وقتله، فاستحق النار بمخالفته، وقد جاهد قزمان يوم أحد فاثني عليه بحضرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال: إنّه من أهل النار، فكشف عن حاله فلم يجدوه قاتل إلّا لأحساب قومه (1)أقر بذلك قبل موته.

إن قيل: فلم لا يكون في بشراه قاتله بالنار إيماء إلى العلة فيكون المعلول مؤمنا؟ قلنا: ليس في ذلك شئ من أدوات العلة، وجواز كون البشارة لجواز توهم ثواب قاتله من حيث إنّه قتل رأس الفتنة فأراد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الإخبار عن معاقبته أنّه معاقب بخاتمة عمله، كما قد يخبر عمن ظاهره الفساد أنّه مثاب نظراً إلى خاتمته وهذا شئ معروف. فهذه قطره من بغيهم وغوايتهم، ونزرة من ميلهم وعداوتهم انتصرنا عليهم بعد العثور على جملة منها، لو شرحناها لطال كتابنا.

ومن أحسن ما قيل في هذه القصة ونحوها قول رجل من بني سعد:

صنتم حلائلكم وقدتم أمكم***فهذا لعمري قلة الإنصاف

أمرت بجر ذيولها في بيتها***فهوت تجوب البيد بالأسجاف


1) مع أنّه كان قتل نفسه بمشقص لما كان يجد من ألم الجراح.

فصل في حرب صفين وأنهم الفئة الباغية

وفيه نعيب على القاسطين، حيث بغوا على الأنزع البطين، ومن معه من المؤمنين، وهذا عمرو بن العاص شاهرا سيفه، محاربا بصفين إمامه، هاتكا عند حيرته سوءته، حتّى قال معاوية من عظمها: أنّها تعقب فضيحة الأبد وكذا جرى لبشر ابن أرطاة حين رأى عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حملته، فسقط عن فرسه، وكشف عن استه، فقال فيهما شاعر:

أفي كلّ يوم فارس ذو كريهة***له عورة وسط العجاجة باديه

يكف لها عنه علي سنانه***ويضحك منها في الخلاء معاوية

فلا تحمدا إلّا الحيا وخصاكما***فقد كانتا واللّه للنفس واقيه

فهذا فعل عمرو. وهم له يعدلون، ولدينهم عنه يأخذون، ونحو هذا ذكر سبط الجوزي في كتاب الرجال أن عبد اللّه بن عمر كان زاهدا عأبداً يقاتل يوم صفين بسيفين، وهذا تناقض ظاهر للناظرين، فنعوذ باللّه من أهواء المضلين، هذا وقد سمع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: من بايع إماماً وجاء آخر يبايعه فاضربوا عنق الآخر ذكره مسلم في الجزء الرابع من صحيحه، وفيه أيضاً عن الخدري عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير، قال رجل لابن عمر: هذا معاوية يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل وبقتل أنفسنا، فسكت ساعة ثمَّ قال: أطعه في طاعة اللّه واعصه في معصية اللّه، قلت: ولا طاعة في محاربة أمير المؤمنين، وقد علم أن حربه حرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وقد ظهرت فيهم علامة البغي بقتل عمار، كما يؤمي إليه حديث النبيّ المختار قال: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، ذكره مسلم في الجزء الخامس من صحيحه وزاد جماعة من الرواة: يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار.

في مساوي عمرو بن العاصي وبيعه دينه بدنيا غيره

قال الحميدي في جمعه: لم يذكرها البخاري، وربما حذفها لغرض قصده بل ونقول: كان تدبير حرب صفين معلقا بابن العاص قديما وحديثا فإن معاوية كبت إليه يستنهضه بدم عثمان ويمدحه، فكتب في جوابه يمتنع من ذلك فكتب معاوية يعده بالأموال والولايات، وفي آخر كتابه:

جهلت ولم تعلم محلك عندنا***فأرسلت شيئاً من خطاب ولا تدري

فثق بالّذي عندي لك اليوم آنفاً***من العز والاكرام والجاه والقدر

فأكتب عهدا ترتضيه مؤكدا***وتشفعه بالبذل مني وبالبر

فكتب إليه عمرو:

أبى القلب مني أن أخادع بالمكر***بقتل ابن عفان أجر إلى الكفر

وإنّي لعمرو ذو دهاء وفطنة***وليس أبيع الدين بالربح والوفر

فلو كنت ذا رأي وعقل وحيلة***لقلت لهذا الشيخ إن خاض في الأمر

تحيّة منشوّ جليل مكرم***بخط صحيح ذي بيان على مصر

أليس صغير ملك مصر ببيعة***هي العار في الدنيا على العقب من عمرو

فإنّ كنت ذا ميل شديد إلى العلا***وإمرة أهل الدين مثل أبي بكر

فإن دواء الليث صعب على الورى***فإن غاب عمرو زيد شرّ على شرّ

فكتب إليه معاوية بمنشور مصر، فكثر تفكره حتّى ذهب نومه، وقال:

تطاول ليلي بالهموم الطوارق***فصافحت من دهري وجوه البوائق

وأخدعه؟ والخدع فيه سجية***أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق

أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة***لشيخ يخاف الموت في كلّ شارق

فلمّا أصبح دعا مولاه وردان فشاوره، فقال: إن مع علي آخرة لا دنيا وهي التي تبقى لك، ومع معاوية دنيا لا آخرة، وهي التي لا تبقى على أحد، فاختر أيهما شئت فتبسّم عمرو وقال:

يا قاتل اللّه وردانا وفطنته***لقد أصاب الّذي في القلب وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها***بحرص نفسي وفي الأطماع ارهان

نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها***والمرء يأكل تبنا وهو غرثان

أما عليّاً فدين ليس يشركه***دنيا وذاك له دنيا وسلطان

فاخترت من طمع دنيا على بصر***وما معي بالّذي اخترت برهان

إني لأعرف ما فيها وأبصره***وفي أيضاً لما أهواه ألوان

لكن نفسي تحبّ العيش في شرف***وليس يرضى بذل النفس إنسان

ثمَّ رحل إلى معاوية وكان الحرب، وقال فيه شاعر:

قد باع عمرو دينه بمصر***مبدلا إيمانه بكفر

ثمَّ خدع الأشعري في التحكيم، وقيل: إنّما كان ذلك عن علم منه كما قال ابنه أبو بردة فيه:

أنا بن مشتت الاسلام***لما صير الحكما

أزل عن الورى علما***وأنصب للورى صنما

ولم يخدع كما زعموا***ولكن كان متهما

ولقد قال له عمرو: أنت كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وقال الأشعري له: أنت كالحمار يحمل أسفارا، ولعمري إنهما صادقان، وقد أخرج البخاري في الشيطان لقد صدقك وهو كذوب.

وقد أسند الخوارزميّ في مناقبه أنّ حريثاً مولى معاوية كان بطلا عظيما يلبس سلاح معاوية، ويقاتل، فتظنه النّاس معاوية، وكان يتمنى مبارزة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنهاه معاوية فخلا به عمرو وقال: إنّما نهاك كراهة أن يقتل غلامه ابن عمه، فإن وجدت فرصة فاقتحم فإنّها أحظى لك، فخرج فبرز إليه عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا: تبرز إلى هذا الكلب؟ فقال: واللّه إنّه لأعظم عناء عندي من معاوية فقتله، فشق على معاوية فقال لعمرو: ما أنصفته حين أمرته بأمر كرهته لنفسك ثمَّ أنشأ:

حريث ألم تعلم وعلمك صائر***بأن عليّاً للفوارس قاهر

وأن عليّاً لا يبارز فارسا***من النّاس إلّا أحرزته الأظافر

أمرتك أمرا حازما فعصيتني***فجدك إن لم تقبل النصح عاثر

ودلّاك عمرو والحوادث جمّة***فللّه ما جرت عليك المقادر

وظن حريث أن عمروا نصيحه***وقد يدرك الانسان ما قد يحاذر

وأسند أيضاً أنّ الملأ اجتمعوا في صفين لمعاوية وذكروا شجاعة الأشتر وعلي فقال عتبة بن أبي سفيان: لا نظير لعليّ، قال معاوية: قتل علي أباك يا وليد بن أبي معيط يوم بدر، وأخاك يا أبا الأعور يوم أحد، وأباك يا أبا طلحة يوم الجمل فإذا اجتمعتم أدركتم ثأركم، وشفيتم أنفسكم. فضحك الوليد وقال:

يقول لكم معاوية بن حرب***أما فيكم لواتركم طلوب

يشد على أبي حسن علي***بأسمر لا تهجنّه الكعوب

فيهتك مجمع اللّبّات منه***ونقع اليوم مطرّد يثوب

فقلت له أتلعب يا بن هند***كأنك بيننا رجل غريب

أتأمرنا بحية بطن واد***إذا نهشت فليس لها طبيب

وبسر قبلنا لاقى جهارا***فأحظى نفسه الأجل القريب

سوى عمرو وفتنة خصيتاه***نجى ولقلبه منها وجيب

وما ضبع يدب ببطن واد***أتيح لقتله أسد مهيب

بأصغر حيلة منا إذا ما***لقيناه وذا منا عجيب

كأن القوم لما عاينوه***خلال النقع ليس لها قلوب

وقد نادى معاوية بن حرب***فأسمعه ولكن لا يجيب

قال الوليد: إن لم تصدقوني فاسألوا عمروا يخبركم عن شجاعته، وقد ردها بكشف سوءته.

وبالجملة فشجاعة عليّ غنيّة عن الكشف والبيان، والثبوت والبرهان لاشتهارها عند كلّ إنسان، وظهورها في كلّ مكان، ومن قام دين الاسلام بقتله وحمل ثقله، كيف يقوم عليه من لم يبلغ معشارا من نبله وفضله.

ثم جرى التحكيم على رغم أمير المؤمنين حيث قال له الأشعث بن قيس: افعل وإلّا قتلناك بالسيوف التي قتلنا بها عثمان، فقال: لا رأي لمن لا يطاع.

قال ابن البطريق: وكان العذر في [عدم] قتل من خرج من أصحابه بصفين عن أمره ما علم من خروج المؤمنين من أصلابهم فإنّه كانت تعرف به الفتن كما تقدم في الخبر وقتل الخوارج لعلمه أنّه لا مؤمن فيهم كما أعلم اللّه نوحا بعدم إيمان قومه، فدعا عليهم، هذا.

ولمّا انقضت الحال من صفين توجه عمرو إلى مصر في جيش فأخذ محمّد بن أبي بكر بغير قتال فقتله وحشى جثته في جوف حمار ميت وأحرقه.

تذنيب

أورد الشهيد محمّد بن النيشابوري عن الشافعي عن رجاء الكنديّ أنّ عمراً سأل معاوية حاجة فقضاها سريعا فشكره، فقال: لو شكرتني على إحساني لشغلك عن أمورك، فرفع عمرو صوته وقال: يدي عليك تعلو جميع أياديك لأني أبطلت حقّاً لأجلك، وسخرت النّاس لإطفاء نور غيرك، وأنت لعين ابن لعين، طليق ابن طليق، وثن ابن وثن، حتّى خلت أني لو لقيت ربي بأحسن أعمال العاملين، لم ينجني من النار، وصرفت لك سيِّد العرب وأنت في قعر جب يابس آيسا من كلّ خير متوقعا لكل شر، فقال معاوية: ما تركت بابا إلّا فتحته، ولا وكاء إلّا حللته، الويل لك والويل منك ثمَّ افترقا فأنشأ عمرو: معاوية الخال لا تنس لي الأبيات وقد سلف في آخر الباب الثاني عشر طرف من ذلك.

وأمّا الخوارج فقد ظهر فيهم علامة المروق من الدين، بقتل ذي الثدية رأس المضلين، كما أخبر سيِّد المرسلين، عليّاً أمير المؤمنين.

تذنيب

قال الجاحظ: لا فضيلة لعليّ في قتال الفرق الثلاثة حيث أخبره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالنصرة عليهم والسلامة منهم قلنا: أوّل ما فيه أنّه وثق بقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بخلاف من شكّ فيه، وقد روى الخصم أنّه أعلمه بأنّه الخليفة من بعده، حيث أسر ذلك إلى ابنته، ولم يقدم على قتل أحد، بل كان في النظارة في بدر واحد، وثانيا أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مدحه على ذلك، وما ذكره الجاحظ يجعل المدح عبثا والجدّ هزلاً

والفخر هزواً وكلام الرسول يجل عن ذلك جانباً، ولو كانت هذه الفضيلة لأبي بكر لسارت فيهم بها الركبان، ولعلت بينهم على كيوان، وقد وجدنا أن كلّ ذي نقصان يسارع إلى هدم فضيلة غيره في كلّ زمان، ورأينا كلّ من يجتنب الفضائل، ويكتسب الرذائل، يتمنى مشاركة غيره له ليصرف عنه اللؤم، ولا يؤنبه بها أحد من القوم من أنصف من نفسه، علم ذلك في أبناء جنسه.

الباب الخامس عشر: في تخطئة كلّ واحد من الأئمّة الأربعة في كثير من أحكامه

في أن الاقتصار على الأربعة - وهم من التابعين - من الضلال

وفيه فصول: الأول: فيما أجمعوا عليه الثاني: فيما اختلفوا فيه الثالث: فيما أضيف إليهم من المخازي، الرابع: في البخاري، الخامس: فيما أنكر مسلم والبخاري من الأحاديث.

فنقول أوّلاً: إن هؤلاء الأربعة ليسوا من الصحابة بل من التابعين وقد رضيت أهل السنة بنسبة جملة المذهب إليهم، وقد عدلت عن نسبته إلى نبيهم، التي هي أوكد لتعظيمه وحرمتهم، من نسبته إلى قوم يخطئ بعضهم بعضا، وربما يلعن بعضهم بعضا وقد اعترفوا بكمال دينهم في حياة نبيهم، في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)).

فاختلاف الأربعة إن كان لاختلاف في المقال، فقد وثقوا بمن شهدوا عليهم بالفسق والضلال، وإن كان لحاجة دعتهم إليه، فكيف يقتدى بمن يشهد على ربه بنقص دينه، وإن كان لا لحاجة فقد قبحوا ذكر نبيه حيث وضعوا ما لم يكن في زمانه، وإن كان لزعمهم أنّهم أعرف وأهدى لشريعة نبيهم فأتوا بما لم يأت به، فهو بهت لعقولهم مع اختلافهم في أحكامهم، ولقد كان أسلافهم ضلالاً قبل ظهورهم.

وما الدليل على وجوب الاقتصار على الأربعة، دون الأقل منهم. أو الزايد عليهم، وقد وجد من أتباعهم من يضاهيهم، فلم لا يسري الاسم والتقليد إليهم، إذ كانوا يحتجون بقول النبيّ: اختلاف أُمّتي رحمة، فمن زاد فيه زاد في الرحمة، فكان اختلاف كلّ شخصين من الأُمّة أبلغ من تحصيل الرحمة، ولزم كون الائتلاف موجبا للتقية وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والصدر الأوّل مبعدين من هذه الرحمة والمروي في أحاديثنا


1) المائدة: 6.

اختلاف أصحابي لكم رحمة (1)قيل: ومن أصحابك قال: أهل بيتي ومن تبعهم.

قال محمّد بن بابويه: أهل البيت لا يختلفون إلّا من حيث التقية رحمة للشيعة وإذا تعدلت الأخبار فقد جاء عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من طريقين إلّا إذا وافق أحدهما مذهب العامة فيترك قال ابن بابويه: لاحتمال خروجه على التقية، وما خالفهم لا يحتمل ذلك.

ثمَّ نرجع ونقول: إن كان في سابقتهم من بلغ إلى مرتبتهم، فلم لا كانت الإضافة إليهم، وقد قال الغزالي في خطبة كتابه المسمى باقتحام العوام عن علم الكلام. إعلام: اعلم أنّ الحقّ الصريح عن أهل البصائر مذهب السلف، أعني الصحابة والتابعين. فقد نبّه على إسقاط الاقتداء بالأربعة، ولقد قال: أقضى الأُمّة بشهادة نبيّه في نهج بلاغته ترد على أحدهم القضية فيحكم فيها برأيه، ثمَّ ترد بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمَّ تجتمع القضاة عند الإمام الّذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد! وكتبهم واحد، أفأمرهم بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء للّه فلهم أن يقضوا وعليه أن يرضى، أم أنزل اللّه دينا تاما فقصر الرسول بتبليغه).

ولقد أحسن النيلي حيث أخذ شيئاً من ذلك فقال:

وقالوا اختلاف النّاس في الفقه رحمة***فلم ذا لما هذا يحلّ ويحرم

أربان للانسان أم كان دينهم***على النقص من دين الكمال فتمّموا

أم اللّه لا يرضى بشرع نبيّه***فأضحوا هم في ذلك الشرع أقوم

أم المصطفى قد كان في وحي ربّه***يقصر في تبليغه ويجمجم

أم القوم كانوا أنبياء صوامتا***فلمّا قضى المبعوث عنهم تكلموا

أم الدين لم يكمل على دين أحمد***فعادوا عليه بالكمال وأحكموا

أما قال إني اليوم أكملت دينكم***وأتممت للنعماء مني عليكم

فما فرط الباري إذا في كتابه***بشئ ولا أن المشيئة منهم


1) والأظهر أن يكون الاختلاف بمعنى التردد: المجيئ والذهاب لأخذ معالم الدين.

فلم حرموا ما كان حلّا وحلّلوا***بفتواهم ما جاء وهو محرّم

ترى اللّه فيما قاله زاد أو هفا***نبي الهدى أم كان جبريل يوهم

لقد أبدعوا فيما أتى من خلافهم***وقالوا اقبلوا ممّا نقول وسلّموا

قالوا: وأنتم فرق وفي مذهبكم اختلاف، قلنا: لا بل الاثنا عشرية فرقة واحدة، ونقطع بخطاء من خالفها، وأنتم تصوبون الأربعة (1)ونحن لم نرد حديثا ثبتت صحته وقد قال ابن الجوزي شيخ الحنابلة في المنتظم: اتفق الكل في الطعن على أبي حنيفة وعرض به البخاري برده الأحاديث الصحيحة كقوله: القرعة قمار والإشعار مثلة، وسيأتي.

قالوا: لا لوم في الاختلاف، وقد وقع بين الأنبياء كما في داود وسليمان (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ (2)) قلنا: لا اختلاف بينهما بل نسخ اللّه حكم داود بحكم سليمان.

قالوا: اختلفت الصحابة حيث قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لا يصلّينَّ أحدكم العصر إلّا في بني قريظة، فضاق الوقت، فمنهم من صلى قبل وصوله، ومنهم من ترك، فلم يعتب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على أحد، قلنا: لا نبطل الاجتهاد بل الرأي والقياس، وقد شهد صاحب المنتظم في أبي حنيفة أنّه إمام أصحاب الرأي.


1) هذا هو الصواب في الجواب فإن فقه الشيعة يبتني على أن الحكم الواقعي واحد، لا يختلف باختلاف الفقهاء، وهو يصوبون الآراء جميعاً،

2) الأنبياء: 78.

فصل نذكر فيه خطأ الأربعة فيما أجمعوا عليه وهو أمور

1 - أجازوا غسل الرأس بدلا من مسحه في الوضوء، وأوجبوا غسل الرجلين فخالفوا نص الكتاب في موضعين.

2 - أجازوا مسح الخفين (1)وقد نطق القرآن بالرجلين، وقد قال الباقر مع شهادة الفريقين له: سبق الكتاب المسح على الخفين، وفيه مزيد كلام يأتي في الباب الأخير إن شاء اللّه.

3 - منعوا الفريضة على الراحلة للضرورة، وفيه ترك الصلاة مع القدرة عليها ومخالفة لقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (2)ولفعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فإنّه في يوم مطير على الراحلة صلاها.

4 - أجازوا في الصلاة قول: آمين وخالفوا قول النبيّ الأمين: لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين.

5 - أجازوا الوضوء بالماء المغصوب مع دلالة صريح العقل وتواتر النقل على قبح التصرف في مال الغير بغير إذنه، والنهي في التعبد موجب للفساد.

6 - توضأوا مع غسل الجنابة، وقد جعل اللّه غاية المنع من المساجد الغسل فالمتوضي معه متزيد على الشرع، وقد روى صاحب الحلية عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (من توطأ بعد الغسل فليس منا) وفي سنن السجستاني قالت عائشة: كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)


1) بعضهم قال بجواز المسح على الخفين مطلقاً: حضراً وسفراً، وبعضهم بالجواز في السفر فقط، ومن المنكرين للمسح على الخفين ابن عبّاس، قال: لئن أمسح على جلد الحمار أحب إلي كم من أن أمسح على الخفين ونقل الرازي أن ابن عمر أيضاً كان يخالف ذلك.

2) البقرة: 286.

يغتسل ويصلّي ولا يحدث وضوءاً بعد الغسل، ونحوه عنها في مسند أحمد.

7 - استحبوا صلاة الضحى، وقد روي في كتبهم بدعتها، ففي الجمع بين الصحيحين للحميدي عن مرزوق العجلي قلت: أكان عثمان يصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبيّ قال: ما إخاله وفيه من مسند عائشة ما صلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الضحى وفيه عن ابن عمر صلاة الضحى بدعة وفي مسند ابن حنبل أن أبا سعيد وأبا بشير رأيا رجلاً يصليها فعيباه عليها ونهياه عنها.

وسبب ابتداعها أن معاوية لما بلغه نعي أمير المؤمنين وقت الضحى، قام فصلى ست ركعات، ثمَّ أمر بني أمية بالأحاديث في فضلها عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتّى رووا أن النبيّ قال: إن اللّه كتبها عليه، ورووها ركعة عن أبي ذر، وعن أم هاني أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلاها ثمان ركعات فانظر إلى تناقض هذه الأحاديث إن أمرك أحدها بالأخذ به أمرك الآخر بتركه.

8 - خيروا المسافر بين الصوم والفطر، فخالفوا قوله تعالى (1): (فعدة من أيّام أخر (2)) وفي الجمع بين الصحيحين: خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى مكة في عشرة آلاف، فلمّا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد افطر، وقد قال الترمذي يؤخذ من أمر رسول اللّه بالأخير (3)وفيه خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى خيبر في رمضان وفي النّاس


1) سواء قرى برفع (عدة) أو نصبها، فإذا قرئ بالرفع، كان تقديره: فعليه عدة من أيّام أخر. وإذا قرئ بالنصب كان تقديره: فليصم عدة من أيّام أخر، وكيف كان وجوب الأيّام الأخر يدل على وجوب الافطار، حيث إن التخيير مستلزم للجمع بين الصوم والقضاء.

2) البقرة: 184.

3) ذكره في المنتقى كما نقله نيل الأوطار ج 4 ص 236 عن ابن عبّاس أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خرج من المدنية ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمانين ونصف من مقدمه المدينة فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتّى إذا بلغ الكديد، وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا.

مفطر وصائم، فركب راحلته وشرب ليراه النّاس فشربوا (1).

وفيه عن جابر خرج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى مكة عام الفتح في رمضان، فلمّا بلغ كراع الغميم دعا بقدح فرفعه ليراه النّاس ثمَّ شرب، فقيل: إن بعض النّاس قد صام فقال: أولئك العصاة.

9 - أبطلوا صلاة الجمعة بعد انعقادها إذا تفرق العدد، وخالفوا نص القرآن فيه، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الصلاة على ما افتتحت عليه.

10 - استحبّوا صلاة العيد، وقد جاء القرآن بها، ودل على عدم الفلاح بتركها، ودوام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليها.

11 - استحبّوا صلاة الكسوف فخالفوا قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إذا رأيتم ذلك فصلوا، وفي خبر ابن مسعود النذري: فافزعوا إلى ذكر اللّه والصلاة.

12 - اكتفوا في صلاة الموتى بتكبيرات أربع (2)وفي الجمع بين الصحيحين عن زيد بن أرقم كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يكبر خمسا وكبر [علي] على سهل بن حنيف خمسا (3)وقال: إنّه من أهل بدر أيضاًحا أن الخمس للمؤمن، والأربع للمنافق، ووافقنا ابن أبي ليلى ورثى فقال:

وتكبيره خمساً عليه دلائل***وإن كان تكبير المضلين أربع

وروى الخطيب والديلمي أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان يصلي على الميت خمساً


1) ومن الروايات المتواترة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): (ليس من البر الصيام في السفر، رواه السيوطي في الجامع الصغير عن مسند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود و النسائي عن جابر وابن ماجة عن ابن عمر، وصححه.

2) أجمع الفقهاء الأربعة على عدم وجوب التكبيرة الخامسة، ومن الشافعية من جوزها وقال لا تبطل بالخامسة، ثمَّ إنّهم أجمعوا على التسليم فيها كتسليم الصلاة وعلى اشتراط الطهارة، والشافعي عين الفاتحة عقيب الأولى وجعل الشهادتين والصلاة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عقيب الثانية وأبو حنيفة قال: يحمد اللّه في الأولى.

3) كبر عليه أمير المؤمنين عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خمسا خمسا: خمسا وعشرين تكبيرة.

وأسند الخطيب التاريخي أن عيسى مولى حذيفة بن اليمان صلى على جنازة فكبر خمسا ثمَّ التفت وقال: وما وهمت ولا نسيت، ولكن تبعت مولاي حذيفة فإنّه كبر خمساً.

وفي الفردوس قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كبرت الملائكة على آدم خمسا وعن بعض الصادقين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يصلي على المؤمن خمسا وعلى المنافق أربعاً، فكانت الصحابة تعرف ذلك وفي رواية ابن بطة صلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على حمزة بخمس تكبيرات وصلي على السفاح بخمس تكبيرات، وصححه صاحب المنتظم، وذكره الهمداني في عنوان السنن وقال العسكري في كتاب الأوائل: أوّل من كبر أربعا عمر بن الخطاب، و (1)قد روي أن اللّه كتب خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية فجعل للميت من كلّ فريضة تكبيرة، والعامة تركوا الولاية فتركوا تكبيرها.

13 - لم يستحبّوا الجريدتين مع ما روي في الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مر بقبرين يعذبان أحدهما من النميمة والآخر بعدم التنزه من البول، فشق عسيباً رطباً باثنين وغرس على كلّ واحد واحداً، ثمَّ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا.

وفي حديث سفيان أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال للأنصار: خضّروا صاحبكم بجريدتين خضراوين، يوضعان من أصل الترقوة إلى أصلاً اليدين، والأصل فيه أن آدم لما هبط استوحش فسأل اللّه شيئاً من شجر الجنّة ليأنس به، فنزلت النخلة فأنس بها وأوصى أن يجعل في كفنه جريدتين منها، وقال: أرجو الأنس في قبري بهما، ففعل ذلك ولده ونسله الأنبياء بعده، فلمّا درس أحياها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وشرعه وأوصى


1) نقله السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 137، وذكره ابن الشحنة في حوادث سنة 23 من تاريخه روضة المناظر المطبوع بهامش الكامل لابن الأثير ج 11 ص 122 وكذا أبو الفداء ج 1 ص 141.

أهل بيته باستعماله، وسيأتي في الباب الأخير تكميل ذلك من كتب الجمهور فليطلب منه.

14 - خصوا الخمس بغنائم دار الحرب، فخالفوا عموم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (1)).

15 - لم يوجبوا كفارة بتعمد غليظ الغبار، فخالفوا النصّ الدال على وجوبها بالافطار.

16 - منعوا فسخ الحجّ إلى العمرة فخالفوا قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من لم يسق فليحل وليجعلها عمرة (2)

17 - لم يبطلوا حج متعمد ترك المبيت بمزدلفة، فخالفوا فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فإنّه فعله، وقال: خذوا عنّي مناسككم، وقوله: من ترك المبيت بمزدلفة فلا حج له.

18 - لم يبرؤوا المضمون عنه بالضمان، فخالفوا قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعليّ لما ضمن الدرهمين عن الميت: فك اللّه رهانك كما فككت رهان أخيك، فدل على انتقال الدين عن الميت وقال لأبي قتادة لما ضمن الدينارين: هما عليك والميت منهما برئ؟ قال: نعم.

19 - أنفذوا إقرار العبد بحد أو قصاص، فخالفوا قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وإقرار العبد على مولاه، فمفهوم الحديث أنّه ليس بجائز.

20 - منعوا إجارة الأرض لزرع الطعام فخالفوا قضية العقول، وقوله تعالى:


1) الأنفال: 41.

2) وأول من خالف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في ذلك عمر ابن الخطاب، لما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من لم يسق هديا فليحل، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت، لصنعت مثل ما أمرتكم ولكني سقت الهدى، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتّى يبلغ الهدي محله فقال له عمر بن الخطاب: أنخرج حجاجا وذكر أحدنا يقطر منيا؟ فقال صلى اللّه عليه و آله: إنك لن تؤمن بها أبدا.

(أوفوا بالعقود) (1).

21 - منعوا الوصية للوالدين والأقربين، فخالفوا قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ (2)) وبدلوا قوله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ (3)).

22 - أجازوا عول المواريث قال ابن عبّاس: سبحان من أحصى رمل عالج جعل في المال نصفين وثلثا، ذهب النصفان بالمال، فأين الثلث؟ قيل: من أوّل من أعال؟ قال: عمر، قلت: فهلا شرت عليه، قال: هبته.

23 - ورثوا العصبة فخالفوا قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ (4)) ولا خلاف أن الأقرب فيهم أولى من الأبعد، وألزمهم الفضل بن شاذان أن يرث ابن العم أكثر من ابن الصلب فيمن خلف ولدا وثمانية وعشرين بنتا فإن له سهمين من ثلاثين، وهما خمس الثلث، ولو كان عوضه ابن عم فله مجموع الثلث.

24 - منعوا وارث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من ميراثه برواية أبي بكر: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، وهي فاسدة لقوله تعالى: (وورث سليمان داود) (5)وقال: في زكريا: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (6)) وحكم أبو بكر لعليّ بميراث بغلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وسيفه ودرعه، لما نازعه فيها العبّاس، وإنّما قصد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يظهر تخطئة الحكم بتلك الرواية للناس، وقد سلف ذلك في باب المطاعن مستوفى.


1) المائدة: 1.

2) البقرة: 180 و 181.

3) البقرة: 180 و 181.

4) الأنفال: 75.

5) النمل: 16.

6) مريم: 6.

25 - منعوا نكاح بنت الأخ والأخت على العمة والخالة وإن رضيتا، فخالفوا (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) (1)(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (2)).

26 - منعوا نكاح المتعة فخالفوا قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) (3)وهو حقيقة في المتعة (4)

أما أولا فلأن لفظ الأجرة لا يطلق إلّا في مقابل الاستمتاع المنقطع من أي شئ كان و على أي وجه كان كما في قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). وأما في مقابل النكاح الدائم فإنما يطلق لفظ الصداق كما قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا).

وقوله في مورد الاستمتاع المنقطع (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) وزان قوله في مورد الاستمتاع الدائم (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ) الخ.

وأما ثانيا فلأن لفظ (فريضة) يدل على وجوب تعيين الأجرة، فإنّه قيد للأجرة، لا للإيتاء، وأما في مورد الاستمتاع الدائم، فقد قال تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)، وقوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) فلم يوجب فرض المهر ولا تعيين مقداره.

ويدل على جواز المتعة بالمعنى الاصطلاحي آيات أخر:

منها قوله تعالى في النساء: 25: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وهو نكاح المملوكة، فلا يجوز نكاحها إلّا بالانقطاع.

ومنها قوله تعالى في المائدة: 5: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فصدرها يجوز متعة المؤمنات من أهل الاسلام، وذيلها يجوز متعة النساء النصرانيات أو هن وسائر الكتابيات فلا يجوز نكاح الكتابيات إلّا بالانقطاع.

ومنها قوله تعالى في الممتحنة: 10، (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) وفي تشريع هذا النوع من النكاح في المؤمنات المهاجرات، جمع بين الحقوق، منها حق زوجها الكافر إذا أسلم، فإن له أن يرغب في نكاح زوجتها المهاجرة، إذا لم تنكح دائما، وغير ذلك ممّا يطول به البحث.

وقد قرأ ابن عبّاس (إلى أجل) وتواتر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)

1) النساء: 3.

2) النساء: 24.

3) النساء: 24.

4) وليس ذلك لمكان لفظ الاستمتاع فإن التمتع - بالمعنى اللغوي - عام للنكاح الدائم والمنقطع، بل لأجل قوله تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ).

إباحتها، وأفتى بها عليٌّ وابن مسعود وجابر وعبد اللّه ومسلم والخدريٌّ والمغيرة ومعاوية وابن عبّاس ومجاهد وابن جبير وعطاء وابن جريج، واستمرّت مدّة حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وخلافة أبي بكر، وأكثر خلافة عمر، حتّى نهى عنها، وسيأتي ذلك محرّراً إن شاء اللّه.

27 - أجازوا طلاق الحائض فخالفوا قوله تعالى (1)

منها أنّه قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وإلحاق التاء بالعدد يراد به المذكر، والطهر مذكر والحيض مؤنثة.

ومنها ما رواه أصحابنا عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الأقراء هي الأطهار بين الحيضتين، وليس بالحيض، فدخلت على الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحدثته بما قال، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كذب، لم يقل برأيه، وإنّما بلغه عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فقلت: أصلحك اللّه أكان عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول ذلك؟ قال: نعم كان يقول: إنّما القرء الطهر يقرء فيه الدم فيجمعه، فإذا جاء الحيض قذفته، قلت: أصلحك اللّه رجل طلق امرأته طاهرا من غير جماع بشهادة عدلين، قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج الحديث.

وهذا القول هو مذهب أصحابنا والشافعي، لكن عندنا أنّه لو فعل خلاف ذلك بطل الطلاق وأما عند الشافعي وباقي الفقهاء فعل حراما وصح طلاقه: أما الحرمة، فلأن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، وأما الصحة فلأن النهي لا يستلزم الفساد.

: (فطلقوهن لعدتهن) (2)أي لقبل عدتهن وطلق ابن عمر امرأته حائضا فأمره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بمراجعتها حتّى

1) (فطلقوهن لعدتهن) أي لوقت عدتهن، فإن اللام للتأقيت، وفيه دلالة على وجوب إيقاع الطلاق في الطهر لأن الأقراء هي الأطهار بين الحيضتين، وليس بالحيض، لوجوه:

2) الطلاق: 1.

تطهر، وروي أنّه قال له: هكذا أمرك ربك إنّما السنة أن تستقبل بها الطهر.

28 - أوقعوا طلاق الثلاث المرسلة ثلاثاً فخالفوا (الطلاق مرتان (1)) فسأل عمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لو طلقتها ثلاثاً قال: عصيت ربك وزوي عن ابن عبّاس كان الطلاق ثلاثاً واحدة في عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، فألزمهم الثلاث بلفظ واحد قال ابن عبّاس: فطلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس فحزن عليها فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): كيف طلقتها؟ قال: ثلاثاً في مجلس واحد قال: إنّما تلك واحدة فراجعها إن شئت، فراجعها.

ولأنّ (طالق) لفظ واحد فإذا قال: ثلاثاً كان كاذبا إذ الواحد لا يكون ثلاثاً إلّا أن يخبر به عن طلاق ماض، والقاري مرة لو قال بعدها: عشرة، لم تصر عشرا، وكذا المسبح والشاهد في اللعان وغير ذلك.

وقد استفاض عن علي: إيّاكم والمطلقات ثلاثاً في مجلس فإنهن ذوات أزواج وقال ابن عبّاس: ألا تعجبون لقوم يحلون المرأة لرجل وهي تحرم عليه، ويحرمونها على آخر وهي تحل له، وهو المطلق ثلاثاً في مجلس واحد.

وأتي عمر بمطلق ثلاثاً فردها إليه بعد أن أوجع رأسه ضربا وأتى بآخر فأبانها منه، فقيل له في اختلاف حكمه؟ فقال: أردت أن أحمله على كتاب اللّه ولكن خشيت أن يتابع فيه الغير، فاعترف بأن هذا استحسان، وأنّه ردها على الأوّل بحكم الكتاب وقد أجمع على رد ما خالف الكتاب والسنة فقد أجمع على بطلان الثلاث.

29 - لم يوجبوا الإشهاد في الطلاق، فخالفوا (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (2)) فحملوه على الرجعة، قلنا: لا يحتاج إليه فيها مع أن الفراق أقرب إليه منها.

30 - قالوا: لو قتل الحر حرة قتل ولا رد فخالفوا قوله تعالى: (والأنثى بالأنثى) (3)إذ مفهومه عدم قتل الذكر بالأنثى.


1) البقرة: 229.

2) الطلاق: 2.

3) البقرة: 178.

31 - أوجبوا الكفارة بقتل الذمي، فخالفوا مقتضى العقل، بأصل البراءة والكتاب (1): (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (2)).

32 - أحلوا صيد جوارح الطير والسباع (3)

وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والثوري وربيعة: يجوز الصيد بجميع ذلك إذا أمكن تعليمه متى تعلم. وقال الحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق يجوز بكل ذلك إلّا بالكلب الأسود البهيم لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا الأسود البهيم.

واستثنى أحمد الكلب الأسود البهيم فخالفوا (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ (4)).

33 - منعوا القطع من دون عشرة دراهم، ولم يكن في عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هذه الدراهم إلى زمان الحجاج مع روايتهم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قطع في مجن قوم قيمته ثلاثة دراهم (5)

وقال داود وأهل الظاهر: يقطع بقليل الشئ وكثيره، وليس لأقله حد. وبه قال الخوارج، وقال الحسن البصري: القطع في نصف دينار فصاعدا، وبه قال ابن الزبير وقال عثمان البتي: القطع في درهم واحد فصاعدا.

وقال مالك: النصاب الّذي يقطع به أصلان: الذهب والفضة، فنصاب الذهب ربع دينار، ونصاب الفضة ثلاثة دراهم، أيهما سرق قطع من غير تقويم. وإن سرق غيرهما قوم بالدراهم، فإن بلغ ثلاثة دراهم قطع.

وقال أبو حنيف وأصحابه: القطع في عشرة دراهم فصاعدا، فإن سرق من غيرها قوم بها، فخالفنا في فصلين في أصل النصاب وفيما يقوم به.

دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وروى سفيان بن عيينة عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمان عن عائشة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: القطع في ربع دينار فصاعدا فإن استدلوا بما روي أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قطع من سرق مجنا قيمته عشرة دراهم عورضوا بما روي أنّه كان قيمته ثلاثة دراهم، على أن الخبر تضمن أن المجن كان قيمته عشرة دراهم فليس فيه أنّه لا يقطع بأقل منها

.

1) وقوله خ ل.

2) النساء: 92.

3) قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز الصيد إلّا بالكلب، ولا يجوز بشئ من جوارح الطير كالصقر والبازي والباشق والعقاب، ولا بشئ من سباع البهائم من الفهد والنمر إلّا الكلب خاصة، وبه قال ابن عمر ومجاهد.

4) المائدة: 4.

5) قال الشيخ في الخلاف: النصاب الّذي يقطع به ربع دينار فصاعدا أو ما قيمته ربع دينار سواء كان درهما أو غيره من المتاع، وبه قال في الصحابة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وعائشة وفي الفقهاء الأوزاعي وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي.

34 - قطعوا اليد من الرسغ والرجل من المفصل، وقد قطعهما علي من نصف الكف ونصف القدم، رووا ذلك عن أحمد بن منبه، وذكر الجواليقي أن علي بأن أصمع جد الأصمعي قطعه علي من أصول أصابعه، فجاء إلى الحجاج وقال: إن أهلي عنفوني بتسميتي عليّاً فسماه سعيدا، وأجرى عليه كلّ يوم دانقين و طسوجا، وقال: إن زدت لأقطعن ما أبقاه أبو تراب، من حد مورها أي من أصلها 35 - منعوا حكم القاضي بعلمه إلّا أن أبا حنيفة قال: لا يحكم بما علم في غير ولايته، فأوجبوا ترك العمل بالعلم المقدم على الظن، وهو الشهادة، ولأنّه إذا علم الطلاق ثلاثاً فجحد الزوج فحلفه وسلمه إيّاه فسق، وإذا لم يحكم وقف الحكم، وكذا في الغصب وغيره، ولو شهد عدلان بخلاف علمه حكم بالباطل في زعمه وخالفوا أيضاً قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (1)).

إن قيل: كيف يمكن دعواكم علينا ذلك، واللّه يقول: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (2)) قلنا: هذا احتمال واه إذ المراد بسنة اللّه ما يرجع إلى أفعال نفسه من عقاب النار وسياق الكلام دل عليه، ولئن عمت أفعال خلقه، لم يمكن تبديلها أيضاً لأن ما سنه حق وصواب، ويمتنع جعل الصواب غير صواب، فيصير التقدير (لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ من يقدر يبدلها) وإنّما العمل بها


1) ص: 26.

2) فاطر: 43.

كما قال: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا (1)) أي بدلوا شكرها كفرا إذ لا يقدر أحد على تبديل نعمة اللّه وأيضاً عندكم إنا نحن بدلنا سنة اللّه إذ تعتقدون بدعا في أفعالنا وحاشانا من ذلك بمن اللّه.

فهذه قطرة ممّا خالفوا فيه اللّه ورسوله، فليحذر المنصف نفسه عن اتباع ذو الأهواء، واعتقاد عقائد الآباء، فيستدل ويعتقد، ويخرج من زمرة الأشقياء ولا يخسر الآخرة والأولى، فإن الرؤساء إنّما فعلوا ذلك طلبا لمنافع الدنيا، نعوذ باللّه من ذلك الإقدام، الموجب للآثام، الموجب للآلام، ونسأله سلوك طريق الاسلام الموصلة إلى دار السلام.


1) إبراهيم: 28.

فصل نذكر فيه نبذة من اختلافهم في أنفسهم توكيدا لخطائهم

وهو أمور:

1 - جوز أبو حنيفة الوضوء بالنبيّذ المطبوخ، فخالف القرآن في قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (1)).(2)منع الشافعي الطهارة بالمتغير بطاهر، فخالف عموم القرآن وألزم الحرج لعدم انفكاك الماء عن تغير يسير غالباً.

3 - طهر الشافعي بالدباغ جلد المأكول، واستثنى أبو حنيفة الخنزير خاصة فطهر به جلد الكلب وغيره، فخالف: (حرمت عليكم الميتة (3).

4 - لم يوجب أبو حنيفة النية في الطهارة المائية، فخالف (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا (4)(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ (5)) إنّما الأعمال بالنيات ويلزم ارتفاع حدث من سقط في ماء نائماً.

5 - أجاز أحمد المسح على العمامة فخالف (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (6)).

6 - لم يوجب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء أبو حنيفة ومالك فخالفا القرآن بذلك.

7 - لم يوجب مالك الغسل على من أنزل بعد الغسل، بال أولا، ولم يوجب أبو حنيفة الغسل بإنزال الماء بغير شهوة فخالفاً (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (7)).


1) الفرقان: 48.

2) المائدة: 3.

3) المائدة: 3.)

4) المائدة: 6.

5) البينة: 5.

6) المائدة: 6.

7) المائدة: 6.

كلام في كيفية التيمم وأن القرآن يدل على مذهب الشيعة

8 - اعتبر أبو حنيفة وضوء الكافر وغسله فخالف (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) ولا إخلاص للكافر.

9 - جوز أبو حنيفة ومالك التيمم بالمعدن والثلج والملح ولشجر، فخالفا (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (1)

وكيف كان، لا ريب أن الصعيد من الأرض ولمكان التصاعد، لا يكون إلّا التراب أو الرمل أو الرماد، ولما تقيد بكونه طيبا خرج الرمل والرماد، وبقي التراب الطيب الّذي يخرج نباته بإذن اللّه.

بقي كيفية التيمم، فالتيمم إنّما هو الطلب والأخذ ولا يمكن طلب التراب المتصاعد ولا أخذه إلّا بالضرب ليتصاعد التراب من وجه الأرض.

فحينئذٍ يكون تيمم الصعيد بأن تبسط كفيك وتضرب بهما على التراب، ليتصاعد التراب ويلتصق بباطن كفيك، فهذا معنى تيمم الصعيد، فبعد التيمم، أعني التصاق التراب المتصاعد يمتثل قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)، ولم يقل فامسحوا وجوهكم ليدل إطلاقه على استيعاب الوجه، بل قال (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) يعني يكفي في المسح مسح بعض الوجه، وأما أي بعض منه فهو مطلق، والمطلق - في إطلاق القرآن العظيم - ينصرف إلى الفرد الأكمل الأشرف فإن اللّه طيب، ولا يقبل إلّا الطيب، فالممسوح من الوجه لا يكون إلّا أشرف أبعاضه، وهو الجبهة أو هي والجبينين.

ثم يجب المسح على ظاهر اليدين، وإنّما قلنا ظاهر اليدين فإن التراب المتصاعد الّذي ينفذ في مسام البدن، قد نفذ في باطن اليدين، وعمل فيهما ما عمل، ثمَّ مسحنا بزائده على الجبهة والجبينين، فينصرف بتلك القرينة، مسح الأيدي إلى مسح ظاهر اليدين لا غير.

فعلى هذا لا يجوز التيمم إلّا بالتراب الخالص الجاف الّذي يصلح لأن يتصاعد، و يصلح للعلوق الّذي نص عليه القرآن الكريم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ). وأما اشتراط كونه طاهرا فهو قيد زائد، فإن التراب إذا جف وصلح لأن يتصاعد يطهر بجفافه بنفسه، وإذا كان نديا لم يكن صعيدا.

.

1) الصعيد: هو التراب المتصاعد من الأرض، إما بالريح أو ضرب اليد أو الرجل بها، ولذلك يطلق الصعيد على الطريق لتصاعد ترابه بضرب الأرجل، ولذلك نفسه عرفه بعض اللغويين بأن الصعيد: المرتفع من الأرض، أو ما ارتفع من الأرض) يعنون من الارتفاع التصاعد، ثمَّ هذا التراب المتصاعد إذا نزل على وجه الأرض أيضاً سمى صعيدا باعتبار ما كان ولذلك عرفه الآخرون بأن الصعيد ما على وجه الأرض، فوجه الأرض ظرف، وما عليه هو الصعيد.

10 - أوجب الشافعي إعادة من صلى بالتيمم إذا كان قد حيل بينه وبين الماء فخالف الأمر بالتيمم، وهو يقتضي الخروج من العهدة.

11 - حدَّ أبو حنيفة الماء الّذي لا يقبل التنجيس بما لا يتحرَّك أحد طرفيه بحركة الآخر (1)فخالف أحكام الشرع لأن أحكامه منوطة بأمور مضبوطة، و الحركة تختلف باختلاف الاعتبار، فلا تكون الأحكام بها منوطة، ويلزم كون الماء الواحد بشدة الحركة نجسا، وبضعفها طاهرا، وهو جمع المتنافيين.

12 - لم يجوز أبو حنيفة التيمم بالأرض المنجسة بالبول، إذا جفت بالشمس وحكم بطهارتها وهو تناقض، ومخالف لقوله: (صَعِيدًا طَيِّبًا) والطيب الطاهر.

13 - حرم الشافعي وأبو حنيفة مباشرة الحائض بين السرة والركبة فخالفا (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (2)) أي في موضعه.

14 - جوز أبو حنيفة الصلاة في كلّ نجاسة نزلت عن الدرهم، فخالف عموم (وثيابك فطهر (3)).

15 - أوجب أحمد قضاء الصلاة على من أغمي عليه في جميع وقتها، فخالف رفع القلم عن ثلاثة، ولاشتراط التكليف بالفهم.

16 - استحب أبو حنيفة الإسفار بالصبح، وتأخير الظهرين والجمعة، فخالف (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (4)) (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (5)) والمكلف في معرض


1) كأنه ناظر إلى معنى الكر لغة كما أشار إليه الثعالبي وقال به من الشيعة ابن عزاقر الشلمغاني في كتاب التكليف، راجع كتاب التكليف المعروف عند العامة فقه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). باب الكر، ولنا كلام قصير في ذلك في تعليقة البحار ج 51 ص 375 من طبعته الحديثة.

2) البقرة: 222.

3) المدثر: 4.

4) آل عمران: 133.

5) المائدة: 48.

الحدثان، فالتقديم أولى.

17 - جوز أبو حنيفة انعقاد الصلاة بغير التكبيرة من غير أسماء اللّه فخالف: فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقوله: تحريمها التكبير، وأجاز التكبير بغير العربية فخالف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حيث فعله بالعربية.

18 - لم يستحب مالك التعوذ في أوّل الصلاة فخالف عموم (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (1))

19 - اكتفى أبو حنيفة بقراءة آية، ولو من غير الفاتحة في الصلاة، فخالف ما تواتر من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) (2)وكأنه بناه على مذهبه السخيف أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات.

20 - لم يوجب أبو حنيفة ومالك البسملة حتّى أن مالك كره قراءتها في الصلاة، فخالف ما تواتر من أنّها آية من كلّ سورة، وعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى نستعين خمس آيات.

21 - جوز أبو حنيفة السكوت في الأخيرتين وثالثة المغرب، ولم يوجب قراءة ولا تسبيحا، فخالف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حيث قرأ الحمد وحدها.

22 - لم يوجب أبو حنيفة القراءة بالعربية فخالف (قُرْآنًا عَرَبِيًّا (3)) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ (4)).

23 - اكتفى أبو حنيفة في الركوع بمسمى الانحناء، ولم يوجب الطمأنينة فيه، ولا الرفع منه، ولا الطمأنينة فيه، فخالف فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فيه فإنّه ركع و اطمأن وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وأنكر على من لم يطمئن وقال:


1) النحل: 98.

2) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير على ما في السراج المنير ج 3 ص 471، و مثله قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): (كل صلاة لم يقرء فيها فاتحة الكتاب فهي خداج) أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 188.

3) طه: 113.

4) الشعراء: 195

نقر كنقر الغراب، لئن مات وهذه صلاته ليموتن على غير ديني.

24 - لم يوجب الشافعي وأبو حنيفة ومالك ذكرا في الركوع والسجود لأنّهما لا تلتبس العبادة فيهما بالعادة، والقيام والقعود، لما التبسا احتج إلى القراءة والتشهد فيهما، قلنا: الاجتهاد غير مقبول عند معارضة النص، وهو ما اشتهر من فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقوله: لما نزلت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (1)):

ضعوها في ركوعكم، ولما نزلت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (2)): اجعلوها في سجودكم.

25 - أجاز أبو حنيفة السجود على الأنف والكف بدل الجبهة، فخالف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حيث أمر بالسجود على يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته قال: أمرت أن أسجد على سبعة آراب أي أعضاء، وفسر ابن جبير والزجاج والفراء قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّه (3)) بالأعضاء السبعة ورواه المعتصم عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لا تتم صلاة أحدكم إلّا أن يسجد ممكنا جبهته من الأرض حتّى ترجع مفاصله.

26 - لم يوجب أبو حنيفة الرفع من السجود، فلو حفر لجبهته ثمَّ هبط إليها حسبت له ثانية، فخالف قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ثمَّ ارفع رأسك حتّى تطمئن جالسا.

27 - لم يوجب الشافعي وأبو حنيفة التشهد الأوّل فخالفا فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

28 - لم يوجب مالك التشهد الأخير ولا الجلوس له، وأوجب أبو حنيفة الجلوس دون التشهد، فخالفا فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وتعليمه لابن مسعود، فإنّه قال: علمني التشهد، وقال: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك.

29 - لم يبطل مالك الصلاة بتعمد الكلام لمصلحتها، فخالف قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يصلح فيها كلام الآدميين.

30 - قال الثلاثة غير أحمد: لو سبقه الحدث تطهر وبنى، فخالف قضاء العقل


1) الواقعة: 74.

2) الأعلى: 1.

3) الجن. 18.

في الجمع بين الضدّين، وأعجب من هذا قول الشّافعيّ إذا سبقه فرج ليتوضأ فأحدث عمدا تطهر وبنى.

31 - كرَّه مالك سجود الشكر وقال أبو حنيفة: هو بدعة، فخالف العقل الدال على وجوب شكر المنعم الّذي أعظمه وضع الجبهة، والنقل (واشكروا للّه) ونحوها قال عبد الرحمن بن عوف: سجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأطال ثمَّ جلس، وقال: أتاني جبرائيل وقال: من صلى عليك مرة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عشرا فخررت شكرا للّه وسجد للّه شكراً لما أتي برأس أبي جهل.

وفي صحيح أبي داود كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إذا بشر بشئ سجد شكراً للّه وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ما من عبد يسجد للّه سجدة إلّا رفعه اللّه بها درجة، وحط بها عنه خطيئة، ومثله في سنن ابن ماجة وسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شكراً لما اجتمع علي بفاطمة والحسنين، فأكلوا العصيدة و روى ابن عوف قال: سجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شكراً للّه، وروي مثله عن أبي بكر لما بلغه قتل مسيلمة وعن علي لما ظفر بذي الثدية.

وأنكروا علينا تعفير الوجه في السجود، وفي المجلد الثالث من صحيح مسلم قال أبو جهل: لئن رأيت محمّداً يعفر لأطأن رقبته، فرآه يعفر فحالت الملائكة بينه وبينه، أفصار فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بدعة، وبدعة الكافر سنة 32 - تنقطع الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار، فخالف قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) المتواتر: لا تنقطع الصلاة بشئ، وادرؤا ما استطعتم، فإنما هو الشيطان.

33 - لم يوجب أبو حنيفة قضاء عبادات زمان الردة، فخالف عموم قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها، ولو نقص لكانت الردة وسيلة إلى إسقاط العبادات، بأن يتركها طول عمره، فإذا حضر الموت ارتد ثمَّ أسلم، وهذا من أعظم الفساد.

34 - لم يوجب أبو حنيفة الذكر على من لم يحسن القراءة، فخالف العقل فإن الذكر أنسب بالقراءة من السكوت والنقل في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من لم يكن

معه شئ فليحمد اللّه ويكبره والأمر للوجوب.

35 - حرم أبو حنيفة دخول الجنب المساجد، فخالف (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ (1)) وأجاز دخول المشرك جميع المساجد بالإذن (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (2)) فقد حرم ما حلل اللّه، وحلل ما حرم اللّه.

36 - قال أبو حنيفة: القنوت بدعة، وقال الشافعي: محله بعد الركوع فخالفا ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قنت في صلاة الغداة قبل الركوع.

37 - جوز الشافعي وأبو حنيفة أن يأتم قائم بقاعد، فخالف العقل فإن القاعد يخل بركن والنقل: قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لا يؤمن أحد بعدي قاعدا بقيام، وأعجب من هذا إيجاب ابن حنبل قعود المؤتمين بالقاعد القادرين على القيام وكيف يترك فرض لأجل نفل.

38 - كره الشافعي الايتمام بالفاسق والمبدع، ومن يسب السلف، فخالف (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (3)) (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (4)وأي ركون أعظم من الايتمام بمثل هؤلاء في عمود الدين.

39 - جعل أبو حنيفة الطريق والماء مانعين من الايتمام، ولم يجعل الجدار مانعا وهو غريب.

40 - جوز الشافعي قصر العاصي، فخالف قواعد الشريعة أن الرخصة لا تناط بالعاصي، وخير في سفر الطاعة بين القصر والتمام، فخالف اللّه حيث أوجب القصر في الصيام، ولم يفرق أحد بين الصلاة والصيام، قال عمر بن حصين:حججت مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأبي بكر وعمر فكانوا يصلون ركعتين، وقال ابن عبّاس:


1) النساء: 43.

2) براءة: 28.

3) الحجرات: 6.

4) هود: 113.

فرض اللّه الصلاة في السفر على لسان نبيكم ركعتين، وعن عائشة فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وقال عمر: الصبح ركعتان، و الجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والسفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيّكم.

41 - تقتضي صلاة السفر تماما في الحضر والسفر، فخالف قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وصلاة الحضر غير صلاة السفر.

42 - جوز أبو حنيفة الصلاة في السفينة جالسا للقادر على القيام، فخالف النصوص الدالة على وجوب القيام وأي فارق بين السفينة وغيرها.

43 - جوز الشافعي تقديم العصر على الظهر، فخالف إجماع الأنام، وفعل النبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).

44 - لم يوجب أبو حنيفة الجمعة على أهل السواد، فخالفت: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا) (1)وقريب منه الشافعي حيث لم يوجبها على الخارج عن البلد، ما لم يسمع الأذان.

45 - لم يوجب الشافعي وأحمد الجمعة على أقل من أربعين، فخالفوا عموم القرآن.

46 - جعل الشافعي وأبو حنيفة استمرار العدد إلى آخرها شرطا فيها فخالفا عموم الأمر بها.

47 - جوز أبو حنيفة صلاة الانسان الظهر في داره، وإن كان قادرا على إدراك الجمعة فخالف القرآن.

48 - لم يوجب أبو حنيفة القيام في الخطبة فخالف استمرار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليه.

49 - لم يوجب أبو حنيفة قرآنا في صلاة الجمعة فخالف فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين وأحمد بن حنبل في مسنده أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقرأ في الأولى الجمعة وفي الثانية المنافقين.


1) الجمعة: 9.

50 - قال أبو حنيفة: تدرك الجمعة بإدراك اليسير منها، ولو سجود السهو بعد التسليم، فخالف نص الرسول من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.

51 - منع الشافعي وأبو حنيفة صلاة الجمعة في الصحراء، فخالفا عموم القرآن.

فقد ظهر لك أن الإمامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور، وهم يشنعون عليهم بتركها، حيث لم يأتموا بفاسق أو مخالف للاعتقاد الصحيح، أو من يترك الخطبة التي خطبها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والصحابة والتابعون إلى زمن المنصور، لما وقع بينه و بين العلوية خلاف قال: واللّه لأرغمن أنفي وأنوفهم، ولأرفعن عليهم بني تيم وعدي، وذكر الصحابة في خطبته واستمرت البدعة إلى الآن.

52 - لم يوجب أبو حنيفة صلاة شدة الخوف ماشيا، بل يؤخرهما إلى انقضاء الخوف ويقضيها فخالف قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) (1)

53 - نفى أبو حنيفة صلاة الاستسقاء فخالف فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) روى أبو هريرة أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلاها ركعتين، ونحوه عن ابن عبّاس، وفعلها أبو بكر وعمر.

54 - منع الشافعي ومالك وأحمد الصلاة على الشهيد فخالفوا فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حيث صلى على حمزة وشهداء أحد.

55 - جعل الثلاثة المشي أمام الجنازة أفضل فخالفوا أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال: أمرنا رسول اللّه باتباع الجنازة ذكره في مسند براء بن عازب في الحديث الخامس من المتفق عليه، ونحوه في الخامس و العشرين من مسند أبي هريرة من المتفق عليه ونحوه في الستين بعد المائة من المتفق عليه.

56 - جوز أبو حنيفة صلاة الجنازة قاعدا مع القدرة عليها قائما، فخالف فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والصحابة والتابعين فإن أحداً منهم لم يصلها قاعداً.

57 - لم يوجب بعضهم الكافور في غسل الأموات، وفي الجزء الأوّل من


1) البقرة: 239.

صحيح مسلم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أمر بماء وسدر، وقال: واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئاً من كافور.

58 - أنكر جماعة منهم الحبرة للميت، وفي الجمع بين الصحيحين أن أبا بكر دخل على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بعد وفاته وهو مسجى بها وفي مسند عائشة نحوه، ومسند أنس: كان أحب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يلبسها، وفي مسند ابن عوف: كفن مصعب ببردة، وفي مسند سهل بن سعد من أفراد البخاري: أهدت امرأة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بردة فطلبها رجل فأعطاه، فعابه النّاس فقال: أردت أن تكون كفني فكانت كفنه.

فهذه قطرة من بحار اختلافهم، خالفوا فيها كتاب ربهم، وسنة نبيهم، ولهم أقوال أخر شنيعة في أحكام الشريعة، سيأتي في الباب الأخير نبذة منها، تركنا أكثرها خوف الإطالة بها، من أراد بها نجح طيره، طلبها في كتاب نهج الحقّ وغيره ولا غرو بمن تعصب وترك الأدلة الواضحة، أن يبتدع هذه الأمور الفاضحة، مع نقلهم عن نبيهم (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة مصيرها إلى النار).

ونقلوا من أدخل في دين ما ليس منه فهو رد، وقد أنشأ ابن الحجاج في خطائهم من القيل ما يغني النبيّل عن الدليل:

الشافعي من الأئمّة واحد***ولديه ذا الشطرنج غير حرام

وأبو حنيفة قال وهو مصدق***فيما يبلغه من الأحكام

شرب المثلّث والمنصف جائز***فاشرب على طرب من الأيّام

وأباح مالك الفقاع تطرقا***وبه قوام الدين والاسلام

ولابن حنبل في النصوص فتاوى***إن رد ما قد ناله بتمام

ورواة مكة رخّصوا في متعته***وهم رعاة مصالح الأعوام

فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج***في كلّ مسألة بقول إمام

تذنيب في أنهم عدلوا عن السنة لأجل عمل الشيعة

ذكر الغزالي في الذخيرة والمزني وكانا إمامين للشافعية تسطيح القبور هو المشروع لكن لما اتخذه الرافضة شعارا لهم عدلنا عنه إلى التسنيم وذكر الزمخشري في كشافه وهو من أئمة الحنفية في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ (1)) جوز الصلاة بمقتضى هذه الآية على أجود المسلمين، لكن لما اتخذ الرافضة ذلك في أئمتهم منعناه.

وقال مصنّف الهداية من الحنفية أيضاً: المشروع التختم في اليمين لكن لما اتخذه الرافضة عادة جعلنا التختم في اليسار، وقال الكنجي في كفاية الطالب: إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يتختم في اليمين.

وقال الترمذي والسجستاني وابن حنبل وابن ماجة وأبو يعلى المحتسب والسلمي والبيهقي وهو في صحيحي مسلم والبخاري: إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والعترة والصحابة تختموا في أيمانهم، وعد الجاحظ في كتاب نقوش الخواتيم أنّ الأنبياء من آدم إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تختموا في أيمانهم، وخلعه ابن العاص من يمينه ولبسه في شماله وقت التحكيم.

وذكر الراغب في المحاضرات أن أوّل من تختم في اليسار معاوية فلبس المخالف في شماله، علامة ضلالته، باستمراره على خلع علي من إمامته، وفي التذكرة قال الشافعي وأحمد والحكم: المسح على الخفين أولى من الغسل لما فيه من مخالفة الشيعة، وقال عبد اللّه المغربي المالكي في كتابه المعلم بفوائد مسلم: إنّ زيداً كبر خمسا على جنازة قال: وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يكبرها، وهذا المذهب الآن متروك لأنّه صار علما على القول بالرفض.

فلينظر العاقل إلى من يذهب إلى ضد الصواب، ويترك ما جاء من السنة والكتاب، ويبدل أحكام الشريعة، لأجل العمل بها من الشيعة، وهلا بدلوا الصلاة


1) الأحزاب: 43.

والصيام، وغيرهما من الأحكام، لأجل عمل أتباع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أمّا نحن فبحمد اللّه لم نعمد إلى ما نثبت صحته وروايته، فأخرجناه من سنة نبينا لأجل من يعمل به من غيرنا، لأنّ المخالف أخذ دينه عن القياس و الاستحسان، ونحن أخذناه عن أئمة الأزمان، الّذين أخذوا التحريم والتحليل عن جدهم النبيّل، عن جبرئيل، عن الرب الجليل، وحاشاهم أن يجعلوا المشروع غير مشروع، لكون غيرهم يعتقد مشروعيته، وما أحسن قول شاعرهم في الحث على اتباعهم:

إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً***وتعلم أنّ النّاس في نقل أخبار

فدع عنك قول الشافعيّ ومالك***وأحمد والمروي عن كعب أحبار

ووال أناساً قولهم وحديثهم***روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

كلام في القياس عدلوا به عن الكتاب والسنة

وقد روى الخطيب في تاريخه والديلمي في فردوسه من عدة رجال إلى عوف ابن مالك إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: تفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أُمّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم يحرمون الحلال، ويحللون الحرام.

وفي الفردوس أيضاً عن أنس عن أبي هريرة قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تعمل هذه الأُمّة برهة بكتاب اللّه وبرهة بسنة نبيه، ثمَّ تعمل بالرأي، فإذا عملوا به فقد ضلوا و أضلوا:

وفي إبانة ابن بطة ومسند الهذلي عن ابن عبّاس: إيّاكم والرأي، وعنه لو جعل اللّه الرأي لأحد لجعله لرسوله، بل قال: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (1)) ولم يقل: بما رأيت.

وروى الجاحظ وغيره في كتاب الفتيا قول أبي بكر: أيُّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللّه برأيي، وقول عمر: إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا، وقال: إيّاكم والمكاءلة قالوا: وما هي قال: المقايسة.

قال ابن مسعود: يذهب فقهاؤكم وصلحاؤكم ويتخذ النّاس رؤساء جهالا يقيسون الأمور بآرائهم وقال الشعبي: إن أخذتم بالقياس أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، قال مسروق: ولا أقيس شيئاً بشئ أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها.

فهذا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وصحابته وأتباعه ينهون عن القياس، وهم يعملون بالقياس فإذا كانوا لقول اللّه ونبيه وصحابته ينكرون، فبأي حديث بعده يؤمنون.

هذا ما فيه من الأثر وأما العقل فنقول: إذا ذم اللّه التفاضل في البرّ


1) المائدة: 49.

فقيس عليه الأرز، مع جواز أن يتعبدنا بتحليل تفاضله، بطل القياس.

قالوا: تحريم التفاضل في البر لعلة فيه، قلنا: فلو أباحه لنا فإن كانت العلة حاضرة استحالت حليته، وإن لم تكن جاز أن لا يكون في الأرز.

قالوا: علل الشريعة علامات لا علل موجبات، قلنا: قد ثبت أن حمل الفرع على الأصل لعلّة موجبة، على أن العلامة الدالة على الحكم توجب الحكم، لأنّها لا تخرج عن الدلالة أبداً، إذ لا يصح خروج الدليل عن دلالته.

قالوا: هذه العلل سمعية، يجوز أن تخرج أحيانا عن دلالتها، قلنا: فالسمعية لا وصول إليها إلّا بالسمع، وحينئذٍ يكون نصا، ويبطل القياس.

قالوا: إنّا نذكر العلامات بضرب من الاستخراج، قلنا: فاستخرجوا الآن فعجزوا.

وقال بعضهم طريق الاستخراج غلبة الظن، قلنا: فالظنّ لا بدّ له من سبب قالوا: سبب غلبة الظن معروفة، كمن غلب في ظنه السلامة في طريق دون غيره، والربح في نوع من التجارة دون غيره، والعافية في دواء دون غيره، قلنا: هذه مستنده إلى عادات ظاهرة ولا عادة للشريعة لاتفاق أحكام المختلفات، واختلاف أحكام المتفقات، ولهذا من لم يسلك الطرقات، لم يغلب في ظنه السلامة في بعضها، ومن لم يتجر لم يغلب الربح في بعضها، ومن لم يجرب الأدوية لم يغلب العافية في بعضها.

إن قالوا: فقول علي: علمني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ألف باب فتح لي من كلّ باب ألف باب، دليل على صحة القياس، قلنا الّذي علمه هو الّذي فتحه له، أو أنّه افتكر وبحث في كلّ باب فعرف منه ألف باب لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من عمل بما يعلم ورثه اللّه علم ما لم يعلم، أو علمه علامة ألف حادثة فعرف من كلّ علامة ألف علامة.

هكذا ذكر المفيد في المحاسن، وذكر عن غير واحد أنّه علمه صنعة الحكم إجمالا مثل (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ففتح له منه تحريم الأخت ونحوها ومن الربا في المكيل والموزون، ففتح له أنواع هذين، ومثل (يحلّ

من الطير ما دفّ ويحرم منه ما صفّ، ومن البيض ما اختلف طرفاه، ويحرم ما اتفق) ونحو ذلك.

وذكر المفيد في المحاسن قول أبي حنيفة: البول في المسجد أحياناً أحسن من بعض القياس، قال محمّد بن الحسن من أصحابه: لو دخل جنب بئرا بنية الغسل فسد الماء ولم يطهر وكذا إن خرج ودخل ثانية وثالثة فإن دخل رابعة طهر.

قال جمال الدين في مختلفه: إن اتفقت المسألتان بطل القياس لاتحادهما، و إن اختلفتا بطل القياس لامتناع قياس الشئ على مخالفه.

قال الرازي في معالمه: الحكم بالقياس بغير ما أنزل اللّه، إذ لو كان بما أنزل كان الحكم بالقرآن حكما بغير ما أنزل، فيدخل تحت (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (1)) وهو باطل للزوم كفر كلّ من لم يعمل بقياس، فلزم العكس وهو المطلوب.

شعر:

إن كنت كاذب في الّذي حدَّثتني (2)***فعليك وزر أبي حنيفة أو زفر

المائلين إلى القياس تعمّداً***العادلين عن الشريعة والأثر


1) المائدة: 44.

2) روى عن علي بن صالح البغوي قال: أنشدني أبو عبد اللّه محمّد بن زيد الواسطي لأحمد بن المعدل: إن كنت كاذبة بما حدثتني الخ.

إلحاق في مناظرة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبي حنيفة

دخل النعمان على الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: من أنت؟ قال: مفتي العراق، قال: بما تفتي؟ قال: بكتاب اللّه قال: هل تعرف ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه؟ قال: نعم، قال:فقوله تعالى: (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (1)) أي موضع هي؟ قال: بين مكة والمدينة فقال: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (2)) ما هو؟ قال: البيت الحرام، فأنشد جلساءه: هل تعلمون عدم الأمن عن النفس والمال بين مكة والمدينة، وعدم أمن ابن الزبير وابن جبير في البيت؟ قالوا: نعم.

قال أبو حنيفة: ليس لي علم بالكتاب، وإنّما أنا صاحب قياس قال له: أيما أعظم القتل أو الزنا؟ قال: القتل، قال: قنع اللّه فيه بشاهدين، ولم يقنع في الزنا إلّا بأربعة، أيما أفضل الصوم أم الصلاة؟ قال: الصلاة، قال: فلم أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، وأيما أقذر المني أم البول؟ قال: البول، قال: فما بال اللّه أوجب الغسل منه دون البول.

قال: إنّما أنا صاحب رأي قال: فما ترى في امرأة إنسان وامرأة عبد، سافرا عنهما، فسقط البيت عليهما فماتتا وتركتا ولدين لا يدري أيهما المالك من المملوك؟ قال: إنّما أنا صاحب حدود، قال: فأعور فقأ عين صحيح، وأقطع قطع يد رجل كيف حدهما؟ قال: إنّما أنا عالم بما بعث الأنبياء قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فقوله سبحانه: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (3)) أهذا شكّ من اللّه؟ قال: لا علم لي، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنك تعمل بكتاب اللّه، ولست ممّن ورثه، وإنك قياس، وأول من قاس إبليس، ولم يبن دين


1) سبأ: 18.

2) آل عمران: 97.

3) طه: 44.

الاسلام على القياس، وإنك صاحب رأي وخص اللّه نبيه بالرأي في قوله: (و احكم بينهم بما أراك اللّه (1)) فكان رأيه صوابا ومن دونه خطأ، ومن أنزلت عليه الحدود أولى منك بعلمها، وأعلم منك بمباعث الأنبياء خاتم الأنبياء، ولولا أن يقال: دخل أبو حنيفة على جعفر ابن رسول اللّه فلم يسأله عن شئ لما سألتك فقس إن كنت مقيسا فقال: واللّه لا تكلمت به بعدها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلا إن حب الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك انتهى كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).


1) اقتباس من قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) النساء: 105.

2) روى الحديث الطبرسي في الاحتجاج ص 196 ط نجف، وروى بعده عن عيسى بن عبد اللّه القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: يا با حنيفة قد بلغني أنك تقيس فقال: نعم، فقال: لا تقس فإن أوّل من قاس إبليس لعنه اللّه حين قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) فقاس بين النار والطين ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر.

فصل في المشایخ الأربعة

الأوّل أبو حنيفة وفتاواه المخالفة مع الكتاب والسنة

فصل وفيه أطراف أربعه للمشايخ الأربعة:

الأوّل أبو حنيفة (1)

قلت: (النبش عن قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وإن كان تأويله الفحص عن آثار حياته العلمية، لكنه سارق قد أتى من غير الباب، ومن غير الوجه الّذي أمر اللّه به، ولذلك تراه يفتي بالقياس والرأي، ويجعل الحديث الصحيح تحت قدمه ولا يبالي).

روى أنّه اجتمع الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى فبعثوا إلى أبي حنيفة فأتاهم فقالوا: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟ فقال: هو مؤمن.

فقال ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبداً. وقال الثوري: لا كلمتك أبداً، و قال شريك: لو كان لي من الأمر شئ لضربت عنقك، وقال له الحسن: وجهي من وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك أبداً.

وروى عن الإمام مالك: قال: ما ولد في الاسلام مولود أضر على أهل الاسلام من أبي حنيفة، وقال: كانت فتنة أبي حنيفة أضر على هذه الأُمّة من فتنة إبليس، وعن الأوزاعي:قال: عمد أبو حنيفة إلى عرى الاسلام فنقضه عروة عروة وأحرج عن أبي صالح الفراء قال:سمعت يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول اللّه أربعمائة حديث أو أكثر، قال:ولو أدركني النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأدركته لأخذ بكثير من أقولي، وهل الدين إلّا الرأي الحسن. توفى أبو حنيفة سنة 150 وقبره ببغداد.

وفيه أمور:

1 - أتاه رجل من المشرق بكتاب سمعه منه، فرجع عنه، فنادى: عام الأوّل


1) هو النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه مولى تيم اللّه بن ثعلبة الكوفي أحد الأئمّة الأربعة صاحب الرأي والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه، وذكر الخطيب في تاريخه أن أبا حنيفة رأى في منامه كأنه ينبش قبر رسول اللّه، فبعث من سأل ابن سيرين فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علما لم يسبقه إليه أحد قبله.

أفتيتني بهذا فهرقت به الدماء وأبحت به النساء، قال أبو حنيفة: هذا رأي رجعت عنه، قال: أفيجوز أن ترى من قول غيره أيضاً؟ قال: لا أدري؟ قال: لكني أدري إن من أخذ عنك فهو ضالّ.

2 - قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق مذهبه.

3 - يوسف ابن أسباط قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول اللّه لأخذ بكثير من أقوالي.

4 - الحكم بن هشام قلت لأبي حنيفة: ما تقول هو الحقّ بعينه؟ قال: لا أدري، ولعله الباطل بعينه؟

5 - في تاريخ بغداد قال شعبة: كف من تراب خير من أبي حنيفة.

6 - قال الشافعي: نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة خلاف الكتاب والسنة.

7 - قال سفيان ومالك وحماد والأوزاعي والشافعي: ما ولد في الاسلام أشأم من أبي حنيفة.

8 - قال مالك: كانت فتنة أبي حنيفة أضر على الأُمّة من فتنة إبليس.

9 - قال ابن مهدي: ما فتنة على الاسلام بعد الدجال أعظم من فتنة أبي حنيفة.

10 - قال له الأصمعي: (توضأت)؟ قال: (وصلات) قال: أفسدت الفقه فلا تفسد اللغة.

11 - قال له ابن أبي ليلى: أيحل النبيّذ والغنى؟ قال: نعم، قال: أفيسرك أن تكون أمك نباذة أو مغنية؟

12 - في مجالس ابن مهدي: كان أبو حنيفة يشرب مع مساور، فلمّا تنسك عاب مساورا فكتب إليه شعراً.

إن كان فقهك لا يتم***بغير شتمي وانتقاصي

فاقعد وقم بي حيث شئت***من الأداني والأقاصي

فلطال ما زكيتني وأنا***المقيم على المعاصي

أيّام تعطيني وتأخذ في أباريق الرصاص

فأنفذ إليه أبو حنيفة بمال فكفّ عنه.

13 - طهّر جلد الميتة والكلب بالدّباغ، وفي سنن ابن ماجة وأمالي ابن شيبة قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

14 - لو ماتت فارة في بئر نزح منها عشرون دلوا ولو وقع فيها ذنبه نزحت كلها، ولو مات فيها مؤمن طاهر نزحت كلها، فسوى بينه وبين ذنب الفارة.

15 - لو بالت فارة في بئر فيها ألف قربة نجّستها.

16 - قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها ومن الصبح فقد أدركها، وقال أبو حنيفة: يكون للعصر مدركا وللصبح ليس مدركا، فأخذ بنصف الخبر وألقى نصفه.

17 - يملك المسلم الخمر بشراء وكيله الذمّيّ.

18 - يصحّ إبراء الوكيل بغير إذن الموكل.

19 - لو زرع بيده الأرض المغصوبة فلا أجرة عليه، ولو آجره فالأجرة له

20 - لو غير المغصوب عن صفته ملكه (1)

وقال أبو حنيفة: إذا غير الغصب تغييرا أزال به الاسم والمنفعة المقصودة بفعله، ملكه فاعتبر ثلاث شرائط: أن يزول به الاسم، والمنفعة المقصودة، وأن يكون ذلك بفعله، فإذا فعل هذا ملك. لكن يكره له التصرف فيه قبل دفع قيمة الشئ.

وحكى ابن جرير عن أبي حنيفة أنّه قال: لو أن لصا نقب فدخل دكان رجل فوجد فيه بغلا وطعاما ورحى فصمد إلى البغل وطحن الطعام ملك الدقيق، فإن انتبه صاحب الدكان كان للص قتاله ودفعه عن دقيقه، فإن أتى الدفع عليه، فلا ضمان على اللص.

.

21 - إذا وجب البيع فلا خيار للمجلس بعده.


1) قال الشيخ في الخلاف كتاب الغصب المسألة 20: إذا غصب شيئاً ثمَّ غيره عن صفته التي هو عليها أو لم يغيره مثل أن كانت نقرة فضربها دراهم أو حنطة فطحنها أو دقيقا فعجنه و خبزه أو شاة فذبحها وقطعها لحما وشواها أو طبخها لم يملكه، وبه قال الشافعي.

22 - جوز قبض الموهوب بدون إذن الواهب في المجلس

23 - النضر بن شميل، في كتاب الحيل: ثلاثمائة وثلاثون حيلة قال الشافعي كلّها كفر:

منها من قبّل حمأته (1)انفسخ نكاح زوجته ومن حلف ليتزوجن برئ بالعقد على كافرة أو إحدى محارمه، ومن حلف ليصومن أو ليصلين فصام بعض يوم أو سجد سجدة لم يحنث في يمينه، ومن حلف ليطأن زوجته صائمين من غير عذر يلف حريرة ويطأ ولا ينقض صومه، ومن طلق ثلاثاً فأراد زوجها إرجاعها أمرها بالردة فإذا فعلت نكحها.

شعر

لكم من فرج محصنة عفيفة***أحل حرامه بأبي حنيفة

وكم من كلّ مسألة ظريفة***تجهمها بآراء سخيفة

فصير حسنها في النّاس قبحا***وصير طيبها فيهم كجيفة

24 - جوز الطلاق قبل النكاح، وحديث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بخلافه.

25 - أوقع سائر العقود من المكرهين مع قوله: (لا إكراه في الدين (2)) وروت عائشة لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. والاغلاق هنا الاكراه والسكر.

26 - لو تزوج وطلق عقيب العقد بلا فصل، ولا دخول، لحق به الولد لستة أشهر.

27 - لو عقد عليها بمصر وهي ببغداد، لحق به الولد.

28 - لو غاب عن زوجته مدة طويلة ولم يفارق أصحابه فجاءت بولد لحق به.

29 - لا قود على من قتل بغير حديد، من خنق، ورض رأس، وغيره، حتّى قيل له: في رجل رمى آخر بحجر فقتله فقال: لو رماه بأبي قبيس لم أقتله به.

30 - الجنايات الموجبة للحدود إذا تقادم عهدها سقطت.

31 - الشارب إذا زال سكره سقط حده.


1) يريد بالحمأة أقارب الزوجة ممّن لا يجمع بين نكاحها ونكاح الزوجة.

2) البقرة: 256.

32 - المثلث الّذي لا يسكر حلال، وشربه سنة، وتحريمه بدعة.

33 - قال كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: كلّ سكر حرام، فزادوا الميم وقالوا:

مسكر، قال أبو نواس:

أحل العراقي النبيّذ وشربه***وقال روينا أنّه حرم السكر

وقال العزى:

وما قاله الكوفي في الفقه مثلما***تغنى به البصري في صفة الخمر

يعني أبا نواس.

34 - لو سرق بعض الجماعة قطع الجميع حكاه المفيد في المحاسن فأسقط الحد مع وجوبه وأوجبه مع سقوطه.

35 - أسقط النبيّ الزكاة عن الأوقاص والخيل والرقيق والخضراوات والناقص عن خمسة أوسق من الغلات وأوجبها أبو حنيفة في ذلك كله.

الثاني الشافعي وفتاواه الشاذة عن الكتاب والسنة

الثاني. الشافعي (1)

ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، وأثنى عليه كثيراً وذكر في حقه هذين البيتين

مثل الشافعي في العلماء***مثل البدر في نجوم السماء

قل لمن قاسه بنعمان جهلا***أيقاس الضياء بالظلماء

وله أشعار تشعر عن حب آل بيت رسول اللّه، قد نقل بعضها المصنف رحمه اللّه في ما مر من الكتاب، ويحكى عنه أنّه قال: في جواب من سأله عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ما أقول في رجل أسر أولياؤه مناقبه، تقية، وكتمها أعداؤه حنقا وعداوة، ومع ذلك قد شاع منه ما ملأت الخافقين.

حكى عنه الربيع في كتابه أنّه قال: لا بأس بصلاة الجمعة والعيدين خلف

1) هو أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي يتفق نسبه مع بني هاشم وبني أمية في عبد مناف، لأنّه من ولد المطلب بن عبد مناف، ولد يوم وفاة أبي حنيفة سنة 150 بغزة هاشم - مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر - ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبالمدينة وقدم بغداد مرتين وحدث بها وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته سنة 204.

كلّ امرئ وإن كان متغلبا صلى علي بالناس وعثمان محصور، صرّح بتغلب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمتغلب على أمر الأُمّة فاسق، وقال: صلى الحسنان خلف مروان، وما كانا يعيدان.

أبو بكر بن عيّاش: سود اللّه وجه ابن إدريس، وقال عمار بن زريق: ذكر الشافعي عند الثوري فقال: غير فقيه ولا مأمون وقال: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرايد، ويطاف بهم في العشاير، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام، وقال أصحابه المختلفون في المذاهب ثلاثة نكفر المعتزلة ونفسق السبابة للسلف، والمخالفون في الفروع لا ولا.

وفي الإحياء أخذ الشافعي من الرشيد ألف دينار.

وفي منية النفس: قال القاضي ابن شهري: كان الشافعي لا يحدَّث إلّا ولجانبه غلام أمرد حسن الوجه، فأنشد أصحابه لنفسه:

يقولون لا تنظر وتلك بلية***ألا كلّ ذي عينين لا بدّ ناظر

وليس اكتحال العين بالعين ريبة***إذا عف فيما بينهن الضماير

حكم بطهارة المني وقال: منه خلقت الأنبياء، ونسي خلقهم من العلقة وهم دم نجس، وقد سمي أثر المني رجز الشيطان في قوله: (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) (1)فأوجب نجاسته والتطهير منه.

1 - لو مسَّ المؤمن التقي فرجه أو فرج كلب أو خنزير أو فرج بهيمة أو صغير أو بدن امرأة أجنبية انتقض وضوؤه.

2 - سن مسح الرأس ثلاثاً، وبمرة، لعدم اقتضاء الأمر التكرار.

3 - جوز أكل دود الطعام معه.

4 - كلّ حيوان طاهر في حياته يطهر جلده إذا مات بدباغه.

5 - لا بأس بالصلاة خلف الخوارج لأنّهم متأولون، وخلف الفاسق والمبدع.

6 - أبطل الصلاة في السفينة إذا كان حبلها مشدودا في موضع نجس.

7 - لو تشهد أو سلم بالفارسية أجزأه ولم يرى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تلفّظ بها في


1) الأنفال: 11.

حال فضلاً عن أن يؤدي بها فرضاً.

8 - لو جمع بين الظهرين في وقت العصر، جاز أن يبدأ بالعصر.

9 - جوز الاعتكاف بغير صوم، ولم يعتكف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلّا صائماً.

10 - من أفطر في رمضان عمدا لا لعذر قضى ولا كفارة.

11 - من أسلم في بعض يوم ولم يصمه قضاه.

12 - صرف المال إلى النكاح أولى من الحج.

13 - للأبوين منع الولد من حج الاسلام.

14 - لو ذبح الهدي ذمي أجزأه.

15 - اللواط أو إيتاء بهيمة لا يفسد الحجّ قال ابن الحجاج:

فرعون لم يحكم بهذا ولا***جرت به سنة هامان

16 - للسلطان أن يقطع شيئاً من الشوارع ورحبات الجوامع.

17 - العجم ليسوا أكفاء للعرب، ولا العرب لقريش، ولا قريش لبني هاشم.

18 - يجوز نكاح البنت من الزنا.

19 - نسب نبينا إلى الرغبة في الحرام، حيث قال: إذا أبصر امرأة وأعجبته وجب على زوجها طلاقها، قال ابن الحجاج:

أنت فقيه عالم أحب أن تفتيني***من قبل أن أضطر في شرح كتاب المزني

20 - أحل أكل الطين الأبيض، مع قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الطين حرام على أمتي، قال الخوارزمي:

دع الطين معتقدا مذهبي***فقد صح لي من حديث النبيّ

من الطين ربي برا آدما***فآكله آكل للأب

21 - أجاز سماع الغنى بالقصب وشبهه، وفي القرآن (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (1).


1) الحج: 30. وقال الشرتوني في أقرب الموارد: الزور بالضم: الشرك باللّه وأعياد اليهود والنصارى، والرئيس، ومجلس الغناء.

22 - الجلّاد لا عهدة عليه، عند جهله بالحال.

23 - إذا تغلب الفسقة على الولاية، فكل من ولوه نفذ حكمه.

قال الآمدي:

علومكم وإن كثرت هباء***بلا فضل وفضلكم

فضول أتعتقدون قاتل آل طه***غدا في الحشر ينجو والقتيل

ودينكم القياس فهل بهذا***متى أنصفتم تقضي العقول

الثالث مالك وفتاواه الشاذة عن الكتاب والسنة

الثالث مالك (1)

ولد سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين، وتوفى في شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين ومائة.

وهو أمور:

1 - في كامل المبرّد، وعقد ابن ربه: كان مالكا يذكر عليّاً وعثمان و طلحة والزبير ويقول: واللّه ما اقتتلوا إلّا على الثريد الأعفر.

2 - دخل محمّد بن الحسن على مالك ليسمع منه الحديث فسمع في داره المزمار والأوتار، فأنكر عليه، فقال: إنا لا نرى به بأساً.

3 - في حلية الأولياء وغيرها عن ابن حنبل وأبي داود أن جعفر بن سليمان ضرب مالكا وحلقه وحمله على بعير وروي أنّه كان على رأي الخوارج فسئل عنهم فقال: ما أقول في قوم ولونا فعدلوا فينا.

4 - قتل شخص أخاه فقال أبوه: أنا الوارث وقد عفوت عنه، قال مالك: ليس لك ذلك، وكان الأب إذا سئل يقول: أحدهما قتل صاحبه والآخر قتله مالك.


1) هو مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان الأصبحي المدني، وقيل القرشي التميمي، صاحب كتاب الموطأ في الفقه الأحمدي، أحمد الأئمّة الأربعة لجماعة أهل السنة قيل هو أوّل المعلنين لبدعة العمل بالرأي في هذه الأُمّة، أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم وسمع الزهري ونافعا مولى عبد اللّه بن عمر وروى عن الأوزاعي ويحيى بن سعيد وأخذ العلم عن ربيعة الرأي.

5 - لو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على الشك، وعن الشافعي لا يحل لمالك أن يفتي.

6 - سؤر الكلب والخنزير من المايعات مباح ومن الماء مكروه.

7 - من لم يجد إلّا ماء ولغ فيه كلب توضأ منه.

8 - لعاب الكلب طاهر.

9 - كره التسمية في الصلاة إلّا في رمضان.

10 - جعل الاستعاذة بعد القراءة أخذه من ظاهر (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (1)) وجميع أهل المعاني قالوا: معناه إذا أردت أن تقرأ، مثل إذا أكلت فسم.

11 - جوز هو والشافعي تقدم المأموم على الإمام.

12 - لو حلف لا يأكل لحما فأكل شحما حنث، ولو عكس لم يحنث وهذا تناقض.

13 - البحري كله حلال، ولو طفى (2)

وقال الشافعي: يحل جميع ذلك من جميع حيوان الماء، وقال أبو حنيفة إذا مات حتف أنفه لم يؤكل، وإن مات بسبب مثل أن انحسر عنه الماء أو ضربه بشئ أكل إلّا ما يموت بحرارة الماء أو برده، فإن عنه فيه روايتين.

.

14 - سائر سباع الطير ذي المخلاب وغيره لا بأس بأكله، وكذا الوحشي كله إلّا الخنزير، وفي كتاب ابن ماجة نهى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوم خيبر عن كلّ ذي ناب أو مخلاب، وفي سننه أيضاً: ما تقول يا رسول اللّه في الثعلب والضبع؟ فقال:من يأكلهما؟ فقلت فالذئب قال: هل يأكل الذئب أحد فيه خير.

15 - لو قال أنت طالق يوم أموت أو تموتين أو يموت زيد طلّقت في الحال.


1) النحل: 98.

2) الطافي: السمك الّذي مات في الماء فيعلو ويظهر على الماء، قال الشيخ قدس سره في الخلاف: السمك إذا مات في الماء لم يحل أكله، وكذلك إذا نضب الماء عنه أو انحسر عنه الماء، أو حصل في ماء بارد أو حار، فمات فيه، لم يحل أكله.

16 - لو اعتقد الطلاق بقلبه وقع.

17 - لو طلق الأجنبية ثمَّ تزوجها وقع.

18 - لو قال: أنت علي كظهر أمي أو ظهر زيد أو ظهر الدابة وقع.

19 - لو قال: كلّ من أتزوجها فهي طالق، فتزوج واحدة طلقت، فلو عاد وتزوجها طلقت أيضاً.

20 - أكثر الحمل سبع سنين، أو خمس أو أربع.

21 - من قطع ذنب حمار القاضي لزم كمال قيمته (1)

وقال مالك: إن كان حمار القاضي فقطع ذنبه ففيه كمال قيمته لأنّه إذا قطع ذنبه فقد أتلفه عليه، لأنّه لا يمكنه ركوبه، لأن القاضي لا يركب حمارا مقطوع الذنب ويفارق حمار الشوكي لأنّه يمكنه حمل الشوك على حمار مقطوع الذنب، ولم يقل هذا في غير ما يركبه القاضي من البهائم مثل الثور وغيره وكذلك لو قطع يد حماره.

.

22 - للمخنث أن يستعمل لأنّه مالك نفسه.

23 - يحل وطئ النساء في أحشاشهنّ، شعر:

فحاولها من خلفها فتمنعت***وقالت معاذ اللّه من فعل ذلك

فقال لها جازت على قول مالك***فقالت رماك اللّه في يد مالك


1) قال الشيخ قدس سره: إذا جنى على حمار القاضي كان مثله جنايته على حمار الشوكي سواء في أن الجناية إذا لم يسر إلى نفسه يلزمه أرش العيب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.

الرابع ابن حنبل وفتاواه الشاذة عن الكتاب والسنة

الرابع ابن حنبل (1)

وهو أمور:

1 - قال الكشيّ: هو من أولاد ذي الثدية جاهل شديد النصب، يستعمل الحياكة لا يعد من الفقهاء.

2 - هجر الحارث المحاسبي في رده على المبتدعة، وقال: إن ترد عليهم فقد حكيت قولهم.

3 - في قوت القلوب أنّه قال: علماء أهل الكلام زنادقة وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا.

4 - في فضائل الصحابة قال صالح بن أحمد بن حنبل لأبيه: لم لا تلعن يزيد؟ فقال: ومتى رأيتني لعنت أحدا؟ فقال: ألا تلعن من لعنه اللّه في كتابه؟ قال:

أين؟ قال: قوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (2)) فهل قطيعة أعظم من القتل.


1) هو أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني المروزي الأصل البغدادي المنشأ والمسكن والمدفن. رابع الأئمّة الأربعة، لأهل السنة، قال ابن خلكان في وصفه: كان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل إنّه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الشافعي وخواصه، لم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، دعى إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب فضرب وحبس، وفي البحار نقلا من الطرائف: قال: رأيت كتابا كبيرا مجلدا في مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تأليف أحمد بن حنبل فيه أحاديث جليلة قد صرح فيها نبيهم بالنص على علي بن أبي طالب بالخلافة على النّاس ليس فيها شبهة عند ذوي الإنصاف، وهى حجة عليهم، وفى خزانة مشهد على ابن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالغري، من هذا الكتاب نسخة موقوفة، من أراد الوقوف عليها فليطلبها من خزانته المعروفة.

2) القتال: 21 و 23.

5 - في مسند جعفر قال أحمد: لا يكون الرجل سنيا حتّى يبغض عليّاً ولو قليلاً.

6 - منتحل الجدل للغزالي: أفتى أحمد بوجوب قتل رجل قال بخلق القرآن فروجع فيه، فقال: إن رجلاً رأى في منامه أن إبليس مر على باب ذلك الرجل فقيل: لم لا تدخلها؟ فقال: فيها رجل يقول بخلق القرآن، أغناني عن دخولها فقام الرجل وقال: لو أفتى إبليس بقتلي في اليقظة قبلتموه؟ قالوا: لا، قال: و النوم أولى.

7 - - قال: للّه جوارح من عين، ويد، وجنب، وقدم، وينزل إلى السماء كلّ ليلة، وأفعال العباد منه.

8 - من زعم أن محمّداً وعليا خير البشر فهو كافر.

9 - من لا يرى الترحم على معاوية فهو ضال مبتدع.

10 - يجزي المسح على العمامة كإسحاق والأوزاعي والثوري.

11 - يجوز مسح الرأس بيد غيره، وبآلة، ومطر يمر على رأسه.

(بحث)

صنف عبد اللّه الهروي منهم كتابا في اعتقادهم، وفيه: إن اللّه عاب الأصنام في قوله: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) (1)فدلَّ هذا على أنَّ له ذلك.

قلنا: هذا خرج على وجه الاستعظام، لعبادة الأصنام، حيث عدلوا عنه تعالى مع ظهور آياته إلى من لا ينفع من عبده، ولا يضر من جحده، فلا آلة له يدفع بها عن نفسه، فهو موضع العجب والانسلاخ من القرآن في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2)).


1) الأعراف: 195.

2) الشورى: 11.

تذنيب

أسند سليمان بن مقاتل في كتاب الأسماء قيل: يا رسول اللّه ممّا ربنا؟ قال:[لا] من ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء، خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من عرقها.

وفيه: منهم من يذكر أن البحر من بصاق اللّه، وأن على رأسه شعراً جعداً قططاً.

وفيه: قيل: يا رسول اللّه أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال: في غمام تحته هواء، وفوقه هواء.

وفي تاريخ ثابت بن سنان: نادى صاحب الشرط في بغداد: لا يجتمع من الحنابلة اثنان في موضع واحد.

والمعتصم الخليفة ضرب ابن حنبل وحبسه، ووقع الراضي باللّه نسخة للحنابلة فيها: من نافق بإظهار الدين، وتوثب على المسلمين، وأكل أموال المعاهدين، كان قريبا من سخط رب العالمين، وقد تأمل أمير المؤمنين جماعتكم، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم، فوجده كاللعين إبليس، يزين لحزبه المحظور، ويركب بهم صعاب الأمور، ويدلي لهم حبل الغرور، فأقسم باللّه لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم، ومعوج طريقكم، ليوسعنكم ضربا، وتشريدا، وقتلا، وتبديدا، و لتعملن السيوف في عواتقكم، والنار في منازلكم.

فصل في البخاري وصحيحه وتمويهاته وانحرافه عن أهل البيت

فصلفي البخاري (1)

وظل طول حياته يتردد بين الأمصار، ويقيم ببغداد ونيسابور حتّى اشتاق إلى بلاده فرجع إليها وابتلى فيها بفتنة خلق القرآن، فأخرجه أهل بخارى، ومات في طريقه بقرية يقال لها خرتنك على ثلاثة فراسخ من سمرقند عام 256.

ألف كتابه الجامع الصحيح في ست عشرة سنة واستخرج أحاديثها من ستمائة ألف حديث، عدد أحاديثه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، وبعد إسقاط المكرر أربعة آلاف.

ما رأينا عند العامة أكثر صيتا، ولا أكثر درجة منه، فكأنه جيفة علت، أو كلفة غشت بدرا، كتم الحقّ وأقصاه، وأظهر الباطل وأدناه، قال ابن البيع في معرفة أصول الحديث: احتج البخاري بأكثر من مائة رجل من المجهولين، و صح عند العلماء أنّه روى عن ألف ومائتي رجل من الخوارج الملعونين، ذكر منهم صاحب المصالت جماعة.

وقال له ابن حنبل: سميت كتابك صحيحا وأكثر رواته خوارج؟ فقرر مع الغريري سماع كلّ كراس بدانق، فلهذا لم ترفع روايته إلّا عن الغريري.

وحبسه قاضي بخارى أيّام حياته، لما قال له: لم رويت عن الخوارج؟ قال لأنّهم ثقات لا يكذبون، وإنّما شاع كتابه لتظاهره بعداوة أهل البيت، فلم يرو خبر الغدير مع بلوغه في الاشتهار، إلى حد لا يمكن فيه الانكار، وقد ذكرنا طرفاً


1) هو أبو عبد اللّه محمّد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن برذربه الجعفي بالولاء، ولد ببخارى عام 194 ونشأ بها يتيما فحفظ القرآن وحفظ عشرات الألوف من الأحاديث قبل أن يناهز البلوغ، ثمَّ رحل في طلب الحديث إلى أكثر ممالك الشرق من خراسان والجبل والعراق والحجاز ومصر والشام.

من رواته في باب النصّ من النبيّ المختار، على علي الكرار، وكتم حديث الطائر مع كونه مشهورا في الخاص والعام على مرور الأيّام، وجحد آية التطهير مع إجماع المفسرين على نزولها فيهم من غير نكير، إلّا ما كان من عكرمة الخارجي والكذاب الكلبي وثالثهما البخاري.

ولم ينقل من حديث الراية أوله (1)بل قال: لأعطين الراية رجلاً وترك أوله (أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بعث أبا بكر فرجع يؤنب أصحابه ويؤنبونه، ثمَّ عمر فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه، حتّى ساء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال: لأعطين الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله كرّاراً غير فرّار).

روى ذلك أحمد، والطبريّ، وابن بطة، والترمذيّ، وابن ماجة، و الثعلبي، وأبو يعلى. والبيهقيّ، والواحديّ.

ولم يرو حديث سدَّ الأبواب (2)

قال فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن عبد خير فكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إن من أمن النّاس على في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الاسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب الأسد إلّا باب أبي بكر.

والعجب أن أكثر المحدثين يروون أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سد الأبواب إلّا باب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستجاز أبو بكر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يفتح من بابه كوة إلى المسجد

وقد رواه ثلاثون رجلاً من الصحابة منهم سعد

1) رواه في باب غزوة خيبر ج 3 ص 51، وهكذا باب مناقب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ج 2 ص 299 ولم يذكر صدر الحديث في كلا الموضعين.

2) لكنه رواه في ج 2 ص 288 عند سرده مناقب المهاجرين وفضلهم لأبي بكر، قال: حدثني عبد اللّه بن محمّد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح قال حدثني سالم أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول اللّه النّاس وقال: إن اللّه خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللّه.

ابن أبي وقّاص، وابن عبّاس، وابن أرقم، وجابر الأنصاريّ، وحذيفة، و الخدري، ومعاذ، وابن عمر، وأبو رافع، وأم سلمة، وبريدة، وذكره أبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في المسند، والخطيب في تاريخه، والبلاذري في تاريخه والترمذي في جامعه، وابن بطة في إبانته، وأحمد في فضائله، والطبري في خصائصه وابن ميمونة في إملائه، وشعبة في أماليه، والبيهقي في كتابه، والخركوشي في شرف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

ولم يذكر ما نقلته رواتهم من قول الأول: أي سماء تظلني الحديث، ولا خبر الكلالة، ولا خطبة الاستقالة، ولا بدايع عثمان، ولا حديث ماء الحوأب، و لما لم يخش من تلك التمويهات: صدق عليه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ (1)).


1) البقرة: 139.

إن قيل: إنّه لم يجوز [ذلك] ذكر ما يصنع تلك إلّا وضع تلك الأولياء قلنا: فما بال البخاري ومسلم تصديا لذكر معايب الأنبياء، ففي الحديث التاسع والثمانين بعد المائة من المتفق عليه من الجمع بين الصحيحين عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّ موسى لطم ملك الموت على عينه فقلعها، لما جاء لقبض روحه.

وفي الحادي عشر منه بعد المائتين أن إبراهيم لما يطلب الخلق منه الشفاعة يقول: كذبت ثلاث كذبات اذهبوا إلى غيري: ونحوه في السابع والعشرين بعد المأتين، ولو أن أحدا نقل عن شيخهم كذبا لطعنوا في روايته، وسارعوا إلى تكذيبه أفما كان للأنبياء المختارين أسوة بالشيخين، وقد نهى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن الاغتياب وذم الدواب، فكيف يصح عنه ذلك فيمن ذكاهم ومدحهم.

وفي الرابع والأربعين منه لعبت الحبشة عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فحصبهم عمر فنهاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وفي الإحياء: غنت جوار عنده، فدخل عمر فأشار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالسكوت فخرج، فقال: عدن! فدخل فأشار بالسكوت فخرج فقلن: من هذا؟ قال: عمر، و هو لا يؤثر سماع الباطل.

وفي المجلد الأوّل من صحيح مسلم سبعة أحاديث تتضمن نحو ذلك فقبح اللّه من أضاف النقص إلى نبيه، والكمال إلى بعض رعيته، ولا مدح لتابع، مع ذم المتبوع.

وفي الخامس والأربعين منه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سهى عن العصر عن ركعتين حتّى نبهه ذو اليدين، فرجع فأتم بركعتين، وفي الحديث الأوّل منه، وفي الثاني من أفراد البخاري والثاني أيضاً من أفراد مسلم أنّه نام عن الصلاة حتّى طلعت الشمس فأيقظه عمر، وهذا يناقض ما رووه من أنّه تنام عيناه ولا ينام قلبه، أي نومه لا يمنعه من معرفة الأحوال وفي الخامس منه أنّه ترك صلاة العصر يوم الأحزاب.

فضيحة

من عجيب روايتهم في الرابع والأربعين من الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سب رجلين وقال: إني شارطت ربي أن أي المسلمين لعنته فاجعله له زكاة وأجرا، وهذا بهت، إذ كيف يكون سباب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لمسلم ويكون مصلحة له.

فعلى هذا يحسن أن يسأل اللّه لهم ويسألوه أيضاً لأنفسهم، أن يوفق نبيه لسبّهم ويلهمه لعنهم.

وفي الرابع عشر منه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذبح على النصب، فلم يأكل منه زيد ابن نفيل، فكان أعرف باللّه منه، وقد جاء في كتبهم أن اللّه تولى تربيته وتأديبه.

ومن العجب أنّهم يرمون نبيهم وباقي الأنبياء بما ذكرناه ونحوه وينزهون صحابته ونساءهم عن مثله.

قال عبد اللّه الهروي منهم في كتاب الاعتقاد: الصحابة كلهم عدول، ونساؤهم فمن تكلم فيهم بتهمة أو تكذيب فقد توثب على الاسلام بالإبطال.

وفي الأصل التاسع من الإحياء للغزالي: اعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة.

قلنا: كيف ذلك وقد قال لهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لتسلكن سنن من كان قبلكم فبعدا لقوم زكوا من أخبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن ضلالهم، وأخرجوا رسل اللّه عن خلالهم وفي الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار، وقد أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليّاً بقتل الفرق الثلاث، وقد أسفلنا ما أحدث المشايخ الأخباث من الأنكاث، وأهل السنة يفضلون أهل الذمة، مع علمهم بأنّهم يطعنون على نبيهم، وجميع صحابته وأتباعه، حتّى لو أن لهم سيفا أفنوا الجميع به، ويقدمونهم على طائفة مسلمة تسمى الرافضة حيث طعنوا في بعضهم بما ثبت صدوره عنهم، وقد شهد نبيهم على أحداثهم.

ففي الثامن والعشرين من الجمع بين الصحيحين: ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمَّ يحال بيني وبينهم، وفي رواية الخدري فيقال: إنك لا تدري ما

أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً لمن بدَّل بعدي ومنه في الحديث الستين من المتّفق عليه لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم.

ومنه في الحادي والثلاثين بعد المائة نحو ذلك ومنه في السابع والستين بعد المائتين نحو ذلك من مسند أبي هريرة من عدة طرق ومن مسند عائشة وأسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة وابن المسيب وابن مسعود وحذيفة.

ولولا عظم ضلالهم، ما قال فيهم: سحقا لمن بدل بعدي، لما بلغوا إلى حد لا تقبل شفاعته فيهم.

ومنه في الحديث الأوّل من صحيح البخاري قال أبو الدرداء: ما أعرف من أمة محمّد شيئاً إلّا أنّهم يصلون جميعاً.

ومنه في الحديث الأوّل من صحيح البخاري قال الزهري: دخلت على أنس وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت، وفي حديث ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قيل: فالصلاة؟ قال، أليس قد صنعتم ما صنعتم؟ فكيف ذموا الرافضة، ورفضوهم بالطعن على بعض الصحابة، بشئ زكوهم فيه، ونقلوا ما هو أعظم منه.

فصل في كتمانه فضائل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

كتم البخاري ومسلم أخبارا جمة في فضائل أهل البيت، صحيحة على شرطهما ذكرها الشيخ محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في الجزء الثامن من كتاب بغية الطالبين في مناقب الخلفاء الراشدين، وسأذكر منها ما يليق وضعه بما تقدمه، لا يخفى به حال هذين الإمامين عند من يفهمه:

1 - زيد بن أرقم: عليّ أوّل من أسلم، أخرجه ابن حنبل في المناقب، و الترمذيّ في الجامع، والجاحظ، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (1).

2 - أخرج الحاكم في المستدرك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الصديق الأكبر صليت قبل النّاس سبع سنين لا يقولها بعدي إلّا كاذب، قال: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

3 - أخرج في المستدرك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الهادي والنبيّ المنذر، قال: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

4 - أخرج في المستدرك حديث الفرخ المشوي، وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

5 - قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لسلمان: من أحب عليّاً فقد أحبني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، وقال: صحيح الإسناد، على شرط البخاري، ومسلم، ولم يخرجاه.

6 - أخرج قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من أراد أن يحيى حياتي، ويموت موتتي


1) ترى هذه الروايات مستخرجة عن كتاب المستدرك مع النصّ على صفحته في كتاب فضائل الخمسة منبثة في باب فضائل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

7 - أخرج قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أنت وليي في الدنيا والآخرة، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

8 - أخرج حديث الغدير وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.

9 - أخرج قول بريدة الأسلمي: تنقصت عليّاً عند النبيّ فغضب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه قال: وهذا صحيح الإسناد على شرطيهما ولم يخرجاه.

10 - أخرج الترمذي وأبو حاتم وابن حنبل قول النبيّ: علي مني وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي، وأخرجه في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجه (1):

11 - أخرج ابن حنبل حديث سد الأبواب غير باب علي، وأخرجه في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

12 - أخرج الحاكم في المستدرك قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): علي سيِّد العرب، قال وهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

13 - عبد اللّه بن أسعد: قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أوحى إلي ثلاثاً في علي: إنّه سيِّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، قال في المستدرك: صحيح الإسناد.

14 - روى جماعة منهم أبو بكر والخجندي وعمر بن مرة وابن مسعود وعمرو ابن العاص والأسدي وعمر بن الحصين ومعاذ وأبو هريرة وابن الفرات وعائشة من طرق عدة قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): النظر إلى وجه علي عبادة، قال في المستدرك:صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


1) ولكن أخرجه البخاري كما عرفت في باب مناقبه ج 2 ص 299.

15 - قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لفاطمة: أما ترضين أن اللّه اطلع إلى الأرض فاختار منها رجلين: أحدهما أبوك، والآخر بعلك، أخرجه في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

16 - لف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليّاً وزوجته وولداه عند نزول آية التطهير وقال: هؤلاء أهل بيتي، أخرجه الترمذي والقزويني والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجه.

17 - أنا مدينة العلم وعلي بابها أخرجه في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وهنا: أخبار أخر لم يصرح الكنجي بأنهما لم يذكراها، منقولة من كتب القوم أعرضنا عنها.

فهذه الأحاديث إن كانت لم تصل إلى الشيخين مع شهرتها، فهو دليل قصورهما فكيف يرجحون كتابيهما، ويلهجون بذكرهما على غيرهما، وإن وصلت إليهما فتركا روايتها ونقلها، كان ذلك من أكبر أبواب التهمة والانحراف، والرجوع عن السبيل الواضح إلى الاعتساف.

وهذا الكنجي وغيره قد أخرج ذلك، وبيِن الطريق الرافع لاعتذار السالك والجاذب لمن تبصر به إلى النور عن الضلال الحالك، والمنجي لمن تمسك به من عظيم المهالك، ونحن نسأل اللّه الكريم الرحيم، أن يثبت أقدامنا على الصراط المستقيم ويجعلنا من ورثة جنة النعيم، فضلا من ربك، ذلك هو الفوز العظيم.

تذنيب

عابونا بترك مخالطتهم والأركان إليهم وما ذلك إلّا بما علمنا من ظلمهم وضلالهم لقوله: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (1)(وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (2).

وقد ذكر أحمد بن محمّد الجرجاني في مختصر المعارف والغزالي في الإحياء أنّ مالك بن أنس ترك المسجد والجمعة حتّى مات، وفي الإحياء أنّ سعداً وسعيداً لزماً بيوتهما ولم يأتيا المدينة لجمعة ولا غيرها.

وفيه قيل لابن حنبل: ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاة؟ فقال: حجتي الحسن البصري وإبراهيم التميميّ، فهلا وسعنا عذرهم لأئمتهم مع أنا أعذر منهم حيث يقرؤن لجليسهم إن اللّه يعذب من غير ذنب ويسهلون المعاصي، بقولهم: ما قدر اللّه كان وما لم فلا، ولأنهم طرحوا أحاديث العترة.

ففي أوّل الجزء الأوّل من صحيح مسلم قال الجراح بن مليح يقول: سمعت جابرا يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (3)

ثم قال: انظر - رحمك اللّه - كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) برواية أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الّذي هو من أعيان أهل بيته الّذين أمرهم بالتمسك بهم.

أقول: راجع صحيح مسلم ج 1 ص 13 و 14، باب وجوب الرواية عن الثقات و ترك الكذابين.

قال جرير:

1) هود، 113.

2) الكهف: 51.

3) قال السيد بن طاوس نور اللّه ضريحه في كتاب الطرائف: روى مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الأوّل بإسناده إلى الجراح بن مليح قال: سمعت جابرا يقول: عندي سبعون ألف حديث، عن أبي جعفر محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تركوها كلّها ثمَّ ذكر مسلم في صحيحه بإسناده إلى محمّد بن عمر الرازي، قال سمعت حريزا يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه، لأنّه كان يؤمن بالرجعة.

فلم أكتب عنه لأنّه كان يؤمن بالرجعة، فتركوا الانتفاع بتلك الأحاديث لأجل قول جاء القرآن به في (الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ (1)) وغيرهم، و جاءت أخبار بحياة أصحاب الكهف.

وأباحوا الخطأ في الشريعة فقد ذكر في الجمع بين الصحيحين أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد.

خاتمة

أتباع كلّ قوم أعرف بمذاهبهم، فالشيعة أعرف بمذاهب العترة التي رفع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الضلالة عن من تمسك بها، والعترة قد أثنت على الشيعة بالورع و الديانة، فيعلم كلّ عاقل مرافقتهم لها في العقايد والأمانة، ومن اللّه الإعانة.


1) البقرة: 243.

الباب السادس عشر: (ذكر رواة أحاديثهم وطعن بعضهم في بعض الموجب) (ذلك لفسقهم الموجب لرد حديثهم الموجب لهدم) (قاعدتهم في تصحيح دينهم)

كلام في أن نقل الطعن فيهم ليس من الاغتياب

فمن الصحابة جماعة مالوا إلى دنياهم، وتداولوا الأموال ودخلوا بني أمية في ولايتهم، ورووا لهم ما أحبوا، حتّى وصلوا إلى حاجتهم، وقتلوا عثمان، و سبوا عليّاً في زمان إمامته بالاعلان وخذلوا أبا عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع كونه من أحد الثقلين.

إن قيل: العدول عن ذلك أحرى بأولي الألباب، لما فيه من الاغتياب المنهي عنه بنص الكتاب.

قلنا: قد الحقّ اللّه بالظالمين من يتولى الظالمين، وقال النبيّ الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

قولوا في الفساق ما فيهم ليجتنبهم النّاس وقد وضعت العلماء كتب الرجال، ونصوا فيها على فسق جماعة وكذبهم في المقال، ولم يلحق ذلك بالضلال.

وذكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أهل العقبة وما انطووا عليه من العدوان، وأشار إلى بيت عائشة وقال: من هنا تطلع الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان، وقال لأصحابه:

لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وقال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذوا النعل بالنعل، والقذة بالقذة (1)وقال من أصحابي من لا يراني بعد خروجي من الدنيا.


1) روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول اللّه: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ورواه في مشكاة المصابيح ص 458، وقال متفق عليه.

كلام في معارضة الصحابة فيما بنيهم بالتكفير والتفسيق

ولولا أن اللّه يقول: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية (1)) لسكتنا عنهم، ولم نعادهم، وهذا علي ومن كان في حزبه لم يتعافوا عن طلحة والزبير وعائشة، والآخرون والأمر مشهور.

وهذا معاوية وابن العاص وأتباعهما برئوا من علي وأصحابه وحزبهم ولعنهم لهم معروف وقد روى جرير بن عبد الحميد الضبي أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص كان بصفين متقلدا بسيفين، يقاتل عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقول: هذا عن نفسي، و هذا عن أبي.

وهذا سعد (2)

وقد عذله معاوية حين وفد سعد عليه فقال: مرحبا بمن لم يعرف الحقّ فينصره، ولا الباطل فيخذله، وقد قال اللّه عز وجل في كتابه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ).

وابن عمر وأصحابهما لم يروا تقليد علي وهو إمامهما، وهذا عثمان نفا أبا ذر، وهذا عمار وابن مسعود لعنا عثمان، حتّى دق ضلع ابن مسعود وفتق بطن عمار، ولم ينكر أحد من أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليهم.

وقال ابن مسعود: وددت أني وعثمان برمل عالج يحثو علي وأحثو عليه حتّى يموت الأعجز منا، فيريح اللّه المسلمين منه. وفي رواية ابن مرة أنّه قال: عثمان جيفة على الصراط (3)

وكان يقول في كلّ يوم جمعة بالكوفة معلنا: إن أصدق القول كتاب اللّه، وأحسن الهدى هدى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان حتّى غضب الوليد من استمرار تعريضه، ونهاء عن خطبته هذه، فأبى أن ينتهي، فكتب الوليد إلى عثمان فيه فكتب عثمان يستقدمه.

راجع شرح النهج ج 1 ص 236، الأنساب للبلاذري ج 5 ص 36، حلية الأولياء ج 1 ص 138.

ومثله روي عن عمار.

1) المجادلة: 22.

2) هو سعد بن مالك أبي وقاص بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن النضر بن كنانة القرشي الزهري يكنى أبا إسحاق و أمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أمية، اعتزل عن بيعة علي وفتنة معاوية مع ابن عمر ومحمّد بن مسلمة بعد قتل عثمان.

3) قال الشيخ في تلخيص الشافي ج 4 ص 101: قد روى كلّ من روى السيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود كان يقول: ليتني وعثمان برمل عالج يحثي علي وأحثي عليه حتّى يموت الأعجز مني ومنه، ورووا أنّه كان يطعن عليه فقال له: ألا خرجت عليه لنخرج معك!؟ فيقول، واللّه لئن أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلاً.

وروى شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود أن عثمان لا يزن عند اللّه جناح بعوضة وروى خالد وابن حماد ومنصور عن الأعمش عن عمر بن مرة عن أم سلمة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يدخل عليكم رجل من أهل النار فدخل عثمان (1).

وهذا عمر يشهد لأهل الشورى بالجنّة ويأمر بقتلهم، وهذه عائشة تخرج قميص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وتقول: لم يبل وقد أبلى عثمان سنته، وهذا عمر قد قال: اقتلوا سعداً لعن اللّه سعداً، وهو سيِّد الأنصار، وهم بإحراق بيت فاطمة وأنكر على أبي بكر ترك قتل خالد، وقد قذفه بالزنا بامرأة مالك، وأنكر عليه أشياء حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة (2).

وهذا طلحة وعثمان يوم أحد فقال له عثمان: ألست خطبت يهوديّة فأبت


1) لما مرض ابن مسعود مرضه الّذي مات فيه، أتاه عثمان عائدا فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا أدعو لك طبيبا! قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا آمر لك بعطائك! قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه، قال: يكون لولدك قال: رزقهم على اللّه، قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال: أسأل اللّه أن يأخذ لي منك بحقي، راجع الأنساب للبلاذري ج 5 ص 37.

2) مرّ ذلك مشروحاً في أوائل هذا المجلد فراجع.

أن يتزوّجك؟ حتّى تهوَّدت فأنت أوّل صحابي تهوّد.

وهذا أبيّ بن كعب وابن مسعود تسابا حتّى نفى كلّ واحد منهما الآخر عن أبيه، وقال عثمان لابن عوف: يا منافق! فقال: متى نافقت أفي توليتي إيّاك؟ أم برضاي بمن لم يكن رضى.

فهذه أمور شرحناها، ليعلم الناظر في كتابنا أن القوم بدّلوا وغيروا كالأمم السالفة، فإن كان اللّه ورسوله مدحاهم في حال طاعتهم، فقد ذماهم في حال معصيتهم وقد خاطب اللّه نبيه بـ(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (1)) وقال: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (2)) وذلك تأديب وتحذير لأمته.


1) الزمر: 65.

2) الأنعام، 15، يونس: 15، الزمر، 13.

فصل في رواة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه

فمن فقهاء الجمهور ورواتهم عبد اللّه بن عمر، قعد عن بيعة علي ونصرته، و تمسك بيزيد وبيعته، ففي الحديث الحادي والثمانين من الجمع بين الصحيحين لما خلع أهل المدينة يزيد، جمع أهله وحشمه، وقال: سمعنا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول: ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة، وإني لا أعلم أغدر ممّن بايع رجلاً ثمَّ نصب له القتال.

وفي الحديث الخامس والخمسين منه أنّه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، وفي الحديث الخامس والستين بعد المائة من المتفق عليه لما سمعت عائشة عنه أن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت: نسي أو أخطأ (1)

فقال عبد اللّه بن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه.

إلى أن قال: قال ابن عبّاس: فلمّا أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه وا صاحباه فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟

قال ابن عبّاس فلمّا مات عمر، ذكرت ذلك لعائشة فقالت: رحم اللّه عمر، واللّه ما حدث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إن اللّه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول اللّه قال: إن اللّه ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم الآن (ولا تزروا وازرة وزر أخرى).

وروى في حدويث آخر عن عمرة بنت عبد الرحمن أنّها أخبرته أنّها سمعت عائشة زوج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قالت: إنّما مر رسول اللّه على يهودية يبكى عليها أهلها فقال: إنّهم ليبكون عليها، وإنّما لتعذب في قبرها.

وروى البخاري أيضاً في باب البكاء عند المريض ج 1 ص 226 من صحيحه عن عبد بن اللّه عمر في حديث أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إنّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وزاد بعده: وكان عمر يضرب فيه بالعصا ويرمى بالحجارة ويحثى بالتراب.

قال السيد شرف الدين في النصّ والاجتهاد ص 174: كانت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض، فكان عمرو ابنه عبد اللّه يرويان عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: إنّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وفي رواية ببعض بكاء أهله عليه، وفي ثالثة: ببكاء الحي عليه، وفي رابعة يعذب في قبره بما ينح عليه، وفي خامسة: من يبك عليه يعذب وهذه الروايات كلّها خطأ من راويها بحكم العقل والنقل.

أقول: قد أورد قدس سره في ذاك الفصل من كتابه، روايات كثيرة صحيحة في أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بكى على حمزة سيِّد الشهداء، وأنّه بكى حين بكت فاطمة ابنته وأنّه بكى على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي.

وروى عن البخاري في صحيحه باب قول النبيّ إنا بك محزونون من أبواب الجنائز ص 226 ج 1 عن أنس قال: دخلنا عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وإبراهيم - ابنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) - يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول اللّه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول اللّه؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة، ثمَّ أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، و القلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

إنّما قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في

1) قال البخاري في صحيحه باب قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه (ج 1 ص 222 الطبعة التي بهامشها الحاشية السندي): حدثنا عبدان حدثنا عبد اللّه أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عبّاس وإني لجالس بينهما...

يهوديّة ماتت إنّه يبكي عليها وإنها لتعذب، فهذا طعن منها فيه إن كانت صادقة وإلّا ففيها.

ومنه في الحديث الثاني عشر بعد المائة من المتفق عليه أن ابن عمر قال: اعتمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في رجب فبلغها فقالت: ما اعتمر في رجب، وما اعتمر قط يوماً عمرة إلّا وأنا معه، فكيف جاز لها أن تقول ذلك، ولعله اعتمر فيه بمكة بهذا طعن في ابن عمر أو فيها.

ومنهم: عائشة التي أكثروا الرواية عنها، مع نقلهم في صحاحهم نقصها، و

ما يوجب ردّ قولها، ففي الحديث الثاني والثمانين من المتفق عليه: كنت ألعب بالبنات وكانت لي صواحب يلعبن معي، فإذا دخل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) امتنعن، فيشير لهن فيلعبن معي والبنات اللعب (1)ونحوه في حديث جرير.

وقد روت هي في الحديث السادس من المتفق عليه في عدة طرق إنكار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعمل الصور والأمر بإبطالها، فكيف يرضى بجعلها في منزله وقد رووا عنه في صحاحهم أن الملائكة لا تدخل بيتا يكون فيه كلب ولا صورة ولا تمثال أفكان يؤثر لعب عائشة باللعب على دخول الملائكة بيته الّذي أسس على العبادات ونفي المنكرات، وكيف يمتنع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من دخول الكعبة حتّى يجنب عنها الصور كما ذكره في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع عشر من أفراد البخاري ويجمع لعائشة النساء يلعبن معها أو يريد لعبها بلعبتها.

وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والعشرين من المتفق عليه أن عائشة تفرجت على الحبشة وهم يلعبون في المسجد بالحراب (2)وقد صان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) المسجد عن إنشاد الضوال وقال: لا أداها اللّه إليك إن المساجد لم تبن لهذا.

كلام في حديث عائشة أن رسول اللّه صار مسحورا على يد لبيد بن أعصم اليهودي وغير ذلك من أحاديثها

ومن ذلك الحديث أن أباها دخل عليها في أيّام منى، وعندها جاريتان يدففان، والنبيّ متغش بثوبه، فنهرها وقال: أمزامير الشيطان عند رسول اللّه؟ فنهاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن ذلك. فكيف حسن من القوم تصحيح ذلك عن نبيهم الّذي هو أكمل العقلاء، وأفضل الفضلاء وكيف جعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بيوتا أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه كما جاء في القرآن محلا للعب والغناء، وأبو بكر ينهي عن المنكر فيرده النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن النهي، وإذا كان النبيّ لا ينطق عن الهوى، بل بوحي يوحى فرد النبيّ عن المنكر من رب السماء وكيف ساغ لأبي بكر النهي عن ذلك وكان له برسول اللّه أسوة حسنة، وهل ذلك إلّا تقدم بين يدي اللّه ورسوله؟. وقد ذكر الحميدي في الحديث الرابع بعد المائة من المتفق عليه عن عائشة من طرق عدة قالت: سحر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حتّى كان يخيل إليه أنّه فعل الشئ وما فعله، فكيف


1) اللعب - كصرد - جمع اللعبة - بالضم - التمثال يلعب بها.

2) صحيح البخاري ج 1 ص 90.

صحّحوا ذلك وقد صانه اللّه بألطافه وقال: (فَسَيَكفِيكَهُمُ اللّه (1)) وكان يعلم النّاس التحرس من السحر، (2)

فبينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذات ليلة نائم، إذ أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه. والآخر عند رجليه، فقال الّذي عند رأسه للذي عند رجليه: ما وجعه؟ قال: مطبوب قال: من طبه؟ قال: لبيد بن أعصم، قال: بم طبه! قال: بمشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر بذي أروان، وهي تحت راعوفة البئر.

فلما أصبح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) غدا ومعه أصحابه إلى البئر فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول اللّه، ومن مشاط رأسه و إذا تمثال من شمع تمثال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وإذا فيها أبر مغروزة وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة.

فأتاه جبرئيل بالمعوذتين فقال: يا محمّد! قل أعوذ برب الفلق - وحل عقدة - من شر ما خلق - وحل عقدة - حتّى فرغ منها وحل العقد كلها، وجعل لا ينزع إبرة إلّا يجد لها الما، ثمَّ يجد بعد ذلك راحه فقيل: يا رسول اللّه لو قتلت اليهودي، فقال: قد عافاني اللّه، وما وراءه من عذاب اللّه أشد، أخرجه السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 417.

ولو جاز عليه ذلك التنفيذ، جاز أن ينقص عن الشريعة أو يزيد، وفي ذلك إسقاطه وإسقاط مذهب الاسلام، عند أعدائه من الأنام.

ومنهم: مقاتل، قال الجزري: كان كذابا بإجماع المحدثين، وقال وكيع: كذاب وقال السعدي: كان حسوداً وقال البخاري: كان مقاتل لا شئ البتة، و قال الساجي: كذاب متروك، وقال الرازي: متروك الحديث، وقال النسائي: من الكذابين المعروفين بوضع الحديث على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، وابن سعيد بالشام.

ومنهم: أبو حنيفة قال الغزالي: أجاز أبو حنيفة وضع الحديث على وفق


1) البقرة، 137.

2) وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: كان لرسول اللّه غلام يهودي يخدمه، يقال له لبيد بن أعصم، فلم تزل به يهود حتّى سحر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وكان النبيّ يذوب ولا يدري ما وجعه.

مذهبه، وقال: إشعار البدن مثلة، وقد روت عائشة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أشعر بدنة (1)

وقال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان أنّهما قالا: خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عام الحديبية فلمّا كان بذي الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم.

وقال: لو تزوج إنسان أمه على عشرة دراهم لم يكن زانيا، ولو لف ذكره بحريرة وأدخله فرج امرأة لم يكن زانيا، ولو غاب عن امرأة عشرين سنة ثمَّ قدم وبها حبل كان منه، وقد أسلفنا في الباب السالف جانبا من مخازيه.

ومنهم: هشام السني زعم أن شرب النبيّذ سنة، وتركها مروة، فقد جعل ترك السنة مروة، وأن الروح التي في عيسى غير مخلوقة، فأراد قاضي الري أن ينكل به فهرب.

ومنهم: محمّد بن سيرين: كان مؤدبا للحجاج على ولده، وكان يسمعه يلعن عليّاً فلا ينكر عليه، فلمّا لعن النّاس الحجاج خرج من المسجد وقال: لا أطيق أسمع شتمه (2).

ومنهم: سفيان الثوري كان في شرطة هشام بن عبد الملك.

ومنهم: الزهري قال سفيان بن وكيع: إنّه كان يضع الأحاديث لبني مروان وكان مع عبد الملك يلعن عليّاً، وروى الشاذكوني بطريقين أنّه قتل غلاما له.

ومنهم: سعيد بن المسيب فقيه الحجاز، روى أبو معشر أنّه تأبى من حضور جنازة علي بن الحسين، وهو ابن ناقل هذا الدين، ومحمود عند ساير المسلمين


1) قال السجستاني في سننه ج 1 ص 406: حدثنا أبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر، المعنى قالا: ثنا شعبة، عن قتادة قال أبو الوليد: قال: سمعت أبا حسان عن ابن عبّاس أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلى الظهر بذي الحليفة، ثمَّ دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن ثمَّ سلت عنها الدم وقلدها بنعلين ثمَّ أتى براحلته. فلمّا قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج.

2) قيل: وكان بينه وبين الحسن البصري من المنافرة ما هو مشهور حتّى قيل: جالس إما الحسن أو ابن سيرين، توفى ابن سيرين سنة 110 بعد الحسن البصري بمائة يوم

كلام في ترجمة سعيد بن المسيب وعدم حضوره للصلاة على علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

وقال: ركعتين أحب إلي من حضور علي بن الحسين (1)

وفي رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كان القوم لا يخرجون من مكة حتّى يخرج علي بن الحسين سيِّد العابدين، فخرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخرجت معه فنزل في بعض المنازل فصلى ركعتين فسبح في سجوده، فلم يبق شجر ولا مدر إلّا سبحوا معه ففزعنا فرفع رأسه و قال: يا سعيد أفزعت؟ فقلت: نعم يا ابن رسول اللّه فقال: هذا التسبيح الأعظم حدثني أبي عن جدي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: لا تبقى الذنوب مع هذا التسبيح فقلت: علمناه -.

وفي رواية علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أنّه سبح في سجوده فلم يبق حوله شجرة ولا مدرة إلّا سبحت بتسبيحه، ففزعت من ذلك وأصحابي، ثمَّ قال: يا سعيد إن اللّه جل جلاله لما خلق جبرئيل ألهمه هذا التسبيح فسبحت السماوات ومن فيهن لتسبيحه الأعظم و هو اسم اللّه عز وجل الأكبر، يا سعيد أخبرني أبي الحسين، عن أبيه، عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن جبرئيل، عن اللّه جل جلاله أنّه قال: ما من عبد من عبادي آمن بي و صدق بك وصلى في مسجدك ركعتين على خلاء من النّاس إلّا غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلم أر شاهدا أفضل من علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث حدثني بهذا الحديث، فلمّا أن مات شهد جنازته البر والفاجر، وأثنى عليه الصالح والطالح، وانهال النّاس يتبعونه حتّى وضعت الجنازة فقلت: إن أدركت الركعتين يوماً من الدهر فاليوم هو، ولم يبق إلّا رجل وامرأة ثمَّ خرجا إلى الجنازة وثبت لا صلى فجاء تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض، و أجابه تكبير من السماء فأجابه تكبير من الأرض، ففزعت وسقطت على وجهي فكبر من في السماء سبعا ومن في الأرض سبعا وصلى على علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما ودخل النّاس المسجد فلم أدرك الركعتين ولا الصلاة على علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما. فقلت؟ يا سعيد لو كنت أنا لم أختر إلّا الصلاة على علي بن الحسين، إن هذا لهو الخسران المبين فبكى سعيد، ثمَّ قال: ما أردت إلّا الخير ليتني كنت صليت عليه، فإنّه ما رؤى مثله.


1) روى الكشي عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، و عبد الرزاق، عن معمر، عن علي بن زيد قال: قلت لسعيد بن المسيب إنك أخبرتني أن علي بن الحسين النفس الزكية وإنك لا تعرف له نظيرا؟ قال: كذلك، وما هو مجهول ما أقول فيه، واللّه ما رؤى مثله قال علي بن زيد: فقلت: واللّه إن هذه الحجة الوكيدة عليك يا سعيد فلم لم تصل على جنازته؟ فقال: إن القراء كانوا لا يخرجون إلى مكة حتّى يخرج علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخرج وخرجنا معه ألف راكب، فلمّا صرنا بالسقيا نزل فصلى وسجد سجدة الشكر فقال فيها -.

ومنهم: خالد الواسطيّ روى: الجنّة والنار يخربان.

ومنهم: منصور بن المعتمر كان شرطيا لهشام بن عبد الملك.

ومنهم: سعيد بن جبير كان على عطاء الخيل في زمرة الحجاج، وتخلف عن الحسين.

ومنهم: الحسن البصريّ خرج مع ابن الأشعث وتخلف عن الحسين، و خرج في جند الحجاج إلى خراسان وقال في عثمان: قتله الكفار، وخذله المنافقون فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى النفاق.

ومنهم: مسروق بن الجذع ومرة الهمدانيان لم يخرجا مع علي إلى صفين بل أخذا عطاءهما منه، وهربا إلى قزوين، وكان مسروق يلي الجسر بالبصرة لعبيد اللّه بن زياد يأخذ له المكس.

ومنهم: أبو موسى الأشعري رويتم عن حذيفة بن اليمان أنّه شهد عليه بالنفاق (1).

كلام في المغيرة بن شعبة وزنائه بأم جميل ودرء الخليفة عمر بن الخطاب الحدّ عنه وإجراء الحد على ثلاثة من الشهود

ومنهم المغيرة بن شعبة شهد عليه ثلاثة بالزنا فلقن عمر الرابع فتلجلج حتّى رفع الحد عنه (2)

وأما حديث المغيرة بن شعبة والشهادة عليه، فإن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان قد رتب المغيرة أميرا على البصرة، وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار، وكان أبو بكرة يلقاه فيقول: أين يذهب الأمير. فيقول: في حاجة. فيقول: إن الأمير يزار ولا يزور.قال: وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو، وزوجها الحجاج بن عتيك ابن الحارث بن وهب الجشمي، ثمَّ ذكر نسبها.

ثم روى إن أبا بكرة بينما هو في غرفته مع إخوته، وهم نافع، وزياد، وشبل بن معبد، أولاد سمية فهم إخوة لأم، وكانت أم جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة فضربت الريح باب غرفة أم جميل ففتحته ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع المرأة على هيئة الجماع.

فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا فنظروا حتّى أثبتوا فنزل أبو بكرة فجلس حتّى خرج عليه المغيرة، فقال له: إنّه كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا. قال:وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر ومضى أبو بكرة. فقال أبو بكرة: لا واللّه لا تصل بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه فليصل فإنّه الأمير واكتبوا بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه فكتبوا إليه فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً، المغيرة والشهود.

فلما قدموا عليه جلس عمر رضي اللّه عنه فدعا بالشهود والمغيرة، فتقدم أبو بكرة.

فقال له: رأيته بين فخذيها؟ قال: نعم واللّه لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها، فقال له المغيرة: ألطفت النظر، فقال أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك اللّه به. فقال عمر رضي اللّه عنه: لا واللّه حتّى تشهد لقد رأيته يلج فيه إيلاج المرود في المكحلة. فقال: نعم أشهد على ذلك. فقال؟: اذهب مغيرة ذهب ربعك.

ثم دعا نافعاً فقال له: على ما تشهد، قال: على مثل ما شهد أبو بكرة. قال: لا حتّى تشهد أنّه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة. قال: نعم حتّى بلغ قذذه. فقال له عمر رضي اللّه عنه، اذهب مغيرة قد ذهب نصفك.

ثم دعا الثالث فقال له: على ما تشهد. فقال: على مثل شهادة صاحبي، فقال له عمر. اذهب مغيرة فقد ذهب ثلاثة أرباعك.

ثم كتب إلى زياد وكان غائبا وقدم، فلم رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار، فلمّا رآه مقبلا قال: إني أرى رجلاً لا يخزى اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرين، ثمَّ إن عمر رضي اللّه عنه رفع رأسه إليه فقال: ما عندك يا سلح الحبارى فقيل إن المغيرة قام إلى زياد. فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس. فقال له المغيرة: يا زياد اذكر اللّه تعالى واذكر موقف يوم القيامة فإن اللّه تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلّا أن تتجاوز إلى ما لم تر ممّا رأيت فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ما لم تر فواللّه لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن يسلك ذكري فيها.

قال: فدمعت عينا زياد واحمر وجهه وقال: يا أمير المؤمنين أما أن أحق ما حقق القوم فليس عندي، ولكن رأيت مجلسا وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها.

فقال له عمر رضي اللّه عنه: رأيته يدخله ويولجه كالميل في المكحلة فقال: لا. وقيل قال زياد: رأيته رافعا رجليها فرأيت خصيتيه تردد ما بين فخذيها ورأيت حفزا شديدا وسمعت نفسا عاليا. فقال عمر رضي اللّه عنه: رأيته يدخله ويولجه كالميل في المكحلة. فقال: لا.

فقال عمر: اللّه أكبر قم يا مغيرة إليهم فاضربهم فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين و ضرب الباقين، وأعجبه قول زياد ودرأ الحد عن المغيرة. فقال أبو بكرة بعد أن ضرب:

أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر أن يضربه حدا ثانيا، فقال له علي بن أبي طالب: إن ضربته فارجم صاحبك، فتركه واستتاب عمر أبا بكرة فقال: إنّما تستتيبني لتقبل شهادتي؟ فقال: أجل. فقال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا، فلمّا ضربوا الحد قال المغيرة: اللّه أكبر الحمد للّه الّذي أخزاكم. فقال عمر رضي اللّه عنه: أخزى اللّه مكانا رأوك فيه.

قال وذكر عمر بن شيبة في كتاب أخبار البصرة: أن أبا بكرة لما جلد أمرت أمه بشاة فذبحت وجعل جلدها على ظهره. فكان يقال: ما كان ذاك إلّا من ضرب شديد.

قال وحكى عبد الرحمن بن أبي بكرة: أن أباه حلف لا يكلم زياداً ما عاش، فلمّا مات أبو بكرة كان قد أوصى أن لا يصلى عليه إلّا أبو برزة الأسلمي، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) آخى بينهما، وبلغ ذلك زيادا فخرج إلى الكوفة، وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره.

ثمّ إنّ أم جميل وافت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالموسم والمغيرة هناك، فقال له عمر: أتعرف هذه المرأة يا مغيرة؟ فقال: نعم هذه أم كلثوم بنت علي، فقال عمر:

أتتجاهل علي واللّه ما أظن أبا بكرة كذب فيما شهد عليك، وما رأيتك إلّا خفت أن أرمى بحجارة من السماء.

قال: ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أوّل باب عدد الشهود في كتابه المهذب، و شهد على المغيرة ثلاثة أبو بكرة، ونافع، وشبل بن معبد، قال وقال زياد: رأيت إستا تنبو ونفسا يعلو ورجلين كأنهما أذنا حمار ولا أدري ما وراء ذلك فجلد عمر الثلاثة ولم يحد المغيرة.

قل قلت: وقد تكلم الفقهاء على قول علي رضي اللّه عنه لعمر: إن ضربته فارجم صاحبك فقال أبو نصر بن الصباغ: يريد أن هذا القول إن كان شهادة أخرى فقدتم العدد، وإن كان هو الأولى فقد جلدته عليه واللّه أعلم. إنتهى.

وأخرج الحاكم هذه القضية في ترجمة المغيرة ص 448 والتي بعدها من الجزء الثالث من صحيحه المستدرك، وأوردها الذهبي في تلخيص المستدرك أيضاً، وأشار إليها مترجمو كلّ من المغيرة، وأبي بكرة، ونافع، وشبل بن معبد، ومن أرخ حوادث سنة 17 للهجرة من أهل الأخبار. (راجع النصّ والاجتهاد ص 202 - 205)


1) ورأيت في بعض الكتب أنّه جرى بينه وبين حذيفة بن اليمان كلام ومجاراة فقال له حذيفة بن اليمان: أنشدك اللّه لو كنت مع أهل العقبة - وهم أربعة عشر رجلاً - كم كان عددهم! فلم يجبه، وهذا مشعر بأنّه كان من أصحاب العقبة.

2) قال ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان عند ترجمته يزيد بن زياد الحميري:

ومنهم: أبو هريرة ضرب عمر بن الخطاب رأسه بالدرة وقال: أراك قد أكثرت الرواية، ولا أحسبك إلّا كذابا وقال له: يا عدو اللّه وعدو الاسلام أخنت ماله؟ وغرمه اثني عشر ألف درهم، وقال فيه عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): أكذب رجل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هذا الغلام الدوسي.

وروى أحمد بن مهدي عن نعيم عن أبي حازم عن أبيه عن أبي صالح قال: سب أبو هريرة فقال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إن فيك لشعبة من الكفر، فسأل النبيّ أن يستغفر

له، فلم يعلم أحد أنّه استغفر له، وحلف لا يسب مسلما، وكان بعد ذلك يلعن عليّاً.

وفي المعارف كان يلاعب الصبيان، ويقرعهم برجليه، ويواكلهم، ويركب الحمار وفي رأسه حلية من ليف، ويقول: الطريق جاء الأمير.

وفي نزهة الأبصار قيل له: يا أبا هريرة يا سارق الذريرة، وفي ربيع الأبرار عن الزمخشري أنّه كان يقول: اللّهمّ ارزقني ضرساً طحوناً، ومعدة هضوما، و دبرا نثوراً.

وروى الثوري عن منصور عن إبراهيم أنّهم كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلّا ما كان من ذكر جنة أو نار، قال صاحب المصالت: عائشة [جاءت] تكذبه فقال: اسكتي غيرت فضائل عليّ.

وقال أبو حنيفة: كلّ الأصحاب آخذ عنهم الحديث، ما خلا أنس وأبي هريرة وأعطي أربعمائة ألف درهم، على وضع أربعمائة حديث، وقدم العراق مع

معاوية فقال: أشهد أن عليّاً أحدث في المدينة، وقد قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من أحدث فيها فعليه لعنة اللّه.

وقال له رجل: شهدت قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لعليّ: اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه؟ قال: نعم، قال: فبرئ اللّه منك إذ عاديت وليه، وواليت عدوه وتولى خلافة معاوية بين يدي بشر بن أرطاة.

وروى الشاذكوني أن ابن عمر مر من مكة إلى المدينة ما سمع منه إلّا حديث واحد وأسند إلى ابن عبّاس: كنا نحدث عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إذ كان لا يكذب عليه، فأما إذا ركب النّاس الصعب وكذبوا، تركنا الحديث عنه.

وأسند أحمد بن مهدي إلى ابن الزبير قال: قلت لأبي مالك: ألا تحدث عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كأصحابك؟ قال: سمعته يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وهم يقولون تعمدا واللّه ما قال تعمدا.

وقد روى أبو هريرة: لا عدوي ولا طيرة، وفر من المجذوم فرارك من الأسد ولا يورد ممرض على مصح (1)، وروى الحميدي في الحديث السادس والثلاثين بعد المأتين أنّه غسل يديه في الوضوء إلى إبطيه فقيل له في ذلك: فروى عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال: يبلغ الحلية من المؤمن من حيث يبلغ الوضوء، وهذا تلاعب منه بدين اللّه إذ لا يعلم أحد يعمل به من خلق اللّه.

فإذا جعلوا هذا الحديث صحيحا متفقا عليه بين الأئمّة الناقلين، فقد خطاؤا جميع المسلمين.

ومنهم كعب الأحبار ضربه أبو ذر بمحجنه فشجه، وقال له: ما خرجت اليهودية من قلبك.

ومنهم: إبراهيم النخعي تخلف عن الحسين، وخرج مع ابن الأشعث، و في جيش عبيد اللّه ابن زياد إلى خراسان.


1) يريد أن روايته (لا عدوي ولا طيرة) يناقض روايته (فر من المجذوم، ولا يورد ممرض على مصح).

ومنهم: أنس بن مالك ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس عشر بعد المائة من المتفق عليه أن إنسانا سأل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن الساعة فقال: إن آخر هذا لم يدرك الهرم، حتّى تقوم الساعة، وفي حديثين آخرين عنه نحو ذلك فكيف يسمع مع قوله تعالى: (یَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [أَيَّانَ مُرْسَاهَا] قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) (1)(إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) (2)(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (3)مع روايتهم عن نبيهم أنّه أخبر بدولة بني أمية وبني هاشم و المهدي وغيرهم ممّا يقتضي كون القيامة أبعد من أعمار شتى.


1) الأعراف: 187.

2) النازعات: 44.

3) لقمان: 34.

فصل آخر في ذكر جمع من رواتهم والطعن فيهم

منهم: أبو إسحاق السبيعي خرج إلى قتال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومنهم: الشعبي خرج مع ابن الأشعث وتخلف عن الحسين، وأسند الشاذ - كونيّ أنّه سرق من بيت المال مائة درهم في خفية، وإنّ شريحاً ومسروقاً ومرة كانوا لا يؤمنون على دعائه.

وأسند العطّار إلى بهلول إلى أبي حنيفة قال: دخلت على الشعبي وبين يديه شطرنج ونبيذ، وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة أن الشعبي كان لا يهون عليه أن تقوم الصلاة، وهو يلعب بالشطرنج والنرد، وروى الفضل بن سليمان عن النضر بن محارب أنّه رأى الشعبي يلعب بالشطرنج، فإذا مر عليه من يعرفه أدخل رأسه في قطيفته.

ومنهم: سفيان الثوري روي أنّه قيل له: كيف تروي عن أبي مريم وهو يسكر؟ فقال: لأنّه لا يكذب في الحديث (1)

فدنا منه وقال: يا ابن رسول الله! واللّه ما لبس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مثل هذا اللباس ولا على ولا أحد من آبائك. فقال له أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في زمن قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره واقتاره وإن الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها، فأحق أهلها بها أبرارها، ثمَّ تلا: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).

فنحن أحق من أخذ منها ما أعطاه اللّه، غير أني يا ثوري ما ترى على من ثوب إنّما لبسته للناس، ثمَّ اجتذب بيد سفيان فجرها إليه، ثمَّ رفع الثوب الأعلى وأخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظاً، فقال هذا لبسته لنفسي غليظا، وما رأيته للناس.

ثم جذب ثوباً على سفيان أعلاه غليظ خشن، وداخل ذلك ثوب لين، فقال: لبست هذا الأعلى للناس، ولبست هذا لنفسك تسرها.

أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر وليس فيها ذيل الخبر، راجع الكافي ج 6 ص 442 ج 5 ص 65، مطالب السؤول ص 82.

وعنونه ابن حجر في التقريب قال: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد اللّه الكوفي ثقة عابد إمام حجة من رؤس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، والعجب من ابن حجر الناقد، يمدحه بالوثوق والحجية والإمامة ثمَّ يقول كان يدلس، فكيف يكون المدلس إماماً حجة ثقة؟ نحن لا ندري.

.

1) روى الكليني عن علي بن محمّد بن بندار عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن محمّد بن علي رفعه قال: مرّ. سفيان الثوري في المسجد الحرام فرأى أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليه ثياب كثيرة القيمة حسان فقال: واللّه لآتينه ولأوبخنه.

ومنهم خالد الحذّاء روى عنه أبو عاصم النيلي أنّه أوّل من وضع العشور.

ورووا فقهاؤهم مثل حماد ابن زيد وغيره أنا لنرى عليّاً بمنزلة العجل الّذي اتخذه بنو إسرائيل.

فهؤلاء رواة المنكرات، مثل قولهم: إنّ النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: ما أبطأ عنّي جبرائيل إلّا ظننته بدأ بعمر، وقد روى علماؤهم أنّه كان ممّن نخس برسول اللّه العقبة، رواه عبيد اللّه بن موسى عن الوليد بن جبير عن أبي الطفيل عن حذيفة وعمار أنّهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعمرو بن العاص، و ابن مسعود، وأبو موسى، وجماعة أخرى.

فهذا اختلاف من أخذوا عنهم أمر دينهم واعتمدوا في الاحتجاج على قولهم، وقد ذكر علماؤهم، أن عامة من تعلق بهم علم الحديث مبتدعة.

فقالوا: من قدريّة المدينة محمّد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمّد ابن أبي ذؤيب، وإبراهيم الأسلمي، وشريك بن عبد اللّه، وعطاء بن يسار، ومن مكة عبد اللّه بن أبي نجيح، وهشام بن حجير، وإبراهيم بن نافع، ومن الشام مكحول وثور، وغيلان.

ومن البصرة قتادة، ومعبد، وعون، وسعيد، وعمرو بن عبيد، وهشام

وهمّام، عباد بن منصور، وعباد بن أبي ميسرة، والحسن بن واصل، ويزيد الرقاشي وهارون الأعور، وحمّاد الأبحّ، وروح، وأبو هليل، وصالح التاحي و الربيع، والسمان، وعبد الواحد، وعتبة، وعثمان، وأبو عبيدة، وعبد الوارث وسقيف وأبو فطف، وعبّاد بن صهيب، والمنهال، وابن غالب.

فهؤلاء رواة حديثهم، وقد رموهم بالبدعة والضلالة.

وممّن نسب من أهل الكوفة إلى الرفض، سلمان، وأبو ذر، والمقداد، و عمار، وجابر بن عبد اللّه، والخدري، والبراء، وعمران ابن حصين، وحذيفة وذو الشهادتين، وعبد اللّه بن جعفر، وابن عبّاس، وحبشي، وأبو رافع، وأبو جحيفة وزيد بن أرقم، ومجاهد، وابن المسيب، وسويد، والحارث، وعلقمة، والربيع وأويس القرني، والأشتر، ومحمّد بن أبي بكر، وابنه القاسم.

فهؤلاء عندهم رافضة، (1)وقد اقتدى بهم جماعة لا تحصى من أكابر أهل العراق، سمى الطبري منهم نحو مائة وخمسين، من أرادهم وقف عليهم في كتاب المسترشد قال: وجماعة كثيرة لم نذكرهم.

ونسبوا من أهل الكوفة قوما إلى البدعة منهم سفيان الثوري، وأبو بكر بن عياش، ويعلى بن عمر، ويحيى بن اليمان، ومن واسط عشيم بن بشير، وخالد بن عبد اللّه، وعباد بن العوام ومحمّد بن يزيد، ومحمّد بن الحسن وجعفر بن أياس، والأصبغ بن بريد وعمران بن أبي عطاء وأبو الحكم ويعلى بن مسلم وأيوب بن مسكين و سفيان بن حسين ومن البصرة يحيى بن سعيد القطان.


1) زاد في بعض النسخ: وحديث العراق متعلق. ولم نفهم المراد.

فصل فيمن نسبوهم إلى البدعة والإرجاء والرفض والنفاق ببغضهم علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وممّن كان يطعن على علي من أهل الكوفة مسروق ومرَّة الهمدانيّان، و عمر بن بشر الحنبلي، وأبو عبد الرحمن السلميّ، وعبد اللّه بن عقبة، وهمام النخعي وسويد بن حازم، وأبو وائل الأسدي، وعبد اللّه الجهني، وعلي بن عبد اللّه، و أبو بكر وأبو بردة ابنا أبي موسى الأشعريّ، وعبد اللّه الأنصاريّ، وعامر الشعبيّ ويزيد التميميّ، وإبراهيم التميميّ.

ثمّ عد الطبريّ جماعة أعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة بها.

ونسب إلى الرفض من أهل البصرة عليّ بن جدعان التميميّ، وأبو الأسود الدؤلي، وحرب بن أبي الأسود، والجارود الهذلي، وربعي الهذلي، و عبد اللّه ابن يحيى، وأبو يعقوب، وحارثة بن قدامة السعدي، وعمّار بن أبي عمّار، و يونس بن إبراهيم، وجعفر بن سليمان، ونوح بن قيس الطاخي وأبو الوليد الجهضمي، وعميرة الضبي.

ومن أهل مصر وشأم، مشرح بن هاعان، وجبريل بن عاهان، وعليٌّ بن رباح، وأبو راشد، وأبو مسلم الخولاني، وأبو يحيى الغساني.

ونسب إلى الإرجاء من أهل مكّة طلق بن حبيب، وعبد العزيز بن أبي رواد وعبد المجيد ومن الكوفة ذر الهمدانيّ، ومسعر الهلاليّ، وحماد الأشعري، و مالك البجلي وعمر الجملي، وأبو جحيفة، وزهير الجعفيّ، ومحمّد الضرير، وأبو يحيى الحماني، وحماد، وأبو يوسف القاضي، وخالد الطحان، ومحمّد بن الحسن الشيبانيّ، صاحب أبي حنيفة، ومن الخوارج أبو الشعثا، وأبو لبيد، ومن البصرة محمّد بن الأشعث، ومسلم بن بشار، وأبو الحوراء السعديّ، والحسن وسعيد ابنا أبي الحسن، وجماعة أخر.

فهؤلاء جلة علمائهم وفقهائهم، من أهل الأمصار، لا نعلم أحدا سلم من عيبهم

إما داخل مع نبي أميّة أو مبتدع أو قدريّ، أو رافضيّ، أو مرجيّ، أو مارقيّ فكيف يقتدون بمن فيهم يطعنون، وقد اقتدوا في بيعة أبي بكر بمن حل عقدة عثمان وحصره وقتله.

ورووا أنّ أوّل من بايع أبا بكر عمر، ثمَّ قال: كانت فلتة، فانظر إلى هذه المناقضات، تارة يبنون، وتارة يهدمون ورجالهم الّذين أخذوا عنهم دينهم بنقلهم كذابون، وبزعمهم مدلسون، وقد شرحنا طرفاً من أحوالهم وطرفاً من أقوالهم.

وأسند الشاذكوني أن شعبة قال: أخذت من أربعمائة شيخ ثلاثمائة وثمانية وتسعين يدلسون إلّا رجلين أبو عون وعمر بن مرة.

وروي أنّ سفيان الثوريّ سئل عن ابن المهاجر، فقال: ضعيف، وعن سماك ابن حرب، فقال: ضعيف، وعن طارق، فقال: ضعيف، ثمَّ قال: لو سألتموني عن عامة الّذين أخذتم عنهم ما زكيت كذا وكذا منهم.

وأسند إسحاق بن إبراهيم إلى سلمة إلى محمّد بن إسحاق إلى عمير بن عبديد إلى الحسن إلى العوفي قول أبي بن كعب: واللّه ما زالت هذه الأُمّة مكبوبة على وجوهها منذ قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولئن بقيت الجمعة لأقومن مقاما أقتل فيه وقال: هلك أهل العقدة ألا أبعدهم اللّه، واللّه ما ساؤني، وإنّما أساؤا على الّذين يهلكون من أمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فمات في الأربعاء.

قلت: ستر اللّه عليه إذ لم يقم ذلك المقام، وهذا أبو بكر في رواية الواقدي أنّه نهى أبا رافع الطائي عن الولاية، حيث لم يطمع فيها فلمّا أمكنه وثب عليها وقد ارتدّ قوم موسى وهو بين ظهرانيهم وشريكه في نبوته قائم فيهم، ولولا أن اللّه شرح من حالهم لأنكروا واستنكفوا من ردتهم كما أنكروا ردة عامة أصحاب نبيهم، الّذين آمنوا في رجوعه إليهم.

ولولا أنّهم لم يدخلوا بغض أصحاب موسى في قلوبهم كما أدخلوا بغض علي لأنكروا ذلك منهم، ولو فعل أحد بغير علي ما فعل به، لسارعوا إلى تضليله كما ضللوا قاتلي عثمان، وقد علموا وضعه الأموال في قبيله، وادعوا أنّ ذلك كله جرى على الصواب، فسبحان من أنطقهم بهذا الاضطراب.

تذنيب في علة اختلاف الصحابة في الأقوال والأحكام

اختلف الصحابة في الأقوال والأحكام فقد سأل سليم بن قيس عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك فقال: اسمع الجواب: في أيدي النّاس حق وباطل، وقد كذب على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في حياته حتّى قام خطيبا وقال: قد كثرت الكذابة علي! فمن كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار.

فرواة الأحاديث أربعة:

منافق لا يتأثم أن يكذب، ولو علم النّاس ذلك منه لم يصدقوه، ولكن قالوا: صاحب رسول اللّه، ورآه وسمع منه.

ورجل سمع من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولم يحفظ، فأوهم ولم يتعمّد، ولو علموا أنّه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.

ورجل سمع منه المنسوخ دون الناسخ، ولو علم هو والناس أنّه المنسوخ لرفضوه.

ورجل لم يكذب عمداً ولا وهم ولا جهل، بل حفظ ما سمع على جهته، ولم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولكن لم يعلم ما عنى اللّه ورسوله به.

وكنت رجلاً أدخل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأدور معه، إذا سألته أجابني، و إذا سكت ابتدأني، فما نزلت آية إلّا أقرأنيها، وكتبتها بخطي، ودعا اللّه لي أن يفهمني، فما نسيت من كتاب اللّه من علمني منذ وضع يده على صدري، وأخبرني أن اللّه أخبره أنّه استجاب له (1).

فهذه أمور القوم قد أوضحناها، فيجب على كلّ ذي فهم أن لا يثق بما جاء عنها، ويتهمها في نقلها، وقد أنكر الحجة التي دل اللّه ورسوله عليها، فجعلها سفينة نجاتها، وقد نفرت المنافقون وغيرهم من الفجار إلى الملوك، وإلى دعاة النار بالكذب والبهتان، واتباع خطوات الشيطان، فقلدوهم الولايات، والأعمال، و حملوهم على رقاب المسلمين، وأكل الأموال، والناس مع الملوك والدنيا إلّا من


1) راجع نهج البلاغة قسم الخطب تحت الرقم 208.

عصمه اللّه، وأرشده سبيل النجاة، وأبوا أن يعدوا في أقوال المختلفين قول الباقر والصادق وزين العابدين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأنا أسأل اللّه خالقي بعظيم ثواب الشريف الفارقي حيث قال شعرا:

أبو حنيفة عند القوم متّبع***وباقر العلم فيهم ليس يتّبع

وجعفر عندهم في الصدق متهم***والشافعي إمام صادق ورع

ومالك مالك للأمر عندهم***مصدق قوله في الفقه متّبع

وكل ما جاءهم عن أحمد قبلوا***فيما يقول وما يأتي وما يدع

هذا يحلل ما هذا يحرّمه***وذاك يرفع في الفتوى وذا يضع

وكل مخط مصيب عندهم أبداً***هذا لعمرك بئس المذهب الشنع

ويتركون المصابيح التي عرفت***بها الشرايع والأعياد والجمع

وقد أجازوا المعاصي على أنبيائهم، وأولوا خطايا علمائهم، فقد صنف ابن الفراء الحنبلي كتاب تنزيه معاوية، وصنف الجاحظ كتاب درأ الحد عن اللائط وكيف ضاق التأويل عن الأنبياء، واتسع للأشقياء، وما أحسن ما قال عامر البصري في عروض نظم السلوك في قبيل آخر من الشناعة فيهم شعراً:

قضاتهم في حكمها تقبل الرشا***حراما ترى من أخذها ما استحلّت

وعالمهم من جهله غير عامل***وفاضلهم من نقصه في غباوة

لرغبتهم في جذب مال وزخرف***تمسك منهم كلّ قوم ببدعة

فمنهم رئيس بالتفلسف مولع***بديع إشارات لطيف عبارة

وآخر منهم في الأصولين ناظر***يناظر عن وهم بلج وجرأة

ومنهم بتقرير الخلاف مسفسط***يغالط في ألفاظه الجدلية

وآخر منهم قد رأى صرف عمره***بتصريف صيغات بفعل وفعلة

ومنهم أخو طمران وقف تصوّف***يدلس تهنيقا بصمت وخلوة

ومنهم فقيه ليس يفقه ما الّذي***يراد به من نسك حج وعمرة

وآخر منهم بالقراءة قد بلي***معنى بقول الشاطبيّ وحمزة

وكلهم قفرا من العلم باطنا***وإن أصبحوا في ظاهر أهل ثروة

تجافوا عن القرآن واتبعوا الهوى***ومالوا إلى الدنيا بحرص وشهوة

إلحاق في أن الأوّل جعل لإمارته على المسلمين أجرة

رووا أنّ الأوّل لمّا تولّى خرج إلى السوق فقيل له في ذلك، فقال: لا تعروني من عيالي فإنّه لا بدّ لي ولهم من كرى تعطونيه على القيام بأمركم، والحكم بما أنزل اللّه من عباداتكم، والأمر والنهي فيكم، ففرض له كلّ يوم ثلاثة دراهم ونصيب من شاة.

ورووا أنّه قال: إن لم تعطوني شيئاً تصرفت في معاشي، فكانت أعمال بره بالأجرة، والاجماع على فساد أعمال البر بالأجرة، فجرت السنة في أتباعه من المؤذنين والقضاة، ورواة الحديث، والفقهاء، والقصاص، والقراء، وما كفى حتّى أخذ الحكام الرشاء، وهي حرام بغير خفاء.

وحيث انتهيت إلى هنا فنسأل اللّه أن يعيذنا من رعونة الحشويّة، ولجاج الحروريّة، وشك الواقفيّة، وإرجاء الحنفيّة، وتخالف الشافعيّة ومكاره البكرية ونعت المالكية، وإجبار النجاريّة، وإلجاء الجهميّة، وكسل الداوديّة، و روايات الكيسانيّة، وجحد العثمانيّة، وتشبيه الحنبليّة، وكذب الغلاة والخطابيّة.

ونتضرّع إليه أن يحشرنا مع من أحببنا، ويرزقنا شفاعة من توالينا، إذا دعي كلّ أناس بإمامهم، وسعي بكل فريق تحت لوائهم، بمنه وكرمه.

الباب السابع عشر: في رد الاعتراضات على شئ من شرائع اتباع الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

اسناد الصادقين حديثهم عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالارسال

قالوا: أوّل ما تكذبون أنكم تسندون ما جاء عن أئمتكم إلى نبيكم، لقول الصادق: حديث أبي وجدي حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) (1)فلا حرج أن تقولوا قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

قلنا: هذا حديث غير مشهور، ولئن سلم جاز نسبته إلى الرسول لقول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): واللّه ما نقول بأهوائنا، بل ما قال ربنا، وهذا حق لثبوت عصمته، و أقل أحواله ثبوت عدالته، وما المانع من قول الراوي كلّ حديث أرسلته، ففلان طريقي فيه، فيسنده عند سماعه إلى ما ذكر للعلم السابق به.

وقد سئل الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عما يرسله فقال: كلّ حديث لم أسنده فسندي فيه أبي عن أبيه عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن اللّه عز وجل، وقد أسلفنا في باب تخطئة الأربعة أن أهل السنة رضوا بنسبة جملة مذهبهم إليهم مع تخطئة بعضهم بعضا، وعدلوا عن نسبة المذهب إلى نبيهم، مع كونها أوكد لتعظيمه ولحرمتهم، ثمَّ فصلوا في الرد علينا أمورا:

منها: مسح الرِّجلين في الوضوء، احتجوا بقراءة النصب في الرجلين على


1) قال الشيخ المفيد قدس سره في الارشاد ص 257: وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إن حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث حدى حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وحديث رسول اللّه قول اللّه عز وجل.

الغسل، وجعلوها عطفا على غسل اليدين (1)

وسيأتي مزيد توضيح لذلك في كلام المصنف رحمه اللّه.

.

قالوا: وقراءة الجرّ تحتمل العطف عليهما، وعلى مسح الرأس، لكن الغسل أولى، لأنّ قراءة الجر بالمجاورة، كجحر ضب خرب، وعذاب يوم أليم.

قلنا: أنكر الكسائي إعراب المجاورة، ومنع الزجاج وغيره من محققي النحو وروده في القرآن، وتأولوا الخرب بأنّهم أرادوا (خرب جحره) و (أليم عذابه) مثل مررت برجل حسن وجهه، ولأن في الآية حرف العطف الموجب تساوي المعطوف والمعطوف عليه، ولم يرد الإعراب بالمجاورة مع حرف العطف كما سلف في المثالين، وكقول الآخر:

كأنَّ ثبيرا في عرانين وبله***كبيرُ أناس في بجاد مزمّل (2)

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل***بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وقافية القصيدة ورويها اللام المكسورة، وإنّما جر ((مزمل) للضرورة الشعرية رعاية للقافية، نعم يحتمل الجر بالمجاورة، فليس بحجة.

قالوا: جاء القرآن والشعر بجر المجاورة مع حروف العطف، فإن حمزة والكسائي قرءا: (وَحُورٌ عَينٍ (3)) - والحور لا يطاف بهن حتّى يعطفن على المجرور


1) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب والكسائي وحفص والأعشى عن أبي بكر عن عاصم (وأرجلكم) بالنصب، والباقون بالجر. أما قراءة الجر فهو نص على وجوب مسح الأرجل كالرأس وأما النصب فبالعطف على محل (برؤوسكم) إذ الجار والمجرور محله النصب على المفعولية كقولهم: (مررت بزيد وعمرا) وعليه قراءة (تنبت بالدهن وصبغا للآكلين (المؤمنون: 20).

2) الشعر لإمرء القيس الشاعر المعروف الجاهلي، والشاهد في وقوع (مزمل) صفة لكبير، وهو مرفوع خبر كأن ولكن الشاعر جره بالمجاورة للبجاد، وفيه أن البيت من قصيدته المعروفة الطويلة:

3) الواقعة: 22، وقراءة حمزة والكسائي بالجر في حور عين.

المتقدم، وإنّما يطاف عليهن - بالجر بالمجاورة.

قلنا: معناه وقرناهم بهن، وقد ذكر نحوه أبو علي الفارسي في كتاب الحجة، ونمنع أنّه لا يطاف بهن إذ قد يطاف بهن على الأزواج

وأما الشعر:

فهل أنت إن ماتت أتانك راحل***إلى آل بسطام بن قيس فخاطب

قلنا: (خاطب) فعل أمر لا عطف، ويمكن أن يكون (فخاطب) مرفوعا بالعطف على راحل، فخفض الراوي وهما منه (1).

قالوا: قال الشاعر:

لم يبق إلّا أسير غير منفلت***وموثق في عقال الأسر مكبول

فجرٌ موثوق بالمجاورة، مع الواو أيضاً، إذ التقدير لم يبق إلّا أسير أو منفلت (2)ولو جر بغير ذهب التمدح. إذ يصير لم يبق إلّا غير منفلت وإلّا غير موثق.

قلنا: لا بل المعنى لم يبق غير أسير غير منفلت، ولم يبق غير موثق.

سلّمنا الإعراب بالمجاورة لكنه إنّما يصح مع عدم الاشتباه، كما في المثال فإنّه لا لبس في كون الخرب صفة الجحر، وهنا الأرجل جاز كونهما ممسوحة فجرها بالمجاورة تلتبس.

هذا وقد ذكر صاحب تقريب المتدارك وهو من أكبر شيوخهم وممن يوجب الغسل دون المسح، قال مكي: قراءة الجر تقتضي المسح، لكن نسخ بفعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الغسل، وحكى معناه عن الشعبي ثمَّ قال: وقد أوردنا من حديث مالك حديثين صحيحين بمسح النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على الرجلين. والعجب منه مع


1) أو هو على الاقواء، والاقواء: اختلاف قوافي الشعر، برفع بيت وجر آخر قال الفيروزآبادي: وقلت قصيدة لهم بلا اقواء وأما الاقواء بالنصب فقليل.

2) كذا في النسخ ولعل الصحيح: إذ التقدير: لم يبق إلّا أسير غير منفلت: وموثق في عقال الأسر.

اعترافه بعدم الطعن في الحديثين، وبأنّ الآية غير منسوخة، ودالة على المسح يقول بالغسل.

وحكى ابن المغربي وغيره عن أنس ابن مالك أنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان يمسح رجليه، و حكاه ابن عبّاس وقتادة، وخير الحسن والجبائي والطبري بين الغسل والمسح ثمَّ قال الطبري: والمسح نص القرآن لأن قراءة الجر عطف على مسح الرأس بلا خلاف بين أهل اللسان، ومن زعم أنّه خفض بالجوار فقد جهل وأخطأ وحمل كتاب اللّه على أضعف اللغات، ومستهجن التأويلات.

ثم قال: وقراءة النصب محمولة على الخفض بالعطف على الموضع كقول الشاعر:

معاوي إننا بشر فأسجح***فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1)

أكلتم أرضنا فجردتموها***فهل من قائم أو من حصيد

ذروا خون الخلافة واستقيموا***وتأمير الأراذل والعبيد

معاوي إننا بشر فأسجح***فلسنا بالجبال ولا الحديد

ذكر ذلك البغدادي في الخزانة ج 2: 82 وهكذا في جامع الشواهد فعليه فلا يصلح للاستشهاد، لكن قال ابن الأنباري في كتاب الإنصاف: 333 بعد نقل الشعر: ومن زعم أن الرواية (ولا الحديد) بالخفض، فقد أخطأ، لأن البيت الّذي بعده:

أديروها بني حرب عليكم***ولا ترضوا به الغرض البعيدا

والروي المخفوض لا يجتمع مع الروي المنصوب في قصيدة واحدة.

وهذا فصيح مشهور، ومنه (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا (2)(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (3)) لما حذفت الباء و (من) نصب بشرا وقومه، ومنه (أُحِلَّ لَكُمْ


1) هو من أبيات لعقبة بن الحارث الأسدي، أو عقبة بن هبيرة الأسدي، يخاطب بها معاوية بن أبي سفيان وبعده:

2) يوسف، 31.

3) الأعراف: 155.

لَيْلَةَ الصِّيَامِ (1)) على حذف (في) ومررت برجل وعمراً.

قال ابن عبّاس: الوضوء غسلتان ومسحتان، وقال: في كتاب اللّه المسح ويأبى النّاس إلّا الغسل، وقال قتادة: افترض اللّه غسلتين ومسحتين، وقال الشعبي:نزل جبرئيل بالمسح دون غيره (2).

وروى أبو عبيدة في غريب الحديث والزمخشري في الفائق أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على قدميه، ونحوه عن ابن عبّاس وعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعن عثمان أيضاً وإنّما الحجاج خطب وقال: أقرب شئ من ابن آدم خبث قدميه، فاغسلوا، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج.

وقد قال بعضهم: إن في الآية تقديما تقديره اغسلوا وجوهكم وأيديكم و أرجلكم وامسحوا برؤوسكم، قال: وهذا أبعد شئ من تنزيل الآية ولو جاز هذا التقدير لم يترتب المعطوفات في لسان العرب.

قالوا: الآية أوجبت المسح، والسنة أوجبت الغسل، والمسح داخل فيه وقد غسل في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وبعده، ولم ينقل عن أحد من الصحابة غيره، حتّى أن أعرابياً ترك لمعة من رجليه وصلى، فأمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالإعادة، وقال: ويل للأعقاب [من النار].

قلنا: قد عرفتم فيما سلف من كتبكم ما جاء عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والصحابة في المسح، وقد أمر اللّه بالمسح إلى الكعبين، وهما قبتا القدم، فلو وجبت الغسل إلى الأعقاب لكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) متعديا أمر اللّه، وهو محال.

قالوا: الواجب الغسل فعبر بالمسح عنه لاشتراكهما في البلل، وقد جاء مثله في تسمية التبن والماء علفا، علفتها تبنا وماء بارداً (3)وأشركوا الرمح في التقليد الموضوع للسبق:


1) البقرة: 187.

2) تفسير الطبري ج 6 ص 128. ذيل آية المائدة.

3) آخره: حتی شئت حمالة عیناها.

ورأيت بعلك في الوغى***متقلدا سيفا ورمحا (1)

قلنا: لا مانع من حمل المسح على حقيقته، ولو جاز ذلك في الرجلين جاز مثله في الرأس، وهو باطل إجماعا، وقد حكى صاحب التقريب اختيار أبي المعالي أن الأرجل نصبت بفعل مستأنف. ثمَّ قال: وهذا قول من يترك كلام رب العالمين على معتاد المتكلمين.

قال وهب: إنّهم تكلفوا القراءة النصب وجها، فما قولهم في قراءة الجر و هي متواترة؟ فقد رد صاحب التقريب قولكم من قريب.

قالوا: في الغسل يحصل المسح، دون العكس قلنا: قد قال صاحب [التقريب عن] المالكية أن الغسل لا يراد به المسح أبداً، والمسح لا يراد به الغسل أبداً، فهما حقيقتان فلا تداخل قالوا: غسلهما يجزئ عن الوضوء في الحدث الأكبر، فيجزئ من الأصغر قلنا: عندكم لا يجزئ الغسل عن الوضوء، وعندنا يجزئ في الجنابة لا غيرها، فلو صح ذلك التقدير لا طرد في غيرها.

قالوا: رخص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في مسح الخف، ولولا أن العزيمة في الغسل انتفت الرخصة. قلنا: أتى مسح الخف من طرقكم فلا حجة فيه علينا، والمشقة في نزع الخف كافية في الفرق بين الرخصة والعزيمة، فلا دلالة من الثلاث على تعيين الغسل.

ومن العجب تجويز مسح الخفّين، ومنع مسح الرجلين، مع مجئ القرآن بالرجلين دون الخفّين.

وروى زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عمر جمع أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وسألهم عن مسح الخفين، فقال المغيرة بن شعبة: رأيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مسحهما، فقال علي نسخت المائدة ذلك، وبذلك قال جماعة من الصحابة والتابعين: منهم أنس بن مالك.


1) وفي بعض الكتب صدر البيت هكذا. يا ليت زوجك قد غدا.

وقال ابن عبّاس: سبق كتاب اللّه المسح على الخفين، وجاءت الآثار عن الأئمّة الأبرار أن الرجل ليصلي أربعين سنة وما يطيع اللّه، يجعل موضع المسح غسلاً.

وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إذا رد اللّه كلّ إهاب إلى موضعه، ذهبت طهارة الناصبية في جنوب الإبل والبقر والغنم).

وروت الناصبية عن عائشة: لئن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين، وروت أيضاً عن أبي هريرة ما أبالي مسحت على خفي أم على ظهر عير بالفلاة.

قالوا: حدّ اللّه الرجلين بالكعبين، فمعطوفان على اليدين المحدودتين بالمرفقين. قلنا: قد ذكر الوابشي وغيره من مفسريكم أن الآية تدل قويا على المسح، وفي صحيح البخاري مسحنا على أرجلنا فنادى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ويل للأعقاب وهذا يدل على أنّهم فهموا المسح من الآية، وإلّا لكانوا قد جهلوا، وعلى ربهم افتروا، وهذا يوافق أحاديثكم وكتبكم أن الآية منسوخة، وقد عطف اللّه على الوجه المطلق اليدين المحدودتين، فالأحسن أن يعطف على الرأس المطلق، الرجلين المحدودتين، لحصول المطابقة به، وأيضاً فإن اللّه بعد تقضي جملة الغسل، أتى بجملة السمح، فلو جازت المخالفة بين الرأس والرجلين في المسح، جازت بين الوجه و اليدين في الغسل.

قال الشعبيّ: نزل القرآن بالمسح، ألا ترى أن المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا: نقله الفراء عنه في معالم التنزيل.

قالوا: إنّما أتى لفظ المسح في الرجلين لترك الإتراف، لأنّهما تربتان من الأرض قلنا: ذلك لا يوجب الترف، ولا نسلم اعتيادهم الترف وقد عرف مباينة الحقيقتين فاشتراكهما في التسمية يوجب التعمية، فقد دلت علماؤكم وكتبكم على ما ذهبنا إليه.

ولنا أحاديث كثيرة من طرقنا، أعرضنا عنها، لعدم الالتزام بها، ولئلا يطول

بها الكلام، من أرادها وقف على كثير منها في تهذيب الأحكام.

وأما ابتداؤنا بالمرفقين فإن (إلى) في قوله تعالى: (إلى المرافق) محمولة على (مع) مثل (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ (1)) (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ (2)) ويقال:فلان ولي الكوفة إلى البصرة، ولا يراد الغاية بل المعنى مع البصرة، وقال امرء القيس:

له كفل كالدّعص لبدّه الندا***إلى حارك مثل الرباح المضبب

وقال النابغة:

ولوح ذراعين في بركة***إلى جؤجؤ زهل المنكب

فأراد بإلى (مع) (3)

وأما أن الغسل يكون مبتدئا من المرافق أو بالعكس، فهو خارج عن مدلول اللفظ ولما كانت الآية الشريفة مطلقة من حيث ذلك، انصرف إطلاقه إلى الفرد الأكمل الأشرف وهو الغسل على النحو المعتاد الفطري - أعني الغسل من الأعلى إلى الأسفل - وذلك لأن الماء كسائر الأجسام الطبيعية الثقيلة إنّما يجري من الأعلى إلى الأسفل وبجريانه يذهب بدرن الوجه واليدين، فالفرد الأكمل الأشرف من أنحاء الغسل أن يكون مبتدئا من الأعلى لينصب غسالة الوجه من الذقن، وغسالة اليدين من الأنامل، وما لورد الماء من الأسفل إلى الأعلى، أو عاليا وسافلا، فقد رد الغسالة - وفيها درن الوجه و اليدين وكثافتها - إلى المغسول وفيه نقض الغرض.

وهذا هو الّذي بينه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأهل بيته في مورد الوضوء، وقد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به.

.

1) آل عمران: 52.

2) النساء: 2.

3) أقول: لما كان ظاهر قوله تعالى (أيديكم) في (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) ينصرف إلى الكفين بحسب المعتاد بين النّاس عند الغسل، زاد بعده (إلى المرافق) تعميما للغسل والمغسول، فلفظ (إلى) جيئ به لبيان ذلك، لا للانتهاء.

وبالجملة فاستعمالها ظاهر في الكلام، وقد عضدها أخبار أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقد روى علي بن رئاب عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن في مصحف علي (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (1).

متعة النكاح وأنها سنة لم تنسخ والبحث فيه مفصل

ومنها: المتعة كانت من أحكام الجاهلية ثمَّ استمرت حتّى نسخت، قلنا: أخرج البخاري ومسلم حديث عبد اللّه بن مسعود كنا نغزو مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، وأخرجا حديث جابر وسلمة أن منادي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال: إنّه أذن لكم أن تستمتعوا، وزاد مسلم يعني متعة النساء، وكان ذلك عام أوطاس سنة ست من الهجرة قبل خيبر، كما ذكره صاحب جامع الأصول فكيف تكون من أحكام الجاهلية (2).

وقد أخرج في الجمع بين الصحيحين من عده طرق إباحتها أيّام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأبي بكر وبعض أيّام عمر، وأن جميع المسلمين فعلوها بأمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى حين وفاته، وأيّام أبي بكر.

وفي مسند ابن حنبل: لم ينزل قرآن بحرمتها، ولم ينه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عنها حتّى مات، وفي صحيح الترمذي: سئل ابن عمر عنها فأحلها، فقال: أبوك نهى عنها فقال: النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وضعها أفتترك السنة وتتبع قول أبي؟ وقال محمّد بن حبيب: كان ستة من الصحابة وستة من التابعين يفتون بإباحتها وذكر ذلك أيضاً الحسن بن علي بن زيد في كتاب الأقضية.

قالوا: لم يفعلها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولا علي. قلنا: ليس كلّ ما لم يفعلاه يحكم بتحريمه، وإلّا لحرمت أنواع من التجارات، ونكاح الإماء والكتابيات، و السنديات.


1) يعني أن ذلك في مصحف عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسيرا، لا لفظاً.

2) ترى البحث عن المتعة في أغلب كتب أصحابنا مستوفى، راجع النصّ والاجتهاد للسيد شرف الدين قدس سره ص 126، كنز العرفان في فقه القرآن ج 2 ص 149 الطبعة التي خرجت عن المكتبة المرتضوية الناشر لهذا الكتاب.

تخيل بعضهم أنّ الرجل إذا تمتع في غربة وخرج مدة طويلة، ثمَّ عاد فتزوج بامرأة، فإذا هي بنته من تلك، قلنا: لو كان هذا مانعا لمنع في الدائم، إذ يفرض فيها ذلك كله.

قالوا: إنّه يجب أن يشهد بزواجها، فلا يخفى حالها، قلنا: وهذا عندنا واجب في المستمتع بها، وهذا قول المفيد في العيون.

قالوا: نسخها قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (1)) الآية! قلنا: الآية مكية، وتحليل المتعة مدنية اتفاقا، وقد قال صاحب التقريب: ما في القرآن ما نتعلق به في نسخ المتعة، وقلنا أيضاً: الآية صريحة في إباحتها، لكونها زوجة.

قالوا: تخلّفت عنها أحكام الزوجة من الطلاق، والقسمة، والميراث ونحوها قلنا: لا يدل التخلف على عدم الزوجية، فإن الفسخ عن الدائمة يسقط الطلاق والنشوز القسم، والإنفاق والكفر والقتل الإرث، وهو اتّفاق.

وقلنا: أيضاً لو لم تكن داخلة لزم كون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لأمره بها بعد نزول الآية والصحابة بفعلها داخلون في التوعد عليها في قوله: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (2)).

قالوا: نسختها (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) (3)(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (4)) فقد توعد على التمتع فيدخل فيه نكاح المتعة.

قلنا: الآيتان مكيّتان إجماعاً، ونكاح المتعة مدنية، كما سلف، فينقلب


1) المؤمنون: 5 و 6.

2) المؤمنون: 7.

3) المرسلات: 46.

4) الحجر: 30.

الاستدلال بأن يكونا منسوختين على رأيهم، فويل لتلك الطائفة العمياء ما أكثر جهالها (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (1)) ولو نسختا المتعة بعمومها لنسخ الدائم لوجود التمتع الّذي هو الالتذاذ فيه، ونسخ الأكل والشرب المباحان وغيرهما.

قالوا: لا دلالة لكم في قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (2)) لأن سين الاستفعال تدل على أن المعنى ما استوفيتم من منافعهن، أي الدائمات ولو أراد المتعة لقال: ما تمتعتم.

قلنا: قد جاءت السين [لا] للاستفعال (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ (3)) (فَاستَجَبنَا لَهُ (4)) (وَاستَشهَدُوا (5)) وقد سلفت رواية البخاري ومسلم أذن لكم أن تستمتعوا، و أخرجا أيضاً: كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء.

وقلنا: لو أراد الدائمات، لم يشرط الايتاء بالاستمتاع، لأن لهن النصف بدونه، بل المراد به الموقتات، والمراد آتوهن أجر ما حصل به الانتفاع دون ما منعن منه (6).

وقد قال صاحب التقريب: ذهب بعض النّاس إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة، قال: وهي محتملة.

قالوا: ذكر اللّه في الآية المال في قوله: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ (7)) ولا شكّ


1) القتال: 24.

2) النساء: 24.

3) يوسف: 34.

4) الأنبياء: 76 وغير ذلك.

5) البقرة: 282.

6) قد سلف منا في هذا المجلد ص 190 كلام في ذلك فراجع.

7) النساء: 24.

أنّه عام في المتعة وغيرها، فلا وجه للتخصيص بها، فلا تدلّ الآية عليها.

قلنا: ظاهر الآية أداء المال بشرط الاستمتاع، فإن أريد به المتعة فلا بحث، وإن أريد الالتذاذ، قلنا: ليس أداء الدائمة مشروطا بالالتذاذ، لوجوب النصف لها بدون الاستمتاع منها، فظهر أن المراد التمتع بها، ولا يدل على خروج الدائمة من مفهوم الآية، لأن التخصيص بالذكر لا يوجب التخصيص بالحكم، ولو سلم خروجها فقد دل قوله: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (1)) لهن - عليها.

على أنّ المتعة حقيقة في المنقطع، فإن استعمل في الدائم فبالمجاز، فلا يسارع الذهن إليه، ولهذا لو قيل: فلان يتمتع لم يصرف إلى الدائم، كما أن الوطئ (2)لغة وطئ القدم، وقد صار حقيقة في الجماع، فكذا التمتع لغة الالتذاذ، وصار عرفا في ذلك النكاح.

قالوا: نكاح الأُمّة مشروط بعدم طول الحرة، والمتمتع بها ترضى بالقليل لقصر مدتها، والأُمّة لا تكون إلّا لذي ثروة، وهو لا يرضى بالقليل ولو جاز نكاح المتعة الّذي هو بقليل المال، لم يجز نكاح الأُمّة على حال (3).

قلنا: كلام اللّه تعالى في (استطاع) متعلق بالدائمة، وفي عدمه متعلق بالأُمّة والمنقطعة خارجة عن البحث، ولا نسلم قصر مهر المتمتع بها عن الأُمّة إلّا في العاهرة والفتوى بتحريمها، أما غيرها فلا ترضى بالقليل، لطول مدتها بالاستبراء قبله والاعتداد بعده وأيضاً فقد تتعذر الأُمّة وبالجملة فما ذكره خطابي.

وأيضاً فلا نسلم اشتراط عدم الطول في الأُمّة لعموم (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ (4)) ويحمل ذلك الطول على التنزيه، وقد قال ابن المرتضى في تفسيره:

إنّ عامة أهل العلم، قالوا: إن آية (فَمَا استَمتَعتُم) منسوخة، قال: وكان ابن


1) البقرة: 237.

2) في النسخ: اللواط، وأظنه سهو قلم.

3) وقد مر منا أن نكاح الإماء أيضاً يجب أن يكون بالمتعة راجع ص 190، ممّا سبق.

4) البقرة: 221.

عبّاس يذهب إلى أنّها محكمة، ويرخص في نكاح المتعة، وسئل عنها، فقال: أما تقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل) قال: لا أقرأها هكذا، قال ابن عبّاس ثلاث مرات: هكذا أنزل اللّه.

وقال القاضي في تفسيره أنوار التنزيل: نزلت الآية في المتعة، وذكر ابن عبّاس جوازها، وحكى الحسن البصري عن الحكم أنّه سمع عليّاً يقول: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلّا شقي (1).

قال عمران بن حصين: تمتعنا في زمن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ومات ولم ينه عنها، لكن قال رجل برأيه فانتهينا، ذكره الثعلبي، وصاحب معالم التنزيل، وقال: الآية منسوخة.

قال: وكان ابن عبّاس يذهب إلى أنّها محكمة فيقرأها (إلى أجل) ويرخص في المتعة وروى الثعلبي عن جبير بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفا و قال: هذا على قراءة أبي، فإذا فيه (إلى أجل) والزيادة مقبولة وإن لم تثبت قرآنا، فإنّها تثبت حكما فظهر بذلك كله أنّها نزلت في متعة النساء.

قالوا: وروى عبد اللّه والحسن ابنا محمّد عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نهى عنها يوم خيبر. قلنا: مزيفة لأن مذهب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخلافها:

قالوا: روى ابن سبرة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نهى عنها في حجة الوداع، قلنا:لو صحَّ هذا رفع النهي المدعى في خيبر، مع أن هذا مطعون في سنده، مضطرب


1) رواه الطبري في تفسيره ج 5 ص 13 عن شعبة عن الحكم، وأخرجه الرازي في تفسيره ذيل آية النساء: 24 (ج 1 ص 50 - الطبعة الأخيرة) والسيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 140، وذكره ابن أبي الحديد ج 12 ص 253 في شرح الخطبة 223 من النهج وهكذا الشيخ في تلخيص الشافي ج 4 ص 32 بسنده عن جيش بن المعتمر.

في ألفاظه، معارض بأشهر منه، وبإباحتها.

قالوا: نهى عمر عنها، قلنا: لا حجة فيه مع معارضة ابن عبّاس وابن مسعود وغيرهما.

قالوا: إجماع الصحابة والتابعين على منعها. قلنا: لا إجماع مع مخالفة أهل البيت والشيعة بأجمعها.

(بحث)

قال النووي في السفر الأوّل من منهاج المحدثين، في تفسير صحيح مسلم أنّها أبيحت قبل خيبر، وحرمت فيه، وأبيحت بفتح مكة وحرمت بعده بثلاثة أيّام.

وقال الماوردي: روى إباحتها ابن مسعود وابن عبّاس وجابر وسلمة و سبرة قال: والحديث الّذي فيه: استمتعنا على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) محمول على أنّه لم يبلغهم نسخها، وإنّما كرر النسخ في حجة الوداع ليشيع.

قلنا: الإباحة دراية، والنسخ رواية لا تعارض الدراية، والعجب ادعاؤهم كون الشيخين خصيصان بصحبة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ويخفى النسخ عنهما إلى خلافة عمر مع إشاعتها، وكذا كيف خفي عنهما نسخ (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ (1)) لولا قلة التأمل وقد حكي أن مالكا أيضاً قال بإباحتها.

قالوا: أمر اللّه بالتخفيف في نكاح الإماء للضعفاء (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) (2)) فلو جازت المتعة الناقصة في المهر عن الأُمّة كان أولى بالمنة.


1) المؤمنون: 7.

2) النساء، 28.

قلنا: سلف عدم قصور مهر المتعة، ولو سلم القصور فقد دل ذكر الأُمّة على المتعة بمفهوم الموافقة.

قالوا: يستقبحها القائل بها والمنكر لها، كما لو طلبت من أحدهما أخته أو أمه ليتمتع بها، ولو كانت مشروعة لانتفى ذلك عنها.

قلنا: دلت الآية والروايات عليها، فالقبح لازم لمنكرها، وقد أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بها صريحا وفعلها الصحابة، فيلزم كونهم أتوا قبيحا، وليس كلَّما استقبح لم يكن مشروعا، فإن الشريف يستقبح خطبة الدني والجاهلية استقبحت شرائع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وقد أخرج البخاري ومسلم حديث جابر استمتعنا على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأبي بكر وعمر، وفي رواية أبي نضرة اختلف ابن عبّاس وابن الزبير في المتعتين فقال جابر بن عبد اللّه: فعلناهما مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثمَّ نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما (1).

وقال صاحب التقريب: قيل: إنّه مذهب ابن عبّاس وابن مسعود وجابر ونسب أيضاً إلى بعض التابعين، وحكي إباحتها في كتاب السلطان عن أمير المؤمنين وابن مسعود وجابر وسلمة والخدري والمغيرة ومعاوية وابن عبّاس وابن جريج وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم.

وذكر الحسن بن علي بن زيد في كتاب الأقضية، يعلى بن منبه، وصفوان ابن أميّة وطاووس وابن دينار وجابر بن يزيد، وذكر ابن حبيب النحوي: زيد بن ثابت وسلمة بن الأكوع وأنس، ووجدنا عليّاً وولديه وأصحابه الأربع وابن أرقم وأبي الهيثم وحذيفة وأبيّاً والبراء وبريدة وأبا أيّوب، ومن


1) راجع سنن البيهقي ج 7 ص 206، شرح النووی لصحيح مسلم ج 9 ص 184 شرح النهج 20 ص 130 (الطبعة الحدييثة)

التابعين السديَّ وابن المسيّب والأعمش قائلين بإباحتها، وصنّف ابن شاذان كتابا فيها.

وقال أبو حنيفة لصاحب الطاق: إذا كانت المتعة حلالا فأرسل نساءك يتمتّعن ويكسبن عليك، فقال: ليس كلّ الصناعات يرغب فيها، ثمَّ قال: فإذا كان النبيّذ حلالا فأرسل نساءك يكتسبن عليك قال: واحدة بواحدة، وسهمك أنفذ.

فهذه كتب القوم، وصحاح أخبارهم، وأما أخبارنا فكثيرة شهيرة أعرضنا عنها لعدم الالزام فيها، والإطالة بها، وما كفاهم هذا الانكار حتّى أنشأ شاعرهم الحمار.

شعر:

قول الروافض نحن أطيب مولدا***قول أتى بخلاف قول محمّد

نكحوا النساء تمتعا فولدن من***ذاك النكاح فأين طيب المولد؟

فأجابه شاعر الأبرار، بحديث المجوس الوارد عن النبيّ المختار:

شعر:

لا بل مواليد النواصب جدَّدت***دين المجوس فأيّن دين محمّد؟

لفّ الحرير على الأيور وغمسها***بالأمهات دليل طيب المولد

وقال الآخر:

إنّ التمتّع سنة معروفة***ورد الكتاب بها وسنة أحمد

ثمَّ استمر الحال في تحليلها***قد صح ذلك في الحديث المسند

عن جابر وعن ابن مسعود وعن***نقل ابن عبّاس كريم المولد

ومن المحال بأن يكون محمّد***قد ضل في شئ وحبتر مهتد

حتّى نهى عمر بغير دلالة***عنها وكدر صفو ذاك المورد

ولهذا لما سأل يحيى بن أكثم رجلاً بصريا: بمن اقتديت في تحليل المتعة؟

قال: بعمر بن الخطّاب، حيث قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما (1)فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه.

وروى الطبري في كتاب المسترشد (2)قول عمر: ثلاث كن على عهد رسول اللّه أنا محرمهن، ومعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، وحي على خير العمل في الأذان (3).

والعجب أنّ المتعة يعيبوننا لأجلها، وقد عرفت ما جاء في حلها، وأئمتهم يحكمون بما يرده الشرع والطباع، ويمجه العقل والأسماع.

هذا أبو حنيفة يقول: لو عقد رجل على إحدى محارمه عالماً بها ووطئها لحق الولد به، وسقط الحد عنه، وكذا لو استأجر امرأة ففعل ذلك فيها، ورفع الزنا بلف الحريرة على الذكر، ولم يوجب حدا في الايقاب في الذكر، وجعل شرب النبيّذ سنة وتحريمه بدعة وهذا الشافعي يجيز سماع الغنى والقصب ونحوه، و يجيز وطئ الأخت من الرضاع إذا ملكها وهذا مالك يجعل الدف سنة في الوليمة والعرس، وهذا ابن حنبل يذهب إلى تجسيم الربّ الجليل، ولا يخفى ما في أحكامه؟


1) راجع أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 342 تفسير القرطبي ج 2 ص 370 المبسوط للسرخسي باب القران من كتاب الحج، زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 444 كنز العمال ج 8 ص 293، تاريخ ابن خلكان ج 2 ص 359 ط إيران ترجمة يحيى بن أكثم، تفسير الرازي ج 10 ص 50 ذيل آية النساء 24 وهكذا ذيل قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) البقرة: 196، البيان والتبيين ج 2 ص 223، الحيوان ج 4 ص 278. شرح النهج الحديدي تحت الخطبة 223.

2) المستنير خ. المستبين خ.

3) ذكره الإمام القوشجي في شرحه على تجريد الكلام ص 408 ط إيران وهو من الأشاعرة، واعتذر بأن ذلك اجتهاد منه.

من التضليل، فقد ارتكب المخالف كلّ بدعة، وشدَّد علينا في أمر المتعة، وذلك بغضا لآل نبيّه، وانهماكا في ضلاله.

شعر:

من كان ذا علم وذا فطنة***وبغض أهل البيت من شأنه

فإنّما الذنب على أمه***إذ حملت من بعض جيرانه

وقال آخر:

يا ذا الّذي هجر الوصي وآله***أظهرت منه أن أمك فاعله

فرقت بضاعتها على جيرانها (1)***والسائلين من الورى والسابلة


حبّ عليّ بن أبي طالب***منقبة باطنة ظاهره

تخبر عن مبغضه أنه***من نطفة جاءت بها عاهره

وقد ذكرنا شيئاً من مخالفتهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم في مكانين من الباب الخامس عشر فليطلب منه، قال الحجاج:

الحقّ ليس بضايع***وله نفاق بضايع

فقد اتبعت أئمة***يقضون حقّ التابع

فأبو حنيفة للنبيّذ***وللقمار الشافعي

والمالكي لإستها***ما في الفراش بضايع

مثل النجوم ثلاثة***وحلقت ذقن الرابع

وقال المغربي:

أجاز الشافعي فقال شيئاً***وقال أبو حنيفة لا يجوز


1) وقفت خ.

فضلّ الشيب والشبان منّا***ولم تهدي الفتاة ولا العجوز

ولم آمن على الفقهاء حبساً***إذا ما قيل للأمناء جوزوا

حل الوطي في الدبر

ومنها: حل وطئ الدبر، لما قلنا: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (1)) قالوا: الحرث لا يكون إلّا في القبل الّذي هو منبت الزرع، وهو الولد ولفظة (أنى) بمعنى كيف قلنا: قد تظافرت الروايات عن إمامكم الثاني أنّه فعله ونزل فيه (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (2)) وروى جوازه عبد اللّه ابنه، وذلك في تفسير الثعلبي وجامع الترمذي وأسباب النزول للواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس وقد أجاز مالك إباحته.

فأسند الثعلبيّ إلى ابن عبّاس أن عمر أتى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وقال: هلكت حولت رحلي البارحة، فنزلت (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) و رواه الفراء في معالمه وابن المرتضى في تفسيره قال: ويحكى عن مالك إباحته ويقرب منه ما حكاه الطحاوي في كتاب الاختلاف عن مالك (3).

قولهم: لا يكون الحرث إلّا موضع الزرع قلنا: منقوض بإجماع الفريقين على جوازه في نحو السرة والفخذين ولو كان حل الوطئ مربوطا بإرادة الولد لارتفع حيث لا يمكن الولد ولفظة (أنى) قال قتادة والربيع: معناها من أين شئتم، كما قال تعالى: (أَنّى لَك هَذا (4)).

قالوا: يجوز كون المعنى من أين شئتم في الفرج قلنا: تخصيص لا دليل عليه


1) البقرة: 223.

2) البقرة: 223.

3) قال الفاضل السيوري في كتابه كنز العرفان ج 2 ص 288: وأجازه مالك قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أن وطئ المرأة في دبرها حلال، ثمَّ قرأ الآية المذكورة.

4) آل عمران: 37.

قالوا: روى ابن عبّاس وجابر والحسن وغيرهم أن سبب نزولها قول اليهود: إنّ من أتى المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد أحول، فأنزل اللّه تكذيبهم بإباحة ذلك بعد أن يكون في الفرج، قلنا: تقدم في الأصول أن السبب لا يخص فلا يضر ذكره.

قالوا: قولكم في قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ (1)) أي مثل ما للذكران وهي الأدبار، لا حجة لكم فيه لأنّه لو أراد الأدبار لقال: (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ مثله) كما قال في الفلك الكبار: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (2)) يعني الزواريق وقد وبخ اللّه واطئ الدبر وأخرج الحيوان الأعجم من توبيخه حيث لم يأت إلّا في قبله.

قلنا: الظاهر أنّه أباح منهنَّ ما يلتمس من الذكران، والتوبيخ إنّما هو على أدبار الذكران لا النسوان، وإن احتمل أن يريد أن قبلهن يعوض عن أدبار الذكران وإن لم يتساويا من كلّ وجه لاستوائهما في مطلق الالتذاذ، ولهذا الاحتمال قال جماعة منا بتحريمه، واهتداء الحيوان الأعجم إنّما هو بنكرته وطبعه، فلا حجة في صنعه، ولو كان ذلك لعقله كان أولى من الفاسق بتكليفه حيث يطأ الأتان وغيره من مخالفه، وقد عرفتم صحة الأحاديث من طرقكم، وفعل ذلك وروايته من أئمّتكم.

عدم وقوع الطلاق بدون الإشهاد

ومنها: عدم وقوع الطلاق بدون الإشهاد لقوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا (3)).


1) الشعراء، 165.

2) يس: 42.

3) الطلاق: 2.

قالوا: الإشهاد يتعلق بالنكاح في قوله عن المطلقات: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) لا بقوله: (أو فارقوهن) قلنا: قال القاضي في تفسيره: إنّه متعلق بالرجعة والفرقة، ولأن العطف ب (أشهدوا) لا يجوز رجوعه إلى الفرقة، لأنّها ليست شيئاً يفعل، وإنّما هي العدول عن الرجعة، ولم يوجب الإشهاد فيها أحد، ولا يرجع إلى الرجعة التي عبر اللّه عنها بالامساك لأنّه لم يوجب الإشهاد فيها سوى الشافعي في أحد قوليه، وليس حجة علينا، مع أنّه محجوج بقوله الآخر، وقول مقاتل: إنّه مستحب، فتعين رجوع العطف إلى الطلاق.

قالوا: العطف على الأقرب أولى. قلنا: الأولوية تتبع المعنى لا القرب قال اللّه: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ (1)) عادت (و تسبحوه) إلى اللّه، وهو الأبعد لعدم صلاحها للأقرب، وبهذا يظهر لك الجواب عن قولهم: إن جملة الطلاق تقدمت.

قالوا: لا يلزم من عطف الإشهاد على الطلاق كونه شرطا فيه بأن يكون أمر إرشاد كما أمر في الدين بالكتابة والإشهاد، وأمر في البيع بالإشهاد، وليس هذان شرطا في صحة الدين والبيع.

قلنا: الأمر حقيقة في الوجوب، فلا يصار عنه إلّا عن دليل، فلا تشنيع على من تبع ظواهر الآيات.

قالوا: المحتاج في الإشهاد النكاح لأن فيه انتقال البضع إلى الزوج، فيحتاج إلى تثبت الانتقال، والطلاق حل هو التخلية فيكفي فيه النية قلنا: وفي الطلاق رد البضع إليها فيحتاج إلى تثبيته، وقد ساعدنا الخصم عليه فقال ابن المرتضى في تفسيره: فائدة الإشهاد على أن يموت أحدهما فيدعي الباقي بقاء الزوجية ليرث، ولأنّه لما


1) الفتح: 9.

ثبت التزويج لو ادعت المرأة الطلاق لم تثبت إلّا ببينة، وبدونها تكون كالمعلقة و كذا لو ادعاه الزوج، لم يخلص من لوازم النكاح إلّا ببينة، فلهذا صار الإشهاد شرطا في الطلاق، بخلاف النكاح لملك المرأة بضعها، ولا منازع لها، فإذا تراضيا على وجه شرعي تم الأمر، ولم يحتج إلى الأشهاد وفاقا.

على أنا لا نثبت شرطية الإشهاد هنا بمجرد الأمر به لورود الأمر بالندب وغيره، بل نثبت بالأخبار الصحيحة عن أئمة الاسلام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبها أيضاً أثبتنا عدم شرطية النكاح به، وقد وافق بعضهم على أنّهما إذا تواصيا بالكتمان صح بلا شهود، وقد جاء النكاح في مواضع من الكتاب عاريا عن ذكر الشهود.

قالوا: جاء بالسنة (لا نكاح إلّا بولي وشاهدي عدل). قلنا: على تقدير صحته محمول على نفي الكمالية كلا صدقة وذو رحم محتاج، وبه يسقط الاحتجاج ويترك اللجاج، وقد خالف مالك ذلك وقد أضاف اللّه النكاح إليهن في قوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ (1)) (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ حتّى تنكح زوجا غيره (2)).

نجاسة المشرك

ومنها: نجاسة المشرك يدل عليها قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (3)) فقد أجراهم اللّه مجرى القذر، وقد جاء من طرق المخالف ما رواه ابن المرتضى والزمخشري عن الحسن: من صافح مشركا فليتوضأ وحكى الفراء في المعالم عن الضحاك وأبي عبيدة أنّه قدري، وحكى ابن المرتضى و الزمخشري في تفسيرهما عن ابن عبّاس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، و لفظة (نجس) حقيقة شرعية في نجاسة العين، فلا يعدل عنها مع إمكانها سوى ذي مين


1) البقرة: 240.

2) البقرة: 223.

3) براءة، 28.

وإنما رجعوا في ذلك إلى فعل عمر، فقد ذكر أبو حامد في الإحياء أنّه توضأ من جرة نصرانية، على أن في الجمع بين الصحيحين سأل تغلبة الحسني النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن الأكل في آنيتهم، فقال: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها.

ورووا أن أبا بكر قال: ندمت أن لا أكون سألت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن ذبائح أهل الكتاب، وروى النضر بن شميل عن هاشم بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة قال: سألت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذبائح النصارى فقال: لا تأكلوا ذبائحهم. فإنّهم لم يتعلقوا بشئ من دينهم إلّا بشرب الخمر.

قال مؤلّف الكتاب:

أباحوا ذبائح أهل الكتاب***فيا ويلهم من أليم العقاب

أليس رووا النهي عنها وقد***بتنجيسهم جاء نص الكتاب

قالوا: حلّ طعامهم في قوله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (1)) دليل طهارتهم، فوفقنا بين هذه وآية التنجيس بأنّ نجاستهم باطنة، وذلك استعارة لا على الحقيقة في عينهم، أو ذلك للمبالغة في ذمهم، أو للملازمة بين النجايس كالدم والخمر وبينهم، فقبلت التأويل بذلك وبوجود الخلاف، وحل الطعام لا يقبل التأويل.

قلنا: قد بيّنا أنّ النجاسة حقيقة في العينية على أنّ ظاهر آية حل الطعام متروك عندهم بخروج الخمر والخنزير، وما لم يذكر اسم اللّه عليه، فالمراد الحبوب أو غير المباشرة من غيرها.

قالوا: حل نكاحهم بالاتفاق، دليل على طهارتهم في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (2)) فآية حل الطعام والنكاح ناسخة للنجاسة للنص


1) المائدة: 5.

2) المائدة: 5.

على أن (المائدة) آخر القرآن نزولا.

قلنا: نمنع الاتفاق إلّا أن يكون منكم، ولا نسلم أن (المائدة)***لم يدخلها منسوخ، وقد ذكر صاحب التقريب أن آيتها منسوخة بقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ (1)) ونسبه الطبري إلى ابن عبّاس، ورواه ابن المغربي عن ابن عمر وهو مذهب عمر انتهى كلامه.

وقال هبة اللّه المفسر البغدادي منهم: إن عبد اللّه بن عمر قال: آية البقرة محكمة، وآية المائدة، ولهذا قال هبة اللّه: إن المائدة دخلها الناسخ والمنسوخ، و عند أكثرهم أن آيتي البقرة والمائدة مجهولتا التاريخ.

قالوا: ومن ثمَّ اختلف في أيتهما الناسخة؟ قال صاحب التقريب فيهما و في آية الممتحنة: لا أعلم نقلا يعتمد في المتقدم والمتأخر منها.

قلنا: فحينئذٍ يترجح أحكام آية البقرة لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما اجتمع الخلال و الحرام إلّا غلب الحلال الحرام.

إن قيل: آية البقرة مخصوصة بالوثني قلنا: لام الجنس للعموم، وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عبّاس أن عمر فرق بين طلحة وحذيفة، وامرأتيهما الكتابيتين، ذكره صاحب التقريب وغيره، وقال: وأخرج الطبري عن ابن عبّاس أن اللّه حرم نكاح كلّ كافرة بقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (2)) ومن الكفار أهل الكتاب لقوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (3)) (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (4)) وقد بين اللّه مورد النكاح أنّه المؤمنات


1) البقرة: 221.

2) الممتحنة: 10.

3) البينة: 1.

4) البقرة: 105.

ولو جاز غيره لم يخصصهن، ولأن النكاح مودة لقوله: (وَجَعَلَ بَينَكُم مودة (1)) والكافر محرم له المودة لآية (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية (2)).

إن قالوا: مخصصة بالحربية لآية (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ (3)) قلنا: منسوخة الحكم، وقد حكى البلخي أن المراد بالكتابيات اللواتي أسلمن، لأنّهم كانوا يتحرجون من نكاحهن، ومن علمائنا من خص الآية بالمتعة والملك للروايات وهم محجوجون بما ذكرناه، فالأولى عدمه إلّا عند الضرورة.

قالوا: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (4)) يقتضي بعمومه عدم التنجيس، قلنا: إنّما استدللنا بالنص على التنجيس، على أن التكريم لو اقتضى عموم رفع التنجيس لزم أن لا ينجس المسلم بنجاسة عارضية، والاجماع خلافه، وقد فسر ابن عبّاس وعطاه والضحاك وغيرهم كما نقله الفراء وابن المرتضى عنهم التكريم بسبعة عشر خصلة منها العقل، والأكل بيده، والنظر إلى السماء، والنطق، واعتدال القامة وحسن الصورة، وتسخير الأشياء، والرجال والنساء، بالذوائب واللحاء ولم يذكروا التطهير، ولو فرضنا أن اللّه قال: ولقد طهرنا بني آدم، مع قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (5)) لم يتناقضا، ولم يلزم مساواة ذوات الأنبياء في الطهارة


1) الروم: 21.

2) المجادلة: 22.

3) الممتحنة: 8.

4) الإسراء: 70.

5) براءة: 28.

للكافر، وبطلانه ظاهر.

ومنها: ما نقموا علينا من تركنا (ربنا لك الحمد) عند القيام من الركوع وقد ذكر في الحديث الثاني من الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان إذا رفع رأسه قال: سمع اللّه لمن حمده، ومثله في الحديث الثاني والخمسين من المتفق عليه ونحوه أبو داود في صحيحه (1)فنحن يحسن منا أن نذمهم، حيث تركوا أسوة نبيهم، وصحيح أخبارهم، وقالوا: ربنا لك الحمد، بأهوائهم.

ترك الوضوء مع غسل الجنابة

ومنها: ما نقموا علينا في ترك الوضوء مع غسل الجنابة، وقد ذكر ابن حنبل في مسنده أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان لا يتوضأ بعد الغسل، وفي الحلية قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): من توضّأ بعد الغسل فليس منا، وذكره أيضاً أبو داود في سننه (2)وقد سلف ذلك فيما سلف.

فساد الصوم الواجب سفراً

ومنها: فساد الصوم الواجب سفرا لما صح من روايات أهل البيت فيه، و ساعد الخصم عليه، قال ابن المرتضى: الصوم جائز يعني في السفر عند عامة أهل العلم إلّا منعا روي عن ابن عبّاس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين فإنّهم قالوا: لا يجوز وأوجبوا القضاء قال: وهو مذهب أهل البيت لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس من البر الصيام في السفر، وقال ذلك بعينه الفراء في معالمه.

وحكى صاحب التقريب في الناسخ والمنسوخ أن الطبري نسب القول بنسخ التحريم إلى عدة من الصحابة والتابعين، وأورده بأسانيد.

قال: وزعم بعض النّاس أن التخيير منسوخ بحديث ابن عبّاس خرج النبيّ


1) سنن ابن داود ج 1: 198.

2) سنن أبي داود ج 1: 57.

(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عام الفتح في رمضان فلمّا بلغ الكديد أفطر إلى آخر الشهر فقيل: إن من النّاس من صام؟ فقال مرتين: أولئك العصاة، فالفطر عند هؤلاء واجب على المسافر، ومن صام لم يجزه.

وقريب منه ذكر ابن المرتضى في تفسيره عن جابر والفراء في معالمه أيضاً عن جابر، وروي ذلك في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني من المتفق عليه.

وفيه لما استوى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على راحلته دعا بإناء فأراه النّاس ثمَّ شربه وشرب الناس، وفي حديث آخر من الجمع بين الصحيحين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فعل ذلك لما بلغ كراع الغميم وقد تقدم في الباب المتقدم.

فهذه روايات الفريقين ويعضدها قوله تعالى: (فَعِدَّة مِن أَيّامٍ أُخَر (1)) ومن أضمر (فأفطر فعدة) من غير دليل، فقد ضل سواء السبيل.

قالوا: الصوم عزيمة في الحضر، والفطر رخصة في السفر، ومتى صحت العزيمة قدمت على الرخصة كالماء والتراب قلنا: لا بل الفطر في السفر عزيمة أيضاً ولو سلم أنّه رخصة لم يناف الوجوب لاجتماعهما في مادة أكل الميتة بخوف التلف.

قالوا: إذا ارتفع وجوب الصوم لا يلزم منه رفع جوازه لما تقرر في الأصول قلنا: لا بل رفع الوجوب أعم من بقاء الجواز كما في صورة الميتة عند التلف، وقد سلف، والوجوب خاص لا يلزم من ارتفاعه ارتفاع العام الّذي أحد أفراده التحريم ولو سلم بقاء الجواز من بحث الأصول فالاستناد في وجوب الفطر إلى ما مضى من المنقول (2).


1) البقرة: 185.

2) منها: إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه، كما يجب أن يؤخذ بعزائمه.

القنوت قبل الركوع

ومنها: ما أنكروه علينا في القنوت قبل الركوع، وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع والثلاثين من المتفق عليه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قنت في صلاة الغداة ودعا على قوم، فقال رجل: القنوت بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟ فقال: بل عند الفراغ من القراءة.

فساد صوم متعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح

ومنها: فساد صوم متعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح استنادا إلى روايات أهل بيت نبينا، المعتضدة بروايات خصومنا، قال ابن قدامة في المغني: كان أبو هريرة يقول: لا صوم له، ويروي ذلك عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وذكر ذلك أكثر الأصوليين في باب التعادل، وحكي عن الحسن وسالم بن عبد اللّه قالا: يتم صومه ويقضي، وعن النخعي: يقضي عن الفرض دون النفل وعن عروة وطاوس: إن علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتّى أصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم قضاها هذا آخر كلام قدامة.

فإن عارضوا بخبر عائشة كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يصبح جنبا من غير احتلام ثمَّ يصوم يومه، وفي بعض الروايات وذلك في شهر رمضان قلنا: هو من طرقكم دوننا فلا يعارضنا.

إن قالوا: الجنابة لا تنافي الصوم كما في المحتلم نهارا، فكذا هنا، قلنا: يفرق بين عمد البقاء عليها إلى النهار لأجل الاختيار، وبين الاحتلام في النهار لعدم الاختيار، على أن ابتداء الجنابة أضعف من استدامتها ولا يلزم من عدم تأثير الضعيف في إبطال الصوم عدم تأثير القوي.

قالوا: لا معنى للطهارة والحدث في الصوم إذ ليس عملاً كالصلاة.

قلنا: إنّما أثبتنا شرطيّة الطهارة بالأحاديث، لا بقياس الصوم على الصلاة ثمَّ لا نسلم أنّ الطهارة لا يكون إلّا لعمل، فإنّها تكون للزمان والمكان، فلا يلزم من عدم تعلقهم المعنى بين الطهارة والصيام عدم المعنى، وقد أوجب اللّه اعتداد الصغيرة

واليائسة وغير ذلك، ولا يعقل له معنى، ثمَّ كيف تقولون ذلك؟ وعندكم أن اللّه يفعل لا لغرض؟ على أن عدم المعنى بينهما لا يلزم منه تنافيهما.

قالوا: أباح اللّه الجماع والأكل والشرب إلى الفجر فيقع الغسل في جزء من اليوم، قلنا: جاز تعلق الغاية بالجملة الأخيرة وقد تواتر أن المباشرة قبل نزول الآية كانت منتفية نفيا كليا فتكون الآية الناسخة لتحريمها إيجابا جزئيا لأن السلب الكلي إنّما يناقضه الايجاب الجزئي.

وأمّا الأكل والشرب، فكان نفيهما جزئيا متعلقا باليوم، فيكون إيجابهما كليّاً في عامة الليل، وإن السنة بنيت إجمال الآية كما بينت إجمال أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ونحوهما.

قالوا: وإذا جاز الوطئ إلى الفجر، وقع النزع الّذي هو جزء منه بعد الفجر قلنا: إذا جعلتم النزع جزءا منه والفجر غاية له فهو غاية لجزئيه فلا يجوز تأخير الجزء إلى الفجر إذ يجب خروج الغاية هنا تغليبا للحرمة بخلاف المسجد الأقصى في آية الأسرى.

السجود على شئ تتخذوه

ومنها: ما نقموا علينا في السجود على شئ تتّخذوه، وفي الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من المتفق عليه في مسند ميمونة كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يصلي على خمرته، ومنه: في أفراد مسلم في الحديث الثاني كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يصلي على الخمرة (1)ونحوه في مسند عائشة عن الخدري وقد ذكر صاحب الصحاح و غيره من أهل اللغة أن الخمرة سجّادة صغيرة تعمل من سعف النخل، فإذا كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فعل ذلك ولنا به أسوة حسنة، فعلام تنكره الفرقة المفتتنة؟

ومنها: إنكار بعضهم فضيلة الجمعة والمنافقين في الجمعة وفي مسند أبي نعيم


1) وتراه في سنن أبي داود ج 1 ص 152.

وأبي حنيفة وابن حنبل كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في الجمعة يقرأ بهما وفي الجمع بين الصحيحين في مسند ابن عبّاس في الحديث الحادي والعشرين من أفراد مسلم قرأ أبو هريرة بهما فقيل له: كان علي بن أبي طالب في الكوفة يقرأ بهما! فقال: سمعت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في الجمعة يقرأ بهما.

ومنها: إنكارهم الجريدتين مع الميت وقد أسلفنا في الباب السالف حديث الحميدي فيها، ونزيد هنا ما أسنده أيضاً إلى كعب الأسلمي وجابر الأنصاري أن النبيّ أمر أن يقطع غصنين من شجرتين، ويوضع كلّ منهما على قبر، وقال:أحببت بشفاعتي أن ترد عنهما العذاب ما داما رطبين.

وقال البخاري (1): أمر بريدة الأسلمي أن يوضع في قبره جريدتان، و ذكر الإصفهاني في كتاب الترغيب، وأخرجه مسلم والبخاري عن يعلى بن سيابة قال: إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مر على قبر يعذب صاحبه، وقال: كان يأكل لحوم النّاس ثمَّ وضع عليه جريدة، وقال: لعله أن يخفف ما دامت رطبة.

قال المرتضى والحسن: والتعجّب من ذلك كتعجب الملحدة من الطواف والرمي وتقبيل الحجر، ونحو ذلك وكثير من الشرائع مجهول العلل.

الجمع بين الفرائض وغير ذلك

ومنها: ما نقمونا في الجمع بين الفرائض وقد جاء القرآن (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ (2)) ولم يعين تفريق الصلاة، ولا خص كلّ واحدة بوقت معين من دلك؟، وقد عرف في الأصول بطلان من خص الوجوب بأول الوقت أو آخره.

قالوا: السنّة بيّنت قلنا: بيانها محمول على الاستحباب ولا لوم في تركه.


1) كتاب الجنائز باب الجريد على القبر ج 1 ص 236.

2) أسرى: 78.

قالوا: مداومة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على تفريقها دليل الوجوب فيها، قلنا: لا بل المقرر في الأصول حمل أفعال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على الندب إذا جهل وجهها، وقد داوم على مندوبات فلم يلزم وجوبها.

على أنّه قد روى الحميدي في الحديث الثامن والثمانين من المتفق عليه في مسند عبد اللّه بن عبّاس قال: صلى النبيّ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، من غير خوف ولا سفر، قال ابن عبّاس: أراد أن لا يحرج أمته وفي صحيح مسلم من حديث حبيب مثل ذلك (1).

وفي رواية جابر بن زيد في مسند ابن عبّاس أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صلى في المدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

وفي فرائد الأفراد للدارقطني عن عائشة: جمع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بين الظهرين و العشائين في المدينة من غير خوف ولا مطر، ونحوه روى صاحب الحلية عن سفيان الثوري عن جابر أن النبيّ جمع بين الظهرين بالمدينة من غير مطر ولا سفر ولا خوف، وجمع بين العشائين أيضاً ونحوه في موطأ مالك عن ابن عبّاس.

وقد روى مسلم في صحيحه أن عبد اللّه بن شقيق نازع ابن عبّاس في الجمع بين الصلاتين فقال: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ فسألت أبا هريرة فصدقه.

شعر:

ولو أنصفت في حكمها أم مالك***إذا لرأت تلك المساوي محاسنا


1) أخرجه في نيل الأوطار ج 3 ص 229، والحديث متفق عليه، تراه في سنن أبي داود ج 1 ص 276 و 277.

تذنيب

لا خلاف في وجوب اتباع المجمع عليه، وترك المختلف فيه إذ فيه براءة الذمة عن يقين، والبعد عن تجويز اتباع المضلين، فنقول: أجاز بعض السنة الوضوء بالنبيّذ، والماء مجز إجماعاً، ومسح الخفين، والقدمان مجزيان إجماعاً والصلاة في الدار المغصوبة، والمباحة مجزية إجماعا، وترك النية والتسمية في الفاتحة، وفعلهما غير مبطل إجماعاً، و (مُدهَامَّتَان (1)) عوضها، وفعلها وتمام السورة غير مبطل إجماعاً وترك الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع منهما، و فعلهما غير مبطل إجماعاً، وفعل الكتف والتأمين وتركهما غير مبطل إجماعاً، و السجود على الملبوس، وعلى الأرض ونباتها غير مبطل إجماعا، وترك التشهد مع قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لابن مسعود لما علمه إيّاه: إذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك مع أن فعله غير مبطل إجماعا، والخروج من الصلاة بحبقة (2)والتسليم مخرج إجماعا إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، وما كفاهم ترك ما أجمع فيه حتّى شنعوا على العاملين به، فما أحسن قول بعض الفضلاء في ذلك ونحوه:

شعر:

إذا محاسني اللاتي أمت بها***صارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر

وقد وضعت أشياء أخر من ذلك في باب تخطئة كلّ واحد من الأئمّة الأربعة وما فيها من المخالفات للمعقولات، ومنطوق الآيات، وأخبار الثقات، فإذا أريد التطرف به فليطلب من موضعه.


1) الرحمن: 64.

2) الحبقة: الضرطة، وأكثر استعمالها في العنز يقال: ما يساوي حبقة عنزة

إن قالوا: فأنتم خالفتم أيضاً ما أجمع عليه، فيلزمكم ما ألزمتمونا فيه فأجزتم جمع الفرائض والتفريق مجز إجماعا ونكاح المرأة على عمتها وخالتها بإذنها وعدمه جايز إجماعا، واستحببتم الجريدتين، وتركهما غير مخل إجماعا، ولم توجبوا الوضوء مع غسل الجنابة وفعله غير مبطل إجماعا، وأجزتم النكاح بغير ولي ولا شهود، وبهما صحيح إجماعا ونحو ذلك يظهر لمن تتبعه.

قلنا: أما تفريق الفرائض فندب إجماعا، والنكاح على العمة منطوق القرآن (فَانْكِحُوا مَا طَابَ (1)) (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (2)) وقد أسلفنا في الجريدتين ما رويتم، وقدمنا الدليل على عدم اشتراط الولي والإشهاد، والوضوء من كتاب اللّه وكتبكم، فلا اشتراك بيننا وبينكم ولله المنة.


فهذا ما تهيّأ لي في جمع الصراط المستقيم، إلى مستحقّي التقديم. وقد أردفته من المعقول معان مستغربة الإشارات، مستعذبة العبارات، وأردفته من المنقول تقريب الكلمات، وتهذيب المقدمات، فجاء بحمد اللّه محصول فصوله متخلّصاً من تضليل معانيه، وكان بعون اللّه مدلول أصوله ملخّصاً من تطويل مبانيه، حيث استعنت من اللّه بمنّه ومنعته، واستبنت من لطفه ورحمته واعتضدت بطوله وعزَّته، و اعتمدت على حوله وقوَّته.

وأسأل اللّه الكريم أن يستمرّ بي على اعتقاد صحّته، وأطلب من فضله العميم أن يجازيني على جمعه النعيم بجنته، عالماً بأنّه يجيب من دعاه من عباده، ولا يخيب من رجاه لمعاشه ومعاده، ولأختمه بأبيات سنحت لي عند نظامه، وسمحت بها فكرتي عند تمامه:


1) النساء: 3.

2) النساء: 24.

شعر:

جمعت من الدين القويم صحائفا***هداني إليها خالقي بجلاله

وحررت فيه للوليّ لطائفا***تجلى عمى عين الغبيّ وباله؟؟

وأوضحت فيه للغويّ طرائفا***سرائرها مطويّة في خياله؟؟

وقرَّرت فيه كلّ قول منضد***يزحزحه في دينه عن ضلاله

فلا وامق إلّا هدى بكماله***ولا وامق (1)إلّا هوى بنصاله

يساق إليه الموت عند نزاله***وينساق للأفحام عند جداله

وسمّيته باسم الصراط تيمنا***ليسلك فيه للنبيّ وآله

وأرجو إلى الرحمن منهم شفاعة***تصرف عنّي من عظيم وباله

لنصف وثلث من ربيع آخر أتى***لا عوام (ذق ند) تمام (2)جماله

تمّ والحمد للّه


1) ولا مارق خ ل.

2) عدد حروفها 854، راجع ج 2 ص 20 من مقدمة المجلد الثاني؟ دمة العلامة آقا بزرك الطهراني مد ظله.

هذا الكتاب مبشر برشاد من***يسلك طرائقه بغير خلاف (1)

فكأنه المبعوث أحمد إذ أتى***في آخر الأديان بالإنصاف

وكأنه من بين كتب الشيعة***المتقدمين كسورة الأعراف

ينبيك عن كتب الرجال وما رووا***بعبارة تغني وقول شاف

سهل الطّرايق عذبة ألفاظه***فكأنها ممزوجة بسلاف

فإذا قرأت أصوله وفروعه***رواك من عذب فرات صاف

فهو الصراط المستقيم ومنهج***الدين القويم لسالكيه كاف

تأليف من شهدت له آراؤه***بكماله في سائر الأوصاف

للشيخ زين الدين قطب زمانه***رب المكارم عبد آل مناف

فلقد أنار منار شيعة حيدر***وأبار من هو للنصوص مناف

فجزاؤه من أحمد ووصيه***أهل السماحة معدن الأشراف

أن يمنحاه شفاعة مقبولة***ويخصه باريه بالألطاف


1) قطعة مدح قائلها المؤلف والمؤلف قدس سره، توجد في النسخة التي جعلناها أصلا في الصفحة الأخيرة بعد ختم الكتاب، وفي بعض النسخ في ظهر الكتاب الصفحة الأولى على ما في ص 10 من تقدمه العلامة المرعشي مد ظله في المجلد الأوّل من هذا الكتاب.

فهرس

(ما في هذا الجزء من المطالب)

تتمة الباب الثاني عشر: في الطعن فيمن تقدمه بظلمه و عدوانه

النوع الثاني في عمر

في قوله : إنّ النبيّ يهجر، حسبنا كتاب اللّه... 7 - 3

النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يأمرهما بقتل ذي الثدية و هما لا يطيعان...86

جعل الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد أخذ عليّاً و جلبه إلى المسجد للبيعة...10

حصر فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بين الباب و الجدار...12

قضى في قضايا كثيرة برأيه المخالف للحقّ...18 - 14

قال : لو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته ، و هو غير قرشي...19

درء الحد عن المغيرة بن الشعبة وحدّ ثلاثة من الشهود...21

مدح أصحاب الشورى ثم ذمهم بمنكرات...23

أبدع صلاة التراويح جماعة وصلاة الضحى ولم يفعله ما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...26

كلام في خساسته و خبث سريرته...28

النوع الثالث في عثمان

في تسميته نعثل، و توليته بني أمية على رقاب الناس...30

ايثاره أهله وذويه بأموال المسلمين...32

أرجع لمريد رسول الله الحكم إلى المدينة و أعطاه و طرد حبيب رسول اللّه أبا ذر و أقصاه إلى الربذة...33

ضرب عمّاراً حتى أحدث به فتقاً و کسر ضلع ابن مسعود...33

في هر به عن الزحف يوم أحد ولم يرجع إلى ثلاثة أيام...34

في قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تحشر أمتي على خمس رايات...39

فصل في شيء من تظلّمات على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41

الحاق في المنافقين من أهل العقبة...44

فصل في بدع معاوية و مساويه و مثالبه...45

فصل في عمرو بن العاص...51

الباب الثالث عشر: في المجادلة لنصرة دينه

فصل في أن الجدال بالتي هي أحسن مأمور به في القرآن و السنة...54

فصل في مجادلات حسنة للشيعة مع أعدائهم و خصومهم...59

فصل آخر من ذاك الباب و فيه مجادلة العدلى والمجبّر...60

فصل في أن الجبر معتقد علمائهم وأعاظمهم...61

فصل في أنّهم القدرية التي قال رسول اللّه إنّهم مجوس هذه الأمة...62

فصل آخر في مجادلة العدلىّ و المجبّر...65

فصل آخر في إلزام المجبّرة...67

فصل فيما يلزمهم من القول في عدم الاستطاعة...69

مناظرات طريفة في ذلك...70

تذنيب في بحث التقية...71

تذنيب في تقية الشيعة بالوجه الحسن...72

بحث في الولاء والبراء...74

تذنيب في علّة تسمية الرافضة...75

فصل في مناظرات الشيعة في مسئلة الولاية و البراءة...78

فصل في شناعتهم وسوء أدبهم في المقال بحضرة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...80

فصل في رد الأخبار المزوّرة في عثمان...81

الباب الرابع عشر: في رد الشبهات الواردة من مخالفيه

في قولهم أن مذهب الشيعة مستحدث و غير ذلك...84

فصل في ذكر آيات ادعي نزولها في أبي بكر وصاحبيه...106 - 88

تذنيب في أن أباء كان عضروطاً...102

فصل في قولهم شهد لأبي بكر ثمانون ألف وغير ذلك...106

فصل في أن علياً رضي ببيعته و خلافته...110

تنبيه في ردّ الاجماع على خلافته و بيعته...112

فصل في احتجاجهم بسكوت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند النصّ على عمر...113

فصل في احتجاجهم الامامه عثمان بالشورى في سنة من المهاجرين...116

الحاق في كلام عمر : إن وليتموا علياً ليحملتكم على المحجة البيضاء...118

فصل في أن إمامة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما ثبتت بالبيعة !...119

كلام في شهادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) و موضع دفنه بالغري...121

فصل في احتجاجهم بقوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس...124

فصل في أن الواجب اتباع سبيل المؤمنين...127

فصل في نكاح عمر أم كلثوم ابنة علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...129

فصل في تقدم أبي بكر في صلاة الجماعة في مرض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...132

صلاة أبي بكر بالناس برواية عيسى بن المستفاد عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...135

فصل في صحبة الغار و أنّها لا تدل على فضيلة لأبي بكر...136

فصل في أن أهل السنة يتشيعون ولا يرجع إليهم من الشيعة أحد فصل في روايات اختلقوها ليستدلّوا على خلافته ما بها مثل قولهم إن أبا بكر و عمر سيدا كهول أهل الجنّة...142

في قولهم اقتدوا باللذين من بعدي أبا بكر و عمر...144

فصل في أن لفظ الاقتداء لا يلزم منه العموم...146

في قولهم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً...147

في قولهم : لو كنت متخذاً خليلاً لا تّخذت أبا بكر و غير ذلك...148

في قولهم : إذا سلك عمر طريقاً سلك الشيطان في غيرها...151

ذكر الصحيفة التي عهدوها على أن يخرجوا سلطان محمد عن أهل بيته...153

إنّما كان أبو بكر أول من أسلم من غير بني هاشم...157

في قولهم : إنّ عليّاً لم يردّ فدكاً على وارث فاطمة حين تولى الخلافة...159

فصل في أمّ الشرور عائشة أمّ المؤمنين...161

حديث ماء الحوأب ، و نهي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عن خروج عائشة...162

ادعوا توبتها و ليس في كلامها و فعلها ما يدل على ندامتها...164

تذنيب في أنّها كانت تسوء الأدب مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) في معاشرتها...166

فصل في أختها حفصة ونزول آية التحريم فيهما...168

فصل في حرب الجمل ونكث طلحة والزبير و عاقبتهما...170

فصل في حرب صفين و أنّهم الفئة الباغية...175

في مساوى عمر و بن العاصي و بيعه دينه بدنيا غيره....176

الباب الخامس عشر: في تخطئة كل واحد من الائمة الاربعة في كثير من أحكامه

في أنّ الاقتصار على الاربعة - وهم من التابعين - من الضلال...181

في أنّ تصويب آراء جميعهم کفر و ضلال...182

فصل نذكر فيه خطأ الأربعة فيما أجمعوا عليه و هو أمور...184

من ذلك منعهم عن نكاح المتعة و تدل عليه الآيات الكريمة...190

فصل نذكر فيه نبذة من اختلافهم في أنفسهم توكيداً لخطائهم...196

كلام في كيفية التيمم و أن القرآن يدل على مذهب الشيعة...197

تذنيب في أنّهم عدلوا عن السنة لأجل عمل الشيعة...206

كلام في القياس عدلوا به عن الكتاب و السنة...208

إلحاق في مناظرة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبي حنيفة...211

فصل في المشايخ الأربعة...213

الأول أبو حنيفة و فتاواه المخالفة مع الكتاب و السنّة...213

الثاني الشافعي و فتاواه الشادة عن الكتاب و السنّة...217

الثالث مالك و فتاواء الشادة عن الكتاب و السنّة...220

الرابع ابن حنبل و فتاواه الشادة عن الكتاب و السنّة...223

فصل في البخاري و صحيحه و تمويهاته و انحرافه عن أهل البيت...226

فصل في كتمانه فضائل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...232

الباب السادس عشر: ذكر رواة أحاديثهم، وطعن بعضهم في بعض، الموجب * ذلك الفسقهم، الموجب لرد حديثهم، الموجب لهدم * قاعدتهم في تصحيح دينهم *

كلام في أن نقل الطعن فيهم ليس من الاغتياب...237

كلام في معارضة الصحابة فيما بينهم بالتكفير و التفسيق...238

فصل في رواة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إنّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه...241

كلام في حديث عائشة أن رسول اللّه صار مسحوراً على يدلبيد بن اعصم اليهودى و غير ذلك من أحاديثها...244

كلام في ترجمة سعيد بن المسيّب و عدم حضوره للصلاة على علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)...246

كلام في المغيرة بن شعبة وزنائه بأم جميل ودره الخليفة عمر بن الخطاب الحدّ عنه وإجراء الحد على ثلاثة من الشهود...247

فصل آخر في ذكر جمع من رواتهم و الطعن فيهم...253

فصل فيمن نسبوهم إلى البدعة والارجاء و الرفض والنفاق ببغضهم علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)...256

تذنيب في علة اختلاف الصحابة في الاقوال و الاحكام...258

الحاق في أن الأول جعل لامارته على المسلمين أجرة...260

الباب السابع عشر: في رد الاعتراضات على شيء من شرائع اتباع الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إسناد الصادقين حديثهم عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالارسال...261

مسح الرجلين و البحث فيه مفصلاً...262

الابتداء من المرفقين في الوضوء...268

متعة النكاح و أنّها سنة لم تنسخ و البحث فيه مفصل...269

حل الوطي في الدبر، عدم وقوع الطلاق بدون الاشهاد، نجاسة المشرك ترك الوضوء مع غسل الجنابة، فساد الصوم الواجب سفراً، القنوت قبل الركوع، فساد صوم متعمد البقاء على الجنابة إلى الاصباح، السجود على شيء تتخذه، الجمع بين الفرائض و غير ذلك...293 - 278