دو فصلنامه میقات الحج جلد 20

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: دو فصلنامه« ميقات الحج»

نويسنده: مركز تحقيقات حج

الحج والحكمة من تشريعه

الحج في كلام الإمام الخميني قدس سره

على أعتاب عيد الأضحى المبارك، أتقدم بالتهاني لكافّة مسلمي العالم، وخاصة حجّاج بيت اللَّه الحرام، المتوجّهين إلى مقام الأنبياء... إبراهيم الخليل، صلوات اللَّه عليه وعليهم.

ومع الأسف، فقد عانى المسلمون في هذا العام مصائب ومحن... بسبب اعتداء الشيطان الأكبر، آمريكا المجرمة، على حرمة المسلمين... وبسبب الغزو الذي قام به حكّام إسرائيل الإرهابيّون... إنّ الإسلام يواجه اليوم مؤامرات المجرمين، ناهبي العالم، وإذا لم يقف المسلمون يداً واحدةً وسدّاً منيعاً بوجه هذه المؤامرات، فإنّ سيل الكفر والإلحاد الجارف سيقتلع الجميع ويذهب بهم... وأنا آمل أن يعتني الحجاج الأعزّاء أيّدهم اللَّه تعالى بأنفسهم وبأصدقائهم، لكي لا تشوب هذه العبادة الإلهيّة العظيمة الخطايا والذنوب، وأن يراعوا آداب الحضور بين يدي اللَّه العظيم في المواقيت الإلهيّة والأماكن المقدّسة.

من نداء الإمام الخميني إلى حجّاج بيت اللَّه الحرام

الحجّ في كلام الإمام الخامنئي «مدّ ظلّه العالي»

الشكر للَّه‌سبحانه وتعالى، أنْ جعل الحجّ للأمّة الخالدة ذخيرة لا تفنى، ومَعيناً لا ينضب، وسلسبيلًا زلالًا مستمرّاً، من عرفه حقّ معرفته، وقدره حقّ قدره، انتهل منه وارتوى،...

آمريكا بعد أن انتهت ممّا يسمّى بالحرب الباردة شمّرت عن ساعد الجدّ لخوض حرب شاملة مع اليقظة الإسلامية التي تشكّل سدّاً منيعاً أمام هذا النفوذ.

هذه الحكومة الشيطانيّة تعاني فيه داخلها من مشاكل مستعصية ناجمة عن طبيعتها المعادية للفطرة والإنسانيّة، لكنّها انطلاقاً من نفس طبيعتها الاستكباريّة التوسّعية تسعى لنقل مشاكلها إلى كلّ العالم، وللسيطرة على جميع المراكز الحسّاسة والثريّة في العالم بما فيها الشرق الأوسط والخليج الفارسي بشكل خاص لتواصل حياتها باقتدار أكثر. لو تحقّقت هذه الأحلام المشؤومة، فإنّ شعوب المنطقة ستواجه أيّاماً هالكة لم يسبق لها مثيلًا... لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلّابالإسلام والمؤمنين الصامدين...

من نداء الإمام الخامنئي إلى حجّاج بيت اللَّه الحرام

كلمة التحرير

الشيخ باقر شريف القرشي (1)

إن جميع ما قنّنه الإسلام من الأحكام الشرعية والقيم الدينية قد حفل بمصالح ومنافع بالغة الأهمية، تتطور بها حياة المسلمين، وتفتح لهم آفاقاً مشرقة من الوعي الديني، والاجتماعي، والسياسي، وكان من بين ما قنّنه الإسلام «الحج» وجعله فريضة من فرائض الله تعالى على من استطاع إليه سبيلًا، يحاسب عليه المسلم حساباً عسيراً، ويعاقب على تركه عقاباً أليماً... ونحن الآن نتحدث عن هذا الفرض الإسلامي- بإيجاز-.

الإحرام

أما الإحرام فهو فاتحة الدخول في العمرة والحج، ويجب أن يكون الإحرام للعمرة من الميقات لمن كان نائياً عن مكة،


1) سماحة العلامة الكبير الحجة المجاهد الشيخ باقر نجل الحجة المقدس الشيخ شريف القرشي، من أعاظم العلماء والمحققين في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، له تأليفات كثيرة.

أمّا الإحرام للحج فهو من نفس مكة المكرمة.

ماذا يعني الإحرام؟

ويجب على المحرم أن يخلع ملابسه، ويرتدي بمئزر، وملف على ظهره، وهو يعني أن يخلع الإنسان من دخائل نفسه النزعات الشريرة التي تلقيه في شرّعظيم، وهي:

1- الأنانية

2- الكبرياء والغطرسة

3- الكذب

4- الطمع

5- التهالك على حب الدنيا

إن فلسفة الإحرام تعطي للإنسان درساً عملياً بليغاً، وهو مغادرته للحياة؛ وأنه سوف يرسل إلى قبره مؤتزراً بكفنه، لايصحبه شي‌ء من متع الحياة الدنيا لا أمواله ولا ولده، فما هو الداعي إلى تهالكه على جمع الأموال التي يتخلى عنها، ويفارقها؟ ولم يساهم في شي‌ء منها على صالح وطنه وأمته، كما أنه ما الداعي إلى غروره وغطرسته على عبادالله تعالى، وهو لابد أن يغادر الحياة إلى قبر موحش مظلم لارونقُ الصباح يحييه، ولاالفجرُ باسماً يغريه.

هذه بعض الحكم القيمة، والمنافع العظيمة التي يهدف إليها الإحرام لبيت اللَّه تعالى أو للحج.

الطواف بالبيت الحرام

وهومن فصول هذه العبادة بنوعيها: العمرة، والحج، ونظراً لأهميته البالغة أشاد به القرآن الكريم وندب إليه، قال تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَ

الرُّكَّعِ السُّجُودِ (1).

وقال تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (2).

ويعني‌الطواف بالبيت الحرام إلى ضرورة تمسك المسلم بهذا البيت الحرام الذي جعله الله تعالى قبلة لعباده في صلاتهم المفروضة والمندوبة، وهويهدف إلى الوحدة الكبرى بين المسلمين التي ينشدها الإسلام، وهي من أهم أهدافه الأصيلة.

إنّ فلسفة الإحرام تعطي للإنسان درساً عمليّاً بليغاً وهو مغادرته للحياة وأنّه سوف يرسل إلى قبره مؤتزراً بكفنه

إن الطواف حول البيت الحرام رمز للوحدة بين المسلمين التي توجب تماسكهم ووحدة صنوفهم، واجتماع شملهم، وأن لا تحدث فيما بينهم أية ثغرة تؤدي إلى تمزقهم، وضياعهم، فيكونون لقمة للجائع، ونهزة للطامع، كماهم عليه الآن فقد صاروا فريسة للاستعمار يغزوهم وينهب ثرواتهم، ويقذف بهم إلى مستوى سحيق من مجاهل هذه الحياة؛ ماله من قرار.

السعي

وهو من مناسك العمرة والحج، ويبتدأ به من الصفا، ويكون الختام بالسابع في المروة، وهو يهدف- في مانحسب- إلى ضرورة أن يسعى الإنسان المسلم بصدق وأخلاق إلى


1) الحج: 26.

2) الحج: 29.

سبل الخير، ومايقربه إلى الله تعالى زلفى.

إن المسلم إنما يكون قدوة حسنة لغيره فيما اذا كان سباقاً لفعل الخير، وساعياً لمنفعة الناس التي هي من أهم الروابط الاجتماعية التي ينشدها الإسلام.

إن من أهم الدروس البليغة في تشريع السعي هو تضامن المسلمين ووحدتهم، وتعاونهم في سبل الخير والتقوى، وأن يكونوا يداً واحدة على من يغزو بلادهم، ويستعمر ديارهم، ويفرق وحدتهم، وينهب ثرواتهم، ويلقيهم في شرّ عظيم.

إن في السعي دروساً بليغة للمسلمين؛ عليهم أن يتدبروها بوعي لتكون لهم منهجاً مشرقاً في حياتهم.

الوقوف بعرفات والمزدلفة ومنى

و بهذه المواقف ينتهي معظم مناسك الحج، ويشاهد فيها مئات الألوف من حجاج بيت الله الحرام، وهم يرتدون ثياب الإحرام، وهم يهلّلون ويكبرون الله تعالى؛ خالق الكون، وواهب الحياة، ويحمدونه على ما وفّقهم ومنّ عليهم بأداء فريضة الحج.

إن من أهم الدروس البليغة في تشريع السعي هو تضامن المسلمين ووحدتهم

وتحتوي هذه المواقف على مناظر رهيبة ورائعة جدّاً، فهي تذكّر الإنسان المسلم بحشره ونشره يوم الفزع الأكبر، حينما ينشر الناس إلى الحساب، لينال المحسن جزاءه فينعم، والمسي‌ء جزاءه فيشقى ويعذب.

كما أنّ من الدروس الرائعة في هذه المواقف

الكريمة، وقوف الناس أمام الله تعالى سواء، لاميزة لأحد منهم على آخر، ولافضل لأيّ إنسان على آخر إلّا بالتقوى، ومامن المنافع لأخيه الإنسان.

كما أنّ من أهم المنافع الحيوية في تشريع الحج هو أن تعقد المؤتمرات الإسلامية قبل أداء الحج أو بعده ليتعارف المسلمون فيما بينهم ويعرضوا لمشاكلهم، وما ألمّ بهم من الأحداث، ويتعاونوا على حلّها، وأن تقوم الدول الإسلامية الغنية بإسعاف الدّول الضعيفة التي ترزح في ذل الفقر والمرض والبؤس، فإنها مسؤولة أمام الله تعالى في ذلك.

هذه بعض منافع الحج، والحكم في تشريعه، عرضنا لها بصورة موجزة وسريعة، لأنّا على جناح السفر من زيارتنا لمدينة قم المقدسة- التي هي دولة العلم، ومركز الثقافة الإسلامية- إلى مدينة النجف الأشرف، دار الهجرة، وموطن الفكر والعلم في الإسلام، ومنه تعالى نستمد التوفيق، إنه تعالى وليّ ذلك والقادر عليه.

الذبح في منى وبعض أحكامه عند الإمامية

الذبح في منى وبعض أحكامه عند الإمامية

محمد علي التسخيري (1)

للهدي أحكام متنوعة، ونحن نركّز على مسألتين فيه هما:

1- حكم تعذر الذبح في منى.

2- حكم الترتيب بينه وبين الحلق.

وذلك لأنهما مسألتان مبتلى بهما كثيراً، والأمر فيهما لدى المذاهب الأربعة لا يشكل معضلة في البين بعد أن اشترطوا في الهدي شرطين هما:

أ- أن يكون الذبح في أيام النحر.

ب- أن يكون في الحرم.

وأما الترتيب (الرمي، والذبح، والحلق أو التقصير)، فالأصل فيه ذلك، لفعله صلى الله عليه و آله كما رواه أنس، واتفقوا على مشروعيته، ولكن هل هو واجب؟ ذهبت الحنفية ورواية عن أحمد إلى ذلك، وذهب الشافعي والصاحبان ورواية عن


1) الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

أحمد إلى أنه سنّة، استدلالًا بحديث عبد اللَّه بن عمرو، على تفصيلات.

والحاصل- كما قال ابن قدامة- لا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولايمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم (1).

وقال ابن رشد: (وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر، وعند مالك أن نحر الحج بمكة، والعمرة بمنى أجزاه) (2).

وما وجد من خلاف يرتفع إذا قلنا بالتلفيق، وهو رأي الأكثر مالم يؤد إلى تتبع المباحات أو إلى رأي ترفضه الأطراف.

والحاصل- كما قال ابن قدامة- لا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء

ولكن الأمر مشكل فيهما لدى الإمامية فلنوضح الأمر:

ألف- حكم الذبح بمنى في حج التمتع

الهدي واجب في حج التمتع، دلت عليه النصوص الشريفة وفي طليعتها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي (3)

.

ومحل ذبح الهدي في الحج هو منى بإجماع الإمامية.

وقد يستدل على ذلك بوجوه:


1) الموسوعة الفقهية الكويتية 17: 60- 62.

2) بداية المجتهد 2: 339، طبعة مجمع التقريب، قم، إيران.

3) البقرة: 196.

الأول: قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة للَّه‌فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (1).

واستدل السيد الخوئي (2)بالآية، باعتبار أنه لا يوجد- فقهياً- في محل ذبح الهدي غير احتمالين:

أ: أن يكون محله منى. ب: أن لا يكون له محل معين، والآية تنفي الاحتمال الثاني.

وواضح أن الأمر لا ينحصر في هذين الاحتمالين، بل هناك احتمال أن يكون محله مكة أو الحرم، كما تقول به المذاهب الأخرى، فلا يمكن أن يتم الاستدلال.

الثاني: ما ذكره السيد الخوئي من: (القطع به عند الأصحاب وللسيرة القطعية المستمرة من زمن النبي صلى الله عليه و آله إلى زماننا هذا) (3).

وهذا ما لا يثبت انحصار الذبح بمنى، فغايته الدلالة على مشروعية ذلك لا وجوبه في خصوص منى.

الثالث: الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ومنها:

1- الرواية المعتبرة عن زرعة قال: سألته عن رجل أحصر في الحج


1) البقرة: 196.

2) المعتمد، كتاب الحج 5: 208.

3) ن. م، ويلاحظ هنا أن عمل الرسول صلى الله عليه و آله والأصحاب والأئمة كان هو الذبح بمنى، إلا أن وجه العمل وهل هو الانحصار في منى أم لا؟ غير معلوم، خصوصاً وأن المذاهب الأخرى لا تقول بالوجوب، ثم إن قدامى فقهاء الإمامية لم يصرحوا كلهم بالوجوب، ولكن الفقهاء من زمان الشيخ الطوسي فما بعده صرحوا به فلا يمكن ادعاء الإجماع الإمامي قبل الشيخ على ذلك.

قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ومحله أن يبلغ الهدي محله، ومحله منى يوم النحر إذا كان في الحج، وإن كان في عمرة نحر بمكة) (1).

2- الرواية المعتبرة عن منصور بن حازم عن الإمام الصادق عليه السلام في رجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره؟ فقال «إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، وإن كان نحره في غير منى لم يجزى‌ء عن صاحبه» (2).

3- رواية إبراهيم الكرخي في رجل قدم بهديه مكةَ في العشر فقال: (إن كان هدياً واجباً فلا ينحره إلا بمنى، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء) (3)

وهو حديث يمكن تصحيح سنده.

4- رواية مسمع عن الصادق مثلها «(4)4»، واستدل بها السيد الحائري، ولكنه قال: إن هذا الحديث وما قبله واردان في حج القِران فيتوقّف الاستدلال بهما على عدم احتمال الفرق في محل الهدي بين القران والتمتع (5). وهو الظاهر في رأينا بعد أن لم يعهد قول بالفرق هنا بين الفقهاء.

5- حديث عبد الأعلى الذي رواه أبان عنه قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: (لا هدي إلا من الإبل ولا ذبح إلا بمنى) (6).

ورغم أن السيد الخوئي ناقش في السند، إلا أن السيد الحائري صحّحه، ولكن ناقش في الدلالة: بأن انحصار الهدي في الإبل مستحب قطعاً، وهو يبطل الدلالة الوجوبية على انحصار الذبح بمنى لوحدة السياق، وهو أمر وارد.

6- حديث مسمع عن الصادق عليه السلام: (منى كله منحر، وأفضل المنحر


1) وسائل الشيعة 9: 306.

2) ن. م. 10: 127.

3) ن. م، 10: 92.

4) ن. م 10: 93.

5) راجع مقالته في مجلة فقه اهل البيت عليهم السلام، العدد 28 ص 158.

6) وسائل الشيعة 10: 93.

كله المسجد) (1).

وقد ناقش السيد الخوئي في السند، والسيد الحائري في الدلالة.

فالثابت إذن عند الإمامية لزوم ذبح الحاج المتمتع هديه بمنى.

أما عند العجز عن الذبح في منى، كما لو أضطرت كثرة الحجاج إلى نقل المذابح إلى خارجه، فقد ذكر السيد الخوئي أن المسألة مستحدثة، ويرى أن الإطلاقات تدل على وجوب أصل الذبح، وأن تقييده بمنى جاء من خلال الروايات التي تشترط أن يكون في منى إجمالًا، لا مطلقاً لتشمل حالات العجز (2).

كما ذكر السيد الحائري: أن الإطلاقات غير تامة، إلا أنها حتى لو تمت فإن هناك وجوهاً لو تمت لثبت أن الهدي لا يسقط بالعجز عن ذبحه في منى، وأما دليل الانتقال إلى البدل وهو الصوم فإنما ورد في من لم يجد الهدي لا في من وجد الهدي وعجز عن ذبحه في منى (3).

ويرى الأستاذ الشهيد السيد الصدر أن منى إذا ضاقت بالناس وتعذر إنجاز الواجبات فيها اتسعت في رأي الشرع فشملت وادي محسر

ثم يؤكد بعد ذلك على أن الأولوية في هذه الحالة لمكة أو هي وما حواليها للذبح عبر التمسك بالآية المباركة: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (4)

، فبعد أن سقط قيد منى الآتي من النصوص يبقى الإطلاق محكماً، لكنه يستدرك قائلًا: (إلا أن الاستدلال بهذه الآية يتوقف على استظهار أن المرجع للضمير في قوله تعالى: لكم فيها منافع، وقوله (تعالى): محلها إلى البيت العتيق هو الهدي).


1) المصدر السابق.

2) المعتمد 5: 212.

3) المصدر السابق: 159.

4) المصدر السابق: 159.

ويرى الأستاذ الشهيد السيد الصدر أن منى إذا ضاقت بالناس وتعذر إنجاز الواجبات فيها اتسعت في رأي الشرع فشملت وادي محسر (1)، ومستنده في ذلك رواية سماعة: (قال قلت لأبي عبد اللَّه: إذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون فقال: (يرتفعون إلى وادي محسر)، قلت: فاذا كثروا بجمع وضاقت بالموقف كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون إلى المأزمين. قلت: فإذا كانوا بالموقف وضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون إلى الجبل) (2).

وهذا يعني أن التعذر في منى ينقل الحالة إلى وادي محسر، ثم مع التعذر ينتقل الأمر إلى مكة وما حواليها.

ب: ضرورة الترتيب بين الذبح وبين الحلق:

بأن يأتي بعده، ولاريب أن الترتيب هو الأصل لفعله صلى الله عليه و آله، ولكن الكلام في أنه هل فعله صلى الله عليه و آله على نحو الوجوب أو أنه سنة؟

وقد نسب إلى جماعة من الإمامية جواز تقديم الحلق، ولكن المشهور منعوا ذلك، وأكد السيد الخوئي ذلك بأدلة منها:

أولًا: السيرة.

ثانياً: الروايات ومنها:

1- صحيحة عمر بن يزيد: (إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك...) (3).


1) موجز أحكام الحج: 156.

2) وسائل الشيعة 13: 535.

3) ن. م: 139.

2- صحيحة سعيد الأعرج: (فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن) (1).

3- صحيحة جميل التي جاء فيها: (سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق؟ قال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسياً، ثم قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أتاه أناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللَّه، إني حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلا قدموه فقال: لا حرج) (2).

في حالة الضرورة يمكن تأخير ذبح الهدي والقيام بالحلق والتقصير والخروج من الإحرام

ورغم أن التعبير ب (لا ينبغي) قد لا يدل على الوجوب، إلا أن ملاحظة المقام تدل على أن وظيفتهم الأولية كانت تأخير الحلق (3). ولكنا نرى أن الرواية تشير إلى عدم التأكيد الشديد على قضية الترتيب بحيث يمكن التغاضي عنه بأدنى ضرورة.

4- صحيحة عبد اللَّه بن سنان قال: (سألته عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي، قال: لا بأس، وليس عليه شي‌ء ولا يعودن) (4).

5- رواية عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل حلق قبل أن يذبح قال: (يذبح ويعيد الموسى، لأن اللَّه تعالى يقول: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (5).


1) ن. م: 139.

2) ن. م: 140.

3) المعتمد 5: 307.

4) ن. م.

5) ن. م.

وهناك روايات أخرى تدل على جواز الحلق إذا اشترى الهدي وربطه وإن لم يذبحه، وقد عمل بها الشيخ الطوسي ومال إليها صاحب (الحدائق الناضرة).

ولكن السيد الخوئي ناقش فيها، وقال في النهاية: (ولا ريب في أن تأخير الحلق عن الذبح أحوط لولم يكن أقوى) (1).

ولكن الملاحظ أن كل هذه الروايات ليس فيها إطلاق، فهي موجهة إلى القادرين على الذبح الصحيح في اليوم العاشر، فإذا تصورنا أن هناك نوعاً من الضرورة يلجي‌ء إلى التقديم كأن تتوقف عملية الاستفادة الصحيحة من لحوم الأضاحي بالطريقة المناسبة على تنفيذ المشروع المعروف اليوم، وكان يترتب على الحاج نوع من الحرج إذا أراد أن يشخص أن هديه قد ذبح أم لا، فإن الملاحظ لجوّ النصوص يستطيع أن يطمئن نفسياً إلى جواز الحلق، خصوصاً مع وجود شي‌ء من الحرج حتى ولو لم يعلم الحاج قطعاً بأن هديه قد ذبح، وربما منحتنا فتوى الشيخ وصاحب الحدائق الجرأة على هذا الإفتاء، خصوصاً إذا لاحظنا ما أشارت إليه الرواية التي أجمع على نقلها وقبولها المسلمون من أن الترتيب أمر لا يملك شدة التركيز، فيمكن التغاضي عنه عند أي نوع من الحرج.

وتصوير الحرج هنا هو:

إن هناك رغبة أو حاجة أكيدة من الحاج كي يرسل اللحوم إلى مستحقيها من الجائعين في أنحاء العالم، حيث يقول المرحوم الصدر: (ويجب عليه أن يطعم الفقراء من ذبيحته إذا تمكن من ذلك، قال اللَّه سبحانه وتعالى: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ولا يشرط في الفقير هنا الإيمان فإن (لكل كبد حرى أجر) وقد ورد بسند معتبر- على الأظهر- عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّ عليّ بن الحسين عليه السلام كان


1) المعتمد 5: 309.

يطعم من ذبيحته الحرورية، وهم الخوارج الذين يعادون مولانا أمير المؤمنين) (1).

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذا العمل يرد على بعض المستشكلين على الإسلام، ومن هنا كان المشروع الذي قام به البنك الإسلامي للتنمية عملًا جدياً رائعاً، وربما كان الأسلوب الوحيد الممكن لذلك، إلا أن تنفيذ هذا العمل يستلزم أن يغض الحاج النظر عن معرفة وقت ذبح هديه وهو مطمئن لتحقق الذبح، فقد يتم في اليوم العاشر أو ما بعده، (ويؤكد هنا على ضرورة الذبح في أيام التشريق)، ولا يستطيع أن يبقى في إحرامه دون أن يحلق منتظراً خبر الذبح أو فلنقل: إن ذلك يكلف البنك والحاج مؤونة كبيرة لإبلاغ كل حاج قيامه بالذبح نيابة عنه.

هذا، وقد دعت مسألة حرمة الإسراف والتبذير بعض العلماء (2)إلى الإفتاء بالذبح في البلاد الأصلية، وهو أمر غريب يتنافى مع طبيعة النصوص الإسلامية، بعد أن صور تنافياً بين إطلاق دليل الأضحية الشامل

رعاية الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد حال الاختيار لازمة على الأحوط...

يمكنهم بعد رمي الجمرة أن يحلوا بالحلق أو التقصير، لكن أعمال مكة يجب أن تتم بعد تمامية الأعمال الثلاثة.

الشيخ الفاضل اللنكراني

للمصاديق الفعلية التي يتم دفنها أو حرقها، ودليل حرمة الإسراف من قبيل قوله تعالى: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (3)، وقوله تعالى:

وإن المسرفين هم أصحاب النار (4)، وقوله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً (5)

وغيرها من الأدلة القوية الواضحة التي تتقدم على أي دليل ينافيها بالعموم والخصوص من وجه.

أما لو فرضنا أن المورد من


1) موجز أحكام الحج: 160.

2) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

3) الأنعام: 141.

4) غافر: 43.

5) الفرقان: 57.

تزاحم الملاكين فلا بدّ تقديم الملاك الأهم وهو ملاك الإسراف.

وقد نوقش هذا الاستدلال علمياً.

وعلى أي حال: فإن الفتوى بسقوط الترتيب بهذا المقدار أمر غير بعيد.

ومن هنا جاءت فتاوى العلماء المعاصرين كما يلي:

وقد وجّه السؤال إلى العلماء في مدينة قم حول جواز الحلق أو التقصير في مثل هذه الحالة فأجابوا كما يلي:

في حالة الضرورة يمكن تأخير ذبح الهدي والقيام بالحلق والتقصير والخروج من الإحرام ولكن يجب أن لا تؤدى أعمال مكة قبل الذبح. واللَّه العالم.

الإمام الخامنئي

لا إشكال في عدم مراعاة الترتيب في أعمال منى لمن لم يتمكن من الذبح يوم العيد، بمعنى أنه يستطيع أن يحلق أو يقصر يوم العيد وينهي إحرامه ثم يذبح في اليوم التالي، ولكنه إذا تمكن من الذبح يوم العيد فإن تأخيره لتحقيق المورد المسؤول عنه مشكل واللَّه العالم. الشيخ لطف اللَّه الصافي

يمتد وقت الهدي إلى اليوم الثالث عشر، ولكن الحاج لايخرج من الإحرام قبل الذبح وإن كان يمكنه بعد الحصول على الهدي وتعيينه باسمه أن يحلق أو يقصر، ولكنه يبقى محرماً حتى يذبح. السيد علي السيستاني

رعاية الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد حال الاختيار لازمة على الأحوط، لكن في فرض السؤال حيث يتأخر ذبح هدي بعض الحجاج إلى اليوم الحادي عشر فإن الحجاج الذين يواجهون مشقة لقاء تأخير الإحلال يمكنهم بعد رمي الجمرة أن يحلوا بالحلق أو التقصير، لكن أعمال مكة يجب أن تتم بعد تمامية الأعمال الثلاثة. الشيخ الفاضل اللنكراني

يمكن للحجاج في هذا الفرض بعد رمي الجمرة وشراء وصل الهدي أن يقصروا ويحلوا من إحرامهم.

عند الإمكان يجب أن تؤدى الأعمال مرتبة، ولو أن الحاج لم يستطع أن

يضحي يوم العيد فإنه يحلق أو يقصر ويحل إحرامه ويذبح في اليوم التالي، وتأخير الذبح في الفرض المذكور لا مانع منه. الشيخ جواد التبريزي

ونتيجة لهذه الفتاوى، فقد اشترك في مشروع البنك عام 1423 ه، 95% أي 500/ 88 شخص من الحجاج الإيرانيين فقط مما ينبى‌ء عن الأثر الجيد لهذه الفتاوى.

وللمشروع آثاره الرائعة نفسياً وصحيّاً وإعلامياً وحتى فقهياً، ولا مجال لعرضها.

الحجّ اطلاق العنان لآفاق الروح‌

الحجّ إطلاق العنان لآفاق الروح‌

د. محمد قنديل

تبدأ الرحلة دوماً في اللحظة التي نرتدي فيها ثياب الإحرام، أياً كان الميقات، إنّها التهيئة الأفضل التي نخلع فيها الأقنعة القديمة بكلّ ما فيها من سعي كاذب ومخاتلة خادعة، قطعتين من الملاحف البيضاء، تستران الجسد دون أن يضمهما خيط واحد، فقط حزام جلدي نحمل فيه الحاجات الضرورية، تستران الجسد بالكاد، بل وتوشكان في كلّ لحظة أن تتركاه عارياً على حقيقته، كأن هذه الخرق البيضاء لا تريد أن تدع للنفس أي مجال للمباهاة أو التكبّر، يكتسب اللون الأبيض جزءاً من قدسية المكان، ويصبح عنواناً على المساواة والتوحد بين الجميع مهما تباينت الألسنة واختلفت ألوان الجلود، وهي تشبه الأكفان، كأنّها تعدّنا للرحلة الأخيرة التي لا مفرّ منها، أو تبشرنا بيوم البعث العظيم عندما نستيقظ حاملين بقايا أكفاننا، متحلّلين من ذنوبنا، ساعين نحو غفرانٍ عسير المنال، هكذا فعل جدي، مثلما فعل البقية من ملايين المسلمين الفقراء في مشارق الأرض ومغاربها، حين احتفظ بهذه الملاحف بعد عودته من الحجّ لسنين طويلة، أبقاها نظيفة ومعطرة بالشيح

والزعفران، حتى يتكفّن بها حين تأتي ساعة الرحيل.

ولكن الإحرام يتعدّى أيضاً ما ترمز إليه بساطة الثياب،

فهو رداء قد اقترن بالمعنى، ودلّ على النيّة والقصد، والحجّ هو القصد كما عرفه علماء اللغة، قصد الرحيل إلى هذا الوادي الضيق بين جبال الوادي، حيث يتوقّف الزمن في كلّ عام ليستعيد من أعماقه ذكرى تلك الطقوس القديمة، ويدور الحجيج دورتهم الخاصّة وسط أفلاك الكون.

ها آنا ذا أقف، نقطة بيضاء ضئيلة وسط ملايين النقاط الساعية، أمام جبال مكّة وصخورها، تعلو أصواتنا جميعاً بأدعية التلبية التي لم تتغير من ألف وأكثر من أربعمائة عام «لبيك اللهم لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك»، تجيش الكلمات بالنفس وتترك آثارها فوق الروح، أهو الإحساس العميق بالذنب، أم أنّه البحث عن غفران يكون بلسماً لكلّ الخطايا؟ أتذكّر

يكفي أن تترك جسدك وسط الزحام بينما تطلق العنان لآفاق الروح، والدعاء والتضرّع هما الوسيلة لذلك

قول الرسول صلى الله عليه و آله في حديثه: «ما من مُحْرِمٍ يضحى يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلّاغابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمّه».

تتوالى أمام عيني شواهد على وقائع التاريخ المقدّس الذي كان هذا المكان مسرحاً له، في تلك اللحظات النادرة من الزمن تجسد صراع الإرادة بين بشر يحملون أهواءهم الأرضيّة، وبشر يبشّرون بكلمة اللَّه، واللَّه غالب على أمره، تحيط بنا وُعُوْرَة الطريق التي لم تتغير منذ ذلك الأبد، حتى أنّ هذا الإسفلت يبدو غريباً ودخيلًا على إيقاع المكان، كيف تحمّل سيدنا رسول اللَّه هذه المسيرة وسط هذه الطبيعة الوعرة

بكلّ ما فيها من مشقّة؟! تحملها وهو راع للغنم، ثم وهو عابد متهجد في كهفٍ ناءٍ، ثم حين هبط عليه الوحي وحمّله أمانة الرسالة، وبدأ التطواف المضني وسط القبائل يدعو قلوباً قد أصابها صمم، ثم عندما عانى من الحصار ومن الأذى اليومي ومن مرارة الترمل بعد موت زوجته السيدة خديجة، وإرغامه على الهجرة من الأرض التي شهدت طفولته وجلّ شبابه وتأبّت عليه حين قارب على الشيخوخة، ثم كانت رحلة الهجرة الطويلة على أرض رمضاء، وتحت شمس حارقة، إنّ شعائر الحجّ هي بصورة أو بأُخرى اختصار رمزي لوقائع هذه السيرة، فهي لا تدور فقط في نفس الأماكن ولكنّها تجسد الكثير من أحداثها.

زحام مكّة لا يشبه أي زحام، آلاف الوجوه من مختلف الأعراق والأجناس، اتساع رقعة العالم الإسلامي وتنوعه تتجلّى في هذا المكان، يتّسع لهم جميعاً هذا الوادي الضيّق، ويضمهم جميعاً وهم يؤدّون نفس الشعائر في الوقت ذاته وفق معجزة ما، أحد الأسرار الخفيّة لهذا المكان، مهما كان الزحام كثيفاً فإنّك تجد دائماً موطئاً لقدميك، وبقعة من الثرى تضع عليها جبهتك، تدخل بنا السيارة من نفق «كدي» وهو جزء من مشروع طموح للتغلّب على المشكلات التي يواجهها انتقال الحجيج في كلّ عام، والتي تأخذ أحياناً طابع المأساة، لقد كان هذا النفق واحداً من عدّة أنفاق تخترق الجبال التي تحيط بأم القرى، وهي لفرط حداثتها لا يعرف طرقها من يغيب عن مكّة فترة من الزمن، النفق

مُضاء على مدار اليوم، وماكينات التهوية لا تكف عن الطنين لأنّه دوماً ملي‌ء بالسيارات والبشر، بل إنّ بعضهم يتّخذ من جنباته- ليلًا- مأوى بدلًا من النوم في العراء، وليس هناك من يمنع ضيوف الرحمن من النوم في أي مكان.

هاآنا ذا أقف، نقطة بيضاء ضئيلة وسط ملايين النقاط الساعية، أمام جبال مكّة وصخورها، تعلو أصواتنا جميعاً بأدعية التلبية التي لم تتغير من ألف وأكثر من أربعمائة عام «لبيك اللهم لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك»

أخرج من عتمة النفق لأرى أروع مشهد يمكن أن يراه مسلم، المسجد المهيب أمامنا، البيت الحرام الذي بارك اللَّه من حوله، مآذنه التسع سامقة للسماء، كأنّها جماع من أذرع لا تكفّ عن التضرّع، لون الحجر الأبيض المحيط به، يختلط مع البياض الذي يكسو الأجسام، جدل لا ينتهي بين الحركة والسكون، أتوقّف قليلًا لأراقب عمارته البسيطة الآسرة في انبهار، ثم يرتفع صوتي وترتفع كلّ الأصوات من حولي فجأة بنداءات الأدعية، كأنّنا نحاول أن نستخرج من داخل نفوسنا كلّ ما هو كامن وخفي من قوى الإيمان لتمنحنا القدرة على مواجهة هذا المشهد المهيب، كان الشاعر محمّد الفيتوري قد قال لي: «البيت العتيق هو مرآتك، ترى فيه كلّ ما في داخل نفسك، إن كانت صافية فلن ترى فيه إلّاصفاء اللحظة، وإن كانت معتمة فلن تتجاوز أستار الكعبة السوداء». إنّها إحدى اللحظات النادرة من تعرية الذات التي يجب على المرء أن يكشف نفسه فيها بلا خجل ولا مواربة.

دخلنا مكّة نهاراً كما فعل النبي صلى الله عليه و آله، فقد نزل هو وصحبه في حجّته الأولى والأخيرة إلى مكان يدعى «ذي طوى» في أطراف مكّة، وفضّل أن يبيت فيه حتى لا يؤخذ دخوله إلى مكّة ليلًا سنّةً من بعده، ففي النهار متّسع من الوقت، ومدى من الرؤية، والتأمّل متاح للجميع،

يزداد إحساسي بالرهبة ونحن نخطو إلى داخل المسجد الكبير لأداء العمرة التي تسبق شعائر الحجّ، كأنّها التمارين الأولى، نوع من الإعداد الروحي لهذا الحدث الجلل، يريد اللَّه للنفوس التي شردت طويلًا أن تهتدي بروية إلى طريقها وسط مسالك الإيمان، وما هذه الطقوس المتتابعة إلّامدارج ترتقيها الروح.

أرض المسجد عارية من السجاد الأحمر الذي كان يغطيها في الأيام العادية، أحسّ ببرودتها أمناً وسلاماً، أواصل الاقتراب حتى تحتلّ الكعبة كلّ حيز الرؤية، تخف الخطوات وتحتبس الأصوات، ترتفع من الساحة المحيطة بها همهمات متّصلة، شذرات من الأدعية التي تنطق بكلّ لسان، تتصاعد من دوائر متّصلة من البشر تلتفّ حول الكعبة، كأن ذرات الكون المتناثرة قد وجدت النواة التي تنتظم حولها كانتظام الأفلاك في مداراتها.

أهبط الدرج الرخامي وبصري معلّق بالبناء العتيق، مركز الكون، الأستار السوداء منقوش عليها آيات قرآنية بلون ذهبي، مرفوعة إلى أعلى، هكذا ترفع دوماً في أيّام الحجّ، ربّما حتى لا تتعلّق عليها جموع الحجيج وتمزّقها، وربّما لتكشف عن البساطة الآسرة للبناء، صفوف من الأحجار الضخمة العارية من أي زينة أو طلاء أو نقوش، لم يزد عن بناء أبينا إبراهيم عليه السلام إلّاقليلًا، فيه الكثير من بساطة الصحراء وشظفها، الحجر الأسود هو أقدم هذه الأحجار، إحدى إشارات القدسية في هذا المكان على مدى الأحقاب، فهو الحجر الناقص الذي لولاه ما اكتمل البناء، ولعلّ إبراهيم عليه السلام وهو يقيم البيت كان يبحث عن علامة دائمة منها يبدأ الجميع وإليها ينتهون، وعثر على الحجر الأسود كأنّه شهاب ساقط من السماء، وضعه في الرّكن الشرقي ومازال في نفس المكان حتى الآن، وقد حمله النبي الكريم ذات لحظة نورانيّة ووضعه في زاويته، لا ليفض الخلاف بين قبائل قريش الغاضبة فقط، ولكن ليؤكّد

عندما نرتدي ملابس الإحرام، آملين أن تكون هذه اللحظة النادرة من الإشراق قد غسلت كلّ ما نحمله من ذنوب.

استمرارية تكليفه برسالة سيّدنا إبراهيم عليه السلام.

أهبط وسط الجميع وأجعل الحجر الأسود نقطة البداية للطوفات السبع، والطواف هو أقدم المناسك، بدأ منذ عهد إبراهيم عليه السلام، ولم يفعل الإسلام أكثر من أنّه نقى هذا الطقس من الشرك والأوثان، فلا يطوف حول الكعبة مشرك أو عار.

أصعب ما في الطواف هو الدخول إليه أو محاولة الخروج منه، فهناك دائماً أمواج متعاكسة من البشر، أوّلها يحاول الانتظام داخل الدوائر، وثانيها يحاول الخروج منها، وفي الوسط هناك من يلاطم الجميع حتى يصل إلى الحجر الأسود ويقبّله، وعلينا أن نجد مكاناً وسط كلّ هذا الزحام وأن نرفع أيدينا بالتحيّة للحجر الأسود كلّما أصبحنا في مواجهته ما دمنا عاجزين عن الاقتراب منه، كان النبي- صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم- في حجّته الوحيدة قد رفع يده عندما وقف في مواجهة البيت وهتف داعياً: «اللهم زد هذا

البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة»، وليس أفضل من الدعاء للتعبير عمّا تتوق إليه النفس، تتردّد حولي عشرات الأدعية بلهجات مختلفة، وهي من أروع الأصوات التي يمكن أن تطرق الأذن، الكلمات عربية وإن نطقت بها ألسنة غير عربية، الكثيرون منهم يمسكون بكتيبات أدعية الحجّ الصغيرة، مكتوبة بلغات الأرض المختلفة، ولكنّها تحاول أن تشكل نفسها لتقترب من اللغة الأصلية للأدعية، ومن المؤكّد أنّ اللَّه يقبل الدعاء من أي لغة وبأيّ لهجة، ولكنّهم هنا يحاولون العودة إلى منابع الإيمان بنفس لغتها الأصلية: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، نطوف بالبيت كما فعل الرّسول الكريم، ولكنّه كان قد طاف الأشواط الثلاثة رملًا، أي بسرعة، وأكمل بقيّة الأشواط الأربعة مشياً، ولكن أنى لنا ذلك وسط هذا الزحام.

كلّ واحد منّا يطوف بطريقته، البعض يحاول الاقتراب لأقصى ما يستطيع حتى يتعلّق بالجدران قبل أن تدفعه أيدي الحرّاس بعيداً، والبعض يركب فوق محفة يحملها رجال سود أشداء من الخطر الاقتراب من طريقهم، والبعض يفضّل التوكؤ على عصاه، ويسعى بخطوه البطي‌ء الضيق، حتى الذين فوق مقعد متحرّك يفسح الزحام لهم مكاناً، ويبدو أن مسلمي جنوب آسيا يتلقون تدريبات خاصّة على الطواف في شكل قطارات بشريّة لا تنفصم، لا أحد يستطيع اختراقهم أو الوقوف في طريقهم، الأفارقة يضربون، والأتراك يزمجرون، والباكستانيون يلقون بنسائهم في المعمعة ثم يستميتون في حمايتهن، وأهل الصين لا يكفون عن الانحناء، والمسلمون الجدد القادمون من وسط آسيا مازالوا مبهورين، يحاولون تأدية الخطوات الصحيحة، جامعة بشرية هائلة، يطوفون حول البيت الوحيد في العالم الذي يجمعهم، سقطت العديد من الأفكار، وانفرطت القوميات، وفشلت كلّ الروابط التي حاولت أن

تضمّ كلّ هذا الخليط البشري، وبقي هذا البناء العتيق قائماً، ينظمهم في تلك الدوائر التي لا بداية ولا نهاية لها، يصيحون كلّما وقفوا في مواجهة الحجر الأسود: «بسم اللَّه واللَّه أكبر».

في هذا المكان لا محلّ للضغينة أو الشرّ، فأنت لا تملك إلّاأن تدعو بكلّ الكلمات الطيبة، وأن تسعى لطلب المغفرة وليس لتصفية الحسابات، يكفي أن تترك جسدك وسط الزحام بينما تطلق العنان لآفاق الروح، والدعاء والتضرّع هما الوسيلة لذلك، ثم نختتم كلّ ذلك بركعتين من الصلاة.

بعد الطواف يأتي السعي، وقبل السعي أحسّ بالعطش، في أمس الحاجة إلى ماء زمزم، كان النبي- صلّى اللَّه عليه وآله وسلم- قد شرب منه بعد أن أكمل طوافه وقال لأصحابه: «إنّها مباركة، إنّها طعام طعم، وشفاء سقم»، كان ماؤها عذباً وشافياً، قادراً على إرواء كلّ هذه الملايين من الحجيج على مدى مئات السنين دون أن ينضب، هل هناك تفسير لكلّ هذه المعجزات التي تحدث في هذا المكان؟! أذكر أن المهندس عبدالعزيز المصري، وهو واحد من أشهر مهندسي الري في سوريا، قد حاول أن يضع تفسيراً علمياً لديمومة هذا البئر. قال لي: إنّها تقع في مركز الأرض تقريباً، لذا فإن عروق المياه في بواطن الأرض تتّجه إليها، وهذا الأمر هو أحد خصائص جاذبية المركز في كرة لا تكفّ عن الدوران.

يبدأ الانحدار نحو المزدلفة، الطرق كلّها تأخذ اتجاهاً واحداً، السيارات تزحف، وآلاف البشر بجانبها يسعون على أقدامهم، موكب ممتدّ في سكون الظلمة تحت الجبال وفوق الحصى، الكلّ صامت تماماً ووصية الرّسول صلى الله عليه و آله تتردّد في كلّ الآذان:

«السكينة، السكينة»

أمرّ على طول المسعى بين جبلين، عبر الوادي الذي سعت فوقه السيدة هاجر، المكان الآن مكسوّ

بالرخام البارد الذي يتمّ تنظيفه باستمرار، عندما سعى جدي في العشرينات من القرن الماضي كان يتقافز حافياً فوق الحصى الجارح، فأي لظى سارت عليه هذه السيّدة الوحيدة وابنها يبكي من فرط العطش؟! لقد ظلّت تواصل السعي اللاهث على مدى ستة أشواط، وعندما عادت من الشوط السابع وجدت المياه تتدفّق من تحت كعب وليدها، أهتف مع الجميع بالتكبيرات وكلمات التوحيد، وأهرول في مدى الضوء الأخضر ونكمل السعي مشياً حتى جبل المروة، هو أيضاً لم تعد تظهر منه سوى قمة ضئيلة، نمرّ بأبواب مكّة، الأسماء هنا تواريخ ووقائع، دورة أُخرى من دورات العطش والري.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكّة سامر

بيت قديم من الشعر قاله أحد سادة جرهم وهو يودع مكّة، الأبواب المتتابعة على طريق السعي تفسّر معنى هذا البيت الملي‌ء بالشجن.

بانتهاء السعي [وعملية التقصير] تنتهي شعائر العمرة ونصبح على أبواب الحجّ، إنّ النبي صلى الله عليه و آله بعد أن انتهى من السعي انتقل إلى الأبطح بشرقي مكّة وأقام فيها حتى يوم النزول بمنى، وطوال هذه المدّة لم يذهب إلى الكعبة أو يقربها، كأنّه كان يرى عبر أستار الزمن هذه الحشود التي تتدافع إلى البيت المقدّس في كلّ حين ووقت، ولم يرد أن يكرّر الزيارة، كان يسعى نحو اليسر وإيثار السلامة لأمّته من بعده، ولكن من الذي يستطيع الابتعاد عن الحرم وهو على بُعد خطوات منه؟!

ثم يأتي يوم الحشد المهيب، يوم التروية أو الخروج إلى منى استعداداً ليوم عرفة، ومنذ الصباح المبكر وقد انتابت مكّة نوع من الحمى، امتلأت الطرق بالحجيج وقد أحرموا جميعاً في الملاحف البيضاء، كأنّ هذا يوم القيامة وقد بعثنا نحن جميعاً وفق معجزة ما، امتلأت الطرق بأرتال السيارات، وامتلأت السيارات

بحشود من البشر، وبدأت أعداد مضاعفة من الحجيج تأخذ طريقها عبر الأنفاق سيراً على الأقدام إلى منى، أفرغت مكّة ما فيها من بشر، ويقال: إنّ اسم التروية قد أطلق على هذا اليوم لأنّ الحجيج كانوا يتزودون فيه بالماء، وادي عرفة كان قفراً بلا ماء، ولكن هذه الصورة قد تغيّرت

كان ماؤها عذباً وشافياً، قادراً على إرواء كلّ هذه الملايين من الحجيج على مدى مئات السنين دون أن ينضب، هل هناك تفسير لكلّ هذه المعجزات التي تحدث في هذا المكان؟!... إنّها تقع في مركز الأرض تقريباً، لذا فإن عروق المياه في بواطن الأرض تتّجه إليها، وهذا الأمر هو أحد خصائص جاذبية المركز في كرة لا تكفّ عن الدوران.

وامتلأت عرفة بالمرافق التي تسع كلّ الحشود، في مثل هذا اليوم ركب الرسول صلى الله عليه و آله ناقته القصواء بعد طلوع الشمس، وتبعته حشود المسلمين في مسيرة مهيبة لم تر الصحراء مثلها، كان في وسطهم وكانوا حوله، وبلال بن رباح يرفع عوداً معلقاً عليه ثوباً ليستر عنه الشمس، فسبحانك ربي أن جعلتنا نعيش هذا المشهد من جديد ونستحضر طقوسه من زمن لا يموت.

ما أروعك يا يوم عرفة، وما أشدّ تأثيرك في النفس، ما من يوم أفضل عند اللَّه من هذا اليوم، فهو يوم المباهاة، عندما يتباهى اللَّه بأهل الأرض أمام أهل السماء، وكما الرسول صلى الله عليه و آله فإنه لم ير يوماً أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة، أترك نفسي لأتجوّل في خطوط عرفة التسع، كلّها تتفرع من جبل الرحمة وتصب فيه، كأنّه محور هذه الجموع الحاشدة وقوّتها الجاذبة، ثلّة صغيرة وسط الجبال العاتية على قمتها نَصْب أبيض، علامة فارقة تضيع وسط حشود البشر الذين يسعون إليها في ملابسهم البيضاء، آلاف من الخيام تمتد في صفوف بلا نهاية، ولكن أكثر الناس بلا خيام، يكفي أن يعلّقوا قطعة من القماش فوق غصن شجرة، أو

يرتكنوا إلى جدار، يسعون- كما أسعى- في طرقات المشعر الحرام دون مبالاة بالحرّ أو الشمس، عائلات بأكملها، الأم والأب والأبناء الصغار، يبدو أنّهم قد بذلوا كلّ ما يمكنهم من أجل إتمام هذه الرحلة، آخرون غيرهم لا يقوون على السير وعلى وجوههم آثار سوء التغذية، يتمنون ميتاً ومدفناً في هذه الأرض المقدّسة، الإيرانيون يسيرون في جموع من الصعب اختراقها، يرفعون- كعادتهم- لافتات ويردّدون شعارات، الآسيويون مازالوا يحافظون على صفوفهم المنتظمة، قطارات متتابعة من أجسادهم الصغيرة تطوف بكلّ مكان، هل تلقوا تدريباً على السير في عرفة أيضاً؟

المصريون يسألون عن جبل الرحمة في صخب، يدورون حول أنفسهم ولا يصلون إليه، مسلمو بلاد السوفييت سابقاً لا ينسون نصيبهم من التجارة، كلٌّ في ملكوته، وعرفة على ضيقها تتسع للجميع.

أواصل السير في الطرقات، أشم عبق الأجساد التي لا تكفّ عن التوسل، ما كل هذا الإحساس بالذنب، وأي نوع من الخطايا يستلزم كلّ هذا القدر من التضرّع؟

هل آن لكلّ هؤلاء الفقراء والبسطاء أن يرتكبوا أنواعاً من الخطايا الكبرى؟ أسير من خط إلى آخر، إنّه إحساس النفرة والتأهب في انتظار حدث كبير، قيامة جديدة أو غفران شامل، تستدير الشمس في منتصف السماء، آخذ زجاجة من الماء فأشرب نصفها وأصب النصف الآخر فوق رأسي، لا عطش في عرفة، عشرات العربات تقوم بتوزيع كميّات كبيرة من زجاجات الماء والألبان والعصائر، تتبارى الشركات السعودية بتوزيعها مجاناً على الحجيج، هناك من يسوق جملًا مزيناً ويدعو من يشاء للتصوير وهو راكب على ظهره، ذكرى لا تخلو من فائدة في ذلك اليوم، أسواق صغيرة جانبية تقوم على أطراف الخيام، مستوصفات طبية تقدم المعونة للمصابين بضربات الشمس، وحتى

أفراد الكشافة السعودية يقومون بمجهود خارق لإرشاد الحجاج التائهين لأماكنهم.

عند الظهيرة، تبدأ الجموع في الاتجاه إلى مسجد «نمرة» للحصول على مكان للصلاة، كان يوم عرفة متوافقاً مع يوم الجمعة، وهو نفس اليوم الذي قام فيه النبي صلى الله عليه و آله بحجته الوحيدة، لذا فالشوق عارم لتكرار التجربة، ففي هذا المكان ألقى واحدة من أكثر الخطب بلاغة في تاريخ الإسلام، وكانت بمثابة الوصية الأخيرة، ولأنه كان يشعر بالوهن فقد وقف ربيعة بن أميّة تحت ناقته

تصوير 2

يردّد كلمات الرسول بصوت جهوري: «أيّها الناس اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».

وعندما تحين اللحظات الأخيرة من هذا اليوم نصعد جميعاً إلى الهضاب والتلال ويصبح جبل الرحمة مغطى تماماً بالبشر، ربّما نصبح جميعاً أشدّ قرباً إلى السماء التي نتضرّع إليها، ترتفع أصوات التلبية والابتهالات، فإذا كان اللَّه سبحانه يباهي بهذا

اليوم، فليكن البهاء كاملًا، فلا أحد يدري متى تكتمل دورة الزمن، ولا متى ترتقي الروح إلى بارئها، يصطبغ الأفق بحمرة الغروب وتحين لحظة الرحيل، ويظلّ الجمع واقفاً، وترتفع إلى السماء ملايين من الأذرع المتوسلة، إذا لم يكن هذا يوم عتقنا ياربّ السموات فمتى نعتق؟

يبدأ الانحدار نحو المزدلفة، الطرق كلّها تأخذ اتجاهاً واحداً، السيارات تزحف، وآلاف البشر بجانبها يسعون على أقدامهم، موكب ممتدّ في سكون الظلمة تحت الجبال وفوق الحصى، الكلّ صامت تماماً ووصية الرّسول صلى الله عليه و آله تتردّد في كلّ الآذان: «السكينة، السكينة»، أي زحف صامت مهيب، وأي سكينة تصيب النفس وقد شهدنا حدثاً يقارب يوم الدينونة كوقفة عرفة؟

تظهر أضواء المزدلفة، واد صغير وسط الجبال الشامخة، يبدو مضيئاً وفوقه قمر على وشك الاكتمال، تقيم الجموع صلاتي المغرب والعشاء، ونبدأ جميعاً في البحث عن الحصى اللازم لرمي الجمرات، آلاف من الأيدي تلتقط الحصى، ومن الغريب أنّه لم ينفذ من هذه الأحقاب، ثم لم يعد أمامنا إلّااستعادة السكون في انتظار انبلاج الفجر، لحظات صامتة لمراجعة النفس، فالغفران يبدأ من الداخل، تغفر فيغفر لك، وتتواصل الدورة.

نستعد للرحيل من جديد، التوقيت هنا مختلف بعض الشي‌ء، البعض يرحل مباشرة بعد منتصف الليل، والبعض الآخر يفضل البقاء، وفي كلّ الأحوال فإن الأعداد التي تتحرّك تكون غفيرة، ننتقل إلى «منى» محملين بالجمرات السبع، نهبط سريعاً وسط أمواج البشر لنرجم الشيطان، لقد أصبحنا الآن في نهاية الشعائر ولم يبق أمامنا إلّاأن نقصر شعورنا، أو نزيلها.

تبدأ أيام التشريق، إنّها الواجبات التي علينا أن نؤدّيها وإلّا بطل الحجّ، أو علينا أن نستعيض عنها بدم، نتوجّه للبيت العتيق للقيام بطواف الإفاضة، الزحام كثيف،

الجميع يقومون بالواجب في نفس الوقت تقريباً، كُتَلٌ متلاصقة من البشر تواصل الطواف، في غمرة هذا الزحام يهل علينا أذان الفجر، وكان علينا التوقف والاصطفاف استعداداً للصلاة، لم أتصوّر أن أجد فجوة وسط هذا الزحام، الشي‌ء الذي لم أجد له تفسيراً حتى الآن، كيف أنّنا استطعنا أن نصطف، وأن نجد أيضاً مكاناً للركوع والسّجود، حتى إذا انقضت الصلاة أطبق الزحام من جديد، نفس الأمر حدث أثناء السعي حين أُذّن لصلاة العيد، هناك مكان دائم للصلاة مهما ضاقت المساحة.

موعدنا الآن في وادي منى، أيام التشريق ورمي الجمرات، بشكل أو بآخر فإن كلّ واحد منّا كان يرجم الشيطان الرابض في أعماقه، وما مظاهر الغيظ والحنق التي تنتاب الجميع حين يبدأون القذف بالأحجار والأحذية والنعال إلا نوع من تصفية الحساب مع النفس، وهذه أسهل مناسك الحجّ وأكثرها خطراً، ففيها يتمّ التدافع في وقت محدّد بعد طلوع الشمس حتى غروبها وتصيب الأحجار الرؤوس إذا حادت عن هدفها، وقد حاولت الفتاوى الدينية التخفيف على الحجيج، ولكن الخطر مازال ماثلًا و أعداد الحجيج في ازدياد.

هل يغيّرنا الحجّ؟

هل يخفّف من نفوسنا ذلك الإحساس العميق بالذنب؟

هل يمنحنا القدرة على فتح صفحة بيضاء وسط حياة متشابكة مليئة بكلمات وجمل لا معنى لها؟

عندما كنت أهبط الدرج الطويل المؤدّي إلى مكان المناسك، استوقفتني امرأة عجوز قدّمت لي كيساً صغيراً فيه سبعة من الحصى وهتفت بي: «ارم من أجلي يا بني»، ثم أخذت تجهش بالبكاء، كانت لا تستطيع مقاومة أمواج الزحام الجارفة، ولديها إحساس عميق أن حجّتها لن تكتمل مادامت لم ترم هذه الجمرات.

لم نذبح الهدي بأيدينا كما فعل

الرّسول صلى الله عليه و آله ولكنّنا خضعنا جميعاً للنظام الميسّر الذي وضعته السلطات السعوديّة، يكفي أن ندفع مبلغاً من المال يساوي قيمة الأضحية حتى تتولّى إحدى الشركات المتخصّصة شراء الأضحية، وتقوم بذبحها وتنظيفها، ثم تقوم بإرسالها مبردة إلى كلّ فقراء العالم من المسلمين.

ليس هناك أكثر شجناً من لحظة الوداع، ومثلما بدأ الحجّ بالطواف حول بيت‌اللَّه لا بدّ أن نختمه بالطواف، كذلك فعل رسول اللَّه في حجّته الأولى والأخيرة، ولكنّ‌مشاعرالنفس موزعةفي‌الرغبة في البقاء وفي التشوّق لزيارة أخرى، بقي أن نكمل الرحلة بزيارة مدينة الرّسول صلى الله عليه و آله التي آوته ونصرته، ولعلّ الزيارة تحمل بعثاً متجدّداً لهذه النصرة بعد أن استطالت غربتنا على الأرض، الصلاة في مسجد الرّسول متعة حقيقية، ويبقى الصراع الحقيقي في محاولة الاقتراب من المساحة الخضراء التي تصل بين قبر الرّسول والمنبر الذي وقف عليه، إنّه قطعة من رياض الجنّة يسعى الجميع للصلاة فيها.

ولكن تبقى في القلب حرقة من الأسئلة:

هل يغيّرنا الحجّ؟

هل يخفّف من نفوسنا ذلك الإحساس العميق بالذنب؟

هل يمنحنا القدرة على فتح صفحة بيضاء وسط حياة متشابكة مليئة بكلمات وجمل لا معنى لها؟

أسئلة كثيرة كانت تتدافع في صدري وأنا أعود بالطائرة في نهاية تلك التجربة الروحية العميقة، كنت قد عشت لحظات فريدة، انتظم فيها الكون وفق إيقاع واحد، صلاة وقياماً، تضرّعاً وتهجداً وبكاء، ولعلّ هذا كان مغزى اجتماعنا في هذا الوادي الضيّق، أن نشعر أنّنا جزء ضئيل من كون اللَّه الواسع، وأنّنا نتحرّك في نفس مسارات الأفلاك، نسطع ذات لحظة مضيئة عندما نرتدي ملابس الإحرام، ثم نهوي بعد ذلك في ظلمات القبور آملين أن تكون هذه اللحظة النادرة من الإشراق قد غسلت كلّ ما نحمله من ذنوب.

الحقيقة كما هي‌

الحقيقة كما هي‌

جعفر الهادي

الحاجةُ إلى التعارف

و جعلناكُم شُعوباً وقبائل لتعارفوا

جاء الإسلامُ والشعوبُ متفرّقةٌ متناكرة، بل ومتصارعة متناحرة، ولكن سرعانَ ما حلَّ التعارفُ محلّ التناكر، والتعاونُ محلّ التخاصم، والتواصل محلّ التدابر، بفضل تعاليم الإسلام التوحيديّة، فكانت المحصَّلة أن ظَهرتْ إلى الوجود تلك الأُمّة الواحدةُ العظيمة التي قدّمت ذلك العطاء الحضاريّ العظيم، كما وحَمَت شعوبها من كلّ غاشم وظالم وصارت تلك الأُمّة المحترَمةُ بين شعوبِ العالَم وتلك الكتلة المُهابة في عيون الطغاة والجبّارين.

ولم يكن ليتحقّق ذلك- كلُّه- إلّابسبب وحدتها، وتواصُل شعوبها الذي حصلتْ عليه تحت مظلّةِ الإسلام، رغم تنوُّعِ الأجناس، واختلافِ الاجتهادات، وتعدّدِ الثقافات وتباين الأعرافِ والتقاليد، إذ كان يكفي الاتفاقُ في الأصول والأسس، والفرائض والواجبات، فالوحدةُ قوّة، والفُرقة ضَعفٌ.

وجرى الأمر على هذا المنوال حتّى انقلب التعارفُ إلى تناكر، والتفاهم إلى تنافر، وكفّرتِ الجماعاتُ بعضها بعضاً، وضربتِ الفصائل بعضها بعضاً فزالتِ العزّةُ وتحطّمت الشّوكة وسقطت الهيبةُ واستخفّت الطغاة بتلك الأُمّة الرائدة القائدة حتّى جالت في ربوعها الثعالبُ والذؤبان، وجاست خلال ديارها شذّاذُ الآفاق وملاعين اللَّه ومغضوبو البشريّة، فثرواتُها منهوبة، ومقدّساتها مُهانة، وأعراضها تحت رحمة الفجّار، وسقوطاتٌ تلو سقوطاتٍ، وهزائمُ إثر هزائم، وانتكاساتٌ في الأندلس وبخارى وسمرقند وطاشقند وبغداد، قديماً وحديثاً وفلسطين وأفغانستان.

وإذا هي تدعو فلا تُجاب، وتستغيثُ فلا تُغاث، كيفَ والدّاءُ شي‌ءٌ آخر، كما وإنّ الدواء شي‌ء آخر كذلك، وقد أبى اللَّه أن يجري الأُمور إلّابأسبابها، ولا يصلُحُ آخر أمرِ هذه الأُمّة إلّابما صَلُح به أوّلها؟

واليومَ إذ تتعرّض الأُمّة الإسلاميّة لأبشع حملةٍ ضدّ كيانها، وعقيدتها ولأشرس هجمةٍ ضدّ وحدتها، من خلال إيجاد الخلل في تعايشها المذهبي، والاجتهادي، وتكاد هذه الحملة تؤتي ثمارَها وتُعطي نتائجها، أليسَ من الحَريِّ بها بأن تزيد من رصّ الصفوف وتمتين العلاقات، وهي رغم تنوّعها المذهبيّ تشترك في الكتاب والسنّة مصدراً، وفي التوحيد والنبوّة والإيمان بالآخرة عقيدةً، وفي الصلاة والصيام والحجّ والزكاة والجهاد والحلال والحرام شريعةً وفي مودّة النبيّ الأطهر

وأهل بيته صلوات اللَّه عليهم سهم وِلاء، ومن أعدائهم بَراءً وقد تتباين بعض الشي‌ء في هذا الأمر شدّةً وضعفاً؟ فهي كأصابع اليد الواحدة في الانتهاء إلى مفصلٍ واحدٍ، وإن اختلفت طولًا وعرضاً وشَكلًا بعضَ الشي‌ء، أو هي كالجَسَد الواحد في تعدّد جوارحِه من جهة وتعاونها في تفعيل الدَّورِ الجَسَدانيّ في الكيان البشريّ من جهةٍ أخرى مع وجودِ الاختلاف في أشكالها.

ولا يبعدُ أن تكونَ الحكمة في تشبيه الأمّة الإسلاميّة باليد الواحدة تارةً، وبالجسد الواحد تارة أخرى، هي الإشارة إلى هذه الحقيقة.

لقد كان العلماء من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية سابقاً، يعيشون جنباً إلى جنب من غير تنازعٍ أو صدام، بل لطالما تعاونوا فيما بينهم، فشَرح بعضهم كتاب الآخر كلاميّاً كان أو فقهيّاً، وتلمّذ بعضهم على بعضٍ وأشاد البعضُ بالآخر، وأيّد بعضهم رأي الآخر، وأعطى بعضهم إجازة الرواية للبعض الآخر، واستجاز بعضهم البعض لنقل الرواية من كتب مذهبه وطائفته، وصلّى بعضهم خلفَ الآخر، وائتمَّ به وزكّى بعضهم الآخر، واعترف بعضُهم بمذهب الآخر، بل وكانت هذه الطوائف في مستوى جماهيرها تعيش جنباً إلى جنب في ودادٍ ووئامٍ، حتّى يبدو وكأنّهم لا خلافَ بينهم ولا تباين، وإن كان يَتَخلّل كلّ ذلك بعضُ النقد والردّ، إلّاأنّه كان على الأغلب نقداً مؤدّباً، ومهذّباً، وردّاً علمياً، وموضوعياً.

وثمة أدلّة حيّة وتاريخيّة عديدة على هذا التعاون العميق والعريض، وقد أثرى العلماءُ المسلمون بهذا التعاون التراث والثقافة الإسلامية، كما ضربوا بذلك أروع الأمثلة في الحريّة المذهبيّة، هذا بالإضافة إلى أنّهم استقطبوا من خلال هذا التعاون اهتمام العالم بهم وكسبوا احترامهم.

إنّه ليس من الصعب أن تجتمع علماءُ الأمّة ويتناقشوا بهدوءٍ وموضوعيّة، وبإخلاص وصدق نيّة، في ما اختلفت فيه الطوائفُ وللتعرّف

على أدلّة كلِّ طائفة وما تقيمه من برهان.

كما أنّه من الجيّد والمعقول أن تقومَ كلُّ طائفة وجماعة بعرضِ عقائدها، ومواقفها الفكريّة والفقهيّة في جوٍّ من الحريّة والصراحة، ليتّضح بطلان ما يُثار ضدّها من إتّهامات وشبهات، كما ويعرف الجميع:

الجوامع والفوارق، ويعرفون أنّ ما يجمع المسلمين أكثر ممّا يفرقهم، وبذلك يذوب الجليد بين المسلمين.

وهذه الرسالةُ خطوةٌ على هذا الدرب، ومن أجل أن تتضّح الحقيقة ويعرفها الجميع كما هي، واللَّه وليّ التوفيق.

1- الطائفة الجعفرية الإمامية طائفةٌ كبيرةٌ من المسلمين في العصر الحاضر، ويقدّرُ عددُهم بربعِ عددِ المسلمين تقريباً، وتمتدُّ جذورهم التاريخيّة إلى صدر

الطائفة الجعفرية الإمامية طائفةٌ كبيرةٌ من المسلمين في العصر الحاضر، ويقدّرُ عددُهم بربعِ عددِ المسلمين تقريباً

الإسلام يوم نزل قولُ اللَّه تعالى في سورة البيّنة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (1)

فوضع رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله يده على كتف عليّ بن أبي‌طالب عليه السلام، والصحابة حاضرون، وقال: «يا عليّ أنتَ وشيعتُك همْ خيرُ البَريَّة» (راجع للمثال: تفسير الطبري (جامع البيان) والدرّ المنثور للعلامة السيوطي الشافعي، وتفسير روح المعاني للآلوسي البغدادي الشافعي عند تفسير الآية الحاضرة).

ومن هنا سُمِّيت هذه الطائفة- التي تُنسب إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام لكونها تتبع فقهَه- بالشيعة.

2- تسكن هذه الطائفة بكثافة في إيران والعِراق وباكستان وأفغانستان والهند، وينتشرون بأعداد كبيرة في بلاد الخليج وتركيا وسوريا ولبنان وروسيا والجمهوريات المنفصلة عنها، وينتشرون أيضاً في البلاد الاوروبية كإنجلترا وألمانيا وفرنسا وأمريكا والقارة الإفريقيّة، وبلاد شرق آسيا، ولهم فيها مساجدُ ومراكزُ علميّة وثقافيّة واجتماعيّة.

3- وهم يتكوَّنون من مختلف الجنسيّات والأعراق واللُغات والألوان، ويعيشون جنباً إلى جنب مع إخوانهم المسلمين من الطوائف والمذاهب الاخرى في


1) البيّنة، الآية 7.

سلامٍ وودادٍ، ويتعاوَنون معهم في جميع المجالات والأصعدة بصدقٍ وإخلاصٍ، انطلاقاً من قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (1)، وقوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى (2)

وتمسكاً بقول النّبي الكريم صلى الله عليه و آله: «المسلمون يدٌ واحدةٌ على مَن سواهم» (3)

وقوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون كالجَسَد الواحِد» (4).

4- وكانت لهم على طول التاريخ الإسلامي مواقفُ مشرِّفة ومُشرِقة في الدفاع عن الإسلام، والامّة الإسلاميّة الكريمة، كما أنه كانت لهم حكوماتٌ ودول خدمت الحضارة الإسلامية، وعلماءُ ومفكّرون أسهَموا في إغناء التراث الإسلامي بتأليف مئات الآلاف من المؤلفات والكتبِ الصَغيرة والكبيرة في مجال تفسير القرآن، والحديث، والعقيدة، والفقه والاصول، والأخلاق، والدراية والرِجال، والفلسَفة، والموعظة، والحكومة والإجتماع، واللغة والأدب بل والطبّ والفيزياء والكيمياء والرياضيّات والفلك وغيرها من علوم الحياة، وكان لهم دورُ الباني والمؤسِّس للكثير من العلوم (راجع: كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام، للصدر، والذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك (الذى يقع في 29 مجلداً) وكشف الظنون للأَفندى ومعجم المؤلفين، لكحالة، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي، وغيرها).

5- وهم يعتقدون باللَّه الواحدِ الأحدِ الفرد الصَّمد الذي لم يلدِ ولم يُولد، ولم يكن له كفوءاً أحد، وينفون عنه الجسمانية والجهة والمكان والزمان، والتغيّر والحركة والصعود والنزول وغير ذلك مما لا يليق بجلال اللَّه وقدسه وكماله وجماله.


1) الحجرات، الآية 10.

2) المائدة، الآية 2.

3) مسند أحمد 1: 215.

4) البخاري، كتاب الأدب: 27.

و يعتقدون بأنّه هو المعبود لا سواه، وأنّ الحُكم والتشريع له وحده دون غيره، وأنّ الشّرك بجميع أنواعِه وألوانِه، خفيَّه وجليَّه، ظلمٌ عظيمٌ وذنبٌ لا يُغتَفَر.

و يأخذون كلَّ هَذا من العقل الحصيف المعتضَد بالكتاب العزيز، والسنّة الشريفة الصحيحة مهما كان مصدرُها.

ولا يأخذون في مجال العقائد بالأحاديث الإسرائيلية (التوراتية والإنجيلية) والمجوسية التي تصور اللَّه تعالى بصورة البشر، وتشبهه سبحانه بالمخلوقين.

أو تنسب إليه الجور والظلم واللغو والعبث تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

أو تنسب العظائم والقبائح إلى الأنبياء المطهّرين، المعصومين على الإطلاق.

6- ويعتقدون بأنّ اللَّه تعالى عادلٌ حكيم، خَلَق بعدلٍ وحكمة، ولم يخلُق شيئاً عبثاً، جماداً كان أو نباتاً، حيواناً كان أو إنساناً، سماءً كان أو أرضاً، لأنّ العبثيّة تنافي العدل والحكمة، وذلك ينافي الالوهيّة التي تستلزم إثبات كلّ كمالٍ للَّه‌تعالى، ونفي كلِّ نقصٍ عنه سبحانه.

7- ويعتقِدونَ بأنّ اللَّه تعالى أرسل- بعدله وحكمته- إلى البشر، منذ أن بدأوا حياتهم على الأرض، أنبياءً ورسلًا، اتّصفوا بالعِصمة، وتحلَّوا بالعلم الواسع، الموهوب‌لهم- عن‌طريق الوحي- من قِبَل اللَّه، وذلك لهداية البشرية، ومساعدتها على الوصول إلى كمالها المنشود، وإرشادها إلى الطاعة التي تؤدّي بهم إلى الجنة، وتؤهّلهم لرحمة اللَّه ورضوانه، وأبرز هؤلاء الأنبياء والرسل: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم ممن ذكرهم القرآن الكريم أو جاءت أسماؤهم وأحوالهم في السنَّة الشريفة.

ولا يأخذون في مجال العقائد بالأحاديث الإسرائيلية (التوراتية والإنجيلية) والمجوسية التي تصور اللَّه تعالى بصورة البشر، وتشبهه سبحانه بالمخلوقين

8- ويَعتقِدون بأنّ من أطاع اللَّه، ونفّذ أوامرَه وأجرى قوانينَه في شتّى مجالات الحياة نجى وفاز، واستحقّ المدح والثوابَ، ولو كان عبداً حبشيّاً، وأنّ من عصى اللَّه تعالى وتجاهل أوامره، وطبَّق أحكاماً غير أحكام اللَّه تعالى، خَسِر وهلك واستحقّ الذّمَّ والعقاب، ولو كان سيداً قرشيّاً، كما جاء في الحديث النّبويّ الشريف.

وهم يعتقدون بأنّ محلّ الثواب والعقاب هو يومُ القيامة الذي يكون فيه الحسابُ والميزانُ والجنّةُ والنّار، وذلك بعد المرور بعالم القبر والبرزخ

وهم يعتقدون بأنّ محلّ الثواب والعقاب هو يومُ القيامة الذي يكون فيه الحسابُ والميزانُ والجنّةُ والنّار، وذلك بعد المرور بعالم القبر والبرزخ. وأمّا التناسخ الذي يقول به منكرو المعاد فيرفضونه لاستلزامه تكذيب القرآن الكريم والسنّة المطهّرة.

9- ويَعتقِدونَ بأنّ آخِرَ الأنبياء والرُّسل وخاتِمَهم وأفضَلَهم هو رَسولُ اللَّه محمدُ بنُ عبداللَّه بن عبدالمطلب صلى الله عليه و آله (1)الذي صَانَهُ اللَّه من الخطأ والزلل، وعصمَه من المعصية الكبيرة والصغيرة، قبل النبوّة وبعدها، في أُمور التبليغ وغيرها، وأنزل عليه القرآن الكريم، ليكون دستوراً للحياة البشرية إلى الأبَد، فبلّغ صلى الله عليه و آله، الرسالةَ، وأدّى الأمانةَ بصدقٍ وإخلاصٍ، وبَذَل في هذا السبيل الغالي والرخيص.

وللشيعة في مجال الكتابة عن تاريخ رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله وشخصيته وأحواله وخصوصياته ومعجزاته عشرات المؤلفات والأبحاث. (راجع: كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، وموسوعة بحارالأنوار للمجلسي، وموسوعة الرسول المصطفى للسيد محسن الخاتمي مؤخّراً).


1) يتقيد الشيعة الإمامية بذكر آل النّبي إلى جانب اسمه عند الصلاة والتسليم عليه، لأمره صلى‌اللَّه‌عليه‌وآله بذلك‌كماجاءَ في‌بعض‌الصحاح الستة وغيرها.

10- ويعتقدون بأنَّ القرآنَ الكريم، الذي انزِلَ على رسول الإسلام محمّد صلّى اللَّه عليه وآله بواسطة جبرئيل الأمين، ودوَّنَه مجموعةٌ من الصحابة الكبار وفي مقدمتهم عليُّ بن أبي‌طالب عليه السلام في عهد النبيّ الكريم محمد صلى اللَّه عليه وآله، وتحت إشرافِه ورعايته، وبأمره، وإرشاده، وحفظوه عن ظهر قلب، وأتقنوه، وأحصَوا حروفَه وكلماتِه، وسورَه وآياته، وتناقَلوه جيلًا بعد جيل، هو الذي يَتلُوه المسلمون اليوم بجميع طوائفهم، آناءَ الليل وأطراف النهار، من دون زيادة أو نقصانٍ، أو تحريفٍ، أَو تغيير، وللشيعة في هذا المجال مؤلفات مختصَرة ومطولة كثيرة. (راجع كتاب تاريخ القرآن للزنجاني، والتمهيد في علوم القرآن لمحمد هادي معرفة، وغيرهما)..

11- ويعتقدون بأنّ رسول اللَّه محمّداً صلى الله عليه و آله لما قَرُب أجلُه نَصَبَ عليَّ بن أبي طالب خليفةً له وإماماً على المسلمين من بعده، ليقودَهم سياسيّاً، ويُرشدَهم فكريّاً، ويعالج مشاكلهم، ويواصِلَ تربيتهم وتزكيتهم، وذلك بأمرٍ من اللَّه تعالى في مكانٍ يُدعى (غَدير خُم)، في آخر سنةٍ من سِنيِّ حياته، وآخر حجّة من حججه، وفي جمعٍ هائل من المسلمين الذين حجُّوا معه، يزيد عددُهم- حسب بعض الروايات- على مائة ألف شخصٍ.

وقد نزلت في هذه المناسبة آيات عديدة (1)

و قوله تعالى في آية الإكمال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلامَ دِيناً المائدة: 3

و قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ المائدة: 3

و قوله تعالى: سَئَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ المعارج: 2.

.

إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله طلب من الناس مبايعة عليّ عليه السلام بالصفق على يده، فبايعوه و في مقدمتهم كبارالمهاجرين والأنصار ومشاهير الصحابة


1) هذه الآيات هي: قوله تعالى في آية التبليغ: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُ نْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. المائدة: 67

كما وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله طلب من الناس مبايعة عليّ عليه السلام بالصفق على يده، فبايعوه و في مقدمتهم كبارالمهاجرين والأنصار ومشاهير الصحابة (راجع الغدير للعلامة الأمِيني نقلًا عن مصادر إسلامية تفسيرية وتاريخية عديدة).

12- ويعتقدون بأنّ الامام- بعد رسول اللَّه محمّدٍ صلى الله عليه و آله- لَمّا كان يجب عليه أن يقوم بما كان يقومُ به النّبيّ صلى الله عليه و آله في حياته من القيادة والهداية، والتربية والتعليم، وبيان الأحكام، وحلّ المشاكل الفكرية المستعصية، ومعالجة الشؤون الاجتماعية المهمّة، كان لابدَّ له (أي للإمام والخليفة من بعده) من أن يكون بحيث يثق به الناسُ، وذلك ليقود الأُمّة إلى شاطى‌ء الأمان، فهو يشارك النبيَّ في المؤهِلات والصِفات، (ومنها العصمة والعلم الواسع) لأنه يشاركه في الصلاحيات والمسؤُوليات باستثناء تلقّي الوحي، والنبوّة، لأنّ النبوّة خُتِمَت بمحمّد بن عبداللَّه صلى الله عليه و آله فهو خاتم النبيين، والمرسلين، ودينه خاتم الأديان، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه آخر الكتب، ولا نبيّ بعده، ولا دين بعد دينه، ولا شريعة بعد شريعته. (وللشيعة في هذا الصعيد مؤلفات عديدة ومتنوعة حجماً وأسلوباً).

13- ويعتقدون بأنّ حاجة الأُمّة إلى القائدِ الرشيدِ، والوليِّ المعصومِ اقتضت أن لا يُكتفى بنصب عليّ عليه السلام وحده للخلافة والإمامة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، بل لابدّ من استمرار حلقات القيادة هذه إلى مدةٍ زمنيةٍ طويلة، إلى أن تترسخ جذور الإسلام وتُحفَظ اسسُ الشريعة، وتصان قواعدُها من الأخطار التي هَدّدت وتهدّد كلّ عقيدة إلهية، وكل نظام ربانيّ، ولتعطيَ مجموعةُ الأئمة- بما يقومون به من أدوار

ويَعتقدونَ بأنّ النبيّ محمّد بن عبداللَّه صلى الله عليه و آله لهذا السبب ولحكمةٍ عليا، عَيَّنَ بأمر اللَّه تعالى أحدَ عشر إماماً بعد عليّ عليه السلام وهم- مع عليّ عليه السلام- الأئمة الإثنا عشر، الذين وَرَدَت الإشارةُ إلى عددهم، وقبيلتهم (قريش)

و ممارسات مختلفة في ظروف متنوعة- نماذجَ عمليّة وبرامج مناسبة لجميع الحالات التي قد تمرّ بها الأُمّة الإسلاميةُ فيما بعد.

14- ويَعتقدونَ بأنّ النبيّ محمّد بن عبداللَّه صلى الله عليه و آله لهذا السبب ولحكمةٍ عليا، عَيَّنَ بأمر اللَّه تعالى أحدَ عشر إماماً بعد عليّ عليه السلام وهم- مع عليّ عليه السلام- الأئمة الإثنا عشر، الذين وَرَدَت الإشارةُ إلى عددهم، وقبيلتهم (قريش)- وليس إلى أسمائهم وخصوصياتهم- في صحيح البخاري وصحيح مسلم بألفاظ مختلفة؛ حيث رويا عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: أنّ الدين لا يزال ماضياً/ قائماً/ عزيزاً/ منيعاً ما كان فيهم اثناعشر أميراً، أو خليفة، كلهم من قريش، (أو بني‌هاشم، كما في بعض الكتب، وقد جاءت أسماؤهم في غير الصحاح من كتب الفضائل والمناقب والشِعر والأدب).

و هذه الأحاديث وإن لم تنص على الأئمة الاثني عشر، وهم عليّ والأحد عشر من ذريّته، إلّاأنّها لا تنطبق إلّاعلى ما يعتقده الشِيعَةُ الجَعفريةُ، ولا تفسيرَ صحيحَ لها إلّابِقولهم. (راجع: خلفاء النّبي، للحائري البحراني).

15- ويَعتقِدُ الشيعةُ الجعفريّةُ بأنّ الأئمة الاثني‌عشر هم:

الإمامُ علي بن أبي طالب (ابنُ عمّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وصِهرُه على ابنته الزهراء عليها السّلام).

و الإمامُ الحسن والإمام الحسين (ابنا عليّ وفاطمة، وسبطا رسولِ اللَّه صلى الله عليه و آله).

و الإمامُ زين العابدين عليّ بن الحسين (السجاد).

و الإمامُ محمّد بن علي (الباقر).

و الإمامُ جعفر بن محمّد (الصّادِق).

و الإمامُ موسى بن جعفر (الكاظِم).

و الإمامُ علي بن موسى (الرِّضا).

و الإمامُ محمّد بن علي (الجواد التقيّ).

و الإمامُ علي بن محمّد (الهادي النقيّ).

و الإمامُ الحسن بن عليّ (العسكريّ).

و الإمامُ محمّد بن الحسن (المهدي الموعود المنتظر) عليهم السلام (1)

الاولى: للحصكفي الحنفي، وهو من علماءِ القرن السادس الهجري، يقول فيها:

حيدرةٌ والحسنان بعدهُ ثمَّ عليُّ وابنه محمدُ

و جعفرُ الصادق وابنُ جعفرٍ موسى، ويتلوهُ عليُّ السيدُ

أعني الرضا ثم ابنُه محمدُ ثم عليٌّ وابنُه المسدّدُ

الحسنُ‌التالي ويتلو تلوهُ محمدُ بن الحسن المعتقدُ

قومٌ هُمُ أئمتي وسادتي و إن لَحاني مَعشرٌ وفَنّدوا

أئمةٌ أكرِمْ بهمْ أئمةً أسماؤهم مسرودةٌ لا تُطردُ

هم حججُ اللَّه على عباده و هم إليه منهجٌ ومقصدُ

همُ النهارَ صُوَّم لِربِّهم و في الدَياجي رُكّعٌ وسجّدُ

الثانية: وهي لشمس الدين محمد بن طولون من علماءِ القرنِ العاشر الهجري، وهو يقول فيها:

عليكَ بالأئمة الاثني عشرْ من آل بيت المصطفى خيرِ البشرْ

أبوترابٍ حَسَنٌ حُسينُ و بغضُ زين العابدين شَينُ

محمدُ الباقرُ كم علمٍ درى والصادقُ ادعُ جعفراً بين الورى

موسى هو الكاظمُ وابنُه عليُ لَقِّبْهُ بالرضا وقدرهُ عليّ

محمدُ التقيُّ قلبُهُ معمورُ عليٌّ النّقيُّ دُرُّهُ منثورُ

والعسكريُّ الحسنُ المطهَّرُ محمدُ المهديُّ سوفَ يظهرُ

راجع كتاب: الأئمة الاثناعشر، تأليف مؤرخ دمشق شمس الدين محمدبن طولون المتوفى سنة 953 هجرية، تحقيق: الدكتور صلاح الدين المنجّد. طبعة بيروت.

.

و أَنّ هؤلاء هم أهل البيت الذين نَصَبهم رسولُ‌اللَّه محمّدٌ صلى الله عليه و آله- وبأمر اللَّه تعالى- قادةً للُامة الإسلامية، لعصمتهم، وطهارتهم من الخطأ والذنب، ولعلمِهمُ الواسع الذي ورثوه عن جدّهم- وأمر بمودَّتهم ومتابعتهم؛ إذ قال تعالى: قُلْ لا


1) وقد أنشأ أدباء أفذاذ من غير الشيعة- من العرب والعجم- قصائد مفصّلة حَوَت أسماء الأئمة الاثني عشر كاملة كالحصكفي وابن طولون والفضل بن روزبهان والجامي والعطار النيشابوري والمولوي، وهم من الأحناف والشوافع وغيرهم، نذكر من باب النموذج قصيدتين منها:

أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (1)

وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (2)

(راجع كتب الحديث والتفسير والفضائل المتّصلة بالصّحاح والمستقلّة عند الفريقين).

ونظراً للأدلة النقليّة والعقليّة الكثيرة المذكورة في كتب العقيدة- يجب اتّباع أهل‌البيت، والتزام طريقتهم؛ لأنها هي الطريقة التى رَسَمها رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله للُامّة، واوصى بسلوكِها والالتزام بها، في حديث الثقلين المتواتر

16- ويَعتقِدُ الشيعةُ الجعفريّةُ بأنّ هؤلاء الأئمة الأطهار الّذين لم يسجّلِ التاريخُ عليهم زلَّة أو معصية، في القول والعمل، قد خدموا- بعلومهم الجَمّة- الأُمّةَ الإسلامية، وأغنَوا ثقافتَها بالمعرفة العميقة، والرؤية الصحيحة في مجال العقيدة، والشريعة والأخلاق والآداب، والتفسير والتاريخ، وبصائر المستقبل. كما رَبَّوا- بالاسلوب القوليّ والعمليّ- ثُلّةً من الرِّجال والنِساءِ الأفذاذ الأخيار الأبرار الذين اعترف الجميعُ بِفضلهم وعِلمهم وحُسن سيرتهم.

و يرونَ بأنّهم وإن ابعِدوا- وللأسف- عن مَقام القيادة السياسية- إلّاأنّهم أدَّوا رِسالَتهم الفكريّة والاجتماعية خيرَ أداء، إذ صانوا مبادِئ العقيدة، وقواعدَ الشريعة من الأخطار.

و لو كانت الأُمّةُ الاسلاميّةُ تفسح لهم المجال بأن يمارسوا الدورَ السياسيّ الذي أعطاهم رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله بأمر اللَّه سبحانه، لَحَصَلتِ الأمّةُ الإسلاميةُ على سعادتها وعزّتها، وعظمتها كاملةً، ولبقيتْ متحدةً، متفقةً، متوحدةً، لاشقاق فيها، ولا اختلاف ولا نزاع، ولا صراع، ولا مذابح ولا مجازر، ولا ذلّة ولا صغار.


1) الشورى، الآية 23.

2) التوبة، الآية 119.

(راجع في هذا المجال كتاب: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر- والذي يقع في 3 مجلدات- وغيره).

17- ويَعتقدُون بأنّه- ولهذا السبب، ونظراً للأدلة النقليّة والعقليّة الكثيرة المذكورة في كتب العقيدة- يجب اتّباع أهل‌البيت، والتزام طريقتهم؛ لأنها هي الطريقة التى رَسَمها رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله للُامّة، واوصى بسلوكِها والالتزام بها، في حديث الثقلين المتواتر حيث قال: «إنّي تاركٌ فيكُمُ الثَقَلينِ كتابَ اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تَمَسّكتم بهما لَنْ تضِلُّوا أبداً» كما رواه مسلم في صحيحه وغيره من عشرات المحدِّثين والعلماء في جميع القرون الإسلامية (راجع رسالة حديث الثقلين للوشنوي التي صدّق عليها الأزهر الشريف قبل حوالي ثلاثة عقود).

و قد كان مثل هذا الاستخلاف والوصية أمراً رائجاً في حياة الأنبياء السابقين. (راجع: إثبات الوصية للمسعودي، وكتب الحديث والتفسير والتاريخ للفريقين).

18- ويَعتقد الشيعةُ الجعفرية بأن على الأمّة الإسلامية- أعزّها اللَّهُ- أن تناقشَ وتدرسَ هذه الأمور، بعيداً عن السَبّ والشتم، والإيهام والاتهام، والتهويل والتهريج، وأنّ على العلماء والمفكرين من جميع الطوائف والفرق الإسلامية أن يجتمعوا في مؤتمرات علمية، ويدرُسوا بصفاء وإخلاص، وباخوةٍ وموضوعيّةٍ ما يقوله إخوانُهم من الشيعة الجعفرية، وما يقيمونَه من أدلة على نظريّتهم، في ضوء كتاب اللَّه والصحيح المتواتر من سنّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، والعقل الحصيف، والمحاسَبة التاريخية، والتقييم السياسي والاجتماعي العام في عهدِ رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله وبعده.

19- ويَعتقدُ الشيعةُ الجعفريّة بأنّ الصحابةَ، ومن كان حول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله

من الرجال والنساء، خَدموا الإسلام، وبذلوا النَفْسَ والنفيس في سبيل نشره وإقراره، وأنّ على المسلمين أن يحترموهم، ويثمنّوا خدماتهم، ويترضّوا عليهم.

إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ جميعهم عدولٌ بصورة مطلَقة، وأنّهم فوق أن تُعرض بعضُ مواقفهم وأعمالهم على محكّ النقد، ذلك لأنّهم بشرٌ يخطئ ويُصيب، وقد ذكر التاريخ أنّ بعضَهم شذّ عن الطريق حتى في عهد رسولِ اللَّه صلى الله عليه و آله، بل وصرّح القرآن الكريم بذلك في بعض سوره وآياته مثل سورة المنافقين والأحزاب والحجرات والتحريم والفتح ومحمّد والتوبة.

فلا يعني النقدُ النزيهُ لمواقف بعضهم كفراً، لأنَّ ملاكَ الإيمان والكفر واضح، ومحورَهما بيّن وهو إثبات أو نفي التوحيد والرسالة، والضروريِ والبديهيِ من أمر الدين، كوجوب الصلاة والصوم والحج وحرمة الخمر والميسر وما شابه ذلك.

نعم، يجب صيانة اللسان عن السَبّ والشتم وحفظ القلم عن الإسفاف، فليس ذلك من شأن المسلم المهذَّب، المتأسي بسيرة خاتم النبيين محمّد صلى الله عليه و آله، ومع ذلك فان أكثر الصحابة صالِحُون مُصْلِحُون جَدِيرون بالاحترام، قمينُون بالإكرام.

على أن إخضاعهم لقواعد الجرح والتعديل إنّما هو للوقوف على السنّة النبوّية الصحيحة الموثوق بهامع العلم بتكاثر الكذب والافتراء على رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله بعده- كما يعلم الجميع، وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه و آله نفسه بوقوعه- وهوماحدى بعلماء من الفريقين كالسيوطي وابن الجوزي وغيرهما إلى

تأليف كتب قيمة للفرز بين الأحاديث الصادرة حقّاً عن النبيّ الكريم صلى الله عليه و آله وبين الموضوعات والمفتراة عليه.

20- والشِيعةُ الجعفريّةُ يعتقدون بوجود الإمام المهديّ المنتظر، لروايات كثيرة وَرَدت عن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله بأنّه من وُلد فاطمة، وأنه تاسع وُلد الحسين عليه السّلام، وحيث إنّ الوَلَد الثامنَ للحسين عليه السلام هو الإمامُ الحسنُ العسكري وقد تُوفّي عام 260 هجرية، ولم يكن له إلّاوَلَدٌ واحد، اسمُه (محمَّد) فهو الإمامُ المهديُ المكنّى بأبي القاسم (1)، وقد رآه جمع من ثقات المسلمين وأخبروا بولادته وخصوصياته، وإمامته والنص عليه من جانب والده، وقد غاب عن الأنظار بعد خمس سنوات من ولادته، لأنّ الأعداء أرادوا قتله والقضاء عليه، ولأنّ اللَّه تعالى ادّخره لإقامة الحكومة الإسلامية العادلة الشاملة في آخر الزمان، وتطهير الأرض من الظلم والفَساد بعد أن تُملأَ منهما.

و لا غرابة، كما لا داعي للعَجَبِ، لطُول عمره؛ فقد ذكر القرآنُ أنّ المسيح عليه السّلام حيٌّ إلى الآن رغم مرور 2004 سنة على ميلاده المبارك، وأنّ نوحاً عليه السلام عاش بين قومه ألف سنة إلّاخمسين عاماً يدعوهم إلى اللَّه، وأنّ الخضر عليه السلام لايزال موجوداً.

فاللَّه قادرٌ على كل شي‌ء، ومشيئته ماضية لا رادّ لها ولا دافع، ألم يقل في شأن النبيّ يونس عليه وعلى نبيِّنا السلام:

فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (2)؟!

ولقد أقرّ جمعٌ كبير من علماء أهل السنّة الأجلّاء بولادة الإمام المهدي عليه السلام ووجوده، وذكروا اسم والديه وأوصافه مثل:


1) وفي الصحاح وغيرها من مؤلفات الفريقين أنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله قال: «سيظهَر في آخِر الزمان رجلٌ من ذريّتي اسمه‌اسمي وكنيتهُ كنيتي يملأ الأرض عدلًا وقسطاً بَعد أن مُلِئَت ظلماً وجوراً».

2) الصافات، الآية 143- 144.

أ- عبدالمؤمن الشبلنجي الشافعي في كتابه: نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار.

ب- ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي في كتابه: الصواعق المحرقة حيث قال عنه: أبوالقاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه اللَّه فيها الحكمة ويسمّى القائم المنتظر.

ج- القندوزي الحنفي البلخي في كتابه: ينابيع المودة المطبوع في الآستانة بتركيّا أيام الخلافة العثمانية.

ه- السيد محمد صديق حسن القنوجي البخاري في كتابه: الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، هذا من المتقدّمين.

ومن المتأخّرين الدكتور مصطفى الرافعي في كتابه: إسلامنا، حيث تعرض لمسألة الولادة بإسهاب، وردّ على جميع الإشكالات والاعتراضات الواردة في هذاالمجال.

21- والشيعةُ الجعفريةُ يُصَلّون ويَصُومون ويزكُّون ويُخمِّسون أموالَهم، ويحجُّون إلى بيت اللَّه الحرام بمكّة المكرّمة، ويؤدُّون مناسك العمرة والحج في العمر مرّةً وجوباً، وأكثر من ذلك، استحباباً، ويأمُرون بالمعروف ويَنهَون عن المنكر، ويَتولّونَ أولياء اللَّه، وأولياء نبيّه، ويُعادُون أعداء اللَّه وأعداء نبيّه، ويجاهدُون في سبيل اللَّه كلَّ كافرٍ أو مشركٍ يعلنُ الحرب على الإسلام، وكلّ متآمر على الأمّة الإسلاميّة، ويُجرُون نشاطاتِهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والعائلية كالتجارة

وحيث إنّ العبادة ومقدّماتها في الإسلام موقوفةٌ على أمر الشرع المقدس وإذنِه،... لذلك لا يمكن الزيادة والنقصان في العبادات، بل في كل أمور الشرع بالرأي الشخصي.

والإجارة والنّكاحِ والطلاق والإرث والتربية والرضاع والحجاب وغيرها وفقاً

لأحكام الإسلام الحنيف، آخِذين هذه الأحكام- عن طريق الاجتهاد الذي يقوم به فقهاؤُهم الأتقياء الورِعون- من الكتاب والسنّة الصحيحة، وأحاديث أهل البيت الثابتة، والعقل وإجماع العلماء.

22- ويرون أنّ لكل فريضة من الفرائض اليوميّة وقتاً معيّناً، وأنّ أوقات الصلوات اليوميّة هي خمسة:

(الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء) وأنّ الأفضل هو الإتيانُ بكلّ صلاة في وقتها الخاص، إلّا أنّهم يَجمعون بين صلاتي الظهر و العصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جَمعَ بينهما من دون عذرٍ ولا مرضٍ ولا مطرٍ ولا سَفر- كما في صحيح مسلم وغيره- تخفيفاً على الأمّة، وتسهيلًا عليها، وهو أمر طبيعي في عصرنا الحاضر.

23- ويُؤذِّنون كما يؤذّنُ سائرُ المسلمين إلّاأنّهم يأتون- بعد:

كما أنّهم لا يضعون يدهم اليمنى على اليد اليُسرى في الصلاة؛ لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يفعل ذلك، ولأنه لم يثبت ذلك بالنص القاطع الصريح، ولهذا لا تفعله المالكية أيضاً

(حيَّ على الفلاح)- بجملة (حيَّ على خيرِ العَمَل) لأنّها كانت في زمن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله، وإنما حذفها- اجتهاداً- عمرُ بن الخطاب بحجة أنها تصرِفُ المسلمين عن الجهاد، إذا عرفوا أنّ الصلاة هي خير العمل (كما صرح بذلك العلامّة القوشجي الأشعري في كتابه شرح تجريد الاعتقاد، وجاء في المصنَّف للكندي وكنز العمّال للمتقي الهندي وغيرهم).

بينما أضافَ عمرُ بن الخطاب عبارة (الصَّلاةُ خيرٌ من النوم)، والحال أنها لم تكن في زمن النّبي صلى الله عليه و آله. (راجع كتب الحديث والتاريخ).

وحيث إنّ العبادة ومقدّماتها في الإسلام موقوفةٌ على أمر الشرع المقدس وإذنِه، بمعنى أنه يجب أن

يستند كل شي‌ء فيها إلى نصٍ خاصٍ أو عامٍ من الكتاب والسنّة، وإلّا كان بدعة مرفوضة ومردودة على صاحبها... لذلك لا يمكن الزيادة والنقصان في العبادات، بل في كل أمور الشرع بالرأي الشخصي.

وأمّا ما يضيفُه الشيعةُ الجعفريّةُ بعد (أشهَد أنّ محمّداً رسولُ اللَّه) إذ يقولون: (أشهدُ أنَّ عليّاً وليُّ اللَّه)، فهو لِروايات وَرَدت عن رسول اللَّه وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم، تصرّح بأنّه ما ذكرت جملة (محمّد رسول اللَّه) أو كُتِبت على باب الجنة إلّاوأردفت بجملة: (عليّ وليّ اللَّه)، وهي جملة تنبي‌ء عن أنّ الشيعة لا يقولون بنبوّة علي عليه السلام، فضلًا عن القول بالوهيته وربوبيّته والعياذ باللَّه.

فلذلك جاز ذكرُها إلى جانب الشهادتين رجاء أن تكون مطلوبةً من قِبل اللَّه تعالى، ولا يؤتى بها بقصد الجزئية أو الوجوب وهذا هو ماعليه الأغلبية الساحقة من فقهاء الشيعة الجعفرية.

و لهذا فإنّ هذه الزيادة التي يُؤتى بها لا بقصد الجزئية كما قلنا، لا تُعدّ من قبيل ما لا أصل له في الشرع فلا تكون بدعةً.

24- ويسجدون على التراب (والصعيد) أو على الحصى، أو على الصخر وغير ذلك من أجزاء الأرض ونباتها (كالحصير) دون الفراش والقماش والمأكول والحليّ، لرواياتٍ كثيرةٍ وردت في كتب الشيعة والسنّة بأنّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه و آله كان من دأبه السجود على التراب أو الأرض، بل ويأمر المسلمين بذلك، ومن ذلك أنّ بلالًا سَجَد ذات يوم على كور عمامته اتقاء الحرّ اللافح، فأزال النبيُّ صلى الله عليه و آله بيده عمامة بلال من جبينه وقال:

ترّب جبينك يا بلال.

وذكر مثل هذا لصهيب ولرباح، اذ قال: تَرِّبْ وجهك يا صهيب وتَرِّبْ وجهك يا رباح (راجع البخاري، وكنز العمال، والمصنف لعبدالرزاق الصنعاني، والسجود على الأرض لكاشف الغطاء).

و لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال- كما في

صحيح‌البخاري وغيره-: «جُعِلَتْ لي الأرضُ مَسجداً وطهوراً».

و لأنّ السجود على التراب ووضع الجبين عند السجدة على الأرض هو الأنسب للسجود أمام اللَّه، لأنه أدعى للخشوع وأَقربُ إلى الخضوع أمام المعبود، كما أنه يُذكِّرُ الانسانَ بأصله ومعدنه، أليس قال اللَّه تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (1)؟!

و إنّ السجودَ غايةُ الخضوع، وغاية الخضوع لا تتحقّق بالسجود على السجّاد والفراش، والقماش والجواهر الثمينة، إنما تتحقق بوضع أشرف موضعٍ في البَدَن وهو الجَبين على أرخص شي‌ء وهو التراب (راجع: اليواقيت والجواهر للشّعرانى الأنصاري المصري من علماء القرن العاشر).

نَعم، لابدَّ أن يكونَ الترابُ طاهراً، ولهذا يحمل الشيعةُ معهم قطعة من الطِّين (وهو التراب الملتزق بعضه ببعض) للتأكّدِ من طهارته.

ورُبَما يكون هذا الطين مأخوذاً من أرضٍ مباركةٍ كأرضِ كربلاء التي استُشهِدَ فيها الإمامُ الحسين سبطُ رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله تبرُّكاً، كما كان بعض الصَّحابة يأخُذون من حصى مكّة للسُجود عليها في‌أسفارهم، تبرّكاً (راجع المصنف للصنعاني).

و لكن لا يُصِرُّ الشيعةُ الجعفريّة على هذا، ولايلتزمون به دائماً، بل يَسجُدون على أيّ صخرة نظيفةٍ طاهرةٍ مثل بلاط المسجد النبويّ الشريف، وبلاط المسجد الحرام بلا إشكال ولاتردُّد.

كما أنّهم لا يضعون يدهم اليمنى على اليد اليُسرى في الصلاة؛ لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يفعل ذلك، ولأنه لم يثبت ذلك بالنص القاطع الصريح، ولهذا لا تفعله المالكية أيضاً (راجع البخاري ومسلم وسنن البيهقي، ولمعرفة رأي المالكية راجع بداية المجتهد لابن رشد القرطبي المالكي وغيره).


1) طه، الآية 55.

25- ويَتوضّأ الشيعة الجعفريّة بغسل أيديهم من المرافق إلى رؤُوس الأصابع لا العكس، لأنّهم أخذوا كيفية الوُضوء من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم أخذوه عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وهم أدرى من‌غيرهم بماكان يفعلُه جَدُّهم، وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يفعل هكذا، وقد فسَّروا «إلى» في آية الوضوء (1)ب «مع»، كما فعل ذلك الشافعي الصغير في كتابه: (نهاية المحتاج).

كما أنّهم يمسَحون أرجلَهم ورؤوسَهم ولا يغسلونها في الوضوء لنفس السبب الذي ذكرناه، ولأنَّ ابن عباس قال: الوضوء غَسلتان ومسحتان، أو مَغسولان ومَمسوحان، (راجع السنن والمسانيد، وراجع تفسير الفخر الرازي عند تفسير آية الوضوء).

26- ويقولون بجواز زواج المتعة لنصّ القرآن الكريم به إذ قال:

فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (2)، ولأنه فَعَلَه المسلمون في عهد رسولِ‌اللَّه صلى الله عليه و آله وفعَله صحابتُه إلى منتصفِ عهد خلافة عمر بن الخطاب، وهو زواجٌ شرعيٌ يشارك الزواجَ الدائم في:

أ- أن تكون المرأةُ غيرَ ذات بعل، وفي إجراء الصيغة المتكوِّنة من الإيجاب من جانب المرأة والقبولِ من جانب الرجل.

ب- وفي وجوب إعطاء مالٍ إلى المرأة يسمّى في الدائم: المَهر، وفي المتعة: الأَجر، بنص القرآن كما مرّ أعلاه.

د- وفي وجوب اتخاذ العدّة من جانب المرأة بعد حصول انفصال الزوج عن الزوجة.

ه- وفي وجوب العِدّة بعد المفارقة، وإلتحاق الوَلَد بالوالد، و وجوب أن يكون الزوج واحداًلا أكثر.

و- وفي التوارث بين الوَلَد والوالد، والولد والوالدة وبالعكس أيضاً.


1) المائدة، الآية 6.

2) النساء، الآية 24.

و يفارق الزواجَ الدائمَ في تعيين مدة في الزواج المؤقَّت وفي عدم وجوب النفقة و القسمة على الزوج للزوجة، وعدم التوارث بين

وبالمناسبة، فإنّ الشيعة الإمامية- انطلاقاً من الكتاب والسنّة وتعاليم وتوصيات أئمة أهل البيت عليهم السلام- يكِنّون كل احترام للمرأة، ويقيمون لها وزناً كبيراً

الزوجين، وعدم الحاجة إلى الطلاق من أجل الانفصال، بل يكفي انقضاء المدّة المقررة أو التنازل عن بقية المدة المذكورة في نص العقد لها.

و حكمة تشريع هذا النمط من الزواج هي الاستجابة المشروعة والمشروطة لحاجة الرجال والنساء الجنسيّة لمن لا يستطيع القيام بكل لوازم الزواج الدائم، أو حُرِم من الزوجة، لوفاة أو سبب آخر وبالعكس، مع إرادة العيش بكرامة وشرف، وبالتالي فالمتعة في الدرجة الأولى حلٌّ لمعضلة اجتماعية خطيرة، ولمنع وقوع المجتمع الإسلامي في مستنقع الفساد والإباحية.

و قد يستفاد منها لأغراض التعارف المشروع قبل الزواج، وهو بالتالي يمنع من اللقاء الحرام، والزنا، والكبت الجنسي أو استخدام الأمور الأخرى المحرّمة كالاستمناء بالنسبة لمن لا يُطيق الصبرَ على زوجةٍ

واحدةٍ، أو لا يمكنه إدارة زوجة- أو أكثر من زوجة- اقتصادياً ومعيشياً وفى نفس الوقت لايريد الحرام.

و على كلّ حال، فإنّ هذا الزواج يستند إلى الكتاب والسنّة، وعمِل الصحابةُ به ردحاً من الزمن، ولو كان زنا لكان معناه أنّ القرآن والنّبي والصحابة قد أحلّوا الزِّنا وارتكب فاعله الزنا مدّة من الزمن، والعياذ باللَّه.

هذا مضافاً إلى أنّ نسخه لا يستند إلى الكتاب والسنّة، ولم يقمْ عليه دليل قاطع وصريح (1).

على أنّ الشيعة الإمامية وإن


1) راجع كلّ أحاديث المتعة في الصحاح والسنن والمسانيد المعتبرة عند المذاهب الإسلامية المختلفة.

كانوا يبيحون ويحلّون هذا النوع من النكاح المشرَّع والمشروع بنص الكتاب والسنّة إلّاأنّهم يرجّحون النكاح الدائم وإقامة العائلة لكونها أساس المجتمع القويّ السّليم، ولا يميلون إلى الزواج المؤقت المسمى في الشريعة بالمتعة مع كونها- كما قلنا- حلالًا مشروعاً.

وبالمناسبة، فإنّ الشيعة الإمامية- انطلاقاً من الكتاب والسنّة وتعاليم وتوصيات أئمة أهل البيت عليهم السلام- يكِنّون كل احترام للمرأة، ويقيمون لها وزناً كبيراً، ولهم في مجال مكانة المرأة وشؤونها وحقوقها وبخاصة في صعيد التعامل الأخلاقي معها والمِلكية والنكاح والطلاق والحضانة والرضاع والعبادات والمعاملات أحكام رائعة وجديرة بالاهتمام في روايات أئمتهم وفقههم.

27- ويحرّم الشيعةُ الجعفرية: الزنا، واللِّواط، والرّبا، وقتلَ النفس المحترمة، وشرب الخمر، والقمار، والغدر، والمكر، والغِشّ والخديعة، والاحتكار، والتطفيف، والغصب، والسرقة، والخيانة، والغِلّ، والغِناء والرقص، والقذف، والتهمة، والنميمة والفساد، وإيذاء المؤمن، والغيبة، والسبّ والفحش، والكِذب والبهتان وغير ذلك من الكبائر والصغائر، ويحاولون- دائماً- الابتعاد عنها، وتجنّبها ما أمكن. ويسعون جهدَهم لمنعها في المجتمع بالوسائل المختلفة كتأليف ونشر الكتب والكراسات الأخلاقية والتربوية، وإقامة المجالس والمحاضرات، وخطب الجمعة و....

28- ويهتمّون بفضائل الأخلاق ومكارمها، ويعشقون المواعظ، ويُبادرون إلى استماعها، ويعقِدون لذلك المجالسَ والحلقات في البيوت والمساجد والساحات، في المواسم والمناسبات رَغبةً في الاتّعاظ، ومن هنا يهتمُّون بأدعيةٍ جليلةِ الفائدة، عظيمةِ المحتوى، وردت عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والأئمة الطاهرين من أهل بيته مثل:

دعاء كُمَيْل، ودعاء أبي‌حمزة، ودعاءالسمات، ودعاءالجوشن الكبير (1)، ودعاء مكارم الأخلاق، ودعاء الافتتاح (الذي يُقرأ في شهر رمضان) وهم يقرأون هذه الأدعية والمناجيات الرفيعة المضامين في خشوع وروحانيةٍ، وفي حالة خاصة من البكاء والضَّراعة، لأنها توجب تهذيب نفوسهم، وتقربهم إلى اللَّه (وهذه الأدعية موجودةٌ في موسوعة تحت عنوان موسوعة الأَدعية الجامعة صدرت مؤخراً، كما هي موجودة كذلك في كتب الأدعية المتداولة بينهم والمعروفة في أوساطهم).

29- وهُم يَهتمُّون بقبُور ومراقد النبيّ صلى الله عليه و آله، والأئمة من أهل بيته المطهرين وذريّته الطيّبين المدفونين في البقيع، بالمدينة المنورة حيث مرقد الإمام الحسن المجتبى، والإمام زين‌العابدين، والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام.

و في النّجف الأشرف حيث مرقد الإمام عليٍّ عليه السلام.

وكربلاء حيث مرقد الإمام الحسين بن علي عليه السلام وإخوته وأبنائه وأبناء عمومته، وأصحابه الذين استشهدوا معه يوم عاشوراء.

وفي سامراء حيث مرقد الإمام الهادي والعسكري عليهما السلام.

وفي الكاظمية حيث مرقد الإمامين الجواد والكاظم عليهما السلام وكل ذلك بالعراق.

وفي مدينة مشهد بإيران حيث مرقد الإمام الرضا عليه السلام.

وفي قم، وشيراز حيث مراقد أبنائهم وبناتهم، وفي دمشق حيث مرقد بطلة كربلاء السيدة زينب.


1) وهو يضمُّ ألفَ إسمٍ من أسماء اللَّه في نَسَقٍ رائعٍ ومؤثِّر.

وفي القاهرة حيث مرقد السيدة نفيسة (وهي من كرائم أهل البيت).

وذلك احتراماً لرسولِ اللَّه صلى الله عليه و آله، لأنّ الرجلَ يُحفَظ في وُلده، وتكريم ذرية الرّجُل تكريم له، ولأنَّ القرآن الكريم مدح آل‌عمران، وآل يس وآل إبراهيم وآل يعقوب وأشاد بهم، وكان بعضهم غير أنبياء، وقال: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ (1).

و لأنّ القرآن لم يعترضْ على مَن قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (2)

أي لَنبنِيَنَّ ونقيمَنَّ على مراقد أصحاب الكهف مسجداً، لِيُعْبَدَ اللَّه إلى جانبهم، ولم يصف عملهم بالشِّرك، لأنّ المسلم المؤمنَ يركع ويسجُد للَّه‌ويعبده وحده، وإنما يأتي بذلك إلى جانب ضريح هؤلاء الأولياء المطهَّرين الطيبين لتقدّس المكان بهم، كما حصلت لمقام ابراهيم قداسةٌ وكرامةٌ فقال اللَّه تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلّى (3).

فليسَ من صلّى خلف المقام يكون قد عَبَدَ المقامَ، ولا من تعبّد اللَّه بالسعي بين الصفا والمروة يكون قد عبد الجبلين، إنما اختار اللَّه لعبادته مكاناً مباركاً مُقدّساً ينتسب إلى اللَّه نفسه في المآل، فإنّ للأيام والأمكنة قداسة كيوم عرفة، وأرض منى، وأرض عرفات، وسبب قداستها هو انتسابها إلى اللَّه تعالى.

واليومَ إذ تتعرّض الأُمّة الإسلاميّة لأبشع حملةٍ ضدّ كيانها، وعقيدتها ولأشرس هجمةٍ ضدّ وحدتها، من خلال إيجاد الخلل في تعايشها المذهبي، والاجتهادي

30- ولهذا السَّبَبِ أيضاً، يهتمُّ الشيعةُ الجعفريّةُ- كغيرهم من المسلِمين الواعين المدرِكين لشأن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله بزيارة مراقدِ أهل البيت عليهم السلام، تكريماً لهم، ولأخذ العبرةِ منهم وتجديداً للعهد معهم وتأكيداً للقيم التي جاهدوا من أجلها، واستشهدوا للحفاظ عليها،


1) آل عمران، الآية 34.

2) الكهف، الآية 21.

3) البقرة، الآية 125.

لأنّ الزوار لهذه المراقد يذكرون في هذه الزيارات فضائل أصحابها، وجهادهم وإقامتهم للصلاة وإيتاءهم للزكاة، وما تحمّلوا في طريق ذلك من الأذى والعذاب، مضافاً إلى مشاطرة النبيّ الكريم- بهذا التعاطف مع ذريته المظلومين- حُزْنَهُ صلى الله عليه و آله عليهم.

أليس هو القائل في قضية استشهاد حمزة: «ولكنَّ حمزةَ لا بواكي له» (كما في كتب التاريخ والسيرة)؟

وأليس هو بكى في موت إبراهيم ولده العزيز؟

وأليس كان يقصد البقيعَ لزيارة القبور؟

وأليس هو القائل: «زوروا القبور فإنها تذكّرُكُمْ بالآخرة» (1)؟

نعم، إنّ زيارة قبور الأئمّة من أهل البيت النبويّ وما يُذكَر فيها من سيرتهم ومواقفهم الجهادية تذكِّر الأجيالَ اللاحقة بما قدّمه أولئك العظماءُ في سبيل الإسلام والمسلمين من تضحياتٍ جِسام، كما وتزرع فيهم روحَ الشَّجاعة والبَسالة والإيثار والشهادة في سبيل اللَّه.

إنّه عَمَلٌ إنسانيٌّ حضاريٌّ عقلائيٌّ، فالأُمم تخلّد عظماءَها، ومؤسّسي حضاراتها، وتحيي مناسباتهم بكلّ شكلٍ ولونٍ، لأنَّ ذلك يبعث على الافتخار و الاعتزار بقيمهم، ويزيد من التفاف الأمم حولها وحول قيمها.

وهذا هو نفس ماأراده القرآن عندما أشاد في آياته بمواقف الأنبياء والأولياء والصالحين وذكر قصصهم.

31- والشيعة الجعفريّة يَستشفِعُون برسول اللَّه صلى الله عليه و آله والأئمة من أهل بيته المطهرين ويتوسَّلون بهم إلى اللَّه تعالى، لمغفرة الذنوب، وقضاء الحوائج، وشفاءِ المرضى، لأنّ القرآن هو الذي سَمَح بذلك بل دعى إليه، حيث قال:

وَلَوْأَنَّهُمْ إِذْظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ


1) شفاء السقام للسبكي الشافعي ص 107، ومثله في سنن ابن ماجة 1: 117.

لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (1).

و قال: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (2)

وهو مقام الشفاعة.

فكيف يُعقَل أن يُعطيَ اللَّه لنبيّه الكريم مقام الشفاعة للمذنبين، ويعطيه مقامَ الوسيلة لذوي الحاجات ثم يمنع الناسَ من طَلَب الشفاعة منه، أو يحرم النبيَّ من الاستفاده من هذا المقام؟!

أليس اللَّه تعالى حكى عن أولاد يعقوب أنّهم طلبُوا الشفاعة من والدهم وقالوا له: يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (3)

فلم يعترض عليهم ذلك النبيُ الكريمُ المعصومُ بل قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ؟ (4)

تصوير

و لا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ النبيَّ والأئمة صلوات اللَّه عليهم أمواتٌ، فطلَبُ الدعاء منهم لا يفيد، وذلك لأنّ الأنبياءَ أحياء وخاصّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، الذي قال عنه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (5)

أي شاهداً.

و قال: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ (6).

و هذه الآية جاريةٌ ومستمرةٌ إلى يوم القيامة جريانَ الشمس والقمر،


1) النساء، الآية 64.

2) الضحى، الآية 5.

3) يوسف، الآية 97.

4) يوسف، الآية 98.

5) البقرة، الآية 143.

6) التوبة، الآية 105.

واستمرار الليل والنهار.

و أيضاً لأنّ النّبي والأئمة من أهل بيته شهداء، والشهداء أحياء، كما قال اللَّه تعالى أكثر من مرة في كتابه العزيز.

32- والشيعة الجعفريّةُ يحتفلون بمواليد النبيّ والأُئمة من أهل بيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين، ويقيمون المآتم في وفياتهم، ذاكِرين فيها فضائلَهم ومناقبَهم ومواقِفَهم الرشيدةَ، التي وَرَدت بالنَقل الصّحيح تبعاً للقرآن الذي ذكر مناقب النبيّ صلى الله عليه و آله وغيره من الرسل، وأشادَ بها، ولَفَتَ الأنظارَ إليها للإتّساء والاقتداء، وللاعتبار والاهتداء.

الشيعة الجعفريّةُ يحتفلون بمواليد النبيّ والأُئمة من أهل بيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين، ويقيمون المآتم في وفياتهم، ذاكِرين فيها فضائلَهم ومناقبَهم ومواقِفَهم الرشيدةَ، التي وَرَدت بالنَقل الصّحيح تبعاً للقرآن الذي ذكر مناقب النبيّ صلى الله عليه و آله وغيره من الرسل

نعم، يتجنَّبُ الشيعةُ الجعفريّةُ في هذه الاحتفالات الأفعالَ المحرَّمة، كالاختلاط المحرَّم بين الرّجال والنّساء وأكلِ المحرّم وشربه، والغُلوّ في المدح والثَّناء (1)، وغيرها من التصرّفات التي تتنافى وروحَ الشريعة الإسلاميّة المقدَّسة، وتتجاوز حدودَها المسلَّمة، أو لا تنطبق عليها آيةٌ أو رواية صحيحة، أو قاعدةٌ كليّةٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسنّة بالاستنباط الصحيح.

33- ويستفيدُ الشيعةُ الجعفريةُ من كُتب تَحتوي على أحاديثِ الرَّسول الأكرم وأهل بيته المطهَّرين صَلَواتُ اللَّه عليهم أجمعين مثل: «الكافي» لِثقة الإسلام


1) والغلوّ هو رفع إنسان إلى مستَوى الالوهيّة أو الربُوبيّة، أو اعتقاد أنه يفعل شيئاً مّا مستقلّاً عن المشيئة الإلهيّةوإذن اللَّه تعالى، كما يفعل النصارى واليهود في حق أنبيائهم.

الكُليني، و «من لا يَحْضُرهُ الفقيهُ» للشيخ الصَّدوق، و «الاستبصار» و «التهذيبِ» للشيخ الطوسيّ، وهي كُتبٌ قيّمة في مجال الحديث.

وهذه‌الكتب، وإن احتوت على أحاديث صحيحة إلّاأنّها- رغم ذلك- لم يُطلِق عليها أصحابُها ومؤلّفِوُها ولا الشيعة الجعفريّةُ عنوان: الصحيح، ولهذا لا يلتزم الفقهاءُ الشيعةُ بصحة جميع أحاديثها، بل يأخذون ما تثبت عندهم صحتُه منها، ويتركون مالا يرونه صحيحاً، أو حَسَناً، أو مما يمكن الأخذ به حسبَ تعابير علم الدراية والرّجال وقواعد علم الحديث.

34- كما يستفيدونَ- في مجالِ العقيدة والفقهِ والدعاء والأخلاق- من كتبٍ اخرى رُويت فيها رواياتٌ متنوعةٌ عن الأئمةالطاهرين مثل‌كتاب: «نهج‌البلاغة» الذي ألفه السيد الرضيّ رحمه اللَّه من: خطب الإمام علي عليه السلام ورسائلِه وحِكَمِه القصار.

و مثل رسالة «الحقوق» و «الصحيفة السجادية» للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السّلام، والصحيفة العَلَوية للإمام علي عليه السلام، و «عيون أخبار الرضا»، والتوحيد، والخصال، وعلل الشرائع، ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق رحمه الله.

35- وربما استنَد الشيعةُ الجعفرية إلى أحاديث صحيحةٍ لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وَرَدت في مصادر إخوانهم من أهل السنّة والجماعة (1)في مختلف المجالات من دون تعصُّب، أو تزمّت، وتشهدُ بذلك مؤلفاتُهم قديماً وحديثاً، حيث وردت فيها


1) ينبغي التنويه- هنا- بأنّ الشيعة الإماميّة هم‌أهل السنّة أيضاً لأنّهم يأخذون بما جاء في السنّة النبويّة قولًا وعملًا وإمضاءً، ومنها وصايا النبيّ صلى الله عليه و آله في حقّ أهل بيته ويلتزمون به التزاماً عملياً دقيقاً وعقائدهم وفقههم وكتبهم الحديثية خير شاهد على ذلك وقد صدرت‌مؤخّراً موسوعة مفصّلة تقع في‌أكثرمن عشر مجلدات تضمّ روايات الرسول الأكرم في مصادر الشيعة تسمى‌ب سنن النبيّ.

أحاديث من صحابة النبيّ صلى الله عليه و آله وأزواجه ومشاهير الصحابة وكبار الرواة كأبي هريرة وأنس وغيرهما، بشرط صحّته وعدم معارضته للقرآن والأثر الصحيح، والعقل الحصيف واجماع العلماء.

36- يَرى الشيعةُ الجعفريّةُ بأنّ ما لحق بالمسلمين قديماً وحديثاً من الِمحَن والويلات ما كان إلّانتيجة أمرين هما:

أوّلًا: تجاهُل أهلِ البيت عليهم السلام كقادة مؤهَّلين للقيادة، وتجاهل إرشاداتِهم وتعاليمهم، وبخاصة تفسيرهم للقرآن الكريم.

و ثانياً: التفرّق والتشتت والاختلاف والتنازع بين المذاهب والفِرَق الإسلامية.

و لهذا يسعى الشيعةُ الجعفرية دائماً إلى توحيد صفوف الأمّة الإسلامية، ويمدّون يد المحبّة والاخوة إلى الجميع، محترِمين اجتهادات علماء تلك الفرق والمذاهب، وأحكامها.

و في هذا السبيل، دأبَ علماء الشيعة الجعفرية منذ القرون الإسلامية الاولى على ذكرِ آراء الفقهاء غير الشيعة في مؤلّفاتهم الفقهيّة والتفسيرية والكلامية مثل:

«الخلاف» في مجال الفقه، للشيخ الطوسي، و «مجمع البيان» في مجال التفسير، للطبرسي، والذي مدحه أبرز علماء الأزهر.

و مثل «تجريد الاعتقاد» لنصير الدين الطوسي في مجال العقيدة، والذي قام بشرحه علاء الدّين القوشجي الأَشعري.

37- ويرى علماءُ الشيعةِ الجعفرية البارزون ضرورةَ الحِوار بين علماءِ المذاهب الإسلاميّة المختلفة في مجالات الفقهِ والعقيدة والتاريخ، والتفاهم في قضايا المسلمين المعاصرة، والاجتناب عن التراشق بالتُّهم، وتسميم الأجواء بالسّباب، حتى تتهيّأ أرضيةٌ مناسبةٌ لإيجادِ تقاربٍ منطقيٍّ بين فصائل الأمّة الإسلامية وشرائحها المتعدّدة، لسدّ الطريق على أعداءِ الإسلام

والمسلمين، الذين يَبحثون عن الثَغَرات لتوجيه ضربة قاضية إلى كافة المسلمين، من دون استثناء.

و في هذا السّياق لا يُكفّرُ الشيعةُ الجعفريةُ أحداً من أهلِ القِبلة قطّ، مهما كان مذهَبَه الفقهي ومنحاه العقيدي إلّا ماأجمع المسلمون على تكفيره، ولا يُعادونهم، ولا يسمحون بالتآمر عليهم، ويحترمون اجتهادات الفِرَق والمذاهب الإسلاميّة ويرون عَمَلَ من يَنتقل من مذهبه إلى مذهب الشيعة الجعفرية الإمامية مُجزياً ومُسقطاً للتكليف ومُبرِءاً للذمّة، اذا كان قد عمل وفْق مذهبه في الصلاة والصيام والحج والزكاة والنكاح والطلاق والبيع والشراء وغيرها، فلا يجب عليه قضاءُ مافات من هذه الفرائض، كما لا يجب عليه تجديد صيغة النكاح أو الطلاق مادام أجراهما وفق المختار من مذهبه.

و هم يتعايشون مع إخوانهم المسلمين في كل مكان كما لو كانوا إخوةً وأقارب.

نعم، لا يوافقون المذاهبَ الاستعماريّة كالبهائية والبابيّة والقاديانيّة وما شاكل ذلك، بل يخالفونها ويحاربونها ويحرّمون الانتماء إليها.

وإذا كان الشيعة- أحياناً وليس دائماً- يستخدمون التقية، وهي تعني كتمان ماهم عليه من المذهب والمعتقد، وهو أمرٌ مشروع بنص القرآن الكريم ومعمولٌ به بين المذاهب الإسلامية في ظروف الصراع الطائفي الحاد، فهو لأحد عاملين:

أحدهما: الحفاظ على‌أنفسهم ودمائهم حتى‌لاتذهب هدراً.

وثانيهما: الحفاظ على وحدة المسلمين وعدم تعرضها للتصدّع.

ويرى علماءُ الشيعةِ الجعفرية البارزون ضرورةَ الحِوار بين علماءِ المذاهب الإسلاميّة المختلفة في مجالات الفقهِ والعقيدة والتاريخ، والتفاهم في قضايا المسلمين المعاصرة، والاجتناب عن التراشق بالتُّهم، وتسميم الأجواء بالسّباب

38- ويرى الشيعة الجعفرية أنّ من أسباب تأخّر المسلمين اليوم، هو التخلّف الفكريُّ والثقافيُّ والعلميُّ والتكنولوجي، وأنّ العلاج يكمُن في توعِية المسلمين رجالًا ونساءاً، ورَفْعِ مستواهم الفكري والثقافي والعلميّ بإيجاد المراكز العلمية كالجامعات والمعاهد، والإستفادة من مُعطيات العلمِ الحديث في رفع المشاكل الاقتصادية، والعِمرانية، والصِناعية، وزرع الثقة في نفوس أبناء الأمّة لِدفعهم إلى ميادين العمل، والنشاط إلى أن يتحققَ الاكتفاءُ الذاتيُّ، ويُقضى على حالة التبعيّة والذيليّة للأجانب.

و لهذا أسَّس الشيعةُ الجعفريةُ، أينما حلّوا ونزلوا، مراكز علميّة وتعليميّة، وأقامُوا معاهد لتخريج اختصاصيّين في مختلف العلوم. كما انخرطوا في الجامعاتِ والمعاهد في كل بَلَد، وتخرَّج منهم علماءُ وفنيّون في مختلف الأصعدة الحيويّة قدنالوا مراكز علمية متقدمة.

39- يرتبط الشيعةُ الجعفريةُ بعلمائِهم وفقهائِهم عن طريق ما يسمّى بينهم بالتقليد في الأحكام، فإليهم يرجعون في مشكلاتهم الفقهيّة، ويعملون في جميع مجالات حياتهم طبقاً لآراء الفقهاء، لأنّ الفقهاء- في عقيدتهم- وكلاء آخر الأئمةِ الطاهرين ونوّابه العامّين، وحيث إنّ علماءهم وفقهاءهم لا يعتمدون في معايشهم واقتصادهم على الدّول والحكومات، لهذا يحظَون بثقة كبيرة وعالية من قبَل أبناء هذه الطائفة الكبرى.

و تؤمِّنُ الحوزاتُ العلميةُ الدينيةُ- وهي مراكز

لتخريج الفقهاء- حاجاتها الاقتصادية من أموال الخمس والزكاة التي يدفعها الناس إلى الفقهاء رغبةً وطواعيةً، وكوظيفة شرعية مثل الصلاة والصيام.

ولوجوب دفع الخمس عند الشيعة الإمامية من أرباح المكاسب أدلة واضحة ورد قسم منها في جملة من الصحاح والسنن أيضاً (راجع كتب مبحث الخمس الاستدلالي عند فقهاء الشيعة).

40- يرى الشيعةُ الجعفريةُ أنَّ من حق المسلمين أن يتمتعوا بحكومات إسلامية تعمل وفق الكتابِ والسنّة، وتحفظُ حقوق المسلمين، وتقيمُ علاقاتٍ عادلة وسليمة مع الدُّول الاخرى، وتحرس حدودها، وتضمن استقلال المسلمين ثقافياً، واقتصادياً وسياسياً، ليكون المسلمون أعزّاء كما أراد اللَّه لهم إذ قال تعالى:

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ (1).

و قال تعالى: وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2).

ويرى الشيعة أنّ الإسلام- بوصفه الدين الكامل والجامع- يحتوي على منهج دقيق لنظام الحكم، وأنّ على علماء الأمّة الإسلامية العظيمة أن يجتمعوا ويتباحثوا فيما بينهم لاستجلاء الصورة الكاملة لهذا المنهج، وهذا النظام، ليُخرِجوا هذه الأمّة من الحيرة ومن دوامة المشاكل التي لا تنتهي، واللَّه الناصر والمعين.


1) المنافقون، الآية 8.

2) آل عمران، الآية 139.

إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.

هذه أبرز الخطوط في مجال العقيدة والشريعة عند الشيعة الإمامية المسمّاة بالجعفريّة أيضاً.

وهذه الطائفة اليوم يعيش أبناؤها إلى جانب إخوتهم المسلمين في جميع البلاد الإسلامية، وهي حريصة على الحفاظ على كيان المسلمين وعزّتهم، ومستعدة لبذل النفس والنفيس في هذا السبيل.

فقه التظليل في الحجّ (1)

فقه التظليل في الحجّ (1)

حيدر حبّ اللَّه

تمهيد

عندما يحرم الحاجّ تترتب على إحرامه آثار، أهمّها ما يسمّيه الفقهاء تروك الإحرام (1)، وهي مجموعةٌ من الأمور التي تحرم على المحرم مادام محرماً، ويترتّب على فعلها الكفّارة.

وقد تفاوتت محرّمات الإحرام في كلمات الفقهاء من حيث التعداد ما بين العشرين كما ذكره المحقّق في الشرائع (2)، والثمانية والثلاثين كما هو المذكور في وسيلة ابن حمزة (3)، ولم ترد هذه التروك في القرآن الكريم عدا القليل منها كالرفث والفسوق والجدال والصيد (4)، وأمّا ما تبقى فجاء في السنّة الشريفة.

وتنقسم هذه التروك، كما فعله الشهيد الصدر في مناسكه تبعاً للنراقي في


1) الظاهر أن عنوان تروك الإحرام أعم يشمل مكروهاته ومحرّماته، وفقاً لبعض المصادر الفقهية كما في اللمعة: 69 والمختصر: 84- 85، والشرائع 1: 183، وإن راج التعبير عن محرّمات الإحرام بتروكه.

2) المحقق الحلّي، شرائع الإسلام 1: 183.

3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 162.

4) البقرة: 197، والمائدة: 1- 2.

المستند (1)إلى ما يشترك فيه الرجل والمرأة كالصيد والفسوق و...، وما تختص به المرأة كالنقاب و... وما يختصّ به الرجل كالتظليل و...

وبهذا يظهر أن التظليل محرّم- عند الفقهاء- من محرّمات الإحرام للرجال خاصّة كما سنعرّج عليه.

وحيث تتشعّب بعض فروع بحث التظليل، سوف نحاول دراسة أصل المسألة، وكونه فعلًا من المحرّمات، ثم نعرّج على القضايا الهامّة ذات الابتلاء كالتظليل في الليل، أو ظلّ المحمل أو...، ومعه فيقع الكلام في عدّة مباحث بعون اللَّه سبحانه:

المبحث الأوّل: مبدأ حرمة التظليل

المشهور والمعروف بين الفقهاء (2)، بل قيل لاخلاف فيه (3)بل هو ممّا ادّعي عليه الإجماع (4)، حرمة التظليل للرجل المحرم في الجملة، ولا يبدو أنّ هناك من توقّفَ في هذه المسألة عدا نزرٌ يسير صرّحوا بذلك، أو نُسب إليهم، كما هو الحال مع ما نسب للصدوق ومع ابن الجنيد فيما نسبه له العلّامة في المختلف (5)، ومن المتأخرين المدني الكاشاني (6).

إلا أنّ السيّد الخوئي حاول تفسير المنسوب إلى ابن الجنيد بأحد احتمالين: إمّا يريد من قوله باستحباب عدم التظلّل مجرّد المحبوبية فلا يكون كلامه صريحاً في الخلاف، وإن أراد الاستحباب الاصطلاحي كان مخالفاً، لكن خلافه لا يعبأ به-


1) مستند الشيعة 11: 338، وموجز أحكام الحج للشهيد الصدر: 61.

2) انظر معتمد الخوئي 4: 233، ومدارك الأحكام 7: 362، ومختلف الشيعة 4: 108، م 71، وذخيرة العباد، حجري: 597، وجواهر الكلام 18: 394، وملاذ الأخيار 8: 208، والدروس 1: 377، والحدائق 15: 470.

3) لاحظ المعتمد 4: 233، والجواهر 18: 394، والرياض 6: 302.

4) لاحظ المعتمد 4: 233، والجواهر 18: 394، والخلاف 2: 319، والتذكرة 7: 340، والانتصار: 245 ومستندالشيعة 12: 25.

5) مختلف الشيعة 4: 108.

6) آية اللَّه المدني الكاشاني، براهين الحج، ج 3: 162.

عند الخوئي- بعد استفاضة الروايات بالمنع (1).

وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين حفظه اللَّه تفسير حرمة التظليل بما يتناسب مع ظروف الزمان والمكان عصر النص، فجعل التظليل مظهراً للترف والدعة والكبرياء الفاحش، مما يجعل التظليل اليوم بسقف السيّارة أو الحافلة أو الطائرة أو... خارجاً عن سياق التحريم، بعد عدم انطباق ذلك العنوان عليه (2).

ولم ترد هذه التروك في القرآن الكريم عدا القليل منها كالرفث والفسوق والجدال والصيد، وأمّا ما تبقى فجاء في السنّة الشريفة

وعلى أيّة حال، فالظاهر أن في روايات التظليل بعض الاختلاف الذي كان سبباً لاستشكال المحقّق السبزواري قدس سره في أصل الحرمة، ومبرّراً لما ذهب إليه والد المجلسي (3)، مما يحدونا لدراستها سنداً ودلالةً.

أدلّة القول بحرمة التظليل للمحرم

وقد ذكرت وجوه عدّة لهذا القول، أو يمكن أن تذكر، وهي كالتالي:

الوجه الأوّل: الروايات وهي:

الرواية الأولى: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: «سألته عن المحرم يركب القبة؟ فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم» (4).

والقبّة- كما ذكره العلامة المجلسي في ملاذ الأخيار (5)- هي الخرقاهة وكذا كلّ


1) المعتمد 4: 233.

2) انظر مجلّة «فقه» الفارسية، العدد 13، خريف 1997 م، مقالة: استفاده از سايه وسايبان در حال احرام، أحمد عابديني، لاحظ إثارته للفكرة ص 18- 19.

3) السبزواري في كفاية الفقه الأحكام 1: 304، وذخيرة المعاد: 598، وانظر المجلسي في ملاذ الأخيار 8: 216.

4) وسائل الشيعة 12: 515، كتاب الحج، أبواب تروك الإحرام، باب 64، ح 1، وقد ذكر الرواية عدد من الفقهاء من بينهم: ذخيرة المعاد: 597، والجواهر 18: 395 وغيرهما.

5) ملاذ الأخيار 8: 209.

بناءٍ مدوّر، وظاهر الرواية نهي الرجال عن ركوب القبّة دون النساء، غير أنّها لا دلالة فيها في حدّ نفسها على أن الحرمة كانت من باب التظليل، فلعلّ النهي فيها منصبّ على حرمة ركوب القبّة بعنوانها، وهو أمرٌ مترقّب في القضايا التوقيفيّة شديدة التعبّد كما هو الحال في الحج، فيحتاج لتتميم دلالتها إلى معونة النصوص الأخرى.

الرواية الثانية: صحيحة عبد اللَّه بن المغيرة قال: «قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام: أظلّل وأنا محرم؟ قال: لا، قلت: أفأظلّل وأكفّر؟ قال: لا، قلت: فإن مرضت؟ قال: ظلّل وكفّر، ثم قال: أما علمت أن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: ما من حاجّ يضحى ملبّياً حتى تغيب الشمس إلّا غابت ذنوبه معها». والرواية مروية في التهذيب والاستبصار والفقيه والعلل (1).

والرواية ظاهرة في حرمة التظليل بعنوانه حتى لو كفّر المحرم، وسندها تام، إلا أنّه نوقش في دلالتها بأمور:

أولًا: ما نقله العلامة المجلسي عن والده وارتآه بعض المتأخرين (2)من أنه ربما يفهم من التعليل الكراهة، ذلك أنها بصدد الحثّ على فعل ما يوجب غفران الذنوب لا بصدد الإلزام.

والجواب: إنّ مجرّد استخدام الإمام عليه السلام عنصراً ترغيبياً لا يسقط دلالة النهي عن الحرمة، فالنصوص التشريعية- ومنها القرآنية- كثيراً ما مزجت بين النص الفقهي القانوني والنص الأخلاقي والروحي، والفصل بين هذين اللسانين إنّما هو ظاهرة متأخرة سببها تطوّر علم الفقه واكتسابه فيما بعد لغة قانونية جافّة (3)، وإلا


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 3، وقد ذكرها في الجواهر 18: 395، وذخيرة المعاد: 597 وغيرهما.

2) ملاذ الأخيار 8: 216، ومجلّة فقه، مصدر سابق، ص 41- 43.

3) راجع مجلّة فقه أهل البيت عليهم السلام، العدد 24، قم، مقالة: نحو إعادة ترتيب للمصادر النصوصية، الفقه‌أنموذجاً، الشيخ حيدر حبّ اللَّه، ص 152.

فما المانع من أن يحثّ الإمام عليه السلام ويرغب في ترك الحرام بأن يشير إلى وعد إلهي بغفران الذنوب لمن انتهى عما نهى اللَّه تعالى عنه؟! ألم يرد شبيه ذلك في الحجّ نفسه وهو من الواجبات القطعية عند المسلمين كافة؟! وألم يرد هذا اللسان- لمن راجع- في أكثر الواجبات والمحرّمات؟!

هذا، سيّما وأن الراوي ينقل هذا الذيل بعد قوله: «ثم قال:»، وكأن الإمام عليه السلام استأنف حديثاً بعد أن أنهى جوابه، وليس الحديث جزءاً من الجواب، فلا يمنع أن يكون بصدد الحث والترغيب على اجتناب المحرّم.

ثانياً: ما ذكره السيّد محمد محقّق داماد من أن ضمّ التلبية إلى التظليل في الذيل يجعل إفادة الرواية للإلزام قاصرة، إذ من المعلوم استحباب التلبية في هذه الحال لا وجوبها (1).

والجواب: إنّ ما نريد الاستدلال به هو صدر الرواية لا ذيلها، فلو بقينا والذيل المنقول عن رسول اللَّه عليه السلام لربما تمّت المناقشات، إلّاأنّنا أشرنا إلى أنّ الذيل لا مانع من كونه قد جاء في سياق الحثّ والترغيب على ترك المحرّم، ومن ثمّ كان هذا الترغيب- لا أصل الحكم- منوطاً بانضمام التلبية، وأيّ محذورٍ في تعبيرٍ كهذا؟! فلاحظ جيّداً.

فالنصوص التشريعية- ومنها القرآنية- كثيراً ما مزجت بين النص الفقهي القانوني والنص الأخلاقي والروحي، والفصل بين هذين اللسانين إنّما هو ظاهرة متأخرة سببها تطوّر علم الفقه

ثالثاً: ما ذكره بعض المعاصرين- حفظه اللَّه تعالى- من أن التعليل في الذيل يدلّ بمفهومه على أنّه لو أحرم في الليل وأنهى أعماله فخرج عن إحرامه، دون أن يعرض نفسه للشمس، فلا يكون موعوداً بغفران الذنوب، وفي هذا ما فيه (2).


1) كتاب الحج 2: 517.

2) مجلّة فقه، مصدر سابق: 42.

تصوير

والجواب: إنّ الذيل- كما أشرنا- إضافتُه ترغيب من الإمام عليه السلام، ولا مانع من أن يكون الترغيب بلحاظ الشمس أو منضماً إليه التلبية، سيما بعد أن كان ظاهرة موجودة أن يتحقق الإحرام مع السير نهاراً، وسيما بعد أن كان سير المحرم تحت أشعة الشمس الصحراوية الحارقة أكثر مشقّة وتعباً، فتكون المغفرة بلحاظ هذه المرتبة العليا، ويكون الحث بلحاظ تحقق هذا السير غالباً بالنسبة للمسلمين، ولا ندري أيّ ضير في ذلك؟! وما المانع من كون المغفرة مترتبةً على الفرد الأكثر مشقّة مع كون غيره إلزامياً مثله؟!

فالإنصاف أنّ الرواية تامة الدلالة على الحكم مبدئياً.

الرواية الثالثة: صحيحة هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن المحرم يركب في الكنيسة؟ فقال: لا، وهو للنساء جائز» (1).

والكنيسة شي‌ء يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر والجمع كنائس كما ذكره في مجمع البحرين (2).

والرواية تدلّ على أصل الحرمة للرجال دون النساء، غايته أنّ الحرمة انصبّت على عنوان الركوب في الكنيسة، فإن فهمنا منه المثالية لمطلق الاستظلال فهو وإلا كان كروايات القبّة كما أسلفناه.


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 4، وذكرها في الجواهر 18: 395، وغيره أيضاً.

2) مجمع البحرين للطريحي 3: 1598، مادّة كنس.

الرواية الرابعة: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: «سألت أباالحسن عليه السلام عن الرجل المحرم، وكان إذا أصابته الشمس شقّ عليه وصدع فيستتر منها، فقال: هو أعلم بنفسه، إذا علم أنه لا يستطيع أن تصيبه الشمس فليستظلّ منها» (1).

وقد حاول البعض حمل النهي في الرواية على الكراهة، نتيجة مقايستها مع أدلّة حرمة الخمر والميتة

والرواية- بمفهومها الثابت عرفاً فيها- تدلّ على عدم الرخصة في الاستظلال مع إدراك المحرم لقدرته على تحمّل الشمس، بل وتدلّ بقرينة سؤال السائل على مركوزية الحكم في الذهن المتشرّعي، ولذا سأل ابن الحجاج عن الحكم في صورة الضرورة، بعد الفراغ عن مبدأ الحرمة في مورد عدمها.

وقد حاول البعض حمل النهي في الرواية على الكراهة، نتيجة مقايستها مع أدلّة حرمة الخمر والميتة و...، وذلك بحجّة أن لسان تلك شديد وقاطع بخلاف هذا اللسان الأقلّ شدّة (2).

ولكنّنا لا نجد هذا الفرق، فإن الرواية تصرّح بأنه إذا علم من نفسه عدم الطاقة جاز، والمفروض أن التعرّض للشمس الصحراوية مع عدم الطاقة مما يؤدي إلى الموت أو المرض الشديد، فأي عذرٍ أكبر من

هذا في أن يجوز له الاستظلال معه؟!

هذا علاوة على أنّه على فرض اختلاف الألسنة وكفاية الضرر العرفي هنا دونه هناك كما سنشير إلى الخلاف فيه لاحقاً، فهذا لا يدلّ على الكراهة بقدر ما يدلّ على اختلاف درجات الحرام، فإن المحرّمات متفاوتة، ولذلك كانت هناك كبائر وصغائر، ومن المؤكّد أن حرمة قتل المؤمن أعظم ولسانها أشدّ من حرمة الغيبة أو الفحش أو... دون أن يعني


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 6، وذكرها في الجواهر 18: 396، وغيره.

2) مجلّة فقه، مصدر سابق: 47- 48.

ذلك جواز الغيبة أو...

الرواية الخامسة: صحيحة إسحق بن عمّار عن أبي الحسن عليه السلام قال: «سألته عن المحرم يظلّل عليه وهو محرم؟ قال: لا، إلّامريض أو من به علّة، والذي لا يطيق (حرّ) الشمس» (1).

والرواية في دلالتها واضحة، وقد أورد عليها بما أورد على سابقتها والجواب هو الجواب، مع أن المستشكل فرض قبل ذكر الروايتين التسليم جدلًا بالحرمة، ثم أعقب ذلك بالاستدلال بهما على الكراهة وهو تهافت لم نفهمه (2).

الرواية السادسة: خبر محمد بن منصور عنه قال: «سألته عن الظلال للمحرم، فقال: لا يظلّل إلّاعن علّة أو مرض» (3).

والرواية وإن كانت في التهذيب والاستبصار مضمرةً، إلّاأنها مسندة في كافي الكليني رحمه الله إلى أبي الحسن عليه السلام (4)، فتكون مسندة، سيما مع اتحاد أغلب سلسلة السند فيهما، لكن الرواية ضعيفة سنداً لا أقلّ بجهالة محمّد بن منصور إذا لم يكن ابن يونس بزرج الذي وثقه النجاشي (5)وعلي بن أحمد بن أشيم (6).

نعم، بين الكافي والتهذيب

والوسائل فرق، ففي الأخيرين:

لا يظلّ إلّامن علّة أو مرض، وفي


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 7، وذكرها في الجواهر 18: 395.

2) مجلّة فقه، مصدر سابق: 47- 48.

3) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 8، وذكرها في ذخيرة المعاد: 598.

4) التهذيب 5: 309، والاستبصار 2: 186، والكافي 4: 351.

5) معجم رجال الحديث 18: 289- 290 و 291- 292.

6) معجم رجال الحديث 12: 271 وقد ورد في كامل الزيارات وقال عنه الشيخ: مجهول.

الأوّل: لا يظلّل إلّامن علّة مرض،

والرواية بحسب الظاهر تامة سنداً... وأما من حيث الدلالة فهي واضحة في حرمة التظليل

والعبارة الأولى أوضح، وقد حاول بعض المعاصرين حفظه اللَّه أن يستفيد من ذلك أن لازمه- على رواية الكافي- عدم الجواز في غير صورة المرض حتى مع الضرورة، ولمّا كان هذا المدلول غير مقبول به كانت مكانة الرواية ضعيفة، هذا فضلًا عن أن الترديد في خبر التهذيب لا نعرف هل هو من الإمام عليه السلام نفسه أو الراوي؟ ولعلّ هذه نقطة ضعف اخرى (1).

والجواب: إن ذكر الروايات استثناءً واحداً مع وجود أكثر من استثناء كثير وبالغ، والنصوص الجامعة قليلة، وهذا في حدّ نفسه موضوع كبروي يستحقّ الدرس، ومعه فلا يعني أن في الرواية دغدغة، سيما وأن الاستثناء واضح من أدلّة الاضطرار العامة في الشريعة، فلعلّ الإمام عليه السلام ذكر المرض فقط لأنه الاستثناء الغالب في هذه الحالات.

وأمّا الترديد، فالظاهر أنه من الإمام عليه السلام وإلا لأبان الراوي وجود ترديدٍ عنده كما في الرواية القادمة عن إسماعيل بن عبد الخالق، والترديد بين الخاص والعام لا مانع منه في اللغة العربية.

الرواية السابعة: صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: «سألت أبا عبداللَّه عليه السلام: هل يستتر المحرم من الشمس؟ فقال: لا، إلّاأن يكون شيخاً كبيراً، أو قال: ذا علّة» (2).

والرواية ظاهرة في تحريم الاستتار من الشمس الظاهر في التظليل.

الرواية الثامنة: صحيحة عبد اللَّه بن المغيرة قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن الظلال للمحرم، فقال: اضح لم أحرمت له، قلت: إني


1) مجله فقه، مصدر سابق: 48- 49.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 9، وقد ذكرها في ذخيرة المعاد: 597.

محرور وإن الحرّ يشتدّ عليّ، فقال: أما علمت أنّ الشمس تغرب بذنوب المحرمين (المجرمين)» (1).

وهذه الرواية يتوقّف فيها- رغم سندها الصحيح- كونها تخالف القواعد الأساسية في الفقه الإسلامي، وذلك إذا فهمنا من السؤال الثاني للراوي صورة الضرر المعتدّ به عند تعرّضه لشدّة الحرّ الحارق، فإن المفروض أنه يجوز له التظليل، غايته أنّه مع الكفّارة لإبقاء الوجوب المحكوم لدليل رفع الاضطرار كما هو المقرّر في علم أصول الفقه.

وأمّا إذا فهمنا من ذلك، صورة شدّة الحرّ عليه، دون أن يلزم منه ضرر أو حرج شديدان، فإن الرواية تكون تامّة، وتؤكّد أن في هذا الحكم- حرمة التظليل- تشديد وتحفظ شرعي واضح خلافاً لما تقدّم عن بعض المعاصرين.

الرواية التاسعة: خبر القاسم بن الصيقل قال: «ما رأيت أحداً كان أشدّ تشديداً في الظلّ من أبي جعفر عليه السلام، كان يأمر بقلع القبّة والحاجبين إذا أَحرم» (2).

والرواية- كما أشار البعض (3)- ليست قويّة الدلالة، لأن فعل الإمام عليه السلام ذو دلالةٍ صامتة، فلا يدلّ على الوجوب إلّابقرائن، والتشديد المذكور ربّما يكون للكراهة الشديدة مثلًا، وإن كان فيه إشعاراً بالوجوب.

الرواية العاشرة: صحيحة عثمان بن عيسى الكلابي قال: قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام: «إنّ علي بن شهاب يشكو رأسه، والبرد شديد ويريد أن يحرم، فقال:

إن كان كما زعم فليظلّل، وأمّا أنت فاضحَ لمن أحرمت له» (4).

والرواية بحسب الظاهر تامة سنداً، وإن كان عثمان بن عيسى من كبار الواقفية المعروفين، فقد وثق في كتب الرجال، وأما من حيث الدلالة فهي واضحة


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 11، وذكرها أيضاً في ذخيرة المعاد: 597.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 12.

3) مجلة فقه، مصدر سابق: 43.

4) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 13، وذكرها أيضاً في الجواهر 18: 395.

في حرمة التظليل، وأن عذر من يعتذر في ذمته، فإن صدق جاز له التظليل وإلّا فلا.

وذيل الرواية لا يورد عليه بعدم صحة إنجاز الأعمال ليلًا، كما تقدّم في بعض النصوص السالفة، وذلك لعين الجواب المتقدّم فلا نعيد، كما ستكون لنا وقفة مع روايات الإضحاء عند الحديث عن حرمة التظليل من غير الشمس فانتظر.

الرواية الحادية عشرة: خبر زرارة قال: «سألته عن المحرم أيتغطّى؟ قال: أمّا من الحرّ والبرد فلا» (1).

والاستدلال بهذه الرواية موقوفٌ على فهم التظليل من التغطّي، ولكنّه غير واضح، فإن حرمة التظليل شي‌ء، وحرمة تغطية المحرم رأسه شي‌ء آخر، فالرواية بصدد بيان حكم وضع غطاء على الرأس يقي من البرد، أو وضع غطاء كذلك يقي من الحرّ كما هو المعمول به في بلاد الحجاز عادةً، ومعه فالرواية أجنبية عن المقام.

الرواية الثانية عشرة: صحيحة حريز عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لا بأس بالقبّة على النساء والصبيان وهم محرمون...». وصحيحة الكاهلي مثلها أيضاً (2).

وتقريب دلالة الرواية أن نفي البأس عن النساء والصبيان بعنوانهم شاهد عرفي على أصل وجود حزازة في الجملة، وإلا لم يكن هناك معنى لذكر هذين الصنفين فقط، نعم، قد لا تكون هذه الدلالة قويّة إذا احتملت شديداً كراهة التظليل للرجال، إذ يكون البأس المستفاد من المفهوم منصرفاً حينئذٍ إلى الكراهة الشديدة لا الحرمة، وتكون هذه الكراهة مرتفعة في مورد النساء والصبيان، هذا علاوة على أن مفهوم الرواية إن دلّ فإنما يدلّ على حرمة القبّة للرجال، وقد أشرنا فيما سبق أن هذا العنوان ليس بظاهر في التظليل بمعناه العام لاحتمال خصوصية القبّة وأمثالها.

الرواية الثالثة عشرة: خبر محمد بن الفضيل وبشير بن إسماعيل قال: «قال


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 14.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 65، ح 1، وذكرها أيضاً في الجواهر 18: 395.

لي محمّد: ألا أسرّك يا ابن مثنّى؟ فقلت: بلى، فقمت إليه، فقال لي: دخل هذا الفاسق آنفاً فجلس قبالة أبي الحسن عليه السلام ثم أقبل عليه، فقال: يا أبا الحسن، ما تقول في المحرم يستظل على المحمل؟ فقال له: لا، قال: فيستظلّ في الخباء؟ فقال له:

نعم، فأعاد عليه القول شبه المستهزى‌ء يضحك: يا أبا الحسن فما فرق بين هذا (وذا)؟ فقال: يا أبا يوسف، إن الدين ليس يقاس كقياسكم... كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يركب راحلته فلا يستظل عليها، وتؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض، وربّما يستر وجهه بيده، وإذا نزل استظل بالخباء وفي البيت وبالجدار».

هذا هو مهم الروايات الدالّة على حرمة التظليل في الجملة، وقد تبيّن أنها تدل على ذلك بقطع النظر عن معارضة نصوص اخرى لها.

وشبيه هذه الرواية خبر محمد بن الفضيل الآخر المروي في الكافي، كما يشبهه مرسلة عثمان بن عيسى المروية في الاحتجاج وعيون الأخبار. وبمضمونها في الجملة خبر البزنطي في قرب الإسناد، وكذلك بمضمونها مرسلة الاحتجاج، المروي مثلها في إرشاد المفيد على ما ينقله صاحب الوسائل (1)، ولعلّ الواقعة واحدة كما مال إليه بعض الفقهاء (2).

والرواية في الاحتجاج وعيون الأخبار و... مرسلة لا حجيّة فيها، وفي قرب الإسناد صحيحة سنداً لكنّها لا تحكي عن حوار طويل، ومحمّد بن الفضيل لم تثبت وثاقته وأمّا بشير بن إسماعيل (أو بشر) فلم يوثق إلّاعلى احتمال ذكره السيّد الخوئي في أن يكون هو بشير بن إسماعيل بن عمّار الذي وصفه النجاشي بأنّه من وجوه من روى الحديث (3)، وعليه ففي سند الحديث توقّف عدا ما في قرب الإسناد.


1) راجع هذه الروايات في الوسائل، مصدر سابق، باب 66، ح 1 و 2 و 4 و 5 و 6.

2) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الحج، الفاضل اللنكراني، ج 3: 279 و 280.

3) معجم رجال الحديث 4: 220 و 233.

والمقطع الشاهد في الرواية هو قول الإمام عليه السلام: «لا»، في جواب ما تقول في المحرم يستظل على المحمل؟... والحوار الذي جرى بين الإمام عليه السلام وأبي يوسف فقيه الحنفية وتلميذ أبي حنيفة المبرّز، يؤكّد أيضاً أن الحكم بدرجة الإلزام، وإلّا لما صحّ كل هذا التشديد في المناظرة كما هو واضح.

الرواية الرابعة عشرة: خبر الحسين بن مسلم عن أبي جعفر الثاني عليه السلام: «أنه سئل ما الفرق بين الفسطاط وبين ظلّ المحمل؟ فقال: لا ينبغي أن يستظل في المحمل...» (1).

والرواية غير ظاهرة في نفسها في التحريم، فإن كلمة «لا ينبغي» كما لا تتأبّى عن الدلالة على الحرمة، لا تستعصي أيضاً عن الدلالة على الكراهة، مما يحيجها إلى القرينة لتأكيد هذا أو ذاك، ومعه لا تكون الرواية دالة على المطلوب، هذا علاوة على ضعفها السندي لا أقل بجهالة الحسين بن مسلم نفسه.

الرواية الخامسة عشرة: خبر المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لا يستتر المحرم من الشمس بثوب، ولا بأس أن يستر (يستتر) بعضه ببعض» (2).

ومقتضى النهي عن الاستتار بثوب بل ظاهره الشمول للتظليل في الجملة، فإن التظليل بثوب مما يصدق عليه قطعاً عنوان الاستتار، فتكون الرواية دالّةً على حرمة التظليل في الجملة.

الرواية السادسة عشرة: صحيحة سعيد الأعرج «أنّه سأل أبا عبد اللَّه عليه السلام عن المحرم يستتر من الشمس بعود وبيده؟ قال: لا، إلّامن علّة» (3).

والرواية ظاهرة في النهي عن أقلّ أنواع الاستتار، بيد أنّها معارضة بما يدل


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 66، ح 3.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 67، ح 2، وذكره في ذخيرة المعاد: 597.

3) الوسائل، مصدر سابق، باب 67، ح 5.

على جوازه باليد كموثقة معاوية بن عمار وخبر المعلّى بن خنيس المقدّم، الأمر

إلّا أن مشكلة الإجماعات والشهرات هنا، أنها مقطوعة المدركية، ولا أقل من الاحتمال لكثرة النصوص السالفة، فلا مجال للاستدلال بالإجماع على الحرمة هنا.

الذي يجعل أصل دلالتها مشكلًا، ولهذا حملها في الوسائل على الكراهة في اليد (1).

الرواية السابعة عشرة: خبر بكر بن صالح قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: إنّ عمتي معي وهي زميلتي ويشتدّ عليها الحرّ إذا أحرمت، فترى لي أن أظلّل عليّ وعليها؟ فكتب: ظلّل عليها وحدها» (2).

وتقريب الاستدلال بها أن الإمام عليه السلام رخص له بالتظليل على عمّته فقط، مع أنه سأله عن التظليل عليها وعليه معاً، الأمر الذي يدلّ على عدم الرخصة في التظليل عليه.

لكن سؤال الراوي «فترى لي...» قد يدّعى عدم ظهوره في الإلزام، وكأن الإمام لا يستحسن له أن يظلّ على نفسه، ولهذا كانت نصيحته عليه السلام أن يقصر تظليله على عمّته فحسب.

لكن الرواية ضعيفة السند ببكر بن صالح نفسه.

هذا هو مهم الروايات الدالّة على حرمة التظليل في الجملة، وقد تبيّن أنها تدل على ذلك بقطع النظر عن معارضة نصوص اخرى لها كما سيأتي، وبقطع النظر عن امتدادات هذا التحريم وخاصّياته.

الوجه الثاني: التمسّك بالإجماع، والشهرة، والإجماع المدّعى، كما ذكره جماعة وقد تقدم، ومخالفة السبزواري متأخرة جداً لا تضر بكاشفية الإجماع، أما مخالفة ابن الجنيد فهي غير واضحة كما صرّح به جماعة (3)، فإن نصّ «المختلف»


1) المصدر نفسه.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 68، ح 1.

3) انظر المعتمد 4: 233، والجواهر 18: 394، والرياض 6: 302.

الذي ينقل لنا موقف ابن الجنيد جاء فيه: «وقال ابن الجنيد: يستحب عدم التظليل، لأن السنّة بذلك جرت، فإن لحقه عنت أو خاف من ذلك فقد روي عن أهل البيت عليهم السلام جوازه، وروي أيضاً أنه يفدي عن كلّ يوم بمدّ» (1).

ورغم ظهور الاستحباب في عدم الإلزام، إلّاأن التعقيب بنسبة الجواز إلى روايات أهل البيت عليهم السلام في مورد الضرورة ربما يوحي بأن مورد عدمها مشوب بعدم الجواز، مما يجعل الدلالة غير قوية، وإن كان احتمال مخالفته- أي‌ابن الجنيد- أقوى- إنصافاً- من عدمها، كما ارتآه بعض الفقهاء (2).

وقد نسب إلى الصدوق في المقنع جواز التظليل مع التصدّق بمدّ لكل يوم، وناقشه في الرياض بأنّ مستنده غير واضح بل هو معارض بما دلّ في الصحيح على عدم الجواز حتّى مع الكفارة كما تقدّم (3).

والظاهر أنّ الصدوق في الهداية لم يذكر من محرّمات الإحرام إلّاالتقنع وأكل الطعام الذي فيه طيب (4)، وأمّا المقنع فظاهر عبارته فيه حرمة ركوب القبة، مع جواز أن


1) المختلف 4: 108.

2) آية اللَّه المدني الكاشاني، براهين الحج، ج 3: 158.

3) الرياض 6: 307.

4) الهداية: 219.

تضرب على المحرم الظلال والتصدق بمدّ لكلّ يوم (1)، وهو ظاهر في تخصيصه الحرمة بعنوان القبة لا التظليل، فيكون مخالفاً للمشهور بينهم اليوم، ولعلّ مستنده نصوص القبة المتقدّمة مع أخذ خصوصيّتها.

إلّا أن مشكلة الإجماعات والشهرات هنا، أنها مقطوعة المدركية، ولا أقل من الاحتمال لكثرة النصوص السالفة، فلا مجال للاستدلال بالإجماع على الحرمة هنا.

الوجه الثالث: ما ذكره الطوسي في الخلاف والمرتضى في الانتصار وغيرهما من‌التمسك بطريقة الاحتياط إذ مع‌عدم الستر يصح بلا خلاف، ومعه فيه خلاف (2).

لكن الاحتياط فرع فقدان الأدلة وقد تبين وجودها، ومعه فلا حاجة بل لا مورد للاستدلال به.

أدلّة القول بجواز التظليل للمحرم

وفي مقابل الأدلّة المتقدّمة ذكرت أدلّة اخرى على الجواز أبرزها:

الدليل الأوّل: الأصل كما ذكره في الجواهر (3).


1) المقنع: 234.

2) الخلاف 2: 319، الانتصار: 245، وغنية النزوع، الفروع: 159.

3) جواهر الكلام 18: 394.

والظاهر أنّ المقصود به أصالة البراءة، وهي تامّة إذا لم تثبت دلالة الروايات على الحرمة، والمفروض- كما تقدّم- ثبوتها، فيكون الأصل منفياً بدليل الأمارة.

الدليل الثاني: ما ذكره النووي في المجموع من أن التظليل لا يعدّ لبساً فلا يحرم على المحرم (1).

وهو واضح الدفع، فإننا لا نريد إرجاع التظليل إلى عنوان آخر، بل الدعوى حرمته بعنوانه الخاص، فحتى لو لم يصدق عليه عنوان اللبس هل هو حرام بنفسه أو لا؟

الدليل الثالث: الروايات وهي كما يلي:

الرواية الأولى: ما رواه مسلم في صحيحه، وجُعل أهم مدرك عند القائلين بعدم حرمة التظليل من أهل السنّة كما استدلّ به النووي وابن قدامة.... (2)وهو حديث أم الحصين قالت: «حججنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حجّة الوداع فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه و آله والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتّى رمى جمرة العقبة» (3).

فالإنصاف أن الرواية الأخيرة ظاهرة في الجواز وما قبلها مدعّم لها...

وبناءً عليه تقع المعارضة بين هذه النصوص وبين ما تقدّم، وينبغي الوصول إلى سبيل لحلّ التعارض، كما سيأتي.

فهي تدل- برضا الرسول صلى الله عليه و آله بل وفعله- على جواز التظليل.

ويناقش: أوّلًا: بما ذكره العلامة في التذكرة (4)من أن الرواية ليس فيها كلامٌ عن الركوب، فلعلها تتحدّث عن فعل النبي صلى الله عليه و آله ذلك في منى ماشياً فلا تكون دليلًا على عدم الحرمة مطلقاً.

إلّا أن الإنصاف أن ظاهر الرواية الركوب بقرينة الأخذ بناقته عليه السلام، مما يفيد


1) المجموع شرح المهذب، الإمام أبو زكريا النووي، دار الفكر، ج 7: 268.

2) انظر المجموع، مصدر سابق 7: 267- 268، والشرح الكبير مع المغني لشمس الدين بن قدامى المقدسي، دارالكتاب العربي، بيروت، ج 3: 269، والمغني لموفق الدين بن قدامى ج 3: 282، وانظر التذكرة 7: 341.

3) صحيح مسلم، دار الكتب العلميّة، بيروت: 1: 543.

4) التذكرة 7: 341.

أنّ أحدهما يجرّ الناقة التي عليها النبي صلى الله عليه و آله والآخر يستره، واحتمال جرّ الناقة والنبي ماشياً وارد لكنه خلاف المتبادر من قراءة النص.

ثانياً: ما يبدو أنه المناقشة المحكمة، وهو ما أشار له العلامة (1)أيضاً، من أن فعل النبي صلى الله عليه و آله صامت، فلعله كان صلى الله عليه و آله مضطراً، فلا تكون الرواية دالّة.

الرواية الثانية: صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن المحرم يركب في القبّة؟ قال: ما يعجبني إلّاأن يكون مريضاً، قلت: فالنساء؟ قال: نعم» (2).

وقد وردت هذه الرواية في التهذيب أيضاً مع اختلاف في بعض رجال السند من دون السؤال عن النساء.

فإن الظاهر من «ما يعجبني» أنّ النهي تنزيهي كراهتي، وإلّا لزجره الإمام عليه السلام وأبان له الحرمة في الأمر، ومن هنا استبعد السبزواري في ذخيرة المعاد دلالته على التحريم لأن ظاهره الأفضلية (3).

وقد حاول الفقهاء ردّ هذه الرواية بأنّها غير صريحة في الجواز كما ذكره صاحب الجواهر (4)، أو أن مثل هذا التعبير كثيراً ما يستعمل في الروايات في مورد الحرمة كما ذكره السيد الخوئي (5)، أو أنّ عدم الإعجاب يشمل التحريم كما ذكره النراقي (6).

لكن هذه الرواية لا تدلّ على التحريم بحسب ظاهرها، فإن لسان «ما يعجبني» ليس لسان تحريم وإلزام بالترك، وأمّا أنّها تدلّ على الجواز بحيث تكون ظاهرة في الترخيص لا فقط غير ظاهرة في الحرمة، فعلى تقديره ليس بذاك اللسان الواضح، وإن كان قريباً جداً.


1) المصدر نفسه.

2) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 2.

3) ذخيرة المعاد: 598.

4) جواهر الكلام 18: 395.

5) المعتمد 4: 234.

6) مستند الشيعة 12: 29.

الرواية الثالثة: صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لا بأس بالظلال للنساء، وقد رخص فيه للرجال» (1).

ونوقش مفاد الرواية، أولًا: ما ذكره الشيخ الطوسي وصاحب الجواهر من أنّها تحمل على صورة الضرورة للرجال (2).

وهذا المقدار من المناقشة غير كافٍ إذ لم تبرز قرائن على هذا الأمر، ومن هنا حاول السيد الخوئي أن يبرزها على الشكل التالي:

ثانياً: إن كلمة «قد» تدل على التقليل لا على الرخصة الدائمة، بل نفس كلمة الترخيص تستعمل غالباً في موارد المنع ذاتاً والترخيص عرضاً، ولولا ذلك لم يكن وجه للتفكيك بين النساء والرجال، بل لعبّر: لا بأس فيه للرجال والنساء (3).

لكن في هذه القرائن- على وجاهتها- نظراً، فإن «قد» تفيد التقليل عندما تدخل على الفعل المضارع، لا الماضي، بل تفيد فيه (في الماضي) التحقيق والتأكيد، والمفروض دخولها في الرواية على «رخص» الذي هو ماضي مبني للمجهول ومعه فلا وجه للإصرار على إفادتها التقليل مع الإلتفات إلى دخولها على الماضي كما فعله بعض المعاصرين (4)، وأما ما ذكره الخوئي بعد ذلك فهو وجيه لولا احتمال أن يكون


1) الوسائل، مصدر سابق، باب 64، ح 10.

2) انظر ما نقله عنه في الوسائل 12: 518، ولاحظ جواهر الكلام 18: 394- 395، ونحوهما المستند 12: 29.

3) المعتمد 4: 234- 235، ونحوه اللنكراني في تفصيل الشريعة، كتاب الحج 3: 275- 276.

4) اللنكراني في تفصيل الشريعة، مصدر سابق، ص 276.

الترخيص بمعنى وجود ملاك الحرمة مع إسقاطه كلياً عن المكلفين، تماماً كما في غير ذلك من الموارد التي حقّ فيها التكليف، إلّاأنّ اللَّه تعالى رخصّ على أمّة محمد صلى الله عليه و آله رحمةً منه ورأفة، فإذا ارتفع هذا الاحتمال لدرجة الظهور كانت الرواية دالّة على الجواز، وإذا قيل بأنّ تحقيق هذا الظهور مشكل حقاً، فيكون الأقرب- على تقديره- الحمل على الترخيص اضطراراً أو التوقف في مفاد الرواية.

الرواية الرابعة: صحيحة علي بن جعفر قال: «سألت أخي عليه السلام أظلّل وأنا محرم؟ فقال: نعم، وعليك الكفّارة، قال: فرأيت عليّاً إذا قدم مكّة ينحر بدنة لكفّارة الظلّ» (1).

فإن الرواية تثبت الجواز مع الكفّارة، ولا ضير، فإن ما يدلّ على ثبوت الكفّارة في شي‌ء لا يدلّ على حرمة فيه أو حزازة، فقد ثبتت الكفارات الكثيرة في موارد لا حرمة فيها قطعاً كقتل الخطأ و... والتفريق في الكفارات بين الجواز بعنوان ثانوي وأوّلي (2)غير واضح بعد ثبوت الكفّارة في مثل الخطأ والظهار.

لكن الفقهاء ناقشوا في دلالة الرواية بأنها تحمل على الضرورة كما ذهب إليه في المدارك، والجواهر، والوسائل (3)، و... كما أنّ الحكم شخصي ومن الممكن أن يكون التجويز لعذر كما ذكره الخوئي والنراقي (4).

لكن هذا الاحتمال ضعيف، إذ لو كان في البين علّة أو ضرر لأبانته الرواية، وظهر من سؤال السائل كما نصّ عليه صاحب الذخيرة (5)، ففي الموارد الاخرى


1) الوسائل، ج 13: 154، أبواب بقية كفارات الإحرام، باب 6، ح 2.

2) تفصيل الشريعة، مصدر سابق، 276.

3) مدارك الأحكام 7: 363، وجواهر الكلام 18: 395، والوسائل 13: 154.

4) المستند 12: 29، والمعتمد 4: 234، وتابعهما في تفصيل الشريعة، مصدر سابق، ص 276.

5) ذخيرة المعاد: 598.

يتمسّك الفقهاء، بمثل هذه الألسنة لإثبات أحكام كلّية، فلماذا لا يثبت حكم كلّي في مثل هذه الرواية؟!

فالإنصاف أن الرواية الأخيرة ظاهرة في الجواز وما قبلها مدعّم لها فيما كان فيه ولو إشعار.

وبناءً عليه تقع المعارضة بين هذه النصوص وبين ما تقدّم، وينبغي الوصول إلى سبيل لحلّ التعارض، كما سيأتي.

الجمع بين الأدلّة

وفي إطار الجمع بين الأدلّة ذكرت محاولات أهمّها:

المحاولة الأولى: ما ذكره في الجواهر والوسائل وغيرهما من حمل أخبار الجواز على التقية لكونها توافق أهل السنّة، فتبقى أدلّة الحرمة سالمة معمولًا بها (1).

والجواب: إنّ مجرّد وجود قولٍ بالجواز عند أهل السنّة لا يبرّر التقية دائماً، فإن مراجعة مصادر الفقه السنّي تؤكّد وجود خلاف في هذا الوسط نفسه أو لا أقلّ لا تجعلنا على يقين بوجود موقف موحّد ربما يتحفّظ منه الإمام عليه السلام، فقد نقل النووي في شرح المهذب الحرمة عن أحمد في رواية ومالك (2)، وفي المغني والشرح الكبير لابني قدامة أن أحمد كره ذلك، وأن رواية الكراهة منقولة عن ابن عمر ومالك وعبد الرحمن بن مهدي وأهل المدينة، وكذلك سفيان بن عيينة (3)، وفي فقه الجزيري أن الحنابلة منعوا منه فيما يلازم غالباً كالمحمل (4)، والحرمة نقلها أيضاً عن أحمد ومالك الشيخ الطوسي في الخلاف (5)، كما نقلها العلامة الحلي في التذكرة عن ابن عمر ومالك وسفيان بن عيينة وأهل المدينة وأحمد بل وأبي حنيفة أيضاً (6)،


1) جواهر الكلام 18: 395، الوسائل 12: 518، المعتمد 4: 235، ويلوح من الفاضل اللنكراني في تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الحج 3: 275، والحدائق 15: 478.

2) المجموع 7: 267.

3) المغني 3: 282، والشرح الكبير 3: 269.

4) الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة السابعة، 1986 م، 1: 651.

5) الخلاف 2: 319.

6) التذكرة 7: 340.

ومع ذلك كيف نتحقّق من موضوع التقية في مسألة دار فيها خلاف بين فقهاء السنّة أنفسهم؟!

المحاولة الثانية: ما ذكره السبزواري رحمه الله في ذخيرة المعاد، وحاصله حمل أخبار المنع على الأفضلية، وقد أيّد ذلك بأن النهي غير واضح الدلالة على التحريم في روايات أهل البيت عليهم السلام وفق ما ذكره هو نفسه مراراً، ثم استقرب هذا الحمل، معتقداً أن ليس فيه عدولًا عن الظاهر (1).

ومآل هذه المحاولة إلى تقديم أخبار الجواز بدعوى التصرّف الدلالي في أخبار التحريم، إلّاأن التأمل في نصوص الحرمة يمنع- حسب الظاهر- عن الأخذ بمضمون هذه المحاولة، فقد ورد لسان التشديد في جملة روايات، فراجع صحيحة ابن المغيرة، وعبد الرحمن بن الحجاج، وإسحاق بن عمار، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن عبد الخالق، وصحيحة ابن المغيرة الثانية، والقاسم بن الصيقل، ولسان خبر عثمان الكلابي، وانظر مناظرة الإمام عليه السلام مع الحنفي في عدة روايات وغيرها، مما يذكر حالة العذر والمرض والشيخوخة و... ويحدّد التظليل للعاجز لا لزميله وغيرها من النصوص المتقدّمة بصحيحها وضعيفها، فإذا كان هذا اللسان لسان رخصة لا إلزام، يلزم القول بعدم حرمة الكثير مما قيل بحرمته قطعاً بينهم.

على أننا أشرنا- لو سلّمنا بما تقدّم- أن نصوص الجواز نفسها هي الأخرى ليست بتلك الدلالة القويّة التي تفوق نصوص التحريم حتى يقال بإعمال الحمل فيها عليها، وكثرة ورود النهي في غير التحريم في لسان الروايات لا يعني أن كلّ نهي لا دلالة فيه على التحريم حتى لوكان فيه نحو تحفظ وتحديد وبيان لموارد الرخص من العذر والكبر و...

وقد بالغ صاحب الحدائق (2)في نقده على السبزواري بذكر عبارات قاسية في


1) ذخيرة المعاد: 598.

2) الحدائق 15: 478- 479.

حقّه في هذا المجال نعرض عنها فعلًا.

المحاولة الثالثة: ما يلوح من كلام بعض المعاصرين وإن لم يظهر بوضوح رأيه النهائي، وحاصله: حمل أخبار المنع على صورة ظاهرة التظليل المساوقة لمظاهر الترف والدعة والرفاهية الزائدة عن الحد المتعارف اجتماعيّاً، ومن ثم تكون أخبار الجواز في محلّها (1).

ويجاب عن هذه المحاولة رغم أن فيها حسّاً تاريخياً جيّداً، أنّها لا تنسجم مع النصوص برمّتها، فنصوص مثل القبة والكنيسة وأمثالهما يمكن حملها على ما ادّعي في وجه لابأس به، أما النصوص التي أوردت التظليل بعنوانه مطلقاً فيحتاج حملها إلى شواهد تؤكّد ذلك.

كما أنّ في بعض الروايات ما يشهد على العكس، فإن التظليل على النفس في سياق التظليل على العمة المضطرّة لا يعدّ في العرف من هذه المظاهر، ومع ذلك نهى عليه السلام عنه، وهكذا الحال في خبر سعيد الأعرج المتقدم، فإن الاستتار من الشمس باليد أو العود- لو أخذنا بهذا الخبر- لا معنى له في سياق هذه المحاولة المذكورة، وعلى نفس المنوال خبر المعلّى بن خنيس الظاهر في حرمة الاستتار بثوب على تقدير الأخذ به، وفي مناظرة الإمام عليه السلام لا قرينة على هذه الخصوصية رغم أن ذكرها كان مناسباً جداً لإفحام الخصم، و... والحاصل أن هذه المحاولة على حسنها لا شواهد أكيدة عليها، ونحن وإن كنّا نعتقد جداً بالبعد التاريخي للنصوص إلا أن هذا البعد يجب أن تجتمع شواهد منطقية وتاريخية معقولة لتأكيده في هذا المورد أو ذاك، ومجرّد الاحتمال الصرف لا ينفع وإلا انهدمت الأحكام برمّتها وربما دون استثناء.

المحاولة الرابعة: ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين وحاصله: أنّ الروايات على طوائف أربع: الأولى: ما دلّ على التحريم في الرجال مطلقاً كصحيحة هشام بن سالم و... الثانية: ما دلّ على المنع في صورة عدم الضرورة والجواز فيها كخبر


1) مجلة فقه، مصدر سابق: 18- 19.

عبداللَّه بن المغيرة و... الثالثة: ما دلّ على الترخيص مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر و.. الرابعة: ما دلّ على الترخيص مع الكراهة كصحيح الحلبي الذي ورد فيه «ما يعجبني» و...

وعليه فتكون الطائفة الثانية شاهداً للجمع بين الأوّلى والثالثة فيكون الترخيص مخصوصاً بحال الضرورة والمنع بحال عدمها، كما أنّ الطائفة الرابعة تصلح شاهداً للجمع بين الأولى والثالثة فتحمل الأولى على الكراهة كالثالثة، ويتحصّل من الجمعين عند صاحب هذه المحاولة كراهة التظليل لغير المضطر وجوازه له، ومعه نلتزم بالجمعين معاً ولا يؤخذ بأحدهما دون الآخر لأنّ هذا الأمر هو الذي يحفظ الطوائف الأربع معاً (1).

وتناقش هذه المحاولة بأن الجمع الأوّل لا بأس به وتتحمله الطوائف الثلاث الأولى، لوجود احتمال ولو بسيط في أن يكون علي بن جعفر مضطراً، إلّاأنّ الكلام في الجمع الثاني فإنّ نصوص الطائفة الأولى لا تتحمّل الحمل على الكراهيّة برمّتها، فإنّ لسان التشديد فيها لا يقبل الحمل على الكراهة كما شرحناه سابقاً، ونحن نشترط في الجمع العرفي أن تكون طوائف الجمع قادرة على تحمّل النتيجة المستفادة من وراء الجمع، وهو أمرٌ مفقود هنا.

المحاولة الخامسة: ما نرجّحه في المقام، وحاصله تقديم أخبار المنع على أخبار الجواز بعد الفراغ عن تمامية الدلالتين، والوجه فيه استفاضة أخبار المنع وكثرتها صريحةً وظاهرةً ومشعرة وفيها الصحيح وغير الصحيح، أما أخبار الجواز فهي قليلة، في دلالة بعضها توقف، علاوة على ضعف سند خبر أم الحصين، كلّ ذلك مؤيداً بالإجماع أو الشهرة مما يجعل سند المنع ودلالته أقوى، والوثوق في نصوص المنع أكبر، ولما كانت الحجية للخبر الموثوق كانت هذه العناصر مجتمعة موجبةً لتضاعف الوثوق بنصوص المنع على نصوص الجواز.


1) آية اللَّه المدني الكاشاني، براهين الحج 3: 161- 162.

ولعلّ هذا هو مراد النراقي (1)من شذوذ أخبار الجواز وسقوطها عن الحجّية ومخالفتها الشهرة العظيمة.

نعم، هذا المنع في الجملة، ومن حيث المبدأ، وأما امتداداته وخاصياته فهو بحث آخر يأتي قريباً بعون اللَّه سبحانه.

وما ذكره بعض المعاصرين من كثرة الاختلاف بين الفقهاء المسلمين في أحكام التظليل لا يصلح شاهداً لتضعيف الحكم بالحرمة في الجملة (2)، إن لم يصلح مقوّياً بعد عدم اختلاف أكثرهم فيها، إذ ما من حكم قطعي مسلّم، إلّاوقد وقع خلاف في امتداداته، أفهل يقال ذلك عن الصلاة والصيام و... وما أكثر ما اختلف فيهما المسلمون والشيعة و...؟!

والمتحصل حرمة التظليل- في الجملة- على المحرم، أما التفاصيل فندرسها في البحوث التالية إن شاء اللَّه تعالى.

المبحث الثاني: اختصاص الحكم بالرجال

تكاد كلمة الفقهاء تتفق على اختصاص هذا الحكم بالرجال، وعدم شموله للنساء (3)، وقد صرّح بوجود إجماع العاملي في المدارك وغيره (4).

والوجه فيه:

أوّلًا: الأصل مع اختصاص الأدلّة المانعة بالرجل على ما ذكره


1) المستند 12: 29- 30.

2) المصدر نفسه: 32.

3) هو ظاهر إرشاد الأذهان 1: 317، والرياض 6: 305، وتحرير الأحكام 2: 32 و 33، وبداية الهداية للحر العاملي 1: 323، والنهاية: 221، والسرائر 1: 547، ومدارك الأحكام 7: 364، والمستند 12: 33، ومجمع الفائدة 6: 321، وذخيرة المعاد: 597، وكفاية الفقه 1: 304، والمهذب البارع 2: 186، والوسيلة: 162، والمسالك 2: 265، والجامع للشرائع: 184، واللمعة: 69، وقواعد الأحكام 1: 424، وملاذ الأخيار 8: 209، والحدائق 15: 488- 489، والدروس 1: 377، والروضة 2: 245، والتذكرة 7: 343 و...

4) انظر الرياض 2: 305، والمدارك 7: 364، ونفى الخلاف في كفاية الفقه 1: 304، والحدائق 15: 488. وادعى الإجماع المجلسي في ملاذ الأخيار 8: 209، والشهيد الثاني في الروضة 2: 245.

المحقّق النراقي (1).

وهذا الوجه جيّد إلّاإذا قيل أنّ عنوان المحرم يشمل المرأة بالتغليب.

ثانياً: النصوص وهي:

أ- صحيحة حريز المتقدمة (رقم 12).

وكثرة ورود النهي في غير التحريم في لسان الروايات لا يعني أن كلّ نهي لا دلالة فيه على التحريم حتى لوكان فيه نحو تحفظ وتحديد وبيان لموارد الرخص من العذر والكبر و...

ب- ومثلها صحيحة الكاهلي، وهما تشملان النساء والصبيان، ومعنى ذلك في حق الصبي رغم عدم تكليفه أساساً هو عدم ترتب أحكام وضعيّة في حقه على تقديرها، وعدم ثبوت الكفارة كذلك، وعليه فالاستدلال بالقاعدة في غير البالغين من رفع القلم كما فعله بعض الفقهاء المعاصرين (2)لا يكفي وإن كان في محلّه، لأنّ الحديث يعم الأحكام الوضعيّة والكفّارات ونحوها لا مجرّد الحكم التكليفي.

ج- صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (رقم 1) (3).

المبحث الثالث: اختصاص الحكم بالقادر غير المضطرّ

ذهب الكثير من الفقهاء إلى اختصاص هذا الحكم بالقادر غير المضطرّ ممّن لا يقع عليه ضرر أو حرج شديدان في التظليل، وهذا هو الصحيح.

ويمكن الاستدلال عليه بأمور:

الأوّل: القاعدة العامّة في رفع الضرر والحرج والاضطرار، والمستفادة من


1) المستند 12: 33.

2) تعاليق مبسوطة، الشيخ محمّد إسحاق الفياض، ج 10: 263، ورغم التفاته إلى موضوع الحكم الوضعي إلّاأنّ‌الكفّارة وما شابهها تستحق مدركاً إضافياً غير رفع قلم المؤاخذة على ما هو المشهور من معنى رفع القلم.

3) استدل للحكم بالنصوص جماعة منهم المدارك 7: 364 و 365 وغيره...

نصوص عديدة قرآنية وروائية، فإنّها حاكمة على جميع الأحكام الأوّلية بما فيها ما نحن فيه.

الثاني: النصوص الخاصّة الواردة في المقام وهي:

أ- صحيحة عبداللَّه بن المغيرة المتقدمة (رقم 2)، فقد أجازت التظليل في صورة المرض.

ب- صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة (رقم 4)، فقد دلّت على جواز التظليل لو شقّ عليه التعرّض للشمس.

ج- صحيحة إسحاق بن عمّار المتقدّمة (رقم 5) حيث استثنت المريض ومن به علّة، ومن لا يطيق حرّ الشمس.

د- خبر محمّد بن منصور المتقدّم (رقم 6)، حيث استثنى من به علّة أو مرض.

ه- صحيحة إسماعيل بن عبدالخالق المتقدّمة (رقم 7)، حيث استثنت الشيخ الكبير و...

و- صحيحة عثمان بن عيسى الكلابي المتقدّمة (رقم 10)، حيث رخصت لمن يشكو رأسه والبرد شديد.

ز- خبر بكر بن صالح المتقّدم (رقم 17)، حيث أجاز تظليل العليل الزميل.

ح- صحيحة الحلبي المتقدّمة في أخبار الجواز (رقم 2) حيث استثنت المريض أيضاً.

وهذه النصوص تشير إلى موارد العذر من المرض والحرّ وألم الرأس ممّا يصدق أنّه أمثلة للضرر والحرج والاضطرار.

وهذا المقدار لا خلاف فيه، إنّما الخلاف في أن الضرر هل يجب أن يكون عظيماً كما تفيده عبارة الشيخ المفيد في المقنعة والطوسي في النهاية (1)و.. أم يكفي فيه الضرر العرفي بلا حاجة إلى التشديد بالعظيم ونحوه كما تفيده ظواهر كلمات


1) النهاية: 221، والسرائر 1: 547، والمقنعة: 432.

الفقهاء رحمهم الله (1)؟ وفيها ما يدّعى عليه الإجماع (2).

الظاهر أنّ المراد موارد الاضطرار الأخرى، فحالات المرض والحر وألم الرأس و... ممّا هو مذكور في الروايات من هذه الحالات، وقيد العظيم لا وجه له إذا زاد عن الحدّ المتعارف، فلا يفهم من الأدلّة العامّة والخاصّة المتقدّمة صورة الضرر العظيم الزائد عن الموارد الأخرى في الفقه، كما لا يفهم منها مجرّد الضرر البسيط المتسامح فيه عرفاً.

ونكتفي بهذا المقدار، ويتلوه في القسم الثاني بقيّة المباحث إن شاء اللَّه تعالى.


1) أنظر شرائع الإسلام 1: 186، وجامع المقاصد 3: 187، ومدارك الأحكام 7: 365، وقواعد الأحكام 1: 424، والدروس 1: 377، وظاهر الروضة 2: 244، والتذكرة 7: 342، وإرشاد الأذهان 1: 317، والانتصار: 245، وتحرير الأحكام 2: 32، وبداية الهداية 1: 323.

2) الرياض 6: 305.

مَسجد الإجابة أم مَسجد المُباهلة؟

مَسجد الإجابة أم مَسجد المُباهلة؟

محمّد صادق النجمي

يُعتبَر (مسجد الإجابة) أحد المساجد القديمة والتأريخية الموجودة في المدينة المنورة، حيث كان مَحطّ أنظار الحُجّاج والزائرين لتلك البقعة الشريفة. وقد سُميَ (مسجد الإجابة) فى السنوات الأخيرة اشتباهاً ب (مَسجد المباهلة) بحسب ما تداولته ألسن الناس، دون الأخذ بنظر الاعتبار خلفيّته التأريخية المعروفة. وهكذا، نرى اهتمام الوافدين عليه لِما عُرِفَ عن ذلك المكان بأنّه الموقع الذي قامَ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بمُباهلة نصارى نجران فيه.

ونظراً لِما قد يُخلّفه ذلك الاشتباه والتحريف في اسم المسجد المذكور من نتائج سلبيّة وعواقب مُضرّة، فقد ارتأينا وَضع ما أمكننا من مصادر الحديث وكتب التأريخ ذات الصلة الوثيقة بالمسجد المُشار إليه، وَضعها في متناول يَد القرّاء الكرام وكلّ المُهتمين بمثل هذه الأمور الدقيقة، للحيلولة دون وقوع ما لا تُحمَد عُقباه والعمل على مَنع استمرار هذا التوجّه الذي

يسلكه عوام الناس، حتى يتبيّن للذين يتشرفون بزيارة المسجد المذكور؛ لإقامة الصلاة والتوجّه إلى اللَّه سبحانه بالدّعاء، يتبيّن لهم واقع الأمر، ويضعوا في حُسبانهم مَقام المكان الذي يختلفون إليه ومنزلته، وسبب توشّحه بلباس القدسيّة والشرف، وميزة المسجد المذكور بين المساجد والأماكن المقدسة الأخرى.

الأهميّة التأريخية لمساجد المدينة:

تتمتّع أماكن عبادة اللَّه تعالى في جميع بقاع الأرض ولدى جميع المذاهب والأديان باحترام كبير وقدسيّة خاصّة، ويكِنّ أبناء الدين أيّاً كان وأصحاب العقيدة مهما كانت، احتراماً مُتميّزاً لأماكن العبادة تلك، بل ويعتبرون أنّ إبقاء أماكن العبادة نظيفة والحفاظ عليها ومراقبتها من ضمن واجباتهم الدينية تجاه تلك الأماكن المقدسّة. ولا غرو إذا ما تمتّعت هذه المسألة بأهميّة كبيرة في الدّين الإسلامي ومن قِبَل المُسلمين دون استثناء، حتى أنّهم سنّوا أنظمة وقوانين خاصّة بتلك الأماكن، تحفظ لها كرامتها وتبقيها على ما هي عليه من قدسيّة، ومنها: أنّه لا يحقّ للجُنُب المكث في أيّ من المساجد، بل ولا يحقّ له أداء الصلاة فيها حتى تثبت طهارته وابتعاده عن كلّ نجس، وما إلى ذلك.

ويكفي أنّ نذكر هنا ما تتمتّع به المساجد من شرف وقدسيّة، ذلك أنّ اللَّه سبحانه نسبها لذاته المقدسة حيث قال جلّ شأنه: وأنّ المساجدَ للَّه‌فلا تَدعوا معَ اللَّه أحداً (1)

وأوكلَ إلى عباده عمارة المساجد، مُعتبراً هذا العمل صفة من صفات المؤمنين باللَّه سبحانه حيث قال تعالى: إنّما يَعمُر مَساجدَ اللَّهِ من آمنَ باللَّهِ واليومِ الآخر... (2). ومن هنا بادرَ المسلمون، ومنذ الأيام الأولى للدّعوة الإسلاميّة وحتى يومنا هذا، إلى إنشاء المساجد وتعمير ما قد انشى‌ءَ من قبل، وأَوْلوا ذلك جُلّ اهتمامهم وبذلوا من أجله كلّ ما بوُسعهم، فخلّفوا في مُعظم بقاع


1) الجنّ، آية 18.

2) التوبة، آية 18.

الأرض ومُدنها أجمل ما بقي من آثار، وأرقى ألوان العمارة الخاصّة بالمساجد، ممّا جعلها أبهى ما تتميّز به تلك المُدن.

لكن، وعلى الرّغم ممّا قيل، تتمتّع المساجد التأريخية والعتيقة في المدينة المنورة بمنزلة خاصّة ومكانة متميّزة، ذلك أنّها تحكي خواطر ماضٍ عتيد وحوادث جمة، إضافة إلى كونها شاهداً قائماً وشامخاً على حضور رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فيها، وإقامته الصلاة بين حنانيها، وتلاوته للأدعية في كلّ ركن وزاوية منها، ممّا قد يُساعدنا على ممارسة فَهمٍ أفضل لبعض الآيات الكريمة وجملة من الأحاديث المهمّة، ناهيك عن أنّها تشير إلى جانب حسّاس من جوانب التأريخ في عصر الرّسالة الُمحمّدية الغرّاء.

تتمتّع أماكن عبادة اللَّه تعالى في جميع بقاع الأرض ولدى جميع المذاهب والأديان باحترام كبير وقدسيّة خاصّة

ولا شكّ في أنّ كلّ تلك العوامل كانت حافزاً قوياً لعموم المسلمين وخاصّة المؤرّخين والُمختصين بتاريخ المدينة بالذات عَبر القرون الأربعة عشر الماضية.

أقول: كانت حافزاً قوياً لهم لسرد تاريخ تلك المساجد ودراسته، والحفاظ على حدودها وتعيين صفاتها والإشارة إلى مواصفاتها، وكذلك تسجيل الوقائع والأحداث التي تتعلق بها، ثمّ قاموا بنَقل كلّ ذلك إلى الأجيال التي تَلتهم باعتباره من أجمل خواطرهم، وأزهى ما عُرِف من ثنايا تاريخهم. فلا عَجب إذن إذا ما لاحظنا أنّ الكتب المُؤلّفة في القرون الماضية أو حتى تلك التي يتمّ تأليفها في الوقت الحاضر، والتي تخصّ تاريخ المدينة المنورة، قد ركّزت في جانب كبير منها على التعريف بتلك المساجد، بل وقد قامَ العديد من المؤلّفين بتصنيف كتاب كامل يتناول كلّ ما يتعلّق بالمساجد الآنفة الذّكر.

ومن أبرز ما ألّف في هذا المضمار:

• تاريخ المدينة المنوّرة: لأبي زيد عمر بن شبّة النميري (173- 262 ه):

قامَ مؤلف الكتاب المذكور بتقسيم (أنواع) المساجد إلى قسمين اثنين، بعد تعريفه لها:

أ- المساجد والمواقع التي ثبتَ بِما لا يقبل الشكّ قيام النبي صلى الله عليه و آله بأداء الصلاة فيها (ذكر المساجد والمواضع التي صلّى فيها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله).

ب- المساجد والمواقع التي يُحتمَل أن يكون النبيّ صلى الله عليه و آله قد أدّى فيها صلاته، أو أنّ ذلك ممّا اختلِفَ فيه (ذكر المساجد التي يُقال أنّه صلى الله عليه و آله صلّى فيها ويُقال أنّه لم يُصلّ فيها). وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المؤلف قد أشارَ إلى أربعين مسجداً في القسم (أ) (1).

• الدرّة الثمينة فى تأريخ المدينة: وهو كتاب من تأليف مُحبّ الدين ابن النجار، المتوفى سنة (640 ه). ومع أنّ هذا الكتاب هو خلاصة لتاريخ المدينة، إلا أنّه قد خصّص الجزء الأكبر من صفحاته للتعريف بمساجدها المعروفة (2).

1) راجع: إبن شبّة، التاريخ 1: 57 و 75.

2) أخبار مدينة الرّسول؛ طُبِعَ هذا الكتاب عام 1401 ه في مكة المكرّمة، في 167 صفحة.

• وفاء الوفا بأخبار دار المُصطفى: تأليف نور الدّين علي بن أحمد السّمهودي المُتوفى سنة (911 ه)، ويُعتبَر كتابه أضخم كتاب تمّ تأليفه عن المدينة المنوّرة وأوثق مَصدر كذلك. فإضافة إلى تعريف المؤلّف لأكثر من أربعين مَسجداً قديماً داخل وخارج المدينة، تطرّق في فصل خاصّ تحت عنوان (فيما يُنسب إليه صلى الله عليه و آله من المساجد بين مكّة والمدينة) إلى ذِكر المساجد التي صلّى فيها الرّسول صلى الله عليه و آله خلال رحلته من المدينة إلى مكة، بدءاً بمَسجد (الشجرة). وقد ذكر المؤلف ما يقرب من ثلاثين مَسجداً من تلك المساجد خلال رحلة النبيّ صلى الله عليه و آله المذكورة، من بينها مَسجد (الغدير).

ومن جُملة الكتب التي طُبِعَت فى العصر الحديث والتي تناولت موضوع المدينة ومساجدها القديمة، ما يلي:

•

تاريخ معالم المدينة المنوّرة قديماً وحديثاً (1)

•

فصول من تاريخ المدينة المنوّرة (2).

•

المَساجد الأثريّة في المدينة النّبويّة (3).

وقد اجتهدَ مؤلفو الكتب المذكورة فى تعريف القارى‌ء بما تيسّر من المساجد القديمة في المدينة والتي عاصرها أولئك المؤلفون في حياتهم.

مَسجد ضِرار:

جدير بالذّكر أنّ الكتب القديمة التي تناولت موضوع مَساجد المدينة قد تحدّثت عن مَسجد (ضِرار) إلى جانب بقيّة المساجد التي كانت


1) تأليف أحمد ياسين، المتوفى سنة 1380 ه طبعة مكة.

2) تأليف علي حافظ، طبعة المدينة، عام 1405 ه.

3) محمّد إلياس، طبعة المدينة، عام 1418 ه.

موجودةً في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله مُبيّنة تاريخ بنائه وكيفيّة تخريبه وهَدمه بأمر الرّسول صلى الله عليه و آله.

مَساجد أخرى في المدينة المنورة:

ومن الأهميّة بمكان التذكير بأنّ الذين كتبوا عن المدينة المنورة ومساجدها قاموا بتقسيم تلك المساجد إلى عدّة أقسام، هي:

1- المساجد التي تمّ بناؤها بأمر من النبيّ صلى الله عليه و آله وقام بأداء الصلاة فيها.

2- المساجد التي بُنيَت من قِبَل المسلمين وأصبحت مكاناً لإقام الصلاة، ثمّ قام النبيّ صلى الله عليه و آله بعد ذلك بإقام الصلاة فيها.

3- المساجد القديمة في المدينة، بما فيها منازل الأفراد أو البساتين أو النخيل، والتي أقامَ الرّسول صلى الله عليه و آله فيها الصلاة، إلّاأنّها لم تكن تُعتبر في حياته صلى الله عليه و آله أماكن عامّة يؤمّها الناس بوصفها مَسجداً، وبقيت على تلك الحال حتى آلت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك (86- 96 ه) حيث أمرَ (عُمر بن عبد العزيز) واليه على المدينة بإعادة فَتح تلك المواقع إلى مساجد وأماكن عامّة للعبادة، وبسبب بناء تلك المساجد تحت إشراف عُمر بن عبد العزيز المباشر فقد تمّت نسبتها إليه في كتب التاريخ الخاصّة بالمدينة المنوّرة، حيث كان يُقال: المَسجد العُمريّ الفلانيّ، إشارة إلى أنّ بناءه كان قد تمّ بإشراف منه، وهو ما اطلِقَ على العديد من مساجد المدينة.

ويقول ابن النجّار (المتوفى سنة 643 ه) بهذا الخصوص: «أمرَ الوليد ابن عبدالملك أثناء خلافته واليه على المدينة (عُمر بن عبد العزيز) قائلًا:

اضبط جميع الأماكن والمواقع التي كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يُصلّي فيها، وأبْدِلها إلى مَسجد عامّ». فامتثلَ عُمر بن عبد العزيز لأمر الخليفة وقامَ بتعيين تلك

الأماكن وبنى عليها مَسجداً عامّاً (1).

أمّا ابن شبّة (المتوفى سنة 262 للهجرة) فيقول: إنّ كلّ مسجد مَبنيّ بالحجارة والجصّ في المدينة وما حولها، هو مَسجد كان النبيّ صلى الله عليه و آله يُقيم فيه الصلاة، وذلك أنّ عُمر بن عبد العزيز لمّا شرعَ في توسيع مَسجد النبيّ صلى الله عليه و آله بأمر من خليفة زمانه الوليد ابن عبد الملك، سألَ الناس عن المنازل والأماكن التي كان النبيّ صلى الله عليه و آله قد صلّى فيها، فعيّنها جميعاً وحوّلها إلى مَسجد، وأمرَ ببناء جُدران ذلك المَسجد من الحجارة لتمييزه عن المساجد الأخرى (2).

وقد أولى الأمراء والسلاطين وأعيان المسلمين وأشرافهم، بعد عُمر بن عبد العزيز، جلّ اهتمامهم بتعمير المساجد وترميمها وتوسيعها وتجديد أبنيتها، ومنهم السّلطان سليمان القانونيّ (3)(المتوفى سنة 974 ه) الذي ركّزَ اهتمامه على هذا الأمر أكثر من غيره، وهو الذي أمرَ بهَدم وإعادة بناء كلّ المساجد التاريخية في المدينة المنوّرة (4).

مَسجد الإجابة ومَسجد بني مُعاوية:

أمّا (مَسجد الإجابة) فهو أحد المساجد القديمة التي بناها المسلمون في المدينة في عهد النبيّ صلى الله عليه و آله حيث أقامَ صلى الله عليه و آله الصلاة فيه. وبحسب مُحدّثي أهل السّنة وطبقاً لمَضمون بعض الروايات الشيعيّة، فقد سُميَ المَسجد المذكور بهذا الاسم لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وبعد إقامته الصلاة فيه، دعا ربّه أن يُعطيه ثلاث حاجات، فاستجاب اللَّه سبحانه له إلّافي واحدة منهنّ.

ويقول العبّاسي، أحد الُمختصّين بتاريخ المدينة، بعد نَقله لحديث حضور


1) إبن النجّار، أخبار مدينة الرّسول صلى الله عليه و آله: 116.

2) إبن شبّة، تاريخ المدينة 1: 74.

3) وهو أحد سلاطين العثمانيّين المعروف بسليمان الأوّل والمشهور بالقانونيّ. وُلِدَ سنة 900 ه، واعتلى عرش‌السلطنة عام 926 وتوفيَ في 974.

4) المدينة المنوّرة وتطوّرها العُمرانيّ: 313.

النبيّ صلى الله عليه و آله ودعائه في المَسجد المذكور: «ولهذا سُمي مَسجد الإجابة» (1).

أمّا الاسم الآخر الذي يُسمّى به مَسجد الإجابة، فهو (مَسجد بَني مُعاوية) نسبة إلى قبيلة (بني مُعاوية) التي قامَت ببنائه في القرية التي كانت تلك القبيلة تسكن فيها، ولذلك علّقَ السمهودي على هذا بقوله: «ومنها مَسجد الإجابة، وهو مَسجد بني مُعاوية بن مالك بن عَوف من الأوس» (2).

مَوقع مَسجد الإجابة:

يقع مَسجد الإجابة على بُعد (385) متراً إلى الشمال من (البقيع)، وفي شارع (السّتين)، ولا يَبعد عن المَسجد النّبويّ بعد توسيعه إلّا (580) متراً فقط.

صلاة الرّسول صلى الله عليه و آله ودعاؤه فى مَسجد الإجابة:

أمّا ما يتعلّق بصلاة النبيّ صلى الله عليه و آله ودعاؤه فى المَسجد المذكور فهناك حديثين مع قليل من التفاوت بين نَصّيهما، (مرويّين)، أحدهما عن سَعد بن أبي وقّاص والآخر عن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك في (صحيح مُسلم) و (موطأ مالك)، وهما أوثق المَصادر الموجودة لدى أهل السنّة.

أمّا نصّ الحديث الوارد في (صحيح مُسلم) فهو كالآتي:

«عن عامر بن سَعد، عن أبيه، أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أقبلَ ذات يوم من العالية (3)حتى مرّ بمَسجد بني مُعاوية، (ف) دَخلَ فركعَ رَكعتين وصلّينا معه، ودعا ربّه طويلًا ثمّ انصرفَ إلينا فقال: سألتُ رَبّي أن لا يُهلك أمّتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أمّتي بالغَرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعلَ بأسهم بينهم، فمَنعنيها» (4).

وأمّا نَصّ الحديث الثاني الوارد في موطأ مالك فهو:


1) أحمد العبّاسي، عمدة الأخبار في مدينة الُمختار: 176.

2) السمهوديّ، وفاء الوفا 3: 828.

3) العالية والعوالي: إسم يطلق على المنطقة التي يقع فيها مسجد قبا.

4) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمّة بعضهم ببعض، ح 2890.

«عن عبد اللَّه بن عتيك أنّه قال: جاءنا عبد اللَّه بن عمر في بَني مُعاوية، وهي قرية من قرى الأنصار، فقال:

هل تدرون أين صلّى رسول اللَّه من مَسجدكم هذا؟ فقلتُ:

نعم، وأشرتُ له إلى ناحية منه. فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهنّ فيه؟ فقلتُ: نعم، قال: فأخبرني بهنّ.

فقلتُ: دعا بأن لا يظهر عليهم عدوّاً من غيرهم ولا يُهلكهم بالسّنين فأعطاها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمَنعنيها. قال: صدقت. قال ابن عمر: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة» (1).

أمّا ابن شبّة فقد نقل الحديث المذكور باختصار عن سَعد، قائلًا:

«إنّه كانَ مع النبيّ صلى الله عليه و آله فمرّ بمَسجد بَني مُعاوية، فدخلَ وركعَ رَكعتيْن، ثمّ قامَ فناجى ربّه، ثمّ انصرفَ» (2).

وتوجد عبارة (ثمّ قامَ) في هذا النصّ المنقول، ولهذا قال السمهوديّ: ونظراً للحديث المذكور، فإنّ من الأفضل على الذين يقيمون الصلاة في هذا المَسجد ويدعون اللَّه فيه، التأسي برسول اللَّه صلى الله عليه و آله والدّعاء وقوفاً (3).

مَسجد الإجابة في حديث الشيعة:

أمّا ما يخصّ دعاء النبيّ صلى الله عليه و آله في مَسجد الإجابة، فقد نُقِلَ عَن أمير المؤمنين عليه السلام حديث آخر كذلك، وبالرّغم من


1) موطأ مالك، ج 1، باب ما جاء في الدّعاء.

2) إبن شبّة، التاريخ 1: 68.

3) السمهوديّ، وفاء الوفا 3: 829.

عَدم الإشارة في الحديث المذكور إلى مكان دعائه صلى الله عليه و آله في مَسجد الإجابة، إلّاأنّ مَضمونه لا يتعدّى كونه نَفس مَضمون الحديث الذي ذكرناه والمنقول عن أهل السّنة.

أمّا نَصّ الحديث المذكور والذي نقله المرحوم الصّدوق بإسناده في (الخصال)، فهو كما يلي:

المساجد القديمة في المدينة، بما فيها منازل الأفراد أو البساتين أو النخيل، والتي أقامَ الرّسول صلى الله عليه و آله فيها الصلاة، إلّاأنّها لم تكن تُعتبر في حياته صلى الله عليه و آله أماكن عامّة يؤمّها الناس بوصفها مَسجداً، وبقيت على تلك الحال

«عَن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: سألتُ رَبّي تبارك وتعالى ثلاث خصال، فأعطاني اثنتيْن ومَنعني واحدة. قلتُ: يا ربّ! لا تُهلك أمّتي جوعاً، قالَ: لكَ هذه. قلتُ: يا ربّ! لا تُسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم؛ يعني من المُشركين، فيحتاجوهم. قال: لكَ ذلك. قلتُ: يا ربّ! لا تجعل بأسهم بينهم؛ فمَنعني هذه» (1).

مَسجد الإجابة في التأريخ:

تبيّن من الأحاديث التي أوردناها حول (مَسجد الإجابة) أنّ هذا المَسجد واحد من المساجد التي تمّ بناؤها في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله على يَد قبيلة (بَني مُعاوية)، وعند مروره صلى الله عليه و آله بالمَسجد المذكور، دَخله وصلّى فيه وهناك دعا ربّه.

وتُفيد المصادر التأريخية كذلك بأنّه، وبعد رَحيل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ظلّ مَسجد الإجابة ولعدّة قرون كما كان في زَمن الرّسول صلى الله عليه و آله يحمل نَفس الإسم، وهو (الإجابة) و (بَني مُعاوية) وهو ما بقي مَعروفاً به، وما حديث ابن شبّة المتوفّى سنة (262 ه) الذي اشيرَ إليه آنفاً، إلّا شاهد على ما نقول.


1) الصّدوق، الخصال 1: 83.

القرن السابع:

يتبيّن من كلام ابن النجّار (المتوفى سنة 643 ه)، أنّ المسجد المذكور كان قد تعرّض للدّمار في حياته، وتهدّم بعض جوانبه، حيث يقول: «ومَسجدان قريبان من البقيع، أحدهما يُعرَف ب (مَسجد الإجابة)، وفيه اسطوانات قائمة ومحراب مَليح وباقيه خراب، وآخر يُعرَف ب (مَسجد البَغلة)» (1).

ويُستفاد من كلام المطريّ (المتوفى سنة 741 ه) أنّه وبعد انقضاء قرن من الزّمان ظلّ المسجد المذكور على حاله من الخراب حتى في حياته هو، بل ولم يأت ذِكر الاسطوانات والمحراب الذين أشار إليهما ابن النجّار الذي عاش قبل المطريّ بقرن، ولم يبقَ من مساكن (بَني مُعاوية) ومنها (مَسجد الإجابة) إلا تلّ من التراب لا غير، «ويُعرَف هذا المسجد بمَسجد الإجابة وهو شماليّ البقيع مع يسار الطريق السالك إلى العُريض وسط تلول، وهي آثار قرية لبَني مُعاوية وهو اليوم خراب» (2).

وقد تكرّرت عبارة (وهو اليوم خراب) حتى أوائل القرن التاسع على لسان المكّيّ (المتوفى سنة 854 ه) (3)، فيتبيّن من ذلك بقاء (مَسجد الإجابة) على ما كان عليه من الخراب حتى القرن التاسع.

أمّا السّمهودي (المتوفى سنة 911 ه) فيُشير إلى تعمير المَسجد المذكور وترميمه في أواخر القرن التاسع باسم (مَسجد الإجابة)، حيث قال: «وهو أحد المَسجديْن الذين أشار إليهما ابن النجّار ورآهما في حال الخراب في حياته، لكن لم يبق اليوم أثر للاسطوانات التي كانت موجودة داخل المَسجد والتي ذكرها ابن النجّار في كتابه، إلّاأنّه تمّ تعمير المَسجد من جديد».

ويُضيف السمهوديّ قائلًا: «لقد قُمتُ بنفسي بقياس مساحة المَسجد؛ فمن


1) إبن النجّار، أخبار مدينة الرّسول: 116.

2) المطريّ، التعريف بما آنست الهجرة: 47.

3) نقلًا عن محمّد إلياس في المساجد الأثريّة: 37.

الشرق إلى جهة الغرب خمساً وعشرين ذراعاً (1)، ومن جهة القبلة إلى جهة الشمال عشرين ذراعاً (2)».

مَسجد الإجابة في القرن الرابع عشر واليوم:

يتبيّن من كلام العيّاشي، صاحب كتاب (المدينة بين الماضي والحاضر)، والمتوفى سنة (1400 ه)، أنّ بناء مَسجد الإجابة بالشكل الذي كان قد وَصفه السمهوديّ في أوائل القرن العاشر، تعرّض للدّمار والخراب مرّة أخرى منذ ذلك الحين وحتى حلول القرن الرابع عشر، ثمّ اعيدَ بناؤه مجدداً في هذا التاريخ. ويذكر العيّاشي: أنّ البناء الخَرِب حالياً يُشير إلى وجود محراب وقبّة في المَسجد المذكور، حتى شملت العناية الإلهية مؤخراً أحوال الساكنين حوله واعيدَ بناؤه من جديد بما يليق به، حيث يضمّ البناء الجديد منارة جميلة مُشرفة على أطرافه (3).

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا البناء هو نفسه الذي شاهده وحضر فيه كاتب هذه المقالة منذ أكثر من عشرين سنة، وأقامَ فيه الصلاة والدّعاء. إلّاأنّ وزارة الأوقاف في المملكة العربية السعوديّة قامَت بهَدمه عام (1418 ه)، وأقامَت مكانه بناءاً جميلًا أوسعَ من ذي قبل.

أينَ يقع (مَسجد المباهلة)؟:

بعد أن تعرّفنا على مَسجد الإجابة، نتطرق الآن إلى


1) ما يقارب 13 12 متراً.

2) 10 أمتار تقريباً.

3) العيّاشي، المدينة بين الماضي والحاضر: 114.

مَسجد آخر، هو (مَسجد المُباهلة)، ونتساءل عن موقعه، وما هو الدليل على وجوده بحَسب المصادر الشيعيّة والسنيّة؟

مَسجد المُباهلة برأي المُختصّين بأحوال وشؤون المدينة:

أشرنا سابقاً إلى أنّ الُمختصّين بأحوال وشؤون المدينة أولوا اهتماماً كبيراً بالمساجد القديمة فيها، وكذلك بالمواقع والأماكن التي أقامَ الرّسول صلى الله عليه و آله الصلاة فيها، واجتهدوا في ذكر تفاصيل الحوادث التي جَرَت في تلك المساجد، كدعاء الرّسول صلى الله عليه و آله في مسجد الإجابة واقفاً، والإشارة إلى كلّ مكان ثبُتَ أو احتمِلَ إقامة النبيّ صلى الله عليه و آله صلاته فيه، بصورة مُستقلّة، وكذلك ذِكر الأماكن الواقعة بين المدينة ومكّة وإقام النبيّ صلى الله عليه و آله صلاته فيها أثناء مروره بها، مثل مَسجد (الغدير) ومَسجد (المعرّس)، بل وتطرّقوا أيضاً إلى مَسجد (ضِرار) عند ذِكر مساجد المدينة، وكيفية بنائه من قِبل المنافقين والإشارة إليهم، وكيفيّة هَدمه وحَرقه بأمر من الرّسول صلى الله عليه و آله، بشكل مُطنَب ومُسهَب.

ومن بين المساجد التي لم يَرد ذكرها أو مَوقعها في كتب التاريخ، ولم تتمّ الإشارة إليها بصراحة ووضوح، مَسجد (المُباهلة). ممّا يدلّ على عَدَم وجود مَسجد باسم مَسجد المُباهلة من وُجهة نظر الُمختصّين بأحوال وشؤون المدينة على مَرّ العصور، على الرّغم من أنّ مَسجداً مثل مَسجد المُباهلة قد يُمثّل أكبر شاهد على أكبر حَدث تأريخيّ في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله. فلو كان مَسجد المُباهلة موجوداً بالفعل، ما كان المؤرّخون ولا الُمختصّون بأحوال وشؤون المدينة ليَغفلوا عن ذِكره، ولا التّعريف به من قريب أو بعيد.

مَسجد المُباهلة في المَصادر الشيعيّة:

يتبيّن من الرّوايات الشيعيّة كذلك والمتعلقة بالمساجد والأماكن المقدسة، وأسوة بالمصادر الخاصّة بأحوال وشؤون المدينة المنوّرة، عَدم وجود مَسجد باسم مَسجد المُباهلة، بل ولم يَرد أيضاً على لسان الأئمة عليهم السلام مَسجد بهذا الاسم، وهو

أقوى دليل على عَدم وجود مَسجد كذلك، ولو كان مثل هذا المَسجد موجوداً (بالفعل) لكان أحرى بأئمة الهدى عليهم السلام الإشارة إليه وتعريف أصحابهم به، ولتطرّقت إليه كتب الحديث والمصادر الفقهيّة، ولجاء ذكره في مجموعة الأدعية والزيارات، كما هو الحال مع سلسلة العبادات والأدعية الخاصّة بيوم المُباهلة، وذلك لاكتساب مثل هذا المَسجد ميزتين ثنتين، سواءٌ من الناحية التأريخية أو المَعنويّة، على بقيّة مساجد المدينة:

أمّا الميزة الأولى فهي أنّ مثل هذا المَسجد يُعتبَر رَمزاً وذكرى لحادثة تاريخيّة جدّ خطيرة، حيث ثبُتَ صِدق الإسلام والنبيّ الدّاعي إليه إلى يوم القيامة، وذلك بفضل من اللَّه تعالى وهدايته.

وأمّا الميزة الثانية لمثل ذلك المَسجد، فتتمثّل في حضور آل البيت عليهم السلام في تلك المراسيم، وذلك امتثالًا لأمر القرآن الكريم الصّريح، حيث أشارت تلك الحادثة إلى إحدى فضائلهم الكبرى الخالدة، وأثبتت منزلتهم ومكانتهم بما لا يقبل الشكّ.

المَساجد التي أوصى بها الأئمة عليهم السلام:

ولتوضيح هذا الأمر، علينا بَحث بعض الروايات المنقولة عن أئمة الهدى عليهم السلام والتي أشاروا فيها إلى بعض المَساجد المُعيّنة، وأوصوا أصحابهم بالاختلاف إليها وأكّدوا على ذلك، شأنها في ذلك شأن الأماكن المقدّسة الأخرى، كما فعلوا هم كذلك.

أمّا تلك المساجد والأماكن فهي: مَسجد قبا؛ مَسجد مَشربة أمّ إبراهيم؛ مَسجد الفضيخ؛ مَسجد الفَتح؛ مَسجد الأحزاب؛ قبور شهداء أحد.

فقد وردَ في إحدى الروايات التي نقلها الكافي عن مُعاوية بن عمّار ما يلي:

«عَن مُعاوية بن عمّار (أنّه) قال: قال أبو عَبد اللَّه عليه السلام: لا تَدَعْ إتيان المَشاهد كلّها، مَسجد قُباء فإنّه المَسجد الذي اسِّسَ على التّقوى مِن أوّلِ يومٍ، ومَشربة أمّ إبراهيم، ومَسجد الفضيخ، وقبور الشهداء، ومَسجد الأحزاب وهو

مَسجد الفَتح...» (1).

ووردَ كذلك في الكافي عن عُقبة بن خالد:

«قالَ سألتُ أبا عَبد اللَّه عليه السلام: أنّا نأتي المَساجد التي حول المدينة فبِأيّها أبدأ؟

فقال: إبدأ بقُبا فصلّ فيه وأكثر فإنّه أوّل مَسجد صلّى فيه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في هذه العَرصة؛ ثمّ ائتِ مَشربة أمّ إبراهيم فصلّ فيها وهي مَسكن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ومُصلّاه؛ ثمّ تأتي مَسجد الفَضيخ فتُصلّي فيه فقد صلّى فيه نبيُّكَ، فإذا قضيتَ هذا الجانب أتيتَ جانب احُد فبدأتَ بالمَسجد الذي دون الحرّة فصليّتَ فيه، ثمّ مَررْتَ بقَبر حَمزة بن عَبد المُطّلب فسلّمتَ عليه، ثمّ مررْتَ بقبور الشّهداء فقُمتَ عندهم فقلتَ...» (2).

ووردَ في رواية الحلبيّ ما يلي:

«عن الحلبيّ قال: قال أبوعبداللَّه عليه السلام: هل أتيتم مسجد قباء أو مسجد الفضيخ أو مشربة أم إبراهيم؟ قلت: نعم، قال: أما إنّه لم يبق من آثار رسول اللَّه صلى الله عليه و آله شي‌ء إلّا وقد غيِّر غَير هذا» (3).


1) الكافي 4: 560.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق: 561.

ما هو سبب الاشتباه والخطأ؟

وهكذا، فإنّه ليس هناك من دَليل أو إشارة سواء أكانت شيعيّة أم سُنيّة، تدلّ على وجود مَسجد باسم مَسجد المُباهلة، ولذلك لا يُمكن إثبات وجود مثل ذلك المَسجد، لا من الناحية التأريخيّة ولا في مَصادر الحديث. إلّاأنّه وكما أسلفنا في بداية هذا البَحث، وبالرّغم من هذه الحقيقة، اعتادَ بعض المسلمين على تسمية (مَسجد الإجابة) بمَسجد (المُباهلة)، حيث يتوافد الحَجيج كلّ عام على ذلك المَسجد للزيارة باسم مَسجد (المُباهلة)، ويقوم دليلهم في المَسجد المذكور بسَرد حادثة المُباهلة عليهم وتصوير تلك الواقعة لهم، مُشيراً إلى الموقع الذي جَلس فيه النّصارى (بزَعمه) والمُسلمون، والموقع الذي اتّخذه الرّسول صلى الله عليه و آله مع آل‌بيته الكرام.

وتجدر الإشارة إلى أنّ العمل الذي يقوم به ذلك الدّليل ليس عملًا مُتعمّداً واعياً أو مُستنداً إلى تاريخ ذلك المَسجد، بل هو نتيجة اشتباه أدّى بهم إلى جَعل مَسجد المُباهلة مَكان مَسجد الإجابة.

والآن، لنتتبّع مَصدر ذلك الاشتباه وكيفيّة حدوثه.

وتُفيد المصادر التأريخية كذلك بأنّه، وبعد رَحيل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ظلّ مَسجد الإجابة ولعدّة قرون كما كان في زَمن الرّسول صلى الله عليه و آله يحمل نَفس الإسم، وهو (الإجابة) و (بَني مُعاوية) وهو ما بقي مَعروفاً به

هناك أمران فيما يتعلّق بهذا الموضوع:

1- التشابه في الإسم:

من الواضح وجود نوع من التشابه بين مَعنى كلمة الإجابة وكلمة المُباهلة، حيث تلتقي هاتان الكلمتان عند نقطة واحدة هي الدّعاء، وعند ذِكر أيّ من تلك الكلمتين يتبادر إلى أذهاننا أيضاً موضوع الدّعاء، وبسبب هذا التشابه بين الكلمتين من جهة، وأهميّة موضوع المُباهلة لدى المُسلمين وبالأخصّ لدى شيعة آل‌بيت النّبوّة من جهة أخرى، جَرت على الألسن كلمة المُباهلة بدلًا من الإجابة، حتى غدت تلك الحالة واقعاً تأريخياً لكثرة استعمالها.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مثل هذا التغيير والتحريف في الوقائع والحوادث التأريخية فيما يخصّ الأماكن والأشخاص معروف في العديد من الحالات. ونشير هنا إلى واحد من تلك الحالات:

توفّيت السيّدة (عاتكة) عمّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خلافاً للسيّدة (صفيّة)، في مكّة قبل دخولها الإسلام (1)، إلّاأنّ هناك قبراً في المدينة المنوّرة يُحاذي قبرَ السيّدة صفيّة يُنسَب إلى السيّدة عاتكة، وتُقرأ على كلتيهما زيارة واحدة وتذكران معاً في تلك الزيارة، هكذا: «السّلام عليكما...»، وممّا يُؤسَف له هو تسلّل تلك الحالة إلى كُتب الزيارة الجديدة.

2- ذكر مَسجد (المُباهلة) في كلام أحد العُلماء:

وعلى الرّغم ممّا قيلَ آنفاً، وأنّه لم يأت ذِكر مَسجد المُباهلة لا في مَصادر الحديث ولا في كتب التأريخ الشيعيّة أو السنيّة، إلّاأنّ الشيخ الجليل المرحوم محمّد بن


1) للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يُرجى مراجعة كتاب «تاريخ حَرم أئمة البقيع» من تأليف كاتب هذه المقالة، ص 273- 274.

المَشهديّ (1)يُخاطب الزائرين للمدينة المنوّرة في كتابه المُسمّى ب (المزار الكبير)، ومن خلال حثّهم على إقام الصلاة في مَساجد المدينة وأماكنها المقدّسة، يُخاطبهم قائلًا:

«وتصلّي في دار زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام ما قدرت، وتصلّي في دار جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، وتصلّي في مسجد سلمان الفارسي رحمه الله، وتصلّي في مسجد أميرالمؤمنين عليه السلام، وهو محاذي قبر حمزة عليه السلام، وتصلّي في مسجد المباهلة ما استطعت وتدعو فيه بما تحبّ وقد ذكرت الدعاء بأسره في كتابي المعروف ببغية الطالب وإيضاح الناسك».

وقد نقلَ كلّ من العلّامة المجلسي رحمه الله في (بحار الأنوار) والُمحدّث النوري في (المُستدرك) هذا القول بنصّه (2)، ثم حذت بعض المؤلفات وكتب الأدعية والزيارات حَذوهما، وقامت بنَقل النصّ أو ترجمته.

إلّا أنّ هناك سؤالًا يتبادر إلى الأذهان فيما يتعلّق بكلام محمّد بن المَشهديّ، وهو كيف سهى المَشهدي عن إيراد ذِكر موقع مَسجد المُباهلة، في حين تطرّق إلى ذِكر مكان مَسجد (أمير المؤمنين عليه السلام) بقوله: «وهوَ مُحاذٍ لقَبر حمزة عليه السلام»، وهل كان يقصد بهذا المَسجد (أي، مَسجد أمير المؤمنين عليه السلام)، مَسجد الإجابة، أم قَصدَ به مَسجداً آخر كان معروفاً في زمانه لكنه نُسِيَ مع مرور الزّمن، واغفِلَ عنه؟

وبالطّبع فإنّ الإحتمال الثاني غير وارد لأنّه لو كان مثل ذلك المَسجد موجوداً في زمانه، لما أهمله المسلمون وما كانوا ليتوانوا في حفظه والعناية به، وتعميره وتجديده، والمحافظة عليه شأنه في ذلك شأن


1) وردَ في بحار الأنوار و المُستدرك و الذريعة أنّ محمّد بن المشهديّ هذا هو أحد علماء القرن السادس الموثوق بهم، ويُعتبر كتابه المخطوط الموسوم ب المزار الكبير مَصدراً ومرجعاً مهمّاً لكتب الأدعية والزيارات، وقد أشارَ المرحوم صاحب كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة إلى بعض نُسَخ ذلك الكتاب.

2) المزار الكبير: 27 و 28، نقلًا عن بحارالأنوار 100: 225، و خاتمة مُستدرك الوسائل 1: 359.

سائر المَساجد القديمة الموجودة في المدينة المنوّرة.

يتبيّن من الرّوايات الشيعيّة كذلك والمتعلقة بالمساجد والأماكن المقدسة، وأسوة بالمصادر الخاصّة بأحوال وشؤون المدينة المنوّرة، عَدم وجود مَسجد باسم مَسجد المُباهلة، بل ولم يَرد أيضاً على لسان الأئمة عليهم السلام مَسجد بهذا الاسم

مع أنّ الاحتمال الأول، وهو أن يكون قَصدَ بمَسجد المُباهلة مَسجد الإجابة، هو احتمال أكبر من الثاني، ويُمكن القول بأنّه ونتيجة لأوجه التشابه التي أشرنا إليها سابقاً، تشابهت الأمور على صاحب كتاب (المزار الكبير) وبدلًا من ذِكر مَسجد الإجابة استخدمَ اسم مَسجد المُباهلة، ودليلنا على ذلك هو الجملة الأخيرة من كتابه: «وتصلّي في مسجد المباهلة ما استطعت، وتدعو فيه بما تحبّ».

وأمّا توصيته الزائرين بذلك، فمنشؤها أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان قد صلّى في المَسجد المذكور ودعا فيه واستُجيبَ له، وعلى الزائرين كذلك أن يتّخذوا عمل الرسول صلى الله عليه و آله أسوة لهم، فليصلّوا فيه ويدعوا ربّهم هناك كما فعل النبيّ صلى الله عليه و آله.

أمّا إذا كان يَقصد بقوله ذاك وجودمَسجد باسم مَسجد (المُباهلة)، لكان لزاماً عليه الإشارة باليقين إلى ذلك المَسجد، وبيان أهميّته، لوقوع حادثة تاريخيّة مهمّة فيه.

ومهما يكن من أمر، فإنّ تناقل مثل تلك العبارات في الكُتب (كُتب الأدعية والزيارات) وجَلب أنظار الزائرين إلى ذلك المَسجد على اعتبار أنّه هو (مَسجد المُباهلة)، كان له تأثيره الفعّال الذي حالَ دون التحقيق والبَحث في أصل الموضوع وكَشف خفاياه.

لماذا لم يُبنَ مَسجد في مكان المُباهلة؟

بعد وَضع الأدلّة السابقة القائلة بعَدم وجود مَسجد يُسمّى ب (مَسجد المُباهلة) بعَين الاعتبار، قد يتساءل

القارى‌ء: لماذا لم يتمّ بناء مَسجد ما في موقع قيام المُباهلة مع ما تتميّز به تلك الحادثة من أهميّة تأريخيّة ومَعنويّة كبيرتين، في حين اقيمت المساجد في الأماكن التي تقلّ أهميّتها عن هذا المكان وذلك للحفاظ على آثار رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟

بإمكاننا استخلاص الجواب على السؤال المذكور من خلال النقاط التي أثرناها سابقاً حول كيفيّة بناء المساجد القديمة في المدينة، إذ أنّ بعض تلك المساجد تمّ بناؤها في حياة الرسول صلى الله عليه و آله وبأمر منه، في حين بُنيت مَساجد أخرى من قِبل المسلمين، أمّا الجزء الأكبر من المساجد الأخيرة فقد تمّ بناؤها في أماكن مُختلفة ومُتعدّدة من قِبل (عمر بن عبد العزيز) بعد أن ثبتَ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان قد صلّى فيها. ومع أنّ نصوص الروايات تؤكّد على قيام النبيّ صلى الله عليه و آله وآل بيته عليهم السلام بالصلاة والدّعاء قبل وروده إلى مكان المُباهلة، إلّاأنّه لم يرد فيها أنّه صلى الله عليه و آله صلّى أو دَعا في الموقع الذي باهلَ صلى الله عليه و آله فيه النصارى.

وتذكر الرّوايات أنّ ممثّلي نصارى نجران من رجال الدّين وغيرهم تملّكهم الفزع والخوف وانتابهم الهلع والرّعب عندما رأوا بأمّ أعينهم قدوم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مع نفر قليل من أهل بيته عليهم السلام دون أيّة مظاهر من الأبّهة أو اصطحاب الخدم والحَشم معه، ممّا دَفعهم إلى الامتناع عن مُباهلته صلى الله عليه و آله واستعاضوا عن ذلك بمُصالحته والرّضوخ لمطالبه وعَقد مُعاهدة ذمّة معه.

ومهما يكن من أمر، فلابدّ من التأكيد على أنّه لم تُقَم في مكان المُباهلة أيّة صلاة ليأمر عمر بن عبد العزيز أو أيّ شخص آخر ببناء مَسجد عليه، ليكون مقاماً لصلاة رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله ويتحوّل إلى‌مَسجد على غرار بقيّة المَساجد القديمة الموجودة في‌المدينة المنوّرة. وربما كان ذلك‌الموقع في‌أوائل الدّعوة الإسلاميّة مكاناً معروفاً لدى أهل المدينة لإقامة المراسيم والشعائر لأهميّتها، ثمّ اهمِلَ وغابت واندرست معالمه بمرور الوقت، ولم يبقَ منه أيّ أثر.

مختارات شعريّة

مختارات شعريّة

من شعر الحجازيات للشريف الرضي قدس سره

أنشودة الحجيج

من معيد لي أيا مي بجزع السمرات

ولياليَّ بجمع ومنى والجمرات وظباء حاليات

كظباء عاطلات رائحات في جلابى

ب الدجا مختمرات (1)راميات بالعيون النجل قبل الحصيات


1) المختمرات، لابسات الخمار.

ألِعقْر القلب راحواأم لعقر البدنات

كيف أودعت فؤادي‌أعيناً غيرثقات

أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات

فاتك السرب ومازوّدت غير الحسرات

يا وقوفاً ما وقفن في ظلال السَّلَمات (1)

موقفاً يجمع فتيان الهوى والفتيات

نتشاكى ما عنانابكلام العبرات

نظر يشغل مناكل عين بقذاة

كم نأى بالنفر عنامن غزال ومهاة

آه من جيد إلى الدار كثير اللفتات

وغرام غير ماض‌بلقاء غير آت


1) السلمات جمع سلمة بالتحريك، وهي ضرب من الشجر.

فسقى بطن منى والخيف صوب الغاديات

وزماناً نائم العذّال مأمون الوشاة

في ليالٍ كاللئالي بالغواني مقمرات

غرست عندي غرس الشوق ممرور الجناة

أين راق لغرامي‌وطبيب لشكاتي (1)


أُحِبُّكِ ما أقام مِنًى وَجَمْعٌ، وَمَا أرْسَى بِمَكّةَ أخْشَبَاهَا (2)

وَمَا رَفَعَ الحَجيجُ إلى المُصَلّى، يَجُرّونَ المَطيّ عَلى وَجَاهَا (3)

وَما نحَرُوا بخَيفِ مِنى، وكَبّواعَلى الأذْقانِ مُشعَرَةً ذُرَاهَا

نَظَرْتُكِ نَظْرَةً بالخَيفِ كانَتْ‌جَلاءَ العَينِ مِنّي بَلْ قَذاهَا

وَلمْ يَكُ غَيرُ مَوْقِفِنا فَطارَتْ‌بكُلّ قَبِيلَةٍ مِنّا نَوَاهَا


1) عبقرية الشريف الرضي: 144.

2) الأخشبان: هما جبلا مكة أبو قبيس والأحمر.

3) رفعوا: أصعدوا. وجاها: حفاها.

فَوَاهاً كَيْفَ تَجْمَعُنَا اللّيَالي؛ وآهاً مِنْ تَفرُّقِنَا، وآهَا

فَأُقْسِمُ بالوُقُوفِ عَلى أَلالٍ، وَمَن شَهِدَ الجِمارَ، وَمن رَماهَا

وَأرْكَانِ العَتِيقِ وَبَانِيَيْهَا، وَزَمزَمَ وَالمَقَامِ وَمَنْ سَقَاهَا

لأنْتِ النّفْسُ خَالِصَةً، فإن لمْ‌تَكُونِيهَا، فَأنْتِ إذاً مُنَاهَا

نَظَرْتُ بِبَطنِ مَكةَ أُمّ خِشفٍ‌تَبَغَّمُ، وَهيَ نَاشِدَةٌ طَلاهَا

وَأعجَبَني مَلامِحُ مِنكِ فيها، فَقُلتُ أَخَا القَرِينَةِ أمْ تُرَاهَا؟

فَلَوْلا أنّني رَجُلٌ حَرَامٌ، ضَمَمتُ قُرُونَها ولَثمتُ فَاهَا (1)


خذي نفسي ياريح من جانب الحمى فلاقى بها ليلًا نسيم ربا نجد

فإنّ بذاك الحيّ إلفاً عهدته وبالرغم مني أن يطول به عهدي

ولولا تداوي القلب من ألم الجوى بذكر تلاقينا قضيت من الوجد


1) حَرامٌ: مُحْرِمٌ.

وياصاحبيَّ اليوم عوجاً لتسألا ركيباً من الغورين أنضاؤهم تخدي (1)

عن الحي بالجرعاء جرعاء مالك هل ارتبعوا واخضر واديهم بعدي

كأن بعيني بعدهم عائر القذى (2)إذا أنا لم أنظر إلى العلم الفرد

شممت بنجدٍ شيحة حاجريةفأمطرتها دمعي وأفرشتها خدي

ذكرت بها ريا الحبيب على النوى‌وهيهات ذا يابعد بينهما عندي

وإني لمجلوب لي الشوق كلماتنفس شاك أو تألم ذو وجد

تعرض رسل الشوق والركب هاجدفتوقظني من بين نوامهم وحدي

فقلت لأصحابي ألا تتزافروارويدكم إن الهوى داؤه يعدي

وما شرب العشاق إلا بقيتي‌ولا وردوا في الحب إلا على وردي (3)



1) الركيب مصغر ركب، وتخدي تسرع.

2) العائر، كل ما أعل العين. وفي‌الديوان غائر بالغين المعجمة وهو تحريف.

3) عبقرية الشريف الرضي: 146.

إني علقت عليّ منى لمياء يقتلني لماها

راحت مع الغزلان قد لعبت بقلبي ماكفاها

تبغي الثواب فمهجتي هذي القريحة من رماها

وقف الهوى بي عندها وسرت بقلبي مقلتاها

بردت عليّ كأنما ظل الغمامة عارضاها

شمس أقبّل جيدها يوم النوى وأجل فاها

وأذود قلباً ظامئاً لو قيل وردك ما عداها

ولو استطاع لقد جرى مجرى الوشاح على حشاها

يا يوم مفترق الرفا ق ترى تعود لملتقاها

قالت سيطرقك الخيا ل من العقيق على نواها

فعدى بطيفك مقلة إن غبت تطمع في كراها

إني شربت من الهوى حمراء صرّف ساقياها

يا سرحة بالقاع لم يبلل بغير دمي ثراها

ممنوعة لا ظلها يدنو إليَّ ولا جناها

أكذا تذوب عليكمو نفسي ومابلغت مناها؟

أين الوجوه أحبها وأودّ لو أني فداها

أمسي لها متفقداً في العائدين ولا أراها

واهاً ولولا أن يلو م اللائمون لقلت آها (1)


أقول لركب رائحين لعلكم تحلون من بعدي العقيق اليمانيا

خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى ونجداً وكثبان اللوى والمطاليا

ومروا على أبيات حيّ برامة فقولوا لديغ يبتغي اليوم راقيا

عدمت دوائي بالعراق فربما وجدتم بنجد لي طبيباً مداوياً

وقولوا لجيران على الخيف من منى تراكم من استبدلتمو بجواريا


1) عبقرية الشريف الرضي 2: 151.

ومن حل ذاك الشِعب بعدي وراشقت لواحظه تلك الظباء الجوازيا

ومن ورد الماء الذي كنت وارداً به ورعى الروض الذي كنت راعيا

فوا لهفتي كم لي على الحيّ شهقة تذوب عليها قطعة من فؤاديا

صفا العيش من بعدي لحيّ على النقا حلفت لهم لا أقرب الماء صافيا

فياجبل الريان إن تعر منهم فإني سأكسوك الدموع الجواريا

وياقرب ما أنكرتم العهد بيننا نسيتم وما استودعتم الود ناسيا

أأنكرتمو تسليمنا ليلة النقا وموقفنا نرمي الجمار لياليا

عشية جاراني بعينيه شادن حديث النوى حتى رمى بي المراميا

رمى مقتلي من بين سجفي غبيطه (1)فيا رامياً لا مسَّك السوء راميا

فياليتني لم أعل نشزاً إليكمو حراماً ولم أهبط من‌الأرض واديا

ولم أدر ما جمع وما جمرتا منى ولم ألق في اللاقين حياً يمانيا


1) الغبيط على وزن أمير؛ هو المركب.

ويا ويح قلبي كيف زايدت في منى بذي البان لا يشرين إلّا غواليا

ترحلت عنكم لي أمامي نظرة وعشر وعشر نحوكم لي ورائيا

ومن حذر لا أسأل الركب عنكمو وأعلاق وجدي باقيات كماهيا

ومن يسأل الركبان عن كل غائب فلابدّ أن يلقى بشيراً وناعيا

وما مغزل أدماء تزجي بروضة طلا قاصراً عن غاية السرب وانيا

لها بغمات خلفه تزعج الحشا كجس العذارى يختبرن الملاهيا

يحور إليها بالبغام فتنثني كما التفت المطلوب يخشى الأعاديا

بأروع من ظمياء قلباً ومهجة غداة سمعنا للتفرق داعيا

تودعنا مابين شكوى وعبرة وقد أصبح الركب العراقيُّ غاديا

فلم أر يوم النفر أكثر ضاحكاً ولم أر يوم النفر أكثر باكيا (1)


1) عبقريّة الشريف الرضي 2: 161- 164.

تذَكّرْتُ، بَينَ المَأزمَينِ إلى مِنًى، غَزالًا رَمَى قَلْبي وَرَاحَ سَلِيماً (1)لَئِنْ كُنتُ أستَحلي مَوَاقعَ نَبلِهِ، فإنّي أُلاقي غِبَّهنّ ألِيمَا

أصَابَ حَرَاماً يَنْشُدُ الأجرَ غُدوَةً، فَما عَادَ مَأجُوراً وَعَادَ أثِيَما

فَلَوْ كَانَ قَلْبي بَارِئاً ما ألِمتُه، وَلَكِنّ أسْقَاماً أصَبْنَ سَقِيَما

إذا بَلّ مِنْ داءٍ أعادَتْ لَهُ المَهَانُكَاساً، إذا مَا عَادَ عادَ مُقيَما

يظُنّونني استَطرَفتُ داءً من الهَوى، وَهَيهاتَ، داءُ الحبّ كانَ قَديمَا

قَنَصْتُ بجَمْعٍ شادِناً فَرَحِمْتُهُ، وَأخفَقَ قَنّاصٌ يكُونُ رَحِيَما (2)أأغْدُو مُهِيناً بالحَبَائِلِ سَاعَةًغَزَالًا على قَلبي، الغَداةَ، كَرِيهَا

تَرَاءَتْ لنا بالخَيفِ نَفحُ لَطيمَةٍ، سَرَتْ عَنكَ إلّاعَبْقَةً وَنَسِيَما (3)


1) المأزمين: مضيق بين مكة ومنى.

2) جمع: اسم للمزدلفة.

3) اللطيمة: وعاء المسك، أو سوقه.

وَلمْ أرَ مِثْلَ المَاطِلاتِ عَشِيّةً، ذَوَاتِ يَسَارٍ مَا قَضَينَ غَرِيمَا

فَلا يُبْعِدِ اللَّهُ الذي كَانَ بَيْنَنامِنَ العَهدِ إلّاأنْ يكونَ ذَمِيَما


جابر بن عبد اللَّه الأنصاري‌

جابر بن عبد اللَّه الأنصاري‌

محسن الأسدي

في أكثر من مقالة، نشرت في هذه المجلة، تناولت في خلالها العديد من شخصيات الحرمين الشريفين مكة والمدينة، وهم من شخصيات العصر الأول لانبثاق رسالة السماء الخالدة، في ربوع الحجاز وفي المدينة وما حولها، حتى راحت ترتفع رايتها- راية الحقّ والعدل والمساواة- في كلّ بلدان الأرض وفجاجها. وتحدّثت وبشكل مختصر واضح عن ملاكاتهم الذاتية التي أحيتها الدعوة الجديدة، وعمّا قدّموه من تضحيات بالأنفس والأموال لإرساء دعائمها، ولمنع كيد الأعداء عنها، وترصّدهم للإطاحة بها، كلّ ذلك من أجل أن تبقى أمانةً سماويةً خالصةً تتوارثها الأجيال وتستنير بها وتستضي‌ء بمفاهيمها وعطائها الذي لا يعرف النضوب، إلّا أنّي ما إن أنتهي من واحد منهم حتى أصل إلى آخر لا يقلّ سموّاً عن الأول، وكأنّهم واحد في صفاتهم وعطائهم، أو كأنّهم يتسابقون في الخيرات، وكيف لا يكونون كذلك وهم إعداد

مدرسة ربانيّة واحدة ذات هدف واحد ومنهج واحد ومبادى‌ء وقيم واحدة، إرتووا من معين رباني واحد، ولا غرابة في ذلك أيضاً بعد أن أحبوا اللَّه ورسوله، وطلبوا رضوانه، وملئت نفوسهم شوقاً إلى لقائه، لهذا نراهم يطلبون الموت ويتحاثون عليه.

لقد كانت المدرسة التي انضووا تحت لوائها مدرسةً رائعةً، وعطاؤها التربوي كان عطاءً صادقاً، إنّها مدرسة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وإنّها تربيته الإيمانيّة الخالصة، فخلّفت طائفةً طيبة، ونخباً صالحةً، وزمراً نافعةً خالدةً، لهذا كان حبّهم لرسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله عظيماً ووفاؤهم له صادقاً، اضطر ذلك الحبّ وهذا الوفاء أبا سفيان، أكبر أعداء الرسالة وأخطرهم وأبغضهم لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولمن تبعه من الأصحاب، اضطره أن يقول قولته المشهورة، وقد أطلقها مرغماً بعد أن لم يجد لها بديلًا، وبعد أن رأى الحقيقة ساطعة، لا تخفى: «ما رأيت من الناس أحداً يحبُّ أحداً كما يحبّ أصحاب محمد محمداً!».

والأنصار هؤلاء الذين آووا ونصروا فاستحقوا أن يصفهم القرآن الكريم بأنهم: أولئك هم المؤمنون حقّاً وهم الذين- حسب تعبير القرآن الكريم- يحبّون من هاجر إليهم.

وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فيهم: «لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار».

والأنصاري هذا كان واحداً منهم. بل من القلة الذين لم تتفرّق بهم السبل بعد النبي صلى الله عليه و آله ولم يستبقوا الصراط بعده، وظلّوا معتصمين متمسّكين به وبآل بيته الطاهرين عليهم السلام.

إنّه جابر بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن مسلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشم بن الخزرج.

ولد سنة 16 قبل الهجرة النبويّة المباركة، ويكنى ب (أبو عبد اللَّه) ويقال له: أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد الأنصاري الخزرجي السلمي الحرامي المدني.

كان واحداً من تلك الطائفة المؤمنة والنخبة الصالحة، وخريج تلك المدرسة

الربانية النبويّة، وكان صحابياً ذائع الصيت، متميّزاً في دينه وإيمانه ومواقفه وولائه لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأهل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بيت العصمة والطهارة، وكان معروفاً في علمه ومعرفته؛ فقد كان من كبار الصحابة المفسّرين للقرآن، والراوين للأحاديث النبويّة، ولأخبار أهل البيت عليهم السلام ورواياتهم، بل لقد روى عنه أحد أئمة أهل‌البيت عليهم السلام وهو الإمام محمد الباقر عليه السلام كما سنرى.

بيعته

ظلّ جابر هذا- وهو من أكابر أعيان أهل المدينة- ذا منزلة كبيرة، وسمعة كريمة، وهب كلّ وجوده لخدمة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ووضع نفسه وحشاشة قلبه لمواصلة مسيرة الإسلام الجهادية والعلمية معرفةً وتفسيراً وروايةً ومواقف رصينة شهدت له بها أكثر مشاهد رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله ومحافل المسلمين حتى وفاته رضوان اللَّه تعالى عليه، بعد أن آمن برسول اللَّه صلى الله عليه و آله ورسالته صبياً،

والأنصاري هذا كان واحداً منهم. بل من القلة الذين لم تتفرّق بهم السبل بعد النبي صلى الله عليه و آله ولم يستبقوا الصراط بعده، وظلّوا معتصمين متمسّكين به وبآل بيته الطاهرين عليهم السلام.

وكان يومها مع أبيه في تلك الليلة التأريخية المصيرية التي عاهد فيها أهل يثرب (الأوس والخزرج) رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله على الدفاع عنه ودعم مسيرته الظافرة ونصرته، وكانت بيعتهم يومذاك هي البيعة المشهورة المعروفة في التأريخ الإسلامي ب (بيعة العقبة الثانية).

ولما دخل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله المدينة مهاجراً، راح هذا يقضي أكثر وقته في صحبة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وفي خدمته، فشهد معه حروبه وظلّ حارساً أميناً لهذا الدين وللحق الذي يمثله، ولرجاله المخلصين المتمثلين في أهل بيت النبوّة والطهارة، فلم يدّخر

وسعاً في تبيان منزلة الإمام علي عليه السلام والتنويه بها والتحريض على اتباعها، والتي كانت من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كمنزلة هارون من موسى، كما عبر عنها نبي الرحمة صلى الله عليه و آله:

«يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّاأنه لا نبي بعدي»، حتى قضى عمره الشريف كلّه مستقيماً، لم تعرف حياته الانحراف على طولها، وقد امتدت لأكثر من تسعين سنة، فكان آخر أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله توديعاً لهذه الحياة ولحوقاً به صلى الله عليه و آله..

قلنا: إنّه ممّن شهد بيعة العقبة الأخيرة والتي تسمى (بيعة الحرب)، فحينما أذن اللَّه لرسوله صلى الله عليه و آله في القتال، وبعد أن تمّت البيعة الأولى أي العقبة الأولى، التي كانت كبيعة النساء، فيما كان هو ومن قد بايعوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، وأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لنفسه واشترط على القوم لربّه، وجعل لهم الجنة إن وفوا بذلك.

فعن عبادة بن الصامت أنه قال:

بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بيعةَ الحرب- وكان عبادة هذا من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء- بايعناه على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا ومُنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في اللَّه لومة لائم.

وكان عدد الذين بايعوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله هذه البيعة من الأوس والخزرج ثلاثةً وسبعين رجلًا وامرأتين، كان جابر وأبوه منهم.

فمن شهدها- كما تقول الرواية- من بني حرام بن كعب بن غَنم بن كعب بن سلمة، عبد اللَّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام، نقيب، شهد بدراً، وقتل يوم أحد شهيداً، وابنه جابر بن عبد اللَّه... (1).

يقول جابر: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ليلة العقبة، وأخرجني خالي وأنا


1) السيرة النبويّة لابن هشام 2: 463.

لا أستطيع أن أرمي بحجر (1).

ويقول في رواية أُخرى: حملني خالي جدُّ بن قيس- وما أقدر أن أرمي بحجر- في سبعين راكباً من الأنصار الذين وفدوا على النبيّ صلى الله عليه و آله.

قال: فخرج إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ومعه العباس بن عبد المطلب، فقال: يا عم خذ لي على أخوالك.

قالوا: يا محمد سل لربّك ولنفسك ما شئت.

قال: أمّا الذي أسأل لربّي، فتعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأما الذي أسأل لنفسي، فتمنعوني ممّا تمنعون منه أموالكم وأنفسكم.

قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟

قال: الجنّة.

لقد كان جابر- رضوان اللَّه عليه- من المندفعين بإخلاص، ومن المبادرين بصدق للجهاد في سبيل اللَّه تعالى، وكان يتمنى أن يكون له دور ينال به رضا اللَّه تعالى في كلّ معارك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وإن كلّفه حياته، لهذا تراه أوّل ملبٍّ لأذان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الذي حصل بعدما تعرّض له جند الإسلام من هزيمة في واقعة أُحد، وكان أبوه واحداً من شهداء هذه المعركة، فقد كانت معركة أُحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أُحد، وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال، أذّن مؤذن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في الناس، يطلب العدو: ألّا يخرجن معنا


1) انظر مختصر تاريخ دمشق 5: 358.

أحد إلّامن حضر يومنا بالأمس، ويقصد صلى الله عليه و آله به معركة أُحد.

وما إن سمع جابر بهذا- وقد حُرم من المشاركة في معركتي بدر وأُحد- حتى قال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إنّ أبي كان خلّفني على أخوات سبع، وقال لي: يا بُني! إنّه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهنّ، ولستَ بالذي أُوثرِك بالجهاد مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على نفسي، فتخلّف على أخواتك، فتخلّفت عليهن.

وهنا أذن له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وكان جابر بهذا الإذن مستثنى من كلام رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله: ألّا يخرجنّ معنا أحد إلّامن حضر يومنا بالأمس، يوم أحد.

وإنّما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مُرهباً للعدو، وليبلّغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوّةً، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم (1).

وفي قول مفصّل لموسى بن عقبة أنّ النبي صلى الله عليه و آله أمر أصحابه- بعد معركة أحد مباشرةً، وبهم أشدّ القرح- بطلب العدو وليسمعوا بذلك، وقال: لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال، يعني بأحد...

قال: وأقبل جابر بن عبد اللَّه السلمي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول اللَّه إن أبي رجعني، وقد خرجت معك لأشهد القتال.

فقال: ارجع، وناشدني أن لا أترك نساءنا.

ظلّ جابر هذا- وهو من أكابر أعيان أهل المدينة- ذا منزلة كبيرة، وسمعة كريمة، وهب كلّ وجوده لخدمة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله

وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع، وجاء الذي كان أصابه من القتل فاستشهده اللَّه فأرادني للبقاء لتركته، ولا أحبّ أن تتوجّه وجهاً إلّاكنت معك، وقد كرهت أن تطلب معك إلّامن شهد القتال، فأذن لي، فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأطاع،... وخرج رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله إذ غدا فقال جلّ ثناؤه: وإذ غدوت من أهلك تبوّى‌ء المؤمنين مقاعد للقتال واللَّه سميع عليم.


1) انظر السيرة النبويّة 3: 106- 107، وغيرها من المصادر التاريخيّة.

هذا وقد شهد ثماني عشرة غزوة مع النبيّ صلى الله عليه و آله ولم يتخلّف إلّا- كما أسلفنا- عن غزوتي بدر الكبرى وأُحد، بعد أن خلّفه أبوه على أخواته، وكنّ تسعاً أو سبعاً على رواية.

يقول هو عن نفسه: غزوتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله تسع عشرة غزوة، وقال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قتل عبد اللَّه يوم أُحد، لم أتخلف عن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله في غزوة قط (1).

وفي رواية أنه كان يميح الماء يوم بدر لأهل بدر المسلمين، والميح في الاستسقاء أن ينزل الرجل إلى قرار البئر إذا قلّ ماؤها، فيملأ الدلو بيده يميح فيها بيده ويميح أصحابه.

إلّا أنّ في مستدرك الحاكم (أمتح) بالتاء، ومعناه الاستقاء من أعلى البئر.

وفي مادة (منح) في اللسان: وأمّا حديث جابر: كنت منيح أصحابي يوم بدر، فمعناه: أي لم أكن ممن يضرب له بسهم مع المجاهدين لصغري، فكنت بمنزلة السهم اللغو الذي لا فوز له ولا خُسر عليه (2).


1) مختصر تاريخ دمشق 5: 358.

2) انظر مستدرك الحاكم 2: 565، ولسان العرب مادة منح، ومختصر تاريخ دمشق 5: 358.

وكانت أولى غزواته مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله غزوة حمراء الأسد، واستمرّ معه حتى آخر مغازيه.

معركة الخندق في أحاديثه

شاة ومُدٌّ من شعير

يحدّثنا جابر رضوان اللَّه عليه:

أصاب الناس كُدْيَةً (1)يوم الخندق، فضربوا فيها بمعاولهم حتى انكسرت.

فدعَوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فدعا بماءٍ عليها فعادت كثيباً.

فرأيتُ- والحديث مازال لجابر- رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يحضر، ورأيته خميصاً، ورأيت بين عُكنه (2)الغبار، فأتيت امرأتي فأخبرتها ما رأيت من خَمص بطن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.

فقالت: واللَّه، ما عندنا شي‌ءٌ إلّاهذه الشاة ومُدٌّ من شعير.

قال جابر: فاطحني وأصلحي.

قالت: فطبخنا بعضها وشوينا بعضها، وخُبِز الشعيرُ. قال جابر: ثمّ أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فمكثتُ حتى رأيت أنّ الطعام قد بلغ، فقلت: يا رسول اللَّه، قد صنعتُ لك طعاماً، فأتِ أنت ومَن أحببتَ من أصحابك.

فشبّك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أصابعه في أصابعي، ثمّ قال: أجيبوا، جابرٌ يدعوكم!

فأقبلوا معه، فقلت: واللَّه؛ إنّها الفضيحة! فأتيتُ المرأة فأخبرتها.

فقالت: أنت دعوتهم أو هو دعاهم؟

فقلت: بل هو دعاهم!


1) الكُدْيَة: الأرض الغليظة أو الصلبة لا تعمل فيها الفأس. المعجم الوسيط 780.

2) العُكن: ما انطوى وتثنى من لحم البطن. القاموس المحيط 4: 249.

قالت: دعهم، هو أعلم.

قال: فأقبل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأمر أصحابه، فكانوا خِرَقاً، عشرةً عشرةً، ثمّ قال لنا: اغرِفوا وغَطّوا البُرمَة، وأخرجوا من التنور الخبز ثمّ غطّوه.

ففعلنا فجعلنا نغرف ونغطّي البُرمة ثمّ نفتحها، فما نراها نقصت شيئاً، ونخرج الخبز من التنور ثمّ نغطيه، فما نراه ينقص شيئاً.

لقد كان جابر رضوان اللَّه عليه، وجمع من إخوته الصحابة، يقومون بحراسة الخندق من أن يقتحمه المشركون.

فأكلوا حتى شبعوا، وأكلنا وأهدينا، فعمل الناس يومئذ كلّهم والنبي صلى الله عليه و آله، وجعلت الأنصار ترتجز وتقول:

نحن الذين بايعوا محمّداً على الجهادِ ما بقينا أبداً

فقال النبي صلى الله عليه و آله:

اللهمّ لا خيرَ إلّاخيرُ الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجره (1)

لقد كان جابر رضوان اللَّه عليه، وجمع من إخوته الصحابة، يقومون بحراسة الخندق من أن يقتحمه المشركون.

يقول عن ذلك: لقد رأيتني أحرس الخندق، وخيل المشركين تُطيف بالخندق، وتطلب غِرَّةً ومَضيقاً من الخندق فتقتحم فيه.

وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد هما اللذان يفعلان ذلك، يطلبان الغفلة من المسلمين.

فلقينا خالد بن الوليد في مائة فارس، قد جال بخيله يُريد مَضيقاً من الخندق يُريد أن يعبّر فرسانه، فنضحناهم بالنبل حتى انصرف (2).

وكان جابر يقول في وقعة الخندق ويشرح حالهم وقلقهم: كان خوفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشدّ من خوفنا من قريش! حتى خرج اللَّه ذلك (3).

ولما راح عمرو بن عبد ودّ- بعد


1) انظر كتاب المغازي للواقدي 2: 452.

2) المصدر السابق 2: 465.

3) المصدر السابق 2: 468.

أن عبر الخندق- يدعو إلى البِراز ويقول:

ولقد بُححتُ من الندا ءِ لجمعكم هل من مبارز؟!

وعمرو يومئذٍ ثائر، قد شهد بدراً فارتُثَّ جريحاً فلم يشهد أُحُداً، وحرّم الدُّهنَ حتى يثأر من محمّد وأصحابه، وهو يومئذ كبير، يقال بلغ تسعين سنة، فلما دعا إلى البراز، قال عليّ عليه السلام: أنا أُبارزه يا رسول اللَّه! ثلاثَ مرات. وإنّ المسلمين يومئذٍ كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو وشجاعته، فأعطاه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سيفه، وعمّمه وقال: اللهم أعنه عليه!

وأقبل عمرو يومئذٍ- وهو فارس- وعليٌّ راجل، فقال له عليٌّ عليه السلام: إنّك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحدٌ إلى واحدة من ثلاث إلّاقبلتها!

قال: أجل!

قال: عليٌّ: فإنّي أدعوك أن تشهد أن لا إله إلّااللَّه وأنّ محمداً رسول اللَّه، وتُسلم للَّه‌ربِّ العالمين. قال: يا ابن أخي، أخر هذا عنّي.

قال: فأُخرى، ترجع الى بلادك، فإن يكن محمد صادقاً كنت أسعد الناس به، وإن غير ذلك كان الذي تريد.

قال: هذا ما تتحدث به نساء قريش أبداً، وقد نذرت وحرّمت الدُّهن.

قال: فالثالثة؟

قال: البراز.

فضحك عمرو ثمّ قال: إنّ هذه الخصلة ما كنتُ أظنّ أنّ أحداً من العرب يرومني عليها! إني لأكره أن أقتلَ أمثالك، وكان أبوك لي نديماً، فارجع، فأنت غلام حَدَث، إنما أردتُ شيخي قريش أبابكر وعمر.

فقال علي عليه السلام: فإني أدعوك إلى المبارزة فأنا أُحبّ أن أقتلك.

فأسف عمرو ونزل وعقل فرسه.

فكان جابر رضوان اللَّه عليه يحدّث ويقول عن هذا الموقف: فَدَنا أحدهما من

صاحبه وثارت بينهما غَبرةٌ فما نراهما، فسمعنا التكبيرَ تحتها، فعرفنا أنّ عليّاً قتله.

فانكشف أصحابهُ الذين في الخندق هاربين، وطفرت بهم خيلهم، إلّاأنّ نوفل بن عبد اللَّه وقع به فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة حتى قتل، ورجعوا هاربين...

ويواصل جابر حديثه عن هذه المعركة فيقول: قاتلونا يومهم وفرّقوا كتائبهم، ونحوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كتيبةً غليظةً فيها خالد بن الوليد، فقاتلهم يومه ذلك إلى هَوِيٍّ من الليل، ما يقدر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولا أحدٌ من المسلمين أن يزيلوا من مواضعهم،... حتى كشفهم اللَّه تعالى فرجعوا متفرّقين، فرجعت قريش إلى منزلها، ورجعت غطفان إلى منزلها، وانصرف المسلمون إلى قبّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.

وأقام أسيد بن حُضير على الخندق في مائتين من المسلمين... (1).

من دعاء رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يوم الأحزاب

روى بعضهم أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان يدعو على الأحزاب فيقول:

اللهم منزلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب! اللهم اهزمهم!

فكان جابر يقول: دعا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على الأحزاب في مسجد الأحزاب


1) المصدر السابق 2: 472- 473.

يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء.

قال: فعرفنا السرورَ في وجهه.

قال جابر: فما نزل بي أمرٌ غائظٌ مهمٌّ إلّاتنحَّيتُ تلك الساعة من ذلك اليوم، فأدعو اللَّه فاعرفُ الإجابة.

وعنه أيضاً أنّه قال: قام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على الجبل الذي عليه المسجد، فدعا في إزار ورفع يديه مدّاً، ثمّ جاءه مرّةً أخرى، فصلّى ودعا (1).

آيات قرآنيّة

يُوصِيكُم اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ (2).

يقول جابر في سبب نزول هذه الآية:

عادني رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأبوبكر في بني سلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثمّ رشّ عليَّ منه فأفقت، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول اللَّه؟

فنزلت: يُوصِيكُم اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ (3).

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ (4).

فعنه أنه قال:

اشتكيت، فدخل عليّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وعندي سبع أخوات، فنفخ في وجهي فأفقت، فقلت: يا رسول اللَّه، أوصي لأخواتي بالثلثين؟

قال: اجلس.

فقلت: الشطر؟


1) المصدر السابق 2: 487- 488.

2) النساء، الآية: 11.

3) انظر أسباب النزول للواحدي، ومختصر تاريخ دمشق 5: 362.

4) النساء، الآية: 176.

قال: اجلس، ثمّ خرج فتركني.

ثمّ دخل عليَّ وقال لي: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا، إنّ اللَّه قد أنزل، فبين الذي لأخواتك [جعل لأخواتك] الثلثين.

وكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيَّ:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ.

وفي رواية أخرى أنّه قال: فقلت: يا رسول اللَّه إنّه لايرثني إلّاكلالة، فكيف الميراث؟

فنزلت آية الفرائض.

لقد وفق هذا الصحابي الجليل لعمرٍ قضاه والإيمان دربه الذي خلى من الشائبة والشطط والانحراف

وفي رواية ثالثة: فلم يقل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله شيئاً حتى نزلت آية الميراث يرونها يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ.

يقول: فهذه نزلت فيه (1).

وعنه في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَن الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (2).

قال: بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على الموت (3).


1) انظر أسباب النزول للواحدي، ومختصر تاريخ دمشق 5: 362.

2) الفتح، الآية 18.

3) انظر مختصر تاريخ دمشق 5: 359.

ستُدْرِك رجلًا...!

لقد وفق هذا الصحابي الجليل لعمرٍ قضاه والإيمان دربه الذي خلى من الشائبة والشطط والانحراف، حتى أدرك خامس أئمة أهل البيت الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، الإمام الباقر عليه السلام، وهم الذين انقطع إليهم جابر وبقي على عهدهم وحبّهم.

تقول الرواية عن حمدويه وإبراهيم ابني نصر، قالا: حدّثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حريز، عن أبان بن تغلب، قال: حدّثني أبو عبد اللَّه عليه السلام، قال: إنّ جابر بن عبد اللَّه، كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وكان رجلًا منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وهو معتمّ بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم! يا باقر العلم! وكان أهل المدينة يقولون:

جابر يهجر، فكان يقول: لا واللَّه، لا أهجر، ولكنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول:

إنّك ستدرك رجلًا من أهل بيتي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول.

قال: فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة، إذ هو بطريق، في ذلك الطريق، كتّاب فيه محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام فلما نظر إليه، قال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثمّ قال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، والذي نفس جابر بيده، يا غلام ما اسمك؟

فقال: اسمي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

فأقبل عليه يقبّل رأسَه، وقال: بأبي أنتَ وأمّي، رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقرئك السلام، ويقول لك...

قال: فرجع محمد بن علي عليهما السلام إلى أبيه وهو ذعر، فأخبره الخبر.

فقال له: يا بني قد فعلها جابر؟

قال: نعم.

قال: يا بني الزم بيتك.

قال: فكان جابر يأتيه طرفي النهار، وكان أهل المدينة يقولون:

واعجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر من بقي من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين عليهما السلام.

وفي رواية أخرى عن أبي محمد جعفر بن معروف أنّه قال: حدّثنا الحسن بن علي النعمان، عن أبيه، عن عاصم الحنّاط، عن محمد بن مسلم، أنّه قال: قال لي أبو عبد اللَّه عليه السلام: إنّ لأبي مناقب، ما هنّ لآبائي، إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال لجابر بن عبد اللَّه الأنصاري: إنك تدرك محمد بن علي، فاقرأه مني السلام.

قال: فأتى جابر منزل علي بن الحسين عليهما السلام، فطلب محمد بن علي، فقال له علي عليه السلام: هو في الكتّاب، أرسل لك إليه؟ قال: لا، ولكني أذهب إليه، فذهب في طلبه.

قال للمعلم: أين محمد بن علي؟

قال: هو في تلك الرفقة، أرسل لك إليه؟

قال: لا، ولكني أذهب إليه.

قال: فجاء، فالتزمه، وقبّل رأسه، وقال: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أرسلني إليك برسالة أن أقرأك السلام.

قال: عليه وعليك السلام.

ثمّ قال له جابر: بأبي أنت وأمّي، اضمن لي الشفاعة يوم القيامة.

قال: فقد فعلت ذلك يا جابر.

يأتيه يتعلّم منه

وكان محمد بن علي عليه السلام يأتيه على وجه الكرامة، لصحبته لرسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله، قال: فجلس فحدّثهم عن أبيه عليه السلام، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أجرأ من هذا!

(قال: فلما رأى ما يقولون، حدّثهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، قال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا) يحدّث عمّن لم يره.

قال: فلما رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد اللَّه فصدّقوه، وكان جابر واللَّه يأتيه يتعلّم منه.

تذكر لنا بعض كتب الرواية أنّ الإمام الباقر عليه السلام، روى عن هذا الصحابي الجليل جابر الأنصاري، كما روى عن غيره أيضاً، والذي يظهر أنّ الإمام الباقر عليه السلام إنما كان يروي عن جابر أو عن غيره لنوع مصلحة وإلّا فهو عليه السلام غني بعلمه وعلوم آبائه عن أن يروي عنهم، هذا وأنّ لجابر مرويات عديدة عن الإمام الباقر عليه السلام الذي راح يروي عنه وجوه التابعين وكبار فقهاء المسلمين ومصنفيهم (1).

وهنا بعض ما رواه عن الإمام الباقر عليه السلام وما رواه الإمام عليه السلام عنه.

فعن جابر أنّه قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: إذا حدّثتني فأسنده لي.

فقال: حدّثني أبي عن جدي، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلام، عن اللَّه عزّ وجلّ، وكلُّ ما أحدثك بهذا الإسناد.

وقال: يا جابر لحديثٌ واحدٌ تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها.

فيما روى عنه الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: حدّثني جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: أقربكم مني في الموقف غداً أصدقكم حديثاً، وآداكم أمانةً، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم إلى الناس (2).


1) انظر حلية الأولياء لأبي نعيم، وصفوة الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي.

2) أمالي الشيخ المفيد: 66 ح 13.

وعن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام، عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: إنّ جبرئيل عليه السلام نزل عليّ وقال: إنّ اللَّه يأمرك أن تقوم بتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام خطيباً على أصحابك، ليبلّغوا من بعدهم ذلك عنك، ويأمر جميع الملائكة أن تسمع ما تذكره، واللَّه يوحي إليك يا محمد أنّ من خالفك في أمره فله النار، ومن أطاعك فله الجنة.

فأمر النبي صلى الله عليه و آله منادياً فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج حتى علا المنبر، فكان أوّل ما تكلّم به:

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم. ثمّ قال: «يا أيّها الناس! أنا البشير، وأنا النذير، وأنا النبيّ الأمي، إنّي مبلّغكم عن اللَّه جلّ اسمُه في أمر رجل، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو عيبة العلم، وهو الذي انتجبه اللَّه من هذه الأمّة، واصطفاه وهداه، وتولّاه، وخلقني وإياه (من طينة واحدة)، وفضّلني بالرسالة، وفضّله بالتبليغ عني، وجعلني مدينة العلم، وجعله الباب، وجعلني خازن العلم، والمقتبس منه الأحكام، وخصّه بالوصية، وأبان أمره، وخوّف من عداوته، وأزلف من والاه، وغفر لشيعته، وأمر الناس جميعاً بطاعته؛ وأنّه عزّ وجلّ يقول: من عاداه عاداني، ومن والاه والاني، ومن ناصبه ناصبني، ومن خالفه خالفني، ومن عصاه عصاني، ومن آذاه آذاني، ومن أبغضه أبغضني، ومن أحبّه أحبني، ومن أراده أرادني، ومن كاده كادني، ومن نصره نصرني.

يا أيّها الناس! اسمعوا لما آمركم به، وأطيعوه، فإنّي أخوّفكم عقاب اللَّه يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ... (1).


1) آل عمران: 30.

ثمّ أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: معاشر الناس! هذا مولى المؤمنين، وحجّة اللَّه على الخلق أجمعين، والمجاهد للكافرين، اللهمّ إنّي قد بلّغت، وهم عبادك، وأنت القادر على صلاحهم، فأصلحهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أستغفر اللَّه تعالى لي ولكم.

ثم نزل عن المنبر، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إنّ اللَّه عزّ وجلّ يقرئك السلام، ويقول لك: جزاك اللَّه عن تبليغك خيراً، فقد بلّغت رسالات ربّك، ونصحتَ لأمتك، وأرضيتَ المؤمنين، وأرغمتَ الكافرين، يا محمد إنّ ابن عمّك مبتلى ومبتلى به، يا محمد! قل في كلّ أوقاتك: الحمد للَّه‌ربّ العالمين، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون» (1)

كانت لجابر الأنصاري منزلة رفيعة ومكانة متميّزة في كتب الحديث والرجال.

ذكر الكشّي في ترجمته: قال الفضل بن شاذان: إنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وإنه من جملة من لم يرتدّوا بعد قتل الحسين عليه السلام.

وهناك روايات أخرى يرويها كلٌّ منهما عن الآخر، ذكرت في مصادر الحديث.

جابر وعلماء الرجال

كانت لجابر الأنصاري منزلة رفيعة ومكانة متميّزة في كتب الحديث والرجال.

ففي رجال الشيخ: جابر ابن عمرو (عمر) بن حزام (حرام) نزل المدينة، شهد بدراً وثماني عشرة غزوة مع النبي صلى الله عليه و آله، مات سنة (78) من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.

كما ذكره مع توصيفه بالأنصاري المدني العربي (العرني) الخزرجي، في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وفي أصحاب الحسن عليه السلام، وفي أصحاب الحسين عليه السلام، وفي أصحاب السجاد عليه السلام، وفي أصحاب الباقر عليه السلام قائلًا: أبو عبد اللَّه


1) انظر أمالي الشيخ المفيد: 345 ح 2.

الأنصاري صحابي (1).

فيما عدّه البرقي في أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، ومن الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومن شرطة خميسه، ومن أصحاب الحسين والسجاد والباقر عليهم السلام.

وعن ولائه لأهل البيت عليهم السلام قال بعض علماء الرجال:

ذكر الكشّي في ترجمته: قال الفضل بن شاذان: إنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

وإنه من جملة من لم يرتدّوا بعد قتل الحسين عليه السلام.

وقال العلّامة: قال ابن عقدة: إنّ جابر بن عبد اللَّه منقطع إلى أهل البيت عليهم السلام (2).

ونقل الكشّي هذه الرواية عن حبّه لأهل البيت عليهم السلام وانقطاعه إليهم:

حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالا: حدّثنا أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن معاوية بن عمّار، عن أبي الزبير المكي، قال: سألت جابر ابن عبد اللَّه، فقلت: أخبرني أيّ رجل كان علي بن أبي طالب؟

قال: فرفع حاجبه عن عينيه- وقد كان سقط على عينيه- قال: فقال:

ذلك خير البشر، أما واللَّه أن كنّا لنعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ببغضهم إياه.

وفي قول آخر له، وهو يتوكأ على عصاه ويدور في سكك المدينة ومجالسهم:... يا معاشر الأنصار أدّبوا أولادكم على حبّ علي عليه السلام.

في أسباب النزول

عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال في سبب نزول: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً


1) راجع رجال الشيخ الطوسي.

2) انظر العلّامة في القسم الأول من الباب 3 من فصل الهمزة.

انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً (1).

كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة، إذ أقبلت عِيرٌ قد قدمت من الشام، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلّااثنا عشر رجلًا، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً.

وكان هذا لما أصاب أهل المدينة جوعٌ وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة الكلبي في تجارته من الشام، وضُرب لها طبلٌ يؤذن الناس بقدومه، ورسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله يخطب الجمعة، فخرج إليه الناس ولم يبق في المسجد إلّااثنا عشر رجلًا. فنزلت هذه الآية، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: والذي نفس محمد بيده! لو تتابعتم حتى لم يبقَ أحدٌ منكم، لسال بكم الوادي ناراً (2).

ونظراً لوجود محكم ومتشابه في القرآن: لقوله سبحانه وتعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (3).

فقد اختلف في تعريف كلّ منهما على أقوال، وكان لجابر رضوان اللَّه عليه قول في تعريفهما، وهو: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله (4).

كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة، إذ أقبلت عِيرٌ قد قدمت من الشام، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلّااثنا عشر رجلًا، ... قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: والذي نفس محمد بيده! لو تتابعتم حتى لم يبقَ أحدٌ منكم، لسال بكم الوادي ناراً

• وكانت هناك أقوال ثلاثة في أول ما نزل من القرآن الكريم:

1- فقول ذهب إلى أنّ أول ما نزل هو سورة العلق.


1) الجمعة، الآية 11.

2) انظر أسباب النزول للواحدي وغيره من كتب التفسير للآية المذكورة.

3) آل عمران: الآية 7.

4) انظر متشابهات القرآن، لابن شهر آشوب: 2.

فعن جماعة عن جابر، قال: بُعث النبيّ صلى الله عليه و آله يوم الأثنين، وصلّى عليٌّ يوم الثلاثاء.

2- وقول آخر أنّ أول ما نزل هو سورة الفاتحة.

3- فيما ذهب جابر بن عبد اللَّه الأنصاري إلى أنّ سورة المدثر هي أول ما نزل من القرآن الكريم.

تقول الرواية عن ابن سلمة أنه قال: سألت جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أيّ القرآن أنزل قبل؟

قال: يا أيّها المدّثر.

قلت: أو إقرأ باسم ربّك؟

قال: أحدّثكم ما حدّثنا به رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، قال إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي- ولعلّه سمع هاتفاً- ثمّ نظرت إلى السماء فإذا هو- يعني جبرائيل- فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل اللَّه: يا أيّها المدثر قم فأنذر (1).

ويبدو أنّ جابراً رضوان اللَّه عليه اجتهد أنّ هذه السورة هي أول سورة نزلت؛ لأنّ كلام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ليس فيه دلالة على أنّها أوّل سورة.

ويبدو أيضاً أنّ حديث جابر المذكور كان بعد انقطاع الوحي، فظنه جابر بدء الوحي، وذهب بعض إلى أنّ جابراً سمع النبي صلى الله عليه و آله يذكر قصة بدء الوحي، فسمع آخرها ولم يسمع أوّلها فتوهم أنّها أوّل ما نزلت.

وفترة انقطاع الوحي يرويها جابر أيضاً حيث يقول:

سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يحدّث عن فترة الوحي، قال: فبينما أنا أمشي إذ سمعتُ هاتفاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثتُ منه خرقاً- أي فزعت- فرجعت، فقلت: زملوني


1) صحيح مسلم 1: 99.

زملوني فدثروني، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وهي الأوثان.

قال صلى الله عليه و آله: ثم تتابع الوحي. أو فحمى الوحي وتتابع كما هو لفظ البخاري (1).

وعن أوّل ما نزل من القرآن الكريم، قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري لما سأله أبوسلمة: لا أحدثك إلّاما حدثنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، قال: جاورتُ بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتاً، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، وعن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئاً، ونظرتُ خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت برأسي، فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا عليّ ماءً، قال: فدثروني وصبّوا عليَّ ماءً بارداً، فنزلت: يا أيُّها المدّثر.

وعن ابن شهاب أنّه قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنّ جابر بن عبداللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وهو يحدّث عن فترة الوحي: بينا أنا أمشي سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: فجُئثت منه خرقاً، وجئت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثروني، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، قال: ثمّ تتابع الوحي (2).

وعن ابن جريج أنّ جابر بن عبد اللَّه قال: إنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله لما أتى على الحِجر، حمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال:

أما بعد، فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث اللَّه لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ، فتشرب ماءهم يوم وردها (3).


1) صحيح مسلم 1: 98 والبخاري 1: 4، وانظر أيضاً البرهان في علوم القرآن للزركشي 1: 293- 294.

2) تاريخ الطبري 1: 535.

3) المصدر السابق 1: 141.

وفيما اختلف السلف في من اتبع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وآخى به وصدّقه على ما جاء به من عند اللَّه من الحقّ بعد زوجته خديجة بنت خويلد وصلّى معه.

فعن جماعة عن جابر، قال: بُعث النبيّ صلى الله عليه و آله يوم الأثنين، وصلّى عليٌّ يوم الثلاثاء (1).

ممّا علّمه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله

تعلّم هذا الصحابي الكثير من صحبته المتواصلة لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وممّا تعلمه- كما يقول هو-: دخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ذات يوم، فقال: مرحباً بك يا جابر، جزاكم اللَّه معشر الأنصار خيراً، آويتموني إذ طردني الناس، ونصرتموني إذ خذلني الناس، فجزاكم اللَّه خيراً.

قال: قلت: بل جزاك اللَّه عنّا خيراً، هدانا اللَّه إلى الإسلام، وأنقذنا من شفا حفرة النار، فبك نرجو الدرجات العُلا من الجنة.

اللهم إنك ربّ العرش العظيم، اللهم إنك أنت الجواد الكريم، فاغفر لي وارحمني وارزقني واسترني واجبُرني وارفعني واهدني ولا تضلّني، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين.

ثم قال صلى الله عليه و آله: يا جابر! هؤلاء الأعنز أحد عشر عنزاً في الدار أحبّ إليك، أم


1) المصدر السابق 1: 537.

كلمات علمنيهنَّ جبريل عليه السلام آنفاً، تجمع لك خير الدنيا والآخرة؟

قال: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه إني لمحتاج وهؤلاء الكلمات أحبّ إليّ.

قال صلى الله عليه و آله: قل: اللهم أنت الخلّاق العظيم، اللهم إنك سميع عليم، اللهم إنك غفور رحيم، اللهم إنك ربّ العرش العظيم، اللهم إنك أنت الجواد الكريم، فاغفر لي وارحمني وارزقني واسترني واجبُرني وارفعني واهدني ولا تضلّني، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال: فطفق يردّدهن عليّ حتى حفظتهُنّ.

ثمّ قال لي: تعلمهنّ وعلّمهنّ عقبك من بعدك.

ثم قال: استقهنّ معك.

قال: فسقتهنّ معي (1).

علمه

عرف هذا الصحابي الجليل بأنه- إضافة إلى كونه عالماً بالتفسير وأستاذاً معروفاً في الأحكام- راوٍ للحديث بل من المكثرين فيه، الحافظين للسنة، وكان من المعنيين بتدوين الحديث، حتى راح يملي أحاديثه على تلامذته- وهم من التابعين- وهم يكتبونها، وكان منهم كلّ من سليمان بن قيس اليشكري، الذي روى عنه حجّة الوداع (2)، ومحمد بن الحنفية، وعبد اللَّه بن محمد ابن عقيل ووهب بن منبه، وغيرهم (3).

وكلّ هذا وغيره أثار حفيظة الحَجّاج، ممّا جعله يختم في يده وفي عنق آخرين معه من الصحابة والتابعين إذلالًا لهم، وحتى يجتنبهم الآخرون ولا يسمعوا منهم. قال ابن الأثير: كان الحجاج بن يوسف الثقفي- والي العراق من قبل

الأمويين- قد ختم في يد جابر بن عبد اللَّه (الأنصاري) وفي عنق سهل ابن سعد الساعدي (الأنصاري) وأنس بن مالك (خادم النبي صلى الله عليه و آله) يريد إذلالهم، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم (4).


1) مختصر تاريخ دمشق 5: 361- 362.

2) انظر صحيح مسلم 2: 886 وشرح النووي 3: 313- 356.

3) انظر السنة قبل التدوين: 353، ومعرفة النسخ: 125.

4) انظر ترجمة سهل الساعدي في أسد الغابة 2: 472.

وكانت لجابر صحيفة مشهورة قد تكون في مناسك الحج كما ذهب إلى هذا بعض المحدّثين، فيما ذهب فريق آخر منهم إلى أنّها غير المنسك الصغير، وقد تكون هذه النسخة موجودة في مكتبة شهيد علي باشا في تركيا.

وفي طبقات ابن سعد والتأريخ الكبير للبخاري، يقول قتادة بن دعامة السدوسي: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة (1).

بعض ما رواه

ونحن هنا نتعرّف على اليسير ممّا رواه، فما رواه كثير، وقد روى عن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله مباشرة وبدون واسطة، وروى عنه بواسطة، فيما روى عنه كثير من الصحابة والتابعين.

وكدليل على صدقه وأنه لا يكتم رأياً أو حديثاً نبويّاً لغرض دنيوي أو هوىً يُراوده، ننقل هذا الحديث بحقّ الصحابي الجليل سعد بن معاذ.

وجابر وإن كان من الخزرج، وسعد بن معاذ من الأوس، إلّاأنّ دينه منعه عن قول غير الحق، أو كتمان منقبة قالها رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله بحقّ صحابي وإن كان من قوم آخرين

فبعد أن توفي هذا الصحابي بعد معركة أحد التي أصيب فيها. وبعد أن أعلن


1) انظر الطبقات 7: 1- 2، والتأريخ 4: 1/ 186 رقم 827.

حكمه العدل في يهود بني قريظة جزاءً للخيانة التي ارتكبوها والذنب الذي اقترفوه بحق الرسالة والرسول صلى الله عليه و آله، قال جابر الأنصاري:

سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.

فقيل لجابر: إنّ البراء (وهو من الخزرج) يقول: اهتزّ السرير.

فقال جابر، وهو العارف بما جرى وحدث بين الأوس والخزرج- والذين سمّوا بعد الإسلام بالأنصار- من معارك طاحنة خلّفت بينهم الأحقاد والضغائن:

كان بين هذين الحيين: الأوس والخزرج، ضغائن.

وراح يؤكّد ما سمعه من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: اهتزّ عرش الرحمن.

وجابر وإن كان من الخزرج، وسعد بن معاذ من الأوس، إلّاأنّ دينه منعه عن قول غير الحق، أو كتمان منقبة قالها رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله بحقّ صحابي وإن كان من قوم آخرين، لهذا أكّد الحديث، وتأكيد هذا يتضمن الإنكار على من يريد كتمان هذا الحديث بما يحمله من فضيلة لسعد رضوان اللَّه عليه (1).

وفي الصلاة، روى ابن عساكر بسنده عن جابر أنّه قال: كانت الصلاة مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حين كان الظلّ مثل الشراك، ثمّ صلّى العصر حين كان الظلّ (للشي‌ء) مثله، ثمّ صلى المغرب حين غابت الشمس، ثمّ صلّى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلّى بنا الفجر، ثمّ صلّى الظهر حين كلّ شي‌ء مثله، ثمّ صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شي‌ء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق، ثمّ صلّى المغرب حين غاب الشفق، ثمّ صلّى العشاء حين ذهب ثلث الليل، ثمّ صلّى بنا الفجر فأسفر، فقيل له: كيف نصلّي مع الحجاج وهو يؤخر؟ فقال: ما صلاها للوقت فصلّوا معه، فإذا أخّر فصلوها لوقتها واجعلوها معه نافلةً (2).

وعنه أيضاً: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله (3).

أحاديث الشفاعة عند أهل السنّة

وعن جابر: أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً... وأحلت لي الغنائم


1) انظر ابن الأثير في تاريخه.

2) انظر تأريخ دمشق، ترجمته.

3) رواه الحاكم عن جابر.

ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة... (1).

وعن أنس وعن جابر:

لكلّ نبي دعوة وأردت إن شاء اللَّه أن أختبى‌ء دعوتي شفاعةً لأُمّتي يوم القيامة (2).

في المتعة

قدم جابر بن عبد اللَّه معتمراً، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأبي بكر وعمر (3).

وروى أبو نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللَّه فأتاه آتٍ، فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين- متعة الحج ومتعة النساء- فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعدلهما (4).

وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها- أي المتعة- بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، وجابر- أي جابر بن عبد اللَّه- وعمرو بن حريث.

ثم قال ابن حزم: ورواه جابر عن جميع الصحابة: «مدة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأبي بكر، وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر»... (5).

وعن حرمة القتال في الشهر الحرام

روى جابر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لا يُقاتل في الشهر الحرام إلّاأن يغزى أو يغزو (6).


1) صحيح البخاري كتاب التيمم باب 1 ج 1/ 86، البيان: 482 للخوئي.

2) صحيح مسلم، باب اختباء النبي دعوة الشفاعة لأمته 1: 130- 131، والبيان: 528.

3) انظر صحيح مسلم: 774، نكاح المتعة: 131، 319 التبيان.

4) صحيح مسلم، باب نكاح المتعة 4: 141، التبيان: 318.

5) هامش المنتقى للفقي 2: 520.

6) البيان: 305.

وفي قتل الحر والعبد

روى جابر، لا يقتل الحر بعبد (1).

وعنه عن النبي صلى الله عليه و آله قال: يجي‌ء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف والمسجد والعترة يقول المصحف: يا ربّ حرّفوني، ومزّقوني. ويقول المسجد: يا ربّ عطلوني وتقول العترة: يا ربّ قتلونا، وطردونا، وشردونا... (2).

ممّا قاله ورواه أيضاً

أجمل شي‌ء للمرء أن يقضي حياته مؤمناً، وينفق عمره مجاهداً صادقاً، حكيماً فيما يقول، باحثاً عمّا يرضي اللَّه تعالى، محدّثاً عن رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله وعما يزيده ثباتاً في الدنيا وثواباً في الآخرة، وهذا هو جابر، الذي ظلّ مواظباً على هذا كلّه، وظلّت كلماته مضيئةً، كما مواقفه هي الأخرى جميلة مليئة بالمعاني العالية الرفيعة.

يقول عبد الرحمن بن سعيد؛ جئت جابر بن عبد اللَّه الأنصاري في فتيان من قريش، فدخلنا عليه بعد

قال جابر لعبده: انطلق إلى هذا السواد وائتنا بخبره، فإن كانوا من أصحاب عمر بن سعد، فارجع إلينا لعلنا نلجأ الى ملجأ، وإن كان زين العابدين فأنت حرّ لوجه اللَّه تعالى.


1) سنن البيهقي 8: 34- 35، التبيان: 294.

2) الخصال للصدوق.

أن كفّ بصرُه، فوجدنا حبلًا معلّقاً في السقف وأقراصاً مطروحةً بين يديه أو خبزاً، فكلّما استطعم مسكين قام جابر إلى قُرص منها وأخذ الحبل حتى يأتي المسكين فيعطيه، ثمّ يرجع بالحبل حتى يقعد، فقلت له: عافاك اللَّه، نحن إذا جاء المسكين أعطيناه، فقال: إنّي أحتسب المشي في هذا، ثمّ قال: ألا أخبركم شيئاً سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؟

قالوا: بلى.

قال: سمعته يقول: إنّ قريشاً أهل أمانة، لا يبغيهم العثرات أحد إلّا أكبّه اللَّه عزّ وجلّ لمنخريه.

وعن جابر أيضاً أنه كان يقول:

تعلّموا العلم، ثمّ تعلّموا الحلم، ثمّ تعلموا العلم، ثمّ تعلّموا العمل بالعلم، ثمّ أبشروا.

وعنه أيضاً: هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه، فيحتقر ما في بيته أن يقدّمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدّم إليهم.

وحدّث سهل بن سهل الساعدي عن أبيه، قال:

كنا بمنى فجعلنا نخبر جابر بن عبد اللَّه ما نرى من إظهار قطف الخزّ والوشي- يعني السلطان وما يصنعون- فقال: ليت سمعي قد ذهب كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره.

وعنه: استغفر لي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خمساً وعشرين استغفارة، كلّ ذلك أعدها بيدي، يقول: أديت عن أبيك دينه، فأقول: نعم، فيقول: غفر اللَّه لك.

من مواقفه

يذكر أنه قدم مرّةً إلى معاوية بدمشق، فلم يأذن له أياماً، فلما أذن له، قال: يا معاوية أما سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: من حجب ذا فاقة وحاجة، حجبه اللَّه يوم فاقته وحاجته.

فغضب معاوية وقال: لقد سمعته يقول لكم: ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تردوا عليّ الحوض، أفلا صبرت؟

قال: ذكرتني ما نسيت، وخرج فاستوى على راحلته ومضى، فوجه إليه معاوية بستمائة دينار، فردّها وكتب إليه:

إنّي لأختار القنوع على الغنى وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي

وألبس أثواب الحياء وقد أرى مكان الغنى أن لا أهين له عرضي

وقال لرسوله: قل له: واللَّه يا ابن آكلة الأكباد، لا وجد في صحيفتك حسنة أنا سببها أبداً (1).

وهو الذي روى في معاوية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قوله: «يموت معاوية على غير ملتي» (2).

ولاؤه لعليّ ولأهل البيت عليهم السلام

عرف جابر بولائه الواعي الصادق لأهل بيت النبوّة والرسالة فقد كان من أولئك المهاجرين والأنصار الذين بايعوا أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام بالخلافة ورضوا بإمامته وبذلوا أنفسهم في طاعته فعن أبي الزبير المكي أنه قال: سألت جابر بن عبد اللَّه، فقلت: أخبرني أي رجل كان علي بن أبي طالب؟

قال: فرفع حاجبيه عن عينيه، وقد كانا سقطا على عينيه، قال: فقال: ذلك خير البشر! أما واللَّه إن كنا لنعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ببغضهم إياه.

وعنه أيضاً: رأيت جابراً يتوكأ على عصاه، وهو يدور في سكك المدينة ومجالسهم، ويقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، معاشر الأنصار أدبّوا أولادكم على حبّ علي...، وقد شهد صفين مع عليٍّ عليه السلام، وكان منقطعاً إليه، وقد فضّله على غيره كما ذكر ذلك ابن عبد البرّ في استيعابه، فيما نصّ على تشيّعه ابن شاذان وابن عقدة والكشي.

أوّل زائر:

وفق هذا الصحابي أن يكون أوّل زائر لقبر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، فهذا السيد الجليل ابن طاووس يقول في كتابه الملهوف: ولما رجعت نساء الحسين وعياله من الشام، وبلغوا إلى العراق، قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء،


1) انظر مروج الذهب.

2) انظر وقعة صفين لنصر بن مزاحم: 217.

فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد اللَّه الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالًا من آل الرسول قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام، فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع عليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياماً.

وعن الأعمش عن عطية العوفي أنه قال: خرجت مع جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضى الله عنه زائراً قبر الحسين عليه السلام، فلما وردنا كربلاء، دنا جابر من شاطى‌ء الفرات فاغتسل، ثم اتزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرة فيها سعد، فنثرها على بدنه، ثم لم يخط خطوة إلّاذكر اللَّه تعالى، حتى إذا دنا من القبر، قال: ألمسنيه، فألمسته إياه، فخرّ على القبر مغشياً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلما أفاق، قال: يا حسين ثلاثاً، ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: أنّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك، وفرق بين بدنك ورأسك. أشهد أنّك ابن خير النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكسا، وابن سيد النقبا، وابن فاطمة سيدة النساء، ومالك لا تكون هكذا، وقد غذتك كفّ سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميتاً، غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، ولا شاكّة في حياتك، فعليك سلام اللَّه ورضوانه، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثمّ جال ببصره حول القبر وقال:

السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين عليه السلام، وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين وعبدتم اللَّه حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمداً بالحقّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطية: فقلت لجابر: فكيف ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلًا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم،

وأرملت الأزواج؟

فقال لي: يا عطية سمعت حبيبي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: من أحبّ قوماً حشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمداً صلى الله عليه و آله بالحقّ إنّ نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين عليه السلام وأصحابه.

قال عطية: فبينما نحن كذلك وإذا سواد قد طلع من ناحية الشام، فقلت: يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام، فقال جابر لعبده: انطلق إلى هذا السواد وائتنا بخبره، فإن كانوا من أصحاب عمر بن سعد، فارجع إلينا لعلنا نلجأ الى ملجأ، وإن كان زين العابدين فأنت حرّ لوجه اللَّه تعالى.

قال: فحض العبد، فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول: يا جابر قم واستقبل حرم رسول اللَّه، هذا زين العابدين، قد جاء بعمّاته وأخواته، فقام جابر يمشي حافي الأقدام مكفوف الرأس، إلى أن دنا من زين العابدين عليه السلام، فقال الإمام:

أنت جابر؟

فقال: نعم، يا ابن رسول اللَّه.

فقال: يا جابر ههنا واللَّه قتلت رجالنا، وذبحت أطفالنا، وسبيت نساؤنا، وحرقت خيامنا (1).

... إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً... (2)

مبدأ التقية، مبدأ راحت تؤكده آيات قرآنية وأحاديث ومواقف نبويّة، لست هنا بصدد التعرّض لها؛ لهذا اضطر هذا الصحابي ومن معه وبتأييد من أمّ‌المؤمنين الصالحة أم سلمة، إلى العمل به، ففي سنة أربعين للهجرة، بعث معاوية بسر بن أرطأة في ثلاثة آلاف، فسار حتى قدم المدينة... فأرسل إلى بني سلمة، فقال: واللَّه ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللَّه، فانطلق جابر إلى


1) انظر بشارة المصطفى وغيره.

2) آل عمران: 28.

أمّ‌سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله، فقال لها: ماذا ترين، إنّ هذه بيعة ضلالة، وقد خشيت أن أقتل.

قالت: أرى أن تبايع، فأتاه جابر فبايعه، هذا ما ذكره ابن الأثير.

أما ما ذكره اليعقوبي في تأريخه فأنه قال لأمّ سلمة: إني خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلالة.

فقالت: إذاً فبايع. فإنّ التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب، ويحضرون الأعياد مع قومهم.

وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، عن إبراهيم بن هلال أنه قال: روى عوانة عن الكلبي ولوط بن يحيى في خبر إرسال معاوية بسراً إلى الحجاز واليمن، أنّ بسراً فقد جابر بن عبد اللَّه، فقال: مالي لا أرى جابراً يا بني سلمة لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر، فعاذ جابر بأمّ سلمة، فأرسلت إلى بسر بن أرطأة، فقال:

لا أومنه حتى يبايع.

فقالت له أمّ سلمة: إذهب فبايع، وقالت لابنها عمر: إذهب، فبايع، فذهبا وبايعا.

وعن جابر نفسه أنه قال: لما خفت بسراً وتواريت عنه، قال لقومي: لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر، فأتوني وقالوا: ننشدك اللَّه لما انطلقت معنا، فبايعت، فحقنت دمك ودماء قومك، فإنك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا، وسبيت ذرارينا، فاستنظرتهم إلى الليل، فلما أمسيت، دخلت على أمّ سلمة فأخبرتها الخبر،

فقالت: يا بني انطلق فبايع، أحقن دمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع، وإني لأعلم أنّها بيعة ضلالة (1).

وفاته رضوان اللَّه عليه

اختلفت الأقوال في تاريخ وفاته، ففي الاستيعاب أنّه توفي سنة 74 ه، وقيل سنة 78 ه، وقيل سنة 77 ه، وفي الإصابه أنّه توفي سنة 73 ه، وفي المستدرك للحاكم أنه توفي سنة 79 ه.

أما عن عمره، فهناك من يقول إنّه توفي وهو ابن 94 سنة بعد أن ذهب بصره.

وكانت وفاته في المدينة المنوّرة أيام عبد الملك، يوم أن كان أبان بن عثمان أميراً عليها، وقد توّلى الصلاة عليه، هذا ويذكر صاحب الإصابة أنه أوصى أن لا يصلي عليه الحجاج الذي شهد جنازته، إلّاأنّ الذهبي ذهب إلى أنّ جابراً توفي والحجاج على إمرة العراق (2).

وفي رواية الكشي أنّه كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وهو ما قاله أيضاً ابن عساكر وغيره، فيما ذكر في أسد الغابة أنه آخر من مات بالمدينة ممّن شهد العقبة، ويبدو أنّ هذا هو الصحيح كما عليه بعض المحقّقين (3).

فسلام على جابر في الصالحين


1) انظر ابن الأثير في تأريخه، حوادث سنة 40 هجرية، وغيره من المصادر التأريخية.

2) مختصر تاريخ دمشق والاستيعاب والإصابة، وأسد الغابة، وتاريخ الإسلام.

3) انظر أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، جابر بن عبد اللَّه الأنصاري.

صلاة التراويح‌

صلاة التراويح‌

محمّد أمين الأميني

التّراويح في اللّغة والاصطلاح

التّراويح لغةً جمع ترويحة، تفعيلة من الراحة سمّيت بذلك لاستراحة القوم بعد كلّ أربع ركعات، مثل تسليمة من السّلام (1)، واصطلاحاً:

الصلوات غير المفروضة، يؤتى بها جماعة في ليالي شهر رمضان، بعدد خاص، وكيفيّة مخصوصة.

جذورها وتاريخها

روى الإمام مالك عن ابن شهاب، عن عروة بن الزّبير، عن عبد الرّحمن بن عبد القاري (2)، أنّه قال:

«خرجت مع عمر بن الخطّاب في رمضان إلى المسجد، فإذا النّاس أوزاع متفرّقون، يصلّي الرّجل لنفسه، ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلاته الرّهط، فقال عمر:


1) لسان العرب 2/ 462؛ النهاية في غريب الحديث 4/ 274؛ وانظر: معجم لغة الفقهاء/ 127 و 275؛ القاموس الفقهي/ 155.

2) قيل إنّه كان عامل عمر على بيت مال المسلمين.

واللَّه إنّي لأراني لو جمعت هؤلاء على قاري‌ء واحد لكان أمثل. فجمعهم على أبيّ ابن كعب. قال: ثمّ خرجت معه ليلة أخرى، والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه!» (1).

و رواه البخاري أيضا (2).

قال عمر: واللَّه إنّي لأراني لو جمعت هؤلاء على قاري‌ء واحد لكان أمثل.

فجمعهم على أبيّ ابن كعب. قال: ثمّ خرجت معه ليلة أخرى، والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه!

و روي عن نوفل بن أياس الهذلي أنّه قال:

«كنّا نقوم في عهد عمر بن الخطّاب فرقاً في المسجد في رمضان هاهنا وهاهنا، و كان النّاس يميلون إلى أحسنهم صوتاً، فقال عمر: ألا أراهم قد اتّخذوا القرآن أغاني، أما واللَّه لئن استطعت لأغيّرنّ هذا، فلم أمكث إلّاثلاث ليال حتّى أمر أبيّ ابن كعب فصلّى بهم، ثمّ قام في آخر الصّفوف فقال: لئن كانت هذه البدعة لنعمت البدعة هي!» (3).

هذا الحدث التاريخي أصبح أساساً لوضع هذا النوع من الصّلاة، وإلّا فلو كان هناك أثر قرآني أو سنة نبويّة لتمسّك بهما الفقهاء، وارتفع الخلاف.

هل صلّى النبيّ صلى الله عليه و آله التّراويح جماعة؟!

تثبت السنّة بقول المعصوم وفعله وتقريره، ولو كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله صلّى هذه الصلاة لكانت السنّة ثابتة بذلك، ولكنّه لم يصلّها، ولذلك قال: إنّها بدعة ونعمت البدعة، ولولا ذلك لقال إنّها سنّة ونعمت السّنّة.


1) كتاب الموطّأ 1/ 101، باب ما جاء في قيام رمضان، ح 3؛ كنز العمال 8/ 407؛ وانظر الطبقات الكبرى 5/ 59

2) البخاري: 474 كتاب التّراويح، ح 2010.

3) كنز العمّال 8: 408/ 23469

قال السّيّد المرتضى:

«فأمّا ادّعاؤه- يعني قاضي القضاة- أنّ قيام شهر رمضان كان في أيّام الرّسول صلى الله عليه و آله ثمّ تركه فمغالطة منه، لأنّا لا ننكر قيام شهر رمضان بالنّوافل على سبيل الانفراد، وإنّما أنكرنا الاجتماع على ذلك، فإن ادّعى

أنّ الرّسول صلى الله عليه و آله صلاها جماعة في أيّامه فإنّها مكابرة، ما أقدم عليها أحد، ولو كان كذلك ما قال عمر: إنّها بدعة، وإن أراد غير ذلك فهو ممّا لا ينفعه، لأنّ الذي أنكرناه غيره» (1).

وقال أبو الصلاح الحلبي:

«انه عليه السلام لم يجمع بهم منذ بعث وإلى أن قبض في صلاة نافلة، ولو كان الجمع شائعاً وفيه مصلحة لفعله أو نصّ عليه» (2).

نعم، هناك بعض الأحاديث ربما يمكن لهم أن يستندوا إليها، ولكنها غير وافية بالمراد وقابلة للنقاش، وهي:

1. روى البخاري عن يحيى بن بكير، عن اللّيث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ رسول اللَّه خرج ليلةً في جوف اللّيل، فصلّى في المسجد، وصلّى رجال بصلاته، فأصبح النّاس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّوا معه، فأصبح النّاس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من اللّيلة الثّالثة، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فصلّى، فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت اللّيلة الرّابعة عجز المسجد عن أهله، حتّى خرج لصلاة الصّبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على النّاس فتشهّد، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّه

1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 283.

2) تقريب المعارف: 346.

لم يخف عليّ مكانكم، ولكنّي خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفّي رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله والأمر على ذلك» (1).

وفيه:

أوّلًا: لا دلالة فيها على أنّ النّافلة كانت في شهر رمضان، حتّى تكون مستنداً لصلاة التراويح، اذ جاء في الخبر أنّه خرج ليلة، ولم يقيّد بشهر رمضان، وعليه فيصير الخبر مجملًا غير قابل للاستناد.

وفي قضية تشابهها ما رواه البخاري بإسناده عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يصلّي من اللّيل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى النّاس شخص النّبي صلى الله عليه و آله، فقام أناس يصلّون بصلاته، فأصبحوا فتحدّثوا بذلك، فقام ليلة الثّانية فقام معه أناس يصلّون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاث، حتّى إذا كان بعد ذلك جلس رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فلم يخرج، فلمّا أصبح ذكر النّاس فقال: «إنّي خشيت أن تكتب عليكم صلاة اللّيل» (2)، وبذلك يصبح الخبر أجنبياً عن المقام!

وثانياً: الحديث ضعيف بيحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد اللَّه بن بكير (3)الّذي ضعّفه النّسائي وأبو حاتم.

قال أبو حاتم في شأنه: «يكتب حديثه، ولا يحتجّ به!» (4).

و قال النّسائي في حقّه:

«ضعيف. ومرة قال: ليس بثقة» (5).

و ثالثاً: على فرض التسليم بكون الحدث في شهر رمضان، فللخبر تتمّة، وهي عبارة عن نهي


1) البخاري 1/ 343.

2) صحيح البخاري:/ ح 729 كتاب‌الأذان، باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة.

3) قال المزّي في تهذيب الكمال 31: 401: يحيى‌بن عبد اللَّه بن بكير القرشيّ المخزومي، أبو زكريّا المصري، مولى بني مخزوم، و قد ينسب إلى جدّه.

4) ميزان الاعتدال 4: 391، ترجمة 682؛ سير أعلام النبلاء 9: 261؛ تهذيب الكمال 31: 403.

5) ميزان الاعتدال 4: 391/ 9564؛ سير أعلام النّبلاء 9: 261/ 1748؛ تهذيب الكمال 31: 403؛ انظر: الضّعفاء والمتروكون، ترجمة رقم 624.

النبي صلى الله عليه و آله- في اليوم الثالث- بشدة عن إقامتها جماعة، وإطلاق البدعة على إتيانها كذلك، روى ذلك زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام (1)، وسوف نذكر تمام الخبر في فصل «التراويح في كلام أهل‌البيت عليهم السلام».

و صريح خبر أبي العباس البقباق وعبيد بن زرارة أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله كان يترك الناس حينما يجتمعوا خلفه، فإنهما رويا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله يزيد في صلاته في شهر رمضان، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم النّاس خلفه فيدخل ويدعهم، ثمّ يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً..» الخبر (2).

2. روى البخاري أيضاً عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: إن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله صلّى ذات ليلة في المسجد، فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى من القابلة فكثر الناس، ثمّ اجتمعوا من اللّيلة

لو كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله صلّى هذه الصلاة لكانت السنّة ثابتة بذلك، ولكنّه لم يصلّها، ولذلك قال عمر: إنّها بدعة ونعمت البدعة، ولولا ذلك لقال إنّها سنّة ونعمت السّنّة.

الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فلمّا أصبح قال: «قد رأيت الّذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنّي خشيت أن تفرض عليكم»، وذلك في رمضان (3). وروى نحوه مسلم في صحيحه (4).

وفيه:

أوّلًا: لا دلالة فيه على كونها صلاة التراويح، وإنّما يدلّ على ائتمام الناس بصلاة اللّيل في شهر رمضان.


1) وسائل الشيعة 8: 48/ 10062.

2) وسائل الشيعة 8: 46/ 10064.

3) صحيح البخاري: 267، كتاب التهجّد، باب‌تحريض النبي صلى الله عليه و آله على صلاة اللّيل والنوافل من غير إيجاب، ح 1129.

4) صحيح مسلم: 349/ 1667.

هذا إذا قلنا: إنّ قيد «في شهر رمضان» للراوي، لا للمؤلف. وممّا يؤيد ذلك أنّ البخاري نفسه لم يجعل الخبر في باب «صلاة التراويح»، بل جعله في «باب تحريض النبيّ صلى الله عليه و آله على صلاة اللّيل والنوافل من غير إيجاب».

و ثانياً: لازم هذا الخبر الالتزام بارتباط أحكام اللَّه بفعل الناس، وإناطتها برضاهم!، مع أنّ وضع الأحكام الشرعية تابع للمصالح والمفاسد الواقعيّة، وأمرها بيد الشارع المقدس لا غير، وملاك التشريع عبارة عن المصالح والمفاسد النفس الأمرية- وإن كانت بنحو الاختبار والامتحان- لا إقبال الناس وإدبارهم.

3. روى مسلم عن حرملة بن يحيى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خرج من جوف اللّيل فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح النّاس يتحدّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في اللّيلة الثالثة، فصلّوا بصلاته.

فأصبح النّاس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من اللّيلة الثالثة. فخرج فصلّوا بصلاته. فلمّا كانت اللّيلة الرابعة عجز المسجد عن أهله. فلم يخرج إليهم رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله. فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حتّى خرج لصلاة اللّيل. فلمّا قضى الفجر أقبل على النّاس. ثمّ تشهّد فقال: «أمّا بعد، فإنّه لم يخف عليّ شأنكم اللّيلة، ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة اللّيل، فتعجزوا عنها» (1).

و فيه:

أولًا: إنّه صريح في كونه راجعاً إلى مسئلة الإئتمام بصلاة اللّيل، وهو أجنبي عن المقام. مع أنّ ما ذكرناه سابقاً جار هنا أيضاً.

و ثانياً: الخبر ضعيف بحرملة بن يحيى ويونس بن يزيد.

قال أبو حاتم في شأن حرملة بن يزيد: «لا يحتج به» (2).


1) صحيح مسلم: 349/ 1668.

2) سير أعلام النبلاء 9: 567/ 1882؛ عن الجرح والتعديل 3: 274.

و في شأن يونس بن يزيد قال أحمد بن حنبل: قال وكيع: «رأيت يونس بن يزيد الإيلي وكان سيّي‌ء الحفظ» (1).

و قال أحمد بن حنبل: «في حديث يونس بن يزيد منكرات!» (2).

4. روى أبو داود، عن أحمد بن سعيد الهمداني، عن عبد اللَّه بن وهب، عن مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فإذا أُناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟

فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن! وأُبي بن كعب يصلّي وهم يصلّون بصلاته، فقال النّبي صلى الله عليه و آله: «أصابوا، ونعم ما أصابوا» (3).

وفيه: الخبر ضعيف كما اعترف به أبو داود- صاحب الكتاب- نفسه!

قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقويّ، مسلم بن خالد ضعيف (4).

فتحصّل أن ليس لدى القوم حديث صحيح غير قابل للنقاش سنداً أو دلالة يمكن الاحتجاج به.

من هو الواضع لصلاة التّراويح؟

لقد قام الإجماع بين المسلمين كافّة على أن الخليفة عمر بن الخطّاب هو الّذي وضعها، وروّجها، وسنّها، وأمر بإقامتها في البلدان، وأنّه هو من جمع النّاس على أُبيّ بن كعب (5)، ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري (6)، وسليمان بن أبي


1) تهذيب الكمال 35: 554.

2) تهذيب الكمال 35: 555.

3) سنن أبي داود: 260/ 1377 كتاب الصلاة، باب في قيام شهر رمضان.

4) سنن أبي داود: 260.

5) انظر: تاريخ مدينة دمشق 22/ 213؛ التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة المنورة 1: 48.

6) الجرح والتّعديل 8/ 246؛ الإصابة 6: 38؛ أسد الغابة 4/ 378؛ شذرات الذهب 1: 71؛ النجوم الزاهرة 1: 161؛ العبر في خبر من غبر 1: 68.

حثمة (1).

و إليك آراء وأقوال علماء المسلمين:

1. أقوال وآراء علماء السنة

روى الطبري عن ابن سعد عن محمّد بن عمر:

«.. وهو- يعني عمر- أوّل من جمع النّاس على إمام يصلّي بهم التّراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان، وأمرهم به» (2).

وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر:

«و هو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه!» (3).

و قال ابن الأثير:

«.. لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يسنّها لهم، وإنّما صلّاها ليالي ثمّ تركها، ولم يحافظ عليها، و لا جمع النّاس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنّما عمر رضي اللَّه عنه جمع النّاس عليها وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة..» (4).

و قال ابن كثير:

قال ابن جرير والواقدي: «في سنة أربع عشرة، جمع عمر بن الخطّاب النّاس على أبيّ بن كعب في التّراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان» (5).

و قال:

«و هو أوّل من جمع النّاس على التّراويح» (6).

و عن أبي الوليد محمد بن شحنة في تاريخه «روضة المناظر»:


1) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 48.

2) تاريخ الطّبري 3/ 277؛ انظر: الطبقات الكبرى 3: 281.

3) الاستيعاب 3: 1145/ رقم 1878؛ صلاة التراويح بين السنة والبدعة: 50.

4) النّهاية 1: 107

5) البداية والنّهاية 7: 150.

6) المصدر السابق 7: 150.

«هو- يعني عمر- أوّل من نهى عن بيع أمّهات الأولاد، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأوّل من جمع النّاس على إمام يصلّي بهم التراويح..» (1).

و قال السيوطي:

«في سنة أربع عشرة.. فيها جمع عمر بالناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في الأوائل» (2).

و قال:

«أول من سمي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو أول من اتخذ الدرة، وأول من أرّخ الهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح» (3).

وقال:

«هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، وأوّل من سنّ قيام شهر رمضان- بالتراويح-، وأوّل من حرّم المتعة، وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات..» (4).

قال الكحلاني:

«و أمّا التّراويح- على ما اعتيد الآن- فلم تقع في عصره صلى الله عليه و آله، إنّما كان ابتدعها عمر في خلافته، وأمر أُبيّاً أن يجمع بالنّاس» (5).

و قال: «.. فأمّا الجماعة (6)فإنّ عمر أوّل من جمعهم على إمام معيّن، وقال:

إنّها بدعة» (7).

و قال القلقشندي- في أوّليات عمر-: «هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان،


1) صلاة التراويح: 14.

2) تاريخ الخلفاء 1: 131.

3) تاريخ الخلفاء 1: 23.

4) صلاة التراويح: 15.

5) سبل السّلام 2/ 173.

6) أي إتيان هذه الصلوات جماعة.

7) سبل السّلام 2: 9.

وجمع النّاس على إمام واحد في التّراويح، وذلك في سنة أربع عشرة» (1).

و قال: «و أول من جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح في رمضان» (2).

و كتب في حقه في كتاب صفوة الصفوة: «وأول من جمع الناس على صلاة التراويح» (3).

و قال ابن منظور: «وفي حديث التراويح قال عمر: لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، أي أولى وأصوب» (4).

قال الزّرقاني- بعد قوله نعمت البدعة-:

«و هذا تصريح منه بأنّه أوّل من جمع النّاس في قيام رمضان على إمام واحد، لأنّ البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدّمه غيره، فابتدعه عمر، وتابعه الصّحابة و النّاس إلى هلمّ جرّاً..» (5).

قال عبد الكريم الرّافعي:

«.. لأنّ عمر رضى الله عنه جمع النّاس على أبيّ بن كعب في صلاة التّراويح» (6).

صرّح عمر بأنّها (صلاة التراويح) بدعة، والنّبيّ صلى الله عليه و آله قال: كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار

قال ابن رشد:

«.. وأنّ التّراويح الّتي جمع عليها عمر بن الخطّاب النّاس، ورغب فيها» (7).


1) مآثر الإنافة في معالم الخلافة: 101.

2) مآثر الإنافة 1: 92.

3) صفوة الصفوة 1: 277.

4) لسان العرب 11: 613.

5) شرح الزّرقاني 1: 237.

6) فتح العزيز 4: 246.

7) بداية المجتهد 1: 167.

وقال عبد الرّحمن أحمد البكري: قال الدّميري:

«و هو- أي عمر- أوّل من جمع النّاس على إمام واحد في التّراويح» (1).

و عن الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث 23 ه.:

«و هو.. أول من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التراويح» (2).

و جاء في التحفة اللطيفة:

«في سنة أربع عشرة، أمر عمر رضى الله عنه بالقيام في شهر رمضان في المساجد بالمدينة، وجمعهم على أبي بن كعب، وكتب إلى الأمصار بذلك، وكذا جمع عمر الناس في قيام رمضان على سليمان بن أبي حثمة.. وأقام عمر أيضاً أبا حليمة معاذ ابن الحرث الأنصاري القاري يصلّي بالناس التراويح في رمضان» (3).

و في الكنى والألقاب:

ذكر أبو هلال العسكري وابن شحنة والسّيوطي وغيرهم في أوّليات عمر:

أنّه أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتّراويح (4).

و في الغدير:

نصّ الباجي والسّيوطي والسّكتواري وغيرهم على أنّ أوّل من سنّ التّراويح عمر بن الخطّاب رضى الله عنه سنة أربع عشرة، وعلى أنّ أوّل من جمع النّاس على التّراويح عمر، وعلى أنّ إقامة النّوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عمر رضى الله عنه وأنّها بدعة حسنة (5).

2. أقوال وآراء علماء الشيعة

1) عمر بن الخطّاب: 100.

2) روضة المناظر؛ على ما في النص والاجتهاد: 150؛ صلاة التراويح: 51.

3) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 48.

4) الكنى والألقاب 3: 46.

5) الغدير 5: 31.

قال الشيخ أبو الصلاح الحلبي- في الأحداث الواقعة في زمن ولايته-:

«و منها: ابتداعه صلاة موظفة ذات صفة مخصوصة في شهر رمضان، وعقده الجماعة بها، مع وقوف العبادات الشرعية فرضاً ونفلًا على المصالح المفتقر بيانها إلى نصه تعالى، وهو مفقود بها، فثبت أنها بدعة» (1).

قال الشّيخ الطّوسي:

«و روي عن عمر أنّه أمر أن تصلّى التّراويح جماعة، وأمر بإخراج القناديل، ثمّ قال: هي بدعة ونعمت البدعة هي. فصرّح عمر بأنّها بدعة، والنّبيّ صلى الله عليه و آله قال: كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار» (2).

و قال أبو القاسم الكوفي:

«و من بدعه أيضاً في فريضة الصّيام الّذي افترضه اللَّه في شهر رمضان أنّ رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله استنّ للصّائمين النّوافل في ليالي شهر رمضان فرادى، وهي الّتي يسمّيها العامّة التّراويح، وإجماع الأمّة أنّ الرّسول صلى الله عليه و آله لم يرخّص في صلاتها جماعة، فجعلها عمر جماعة خلافاً على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في سنّته، وهم جميعاً يقرّون أنّها بدعة، ثمّ يزعمون أنّ بدعتها بدعة حسنة» (3).

و قال المسعودي:

«.. وسنّ- أي عمر- صلاة التّراويح في شهر رمضان» (4).

و قال الشيخ حسين بن عبد الصّمد الحارثي:

«.. وأبدع- أي عمر- في ترتيب التّراويح جماعة، وقد أجمعت كلمة الأمّة على أنّها بدعة، حتّى هو قال: بدعة ونعمت البدعة، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها إلى النّار» (5).


1) تقريب المعارف: 346.

2) الخلاف 1: 530

3) الإستغاثة: 36؛ مستدرك الوسائل 6: 218.

4) التّنبيه والاشراف: 250.

5) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 75.

وقال العلّامة السّيّد عبد الحسين شرف الدّين العاملي:

«كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقيم ليالي رمضان بأداء سننها في غير جماعة، وكان يحضّ على قيامها، فكان النّاس يقيمونها على نحو ما رأوه صلى الله عليه و آله يقيمها. وهكذا كان الأمر على عهد أبي بكر حتّى مضى لسبيله سنة ثلاثة عشر للهجرة، وقام بالأمر بعده عمر بن الخطّاب، فصام شهر رمضان من تلك السّنة لا يغيّر من قيام الشّهر شيئاً، فلمّا كان شهر رمضان سنة أربع عشرة أتى المسجد ومعه بعض أصحابه، فرأى النّاس يقيمون النّوافل وهم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد وقاري‌ء ومسبّح ومحرم بالتّكبير ومحلّ بالتّسليم في مظهر لم يرقه، ورأى من واجبه إصلاحه! فسنّ لهم التّراويح أوائل اللّيل من الشّهر، وجمع النّاس عليها حكماً مبرماً، وكتب بذلك إلى البلدان، ونصب للنّاس في المدينة إمامين يصلّيان بهم التّراويح، إماماً للرّجال، وإماماً للنّساء، وهذا كلّه أخبار متواترة» (1).

و من الظّريف أنّ عبد اللَّه بن عمر، ابن الخليفة رفض أن يحضرها جماعة! وردع غيره أيضاً! كما يأتي، وأهمّ من ذلك أنّ التّاريخ لم يسجّل لنا أنّ الخليفة صلّاها بنفسه جماعة، أو حضرها مأموماً!

قال عليّ بن يونس العاملي: إنّه- أي الخليفة عمر- أبدع التّراويح جماعة في شهر رمضان، وقال: نعمت البدعة، وقد قال النّبي صلى الله عليه و آله: «كلّ بدعة ضلالة»، فكأنّه قال: نعمت الضّلالة! وقد امتنع النّبي صلى الله عليه و آله من أن يكون إماماً في نافلة رمضان، كما أخرجه الحميدي في الجمع بين الصّحيحين، ورووا عن عائشة أنّ النّبي صلى الله عليه و آله أوّل من صلاها، وإنّما تركها لئلا يظنّوا وجوبها. قلنا: لو كان كذلك لأسنده عمر


1) النّص والاجتهاد: 250.

إليه، ولم يقل: إنّها بدعة، على أنّ النّبي صلى الله عليه و آله داوم على سنن كثيرة، ولم يظنّوا بذلك وجوبها، وسأل أهل الكوفة عليّاً أن ينصب لهم إماماً يصلّيها، فزجرهم وعرّفهم أنّ السنّة خلافها، فاجتمعوا ونصبوا لأنفسهم إماماً فيها، فبعث الحسن إليهم بالدّرّة ليردّهم عنها، فلمّا دخل المسجد تبادروا الأبواب وصاحوا: «واعمراه»! (1).

ما هي البدعة؟

للبدعة معنيان:

1.

المعنى اللغوي: وهو اختراع أمر بلا مثال، أو أنه: ما أحدث على غير مثال سبق (2).

2.

المعنى المصطلح، وهو إتيان ما ليس من الدّين في الدّين، كما قاله عدة من الفقهاء والأصوليين (3).

قال الزّرقاني:

«البدعة تطلق شرعاً على مقابل السّنّة، وهي ما لم يكن في عهده» (4).

و عن المصباح:

«البدعة اسم من الابتداع، كالرّفعة من الارتفاع، ثمّ غلب استعمالها فيما هو نقص في الدّين أو زيادة» (5).

قال المحقّق النّراقي:

«البدعة هي كلّ فعل يفعل بقصد العبادة والمشروعيّة، وإطاعة الشّارع، مع عدم ثبوته عن الشّرع، ولا معنى محصّل» (6).


1) الصراط المستقيم 3/ 26؛ وانظر: شرح نهج البلاغة 12/ 282؛ بحار الأنوار 31: 8؛ قاموس الرّجال 5/ 67؛ الصّحيح من السّيرة 2/ 149؛ كتاب القضاء للسّيد الگلپايگاني 1: 136.

2) شرح الزرقاني 1: 237.

3) رياض المسائل 8: 78؛ غنائم الأيّام 1: 277؛ جامع الشّتات 1: 139؛ فوائد الأصول 4: 456.

4) شرح الزرقاني 1: 237.

5) بحار الأنوار 71: 204.

6) عوائد الأيّام: 111.

قال الطّريحي:

و «البِدْعة» الحدث في الدّين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة (1).

قال العظيم آبادي:

«إعلم أنّ البدعة هي عمل على غير مثل سبق، قال في القاموس: هي الحدث في الدّين بعد الإكمال، والبدعة أصغر من الكفر وأكبر من الفسق، وكلّ بدعة تخالف دليلًا يوجب العلم والعمل به فهي كفر، وكلّ بدعة تخالف دليلًا يوجب العمل ظاهراً في ضلالة وليست بكفر، قال السّيّد في التعريفات: البدعة هي الفعلة المخالفة للسّنّة، سمّيت بدعة لأنّ قائلها ابتدعها من غير مثال» (2).

أمّا البدعة بالمعنى اللّغوي فلا ضير فيها إذا لم تمسّ التّشريع في الدّين، بل هي


1) مجمع البحرين 4: 298.

2) عون المعبود 12/ 243

من لوازم الحياة والتطوّر، ومن ثمَّ فهي خارجة عن مدار البحث.

و أمّا إذا دخلت البدعة في أمر الشّريعة والدّين فتغدو محرّمة، إذ يشملها قول النّبي الأعظم صلى الله عليه و آله: «كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار» (1)، إذ لولا هذا النّهي لحصل التّلاعب في أمر الدّين.

توضيح ذلك: إنّ العبادات توقيفيّة لا اختراعيّة، وكيفيتها موقوفة على بيان الشّارع المقدّس لا غيره، فهو الّذي يبيّن حدودها وكيفيّتها، ويعيّن أجزاءها وشرائطها، فبما أنّ أمر أحكام الدّين بيد الشّارع لا النّاس، فالبدعة في الدّين أمر مرفوض محرّم.

قال السّيّد المرتضى قدس سره:

«و ليس لنا أن نبدع في الدّين بما نظنّ أنّ فيه مصلحة، لأنه لا خلاف في أنّ ذلك لا يسوغ ولا يحلّ» (2).

ولا يجوز لأحد- صحابياً كان أم غيره- أن يقوم بالتشريع ووضع السنن، إذ إنّه أمر راجع إلى الشارع، ولنعم ما قال الشوكاني:

«والحق أنّ قول الصّحابي ليس بحجة، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيّنا محمّداً صلى الله عليه و آله، وليس لنا إلا رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمَن قال إنه تقوم الحجة في دين اللَّه بغيرهما فقد قال في دين اللَّه بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به اللَّه» (3).

وبناءً عليه، من المناسب البحث في أنّ البدعة الّتي ارتكبها الخليفة عمر، هل هي بالمعنى الأوّل- كما يدّعيه بعض ناصريه- أم الثاني؟

قال الشهيد قدس سره في قواعده:

محدثات الأمور بعد النّبي صلى الله عليه و آله تنقسم أقساماً لا تطلق اسم البدعة عندنا إلّا على ما هو محرّم منها (4).


1) الكافي 1/ 57، ح 12؛ من لا يحضره الفقيه 3/ 572، ح 4954؛ المحاسن 1/ 207؛ وسائل الشّيعة 16/ 270، ح 21543؛ سنن النّسائي 3/ 189؛ المعجم الكبير للطّبراني 9/ 97

2) شرح نهج البلاغة 12/ 283

3) انظر: إرشاد العقول: 361.

4) بحار الأنوار 71: 203.

محاولات فاشلة وحجج واهية

حاول بعض علماء العامّة أن يذكروا وجهاً لتصحيح فعل الخليفة، فوقعوا في الحيص والبيص! فاحتج البعض ببعض الأحاديث، وهي إما قاصرة سنداً أو دلالة أو كلاهما، أو يكون الاستناد بها في غير موضعها.

وقال البعض منهم: إنّ المراد بالبدعة في قول الخليفة: «إنّها بدعة»، معناها اللّغوي! (1).

و بادر بعضهم إلى تقسيم البدعة- كتقسيم الأحكام- إلى أقسام خمسة! (2)وبعضهم قال غيره.

و إليك بعض الأقوال مع ذكر ما يرد عليه:

1. التمسك بحديث: «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»

استند البعض (3)إلى حديث ذكروه في كتبهم، منسوباً إلى النّبي الأعظم صلى الله عليه و آله، قال: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين بعدي، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ» (4).

و فيه: أن الخبر مخدوش سنداً ودلالةً.

أمّا سنداً فهو خبر واحد، يرويه العرباض بن سارية السّلمي، وهو غير


1) انظر: تفسير ابن كثير 1: 166.

2) انظر: التّعديل و التّجريح 1: 45 عن العز بن عبد السلام.

3) انظر: الجرح والتعديل لسليمان بن خلف الباجي 1: 46.

4) سنن الدّارمي 1: 45؛ مسند أحمد 4: 126؛ سنن إبن ماجة 1: 15؛ سنن أبي داود 2: 393؛ سنن التّرمذي 4: 150؛ كتاب السّنّة: 29؛ المعجم الكبير للطّبراني 18: 246؛ المستدرك على الصّحيحين 1: 96؛ البحر الرائق 2: 117.

موثوق عندنا، ولم نعثر على من وثّقه عندهم، حتّى أنّ البخاري ومسلم لم يخرجاه، و أقصى ما قيل في حق الرّاوي أنّه كان من أعيان أهل الصّفّة (1)، أو أنّه كان من البكّائين (2)، وهذا غير كاف، أضف إلى ذلك، أنّ بعض ما روي عنه يدلّ على عدم فقهه، وسكنه في الشّام يومي إلى أنّه جعل الحديث مرضاةً لبني أميّة، أو نسب إليه زوراً إذ إنّه مات سنة خمس وسبعين (3). فالحديث عندنا مجعول، وغير ثابت، بل الثّابت عدمه، لتواتر حديث الثّقلين.

و أمّا الدّلالة فيقع النّقاش في عدّة نقاط:

أوّلًا: على فرض صحّة الخبر يقع الكلام في مصداق الخلفاء، فالخلفاء هم المنصوبون من قبل الرّسول صلى الله عليه و آله بأمر اللَّه، وهم الأئمّة الإثنا عشر عليهم السلام، لا غيرهم.

روى مسلم بإسناده عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النّبي صلى الله عليه و آله، فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة.. كلّهم من قريش» (4).

و روى بإسناده عنه عن النّبيّ صلى الله عليه و آله: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة.. كلّهم من قريش» (5).

و عنه صلى الله عليه و آله: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش» (6).

و عنه صلى الله عليه و آله: «يكون لهذه الأمّة اثنا عشر قيّماً، لا يضرّهم من خذلهم، كلّهم من قريش» (7).


1) كتاب السنة: 29.

2) تهذيب الكمال 19: 551؛ سير أعلام النبلاء 4: 501.

3) صحيح مسلم: 925/ 4598، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش و الخلافة فى قريش.

4) صحيح مسلم: 925/ 4598، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش و الخلافة فى قريش.

5) مسند أحمد 5: 91؛ مسند أبى جعد: 390؛ صحيح ابن حبان 15: 43؛ المعجم الكبير 2: 197؛ كنزالعمال 12: 33/ 33860.

6) كنز العمال 12: 33/ 33858.

7) كنز العمّال 12: 33/ 33858.

و عنه صلى الله عليه و آله: «يملك هذه الأمّة اثنا عشر خليفة، كعدّة نقباء بني إسرائيل» (1).

و عنه صلى الله عليه و آله: «إنّ عدّة الخلفاء بعدي عدّة نقباء بني إسرائيل» (2).

وروى ابن مسعود عن النّبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل» (3).

إن قيل: هذه الأحاديث لم تعيّن المصاديق، وإنّما مضامينها عناوين كليّة قابلة للانطباق على كثير.

قلنا:

أوّلًا: هناك كثير من الرّوايات الرّافعة لهذا الإجمال، مثل ما رواه أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: «الخلفاء بعدي إثنا عشر، تسعة من صلب الحسين عليه السلام، والتّاسع مهديّهم، فطوبى لمحبّيهم، والويل لمبغضيهم» (4).

ثانياً: التّأمّل في مضامين الأخبار يرشدنا إلى لزوم اتّصاف الخليفة بأوصاف متمايزة من العلم والتّقوى بحيث يسمح له أن يجلس في مجلس الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و يحكم باسمه، والعقل حاكم بذلك أيضاً.

قال صدر المتألّهين قدس سره في ردّ من زعم أنّ أولي الأمر هم الخلفاء- مطلقاً- أنّ الحديث المتّفق عليه عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله- المشهور بطرق متكاثرة- أنّه قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً أو هذا الدّين قائماً حتّى يقوم السّاعة ويكون عليهم إثنا عشر خليفة» وما يجري مجراه لا ينطبق على خلفاء بني أميّة وأمثالهم، وأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله رأى نزو القردة على منبره، وأوّله ببني أميّة، وهم الشّجرة الملعونة في القرآن، ثمّ حكى الصّدر قدس سره في ما حكي من قصصهم أخبار الوليد بن يزيد وولوعه


1) كنز العمّال 12: 33/ 33857.

2) الجامع الصّغير 1: 350/ 2297؛ تاريخ مدينة دمشق 16: 286؛ كنز العمال 16: 286؛ ونحوه فيه 12: 33/ 33859.

3) كمال الدّين: 272؛ الخصال: 468؛ أمالي الصّدوق: 387؛ كفاية الأثر: 27؛ كتاب الغيبة للنعماني: 118؛ المناقب 1: 258؛ معجم أحاديث الإمام المهدي 2: 262.

4) كفاية الأثر: 33.

بالمنكرات، وهمّ هشام بقتله ففرّ منه، وكان لا يقيم بأرض خوفاً على نفسه، وبويع له بعد هشام بالخلافة، ومن استهتاره أنّه اصطنع بركة من خمر، وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها، ويشرب منها حتّى يتبيّن النّقص في أطرافها، ومن أخباره أنّه واقع جاريته وهو سكران، وجاءه المؤذّنون بالصّلاة فحلف (أن) لا يصلّي بالنّاس إلّاهي!، فلبست ثيابه وتنكّرت، وصلّت بالمسلمين وهي سكرى متلطّخة بالنّجاسات على الجنابة!.

قال: وحكى صاحب الكشّاف أنّ الوليد تفأّل يوماً في المصحف، فخرج له قوله تعالى: فاستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد (1)، فمزّق المصحف وأنشأ يقول:

أتوعّد كلّ جباّر عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ مزّقني الوليد

فأجمع أهل دمشق على قتله، فلمّا دخلوا عليه في قصره قال: «يوم كيوم عثمان»!، وقطّعوا رأسه، وطيف به في دمشق.

ثمّ قال صدر المتألّهين: فانظروا يا أهل العقل والإنصاف! هل يستصحّ ذو مسكة أن يقال: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً والدّين قائماً ما وليهم إثنا عشر رجلًا من أمثال هؤلاء الخلفاء من الشّجرة الملعونة؟! انتهى كلامه (2).

و لا يخفى أنّ تسمية الخلفاء الأربعة بالخلفاء الرّاشدين جاءت متأخّرة عن صدور حديث العرباض بن سارية (3)، يقول السيد العسكري: «إنّ الراشدين اصطلاح تأخّر استعماله عن عصر الخلافة الأموية، ولم يرد في نصّ ثبت وجوده قبل ذلك..» (4).


1) إبراهيم: 15.

2) شرح أصول الكافي 5: 143 الهامش.

3) دروس في أصول فقه الإماميّة: 172.

4) معالم المدرستين 3: 61؛ الإمام الحسين في المدينة المنورة: 398.

ثمّ إن تتابع الأوصاف الاحترازيّة بعد كلمة الخلفاء من قبيل «الرّاشدين المهديّين» (1)يرشدنا إلى لزوم اتّصاف الخليفة بهاتين الصّفتين وهما الرّشد والهداية، و مع تواجدهما لا مجال للبدعة!.

ثانياً: لو سلّم ذلك فليس المراد بالاقتداء الاقتداء بذلك بهم في كلّ الأمور، بل في الأمور الّتي يطابق فعلهم فيها فعل الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله، لا مطلقاً.

قال ابن حزم الأندلسي: «إنّ سنّة الخلفاء هي اتّباع سنّته عليه السلام، وأمّا ما عملوه باجتهاد فلا يجب اتّباع اجتهادهم في ذلك» (2).

و قال أيضاً: «.. فإنّ الرّسول صلى الله عليه و آله إذا أمر باتّباع سنن الخلفاء الرّاشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين:

إمّا أن يكون صلى الله عليه و آله أباح أن يسنّوا سنناً غير سننه، فهذا ما لا يقوله مسلم، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتدّ وحلّ دمه وماله، لأنّ الدّين كلّه إمّا واجب أو غير واجب، وإمّا حرام وإمّا حلال، لا قسم في الدّيانة غير هذه الأقسام أصلًا، فمن أباح أن يكون للخلفاء الرّاشدين سنّة لم يسنّها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقد أباح أن يحرّموا شيئاً كان حلالًا على عهده صلى الله عليه و آله إلى أن مات، أو يحلّوا شيئاً حرّمه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولم يسقطها إلى أن مات، وكلّ هذه الوجوه من جوّز منها شيئاً فهو كافر مشرك بإجماع الأمّة كلّها بلا خلاف، وباللَّه التّوفيق، فهذا الوجه قد بطل، وللَّه الحمد.

و إمّا أن يكون أمر باتّباعهم في اقتدائهم بسنّته صلى الله عليه و آله، فهكذا نقول: ليس يحتمل هذا الحديث وجهاً غير هذا أصلًا» (3).


1) سنن الدّارمي 1: 45.

2) المحلّى 11: 356.

3) الأحكام 6: 805.

وقال الكحلاني: «إنّه ليس المراد بسنّة الخلفاء الرّاشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه و آله من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدّين ونحوها، فإنّ الحديث عام لكلّ خليفة راشد لا يخصّ الشّيخين، ومعلوم من قواعد الشّريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النّبي صلى الله عليه و آله، ثمّ عمر رضى الله عنه نفسه الخليفة الرّاشد سمّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل إنّها سنّة، فتأمّل، على أن الصّحابة رضي اللَّه عنهم خالفوا الشّيخين في مواضع ومسائل، فدلّ أنّه لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجّة» (1).

و قال المباركفوري: «قوله صلى الله عليه و آله: عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء.. قلت: ليس المراد بسنة الخلفاء الرّاشدين إلّاطريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه و آله» (2).

ثالثاً: إنّ للرواية تتمّة، مغفول عنها غالباً عند ذكرها- مع الأسف-، وهي:

«و إيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كل محدثة بدعة، وقال عاصم مرة: وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ بدعة ضلالة..» (3)، وهذه التّتمّة تقيّد إطلاق الصّدر، يعني ما دام لم يحدثوا في الدّين ولم يبتدعوا فاتّبعوهم، وإلّا فلا مجال للطّاعة، والمفروض في المقام حصول البدعة باعتراف قائلها.

رابعاً: مدلول الخبر إرشاد النّاس إلى سنّة النّبي صلى الله عليه و آله والخلفاء الرّاشدين المهديّين عند طروّ الخلاف، حيث جاء في الحديث: «فإنّ من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين..»، ومعنى هذا التّفريع أنّه إذا كان الحكم واضحاً وبديهيّاً فهو، وإلّا فلو عرض الخلاف فعليكم بمراجعة سنّة النّبيّ صلى الله عليه و آله والخلفاء الراشدين المهديين الذين يسيرون على


1) سبل السّلام 2: 11.

2) تحفة الأحوذي 3: 40.

3) وإليكم ذكر الخبر بتمامه، روى الدّارمي في السنن 1: 45 بإسناده عن عرباض بن سارية قال: صلّى بنارسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله صلوة الفجر، ثمّ وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللَّه، كأنّها موعظة مودع فأوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى اللَّه والسّمع والطّاعة وإن كان عبداً حبشيّاً، فإنّه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم والمحدثات، فإنّ كلّ محدثة بدعة»، وقال أبو عاصم مرة: وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ بدعة ضلالة.

سنّته صلى الله عليه و آله، حتّى يرفعوا الخلاف بينكم، فظهر أنّ شأن الخليفة هو شأن الحاكم لرفع حيرة النّاس، لا أن يوجِد خلافاً جديداً بتشريعه وبدعته، ويزيدهم حيرةً على حيرتهم، فيكون نقضاً للغرض.

خامساً: إنّ ابن حزم الأندلسي قام بدراسة الحديث دراسة موضوعيّة يعجبني ذكرها،- وليس المقصود موافقتنا كلّ ما أفاده- قال:

«و أمّا قوله صلى الله عليه و آله: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين»، فقد علمنا أنّه صلى الله عليه و آله لا يأمر بما لا يقدر عليه، ووجدنا الخلفاء الرّاشدين بعده عليه السلام قد اختلفوا فيه اختلافاً شديداً، فلابدّ من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها:

إمّا أن نأخذ بكلّ ما اختلفوا فيه، وهذا ما لا سبيل إليه، إذ فيه الشّي‌ء وضدّه، و لا سبيل إلى أن يورث أحد الجدّ دون الإخوة بقول أبي بكر وعائشة، ويورث الثّلث فقط وباقي ذلك للإخوة على قول عمر، ويورثه السّدس وباقيه للإخوة على مذهب عليّ، وهكذا في كلّ ما اختلفوا فيه، فبطل هذا الوجه، لأنّه ليس في استطاعة النّاس أن يفعلوه، فهذا وجه.

أو يكون مباحاً لنا بأن نأخذ بأيّ ذلك شيئاً، وهذا خروج عن الإسلام، لأنّه يوجب أن يكون دين اللَّه تعالى موكولًا إلى اختيارنا، فيحرّم كلّ واحد منّا ما يشاء، ويحلّ ما يشاء، ويحرّم أحدنا ما يحلّه الآخر، وقول اللَّه تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم، وقوله تعالى: تلك حدود اللَّه فلا تعتدوها، وقوله تعالى:

ولا تنازعوا يبطل هذا الوجه الفاسد، ويوجب أنّ ما كان حراماً حينئذٍ هو حرام إلى يوم القيامة، وما كان واجباً يومئذٍ فهو واجب إلى يوم القيامة، وما كان حلالًا يومئذٍ فهو حلال إلى يوم القيامة، وأيضاً فلو كان هذا لكنّا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم، ولابدّ من ذلك، فلسنا حينئذٍ متّبعين لسنّتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور، وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا..

فإذا قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلّاالوجه الثّالث، وهو أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلّافيما أجمع عليه سائر الصّحابة رضوان اللَّه عليهم معهم، وفي

تتبّعهم سنن النّبي صلى الله عليه و آله والقول بها» (1).

ثمّ لا يخفى أنّ ابن حزم أراد أن يصل إلى نتيجة مفادها حجيّة إجماع الصّحابة.

و فيه: لو كان الإجماع كاشفاً عن قول النّبي والمعصوم فهو، وإلّا فلا أثر لهذا الإجماع.

أضف إلى ذلك، إن الثّابت مخالفة عدة من الصّحابة في مسألة التّراويح، فلا إجماع في البين، فظهر عدم وجود طريق لتصحيح فعل عمر!

2. التمسك بحديث: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»

استدل جماعة بخبر منسوب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وهو: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (2)، وبذلك أرادوا أن يجدوا محملًا لتصحيح فعل الخليفة.

وفيه:

أنّ الخبر مخدوش سنداً ودلالة.

أما السند فقد قال الهيثمي بعد ذكر الرواية عن أبي الدرداء: «رواه الطبراني، و فيه من لم أعرفهم» (3).

و قال بعد ذكر الخبر بإسناده عن حذيفة: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف» (4).

وقال ابن عساكر بعد ذكر الخبر بإسناده عن أبي بكرة: «هذا حديث غريب» (5).


1) الأحكام 6: 805.

2) سنن الترمذي 5: 271؛ صحيح ابن حبان 15: 328؛ المعجم الأوسط 4: 140 و 5: 344؛ مسند الشاميين 2: 57؛ المستدرك على الصحيحين 3: 75 و 4: 333؛ مجمع الزوائد 9: 53 و 295؛ كشف الخفاء 1: 160؛ تاريخ مدينة دمشق 41: 422؛ لسان العرب 8: 6.

3) مجمع الزوائد 9: 53.

4) مجمع الزوائد 9: 295.

5) تاريخ مدينة دمشق 44: 227.

و قال ابن حجر بعد ذكره الرواية عن أحمد بن خليل، عن إبراهيم بن محمد الحلبي، عن محمد بن عبد اللَّه بن عمر بن القاسم، عن مالك، عن نافع، عن إبن عمر مرفوعاً، قال: «فهذا لا أصل له من حديث مالك، بل هو معروف من حديث حذيفة بن اليمان، وقال الدارقطني: العمري هذا يحدّث عن مالك بالأباطيل! وقال ابن مندة: له مناكير، انتهى. وقال العقيلي بعد تخريجه: هذا حديث منكر لا أصل له، و أخرجه الدارقطني من رواية أحمد الخليلي الضمري بسنده، وساق بسند كذلك، ثم قال: لا يثبت، والعمري هذا ضعيف» (1).

و عن السيد الفاضل المحقق العبري في شرح منهاج الأصول للمفسر البيضاوي عند مبحث الإجماع: «إنّ حديث اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر موضوع» (2).

و في النقاش الدلالي قال الآمدي: «.. وكذلك الكلام في قوله:

اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، كيف وأنّ ذلك مما يوجب إجماع أبي بكر وعمر مع باقي الصحابة لهم حجة قاطعة، وهو خلاف الإجماع من الصحابة» (3).

و قال الشيخ المفيد حول الحديث: «هذا حديث موضوع، والخلل في سنده مشهور، والتناقض في معناه ظاهر، وحاله في متضمنه لائحة للمعتبر الناظر. فأما خلل إسناده: فإنه معزي إلى عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، ثمّ يرفعونه منهما تارة إلى حذيفة بن اليمان، وتارة إلى حفصة بنت عمر بن الخطاب. فأما عبد الملك بن عمير (4)


1) لسان الميزان 5: 237.

2) الرواشح السماوية: 194.

3) الأحكام 1: 234.

4) قال أحمد بن حنبل: عبد الملك بن عميرمضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، وذكر إسحاق الكوسج عن أحمد أنه ضعّفه جدّاً، وعن يحيى بن معين: مخلّط. انظر: سير أعلام النبلاء 6: 222/ ترجمة 810.

فمن أبناء الشام، وأجلاف محاربي أمير المؤمنين عليه السلام، المشتهرين بالنصب والعداوة له ولعترته، ولم يزل يتقرّب بني أمية بتوليد الأخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن في أمير المؤمنين عليه السلام، حتى قلّدوه القضاء، وكان يقبل فيه الرّشا، ويحكم بالجور والعدوان، وكان متجاهراً بالفجور والعبث بالنساء، فمن ذلك أن الوليد بن سريع خاصم أخته كلثم بنت سريع إليه في أموال وعقار، وكانت كلثم من أحسن نساء وقتها وأجملهنّ فأعجبته، فوجه القضاء على أخيها تقرّباً إليها، وطمعاً فيها، فظهر ذلك عليه واستفاض عنه (1).

وأما روايته عن حفصة بنت عمر بن الخطاب فهي من البرهان على فساده، ووجوب سقوطه في الحجاج، لأنّ حفصة متهمة فيما ترويه من فضل أبيها وصاحبه، ومعروفة بعداوتها لأمير المؤمنين عليه السلام وتظاهرها ببغضه وسبّه والإغراء به، والانحطاط في هوى أختها عائشة بنت أبي بكر في حربه والتألّب عليه، ثم لاجترارها بما يتضمّنه أفضل وجوه النفع إليهما به» (2).

و قال الشيخ الطوسي: «قوله:

اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، لا يصحّ الاحتجاج به، لأنه خبر واحد لا يوجب العلم، ومسألة الإمامة مسألة علمية لا يجوز الرجوع إلى مثله فيها، وأيضاً: فإنه مطعون على راويه، مذكور ذلك في الكتب، لأنه رواه عبد الملك بن عمير اللخمي كان فاسقاً جريّاً على اللَّه، وهو الذي قتل عبد اللَّه بن يقطر رسول الحسين بن علي عليه السلام إلى مسلم بن عقيل، حين رمى به إبن زياد من فوق القصر وبه رمق، فأجهز عليه، فلمّا عوتب على ذلك قال: إنّما أردت أن أريحه، إستهزاءً بالقتل وقلة مبالاة، وكان يتولّى القضاء لبني أمية، وكان مروانياً شديد النصب والانحراف عن أهل البيت عليهم السلام، ومن هذه صورته لا تقبل روايته..» (3).

و ناقش الشهيد نور اللَّه


1) انظر شرح نهج البلاغة 17: 62؛ تاريخ مدينةدمشق 63: 133.

2) الإفصاح: 222.

3) انظر: تلخيص الشافي: 389.

التستري الخبر سنداً ودلالة من وجوه:

أما أولًا: فقد ذكر ما أفاده الشيخ المفيد، ثم قال:

و أما ثانياً: فلأنه إن أريد به تخصيص الاقتداء بهما من كلّ وجه فيلزم نفي إمامة علي عليه السلام وعثمان والاقتداء بهما، ومنافاته لما رووه من حديث: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»، وإن أريد به الاقتداء بهما في الجملة فجاز أن يكون الاقتداء بهما في بعض الأمور، بل يكون قضية في واقعة، فلا يجب استحقاقهما للإمامة.

و أما ثالثاً: فلأنه قد ظهر اختلاف كثير بين أبي بكر وعمر فيلزم أن يكون الناس مأمورين بالعمل بالمختلفين، وذلك لا يليق بحال النبي صلى الله عليه و آله.

و أما رابعاً: فلأنه لو صحّ هذا الحديث بالمعنى الذي فهموه منه لكان نصّاً على إمامتهما، ولما وقعت المنازعة بين الصحابة في تعيين الإمام بعد النبي صلى الله عليه و آله وقد وقعت، فمال بعضهم إلى علي عليه السلام، وبعضهم إلى أبي بكر، وقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، ولما احتاج أبو بكر في مدافعة الأنصار إلى الاحتجاج عليهم بعشيرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وقومه، وما شاكل ذلك، فكان يقول: يا معشر الأنصار، قد أمركم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وغيركم بالاقتداء بنا في جميع الأمور! فليس لكم مخالفة أمره عليه السلام، ونحن نعلم قطعاً أنه مع وجود مثل هذه الحجة لا يتمسك بغيرها، فلما لم يذكرها علمنا أنه موضوع.

و أما خامساً: فلتطرق تهمة التحريف إلى راويه، ولعله صلى الله عليه و آله قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبابكر وعمر»، على أن يكونا مأمورين بالاقتداء، واللذان بعد النبي صلى الله عليه و آله كتاب اللَّه وعترته، كما ذكر في الخبر المشهور المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه و آله:

«إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» (1).


1) الصوارم المهرقة: 99- 100.

أضف إلى ذلك، إنّ هناك خلافاً في صياغة الخبر، بحيث يتغيّر معناه تغييراً جذرياً، حيث روى الحميدي بإسناده عن حذيفة أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: «اقتدوا باللذين بعدي أبوبكر وعمر..» (1).

وروى نحوه ابن عساكر في تاريخه (2).

فبناءاً على رواية الرفع لا يتمّ الاستدلال أيضاً، ولأجل ذلك قال الشيخ الصدوق: إنهم لم يرووا أنّ النّبي صلى الله عليه و آله قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وإنما رووا: أبو بكر وعمر، ومنهم من روى: أبا بكر وعمر، فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب: اقتدوا باللذين من بعدي كتاب اللَّه والعترة يا أبا بكر وعمر، ومعنى قوله بالرفع: اقتدوا أيها الناس أبو بكر وعمر باللذين من بعدي، كتاب اللَّه والعترة (3).

هذا، وقد ظهرت الخدشة في الخبر على جميع القراءات، سنداً ودلالة.

3. التمسك بحديث: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»

قال في سبل السلام:

«.. وهو نحو ما روي عن أبي مسعود، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم (4)، دلّ الحديث على أنّ الدلالة على الخير يؤجر بها الدال عليه، وهو مثل حديث: «من سنّ سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها»، والدلالة تكون بالإشارة على الغير بفعل الخير، وعلى


1) مسند الحميدي 1: 214.

2) تاريخ مدينة دمشق 44: 227.

3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 201؛ بحار الأنوار 49: 191.

4) صحيح مسلم: 960/ 4792 كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل اللَّه..؛ انظر مسند أحمد 4: 120؛ و 5: 273؛ سنن أبي داود 2: 504؛ سنن الترمذي 4: 148/ 2810.

إرشاد ملتمس الخير على أنه يطلبه من فلان، والوعظ والتذكير وتأليف العلوم النافعة، ولفظ خير يشمل الدلالة على خير الدنيا والآخرة» (1).

و فيه:

لا كلام في الكبرى، وإنّما الكلام في الصغرى، فهل التراويح من فعل الخير أم لا؟ فبعد الاعتراف بكونها بدعة لا مجال لتسميتها بالخير، كما قيل في المثل: ثبّت العرش ثم انقش، إذ إنّ الدلالة على الخير إنّما تكون بعد إحراز مطلوبية الأمر، وإلا فلا تكون إلا ضلالًا بل إضلالًا.

روي عن أبي جعفر عليه السلام: «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً، ومن علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئاً» (2).

4. التمسك بحديث «من سنّ سنّة حسنة»

استند البعض إلى حديث: «من سنّ سنة حسنة» لتصحيح فعل الخليفة.

قال ابن الأثير:

«البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر اللَّه به و رسوله صلى الله عليه و آله فهو في حيّز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللَّه إليه و حضّ عليه أو رسوله فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: «من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها»، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر اللَّه به ورسوله، قال: ومن هذا النوع قول عمر رضى الله عنه: نعمت البدعة هذه، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيّز المدح سماها بدعة ومدحها، لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يسنّها لهم، وإنّما صلاها ليالي ثمّ تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في


1) سبل السلام 4: 170.

2) الكافي 1: 35؛ وسائل الشيعة 16: 173.

زمن أبي بكر، وإنّما عمر رضي اللَّه عنه جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سماها بدعة!..» (1).

و فيه:

أولًا: قد مضى عدم إمكان تقسيم البدعة في الشريعة إلى بدعة هدى وبدعة ضلال، فلا نعيده، وذلك لأن البدعة أمر قبيح غير قابل للتقسيم إلى الحسن والسي‌ء، فلا تتصف إلّابصفة واحدة وهي السيئة لا غيرها، كما لا يمكن تقسيم الظلم إلى الظلم الحسن والقبيح.

و ثانياً: ما ذكر من الأمور الثلاثة وإن كان لا بأس به في الجملة، إلّاأنّ التراويح تقع في القسم الأول منه! وذلك لورود النهي.

و ثالثاً: السنة (2)

و قال القرطبي في تفسيره 4: 216: والسنن جمع سنة وهي الطريق المستقيم، وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شي‌ء من الأهواء..

لغة هي الطريقة، قال المناوي: السنن جمع سنة وهو لغة الطريقة. وقال الزمخشري: «سنّ سنة حسنة طرق طريقة حسنة، واستنّ سنة وفلان مستسن: عامل بالسنة، وعرفاً قول المصطفى وفعله وتقريره» (3).

فبناءاً على المعنى اللغوي، إذا أحرز حسن الطريقة ومشى عليها استن بالسنة الحسنة، وإلّا فلا، حتى مع الشك، وبناءاً على المعنى العرفي لابد من إحراز قول النبي و فعله وتقريره والمفروض عدمه، وإلّا لما أطلق عليه عنوان البدعة.

و أما اذا لم يسلك الطريقة الحسنة واختار ما يقابلها من السنة السيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وذلك لأجل استمرار العمل فيما بعده.

سئل الشيخ المفيد عن قوله تعالى: علمت نفس ما قدمت وأخّرت «4»(4)،


1) النهاية 1: 107.

2) قال الطبري في جامع البيان 4: 133: السنة هي المثال المتبع، والامام المؤتم به، يقال منه: سن فلان فينا سنةحسنة، وسن سنة سيئة إذا عمل عملًا اتبع عليه من خير وشر.

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 18.

4) الانفطار: 5.

وعن قوله تعالى ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخّر (1)، وقيل له: ما هو المقدّم هاهنا والمؤخّر؟

فقال: أمّا ما قدمه الإنسان فهو ما عمله في حياته مما لم يكن له أثر بعد وفاته، و أما الّذي أخّره فهو ما سنّه في حياته فاقتدى به بعد وفاته، وهذا مبيّن في قول النبي صلى الله عليه و آله: «من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (2).

و رابعاً: إنّ مضمون الحديث وإن كان مشهوراً بين الفريقين (3)، ولكنّ الاستدلال به في غير موضعه، ويتبين ذلك حينما نتأمل القرائن المحفوفة بالخبر.

قال ابن الأثير: «.. لأنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يسنّها لهم، وإنّما صلّاها ليالي ثمّ تركها، ولم يحافظ عليها، و لا جمع النّاس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر ...»


1) القيامة: 13.

2) الفصول المختارة: 136.

3) أنظر: الكافي 5: 9/ 1؛ تهذيب الأحكام 6: 124/ 217؛ الخصال: 240/ 89؛ الهداية: 59؛ التبيان 1: 187؛ و 3: 502؛ تحف العقول: 343؛ مجمع البيان 1: 186؛ و 3: 322؛ مشكاة الأنوار: 342؛ عوالي اللئالي 1: 285؛ رسائل الشهيد الثاني: 145؛ وسائل الشيعة 15: 24/ 19937؛ بحار الأنوار 74: 164. وانظر: مصنف ابن أبي شيبة 3: 3؛ صحيح ابن حبان 8: 101؛ صحيح ابن خزيمة 4: 112؛ المعجم الأوسط 4: 94؛ المعجم الكبير 2: 315؛ مسند الشاميين 3: 407؛ تفسير الثعالبي 3: 201؛ تاريخ مدينة دمشق 43: 544؛ رياض الصالحين: 143؛ كنز العمال 15: 779؛ الدر المنثور 2: 115؛ نيل الأوطار 7: 198؛ فقه السنة 1: 568.

روى أحمد بن حنبل باسناده عن جرير قال: «كنّا عند رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتاني النمار أو العباء، متقلّدي السّيوف، عامتهم من مضر بل كلّهم من مضر، فتغيّر وجه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لما رأى بهم من الفاقة. قال: فدخل ثمّ خرج، فأمر بلالًا، فأذّن وأقام، فصلّى، ثمّ خطب فقال:

يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إنّ اللَّه كان عليكم رقيباً (1). وقرأ الآية الّتي في الحشر: و لتنظر نفس ما قدّمت لغد (2)، تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره، حتّى قال: ولو بشقّ تمرة. قال: جاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثمّ تتابع النّاس حتّى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يتهلّل وجهه، يعني كأنه مذهبة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أجورهم شي‌ء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شي‌ء» (3).

و روى الطبرسي أنّ سائلًا قام على عهد النبي صلى الله عليه و آله، فسأل فسكت القوم. ثمّ إنّ رجلًا أعطاه فأعطاه القوم. فقال النبي صلى الله عليه و آله: «من استنّ خيراً فاستنّ به، فله أجره و مثل أجور من اتبع من غير منتقص من أجورهم، ومن استنّ شرّاً فاستنّ به، فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم» (4).

إنّ المقصود من السنة في هذه الرواية إحدى هذه الأمور:

الأول: المبادرة إلى فعل الخير وتعليم الغير إيّاه، وإجراء عادة حسنة شرعاً وترويجها بين الناس، وترغيبهم على ذلك، كمثل إفشاء السلام والابتداء به، وإنشاء المبرّات الجارية وما شابهه. وهذا المعنى مقبول ولكنه بعد إحراز مطلوبيته شرعاً، وإلّا فإذا كان الأمر راجعاً إلى العبادات الشرعية، فبناءاً على توقيفية العبادات، لا يجوز لأحد أن يخترع شيئاً ويضيفه إلى الشارع، ويدخل في عنوان البدعة.

قال النووي في شرح الخبر: «فيه الحثّ على الابتداء بالخيرات وسنّ السنن


1) النساء: 1.

2) الحشر: 18.

3) مسند أحمد 4: 358؛ ونحوه فيه 4: 361؛ صحيح مسلم 8: 61؛ سنن الدارمي 1: 131.

4) مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 286.

الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات» (1).

الثاني: المقصود هو إحياء السنة، وهو في فرض ثبوت أصل السنة في أمر، كمثل سنة الاعتكاف. وهذه السنة هي سنة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله (2)، ويؤيده ما رواه ابن ماجة باسناده عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنه قال: «من أحيا سنة من سنّتي فعمل بها النّاس، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة فعمل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً» (3).

و روى الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلّاثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته إلى يوم القيامة،- صدقة موقوفة لا تورث-، أو سنة هدى سنّها فكان يعمل بها، وعمل بها من بعده غيره، أو ولد صالح يستغفر له» (4).

فظهر أنّ التمسك بهذا الحديث لا يثبت المرام، بل يثبت خلافه!، إذ الممدوح إحياء سنة ثابتة، وأما البدعة والاختراع في أمر الشريعة فهي منهي عنها، كما روى الإمام مالك أيضاً عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنه قال: «ما من داع يدعو إلى هدى إلّا كان له مثل أجر من اتّبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وما من داع يدعو إلى ضلالة إلّاكان عليه مثل أوزارهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً» (5).

و كما جاء أيضاً في وصايا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لابن مسعود: «إياك أن تسنّ سنة بدعة، فإنّ العبد إذا سنّ سنّة سيئة لحقه وزرها ووزر من عمل بها..» (6).

فتحصل: أن روايات «من سنّ سنة حسنة» ليست تخصيصاً للروايات


1) شرح مسلم 7: 104.

2) انظر منتهى المطلب 1: 318.

3) سنن ابن ماجة: 70/ 209 «كتاب السنة، باب من أحيا سنّة قد أميتت».

4) الخصال: 151/ 184.

5) الموطأ 1: 218/ 41.

6) مكارم الأخلاق: 454؛ مستدرك سفينة البحار 5: 184.

الرادعة عن البدعة، بل إنّها خارجة عنها تخصصاً، لا تخصيصاً، لخروجها الموضوعي، كما أنّ قرينة المقابلة بين صدر الخبر وذيله- أعني السنة الحسنة والسيئة- تؤيد ذلك، كما هو واضح.

5. محاولة الحافظ ابن رجب

جاء في عون المعبود عند قوله «و إيّاكم ومحدثات الأمور..»:

قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: «فيه تحذير للأمّة من اتّباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله: «كلّ بدعة ضلالة» والمراد بالبدعة ما أحدث ممّا لا أصل له في الشّريعة يدلّ عليه، وأمّا ما كان له أصل من الشّرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً! وإن كان بدعة لغة، فقوله صلى الله عليه و آله: «كلّ بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شي‌ء، وهو أصل عظيم من أصول الدّين، وأمّا ما وقع في كلام السّلف من استحسان بعض البدع فإنّما ذلك في البدع اللّغويّة لا الشّرعيّة، فمن ذلك قول عمر رضى الله عنه في التّراويح: نعمت البدعة هذه، وروي عنه أنّه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة!» (1).

و فيه نقاط للنّقاش:

أوّلًا: تفسيره للبدعة حسن، ولكنّ إخراجه ما كان له أصل من الشرع من دائرة البدعة يوجب انهدام أصله، وذلك لأنّه لابدّ أن يبيّن المراد من الأصل، فلو كان المراد أنّه يوجد ما كان موجوداً في أصل الشّريعة ولو على نحو الموجبة الجزئيّة فهو خارج عن البحث، إذ لو كان ذلك لكانت السنّة تثبت به، وأما لو كان المراد وجود ما يشابهه فما من بدعة إلّاولها أصل في الشّريعة، ولجاز- افتراضاً- للمبتدع أن يأتي بصلاة ذات خمس ركعات بحجّة أنّ لها أصلًا في الشّرع، أو أن يأتي بالحجّ في غير الموسم، أو أن يضيف في الرّكوع والسّجود وما شابه ذلك..

وهل يلتزم القائل بهذه البدع والأباطيل؟!


1) عون المعبود 12: 235.

و ثانياً: أنّ هذه البدع تقع في دائرة الشّريعة، ولا معنى لإدخالها في دائرة اللّغة، إذ لو كان ذلك جائزاً لجاز للكلّ أن يحدثوا في الدّين ويبتدعوا فيه بحجّة أنّنا أحدثنا شيئاً فيه بالمعنى اللغوي! وهو كما ترى، إذ تجويز ذلك يعني حصول البلبلة في الدّين، وعدم وجود مصداق للبدعة المحرّمة أصلًا!

وهذه هي البدعة الّتي لا تجتمع مع السّنّة، إذ هما متضادّان، كما قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «ما أحدثت بدعة إلّاترك بها سنّة» (1).

6. محاولة القاضي عبد الجبار المعتزلي

وحاول القاضي عبد الجبار المعتزلي أن يجد مخرجاً، فقال:

«إنّ قيام شهر رمضان قد روي عن النّبي صلى الله عليه و آله أنه عمله ثمّ تركه، وإذا عُلِم أنّ الترك ليس بنسخ صار سنة يجوز أن يعمل بها، وإذا كان ما لأجله ترك عليه السلام من التنبيه بذلك على أنه ليس بفرض ومن تخفيف التعبّد ليس بقائم في فعل عمر لم يمتنع أن يدوم عليه، وإذا كان فيه- قيام شهر رمضان جماعة- الدعاء إلى الصلاة والتشدّد في حفظ القرآن، فما الّذي يمنع أن يعمل به على وجه مسنون؟!» (2).

و فيه:

أولًا: قد ذكرنا الأخبار الواردة في هذا الشأن، وقلنا إنها مخدوشة سنداً أو دلالة، فبعضها راجع إلى صلاة الليل وهي خارجة عن البحث، ولا أقل توجب الإجمال، وتخرج عن دائرة التمسك والاستدلال، وبعضها ضعيف سنداً كما مرّ.

وأما ما فعله الرسول صلى الله عليه و آله فهو ترك الناس حينما كانوا يجتمعون للصلاة خلفه، و هو كاشف عن عدم رضاه، كما روى محمد بن يحيى قال:

كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فسئل: هل يزاد في شهر رمضان في صلاة


1) نهج البلاغة، خطبة 145.

2) الشافي في الإمامة 4: 217.

النوافل؟ فقال: «نعم، قد كان رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله يصلّي بعد العتمة في مصلاه ويكثر، وكان الناس يجتمعون خلفه ليصلّوا بصلاته، فإذا كثروا خلفه تركهم ودخل منزله، فإذا تفرّق الناس عاد إلى مصلاه فصلّى كما كان يصلّي، فإذا كثر الناس خلفه تركهم ودخل، وكان يصنع ذلك مراراً» (1).

و ثانياً: أجاب السيد المرتضى قدس سره بقوله: «و أما التراويح فلا شبهة أنها بدعة.. و اعترف- عمر- بأنها بدعة، وقد شهد الرسول صلى الله عليه و آله بأنّ كلّ بدعة ضلالة.. فإن ادّعى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله صلاها جماعة في أيامه فإنها مكابرة ما أقدم عليها أحد، ولو كان كذلك ما قال عمر: «إنها بدعة»، وإن أراد غير ذلك فهو ما لا ينفعه، لأنّ الذي أنكرناه غيره، والذي ذكره من أنّ فيه التشدّد في حفظ القرآن والمحافظة على الصلاة ليس بشي‌ء، لأنّ اللَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله بذلك أعلم، ولو كان كما قاله لكانا يسنّان هذه الصلاة ويأمران بها، وليس لنا أن نبدع في الدين بما يظنّ أنّ فيه مصلحة، لأنه لا خلاف في أنّ ذلك لا يسوغ ولا يحل» (2).

7. محاولة ابن أبي الحديد المعتزلي

ثم إنّ ابن أبي الحديد المعتزلي ذكر أنّ لفظ البدعة يطلق على مفهومين:

أحدهما: ما خالف الكتاب والسنّة، مثل صوم يوم النحر وأيام التشريق، فإنّه وإن كان صوماً إلّاأنه منهيّ عنه.

و الثاني: ما لم يرد فيه نصّ، بل جرى السكوت عليه، ففعله المسلمون بعد وفاة رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله.

فإن أريد كون صلاة التراويح بدعة بالمفهوم الأوّل فلا نسلّم ذلك وقول عمر: «إنّها لبدعة» خبر مشهور، أراد به البدعة بالتفسير الثاني (3).


1) تهذيب الأحكام 3: 60/ 205؛ الاستبصار 1: 461/ 1795؛ وسائل الشيعة 8:/ 22/ 10024.

2) الشافي في الإمامة 4: 219- 220.

3) انظر شرح نهج البلاغة 12: 284.

وفيه:

أولًا: مضى أنّ البدعة عبارة عن إدخال ما ليس من الدين في الدين، وأما ما لم يرد فيه نص، فإن لم تشمله سائر الأدلة من العمومات والإطلاقات فيدخل في دائرة المباحات الشرعية، أو يكون مجرى لأصالة البراءة فيه، لا أن يدخل في البدع اللغوية.

و ثانياً: إن جعل صلاة خاصة في أيام خاصة وفي شكل خاص هو بعينه كجعل صوم خاص في يوم خاص بشكل خاص، فإذا لم يكن هناك ترخيص من قبل الشارع فيدخل في دائرة البدع المصطلحة المحرّمة.

و أما ما حاوله البعض من تقسيم البدعة- بحسب الأحكام الخمسة- إلى بدعة محرمة، ومكروهة، ومباحة، وواجبة، ومستحبة (1).

ففيه: إنّ البدعة- كما مرّ- عبارة عن إدخال ما ليس من الدين في الدين، وهي أمر قبيح في حدّ نفسه، لا يقبل التقسيم، فكما أنّ الظلم أمر قبيح في حدّ نفسه غير قابل للتقسيم إلى الظلم الحسن والقبيح، كذلك البدعة غير قابلة للتقسيم بالبدعة الحسنة والقبيحة. وذلك لوضوح قبح الافتراء على الشريعة وحرمته.

8. محاولة سلطان العلماء أبو محمد

قال سلطان العلماء أبو محمد:

«إنّ البدعة ثلاثة أضرب:

أحدها: ما كان مباحاً،


1) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 253/ 7277؛ جامع الأصول في أحاديث الرسول 1: 280/ 67.

كالتوسع في المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فلا بأس بشي‌ء من ذلك.

الضرب الثاني: ما كان حسناً، وهو كلّ مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشي‌ء منها، كصلاة التراويح وبناء الربط والخانات والمدارس وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكذلك الاشتغال بالعربية، فإنه مبتدع ولكن لا يتأتى تدبر القرآن وفهم معانيه إلّابمعرفة ذلك، فكان ابتداعه موافقاً لما أمرنا به من تدبر آيات القرآن وفهم معانيه، وكذلك الأحاديث وتدوينها و تقسيمها إلى الحسن والصحيح والموضوع والضعيف مبتدع حسن، لما فيه من حفظ كلام رسول اللَّه أن يَدْخُلَه ما ليس فيه، أو يخرج منه ما هو فيه، وكذلك قواعد الفقه وأصوله، وكلّ ذلك مبتدع حسن موافق لأصول الشرع غير مخالف لشي‌ء منها.

الضرب الثالث: ما كان مخالفاً للشرع أو ملتزماً لمخالفة الشرع..» (1).

و فيه:

أولًا: إن المتفق عليه عند المسلمين كافّة أنّ صلاة التراويح لم تقم في عهد الرسول صلى الله عليه و آله ولا بعده، وإنّما أوجدها الخليفة عمر، وقال بأنها بدعة، فهي عبارة عن إدخال ما لم يكن في الدين فيه، وبذلك تخرج عن الإطار اللغوي وتدخل في الإطار المصطلح، وعليه فتدخل في الضرب الثالث من تقسيمه، فما يقال من جانبهم في صلاة الرغائب جار هنا أيضاً.

و ثانياً: إن سلطان العلماء خلط في مصاديق الضرب الثاني من تقسيمه البدعة، حيث إنه عطف أموراً مختلفة وغير متجانسة بعضها على بعض، وبذلك أراد أن يوجد مفرّاً لفعل الخليفة، إذ إن بعضها راجع إلى المبرات والمشاريع الخيرية، مثل بناء الربط والخانات والمدارس، ممّا يدخل في عنوان التعاون على الخير، وينطبق عليه عموم التعاون على البرّ والتقوى، وهذا له أصل بيّن، وأين ذلك من البدعة؟!

وبعضها راجع إلى التعلم والتعمق فيه، أو يكون مقدمة لفهم


1) طبقات الشافعية الكبرى 8: 251.

الدين، ويجري فيه عنوان التفقه في الدين واكتساب مقدماته، ولا ريب في حسن ذلك أو وجوبه في بعض الأحيان، وأين ذلك من البدعة؟!

وأما صلاة التراويح فليست من هذاالقبيل، ولايمكن‌توصيفها بالحسنة بمجرّد عطفها على أمور حسنة، إذ شأنها شأن الحجر في جنب الإنسان.

وثالثاً: إنّ ما مثل به من تقسيم الأحاديث إلى الانقسامات المعروفة إنّما يثبت به خلاف مدعاه، إذ إنّ المسلمين وعلماءهم قاموا بتقسيم الأحاديث بهذا التقسيم حفظاً للسنة النبوية من التحريف وصوناً لها من الاندراس المعنوي، فظهر أن الداعي لهم كان حفظ السنة كما هي، ورفضهم التلاعب بها، وأما صلاة التراويح فليست كذلك، إذ المفروض والمتفق عند الكل أنها لم تكن على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وإنما أوجدت بعده، فالإصرار عليها بمثابة إدخال الأحاديث الضعيفة في السنة.

و رابعاً: إن ما ذكره من الأمثلة في الضرب الأول والثاني- ما عدا صلاة التراويح- نوافقه في حسنها، ونخالفه في إطلاق البدعة عليها، فإنّها إما راجعة إلى المباحات الأصلية، أو جارية في حقها سائر العناوين من الاستحباب أو الوجوب أحياناً، فتكون خارجة عن الكلام.

أيّ بدعة في صلاة التّراويح؟

هل البدعة في صلاة التّراويح، من البدعة المحرّمة أم لا؟ لا بدّ هنا من ملاحظة الأقوال:

قال ابن أبي الحديد:

البدعة: كلّ ما أحدث ممّا لم يكن على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فمنها الحسن كصلاة التّراويح، ومنها القبيح كالمنكرات الّتي ظهرت في أواخر الخلافة العثمانيّة، وإن كانت قد تكلّفت الأعذار عنها (1).

و فيه:

لا معنى لتوصيف التراويح بكونها من البدعة الحسنة بعد الإقرار بأنها بدعة، و أمّا المنكرات المشار إليها فهي فسق وفجور، لا أنها من


1) شرح نهج البلاغة 9: 94.

البدع القبيحة، إذ ليست داخلة في الدّين أساساً.

قال العلامة المجلسي قدس سره:

إحداث أمر في الشّريعة لم يرد فيها نصّ بدعة، سواء كانت أصلها مبتدعاً، أو خصوصيّتها مبتدعة، فما ذكره المخالفون أنّ البدعة منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة تصحيحاً لقول عمر في التّراويح: «نعمت البدعة» باطل، إذ لا تطلق البدعة إلّا على ما كان محرّماً، كما قال رسول‌اللَّه صلى الله عليه و آله: «كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النّار»، وما فعله عمر كان من البدعة المحرّمة، لنهي النّبي صلى الله عليه و آله عن الجماعة في النّافلة، فلم ينفعهم هذا التّقسيم (1).

أمّا النّسبة إلى صلاة التّراويح فهناك بدعتان:

1.

بدعة أصل إقامتها جماعة.

2.

بدعة القصر على هذا العدد المعيّن.

قال القسطلاني عند بلوغه قولَ عمر: «نعمت البدعة هذه» ما هذا لفظه: «سمّاها بدعة، لأنّه صلى الله عليه و آله لم يسنّ لهم الإجتماع لها، ولا كانت في زمن الصدّيق، ولا أوّل اللّيل، ولا هذا العدد» (2).

أكذوبة استحباب صلاة التراويح

بعد ما ذكرنا أنّها بدعة، كما ادّعاها الخليفة عمر وغيره من الصّحابة والتّابعين و الفقهاء، فلا يبقى مجال للقول باستحبابها، إذ لا يثبت الإستحباب إلّابالحجّة الشرعيّة، كالوجوب والحرمة والكراهة، ممّا يكون أمره بيد الشّارع المقدّس، لا غيره، وإن كان من الصّحابة، إذ الصحابي شأنه شأن سائر المسلمين، من لزوم تنفيذ ما أمضاه الشرع، لا أن يحدث أمراً في الدّين، ويبتدع.

و من هذا المنطلق يظهر ضعف قول الرّافعي:

«و تستحبّ الجماعة في التّراويح، تأسّياً بعمر رضى الله عنه!» (3).


1) بحار الأنوار 71: 203.

2) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 4: 656 كتاب التراويح، باب فضل من قام رمضان؛ عنه صلاة التراويح: 14.

3) فتح العزيز 4: 246.

و ذلك لأجل أنّ السّنّة تثبت بفعل النّبي صلى الله عليه و آله، لا صحابته.

قال اللَّه سبحانه وتعالى:

ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1).

وقال:

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَأمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (2).

و قال سبحانه:

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (3).

فظهر أنّه يلزم على الصّحابة أن يتابعوا الرّسول في سنّته، كسائر المسلمين، لا أن يشاركوه في التّشريع ووضع السّنن.

التّراويح في كلام أئمّة أهل البيت عليهم السلام

الرّوايات الصّادرة عن أهل البيت عليهم السلام تنفي بجدّ


1) الحشر: 7.

2) الأعراف: 158.

3) آل عمران 31- 32.

مشروعيّة صلاة التّراويح، وتؤكّد على بدعتها، والمستفاد من بعضها أنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله نهى عن إقامة نوافل رمضان جماعة، ونذكر بعض هذه الروايات ممّا يدلّ على ردّهم القولي والفعلي:

1. روى ابن شعبة الحرّاني عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليهما السلام أنّه قال:

«لا يجوز التّراويح في جماعة» (1).

2. روى الشّيخ الصّدوق بأسانيده عن زرارة ومحمّد بن مسلم والفضيل أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر عليهما السلام وأبا عبد اللَّه الصّادق عليه السلام عن الصّلاة في شهر رمضان نافلة باللّيل في جماعة، فقالا:

«إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَقُومُ فَيُصَلِّي، فَخَرَجَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِيُصَلِّيَ كَمَا كَانَ يُصَلِّي، فَاصْطَفَّ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى بَيْتِهِ وَ تَرَكَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَقَامَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:

«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ النَّافِلَةِ فِي جَمَاعَةٍ بِدْعَةٌ، وَ صَلَاةَ الضُّحَى بِدْعَةٌ، أَلَا فَلَا تَجَمَّعُوا لَيْلًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَ لَا تُصَلُّوا صَلَاةَ الضُّحَى، فَإِنَّ تِلْكَ مَعْصِيَةٌ، أَلَا وَ إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَ كُلَّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ»، ثُمَّ نَزَلَ وَ هُوَ يَقُولُ: «قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ» (2).

3. وروى أيضاً بإسناده عن عمّار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن الصّلاة في رمضان في المساجد، فقال:

«لَمَّا قَدِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الْكُوفَةَ أَمَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عليه السلام أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ لَا صَلَاةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، فَنَادَى فِي النَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام بِمَا أَمَرَهُ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ مَقَالَةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام صَاحُوا: وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ! فَلَمَّا رَجَعَ الْحَسَنُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ لَهُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟


1) تحف العقول: 419؛ وسائل الشّيعة 8: 47.

2) وسائل الشّيعة 8: 48، ح 10062.

قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، النَّاسُ يَصِيحُونَ: وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ! فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام:

قُلْ لَهُمْ: صَلُّوا! (1)» (2).

4. وروى أيضاً بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي، قال خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمّ صلّى على النّبيّ صلى الله عليه و آله، ثمّ قال:

«أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَلَّتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَ طُولُ الْأَمَلِ، إِلَى أَنْ قَالَ: قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ، فَاتِقِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيِّرِينَ لِسُنَّتِهِ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي أَوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِي، إِلَى أَنْ قَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ، وَ أَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ اجْتَماعَهُمْ فِي النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ، فَتَنَادَى بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ مَعِي: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ! غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ! يَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَطَوُّعاً، وَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَثُورُوا فِي نَاحِيَةِ جَانِبِ عَسْكَرِي» الْحَدِيثَ (3).

5. وروى ابن إدريس عن كتاب أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السلام قالا:

«لَمَّا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِالْكُوفَةِ أَتَاهُ النَّاسُ، فَقَالُوا لَهُ: اجْعَلْ لَنَا إِمَاماً يَؤُمُّنَا فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا، وَ نَهَاهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِيهِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا جَعَلُوا يَقُولُونَ: ابْكُوا رَمَضَانَ! وَا رَمَضَانَاهْ! فَأَتَى الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ فِي أُنَاسٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ضَجَّ النَّاسُ، وَ كَرِهُوا قَوْلَكَ! قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: دَعُوهُمْ وَ مَا يُرِيدُونَ، لِيُصَلِّ بِهِمْ مَنْ


1) قال الشيخ الطوسي: ألاترى أنه عليه السلام لما أنكر الصلاة في شهر رمضان، أنكر الاجتماع فيها، ولم ينكر نفس الصلاة، ولو كان نفس الصلاة منكراً مبتدعاً لأنكره كما أنكر الاجتماع فيها.. فلما رأى أنّ الأمر يفسد عليه ويفتتن الناس، أجاز وأمرهم بالصلاة على عادتهم، فكل هذا واضح. تهذيب الأحكام 3: 70/ 226- 227.

2) وسائل الشّيعة 8: 46، ح 10063.

3) وسائل الشّيعة 8: 46، ح 10065.

شَاءُوا، ثُمَّ قَالَ: وَ مَنْ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (1).

6. وقال العالم عليه السلام:

«قيام رمضان بدعة، وصيامه مفروض» (2).

7. وروى القاضي نعمان عن الإمام جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال:

«صوم شهر رمضان فريضة، والقيام في جماعة في ليله بدعة، وما صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ولو كان خيراً ما تركها، وقد صلّى في بعض ليالي شهر رمضان وحده صلى الله عليه و آله، فقام قوم خلفه، فلمّا أحسّ بهم دخل بيته، ففعل ذلك ثلاث ليال، فلمّا أصبح بعد ثلاث ليال صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، لا تصلّوا غير الفريضة ليلًا في شهر رمضان ولا في غيره في جماعة، إنّ الّذي صنعتم بدعة، ولا تصلّوا ضحى، فإنّ الصلوة ضحى بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النّار، ثمّ نزل وهو يقول: عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة» (3).

هذا بالنسبة إلى خصوص صلاة التراويح، وهناك بعض الأخبار الناهية عن إتيان الصلوات المندوبة جماعة، نشير إليها في الفصل الآتي.

أقوال علماء الشّيعة

لا شك في استحباب إتيان نوافل شهر رمضان فرادى، وأمّا إتيانها جماعة فقد أجمع علماء الشّيعة الإماميّة على كونه بدعة.

والمستند في ذلك صنفان من الأخبار:

الأول: الأخبار الدالة على منع إتيان النوافل جماعة، وشمول المورد


1) مستطرفات السّرائر: 146، ح 18؛ تفسير العيّاشي 1: 275، ح 272؛ وسائل الشّيعة 8: 47، ح 10066.

2) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: 125.

3) دعائم الإسلام 1: 213؛ مستدرك الوسائل 6: 217، ح 6773؛ وانظر الصراط المستقيم 3: 26.

بإطلاقها وعمومها.

مثل قوله عليه السلام: «لا جماعة في نافلة» (1). و قوله عليه السلام: «النافلة في جماعة بدعة» (2). و قوله عليه السلام: «و لا يصلّى التطوّع في جماعة، لأنّ ذلك بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار» (3). و قوله عليه السلام: «و لا يجوز أن يصلّي التطوع في جماعة، لأنّ ذلك بدعة» (4).

الثاني: الأخبار المانعة من إتيان خصوص نوافل شهر رمضان جماعة، وتسميتها بدعة، ذكرناها سابقاً.

منها: ما جاء في صحيحة الفضلاء:

«إنّ الصلاة باللّيل في شهر رمضان في جماعة بدعة» (5).

و من أجل ذلك ادّعي الإجماع على بدعتها وحرمتها.

و اليك بعض الأقوال:

1. السّيّد المرتضى: «أمّا التّراويح فلا شبهة أنّها بدعة» (6). و قال:

«الإجماع (7)في نوافل شهر رمضان بدعة، والسنّة هو التطوع بها فرادى. والوجه أيضاً في ذلك من إجماع الفرقة المحقّة على تبديع من جمع بهذه الصلاة، ولأنّه ليس في تركها حرج ولا إثم عند أحد من الأئمة، وفي فعلها على الإجماع إثم وبدعة.

فالأحوط العدول عنها» (8).


1) الاستبصار 1: 465؛ تهذيب الأحكام 3: 65؛ وسائل الشيعة 8: 32/ 10040.

2) من لا يحضره الفقيه 2: 137/ 1964؛ الاستبصار 1: 468؛ تهذيب الأحكام 3: 70/ 326؛ وسائل الشيعة 8: 45/ 10062.

3) الخصال: 606/ 9؛ وسائل الشيعة 8: 335/ 10829.

4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 131.

5) من لا يحضره الفقيه 2: 137/ 1964؛ تهذيب الأحكام 3: 70/ 226؛ وسائل الشيعة 8: 45/ 10062.

6) الشّافي في الإمامة 4: 219؛ شرح نهج البلاغة 12: 282.

7) أي الجماعة.

8) رسائل الشريف المرتضى 1: 221، مسئلة 18.

و قال أيضاً: «و ممّا ظنّ انفراد الإماميّة به المنع من الاجتماع في صلاة نوافل شهر رمضان وكراهية ذلك، وأكثر الفقهاء يوافقهم على ذلك، لأنّ المعلّى روى عن أبي يوسف أنه قال: من قدر على أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع‌الإمام في شهر رمضان فأحبّ إليّ أن يصلّي في بيته. وكذلك قال مالك، قال: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون، ولا يقومون مع الناس. وقال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام النبي صلى الله عليه و آله إلّافي بيته. وقال الشافعي: صلاة المنفرد في قيام شهر رمضان أحبّ إليّ، وهذا كلّه حكاه الطّحاوي في كتاب الاختلاف، فالموافق للإمامية في هذه المسألة أكثر من المخالف. والحجّة لنا: الإجماع المتقدّم، وطريقة الإحتياط، فإنّ المصلّي للنّوافل في بيته غير مبدع ولا عاص بإجماع، وليس كذلك إذا صلاها في جماعة، ويمكن أن يعارضوا في ذلك بما يروونه عن عمر بن الخطاب من قوله، وقد رأى اجتماع الناس في صلاة نوافل شهر رمضان بدعة! ونعمت البدعة هي! فاعترف بأنّها بدعة وخلاف السنّة، وهم يروون عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال: كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار» (1).

2.

الشيخ أبو صلاح الحلبي: «.. وإذا ثبت نهي النبي صلى الله عليه و آله عن هذه الصلاة، ووصفها بالبدعة، ووصفها... وصيه عليه السلام بذلك، مع اتفاق الأمة على وصف النبي صلى الله عليه و آله كلّ بدعة بالضلال، ثبت منعها وضلال الآمر بها» (2).

3.

الشّيخ الطّوسي: «نوافل شهر رمضان تصلّى منفرداً، والجماعة فيها بدعة، وقال الشّافعي: صلاة المنفرد أحبّ اليّ منه، دليلنا: إجماع الفرقة، فانّهم لا يختلفون في أنّ ذلك بدعة. وأيضاً: روى زيد بن ثابت أنّ النّبي صلى الله عليه و آله قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلّا المكتوبة (3)». (4).


1) الانتصار: 54.

2) تقريب المعارف: 347.

3) كنز العمال 7: 816/ 21541.

4) الخلاف 1: 529.

4. المحقق الحلّي: «تصلى هذه الصلوات (1)فرادى، والجماعة فيها بدعة» (2).

و قال: «و لا تجوز الجماعة في هذه الصلاة عند علمائنا أجمع، لقول زيد بن ثابت: إنّ الناس اجتمعوا فلم يخرج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج مغضباً وقال: «ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت أنها ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» (3)، ولو كانت الجماعة مستحبّة لم يزهد فيها.. وأطبق الجمهور (4)على تسويغ الجماعة فيها، لأنّ عمر جمع النّاس على أُبي، ولا حجّة فيه، لانقضاء زمان النّبي صلى الله عليه و آله وأبي بكر على عدم الاجتماع، ولهذا قال عمر: نعمت البدعة، ونسبت الجماعة في التّراويح إليه، ولو كانت سنّة لما كانت بدعة.. وقوله صلى الله عليه و آله: صلاة الرّجل في بيته أفضل إلّاالمكتوبة، وهذا يدلّ على انتفاء المشروعيّة، إذ لو كانت الجماعة مشروعة لكانت أفضل، كغيرها من الصّلوات» (5).

5. العلامة الحلّي:

«و لا تجوز الجماعة في هذه الصلاة» (6).

و قال أيضاً: «قال علماؤنا: الجماعة في نافلة شهر رمضان بدعة» (7).

6. الشهيد الأوّل: «الجماعة في نافلة شهر رمضان وغيرها من النوافل بدعة إلّاالاستسقاء» (8).

1) أي نوافل شهر رمضان.

2) المعتبر 2: 370.

3) انظر صحيح مسلم: 358/ 1709.

4) يعني علماء السنّة.

5) تذكرة الفقهاء 2: 284.

6) نهاية الإحكام 2: 94.

7) منتهى المطلب 6: 142؛ عنه صلاة التراويح بين السنة والبدعة: 18.

8) البيان: 121.

وقال: «الجماعة في هذه الصلاة بدعة محرمة عند الأصحاب» (1).

وقال بتظافر الأخبار بنهيه صلى الله عليه و آله عن الجماعة في شهر رمضان في المساجد (2).

7. الشهيد الثاني:

«و لا تصح- الجماعة- في النوافل، لقول النبي صلى الله عليه و آله: «لا جماعة في نافلة»، ولنهي أمير المؤمنين عليه السلام عن الجماعة في نافلة رمضان، وقد روي أنّ أهل الكوفة حين نهاهم عن ذلك صاحوا: واعمراه. وهذا حكم عام في جميع النوافل إلّاصلاة الاستسقاء والعيدين مع عدم الشرائط المعتبرة في الوجوب» (3).

8. الشّيخ عليّ بن محمّد القمّي:

«.. لنا اتّفاق الأمّة أنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يصلّ نافلة رمضان الّتي يسمّونها التّراويح جماعة مدّة حياته، ولا أصحابه مدّة خلافة أبي بكر، فلمّا كانت خلافة عمر أمر بالجماعة فيها، والسّنّة ما سنّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وما لا يسنّه بدعة» (4).

9. الشّيخ عليّ بن يونس العاملي:

«و قيام رمضان ثابت عندنا انفراداً، لا جماعة» (5).

10. صاحب الرياض:

«.. بالمنع من الاجتماع في النافلة باللّيل في شهر رمضان وأنه بدعة» (6).


1) الذكرى: 255.

2) الذكرى: 254.

3) روض الجنان: 363.

4) جامع الخلاف و الوفاق: 119.

5) الصراط المستقيم 3: 26.

6) رياض المسائل 4: 294.

11. الشّيخ كاشف الغطاء

«.. وقد أجمع على أنّها بدعة، حتّى هو (1)، فإنه قال: بدعة ونعم البدعة، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في سبيلها إلى النّار..» (2).

12. المحدّث البحراني:

«لا ريب أنّ الجماعة في هذه النّافلة محرّمة عند أصحابنا رضوان اللَّه عليهم، وقد تكاثرت به أخبارهم» (3).

13. العلّامة المجلسي:

«و قد ظهر من رواياتهم أنّ النّبي صلى الله عليه و آله لم يصلّ عشرين ركعة يسمّونها التّراويح، وإنّما كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة، ولم يدلّ شي‌ء من رواياتهم الّتي ظفرنا بها على استحباب هذا العدد المخصوص، فضلًا عن الجماعة فيها، والصّلاة- و إن كانت خيراً موضوعاً يجوز قليلها وكثيرها- إلّاأنّ القول باستحباب عدد مخصوص منها في وقت مخصوص على وجه الخصوص بدعة وضلالة» (4).

وقال: «إبداع هذا العدد المخصوص في الشّريعة، وجعلها سنّة أكيدة بدعة، لم يأمر بها النّبي صلى الله عليه و آله، ولم يأت بها» (5).

14. المحقق النراقي:

«لا تجوز الجماعة في غير ما ثبت استثناؤه من النوافل، بالإجماع المحقَّق


1) يعني الخليفة عمر بن الخطّاب.

2) كشف الغطاء 1: 18.

3) الحدائق النّاضرة 10: 521.

4) بحار الأنوار 31: 164 (تحقيق اليوسفي الغروي).

5) بحار الإنوار 31: 162.

والمحكي..» (1).

15. الشيخ محمد حسن النجفي:

«يمكن دعوى تواتر الأخبار ببدعة الجماعة فيها- النافلة في شهر رمضان-، فضلًا عن إجماع الشيخ في الخلاف» (2).

وقال: « (لا تجوز (3)في شي‌ء من النوافل) على المشهور بين الأصحاب نقلًا وتحصيلًا، بل في الذكرى نسبته إلى ظاهر المتأخرين، بل في المنتهى والتذكرة وعن كنز العرفان الإجماع عليه..» (4).

16. المحقق الهمداني:

«لا تجوز في شي‌ء من النوافل على المشهور على ما في الجواهر، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، عدا الإستسقاء والعيدين مع اختلال شرائط الوجوب، ويدلّ على عدم جوازها في النوافل، مضافاً إلى كونه تشريعاً، لقصور الإطلاقات الواردة في الجماعة عن إثباتها في النافلة...» (5).

17. المحقق الإصفهاني:

«إنّ الناظر في تلك الأخبار يرى أنّ الممنوع هي الجماعة في نافلة شهر رمضان بما هي جماعة..» (6).

18. العلّامة شرف الدّين:

«.. إنّ صلاة التّراويح ما جاء بها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ولا كانت على عهده، بل لم


1) مستند الشيعة 8: 14.

2) جواهر الكلام 13: 144.

3) أي الجماعة.

4) جواهر الكلام 13: 140.

5) مصباح الفقيه 2: ق 2/ 624.

6) صلاة الجماعة: 34.

تكن على عهد أبي بكر، ولا شرع اللَّه الاجتماع لأداء نافلة من السّنن غير صلاة الاستسقاء. وإنّما شرعه في الصّلوات الواجبة كالفرائض الخمس اليوميّة، وصلاة الطّواف، والعيدين، والآيات، وعلى الجنائز» (1).

19. السيد الحكيم:

نقل السيد الحكيم حكاية المنتهى والذكرى وكنز العرفان الإجماع عليه، واستدلّ بالأخبار الواردة (2).

20. السيد الخوئي:

«لا شك في عدم مشروعية الجماعة فيها» (3).

أقوال وفعل سائر علماء المسلمين

1. ابن عمر:

روى عبد الرزّاق عن ابن عمر أنّه كان لا يقوم خلف الإمام في رمضان (4).

و قال مجاهد إنه جاء رجل إلى ابن عمر، قال: أصلّي خلف الإمام في رمضان، قال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: أفتنصت كأنّك حمار!، صلّ في بيتك» (5).

2. مالك:

«قيام رمضان في البيت لمن قوي أحبّ إليّ» (6).

و قال أيضاً: «و أنا أفعل ذلك (7)، وما قام النّبي صلى الله عليه و آله إلّافي بيته» (8)


1) النّص والاجتهاد: 250.

2) مستمسك العروة الوثقى 7: 170.

3) المستند في شرح العروة الوثقى 17: 28.

4) المصنّف 5: 264، ح 7742 و 7743.

5) المصنّف 5: 264، ح 7743.

6) تذكرة الفقهاء 2: 283؛ انظر: المدونة الكبرى 1: 222؛ فتح العزيز 4: 266؛ المغني 1: 835؛ الشرح الكبير 1: 785؛ المبسوط 2: 144.

7) أي أنصرف ولا أقوم مع الناس.

8) انظر: المبسوط للسرخسي 2: 144.

قال لبيب السّعيد: «إنّ مالكاً وأبا يوسف وبعض الشّافعيّة كانوا يرون الأفضل أداء التّراويح فرادى في البيت..» (1).

3. الشّافعي:

قال الربيع: كان الشّافعي لا يصلّي مع النّاس التّراويح، ولكنّه كان يصلّي في بيته (2).

و قال الشافعي: «صلاة المنفرد في قيام شهر رمضان أحبّ إليّ» (3).

و قال أيضاً: «الأفضل فيها الانفراد» (4).

4. أبو يوسف:

روى المعلّى عن أبي يوسف أنه قال: «من قدر على أن يصلّي في بيته كما يصلّي مع الإمام في شهر رمضان، فأحبّ إليّ أن يصلّي في بيته» (5)، وكذلك قال مالك (6).

5. ربيعة:

و كان ربيعة وغير واحد من العلماء ينصرفون ولا يقومون مع الناس (7)، وقال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام النّبي صلى الله عليه و آله إلّافي بيته.. وهذا كله حكاه


1) التّغنّي بالقرآن/ 117

2) تاريخ مدينة دمشق 51/ 394

3) الانتصار: 55؛ انظر: المجموع 4: 5؛ المغني 1: 800؛ عمدة القاري 7: 178.

4) المعتبر 2: 370.

5) الانتصار: 54؛ تذكرة الفقهاء 2: 283.

6) انظر: المدونة الكبرى 1: 222؛ المغني لابن قدامة 2: 800؛ المبسوط للسرخسي 2: 144؛ شرح فتح القدير 1: 408؛ عمدة القاري 7: 178.

7) تذكرة الفقهاء 2: 283؛ انظر: المجموع 4: 35؛ المدونة الكبرى 1: 222.

الطحاوي (1).

6. ابن شهاب:

«توفّى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والنّاس على ذلك (2)، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر» (3).

7. أبو أُمامة الباهلي:

قال الشاطبي: و ممّن نبّه بذلك من السّلف الصالح أبو أمامة الباهلي، قال:

«أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإنّ أناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها اللَّه عليهم، ابتغوا بها رضوان اللَّه فما رعوها حقّ رعايتها، فعاتبهم اللَّه بتركها فقال: ورهبانية ابتدعوها (4)» (5).

8. القسطلاني:

«سمّاها- أي عمر- بدعة، لأنه صلى الله عليه و آله لم يبيّن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصّدّيق، ولا أوّل اللّيل ولا كلّ اللّيل، ولا هذا العدد» (6).

9. ابن قدامة:

«و إنّما دعاها بدعة لأنّ رسول اللَّه لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر..» (7).


1) الانتصار: 54.

2) أي عدم إقامة نوافل شهر رمضان جماعة.

3) صحيح البخاري: 474/ 2009، كتاب التراويح.

4) الحديد: 27.

5) الاعتصام 2: 291؛ على ما في كتاب صلاة التراويح بين السنة والبدعة: 39.الاعتصام 2: 291؛ على ما في كتاب صلاة التراويح بين السنة والبدعة: 39.

6) إرشاد السّاري 4: 657.

7) المغني 2: 166.

10. العيني:

«إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر». ثم اعتمد في شرعيته إلى اجتهاد عمر! (1).

11. الكحلاني:

قال محمّد بن إسماعيل الكحلاني- بعد ذكر الأخبار فيها-:

«.. فعرفت من هذا كلّه أنّ صلاة التّراويح على هذا الأسلوب الّذي اتّفق عليه الأكثر بدعة، نعم قيام رمضان سنّة بلا خلاف، والجماعة في نافلته لا تنكر، وقد ائتمّ ابن عباس رضى الله عنه وغيره‌به صلى الله عليه و آله في صلاة اللّيل (2)، لكن جعل هذا الكيفيّة والكمّية سنّة والمحافظة عليها هو الّذي نقول: إنّه بدعة، وهذا عمر رضى الله عنه خرج أوّلًا والنّاس أوزاع متفرّقون، منهم من يصلّي منفرداً، ومنهم من يصلّي جماعة، على ما كانوا في عصره صلى الله عليه و آله، وخير الأمور ما كان على عهده» (3).

12- 13. القاسم والنّاصر

قال الإمام أحمد المرتضى:

«فأمّا صلاة التّراويح فبدعة عند القاسم والنّاصر..» (4).

14. الشوكاني:

«قالت العترة: إنّ التجميع فيها بدعة» (5).

ملاحظة

ذكر في الخلاصة:

أنّ المشايخ اختلفوا في كونها سنّة، وانقطع الاختلاف برواية الحسن عن


1) انظر: عمدة القاري 6: 126، كتاب التراويح، ذيل ح 116.

2) لا يخفى عدم صحّة ذلك في مذهب أهل البيت عليهم السلام.

3) سبل السّلام 2: 9.

4) شرح الأزهار 1/ 398.

5) نيل الأوطار 3: 50.

أبي‌حنيفة أنّها سنّة (1).

و روي: أن أبا يوسف سأل أبا حنيفة عنها وما فعله عمر، فقال: التراويح سنّة مؤكدة!، ولم يأمر به إلّاعن أصل لديه، وعهد من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله (2)، ولقد سنّ عمر هذا وجمع الناس على أبي بن كعب فصلاها جماعة والصحابة متوافرون من المهاجرين والأنصار وما ردّ عليه واحد منهم، بل وافقوه وأمروا بذلك! (3).

و فيه:

أولًا: تقدّم أنّ أبا يوسف- وهو تلميذ أبي حنيفة ومروّج فقهه- أعرض عن ذلك، وكان يقول برجحان إتيانها بالبيت.

ثانياً: ما هو الأصل الذي كان عند عمر، ولم يعلمه أحد من الناس والصحابة؟!

ثالثاً: ما هو العهد الذي عهده إليه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سوى ما مرّ من أنه أقام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الصلاة في المسجد واصطف بعض الناس خلفه، ثم تركهم ومضى رسول اللَّه إلى البيت، فردعهم عن ذلك، وقد مضى البحث في هذه الأحاديث ومناقشتها سنداً ودلالة.

رابعاً: كيف تنسب موافقة كلّ الصحابة مع أنّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام رفض ذلك ووصفها بالبدعة ومنع عن إقامتها في خلافته، وقد ذكرنا أيضاً مخالفة ابن عمر- ابن الخليفة- في ذلك.

و الذي يخطر بالبال أنّ أبا حنيفة لم يقل بهذا المقال إلّابداعي التعصب، من دون أن يحتج بأي حجة قابلة للاحتجاج، ولذلك أعرض عن ذلك تلميذه!


1) البحر الرائق 2: 117.

2) حاشية رد المختار 2: 46.

3) الموسوعة الفقهية الكويتية: 13827 عن فتح القدير 1: 333؛ صلاة التراويح: 56.

نهاية المطاف

و كيف ما كان فقد اتّفق الكلّ على بدعة التّراويح جماعة، ومضيّ الزّمان لا يبدّل السيئة حسنة وزينة (1)، ولا يقلب البدعة سنّةً.

ولنعم ما قال العلامة السيد شرف الدين حينما علّق على مبرّري صلاة التراويح: «و كأنّ هؤلاء عفا اللَّه عنهم وعنا، رأوه قد استدرك (بتراويحه) على اللَّه ورسله حكمة كانا عنها غافلين، بل هم بالغفلة- عن حكمه في شرائعه ونظمه- أحرى، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها انفراد مؤديها- جوف الليل في بيته- بربه عزّ وعلا يشكو إليه بثه وحزنه، ويناجيه بمهماته مهمة مهمة، حتى يأتي على آخرها ملحّاً عليه، متوسلًا بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأً من اللَّه تعالى إلّاإليه، ولا منجى منه إلّابه. لهذا ترك اللَّه السنن حرّة من قيد الجماعة ليتزوّدوا فيها من الانفراد باللَّه ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاؤهم له، يستقل منهم من يستقل، ويستكثر من يستكثر، فإنها خير موضوع، كما جاء في الأثر عن سيد البشر» (2).

الدين هو ما قرره الشارع المقدس على لسان الرسول الأمين، وأما البقيّة فليس لهم إلّاالإنقياد التام في امتثال أوامره والابتعاد عن مناهيه

وملخص القول: إن اللازم على المسلمين أن لا يخرجوا من إطار الشريعة، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وأن يستمروا بالبقاء في دائرة سنة نبيهم، ويتمسكوا


1) بحيث سميت بزينة الإسلام عند جماعة!، قال أبو علي الحسن بن مسعود الوزير الدمشقي الحافظ، كان المشايخ يقولون: زينة الإسلام ثلاثة: التراويح بمكة، فإنهم يطوفون سبعاً بين كلّ ترويحتين، ويوم الجمعة بجامع المنصور، لكثرة الناس والزحمة ونصب الأسواق، ويوم العيد بطرسوس، لأنها ثغر، وأهلها يتزينون ويخرجون بالأسلحة الكثيرة المليحة والخيل الحسان، ليصل الخبر إلى الكفار فلا يرغبون في قتالهم. كذا في بغية الطلب في تاريخ حلب 1: 187.

2) انظر النص والاجتهاد: 214، المورد 26.

بالأئمة الهداة المفروض طاعتهم بعده، كما جاء في رسالة الإمام الصادق عليه السلام إلى أصحابه:

«عليكم بآثار رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسنته، وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول اللَّه من بعده وسنتهم، فإنّ من أخذ بذلك فقد اهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ، لأنّهم هم الذين أمر اللَّه بطاعتهم وولايتهم، وقد قال أبونا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «المداومة على العمل في اتّباع الآثار والسنن وإن قلّ، أرضى للَّه‌وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتّباع الأهواء، ألّا إنّ اتباع الأهواء واتباع البدع بغير هدى من اللَّه ضلال، وكلّ ضلالة بدعة، وكلّ بدعة في النار» (1).

فظهر أنه لا يحق لأي‌إنسان- خليفة كان أم لا، حاكماً كان أم غيره- أن يقوم بالتشريع والتسنين، إذ إنّ ذلك لا يجوز له البتة، سداً لباب التلاعب في أحكام الدين، وإيماناً بتماميته وإكماله في عهد الرسول صلى الله عليه و آله، كما قال اللَّه تبارك وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً (2)، فلو كان الأمر في حق النبي صلى الله عليه و آله هو ما قاله سبحانه وتعالى في قوله:

ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين (3)، فكيف بالنسبة إلى سائر الناس؟!

هذا مع أننا نعلم علم اليقين أنه وما ينطق عن الهوى إن هو إلّاوحى يوحى (4).

نعم، الدين هو ما قرره الشارع المقدس على لسان الرسول الأمين، وأما البقيّة فليس لهم إلّاالإنقياد التام في امتثال أوامره والابتعاد عن مناهيه، وذلك في إطار الاجتهاد في دائرة الشريعة لا خارجها.


1) الكافي 8: 42؛ وسائل الشيعة 27: 38/ 33152.

2) المائدة: 3.

3) الحاقة: 44- 47.

4) النجم: 3.

من ألف في الحجّ من علماء جبل عامل والبقاع‌

من ألف في الحجّ من علماء جبل عامل والبقاع‌

هادي حسن قبيسي

المقدّمة

إنّ الدور العلمي الذي مرّ على جبل عامل بمراحله الثلاث- حسب ما قسّمه وتعرّض إليه المؤرّخون- لا يخلو من دروس وعبر للأجيال.

ليس من العجيب ما يذكره المؤرّخون من أنّ جبل عامل المشهور قد أخرج عدداً كبيراً من أهل العلم والفضل والشعر والأدب، بحيث لا يتناسب هذا الكم مع ضيق المساحة الجغرافية وعدد سكّان هذه المنطقة، إذ بلغ عدد العلماء من الشيعة الإمامية فيه خُمس مجموعهم في أنحاء العالم، مع أنّها بالنسبة لباقي بلدان الشيعة أقل من عُشر العُشر، هذا ما ذكره الحرّ العاملي في كتابه أمل الآمل، وعن بعضهم أنه اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهداً، وذلك في عصر الشهيد الثاني قدس سره، كما ذكره الأمين في أعيانه.

كان جبل عامل في مقدمة البلدان المحيطة به من بلاد الشام من حيث الشهرة العلمية، خصوصاً في القرون الأخيرة، حيث كان مهوى قلوب عشّاق العلم والمعرفة، ومركزاً من مراكز التدريس، وكان يستقبل الطلّاب من كلّ مكان، لم ينقطع فيه العلم ولا انطفأ نوره إلّافي فترات وجيزة كانت من آثار ما تخلفه

الحروب من دمار وخراب وتعطيل للمدارس والمعاهد.

كانت المدارس والمعاهد العلمية في جبل عامل أشبه بالكلّيات من المدارس، حيث كان يدرس فيها الفقه والأصول، والكلام والتوحيد، والمنطق والفلسفة، إضافة إلى العلوم العربية، كالنحو والصرف والبيان واللغة، بل وحتى علم الهيئة والحساب والجبر والطبّ والهندسة، وكان يؤمها الطلاب من الشيعة والسنّة.

أمّا الزمن الذي بدأت فيه الحياة العلمية في جبل عامل فلا يمكن تحديده والجزم به، لفقد المستندات والوثائق التاريخيّة، غير أنّ الذي يدور على الألسن وتتناقله الناس خلفاً عن سلف، قد أصبح في حكم الحقائق المقرّرة.

إن انتشار مذهب أهل البيت عليهم السلام والعمل بفقههم في جبل عامل بدأ في القرن الأوّل للهجرة وفي عصر الخلفاء، وذلك في الوقت الذي نفي فيه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رحمه الله من الحجاز إلى الشام في عهد الخليفة عثمان، فشاءت الظروف والأقدار الإلهيّة أن يحل هذا الجليل في بلاد جبل عامل، ويغرس فيها علوم وفضائل أهل البيت عليهم السلام، حيث اتّخذ لنفسه فيها مقامين، أحدهما في قرية

فتحكّم بالبلاد أحمد باشا الجزار، وفتك بمن قبض عليه من العلماء، وهاجر من لم يُقتل أو يُسجن إلى خارج البلاد

الصرفند على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، والآخر في قرية ميس الجبل في الجهة الجنوبية الشرقية، وهما في جبل عامل، وله فيهما مسجدان أو مزاران عُرفا باسمه إلى يومنا هذا، ومنهما انبعثت روح التشيع في بني عاملة، وانتشر حتى شمل جميع قراه.

ولاريب أن علماء هذه البلاد وفقهاءها كانوا على اتّصال في القرون

الأولى بالأئمّة الأبرار من أهل البيت عليهم السلام، وعنهم أخذوا اصول المذهب وفروعه (1).

وجاء في كتاب أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل للحرّ العاملي في رواية طويلة يسندها إلى الإمام الصادق عليه السلام، ما مجمله: أنه يصف قوماً من شيعة أهل البيت عليهم السلام، ولما سئل عن مكان وجودهم؟ قال: بلدة بالشام... بأعمال شقيف أرنون، وبيوت تعرف بسواحل البحر، وأوطئة الجبال... الحديث.

ولا شكّ أنّ الضغط والاضطهاد الذي وقع على العلويين في العصرين الأموي والعباسي ألجأ من كان منهم في جبل عامل إلى التكتم والتقيّة، درءاً للأضرار وخوفاً من الموت المحتم، ولذلك غمضت الأخبار وخفيت كثير من الحقائق ولم يصلنا من حوادث تلك الأيام إلّاالقليل منها، ولما انقضى العهد الأموي والعباسي استطاع الشيعة أن يجاهروا بمذهبهم في مختلف الأقطار.

وأقصى ما يذكره المؤرّخون أنّه في مطلع القرن السابع الهجري اشتهر جماعة من أهل العلم والفضل في جبل عامل، لكن لم يذكروا أنّ أحداً منهم أسّس مدرسة أو درس في معهد، بل كانوا يدرّسون ويتلقون الدروس تحت طي الخفاء والتكتّم.

ويعتبر الدور العلمي الأوّل لجبل عامل ابتداءاً بافتتاح أوّل مدرسة فيه حيث انتظم فيها التدريس بالمعنى المتعارف بشكل علني، ألا وهي مدرسة جزين، التي أنشأها الشيخ شمس الدين محمد بن مكّي العاملي المعروف ب «الشهيد الأوّل».

وازدهر العلم بمختلف أشكاله، وفتحت في جبل عامل أكثر من مدرسة، وبقي على هذا الحال حتى قتل زعيمه السياسي ناصيف بن نصار الوائلي في سنة 1195 ه- 1780 م، فتحكّم بالبلاد أحمد باشا الجزار، وفتك بمن قبض عليه من العلماء، وهاجر من لم يُقتل


1) انظر تاريخ جبل عامل لجابر آل صفا.

أو يُسجن إلى خارج البلاد، وشخص بعضهم إلى بلاد مختلفة كإيران والعراق والهند وغيرها من البلدان، وخلت جبل عامل من العلماء إلّامن أقعده العجز، فوقف التدريس

أغلقت المدارس، ونهبت المكتبات وأحرق أكثرها في أفران عكّا، وبقيت الأفران مشتعلة ثلاثة أيّام من الكتب التي صودرت من مختلف مناطق جبل عامل

وأغلقت المدارس، ونهبت المكتبات وأحرق أكثرها في أفران عكّا، وبقيت الأفران مشتعلة ثلاثة أيّام من الكتب التي صودرت من مختلف مناطق جبل عامل، واستمرّت الأوضاع على هذه الحال حتى أراح اللَّه البلاد من الجزار، فهلك في عام 1219 ه- 1804 م، فتباشر الناس بموته، وتلاعب الشعراء بهجائه إلى أن آل الحكم إلى عبد اللَّه باشا، فأعاد لأبناء جبل عامل حكم بلادهم وحباهم بالمنح الجزيلة، ثم عادت الحياة العلمية إليه بعد الخمول والزوال.

وهذا ما يسمى بالدور العلمي الثاني لجبل عامل، وأوّل مدرسة اسّست في هذا الدور هي مدرسة الكوثرية التي أسّسها الشيخ حسن قبيسي، وبعدها اسست مدارس اخرى.

هذا مختصر عن الحياة العلمية في جبل عامل، وما تكشف الأحداث من المعاناة التي مرّ بها.

ولما خطر ببالي أن أحصي كلّ ما صنّفه علماء جبل عامل في الحجّ من مظانه، إحياءاً لذكرهم وتخليداً للتراث العلمي، فوجئت بعدد قليل جداً من المؤلّفات، فقلت في نفسي ليس هذا هو المعروف منهم من قلّة التأليف والتصنيف، وعندها خطر الجواب ببالي أن أسبابه تعود إلى انعدام تراثنا الضخم الذي أحرق على يد الجزار أحمد باشا، وهذا ما يدلّل على أن كثيراً من المصنّفات لم تصل إلينا. بل العجب كيف بقي هذا النزر القليل ووصل إلينا بعد الذي جرى من المآسي على جبل عامل وعلمائه.

فكان عملي كالتالي: ترجمة حال كلّ مؤلّف بإيجاز لإظهار مكانته العلمية وجهوده المبذولة، ثم ذكر ما صنّفه في الحجّ مع الإعراض عن مصنّفاته الاخرى.

الشيخ حسن بن زين الدين الجبعي العاملي- ابن الشهيد الثاني

•

ولد سنة 959 ه.

•

تولّى رعايته السيد علي الصائغ العاملي، درس في جبل عامل على علمائها برهة من الزمن حتى بلغ مرتبةً يغبط عليها.

•

هاجر إلى العراق فدرس هو والسيد محمّد العاملي- صاحب المدارك- مدّة قصيرة على المقدس الأردبيلي بأسلوب مختصر جدّاً، مما يدلل على عمقه العلمي، مما حدا بأستاذه أن يتفرّس به وبزميله اشتهار صيتهما في الأوساط العلميّة، وكان كما توقعه.

•

نال منه الشهادة العلمية، ثم عاد إلى موطنه عاكفاً على التدريس والتأليف، له عدّة مصنّفات أبرزها: «معالم الدين وملاذ المجتهدين» في الأصول والفقه.

•

توفي سنة 1011 ه ودفن في جُبع، وقبره معروف ومشهور.

•

مناسك الحجّ استدلالي مختصر امتاز بفوائد علميّة (1).

•

انظر أمل الآمل 1/ 57، أعيان الشيعة 5/ 96، رياض العلماء 1/ 226، الذريعة 22/ 259.

السيد حسن بن السيد هادي الصدر العاملي الكاظمي

•

ولد في الكاظمية سنة 1272 ه.

•

نشأ في حجر والده ودرس عليه مقدمات العلوم، ثم أكمل دروسه على علماء الكاظمية إلى أن بلغ مبلغ العلماء، فعكف على التدريس والتأليف.

•

وكان سبب سكناه الكاظمية هجرة جدّه في فتنة الجزار المعروفة- التي


1) وقد طبع في هذه المجلة عدد 15- 17.

أشرنا إليها في المقدمة والآثار التي خلفتها وهذه واحدة منها- إلى إصفهان وسامراء ثم عاد إلى الكاظمية. له مصنّفات عديدة وفي مختلف العلوم أبرزها: «تأسيس الشيعة».

•

توفي سنة 1354 ه في بغداد، وحمل نعشه إلى حرم الإمامين الكاظمين عليهما السلام فدفن في مقبرة والده في الصحن الشريف.

•

آداب الحجّ وأسراره، كذا في الذريعة والأعيان، إلّاأنه ورد في مقدمة تأسيس الشيعة: 16 بعنوان «منى الناسك في المناسك».

•

انظر أعيان الشيعة 5/ 326، الذريعة 1/ 16.

الشيخ حسين بن محمّد زغيب البعلبكي اليونيني، ومنه آل زغيب المعروفين

•

ولد في قرية يونين من أعمال بعلبك.

•

قرأ القرآن وتعلّم الخط في يونين، ثم رحل إلى الكوثرية في جبل عامل فقرأ على السيد علي إبراهيم إثنا عشر سنة ثم هاجر إلى العراق، وقرأ على الشيخ الأنصاري ست سنوات، ثم عاد إلى يونين، وبنى فيها مدرسة وباشر التدريس وتخرّج عنده جماعة، وله مصنّفات في الفقه والأصول.

•

توفي في بلدة يونين سنة 1294 ه.

•

مناسك الحجّ.

•

انظر أعيان الشيعة 6/ 151.

السيد رضيّ الدين بن السيد محمّد الموسوي العاملي المكّي

•

ولد سنة 1103 ه.

•

كما عن نزهة الجليس ولا يحضرنا أكثر ممّا سنذكره عن حياته: وكان...

مهذّباً أديباً شاعراً فصيحاً حسن السيرة مرجوعاً إليه في أحكام الحجّ وغيره...

والذي وقفت عليه من مصنّفاته في الكلام والفقه يدل على فضل غزير كثير.

•

الوسيط بين الموجز والبسيط.

•

نهج السداد في أحكام حجّ الإفراد.

•

منسك صغير: كافل لجميع الاحتياطات لم يتعرّض له في الذريعة.

•

انظر أعيان الشيعة 7/ 29، تكملة أمل الآمل: 208، الذريعة 24/ 419 و 25/ 74.

الشيخ زين الدين بن علي العاملي الجبعي، المعروف ب «الشهيد الثاني»

أمره في الثقة والعلم والفضل والزهد... والتحقيق وجلالة القدر أكثر من أن يحصى.

•

ولد سنة 911 ه.

•

ختم القرآن وعمره تسع سنين، قرأ على والده في فنون العربية والفقه إلى أن توفي والده سنة 925 ه، ارتحل إلى بلدة ميس فاشتغل فيها إلى سنة 933 ه، ثم إلى كرك نوح، ثم إلى دمشق فاشتغل على الشيخ أحمد جابر ثم رجع إلى جُبع.

رحل إلى مصر سنة 942 ه قرأ فيها على جماعة من علماء السنّة.

رحل إلى الحجاز سنة 944 ه فحجّ ورجع إلى جُبع.

سافر إلى العراق لزيارة الأئمّة عليهم السلام سنة 946 ه ورجع تلك السنة.

سافر إلى بلاد الروم سنة 951 ه وأقام بقسطنطينية ثلاثة أشهر، ورجع إلى بعلبك ودرس في مدرسة النورية. ولا زال مشتغلًا بالتدريس والتأليف حتّى وفاته.

من أشهر مؤلفاته: الروضة البهيّة، ومسالك الأفهام.

•

توفي سنة 966 أو 965 ه على اختلاف الأقوال.

•

المنسك الكبير ويسمى: كفاية المحتاج في مناسك الحاج، طبع في هذه المجلّة عدد 5.

•

المنسك الصغير.

•

نيّات الحجّ والعمرة ذكره في الذريعة بعنوان: «نيّة الحجّ والعمرة» (1).

•

أقل ما يجب معرفته عن أحكام الحجّ والعمرة، طبع في هذه المجلة عدد 3.

•

انظر أمل الآمل 1/ 86، أعيان الشيعة 7/ 143، الذريعة 22/ 263 و 24/ 441.

الشيخ زين العابدين بن الحسن الحرّ العاملي المشغري

•

لم نطّلع على تأريخ ولادته.

•

لم يتعرّض أخوه الشيخ محمد الحرّ صاحب الأمل لحاله سوى أنه قال: كان فاضلًا عالماً محقّقاً صالحاً أديباً... وتعرّض لمؤلّفاته ووفاته ومدفنه.

•

توفي بصنعاء بعد رجوعه من الحجّ سنة 1078 ه على أقوى القولين.

•

المناسك المرويّة في شرح الإثني عشرية الحجيّة.

•

انظر أمل الآمل 1/ 98، الذريعة 22/ 377.

الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي. الشهير «بالمحقّق الثاني»

•

ولد في كرك نوح سنة 868 ه.

•

درس في كرك نوح بعد ترعرعه بها، وراح ينهل


1) وقد طبع في هذه المجلّة عدد 2.

من نمير العلم الصافي إلى أن بلغ مراتب عالية في علوم أهل البيت عليهم السلام، وبعدها سافر إلى مصر وقرأ على علمائها فقه المذاهب الأربعة، ثمّ إلى العراق إلى النجف الأشرف حيث معدن العلم حوالي سنة 909 ه حتى عرف واشتهر بها، وشاءت الظروف أن ظهرت الدولة الصفوية وكانت بأمسّ الحاجة إلى علماء الشيعة الإمامية، فاستدعي بطلب من المملكة الصفوية. شغل فيها منصب شيخ الإسلام في عاصمتها إصفهان. أسّس المدارس والمعاهد الدينيّة.

يعتبر الكركي باعث النهضة الشيعيّة في إيران. وقد حكمت عليه بعض الظروف القاهرة فجعلته يهاجر إلى العراق. وكان دائماً مشتغلًا بالتدريس والتأليف، له مؤلّفات كثيرة أبرزها: جامع المقاصد في شرح القواعد.

•

اختلف في تاريخ وفاته، والأكثر على أنّه توفي سنة 940 ه، وقيل: إنه توفي مسموماً ودفن في النجف الأشرف.

•

رسالة الحجّ، كذا في الأمل والأعيان، لكن ورد في الذريعة بعنوان: مناسك الحجّ (1).

•

انظر: أمل الآمل 1/ 121، أعيان الشيعة 8/ 208، الذريعة 22/ 269.

السيد محسن بن عبد الكريم الأمين العاملي

•

ولد في بلدة شقراء سنة 1284 ه.

•

درس مقدّمات العلوم في بلدته ثم في بنت جبيل على الشيخ موسى شرارة، وبعد أن توفي الشيخ موسى هاجر إلى العراق واستمرّ في الدرس والتدريس إلى أن دُعي إلى دمشق ليكون فيها عالماً ومبلّغاً. مارس نشاطه الديني بجدية ومثابرة، أسس فيها المدرسة العلوية والمحسنية للعلوم العصرية. وكانت له آراء سبّبت له مشاكل ومعادات ومواقف سلبيّة من عامّة علماء وفضلاء الحوزة في النجف الأشرف.


1) وقد طبع في هذه المجلّة عدد 9.

سافر إلى مصر والتقى بعلمائها، وسافر إلى الحجّ مرتين، وله فيها مذكرات ظريفة. زار أيضاً بيت المقدس. له مصنّفات جمّة أبرزها: أعيان الشيعة.

•

توفي سنة 1371 ه ودفن في صحن الحضرة الزينبيّة في دمشق.

•

مناسك الحجّ.

•

انظر أعيان الشيعة 10/ 333، الذريعة 22/ 271.

الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي العاملي. المعروف ب «البهائي».

•

ولد في بعلبك سنة 953 ه.

•

درس في بلاد العجم على والده، ثم على ثلّة من العلماء حتى بلغ المرتبة التي يحسد عليها، ثم تزوّج بابنة شيخ الإسلام بإصفهان، وبعد وفاته تولّى منصبه ففوضت إليه مقاليد الامور. يُعد من الطبقة الأولى في عصره، اشتهر بإلمامه بعلوم وفنون مختلفة، له آثار معمارية لا زالت قائمة في إصفهان، ومؤلّفاته كثيرة في مختلف العلوم. أشهرها: «المخلاة» و «الحبل المتين».

•

رسالة في الحجّ، وتسمى: «الإثنى عشريّة الحجيّة». وهي التي شرحها الشيخ زين العابدين الحرّ.

•

انظر، أمل الآمل 1/ 156، أعيان الشيعة 9/ 244. الذريعة 1/ 115.

السيد محمد جواد الحسيني العاملي «صاحب مفتاح الكرامة»

•

ولد في قرية شقراء من قرى جبل عامل حدود سنة 1164 ه.

•

درس مقدّمات العلوم في جبل عامل ثم هاجر إلى العراق، فدرس في كربلاء على صاحب الرياض، ثم المحقّق البهبهاني إلى أن اشتهر فضله فذهب إلى النجف فقرأ فيها على السيد مهدي بحر العلوم والشيخ حسين نجف.

بقي في النجف عاكفاً على التدريس والتأليف. له مصنّفات كثيرة أشهرها:

«مفتاح الكرامة».

•

تو في في‌النجف الأشر ف‌سنة 1226 ه، و دفن في بعض حُجَر الصحن الشريف.

•

رسالة حقّق فيها مسألة جواز العدول عن العمرة عند ضيق الوقت إلى الإفراد.

انظر أعيان الشيعة 4/ 288 تكملة أمل الآمل: 126.

الشيخ محمد تقي يوسف الفقيه العاملي الحاريصي

• ولد في بلدة حاريص من جبل عامل سنة 1329 ه. درس مبادى‌ء القراءة على الكتاتيب على الشيخ حسن سويد، ثم درس مقدّمات العلوم مع أخيه الشيخ علي على والدهما وآخرين، ثم ارتحلا إلى بلدة شقراء، فدرسا على الشيخ حسين عبد اللَّه غريب.

وفي سنة 1345 ه، هاجر إلى النجف وبدأ من دراسة الألفية ومغني اللبيب وغيرها من الكتب الدراسية، ثم بدأ يتسلسل في المراتب العلمية حتى حضر الدروس العليا على جمع من العلماء، واختصّ أخيراً بالسيد محسن الحكيم ولازمه ملازمة شديدة وكان من المقرّبين إليه والمحبوبين لديه، وفي أثناء هذه المدّة شغل منصب المرشد الديني في بلدة قلعة سكر في العراق، حيث كان وكيلًا من قبل السيد الحكيم هناك، أنشأ مدرسة علمية بمساعدة جمع من أهل الخير للطلبة العامليّين في النجف الأشرف، حاز على رتبة الاجتهاد من السيد الحكيم وغيره، ثم عرضت له ظروف عاد على إثرها إلى لبنان، سكن أواخر أيّامه مدينة صور وبلدة حاريص إلى أن وافاه الأجل. له مؤلّفات عديدة أبرزها «مناهج الفقيه».

•

مناسك الفقيه (1).

•

مباني المناسك (2).

انظر علماء ثغور الإسلام 1/ 216.


1) يتناول مسائل الحجّ.

2) فقه استدلالي.

الشيخ محمد بن مكّي العاملي الجزيني المشهور ب «الشهيدالأوّل»

•

ولد سنة 734 ه.

•

قرأ أوّلًا على علماء جبل عامل ثم هاجر إلى العراق فقرأ على فخر المحقّقين، بقي فيه خمس سنين ثم رجع إلى دياره وهو ابن إحدى وعشرين سنة، ويظهر من بعض إجازاته أنه كان قد سافر إلى أكثر من بلد كمكّة والمدينة وبغداد وبيت المقدّس ودمشق، والأخيرة هذه كان كثير التردّد إليها فقرأ على علماء هذه المناطق المذكورة واستجازهم، قضى عمره في خدمة المذهب الشريف إلى أن وشى به من ليس له باع في الدين عند قاضي الشام الذي هو أسوأ حالًا من الواشي، وشهد آخرون زوراً، وقتل بعد أن قضى في الحبس سنة كاملة ثم أحرق. له مصنّفات جليلة مشهورة لدى العلماء، من أبرزها: «الدروس» و «البيان» و «اللمعة».

•

توفي سنة 786 ه قتلًا بالسيف بحكم القاضي المالكي.

•

المنسك الصغير، المسمى ب «خلاصة الاعتبار في الحجّ والاعتمار»، طبع في هذه المجلّة عدد 6.

• المنسك الكبير. نقل عنه الشهيد الثاني في الروضة وعبّر عنه ب «رسالة الحجّ».

انظر أمل الآمل 1/ 181، أعيان الشيعة 10/ 62، الذريعة 22/ 273.

السيد موسى بن عبد السلام الموسوي العاملي

•

لم يعرف تأريخ ولادته.

•

نشأ في العراق وقرأ الدرس فيه، كان له باع في الفقه والأصول وعلوم العربية لكن تغلّب عليه فيما بعد الشعر والأدب، زار أمراء جبل عامل مراراً ورجع إلى العراق ومدحهم بأشعار كثيرة.

لم نحصّل عن سيرته أكثر من هذا. له مصنّفات منها رسالة فيما انفردت به الإماميّة من المسائل الفقهيّة.

•

توفي في النجف الأشرف سنة 1265 ه نقلًا عن بغية الراغبين، وفي الأعيان 1253 ه.

•

مناسك الحجّ.

انظر تكملة أمل الآمل: 407، أعيان الشيعة 10/ 190، الذريعة 22/ 274.

من ألف في الحجّ من علماء جبل عامل والبقاع‌

أدب الرحلات الفارسيّة إلى مكّة المكرّمة

صادق العبادي

دوافع الرحلات

تعدّ كتب الرحلات من مصادر التاريخ والآثار والمجتمع التي تضيف الكثير من المعلومات والأحداث، وتقدم وصفاً للأماكن والشخصيّات، وهي انطباعات شخصيّة وواقعيّة عن الجوانب الاجتماعيّة والحضاريّة للمناطق التي تشملها.

ثمة دوافع متعّددة للرحلات أو كتابة أدبها، منها ما هو بدافع السفر وأهمّيته، أو بدافع التجارة، ومنها ما هو لطلب العلم واللقاء بالمشايخ، كما أنّ من الرحالة من اتّخذ أدب الرحلة لكتابة سيرة حياته وحياة مشايخه وعصره، أو بدوافع تجاريّة. أمّا الدافع الديني فكان من الدوافع الهامّة أيضاً التي دفعت الكثير من المسلمين لتسجيل رحلاتهم إلى الأمكان المقدّسة وعلى رأسها (مكّة المكرّمة)، فقد كان الحجّ إلى مكّة عاملًا مساعداً لكثير من هؤلاء الحجاج المسلمين- ومنهم من بلاد فارس- ليقوموا بوصف طريقهم إلى الأماكن المقدسّة وكلّ ما شاهدوه.

وكان الحجّ من أعظم بواعث الرحلات، نظراً إلى أن الآلاف من المسلمين يتجهون كلّ عام صوب الحجاز والحرمين الشريفين، لتأدية فريضة الحجّ وزيارة

قبر النبي صلى الله عليه و آله وكان بعض الحجّاج يكتبون عن الطرق التي سلكوها والمدن والمنازل التي نزلوا فيها، أو الأحداث التي شاهدوها لكي ينتفع بها الآخرون ويهتدوا.

قيمة أدب الرحلات وفائدته

أدب الرحلات هو النثر الأدبي الذي يتّخذ من الرحلة موضوعاً. وبمعنى آخر: عندما تكتب الرحلة بشكل أدبي نثري متميّز وفي قالب لغة خاصّة، ومن خلال تصوّر فنّي له ملامحه وسماته المستقلّة، فإنّ فنّ الكتابة هذا يعدّ واحداً من الفنون الأدبيّة.

وتصوّر كتب الرحلات الحقيقة حيناً، فيما ترتفع إلى عالم الخيال أو التصوّرات المختلقة حيناً آخر، إلّاأنّ الغالب منها ما يلتزم الحقيقة المجرّدة، بل إنّ مساحة الخيال في أدب الرحلات قليلة جدّاً، لأنّه يعتمد في الأساس على الواقع من ناس، وآثار، وأماكن، ومعلومات، وطعام، وشراب، وأزياء، وأخلاق وغير ذلك، ممّا يسمح للكاتب بإطلاق خياله أحياناً في التغيير والتعديل أو وصف الأشياء بما ليست عليه، ممّا يدفعه للابتعاد عن الحقيقة بعض الشي‌ء وإن اقترب- غالباً- من الواقع.

وتضمّ كتب الرحلات كثيراً من المعلومات والمعارف الجغرافيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة والاقتصاديّة في أزمنة مختلفة، وهي- من هنا- تشكّل مادّة غنيّة للجغرافيين والمؤرخين، وكذلك علماء الاجتماع والاقتصاديّين ودارسي الأدب وغيرهم.

ومن فوائد أدب الرحلات، القيمة التعليميّة التي يختزنها، فهي- كتب الرحلات- تثقّف القارئ وتثري فكره ومعلوماته عن منطقة مّا أو مجتمع مّا، وذلك حين تصوّر ملامح حضارة المنطقة في عصر محدّد، حضارةً تكوّن مصدر ثقافة ذلك المجتمع.

وبالرغم من وسائل البحث والتدوين الحديثة في قراءة وكتابة التاريخ

الإجتماعي لبلد أو لمرحلة تاريخيّة والتي جعلتنا على معرفة أوسع وأدقّ بهذا البلد أو تلك المرحلة من خلال اعتماد السجلات المدنية وأحكام القضاء ودوائر العقارات والمدونات الأخرى، إلّاأنّها- هذه الوسائل- رغم أهمّيتها غير كافية، فقد يحصل تعسف أيضاً في كتابتها أو تحليلها أو قراءتها، والسبب في ذلك غياب الشاهد الإنساني، ذلك الإنسان الذي عاش تلك الأحداث مرحلة بمرحلة، وعانى منها أو استلذّ بها، وليس هذا المصدر الذي يتمتّع بمثل هذا الشاهد إلّاكتب الرحلات التي تركها لنا الأقدمون من أمراء وسياسيّين ورجال دين أو تجّار.

والرحلة- بوصفها مادةً تجري في زمن محدّد من قبل الراوي- تُستعرض كأحداث وقعت في الماضي وفي أمكنة معيّنة، لذلك يرتبط فعلها بالمكان والزمان، ولا يمكن الفصل بين زمان الرحلة ومكانها.

كان الرحالة المسلمون قديماً كناصر خسرو وابن حوقل والمقدسي والمسعودي وابن بطوطة قد غلب على أدبهم الطابع القصصي، فكانوا يستندون إلى الحقيقة والواقع أحياناً، ويميلون للخيال والتحليل أحياناً أخرى، فيما تحفل كتبهم من جهة ثالثة بالقصص والمعلومات والشعر للمتعة.

الهدف من هذه الورقة

ثمة دوافع متعّددة للرحلات أو كتابة أدبها، منها ما هو بدافع السفر وأهمّيته، أو بدافع التجارة، ومنها ما هو لطلب العلم واللقاء بالمشايخ

لا نقصد من هذه الورقة دراسة الأدب الجغرافي العربي أو الفارسي بشكل معمّق، فقد كتب في ذلك المستشرق الروسي كراتشكوفسكي (1)والدكتور زكي محمّدحسن (2)وآخرون


1) اغناطيوس كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح‌الدين عثمان، دار الغرب‌الإسلامي، بيروت 1987.

2) زكي محمّدحسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، دار الرائد العربي، بيروت- 1981.

دراسات تستحقّ المراجعة. وإنّما نقصد إلى عرض نماذج من أدب الرحلات التي كتبها رحالة وحجاج من بلاد فارس قصدوا الحرمين الشريفين في فترات مختلفة وكتبوا عن رحلاتهم باللغة الفارسيّة، خصوصاً في القرون الأخيرة (12- 15 هجري).

أنواع الرحلات الفارسيّة

لم يشكل أدب الرحلات كمّاً واسعاً عند الإيرانيين، فخلال أكثر من ألف عام لم تخلف المكتبة الفارسيّة إلّا اليسير في هذا المجال، فأوّل إشارة لرحلة الحجّ بالفارسيّة كانت في سفرنامه ناصرخسرو (427 ه)، بل وتعتبر الأولى من نوعها حتّى بالنسبة إلى العربيّة إذ سبقت ابن جبير وابن بطوطة (725 ه)، وهناك رحلة أيضاً تعود للقرن الثامن الهجري كتبها أبوالأشرف محمّد اليزدي (762 ه) تحت عنوان رسالة الحجازيّة (طبع طهران)، وهي تقرير مبعوث حكومة آل‌جلاير إلى مكّة والمدينة لنقل مشاكل الحجّاج في تلك الفترة، إلّاأنّ نتاج أدب الرحلات عند حجّاج إيران وباللغة الفارسيّة ازداد في القرنين الأخيرين ازدياداً ملحوظاً (كما ترون في ملحق هذه الورقة).

لم يكن نتاج أدب الرحلات الفارسيّة كبيراً، فلم نعثر على مخطوطات في هذا المضمار إلّاحوالي (60) مادّة، ولم يطبع منها إلّاحوالي (20)، حيث بدأت جهود حديثة لتحقيق بعض هذه المخطوطات وطباعتها على يد: السيّد رسول جعفريان والسيّد علي قاضي‌عسكر وآخرين، وقد ذكرنا أسماء ما نشروا منها.

ويمكن تقسيم رحلات الإيرانيين إلى الجزيرة العربيّة والأماكن المقدسّة إلى ثلاث دورات:

الدورة الأولى: أدب الرحلات الجغرافيّة الأولى [التي كتبت بعضها

بالعربيّة] ككتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة (القرن 3 ه)، والأعلاق النفيسة لابن رستة (ق 4 ه)، والاصطخري (القرن 4 ه) مؤلّف مسالك الممالك، ورحلة ناصرخسرو القادياني المروزي (ق 5) والتي سجل فيها رحلته للشام ومصر والجزيرة العربيّة (1)، والقزويني (القرن 7 ه) مؤلّف كتاب آثار البلاد وأخبار العباد.

الدورة الثانية: القرن 12- 13 ه، وهي الفترة التي ظهرت فيها رحلات الأوروبيين والمستشرقين، وقد تأثّر الإيرانيّون بهذه الكتب فبدأوا بتدوين رحلاتهم إلى خارج البلاد ومنها إلى مكّة، وأكثر أدب الرحلات الفارسيّة المخطوطة يعود لهذه الفترة.

ازدادت كتب الرحلات في العصر القاجاري في القرن 12- 13 الهجري بسبب رواج كتب الرحلات الأوروبيّة حول الشرق، وبالرغم من أنّ كتب الرحلات الإسلاميّة والعربيّة لها سابقة طويلة، إلّا أنّ الأسلوب الجديد لكتابة رحلات الأوروبيين والمستشرقين كان مؤثّراً وباعثاً على اهتمام الإيرانيين بكتابة رحلاتهم من بلاد فارس باتّجاه الأراضي العثمانيّة والأوروبيّة والشام ومصر والحجاز.

ومن أشهر كتب الرحلات إلى الحجاز ومكّة المكرّمة في هذه الفترة رحلة فرهادميرزا، ونايب الصدر، ومخبر السلطنة، وحاج علي‌خان اعتماد السلطنة، وميرزا داود وزير الوظايف، ورحلة محمّد ولي ميرزا، وحسام السلطنة (2).

الدورة الثالثة: الرحلات المعاصرة (القرن 14- 15 ه) إلى مكّة، فقد ظهرت مجموعة من الرحلات في القرن الأخير كرحلة جلال آل‌أحمد، والدكتور علي شريعتي وغيرهم، وهي رحلات يغلب عليها الطابع الفكري والنظري في تفسير فلسفة الحجّ وتأثيراتها المعنويّة أكثر ممّا تتطرق إلى ذكر المعلومات الجغرافيّة أو الاجتماعيّة.


1) أنظر نقد هذه الرحلة ومدى واقعيّة معلوماتهاعن شرق الجزيرة العربيّة في مجلة الواحة، العدد 19، بيروت- 2000 م.

2) شخصيّات سياسيّة من العهد القاجاري في إيران.

تقويم الرحلات الفارسيّة

وإذا كان أدب الرحلات عند الغربيين يغلب عليه الطابع السردي والوصفي والتقريري عن الأماكن فقط، فإنّ أدب الرحلات الإيرانيّة- كأدب الرحلات العربيّة عموماً- يعتبر نوعاً من الفن القصصي إلى جانب ما فيه من المادّة الواقعيّة، فالتنوّع في العرض، وغنى المادة، والبساطة في السرد، والجمع بين الواقع والخيال، حوّل هذا الأدب إلى مادة مليئة بالمتعة والمرجعيّة أيضاً.

تتميز الرحلات عادة بالوصف وتتحول الكتابة إلى استعراض وإعادة استرجاع لما شاهده الواصف، ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنّها تنقل إلينا صوراً محايدة، لأن الخيال والنظر يمكن أن يدخل في نسيجها ويؤثر على الحقيقة التاريخيّة، وذلك لما للعواطف والانفعالات من تأثير على كتابات أصحابها ومواقفهم، ومع ذلك يمكن اعتبار الرحلات وثيقة صادقة ودقيقة يستطيع أن يستفيد منها المؤرخون والأدباء والجغرافيون وعلماء الاجتماع على حدٍّ سواء.

لقد كانت أغلب هذه الرحلات- بالإضافة إلى هدفها الأوّل ألا وهو زيارة الأماكن المقدسة، وتأدية فريضة الحج، وزيارة قبر الرسول وأئمّة المسلمين- منبعاً للمتعة واللذة والخروج من المشاكل والمآزق الحياتية، وكما يقول المثل: (لذة العيش في التنقل)، أو كما يقول الشاعر: (فسافر ففي الأسفار سبع فوائد).

ويغلب على أكثر الرحلات الإيرانيّة وصف المدن التي زاروها وشعبها وطرقها الصحراويّة وملامح الحياة البدوية، نظراً إلى أنهم وردوا من بلادٍ تختلف طبيعتها الجغرافية عن مناطقهم وتختلف طرق الحياة فيها عن طريقتهم.

ويقترب أدب الرحلات عند الإيرانيين- كغيرهم من الرحالين العرب- من أدب‌السيرة الذاتية، ذلك أن‌العنصر الشخصي والانطباع الذاتي والتعبير عن الثقافة العامة المعاصرة من سمات أدب الرحلات. لذلك نستطيع- بالإضافة إلى استخراج المعلومات عن البلاد التي وصفوها- معرفة مسيرة حياة كاتب الرحلة أيضاً.

ويبقى الاختلاف واضحاً بين كاتب وآخر، فبعض الرحّالة الإيرانيين كانوا كتاباً قبل أن يكتبوا رحلاتهم فظهرت كتاباتهم في غاية الأدب والنتاج الفنّي.

ومنهم من كلّف آخرين بالكتابة عن رحلاته، وهناك من كتب بشكل ضعيف.

حتّى أنّ الشعراء منهم كتب رحلته شعراً.

رحلات علماء الدين وكتّاب الدولة وكتّاب الدواوين كانت بأقلامهم، ولكن رحلات الرسميين والوزراء كانت تملى على كتابهم، ولذلك فإنّ أغلب هذه الرحلات كتب بخطّ فارسي جميل، ومن هنا يعتبر من المخطوطات الفنّية النادرة أيضاً.

والملاحظ أنّ أغلب الرحلات اتخذت طابع الوصف اليومي، ومنطقة بمنطقة ومشهد بمشهد.

نماذج من الرحلات وطرق السفر

كانت‌الرحلات تقع عبرعدّةطرق، فمثلًارحلة حسام‌السلطنةعام 1297 ه (1)كانت عبر شمال إيران بدءاً من طهران، مروراً بقزوين، بحر قزوين، آذربايجان، البحر الأسود، اسطنبول، بحر مرمره، البحر الأبيض المتوسط، قناة السويس، البحر الأحمر، إلى جدّة، وبعد زيارة الحرمين الشريفين، كان الرجوع عبر شمال الحجاز، بيت المقدس، الشام، البحر المتوسط، الأراضي العثمانيّة ثمّ إيران.

أمّا رحلة ميرزا داود وزير الوظائف (2)(عام 1322 ه) فتبدأ من خراسان، ثمّ


1) سفرنامه مكّه، حسام السلطنة، طبعة طهران 1995، تحقيق: رسول جعفريان.

2) سفرنامه ميرزا داود وزير وظايف، طهران 1422 ه، تحقيق: قاضي‌عسكر.

عشق آباد، باتّجاه بحرقزوين، ثمّ بحراً إلى آذربايجان فالأراضي العثمانيّة، مروراً بالبحر الأسود واسطنبول ثمّ البحر المتوسط، ثمّ قناة السويس والبحر الأحمر فجدّة ومكّة المكرّمة. أمّا الرجوع برّاً فكان عبر شمال الحجاز فالشام ثمّ شرقاً إلى العراق لزيارة العتبات وكربلاء ثمّ باتّجاه كرمانشاه (غرب إيران) وقم والريّ ثمّ نيشابور وخراسان.

أمّا رحلة اعتماد السلطنة (1)، فكانت الحركة فيها من طهران باتجاه غرب إيران، ثمّ بغداد، ثمّ خطّ الشام ثمّ الأردن والحجاز، ثمّ الرجوع عبر الشام وشمال العراق وأخيراً إلى شمال إيران.

أمّا رحلة ميرسيّد أحمد هدايتي (عام 1338 ه) والتي طالت سنة كاملة، فكانت عبر غرب إيران، طهران، قزوين، نهاوند، كرمانشاه باتجّاه العراق وبعد زيارة بغداد وكربلاء باتّجاه البصرة، ومن البصرة بحراً عبر الخليج مروراً بكراجي وبمبي ثمّ البحر العربي باتّجاه جدّة، والرجوع عبر نفس المسار (2).

المخطوطات في أدب الرحلات الفارسيّة

هناك أكثر من ستّين مخطوطة حول الرحلات إلى مكّة، ولا زالت أكثر هذه المخطوطات محفوظة في المكتبات الإيرانيّة، وهناك حركة جديدة لطباعتها بعد التحقيق، فقد قام الشيخ رسول جعفريان بتحقيق و طباعة مجموعة منها (3)وكذلك السيّد علي قاضي‌عسكر الذي بدأ بتحقيق سلسلة أخرى من هذه المخطوطات وطباعة بعض منها (4)، ويقتَرَح على منظمة الحجّ الإيرانيّة وكذلك وزارة الحجّ


1) سفرنامه حاج على‌خان اعتماد السلطنة، طهران 1423 ه.

2) داستان باريافتگان [قصّة ضيوف الرحمان، رحلة هدايتي]، سيّد أحمد هدايتي، نشر مشعر، 1419 ه.

3) قام رسول جعفريان بتحقيق ونشر: سفرنامه مكّه حسام السلطنة، وسفرنامه مكّه محمّد ولي‌ميرزا، وسفرنامه‌منظوم حج، التي نظمت شعراً من العهد الصفوي، وتاريخ كعبة للدماوندي.

4) نشر السيّد قاضي‌عسكر حتّى الآن مخطوطتين عن أدب الرحلات: سفرنامه حاج علي‌خان اعتماد السلطند عام 2000 وسفرنامه ميرزا داود وزير وظايف عام 2000.

السعودي الاهتمام والسعي لإحياء هذه المخطوطات وطباعتها.

قائمة بالمخطوطات الفارسيّة في أدب الرحلات الإيرانيّة إلى مكّة المكرّمة (1)

1- سفرنامه منظوم، بانوي اصفهاني (ق 12 ه)، مكتبة جامعة طهران، ج 9، الرقم 2591 (نشرت أخيراً في طهران).

2- سفرنامه مكّه، ضياء الدين قاري (1129 ه)، المتبقى منه صفحة واحدة، قائمة منزوي رقم 4031.

3- مسير الحرمين أو حالات الحرمين، مولوي رفيع الدين مرادآبادي، قائمة منزوي رقم 3999.

4- تذكرة الطريق في مصائب حجّاج بيت العتيق، مكتبة برلين رقم 454.

5- سفرنامه مكّه، محمّد ولي ميرزا (1260 ه) (نشرت أخيراً ضمن مجموعة تحت عنوان: به سوى أم القرى).

6- سفرنامه مكّه، محمّدعلي فراهاني (عام 1263 ه)، مخطوطات مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، رقم 2310.

7- سفرنامه مكّه، علي‌خان حاجب الدولة (عام 1263 ه).

8- دليل الزائرين، عبدالعلي أديب الممالك (عام 1272 ه).

9- سفرنامه عتبات و مكّه، سيف الدولة (عام 1279)، نشرت في إيران.

10- سفرنامه مكّه، ميرزا علي‌خان اعتماد السلطنة (عام 1285 ه)، مخطوطات مكتبة استان قدس رضوي، رقم 4125، نشرت أخيراً في طهران.

11- سفرنامه مكّه، الكاتب مجهول، إهداء إلى ناصر الدين شاه القاجاري، (1288 ه).

12- تاريخ كعبة، محمّد معصوم بن محمّد صالح دماوندي (القرن 11 ه) رحلة من سورت الهند إلى الحجاز، (مطبوعة بتحقيق: رسول جعفريان).


1) اقتبسنا بعض أسماء هذه القائمة من مقدمة سفرنامه مكّه لحسام السلطنة، تحقيق رسول جعفريان طهران 1995 ونقلناها تعميماً للفائدة، بعض هذه المخطوطات نشر في إيران محقّقاً، وقد أشرنا إليها ووردت في قائمة الكتب المطبوعة أيضاً.

13- سفرنامه مكّه، محمّدرضا بن عبدالجليل حسني حسيني طباطبائي تبريزي (عام 1296 ه)، مكتبة ملك رقم 2357.

14- سفرنامه مكّه، خانم معتمد الدولة فرهاد ميرزا (عام 1296 ه)، مجلس الشورى الإسلامي، رقم 1225 (تحت التحقيق والنشر بواسطة مجد طباطبائي).

15- دليل الأنام في سبيل زيارت بيت اللَّه الحرام، سفرنامه مكّه، سلطان مراد ميرزا حسام السلطنة (عام 1297 ه) مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، رقم 693، (نشر مشعر، طهران عام 1415 ه، تحقيق رسول جعفريان).

16- سفرنامه مكّه، عبدالحسين خان أفشار (عام 1299 ه).

17- سفرنامه مكّه، ميرزا إبراهيم مشتري طوسي حسام الشعراء، (عام 1300 ه) نظمت الرحلة شعراً، مكتبة ملك رقم 4834، ومكتبة جامعة طهران ج 5، رقم 3806، طبع أخيراً في إيران.

18- تحفة الحرمين، نايب الصدر (عام 1305 ه)، طبع في طهران.

19- سفرنامه مكّه، محمّد حسين بن حاجي ميرزا عبدالصمد قاضي رضوي همداني (عام 1307 ه)، قائمة منزوي رقم 4030.

20- سفرنامه مكّه ومدينة وكربلاء، الكاتب مجهول، (1309 ه)، مكتبة إمام جمعة كرمان برقم 393.

21- سفرنامه حجاز، محمّد حسين شهرستاني، قائمة كتاب الذريعة، ج 12/ ص 196.

22- سفرنامه مكّه، الكاتب مجهول (1319 ه)، قائمة كتاب آشنايى با چند نسخه خطّي، ص 105.

23- سفرنامه مكّه، مدير الدولة (عام 1321- 1322 ه)، قائمة مكتبة ملك رقم 3899.

24- سفرنامه مكّه، ميرزا داود وزير وظايف (عام 1324 ه) مكتبةآستان قدس رضوي، رقم 6562، نشرت‌محقّقة أخيراً بطهران‌باسم سفرنامه ميرزا داود.

25- سفرنامه مكّه، لطفعلي أعلايي، مكتبة آستان قدس رضوي، رقم 4243.

26- سفرنامه مكّه، الكاتب مجهول، إهداء إلى ناصر الدين شاه القاجار (عام 1297 ه) المكتبة الوطنيّة رقم 865.

27- منازل بين اصفهان و مكة، فهرست مكتبة فرهنگستان باكو، آذربايجان.

28- منازل الحج، بندعلي بن خيرات علي (1214).

29- فتوح الحرمين، محيي لاري (القرن 10 ه) منظوم شعراً (طبع أخيراً في قم).

30- سفرنامه مكّه، محمّد حسين فراهاني (عام 1303 ه) المكتبة الوطنيّة رقم 573 ف.

34- سفرنامه مكّه، ميرزا علي اصفهاني (عام 1331 ه) طبعت في مجمموعة «به سوى أمّ القرى».

35- سفرنامه مكّه، الكاتب مجهول (عام 1316 ه) مكتبة المرعشي قم، رقم 6388.

36- سفرنامه مكّه، سيّد محمّد تاجر طهراني (عام 1317 ه)، مكتبة المرعشي قم، رقم 9008.

37- سفرنامه مكّه، مخبر السلطنة، مهدي قلي هدايت، مطبوع.

38- سفرنامه مكه، أمين الدولة علي بن مجد الملك، مطبوع.

39- سفرنامه مكّه، ميرزا علي صدرالذاكرين تفرشي طهراني، قائمة الذريعة ج 12/ رقم 189.

40- هداية السبيل وكفاية الدليل، معتمد الدولة فرهاد ميرزا (متوفي 1305 ه) مطبوع في طهران.

41- سفرنامه حج البيت، مولى إبراهيم بن درويش محمّد الكازروني،

الذريعة ج 12، رقم 186.

42- حجازية، أبو الأشرف محمّد يزدي (متوفّي 762 ه).

43- سفرنامه مكّه، محمّد بن إسماعيل قيري (عام 1247 ه).

44- بزم غريب، محمّد علي بن محمّد رضي بروجردي (عام 1262 ه)، قائمة عبدالعزيز طباطبائي مكتبة علّامة طباطبائي شيراز.

45- أنيس الحجاج، صفي بن ولي (عام 1087) قائمة منزوي، رقم 3992.

46- سفرنامه مكّه، ميرزا جلاير، في عهد محمّد شاه، قائمة منزوي، رقم 4033.

47- سفرنامه حجاز، هدايت علي بن شيخ فضل علي (عام 1230 ه) من حجاج الهند كتبت بالفارسية، فهرست مشترك مكتبات باكستان، ج 1، ص 62.

48- منهاج السعادات سفرنامه حج، حكيم غلام محمّد دهلوي، في حجاج الهند كتبت بالفارسيّة، فهرست مشترك مكتبات باكستان، ج 10، ص 62.

49- سفرنامه حج، شاه خواجه بن رحمة اللَّه خواجه، المتخلص بالنديم، من حجاج الهند كتبت بالفارسيّة، فهرست مكتبات باكستان، ج 10، ص 66.

50- سفرنامه حج، محمّد حسن جان هندي (1321 ه) من حجّاج الهند، كتبت بالفارسيّة، فهرست مشترك مكتبات باكستان، ج 10، ص 67.

51- تحفة العراقين، خاقاني شرواني (بعد عام 551 ه)، مطبوع.

بعض الرسائل الفارسيّة المخطوطة والمطبوعة حول جغرافيّة الحرمين الشريفين ولم تكتب على شكل أدب الرحلات أضيف إكمالًا للفائدة

1- فضائل مكّة (الترجمة الفارسيّة لفضائل مكّة)، المؤلّف حسن البصري، كتاب خطّي، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 43.

2- الوجيز في تعريف المدينة (1294 ه)، محمّد ميرزا مهندس، نشرت ضمن مجموعة: به سوى أم القرى، تحقيق رسول جعفريان (طهران 1414 ه).

3- مفرحة الأنام في تأسيس بيت اللَّه الحرام، زين العابدين كاشاني (عام 1039 ه)، نشر في سلسلة ميراث إسلامي إيران، تحقيق: رسول جعفريان.

4- توصيف مدينة [وصف المدينة]، إسماعيل هرندي (1255 ه)، نشرت في مجلّة ميقات منظمة الحجّ الإيرانيّة، بطهران.

5- ترجمة فضايل مكّه، حسن بصري، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 43.

6- مكّه، مبارك علي هندي (حول الكعبة) فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 44.

7- مكّه، الكاتب مجهول، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 45.

8- أحوالات مكّه، خواجه محمّد بارسا (متوفّى 822)، قائمة منزوي، رقم 3932.

9- الرسالة المباركة، عبدالرحمن سمرقندي، قائمة منزوي، رقم 3982.

10- تعريف الحرمين، محمود بن محمّد (991 ه)، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 15.

11- زاد السفينة في أحوال المدينة، (عام 1133 ه)، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 26.

12- مكّه، الكاتب مجهول، (عام 1060 ه)، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 23.

13- جذب القلوب إلى ديار المحبوب، ترجمة خلاصة الوفاء، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 17.

14- اخبار حسينية در اخبار مدينة، ترجمة خلاصة الوفاء (969 ه)، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 11.

15- مساحت كعبة، الكاتب مجهول، قائمة منزوي، رقم 3982.

16- رسالة در احوال مكّة معظمة و مدينة مشرفة، محمّد علي كرمانشاهي،

مرآة الأحوال، ج 1، ص 135- 149.

17- مكّة، مبارك علي هندي (عام 1240 ه)، (تقرير عن أبعاد و مقاييس الكعبة قديماً حتّى تأليف الكتاب)، خطّي، فهرست مشترك باكستان، ج 10، ص 45.

قائمة بالمخطوطات المطبوعة حديثاً بعد التحقيق في أدب الرحلات الفارسية إلى مكّة المكرّمة

1- تحفة الحرمين، [رحلة نايب الصدر]، سفرنامه نايب الصدر، محمّد معصوم شيرازي (عام 1270 ه).

2- سفرنامه امين الدولة [رحلة أمين الدولة]، 1316 ه، ميرزا علي خان صدر أعظم، تحقيق إسلام كاظمية، نشر طوس (طهران 1365 ه).

3- دليل الأنام في سبيل زيارت بيت اللَّه الحرام، سفرنامه مكّه، سلطان مراد ميرزا حسام السلطنة (عام 1297 ه)، مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، رقم 693، (نشر مشعر، طهران عام 1415 ه، تحقيق رسول جعفريان).

4- سفرنامه مكّه، [رحلة مكّة]، محمّدولي ميرزا (عام 1260 ه)، طبعت ضمن مجموعة بعنوان: به سوى أمّ القرى [نحو أمّ القرى]، تحقيق رسول جعفريان.

5- رسالة خاطرات سفر حج، (1324 ه)، سلطان حسين تابنده كنابادي، طبعة ثانية، (طهران، 1398 ه).

6- سفرنامه حج، (عام 1330 ه)، ميرزا علي اصفهاني، نشر ضمن مجموعة به سوى أم القرى، تحقيق رسول جعفريان، نشر مشعر، 1414 ه.

7- سفرنامه حاج‌علي خان اعتماد السلطنة، [رحلة اعتماد السلطنة]، تحقيق علي قاضي عسكر، نشر مشعر (طهران، 1420 ه).

8- سفرنامه ميرزا داود وزير وظايف [رحلة ميرزا داود وزير وظايف]، تحقيق علي قاضي عسكر، نشر مشعر (طهران، 2000 م).

9- سفرنامه منظوم حج [رحلة الحج شعراً]، رحلة نظمت شعراً بواسطة سيّدة من إصفهان في القرن الثاني‌عشر، تحقيق رسول جعفريان، نشر مشعر (طهران 1995 م).

10- سفرنامه عتبات و مكّة [رحلة العتبات ومكّة]، (عام 1279 ه)، سيف الدولة.

11- سفرنامه مكّه [رحلة مكّة]، ميرزا إبراهيم مشتري طوسي حسام الشعراء (300 ه)، منظوم شعراً.

12- فتوح الحرمين، محيي لاري، رحلة منظومة شعراً، (قم، 1994 م) تحقيق رسول جعفريان.

13- سفرنامه مكّة، أمين الدولة علي بن مجد الملك (توفّي 1322 ه).

14- هداية السبيل وكفاية الدليل، معتمد الدولة فرهاد ميرزا (توفّي 1305 ه)، تحقيق مجد طباطبائي.

15- داستان باريافتگان، سفرنامه حج، [رحلة الحج، قصّة ضيوف الرحمن]، القرن 13 ه، أحمد هدايتي، تحقيق علي قاضي‌عسكر، الطبعة الثانية، نشر دار مشعر (طهران، 1419 ه).

16- سفرنامه مكّه [رحلة مكّة] القرن 14 ه، مهدي قلي خان هدايت (مخبر السلطنة)، تحقيق أحمد حسيني كازروني، نشر دار ارمغان (طهران، 1419 ه).

17- مرآة الحرمين يا سفرنامه مكّه، [رحلة مكّة أو مرآة الحرمين]، القرن 14 ه، أيّوب صبري باشا، ترجمة عبدالرسول منشي، تحقيق جمشيد كيان‌فر، نشر ميراث مكتوب، (طهران 1419 ه).

18- سفرنامه مكّة [رحلة مكة]، (1279 ه)، سيف الدولة سلطان محمّد، تحقيق علي اكبر خدابرست، نشر ني (طهران، 1404 ه).

19- سفرنامه ميرزا محمّد حسن فراهاني [رحلة ميرزا محمّد حسن فراهاني]، تحقيق مسعود گلزاري، نشر فردوسي، (طهران، 1403 ه).

قائمة بأدب الرحلات الفارسيّة الحديثة المطبوعة (القرن 14- 15 ه).

20- سفر به قبله عشاق [السفر إلى قبلة العشاق]، (رحلة عام 1418 ه)، محسن يزدي خواه، دار نشر ستايش، (طهران 1420 ه).

21- سفرنامه حج [رحلة الحج]، (القرن 15 ه)، مهرانكيز كوفكر، دار نشر طنين (طهران، 1419 ه).

22- خسي در ميقات [قشّة في الميقات]، (القرن 14 ه)، جلال آل‌أحمد، عدّة طبعات (طهران)، مترجم للعربيّة وقد طبع في بيروت عام 1423 ه.

23- از خانه خود تا خانه خدا، [من بيتك إلى بيت اللَّه]، علي دارابي، (قرن 14 ه)، دار التبليغ الإسلامي (طهران، 1415 ه).

24- جاى پاى إبراهيم، سفرنامه حج [مكان أقدام إبراهيم]، (القرن 15 ه)، محمّد ناصري، دار التبليغ الإسلامي (طهران، 1413 ه).

25- ره‌آورد حج، سفرنامه حج [هدية الحج أو رحلة الحج]، (القرن 15 ه)، حبيب اللَّه صابري، دار پيام عدالت (طهران، 1413 ه).

26- سفرنامه حج [رحلة الحج]، (القرن 15 ه)، لطف اللَّه صافي، دفتر انتشارات اسلامي (قم، 1405 ه).

27- سفرنامه حج، لحظه‌هاى غنيمت [رحلة الحج و لحظات الغنيمة]، (القرن 15 ه)، رضا بنده خدا، منظمة التبليغ الإسلامي، قسم الفنون والقصّة (طهران، 1416 ه).

28- در ملكوت زمين، سفرنامه حج [في الملكوت الأرضي، رحلة الحجّ]، (القرن 15 ه)، جواد محقّق نيشابوري، دار نشر روزكار (طهران، 1419 ه).

29- طواف در باران، خاطرات سفرهاى حج [الطواف تحت المطر]، (القرن 15 ه)، هاشم رضوي، نشر دار كاتبان، (مشهد 1419 ه).

30- زائري در وادي ايمن، سفرنامه [رحلة، زائر في الوادي الأيمن]، (القرن 15)، علي عمودي، نشر بوستان توحيد (طهران، 1419 ه).

31- سفرنامه حج، برستو در قاف [رحلة الحج، عصفور السنونو في جبل قاف]، (القرن 15 ه)، علي‌رضا قروه، نشر منظمة الإعلام الإسلامي، قسم الفنون (طهران، 1416 ه).

32- يار كجا است، سفرنامه حج [أين الحبيب، رحلة الحج]، (القرن 15 ه)، رحيم مخدومي، منظمة الإعلام الإسلامي، قسم الفنون (طهران 1413 ه).

33- پرواز عشق در كهكشانها [رحلة الحب إلى فضاء المجرات]، القرن 15 ه، محمّد رضا خاني، (طهران 1419 ه).

34- راهيان سفر روحانى [السالكون في السفر الروحاني]، (القرن 15 ه)، محمّد رضا خاني، إعداد حشمت اللَّه رياضي، (طهران، 1410 ه).

35- در حريم حرم [في حريم الحرم]، (عام 1415 ه)، جواد محدثي، نشر مشعر (قم 1416 ه).

36- حج، [الحج]، القرن 14 ه، الدكتور علي شريعتي، نشر حسينية إرشاد، (طهران، 1392 ه).

37- سفرنامه حج [رحلة الحج]، (القرن 14 ه)، سيد محمود طالقاني.

38- سفرنامه حج و راهنماى حجّاج [رحلة الحج، ودليل الحجاج]، (القرن 15 ه)، حسين ذوالقدر.

39- به سوى خدا مي‌رويم با حج [الذهاب إلى اللَّه في الحج]، (1370 ه)، سيد محمود طالقاني.

40- خاطرات سفر مكّه [مذكرات رحلة مكّة]، محمّد علي هدايتي، مطبعة حيدري، (طهران، 1384 ه).

41- خاطرات زيارت خانه خدا و عتبات [مذكرات رحلة بيت اللَّه والعتبات]، (1387 ه)، محمّد رضا خاني، تحقيق حبيب اللَّه باك كوهر و محمود سعيدي، مطبعة خواجه، (طهران، 1407 ه).

42- سفرنامه حج، اى قوم به حج رفته، [رحلة الحج، يا قوم الحجاج]،

(1392 ه)، جواد مجابي، نشر موج (طهران، 1393 ه).

43- سعي هاجر (1397 ه)، شكوه ميرزادكي، نشر فاروس إيران (طهران، 1398 ه).

44- ميعاد با ابراهيم [الميعاد مع إبراهيم]، الدكتور علي شريعتي، نشر مونا، (طهران 1411 ه).

45- تحليلى از مناسك حج [تحليل حول مناسك الحج]، الدكتور علي شريعتي، نشر الهام، طهران، 1411 ه.

46- با كاروان ابراهيم، [مع قافلة إبراهيم]، رحلة (1412 ه)، رسول جعفريان.

47- با كاروان عشق [مع قافلة العشاق]، رحلة (عام 1413 ه)، رسول جعفريان.

48- به سوى ام القرى [نحو أم القرى]، رحلة عام 1414 ه، رسول جعفريان، نشر مشعر (طهران 1415 ه)، ويشتمل أيضاً على ثلاث رسائل خطّية محقّقة.

معجم ما كتب في الحجّ و الزيارة (15)

معجم ما كتب في الحجّ و الزيارة (15)

2488- مناسك حج

(على شكل سؤال وجواب، بالفارسية)

فاضل لاريجاني

باهتمام: عباس علي الكتابفروش.

تبريز: 1312 ه، حجرية.

2489- مناسك حج

(بالفارسية)

الفاضل اللنكراني

قم: قدس، ط 1، 1373 ش، 200 ص، 21 سم.

طهران: ط 4، 1375 ش، 320 ص، 17 سم.

2490- مناسك حج

(بالفارسية)

فضل اللَّه المازندراني الحائري

بمبي: 1342 ه، 120 ص، حجرية.

2491- مناسك الحج

(مختصر في أعمال الحج والعمرة)

تأليف: العلامة القطيفي ت 1287 ه

تحقيق: ضياء بدر آل سنبل القطيفي

ميقات الحج. س 4: 74 (1418 ه) ص 49- 68.

2492- مناسك حج

(بالفارسية)

كاظم شريعتمدار التبريزي

قم: 112 ص

2493- مناسك الحج

(بالفارسية)

كريم خان بن إبراهيم خان القاجار ت 1288 ه

ترجمه إلى الفارسية: جعفر بن رضا الموسوي الحسيني

ظ:

الذريعة 22/ 270.

2494- مناسك حج

كوكبي تبريزي

ط 2، 1375 ش، 286 ص.

2495- مناسك حج

لطف اللَّه صافي گلپايگاني

قم: دار القرآن الكريم،

ط 2، 1375 ش، 304 ص، 17 سم.

2496- مناسك الحج

مجموعة من العلماء

بغداد: رئاسة ديوان الأوقاف، 1972 م، 85 ص.

2497- مناسك الحج

(مقصور على أحكام حج التمتع)

بخط: محسن بن الحسن الأعرجي الكاظمي ت 1227 ه

ظ: الذريعة 22/ 270.

2498- مناسك الحج

(بالفارسية)

محسن بن عبد اللَّه الأردبيلي ت 1294 ه

مطبوع

ظ: الذريعة 22/ 271.

2499- مناسك الحج

(حاوي لتمام الاحتياطات)

محسن بن علي بن حسين العصامي النجفي

ظ: الذريعة 22/ 271.

2500- مناسك الحج

محسن بن مرتضى الأعسم النجفي ت 1238 ه

ظ: الذريعة 22/ 271.

2501- مناسك الحج

(شرح على مناسك الحج الفتوائي، الذي استخرجه محمد حسين النائيني من كتابه «الوسيلة»)

محسن الحكيم، فرغ من الشرح سنة 1356 ه

ظ: الذريعة 22/ 271.

2502- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد إبراهيم بن محمد حسن الخراساني

الكرباسي الاصفهاني (1180- 1262 ه)

ظ:

الذريعة 22/ 253.

2503- مناسك الحج

(بالفارسية)

الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل ت 1205 أو 1206 ه

(عرّبه تلميذه أبو علي محمد بن إسماعيل الحائري الرجائي)

ظ:

الذريعة 22/ 256.

2504- مناسك الحج

(كبير بالفارسية)

محمد باقر المجلسي ت 1110 أو 1111 ه

ظ:

الذريعة 22/ 256.

2505- مناسك الحج

(صغير، بالفارسية)

محمد باقر المجلسي ت 1110 أو 1111 ه

ظ:

الذريعة 22/ 257.

2506- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد باقر بن محمد سليم قراچه داغي الاسكوئي الحائري

تبريز: 1285 ه، حجرية.

2507- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد باقر السبزواري

ظ:

الذريعة 22/ 256.

2508- مناسك الحج

(بالفارسية)

حجة الإسلام محمد باقر الشفتي الاصفهاني الموسوي ت 1260 ه

ظ:

الذريعة: 22/ 257.

2509- كتاب مناسك الحج

محمد بن أبي عُمير الأزدي ت 217 ه

ظ:

رجال النجاشي 327، الذريعة 22/ 271.

2510- مناسك الحج

محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي

ظ: الذريعة 22/ 271.

2511- مناسك الحج

(في واجبات الحج ومحرّماته

ومكروهاته، اختصره من حج «رياض المسائل»).

محمد بن إسماعيل الحائري الرجالي ت 1216 ه

ظ:

الذريعة 22/ 271- 272.

2512- مناسك الحج

محمد بن تاج الدين حسن الاصفهاني الفاضل الهندي

ظ: الذريعة 22/ 272.

2513- مناسك الحج

(في مجرد العمل والأدعية)

محمد بن الحسن بن علي الطوسي ت 460 ه

ظ: الفهرست للطوسي 161، الذريعة 22/ 272.

2514- مناسك الحج

محمد بن الحسن، أبو مجلي القطيفي الفرعي

ظ: الذريعة 22/ 272.

2515- مناسك الحج

محمد بن الحسين. المدعو أبو خمسين الأحسائي ت 1316 ه

ظ: الذريعة 22/ 272.

2516- مناسك حج

(بالفارسية)

ميرزا محمد بن علي أكبر فيض القمي

طهران: 312 ص.

2517- مناسك الحج

محمد بن علي بن جعفر كاشف الغطاء

ظ:

الذريعة 22/ 272.

2518- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد بن علي الحجة الكوهكمري

طبع بإيران عدة مرات

ظ: الذريعة 22/ 272.

2519- مناسك الحج

محمد بن محسن البوشهري البحراني الحائري ت 1355 ه

(فرغ من تبييضه سنة 1324 ه)

ظ: الذريعة 22/ 273.

2520- مناسك الحج

محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد ت 413 ه

ظ:

رجال النجاشي 402،

الذريعة 22/ 273.

2521- مناسك حج

(مختصر)

محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد ت 413 ه

ظ:

رجال النجاشي 402

الذريعة 22/ 273.

2522- مناسك الحج

محمد بن محمد التبريزي

ظ:

الذريعة 22/ 273.

2523- مناسك الحج

(فتوائي)

محمد بن محمد تقي بن رضا مهدي بحر العلوم النجفي ت 1324 ه

ظ: الذريعة 22/ 272.

2524- مناسك الحج

محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي العياشي.

ظ: الذريعة 22/ 273.

2525- مناسك الحج

محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي النجف. مط الغري الحديثة، 1968 م.، 103 ص.

2526- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد تقي بن أسد اللَّه الموسوي الخوانساري

طهران: 1366 ه، 117 ص.

2527- مناسك الحج

محمد تقي بن الحسن الظهير الحسيني الاسترآبادي، فرغ منه سنة 1022 ه

ظ:

الذريعة 22/ 258.

2528- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد تقي بن حسين علي الهروي الاصفهاني الحائري ت 1299 ه

ظ:

الذريعة 22/ 258.

2529- مناسك الحج

(بالفارسية)

محمد تقي بن محمد حسين الكاشاني ت حدود 1316 ه

مطبوع

ظ:

الذريعة 22/ 258.

2530- مناسك الحج

محمد تقي بن مقصود علي الاصفهاني ت 1070 ه

ظ:

الذريعة 22/ 258.

2531- مناسك الحج

ميرزا محمد تقي الشيرازي

ظ:

الذريعة 22/ 258.

2532- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد تقي المدرسي

طهران: بقيع، ط 1، 1375 ش، 260 ص، 21 سم.

2533- مناسك الحج

محمد توفيق رمضان

بيروت، دار إحياء التراث العربي.

2534- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد جعفر بن سيف الدين الاسترابادي المعروف بشريعتمدار

طهران: 1261 ه، 48 ص، حجرية.

2535- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد حجة كوهكمري

قم: 1368 ه، 131 ص، حجرية.

2536- مناسك الحج

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

النجف: المطبعة الحيدرية، 1371 ه، 56 ص.

2537- مناسك الحج

محمد الحسين البغدادي النجفي

النجف: مطبعة العربي الحديثة، ط 1، 1374 ه، 38 ص.

النجف: مطبعة القضاء، ط 2، 1383 ه.

النجف: مطبعة القضاء، ط 3، 1385 ه 1966 م.

2538- مناسك حج

(بالفارسية)

ميرزا محمد حسين بن عبد الرحيم النائيني الغروي

النجف الأشرف: 1349 ه، 108 ص، 21 سم، حجرية.

2539- مناسك الحج

محمد حسين بن هاشم الكاظمي النجفي ت 1308 ه

ظ:

الذريعة 22/ 262.

2540- مناسك الحج

محمد حسين بن المير محمد علي المرعشي الشهرستاني الحائري ت 1315 ه

ظ:

الذريعة 22/ 262.

2541- مناسك الحج

محمد الحسيني الشاهرودي

النجف: مط الغري الحديثة، 1979 م، 78 ص.

2542- مناسك الحج

(بالفارسية)

مير محمد الخاتون آبادي

ظ: الذريعة 22/ 273.

2543- مناسك الحج

محمد رضا آل ياسين

النجف: المط، العلمية، 1948 م، 71 ص.

2544- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد الروحاني

قم: ط 1، 1372 ش، 304 ص.

2545- مناسك الحج

(في مجرد أدعية الحج وما يتعلق بالغدير)

محمد صالح بن أحمد بن صالح البحراني القطيفي آل طعان

ظ:

الذريعة 22/ 265.

2546- مناسك الحج

(في مجرد الأعمال والأدعية في عرفة والغدير وزيارة المدينة)

محمد صالح بن أحمد بن صالح البحراني القطيفي آل طعان

ظ: الذريعة 22/ 265.

2547- مناسك الحج

محمد طاها بن مهدي آل نجف التبريزي النجفي ت 1323 ه

ظ: الذريعة 22/ 265.

2548- مناسك الحج

محمد طاهر الخاقاني

النجف: المط المرتضوية، 1922 م، 168 ص، طبع حجر.

النجف: مطبعة النجف، 1383 ه/ 1964، 39 ص.

2549- مناسك الحج

محمد علي بن أبي طالب الزاهدي الجيلاني الاصفهاني ت 1181 ه

ظ: الذريعة 22/ 267.

2550- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد علي بن محمد باقر الاصفهاني ت 1318 ه

مطبوع

ظ: الذريعة 22/ 267.

2551- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد علي الرشتي النجفي ت 1334 ه

ظ: الذريعة 22/ 269.

2552- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد علي علوي گرگاني

ترجمة: علي محمد نقوي

قم: صاحب اثر، ط 1، 1375 ش، 192 ص، 17 سم.

2553- مناسك الحج

محمد علي المعصومي البهبهاني (1291- 1372 ه)

ظ: الذريعة 22/ 269.

2554- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد قاسم بن محمد تقي الاردوبادي التبريزي النجفي

طُبع في تبريز.

2555- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد كاظم الشيرازي النجفي

النجف الأشرف: 1354 ه، 20 ص.

2556- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد كريم خان الكرماني

ترجمة: زين العابدين الكرماني

طهران: 1348 ه، حجرية.

2557- مناسك حج

محمد محسن بن محمد سميع بن حسين بن علم الهدى بن الفيض الكاشاني

(فرغ منه سنة 1221 ه)

ظ: الذريعة 22/ 270- 271.

2558- مناسك الحج

محمد مهدي بن أحمد المقابي البحراني

(فرغ منه سنة 1210 ه)

ظ: الذريعة 22/ 274.

2559- مناسك حج

(مبسوط بالفارسية)

محمد مهدي بن حسن بن حسين الموسوي الخوانساري

ظ: الذريعة 22/ 274.

2560- مناسك الحج

محمد مهدي بن حسن الحسيني القزويني الحلاوي النجفي ت 1300 ه

(فرغ منه في 16 شوال 1277 ه)

ظ: الذريعة 22/ 274.

2561- مناسك الحج

(مختصر)

محمد مهدي بن حسن الحسيني القزويني النجفي

ظ: الذريعة 22/ 274.

2562- مناسك الحج

محمد مهدي بن مرتضى بن محمد الطباطبائي ت 1212 ه

ظ: الذريعة 22/ 274.

2563- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد مؤمن بن ملا أبو محمد شيخ‌الإسلام الخراساني النجفي

طهران: 1325 ه، 230 ص، حجرية.

2564- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد هادي الحسيني الميلاني

طهران: 1374 ه، 77 ص.

2565- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد هاشم بن زين العابدين الموسوي الخوانساري

اصفهان: 1310 ه، حجرية (مع مجموعة رسائل).

2566- مناسك حج

(بالفارسية)

محمد وحيدي

طهران: 1350 ه.

2567- مناسك الحج

محمد يوسف بن پهلوان صفر القزويني

ظ: الذريعة 22/ 275.

2568- مناسك حج

(بالفارسية)

محمود الحسيني الشاهرودي

النجف الأشرف: 1381 ه، 61 ص.

2569- مناسك حج

(بالفارسية)

محمود القمي

طُبع في مشهد.

2570- مناسك الحج

مساعد بن بديع الحويزي

ظ: الذريعة 22/ 273- 274.

2571- مناسك الحج

مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني ت 1209 ه.

ظ: الذريعة 22/ 274.

2572- مناسك حج

(بالفارسية)

ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي

النجف الأشرف: 1370 ه، 92 ص.

2573- مناسك حج

(بالفارسية)

مهدي بن علي بن جعفر كاشف الغطاء

ترجمة: محمد علي بن محمد فقيه تبريزي المشهور بمسئله گو.

[إيران]: 1274 ه، حجرية.

2574- مناسك حج

(بالفارسية)

مهدي مرعشي

طهران: ط 1، 1372 ش، 240 ص، 17 سم.

2575- مناسك الحج

موسى بن عبد السلام بن زين العابدين بن عباس الموسوي العاملي ت 1253 ه.

ظ: الذريعة 22/ 274.

2576- مناسك حج

(بالفارسية)

موسى بن محمد باقر بن محمد سليم الحائري

تبريز: 1316 ه (مع كتابه لطائف الدرر).

2577- مناسك الحج

ناصر مكارم الشيرازي

قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ط 2، 1375 ش، 296 ص، 17 سم.

2578- مناسك حج

(رسالة عرفانية في آداب الحج، بالفارسية)

نعمة اللَّه الكرماني

خ: دار الكتب بالقاهرة.

18 مجاميع فارسي طلعت، تاريخها 926 و (بعنوان: مناسك حج وعمره) ملك بطهران، 14/ 4262، 1109 ه (بعنوان حج وصوم)

ظ:

الذريعة 22/ 275.

2579- مناسك الحج

هادي كاشف الغطاء

النجف: المط المرتضوية،

1923 م، 96 ص.

2580- مناسك الحج

هاشم بن راضي الأعرجي الكاظمي

ظ:

الذريعة 22/ 275.

2581- مناسك حج

ياسين منصور السعدي

الرسالة الإسلامية (بغداد) ع 31 و 32 (1390 ه) ص 72- 75.

2582- مناسك الحج

يحيى بن القاسم الأسدي ت 150 ه

ظ:

رجال النجاشي 441، الفهرست للطوسي 178،

الذريعة 22/ 275.

2583- مناسك الحج

يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني ت 1186 ه

ظ: الذريعة 22/ 275.

2584- مناسك الحج

يوسف بن عبد الفتاح بن عطاء اللَّه الطباطبائي التبريزي (1167- 1242 ه)

ظ: الذريعة 22/ 275.

2585- مناسك آموزشى حج

مطابق با فتاواى حضرت آية اللَّه العظمى امام خمينى قدس سره وحواشي

إعداد: رضا مسجدي اصفهاني

قم: الحج، ط 3، 1375 ش، 150 ص، 24 سم.

2586- مناسك حج از اعمال واجبه ومستحبه

(بالفارسية)

رضا سراج الأنصاري

طهران: 1351 ش، 298 ص.

2587- مناسك الحج الأولى

(بالفارسية)

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد باقر البهبهاني ت 1216 ه

ظ: الذريعة 22/ 268.

2588- مناسك حج بيانيه امام جعفر صادق عليه السلام

(بالفارسية)

علي نمازي شاهرودي

مشهد: 1384 ه، 168 ص.

2589- مناسك الحج الثالثة

(بالفارسية)

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد

باقر البهبهاني ت 1216 ه

ظ: الذريعة 22/ 268.

2590- مناسك الحج الثالثة

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد باقر البهبهاني ت 1216 ه

تعريب: محمد بن إسماعيل الحائري

ظ: الذريعة 22/ 268.

2591- مناسك الحج الثانية

(بالفارسية)

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد باقر البهبهاني ت 1216 ه

ظ: الذريعة 22/ 268.

2592- مناسك حج جامع

(بالفارسية)

عباس مغيثي مرندي

طهران: 1345 ش، 234 ص.

2593- مناسك الحج الخامسة

(بالفارسية)

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد باقر البهبهاني 1216 ه

ظ: الذريعة 22/ 268.

2594- مناسك حج در مذاهب پنجگانه اسلام

(بالفارسية)

صدر الدين المحلاتي الشيرازي

طهران: 1351 ش، 362 ص، 24 سم.

2595- مناسك الحج الرابعة

(بالفارسية)

محمد علي الكرمانشاهي بن الوحيد باقر البهبهاني ت 1216 ه

ظ: الذريعة 22/ 268.

2596- مناسك الحج في أعمال حجّاج الحرمين مكة والمدينة المنورة

حسين الموسوي الحمامي

النجف: 1956 م.

2597- مناسك الحج كما فعلها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله

عبد اللَّه محمد شحاتة

بغداد: رئاسة ديوان الأوقاف 1968 م، 32 ص.

2598- مناسك حج مشتاقان با اسرار حج عاشقان

(شعر بالفارسية)

مهدي الهي قمشه

طهران: 1381 ه، 8 ص.

ميقات حج س 1: ع 2 (زمستان 1371 ش) ص 141- 151.

2599- مناسك حج مطابق با فتواى آيةاللَّه‌شهاب الدين المرعشي النجفي

(بالفارسية)

رضا سراج

لاهور: ط 1، 1977 م.

2600- مناسك حج مطابق با فتاواى حضرت آية اللَّه العظمى امام خميني با حواشي آقاى موسوى اردبيلي.

قم: مؤسسة مكتب أمير المؤمنين عليه السلام، ط 1، 1375 ش، 224 ص، 21 سم.

2601- مناسك حج مطابق با فتاواى واحكام حضرت آية اللَّه العظمى امام خميني

قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ط 1، 480 ص

طهران: مشعر، ط 2، 1374 ش، 460.

2602- مناسك حج مطابق فتواى حكيم

(بالفارسية)

رضا سراج

طهران: 1345 ش، 84 ص.

2603- مناسك حج مطابق با فتواى حضرت آية اللَّه محمد مدنى

(بالفارسية)

رضا المدني الكاشاني

طهران: 1352 ش، 63 ص.

2604- مناسك حج مطابق فتواى 8 نفر

(بالفارسية)

عباس بن عبد اللَّه مغيثي مرندي

طهران: 1384 ه، 136 ص.

2605- مناسك حج و أحكام عمره

(بالفارسية)

محمد رضا الگلپايگاني

قم: دار القرآن الكريم، 1411 ه، 123 ص، 17 سم.

2606- مناسك حج و احكام عمره

(بالفارسية)

يوسف مدني تبريزي

قم: مكتبة إسماعيليان، ط 1، 1373 ش، 353 ص، 17 سم.

2607- مناسك حج و ادعية

(بالفارسية)

عبد النبي بن محمد علي العراقي النجفي

قم: 1380 ه، 103 ص.

2608- مناسك الحج وأدعية الطواف على المذاهب الأربعة.

أحمد سعد علي

القاهرة: مطبعة مصطفى الثاني الحلبي، 1938 م، 78 ص.

2609- مناسك الحج وأسراره

محمد علي بن أحمد القراچه داغي الأنصاري

ظ: الذريعة 22/ 267.

2610- مناسك الحج وأعمال المدينة

عيسى بن حسن بن شبرذياب الخاقاني

المحمرة: 1324 ه.

2611- مناسك الحج وأعمال المدينة

محسن بن عبد الكريم الحسيني العاملي

طبع سنة 1340 ه

ظ: الذريعة 22/ 271.

2612- مناسك الحج و بيان حقيقة مكة والمدينة

محمد الهندي البرهانبوري

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (403/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 207.

2613- مناسك الحج والعمرة

سلمان غفاري

طبع بطهران.

2614- مناسك الحج والعمرة

محمد إبراهيم سلقيني

سورية: دار الفكر.

2615- مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة

محمد توفيق رمضان

دمشق: دار الفكر، 1985 م، 176 ص.

2616- مناسك الحج والعمرة

محمد عزيز عابدين

دمشق: دار البشائر، 1993 م، 176 ص.

2617- مناسك الحج والعمرة والزيارة والدعاء

القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1984 م، 117 ص.

2618- مناسك الحج والعمرة وزيارة المدينة المنورة على المذاهب الأربعة

مكة المكرمة: مطبعة زمزم

2619- مناسك حج يا احكام حجج اسلام

(بالفارسية)

أبو الحسن الشعراني

طهران: اسلامية، 149 ص.

2620- مناسك حج يا سير تكاملى انسان

(بالفارسية)

عبد اللَّه جوادي آملي

ميقات حج س 2. ع 7 (بهار 1373 ش)، ص 50- 56.

2621- المناسك المصورة للعمرة المفردة

إعداد: محمد حسين فلاح زاده

تعريب: محمد عبد المنعم الخاقاني

طهران: نشر مشعر، ط 1، 1372 ش، 132 ص.

2622- مناسك مصور عمره مفرده

(بالفارسية)

إعداد: محمد حسين فلاح زاده

طهران: نشر مشعر، ط 3، 1374 ش، 126 ص.

طهران: ط 4، 128 ص.

طهران: نشر مشعر، ط 6، 1376 ش، 130 ص.

2623- مناسك العلوي في اعمال حج

(بالفارسية)

علي محمد خان صاحب شوشتري جزائري

بمبي: 1270 ه، 115 ص، حجرية.

2624- مناسك عمره مفرده

(بالفارسية)

حسن فريد گلپايگاني

ط 1، 1365 ش، 64 ص، 17 سم.

2625- مناسك عمره مفرده (مطابق با فتاواى حضرت آية اللَّه الإمام الخميني)

(بالفارسية)

معاونت آموزش وتحقيقات بعثه

طهران: 1405 ه، 64 ص، 17 سم.

2626- مناسك عمره مفرده: مطابق با فتواى آقاى يوسف مدني تبريزي

قم: إسماعيليان، ط 1، 1375 ش، 146 ص، 17 سم.

2627- مناسك فكرى حج

(بالفارسية)

انتشارات صدا وسيماى جمهورى اسلامى ايران.

طهران: وزارة الإرشاد، 1359 ش، 52 ص، مصور.

2628- مناسك محشى (به ضميمه آداب و زيارت وادعيه)

(بالفارسية)

علي كاظمي

طهران: انتشارات اعلمي، 1359 ش، 199 ص.

2629- مناسك محشّى (مطابق با فتاواى 7 نفر از مراجع)

(بالفارسية)

علي كاظمي

طهران: مركز انتشارات اعلمي، 1396 ه.

2630- مناسك وآداب حج

(بالفارسية)

أبو الفضل نجفي خوانساري

طهران: غياث، ط 1، 1374 ش، 206 ص، 21 سم.

2631- المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة

إبراهيم بن إسحاق الحربي ت 285 ه

تحقيق: حمد الجاسر

الرياض: دار اليمامة، ط 1، 1389 ه/ 1969، 822 ص، 24 سم (نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب، 9)

الرياض: دار اليمامة، ط 2، 1401 ه/ 1981 م، 802 ص، 24 سم (نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب، 9).

2632- المناسك والمدارك

أحمد بن رضي الموسوي المستنبط

النجف: مط الغري الحديثة، 1961 م، 222 ص.

2633- مناسك ومسائل حج وعمره

(بالفارسية)

ميرزا خليل كمره‌اى

طهران: 463 ص.

2634- مناسك يا راهنماى اعمال حج

(بالفارسية)

محمد تقي حكيم

طهران: 1350 ش، 171 ص.

طهران: اشرفي، ط 8، 1353 ش.

2635- مناسك يا هداية الحج

(بالفارسية)

علي موسوي بهبهاني

طهران: 1386 ه، 144 ص.

2636- مناظرات الحرمين

مجهول المؤلف

خ: باريس الوطنية برقم 1167 (190- 200 ط)

ظ: العرب. س 31: ج 7، 8 (1، 2/ 1417 ه) ص 468.

2637- المناظرة بين مكة والمدينة

علي بن يوسف الزرندي

تحقيق وتقديم: سعيد عبد الفتاح

القاهرة: دار الأمين، 1412 ه- 1992 م، 102 ص.

عالم الكتب (الرياض) مج 16: ع 1 (7- 8/ 1415 ه/ 1- 2/ 1995 م) ص 80- 85 (يحيى عبد اللَّه المعلمي).

2638- منافع الحج

محمود محمد عبد اللَّه

منار الإسلام (أبو ظبي) س 16: ع 12 (6/ 1991 م) ص 6- 11.

2639- المنافقون في مدينة الرسول

هاشم يحيى الملاح

مجلة كلية الدراسات الإسلامية (بغداد): ع 5 (1973 م) ص 469- 508.

2640- مناقب مكة

علي دده مصطفى الموستاوي شيخ التربة ثم الكتواري

خ:

جامعة الرياض.

ظ:

الأعلام 4/ 282.

2641- المناهل الصافية العذبة في بيان ما خفي من مساجد طيبة

إبراهيم عباس المدني الصديقي (ت 1300 ه)

تحقيق: مرزوق علي إبراهيم

المدينة المنورة: مطابع الرشيد، 1413 ه.

2642- المناهل العذبة في إصلاح ما تهدم من الكعبة

أحمد بن حجر المكي الهيثمي ت 899 ه

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 208.

2643- مفاتيح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم

علي بن تاج الدين السنجاري 1125 ه

خ:

الحرم المكي برقم 30 تاريخ دهلوي.

ظ:

معجم ما ألّف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، 19.

2644- منبر الرسول صلى الله عليه و آله وتطويرالمنابر

بقلم: كرسويل

المقتطف (القاهرة) ج 86 (1935 م)، ص 166.

2645- المنبر في العصر الإسلامي الأول

غازي رجب محمد

سومر (بغداد) مج 31 (1935 م) ص 211- 230.

2646- منتخب الزيارات

ظ:

الذريعة 22/ 408

معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 138.

2647- منتخب الزيارات

خ: الخزانة الرضوية

ظ: الذريعة 22/ 408.

معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 138.

2648- منتخب الزيارات

(في آداب وفضائل زيارة الرسول صلى الله عليه و آله وأهل بيته)

محمد الطباطبائي

(فرغ منه في كربلاء سنة 1140 ه).

خ:

مكتبة السيد المرعشي بقم ضمن مجموع برقم 6070، الأوراق 2 ب- 207 ر.

ظ:

فهرسها 16/ 71- 72.

2649- منتخب الزيارات

(بالفارسية)

محمد كاظم التبريزي

طهران: محمد علي علمي، 1323 ش، 320 ص، حجرية.

2650- منتخب الزيارات

نبيل شعبان

طهران: الهدى، 1368 ش، 243 ص.

2651- منتخب الزيارة

(بالفارسية)

طهران: 1310 ه، 296 ص، 19 سم، حجرية.

2652- منتخب الزيارة

(بالفارسية)

إسماعيل البروجردي

طهران: 1306 ه، حجرية.

2653- منتخب الزيارة (في زيارة الرسول صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام).

محمد المدعو بعبد الكريم بن عبد الرحيم الحسيني

ظ:

الذريعة 22/ 409.

2654- منتخب الزيارة

محمد باقر المجلسي

تبريز: 1279 ه

تبريز: 1285 ه.

2655- منتخب الشمس

(في الأدعية والزيارات)

مطبوع

ظ: الذريعة 22/ 415.

معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 138- 139.

2656- منتخب المختار المذيل به على تاريخ ابن النجار (في تاريخ المدينة)

محمد بن أحمد تقي الدين الفاسي ت 832 ه

خ: مكة المكرمة، سنة 830 ه

ظ: العرب س 31: ج 7، 8 (1، 2/ 1417 ه) ص 469.

2657- المنتقى في أخبار أم القرى

محمد بن إسحاق الفاكهي

(المتوفى حدود سنة 272 ه)

طبع في:

غوتنجن: 1274 ه (بعناية وستنفلد).

مكة المكرمة: مطابع دار الصفاء، 1405 ه، 247 ص، 21 سم (تحقيق وتعليق: محمد عبد اللَّه مليباري).

2658- منزلة الحج في الإسلام

محمود محمد عمارة

منار الإسلام (أبو ظبي) س 14: ع 12 (7/ 1989 م) ص 31- 35.

2659- المنسك

الحسين بن الحسن العلوي الكوكبي

ظ:

الذريعة 23/ 22.

2660- منسك

(في ذكر بعض المساجد في المدينة)

أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الأسدي (ق 3 ه)

ظ:

مجلّة المجمع العلمي العراقي: مج 11 (1384 ه) ص 138- 139 العرب.

س 31: ج 7، 8 (1، 2/ 1417 ه) ص 469.

2661- كتاب مناسك الحج والزيارة

محمد علي

النجف: مط النعمان، 1966 م، 309 ص.

2662- منسك صغير

رضي الدين بن محمد بن علي بن حيدر بن محمد بن نعم الدين الموسوي العاملي المكي (1103 ه-؟).

ظ:

الذريعة 23/ 22.

2663- المنسك الصغير

محمد بن مكي شمس الدين العاملي الشهيد الأول

تحقيق: محمد الإسلامي اليزدي

ميقات الحج. س 3: ع 6 (1417 ه) ص 68- 81.

2664- منسك العضبي

أبو الفتح محمد بن عثمان الكراجكي

(عمله للأمير صارم الدولة وعضبه ذو الفخرين بطبرية)

ظ:

الذريعة 23/ 22.

2665- المنسك الكبير

محمد بن مكي شمس الدين العاملي، الشهيد الأول

تحقيق: محمد الإسلامي اليزدي

ميقات الحج: ع 4 (1416 ه) ص 90- 116.

2666- منسك مختصر في أحكام الحج والعمرة

جمع: عبد اللَّه بن عبد الرحمن السند

البصرة: مط الأديب، 1963 م، 39 ص.

2667- منطقة رابغ

سليمان سليم

المنهل (جدة) مج 27. ج 3 (3/ 1386 ه/ 6/ 1966 م) ص 374.

2668- منطقة المدينة المنورة:

دراسة في الجغرافية الإقليمية

عبد العزيز محمد السويلم

الرياض:

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية العلوم الاجتماعية، قسم الجغرافية، 1409 ه (ماجستير)

2669- منظومة في صفة بناء الكعبة المعظمة

محمد طاهر الكردي

(ورد في تاريخ القطبي أن المنظومة

طبعت رسالة صغيرة بالهند سنة 1367)

ط:

معجم المطبوعات العربية السعودية 294

2670- المنمق في أخبار قريش

محمد بن جيب البغدادي ت 245 ه

تصحيح وتعليق: خورشيد أحمد فاروق حيدر آباد الدكن، دائرة المعارف العثمانية، 1384 ه، 24 سم (السلسلة الجديدة من مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، 127).

المورد حج 10: ع 1 (1981 م) ص 32.

2671- منهاج الإحرام لزائر بيت اللَّه الحرام

محمد الإمامي النجفي الخوانساري ط 1، 1392 ه، 697 ص.

2672- منهاج الحاج: أو مناسك آل‌محمد صلى الله عليه و آله وهو المعروف بمنسك زيد الشهيد

الإمام زيد بن علي رضى الله عنه، الشهيد سنة 122 ه

تحقيق: محمد صالح بن إبراهيم الحسيني

نشره: هبة الدين الشهرستاني

بغداد: مط الفرات، 1923 م، 24 ص.

ميقات الحج، س 3: ع 5 (1417 ه) ص 37- 83 (تحقيق: أبو الحسن المطلبي ورضا المختاري).

2673- منهاج الحاج أو مناسك الحج والعمرة

عباس الحسيني الكاشاني

النجف: مط الغري الحديثة، ط 2، 1969 م، 100 ص.

2674- منهاج الزائر

أحمد بن علي الأشكوري الحسيني

النجف الأشرف: مطبعة النعمان، 1382- 1963 م، 86 ص، 17 سم.

2675- منهاج الزائر

علي بن طاووس

ظ: الذريعة 23/ 161،

معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 142.

2676- منهاج السعادات

(رحلة للحج، بالفارسية)

حكيم غلام محمد الدهلوي

ظ:

فهرست مشترك باكستان 10/ 62.

العرب، س 32: ج 1، 2 (7،

8/ 1417 ه/ 11، 12/ 1996 م) ص 34.

2677- المنهاج في (إلى) معرفة مناسك الحاج

أبو الفتح محمد بن عثمان الكراجكي ت 449 ه

ظ:

الذريعة 23/ 171.

2678- المنهاج في مناسك الحاج

العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ت 726 ه

ظ:

الذريعة 22/ 276، 23/ 171.

2679- منهاج الناسكين

محسن الطباطبائي الحكيم

النجف: مط الغري، ط 1، 1366 ه/ 1947 م، 129 ص

النجف: مط الزهراء، ط 2، 1369 ه/ 1950 م، 154 ص

النجف: المط الحيدرية، ط 3، 1371 ه/ 1952 م، 119 ص

النجف: مطبعة النجف، ط 4، 1375 ه/ 1956 م.

النجف: مط النجف، ط 5، 1381 ه/ 1962 م، 129 ص.

2680- منهج الدعوة في العهد المدني: دراسة تحليلية

حسن عبد الحميد حسن

القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1984 م، 375 ص، 22 سم.

2681- منهج الدعوة النبوية في المرحلة المكيّة

علي بن جابر الحربي

القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ط 1، 1406 ه/ 1986 م، 474 ص، 24 سم.

2682- المنهج لأحكام الحج

أبو الحسن علي الخنيزي

النجف: المط الحيدرية، 1376 ه/ 1957 م، 58 ص.

النجف: مطبعة الآداب، 1973 م، 119 ص.

2683- المنهج لمريد العمرة والحج

محمد صالح العثيمين

جدة: دار المجتمع، 1987 م، 47 ص.

2684- منهج الزائرين السليمانية

(في زيارات جميع المعصومين عليهم السلام في المدينة والعراق وخراسان) فرغ منه

سنة 1086 ه.

خ: السيد المرعشي

ظ: الذريعة 23/ 188.

معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 142.

2685- المنهل الأصفى في زيارة النبي المصطفى

محمود بن سليمان التجاني

القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1959 م، 320 ص، 22 سم.

2686- منهل الزيارات

نبيل شعبان

طهران: الهدى، 1368 ش، 256 ص.

2687- المهدم من آثار المدينة المنورة

عمر عبد القادر المغربي

طهران: الأمانة الدائمة للمؤتمر العالمي لبحث قداسة الحرم وأمنه، ط 1، 1408 ه، 42 ص 21 سم.

الثقافة الإسلامية (دمشق): ع 1 (7/ 1988 م) ص 192- 222.

2688- مهمات الحج والعمرة على مذهب الإمام الشافعي

شكري أحمد الزاويتي

بغداد: مط الجمهور، 1976، 68 ص.

2689- مهمات مشبوهة في الديار المقدسة

حسن السعيد

ميقات الحج: ع 8 (1418 ه) ص 104- 131.

ع 9 (1419 ه) ص 173- 190.

ع 10 (1419 ه) ص 182- 208.

2690- مُهيج الغرام الى البلد الحرام

مجد الدين ابن طاهر الفيروزآبادي ت 717 ه

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 208.

2691- المؤاخاة في المدينة

العرب س 18: ص 171.

2692- المؤاخاة في مكة

العرب س 18: ص 169.

2693- مؤتمر الحج ودوره في بناء الأمة الإسلامية

محمود محمد عبد اللَّه

منار الإسلام (أبو ظبي) س 15: ع 12 (6/ 1990 م) ص 6- 11.

2694- مؤتمر الحج وغايات العصر النبيلة

قطب الدين الحامدي

نهج الإسلام (دمشق، س 10: ع 36 (7/ 1989) ص 134.

2695- المؤرخ تقي الدين الفاسي وكتابه (شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام)

عبد اللَّه عقيل عنقاوي

في:

الندوة العالمية الأولى لدراسات الجزيرة العربية (الرياض: 5/ 1397 ه/ 4/ 1977 م)

2696- المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز

صالح أحمد العلي

بغداد: 1964 م (مستل من مجلة المجمع العلمي العراقي) مج 11 (1384 ه/ 1964 م) ص 118- 157.

2697- مؤلفات عن مكة المكرمة

امحتد بن علال البخلاخي

المنهل (جدة) ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 200- 209.

2698- مؤلفات عن مكة المكرمة

عاتق بن غيث البلادي

المنهل (جدة) ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 194- 199.

2699- مؤلفات في تاريخ المدينة

حمد الجاسر

العرب (الرياض) مج 4: ج 2 (8/ 1389 ه) ص 97- 100.

ج 3 (9/ 1389 ه) ص 262- 266.

ج 4 (10/ 1389 ه) ص 327- 334.

ج 5 (11/ 1389 ه) ص 385- 388، وص 465- 467.

2700- مؤلفات في تاريخ مكة

فؤاد سيد

العرب مج 4: ج 10 (4/ 1390 ه)

ص 949- 957 (حمد الجاسر)

2701- المواضع الأثريّة في جزيرة العرب: موسع سوق عكاظ

حمد الجاسر

مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج 26:

ج 3 (9/ 1370 ه/ 7/ 1951 م) ص 377- 397.

2702- مواضع المدن عند العرب في صدر الإسلام

طاهر مظفر العميد

مجلة كلية الآداب (بغداد) ملحق ع 23 (1978 م) ص 95- 129.

2703- كتاب المواقيت

سَلَمَة بن الخطاب البراوستاني الأزدورقاني

ظ:

رجال النجاشي 187.

2704- المواني‌ء التجارية في بلاد الحجاز

العرب س 7: ص 188.

2705- موجز أحكام الحج

محمّد باقر الصدر.

طهران: مكتبة نينوى الحديثة، ط 2، 251 ص. 17 سم.

2706- موجز تاريخ أغوات الحرم النبوي

سنبل أغا

المنهل (جدة) مج 17: مج 3 (3/ 1387 ه/ 6/ 1967 م) ص 330.

2707- الموجز في أعمال الحج ومناسكه

أحمد إبراهيم أبو يوسف

بغداد: مط التضامن، 1971 م، 131 ص.

2708- موسم حج وتلاقي افكار

(بالفارسية)

عباس علي براتي

ميقات حج س 1: ع 2 (زمستان 1371 ش) ص 233- 243.

2709- الموسوعة الجغرافية لجزيرة العرب

حمد الجاسر

الأديب س 30: ج 9 (9/ 1971 م) ص 17- 19 (أنور الجندي)

العرب: مج 6: ج 3 (9/ 1391 ه) ص 216- 221 (أنور الجندي)

2710- موسوعة العتبات المقدسة قسم المدينة المنورة

جعفر الخليلي

بيروت: مؤسسة الأعلمي، ط 2، 1407 ه/ 1987 م، 343 ص، 24 سم.

2711- موسوعة العتبات المقدسة، قسم مكة المكرمة

جعفر الخليلي

بيروت: مؤسسة الأعلمي ط 2، 1407 ه/ 1987 م، 371 ص، 24 سم.

2712- موسوعة المدينة المنورة

(رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)

جدة: دار المجتمع، 5 ج.

2713- موسوعة المدينة المنورة المختصرة

عبد العزيز محمد الربيع ت 1402 ه

ظ:

موسوعة الأدباء والكتّاب السعوديّين 387.

2714- موضع دار الندوة

محمد طاهر الكردي

المنهل (جدة) مج 10: ج 11- 12 (11- 12/ 1369 ه/ 10- 11/ 1950 م) ص 371- 373.

2715- موقع عكاظ

حمد الجاسر

العرب. س 3: ملحق ع 3 (9/ 1388 ه/ 12/ 1968 م) ص 2- 23.

2716- موقع عكاظ

عبد الوهاب عزام (تحقيق)

القاهرة: دار المعارف، 1369 ه/ 1950 م، 72 ص، 22 سم (ملحق فيه مقالان لمحمد ابن بليهد وحمد الجاسر حول الموضوع).

2717- موقعيّت اقتصادى مدينة در دوره جاهلى

(بالفارسية)

غلام حسن محرّمي

ميقات حج: ع 24 (تابستان 1377 ش) ص 78- 91.

2718- موقعيت يهود در مدينة

(بالفارسية)

عبد اللَّه بن عبد العزيز بن إدريس، شهلا بختياري

ميقات حج: ع 22 (زمستان 1376 ش) ص 87- 100.

ع 23 (بهار 1377 ش) ص 90- 108.

2719- موقف الرسول صلى الله عليه و آله من يهود المدينة

محمد كامل مراد

مجلة كلية اللغة العربية (الرياض): ع 3 (1973 م) ص 193- 228.

2720- المياه بمكة وأدوارها التاريخيّة

(مطبوع)

إبن عبد المقصود خوجة محمد بن سعيد 1360 ه

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 208.

2721- ميعاد با ابراهيم

(بالفارسية)

علي شريعتي

طهران: انتشارات مونا، ط 2، 1370 ش، 704 ص.

2722- ميعادگاه دوست

(شعر بالفارسية)

أصغر عرب (خرد)

ميقات حج س 2: ع 6 (زمستان 1372 ش)، ص 154.

2723- ميقات

(شعر بالفارسية)

أحد ده بزرگي

ميقات حج س 2: ع 4 (تابستان 1372 ش) ص 195- 196.

2724- ميقات

محمد رحماني

ميقات حج: ع 16 (تابستان 1375 ه) ص 30- 44.

2725- ميقات جحفه

(بالفارسية)

باهتمام: عبد اللَّه ناصري طاهري

ميقات حج س 2: ع 7 (بهار 1373 ش) ص 150- 157.

2726- ميقات يا نقطه آغازين سير إلى اللَّه

(بالفارسية)

مرتضى جوادي آملي

ميقات حج. س 4: ع 11 (بهار 1374 ش) ص 27- 35.

2727- ميقاتها در حج

(بالفارسية)

أحمد زماني

ميقات حج س 2: ع 6 (زمستان 1372 ش)، ص 133- 150.

2728- نارساييها ومشكلات حج

(بالفارسية)

محمد حسين رضائي

ميقات حج س 3: ع 9 (پاييز

1373 ش)، ص 164- 175.

2729- نام‌هاى شهر مكه

(بالفارسية)

يعقوب جعفري

ميقات حج س 1: ع 2 (زمستان 1371 ش)، ص 205- 219.

2730- نامه‌اى به زائرين خانه خدا

(بالفارسية)

محمود علي دوست

قم: مؤسسة ديني وعلمي مهديه، ط 1، 1364 ش، 72 ص، 21 سم.

2731- نامهاى مدينه منوره

(بالفارسية)

أحمد زماني

ميقات حج س 2: ع 7 (بهار 1373 ش)، ص 158- 178.

2732- نامه روحانيون زائر اهل سنت به خطيب مسجد النبي صلى الله عليه و آله

(بالفارسية)

ميقات حج: ع 16 (تابستان 1375 ه) ص 210- 213.

2733- نامه رييس سازمان حج وزيارت به وزير حج عربستان

(بالفارسية)

محمد حسين رضايي

ميقات حج، ع 18 (زمستان 1375 ش) ص 160- 174.

ع 20 (تابستان 1376 ش) ص 148- 165.

2734- نامهاى مكه

(بالفارسية)

محمد مهدي فقيهي

ميقات حج س 2: ع 4 (تابستان 1372 ش) ص 131- 151.

2735- النبأ الأنبه في بناء الكعبة

ابن حجر العسقلاني ت 852 ه

ظ:

كشف الظنون 1950، فهرس الفهارس والاثبات 335، معجم ما ألف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله 19.

2736- نبذة تأريخية عن القبلة في المسجد النبوي الشريف

محمد هادي اليوسفي

ميقات الحج: ع 1 (1415 ه) ص 306- 309.

2737- النبذة في ترجمة أبي ذر وتاريخ الربذة

علي العمري الحربي

الرياض: المطابع الأهلية للأوفست، 1407 ه، 412 ص.

2738- النبذة اللطيفة في بيان مقاصد الحجاز ومعامله الشريفة

أحمد بن سلامة القليوني المصري الشافعي ت 632 ه.

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 209.

2739- نبذة من تاريخ المسجد النبوي العمراني

أحمد محمد صالح الحسيني البرادعي

الكويت: ط 2، 1406 ه، 67 ص، 21 سم.

2740- النبي وإعادة صياغة المجتمع في المدينة

طه الدسوقي حبيش

منبر الإسلام س 47: ع 5 (12/ 1988 م) ص 18- 24.

2741- نتيجة الفكر في خبر مدينة سيد البشر

زين العابدين بن محمد بن عبد اللَّه العباسي المعروف بالخليفتي ت 1130 ه فرغ منه في 18/ جمادي 1171 ه

ظ:

العرب. س 31: ج 7، 8 (1، 2/ 1417 ه) ص 470- 471.

2742- نجاح المؤمنين في ثواب زيارة الأئمة المعصومين

جعفر شبر الحسيني

النجف الأشرف: 1384 ه، 64 ص، 19 سم.

2743- النجعة في شرح اللمعة:

قسم الحج

محمد تقي التستري

طهران: صدوق، 1368 ش، 464 ص، 24 سم.

2744- نجوم لامعة: شرح زيارت جامعة

(بالفارسية)

أبو تراب هدائي

مشهد: حسن وهاب آقائي، ط 1، 1367 ش، 336 ص، 21 سم.

2745- نحو وعي أخلاقي سليم في الحج

محمد مخلص حميدان

منار الإسلام (أبو ظبي) س 14: ع 12

(7/ 1989 م) ص 44- 49.

2746- نخبة الزائر

(منتخب من زاد المعاد)

محمد جعفر شريعتمدار الاسترآبادي،

ظ: الذريعة 24/ 95، إيضاح المكنون 2/ 631، معجم ما كتب عن رسول اللَّه وأهل البيت صلوات اللَّه عليهم 10/ 154- 155.

2747- نخبة الزهرة الثمينة في نسب أشراف المدينة

علي بن الحسين بن شدقم الحسيني النسابة ت 1033 ه

(وهو ذيل لكتاب والده بدر الدين الحسن بن شدقم المسمى: المستطابة في نسب سادات طابة).

ظ:

طبقات النسابين 166، العرب. س 31: ج 7، 8 (1، 2/ 1417 ه) ص 471.

2748- النخبة السنية في الحوادث المكيّة

أحمد بن أمين أبي عبد الشكور المكي الأصل (1235- 1323 ه).

ظ:

المنهل (جدة) س 56: ع 475 (3- 4/ 1410 ه/ 10- 11/ 1989 م) ص 208.

2749- نخبة من الأذكار المأثورة والصلوات على النبي صلى الله عليه و آله

أحمد العربي

الرياض: 1400 ه، 100 ص.

2750- النخبة الوجيزة في مناسك الحج

محمد بن إسماعيل، أبو علي ت 1216 ه

خ: مهدي بن أحمد آل حيدر الكاظمي.

2751- نخستين جامه‌اى كه خراسانيان بر كعبه پوشانيدند

(بالفارسية)

محمد آصف فكرت

مشكوة: ع 32 (بائيز 1370 ش) ص 59- 68.

2752- النخل في المدينة المنورة

علي عبد القادر حافظ

ظ:

موسوعة الأدباء والكتّاب السعوديين 1/ 200.