ghaemiyeh.com
سيّدة العقائل زينب (علیها السلام)
الجزء الخامس
الشيخ عباس الحلفي
سنة الطبع: 1445 ه- / 2023 م.
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سيّدة العقائل زينب (علیها السلام)
الجزء الخامس
الشيخ عباس الحلفي
© اسم الكتاب: سيّدة العقائل زينب (علیها السلام) .
© تأليف: الشيخ عباس الحلفي .
© عدد النسخ: .
© الطبعة: .
© سنة الطبع: 1445 ه- / 2023 م.
ينعقل اللسان وينكسر القلم ويتيه الفكر ويصرع العقل امام زينة ابيها وتالية أمها وشريكة اخيها المسماة من قبل الله عز وجل زينب والباكي عليها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والقائل بحقها الامام الحسين (علیه السلام)زينب اخص نوابي والقائل بحقها الامام السجاد (علیه السلام)انت بحمد الله عالمة غير معلمة وهي القائلة اللهم تقبل من القربان وكذلك ما رأيت الا جميلا.
فهي عقيلة بني هاشم وعقيلة الطالبين والمحدثة والملهمة والعالمة حتى قيل بحقها (أن مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاما لا يتخرج على أستاذ أو أخذ عن مشيخة، وإن كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها أو لمحض انتمائها (علیه السلام) إليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية، فأزيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لإفاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فافيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به ائمة الدين (علیه السلام) من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى(1).
زينب وما ادراك ما زينب
ولها جلال ليس فوقه جلالها *** الاجلال الله جل جلاله
ولها نوال ليس فوقه نوالها *** الا نوال الله عم نواله
1) وفيات الائمة ص438.
واني حاولت ان اقف على بعض المفاصل المهمة في عظمتها ومصائبها باحثا في كتب التاريخ ومن كتب في حياتها صلوات الله عليها بغية ان اكتب ممن تعرض لبصيص من نورها الاقدس استضيئ به في عالم الدنيا والاخرة.
قليل منك يكفيني وقليلك لا يقال له قليل
عباس الحلفي
كلمات الاعلام بحق السيدة زينب (علیها السلام)
أقول ذكرت كلمات الاعلام رضوان الله عليهم لانهم الأقرب لفهم كلمات اهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السلام) وحتى يهون الخطب حينما نذكر بعض التحليلات والبيانات المتعلقة بسيدة الطف المعظمة (علیها السلام).
إنّها شريكة أخيها الحسين (علیه السلام) في الذبّ عن الإسلام والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن شريعة جدّها سيّد المرسلين، فتراها في الفصاحة كأنّها تفرغ عن لسان أبيها، وتراها في الثبات تنبئ عن ثبات أبيها، لا تخضع عند الجبابرة، ولا تخشى غير الله سبحانه، تقول حقّا وصدقا، لا تحرّكها العواصف، ولا تزيلها القواصف فحقّا هي اخت الحسين (علیه السلام)، وشريكته في سبيل عقيدته وجهاده(1).
أقول وما اعظم هذه الكلمة انها شريكة اخيها (علیه السلام) فالناظر في عمقها
1) معجم رجال الحديث: 23/ 191.
سيجد الكثير الكثير من المعارف الكبرى وسيأتيك في طيات هذا الكتاب ان شاء الله.
في مجالس المتّقين: إنّ المقامات العرفانيّة الخاصّة بزينب (علیها السلام) تقرب من مقامات الإمامة، وإنّها لمّا رأت حالة زين العابدين عليه السّلام حين رأى أجساد أبيه وإخوته وعشيرته وأهل بيته على الثّرى صرعى مجزّرين كالأضاحي، وقد اضطرب قلبه واصفرّ وجهه، أخذت (علیها السلام) في تسليته وحدّثته بحديث أمّ أيمن من أنّ هذا عهد من الله تعالى. (أقول): وسيأتي حديث أمّ أيمن إن شاء الله تعالى فيما نذكره من الأخبار المرويّة عنها (علیها السلام). (و في الطّراز المذهّب): إنّ شؤونات زينب الباطنيّة ومقاماتها المعنويّة كما قيل فيها أنّ فضائلها وفواضلها وخصالها وجلالها وعلمها وعملها وعصمتها وعفّتها ونورها وضياءها وشرفها وبهاءها تالية أمّها عليها السّلام ونائبتها (علیها السلام)(1).
في كتابه المسمّى (برياض الأحزان وحدائق الأشجان) يستفاد من آثار أهل البيت جلالة شأن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (علیها السلام)
1) حكاه عنه في أعلام النّساء،/ 78].
ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه حتّى أوصى إليها أخوها عليه السّلام ما أوصى قبل شهادته، وأنّها من كمال معرفتها ووفور علمها وحسن أعراقها وطيب أخلاقها كانت تشبه أمّها ستّ النّساء فاطمة الزّهراء (علیها السلام) في جميع ذلك، وفي الخفارة والحياء، وأباها في قوّة القلب في الشّدّة، والثّبات عند النّائبات، والصّبر على الملمّات، والشّجاعة الموروثة من صفاتها، والمهابة المأثورة من سماتها.
في (تحفة العالم): زينب الكبرى زوجة عبد الله بن جعفر تكنى (أم الحسن)، ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الأخبار من أنها دخلت على الحسين عليه السلام وكان يقرأ القرآن، فوضع القرآن على الأرض وقام لها إجلالاً(1).
أما زينب المتربية في مدينة العلم النبوي، المعتكفة بعده ببابها العلوي المتعذية بلبانه من أمها الصديقة الطاهرة سلام الله عليها، وقد طوت عمرا من الدهر مع الامامين السبطين يزقانها العلم زقا، فهي من عياب علم آل محمد (علیهم السلام) وعلب فضائلهم، التي اعترف بها عدوهم الالد
1) زينب الكبرى، للنقدي ص22 و29.
(يزيد الطاغية) بقوله في الامام السجاد (علیه السلام) (إنه من أهل بيت زقوا العلم زقا) وقد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (علیه السلام) (أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة) يريد ان مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاما لا بتخرج على استاذ، وأخذ عن مشيخة وان كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها او لمحض انتهائها اليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية فازيحت عنها بذلك الموانع المادية وفي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمة الدين عليهم السّلام من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى، على ان هنا لك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، وهي الرتبة الحاصلة من الرياضاتالشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والاجزاء فان لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لامدها، وفي الحديث (من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ولا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت للّه كل عمرها، فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة، وما أحلى كلمة قالها علي جلال في كتابه (الحسين) من كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معلمه ومن كان ابوه علي ابن طالب (علیه السلام) وامه فاطمة الزهراء، ناشئا في اصحاب جده واصدقاء أبيه سادات الامة، وقدوة الائمة، فلا شك أنه كان يغر العلم غرا.
و لقد كانت نشأة هذه الطاهرة الكريمة وتربية تلك الدرّة الثمينة زينب (علیها السلام) في حضن النبوّة ودرجت في بيت الرسالة، رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغذّيت بغذاء الكرامة من كفّ ابن عمّ الرسول، فنشأت نشأة قدسيّة، وربّيت تربية روحانيّة، متجلببة جلابيب الجلال والعظمة، مرتدية رداء العفاف والحشمة، فالخمسة أصحاب العباء (علیهم السلام) هم الّذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، وكفاك بهم مؤدّبين معلّمين(1).
كانت زينب (علیها السلام) من فضليّات النساء، وفضلها أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يسطر، وتعلم جلالة شأنها، وعلوّ مكانتها، وقوّة حجّتها ورجاحة عقلها، وثبات جنانها وفصاحة لسانها، وبلاغة مقالها كأنّها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (علیه السلام) من خطبها بالكوفة والشام؛ وليس عجبا من زينب (علیها السلام)، أن تكون كذلك وهي فرع من فروع الشجرة الطيّبة النبويّة، والأرومة الهاشميّة، جدّها الرسول، وأبوها الوصيّ، وامّها البتول، وأخواها لامّهاوأبيها الحسنان، ولا بدع أن جاء الفرع على منهاج أصله...(2).
أقول: زينب، وما زينب! وما أدراك ما زينب!
هي عقيلة بني هاشم، وقد حازت من الصفات الحميدة ما لم يحزها بعد امّها أحد، حتّى حقّ أن يقال: هي الصدّيقة الصغرى؛ هي في الحجاب والعفاف فريدة، لم ير شخصها أحد من الرجال في زمان أبيها وأخويها إلى يوم الطفّ، وهي في الصبر والثبات وقوّة الإيمان والتقوى وحيدة، وفي الفصاحة والبلاغة كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السّلام)، كما لا يخفى على من أمعن النظر في خطبتها.
و لو قلنا بعصمتها لم يكن لأحد أن ينكر إن كان عارفا بأحوالها في الطفّ وما بعده، كيف ولو لا ذلك لما حمّلها الحسين (عليه السّلام) مقدارا من ثقل الإمامة أيّام مرض السجّاد (علیه السلام)، وما أوصى إليها بجملة من وصاياه، ولما أنابها السجّاد نيابة خاصّة في بيان الأحكام وجملة اخرى من آثار الولاية.
ألا ترى ما رواه الصدوق في «إكمال الدين» والشيخ (ره) في كتاب «الغيبة» مسندا عن أحمد بن إبراهيم قال: دخلت على حكيمة بنت محمّد بن عليّ أبي الحسن العسكري (علیها السلام) في سنة اثنتين وثمانين بعد المائتين، فكلّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمّت لي من نأتمّ به، ثمّ قالت: فلان ابن الحسن؛
فقلت لها: جعلني الله فداك معاينة أو خبرا؟
فقالت: خبرا عن أبي محمّد (علیه السلام) كتب به إلى امّه.
فقلت لها: فأين المولود؟ فقالت: مستور.
فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدّة أمّ أبي محمّد.
فقلت لها: أقتدي بمن في وصيّته إلى المرأة؟ فقالت:
اقتد بالحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام)، إنّ الحسين بن عليّ (علیهم السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) في الظاهر، وكان ما يخرج عن عليّ بن الحسين من علم ينسب إلى زينب بنتعليّ (علیهم السلام) تستّرا على عليّ بن الحسين (علیهم السلام)...(1).
كانت زينب الكبرى في البلاغة والزهد والتدبير والشجاعة قرينة أبيها وامّها (علیهم السلام) فإنّ انتظام امور أهل البيت بل الهاشميّين بعد شهادة الحسين (علیه السلام) كان برأيها وتدبيرها(2).
و يرتفع صوت الفضيلة المنتصرة، فتظهر زينب ابنة عليّ (علیهم السلام) في ميدان الجهاد بثبات قلب ورباط جأش؛ فتعلن هنا أهداف ثورة الحسين (علیه السلام)، وترجّع الناس ببليغ بيانها إلى أيّام الإمام عليّ (علیه السلام)، لأنّها ببلاغتها كأنّها
تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (علیه السلام)، كما وصفها شاهد الموقف: أنّها لم تقف موقف المرأة الّتي استولى عليها التأثّر والحزن العميق
فيملك مشاعرها، فتكون أسيرة حزن، وحليفة ذهول، ورهينة فجيعة؛ لعظم المصاب وفداحة الرزء الّذي أصابها. وإذا كان موقف زينب موقف جزع فمن يكفل لهذه العائلة سلامتها؟ ومن يرعى أطفالا صغارا لا كافل لهم سواها... فقد مثّلت دور البطولة في جهادها، وثبتت أمام المكاره ثبوت الجبل أمام العواصف، إنّها تحمّلت المصائب والنكبات طلبا لمرضاة الله، وجهادا في سبيله، وإعلاء لكلمته...(1).
بحثت في وصفها وكمالها فسألت ربي عز وجل قال هي زين أب، سألت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال هي خديجة الكبرى، سألت علي (علیه السلام) قال هي ثمرة فؤادي، سألت الحسين (علیه السلام) قال أخص نوابي، سألت السجاد (علیه السلام) قال عالمة غير معلمة، سألت الجبال العالية قالت هي أكثر رسوخا، سألت أمواج المحيط قالت هي أكثر ثورة، سألت الشمس قالت هي أكثر ضياء، سألت القمر قال هي أكثر نورا، سألت كربلاء قالت صابرة محتسبة، سألت الكوفة قالت خطيبة قاطعة، سألت الشام قال فاضحة الظالمين ومدافعة لحرم الحق المبين وحاملة لثورة الإمام الحسين (علیه السلام)،
1) مع الحسين (عليه السّلام) ونهضته: 294.
سألت المدينة قالت فاطمة الثانية وبالحق على الظلم منادية وعن حرم الولاية محامية!!
وأقول أن زينب الكبرى (علیها السلام) هي أم عاشوراء!!
فلم ير أكرم منها أخلاقا، ولا أنبل فطرة، ولا أطيب عنصرا، ولا أخلص جوهرا، إلّا أن يكون جدّها واللذين أولداها. وكانت ممّن لا يستفزّها نزق، ولا يستخفّها غضب، ولا يروع حلمها رائع؛ آية من آيات الله في ذكاء الفهم، وصفاء النفس، ولطافة الحسّ، وقوّة الجنان، وثبات الفؤاد، في أروع صورة من صور الشجاعة والإباء والترفّع(1).
ومن خطبتها البليغة، وکلماتها الشريفه، ومضامينها اللطيفه، يعلم أنّها کانت ينبوع من ينابيع العلم والمعرفه، وأنّها کانت تفرغ عن ينبوع الفصاحه والبلاغه، ومن خطبتها يعرف أنّ نساءهم وبناتهم وأطفالهم کلّهم غصون شجره الإمامهوالهدايه، وفروع أصول العصمه والطهاره. وذلک لأنّ النساء المخدرات خطبن بين الملأ إرتجالاً، وهنّ في تلک الحاله من الحزن والفقد والسبي والألم، والحال أنّ کبار العلماء يعجزون
1) عقيلة الوحي: 24.
عن إنشاء مثلها بعد التأمّل والإعداد، بل يتعسّر عليهم فهم ما ورد في کلامهن بعد التفکّر، ومنه يعلم منزله هؤلاء الطيبات ومقامهن.
أجل، إنّهن بنات علي المرتضي عليه السلام، وفلذه کبد فاطمه الزهراء (علیها السلام) وأنوار سبل الله(1).
في رسالته «العلويّة»: كانت زينب ابنة عليّ (علیهم السلام) في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها، كأبيها المرتضى، وأمّها الزهراء (علیهم السلام)(2).
في كتابه «السيّدة زينب»: السيّدة الطاهرة الزكيّة زينب بنت الإمام عليّ بن أبي طالب ابن عمّ الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وشقيقة ريحانتيه، لها أشرف نسب، وأجلّ حسب، وأكمل نفس، وأطهر قلب، فكأنّها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل، فالمستجلي آثارها يتمثّلأمام عينيه رمز الحقّ، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة وفصاحة اللسان، وقوّة الجنان، مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إنّ في ذلك لعبرة...
و قال أيضا: فلئن كان في النساء شهيرات فالسيّدة أولاهنّ؛و إذا عدّت الفضائل فضيلة فضيلة! من وفاء وسخاء وصدق وصفاء وشجاعة وإباء وعلم وعبادة وعفّة وزهادة، فزينب (علیها السلام) أقوى مثال للفضيلة بكلّ مظاهرها(1).
زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليهما.
امّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، الطهر الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) بنت فخر الامّة وسيّدها ونبيّها محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم).
و هي الصدّيقة الكبرى، عقيلة بني هاشم، العالمة غير المعلّمة، والفهمة غير المفهّمة، عاقلة، لبيبة، جزلة، وكانت في فصاحتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وامّها الزهراء (سلام الله عليهما)، وامتازت بمحاسنها الكثيرة، وأوصافها الجليلة، وخصالها الحميدة، وشيمها السعيدة، ومفاخرها البارزة، وفضائلها الطاهرة.
ولدت (سلام الله عليها) قبل وفاة جدّها (صلی الله علیه و آله و سلم) بخمس سنين، وتزوّجت من ابن عمّها عبد الله ابن جعفر، فولدت له محمّدا وعليّا وعبّاسا وأمّ كلثوم وعون.
1) زينب الكبرى (عليها السّلام) للنقدي: 28- 29.
حدّثت عن امّها فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، وأسماء بنت عميس.
وروى عنها محمّد بن عمرو، وعطاء بن السائب، وفاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام)، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبّاد العامري(1).
في رسالته الّتي طبعها بمصر: السّيّدة زينب رضي الله تعالى عنها هي ابنة سيّدي الإمام عليّ كرّم الله وجهه وابنة السّيّدة فاطمة الزّهراء بنت رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم وهي من أجلّ أهل البيت حسبا وأعلاهم نسبا، خيّرة السّيّدات الطّاهرات، ومن فضليّات النّساء، وجليلات العقائل، الّتي فاقت الفوارس في الشّجاعة، واتّخذت طول حياتها تقوى الله بضاعة، وكان لسانها الرّطب بذكر الله على الظّالمين عضبا، ولأهل الحقّ عينا معينا، كريمة الدّارين، وشقيقة الحسنين بنت البتول الزّهراء، الّتي فضّلها الله على النّساء وجعلها عند أهل العزم أمّ العزائم، وعند أهل الجود والكرم أمّ هاشم، (إلى أن قال) ولدت رضي الله عنها سنة خمس من الهجرة النبويّة أي قبل وفاة جدّها صلّى الله عليه واله وسلم بخمس سنين، فسرّ بمولدها أهل بيت النّبوّة أجمعين ونشأت
1) أعلام النساء المؤمنات: 380.
نشأة حسنة كاملة فاضلة عالمة من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الأخلاق، ذات فصاحة وبلاغة يفيض من يدها عيون الجود والكرم، وقد جمعت بين جمال الطّلعة وجمال الطّوية حتّى أنّها اشتهرت في بيت النّبوّة، ولقّبت بصاحبة الشّورى، وكفاها فخرا أنّها فرع من شجرة أهل بيت النّبوّة الّذين مدحهم الله تعالى في كتابه العزيز (إلى آخر ما قال)(1).
في أنساب الطّالبيّين: زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام)، كنيتها أمّ الحسن، تروي عن أمّها فاطمة الزّهراء بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد امتازت بمحاسنها الكثيرة وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة وشيمها السّعيدة ومفاخرها البارزة وفضائلها الظّاهرة.
و كانت زينب (علیها السلام) امرأة عاقلة لبيبة جزلة، زوّجها أبوها عليّ (علیه السلام) من عبد الله ابن أخيه جعفر، فولدت له عليّا وعونا الأكبر وعبّاسا ومحمّدا وأمّ كلثوم، وكانت مع أخيها الحسين (علیه السلام) لمّا قتل، وحملت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن معاوية؛ وكلامها ليزيد حين طلب
1) حكاه عنه في أعلام النّساء / 87 - 88.
الشامي اختها فاطمة بنت عليّ (علیه السلام) من يزيد، مشهور مذكور في التواريخ، وهو يدلّ على عقل وقوّة جنان...(1).
وليت وجهي شطر قبلة الورى *** ومن بها تشرفت أم القرى
قطب محيط عالم الوجود *** في قوسي النزول والصعود
ففي النزول كعبة الرزايا *** وفي الصعود قبلة البرايا
بل هي باب حطة الخطايا *** وموئل الهبات والعطايا
أم الكتاب في جوامع العلا *** أم المصاب في مجامع البلا
رضيعة الوحي شقيقة الهدى *** ربيبة الفضل حليفة الندى
ربة خدر القدس والطهارة *** في الصون والعفاف والخفارة
فإنها تمثل الكنز الخفي *** بالستر والحياء والتعفف
تمثل الغيب المصون ذاتها *** تعرب عن صفاته صفاتها
مليكة الدنيا عقيلة النسا *** عديلة الخامس من أهل الكسا
شريكة الشهيد في مصائبه *** كفيلة السجاد في نوائبه
بل هي ناموس رواق العظمة *** سيدة العقائل المعظمة
ما ورثته من نبي الرحمة *** جوامع العلم أصول الحكمة
سر أبيها في علو الهمة *** والصبر في الشدائد الملمة
1) أسد الغابة: 5/ 469.
ثباتها تنبئ عن ثباته *** كان فيها كل مكرماته
لها من الصبر على المصائب *** ما جل أن يعد في العجائب
بل كاد أن يلحق بالمعاجز *** لا أنه حرفة كل عاجز
فإنها سلالة الولاية *** ولاية ليس لها نهاية
بيانها يفصح عن بيانه *** كأنها تفرغ عن لسانه
ناهيك فيه الخطب المأثورة *** فإنها كالدرر المنثورة
بل هي لولا الحط عن مقامها *** كاللؤلؤ المنضود في نظامها
فإنها وليدة الفصاحة *** والدها فارس تلك الساحة
وما أصاب أمها من البلا *** فهو تراثها بطف كربلا(1)
1) الأنوار القدسية.
يا حبيبي
اجعل اسمها زينب
عَن محمّد بْنُ سِنَانٍ، قَال: سَأَلْت الرّضا (علیه السلام) عَنْ الِاسْمِ ما هو؟ قَال: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ. يَقُول المجلسي رَحِمَهُ الله عَلَيْهِ: أَي سِمَة وعَلَامَةَ تَدُلُّ عَلَى ذَاتِ فَهُوَ غَيْرُ الذَّاتِ..(1).
عنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) عَنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ: «الِاسْم مَا أَنْبَأَ عَنْ المسمّى»(2).
يَقُول مِيرْزا مُحَمَّد التَّقِيّ الشَّرِيف رَحِمَهُ الله عَلَيْهِ
مِنْ الْبَيْنِ أَنَّ الْإِنْبَاءَ عَنْ الْمُسَمَّى لَيْس بمقصور فِي الْأَلْفَاظِ، وَالْإِعْرَاض هِيَ الْمَعَانِي وَالْجَوَاهِر آكَدُ فِي ذَلِكَ وَأَبْيَنُ فِي الدَّلَالَةِ، فَهِيَ أَوْلَى بِحَقِيقَة الِاسْمِيَّة مِنْ الْأَلْفَاظِ، فالاسمية لَهَا أَوَّلًا، وَبِالذَّات وللألفاظ ثَانِيًا، وبالتبع لِكَوْنِهَا قَوَالِب لِتِلْكَ الْمَعَانِي وَمَرَايَا لَهَا؛ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ عِبَارَةٌ عَنْ ظهوراته الْفِعْلِيَّة الإشراقية الصَّادِرَة عَنْه، فَإِنَّهَا هِيَ الْأَسْمَاء وَالْعَلَامَات الدَّالَّةِ عَلَيْهِ المنبأة عَنْهُ نَظِيرُ الصُّورَةِ
الظَّاهِرَةِ فِي الْمَرْأَةِ مِنْ الشَّاخِص الْمُقَابِل، فَإِنَّهَا أَثَر إِشْراقِي مِثالِيٌّ فَعَلَيّ مِن الشَّاخِص دَالٌّ عَلَيْهِ ومنبأ عَنْه، وَنَظِير الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالْكَاتِب، وَمَا يُرَادِفُهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنْ زَيْدِ، فَإِنَّهَا آثَارٌ فَعَلَيْه إشراقية مِثَالِيَّة دَالَّةٌ عَلَى زَيْدٍ ومنبأة عَنْه، وَلَيْسَتْ هِيَ عَيْنُ ذَات زَيْد وَإِلَّا لَكَانَ زَيْد دَائِمًا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ كَاتِبًا، وَهَكَذَا لِأَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ وَذَاتِيَّتَه لَا يتخلفان عَنْهُ وَهُوَ خِلَافُ الْبَدِيهَةِ، فَكُلّ مُسَمَّى لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسَمَّى أَسْمَاء بِعَدَد ظهوراته الإشراقية تَنَبَّأ عَنْه، وَيُدْعَى بِهَا عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، وَكُلُّ اسْمٍ مِنْهَا مَبْدَأ لِأَثَر خَاصٌّ مِنْهُ كَالْقَائِم فَإِنَّه مَبْدَأ أَثَر الْقِيَام، وَالضَّارِب مَبْدَأ أَثَرُ الضَّرْبِ، وَالْكَاتِب مَبْدَأ أَثَرالْكِتَابَة وَهَكَذَا(1).
أقول ومن هنا يعرف ان الاسم له بحث في المعارف الإلهية ليس مجرد عنوانا لمعنون وانما هو دور وجودي ومسؤولية وبيان لحقائق عالية.
ذَكَر السَّيِّد الْقَزْوِينِيّ&وَلَمَّا وَلَدَت السَّيِّدَة زَيْنَب (علیها السلام) أَخْبَرَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ بِذَلِك، فَأَتَى مَنْزِلَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ، وَقَال: يَا بُنَيَّةُ ائْتِينِي ببنتك الْمَوْلُودَة.
فَلَمَّا أحضرتها أَخَذَهَا النَّبِيُّ وَضَمَّهَا إلَى صَدْرِهِ الشَّرِيف، وَوَضَع خَدِّه عَلَى خَدِّهَا فَبَكَى بكاءً شديداً عالياً، وَسَأَلْت دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: مِمَّ بُكَاؤُك، لَا أَبْكَى الله عَيْنَك يَا أَبَتَاهُ؟
فَقَال: يَا بنتاه يَا فَاطِمَةُ، أَنَّ هَذِهِ الْبِنْت سَتُبْلَى بِبَلايَا وَتُرَدّ عَلَيْهَا
1) كتاب صحيفة الأبرار ج2.
مَصَائِب شَتَّى، ورزايا أَدْهَى.
يَا بِضْعَتَي وَقُرَّةَ عَيْنِي، أَنَّ مَنْ بَكَى عَلَيْهَا، وَعَلَى مصائبها يَكُونُ ثَوَابُهُ كثواب مَنْ بَكَى عَلَى أخويها ثُمّ سَمَّاهَا زَيْنَب. نَاسِخٌ التَّوَارِيخ، الْمُجَلَّد الْخَاصّ بِحَيَاة السَّيِّدَة زَيْنَب، الْمُسَمَّى ب- (الطراز الْمَذْهَبِ فِي أَحْوَالِ سَيِّدَتِنَا زينب).
وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَصْدَرِ - أيضاً -:
وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَصْدَرِ أيضاً لَمَّا وَلَدَتْ السَّيِّدَة زَيْنَب، مَضَى عَلَيْهَا عِدَّةٌ أَيَّامٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا اسْم.
فَسَأَلْت السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ مِنْ الْإِمَامِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) عَنْ سَبَبِ التَّأْخِيرُ فِي التَّسْمِيَةِ؟
فَأَجَاب الْإِمَام: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يَخْتَارَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ لَهَا إسماً.
فَأَقْبَلَت السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ بِبِنْتِهَا إلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَأَخْبَرْتُه بِذَلِك.
فَهَبَط الْأَمِين جَبْرَئِيل وَقَال: يَا رَسُولَ الله أَنْ رَبَّك يُقْرِئُك السَّلَامَ وَيَقُولُ: يَا حَبِيبِي اجْعَل اسْمُهَا زَيْنَب(1).
زَيْنَبَ فِي اللُّغَةِ: اسْم شَجَرَة حَسَنٌ الْمَنْظَر طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَبِهِ سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ(2).
فَهُو يُنَاسِبُهَا (علیها السلام)لِأَنَّ فِي الْكِنَايَاتِ اللُّغَوِيَّة والاستعارات الأدَبِيَّة قَدْ تَعَارَفَ إطْلَاقِ اسْمِ الشَّجَرَةِ عَلَى ذَوِي الشَّخْصِيَّات الْكَبِيرَة والنفسيات الْعَظِيمَة بَل إطْلَاقُهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ نَفِيسٌ وَذُو خَيْرٌ كَثِيرٌ وَمِنْهُ قَوْله (صلی الله علیه و آله و سلم) (انا وَعَلِيٌّ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةً)وفي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِومثل كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍوحيث أَنَّهَا عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنْ ذَوِي الشَّخْصِيَّات والبيوتات وَأُولِي الْأَيْدِي وَالْخَيْر الْكَثِير سُمِّيَتْ بِاسْمِ زَيْنَب فَهِيَ إذَنْ اسْمٌ عَلَى مُسَمًّى..
زَيْنَب: مَأْخُوذٌ مِنْ زنب بِمَعْنَى سِمَنٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَمَّوْهَا وَرِفْعَتِهَا لِأَنَّ السَّمْنَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي تُعْطِي ظلالا خَاصًّا ومتفاوتا كُلَّمَا تَبَدَّلَت إضَافَتُهَا قِلْو أُضِيفَتْ إلَى الْجَمَادِ كَان مَعْنَاهَا غَيْر المعن الَّذِي يَنْعَكِس إذَا أُضِيفَتْ إلَى النَّبَاتِ وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى الْحَيَوَانِ كَانَ مَعْنَاهَا غَيَّرَ الْمَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا حِينَ تُضَافُ إلَى الْإِنْسَانِ فَسَمِن الْجَمَاد صَلَابَتِه ومقاومته وَسَمْن النَّبَات كَثْرَة أَغْصَانُه وَثَمَرَة وَسَمْن الْحَيَوَان وَفَّرَه لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَسَمْن الْإِنْسَانِ قُوَّةٌ عَقْلِهِ وَكَثْرَة جَمَالِه وَوَفْرَة أَخْلَاقِه وَحُسْن سِيرَتِه وَحَيْثُ كَانَتْ العقيلة بَيْت الرِّسَالَة وَالْإِمَامَة جَامِعَةٌ لِقُوَّة الْعَقْل وَكَثْرَة الْكَمَال وَوَفْرَة الْأَخْلَاق وحست السِّيرَة اخْتَصَّت بِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ يَعْنِي زَيْنَب.
كَلِمَة " زَيْنَب " مُكَوَّنَة مِنْ كَلِمَتَيْنِ " زَيْن " و" أَب " أَيْ زِينَةُ أَبِيهَا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ لِزَيْنَب (علیها السلام) إنْ دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ سِيرَتِهَا سَوْف تَكُون فَخْرًا لِوَالِدِهَا الْإِمَامِ عَلِيٍّ (علیه السلام) وَأَهْلَ بَيْتِهِ، بِعِبَارَةٍ أُخْرَى حِينَمَا لَقَبٌ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ابْنَتَه الزَّهْرَاء (علیها السلام)ب- " أُمِّ أَبِيهَا " فَذَلِك لِأَنَّهَا كَانَتْ أُمُّ الْإِسْلَام، وبجهادها وتضحياتها المريرة مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا كَانَتْ سَبَبًا فِي عُلُوِّ شَأْن الْإِسْلَام وَقُوَّتِه وَاسْتِمْرَارِه، وَهَكَذَا ابْنَتِهَا زَيْنَب (علیها السلام) الَّتِى مَحَت وَأَزَالَتْ كُلَّ شَائِبَة وَغُبَار صَنْعَتِه أَيْدِي أَعْدَاءُ الله وَأَعْدَاء رَسُولِه وَوَلِيُّه فَكَانَت بِعِلْمِهَا وَعَمَلُهَا وسيرتها زِينَة وَفَخْرًا لِأَبِيهَا.
و بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: زَيْن أَب، بَعْدَ سُقُوطِ الْأَلْف مِنْهَا للتّخفيف، أَوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَهُو ممّا يُنَاسِبُهَا عَلَيْهَا السّلام، لأنّها كَانَت بِإِيمَانِهَا وتَقْوَاهَا، وعَلِمَهَا وفَضْلِهَا زِينَة وفَخْرًا فِي التّاريخ لِأَبِيهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْه السّلام، بَل لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمْ السّلام أَجْمَعِين، حَيْث دافعت وحَمَت حَرِيمَهُم، وضحّت وفَدَت بِنَفْسِهَا عَنْهُم، حتّى اِسْتَطَاعَتْ أنْ تُبْقِي ذَكَر أَخِيهَا الْإِمَام الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السّلام وتُحْيِي نَهْضَتِه الإصلاحيّة رَغِم تَبَاعَد الدّهور، وتُبْقِي بِذَلِكَ ذِكْرَ جدّها رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتُحْيِي بِهِ الْإِسْلَامَ وتعاليمه الانسانيّة الْعَادِلَة، ولِذَلِكَ عَلَى أَثَرِ تضحيتها عَلَيْهَا السّلام وتفديتها بِنَفْسِهَا لَم تعمّر طَوِيلًا، وإنّما ودّعت الْحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَتْ مهمّتها ورَجَعَت بِالْأَسْرَى إلَى مَدِينَةٍ جدّهم رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، حَيْثُ لَمْ يَدُمْ بَقَاؤُهَا (علیها السلام) بَعْدُ شَهَادَةٌ أَخِيهَا الْإِمَام الْحُسَيْنُ (علیه السلام) السّنة الْوَاحِدَة.
وَقِيل [من أَسْرَار اسْم زَيْنَب (علیها السلام): يُقَال: إنّ كلّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الهِجَاءِ الْأَرْبَعَة لِاسْم:
زَيْنَب، يَرْمِزُ إلَى عَظِيمِ مِنْ العُظَماءِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ، وينبّئ عَن أنّها (علیها السلام) قَد وَرِثَت الْعَظَمَة مِنْهُم، فَكَانَت خَيْرٌ وَارِثٌ لمحاسنهم، والْخَلَف الصّالح لَهُم، والدّليل الصّادق عَلَى مَآثِرُهُم. فالزّاء: يَرْمِزُإلَى أمّها الزّهراء (علیها السلام)، لِمَا وَرَثَتُهَا مِن أمّها (علیها السلام) مِن الصّبر والصّمود والتّضحية والْفِدَاء.
و الْيَاء: يَرْمِزُ إلَى أَبِيهَا عليّ (علیه السلام) لِمَا وَرَثَتُهَا مِنْهُ عَلَيْهِ السّلام مِن الشّجاعة والشّهامة، والْعِلْمَ والْحِلْم.
و النّون، يَرْمِزُ إلَى أخويها الْهُمَامَيْن: الْإِمَامِ الْحَسَنِ والْإِمَام الْحُسَيْنِ (علیهم السلام) لِمَا وَرَثَتُهَا مِنْهُمَا (علیهم السلام) مِنْ فَضَائِلِ ومَكَارِم، وأَخْلَاق وآدَاب.
و الْبَاء: يَرْمِزُ إلَى النّبيّ جدّها الْمُخْتَار الرّسول الْأَعْظَم (صلی الله علیه و آله و سلم) لِمَا وَرَثَتُهَا مِنْه (صلی الله علیه و آله و سلم) وسَلَّمَ مِنْ عزّ وشَرَف، وسُؤْدُد وسِيَادَة.
و قَالَ بَعْضُ: إنّ اسْم زَيْنَب يَعْنِي: أمّ الْمَصَائِب، عَلِمَا بِمَا ستتحمّله (علیها السلام) مِنْ بَلَايَا ورزايا، ومِنْ سَبْيِ وأَسَرّ، ولِذَلِك سمّيت بِاسْم زَيْنَب.
أَقُولُ إنْ الروايات ذَكَرْت أَنَّ اسْمَهَا جَاءَ عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ وَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى مُتَرْجَم يترجم ذَلِك الْوَحْي حَيْث نَقْرَأ فِي الاحاديث والزيارات أَنَّ هُنَاكَ (تراجم لِوَحْيِ الله).
أَمَّا الروايات فَمِنْهَا:
وَلَدَتْ فِي حَيَاةِ جَدِّهَا رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وَكَانَت لَبِيبَة جَزْلَة عَاقِلَة لَهَا قُوَّةُ جِنَانٌ، فَإِنَّ الْحَسَنَ (علیه السلام) وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ جَدِّه بِثَمَان سِنِين، وَالْحُسَيْن (علیه السلام) بِسَبْعِ سِنِينَ وَزَيْنَب الْكُبْرَى بِخَمْسِ سِنِينَ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَمَّا وَلَدَت (علیه السلام): جَاءَتْ بِهَا أُمِّهَا الزَّهْرَاء إلَى أَبِيهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) وَقَالَتْ لَهُ: سَمّ هَذِهِ الْمَوْلُودَةُ؟ فَقَال (علیه السلام) مَا كُنْت لاسبق رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وَكَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ، وَلِمَا جَاءَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَسَأَلَهُ عَنْ اسْمِهَا فَقَال: مَا كُنْت لاسبق رَبِّي تَعَالَى.
فَهَبَط جَبْرَائِيل يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) السَّلَامُ مِنْ الله الْجَلِيلُ وَقَالَ لَهُ: سَمّ هَذِهِ الْمَوْلُودَةُ (زَيْنَب) فَقَدْ اخْتَارَ الله لَهَا هَذَا الِاسْمِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْ الْمَصَائِبِ، فَبَكَى النَّبِيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَقَال: مَنْ بَكَى عَلَى مُصَابِ هَذِه الْبِنْت كَانَ كَمَنْ بَكَى عَلَى أخويها الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ(علیه السلام)(1).
(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا تَرَاجِمَةَ وَحْيِ الله)(2).
وَعَنْ الْإِمَامِ الْبَاقِر (علیه السلام) قَالَ: "نحن خزّان عِلْمِ الله، ونحنُ تراجمَةُ وَحْيٌ الله"(1).
وَعَلَى هَذَا لاَبُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى تَرَاجِمِه وَحْيٌ الله
فَعَن سدير قَال: قُلْت: جُعِلْت فِدَاك مَا أَنْتُمْ؟ قَال: نَحْن خزّان الله عَلَى عِلْمٍ الله، نَحْن تَرَاجِمِه وَحْيٌ الله، نَحْن الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ دُونِ السَّمَاءِ وفَوْقَ الْأَرْضِ.
تَرَاجِمِه بِكَسْرِ الْجِيمِ: جَمْع تَرجُمان، بِفَتْحِ التَّاءِ وضمّ الْجِيم عَلَى الْأَجْوَد. وَهُوَ الَّذِي يبيّن الْكَلَام ويوضّحه، وَاَلَّذِي يُتَرْجِم الْكَلَام ويعبّر عَنْهُ بِلُغَةٍ اُخرى غَيْرِ لُغَةِ المتكلّم.
وبتعبير آخَر الْمُتَرْجِم المفسّر للّسان يُقَال: تَرْجَم فُلَان كَلَامًا بيّنه وأَوْضَحَه، وتَرْجَم كَلَامِ غَيْرِهِ عبّر عَنْهُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ المتكلّم، واسْمِ الْفَاعِلِ تُرْجُمَان، و فِي الْحَدِيثِ: الْإِمَام يُتَرْجِمُ عَنْ الله تَعَالَى، وَالْمُسْتَفَاد مِنْ مَوَارِدِ اسْتِعْمَال التَّرْجَمَةِ هُوَ أنّه يُرَاد مِنْهَا إيضَاحٌ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ والْغَائِبِ عَنْ حَواسٌّ غَيْر الْمُتَرْجِم سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بِكَلَام أَمْ لَا.
الْوَحْي الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ التَّحْقِيق وَيُنَاسِب أَيْ الْكِتَابِ الْكَرِيمُ هُوَ مَا جَاءَ فِي السَّفِينَةِ مَا حَاصِلُهُ: أنّ وَحْيِه تَعَالَى مُنْحَصِرٌ فِي الْإِلْهَامِ وَالْإِلْقَاءِ فِي
1) الكافي 1: 192، ح 3.
الْمَنَامِ، وَخَلْقٌ الصَّوْت، وَإِرْسَال الْمَلِك.
فَيُنْتِج «إنّ مَا جَاءَ مِنْ الله تَعَالَى بِالْإِلْهَام أَو الْمَنَامِ أَوْ الصَّوْتِ أَوْ الْمِلْكِ لِأَيِّ شَخْصٍ خصوصاً إذَا كَانَ رَسُولًا يَكُون وحياً».
المُترجم اِنّما يفتَح مغالق الْكَلَام , الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُتَرْجِمِ لَيْسَ بِهذا الْمَعْنَى أَنَّ يَنْقُلَ مِنْ لُغَةٍ إلَى لُغَةٍ واِنْ كَأَنَّ هَذِهِ الْجِهَةِ مَوْجُودَةٌ , يَعْنِي انّ الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى تكلَّمَ بِكلام , هَذَا الْكَلَامِ لَا يَفهمُه الخَلقواِنّما يَفهمُه عَلَى حَقِيقَتِهِ نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ الخَلق الظَّوَاهِر اللَّفْظِيَّة , اَمّا حَقَائِق الْقُرْآنِ لَا يَفهمها الاّ أَهْلَ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ الله وسَلَامَهُ عَلَيْهِمْ اجْمَعين , نَعَمْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي البُنية اللَّفْظِيَّة الظَّاهِرِيَّة قَد يَفهمها عَامَّةِ النَّاسِ مَنْ الرُّجُوعِ إلَى كتُب اللُّغَة وإلَى معاجم اللُّغَة لَكِنْ حَقَائِق الْقُرْآنِ لَا يطَّلعُ عَلَى أَسْرَارِهَا وعَلَى كُلِّ أغْوارُها الاّ أَهْلَ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ الله وسَلَامَهُ عَلَيْهِمْ اجْمَعين مِنْ هُنَا كَانُوا ايضاً مفاتيحَ لِكلام الله فَجَعلَهُم مَفَاتِيح لِلْكَلَام جعَلَهم مَفَاتِيح لِلْكَلَام التكويني جعَلَهم مَفَاتِيح لِكلامه فِي البسملَة جَعَلهم مفاتيحَ لِبيان مَعَانِي كَلَامِه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى جعَلَهم مَفَاتِيح لكُل الرسالات.
فِي كِتَابِ زَيْنَب الْكُبْرَى (علیها السلام) بطلة الْحُرِّيَّة لِلسَّيِّد أَبُو الْقَاسِمِ الديباجي
مِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْعَالَمَ الْكَبِير آيَة الله الْعُظْمَى الميرزا الْقُمِّيّ (الميرزا أَبُو الْقَاسِمِ الكيلاني الْمَعْرُوف بالميرزا الْقُمِّيّ صَاحِبُ كِتَابِ قَوَانِين الْأُصُولِ وَمَنْ المراجع الْبَارِزَيْن وَصَاحِب كَرَامَات، مُتَوَفَّى عَام 1231 ه- فِي قُم
الْمُقَدَّسَة، وَقَبْرُه فِي مَقْبَرة شيخان مَلْجَأ للملهوفين والمحتاجين) كَانَ يَرَى فِي اسْمِ زَيْنَب (علیها السلام) الْمَقْدِس خُصُوصِيَّة ونورانية فَكَان يُتَوَسَّل إلَى الله عَزَّ وَجَلَّ بِاسْم زَيْنَب (علیها السلام) لاستجابة الدُّعَاءَ وَمَنْ وَرَاءَ هَذَا الِاعْتِقَادَ قِصَّة حَقِيقِيَّةٌ نلفت انتباهكم إلَيْهَا: الْعَالِمِ الْمُحَقِّقِ الْمَرْحُومُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ السَّيِّد عَلِيّ نَقِي فَيْض الْإِسْلَام مُتَرْجَم كِتَاب نَهْج الْبَلَاغَة وَكَذَلِك الصَّحِيفَة السجَّادية وَالْقُرْآن الْكَرِيم (ولد عَام 1324 ه- فِي مَدِينَةٍ أَصْفَهَان وَتُوُفِّيَ عَامَ 1405 ه- بَعْدَمَا نَاهَز الْوَاحِد وَالثَّمَانِينَ مِنَ عمره)، ومنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْرَةِ فَأَلَّف وَتَرْجَم كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ جُمْلَتِهَا كِتَاب (خاتون دوسرا) - بِالْفَارِسِيَّة - تَرْجَمَة كِتَاب (سيدتنا الْمَعْصُومَة زَيْنَب الْكُبْرَى (علیها السلام))، وَذَكَرَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْكِتَابِ السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إلَى تَأْلِيفٍ هَذَا الْكِتَابِ وَمُلَخَّصُه مَا يَلِي
يَقُول: كُنْت مُبْتَلًى بِمَرَض شَدِيدٌ عَجَزَ عَنْ مُعَالَجَتُه الْأَطِبَّاء، وَاشْتَدّ عَلِيّ الْمَرَض، وطلباً لِلشِّفَاء غادرت مَع عائلتي إلَى كَرْبَلاء وَلَكِنْ لَمْ أُحَصِّلْ عَلى نَتِيجَةٍ، فَتَوَجَّهَتْ إِلَى النَّجَف الْأَشْرَفوتوسلت بِذَيْل عِنَايَات أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (علیه السلام)، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لشفائي أَيْ أَثَرَ، وَذَات يَوْم دَعَانِي أَحَدٌ الْأَصْدِقَاء وجَمْع مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى بَيْتِهِ، وَلَمَّا دَخَلْنَا بَيْتِه وَجَلَسْنَا قَالَ لِي أَحَدٌ الْعُلَمَاءِ: أَن وَالِدِي كَانَ يَقُولُ دَائِمًا إذَا كَانَتْ لَكُمُ حَاجَةٌ إلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فتوسلوا إلَيْه بِاسْم السَّيِّدَة زَيْنَب الْكُبْرَى (علیها السلام) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتُقْضَى حَوَائِجَكُم بِإِذْنِهِ تَعَالَى.
تَوَسَّلَت إلَى الله عَزَّ وَجَلَّ بِمَقَام السَّيِّدَة زَيْنَب (علیها السلام) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وَطَلَبَتْ مِنْهُ الشِّفَاء، وَعِلَاوَةٌ عَلَى ذَلِكَ نَذَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا منَّ عَلِيّ بِالشِّفَاء أَنْ أُؤَلِّفَ كِتَابًا عَنْ حَياةِ السَّيِّدَة زَيْنَب الْكُبْرَى (علیها السلام)، وَبِحَمْدِ الله ومنِّه وَبَعْد فَتْرَة وَجِيزَة شُفيت مِن دائِي وَوَفَيْت بنذري وَأَلْفَت هَذَا الْكِتَابِ (خاتون دوسرا) وَهُو تَرْجَمَة لِكِتَاب (سيدتنا الْمَعْصُومَة زَيْنَب الْكُبْرَى (علیها السلام).
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ 21 فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ(1).
هَذَا الْقُرْآنَ الْمُتَّصِف بِالْمَجْد وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ وَالْعِزّ الْعَظَمَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ
لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ إلَى أَنْ الْمُرَادَ مِنْ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَحَقِيقَة الْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ الْعِلْمُ بِظَاهِر الْمُصْحَف الشَّرِيف، بَلْ هُوَ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَاب الْمَكْنُون، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ الَّذِي يستطر فِيهِ كُلُّ شَيِّ ء.
ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الطباطبائي فِي مِيزَانِهِ صِفَةِ هَذَا اللَّوْح وأنَّ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَهُ طَرَفَانِ طَرَف عَلَى يَمِينٍ الْعَرْشِ عَلَى جَبِين إسْرَافِيل فَإِذَا تَكَلَّمَ الرَّبّ جلَّ ذَكَرَه بِالْوَحْي ضَرَب اللَّوْح جَبِين إسْرَافِيل فَنَظَرَ فِي اللَّوْحِ فَيُوحِى بِمَا فِي اللَّوْحِ إلَى جَبْرَائِيل(2).
ثُبُوت اسْم زَيْنَب (علیها السلام) فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (وهي مِنْ الْمَقَامَاتِ الْمَلَكُوتِيَّة الرفيعة)، وَقَالَ الْبَعْضُ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (علیهم السلام) زِينَة عَرْشِ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهَكَذَا اسْم زَيْنَب (علیها السلام) زِينَة اللَّوْحِالْمَحْفُوظِ.
خُلَاصَة الْحَدِيثِ أَنَّ تَسْمِيَةَ زَيْنَب (علیها السلام) مِن قِبَل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَثُبُوت اسْمُهَا عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَكْشِفَ عَنْ عَظْمُه هَذَا الِاسْمِ الْمُبَارَكِ الّذِي كَانَ فِي مَصَافِّ أَسْمَاء أخويها الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (علیهم السلام) فَمَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَاسَ بِهِم، وَنَقُولُ إنَّ زَيْنَبَ (علیها السلام) كَانَت مَجْمَع الْكَمَالَات لِلْخَمْسَة أَصْحَاب الْكِسَاء فَكَانَت زُهْرَة فِي حَيَاتِهِمْ وَثَمَرَة فِي روضتهم.
وَبِهَذَا نَصِلُ إلَى هَذِهِ النَّتِيجَةَ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَوْلُودَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حُوت عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَمَال، وباسمها الملكوتي حازَت عَلَى مَقَامِ مَعْنَوِيٌّ عَال.
1 - عالمه غير معلّمه
2 - فهمه غير مفهمة
3 - کعبة الرزايا
4 - نائبه الزهراء
5 - نائبه الحسين
6 - مليکة الدنيا
7 - عقيلة النساء
8 - العقيلة
9 - شريکة الشهيد
10 - کفيلة السجّاد
11 - ناموس رواق العظمة
12 - سيّده العقائل
13 - سرّ أبيها
14 - سلالة الولاية
15 - وليده الفصاحة
16 - شقيقه الحسن
17 - عقيله خدر الرساله
18 - رضيعة ثدي الولاية
19 - البليغة20 - الفصيحة
21 - الصدّيقة الصغري
22 - الموثّقة
23 - عقيلة الطالبيّين
24 - الفاضلة
25 - الکاملة
26 – عابدة آل عليّ
27 - عقيلة الوحي
28 - شمسة قلادة الجلالة
29 - نجمة سماء النبالة
30 - المعصومة الصغري
31 - قرينة النوائب
32 - محبوبة المصطفي
33 - قرّة عين المرتضي
34 - صابرة محتسبة
35 – عقيلة النبوّة
36 – ربّة خدر القدس
37 - قبلة البرايا
38 - رضيعة الوحي
39 - باب حطّة الخطايا
40 - خفرة عليّ وفاطمة
41 - ربيبة الفضل
42 - بطلة کربلاء
43 - عظيمة بلواها
44 - عقيلة قريش
45 - الباکية
46 - سليلة الزهراء
47 - أمينة الله
48 - آية من آيات الله
49 - مظلومة وحيدة
50 - عقيلة بني هاشم
51 - الأرومة الهاشميّه
52 - فرع من فروع الشجرة الطيّبة.53 - عديلة الخامس من أهل الکساء.
توجد هذه الألقاب الشريفه في «زينب الکبري» للنقدي، و«الخصائص الزينبيّه» للجزائري، وديوان آيه الله الغروي الأصفهاني: «الأنوار القدسيّة»، و«عقيلة الوحي» للسيّد شرف الدين(1).
1) عوالم العلوم والمعارف المجلد 11 ص: 949
في معنى عالمة غير معلمة
قال الامام زين العابدين (علیه السلام) (يا عمَّة، فأنت بحمد الله عالمة غير مُعلَّمة، وفَهمة غير مُفهَّمة)(1).
أقول من المفاصل المهمة فيما روي عنهم (علیهم السلام) بشأن العقيلة زينب (علیهم السلام) الحديث الوارد في اغلب المصادر التي تناولت سيرة الامام الحسين (علیه السلام) والسيدة (علیها السلام) ونحن نحاول ان نتتبع ماذكر بشأن هذا الحديث في كلمات الاعلام والاشارة الى بعض ابعاده.
وما عسى أنْ يقول إنسان في شأنها، بعد شهادة الإمام زين العابدين - وهو الإمام المعصوم الذي يعني ما يقول ولا يُرسل الألقاب جُزافاً - حينما يُخاطب عمَّته زينب قائلاً: (اسكُتي يا عمَّة، فأنت بحمد الله عالمة غير مُعلَّمة، وفَهمة غير مُفهَّمة)(2).
عالِمة غير معلَّمة، وفهِمة غير مفهَّمة» أي أنّ معلّمكِ هو ربّ العالمين فأنتِ لست بحاجة إلى معلّم آخر، فإنّه تعالى أدّبكِ فأحسن تأديبك، فهي عالمة لأنّها في أعلى مراحل التقوى وكانت مصداقاً واضحاً للآية الكريمة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)(3).
معناه أن الله تعالى هو الذي يعلِّمها بالايحاء والالهام والنَكت في القلب، فعِلمُها لدنّيٌ وليس اكتسابياً، وليس ذلك بعيداً بالنسبة لغير الانبياء والأئمة (علیهم السلام)، فان الله تعالى أوحى الى ام موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (1).
نعم الفرق بين السيدة زينب (علیها السلام) وبين ام موسى أن السيدة زينب (علیها السلام) يعلِّمها الله تعالى مختلف العلوم، ويلهمها كل ما تحتاجه من العلوم بخلاف ام موسى، فإن الايحاء اليها كان في مورد خاصٍّ تحفُّظاً على حياة النبي موسى (علیه السلام).
(هذا الكلام حجّة على أن زينب بنت أمير المؤمنين(علیه السلام) كانت مُحَدَّثة، أي مُلْهَمة، وأن علمها كان من العلوم اللَّدُنّية والآثار الباطنية)(2).
قد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (علیه السلام) (أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة) يريد ان مادة علمها من سنخ ما
منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاما لا بتخرج على استاذ، وأخذ عن مشيخة وان كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها او لمحض انتهائها اليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية فازيحت عنها بذلك الموانع المادية وفي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمة الدين عليهم السّلام من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى، على ان هنا لك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، وهي الرتبة الحاصلة من الرياضات الشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والاجزاء فان لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لامدها، وفي الحديث (من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا إنفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ولا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت للّه كل عمرها، فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة، وما أحلى كلمة قالها علي جلال في كتابه (الحسين) منكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) معلمه ومن كان ابوه علي ابن طالب (علیه السلام) وامه فاطمة الزهراء، ناشئا في اصحاب جده واصدقاء أبيه سادات الامة، وقدوة الائمة، فلا شك أنه كان يغر العلم غرا(1).
1) زينب الكبرى ص35.
قد روت عن أمها الزهراء أخباراً کثيره، وفي طليعتها خطبتها العظيمه في الاحتجاج علي الخليفه الأول، وقد نقلها ابن أبي الحديد، عن أبي بکر الجوهري بأسانيد متعدده کلها تنتهي إلي زينب، وروت أيضاً عن أبيها وأخويها الحسنين.
ولم تختزن العقيله العلم لنفسها، بل أفاضت من معارفها ومروياتها علي الأمه نساءً ورجالاً، فممن روي عنها ابن عباس الذي کان يفتخر بالروايه عنها، ويقول: حدثتنا عقيلتنا، وکان مع ما هو عليه من العلم يسألها عن المسائل التي لا يهتدي لحلها، کما روي عنها غيره کثير. ويکفي لمعرفه نمير علمها، وعظيم معرفتها، ما شهده في حقها الإمام زين العابدين حيث قال لها: يا عمه أنت - بحمد الله - عالمه غير معلمه، وفهمه غير مفهمه(1).
الأول: أنها عالمة بالله تعالى وبآياته الظاهرة، من خلال فطرتها الصافية، وعقلها الراجح، وتدبرها في آيات الله تعالى، فلا تحتاج إلى من يعرفها بما يتوجب عليها في مثل هذه المواقع الحساسة ما يجب عليها من التحلي بالصبر، وجميل العزاء، والكون في مواقع القرب من الله تعالى،
1) المناسبات الإسلامية ص5.
راضية بقضائه صابرة على نزول بلائه..
ولعل هذا المعنى هو المناسب لواقع الأمور التي تواجههاعليها.. والتي دعت الإمام السجاد (علیه السلام) لأن يقول لها ذلك..
الثاني: أن يكون مراده (علیه السلام) : أنها قد بلغت مراتب عالية جعلتها أهلاً لتلقي الإلهامات الإلهية الهادية، ومحلاً لنور العلم الذي يقذفه الله في قلب من يشاء، على قاعدة وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (1).
وأما بالنسبة للسؤال حول وصف الإمام (علیه السلام) عمته بصفة هي لله تعالى، نقول:
إن المراد بقول الإمام زين العابدين (علیه السلام) : إن السيدة زينب عالمة بتعليم الله تعالى لها. عن طريق إلهامها للحقائق، وفتح باب فهمها.. ويقظة فطرتها، وتدبرها في آيات الله تعالى..
فهي عالمة غير معلمة من أحد من الناس. وإن كانت معلمة بتعليم الله، وتوفيقه، وهداياته، وشتان ما بين علم الله تعالى وعلمها (علیها السلام)، فإنه تعالى عالم بالذات، وأما زينب (علیها السلام) فهي عالمة بتعليمه تعالى، تماماً ككون الله غنياً بالذات، وفلان من الناس غني بالله تعالى.. والله قادر بالذات وغيره قادر بإقداره تبارك وتعالى.. وهكذا (2).
الإدارة: إنّ دور الحوراء زينب (علیها السلام) في وقعه کربلاء وخاصّه بعد ظهر عاشوراء هو تجسيد لإداره ناجحه في ظروف متأزّمه للغايه، فهي التي أدارت بدرايتها وتدبيرها المتميّز الرکب المتضرّر والمنکوب بکلّ عزّه وصبر وتحمّل حتّي أوصلته إلي المدينه. ولعلّ القول المنقول عن الإمام زين العابدين (علیه السلام) بحقّ عمّته زينب (علیها السلام)حيث قال: «أنتِ بحَمدِ الله عالمه غَيرُ مُعلَّمه وفهمهُ غَيرُ مُفهَّمهٍ» هو علامه علي تقديره لهذه الإداره المشرِّفه(1).
[في أنها عليها السلام عالمة غير معلّمة] في أنها (علیها السلام)عالمة غير معلّمة.
العلم من أفضل السجايا الإنسانية، وأشرف الصفات البشرية، به أكمل الله أنبياءه المرسلين، ورفع درجات عباده المخلصين، قال تعالى:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (2).
وإنما صار العلم بهذه المثابة لأنه يوصل صاحبه إلى معرفة الحقائق، ويكون سببا لتوفيقه في نيل رضاء الخالق، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة من أهل بيته (علیهم السلام) يحثون الأمة على طلب العلم، وكانوا يغذّون أطفالهم العلم كما يغذّونهم اللبن. أما زينب (علیها السلام) المتربية في مدينة العلم النبوي،
المعتكفة بعده ببابها العلوي، المتغذية باللبان الفاطمي من أمها الصديقة الطاهرة (سلام الله عليها)، وقد طوت عمراً من الدهر مع الإمامين السبطين يزّقانها العلم زّقاً، فهي من عياب علم آل محمد (علیهم السلام) وعلى فضائلهم التي اعترف بها عدوهم الألد يزيد الطاغية بقوله في الإمام السجاد (علیه السلام): (إنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً) (6).
وقد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (عليهما السلام): (أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة) (7).
وهذا اللقب منحها الإمام زين العابدين (علیه السلام) ووصفها به، وذلك حينما أراد تسليتها وتعزيتها وتكريمها وتزكيتها (عليها السلام) على مرأى من الناس ومسمع، ليعلمهم:
أولا: بالمقام الرفيع الذي وهبه الله تعالى لها (سلام الله عليها)، وليهون من وقع المصائب العظيمة عليها.
ثانياً: فإن الإمام زين العابدين (علیه السلام) لما رأى عمته زينب (علیها السلام) وهي في أسرها تخطب على الجماهير المتجمعة من أهل الكوفة، الذين قد خرجوا للتفرج عليهم، والتفت إلى أنها (علیه السلام) قد استعادت في ذاكرتها كل المصائب العظيمة التي جرت عليها واستعرضت كل انتهاكات القوم أمام مخيلتها، خاف عليها أن تموت حسرة وغصة،فخاطبها قائلا: (أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة...).
ثم إنه يمكن أن يستفاد من كلام الإمام السجاد (علیه السلام) المزبور في حق عمته زينب (علیها السلام) أموراً:
1: أن السيدة زينب (علیها السلام) كانت قد بلغت هذه المرتبة العظيمة والمقام الرفيع عند الله تعالى وأن مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاما، لا بتخرج على أستاذ وأخذ عن مشيخة، وإن كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب قابليتها وتهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها، ولانتمائها إليهم واتحادها معهم في الطينة، فأزيحت عنها بذلك الموانع المادية، وبقي مقتضى اللطف الفياض الإلهي وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لإفاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة، فأفيض عليها بأجمعه، سوى ما اختص به أئمة الذين (علیهم السلام) من العلم المخصوص بمقامهم الأسمى.
ولولا ذلك لما نعتها ابن أخيها الإمام السجاد (علیه السلام) وهو معصوم بهذا النعت، ولما وصفها بهذه الصفة.
2: إن الإمام (علیه السلام) أراد بكلامه المذكور في حق عمته زينب (عليها السلام) بيان شأنها وإظهار عظمتها.
3: إن الإمام (علیه السلام) أراد أن يشكر عمته زينب (علیه السلام) بكلامه هذا، على ما أسدته (علیها السلام) إليه في كربلاء من خدمة كبرى حيث رأته يجود بنفسه من عظم المصاب فعزته بمصابه وصبرته عليه، فقام (علیه السلام) في الكوفة بعمل مماثل لما قامت به (علیه السلام) تجاهه، إضافة أن من أهم الكمالات النفسية، والمقامات الإنسانية، هو مقام العلم، فإن العلم هو قمة كل شرف، وأفضل كل الملكات، وغذاء الروح، وبه استمرار الحياة المعنوية، وشرفه ذاتي، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره، إذ علو مقام العلم لا يخفى على أحد.
واعلم إن العلم على قسمين: اكتسابي وموهوبي، وبعبارة أخرى: تحصيلي ولدنّي.
أما الإكتسابي والتحصيلي: فهو أن يسعى الإنسان في طلب العلم ويجّد في تحصيله، وبقدر سعيه وجدّه يستطيع الإنسان أن ينال من درجات العلم وينتفع من بركاته. وأما الموهوبي واللدنّي: فهو العلم الذي يمنحه الله تعالى خالق الإنسان بعض عباده ممن له أهلية ذلك، ويقذفه في قلب من هو كفو لها، وذلك من غير تجشمعناء التعليم، ولا تحمل أتعاب التحصيل، فبعض يلهمه الله تعالى العلم إلهاماً غيبياً ومن دون واسطة، وبعض يلهمه بواسطة الملائكة ويريه الملائكة أيضاً ويسمى بالوحي، وبعض لا يريه الملائكة ويسمى هذا الذي يوحى إليه بواسطة الملائكة ولا يرى الملائكة بالمحدّث، ولكل مقام خاص ودرجة خاصة تتفاوت رفعة وعلواً.
والحصول على هذه المقامات الرفيعة من العلم اللدني صعب جدا، ولا يتسنى لأحد من الناس الوصول إليها إلا للأنبياء والرسل، والأوصياء والأولياء.
ثم إن الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء الذين هم وحدهم المختصون بالعلم اللدني يكونون بالنسبة إلى هذا العلم على درجات، فمنهم من قد حاز على درجة منه، ومنهم على درجتين، ومنهم على ثلاث درجات، والذي قد حاز على كامل الدرجات وأعلى المراتب، هو أكمل المخلوقات، وأشرف الكائنات، سيد الأنبياء وأشرف المرسلين،
حبيب إله العالمين، محمد وأهل بيته المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين).
والسيدة زينب (عليها السلام) هي من هذا البيت الرفيع: بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومعدن العلم، وأهل بيت الوحي، فلا عجب أن تكون قد نالت درجة الإلهام فهي إذن ملهمة بصريح كلام ابن أخيها الإمام السجاد (علیه السلام) حين قال لها: (يا عمة... أنت بحمد الله عالمة غير معلمة) إذ لا يكون العلم بلا تعلّم إلا عن طريق الإلهام.
وقد ظهر من السيدة زينب (علیها السلام) ما يدل على علمها وفهمها وذلك في مواقع ومواقف(1).
وكانت زينب (علیها السلام) ذات مقام عال في الجوانب العلمية والاجتماعية حتى أن زوجها عبدالله بن جعفر كان يناديها: " يَابِنْتَ المُرْتَضَى وَيَا عَقِيلَةُ بَنِي هَاشِم"(3).
ولما خطبت خطبتها البليغة الغراء في جموع أهل الكوفة بعد واقعة الطف والتى أبكت لها العيون وأحرقت بها القلوب، هنالك قال لها الإمام المعصوم علي بن الحسين زين العابدين (علیه السلام): " يَا عَمَّة، أَنْتِ بِحَمْدِ الله عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ ".
1) مقالات لحسين انصاريان في موقعه على الشبكة العنكبوتية.
هذا الحديث النوراني من مولانا الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) إن دل على شيء فإنما يدل على أن علم السيدة زينب (علیه السلام) لم يكن علما اكتسابيا بل كان علما لدنيّاً ملكوتيا خص بها الله عز وجل الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم صلوات الله أجمعين، فكان هذا العلم يفيض من ذاتها فيض النور وينبع من وجودها نبع زلال الماء.
ان عموم الخطب والکلمات کانت تحمل منظومه قيميه جديده أسهمت وإلي حد کبير في تغيير المنظومه السابقه التي زرعها الإعلام الأموي الکاذب فبدل الاستکانه اصبح الجهاد والتضحيه من أجل الشهاده وبدل الخوف من اظهار الولاء کان هناک الاعلان عن محبه آل البيت عليهم السلام بدليل ان الثورات کلها انطلقت من مبدأ الولاء لآل البيت عليهم السلام، وبدل الخضوع للدنيا والرکون إليها والرضا بالظلم کان التفکير بالآخره والتسابق نحو الشهاده ورفض الظلم واعلان الثوره عليه.. وهذا يشير إلي مقدار الکم القيمي الذي حملته النساء والذي ظهر واضحا من خلال السلوک والأفعال، اذ اننا لا نجد في هذه الخطب والکلمات أي شيء يتنافي مع الأدب العام أو اللياقه. فليس هناک فحش أو سب، أو شتم بل هو خطاب يتعالي عن کل هذه الصفات. وهذا يوصلنا إلي مطاف آخر ان ثوره الإمام کانت قيميه
أخلاقيه تغييريه کبري أدت إلي إعاده النظام الأخلاقي للناس بعد انهياره وغرق الناس في مستنقع الفوضي والفساد الأخلاقي. ولأنه کان خطاباً قيمياً فقد استقر علي اعمده الصدق والصراحه. إذ لم تنقل هؤلاء النساء کذباً أو زوراً والعياذ بالله، بل نقلن الحقائق المؤلمه التي مرت بهن، ونقلن الصوره کما هي من خلال أوضاع السبي والانتقال من بلد إلي آخر فکانت خير صوره ناطقه لما جري منأحداث، في حين اعتمد الإعلام الأموي علي التضليل والتشويه ومهما استعان هذا الإعلام بمقدرات القوي الظاهريه فانه خطاب لا يدوم؛ لأنه لا يستقر علي أعمده قويه وأهمها الصدق.
ثم انه کان خطاباً انسيابياً إذ لم يکن هناک أي تکلف في مفرداته أو في إيصاله إلي المتلقي؛ فقد کان الخطاب هو نقلاً لصوره مستقره في قلوب أُضيئت بأنوار الهدايه إلي البشر الغارقين في سرادق الوهم. ولهذا لم تکن هناک حاجه للتکلف الزائد؛ لأنه انعتاق الحقيقه إلي النور فهو إذاً خطاب القلب المجروح. ولأنه خطاب نابع من القلب، فلا بد أن يستقر في القلوب التي خرجت تبحث عن الحقائق فجاءتها کسحاب مطر شديد بعد ازمه جفاف.
وهو أيضاً لم يکن خطاباً فکرياً بحتاً استهدف خطاب العقل معتمداً علي النظريات والأدله والنتائج بشکل يثقل علي الإنسان البسيط والعادي فهمه. کما انه لم يکن خطاباً عاطفياً مجرداً يهمه تصوير المأساه بشکل خاوٍ دون تحريک العقل البشري، فهو إذاً خطاب فکري عاطفي
اراد ان يحقق انتصاراً فکرياً في التعريف بأصحاب الثوره وفي التأکيد علي مبدأ الولاء لأهل البيت (علیهم السلام) وفي التعريف بمتطلبات هذا الولاء، کما انه حقق انتصاراً عاطفياً من خلال صور الحزن التي رافقت المشهد الثقافي. ولهذا نجح الخطاب في تحريک القلوب والعقول، ومن ثمَّ فلا بد من حرکة سلوکية واضحة تعبر عن فهم الخطاب واستيعابه وبهذا تکون مؤشرا علي نجاحه فکانت الثورات القاصمة للوجود الأموي وکانت مجالس العزاء نموذجاً خالداً لهذا الفهم. کما انه لم يکن خطاباً عادياً أبداً، لم يکن مجرد کلمات بسيطه کما هي العاده فيما تتفوه به النساء. بل کان خطاباً بليغاً بل هو قمه في الفصاحة والمتانة الأدبية والصياغة اللفظية بما يوحي انه انبعث من أناس علي درجه عاليه من الفهم والوعي الثقافي وهذا نجده في کل الخطب. وقد اشاد الإمام السجاد عليه السلام بخطاب عمته زينب عليها السلام فقال لها: انت بحمد الله عالمه غير معلمه فهمه غير مفهمه(1).
الرؤية الثاقبة والبصيرة النافذة: (يا عمّة أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهّمة) كلمات نطقها الإمام زين العابدين عليه السلام في حقّ عقيلة بني هاشم زينب بنت أمير المؤمنين عليها
1) نساء الطفوف ص: 155.
السلام وقد مسح الإمام الحسين عليه السلام على صدرها فانفتحت لها أبواب السماوات والأرضين ورأت ما رأت من المقامات العالية والمراتب السامية خصوصاً شاهدت درجات سيد الشهداء عليه السلام ولعلّها نظرت إلى تلك الدرجات التي قد خصصت للإمام الشهيد حيث خاطب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ابنه الإمام الحسين (وإن لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة) كما أنّها رأت درجات بني هاشم خصوصاً أبا الفضل العباس وقد ورد في زيارته (وَرَفَعَ ذِكْرَكَ فِي عليين وَحَشَرَكَ مَعَ النَّبِيّينَ وَالصِّدّيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ) وأيضاً هي شاهدت مواطن الأصحاب في الجنّة، كما أنّها رأت حقيقة مصباح الهدى وسفينة النجاة، وهما من خصوصيات سيد الشهداء عليه السلام ولولا هاتان الخصلتان لكنّا من الهالكين، ولكي نتصوّر ما رأته العقيلة ينبغي أن نتوسّل بمثال: لو أنّ شخصاً أراد أن ينتقل في الليل المظلم من ضفة النهر إلى الجهة الأخرى لخلاص ابنه من الأعداء فبمجرّد أن قرر الدخول في الماء فإذا باشتعال مصباح من فوقه على الماء على التماسيح الفاتحة أفواهها لتلقفه! وفي اللحظة التي كان يفكّر في ابنه فإذا بسفينه أمامه تريده أن يركب فيها والقبطان هو الذي سينقله إلى الجهة الأخرى، كم من نعمة عظيمة هذه؟ هو الإمام الحسين عليه السلام منقذ العباد من جميع الشرور خاصة شر الجهل والضلال وقد ورد في الزيارة عن الإمام الصادق عليه السلام
قوله في الامام الحسين عليه السلام (وبَذَلَ مُهجَتَهُ فيكَ لِيَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وحَيرَةِ الضَّلالَةِ) هذا ما شاهدته زينب (علیها السلام)رأي العين. وقد شاهدت ما هو أعظم للعباد وهو سهولة فتحباب التوبة رغم صعوبته(1).
1) موقع الكوثر للشيخ إبراهيم الانصاري.
قال الامام أمير المؤمنين (علیه السلام)
تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فَإنَّ المَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ(1).
قاعدة عامة تجري في كل شيء في الحياة، فدائماً: الأثر يدل على المؤثِّر..
شخصية الإنسان مخبوء تحت لسانه وقلمه، وتلعب المكتوبات والمقولات دوراً أساسياً في التعريف بعقائد الشخص وروحياته.
قال الإمام علي (علیه السلام): "تكلّموا تُعرفوا فإنّ المرء مخبوءٌ تحت لسانه"(2).
عندما يتكلّم الإنسان ويتحدّث في موضع ما يُعرف ما ينطوي عليه من العلم والمعرفة، وما ينطوي عليه من طبائع وأخلاق.
يبقى الموضوع ملكاً لنا ما لم نكتب أو نتحدث فإذا كتبنا وتحدثنا خرج من عندنا إلى المخاطبين الذين سيقومون بتلقّيه.
قال الإمام علي (علیه السلام): "الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه"(3).
القرب: هو ما يقابل البعد، وهو أعمّ من مادّىّ أو معنوي ومفهوم القرب في كلّ منها بمناسبة الموضوع.
و أمّا قرب العبد من الله عزّ وجلّ: فهو قرب معنوي، ويتوقّف على نفى الصفات الرذيلة المخالفة ونفى الأنانيّة وحصول التسليم الصرف والفناء الكامل والعبوديّة التامّة.
ومعنى القربان: القربان: فعلان من القربة وهو كل ما يتقرب به الى الله تعالى من نعم وغيرها.يدلّ قوله تعالى: ( ( ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ
ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ)(1)، على مشروعيّة تقديم القرابين، بل هو من الفطريات، ولم تخلو شريعة من الشرائع السماويّة منها، وإن اختلفت في بعض الخصوصيات، إلّا أنّها اتّفقت على أن يكون القربان خالصا لوجهه الكريم، ولا يختصّ بنوع خاصّ، فيشمل كلّ ما يصحّ التقرّب به إليه عزّ وجلّ.
القربان في اللغة من القرب وهو وسيله التقرب وهو أعمّ من التوسّل إلى غرض راجح أو مرجوح.
1) سورة المائدة: الآية 27.
مثال: إذا أراد المؤمن أن يكون تقيّا فستكون الصلاة وسيلته، لذلك حين يقايس بين الهدف والوسيلة فقد يتوسل - أحيانا - بالإتيان بعمل أو تقديم شيء لنيل هذا المقام "الصلاة قربان كل تقيّ" وأحيانًا قد لا يتحقّق له القرب إلّا برفع أو دفع شيء يحول بينه وبين غايته التي يريدها، فإنه لن تقبل أعمالكم حتى تزكوا أموالكم فتكون الرغبة من الإنسان في القربى بعمله بدفعه من ماله لغيره لأنّ المال يكون حاجبًا ومانعا.
هذا قانون جارِ في كلّ أحوال الإنسان ما دام موجودًا في دار التزاحم. فمن أحبّ العلم - مثلا- وتعلّق قلبه به فلا شك يجب ألّا يحبّ الراحة والكسل والشبع، ولا بدّ له من دفع قيمة لشراء الأهم، وسيربح في الدنيا أناس وسيشقى آخرون، وهذه المعادلة تشمل الشقيّ أيضا فالذي يريد أن يقترب إلى هدفه - شهواته وأهوائه - فلا بدّ أن يقايس الأمور الفاصلة بينه وبينها فيبعدها ويرى ما يمكن أن يفعله ليقترب إلى هدفه.
القربان في نظام الخلقة قانون أصيل. والقاعدة في الآية مطلقة (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ)(1)وإن كانت الآية التالية لها تتحدث عن مثال في حق الكافر ( ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ)(2)ولكن القاعدة تبقى مطلقة لاستحالةاجتماع المتزاحمين في وقت واحد. فالحياة قائمة على تقديم القرابين وفداء شيء مقابل آخر.
قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ (1).
تفسير العياشي: عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): جعلت فداك إن الناس يزعمون أن آدم زوج ابنته من ابنه، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): قد قال الناس ذلك، ولكن يا سليمان أما علمت أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: لو علمت أن آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم، وما كنت لأرغب عن دين آدم؟ فقلت: جعلت فداك إنهم يزعمون أن قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا " على أختهما، فقال له: يا سليمان تقول هذا؟! أما تستحيي أن تروي هذا على نبي الله آدم؟ فقلت: جعلت فداك ففيم قتل قابيل هابيل؟
فقال: في الوصية. ثم قال لي: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب، فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقربا قربانا " بوحي من الله إليه ففعلا فقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله، فقلت له: جعلت فداك فممن تناسل ولد آدم؟
هل كانت أنثى غير حواء؟ وهل كان ذكر غير آدم؟ فقال: يا سليمان إن الله تبارك وتعالى رزق آدم من حواء قابيل، وكان ذكر ولده من بعده هابيل، فلما أدرك قابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له جنية وأوحى إلى آدم أن يزوجها قابيل، ففعل ذلك آدم ورضي بها قابيل وقنع، فلما أدرك
1) سورة المائدة: الآية 27.
هابيل ما يدرك الرجال أظهر الله له حوراء وأوحى الله إلى آدم أن يزوجها من هابيل، ففعل ذلك فقتل هابيل والحوراء حامل، فولدت حوراء غلاما " فسماه آدم هبة الله، فأوحى الله إلى آدم: أن ادفع إليه الوصية واسم الله الأعظم، وولدت حواء غلاما فسماه آدم شيث بن آدم، فلما أدرك ما يدرك الرجال أهبط الله له حوراء وأوحى إلى آدم أن يزوجها من شيث بن آدم ففعل، فولدت الحوراء جارية فسماها آدم حورة، فلما أدركت الجارية زوج آدم حورة بنت شيث من هبة الله بن هابيل فنسل آدم منهما، فمات هبة الله بن هابيل فأوحى الله إلى آدم: أن ادفع الوصية واسم الله الأعظم وما أظهرتك عليه من علم النبوة وما علمتك منالأسماء إلى شيث بن آدم، فهذا حديثهم يا سليمان.
عن الحسن بن الجهم قال: «سمعت أبا الحسن يقول: إن رجلاً في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة ثم قرَّب قرباناً فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلا منك وما الذنب إلا لك، قال: فأوحى الله عزوجل إليه ذمك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة».
نذر عبد المطّلب - حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم - لئن ولد له عشرة أولاد، ثمّ بلغوا معه حتّى يمنعوه، لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة، فلمّا رُزق ذلك، جمع أولاده وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله لذلك فأطاعوه، فذهب بهم إلى الكعبة، فقال: اللهم إنّي كنت نذرت
لك نحر أحدهم، وإنّي أقرع بينهم، فأصب بذلك مَن شئت، فأقرع بينهم، فصارت القرعة على عبد الله، وكان أحبّ ولده إليه، فقال: اللهم هو أحبّ إليك أو مئة من الإبل؟ ثمّ أقرع بينه وبين مئة من الإبل، فصارت القرعة على مئة من الإبل، فنحرها عبد المطّلب مكان عبد الله، وحينها لُقّب بالذبيح، كما هو معروف في الكتب التاريخية.
قالت زينب (علیها السلام): اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان.
ماهي دلالة قولها (منّا) وبعبارة اخرى الحسين (علیه السلام) هو القربان كيف نسبته زينب (علیها السلام)لنفسها التضحية الحقيقيّة والألم الحقيقي لم يتحمّله غيره ولم يشعر به غيره، فما تفسير كلامها (سلام الله عليها)؟
أغلب روايات المعصومين (علیهم السلام) ليست عَلَى الانتساب مِنْ جهة الآباء أو العشيرة، بلْ عَلَى الانتساب للمنهج.
وكما في رواية أبي حمزة قال: «دخل سعد ابن عبدالملك فقال أبو جعفر (علیه السلام): ما يبكيك يا سعد؟ فقال: وكيف لا أبكي وأنا مِنْ الشجرة الملعونة في القُرآن، فقال له: لست منهم أنت أموي منّا أهلالبيت أما سمعت قول الله عَزَّ وَجَلَّ يحكي عَنْ إبراهيم (علیه السلام) فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي(1).
1) سورة إبراهيم: الآية 36.
كان النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) يساوي بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبين غيره من العرب، بل إنّه قد فضل سلمان الفارسي في الكثير من المواطن حيث قال: «سلمان منّا أهل البيت».
وهذا التفضيل لا لعنصره وإنما للمستوى الروحي الذي ملكه وتميّز به.
وروى الكشي بسنده عن ربعي بن عبدالله، قال حدثني غاسل الفضيل بن يسار قال إني أغسل الفضيل بن يسار وإن يده لتسبقني إلى عورته، فخبرت بذلك أبا عبدالله (علیه السلام)، فقال لي:
«رحم الله الفضيل بن يسار وهو منا أهل البيت»
(يا هشام: ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد منه، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه)
(صلی الله علیه و آله و سلم) (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا)
الإمام الصادق (علیه السلام): "من غشّنا ليس منّا"
عن مولانا الصادق (علیه السلام) قال: ليس منّا من لم يؤمن بكرتنا ولم يستحلّ متعتنا.
حيث قال العسكري (علیه السلام):"ليس منّا من استخفّ بصلاة الليل".
ومن هنا يعرف ان الانتساب بالعقيدة والروح أوسع واعظم من الانتساب بالدم والسيدة زينب (علیها السلام) منتسبة للامام الحسين (علیه السلام) بكل الانتسابات التي بيناها في كتابنا في شرح حديث الكساء.
والسيدة زينت (علیها السلام)هي الوريثة لأهل البيت (علیهم السلام) وهي المتولية لامر الحسين (علیه السلام).
قالت زينب (علیها السلام): "الحَمْدُ لله الذي أَكْرَمَنا بِنَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِجْسِ تَطْهِيراً، إِنَّمَا يُفْتَضَحُ الفَاسِقُ وَيُكَذَّبُ الفَاجِرُ وَهُوَ غَيْرُنَا"فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟! فقالت: "مَا رَأَيْتُ إِلاَّ جَمِيلاً"!
جوابُ ذلك: إنّ التضحية العظيمة من هذا القبيل، أو أيّة تضحية أخرى مهمّة، لا تكون ذات مستوى واحد، بل على مستويات متعدّدة؛ لأنّ انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون متعدّداً لا محالة، وفي حدود ما نستطيع أن نستفيد منه هنا من المستويات نذكر ثلاثة منها:
المستوى الأوّل: التضحية بمعنى تحمّل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعية، وهذا المستوى خاصّ بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره كما قال السائل.
المستوى الثاني: التضحية بمعنى الإعانة لصاحب التضحية بكلّ ما يمكن من جهدٍ وجهاد، وتحمّل كلّ بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمّل فراقه كشخص محبوب أُسريّاً ودينيّاً واجتماعيّاً، وتحمّل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه.
وهذا المستوى خاصّ بمَن كان مع الحسين (علیه السلام)، من الركب المُعاوِن
له في الحياة والموافِق له في الأهداف، فإنّهم رجالاً ونساءً وشيباً وشُبّاناً، أتعَبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحمّلوا شظفَ العيش وبلاء الدنيا لأجل رضاه الذي يكون سبباً لرضاء الله عزّ وجل، كما قال: «رضا الله رضانا أهل البيت» ومن هذه الناحية وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم، فكأنّهم هم اللذين رفعوا الحسين (علیه السلام) قرباناً لله عزّ وجل.
ولا شكّ أنّ العقيلة زينب سلام الله عليها بنت علي عليه السلام، من ذلك الرَكب المُضّحي في سبيل الحسين عليه السلام، ولعلّها أهمّ النساء.
المستوى الثالث: الموافقة مع الحسين (علیه السلام) نفسيّاً وقلبيّاً وعاطفيّاً، وبالتالي الموافقة الحقيقيّة على عَمل الحسين (علیه السلام) وتضحيته، وعلى هدف الحسين (علیه السلام) ورسالته، حتّى أنّ الفرد المُحبّ له يحسّ كأنّه أعطى قطعة من قلبه أو كبده، وأنّها قُتلت فعلاً بمقتل الحسين (علیه السلام).
وأنّهُ - أعني المُحبّ - وإن كان حيّاً يُرزق في هذه الدنيا وفي كلّ جيل، إلاّ أنّ التضحية تضحيّته والعمل عمله. ويكفينا من ذلك ما وردَ: «إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ ما نوى» «إنّ نيّة المؤمن خيرٌ من عَمله» وما ورد: «إنّ الراضي بفعل قوم كفاعله»، وما وردَ:«إنّ الفرد يُحشر مع مَن يُحبّ»، إلى غير ذلك من المضامين التي تجعل التضحية التي قام بها الحسين (علیه السلام)، منتشرة فعلاً لدى كلّ محبّيه والمتعاطفين معه على مدى الأجيال، وإنّ كلّ واحدٍ منهم يستطيع أن يقول:
اللهمّ تَقبّل منّا هذا القربان، وليس العقيلة زينب فقط.
السيدة زينب (علیها السلام) شريكة الإمام الحسين (علیها السلام)
عندما يصل آية الله العظمى السيد الخوئي إلى هذا الأمر في كتابه الرجالي لحالات السيدة زينب عليها السلام، يقول هكذا:
(وِإِنَّها شَريكَةُ أَخيها الْحُسَيْنِ عليها السلام).
السيدة زينب (علیها السلام)كانت شريكة في نتائج وعظمة كربلاء مع أبي عبدالله الحسين (علیه السلام)، ولذلك عندما قال ابن عباس للإمام الحسين (علیها السلام): "فَما مَعْنى حَمْلِكَ هؤُلاءِ النَّساءِ؟ لا تأخذ معك السيدة زينب (علیها السلام)وبقية النساء"، يقول الإمام الحسين (علیه السلام): (إِنَّ اللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَراهُنَّ سَبايا).
"تقبل منا هذا القربان" الإقرار بالعجز وتصغير النفس أمام عظمة الخالق.
وقفت زينب (علیها السلام) على جسد أخيها بخشوع وتأمل وبسطت يديها تحت الجثمان المقدس والمقطع إربا إربا ورفعته نحو السماء وقالت:" إِلَهي تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَان "!!(2).
وفي رواية أخرى أنها قالت: " اللهمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القَلِيلَ من القُرْبَان"(3).
وورد في ناسخ التواريخ أنها قالت: " إِلَهي، تَقَبَّلْ هذا قَلِيلَ مِنَ
القُربانِ مِنَّا أهلَ البَيت ".
هذا التعبير الذي ورد على لسان العقيلة زينب (علیها السلام) إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم مقام الشكر والثناء على قدَر اللهوقضائه، والإقرار بالعجز وتصغير النفس أمام عظمة الخالق وجلاله، وتلك من صفات المتقين الذي قال في وصفهم إمام المتقين أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين: "عَظُمَ الخَالِقُ في أَنْفُسِهِم فَصَغُرَ مَا دونَهُ في أعْيُنِهِم"!!
على الرغم من الظروف القاسية التي أحاطت بزينب (علیه السلام) وعلى الرغم من بكائها المستمر الذي لم يتوقف، وإن كان بكاؤها ونحيبها أحد أسباب النهضة والثورة بعد مقتل أخيها الحسين (علیه السلام) إلا أنها لم تنس دورها الذي أنيطت به فكان جُلُّ اهتمامها ونشاطها هو توسيع دائرة التبليغ عن رسالة الشهداء وبيان سمو أهدافهم من ثورتهم ضد البغاة الظالمين، وأرغمت بدعائها هذا أنوف المعتدين المستكبرين حينما قالت بلسان حالها:
نحن قدمنا هذه الضحايا من أهل البيت الكرام إلى الساحة القدسية لا غير، وعلى الرغم من عظمة الحسين (علیه السلام) ومكانته الرفيعة عند ربه إلا أنه صغير في ذات الله وعظمته، فالعظيم بالعَرَض لابد أن يفنى في العظيم بالذات، ولابد أن نستصغر أنفسنا وإيثارنا في ذات الله في سبيل نيل الأهداف الإلهية السامية.
السيدة زينب الكبرى (علیها السلام) شريكة الحسين (علیه السلام) حيث رفعت الجهالة
من أذهان الناس، من مقتل الإمام الحسين (علیه السلام) في كربلاء وفي الكوفة وبعد ذلك في الشام وبعد ذلك في كربلاء والمدينة. من الممكن أن مجموعة تظن أو ستظن في المستقبل أن كربلاء كانت حرباً بين طائفتين ومجموعتين من المسلمين، ومجموعة غَلبت وأخرى غُلِبت بحسب الظاهر.
لا بدّ أن السيدة زينب الكبرى (علیها السلام)ترفع هذه الجهالة عن أذهان الناس. ماذا رأى الأعداء السيدة زينب (علیها السلام)تفعل؟ وهي عند مقتل الإمام الحسين (علیه السلام) سمعوها تقول: (اللهمَّ تَقَبَّلْ قَليلَ الْقُربانِ). رأوا أنّ هذه السيدة (علیها السلام)وهي في أوج وعمق المصائب والبلاء مشغولة مع الله. ينسى الناس كل شيء عند الصعاب لكن السيدة زينب الكبرى عليها السلام لها مناجاة؛يعني أن السيدة زينب عليها السلام عارفة بالله. وواضح ومعلوم أن حركتهم لله وليسوا خارجيين؛ لأنهمٍ كانوا يقولون في الشام: مجموعة قامت وخرجت على خليفة ووصي رسول الله وقتلوا في كربلاء. هذا درس توحيد السيدة زينب الكبرى عليها السلام. لما كان يوم الحادي عشر من محرم وبعد أن حضنت أرض كربلاء جثث الزواكي من آل أحمد (صلی الله علیه و آله و سلم) جاءت زينب (علیها السلام) إلى مصرع أخيها الحسين (علیه السلام) فرأته مقطعا إربا إربا، هنالك تجلت حقيقة العبودية لله والتسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله حينما بسطت يداها تحت جثمانه المقدس ورفعته إلى السماء وقالت: "إِلَهِي تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَان"(1).
وارتفعت زينب (علیها السلام) بمقام الرضا بقضاء الله والتسليم لأمره إلى مقام الشكر.
بدأت دروس السيدة زينب عليها السلام من مكان مقتل الإمام الحسين (علیه السلام)، عندما كانت السيدة صفية خاتون تريد الذهاب إلى قرب جنازة حضرة حمزة (رضوان الله عليه). قال النبي الأكرم ’: لا تدعوها، أخاف على عقلها. على أن الرسول الأكرم ’ وضع عباءته على بدن حضرة حمزة (رضوان الله عليه) وغطَّى رجله ببعض البرسيم. وكانت السيدة الزهراء (علیها السلام)قرب السيدة صفية وقالت: سوف لن تجزع. عندما جاءت أخذها البكاء لكن النساء كنّ يراعينها، لكن من كان يراعي السيدة زينب (علیها السلام)؟ جاءت قرب البدن العاري لوحدها، بدن ليس له رأس، ليس له إصبع، ليس له خاتمه، بصدر مكسَّر، عموده الفقري مكسوراً، مع كل هذا، في هذه الحالة الطبيعية لا يمكن أن يُعرف هذا البدن؛ ولذلك قالت السيدة زينب (علیها السلام)وهي متعجبة: (أأنْتَ أَخي؟ أأنْتَ ابْنُ أُمّي؟).
وضعت السيدة زينب (علیها السلام)يدها أسفل البدن ورفعته إلى الأعلى قليلاً.
نظر الأعداء إلى السيدة زينب (علیها السلام)، وهم يقولون: ماذا تفعل؟ قالت فجأةً:
(اللهمَّ تَقَبَّلَ مِنّا قَليلَ الْقُربانِ).
هذا أجمل درس في التوحيد وفي معرفة الله؛ بمعنى أننا جئنا لأجلك أنت، لأجلك قدّمنا الدم! على ذلك نرى أنفسنا مُطالَبينومَدْيونين لأننا نرى أنفسنا لا شيء في مقابلك ونطلب منك القبول.
وهو دعاء منسوب لعقيلة الطالبيين زينب بنت أمير المؤمنين (علیه السلام)، دعاء لا يصدر إلّا عن لسان عارف بأسرار الربانيّين ومطّلع على خفايا وخبايا الأولياء وقد حلم دهرًا بأحلام تتناسب وقمم الرسل والنبيين. ولا يمكننا حمله على المبالغة لأن سياق الأحداث الزمني الذي صيغت كلماته فيه ليست من ساعات المبالغة، وليست من لحظات الأماني الكاذبة، يؤكّد ذلك طبيعة القربان ومقامه وخصائصه - الحسين (علیه السلام) - والحال التي هو غارق فيها بدمه، ثم إن وضع السيدة العقيلة زينب أخت الحسين (علیه السلام) ومواقفها كلّها شواهد صدق على عمق هذه المقولة وقبول هذا القربان.
عبارة السيدة زينب "اللهم تقبل منا هذا القربان" إشارة قوية واضحة ولها دلالاتها الرمزية والفلسفية الغائرة والمفتوحة على عشرات الآلاف من القراءات والتحليلات، ولقد قدّمت عبارتها كنزاً معرفياً غاية في الأهمية ومثلت مركزية في الدعوة إلى قراءة ما هو خلف الواقعة.
لاحظوا إذا واجه الإنسان الحدث، إنسان أصيب بحادث سياره وبدأت تنزف الدماء من بدنه وهو ينظر إلى نفسه وهو في حالة خطر هو الآن دخل في حدث، كيف يتصرف؟ هنا درجات للعروج إلى الله من خلال الحدث كيف تعرج إلى ربك من خلال الحدث؟
بمعنى أن أثق بأن ما كتب لي لا يضيع وهو بعين الله، أن أثق بأن الله لن يكتب لي إلا ما هو صلاح ليقُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنونوهذا الحسين يومعاشوراء «إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم».
أن تتحول من التوكل إلى الرضا فهذه تحتاج إلى شحنه روحيه عاليه أن ترضى بما حدث أن تعتبر ما حدث نعمه وليست نقمه، الرضا بقضاء الله مرتبة عظيمه من مراتب العروج إلى الله، الحسين يتحدث عن هذه المرتبه «اللهم رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك» ويقول عندما خرج من مكه «رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين» وسرت هذه المعنويه حتى لأصحاب الحسين، برير في صباح يوم العاشر إستعدوا للقتال والسهام بدأت تترى عليهم برير يمازح عبد الرحمن الأنصاري قال: يا برير ليس هذا الوقت وقت باطل، فقال برير لقد علم القوم أني ما أحببت الباطل لا شاباً ولا كهلاً ولكننا مستبشرون بما نحن لقون فما بيننا وبين الحور العين إلا أن تأتي علينا هؤلاء الطغاة بأسيافهم» الرضا بالحدث يحتاج إلى شحنه روحيه عاليه عبر عنها الحسين وأصحابه.
والمقصود بها أن لا يرى الإنسان لنفسه منية أمام الله عزوجل لا يأتي إنسان ويقول أنا لي سمعه ومكانه وثروه أنت أمام الله لا إنية لك، كثير من الناس يعيش هذه الحاله إنسان يعيش وجاهه إجتماعيه لكنه في المسجد يكون كأي إنسان متواضع، يأتي إنسان يخدم في المسجد أو في المأتم يخدم في الموكب هذا الإنسان الذي لا يشعر بأنية له لا يشعر بأن له موقعيه في مقام خدمة المبادئ، خدمة القيم السماويه، وهذا الذي يعيش مرتبة التسليم، التسليم أن لا ترى لنفسك نفسية ولا إنيه فليس هناك ثنائيه بأن تقول أنا وأنت بل ليس هناك إلا أنت والله رب العالمين.
الحسين وصل إلى درجة التسليم وعبر عنها يوم عاشوراء عندما قال «اللهم رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك، يا غياث المستغيثين» وكان يعبرعن هذا التسليم في كل موقع عندما ذبحالرضيع على يديه قال «هون مانزل بي أنه بعين الله» هذا تسليم.
والمقصود بها أن يبذل الإنسان كل ماعنده في سبيل رضا الله، بمعنى أنا لا أنتظر الحدث يأتي لكي أرضى به أنا أبادر ولا أنتظر، المبادرة بالبذل والعطاء، عطاء كل شئ عندي في سبيل الله هذا هو المحقق لمرتبة الفناء كل ماعندي لله، وهذه المرتبه تجلت يوم عاشوراء بصور حيه بصور عظيمة.
ومن أروع صور الفناء ما تجسد في العقيلة زينب، زينب امرأة عظيمة، زينب شريكة الحسين في نهضته، زينب التي قال عنها الإمام زين العابدين وهو امام معصوم والإمام المعصوم لا يقول كلام مجاملة «عمه أنت بحمد الله عالمه غير معلمه» امرأة عالمه رزقت العلم من لدني من أمها الزهراء ومن ابيها المرتضى «أنت بحمد الله عالمه غير معلمة وفاهمة غير مفهمه» هذه المرأة العظيمة كيف تجلت فيها صور الفناء في الله يوم عاشوراء؟ زينب التي كانت عند جسد الحسين ليس هي زينب العقيلة هذه أختها الصغرى زينب، بنات الإمام علي زينب الكبرى وزينب الوسطى وزينب الصغرى، زينب الكبرى هي العقيلة هي شريكة الحسين، زينب الصغرى زوجة مسلم بن عقيل هي التي كانت عند الجسد الشريف وقت مصرعه، وأما زينب العقيلة كانت نائب الحسين، هي التي تدير وضع الخيام بعد خروج الحسين إلى المعركة ماخرجت من الخيمة حتى قتل الحسين بن علي.
زينب العقيلة يقول حميد بن مسلم «رأينا امرأة خرجت من الخيمه تجر أذيالها خفراً وصونا تمشي بإطمئنان بثقة إلى أن وصلت إلى جسد أخيها مدت يديها تحت الجسد رفعته قليلا وقالت «اللهم تقبل منا هذا القربان» نحن ما جئنا من المدينة إلى هنا لنخوض قتالا جئنا لنتقرب إليك بأزكى وأغلى دم ألا وهو دم الحسين سيد شباب أهل الجنة «اللهم تقبل منا هذا القربان» امرأة واعية تعرف أهداف الثورة أهداف الحركة «اللهم تقبل منا هذا القربان» هذه المرأة العظيمة كانت جالسه مع الإمام
زين العابدين فهبت الرياح السوداء وتغير الجو فقال زين العابدين «عمه ارفعيطرف الخيمه، رفعت طرف الخيمه ثم الفت إليها قال: عمه زينب عظم الله لكي الأجر أحسن الله لك العزاء لقد حلت الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى، قالت: ماذا حدث يابن اخي قال لقد قتل والدي الحسين، قالت: أرني ذلك أخذ بيدها» أراها فإذا هي ترى رأس الحسين يتلوى على رأس رمح طويل.
كانت تمثل دور الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وابيها وامها عليهم السلام
ولاشك أن لكل واحد من أهل بيت وأصحاب الإمام الحسين صلوات الله عليه مقاما خاصا ودورا عيّنه صلوات الله عليه لهم، ويمكن أن تبرز لنا عظمة السيدة زينب عليها السلام وقيمة موقفها في كربلاء وأن دورها كان الأهم والأعظم من خلال أمور كثيرة أختصرها بما يأتي:
ما قام به الإمام الحسين ليلة العاشر حيث أعطى الإذن الشرعي للجميع بالانصراف، حتى لأهل بيته، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (أمّا بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً خيراً، ثمّ تفرقوا في
البلاد في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرج الله، فإنّ القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري).
وليس هناك خطاب وأذن بالتعذير للجميع أعظم من هذ الخطاب، إلّا أنه لم يلحق أخته عقيلة الطالبيين بهذا التعذير، فقد كان يدّخرها لأهم المواقف، لذا كان يصبّرها على تحمل الدور، واختارها من أوّل الأمر لذلك، لم يقل لها: أنت امرأة ولست مقصودة ولايريدك القوم، بل أقامها مقاما لا يستطيع القيام به حتى حامل رايته أخيه العباس ولا ابنه علي الأكبر.ففي مثل هذه المعركة الغير متكافئة الأطراف والتي تكون النتيجة فيها حتميّة منذ البداية ولا يشكّ فيها أحد، في مثل هذه المعركة التقدم الزماني في البراز لا يعني فضيلة بل العكس، كلما كان الفرد ثابتا ومصرّا وتأخّر موقفه ودوره من حيث الزمان كان أثبت وأصدق وأصبر وأوسع ظرفيّة ومكنة، تقدّم الأصحاب مثلا ليس دليلا على أفضليّتهم على أهل البيت (علیه السلام) بل العكس هو الصحيح، إذ نرى أصحاب الحسين(علیه السلام) وأهل بيته كل منهم يكرّر كلمة بنفس المضمون وإن كانت الألفاظ والتعابير تختلف، كلّ منهم إنما يأذن له الإمام الحسين (علیه السلام) عندما يقول كلمة: لقد ضاق صدري وأريد أن أبرز لعدويّ. الإمام الحسين إنما يلزمهم بالبقاء ويعطيهم وقتا أطول لعدّة أسباب منها أن يتحمّل الواحد منهم أكثر وليستطيع أن يرى من المصائب أكثر، التأخر هو الفضيلة. إذن ضيق وسعة الظرفية هي التي تؤمّن البقاء والثبات والاستمرار
والتحمّل للدور الأصعب والأشقّ، فكان الإمام يصبّرهم، ولكن عندما يرى أنهم قد وصلوا إلى عدم القدرة على احتمال هذه الكارثة والمصيبة أكثر كان يأذن لهم بالجهاد.
ولكن زينب (علیه السلام) كانت الأربط جأشا والأصبر والأقدر على كسر شوكة بني أمية وإركاس نصرهم المزعوم، لذا كانت هي الموكلة لأن تقدّم هذا القربان، لأنه إنما يقدمه أقوى القلوب وأصلبها في ذات الله ومن كان (مكدودا في ذات الله) كما تصف الصديقة الزهراء (علیه السلام) أمير المؤمنين (علیه السلام).
هذا الموقع المحوري يجعلها (علیها السلام)م لا تحيد عن الهدف ولا تخطئ في تشخيص الواقع الخارجي فهي صلوات الله عليها المحور الذي يجاهد في الله وليس في سبيل الله.
التوحيد بالمعنى الواقعي شرط لكي يحقّق الإنسان القربى واقعًا وعقلا، يجب أن يقبله الله لا أن يقبله الناس (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله) فليس العمدة أن نقبل - نحن - العمل أوأن نراه أخلاقيًا وقيميًا وأننتعاطف مع آثاره، إنّ تدّخل اجتهاداتنا وتصوراتنا وتحليلاتنا لا تضفي على العمل مقبولية، وبالدقة أقول: من هو فاعل القبول في العمل؟ نحن؟ أم المجتمع والعرف أم ذوقنا؟!
الآية هنا تؤكد أن فاعل القبول هو الله (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله) ونحن في هذا
الكون لسنا فاعلًا مستقلًا في شيء، وهنا يتجلى التوحيد والفهم التوحيدي الخالص، فنحن إذا ما تساهلنا وتسامحنا وأغمضنا عن هذا البعد الذي يعطي للعمل أهميته وقيمته فإنّ تسامحنا - الإنساني بزعمنا - لن يضيف للعمل حُسنا ويجعل العمل مقبولاً ومقربا من الله، إلا بإحراز المطلوبية والمحبوبية لله. لأن القبول المقرب منحصر في الله فقط (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله)، فقبولنا لا يغير هوية العمل.
الوصول لعالي الدرجات هو بمقدار تقوى الإنسان وما يقدّمه من قرابين، فإن ذلك يكشف عن مدى حب الله سبحانه وتعالى والإخلاص له والدفاع عن شرعه ومنهجه. وبلا شك ليس هناك قربان أعظم من قربان يقدمه محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ليس هناك قربان أعظم من قربان تقدمه الصديقة الزهراء (علیها السلام) ويقدمه علي (علیه السلام) ويقدّمه الإمام الحسين ابن علي (علیه السلام)، ولذلك قالت: اللهم تقبل (منا) - منهم جميعا - هذا القربان. ولذلك هو سيد الشهداء، سيد القرابين، وسيد الأضحيات في سبيل الله. منذ ولد صلوات الله وسلامه عليه كان مشروع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومشروع الصديقة الطاهرة وأمير المؤمنين (علیه السلام). جبرائيل (علیه السلام) أخبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك والنبي أخبر الصديقة الزهراء (علیه السلام) بل أخبر الإمام الحسين (علیه السلام) نفسه بذلك. ولكن هذا القربان حتى تكتمل سماته كان لا بدّ من أن يمرّ بمراحل عبر التاريخ، أوضاع، أحداث، ملابسات، لا
لنقص في الحسين صلوات الله وسلامه عليه، لأنه منذ نعومة أظفاره كان يبكيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان يعامله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على أنه القربان الذي سوف يقدمه لله، ولكن الشرط الذي يجب أن يتحقّق - حتى يعطى هذا القربان - هو أن تبلغ الأمة إلى مستوى واستعداد ونضج تفهم وتقرأ رسالة هذا القربان. فما الفائدةفي أن يقدّم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قربانًا سوف يذهب دمه هدرًا وسوف لا تقرأ الأمة هذا القربان الإلهي وما يتلوه من سائر القرابين؟!
قد يكون للقرابين والتضحية والأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان دوافع أخرى غير صرف التقرب من الله سبحانه وتعالى، فإن دواعي تقديم القرابين كثيرة منها دفع البلاء. نحن الآن عندما نريد أن ندفع سوءا عن مريض - مثلا - نقدم قرابينا في سبيل ذلك، ندفع ذلك بالصدقة أو بالصلاة أو بالتوسل أو بالدعاء أو بزيارة مؤمن أو بزيارة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
إن الأعمال والسيئات التي يقع فيها الفرد لها صدى في هذا الكون ولها آثار سلبية سوف تقع على الإنسان، لذلك نقرب صدقات حتى ندفع البلاء ونقدم أعمالا وحقوقا ومواقف وآراء وقناعات كثيرة حتى ندفع البلاء الذي نتوقع أنه سوف يقع علينا. أضرب لكم مثالا:
كثير من الناس يشكو من الكآبة ومن الضيق مع أنّه يملك كل
الإمكانيات. الأمراض، الكآبة، المشاكل الاجتماعية والأسريّة تنتشر أكثر، كلها من السيئات التي تقع على المظلومين في شرق العالم أو في غربه وهذه لها تردّدات وآثار كثيرة، من ذا ينكر ذلك؟ على الأقل من ذا يستطيع أن يقيم الدليل على إنكار ذلك؟!
أنها قادت تلك الأحداث ولم تكن مستسلمة خاضعة لقدرها
نوّهتْ بأن الأحداث التاريخية لم تعرف عزيزًا مثل زينب، التي لم تتحدّث بلسان نبي الله موسى (علیه السلام) حين قال:"اللهم اجعل ليوزيرًا من أهلي " ولم تطلب حين دخلت في أعباء ومشّقة الرسالة، وزيرًا من أهلها، كالعباس مثلاً ليبقيه الله لها، بل كانت عبارتها "اللهم تقبّل منّا هذا القربان" ذات معنىً عميق يدلّ على أنها قادت تلك الأحداث ولم تكن مستسلمة خاضعة لقدرها، لأنها لو خضعت لقالت "رضيت " أمّا "تقبّل " فإنها تدلّ على فعل زينب، وأمّا "القربان" فيُعطى عربونًا للمحبة والعشق.
فلم تكن الأحداث تجري بقرارات عليا من "فوق رأس" السيدة زينب وهي تسلم بهذا القضاء والقدر الإلهي ولها اجر التسليم بقضاء الله، وثواب الصابرين فقط...بل كانت تجري بين يديها وباختيارها ولهذا يصح أن تقول "اللهم تقبل منا هذا القربان"
شاء الله ان يراها
إنّ حديث الرواة لمّا وقفت على جسد أخيها وقالت: " اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان "يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة، وأنّها المأخوذ عليها الميثاق بتلك النهضة المقدّسة كأخيها الحسين، وإن كان التفاوت محفوظاً بينهما، حتّى إنّ أحدهما لمّا أتمّ النهوض بالعهد وخرج عن العدة بإزهاق نفسه المطهّرة، نهض الآخر بما وجب عليه ومنه تقديم (الذبيح) إلى ساحة الجلال الربوبي والتعريف به، ثُمّ طفقت سلام الله عليها ناهضة ببقية الشؤون التي وجبت عليها، ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النور، وتفرّد العنصر.
أقول أحببت ان انقل حديث كأس البلاء لتعميم الفائدة
قال اية الله حبيب الله الكاشاني قدس سره
قبول أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) الشهادة في عالم الذر
ان الله الودود خلق حقائق المخلوقات وأودع فيها قابلياتها تمننا منه ورحمة، فأوجدها كالذرات وخاطبها فقال: ألستُ بربكم؟ وقد خلقتكم بلطفي وعنايتي؟ فأجابته تمام الذرات: بلى، فأظهرت المخلوقات ما في مكنونها من القابليات، وسألوه كل ما يحتاجونه (وآتاكم من كل ما سألتموه).
وكان أول من نهل رحيق التصديق وأجاب على الحقيقة والتحقيق وشرع سُنّة السبق الى قول (بلى) هو: الحقيقة المحمدية، فهو أول ما خلق
الله وهو في هذا العالم أول ما أجاب الله.
إنّ بعض قريش قال لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بأي شئ سبقتَ الانبياء وفُضّلتَ عليهم وأنت بُعثتَ آخرهم وخاتمهم؟ قال (صلی الله علیه و آله و سلم): اني كنت أول من أقرّ بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين (وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى) فكنتُ أول نبي قال: بلى، فسبقتهم الى الأقرار بالله عزوجل.
ولما سبق محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) الخلائق في اجابة نداء الحق تعالى غمرهم النور الألهي فسطعت جميع ذرات وجودهم في غيبهم وشهودهم، فأمر الله جميع الخلق ان يقروا بجلالتهم وعظمتهم، فلما رأت الاستعدادات الخبيثة مقام آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ومرتبتهم غلب عليهم الحسد وامتلأت قلوبهم بغضا وعداوة لهم كما قال الباقر (علیه السلام) في قوله تعالى ( ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ)(1): نحن الناس المحسودون.
ومن هذا الحسد والعداوة تراكمت الظلمة وطبقت على ذلك العالم، فنادى منادي الحق: من يرفع هذه الظلمة لا بالقهر والغلبة بل بالمظلومية والمقهورية، يعني بالشهادة الكلية،فقالوا الهنا وما الشهادة الكلية؟ قال:
قال: الغربة عن الوطن، وتحمل البلايا والمحن، وتحمل القتل عطشا، والنظر الى مصارع الأصحاب والاولاد والأخوة، وسماع السبّ من الأعداء، وسلب الأموال، وسبي النساء والذرية يطاف بهم في
1) سورة النساء: الآية 54.
الأسواق وينظر اليهم الأجانب، ويوضع الرأس في طشت من ذهب في مجلس الشراب ويقرع بعود الخيزران، وتستوهب ابنته لتكون أمة، وسلب الخمار من رأس الأخوات، وموت الاطفال من العطش، واصابة الطفل الرضيع - لستة اشهر - بسهم في النحر، والنظر الى أيدي الأخ مقطوعة، وهامة الشاب ذي الثمانية عشر سنة مفلوقة، وسماع أنين الأطفال وهم ينادون: العطش العطش، وفصل الرأس عن البدن من القفا بأثني عشر ضربة، وسلب البدن وتركه عريان تصهره الشمس، وإجالة الخيل عليه.
فلما سمع أهل الجمع هذا التفسير خافوا وارتعدوا وأبوا انيقبلوا لأنهم لا يتحملون ذلك.
وروي عن الامام محمد التقي أنهم سكتوا ولم يردوا جوابا، فنودوا مرة اخرى فلم يجيبوا، فجاء نداء عظيم في المرة الثالثة: من لهذا العمل؟ ومن المشتري والحامل لهذا الثقل؟ أي من المتقبل لهذه الشهادة الكلية؟ لأعطيه لواء الشفاعة الكلية يوم القيامة فيُخرج العصاة من نار جهنم ويدخلهم الجنة؟ فلم يجب أحد الّا صاحب القبا المطرز بالدماء في صحراء كربلاء الامام ابي عبد الله عليه السلام فقال: يا إلهي أنا أحمل هذا العبئ وأنجز هذا العمل، أي اني أقدم في سبيلك الروح والمال والعيال والاولاد وأتحمل كل المحن والبلاء وافتدي هؤلاء المذنبين فلا يدخلوا جهنم.
وفي رواية: لما قال: أنا أشتريهم، جاء النداء: يا حسين بم تشتريهم
وتشفع لهم وتعتقهم من النار؟ قال: بكل ما هو أعز عندك.
فجاء النداء: لا شئ أعز عندي من الروح، فقال: أقدم روحي وأشتري الأمة.
فجاء الخطاب: بروحك تشتري الرجال، فبما تشتري النساء؟ قال: أقدم نسائي وبناتي للأسر في سبيلك يطاف بهن في البلدان.
فجاء الخطاب: بما تشتري شبابهم؟ قال: أقدم شباني ليقتلوا في سبيلك.
فجاء الخطاب: بما تشتري أطفالهم؟ فقال: أقدم طفلي الرضيع ليقتل عطشانا بسهم يذبحونه به من الوريد الى الوريد.
فأخذ رب الأرباب ميثاقا منه وكُتِب الميثاق في صحيفة ودفعت الى رسول الله ص ليختمها، فلما قرأها النبي ’ تغير لونه حتى بان أثر الدم في وجهه، وبكى بكاءا شديدا، وقال: رضيت بما رضي الله لنا نصبر على هذه المصيبة لان فيها ترويج الدين وشفاعة المذنبين، فختم تلك الصحيفة وعيناه تهملان دموعا...
ثم دفعت تلك الصحيفة إلى أبيه علي (علیه السلام) فبكى وقال: مالي ولآل أبي سفيان، ثم قال: رضيت بما رضى به الله ورسوله، ثم ختم تلك الصحيفة بخاتمه الشريف، ثم دفعت الصحيفة إلى أمه فاطمة، فلما اطلعت على ما فيها بكت بكاء شديدا حتى أغمي عليها، فلما أفاقت حنت وأنت من أعماق قلبها المجمور وصرخت: وا ولداه وا حسيناه، ولكنها لما رأت ان عوض هذه المصيبة العظمی ترویج الدين والشفاعة الكبرى قالت:
رضيت برضى الله ورسوله وعلي، ثم دفعت الصحيفة إلى الأمام الحسن (علیه السلام) فبكى ثم رضیوختمها، ثم ختمها جميع الأنبياء والأوصياء والملائكة، ثم اثبتت في الصحف الملكوتية.
ثم نادى منادي الحق: یا معاشر الخلق، هذا الحسين بن علي بن أبي طالب هو حبيبي ووليي وصفوتي ووديعتي فيكم أحبوه وأعزوه ولا تخالفوه ولا تنكروا عليه.
هذا الحسين بن علي اشتراكم مني بنفسه وماله وولده وعياله فأحبوه وأعزوه، فكان أول من أجاب هذا النداء محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن بعدهم شيعتهم ومحبيهم، ولهذا قال: أن للحسين في قلوب محبيه محبة.
فلما رأى المنافقون هذه المنزلة الرفيعة للحسين ازداد بغضهم وحسدهم وعداوتهم، فقالوا: هل هذا تكليف جبري - يعني حب الحسين (علیه السلام) واطاعته فلا محيص عنه أو انه اختياري؟ فجاء الخطاب: اننا لا نكلف أحد جبرا. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فقالوا: يا رب اذا كان ذلك كذلك فانا لا نرضى أن يكون الحسين علينا حاكما وأميرا، بل أن لم ينزل على طاعتنا قتلنا فتزلزلت أركان الوجود هذا الكلام وبكى الملائكة والأنبياء والأولياء، وهجم الهم والغم على القلوب، وضاقت الصدور، وبانت آثار الخشوع والانكار والتغير والتكدر في كل شيء، فجاء الخطاب: أيها المنافقون والأشقياء، یکم سيتولى هذا العمل الشنيع ويشتري لعنتي الابدية وعذابي السرمدي، فقال یزید بن معاوية - لعنه الله أنا قاتل الحسين ومتحمل اللعنة الأبدية، سافتح ابواب خزائني
وارسل جيش ال كربلاء ليفرقوا بين رأس الحسين وبدنه ويرفعوه على الرمح، ويسبوا عياله ويدخلوهم مجلسي واضرب ثغره وثناياه بقضيب الخيزران، فلما رأى أهل الجمع في تلك العرصة هذه الجرأة من ذاك الشقي وسمعوا مقاله بكوا على الحسين ولعنوا قاتله، وارتفع الحنين والبكاء من الملائكة وسألوا الله أن يبعد هذه البلية عن الحسين (علیه السلام)، فجاء الخطاب للحسين (علیه السلام) : اذا اردت رددنا عنك هذه البلية ولم ننقصك من قدرك ومقامك شيء، فقال: الهي أحب أن أقتل في رضاك الف مرة في كل يوم ليتم دينك وتنتشر شريعة جدي وأكون في القيامة شافع المذنبين. وبعبارة أخرى: اريد أن أجعل جسم الولاية فداء لروح الولاية، واجعل هذا الظاهر فداء للباطن، واقدم هيكل التوحيد فداء لحقيقة التوحيد.
ولهذا سارعت جميع أصناف الخلق من الجن والملائكة لاغاثته واستأذنوه في مساعدته، ولكنه أبي وقال: أريد أن أفي بعهد الله، فوقعت حينئذ في يده صحيفة، ففتحها وقرأها فاذا بها صحيفة الميثاق التي كتبت في عالم الذر وكان فيها ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لالهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقران ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكيم الذي بایعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين».
فنظر خلف الصحيفة فوجد مكتوبا عليها بخط واضح جلي: «یا حسين نحن ما حتمنا عليك الموت وما ألزمنا عليك الشهادة فلك الخيار ولا ينقص حظك عندنا فان شئت نصرف عنك هذه البلية، فاعلم انا قد جعلنا السماوات والارضين والملائكة كلهم في حكمك فامر فيهم بما تريد من اهلاك هؤلاء الكفرة الفجرة».
فاذا بالملائكة قد ملؤوا بين السماء والأرض بايديهم حراب من النار ينتظرون حكم الحسين وأمره. فلما رأى الامام المظلوم ذلك رمي بالصحيفة إلى السماء وقال: یارب وددت أن أقتل واحیی سبعين إلف مرة في طاعتك ومحبتك واني قد سأمت الحياة بعد قتل الأحبة.
فلما ظهر ثبات امام الكائنات لأهل عالم الذر جميعا نادى منادي الحق: يا معشر الخلائق، عرفتم مقام حبيبي الحسين وثباته ومنزلته، فاعلموا أن أنصاره أنصاري وجنده جندي، فهل فيكم من ينصره ويذب عنه ويثبت على نصيرته؟ ويكون مثله يعرض عن نفسه وماله وعياله؟ فقام من بين الخلائق نیف وسبعون واقدموا على علم وقالوا: الهمنا وسیدناها نحن ننصر حبيبك ونبذل أنفسنا في حضرة وليك، فجاء الخطاب: هنيئا لكم أنتم انصار الله وانتم خيل الله، فانظروا إلى درجاتكم التي اکرمتكم بها، فنظروا الى مقاماتهم وفرحوا بها وبانت منزلتهم وجلالة مرتبهم لأهل الذر، وكتبت اسماؤهم وانسابهم في الصحيفة الالهية، فلا يزدادون واحدة ولا ينقصون واحدا، کا ورد في بعض الأخبار(1).
1) تذكرة الشهداء ص14.
اللهم تقبل منا هذا القربان هذه لها بعد تاريخي، هذا القربان القربان الموعود من الازل وابراهيم لما امره الله عزوجل ان يذبح اسماعيل هذا هو القربان الموعود فرفع عنه الذبح وجعل الذبح رمزي وفداه بكبش، في قربان موعود ثأر الله في ارضه من ابراهيم والانبياء السابقين لما يأتي وقته، النبي صلى الله عليه وآله لما اخبره جبرئيل ان القربان الموعود لله في الارض ثأر الله هو ولدك الحسين، زينب رضوان الله عليها عاشت في هذا الجو في بيت امير المؤمنين البيت كله كلهم عاشوا هذا الجو ان الحسين هو قربان الله في ارضه فزينب رضوان الله عليها مدركة ما حصل في كربلاء فاول ما خاطبت سلام الله عليها وتقول يا ربي هذا القربان الذي انت جعلته اخي الحسين والذي اعددنا له يا ربي تقبله منا، لاحظوا ما قالت تقبل من اخي، الكل مشاركين فيه، يعني يا ربي جدي رسول الله ابي امير المؤمنين امي الزهراء اخي الحسن نحن كلنا قدمنا هذا القربان واخي الحسين هو قدم نفسه فتقبل منا جميعاً، هذه الاسرة المختارة المصطفاة تقبل منا القربان الذي جعلته انت منا، هذا بعد وهناك بعد آخر انه في المعركة والمأساة التي وقعت والثكل والاطفال وشماتة العدو وانتصاره في ذلك الجو هي ما حاضرة ان تعيش منطق انتصار الاعداء ولا تعيش حالة الانهزام، هي تعيش حالة عبادة ربانية يا ربي نحن استطعنا ان نعبدك اليوم عبادة وقدمنا لك قرباناً حالة الصلاة هذا
ايضاً يدلنا على روحيتها ومستواها ان هي تعيش صلاة شهادة الامام الحسين (علیه السلام)، بعض الناس يعيشون مع المحسوس مع الالام مع المفرح مع المحزن مع الجوع مع العطش مع الامور التي مضت ذلك اليوم في عاشوراء وخاصة لما تودعه، زينب رضوان الله عليها أين تعيش تعيش في جو اللهم تقبل منا هذا القربان، هذا القربان له ايضاً مستتبعات ونحن شركاء في صنعه ونتحمل، هذا شكر لله سبحانه وتعالى، منطق زينب سلام الله عليها هي تعيش منطق ابيها، اجواء جدها اهل البيت عليهم السلام حتى لو لم تكن زينب من المعصومينولكنها تلميذة هؤلاء العظماء وتعيش في جوهم.
قال ابن زياد لعنة الله عليه: کيف رأيت صنع الله بأخيک وأهل بيتک؟
فقالت(السيدة زينب (علیها السلام)): ما رأيت إلّا جميلاً(1).
(ما رأيتُ إلاّ جميلاً) عبارةٌ ذات أربعة عشر حرفاً
كيف نفهم هذه الجملة مع البلاء الأعظم والمصيبة العظيمة التي لم تشاركها مصيبة مذ خلق الله عزوجل الخلق.
ونحاول ان نذكر أمور لبيان قطرة من بحر معارف هذه الكلمة
نجد كلمات الاولياء في ساعة البلاء على وتيرة واحدة ولكن على نحو التصاعد من حيث الحدث فمثلا:
قال الامام علي (علیه السلام) : والله، لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه(2).
وحين ضرب (علیه السلام) بسيف ابن ملجم لعنه الله قال: فزت ورب الكعبة(3).
وقول مسلم بن عوسجة، أو سعيد بن عبد الله الحنفي للإمام الحسين (علیه السلام) في كربلاء: لو علمت أني أقتل فيك ثم أحيا، ثم أحرق حياً، ثم أذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرة، ما فارقتك، حتى ألقى حمامي دونك(1).
وسأل الامام الحسين (علیه السلام) القاسم ابن الحسن (علیه السلام): يا بني، كيف الموت عندك؟قال: يا عم، أحلى من العسل(2).
إلى نماذج كثيرة أخرى للرضى والتسليم والإيمان والاطمئنان، والإحساس بالسعادة وبالفوز بلقاء الله سبحانه.
وهذه هي النعمة الحقيقية التي يختار الله الشهيد على أساسها، ثم يمضي القرار الإلهي بها من خلال التكليف الإلهي، ثم المبادرة العملية من هذا المكلف لإنجاز ذلك التكليف، ويتوج ذلك بالاصطفاء، الذي هو التعبير عن الرضى الإلهي الغامر.
أما المال والجمال والقوة وسوى ذلك فلن يستطيع أن يمنحك هذه السعادة، التي قد يجدها الفقير المعدم، ويفقدها الغني بماله، الفقير بما سوى ذلك - بل إن أفقر الناس هم الأغنياء.
ولهذا تجد حين قال ابن زياد لعنه الله لزينب(علیه السلام): كيف رأيتِ فعل
الله بأهل بيتك؟
قالت: ما رأيت إلا جميلاً(1).
تعتقدُ السيّدة بما يعتقده آباؤها () بأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، حكيمٌ في تدبيره، لا يفعل عبثاً؛ لاستلزامه القبيح.
ومِن هنا وصفت فعل الله سبحانه بالجميل، إذ إنّ صفات الله تعالى الثبوتية تسمى بالجماليّة، والعدل أحدها.
وبهذا أعطت السيّدة (علیه السلام) درساً عقدياً للطاغية والحاضرين، حيث إنّه سلوك بني أمية عموماً كان يهدف إلى تشكيك الحضور بعدل الله سبحانه، وإلى أحقيّة تصرفه بهتك حرمة الحسين وآله (سلام الله عليه وعليهم) بدليل قول أميرهم يزيد:
لعبَت هاشمُ بالملكِ فلا *** " خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل"
فالطاغية يُكمن في نفسه الكفر ويُظهر الإيمان، وما قوله هذا إلاّ دلالةً على أنّ الحسين على خطأ وهو وشرذمته على صواب، ولذا يقول ذنبهُ بن زياد محتجاً بما في مضمونه: لو كانَ الله عادلاًلانتصر للحسين وآله!
أمَا والله لقد أساءَ المنطق، وإلاّ فماذا يُرتجى مِن ابن الطلقاء الذي
1) نفس المهموم ص 371.
هتك حرمة الأولياء، وأبكى بفعلته السماء!
فزهق الباطل الذي به كان فرحاً بعبارة "ما رأيتُ إلاّ جميلا".
إنّ الوصول إلى الكمال الرّوحي يتطلب تحمل المشاق، والتسليم المطلق لله سبحانه، والذوبان في هيمنته وسلطنته جلّ شأنه، فالإنسان وإن كان مجبولاً في فطرته على حب الوصول إلى الكمال، إلاّ أنّ التعلّقات الدنيوية التي تطرأ عليه عرضاً تجعله محجوباً عن الوصول.
وها هي السيّدة قد نالت ما نالت من فيوضاتٍ، وهيّمت قلبها لإرادة الواحد القهّار، وتركت التأثر بالعالم الماديّ لأهله، واعشوشب زهرها في ما فوق ذلك العالم، فأصبحت من خواص الله خلقاً، وأثمرهم عطاءً.
(ما رأيتُ إلاّ جميلاً) عبارةٌ ذات أربعة عشر حرفاً دلّت عباد الله على الله، إذ أعتقد أنه لم يكُ هدف السيّدة (عليها السلام) أن تبيّن للطاغية والحاضرين مدى رضاها بقضاء الله سبحانه وحسب، بل كان لها هدف سامٍ آخر ألا وهو: أن تدلّهم على الله وترسّخ محبتهم له سبحانه، حيث نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: " اَلسَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللهِ، وَالاْدِلاّءِ عَلى مَرْضاة اللهِ، وَالْمُسْتَقِرّينَ في اَمْرِ اللهِ، وَالتّامّينَ في مَحَبَّةِ الله"(1).
1) مفاتيح الجنان، 608.
وجاء في مقطعٍ آخر: "اِلَى اللهِ تَدْعُونَ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ، وَبِهِ تُؤْمِنُونَ، وَلَهُ تُسَلِّمُونَ، وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ، وَاِلى سَبيلِهِ تُرْشِدُون"(1).
ومنبع تصرّفها هذا هو حبّ الله سبحانه، حيث روي أنه: "اوحى الله تعالى إلى بعض الصدّيقين: إنّ لي عباداً مِن عبادي يحبونني واُحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم،... أقل ما اُعطيهم ثلاثاً:الاول: أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عنّي كما اُخبر عنهم.
والثاني: لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم.
والثالث: أقبل بوجهي عليهم، أ فتُرى من أقبلتُ بوجهي عليه يعلم أحد ما اُريد أن اُعطيه؟!"(2)، فقذف سبحانه في قلبها التفويض المطلق ووجدها صابرة.
ويعدّ صبر السيّدة (علیه السلام) مِن صبر العارفين بالله سبحانه، إذ الصبر على مراتب، وصبر العارفين(3)معناه أنّ لبعض خلق الله التذاذاً بالمكروه لتصوّرهم أنّ معبودهم خصّهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين بشريف نظرهوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(1).
استعملت السيّدة البليغة (علیه السلام) اسلوب الحصر أو ما يسمى عند البلاغيين بالقصر، ويعني: "تخصيص أمرٍ بآخر بطريقٍ مخصوص، ومِن طرقه: النفي والاستثناء..."(2).
فمقصد السيّدة هو: رأيتُ الذي صنعه الله تعالى بنا جميلا" بعد حذف أداتي النفي والاستثناء.
ويدلّ استعمالها اسلوب البلاغة هذا على امور:
1- بيان أعلميتها وأنّها ليست كأيّ سبيّة، ومن هنا اشرأبت الأعناق لترى مَن المتكلم؛ لتذكرهم ببلاغة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
2- تحقير الطاغية وشرذمته بتكليمهم فوق مستوى ادراكهم، فمن يقارن بين كلامَي السيّدة والطاغية يجد الإرباك الواضح،والركة المضحكة في بيانه (عليه لعنة الله).
3- توظيف ما استسقته من نمير العلوم مِن أبويها (عليهما السلام) في سبيل إعلاء كلمة الحق.
ويا لجميل ما صنعَت (عليها أزكى السلام).
إن بعض البشر يرون بعين الفطرة ذاتاً تجمع كلّ الكمالات، ولذا هم يعشقون تلك الذات؛ ما نوع ذلك العشق؟ عشقٌ لا يرى فيه العاشق من معشوقه غير الجميل، ولا يشعر منه بغير العشق أبداً، وهذا ما رأينا من زينب بنت علي "(علیه السلام)" حينما أجابت ذلك الأحمق المسمّى "عبيد الله بن زياد" بعد أن قال لها: أرأيت صنع الله فيكم؟ - هذا بعد مقتل الإمام الحسين:"(علیه السلام)" في صحراء كربلاء فأجابت: "ما رأيت إلاَّ جميلاً.. ثكلتك أمك يابن مرجانة"(2).
إلا تفهم؟ ألا ترى؟ إن الذي قدّمنا في سبيل الله تعالى هو الصواب، وما عداه خطأٌ فاضح، ولكنك لن تدرك ذلك أبداً لكثرة الرين والحجب الجاثمة على قلبك، أما نحن فقد وجدنا ربّنا بعد أن تمكّنا من إزاحة الأستار والحجب فأصبح كل شيءٍ بالنسبة لنا أمراً طبيعياً، أمراً فطرياً؛ فالجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الحبّ في الله، البغض في الله، وكل شيء لا نراه إلاَّ أمراً فطرياً.
فمن وجد ربّه ينبغي له أن يصلّي، ومن أراد أن يتعرّف على إنسانيته يجب عليه أن يصوم ويتشبه بالحيّ الذي لا يموت، كي يتمكن من السير في طريق الكمال، لأن الذي لا يحاول التشبّه بالله تعالى لا يتأتى له رؤية أول طريق الكمال أبداً.
وخلاصة القول: إن جميع عبادات الإسلام لا تتعدى أن تكون أمراً فطرياً، أمراً يبحث عنه في أعماق الضمائر، فإذا ما أردنا أن نجد هذا الأمر
الفطري، ينبغي أن تزال الأستار والحجب كي نتمكن من العثور عليه، ومن لم يستطع أن يجد ربّه فليعلم بأنه مريض، ومن رأى منكم تثاقله لإقامة الصلاة فليستدل على مرضه من تلك الحالة.
قد يكون الإنسان في بعض أحيانه جائعاً، لكنه لا يشعر بذلك،بسبب المرض، فتمرّ عليه الأيام دون تناولٍ للطعام، ويبقى عليه حيا بواسطة تزريقه بالسوائل في الدم مباشرة، ويبقى لا يجد رغبة في الأكل بالشكل الطبيعي، كونه مريضاً، والمريض لا تعمل غرائزه.
بداية رد السيدة زينب الذي لم يكن وليد اللحظة، بل كان ممارسة عملية ولم يكن القول الأول في تبيان تسليمها لما يقع عليها من أمور وأحداث، فقولها “ما رأيت إلا جميلاً” ينمّ عن روحانية عالية وقلب كبير وإيمان عميق يتحرّك من واقع عملي، ومن بين دم وألم، ومن بين جثث وعطش، يتحرّك إيمان هذه السيدة العظيمة قبل وأثناء وبعد كل ما شاهدته من مآسٍ داميات، رأت أخوها مقطّع الأوصال وأهل بيتها يتم تجزيرهم وترفع رؤوسهم على القنا، وحرق للخيم، وغيرها من صور الوحشية والبربرية الأموية التي أنزلوها في واقعة الطف.
كان الرد بعبارتها “ما رأيتُ إلا جميلاً” هو عنوان المراتب العُليا الحقيقية للإنسان المؤمن الذي يرى أن كل ما يقع عليه هو من الله، فيرى فيه الصنع الجميل، لأنّه لا يصدر من الجميل إلا الجميل، حتى لو رآه
الإنسان غير ذلك من بلاء وشدة وألم، وذلك هو المعنى الحقيقي لمزاوجة التوكّل بالتقبّل مع الرضا بالإقدام بروح مطمئنة عليها.
وبرغم المصائب والشدائد التي مرّت عليها السيدة زينب وفي قبال تقريع جاف صلف من ابن زياد، يكون ردها على ذلك الاستفزاز بهذا القول الذي لا يترجم بحق صبر هذه السيدة العظيمة فقط، بل يقدّم نظرتها لكل مصاب وجلل على أنه من الله، وكل ما يأتي من الله - دون استثناء - فهو جميل حتى لو كانت صورته الظاهرة فيها القتل وسفك الدماء وكل الصور السلبية.
وتتجاوز هذه السيدة العظيمة خط الصبر لحد تقديم الأكثر من بعد ذلك الخط، فهي تقترب من جثمان أخيها محزوز الرأس، وهوابن ينت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتضع يديها تحت ظهره وتحاول رفعه وتقول “اللهم تقبّل منّا هذا القربان”.
فهي لم تصبر على القضاء الذي حل بأهلها وبها فقط، بل كانت روحها أكبر، لتحوّل كل موقف ظاهره الضعف والهزيمة إلى موقف فيه القوّة والحق وصوت العدالة.
وهو الموقف الذي يرى المؤمنُ اللهَ في كل شيء ومعه وقبله وبعده، فيكون البلاء للمؤمن هو الطَرق لمعدنه وهي النار لذَهَبِه.
فعندما تتحوّل كل مأساة في نظر المؤمن إلى نار لصقل جوهره ليقترب أكثر من بارئه، لا بمعنى جلد الذات وهو الذاهب للبلاء، بل عندما يتحرك البلاء إليه، فيستقبله بصدر مطمئن ويُوكل أمره إلى الله
وحده، ناظراً إلى كل ما يحلُّ به بأنه “الجميل” من ربه، عندها تهونُ كل البلايا مها عظمت، ومن هنا يأتي قول الإمام الحسين (علیه السلام) في معركة الطف وهو ينزف دماً “هوّن ما نزل بي، أنّه بعين الله”.
هو قول وفعل كل روح مؤمنة بحق، تلك التي ترى أن كل ما يقع عليها لله فيه حكمة وجمال، وهي الثقة التامة بالله، لأنه لا يصدر من الجميل إلا الجميل حتى لو كان فيها الألم في ظاهره، كما في الزهر الشوك.
هذا المبدأ الجمالي العملي الناظر للأمور التي تقع حتى لو كانت مأساوية أو سوداوية على أنها أمر جميل من الله، ينزع فتيل الخوف من قلب المؤمن، ويحوّل كل أمر يقع عليه على أنه أمر يتقبله بصدر رحب وبطمأنينة لأنه من الله، وبهذه النفسية العظيمة للمؤمن يكون المعنى الحقيقي للإيمان لذي تخشاه أي قوة سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية مزوّرة.
لأن تلك القوى لا تعرف معنى الجمال في وقوع الحدث، فتجزع وتخاف وهو ما يجرها إلى ارتكاب الأخطاء مرات ومرات حتى تسقط في وحل لا يمكنه الخروج منه، وهو وحل عدم معرفة الله. في حين يكون “الجمال” فيما يقع للمؤمن، مدعاة للتغيير للأفضل لوجه الله عبر التقبّل وامتصاص كل صدمة مهما عظمت.
“ما رأيت إلا جميلاً” هي وصفة القوة في كل موقف وقضية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، لتتحول نظرة الجمال تلك وقوداً للنصر في كل مسيرة وموقف.
هكذا قالت السيدة الوقورة والمجاهدة زين الباء الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) وبنت مولاتنا الزهراء عليها السلام وأخت الحسن والحسين عليها السلام وحفيدة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم).
ما هو هذا الجميل الذي رأته مولاتنا الحوراء زينب (علیها السلام)وهي ترى في كربلاء قتل كل أهلها؟
الجميل الذي رأته مولاتنا زينب (علیها السلام)هو مولانا الإمام المهدي (علیه السلام) السر المستودع في مولاتنا الزهراء (علیها السلام).
إذا ما أضفنا الجميل والسر المستودع إلى مولانا المهدي (علیه السلام) نخلص إلى وجود حياة طيبة للمؤمنين في عصر الظهور المقدس.
إن قتل الشيعة على مدى التاريخ الإسلامي ونعتهم بكل أنواع البعد عن الصواب والدين الخالص واستحالة دمائمهم هو أمر إلهي لا بد له من يوم فاصل ينال الظالمين فيه جزاءهم، فقتل شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) وقبل ذلك قتل أولاد الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) هو أمر محزن جدا أخر رسالة الإسلام وجعلها رسالة لم تخرج إلى حد الساعة من رد الفعل إلى الفعل والسلام والرحمة.
الجميل الذي سوف نراه قريبا جدا مع مولانا الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) هو هلاك الظالمين والعروش الخاوية وسيطرة مبادئ الحق والفضيلة والفطرية والكرامة على كل ساكنة الأرض.
وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ
ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(1).
الآخرة ستظهر قريبا وسوف يظهر جمالها لأصحابها وهذا الجمال هو سر مكنون في جوهر الزمان مولانا الإمام المهدي عليه السلام.
إن هلاك الظالمين والطغاة سوف يخرج الأرض من طور ويدخلها في طور آخر فالعالم اليوم لا يعرف ماذا يحصل له، في أوروبا يجتمعون لتخليص العملة من الانهيار المحتم قريبا وهم لايعلمون أنهم يعيشون النهاية التي وضعوها لأنفسهم بجهلهم وابتعادهم عن الفطرة والتعاليم السماوية المسيحية الابراهيمية.
سوف تنهار أوروبا قريبا وأمريكا معها وكل الظالمين من حكام العرب وسوف يكون ذلك أمر سيظهر فيه حكم الله في آخر الزمان.
سيظهر مولانا الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) منتقما لما جرى في كربلاء وسيكون ظهوره مقدسا ومسيطرا على كل الأرض بعدما ملئت ظلما وجورا وهذا هو الجميل الذي رأته مولاتنا الحوراء زين الباء زينب عليها السلام.
الله تبارك وتعالى له جلال وله جمال، له صفات جمالية، وله صفات جلالية، ونحن نقرأ في الأدعية المباركة «اللهم إني أسألك من جمالك بأجمله، وكل جمالك جميل، اللهم إني أسألك بجمالك كله، اللهم إني أسألك من جلالك بأجله، وكل جلالك جليل، اللهم إني أسألك
1) سورة الروم: الآيتان 6 و 7.
بجلالك كله» له صفات جمالية، وله صفات جلالية.
هناك في بعض الأدعية «يا جميلا في جلاله، ويا جليلا في جماله» جماله عين جلاله، وجلاله عين جماله، كيف يتحد الجمال والجلال بالنسبة لله تبارك وتعالى؟
عندما نقول لله جمال وجلال، كل صفة تعبر عن الحياة فهي صفة جميلة، القدرة تعبر عن الحياة، إذن هي جمال، العلم يعبر عن الحياة، إذن هو جمال، الخالقية والرازقية تعبر عن الحياة، إذن هي جمال، أي صفة لله تعبر عن الحياة، وتحكي عن الوجود فهي صفة جمال، حياته، علمه، قدرته، كل ذلك صفات جمال.
وأما صفات الجلال، فكل صفة تعبر عن النزاهة، النزاهة عن النقص تسمى صفة جلال، ليس بجسم، هذه صفة جلال، لأنها تنزهه عن النقص، الجسم نقص، ليس بجسم، ليس بمحدود، ليس تبارك وتعالى بمركب، ليس له شريك، ليس له ند، كل هذه الصفات التي نعبر عنها بالصفات الليسية، كل هذه الصفات التيتحكي نزاهته ورفعته عن النقص وعن الأدران المادية يعبر عنها بصفات الجلال، فهناك صفات جمال، وصفات جلال.
كيف يكون جماله في جلاله، وجلاله في جماله، كيف يتحد الجمال والجلال في ذاته المقدسة تبارك وتعالى؟
مثلا: الشمس المشرقة المضيئة التي نراها، جمالها في جلالها، وجلالها في جمالها، جمال الشمس بنورها، بشعاعها المضيء، وجلالها بأنها امتلكت
من النور المادي أقوى درجة، وأقوى مرتبة، إذن الشمس لها جمال وهو نورها، ولها جلال وهو أنها ملكت من النور أعلى مرتبة، وأعلى درجة، فليس فوقها درجة من درجات النور المادي، لذلك جمال الشمس في جلالها، وجلالها في جمالها، جلالها وهو أن نورها لا مثيل له، هو في جمالها - أي نورها - وجمالها في هذه الصفة التي امتلكتها وهي أن نورها لا مثيل له، ولا نظير له.
كذلك الله تبارك وتعالى، جماله في جلاله، جلاله في جماله، مثلا: القدرة صفة جمالية، إذا لاحظنا القدرة من ناحية إيجابية نعتبرها صفة جمال، وإذا لاحظنا القدرة من ناحية سلبية، هو قادر بمعنى أنه ليس لقدرته حد، وليس لقدرته أمد، صارت القدرة صفة جلالية، هذه القدرة مظهر لجماله إذا لاحظناها بناحية إيجابية، وعبرنا عنها بعبارة إيجابية، وهذه القدرة عينها هي مظهر لجلاله إذا عبرنا عنها بصفة سلبية، قلنا ليس لقدرته حد، وليس لقدرته أمد، إذن قدرته جمال وجلال.
أيضا حياته، عندما نعبر عن الحياة بعبارة إيجابية، نقول الله حي، هذه صفة جمالية، أما عندما نعبر عنها بصفة سلبية فنقول حياته لا يحدها موت، ولا يحدها عدم، أصبحت حياته صفة جلالية، جلاله في جماله، وجماله في جلاله تبارك وتعالى.
نحن نقرأ أنه من صفات الله أنه قيوم اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ
الْقَيُّومُ(1)ما معنى القيوم؟
القيومية بمعنى السيطرة، بمعنى الحكومة، السيطرة والحكومة ونفوذ الأمر في هذا الوجود كله هو قيوميته تبارك وتعالى ( ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ)(2)قيوميته يعني سيطرة أمره ونفوذ حكمه.
كل إنسان يسيطر على أعصابه فهو يحمل صفة من صفات الله، ألا وهي صفة القيومية، الإنسان الذي يمتلك سيطرة على انفعالاته، وعواطفه، ومشاعره، من كان عقله حاكما على انفعالاته، من كانت إرادته هي المسيطرة على قواه، على انفعالاته، على عواطفه ومشاعره، فهذا الإنسان يحمل صفة القيومية، الإنسان المسيطر على مشاعره وانفعالاته إنسان قيوم، يعني قائم على جميع انفعالاته، وحركاته، وسكناته.
كانت السيدة زينب صلوات الله عيها مظهرا لحكومة الإرادة، ومظهرا لسيطرة العقل، ومظهرا للقيومية، فهي مظهر لجمال الله وجلالهما رئيت الاجميلا.
عندما نقول ان هناك مشكلة يعني اننا نقر بوجود حالة عدم رضا،
ولدراسة مفهوم عدم الرضا يقودنا للبحث عن مفهوم الرضا نفسه، والرضا كما هو معروف ضد السخط ويعني ملخص هذا المعنى ان المراد هو تقبل ما يقضي به الله عز وجل من غير تردد ولا معارضة، البعض يراه نتيجة لصحة العلم والمعرفة، والبعض الآخر يراه سكونا نتيجة الايمان، وهو ثمرة من ثمار المحبة، أي يفرغ القلب تماما لله سبحانه تعالى، وهذا الذي جعل مولاتنا زينب عليها السلام، لا ترى في طف كربلاء الموت والذبح والاسر والسبي الا جميلا لأن الرضا تكامل لله سبحانه تعالى وتم افراغ القلب له، فمن ملأ قلبه من الرضا، ملأ صدره ثراء، لو تأملنا في هذا الجميل الذي رأته مولاتنا سلام الله عليها، ضمن الرؤى المعاصرة حيث اعتبر العلماء ان الرضا كمتغير مستقل يؤثر في سلوك الانسان، يتأثر تاثرا مباشرا في قيم الراتب والأجر المادي وفي نظام المنح وهذه الأمور هي نفسية - اجتماعية - مادية تؤثرعلى الروح المعنوية، وملاتنا زينب عليها السلام لو جعلناها ضمن أجواء هذه التفسيرات التحليلية المعاصرة، فهي رات بروحها المعنوية العالية، ما خلف كربلاء القتل والذبح والاسر، رأت روح كربلاء المقدسة تلك الروح التي قدمت الضحايا قرابين لله سبحانه تعالى، هي ادركت سر المنح الإلهية والترقيات المذهلة لشهداء الطف ورأت منازلهم في الجنة، وبهذا المعنى تعتبر مولاتي زينب عليها السلام مؤسسة لمدرسة العلاقات الايمانية وردّت الاعتبار للسلوك الإنساني، علمته كيف ينظر الى وجدان العمل، وكل عمل له اجر وظيفي واجر الهي لهذا العطاء المعنوي، أي بمعنى
آخر الحصول على الرضا من خلال النظر الى الأمور معنويا، الشعور بالنجاح بوجود ثمرة هذا العطاء، القناعة التي توصل الانسان الى السعادة، ولم يبق امام الحسين واصحابه عليهم السلام سوى اثبات روح المثابرة بالتضحية، هذا هو جوهر الانتماء الى المدرسة التضحوية الحسينية أي المدرسة الوجدانية، وهذا بعض الذي رأته مولاتي زينب عليها السلام، وهي شخصت لابن اخيها الامام زين العابدين (علیهم السلام)(.. سيرفع بهذا الطفّ عَلماً لقبرِ أبيك سيّد الشهداء لا يُدرَسُ أثرُه، ولا يَعفو رسمُه على كُرور الليالي).
إنّ السيدة زينب (علیها السلام)لم تشاهد الدماء والجراح، بل كانت ترى الشهادة وريح الجنة، والأجر الذي يناله الشهداء، السيدة زينب عليها السلام كانت ترى معاني الوفاء والحب لأخيها الحسين (علیه السلام) من قِبل أهل بيته، ولا سيّما من إخوته، وكيف ضحّت السيدة أُمّ البنين بأولادها لنصرة أخيهم، ومن أبناء أبي طالب، كانت ترى شجاعة الفرسان وقتالهم البطولي أمام جيش جرّار من أعداء الله، كانت ترى شباباً يتسابقون للفوز بالجنة، وفضل الاستشهاد بين يدي إمامهم، كانت ترى النساء وهن يدفعن برجالاتهن من الأزواج والأبناء للقتال مع ابن بنت رسول الله، كانت ترى كيف أنّ أخاها العباس (علیه السلام) رمى الماء من يديه عندما تذّكر عطش الحسين (علیه السلام)، كانت ترى صبر بنات وزوجات
الحسين (علیه السلام) كيف وقفن في نصرة الإمام وتحملن كلّ ما أصابهن من الأحداث الأليمة والمفجعة، وغيرها من المعاني السامية والمواقف الجليلة التي يمكن لها وحدها أن تراها؛ لأنّها ليست من النساء اللاتي جئن لأجل النصر والفوز بكرسي الخلافة، أو ملك الكوفة، أو غيرها، بل إنّها خرجت في أمر رسالي يتحتّم عليها القيام به، بوصفه واجباً شرعياً طاعةً لإمام زمانها، وقد حققت هذا الغرض كاملاً غير منقوص منه شيئاً، ولهذا ما كانت لتنظر إلى سيئات الآخرين وإساءاتهم، بل كانت تبحث كيف تؤدي رسالتها على أكمل وجه، فكان أن رأت الجمال بكامله.
للبلاء عناوين جمّة كالفقر، والمرض، والموت، وغيرها. وحين نسمعها نستحضر معها سلبياتها من المرارة والحزن والألم وغير ذلك.
إلا أنّ للبلاء إيجابيات، جعلتها زينب (عليها السلام) عناويناً لها في كربلاء، فغدت المرأة العظيمة التي تقتدي بها كل النساء. ومن إيجابياته:
تصويب المسار: فالبلاء يساعد في تصويب مسار الإنسان، في حياته، وقد يوقظه من غفلته. يقول الله في محكم كتابه:وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (1).
تعويض الآخرة: إنّ البلاء يعقبه تعويض أخروي يريح المعتقد به، فقد ورد عن التبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم): "إنّ في الجنة شجرة يُقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يُرفع لهمديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يصبّ عليهم الأجر صباً".
من هنا، عندما يعترضنا أي بلاء، علينا دائماً أن نحمد الله تعالى:"الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه". فالحمد هو ثناء على لوحة الجمال الربانية، وشكر على عطاء الله تعالى بسبب بلائه.
وإننا حينما نستحضر آثار البلاء ونتائجه الإيجابية، سنفهم سر نظرة السيدة زينب (علیها السلام) إلى ملحمة عاشوراء، التي استحضرت فيها أنّ نهضة الحسين (علیه السلام) أبقت الإسلام حياً، وأن هذه النهضة منعت قافلة الإنسانية من الانحراف في مسيرتها، وأن هذه النهضة صنعت عشّاقاً شهداء لا يسبقهم أحد قبلهم ولا يلحق بهم أحد بعدهم.
لذلك قالت السيدة زينب (علیها السلام): "ما رأيت إلا جميلاً".
صحيح أنّ مقتضى التوحيد الأفعاليّ أنّ الفاعل والمؤثّر الوحيد هو
1) سورة فصلت: الآية 51.
الله فإذا كان الفاعل الوحيد هو الله وحصل ما حصل في الطفّ فلا بدّ من وجه جميل للفعل، فزينب رأت بعين اليقين الجمال الإلهيّ المتجلّي من الملكوت إلى كلّ العوالم بما فيه الدنيا فكلّ هذا الجمال هو تجلٍّ لجماله تعالى فإنّ الله كامل الجمال وكامل الجلال ولا يصدر عنه إلّا ما هو جميل فلو كان ما كتبه على إنسان الحياة فهو جميل، وإن كان ما كتبه الموت أو القتل فلا بدّ أنّه جميل، فالغنى والصحّة والقوّة جمال، وعكسها من فقر ومرض وضعف أيضاً جمال ويمكن تصوير جمال الصنع الإلهيّ بأنّ الحسين والشهداء وكذلك السبايا كانت نفوسهم منطوية على بحر من الجمال من التوحيد إلى حسن الظنّ به تعالى إلى الاستعدادات للتضحية والإيثار والشجاعة والبطولة وغيرها، فجاءت أحداث كربلاء لتفتح لهذا العذب الزلال طريقاً ليتدفّق راوياً عطش النّفوس على مدى الأزمنة إلى نماذج وقدوات.
وثانياً لقد شكّل الحدث في عاشوراء ساحة لأمرين الأوّل: هو إظهار هذه الجواهر البرّاقة والكواكب الزاهرة في سماء البشريّة،والثاني: كان الحدث ليشكّل مكاناً يعرض مبدعها ومكوّنها هذه الجواهر ليستقطب بها النّفوس، لتصنع على عينه تعالى على يدي الحسين (علیه السلام).
وقد عبّرت عن ذلك بقولها: "هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم".
الإمام (علیه السلام) کتب لبني هاشم وصيه: من لحق بنا منکم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح(1).
عادة في کل سفر نروم القيام به فلابد ان نبحث عن ادوات الراحه من خلال وسيله السفر والمکان الذي نقصده والظروف المحيطه بالسفر. في حين ان هؤلاء النساء لما خرجن مع الإمام لم يسألن عن مفردات الراحه وقد ترکن بيوتهن لنصره الإمامه کما ترکت السيده زينب عليها السلام بيتها وزوجها المريض لنصرة الإمام. فهؤلاء خرجن في سفر صعب وشاق للغاية فقد کان الجانب الأمني في هذا السفر مبهماً ولا يمکن تثبيته أبداً، فهو سفر محفوف بالمخاطر وإليه اشارت أحاديث الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلم السابقه التي تنذر بکارثه في نهايه المطاف. ثم هو سفر طويل في ظروف صعبه وحرجه. والغايه من هذا السفر هو نصره الإمامه والدين.. وهو هدف کل البعد عن الغايات الذاتيه المحدده.
علي هذا لا نجد في قاموس الذين خرجوا مع الإمام من المدينه رجالاً ونساء هدفا واضحا سوي مصلحه الدين وحمايه الإمامه لا أکثر. وبذلک ضربت هؤلاء النساء أعلي درجات التسامي في هذا الإيثار الکبير الذي خاب فيه الکثيرون.
يقول الشيخ مرتضي مطهري: الشيء الوحيد الذي لا يمکن ان نراه
1) المقرم ص 66.
مطلقاً في منطق الإمام الحسين (علیه السلام) هو منطق المنفعهوالمصلحه الذاتيه. فکربلاء کلها کانت سيراً إلي الله(1).
ومن خلال جواب السيدة زينب (علیها السلام) بقولها «ما رأيت إلّا جميلاً»، قامت ببناء في باب المعرفة الإسلامية والبشرية والثقافية وفي عقليه الأمَّه أنَّ هناک ميز بين فعل الله وفعل المخلوق، ويجب أنْ يکون لدي الإنسان في الواقعة الواحدة، وفي الموجود الواحد قدره تمييز، عقل وتعقل مميز، بين ما هو فعل الله وبين ما هو فعل البشر؛ إذ لو کانت امرأه عاديه أو مجرد مؤمنه صالحه لکانت تقول الحمد لله علي کل حال وتصبر علي بلاء الله، وهذا يکون جواباً من الأجوبة قدْ يعتمده الصالحون من أهل التقوي وهو الصبر علي قضائه جلَّ وعلا.
في حين السيدة زينب (علیها السلام) لم تتخذ مثل هذهِ الأجوبة بلْ قالت «ما رأيت إلّا جميلاً»، يعني رشحه من نور القرآن من قبيل قوله تعالي: وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. فکلامها نفي ولکن علي تقدير «ما رأيت»، فأين الصوفيه، وأين العرفاء من کلام السيده زينب (علیها السلام)، ففي حادثه عظيمه بکت لها ملائکه السماء والأرض «مصيبه ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض» وفي کل هذا تقول السيدة
1) مطهري الملحمة الحسينية.
زينب (علیها السلام) «ما رأيت إلّا جميلاً»، بلْ لم تقل ما قاله سيد الشهداء (علیه السلام) «صبراً علي قضائك يا رب، لا إله سواک يا غياث المستغيثين، ما لي رب سواک ولا معبود غيرک، صبراً علي حلمک...» فهي (علیها السلام) لم تعتمد مثل هذهِ الروئي والأجوبه رغم کونها حقّه ولأشبهه فيها، بلْ اعتمدت معادله علميه من الأسس فوق هذهِ المعادلات «ما رأيت إلّاجميلاً».
بحسب عبارة السيّدة زينب (علیها السلام)البعد السلبيّ أمر ظرفيّ ومؤقّت ومحلّه تلك البرهة من الزمن وأشارت إلى ذلك لإزعاج ابن زياد عن نومه وإيقاظه من سكرته فقالت: "وسيجمع الله بينك وبينهم".
أي أنّه سينتهي هذا اليوم دنيويّاً ولكن ستبقى آثاره أخروياً. وبالتالي ثمّة عالم هو عالم المحاججة والمخاصمة وهو عالم ظهور الحقائق وهناك يُنصف المظلوم وينتصف من الظالم.
فلا تظنّن حيث فعلت ما فعلت أنّك صاحب حقّ وأن بآل البيت على الله هواناً.
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(1)أيضاً
1) سورة الإنسان: الآية 5.
من خصائص الأبرار أن آفاقهم واسعة لا حد لها.. إدراكهم واسع.. روحيتهم واسعة واعية لا حد لها، لاحظوا حتى ندرك اتساع الرؤية.. الإنسان عندما تكون روحه واسعة كالبدن عندما يكون كبيراً فإنه لا يلبس ثوباً صغيراً، فالروح إذا كانت واسعة فهي لا ترضى إلا بالعلوم الواسعة والعبادة الواسعة، وعندما تضيق الروح يصبح تعاطيها تعاطي طفولي.. إدراكها إدراك طفولي، بعض العلماء مثل الشيخ قراءتي - تخصص في التفسير والبحث عن الروايات - عنده التفاتة لطيفة لمقولة زينب (علیها السلام) " ما رأيت إلا جميلاً " ماذا تعني هذه المقولة؟!لاحظوا أن الطفل عندما تضع له سفرة مليئة بأصناف الأطعمة وبجانبها حلاوة، فهل الطفل سيأكل هذا الأكل أم أنه سيطلب الحلاوة؟! أصلاً لا يستلذ إلا بالحلو، فالمالح لا يراه حلواً وكذلك الحامض، فعندما يكبر الإنسان تكبر ذائقته.. يكبر مزاجه.. يرى حتى المالح لذيذ.. يرى حتى الحامض لذيذ، أيضاً إذا كبر مزاجه كبر إدراكه للأمور... وسوف يرى حتى المر جميل.. المر الذي وراءه هداية الآخرين لأنه بر فهو جميل..، حتى العذابات التي ينتج منها الهداية والشفاعة والطاعة حتى هذا يراه جميلاً.
في الرواية عندما ولد الإمام الحسين (علیه السلام) دخل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على الصديقة الزهراء (علیها السلام) فأخذ الحسين (علیه السلام) وجلس يبكي، فقالت: هل هناك شيء يا رسول الله؟!، فكفكف دموعه وقال لها: هذا الطفل تنقلب عليه أمتي فبكت، فقالت: لا حاجة لي به، قال لها: فيقتل فبكت، فقالت:
يا رسول الله لا حاجة لي به، قال لها: تُروّع به أخته فبكت، فقالت: يا رسول الله لا حاجة لنا به، فكلما قال لها شيء قالت يا رسول الله سل الله أن يأخذه فلا حاجة لنا به، لأنه كل هذه فيها عذابات.. حتى قال لها: فيبعث الله أقواماً تبكي عليه فيدخلون بذلك الجنة فسكتت. لأن الزهراء (علیها السلام) بهذه الروح الواسعة البارة تريد أن توجد منفذ لإنقاذ الناس، فالروح عندما تضيق فإنها لا تدرك هذه المعاني أصلاً.
زينب سلام الله عليها عقيلة العرب، وهذا اللقب الخاص بها مرتبط بقول المولى أمير المؤمنين (علیه السلام): (وبالعقول تعقتد معرفته)، فهي (سلام الله عليها) صاحبة هذا المقام.
عندما قال ذاك اللعين (عليه لعائن الأزل والأبد) لها سلام الله عليها: (كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك)، أجابت زينب سلام الله عليها: (ما رأيتُ إلاّ جميلاً) 145.
ولكن هلْ يمكنك أنت أنْ ترى هذا الجميل؟
تلك العين التي رأت هذا الجميل هي عين إلهيّة متّصلة بالمبدأ، ومن هنا كانت تقول: (ما رأيت إلاّ جميلاً).
دلالة الفعل، فالفعل مضافاً إلى حجية إسناده للفاعل، له دور آخر، وهو دلالته على مقاصد، ودواعي الفاعل من الفعل، فمن ثمّ أُطلق الكلام الإلهي على أفعال الله تعالى، كقضاء الله سبحانه فعل من أفعال
الله، وقدره كفعل آخر، وكذلك فعل مشيئته، فكلٌ منها مرتبة من الكلام الإلهي يكشف به عن مقاصد إلهية، فالفعل والإيجاد في عالم الخلقة كلامٌ حقيقي، دال على معاني ومقاصد وراءه، وذلك بتوسط التحليل المُمعن غوراً، ومن أمثلة قراءة قضاء الله تعالى وقدره ككلام وإرادة ما جرى من خطاب عبيدالله بن زياد لعنه الله للعقيلة زينب سلام الله عليها، من قوله:
«كيف رأيت صنع الله بأخيك، قالت: ما رأيت إلّا جميلًا».
فإنه حاول أن يجعل قراءة قضاء الله وقدره كفعل إلهي دال على قصد الله تعالى بالنكاية والنكال لسيد الشهداء (علیه السلام) وهذه قراءة مزيفة لمدلول فعل الله بما هو بمثابة كلام إلهي دال على مقاصد إلهية.
فأجابته (علیها السلام) بأن مدلول قضاء الله وقدره، جمال مديح لموقف سيد الشهداء، ودللّت على ذلك بما قالت (علیها السلام): «وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلَج، ثكلتك أمك يا بن مرجانة». فأشارت بأنَّ قضاء الله وقدره في كربلاء إنما يُحسن قراءته، والصواب في قراءته هو بضميمة قضاء الله وقدره في العاقبة، فلا يصح بتر الأفعال الإلهية عن بعضها البعض لأنها بمثابة كلام يفسّر بعضه بعضاً، وعلى أية حال، فهذا دليل على أن الفعل الإلهي، حقيقته كلام وتكلّم منه تعالى مع البشر والمخلوقات، ولكنه إنما يحصّل قراءته من يلمّ بمجموع الأفعال الإلهية، ليكون متوفراً على مجموع الكلام والكلمات الإلهية.
ونظير ذلك ما قاله عبيدالله بن زياد لعنه الله للإمام السجاد (علیه السلام)، «ألم
يقتل الله علياً»، فأجابه (علیه السلام): «كان لي أخ يدعى علياً قتله الناس...».
فحاول ابن زياد زيفاً أن يُسند فعل الناس إلى الباري(عزوّجل)، ويجعله فعلًا له، كي يقرأ منه أن المقصد الإلهي السخط على نهضة سيد الشهداء؛ فكذبّه الإمام زين العابدين (علیه السلام)، بأن هذا الفعل هو فعل الناس وليس فعل الله، فهذا وأمثاله نمط لقراءة الفعل بمثابة كلام دال على غايات ومقاصد وهذا منبع ومصدر لقراءة الوقائع والأحداث(1).
للمعية اقسام كثيرة وقد بينها في كتابنا شرح زيارة عاشوراء ومنها المعيّه المعنويّه: وهي التوافق الروحي بين شخصين أو شيئين، بحيث تتشابه الأفعال والسيرة، وحتّي النوايا أحياناً. والمطلوب للزائر هي هذه المعيّه الروحية.
وروي أن يونس عليه السلام قال لجبرئيل (علیه السلام) دلني على أعبد أهل الأرض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره وسمعه، وهو يقول: متعتني بها ما شئت، وسلبتني ما شئت، وأبقيت لي فيك الامل يا بر يا وصول.
وروي أن عيسى (علیه السلام) مر برجل أعمى أبرص مقعد، مضروب الجنبين بالفالج، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: " الحمد لله الذي
1) الشعائر الحسينية، ج 3، ص: 375.
عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه " فقال له عيسى عليه السلام: يا هذا وأي شئ من البلاء أراه مصروفا عنك؟ فقال: يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال له: صدقت، هات يدك، فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه.
وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليه السلام ابن يحبه حبا شديدا، فمات فحزن عليه حزنا شديدا، فبعث الله عز وجل إليه ملكين في هيئة البشر فقال ما أنتما؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمجلس الخصوم، فقال أحدهما إني زرعت زرعا فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول هذا؟ قال أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإني مررت فنظرت يمينا وشمالا فإذا الزرع، فركبت قارعة الطريق، وكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان ما حملك على أن تزرع في الطريق؟ أما علمت أن الطريق سبيل الناس، ولابد للناس من أن يسلكوا سبيلهم.
فقال له: أحد الملكين أو ما علمت يا سليمان أن الموت سبيل الناس، ولابد للناس أن يسلكوا سبيلهم؟ قال: فكأنما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك(1).
يقول العارف الواصل المرحوم الحاج ميرزا محمد إسماعيل دولابي (قدّس سرّه):
إذا لم يتوافق الإنسان مع الله، فمع مَنْ سوف يتوافق؟ ومع مَنْ تكون الأمور حسنة؟ إن التوافق مع الله توفيق وطبعاً التوافق هو نفسه
1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 79 - الصفحة 154.
التوفيق. سئل أحدهم: أليس لدينا توافق مع الله؟ قال: لا!! إذا لديك مورد واحد اِئْتِ به، وإذا كان لديك مورد واحد فهو قليل. محمد وآل محمد ’ بصورة حسنة وجميلة توافقوا مع الله وأرونا ذلك أيضاً. ألم ترَ ماذا قالت السيدة زينب (علیه السلام) لابن زياد؟ قالت (علیها السلام):
(ما رَأيتُ إِلاّ جَميلاً).
قيل لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين؟
قالت السيدة زينب (علیه السلام): (ما رَأيتُ إِلاّ جَميلاً) بأيّ قدر كلامها جميل وطاهر! كيف كانت متوافقة مع الله وبأي قدر جميل، وفي أي مكان أيضاً، وفي مقابل أي شخص وفي أي محل؟
(ما رأيتُ إِلاّ خيراً الحمدُ للهِ الذي خَتَم لِأَوَّلِنا بالسَّعادَةِ والمَغْفِرةِ ولآخِرِنا بالشَّهادَةِ والرَّحمةِ).
في موقف مولاتنا السيدة زينب (علیها السلام)وردها على ابن زياد: "مارأيتُ إلا جميلا.." ولم تقل ما رأيت في كربلاء إلا جميلا! بل صرّحت بإطلاق رؤية الجميل! أي أنها منذ أن رأت لم ترَ من الله إلا جميلا!! في كربلاء وقبلها وبعدها، وفي هذا غاية الرضا بقضاء الله، وغاية الشكر له، والنظر إلى عواقب الأمور دون الغرق في تفاصيل الراهن.
لاحظ، كأنّها سلام الله عليها تريد أن تقول: إنّ كربلاء لها وجهان: وجه مظلم تجسّدت فيه المأساة بكلّ معانيها، مع ما يصحبها من الألم
واللوعة والدمعة، والوجه الآخر جميل، فيه التضحية والفداء والوفاء والإيثار والتفاني والمواساة، وكلّ المعاني الخيرة، وكأنّها تقول: أنا أرى جمال المنظر، فإن كنت تريد أن تكسرني بهذه الكلمات فأنا غير منكسرة، أنا ابنة علي عليه السلام ذلك الجبل الأشم، وأُخت الحسين عليه السلام ذلك البطل المقدام.
إنَ الناس بالنسبة إلى القضاء والقدر، ينقسمون إلى قسمين: المتبرم، والصابر..
القسم الأول: المتبرم.. ليسَ هُنالكَ من يستثنى منَ البلاء، ولو عاشَ الإنسان عيشة الفراعنة والقياصرة والأكاسرة؛ فإنّهُ سيأتيه الموت!.. مثلاً: لو بقيَ الإنسان في نشاط الشباب إلى سن المائة -وهذا الفرض فرض باطل لا معنى لهُ- فإن أقل بلاءٍ لهُ أنّهُ سيغادر هذا النعيم!.. والمتبرمونَ صنفان:
أولاً: متبرمٌ صريح: إن بعض الناس عندما ينزل عليهِ البلاء؛ فإنه يكفر باللسان؛ وهذا قسم قليل.. أو يجزع عند المصيبة؛ فهذا لا ينال أجراً في الآخرة، ولا مقاماً في الدنيا!..
ثانياً: متبرمٌ غير صريح: إن هناك كثيراً منَ المسلمين لا يصرحونَ بما في قلوبهم، ولكنهم في سويداء القلب، يتمنون غير ما وقع.. كأن يقول الإنسان في نفسه: يا رب، لمَ قبضتَ ولدي؟.. أو لمَ أخذتَ مالي؟..
فبمجرد هذا التمني هو أصبح متبرماً منَ اللهِ عزَ وجل.. المؤمن لا يقول: "لو" فعن النبي ’ أنه قال: (...وَإِنْأَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا.. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله، وَمَا شَاءَ فَعَلَ!.. فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).. فإذن، هذا قسم متبرمٌ ومعترض على قضاء اللهِ وقدره، ولكنه لا يصرح؛ استحياءً واحتراماً لمقام الربوبية.
القسم الثاني: الصابر.. إن الصابر غير متبرم، ولا يتجرأ أن يتمنى - ولو في قلبه - غير ما وقع.. هذا أيضاً قسمٌ جيد، لا هو في الأعلى، ولا هو في الحضيض، يصبر على ما أصابهُ.. وعامة المؤمنين في أحسن التقادير من هذا القسم الصابر!.. ولكنّ الصابرين أيضاً صنفان:
أولاً: الراضي: مثلاً: الإنسان الذي في المستشفى، يصبر على حقن الإبر، وعلى العمليات، وعلى غيرهِ.. ولكن ليسَ معنى ذلك: أنه راضٍ بما يجري، فهو يصبر؛ ولكنه غير راضٍ عما يحدث له.. أما مقامُ الرضا بقضاء اللهِ -عزّ وجل- وقدره، فهو أن يرى العبد كل ما يجري عليه جميلاً جداً.. كما قالت السيدة زينب -عليها السلام- عندما شمت بها ابن زياد قائلاً لها: "كيفَ رأَيت صنعَ اللهِ بأَخيكِ وأَهل بيتكِ"؟!.. فقالتْ: (مَا رَأَيْتُ إلاَّ جَمِيلاً)!.. هذا هو مقام الرضا بقضاء اللهِ وقدره.
ثانياً: المسلّم: وهذا الذي كانَ فيهِ الإمام زين العابدين -عليهِ السلام- والسيدة زينب الكبرى -عليها السلام.. فالصابر يرى لنفسهِ وجوداً، والمستسلم يرى لنفسهِ وجوداً، ولهذا قد يُعجب فيقول: أنا الذي استسلمت، أنا الذي صبرت.. ولكن المُسَلم لا يرى لنفسهِ
وجوداً، يرى يد اللهِ -عز وجل - تقلبهُ يميناً وشمالاً.. فالإمام الحسين -عليه السلام- يوم عاشوراء، كان يقول وهو يجود بنفسه: (هَوّنَ ما نزلَ بي؛ أنّهُ بعين اللهِ عزَ وجل)!.. كان مُستسلماً للقتل، وزينب -عليها السلام- أيضاً كانت مستسلمة للسبي؛ لأنَ الله -عز وجل- شاءَ أن يراهُ قتيلاً، وشاءَ أن يراهنَ سبايا.. هذا هو مقامُ التسليم!.. والذي يصل لهذهِ الدرجة منَ التسليم؛ فإنه لا يرى إلا الجميل في هذا الوجود.
أولاً: الارتياح.. إن المؤمن إذا وصلَ إلى مرحلة التسليم، يعيش أحلى لحظات الوجود؛ لأنّهُ بينَ يدي اللهِ عز وجل.. فالألم الذي يجري في بدنهِ، يراه محبوباً عند اللهِ -عزَ وجل؛ فيحب هذا الألم؛ لأنَ اللهَ يحب ذلك.. وإذا وقعَ في الفقر، أو المرض، أو في الإفلاس - غير الاختياري؛ لأن الإنسان تارة لا يتقن التدبير.. مثلاً: إنسان غير اقتصادي، لا يراعي قواعد المهنة؛ فهو بسوء تصرفه وقع في الإفلاس؛ فهذا غير معلوم أنه يؤجر على فعله -؛ هذا الإنسان يعيش أعلى درجات الارتياح النفسي!...
ثانياً: الشجاعة.. إن الرضا بقضاء الله -عز وجل- والتسليم لأمره، يجعل الإنسان شجاعاً مقداماً.. ومن الأمثلة على ذلك، موقف الإمام زين العابدين -عليه السلام، وعمته السيدة زينب -عليها السلام- من يزيد بعد واقعة عاشوراء:
(كيف رأيتِ صنع الله بأخيكِ الحسين) فقالت: «ما رأيت إلاّ جميلا»، فإنّ قتل الحسين وإخوته وأولاده وأصحابه عندما ينسب إلى الله تعالى فهو جميل، وعندما ينسب إلى يزيد فهو قبيح، فالكون في حركة كمالية والله تعالى يفيض فيضه على الخلق كلّه سواء كان كافراً أو مؤمناً، فإنّه تعالى يعطي الجميع ومثله تعالى عن ذلك: (مثل الفلّاح الذي يسقي الشجر ومراده الثمر، ولكن يشربكلّ ما في الأرض حتّى الحشائش الغير مقصودة بالذات)، فالكون بمثابة بستان الله تعالى ومراده من هذا
البستان أشجار معدودة، ولكنّ الرحمة الإلهيّة تنال الجميع.
فالشجرة المحمّدية والدوحة العلوية هي التي تستحقّ الفيض الإلهي ومن يسير عل نهجهم، وباقي الناس كالحشيش يطئه المارّة بأقدامهم (عليّ الدرّ والذهب المصفّى وباقي الناس كلّهم تراب)، فالذي يستظلّ بهذه الشجرة هو الذي فكّر وعرف الحقّ، وصار تفكيره في ساعة خير من عبادة سبعين عاماً، فبالتفكّر تفتح الآفاق الجديدة، وبالتأمّل تذهب الغفلة، وبالتعقّل يذكر الإنسان ربّه.
نجد في كلام الائمة المعصومين (علیهم السلام) وكلام العقيلة (علیها السلام) تصريح واضح الى حقيقة مهمة في مباني الدين وهي ان السيدة زينب (علیها السلام) من صميم اهل البيت (علیهم السلام) وهذه الحقيقة واضحة جدا وقد تخفى بعض لوازم هذه الحقيقة ونحن هنا نريد ان نذكر الشواهد على ذلك من خلال كلام السيدة العقيلة زينب (علیها السلام).
قالت السيدة زينب (علیها السلام)اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان.
ذكرنا في ما تقدم في هذه المقولة منية السيدة زينب (علیها السلام)وتكلمنا في ما هي دلالة قولها (منّا) وبعبارة اخرى الحسين عليه السلام هو القربان كيف نسبته زينب عليها السلام لنفسها التضحية الحقيقيّة والألم الحقيقي لم يتحمّله غيره ولم يشعر به غيره، فما تفسير كلامها (سلام الله عليها)؟
وذكرنا مراتب الانتساب وان له مراتب والسيدة في اعلى مراتب الانتساب لأهل البيت (علیهم السلام).
قالت السيدة زينب (علیها السلام)"فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ
جهدك، فوَ اللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها"(1).
السيّدة زينب (علیها السلام)كانت تعلم عندما خاطبت يزيد بأنّ ذكرهم سيبقى خالدًا، وأنّ يزيد الظالم سيكون هو ومن والاه في مجاهلالنسيان، فتخليد ذكر الحسين وأهل بيته (علیهم السلام) هو تدبير إلهيّ ورحمة من الله عزّ وجلّ بأن يبقى ذكر شهادة الحسين ومظلوميّة الحسين وعطش الحسين (علیه السلام) محفورة في تاريخ البشريّة تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل وعلى مرّ العصور والدهور. وفي هذا الصدد، أيضًا، يقول الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): إنّ لقتل الحسين (علیه السلام) حرارة لن تبرد أبدًا.
فلهذا تسطر العقيلة (علیها السلام) ملحمة معرفية وغيبية وسياسية وبيانا لأهداف بني امية من قتل سيد الشهداء (علیه السلام) وهو محو ذكر اهل البيت (علیهم السلام) ومحو القران والعترة والسيدة زينب (علیها السلام) اخبرت يزيد لعين الله والملائكة ان ذكرهم ووحيهم خالد وحي.
والشاهد فيما نحن فيه نسبت السيدة زينب (علیها السلام)ذكر اهل البيت (علیهم السلام) لها (علیها السلام) وهذا الخطاب كان بمحظر امامين الامام السجاد والباقر (علیهم السلام) وهذا كاشف عن ان زينب (علیها السلام) هي من خاصة اهل البيت (علیهم السلام).
بعض اثار ذكر اهل البيت (علیهم السلام)
عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول: شيعتنا
1) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 - الصفحة 135.
الرحماء بينهم، الذين إذا خلوا ذكروا الله، إنا إذا ذكرنا ذكر الله، وإذا ذكر عدونا ذكر الشيطان(1).
وفي الخصال:
انَّ ذِكْرَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ شِفَاءٌ مِنَ الْعِلَلِ والأَسْقَامِ ووَسْوَاسِ الرَّيبِ(2).
وهنا مولاتنا العقيلة (علیها السلام)نسبت نفسها لآية التطهير وما اعظمها من نسبة.
ينبغي التدبر في كلّ كلمة من كلمات هذه الآية الشريفة مورد البحث لاستجلاء المراد الحقيقي منها:1- كلمة «إنّما» تستعمل للحصر في اللغة العربية ويتّضح من هذه الكلمة أن المضمون الوارد في هذه الآية الشريفة لا يتعلق بجميع المسلمين وإلّا لا معنى لاستخدام هذه الكلمة.
«الرجس» الذي تحدّثت عنه هذه الآية لم يرفع من الجميع بل أراد الله رفعه من بعض الأفراد بخصوصهم، مضافاً إلى أن «الرجس» يراد به رجس خاصّ، وقد أراد الله إزالته عن أفراد معينين وتطهيرهم منه.
و بما أن التقوى العادية تستوعب جميع المسلمين والواجب على جميع المسلمين تطهير أنفسهم من الرذائل والذنوب، فإنّ المراد من هذه الآية
وما يختصّ بهؤلاء الأفراد المعينين يجب أن يكون أعلى ممّا يراد من الأشخاص العاديين في تقواهم وحركتهم في خط الطاعة والإيمان.
2- «يُرِيدُ الله»
فما هو المراد من إرادة الله؟ هل هي الإرادة التشريعية أو الإرادة التكوينية؟
الجواب: للإجابة على هذا السؤال يلزمنا بعض التوضيح حول مفهوم الإرادة التكوينية والتشريعية:
الإرادة التشريعية: هي الإرادة التي تعني أوامر الله تعالى ودستوراته من الواجبات والمحرمات الواردة في الشريعة المقدّسة، والآية 185 من سورة البقرة هي أحد الآيات التي وردت فيها الإرادة الإلهية بمعناها التشريعي حيث ذكر الله تعالى في هذه الآية الشريفة بعد بيان وجوب صوم شهر رمضان المبارك واستثناء هذا الحكم بالنسبة إلى المسافر والمريض يقول:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1).
فالمقصود من الإرادة الإلهية هنا هي الإرادة التشريعية، أي أن أحكام الله تعالى في شهر رمضان سهلة ويسيرة للإنسان المؤمن بل إن جميع أحكام الإسلام هي كذلك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
1) سورة البقرة: الآية 185.
«بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ»(1).
«الإرادة التكوينية» هي الإرادة التي تستخدم في مقام الخلقوالتكوين فقد أراد الله تعالى خلق العالم وخلق سائر الكائنات والمخلوقات.
و كمثال على هذه الإرادة الإلهية ما ورد في الآية 82 من سورة يس حيث يقول تبارك وتعالى في هذه الآية:
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (2).
فالمقصود من هذه الإرادة في الآية الشريفة هي الإرادة التكوينية، وفي الحقيقة أن قدرة الله تعالى على هذا الكون وسلطته على الكائنات إلى درجة من الشدّة والاستحكام بحيث إنه إذا أراد أن يخلق مثل هذا العالم الذي نعيش فيه فيكفي أن يصدر أمره بذلك، وطبقاً للأقوال العلماء أن الشمس أكبر من الأرض بمليون ومائتين ألف مرّة ويحتوي على مائة ميليارد نجم في المنظومة الشمسية في مجرتنا لوحدها وحجم كلُّ واحد منهما بحجم الشمس بالمقدار المتوسط، فلو أراد الله أن يخلق مثل هذا العالم لكفى أن يأمر ويقول: كن فيكون «الْعَظَمَةُ للَّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ».
3- المراد من «الرِّجس»
الرجس بمعنى القبيح، فتارةً يطلق على الامور المادية القبيحة، واخرى على الامور المعنوية القبيحة، وثالثة قد يطلق ويستعمل على كلا
الأمرين كما ذكر ذلك الراغب في مفرداته. ولكلِّ مورد من هذه الموارد الثلاثة في استعمال كلمة «الرجس» هناك شاهد من القرآن الكريم:
ألف- الرجس المعنوي: وهو ما ورد في الآية 125 من سورة التوبة.
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (1).
فإنّ عبارة «في قلوبهم مرض» تطلق غالباً على المنافقين ومن كانوا يعيشون المرض القلبي حقيقةً في نفاقهم، وإلّا فإنّ الإنسان السليم إمّا أن يقبل الأوامر الإلهية ويكون مسلماً أو يردّها ويكون كافراً، ولكن أن يقبلها في الظاهر وفي عالم العمل والممارسة ولكنه لا يعتقد بها في قلبه، فهذا هو النفاق وهو نوع من المرض القلبي.و على أيّة حال فإنّ كلمة «الرجس» في هذه الآية الشريفة وردت بمعنى القبح المعنوي فإنّ النفاق نوع من القبح المعنوي لا القبح المادي الظاهري.
ب- الرجس الظاهري والمادي: وهو ما ورد في الآية 145 من سورة الأنعام:
قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (2).
و من الواضح أن الرجس استخدم في هذه الآية الشريفة بمعنى القبح المادي والظاهري.
ج- الرجس المعنوي والمادي: ونقرأ في الآية 90 من سورة المائدة أن «الرجس» استخدم بكلا المعنيين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1).
و هنا نجد أن «الرجس» في هذه الآية الشريفة استخدم في كلا المعنيين المادي والمعنوي لأن الخمر له حكم النجاسة المادية، ولكن القمار والأزلام ليست كذلك بل هي من الرجس المعنوي.
و النتيجة هي أن كلمة «الرجس» في الآيات الشريفة لها معنى عام وتشمل جميع القبائح الظاهرية والمعنوية والأخلاقية والعقائدية والجسمية والروحية، وعليه فإنّ الله تعالى في آية التطهير وبإرادته التكوينية قد طهّر أهل البيت عليهم السلام من جميع أنواع الرجس بمعناه الواسع. والدليل على أن الرجس استخدم في هذه الآية الشريفة في جميع أنواع الرجس المادي والمعنوي هو إطلاق هذه الكلمة، أي أن هذه الكلمة لم ترد بالآية الشريفة مقيّدة بقيد أو مشروطة بشرط بل وردت بصورة مطلقة وبدون قيد أو شرط، فلذلك تستوعب في مضمونها جميع أنواع الرجس.
1) سورة المائدة: الآية 90.
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1)هذه الجملة في الواقع تأكيد وتفسير للجملة السابقة (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)(2)فطبقاً لهذه الآية فإن «أهل البيت» طاهرون من الرجس وكلُّ عمل قبيح بالإرادة الإلهية التكوينية،فهم يتمتعون بمقام العصمة المطلقة.
من هم أهل البيت (علیهم السلام)؟
يستفاد من الآية الشريفة محل البحث أن «أهل البيت» يتمتعون بخصوصية تميّزهم عن سائر المسلمين وهي مقام الطهارة والعصمة المطلقة.
أن المراد من «أهل البيت» في هذه الآية هم أشخاص معينون من أهل البيت، أي الإمام عليّ وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) وعلى رأسهم النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم).
والأدلة كثيرة جدا في كتب التفسير والكلام ولسنا بصدد ذكرها هنا فلها محلها والروايات كثيرة في ذلك حيث يقول العلّامة الطباطبائي في «الميزان» بأن عدد هذه الروايات يبلغ أكثر من سبعين رواية(3)، والملفت للنظر أن أكثر هذه الروايات مذكورة في مصادر أهل السنّة المعتبرة ومنها:
1- صحيح مسلم(4)الذي هو من أهم الكتب الحديثية المعتبرة لديهم.
2- صحيح الترمذي(1)وهو أحد الصحاح الستة لدى أهل السنّة.
3- المستدرك على الصحيحين(2).
4- السنن الكبرى للبيهقي(3)هذا الكتاب رغم أنه يحوي غالباً الروايات الفقهية إلّا أنه يتضمن روايات غير فقهية.
5- الدرّ المنثور للسيوطي(4).
6- شواهد التنزيل(5)للحاكم الحسكاني النيشابوري.
7- مسند أحمد(6).
و على هذا الأساس فإن الروايات التي تفسر «أهل البيت» بالخمسة من آل الكساء هي من جهة أكثر عدداً، ومن جهة اخرى مذكورة في الكتب المعتبرة جداً لدى أهل السنّة.
الفخر الرازي يتحدّث عن هذه الروايات ومقدارها وميزان اعتبارها ويعترف بهذه الحقيقة ويقول في ذيل تفسير آية المباهلة «الآية 61 من آل عمران»:
و اعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث(1).
وعليه ان السيدة زينب (علیها السلام)حينما تنسب نفسها الى مرتبة اهل البيت (علیهم السلام) في هذه الآية المباركة بحظور الامامين السجاد والباقر (علیهم السلام) فهي تريد ان هذه الحقيقة العظيمة وهي ان ما ثبت لهم (علیهم السلام) ثبت لها (علیها السلام) الى ما خرج بدليل.
وقد يستبعد البعض ذلك ولكن يهون الخطب من يطالع المنظومة العقائدي المروية عن اهل البيت (علیهم السلام) في احاديثهم وزيارتهم وادعيتهم ولنأخذ مثال على ذلك ففي زيارة علي الأكبر (علیه السلام) في اوّل رجب والنّصف منه ومن شعبان:
السلام عليك أيها الصديق الطيب الطاهر والزكي الحبيب المقرب، وابن ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله، السلام عليك من شهيد محتسب، ورحمة الله وبركاته، ما أكرم مقامك، وأشرف منقلبك، أشهد لقد شكر الله سعيك، وأجزل ثوابك، وألحقك بالذروة العالية حيث الشرف كل الشرف، في الغرف السامية في الجنة فوق الغرف، كما من عليك من قبل، وجعلك من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "، والله ما ضرك القوم بما نالوا منك ومن أبيك الطاهر صلوات الله عليكما، ولا ثلموا منزلتكما من - البيت المقدس..(2).
والشاهد وجعلك من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فتجد تصريح بان علي الأكبر (علیه السلام) من اهل البيت (علیه السلام) المطهرون تطهيرا.فاذا كان علي الأكبر من اهل البيت (علیهم السلام) فمن باب أولى ان السيدة زينب (علیها السلام) في عمق اهل البيت (علیهم السلام).
(اللهم خُذْ بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، وأحلل غضبك على مَن سفك دماءنا، ونقض ذمارنا)(1).
أقول وانت هنا طبق ما ورد في احاديثهم عنهم (علیهم السلام) ما ورد في هذا النص الوارد عنها (علیها السلام)فانه ملئ بالمعارف.
ذكرت انها داخلة في حق اهل البيت (علیهم السلام) وهو من اعظم الحقوق الذي لا يقاس به حق.
وذكرت (علیها السلام) ان ظلمها هو بعينه ظلم اهل البيت (علیهم السلام) وكما يعلم ان ظلم اهل البيت (علیهم السلام) هو ظلم الله عزوجل ففي الحديث
عن ابي الحسن الماضي (علیه السلام) في قوله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(2)إن الله أعز وأمنع من أن يظلم، وأن ينسب نفسه إلى ظلم، ولكن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته(3).
وقد ذكر الشيخ المجلسي قدس سره بابا كاملا في انهم المظلومون والحديث واسع جدا في ذلك.
واما كلمتها (علیها السلام)سفك دماءنا كذلك هي كنز معرفي للمتأمل اوكلها للقارئ الكريم بحثا وتأملا.
وللإجابة نقول ان كثير من المسائل المهمة الدينية لم يصرح بها في القران من قبيل عدم تحديد أصول الدين وعددها وكذلك فروع الدين وعدده وكذلك الصلاة التي هي عمود الدين ولم يذكر من هي الوسطى وعدد الركعات ولا تفاصيل مسائلها وذكر السجود (98) بمشتقاته ولم يذكر على ماذا يسجد والسجود اعلى مراتب التقرب وكذلك ان بعث الله عزوجل 124000نبيا ولم يذكر القران الا عشرين ونيفا منهم فقط بينما ذكر البعوضة والذباب والكلب والحمار والهدهد والفيل والنمل.
وكذلك تجد في القران الكريم ذكر النبي موسى 136مرة بينما النبي الأعظم ذكر 4 مرات فهل هذا يدل على افضلية النبي موسى (علیهم السلام) السلام على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وترى ان ليلة القدر لم تحدد في القران وكذلك الاسم الأعظم وساعة الاستجابة وغيرها وكذلك تجد اسم ابيها المرتضى وامّها الصديقة الطاهرة واخويها أفضل منها ولم تذكر اسمائهم (علیهم السلام) وغيرها من الموارد التي يطول ذكرها.
ان ذکر شخص في القرآن لیس موجباً لشرافته؛ بدلیل ذکر فرعون وهامان وامرأتی نوح ولوط فیه. کما أنّ عدم ذکر شخص فی القرآن لیس موجباً لمنقصته؛ فالأئمة الاثناعشر لیسوا مذکورین فیه.
و لو قلت إنهم مذکورون بمعنی أنّ کلّ آیة ورد فیها مدح للمؤمنین والصالحین والخاشعین مثلا فهی نازلة فی حقّهم (علیهم السلام) لأنّهم أوّل المؤمنین ورأس الصالحین وأخشع الخاشعین؛ فنقول إنّ السیدة زینب (سلام الله علیها) أیضاً مذکورة فی القرآن بعین هذا المعنیفی المؤمنات والعابدات والقانتات فإنها من أوّلهنّ وأفضلهن.
قال الله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ (1).
وقال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (2).
وقال تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (3).
والقصص القرآنیة إنما هی مذکورة فی القرآن لاشتمالها علی عبرة
وموعظة وهدایة ومثل ذلک. ولهذا نری أکثر القصص المذکورة في القرآن قد وقعت في الأیّام الخالیة والعصور السابقة، وبعضها القلیل واقع فی زمان نزول القرآن مثل ما نزل فی غزوة بدر واُحد وکآیة الإفک وآیات سورة التحریم فی أزواج النبیّ (صلی الله علیه و آله و سلم) مثلاً.
و لا وجه لذکر القصص التی ستقع فی المستقبل فإنها لم تقع بعد حتی تکون فیها موعظة أو عبرة. والسیدة زینب (علیها السلام)لم تکن مولودة في سنوات نزول القرآن إلاّ في أواخرها وکانت طفلة ولم تکن لها قصة أو حکایة صالحة للذکر فی القرآن بعد.
بل لم تکن السیدة معروفة بین مخاطبی القرآن إلی أن عُرفت بسبب القضایا الواقعة بعد العاشوراء سنة 60 أو 61 بعد هجرة النبی (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ فلماذا وبأیّ مناسبة تذکر فی القرآن؟
ومن الغايات في عدم ذكر الأسماء لأهل البيت (علیه السلام) والسيدة زينب (علیها السلام) التمحيص والغربلة وفيه يشتد التكليف ويعظم الامتحان وتغربل الامة.
وهاك تطبيق من القران الكريم
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (1).
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(2).
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(1).
وهنا نقول هل يوجد اعظم من صبر السيدة زينب (علیها السلام) ولا يوجد مناقش في مسالة صبرها ومن هنا نستطيع ان نقول بضرس قاطع ان الله مع زينب وان الله يحب زينب وان الرب يصلي على زينب وانها من المهتدين والهادين.
والتطبيق أوسع بكثير جدا اتركه لتدبر اهل الفهم يجدون المعارف العالية.
روى صاحب بصائر الدرجات، عن أبي الحجاج، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): «يا أبا الحجاج، إنّ الله خلق محمداً وآل محمد من طينة علِّيين، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك، وخلق شيعتنا من طينةٍ دون علِّيين، وخلق قلوبهم من طينة علِّيين، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد، وإنّ الله خلق عدو آل محمد من طين سجين، وخلق قلوبهم من طين أخبث من ذلك، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجين، وخلق قلوبهم من طين سجين، فقلوبهم من أبدان أولئك، وكلّ قلب يحنّ إلى بدنه».
1) سورة البقرة: الآيتان 156 و 157.
يقول الشيخ جعفر النقدي(1)
وقال عنه السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي في (شرح إحقاق الحقّ): العلّامة المفضال، فخر العلماء والأُدباء في عصره… شاعر آل الرسول ومادحهم، ومن مشايخنا في الرواية.
قد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (علیه السلام) (أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة) يريد ان مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاما لا بتخرج على استاذ، وأخذ عن مشيخة وان كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها او لمحض انتهائها اليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسيةفازيحت عنها بذلك الموانع المادية وفي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمة الدين (علیهم السلام) من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى، على ان هنا لك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم(2).
تسمية فاطمة (علیها السلام)
عن أبى جعفر (علیه السلام) قال: لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله عز وجل إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فسماها فاطمة. ثم قال: أنى فطمتك بالعلم(1).
والاحاديث كثيرة في تسمية فاطمة (علیها السلام) من قبل الله عزوجل.
اما السيدة زينب (علیها السلام)
لما ولدت زينب (علیها السلام) جاءت بها امها الزهراء (علیها السلام) الى أبيها أمير المؤمنين (علیه السلام) وقالت سم هذه المولودة فقال ما كنت لا سبق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) -و كان في سفر لهو لما جاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسأله علي (علیه السلام) عن اسمها فقال ما كنت لا سبق ربي تعالى، فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السّلام من الله الجليل وقال له سم هذه المولودة زينب فقد اختار الله لها هذا الاسم، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على اخويها الحسن والحسين.
1) علل الشرائع:179.
ليس من العجب ان تتفق الولادة لكلتا السيدتين الام والبنت (علیها السلام) الام في السنة الخامسة للبعثة والبنت في السنة الخامسة للهجرة.
فهذا الاتفاق يشير الى اسرار لها أهلها والعدد خمسة فيه إشارة للخامس من أصحاب الكساء (علیه السلام).
فالسيدتان عند ولادتهن لم يخرج ما يخرج من النساء عند الولادة.
فام الام خديجة (علیها السلام) وسيأتيك الحديث عنها في المقارنة بين السيدة خديجة والسيدة زينب (علیها السلام) فقد عبر عنها (وعاء الامامة).
واما ام البنت فهي معدن الطهارة وهي المطهرة للخلق بولايتها (انا قد طهرنا بولايتك) كما في زيارتها.
فالاثنتان دافعن عن الولاية بكل أنواع الدفاع ومن باب المثال اذكر روايتين.
قال الكرمانشاهي في المجالس في هجوم القوم على بيت فاطمة عليها السّلام: فلما علم عمر أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أمر عليا عليه السّلام بالصبر، طلب النصرة من أبي بكر. فهجم ثلاثمائة من المنافقين إلى باب
أمير المؤمنين عليه السّلام، وجعلوا الحبل في عنقها وجرّوها إلى المسجد. فلزمته فاطمة (علیها السلام) وقالت: يا بن الخطاب! لا أترك ابن عمي أن يذهبوا به بهذه الهيئة. فتجرّه فاطمة عليها السّلام من جانب ويجرّوا القوم من جانب آخر على خلافها؛ فالذين يجرّون أمير المؤمنين (علیه السلام) - وهم أربعون - يقعون كلهم في الأرض إذا هي تجرّه. فعلم إنهم لا يقدرون على ذلك، فأمر قنفذا وخالدا أن يضرب الزهراء (علیها السلام)بالسوط. فضربها جنبها وعضدها، فصاحت وغشي عليها وسقطت على الأرض. قال أمير المؤمنين (علیه السلام): يافضة! أدركي مولاتك، فإنها أسقطت محسنا سمّاه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
اما السيدة زينب
ولما سقط الإمام الحسين (علیه السلام) على الأرض خرجت السيدة زينب من باب الخيمة نحو الميدان، وهي تنادي: وا أخاه، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل.
ثم وجهت كلامها إلى عمر بن سعد، وقالت: يا بن سعد! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!
فلم يجبها عمر بشيء.
فنادت: ويحكم!! ما فيكم مسلم؟!
فلم يجبها أحد بشيء.
ثم انحدرت نحو المعركة وهي تركض مسرعةً، فتارةً تعثر بأذيالها،
1) المجالس للكرمانشاهي: ج 2 ص 529.
وتارةً تسقط على وجهها من عظم دهشتها حتى وصلت إلى وسط المعركة، فجعلت تنظر يميناً وشمالاً، فرأت أخاها الحسين عليهالسلام مطروحاً على وجه الأرض، وهو يخور في دمه، ويقبض يميناً وشمالاً، ويجمع رجلاً ويمد أخرى، والدماء تسيل من جراحاته، فجلست عنده وطرحت نفسها على جسده الشريف، وجعلت تقول:
ءأنت الحسين؟!
ءأنت أخي؟!
ءأنت ابن أمي؟!
ءأنت نور بصري؟!
ءأنت مهجة فؤادي؟!
ءأنت حمانا؟!
ءأنت رجانا؟!
ءأنت ابن محمد المصطفى؟!
ءأنت ابن علي المرتضى؟!
ءأنت ابن فاطمة الزهراء؟
كل هذا، والإمام الحسين لا يرد عليها جواباً، لأنه كان مشغولاً بنفسه، وقد استولى عليه الضعف الشديد بسبب نزف الدم وكثرة الجراحات.
فقالت: أخي! بحق جدي رسول الله إلا ما كلمتني، وبحق أبي: علي المرتضى إلا ما خاطبتني، وبحق أمي فاطمة الزهراء إلا ما جاوبتني.
يا ضياء عيني كلمني.
يا شقيق روحي جاوبني.
فعند ذلك جلست خلفه، وأدخلت يديها تحت كتفه وأجلسته حاضنةً له بصدرها.
فانتبه الإمام الحسين من كلامها، وقال لها - بصوت ضعيف -: « أخيه زينب! كسرتي قلبي، وزدتيني كرباً على كربي، فبالله عليك إلا ما سكنت وسكت».
فصاحت: « وايلاه! يا أخي وابن أمي، كيف أسكن وأسكت، وانت بهذه الحالة، تعالج سكرات الموت؟!
روحي لروحك الفداء! نفسي لنفسك الوقاء».
فبينما هي تخاطبه ويخاطبها، وإذا بالسوط يلتوي على كتفها، وقائل يقول: تنحي عنه، وإلا الحقتك به، فالتفت وإذا هو شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله).
فاعتنقت أخاها، وقالت: والله لا أتنحى عنه، وإن ذبحته فأذبحني قبله.
فجذبها عنه قهراً، وقال: والله إن تقدمت إليه لضربت عنقك بهذا السيف.
ثم جلس اللعين على صدر الإمام، فتقدمت السيدة زينب إليه، وجذبت السيف من يده.
وقالت: يا عدو الله! إرفق به لقد كسرت صدره، واثقلت ظهره،
فبالله عليك إلا ما أمهلته سويعةً لا تزود منه.
ويلك! أما علمت أن هذا الصدر تربى على صدر رسول الله وصدر فاطمة الزهراء؟!
ويحك! هذا الذي ناغاه جبرئيل، وهز مهده ميكائيل!!
... دعني أودعه، دعني أغمضه،... فلم يعبأ اللعين بكلامها، ولا رق قلبه عليها(1).
خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام المعروفة بالخطبة الفدكية
روى عبد الله بنُ الحسن عليه السلام بإسنادِه عن آبائه عليهم السلام أنَّه لَمّا أجْمَعَ أبو بكر عَلى مَنْعِ فاطمةَ عليها السلام فَدَكَ، وبَلَغَها ذلك، لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله صلى الله عليه وآله، حَتّى دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْر وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وغَيْرِهِمْ فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ القومُ لها بِالْبُكاءِ. فَارْتَجَّ الْمَجلِسُ. ثُمَّ أمْهَلَتْ هَنِيَّةً حَتَّى إذا سَكَنَ نَشيجُ القومِ، وهَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحَتِ الْكَلامَ بِحَمدِ اللهِ وَالثناءِ عليه والصلاةِ على رسولِ الله، فعادَ القومُ في بُكائِهِمْ، فَلَما أمْسَكُوا عادَتْ فِي كلامِها،
1) « تظلم الزهراء » للسيد رضي بن نبي القزويني، ص 232.
فَقَالَتْ عليها السلام:
الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإْدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها...(1).
لقد روى الشيخ الطبرسي في كتاب « الإحتجاج» خطبة السيدة زينب الكبرى (علیهم السلام)، ورواها - أيضاً - السيد ابن طاووس في كتاب «الملهوف».
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على جدي سيد المرسلين.
صدق الله سبحانه، كذلك يقول: « ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوئى أن كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون».
أظننت - يا يزيد - حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في إسار، نساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار، أن بنا من الله هواناً، وعليك منه كرامةً....الى اخر الخطبة(2).
الام ابوها (صلی الله علیه و آله و سلم) اشرف الخلق واعظم ما خلق الله عزوجل وسيد الأنبياء والمرسلين ولا يقاس به احد على الاطلاق.
البنت ابوها (علیه السلام) اشرف الخلق واعظم مما خلق الله بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بل هو نفسه (وانفسنا وانفسكم) وسيد الاوصياء والائمة والاولياء ولا يقاس به احد على الاطلاق.
تعظيما لها عند رؤيتها واستقبالها
روي عن عائشة، أنها قالت: «إن فاطمة - عليها السلام - كانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام لها من مجلسه وقبل رأسها وأجلسها مجلسه، وإذا جاء إليها لقيته وقبل كل واحد منهما صاحبه وجلسا معاً»(1).
عند رؤيتها ويقوم لاستقبالهما
يذكر الشيخ النقدي قدس سره وجاء في بعض الأخبار أنّ الحسين (علیه السلام)
1) اعلام الورى: ص 150. البحار: ج 43، ص 40.
كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها في مكانه».
«ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الأخبار من أنّها دخلت على الحسين (علیه السلام) وكان يقرأ القرآن، فوضع القرآن على الأرض وقام إجلالاً لها»(1).
ولا يخفى على أحد ما أصاب السيدتين من مظلومية
فالزهراء شهادتها بسبب الظلم الذي تعرضت له وكذلك السيدة زينب (إن لم تمت بالسم حال أي صوت حق يُحاول الحكام إسكاته) استشهدت الزهراء روحي فداها بعد الاحداث ألاليمه التي احاطت بها بعد استشهاد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ومؤتمر السقيفه. وكذلك مولاتنا زينب فقد استشهدت بعد ما الم بها في واقعت ا لطف ألاليمه.
فالزهراء بعد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بفترة قليلة وزينب ع بعد الحسين (علیه السلام) بعد سنة بقليل.
1) نقلا عن وفيات الأئمّة: 436.
فقبر الزهراء (علیها السلام) غير معلوم وقبر زينب (علیها السلام) عليه اختلاف كبير.
فكما فجعت الزهراء بالاب الحنون وخاتم الانبياء ونكران حق زوجها في خلافة رسول الله. فجعت الحوراء بخامس اصحاب الكساء والاخوه والابناء.
كما امر عمر ابن الخطاب خادمه بتلويع الزهراء بالسوط. امر عمر ابن سعد بضرب الحوراء وباقي الهاشميات بالسياط.
فجعت الزهراء بجنينها المحسن فجعت الحوراء برضيع الحسين عندما ذبح من الوريد الى الوريد والسيدة زينب فقدت ولديها كما ستأتيك في مصائبها.
اضرموا النار في خدر الحوراء (علیها السلام) كما احرقوا الدار على الزهراء (علیها السلام).
وغيرها من التشابه تي يطول ذكرها.
قَالَ النَّبِيُّ الْأَعْظَمِ (صلی الله علیه و آله و سلم) : أُوصِيكُم بِهَا، فَهِيَ شَبِيهَةٌ خَدِيجَة الْكُبْرَى (علیها السلام)(1).
عَنْ الْمَنَاقِبِ: وَدَخَلَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى فَاطِمَةَ فَرَآهَا منزعجة فَقَالَ لَهَا:
مَا لَك؟ قَالَت: الحُمَيراء افْتَخَرَت عَلَى أُمِّي أَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ رَجُلًا قَبْلَك وَإِنَّ أُمِّي عَرَفْتُهَا مُسِنَّةٌ فَقَال (صلی الله علیه و آله و سلم):
أَن بَطْن أُمُّك كَان لِلْإِمَامَة وِعَاءٌ(2).
أَقُول: هَذَا إشَارَةٌ إلَى سِمْوٌ هَذَا الْوِعَاءُ وَطَهَارَتِه وَتَحَمَّلَه هَذِه الْأَنْوَار الْقُدْسِيَّة، وَلَيْسَ كُلُّ وِعَاءٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَمِّلَهَا.
وَبِعِبَارَة وَاضِحَةٌ هَذِه الْأَنْوَار تَحْتَاج أَيْضًا إلَى نُورِ كَقَوْلِهِتَعَالَى: ( ﯮ ﯯ ﯰ) (3)وَلَا يُمْكِنُ وَلَا يُعْقَلُ أَنَّ تَحِلَّ فِي الظُّلُمَاتِ كالحميراء وَأَمْثَالِهَا، وَهَذَا مِنْ عُمْدَةٍ الفَوَارِق الْمُهِمَّة بَيْن خَدِيجَة وَغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّر شَيْئًا أَعْظَمَ وأفخر مِنْ هَذَا؟ وَعَن الْعَوَالِم: أَنّ خَدِيجَةَ كَانَتْ تُصَلِّي يَوْمًا فَقَصَدْت أَنْ تَسْلَمَ فِي الثَّالِثَةِ فنادتها فَاطِمَة (علیها السلام) مِنْ بَطْنِهَا قَوْمِي يَا أُمَّاهُ فَإِنّك فِي الثَّالِثَةِ(4).
س: وَرَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَوْل لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله و سلم) سَأَل جَبْرَائِيل إذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ تَقْرَأَ عَلَى خَدِيجَةَ مِنْ الله وَمَنِيّ السلام… مَا الدَّلَالَات الْعَمِيقَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا هَذَا الْخَبَرِ عَنْ عَظْمُه مولاتنا خَدِيجَة؟ التَّوْقِيت لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالسَّلَامُ مِنْ الله وَمَنْ جَبْرَائِيل، وَأَدَّاه بِنَحْو الْحَاجَة؟ هَذِه النُّقْطَة الْأَخِيرَة ملفتة.
الْجَوَاب
ج: بِمَا أنّ (الْحَاجَة) تَعْنِي الِافْتِقَار، وَقَد أَضَافَهَا جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ جَبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَغْمَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَظْمِهِ الْمَقَام وَجَلَالَة - مُفْتَقِرٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِبْلاغ السَّلَام للسيدة خَدِيجَة (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وَفِي هَذَا احْتِمَالَانِ:
1- الْأَوَّل: افْتِقَارِه بِمَا هُوَ شَخْصٌ، وَهَذَا يَعْنِي أنّ السَّلَامَ عَلَيْهَا (علیها السلام) مِرْقَاة لِنَيْل الْمَرَاتِب الْجَلِيلَة وَالْمَقَامَات الْعَظِيمَة، الَّتِي هِيَ تجليات لِلثَّوَاب الْإِلَهِيّ.
2- الثَّانِي: افْتِقَارِه بِمَا هُوَ رَسُولُ، وَهَذَا يَعْنِي أنّ السَّلَامَ عَلَيْهَا (علیها السلام) مَطْلَبٌ دِينِي جَوْهَرِي، يَهْتَمّ الرُّسُل بتثبيته وَإِبْلاَغُه كَأَحَد عَنَاصِر الدِّين الْمُهِمَّة، وَبِمَا أنّ السَّلَامُ مِنْ الله تَعَالَى يَعْنِي تَنْزِيه المُسلَّم عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ، فَهَذَا يَعْنِي أنّ تَنْزِيهُ الله تَعَالَى للسيدة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا السَّلَامُ عَنْ النَّقْصِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمَطَالِب الدِّينِيَّةِ الَّتِي يَسْعَى رُسُلُ اللهتَعَالَى لتثبيتها، ويعتبرونها مِن حَاجَاتِهِم الْمُهِمَّة.
وَعَنْ عَائِشَةَ أيضاً قَالَتْ مَا غِرت عَلَى نِسَاءِ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أَدْرَكَهَا، (قالت): وَكَانَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلّم إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُول: أَرْسَلُوا بِهَا إلَى أصْدِقَاء خَدِيجَة قَالَت: « أَيْ عَائِشَة» فاغضبتُه يوماً فَقُلْت: خَدِيجَة!! فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « إِنِّي قَدْ رُزِقْت حبّها»(1).
في الحديث رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وَخَدِيجَة وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(2).
عِنْدَ أَبِي عَبْدالله (علیه السلام) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (3)فَقَالَ قَدْ سَأَلُوا الله عَظِيمًا أَنْ يَجْعَلُهُم لِلْمُتَّقِين أَئِمَّة! فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ هَذَا يَا بْنَ رَسُولِ الله؟ قَالَ إنَّمَا أُنْزِلَ الله (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا
الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبَانَ ابْن تَغْلِبَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدالله (علیه السلام) عَنْ قَوْلِ الله عزوجل (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) قَالَ نَحْنُ هُمُ أَهْلُ الْبَيْتِ وَرَوَى غَيْرُهُ إنْ " أَزْوَاجِنَا " خَدِيجَة " وذرياتنا " فَاطِمَة " وَقُرَّةَ أَعْيُنِ " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ " وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا "عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام)(1).
يا تَرَى هَلْ رَأَى الرَّسُولَ فِي وَجْهِ زَيْنَب الصَّغِيرَة مَلامِح وشمائل جَدَّتِهَا أُمِّ أَنَّهُ قَرَأَ دُور زَيْنَب الرسالي فِي وُقُوفِهَا إلَى جَانِبِ أَخِيهَا الْحُسَيْنُ فِي الزَّمَنِ الصَّعْب وَالْمُهِمَّة الشَّاقَّة فَرَآه مُطَابِقًا لِدُور جَدَّتِهَا خَدِيجَةَ فِي الْوُقُوفِ مَعَهُ , وَإِذَا كَانَتْ خَدِيجَةُ تمتلك تِلْك الموقعية الْمُمَيِّزَة فِي قَلْبِ رَسُولُ الله بِحَيْثُ يَقْدِرُ وَيُحْتَرَم أَقَارِبِهَا وأصدقاءها وَفَاء لَهَا فَكَيْفَ سَتَكُون موقعية زَيْنَبَ فِي نَفْسِهِ وَهِي حَفِيدُه السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ وَبِضْعَة بِضَعَتِه الزَّهْرَاءأَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ لِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم).. فَهِي الْكَهْف العاطفي وَالْحِضْن الدافيء الَّذِي آوَى النَّبِيِّ الْأَكْرَمِ (ص) بَعْدَ أَنْ ذَاق مَرَارَة الْيُتْم بِفَقْدِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجَدّ.
ويُمْكِن وَبَعْد التَّأَمُّل بَيَان أَهَمّ نِقاطٌ الشَّبَهِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْن وَمِنْهَا:
1) تفسير القمّي 2:117.
أنّ السيِّدة خَدِيجَة (علیها السلام) كَانَتْ أَفْضَلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَذَلِكَ مِمَّا يدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَقَامَهَا.
أَن السَّيِّدَة زَيْنَب (علیها السلام)كَانَتْ أَفْضَلَ نِسَاءِ بِجَنْبِ الْإِمَامِ الْحُسَيْنُ (علیه السلام).
إصطفاء الله تَعَالَى لَهَاحَيْثُ جَعَلَهَا مِنْ النِّسَاءِ الْمُخْتَارَات شاللهأَنْ يَرَاهَا سَبْيُه.
فَكِلَاهُمَا حملتا رُوحًا مَعْنَوِيًّا عَالِيَة وراقية مُتَّصِلَة بخالقها ومتعالية عَنْ الدُّنْيَا وما فيها.
حَيْث ذاقت السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ الْغُرْبَة بَعْدَ أَنْ قاطعنها نِسَاءِ قُرَيْشٍ عِنْدَمَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهَا وَاتِّبَاعَهَا لِدَيْن زَوْجِهَا رَسُولُ الله ص , وَكَذَلِك السَّيِّدَة زَيْنَب (علیها السلام) عانت الْغُرْبَة وَهِيَ تَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى آخِرِ أَسِيرَه بِيَد جَيْش ابْنُ زِيَادٍ لَعْنَةُ الله.
التَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ نُصْرَةَ الدِّينِ الْكَهْف الْمَنِيع الْمُوَاسَاة وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْجُهِ
1- التَّضْحِيَة: لَقَد ضحّت السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ سَلَامُ الله عَلَيْهَا جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ مِنْ أَجْلِ إعْلَاءَ كَلِمَةِ لَا إلَهَ إلَّا الله وَذَلِكَ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَكَذَلِك السَّيِّدَة زَيْنَب سَلَامُ الله عَلَيْهَا ضحت بِجَمِيعِ مَا تَمْلِكُ مِنْ أَجْلِ بَقَاء كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّة وَالْإِمَامَة، وَلَقَد زَادَتْ عَلَى جَدَّتِهَا بتضحية أبنائها وَتَحَمَّلَهَا لِلسَّبْي الْمُؤْلِم وَمَا جَرَى عَلَيْهَا فِي كَرْبَلاء وَمِنْ ثَمَّ فِي الْكُوفَةِ وَالشَّام.
لَقَد صَبَرْت السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ سَلَامُ الله عَلَيْهَا، وتحمّلت مشقّات الْحَيَاةُ وَمَا جَرَى عَلَيْهَا فِي شُعَبِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِحَيْثكَانَت سَيِّدِه قُرَيْش، وَلَا تَشْتَكِي ذَلِكَ لِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَكَذَلِك السَّيِّدَة زَيْنَب سَلَامُ الله عَلَيْهَا صَبَرْتُ عَلَى الْمَصَائِبِ الَّتِي واجهتها، وَلَم تَشْتَكِي لِإِمَام زَمَانِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَت تَحَامِي بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ وتصبر عَلَى الْأُمِّ الشَّتْم والسياط ؛ لِكَي تَحْفَظ عَائِلَة أَخِيهَا الْإِمَام الْحُسَيْنُ (علیه السلام).
قَال: الشَّيْخ المجلسي رَحِمَهُ الله عَلَيْهِ
وَلَمَّا أَنْزَلَ الله تَعَالَى: " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ " قَامَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى الصَّفَا وَنَادَى فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ، فرمقه النَّاس بِأَبْصَارِهِم، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْمَرْوَة ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي أُذُنِهِ ثُمَّ نَادَى ثَلَاثًا بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ الله، ثَلَاثًا فرمقه النَّاس بِأَبْصَارِهِم، وَرَمَاهُ أَبُو جَهْلٍ قَبَّحَهُ الله بِحَجَر فَشَجّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَتَبِعَه الْمُشْرِكُون بِالْحِجَارَة فَهَرَب حَتَّى أَتَى الْجَبَل فَاسْتَنَدَ إلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: المتكأ وَجَاء الْمُشْرِكُونَ فِي طَلَبِهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) وقَال: يَا عَلِيُّ قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِ خَدِيجَة - رَضِيَ الله عَنْهَا - فَدَقَّ الْبَابَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: مِنْ هَذَا؟ قَال: أَنَا عَلِيُّ قَالَتْ: يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ مُحَمَّدُ؟ قَال: لَا أَدْرِي إلَّا أَنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ رَمَوْه بِالْحِجَارَة، وَمَا أَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، فأعطيني شَيْئًا فِيهِ مَاءٌ وخذي مَعَك شَيْئًا مِنْ هيس(1).
وَانْطَلِقِي بِنَا نَلْتَمِس رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَأَنَا نَجْدَة جَائِعًا عَطْشَانًا، فَمَضَى حَتَّى جَازَ الْجَبَل وَخَدِيجَة مَعَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا خَدِيجَةُ استبطني(2).
الْوَادِي حَتّى اسْتَظْهَرَه، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا محمداه، يَا رَسُولَ الله، نَفْسِي لَك الْفِدَاءَ فِي أَيِّ وَادٍ أَنْت مُلْقًى؟ وَجُعِلَت خَدِيجَة: تُنَادِي مِن أَحَسّ لِي النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى؟ مِن أَحَسّ لِي الرَّبِيع الْمُرْتَضَى؟ مِن أَحَسّ لِي
الْمَطْرُود فِي الله؟ مِن أَحَسّ لِي أَبَا الْقَاسِمِ؟ وَهَبَط عَلَيْه جَبْرَئِيل (علیه السلام) فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) بَكَى وَقَالَ: مَا تَرَى مَا صَنَعَ بِي قَوْمِي؟ كذبوني وطردوني وَخَرَجُوا عَلِيّ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ نَاوِلْنِي يَدَك فَأَخَذ يَدِه فَأَقْعَدَه عَلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ جَنَاحِه درنوكا مِن درانيك الْجَنَّة مَنْسُوجًا بِالدُّرّ وَالْيَاقُوت وَبَسَطَه حَتَّى جَلَلٌ بِه جِبَالِ تِهَامَةَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ الله (صلى الله عَلَيْهِ وآله) حَتَّى أَقْعَدَه عَلَيْه، ثُمَّ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيل: يَا مُحَمَّدُ أَتُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ كَرَامَتِك عَلَى الله؟ قَالَ نَعَمْ، قَال: فَادْع إلَيْك تِلْكَ الشَّجَرَةِ تُجِبْك، فَدَعَاهَا فَأَقْبَلْتُ حَتَّى خَرَّت بَيْنَ يَدَيْهِ سَاجِدَة، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ مُرْهَا تَرْجِع فَأَمَرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَانِهَا، وَهَبَط عُلَيَّةَ إِسْمَاعِيلُ حَارِسٌ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله، قَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ اطيعك، أفتأمرني أَن أنثر عَلَيْهِم النُّجُوم فَأُحَرِّقَهُم، وَأَقْبَل مِلْك الشَّمْسِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله، أتأمرني إنْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ فأجمعها عَلَى رُؤوسِهِمْ فتحرقهم، وَأَقْبَل مِلْكُ الْأَرْضِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله: إنَّ الله عزوجل قَدْ أَمَرَنِي أَنْ اطيعك، أفتأمرني أَنْ آمُرَ الْأَرْض فتجعلهم فِي بَطْنِهَا كَمَا هُمْ عَلَى ظَهْرِهَا؟ وَأَقْبَل مَلَكُ الْجِبَالِ فَقَال: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله أَنْ الله قَدْ أَمَرَنِي أَنْ اطعيك، أفتأمرني أَنْ آمُرَ الْجِبَال فَتَنْقَلِب عَلَيْهِم فتحطمهم؟ وَأَقْبَل مِلْك الْبِحَار فَقَال: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله، قَدْ أَمَرَنِي رَبِّى أَن اطيعك، أفتأمرني أَنْ آمُرَ الْبِحَار فتغرقهم؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِي؟ قَالُوا: نَعَم، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَنَادَى: أَنِّي لَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا، إِنَّمَا بَعَثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، دَعُونِي وَقَوْمِي
فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَنَظَر جَبْرَئِيل (علیه السلام) إِلَى خَدِيجَةَ تَجُولُ فِي الْوَادِي فَقَال: يَا رَسُولَ الله إلَّا تَرَى إلَى خَدِيجَةَ قَدْ أَبْكَت لبكائها مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ؟ ادْعُهَا إلَيْك فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهَا: إنَّ الله يُقْرِئُك السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا أَنَّ لَهَا فِي الْجَنَّةِ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ لانصب فِيهِ وَلَا صَخَب(1).
وزينب الكبرى (علیها السلام) حينما وقع الحسين (علیها السلام) على الأرض وهو يجود بنفسه جالت في وادي كربلاء ولكن لم يكن هناك خبز ولا ماء، فوضعت يديها على رأسها ونادت بأعلى صوتها فكسر دوي صوتها حاجز المكان والزمان وهي تقول: أما فيكم مسلم!! ولما وقع بصرها على عمر بن سعد صرخت في وجهه وقالت: أيقتلالحسين وأنت تنظر إليه!!
هناک وجوه عديدة للشبه الزينبي والفاطمي سلام الله عليهما، نشير إلى بعضها:
فكل ما دل على أحدهما بالمطابقة يدلّ على الاخطر بالالتزام، فكلاهما: بنت الإمام، أخت الإمام، عمّه الإمام، كما ورد في زيارة
1) بحار الأنوار جزء 18 ص 241.
السيدة المعصومة 3: السلام عليک يا بنت ولي الله، السلام عليک يا اخت ولي الله، السلام عليک يا عمّة وليّ الله...
كلاهما من بين النبوة والإمامة والتي تجمعهما الولاية العظمى، فكلاهما بنت ولي الله، أُخت وليّ الله، عمّة ولي الله.
إشتهرتا بفنائهما في مودة وحبّ أخويهما، فزينب الكبرى اشتهرت بالامام الحسين (علیه السلام) وفاطمة المعصومة بالامام الرضا (علیه السلام) وهذا من الفناء في الولاية العظمى، والتي تجمع بين التوحيد والنبوة والإمامة.
فكل منهما جاهدت طاغوت زمانهما من الامويين والعباسيين
فكلاهما بحمد الله عالمة غير معلّمة وفاهمة غير مفهّمة.
أمير المؤمنين يعلّم بينته زينب تفسير القرآن الكريم، وتفسير الحروف المقطعة في سورة مريم، والإمام الكاظم (علیه السلام) يقول: في علم بنتها أنها حكمت بحكم الله.
زينب الكبرى هاجرت من المدينة المنورة إلى كربلاء المعلّى، وفاطمة الصغرى هاجرت من المدينة المنورة إلى قم المقدسة.
اشتراكهما في الألقاب وكونهما معصومتان وعالمتان الى غير ذلك من الألقاب.
قبرهما مزار العشاق والمؤمنين والمؤمنات زينب في الشام أو في مصر والمعصومة بقم.
ظهور الكرامات في حياتهما وبعد مماتهما وعند ضريحهما كما هو مذكور في الكتب المفصلة.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي
عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(1).
يقول العلامة صاحب الميزان قدس سره
و قوله:( إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) لخص سبحانه جميع ما كانت تبتغيه في حياتها وترومه في مسير عبوديتها في مسألة سألت ربها وذلك أن الإيمان إذا كمل تواطأ الظاهر والباطن وتوافق القلب واللسان فلا يقول الإنسان إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول فيكون ما يرجوه أو يتمناه أو يسأله بلسانه هو الذي يريده كذلك بعمله.
و إذ حكى الله فيما يمثل به حالها ويشير إلى منزلتها الخاصة في العبودية دعاء دعت به دل ذلك على أنه عنوان جامع لعبوديتها وعلى ذلك كانت تسير مدى حياتها، والذي تتضمنه مسألتها أن يبني الله لها عنده بيتا في الجنة وينجيها من فرعون وعمله وينجيها من القوم الظالمين فقد اختارت جوار ربه والقرب منه على أن تكون أنيسة فرعون وعشيقته وهي ملكة مصر وآثرت بيتا يبنيه لها ربها على بيت فرعون الذي فيه مما تشتهيه الأنفس وتتمناه القلوب ما تقف دونه الآمال فقد كانت عزفت نفسها ما هي فيه من زينة الحياة الدنيا وهي لها خاضعة وتعلقت بما عند ربه من الكرامة والزلفى فآمنت بالغيب واستقامت على إيمانها حتى قضت.
1) سورة التحريم: الآية 11.
عُرّفت زوجة فرعون في القرآن الكريم بوصفها نموذج الإيمان للرجال والنساء على مرّ الزمان وإلى آخر الدنيا، ثم لكم أن تقارنوا بين زوجة فرعون التي آمنت بموسى وانشدّت إلى تلك الهداية التي جاء بها موسى حينما كانت تحت ضغوط التعذيب الفرعونيّ والذي توفيّت بسببه حسب ما تنقل التواريخ والروايات، التعذيب الجسمانيّ جعلها تصرخ: ( إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) طلبت من الله تعالى أن يبني لها بيتاً عنده في الجنّة.. والواقع أنّها طلبت الموت وأرادت أن تفارق الحياة(وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
أنقذني من فرعون وأعماله المضلّة. والحال أنّ السيّدة آسيا زوجة فرعون كانت مشكلتها وعذابها ألماً جسمانياً.
وبين السيّدة زينب التي فقدت عدّة إخوة وابنين من أبنائها وعدداً كبيراً من الأقارب وأبناء الإخوان ساروا أمام عينيها إلى مقاتلهم. هذه الآلام الروحيّة الّتي تحمّلتها زينب الكبرى لم تتعرّض لها السيّدة آسيا زوجة فرعون.
رأت السيّدة زينب بعينيها يوم عاشوراء كلّ أحبّتها يسيرون إلى المذبح ويُستشهدون: الحسين بن عليّ سيّد الشهداء (علیه السلام) والعبّاس وعليّ الأكبر والقاسم وأبناءها هي نفسها وباقي إخوانها رأتهم كلهم. وبعد استشهادهم شهدت كلّ هذه المحن: هجوم الأعداء وهتك الحرمات ومسؤولية رعاية الأطفال والنساء. فهل يمكن مقارنة عظمة وشدّة هذه المصائب بالمصائب الجسمانية؟ ولكن مقابل كلّ هذه المصائب لم تقل
السيّدة زينب لله تعالى: "ربّ نجّني"، بل قالت يوم عاشوراء: ربّنا تقبّل منّا.
رأت الجسد المبضّع لأخيها أمامها فتوجّهت بقلبها إلى خالق العالم وقالت: "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان". وحينما تُسأل كيف رأيتِ صنع الله؟ تقول: "ما رأيت إلّا جميلاً".
كلّ هذه المصائب جميلة في عين زينب الكبرى لأنّها من الله وفي سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته. لاحظوا هذا المقام المتقدّم وهذا العشق للحقّ والحقيقة كم هو الفارق بينه وبين ذلك المقام الذي يذكره القرآن الكريم للسيّدة آسيا. هذا دليل على عظمة مقام السيّدة زينب. هكذا هو العمل في سبيل الله. لذلك بقي اسم زينب وعملها إلى اليوم نموذجاً خالداً في العالم. بقاء دين الإسلام وبقاء سبيل الله وبقاء السير في هذا السبيل من قبل عباد الله يعتمد كله على العمل الذي قام به الحسين بن عليّ عليه السلام وما قامت به السيّدة زينب الكبرى عليها السلام. أي إنّ ذلك الصبر العظيم وذلك الصمود وتحمّل كلّ تلك المصائب والمشكلات أدّى إلى أنّكم ترون اليوم القيم الدينية هي القيم السائدة في العالم. كافّة هذه القيم الإنسانيّة الّتي نجدها في المدارس المختلفة والمتطابقة مع الضمير البشريّ هي قيم نابعة من الدين. هذه هي خصوصيّة العمل لله.
و قد كان العمل للثورة من هذا السنخ. لذلك خلّدت الثورة واستمرّت وأحرزت ثباتاً واقتداراً معنوياً حقيقياً. كانت هذه الثورةثورة لله. يوم انطلقت هذه الثورة وبدأت هذه النهضة لم تكن على غرار
نهضات الأحزاب أو كأيّ حركة سياسية تقوم بها الأحزاب في العالم وتهدف إلى تولّي السلطة. كانت حركة مظلومة ترنو إلى تطبيق الأحكام الإلهية وتحقيق مجتمع إسلاميّ وتكريس العدالة في المجتمع. الذين جاهدوا من أجل انتصار الثورة والذين صمدوا من أجل هذه الثورة وجاهدوا لكي يتحقّق لها هذا الثبات والاستقرار والاستمرار كانت نواياهم مخلصة.
الشجاعة العُليا التي يتمتع بها أهل البيت (علیهم السلام) في مجموعة من الردود التي صدرت عنهم في أقوالهم، منها على لسان السيدة زينب عليها السلام: "وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر.. "، ".. ما رأيت إلا جميلا.. "، وفي قول السيدة أم كلثوم: "... يا ابن زياد أعد لجده جواباً فإنه خصمك غداً... ".
كان لدى النبي موسى (علیه السلام) لقاء لمدة أربعين يوماً مع حضرة ربّ العالمين وقد بيَّنه الله المنّان في سورة الأعراف:
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (1).
1) سورة الأعراف: الآية 142.
وقد جعل أخاه هارون (علیه السلام) كخليفته في الأربعين ليلة هذه وقال له: أنت لديك عدِّة تكاليف:
1_ أصلح المجتمع في غيابي.
2_ لا تتبع المجرمين والعصاة.
والنبي هارون (علیه السلام) بحسب ما استطاع عمل بوظيفته. بصورة دقيقة هذا ما حدث في كربلاء: أسرع الإمام الحسين (علیه السلام) للقاء حضرة ربّ العالمين لكنه أعطى مواصلة السير إلى السيدة زينب (علیها السلام) من كربلاء إلى الكوفة وبعد ذلك إلى الشام ومرة أخرى إلى كربلاء والمدينة، وقال: أنتِ خليفتي، ولا بدّ أن تبدئي الإصلاحات وأن لا تتبعي مسير ابن زياد والزياديين ويزيد واليزيديين أبداً. لا بدّ أن ننظر كيف أنّ السيدة زينب (علیها السلام) تحَّملت هذه الوظيفة الثقيلة والمهمة وهي مواصلة إمامة الإمام الحسين (علیه السلام)، وكيف أدت هذه الوظيفة الثقيلة بأعلى مستوى. السيدة زينب (علیها السلام) شريكة الإمام الحسين (علیه السلام).
عندما يصل آية الله العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) إلى هذا الأمر في كتابه الرجالي لحالات السيدة زينب (علیها السلام)، يقول هكذا:
(وِإِنَّها شَريكَةُ أَخيها الْحُسَيْنِ (علیه السلام)).
السيدة زينب (علیها السلام) كانت شريكة في نتائج وعظمة كربلاء مع أبي عبدالله الحسين (علیه السلام)، ولذلك عندما قال ابن عباس للإمام الحسين (علیه السلام): "فَما مَعْنى حَمْلِكَ هؤُلاءِ النَّساءِ؟ لا تأخذ معك السيدة زينب (علیها السلام) وبقية النساء"، يقول الإمام الحسين (علیه السلام):
(إِنَّ اللهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَراهُنَّ سَبايا).
لماذا؟ لأن السيدة زينب (علیها السلام) توصل أخبار ورسالة كربلاء.
كما إن النبي هارون (علیه السلام) شريك النبي موسى (علیه السلام) في الرسالة والخلافة كذلك السيدة زينب الكبرى (علیها السلام) شريكة الإمام أبي عبدالله الحسين (علیه السلام) في الرسالة، ونفَّذت كل فلسفات القيام والأهداف العالية للإمام الحسين (علیه السلام) بصورة دقيقة.
السيدة زينب الكبرى (علیه السلام) شريكة الحسين (علیه السلام) حيث رفعت الجهالة من أذهان الناس، من مقتل الإمام الحسين (علیه السلام) في كربلاء وفي الكوفة وبعد ذلك في الشام وبعد ذلك في كربلاء والمدينة. من الممكن أن مجموعة تظن أو ستظن في المستقبل أن كربلاء كانت حرباً بين طائفتين ومجموعتين من المسلمين، ومجموعة غَلبت وأخرى غُلِبت بحسب الظاهر.
لا بدّ أن السيدة زينب الكبرى (علیها السلام) ترفع هذه الجهالة عن أذهان الناس. ماذا رأى الأعداء السيدة زينب (علیها السلام) تفعل؟ وهي عند مقتل الإمام الحسين (علیه السلام) سمعوها تقول: (اللهمَّ تَقَبَّلْ قَليلَ الْقُربانِ). رأوا أنّ هذه السيدة (علیها السلام) وهي في أوج وعمق المصائب والبلاء مشغولة مع الله. ينسى الناس كل شيء عند الصعاب لكن السيدة زينب الكبرى (علیها السلام) لها مناجاة؛ يعني أن السيدة زينب (علیها السلام) عارفة بالله. وواضح ومعلوم أن حركتهم لله وليسوا خارجيين؛ لأنهمٍ كانوا يقولون في الشام: مجموعة قامت وخرجت على خليفة ووصي رسول الله ’وقتلوا في كربلاء هذا درس توحيد السيدة زينب الكبرى (علیها السلام).
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا «65» قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا «66» قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا«67» وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا«68»(1).
الرواية:
عن ابى الحسن الرضا (علیه السلام) يسألونه عن ذلك فكتب في الجواب: اتى موسى العالم فأصابه وهو في جزيرة من جزائر البحر إما جالسا وإما متكئا فسلم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس فيها سلام قال: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران، قال: أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما؟ قال: نعم، قال: فما حاجتك؟ قال: جئت ان تعلمن مما علمت رشدا قال: إني وكلت بأمر لا تطيقه ووكلت أنت بأمر لا أطيقه، ثم حدثه العالم بما يصيب آل محمد من البلاء وكيد الاعداء حتى اشتد بكماؤهما ثم حدثه العالم عن فضل آل محمد حتى جعل موسى يقول يا ليتني كنت من آل محمد، وحتى ذكر فلانا وفلانا وفلانا ومبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قومه وما يلقى منهم ومن تكذيبهم إياه وذكر له من تأويل هذه الآية وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ (2)
حين أخذ الميثاق عليهم فقال له موسى (هَلْ أَتَّبِعُكَ
عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (1)فقال الخضر: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا«67» وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(2)فقال موسى (علیه السلام):(سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) (3)قال الخضر:( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)(4)يقول لا تسألني عن شئ أفعله ولا تنكره علي حتى أنا اخبرك بخبره قال: نعم، فمروا ثلاثتهم حتى انتهوا إلى ساحل البحر وقدشحنت سفينة وهي تريد ان تعبر فقال لارباب السفينة: تحملوا هؤلاء الثلاثة نفر فانهم قوم صالحون، فحملوهم فلما جنحت السفينة في البحر قام الخضر إلى جوانب السفينة فكسرها وأحشاها بالخرق والطين، فغضب موسى غضبا شديدا وقال للخضر: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)(5)فقال له الخضر (علیه السلام): (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)(6)قال موسى: ( لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (7)فخرجوا من السفينة فمروا فنظر الخضر إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنه قطعة قمر في اذنيه درتان، فتأمله الخضر ثم اخذه فقتله، فوثب موسى
على الخضر وجلد به الارض فقال: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا )(1)فقال الخضر: ( أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا )(2)قال موسى: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) (76) فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ(3)بالعشي تسمى الناصرة واليها ينتسب النصارى ولم يضيفوا أحدا قط ولم يطعموا غريبا فاستطعموهم فلم يطعموهم ولم يضيفوهم فنظر الخضر (علیه السلام) إلى حائط قد زال لينهدم فوضع الخضر يده عليه وقال: قم باذن الله فقام فقال موسى لن ينبغ لك ان تقيم الجدار حتى يطعمونا ويأوونا وهو قوله ( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)(4)فقال له الخضر: ( هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (78)( أَمَّا السَّفِينَةُ )(5)التي فعلت بها ما فعلت فانها كانت لقوم ( لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ )(6)اي وراء السفينة ( مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ)(7)صالحة ( غَصْبًا) (8)كذا نزلت وإذا كانت السفينة معيوبةلم يأخذ منها شيئا (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ
أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)(1)وطبع كافرا، كذا نزلت، فنظرت إلى جبينه وعليه مكتوب طبع كافرا ( فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا )(2)فأبدل الله لوالديه بنتا وولدت سبعين نبيا، واما الجدار الذي اقمته ( فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) - إلى قوله - ( ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)(3)(4).
والسيدة زينب (علیها السلام) عالمة غير معلمة وفهمه وغير مفهمة فلم تقل لها هل اتبعك على ان تعلمني بل قالت يابن اتريد ان تفرق بيني وبين الحسين (علیه السلام) وقد شاهدت اسرار الولاية ورات قتلا وللكبار والصغار وسبيا وعطش وغربة ومصائب ومصائب حتى قيل ما تفرق على جميع الأنبياء اجتمع على السيدة زينب (علیها السلام) ولم تعترض ولو بحرف واحد على أي فعل من أفعال الامام الحسين (علیه السلام) وكانت صابرة بل اصبر الصابرين وقالت كلمتها (ما رأيت الا جميلا) ولم يقل لها الامام الحسين (علیه السلام) انك لن تستطيعي معي صبرا بل حملها مسؤوليات أخرى الكفالة وايصال الرسالة.
ورد في الخبر، أنَّ موسى(علیه السلام) عندما سُئِلَ عن أصعب ما لاقى مِن مُشكلات في طول حياته، أجاب قائلا: لقد واجهت الكثير مِن المشاكل والصعوبات (إِشارة إِلى ما لاقاه(علیه السلام) مِن فرعون، وما عاناه مِن بني إِسرائيل) ولكن لم يكن أيّاً مِنها أصعب وأكثر ألماً على قلبي مِن قرار الخضر في فراقي إِيَّاه(1).
اما زينب (علیها السلام) فلم يفارقها الامام الحسين (علیه السلام) وانما ودعها وهو اصعب الأمور على قلب السيدة (علیها السلام).
يقول السيد القزويني قدس سره
يعتبر التوديع نوعاً من التزود من الرؤية، فالمسافر يتزود من رؤية من سيفارقهم وهم يتزودون من رؤيته، والوداع يخفف ألم البعد والفراق، لأن النفس تكون قد استوفت قسطاً من رؤية الغائب، وتوطنت على المفارقة ومضاعفاتها.
ولهذا جاء الإمام الحسين (علیه السلام) ليودع عقائل النبوة، ومخدرات الرسالة، وودائع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليودع النساء والأخوات والبنات وأطفاله الأعزاء، وليخفف عنهم صدمة مصيبة الفراق.
1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 9 - الصفحة 326.
قد تحدث في هذا العالم حوادث وقضايا يمكن شرحها ووصفها، وقد تحدث أمور يعجز القلم واللسان عن شرحها ووصفها، بل لا يمكن تصورها.
إنني أعتقد أن تلك الدقائق واللحظات - من ساعات لتوديع - كانت تجاوزت حدود الوصف والبيان.
فالأحزان قد بلغت منتهاها، والقلق والاضطراب قد بلغ أشده، والعواطف قد هاجت هيجان البحار المتلاطمة، والدموع متواصلة تتهاطل كالمطر، وأصوات البكاء لا تنقطع، والقلوب ملتهبة، بل مشتعلة، والهموم والغموم متراكمة مثل تراكم الغيوم.
فبعد أن قتل جميع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وبنو هاشم، ولم يبق من الرجال أحد، عزم الإمام على لقاء الله تعالى، وعلى ملاقاة الأعداء بنفسه المقدسة، فأقبل إلى المخيم للوداع، ونادى: «يا سكينة ويا فاطمة، يا زينب ويا أم كلثوم: عليكن مني السلام، فهذا آخر الإجتماع، وقد قرب منكن الإفتجاع!
فعلت أصواتهن بالبكاء، وصحن: الوداع.. الوداع، الفراق.. الفراق(1).
وهناك مقارنة بين مشهد النبي إبراهيم (علیه السلام) ومشهد زينب (علیها السلام)، وهو
1) زينب الكبرى عليها السلام من المهد الى اللحد ص 219.
أنَّ النبي إبراهيم (علیه السلام) عندما جاءته الملائكة جبرائيل وميكائيل ومن معهم لإنزال العذاب بقوم لوط (عليه السلام) اعترضهم أو جادلهم (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ )(1)وقوله تعالى: ( قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا )(2)مع أنَّ القرآن الكريم مدح النبي إبراهيم (علیه السلام): ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)(3)وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)(4).
وأما قول زينب (علیها السلام) فهو دليل على رضاها لمشيئة الله تعالى، وإيمانها بالقضاء والقدر، وتوكلها على الله عز وجل، وأن الذي حصل ما كان إلا خيرا، وما كان إلا جميلا وذلك لأنه لم يكن الا حفظاً لأصل الإسلام وذهبت مخططات بني أمية - التي رامت محو الاسلام - ادراج الرياح.
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(5).
روى محمد بن داود القمى بالاسناد عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سار محمد بن الحنفية الى الحسين في الليلة التى أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال يا أخي إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه. فقال. يا أخى قد خفت أن يغتالنى يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذى يستباح به حرمة هذا البيت فقال له: ابن الحنفية فإن خفت ذلك فصر إلىاليمن أو بعض نواحى البر فإنك أمنع الناس به ولا يقدر عليك أحد فقال: أنظر فيما قلت. فلما كان السحر إرتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التى ركبها. فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال بلى, قال: فما حداك على الخروج عاجلا فقال: أتانى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ما فارقتك, فقال: يا حسين أخرج فإن الله قد شاء ان يراك قتيلا, فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنا إليه راجعون.. فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال له: قد قال لي أي الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إن الله قد شاء أن يراهن سبايا وسلم عليه ومضى(1).
ولما وقع القتل والسبي قالت العقيلة (علیها السلام) (اللهم تقبل منا هذا القربان) و(ما رأيت الاجميلا).
1) اللهوف في قتلى الطفوف - قال السيد ابن طاووس الحسني ص 39.
فلو نلاحظ الفرق بين العقيلة (عليه السلام) وبين الملائكة، فضجيج العقيلة (علیها السلام) على أهل الشرور والأشرار، ومن الواضح أنَّ حدث عاشوراء ليسَ حدثاً سهلًا بلْ اهتزَّ منه العرش، ولا يخفى أنَّ نظام الخلقة لله، وهو نظام قائم على العدل وعلى الموازين والقواعد، والملائكة من أهل العدل والاستقامة، فما أنْ يرون سفك دماء فإنَّهم يضجّون إلى الله ويتبرمون (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)(1)لأن طبيعتهم الطهارة ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)(2)، فبيئتهم تلألؤ قدس وتقديس وتسبيح وهذا لا يتلائم مع الظلمة وسفك الدماء، ولذا ضجّوا وتبرموا بشدّة؛ لأنَّه يصيبهم زلزال وهي شي ء طبيعي وهذا مقتضى طهارتهم، ولو لم يكن منهم هذا الشي ء وإلّا فيهم نقص، ولكن هناك كمال فوق كمال الملائكة وأكثر كمالًا منهم وهو ماتذكره الآية الكريمة ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)(3).
فيا أيُّها الملائکه المقدسين کل فعل الله هو تمام الجمال وليسَ فيه شائبه
وکدوره وتبرم. بينما الملائکه تشتکي إلي الله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفک الدماء من يسفک دم الحسين.
فقد وَرَدَ في روايات مستفيضه أنَّ هناک مجاميع ضخمه وکبيره من الملائکه خاطبت الساحه الإلهيه أيقتل فرخ رسول الله (صلي الله عليه وآله)، فالحسين (عليه السلام) نور قدْسها وکعبه نورها فکيف تترکه، فضجيجهم وتبرمهم من شر الأشرار ولکن خطابهم مع الله تعالي. بينما نشاهد العقيله (عليها السلام) لا تري في فعل الله (متميزاً عن فعل الأشرار) إلّا جميلاً، فمع الساحه الإلهيه ومن جهه الفعل الإلهي لا تراه إلّا کرامه لذلک، وهذا ما قالته أمام الطاغيه يزيد: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء وأصبحنا نساق کما تساق الأُساري أنَّ بنا علي الله هواناً، وبک عليه کرامه؟».
ولو نُدقق في النظره المعرفيه يعني معرفه العقيله زينب (عليها السلام) بأفعال الساحه الإلهيه لم يخالجها ريبه وإستنکار وتعجب کما أبتليت به الملائکه في يوم عاشوراء، فرغم کل هذهِ الآلام والمصائب والمحن فکل فعل الله جميل عندها، فزينب صيحه معرفيه مدويه في الکون، ولا زال وجودها محرج حتّي للمشروع الغربي، فقبرها وزيارتها قلعه وصيحه مدويه ضد شرور الأشرار.
الحاج الذي يرتدي ثيابه من أجل زيارة أحد القديسين، ويغادر منزله ويسارع إلى الأرض الحبيبة، في الواقع، يبتعد عن كل شيء وكل شخص ويلجأ إلى حبيبه.
الزيارة تخلق رابطة قوية لا تنفصم بين الزائر والمزور
الزيارة غذاء الروح والنفس وتصحيح العقائد
زيارة السيدة المعصومة (علیها السلام)
منها ما روي في البحارعن ابن قولويه والشيخ الصدوق بالإسناد عن سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن زياره فاطمه بنت موسي بن جعفر عليهما السلام فقال: من زارها فله الجنه(1).
ومنها ما روي ابن قولويه بإسناده عن العمرکي، عمن ذکره، عن ابن الرضا (علیه السلام) قال: من زار قبر عمتي بقم فله الجنة(2).
احتراق المكتبات
لما اجتاح الخصوم مكتبة الشيخ الطوسي سنة 449 ه- احترق عمدًا ثمانون ألف مخطوطة.
إن زيارة مولاتينا المعظمتين الطاهرتين زينب الكبرى ورقية الصغرى بنت إمامنا المعظم سيد الشهداء (علیهم السلام) تعادل ثواب زيارة مولانا المعظم سيد الشهداء (علیه السلام) في بعض مراتبها، ولا يبعد ان يكون الثواب بمقدار زيارة مولانا سيد الشهداء (علیه السلام)، وذلك لأن بعض النصوص جعلت زيارة قبر الشاه عبد العظيم بن عبد الله الحسنيفي الري تماماً كزيارة الإمام سيّد الشهداء (علیه السلام)، ففي خبر كامل الزيارات بإسناده الى محمد بن يحيى العطار عن بعض اهل الري قال: دخلت على أبي الحسن العسكري (علیه السلام) فقال: أين كنت؟ فقلت: زرت الحسين بن علي (علیهم السلام)، فقال: اما أنك لو زرت قبر عبد العظيم لكنت كمن زار الحسين (علیه السلام)".
وحيث لا يقاس عبد العظيم الحسني بالإمام الحسين ولا بأخته الحوراء ولا بابنته رقية (علیهم السلام)فلا بد أن نحمل ثوابَ زيارته له على الثواب الأدنى والأقل من زيارة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، وكذلك لا بد أن نحمل زيارته على مقدار زيارتهما على نفس مقدار زيارة سيّد الشهداء (علیه السلام) وذلك لأمرين:
الامر الأول: باعتبارهما من أبرز مصاديق أولاد أصحاب الكساء الذين يشاركون الإمام الحسين عليه السلام بمقدار الثواب الجزيل الخاص بالإمام سيّد الشهداء (علیه السلام).
الامر الثاني: باعتبارهما - اي مولاتنا الحوراء ورقية عليهما السلام- صديقتين معصومتين.
ولا يقاس فضل المعصوم بغير المعصوم؛ بل لا يقاس اولاد اصحاب الكساء بالأحفاد.. والله تعالى هو العالم.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده ولا يُقاس بأهل البيت أحدٌ مِن الناس...فمن زار العقيلة وبنت اخيها في الشام لا غرابة في أن يكون ثوابه كثواب زيارة عميدهم وسيّدهم ومَن كان يهواهما ويفدي روحه تجاههما.
البكاء على السيدة زينب (علیها السلام)
يروى أن بعد ولادة السيدة زينب (علیها السلام) جاء الإمام الحسين (علیه السلام) وكان عمره الشريف ثلاث سنوات إلى جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقال: يا جداه، الله تبارك وتعالى رزقني أختا، وما أن سمع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هذا الحديث من الحسين (علیه السلام) تألم كثيرا وأجهش بالبكاء.
فسأله الحسين (علیه السلام): لم تبكي يا جداه؟!
فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): يا نور عيني، عما قريب ستعرف سر هذا البكاء!!
إلى أن أتى جبريل (علیه السلام) يوما إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو يبكي فسأله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لم تبكي يا جبريل؟!
فقال جبريل (علیه السلام): ابنتك - زينب (علیها السلام) - ستبتلى في حياتها بمصائب كثيرة أولها مصيبة فراقك ثم مصيبة فراق والدتها الزهراء (علیها السلام) ثم مصيبة قتل أبيها أمير المؤمنين (علیه السلام) ثم مصيبة أخيها الإمام الحسن (علیه السلام) ثم أعظمها وأشدها مصائب كربلاء وفيها يحدودب ظهرها ويشيب رأسها!!
بكى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم وضع وجهه الكريم والغارق بالدموع على
وجه زينب (علیها السلام) وبكى بكاء عاليا.
سألته الزهراء (علیها السلام) عن سبب بكائه فشرح لها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعض المصائب التى سوف ترد على ابنتها زينب (علیها السلام)، فقالت الزهراء (علیه السلام): وما أجر من بكى على ابنتي زينب؟!
فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): أجره كأجر من بكى على مصائب ولداي الحسن والحسين(1).
أقول قد ذكرنا في كتابنا بحر الاعاجيب ما فيه من العجائب من ثواب الباكي على سيد الشهداء (علیه السلام) ما فيه الكفاية وهنا تبركا نذكر بعض الاحاديث.
فعن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «مَن ذُكِرَ الحسين عنده فخرج من عينه من الدمع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله، ولم يرضَ له بدون الجنة»(2)
وعن بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال للفضيل: «تجلسون وتتحدّثون»؟
قال: نعم، جعلت فداك.
قال: «إنّ تلك المجالس أُحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل من ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(1).
يقول العارف الواصل المرحوم الحاج ميرزا محمد إسماعيل دولابي (قدّس سرّه):
بكاء الثكلى بكاء من ليس لها دموع (التي انتهت دموعها). أحد الذين بكوا بكاء الثكلى السيدة زينب (علیها السلام) في يوم عاشوراء، والآخر هو الإمام أبو عبدالله الحسين (علیه السلام). نظر نظرة إلى أصحابه: (نَظَرَ إِلى يَمينِهِ وَشِمالِهِ). بكاء الثكلى هو البكاء الذي لا دموع له، فقط عويل ونحيب (وبَكى بُكاء الثَكلى). يوجد في يوم عاشوراء بكاء الإمام الحسين (علیه السلام) والآخر بكاء السيدة زينب (علیها السلام) فإن هذا البكاء مسح كل ذنوب الأمة، ذنوب الأولين والآخرين.لم يكن هناك دموع بل نحيب وعويل فقط. لم يكن يوجد دم حتى يبكي، لم يكن يوجد ماء حتى يبكي. البكاء النافع للبدن عندما يكون فيه دموع لكن بكاء الثكلى نفعه كان لأجل الأولين والآخرين.
من الممكن أنه يوجد شخص من بين الشيعة لديه هذا البكاء. عندما يصلون إلى الإضطرار (في مجالس الإمام الحسين (علیه السلام))، الكل في بكاء
1) بحار الأنوار 44: 282، حديث 14.
وضجيج، فجأة أحد هؤلاء الأشخاص يصرخ ويعول بصوت عالٍ ويُسْكِتُ كل البكائين في حال أنه مشغول بالعمل (يسكب الشاي). عشرة آلاف شخص يضجون بالبكاء. فجأة يرتفع هذا الصوت ويملأ المكان والكل سكت، هذا البكاء يسمى بكاء الثكلى. العرب يقولون: يوجد مكانان فيهما بكاء الثكلى: أحدهما هو لأجل الإمام الحسين (علیه السلام) والآخر لأجل السيدة زينب (علیها السلام).
بعض مصائبها (علیها السلام)
أقول للذي يريد ان يستوفي مصائب السيدة زينب (علیها السلام)بجملة واحدةما تفرق على الجميع من المصائب اجتمع على السيدة زينب (علیها السلام) فهذه الجملة هي التي استطاعت ان تستوفي ما جرى وما لاقته روحي لها الفداء.
إنّ من طبيعة كلّ أب - حسب المتعارف - أنّه إذا بشّروه بولادة مولود له، أن يبتهج بذلك ويمتلئ فرحا وسرورا، وغبطة ونشاطا، ولكنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) كان كلّما بشّر بمولود له حمله علمه - الّذي أخبره به رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم عن الله تبارك وتعالى - بما يجري على هذا المولود من بعده، على أن يأسف له ويتأثّر عليه، وأيّ أب أكثر محبّة لأولاده وأعطف وأحنى عليهم من أمير المؤمنين عليه السّلام معلّم العطف والحنان والمحبّة مع الأبناء؟
و قد جاء في بعض الكتب مأثورا: إنّه لمّا ولدت السّيّدة زينب (علیها السلام) وكان قد آن توجّه أمير المؤمنين (علیه السلام) نحو البيت، استقبله ولده الإمام
الحسين (علیه السلام) وقال يبشّر أباه بالمولود الجديد: أبه يا أبه! إنّ الله تبارك وتعالى قد وهب لي أختا، ثمّ نظر في وجه أبيه أمير المؤمنين (علیه السلام) ليرى أثر البشارة عليه، فإذا به يرى عيني أبيه قد أغرورقت بالدّموع، ثمّ أخذت حبّات الدّمع تتقاطر على خدّيه، تقاطر النّدى على صفحات الورد، تأثر الإمام الحسين (علیه السلام) بتأثّر أبيه، وجرت دموعه على خدّيه، وقال متنصّلا: فديتك نفسي يا أبه، لقد جئتكم بالبشارة فرددتم بشارتي بالبكاء؟ فما سبب بكائكم وعلى من تبكون يا أبه، لا أبكى الله عينيكم؟كفكف أمير المؤمنين (علیه السلام) دموعه بيديه الكريمتين، ثمّ أخذ ولده الإمام الحسين (علیه السلام)، وضمّه إلى صدره، وأخذ يمسح الدّمع عن عينيه وخدّيه ويقول له: نور عيني يا حسين، سأكشف لك بعد قليل سرّ هذا البكاء، وأعلمك بآثاره، ثمّ أخذ (علیه السلام) يقصّ عليه ما سيكون من قصّة كربلاء ووقعة الطّفوف في يوم عاشوراء: من قتل الرّجال وسبيّ النّساء، وفيهم هذه السّيّدة الوليدة زينب (علیها السلام).
[سلمان يبشّر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ]: ولقد جاء في الخبر: إنّ سلمان الفارسيّ لمّا اطّلع على ولادة هذه السّيّدة: عقيلة بني هاشم، أقبل إلى المسجد واتّجه إلى رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم وحيّاه بالسّلام، ثمّ بشّره بولادة العقيلة وهنّأه بها، فلمّا سمع رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم ذلك من سلمان بكى وقال له: يا سلمان! إنّ جبرئيل أخبرني عن الجليل بما يجري على هذه السّيّدة من بعدي من المصائب الجمّة الّتي لا تعدّ ولا تحصى، حتّى توافي كربلاء، وتلاقي هناك من البلايا ما تلاقيه.
ثمّ ذكر رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم لسلمان جانبا من أخبار كربلاء ويوم عاشوراء، وسبي هذه السّيّدة وأسرها.
[التّوفيق بين الخبرين]: ومن المعلوم: أنّه لا منافاة بين هذا الخبر، وبين ما مضى من الخبر القائل: بأنّ رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم لم يكن حين ولادة هذه السّيّدة في المدينة المنوّرة، وأنّه لمّا قدم (صلی الله علیه و آله و سلم) من سفره ابتدأ بزيارة ابنته فاطمة الزّهراء (علیها السلام)في بيتها واطّلع على ولادة هذه السّيّدة، وإنّما لا منافاة بينهما لاحتمال أنّ سلمان الفارسيّ لم يكن مسبوقا باطّلاع رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم عن هذه الولادة الجديدة، كما يحتمل أنّ قول الرّسول صلّى الله عليه واله وسلم لسلمان بأنّ جبرئيل أخبره عن الجليل بما يجري من المصائب الجمّة على هذه السّيّدة من بعده وما ستلاقيه في كربلاء من السّبيّ والأسر، إنّما هو نفس ما أخبر به ابنته فاطمة الزّهراء عليها السّلام عندما دخل عليها قادما من سفره فبشّرته بولادتها، والله العالم بحقيقة الحال.
لمّا ولدت زينب عليها السّلام جاءت بها أمّها الزّهراء عليها السّلام إلى أبيها أمير المؤمنين عليه السّلام وقالت:
سمّ هذه المولودة، فقال: ما كنت لأسبق رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم - وكان في سفر له - ولمّا جاء النّبيّ صلّى الله عليه واله وسلم وسأله عليّ عليه السّلام عن اسمها فقال: ما كنت لأسبقربّي تعالى، فهبط جبرئيل يقرأ على النّبيّ السّلام من الله الجليل وقال له: سمّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم، ثمّ أخبره بما يجري عليها
من المصائب، فبكى النّبيّ صلّى الله عليه واله وسلم وقال: من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين (علیهم السلام)(1).
نقل مؤلّف «طراز المذهب» فقال: في أواخر عمر النبي صلى الله عليه واله جاءته العقيلة زينب عليها السلام وقالت: يا جدّاه: رأيت في الرؤيا عاصفة شديدة جعلت الدنيا ظلماء ومن شدّة العاصفة لذت بشجرة كبيرة وفجأة إذا بالريح تقلع الغصن الذي كنت متمسّكة به فلذت بغصن آخر فاقتلع هو الآخر فلذت بالثالث ثمّ الرابع فاستيقظت من النوم فزعة مرعوبة.
فالتفت الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إليها ودموعه الشريفة تجري على محاسنه وقال: إنّ الشجرة الكبيرة أنا وعمّا قليل أُفارقكم، والغصن الأوّل هو أُمّك فاطمة عليها السلام، والغصن الثاني هو أبيك علي عليه السلام والغصنين الآخرين هما الحسنان عليهما السلام وبفقدهما تظلّم الدنيا(2).
أقول قد ذكرت في كتابي (فاطمة (علیها السلام) ماتت من الضرب)ما شاهدته
زينب من مصائب أمها (علیها السلام) راجع هناك فان فيه مصائب قليلة ما تذكر على في الكتب وعلى السنة الخطباء وهنا اذكر فقط من باب الإشارة.سمّيت أمّ المصائب، وأصبحت هذه الكنية علما خاصّا بها.
فقد شاهدت وفاة جدّها رسول الله، وتأثيرها على المسلمين بعامّة وعلى أمّها وأبيها وأهل بيتها بخاصّة [... ]
شاهدت زينب وفاة جدّها الرّسول، وما تركه من آثار، وشاهدت محنة أمّها الزّهراء، وندبها لأبيها في بيت الأحزان، ودخول من دخل إلى خدرها، وانتهاك حرمتها، واغتصاب حقّها، ومنع إرثها، وكسر جنبها، وإسقاط جنينها، وسمعتها وهي تنادي فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، وكلّنا يعلم علاقة البنت بالأمّ، وتطلّعها إليها، وتأثّرها بها تلقائيّا وبدون شعور.
وشاهدت قتل أبيها أمير المؤمنين، وأثر الضّربة في رأسه، وسريان السّمّ في جسده الشّريف، ودموعه الطّاهرة الزكيّة تفيض على خديه، وهو يقلّب طرفه بالنّظر إليها، وإلى أخويها الحسنين.
وشاهدت أخاها الحسن أصفر اللّون يجود بنفسه، ويلفظ كبده قطعا من أثر السّمّ ورأت عائشة تمنع من دفنه مع جدّه، وتركب بغلة، وتصيح: والله لا يدفن الحسن هنا أبدا.
كانت زينب وأمّ كلثوم عليهما السّلام مع من كان في بيت فاطمة عليها السّلام لمّا أراد القوم إحراقها
قال الحسين بن حمدان الخصيبيّ: حدّثني محمّد بن إسماعيل وعليّ بن
عبد الله الحسنيّان، عن أبي شعيب محمّد بن نصير، عن ابن الفرات، عن محمّد بن المفضّل، قال: سألت سيّدي أبا عبد الله الصّادق عليه السّلام، قال في حديث: [و ذكر أسئلة له عن المهدي المنتظر عليه السّلام وشؤونه وأجوبة الامام عليه السّلام عنها إلى أن] ثمّ تبتدئ فاطمة عليها السّلام بشكوى ما نالها من أبي بكر وعمر، من أخذ فدك منها، ومشيها إليهم في مجمع الأنصار والمهاجرين، وخطابها إلى أبي بكر في أمر فدك، وما ردّ عليها من قوله: إنّ الأنبياء لا وارث لهم، واحتجاجها عليه بقول الله عزّ وجلّ بقصّة زكريّا ويحيى: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا )(1)وقوله بقصّة داود وسليمان: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)(2)وقول عمر لها: هاتي صحيفتك الّتي ذكرت أنّ أباك كتبها لك على فدك، وإخراجها الصّحيفة، وأخذ عمر إيّاها منها، ونشره لها علىرؤوس الأشهاد من قريش والمهاجرين والأنصار وسائر العرب، وتفله فيها، وعركه لها، وتمزيقه إيّاها، وبكائها ورجوعها إلى قبر أبيها (صلی الله علیه و آله و سلم) باكية، تمشي على الرّمضاء وقد أقلقتها، واستغاثتها بأبيها، وتمثّلها بقول رقيّة بنت صفيّة: حمل أمير المؤمنين لها في سواد اللّيل والحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم إلى دور المهاجرين والأنصار يذكّرهم بالله ورسوله وعهده الّذي بايعوا الله ورسوله عليه في أربع مواطن: في حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وتسليمهم عليه بإمرة المؤمنين جميعهم،
فكلّ يعده النّصرة ليومه المقبل، فلمّا أصبح قعد جميعهم عنده ثمّ يشكو إليه أمير المؤمنين المحن السّبعة الّتي امتحن بها بعده، ونقض المهاجرين والأنصار قولهم لمّا تنازعت قريش في الإمامة والخلافة قد منع صاحب هذا الأمر حقّه، فإذا منع فنحن أولى به من قريش الّذين قتلوا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكبّسوه في فراشه حتّى خرج منهم هاربا إلى الغار إلى المدينة فآويناه ونصرناه وهاجرنا إليه، فقالت الأنصار حتّى قال من الحزبين: منّا أمير ومنكم أمير، فأقام عمر أربعين شاهدا قسامة، شهدوا على رسول الله زورا وبهتانا أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «الأئمّة من قريش فأطيعوهم ما أطاعوا الله فإن عصوا فالحوهم لحي هذا القضيب» ورمى القضيب من يده فكانت أوّل قسامة زور شهدت في الإسلام على رسول الله صلّى الله عليه واله وإن رقبوا الأمر إلى أبي بكر وجاؤوا يدعوني إلى بيعته فامتنعت إذ لا ناصر لي، وقد علم الله ورسوله أن لو نصرني سبعة من سائر المسلمين لما وسعني القعود، فوثبوا عليّ وفعلوا بابنتك يا رسول الله ما شكيته إليك وأنت أعلم به، ثمّ جاؤوا بي فأخرجوني من داري مكرها، وثلبوني، وكان من قصّتي فيهم مثل قصّة هارون مع بني إسرائيل وقولي كقوله لموسى: ( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )(1)، وقوله: ( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
1) سورة الأعراف: الآية 150.
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)(1)فصبرت محتسبا راضيا، وكانت الحجّة عليهم في خلافي ونقض عهدي الّذي عاهدتهم عليه يا رسول الله
قال: ثمّ بكى الصّادق وقال: يا مفضّل! لو قلت عينا بكت ما في الدّموع من ثواب وإنّما نرجو أن بكينا الدّماء أن ثاب به. فبكىالمفضّل طويلا، ثمّ قال: يا ابن رسول الله! إنّ يومكم في القصاص لأعظم من يوم محنتكم. فقال له الصّادق: ولا كيوم محنتنا بكربلا وإن كان كيوم السّقيفة وإحراق الباب على أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم وفضّة وقتل محسن بالرّفسة لأعظم وأمرّ لأنّه أصل يوم الفراش(2).
و برواية ناسخ التّواريخ: إنّه لمّا قضت فاطمة الزّهراء عليها السّلام شهيدة مظلومة، وخلت دار أمير المؤمنين عليه السّلام منها، كان الإمامان: الحسن والحسين عليهما السّلام يجلسان مقابل أبيهما أمير المؤمنين عليه السّلام يبكيان من فراق أمّهما، وكانت السّيّدتان: زينب وأمّ كلثوم يلفّان رأسيهما بمقنعة، ويغطّيان هندامهما بعباءة، ثمّ يجرّان ذيلهما متّجهتين نحو أبيهما أمير المؤمنين عليه السّلام، وهما يردّدان
وينشجان: يا أبتاه يا رسول الله، ألآن صدّقنا فقدك، وأحسسنا فراقك، وعلمنا أنّ سوف لن نراك أبدا(1).
و قد روى صاحب ناسخ التّواريخ في كتابه: «إنّ زينب أقبلت عند وفاة أمّها، وهي تجرّ رداءها وتنادي: يا أبتاه! يا رسول الله! ألآن عرفنا الحرمان من النّظر إليك. (وروى) هذه الرّواية صاحب البحار عن الرّوضة بهذا اللّفظ: «و خرجت أمّ كلثوم وعليها برقعة تجرّ ذيلها متجلببة برداء عليها تسحبهما وهي تقول: يا أبتاه! يا رسول الله! ألآن حقّا فقدناك فقدا لا لقاء بعده أبدا»؛ وأمّ كلثوم هذههي زينب عليها السّلام من غير شكّ، كما صرّح باسمها في رواية صاحب النّاسخ، ولكونها أكبر بنات فاطمة عليها السّلام، وهذا دليل واضح على أنّها كانت عند وفاة أمّها في السّادسة أو السّابعة من عمرها، ولهذا الخبر نظائر.
(حدّث) يحيى المازني قال: كنت في جوار أمير المؤمنين عليه السّلام في المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الّذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصا ولا سمعت لها صوتا، وكانت إذا أرادت
1) الجزائري، الخصائص الزّينبيّة،/ 156.
الخروج لزيارة جدّها رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم تخرج ليلا والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشّريف سبقها أمير المؤمنين عليه السّلام فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرّة عن ذلك؟ فقال: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب(1).
يقول الشيخ جعفر النقدي: زينب ومصائب كربلاء: إنّ المصائب الّتي ألمت بالصّدّيقة الصّغرى زينب الكبرى ابنة عليّ في كربلاء مصائب متنوّعة:
(منها) ما رأته أوّل ما نزلت في كربلاء من معارضة الحرّ وإجبار أخيها عليه السّلام على النزول.
(ومنها) ما شاهدته من القلّة في أصحاب أخيها وكثرة جيوش الأعداء.
(ومنها) ما شاهدته من تفرّق من كان مع أخيها وذهاب الأكثر ممّن تبعه حين خطبهم بخطبته المشهورة بعد ما بلغه خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة (رضي الله عنهما) فتفرّق النّاس عنه يمينا وشمالا حتّى لم يبق إلّا الّذين قتلوا معه.
(ومنها) ما كانت تشاهده من اضطراب النّساء وخوفهنّ حين نزلوا كربلاء.
1) النّقدي، زينب الكبرى،/ 22.
(ومنها) ما شاهدته من عطشها وعطش أهل بيتها عندما منعهم القوم الماء.
(ومنها) ما كانت تقوم به من مداراة الأطفال والنّساء وهم في صراخ وعويل من العطش.
(ومنها) ما كانت تنظر إليه من الانكسار في وجه أخيها عليه السّلام.
(ومنها) حين شاهدت إخوتها وبني إخوتها وبني عمومتها وشيعة أخيها يبارزون ويقتل الواحد منهم بعد الواحد.
(ومنها) ما شاهدته من مقتل ولديها.
(ومنها) حين شاهدت أخاها الحسين عليه السّلام وحيدا فريدا لا ناصر له ولا معين وقد أحاط به الأعداء من كلّ جانب ومكان، (ومنها) حين شاهدت رأس أخيها على الرّمح دامي الوجه خضيب الشّيبة.
(ومنها) حين ازدحم القوم على رحل أخيها ومناديهم ينادي: احرقوا بيوت الظّالمين.
(ومنها) حين أحرق القوم الخيام وفرّت النّساء والأطفال على وجوههم في البيداء.
(ومنها) مرورها على مصرع أخيها ورؤيتها جسده الشّريف ملقى على الأرض تسفي عليه الرّياح.
(ومنها) لمّا أركبوها النّياق المهزولة هي والعيال والأطفال.
(ومنها) مداراتها زين العابدين عليه السّلام وهو من شدّة مرضه لا
يطيق الرّكوب وقد قيّدوه من تحت بطن النّاقة، وهناك مصائب أخر أشدّها إنّها كانت تنظر إلى قتلة أخيها وأصحابه وهم يسرحون ويمرحون والسّياط بأيديهم يضربون الأطفال والنّساء وهم في غاية الشّماتة بها وبأهل بيتها.
(وبالجملة) فإنّ مصائب هذه الحرّة الطّاهرة زادت على مصائب أخيها الحسين الشّهيد عليه السّلام أضعافا مضاعفة، فإنّها شاركته في جميع مصائبه وانفردت عنه عليه السّلام بالمصائب الّتي رأتها بعد قتله من النّهب والسّلب والضّرب وحرق الخيام والأسر وشماتة الأعداء. (أمّا) القتل فإنّ الحسين عليه السّلام قتل ومضى شهيدا إلى روح وريحان وجنّة ورضوان، وكانت زينب في كلّ لحظة من لحظاتها تقتل قتلا معنويّا بين أولئك الظّالمين،وتذري دماء القلب من جفونها القريحة، ونحن تحت هذا العنوان نذكر من أخبار الطّفّ ما فيه اسم صريح لزينب عليها السّلام، وإن كانت أمّ كلثوم الواردة في أكثر الموارد المراد بها هذه الطّاهرة أيضا بقرينة إنّ بعض الرّواة يذكر اسم زينب في الخبر الّذي يذكره غيره باسم أمّ كلثوم، ولأنّها هي الرّئيسة المطلقة للحرم الحسينيّ والكفيلة الوحيدة لعياله وأطفاله عليه السّلام(1).
ثمّ اعلم أنّه من لدن آدم إلى زماننا هذا لم يصب أحدا من النّساء مثل ما أصاب الصّدّيقة الصّغرى المسمّاة بزينب الكبرى الملقّبة بالعقيلة بنت فاطمة البتولة عليها السّلام ولها رزايا وبلايا كما أخبر بها النّبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) منها
1) النّقدي، زينب الكبرى.
مصيبة جدّها خاتم الأنبياء، ومنها مصيبة أمّها فاطمة الزّهراء (علیها السلام)، ومنها رزايا أخيها الحسن المجتبى، وفي هذه المدّة كانت تذكر ما يرد على أخيها الحسين (علیه السلام)، حيث أنّها كانت عالمة برزايا الحسين عليه السّلام، وما يرد عليه من المحن والشدّة والبلاء كما يدلّ عليه خبر أمّ أيمن، وكم لها ليال موجعة مفجعة قاصمة الظّهر، منها: ليلة وفاة جدّها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وليلة وفاة أمّها فاطمة عليها السّلام، وليلة وفاة أبيها عليّ المرتضى وليلة شهادة أخيها الحسن، وليلة وداع المدينة مع أقربائها، وليلة الخروج من مكّة.
أقول من الصعب ان نسوفي مصائب ام المصائب (علیها السلام) ولكن سنشير الى بعض من مصائبها.
شاطرت سيّدة الطّفّ زينب أخاها الحسين (علیه السلام) في الكوارث وآلام الحوادث فقد شاطرته في شرف الأبوين ومواريث الوالدين خلقا وخلقا ومنطقا، وعليه فإنّها على رقّة عواطفها وسرعة تأثّرها تمكّنت من تبديل حالتها والاستيلاء على نفسها بنفسها من حين ما أوحى إليها الحسين عليه السّلام بأسرار نهضته وآثار حركته وأنّه لا بدّ أن يتحمّل أعباء الشّهادة وما يتبعها من مصائب ومصاعب في سبيل الملّة وإحياء شريعة جدّه، وشعائر مجده لكنّه سيّار يطويالسّرى إلى حدّ مصرعه في كربلاء ثمّ لا بدّ وأن تنوب هي عن أخيها في إنجاز مهمّته، وإبلاغ حجّته، في
تحمّل الخطوب وإلقاء الخطب، ومكايدة الآلام من كربلاء إلى الكوفة، ثمّ إلى الشّام، قائمة بوظيفته، محافظة على أسرار نهضته ناشرة لدعوته في كلّ أين وآن، منتهزة سوانح الفرص، وهو معها أينما كانت يباريها، لكنّه على عوالي الرّماح خطيبا كما هي الخطيبة بلسان المقال انتهى.
رأت من المصائب والنّوائب ما لو نزلت على الجبال الرّاسيات لانفسخت واندكّت جوانبها، لكنّها في كلّ ذلك كانت تصبر الصّبر الجميل كما هو معلوم لكلّ من درس حياتها، وأوّل مصيبة دهمتها هو فقدها جدّها النّبيّ صلّى الله عليه واله وسلم وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثمّ فقدها أمّها الكريمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد مرض شديد، وكدر من العيش، والاعتكاف في بيت الأحزان، ثمّ فقدها أخاها المجتبى مسموما تنظر إليه وهو يتقيّؤ كبده في الطّست قطعة قطعة، وبعد موته ترشق جنازته بالسّهام. ثمّ رؤيتها أخاها الحسين (علیه السلام) تتقاذف به البلاد حتّى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله عليه السّلام وقتل بقيّة إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواصّ الأمّة من شيعة أبيها عطاشى، ثمّ المحن الّتي لاقتها من هجوم أعداء الله على رحلها وما فعلوه، من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النّبوّة وودائع الرّسالة، وتكفّلها حال النّساء والأطفال في ذلّة الأسر، ثمّ سيرها معهم من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل، ومن مجلس إلى مجلس، وغير ذلك من الرّزايا الّتي يعجز عنها البيان ويكلّ اللّسان، وهي مع ذلك كلّه صابرة محتسبة ومفوّضة أمرها إلى الله تعالى قائمة
بوظائف شاقّة من مداراة العيال ومراقبة الصّغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها، رابطة الجأش بإيمانها الثّابت وعقيدتها الرّاسخة حتّى كانت تسلّي إمام زمانها زين العابدين عليه السّلام، أمّا ما كان يظهر منها بعض الأحيان من البكاء وغيره فذلك أيضا كان لطلب الثّواب أو الرّحمة الّتي أودعها الله عزّ وجلّ في المؤمنين، أمّا طلب الثّواب فلعلمها بما أعدّه الله عزّ وجلّ للبكائين على الحسين (علیه السلام).
وقد جاء ذكر هذين السيدين الشهيدين في إحدى الزيارات الشريفة، التي ذكرت فيها أسماء شهداء كربلاء في يوم عاشوراء، ومنها هذه الكلمات:
«... السلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنان، حليف الإيمان، ومنازل الأقران، الناصح للرحمن، التالي للمثاني والقرآن، لعن الله قاتله عبد الله بن قطبة النبهاني.
السلام على محمد بن عبد الله بن جعفر، الشاهد مكان إبيه، والتالي لأخيه، وواقيه ببدنه، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي...».
وإلى أن وصلت النوبة إلى أولاد السيدة زينب (علیها السلام)وأفلاذ كبدها.
أولئك الفتية الذين سهرت السيدة زينب لياليها، وأتبعت أيامها، وصرفت حياتها في تربية تلك البراعم، حتى نمت وأورقت.
إنها قدمت أغلى شيء في حياتها في سبيل نصرة أخيها الإمام الحسين (علیه السلام).
وتقدم أولئك الأشبال يتطوعون ويتبرعون بدمائهم وحياتهم في سبيل نصرة خالهم، الذي كان الإسلام متجسداً فيه وقائماً به.
وغريزة حب الحياة إنقلبت - عندهم - إلى كراهية تلك الحياة.
ومن يرغب ليعيش في أرجس مجتمع متكالب، يتسابق على إراقة دماء أطهر إنسان يعتبر مفخرة أهل السماء والأرض؟! وكان عبد الله بن جعفر - زوج السيده زينب - قد أمر ولديه: عوناً ومحمداً ان يرافقا الإمام الحسين (علیه السلام) - لما أراد الخروج من مكه - والمسير معه، والجهاد دونه.
فلما انتهى القتال إلى الهاشميين برز عون بن عبد الله بن جعفر، وهو يرتجز ويقول:
إن تنكروني فأنا ابن جعفر *** شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها بجناح أخضر *** كفى بهذا شرفاً في المحشر
فقتل ثلاثة فرسان، وثمانية عشر راجلاً، فقتله عبد الله بن قطبة الطائي.
ثم برز أخوه محمد بن عبد الله بن جعفر، وهو ينشد:
أشكو إلى الله من العدوان *** فعال قوم في الردى عميان
قد بدلوا معالم القرآن *** ومحكم التنزيل والتبيان
وأظهروا الكفر مع الطغيان
فقتل عشرة من الأعداء، فقتله عامر بن نهشل التميمي(1).
يقول السيد القزويني قدس سره: أقول: لم أجد في كتب المقاتل أن السيدة زينب الكبرى (علیها السلام) صاحت أو ناحت أو صرخت أو بكت في
1) كتاب (مناقب آل ابي طالب) لابن شهر آشوب، ج 4 ص 106. وبحار الأنوار ج 45 ص 33.
شهادة ولديها، لا في يوم عاشوراء ولابعده.
ومن الثابت أن مصيبة ولديها أوجدت في قلبها الحزن العميق، بل والهبت في نفسها نيران الأسى وحرارة الثكل، ولكنها (علیها السلام) كانت تخفي حزنها على ولديها، لأن جميع عواطفها كانت متجهة إلى الإمام الحسين (علیه السلام) وهناك وجه آخر قد يتبادر إلى الذهن: وهو أن بكاءها على ولديها قد كان يسبب الخجل والإحراج لأخيها الإمام الحسين، باعتبار أنهما قتلا بين يديه ودفاعاً عنه، فكان السيدة زينب - بسكوتها - تريد أن تقول للإمام الحسين (علیه السلام): ولداي فداء لك، فلا يهمك ولا يحرجك أنهما قتلا بين يديك. والله العالم(1).
ولما سقط الإمام الحسين (علیه السلام) على الأرض خرجت السيدة زينب من باب الخيمة نحو الميدان، وهي تنادي: وا أخاه، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل.
ثم وجهت كلامها إلى عمر بن سعد، وقالت: يا بن سعد! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!
فلم يجبها عمر بشيء.
فنادت: ويحكم!! ما فيكم مسلم؟!
1) زينب الكبرى عليها السلام من المهد الى اللحد ص: 201.
فلم يجبها أحد بشيء.
ثم انحدرت نحو المعركة وهي تركض مسرعةً، فتارةً تعثر بأذيالها، وتارةً تسقط على وجهها من عظم دهشتها حتى وصلتإلى وسط المعركة، فجعلت تنظر يميناً وشمالاً، فرأت أخاها الحسين (علیه السلام) مطروحاً على وجه الأرض، وهو يخور في دمه، ويقبض يميناً وشمالاً، ويجمع رجلاً ويمد أخرى، والدماء تسيل من جراحاته، فجلست عنده وطرحت نفسها على جسده الشريف، وجعلت تقول:
ءأنت الحسين؟!
ءأنت أخي؟!
ءأنت ابن أمي؟!
ءأنت نور بصري؟!
ءأنت مهجة فؤادي؟!
ءأنت حمانا؟!
ءأنت رجانا؟!
ءأنت ابن محمد المصطفى؟!
ءأنت ابن علي المرتضى؟!
ءأنت ابن فاطمة الزهراء؟
كل هذا، والإمام الحسين لا يرد عليها جواباً، لأنه كان مشغولاً بنفسه، وقد استولى عليه الضعف الشديد بسبب نزف الدم وكثرة الجراحات.
فقالت: أخي! بحق جدي رسول الله إلا ما كلمتني، وبحق أبي: علي المرتضى إلا ما خاطبتني، وبحق أمي فاطمة الزهراء إلا ما جاوبتني.
يا ضياء عيني كلمني.
يا شقيق روحي جاوبني.
فعند ذلك جلست خلفه، وأدخلت يديها تحت كتفه وأجلسته حاضنةً له بصدرها.
فانتبه الإمام الحسين من كلامها، وقال لها - بصوت ضعيف -: «أخيه زينب! كسرتي قلبي، وزدتيني كرباً على كربي، فبالله عليك إلا ما سكنت وسكت».
فصاحت: « وايلاه! يا أخي وابن أمي، كيف أسكن وأسكت، وانت بهذه الحالة، تعالج سكرات الموت؟!
روحي لروحك الفداء! نفسي لنفسك الوقاء».
فبينما هي تخاطبه ويخاطبها، وإذا بالسوط يلتوي على كتفها، وقائل يقول: تنحي عنه، وإلا الحقتك به، فالتفت وإذا هو شمر بنذي الجوشن (لعنه الله).
فاعتنقت أخاها، وقالت: والله لا أتنحى عنه، وإن ذبحته فأذبحني قبله.
فجذبها عنه قهراً، وقال: والله إن تقدمت إليه لضربت عنقك بهذا السيف.
ثم جلس اللعين على صدر الإمام، فتقدمت السيدة زينب إليه،
وجذبت السيف من يده.
وقالت: يا عدو الله! إرفق به لقد كسرت صدره، واثقلت ظهره، فبالله عليك إلا ما أمهلته سويعةً لا تزود منه.
ويلك! أما علمت أن هذا الصدر تربى على صدر رسول الله وصدر فاطمة الزهراء؟!
ويحك! هذا الذي ناغاه جبرئيل، وهز مهده ميكائيل!!
... دعني أودعه، دعني أغمضه،... فلم يعبأ اللعين بكلامها، ولا رق قلبه عليها(1).
کان يقيم مجلس العزاء، يرتقي فيه المنبر أحد کبار العلماء، وکان الراثي في ذلک المجلس هو المحقق الحائري، مؤسس الحوزه العلميه في قم التي أمست حاضره العلم والاجتهاد في عصرنا الراهن، فهذا العالم العظيم الشأن کان في تلک الفتره ناعيا في محضر الميرزا الشيرازي قدس سره، فقد کان المجلس علي هذه المکانه!
حکاية حول عظمه مصيبة السيده زينب الکبري (علیها السلام)يعتبر الميرزا الشيرازي قدس سره من الفحول بل هو فحل الفحول، وتتجلي عظمه هذا.
لما صعد هذا العالم النحرير المنبر بحضور الميرزا الشيرازي قال جمله، وهي جمله يسمعها الجميع، لکن المهم هو معرفه معني تلک الجمله وإدراک مضمونها، فما إن بدأ بقراءه المقتل قائلا: «دخلت زينب علي ابن
1) تظلم الزهراء » للسيد رضي بن نبي القزويني، ص 232.
زياد» (1) حتي نادي الميرزا: «حسبک هذا، کفي أيها الشيخ»، وظل الميرزا يلطم علي رأسه وصدره من الصباح إلي الظهر!
هذه هي المعرفة الحقيقية! إن هذه الحکاية تکشف کيف استطاع هذا الرجل إدراک حقيقة الموضوع. فأين مثل هذهالمعرفه؟ ومن الذي عرف من هي السيدة زينب (علیها السلام)؟ إنه کان يعرف ذلک؛ فقال لذلک: کيف دخلت مثل هذه المرأه علي مثل ذلک الرجل، وهذا ما قصم ظهره! فلسنا وحدنا الذائبين ها هنا، بل الجميع ذائبون من الأولين والآخرين!
باب قصص كرامات واحزان
نقلا الملا علي الهمداني فقال: سألت سماحة آية الله آقا ضياء العراقي عن قبر السيدة زينب (علیه السلام) فنقل لي القصة التالية، أن أحد شيعة القطيف في السعودية قصد زيارة الامام الرضا (علیه السلام)، وفي وسط الطريق نفذت أمواله وبقي حائراً لا يستطيع الرجوع إلى وطنه ولا يقدر على مواصلة الطريق ولذا توسل بإمام العصر والزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف)ليخلصه من هذه الحيرة.
وفيما هو كذلك إذا بسيد نوراني جليل القدر يتعرف عليه ويقدم له بعض الأموال لتوصله إلى سامراء، وكان مما قال له هذا السيد الجليل: راجع في سامراء وكيلنا الميرزا محمد حسن الشيرازي وقل له يعطيك من أموالنا التي عنده لتذهب بها إلى زيارة جدي علي بن موسى الرضا (علیه السلام).
يقول الرجل القطيفي: لم أعرف حقيقة الرجل ولا من أين أتى إلا أنني تسالت منه وقلت: إذا سألني آية الله الشيرازي من هو السيد مهدي وما هي صفاته ماذا أجيبه؟ فقال السيد مهدي: قل للميرزا الشيرازي إن السيد مهدي قال: إن العلامة هي: أنك سافرت في الصيف أنت والحاج ملا علي كني الطهراني إلى حرم عمتي زينب (علیه السلام)وحيث إن الحرم الشريف كان مزدحما بالزوار ذهبت أنت والملا علي كني إلى سطح الحرم
وكانت الأوساخ والقاذورات قد تجمعت، فخلعت عباءتك وأخذت تكنس سطح الحرم الشريف بها، بينما كان الملا علي كني يأخذ الغبار والأوساخ بيده إلى خارج الحرم الشريف، وقد كنت حاضراً آنذاك اشاهدكما.
يقول القطيفي: حينما التقيت بالميرزا الشيرازي وذكرت له القضية قام واحتضنني وأخذ يقبل عيني ويبارك لي هذا التوفيق.
وأضاف قائلاً: ذهبت إلى آية الله كني (قدّس سرّه) وذكرت له القضية، فقام هو أيضاً إجلالا لي وقبّل ما بين عيني إلا أنه كان حزيناً لأنالإمام الحجة (عجل الله تعالی فرجه الشریف) لم يحيلني عليه(1).
يقول آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت (قدّس سرّه):
نقل أن مجموعة كانوا في حرم السيدة زينب (علیها السلام)، وكانت بينهم سيدة لديها ليرة وتريد أن تمسحها بالضريح للتبرك وقد سقطت داخل الضريح. قال المتولي: أتركيها وسوف أعطيكِ بدلها ليرتين، لكن هذه السيدة لم تقبل. فجأة رأوا أن الليرة ارتفعت مباشرة إلى الأعلى ففتحت هذه السيدة يدها وأخذتها.
الله يعلم، عندما يرى الناس هكذا عجائب وغرائب وكرامات من
1) العنايات الخالدة، الشيخ جاسم الأديب ص 68.
المشاهد المشرفة والمزارات إلى أي درجة وكم تصبح عقائدهم محكمة؟!(1).
في كتاب "العبقري الحسان" عن أحد العظماء والعباد أنه رأى الإمام صاحب الزمان (علیه السلام) في المنام وسأله: أي مصيبة في كربلاء أشد وأفجع على قلبك؟
قال في الجواب: مصيبة أسر السيدة زينب (علیها السلام).
أغمض الإمام الحسين (علیه السلام) عينه من شدة المصيبة
تقول السيدة زينب (علیها السلام): كانت عين أخي الإمام الحسين (علیه السلام) من كربلاء إلى الشام مفتوحة لكنني رأيته في سوق الشام أطبق عينه ولم يكن له قوة على تحمل هذه المناظر(2).
نقل الحاج ملّا علي السلطان على الخطيب التبريزي الذي يعدّ من العبّاد والزهّاد فقال: رأيت في المنام إمام العصر والزمان عليه السلام وقلت له: سيّدي إنّ ما نسب إليك في الزيارة الناحية أنّك قلت:
فلأندبنّك صباحاً ومساءً ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً صحيح؟!
قال: نعم. قلت: سيّدي ما هي المصيبة التي جعلتك تبكي بدلاً الدمع دماً؟! فهل هي مصيبة علي الأكبر؟ قال: لا، فلو كان علي الأكبر حي لبكى هو أيضاً لتلك المصيبة دماً. قلت: سيّدي ألمصيبة عمّك العبّاس تبكي دماً؟ قال: لا، لو كان عمّي العبّاس لبكى لتلك المصيبة دماً.
قلت: حتماً إنّها مصيبة جدّك الحسين عليه السلام هي التي جعلتك تبكي دماً؟! قال: لا، ولو كان جدّي سيّد الشهداء عليه السلام حيّاً لبكى من أجل تلك المصيبة دماً. قتل: ما هي تلك المصيبة التي جعلتك تبكي دماً؟! قال: إنّها مصيبة عمّتي زينب عليها السلام(1).
نقل آية الله الميرزا أحمد السيبويه الساكن في طهران عن سماحة الشيخ حسين السامرائي الذي كان من الخطباء المتّقين في العراق أنّه قال: في إحدى سفراتي إلى مدينة سامراء وكان يوم الجمعة ذهبت قريب الغروب إلى سرداب الغيبة فوجدته خالياً لا أحد فيه، وفيما أنا أتوسّل بإمام العصر والزمان عليه السلام أخذتني حالة من الروحانية العجيبة وإذا بي أسمع صوتاً من خلفي يقول: قل للشيعة والمحبّين أن يقسموا على الله تعالى بحقّ عمّتيزينب عليها السلام كي يعجّل الفرج(2).
نقل صاحب «بحر المصائب» فقال: إنّ السيّدة زينب (علیها السلام)بعد فاجعة كربلاء ومآسي الشام والبكاء الطويل على سيّد الشهداء عليه السلام احدودب ظهرها وشاب رأسها وقضت بقيّة عمرها الشريف بالحزن والأسى إلى أن فارقت الدنيا مظلومة(1).
وقال صاحب «بحر المصائب» أيضاً: إنّ السيّدة أُمّ كلثوم (علیها السلام)توفّت بعد أربعة أشهر من رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى المدينة المنوّرة، وبعد ثمانين يوماً من رحيل السيّدة أُمّ كلثوم شاهدت العقيلة زينب عليها السلام أُمّها الصدّيقة الزهراء عليها السلام في المنام، ولمّا استيقظت من النوم بقيت تبكي وتلطم على رأسها وجهها إلى أن أُغمي عليها، ولمّا جاءوا إليها وحرّكوها وجدوها قد فارقت الدنيا.
وبرحيل العقيلة زينب (علیها السلام)تجدّد مصاب أهل البيت (علیهم السلام) وجلسوا عليها بالعزاء وأعادوا ببكاءهم ذكريات عاشوراء الأليمة التي أمضّت قلوب العلويين(2).
ورد في كتاب «بحر المصائب» أيضاً أنّ امرأة جاءت عند العقيلة زينب (علیها السلام)وقدّمت إليها طبقاً فيه طعام إلّا أنّ عقيلة الهاشميين تصوّرت أنّه صدقة وقالت: ألا تعلمين أنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت عليهم السلام؟! فأجابتها المرأة قائلة: والله ليس هذا بصدقة.
وحيث إنّ والدي من الموالين لأهل البيت (علیهم السلام) فقد أخذاني إلى بيت أمير المؤمنين (علیه السلام) وطلبا من الصدّيقة الزهراء أن تتوسّل إلى الله في شفائي. وبينما هم كذلك إذا بالإمام الحسين (علیه السلام) يقبل فأشار عليه والده أمير المؤمنين (علیه السلام) أن يمسح بيده المباركة على رأسي ثمّ يرفع يديه بالدعاء ويتوسّل إلى الله تعالى في شفائي.
وما أن مسح الإمام الحسين (علیه السلام) يده المباركة على رأسي ورفع يديه بالدعاء لشفائي وإذا بصحّتي تتحسّن وتذهب آلامي تماماً وإلى اليوم لم أر مرضاً قطّ.
واليوم وبعد أن جار علينا الزمان أصبحت غريبة في هذه الديار وقد فرّق الدهر بيني وبين سادتي وموالي أهل البيت عليهم السلام ولذا فقد نذرت وتعاهدت مع الله تعالى إنّني متى ما رأيت غريباً أو أسيراً أُحسن إليه وأطلب من الله تعالى مقابل ذلك سلامة سيّدي ومولاي أبي عبدالله الحسين عليه السلام الذي أسأل الله أن يمنّ عليّ بلقائه والتشرّف بزيارته.
ولمّا سمعت العقيلة زينب (علیها السلام)منها هذا الكلام تأوّهت وارتفع
صوتها بالبكاء وقالت: يا أمة الله اعلمي أنّ ساعات انتظارك قد ولّت وأنّ نذرك قد تحقّق، أليس كنت تتمنّين رؤيا أهل البيت عليهم السلام فهؤلاء الأسارى هم أهل البيت عليهم السلام، وأنا زينب بنت أمير المؤمنين عليها السلام، وذاك رأس الحسين بن علي عليه السلام منصوباً على دار يزيد.
وحيث إنّ المرأة لم تكن تتوقّع أنّ الزمان سيجور على أهل البيت عليهم السلام هكذا فقد أسقط في يدها وخرّت مغشيّاً عليها - وبعد أن أفاقت - رمت بنفسها على قدمي العقيلة زينب عليها السلام وأخذت تقبّلهما وهي تبكي وتقول: وا سيّداه، وا إماماه، واغريباه(1).
نقلا العلّامة النوري في «دار السلام» الكرامة التالية للسيّدة زينب وهي: حدّثني السيّد السند والحبر المعتمد العالم العامل وقدوة أرباب الفضائل البحر الزاخر عمدة العلماء الراسخين السيّد محمّد باقر السلطان آبادي نفع الله به الحاضر والبادي، قال: عرض لي في أيّام واشتغالي ببروجرد مرض شديد، فانتقلت إلى وطني فساعدت الحركة المرض، فزاد وانصبت المواد إلى عيني اليسرى فصار بها رمد شديد وبياض، واشتدّ به الوجع، فمنعني الرقاد فجمع والدي العليم ما كان
1) رياحين الشريعة ج 3 ص 188.
في بلدتنا من الأطباء، فقال بعضهم: لابدّ له من شرب الدواء مقدار ستّة أشهر لعلّ عينه تعود صحيحة وقال بعضهم: يكفي في أربعين يوماً، فضاق خلقي وكثر همّي من سماع كلماتهم لكثرة ما شربت من الدواء في تلك المدّة، وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد العظيمة، وزيارة سادات البرية، فهاج شوقي وقلت: أُصاحبك في الطريق لعلّي امسح عيني بعتبة من تربته شفاء من كلّ داء، وفرج من كلّ ضيق، فقال: وأنت في هذا المرض والوجع لا يمكنك الحركة وسمع بذلك الأطباء فقال بعضهم: يصير عمياء في المنزل الثاني، وقال بعضهم: بعمى ولمّا يبلغ أوّل منازله، فمنعوني فقصدت مشايعته في الظاهر، فسافرت معه إلى المنزل الأوّل، وكان هناك رجل من الصلحاء الأخيار، فلمّا سمع حكايتي حرّضني على المسير وقال: لا شفاء إلّا عند خلفاء الإله الكبير: فإنّي كنت مبتلى بوجع في القلب في مدّة تسع سنين وكلّت الأطباء عن تداويه فزرت أبا عبدالله الحسين (علیه السلام) فشفاني بحمد الله من غير تعب ومشقّة، فلا تصغ إلى خرافات الأطباء وزر متوكّلاً بخالق البرايا، فعزمت على المسير فلمّا بلغنا المنزل الثاني وجنّ الليل اشتدّ الوجع، فطالت ألسنةالعذّال وقالوا جميعاً: إمّا أن ترجع أو نترك السفر على كلّ حال؟ فقلت: عند الصباح تنكشف الأحوال، فلمّا كان وقت السحر وسكن الوجع قليلاً، وقدت فرأيت الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى بنت إمام الأتقياء عليه آلاف التحية والثناء، قد دخلت عليَّ وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها، وأدخلته في عيني ومسحتها به، فانتبهت فلم أر في عيني وجعاً.
فلمّا أصبحنا قلت لأصحابي: لا أجد وجعاً فلا تمنعوني من المسير، فحملوا كلامي أوّلاً على الحيلة، فحلفت لهم، فسرنا فلمّا مشينا بعض النهار عمدت إلى عيني فكشفت عنها الخرق التي كانت مشدودة عليها مذ خرجت من البلد، ونظرت إلى التلال والجبال، فلم أر فرقاً بينها وبين الأُخرى، فقلت لبعض أصحابي: ادن منّي وانظر إلى عيني، فنظر وقال: سبحان الله ليس فيها رمد ولا بياض ولا أثر من المرض، ولا تفاوت بين العينين، فوقفت وناديت جميع الزوّار وأخبرتهم بالرؤيا وكرامة الصدّيقة الصغرى، ففرحوا واستبشروا وبعثوا بالخبر إلى الوالد وأهل البلد، فقرّت عيونهم واطمأنّت قلوبهم، وحدّثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل والعالم الذي عدم له النظير والبديل المولى فتح علي السلطان آبادي الذي يأتي الاشارة إلى شطر من مناقبه، وقال: كنت وقتئذ في سلطان آباد وشاهدت ما ذكره(1).
وقعت هذه القصة التي أحكيها لكم في عام 1374 هجري شمسي الموافق لعام 1416 هجري قمري قرب مدينة تبريز الإيرانية، ولا يزال أبطال القصة على قيد الحياة، وإن كنتم تودون التأكد من صحتها، فلكم الأتصال بالمؤلف، فيدلّكم عليهم، فتتحدثون إليهم.
1) السيدة رقية بنت الحسين عليه السلام.
في يوم الخميس حيث كان الثلج يتساقط، ودع مهندس شاب زوجته وأطفاله، ليغادر مدينة شبستر باتجاه تبريز، وحينما وصل بسيارته إلى بوابة الصوفيين ورأى قلة السيارات المارة، وتأكد منخطورة الطريق، عدل عن رغبته بالذهاب إلى معمل صناعة الأصباغ الذي يعمل فيه، وقرر العودة إلى البيت، وحينما أراد الاستدارة والرجوع، اصطدمت به سيارة كانت قادمة من الجهة المعاكسة بشكل عنيف للغاية، بحيث به الاصطدام إلى الانزلاق على الأرض، مما أدى إلى تناثر جزءٍ من دماغه!.
ثم إن من السائقين تجمعوا حول المكان. ونقلوا سائق السيارة الأخرى - وكانت من طراز بيكان - إلى مستوصف قريب. أما المهندس؛ فقط بقي ملقىً على الأرض المتثلجة.. وبعد برهة مر أحدهم بسيارته وحينما رأى المهندس ظن أنه أحد أصدقائه، فاحتمله إلى مستوصف، ومن ثم إلى مستشفى الشمس الكائنة في مدينة تبريز. استدعى الدكتور أصغر، وكان جراحاً للدماغ ليتفقد حالة المهندس، وحينما رآه، أسرع إلى نقله إلى غرفة العمليات، ثم إنه أستعلم من الرجل الذي أتى به عن مكان الحادث، فلما أخبره، أرسل عدداً من مساعديه إلى المكان ليجمعوا - بدقة بالغة - بقايا الدماغ المتناثرة، ليتأكد من بعض التفاصيل وشدة الاصطدام، ولكنه حينما سأل الممرضة ذات العلاقة في صباح اليوم التالي، علم منها إلى المستشفىن وتعجب من حالة المريض حينما رآه..
بدأ هذا الطبيب النبيل وعدد من زملائه والممرضون بالعمل، ولكن حالة المصاب أخذت بالتدهور بمرور الزمن، إذ أنه كان أصيب بحالة غيبوبة طويلة، ولم تبد أية علامة على حركة معينة في سائر أعضاء بدنه، وبقي المهندس الشاب أشهراً عديدة في غيبوبته على سرير المستشفى رغم ما بذله الأطباء من جهود لمعالجته وضعه أو إعادته إلى وعيه. وقد قاموا بإرسال الصور الطبية ونتائج التحاليل إلى أطباء طهران ذوي العلاقة واستشاروهم.. فأجمعوا على تأييد طريقة العلاج، كما تعجبوا من بقاء المصاب حياً. ثم إن الوثائق الطبية أرسلت إلى المانيا، فأعلن الأطباء هناك تأييدهم لسير المعالجات رغم عدم جدواها، كما أعربوا عن يأسهم من بقائه على قيد الحياة أو إمكانية نجاح المعالجة.
قم إن حالة المهندس أخذت بالتدهور، إذ كانت رئته قد أصيبت بالتعفن، وكذلك دماغه، حتى أن الطبيب اضطر إلى إعلام زوجة المريض بأن حالته ستقضي عليه وعليها، ثم يموت لا محالة.
لقد تقطعت أسباب الأملن فذهبتُ (المؤلف) إلى المستشفىلرية المهندي المريض، وتقدمت بالنصيحة إلى زوجته لتتوجه إلى السيدة زينب (علیها السلام) وإمام الزمان (علیه السلام) وتتوسل بها إلى الله سبحانه وتعالى.. وكان ذلك حيث كان قبر المهندس معداً لاستقبال ميتاًن وكان ذووه يتوقعون تسلم جنازته في صابح كل يوم حينما يذهبون إلى المستشفى...
والآن؛ تعالوا لنقرأ باقي القصة على لسان زوجة المهندس: قالت: إنني أعمل في قسم التعليم، واضطر إلى الحضور في المدرسة في كل
صباح، لكن مهمتي الآن أصبحت التوجه إلى مدينة تبريز لأبقى بالقرب من زوجي حتى وقت متأخر من عصر اليوم نفسه، كما كنت عاجزة عن عمل أي شيءٍ يذكر..
ذات يوم، تدهورت صحة زوجي أكثر من أي وقت مضى، وكنت أبكي منذ الصباح، وحينما تنبهت إلى نفسي.. وقد ازداد قلقي تجاه ولديّ الصغيرين اللذين كنت أضعهما في بيت أمي. فقد أصل إلى البيت متأخرة، ولكنني كنت أحرص على أن لا يصابون باليأس... وكنت حين أنيهما أبقى إلى ساعة متأخرة من الليل أدعو ربي وأتوسل إليه، وأتذكر وصية خالي (المؤلف) الذي زرع في نفسي الأمل بالأئمة الأطهار (علیهم السلام) لاسيما الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف والسيدة زينب (علیها السلام) كما أتذكر قوله بأنني إذا أقسمت على إمام الزمان بعمته الصديقة زينب، فإنه سيشفى زوجي بإذن الله تعالى.
نعم! حينما خرجت في ذلك اليوم من المستشفىن رأت الثلوج تهطل بشدة، وكان البرد قارصاًن فأوصلت نفسي بسيارة أجرة إلى مركز تجمع السيارات الخاصة بمدينة شبستر، فقلت في فسي لعلني أجد مسافراً أذهب وإياه إلى المدينة، خوفاً من أن أكون المسافرة الوحيدة، ومن حسن المصادفة رأيت سيارة نقل عمومية تشرف الانطلاق، وحينما رآني السائق، توقف أركبني فاستغرقت رحلتنا حوالي ثلاث ساعات بينما هي لا تطول حتى ساعة واحدة، ولكن الثلوج والطلام وخطورة الانزلاق شاركوا في التأخير.. وصلت إلى البيت عند الساعة الثانية عشرة،
فأصابتني حالة من الانزلاق والألم النفسي الفظيعين، وكنت أتذكر ما كان يوصيني به زوجي المهندس من قبل بأن لا أبقى خارج المنزل بعد فترة العصر، ولكنني كنت كاليتيمة في تلك الليلة، إذ لم يكن ملجأ أقصده.. فرأيت نفسي أصرخ وأصرخ: يا محمد! (زوجيالمهندس) أين أنت لترى زوجتك خارج المنزل حتى منتصف الليل حيث العواصف الثلجية، ولترى أولادك حزينين ينتظرون عودة أمهم.. لقد بكيت طويلاً، بينما كانت أمي تهدئ من روعي. فقتل في نفسي بعزم: إن ما يجب أن أحصل عليه من الله وأهل البيت (عليهم السلام) يجب أن أنال الليلة.. الليلة فحسب!!
كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليلة، فنهضت من فراشي، ولا أدري بماذا لفقت بدني، وتقدمت إلى ساحة البيت التي كانت كلها مغطاة باثلجن فصليت ركعتين، ثم أخذت أحدق بالثلج المفروش على الأرض وغاب عني كم ساعة مضت على وقوفي هناك، ولم أكن أشعر بالبرد الشديد أو الثلج المتهاطل أبداً.. وإنما كنت متأكدة بأنني أحذت استغيث بالإمام المهدي (عليه السلام) بصوت عال، مع انشغال تفكيري بأن أطفالي سيعجون عن تحمل مصيبة اليتم وفقدان الأب..
هكذا انقضت تلك الليلة.. وعدت إلى غرفتي إذ كان بدني قد تجمد تماماً، ولكن روحي تملكتها حالة عجيبة، واكن قلبي قد غمره هدوء عجيب! لم يطرؤ أي تغيير على حالة زوجي الصحية، علماً بأنني قد
بقيت على حالتي تلك مدة إحدى وعشرين ليلة، فلم يصبني اليأس.. ويشهد الله على أنني في الليلة الثانية والعشرين - حيث يصادف ذلك بقاء زوجي في المستشفى أربعة أشهر وخمسة عشر يوماً - في تلك الليلة، وهي الجمعة، كنت أتوسل بالإمام المهدي والسيدة زينب (علیهم السلام) وأقسم عليه باسمها الشريف، حتى استولى عليّ النوم دون إرادة مني أبداً، فرأيت في منامي المسجد الذي يقع في مقابل بيتنا، وفيه مجلس مكتظ بالناس ورجلاً يجلس على منبر، ويقرأ على الحاضرين قصة وداع الإمام الحسين (علیه السلام) مع أفراد عائلته في يوم عاشورا، حتى وصل إلى قصة جلوس السيدة زينب (علیها السلام) عند مصرع أخيها سيد الشهداء (عليه السلام).
كنت أرى موضع استشهاد الإمام الحسين، وكانت سيدة واقفة على مرتفع، وكان شخص يحمل خنجراً يتجه نحو الإمام (علیه السلام) فأخذت السيدة الواقفة تمسك بحافة الخنجر حتى سال الدم من كفها..
وكذلك رأيتني أصرخ وأبكي وأردد اسم إمام الزمان (علیه السلام) وأتوسل إليه، ثم أطلب منه شفاء زوجي..
وفجأة؛ رأيت الرجل الذي كان جالساً على المنبر يلتفت بوجهه نحوي ويناديني باسمين فرفعت رأسي صوبه، وأخذت أنظر إليهبعينيّ الباكيتين، فيما كنت أكاد أعجز عن التنفس!
يشهد الله على أنني لم أر طيلة عمري مثل ذلك الجلال والجمال، ولم أسمع صوتاً أكثر حسناً من ذلك الصوت.
قال الرجل: يا ابنتي! لقد استجاب الله دعاءك في زوجك، اذهبي وادعي لعمتي زينب فأخذت أصرخ وأقول مراراً: يا زينب... وبكيت، حتى سمعت أمي صراخي وإستغاثتي، فقامت بإيقاظي وتحريكي، حتى قمت من نومتي، فرأيت بدني قد غطاه العرق، فسألتها معاتبة: لماذا أيقظتني؟ فقالت: إن صراخك واستغاثتك بإمام الزمان هما اللذان أيقظاني. وفي صباح اليوم التالي، كشفت للطبيب ومسؤولي المستشفى عن رغبتي في نقل زوجي إلى المنزل.. وبعد رفض الأولي، انصاعوا لإصراري، بعد تحميلي مسؤولية ما قد يصيب زوجي، فنقلته إلى البيت بين أفراد عائلته..
والآن حيث تمر على تلك الحادثة سنتان تقريباً، ها هو زوجي يتمتع بصحة جيدة جداًن بفضل مرحمة وإعجاز الإمام المهدي والسيدة زينب (علیها السلام) وهو يقود سيارته بنفسه إلى العمل، ويزاول نشاطاته دون مساعدة أحد.
لم يكن زوجي - فيما سبق - ذا اعتقاد بهذه المسائل، ولكنه أصبح اليوم يؤمن إيماناً راسخاً بقدر ومنزلة الأئمة (علیهم السلام) حتى أننا تشرفنا في هذه السنة بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) وأصبحت حياتنا رائعة بفضل الإمام المهدي والسيدة زينب (علیها السلام).
وما أروع أن يرى العشاق والمحبت إمام زمانه من ويروا فيه الجمال والهيبة ويتلقون بأنفسهم إجابة مطالبهم، فيشفى المريض يكشف السوء عن المضطر(1).
1) لقاءات النساء السيد احمد بحر العلوم ص 104 – 111.
نقل آية الله الميرزا أحمد السيبويه الساكن في طهران عن سماحة الشيخ حسين السامرائي الذي كان من الخطباء المتّقين في العراق أنّه قال: في إحدى سفراتي إلى مدينة سامراء وكان يوم الجمعة ذهبت قريب الغروب إلى سرداب الغيبة فوجدته خالياً لا أحد فيه، وفيما أنا أتوسّل بإمام العصر والزمان عليه السلامأخذتني حالة من الروحانية العجيبة وإذا بي أسمع صوتاً من خلفي يقول: قل للشيعة والمحبّين أن يقسموا على الله تعالى بحقّ عمّتي زينب عليها السلام كي يعجّل الفرج(1).
التقي الصالح "محمد رحيم إسماعيل بيك" كان معروفاً بتوسله بأهل بيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والنادر في حبه القلبي لسيد الشهداء (علیه السلام)، وقد نال من هذا الباب رحمة وبركات صورية ومعنوية، نقل قصة فقال: كان عمري ست سنوات عندما ابتليت بوجع العيون، وبقيت كذلك ثلاث سنوات، حتى آل أمري إلى العمى في كلتا عيني.. وفي أيام عاشوراء كان قد أقيم مجلس عزاء في بيت خالي الأكبر الحاج "محمد تقي إسماعيل بيك" وكان الجو حاراً، فكانوا يقدمون للحضور شراباً بارداً، فرجوت
1) شيفتگان حضرة مهدى عليه السلام ج 1 ص 251. السيّدة رقيّة بنت الإمام الحسين عليه السلام الشيخ علي ربّاني الخلخالي.
خالي أن يسمح لي بتقديم الشراب للحضور، فقال لي: أنت أعمى، ولا يمكنك ذلك.. قلت: أرسل معى أحداً لمساعدتي.. فوافق على ذلك، وشرعت بتوزيع الشراب على الحاضرين بمساعدته هو.
في هذه الأثناء اعتلى المنبر "معين الشريعة الاصطهباناتي" وشرع بقراءة العزاء على السيدة زينب (علیها السلام)، وتأثرت كثيراً وبكيت حتى فقدت الوعي، عندها شاهدت السيدة زينب (علیها السلام) فوضعت يدها على كلتا عيني وقالت لي: لقد شفيت وانتهى وجع عينيك.
فتحت عيني فوجدت أهل المجلس حولي في فرح وسرور، فركضت نحو خالي، وتأثر الحاضرون واجتمعوا حولي، فأخذني خالي إلى الغرفة وفرّق الناس من حولي.
وكذلك قبل عدة سنين كنت مشغولاً في اختبار، وكنت غافلاً عن الوعاء المملوء بالكحول الذي كان بجانبي، فأشعلت الكبريت، فاشتعل الكحول واحترق جسمي بكامله ما عدا عيناي، وقضيت عدة أشهر للعلاج في المستشفى، وسألوني بقيت عيناك سالمتين؟.. فقلت: بقاؤهما سالمتين عطاء من الإمام الحسين (علیه السلام)، وهكذا لميصبني أي مكروه في عيني طوال عمري(1).
الحاج الآخوند تربتي
1) قصص العلماء تأليف الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني.
من جملة الأشياء التي لاحظناها - نحن أعضاء الأسرة - منه وبقي معناها غامضاً علينا هي:
إن أبي توفي يوم الأحد 17 شوال عام 1362 ه. ق المصادف من شهر مهر عام 1322 ه. ش بعد ساعتين من شروق الشمس وقد استلقى على ظهره بعد أن صلى صلاة الصبح وأخذ يحتضر فمددوا رجليه باتجاه القبلة وبقي بكامل وعيه حتى اللحظة الأخيرة ويردد بعض الكلمات بهدوء ويبدو أنه كان يعلم بأنه في حالة احتضار فآخر كلمة نطقت به شفتاه (لا إله إلا الله).
السلام عليكم يا رسول الله
وفي يوم الأحد من الأسبوع الذي سبق وفاته استلقى بعد صلاة الصبح باتجاه القبلة وغطى وجهه بعباءته ولكنه تحرك فجأة وأضاء جميع جسده من رأسه إلى قدميه كأنه الشمس الساطعة من نافذة الغرفة أو كضوء كاشف سلط على مكان معين وتلألأ لون وجهه - الذي أصفر بسبب المرض - حتى بدا شفافاً من تحت العباءة الخفيفة التي غطى بها وجهه وقال: (السلام عليكم يا رسول الله جئتم لزيارة هذا العبد البسيط).
ثم أخذ يسلم على الأئمة واحداً واحداً ابتداء من أمير المؤمنين(علیه السلام) وحتى الإمام الثاني عشر وكأنه يسلم على أشخاص قدموا لزيارته الواحد تلو الآخر ويبدي شكره لقدومهم ثم سلم
على السيدة فاطمة الزهراء (علیها السلام) ثم سلم على السيدة زينب وهنا بكى كثيراً وقال:
(يا سيدتي لقد بكيت عليك كثيراً)(1).
ذكره تلميذه حجة الإسلام والمسلمين السيد رضا الطباطبائي؛ فقد قال إنه عرضت له حاجة فأخبر بها الشيخ الزاهدي فأشار الأستاذ إليه بقراءة خطبة السيدة زينب ثلاث مرات، يقول السيد: فقرأتها ثلاث مرات فقضيت الحاجة ببركة السيدة زينب (علیه السلام)(2).
في كتاب السيدة رقية لسماحة الشيخ علي الرباني فيه رواية يقول: (...ذهبت لزيارة آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي قدس سره فدار الحديث حول أهل البيت (علیهم السلام) وفضائلهم وإذا بآية الله المرعشي يقول: عندما ولدت السيدة زينب (علیها السلام)أعطتها الصديقة الزهراء عليها السلام إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسلم والأمام علي والحسن (علیهم السلام) وكانت السيدة زينب عليها السلام مطبقة عينها ولم تفتحها في وجه أحد
ألا حينما أخذها أخوها الى سيد الشهداء عليه السلام فتحت عينها في وجه المبارك وأضاف سماحته قدس سره فقال: وفي مجلس يزيد لعنه الله كان الرأس الشريف ينظر إلى جميع الأسرى وهو على الرمح الطويل ألا أنه نظر حال أخته العقيلة عليها السلام أطبق جفنيه وجرت دموعه وكأنه عليه السلام يقول لها: أختي زينب لقد حفظت لي عيالي فجزأك الله خيرا ولا تزيديني خجلا فوق خجلي.
وفي الختام رجائي الواثق القبول والعفو عن التقصير وان تنظر لي العقيلة (علیها السلام) باللطف والعفو.قليل منك يكفيني وقليلك لا يقال له قليل
اللهم عجل لوليك الفرج
عباس الحلفي
الأربعاء
21 /رجب/ 1443
23 /فبراير/2022
المقدمة. 7
كلمات الاعلام بحق السيدة زينب (علیها السلام)
كلمات الأعلام في شأنها (علیها السلام). 11
(1) المرجع الكبير السيّد الخوئي (قدس سره) 11
(2) العلّامة البرغانيّ قدس سره 12
(3) العلّامة محمّد حسن القزوينيّ قدس سره 12
(4) السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي قدس سره 13
(5) العلّامة الشيخ جعفر النقدي قدس سره 13
(6) العلّامة السيّد محسن الأمين قدس سره 15
(7) العلّامة المامقاني قدس سره 16
(8) في (جنّات الخلود) 17
(9) العلامة أسد حيدر قدس سره 17
(10) السيد أبو القاسم الديباجي دامت بركاته. 18
(11) السيّد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره) 19
(12) آية الله الشيخ حسن اليزدي الحائري.. 19
(13) النيسابوري.. 20
(14) حسن قاسم 20
(15) في أعلام النساء المؤمنات.. 21
(16) محمّد علي أحمد المصريّ.. 22
(17) ابن عنبة. 23
(18) ابن الأثير الجزري.. 23
(19) الشيخ محمد حسين الأصفهاني. 24
يا حبيبي اجعل اسمها زينب
الاسم صفة لموصوف.. 29
رواية الولادة والتسمية. 30
ما معنى اسمها؟ 31
اولا: الشجرة ذات الرائحة الطيبة والمنظر الحسن. 31
ثانيا: السمو والرفعة. 32
ثالثًا: زينة أبيها 33
رابعا: ترمز لاصحاب الكساء. 34
خامسا: ام المصائب.. 34
سادسًا: اسمها وحياني. 35
ما معنى تراجمه وحي الله.. 36
اسم زينب (علیها السلام) له خصوصيّة ونورانية. 37
زينة اللوح المحفوظ. 39
ألقابها (علیها السلام) المأثورة وغير المأثورة 40
في معنى عالمة غير معلمة
بيانات الاعلام 48
الأول: الفاضل الدربندي.. 48
الثاني: الشيخ جعفر النقدي.. 48
الثالث: فيصل احمد البغلي. 50
الرابع: السيد جعفر مرتضى العاملي. 50
الخامس: محمدي ري شهري.. 52
السادس: الشيخ حسين انصاريان. 52
السابع: السيد أبو القاسم الديباجي. 56
السابع: كفاح الحداد 57
الثامن: الشيخ إبراهيم الانصاري.. 59
في معنى تقبل منا هذا القربان
الامر الأول: ما معنى القربان. 66
الامر الثاني: تاريخ القربان. 66
تلقيبه بالذبيح. 69
الامر الثالث: منية السيدة زينب (علیها السلام). 70
الامر الرابع: المتولية لأمر الحسين (علیه السلام). 72
الامر الخامس: شريكة الإمام الحسين عليها السلام 74
الامر السادس: الإقرار بالعجز. 74
الامر السابع: فنائها في جنب الله تعالى. 75
الامر الثامن: دروس التوحيد 77
الامر التاسع: انه دعاء العقيلة. 78
الامر العاشر: وصول الإنسان إلى درجة الفناء. 78
الدرجة الأولى: التوكل على الله.. 79
الدرجة الثانية: الرضا بالحدث.. 79
الدرجة الثالثة: درجة التسليم 80
الدرجة الرابعة: الفناء. 80
الدرس الحادي عشر: الدور الأهمّ والأعظم في كربلاء. 82
الدرس الثاني عشر: التوحيد وتقبّل القربان. 84
الدرس الثالث عشر: الإمام الحسين (علیه السلام) هو القربان الأعظم! 85
الدرس الرابع عشر: تقديم القرابين لدفع البلاء. 86
الدرس الخامس عشر: قيادة الاحداث بصلابة. 87
الدرس السادس عشر: المأخوذ عليها الميثاق بتلك. 88
الدرس السابع عشر: تقبل من الجميع. 95
في معنى ما رأيتُ إلاّ جميلا
الامر الأول: نغمة الاولياء في البلاء. 99
الامر الثاني: الناحية العقائديّة. 101
الامر الثالث: الناحية الرّوحيّة. 102
الامر الرابع: الناحية البلاغية. 104
الامر الخامس: لا يرى العاشق من معشوقه غير الجميل. 105
الامر السادس: لا يصدر من الجميل إلا الجميل. 106
الامر السابع: الجميل الامام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف). 109
الامر الثامن: رؤية الجمال في الجلال. 110
الامر التاسع: ظهور صفة القيومية. 112
الامر العاشر: الجمال فوق الرضا 113
الامر الحادي عشر: الرؤية في عين السيدة زينب (علیها السلام). 115
الامر الثاني عشر: للبلاء إيجابيات.. 116
الامر الثالث عشر: التوحيد والجمال متلازمان. 117
الامر الرابع عشر: ايثار المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة. 119
الامر الخامس عشر: ملحمة التوحيد في الأفعال ومسؤوليه الاختيار. 120
الامر السادس عشر: من يتحمّل البعد السلبيّ؟ 121
الامر الثامن عشر: عندما يكبر الإنسان تكبر ذائقته. 121
الامر التاسع عشر: دلالة الفعل والمقصد 123
الامر العشرون: إن التوافق مع الله توفيق. 125
الامر الحادي والعشرون: عمق توحيد الله وحبه تعالى. 127
الامر الثاني والعشرون: التسليم والرضا بقضاء الله وقدره 128
كيف نصل لدرجة التسليم؟ 130
آثار الرضا والتسليم 131
السيدة زينب (علیها السلام) في عمق اهل البيت (علیهم السلام)
أولا: تقبّل منّا هذا القربان. 135
ثانيا: لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا 135
ثالثا: الحمد لله الّذي أكرمنا بنبيّه، وطهّرنا من الرّجس تطهيراً 137
رابعا: خذ بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا سفك دماءنا 145
هل ذكرت السيدة زينب (علیها السلام) في القران الكريم؟ 146
الأول: الجواب النقضي. 146
الثاني: الجواب الحلي. 147
ومن جهة اخر وهي مهمة للغاية. 147
السيدة زينب (علیها السلام) من طينة عليين. 149
مشابهة ومقارنات
مقارنة بين السيدتين الزهراء (علیها السلام) وزينب (علیها السلام). 153
الأول: التسمية من قبل الله سبحانه. 153
الثاني: تاريخ الولادة 154
الثالث: طهارة الولادة 154
الرابع: الذب عن الولاية. 154
الخامس: الخطبة على رؤوس الشر. 158
خطبة السيدة الزهراء (علیها السلام) في مجلس الطاغية. 158
خطبة السيدة زينب (علیها السلام) في مجلس الطاغية. 159
السادس: عظمة الأبوين. 160
السابع: التعظيم لهما 160
الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كان يقوم للزهراء (علیها السلام). 160
الإمام الحسين (علیه السلام) كان يقوم لزينب (علیها السلام). 160
مظلومية السيدتين وشهادتهما 161
الشهادة 161
وقت الشهادة 161
مكان القبر. 162
فجعت.. 162
تلوعت.. 162
فقدت الجنين. 162
اضرام النار. 162
بين السيدتين خديجة وزينب (علیها السلام). 163
بعض من عظمة السيدة خديجة (علیها السلام). 163
إن بطن أمك كان للإمامة وعاء. 163
معنى حاجة جبرئيل للسلام على السيدة خديجة (علیها السلام). 164
إنّي قد رزقت حبّها 165
السّابقون السّابقون أولئك المقرّبون. 165
هب لنا من ازواجنا 165
ما هو وجه التشبيه بالسيدة زينب (علیها السلام). 166
أوجه الشبه. 166
علو المقام 167
الاصطفاء. 167
الرّوح المعنويّة العالية. 167
الغربة. 167
التّضحية. 168
الصبر على نوائب الدهر. 168
فدائها لإمام زمانها 168
بين فاطمة المعصومة وزينب الكبرى.. 171
1- النسب.. 171
2- الولاية. 172
3- الفناء والمودة 172
4- الجهاد والصبر. 172
5- العلم والفهم 172
6- الهجرة 173
7- الالقاب.. 173
8- القبر مزار. 173
9- الكرامات.. 173
مقارنة بين زينب الكبرى واسيا 173
المقارنة النبي موسى وهارون والسيدة زينب (علیها السلام). 177
المحطة الأولى. 177
المحطة الثانية. 180
فراق ووداع. 184
الإمام الحسين يودع السيدة زينب (علیهما السلام) 184
النبي إبراهيم (علیه السلام) وزينب (علیها السلام). 185
مقارنة بين زينب (علیها السلام) والملائكة. 186
الفرق بين العقيلة (علیه السلام) وبين الملائكة. 188
عظمة زيارة السيدة زينب (علیها السلام)
الزيارة والزائر والمزور. 193
الأدلة على زيارتها (علیها السلام). 193
البكاء على السيدة زينب (علیها السلام)
بكاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عليها وثواب البكاء عليها 199
اجر الباكي على اخويها 200
بكاء الثكلى. 201
بعض مصائبها (علیها السلام)
بعض التفصيلات اجمالا. 205
في ولادتها 205
الرؤيا العجيبة. 208
مصائب جدها وامها وابيها واخيها الحسن (علیهم السلام). 208
زينب وأمّ كلثوم يلفّان رأسيهما بمقنعة. 212
و تنادي: يا أبتاه! يا رسول الله! 213
زيارة قبر جدّها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) 213
خبر يحيى المازني. 213
كربلاء لازلت كرب وبلاء. 217
مقتل أولاد السيدة زينب (علیها السلام). 219
ذهاب السيدة زينب إلى المعركة. 221
باب قصص كرامات واحزان
في حرم السيدة زينب (علیها السلام). 229
كرامة زينبية. 230
أي مصيبة أعظم على قلبك يا صاحب الزمان؟ 231
بكاء الإمام الحجّة لمصيبة عمّته. 231
مقام السيّدة زينب (علیها السلام). 232
احدودب ظهرها وشاب رأسها 233
شاهدت أمّها في المنام وبعدها توفت.. 233
نذر امرأة 234
فرأيت الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى.. 235
يا ابنتي! توسلي بعمتي زينب.. 237
مقام السيّدة زينب (علیها السلام). 244
فوضعت يدها على كلتا عيني. 244
يا سيدتي لقد بكيت عليك كثيراً 245
قراءة خطبة السيدة زينب ثلاث مرات.. 247
فتحت عينها في وجه المبارك. 247
الفهرس.. 249