التمهید الی علم العقاید تحقیق فی مبانی المعارف الدینیة وتقییم للمناهج المعرفیة البشریة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه: مدرسی، سیدحسین، 1363 -

عنوان و نام پديدآور: التمهید الی علم‌العقاید: تحقیق فی مبانی‌المعارف‌الدینیة وتقییم للمناهج‌المعرفیة‌البشریة/ السيدحسين المدرّسي.

مشخصات نشر: مشهد: منشورات‌الولایة، 1446ق. = 1403.

مشخصات ظاهری: 492ص.

شابک: 0_5_90897_622_978

وضعیت فهرست‌نویسی: فیپا‌يادداشت: زبان عربی.

يادداشت: کتاب حاضر برگرفته از مباحث سیدمحمدباقر علم‌الهدی‌است.

عنوان دیگر: تحقیق فی مبانی‌المعارف‌الدینیة و تقییم للمناهج‌المعرفیة‌البشریة.

موضوع: شناخت (فلسفه دین) / Knowledge, Theory of (Religion) _ عقاید دینی / Theology, Doctrinal

شناخت (فلسفه اسلامی) -- احادیث / Knowledge, Theory of (Islam) -- hadiths

عقل‌گرایی (اسلام) – فلسفه / Rationalism (Islam) -- Philosophy

شناسه افزوده : علم‌الهدی، محمدباقر، 1331 - 1388. Alamolhuda, Baqer

رده بندی کنگره: BL51

رده بندی دیویی: 200/1

شماره کتابشناسی ملی : 9867804

محرر الرقمي:محمد المنصوري


اسم الكتاب: التمهید إلی علم العقائد

المؤلف: السیّد حسین المدرّسي

الطبعة الأولی: 1403ش _ 1446ق

الکميّة: 300 نسخه

المطبعة: دقّت

الناشر: دار الولایة للنشر

ISBN: 978-622-90897-5-0


مراکز التوزیع:

ایران _ مشهد _ دار الولایة للنشر _ هاتف: 00989151576003

مشهد، مکتبة طالبیان، شارع الآخوند الخراساني26، جنب مسجد الزهراء (سلام الله علیها)، هاتف: 38555947 _ 051

مشهد، منشورات نورالکتاب، تقاطع الشهدا، نبش پاساژ گنجینه، هاتف: 32223130 _ 051، 09151199486

قم، شارع المعلم، مجتمع ناشران، الطابق الارضي، رقم 11، منشورات كتاب ما. هاتف: 02537842443

تهران، شارع الشریعتي، مقابل ملک، شارع الشبستري، شارع الأدیبي، رقم 26، منشورات النبأ، هاتف: 75504683 _ 021

این کتاب با کاغذ حمایتی چاپ شده است.

اشارة

عکس

2

التمهید إلی علم العقائد

تحقیق فی مباني المعارف الدینیّة، وتقییم للمناهج المعرفیّة البشریّة

السيّد حسین المدرّسيّ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسم الله الرحمن الرحیم

(اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة)

يُعدّ العلم والمعرفة أفضل وأكبر النِّعم الإلهيّة المهداة لعباد اللّه الصالحين لأنّه بالعلم يُعينهم اللّه على عبوديّته وبه یخضعون له، وهو من أكبر النعم التي بها يفتخرون في حياتهم الدنيا.

والعلماء الربّانيّون والعرفاء الإلهيّون هم من يستضيئون بهدى الأنبياء والأئمّة (علیهم السلام) ولا يشعرون بالتَّعب أو الملل أبداً في سلوك هذا الطريق. طريق العلم والعمل، ويتجنّبون الطُرُق الأُخرى التي لا تنتهي بهم إلى نيل معارف الأئمّة (علیهم السلام).

تهدف هذه المؤسّسة _ التي تأسّست بدافع إحياء آثار هذه الثلَّة المخلصة التي تحمّلت على عاتقها مهمّة الدفاع عن معارف الوحي والعلوم الإلهيّة الأصيلة _ إلى نشر هذا الفكر عبر الوسائل العصريّة المتاحة ومن اللّه التوفيق.

الفهرس

المقدّمة. 17

التمهيد. 25

1.

إذا أردتَ العلم. 25

2.

الحقّ لا يُعرف بالرجال.. 27

3.

أفلا يعقلون؟. 29

الباب الأوّل: إطلالة على بعض المناهج البشريّة / 33

المنهج الأوّل: المنهج الحسّي.. 36

1.

نبذة مختصرة. 36

2.

العلم والعقل في هذه المدرسة. 36

3.

بعض ما يرد على هذا المنهج.. 37

أوّلاً: الحدود الإدراكيّة للحسّ.... 37

ثانياً: إمكان تخلّف الحسّ.... 38

ثالثاً: حاجة الحسّ إلى الدليل.. 38

رابعاً: لوازم لا يمكن الالتزام بها 42

خامساً: إجابة عن بعض الشبهات... 42

الشبهة الأولى: مؤدّى التجربة. 42

الجواب: المدّعى أخصّ..... 43

الشبهة الثانية: تطوّر العلم.. 43

أولا: المصادرة بالمطلوب... 44

ثانيا: الخلط بين العقل والوهم.. 44

ثالثا: الاستدلال غير محسوس.... 44

رابعا: النقض..... 45

خامسا: كيفيّة التمييز في التجربة. 45

سادسا: قصور الحسّ عن تناول الكليّ... 45

الشبهة الثالثة: دوران العلم مدار الحسّ.... 46

الجواب، أمّا عن المقدّمة الأُولى (فقدان المولود للمدرَكات) 46

وأمّا عن المقدّمة الثانية (ابتداء المعرفة بابتداء التجربة) 46

وأمّا عن المقدّمة الثالثة (فقدان العلم بفقدان الحسّ) 46

ختاماً: حديث الاهليلجة. 47

المنهج الثاني: المنهج الفلسفيّ.. 61

1.

نبذة مختصرة. 61

2.

العقل والعلم في هذه المدرسة. 62

المقام الأوّل: العلم.. 63

المقام الثاني: العقل، وفيه مسائل.. 65

المسألة الأولى: البرهان العقليّ... 65

المسألة الثانية: البرهان العقليّ والصورة الذهنيّة. 69

المسألة الثالثة: برهان الإن واللم.. 70

المسألة الرابعة: العقل كيفيّة نفسانيّة، وأنّه إدراك للمفاهيم الكليّة 71

المسألة الخامسة: المراتب الأربعة للعقل النظريّ.. 73

العقل الفعّال ورابطته بالعقل الانسانيّ... 77

المسألة السادسة: الحسن والقبح العقليّان.. 80

3. بعض ما يرد على هذا المنهج.. 83

أ: الجواب عن العلم الفلسفيّ... 85

ب: الجواب عن العقل الفلسفيّ... 89

النتيجة. 105

المنهج الثالث: المنهج الصوفيّ.. 107

1.

نبذة مختصرة. 107

2.

معنى المكاشفة والموقف من العقل والعلم.. 108

أ: معنى المكاشفة. 108

ب: الموقف من العقل.. 109

ج: العقل أو العشق.. 112

د: الشريعة والطريقة والحقيقة. 114

ه: الحقيقة. 119

أوّلاً: في التوحيد. 119

ثانيا: في الإمامة. 122

ثالثا: العارف عند نفسه. 124

3. بعض ما يرد على هذا المنهج.. 128

المقام الأوّل: في تخطّي حكم العقل.. 128

1.

تخطأة العقل مفتاح الإنحراف.... 128

2.

بين ما لا يدركه العقل وما يدرك امتناعه. 130

المقام الثاني: المكاشفة في الميزان.. 132

1.

العرفان النظريّ والعمليّ... 132

2.

عدم عصمة الطريق.. 133

3.

سبيل إثبات حجّية المكاشفة. 137

4.

امتناع تحصيل مقدّمات الكشف إلا بغيره. 137

5.

انحصار الطريق.. 137

6.

فتح باب الوحي من جديد. 138

7.

المعنى الصحيح للمكاشفة. 139

المقام الثالث: التصوّف والشريعة. 141

1.

التنافي بين الطريقة والشريعة. 141

2.

التنافي بين الحقيقة والشريعة. 142

3.

رأي العرفاء والصوفيّة في الأديان والمذاهب... 147

النتيجة. 148

ملحق في منهج الحكمة المتعالية. 150

نبذة مختصرة. 150

أوّلا: العرفان في هذا المنهج.. 153

ثانياً: العلم في هذا المنهج.. 163

ثالثاً: العقل في هذا المنهج.. 166

بعض ما يرد على هذا المنهج مضافاً على ما مرّ. 166

1. التقاطع بين المنهج البشريّ والمنهج الوحيانيّ... 167

وشهد شاهد من أهلها 169

2.

موضع العلوم الوحيانيّة في منظار المنهج الفلسفيّ... 174

3.

ما فرّطنا في الكتاب من شيء. 181

طلب الحكمة من أفواه المجانين.. 182

4.

فساد نظريّة العلم الحضوريّ وتجرّد النفس.... 185

5.

بعض الفوارق بين مدرسة الوحي والفلسفة والعرفان.. 190

6.

خلط المعاني اللغويّة بالمعاني الاصطلاحيّة. 192

النتيجة. 197

الباب الثاني: معرفة العلم والعقل / 201

المقصد الأوّل: في معرفة العلم. 204

1.

معرفة النفس.... 204

2.

حقيقة العلم.. 206

تنبيهات في بطلان العلم بالمعنى الاصطلاحي... 212

العلم غير العالم.. 212

العلم غير المعلوم.. 213

العلم في العلوم الإلهيّة والعلم في العلوم البشريّة. 214

3.

معدن العلم ومحلّه. 214

4.

مسألة طلب العلم.. 224

أ: فضل العلم.. 224

ب: وجوب طلب العلم، وما يجب تعلّمه. 228

ج: ثمار العلم وميراثه. 231

د: أصناف طلبة العلم.. 232

ه: العلم الذي في القلب والعلم الذي على اللسان.. 233

فائدة في اليقين.. 239

أحاديث في فضل اليقين.. 244

من آثار اليقين.. 245

و: شرط العلم.. 248

المقصد الثاني: في معرفة العقل.. 251

1. المدخل.. 251

بيان.. 253

2. حقيقة العقل.. 257

أ: الرابطة بين العقل وبين الفكر والفهم.. 261

ب: الرابطة بين العقل والعلم وفيه مسائل.. 263

أولا: حقيقة العقل من العلم.. 263

ثانيا: العلم إمام العقل.. 264

ثالثاً: الأخذ عن العلماء الإلهيين هو من العقل.. 267

رابعاً: وقوف العاقل عند علمه. 269

3.

قيمة العقل.. 271

4.

زيادة العقل وتقويته. 276

أ: الذكر. 279

ب: المسألة من الله تعالى... 280

ج: عقال النفس.... 281

د: التعقّل.. 281

ه: العلم.. 282

و: الارتباط بذوي العقول.. 283

ز: اتّباع الحقّ وطاعة الناصح.. 284

ح: الزهد في الدنيا 285

ط: التجربة. 286

5. نقصان العقل وزواله. 286

أ: تمهيد في مسألة الغفلة وأهميّة معرفة الحجب... 286

ب: شدّة الحاجة إلى التذكير. 288

ج: بين الحجاب وبين العمى... 289

د: علاج العمى والغفلة. 291

ه: المحافظة على نور العقل.. 292

1.

الجهل وترك الاستماع عن ذوي العقول.. 296

2.

مصاحبة الجاهل.. 297

3.

التشكيك... 297

4.

العُجب... 297

5.

الهوى.. 298

6.

الشهوة. 299

7.

التعلّق بالدنيا 300

8.

الأمل.. 301

9.

الكبر. 302

10.

الغرور. 302

11.

الطمع.. 302

12.

الغضب... 302

13.

اللهو. 303

14.

طلب الباطل والمراء والجدل.. 303

15.

شرب الخمر وكلّ مسكر. 304

16.

كثرة الأكل.. 304

17.

الوصيّة الجامعة للإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام). 305

18.

العقل وسعة كشف أصول العقائد. 320

أ: موضع الدليل النقليّ من الأدلّة العقليّة. 321

ب: موضع الفطرة من الأدلّة العقليّة. 321

ج: الإشارة إلى خلاصة أصول العقائد المكشوفة بنور العقل 324

تفصيل الكلام في الدليل العقليّ على العقائد الأصليّة. 325

الأمر الأوّل: دلالة المصنوع على الصانع وإثبات المصنوعيّة. 325

أ: دلالة المصنوع على الصانع.. 325

ب: من آيات المصنوعيّة. 327

أوّلاً: المسبوقيّة بالعدم.. 327

ثانياً: دوام التغيّر. 327

ثالثاً: فقدان الكمالات... 328

الأمر الثاني: دلالة المصنوعات على كمال الصانع.. 330

الأمر الثالث: توحيد الصانع.. 332

أوّلاً: تذكير العقلاء بفطرتهم.. 332

ثانيا: انتظام الخلق وتأليف أجزاء العالم.. 334

ثالثا: الشراكة تساوق النقص..... 335

رابعا: إحاطة القدرة لا تقبل التعدّد. 335

خامسا: التسبيح ونفي الشريك... 336

الأمر الرابع: الوجوب العقليّ للطاعة والحرمة العقليّة للمعصية 336

الأمر الخامس: الحاجة إلى الأنبياء والهداة. 337

الأمر السادس: عصمة الأنبياء. 341

الأمر السابع: الحاجة إلى البيّنات... 342

الأمر الثامن: وجوب التسليم للأنبياء. 343

الأمر التاسع: ضرورة التمييز بين المؤمن والجاحد. 344

الأمر العاشر: الاختيار ونفي الجبر. 344

الأمر الحادي عشر: ضرورة عدم انتهاء الخلق بهذه الدنيا 345

أمّا ما وراء هذه الحقائق.. 346

الاعتقاد وصريح كشف العقول.. 346

الآيات القرآنيّة والتنبيه على المعارف الاعتقاديّة. 348

العقيدة حسب تقرير المعصومين صلوات الله عليهم.. 356

حديث منصور بن حازم.. 356

حديث عبد العظيم الحسني... 357

حديث حمران بن أعين.. 358

حديث عمرو بن حريث... 359

حديث خالد البجليّ... 360

حديث يوسف بن ثابت... 361

حديث الحسن بن زياد. 361

حديث أبي الجارود. 362

وقفة مع الملاّ صدرا 362

8.

حدود العقل.. 373

9.

اكتناه الله سبحانه وتعالى... 373

10.

القضاء والقدر. 377

11.

تفسير القرآن.. 377

12.

ملاكات الأحكام.. 380

13.

الإحاطة بأسرار الخلق واستقصاء الحقائق.. 382

فائدة: في اعتراف طلائع العلم البشريّ بالقصور والعجز. 382

9. في الفكر والتفكّر. 388

المقام الأوّل: التفكّر في اللّغة والنصوص..... 389

التفكّر في اللغة. 389

ما يقابل التفكّر. 391

السهو في اللغة. 391

موضع التفكير. 393

التفكّر الممدوح والتفكّر المذموم.. 395

المقام الثاني: التفكّر في الفلسفة. 399

الجواب... 403

المقصد الثالث: في القطع وفي حجّيّته. 405

التنبيه على امتياز العلم عن القطع.. 405

سعة حجّيّة القطع عند العقلاء. 408

فائدتان.. 415

الأولى: سبب الخلط من قِبل بعض المحقّقين.. 415

الثانية: إشكاليّة إمضاء القطع.. 418

سلمان نموذجاً 422

العلم في زمن الظهور. 424

بعض الأخبار في هذا المعنى... 425

الباب الثالث: مسألة تعارض العقل والنقل.. 429

مسألة تعارض العقل والنقل.. 431

التعارض بين النقل والعقل الاصطلاحيّ... 434

نماذج أربعة من التعارض..... 435

الأوّل: التوحيد أو الوحدة؟. 435

الثاني: المعاد الجسمانيّ أو المعاد المثاليّ؟. 443

الثالث: الجبر. 448

الرابع: العذاب أو العذب؟. 459

كلمة الختام.. 468

المصادر. 471

چکیده. 488

الملخّص. 489

بیان المؤسّسة. 491

المقدّمة

الحمد للّه الّذى علا في توحّده، ودنا في تفرّده، وجلّ في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكلّ شيء علماً وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، مجيداً لم يزل، محموداً لا يزال، بارىء المسموكات وداحى المدحوّات، وجبّار الأرضين والسّماوات، قدّوس سبّوح ربّ الملائكة والرّوح، متفضّل على جميع من برأه، متطوّل على من أدناه، يلحظ كلّ عين والعيون لا تراه، كريم حليم ذو أناة، قد وسع كلّ شيء رحمته، ومنّ عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه ولا يبادر إليهم بما استحقّوا من عذابه، قد فهم السّرائر وعلم الضمائر، ولم تخفَ عليه المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيّات، له الإحاطة بكلّ شيء، والغلبة على كلّ شيء، والقوّة في كلّ شيء، والقدرة على كلّ شيء، لا مثله شيء، وهو منشىء الشيء حين لا شيء، دائم قائم بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم، جلّ عن أن تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير، لا يلحق أحد وصفه من معاينة، ولا يجد أحد كيف هو من سرّ وعلانية إلاّ بما دلّ عزّوجلّ على نفسه، وأشهد بأنّه الّذي ملأ الدّهرَ قدسه، والّذي يغشى الأبدَ نوره، والّذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تدبير، صوّر ما أبدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلّفٍ ولا احتيال، أنشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو اللّه لا إله إلاّ هو المتقن الصنعة، الحسن الصنيعة، العدل الّذى لا يجور، والأكرم الّذي ترجع إليه الأمور.

و أشهد أنّه الّذي تواضع كلّ شيء لعظمته، وذلّ كلّ شيء لعزّته، واستسلم كلّ شيء لقدرته، وخشع كلّ شيء لهيبته، مالك الأملاك، ومفلّك الأفلاك، ومسخّر الشمس

والقمر، كلّ يجرى لأجل مسمّى، يكوّر اللّيل على النّهار ويكوّر النّهار على اللّيليطلبه حثيثا، قاصم كلّ جبّار عنيد، ومهلك كلّ شيطان مَريد، لم يكن معه ضدٌّ ولا ندٌّ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إله واحد وربّ ماجد، يشاء فيمضي ويريد فيقضي، ويعلم فيحصي ويميت ويحيي، ويفقر ويغني، ويضحك ويبكي، ويدني ويقصي، ويمنع ويثري، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، يولج اللّيل فى النّهار ويولج النّهار فى اللّيل ألا هو العزيز الغفّار، مجيب الدّعاء ومجزل العطاء محصي الأنفاس وربّ الجِنّة والنّاس، لا يشكل عليه شيء، ولا يضجره صراخ المستصرخين، ولا يبرمه إلحاح الملحّين، العاصم للصّالحين والموفّق للمفلحين، ومولى المؤمنين وربّ العالمين، الّذي استحقّ من كلّ من خلق أن يشكره ويحمده على السرّاء والضرّاء والشدّة والرخاء.(1)

و الحمد للّه الّذي جعل الحمد على عباده من غير حاجة منه إلى حامديه، وطريقا من طرق الإعتراف بلاهوتيّته وصمدانيّته وربانيّته وفردانيّته، وسببا الى المزيد من رحمته، ومحجّة للطّالب من فضله، وكمّن في إبطان اللّفظ حقيقة الإعتراف له بأنّه المنعم على كلّ حمد باللّفظ، وإن عظم.

و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، شهادة نزعت عن إخلاص المطويّ ونطق اللّسان بها عبارةً عن صدق خفيّ أنّه الخالق البديء المصوّر (لَهُ الأسْماءُ الحُسْنَى)(2)(لَيسَ كَمثلِهِ شَيءٌ)(3)إذا كان الشّيء من مشيّته، وكان لا يشبهه مكوَّنه.

و الحمد للّه الّذي لم يدع الخلق في بُهم صمّاء، ولا في عمى بكماء بل جعل لهم عقولاً مازجت شواهدهم، وتفرّقت في هياكلهم، حقّقها في نفوسهم واستعبد لها حواسّهم، فقرّت بها على أسماع ونواظر، وأفكار وخواطر ألزمهم بها حجّته، وأراهم بها محجّته، وأنطقهم عمّا تشهد به بألسنة ذَرِبة بما قام فيها من قدرته وحكمته، وبيّن


1) . بحارالأنوار، ج37، ص204 _ 206 (الخطبة الغديريّة للنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)).

2) . سورة طه (20)، الآية 8؛ سورة الحشر (59)، الآية 24.

3) . سورة الشورى (42)، الآية 11.

عندهم بها (ليَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَةٍ ويَحيَي مَنْحَيَّ عَنْ بَيّنَةٍ وإنَّ اللّه لَسَمِيعٌ عَليمٌ)(1)بصير شاهد خبير.(2)

و أفضل الصلوات والتّحيّات على من أمر اللّه تعالى بالصّلاة عليه مزيداً في تكرمته، وطريقاً للدّاعي إلى إجابته، فصلّى اللّه عليه وكرّم وشرّف وعظّم مزيداً لا يلحقه التنفيد، ولاينقطع على التأبيد.

ثمّ الصلاة والتحيّة على من اختصّهم لنفسه بعد نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) من بريّته، وعلاهم بتعليته، وسما بهم إلى رتبته، وجعلهم الدعاة بالحقّ إليه والأدلاء بالإرشاد عليه، لقرنٍ قرن، وزمن زمن. أنشأهم في القدم قبل كلّ مذروء ومبروء، أنواراً أنطقها بتحميده وألهمها بشكره وتمجيده، وجعلها الحجج له على كلّ معترف له بملكوت الرّبوبيّة وسلطان العبوديّة، واستنطق بها الخَرسات بأنواع اللّغات، بخوعاً له بأنّه فاطر الأرضين والسّماوات، وأشهدهم خلقه، وولاّهم ما شاء من أمره، جعلهم تراجمة مشيّته، وألسن إرادته، عبيدا (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَولِ وهُمْ بِأمرهِ يَعمَلونَ * يَعلمُ مَا بَينَ أيْديهِمْ ومَا خَلفَهُم ولا يشْفَعُونَ إلاّ لِمَنْ ارتَضَى وهُمْ مِنْ خَشْيتِهِ مُشْفِقونَ)(3)يحكمون بأحكامه ويسنّون سنّته ويعتمدون حدوده، ويؤدّون فروضه.(4)

ولا سيّما على الإمام المبين والكهف الحصين وغياث المضطرّ المستكين، الّذي بيُمنه رُزق الورى وبوجوده ثبتت الأرض والسّماء؛ الإمام الثاني عشر والحجّة المنتظر مولانا وسيدنا ووليّ نعمتنا المهديّ بن الحسن العسكري روحي وأرواح العالمين لتراب مَقدمه الفداء.

و اللّعن الدّائم السّرمد على من صدّ عن الحقّ وعن الصّراط المستقيم ومن عادى حجج اللّه وأولياءه الهداة المعصومين، وغصبهم حقّهم وظلمهم وناواهم، الّذين قال اللّه تعالى في حقّهم: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوار *


1) . سورة الأنفال (8)، الآية 42.

2) . المصباح (للكفعميّ)، ص695.

3) . سورة الأنبياء (21)، الآيتان 27 _ 28.

4) . لاحظ: خطبة أميرالمؤمنين (علیه السلام) يوم الغدير التي صادفت يوم الجمعة؛ مصباح الكفعميّ، ص695.

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ الْقَرار)(1)حيث أنّهم السّبب في حرمان الخلق منالنّعيم الحقيقيّ والسعادة الأبديّة والأنوار الإلهيّة.

أمّا بعد..

فلا تخفى على العاقل أهمّية علم العقائد، فإنّها منطلق أفعال الإنسان في حياته، وسبب سعادته في آخرته، فلو كان الدين شجرة ثابتة ومثمرة، كانت العقيدة أصلَها التي تنمو بسببها الثمار وتخضرّ ببركتها الأوراق. وربما اشتدّ الأصل من خلال فروعه، فإنّه «...كَيْفَ يُطَاعُ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ مَنْ لَا يُطَاعُ...».(2)لكن تبقى عقيدة العبد سبب صحّة أفعاله أو فسادها.

فكلّ ما يصدر من الإنسان فرع لعقيدته، وهذا هو سرّ إرجاع أهل البيت عليهم السلام والفقهاء من أصحابهم مناظراتهم مع المنحرفين إلى الأصول والأسس؛ لأنّ كلّ انحراف في فرع سببه خلل ما في الأصل.

ففي عيون المعجزات، عَنْ عُمَرَ بْنِ فَرَجٍ الرُّخَّجِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام): إِنَّ شِيعَتَكَ تَدَّعِي أَنَّكَ تَعْلَمُ كُلَّ مَاءٍ فِي دِجْلَةَ ووَزْنَهُ؟ وَكُنَّا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ. فَقَالَ (علیه السلام) لِي: «يَقْدِرُ الله تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى بَعُوضَةٍ مِنْ خَلْقِهِ أَمْ لَا؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، يَقْدِرُ. فَقَال (علیه السلام): «أَنَا أَكْرَمُ عَلَى الله تَعَالَى مِنْ بَعُوضَةٍ وَمِنْ أَكْثَرِ خَلْقِهِ».(3)

فإنّ منشأ شبهة السائل في استيعاب سعة علم الإمام (علیه السلام) كان في عدم قدرة الله تعالى، واستحالة تحميل العلم للمخلوق، ولو صحَّ إعتقاده هنالك لم يكن ليشكل عليه هنا. وهكذا هي أغلب مشاكل العباد فإنّها وليدة خطأ ما في الأسس الفكريّة.


1) . سورة إبراهيم (14)، الآيتان 28 _ 29.

2) . بصائر الدرجات، ج1، ص536، ح2. وعن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «قَالَ حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ: إِنَّ مَثَلَ هَذَا الدِّينِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ ثَابِتَةٍ؛ الْإِيمَانُ أَصْلُهَا، والصَّلَاةُ عُرُوقُهَا، والزَّكَاةُ مَاؤُهَا، والصَّوْمُ سَعَفُهَا، وحُسْنُ الْخُلُقِ وَرَقُهَا، والْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ ثَمَرُهَا، فَلَا تَكْمُلُ شَجَرَةٌ إِلَّا بِالثَّمَرِ، كَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِم». علل الشرائع، ج1، ص249، ح5.

3) . عيون المعجزات، ص124.

ثمّ إنّ كلمة «العقيدة» في أصل اللغة مأخوذة من الشدّ(1)لأنّالإنسان يعقد قلبه ويشدّه على الأمر المعتقَد به، وهو عمل اختياريّ، فيحتاج فيه إلى حجّة يحتجّ بها، قال تعالى: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلا).(2)

وفي تفسير القمّي: «يُسْأَلُ السَّمْعُ عَمَّا سَمِعَ وَالْبَصَرُ عَمَّا نَظَرَ وَالْفُؤَادُ عَمَّا إعتَقَدَ عَلَيْهِ».(3)

أصل هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ عبارة عن بحوث استفدتها من العلّامة المحقّق والخبیر المدقّق، الشيخ محمّد باقر علم الهدى (طاب ثراه) في مدينة مشهد المقدّسة، من عام 1426ق إلى سنة وفاته 1431 ق(4)

كنت ولا أزال أتفكّر في شدّة مراقبة هذا الرجل لأفعال نفسه وأقواله، وفي عزوفه عن طلب الدنيا وتحرّزه عن الصيت، وفي استيحاشه من خفق النِعال خلفه ومن خوف الإطراء. كان يؤكّد أنّ طلب العلم يحتاج إلى تزكية النفس، وأنّ العالم لا يشبع من العلم ولا يتشبّع به، وقد كان نموذجاً في ذلك، خالعاً عن نفسه سربال حبّ الشهرة. كان كثير التفكّر، ويخاف ممّا قد يبتلى به طالب العلم من سكر العلم والنزوع الى الجاه والتصدّر في المحافل والإشارة بالبنان، كان راغبا في لقاء الله.

لم يكن يهتمّ برواية الحديث ودرايته أكثر مما يهتمّ برعايته، ولم تكن تربيته الأخلاقية أقلّ شأناً عنده من التعليم، وإذا أراد إعطاء العلم راقب أوعيته، يخاف عند بذله، ويداوم على التأكيد على إعطاء العلم حقّه، ويعلّم تلامذته بعمله كما بعلمه.

وعلى خلاف ما ترى الكثير من أهل هذا الزمان، كان مجدّاً مجتهداً في طلب علوم الثِقلين، زاهداً في اللا طائلات، بدنه منه في تعب، ولا يعرف الراحة، ولا يملّ من مائدة القرآن والحديث، ومع ذلك يتأسّف قائلا: بحار علوم آل محمد (علیهم السلام) بين أيدينا ولكنّنا ضيّعناها وغُررنا بغیرها.

وهذه أخلاق من يلازم أهل البيت ولا يركن إلى غيرهم، «يَا كُمَيْلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَدَّبَهُ الله عزّ وجلّ وهُوَ أَدَّبَنِي وأَنَا أُؤَدِّبُ الْمُؤْمِنِينَ».بحارالانوار، ج74، ص267، ح1

كان عالما مشفقاً خائفاً، ولا غرو فقد تخرّج من مدرسة الوحي التي تعلّم كيف يكون العبد عبداً قبل أن يكون عالماً، وتؤدّبه قبل أن يقوم بتأديب غيره.

أسأل الله تعالى أن يتغمّد الشيخ بواسع رحمته ويبوّءه منازل العلماء الأتقياء في الجنان ويحشره وإيّانا مع النبي وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم، إنّه سميع مجيب.

الشیخ علم الهدی في سطور

تتلمذ على أيدي الجهابذة من علماء مدينة مشهد المقدّسة، كآية اللّه العظمى السيّد محمّد هادي الميلانيّ، وآية اللّه الشيخ حسنعليّ المرواريد، وآية اللّه الميرزا جواد الطهرانيّ، وآية اللّه الشيخ عليّ النمازيّ الشاهروديّ، وآية اللّه الشيخ عليّ الفلسفيّ، وآية اللّه السيّد محمود المجتهديّ السيستانيّ، فحصد من كلّ شجرة أطيبها واغترف من كلّ معين أصفاه، حتّى صار ذلك العالم العامل الذي ما برح يتضوّع شذاه والخطيب الفقيه الذي لم تزل تفوح علومه ونَداه.

لقد جمع سماحته بين الدقّة وحُسن البيان، الأمر الذي تشهد عليه تأليفاته وتقريرات دروسه مثل كتاب سدّ المفرّ على القائل بالقدَر والذي أبطل فيه مذاهب الجبر والتفويض وأجاب عن شبه الفلاسفة وضلالاتهم. من مؤلّفاته:

· خورشید اسلام چگونه درخشید؟ (6 أجزاء)، منشورات طوس _ فارسيّ.

· كمال هستی در عصر ظهور، منشورات طوس _ فارسيّ.

· البداء آية عظمة اللّه _ منشورات الولاية _ عربيّ، (تقريرات دروسه بقلم السيّد عليّ الرضويّ).

· معرفة اللّه _ منشورات الولاية _ عربيّ، (تقريرات دروسه بقلم السيّد عليّ الرضويّ).

· سدّ المفرّ على منكر عالم الذرّ _ عربيّ، (تقريرات دروسه بقلم السيّد عليّ الرضويّ).

· شفاعت (3 أجزاء) _ منشورات منیر _ فارسيّ.

· سدّ المفرّ على القائل بالقدر _ منشورات منير _ عربيّ، (تقريرات دروسه بقلم السيّد عليّ الرضويّ والشيخ حسن الكاشانيّ والشيخ أمير الفخّاريّ).

· البصيرة والعمى في كلام الباري وأولي النُهى _ منشورات میقات _ عربيّ.

· حديث النفس في أحاديث أهل البيت عليهم السلام _ منشورات فدك _ عربيّ.

· الضمان فيما ورد من المنّان وخلفاءه (علیهم السلام) _ عربي.

· النبيّ وآله (علیهم السلام) كلّهم نور واحد _ منشورات طوس _ عربيّ.

· حضرت حمزه (علیه السلام)، مدافع حق _ منشورات منیر _ فارسيّ.

لبّى شيخنا الأستاذ علم الهدى نداء ربّه في السادس من شهر رمضان عام 1431 ه.ق، ودُفن حسب وصيّته في كربلاء المقدّسة.

وقد أضفت إليها فوائد ورتّبتها

1) . التحقيق في كلمات القرآن، ج8، ص188.

2) . سورة الإسراء (17)، الآية36.

3) . تفسير القمّي، ج2، ص19؛ وفي تفسير الإمام العسكري (علیه السلام)، ص281: «وَالقَلب عَمَّا عَقَدَ عَلَيهِ».

4) . من منن الله سبحانه عليّ أنّه رزقني مجاورة عالِم آل محمّد الإمام الرؤوف أبي الحسن الرضا (علیه السلام) وفي كنف رأفته ولطفه، وهداني للتعرّف على عالم من علماء مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) هناك، وهو المرحوم العلَم العلامة الشيخ محمّد باقر علم الهدى، للاستماع منه في المعارف الإلهيّة ونقد المنهج البشريّ في المعرفة، فيا إلهي لا أحصي ثناءاً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

ونقّحتها، والحمد لله كما هو أهله.

يدور البحث في موضوع يُعتبر مدخلاً لعلم العقائد، كونه ينظرفي المباني التي

تُستخرج العقائد منها ويصلح للمحاججة فيها. وهو بعون الله وألطاف الإمام المنتظر وأنوار علوم أهل البيت (علیهم السلام) مساهمة في الدفاع عن مدرسة القرآن والسنّة، وتنبيه للطالب على تمايز طريقة النبيّ وأهل بيته في الدعوة عن طريقة البشر.

ويقع الحديث عن هويّة العقل والعلم، وعمّا ينكشف للعاقل بالعقل في مجال العقيدة، وكيفيّة الاستفادة الصحيحة من العقل، وفي غضون البحث يقع الكلام في مسائل ذات صلة من قبيل مسألة حُجُب العلم، ومعدنه، وعن معنى التعليم والتعلّم، وحدّ العلم، وما يجب طلبه من العلم وما يمتنع، ومعرفة ما يوجب الاستنارة بنور العقل وما يزيله، وأيضاً مسألة التفكّر، وحجّيّة القطع، وتعارض العقل والنقل.

أسأل الله تعالى أن ينفع به المؤمنين، ويتقّبله بمنّه ولطفه، ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

حسين هادي المدرسي

التمهيد

اشارة

قبل الدخول في صلب البحث لابدّ من التذكير بأمور ثلاثة:

1. إذا أردتَ العلم

في مستهلّ البحث نلفت النظر إلى وصيّة من مولانا الصادق (علیه السلام) كانت ولا تزال محلّ اهتمام بعض الأساطين وتتعلّق بمسألة طلب العلم، فنرجو من القارئ التمعّن فيها والسعي للعمل بما تمليه الوصيّة القيّمة، ولذلك نوردها بتمامها.

قال العلّامة المجلسي(رضوان الله تعالی علیه): (وَجَدْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْبَهَائِيِّ قَدَّسَ الله رُوحَهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ: قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الْفَرَاهَانِيِّ (رحمه الله) عَنْ عُنْوَانَ الْبَصْرِيِّ وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً قَالَ: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سِنِينَ، فَلَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (علیه السلام) الْمَدِينَةَ اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ آخُذَ عَنْهُ كَمَا أَخَذْتُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ لِي يَوْماً: إِنِّي رَجُلٌ مَطْلُوبٌ وَمَعَ ذَلِكَ لِي أَوْرَادٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَلاَ تَشْغَلْنِي عَنْ وِرْدِي وَخُذْ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَلِفْ إِلَيْهِ كَمَا كُنْتَ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ.

فَاغْتَمَمْتُ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ تَفَرَّسَ فِيَّ خَيْراً لَمَا زَجَرَنِي عَنِ الاخْتِلافِ إِلَيْهِ وَالأَخْذِ عَنْهُ.

فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعْتُ مِنَ الْغَدِ إِلَى الرَّوْضَةِ وَصَلَّيْتُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ وَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ يَا الله يَا الله أَنْ تَعْطِفَ عَلَيَّ قَلْبَ جَعْفَرٍ (علیه السلام) وَتَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِهِ مَا أَهْتَدِي بِهِ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ.

وَرَجَعْتُ إِلَى دَارِي مُغْتَمّاً وَلَمْ أَخْتَلِفْ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِمَاأُشْرِبَ قَلْبِي مِنْ حُبِّ جَعْفَرٍ (علیه السلام).

فَمَا خَرَجْتُ مِنْ دَارِي إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ حَتَّى عِيلَ صَبْرِي.

فَلَمَّا ضَاقَ صَدْرِي تَنَعَّلْتُ وَتَرَدَّيْتُ وَقَصَدْتُ جَعْفَراً (علیه السلام) وَكَانَ بَعْدَ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ فَلَمَّا حَضَرْتُ بَابَ دَارِهِ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ خَادِمٌ لَهُ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَى الشَّرِيفِ.

فَقَالَ: هُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ فَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ بَابِهِ فَمَا لَبِثْتُ إِلَّا يَسِيراً إِذْ خَرَجَ خَادِمٌ فَقَالَ: ادْخُلْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.

فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ (علیه السلام) فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ: «اجْلِسْ غَفَرَ الله لَكَ».

فَجَلَسْتُ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: «أَبُو مَنْ؟»، قُلْتُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ (علیه السلام): «ثَبَّتَ الله كُنْيَتَكَ وَوَفَّقَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله، مَا مَسْأَلَتُكَ؟».

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنْ زِيَارَتِهِ وَالتَّسْلِيمِ غَيْرُ هَذَا الدُّعَاءِ لَكَانَ كَثِيراً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «مَا مَسْأَلَتُكَ؟»، فَقُلْتُ: سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَعْطِفَ قَلْبَكَ عَلَيَّ وَيَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِكَ وَأَرْجُو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَنِي فِي الشَّرِيفِ مَا سَأَلْتُهُ.

فَقَالَ (علیه السلام): «يَا أَبَا عَبْدِ الله، لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ فَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَاطْلُبِ الْعِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَاسْتَفْهِمِ اللَّهَ يُفْهِمْكَ».

قُلْتُ: يَا شَرِيفُ، فَقَالَ: «قُلْ يَا أَبَا عَبْدِ الله»، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الله، مَا حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ؟

قَالَ (علیه السلام): «ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ؛ أَنْ لَا يَرَى الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ الله مِلْكاً لِأَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلْكٌ، يَرَوْنَ الْمَالَ مَالَ الله يَضَعُونَهُ حَيْثُ أَمَرَهُمُ الله بِهِ، ولَا يُدَبِّرُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ تَدْبِيراً، وَجُمْلَةُ اشْتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ الله تَعَالَى مِلْكاً هَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ فِيمَا أَمَرَهُ الله تَعَالَى أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ، وَإِذَا فَوَّضَ الْعَبْدُ تَدْبِيرَنَفْسِهِ عَلَى مُدَبِّرِهِ هَانَ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَإِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ الله تَعَالَى وَنَهَاهُ لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا أَكْرَمَ الله الْعَبْدَ

بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَان عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإِبْلِيسُ وَالْخَلْقُ، وَلَا يَطْلُبُ الدُّنْيَا تَكَاثُراً وَتَفَاخُراً، وَلَا يَطْلُبُ مَا عِنْدَ النَّاسِ عِزّاً وَعُلُوّاً، وَلَا يَدَعُ أَيَّامَهُ بَاطِلًا، فَهَذَا أَوَّلُ دَرَجَةِ التُّقَى قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1)».

قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الله أَوْصِنِي. قَالَ (علیه السلام): «أُوصِيكَ بِتِسْعَةِ أَشْيَاءَ فَإِنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إِلَى الله تَعَالَى، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي رِيَاضَةِ النَّفْسِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْحِلْمِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ، فَاحْفَظْهَا وَإِيَّاكَ وَالتَّهَاوُنَ بِهَا». قَالَ عُنْوَانُ: فَفَرَّغْتُ قَلْبِي لَهُ.

فَقَالَ (علیه السلام): «أَمَّا اللَّوَاتِي فِي الرِّيَاضَةِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيهِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْحَمَاقَةَ وَالْبَلَهَ وَلَا تَأْكُلْ إِلَّا عِنْدَ الْجُوعِ، وَإِذَا أَكَلْتَ فَكُلْ حَلَالًا وَسَمِّ اللَّهَ وَاذْكُرْ حَدِيثَ الرَّسُولِ (صلی الله علیه و آله و سلم): مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ.

وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْحِلْم، فَمَنْ قَالَ لَكَ: إِنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْراً فَقُلْ: إِنْ قُلْتَ عَشْراً لَمْ‌تَسْمَعْ وَاحِدَةً، وَمَنْ شَتَمَكَ فَقُلْ لَه: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَقُولُ فَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَإِنْ كُنْتَ كَاذِباً فِيمَا تَقُولُ فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ، وَمَنْ وَعَدَكَ بِالْخَنَا فَعِدْهُ بِالنَّصِيحَةِ وَالرِّعَاءِ.

وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْعِلْمِ، فَاسْأَلِ الْعُلَمَاءَ مَا جَهِلْتَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ تَعَنُّتاً وَتَجْرِبَةً وَإِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ بِرَأْيِكَ شَيْئاً وَخُذْ بِالاحْتِيَاطِ فِي جَمِيعِ مَا تَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَاهْرُبْ مِنَ الْفُتْيَا هَرَبَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَلَا تَجْعَلْ رَقَبَتَكَ لِلنَّاسِ جِسْراً، قُمْ عَنِّي يَا أَبَا عَبْدِ الله فَقَدْ نَصَحْتُ لَكَ وَلَا تُفْسِدْ عَلَيَّ وِرْدِي فَإِنِّي امْرُؤٌ ضَنِينٌ بِنَفْسِي وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى)».(2)

2. الحقّ لا يُعرف بالرجال

حيث يتمّ استعراض المدارس المختلفة في المعرفة، لابدّ من التذكّر المستمرّ لقول الله


1) . سورة القصص (28)، الآية 83.

2) . مشكاة الأنوار، ص325 _ 328.

تعالى: (الحَقّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَع).(1)

وفي روضة الواعظين، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «الْحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، اعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَه».(2)

وفي مجالس المفيد، عنه (علیه السلام) أيضاً: «إِنَّ دِينَ الله لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ بَلْ بِآيَةِ الْحَقِّ، وَالْآيَةُ الْعَلَامَةُ، فَاعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ».(3)

فمن يطلب الحقيقة عليه أن يهيّئ نفسه للتواضع أمام الحقّ إذا ظهر له، وأن يحرّر نفسه من التقليد الأعمى.

وفي الكافي، عن أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام):

«إِيَّاكَ وَالرِّئَاسَةَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ». قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا، وَأَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ! فَقَالَ (علیه السلام) لِي: «لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِيَّاكَ أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ...».(4)

وطبيعة البحث العلميّ الذي يُرجى منه التوصّل إلى النتيجة تقتضي عدم التسليم لرأي غير مستند إلى دليل، فإنّ ذلك لا يلائم التحقيق وطلب العلم، ومن يكون الميزان عنده الرجال عاث في مهبّ أهوائهم.

ورد في كتاب الغيبة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينِ بِالرِّجَالِ أَخْرَجَهُ مِنْهُ الرِّجَالُ كَمَا أَدْخَلُوهُ فِيهِ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ بِالْكِتَابِوَالسُّنَّةِ، زَالَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ».(5)


1) . سورة يونس (109)، الآية 35.

2) . روضة الواعظين، ج1، ص31.

3) . تأويل الآيات الظاهرة، ص626، وفي حديث آخر: «مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينِ بِالرِّجَالِ أَخْرَجَهُ مِنْهُ الرِّجَالُ كَمَا أَدْخَلُوهُ فِيهِ، ومَنْ دَخَلَ فِيهِ بِالْكِتَابِ والسُّنَّةِ زَالَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ»؛ الغيبة (للنعماني)، ص22.

4) . الكافي، ج2، ص298، ح5.

5) . الغيبة (للنعماني)، ص22؛ ستتنبّه إن شاء الله أنّ الدخول في الدين بالكتاب والسنّة هو عين دعوة العقل الكاشف عن الواقع.

ولمّا كانت الغاية من هذه البحوث التوصّل إلى الحقيقة فإنّ انتقاد الأشخاص إنّما هو لانتقاد أفكارهم، وأمّا الحكم على شخصهم فحيث لا يوجد تلازم بين ذكرهم للنظريّات وبين الالتزام بلوازمها، وأنّه ليس مَن طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه، فلا يمكن أن يُكال العالم وغير العالم والقاصر والمقصّر بمكيال واحد، فهنالك من لو تبيّن له خطأ الطريق أو النتيجة لتنكّبهما، وهناك من يستحبّ العمى ويؤثر الهوى على الهدى، فالغاية من ذكر أسماء الأشخاص إنّما هو لتحقيق ما يُنسب إليهم ومناقشة أقوالهم وآرائهم فحسب.

نؤكّد مرّة أخرى أنّ من أهمّ ركائز الهداية هو حفظ حريّة الفكر، فكم مِن محروم من رؤية الحقيقة بسبب نظريّة من هنا أو هناك كبّلت ناظره وأغشت فكره، فاستصغر نور عقله في قبال اسم لامع وشخصيّة مرموقة، وأضحى بالتالي ضحيّة أفكار غیره.

إذا كان بعض من اشتهر بالعلم قد تبنّى نظريّة فاسدة كالجبر من باب المثال، ويأتي الحديث فيه، فهل يقدّم العاقل عقله على ذلك الشخص أو يقدّم الشخص على عقله؟ قال أميرالمؤمنين (علیه السلام) في وصيّته لولده الإمام المجتبى (علیه السلام) في تعبيرٍ جامعٍ وجيز:

جاء في نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين علي (علیه السلام) أنّه قال: «ولا تكن عبدَ غيرِك وقد جعلَكَ الله حُرّاً»(1).

3. أفلا يعقلون؟

ينظر الإنسان في خلق السماوات والأرض ويلمس قلّة حيلته وباعِه وشدّة جهله وحيرته. وإذا نظر بعقله إلى عقله فسرعان ما يجد أنّ هذا العقل مفتاح أمره ودليله، لكن شريطة أن يعرف الاستفادة الصحيحة منه، ويعرف حدوده، ولو أحسن استعماله وأثيرت له حقائقه يكون دليله في رحلة المعرفة. فمن أوّلالهدايات معرفة العقل، كما أنّ من أوّل الضلالات الغفلة عنه.


1) . نهج البلاغة، الكتاب 31.

لكنّ الإنسان يعلم أنّ عقله وحده لا يكفي في هذه الرحلة، لأنّه عندما ينظر لما حوله يجد عدداً متناهياً من المشارب الفكريّة والمذاهب الاعتقاديّة؛ وكلّها ترى أنّها على شيء، وتتعصّب لشيئها، فيتسائل: من أين جاء هذا الاختلاف؟ ولا يشكّ أنّ ما حملهم إلى الاختلاف هو الجهل أو الأهواء التي تستوجب الابتعاد عن الحقّ، وعن العقل.

هاهنا يقف ويتوقّف مِن رمي نفسه في تلكم الظلمات ولا يلقيها في التهلكة الحتميّة، بل يستنطق عقله ليخبره أنّه يحتاج إلى مصباح يستصبح به، ويكون بمثابة الضوء لبصره، فالعقل يحتاج إلى علم، وبهما يتخلّص من هذه الورطة التي تورّطت فيها مختلف المدارس الفكريّة، وراح فيها العباقرة فضلاً عمّن دونهم، فلا يحتاج إلى تكلّف من نفسه.(1)

في الكافي، عن أبي حمزة قال: قال أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام): «يَا أَبَا حَمْزَةَ، يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ فَرَاسِخَ، فَيَطْلُبُ لِنَفْسِهِ دَلِيلًا، وَأَنْتَ بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَجْهَلُ مِنْكَ بِطُرُقِ الْأَرْضِ، فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ دَلِيلًا».(2)

والإنسان كما يتمتّع بنور العقل يتمتّع كذلك بالخيال، وتمتلك نفسه قدرة صناعة الأوهام، وربّما تخیّل أنّ خيالاته واقعيّات، فاحتاج إلى مُعين لعقله يعينه لتمييز الحقيقة عن الوهم، وإلى ما يزيح عن عقله الموانع والحجب.

سوى أنّ وجود الخيالات قد دعى بعض الناس إلى إنكار العقل، واليأس منه بالمرّة، والتخبّط في الشكّ. فعندما شاهد هؤلاء اختلاف الناس في الشيء الواحد أصيبوا بالهلع، وذهبوا إلى أنّ الإنسان لا يملك عن نفسه وعمّا يحيط به سوى كومة من الأسئلة، التي تهيم وتحوم أبداً دائما، وليس عند البشر إلّا الخيال الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقد انحدرنا من مجهولوننجرف نحو مجهول، ولا ندري ما نحن ومن نحن، وما الحقيقة وما سبب الأشياء، وأنّ ما نعتقده حول أنفسنا أو غيرنا هي موروثات لا يُعلم صحيحها من سقيمها وغثّها من سمينها، وأنّ هذا الشكّ يلاحقنا حتى القبر. فالواقع


1) . في الكافي، ج2، ص388، ح19 عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: «لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ إِذَا جَهِلُوا وَقَفُوا لَمْ يَجْحَدُوا ولَمْ يَكْفُرُوا».

2) . الكافي، ج1، ص184، ح10.

الوحيد هو الشكّ بالواقع. هذا مذهب السوفسطائيّين، ولعلّه مفتاح ضلالة كثير من الزنادقة الملحدين.

أمّا العقلاء فيعرفون أنّ الطريق _ بشهادة نفس العقل _ غير مسدود لطالبه. فلا يختلف عاقلان في إمكان المعرفة الواقعيّة في الجملة خلافاً لمن توّهم امتناعها.

وأهل السفسطة على أقسام مختلفة، يجمعهم إنكار نور العقل، فبعضهم ينكر الواقع الخارجيّ، وبعضهم يقرّ بالواقع ويشكّك في معرفة نفسه، وبعضهم يقرّ بالواقع والمعرفة، ولكنّ الواقع عنده نسبيّ فالمعرفة كذلك، وبعضهم يقرّ بالواقع والمعرفة، ولكنّ المعرفة نفسها نسبيّة عنده.

أقول: الإنسان الغافل عن حقانيّة أصل إمكان معرفة الواقع لا يحتاج إلّا إلى التنبيه للخروج من غفلته، وتشخيص الحجاب الذي منعه من الفهم، ومن ثمّ إزالته، وتذكيره بأنّه لو سعى إلى إقامة الدليل على عدم إمكان المعرفة فهو يحكم على نفسه. ولذلك يكون إبطال السفسطة بالتذكير بما عنده، وسنتطرق إلى ذلك أكثر في موضعه وإلى موجبات زوال العلم والعقل، فالسفسطة هي في واقعها وسوسة مبنيّة على التنكّر والتشكيك والغفلة.

الباب الأوّل إطلالة على بعض المناهج البشريّة

اشارة

يتمّ في هذا الباب قراءة مقتضبة لثلاثة مناهج تتعلّق بطريق إحراز الواقع (أو ما يُسمّى بنظريّة المعرفة)، وحيث أنّ لكلّ واحد من المناهج شُعباً ووجوهاً اقتصرنا فيها على المشهور.

المنهج الأوّل: المنهج الحسّي، وهو يرى أنّ الإدراك متعلّق بهذا الجسم، ويختزل المعرفة بعالم الحواسّ، وينكر كلّ ما وراء المحسوس..

المنهج الثاني: المنهج الفلسفي، وهو يقرّ بوجود شيء اسمه عقل وشيء اسمه علم، ولكن يجب النظر فيما يريده منهما، وهل أنّ ما يسمّونه بالدليل العقليّ ينسجم مع ما يعرفه عموم العقلاء؟ ثمّ هل يوافق البرهان المعرّف في الفلسفة مع ما جاء في الشرع _ لمن يسعى إلى التوفيق بين العقل والشرع _؟ وسنعرف في هذا الإطار تفسیر المنهج للعلم بالصورة الذهنيّة، وتحديده العقل بالمفاهيم الكليّة، وأنّه كيفيّة نفسانيّة، وأنّ تكامله يكون بالتكامل الذاتيّ للنفس الناطقة، وأنّ الحكم العقليّ یتوقّف علی تشكیل القیاس، والتفكّر هو عبارة عن حركتين للذهن وضمّ قضيّة مجهولة لأخرى معلومة لتوليد النتيجة. وسنناقش هذه الأمور، ونذكر أيضاً ما يترتّب على المنهج في مجال العقيدة.

المنهج الثالث: المنهج الصوفيّ، وهو يرى بأنّ المعرفة الحقيقية للوجود إنّما تحصل بالمكاشفة، لأنّ الاستدلال العلميّ يتعلّق بالمفاهيم التي تعكس الواقع وليس الواقع نفسه، والسبيل للمكاشفة هو التحرّر من جميع القيود، والروح مجرّدة عن المادة، وتلك المكاشفة تكشف وحدة الوجود والموجود.

وبالنسبة إلى المسلك الحقّ، فيأتي الكلام فيه في الباب اللاحق.

المنهج الأوّل: المنهج الحسّي

1. نبذة مختصرة

الوجود بحسب هذه المدرسة مساوق للمادّة، أي كلّ ما سوى المحسوسات أوهام وخيالات. فما يعتقده المؤمنون من وجود الصانع الذي لا يُدرَك بالحواسّ هو أساطير الأوّلين، وكذا المعرفة القلبيّة الفطريّة، والروح، والملائكة، وكلّ ما هو فوق المادّة.

البحث الثيولوجيّ بناءا عليه يبحث عن الربّ الذي يخضع للإدراك الحسّي فحسب، وأمّا غير المدرك فمنتفٍ من الأساس.

هذه النظريّة وإنْ لم تكن جديدة، إلا أنّه قد أصبح لها منذ ظهورها في القرون الأخيرة مدرسة فكريّة، ومنهج مُنتهج. واليوم هي شعار الملحدين ودثارهم، وقد تغذّت من شبهة التطوّر التي صاغها «داروين»(1)

وهي من ركائز النظريّة التجريبيّة التي من مشاهيرها «هيوم»(2)

و«لوك».(3)

2. العلم والعقل في هذه المدرسة

ما يُسمّى بالعلم والإدراك هو من قماشة المادّة، ولا يُدرك إلا المادّي إذ لا يوجد غيره، وجملة المعرفة تأتي عن طريق الحواسّ، والعلم عبارة عن المعلومات التي يختزنها الدماغ، واستحصال العلم يكون بتماس هذه المادّة الداخليّة مع الخارج المحسوس، أي التجاوب والانفعال بين البيئة والجهاز العصبيّ. وهذا الأخير يقوم باستقبال المعلومات الواردة من المحيط الخارجيّ بواسطة الأعضاء، ومن الأعضاء الداخليّة بواسطة الأحاسيس المنتشرة في المفاصل والعضلات والأحشاء، فينحصر الإدراك بالمحسوسات.

والفارق بين العاقل والمجنون، والّذي هو بإدراك الخير والشرّ، والقبيح والجميل، والحُسن والقُبح، أو عدم إدراك كلّذلك، إنّما هو باختلاف أو اختلال


1) . تشارلز روبرت داروين (1809 _ 1882) اكتسب شهرته كمؤسّس لنظريّة التطوّر البيولوجي في علم الأحياء.

2) . ديفيد هيوم (1711 _ 1776) فيلسوف اسكتلندي تأثر بجون لوك.

3) . جون لوك (1632 _ 1704) فيلسوف انجليزيّ تأثّر بفراسيس بيكون (1561 _ 1626).

طبيعة التفاعلات والانفعالات في الجهاز العصبيّ. يقول بوخنر(1)في كتابه «القوّة والمادّة»: هذه القوى العقليّة تظهر في جميع الأحوال التي تجتمع فيها شروط ضروريّة في المخّ أو في المجموع العصبيّ حيث تكون عناصر المادّة متّحدة على شكلّ خاص، ومتأثّرة بحركة خاصّة، فتنتج منها ظواهر الشعور والفكر كما تنتج منها أحوال أخرى كظواهر الجذب والدفع. ولقد قال شونهور: «إذا كانت المادّة تستطيع أن تسقط فهي تستطيع أن تفكّر». نعم هي في شكل حجر تسقط إلى الأرض، وفي شكل عضلات تنقبض، وفي شكلّ مادّة عصبيّة حيّة توجد فيها خاصّتا الشعور والفكر وتصير مدركة لذاتها.(2)

تحصيل هذا الإدراك هو ببركة الحواسّ الخمسة الظاهرة؛ اللامسة والذائقة والباصرة والسامعة والشامّة، فتنقل المعلوم المدرَك إلى الدماغ وهو يحكم عليها.

3. بعض ما يرد على هذا المنهج

أوّلاً: الحدود الإدراكيّة للحسّ

إنّ الحكم على بطلان غير المادّة من خلال نفس المادّة مصادرة ومغالطة. فمن الواضح الذي لا يختلف فيه إثنان أنّ دائرة إدراك الحسّ لا تتعدّى المحسوس، والحكم على غير المحسوس بآله الحسّ، إثباتاً أو نفياً غلط. ومن يدّعي أنّ ما لا يدركه الحسّ لا وجود له، كمن ينكر محسوساً بغير آلته، مثل نفي المبصَر لأنّه غير مسموع، أو الذائقة لعدم رؤيتها. ففي مقام الجواب يقال: أنّ ما لا يدركه البصر غير مبصَر ليس إلا، وأمّا الحكم بعدم وجوده فغير صحيح كما لا يخفى. وهكذا فيما نحن فيه.

يقول بعض المادّيين، بل ربما كلّهم، أنّهم إذا رأوا الله الذي يعتقد به المؤمنون لأذعنوا وآمنوا، وبذلك قد سعوا إلىالإحاطة بآله الحسّ على ما لا يُحسّ، إذ لو كان كذلك لم


1) . لودفیغ بوخنر، فیلسوف وطبیب فسیولوجي ألماني، ت 1899 م.

2) . لاحظ: على أطلال المذهب المادّي، ج1، ص43، عن كتاب القوّة والمادّة، ص45.

يكن هو الخالق الغني لاتصافه بصفة مخلوقه الضعيف الفقير، والخالق لا يمكن أن يكون محتاجاً محاطاً، وحال هذا أسوأ من الذي يطلب السمع بالبصر.(1)

ثانياً: إمكان تخلّف الحسّ

لو كان الحسّ علّة تامّة للإدراك كما هو المدّعى لم يتخلّفا، لكنّ الغفلة التي تقع للإنسان في مختلف أزمنة حياته، وكذا سهو القلب مع سلامة البدن وأعضاءه يكذّب هذا المبنى، فقد يقع البصر على شيء ولكنّه لا يراه، لذهاب القلب إلى غيره، فيصطدم بجدار أمامه والعين مسمّرة عليه، ولم يكن لا في بصره ولا في مخّه وجهازه العصبيّ أي خلل.

ومن جانب آخر قد يحصل الإدراك من سبب آخر غير الحسّ أو من لا سبب، مثل الإلهام أو الرؤيا ويحصل له اليقين ويأتي التنبيه عليه.

ثالثاً: حاجة الحسّ إلى الدليل

لا ينكر أحد كون الحسّ طريقاً إلى معرفة الحقائق المحسوسة، ف«العَينُ بَريدُ القَلْبِ»(2)

و«فِي التَجَاربِ عِلْمٌ مُسْتَأنَفٌ»(3)ولا ينكر أحد أهميّة دور البدن في سلامة الفهم والإدراك، ومدرسة الوحي مع إنكارها لكاشفيّة الحسّ تظافرت إرشاداتها في بيان الدور الذي تؤدّيه المسائل الطبيّة على العقل والإدراك، كالتغذية الصحيحة، وطرق معالجة مختلف الأمراض، وبيانفوائد بعض الأطعمة والأشربة، وبيان أهميّة دور المعدة والدماغ، فإنّ لهذه الأمور أثرا كبيراً على سلامة الفكر، كما هو الحال


1) . أمالي الطوسي، في مناظرة أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال الجاثليق: فَخَبِّرْنِي عَنْهُ تَعَالَى، أَ مُدْرَكٌ بِالْحَوَاسِّ عِنْدَكَ، فَيَسْلُكَ الْمُسْتَرْشِدُ فِي طَلَبِهِ اسْتِعْمَالَ الْحَوَاسِّ، أَمْ كَيْفَ طَرِيقُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): تَعَالَى الْمَلِكُ الْجَبَّارُ أَنْ يُوصَفَ بِمِقْدَارٍ، أَوْ تُدْرِكَهُ الْحَوَاسُّ، أَوْ يُقَاسَ بِالنَّاسِ، والطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ صَنَائِعُهُ الْبَاهِرَةُ لِلْعُقُولِ، الدَّالَّةُ ذَوِي الِاعْتِبَارِ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ مَشْهُودٌ ومَعْقُولٌ.قَالَ الْجَاثَلِيقُ: صَدَقْتَ، هَذَا واللَّهِ الْحَقُّ الَّذِي قَدْ ضَلَّ عَنْهُ التَّائِهُونَ فِي الْجَهَالاتِ. الأمالي (للطوسي)، ص220، 382 _ 32.

2) . غرر الحكم، ح423.

3) . الكافي، ج8، ص22، ح4.

أيضاً في الأمور الماليّة والأخلاقيّات المسنونة في الشرع تجاهها، والأثر الذي لذلك على سلامة العقل، وسنقف عند بعضها.

إلّا أنّ الكلام في أنّ الحسّ ليس له قيمة ذاتيّة وليس هو الكاشف الحقيقيّ، ولا ينفع بدون العقل، وهو من شرطة العقل وعمّاله، فإنّ تناول الحسّ للمحسوس لا يتيسّر إلّا بعقل يكشفه ويكشف صحّته من خطأه، وبه يمكن تقييمه.

هذا الأمر لا غبار عليه، فالحسّ يحتاج إلى دليل، كما أنّ العقل قد يدرك حقائق ليست محسوسة، مثل معرفة الحسن والقبح والحبّ والبغض والخير والشرّ ، وغير ذلك ممّا يعرفه العاقل بعقله وقد لا يكون للحواسّ فيه أي دور، ولا ينكره إلا مكابر.

وكلّ إنسان عاقل يقتفي ببركة عقله آثار ما لا تدركه حواسّه، ويعلم بها لمكان تلك الآثار، حتّى أنّ البشر اليوم استطاع أن يفتح نوافذ العلوم عبر دراسة الآثار، وحسّه المباشر ليس سوى وسيلة من الوسائل في ملاحظة الأثر. فثبوت ما يُرى بالعين مثلاً يكون لأجل حصول أثره المرئيّ، أو ما يُسمع لحصول أثره المسموع، والعقل هو الذي يحكم بدلالة الأثر على وجود منشأه وهذا واضح جدا، ولذلك قد يعرف العاقلُ الملموسَ أيضا بواسطة المسموع فقط، لأنّ الأثر كما تنبهت إنما يدلّ على المؤثّر بدلالة العقل لا من ذات نفسه، فيدله عقله ويهديه في معرفته، والعقل يكشف ويقيّم ويميّز تلك المعلومات، ويحكم عليها، وربما يسمع أو يرى فيكذّب سمعه وبصره، كما إذا رأى السراب، أو الحجر الذي يحلّق في السماء، فهو الحاكم نفيا او إثباتا على ما يناله الحسّ وعلى منشأه، كما أنّ العاقل يستدلّ بعقله على المؤثّر من خلال الأثر، وذي الآية بواسطة الآية، كدلالة فعل الشخص على وفور عقله، أو على حبّه وبغضه، أو كدلالة البناء المتقن على بانيه وعلى علمه وقدرته، ونظيره ممّا يجري عليه نظام البشر، وتمضي حياتهم الفرديّةوالاجتماعيّة على ضوءه.

فكلٌّ من الإحساس، والاستنتاج من المحسوس، وكشف خطأ الحسّ، ومعرفة القوانين ومسائل العلوم، مضافا إلى الأمور المعلومة غير المحسوسة، كلّها تنكشف بحقيقة فوق الحسّ والمادة هي نور العلم والعقل.

نشير إلى ما نبّهت عليه المعارف الإلهيّة في هذا الصدد، والتي تذكّر العاقل أنّ العقل الحواسّ ليست سوى عُمّال يستفيد منها العقل في كشف الحقائق المحسوسة، وأنّه ليس في نفس رتبة تلك الحواسّ، فتأمّل فيها جيّدا.

1.

ورد في توحيد المفضّل، عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «...وَأَعْجَبُ مِنْهُمْ جَمِيعاً الْمُعَطِّلَةُ الَّذِينَ رَامُوا أَنْ يُدْرِكُوا بِالْحِسِّ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، فَلَمَّا أَعْوَزَهُمْ ذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى الْجُحُودِ وَالتَّكْذِيبِ فَقَالُوا: وَلِمَ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْعَقْلِ كَمَا لَا يُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا هُوَ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ، فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ حَجَراً يَرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ عَلِمْتَ أَنَّ رَامِياً رَمَى بِهِ فَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ بَلْ مِنْ قِبَلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُهُ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يَذْهَبُ عُلُوّاً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، أَفَلَا تَرَى كَيْفَ وَقَفَ الْبَصَرُ عَلَى حَدِّهِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، فَكَذَلِكَ يَقِفُ الْعَقْلُ عَلَى حَدِّهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ فَلَا يَعْدُوهُ، وَلَكِنْ يَعْقِلُهُ بِعَقْلٍ أَقَرَّ أَنَّ فِيهِ نَفْساً وَلَمْ يُعَايِنْهَا وَلَمْ يُدْرِكْهَا بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاس. وَعَلَى حَسَبِ هَذَا أَيْضاً نَقُولُ؛ إِنَّ الْعَقْلَ يَعْرِفُ الْخَالِقَ مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ وَلَا يَعْرِفُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الْإِحَاطَةَ بِصِفَتِهِ».(1)

2.

ورد في أمالي الصدوق، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو شَاكِرٍ الدَّيَصَانِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله الصَّادِقِ (علیه السلام) فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَحَدُ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ، وَكَانَ آبَاؤُكَ بُدُوراً بَوَاهِرَ، وَأُمَّهَاتُكَ عَقِيلَاتٍ عَبَاهِرَ، وَعُنْصُرُكَ مِنْ أَكْرَمِ الْعَنَاصِرِ، وَإِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَبِكَ تُثْنَى الْخَنَاصِرُ، فَخَبِّرْنِي أَيُّهَا الْبَحْرُ الْخِضَمُّالزَّاخِرُ، مَا الدَّلِيلُ عَلَى حَدَثِ الْعَالَمِ؟ فَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ». قَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَدَعَا الصَّادِقُ (علیه السلام) بِبَيْضَةٍ فَوَضَعَهَا عَلَى رَاحَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا حِصْنٌ مَلْمُومٌ دَاخِلُهُ غِرْقِئٌ رَقِيقٌ، تُطِيفُ بِهِ فِضَّةٌ سَائِلَةٌ وَذَهَبَةٌ مَائِعَةٌ، ثُمَّ تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ الطَّاوُسِ، أَدَخَلَهَا شَيْءٌ؟»، قَالَ: لَا. قَالَ (علیه السلام): «فَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى حَدَثِ الْعَالَمِ».

قَالَ: أَخْبَرْتَ فَأَوْجَزْتَ، وَقُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَقْبَلُ إِلَّا مَا أَدْرَكْنَاهُ بِأَبْصَارِنَا أَوْ سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا أَوْ لَمَسْنَاهُ بِأَكُفِّنَا أَوْ شَمِمْنَاهُ بِمَنَاخِرِنَا أَوْ ذُقْنَاهُ بِأَفْوَاهِنَا أَوْ


1) . توحيد المفضّل، ص176 _ 177.

تُصُوِّرَ فِي الْقُلُوبِ بَيَاناً وَاسْتَنْبَطَتْهُ الرِّوَايَاتُ إِيقَاناً. فَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «ذَكَرْتَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ وَهِيَ لَا تَنْفَعُ شَيْئاً بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا لَا تُقْطَعُ الظُّلْمَةُ بِغَيْرِ مِصْبَاحٍ».(1)

3.

ورد في نهج البلاغة، قَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): «لَيْسَ الرُّؤْيَةُ مَعَ الْإِبْصَارِ، وَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلَا يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ انْتَصَحَهُ».(2)

4.

ورد في علل الشرائع، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِالله (علیه السلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ: «اعْلَمْ يَا فُلَانُ أَنَّ مَنْزِلَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ مِنَ النَّاسِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ جَوَارِحِ الْجَسَدِ شُرَطٌ لِلْقَلْبِ وَتَرَاجِمَةٌ لَهُ مُؤَدِّيَةٌ عَنْهُ؛ الْأُذُنَانِ وَالْعَيْنَانِ وَالْأَنْفُ وَالْفَمُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْفَرْجُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا هَمَّ بِالنَّظَرِ فَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ، وَإِذَا هَمَّ بِالاسْتِمَاعِ حَرَّكَ أُذُنَيْهِ، وَفَتَحَ مَسَامِعَهُ فَسَمِعَ، وَإِذَا هَمَّ الْقَلْبُ بِالشَّمِّ اسْتَنْشَقَ بِأَنْفِهِ، فَأَدَّى تِلْكَ الرَّائِحَةَ إِلَى الْقَلْبِ، وَإِذَا هَمَّ بِالنُّطْقِ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ، وَإِذَا هَمَّ بِالْبَطْشِ عَمِلَتِ الْيَدَانِ، وَإِذَا هَمَّ بِالْحَرَكَةِ سَعَتِ الرِّجْلَانِ، وَإِذَا هَمَّ بِالشَّهْوَةِ تَحَرَّكَ الذَّكَرُ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مُؤَدِّيَةٌ عَنِ الْقَلْبِ بِالتَّحْرِيكِ، وَكَذَلِكَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَاعَ لِلْأَمْرِ مِنْه».(3)

5.

ورد في مصباح المتهجّد، في خطبة أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله: «...وَلَمْ يَدَعِ الْخَلْقَ فِي بُهَمٍ صَمَّاءَ وَلَا فِي عَمًى بَكْمَاءَ، بَلْ جَعَلَ لَهُمْ عُقُولًا مَازَجَتْ شَوَاهِدَهُمْ، وَتَفَرَّقَتْ فِي هَيَاكِلِهِمْ، حَقَّقَهَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَاسْتَعْبَدَ بِهَا [لَهَا] حَوَاسَّهُمْ، فَقَرَّرَتْهَا عَلَى أَسْمَاعٍ وَنَوَاظِرَ وَأَفْكَارٍ وَخَوَاطِرَ، أَلْزَمَهُمْ بِهَا حُجَّتَهُ...».(4)

والحقّ أنّه ليس إنكار المادّي للعقل وأحكامه إلا لما يستتبع من لزوم قبول أهمّ إدراكاته وهو إثبات المصنوعيّة ولزوم الإقرار بالصانع الخارج عن حدّ التعطيل وحدّ التشبيه، ووجوب الطاعة والعبودية والانقياد له، وأخذ العلم عن رسله.


1) . الأمالي (للصدوق)، ص351، ح5.

2) . نهج البلاغة، الحكمة 281.

3) . علل الشرائع، ج1، ص109، ح8.

4) . المصباح (للكفعميّ)، ص697.

رابعاً: لوازم لا يمكن الالتزام بها

هناك جملة من النتائج التي تترتّب على هذه النظريّة، ولا يسع عاقلاً قبولها ألبتّة:

أوّلاً: استحالة إحراز التطابق بين المعلوم الذي في الذهن وما في الخارج، لأنّه لو كانت معرفة الواقع عبارة عن تفاعل خلايا المادّة الدماغيّة مع المادّة الخارجيّة، كيف يمكن تمييزه عن الجهل المركّب والتوهّم الخاطئ؟ والتجربة ليست سوى تكرار الحسّ.

لا يبقى مع هذا حجر على حجر، فمن يقول أنّنا مختارون، ولعلّ ذلك من تلك الموهومات، بل من يقول أنّنا موجودون؟ ومع جعل الميزان الحسّ يستحيل إحراز صحة إدراكات الدماغ.

والحقّ أنّهم يعترفون عمليّاً بحاكميّة العقل، ولكنّهم يسلبون منه حقّ الحكم فيما عدى المحسوس، وهذا ما أشرنا إليه أنّ أصل الفكرة هي لإنكار الخالق(عزّ و جّل).

ثانيا: لزوم نسبيّة المعرفة في حال الالتزام بكون التجربة هي المعيار الذي تقاس به الحقيقة، ذلك لتخالف التجارب.

ثالثا: لزوم الجهل بجميع الكليّات والقوانين، لقصور يد الحسّ عنها.هذه الأمور لا يلتزم بها عاقل، لأنّها خروج واضح وفاضح عن جادّة العقلاء، إلّا أنّ النظريّة الحسيّة تؤسّس لها شاءت أم أبت.

خامساً: إجابة عن بعض الشبهات
اشارة

ربما استدلّوا على أمور لإثبات مرامهم، فلننظر فيها وفي وزانها العلميّ:

الشبهة الأولى: مؤدّى التجربة
اشارة

تقريب هذه الشبهة أنّ التجارب المُظنية انتهت بعلماء الطبيعة إلى أنّ العلم والإدراك من فعل الدماغ، ذلك أنّهم شرّحوا _ من باب المثال _ جزءاً من مخّ بعض الحيوانات، ففقدت الشعور بالجوع أو العطش، أي: لم تعلم بحاجتها بعدئذ، ومع أنّ الطعام كان في متناولها لكنّها رغبت عنه حتى قتلها الجوع، فهذا يدلّ على أنّ الإدراك، أي: معرفة الجوع في المثال، من فعل الدماغ.

الجواب: المدّعى أخصّ

سلّمنا عموميّة تلك الاكتشافات، وأنّها لم تنخرم ولو بحالات نادرة، فهي إنّما تدلّ على أنّ الإدراك عند الكائنات الحيّة مقارن ومتزامن مع حياة الدماغ، أي في حال نشاط الدماغ يكون الكائن الحيّ مدركاً وعالماً، بل سلّمنا سببيّة الدماغ للإدراك، وهو غير المدّعى من كون الإدراك هو للدماغ، والتجارب المشار إليها لا تثبتها، فإنّ التقارن بين الدماغ والإدراك وتوقّف الثاني على الأوّل لا يلازم كونه هو الكاشف، بل لعله سبب وآله معِدّة في ظرف حياته.

بعبارة أخرى: إنّ الإدراك مشروط بالدماغ، فينتفي المشروط بانتفاء الشرط، أي أنّ الجسد بدماغه السليم وأعصابه وخلاياه يقوم بتوفير الأرضيّة لتحقّق الإدراك، لكنّ القول أنه نفسه يحتاج الى دليل.

على انّ القول بمدرِكيّة الدماغ يختلف عن كونه هو حقيقة الإدراك، وشتّان بين ما له إدراك وما هو الإدراك. فأين من تلك التجارب تستفاد هذه النتيجة؟

الشبهة الثانية: تطوّر العلم
اشارة

يقولون أنّ الزمن قد كشف بطلان الكثير مما كان القدماء يقولونه في الأمور التي كانوا يجهلونها ويزعمون أنّها أمور غيبيّة، وأنّه لا يمكن الوصول إليها أبدا.

وتجد مثل هذا الاستدلال في كلمات «بيكن» و«هيوم»، ثمّ تبعهما سائر المادّيين بالقول أنّ الاكتشافات قد أثبتت خطأ القدماء في زعمهم أنّ تلك الأُمور _ التي أمست محسوسة _ هي غيبيّةً مطلقاً، وقد صار ذلك مدعاةً لهؤلاء بأن يشكّكوا في كلّ ما يقال أنّه غيبيّ واللجوء إلى ميزان الحسّ لإثباته أو نفيه.

أقول؛ لا شكّ في أنّ الكثير من الأمور لم تكن محسوسة في الماضي ولم تعد كذلك اليوم، وأنّ الناس كثيراً ما كان يحملهم الجهل على ما يقولون، وبعض ما هو غائب في الحال ربما صار مشهوداً في المستقبل، إلا أنّه لا يعني هذا أنّ كلّ غائب عن الحسّ لا بد أن يقع محسوسا في بعض الظروف، فهذا أوّل الكلام. ثم نقول:

أولا: المصادرة بالمطلوب

منتهى ما يمكن ادّعاؤه هو عدم إمكان التوصّل إلى المحسوس من دون استعمال آله الحسّ، إلا أنّ الكلام في تقييد حقيقة العلم وجميع الحقائق بالمحسوس ثمّ إنكار صانع الحسّ والمحسوس، والإعتراف بامتناع المماثلة بينهما.

إنّ الحقائق التي كانت مجهولة للبشر وقد علم بها اليوم إنما هي حقائق ماديّة، فسواء علم بالمادة أو لم يعلم بها ليس له علاقة بما فوقها. فإنّ الثابت بالوسائل الحديثة هو العلم بالجزئيات والتفاصيل الحسيّة بواسطة الحسّ المسلّح، من قبيل كيفية انعقاد النطفة، وتكامل الجنين في الرحم، وتصوير القارّات وطبقات الأرض والبحار والأفلاك وغير ذلك من الأمور التّي كانت مجهولة للبشر، لكن كيف أثبت هذا بطلان غير المحسوس، وحسّيّة المعرفة؟

ثانيا: الخلط بين العقل والوهم

بعد الإقرار بوجود حقيقة كفيلة بكشف الواقع، ولولاها لم يثبت حجر على حجر، لا محيص من القول بأنّ الأحكام الخاطئة لا يجوز إلقاؤها على تلك الحقيقة، وإلا فهي السفسطة ومن المتوقّع أنّهم يرفضونها. نعم، هنا يكون السؤال في كيفية تمييز الحقيقة المنكشفة بنور العقل وما يتوهّمه الإنسان حقّاً، وهو مطلب آخر.

يُذكر أن هذا الالتباس منشؤوه حكماء البشر من الفلاسفة حيث كانوا ينسبون كل آراءهم وميولاتهم إلى العقل مثل نظريّة بطلميوس وغيرها، وأيضاً أصحاب المكاشفات الذين تكلمّوا فوق حدّ العقول، فلمّا ظهر للمادّيّ بعض أغلاط هؤلاء كفروا بالعقل غير التجربيّ، وقالوا أنّ هذا الّذي يُخطئ ويَتوهَّم هو أكبر الأوهام.

ثالثا: الاستدلال غير محسوس

بعض أجزاء هذا الاستدلال، كدلالة اختلاف العقليّين على خطأهم، أو أنّ خطأهم يدلّ على عدم كاشفيّة غير الحسّ، هي أمور غير محسوسة ولا يتوصّل إليها بالحسّ كما هو واضح.

رابعا: النقض

الحسّ أيضاً ليس في مأمن من الخطأ، فقد يرى البصر مثلا حركة الشمس حول الأرض لا العكس، وحركة الأشجار والبيوت عند المشي، ودوران السقف والجدران لمن يصيبه دوّار الرأس، وربما رآى الأحول الواحد إثنين، ولو غمس الشخص يداً في ماء بارد وأخرى في ماء حار ثمّ وضعهما في ماء فاتر، يكون شعور كلّ واحدة بخلاف الأخرى.

فإمّا أن يصحّح المادّي كلّ تلك الأمور أو ينفي الحسّ بالجملة، ولولا وجود العقل الّذي يميّز المتحرّك من الساكن والصحيح من الخطأ والحقيقة من الوهم، لزم أحد المفسدتين.

خامسا: كيفيّة التمييز في التجربة

قالوا أنّ المدار في تصحيح الحسّ هو التجربة فنسأل: بماذاتميّز التجارب الصحيحة من الخاطئة؟ إنّ التجربة لا تعدو أن تكون تكراراً للحسّ، وعليه قد يحدث الخطأ في جميع مراحل التكرار، كما لو أعيدت عمليّة وضع اليدين في تلك المياه يوميّاً مدى عشرين سنة، فالنتيجة المحسوسة ذاتها.

ثمّ كيف ثبت كون التجربة هي الميزان؟ أ بالتجربة، وهو كما ترى، أو بغيرها فهو أجدر بأن يكون ميزاناً.

سادسا: قصور الحسّ عن تناول الكليّ

البحوث الكلّيّة ومسائل العلوم لا تنالها يد الحسّ، كمسائل علم الطبّ والنحو وغيرهما، فإنّ مثل: «كلّ قلب ينبض فهو حيّ» أو «كلّ فاعل مرفوع» مسائل غيرة محسوسة، لأنّ منتهى ما يقال في الحواسّ كونها تكشف الحقائق الجزئيّة الشخصيّة.

فلو أصابت النارُ خشبة واحترقت، فلا دور للحسّ سوى رؤية هذه النار وهذه الخشبة والإحراق والاحتراق. وأمّا القانون الكلّيّ في أنّ كلّ نار لها قابليّة إحراق كلّ خشبة عند وجود الشرائط وفقدان الموانع، فهو غريب عن الحسّ. والتجربة وهي التكرار، ليست دخيلة في هذا القانون الكلّيّ.

الشبهة الثالثة: دوران العلم مدار الحسّ
اشارة

هذا الاستدلال مؤلّف من ثلاث مقدّمات:

ألف) الانسان يخرج من بطن أُمّه جاهلا.

ب) تبدأ حياته المعرفيّة ببدء حياته التجربيّة، فحينما ينفتح على العالم الخارجيّ، ويسمع ويبصر ويذوق ويشمّ ويلمس، يبدأ بتسلّق طريق المعرفة، وكلّما ازدادت تجاربه اتّسع نطاق معرفته.

ج) عند فقدان إحدى الحواسّ يصبح عاجزاً عن تحصيل التجربة التي كانت تكتسب بواسطتها. فكلّ حسّ يكسب المعاني ذات العلاقة والصلة به، فالمكفوف بالولادة محروم من العلم بالمبصَرات، والأصمّ كذلك محروم من بإدراك المسموعات، وإذا فقد الحواسّ الخمس حُرم من المعرفة رأسا. ومن هنا قيل: مَن فَقَدَ حسّاً فقد علماً.

الجواب، أمّا عن المقدّمة الأُولى (فقدان المولود للمدرَكات)

فلا إشكال في فقدان المولود للمدرَكات الحسيّة لعدم قابليّة الاستفادته منها، إلاّ أنّ الإدراك لا ينحصر بها. ولا خلاف في وجود مدرَكات كالخوف والحبّ والحزن والفرح يشعر بها بقدر حظّه من الشعور وإن لم يستفد من حواسّه.

وأمّا عن المقدّمة الثانية (ابتداء المعرفة بابتداء التجربة)

فدعوى بلا دليل، لأنّ توقف العلم بالمحسوس على الحسّ لا يدلّ على بطلان إدراك غير المحسوس بلا حاجة للحسّ، ولا علاقة لها مع امتناع معرفة المحسوس بغير الحسّ.

وأمّا عن المقدّمة الثالثة (فقدان العلم بفقدان الحسّ)

يتبيّن فساد هذه المقدّمة عند التوجّه إلى أنّ بعض الأمور ربما انكشفتْ لشخص محروم من الحواسّ، من قبيل ما يراه النائم من الأمور التي ليس للحواسّ في كشفها أيّ دورٍ، خصوصاً على ما التزموا به حديثاً من كون النوم عبارة عن توقّف جزء من الخلايا الدماغيّة.

ومع أنّا لا نُسلّم كون حقيقة النوم هي كذلك _ بل هي خروج الروح من الجسد مع بقاء علقة بينهما، وطبيعة العلاقة واحدة، إلّا أنّها تشتدّ وتضعف بحسب عمق النوم _ فالمهمّ هنا أنّ بعض الحقائق قد تنكشف للنائم في حال تعطّل حواسّه، بل أحياناً يرى حقيقة معيّنة ثمّ يشاهدها في اليقظة، أو يرى مكاناً لم يره في حياته ولم يسبق إليه ذهنه فيتعرف عليه وعلى خصوصياته كأنّه رآه بعينه، ثمّ يعلم بعد ان يستفيق بوجود المكان في مكان ما من البلاد، أو قد يرى حادثة في رؤيا، ثمّ تحدث ذاتها في الخارج.

هذه الأمور تدلّ على أنّ الإدراك مرتبط بروح الانسان لا جسمه وحواسّه، بل نفس الرؤية والسماع واللمس في النوم يكفي في المقام، فهو يرى ويسمع ويتلذّ ويحزن ويفرح في حال النوم كما اليقظة، لأنّه متى استنار بنور العلم كان مدركاً للحقائق وجدت الحواسّ أم لم توجد، وسبب قلّة سهم الطفلالرضيع من الإدراك هو ضعف عقله، فإذا كبر سنّه زيد في عقله، إلى أن يبلغ أشدّه ويبلغ أربعين سنة، وليست الحواسّ إلا أدوات تستفيدها الروح لنيل المحسوس.

ختاماً: حديث الاهليلجة

هذه الرسالة قد كتبها مولانا الصادق عليه السلام إلى بعض أصحابه الأجلاّء وهو المفضّل بن عمر، وذكر فيها احتجاجه (علیه السلام) على الطبيب الهنديّ الذي كان منكراً لله تعالى لأجل عجز حواسّه عن إدراكه، نذكرها في ختام قراءتنا للمنهج الحسّيّ لما تتضمّن من فوائد وتنبيهات فيما نحن فيه.

كَتَبَ الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ إِلَى أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (علیهما السلام) يُعْلِمُهُ أَنَّ أَقْوَاماً ظَهَرُوا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ يَجْحَدُونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَيُجَادِلُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَيَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا ادَّعَوْا بِحَسَبِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ.

فَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ لِطَاعَتِهِ...»، إلى أن قال (علیه السلام): قَدْ وَافَانِي كِتَابُكَ وَرَسَمْتُ لَكَ كِتَاباً كُنْتُ نَازَعْتُ فِيهِ

بَعْضَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُنِي طَبِيبٌ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَكَانَ لَا يَزَالُ يُنَازِعُنِي فِي رَأْيِهِ وَيُجَادِلُنِي عَلَى ضَلَالَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَوْماً يَدُقُّ إِهْلِيلَجَةً لِيَخْلِطَهَا دَوَاءً احْتَجْتُ إِلَيْهِ مِنْ أَدْوِيَتِهِ إِذْ عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُنَازِعُنِي فِيهِ مِنِ ادِّعَائِهِ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ وَأُخْرَى تَسْقُطُ نَفْسٌ تُولَدُ وَأُخْرَى تَتْلَفُ وَزَعَمَ أَنَّ انْتِحَالِي الْمَعْرِفَةَ لِلهِ تَعَالَى دَعْوَى لَا بَيِّنَةَ لِي عَلَيْهَا وَلَا حُجَّةَ لِي فِيهَا وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ أَخَذَهُ الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ وَالْأَصْغَرُ عَنِ الْأَكْبَرِ وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْمُؤْتَلِفَةَ وَالْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ نَظَرِ الْعَيْنِ وَسَمْعِ الْأُذُنِ وَشَمِّ الْأَنْفِ وَذَوْقِ الْفَمِ وَلَمْسِ الْجَوَارِحِ ثُمَّ قَادَ مَنْطِقُهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي وَضَعَهُ.فَقَالَ: لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ حَوَاسِّي عَلَى خَالِقٍ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِي إِنْكَاراً لِلهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَ تَحْتَجُّ فِي مَعْرِفَةِ رَبِّكَ الَّذِي تَصِفُ قُدْرَتَهُ وَرُبُوبِيَّتَهُ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِالدَّلَالاتِ الْخَمْسِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ.

قُلْتُ: بِالْعَقْلِ الَّذِي فِي قَلْبِي وَالدَّلِيلِ الَّذِي أَحْتَجُّ بِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ.

قَالَ: فَأَنَّى يَكُونُ مَا تَقُولُ وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً بِغَيْرِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ فَهَلْ عَايَنْتَ رَبَّكَ بِبَصَرٍ أَوْ سَمِعْتَ صَوْتَهُ بِأُذُنٍ أَوْ شَمِمْتَهُ بِنَسِيمٍ أَوْ ذُقْتَهُ بِفَمٍ أَوْ مَسِسْتَهُ بِيَدٍ فَأَدَّى ذَلِكَ الْمَعْرِفَةَ إِلَى قَلْبِكَ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَنْكَرْتَ اللَّهَ وَجَحَدْتَهُ لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تُحِسُّهُ بِحَوَاسِّكَ الَّتِي تَعْرِفُ بِهَا الْأَشْيَاءَ وَأَقْرَرْتُ أَنَا بِهِ هَلْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُنَا صَادِقاً وَالْآخَرُ كَاذِباً؟

قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكَ فَهَلْ يُخَافُ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا أُخَوِّفُكَ بِهِ مِنْ عِقَابِ الله؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَمَا أَقُولُ وَالْحَقُّ فِي يَدِي أَلَسْتُ قَدْ أَخَذْتُ فِيمَا كُنْتُ أُحَاذِرُ مِنْ عِقَابِ الْخَالِقِ بِالثِّقَةِ وَأَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ بِجُحُودِكَ وَإِنْكَارِكَ فِي الْهَلَكَةِ؟

قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَأَيُّنَا أَوْلَى بِالْحَزْمِ وَأَقْرَبُ مِنَ النَّجَاةِ؟ قَالَ: أَنْتَ إِلَّا أَنَّكَ مِنْ أَمْرِكَ عَلَى ادِّعَاءٍ وَشُبْهَةٍ وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ وَثِقَةٍ لِأَنِّي لَا أَرَى حَوَاسِّيَ الْخَمْسَ أَدْرَكَتْهُ وَمَا لَمْ

تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَلَيْسَ عِنْدِي بِمَوْجُودٍ.

قُلْتُ: إِنَّهُ لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِ الله أَنْكَرْتَهُ وَأَنَا لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسِّي عَنْ إِدْرَاكِ الله تَعَالَى صَدَّقْتُ بِهِ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَرَى فِيهِ أَثَرُ تَرْكِيبٍ لَجِسْمٌ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرٌ لَلَوْنٌ فَمَا أَدْرَكَتْهُ الْأَبْصَارُ وَنَالَتْهُ الْحَوَاسُّ فَهُوَ غَيْرُ الله سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْخَلْقَ وَأَنَّ هَذَا الْخَلْقَ يَنْتَقِلُ بِتَغْيِيرٍ وَزَوَالٍ وَكُلُّ شَيْءٍ أَشْبَهَ التَّغْيِيرَ وَالزَّوَالَ فَهُوَ مِثْلُهُ وَلَيْسَ الْمَخْلُوقُ كَالْخَالِقِ وَلَا الْمُحْدَثُ كَالْمُحْدِثِ.قَالَ: إِنَّ هَذَا لَقَوْلٌ وَلَكِنِّي لَمُنْكِرٌ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي فَتُؤَدِّيَهُ إِلَى قَلْبِي. فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَلَزِمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ قُلْتُ: أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَعْتَصِمَ بِالْجَهَالَةِ وَتَجْعَلَ الْمُحَاجَزَةَ حُجَّةً فَقَدْ دَخَلْتَ فِي مِثْلِ مَا عِبْتَ وَامْتَثَلْتَ مَا كَرِهْتَ حَيْثُ قُلْتَ إِنِّي اخْتَرْتُ الدَّعْوَى لِنَفْسِي لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي عِنْدِي بِلَا شَيْءٍ.

قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّكَ نَقَمْتَ عَلَيَّ الِادِّعَاءَ وَدَخَلْتَ فِيهِ فَادَّعَيْتَ أَمْراً لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً وَلَمْ تَقُلْهُ عِلْماً فَكَيْفَ اسْتَجَزْتَ لِنَفْسِكَ الدَّعْوَى فِي إِنْكَارِكَ اللَّهَ وَدَفْعِكَ أَعْلَامَ النُّبُوَّةِ وَالْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ وَعِبْتَهَا عَلَيَّ؟ أَخْبِرْنِي هَلْ أَحَطْتَ بِالْجِهَاتِ كُلِّهَا وَبَلَغْتَ مُنْتَهَاهَا؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: فَهَلْ رَقِيتَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَرَى أَوِ انْحَدَرْتَ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى فَجُلْتَ فِي أَقْطَارِهَا أَوْ هَلْ خُضْتَ فِي غَمَرَاتِ الْبُحُورِ وَاخْتَرَقْتَ نَوَاحِيَ الْهَوَاءِ فِيمَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَتَحْتَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْهَا فَوَجَدْتَ ذَلِكَ خَلَاءً مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ عَالِمٍ بَصِيرٍ؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ قَلْبُكَ هُوَ فِي بَعْضِ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسُّكَ وَلَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُكَ.

قَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْتَ مُدَبِّراً وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.

قُلْتُ: أَمَّا إِذْ خَرَجْتَ مِنْ حَدِّ الْإِنْكَارِ إِلَى مَنْزِلَةِ الشَّكِّ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ إِلَى

الْمَعْرِفَةِ. قَالَ: فَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ الشَّكُّ لِسُؤَالِكَ إِيَّايَ عَمَّا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمِي ولَكِنْ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيَّ الْيَقِينُ بِمَا لَمْ تُدْرِكْهُ حَوَاسِّي؟

قُلْتُ: مِنْ قِبَلِ إِهْلِيلَجَتِكَ هَذِهِ.

قَالَ: ذَاكَ إِذاً أَثْبَتُ لِلْحُجَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ آدَابِ الطِّبِّ الَّذِي أُذْعِنُ بِمَعْرِفَتِهِ. قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِ مِنْ قِبَلِهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْهَا لَأَتَيْتُكَ مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَثَرَ تَرْكِيبٍ وَحِكْمَةٍ وَشَاهِداً يَدُلُّعَلَى الصَّنْعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْ صَنَعَهَا وَلَمْ تَكُنْ شَيْئاً وَيُهْلِكُهُا حَتَّى لَا تَكُونَ شَيْئاً. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ تَرَى هَذِهِ إِهْلِيلَجَةً؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَفَتَرَى غَيْبَ مَا فِي جَوْفِهَا؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَتَشْهَدُ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوَاةٍ وَلَا تَرَاهَا؟ قَالَ: مَا يُدْرِينِي لَعَلَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. قُلْتُ: أَفَتَرَى أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْقِشْرِ مِنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ غَائِبٌ لَمْ تَرَهُ مِنْ لَحْمٍ أَوْ ذِي لَوْنٍ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، لَعَلَّ مَا ثَمَّ غَيْرُ ذِي لَوْنٍ وَلَا لَحْمٍ.

قُلْتُ: أَفَتُقِرُّ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ بِالْهِنْدِ مَوْجُودَةٌ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى ذِكْرِهَا؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، لَعَلَّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ. قُلْتُ: أَفَتُقِرُّ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ فِي أَرْضٍ تَنْبُتُ؟ قَالَ: تِلْكَ الْأَرْضُ وَهَذِهِ وَاحِدَةٌ وَقَدْ رَأَيْتُهَا. قُلْتُ: أَفَمَا تَشْهَدُ بِحُضُورِ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ عَلَى وُجُودِ مَا غَابَ مِنْ أَشْبَاهِهَا؟ قَالَ: مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِهْلِيلَجَةٌ غَيْرُهَا.

فَلَمَّا اعْتَصَمَ بِالْجَهَالَةِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ أَتُقِرُّ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ شَجَرَةٍ، أَوْ تَقُولُ إِنَّهَا هَكَذَا وُجِدَتْ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِنْ شَجَرَةٍ خَرَجَتْ. قُلْتُ: فَهَلْ أَدْرَكَتْ حَوَاسُّكَ الْخَمْسُ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: فَمَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ شَجَرَةٍ لَمْ تُدْرِكْهَا حَوَاسُّكَ. قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَالْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ شَيْءٌ لَمْ تَزَلْ تُدْرَكُ، فَهَلْ عِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ تَرُدُّ بِهِ قَوْلِي؟

قُلْتُ: نَعَمْ، أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ، هَلْ كُنْتَ عَايَنْتَ شَجَرَتَهَا وَعَرَفْتَهَا قَبْلَ أَنْ

تَكُونَ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةُ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَهَلْ كُنْتَ تُعَايِنُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ كُنْتَ عَايَنْتَ الشَّجَرَةَ وَلَيْسَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةُ ثُمَّ عُدْتَ إِلَيْهَا فَوَجَدْتَ فِيهَا الْإِهْلِيلَجَةَ، أَفَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهَا مَا لَمْ تَكُنْ؟ قَالَ: مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْكِرَ ذَلِكَ وَلَكِنِّيأَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ فِيهَا مُتَفَرِّقَةً. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ رَأَيْتَ تِلْكَ الْإِهْلِيلَجَةَ الَّتِي تَنْبُتُ مِنْهَا شَجَرَةُ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْرَسَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ يَحْتَمِلُ عَقْلُكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَبْلُغُ أَصْلُهَا وَعُرُوقُهَا وَفُرُوعُهَا وَلِحَاؤُهَا وَكُلُّ ثَمَرَةٍ جُنِيَتْ وَوَرَقَةٍ سَقَطَتْ أَلْفَ أَلْفِ رِطْلٍ كَانَتْ كَامِنَةً فِي هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ؟

قَالَ: مَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْعَقْلُ وَلَا يَقْبَلُهُ الْقَلْبُ. قُلْتُ: أَقْرَرْتَ أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ، فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُقَرِّرَنِي بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَرَأَيْتَ أَنِّي إِنْ أَرَيْتُكَ تَدْبِيراً أَتُقِرُّ أَنَّ لَهُ مُدَبِّراً، وَتَصْوِيراً أَنَّ لَهُ مُصَوِّراً؟

قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ لَحْمٌ رَكِبَ عَلَى عَظْمٍ فَوُضِعَ فِي جَوْفٍ مُتَّصِلٍ بِغُصْنٍ مُرَكَّبٍ عَلَى سَاقٍ يَقُومُ عَلَى أَصْلٍ فَيَقْوَى بِعُرُوقٍ مِنْ تَحْتِهَا عَلَى جِرْمٍ مُتَّصِلٍ بَعْضٌ بِبَعْضٍ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةَ مُصَوَّرَةٌ بِتَقْدِيرٍ وَتَخْطِيطٍ وَتَأْلِيفٍ وَتَرْكِيبٍ وَتَفْصِيلٍ مُتَدَاخِلٍ بِتَأْلِيفِ شَيْءٍ فِي بَعْضِ شَيْءٍ بِهِ طَبَقٌ بَعْدَ طَبَقٍ وَجِسْمٌ عَلَى جِسْمٍ وَلَوْنٌ مَعَ لَوْنٍ أَبْيَضُ فِي صُفْرَةٍ وَلَيِّنٌ عَلَى شَدِيدٍ فِي طَبَائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ وَطَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَجْزَاءٍ مُؤْتَلِفَةٍ مَعَ لِحَاءٍ تَسْقِيهَا وَعُرُوقٍ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ وَوَرَقٍ يَسْتُرُهَا وَتَقِيهَا مِنَ الشَّمْسِ أَنْ تُحْرِقَهَا وَمِنَ الْبَرْدِ أَنْ يُهْلِكَهُا وَالرِّيحِ أَنْ تَذْبِلَهَا؟

قَالَ: أَفَلَيْسَ لَوْ كَانَ الْوَرَقُ مُطَبِّقاً عَلَيْهَا كَانَ خَيْراً لَهَا؟ قُلْتُ: الله أَحْسَنُ تَقْدِيراً، لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا رِيحٌ يَرُوحُهَا وَلَا بَرْدٌ يُشَدِّدُهَا وَلَعَفِنَتْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا حَرُّ الشَّمْسِ لَمَا نَضِجَتْ وَلَكِنْ شَمْسٌ مَرَّةً وَرِيحٌ مَرَّةً وَبَرْدٌ مَرَّةً، قَدَّرَ الله ذَلِكَ بِقُوَّةٍ لَطِيفَةٍ وَدَبَّرَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ.

قَالَ: حَسْبِي مِنَ التَّصْوِيرِ، فَسِّرْ لِيَ التَّدْبِيرَ الَّذِي زَعَمْتَأَنَّكَ تَرَيَنَّهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْقِدَ إِذْ هِيَ فِي قِمَعِهَا مَاءً بِغَيْرِ نَوَاةٍ وَلَا لَحْمٍ وَلَا قِشْرٍ وَلَا لَوْنٍ وَلَا طَعْمٍ وَلَا شِدَّةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَرْفُقِ الْخَالِقُ ذَلِكَ الْمَاءَ الضَّعِيفَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْخَرْدَلَةِ فِي الْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَلَمْ يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ وَيُصَوِّرْهُ بِحِكْمَتِهِ وَيُقَدِّرْهُ بِقُدْرَتِهِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي قِمَعِهِ غَيْرَ مَجْمُوعٍ بِجِسْمٍ وَقِمَعٍ وَتَفْصِيلٍ فَإِنْ زَادَ زَادَ مَاءً مُتَرَاكِباً غَيْرَ مُصَوَّرٍ وَلَا مُخَطَّطٍ وَلَا مُدَبَّرٍ بِزِيَادَةِ أَجْزَاءٍ وَلَا تَأْلِيفِ أَطْبَاقٍ؟

قَالَ: قَدْ أَرَيْتَنِي مِنْ تَصْوِيرِ شَجَرَتِهَا وَتَأْلِيفِ خِلْقَتِهَا وَحَمْلِ ثَمَرَتِهَا وَزِيَادَةِ أَجْزَائِهَا وَتَفْصِيلِ تَرْكِيبِهَا أَوْضَح الدَّلَالاتِ وَأَظْهَرَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَلَقَدْ صَدَّقْتُ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مَصْنُوعَةٌ وَلَكِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْإِهْلِيلَجَةَ وَالْأَشْيَاءَ صَنَعَتْ أَنْفُسَهَا.

قُلْتُ: أَوَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ وَالْإِهْلِيلَجَةِ حَكِيمٌ عَالِمٌ بِمَا عَايَنْتَ مِنْ قُوَّةِ تَدْبِيرِهِ؟

قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَهَلْ يَنْبَغِي لِلَّذِي هُوَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدَثاً؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَلَسْتَ قَدْ رَأَيْتَ الْإِهْلِيلَجَةَ حِينَ حَدَثَتْ وَعَايَنْتَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً ثُمَّ هَلَكَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئاً؟ قَالَ: بَلَى. وَإِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ وَلَمْ أُعْطِكَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَكُونُ حَادِثاً لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ.

قُلْتُ: أَلَمْ تُعْطِنِي أَنَّ الْحَكِيمَ الْخَالِقَ لَا يَكُونُ حَدَثاً، وَزَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ حَدَثَتْ فَقَدْ أَعْطَيْتَنِي أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ مَصْنُوعَةٌ فَهُوَ عزّوجل صَانِعُ الْإِهْلِيلَجَةِ، وَإِنْ رَجَعْتَ إِلَى أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَدَبَّرَتْ خَلْقَهَا فَمَا زِدْتَ أَنْ أَقْرَرْتَ بِمَا أَنْكَرْتَ وَوَصَفْتَ صَانِعاً مُدَبِّراً أَصَبْتَ صِفَتَهُ وَلَكِنَّكَ لَمْ تَعْرِفْهُ فَسَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّكَ أَقْرَرْتَ بِوُجُودِ حَكِيمٍ لَطِيفٍ مُدَبِّرٍ فَلَمَّا سَأَلْتُكَ مَنْ هُوَ؟ قُلْتَ: الْإِهْلِيلَجَةُ.

قَدْ أَقْرَرْتَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَكِنَّكَ سَمَّيْتَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وَلَوْعَقَلْتَ وَفَكَّرْتَ لَعَلِمْتَ أَنَّ

الْإِهْلِيلَجَةَ أَنْقَصُ قُوَّةً مِنْ أَنْ تَخْلُقَ نَفْسَهَا وَأَضْعَفُ حِيلَةً مِنْ أَنْ تُدَبِّرَ خَلْقَهَا. قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْإِهْلِيلَجَةِ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا وَدَبَّرَتْ أَمْرَهَا كَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا صَغِيرَةَ الْخِلْقَةِ صَغِيرَةَ الْقُدْرَةِ نَاقِصَةَ الْقُوَّةِ لَا تَمْتَنِعُ أَنْ تُكْسَرَ وَتُعْصَرَ وَتُؤْكَلَ، وَكَيْفَ صَنَعَتْ نَفْسَهَا مَفْضُولَةً مَأْكُولَةً مُرَّةً قَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ لَا بَهَاءَ لَهَا وَلَا مَاءَ؟

قَالَ: لِأَنَّهَا لَمْ تَقْوَ إِلَّا عَلَى مَا صَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ لَمْ تَصْنَعْ إِلَّا مَا هَوِيَتْ.

قُلْتُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ فِي الْبَاطِلِ فَأَعْلِمْنِي مَتَى خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَدَبَّرَتْ خَلْقَهَا، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَوْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ الْإِهْلِيلَجَةَ خَلَقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ فَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ! كَيْفَ تَكُونُ مَوْجُودَةً مَصْنُوعَةً ثُمَّ تَصْنَعُ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى؟ فَيَصِيرُ كَلَامُكَ إِلَى أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ مَرَّتَيْنِ، وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّهَا خَلَقَتْ نَفْسَهَا وَدَبَّرَتْ خَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ، إِنَّ هَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْبَاطِلِ وَأَبْيَنِ الْكَذِبِ، لِأَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَخْلُقُ لَا شَيْءَ شَيْئاً، وَكَيْفَ تَعِيبُ قَوْلِي إِنَّ شَيْئاً يَصْنَعُ لَا شَيْئاً وَلَا تَعِيبُ قَوْلَكَ إِنَّ لَا شَيْءَ يَصْنَعُ لَا شَيْئاً؟ فَانْظُرْ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالْحَقِّ.

قَال: قَوْلُكَ. قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ؟ قَالَ: قَدْ قَبِلْتُهُ وَاسْتَبَانَ لِي حَقُّهُ وَصِدْقُهُ بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْإِهْلِيلَجَةَ لَمْ يَصْنَعْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَلَمْ يُدَبِّرْنَ خَلْقَهُنَّ. وَلَكِنَّهُ تَعْرِضُ لِي أَنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي صَنَعَتِ الْإِهْلِيلَجَةَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا. قُلْتُ: فَمَنْ صَنَعَ الشَّجَرَةَ؟ قَالَ: الْإِهْلِيلَجَةُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: اجْعَلْ لِكَلَامِكَ غَايَةً أَنْتَهِي إِلَيْهَا، فَإِمَّا أَنْ تَقُولَ هُوَ الله سُبْحَانَهُ فَيُقْبَلُ مِنْكَ، وَإِمَّا أَنْ تَقُولَ الْإِهْلِيلَجَةُ فَنَسْأَلُكَ.

قَالَ: سَلْ. قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِهْلِيلَجَةِ، هَلْ تَنْبُتُ مِنْهَاالشَّجَرَةُ إِلَّا بَعْدَ مَا مَاتَتْ وَبَلِيَتْ وَبَادَتْ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: إِنَّ الشَّجَرَةَ بَقِيَتْ بَعْدَ هَلَاكِ الْإِهْلِيلَجَةِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَنْ كَانَ يَحْمِيهَا وَيَزِيدُ فِيهَا وَيُدَبِّرُ خَلْقَهَا وَيُرَبِّيهَا وَيُنْبِتُ وَرَقَهَا؟ مَا لَكَ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَقُولَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا. وَلَئِنْ قُلْتَ: الْإِهْلِيلَجَةُ وَهِيَ حَيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَهْلِكَ وَتُبْلَى

وَتَصِيرَ تُرَاباً وَقَدْ رَبَّتِ الشَّجَرَةَ وَهِيَ مَيْتَةٌ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْتَلِفٌ. قَالَ: لَا أَقُولُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَفَتُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، أَمْ قَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟

قَالَ: إِنِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ وُقُوفٍ، مَا أَتَخَلَّصُ إِلَى أَمْرٍ يَنْفُذُ لِي فِيهِ الْأَمْرُ.

قُلْتُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا الْجَهَالَةَ وَزَعَمْتَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْحَوَاسِّ فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَوَاسِّ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَلَا فِيهَا مَعْرِفَةٌ إِلَّا بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ دَلِيلُهَا وَمُعَرِّفُهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِهَا.

فَقَالَ: أَمَّا إِذْ نَطَقْتَ بِهَذَا فَمَا أَقْبَلُ مِنْكَ إِلَّا بِالتَّخْلِيصِ وَالتَّفَحُّصِ مِنْهُ بِإِيضَاحٍ وَبَيَانٍ وَحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ.

قُلْتُ: فَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ رُبَّمَا ذَهَبَ الْحَوَاسُّ أَوْ بَعْضُهَا وَدَبَّرَ الْقَلْبُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَالْمَنْفَعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَلَانِيَةِ وَالْخَفِيَّةِ. فَأَمَرَ بِهَا وَنَهَى فَنَفَذَ فِيهَا أَمْرُهُ وَصَحَّ فِيهَا قَضَاؤُهُ. قَالَ: إِنَّكَ تَقُولُ فِي هَذَا قَوْلًا يُشْبِهُ الْحُجَّةَ وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُوضِحَهُ لِي غَيْرَ هَذَا الْإِيضَاحِ. قُلْتُ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ يَبْقَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَوَاسُّ. قُلْتُ: أَفَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الطِّفْلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضْغَةً لَيْسَ تَدُلُّهُ الْحَوَاسُّ عَلَى شَيْءٍ يُسْمَعُ وَلَا يُبْصَرُ وَلَا يُذَاقُ وَلَا يُلْمَسُ وَلَا يُشَمُّ؟ قَالَ: بَلَى.

قُلْتُ: فَأَيَّةُ الْحَوَاسِّ دَلَّتْهُ عَلَى طَلَبِ اللَّبَنِ إِذَا جَاعَ وَالضَّحِكِ بَعْدَ الْبُكَاءِ إِذَا رَوِيَ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَيُّ حَوَاسِّ سِبَاعِالطَّيْرِ وَلَاقِطِ الْحَبِّ مِنْهَا دَلَّهَا عَلَى أَنْ تُلْقِيَ بَيْنَ أَفْرَاخِهَا اللَّحْمَ وَالْحَبَّ فَتَهْوَى سِبَاعُهَا إِلَى اللَّحْمِ وَالْآخَرُونَ إِلَى الْحَبِّ؟ وَأَخْبِرْنِي عَنْ فِرَاخِ طَيْرِ الْمَاءِ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِرَاخَ طَيْرِ الْمَاءِ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ سَبَحَتْ وَإِذَا طُرِحَتْ فِيهِ فِرَاخُ طَيْرِ الْبَرِّ غَرِقَتْ وَالْحَوَاسُّ وَاحِدَةٌ، فَكَيْفَ انْتَفَعَ بِالْحَوَاسِّ طَيْرُ الْمَاءِ وَأَعَانَتْهُ عَلَى السِّبَاحَةِ وَلَمْ تَنْتَفِعْ طَيْرُ الْبَرِّ فِي الْمَاءِ بِحَوَاسِّهَا؟ وَمَا بَالُ طَيْرِ الْبَرِّ إِذَا غَمَسْتَهَا فِي الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ وَإِذَا أَمْسَكْتَ طَيْرَ الْمَاءِ عَنِ الْمَاءِ سَاعَةً مَاتَتْ؟ فَلَا أَرَى الْحَوَاسَّ فِي هَذَا إِلَّا مُنْكَسِراً عَلَيْكَ، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ

جَعَلَ لِلْمَاءِ خَلْقاً وَلِلْبَرِّ خَلْقاً. أَمْ أَخْبِرْنِي مَا بَالُ الذَّرَّةِ الَّتِي لَا تُعَايِنُ الْمَاءَ قَطُّ تُطْرَحُ فِي الْمَاءِ فَتَسْبَحُ وَتَلْقَى الْإِنْسَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ أَقْوَى الرِّجَالِ وَأَعْقَلِهِمْ لَمْ يَتَعَلَّمِ السِّبَاحَةَ فَيَغْرَقُ، كَيْفَ لَمْ يَدُلَّهُ عَقْلُهُ وَلُبُّهُ وَتَجَارِبُهُ وَبَصَرُهُ بِالْأَشْيَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ حَوَاسِّهِ وَصِحَّتِهَا أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ بِحَوَاسِّهِ كَمَا أَدْرَكَتْهُ الذَّرَّةُ؟ إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، أَفَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي هُوَ مَعْدِنُ الْعَقْلِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي وَصَفْتُ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَمِعْتَ مِنَ الْحَيَوَان هُوَ الَّذِي يُهَيِّجُ الصَّبِيَّ إِلَى طَلَبِ الرَّضَاعِ وَالطَّيْرَ اللَّاقِطَ عَلَى لَقْطِ الْحَبِّ وَالسِّبَاعَ عَلَى ابْتِلَاعِ اللَّحْمِ؟

قَالَ: لَسْتُ أَجِدُ الْقَلْبَ يَعْلَمُ شَيْئاً إِلَّا بِالْحَوَاسِّ. قُلْتُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا النُّزُوعَ إِلَى الْحَوَاسِّ، فَإِنَّا لَنَقْبَلُ نُزُوعَكَ إِلَيْهَا بَعْدَ رَفْضِكَ لَهَا وَنُجِيبُكَ فِي الْحَوَاسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِنْدَكَ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا الظَّاهِرَ مِمَّا هُوَ دُونَ الرَّبِّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَأَمَّا مَا يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ فَلَيْسَتْ تَعْرِفُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ خَالِقَ الْحَوَاسِّ جَعَلَ لَهَا قَلْباً احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ وَجَعَلَ لِلْحَوَاسِّ الدَّلَالاتِ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، فَنَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى خَلْقٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى مَا عَايَنَتْ، وَتَفَكَّرَ الْقَلْبُحِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَارْتِفَاعِهَا فِي الْهَوَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ يُرَى وَلَا دَعَائِمَ تُمْسِكُهَا لَا تُؤَخَّرُ مَرَّةً فَتَنْكَشِطَ وَلَا تُقَدَّمُ أُخْرَى فَتَزُولَ وَلَا تَهْبِطُ مَرَّةً فَتَدْنُوَ وَلَا تَرْتَفِعُ أُخْرَى فَتَنْأَى، لَا تَتَغَيَّرُ لِطُولِ الْأَمَدِ وَلَا تَخْلُقُ لِاخْتِلَافِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَلَا تَتَدَاعَى مِنْهَا نَاحِيَةٌ وَلَا يَنْهَارُ مِنْهَا طَرَفٌ، مَعَ مَا عَايَنَتْ مِنَ النُّجُومِ الْجَارِيَةِ السَّبْعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِمَسِيرِهَا لِدَوَرَانِ الْفَلَكِ وَتَنَقُّلِهَا فِي الْبُرُوجِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَشَهْراً بَعْدَ شَهْرٍ وَسَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، مِنْهَا السَّرِيعُ وَمِنْهَا الْبَطِيءُ وَمِنْهَا الْمُعْتَدِلُ السَّيْرِ، ثُمَّ رُجُوعُهَا وَاسْتِقَامَتُهَا وَأَخْذُهَا عَرْضاً وَطُولًا وَخُنُوسُهَا عِنْدَ الشَّمْسِ وَهِيَ مُشْرِقَةٌ وَظُهُورُهَا إِذَا غَرَبَتْ، وَجَرَى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْبُرُوجِ دَائِبَيْنِ لَا يَتَغَيَّرَانِ فِي أَزْمِنَتِهِمَا وَأَوْقَاتِهِمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ بِحِسَابٍ مَوْضُوعٍ وَأَمْرٍ مَعْلُومٍ بِحِكْمَةٍ يَعْرِفُ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ

حِكْمَةِ الْإِنْسِ وَلَا تَفْتِيشِ الْأَوْهَامِ وَلَا تَقْلِيبِ التَّفَكُّرِ، فَعَرَفَ الْقَلْبُ حِينَ دَلَّتْهُ الْعَيْنُ عَلَى مَا عَايَنَتْ أَنَّ لِذَلِكَ الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْأَمْرِ الْعَجِيبِ صَانِعاً يُمْسِكُ السَّمَاءَ الْمُنْطَبِقَةَ أَنْ تَهْوِيَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَنَّ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ وَالنُّجُومَ فِيهَا خَالِقُ السَّمَاءِ.

ثُمَّ نَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى مَا اسْتَقَلَّهَا مِنَ الْأَرْضِ فَدَلَّتِ الْقَلْبَ عَلَى مَا عَايَنَتْ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُمْسِكَ الْأَرْضِ الْمُمْتَدَّةِ أَنْ تَزُولَ أَوْ تَهْوِيَ فِي الْهَوَاءِ وَهُوَ يَرَى الرِّيشَةَ يُرْمَى بِهَا فَتَسْقُطُ مَكَانَهَا وَهِيَ فِي الْخِفَّةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ الَّتِي فَوْقَهَا وَأَنَّهُ لَوْ لَا ذَلِكَ لَخَسَفَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقْلِهَا وثِقْلِ الْجِبَالِ وَالْأَنَامِ وَالْأَشْجَارِ وَالْبُحُورِ وَالرِّمَالِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِدَلَالَةِ الْعَيْنِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَرْضِ هُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ.

ثُمَّ سَمِعَتِ الْأُذُنُ صَوْتَ الرِّيَاحِ الشَّدِيدَةِ الْعَاصِفَةِ وَاللَّيِّنَةِ الطَّيِّبَةِ، وَعَايَنَتِ الْعَيْنُ مَا يُقْلَعُ مِنْ عِظَامِ الشَّجَرِ وَيُهْدَمُمِنْ وَثِيقِ الْبُنْيَانِ وَتُسْفِي مِنْ ثِقَالِ الرِّمَالِ، تُخَلِّي مِنْهَا نَاحِيَةً وَتَصُبُّهَا فِي أُخْرَى بِلَا سَائِقٍ تُبْصِرُهُ الْعَيْنُ وَلَا تَسْمَعُهُ الْأُذُنُ وَلَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَلَيْسَتْ مُجَسَّدَةً تُلْمَسُ وَلَا مَحْدُودَةً تُعَايَنُ، فَلَمْ تَزِدِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَسَائِرُ الْحَوَاسِّ عَلَى أَنْ دَلَّتِ الْقَلْبَ أَنَّ لَهَا صَانِعاً، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ يُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِيهِ فَيَعْرِفُ أَنَّ الرِّيحَ لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ تِلْقَائِهَا، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُتَحَرِّكَةَ لَمْ تَكْفُفْ عَنِ التَّحَرُّكِ وَلَمْ تَهْدِمْ طَائِفَةً وَتُعْفِي أُخْرَى وَلَمْ تَقْلَعْ شَجَرَةً وَتَدَعُ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا وَلَمْ تَصُبَّ أَرْضاً وَتَنْصَرِفُ عَنْ أُخْرَى، فَلَمَّا تَفَكَّرَ الْقَلْبُ فِي أَمْرِ الرِّيحِ عَلِمَ أَنَّ لَهَا مُحَرِّكاً هُوَ الَّذِي يَسُوقُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيُسَكِّنُهَا إِذَا شَاءَ وَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ.

فَلَمَّا نَظَرَ الْقَلْبُ إِلَى ذَلِكَ وَجَدَهَا مُتَّصِلَةً بِالسَّمَاءِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ، فَعَرَفَ أَنَّ الْمُدَبِّرَ الْقَادِرَ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ هُوَ خَالِقُ الرِّيحِ وَمُحَرِّكُهَا إِذَا شَاءَ وَمُمْسِكُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمُسَلِّطُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

وَكَذَلِكَ دَلَّتِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ الْقَلْبَ عَلَى هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ وَعَرَفَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَاسِّهِ

حِينَ حَرَّكَتْهُ، فَلَمَّا دَلَّ الْحَوَاسُّ عَلَى تَحْرِيكِ هَذَا الْخَلْقِ الْعَظِيمِ مِنَ الْأَرْضِ فِي غِلَظِهَا وَثِقْلِهَا وَطُولِهَا وَعَرْضِهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثِقْلِ الْجِبَالِ وَالْمِيَاهِ وَالْأَنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَتَحَرَّكُ فِي نَاحِيَةٍ وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مُلْتَحِمَةٌ جَسَداً وَاحِداً وَخَلْقاً مُتَّصِلًا بِلَا فَصْلٍ وَلَا وَصْلٍ، تَهْدِمُ نَاحِيَةً وَتَخْسِفُ بِهَا وَتُسَلِّمُ أُخْرَى، فَعِنْدَهَا عَرَفَ الْقَلْبُ أَنَّ مُحَرِّكَ مَا حُرِّكَ مِنْهَا هُوَ مُمْسِكُ مَا أُمْسِكَ مِنْهَا، وَهُوَ مُحَرِّكُ الرِّيحِ وَمُمْسِكُهَا وَهُوَ مُدَبِّرُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُزَلْزِلَةَ لِنَفْسِهَا لَمَا تَزَلْزَلَتْ وَلَمَا تَحَرَّكَتْ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي دَبَّرَهَا وَخَلَقَهَا، حَرَّكَ مِنْهَا مَا شَاءَ.

ثُمَّ نَظَرَتِ الْعَيْنُ إِلَى الْعَظِيمِ مِنَ الْآيَاتِ مِنَ السَّحَابالْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخَانِ لَا جَسَدَ لَهُ يُلْمَسُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ يَتَخَلَّلُ الشَّجَرَةَ فَلَا يُحَرِّكُ مِنْهَا شَيْئاً وَلَا يَهْصِرُ مِنْهَا غُصْناً وَلَا يَعْلَقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ يَعْتَرِضُ الرُّكْبَانُ فَيَحُولُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ ظُلْمَتِهِ وَكَثَافَتِهِ وَيَحْتَمِلُ مِنْ ثِقْلِ الْمَاءِ وَكَثْرَتِهِ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى صِفَتِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الصَّوَاعِقِ الصَّادِعَةِ وَالْبُرُوقِ اللَّامِعَةِ وَالرَّعْدِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْجَلِيدِ مَا لَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ صِفَتَهُ وَلَا تَهْتَدِي الْقُلُوبُ إِلَى كُنْهِ عَجَائِبِهِ فَيَخْرُجُ مُسْتَقِلًّا فِي الْهَوَاءِ يَجْتَمِعُ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ وَيَلْتَحِمُ بَعْدَ تَزَايُلِهِ، تُفَرِّقُهُ الرِّيَاحُ مِنَ الْجِهَاتِ كُلِّهَا إِلَى حَيْثُ تَسُوقُهُ بِإِذْنِ الله رَبِّهَا، يَسْفُلُ مَرَّةً وَيَعْلُو أُخْرَى مُتَمَسِّكٌ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي إِذَا أَزْجَاهُ صَارَتْ مِنْهُ الْبُحُورُ، يَمُرُّ عَلَى الْأَرَاضِي الْكَثِيرَةِ وَالْبُلْدَانِ الْمُتَنَائِيَةِ لَا تَنْقُصُ مِنْهُ نُقْطَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْفَرَاسِخِ فَيُرْسِلَ مَا فِيهِ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ وَسَيْلًا بَعْدَ سَيْلٍ مُتَتَابِعٌ عَلَى رِسْلِهِ حَتَّى يَنْقَعَ الْبِرَكُ وَتَمْتَلِئَ الْفِجَاجُ وَتَعْتَلِيَ الْأَوْدِيَةُ بِالسُّيُولِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ غَاصَّةً بِسُيُولِهَا مُصَمَّخَةَ الْآذَانِ لِدَوِيِّهَا وَهَدِيرِهَا فَتُحْيَا بِهَا الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ فَتُصْبِحُ مُخْضَرَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُغْبَرَّةً وَمُعْشِبَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُجْدِبَةً قَدْ كُسِيَتْ أَلْوَاناً مِنْ نَبَاتٍ عُشْبٍ نَاضِرَةٍ زَاهِرَةٍ مُزَيَّنَةٍ مَعَاشاً لِلنَّاسِ وَالْأَنْعَامِ. فَإِذَا أَفْرَغَ الْغَمَامُ مَاءَهُ أَقْلَعَ وَتَفَرَّقَ وَذَهَبَ حَيْثُ لَا يُعَايَنُ وَلَا يُدْرَى أَيْنَ تَوَارَى، فَأَدَّتِ الْعَيْنُ ذَلِكَ إِلَى الْقَلْبِ فَعَرَفَ الْقَلْبُ أَنَّ

ذَلِكَ السَّحَابَ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ مُدَبِّرٍ وَكَانَ مَا وَصَفْتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا احْتَمَلَ نِصْفَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقْلِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُهُ لِمَا احْتَمَلَهُ أَلْفَيْ فَرْسَخٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَأَرْسَلَهُ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمَا أَرْسَلَهُ قَطْرَةً بَعْدَ قَطْرَةٍ بَلْ كَانَ يُرْسِلُهُ إِرْسَالًا فَكَانَ يَهْدِمُ الْبُنْيَانَ وَيُفْسِدُ النَّبَاتَ وَلَمَا جَازَ إِلَى بَلَدٍ وتَرَكَ آخَرَ دُونَهُ.

فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِالأَعْلَامِ الْمُنِيرَةِ الْوَاضِحَةِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأُمُورِوَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لَكَانَ فِي طُولِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَبَدِ وَالدَّهْرِ اخْتِلَافٌ فِي التَّدْبِيرِ وَتَنَاقُضٌ فِي الْأُمُورِ وَلَتَأَخَّرَ بَعْضٌ وَتَقَدَّمَ بَعْضٌ وَلَكَانَ تَسَفَّلَ بَعْضُ مَا قَدْ عَلَا وَلَعَلَا بَعْضُ مَا قَدْ سَفَلَ وَلَطَلَعَ شَيْءٌ وَغَابَ فَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ مَا قَبْلَهُ، فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأَشْيَاءِ مَا غَابَ مِنْهَا وَمَا ظَهَرَ هُوَ الله الْأَوَّلُ خَالِقُ السَّمَاءِ وَمُمْسِكُهَا وَفَارِشُ الْأَرْضِ وَدَاحِيهَا وَصَانِعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا عَدَدْنَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُحْصَ.

وَكَذَلِكَ عَايَنَتِ الْعَيْنُ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ دَائِبَيْنِ جَدِيدَيْنِ لَا يَبْلَيَانِ فِي طُولِ كَرِّهِمَا وَلَا يَتَغَيَّرَانِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمَا وَلَا يَنْقُصَانِ عَنْ حَالِهِمَا، النَّهَارُ فِي نُورِهِ وَضِيَائِهِ وَاللَّيْلُ فِي سَوَادِهِ وَظُلْمَتِهِ يَلِجُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَجْرًى وَاحِدٍ، مَعَ سُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي اللَّيْلِ وَانْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي اللَّيْلِ وَانْتِشَارِ مَنْ يَنْتَشِرُ فِي النَّهَارِ وَسُكُونِ مَنْ يَسْكُنُ فِي النَّهَارِ، ثُمَّ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ وَحُلُولُ أَحَدِهِمَا بِعَقِبِ الْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ الْحَرُّ بَرْداً وَالْبَرْد حَرّاً فِي وَقْتِهِ وَإِبَّانِهِ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْقَلْبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَعَرَفَ الْقَلْبُ بِعَقْلِهِ أَنَّ مُدَبِّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الْوَاحِدُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ آلِهَةٌ مَعَهُ سُبْحَانَهُ لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَفَسَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ.

وَكَذَلِكَ سَمِعَتِ الْأُذُنُ مَا أَنْزَلَ الْمُدَبِّرُ مِنَ الْكُتُبِ تَصْدِيقاً لِمَا أَدْرَكَتْهُ الْقُلُوبُ بِعُقُولِهَا وَتَوْفِيقِ الله إِيَّاهَا وَمَا قَالَهُ مَنْ عَرَفَهُ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ بِلَا وَلَدٍ وَلَا صَاحِبَةٍ وَلَا شَرِيكٍ، فَأَدَّتِ الْأُذُنُ مَا سَمِعَتْ مِنَ اللِّسَانِ بِمَقَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْقَلْبِ.

فَقَالَ: قَدْ أَتَيْتَنِي مِنْ أَبْوَابٍ لَطِيفَةٍ بِمَا لَمْ يَأْتِنِي بِهِ أَحَدٌ غَيْرُكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي مِنْ تَرْكِ مَا فِي يَدِي إِلَّا الْإِيضَاحُوَالْحُجَّةُ الْقَوِيَّةُ بِمَا وَصَفْتَ لِي وَفَسَّرْتَ.

قُلْتُ: أَمَّا إِذَا حَجَبْتَ عَنِ الْجَوَابِ وَاخْتَلَفَ مِنْكَ الْمَقَالُ فَسَيَأْتِيكَ مِنَ الدَّلَالَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ خَاصَّةً مَا يَسْتَبِينُ لَكَ أَنَّ الْحَوَاسَّ لَا تَعْرِفُ شَيْئاً إِلَّا بِالْقَلْبِ، فَهَلْ رَأَيْتَ فِي الْمَنَامِ أَنَّكَ تَأْكُل وَتَشْرَبُ، حَتَّى وَصَلَتْ لَذَّةُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَهَلْ رَأَيْتَ أَنَّكَ تَضْحَكُ وَتَبْكِي وَتَجُولُ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا وَالَّتِي قَدْ رَأَيْتَهَا حَتَّى تَعْلَمَ مَعَالِمَ مَا رَأَيْتَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ مَا لَا أُحْصِي. قُلْتُ: هَلْ رَأَيْتَ أَحَداً مِنْ أَقَارِبِكَ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ وَتَعْرِفَهُ كَمَعْرِفَتِكَ إِيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ؟ قَالَ: أَكْثَرَ مِنَ الْكَثِيرِ.

قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي أَيُّ حَوَاسِّكَ أَدْرَكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي مَنَامِكَ، حَتَّى دَلَّتْ قَلْبَكَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْمَوْتَى وَكَلَامِهِمْ وَأَكْلِ طَعَامِهِمْ وَالْجَوَلَانِ فِي الْبُلْدَانِ وَالضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ لَكَ أَيُّ حَوَاسِّي أَدْرَكَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئاً مِنْهُ، وَكَيْفَ تُدْرِكُ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ.

قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي حَيْثُ اسْتَيْقَظْتَ أَلَسْتَ قَدْ ذَكَرْتَ الَّذِي رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ تَحْفَظُهُ وَتَقُصُّهُ بَعْدَ يَقَظَتِكَ عَلَى إِخْوَانِكَ لَا تَنْسَى مِنْهُ حَرْفاً؟ قَالَ: إِنَّهُ كَمَا تَقُولُ وَرُبَّمَا رَأَيْتُ الشَّيْءَ فِي مَنَامِي ثُمَّ لَا أُمْسِي حَتَّى أَرَاهُ فِي يَقَظَتِي كَمَا رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي.

قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي، أَيُّ حَوَاسِّكَ قَرَّرَتْ عِلْمَ ذَلِكَ فِي قَلْبِكَ حَتَّى ذَكَرْتَهُ بَعْدَ مَا اسْتَيْقَظْتَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا دَخَلَتْ فِيهِ الْحَوَاسُّ. قُلْتُ: أَفَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ حَيْثُ بَطَلَتِ الْحَوَاسُّ فِي هَذَا أَنَّ الَّذِي عَايَنَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَحَفِظَهَا فِي مَنَامِكَ قَلْبُكَ الَّذِي جَعَلَ الله فِيهِ الْعَقْلَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْعِبَادِ؟قَالَ: إِنَّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي لَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّرَابِ الَّذِي يُعَايِنُهُ صَاحِبُهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ مَاءٌ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَكَانِهِ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، فَمَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي فَبِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قُلْتُ: كَيْفَ شَبَّهْتَ السَّرَابَ بِمَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ مِنْ

أَكْلِكَ الطَّعَامَ الْحُلْوَ وَالْحَامِضَ وَمَا رَأَيْتَ مِنَ الْفَرَحِ وَالْحَزَنِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّرَابَ حَيْثُ انْتَهَيْتُ إِلَى مَوْضِعِهِ صَارَ لَا شَيْءَ، وَكَذَلِكَ صَارَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي حِينَ انْتَبَهْتُ.

قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي إِنْ أَتَيْتُكَ بِأَمْرٍ وَجَدْتَ لَذَّتَهُ فِي مَنَامِكَ وَخَفَقَ لِذَلِكَ قَلْبُكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ احْتَلَمْتَ قَطُّ حَتَّى قَضَيْتَ فِي امْرَأَةٍ نَهْمَتَكَ عَرَفْتَهَا أَمْ لَمْ تَعْرِفْهَا؟ قَالَ: بَلَى مَا لَا أُحْصِيهِ. قُلْتُ: أَلَسْتَ وَجَدْتَ لِذَلِكَ لَذَّةً عَلَى قَدْرِ لَذَّتِكَ فِي يَقَظَتِكَ فَتَنْتَبِهَ وَقَدْ أَنْزَلْتَ الشَّهْوَةَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْكَ بِقَدْرِ مَا تَخْرُجُ مِنْكَ فِي الْيَقَظَةِ؟ هَذَا كَسْرٌ لِحُجَّتِكَ فِي السَّرَابِ.

قَالَ: مَا يَرَى الْمُحْتَلِمُ فِي مَنَامِهِ شَيْئاً إِلَّا مَا كَانَت حَوَاسُّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ. قُلْتُ: مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَوَّيْتَ مَقَالَتِي وَزَعَمْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْقِلُ الْأَشْيَاءَ وَيَعْرِفُهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْحَوَاسِّ وَمَوْتِهَا، فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ أَنَّ الْقَلْبَ يَعْرِفُ الْأَشْيَاءَ وَهُوَ يَقْظَانُ مُجْتَمِعَةً لَهُ حَوَاسُّهُ، وَمَا الَّذِي عَرَّفَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْحَوَاسِّ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَكُنْتَ حَقِيقاً أَنْ لَا تُنْكِرَ لَهُ الْمَعْرِفَةَ وَحَوَاسُّهُ حَيَّةٌ مُجْتَمِعَةٌ إِذَا أَقْرَرْتَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الِامْرَأَةِ بَعْدَ ذَهَابِ حَوَاسِّهِ حَتَّى نَكَحَهَا وَأَصَابَ لَذَّتَهُ مِنْهَا، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَعْقِلُ حَيْثُ وَصَفَ الْقَلْبَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَشْيَاءِ وَالْحَوَاسُّ ذَاهِبَةٌ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْقَلْبَ مُدَبِّرُ الْحَوَاسِّ وَمَالِكُهَا وَرَائِسُهَا وَالْقَاضِي عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ مَا جَهِلَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ فَمَا يَجْهَلُ أَنَّ الْيَدَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَيْنِ أَنْ تَقْلَعَهَا وَلَا عَلَى اللِّسَانِ أَنْ تَقْطَعَهُوَأَنَّهُ لَيْسَ يَقْدِرُ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَاسِّ أَنْ يَفْعَلَ بِشَيْءٍ مِنَ الْجَسَدِ شَيْئاً بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَلْبِ وَدَلَالَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ الْقَلْبَ مُدَبِّراً لِلْجَسَدِ، بِهِ يَسْمَعُ وَبِهِ يُبْصِرُ وَهُوَ الْقَاضِي وَالْأَمِيرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْجَسَدُ إِنْ هُوَ تَأَخَّرَ وَلَا يَتَأَخَّرُ إِنْ هُوَ تَقَدَّمَ، وَبِهِ سَمِعَتِ الْحَوَاسُّ وَأَبْصَرَتْ، إِنْ أَمَرَهَا ائْتَمَرَتْ وَإِنْ نَهَاهَا انْتَهَتْ وَبِهِ يَنْزِلُ الْفَرَحُ وَالْحَزَنُ وَبِهِ يَنْزِلُ الْأَلَمُ إِنْ فَسَدَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَاسِّ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ فَسَدَ الْقَلْبُ ذَهَبَ جَمِيعاً حَتَّى لَا يَسْمَعُ ولَا يُبْصِرُ.

قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّكَ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ.

قُلْتُ: وَأَنَا أُعْطِيكَ تَصَادِيقَ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ وَمَا رَأَيْتَ فِي مَنَامِكَ فِي مَجْلِسِكَ السَّاعَةَ. قَالَ: افْعَلْ، فَإِنِّي قَدْ تَحَيَّرْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَتَأْمُرُ بِهِ إِذَا أَحْكَمْتَ تَقْدِيرَهُ فِي ظَنِّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَهَلْ أَشْرَكْتَ قَلْبَكَ فِي ذَلِكَ الْفِكْرِ شَيْئاً مِنْ حَوَاسِّكَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَكَ بِهِ قَلْبُكَ حَقٌّ؟ قَالَ: الْيَقِينُ هُوَ فَزِدْنِي مَا يُذْهِبُ الشَّكَّ عَنِّي وَيُزِيلُ الشُّبَهَ مِنْ قَلْبِي... .(1)

المنهج الثاني: المنهج الفلسفيّ

1. نبذة مختصرة

كلمة «الفلسفة» مصدر جعليّ معرّب من اليونانيّة، وأصل الكلمة بمعنى محبّ الحكمة.(2)

المدرسة الفلسفيّة هي محاولة لدفع شبهة السفسطة وإثبات الواقعيّة العينيّة في مقابل المفاهيم الذهنيّة. فالغرض هو الوقوف على حقائق الأشياء كلّها على قدر ما يمكن للإنسان أن يقف عليه.(3)

وقد عُرّفت الفلسفة بأنّها: العلم بأحوال الموجود بما هو موجود، لا من جهة تعيّنه الخاصّ كالجسم أو الكمّ أوالكيف أو الإنسان أو النبات أو غير ذلك.(4)أو قل: الفلسفة ليست إلّا البحث عن وجود الشيء، والوقوف على علله ومبادئه، ومرتبته من الوجود، وإلى هذا ترجع التعريفات.(5)

فالمائز بين الفلسفة والعلوم أنّه لو كان الغرض من البحث هو العلم بوجود الشيء، وأنّه هل هو متحقّق أو لا، وأنّه في أيّ مرتبة من الوجود، أ هو مادّي أو مجرّد، جوهر أو عرض، وهكذا..أو العلم بعلله ومبادئه، كان البحث فلسفيّاً، ولو كان الغرض من البحث العلم بعوارض الشيء التي عرضت عليه بعد فرض وجوده، كان


1) . بحارالأنوار، ج3، ص167 _ 168، ح1؛ عن رسالة الإهليلجة، عن المفضّل بن عمر.

2) . لاحظ: المعجم الفلسفيّ، ص503.

3) . الشفاء (لابن سينا) (المنطق)، ص12.

4) . لاحظ: مجموعة آثار (للمطهّري)، ج5، ص131.

5) . أصول الفلسفة (للطباطبائي)، ص60.

البحث علميّاً غير فلسفيّ.(1)

هذه المدرسة _ التي أسّسها أرسطو في اليونان(2)

_ تُعرف بالمشّائية، وأكثر الفلاسفة المسلمين هم أنصار هذه المدرسة(3)،

ومشاهيرها: أبو نصر الفارابي، وأبو علي بن سينا، وأبو الوليد ابن رشد.(4)

قال الشيخ المطهّري: أمّا المنهج المشائيّ، فإنّ الإعتماد هو فقط على الاستدلال... كلمة «مشّاء» التي هي بمعنى «ماشي» أو «كثير المشي» اسم وضعيّ بحت، ولا تفيد مفهوم المنهج المشائيّ. يقولون إنّ العلّة التي عبّروا بسببها عن أرسطو وأتباعه ب«المشائين» هو أنّ أرسطو كان معتاداً أن يدرس ويفيض «من أخلاقه وعلمه» في حال السير والمشيء. لذلك إذا أردنا أن نستعمل كلمةً تفيد مفهوم المنهج الفلسفيّ للمشائيين يجب أن نستخدم كلمة «استدلاليّ»... .(5)

2. العقل والعلم في هذه المدرسة

اشارة

ليُعلم أنّ هذا الموضوع تارة يتطرّق إليه في الفلسفة من زاوية«معرفة الوجود» وأخری خلال «نظريّة المعرفة» فمثل أن العقل ما حقيقته، وما هي علاقته بالنفس، وكذا مسألة العقل الفعّال وكيفيّة إفاضة العلم، وأنّ العلم من أيّ المقولات هو، وما إلی ذلك، فهذه المسائل تتعلّق بالموضوع الأوّل. وأمّا كيفية تحصیل القطع بالواقع وتشكيل القياس فهو يرتبط بالمنطق الصوري الذي يتعلق بالموضوع الثاني. وبين الموضوعين تداخل، نشير إلی ما يهمّنا من تلك المسائل.

ترى الفلسفة أنّ الميزان لتشخيص الواقع هو العقل وحده(6)والحكم العقليّ


1) . أصول الفلسفة، ص63.

2) . الفلسفة (للمطهري)، ص23.

3) . الفلسفة، ص51.

4) . تاريخ ابن خلدون، ص5162.

5) . الفلسفة، ص36.

6) . لاحظ: مجموعه آثار (للمطهّري)، ج5، ص148.

يتعلق بجهتين: الصورة والمادّة، إذا حصلت وتوفّرت الشروط جزمت النفس بثبوت الموضوع للمحمول واستحالة سلب المحمول عن الموضوع.

إنّ حقيقة العقل عين النفس الناطقة، وله مراتب أعلاها فعليّة استخراج النظريّات عن الضروريّات، والاتصال أو الاتحاد مع العقل الفعّال.

واكتساب الحقائق النظريّة مرتهن بهذا العقل، ومن جملة الأحكام العقليّة عندهم: الجبر الحقيقي في أعمال العباد، وأنّ المبدأ علّة لجميع الموجودات التي منها أفعال البشر، وامتناع العقوبة والعذاب، وأنّ المخلوق من أطوار الواجب، وأنّ الله يتجلّى في الشيطان، وأمور أخرى من هذا القبيل.(1)

ولنلقِ الكلام حول العلم في هذه المدرسة أوّلا ومن ثم العقل.

المقام الأوّل: العلم

العلم بشيء في الخارج عبارة عن صورة عنه تحصل في الذهن، تسمّى بالعلم الحصوليّ.

وهو إمّا تصوّر، أو تصوّر معه تصديق(2)وهو الإذعان للنسبة بين الموضوع والمحمول، وما يُكتسب به التصوّر فحدّ أو مايشبهه، وما يكتسب به التصديق فبرهان أو ما يشبهه.(3)

قال الفلاسفة: العلم هو صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، والمراد بالصورة عندهم هي ماهيّة الشيء موجودة بوجود آخر غير الخارج كما يحصل في المرآة صورة الإنسان بوجود ظلّيّ غير وجوده الأصليّ... قد قرّروا أنّ جميع الصور الذهنيّة كيفيّات نفسانيّة.(4)

قال الخواجة الطوسي:

منها _ أي الكيفيّات النفسانيّة _ العلم، وهو إمّا تصوّر أو تصديق جازم


1) . لاحظ: تاريخ الفلسفة والتصوّف، ص198، وسوف نتعرّض لبعض تلك الأحكام لاحقا.

2) . تجريد المنطق، ص50.

3) . تجريد المنطق، ص50.

4) . مفاتيح الغيب، ص101.

ثابت... ولابدّ فيه من الإنطباع في المحلّ المجرّد القابل... ويختلف باختلاف المعقول، ولا يُعقل إلّا مضافا... وهو عرض لوجود حدّه فيه.(1)

وقال الجرجانيّ في التعريفات:

العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل... العلم الانطباعيّ هو حصول العلم بالشيء بعد حصول صورته في الذهن، ولذلك يسمّى علماً حصولياً.(2)

وقال بعضهم:

العلم الحصوليّ بمعنى الاعتقاد الجزميّ في مقابل الظنّ والشكّ، من الكيفيّات النفسانيّة.(3)

وقال الشيخ المظفّر:

تعريف العلم... تنظر إلى شيء أمامك ثم تطبق عينيك موجّهاً نفسك نحوه، فستجد في نفسك كأنّك لا تزال مفتوح العينين تنظر إليه، وكذلك إذا سمعت دقّات الساعة مثلاً، ثم سددتَ أذنيك موجّهاً نفسك نحوها، فستحسّ من نفسككأنّك لا تزال تسمعها...وهكذا في كلّ حواسّك. إذا جرّبت مثل هذه الأمور ودقّقتها جيّداً يسهل عليك أن تعرف أن الإدراك أو العلم إنما هو انطباع صور الأشياء في نفسك لا فرق بين مدركاتك في جميع مراتبها، كما تنطبع صور الأشياء في المرآة.(4)

فلا يمكن الإعتقاد والتصديق بأيّ شيء إلا بعد تصوّره.


1) . كشف المراد، ص136؛ ولاحظ في كون العلم من الكيفيات النفسانية: بداية الحكمة، ص79؛ نهاية الحكمة، ص123.

2) . التعريفات، ص130 _ 131.

3) . لاحظ: آموزش فلسفة، ج2، ص226.

4) . المنطق، ص15.

المقام الثاني: العقل، وفيه مسائل
المسألة الأولى: البرهان العقليّ

البرهان في هذه المدرسة هو قياس مقدّماته من اليقينيّات _ التي يأتي ذكرها _ سواء كانت ابتداء وهي الضروريات، أو بواسطة وهي النظريّات، فلا يوجد ولا يمكن إقامة برهان على وجه الأرض لأحد إلا بهذا القياس المنطقيّ.

فاعلم أنّهم قالوا في تعريف علم المنطق: «إنّه آله قانونيّة تعصم مراعاتها الذهن من الخطأ في الفكر»(1)،

وعليه فالأخطاء والإنحرافات الفكريّة إنّما سببها عدم مراعاة تلك القوانين التي بيّنوها في علم المنطق، الأمر الذي دعاهم لتسميته بالميزان والقسطاس المستقيم.

لهذا كان الهدف الأصليّ منه هو مباحث الاستدلال أو مبحث الحجّة، وأهمّ شيء فيه هو القياس(2)

لأنّ أقسام الحجّة ثلاثة: القياس والتمثيل والاستقراء. والقياس هو العمدة في طريق التعقّل، لأنّ تعريفه عندهم: قول مؤلَّف من قضايا، متى سُلّمت لزم عنه لذاته قول آخر، وهذا اللزوم غير موجود في الاستقراء والتمثيل.

ثمّ إنّ للقياس جانبين: صورة ومادّة، وهو من حيث الصورة على قسمين؛ اقترانيّ؛ لا يتضمّن التصريح بالنتيجة في أحد المقدّمتين، واستثنائيّ يتضمّنه بعنوان جزء القياس.وأمّا من حيث المادّة فالقياس ينقسم إلى خمسة أقسام _ تسمّى بالصناعات الخمس _ وهي: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، المغالطة.

فيقال: صناعة البرهان، صناعة الجدل ...الخ. قال الشيخ المظفّر:

إنّ القياس بحسب اختلاف المقدمات من جهة كونها یقينيّة أو غير يقينية إمّا أن يفيد تصديقاً وإمّا تأثيراً آخر غير التصديق من التخيل والتعجب ونحوهما.


1) . المنطق (للمطهّري)، ص12.

2) . المنطق (للمطهّري)، ص83.

ثمّ «الأوّل» إما أن يفيد تصديقا جازما لا يقبل احتمال الخلاف، أو تصديقا غير جازم يجوز فيه الخلاف أي «ظنيا». ثم ما يفيد تصديقا جازما إمّا أن يعتبر فيه أن يكون تأليفه لغرض أن ينتج حقّا أم لا. ثم ما يعتبر فيه إنتاج الحق إما أن تكون النتيجة حقا واقعا إما لا. فهذه خمسة أنواع:(1)

1.

ما يفيد تصديقا جازما وكان المطلوب حقا واقعا وهو «البرهان» والغرض منه معرفة الحق من جهة ما هو حق واقعاً.

2.

ما يفيد تصديقا جازما وقد اعتبر فيه ان يكون المطلوب حقّا ولكنه ليس بحقّ واقعا. وهو «المغالطة».

3.

ما يفيد تصديقا جازما ولكن لم يعتبر فيه أن يكون المطلوب حقا بل المعتبر فيه عموم الاعتراف او التسليم وهو «الجدل». والغرض منه إفحام الخصم وإلزامه.

4.

ما يفيد تصديقا غير جازم. وهو «الخطابة» والغرض منه إقناع الجمهور.

5.

ما يفيد غير التصديق من التخيل والتعجّب ونحوهما وهو «الشعر»، والغرض منه حصول الانفعالات النفسية.

ثمّ إنّ البحث عن كلّ واحد من هذه الصناعات الخمس أو القدرة على استعمالها عند الحاجة يسمّی «صناعة» فيقال:صناعة البرهان، وصناعة المغالطة.... الخ.(2)

أمّا البرهان فهو؛ القياس الذي يوجب النتيجة اليقينيّة، لأنّ شرطه يقينيّة موادّه، فهو (قياس مؤلّف من يقينيّات ينتج يقيناً بالذات).(3)


1) . راجع شرح الشمسية، ص168 و197؛ شرح المنظومة، ص870؛ اللمعات (منطق نوين)، ص33؛ شرح الإشارات، ص288.

2) . المنطق (للمظفّر)، ص355 _ 356.

3) . راجع: شرح الشمسية، ص167؛ شرح المطالع، ص333؛ الجوهر النضيد، ص169؛ شرح الإشارات، ص289.

وأمّا الأقيسة الأخرى فإمّا أنّها لا توجب تصديقا أصلا، كالقياس الشعريّ حيث يفيد التصوّر والتخيل للقضية فحسب، أو توجب تصديقا ظنّياً، كالقياس الخطابيّ والجدليّ حيث يستفاد من مقادماته قضايا غير يقينيّة، أو توجب تصديقا مغلّطا، كالقياس المغالطي حيث يوجب جهلا مركبا لا يقينا مطابقا للواقع.

ثمّ إنّ القياس الذي تختلف أقسامه قد يكون مبدؤه أحد أمور ثمانية؛ إمّا يقينيّات، او مظنونات، أو مشهورات، أو وهميّات، او مسلّمات، او مقبولات، أو مشبّهات، أو مخيّلات. والذي يهمّنا هنا منها اليقينيّات، لأنّها هي مبادي البرهان، وهي البديهيّات بالمعنى العام أي الوضوح لدى الذهن، وتنقسم إلى ستّة أقسام كلّها تصلح لتشكيل القياس البرهانيّ:

الأوّل: الأوّليات أو البديهيات الأوّليّة؛ وهي ما ليس له حدّ وسط أي: لا يوجد سبب لثبوت المحمول للموضوع، ذلك أنّ نفس الموضوع سببٌ لثبوته، وإدراك النسبة هو نفس تصوّر الطرفين لا غير، خلافا لسائر اليقينيّات التي لها حدّ وسط. وبحسب هذا التعريف تنحصر المادّة الأوّليّة بفرد واحد وهو «مبدأ التناقض» فقط كما صرّح بعضهم. قال:

القضيّة الأوليّة هي القضيّة اليقينيّة التي لا يحتاج ثبوت المحمول لموضوعها لا إلى سبب داخلي ولا إلى سبب خارجيّ، أي: لا هي بحاجة إلى سبب من الخارج يثبت ثبوت المحمول لموضوعها، ولا يوجد في الذهن مع الموضوع والمحمول سبب لإثبات ذلك. والسبب في عدم احتياجالأوليّات إلى علّة داخليّة وخارجيّة هو أن ذات الموضوع هو وحدة السبب لثبوت المحمول له.

فالقضيّة الأوليّة _ وفق هذا التعريف _ قضيّة منحصرة بفرد، وذلك الفرد هو قضيّة امتناع اجتماع النقيضين التي يعدّونها مبدأ المبادئ. وأمّا القضايا الأخرى فليست في صفّ هذه القضيّة حتّى امتناع ارتفاع النقيضين، لأنّ أي حكم يثبت للعدم الذي منه ارتفاع النقيضين أي عدم اجتماعهما، إنّما هو

على ضوء الحكم الثابت للوجود. وعلى هذا فاستحالة ارتفاع النقيضين أيضاً مستندة إلى امتناع اجتماعهما؛ وبتعبير آخر إن ارتفاع النقيضين إنما يبطل من جهة انتهاءه إلى اجتماع النقيضين... .(1)

فالحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تشكيل قياس هي مسألة اجتماع النقيضين، وغيرها مهما كانت بديهيّة تتوقف على القياس وتبقى مسألة نظريّة.

الثاني: الفطريّات، وهي قضايا فطريّة القياس، وقد تبدو من الأوليّات ولكنّها في الحقيقة متوقفة على برهان في ثبوت المحمول لموضوعها، وبراهينها موجودة معها في الذهن، كامتناع الدور وأنّ الكلّ أكبر من الجزء، فهذه تحتاج إلى استدلال، ولكن قياساتها معها، فعدم ضرورة ثبوت الشيء لنفسه يستلزم ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما، فصار الاستدلال عليه. قال المظفّر عن الفطريّات:

هي القضايا التي قياساتها معها، أي إنّ العقل لا يصدق بها بمجرّد تصوّر طرفيها كالأوليات، بل لا بد لها من وسط، إلا أنّ هذا الوسط ليس ممّا يذهب عن الذهن حتی يحتاج الى طلب وفكر، فكلّما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه. مثل حكمنا بأنّ الاثنين خُمس العشرة، فإنّ هذا حكم بديهي إلّا أنّه معلوم بوسط، لأنّ: الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه وإلى أربعة أقسامأخرى، كلّ منها يساويه. وكلّ ما ينقسم عدد إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كلّ منها يساويه، فهو خُمس ذلك العدد. فالاثنان خُمس العشرة.(2)

الثالث: «الحسيّات» وهي قضايا منتزعة تجزم بها النفس بعد تشكيل البرهان. فالصورة الحسيّة لا تفيد إلّا التصوّر، وهي تتوقّف إلى قياس ليقع التصديق، ومن ثمّ تكون مقدّمة للبرهان.


1) . نظريّة المعرفة في القرآن (للآملي)، ص174.

2) . منطق المظفّر، ص336.

الرابع: «التجربيّات» وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة تكرر المشاهدة بالإحساس وهي قضايا كليّة بخلاف المحسوسات.

الخامس: «المتواترات» وهي قضايا تسكن اليها النفس سكونا يزول معه الشك ويحصل الجزم القاطع، وذلك بواسطة اخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب ويمتنع اتفاق خطأهم.

السادس: الحدسيّات، وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النفس قوي جدا يزول معه الشك ويذعن الذهن بمضمونها، مثل حكمنا بأنّ القمر وزهرة وعطارد وسائر الكواكب السيارة مستفاد نورها من نور الشمس، قال الشيخ المظفّر:

والحدسيّات جارية مجرى المجرّبات في الأمرين المذكورين، أعني تكرّر المشاهدة ومقارنة القياس الخفيّ، فإنّه يقال في القياس مثلا: هذا المشاهد من الاختلاف في نور القمر لو كان بالاتفاق او بأمر خارج سوى الشمس لما استمر على نمط واحد على طول الزمن. ولما كان على هذه الصورة من الاختلاف فيحدس الذهن أنّ سببه انعكاس أشعّة الشمس عليه.(1)

إذن ليس البرهان العقليّ إلّا القیاس الذي یتشكّل من تلك المقدّمات.

المسألة الثانية: البرهان العقليّ والصورة الذهنيّة

مرجع جميع المبادي إلى الصورة الذهنيّة في النفس وهي المسمّاة عندهم بالعلم، فالبرهان الذي هو الطريق الوحيد لحصول اليقين هو صورة تتصوّرها الذهن.

والحالة النفسيّة الحاصلة من الأقيسة هي نتيجة ضمّ تلك المقدّمات إلى بعض، فهي الأخرى مستتبعة لتلك الصور.

الصناعات الخمس والبحث عن مواد القياس؛ مطالب كتاب القياس التي هي نفس المباحث الصورية في المنطق، وإن كانت من المباحث المهمّة في المنطق إلّا أنّها ليست المسائل المنطقيّة الأهمّ... وذلك القسم من المباحث


1) . منطق المظفّر، ص334.

الذي يحوي أهم المباحث المنطقيّة هو بحث المواد. وفي البحث عن المواد ليس الحديث عن القضايا التي تشكّل القياس بلحاظ ترتيب أجزائها الداخليّة، بل بلحاظ الإرتباط الذي بين نفس الإنسان والصورة الذهنيّة للقضيّة الموجودة.(1)

المسألة الثالثة: برهان الإن واللم

قال المرحوم الخواجه، في تقسيم البرهان إلى «لم» و«إن» وبيان الفرق بينهما:

الحدّ الأوسط في البرهان لابدّ وأن يكون علّة لحصول التصديق بالحكم الذي هو المطلوب في العقل، وإلّا فلم يكن البرهان برهاناً على ذلك المطلوب، هذا خلف. ثم إنّه لا يخلو: إمّا أن يكون مع ذلك علّة أيضاً لوجود ذلك الحكم في الخارج أو لا يكون. فإن كان فالبرهان هو برهان «لمّ»،

وإلّا فهو البرهان المسمّى برهان «إنّ». وهو لا يخلو: إمّا أن يكون الأوسط فيه معلولا لوجود الحكم في الخارج أو لا يكون، فالأوّل يسمّى «دليلا» والثاني لا يخصّص بإسم. و«الدليل» يشارك برهان «لمّ» في الحدود، ويتخالفان في وضع الأوسط والأكبر وفي النتيجة.وأحقّ البراهين بإسم البرهان هو برهان «لم»، لأنّه معط للسبب في الوجود والعقل. والعلم اليقيني بما له سبب في الخارج عن اجزاء القضية لا يحصل إلا به كما ذكرناه، فمقدّمتاه أقدم في الوجود والعقل جميعا من النتيجة.

وأمّا برهان «إن»، فلا يعطي السبب إلا في العقل فقط، والعلم اليقيني يحصل به إذا كان السبب في الوجود معلوما، إلا انّه يكون سبباً في العقل، لكونه غير تام في سببيّته، ولذلك لا يصلح أن يقع في البرهان. فالواقع في البرهان يكون سببا في العقل فقط، ويكون البرهان به برهان «إنّ»، ومقدّمتا هذا البرهان أقدم في العقل لأنّهما أعرف عندنا وليستا بأقدم في الطبع.


1) . نظريّة المعرفة في القرآن (للآملي)، ص162 _ 163.

وإنّما عُرّف ب«لم» و«إن» لأن اللمية هي العلّيّة، والأنّيّة هي الثبوت، وبرهان «إن» لا يعطي علّته في الوجود، ولكن يعطي ثبوته في العقل.(1)

ولمّا كان الحد الأوسط علّة للتصديق بالنتيجة وهو المسمّى بالبرهان، فالنتيجة قهريّة، وأما برهان اللم فمضافا إلى التصديق النفسيّ فإنّ الوسط علّة لوجود الحكم في الخارج أيضا فالمحموم يستوجب حرارة البدن تصديقا ووجودا. بينما الكسوف علّة لثبوت توسط القمر بين الشمس والأرض تصديقا ولكنّه معلول له في الخارج.

المسألة الرابعة: العقل كيفيّة نفسانيّة، وأنّه إدراك للمفاهيم الكليّة

اشتهر فيما بينهم أنّ العقل من مقولة الكيف(2)من دون برهان ذكروه.(3)وقالوا أنّ تعريف الإنسان بالجنس والفصل هو الحيوان الناطق، ونطقه إدراكه للكليّات، فالعقل الذي هو إدراك الكلّيّات هو هويّة ذاتيّة له.

من هنا ذكروا أنّ العقل من القوى المختصّة بالنفسالإنسانية، وفيما يلي شيء من التفصيل:(4)

تنقسم قوى النفس إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: القوى المشتركة بين النفس الإنسانيّة والحيوانيّة والنباتيّة، وهي ثلاثة: المغذّية، والنامية، والمولّدة.

القسم الثاني: القوى المشتركة بين النفس الإنسانيّة والحيوانيّة، ويأتي ذكرها.

القسم الثالث: القوى المختصّة بالنفس الإنسانيّة.

أمّا القوى المشتركة بين الإنسانيّة والحيوانيّة فنوعان: القوى المدرِكة والقوى المحرّكة.


1) شرح الإشارات، ج1، ص485 _ 486 وذكر نحوه في تجريد المنطق، ص53.

2) . الفلسفة العليا، ص279.

3) . الفلسفة العليا، ص280.

4) . لاحظ: گوهر مراد (للاهيجي)، ص101 _ 110.

والمدركة عشرة، خمسة ظاهريّة وخمسة باطنيّة:

الظاهريّة: الباصرة والسامعة والذائقة واللامسة والشامّة.

الباطنيّة، فالأولى: الحسّ المشترك؛ وهي القوّة الّتي تنتقش فيها صور الأشياء المدركة بواسطة الحواسّ الظاهريّة.

والثانية: القوّة الخياليّة؛ تحفظ الصور المرتسمة في الحسّ المشترك؛ ففي الحسّ المشترك تنتقش الصور الجزئيّة، وفي الخيالية يتمّ حفظها.

والثالثة: القوّة الواهمة، وبها تُدرك المعاني الجزئيّة للمحسوسات. والمراد من المعاني الأُمور غير المحسوسة بالحواسّ الظاهريّة، مثل عداوة زيد وبغضه، وصداقة عمرو وحبّه، أو محبّة الحيوانات لصغارها أو عداوة جنسين منها لبعض، كالذئب للشاة، فهذه الحقيقة تدركها الشاة.

والرابعة: القوّة الحافظة، وهي التي تحافظ على المعاني الجزئيّة المدرَكة عبر القوة الواهمة. فبالقوّة الواهمة يتمّ إدراك عداوة زيد _ مثلاً _ وبالقوّة الحافظة يُحفظ هذا المعنى _ الثابت لزيد _ في الذهن.

فنسبة القوّة الحافظة إلى القوّة الواهمة نسبة القوّة الخيالية إلى الحسّ المشترك، وكما تحتفظ الخياليّة بالصور الجزئيّة فالحافظة تحفظ المعاني الجزئيّة.

الخامسة: القوّة المتخيّلة، وهي القوّة التي بها تركّبالمعاني مع الصور، وبها يتم إثبات بعضها لبعض أو نفي بعضها عن بعض، مثل إثبات العداوة لزيد ونفيها عن عمرو.

هذه القوى المدركة، أمّا القوى المحرّكة المشتركة بين الإنسان والحيوان، فعلى قسمين: باعثة وفاعلة.

أمّا القوّة الباعثة، فعندما تحصل صورة شيء مطلوب الحصول أو مطلوب الدفع فإنّ هذه القوّة تحرّك القوّة الفاعلة، وفي صورة كون الشيء مطلوب الحصول تسمّى بالقوة الشهويّة، أو مطلوب الدفع فتسمّى بالقوّة الغضبيّة.

والقوّة الفاعلة هي القوّة التي تتبع الأسباب وتستحصل الأدوات كي يحصل المطلوب أو يندفع المحذور.

مثال ذلك: زيدٌ جائع حصول صورة رغيف الخبز في الذهن مطلوبيّة توفير الخبز (القوّة الباعثة الشهويّة تبعث القوّة الفاعلة نحو الخبز) القوّة الفاعلة توفّر الأسباب (الذهاب إلى الخبّاز وشراء الخبز).

وبتعبير بسيط: الشهوة والغضب يحرّكان الإنسان إلى جلب المنفعة أو دفع المضرّة.

وأمّا القسم الثالث من القوى _ وهي المختصّة بالنفس الناطقة _ فهي قوّة العقل، وقسّموه إلى قسمين: العقل النظريّ والعقل العمليّ، أو: القوّة العالمة والقوّة العاملة.

العقل النظريّ قوة تُدرَك بواسطتها الحقائق الكلّيّة، ولا ربط لها بمقام العمل، من قبيل: «الكلّ أكبر من الجزء» و«الضدّان لا يجتمعان».

العقل العمليّ قوّة بها تُدرَك المفاهيم الكلّيّة التي تتعلّق بعمل الإنسان، فتتضمّن ما ينبغي فعله أو ينبغي تركه، مثل «قبح الظلم» و«حسن العدل».

المسألة الخامسة: المراتب الأربعة للعقل النظريّ
اشارة

قال السيّد شريف في التعريفات:

العقل الهيولانيّ: هو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهي قوّة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال، وإنما نسبإلى الهيولى(1)

لأنّ النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حدّ ذاتها عن الصور كلّها.

العقل بالمَلَكة: هو علم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريّات.

العقل بالفعل: هو أن تصير النظريات مخزونة عند قوّة العاقلة بتكرار الاكتساب بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشّم كسب جديد لكنّها لا يشاهدها بالفعل.


1) . الهيولى: مادّة الشيء التي يصنع منها، كالخشب للكرسيّ والحديد للمسمار والقطن للملابس. انظر: الوسيط (هيولى)، ج2، ص1045.

العقل المستفاد: هو أن تحضر عنده النظريّات التي أدركها بحيث لا تغيب عنده.(1)

توضيحه أنّ للنفس سلوكاً وحركة من القوة إلى الفعلية، تتدرّج في مسير تحصيل العلوم، فمقام التعقّل يتشكّل من أربع مراتب؛

1.

العقل الهيولاني؛ وهو قوّة محضة منسلخة من الصور ولكنّ هذه القوة تمكّن النفس من انتزاع الكليات من الموجودات، إلا أنّ له في هذه المرحلة حالة إستعداد والقوّة بالنسبة إلى المعقولات والصور الكلّيّة، ولا يفتقد هذه أحد من البشر، والاستعداد فعليّ.

2.

العقل بالملكة؛ هو مرحلة تحصيل أصول المعرفة النظريّة، وهي المعقولات الأوّليّة والبديهيّات، فتستعدّ النفس إلى استنباط المعقولات الثانويّة والأمور النظريّة بواسطة حصول تلك المعقولات الأوّليّة.(2)فهذه المرتبة إذن هي خروج من صرف الإستعداد إلى حصول المعلومات البديهيّة، للتهيّؤ إلى مرحلة تحصيل المعلومات النظريّة. بعبارة أخرى: العقل بالملكة هو فعليّة الاستعداد وتحصيل البديهيّات بواسطةالقوّة والقدرة على التصوّر والتصديق الكلّيّين. فالطفل الرضيع وإنْ كان عاجزاً عن تصوّر مفهوم كلّيّ أو تصديقه، إلا أنّه واجد لذلك الاستعداد، وإذا بلغ مرتبة يتمكّن من تصوّر أو تصديق المفاهيم الكلّيّة يكون واجداً للعقل بالملكة، لتبدّل الاستعداد إلى الفعليّة. وفي هذه المرحلة يدرك البديهيّات من قبيل استحالة اجتماع النقيضين، أمّا بالنسبة إلى النظريّات فإنّ له مجرّد استعداد، فله جهة استعداد وجهة فعليّة، إلاّ أنّ الفعليّة _ التي تكون بإدراك البديهيّات _ لا تحتاج إلى نوع من الاستدلال أو إلى فعاليّة خاصّة. وعموم الناس مشتركون في هذه المرحلة أيضاً.


1) . كتاب التعريفات (للجرجانيّ)، ص128؛ ولاحظ: الإشارات، ج2، ص353.

2) . المعقولات الأوّليّة هي التصوّرات الأوّليّة الكلّيّة لما له مصداق خارجيّ مثل الإنسان والحيوان، والمعقولات الثانويّة هي المفاهيم الكلّيّة المنتزعة من أمور ذهنيّة ومنشأها الذهن، مثل الكليّ والجزئيّ.

3.

العقل بالفعل: مرحلة تحصيل المعقولات الثانوية في النفس بمساعدة المعلومات الأوّليّة التي عندها، إلا أنّ النفس غير متوجّهة إليها بالفعل ولكن متى أرادت توجّهت إليها فوصلت إلى الفعليّة. ففي هذه المرحلة يستطيع العقل متى شاء أن يشاهد المعقولات الإكتسابيّة بدون أن يتحمّل عناء الكسب ثانيةً، وهذا يحصل بكثرة الرجوع إلى العقل الفعّال (واهب الصور) حتّى يكون الرجوع والإتّصال ملكةً.

4.

العقل المستفاد هو استحضار المعقولات الثانويّة، فتكون الصور المعقولة حاضرة في النفس بالفعل. أو قل: هو العقل بالفعل بالإضافة إلى التوجّه وحضور الصور. فلا حاجة إلى الاستدلال والنظر لكسب المفاهيم.

ثمّ إنّ هذا إنّما يحصل عند ارتباط النفس مع العقل الفعّال الذي سيأتي الكلام فيه، وحينئذ تفاض المفاهيم الكلّيّة على النفس. والفرق بين العقل الفعّال والعقل المستفاد أنّ فعليّة المستفاد من الفعّال. ولأجل إرتباط النفس في هذه المرتبة بالفعّال وإفاضة المفاهيم الكلّيّة عليها من عنده تسمّى بالعقل المستفاد.(1)

قال ابن سينا:

والّذي يُخرج من الملكة إلى الفعل التّام، ومِن الهيولى أيضاًإلى الملكة فهو العقل الفعّال.(2)

من هنا قالوا أنّ غاية عالم الوجود خلق الانسان، وغاية خلق الانسان العقل المستفاد(3)

وغاية الحكمة تحصيل النفس لنظام مشابه للنظام الخارجيّ والعينيّ، فإذا استطاعت النفس تحصيل النظام العقليّ المشابه لنظام الوجود الخارجيّ فقد تعقّلت الأشياء الخارجيّة وبلغت غاية العقل النظريّ، قال الملّا صدرا في الحكمة النظريّة:

غايتها انتقاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه، وصيرورتها عالَمَاً عقليّاً مشابهاً للعالَم العينيّ، لا في المادّة بل في صورته وهيئته ونقشه. وهذا الفنّ من الحكمة هو المطلوب لسيّد الرسل ص المسؤول في


1) . لاحظ: شرح المنظومة (غرر في العقل النظريّ والعقل العمليّ)، ص310.

2) . الإشارات، ص354؛ ولاحظ ما ذكره الفارابي في الفصول المنتزعة، ص188 _ 189.

3) . لاحظ: مفاتيح الغيب، ص523.

دعاءه إلى ربّه، حيث قال: ربِّ أرنا الأشياء كما هي(1)، وللخليل (علیه السلام) أيضاً حين سأل: ربِّ هب لي حكماً، والحكم هو التصديق بوجود الأشياء المستلزم لتصوّرها أيضاً.(2)

والنفس هي التي تنتقش فيها الصور الجزئيّة والكلّيّة، والمفاهيم الجزئيّة أو الكلّيّة، وتُحفَظ فيها. ولها استعداد ترسيم المفاهيم الكلّيّة عبر الاستدلال والنظر، وتبلغ مرتبةً بحيث ترتسم فيها المفاهيم الكلّيّة من (العقل الفعّال) من دون نظر أو استدلال. فالنفس هي العقل، قال الملّا صدرا:

فإنّ كمال النفس الانسانيّة وتمامها هو وجود العقل الفعّال له وصيرورتها إيّاه واتحادها به.(3)

وقال:

وإذا استحكم فيه إدراك الصورة العقليّة بالبراهين اليقينيّة والحدود الحقيقيّة فعند ذلك يصير عقلاً ومعقولاً بالفعل، فيتحقّق تجرّده عن الكونين، فله أن يعقل كلّ حقيقة وماهيّةمتى شاء وأراد لصيرورتها عين الصورة العقليّة بعدما كان كذلك بالقوّة عند كونه صورة خياليّة.(4)

وهذا معنى ما ذكروه من اتحاد العقل والعاقل والمعقول، فهي حقيقة واحدة بلحاظات، كالتعبير عن زيد أنّه عربيّ ومكّيّ وقرشيّ، بلحاظ لسانه ووطنه ونسبه. قال الفارابي:

فإذا حصلت القوة الناطقة عقلا بالفعل، صار أيضا ذلك العقل الذي هو الآن بالفعل شبيها بالأشياء المفارقة يعقل ذاته التي هي بالفعل عقل، وصار المعقول منه هو الذي يعقل. ويكون حينئذ جوهرا يعقل بأن يكون معقولا من جهة ما


1) . هذا الحدیث لا یوجد في مصادرنا.

2) . الأسفار، ج1، ص21.

3) . الشواهد الربوبية، ص245 (في الإشراق الثالث؛ في حصول العقل الفعّال في أنفسنا)؛ مفاتيح الغيب، ص579؛ المبدأ والمعاد، ص357؛ الأسفار، ج9، ص140.

4) . الأسفار، ج3، ص461 (فصل: في أنّ كلّ مجرَّد فإنّه عقل لذاته).

يعقل. فيكون حينئذ العاقل والمعقول والعقل فيه شيئا واحدا بعينه. فبهذا يصير في رتبة العقل الفعال وهذه الرتبة إذا بلغها الإنسان كملت سعادته.(1)

العقل الفعّال ورابطته بالعقل الانسانيّ

العقل المستفاد هو العلم الفعليّ المتّحد أو المتّصل مع العقل الفعّال، فليُعلم أنّ العقل الفعّال هو أحد أركان نظريّة العقول العشرة التي هي الوسائط بين علّة العلل والمعاليل، وهو عاشرها، وهو واهب الصور، ولهذه الجهة سُمّي بالفعّال، لأنّه يفيض على عالم الناسوت، والحاكم على العالَم السفليّ، والموجب لخروج النفوس وغيرها من القوّة إلى الفعل.(2)

له تسميات مختلفة على اختلاف الآراء أو العقائد، وأُعطي مختلف الأدوار، كالقول أنّه جبرئيل(3)،

أو روح القدس، أو واسطة الفيض، وسُمي تارة بالفيض الأقدس، وأخرى واهب الصور، أو واهب العقل، أو مدبّر العالَم أو غير ذلك.

ومنشأ هذه الفكرة ما ذهبوا إليه من استحالة صدور أكثر من واحد من الواحد، فإنه لمّا كان المبدأ واحداً من جميع الجهاتامتنع صدور أكثر من شيء واحد عنه(4)

فجاءت نظريّة الواحد التي وصفوها بالقانون. قال العلامة الطهراني في الذريعة:

«الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد» من الأصول الفلسفيّة عند الثنويّين الفرس القدماء، وتخلّصاً منه جاء النو أفلاطونيّون في الإسكندريّة بنظريّة العقول العشرة لإثبات التوحيد، وعنهما أخذ الإشراقيّون الصوفيّون من المسلمين القائلين بوحدة الوجود، وأّلفوا في الموضوع رسائل متعددة.(5)


1) . السياسة المدنية، ص4.

2) . فرهنگ معارف إسلامي، ج4، ص320؛ ولاحظ أيضا: عقل در حكمت مشّا (فارسي)، ص323 _ 329؛ التعليقات، ص648؛ السياسة المدنية، ص2 _ 3.

3) . لاحظ: السياسة المدنية، ص2.

4) . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات، ج3، ص122؛ حكمة الإشراق، ضمن «مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق»، ج2، ص125.

5) . الذريعة، ج25، ص5.

في ظلّ هذه النظريّة تولّدتْ نظريّة العقول العشرة، فهي تفسير الفلسفة لكيفيّة حصول الكثرات، وتتبنّى نظريّة الهيئة البطلميوسيّة ومركزيّة الأرض للكون(1)إلّا أنّ مسألة العقول العشرة قد صبغت أحيانا بصبغة دينيّة. قال السيد الطباطبائي:

لمّا كان الواجب تعالى واحداً بسيطا من جميع الجهات امتنع أن يصدر منه الكثير، سواء كان الصادر مجرّداً كالعقول العرضيّة أو مادّياً كالأنواع الماديّة، لأنّ الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. فأوّل صادر منه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الظلّي وجود الواجب تعالى في وحدته. ولمّا كان معنى أوليّته هو تقدّمه في الوجود على غيره من الموجودات الممكنة وهو العليّة، كان علّة متوسّطة بينه تعالى وبين سائر الصوادر منه، فهو الواسطة في صدور ما دونه.

وليس في ذلك تحديد القدرة المطلقة الواجبية التي هي عين الذات المتعالية على ما تقدّم البرهان عليه، وذلك لأنّ صدور الكثير من حيث هو كثير من الواحد من حيث هو واحد ممتنع على ما تقدّم، والقدرة لا تتعلّق إلّا بالممكن، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات كسلب الشيء عن نفسه والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلا فلا ذات لها حتىتتعلّق بها القدرة... .(2)

أقول: تذهب النظريّة إجمالاً إلى أنّ مبدأ الكائنات لمّا كان واحداً بسيطاً من جميع الجهات لا كثرةَ فيه، لا خارجاً ولا عقلاً ولا وهماً، فهذا الواحد من جميع الجهات لا يصدر عنه إلّا واحد، فلا محالة تكون الواسطة بين الواحد والكثير(3)وأما كيفية حصول الكثرات في عالم العقول والاَفلاك والاَجسام، فهي أنّ الصادر من المبدأ واحد، وهو العقل الأوّل، مشتمل على جهتين: جهة تعقّله لمبدئه وجهة إضافته إلى ماهيّته، وبالنظر إلى الجهة الأولى صدر العقل الثانيّ، وبالنظر إلى الجهة


1) . قال الفارابيّ: والأجسام السماوية كثيرة وهي تتحرك باستدارة حول الأرض أصنافا من الحركات كثيرة. السياسة المدنية، ص12.

2) . لاحظ: بداية الحكمة، ص173؛ نهاية الحكمة، ص315.

3) . لاحظ: التعليقات، ص100، 649 _ 652؛ إلهيات الشفاء، ص402.

الثانية صدر الفلك الاَوّل ونفسه، الّذي هو الفلك الاَقصى.

وصدر من العقل الثاني لهاتين الجهتين العقل الثالث، والفلك الثاني مع نفسه، الّذي هو فلك الثوابت. ثمّ صدر من العقل الثالث لهاتين الجهتين، العقل الرابع، والفلك الثالث مع نفسه، الّذي هو فلك زحل. وبهذا الترتيب، صدر العقل الخامس والفلك الرابع، الّذي هو فلك المشتريّ، إلى أن صارت عشرة، وعدد الاَفلاك مع نفوسها تسعة. فهي العقول العشرة والأفلاك التسعة.(1)

العقل الاَوّل: الناطق، والعقل الثاني: الفلك المحيط، والعقل الثالث: فلك الثوابت، والعقل الرابع: فلك زحل، والعقل الخامس: فلك المشتري، والعقل السادس: فلك المريخ، والعقل السابع: فلك الشمس، والعقل الثامن: فلك زهرة، والعقل التاسع: فلك عطارد، والعقل العاشر: فلك القمر.(2)

وربّما قالوا بعدم انحصار العقول الطولية بما ذكروه ولا تُحصى عددا:

لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغا لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقلالأوّل، فلابد من صدور عقل ثانٍ، ثم ثالث، وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال. فتبيّن أنّ هناك عقولاً طوليّة كثيرة، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاءها عددا.(3)

وقال في الأسفار:

وكما أنّ جميع الحركات في هذا العالم ينتهي إلى حركات الأفلاك، سيّما الفلك الأقصى، فكذلك جميع الحرارات الغريزيّة والأُسطقسّيّة تنتهي إلى أضواء الكواكب، سيّما ضوء الشمس.(4)


1) . لاحظ: النجاة، ص656، 648، 656، 648؛ إلهيّات الشفاء، ص406.

2) . لاحظ: في كيّفيّة صدور العقول العشرة من كلمات ابن سينا: النجاة، ص656، 648؛ إلهيّات الشفاء، ص406.

3) . لاحظ: بداية الحكمة، ص173 _ 174؛ نهاية الحكمة، ص317.

4) . الأسفار، ج9، ص367 _ 268. قال العلّامة المجلسيّ في بيان إطلاقات لفظ العقل: ..السادس: ما ذهب إليه الفلاسفة وأثبتوه بزعمهم ..إلى أن قال: وليس لهم على هذه الأمور دليل إلّا مموهات شبهات أو خيالات غريبة زيّنوها بلطائف عبارات. بحارالأنوار، ج1، ص101، ذيل ح14.

وفي رابطة العقل الفعّال بالعقل المستفاد قال:

قد علمتَ أنّ النفس الانسانيّة ترتقي من صورة إلى صورة، ومِن كمالٍ إلى كمال؛ فقد ابتدأتْ في أوائل النشأة مِن الجسميّة المطلقة إلى الصور الأُسطقسّيّة، ومنها إلى المعدِنيّة والنباتيّة، ومنها إلى الحيوانيّة، حتّى استوفتْ القوى الحيوانيّة كلّها، ثمّ انتهتْ إلى تلك الذات الّتي منها أوّل الأشياء التي لا تنسب إلى المادّة الجسميّة، وإذا وقع لها الارتقاء منه فإنّما يرتقي إلى أوّل رتبة الموجودات المفارقة بالكلّيّة عن المادّة، وهو العقل المستفاد، وهو قريب الشبه بالعقل الفعّال.

و الفرق بينه وبين العقل الفعّال أنّ العقل المستفاد صورة مفارقة كانتْ مقترنة بالمادّة ثمّ تجرّدت عنها بعد تحوّلها في الأطوار، والعقل الفعّال هو صورة لم يكن في مادّة أصلاً، ولا يمكن أن يكون إلّا مفارقة... .(1)

المسألة السادسة: الحسن والقبح العقليّان

ذكر ابن سينا في بيان معنى المشهورات من مبادئ القياس بعد تبيين أقسام تلك المبادئ وأن منها ما يصدَّق به على وجه الضرورة (وهي مواد القياس البرهانيّ) ومنها ما يصدّق به على وجه التسليم (وهي مواد القياس الجدليّ)، قال:

والذي على سبيل تسليم مشترك فيه: إما أن يكون رأيا يستند إلى طائفة أو يكون رأيا لا يستند إلى طائفة، بل يكون متعارفا في الناس كلّهم قبوله، وقد مرنوا عليه فهم لا يحلونه محل الشك، وإن كان منه ما إذا اعتبره المميز وجعل نفسه كأنّه حصل في العالم دفعة وهو مميّز ولم يعوَّد شيئاً ولم يودّب ولم يلتفت إلى حاكم غير العقل، ولم ينفعل عن الحياء والخجل، فيكون حكمه خلقيا لا عقليّا، ولم ينظر إلى موجب مصلحة فيكون بوسط لا بضرورة، وأعرض عن الاستقراء أيضا فيكون بوسط، ولم يلتفت إلى أنّه هل


1) . الأسفار، ج3، ص461 (في نسبة العقل الفعّال إلى نفوسنا). ولاحظ: السياسة المدنية، ص3.

يُنتقض عليه بشيء، فإذا فعل هذا كلّه ورام أن يشكك فيه نفسه أمكنه الشك، كقولهم «إنّ العدل جميل» و«إنّ الظلم قبيح» و«إنّ شكر المنعم واجب». فإنّ هذه مشهورات مقبولة، وإن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبيه بفطرة العقل المنزّل المنزلة المذكورة. بل المشهورات هذه وأمثالها منها ما هو صادق ولكن يحتاج إلى ان يصير يقينا إلى حجّة، ومنها ما هو صادق بشرط دقيق لا يفطن له الجمهور، ولا يبعد أن يكون في المشهورات كاذب... .(1)

أقول: المشهور بين الفلاسفة أنّ حسن العدل وقبح الظلم _ اللذين يُعدّان من أصول مدركات العقل العمليّ _ هما من المشهورات التي اعتبرها العقلاء، إمّا لحفظ النظام والمصالح الاجتماعيّة أو غير ذلك. ولذا يكون حسن العدل وقبح الظلم من الأمور التي لا يستقل العقل بإدراكها وليست من الضروريّات العقلية، وأن الإذعان بها لأجل شهرتها وقول الناس بها.والمشهورات ربما تكون باطلة. قال ابن سينا في النجاة:

إذا أردت أن تعرف الفرق بين الذائع والفطريّ فاعرض قولك: «العدل جميل» و«الكذب قبيح»، على الفطرة الّتي عرّفنا حالها قبل هذا الفصل، وتكلّف الشكَّ فيهما، تجد الشكَّ متأتّياً فيهما وغير متأتّ في أنّ «الكلّ أعظم من الجزء»؛ وهو حقّ أوّليّ.(2)

ولهذا قال الشيخ المطهّري في وجه الفرق بين المتكلّمين والفلاسفة:

...ولكن الفلاسفة يعتبرون أنّ أصل الحسن والقبح أصل اعتباريّ وبشريّ من قبيل المقبولات والمعقولات العمليّة التي تُطرح في المنطق ويُستفاد منها في الجدل فقط وليس في البرهان. من هذا الباب يعتبر الفلاسفة أنّ الكلام


1) . الشفاء، البرهان، ج3، ص66.

2) . النجاة، ص63.

«حكمة جدليّة» وليس «حكمة برهانيّة».(1)

و قال صاحب نهاية الدراية:

المراد بأنّ العدل يستحقّ عليه المدح والظلم يستحقّ عليه الذمّ، هو أنّهما كذلك عند العقلاء وبحسب تطابق آرائهم لا في نفس الأمر.(2)

وفي شرح المطالع حول تعريف المشهورات:

هي قضايا يحكم العقل بها بواسطة عموم اعتراف الناس بها، إمّا لمصلحة عامّة _ كقولنا: «العدل حسن» و«الظلم قبيح» _ أو بسبب رقّة _ كقولنا: «مساواة الفقراء محمودة» _ أو حميّة _ كقولنا: «كشف العورة مذموم» _ أو بسبب عادات وشرايع وآداب _ كقولنا: «شكر المنعم واجب» _ . وربما تُشتبه بالأوّليّات، والفرق بينهما أنّ الانسان لو قٌدّر أنّه خُلق دفعة من غير مشاهدة أحد وممارسة عمل ثم عرض هذه القضايا توقّف فيها، بخلاف الأوّليّات، فإنّه لا يتوقّففيها، والمشهورات قد تكون حقّة، وقد تكون باطلة، والأوّليّات لا تكون إلا حقّة.(3)

وفي شرح الشمسيّة:

المشهورات هي قضايا يعترف بها جميع الناس أو بعضهم، وسبب شهرتها فيما بينهم؛ إمّا اشتمالها على مصلحة عامّة كقولنا: «العدل حسن» و«الظلم قبيح»، وإمّا ما في طباعهم من الرقّة كقولهم: «مراعاة الضعفاء محمودة»، وإمّا ما فيهم من الحميّة كقولنا: «كشف العورة مذمومة» وإمّا من عاداتهم كقبح ذبح الحيوان عند أهل الهند وعدم قبحه عند غيرهم، أو من شرايع وآداب، كالأمور العقليّة الشرعيّة وغيرها. وربما يبلغ الشهرة بحيث يلتبس بالأوّليّات، ويُفرَّق


1) . الفلسفة، ص55.

2) . نهاية الدراية، ج2، ص125.

3) . شرح المطالع (للرازي)، ج2، ص450.

بينهما بأنّ الانسان لو عَرض نفسه خالية عن جميع الأمور المغايرة لعقله حَكَم بالأوّليّات دون المشهورات، وهي قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة بخلاف الأوّليّات. انتهى.

وفي كتاب اللئالي للسبزواريّ، عن الشيخ في الإشارات في المشهورات قال:

وهي آراء لو خُلّي الانسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه، ولم يؤدّب بقبول قضاياها والإعتراف بها ، ولم يحصل الإستقراء بظنّه القويّ إلى حكم لكثرة الجزئيّات ولم يستدع إليها في طبيعة الانسان من الرحمة والخجل والأنفقة والحميّة وغير ذلك، لم يقض بها الانسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الانسان قبيح، وأنّ الكذب لا ينبغي أن يقدم عليه، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وَهم كثير من الناس، وإن صرف كثير منهم عن الشرع، مِن قبح ذبح الحيوانات اتباعاً لما في الغريزة من الرقّة، لمن يكون غريزته كذلك، وهم أكثر الناس. وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج. ولو توهّم الانسان نفسه وأنّه خُلق دفعة تامّ العقل ولم يسمع أبداً ولم يطع انفعالاً نفسانياً أو خلقيّاً لميَقض في أمثال هذه القضايا بشيء، بل أمكنه أن يجهله أو يتوقّف، وليس ذلك حال قضاءه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء.(1)

3. بعض ما يرد على هذا المنهج

اشارة

بعد التعرّف على مقالتهم في العلم والعقل إجمالاً نوقفك على قسم من الإشكالات، فنقول:

لقد وقعت الفلسفة في محذور التحريف للألفاظ وإخراجها عن معانيها والاستبدال بالمصطلحات، والإنحراف عن المعنى الصحيح لما تبحث عنه بدءاً من العلم والعقل وانتهاءاً بالأمور العقائديّة، ومروراً بكلّ ما بُني على تلك التعريفات.(2)


1) . لاحظ: الإشارات والتنبیهات، ج1، ص130 _ 129.

2) . قد تطرّق الشيخ الأستاذ علم الهدى إلى موضوع التوحيد عند الفلاسفة، ومفاسده والإشكالات عليه في حلقات درسيّة مستقلّة لا يسع المقام إلحاقها لطولها وتفصيلها. عسی أن یوفّقنا الله لذلك في كتاب مستقلّ.

أمّا التذكّر إلى العلم والعقل بمعناهما الصحيح فيأتي في محلّه، وإنّما نتطرّق هنا بشكل فهرسة إجماليّة إلى قسم من مفاسد مقالتهم حول تلك الألفاظ، ومن جملتها؛

1.

من حيث وجود الفرق بين العقل والعلم الفلسفيّ وبين العقل والعلم اللغويّ.

2.

ومن حيث الخلط بين الصورة الحاصلة في الذهن وبين العلم الكاشف عن الصورة، وعدم تنبّههم إلى الفرق بين المعلوم الذهنيّ والكاشف عنه، وأنّ الصورة في نفسها لا حكاية لها عن غيرها، واستلزام مبناهم إلى احتياج معرفة المطابقة إلى تسلسل الصور.

3.

ومن حيث أنّ ما ادّعوه من تفسير العلم بالصورة دعوى لم يذكروا لها دليلاً واحداً، وأنّ نفس محاولة التفسير انحراف عن العلم إلى المعلوم.

4.

ومن حيث أنّ الصورة بيد صاحبها وحادثة بإحداث النفس، وممتنعة أحياناً مع وجود الإدراك.

5.

ومن حيث توهّم توقّف العلم على الانتزاع، وأنّهم توجّهوا لمعرفة الواقع إلى المفاهيم لا إلى نفس الواقع.6. ومن حيث استلزام كون الجهل المركّب من أقسام العلم بناءاً على تعريفهم.

6.

ثمّ من حيث أنّ الحكم العقليّ هو الكاشف بنفسه عمّا يكشفه ويعرفه العقلاء بلا توقّف علی القياس المنطقيّ، أنّ رتبة البرهان العقليّ الحقيقيّ أعلى من رتبة البرهان الاصطلاحيّ المسمّى عندهم بالعقليّ، وأنّ الحجّة حقيقة هي له، لأنّ الكشف حقيقةً هو له.

7.

ومن حيث أنّ البرهان الاصطلاحيّ قد يفيد الجزم بالنتيجة لا الجزم بالواقع، وأنّ الجزم لا يرادف العلم، ومن حيث أنّ البرهان الاصطلاحيّ يعطي نتائج بحسب الشروط التي توضع له، فلا يبرهن على شيء حقیقةً، وشأن المنطق تحصيل القوالب والصور لا الموادّ والمعاني.

8.

ومن حيث بطلان إنكار استقلال العقل بكشف الحسن والقبح العقليّين.

10.

ومن حيث بطلان مقالة انحصار كشف العقل بالكليّات.

11.

ومن حيث بطلان كون العقل من الكيفيّات النفسانيّة والقول بتجرّد النفس، وأنّ العقل هو بلوغها مرتبة الفعليّة.

12.

ومن حيث أنّ إقامة البرهان الفلسفيّ منسدّ على أكثر البشر فيمتنع تحصيل السعادة بمعرفة الواقع في أصول المسائل الاعتقاديّة، والتي جعلوها أموراً نظريّة.

13.

ومن حيث بطلان إمكان استقلال العقل في الإحاطة بالحقائق والاستغناء عن التعلّم فیما ضرب علیه الحجاب العمديّ وهي الأمور الغیبيّة.

14.

ومن حيث المفاسد المؤسّسة علی هذا المنهج كالقول بالجبر وإنكار الحدوث الزماني، ومن ثمّ المغايرة بين نتائج وثمار العقل الفلسفيّ وبين العقل الفطري وضروريّات الشرائع السماويّة لمن یحاول الجمع بینهما.

15.

وأخيراً بالتذكّر إلى حقيقة نور العلم والعقل وما ينبغي التنبّه له في هذا المجال.نكتفي هنا بالتطرّق لقسم من الإشكالات، وبعضها يأتي في تضاعيف البحث.

أ: الجواب عن العلم الفلسفيّ

علمتَ بأنّ الغرض من الفلسفة هو محاولة إثبات الواقعيّة ردّاً على السفسطة، والبحث عن الموجود وتمييزه عن الموهوم، فيا ترى هل أفلحت في ذلك أم فشلت؟

إنّ الفلسفة تعرّضت إلى معنى العلم، وحاولت منذ أوّل قدم أن تتعقّله، وأن تدرك حقيقته، وذهبت لأجل ذلك أنّ العلم هو الصور المنطبعة في الذهن عن الخارج. هذا كما ستعرف أرجعهم إلى الوقوع في ورطة السفسطة.

حديثنا هنا حول ما يرد على هذه المقالة تحديداً، فالتذكّر إلى حقيقة العلم وبينونته لطبيعة المعلوم يحال إلى موضعه، فلننبّه هنا على إشكاليّة تعريف العلم بالصورة:

المآل إلى السفسطة

إنّ علم زيد بعمرو بحسب هذا النظريّة عبارة عن وجود صورة عمرو وماهيّته في ذهن زيد، وهو الذي أسموه بالعلم الحصوليّ. فنسأل: إذا كانت الصورة الذهنيّة لعمرو هي معنى العلم بعمرو، فما هو الطريق لإحراز صحّة هذه الصورة، وعدم كونها مخالفة له في حاقّ الواقع؟

كيف يمكن لزيد الذي توجد في ذهنه صورة عمرو تحصيل اليقين أنّ الصورة التي عنده تعكس حقيقة خارجية اسمها عمرو، ومن أين يعرف وجود عمرو في الخارج أوّلاً، ثمّ تَطابقه معها، فالصورة بالضرورة هي غير ذي الصورة.

كلّ ما يقال في مقام الجواب لن يعدو أن يكون صورة عن الواقع، والصورة غير ذي الصورة، قد تطابقه وقد لا تطابقه حقيقةً، فلا كشف حقيقيّ عن الواقع.

وبتعبير ثانٍ: تارة يكون الحديث عن العلم بالخارج، وهو بحسب النظريّة المذكورة حصول صورته في الذهن، وتارة يكون الحديث عن العلم بتطابق الصورة مع الخارج، وهذا ليسإلا صورة أخرى غير الأولى، فتطابق الصورة الثانية _ أي: صورة مطابقة صورة عمرو مع الخارج _ يستلزم صورة ثالثة هي العلم بتطابق صورة التطابق السابقة، ويتسلسل.

بتعبير ثالث: لا يمكن العلم بتطابق شيئين إلا بعد العلم بهما معاً، والحكم بالمطابقة بينهما فرع العلم بكليهما، ومع تفسير العلم بالصورة وهي ذهنيّة كيف يمكن الحكم بتطابقها مع ما بإزاءها الذي ليس في الذهن، إذ لم يكن العلم به إلا بصورة، فمن أين يُحرز وجود ذي الصورة؟.

الجهل المركّب جهلٌ أم علم؟

لا محالة يستلزم من التعريف المذكور أن يكون الجهل المركَّب من أقسام العلم، خلافاً للجاهل البسيط الذي يفتقد تلك الصورة، ولا يرتفع الإشكال باشتراط

المطابقة(1)لأنّ التطابق وعدمه خارجان عن علم العالم بالصورة، فإنّ العلم بالمطابقة متوقّف على صورة أخرى، والصورة قد تطابق وقد لا تطابق.

وحيث نبقى مع هذه الصور التي لا مايز لمطابقها عن مخالفها نكون أمام طريقين؛ إمّا القول بأنّ الواقع الخارجيّ لا يمكن أن يُنال بنفسه، أو الذهاب إلى النسبيّة في الواقع، وكلاهما سفسطة. فإنّ صورة زيد عن الواقع قد تختلف عن صورة عمرو عنه، فإمّا أن تكون الصورتان مطابقتين مع تكاذبهما، أو لا فلا تنفع الصورة لوحدها، ومن ثمّ يُغلق باب المعرفة.

على أن كلّ ذلك بعد ثبوت الواقع، ومع هذه النظرية لا يبقى مجال لذلك.

ولا ينحلّ الإشكال إلا بالتذكّر أنّ العلم يكشف نفس الواقع المعلوم في أيّ ظرف كان، وأنّ الصورة الذهنيّة لا مدخليّة لها في معرفة الخارج فضلاً عن عدم كونها هي العلم، وأنّها إذاوُجدت فهي معلومة بنور العلم مثل ما بإزاءها الذي في الخارج، وحتى لو فرض مطابقة صورة الواقع مع الواقع فليست هي الكاشفة بل مماثلة فحسب.

والحاصل أنّه متى حبس الإنسان نفسه في قفص الصور والتصوّرات، وسمّى ذلك بالعلم، فلو أقام براهين الدنيا على دعاويه في أيّ شيء من الأشياء، لا يعدو أن تكون له صورة عن الواقع، وتبقى حقائقه دعاوي، ويرجع السؤال عن كيفيّة إحراز المطابقة، بل عن أصل وجود الواقع. ولولا العلم الكاشف عن الأشياء فلا مائز ولا كشف حقيقيّ، وتكون الصور مثاراً وداعية للاختلاف، وهذا عين الإلقاء في الريب والجهل، وبه ينسدّ باب العلم.

بهذا يظهر أنّ إقامة البرهان إنّما يصحّ ويتمّ بعد تجاوز هذه المرحلة، ومع التفسير الذي ذكروه للعلم يكون كلّ برهان مؤسّس عليه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فهو لا يسمن ولا يغني شيئاً لأنّ مردّه إلى


1) . لاحظ: مفاتيح الغيب، ص101، المنطق (للمظفّر): 20 _ 21. وهذا الشرط الذي ذكروه في العلم من لزوم المطابقة وأنّ الجهل المركّب ليس من أقسامه، هو للإرتكاز الفطريّ ودلالة نفس العلم الموجود عند الجميع في كاشفيّته عن الواقع واقعاً، لكن حيث عرّفوه بالصورة وقعوا فيما ذكرنا.

حصول صورة المطابقة مع ما في الخارج.

وكذا جميع ما ذكروه من قبيل «العقول العشرة» واستفادة «العقل المستفاد» للصور من «العقل الفعّال» الواهب للصور، فالقول بوجود الفعّال وتحصيل الصور والاتحاد ونحوه، كلّها صور يُفترض أنّها تعكس الواقع، وإثباتها إثبات لصور، وهكذا دليل كلّ شيء آخر!.

والسرّ في هذا الانحراف مع حرص أصحاب هذا المنهج على عدم الوقوع في السفسطة أنّ محلّ اهتمام البشر بما فيهم الفلاسفة مصبوب في المعقولات والمعلومات، وأمّا ما يكشف لهم تلك المعقولات فإذا راموا معرفته جعلوه أحدها، لذلك يحولون إدراكه وتعقّله، فإمّا أن يحتسبوه من الخلايا المادّيّة كما هو مذهب الماديّ، أو يجعلونه الصورة المنطبعة كما هو مذهب الفيلسوف، فحيث لا يقدرون على التمييز بين العلم والمعلوم يُرجعون الكشف إلى المنكشف، ففي أرقى الأحوال يسمّونه «انكشاف» الواقع.ولهذا ذهبوا أنّ العلم هو من المفاهيم البديهيّة، وهو تنزيل للعلم منزلة المعلوم، وانحراف عن معرفته، فهو عندهم تلك الصورة، ولذلك يحتاج العلم بها إلى صورة ثانية، لكنّ العلم ليس في مرتبة معلومه وإلا لم يكن علما، وهو «ما به الفهم» لا أنّه «مفهوم».

العلم يكشف الواقع أم يصنع الواقع؟

الصورة الذهنيّة منتسبة إلى النفس، ونتاج تصوّراتها، ولا تنحصر بحال كشف الواقع، فهي فعل اختياريّ، تقوم به النفس متى شاءت، ولا ربط لها بالخارج فضلاً عن عدم ملازمتها له. ولهذا قد يعلم العالِم بالشيء وليس له صورة ذهنيّة عنه وجدانا، وإذا شاء أوجد الصورة المماثِلة، ولم يعرف المماثَلة إلا بالعلم الذي عنده. ولو شاء أوجد صورة غيرها ونسبها إليه، فالتفاحة الصفراء يمكن تصوّرها حمراء، وزيد الطويل يمكن تصوّره قصيراً، بل يستطيع أنّ يتصوّر زيداً بصورة عمرو. وربما امتنعت صورة المعلوم مع وجود العلم به، فإنّ (المتناقضين) أمر معلوم للعالِم مع امتناع تصوّره، وكذا العلم بالعدم، فلاحظ جيّدا.

العلم يكشف الواقع أم يكشف صورة الواقع؟

ويستلزم من التعريف المنطقيّ للعلم أيضاً أن يكون العلم حقيقةً هو للصورة لا للخارج، لأنّه يمتنع الوصول إلى الخارج، ومن الواضح أنّك تقول أعلم بزيد الذي في الخارج، لا أنّك تعلم بصورة في ذهنك، والإسم الذي تنادي به زيداً موضوع لشخصه، لا لصورته.(1)

وعلى هذا فلا يتوقّف تحصيل العلم على انتزاع صورة تعكس الواقع، لأنّه مع تيسّر العلم بالواقع لا حاجة إلى المرآة، حيث يقع العلم على نفس المعلوم...

ب: الجواب عن العقل الفلسفيّ

كلمة العقل لها معنى لغويّ، وآخر اصطلاحيّ، والتعريفات الفلسفيّة المختلفة التي ذكروها عن العقل لا ربط لها بما وضع له لفظ العقل بحسب اللغة ويجده العاقل وجداناً من نور عقله الكاشف له للحسن والقبيح والجيّد والرديّ والواجب والحرام العقليّين، ومرتبة كشف العقل فوق مرتبة القياس. وما سمّوه بالحكم العقليّ الذي هو نتيجة القياس وضمّ المقدّمتين مصطلحات ينكرها كلّ من لم يتعلّم تلك المصطلحات، مع عدم فقدانه للعقل، ومع استعماله له، والمحاجّة به في مختلف الأمور، فالذهن الخالي عن المنطق الأرسطيّ لا يجد لزوم تشكيل البرهان المصطلح حتّى تتمّ استدلالاته العقليّة.

بعبارة أخرى: إنّ الكلام هو في حجّة الحجج، والبرهان الذي ترجع إليه البراهين، والمعروف عند كلّ عاقل بالعقل، فمقامه مقام الكاشفيّة عن الواقع، ولهذا فهو يكشف أنّ هذا حقّ وهذا باطل، ويميّز صحّة نتيجة القياس أو خطأه، وهذا برهانيّ _ حسب الاصطلاح _ وهذا جدليّ، وأنّ المقدّمات بديهيّة أو غير بديهيّة،


1) . في الكافي، عن الصادق (علیه السلام) في حديث: يَا هِشَامُ الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، والْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، والثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ، والنَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ، أَ فَهِمْتَ يَا هِشَام..الحديث. الكافي، ج1، ص78، ح2.

فهو المفصح عن الواقع، وحقيقته من حقيقة نور العلم. وأمّا القياس فلا يثمر سوى تحصيل القطع بالنتيجة، فلا كشف حقيقيّ في البين، بل مجرّد جزم بالواقع، ولذلك قد يخطي.

بعبارة ثالثة: إنّ البرهان على مثل حسن العدل وقبح الظلم هو نور العقل، ومن انكشف له ذلك استغنى عن إقامة البرهان المنطقيّ، وانكشافه للعاقل لم يتوسّطه قياس، وكذلك في مثل أنّ الكلّ أكبر من الجزء، وبطلان الدور والتسلسل، ووضوح ذلك في مثل هذه الأمور غير خفيّ، فالبرهان الذي كشف كلّ ذلك هو نور العقل.

نعم، قد تقع الغفلة ولابدّ حينئذ من التذكّر بأحد أسباب التذكّر. وكلّ فكرة صحيحة أو غير صحيحة يمكن وضعها في قوالب أحد الأشكال الأربعة ويتمّ صناعة القياس عليها كما هوواضح، فالبراهين المنطقيّة تعطي النتائج بحسب الشروط التي وضعت لها، ولذلك ترى مثلا أنّ لديهم براهين تثبت قدم العالم، وبراهين أخر تنفيه، وقد استُعمل لإثبات التثليث(1)كما يمكن استعماله لنقضه.

فالمنطق أجنبيّ عن إصابة الحقيقة وعن العصمة من الوقوع في الخطأ، فحتّى مثل كليّة الكبرى وجزئيّة الصغرى أيضاً مع كونها في صميمه لا تستفاد منه، ولهذا تجد الاختلاف بينهم في تشخيص الموادّ، ولا غرو إذا قيل أنّه لم ينجُ شيء من الأشياء من الاختلاف حول تصنيفه، مثل ما مثّل له القائلون بأصالة الوجود للبديهيّات الأوّليّة، من موجوديّة الوجود، حتى قيل إنّه لولا الالتباس لبادر العقل إلى الاعتقاد الجازم بذلك(2)

ومن جانب آخر اعترفوا باحتجاج خصمهم بحجج قويّة عسيرة الدفع دقيقة المسلك(3)

أو مثل مسألة امتناع إعادة المعدوم حيث قالوا أنّه


1) . لاحظ: كلام ويل دورانت في: تاريخ فلسفة (فارسي)، ص57.

2) . لاحظ: المنطق (للمظفّر)، ص308.

3) . قال الملّا صدرا: إنّ للقائلين باعتباريّة الوجود وكونه من المعقولات الثانية والاعتبارات الذهنيّة حججا قوياً سيما ما ذكره الشيخ الإشراقيّ في حكمة الإشراق والتلويحات والمطارحات، فإنّها عسير الدفع دقيق المسلك. الشواهد الربوبيّة، ص13.

من الفطريّات، وفي المقابل أنكره عليهم أكثر المتكلّمين.(1)فظهر ما في قولهم في الفطريّات وأنّ القياس فيها موجود لكنّه خفيّ، فما الحاجة إلى إقامة البرهان المنطقيّ بعد كشف العقل وهو البرهان الحقيقيّ؟ وفي مقام الاحتجاج يكفي أن يقال للخصم وإن جحد: ألا تعلم؟ ألا تعقل؟

على أنّهم قالوا في مثل قبح الظلم أنّه جدليّ لا برهانيّ، فانحرفوا مرّة أخرى ويأتي الكلام فيه.

إذن تشكيل القياس على الحقيقة المنكشفة بنور العقل لا يجعل القياس هو الدليل والحجّة، وقد تصاغ معادلة رياضيّة على قضيّة معلومة، أو يُرسم شكل هندسيّ أو تُحرّر صيغة قانونيّة أو لغة خاصّة، وليس شيء من هذه هو البرهان والحجّة الذاتيّة، وإنّما هي قوالب وضعت فيها المعلومة التي دلّ علیها نفس العقل. وربما تذكّر العاقل بواسطة بعض الأمور كما لو تذكّر بزيد عندما رأى عمامته، فيبقى الكشف للعقل، وليست العمامة إلا سبب التذكّر بنور العقل، فربما تذكّر من دون سبب.

فظهر أنّ الحكمة البشريّة تنكّبت طريق الوصول إلى كشف العقل عندما جعلت الميزان والبرهان القياس، وتقييد سبيل المعرفة به، وطريق تحصيل تلك الضالّة المسمّاة بالعقل مختلف، ويأتي الحديث عنه في موضعه إن شاء الله.


1) . لاحظ: بداية الحكمة، ص24. قال آية الله الشيخ مجتبى القزوينيّ: باتّفاق علماء المنطق أنّ ما هو مورد للاطمئنان من أقسام القياس هو البرهان.. إلا أنّ مِن الواضح للعالم أنّ البراهين الفلسفيّة التي تكون مقدّماتها بديهيّة ومنتجة لليقين قليلة جدّاً، بل معدومة، خاصّة في الإلهيّات وشطر من الطبيعيّات والفلكيّات، ولذا غالباً ما تجد في كلام الشيخ التعبير ب«الحدس» و«الظنّ». والشاهد على هذا: الاختلاف العظيم في جميع المسائل، فقسم يدّعي البداهة على شيء، وآخر يدّعيها على خلافه، كما في مسألة اتّحاد العقل والعاقل والمعقول، فادّعى بعضٌ بداهة بطلانها (شرح الإشارات، ج3، ص292 _ 295) وآخرون بداهة ثبوتها (الأسفار، ج3، ص12.) فلو كانت المقدّمات البرهانيّة _ المستعملة في المسائل الفلسفيّة _ بديهيّة، فمن أين جاء الاختلاف؟ انتهى. بيان الفرقان، ص38 _ 39، نقلناه بالمعنى.

الحجّة والبرهان للعلم أو القطع؟

قد عرفت حال العلم بتفسيره المنطقيّ والفلسفيّ، وبه ينهدم أساس البرهان الذي بنوه عليه كونه عبارة عن تصوّرات وتصديقات ناتجة من تصوّرات وتصديقات أخرى.

فليس في الموادّ اليقينيّة سوى المبادي المتصورّة التي يتمّ التصديق بها، وكذا نتيجة البرهان، لأنّ الغرض من ضمّ المقدّمتين هو لتحصيل العلم الحصوليّ بالنتيجة المطلوبة، وينتهي في أحسن حالاته إلى القطع الذي قد يطابق الواقع وقد لا يطابق، لوجود الفرق بين الإيصال الواقعيّ والإيصال الزعميّ والوهميّ، والحكم العقليّ بحسب الفلسفة هو الحكمالمقطوع به من خلال نتيجة ضمّ المقدّمتين، وستتنبّه لاحقاً أنّ الحكم العقليّ بمعناه الصحيح مختلف عن القطع بالواقع، بل هو كشف حقيقيّ عن الواقع.

ثمّ إنّ الطریق لنيل حكم العقل لمّا كان بتشكيل القياس، فلو أراد الإنسان معرفة هل أنّ المعاد جسمانيّ أو روحانيّ مثلاً، أو أنّ العذاب في القيامة يدوم أو لا يدوم، أو أنّ النفس في حدوثها هي جسمانيّة أو روحانيّة، فالطريق إلى ذلك هو القياس، وتجدهم يطبّقون هذا عند تصدّيهم للإجابة عن مثل هذه المسائل.

هذا الأسلوب كما هو واضح لا يرتضيه عقلاء العالم فيما يريدون استكشافه من معلومات، فإنّهم لا يكتفون بصناعة القياس في سبيل معرفة الموضوع المشكوك، وإنّما يطلبون الإجابة من خلال الفحص والنظر في مصادره العلميّة.

سوى أنّ السبب في اختيار الفلاسفة لهذا المسلك زعمهم بإمكان الوصول إلى الحقائق بالاقتصار على آله العقل، والعقل محدود في كشفه، ومحاولة الاستغناء مضلّة.

هذا مضافا إلى ما عرفت من توهّم أنّ القياس المنطقيّ هو طريق الوصول للحكم عقليّ، لأنّه مبعّد عن أحكام العقل والنور الذي بين يدي العاقل، وثمرته

الأولى الشكّ والريب في الحقائق المنكشفة بالعقل الحقيقيّ كما في مثل مسألة الحسن والقبح التي تأتي.

فظهر أنّ توصيف البرهان المنطقيّ بالحجّة هو إصطلاح ليس إلا، فهي تارة تطلق عندهم على الحدّ الوسط المتكرّر في الصغرى والكبرى، وتارة على مجموع الصغرى والكبرى، وربما أطلقوه على الأشكال الأربعة، أو الاستقراء التامّ أو الناقص، أو على التصديقات البديهيّة، وكلّها أجنبيّة عن حقيقة معنى الحجّة التي هي ما يصحّ الاحتجاج به عند العقلاء، ناهيك عن الحجّة الكاشفة بالذات التي ترجع إليها جميع الحجج.

الحُسن والقبح من الأمور الاعتباريّة؟

رأيت بأنّ الحسن والقبح عندهم من المشهورات والذائعات، لا من اليقينيّات، فلا تصلح للبرهان، ولعلّ الذي دفعهم إلى ذلك أنّهم لمّا وجدوا عدم إدراك الطفل لشيء من تلك الأمور وإذا عاش منعزلا عن المجتمع يبقى على تلك الحال، فذهبوا أنّ القول بها من إيجاب المجتمع.

أقول: إنّ إنكار الحسن والقبح العقليّين والوجوب والحرمة العقليّين إنكار لمثل وجوب شكر المنعم وحرمة معصية المولى الحقيقيّ، ويترتّب على هذا الإنكار هدم كلّ الشرايع السماويّة، بل إبطال خلافة العقل وحجّيته رأساً.

أمّا إبطاله لحجّية العقل فواضح لأنّه إذا كان العقل مستقلاّ وبالذات هو المظهر للحسن والقبح والمظهر لوجوب شكر النعم والملزم له، فيكون إنكار حجّيته ومنع استقلال العقل في ذلك وإرجاع تلك القضايا إلى العادات أو عموم اعتراف الناس أو الشرايع إبطالاً لكشف العقل ولكونه حجّة الله الباطنيّة.

وأمّا كونه إبطالاً وهدماً للشرايع فلأنّه إن لم يكن العقل مستقلاً في الحسن والقبح ووجوب شكر المنعم فلا يلزم _ على ذلك _ تصديق الأنبياء وإن كانوا صادقين، لأنّ ما يستوجب به النظر إلى الحجّة وإلى معجزة مدّعي النبوة هو استقلال العقل

بوجوب شكر المنعم، وإلّا فلا ملزم لنا على النظر إلى أمره كي يظهر صدقه فنتّبعه أو كذبه فلا نتّبعه.

ولو كان الحسن والقبح من الأمور المجعولة من قبل العقلاء لا يبقى أيّ إلزام للنظر والبحث عن وجود الصانع والرسول والمعاد وغير ذلك.

وأيضاً يلزم من إنكار استقلال العقل في الحسن والقبح أن لا يرى العقل قبحاً في إجراء المعجزة على يد الكاذب، فيجوز مخالفة مدّعي النبوّة وإن كانت له الحجج الظاهرة والآيات الباهرة والمعجزات الوافية، لأنّه يجوز مع هذه كذبه وكونه غير نبيّ. ومن طرف آخر لو ادّعى فاسق فاجر للنبوّة من غير أن تكون له معجزة أصلاً يجوز صدقه لأنّه لا يرى بأساً في أن يبعثالله تعالى مثل هذا الشخص وإن لم يكن له معجزة.

وأيضاً لو كان حسن العدل وقبح الظلم مجعولاً لحفظ النظام والتحرز عن المفاسد الاجتماعيّة فحينئذٍ يجب الالتزام بعدم قبح الظلم إذا انتفت المفسدة النوعيّة، وكذلك الامر في الفعل الحسن فإنّه لا يكون حسنا اذا انتفت المصلحة النوعية. وحينئذ يجب الالتزام بانتفاء الحسن والقبح والمدح والذم والثواب والعقاب في اكثر الاحكام الشرعية خصوصا العبادات وهذا مما لا يلتزم به احد.

والحقّ أنّ قضيّة حسن العدل وقبح الظلم ليس أقلّ شأناً من الكلّ اعظم من الجزء، فالعقل يدرك قبح الظلم وحرمة عصيان المولى الحقيقيّ واستحقاق العقوبة عليه، سواء وُجد العقلاء في العالم كي يقولوا بقبحه أم لم يوجد. فحسن العدل وقبح الظلم لا يدوران مدار وجود المصلحة والمفسدة النوعيّتين ولا مدار حفظ النظام، ولا لجهة عارضة، والميزان في ذلك هو العقل، ولا يحتاج إلى برهان غير برهان كشف العقل.

لكنّ هذا كما مرّ غير برهانيّ عند الفيلسوف، كما قال الشيخ المطهّري:

ولكن الفلاسفة يعتبرون أنّ أصل الحسن والقبح أصل اعتباريّ وبشريّ من قبيل المقبولات والمعقولات العمليّة التي تُطرح في المنطق ويُستفاد منها في

الجدل فقط وليس في البرهان. من هذا الباب يعتبر الفلاسفة أنّ الكلام «حكمة جدليّة» وليس «حكمة برهانيّة».(1)

تقييم دعوى التعقّل في هذه المدرسة

مع توصيف أصحاب هذا المنهج لآراءهم الفلسفيّة بأنّها براهين عقليّة، لكنّ الواقع أنّها مؤسّسة على موروثات ترجع إلى أشخاص في اليونان تسمّوا بالحكماء.

فإنّنا نسأل؛ متى أقامت الفلسفة التي تدّعي أنّها فتحت أشفار العقل برهاناً ودليلاً على نظريّة العقول العشرة، أوالعقل الفعّال، وما أعطوه من خصائص، وأنّ العلم هو الصورة، وأنّ العقل هو فعليّة النفس، واتحاد العقل والعاقل؟ وكان من الأجدر بأتباع اليونانيين أن ينسبوا تلك الآراء إلى أصحابها بدل نسبتها إلى العقل، وأنّ هذه المدرسة ليست استدلاليّة حقيقةً، فإنّهم يمنعون العقل خارج إطار العقل الفلسفيّ، ويعدّونه خلاف العقل ووسوسة، حتّى قال بعض المعاصرين ما ترجمته:

في أثناء دراستي للعلوم العقليّة والصحف العرفانيّة كنت مبتلىً بوسوسة واضطراب شديد في طريق تحصيل أصول العقائد الحقّة بالبرهان والعرفان، وتشويش بال من «الحكمة» و«الميزان» بحيث كانت تهجم عليّ الشبهات المختلفة من كل جانب. أساس هذه الشبهات والوساوس كان من ناحية قضيّة انطباق ظواهر الشرع الأنور _ على صادعه الصلوة والسلام _ مع المسائل العقليّة والعرفانية، إذ كنت عاجزاً عن التوفيق بينهما، وعلى أثر كثرة التفكر ابتليت بإرهاق وتعب موحش ومدهش...

الشيء الوحيد الذي أنجاني من هذه الورطة المهلكة المخوفة هو اللطف الإلهي حيث كنت ألقّن نفسي أنّه: لو دار الأمر بين عدم فهمي أنا وعدم وصولي للواقع، وبين عدم فهم مثل المعلّم الثاني أبو نصر الفارابي، والشيخ الرئيس أبو علي سينا، والشيخ الأكبر محيي الدين العربي، واستاذ البشر


1) . الفلسفة، ص55.

الخواجة نصير الدين الطوسي، وأبي الفضائل الشيخ البهائي، والمعلّم الثالث الميرداماد، وصدر المتألّهين محمد الشيرازي، فهل أنّ عدم فهمي وعدم وصولي أولى، أم هؤلاء أساطين المعارف؟

وهكذا وضعت نفسي في جانب، وفي جانب آخر وضعت آخرين من أكابر العلم الذين كانوا من تلامذة أولئك الأساطين، ثم أجريت ذات المقايسة ولقّنت نفسي (بأني أولى بالجهل منهم)، حتى انتهيت إلى أساتذتي الذين كانواحقاً ورثة الأنبياء وخزنة خزائن المعارف _ رفع الله تعالى درجاتهم _ وجعلت نفسي كذلك في جانب وأولئك الحملة لودائع العلم والدين في جانب آخر، وقمت بذات المقايسة والتلقين أنّه: أنت أولى بعدم الفهم أم مفاخر الدهر هؤلاء؟... .(1)

حول الاستكفاء بالعقل

ذهبت الفلسفة إلى أنّ الحقائق في الكون إنّما تُستكشف بآله العقل وحده، وبسببه يرى الفيلسوف أنّ تعاليم الأنبياء هي للعوام الذين لم يحسنوا الاستفادة من العقول، وأنّ منع الأنبياء أتباعهم من الكلام في الله هو لأجل قلّة عقل أولئك الأتباع(2)فالأنبياء بُعثوا لغير الفلاسفة وأهل العقل، كونهم مهتدين ببركة عقولهم.

ومضافاً إلى أنّ استدلالات أصحاب الشرائع تُعدّ جدليّة عندهم خلافا لاستدلالات الفلسفة التي هي برهانيّة، ووصفوا النصّ الدينيّ ب(النقليّ) ليخلو لهم ميدان العقل،(3)

وما إنكار تعقّل الحسن والقبح والوجوب والحرمة إلا للتفريق بين


1) . هزار ويك كلمة (لحسن زاده آملي) (فارسي)، ص101 _ 104.

2) . قال في الميزان: وفي النهي عن التفكّر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين، والنهي إرشاديّ متعلّق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقليّة العميقة فيكون خوضه فيها تعرّضاً للهلاك. الميزان، ج19، ص53.

3) . قال الشيخ المطهّري: ..كما ذكرنا سابقاً فإنّ كلمة «الفلسفة» و«الحكمة» في اصطلاح القدماء كانت تُطلق غالباً على العلم العقليّ في مقابل العلم النقليّ. لاحظ: مجموعة آثار، ج5، ص139.

الوحي والعقل، وإقصاء الوحي(1)

غفلة منهم أنّ مقام الوحي هو مقام التعليم من جهة والتذكير بالحقائق العقليّة من جهة أخرى وأنّ الأحكام التعبّدية تأتي تبعاً للعلم بصدق الوحي والوجوب العقليّ للتسليم لأوامره وأحكامه، فلا يمكن للعقل الذي يدعوإلى التعلّم والتسليم للوحي أن يستغني عنه، بل هو الطريق الوحيد لتحصيل العلم حتى يكمل العقل وينتفع العاقل من عقله.

ولما استكفت هذه المدرسة بالعقل فإنّها ولجت في كلّ باب وتكلّمت في كلّ شيء.(2)

أقول: إنّ من الحقائق ما يمكن للعقل إدراكه إمّا مباشرة أو بمساعدة الحواسّ، ومِنها ما يتوقف العلم به من طريق الوحي، وليس للعقل سبيل مستقيم إليه، والعقل إنّما يكشف وجوب طلب تحصيله من مجراه والمنع من محاولة نيله من غير ذلك الطريق، ومن الحقائق أيضا ما يمتنع إدراكه مطلقا، فالاستغناء بالعقل في هاذين القسمين عين الجهل.

جاء في غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ ضَلّ».(3)

وما يمتنع للعقل إدراكه أكثر بكثير مما يمكن إدراكه، ولا ينجع الفكر ولا ينتهي إلى علم، كالتفكّر في أوّل المخلوقات، أو كيف بدأ الخلق، أو كيفيّة حصول الكثرات، أو ما يحدث للإنسان بعد الموت، أو ماهيّة المعاد والحشر، أو مدى


1) . قال الشيخ البهائي في الكشكول: قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: رأيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في المنام، فقلت له: ما تقول في حق ابن سينا؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): هو رجل أراد أن يصل إلى االله تعالى بلا وساطتي، فحجبتُه بيدي هكذا فسقط في النار. الكشكول، ص54. أقول: سيأتي بعض كلام ابن سينا في التوحيد.

2) . في كشف المحجّة، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبو جعفر (علیه السلام) وأنا عنده: إِيَّاكَ وأَصْحَابَ الْكَلَامِ والْخُصُومَاتِ ومُجَالَسَتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِعِلْمِهِ وتَكَلَّفُوا مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِعِلْمِهِ، حَتَّى تَكَلَّفُوا عِلْمَ السَّمَاءِ. كشف المحجة، ص19.

3) . غرر الحكم، ح7818؛ وفي نقل: «مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَل» تحف العقول، ص88؛ الكافي، ج8، ص19، ح4.

وجود عوالم أخرى، أو الأحاطة بالأسباب الغيبيّة، أو حقيقة النعيم والعذاب في الجنّة والنار، أو كنه الملائكة والجنّ، وغير ذلك من الحقائق التي بالبداهة لا يجوز محاولة تكلّف تحصيلها بالعقل، ومن ذلك أيضا أحكام الشرع، ولذا يمنع العقل من القياس في الدين.

من هنا كانت إحدى الفوارق بين مدرسة الوحي الإلهيّة ومدرسة المعرفة البشرية أنّ البشر يريد الوصول إلى الحقائقبنفسه فينظّر ويقول: ربّما هو كذا وربّما هو كذا، حتّى يستقرّ رأيه على شيء، ويبدأ بتشكيل القياس عليه، ويقطع به، فيحاجج فيما ليس له علم، ولهذا كانت هذه المعرفة المؤسّسة على الاستغناء عن الوحي مبنيّة على التصورّات والفرضيّات.

وأعظم ما يعجز العقل عن إدراكه ولا يمكن الإحاطة به بتاتاً ولا يجوز التوغّل فيه أبدا وإطلاقا، وقد أذنت الفلسفة لنفسها في التكلّم وإبداء النظر فيه، هو التفكر في كنه الخالق المتعال، وتعدّت حكم العقل وحكم الشرع في المنع منه لعدم إمكان قياس الخالق بالمخلوق، ولا تجري عليه صفاته، فلا يوصف ولا يُحس ولا يُجسّ ولا يتوهَّم ولا يُتعقّل ولا يُتصوَّر ولو بوجه، فحرمة محاولة ذلك عقليّة، والمنع من التوصيف لاستحالة التعقّل والإحاطة، وحينئذ يلزم الوقوف على ما يصف به نفسه.

ففي الكافي، عن أبي الحسن (علیه السلام): «وإِنَّ الْخَالِقَ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وأَنَّى يُوصَفُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَهُ والْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَهُ والْخَطَرَاتُ أَنْ تَحُدَّهُ والْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، جَلَّ عَمَّا وَصَفَهُ الْوَاصِفُونَ وتَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتُونَ».(1)

وفي نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال: «مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ...».(2)

وفي عيون الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الرَّأْيِ والْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ الله


1) . الكافي، ج1، ص138، ح3.

2) . نهج البلاغة، الخطبة 152.

ضَلَّ وتَشَعَّبَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ».(1)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «مَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَاتِ الله أَلْحَدَ».(2)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «مَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَاتِ اللهتَزَنْدَقَ».(3)

وقد سعت الفلسفة ببراهينها التي سمتها عقلية إلى إدراك خالق الخلق، فجعلت لله تعالى ولكمالاته مفاهيم وصرّحت بإمكان تصوّره بالوجه، فوقعت في محذور التشبيه، ووصفته بما لم يصف به نفسه، وجعلت له شريكاً هو مخلوقه، وأعطتهما نفس الصفات، وضربت لله الأمثال، وسمته بالأسماء التي ما أنزل بها من سلطان، نظير: «الواجب» و«الوجود» و«علّة العلل» وغير ذلك.

ولو تفكّر العاقل قليلاً لتنبّه أنّ العقول مهما سمت لا تسمو إلى الربّ تبارك وتعالى(4)فلا تحيط به صفة الواصفين.(5)(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).(6)

هذا، وإليك بعض تصريحات ابن سينا في التعاطي مع هذه الحقيقة:

إنّ الأوّل خير عاقل لذاته عاشق لذاته مبدأ لغيره، فهو مطلوب ذاته، ولمّا كان عاشقاً لذاته وكانت الأشياء صادرة عن ذات هذه صفتها، أي: معشوقة، فإنّه يلزم أن يكون ما يصدر عنه معنياً به، لأنّه عاشق لذاته ومريد الخير له.(7)

وقال في الشفاء:

تكون ذاته أعظم عاشق ومعشوق، وأعظم لاذّ وملتذّ، فإنّ اللذّة ليست إلّا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم، فالحسّية إحساس الملائم، والعقليّة


1) . عيون الحكم والمواعظ، ح7463.

2) . عيون الحكم والمواعظ، ح7976.

3) . عيون الحكم والمواعظ، ح8255؛ وفي تحف العقول، ص96 (خطبة الوسيلة): «مَن فكّر..».

4) . في الدعاء المأثور: «وَ مَذَاهِبُ الْعُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ» لاحظ: مصباح المتهجّد، ج1، ص156؛ جمال الأسبوع، ص219.

5) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص154، ح23.

6) . سورة الأنعام (6)، الآية 100.

7) . التعليقات، ص157 _ 158.

الملائم، وكذلك فالأوّل أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، فهو أفضل لاذّ وملتذّ.(1)وقال:

لأنّ الحقّ الأوّل تعالى مفيض الخيرات ومنزل البركات، فالخير مقتضى بالذات وبالقصد الأوّل، والشرّ مقتضى بالعرض وبالقصد الثاني، ولست أريد بالقصد هاهنا القصد والاختيار اللذين هما من موجبات الكمال ومخصصات الزمان، لأنّ ذلك في الحقّ الأوّل محال لما سبق أنّ فيضان الخير منه على سبيل اللزوم، فإذا كان كذلك لزم من ذلك اللزوم أن يكون له مقابل هو أثر الفيض، ومثاله من المحسوسات الضياء للشمس والظلّ للشخص _ وهو الموجود المطلق _ فمنه ما وجوده بغير وسط، وهو العقل الأوّل الذي وجوده إبداعي وتتلوه العقول الفعّالة.(2)

أقول: هذا التمثيل لمحاولة إدخال الربّ في حيّز التوهّم والتصوّر، هو ما حذّرت منه مدرسة الوحي، وعين البدعة في الدين. قال تعالى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون).(3)

وقال تعالى: (وَلِلّهِ الأسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسْمَاءِهِ سَيُجْزَونَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).(4)

فإنّه ليس في شيء من نصوص الدين توصيفه تعالى بالمعشوق والعاشق.(5)

وفي التوحيد للصدوق، في حديث الرضا (علیه السلام): «فَلَيْسَ اللَّهَ عَرَفَ مَنْ عَرَفَ


1) . الشفاء، ص369.

2) . رسائل (ابن سينا)، ص257.

3) . سورة النحل (16)، ص74.

4) . سورة الأعراف (7)، الآية180.

5) . قال صاحب الإثنا عشرية (قدس سره) عن العشق والكشف: إنّها من مخترعات العرفاء والصوفيّة ولم يرد في الشريعة بشأنهم إلّا الذمّ. الإثنا عشرية، ص56.

بِالتَّشْبِيهِ ذَاتَهُ، ولَا إِيَّاهُ وَحَّدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ، ولَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، ولَا بِهِ صَدَّقَ مَنْ نَهَّاهُ، ولَا صَمَدَ صَمدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ، ولَا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، ولَا لَهُ تَذَلَّلَ مَنْ بَعَّضَهُ، ولَا إِيَّاهُ أَرَادَ مَنْ تَوَهَّمَهُ...».(1)

وفي العيون عن مولانا الرضا (علیه السلام): «إِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَذَا الْبَابِ حَتَّى تَاهُوا وتَحَيَّرُوا وطَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ فَازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً، ولَوْ وَصَفُوا اللَّهَ عزّ وجل بِصِفَاتِهِ ووَصَفُوا الْمَخْلُوقِينَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ والْيَقِينِ ولَمَا اخْتَلَفُوا، فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَيَّرُوا فِيهِ ارْتَبَكُوا (وَ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)».(2)

وفي الكافي، عن يونس بن عبد الرحمن قال: (قلت لأبي الحسن الأوّل (علیه السلام): بِمَا أُوَحِّدُ اللَّهَ؟ فَقَالَ: «يَا يُونُسُ لَا تَكُونَنَّ مُبْتَدِعاً، مَنْ نَظَرَ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، ومَنْ تَرَكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) ضَلَّ، ومَنْ تَرَكَ كِتَابَ الله وقَوْلَ نَبِيِّهِ كَفَرَ»).(3)

وفي الكافي أيضا، عن المفضّل قال: (سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصِّفَةِ فَقَالَ: «لَا تَجَاوَزْ مَا فِي الْقُرْآنِ»).(4)

ولهذا كانت أسماء الله تعالى توقيفيّة، كما قال الرضا (علیه السلام): «فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَه».(5)

والسبب في هذا الامتناع هو عجز العقول والأوهام من نيل الربّ، كما تنبّهت.

فعُلم أنّ كلّ تسمية وتوصيف من قِبل المخلوق فهي تسمية لغيره تعالى كونها متعقّلة، ولا يَعبد من يفعل ذلك إلّا منحوتات عقله.

وسنورد في موضعه النصوص التي ترشد العاقل إلى ما لا سبيل له إليه، وعدم


1) . التوحيد (للصدوق)، ص35، ح2.

2) . التوحيد (للصدوق)، ص439.

3) . الكافي، ج1، ص56، ح10.

4) . الكافي، ج1، ص102، ح7.

5) . التوحيد (للصدوق)، ص451، ح1.

التنبّه إلى هذا الأمر الخطير يستوجب الضلالة والحيرة، خصوصاً في مسألة التوحيد ومعرفة الله تعالى، فإنّه بحسب المعارف الإلهيّة قد «جَهِلَ اللَّهَ مَنِ اسْتَوْصَفَهُ»(1)، و«كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ»، وأنّه «مَنْشَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً ولَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ»(2)و«كُلُّ مَوْجُودٍ فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وكُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ فِي صَانِعِهِ».(3)وإنّ الفلسفة لم تتنبّه لذلك لأنّها لم تسرتشد المعارف الوحیانيّة. فإذن يجب على المخلوق أن ينزّه الخالق عن كل ما يمكن للمخلوق أن يتصف به، ويسبّحه دائما وأبداً، وينفي وجود أيّ شريك له تعالى، فالصفات التي يوصف بها الخالق ليست معانيها مشتركة مع المخلوق بالضرورة، وأيّ اشتراك بين الغنيّ بالذات والفقير بالذات، والعالم بالذات والجاهل بالذات..؟

وأمّا الفلسفة فإنّها تصرّ إصراراً شديداً على وجود اشتراك معنويّ بين الخالق وخلقه، بل تصرّح بالسنخيّة، وأنّ وجود المخلوق في وجود الخالق كالقطرة في البحر، فالوجود حقيقة واحدة لا تتثنّى أو تتكثّر.

قال صاحب نهاية الحكمة:

ونظيره في السخافة ما نُسب إلى بعضهم أنّ مفهوم الوجود مشترك لفظيّ بين الواجب والممكن، ورُدّ بأنّا إن نقصد بالوجود الذي نحمله على الواجب معنى أو لا، والثاني يوجب التعطيل، وعلى الأول إمّا إن نعني به نقيضه، وعلى الثاني يلزم نفي الوجود عنه عند إثبات الوجود له تعالى عن ذلك، وعلى الأوّل يثبت المطلوب وهو كون مفهوم الوجود مشتركاً معنويّاً.(4)

فإذن مرتبة الخالق والمخلوق في حقیقة وجودهما واحدة، لأنّ وجوده نفس


1) . التوحيد (للصدوق)، ص 36 (ضمن ح2).

2) التوحيد (للصدوق)، ص80، ح36.

3) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج1، ص153 (ضمن ح51).

4) . نهاية الحكمة، ص8.

وجوده، والقول بغير ذلك يستلزم التعطيل، فلابد مع الإقرار بمعنى للوجود من القول بالإشتراك المعنوي.

أقول: أمّا البرهان الإلهيّ لا الفلسفيّ، والذي يُستثار به العقلوالفطرة، فهو أنّ الله خالق للوجود ومبدع للوجود، ويستحيل أن يكون في مرتبة مخلوقه، فليس قولنا أنّه موجود إلّا لنفي التعطيل وتعجز العقول إدراك معنی وجوده، وما نفهمه من مفهوم الوجود فهو مردود إلينا مخلوق مثلنا، والله منزّه عنه بالضرورة، والله تعالى بخلافه، فإنّ الموجود بالذات مبائن في الصفة عن الموجود بالغير، فليست البينونة بالعزلة بل بالصفة كما نبّهت نصوص الوحي. فلا أدري كيف يزعم بأنه لو قلنا بوجود معنى لوجوده تعالى فإما أن نعني به «نقضيه» أو نفسه!! فالخالق إما هو مثل المخلوق أو هو معدوم!!

هذا هو العقل الفلسفيّ الذي لا يرى امتناع المفهوم للخالق، ولا يراه فوق التوصيف ولو بالوجه، ولا يرى أنّ من وصفه فقد حدّه، ويصفه بغير ما وصف به نفسه، خلافا للمدرسة الوحيانيّة التي تثیر دفائن العقول للتنبّه علی إمتناع التوصيف، وبحرمة الوصف إلّا بما وصف به نفسه(1)

وأنّه لا يصفه لسان.(2)

مرتبة العقل فوق مرتبة النفس

من يتأمّل في أحوال نفسه وتقلّب أوضاعه، وتعاقب الزيادة والنقيصة فيه، وفقدان كمالاته تارة ووجدانها أخرى، يتنبّه لصفة الفقر والعجز والجهل الذاتيّ في نفسه، والمظلميّة والفقدان للكمالات من حيث حقيقة ذاته، فليس حصول النفس للعلم والعقل معلول لذاتها وذاتيّاتها، ولا يرجع إلى التفعّل أو التطوّر، بل السبب هو إذن واهبها المالك لما يملّكه. والعلم والعقل خلاف النفس؛ نور ذاتيّ وكشف ذاتيّ. وتبقى النفس بعد وجدان العلم والعقل فقيرة في غناها، جاهلة في علمها، عاجزة في قدرتها، وهذه صفة المربوب، ولا ينقلب المربوب ربّاً عند حصول الكمالات،


1) . الكافي، ج1، ص138، ح3.

2) . نهج البلاغة، الخطبة 178.

وإنّما يجد العلم على اختلاف درجات الوجدان بلا صيرورته نفسه، والمزيد من التذكير يأتي.(1)ثمّ إنّ القوّة العقليّة بحسب الفلسفة مختصّة بإدراك الكليّات، وغيرها خارج عن دائرة العقل، وإنّما محلّها المتخيّلة.(2)

و یتبیّن حال هذه النظريّة بأدنی تذكّر، فالعقل يكشف الجزئيّ كما يكشف الكلّي، وبالعقل يُعرف شخص الصادق وشخص الكاذب.

وفي جواب مولانا الرضا (علیه السلام) لسؤال ابن السكيت: (فما الحجّة على الخَلق اليوم: قال (علیه السلام): «الْعَقْلُ، تَعْرِفُ بِهِ الصَّادِقَ عَلَى الله فَتُصَدِّقُهُ والْكَاذِبَ عَلَى الله فَتُكَذِّبُهُ»، فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هَذَا هُوَ واللَّهِ الْجَوَابُ).(3)


1) . قال آية الله الشيخ المرواريد (أعلى الله مقامه) بعد الإشارة إلى معنى العقل عند الحكماء والفلاسفة: هذا خلاصة ما ذكره بعض محققّيهم في العقل، وحاصلها أنّ العقل هو النفس بما لها من المراتب الأربع، فنقول: لا ننكر القوى المودعة في جسد الانسان الحيّ، ولا في النفس الانسانية المعبَّر عنها تارة ب«النفس» وأخرى ب«الروح»، وأخرى ب«القلب» _ على أحد معنييهما _ التي يعبّرعنها ب«أنا»، ولا ننكر أيضاً القوى المودعة في طبيعة الحيوان، ولا المودعة في الانسان، ولا المراتب الأربع المفروضة فيه. ولا يهمّنا التعرّض لها والتحقيق فيها، وإقامة الدليل على إثباتها أو نفيها، إلّا أنّ الّذي يهمّنا وينبغي التنبيه عليه هو أنّ حقيقة العقل الّذي به تُدرَك المعقولات، وحقيقة العلم الّذي به تُدرَك المعلومات، وبه يَحتجّ الكتاب والسنّة أجنبيّ عن ذلك كلّه، وعن حقيقة الانسان المعبَّر عنها بلفظ «أنا» وعن المراتب المذكورة لها، بل هو النور المتعالي عن ذلك كلّه. والنفس وجميع قواها بجميع مراتبها _ الّتي تصل اليها في كمالها _ مظلمة محضة في ذاتها، وفاقدة بذاتها لتلك الحقيقة النوريّة، وصيرورتها عالماً عاقلا إنّما هي بوجدانها لتلك الحقيقة «أي العلم والعقل» بما للوجدان من المراتب، من غير أن تدخل النفس في حالة من الحالات في صقع تلك الحقيقة النوريّة، أو تتنزّل تلك الحقيقة وتصير من مراتب النفس. ولا تزال تلك الحقيقة النوريّة تكون هكذا بالنسبة إلى جميع الحقائق الخارجيّة، وإلى جميع الصور والمعاني الجزئيّة والكلّيّة الذهنيّة، حتّى بالنسبة إلى النفوس الكاملة العالية. وإنّ تسمية المراتب الأربع المتقدّمة بالعقل هي اصطلاحٌ محضٌ، لعلّه مُبعد عن نيل حقيقة العقل الواقعيّ الّذي نبَّه عليه الكتاب والسنّة. تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ص18 _ 19.

2) . لاحظ: الأسفار، ج3، ص360 _ 362؛ شرح المنظومة، ص89.

3) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص79 _ 80، ح12.

النتيجة

إنّ الفلسفة مع سعيها إلى الاستعانة بالعقل لمعرفة الحقائق لم توفّق إلى معرفة العقل والعلم كما تبيّن لك، فقد توهّمتبأنّ المعلومات الذهنيّة هي حقيقة العلم، وأنّ الأقيسة المنطقيّة هي حقيقة حكم العقل، ثمّ راحت إلى تحصيل الواقع على ضوء هذه الخريطة التي رسمتها، وقد ذهبت إلى القول بنظام العليّة القهريّة وأنّ كلّ ممكن موجود ممتنع عدمه، وما لم يجب لم يوجد، ومنه أفعال العباد، وإلى السنخيّة بين الواجب والممكن، وأنّ الثاني وجود نازليّ للأوّل، وأنّ الإرادة أزليّة، وإنكار الحدوث الزمانيّ، وأنّ كلّ حادث مسبوق بالمادّة، والقول بالاستعدادت الذاتيّة، وأنّ القسر لا يدوم، وامتناع الخلود في العذاب، وغير ذلك مما يأتي الإشارة إلى بعضه.(1)

ومع الإغماض عن فساد المنهج وبطلان الآراء المبتنية عليه، فإنّه يلزم من الالتزام به القول بشقاء البشر وحتميّة المصير الأسود لهم، وذلك لعدم تيسّر تحصيل هذا الطريق للأعمّ الأغلب منهم كما هو واضح، فإنّ عموم عقلاء العالم من


1) . يقول العلاّمة المحقق صدر زاده في كتاب الفلسفة والعرفان في ضوء الإسلام، ص253: «إنّ الإنسان المعاصر اليوم وخاصّة في الدول المتقدّمة قد اكتشف ومنذ مدّة طويلة خرافيّة الأفكار اليونانيّة، وأعلن بطلانها رسميّاً. وهذا فرنسس بيكون في كتابه (ارغنون) ينتقد الفلسفة القديمة بشدّة ويخطئها ويعتبرها فارغة ولا جدوى من ورائها: «لم يعتمد العلماء القدامى منهجاً صحيحاً، ولم يكن لهم حظّ من العلم، وكلّ ما استنتجوه كان على سبيل المصادفة، فقد تناول الفيلسوف بعض الأمور المتداولة ومن دون التحقّق في صحّتها راح يبني عليها صروحاً من خيالاته وأوهامه، وأفضل نموذج في هذا المجال فلسفة أرسطو». (مسار فلسفة اوروبا، ج1، ص137 _ 141.) ويقول ديكارت، الشخصيّة العلميّة الذي لا ينكر أحد دوره في التقدّم العلميّ، يقول: «لم يكن لدى الفلاسفة القدامى من مناهج فكريّة سوى الخيال، وقد ثبت أن كلّ ما قالته الفلسفة اليونانيّة في مضمار معرفة الأشياء كان مخالفاً للواقع، ولا أساس له من الصحّة. وهكذا ظهرت خياليّة وأوهام الفلسفة القديمة، وتمّ نسخها من قبل ديكارت، فلم تبق سوى الدوائر الدينيّة المسيحيّة إذ ما يزال لها أتباع». مسار فلسفة اوروبا، ج1، ص206.

أوّل الدنيا إلى يومك لا يدرون ما العقل الفلسفيّ، ولا يهمّهم مصطلحات أرسطو وأفلاطون بل يسيرون وفق عقولهم الفطريّة في المحاججة والمداينة، ولا يسعهم التفرّغ لتلك البحوث النظريّة، لم يثبت لهم ذلك حتّى يسعوا إلى سلوكه،فضلا عن قدرتهم في النقض والإبرام فيه، فالتوحيد الذي لا يستقيم إلا عبر أصالة الوجود ووحدته مثلا هو ممّا لا يفهمه عامّة البشر.(1)

وضرورة الفحص عن الواقع في القضايا المصيريّة بالضرورة غير منحصرة بفئة خاصّة حتى يكون لهذا المحذور وجه، بل يعمّ كلّ صاحب عقل.

هذا مع الإغضاء عن أنّ هذا الطريق يؤسّس للاختلاف وموجب للشكوك والتشكيكات ولا يجني معرفة ويقينا، ولا يوجد فيه ما يشخّص الحقّ ويميّزه عن الباطل. قال الخواجه الطوسيّ:

اعلم أنّ هاذين النوعين من الحكمة النظريّة _ أعني الطبيعيّ والإلهيّ _ لا يخلوان عن انغلاق شديد واشتباه عظيم، إذ الوهم يعارض العقل في مآخذهما، والباطل يشاكل الحقّ في مباحثهما، ولذلك كانت مسائلهما معارك الآراء المتخالفة ومصادم الاهواء المتقابلة، حتّى لا يُرجى أن يتطابق عليها أهل زمان، ولا يكاد يتصالح عليها نوع الانسان، والناظر فيهما يحتاج إلى مزيد تجريد للعقل وتمييز للذهن وتصفية للفكر وتدقيق للنظر وانقطاع عن الشوائب الحسية وانفصال عن الوساوس العادية... .(2)

وحيث وجب بضرورة العقل أن تكون أصول الاعتقادات مشتركة بين الجميع غير مختصّة بأحد، بدءاً بأعلم البشر وانتهاءاً بشخص أمّي بدويّ قد بلغ للتوّ سنّ تكليفه، ذلك أنّ المكلّف ليس الفيلسوف فقط، بل كلّ بالغ مكلّف، فلزم أن تكون


1) . قال السبزواري في المنظومة: لو لم يؤصّل وحدةٌ ما حصلتْ، إذ غيره مثار كثرة أتت. ما وُحّد الحقّ ولا كلمته، إلّا بما الوحدة دارت معه. شرح المنظومة (للسبزواري)، ج2، ص61.

2) . شرح الإشارات والتنبیهات، ج2، ص1.

تلك الأصول الاعتقاديّة مؤسّسة على نور العقل الذي يتمتع به جميع العقلاء، ليتيسر الاعتقاد لمن عنده أدنى مرتبة من العقل، بل لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والشيخوالشابّ والعالم والجاهل والحاضر والباديّ والمثقّف والأمّيّ، فلو كان هذا الطريق الشائك هو طريق المعرفة لم يسلم أحد.

بقي تفصيل الكلام في مسائل ثلاث هي: مسألة التفكّر، ومسألة حجيّة القطع، ومسألة تعارض العقل والنقل، ونرجئها إلى ما بعد الحديث عن معرفة العقل والعلم، وبعد التذكّر إليهما والنظر فيما جاء في نصوص أهل الذكر، فانتظر.

المنهج الثالث: المنهج الصوفيّ

1. نبذة مختصرة

ترى هذه المدرسة أنّ العلوم الكسبيّة لا تفيد إلّا كسب المفاهيم حول الحقائق، أمّا الوصول إلى نفس الحقيقة فتلك العلوم لا تبلغها، بل لابدّ من التحرّر من كلّ «التعلّقات» و«التعقّلات» ، وهذا لا يتمّ إلّا بتجريد النفس بواسطة ما يسمّى بالسير والسلوك. هذا هو مذهب العرفاء والصوفيّة.(1)

فإذن الهدف هو الوصول إلى الحقيقة لا مجرّد تعقّلها، وهو عبارة عن الفناء الذي ينمحي فيه وجود السالك في وجود الحقّ.(2)

ومن بلغ هذه المرتبة يرى أنه لا يوجد في دار التحقّق سوى حقيقة واحدة، ولذلك فالتوحيد هو وحدة الوجود والموجود، والإنسان ينتهي إلى الله.(3)

وأمّا الكثرات المتباينة فأمور ذهنيّة موهومة، ليس إلا تجليّات لحقيقة واحدة ومظهر أسماءها وصفاتها.(4)


1) . لاحظ: آشنائي با علوم إسلامي، ج1، ص153، «العرفان» هو عنوانهم الثقافيّ، و«التصوّف» العنوان الاجتماعي، شرح الإشارات والتنبیهات، ج2، ص70.

2) . عارف وصوفي چه مي‌گويند؟، ص143.

3) . لاحظ: انسان كامل (فارسي)، ص126.

4) . لاحظ: انسان كامل (فارسي)، ص101.

من مشاهير هذه المدرسة: أبو يزيد البسطامي(1)، الحلاّج(2)،الروميّ(3)

وابن عربي.(4)

يصف الصوفيّة منهجهم بالعرفان وأنفسهم بالعرفاء وكبارهم بالشامخين، تمييزا لأنفسهم عن عوام البشر المحرومين من التوحيد الحقيقيّ الذي هو توحيد الخواصّ، فإنّ البشر يتوهّمون الكثرات في العالم ومباينة الخالق مع المخلوق، لأنّه لا كشف لهم، ومَن لا كشف له لا علم له، فما هي المكاشفة؟

2. معنى المكاشفة والموقف من العقل والعلم

أ: معنى المكاشفة

لا يمكن الوصول إلى حقيقة الوجود عبر الاستدلال العقليّ بل بالمكاشفة فقط، ومعناها كما عن بعضهم: «بلوغ ما وراء الحجاب وجوداً».(5)

وفي شرح الفصوص للقيصريّ:

الفصل السابع في مراتب الكشف وأنواعها إجمالاً؛ اعلم أنّ الكشف لغةً رفعُ الحجاب، يقال: كشفت المرأةُ وجهها: أي رفعت نقابها، واصطلاحاً هو الاطّلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبيّة والأمور الحقيقيّة وجوداً أو شهوداً، وهو معنويّ وصوريّ، وأعني بالصوريّ: ما يحصل في عالم المثال


1) . أبو يزيد، طيفور البسطامي (188 _ 261 ه) صاحب مقالة: «سبحاني ما أعظم شأني» شرح الفصوص (للقيصري)، ص536؛ معجم أعلام المورد (للبعلبكي)، ص106، لاحظ للمزيد من أحواله وكفره وكذا الحلاج وغيرهما من الصوفية: كتاب رسالة الإثني عشرية في الردّ على الصوفية للعلامة الشيخ الحرّ العاملي(رضوان الله علیه).

2) . حسين بن منصور الحلّاج (244 _ 309ه) صاحب مقالة: «انا الحقّ». وقد خرج التوقيع من صاحب الزمان (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بلعنه، لاحظ الاحتجاج، ص289 _ 294.

3) . جلال الدين محمد البلخي الحنفي الرومي (604 _ 672ه- ) صاحب ديوان مثنوي معنوي وديوان شمس تبريزيّ، وهو صاحب الطريقة المولوية الصوفية والتي اشتهرت بدراويشها ورقصتهم الروحية الدائرية التي عرفت بالسماع والرقصة.

4) . محيي الدين بن عربي الأندلسي (558 _ 638 ه- ).

5) . منازل السائرين (للخواجة عبد الله الأنصاريّ الهرويّ)، ص192.

مِن طريق الحواسّ الخمس، وذلك إمّا أن يكون على طريق المشاهدة، كرؤية المكاشِف صورَ الأرواح المتجسّدة والأنوار الروحانيّة، وإمّا أن يكون على طريق السماع كسماع النبي صلى الله عليه وآله الوحيَ النازلعليه كلاماً منظوماً.(1)

وقال الآشتيانيّ في هامش الكلام المذكور:

معنى المكاشفة والوحي إنّما يكون بالسرّ، وهما من وادٍ واحد، وأمّا تخصيص الوحي بالنبيّ دون الوليّ الكامل مبنيٌّ على رعاية الأدب، والمكاشفة أو الوحي عبارة عن بلوغ ما وراء الحجاب العلميّ وجوداً، أي شهوداً، والمشاهدة سقوط الحجاب بتّاً، فالمرتبة الأعلى من المشاهدة تجذب المشاهِد إلى عين الجمع، ونور الجمع يخرق وجود العبد، وإذا صحا ورجع إلى البقاء صار وجودُه وجوداً حقانيّاً لغلبة جهة الحقّ، لأنّه غالب على أمره، فيصير عالِماً بأسراره وتجلّياته في أطواره وحضرات أسمائه... .(2)

ب: الموقف من العقل

شأن العقل إدراك الماهيّات لا حقيقة الوجود، فلابدّ من تجاوزه، ولا طريق لذلك إلّا بالمكاشفة. وهي كما قالوا طورٌ وراء طور العقل(3). قال ابن عربيّ:

اعلم أنّ علومَنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر، وإنّما هي من الفيض الإلهيّ.(4)

والقلب هو طريق إدراك الواقع، فيحتاج إلى التصفية، وأمّا الفكر والمنطق هما لغير الواصل. يقول مولويّ في بعض أشعاره بالفارسيّة:


1) . شرح الفصوص (لمحمّد داوود القيصريّ الروميّ)، ص107.

2) . شرح الفصوص (لمحمّد داوود القيصريّ الروميّ)، ص107، الهامش 3.

3) . لاحظ: الفتوحات المكيّة، ج1، ص261.

4) . الكبريت الأحمر في بيان علوم شيخنا الأكبر (للشعراني)، ج1، ص5 (عن الفتوحات).

إنّ أساس أهل الاستدلال وأرضيّتهم الفكرية من خشب، والخشب غير منيع، فكلّ دليل في الواقع يضلّل الطريق.

ويقول ابن عربي:

العقلُ أفقرُ خلق الله فاعتبرِوا فإنّه خلفَ باب الفكر مطروحُإنّ العقول قيودٌ إنْ وثقتَ بها خسِرتَ فافهم فقولي فيه تلويحُ.(1)

مضافا إلى أنّه قد يتخلّل الاستدلالات العقليّة الخطأ وهي ظنون كونها أمور نظريّة. فلا علم إلّا ما كان عن كشف وشهود، لا عن نظر وفكر وظنٍّ وتخمين.(2)

ويقول ابن عربيّ:

العلم النظريّ والعلم الوهبيّ؛ وتختلف الطريق في تحصيلها بين الفكر والوهب _ وهو الفيض الإلهيّ _ وعليه طريقة أصحابنا، ليس لهم في الفكر دخول، لما يتطرّق إليه من الفساد، والصحّة فيه مظنونة، فلا يوثَق بما يعطيه. وأعني بأصحابنا: أصحاب القلوب والمشاهدات والمكاشفات، لا العُبّاد ولا الزهّاد ولا مطلق الصوفيّة، إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم، ولهذا يقال في علوم النبوّة والولاية: إنّها طورٌ وراء طور العقل، ليس للعقل فيها دخول بفكر.(3)

ويقول القونويّ تلميذ ابن عربي:

لمّا اتضح لأهل البصائر أنّ لتحصيل المعرفة الصحيحة طريقين: طريق البرهان بالنظر، وطريق العيان بالكشف، وحال المرتبة النظريّة قد استبان أنّها لا تصفو عن خلل، وعلى تسليمه لا تعمّ، فتعيّن الطريق الآخر، وهو التوجّه إلى الله بالتعرية الكاملة والإلتجاء التامّ وتفريغ القلب بالكلّيّة عن


1) . الكبريت الأحمر في بيان علوم شيخنا الأكبر (للشعراني)، ج4، ص112.

2) . الطبقات الكبرى (لعبد الوهّاب الشعرانيّ)، ص5.

3) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص261.

جميع التعلّقات الكونيّة والعلوم والقوانين... .(1)

ويقول ابن عربي:

الفلسفة معناه حبّ الحكمة، وكل عاقل يحب الحكمة غير أن أهل الفكر خطؤهم في الإلهيّات أكثر من إصابتهم سواء كان فيلسوفا أو معتزلياً أو أشعريّاً أو ما كان من أصنافأهل النظر، فما ذمّت الفلاسفة لمجرّد هذا الإسم وإنما ذمّوا لما أخطئوا فيه من العلم الإلهي مما يعارض ما جاءت به الرسل (علیهم السلام) بحكمهم في نظرهم بما أعطاهم الفكر الفاسد في أصل النبوة والرسالة، ولما تستند فتشوّش عليهم الأمر، فلو طلبوا الحكمة حين أحبّوها من الله لا من طريق الفكر أصابوا في كلّ شيء.(2)

ربما أنكر العقل شيئاً ولكنّه يجوز بحسب المكاشفة، فليس لصاحب العقل الاعتراض على المكاشف، بل ولا الإنكار على ما يفعله في مراحل السير والسلوك لأنّ مآل ما يفعله إلى المكاشفة وهي نوع من أنواع الوحي، ولا عليه إذا خالف الجمهور، قال ابن عربيّ في مقدّمة الفصوص:

فما ألقي إلّا ما يُلقى إليَّ، ولا أنزل في هذا المسطور إلا ينزل به عليَّ ولستُ بنبيّ ولا رسول، ولكنّي وارث ولآخرتي حارث؛

فمِن الله فاسمعوا وإلى الله فارجعوا*** فإذا ما سمعتم ما أتيتُ به ... فعُوا(3)

قال بعض المعاصرين في شرحه على فصوص ابن عربي:

خلاصة الكلام هو أنّه من جهة العقل النظريّ إنّ الشيء الواحد يعني عين الذات الخارجية في الصورة التي تكون علّة لا تكون معلولة، ولكن في هذا النظر الذي فوق الحكم العقلي والذي هو حكم الكشف والشهود أنّ الذات


1) . مصباح الأنس، ص36.

2) . الفتوحات المكية، ج2، ص523.

3) . فصوص الحكم، المقدّمة.

مجمع الأضداد، ومتّصفة بالضدّين، وجامعة النقيضين...إنّ ذات الباري..تكون علّة ومعلولة.(1)

ج: العقل أو العشق

لا يقع الحقّ معقولاً ولكنّه يكون معشوقاً، فملاك قبول العارف تصديق القلب لا العقل، والباطن مقدّم على الظاهر لأنّالمعرفة العلميّة معرفة غيابيّة لا شهوديّة حضوريّة، وتتعلق بالمفاهيم كما مرّ التي تعكس الواقع لا نفس الواقع. المعرفة الحضوريّة تتيسّر من مصدر الوجود فهي وهبيّة يلهمها العارف بغير كسب، فهذا هو العلم الحقيقيّ. قال ابن عربيّ:

ومَن لا كشفَ له لا علمَ له.(2)

لذلك لا يُشترط في هذا الطريق تحصيل العلوم الكسبيّة، لأنّ المطلوب «الشوق» و«العشق» وسلوك «المقامات» و«الأحوال» والوصول إلى «الشهود» و«الفناء».(3)وأما العلوم التي منها علوم الشريعة والأحكام فهي علوم وراثيّة، في مقابل العلم الكشفيّ. نقل السهلجيّ عن أستاذه قوله:

حضرتُ مجلس أبي يزيد البسطاميّ والناس يقولون: فلان لقي فلاناً. قال أبو يزيد: مساكين! أخذوا ميّتاً عن ميّت، وأخذنا علمَنا من الحيّ الذي لا يموت.(4)

فربما يكون المرشد أمّيّاً لا يعرف الكتابة والقراءة ولا ضير لوصوله في العرفان وتلزم طاعته، والولاية لا تحصل بالعلوم الرسميّة، فالأساس فتح عين الباطن الذي يتيسر بالإغماض عن الظاهر.


1) . ممدّ الهمم (للآملي)، ص493.

2) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص218.

3) . عارف وصوفي چه مي‌گويند، ص119.

4) . النور من كلمات أبي طيفور (للسهلجيّ)، ص100، ولاحظ: شرح كلمات الصوفيّة (لمحمود الغراب)، ص153؛ الفتوحات المكيّة، ج1، ص31.

وقد ذكروا في أحوال جملة من «الأولياء» الصوفيّين أنّهم كانوا عامّيين في العلوم الاكتسابيّة وأمّيين لا شغل لهم بالقلم والكتاب والدفتر. إنّ المرشد لجلال الدين الرومي والذي كان الأب الروحي له وملهمه «الأسرار» وهو «شمس التبريزي» بيد أنّه لم يكن من أهل العلم، وكان شديد الخشونة في أخلاقه وكلامه، لكنّه كان المظهر التام والكامل لله عند تلميذه إلى درجة أنه كان يرفعه إلى مقام الربوبية، وكذلك الشيخ صلاح الدين القونوي الذي نصبه شيخه خليفته، كان أمّياً عامّياً حتىأنّه لم يكن يتكلّم حسب الموازين الصحيحة في اللغة.(1)

بل إنّ كسب العلوم ليس فقط لا شأن له، وإنما منعوه وحذّروا منه، والسبب في ذلك أنّ الإنسان هو معدن الأنوار، فيبعده الطلب من الخارج، وينبغي استخراج مكنونه بالرياضة، ولم يأت الأنبياء إلا للتنبيه على هذا السر الذي يبلغه العارف بمكاشفاته لا بالتعلّم. قال ابن عربيّ:

إيّاك وطلب الدليل من خارج فتفتقر إلى المعارج، واطلبه من ذاتك لذاتك تجد الحقَّ في ذاتك.(2)

وقال القيصري:

فعلوم الأولياء والكمّل غير مكتسبة بالعقل ولا مستفادة من النقل، بل مأخوذ من الله، معدن الأنوار ومنبع الأسرار، وإتيانهم بالمنقولات فيما بيّنوه إنما هو استشهاد لما علموه، وإتيانهم المعاني بالدلائل العقلية تنبيه للمحجوبين وتأنيس لهم.(3)

فأخذُ العلم من النصوص والتعلّم من العلماء، كما التعقّل والتفكّر، ابتعاد، حتّى قال ابن عربيّ:

علماء الرسوم يأخذون خلفاً عن سلف إلى يوم القيامة فيبعد النسب،


1) . لاحظ النور من كلمات أبي طيفور (للسهلجيّ)، ص100.

2) . إنشاء الدوائر (لابن عربيّ)، ص114.

3) . شرح الفصوص، ص318.

والأولياء يأخذون عن الله ألقاه في صدورهم.(1)

وقال بعضهم:

فإيّاك أن تجعل مقاصد الشريعة الإلهيّة وحقائق الملّة الحنفيّة مقصورة على ما سمعته من معلّميك وأشياخك منذ أوّل إسلامك، فتجمد دائماً على عتبة بابك ومقامك غير مهاجر إلى ربّك..فلا تبالِ إن كنتَ مسافراً بمخالفة الجمهور، فإنّ الجمهور واقفون في منزلهم..(2)

وللجمع بين أحكام الشريعة وبين معطيات الكشف ذهبوا أن التكليف وظيفة غير الواصل، والعبادة تنتهي بالوصول.

د: الشريعة والطريقة والحقيقة

الشريعة بنظر كبار العرفاء والصوفيّة وسيلة للوصول إلى كمال السالك، وإذا بلغ مرتبة الكمال والشهود والوصول إلى الحقّ، سقطت التكاليف، هذا باستثناء المبعوث بالرسالة المأمور بتربية الخلق، فإنّه يحتاج لأجل إرشاد الآخرين وتعليمهم وتربيتهم وتكميلهم إلى رعاية الآداب والقوانين الشرعيّة. فما دام الإنسان لم يصل إلى مقام الحقّ والفناء في الله وجب التقيّد بشكل كامل بأحكام الإسلام والآداب الشرعيّة، ولكن من هناك فما بعد يكون حرّاً.(3)


1) . مصرع التصوّف، عن المناوي. ونقل الشعرانيّ عن مشايخه قوله: لا يكمل الرجل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله(عزّ و جّل) بلا واسطة من نقل أو شيخ، فإنّ من كان علمه مستفادًا من نقل أو شيخ فما برح عن الأخذ عن المحدثات، وذلك معلول عند أهل الله(عزّ و جّل). ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها فاته حظه من ربه(عزّ و جّل) لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفنى الرجل عمره فيها ولا يبلغ حقيقتها، ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل الله(عزّ و جّل) لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى، فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر كما أخذه الخضر (علیه السلام)، فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين. لاحظ: الطبقات الكبرى، ص5.

2) . العرشيّة، ص286. وقال أيضاً: ليس من عادة طالب الحقيقة الاعتناء بكلام مَن لا كشف له ولا بصيرة في إدراك الحقائق. مفاتيح الغيب، ص99.

3) . عارف وصوفي چه مي‌گويند، ص72.

يقول المولوي:

الشريعة كالشمعة التي تضيء الطريق، فلا يمكن المشي بدون شمعة، وحيث دخلت في الطريق فهذا المشي هو «الطريقة» وحيث وصلت إلى المقصود فهي «الحقيقة». والوجه بما ذكروه(1)من أنّه: «لو ظهرت الحقائق بطلت الشرائع» يعني أن الشرع يسقط ويبطل إذا صارت الحقائق ظاهرة.

..«الشريعة» كعلم الكيمياء هي التعلم من الأستاذ أو الكتاب، و«الطريقة» هي استعمال الأدوية وتفريك النحاس في الكيمياء، و«الحقيقة» تحوّل النحاس إلى ذهب! إنّبعض

الناس فرحون بعلم الكيمياء، والعاملون بعلم الكيمياء فرحون بأنّهم يعملون بالكيمياء، والذين وصلوا إلى الحقيقة فرحون بأنّهم صاروا ذهباً وأنّهم تحرّروا من علم الكيمياء وعمل الكيمياء، وأنّهم عتقاء الله. كلّ حزب بما لديهم فرحون.

أو أنّ مثل الشريعة كمثل تعلّم علم الطبّ، والطريقة هي الوقاية على أساس علم الطب وأخذ الدواء، والحقيقة هي تحصيل الصحّة، الصحّة الأبديّة والفراغ من تلكما الأمرين.

وعندما يموت الإنسان، ينقطع عنه الشريعة والطريقة، وبقيت الحقيقة؛ وإذا كانت عنده الحقيقة ينادي: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين، وإذا لم يكن عنده الحقيقة ينادي: يا ليتني كنتُ ترابا، يا ليتني لم أوتَ كتابيه ولم أدرِ ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عنّي ماليه، هلك عنّي سلطانيه.

الشريعة علم، والطريقة عمل، والحقيقة هي الوصول إلى الله. فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحا ولا يُشرك بعبادة ربّه أحدا.(2)

وحاصل تمثيل الشبستريّ في شعره في العلاقة بين الشريعة والطريقة والحقيقة أنّ


1) . المراد هم أقطاب الصوفيّة.

2) . كتاب المثنوي، ديباجة الدفتر الخامس.

الشريعة قشر والحقيقة هي اللبّ، والطريقة فيما بينهما، وإذا اتصل العارف باليقين كسر القشور ووصل إلى اللباب.(1)وقال اللاهيجيّ في شرحه:

اعلم أنّ الغرض من الشرائع والأعمال والعبادات الظاهرة والباطنة عند المحقّقين هو القرب والوصول إلى الحقّ. وإن سالكي سبيل الله _ حيث يصلون عبر وسائل العبادات ومتابعة الأوامر والنواهي إلى نهاية الكمال «فإذا أحببته كنتُ سمعه وبصره ورِجله ويده ولسانه»(2)ويصلون إلى مرتبة المحبوبيّة _ ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: من يسترالنورُ الإلهي نورَ عقله، وينمحي ويستغرق في بحر الوحدة، ولن يعود بعد ذلك الاستغراق وفقدان الذات إلى ساحل الصحو(3)

ومرتبة العقل مرّة أخرى أبدا... وحيث صار مسلوب العقل بإنّ الأولياء والعلماء متفقون أن التكاليف الشرعية والعبادات ساقطة عن هذه الطائفة، وذلك؛ أن التكاليف هي للعقل، وهؤلاء _ كما يقال _ ولهى في الطريقة... .

القسم الثاني: هم الذين استغرقوا في بحر الوحدة، وفنوا عن وجودهم وبقوا ببقاء الحق، ولكن بعد ذلك خرجوا من ذلك الاستغراق في التوحيد والسكر _ لأجل إرشاد الخلق _ إلى ساحل الصحو بعد المحو والفَرق بعد الجمع. وهذا القسم كما كانوا في بداية الأمر يقومون بأداء الحقوق الشرعية من الفرائض والنوافل كذلك في النهاية يقومون بتلك الأمور ولا يقصرون ولو دقيقة في رعاية الأوضاع والقوانين الشرعيّة والعبادات، ولا يتركون الوسائط والوسائل..

وهذا القسم الأخير ينتهي إلى قسمين: قسم حيث ينتقلون من مرتبة الوحدة


1) . گلشن راز، القسم 21.

2) . بحارالانوار، ج58، ص149.

3) . الصحو عند الصوفيّة: رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته وزوال إحساسه. والمحو: إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان، ولا موجود سوى الحقّ، فهو عابد باعتبار تقيد الحقّ بصور العبد التي هي شأن من شؤونه الذاتيّة، وهو معبود باعتبار إطلاقه. (انظر التعريفات للجرجانيّ) أقول: ستعرف أنّ كلامهم في وحدة الوجود وأنّ الحق عين الموجودات ممّا يقولون ويعتقدون به في حال الصحو أيضا، فليس القیاس بهذیان السكران إلّا التماساً للعذر الذي هو أقبح من الذنب!

والجمع إلى مقام الفرق والكثرة، لأجل ظهور آثار الكثرة يمسون محتَجَبين عن تلك الوحدة والجمع، فيعودون يراعون تلك الوسائل العبادية والأذكار والأوقات كما هو حقّه، وذلك حتى تظهر لهم مرة أخرى تلك الحال فالمعنيّ من (الصوفيّ بن الوقت) هم هؤلاء؛ لأنهم تحت حكم الوقت ولهم مقام التلوين.

وقد اتّفق الجميع أن هؤلاء عليهم رعاية جميع مراسم الشرايع والعبادات من جهتين: الأولى: لكي يصل من مرتبةالتلوين والاحتجاب إلى مقام التمكين، الثانية: حتى يتمكن من هداية المسترشدين وإرشادهم، ولهاتين الجهتين لا‌تسقط عنه الأوامر والنواهي، وإذا كان المبتدأون مكلفين من جهة واحدة، فهؤلاء مكلفون من جهتين..

وقسم آخر هم الذين وصلوا بعد الاستغراق في التوحيد و«الوصول»، بُعثوا من مرتبة «الجمع والإطلاق» إلى مقام «جمع الجمع» و«البقاء بعد الفناء»، _ لأجل تكميل الناقصين وإرشاد المسترشدين، ولغاية كمالهم لا تحجبهم الكثرة عن الوحدة، كما أنّ وحدتهم لا تحجبهم عن الكثرة، وهم على الدوام متمكّنون في مقام انكشاف حقيقة (كل يوم هو في شأن)، وهم سلاطين ممالك التحقيق والتمكين. ومع وجود كل هذا الكمال والقرب واليقين التام، مع ذلك فهم مأمورون _ بناءا على حكم: «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا والآخرة وما فيها(1)_ وفي رواية: خير لك مما تطلع الشمس وتغرب»(2)_ بأداء العبادات الظاهرة والباطنة والقيام بمراسم حقوق الأوامر والنواهي والأحكام الشرعية، لتكميل الناقصين وإرشاد الآخرين وهدايتهم. ومع وجود محبوبية الحقّ والكشف المطلق، لا يتجاوزون بمقدار شعرة طريق الشريعة والطريقة، وهم مناقدون للطاعة بناءا على حكم «أفلا أكون عبدا شكورا».(3)


1) . منیة المرید، ص101.

2) . راجع: الکافی، ج5، ص28، ح4.

3) . مفاتیح الإعجاز فی شرح گلشن راز، ص207.

وأيضاً يقول الشبستريّ ما حاصله أنّك ما دمت واعيا لنفسك فإيّاك وتخطّي عبارات الشريعة، إذ ليست الرخصة إلّا في ثلاث حالات: الفناء، والسكر، والدَلال. وخلاصة شرح اللاهيجي له أنّ أرباب الطريقة لم يجوّزوا إفشاء السرّ في استعمال ألفاظ غير الشرع ما دام الإنسان واعيا لنفسه ولم يفقد عقله. وقال:

في ثلاث حالات فقط قد رخّص إرباب الطريقة التعبير عنالمعاني المنكشفة لهم بأيّ تعبير، لأن الإنسان في تلك الحالات يفقد اختياره ويغلبه التجلي الإلهي، وإنما تحصل هذه الحالات بواسطة الكشف والوجدان، وتُسمى بالمواجيد، أي: الحاصلة بالوجدان، لأن المواجيد جمع «موجود»، وهو ما يعبر به عما وُجد وجدانا، وتلك الحالات هي الفناء والسكر والدَلال.

الفناء هي حالة للسالك، ينمحي ويفنى فيه وجوده المجازي وجميع الكثرات بالكليّة، وذلك على أثر نور التجلي الذاتي، وهذه الحالة أيضا تُسمى بالجمع، لأن جميع الكثرات تكون في هذا التجلي مصبوغة بلون الوحدة فتكون شيئا واحدا. وما يسمع من السالك هذه الحالة هو في الحقيقة كلام الحقّ، لأن وجود السالك غير موجود في البين، وهذا هو المقام الذي قال فيه بايزيد البسطامي: لا إله إلا أنا فاعبدني، وسبحاني ما أعظم شأني!.

وأمّا حالة السكر فهي أنزل من الفناء، وهي أن السالك حيث يصل إلى مشاهدة المحبوب يحصل له في الباطن فجأة نوع من الفرح والانبساط والنشاط بحيث تستولي عليه الحيرة والوله، تغفل حواسّه عن المحسوسات، يغلب العشقُ عقله، ولشدة فقدان الذات لا يدري ما يقول، وهذه الحالة هي التي سمّوها بالسكر، لأن الأوصاف المذكورة تشبه السكر الظاهري.

وأمّا حالة الدلال _ التي هي أنزل من حالة السكر _ فهي تعبير عن الاضطراب والقلق الواصل إلى باطن السالك في تجلي المحبوب من شدة العشق والذوق، وبيد أنه لم يبلغ مرتبة السكر في فقدان النفس إلا أنه قد فقد اختياره أيضا في هذه الحال،

ولشدة الاضطراب يكون ما يلوح في قلبه في تلك الحال غير اختياريّ.(1)

ه: الحقيقة
اشارة

يعتبر محيي الدين ابن عربي أحد أكبر رموز العرفان، وإمام من أئمّتهم وقدوة لمكاشفيهم، بل هو كبيرهم الذي علّمهم. فيما يلي لمحة من بعض معتقداته وتصريحاته التي بلغها من طريق الكشف، فانظر ماذا ترى.

أوّلاً: في التوحيد

توحيد العارف هو فناءه في الله، وفي الفناء يبطل ما سواه وأنّه وَهم لأنّ أعيان العالَم عين الله.(2)

1. قال ابن عربيّ:

وما في الكون أحديّة إلا أحديّة المجموع.(3)

2. وقال:

فما وصفناه بوصف إلاّ كنّا نحن ذلك الوصف، فوجودنا وجوده، ونحن مقتصر مفتقر إليه من حيث وجودنا، وهو مقتصر مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه.(4)

3. وقال:

الفرق بين حيرة أهل الله وأهل النظر هي أنّ صاحب العقل يقول: «وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد» ولكنّ صاحب التجلّي ينشد:

وفي كلّ شيء له آية *** تدلّ على أنّه عينُه

وإنّ الناظر إلى هذه الحقيقة هو شخص مثل أبي يزيد في قوله: «أنا الله»


1) . مفاتیح الإعجاز فی شرح گلشن راز، ص561.

2) . لاحظ: شرح الفصوص (للقيصري)، ص873.

3) . كتاب المعرفة، ص29 _ 30.

4) . فصوص الحكم، ص164.

وغيره من المتقدّمين ممّن يقول: «سبحاني».(1)

4. وقال:

فقل في الكون ما شئتَ، إنْ شئتَ قلتَ: هو الخلق، وإن شئتَ قلتَ: هو الحقّ، وإن شئتَ قلتَ: هو الحقّ والخلق، وإن شئت قلتَ: لا حقّ مِن كلّ وجه، ولا خلق مِن كلّ وجه، وإن شئتَقلتَ بالحيرة في ذلك، فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب، ولولا التحديد ما أخبرتْ الرسل بتحوّل الحقّ في الصور، ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه، فلا تنظر العين إلّا إليه، ولا يقع الحكم إلّا عليه.(2)

5. وقال:

اعلم أنّ التنزيه عن أهل الحقائق في الجانب الإلهيّ عين التحديد والتقييد، فالمنزِّه إمّا جاهل وإمّا صاحب سوء أدب.(3)

6. وقال في الذات الإلهيّة:

إنّها هي الظاهرة بصورة الحمار والحيوان.(4)وقال:... فظهر بصورة كبش مَن ظهر بصورة إنسان.(5)

7. وقال:

فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، ومن ثمّ من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه، باطن عنه، وهو المسمّى أبا سعيد الخراز وغيرهما من أسماء المُحدَثات.(6)

8. وقال:

إذن ثبت أنّه ما في الوجود إلا الله، العين وإن تكثّرت في الشهود فهي أحديّة


1) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص627.

2) . فصوص الحكم، ص93.

3) . فصوص الحكم، ص86.

4) . فصوص الحكم، ص252.

5) . فصوص الحكم، ص78.

6) . فصوص الحكم، ص62.

الوجود، ضرب الواحد في الواحد ضرب الشيء في نفسه، فما يعطي غير جنسه.(1)

9. وقال:

لقد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبي *** اذا لم يكن ديني الى دينه داني

فأصبح قلبي قابلاً كلّ صورة *** فديرٌ لرهبانٍ ومرعى لغزلانِوبيتٌ

لأوثانٍ وكعبة طائفٍ *** وألواحُ توراة ومصحف قرآني

أدينُ بدين الحبِّ أنَّى توجهتْ *** ركائبه فالحب ديني وايماني(2)

10. وقال:

ولمّا حيّرتني هذه الحقيقة أنشدتُ على حكم الطريقة للحقيقة:

الربّ حقٌّ والعبدُ حقّ *** يا ليت شعري مَن المكلّف؟

إنْ قلتُ عبدٌ فذاك ميّتْ *** وإنْ قلتُ ربٌّ أنّى يكلّف؟(3)

هذا مذهب وحدة الوجود والموجود، قال العفيفيّ في تعليقته:

وليس في الحقيقة أثر للإثنينيّة في مذهبه، وكلّ ما يشعر بالإثنينيّة يجب تفسيره على أنّه اثنينيّة اعتباريّة، فليس في الوجود في نظره إلا حقيقة واحدة؛ إذا نظرنا إليها من جهة سمّيناها حقّاً وفاعلاً وخالقاً، وإذا نظرنا إليها من جهة أخرى سمّيناها خلقاً وقابلا ومخلوقا.(4)

وقال القيصريّ في شرحه:

إنّ الكون وإنْ كان خيالاً باعتبار ظلّيته، لكنّه عين الحقّ باعتبار حقيقته، لأنّه


1) . الفتوحات المكيّة، ج4، ص357.

2) . لاحظ: الوجود والدوائر (للنابلسيّ)، ص52.

3) . الفتوحات المكيّة، المقدّمة.

4) . فصوص الحكم (التعليقة)، ص8. وقال في ص 251: «لا فرق في الحقیقة في مثل هذا المذهب بین راحم ومرحوم، ولا معنی للإثنینيّة هناك حیث لا یوجد في الوجود إلّا حقیقة واحدة».

عين الوجود المطلق، تعيّن بهذه الصور، فتسمّى بأسماء الكون.(1)

وقال الكاشانيّ في شرحه:لأنّ الكلّ ليس إلّا هو، ولا يختلف إلّا بالإعتبار.(2)

وله تصريحات كثيرة من هذا القبيل. وللمزيد من الإطلاع راجع كتاب: توحيد الإماميّة للمحقّق الشيخ الملكي.(3)

ثانيا: في الإمامة

زعم ابن عربيّ أنّه شاهَدَ أمير المؤمنين (علیه السلام) في مكاشفاته في مرتبة تتلو مرتبة الشيخين،(4)ونقل عن بعض العرفاء أنّهم شاهدوا الشيعة بهيئة الخنازير، ولا غرو فإنّه لما انتقل إلى الشام نزل عند أحد قضاة حكومة صلاح الدين الأيوبي الذي لا تخفى أفاعيله بحقّ الشيعة. وأما القصة، قال:

ومنهم... الرجبيّون، وهم أربعون نفساً في كلّ زمان لا يزيدون ولا ينقصون، وهم رجال حالهم القيام بعظمة الله، وهم من الأفراد، وهم أرباب القول الثقيل من قوله تعالى: (إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلا)، وسُمّوا رجبيّين لأنّ حال هذا المقام لا يكون لهم إلا في شهر رجب من أول استهلال هلاله إلى انفصاله، ثمّ يفقدون ذلك الحال من أنفسهم فلا يجدونه إلى دخول رجب من السنة الآتية، وقليل مَن يعرفهم من أهل هذا الطريق، وهم متفرقون في البلاد، ويعرف بعضهم بعضاً ، منهم من يكون باليمن وبالشام وبديار بكر، لقيتُ واحداً منهم بدنيسير من ديار بكر ، ما رأيت منهم غيره وكنت بالأشواق إلى رؤيتهم، ومنهم من يبقى عليه في سائر السنة أمرٌ ما ممّا كان يكاشَف به في


1) . شرح الفصوص (للقيصري)، ص943.

2) . شرح الفصوص، ص121.

3) . توحيد الإماميّة، ص157 _ 237.

4) . الفتوحات المكّيّة، ج1، ص2.

حاله في رجب ومنهم لا يبقى عليه شيء من ذلك. وكان هذا الّذي رأيتُه قد أبقي عليه كشف الروافض من أهل الشيعة سائر السنة، فكان يراهم خنازير، فيأتي الرجل المستور الّذي لا يُعرف منه هذا المذهب قطّ وهو في نفسه مؤمن به يدين ربّه، فإذا مرّ عليه يراه في صورة خنزير، فيستدعيه فيقولله: تب إلى الله فإنّك شيعيّ رافضيّ. فيبقى الآخر مُتعجّباً من ذلك، فإن تاب وصدق في توبته رآه إنساناً، وإن قال له بلسانه: تبتُ وهو يضمر مذهبه لا يزال يراه خنزيراً فيقول له: كذبت في قولك: تبت. وإذا صدق ، يقول له: صدقتَ. فيعرف ذلك الرجل صدقَه في كشف فيرجع عن مذهبه ذلك الرافضيّ... .(1)

وقال:

مات رسول الله وما نصّ بخلافةٍ عنه إلى أحد ولا عيّنه، لعلمه أنّ في أمّته مَن يأخذ الخلافة عن ربّه فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع، فلمّا علم (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك لم يحجر الأمر.(2)

وقال:

وليس بين أبي بكر وصاحبه *** إذا نظرتَ إلى ما قلتُه _ رجلُ

هذا الصحيح الّذي دلّت دلائله *** في الكشف عند رجال الله إذ عملوا(3)

وقال:

وعرف الناس حيسنئذ فضل أبي بكر علی الجماعة فاستحقّ الامامة والتقديم.(4)


1) . الفتوحات المكيّة، ج2، ص8.

2) . فصوص الحكم، ص163.

3) . الفتوحات المكيّة، ج2، ص260.

4) . الفتوحات المكيّة، ج3، ص372.

وقال في الفتوحات:

ومن أقطاب هذا المقام عمر بن الخطاب وأحمد بن حنبل، ولهذا قال في عمر بن الخطاب _ يذكر ما أعطاه من القوّة _: (يا عمر، ما لقيك الشيطان في فجّ إلّا سلك فجّاً غير فجّك). فدلّ على عصمته بشهادة المعصوم. وقد علمنا أن الشيطان ما يسلك قطّ بنا إلّا إلى الباطل وهو غير فجّ عمر ابنالخطّاب، فما كان عمر يسلك إلا فجاج الحقّ بالنصّ، فكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم في جميع مسالكه وللحق صولة، ولما كان الحقّ صعب المرام قويا حمله على النفوس لا تحمله ولا تقبله بل تمجّه وتردّه، لهذا قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ما ترك الحقّ لعمر من صديق» وصدق (صلی الله علیه و آله و سلم)، يعني في الظاهر والباطن؛ أمّا في الظاهر فلعدم الإنصاف وحبّ الرئاسة وخروج الإنسان عن عبوديّته واشتغاله بما لا يعنيه وعدم تفرّغه لما دعي إليه من شغله بنفسه وعيبه وعن عيوب الناس، وأما في الباطن فما ترك الحقّ لعمر في قلبه من صديق، فما كان له تعلّق إلا بالله.(1)

ثالثا: العارف عند نفسه

إليك بعض تصريحات محيي الدين بن عربي عن نفسه، وما ذكره في موارد مختلفة من مكتوباته أنّه كان مأموراً بالتأليف، وأنّه تلقّى بعض كتبه من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مكتوباً بحذافيره، بما في ذلك تسمية الكتاب، وقد اختاره واختصّه بتلك الحقائق. قال في الفصوص:

أمّا بعد، فإنّي رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه _ وآله _ في مبشّرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة 726بمحروسة دمشق، وبيده كتابٌ فقال لي: هذا كتاب «فصوص الحكم» خُذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به. فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منّا كما أُمرنا. فحقّقتُ الأمنية، وأخلصتُ النيّة وجرّدتُ القصد والهمّة إلى إبراز هذا الكتاب، كما حدّه لي


1) . الفتوحات المكيّة، ج4، ص200.

رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من غير زيادة ولا نقصان.(1)

وقال في الفتوحات:

إنّ جميع ما أكتبه في تأليفي ليس هو عن رؤيَّة وفكر، وإنّماهو عن نفث في رُوعي على يد ملك الإلهام.(2)

وقال:

جميع ما كتبتُه وأكتبه في هذا الكتاب إنّما هو إملاء إلهيّ، ولقاء ربّانيّ، أو نفث رُوحانيّ في روح كِياني، كلُّ ذلك بحكم الإرث للأنبياء والتبعيّة لهم، لا بحكم الاستقلال... وإنّ ترتيب أبواب «الفتوحات»

لم يكن عن اختيار ولا عن نظر فكري، وإنّما الحقّ أملى علينا على لسان مَلك الإلهام جميع ما نسطّره، وقد نذكر كلاماً بين كلامين لا تعلّق له بما قبله ولا بعده، وذلك شبيه بقوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطى وقُومُوا لِلهِ قانِتين)(3)بين آيات طلاق ونكاح وعدّة وفاة تتقدّمها وتتأخّرها. وإنّ العارفين إنّما كانوا لا يتقيّدون بالكلام على ما بوّبوا عليه فقط، لأنّ قلوبهم عاكفة على باب الحضرة الإلهيّة، مراقبة لما يبرز منها، فمهما برز لها أمر بادرت لامتثاله، وألّفته على حسب ما حدّ لها، فقد تلقى الشيء إلى ما ليس من جنسه امتثالا لأمر ربّها.(4)

وقال أيضاً:

فلنتكلّم على «ألَم» البقرة التي هي أوّل سورة مبهمة في القرآن، كلاماً مختصراً من طريق الأسرار، وربّما أُلحق بذلك الآيات التي تليها وإن كان ذلك ليس من الباب، ولكن فعلته عن أمر ربّي الذي عهدتُه، فلا أتكلّم إلا على طريق الأذن،


1) . فصوص الحكم، ص38.

2) . الفتوحات المكيّة، الباب 366.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 238.

4) . اليواقيت والجواهر (للشعرانيّ)، ص8 عن الفتوحات، ج1، ص456.

كما أنّي سأقف عند ما يحدّ لي، فإنّ تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا نجري نحن فيه مجرى المؤلفين، فإنّ كلّ مؤلف إنّما هو تحت اختياره وإن كان مجبوراً في اختياره، أو تحت العلم الذي يبثّه خاصّة، فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء، أو يلقي ما يعطيه العلم، وتحكم عليه المسألة التي هو بصددها حتى تبرز حقيقتها، ونحن فيتواليفنا لسنا كذلك، إنّما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهيّة، مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كلّ علم، لو سألت في ذلك المقام عن شئ ما سمعت لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله وألفته على حسب ما يحدّ لها في الأمر، فقد يلقي الشيء إلى ما ليس من جنسه في العادة والنظر الفكريّ وما يعطيه العلم الظاهر والمناسبة الظاهرة للعلماء لمناسبة خفيّة لا يشعر بها إلا أهل الكشف، بل ثمّ ما هو أغرب عندنا إنّه يلقي إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهيّة غابت عن الخلق، فلهذا لا يتقيّد كلّ شخص يؤلف عن الإلقاء بعلم ذلك الباب الذي يتكلّم عليه، ولكن يدرج فيه غيره في علم السامع العادي على حسب ما يلقى إليه، ولكنّه عندنا قطعاً من نفس ذلك الباب بعينه، لكن بوجه لا يعرفه غيرنا...(1)

ولا يفوتك حواره الشيّق مع إبن رشد، يقول ابن عربي:

فلمّا دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبّة وإعظاماً، فعانقني وقال لي: نعم؟ فقلت له: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثمّ إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغيّر لونه وشكّ فيما عنده وقال: كيف وجدتم الامر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين «نعم» و«لا» تطير الأرواح من موادّها، والاعناق من أجسادها.

فقال ابن رشد بحسب زعم ابن عربي:


1) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص59.

هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أرباباً، فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحدٌ من أربابها الفاتحين مغاليق أبوابها، والحمد لله الذي خصّني برؤيته.(1)

فهذه من معاجزه وكراماته بأن يجيب النعم بنعم، ثمّيعطفه بلا!. وليس هذا إلا جزءاً من فضائله التي لم يظهر إلا بعضها. ومنها أيضا أنّ له المزية والفضيلة على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)(2)

وأنّه يعلم الغيب(3)

وله علوم اختصّ بها دون أهل زمانه(4)ويجتمع مع الخضر(5)

وتلقّى الخرقة الصوفيّة منه ثلاث مرّات(6)وأنّه رُكن العالَم (7)ومن الأوتاد الأربعة وله ركن الحجر الأسود(8)ورآى ربّه في عالم الرؤيا وهو يقول له: انصح عبادي(9)وأنّه يعلم دقائق لا يعلمها إلا أمثاله(10)وأنّه لأجل سبب طرأ بينه وبين الله نال كنزاً من داخل الكعبة لو أخرجه إلى الناس لثارت فتنة عمياء(11)

وأنّ الله قد فتح على قلبه بحر الحكمة تتموّج أسراره وتتلاطم أمواجه في صدره(12)

وأنّه تتلمذ عند الشُبربُلي الذي كان يمشي على الماء وتعاشره الأرواح(13)

وأنّه خدم لمدة سنتين امرأة صوفيةً كان الله قد أعطاها فاتحة الكتاب تخدمها(14)

وغير ذلك.(15)


1) . الفتوحات، ج1، ص8.

2) . لاحظ: الإثنا عشريّة، ص169.

3) . لاحظ: الإثنا عشريّة، ص169.

4) . الفتوحات، ج1، ص199.

5) . الفتوحات، ج3، ص181 _ 184.

6) . الفتوحات، ج1، ص244.

7) . الفتوحات، ج1، ص72.

8) . الفتوحات، ج2، ص401.

9) . الفتوحات، ج5، ص156؛ ج9، ص106.

10) . فصوص الحكم، ص162.

11) . الفتوحات، ج10، ص58.

12) . مجموعة رسائل (ابن عربي)، المجموعة الأولى، ص123.

13) . الفتوحات، ج1، ص275.

14) . الفتوحات، ج2، ص459.

15) . للمزيد راجع كتاب: ابن عربي سنّي متعصّب (للعاملي).

3. بعض ما يرد على هذا المنهج

المقام الأوّل: في تخطّي حكم العقل
1. تخطأة العقل مفتاح الإنحراف

عدم استناد أصحاب هذا المنهج على الدليل العقليّ مبتنٍ على دعويين؛ الأولى: عدم سلامته من الخطأ، والثانية:استحالة الوصول به إلى المعرفة الشهوديّة، فمحاولة ذلك يكون حجاباً، وهذه الدعوى هي العمدة في المقام.

أمّا الأولى فأوّلا تُنتقض بما ستعرف من اعترافهم بانقسام المكاشفة إلى الصحيحة والفاسدة، وضرورة متابعة السالك لمرشده للسلامة.(1)

وثانياً: هذا مبنيّ على تفسيرهم للعقل بما هو مذكور في الفلسفة(2)الذي شأنه كسب المفاهيم والقطع والتصديق بالمقدّمتين، وهو عقل اصطلاحيّ بحت، وقد يقام على قضايا باطلة، وهو مُنشيء للاختلاف فضلا عن عدم كاشفيّته، ولكنّه أجنبيّ عن العقل الحقيقيّ الكاشف عن الواقع، وهو نور، ولا معنى لسريان الخطأ فيه. والعقل إمّا أن يكشف حقيقة ما أو لا يكشفها.

وما ادّعوه من ذلك هو احتيال على العقل ليهدموا الثوابت العقليّة ويخلّى بينهم وبين تسويق دعاويهم، والعقل لا ينكر حجّيته إلا الجاهل بحقيقته أو الفاقد له، كما أنّ ضروريّات الشرائع وإطباق العقلاء على خلافه.

و لو انفتح باب هذه القريحة فأوّل المحقّين هم السوفسطائيون، ثمّ جميع الملل والنحل وكلّ الأفكار المتخالفة، فتسمية ما يخالف العقل بإسم «الكشف» و«الشهود» و«الفناء» و«اللقاء» و«الإلهام» إغراء بالجهل وأيّما إغراء.

وأمّا دعوى كون المعرفة العقليّة حجاباً على الكشف، فسرّه أنّ العقل يحكم بما يراه ويكشفه من مخلوقيّة الموجودات المختلفة، ودلالة جميعها على صانعها


1) . لاحظ: شرح الفصوص (للقيصري)، ص100.

2) . لاحظ: الفتوحات، ج1، ص261.

المباين لها بالمباينة الصفتيّة، وامتناع الحلول والاتحاد بين الصانع والمصنوع، وأنّ الكمالات في الإنسان ليست ملكا له، ويفقدها بعد حصولها وغير ذلك، وأمّا العرفان فثمرته إنكار وجود غير الله، وتبديلمعنى «لا إله إلّا الله» ب- «لا موجود إلّا الله»، وليس في الدار غيره ديّار، ومحو الكثرات، وكون كلّ ما يُتراى منها أوهاما.

وواضح أنّ الوصول إلى هذه المزاعم دونه كشف العقل الذي سمّوه بحجاب العقل، فيستلزم أوّلاً وقبل كلّ شيء الإعراض عنه وعن الحقايق المنكشفة به، والقول بأنّها حجب، لأنّ العقل والمكاشفة يقعان في طرفي نقيض.

ومعنى كون يد العقل قاصرة عمّا ينكشف بالمكاشفة، أنّ العقل لا يجوز له الحكم على المكاشفة مهما كانت، لا أنّ المكاشفة لا تعارض العقل، أي: لو كان العقل يكشف حقيقة ما، فهو كذلك من الناحية العقليّة، ويجوز خلافه في المكاشفة، ومن هنا لم يكن بدّ لدى الالتزام بمنهج المكاشفة من الإغماض عن الحقايق العقليّة، لأنّ الإقرار بحكم العقل يجعل الحجّة عليهم قائمة.

قال الملّا صدرا:

قال الشيخ الفاضل الغزاليّ: اعلم أنّه لا يجوز في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته. نعم، يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه، بمعنى أنّه لا يدرك بمجرّد العقل. ومن لم يفرّق بين ما يحيله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخسّ من أن يُخاطب، فيترك وجهله.(1)

أقول: هذا الكلام محاولة لدفع ما أشرنا إليه من الإيراد، وأنت خبير أنّ طور المكاشفة عندهم طور آخر لا تجري فيه الأحكام العقليّة أصلاً، بل الكشف _ بصريح عباراتهم _ فوق العقل، وليس العكس، فربما وقع فيه ما هو ممتنع في طور العقل، كما ذكر نماذج منه بعض المعاصرين، مثل أنّ ذات الباري في حكم الكشف والشهود هو مجمع الأضداد ومتصف بالضدّين وجامع النقيضين، وهو


1) . الأسفار، ج7، ص322.

علّة ومعلول، مع أنّه مخالف لطور العقل.(1)ومن هذا القبيل إبطال الكثرات وأنّها أمور موهومة، مع أنّه ثابت بحكم العقل، وخلافه خرافة عند العقلاء قاطبة، والأعيان في رأي العرفاء ما شمّت رائحة الوجود(2)

وهي أمور عدميّة(3)

والعالَم متوهَّم ما له وجود حقيقيّ.(4)

فالذي اضطّر هؤلاء إلى ما قالوه في العقل هو أنّ هذا العقل يثبت وجود الصانع وبينونته مع المصنوع، والعرفان ينفي البينونة، وأنّ الخالق هو عين جميع الأشياء. قال ابن عربي:

فكلّ ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات..فإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوَّهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال، أي: خيّل إليك أنّه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الحقّ وليس كذلك في نفس الأمر.(5)

2. بين ما لا يدركه العقل وما يدرك امتناعه

القول المتكرّر على ألسنة العرفاء من عدم جواز الحكم على ما يقولونه من قِبل غير الواصلين ابتداءاً من الفقهاء ثمّ جميع العقلاء، فيما لو كان ظهور كلامهم خلافا لما يعتقدونه لأجل قصور عقول غيرهم عن الوصول إلى ما توصلّوا إليه _ كما قال الملّا صدرا من أنّ القدح من أحد في (أهل التوحيد الشهوديّ) في مسألة اعتقاديّة دينية يدلّ على قصور رتبة القادح وسوء فهمه وقلّة انصافه، بل الأولى له السكوت عمّا لا يصل إليه عقله من درك مقالهم وفهم حالهم _ (6)هذا الكلام في حال كشف العقل لاستحالة ما يدّعيه المدّعي العارف، أمر باطل بالضرورة، وإلّا فهو عين مقالة


1) . ممدّ الهمم (للآملي)، ص493.

2) . فصوص الحكم، ص76.

3) . فصوص الحكم، ص76.

4) . فصوص الحكم، ص102.

5) . فصوص الحكم، ص102.

6) . تفسير القرآن الكريم، ج4، ص317 _ 318.

النصارى من التثليث في عين التوحيد، وتجسيم الباري، حيث يستحيل ذلك بحكم العقل، وهل لهم ان يقولوا بأنّ هذا مما يقتدر على فعلهوتدرك العقول امتناعه، ولكن لا تدرك العقول كيف يفعل ما يمتنع عقلا، وهذا أيضا نظير مدّعى عبدة الأوثان!

وليس طعن العرفاء بالفقهاء إلّا لما علمت من زعمهم بأنّ الفقهاء افتوا بغير علم وبما لم يصلوا إلى حقيقته، وهذا القدح سنّة مشايخهم، كما قال ابن عربي:

فالرجل منهم الكامل هو الذي أحكم العلم والعمل، فجمع بين الظاهر والباطن، والناقص منهم هم الفقهاء الذين يعلمون ولا يعلمون؛ ويقولون بالظاهر ولا يعرفون الباطن.(1)

وقال أيضا:

من قال «أنا الله» كأبي يزيد، و«سبحاني» كغيره من رجال الله المتقدّمين وهي من بعض تخريجات أقوالهم رضي الله عنهم. فمن وصل إلى الحيرة من الفريقين فقد وصل، غير أنّ أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم حيث لا يقدرون يرسلون ما ينبغي أن يرسل عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء، فما اعظم التجليات، وإنّما منعهم أن يطلقوا عليه ما أطلقت الكتب المنزلة والرسل عدم إنصاف السامعين من الفقهاء وأولي الأمر؛ لما يسارعون إليه من تكفير من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء في جنب الله. (2)

إنّ ما ذهبوا إليه من تفسير التوحيد شيء ينكره صريح العقل ويدرك بوضوح امتناعه، بل جميع العقلاء إذا عُرض عليهم كلمات المتصوّفة التي مرّت بعضها لرأوا مخالفتها للعقل بلا شك، وأيضا بينونة ما ذهبوا إليه مع ما جاء به الدين وذكّر العقول به من معنى التوحيد.


1) . الفتوحات، ج1، ص524.

2) . الفتوحات، ج1، ص272.

قال العلّامة المجلسي في شرح حديث: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ» قال:

أقول: تمسك بعض الصوفيّة والاتحادية والحلولية والملاحدة بظواهر تلك العبارات وأعرضوا عن بواطن هذهالاستعارات فضلوا وأضلوا، مع أن عقل جميع أرباب العقول يحكم باستحالة اتحاد شيء مع أشياء كثيرة متباينة الحقائق مختلفة الآثار، وأيضا ما ذكروه من الكفر الصريح لا اختصاص له بالمحبّين والعارفين، بل يحكمون باتحاده تعالى بجميع أصناف الموجودات حتّى الكلاب والخنازير والقاذورات سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.

فهذه الأخبار نافية لمذاهبهم الفاسدة الخبيثة لا مثبتة لها، ولها عند أهل الإيمان وأصحاب البيان وأرباب اللسان معان واضحة ظاهرة تقبلها الأذهان ومبنية على مجازات واستعارات شائعة في الحديث والقرآن، ومشتملة على نكات بليغة استحسنها أرباب المعاني، ولا تنافي عقائد أهل الإيمان، وهي كثيرة نومئ هنا إلى بعضها... .(1)

المقام الثاني: المكاشفة في الميزان
1. العرفان النظريّ والعمليّ

بيد أنّ الكثير من أنصار هذا المنهج لا يعرف سوى منقولات ابن عربي ونظرائه ودعاويهم بالمكاشفات ويعتقد بما يقولونه انبهاراً بالعناوين والأسماء بإسم العرفان، فإنّ نفس الوصول إلى المكاشفة يحتاج إلى إتباع المرشد، وسلوك الطريق يتوقّف على التوجيه، وهو لا محالة ينتهي إلى التطابق مع ما يريده المرشد ويعتقده. قال الفناريّ في مصباح الأنس في المكاشفة:

ولما تعذّر استقلال الانسان بذلك في أوّل الأمر، وجب عليه اتباع من سبقه بالاطلاع ممن خاض لجة الوصول وفاز بنيل المأمول _ كالرسل ومن كملت


1) . مرآة العقول، ج10، ص389.

وراثته منهم علما وحالا ومقاما _ عساه سبحانه يجود بنور كاشف يظهر الأشياء كما هي، كما فعل ذلك بهم وباتباعهم.(1)

أمّا ذكره للرسل فمتى كانت الدعوة النبويّة إلى تلكالرياضات التي يقوم بها المرتاضون؟ وكيف زجّهم وحشرهم في أفاعيل المتصوّفة والتحف بإسمهم فيما لا يمتّ إليهم بصلة؟ وأما غير الرسل فإذا كانوا متخالفين، وهم كذلك، فكيف يجوز اختيار واحدٍ منهم لا على التعيين، وبأيّ حجّة ينساق لهذا ويترك ذاك؟

قال القيصريّ:

ما يرى في اليقظة ينقسم إلى أمور حقيقيّة محضة واقعة في نفس الأمر وإلى أمور خياليّة صرفة لا حقيقة لها شيطانيّة، وقد يخلطها الشيطان بيسير من الأمور الحقيقيّة ليضلّ الرائي، لذلك يحتاج السالك إلى مرشد يرشده وينجيه من المهالك.(2)

2. عدم عصمة الطريق

اضطرتهم الاضطرابات بين المكاشفات إلى الاعتراف بأنّ منها ما هو من الخيالات والأغلاط، ومنها تسويلات النفس، ومنها المأنوسات الذهنيّة، ومنها الخواطر الشيطانيّة، ومنها تصرّفات الجنّ. فكيف مع هذا يستطيع الواحد أن يجزم بصحّة ما رآه وأنّه شاهَدَ الحقّ؟ لهذا يمتنع أن يكون هذا الطريق حجّة أصلاً ناهيك عن كونه أمّ الحجج.

إنّ شيخ الإشراق الذي يؤصّل الماهية يوعز السبب في تصنيف مكتوبه إلى النفث القدسيّ وأنّه قد ألقاه في روعه(3)وصاحب الحكمة المتعالية الذي يؤصّل للوجود يقول أنّ روح القدس نفث مطالبه في روعه.(4)

والغزاليّ لزم هذا الطريق وترك الدرس عشرين سنة وأخذ بالرياضات حتّى


1) . مصباح الأنس بين المعقول والمشهود، ص36.

2) . شرح الفصوص، ص100.

3) . مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، ج2، ص258.

4) . قال الملا صدرا: «وأقول: وروح القدس نفث في روعي» المبدأ والمعاد، ص120.

انكشف له بطلان مذهب الإماميّة، وأفضليّة أبي‌بكر على أميرالمؤمنين (علیه السلام) بمراتب(1)ويستحمق من يلعن يزيد بن معاوية ويحرّم لعنه.(2)وابن عربيّ يزعم أنّه شاهد النبيّ و«الصدّيق» على يمينه الأنفس، و«الفاروق» على يساره الأقدس، و«ذا النورين» مشتمل برداءٍ حياءا، مقبل على شأنه(3)وأنّ قوماً ينكشف لهم الغطاء فيرون الشيعة على صورة الخنازير وقد مرّ ذكره.(4)

والمرتضاون من الهند والسند وغيرهم يشاهدون ما يعتقدونه.. فهذا الطريق يفتقد ما يوزن به صحّة ما يقدّمه، ويحتاج إلى كاشف مميّز لحقانيّة الحقائق عن التلبيسات والتسويلات والأضغاث والخيالات، فالقول بأنّه هو السبيل إلى معرفة الواقع مع ما فيه من إمكان الوقوع في حبائل إبليس فاسد أشدّ الفساد، سبيل مريب، ولا أمان لمن يخوضه أبدا، يدعو إلى تزاحم الرأي وخفاء الحقيقة.

فأيّ اطمئنان بعد هذا يحصل من الكشف؟ وينبغي أن يُرجع الى أيّ ميزان لرفع الاختلاف، ليكون هو الأصل والمدار في الحجيّة؟ على أنّهم قد ذكروا أنّ المراتب العالية من المكاشفات لا تحكيها العبارات ولا تقدر الألفاظ أن تنالها، وامتناع المشافهة بها(5)فلا يوجد ميزان يمكن أن يصحّح أو يخطأ تلك المكاشفة، ومع ذلك يوجد من تترآى له الخيالات، فهل يبقى سبيل إلى التمييز؟

ثمّ إنّ تمييز الميزان للمكاشفة الصحيحة لا یدلّ علی حقّانيّة نفس المكاشفة، بل الحقيقة المنكشفة إن حصلت، فقد تكون خيالاً مطابقاً للواقع.

و مدخليّة الشيطان في هذا الوادي مما لا يُنكر(6)ولذلك يسعون جهدهم إلى


1) . لاحظ: الإثنا عشريّة، ص85؛ فضائح الصوفية، ص155.

2) . إحياء العلوم، ج3، ص106.

3) . الفتوحات، ج1، ص2.

4) . الفتوحات، ج2، ص8.

5) . شرح الإشارات، ج3، ص390؛ شرح الفصوص (للقيصري)، ص110.

6) . انظر كلام السيّد حيدر الآمليّ في الاعتراض على ادّعاء ابن عربيّ والقيصري في ختم الولاية، فلاحظ: المقدّمات من نصّ النصوص: 237 _ 239. ولا يفوتك أيضا ما أشار إليه الآشتياني من لغط ابن عربي مع ادّعاءه أنّ ما أورده في الفصوص هو من الرسول: مقدمّة شرح الفصوص (للقيصريّ)، ص40.

إقامة الدليل العقليّ على إبطال مكاشفات مخالفیهم، أو الإكتفاء بصرف ذكر مكاشفات أنفسهم للردّ، وإنْ ادّعوا أنّ ذلك ليس إلا من باب تنبيه المحجوبينوتأنيس المحرومين.(1)

وأمّا الميزان الذي جعلوه لتمييز المكاشفات، فقد تخبّطوا في تعيينه، فمِن قائل بمرجعيّة البرهان الفلسفيّ والصناعة الآليّة، أو إلى الشيخ المرشد، أو إلى أنّ لكلّ مرتبة من مراتب السلوك ميزاناً، وبحسب كلّ مقام وموطن وحال ووقت وشخص قواعد خاصّة تناسب المرتبة والإسم(2)

وفي كل ذلك اعتراف ضمني على أنفسهم بفساد المبنى.

نشير بعد هذا إلى شيء مما ورد في المنابع الدينية من إمكان حصول الإيحاءات والمكاشفات الشيطانيّة. قال الله سبحانه وتعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطين تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثيم يُلْقُونَ السَّمْعَ وأَكْثَرُهُمْ كاذِبُون).(3)

وقال تعالى: (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ يُوحي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وما يَفْتَرُون).(4)

وقال تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرين).(5)

وفي رجال الكشّيّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو النَّخَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ أَبَا مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى رَبِّهِ وتَمَسَّحَ عَلَى رَأْسِهِ وقَالَ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: (يَا پسر) _ أي: یا ولدی _ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام):


1) . شرح الفصوص (للقيصري)، ص318.

2) . لاحظ للأخير: مقدّمة مفتاح الغيب (القونويّ)، ص7.

3) . سورة الشعراء (26)،الآيات 221 _ 223؛ ولاحظ: الخصال، ج2، ص402، ح111.

4) . سورة الأنعام (6)، الآيتان 112 _ 113.

5) . سورة الأعراف(7)، الآية 17.

«حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ اتَّخَذَ عَرْشاً فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ، واتَّخَذَ زَبَانِيَةً بِعَدَدِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا دَعَا رَجُلًا فَأَجَابَهُ وَطِئَ عَقِبَهُ وتَخَطَّتْ إِلَيْهِ الْأَقْدَامُ، تَرَاءَى لَهُ إِبْلِيسُ ورُفِعَ إِلَيْهِ، وإِنَّ أَبَا مَنْصُورٍ كَانَ رَسُولَ إِبْلِيسَ، لَعَنَ اللهُ أَبَا مَنْصُورٍ، لَعَنَ اللهُأَبَا مَنْصُورٍ». ثَلَاثاً).(1)

وفي رجال الكشّي أيضاً، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «أَخْبِرْنِي عَنْ حَمْزَةَ، أَيَزْعُمُ أَنَّ أَبِي (علیه السلام) آتِيهِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ (علیه السلام): «كَذَبَ واللهِ، مَا يَأْتِيهِ إِلاَّ الْمُتَكَوِّنُ، إِنَّ إِبْلِيسَ سَلَّطَ شَيْطَاناً يُقَالُ لَهُ: (الْمُتَكَوِّنُ) يَأْتِي النَّاسَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، إِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ كَبِيرَةٍ، وإِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ صَغِيرَةٍ، ولاَ واللهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجِيءَ فِي صُورَةِ أَبِي (علیه السلام)».(2)

وفي رجال الكشّي أيضاً، عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال في حديث: «سَمِعْتُ أَبِي (علیه السلام) يَقُولُ: إِنَّ شَيْطَاناً يُقَالُ لَهُ: (الْمُذْهِبُ) يَأْتِي فِي كُلِّ صُورَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي صُورَةِ نَبِيٍّ ولَا وَصِيِّ نَبِيٍّ، ولَا أَحْسَبُهُ إِلَّا وقَدْ تَرَاءَى لِصَاحِبِكُمْ فَاحْذَرُوهُ».(3)

وفي رجال الكشّي أيضاً، عَنْ يُونُسَ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الطَّيَّارَةِ(4)يُحَدِّثُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وأَنَا فِي الطَّوَافِ فَإِذَا نِدَاءٌ مِنْ فَوْقِ رَأْسِي: (يَا يُونُسُ، إِنِّي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا (ج)!(5)فَغَضِبَ أَبُو الْحَسَنِ (علیه السلام) غَضَباً لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: «اخْرُجْ عَنِّي لَعَنَكَ الله ولَعَنَ مَنْ حَدَّثَكَ، ولَعَنَ يُونُسَ بْنَ ظَبْيَانَ أَلْفَ لَعْنَةٍ تَتْبَعُهَا أَلْفُ لَعْنَةٍ،كُلُّ لَعْنَةٍ مِنْهَا تُبْلِغُكَ قَعْرَ جَهَنَّمَ، أَشْهَدُ مَا


1) . إختيار معرفة الرجال، ج2، ص592، ح546. قال المرجع السيّد السبزواريّ (قدس سره): «هذه الرواية تبطل جملة مما يدّعونه أهل الكشف والشهود، خصوصاً مثل مكاشفات محي الدين، كما في جملة من كتبه، سيّما ما سمّاه بالفتوحات المكيّة». التعليقة على بحارالأنوار، ج2، ص110.

2) . إختيار معرفة الرجال، ج2، ص589، ح537.

3) . إختيار معرفة الرجال، ج2، ص582. والمراد من «صاحبكم» أبو الخطّاب.

4) . من الطيارة أي الّذين طاروا إلى الغلوّ. (البحار)

5) . أي جبرئيل. (البحار)

نَادَاهُ إِلَّا شَيْطَانٌ، أَمَا إِنَّيُونُسَ مَعَ أَبِي الْخَطَّابِ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ مَقْرُونَانِ».(1)

3. سبيل إثبات حجّية المكاشفة

سلّمنا إمكان حصول المكاشفة، وسلّمنا صحّتها، وسلّمنا إمكان تمييزها عن غير المكاشفة من الوساوس والتسويلات، فحيث كان أكثر الناس غير واردين ولا واصلين إليها، فإنّ لهم ألّا يؤمنوا بشيء ولا ينظروا في شيء ولا يطلبوا معرفة شيء حتى تثبت تلك الأمور بالمكاشفة التي ليس عليهم طلبها لعدم ثبوت لزومها، ولا حجّية لها عليهم، وليس عليهم أنّ يستمعوا إلى من يدعوهم إليها وإلى الكشفيّات التي لا تثبت بغير المكاشفة، وليس للمكاشف أن يحتجّ على أحد إلّا مع الكشف، وإذا انكشف خلافه لغيره أخذ ذلك الغير بما عنده وبطلت المحاجّة.

4. امتناع تحصيل مقدّمات الكشف إلا بغيره

إنّ «التخلّي من الرذائل» و«التحلّي بالفضائل» الذي قالوا به في سلوك طريق الكشف إنما يتمّ بعد معرفة الفضائل والرذائل، فما الطريق إلى كلّ ذلك وما هو الكاشف عن تلك الخصال؟

على أنّه من ينتحل دين الإسلام مع سلوكه طرق غير مشروعة للحصول على الكشف ينبئ عن بطلان كشفه وعدم مشروعيّته بالتبع. ومن يتتبع أخبار المتصوّفة يجد أنّ أكثر طقوسهم ورياضاتهم ممّا نهت عنه الشريعة كما ستأتي الإشارة، ولو كانت حقّة كان الإسلام أحقّ ببيانها والترغيب إليها، ومجرّد عدم التوصية بها كافٍ للإعراض والزهد فيها.

5. انحصار الطريق

كما هو الحال في المسلك الفلسفيّ فإنّ المكاشفة طريقٌ شائكٌ غير ميسّر لأكثر الناس، بداهة عدم كون العزلة وتكبّد الرياضات الشاقّة ممكناً لمختلف أفراد المجتمع، ولا حتى عُشرهم معشارهم، بل يختصّ بقلّة قليلة مترهبنة منزوية، مما


1) . رجال الكشّيّ، ص363، ح673.

يستلزم الخسران والضلالة للبشر.

وإذا لم تكن الأصول الاعتقادية مؤسّسة على ما يسهل تناوله من قِبل جميع الناس بعد التذكير، بطلت حكمة الخلقة ولم يصحّ التكليف، وحصرُ إمكان تحصيل السعادة بقلّة قليلة عَبَث.

ولم يأبوا عن التصريح بأنّ التوحيد الحقيقيّ لا يحصل إلا بالكشف، ولا يناله إلا الأوحديّ من الناس، مما يعني أن جميع البشر مشركون في عقيدتهم، وإن سمّوه توحيداً، ولا يستطيعون خلاف ذلك.

ولو سلّمنا إمكان تصحيح هذه المفسدة يبقى إشكال الاختلاف بين مكاشفات المكاشفين الذي يهدم بنيانهم من القواعد.

6. فتح باب الوحي من جديد

نقل ابن عربي عن أستاذه أبي مدين المغربي قال:

وكان الشيخ أبو مدين إذا قيل له: «قال فلان عن فلان عن فلان» يقول: ما نريد نأكل قديداً، هاتوا ائتوني بلحم طريّ، يرفع همم أصحابه. هذا قول فلان، أيّ شيء قلت أنت؟ ما خصّك الله به من عطاياه من علمه اللدني؟ أي حدّثوا عن ربّكم واتركوا فلاناً وفلاناً، فإنّ أولئك أكلوه لحماً طريّاً، والواهب لم يمت وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، والفيض الإلهيّ والمبشّرات ما سدّ بابها، وهي من أجزاء النبوّة والطريق واضحة والباب مفتوح.(1)

على هذا فإنّ النبي بدل أن يرفع من همم أصحابه وأتباعه كما فعل أبو مدين، وضع الهمم، حيث أمر بالأخذ عنه والتسليم له، وكان بإمكان هؤلاء الناس الوصول إلى مرتبة النبي، والأخذ عن الله كما كان النبيّ يأخذ عن الله، سوى أنّ النبي أعطاهم القديد وجعلهم يأخذون عنه وهو ميّت ولا يأخذوا عن الله وهوحيّ!


1) . الفتوحات، ج1، ص280.

أقول، أليس الله هو الآمر بالأخذ عن النبي، وهل أوامر النبي إلا أوامر الله؟ وهل يُعرف الحلال والحرام إلا بالأخذ عن النبي؟ وهل تُصاب السنّة إلا بالاستماع إلى الرواة الثقاة عن النبي وأوصياءه؟

وإذا كان الواهب لا يموت، فهل أنّ النبوة لم تُختم؟

(وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ومَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ).(1)

7. المعنى الصحيح للمكاشفة

الكشف بحسب اللغة هو رفعك الشيء عمّا يواريه ويغطيّه(2)وهو عند العقلاء ما يستوجب رفع التوهّم والخطأ، فيقولون: انكشف له كذا، وسيأتي التنبيه على ما قد يبتلي به العبد من آفات تجعله لا يرى الواقع كما هو، فينكر الحقّ ويُصاب بالعمى، واستعمال الإنسان للعقل عبر التفكّر والتعلّم يصحّح رؤيته ويكشف الغشاء والغطاء من عينه. وفي معرفة الله تعالى إذا أزاح عن عين قلبه الحجب لرآى ربّه بحقيقة إيمانه، فلا ينكره لأنه يرى آثار الصنع في الكون، ويراه حينما يراه منزّهاً عن صفة المخلوقات، وأنّه لا شريك له، وأنه سبوح قدوّس، عالم قادر حيّ... وعلى المؤمن أن یزیل الموهومات بالتأمل في خلق السماوات والأرض فيسبّح الله وينزّهه عن صفة المخلوقات.

ولو حصل للعاقل العلم، فلا معنى أن ينكشف له خلافه. وأمّا الكشف في منهج العرفاء فهو التوصل إلى أنّ الواقع المشهود عبارة عن توهّمات يمنع العقل من تخطّيها كما عرفت، وهو يقف على النقيض من الكشف بمعناه الصحيح.

إنّ تفسير الكشف بمعنى كشف بطلان التعينات وإنكار الحقائق، وقوانين العقل وزوال جميع الأشياء وأنّها موهوماتهو بنفسه أكبر موهوم، حيث توصلوا به


1) . سورة الأنعام(6)، الآية93.

2) . لسان العرب، ج9، ص300؛ كتاب العين، ج5، ص297.

أنّ كلّ شيء هو الله... فهذا هو السكر بعینه، ولا قيمة له عند العقلاء أصلا.(1)

[لو كنت من اهل المعرفة فكلّ ما تبصره جيّد*** إذ كل ما يفعله المحبوب فهو محبوب أيضا]

[أيّ ورق للشجر إذا ما نظرت*** قد حجب فيه سرّ الله تعالى.]

كلّ هذه الأشجار المختلفة..هذه الثمار على اختلافات أشكالها وألوانها.. الرياحين والأزهار..

[أوراق الأشجار بنظر الواعي*** كل واحد منها كتاب في المعرفة]

انظر، تفكّر، اقرأ كتاب الخلقة، عجائب البر والبحر، استعداد البشر، وخواص النباتات والمعادن، تأمل في جميعها، كلها كشف وانكشاف وشهود. بهذه الآثار أرانا الله تعالى قدرته وحكمته، كل جزء صغير من أجزاء هذا العالم موسوعة في الكشف والشهود، لكن على البشر أن يكون طالباً، وبصيراً، ومسبّحاً لله سبحانه. يقول القرآن الكريم: (وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنين وفي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُون). ألا تحصل المكاشفة مع كلّ هذه الآيات التي لا تُعد، وأشارت إليها الآية؟

فلماذا نطلب المكاشفات بطرق مثل النوم؟ ولماذا لا تحصل المكاشفة والاستكشاف بالتفكّر في خلق السماء والأرض، وهي المكاشفة الحقيقيّة، وليست كالمكاشفات الصوفيّة والعرفانيّة مختلقة؟!

السير في آفاق الأنفس، معرفة العالم، معرفة الحيوان، معرفة الإنسان، معرفة الماء، معرفة التراب، معرفة النبات و.. جميعها وسائل للمكاشفة، فلماذا نبتعد؟ معرفة النفس: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ». غررالحکم، 588، ح301

[أنت أنت، وصْفة صنع الله ابحث في نفسك عن كل ما تريد وتطلب]

لو أن عقول جميع البشر أعطيت لشخص واحد واستعملها قرونا وقرونا بالتفكر في خلقة نفسه لم يصل إلى نهاية المطاف. إن الكشف والمكاشفة أن تنظر إلى باطن كل ما يقع عليه بصرك. المكاشفة الحقيقية هي التأمل في مثل هذه الآيات: (إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْباب الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار). وفي هذا الطريق، إن ما يهمّ ويزيد الإنسان توفيقاً هو الاهتمام بالعبادات والعمل بأحكام الدين والإلتزام بهدايات الأئمة الطاهرين (علیهم السلام)، والتقوى والورع عن المعاصي، حتّى المكروهات. نأمل أن تتوفق أيّها الشاب إلى المدارج والمراتب العالية في العلم والعمل والأخلاق والإنسانيّة، وخصوصا علينا ألّا ننسى إمام الزمان وقطب عالم الإمكان، مولانا بقية الله المهدي أرواح العالمين له الفداء، الذي بوجوده ثبتت الأرض والسماء، وعلينا أن نسعى أن نرضيه بأعمالنا وطريقتنا، فإن هذا هو منتهى الآمال؛ انتهی.


1) . نضع بين يدي القارئ وصيّة أحد الفقهاء هو آية الله المعظّم الشيخ لطف الله الصافي في جوابه عن رسالة استرشده صاحبها إلى تحصيل المكاشفة، مترجمة مع قليل من التصرّف: السؤال: سماحة المرجع آية الله الصافي الگلپایگاني مد ظله، مع السلام والتمنّي لكم طول العمر؛ أنا شخص شاب أطلب من جنابك لمقامك الرفيع في العلم والعرفان، أن تبيّن لي طريق المكاشفة ولو بدرجة متدنيّة، لكي يطمأنّ قلبي بالإيمان، ولكم الشكر والتقدير. الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، عليكم السلام ورحمة الله، ولدي! لتكن إرشاداتك وإلهاماتك وأنت في بداية شبابك ومقتبل بلوغك، من القرآن المجيد وهدي الأحاديث الشريفة والأدعية المعتبرة كالصحيفة السجادية، فلا تضيّع وقتك وعمرك في التفكر في «الكشف» و«المكاشفة» وإن ادّعاها بعض من الناس. ألا تكفي كل المشاهدات التي يشاهدها الإنسان بعينه؟ هذه الآيات والعلامات الإلهيّة، والإنكشافات التي تنكشف للعبد بواسطة التفكّر في خلقة العالم والسماء والأرض والشمس والقمر والمنظومات الشمسية والمجرّات والإنسان والحيوان وعالم النباتات ووجود نفس الإنسان.. هذه كلّها وسيلة لكشف الحقائق وشهودها. إنّ شيئا من المعارف الإلهية لم يبق خفيّاً حتى يُطلب نيله ب«المكاشفة». فكّر في نفسك، في خلقتك، في عجائب عالم الخلقة، وكل هذه الأسرار والعلائم للحق والحقيقة، جميعها مكاشفات. هل فيما تراه العين من نقص؛ الآيات الظاهرة التي تبصرها، ألا تكفي دليلا وآية على عالم الغيب حتى تكون الحاجة إلى معرفة الربّ عبر «المنام» و«المكاشفة»، لتقوّي عقيدتك؟!

المقام الثالث: التصوّف والشريعة
1. التنافي بين الطريقة والشريعة

زعم بعض العرفاء أنّ الطريقة هي العمل على وفق تعاليم الشريعة، والحقيقة هي الانتفاع وحصول السعادة،(1)

لكنّ الواقع على ما صرّح به بعضهم أنّ الشريعة إنّما تطهّر الظاهر، والطريقة هي تطهير الباطن، وأمّا الحقيقة فالنتيجة الحاصلة والغاية القصوى من الطريقة، والسالك لا يسلك الطريقة إلا بإرشاد الشيخ والمرشد، هذا خلاصة رأي بعض كبارهم في الشريعة والطريقة والحقيقة، وقد مرّ.

دور الشريعة في هذا المنهج لمن لم يسلك الطريقة، والمائز بين العارف وغيره ليس في الشريعة وإنّما في الطريقة، وهي التي يطلب بواسطتها الوصول إلى الحقيقة.

فالقول بأنّ الطريقة هي العمل على ضوء الشريعة هو مجرّد تعبير وشعار غير موافق لسلوكهم ومرامهم، لأن الطريقة هي السلوك المأمور به من قبل المرشد، سواء وافقالشرع أو لا لأنّ المرشد عندهم مرتبط بالله ومهبط الإلهام، فمتى أمر بشيء كان هو الحقّ ويلزم المريد الاتباع.(2)


1) . لاحظ: عارف وصوفي چه مي گويند؟، 128 _ 130.

2) . لاحظ: عارف وصوفي چه مي گويند؟، ص130.

أقول، أمّا حصر الشرع بأفعال الظاهر فظلم عظيم بحقّه وسرقة لأهمّ غرضه وهو تزكية الناس وتطهير قلوبهم، حتى ورد في قوله تعالى: (إنّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(1)عن الباقر (علیه السلام): «هُوَ الإسلَام».(2)

و«أَنَّ الْخُلْقَ الْعَظِيمَ الدِّينُ الْعَظِيمُ»(3)فالشريعة هي التي تتولّى تطهير النفوس وتزكيتها، وما تطهير الظاهر إلا لتطهير الباطن، وما أكثر التعاليم الدينية في هذا المقام.

وأمّا السلوك عند الصوفيّة فغير منحصر بالأمور الباطنيّة، وهناك الكثير مما يقومون به من أفعال تتعلق بالبدن، وهي ليست فقط أجنبيّة عن الدين بل تخالفه ولا مسوّغ لها في الشرع، من تحريم الحلال وتحليل الحرام، والترخيص في العزائم، والالتزام ببعض المبتدعات أو التقيّد العمدي بالمكروهات، وغير ذلك من قبيل ترك الغذاء الحيوانيّ والعزوبة والتزام الرهبنة، والسماع والرقص لحصول الوجد وهو من أفضل أسباب الطريقة، والعشق المجازيّ وهو عشق الغلمان، وتذليل النفس بالوسائل المحرّمة كالاستعطاء من الناس عمداً لتحصيل الذلّة والتلوّث بالنجاسات، وترك الصلاة للاشتغال في أفعال التخلية، وشرب المسكر وما إلى ذلك مما لم‌يرخَّص فيه لأحد وهو مذكور في أحوالهم وحالاتهم، فكلّها في الطريقة وهي أعمال جوارحيّة وفي عرض الشريعة، واستثنوا أنفسهم بذريعة «العشق».(4)

فلا الطريقة هي مختصة بالباطن عندهم، ولا الشريعة مختصّة بالظاهر عندنا.

2. التنافي بين الحقيقة والشريعة

وأمّا الحقائق التي يتوصل إليها العارف ويعتقد بها لمكان المكاشفة، فقد مرّ عليك شيء من معتقدات ابن عربي، الذي لم يكتف باتباع المتشابهات ابتغاء تأويل الكتاب، بل يأوّل النصوص القطعيّة حسب مذهبه ومشربه بما يخالف


1) . سورة القلم (68)، الآية 4.

2) . معاني الأخبار، ص188.

3) . معاني الأخبار، ص188.

4) . لاحظ: منطق الطير، ص112.

ضروريّ الشرع كتفسير التوحيد بالوحدة، ثمّ انحرافه في مسألة النبوّة والوحي، ثمّ مسألة الإمامة والخلافة، واعتقاده بأنّ رسول الله خُلق وأبو بكر من طينة واحدة(1)أو أنّ أبا بكر كان أعلم الناس بالنبيّ(2)وأنّه يدخل الجنّة من أيّ باب شاء(3)وأنّ عمر كان معصوماً ولم يكن في قلبه إلّا الله(4)وثناءه على المتوكّل العبّاسيّ(5)تكفيره لأبي طالب كفيل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ووالد اميرالمؤمنين (علیه السلام)، وهذه من التي قال أنّها من روح القدس وإملاء الربّ! فهل يسع بعد ذلك أن تأوَّل تأويلاته، وتُصحَّح انحرافاته، ولو أمكن لصحّ توجيه كل مذهب ومشرب. وسنشير في باب تعارض العقل والنقل تفصيل تقابل نظرية «وحدة الوجود والموجود» التي هي غاية التصوف والعرفان، مع التوحيد الذي ذكّرت به تعاليم الدين الإلهي، وأنّه مما لا يمكن الجمع بينهما أبدا، ولذلك اشتهر عندهم «إذا ظهرت الحقائق بطلت الشرائع» وأنّ الواصل معذور لو خالف الشرع، من ترك العبادات والدعوة إلى عبادة نفسه وما شابه.

ثم إنّ مشايخ الصوفيّة يعتبرون أنّ ظاهر الشريعة للعوام وباطنها للخواصّ، وأن الباطن هو حقيقة الشرع، والعرفان مفتاح معرفة الباطن، فليس الخواصّ غيرهم، ولذلك يكثرون من تفسير القرآن بعنوان البطون والتأويل والرموز والإشارات طبقاً لآراءهم وميولاتهم، ويوجّهون النصوص ويسخّرونها كيفما يشاؤون، ويجعلونها في خدمة أفكارهم.نقل أبو العلاء العفيفي المصري وهو أحد المعلّقين على كتاب الفصوص كلاما عن استاذه «رينولد نيكسون» _ في جامعة كمبرج _ في وصف ابن عربيّ في الفصوص الكلام التالي:

إنّه _ أي ابن عربي _ يأخذ نصّاً من القرآن أو الحديث يؤوّله بالطريقة التي


1) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص109.

2) . الفتوحات المكيّة، ج1، ص224.

3) . لاحظ: الفتوحات، ج1، ص381؛ ج7، ص193؛ ج2؛ ص238.

4) . الفتوحات، ج1، ص247.

5) . الفتوحات، ج2، ص6.

نعرفها في كتابات فيلون اليهودي وأُريجن الاسكندريّ؛ يستند كلّ فصّ من الفصوص السبعة والعشرين إلى طائفة من الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة المتصلة بالكلمة الخاصّة، النبيّ الذي تُنسب حكم الفصّ إليه.

يعمد ابن عربيّ في كلّ ذلك إلى تخريج المعاني التي يريدها من الآيات والأحاديث بطريقة خاصّة في التأويل، فإنْ كان في ظاهر الآية ما يؤيّد مذهبه _ مهما كانت دلالتها على التشبيه والتجسد _ أخذ بها وإلا صرفها إلى غيير معناها الظاهر، وهو مع هذا لا يجيز تأويل المعتزلة للآيات الدالّة على التشبيه، بل يتّهمهم بأنّهم يحكّمون العقل وحده في مسائل الآلهيّات ويقولون يتنزيه الله تنزيهاً مطلقاً، وهذا في نظره جهل بنصف الحقيقة، إذ الحقيقة الكاملة هي: أنّ الله تعالى منزّهٌ مشبّه معاً!

ولا تخلو طريقة تأويله للآيات من تعسّف وشطط أحيانا لا سيّما إذا عمد إلى الحِيَل اللفظيّة في الوصول إلى المعاني التي يريدها، كأن يقول في الفصّ الأيّوبي: إنّ المراد بالشيطان في قوله تعالى: (أنِّي مَسَّنِي الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) هو البُعد، وإنّ ما شعر به أيّوب لم يكن ألمُ المرض الذي ابتلاه الله به، بل ألم عذاب الحجاب والجهل بالحقايق، أو يقول في الفصّ الموسويّ: إنّ المراد بقول فرعون: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْري لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونين) لأجعلنّك من المستورين، لأنّ السين من أحرف الزوائد، فإذا حذفت من «سجن» بقيت «جن» ومعناها الوقاية والستر، وفي قوله في الفصّ نفسه (أي الفصّ الموسوي): (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذيأُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون) معناه: مستور عنه علم ما سألته عنه. وكقوله في تفسير الآية: (قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ): إنّ في الإمكان أن نجعل رسل الله مبتدأ، خبره الله «الثانية»، فيكون معنى الآية: وقالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي «أي الرسول»: رسل الله هم الله، هو أعلم حيث

يجعل رسالته!

وعماده في كلّ ذلك أنّه يتكلّم بلسان الباطن الذي هو في الحقيقة لسان مذهبه، ويترك الظاهر الذي يعبّر عن عقيدة العوام، فهو يقابل دائماً بين هاذين اللسانين كما يقابل بين العقل والذوق، العقل الذي هو لسان الظاهر، والذوق الذي هو لسان الباطل.(1)

ونكتفي بشيء قليل من تفسيرات هذا الصوفيّ، فلاحظ..

قال في شأن قوم نوح الذین نزل علیهم العذاب وأغرقهم الله بالطوفان:

(وممّا خَطِيئاتِهِم)؛ فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله، وهو الحيرة. (فَأدْخِلُوا نَارَاً) في عين الماء... (فَلَم يجِدُوا لَهُمْ منْ دُونِ اللهِ أنْصارا) فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد.(2)

وفسّر الوالدين بالعقل والطبيعة، وإضلال الربّ بإخراج الكافرين من الظنّ بأنهم عبيد إلى اليقين بأنّهم الربّ في الواقع، وفسّر المؤمنين بالعقول والمؤمنات بالنفوس، قال:

(رَبِّ اغْفِرْ لِي) استرني، واستر من أجلي، فيجهل مقامي وقدري، كما جهل قدرك في قولك: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (ولوالدي) من كنت نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة (ولمن دخل بيتي) أي: قلبي (مؤمنا)... (وللمؤمنين) من العقول (والمؤمنات) من النفوس (ولا تزد الظالمين) من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية (إلا تبارا) أي:هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم، لشهودهم وجه الحق دونهم في المحمديين (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ).(3)


1) . لاحظ: «عارف وصوفي چه می گویند»، ص108 _ 110.

2) . شرح الفصوص (للقيصريّ)، ص530.

3) . فصوص الحكم، ص72.

ولاحظ المعنى الذي أعطاه للذين كفروا في القرآن الكريم الذي لا أظنّ أحداً غيره وغير أتباعه يجرأ على مثله. قال:

انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعداءه، وذلك أنّه لمّا أبدع الأمناء من اسمه اللطيف، وتجلّى لهم من اسمه الجميل، فأحبّوه تعالى... والغيرة من صفات المحبّة في المحبوب والمحب بوجهين مختلفين، فستروا محبّته تعالى غيرة منهم عليه، كالشبلي وأمثاله وسترهم الحقّ بهذه الغيرة عن أن يعرفوا، فقال تعالى: (إنَّ الذِينَ كَفَرُوا)... أي: ستروا ما بدا لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة، فقال: لابدّ من أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي، فتأهبوا كذلك، فما استعدّوا، فأنذرهم على ألسنة أنبيائي الرسل في ذلك العالم، فما عرفوا؛ لأنّهم في عين الجمع، وخاطبهم الحقّ من عين التفرقة، وهم ما عرفوا عالم التفصيل، فلم يستعدّوا، وكان الحبّ قد استولى على قلوبهم سلطانه غيرة من الحقّ عليهم في ذلك الوقت. فأخبر تعالى نبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) روحا وقرآنا بالسبب الذي أصمّهم عن إجابة ما دعاهم إليه، فقال: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فلم يسمعها غيره (وَعَلَى سَمْعِهِم) فلا يسمعون سوى كلامه على ألسنة العالم، فيشهدونه في العالم متكلما بلغاتهم (وَعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشَاوَة) من سناه، إذ هو النور وبهائه إذ له الجلال والهيبة يريد الصفة التي تجلّى لهم فيها المتقدّمة. فأبقاهم الحقّ غرقى في بحور اللذات بمشاهدة الذات فقال لهم: لابدّ لكم من (عَذَابٌ عَظِيمٌ) فما فهموا ما العذاب، لاتحاد الصفة عندهم. فأوجد لهم الحق عالم الكون والفساد وحينئذ علّمهم جميع الأسماء وأنزلهم على العرش الرحماني وفيه عذابهم وقد كانوا مخبوئين عنده في خزائن غيوبه، فلما أبصرتهمالملائكة خرّت سجودا لهم فعلّموهم الأسماء... .(1)

وكلّ هذا الذي قرأت، كما يزعم ابن عربي، هو من عند الله، لأنّه الموحي إليه،


1) . الفتوحات المكّيّة، ج1، ص115.

وإن خالف ظواهر الكتاب، بل نصوصه، وهذا معنى الباطن الذي انكشف له وكشفه لغيره.

فلماذا يتكلم القرآن على خلاف ما يريده، ثم يحتجّ به على من لا يدرون ما يقول، يريد أن يهديهم بما لا يفهمون بل يفهمون خلافه! وكان من الأولى أن ينزل القرآن على ابن عربيّ ليبيّن للناس ما نُزّل إليهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، بدل أن يبقوا جاهلين بالكتاب ولا يهتدون إليه سبيلا.

(وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَديثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهين).(1)

3. رأي العرفاء والصوفيّة في الأديان والمذاهب

عند العرفاء كلّ معبود في أيّ صورة كان هو الحقّ، وكلّ شيء مظهر لصفاته والتفريق والكثرة كالأعضاء للجسم والقطرات للبحر، فجميع الأديان تدرك شيئاً من الحقيقة وتعبد الربّ بطرق مختلفة، فعابد الوثن وعابد البقر وعابد الجنّ كلّهم يعبدون الله تعالى.

قال في الفصوص:

فالعالِم يعلم مَن عُبد وفي أيّ صورة هر حتى عُبد، وأنّ التفريق والكثرة كالأعضاء في الصو المحسوسة وكالفوى المعنويّة في الصورة الروحانيّة فما عُبد غير الله في كلّ معبود.

وقال القيصري في شرح هذه العبارة:

فالعالِم بالله ومظاهره يعلم أنّ المعبود هو الحقّ في أيّ صورة كانت، سواء كانت حسيّة كالأصنام أو خياليّة الجنّ أو عقلية كالملائكة، ويعلم أنّ التفريق والكثرة مظاهر لأسماء وصفاته، وهي كالأعضاء في الصورة الإنسانيّة؛ فإنّ العينمظهر للإبصار والأذُن للسمع والأنف للشمّ واليد للبطش، وكالقوى


1) . سورة لقمان (31)، الآية 6.

الروحانيّة كالعقل والوهم والذاكرة والحافظة والمفكّرة والمتخيّلة، فإنّها كلّها مظاهر لصفات الروح.

وقال في شرح عبارة: «فما عُبد غير الله في كل معبود»: إذ لا غير في الوجود.

فلا رجحان لأيّ دين على آخر؛ بيت الله وبيت الخمر واحد، وكذا الصمد والصنم واحد(1)

لأنّها تجليات لذات الحقيقة.

قال الشبستريّ في أبياته المعروفة بالفارسيّة ما ترجمته: «أيّها المسلم لو عرفت الصنم لعلمت أنّ الدين في عبادته». وقال اللاهيجي في شرحه ما ترجمته:

يعني أنّك أيها المسلم القائل بالتوحيد وإنكار الصنم لو علمت وتنبّهت إلى حقيقة الصنم في أنّه مَظهر لمن، وأنّ الظاهر بصورة الصنم من هو، لعلمت أن الدين الحق هو في عبادة الصنم، ذلك أن الصنم هو مظهر للوجود المطلق الذي هو الحقّ، وعليه فإن الصنم من حيث الحقيقة هو الحقّ، ودين المسلم وعادته على عبادة الحق، وعبادة الصنم هو عين عبادة الحقّ، فثبت أن الدين هو في عبادة الصنم.

النتيجة

لا سبيل إلى تمييز الحقّ من الباطل فيما يترتّب على المنهج من النتائج ولا إلى إثبات حجّيته إلا من طريق آخر غير طريق المكاشفة، والطرق الأخرى تعارضه وتنفي حجّيته بالضرورة؛ فأمّا الشريعة، فهو يخالف ضرورياتها وثوابتها، ويدعو إلى الانحراف عن تعاليم الوحي بالدعوة إلى الشرك الصريح والاعتقاد بحلول الباري سبحانه في جميع الأشياء، وأمّا العقل فيدعو إلى سدّ بابه والمنع من محاولة إعماله في أهمّ المسائل.(2)

أنّ مصيبة الصوفيّة على الإسلام من أعظم المصائب، تهدّمت بها أركانه وانثلمت بنيانه، وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجوّل في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبيّاتهم بعد الاجتماع برؤاء فرقهم؛ أنّ الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقّاه جمع من العامّة كالحسن البصريّ والشبلي ومعروف وطاوس والزهري وجنيد ونحوهم، ثمّ سرى منهم إلى الشيعة حتّى رقى شأنهم وعلت راياتهم، بحيث ما أبقوا حجرا على حجر من أساس الدين، أوّلوا نصوص الكتاب والسنّة، وخالفوا الأحكام الفطريّة العقليّة، والتزموا بوحدة الوجود بل الموجود، وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفّقتها رؤائهم! والتزامهم بما يسمّونه بالذكر الخفيّ القلبيّ شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبّراً عنه بالسّفر من الحقّ إلى الخلق تارة، والتنزّل من القوس الصعوديّ إلى النزوليّ أخرى وبالعكس معبّرا عنه بالسفر من الخلق إلى الحقّ والعروج من القوس النزوليّ إلى الصعوديّ أخرى. فيا للّه من هذه الطامات، فأسروا ترهاتهم إلى الفقه أيضاً في مبحث النيّة وغيره، ورأيت بعض مرشديهم يتلو أشعار المغربيّ العارف من ديوانه ويبكي ويعتني به كالاعتناء بآيات الكتاب الكريم. فتعساً لقوم تركوا القرآن الشريف وأدعية الصحيفة الكاملة زبور آل محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) وكلمات موالينا وساداتنا الأئمّة (علیهم السلام)، واشتغلوا بأمثال ما أومأنا إليها، ورأيت بعض من كان يدّعي الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزي إليهم: «لنا مع اللّه حالات فيها هو نحن ونحن هو» وما درى المسكين في العلم والتتبّع والتثبّت والضبط أنّ كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير ممّا لفّقتها أيادي المتصوّفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثا. وخلاصة الكلام أنّه آل أمر الصوفيّة إلى حدّ صرفوا المحصّلين عن العلم بقولهم: إنّ العلم حجاب وأنّ بنظرة من القطب الكامل يصير الشقيّ سعيداً بل وليّا، وبنفحة في وجه المسترشد والمريد أو تفلة في فمه تطيعه الأفاعي والعقارب الضارية وتنحلّ تحت أمره قوانين الطبيعة ونواميس نشأة الكون والفساد، وأنّ الولاية مقام لا ينافيها ارتكاب الكبائر بل الكفر والزندقة معلّلين بأنّه لا محرّم ولا واجب بعد الوصول والشهود، ثمّ إنّ شيوع التصوّف وبناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث إنّ بعض المرشدين من أهل ذلك القرن لمّا رأوا تفنّن المتكلّمين في العقائد، فاقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتابعيه في الإلهيّات قواعد وانتزعوا من لاهوتيّات أهل الكتاب والوثنيّين جملاً وألبسوها لباساً إسلاميّاً فجعلوها علماً مخصوصاً ميّزوه باسم علم التصوّف أو الحقيقة أو الباطن أو الفقر أو الفناء أو الكشف والشهود. وألّفوا وصنّفوا في ذلك كتباً ورسائل، وكان الأمر كذلك إلى أن حلّ القرن الخامس وما يليه من القرون فقام بعض الدهاة في التصوّف فرأوا مجالا ورحبا وسيعا لأن يحوزوا بين الجهّال مقاما شامخا كمقام النبوّة بل الألوهيّة باسم الولاية والغوثيّة والقطبيّة بدعوى التصرّف في الملكوت بالقوّة القدسيّة فكيف بالناسوت، فوسّعوا فلسفة التّصوّف بمقالات مبنيّة على مزخرف التأويلات والكشف الخياليّ والأحلام والأوهام، فألّفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب «التعرف»، و«الدلالة»، «الفصوص»، و«شروحه»، و«النفحات»، و«الرشحات»، و«المكاشفات»، «الإنسان الكامل»، و«العوارف»، و«المعارف»، و«التّأويلات» ونحوها من الزبر والأسفار المحشوّة بحكايات مكذوبة، وقضايا لا مفهوم لها البتّة، حتّى ولا في مخيّلة قائليها، كما أنّ قارئيها أو سامعيها لا يتصوّرون لها معنى مطلقا وإن كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم ويقول بأنّ للقوم إصطلاحات، لا تدرك إلّا بالذوق الذي لا يعرفه إلّا من شرب من شرابهم وسكر من دنهم وراحهم. فلمّا راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم تشعّبوا فرقا وشعوبا وأغفلوا العوامّ والسفلة بالحديث الموضوع المفترى: «الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق»، وجعل كلّ فرقة منهم لتمييزها عن غيرها علائم ومميّزات بعد اشتراك الجميع في فتل الشوارب وأخذ الوجهة والتجمع في حلقات الأذكار. عاملهم اللّه وجزاهم بما فعلوا في الإسلام. وأعتذر من إخواني النّاظرين عن إطالة الكلام حيث إنّها نفثة مصدور وتنفّس صعداء وشقشقة هدرت غصص وآلام وأحزان بدرت، عصمنا اللّه وإيّاكم من تسويلات نسجة العرفان وحيكة الفلسفة والتّصوف وجعلنا وإيّاكم ممّن أناخ المطيّة بأبواب أهل بيت رسول اللّه ولم يعرف سواهم آمين آمين. ملحقات إحقاق الحقّ، ج1، ص183.


1) . تاريخ تصوف در اسلام (فارسي)، ص426.

2) . قال العلّامة والفقيه آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي(رضوان الله علیه) في تعليقاته على إحقاق الحقّ: وعندي

ملحق في منهج الحكمة المتعالية

نبذة مختصرة

اشارة

هذا المنهج هو أحد شُعب المنهج العرفانيّ كما ستطلّع من تصريحات روّاده، وجوهرهما واحد، بل إنّ الحكمة المتعالية قد احيت عرفان ابن عربي، ومع اعتراف هذا الأخير أنّ العقل حجاب عن المعرفة الشهوديّة، فقد ذهبت مدرسة الحكمة المتعالية إلى توافق العرفان مع البرهان.

لكنّها لم تقف عند هذه الدعوى بل ذهبت أيضا أن العرفان هو حقيقة الدين الإلهيّ الذي جاء به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وخلفاؤه الأئمّة المعصومين (علیهم السلام)، وربما زعمت تشيّع ابن عربي، وأنّ ثمّة توافقاً وانسجاماً بين المعرفة العقليّة والمعرفة الكشفيّة والمعرفة الشرعيّة، فالمنهج يتبنى إذن محاولة معرفة الحقائق الإلهيّة عن طريق «المقدّمات البرهانيّة والمشاهدات العرفانيّةوالموادّ الدينيّة القطعيّة»(1)فصارت حكمة متعالية لأنّها وجدتْ كمالها في الجمع بين دليل البرهان والعرفان والقرآن، وكشفت بالأخرة التوافقٌ


1) . لاحظ: مجموعة مقالات (الطباطبائيّ)، ج2، ص5.

التامٌّ بينها.(1)قال الملّا صدرا حول أسفاره:

قد اندمجتْ فيه العلوم التألّهيّة في الحكمة البحثيّة، وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيّنات التعليميّة.(2)

وقال مفتخراً بآراءه:

ممّا لست أظنّ أن قد وصل إليه أحدٌ ممّن أعرفه من شيعة المشّائين ومتأخّريهم، دون أئمّتهم ومتقدّميهم، كأرسطو ومن سبقه. ولا أزعم، إن كان يقدر على إثباته بقوّة البحث والبرهان شخصٌ من المعروفين بالمكاشفة والعرفان، من مشايخ الصوفيّة من سابقيهم ولاحقيهم.(3)

فلا الحكماء وصلوا إلى ما وصل إليه من المكاشفات، ولا العرفاء بلغوا ما بلغه من الحكمة. ولكن المحور هو الثاني، أي: إثبات مكاشفات العرفاء بواسطة البرهان إذ لم يستطيعوا ذلك قبله. ولهذا رآى بأنّه حيث أثبت بالعقل تلك المكاشفات فقد أكمل العقول، حتى قال بعضهم:

كان من الجدير بالملا صدرا مع إتيانه بالحكمة المتعالية أن يقول: اليوم أكملتُ لكم عقلكم وأتممتُ عليكم نعمتي.(4)

فقد جاءهم بكمال العقل عندما أثبت به ما ثبت بالمكاشفات، ومن ثمّ ظهر أنّه لم يكن ثمّة خلاف في تلك المباني أصلا:

وقد وضع صدر المتألّهين نهايةً حاسمةً لهذا النزاع الطويل (بين أرسطو وأفلاطون) بالأساس الجديد الذي شاده في فلسفته. ومنذ هذا الزمن لم يعد معنى لوقوف أحد هذين الاتجاهين في مقابل الآخر. وقد لاحظ كلّ من جاء بعدهواطلع على فلسفته، أنّ النزاع الذي امتدّ لألفي عامٍ بين المشّائين


1) . رحيق مختوم (للآملي).

2) . الأسفار، ج1، ص9.

3) . المبدأ والمعاد، ص496.

4) . شرح حكمت متعاليه أسفار أربعة (للآملي) (فارسي)، ص102.

والإشراقيّين قد حسم على يد هذا الفيلسوف العظيم.(1)

فيدّعي المنهج أنّه جاء للناس ليبيّن لهم ما اختلفوا فيه في المعرفة، وأثبت من خلال الدليل العقلي حقّانية مكاشفات مشايخ الصوفية، فالحاجة إلى البرهان هو لمكان عدم إمكان الاستدلال على الكشف لغير الواصلين، وإثباته لهم يحتاج إلى البرهان. قال:

إنّ مجرّد الكشف غير كاف في السلوك من غير برهان، كما أنّ مجرّد البحث من غير مكاشفة نقصان عظيم في السير.(2)

وأمّا بالنسبة لحجّية الشرع وأهميّته، فقال:

وحاشا الشريعة الحقّة الإلهيّة البيضاء أن تكون أحكامها مصادمةً للمعارف اليقينيّة الضروريّة، وتبّاً لفلسفةٍ تكون قوانينها غير مطابقةٍ للكتاب والسنّة.(3)

المراد من المعارف اليقينيّة الضرورية البراهين الفلسفيّة والمكاشفات العرفانيّة، إذ لا يتيسّر تحصيل كمال العقل بلا برهان فلسفي ولا كشف، فالشريعة لوحدها لا تكفي، حيث يصف صاحب المنهج من لا يوافقه من الفقهاء بعلماء الظاهر.

ثمّ يقول في الحثّ على تحصيل المكاشفة وبيان كون تحصيل مقاصد الشريعة وحقائق الملّة الحنيفة ممّا تمتاز به طريقة العرفاء:

فاذهب إلى ربّك وسافر من بيت حجابك وعتبة بابك مهاجراً إلى الله ورسوله لترى من آيات الجبروت وعجائب الملكوت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت..فلا تبال إن كنت مسافراً بمخالفة الجمهور، فإنّ الجمهور واقفون في منزلهم... .(4)


1) . أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، ج1، ص13.

2) . الأسفار، ج7، ص326.

3) . الأسفار، ج9، ص302.

4) . العرشيّة، ص286.

أوّلا: العرفان في هذا المنهج

الحقّ أنّ جوهر هذا المنهج ليس إلا المكاشفات، ومن ثمّ السعي لإقامة البراهين على طبقها(1)فالأساس هو العرفان(2)وما ذكروا من عدم كفاية الكشف بلا برهان لأنّ الاستدلال هو بالبرهان، والتصريح أنّ الوصول إلى أهمّ الحقائق مخصوص بالمكاشفة ينبيك أنّ أصل الأصول هو المكاشفة لا العقل. قال في الأسفار:

فاطّلعتُ على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن، وانكشفتْ لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان، بل كلّ ما علمتُه من قبلُ بالبرهان عاينتُه مع زوائد بالشهود والعيان، مِن الأسرار الإلهيّة والحقائق الربّانيّة، والودائع اللاهوتيّة، والخبايا الصمدانيّة.(3)

لهذا لم يكن السبب في إقامة البراهين سوى تنبيه المحجوبين وتأنيس المحرومين كما هو رأي العرفاء أيضا(4)فهو مجرّد التنبيه على أفكار أولي الدراية والأنظار لحصول الشوق إلى الوصول(5)وقد ذكر في الأسفار حول منهجيته من الشروع أوّلاً بالبحث على طريقة النظّار وأهل البحث، ثمّ بيان مشاهداته العرفانيّة ومكاشفاته اليقينيّة، أنّ ذلك شفقةً منه على المتعلّمين.(6)وقال في الأسفار:

وإنّي لأستغفر الله كثيراً ممّا ضيّعتُ شطراً مِن عمري فيتتبّع آراء المتفلسفة


1) . لاحظ: عرفان وحكمت متعالية (للآملي) (فارسي)، ص26.

2) . شرح المنظومة (للآملي)، ج2، ص575.

3) . الأسفار، ج1، ص8.

4) . شرح الفصوص (للقيصريّ)، ص318.

5) . لاحظ: الأسفار، ج1، ص11.

6) . أعيان الشيعة، محسن الأمين، ترجمة صاحب الأسفار. وقال في الأسفار: «ونحن أيضاً سالكو هذا المنهج في أكثر مقاصدنا الخاصّة، حيث سلكنا أوّلاً مسلك القوم في أوائل الأبحاث وأواسطها، ثمّ نفترق عنهم في الغايات لئلاّ تنبو الطبائع عمّا نحن بصدده في أوّل الأمر، بل يحصل لهم الاستيناس به..» الأسفار، ج1، ص85 .

والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم، وتعلّم جرزبتهم في القول، وتفنّنهم في البحث، حتّى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم، وصراطهم غير مستقيم.(1)

وقال:

وإنّي كنت شديد الذبّ عنهم في اعتباريّة الوجود وتأصيل الماهيّات، حتّى أن هداني ربّي وانكشف لي انكشافاً بيّناً أنّ الأمر بعكس ذلك وهو أنّ الوجودات هي الحقائق المتأصّلة الواقعة في العين... .(2)

فلمّا حصلت المكاشفات أجرى البراهين على طبقها. وقد قال أنّ كتابه الأسفار الذي أقام فيه استدلالاته البرهانية هو من إلهام الله ولا يفهمه إلا من أتعب بدنه في الرياضات، وقد أطلعه الله على الأسرار التي لم تحط بها عقول الفضلاء، وبالغ في مدحه حتى قال:

فصنّفتُ كتاباً إلهيّاً للسالكين المشتغلين بتحصيل الكمال، وأبرزتُ حكمةً ربّانيّةً للطالبين لأسرار حضرة ذي الجمال والجلال، كاد أن يتجلّى الحقُّ فيه بالنور الموجب للظهور، وقرُبَ أن ينكشف بها كلّ مرموز ومستور، وقد أطلعني الله فيه على المعاني المتساطعة أنوارها في معارف ذاته وصفاته مع تجوال عقول العقلاء حول جنابه، وترجاعهم حاسرين، وألهمني بنصره المؤيِّد به مَن يشاء مِن عباده الحقائقَ المتعالية أسرارها في استكشاف مبدئه ومعاده مع تطواف فهوم الفضلاء حريم حماه وتردادهم خاسرين، فجاء بحمد الله كلاما لا عوج فيه ولا ارتياب ولا لجلجة ولا اضطراب يعتريه، حافظاً للأوضاع، رامزاً مشبعاً في مقام الرمز والإشباع، قريباً من الأفهام في نهاية علوّه، رفيعاً عالياً في المقام مع غاية دنوّه؛ إذ قد اندمجت فيه العلوم


1) . الأسفار، ج1، ص11.

2) . الأسفار، ج1، ص49.

التألّهيّة في الحكمة البحثيّة، وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات التعليميّة، وتسربلت الأسرار الربانيّة بالعبارات المأنوسة للطباع، واستعملت المعاني الغامضة في الألفاظ القريبة من الأسماع، فالبراهين تتبختر اتضاحاً وشبه الجاهلين للحقّ تتضاءل افتضاحا، انظر بعين عقلك إلى معانيه، هل تنظر فيه مِن قصور؟ ثمّ ارجع البصر كرّتين إلى ألفاظه هل ترى فيه من فطور؟ وقد أشرتُ في رموزه إلى كنوز مِن الحقائق لا يهتدي إلى معناها إلا مَن عنى نفسه بالمجاهدات العقليّة حتّى يعرف المطالب، ونبّهتُ في فصوله إلى أصول لا يطّلع على مغزاها إلّا مَن أتعب بدنه في الرياضات الدينيّة... .(1)

وأمّا مشايخ الصوفيّة في هذه المدرسة فهم الواصلون الحقيقيّون، ويُنفث إليهم بإلقاء روح القدس في الروع،(2)ولو تعارضت مكاشفاتهم مع البرهان تُقدّم عليه، لأنّهم هم الراسخون في العلم وأهل الله خاصّة(3)وأنّ أهل الكشف والشهود هم خلاصة عباد الله المعبود(4)، والعرفاء متألّهة هذه الأمّة الناجية، ومنهم الحلّاج والبسطامي(5)ولا سيما ابنَ عربيّ _ حيث يصفه الملا صدرا بقدوة المكاشفين والحكيم العارف والمحقّق الشيخ الجليل(6)والصمداني الربّاني(7)_ وكلامه بمنزلة


1) . الاسفار، ج1، ص9.

2) . قال الملّا صدرا في المبدأ والمعاد، ص120: «وأقول: وروح القدس نفث في روعي. والمراد هو جبرئيل». فلاحظ: مفاتيح الغيب، ص340.

3) . الأسفار، ج6، ص373.

4) . الأسفار، ج1، ص118.

5) . الشواهد الربوبيّة، ص221: «أقول: في تذكرة الأولياء للعطار النيشابوري: أنّه سُئل با يزيد عن يوم القيامة وأّن الناس تحت لواء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال با يزيد: والله إن لوائي أكبر من لواء محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث أنّ الأنبياء والخلائق سوف يكونون تحت لوائي». تذكرة الألياء، ص160.

6) . راجع: الأسفار، ج1، ص266 و48؛ ج6، ص286؛ ج9، ص45 و382.

7) . الأسفار، ج2، ص329.

النصوص الدينيّة التي لا يحتمل فيها الخطأ(1)حتّى قيل:

لم يخضع الملا صدرا لأحد بقدر خضوعه لمحيي الدين.(2)

ولقد قال الملّا صدرا منتصراً لابن عربي وأعلام الصوفيّة:

وأمّا ما نُقل عن هؤلاء الأعلام من الصوفيّة فيرد على ظاهره ما يرد على مذهب المعتزلة... ولكن لحُسن ظنّنا بهؤلاء الأكابر لما نظرنا في كتبهم ووجدنا منهم تحقيقات شريفة ومكاشفات لطيفة وعلوماً غامضة مطابقة لما أفاضه الله على قلوبنا، وألهمنا به ممّا لا شكّ فيه ونشكّ في وجود الشمس في رابعة النهار، حملنا ما قالوه ووجّهنا ما ذكروه حملاً صحيحاً ووجهاً وجيهاً في غاية الشرف والإحكام. _ إلى أن قال _: ومن جملتها ما ذكره صاحب كتاب الفتوحات المكيّة... .(3)

فالميزان هو المكاشفات الموافقة لمكاشفات ابن عربيّ وهي أحكم العلوم. قال في مفاتيح الغيب:

إنّ كثيراً من المنتسبين إلى العلم ينكرون العلم الغيبيّ اللدنّي الّذي يعتمد عليه السُلاّك والعرفاء، وهو أقوى وأحكم من سائر العلوم.(4)

إنّ من أهمّ مباني الحكمة المتعالية مسألة أصالة الوجود وبسيط الحقيقة والوحدة في الكثرة، والعلم بهذه الحقيقة كما يقول الملا صدرا يتوقف على المشاهدة الحضوريّة.(5)قال في الأسفار:

و اعلم أنّ كون ذاته عقلاً بسيطاً هو كلّ الأشياء أمرٌ حقّ لطيف غامض، لكن لغموضه لم يتيسّر لأحدٍ من فلاسفة الإسلام وغيرهم _ حتّى الشيخ الرئيس _


1) . أعيان الشيعة، محسن الأمين، ترجمة صاحب الأسفار.

2) . شرح المنظومة (للمطهّري)، ج1، ص238.

3) . الأسفار، ج6، ص183 _ 184.

4) . مفاتيح الغيب، ص142.

5) . لاحظ: الأسفار، ج1، ص61.

تحصيله وإتقانه على ما هو عليه؛ إذ تحصيل مثله لا يُمكن إلّا بقوّة المكاشفة مع قوّة البحث الشديد، والباحث إذا لم يكن له ذوق تامّ وكشف صحيح لم يُمكنه الوصول إلى ملاحظةأحوال الحقائق الوجوديّة، وأكثر هؤلاء القوم مدارُ بحثهم وتفتيشهم على أحكام المفهومات الكلّيّة وهي موضوعات علومهم دون الانيّات الوجوديّة، ولهذا إذا وصلت نوبة بحثهم إلى مثل هذا المقام ظهر منهم القصور والتلجلج والتمجمج في الكلام... .(1)

وقال في المشاعر:

العلم بحقيقة الوجود لا يكون إلّا حضوريّاً إشراقيّاً وشهوداً عينيّاً.(2)

وقال في الشواهد:

الحقّ أنّ الجهل بمسألة الوجود للإنسان يوجب له الجهل بجميع أصول المعارف والأركان، لأنّ بالوجود يعرف كلّ شيء، وهو اوّل تصوّر وأعرف من كلّ متصوّر، فإذا جهل، جهل كلّ ما عداه، وعرفانه لا يحصل إلا بالكشف والشهود، ولهذا قيل: مَن لا كشف له لا علم له.(3)

وقال في المبدأ والمعاد:

فأطلعني الله على أسرار ورموز لم أكن أطّلع إليها إلى ذلك الزمان، وانكشف لي حقائق لم يكن منكشفة هذا الإنكشاف من الحجّة والبرهان من المسائل الربوبيّة والمعارف الإلهيّة وتحقيق النفس الانسانيّة التي هي سُلّم المعارف ومرقاة العلوم، وغيرها من أحوال المبدأ وأسرار المعاد.(4)

وقال:


1) . الأسفار، ج6، ص239.

2) . المشاعر، ص24.

3) . الشواهد الربوبيّة، ص14.

4) . المبدأ والمعاد، ص382.

إنّ الوجود حقيقة واحدة هي عين الحقّ، وليس للماهيّات والأعيان الإمكانية وجود حقيقيّ..وإنّ الظاهر في جميع المظاهر والماهيّات، والمشهود في كلّ الشؤون والتعيّنات ليس إلا حقيقة الوجود، بل الوجود الحقّ بحسب تفاوت مظاهره وتعدّد شؤونه وتكثّر حيثيّاته... بل الممكنات باطلة الذوات، هالكة الماهيات أزلاً وأبداً، والموجود هو ذات الحقّ دائماً وسرمداً... فانكشف حقيقة ما اتّفق عليه أهل الكشف والشهود من أنّ الماهيات الإمكانية أمُورٌ عدمية..بمعنى أنّها غير موجودة لا في حدّ أنفسها بحسب ذواتها ولا بحسب الواقع... كما قيل شعراً:

وجود اندر كمال خيش ساری است *** تعيّن ها أمور اعتباری است(1)

وفي كلمات المحقّقين إشارات واضحة بل تصريحات جليّة بعدميّة الممكنات أزلاً وأبداً... فإذن لا موجود إلا الله... وكُتب العرفاء كالشيخين العربيّ وتلميذه صدر الدين القونويّ مشحونة بتحقيق عدميّة الممكنات وبناء معتقداتهم ومذاهبهم على المشاهدة والعيان.(2)

وقال في شرح أصول الكافي:

ثمّ إنّ بعض أسرار الدين وأطوار الشرع بلغ إلى حدّ ما هو خارج عن طور العقل الفكريّ، وإنّما يُعرف بطور الولاية والنبوّة، ونسبة طور الولاية ونورها، كنسبة الحسّ إلى نور الفكر، فليس لميزان الفكر كثير فائدةٍ وتصرّف هناك.(3)

المراد من طور الولاية هو المكاشفة. ويظهر لك من عبارته حول قصور العقل حال حقيقة معنى الجمع بين البرهان والمكاشفة، فإنّ منهجه متبع لمنهج العرفاء حذو القذّة بالقّذة. فلباب هذه المدرسة هو العرفان، والبرهان قشوره، كما حُكي عن السيّد البروجرديّ (رحمه الله) قوله: إنّ محتوى الأسفار والحكمة المتعالية بالحَمل الأوّليّ الذاتيّ


1) . أي: الوجود سارٍ في كمال نفسه، والتعيّنات أمورٌ اعتباريّة.

2) . الأسفار، ج2، ص339 _ 342.

3) . شرح أصول الكافي، ص461.

ليس الفلسفة وإنّما العرفان والتصوّف.(1)

فلو عارض البرهان المكاشفة لا محالة يؤخذ بالثاني لأنّمرتبته فوق البرهان في إفادة اليقين(2)بل إنّ البرهان الذي لم يدلّ عليه الكشف لا قيمة له. قال:

ليس من عادة طالب الحقيقة الاعتناء بكلام مَن لا كشف له ولا بصيرة في إدراك الحقائق.(3)

وقال:

وما وقع في كلام بعض منهم: «إنْ تكذّبهم بالبرهان فقد كذّبوك بالمشاهدة» معناه: إنْ تكذّبهم بما سمّيت برهانا وإلّا فالبرهان الحقيقي لا يخالف الشهود الكشفي.(4)

فالبرهان الصحيح هو ما وافق مكاشفات الصوفيّة، وما سواه لا يُعدّ برهانا، فلا يقاوم البرهانُ الكشف إذا تعارضا. وأما لو عارض إجماع الفقهاء، فالأمر هيّن، لأنّ حجّية الإجماع ليست ذاتيّة. قال:

إنّ إجماع علماء الظاهر _ أي الفقهاء _ في أمر يخالف مقتضى الكشف الصحيح الموافق للكشف الصريح النبويّ والفتح الصحيح المصطفويّ (على الصادع به وآله أفضل الصلوات والتسليمات) لا يكون حجّة عليهم، فلو خالف من له هذه المشاهدة والكشف إجماع من ليس له ذلك لا يكون ملاماً في المخالفة، ولا خارجاً عن قانون الشريعة لأخذه ذلك عن باطن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

إذن ما يقوله العارف حقّ وإن خالف ظاهر الشريعة وإجماع الفقهاء، لأنّه يتكلّم عن البطون التي لا تبلغها العقول، فتجد الملّا صدرا يعذّر العرفاء إذا كان ظهور كلامهم


1) . إلهيّات إلهي وإلهيّات بشري (نظرها) (للحكيميّ)، ص342.

2) . الأسفار، ج2، ص315.

3) . مفاتيح الغيب، ص99.

4) . مفاتيح الغيب، ص99.

باطلاً ودعواهم فاقداً للدليل، واعتذر لهم بأنهم كانوا في أمر أهمّ وهو الرياضات، وكلامهم الذي ينتقده أهل البرهان لم يصلوا إلى حقيقته. قال:

لكنّهم لاستغراقهم بما هم عليه من الرياضات والمجاهدات وعدم تمرّنهم في التعاليم البحثيّة والمناظرات العلميّة لميقدروا على تبيين مقاصدهم وتقرير مكاشفاتهم على وجه التعليم، أو تساهلوا ولم يبالوا عدم المحافظة على أسلوب البراهين لاشتغالهم بما هو اهمّ لهم من ذلك، ولهذا قلّ من عباراتهم ما خلت عن مواضع النقوض والإيرادات، ولا يمكن إصلاحها وتهذيبها إلا لمن وقف على مقاصدهم بقوّة البرهان وقدم المجاهدة.(1)

فيُحمل ما يقوله العارف على الصحّة، لأخذه العلم بالمشاهدة وهو من الوحيٌ، بل ما يقوله بلا حجّة أولى بالتصديق مما يقوله غيرهم حتى في مثل المحسوس. قال في البحث عن المُثل النوريّة:

إنّ أولئك العظماء من كبار الحكماء والأولياء وإن لم يذكروا حجّة على إثبات تلك المُثل النوريّة، واكتفوا فيه بمجرّد المشاهدات الصريحة المتكرّرة التي وقعت لهم فحكوها لغيرهم، لكن يحصل للإنسان الاعتماد على ما اتّفقوا عليه، والجزم بما شاهدوه، ثم ذكروه، وليس لأحد أن يناظرهم فيه.

وكيف وإذا اعتبروا أوضاع الكواكب وأعداد الأفلاك بناء على ترصّد شخص كأبرخس أو أشخال كهو مع غيره بوسيلة الحسّ المثار للغلط والطغيان، فبأن يعتبر أقوال فحول الفلسفة المبتنية على أرصادهم العقليّة المتكرّرة التي لا‌يحتمل الخطأ كأن أحرى.(2)


1) . الأسفار، ج6، ص284.

2) . الأسفار، ج1، ص307. أقول: سوف ترى أن الملّا صدرا ومع إدّعاءه من تمكّنه إقامة البرهان على الحقائق الثابتة له المكاشفة، كيف سلك هو الآخر مسلك العرفاء في الكلام الخطابي دون البرهاني في نظريّة وحدة الوجود، معترفاً أنّها لا تُنال إلا بفطرة مستأنفة وقريحة ثانية. لاحظ: الأسفار، ج1، ص86 _ 87، ويأتي كلامه في محلّه.

وعلم العارف يختلف عن غيره في أنّه لا توجد واسطة فيه، ولذلك لا معنى لأن يكون معرّضاً للزلة. قال:

أكثر المفسّرين غير العرفاء في هذا الخطر (أي: التفسيربالرأي) وأما العارف الرباني فمأمون من الغلط، معصوم من معاصي القلب، إذ كلّ ما يقوله حقّ وصدق، حدّثه قلبه عن ربّه.(1)

ولهذا قد طعن الملّا صدرا بمن يعارض العرفاء ورماه بالجهل وعدم الإنصاف ولزوم السكوت والتوقف عن مجابهتهم لعدم إدراكه مآل كلامهم، كما مرّ عليك من أسلوب العرفاء تجاه الفقهاء. قال الملّا صدرا:

اعلم أنّ الفقهاء وإن كانوا عالمين بأحكام الله إلا أنّهم في معرفة الذات والصفات والأفعال الإلهيّة كباقي المقلّدين من المؤمنين، بخلاف أهل التوحيد الشهوديّ لشهودهم بالنور الإلهيّ الحقّ وصفاته وأفعاله، وكيفيّة تصرّفاته في الوجود، ا يتطرّق عليهم الشبهة ولا يدخل في قلوبهم الريبة ولا يحكم عليهم الأوهام، ولا يطرأ على مرايا قلوبهم الرين والظلام. فهم الموحّدون حقّا والعارفون بربّهم صدقا ويقينا لا ظنّا وتخميناً... وأنّى يوجد لغيرهم ما كان لهم، وهم في الحقيقة أولياء الله وقوّام الدين وفقهاء شريعة سيّد المرسلين، والحكماء في معارف الحقّ واليقين. وهم في الحقيقة ما وصفهم الله تعالى في آية: (يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) وهم الذين أمر الله رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمجالستهم والصبر معهم في السراء والضرّاء في قوله: (وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) الآية. وهم الذين رفع الله قدرهم عن سائر الأمّة لقوله تعالى: (وَ لا تَطْرُدِ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمين) وهم الذين قال


1) . مفاتيح الغيب، ص72.

خاتم النبيّين في حقّهم تفخيما وتعظيما وإجلالا وتكريما لشأنهم: «إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ جَانِبِ الْيَمَن»(1)وهم الذين وصفهم أميرالمؤمنين وسيد الأوصياء الموحّدين في حديث كميل بن زياد بما وصفهم. فإذا كانحالهم على هذا المنوال من العلم والمعرفة والورع والتقوى فالقدح من أحد فيهم في مسألة اعتقاديّة دينية يدلّ على قصور رتبة القادح وسوء فهمه وقلّة انصافه. بل الأولى له السكوت عمّا لا يصل إليه عقله من درك مقالهم وفهم حالهم. والله اعلم بسرائر عباده وبواطن أقوالهم.(2)

فالعارف الذي تفرّغ لتحصيل المكاشفة هو الفقيه الحقيقيّ وولي الله حقّاً (أي ابن عربي) وأمّا الفقهاء الذين تفرّغوا لتحصيل علوم النبي وأهل بيته (علیهم السلام) وأتعبوا أنفسهم في التفقه في أحاديثهم فهم مجرّد مقلّدة، لأنّهم محرومون من تلك المكاشفات العرفانيّة التي يدعو لها الصوفيّون! بل هؤلاء يأكلون القديد كما هي عبارة استاذ محيي الدين. ونشير هنا إلى ما ذكره الملا صدرا بعنوان لباب المعرفة وصَدَر عن معدن المكاشفة، قال:

اعلم أن الوحي إذا أريد به تعليم الله عباده فهو لا ينقطع أبداً، وإنما انقطع الوحي الخاصّ بالرسول والنبيّ من نزول الملك على أُذنه وقلبه، ولهذا قال خاتم الرسل: فلا نبيّ بعدي... فالنبوّة والرسالة من حيث ماهيّتهما ما انقطعت، فلأولياء الكاملين فيها مشرب عظيم... فالنبوّة للنبي شهادة وللولي غيب، هذا فرقان بين النبي والوليّ في أعلام الله، والفرق الآخر أن الولي تابع له في جميع ما يأمره وينهاه، والفرق الآخر تحجير اسم النبي والرسول عليه، فلا يقال عليه هذان الإسمان، إنما يقال ولي ووارث، وهما اسمان إلهيان... والوليّ لا يأخذ النبوة إلّا بعد ان يرثها الله منه، ثم يلقيها الولي ليكون ذلك أعلى واتمّ في حقّه، وبعض


1) . مجموعة ورام، ج1، ص154.

2) . تفسير القرآن الكريم، ج4، ص317 _ 318.

الأنبياء أخذوها وراثة عن النبي بوجهين كأهل بيته من الأئمة الطاهرين عليه وعليهم السلام، ثم علماء الرسوم كانوا يأخذونها خلفاً عن سلف إلى يوم القيامة فيبعد السند. وأمّا الأولياء فياخذونها عن الله من كونه ورثها وجاد بها، فهم أتباع الرسول بمثل هذا السند العاليالمحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

هذا خلاصة ما أفاده بعض العرفاء، فاحتفظ به فإنّه من لباب المعرفة، صدر عن معدن المكاشفة المعنويّة، قال أبو يزيد: أخذتم علمكم ميّتاً عن ميّت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت..فهكذا بعينه علوم الأولياء التي أخذوها عن باطن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إبقاء من الله لها في صدورهم... يُعلم ان النبوة سارية في كلّ موجود لكنّه لا يطلق اسم النبي والرسول إلّا على الرسول وضرب من الملائكة.(1)

ثانياً: العلم في هذا المنهج

قال الملّا صدرا بعد بيان رأي مشهور الفلاسفة في تعريف العلم الاصطلاحي:

وهذا الحدّ غير منته إلى حدّ الصحّة لعدم اطّراده في كلّ علم، كعلم النفس بذاتها وعلمها بنفس تلك الصورة الحاصلة عندها، ولاستلزامه كون علم الباري بالأشياء بحصول أمثالها، لا بحضور أعيانها.(2)

فلهذا ذكر أنّ العلم بعضه حصوليّ وبعضه حضوري، ثمّ أرجع الأول إلى الثاني، فهو إمّا حضور للشيء في النفس أو حضور صورته، وحضور الصورة بمعنى حضور الماهية بالوجود الذهنيّ، فالعلم هو الحضور. قال السيّد الطباطبائي في «أصول الفلسفة»:

فالعلم الحصولي هو حضور الشيء، لا بوجوده الواقعيّ وبهويّته الحقيقية، بل بصورته وماهيّته، كالصور الواردة إلى النفس من طرق الحواسّ.


1) . مفاتيح الغيب، ص42 _ 44.

2) . مفاتيح الغيب، ص101.

والحضوريّ هو عبارة عن حضور المعلوم بوجوده الخارجيّ عند المدرك بلا انتزاع صورة علميّة منه، نحو حضور ذاتنا لدى ذاتنا.(1)والعلم الحضوريّ مترتّب على نظريّة تجرّد النفس، فنشير إلى ما في كتاب «أصول الفلسفة» عند نقده للنظريّة الماديّة. قال:

فهذه الحالة العلميّة (حضور ذاتنا لدى ذاتنا)... لا تنعدم بانعدام أيّ عضو من أعضائنا، ولا تختلف بزيادة عضو أو نقصانه، ولا بتحليل القوى البدنية وتكاملها ولا بتطاول العمر ومرور زمانه، بل تشتد وتأتي بصورة كاملة بامتداد الحياة وتطاولها، وربما يغفل الإنسان عن جميع أعضائه، لكن يجد ذاته حاضرة لدى ذاته. وإذا استرجع الإنسان ما مضى له من الأيام والأعوام والحقب، يجد في حال الاسترجاع، أنّ هنا ذاتاً ثابتة غير متحولة تقارن تلك الظروف والأحوال. ذلك التذكّر يوقفه على ذات باقية في تلك الظروف غير متبدلة ولا متحولة، وإن قارنتها أحوال زمانية وأوضاع متغيّرة، لكن التغيّر في مقارنها لا فيها، وإن شئت قلت: هو مبدأ لأفعال وحوادث زمانية من أكل وشرب ومشي وشرب، ولكن نفس الذات مجردة عن الزمان ولا ينطبق الزمان عليها كانطباقه على أفعالها. وهذه المشاهدات الروحية تحتاج إلى تدبّر ورياضة ولا يقف على مغزاها إلّا المرتاض في الفنون العلمية والمآثر الروحية.

والمتفحص عن وجدانيّاته لم يزل يشاهد أمراً واحداً مستقراً غير منطبق على الزمان وإن كان مقروناً به!! يشاهد ذاتاً وحقيقة لا تقبل الانقسام والكثرة، ولو قوى نظره وبلغ إلى حد تشقيق الشعر، لما يجد ذاته قابلاً للتشقيق والانقسام. يشاهد حقيقة صرفة لا يرى فيها خليطاً من غيرها. يدرك أنّ ذاته حاضرة لديه غير غائبة عنها! يقف على أنّه ليس بينه وبين ذاته أيّ حائل ومانع.


1) . أصول الفلسفة (للطباطبائي)، ترجمة الشيخ السبحاني، ص175 _ 176.

ثمّ قال:

ماذا يستنتج من تلك المشاهدات؟... الثاني: يستنتج منها أنّ علم النفس بذاتها ليس أمراً وراء ذاتها، بل هو عين وجودها ونفس حقيقتها، فالعلم والمعلوم فيها واحد بالذات، مختلفبالاعتبار. وعلى هذه التجاريب العلمية قسم الأساطين عامة الإدراكات إلى حضوري وحصولي، ومحصّل مرماهم من هذا التقسيم هو إيقاف القارئ على حد كل واحد وتمييزه عن الآخر. فالعلم الحصولي هو حضور الشيء، لا بوجوده الواقعي وبهويته الحقيقي، بل بصورته وماهيته، كالصور الواردة إلى النفس من طرق الحواس. ..والكلام كلّه في أنّ ما يشاهده كل الناس عند العلم بالذات «أنا» هل ينطبق على تلك الخاصة الدماغية أو هو أمر آخر وراء تلك المقدمات؟ وقد عرفت تضافر البرهان على الثاني، فإنّ مشهودنا عند العلم بالذات «أنا» لا يقبل الانقسام والكثرة، لا يقبل الغفلة والغيبة في طول الحياة. وما قالوا من زوال الشعور بذاتنا عند تعطيل الحواس لأجل عوارض من الاغماء ونحوه، خال عن البرهنة، مخالف للتجربة، والتجاريب العلمية قائمة على خلافه، إذ المغمى عليه في تلك الأحوال المدهشة لا يغفل عن ذاته وينساه، وأقصى ما تستتبعه هذه الأحوال أنّه لا يذكر مشاهدة ذاته في هذه الأحوال، لا أنّه يشاهد عدم ذاته أو غفلته عن ذاته وكم فرق بينهما.(1)

فظهر أنّ هذه المدرسة تُرجع العلم إلى الحضور، ليس كحضور العرَض للجوهر، وإنما بالاتحاد بين النفس وبين صورة الشيء أو الشيء، وهو إنما يصحّ مع تجرّد الطرفين(2)فلا يقع العلم إلا إذا كانت النفس مجرّدة وإلا انهدم أساس العلم الحضوريّ.


1) . أصول الفلسفة (للسيّد الطباطبائي)، ص171 _ 177 (ترجمة الشيخ السبحانيّ).

2) . بداية الحكمة، ص138.

ثالثاً: العقل في هذا المنهج

حاصل كلام الملا صدرا وقد مضى بعضه: إنّ أشرف الناس هو الذي يتّحد مع العقل الفعّال على نحو اتحاد العاقل مع المعقول فيصل إلى مرتبة الملائكة المقرّبين، كما ذهب إليه كثير من الحكماء وتشير إليه كلمات الأولياء ويشهد له مذاقالمتصوّفة،(1)وذكر البرهان عليه في الشواهد الربوبيّة(2). ولاحظ مسألة العقل الفعّال والعقول العشرة.

ثمّ إنّ مدّعى صاحب هذا المنهج وتابعيه وإن كان على التوفيق بين العقل والكشف وأنّ كل ما ثبت بالكشف أثبته بالبرهان _ كما مرّت عبارته _ ولكنّه لا يخالف منهج العرفاء في عدم إمكان التوصّل إلى أهمّ المباني بالعقل، مثل كون ذات الحقّ كلّ الأشياء حيث لم يتيسّر لأحد من الفلاسفة(3)وأنّ العلم بحقيقة الوجود لا يكون إلّا حضوريّاً إشراقيّاً وشهوداً عينيّاً(4)وأنّ مَن لا كشف له لا علم له(5)وأنّ التعيّنات أمور اعتباريّة، ومثله من الأمور التي لا تُقال إلا بعد الإعراض عن أحكام العقل، هذا مع اعترافه بعدم وصوله إلى تلك الأمور بالبرهان قبل تحصيل المكاشفة.(6)فإذن هذا المنهج ليس سوى منهج العرفاء، المؤسّس على المكاشفات التي عرفت حالها. وما سوى تلك الأمور فإنّ البراهين العقليّة التي أقامها فهي براهين بالمعنى الإصطلاحيّ.

بعض ما يرد على هذا المنهج مضافاً على ما مرّ

اشارة

اعلم أنّ المؤاخذات على مبنى الفلسفة من قبيل تحريف معاني العقل والبرهان


1) . تفسير الملّا صدرا، ج3، ص70.

2) . الشواهد الربوبيّة، ص314؛ لاحظ: تاريخ الفلسفة والتصوّف، ص198.

3) . الأسفار، ج6، ص239.

4) . المشاعر، ص24.

5) . الشواهد الربوبيّة، ص14.

6) . لاحظ: المبدأ والمعاد، ص382.

ترد هنا أيضا، وكذا ما ذُكر على المنهج الصوفيّ مثل إبطال أحكام العقل فيما ذكرناه ومرّ عليك، ثم مخالفة الثمار المترتبة على تلك النظريّات من المعتقدات مع ضروريّات الدين، ويأتي بعضه لاحقا. لكنّنا هنا نشير إلى بعض الايرادات الأخرى، غير ما يأتي في الباب الأخير من الكتاب من تعارض بعض قواعد هذا المنهج مع بعض ضروريّات مدرسة الوحي.

1. التقاطع بين المنهج البشريّ والمنهج الوحيانيّ
اشارة

لا ينكر أصحاب هذه المدرسة موضع مدرسة الوحي وأهمّية تعاليمها، فيقولون أنّ العرفان والفلسفة ليسا إلا الوجه الآخر للمعارف الدينيّة، لكنّهم مع ذلك يعتقدون أنّ فهم حقيقة الدين لا يتيسّر بمجرّد التفقه فيه وإنّما مع ضمّ العرفان والفلسفة إليه، ولذلك مرّ عليك أنّ الفقهاءَ الذين لا يعترفون بالفلسفة والعرفان هم بنظر الملّا صدرا من العوام على الصعيد المعرفيّ، ومن جانب آخر يرى أنّ مشايخ الصوفيّة هم أهل خاصّة الله الذين عندهم المعرفة الحقيقيّة مع أنّ بعض مشايخهم لم يكونوا من أتباع مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) بالضرورة بل بعضهم لا ينتحلون الإسلام أصلا.

فإذا كان «لباب المعرفة» ميسّراً من خلال تلك المناهج البشريّة من جهة، ولم يغنِ الاكتفاء بتعاليم الشرع لكسبها من جهة أخرى، لِتوقف الأمر على تحصيل العرفان والفلسفة، فأيّة ضرورة بقيت لإرسال الأنبياء والرجوع إليهم بعد أن كان طريق الرياضة الروحيّة والعرفان الصوفيّ مفتوحا لمن يريده إلى تلك المطالب والمعارف، بل ستكون النبوّة مبعّدة للبشر عن طريق الكمال بعد أن أوكلت كشف الأسرار العرفانيّة إلى العرفاء.

ثمّ إنّ المتوقّع بمن يريد تبنّي هكذا منهج من محاولة الجمع بين المدارس المختلفة وهو يقرّ بأنّ تعاليم الدين هي أحد دعائم المعرفة أن ينظر أوّلا وقبل كلّ شيء أنّ هذا الأسلوب في السعي للتوفيق بين الدين وبين تلك المناهج، أ هو مرضيّ من قبل الشارع أم هو اجتهاد رأي ونظريّة لا علاقة لها بالدين، ومجرّد ميل

نفسيّ للإصلاح بين الآراء المختلفة والمدارس المتكاذبة؟ بل هل إنّ الدين أساساً فتح لأتباعه باب الأخذ من غيره؟ أم أنّه قد منع وحذّر تحذيراً شديدا من الأخذ من مصدر آخر غيره في المعرفة الإلهيّة، واعتبر الأخذ من غيره نوعا من الشرك، وعقوقاً، وزيغا عن صراطه، وأنّ منطلب الهداية من طريق آخر ضلّ وأضلّ. وإذا كان ثمّة منهج معرفي آخر يوصل إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم، فما الداعي من المنع، وما وجه التحذير، والتأكيد البالغ على أنّ القرآن والسنّة هما وحدهما حبل النجاة إلى يوم القيامة، والباب الذي لا يؤتى إلّا منه، وأنّ الهداية التي دعى إليها مخصوصة به؟

هذا بالنسبة إلى المدارس الفكريّة البشريّة بشكل عام، وأمّا الفلسفة والعرفان فتجد التحذير تجاههما بشكل خاص، فالمتعبّد بالدين كيف يضمّ إليه تلك النظريات التي سوف ترى شدّة تخالفها مع المعارف الوحيانيّة، ناهيك عن القول أنّهما وجهان لحقيقة واحدة.

وإذا كانت الفلسفة ترى إمكان تعقّل الربّ وصحّة تصوّره، والدين يمنع من ذلك منعاً باتّاً، وكذا الخوض في المطالب العقليّة النظريّة لإدراك أصول الدين، فما وجه السعي للتوفيق؟(1)

والخلاصة أنّه لو أمكن الاهتداء بواسطة علوم الفلسفة والتصوّف تكون كلّ تلك التوصيات الشرعيّة عبثية، بل أصل بعثة الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية لا داعي له، فأصحاب تلك العلوم البشريّة ماضون قدماً في طريقتهم بلا احتياج إلى القرآن وأهله، ولا ضرورة من وقوف الشارع أمامهم والمنع منهم.

والحقّ أنّ من يتمسّك بعروة الدين لا محالة يُبطل التعاليم البشريّة، ومن يتمسك بطريقتهم يكذّب طريقة الوحي وتعاليمه، ولا معنى للجمع والتوفيق.


1) . قال الشيخ في الفرائد: وأوجب مِن ذلك ترك الخوض في المطالب العقليّة النظريّة لإدراك ما يتعلّق بأصول الدّين، فإنّه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد.

في معاني الأخبار، قال الصادق (علیه السلام): «كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُيَعْرِفُنَا وهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِعُرْوَةِ غَيْرِنَا».(1)

وفي الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: «...حَسْبُكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا نَقُولُ وتَصْمُتُوا عَمَّا نَصْمُتُ، إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي خِلَافِنَا خَيْرا...».(2)

وفي تحف العقول، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «...قُولُوا مَا قِيلَ لَكُمْ، وسَلِّمُوا لِمَا رُوِيَ لَكُمْ، ولَا تَكَلَّفُوا مَا لَمْ تُكَلَّفُوا، فَإِنَّمَا تَبِعَتُهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ولَفَظَتْ أَلْسِنَتُكُمْ أَوْ سَبَقَتْ إِلَيْهِ غَايَتُكُمْ، واحْذَرُوا الشُّبْهَةَ فَإِنَّهَا وُضِعَتْ لِلْفِتْنَةِ...».(3)

وقد عرفتَ في سياق نقد الفلسفة بأنّ المناهج المعرفيّة البشريّة تفرّق بين الحكم الدينيّ والعقليّ، لأسباب منها زعمهم انحصار أوامر الدين بالتعبديّات، ومنها إعطاءهم للعقل معنى مصطلحاً يغاير حقيقته، وكذا تفسيرهم الخاطئ لحقيقة البرهان ومعنى الدليل والحجّة، ثم استئثارهم بالعقل.

والحكمة المتعالية عملها علی خلاف مدّعاها، فإنّها ترى أنّ علماء الدين الذين يهملون الفلسفة والعرفان محرومون من الحقيقة، وينكر الملا صدرا عليهم ما أنكروه على مشايخ الصوفيّة، ويراهم سطحيّين. وقد رأيتَ مقالة بعض المعاصرين في أنّ الحكمة المتعالية هي التي جاءت بكمال العقل، وأنّه كان يحقّ لملّا صدرا أنّ يقول: اليوم أكملت لكم عقلكم!.

وشهد شاهد من أهلها

قال صاحب الميزان:

وبالجملة، فهذه طرق ثلاثة في البحث عن الحقائق والكشف عنها: الظواهر


1) . معاني الأخبار، ص399، ح37.

2) . الكافي، ج8، ص87، ح51.

3) . تحف العقول، ص155.

الدينيّة، وطريق البحث العقليّ، وطريقتصفية النفس؛ أخذ بكلّ منها طائفة من المسلمين على ما بين الطوائف الثلاث من التنازع والتدافع، وجمعهم فى ذلك كزوايا المثلّث كلّما زدت في مقدار واحدة منها نقصت من الاُخريين وبالعكس، وكان الكلام في التفسير يختلف اختلافاً فاحشاً بحسب اختلاف مشرب المفسّرين، بمعنى أنّ النظر العلميّ في غالب الأمر كان يحمل على القرآن من غير عكس إلاّ ما شذ.

وقد عرفت أنّ الكتاب يصدّق من كلّ من الطرق ما هو حقّ، وحاشا أن يكون هناك باطن حقّ ولا يوافقه ظاهره، وحاشا أن يكون هناك حقّ من ظاهر أو باطن والبرهان الحقّ يدفعه ويناقضه.

ولذلك رام جمع من العلماء بما عندهم من بضاعة العلم _ على اختلاف مشاربهم _ أن يوفّقوا بين الظواهر الدينيّة والعرفان كابن عربيّ وعبدالرزّاق القاساني وابن فهد والشهيد الثاني والفيض الكاشانيّ.

وآخرون أن يوفّقوا بين الفلسفة والعرفان كأبي نصر الفارابيّ، والشيخ السهرورديّ _ صاحب الإشراق _ والشيخ صائن الدين محمّد تركه.

وآخرون أن يوفّقوا بين الظواهر الدينيّة والفلسفة كالقاضيّ سعيد وغيره.

وآخرون أن يوفّقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه، وصدرالمتألهين الشيرازي في كتبه ورسائله، وعدّة ممّن تأخّر عنه.

ومع ذلك كلّه، فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلاّ شدّةً في التعرّق، ولا في إخماد ناره إلاّ اشتعالاً.(1)

لكنّ الملا صدرا قام بالدفاع الشديد عن مباني الفلسفة مع ما زعمه من إحیاء القرآن، وقال:

قد أحيينا رسوم المتقدّمين في القول بهذا المذهب وتقويمه وذببنا عنه بقمع


1) . الميزان، ج5، ص283.

الشبه ورفع الشكوك.(1)

لا يوجد أيّ قاسم مشترك بين الفلسفة والعرفان والتصوّف، وبين العلوم الوحيانيّة التي يشتمل عليها القرآن الكريم ومدرسة اهل البيت (علیهم السلام) معلّمي القرآن الحصريّين، بل ما هو موجود هو العكس تماماً، فكلّ ما ورد من احاديث شريفة عن اهل بيت الوحي هو تكذيب للأفكار والعقائد الفلسفيّة والصوفيّة. إنّ أهل البيت (علیهم السلام) يؤكّدون باستمرار في أن «كُنْهُهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ»، «فَكُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وكُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ» . بحارالأنوار، ج4، ص230و 228. يقول الإمام الصادق (علیه السلام): «مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً ولَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ». بحارالأنوار، ج3، ص290، وعليه يجب على من يتّبع أهل البيت (علیهم السلام) وشيعتهم أن يقوم بمطابقة أيّ عقيدة ورأي صادر من أيّ شخص مع عقائد أهل البيت (علیهم السلام) وتعاليمهم لأنّها المعيار الوحيد في المشروعيّة أو عدمه، ذلك أنّه لا يجوز التقليد في أصول العقيدة. (الفلسفة والعرفان في ضوء الإسلام، ص306).

وحیث كان التوفیق لظواهر الدین مع المباني الفلسفة والعرفانية ممتنعاً عمدت الحكمة المتعالية إلی ذلك من خلال التأويل والتكلّم في البطون، والمكاشفة بهذا تكون كاشفة لحقائق القرآن ومظهرة لأسراره، لأنّ العرفان مفسّر أنفسيّ للقرآن(2)فدعوى عدم وجود الاختلاف بين القرآن والعرفان والبرهان(3)هو من حيث توجيه ظواهره وكون تلك المباني بواطن الدين.

هل يا ترى يمكن أن تكذّب البطون للنصوص، وتثبت هذه الكثرة وتلك تبطلها؟ وهل أنّ مقام تبيين البطون هو مقام العرفاء الشامخين ومناصبهم أم هو مخصوص بمن نزل القرآن في بيوتهم، وهم النبيّ وأوصياؤه (علیهم السلام)، وغيرهم يرجع إليهم، ومن استغنى عنهم فسّر القرآن برأيه.

وهذا التوجيه للثوابت الدينيّة بحسب مبانيهم مشحون في كتبهم سواء على المشرب الفلسفي او العرفاني، فمثلا فيالأفعال الاختياريّة قامت ضرورة الدين على نفي الجبر كما سيأتي بعض نصوصه، والفلسفة تقول بالعلّيّة وإلى السعادة والشقاوة الذاتيّين، وأنّ الإرادة من صفات الذات، فذهبوا في مقام الجمع أنّ الأفعال


1) . الأسفار، ج7، ص109. قال العلّامة المحقق صدر زاده في كتابه «الفلسفة والإسلام في ضوء الإسلام»:

2) . هزار ويك كلمة (للآمليّ)، ج1، ص47.

3) . صد كلمة در معرفت نفس (للآملي) (فارسيّ)، ص17 _ 18.

اختياريّة ظاهراً، واضطراريّة حقيقةً... .

وفي خلق الكائنات ضرورة الحكمة الإلهية قائمة على الحدوث لا من شيء، بینما الحكمة البشرية تری أزليّة المعلولات للعلّة التامّة. والجمع بالقول بالحدوث الذاتيّ لا الزمانيّ... .(1)

وفي مسألة العذاب قامت ضرورة الدين على الخلود في نار جهنّم، والفلسفة على امتناع الخلود في العذاب، والجمع بالقول بثبوت الخلود في النار دون العذاب... .

وفي المعاد ضرورة الدين على المعاد الجسماني العنصريّ، والفلسفة على استحالة الرجوع من الفعلية إلى القوة، والجمع بالقول بالمعاد المثاليّ، وغير ذلك من التأويلات والتوجيهات للضرورات والثوابت. قال العلّامة المجلسيّ:

وما يشاهد في بعض الناس من نفي بعض الضروريّات كحدوث العالم والمعاد الجسمانيّ ونحو ذلك مع الإقرار في الظاهر بنبوّة نبيّنا (صلی الله علیه و آله و سلم) واعترافهم بسائر الضروريّات وما جاء به النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فذلك لأحد الأمرين: إمّا لكونهم ضالّين لشبهة اعترتهم فيما زعموه كتوهّمهم كون أباطيل بعض الفلاسفة وسائر الزنادقة برهاناً يوجب تأويل الأدلّة السمعيّة ونحو ذلك، أو لكونهم منكرين للنبوّة في الباطن ولكن لخوف القتل والمضارّ الدنيويّة لا يتجرّءون على إنكار غير ما كشفوا عن إنكاره من الضروريّات، وأمّا إظهارهم إنكار ذلكالبعض فلارتفاع الخوف في إظهاره لاختلاط عقائد الفلاسفة وغيرهم بعقائد المسلمين بحيث لا تتميّز إحداهما عن الأخرى إلّا عند من عصمه اللّه سبحانه.(2)


1) . لمزيد من الإطلاع راجع كتاب: بیان الفرقان، ج1، ص306 _ 354؛ قال في فصوص الحكم، ص43: «خلق الله العالم لیس إحداثاً له من العدم، بل تجلّی الحقّ الدائم في صور الوجود والرحمة الإلهيّة منح الله الوجود للموجودات». وفي فصوص الحكم (التعلیقة)، ص314: «فالعالم قدیم لأنّ له عیناً ثابتة في الأزل، بل هو قدیم قدم الذات الإلهيّة الظاهرة في صورة». ولاحظ شرح فصوص الحكم (القیصريّ)، ص558؛ التفسیر الكبیر (مفاتيح الغيب)، ص209.

2) . بحارالأنوار، ج30، ص483.

نقف على ما قاله الملّا صدرا في بعض كلامه حول ردّ الفلسفة عند مخالفة الكتاب والسنّة، قال:

وحاشا الشريعة الحقّة الإلهيّة البيضاء أن تكون أحكامها مصادمةً للمعارف اليقينيّة الضروريّة، وتبّاً لفلسفةٍ تكون قوانينها غير مطابقةٍ للكتاب والسنّة.(1)

قلت: إن كان المراد من المعارف اليقينيّة الضروريّة الأحكام الثابتة بالبرهان أو المكاشفة، فمضافاً إلى ما مرّ من الإشكالات على المبنيين وبطلان توصيف أحكامهما باليقينيّة، فإنّ معنى هذا رفض الشريعة إذا خالفت تلك الأحكام، وحينئذٍ يكون كلامه أشبه بالشعار، على أنّه كيف صارت البراهين الفلسفيّة ضروريّة يقينيّة بحيث يمتنع مخالفة الشرع لها، لأنّ منتهى ما يمكن أن يقال أنّها ظنيّة نظريّة قام السعي على إثباتها، وقد ثبت بطلان الكثير من تلك البراهين، وهكذا الأمر في مكاشفات الصوفيّين.

وهل من المطابقة تحميل الرأي على الآيات بإسم البطون، وتوجيه الظواهر والنصوص، وفتح باب التأويل، والاستعانة بالمجملات والمتشابهات، وتحميل المصطلحات على الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة؟

الفلسفة البرهانيّة لا يمكن تأخيرها على الكتاب والسنة لأنّها عنده يقينيّة وقد أُسّس عليها الكتاب والسنّة، فكيف تؤخّر مع المخالفة، وهو ينافي طريقته في تقديم الآراء الفلسفيّة والعرفانيّة، وسعيه للخدشة في قطعيّ الكتاب والسنة إذا خالف القطع الحاصل من البرهان أو الكشف، كما في مسألة انتهاء مدة التعذيب مع اعترافه أنّ ذلك بدعة وضلالة بنظر جمهور الفقهاء والمتكلمين وكون الخلود عندهم من النصوصالجلية، لكنّه مع ذلك لم يقبله.(2)


1) . الأسفار، ج9، ص302.

2) . تفسير القرآن، ج5، ص300. قال صاحب المستدرك حول الملا صدرا: مروّج دعاوي الصوفيّة بما لا مزيد عليه، صاحب التصانيف الشائعة التي عكف عليها مَن صدّقه في آرائه وأقواله، ونسج على منواله، وقد أكثر فيها من الطعن على الفقهاء حملة الدين، وتجهيلهم وخروجهم من زمرة العلماء، وعكس الأمر في حال ابن العربي صاحب الفتوحات فمدحه ووصفه في كلماته بأوصاف لا تنبغي إلا للأوحدي من العلماء الراسخين، مع أنه لم يُر في علماء العامة ونواصبهم أشدّ نصباً منه. مستدرك الوسائل، ج3، ص422.

2. موضع العلوم الوحيانيّة في منظار المنهج الفلسفيّ

الطريقة المتعارفة عند أصحاب الشرايع السماويّة من اقتباس العلم من العلماء الربانيين ينافي التعقّل بحسب منهج الفلسفة، بل يعدّون ذلك تقليداً لا ينفع إلا العوامّ، ولذلك لا تجد الفلسفة لزوم ملاحظة أوضاع الشرايع.(1)

فإنّ من الخطأ أن يقال بأنّ الفلاسفة كانوا يأخذون آراءهم من الأنبياء وتعاليم دينهم، كيف وقد حرصوا حرصاً شديداً على عدم الاستناد أبداً إلى غير المشي الفلسفي _ وسمّوه بالمشي العقليّ _ في كسب الواقع، وإلّا ليسوا فلاسفة، وهذا من المسائل التي كانت واضحة عند الطرفين.

إنّ اسم «الفيلسوف» يطلق عادةً على مَن يسعى على أساس العقل والفكر إلى تفسير العالم، مستغنياً عن غيره من المنابع من قبيل الوحي والإيمان.(2)

قال الشيخ المطهريّ في الفرق بين المتكلّم والفيلسوف:

الوجه الآخر هو أنّ المتكلم بعكس الفيلسوف يعتبر نفسه (متعهّداً) أي: متعهد بالدفاع عن حريم الإسلام، والبحث الفلسفيّ بحث حُرّ، أي: إنّ هدف الفيلسوف ليس معيّناًسلفاً بأن يدافع عن عقيدة ما... .(3)

إنّ الفلسفة قد عمدت منذ نشأتها إلى محاولة الإحاطة بالحقائق الغيبيّة _ بما فيها حقيقة الصانع وعلمه ومشيئته وسائر كمالاته وحقيقة بدء الخلق والمعاد والحياة والموت وحقيقة الإنسان وسائر ظواهر عالم الوجود _ بآله العقل والاعتماد على الأسس التي أسّسوها، وأسطورة «حيّ بن يقظان» التي نظّر لها ابن سينا ثمّ حرّرها ابن الطفيل خير شاهد على مسلك الفلسفة الذي يتبّنى عدم توقّف كمال المعرفة


1) . قال الزمخشري: وعن سقراط أنّه سمع بموسى (علیه السلام) وقيل له: لو هاجرتَ إليه. فقال: نحن قومٌ مُهذّبون فلا حاجة بنا إلى من يُهذّبنا. الكشاف، ج3، ص439. وفي تفسير الرازي: «..نحن قوم مهديّون، فلا حاجة بنا إلى من يهدينا» تفسير الرازي، ج27، ص91.

2) . لاحظ: فلسفة وعرفان (للسيّد يحيى اليثربيّ)، ص25 (فارسيّ).

3) . الفلسفة، ص55. أقول: لهذا يوجد من يدافع عن الكفر والإلحاد من الفلاسفة، ولا يتنافض ذلك «الفلسفة».

على غیر التفكّر، فهذا أساس الفلسفة، ولهذا اعتبروا تعاليم الشريعة نحواً من «العلوم النقليّة» التي تقابل «العلوم العقليّة» والفيلسوف إنّما يعنيه الثاني دون الأوّل.

قال السبزواريّ:

والمُقْصرون على الفكر إمّا يواظبون موافقة أوضاع ملة الأديان وهم المتكلمون، أو يبحثون على الإطلاق وهم المشّاؤون، والفكر مشي العقل، إذا الفكر حركة من المطالب إلى المبادي ومن المبادي إلى المطالب.(1)

وقال الفخر الرازي:

إنّ الفلاسفة كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغّروا علم الأنبياء إلى علومهم، وعن سقراط أنّه سمع بمجيء بعض الأنبياء، فقيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهديّونفلا حاجة بنا إلى من يهدينا.(2)

وهذا مشهود في الكتب المصنّفة على المشي الفلسفي، فمع أنّها تتكلّم في «المبدأ» و«التوحيد» و«علم الله» و«قدرة الله» و«النبّوة» و«الوحي» و«الحدوث» ولكنّها لا تستند إلى النصوص الدينيّة ألبتّة.

بل حتّى ما يسمّى بالفلسفة الإسلاميّة، فإنّها مع تطرّقها لجميع تلك المباحث إلا أنّها تفعل ذلك بمعزل عن تعاليم الوحي، فلا تجد في كتاب «بداية الحكمة» و«نهاية الحكمة» و«أصول الفلسفة» و«المدينة الفاضلة» و«الإلهيّات من الشفاء» و«المبدأ والمعاد» حديثاً واحداً عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو أحد أوصياءه، من البداية حتّى


1) . المنظومة مع الحواشي، ص73. أقول: وهذا مشهود في زماننا من بعض من صدّر نفسه محافل العلم ووصف نفسه بعلاّمة المعقول، ويستخفّ بأحاديث السنة الشريفة ولا يخاف غب أسلوبه معتذراً بكونها من المنقول. فيا لله ويا للعقل! يحقّ للمؤمن الغيور على دينه وقرآنه ونبيّه أن يزهد في منهج زهد في تعاليم الوحي، وألّا يركن إليه كما لم يركنوا إليها، ولا يستمع إلى ناطق ينطق عن اليوانيين والإغرقيين بدل القرآن والأنبياء. قال مولانا الصادق (علیه السلام): «أَمَا إِنَّهُ شَرٌّ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقُولُوا بِشَيْءٍ مَا لَمْ تَسْمَعُوهُ مِنَّا». الكافي، ج2، ص402، ح1.

2) . التفسير الكبير، ج27، ص535.

النهاية، بل ولا آية واحدة من كتاب الله أصلاً، سوى بسملة الاستفتاح، ومع ذلك فهي تتكلّم بلسان «الإلهيّ» في مقابل «الماديّ»، وليس لكلام الإله سبحانه فيها عين ولا أثر.

فمن صحيح القول أنّ الحكمة البشريّة شيء، والحكمة الوحيانيّة شيء آخر، فالحكيم في الفلسفة هو الفيلسوف، والحكيم في الوحي هو النبي ومن يأخذ عنه، ومن بلغ الحكمة المصطلحة هو المسمّى بالنبيّ بحسب الفلسفة كما ستعرف.

قال الملّا صدرا:

واعلم أن أساطين الحكمة المعتبرة عند طائفة ثمانية، ثلاثة من الملطيين: ثالس وانكسيمانس واغاثاذيمون، ومن اليونايين خمسة: انباذقلس وفيثاغورث وسقراط وأفلاطن وأرسطاطاليس قدس الله نفوسهم وأشركنا في صالح دعائهم وبركتهم. فلقد أشرقت أنوار الحكمة في العالم بسببهم وانتشرت علوم الربوبية في القلوب لسعيهم، وكل هؤلاء كانوا حكماء زهادا عبادا متألهين معرضين عن الدنيا مقبلين إلى الآخرة، فهؤلاء يسمون بالحكمة المطلقة... فنحن نذكر ما وصل إلينا في حدوث العالم الجسماني من كلماتهذه الأساطين الخمسة اليونانيين والثلاثة الملطيين، مع ما وجدنا من كلمات غيرهم الذين كانوا بعدهم في الرتبة، وذلك لأن هؤلاء الثمانية الأعلون بمنزلة الأصول والمبادي والآباء، وغيرهم كالعيال لهم، وذلك لأنهم كانوا مقتبسين نور الحكمة من مشكاة النبوة، ولا خلاف لأحد منهم في أصول المعارف، وكلام هؤلاء في الفلسفة يدور على وحدانية الباري وإحاطة علمه بالأشياء كيف هو، وكيفية صدور الموجودات وتكوين العالم عنه، وأنّ المبادي الأوّل ما هي وكم هي، وانّ المعاد ما هو وكيف هو، وبقاء النفس يوم القيامة.(1)

أقول: لاحظ أنّ أساطين الحكمة في عين الفيلسوف هم حكماء الفلاسفة، لا


1) . الأسفار، ج5، ص206.

الأنبياء والرسل.

ثم إنّ المراد من المشكوة النبويّة في عبارته هو العقل الفعّال، فإنّ تحديد آله كشف الواقع في الفلسفة قد أعطى تفسيراً مختلفاً للنبوّة عمّا جاء في مجاري الوحي، وكذا معنى الوحي والأمين عليه، فإنّ النبيّ عند الفيلسوف هو من سبق عقله وحدسه وطبعه وتصوّراته عقل الآخرين وحدسهم وطبعهم وتصوّراتهم، فالنبوة تعتمد على القوة المتخيّلة(1)

وعظمة النبيّ عبارة عن شدّة قواه النفسيّة _ والتي هي أمور ذاتيّة لا يكون غيرها _ والوحي هو النسبة بين النفس والعقل الفعّال، والنبوّة فعليّة تجرّد النفس والاتحاد مع العقل الفعّال. قال الفارابي:

ولا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوّته المتخيلة نهاية الكمال فيقبل في يقظته عن العقل الفعّال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ويراها، فيكون له بما قبله من المعقولات نبوّة بالأشياء الإلهية، فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، وأكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوتهالمتخيلة.(2)

وقال:

فالرئيس الأوّل على الإطلاق هو الذي لا يحتاج ولا في شيء أصلا أن يرأسه إنسان، بل يكون قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل ولا تكون له به حاجة في شيء إلى إنسان يرشده، وتكون له قدرة على جودة إدراك شيء ممّا ينبغي أن يعمل من الجزئيات وقوة على جودة الإرشاد لكلّ من سواه إلى من يعلمه، وقدرة على استعمال كلّ من سبيله أن يعمل شيئا ما في ذلك العمل الذي هو معد نحوه، وقدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديدها نحو السعادة، وإنما يكون ذلك في أهل الطبائع العظيمة الفائقة


1) . آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها (للفارابي)، ص109.

2) . آراء أهل المدينة الفاضلة، ص110؛ أقول: ولاحظ أيضا كلام بن سينا في المبدأ والمعاد، ص115.

إذا اتصلت نفسه بالعقل الفعّال. وإنما يبلغ ذلك بأن يحصل له أوّلا العقل المنفعل ثمّ أن يحصل له بعد ذلك العقل الذي يسمّى المستفاد. فبحصول المستفاد يكون الاتصال بالعقل الفعال على ما ذكر في كتاب النفس. وهذا الإنسان هو الملك في الحقيقة عند القدماء وهو الذي ينبغي أن يقال فيه أنه يوحى إليه. فإن الإنسان إنّما يوحى إليه إذا بلغ هذه الرتبة، وذلك إذا لم يبق بينه وبين العقل الفعال واسطة، فإنّ العقل المنفعل يكون شبه المادة والموضوع للعقل المستفاد، والعقل المستفاد شبه المادة والموضوع للعقل الفعّال، فحينئذ يفيض من العقل الفعال على العقل المنفعل القوة التي بها يمكن أن يوقف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السعادة. فهذه الإضافة الكائنة من العقل الفعال إلى العقل المنفعل بأن يتوسط بينهما العقل المستفاد هو الوحي.(1)

ومن هذا المنظار اعتقدوا بنبوّة جملة من متقدّمي الفلاسفة، لأنّ هذا هو معنى النبوّة عندهم، فقالوا أنّ أرسطوكان نبياً، ثمّ أوردوا خبراً مرسلاً في ذلك، مرويّاً عن عمرو بن العاص(2)

واتخذ بعضهم فلاسفة آخرين أنبياء. قال البيرونيّ في كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية:

ولهم أنبياء كثيرة، وأكثرهم فلاسفة يونان، كهرمس المصري، وأغاذيمون، وواليس، وفيثاغورس، ويابا وسوار جدّ أفلاطون من جهة أمّه، وأمثالهم.(3)

فإنّ ذلك لأجل تفسيرهم للنبوّة باستكمال قوى النفس لا غير، قال الفارابي:

النبيّ الذي استكملت نفسه من القوّة المتخيلة، وأصبح لديه الاستعداد التام على تقبّل فيض العقل الفعّال.(4)


1) . السياسة المدنية، ص22 _ 23.

2) . وتفرّد بنقله صاحب محبوب القلوب، ص117.

3) . الآثار الباقية، ص204.

4) . الأعمال الفلسفية، ص424.

وأمّا ابن سينا، فإنّه أضاف إلى القوّة المتخيّلة قوّتين أخرتين كلاهما في النفس، وجعل مجموعها القوة النبوية، وحاصل كلامه في مقام أنّ «الأنبياء كيف يوحى إليهم بالمعقولات بلا تعلم بشري»(1)أنّ خصائص القوة النبوية تتشكل من ثلاثة قوى إذا استكملت تكون النبوّة، هي: القوّة العقلية _ القوّة المتخيلة _ القوّة الوهميّة، وأن هذه قد تجتمع وقد تتفرّق، فبعض الناس تكمل لديه القوّة العقلية وهي التوصل من المعقولات الأولى إلى الثانية في أقصر الأزمنة، ولبعضهم كمال القوّة المتخيلة ، وهو من لم يمنعه الحس والعقل من الانجذاب إلى الخيال، وما يحدث لأكثر الناس حال النوم، ويفقدونها بسبب الانجذاب إليهما في اليقظة. والقوة الثالثة هي التصرف في الأشياء كما تتصرف النفس في البدن، وهو مما لا يبعد أن يحصل للإنسان، وذكر أنّ الأوهام التي تُنسب إلى بعض الأمم إن صحت فعلى هذا السبيل، وهذا مما لا يبعد. وأنّ أفلاطون ذكر شعبة من هذا في كتاب سوفسطيقا.(2)ويلاحظ أنّ توصيف القوّة بالنبوّة هو ممّا سعى له الفلاسفة الذين جاؤوا بعد بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله ، وقد عرفت أن الفلسفة سبقت شريعته، وأنّ الفلاسفة كانوا في تضادّ مع الشرائع السابقة(3)

وقد رفض رؤوسهم دعوة الأنبياء(4)فهذه محاولة لتصحيح المباني الفلسفية بتفسير الدين على أساسها.

فحقيقة النبوّة هي اجتماع تلك القوى، والفيلسوف الكامل هو النبيّ، كما أنّ النبيّ هو الفيلسوف الكامل إذ الاستفادة من العقل يسمونها فلسفة.

وهذه نظرة الفلاسفة تجاه أنبياء أزمنتهم، ولاحظ الخبر التالي:

في توحيد المفضّل، أنّ ابن أبي العوجاء وهو من الفلاسفة الدهريّين كان في مسجد


1) . المبدأ والمعاد، ص115.

2) . المبدأ والمعاد، ص121.

3) . الفهرست (ابن النديم)، ص302.

4) . جاء في الكتب عن سقراط أنّه سمع بدعوة موسى صلوات الله عليه وسلامه وقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذّبون فلا حاجة لنا إلى من يهذّبنا. الكشاف (للزمخشري)، ج4، ص439؛ تفسير البحر المحيط (للاندلسي)، ج7، ص457؛ تفسير النسفي، ج4، ص82؛ تفسير الآلوسي، ج24، ص91.

رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذ دخل عليه رجل من أصحابه فجلس إليه. قال المفضّل: ...فَتَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ الْعِزَّ بِكَمَالِهِ، وحَازَ الشَّرَفَ بِجَمِيعِ خِصَالِهِ، ونَالَ الْحُظْوَةَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفاً ادَّعَى الْمَرْتَبَةَ الْعُظْمَى والْمَنْزِلَةَ الْكُبْرَى، وأَتَى عَلَى ذَلِكَ بِمُعْجِزَاتٍ بَهَرَتِ الْعُقُولَ وضَلَّتْ فِيهَا الْأَحْلَامُ وغَاصَتِ الْأَلْبَابُ عَلَى طَلَبِ عِلْمِهَا فِي بِحَارِ الْفِكْرِ فَرَجَعَتْ خَاسِئَاتٌ وهِيَ حُسَّرٌ، فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ الْعُقَلَاءُ والْفُصَحَاءُ والْخُطَبَاءُ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً، فَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِ نَامُوسِهِ، فَصَارَ يُهْتفُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَوَامِعِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ والْمَوَاضِعِ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْهَا دَعْوَتُهُ وعَلَتْهَا كَلِمَتُهُ وظَهَرَتْ فِيهَا حُجَّتُهُ، بَرّاً وبَحْراً سَهْلًا وجَبَلًا، فِي كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، مُرَدَّداً فِي الْأَذَانِ والْإِقَامَةِ، لِيَتَجَدَّدَ فِيكُلِّ سَاعَةٍ ذِكْرُهُ، ولِئَلَّا يُخْمَلَ أَمْرُهُ.

فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: دَعْ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَدْ تَحَيَّرَ فِيهِ عَقْلِي وضَلَّ فِي أَمْرِهِ فِكْرِي، وحَدِّثْنَا فِي ذِكْرِ الْأَصْلِ الَّذِي نَمْشِي لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْتِدَاءً الْأَشْيَاءَ وزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِإِهْمَالٍ لَا صَنْعَةَ فِيهِ ولَا تَقْدِيرَ ولَا صَانِعَ ولَا مُدَبِّرَ بَلِ الْأَشْيَاءُ تَتَكَوَّنُ مِنْ ذَاتِهَا بِلَا مُدَبِّرٍ وعَلَى هَذَا كَانَتِ الدُّنْيَا لَمْ تَزَلْ ولَا تَزَال... .(1)

أقول: السبب في وصفه للنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) بالفيلسوف هو إنكار كونه مبعوثاً من عند الله تعالى بالمعنی الذي يعرفه أصحاب الشرائع الإلهيّة، وأنّه يوحى إليه، وإنّما هو صاحب قوّة عقليّة مكّنته من تلك الأفعال الخارقة.

ومفهوم النبوّة في الفلسفة مبنيّ على مسألة الاستعدادات، وذاتيّة القوى للنفس، وعبارة عن قوّة الحدس وشدّة التصوّر أو التخيّل، فهي غير مختتمة، لأنّ الإنسان الكامل نبيّ، وكماله خروجه إلى الفعليّة، فكلّ ما ورد في الشرايع من أمر النبّوة يرجع إلى هذا المعنى. يقول الكاتب علي بو ملحم حول الفارابي:

هو يحرص على تقريب المفاهيم اليونانيّة من تعاليم الإسلام، فيجعل


1) . توحيد المفضل، ص40.

(الثواني) ملائكة، ويجعل (العقل الفعّال) الملاك جبرئيل حامل الوحي، ينزله على الأنبياء كما ينزله على الفلاسفة، وهكذا يصبح الفيلسوف والنبيّ متساويين ومتشابهين، لا فرق بينهما يُذكر إلّا من جهة اعتماد الفيلسوف على العقل والنبيّ على المتخيّلة كوسيلة للاتصال بالعقل الفعال وتلقّي الوحي عنه.(1)

3. ما فرّطنا في الكتاب من شيء
اشارة

إنّ الدين الإلهيّ عند أتباعه ولا سيما عند العلماء والفقهاء لم يكن أبداً ناقصاً حتى تكون الحاجة إلى نظريّات البشر فيمايتعلّق بالعقيدة والمعارف، والدين عند المؤمنين به لا يضاهيه منهج بشريّ ولا يرقى إليه حتى يقال انّها تعكسه، بل كلّ ما سوى تعاليمه أباطيل وخرافات، خصوصا في مسألة معرفة المبدأ والمعاد، ولا سيما ما اكل الدهر عليه وشرب من أقاويل المعرضين عن أنبياءهم، وانّ الله تعالى لمن اهتدى إليه هو وحده يهدي إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم، «مَن اعْتَرَفَ بِحُقُوقِنَا لَم يَذْهَبْ فِي عُقُوقِنَا».(2)

ولا فاقة بعد القرآن يمكن أن يسدّها غيره، وهل النقص إلا من البشر ومِن عند آراءهم وأفكارهم؟ ولو وقفوا عند كلام ربّهم لم يضلّوا ويزلّوا.

ورد في نهج البلاغة، عَنْ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً، وإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ ونَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَفَأَمَرَهُمُ الله سُبْحَانَهُ بِالاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ، أَمْ أَنْزَلَ الله دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى، أَمْ


1) . السياسة المدنيّة، ص19.

2) . الإثنا عشريّة، ص28.

أَنْزَلَ الله سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَنْ تَبْلِيغِهِ وأَدَائِهِ، واللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) و(فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) وذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) وأَنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، ولَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، ولَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِه».(1)

طلب الحكمة من أفواه المجانين

قد اعتذر الملّا صدرا مِن نقل أمثال كلام ابن عربي بما ورد في النصوص من أنّه: «لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ، وانْظُرْ إِلَى مَا قَالَ»(2)ويستشهد أنصاره أحيانا بمثل «خُذِ الْحِكْمَةَ ولَوْ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَجَانِينِ».(3)

والجواب عن هذا الاعتذار:

أوّلاً: من يعتقد بالدين يعلم يقينا أنّ كلّ ما خالف حكمة القرآن ليس بحكمة حتماً، ولا مجال للنظر فيه للفحص عنها... .

ثانياً: واضح أنّ المراد بالحكمة ليس الحكمة المصطلحة، وإنّما معناها اللغويّ، وشتّان بين الحكمتين وبين المعنيين، حيث أنّ أهل الاصطلاح وصفوا نظريّاتهم وآراءهم بالحكمة، ثمّ حمّلوها على اللغة والنصوص.

ثالثاً: واضح أنّ تبيين العقائد الحقّة هو من شؤون الأنبياء (علیهم السلام) ومناصبهم، ولا ينازعهم في ذلك أحد، فالحكمة التي ربما تلجلجت في قلب المنافق ليست من قبيل ما يختصّ ببيانه الأنبياء، وهم أحقّ بها، وإنما الحكمة هنا من قبيل التجارب والعلوم الدنيويّة.


1) . نهج البلاغة، الخطبة 18؛ قال العلّامة صدرزاده في كتاب «الفلسفة والعرفان في ضوء الإسلام»: إنّ عدم ذكر أئمّة أهل البيت (علیهم السلام) وعدم تنويههم بالفكر اليونانيّ أو الفلسفة وعدم إشارتهم إلى أساطين هذه الفلسفة إنّما يدلّ على تفاهتها. (الفلسفة والعرفان في ضوء الإسلام، ص265)

2) . غرر الحكم، الحكمة 10189.

3) . مصباح الشريعة، ص161.

فكيف أغفل الأنبياء حكمة الفلاسفة وأعرضوا عنها؟ فقل: إنّ للحكمة معدناً ومصدراً، ومن ثمّ على طالبها أن يطلبها من المصدر، ومن قال غير ذلك فقد سفه نفسه.

إنّ أمثال مباحث الوجود وأصالته ووحدته التي أسّسوا أسسهم عليها، لو كانت كما زعموا لكان من الأجدر بنظر الشخص العاقل المؤمن أن تكون محل اهتمام الرسل ولوجب الرجوع إليهم فيها، وكل منصف يعلم أنهم أهملوها أيما إهمال، بحيث لا تجد لها أثرا، بل إن تعاليمهم مخالفة ومباينة لها.

والشاهد على إهمالهم لها أنّ الفلاسفة يرون الحاجة إلى الفلسفة في تلك المسائل، ولا يكفيهم علم الأنبياء والقرآن. ثمّ كيف وقف كبار أصحاب الأئمة موقف المعارضة منها؟رابعاً: إنّ الحكمة لا تستقرّ في قلب المنافق، وهذه الحكمة المصطلحة مستقرّة في قلوب أصحابها وهم أوّل المدافعين عنها، والملتزمين بها، بل لا تستقرّ في قلب المؤمن! فإذا كانت هي المراد من الحكمة لم يستقرّ عليها المنافقون، والأمر كما ترى.

غرر الحكم، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): الْحِكْمَةُ لَا تَحُلُّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ إِلَّا وهِيَ عَلَى ارْتِحَالٍ.(1)

خامساً: كلّ مطّلع على هذا المنهج يعلم بأنّ اعتذار الملّا صدرا هو تبرير لیس إلّا لتقليده لابن عربيّ وكذا فلاسفة الإغريق، فالمنهج كما لا يخفى يكنّ لهم أكبر الاحترام ويراهم أكثر الناس معرفة، فليس الأمر مجرّد الأخذ لما هو حكمة من كلماتهم، فهو يعتقد أنّ الفلاسفة والعرفاء هم الحكماء الإلهيّون، ولا يرى خطأ ابن عربي ناهيك عن تشبيهه بالمنافقين والمجانين، بل إنّ أفواه المجانين عند هذا المنهج ليس سوى أفواه من أنكر على ابن عربي، وأما ابن عربي فرئيس الحكماء، والعارف المحقّق، كما قال صاحب أعيان الشيعة حول الملّا صدرا:

وجعله (أي: جعل الملّا صدرا لكلام ابن عربي) في صفّ أمير المؤمنين (علیه السلام)،


1) . غرر الحكم، ح1944.

ووصف كلامه بالشريف يجعله أعظم من أن يصحّ في الاعتذار بأنّه «لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قيل».

وقال الملا صدرا:

ثمّ إنّي قد صرفتُ قوّتي في سالف الزمان، منذ أوّل الحداثة والريعان في الفلسفة الإلهيّة، بمقدار ما أُوتيتُ من المقدور، وبلغ إليه قسطي من السعي الموفور، واقتفيتُ آثار الحكماء السابقين والفضلاء اللاحقين، مقتبساً من نتائج خواطرهم وأنظارهم، مستفيداً من أبكار ضمائرهم وأسرارهم، وحصّلتُ ما وجدته في كتب اليونانيّين والرؤساءالمعلّمين، تحصيلاً يختار اللباب عن كلّ باب، ويجتاز عن التطويل والإطناب.(1)

سادساً: المراد من تلك الأحاديث بيان فضل المؤمن الذي لا يشبع من طلب الحكمة، والحثّ على عدم الزهد في الحكمة، لا أنّ موضع الحكمة ومعدنها في أفواه المجانين والمنافقين وما شابه، وهذا واضح، كما ورد أيضا: «خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ»(2)وأن: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُمَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ضَالَّتَهُ فَلْيَأْخُذْهَا».(3)

فإذا قال المولى لعبده: «إذا وجدت الجوهرة فخذها ولو في المزابل»، فهل معناه أنّ على العبد أن يبحث عن الجواهر في المزابل لتحصيلها؟ إنّ مَثَل هذا مَثل من يجالس المجانين والحمقى علّ حكمة تخرج من أفواههم، بدل أن يجالس الحكماء الذين هم مصدر وموضع تلك الحكمة.

ورد في أمالي الشيخ الطوسي، عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (علیهما السلام) أنّه قال: «لَا تُحَقِّرِ اللُّؤْلُؤَةَ النَّفِيسَةَ أَنْ تَجْتَلِبَهَا مِنَ الْكِبَا الْخَسِيسَةِ، فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) يَقُولُ: إِنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ


1) . الأسفار، ج1، ص4.

2) . نهج البلاغة، الحكمة 79.

3) . الكافي، ج8، ص167، ح186.

نُزُوعاً إِلَى مَظَانِّهَا حَتَّى يَلْفَظَ بِهَا، فَيَسْمَعَهَا الْمُؤْمِنُ، فَيَكُونَ أَحَقَّ بِها وأَهْلَها، فَيَلْقِفَهَا».(1)

4. فساد نظريّة العلم الحضوريّ وتجرّد النفس

إنّ تفسير الملّا صدرا للعلم مترتب على الطريق الذي اختاره من منهج العرفاء، ويذهب إجمالا إلى القول بأنّ النفس جسمانيّة الحدوث، روحانيّة البقاء، فالنفس تكون مجرّدة، وحصول العلم لها إنّما هو باتحاد الحقيقة المعلومة معها،ويسمى بالعلم الحضوريّ، فينقسم إلى حضور صورة المعلوم في النفس أو حضور نفس المعلوم، مثل علم النفس بذاتها أو حالاتها وهذا من مصاديق حضور المعلول عند العلّة.(2)

ولا معنى للغفلة في الحضور.

إنّ مِن العلم: علم الواحد منا بذاته التي يشير إليها ب«أنا» فإنّه لا يغفل عن نفسه في حال من الأحوال، سواء في ذلك الخلاء والملاء والنوم واليقظة وأيّة حال أخرى. وليس ذلك بحضور ماهيّة ذاتنا عندنا حضوراً مفهوميّاً وعلماً حصوليّاً، لأنّ المفهوم الحاضر في الذهن كيفما فُرض لا يأبى الصدق على كثيرين، وإنّما يتشخّص بالوجود الخارجيّ، وهذا الّذي نشاهده من أنفسنا ونعبّر عنه ب«أنا» أمرٌ شخصيّ لذاته لا يقبل الشِركة، والتشخّص شأن الوجود، فعِلمنا بذواتنا إنّما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجيّ الّذي هو ملاك الشخصيّة وترتّب الآثار. وهذا قسم آخر من العلم، ويسمّى العلم الحضوريّ.(3)

فالقول بأنّ النفس الناطقة عين العقل مترتّب على القول بالتجرّد(4)فهي عالمة


1) . الأمالي، ص625، ح1291 _ 4.

2) . لاحظ: أصول فلسفه وروش رئاليسم، ج1، ص92 وهامش ص47 (فارسي) وتجد مزيداً من التفصيل في الجزء الثاني منه، المقالة الخامسة، ص31.

3) . بداية الحكمة، ص140؛ ولاحظ: نهاية الحكمة، 236.

4) . لاحظ: بداية الحكمة، ص76.

بذاتها علماً حضوريّاً وجوديّاً لا تغيب عنها أبدا، وكلّ مجرّد فهو عقل وعاقل.(1)والنفس في وحدتها كلّ القوى،(2)فكلّ قوّة تُعزى لها مع الحفاظ على حقيقتها الواحدة، وأنّ الإنسان قد يغفل عن بدنه لكن لا يغفل عن نفسه أبدا.(3)وربما شكّلوا لذلك براهين منطقيّة، فهل حقّاً لا يغفل عن نفسه أبداً ولو في حالات الإغماء ونحوه؟ قال بعضهم:

هذا العلم والوعي خاصّة ذاتيّة لذلك الروح، وقد تبيّن فيمحلّه أنّ الروح مجرّد وليس مادّياً، وكلّ جوهر مجرّد فهو عالِم بذاته.(4)

وفي كتاب أصول الفلسفة، في سياق الإجابة عن النظريّة المادّية:

وما قالوا من زوال الشعور بذاتنا عند تعطيل الحواسّ لأجل عوارض من الاغماء ونحوه، خال عن البرهنة، مخالف للتجربة، والتجاريب العلميّة قائمة على خلافه. إذ المغمى عليه في تلك الأحوال المدهشة لا يغفل عن ذاته وينساه، وأقصى ما تستتبعه هذه الأحوال أنّه لا يذكر مشاهدة ذاته في هذه الأحوال، لا أنّه يشاهد عدم ذاته أو غفلته عن ذاته، وكم فرق بينهما.(5)

قلت: إنّ البرهان العقليّ الفطريّ الذي یعرفه جمیع العقلاء، والوجدان الذي لم تعتره أو تشوبه نظريّات الفلسفة والعرفان قائم على أنّ الإنسان كثيراً ما يغفل عن نفسه، وهو واضح جدّاً لا يحتاج إلى تكلّف القول بعدم الغفلة ثم محاولة إثبات ذلك بتشكيل برهان. بل الغفلة ليست حاصلة عند عروض مثل حالة الإغماء فقط، وإنّما في أكثر الحالات، لأنّه متى كان الإنسان متوجّهاً إلى شيء فإنّ الغفلة تقع على ما سواه، ومنه غفلته عن نفسه. نعم، الإغماء ونحوه شاهد جليّ على ذلك.


1) . نهاية الحكمة، 260.

2) . شرح المنظومة، قسم الحكمة 314.

3) . لاحظ: الإشارات، ج2، ص92. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين، ص282 و464.

4) . المنهج الجديد لتعليم الفلسفة، ص161.

5) . أصول الفلسفة (للسيّد الطباطبائي)، ص171 _ 177 (ترجمة الشيخ السبحانيّ).

لكنّ الذي يدعو إلى الغفلة عن تلك الغفلة هو توّهم كون الرد على الماديين المنكرين للروح ينحصر بكون النفس مجرّدة عن المادة(1)وليس الأمر كذلك، وأيضا الانقياد لمقولة العلم الحضوريّ والإصرار عليها، وتنزيل العلم منزلة النفس والقول بأنّ العلم هو الوجود في مرتبة الذهن، فهذه النظريات وأمثالها تحول دون التوجّه إلى بداهة حصول الغفلة للنفس عن ذاتها في أزمنة غير قليلة، وأنّه ليس هناك أيّ فرق بينالنفس وبين سائر الأشياء في ظهورها للنفس حيناً وخفاءها حينا، كلّ ذلك مع عدم الاضطرار إلى قبول منهج الماديين، فإنّ النفس ليست عين الجسم كما أنّها غير مجرّدة، فما ذكره المادّيّون من حصول الغفلة عن النفس وإن كان حقّاً في نفسه، لكنّ استدلالهم به على مادّيّة الإدراك مصادرة، لورود الاحتمال أيضاً في طريقيّة الدماغ للإدراك وكونه آله وسبباً، لا أنّه نفس الإدراك كما مرّ.

وأمّا التجربة العلميّة التي ذكرها، فقد استُدلّ عليها بالنحو التالي:

علمُ الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه؛ إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك، فاستمع إلى البيان التالي: افرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لا تُبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاءك، لئلاّ تحسّ بها، بل تكون منفرجة، مرتخية في هواء طلق، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتّى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلّا عن ذاتك، فلو كانت الروح نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.(2)


1) . لاحظ: رسائل ومقالات (للسبحاني)، ج6، ص61؛ تجرّد النفس، أو الحدّ الفاصل بين المنهجين الماديّ والإلهيّ.

2) . رسائل ومقالات (للسبحاني)، ص61 _ 62.

قلت: إن هذه التجربة تصلح لإثبات مغايرة النفس للبدن ولكنّها قاصرة عن إثبات تجرّد النفس، ولا تلازم بينهما حتى يقال بدوام التفات النفس وامتناع الغفلة عنها.

ثمّ أيّ ظهور يستلزمه حضور شيء عند شيء، وأيّ تلازم بين وجود الحرارة في النار وعلم النار بالحرارة؟ من هنا يتوقف القول بالعلم الحضوري مضافا إلى مسألة أصالة الوجود والوجود الذهنيّ، على القول بتجرّد النفس.وأمّا ما يُستفاد من النصوص في عدم تجرّد الروح، فمنها:

ورد في كتاب الاحتجاج، في احتجاج إمامنا الصادق (علیه السلام) مع الزنديق الأمويّ (ما قال (علیه السلام): «...الرُّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ، قَدْ أُلْبِسَ قَالَباً كَثِيفاً، ولَيْسَ بِمَنْزِلَةِ السِّرَاجِ الَّذِي ذَكَرْتَ، إِنَّ الَّذِي خَلَقَ فِي الرَّحِمِ جَنِيناً مِنْ مَاءٍ صَافٍ، ورَكَّبَ فِيهِ ضُرُوباً مُخْتَلِفَةً مِنْ عُرُوقٍ وعَصَبٍ وأَسْنَانٍ وشَعْرٍ وعِظَامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهُوَ يُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ويُعِيدُهُ بَعْدَ فَنَائِهِ». قَالَ: فَأَيْنَ الرُّوحُ؟ قَالَ (علیه السلام): «فِي بَطْنِ الْأَرْضِ، حَيْثُ مَصْرَعِ الْبَدَنِ إِلَى وَقْتِ الْبَعْثِ». قَالَ: فَمَنْ صُلِبَ، فَأَيْنَ رُوحُهُ؟ قَالَ (علیه السلام): «فِي كَفِّ الْمَلَكِ الَّذِي قَبَضَهَا حَتَّى يُودِعَهَا الْأَرْض...»).(1)

وجاء في الكافي، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السلام) عَنْ قَوْلِ اللهِ(عزّ و جّل): (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) كَيْفَ هَذَا النَّفْخُ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «إِنَّ الرُّوحَ مُتَحَرِّكٌ كَالرِّيحِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ رُوحاً لِأَنَّهُ اشْتُقَّ اسْمُهُ مِنَ الرِّيحِ، وإِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظِ الرُّوحِ لِأَنَّ الرُّوحَ مُجَانِسٌ لِلرِّيحِ، وإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَرْوَاحِ كَمَا اصْطَفَى بَيْتاً مِنَ الْبُيُوتِ، فَقَالَ: «بَيْتِي» وقَالَ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ: «خَلِيلِي» وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مُحْدَثٌ مَرْبُوبٌ مُدَبَّرٌ»).(2)


1) . الاحتجاج، ج2، ص349. وفي علل الشرائع، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَلَا ومَثَلُ الْعَقْلِ فِي الْقَلْبِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي وَسَطِ الْبَيْت. علل الشرائع، ج1، ص98؛ ويدلّ على المغايرة بين العقل وبين الروح، وعلى ظلمانيّة الروح.

2) . الكافي، ج1، ص133، ح3.

وفي الكافي أيضا، (في حديث الإمام المجتبى (علیه السلام) لدى لقاءه بالخضر على نبيّنا وآله وعليه السلام في جواب أسئلته: «...أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْإِنْسَانِ إِذَا نَامَ أَيْنَ تَذْهَبُ رُوحُهُ، فَإِنَّ رُوحَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالرِّيحِ، والرِّيحُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْهَوَاءِ إِلَى وَقْتِ مَا يَتَحَرَّكُ صَاحِبُهَا لِلْيَقَظَةِ، فَإِنْ أَذِنَ الله تَعَالَى بِرَدِّ تِلْكَ الرُّوحِ عَلَى صَاحِبِهَا جَذَبَتْ تِلْكَ الرِّيحُالرُّوحَ، وجَذَبَتْ تِلْكَ الرِّيحُ الْهَوَاءَ، فَرَجَعَتِ الرُّوحُ فَأُسْكِنَتْ فِي بَدَنِ صَاحِبِهَا، وإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الله عَزَّ وجَلَّ بِرَدِّ تِلْكَ الرُّوحِ عَلَى صَاحِبِهَا جَذَبَ الْهَوَاءُ الرِّيحَ، وجَذَبَتِ الرِّيحُ الرُّوحَ، فَلَمْ تُرَدَّ عَلَى صَاحِبِهَا إِلَى وَقْتِ مَا يُبْعَث...»).(1)

فالتصريح بأنّ الروح كالريح، وأنّ لها مكاناً، وأنّها تكون بعد الدفن في بطن الأرض، وأنّها ليست بمنزلة السراج، وأنّها تتعلّق بالريح، وأنّها تسكن البدن وتخرج منه، هذه الأمور لا تنسجم مع القول بتجرّدها(2)وسيأتي الحديث عن بينونة حقيقة


1) . الكافي، ج1، ص526، ح1.

2) وإنْ أردت التفصيل فدونك كتاب ميزان المطالب، ص248 _ 274 للعلاّمة الميرزا جواد الطهرانيّ (قدس سره)، ويقول آیة الله المروارید في كتابه تنبيهات حول المبدأ والمعاد حول مسألة تجرّد الروح: أنّ لنا أدلة علی عدم تجرّد الروح: الأوّل: أنّنا نجد ذاتنا وإنّيتنا أنّها غیر خارجة عن المكان الذي فیه أبداننا، وأنّنا في هذا المكان ولسنا في مكان آخر، والمكانيّ لیس بمجرّد. الثاني: نجد تحرّكنا في المكان ومجیئنا وذهابنا، والتحرّك في المكان في لوازم المادّة. الثالث: أنّا نجد ذاتنا محدودة بحسب الكمّ، لوجداننا أيّاها أنّها أصغر ممّن لا یحویه مكان كذا، والمجرّد آبٍ عن المعروضيّة لعرض الكمّ. الرابع: أنّا نجد ذاتنا محلاً لمثل الحزن والسرور، والخوف والأمن، والرغبة والرهبة، وغیر ذلك من الأحداث والأعراض، والمجرّد آبٍ عن جمیع ذلك. الخامس: أنّ ذاتنا یعرض علیها الكمال والنقص، فتارة تكمل بالعلم، وأخری تنقص بالجهل، والتغیّر بذلك لا یلائم التجرّد. السادس: أنّ الإنسان یجد أحیاناً نفسه وإنّيّته خارجة عن البدن، تجیء وتذهب، وتعرض علیه العوارض، وقد حصل ذلك لبعض الأعاظم إختیاراً، ولبعض قهراً، ویحصل ذلك لكلّ أحد عند منام البدن، وكونه ملقیً بلا شعور ولاحركة، وروحه ونفسه تری حینئذٍ من أنواع الرؤیا، ویعرض علیها ما یعرض من السرور والحزن، والأمن والخوف، وأنواع اللذات وأضدادها. السابع: الأدلّة النقليّة من الآیات والروایات المباركة. (تنبیهات حول المبدأ والمعاد، ص52 _ 51) وذكر آیتین، وأربعة عشر روایة فراجع: ص318 _ 313.

العلم للنفس والمغايرة بينهما وأنّ حيث ذات المخلوق المظلميّة، وجملة من النصوص الدينية المستفادة منها ذلك.(1)

5. بعض الفوارق بين مدرسة الوحي والفلسفة والعرفان

ذكر العلامّة آية الله الشيخ مجتبى القزوينيّ (رحمه الله) بعض ثمرات الفلسفة والعرفان في العقيدة، والتي تخالف منهج الوحي، نورده لفائدته معرَّباً مع قليل تصرّف في العبارة. قال:

الآن وقد بيّنا الاختلاف بين هذه الطرق الثلاثة «الفلسفة _ العرفان _ الوحي» نشير إلى نتيجة هاذين الطريقين، أعني: الفلسفة والعرفان على نحو الفهرسة... حتّى يعرف الطالب تباين الطريقين مع القرآن لا مطابقتهما له. فمن جملة ما قالوا: أنّ معرفة الله تعالى وإثبات وجوده أمرٌ نظريّ ويحتاج إلى إقامة برهان، والبرهان متوقّف على التحقيق والبحث في العلّة والمعلول وإبطال التسلسل.

أنّ توحيد «واجب الوجود» متوقّف على إثبات «أصالة الوجود» و«التشكيك» في حقيقة الوجود، أو إقامة برهان «التعيّن» أو إثبات الوحدة الإطلاقيّة.

القول بوجود القديم مع الله لا في مرتبة الذات _ مثل المُثل الأفلاطونيّة _.

أو القول بالصورة الزائدة على الذات والقائمة بالذات.

أو القول بانحصار علم الباري بالكلّيات.

أو القول بأنّ علم الباري عبارة عن حضور الموجودات عنده بدون علم سابق بالأشياء.

أو القول بأنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء.

أو العلم الإجماليّ في عين الكشف التفصيليّ، وأمثال هذه الأمور التي ذهب


1) . وأمّا الكلام في علم الله وأنّه حضوريّ، والقول أنّه الإحاطة الوجودية وأن الممكنات حاضرة عنده وجودا، فهذا أيضا من توابع ما ذكروه في العلم، ويترتّب عليه من المفاسد ما يحتاج تفصيله إلى موضع آخر.

إليها العرفاء.

التوحيد في الأفعال، ومعناه إسناد جميع الأفعال إلى الله عبر قانون العليّة وسلسلة العلل والمعاليل، مع عدم إمكان التخلّف _ حتّى الأفعال البشريّة بالتبع _ واستناد الشرور إليه تعالى أو إنكارها في العالَم.

القول بأنّ اللذائذ والآلام الروحيّة هي بسبب الأخلاق الحسنة والسيئة، والتي هي بسبب الأمور التكوينيّة، وهي تنتهي إلى أسباب غير اختياريّة، والتي تنتهي إلى علم الله بذاتهونظام العالم.

القول بقدم أصول العالم، حتّى العناصر.

القول بانحصار الحوادث بالحوادث اليوميّة _ أزلاً وأبداً _ التي تستند إلى أسباب تكوينيّة (إنكار حدوث العالم والكائنات).

القول بعدم إمكان التغيير والتغيّر في العالم وإنكار البداء.

إنكار نسبة الحسن والقبح في العالم إلى إرادة البشر والاختيار.

إنكار المعاد الجسمانيّ.

إنكار النبوّة بالمعنى الموجود في الشرائع السماويّة.(1)

إنكار الملائكة وجبرئيل بالمعنى الّذي بيّنه تعاليم الوحي.(2)


1) . لاحظ بيان الفرقان في نبوّة القرآن، ص336؛ عارف وصوفي چه می‌گویند، ص70؛ شرح فصوص الحكم (للقيصري)، ج1، ص165.

2) . قال اللاهيجيّ: .. إذن جبرئيل الّذي هو عبارة عن العقل الفعّال عند الحكماء، يكون نازلاً على النفس الناطقة للنبيّ (التي هي حقيقة القلب) ثمّ على خياله وبعدئذ على حسّه، وهكذا الكلام الإلهيّ، فأولاً يسمعه قلب النبي ثمّ على خياله ثمّ يظهر مسموعا لسمعه. (گوهر مراد، ص364 _ 366) وجاء في كتاب نشأة الفكر الفلسفيّ في الإسلام، ج1، ص69: كانت الفلسفة اليونانيّة.. لم تعرف أبدا نغمة الوحي، ولم تستمع إلى أناشيده الجميلة..ولكنّها لم تدرك أبدا أنّ هناك قوّة أعلى من هذا الوجود العقلي تستطيع أن تكشف للإنسان حقائق الكون وعالم الغيب.. هل استطاعت الروح اليونانيّة.. أن تتصور الخَلق لا مِن شيء، وأن تؤمن ببعث جسدي تعود فيه _ إن تكلمنا بلغتها _ الصورة والمادة؟ (نقلناه من هامش بيان الفرقان). أقول: قال العلامة المجلسي قدس الله سرّه في مقام البحث عن حقيقة الملائكة: تكملة، اعلم أنّه أجمعت الإمامية بل جميع المسلمين إلّا من شذ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم على وجود الملائكة وأنّهم أجسام لطيفة نورانية (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ) وأكثر قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة وإنه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما يشاء من الأشكال والصور على حسب الحكم والمصالح ولهم حركات صعوداً وهبوطاً وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء (علیهم السلام) والقول بتجردهم وتأويلهم بالعقول والنفوس الفلكية والقوى والطبائع وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة تعويلا على شبهات واهية واستبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى واتباع لأهل الجهل والعمى. (بحارالأنوار، ج56، ص202 _ 203).

القول بانحصار علمه تعالى وانحصار قدرته بالأموروالموجودات الكائنة.

القول بالسنخيّة بين الخالق والمخلوق.(1)

إنكار الخلود في العذاب.(2)

6. خلط المعاني اللغويّة بالمعاني الاصطلاحيّة

لتوضيح هذا المطلب المهمّ نقول بعنوان التمهيد: تضع العلوم البشريّة لغات تكون بمثابة المفاتيح لفهم وتداول موضوعاتها ونظريّاتها، مثل المعاني المستحدثة في علم الفيزياء والكيمياء، ولا ضير فيها ما بقيت في حوزة ذلك العلم، إلا أنّ التشابه بين الألفاظ المشتركة قد يتسبّب في استخدام المعنى الاصطلاحيّ مكان اللغويّ ثمّ تعميم المصطلح على اللغة، وهذا الأمر قد وقع فيه الفلاسفة عندما خلطوا بين مصطلحاتهم وبين المعاني اللغويّة، وازدادت «الفلسفة الإسلاميّة» انحرافا في تفسير الدين بناءا على مصطلحاتها. وينبغي توضيح أصل هذا المطلب لكونه من المسائل التي يجب على طالب علم الدين أن يتنبّه لها عموما لمعرفة الكتاب والسنّة.

لا إشكال في أنّ لسان الشارع عربيّ، قال تعالى: (وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبين)(3)وقال


1) . قال السبزواريّ في شرح المنظومة: ..والحال أنّ السنخيّة _ كسنخيّة الشيء والفيء _ من شرائط العليّة والمعلولية. وقال في حاشيته: كيف لا، وعلّة الوجود وجودٌ، وعلّة العدم عدم، وعلّة المهيّة مهيّة. (شرح المنظومة، ص11)

2) . بيان الفرقان في توحيد القرآن، تعليقات آية الله السيد جعفر سيّدان، ص48 _ 54.

3) . سورة النحل (16)، الآية 103.

تعالى: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِه)(1)وقال تعالى: (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر).(2)

فالمتفقّه في مقام فَهم النصّ يحتاج إلى مراجعة اللغة من جهة، والحذر والاحتراز من غير ما هو موضوع له من الألفاظ من جهة أخرى، وكذا تخلية الذهن من المستأنَسات التي هي لغات مختلف العلوم، والسعي الجادّ في تجنّبها حتى يقع الفهم بما أراد الشارع تبيينه. وهذا هو أسلوب الفقهاء قديماًوحديثا، وكلماتهم في مباحث الحجّة والظنون الخاصّة في حجّيّة قول اللغويّ، إنّما هو لإرجاع الألفاظ إلى معانيها الموضوعة لها. قال الميرزا القمّي:

إنّ الفقيه متّهم في حدسه بالنسبة إلى العرف، وإنْ كان هو من أهل العرف، لكثرة وفور الاحتمالات، وغلبة مزاولة المخالفة من الاستعمالات، مع ما يسنحه من المنافيات من جهة الأدلّة العقليّة والنقليّة.(3)

فلأجل أنس الفقيه بالمصطلحات قد تشتبه عليه المعاني لتشابه الألفاظ إذا ترك الدقّة، فلا يعتمد على المسبقات الذهنيّة.

إنّ كلمة «الفقه» مثلا إذا طرقت سمع المتفقّه قد يسبق إلى ذهنه «العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة» مع أنّ الفقه في اللغة الفهم(4)

أو إذا سمع كلمة «الاجتهاد» قد يتوجّه إلى «الملكة الّتي تحصل للنفس بحيث يتمكّن صاحبها من استنباط الأحكام الفرعيّة» بينما في اللغة هو بذل الجهد. قال المرحوم الشيخ المظفّر حول آية النبإ:

«الجهالة» اسم مأخوذ من الجهل أو مصدر ثانٍ له. قال عنها أهل اللغة:


1) . سورة إبراهيم (14)، الآية 4.

2) . سورة القمر (54)، الآيات 17، 22، 32، 40.

3) . قوانين الأصول، ص 14 (مبحث التبادر).

4) . قال في المعالم: الفقه في اللغة هو الفهم، وفي الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة. ولاحظ: لسان العرب، ج13، ص522.

الجهالة؛ أن تفعل فعلاً بغير العلم. ثمّ هُم فسّروا الجهل بأنّه المقابِل للعلم، عبّروا عنه تارة بتقابل التضادّ، وأخرى بتقابل النقيض، وإنْ كان الأصحّ في التعبير العلميّ أنّه من تقابل العدم والملكة. والّذي يبدو لي من تتبّع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في أصول اللغة العربيّة أنّ إعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيّق لمعناه جاء مصطلحاً جديداً عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة، الّذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ، وكسبها إطاراًيناسب الأفكار الفلسفيّة، وإلّا فالجهل في أصل اللغة كان... .(1)

ولو تمّ تفسير النصوص الدينيّة بالمصطلحات عن عمد وعلم، فهو تضييع لحقّه، بل خيانة وسرقة وإفراغ الدين من محتواه.(2)

تجد هذا الخلط فيما يسمّى بالفلسفة الاسلاميّة، ويكفي ملاحظة كلماتهم في «العلم» و«العقل» و«البرهان» و«الحكمة» و«الإرادة» و«النفس» و«الروح» و«الملائكة» و«النور» و«الشيء» و«الماء» وفوق ذلك كلّه كلامهم في الله تعالى، حيث دمجوا بين الربّ الفلسفيّ والربّ الذي ذكّر القرآن به عقول البشر وفُطروا على معرفته.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ العلم له معنى لغويّ يعرفه كلّ أحد بما يجده ويلمسه بنفس العلم، ليس له علاقة بما ذهبوا إليه من القوّة والهيولى أو التصوّر والتصديق أو حضور الوجود أو الماهيّة أو ما إلى ذلك، وكذلك العقل الذي يجده كلّ عاقل ويعرف به الجيّد والرديّ والفريضة والسنّة، فليس في لغة الضادّ رائحة ما في الفلسفة إلّا بعد تأثر بعضهم لدى دخولها بين المسلمين، وإلّا فأين العرب والعربيّة من تلك المصطلحات، ولسان القرآن والسنّة كما تنبهت عربيّ، ومن عوامل الابتعاد عن معرفة مقاصد الشرع وعدم الفهم الصحيح لها هو زجّ المصطلحات فيها. قال المحقّق آية


1) . أصول الفقه، ج2، ص73 _ 74.

2) . في الاحتجاج، في الحديث القدسي: «مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي». الاحتجاج، ج2، ص410.

الله الملكيّ في كتابه القيّم «توحيد الإمامية» ضمن مقدّمات ذكرها:

السابع: وجوب التحرّز عن خلط المعاني اللغويّة بالمعاني الاصطلاحيّة... إلی أن قال: فإنّ هذا الخلط والمزج صار داءاً عضالاً وأوجب ضلالاً عجيباً. وقد سرى هذا الداء إلى بعض اللغويّين، وخلطوا المعاني اللغويّة بالمعاني المستحدثةالمضادّة للمعاني اللغوية.

قال الراغب: الصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميّز بها غيرها. وذلك ضربان: أحدهما محسوس يدركه الخاصّة والعامّة، بل يدركه الانسان وكثيرٌ من الحيوان، كصورة الانسان والفرس والحمار بالمعاينة.

والثاني معقول يدركه الخاصّة دون العامّة، كالصورة التي اختصّ الانسان بها من العقل والرويّة والمعاني التي خصّ بها شيء بشيء. وإلى الصورتين أشار قوله تعالى: (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُم)(1)، (وَصَوَّرَكُمْ فَأحْسَنَ صُوَرَكُم)(2)، وقال: (فِي أيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)(3). وقال السيّد في شرح دعاء الإمام سيّد الساجدين (علیه السلام): «وصوّرتَ ما صورّتَ من غير مثال»(4)بعد نقل كلام الراغب: فالمراد بقوله (علیه السلام): «فصوّرتَ ما صوّرت» ما يشتمل على أنواع الصور: نوعيّةً كانت أو جسميّة أو شخصيّة، وعنصريّة كانت أو فلكية... .(5)

إلى أن قال:

فلا عذر لأحد يريد التفقّه في الكتاب والسنّة في أصول الدين وفروعه، أن يتساهل في تحصيل العلم والمعرفة باللغة العربيّة، كي لا تختلط عليه المعاني اللغويّة بالمعاني المستحدثة، مثل الحقيقة الشرعية التي مِن فضولات أصول الفقه.


1) . سورة الأعراف (7)، الآية 11.

2) . سورة غافر (40)، الآية 64.

3) . سورة الإنفطار (82)، الآية 8.

4) . الصحيفة السجّاديّة، الدعاء 47؛ الإقبال، ص350؛ المصباح (للكفعمي)، ص671.

5) . رياض السالكين، ص480.

قال الصدوق: حدّثنا أبي(رضوان الله علیه)، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن رجل من خزاعة، عن أسلميّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال:

«تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهَا كَلَامُ الله الَّذِي يُكَلِّمَ بِهِ خَلْقَهُ».(1)ويوجد في كتب الملا صدرا _ تبعاً لصاحب الفصوص _ الشيء الكثير من المزج وتفسير الدين، والذي نطقت نصوصه بالعربيّة ويجب حملها عليها لا غيره، بالمعاني العرفانيّة والاصطلاحيّة، مثل ذهابه إلى أنّ الماء في قوله تعالى: (وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كَلَّ شَيءٍ حَيّ)(2)هو الوجود.

أو تفسير النور في قوله سبحانه: (اللهُ نُورُ السَمَاوَاتِ وَالأرْضِ)(3)بالوجود أيضا.

أو تفسير الأمانة بالمُثل الأفلاطونيّة والصور في قوله: (إنّا عَرَضْنَا الأمَانَة عَلَى السَمَاوَات والأرْض).(4)

أو تفسير الخزائن في: (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُوم)(5)بالصور المفارقة والمُثل العقليّة.(6)

أو تفسير: (فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)(7)بالمراتب السبعة لباطن الإنسان؛ النفس


1) . توحيد الإمامية، ص53؛ والحديث من الخصال، ج1، ص258.

2) . سورةالأنبياء(21)، الآية 30.

3) . سورة النور (24)، الآية 35.

4) سورة الأحزاب (33)، الآية 72، قال الملّا صدرا: المراد بالأمانة فی قوله تعالی: (إنّا عَرَضْنَا الأمَانَة..) الآية الوجود؛ فإنّ كلّ موجود سوی الإنسان فله وجود ثابت لا يتحوّل ولا يتقلّب من نشأة الی اُخری، ولا من وجود إلی وجود آخر، والإنسان من حيث هو إنسان فهو فی الترقي دائماً من وجود الی وجود آخر ومن نشأة الی نشأة اخری، وليس بثابت علی مرتبة منه. لاحظ: مجموعه رسائل فلسفيّ، ص361.

5) سورة الحجر (15)، الآية 21.

6) قال: تلك الخزائن هی الصور المفارقة والمثل العقليّة الموجودة عند الله لهذه الأنواع الحسّيّة الطبيعيّة، فإنّ لكلّ نوع طبيعي صورة مفارقة عن الموادّ كما رآه أفلاطن ومَن سبقه.

7) سورة البقرة (2)، الآية 29.

والقلب والعقل والروح والسرّ والخفي وأخفى.(1)

أو تفسير مرور الجبال وتبدّل الأرض واللبس الجديد في قوله تعالى: (وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحاب)(2)وقوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْض)(3)وقوله: (بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَديد)(4)بالحركة الجوهريّة، وغير ذلك وهو كثير.

النتيجة

لا يختلف مشرب الحكمة المتعالية في جوهره عن طريقة العرفاء الصوفيّة، مع محاولة الاستفادة من الأحاديث الواردة في نصوص الشريعة كي تلائم اسلوبه ومسلكه، وذلك تحت غطاء التأويل، وطرح ما يعارض عقله وكشفه.

فظهر أنّ انتقاده للصوفيّة في بعض كتبه فهو فيمن عاصرهم ممّن لا يعرفون التصوّف فهم يتمثّلون بأشعارهم ولا يعرفون حقيقتها، وأمّا كبار الصوفيّة ومشايخهم المتقدّمين ولا سيّما محيي الدين والغزالي، فهو يجلّهم ويكنّ لهم أعظم التقدير والاحترام كما عرفت، حتّى وصفه المحدّث النوري بمروّج دعاوي الصوفيّة بما لا مزيد عليه.(5)

نكتفي بهذا المقدار، ونختم الحديث بقسم من ترجمة الملا صدرا كما ذكرها صاحب أعيان الشيعة، قال:

..يكثر _ أي الملّا صدرا _ من النقل عن محي الدين بن عربي المتوفي سنة 836 في جميع كتبه، ولا يذكره إلا بالتقديس والتعظيم، كالتعبير عنه بالحكيم العارف والشيخ الجليل المحقق ونحو ذلك. بل في بعض المواضع ما يشعر


1) تفسير القرآن الكريم، ج2، ص274.

2) . سورة النمل (27)، الآية 88.

3) . سورة إبراهيم (14)، الآية 48.

4) . سورة ق (50)، الآية 15.

5) . مستدرك الوسائل، ج3، ص422.

بأنّ قوله عنده من النصوص الدينيّة التي يجب التصديق بها ولا يحتمل فيها الخطأ. هذا رأيه فيه، بينما أنّ ابن عربي هذا سمّاه بعض الفقهاء بمميت الدين أو ماحي الدين. بل قيل: أنّ كلّ من يرى في ابن عربي حسن اعتقاد ويعتقد بآرائه فإنّ الفقهاء لابدّ أن يعدّوه كافرا، ولئن دافع عنه القاضي السيد نور الدين التستري في مجالس المؤمنين وأول كثيراً من كلماته، فإنّ صاحب الروضات لم يرضه ذلك وقال: لوكان الأمر كذلك لما بقي على وجه الأرض كافر ولا هالك.(1)

وكأنّ المترجَم استشعر هذه المؤاخذة عليه، فاعتذر عن ذلك في شرحه لأصول الكافي الذي له قرّاء مخصوصون غير قرّاء كتبه الفلسفيّة، فقال في مقدّمته ص5:

«وليعذرني إخواننا أصحاب الفرق الناجية ما أفعله في أثناء الشرح وتحقيق الكلام وتبيين المرام من الاستشهاد بكلام بعض المشايخ المشهورين عند الناس، وإن لم يكن مرضيّ الحال عندهم، نظراً إلى ما قال إمامنا أمير المؤمنين (علیه السلام): «لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ وانْظُرْ إِلَى مَا قَالَ». وطبعا لم يقصد ببعض المشايخ غير ابن عربي لأنّه لا يستشهد بكلام غيره من مشايخ الصوفيّة إلّا نادراً جدا.

ولكن هذا الاعتذار، وتبريره بقول أميرالمؤمنين (علیه السلام) لم يرفع المؤاخذة عليه في الاستشهاد بكلامه، لأنّه أولا لم يعتذر عنه في كتاب آخر، وثانياً حينما يخالفه في الرأي كثيراً ما يحاول توجيه كلامه على الوجه الذي يليق به، إكبارا له باعتباره من أعاظم الإلهيّين القدّيسين عنده. خذ مثالا لذلك مخالفته في مسألة علم الله، فإنّه استعظم عليه أن يقول بثبوت المعدومات، فقال في الأسفار معتذرا عنه، وذكره بلفظ الجمع باعتباره الممثل لطائفة مشايخ الصوفية: «لكن لحسن ظنّنا بهؤلاء الأكابر لما نظرنا في كتبهم


1) . روضات الجنات (للمحقّق الخوانساري)، ص705.

ووجدنا منهم تحقيقات شريفة مطابقة لما أفاضه الله على قلوبنا مما لا شك فيه، حملنا ما قالوا ووجّهنا ما ذكروه حملاً صحيحاً ووجيهاً..» ثم ذكر توجيهه لقوله.

وهذا الاعتذار عنه يجعل الاعتذار عن الاستشهاد بأقواله لا قيمة له في نظر من يرى في ابن عربي مميتاً للدين أو ماحياً له.

وأعظم من ذلك أنّه في مسألة حدوث العالم في السفر الثاني من الأسفار يذكر فصلا فيه بعنوان «فصل في نبذمن كلام أئمّة الكشف والشهود من أهل هذه الملّة البيضاء في حدوث العالم» ص671. ولا يذكر في هذا الفصل إلا كلمات لأمير المؤمنين (علیه السلام)، ثم يقول: «وأمّا كلام أهل التصوّف والمكاشفين» فينقل عبارات لابن عربي فقط، وحينما يختمها يقول: «انتهى كلامه الشريف». فعدّه من أئمّة الكشف والشهود، وجعله في صفّ أمير المؤمنين (علیه السلام)، ووصف كلامه بالشريف يجعله أعظم من أن يصحّ في الاعتذار بأنّه لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قيل.

وهو بعد لا يجعل أحداً من الفلاسفة في رتبته، حتّى الشيخ الرئيس والشيخ نصير الدين الطوسي، فإنّه لا يتأخّر عن نقدمهما ولا يتحرّج من تفنيد آرائهما دون ابن عربيّ. وقد سمعت كيف كان يتحاشى من مخالفته ويوجه كلامه. وإذا خالفه في بعض نكات البحث فإنّه يرقق العبارة بما لا يوجب طعناً فيه، (راجع الأسفار، ج4، ص161 و661) على الضدّ من مخالفته للشيخين الرئيس والطوسي.

وأكبر الظنّ أنّ الذي أخذ بمجامع قلب صاحبنا صدر المتألّهين من هذا الشيخ إعجابه بآرائه في الوجود التي قال عنها كما تقدّم: «لما نظرنا في كتبهم وجدنا منهم تحقيقات شريفة مطابقة لما أفاض الله على قلوبنا وتغافل عن آرائه الأخرى التي يختلف معه فيها أو لم يطّلع عليها على أبعد

الفروض». وفي الواقع لا يريد من التعبير بكتبهم إلا كتب هذا الشيخ وتلاميذه. ولا يريد من التحقيقات الشريفة إلّا آراءه في الوجود وأحكام الموجودات التي هي _ أعني هذه الآراء _ سرّ فلسفة صاحبنا في جميع مذهبه العرفاني».(1)


1) . أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج9، ص328.

الباب الثاني معرفة العلم والعقل

اشارة

اطّلعتَ باختصار على بعض المناهج المعرفيّة البشريّة حول الإدراك والعلم والعقل، وبناء معتقداتهم في الخالق وفق كلّ واحد من تلك المناهج، واطلعت أيضاً أنّ بعضها نسب إلى العقل ما ليس منه وبعضها أنكر حقيقته أو نفى حجّيته، فصاحب الحسّ أنكر الخالق لاقتصاره على الحسّ، وصاحب الفلسفة سعى لتعقّل الصانع وإعطاء صفة المخلوق له لعدم معرفته حدود العقل ولا كيفية الاستفادة الصحيحة منه، وجعل العقل في مصافّ النفس برفعه لمقام النفس فوق حدّها، وصاحب المكاشفة أبطل حجّية العقل ثمّ اعتقد بما يضادّه من القول باتحاد الخالق والمخلوق وغيرذلك.

ومع اختلاف هؤلاء في نتائج أفكارهم، إلا أنّهم يشتركون في سعيهم إلى تحصيل الطريق بالاكتفاء بالقدرة البشريّة، وإعراضهم عن تذكير المذكّرين الإلهيّين، وذلك لأجل تسويتهم لهم مع أنفسهم (قالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفي ضَلالٍ وسُعُر)(1)ومن ثمّ سعوا إلى الاقتصار على قدرتهم والاستغناء بها في المعرفة، ولمّا لم يرضوا بالتعلم من أولي العلم والتذكّر عبر اهل الذكر غفلوا عن الدور الذي يمكن أن يؤدّيه الفكر البشريّ، خصوصا في إثارة العقل وزيادته.

لنصرف الكلام بعد هذا إلى مسألة معرفة العلم ومعرفة العقل عبر الطريق الذي نبّه عليه الدين، وهو قائم على أساس التذكير والتنبيه بالأمور الأساسيّة التي من جملتها معرفة حقيقة فقر النفس وجهلها الذاتيّ وأنّ ذلك باب معرفة خالق النفس


1) . سورة القمر (54)، الآية 24.

وهو الوّهاب الذي يعطي الكمالات للمخلوق، منهانور العقل والعلم، وهو مفتاح الطلب والتضرّع والعبوديّة، وأنّ النفس غير مجرّدة حدوثا ولا بقاءا، وفاقدة بذاتها لجميع الكمالات، والتذكّر بحقّانية العلم وحجّيته، وبحقيقته النوريّة، وأنّه يحصل بإعطاء الله، والتذكّر أيضا بحقّانيّة العقل وأنّه حجّة فيما بين العباد وخالقهم، وأنّه نور خارج عن حقيقة النفس يكشف الواقع ولا يخطأ ولا يخدع أو ينخدع، وأنّ الدين والعقيدة مؤسّسان على العقل، والإنسان يحتاج في إثارة عقله إلى العلم، والوحي هو مصدر العلم وهو مذكّر ومنبّه على العقل ومثير لدفائنه، وأنّ الحاجة إلى النصوص في معرفة العقل إنّما هي لإزاحة الغفلة التي يبتلي بها المخلوق، والعقل يدعو إلى التصديق بالوحي، كما يدعو الوحي إلى العقل، والعقل شرعٌ من داخل، والشرع عقلٌ من خارج(1)والتذكّر ببركة نظر العاقل إلى آيات الخلقة والحكمة والعلم والقدرة في المخلوقات إلى خالقها، ومن ثم إزاحة الحجب عن فطرة الإنسان التي فطره الله عليها فيعرف ربّه بما عرّف نفسه، خارجا عن حدّ التعطيل والتشبيه، والتنبه إلى ضرورة وجود الأنبياء الإلهيّين المبعوثين لتعليم الناس، والوجوب العقلي للتسليم لهم وامتثال أوامرهم، وكذا وجوب عبادة الله واجتناب سخطه ومعصيته.

المقصد الأوّل: في معرفة العلم

1. معرفة النفس

هنا حقائق واضحة لكلّ عاقل لا يحتاج فيها إلّا التنبه، وهي:

أوّلاً: لدى رجوع الإنسان العاقل إلى نفسه وعند توجّهه إلى الحقائق الخارجيّة، أعمّ من المحسوسة منها بالحواسّ الظاهريّة أو المعقولات، وأعمّ من الأمور


1) . مجمع البحرين، (مادّة: عَقَل)؛ وفي حديث آخر: «إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً وحُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ والْأَنْبِيَاءُ والْأَئِمَّةُ (علیه السلام) وأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ» الكافي، ج1، ص15، ح12. وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَه» غرر الحكم، ح332.

الخارجيّة أوالذهنيّة، وأعمّ من ذوات الأشياء أو الأفعال الصادرة عنها، فهو يرى بأنّ له علماً تجاه بعضها، وجهلاً تجاه بعض، وأنّ معرفته بالنسبة إلى تلك الحقائق متفاوتة.

وإذا لم يكن ملتفتاً ثمّ سُئل: هل تحيط علماً بكلّ شيء؟ فسوف يجيب من دون رويّة بالنفي.

وممّا لا يعرفه البشر من الحقائق، ويقرّون في قرارة أنفسهم بجهلها وعدم إدراكها، من قبيل الجهل بحقيقة الحياة والموت، وحقيقة الروح والجسد، وكيفيّة تأثير أحدهما في الآخر، وسرّ تبدّل الجماد إلى نبات، وحياة الأرض بعد موتها، وعدد الأجرام والأفلاك، وحقيقتها، وسعة الكون، وكنه العناصر، وغير ذلك من المجهولات التي نسبة ما هو معروف منها إلى غير المعروف كالقطرة في البحر والذرّة في القفر، كلّ ذلك ظاهر وواضح.

ثانياً: يعلم هذا العاقل أيضاً بأنّ ما هو مكشوف له في الحال لم يكن كذلك سابقا، وأنّه كان جاهلاً قبل أن يعلم، كعدم علمه بالوقت قبل النظر إلى الساعة، أو بالكتاب قبل مطالعته والدرس قبل حضوره.

ثالثاً: يعلم هذا العاقل الملتفت أنّ ما يعلمه في الحال قد يعود بعد مدّة خفيّاً عليه، ويمسي جاهلاً كما كان، فما أكثرَ ما ينساه ويجهله من بعد علمه.

وعندما يضع قدماً في السنّ، عادة ما يفقد أوفر حظّه من العلم، وربّما ينسى أولاده وأهله وماضيه وحاضره، (لِكَي لَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئاً).(1)

رابعاً: يرى أنّه عند نومه يحال بينه وبين كثير ممّا يعلم، بل ربما انمحت معلوماته بالجملة في تلك الحال، ومَن يغرق في نوم عميق تخفى عليه حتى نفسه التي هي أقرب الأشياء إليه.

هذا مع ملاحظة أنّ حقيقة هذا الإنسان لا تختلف في النوم عنها في اليقظة، ولا كبره


1) . سورة الحجّ (22)، الآية 5.

عن صغره، ولا يلتزم عاقل أنّه عندحالٍ شخص، وعند أخرى آخر، ففي الصغر زيد وفي الكبر عمرو، بل إنّ هويّته وإنيّته محفوظة حتى لو كان جاهلا ثمّ تعلم ثمّ نسي.

خامساً: يرى هذا الملتفت أنّه ربّما اعترضته بعض الحالات في حال يقظته أوقعته في السهو والغفلة عما حوله، وربما غفل عن كلّ شيء بالمرّة... .

2.حقيقة العلم

اشارة

وبالالتفات إلى هذه الحقائق التي لا ينتابها غموض يمكن أن يتذكّر إلى المسائل التالية:

أ: يقوده التذكّر بأحوال نفسه أنّ ما وراءها شيء آخر به يدرك ما يدرك، فيرى نفسه مستنيرا عند وجدانه لذلك الشيء وحصوله له.

ب: وإذا توجّه إلى أنّه لم يكن عالماً ثمّ علم، وأنّه يعلم أموراً ويجهل أخرى، وإلى إمكان جهله بمعلوماته بعد أنْ كان عالماً، وفي أيّ وقت وعلى أيّة حال، وأنّه قد يغفل عن كلّ ما يعلم بسبب أو بدون سبب... يتوجّه إلى أنّ الكاشف له عمّا يعلم ليس جزءاً من ذاته، فهي مظلمة بنفسها، وإلا لم يكن معنى لجهله آناً، ولم يكن معنى للتفريق بينه وبين العلم طرفة عين، ولم يكن حينئذ بدّ من معرفة جميع الحقائق وفي جميع الأزمنة، ولا معنى لانكشاف بعض الحقائق له دون بعض.

ج: بالتنبّه لكاشفيّة العلم للأشياء المعلومة به يتذكّر الإنسان العاقل أنّ رتبة علمه فوق المعلوم، فكلّ ما يتّصف به المعلوم من جوهر وعرض وغير ذلك لا يوصف العلم به، وسواء كان المعلوم خارجيا أو ذهنيّاً.

فلو كان المعلوم علما، يكون المكشوف كاشفاً بنفسه عن نفسه، فلم يكن معنى لخفاء المعلوم أبداً حال وجوده، بل لزم ظهوره بوصف الكاشفيّة والمُظهريّة، ومع ملاحظة إمكان غفلة العبد عن نفسه فضلاً عن غيره يلتفت إلى امتناع الأمر المذكور.

فعندما يعلم بنفسه ومكشوفاته ويتوجّه إليهما، فهويعرفهما _ إذا التفت _ بوصف المظلميّة والخفاء الذاتيّ. يعني أنّه في حال انكشاف مكشوفاته _ التي من

جملتها ذاته لنفسه _ يجد في تلك الحال أنّها منكشفة، أي: أصبحت معلومة ومنوَّرة، فالمُظهِر لها مباين عنها.

د: ويظهر له أنّ حياة روحه بالنور الخارج عن حقيقته، إذ بدونه يبقى بلا إدراك أو شعور.

ه: وبأدنى تذكير يلتفت أنّ بالنور يُستدلّ على النور، ولا يُعرف العلم إلا بنفسه، ولا يُحاط أو يُكتنه، فما يعلمه العالم بواسطة النور دليل عليه، ولو سعى إلى تعقّل حقيقة العلم زادت حيرته، فيرى أنّ ذلك غير ممكن.

و: إنّ تقلّب الإنسان من حال إلى حال يدعوه إلى الالتفات إلى حقيقة فقره وعجزه وظلمة ذاته، وفاقته إلى من بيده هدايته والغنيّ الذي لا يفتقر، وأنّه من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

إنّ العبد حيث لا يملك العلم، يتذكّر بمالك العلم وأنّه هو الذي ينوّره ويعلّمه ما لم يعلم، فيبسط له العلم متى شاء ويقبضه متى شاء، وهو الهادي للسماوات والأرض، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فلم يعرف العلم من لم يعرف الله الذي هو واهب العلم.

العلم دليل على الله الواحد الاحد وبرهان على ربوبيّته ووحدانيّته، ودليل قدسه وسبّوحيّته، بل هذه الموهبة الإلهية آية عظمى على المالك لما أعطى عبده من النور الذي به يرى الأشياء ويعرفها، وهو المنّان عليه والجواد الكريم، فبالعلم يستدلّ عليه ويتقرّب إليه، وما لم يعرف الإنسان نفسه بوصف الفقر وظلمة ذاته لم يعرف الغنيّ المغني الوهّاب، فيتنبه أنّ توهّم كون رتبة النفس وحقيقتها عين العلم والكمال والنور انحراف عن الصواب وجهل.

بعد معرفة هذه الحقيقة يبدأ الإنسان بطلب العلم، فیبحث عن مظّانه، ويأتي إلى باب بيت سفراء الله الناطقين عنه.

وهذه التذكيرات التي مرّت عليك لم تكن لتحصل إلّا ببركةأولئك السفراء

الذين هم خلفاء الله، وبدونهم كان الناس في غفلة حتى يأتيهم النداء. نشير بعد هذا إلى بعض النصوص لكي تقف على اختلاف الدعوة الإلهية عن طريقة البشر في المعرفة، وأنّ المحاولة البشريّة حجاب على العلم.

نأتي إلى بعض الآيات المباركات التي تذكّر الإنسان بأنّ الخروج من الظلمة إلى النور يتوقّف على مشيئة الله تعالى وأنّ النور هو من عنده..

قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ والَّذينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمات)؛(1)

وقال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ويَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليم)؛(2)

وقال تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُور)؛(3)

وقال تعالى: (أَ ومَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرينَ ما كانُوا يَعْمَلُون).(4)

ثم نأتي إلى بعض أحاديث أئمّة الحقّ (علیهم السلام) في العلم، وإلى ما نبّهت من كونه «نوراً» «وهدى» وأنّه «يرشد» و«يضيء» و«يوضح» وما إلی ذلك.

جاء في البحار، عن الصادق (علیه السلام) في حديث عنوان البصريّ الّذي مرّ تمامه في صدر الكتاب، قال (علیه السلام): «لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى أَنْ يهدِيَهُ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا مِنْ نَفْسِكَ حَقِيقَةَ


1) . سورة البقرة (2)، الآية 257.

2) . سورة النور (24)، الآية 35.

3) . سورة النور (24)، الآية 40.

4) . سورة الأنعام (6)، الآية 122.

الْعُبُودِيَّةِ، واطْلُبِ الْعِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، واسْتَفْهِمِاللَّهَ يُفهمْكَ»(1).

وورد في الخصال، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: خَرَجَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) فَأَخَذَ بِيَدِي وأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ(2)وجَلَسَ وجَلَسْتُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: «يَا كُمَيْلُ، احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ(3)

يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ...».(4)

وجاء في الكافي الشريف، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: (سَأَلَ الْجَاثَلِيقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ اللهِ(عزّ و جّل) يَحْمِلُ الْعَرْشَ أَمِ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ؟ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): «اللهُ عزّ وجل حَامِلُ الْعَرْشِ والسَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ مَا فِيهِمَا ومَا بَيْنَهُمَا» _ إلى أن قال: _ «إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ... وهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ الله الْحَمَلَةَ وذَلِكَ نُورٌ مِنْ عَظَمَتِهِ، فَبِعَظَمَتِهِ ونُورِهِ أَبْصَرَ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وبِعَظَمَتِهِ ونُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ، وبِعَظَمَتِهِ ونُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ والْأَدْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ، فَكُلُّ مَحْمُولٍ يَحْمِلُهُ الله بِنُورِهِ وعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ ضَرّاً ولَا نَفْعاً ولَا مَوْتاً ولا حَيَاةً ولَا نُشُوراً... فَالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ الله عِلْمَهُ»، _ إلی أن قال: _ «وكَيْفَ يَحْمِلُ حَمَلَةُ الْعَرْشِاللَّهَ وبِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ وبِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَتِهِ؟!».(5)

وورد في نهج البلاغة، قال أميرالمؤمنين (علیه السلام): «الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ


1) . منية المريد، ص148.

2) . الجبانة: الصحراء وتُسمّى بها المقابر، لأنها تكون في الصحراء؛ (مجمع البحرين).

3) . قال في مجمع البحرين: يريد (علیه السلام) أنهم لعدم ثباتهم على عقيدة من العقائد وتزلزلهم في أمر الدين يتبعون كل داع ويعتقدون كل مدّع ويخبطون خبط عشواء من غير تمييز بين محق ومبطل.

4) . الخصال، ج1، ص186، ح257، وعن الصادق (علیه السلام): «يَغْدُو النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ صُنُوفٍ: عَالِمٍ ومُتَعَلِّمٍ وغُثَاءٍ، فَنَحْنُ الْعُلَمَاءُ وشِيعَتُنَا الْمُتَعَلِّمُونَ وسَائِرُ النَّاسِ غُثَاءٌ». بصائر الدرجات، ص9، ح4.

5) . الكافي، ج1، ص129، ح1.

الْوَاضِح».(1)

وفي غرر الحكم، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنِ اسْتَرْشَدَ الْعِلْمَ أَرْشَدَهُ».(2)

وعنه (علیه السلام) قال أيضا: «لَا هِدَايَةَ لِمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ».(3)

وقال (علیه السلام): «الْعِلْمُ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ».(4)

وعنه (علیه السلام) قال: «إِنَّ الْعِلْمَ يَهْدِي ويَرْشُدُ ويُنْجِي، وإِنَّ الْجَهْلَ يُغْوِي ويُضِلُّ ويُرْدِي».(5)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «مَنْ عَلِمَ اهْتَدَى».(6)

وورد في الكافي الشريف، عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام): «...أنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ، وأَنَّ النُّورَ فِي الْعِلْم...».(7)

وورد في أمالي الصدوق، عن أبي عبد الله، عن أبيه (علیهما السلام) أنّه قال: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام): تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، ومُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ» _ إلى أن قال (علیه السلام) _: «لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، ونُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الْعَمَى، وقُوَّةُ الْأَبْدَانِ...»الحديث.(8)

وورد في البحار، عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «الْعِلْمُ وَدِيعَةُ الله فِي أَرْضِهِ، والْعُلَمَاءُ أُمَنَاؤُهُ عَلَيْهِ، فَمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ أَدَّى أَمَانَتَهُ، ومَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الله مِنَ الْخَائِنِينَ».(9)


1) . نهج البلاغة، الخطبة 154؛ غرر الحكم، ح688.

2) . غرر الحكم، ح780.

3) . غرر الحكم، ح784.

4) . غرر الحكم، ح771.

5) . غرر الحكم، ح775.

6) . غرر الحكم، ح779.

7) . الكافي، ج1، ص29، ح34.

8) . الأمالي (للصدوق)، ص615، ح1.

9) . بحارالأنوار، ج2، ص36، ح40؛ ج 74، ص168، ح3؛ عن كتاب الدرّة الباهرة.

والمستفاد من هذه الأحاديث وغيرها أنّ العلم حقيقة نوريّة، ينكشف به المعلوم، ودليل على الواقع، ويرشد العالِم إلى الصواب، وموجب لحصول السكينة والاطمئنان في النفس وبرد اليقين، وأنّ قبض العلم وبسطه بيد الله سبحانه، وصيرورة العبد عالماً يكون بإيداع هذا النور في قلبه بإذنه تعالى، فیكون مقام النصوص مقام التنبيه، وهم (علیهم السلام) إنّما يقومون بسوق الناس ببركة النور إلى ذلك النور فيرفعون الغشاوات والتوهّمات الخاطئة عنه ليعرفوه به.

فالأمر ليس من قبيل التعريفات البشريّة التي تحاول تعقّل العلم وتصوّره، وهذا لا يزيده إلا بُعدا عنه، والعلم ليس عبارة عن جزم النفس ولا هو القطع بالواقع ولا تحصيل صورة ذهنيّة عن الواقع أو فعلاً من أفعال النفس ولا أحد مراتبها.

ورد في البحار، في صحيفة إدريس النبيّ على نبيّنا وآله وعليه السلام ممّا أنزله الله عليه: «لَا وُصُولَ إِلَّا بِالْعَقْلِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ، بِالْحَقِّ عُرِفَ الْحَقُّ، وبِالنُّورِ أُهْتُدِيَ إِلَى النُّورِ، وبِالشَّمْسِ أُبْصِرَتِ الشَّمْسُ، وبِضَوْءِ النَّارِ رُئِيَتِ النَّارُ، ولَنْ يَسَعَ صَغِيرٌ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ ولَا يَقِلُّ ضَعِيفٌ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ولَا يُحْتَاجُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُنِيرِ بِمَا هُوَ دُونَهُ».(1)

إنّ ما ذكره أهل المنطق في تعريف العلم هو في الحقيقة لمعلومات متعقّلة يمكن أن تقع المعرفة عليها، توهّموا أنّها حقيقة العلم، والسبب في ذلك أنّ التوجّه عموما هو إلى المعلومات، لذلك غالبا هناك غفلة عن نورانيّة العلم وأنّها سبب العلم بالمعلومات المختلفة، وهذا نظير رؤية الأشياء التي تكون بسبب المصباح، فأكثر الأحيان الالتفات يكون لتلك الأشياء لا للمصباح الذي وقع طريقا إليها.

بالتنبّه إلى العلم يظهر معنى التعليم، وهو إخراج العالم للجاهلَ المتحير في الظلمات إلى النور، فالتعلّم هو تحصيلالعلم الحقيقي بالعیان والابصار والرؤية للواقع، وليس مجرّد تحصیل الجزم والقطع ونفي الخلاف تجاه الشيء، ولا هو


1) . بحارالأنوار، ج92، ص466.

الدخول في المفاهيم الذهنية فهذا ليس من العلم في شيء، ولا يمكن أن يكون صاحبها معلّماً بحقيقة العلم لغيره، كما أنّ من الجهل بالعلم محاولة اكتناهه ويوجب المزید من الظلمة.

تنبيهات في بطلان العلم بالمعنى الاصطلاحي
العلم غير العالم

جاء في الكافي الشريف، عن الرضا علي بن موسى (علیهما السلام) في حديث: «...كَمَا أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا عُلَمَاءَ الْخَلْقِ إِنَّمَا سُمُّوا بِالْعِلْمِ لِعِلْمٍ حَادِثٍ إِذْ كَانُوا فِيهِ جَهَلَةً ورُبَّمَا فَارَقَهُمُ الْعِلْمُ بِالْأَشْيَاءِ فَعَادُوا إِلَى الْجَهْلِ وإِنَّمَا سُمِّيَ الله عَالِماً لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ شَيْئاً فَقَدْ جَمَعَ الْخَالِقَ والْمَخْلُوقَ اسْمُ الْعَالِمِ واخْتَلَفَ الْمَعْنَى عَلَى مَا رَأَيْت...».(1)

إنّ حصول العلم للعبد يكون بوجدانه لذلك النور بإعطاء الله، فليس العلم نفسه ولا يتحد معه، وهذه الحقيقة يجدها الإنسان المستضيء بالعلم عند التذكّر إليها كما تنبّهت.

فلو ذُكّر لتذكّر أنّه في حال وجدانه للعلم لم تتغيّر ذاته، وإذا رآى أنّه أصبح نفس العلم أو العقل فقد غالى في نفسه ورفعها فوق مرتبتها.

لذلك ما يقال من اتحاد العلم والعالم أو العقل والعاقل، وببلوغ مرتبة النفس إلى مرتبة العقل واتحادهما، وبأنّ الفرق باللحاظ فقط، هذه ليست مقالة من يعرف الله ويعرف نفسه به، بل منشإ هذه النظرية هم منكرو الربّ ومن یرون أنفسهم أرباباً وإلهة، وتدفع القول بها إلى مفاسد أخرى عديدة، فإنّ النفس وحالاتها _ كسائر الأشياء _ مظلمة، تستنير بوجدانها للعلم، ولا يزالا حقيقتين متباينتين حقيقة.

فظهر أنّ من الفوارق بين الانسان في الفلسفة والإنسانفي تعاليم الوحي أنّه غنيّ بالذات في الاول وكماله الذي يطلبه عبارة عن استكشاف عظمة ذاته وحقيقتها


1) . الكافي، ج1، ص121، ح2.

الغنيّة. وأمّا الكمال في مدرسة الوحي فهي وجدان الفقر والعجز الذاتيّ، فكلما تقدم الانسان في المعرفة الدينية وجد حقارة نفسه وانه مقصر ومستحق للحرمان أكثر وأكثر، وأين هذا من تعاليم الفلسفة؟

العلم غير المعلوم

ليس الموجود الخارجي فحسب، بل كلّ مفهوم وصورة ذهنية، سواء كان له ما بإزاء في الخارج أو لا، وسواء كان مطابقاً لما في الخارج أو لا، وسواء أقيم على إثباته برهان منطقيّ أو لا، وسواء كان مفهوماً مركّباً أو لا، وسواء كان المفهوم لصغرى أو لكبرى أو لنتيجة ضمّهما، وسواء كان لمادّة الأقيسة أو لصورها، وسواء كان مفهوماً بديهياً أو نظريّاً، وسواء كان تصوّراً ساذجا أو مع التصديق... هذا المفهوم _ هو مثل المعلوم الخارجيّ _ شيءٌ، والكاشف المُظهر له وللشيء الخارجي إلى النفس شيء آخر على خلافه، وإلّا لا يمكن أن يكون كاشفا.

وعليه فالعلم بالأشياء الخارجيّة يكون بكشف العلم لها من دون توقف على الصورة. والمعلوم هو الخارج، والعالِم في غنى عن الصورة، فكما أنّها ليست حقيقة العلم فهي ليست واسطة في حصوله أيضا.

يرشدك على هذه الحقيقة علمك بالعدم، حيث تعلم به من دون وجود معلوم، لا ذهني ولا خارجي، فإنّه منكشف لك بلا صورة له منتزعة منه. ولا حاجة للتكلّف في إرجاعه إلى المضاف ثمّ إلى الموجود والقول بامتناع العلم بالعدم المطلق.

نعم للعالم متى شاء أن يوجد أي صورة ذهنيّة وينسبها إلى علمه كان له ذلك وهذا التصوير للنفس ببركة نور العلم، لكنّه لا يحتاج إليها في مقام العلم.

والعلم ليس من الصفات ذات الإضافة حتى يحتاج إلىالمعلوم في نفسه، فهو نورٌ، والنور لا يحتاج في وجدانه إلى الظلمة.

العلم في العلوم الإلهيّة والعلم في العلوم البشريّة

لا تشم من النصوص الشريفة التي مرّت عليك رائحة العلم بمصطلحه الفلسفيّ والمنطقيّ، فتعريفه به، ومن ثمّ إرجاع النصوص إليه إضلال وتعمية عن العلم الحقيقي الذي ذكّر به الوحي، ومحاربة للعلماء الإلهيّين، فإنّ العلم الاصطلاحي يقع عليه التعريف والتوصيف والعلم الحقيقي ما به التعريف والتوصيف، وتعريف العلم سباحة في بحر الظلمات والتوهمات، ومعرفة العلم تكون بصحو تلك الأوهام ومحوها.

لذلك فالنصوص الشريفة تدعو وتشير إلى علم هو نور وهادٍ ومرشد كما مرّت أحاديث أئمّة الحق في ذلك، فهي إنّما تشير إلى ظهوره الذاتيّ، وحاشى لها أن تقع فيما وقعت الفلسفة الذي يلزمه وقوع العلم معرَّفاً وبالتالي تكون حقيقته ظلمانية لا نورانيّة، فامتناع تعريف العلم لغناه عنه حيث أن ذاته المعرِّفية، وإلا استلزم التناقض كما لا يخفى.

فقل أن ما ورد حول العلم هو تذكير لما قد يُحجب عنه العبد بسبب الغفلة فاحتاج إلى ما يزيل تلك الحجب وهو حقيقة التذكير الذي يقوم به الوحي تجاه ما يجده العاقل من هداية العلم للعالِم وإراءته الواقع حين العلم.

الجهة الأخرى التي ينبّه عليها الوحي من التذكير بنوارنية العلم هو كونه بيد الربّ، والعبد متى بُسط له العلم كان عالماً، فلا يملكه إلا بتمليكه، وليس له سوى الطلب من واهب العلم والتعلّم ممن امر بالتعلم منهم.

3. معدن العلم ومحلّه

بدون هداية الربّ يبقى هذا الإنسان في ظلمة جهله وضلالته، فالله تعالى هو الهادي ومعطي العلم والفهم. ثمّ إنّه سبحانه قد وضع العلم في وعاء، وهذا الوعاء هو صدر خلیفته الذي أرسله للناس حتّی یعلّمهم ویهدیهم، وأمر الناس أن يتعلّموامنه، وأرسله مع كتابه الذي فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي فدعاهم إلی

تعلّمه، فكان من اهمّ أدوار الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هو تعليم الكتاب، كما قال تعالى: (كَما أَرْسَلْنا فيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون).(1)

وقال تعالى: (رَبَّنا وابْعَثْ فيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيم).(2)

وقال تعالى: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبين).(3)

وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبين).(4)

وفي الكافي الشريف عن الإمام الصادق (علیه السلام) في حديث طويل، وفيه صفة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السلام)، قال: «...اصْطَفَاهُ الله وارْتَضَاهُ واجْتَبَاهُ وآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ مَفَاتِيحَهُ ومِنَ الْحُكَمِ يَنَابِيعَهُ، ابْتَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ ورَبِيعاً لِلْبِلَادِ، وأَنْزَلَ الله إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فِيهِ الْبَيَانُ والتِّبْيَانُ (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(5)قَدْ بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ ونَهَجَهُ، بِعِلْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ ودِينٍ قَدْ أَوْضَحَهُ وفَرَائِضَ قَدْ أَوْجَبَهَا وحُدُودٍ حَدَّهَا لِلنَّاسِ وبَيَّنَهَا...».(6)

ثمّ بعد ذلك ورّث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) علمه لخلفاءه وأوصياءه وحمّلهم إیّاه لكي يرجع إليهم الناس ويتّبعوهم ولا يضلّوا ويتيهوا، فجعلهم خزّانّه وعيبة علمه، وامتحن الخلق بالأخذ وطلب العلم منهم، وجعلهم وسيلة في تحصيل العلوم والمعارف الإلهيّة.


1) . سورة البقرة (2)، الآية 151.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 129.

3) . سورة الجمعة(62)، الآية 2.

4) . سورة آل عمران(3)، الآية 164.

5) . سورة الزمر (39)، الآية 28.

6) . الكافي، ج1، ص444 _ 445، ح17.

لقد تواترت النصوص في كتب الفريقين على اختيار الله لخاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) اثني عشر وصيّاً وأمره الله بتوريث علمه،وأنّ الناس إلى يوم القيامة مأمورون باتباعهم والتعلّم منهم والاهتداء بهديهم، وقد جاء التأكيد في طوائف من الأحاديث على الأئمة من أهل البيت (علیهم السلام) تارة أنّهم «أبواب العلم»(1)

و«مظانّ العلم»(2)

«خزّان العلم»(3)

و«عيبة العلم»(4)

و«معدن العلم»(5)

و«سفط العلم»(6)

و«عيش العلم»(7)

و«معقل العلم»(8)

و«مفاتح العلم»(9)

و«أصول العلم».(10)

وتارة: على أنّ غيرهم ليس يهدي إلى شيء من الحقّ، وعلى امتناع حصول الهداية من غير الله وحججه، وأنّ ما لم يخرج من بيت النبوّة باطل... .

وتارة: على أنّه ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب إلا ما خرج عن أهل البيت... .

وتارة: على المنع من محاولة المعرفة الدينيّة من غيرهم، والتحذير من المزج مع أفكار أعدائهم... .

وتارة: على وجوب طلب الهداية من أهل الذكر وهم أهل البيت.

وتارة: على حرمة التأخّر عنهم أو التقدّم عليهم فيما قالوا وفعلوا.

وتارة: على وجوب التحكيم إليهم عند الاختلاف... وغير ذلك من الأدلّة الدالّة على لزوم الأخذ عنهم والاستهداء بهم دون غيرهم.

فمن يأتي من الباب الّذي عيّنه الله تعالى هداه وإلا ألزمه التيه، كما ورد عن أبي


1) . الأمالي (للصدوق)، ص22، ح5.

2) . لاحظ: الأمالي (للطوسي)، ص569، ح1176 _ 2.

3) . من لا يحضره الفقيه، ج2، ص610، ح3213.

4) . التهذيب، ج6، ص96، ح1.

5) . بصائر الدرجات، ص57 _ 58، ح1 _ 9.

6) . الأمالي (للصدوق)، ص341، ح1.

7) . الكافي، ج4، ص391، ح586.

8) . بصائر الدرجات، ج1، ص364، ح7

9) . بصائر الدرجات، ج1، ص364، ح10.

10) . بصائر الدرجات، ج1، ص363، ح6.

عبد الله (علیه السلام): «مَنْ دَانَ اللهَ بِغَيْرِ سَمَاعٍمِنْ عَالِمٍ صَادِقٍ أَلْزَمَهُ الله التِّيهَ إِلَى الْفَنَاءِ، ومَنِ ادَّعَى سَمَاعاً مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ الله لِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وذَلِكَ الْبَابُ هُوَ الْأَمِينُ الْمَأْمُونُ عَلَى سِرِّ الله الْمَكْنُونِ».(1)

نستعرض لمحة من الأخبار المبيّنة أنّ العلم لا يوجد إلّا عند أهل البيت الذين اختارهم الله دون الخلق، وأنّهم المخصوصون بالعلم وورثة الكتاب.

ورد في الكافي الشريف عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) في خطبة له: «...فَإِنَّهُمْ خَاصَّة نُور يُسْتَضَاءُ بِهِ وأَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، وهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ ومَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ ولَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وصَامِتٌ نَاطِقٌ فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ ومُخْبِرٌ صَادِقٌ لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ ولَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ الله السَّابِقَةُ ومَضَى فِيهِمْ مِنَ الله(عزّ و جّل) حُكْمٌ صَادِقٌ وفِي ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ».(2)

ورد في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في خطبة له: «...وَآخَرُ قَدْ تُسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ، ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ ويُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: (أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ) وفِيهَا وَقَعَ، ويَقُولُ: (أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ) وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ولَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ فَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ وأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ والْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ والْآيَاتُ وَاضِحَةٌ والْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ؟ بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ، وهُمْ أَزْمَّةُ الْحَقِّ وأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ، فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِمَنَازِلَ ورُدُّوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ».(3)

ورد في الكافي عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «ذَهَبَ النَّاسُ


1) . الغيبة (للنعماني)، ص 134 _ 135، ح18.

2) . الكافي، ج8، ص391، ح586.

3) . نهج البلاغة، الخطبة 87.

إِلَى عُيُونٍ كَدِرَةٍ يُفْرَغُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْنَا إِلَى عُيُونٍ صَافِيَةٍ تَجْرِي بِأَمْرِ رَبِّهَا لَا نَفَادَ لَهَا ولَا انْقِطَاعَ».(1)

ورد في الكافي عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «إِنَّ النَّاسَ آلُوا بَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله إِلَى ثَلَاثَةٍ: آلُوا إِلَى عَالِمٍ عَلَى هُدًى مِنَ الله قَدْ أَغْنَاهُ الله بِمَا عَلِمَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ، وجَاهِلٍ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ لَا عِلْمَ لَهُ مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا وفَتَنَ غَيْرَهُ، ومُتَعَلِّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلَى سَبِيلِ هُدًى مِنَ الله ونَجَاةٍ، ثُمَّ هَلَكَ مَنِ ادَّعَى وخابَ مَنِ افْتَرى».(2)

ورد في الكافي قال الإمام الباقر (علیه السلام) لسَلَمَة بن كُهيل والحَكَم بن عُتيبة: «شَرِّقا أَوْ غَرِّبا لَنْ تَجِدَا عِلْماً صَحِيحاً إِلَّا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ».(3)

ورد في مختصر البصائر، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السلام) يَقُولُ: «كُلُّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ فَهُوَ بَاطِلٌ».(4)

ورد في الكافي وقال (علیه السلام) أيضاً: «...فَلْيُشَرِّقِ الْحَكَمُ ولْيُغَرِّبْ أَمَا واللَّهِ لَا يُصِيبُ الْعِلْمَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ نَزَلَ عَلَيْهِمْ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام)».(5)

ورد في المحاسن عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَقٌّ ولَا صَوَابٌ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ أَخَذُوهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، ولَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَقْضِي بِحَقٍّ وعَدْلٍ وصَوَابٍ إِلَّا مِفْتَاحُ ذَلِكَ الْقَضَاءُ وبَابُهُ وأَوَّلُهُ وسَبَبُهُعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام)...».(6)

جاء في كتاب بصائر الدرجات عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: (كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ ولَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ» فَقَالَ (علیه السلام): «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ إِلَّا خَرَجَ


1) . الكافي، ج1، ص184، ح9.

2) . الكافي، ج1، ص33 _ 34، ح1.

3) . الكافي، ج1، ص399، ح3.

4) . مختصر البصائر، ص198، ح179.

5) . الكافي، ج1، ص400، ح1.

6) . المحاسن، ج1، ص146، ح53.

مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) فَلْيَذْهَبِ النَّاسُ حَيْثُ شَاءُوا، فَوَ الله لَيَأْتِيهِمُ الْأَمْرُ مِنْ هَاهُنَا»، وأَشَارَ (علیه السلام) بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ).(1)

جاء في كتاب بصائر الدرجات أيضاً عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) في قول الله(عزّ و جّل) (وَمَنْ أضَلُّ مِمَّن اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدَىً مِنَ اللهَ)(2)قال: «يَعْنِي مَنْ يَتَّخِذُ دِينَهُ رَأْيَهُ بِغَيْرِ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الهُدَى...».(3)

ورد في كتاب الكافي الشريف عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «واللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ كِتَابَ الله مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَأَنَّهُ فِي كَفِّي، فِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وخَبَرُ الْأَرْضِ وخَبَرُ مَا يَكُونُ وخَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ، قَالَ الله فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْء».(4)

وجاء في الكافي أيضا عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قوله تعالى (قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك) قَالَ: فَفَرَّجَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام) بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَوَضَعَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ: (وعِنْدَنَا واللَّهِ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلُّهُ).(5)

ورد في المناقب عن أبي جعفر (علیه السلام) في قوله تعالى (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ) قَالَ (علیه السلام): «إِيَّانَا عَنَى،الْأَئِمَّةَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (علیهم السلام)».(6)

ورد في تفسير القمّي، قوله تعالى (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) الْأَئِمَّةُ.(7)

وجاء في تفسير القمّي أيضاً عن بريد، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ


1) . بصائر الدرجات، ص12، ح1.

2) . سورة القصص (28)، الآية 50.

3) . بصائر الدرجات، ص13، ح1؛ ولاحظ سائر أحاديث الباب.

4) . الكافي، ج1، ص184، ح4؛ آخره إشارة إلى الآية 89 من سورة النحل: (وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبْيانَاً لِكُلِّ شَيءٍ).

5) . الكافي، ج1، ص229، ح5.

6) . المناقب، ج4، ص283.

7) . تفسير القمي، ج1، ص384.

الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَدْ عَلِمَ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ والتَّأْوِيلِ، ومَا كَانَ الله لِيُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْهُ تَأْوِيلَهُ، وأَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ...».(1)

وورد في تفسير فرات الكوفي، عن زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ الله، إِنَّ خَيْثَمَةَ حَدَّثَنِي عَنْكَ أَنَّهُ سَأَلَكَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ) فَحَدَّثَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيكُمْ خَاصَّةً وأَنَّكُمُ الَّذِينَ أُوتِيتُمُ الْعِلْمَ؟ قَالَ (علیه السلام): «صَدَقَ واللَّهِ خَيْثَمَةُ لَهَكَذَا حَدَّثْتُهُ...».(2)

وجاء في كتاب بصائر الدرجات عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) قَالَ: «نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وبَيْتُ الرَّحْمَةِ، ومَفَاتِيحُ الْحِكْمَةِ، ومَعْدِنُ الْعِلْمِ، ومَوْضِعُ الرِّسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، ومَوْضِعُ وَحْيِ اللَّه...».(3)

وقال الصفّار في بصائر الدرجات عن أبي‌عبدالله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «فَنَحْنُ... خُزَّانُهُ عَلَى عِلْمِهِ».(4)

وفي حديث آخر قال (علیه السلام): «فَجَعَلَنَا صَفْوَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأُمَنَاءَهُ عَلَى وَحْيِهِ، وخُزَّانَهُ فِي أَرْضِهِ، ومَوْضِعَ سِرِّهِ،وعَيْبَةَ عِلْمِهِ...».(5)

وجاء في بصائر الدرجات عن أبي جعفر (علیه السلام) أنّه قَالَ: «واللَّهِ إِنَّا لَخُزَّانُ الله فِي سَمَائِهِ وأَرْضِهِ، لَا عَلَى ذَهَبٍ ولَا عَلَى فِضَّةٍ إِلَّا عَلَى عِلْمِهِ...».(6)

وورد في بصائر الدرجات عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «نَحْنُ خُزَّانُ الله فِي الدُّنْيَا


1) . تفسير القمي، ص196.

2) . تفسير فرات، ص319.

3) . بصائر الدرجات، ص57، ح3.

4) . بصائر الدرجات، ص61، ح4.

5) . بصائر الدرجات، ص62، ح7.

6) . بصائر الدرجات، ص104، ح1.

والْآخِرَةِ، وشِيعَتُنَا خُزَّانُنَا، ولَوْلَانَا مَا عُرِفَ اللَّهُ...».(1)

ورد في كتاب بصائر الدرجات، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «إِنَّ لِلهِ عِلْماً لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وعِلْماً قَدْ أَعْلَمَهُ مَلَائِكَتَهُ وأَنْبِيَاءَهُ ورُسُلَهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ». ثُمَّ أَشَارَ (علیه السلام) بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ.(2)

ورد في الكافي الشريف عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قال: «يَمُصُّونَ الثِّمَادَ(3)

ويَدَعُونَ النَّهَرَ الْعَظِيمَ»، قِيلَ لَهُ: ومَنِ النَّهَرُ الْعَظِيمُ؟ قَالَ: «رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله والْعِلْمُ الَّذِي آتَاهُ الله، إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) سُنَنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آدَمَ هَلُمَّ جَرّاً إِلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)»، .قِيلَ لَهُ: ومَا تِلْكَ السُّنَنُ؟ قَالَ: «عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِلْمَ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ، وإِنَّ رَسُولَ الله صَيَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام)». فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ أَوْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام): «اسْمَعُوا مَا نَقُولُ، إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ مَسَامِعَ مَنْ يَشَاءُ، إِنِّي حَدَّثْتُ أَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) عِلْمَ النَّبِيِّينَ وأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ، وهُوَ يَسْأَلُنِي هُوَ أَعْلَمُ أَمْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ!».(4)جاء في تفسير البرهان عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ قَالَ: عَرَضْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله؟َ؟ بَعْضَ خُطَبِ أَبِيهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ فَقَالَ: «كُفَّ»، فَاسْكُتْ؛ ثُمَّ قَالَ لِي: «اكْتُبْ»، وأَمْلَى عَلَيَّ: «أَنَّهُ لَا يَسَعُكُمْ فِيمَا نَزَلَ بِكُمْ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ إِلَّا الْكَفُّ عَنْهُ والتَّثَبُّتُ فِيهِ ورَدُّهُ إِلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى حَتَّى يَحْمِلُوكُمْ فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ ويَجْلُوا عَنْكُمْ فِيهِ الْعَمَى، قَالَ اللَّه: (فَاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون)».(5)

ورد في الكافي، عَنْ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا


1) . بصائر الدرجات، ص105، ح11.

2) . بصائر الدرجات، ص110، ح5.

3) . قال العلاّمة المجلسيّ: الثِماد ككِتاب: الماء القلیل الذي لا مادّة له، أو ماء یظهر في الشتاء ویذهب في الصیف. بحارالأنوار، ج17، ص132.

4) . الكافي، ج1، ص222 _ 223، ح6.

5) . البرهان في تفسير القرآن، ج2، ص370؛ والآية، سورة الأنبياء(21)، الآية 7.

أَنْتُمْ؟ قَالَ: «نَحْنُ خُزَّانُ عِلْمِ الله ونَحْنُ تَرَاجِمَةُ وَحْيِ الله ونَحْنُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ دُونَ السَّمَاءِ ومَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ».(1)

ورد في كتاب بصائر الدرجات، عن الصادق (علیه السلام) في حديث طويل أنّه قال: «...أُصُولِ عِلْمٍ عِنْدَنَا نَتَوَارَثُهَا كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ نَكْنِزُهَا كَمَا يَكْنِزُ هَؤُلَاءِ ذَهَبَهُمْ وفِضَّتَهُمْ».(2)

جاء في إرشاد القلوب، عن الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا جَلَسَ عَلِيٌّ (علیه السلام) فِي الْخِلَافَةِ وبَايَعَهُ النَّاسُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ مُتَعَمِّماً بِعِمَامَةِ رَسُولِ الله مُتَنَعِّلًا بِنَعْلِ رَسُولِ الله مُتَقَلِّداً سَيْفَ رَسُولِ الله فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وجَلَسَ عَلَيْهِ مُتَّكِئاً ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَوَضَعَهَا عَلَى بَطْنِهِ وقَالَ: «مَعَاشِرَ النَّاسِ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، هَذَا سَفَطُ الْعِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ الله، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) زَقّاً زَقّاً، سَلُونِي فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ، أَمَا واللَّهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وأَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وأَهْلَ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، حَتَّى تَنْطِقَ لِيَ التَّوْرَاةُ والْإِنْجِيلُ والزَّبُورُ ويَقُلْنَ: صَدَقَ عَلِيٌّ ومَا كَذَبَ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله(عزّ و جّل) فِينَا وأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْقُرْآنُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌّ ومَا كَذَبَ، لَقَدْأَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فِيَّ، ولَوْ لَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا يَكُونُ وبِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)...».(3)

الخلاصة أنّ المفتاح إلى أبواب العلم هم أهل البيت (علیهم السلام) وهم الخزنة الذين يكنزون العلم ويعطوه لمن وجدوه أهلاً لذلك، وهم الذین أخذوا عنهم لا عن غیرهم، كما في الحديث: «شيعتنا خزّاننا»(4)وبهذا يعلم حال كلّ من هجرهم وأخذ من الشرق والغرب.


1) . الكافي، ج1، ص192، ح3.

2) . بصائر الدرجات، ص300، ح4.

3) . إرشاد القلوب، ج2، ص375.

4) . بصائر الدرجات، ص105، ح11.

وجاء في الكافي، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «أَمَا واللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكُمْ، وإِنَّ النَّاسَ سَلَكُوا سُبُلًا شَتَّى فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِرَأْيِهِ ومِنْهُمْ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ ومِنْهُمْ مَنِ اتَّبَعَ الرِّوَايَةَ، وإِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ بِأَمْرٍ لَهُ أَصْلٌ، فَعَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ والِاجْتِهَادِ...».(1)

ثمّ ممّا لا يخفى على أحد اعتراف نوابغ البشريّة فضلا عن غيرهم بالجهل، وأنّهم لا يعلمون إلّا قليلا، وأفضل ما عندهم ليس سوى نظريّات وظنون، وعليه، فأيّ مسوّغ للعاقل أن يترك بحور العلوم الزاخرة ومعدن العلم ووكره ومنبعه، ویذهب إلی غیره.

أين نظريّات أصحاب القياس من كتابٍ (لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ).(2)

وأين آراء المعترفين بجهلهم من مثل علم عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) الذي عَلِم عِلم الأوّلين والآخرين(3)

وعلّمه النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ألف باب من العلم يفتح له مِن كلّ باب ألف باب(4)

وافتقر غيره إليه وأغناه الله عنهم(5)وصاحب العلم الجمّ!(6)قال الله تعالى: (أَ فَمَنْ يَهْدي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون).(7)

ورد في الكافي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في عليّ وأوصياءه (علیهم السلام) أنّه قال: «...فَإِنَّهُمْ لَا يُدْخِلُونَكُمْ فِي بَابِ ضَلَالٍ ولَا يُخْرِجُونَكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى، ولَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ وإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْكِتَاب...».(8)


1) . الكافي، ج8، ص146، ح121.

2) . سورة فُصّلت (41)، الآية 42.

3) . الفقيه، ج2، ص589، ح3197.

4) . الاحتجاج، ج1، ص153.

5) . لاحظ حديث أميرالمؤمنين (علیه السلام) في إرشاد القلوب، ج2، ص313.

6) . لاحظ: الخصال، ج1، ص186.

7) . سورة يونس (10)، الآية 35.

8) . الكافي، ج1، ص209، ح6.

وجاء في كتاب الأصول الستة عشر، في أصل جعفر عن حميد عن جابر عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي (علیه السلام) فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتِ رَحْمَةٍ اخْتَصَّكُمُ الله بِذَلِكَ، قَالَ: نَحْنُ كَذَلِكَ والْحَمْدُ لِلهِ لَمْ نُدْخِلْ أَحَداً فِي ضَلَالَةٍ ولَمْ نُخْرِجْ أَحَداً مِنْ بَابِ هُدًى، نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُضِلَّ أَحَداً».(1)

4. مسألة طلب العلم

اشارة

يعدّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الحياة بالعلم والموت بالجهل، إلّا أنّه لابدّ من التعمّن جيّداً فيما حثّ على طلبه وبيّن فضله، وأيضاً في آداب التعلّم وشروط العلم، وعلى أنّ طلب العلم يجب أن يكون مؤسّساً على أساس العبوديّة، فيجب النظر في هذه الأمور ونظائرها.

أ: فضل العلم

قال الله تبارك وتعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ والَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْباب).(2)

وقال سبحانه: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ غَفُور).(3)

وقال سبحانه: (يَرْفَعِ الله الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍواللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير).(4)

ورد في كتاب روضة الواعظين عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «خَيْرُ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ، وشَرُّ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ مَعَ الْجَهْل».(5)

جاء في نزهة الناظر قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «أَعَزُّ الْعِزِّ الْعِلْمُ، لِأَنَّ بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَعَادِ والْمَعَاشِ، وأَذَلُّ الذُّلِّ الْجَهْلُ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَصَمُّ، أَبْكَمُ، أَعْمَى، حَيْرَانُ».(6)


1) . الأصول الستة عشر، ص71.

2) . سورة الزمر (39)، الآية 9.

3) . سورة فاطر (35)، الآية 28.

4) . سورة المجادلة (58)، الآية 11.

5) . روضة الواعظين، ص17.

6) . نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص70.

ورد في كتاب غرر الحكم عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «غَايَةُ الْفَضَائِلِ الْعِلْم».(1)

ورد في أمالي الصدوق، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (علیهم السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِهِ، وإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ، وفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً ولَا دِرْهَماً ولَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».(2)

جاء في كنز الفوائد، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «عَلَيْكُمْ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ طَلَبَهُ فَرِيضَةٌ، وهُوَ صِلَةٌ بَيْنَ الْإِخْوَانِ ودَالٌّ عَلَى الْمُرُوءَةِ وتُحْفَةٌ فِي الْمَجَالِسِ وصَاحِبٌ فِي السَّفَرِ وأُنْسٌ فِي الْغُرْبَة».(3)

ورد في منية المريد عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ الله مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ الْعَالِمِ إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ، وبَنَى الله لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍمَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ ويَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وهِيَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ويُمْسِي ويُصْبِحُ مَغْفُوراً لَهُ وشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ عُتَقَاءُ الله مِنَ النَّارِ».(4)

ورد في أمالي الطوسي عن رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «الْعَالِمُ بَيْنَ الْجُهَّالِ كَالْحَيِّ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ».(5)

ورد في أمالي الصدوق، عن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) أنّه قال: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ ومُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ والْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وهُوَ عِنْدَ الله لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ والْحَرَامِ وسَالِكٌ بِطَالِبِهِ


1) . غرر الحكم، ح6379.

2) . الأمالي (للصدوق)، ص60، ح9.

3) . كنز الفوائد، ج1، ص319.

4) . منية المريد، ص100.

5) . الأمالي (للطوسي)، ص521، ح1148 _ 55.

سَبِيلَ الْجَنَّةِ وهُوَ أَنِيسٌ فِي الْوَحْشَةِ وصَاحِبٌ فِي الْوَحْدَةِ وسِلَاحٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ وزَيْنُ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ الله بِهِ أَقْوَاماً يَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ تُرْمَقُ أَعْمَالُهُمْ وتُقْتَبَسُ آثَارُهُمْ، وتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خَلَّتِهِمْ يَمْسَحُونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ، لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ ونُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الْعَمَى وقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَنْزِلُ الله حَامِلَهُ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ ويَمْنَحُهُ مُجَالَسَةَ الْأَخْيَارِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، بِالْعِلْمِ يُطَاعُ الله ويُعْبَدُ وبِالْعِلْمِ يُعْرَفُ الله ويُوَحَّدُ، بِالْعِلْمِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ وبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ والْحَرَامُ، والْعِلْمُ إِمَامُ الْعَقْلِ والْعَقْلُ تَابِعُهُ، يُلْهِمُهُ الله السُّعَدَاءَ ويَحْرِمُهُ الْأَشْقِيَاءَ».(1)

وفي غرر الحكم عنه (علیه السلام) أيضاً قال: «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يَعْلَمُه».(2)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِالْعُلُومِ والْعُقُولِ لَا بِالْأَمْوَالِ والْأُصُولِ».(3)

وفي الكافي الشريف عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «عَالِمٌيُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ».(4)

وفي منية المريد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَهُوَ كَالصَّائِمِ نَهَارَهُ الْقَائِمِ لَيْلَهُ، وإِنَّ بَاباً مِنَ الْعِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَباً فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ الله».(5)

وجاء في كتاب من لا يحضره الفقيه في وصيّة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لأمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «يَا عَلِيُّ نَوْمُ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْعَابِدِ، يَا عَلِيُّ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا الْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ يُصَلِّيهَا الْعَابِدُ».(6)


1) . بحارالأنوار، ج1، ص166، ح7؛ عن الأمالي (للصدوق)، ص615 _ 616، ح1.

2) . غرر الحكم، ح6752؛ ولاحظ: ح11027؛ وح2787؛ وفي نهج البلاغة: «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُه». الحكمة، ص81.

3) . غرر الحكم، ح11009.

4) . الكافي، ج1، ص33، ح8.

5) . منية المريد، ص100؛ قال الطريحي: أبو قُبَيس جبل بمكة يقرب من الكعبة، سمّي برجل من مذحج لأنّه أوّل مَن بنى فيه. مجمع البحرين «مادة: قبس».

6) . من لا يحضره الفقيه، ج4، ص367، ح5762.

منية المريد، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتْ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ».(1)

ورد في تفسير الإمام العسكري (علیه السلام) أنّه قال: «قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ (علیهما السلام): الْعَالِمُ كَمَنْ مَعَهُ شَمْعَةٌ تُضِيءُ لِلنَّاسِ، فَكُلُّ مَنْ أَبْصَرَ بِشَمْعَتِهِ دَعَا بِخَيْرٍ كَذَلِكَ الْعَالِمُ مَعَهُ شَمْعَةٌ تُزِيلُ ظُلْمَةَ الْجَهْلِ والْحَيْرَةِ، فَكُلُّ مَنْ أَضَاءَتْ لَهُ فَخَرَجَ بِهَا مِنْ حَيْرَةٍ أَوْ نَجَا بِهَا مِنْ جَهْلٍ فَهُوَ مِنْ عُتَقَائِهِ مِنَ النَّار».(2)

جاء في علل الشرائع عن أبي الدرداء قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عزّ وجل يَجْمَعُ الْعُلَمَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَقُولُ لَهُمْ: لَمْ أَضَعْ نُورِي وحِكْمَتِي فِي صُدُورِكُمْ إِلَّا وأَنَا أُرِيدُ بِكُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُم».(3)

ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهالصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) أنّه قَال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ الله(عزّ و جّل) النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ووُضِعَتِ الْمَوَازِينُ فَتُوزَنُ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ مَعَ مِدَادِ الْعُلَمَاءِ فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاء».(4)

جاء في كتاب كنز الفوائد عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) أنّه قال: «لَا تُحَقِّرَنَّ عَبْداً آتَاهُ الله عِلْماً، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَقِّرْهُ حِينَ آتَاهُ إِيَّاهُ».(5)

ورد في كتاب الاحتجاج عن أبي محمّد العسكريّ (علیه السلام) عن عَلِيّ بْن مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) أنّه قال: «لَوْلَا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِنَا (علیه السلام) مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ والدَّالِّينَ عَلَيْهِ والذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ بِحُجَجِ الله والْمُنْقِذِينَ لِضُعَفَاءِ عِبَادِ الله مِنْ شِبَاكِ إِبْلِيسَ ومَرَدَتِهِ ومِنْ فِخَاخِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ قُلُوبَ ضُعَفَاءِ الشِّيعَةِ كَمَا يُمْسِكُ السَّفِينَةَ سُكَّانُهَا لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الله، أُولَئِكَ هُمُ الْأَفْضَلُونَ عِنْدَ الله(عزّ و جّل)».(6)


1) . منية المريد، ص104.

2) . تفسير الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، ص342، ح220.

3) . علل الشرائع، ج2، ص468، ح28.

4) . من لا يحضره الفقيه، ج4، ص399، ح5853.

5) . كنز الفوائد، ج1، ص319.

6) . الاحتجاج، ج2، ص502.

ورد في كتاب الاحتجاج عن العسكريّ (علیه السلام) أنّه قال: «قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام): مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا عَالِماً بِشَرِيعَتِنَا فَأَخْرَجَ ضُعَفَاءَ شِيعَتِنَا مِنْ ظُلْمَةِ جَهْلِهِمْ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ الَّذِي حَبَوْنَاهُ بِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نُورٍ يُضِيءُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ وحُلَّةٌ لَا تَقُومُ لِأَقَلِّ سِلْكٍ مِنْهَا الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا عِبَادَ الله، هَذَا عَالِمٌ مِنْ تَلَامِذَةِ بَعْضِ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ (علیهم السلام) أَلَا فَمَنْ أَخْرَجَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْرَةِ جَهْلِهِ فَلْيَتَشَبَّثْ بِنُورِهِ لِيُخْرِجَهُ مِنْ حَيْرَةِ ظُلْمَةِ هَذِهِ الْعَرَصَاتِ إِلَى نُزْهَةِ الْجِنَانِ، فَيُخْرِجُ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَّمَهُ فِي الدُّنْيَا خَيْراً أَوْ فَتَحَ عَنْ قَلْبِهِ مِنَ الْجَهْلِ قُفْلًا أَوْ أَوْضَحَ لَهُ عَنْ شُبْهَة».(1)

ب: وجوب طلب العلم، وما يجب تعلّمه

ورد في إرشاد القلوب، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام)، أنّه قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ، واقْتَبِسُوهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلهِ حَسَنَةٌ، وطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، والْمُذَاكَرَةَ فِيهِ تَسْبِيحٌ...،».(2)

وجاء في روضة الواعظين، عن رَسُول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «اطْلُبُوا الْعِلْمَ ولَوْ بِالصِّينِ، فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم».(3)

وفي الكافي الشريف، عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) أنّه يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلُ بِهِ، أَلَا وَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ؛ إِنَّ الْمَالَ مَقْسُومٌ مَضْمُونٌ لَكُمْ، قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ، وَضَمِنَهُ، وَسَيَفِي لَكُمْ، وَالْعِلْمُ مَخْزُونٌ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَقَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَاطْلُبُوهُ...».(4)


1) . تفسير الإمام (علیه السلام)، ص339، ح215.

2) . إرشاد القلوب، ج1، ص165؛ وقد ورد تفسيره عن الصادق (علیه السلام): «عِلْمِ التَّقْوَى والْيَقِين» مصباح الشريعة، ص13؛ أيضا عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «ثُمَّ عَلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ إِلَّا بِهِ وهُوَ الْإِخْلَاصُ» بحارالأنوار، ج2، ص32، ح22.

3) . روضة الواعظين، ج1، ص11.

4) . الكافي، ج1، ص30، ح4.

ورد في كتاب زيد، عن جابر الجعفيّ قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِالله (علیه السلام) يَقُولُ: «اطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَعْدِنِ الْعِلْمِ وإِيَّاكُمْ والْوَلَائِجَ فِيهِمُ الصَّدَّادُونَ عَنِ اللَّه...».(1)

ورد في تحف العقول عن الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) في وصيّته لهشام أنّه قال: «يَا هِشَامُ نُصِبَ الْخَلْقُ لِطَاعَةِ الله ولَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ والطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، والْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ، ولَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ،ومَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْل».(2)

جاء في روضة الواعظين عن أَمِير الْمُؤْمِنِين (علیه السلام) أنّه قال: «يَا مُؤْمِنُ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ والْأَدَبَ ثَمَنُ نَفْسِكَ فَاجْتَهِدْ فِي تَعَلُّمِهما، فَمَا يَزِيدُ مِنْ عِلْمِكَ وأَدَبِكَ يَزِيدُ فِي ثَمَنِكَ وقَدْرِكَ، فَإِنَّ بِالْعِلْمِ تَهْتَدِي إِلَى رَبِّكَ وبِالْأَدَبِ تُحْسِنُ خِدْمَةَ رَبِّكَ وبِأَدَبِ الْخِدْمَةِ يَسْتَوْجِبُ الْعَبْدُ وَلَايَتَهُ وقُرْبَهُ، فَاقْبَلِ النَّصِيحَةَ كَيْ تَنْجُوَ مِنَ الْعَذَاب».(3)

وورد في كتاب مكارم الأخلاق، عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) في وصيّته لأبي ذرّ قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ عِلْماً لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّ اللَّهَ نَعَتَ الْعُلَمَاءَ فَقَالَ(عزّ و جّل): (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ويَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعا)».(4)

جاء في كتاب الكافي الشريف عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (علیه السلام) أنّه قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الْمَسْجِدَ فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: عَلَّامَةٌ. فَقَالَ: ومَا الْعَلَّامَةُ؟ فَقَالُوا لَهُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ ووَقَائِعِهَا وأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ والْأَشْعَارِ الْعَرَبِيَّةِ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): ذَاكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ ولَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ سُنَّةٌ


1) . بحارالأنوار، ج3، ص93، ح27؛ عن أصل زيد الزراد، وعنه أيضا المستدرك، ج17، ص285، ح21358 _ 3؛ وفيه بدل: «فيهم الصدّادون عن الله»: «فهم الصدّادون عن سبيل الله».

2) . تحف العقول، ص387.

3) . روضة الواعظين، ج1، ص11.

4) . مكارم الأخلاق، ص461؛ والآيات: الإسراء، الآيات 107 _ 109.

قَائِمَةٌ، ومَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ».(1)وجاء في كتاب نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في وصيّته للإمام المجتبى (علیه السلام) أنّه قال: «واعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، ولَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ».(2)

وجاء في الكافي الشريف، عن سفيان بن عيينة قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ كُلَّهُ فِي أَرْبَعٍ: أَوَّلُهَا أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ، والثَّانِي أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ، والثَّالِثُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ، والرَّابِعُ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ دِينِكَ».(3)

وجاء في تحف العقول، عن الإمام الباقر (علیه السلام) في وصيّته لجابر أنّه قال: «...وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلَامَةِ، وَلَا سَلَامَةَ كَسَلَامَةِ الْقَلْبِ، وَلَا عَقَلَ كَمُخَالَفَةِ الْهَوَى...».(4)

وورد في مجموعة ورّام، سُئل أمير المؤمنين (علیه السلام) عن العلم، فقال (علیه السلام): «أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ بِقَدْرِ حَاجَتِكَ إِلَيْهِ، وأَنْ تَعْصِيَهُ بِقَدْرِ صَبْرِكَ عَلَى النَّارِ، وأَنْ تَعْمَلَ لِدُنْيَاكَ بِقَدْرِ عُمُرِكَ فِيهَا، وأَنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ بِقَدْرِ بَقَائِكَ فِيهَا».(5)

وفي غررالحكم عنه (علیه السلام) قال: «خَيْرُ الْعِلْمِ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ رَشَادَكَ وشَرُّهُ مَا أَفْسَدْتَ


1) . الكافي، ج1، ص32، ح1؛ قال المجلسي: «إنّما العلم» أي: العلم النافع ثلاثة: «آية محكمة» أي واضحة الدلالة أو منسوخة، فإنّ المتشابه والمنسوخ لا ينتفع بهما كثيرا من حيث المعنى. «و فريضة عادلة» قال في النهاية: «فريضة عادلة». أراد العدل في القسمة أي معدلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنة من غير جور، ويحتمل أن يريد أنّها مستنبطة من الكتاب والسنة فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ عنهما، انتهى. والأظهر أن المراد مطلق الفرائض أي الواجبات أو ما علم وجوبه من القرآن والأول أظهر لمقابلة الآية المحكمة، ووصفها بالعادلة لأنها متوسطة بين الإفراط والتفريط.. والمراد بالسنة المستحبات أو ما علم بالسنة وإن كان واجبا وعلى هذا فيمكن أن نخص الآية المحكمة بما يتعلق بالاصول أو غيرهما من الأحكام والمراد بالقائمة الباقية المنسوخة. (وما خلاهنّ فهو فضل) أي زائد باطل لا ينبغي أن يضيع العمر في تحصيله . (بحارالأنوار، ج1، ص211، ذيل ح5)

2) . نهج البلاغة، ص391؛ الكتاب، ص21.

3) . الكافي، ج1، ص50، ح11.

4) . تحف العقول، ص205.

5) . مجموعة ورّام، ج2، ص37.

بِهِ مَعَادَكَ».(1)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «خَيْرُ عَلمِكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ يَوْمَكَ وشَرّه مَا أَفْسَدَتْ بِهِ قَوْمِكَ».(2)وعنه (علیه السلام): «...اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَع».(3)

ج: ثمار العلم وميراثه

العلم الذي يجب تعلّمه ويجدر في طلبه بذل المهَج وخوض اللجج هو الذي يزيد العبد تواضعاً لله وعبادةً له وتقرّباً إليه وخشية منه فهو يثمر معرفة الله تعالى. وإليك بعض الأحاديث التي تبيّن الثمرات المهمّة للعلم وما يعطيه الله للعلماء الربّانيّين ببركة العلم.

قال أميرالمؤمنين (علیه السلام): «إِذَا زَادَ عِلْمُ الرَّجُلِ زَادَ أَدَبُهُ وتَضَاعَفَتْ خَشْيَتُه».(4)

وعنه (علیه السلام) قال: «أَعْلَمُكُمْ أَخْوَفُكُمْ».(5)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «ثَمَرَةُ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ اللَّه».(6)

وعنه (علیه السلام) أيضاً قال: «ثَمَرَةُ الْعِلْمِ الْعِبَادَةُ».(7)

وقال (علیه السلام) في غرر الحكم: «ثَمَرَةُ الْعِلْمِ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ».(8)

وقال (علیه السلام): «ثَمَرَةُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ لِلْحَيَاةِ».(9)

وعنه (علیه السلام) قال: «ثَمَرَةُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ بِهِ».(10)


1) . غرر الحكم، ح5023.

2) . غرر الحكم، ح76.

3) . نهج البلاغة، الخطبة 31.

4) . غرر الحكم، ح4174.

5) . غرر الحكم، ح2831.

6) . غرر الحكم، ح4586.

7) . غرر الحكم، ح4600.

8) . غرر الحكم، ح4642.

9) . غرر الحكم، ح4627.

10) . غرر الحكم، ح4624.

وقال (علیه السلام) أيضاً: «مَنْ عَرَفَ كَفَّ».(1)

أقول: قال العلامة النمازي قدس الله سره في قوله تعالى: (يُؤتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أوتِيَ خَيرَاً كَثِيراً)(2):

والمراد بها الحكمة التي آتاها الله تعالى أنبياءه ورسله وأولياءه، لا الأباطيل التي لفّقتها الفلاسفة بأهوائهم وآرائهم ومقائسهم، فإنّ أباطيلهم التي سمّوها الحكمة لا تثمرالخوف من الله، بل تثمر الأمن من العذاب، لأنّها تثمر التطوّر والجبر وتوحيد الأفعالي، بخلاف الحكمة الإلهية فإنّها تورث الخوف وعليها ينطبق الرواية المشهورة: «رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّه تعالى»(3)المذكورة في خطبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبوك.(4)

د: أصناف طلبة العلم

من الأمور التي لها بالغ الأثر في مسألة تحصيل العلم هي أخلاقيّات طالبه ونيّته، وقد أولى لها الدين اهتماماً كبيراً، خلافا للمدارس المعرفيّة البشريّة، التي لا تكاد تهتمّ بالغرض والهدف وراء المتعلّم ولا بمعتقداته فضلا عن أخلاقه وسلوكه مادام سالكا للعلم، أمّا في المعارف الإلهيّة فإنّها تبيّن أنّ العلم ليس من نصيب كلّ طالب بل ينبغي توفير شروط العلم من التواضع الذي يترجم على الجوارح، والاخلاص في العبوديّة للوهّاب.

ورد في الكافي الشريف عن أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «طَلَبَةُ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ فَاعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وصِفَاتِهِمْ: صِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْجَهْلِ والْمِرَاءِ، وصِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلِاسْتِطَالَةِ والْخَتْلِ، وصِنْفٌ يَطْلُبُهُ لِلْفِقْهِ والْعَقْلِ، فَصَاحِبُ الْجَهْلِ والْمِرَاءِ مُوذٍ مُمَارٍ مُتَعَرِّضٌ لِلْمَقَالِ فِي أَنْدِيَةِ الرِّجَالِ بِتَذَاكُرِ الْعِلْمِ وصِفَةِ الْحِلْمِ، قَدْ تَسَرْبَلَ بِالْخُشُوعِ وتَخَلَّى مِنَ


1) . غرر الحكم، ح7645.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 269.

3) . تفسير القمّي، ج1، ص291.

4) . مستدرك السفينة، ج2، ص350.

الْوَرَعِ، فَدَقَّ الله مِنْ هَذَا خَيْشُومَهُ وقَطَعَ مِنْهُ حَيْزُومَهُ، وصَاحِبُ الِاسْتِطَالَةِ والْخَتْلِ ذُو خِبٍّ ومَلَقٍ يَسْتَطِيلُ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ ويَتَوَاضَعُ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْ دُونِهِ، فَهُوَ لِحَلْوَائِهِمْ هَاضِمٌ ولِدِينِهِ حَاطِمٌ، فَأَعْمَى الله عَلَى هَذَا خُبْرَهُ وقَطَعَ مِنْ آثَارِ الْعُلَمَاءِ أَثَرَهُ، وصَاحِبُ الْفِقْهِ والْعَقْلِ ذُو كَآبَةٍ وحَزَنٍ وسَهَرٍ، قَدْ تَحَنَّكَ فِي بُرْنُسِهِ وقَامَ اللَّيْلَ فِي حِنْدِسِهِ، يَعْمَلُ ويَخْشَى وَجِلًا دَاعِياً مُشْفِقاً مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ عَارِفاً بِأَهْلِ زَمَانِهِ مُسْتَوْحِشاً مِنْ أَوْثَقِ إِخْوَانِهِ، فَشَدَّ الله مِنْ هَذَا أَرْكَانَهُوأَعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَانَهُ».(1)

وجاء في الكافي الشريف عن أبي عبد الله أيضاً أنّه يَقُولُ: «إِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وإِنَّ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ وكَمْ مِنْ مُسْتَنْصِحٍ لِلْحَدِيثِ مُسْتَغِشُّ لِلْكِتَابِ، فَالْعُلَمَاءُ يَحْزُنُهُمْ تَرْكُ الرِّعَايَةِ والْجُهَّالُ يَحْزُنُهُمْ حِفْظُ الرِّوَايَةِ، فَرَاعٍ يَرْعَى حَيَاتَهُ ورَاعٍ يَرْعَى هَلَكَتَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الرَّاعِيَانِ وتَغَايَرَ الْفَرِيقَانِ».(2)

وفي عدّة الداعي عَنِ النَّبِيِّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قَالَ: «أَوْحَى الله إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ ويَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ ويَطْلُبُونَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ الْآخِرَةِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الْكِبَاشِ وقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وأَعْمَالُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ: إِيَّايَ يُخَادِعُونَ؟ ولَأُتِيحَنَّ لَكُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَكِيمَ حَيْرَانا».(3)

ه: العلم الذي في القلب والعلم الذي على اللسان
اشارة

نلفت النظر إلى مطلبين:

الأوّل: أنّ في الاحاديث الشريفة إشارة إلى مسألة الأخذ بالعلم والترك له، فمن لم يعمل بعلمه فقد تركه، ولا يُعد عالماً من أعرض عن علمه وانسلخ منه، فكمال العلم هو العمل به، لذلك ليس كلّ من يحسن الكلام ويستطيع الجواب يُعدّ عالماً، فالعالم الحقيقيّ مَن استنار به فاقترن علمه بالإيمان والخشية والعمل، ومن


1) الكافي، ج1، ص49، ح5.

2) . الكافي، ج1، ص49، ح6.

3) . عدّة الداعي، ح164.

وقف العلم عند لسانه ولم يتجاوز ترقوته يبقى قلبه مظلما بظلمة الجهل، ولا يُعدّ عالما وإنْ شقّ الشعر شعرتين، مع أنّه قد تمّت الحجّة عليه، فهناك فرق بين عالِم اللسان وعالم القلب، وعلم الأوّل وَضيع في جنب العالم المنتفع بعلمه، واستنارته ضئيلة في مقابل الآخر.

وأقول لمزيد من البيان: إنّك قد تنبّهت أنّ حقيقة العبد في حال العلم والجهل سواء، أي: لا تتغيّر ذاته إلی ذات نوريّة مع حصول العلم، فحتّی في تلك الحال يمكن له أن يعرض عنالنور ويغمض البصر فلا يری، ويتغافل فلا يذكر، فيتبع الهوی وينسلخ من علمه، ويرجع أصمّ وأعمی، فالعلم إذن مقرون بالعمل.

من هنا كانت وظيفة العالم الذي يريد تعليم الجاهل أن يزكّيه أوّلاً، قال تعالی: (يُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ) ولهذا ينبغي لمن يطلب نور القلب ويريد العلم وهو النور الربّاني الذي تكون حياة روحه به أن يأخذ هذا الأمر المهمّ محمل الجدّ ويتضرّع إلی الله ربّه في أن يوفّقه لتحقيق معنی العبوديّة ويسأله من فضله أن يزكّيه ويوفّقه لمكارم الأخلاق، كما قال الإمام (علیه السلام): «فَإِذَا أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ»، ولذلك كان العلماء الربّانيّون أكثر الناس مراقبة لكلامهم وأفعالهم. وأين تجد هذا في طريقة العلوم البشرية وعلی رأسها الحكمة اليونانيّة؟

ثانيا: ثمّة علوم لها مدخليّة في تحصيل الكمال للإنسان، وعلوم أخرى ليست لها تلك المدخليّة. فالمدح الذي في النصوص الشريفة حول العلم إنما هو للأوّل، لأنّه هو العلم الذي جاء به الأنبياء لهداية البشر ويحتاجونه لمعرفة وظيفتهم أمام المولی سبحانه وتعالی.

نقف على بعض الأحاديث المتعلقة بالمطلب الأوّل، وأمّا المطلب الثاني فقد مضت بعض الأحاديث فيه.

جاء في كتاب الكافي الشريف عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علي بن أبي طالب (علیهما السلام) عَنِ النَّبِيِّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ: «الْعُلَمَاءُ رَجُلَانِ؛ رَجُلٌ عَالِمٌ آخِذٌ بِعِلْمِهِ فَهَذَا نَاجٍ،

وعَالِمٌ تَارِكٌ لِعِلْمِهِ فَهَذَا هَالِكٌ، وإِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ رِيحِ الْعَالِمِ التَّارِكِ لِعِلْمِهِ، وإِنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ نَدَامَةً وحَسْرَةً رَجُلٌ دَعَا عَبْداً إِلَى الله فَاسْتَجَابَ لَهُ وقَبِلَ مِنْهُ فَأَطَاعَ اللَّهَ فَأَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ، وأَدْخَلَ الدَّاعِيَ النَّارَ بِتَرْكِهِ عِلْمَهُ واتِّبَاعِهِ الْهَوَى وطُولِ الْأَمَلِ، أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّعَنِ الْحَقِّ وطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ».(1)

وفي غرر الحكم عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «كَمَالُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ».(2)

وقال (علیه السلام): «كَمَالُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ وكَمَالُ الْحِلْمِ كَثْرَةُ الِاحْتِمَالِ والْكَظْمِ».(3)

وفي الكافي الشريف عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «الْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى الْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ومَنْ عَمِلَ عَلِمَ، والْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ».(4)

وفي الخصال عن أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «قَطَعَ ظَهْرِي رَجُلَانِ مِنَ الدُّنْيَا رَجُلٌ عَلِيمُ اللِّسَانِ فَاسِقٌ، ورَجُلٌ جَاهِلُ الْقَلْبِ نَاسِكٌ، هَذَا يَصُدُّ بِلِسَانِهِ عَنْ فِسْقِهِ وهَذَا بِنُسُكِهِ عَنْ جَهْلِهِ، فَاتَّقُوا الْفَاسِقَ مِنَ الْعُلَمَاءِ والْجَاهِلَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ، أُولَئِكَ فِتْنَةُ كُلِّ مَفْتُونٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ: يَا عَلِيُّ هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ كُلِّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ».(5)

وعنه (علیه السلام) في غرر الحكم قال: «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ عَلِيمِ اللِّسَانِ مُنَافِقِ الْجَنَانِ، يَقُولُ مَا تَعْلَمُونَ ويَفْعَلُ مَا تُنْكِرُون».(6)

وجاء في كنز الفوائد للكراجكي عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «الْعِلْمُ عِلْمَانِ؛ عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ فِي اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْعِبَاد».(7)

وجاء في الكافي الشريف عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ:


1) . الكافي، ج1، ص44، ح1.

2) . غرر الحكم، ح2824.

3) . غرر الحكم، ح9640.

4) . الكافي، ج1، ص44، ح2.

5) . الخصال، ج1، ص69، ح103.

6) . غرر الحكم، ص264، ح12.

7) . معدن الجواهر (للكراجكيّ)، ص25.

قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «تَجِدُ الرَّجُلَ لَا يُخْطِئُ بِلَامٍ ولَا وَاوٍ، خَطِيباً مِصْقَعاً، ولَقَلْبُهُ أَشَدُّ ظُلْمَةً مِنَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وتَجِدُ الرَّجُلَ لَا يَسْتَطِيعُ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ بِلِسَانِهِ، وقَلْبُهُ يَزْهَرُ كَمَا يَزْهَرُ الْمِصْبَاحُ».(1)

وفي نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) أنّه قَالَ: «أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اللِّسَانِ وأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ والْأَرْكَان».(2)

وفي الكافي الشريف عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ خَطَبَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ عَنْ جَهْلِهِ، بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ والْحَسْرَةَ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ، مِنْهَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ، وكِلَاهُمَا حَائِرٌ بَائِر».(3)

وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «كَفَى بِالْعَالِمِ جَهْلًا أَنْ يُنَافِيَ عِلْمُهُ عَمَلَه».(4)

وفي تحف العقول عن الإمام الكاظم (علیه السلام) مما نقله عن المسيح على نبيّنا وآله وعليه السلام قال: «بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ النَّاسَ فِي الْحِكْمَةِ رَجُلَانِ؛ فَرَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وضَيَّعَهَا بِسُوءِ فِعْلِهِ ورَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وصَدَّقَهَا بِفِعْلِهِ، وشَتَّانَ بَيْنَهُمَا، فَطُوبَى لِلْعُلَمَاءِ بِالْفِعْلِ ووَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ بِالْقَوْل...».(5)

في عدّة الداعي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْمَلُوا، فَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الله بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهِ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ والسُّفَهَاءُ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَة».(6)


1) . الكافي، ج2، ص422، ح1.

2) . نهج الحكمة، الحكمة 92.

3) . الكافي، ج1، ص45، ح6.

4) . غرر الحكم، ح56 (الفصل 65).

5) . تحف العقول، ص392.

6) . عدّة الداعي، ص76.

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في غرر الحكم أنّه قال: «الْعَالِمُ مَنْ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ ولَا يَتَشَبَّعُبِه».(1)

وفي مجموعة ورّام عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «يَا طَالِبَ الْعِلْمِ، لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَامَةٌ بِهَا تَشْهَدُ لَهُ وعَلَيْهِ، فَلِلدِّينِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ؛ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ(عزّ و جّل) وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، ولِلْعِلْمِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ؛ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ وبِمَا يُحِبُّ ويَكْرَهُ...».(2)

وفي الكافي الشريف عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) قَالَ: «الْقُلُوبُ ثَلَاثَةٌ؛ قَلْبٌ مَنْكُوسٌ لَا يَعِي شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ وهُوَ قَلْبُ الْكَافِرِ وقَلْبٌ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَالْخَيْرُ والشَّرُّ فِيهِ يَعْتَلِجَانِ فَأَيُّهُمَا كَانَتْ مِنْهُ غَلَبَ عَلَيْهِ(3)

وقَلْبٌ مَفْتُوحٌ فِيهِ مَصَابِيحُ تَزْهَرُ ولَا يُطْفَأُ نُورُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ».(4)

وفي مصباح الشريعة عن الإمام الصَّادِقِ (علیه السلام) أنّه قال: «الْخَشْيَةُ مِيرَاثُ الْعِلْمِ والْعِلْمُ شُعَاعُ الْمَعْرِفَةِ وقَلْبُ الْإِيمَانِ، ومَنْ حُرِمَ الْخَشْيَةَ لَا يَكُونُ عَالِماً وإِنْ شَقَّ الشَّعْرَ بِمُتَشَابِهَاتِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماء)».(5)

وفي عدّة الداعي عَنِ الصَّادِقِ (علیه السلام) في قَوْلِ الله(عزّ و جّل):(إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) قَالَ: «يَعْنِي مَنْ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ فِعْلُهُ ومَنْ لَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهُ فِعْلُهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ».(6)

وفي الكافي عن زين العابدين (علیه السلام) أنّه قال: «...وَمَا الْعِلْمُ بِاللَّهِ والْعَمَلُ إِلَّا إِلْفَانِ مُؤْتَلِفَانِ، فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ خَافَهُ وحَثَّهُ الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ. وإِنَّ أَرْبَابَ الْعِلْمِ وأَتْبَاعَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ فَعَمِلُوا لَهُ ورَغِبُوا إِلَيْهِ، وقَدْ قَالَ اللَّهُ: (إنَّما يَخْشَى


1) . غرر الحكم، ح1768.

2) . مجموعة ورّام، ج2، ص117.

3) . في معاني الاخبار: «فَمَا كَانَ مِنْهُ أَقْوَى غَلَبَ عَلَيْهِ». معاني الأخبار، ص395، ح50.

4) . الكافي، ج2، ص423، ح3.

5) . مصباح الشريعة، ص20.

6) عدّة الداعي، ص79.

اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء)».(1)

وفي أمالي الطوسيّ عن مولانا الرِّضَا (علیه السلام) أنّه قَالَ:«حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (علیهم السلام) قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) يَقُولُ: الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ، والْعِلْمُ حَاكِمٌ عَلَيْهِمْ، وحَسْبُكَ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَخْشَى اللَّهَ، وحَسْبُكَ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ تُعْجَبَ بِعِلْمِكَ».(2)

وورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وعِلْمُهُ مَعَهُ لَا يَنْفَعُه».(3)

وفي غرر الحكم عن أميرالمؤمنين علي (علیه السلام) أنّه قال: «مَا عَلِمَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ».(4)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «الْعَالِمُ مَنْ شَهِدَتْ بِصِحَّةِ أَقْوَالِهِ أَفْعَالُهُ».(5)

وعنه (علیه السلام) أيضا أنّه قال: «الْإِيمَانُ والْعِلْمُ أَخَوَانِ تَوْأَمَانِ ورَفِيقَانِ لَا يَفْتَرِقَان».(6)

وفي الكافي الشريف عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) أنّه قَالَ: «إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمَ والصَّمْتَ».(7)

وبالجملة، فإنّ العالم من كانت أفعاله مترجمة وناطقة عن علمه فدخل الإيمان في قلبه وتصرّف في كلّ أعضاءه، وبذلك يظهر الفرق بين العالم الحقيقي والمدّعي للعلم الذي لا یتجاوز علمه ترقوته.

وقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كما في كتاب الاختصاص: «لَا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ يَدْعُوكُمْ


1) . الكافي، ج8، ص16، ح2.

2) . الأمالي (للطوسي)، ج56، ح78 _ 47، قال العلاّمة المجلسيّ: «حسبك من العلم» أي: من علامات حصوله، وكذا الفقرة الثانيّة.

3) . نهج البلاغة، الحكمة 107.

4) . غرر الحكم، ح9512.

5) . غرر الحكم، ح1711.

6) . غرر الحكم، ح1785.

7) . الكافي، ج1، ص141، ح70.

إِلَّا عَالِمٌ يَدْعُوكُمْ مِنَ الْخَمْسِ إِلَى الْخَمْسِ: مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ ومِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ ومِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ ومِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَىالنَّصِيحَةِ ومِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزُّهْد».(1)

أقول: ويأتي مزيد من الأحاديث تحت عنوان (شرط العلم).

فائدة في اليقين

عندما يُعطى العلم للعبد، فإنّه إمّا أن يدفع بعلمه شكّه أو يدفع بشكّه علمه، ولو أخذ بالشكّ فقد أمرض قلبه، وإذا دفع الشكّ سكنت النفس واستقرّت وذهب الاضطراب والارتياب وحصل الاطمينان، وهذا لو حصل فهو برد اليقين الذي يحصل بزوال الشكّ من القلب، ويتمّ ببركة نور العلم.

قال الطبرسي في قوله تعالى: (كَلّا لَو تَعْلَمونَ عِلمَ اليَقينِ):

أي لو تعلمون الأمر علماً يقيناً لشغلكم ما تعلمون من التفاخر والتباهي بالعزّ والكثرة، وعلم اليقين هو العلم الذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشكّ فيه، ولهذا لا يوصف الله تعالى بأنّه متيقّن.(2)

وفي المحاسن عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ (علیه السلام): اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَصْغَرُ مَا ضَرَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَا يَصْغَرُ مَا يَنْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكُونُوا فِيمَا أَخْبَرَكُمُ الله كَمَنْ عَايَنَ».(3)

إنّ العبد المؤمن المقرّ لله تعالى بالربوبيّة والمعتقد بحقانية ما أنزله على رسله، لا يفتأ الشيطان في وسوسته، وربما وقع على بعض الذنوب، فأثّر في يقينه، فلا يخشى الله كأنّه يراه، ويكون الموت كأنّه على غيره كُتب، والارتحال عن الدنيا كأنّه أمر مشكوك به، فلا يعمل لما بعد الموت كما يعمل الموقن، ولا يوقن بالآخرة كيقينه بالدنيا، ويتردّد في التوكّل على الله وتفويض أموره إليه، وما في يده يكون أوثق عنده


1) . الاختصاص، ص335.

2) . مجمع البيان، ج10، ص534.

3) . المحاسن، ص250.

ممّا في يد الله، «تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن»(1)وقد يقرأ القرآن لكن لا يكون كمن عاين الحقيقة وباشرها؛ إذا تلى آيات الجنّة والنار ليس كمن قد رآهما، فلا يتلو القرآن حقّ تلاوته، ولا يأخذ وعده ووعيده وأوامره وزواجره وحقايقه مأخذ الجدّ الذي هو فعل من لا يشكّ في شيء من ذلك، وبالتالي لا يذوق طعم الإيمان، ويتهاون ويسوّف، ولا يعمل كما ينبغي له، هذا مع علمه أنّ القرآن كتاب لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحقّ الآية أن يتعامل معها باليقين لا بالظنّ والشك.

وهذه الحالة التي تسمّى باليقين من أعظم نعم الله التي يمنحها لمن يحبّ، وكلّما اجتهد العبد واطاع ربّه وأخلص ودفع الشكّ كان أجدر بأن ينال هذا الفضل العظيم. وفي إرشاد القلوب، فيما ذكره أمير المؤمنين من حديث المعراج، قال سبحانه: «الصَّوْمُ يُورِثُ الحِكْمَةَ والحِكْمَةُ تُورِثُ الْمَعْرِفَةَ والْمَعْرِفَةُ تُورِثُ الْيَقِينَ فَإِذَا اسْتَيْقَنَ الْعَبْدُ لَا يُبَالِي كَيْفَ أَصْبَحَ بِعُسْرٍ أَمْ بِيُسْرٍ».(2)

ثم إنّ من يجالس القرآن الكريم لإزالة مرض الشكّ يجده أفضل شفاء وسبباً عظيماً من أسباب حصول اليقين، قال تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُون)(3)وقال تعالى: (وَمَنْ أحْسَنُ مِن اللهِ حُكْمَاً لِقَومٍ يُوقِنُونَ)(4)وقال تعالى: (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون).(5)

قال العلامّة المجلسيّ (رحمه الله):

اليقين الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وفي عرف الأخبار هو مرتبة من اليقين يصير سبباً لظهور آثاره على الجوارح، ويطلق غالباً على ما يتعلّق بأمور


1) . تحف العقول، ص157.

2) . إرشاد القلوب، ص203.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 118.

4) . سورة المائدة (5)، الآية 50.

5) . سورة الرعد (13)، الآية 2.

الآخرة وبالقضاء والقدر... .(1)

والعبد إذا اشتدّت استنارته بالنور ولم يشكّ فأقدم متّكیاًعلی ما علّمه الله كان موقناً، قال العلامة المجلسي:

والأظهر أنّ التصديق الذي لا يحتمل النقيض تختلف مراتبه حتى يصل إلى مرتبة اليقين.(2)

فظهر أنّ اليقين خلافه الشكّ كما هو المستفاد من حديث جنود العقل والجهل، والشكّ مرض الروح، كما في حديث أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَرَضُهَا شَكُّهَا وصِحَّتُهَا يَقِينُهَا».(3)

وقال الفراهيدي:

اليقين، وهو إزاحة الشكّ وتحقيق الأمر.(4)

وفي غرر الحكم عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «كُلُّ مَا خَلَا الْيَقِينَ ظَنٌّ وشُكُوك».(5)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «الظَّنُّ يُخْطِئُ، والْيَقِينُ يُصِيبُ ولَا يُخْطِئ».(6)

وعنه (علیه السلام) قال: «الْيَقِينُ يَرْفَعُ الشَّكَّ».(7)

وقال (علیه السلام): «نِعْمَ الطَّارِدُ لِلشَّكِّ الْيَقِينُ».(8)

أمّا القطع، والذي سياتي الكلام فيه، فالحقّ أنّه ليس حالة نفسيّة، ولا يرادف اليقين، وهو بحسب اللغة يقابل الوصل، وهو نفي النفس لاحتمال الخلاف، وهذا


1) . لاحظ: بحارالأنوار، ج66، ص160، ذيل ح1.

2) . بحارالأنوار، ج67، ص135 _ 136.

3) . التوحيد، ص 300، ح7.

4) . كتاب العين، «مادّة: يَقَنَ».

5) . غرر الحكم، ح720.

6) . غرر الحكم، ح743.

7) . غرر الحكم، ح718.

8) . غرر الحكم، ح722.

النفي هو فعل للنفس.(1)

وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «قَدِّرْ ثُمَّ اقْطَعْ، وفَكِّرْ ثُمَّ انْطِقْ، وتَبَيَّنْ ثُمَّ اعْمَلْ».(2)فإنّ القطع الذي هو نفي الخلاف لا ينبغي أن يسبق التقدير، كما أنّ النطق والعمل لا ينبغي أن يسبقا التفكير والتبيّن، وعليه فنفي احتمال الخلاف أحياناً يكون منشؤه الجهل وأحياناً اليقين والعلم.

ومن دعاء أمير المؤمنين (علیه السلام) المعروف بدعاء كميل أنّه قال: «فَبِاليَقينِ أَقْطَعُ لَوْلَا مَا حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذِيْبِ جَاحديكَ وقَضَيْتَ بِهِ مِنْ إخْلادِ مُعانِدِيكَ لَجَعَلْتَ النّارَ كُلّها بَرْداً وسَلاماً».(3)

الباء في (باليقين) سببيّة، وقد تقابَلَ اليقين مع القطع، وهو سبب له هنا. ولا اعتبار للقطع في نفسه، ويأتي بحثه.

فظهر أنّ من يطلب اليقين عليه أن يسعى إلی طرد الشكوك من قلبه، ويجب في ذلك النظر في القرآن والسنّة نظر استيقان، وكثرة الاعتبار في أمور الدنيا، وأيضا عليه أن يذهب إلى عالِم يزيل شكّه ويساعده على ذلك ويعالجه لشفاء روحه، ويتحرّز من مجالسة المنحرفين فإنّها تُدخل في القلب الشكّ، وكذا مجالسة أبناء الدنيا التي تميت القلب، وتدعو إلى حبّ الدنيا والحرص عليها والخوف من زوالها وهي كلّها موجبات لسلب اليقين من القلب.

في مجموعة ورّام عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «...لَا تُجَالِسُوا الْمَوْتَى فَتَمُوتَ قُلُوبُكُمْ والْمَوْتَى الْمُتَوَلِّهُونَ بِالدُّنْيَا...».(4)


1) . ربما أطلقنا على القطع اسم الحالة مماشاة مع المشهور حيث قسّموا الحالات إلى القطع والظن والشكّ.

2) . غرر الحكم، ح61؛ وهذا هو المناسب لوضع اللغة، وجاء في القرآن عن لسان بلقيس: (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أمْرَاً حَتّى تَشْهَدونِ) سورة النمل (27)، الآية 32.

3) . مصباح الكفعمي، ص559.

4) . مجموعة ورّام، ج2، ص116.

إنّ استمرار حالة اليقين في العبد هو الاكسير الذي ينتفع به العبد أعظم الانتفاع، والنور الذي لا نور كنوره.

وفي تحف العقول في وصيّة الإمام الباقر (علیه السلام) لجابر الجعفيّ أنّه قال: «ولَا نُورَ كَنُورِ الْيَقِينِ، ولَا يَقِينَ كَاسْتِصْغَارِكَ الدُّنْيَا».(1)

واليقين عموما خطرات والإيمان هو الثابت، وقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) للشاب الموقن: «الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ»، وسيأتيبتمامه.

وفي المحاسن عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: «...الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، والْيَقِينُ خَطَرَاتٌ».(2)

ومن أسباب كونه خطرات أنّ الشيطان لا يدع العبد يبقى على هذه الحالة، ومن الصعب جدّا أن تبقى إلا بإذن الله وتوفيقه.

ورد في الكافي الشريف عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (علیه السلام) أنّه قَالَ: «الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ، والتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، والْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، ومَا قُسِمَ فِي النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ».(3)

وفي الكافي الشريف عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ الْإِسْلَامُ دَرَجَةٌ» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «والْإِيمَانُ عَلَى الْإِسْلَامِ دَرَجَةٌ». قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «والتَّقْوَى عَلَى الْإِيمَانِ دَرَجَةٌ»، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «والْيَقِينُ عَلَى التَّقْوَى دَرَجَةٌ»، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أُوتِيَ النَّاسُ أَقَلَّ مِنَ الْيَقِينِ، وإِنَّمَا تَمَسَّكْتُمْ بِأَدْنَى الْإِسْلَامِ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْ أَيْدِيكُمْ»).(4)

وفي كشف الغمّة عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهما السلام) أنّه قَالَ: «الْإِيمَانُ ثَابِتٌ فِي


1) . تحف العقول، ص286.

2) . المحاسن، ج1، ص249، ح260.

3) . الكافي، ج2، ص51، ح2؛ ولاحظ سائر أحاديث الباب. ولاحظ: بحارالأنوار، ج67، ص135 (باب اليقين والصبر على الشدائد).

4) . الكافي، ج2، ص52، ح4.

الْقَلْبِ والْيَقِينِ خَطَرَاتٌ، فَيَمُرُّ الْيَقِينُ بِالْقَلْبِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ زُبَرُ الْحَدِيدِ ويَخْرُجُ مِنْهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ خِرْقَةٌ بَالِيَة».(1)

وقد ورد في الأدعية المأثورة طلب ثبات اليقين:

ففي مصباح المتهجّد، في أعمال ليلة الجمعة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وهَبْ لِي ثَبَاتَ الْيَقِينِ...».(2)وفي العدد القويّة في أعمال اليوم السادس والعشرين من الشهر: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَاناً صَادِقاً ويَقِيناً ثَابِتاً لَيْسَ بَعْدَهُ شَكٌّ ولَا مَعَهُ كُفْر».(3)

في المحاسن قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) فِي خُطْبَةٍ لَهُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ، فَإِنَّ أَجَلَّ النِّعْمَةِ الْعَافِيَةُ، وخَيْرَ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ، والْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينُهُ والْمَغْبُوطُ مَنْ غُبِطَ يَقِينُه».(4)

أحاديث في فضل اليقين

إضافة لما مرّ، إليك بعض النصوص في فضل اليقين:

في أمالي الصدوق قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «...خَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ».(5)

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين أنّه قال: «الْيَقِينُ أَفْضَلُ عِبَادَةٍ».(6)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ».(7)

وعنه (علیه السلام) قال: «مَنْ أَيْقَنَ أَفْلَحَ».(8)


1) . كشف الغمّة، ج2، ص131.

2) . مصباح المتهجّد، ج1، ص279.

3) . العدد القويّة لدفع المخاوف اليوميّة، ص327.

4) . العدد القويّة لدفع المخاوف اليوميّة، ص327.

5) . الأمالي، ص488، ح1.

6) . غرر الحكم، ح706.

7) . غرر الحكم، ح709.

8) غرر الحكم، ح738.

وقال (علیه السلام): «الْيَقِينُ جِلْبَابُ الْأَكْيَاسِ».(1)

وفي غرر الحكم عنه (علیه السلام) قال: «الْمَغْبُوطُ مَنْ قَوِيَ يَقِينُهُ».(2)

وقال (علیه السلام): «طُوبَى لِمَنْ بُوشِرَ قَلْبُهُ بِبَرْدِ الْيَقِين».(3)

وعنه (علیه السلام) قال: «الْيَقِينُ رَأْسُ الدِّينِ».(4)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «عَلَيْكَ بِلُزُومِ الْيَقِينِ وتَجَنُّبِّالشَّكِّ، فَلَيْسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِهِ».(5)

وقال (علیه السلام): «الْيَقِينُ عُنْوَانُ الْإِيمَانِ».(6)

وقال أيضاً (علیه السلام): «الْيَقِينُ عِمَادُ الْإِيمَانِ».(7)

وعنه (علیه السلام) قال: «غَايَةُ الْإِيمَانِ الْإِيقَانُ».(8)

من آثار اليقين

ورد في الكافي الشريف عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) عَنْ قَوْلِ الله(عزّ و جّل) (وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما) فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ ذَهَباً ولَا فِضَّةً وإِنَّمَا كَانَ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَضْحَكْ سِنُّهُ، ومَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ لَمْ يَفْرَحْ قَلْبُهُ، ومَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ (لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)».(9)


1) . غرر الحكم، ح711 و712.

2) . غرر الحكم، ح713.

3) . غرر الحكم، ح715.

4) . غرر الحكم، ح724، وفي التحف عنه (علیه السلام) في الخطبة المعروفة بالديباج: «..سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ، فَإِنَّ الْيَقِينَ رَأْسُ الدِّين» تحف العقول، ص149.

5) . غرر الحكم، ح729.

6) . غرر الحكم، ح730.

7) . غرر الحكم، ح731.

8) . غرر الحكم، ح733.

9) . الكافي، ج2، ص58، ح6.

وفي الكافي الشريف أيضاً عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وهُوَ يَخْفِقُ ويَهْوِي بِرَأْسِهِ(1)مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ الله مُوقِناً. فَعَجِبَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مِنْ قَوْلِهِ وقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ الله هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وأَسْهَرَ لَيْلِي وأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وأَنَا فِيهِمْ، وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِالْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ ويَتَعَارَفُونَ وعَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ، وكَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي. فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لِأَصْحَابِهِ: هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ الله قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. فَقَالَ الشَّابُّ: ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ الله أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ، وكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ».(2)

وفي الكافي أيضاً، عَنْ يُونُسَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) عَنِ الْإِيمَانِ والْإِسْلَامِ فَقَالَ: «قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام): إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ والْإِيمَانُ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ، والتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، والْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، ولَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ». قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ الْيَقِينُ؟ قَالَ: «التَّوَكُّلُ عَلَى الله، والتَّسْلِيمُ لِلهِ، والرِّضَا بِقَضَاءِ الله، والتَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ». قُلْتُ: فَمَا تَفْسِيرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «هَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام)».(3)

وفي الكافي الشريف أيضاً عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا ولَهُ حَدٌّ». قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ التَّوَكُّلِ؟ قَالَ: «الْيَقِينُ» قُلْتُ: فَمَا حَدُّ


1) . قال المجلسيّ: بيان: «وهو يخفق ويهوي برأسه» أي: ينعس فينحط رأسه للنعاس بكثرة العبادة في الليل.

2) . الكافي، ج2، ص53، ح2.

3) . الكافي، ج2، ص52، ح5؛ وقال العلّامة المجلسي: تفسير اليقين بما ذكر (علیه السلام) من باب تعريف الشيء بلوازمه وآثاره.

الْيَقِينِ؟ قَالَ: «أَلَّا تَخَافَ مَعَ اللهِ شَيْئاً».(1)

وفي مشكاة الأنوار، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): «الصَّبْرُ مِنَ الْيَقِين».(2)

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «الْيَقِينُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ».(3)وفي غرر الحكم قال (علیه السلام): «الْيَقِينُ أَفْضَلُ الزَّهَادَةِ».(4)

وفي غرر الحكم أيضاً قال (علیه السلام): «قَوُّوا إِيمَانَكُمْ بِالْيَقِينِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الدِّين».(5)

وقال (علیه السلام): «كُنْ مُوقِناً تَكُنْ قَوِيّاً».(6)

وعنه (علیه السلام) قال: «الْمُوقِنُ أَشَدُّ النَّاسِ حُزْناً عَلَى نَفْسِه».(7)

وفي غرر الحكم أيضاً قال (علیه السلام): «أَيْنَ الْمُوقِنُونَ الَّذِينَ خَلَعُوا سَرَاوِيلَ الْهَوَى وقَطَعُوا عَنْهُمْ عَلَائِقَ الدُّنْيَا».(8)

وقال (علیه السلام): «سَبَبُ الْإِخْلَاصِ الْيَقِينُ».(9)

وعنه (علیه السلام) قال: «لَوْ صَحَّ يَقِينُكَ لَمَا اسْتَبْدَلْتَ الْفَانِيَ بِالْبَاقِي ولَا بِعْتَ السَّنِيَّ بِالدَّنِيِّ».(10)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «مَنْ حَسُنَ يَقِينُهُ حَسُنَتْ عِبَادَتُهُ».(11)

وعنه (علیه السلام) أيضاً قال: «يُسْتَدَلُّ عَلَى الْيَقِينِ بِقِصَرِ الْأَمَلِ وإِخْلَاصِ الْعَمَلِ والزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا».(12)


1) . الكافي، ج2، ص57، ح1.

2) . مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص2.

3) . غرر الحكم، ح735.

4) . غرر الحكم، ح710.

5) . غرر الحكم، ح732.

6) . غرر الحكم، ح747.

7) . غرر الحكم، ح744.

8) . غرر الحكم، ح745.

9) . غرر الحكم، ح746.

10) . غرر الحكم، ح748.

11) . غرر الحكم، ح749.

12) . غرر الحكم، ح750.

و: شرط العلم

استنارة القلب بالعلم مشروطة بأمور ينبغي للطالب توفيرها، مثل إدامة الدرس واستعمال العلم والعزم علی قبول الحقّ وغير ذلك مما جاء في بيانات أئمة الحقّ (علیهم السلام)، وربما تتلخّص في أمرين؛ الطلب والتقوى.

ورد في غرر الحكم عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «لَنْ يُحْرِزَ الْعِلْمَ إِلَّا مَنْ يُطِيلُ دَرْسَه».(1)

وقال (علیه السلام): «لَا فِقْهَ لِمَنْ لَا يُدِيمُ الدَّرْسَ».(2)ورد في نزهة الناظر عن الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «دِرَاسَةُ الْعِلْمِ لِقَاحُ الْمَعْرِفَةِ».(3)

ورد في الكافي الشريف عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ، ومِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ...».(4)

وبديهي أنّ الدرس والمسألة والطلب يجب أن يكون من أهله، وقد مرّت الإشارة إلى الاحاديث حول معدن العلم، وفي الحديث عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «مَنْ يَطْلُبِ الْهِدَايَةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا يَضِلَّ».(5)

وأمّا ما وراء الطلب فيجب تحصيل أمور وقد مرّ بعض الأحاديث تتعلّق بهذا الأمر، وإليك قسم آخر منها:

ورد في منية المريد عن الإمام الصادق (علیه السلام) في حديث عنوان البصري أنّه قال: «فَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، واطْلُبِ الْعِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، واسْتَفْهِمِ اللَّهَ يُفْهِمْكَ».(6)

في جاء في وصيّة الخضر لموسى على نبيّنا وآله وعليهما السلام: «وأَشْعِرْ قَلْبَكَ


1) . غرر الحكم، ح269 و275.

2) . غرر الحكم، ح274.

3) . نزهة الناظر، 115، ح55.

4) . الكافي، ج1، ص40، ح3.

5) . غرر الحكم، ح849.

6) . منية المريد، 149.

التَّقْوَى تَنَلِ الْعِلْمَ».(1)

ورد في أعلام الدين، عن مولانا الباقر (علیه السلام) أنّه قال: «مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ عَلَّمَهُ الله مَا لَا يَعْلَم».(2)

ورد في مسكّن الفؤاد للشهيد الثانيّ: «وأَوْحَى الله إِلَى بَعْضِ الصِّدِّيقِينَ: أَنَّ لِي عِبَاداً مِنْ عَبِيدِي يُحِبُّونِّي وأُحِبُّهُمْ ويَشْتَاقُونَ إِلَيَّ وأَشْتَاقُ إِلَيْهِمْ ويَذْكُرُونِّي وأَذْكُرُهُمْ، فَإِنْ أَخَذْتَ طَرِيقَهُمْ أَحْبَبْتُكَ وإِنْ عَدَلْتَ عَنْهُمْ مَقَتُّكَ. قَالَ: يَا رَبِّ ومَا عَلَامَتُهُمْ؟ قَالَ: يُرَاعُونَ الظِّلَالَ بِالنَّهَارِ كَمَا يُرَاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ، ويَحِنُّونَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ كَمَا تَحِنُّ الطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ، فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ واخْتَلَطَالظَّلَامُ وفُرِشَتِ الْفُرُشُ ونُصِبَتِ الْأَسِرَّةُ وخَلَا كُلُّ حَبِيبٍ بِحَبِيبِهِ نَصَبُوا إِلَيَّ أَقْدَامَهُمْ وافْتَرَشُوا إِلَيَّ وُجُوهَهُمْ ونَاجَوْنِي بِكَلَامِي وتَمَلَّقُونِي بِأَنْعَامِي، مَا بَيْنَ صَارِخٍ وبَاكٍ وبَيْنَ مُتَأَوِّهٍ وشَاكٍ، وبَيْنَ قَائِمٍ وقَاعِدٍ، وبَيْنَ رَاكِعٍ وسَاجِدٍ، بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُونَ مِنْ أَجْلِي، وبِسَمْعِي مَا يَشْكُونَ مِنْ حُبِّي. أَوَّلُ مَا أُعْطِيهِمْ ثَلَاثاً؛ الْأَوَّلُ أَقْذِفُ مِنْ نُورِي فِي قُلُوبِهِمْ فَيُخْبِرُونَ عَنِّي كَمَا أُخْبِرُ عَنْهُمْ، والثَّانِي لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ والْأَرَضُونَ ومَا فِيهِمَا مِنْ مَوَارِيثِهِمْ لَاسْتَقْلَلْتُهَا لَهُمْ، والثَّالِثُ أُقْبِلُ بِوَجْهِي عَلَيْهِمْ، أَ فَتَرَى مَنْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِي يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ؟».(3)

ورد في أمالي الصدوق عن الصادق عن أبيه عن آبائه (علیهم السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَخَلَّى بِسَيِّدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ونَاجَاهُ أَثْبَتَ الله النُّورَ فِي قَلْبِهِ...».(4)

وقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى شَهَوَاتِكُمْ تَحُلَّ قُلُوبَكُمْ الْحِكْمَةُ».(5)

وعن الإمام الرضا (علیه السلام) في كتاب عيون أخبار الرضا، عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «مَا


1) . منية المريد، 140.

2) . أعلام الدين، 301.

3) . مسكن الفؤاد، ص18 _ 19.

4) . الأمالي (للصدوق)، ص279، ح9.

5) . مجموعة ورّام، ج2، ص121.

أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلهِ عزّ وجل أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ».(1)

ورد في الكافي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: «مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ الله الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا، دَاءَهَا ودَوَاءَهَا، وأَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ».(2)

وفي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (علیه السلام) أنّه قال: «وأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إِنَّمَا جَعَلَكَ قَيِّماًلَهُمْ فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ، وفَتَحَ لَكَ مِنْ خِزَانَةِ الْحِكْمَةِ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ ولَمْ تَخْرَقْ بِهِمْ ولَمْ تَضْجَرْ عَلَيْهِمْ زَادَكَ الله مِنْ فَضْلِهِ، وإِنْ أَنْتَ مَنَعْتَ النَّاسَ عِلْمَكَ أَوْ خَرِقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ كَانَ حَقّاً عَلَى الله عَزَّ وجَلَّ أَنْ يَسْلُبَكَ الْعِلْمَ وبَهَاءَهُ ويُسْقِطَ مِنَ الْقُلُوبِ مَحَلَّك».(3)

قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام) في نهج البلاغة: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ الله إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ الله عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ وتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ وأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ وهَوَّنَ الشَّدِيدَ. نَظَرَ فَأَبْصَرَ وذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ وارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلًا وسَلَكَ سَبِيلًا جَدَداً، قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلَّا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى ومُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى وصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى ومَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى، قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وسَلَكَ سَبِيلَهُ وعَرَفَ مَنَارَهُ وقَطَعَ غِمَارَهُ، واسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا ومِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ، مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُعَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَات... وآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِهِ،


1) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص69، ح321.

2) . الكافي، ج2، ص128، ح1.

3) . من لا يحضره الفقيه، ج2، ص624، ح3214.

فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّال...».(1)

فظهر أنّ التعلّم هو من باب الطلب لا الاكتساب لتوقّفه على مشيئة واهبه تعالى، ولولا تفهيم الربّ وتذكير المذكّرين يتوهّم البشر أنّ تحصيل العلم لا علاقة له بالأخلاق والعقيدة، فلا يدري طالبه أنّه يحتاج مضافا إلى جدّه واجتهاده في الطلب والتعلّم، إلى تصفية القلب بالتقوى والتضرّع الحقيقيّ إلى اللهودوام التواضع والخشوع له والمسألة منه والإلحاح بالبكاء وكذا التواضع للعلماء الذين جعلهم الله أمناء وخزنة لعلمه، والوسيلة إليه، وعدم الدخول إلى باب العلم من غير أبوابه وأنّ عليه أن يطلب ما يعنيه وينفعه ويتعوّذ بالله من علم لا ينفع، ومن كلّ ما يسخط الله تعالى كطلب العلم للاستطالة وتحصيل الدنيا، فإنّ من يفعل ذلك غافل إنّ العلم الذي يطلبه هو نورٌ يقذفه الله في قلب من أراد أن يهديه.

وظهر أنّ هذه الأحاديث الشريفة لا تتلائم مع القول بأنّ العلم حالة نفسانيّة وصورة ذهنيّة وكيفيّة من كيفيّات النفس كما يعتقد الفلاسفة، فإنّه لا معنی لاستغفار جميع الأشياء لصاحب التصوّرات الذهنيّة ولا علاقة لذلك بالإخلاص(2)

ولا بالعبادة(3)

ولا الإيمان.(4)

المقصد الثاني: في معرفة العقل

1. المدخل

اشارة

قال الراغب:

أصل الْعَقْلِ: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بِالْعِقَالِ، وعَقْل الدّواء البطن، وعَقَلَتِ المرأة شعرها، وعَقَلَ لسانه: كفّه، ومنه قيل للحصن: مَعْقِلٌ، وجمعه


1) . نهج البلاغة، الخطبة 87.

2) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): ثَمَرَةُ الْعِلْمِ إِخْلَاصُ الْعَمَل. غرر الحكم، ح799.

3) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): ثَمَرَةُ الْعِلْمِ الْعِبَادَةُ. غرر الحكم، ح798.

4) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): مَا كَفَرَ الْكَافِرُ حَتَّى جَهِل. غرر الحكم، ح11942

مَعَاقِلُ. وباعتبار عقل البعير قيل: عَقَلْتُ المقتول: أعطيت ديته، وقيل: أصله أن تعقل الإبل بفناء وليّ الدّم، وقيل: بل بعقل الدّم أن يسفك، ثم سمّيت الدّية بأيّ شيء كان عَقْلًا، وسمّي الملتزمون له عَاقِلَة.(1)

قال الطريحيّ:

قوله تعالى: (فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)(2)العاقل هو الّذي يحبس نفسه ويردّها عن هواها، ومن هذا قولهم: اعتقل لسان فلان؛ إذاحبس ومنع من الكلام. ومنه: عقلت البعير. وفي الحديث: «إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَام»(3)قال بعض الشارحين: وذلك لضبط العقل إيّاه ووزنه، والموزون أقلّ من المكيل والجزاف.(4)

وعن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في جواب من سأله: ما العقل، قال: «إِنَّ الْعَقْلَ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ، والنَّفْسَ مِثْلُ أَخْبَثِ الدَّوَابِّ، فَإِنْ لَمْ تُعْقَلْ حَارَت».(5)

فالعقل يمنع النفس من فعل القبيح ومن التردّي في الهلكة والانحراف، ولذلك يسمّى عقلاً.

قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام): «الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ لِسَانَهُ إِلَّا عَنْ ذِكْرِ الله».(6)

وعنه (علیه السلام) قال: «النُّفُوسُ طَلِقَةٌ، لَكِنَّ أَيْدِيَ الْعُقُولِ تُمْسِكُ أَعِنَّتَهَا عَنِ النُّحُوس».(7)

وقال (علیه السلام)أيضاً: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ عَاقِلًا مَنْ يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ والشَّهْوَةُ».(8)

فالعبد إذا لم يعقل نفسه بعقله لا يُعدّ عاقلا، ولهذا يُختبر العقل بالعقال.


1) . مفردات ألفاظ القرآن، ج1، ص578.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 171.

3) . نهج البلاغة، الحكمة 71.

4) . مجمع البحرين، «مادة: عَقل».

5) . تحف العقول، ص15.

6) . غرر الحكم، ح457.

7) . غرر الحكم، ح2070.

8) . غرر الحكم، 10898.

قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام): «سِتَّةٌ تُخْتَبَرُ بِهَا عُقُولُ النَّاسِ: الْحِلْمُ عِنْدَ الْغَضَبِ، والصَّبْرُ عِنْدَ الرَّهَبِ، والْقَصْدُ عِنْدَ الرَّغَبِ، وتَقْوَى الله فِي كُلِّ حَالٍ، وحُسْنُ الْمُدَارَاةِ، وقِلَّةُ الْمُمَارَاة».(1)

بيان

العقل في أصل اللغة هو تعقّل الأشياء وفهمها(2)ومن يتّبع الهوى لا يعقل إذ لا يبصر الحقّ ولا يعي ولا يسمع، ولو عَقَلَ لم يطلب سعادته بالهوى، فإذن العقل هو لأجل العقال، وإذا لم يعقل الإنسان نفسه بعقله صحّ نفي العقل عنه، حيث لم يعمل بمقتضى إدراكه.

وعن أمير المؤمنين (علیه السلام) في نهج البلاغة قال: «اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَة».(3)

قد نبّهت الأحاديث الشريفة أنّ الثواب والعقاب والتكليف يدور مدار العقل، وهي حقيقة مباينة لحقيقة العاقل، فهو يفتقده في الصغر ثم يجده في الكبر، ثمّ يفقده، ويزيد وينقص في مراحل مختلفة من عمره، وربما فقده بالمرّة.

ثمّ إنّ الله تعالى إنما كرّم عباده بنور العقل لكي يتفكرّوا في خلق السماوات والأرض وينظروا في آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم فيعرفوه بإخراجه عن الحدّین ويوحّدوه ويسبّحوه ويحمدوه، ويتمكّنوا من طاعته وامتثال أوامره والاستجابة لرسله، وكي يفهموا ويعقلوا عنه تعالى ما جاءت به الرسل، وحتّى يعبدوه حقّ عبادته ويخلصوا له ولا يشركوا به شيئا، ويزدادوا منه قرباً وينالوا كرامته وعنايته ورحمته ورضوانه، ويتجنّبوا سخطه، لذلك يحذر العقلاء الدنيا ولا تغرّهم زخارفها، فبالعقل يمكن ذلك، وبدون استعمال العقل يقع العبد في كلّ رجس وانحراف


1) . غرر الحكم، 492.

2) . بحارالأنوار، ج1، ص99.

3) . نهج البلاغة، الحكمة 98.

وضلالة، وأمّا من يستخدم عقله في إعمار الدنيا بهدم الآخرة وفي عبادة الهوى بدل عبادة الله، وبيع السعادة بشقاء الأبد فهو الأحمق بعينه، لأنّه استغلّ تلك النعمة العظمى في تقديم الزائل على الباقي وإشباع الشهوة بطمس الحقّ، ومثل هؤلاء يرون أنفسهم عقلاء لأنّهم سخّروا العقل للدنيا، ويرون أهل الآخرة مجانين، بينما العكس هو الصحيح.وقال النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى الله تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ طَالَ جُوعُهُ وعَطَشُهُ وحُزْنُهُ فِي الدُّنْيَا، الْأَخْفِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، الَّذِينَ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، تَعْرِفُهُمْ بِقَاعُ الْأَرْضِ وتَحُفُّ بِهِمْ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، نَعِمَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا ونَعِمُوا بِطَاعَةِ الله تَعَالَى، افْتَرَشَ النَّاسُ الْفَرْشَ فَافْتَرَشُوا الْجِبَاهَ والرُّكَبَ، ضَيَّعَ النَّاسُ فِعْلَ النَّفْسِ وأَخْلَاقَهُمْ وحَفِظُوا هُمْ، تَبْكِي الْأَرْضُ لِفَقْدِهِمْ ويَسْخَطُ الله عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِنْهُمْ، لَمْ يَتَكَالَبُوا عَلَى الدُّنْيَا تَكَالُبَ الْكِلَابِ عَلَى الْجِيَفِ، شُعْثاً غُبْراً يَرَاهُمُ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ بِهِمْ دَاءً ومَا بِهِمْ دَاءٌ ويُقَالُ قَدْ خُولِطُوا وذَهَبَتْ عُقُولُهُمْ ومَا ذَهَبَتْ عُقُولُهُمْ ولَكِنْ نَظَرَ الْقَوْمَ بِقُلُوبِهِمْ إِلَى أَمْرٍ أَذْهَبَ عَنْهُمُ الدُّنْيَا فَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا يَمْشُونَ بِلَا عُقُولٍ، عَقَلُوا حِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُ النَّاس».(1)

وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «حَدُّ الْعَقْلِ الِانْفِصَالُ عَنِ الْفَانِي، والِاتِّصَالُ بِالْبَاقِي».(2)

فالغرض من إعطاء نعمة العقل للبشر هو معرفة الله تعالى وكسب كمال العبوديّة والطاعة له سبحانه.

ورد في أعلام الدين عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «أَلَا وإِنَّ أَعْقَلَ النَّاسِ عَبْدٌ عَرَفَ رَبَّهُ فَأَطَاعَهُ، وعَرَفَ عَدُوَّهُ فَعَصَاهُ، وعَرَفَ دَارَ إِقَامَتِهِ فَأَصْلَحَهَا، وعَرَفَ سُرْعَةَ رَحِيلِهِ فَتَزَوَّدَ لَهَا».(3)


1) . تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج1، ص100.

2) . غرر الحكم، ح369.

3) . اعلام الدين، ص337، ح15.

ومن يسخّر إدراك عقله لطمس الحقّ فذلك عين الشيطنة التي تجعله يرى أفعاله القبيحة حسنة، بينما هو سفيه سفه نفسه حيث لم ينتفع بنور عقله، قال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُون).(1)فأيّ غفلة أخطر وأشدّ من هذه الغفلة، إذ لا يعقلون ويظنّون أنّهم يعقلون.

وقال تعالى: (وَ إِذا قيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ولكِنْ لا يَعْلَمُون)؛(2)

وقال: (وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبيلِ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون)؛(3)

وقال: (الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا)؛(4)

وقال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَميعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُون)؛(5)

وقال: (وَ إِذا قيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُون أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولكِنْ لا يَشْعُرُون).(6)

وفي الكافي الشريف عن بعض أصحابنا رفعه إلى أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أنّه قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: «مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ واكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ». قَالَ: قُلْتُ: فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «تِلْكَ النَّكْرَاءُ، تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ، وهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ ولَيْسَتْ بِالْعَقْلِ».(7)


1) . سورة الأعراف (7)، الآية 179.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 13.

3) . سورة الزخرف (43)، الآية 37.

4) . سورة الكهف (18)، الآية 108.

5) . سورة المجادلة (58)، الآية 18.

6) . سورة البقرة (2)، الآيتان 11 _ 12.

7) . الكافي، ج1، ص11، ح47.

مَثل صاحب العقل الذي يستأسر العقل لهواه مَثل شخص يُعطى المصباح ليهتدي طريقه فينشغل باللهو واللعب بضوء المصباح، فلا ينبغي أن يقال أنّه مستضيء لأنّه لم يستعمله في الغرض الذي أعطي له، أو كمن يعطى القدرة ليصلح والمُلك ليعدل والوجاهة ليشفع في الخير، فيفسد ويظلم ويفرّط.

ولو نظرت إلى أهل الدنيا لوجدت أنّ الهوى والشهوة يحكم عقولهم، ولو عقل العبد لوجد أنّ العقل هو إجراء العدل ولوكان ضدّ هواه. قال تعالى: (أكْثَرهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).(1)

فالمنحرف وإن كان يستعمل نور العقل لأغراضه الدنيويّة، فهو لا يعقل إذا خالف الهوى ولا لدار البقاء ولا يعقل للحقّ، وأيّ عقل يأمر بالظلم والفساد في الأرض؟

قال تعالى: (وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ الله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ ولَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ولا يَهْتَدُون).(2)

وقال تعالى: (وَ مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون).(3)

وقال تعالى: (وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُون).(4)

وقال تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُون).(5)

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیهما السلام) في غرر الحكم قال: «الْعَاقِلُ مَنْ هَجَرَ شَهْوَتَهُ وبَاعَ دُنْيَاهُ بِآخِرَتِهِ».(6)


1) . سورة المائدة (5)، الآية 103.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 170.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 171.

4) . سورة يوسف (12)، الآية 109.

5) . سورة يونس (10)، الآية 42.

6) . غرر الحكم، ص449.

وقال (علیه السلام): «إنّما العقل التجنّب من الإثم، والنظر في العواقب، والأخذ بالحزم».(1)

ورُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله و سلم) قِيلَ لَهُ: مَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: «الْعَمَلُ بِطَاعَةِ الله، وأَنَّ الْعُمَّالَ بِطَاعَةِ الله هُمُ الْعُقَلَاء».(2)

وفي تحف العقول عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: «قَسَمَ الله الْعَقْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَمَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ عَقْلُهُ ومَنْ لَمْ يَكُنَّ فَلَا عَقَلَ لَهُ: حُسْنُ الْمَعْرِفَةِ بِالله، وحُسْنُ الطَّاعَةِ لِلهِ، وحُسْنُ الصَّبْرِ عَلَى أَمْرِ الله».(3)فظهر أنّ الغرض من إعطاء نور العقل للإنسان هو لتحصيل تلك الآثار، ولهذا أرجع النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) معنى العقل إلى العقال لأنّه غايته، وكمال العقل بتحصيل جميع آثاره التي هي جنوده أيضا. ومن هنا وُصف العقل في بعض الأحيان بالعمل.

ورد في كنز الفوائد عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم)علیکم السلام أنّه قال: «سَيِّدُ الْأَعْمَالِ فِي الدَّارَيْنِ الْعَقْل».(4)

2. حقيقة العقل

اشارة

لو تفكّر الإنسان في نفسه لوجد أنّه لم يكن في صغره يعرف حسن الأشياء وقبحها، ثمّ عند بلوغه بدأ بإدراكها، فيتوجه أنّه ربما كان يفعل بعض القبائح ويتوهّم أنّها حسنة، فهذا الإدراك للحَسن والقبيح صار ببركة نور العقل، فحقيقة العقل من العلم ويأتي مزيد من التنبيه عليه، والعقل ما به يُدرك الحَسن والقبيح، ولا يمكن توصيفه إلا بتنبيه العاقل وتذكيره بما یجده بنفس نور العقل، وتوجيهه إلى تلك الحقيقة النورانيّة ولا يستطيع أن ينكرها، لا أن يجعله تحت البلاغ، فإنّ العقل به يكون التعقّل، وكلّما سعى في اكتناهه ابتعد عنه؛ فهو غير خفيّ عن المستنير به، وفي عين الحال ليس هو حقيقة النفس وإنّما به تتنوّر، وهذا التذكير، ثم إثارة دفائنه هو


1) . غرر الحكم، ح3887.

2) . روضة الواعظين، ج1، ص4.

3) . تحف العقول، ص54.

4) . كنز الفوائد، ج2، ص31.

من مناصب الأنبياء وببركة تعاليمهم.

ثمّ إنّ العقل كما دلّت النصوص الشريفة نورٌ مخلوقٌ، مَثله في القلب كمثل السراج في وسط البيت، وهو حجّة الله الباطنة، وشرع من داخل، وهو أفضل المخلوقات، وحياة القلوب، وبه يمكن معرفة الحَسَن والقبيح والجيّد والردي والفريضة والسنّة، والصادق على الله والكاذب على الله.

العقل ليس من سنخ المعقولات والمعلومات والموصوفات، فلا يُتعقَل، وهو فوق معقوله لا بالفوقيّة المكانيّة، ومعرفته بنفسه لا بالمعقول، نعم معقولية الأشیاء آية وعلامة علی وجوده. والإنسان محجوب عن هذا النور حتىيبلغ، فإذا بلغ كشف ذلك الستر، وربما تعترضه بعض الحالات كالغضب والشهوة يُحجب عن العقل، فلا يميّز بين الحُسن والقبح، فيرتكب القبيح وربما توّهم أنّه حَسن، وبعد رفع الحُجب يلتفت فيندم.

والله جلّ شأنه لا يكمل العقل إلّا فيمن أحبّ، ومعرفة مخلوقيّة العقل ومجعوليّته بتذكیر الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم).

وفي بعض النصوص ورد في مقابل العقل تارة الحمق(1)

وتارة الهوى(2)

وتارة الشهوة،(3)

وكلّها من مصاديق الجهل الجامع لها والذي أيضا ورد مقابلته للعقل.(4)

وأمّا خلقة العقل وأنّه ماذا يمكن أو يمتنع تعقله به وبم ينكشف الستر وما إلى


1) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعَقْلُ زَيْنٌ الْحُمْقُ شَيْن». غرر الحكم، ح241. وأيضا: «العقل قربة، الحمق غربة». غرر الحكم، ح395، وأيضا: «مَا خَلَقَ الله عَزَّ وجَلَّ شَيْئاً أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْمَقِ لِأَنَّهُ سَلَبَهُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وهُوَ الْعَقْل». علل الشرائع، ص101، ح1.

2) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «كُنْ لِعَقْلِكَ مُسْعِفاً ولِهَوَاكَ مُسَوِّفاً». غرر الحكم، ح366.

3) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْ أَحْيَا عَقْلَهُ وأَمَاتَ شَهْوَتَهُ وأَتْعَبَ نَفْسَهُ لِصَلَاحِ آخِرَتِه». غرر الحكم، 502.

4) . عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعَقْلُ يَهْدِي ويُنْجِي والْجَهْلُ يُغْوِي ويُرْدِي». غرر الحكم، ح362، وأيضا: «الْعَاقِلُ مَنْ وَضَعَ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا والْجَاهِلُ ضِدُّ ذَلِكَ». غرر الحكم، ح464، وأيضا: «الْعَاقِلُ يَطْلُبُ الْكَمَالَ الْجَاهِلُ يَطْلُبُ الْمَال». غرر الحكم، ح459.

ذلك فإنّ البشر المبتلين بمختلف الحجب يحتاجون إلى العلم الإلهي بواسطة الأنبياء والرسل ليعرفوه. وفيما يلي بعض الاحاديث الشريفة حول خلقة العقل وما يتشعب منه وأنّه ما هو.

جاء في علل الشرائع عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) أَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله و سلم) سُئِلَ: مِمَّا خَلَقَ اللهُ(عزّ و جّل) الْعَقْلَ؟ قَالَ: «خَلْقُهُ مَلَكٌ لَهُ رُءُوسٌ بِعَدَدِ الْخَلَائِقِ، مَنْ خُلِقَ ومَنْ يُخْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ولِكُلِّ رَأْسٍ وَجْهٌ، ولِكُلِّ آدَمِيٍّ رَأْسٌ مِنْ رُءُوسِ الْعَقْلِ، واسْمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ الرَّأْسِ مَكْتُوبٌ، وعَلَى كُلِّ وَجْهٍ سِتْرٌ مُلْقًى، لَا يُكْشَفُ ذَلِكَ السِّتْرُ مِنْ ذَلِكَالْوَجْهِ حَتَّى يُولَدَ هَذَا الْمَوْلُودُ ويَبْلُغَ حَدَّ الرِّجَالِ أَوْ حَدَّ النِّسَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ كُشِفَ ذَلِكَ السِّتْرُ فَيَقَعُ فِي قَلْبِ هَذَا الْإِنْسَانِ نُورٌ، فَيَفْهَمُ الْفَرِيضَةَ والسُّنَّةَ والْجَيِّدَ والرَّدِيَّ، أَلَا ومَثَلُ الْعَقْلِ فِي الْقَلْبِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي وَسَطِ الْبَيْت».(1)

وفي الخصال، عن مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهم السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ اللَّهَ(عزّ و جّل) خَلَقَ الْعَقْلَ مِنْ نُورٍ مَخْزُونٍ مَكْنُونٍ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ الَّذي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، فَجَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَهُ والْفَهْمَ رُوحَهُ والزُّهْدَ رَأْسَهُ والْحَيَاءَ عَيْنَيْهِ والحِكْمَةَ لِسَانَهُ والرَّأْفَةَ هَمَّهُ والرَّحْمَةَ قَلْبَهُ ثُمَّ حَشَاهُ وقَوَّاهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ: بِالْيَقِينِ والْإِيمَانِ والصِّدْقِ والسَّكِينَةِ والْإِخْلَاصِ والرِّفْقِ والْعَطِيَّةِ والْقُنُوعِ والتَّسْلِيمِ والشُّكْرِ، ثُمَّ قَالَ(عزّ و جّل): أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ ولَا نِدٌّ ولَا شَبِيهٌ ولَا كُفْوٌ ولَا عَدِيلٌ ولَا مِثْلٌ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ خَاضِعٌ ذَلِيلٌ. فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وتَعَالَى: وعِزَّتِي وجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ ولَا أَطْوَعَ لِي مِنْكَ ولَا أَرْفَعَ مِنْكَ ولَا أَشْرَفَ مِنْكَ ولَا أَعَزَّ مِنْكَ، بِكَ أُؤَاخِذُ وبِكَ أُعْطِي وبِكَ أُوَحَّدُ وبِكَ أُعْبَدُ وبِكَ أُدْعَى وبِكَ أُرْتَجَى وبِكَ أُبْتَغَى وبِكَ أُخَافُ وبِكَ أُحْذَرُ وبِكَ الثَّوَابُ وبِكَ الْعِقَابُ. فَخَرَّ الْعَقْلُ عِنْدَ ذَلِكَ سَاجِداً فَكَانَ فِي سُجُودِهِ أَلْفَ عَامٍ فَقَالَ الرَّبُّ


1) . علل الشرائع، ج1، ص98، ح1.

تَبَارَكَ وتَعَالَى: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَرَفَعَ الْعَقْلُ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِلَهِي أَسْأَلُكَ أَنْ تُشَفِّعَنِي فِيمَنْ خَلَقْتَنِي فِيهِ. فَقَالَ الله (جلّ جلاله) لِمَلَائِكَتِهِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ شَفَّعْتُهُ فِيمَنْ خَلَقْتُهُ فِيهِ».(1)

وفي الكافي الشريف، عن سماعة، قال: كُنْتُ عِنْدَ أَبِيعَبْدِ اللهِ (علیه السلام) وعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ الْعَقْلِ والْجَهْلِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): «اعْرِفُوا الْعَقْلَ وجُنْدَهُ والْجَهْلَ وجُنْدَهُ تَهْتَدُوا». قَالَ سَمَاعَةُ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): «إِنَّ اللهَ(عزّ و جّل) خَلَقَ الْعَقْلَ وهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَل، فَقَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وكَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي» _ إلى أن قال (علیه السلام)_: «وإِنَّمَا يُدْرَكُ الْحَقُّ بِمَعْرِفَةِ الْعَقْلِ وجُنُودِه...».(2)

وفي تحف العقول، قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فِي جَوَابِ شَمْعُونَ بْنِ لَاوَى بْنِ يَهُودَا مِنْ حَوَارِيِّي عِيسَى حَيْثُ قَالَ: (أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَقْلِ مَا هُوَ وكَيْفَ هُوَ ومَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ ومَا لَا يَتَشَعَّبُ وصِفْ لِي طَوَائِفَهُ كُلَّهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الْعَقْلَ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ والنَّفْسَ مِثْلُ أَخْبَثِ الدَّوَابِّ فَإِنْ لَمْ تُعْقَلْ حَارَتْ، فَالْعَقْلُ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ، وإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ وقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: وعِزَّتِي وجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَعْظَمَ مِنْكَ ولَا أَطْوَعَ مِنْكَ...» الحديث).(3)

ورد في الكافي الشريف، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «دِعَامَةُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ، والْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ والْفَهْمُ والْحِفْظُ والْعِلْمُ، وبِالْعَقْلِ يَكْمُلُ وهُوَ دَلِيلُهُ ومُبْصِرُهُ ومِفْتَاحُ أَمْرِهِ، فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ كَانَ عَالِماً حَافِظاً ذَاكِراً فَطِناً فَهِماً، فَعَلِمَ بِذَلِكَ كَيْفَ، ولِمَ، وحَيْثُ، وعَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ ومَنْ غَشَّهُ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَرَفَ مَجْرَاهُ ومَوْصُولَهُ ومَفْصُولَهُ وأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلهِ والْإِقْرَارَ بِالطَّاعَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ


1) . الخصال، ج2، ص427، ح4.

2) . الكافي، ج1، ص21، ح14.

3) . تحف العقول، ص15.

كَانَ مُسْتَدْرِكاً لِمَا فَاتَ ووَارِداً عَلَى مَا هُوَ آتٍ، يَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ ولِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ هَاهُنَا ومِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ وإِلَى مَا هُوَ صَائِرٌ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَأْيِيدِالْعَقْلِ».(1)

في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) أنّه قال: «كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِك».(2)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) أيضاً قال: «الْعُقُولُ مَوَاهِبُ».(3)

في إرشاد القلوب، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِل».(4)

في غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «أَصْلُ الْعَقْلِ الْفِكْرُ وثَمَرَتُهُ السَّلَامَةُ».(5)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) أيضاً قال: «الْعَقْلُ يَهْدِي».(6)

وفي غرر الحكم، أيضاً قال (علیه السلام): «الْعَقْلُ يَنْبُوعُ الْخَيْرِ».(7)

أ: الرابطة بين العقل وبين الفكر والفهم

قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثيراً مِنَ الْجِنِّ والْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُون).(8)

جاء في الخصال، عن موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه أمير المؤمنين علي


1) . الكافي، ج1، ص25، ح23.

2) . نهج البلاغة، الحكمة 421.

3) . غرر الحكم، ح334.

4) . إرشاد القلوب، ج1، ص198 ، وفي العوالي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْعَقْلُ نُورٌ خَلَقَهُ الله لِلْإِنْسَانِ وجَعَلَهُ يُضِيءُ عَلَى الْقَلْبِ لِيَعْرِفَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُشَاهَدَاتِ مِنَ الْمَغِيبَات». عوالي اللآلئ، ج1، ص248، ح4.

5) . غرر الحكم، ح404.

6) . غرر الحكم، ح362.

7) . غرر الحكم، ح340.

8) . سورة الأعراف (7)، الآية 179.

بن أبي طالب (علیهم السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ اللَّهَ(عزّ و جّل) خَلَقَ الْعَقْلَ... فَجَعَلَ... الْفَهْمَ رُوحَهُ».(1)

في غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «الْعَقْلُ أَصْلُالْعِلْمِ ودَاعِيَةُ الْفَهْم».(2)

و عنه عليه السلام أيضاً في غرر الحكم قال: «مَنْ عَقَلَ فَهِمَ».(3)

وفي كنز الفوائد، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ والْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ والْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الْحَوَاسِّ والْحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاءِ».(4)

وفي رسالة الإهليلجة: عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «...وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ يُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِيهِ».(5)

أقول: التفكّر إنما يتيسر ببركة نور العقل، ولو جعل العاقل عقله أمامه ثم فكّر على ضوء ما يكشفه عقله كان على هدى وبصيرة، وازداد بالتفكّر عقلا وفهماً، وإذا لم يتفكّر لم يستفد من عقله.

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَر».(6)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «أَصْلُ الْعَقْلِ الْفِكْرُ».(7)

وفي غرر الحكم، عنه أيضاً قال: «الْفِكْرُ يُنِيرُ اللُّب».(8)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «الْفِكْرُ يُفِيدُ الْحِكْمَةَ».(9)


1) . الخصال، ج2، ص427، ح4.

2) . غرر الحكم، ح439.

3) . غرر الحكم، ح447.

4) . كنز الفوائد، ج1، ص200.

5) . بحارالأنوار، ج3، ص162، ح1.

6) . نهج البلاغة، الكتاب 31.

7) . غرر الحكم، ح404.

8) . غرر الحكم، ح423.

9) . غرر الحكم، ح928.

وقال (علیه السلام) في غرر الحكم أيضاً: «الْفِكْرُ جِلَاءُ الْعُقُولِ».(1)

إنّ سبب اختلاف مذاهب البشر، من عبادة بعضهم للحجر، وبعضهم للشجر، وبعضهم للهوى، كلّها تعود إلى عدم استعمال العقل، والعاقل عليه أن يتّبع نور عقله ويحييه بالتفكر ويستعين به للفهم، لا أن يميته بالإعراض عنه، أليس لوفكّر عابد الصنم بعقله قليلا لتوجّه أنّ الصنم لا يضرّ ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولعَقَلَ نفسه عن عبادته، ولكنّه لا يعقل فلذلك عبده، وهكذا كلّ من يعصي الله إنّما يدفعه إلى ذلك جهله لا عقله، وإلّا لم يعص، فالفهم روح العقل.

وفي الكافي الشريف، عن مولانا الكاظم (علیه السلام) قال لهشام: «يَا هِشَام، مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ: مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ، ومَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ، وأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ ومَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ، أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ ودُنْيَاه».(2)

ومن مهامّ الانبياء الهداة دعوة الناس إلى استعمال العقل والتحذير من إطفاءه. وتفصيل الكلام حول معنى التفكّر وفي موارده الصحيحة والممنوعة يأتي.

ب: الرابطة بين العقل والعلم وفيه مسائل
اشارة

هذا الموضوع من المواضيع المهمّة في علم المعرفة والتي لم يهتد إليها من لم يعرف حقيقة العقل. ونتعرض هنا لبيان مسائل:

أولا: حقيقة العقل من العلم

إنّ التعقّل لا يكون إلا ببركة نور العلم.


1) . غرر الحكم، ح978.

2) . الكافي، ج1، ص17، ح12؛ قال العلامة المجلسي: (بيان: «نور» مرفوع، إذ لم تر «أظلَمَ» متعدّياً. وإضافته إلى الفكر إما بيانيّة أو لاميّة، والسبب في ذلك أنّ بطول الأمل يُقبِل إلى الدنيا ولذّاتها فيشغل عن التفكّر.. الخ). أقول: مع التوجّه إلى ما ذكرناه تكون إضافة النور إلى الفكر في الحديث إضافة لاميّة.

جاء في الخصال عن النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ(عزّ و جّل) خَلَقَ الْعَقْلَ... فَجَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَهُ».(1)

وفي غرر الحكم عن أميرالمؤمنين علي (علیه السلام) أنّه قال:«الْعَقْلُ والْعِلْمُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ لَا يَفْتَرِقَانِ ولَا يَتَبَايَنَانِ».(2)

فلا يضلّ العقل لأنّه من العلم، وكيف يضلّ العلم؟ وقد يتوهّم العبد كون فكرة معيّنة عنده من أحكام العقل ولكن لما لم يكن مصيبا فليس ذلك من عقله وإن توهّمه كذلك، فالذي يُضلّ هو الجهل.

وفي الاختصاص عن الصادق (علیه السلام) قال: «خَلَقَ الله تَعَالَى الْعَقْلَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِلْمِ والْقُدْرَةِ والنُّورِ والْمَشِيئَةِ بِالْأَمْرِ، فَجَعَلَهُ قَائِماً بِالْعِلْمِ دَائِماً فِي الْمَلَكُوت».(3)

ثانيا: العلم إمام العقل

العقل محدود فيما يمكن توفيره للإنسان، ومِن الجهل محاولة إدراك ما لا يدركه به، فيحتاج إلى التعلّم ممن عنده العلم، ليكمل العقل، وما لا يمكن للعاقل أن يتناوله بعقله فيما لا يوجد طريق إلى نيله إلّا بالعلم يكون الخوض فيه بالعقل وحده مهلكة. من هنا احتاج العقل إلى العلم ولا يستغني عنه.


1) . الخصال، ج2، ص427، ح4.

2) . غرر الحكم، ح444.

3) . الإختصاص، 244، أشار المحقّق آية الله المرواريد أعلى الله مقامه إلى بيان فقرات الحديث المذكور عن بعض الأعاظم قال: إنّ الشيء إذا وجد أوّل درجة من الشعور يقال: أنّه حيّ، وهذا الشعور مِن حيث ظهوره ومظهريّته يقال له العلم، فإذا وجد الحيُّ العلمَ وكماله الآخر _ وهو القدرة النفسيّة، والاختيار والحريّة، وهو المراد من المشيّة _ وظهر له حسن الفعل وقبحه الذاتيّان، المعبّر عنهما بالحسن والقبح الفعليّين، ووجوب الفعل وحرمته الذاتيّان، المعبّر عنهما بالحسن والقبح الفاعليّين _ وهو المراد من النور _ فإنّه يقال له العاقل، والله العالم. ولعلّ وجه التعبير عن هذه الدرجة مِن وجدان العلم _ بما له من الكمال المذكور _ بالعقل؛ أنّه إذا وجدتها النفس صار ذلك منشأ لعقالها عن ارتكاب الأفعال التي يرتكبها الجهّال، كما في النبويّ: «إِنَّ الْعَقْلَ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ والنَّفْسَ مِثْلُ أَخْبَثِ الدَّوَابِّ فَإِنْ لَمْ تُعْقَلْ حَارَت». تحف العقول، ص15؛ تنبيهات حول المبدأ والمعاد، ص29.

قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُون).(1)

وقال تعالى: (وَ يُريكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون)(2)وقال تعالى: (كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون).(3)

وفي أمالي الصدوق عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) قوله: «الْعِلْمُ إِمَامُ الْعَقْلِ والْعَقْلُ تَابِعُه».(4)

وفي الكافي الشريف عن الصادق (علیه السلام) قال: «لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْقِلُ ولَا يَعْقِلُ مَنْ لَا يَعْلَم».(5)

وفي غرر الحكم عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال: «أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى».(6)

وفي الغرر عنه (علیه السلام) أيضاً قال: «الْعَقْلُ مَرْكَبُ الْعِلْمِ».(7)

وعن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قال: «الْعِلْمُ مِصْبَاحُ الْعَقْلِ ويَنْبُوعُ الْفَضْل».(8)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «الْعَقْلُ والشَّهْوَةُ ضِدَّانِ، ومُؤَيِّدُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ، ومُزَيِّنُ الشَّهْوَةِ الْهَوَى والنَّفْسُ مُتَنَازَعَةٌ، بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا قَهَرَ كَانَتْ فِي جَانِبِه».(9)

وفي الغرر عنه (علیه السلام) قال: «الْعِلْمُ يَدُلُّ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَقَلَ».(10)

وفي كفاية الأثر في وصيّة مولانا زين العابدين لولده الإمام الباقر (علیهما السلام) قال: «يَا بُنَيَّ إِنَّ الْعَقْلَ رَائِدُ الرُّوحِ والْعِلْمَ رَائِدُ الْعَقْلِ والْعَقْلَ تَرْجُمَانُ الْعِلْمِ».(11)

وفي الغرر عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ عَقْلٍ مَعَ عِلْمٍ، وعِلْمٍ مَعَ


1) . سورة العنكبوت (29)، الآية 43.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 73.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 242.

4) . الأمالي (للصدوق)، ص615 _ 616، ح1.

5) . الكافي، ج1، ص26، ح2؛ وفي التحف: «لا يصلح» بدل «لا يفلح».

6) . غرر الحكم، ص363.

7) . غرر الحكم، ح437.

8) . غرر الحكم، ح71.

9) . غرر الحكم، ح448.

10) . غرر الحكم، ح72 .

11) . كفاية الأثر، ص240.

حِلْمٍ، وحِلْمٍ مَعَ قُدْرَة».(1)

وفي الغرر عنه (علیه السلام) قال: «لَا يَزْكُو عِنْدَ الله سُبْحَانَهُ إِلَّا عَقْلٌعَارِفٌ ونَفْسٌ عَزُوف».(2)

وفي الكافي الشريف في وصيّة مولانا موسى بن جعفر (علیهما السلام) لهشام: «...يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ الله أَنْبِيَاءَهُ ورُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ الله، فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً، وأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ الله أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا، وأَكْمَلُهُمْ عَقْلًا أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا والْآخِرَة...».(3)

وقال العلامة المجلسي قدس الله سرّه:

بيان: ضمير الجمع في قوله (علیه السلام): «لِيَعْقِلُوا» راجع إلى العباد أي ما بعثهم إلّا ليعقل العباد عن الله ما لا يعقلون إلا بتفهيم الأنبياء والرسل (علیهم السلام).(4)

فهذه نتيجة تأييد العقل بنور العلم، وبالعقل وحده لا يكون الإنسان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فهماً، وكلّما زاد علم الإنسان وتعقّله بنظره في العلم تفتّح عقله، فيعقل الحقائق بعقله المستنير بالعلم، فحُسن الاستفادة من العقل هو بالعلم. وستعرف المزيد في قسم أسباب زيادة العقل.

وفي دعوات الراوندي عن الصادق (علیه السلام) قال: «كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ يَفْتَحُ الْعَقْل».(5)

وفي الكافي الشريف، في وصيّة موسى بن جعفر (علیهما السلام) لهشام قال: «يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ فَقَالَ: (وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلّا العَالِمُونَ)...».(6)

ثمّ إنّ العلم إذا لم يكن فيه وعيٌ وفهم وعقل إذن لم ينتفع به. فطالب العلم لابدّ أن يطلبه للعقل، أي يعقل العلم عقل دراية، وإلا زاده حيرة وضلالة، وليس بالضرورة


1) . غرر الحكم، ح473.

2) . غرر الحكم، ح435.

3) . الكافي، ج1، ص16، ح12.

4) . بحارالأنوار، ج1، ص137، ذيل ح29.

5) . الدعوات (للراوندي)، ص221، ح603.

6) . الكافي، ج1، ص14، ح12.

كل من يطلب العلم يطلبه للفقه والعقل، وإنّما من يطلب لذلك له صفاتوعلامات(1)

وهذا من رعاية العلم.(2)

في غرر الحكم عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «كُلُّ عِلْمٍ لَا يُؤَيِّدُهُ عَقْلٌ مَضَلَّةٌ».(3)

وفي غرر الحكم عنه (علیه السلام) أيضاً قال: «مَنْ زَادَ عِلْمُهُ عَلَى عَقْلِهِ كَانَ وَبَالاً عَلَيْه».(4)

وفي ديوان الإمام علي، من الشعر المنسوب إليه (علیه السلام) قال:

إذا كنتَ ذا علمٍ ولم تكُ عاقلاً *** فأنت كذي نعلٍ وليس له رجلُ

و إن كنتَ ذا عقلٍ ولم تكُ عالماً *** فأنت كذي رجلٍ وليس له نعلُ(5)

فمن يكسب العلم إذا استعمل عقله فيه دعاه إلى الفهم كما مرّ. ولو لاحظت الملحدين والمعطّلة رأيت أنّهم جهلوا أسباب الأشياء والمعاني فعمدوا إلى الجحود، فلو طلبوا العلم من معادنه لما تحيّروا وضلّوا.

وفي توحيد المفضّل، عن الصادق (علیه السلام): «إِنَّ الشُّكَّاكَ جَهِلُوا الْأَسْبَابَ والْمَعَانِيَ فِي الْخِلْقَةِ وقَصُرَتْ أَفْهَامُهُمْ عَنْ تَأَمُّلِ الصَّوَابِ والْحِكْمَةِ فِيمَا ذَرَأَ الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ وبَرَأَ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ والسَّهْلِ والْوَعْرِ فَخَرَجُوا بِقَصْرِ عُلُومِهِمْ إِلَى الْجُحُودِ وبِضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ إِلَى التَّكْذِيبِ والْعُنُودِ، حَتَّى أَنْكَرُوا خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وادَّعَوْا أَنَّ تَكَوُّنَهَا بِالْإِهْمَالِ لَا صَنْعَةَ فِيهَا ولَا تَقْدِيرَ ولَا حِكْمَةَ مِنْ مُدَبِّرٍ ولَا صَانِعٍ، تَعَالَى الله عَمَّا يَصِفُونَ و(قاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُون)».(6)

ثالثاً: الأخذ عن العلماء الإلهيين هو من العقل

أحد أسباب عدم استفادة الناس من عقولهم، وذهاب كلّ جماعة من أهل


1) . الكافي، ج1، ص49، ح5.

2) . لاحظ: غرر الحكم، ح156.

3) . غرر الحكم، ح508.

4) . غرر الحكم، ح946.

5) . ديوان الإمام علي (علیه السلام)، ص330.

6) . توحيد المفضّل، ص45.

الرأي مذهباً منحرفاً بإسم العقل هو محاولة الاكتفاء بالعقل، وعدم الأخذ عن العلماء الإلهيين، فلم يحسنوا الاستفادة من العقل، خصوصاً في مسألة الأحكام الإلهيّة التي هي فوق العقل، فلكي يعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه عليهم بأخذ العلم عن أهله.

جاء في كتاب التوحيد، في خطبة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «وابْتَعَثَ فِيهِمُ {النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} ولِيَعْقِلَ الْعِبَادُ عَنْ رَبِّهِمْ مَا جَهِلُوا»(1).

وفي نهج البلاغة في خطبة عن أمير المؤمنين عليّ (علیه السلام) قال: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه».(2)

فلابدّ بحكم العقل من طلب العلم ممّن علّمهم الله، فيطلب ببركة العقل علم العلماء فيعرفهم ويأخذ عنهم، وبه يميز بين النبيّ الصادق والمتنبّي الكاذب.

وفي تحف العقول، في وصيّة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) قال: «...وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ... ومَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْل».(3)

ففي ذات الوقت الّذي يستقلّ العقل بكشف جملة من الحقائق، فهو يكشف أيضاً قصوره عما سوى ذلك ولزوم التعلّم من أهله، ويقود إلى الرسل للأخذ منهم.

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ ضَلَّ».(4)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَايُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ ولَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَر».(5)


1) . التوحيد، ص45.

2) . نهج البلاغة، ص43، الخطبة 1.

3) . تحف العقول، ص387.

4) . تحف العقول، ص88.

5) . نهج البلاغة، الخطبة 87.

وفي أصول الكافي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قال: «إِنَّ أَوَّلَ الْأُمُورِ ومَبْدَأَهَا وقُوَّتَهَا وعِمَارَتَهَا الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ إِلَّا بِهِ؛ الْعَقْلُ الَّذِي جَعَلَهُ الله زِينَةً لِخَلْقِهِ ونُوراً لَهُمْ، فَبِالْعَقْلِ عَرَفَ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ وأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ وأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لَهُمْ وأَنَّهُمُ الْمُدَبَّرُونَ وأَنَّهُ الْبَاقِي وهُمُ الْفَانُونَ، واسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ سَمَائِهِ وأَرْضِهِ وشَمْسِهِ وقَمَرِهِ ولَيْلِهِ ونَهَارِهِ وبِأَنَّ لَهُ ولَهُمْ خَالِقاً ومُدَبِّراً لَمْ يَزَلْ ولَا يَزُولُ، وعَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ وأَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ، وأَنَّ النُّورَ فِي الْعِلْمِ، فَهَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ». قِيلَ لَهُ: فَهَلْ يَكْتَفِي الْعِبَادُ بِالْعَقْلِ دُونَ غَيْرِهِ؟ قَالَ (علیه السلام): «إِنَّ الْعَاقِلَ لِدَلَالَةِ عَقْلِهِ الَّذِي جَعَلَهُ الله قِوَامَهُ وزِينَتَهُ وهِدَايَتَهُ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُ وعَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً وأَنَّ لَهُ كَرَاهِيَةً وأَنَّ لَهُ طَاعَةً وأَنَّ لَهُ مَعْصِيَةً، فَلَمْ يَجِدْ عَقْلَهُ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ وعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وطَلَبِهِ وأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إِنْ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ، فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ والْأَدَبِ الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ».(1)

رابعاً: وقوف العاقل عند علمه

هناك أسباب مختلفة تنشأ بسببها التوهّمات الخاطئة، مثل وجود خلل ما في الحواس أو الدماغ، أو وجود بعض القناعات الموروثة الباطلة والعصبيّات العنصرية والقلبية وما شاكل، فالحكم الخاطئ يعود للتوهم لا للعقل.

ولو اقتصر العاقل الملتفت في حُكمه على قدر استضاءته من نور عقله لم يزلّ لأنّه ليس له حكم حينئذ سوى أنّه لا يستطيع أن يحكم على ما وراء عقله.

من هنا كان التأكيد البالغ من أئمّة الحقّ (علیهم السلام) على ضرورةالتنبه إلى حدّ النفس من حظّها من الأنوار، والوقوف وعدم تجاوزه.

ولو التفت العبد إلى جهله في مختلف الأمور، عرف لزوم أخذ الحيطة الشديدة عند إظهار النظر في أيّة مسألة من المسائل، واتّهم رأيه، وسعى لمعرفة مقدار عقله


1) . الكافي، ج1، ص29، ح35.

وعلمه في كلّ مسألة حتّى يعقد قلبه على ما يعلم لا ما لا يعلم، ويستعين في ذلك بالحجج الظاهرة والعلوم الربّانيّة.

قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام): «رَحِمَ الله امْرَأً عَرَفَ قَدْرَهُ ولَمْ يَتَعَدَّ طَوْرَه».(1)

وقال (علیه السلام): «مَنْ جَهِلَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ عَثَرَ بِدَوَاعِي نَدَمِه».(2)

وعنه (علیه السلام) قال: «نِعِمَّا لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَهُ ولَا يَتَجَاوَزَ حَدَّه».(3)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «مَا عَقَلَ مَنْ عَدَا طَوْرَهُ».(4)

وعنه (علیه السلام) قال: «مَنْ جَهِلَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ زَلَّ».(5)

وفي البحار، عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قال: «مَا هَلَكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ».(6)

وفي نهج البلاغة عنه (علیه السلام) قال: «الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَه».(7)

وإذا وقف العاقل عند حصّته من العقل لم يقع في الخطأ، وأيضا اتهمّ أفكاره.

وفي غرر الحكم، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «اتَّهِمُوا عُقُولَكُمْ، فَإِنَّ مِنَ الثِّقَةِ بِهَا يَكُونُ الْخَطَأُ».(8)

وعنه (علیه السلام) أيضاً قال: «الْعَاقِلُ مَنِ اتَّهَمَ رَأْيَهُ، ولَمْ يَثِقْ بِكُلِّمَا تَسَوَّلَ لَهُ نَفْسُهُ».(9)

بهذا يظهر سرّ ما ورد في الأحاديث من أنّ التواضع رأس العلم(10)والتواضع ثمرة العلم(11)والتواضع رأس العقل.(12)


1) . غرر الحكم، ح4666.

2) . غرر الحكم، 4673.

3) . غرر الحكم، 4678.

4) . غرر الحكم، ح4676.

5) . غرر الحكم، 1175.

6) . بحارالأنوار، ج72، ص66، ح1 عن عيون أخبار الرضا (علیه السلام).

7) . نهج البلاغة، الخبطة 103.

8) . غرر الحكم، ح2570.

9) . غرر الحكم، ح498.

10) . الكافي، ج1، ص48، ح2.

11) . غرر الحكم، 5129.

12) . غرر الحكم، 5138.

فالعالم الحقيقيّ يعلم أوّلاً بمحدوديّة ما عنده، فلا يلقي لسانه وقلمه على عواهنه ولا يدخل في كلّ واد، ويعرف ثانياً حدّ فهمه ودركه فلا يتعدّاه. وهذا ضابط مهمّ لتمييز العالِم عن المتكلّف. فلو افترضنا شخصاً يسلك طريقاً مظلماً، وبيده سراج يضيء مسافة مائة قدم أو أقلّ أو أكثر، فلو اقتصر في الحكم على حدّه لم يعثر ، ولكنّه يكون معرّضاً للهلاك حينما يغترّ بما عنده، فيتهوّر في الخطأ، ويطلب الحكم بما وراء فهمه.

3. قيمة العقل

جاء في الكافي الشريف، عن مولانا الكاظم (علیه السلام) أنّه قال: «يَا هِشَامُ، إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ والْأَنْبِيَاءُ والْأَئِمَّةُ، وأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ».(1)

وجاء في مجمع البحرين: في حديث علي (علیه السلام) قوله: «الْعَقْلُ شَرْعٌ مِنْ دَاخِلٍ، والشَّرْعُ عَقْلٌ مِنْ خَارِجٍ».(2)

وفي عيون الحكم والمواعظ، عن أميرالمؤمنين علي (علیه السلام) أنّه قال: «الْعَقْلُ رَسُولُ الْحَقِّ».(3)وفي مجموعة ورّام، عنه (علیه السلام) قال: «لَقَدْ سَبَقَ إِلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ أَقْوَامٌ مَا كَانُوا أَكْثَرَ النَّاسِ لَا صَوْماً ولَا صَلَاةً ولَا حَجّاًولَا اعْتِمَاراً، ولَكِنَّهُمْ عَقَلُوا عَنِ الله مَوَاعِظَه».(4)

وفي الكافي الشريف، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذيل الرواية المتقدّمة آنفاً قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «ومَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرَائِضَ الله حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ ولَا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ فِي فَضْلِ عِبَادَتِهِمْ مَا بَلَغَ الْعَاقِلُ والْعُقَلَاءُ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قَالَ الله تَعَالَى _ ومَا يَتَذَكَّرُ (إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ)».(5)


1) . الكافي، ج1، ص15، ح12.

2) . مجمع البحرين، «مادة: عَقَل».

3) . عيون الحكم والمواعظ، ص27.

4) . مجموعة ورّام، ج2، ص213.

5) . الكافي، ج، ص13؛ والآية: سورة البقرة (2)، الآية 269.

وفي عوالي اللئالي، عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «والْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي».(1)

روضة الواعظين، عنه (صلی الله علیه و آله و سلم): «قِوَامُ الْمَرْءِ عَقْلُهُ ولَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ».(2)

وجاء في كنز الفوائد، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ والْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ والْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الْحَوَاسِّ والْحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاء»(3).

في مجمع البحرين قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث: «مَا كَسَبَ الْإِنْسَانُ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ يَهْدِيهِ إِلَى هُدًى».(4)

وفي أمالي الشيخ، عن الإمام علي بن موسى (علیهما السلام) يقول: «مَا اسْتَوْدَعَ الله عَبْداً عَقْلًا إِلَّا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً».(5)

وفي الكافي الشريف، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال في حديث: «إِنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ الْعَقْلِ».(6)

وفي المحاسن، عن أبي جعفر (علیه السلام) قال في حديث: «أَوْحَى الله إِلَى مُوسَى: أَنَا أُؤَاخِذُ عِبَادِي عَلَى قَدْرِ مَا أَعْطَيْتُهُمْ مِنَ الْعَقْلِ».(7)وفي الكافي الشريف، عَنْه (علیه السلام) قَالَ: «إِنَّمَا يُدَاقُّ الله الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا».(8)

وفي كنز الفوائد، قال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آلَةٌ وعُدَّةٌ وآلَةُ الْمُؤْمِنِ وعُدَّتُهُ الْعَقْلُ ولِكُلِّ تَاجِرٍ بِضَاعَةٌ وبِضَاعَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الْعَقْلُ ولِكُلِّ خَرَابٍ عِمَارَةٌ وعِمَارَةُ الْآخِرَةِ


1) . المستدرك على الوسائل، ج11، ص173، ح12672 _ 8 عن العوالي.

2) . روضة الواعظين، ج1، ص4.

3) . كنز الفوائد، ج1، ص200.

4) . مجمع البحرين، «مادة: عَقل».

5) . الأمالي (للطوسي)، ص56، ح79 _ 48.

6) . الكافي، ج1، ص12، ح8.

7) . المحاسن، ج1، ص193، ح10.

8) . الكافي، ج1، ص11، ح7.

الْعَقْلُ ولِكُلِّ سَفَرٍ فُسْطَاطٌ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ وفُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ الْعَقْل».(1)

وفي الكافي الشريف، عَنْ عَلِيٍّ (علیه السلام) قَالَ: «هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى آدَمَ (علیه السلام) فَقَالَ: يَا آدَمُ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ فَاخْتَرْهَا ودَعِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا جَبْرَئِيلُ ومَا الثَّلَاثُ؟ فَقَالَ: الْعَقْلُ والْحَيَاءُ والدِّينُ فَقَالَ آدَمُ: إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِلْحَيَاءِ والدِّينِ: انْصَرِفَا ودَعَاهُ فَقَالا: يَا جَبْرَئِيلُ إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ. قَالَ: فَشَأْنَكُمَا، وعَرَج».(2)

وفي الإرشاد، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «لَا عُدَّةَ أَنْفَعُ مِنَ الْعَقْلِ، ولَا عَدُوَّ أَضَرُّ مِنَ الْجَهْل».(3)

وفي الكافي الشريف، في خبر ابن السكيت، (قال لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ؟ قَالَ: فَقَالَ (علیه السلام): «الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى الله فَيُصَدِّقُهُ والْكَاذِبُ عَلَى الله فَيُكَذِّبُهُ». قَالَ: فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هَذَا واللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ).(4)

وفي الكافي الشريف، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ».(5)وفي تحف العقول، قال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّمَا يُدْرَكُ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِالْعَقْلِ، ولَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ».(6)

وفي المحاسن، عن أَبَي جَعْفَرٍ (علیه السلام) قَالَ: «مَا بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ إِلَّا قِلَّةُ الْعَقْلِ»، قِيلَ: وكَيْفَ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ الله؟ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الَّذِي هُوَ لِلهِ رِضًا فَيُرِيدُ بِهِ غَيْرَ الله فَلَوْ أَنَّهُ أَخْلَصَ لِلهِ لَجَاءَهُ الَّذِي يُرِيدُ فِي أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ».(7)


1) . بحارالأنوار، ج1، ص95، ح44؛ عن كنز الفوائد.

2) . الكافي، ج1، ص32، ح2.

3) . الإرشاد، ج1، ص304.

4) . الكافي، ج1، ص25، ح20.

5) . الكافي، ج1، ص12، ح5.

6) . تحف العقول، ص54.

7) . المحاسن، ج1، ص254، ح280.

وفي الكافي الشريف، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «الْعَقْلُ دَلِيلُ الْمُؤْمِنِ».(1)

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «غَايَةُ الْفَضَائِلِ الْعَقْل».(2)

وفي البحار، عن النهج، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «لَيْسَ الرُّؤْيَةُ مَعَ الْإِبْصَارِ وقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا ولَا يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ انْتَصَحَهُ».(3)

وفي تحف العقول، فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ ومَسَائِلَ كَثِيرَةٍ سَأَلَهُ عَنْهَا رَاهِبٌ يُعْرَفُ بِشَمْعُونَ بْنِ لَاوَى بْنِ يَهُودَا مِنْ حَوَارِيِّ عِيسَى (علیه السلام) فَأَجَابَهُ عَنْ جَمِيعِ مَا سَأَلَ عَنْهُ عَلَى كَثْرَتِهِ فَآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ ومِنْهُ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَقْلِ مَا هُوَ وكَيْفَ هُوَ ومَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ ومَا لَا يَتَشَعَّبُ وصِفْ لِي طَوَائِفَهُ كُلَّهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الْعَقْلَ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ والنَّفْسَ مِثْلُ أَخْبَثِ الدَّوَابِّ فَإِنْ لَمْ تُعْقَلْ حَارَتْ فَالْعَقْلُ عِقَالٌ مِنَ الْجَهْلِ وإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ وقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى: وعِزَّتِي وجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَعْظَمَ مِنْكَ ولَا أَطْوَعَ مِنْكَ بِكَ أُبْدِأُ وبِكَ أُعِيدُ لَكَ الثَّوَابُ وعَلَيْكَ الْعِقَابُ، فَتَشَعَّبَ مِنَ الْعَقْلِالْحِلْمُ ومِنَ الْحِلْمِ الْعِلْمُ ومِنَ الْعِلْمِ الرُّشْدُ ومِنَ الرُّشْدِ الْعَفَافُ ومِنَ الْعَفَافِ الصِّيَانَةُ ومِنَ الصِّيَانَةِ الْحَيَاءُ ومِنَ الْحَيَاءِ الرَّزَانَةُ ومِنَ الرَّزَانَةِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْخَيْرِ ومِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرِ كَرَاهِيَةُ الشَّرِّ ومِنْ كَرَاهِيَةِ الشَّر طَاعَةُ النَّاصِحِ، فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ. وَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ الْأَصْنَافِ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ فَأَمَّا الْحِلْمُ فَمِنْهُ رُكُوبُ الْجَمِيلِ وصُحْبَةُ الْأَبْرَارِ ورَفْعٌ مِنَ الضِّعَةِ ورَفْعٌ مِنَ الخَسَاسَةِ وتَشَهِّي الْخَيْرِ وتَقَرُّبُ صَاحِبِهِ مِنْ مَعَالِي الدَّرَجَاتِ والْعَفْوُ والْمَهَلُ والْمَعْرُوفُ والصَّمْتُ فَهَذَا مَا يَتَشَعَّبُ لِلْعَاقِلِ بِحِلْمِهِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْغِنَى وإِنْ كَانَ فَقِيراً والْجُودُ وإِنْ كَانَ بَخِيلًا والْمَهَابَةُ وإِنْ كَانَ هَيِّناً والسَّلَامَةُ وإِنْ كَانَ سَقِيماً والْقُرْبُ وإِنْ كَانَ قَصِيّاً والْحَيَاءُ وإِنْ كَانَ صَلِفاً والرِّفْعَةُ وإِنْ كَانَ وَضِيعاً والشَّرَفُ وإِنْ كَانَ رَذْلًا


1) . الكافي، ج1، ص25، ح24.

2) . غرر الحكم، ح329.

3) . بحارالأنوار، ج1، ص95، ح39؛ عن نهج البلاغة.

والْحِكْمَةُ والْحُظْوَةُ فَهَذَا مَا يَتَشَعَّبُ لِلْعَاقِلِ بِعِلْمِهِ فَطُوبَى لِمَنْ عَقَلَ وعَلِمَ. وَأَمَّا الرُّشْدُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ السَّدَادُ والْهُدَى والْبِرُّ والتَّقْوَى والْمَنَالَةُ والْقَصْدُ والِاقْتِصَادُ والصَّوَابُ والْكَرَمُ والْمَعْرِفَةُ بِدِينِ الله فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِالرُّشْدِ فَطُوبَى لِمَنْ أَقَامَ بِهِ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّرِيقِ. وَأَمَّا الْعَفَافُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ الرِّضَا والِاسْتِكَانَةُ والْحَظُّ والرَّاحَةُ والتَّفَقُّدُ والْخُشُوعُ والتَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ والْجُودُ والسَّخَاءُ فَهَذَا مَا يَتَشَعَّبُ لِلْعَاقِلِ بِعَفَافِهِ رِضىً بِاللَّهِ وبِقَسْمِهِ. وَأَمَّا الصِّيَانَةُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهَا الصَّلَاحُ والتَّوَاضُعُ والْوَرَعُ والْإِنَابَةُ والْفَهْمُ والْأَدَبُ والْإِحْسَانُ والتَّحَبُّبُ والْخَيْرُ واجْتِنَاءُ الْبِشْرِ فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِالصِّيَانَةِ فَطُوبَى لِمَنْ أَكْرَمَهُ مَوْلَاهُ بِالصِّيَانَةِ. وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ اللِّينُ والرَّأْفَةُ والْمُرَاقَبَةُ لِلهِ فِي السِّرِّ والْعَلَانِيَةِ والسَّلَامَةُ واجْتِنَابُ الشَّرِّ والْبَشَاشَةُ والسَّمَاحَةُ والظَّفَرُ وحُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْءِ فِي النَّاسِ فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِالْحَيَاءِ فَطُوبَى لِمَنْ قَبِلَ نَصِيحَةَ الله وخَافَفَضِيحَتَهُ. وَأَمَّا الرَّزَانَةُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهَا اللُّطْفُ والْحَزْمُ وأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وتَرْكُ الْخِيَانَةِ وصِدْقُ اللِّسَانِ وتَحْصِينُ الْفَرْجِ واسْتِصْلَاحُ الْمَالِ والِاسْتِعْدَادُ لِلْعَدُوِّ والنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وتَرْكُ السَّفَهِ فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِالرَّزَانَةِ فَطُوبَى لِمَنْ تَوَقَّرَ ولِمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خِفَّةٌ ولَا جَاهِلِيَّةٌ وعَفَا وصَفَحَ. وَأَمَّا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْخَيْرِ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ تَرْكُ الْفَوَاحِشِ والْبُعْدُ مِنَ الطَّيْشِ والتَّحَرُّجُ والْيَقِينُ وحُبُّ النَّجَاةِ وطَاعَةُ الرَّحْمَنِ وتَعْظِيمُ الْبُرْهَانِ واجْتِنَابُ الشَّيْطَانِ والْإِجَابَةُ لِلْعَدْلِ وقَوْلُ الْحَقِّ فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِمُدَاوَمَةِ الْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ أَمَامَهُ وذَكَرَ قِيَامَهُ واعْتَبَرَ بِالْفَنَاءِ. وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ الشَّرِّ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْوَقَارُ والصَّبْرُ والنَّصْرُ والِاسْتِقَامَةُ عَلَى الْمِنْهَاجِ والْمُدَاوَمَةُ عَلَى الرَّشَادِ والْإِيمَانُ بِاللَّهِ والتَّوَفُّرُ والْإِخْلَاصُ وتَرْكُ مَا لَا يَعْنِيهِ والْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ فَهَذَا مَا أَصَابَ الْعَاقِلُ بِالْكَرَاهِيَةِ لِلشَّرِّ فَطُوبَى لِمَنْ أَقَامَ بِحَقِّ الله وتَمَسَّكَ بِعُرَى سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا طَاعَةُ النَّاصِحِ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْعَقْلِ وكَمَالُ اللُّبِّ ومَحْمَدَةُ الْعَوَاقِبِ والنَّجَاةُ مِنَ اللَّوْمِ والْقَبُولُ والْمَوَدَّةُ والِانْشِرَاحُ والْإِنْصَافُ والتَّقَدُّمُ فِي الْأُمُورِ والْقُوَّةُ عَلَى طَاعَةِ الله

فَطُوبَى لِمَنْ سَلِمَ مِنْ مَصَارِعِ الْهَوَى فَهَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا تَتَشَعَّبُ مِنَ الْعَقْلِ».

قَالَ شَمْعُونُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَعْلَامِ الْجَاهِلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنْ صَحِبْتَهُ عَنَّاكَ وإِنِ اعْتَزَلْتَهُ شَتَمَكَ وإِنْ أَعْطَاكَ مَنَّ عَلَيْكَ وإِنْ أَعْطَيْتَهُ كَفَرَكَ وإِنْ أَسْرَرْتَ إِلَيْهِ خَانَكَ وإِنْ أَسَرَّ إِلَيْكَ اتَّهَمَكَ وإِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وكَانَ فَظّاً غَلِيظاً وإِنِ افْتَقَرَ جَحَدَ نِعْمَةَ الله ولَمْ يَتَحَرَّجْ وإِنْ فَرِحَ أَسْرَفَ وطَغَى وإِنْ حَزِنَ أَيِسَ وإِنْ ضَحِكَ فَهِقَ وإِنْ بَكَى خَارَ يَقَعُ فِي الْأَبْرَارِ ولَا يُحِبُّ اللَّهَ ولَا يُرَاقِبُهُ ولَا يَسْتَحْيِي مِنَ الله ولَا يَذْكُرُهُ إِنْ أَرْضَيْتَهُ مَدَحَكَ وقَالَ فِيكَ مِنَ الْحَسَنَةِ مَا لَيْسَ فِيكَ وإِنْ سَخِطَ عَلَيْكَ ذَهَبَتْ مِدْحَتُهُووَقَّعَ فِيكَ مِنَ السُّوءِ مَا لَيْسَ فِيكَ فَهَذَا مَجْرَى الْجَاهِل».(1)

4. زيادة العقل وتقويته

اشارة

في مسألة استزادة العبد من هذا النور الإلهيّ توجد مجموعة من المفردات في النصوص الدينيّة، ينبغي التدقيق فيها كالتعبير ب«تقوية» العقل و«إكماله» و«تزكيته» و«تذكيته» و«شَدِّه» و«فتحه أو تلقيحه» و«إثارة دفائنه» و«وفوره» و«جنوده»، وننبّه هنا على أنّ ثمّة أموراً مادّية قد تؤثر في العقل، مثل اختلال المزاج الذي قد يحدّد من قدرة التركيز والتفكّر، أو الظروف التي تواجه حياة الإنسان الماديّة وتنعكس على توازنه الفكريّ، بل عموم الضغوطات والتجاذبات، فإنّها تؤثّر على العقل بقدر ضعفه وعدم اشتداده، أمّا إذا كان العبد قد عوّد نفسه الإستماع إلى العقل والعمل على ضوءه والالتزام به، لن يُغلب على عقله بسهولة لاستحكامه. والعمل على وفق نور العقل يقوّي العقل، فالعقال إذن يزيد من قدرة العبد على عدم الاستسلام للهوى.

ثمّ إنّ العقل يتقوّى بجنوده، وهي مختلفة، فصدور الكذب مثلاً قد يكون لخوف ضرر أو فوت منفعة، فإذا عرف مصدر النفع والضرر، وأنّ الكذب يوجب أكبر الضرر وهو العقاب لم يكذب، والعلم هو أحد جنود العقل.


1) . تحف العقول، ص15.

والغلبة على العقل عند الربح الماليّ والخسارة الماليّة، خصوصا إذا كانا كبيرين، إنما يكون عند ضعف العقل الذي يتأثّر بتلك الأمور، بينما ذو العقل القويّ لا تهزّه العواصف. من هنا تتبين ضرورة تغذية العقل بكثرة مخالفة الهوى، ومعرفة جنود العقل التي تبعث على تقويته، وجنود الجهل التي تبعث على تضعيفه، وسيأتي الكلام في ذلك.

في تحف العقول، عن الصادق (علیه السلام) قال: «ثَلَاثٌ مَنِ ابْتُلِيَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ طَائِحَ الْعَقْلِ: نِعْمَةٌ مُوَلِّيَةٌ، وزَوْجَةٌفَاسِدَةٌ، وفَجِيعَةٌ بِحَبِيب».(1)

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «ثَلَاثٌ يُمْتَحَنُ بِهَا عُقُولُ الرِّجَالِ هُنَّ الْمَالُ والْوَلَايَةُ والْمُصِيبَة».(2)

وإذا ضعف العقل لم ينتفع به العبد خصوصاً عند مصارعة الهوى، فلا يستطيع حينئذ أن يرى بعين سليمة ولا يسمع بأذن سليمة، بل سرعان ما يصطفّ مع هواه ويتغلّب عليه الشيطان، فلا يفهم ولا يعي، بل يعمى ويصمّ.

ثمّ إنّ الدماغ بحسب الأحاديث الشريفة هو موضع العقل، أي أنّ التعقّل لهذا الإنسان المتشكّل من روح وجسد يكون بوساطة دماغه، كما أنّ الإبصار لمن كانت روحه في جسده عبر عينه، فهناك ما يساعد ويحافظ على سلامة هذا العضو وهناك ما يزيد نورانيّة الإبصار، والأوّل من قبيل بعض الأطعمة والثاني مثل صلاة الليل حيث أنّها تجلو البصر(3)

وكذلك تلاوة القرآن(4)

والدعاء(5)

وأمور معنويّة يُطلب معرفتها من المصادر الدينيّة.

وفي تفسير القمّي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: «ومَوْضِعُ الْعَقْلِ الدِّمَاغُ، أَ


1) . تحف العقول، ص322.

2) . تصنيف غرر الحكم، ص1749.

3) . ثواب الأعمال، ص42.

4) . الكافي، ج2، ص561.

5) . مهج الدعوات، ص100.

لَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ قَلِيلَ الْعَقْلِ، قِيلَ لَهُ: مَا أَخَفَّ دِمَاغَك...».(1)

فبعض ما ورد من أسباب زيادة العقل ونقصانه يتعلّق بالدماغ، فتقويته تقوية للعقل، مثل ما ورد في الدباء أنّه يزكّي العقل ويزيد في الدماغ(2)وكذا في الخلّ الذي يزيد في العقل(3)والحجامة(4)

واللبان(5)

والسداب(6)

والفرفخ(7)

والسفرجل(8)

والسواك(9)واللحم(10)،

والأترج يزيد في الدماغ(11)والباقلّى(12)

والدهن(13)

والعسل يصفّي الذهن(14)

والرمان مع شحمه يزيد في الذهن(15)..فهذه تتعلّق بالدماغ ومن ثمّ بالعقل.

وثمّة أسباب لزيادة نور العقل جعلها الله تعالى تتعلّق بالطاعة، وباستعمال نور العقل، والتواضع للحقّ المنكشف للعاقل، وهذه من مصاديق الشكر لهذه النعمة الإلهيّة، وهو يستوجب الزيادة. ومن مننه تعالى على خلقه أن بعث مَن يبيّن تلك الأسباب لصلاح أمرهم وسعادتهم، وهي أمور كثيرة منها ما ورد في حديث جنود العقل.

وفي الخصال، عن مُوسَى بْن جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ


1) . تفسير القمّي، ج2، ص239.

2) . دعائم السلام، ج2، ص113.

3) . المحاسن، ج2، ص487، ح554.

4) . مكارم الأخلاق، ج1، ص174، ح518.

5) . بحارالأنوار، ج62، ص294؛ وهو أيضا يزيد في عقل الجنين إذا أُطعمت الحُبلى؛ الكافي، ج6، ص23، ح6.

6) . المحاسن، ج2، ص515، ح707.

7) . المحاسن، ج2، ص517، ح712.

8) . المحاسن، ج2، ص550، ح887.

9) . ثواب الأعمال، ص18.

10) . طبّ الأئمّة (علیهم السلام)، ص139.

11) . طب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ص8.

12) . المحاسن، ج2، ص309، ح2028.

13) . الكافي، ج6، ص519، ح1.

14) . فقه الرضا (علیه السلام)، ص346.

15) . المحاسن، ج2، ص398، ح2391.

عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهم السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ اللَّهَ عزّ وجل خَلَقَ الْعَقْلَ... ثُمَّ حَشَاهُ وقَوَّاهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ بِالْيَقِينِ والْإِيمَانِ والصِّدْقِ والسَّكِينَةِ والْإِخْلَاصِ والرِّفْقِ والْعَطِيَّةِ والْقُنُوعِ والتَّسْلِيمِ والشُّكْرِ...».(1)

وفيما يلي إشارة إلى بعض أسباب زيادة العقل التي وردت فيها أحاديث مستقلّة:

أ: الذكر

في غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحْيَا الله قَلْبَهُ ونَوَّرَ عَقْلَهُ ولُبَّه».(2)

وعنه (علیه السلام) قال: «الذِّكْرُ هِدَايَةُ الْعُقُولِ وتَبْصِرَةُ النُّفُوس».(3)

أقول: من أوكد أسباب الذكر هو القرآن الكريم فهو شفاء لما في الصدور لمن استشفى به.

قال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنين).(4)

وقال تعالى: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ولا يَزيدُ الظَّالِمينَ إِلَّا خَسارا).(5)

وقال تعالى: (وَ هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُون).(6)

وقال تعالى: (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ والذِّكْرِ الْحَكيم).(7)


1) . الخصال، ج2، ص427، ح4.

2) . غرر الحكم، ح8876.

3) . غرر الحكم، ح1403.

4) . سورة يونس (10)، الآية 57.

5) . سورة الإسراء (17)، الآية 82.

6) . سورة الأنبياء (21)، الآية 50.

7) . سورة آل عمران (3)، الآية 58.

عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «...مَنْ لَمْ يَشْفِهِ الْقُرْآنُ فَلَا شَفَاهُ اللَّهُ».(1)

إنّ المبتلى بمرض الكبر مثلاً وهو من جنود الجهل ثم قرأ القرآن للاستشفاء شفاه الله وقوّى نور عقله فتواضع.

في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) حول القرآن قال: «... دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ ونُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ».(2)

وفيه، عنه (علیه السلام) قال في حديث آخر: «... ومَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ وبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُون».(3)

وهناك بعض الأعمال والعبادات الخاصّة ورد ذكرها فيالاحاديث وأنّها تزيد في العقل أو تحافظ عليه، ومن جملتها صلاة ركعتين ذكرها الشيخ الطوسي لليلة الأحد.

ففي مصباح المتهجّد، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ الْأَحَدِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ مَرَّةً وآيَةَ الْكُرْسِيِّ مَرَّةً وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى مَرَّةً وقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ مَرَّةً جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ووَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ومَتَّعَهُ الله تَعَالَى بِعَقْلِهِ حَتَّى يَمُوتَ».(4)

ب: المسألة من الله تعالى

في المصباح للكفعمي، فيما كان عليّ (علیه السلام) يقوله في سحر كلّ ليلة: «..اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَقْلًا كَامِلا».(5)

وفي الكافي الشريف، في وصيّة مولانا موسى بن جعفر (علیهما السلام) لهشام قال: «...يَا هِشَامُ مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ ورَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ والسَّلَامَةَ فِي الدِّينِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى الله(عزّ و جّل) فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ، فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ ومَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ


1) . وسائل الشیعة، ج6، ص236، ح1.

2) . نهج البلاغة، الخطبة 198.

3) . بحارالأنوار، ج2، ص312، ح75؛ عن نهج البلاغة.

4) . مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج1، ص252.

5) . المصباح (للكفعمي)، ص63.

اسْتَغْنَى ومَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً».(1)

ج: عقال النفس

تنبّهت أنّ العمل بمقتضى أحكام العقل يستوجب المزيد من الله سبحانه وهو من شكر النعمة، فالذي يحلم مثلا إذا غضب يزدد حلماً، وإذا تواضع أمام الحقّ ازداد تواضعاً له، فكلّما عقل نفسه بما عنده من جنود العقل، كالإيمان والتصديق والإخلاص والرجاء والعدل والرضا والشكر والتوكلّ والرأفة والعفّة والزهد والرفق والصمت ازداد عقلاً. وسيأتي حديث جنود العقل بتمامه.

في غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «جَاهِدْ شَهْوَتَكَ، وغَالِبْ غَضَبَكَ، وخَالِفْ سُوءَ عَادَتِكَ، تَزْكُ نَفْسُكَ،ويَكْمُلْ عَقْلُكَ، وتَسْتَكْمِلْ ثَوَابَ رَبِّكَ».(2)

وفي عيون الحكم والمواعظ، عنه (علیه السلام) قال: «مِنْ أَوْكَدِ أَسْبَابِ الْعَقْلِ رَحْمَةُ الْجُهَّالِ».(3)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «ذَكِّ عَقْلَكَ بِالْأَدَبِ كَمَا تُذَكِّي النَّارَ بِالْحَطَبِ».(4)

وفي أعلام الدين، عنه (علیه السلام): «الْأَدَبُ هُوَ لِقَاحُ الْعَقْلِ».(5)

والإيمان هو من أهمّ جنود العقل، فمن يؤمن بالله تعالى وبرسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) وبكتابه وبالأوصياء (علیهم السلام) أعطاه الله تعالى العقل ونوّر قلبه بنوره ويُعطى الزيادة.

د: التعقّل

قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُور).(6)


1) . الكافي، ج1، ص18، ح12.

2) . غرر الحكم، ح4760.

3) . عيون الحكم والمواعظ، ح8510.

4) . غرر الحكم، ح5200.

5) . أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص84.

6) . سورة الحجّ (22)، الآية 46.

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «بِالْعُقُولِ تُنَالُ ذِرْوَةُ الْعُلُوم».(1)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) قال: «الْعَقْلُ أَصْلُ الْعِلْمِ ودَاعِيَةُ الْفَهْمِ».(2)

وقال (علیه السلام): «مَنْ عَقَلَ فَهِمَ».(3)

وقال (علیه السلام) أيضاً: «إِذَا شَابَ الْعَاقِلُ شَبَّ عَقْلُه».(4)

وعنه (علیه السلام) قال: «التَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ».(5)

بيان: قال المجلسي (قدس سره):«التعلم بالعقل يُعتقد» أي: يشتدّ ويستحكم، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق والإذعان.(6)

ويلحق به أيضا:

في الكافي الشريف، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «التِّجَارَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ».(7)

ه: العلم

في تحف العقول، في وصيّة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) لهشام: «...يَا هِشَامُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ فَقَالَ: (وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُون)(8)».(9)

في أمالي الصدوق، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «الْعِلْمُ إِمَامُ الْعَقْلِ، والْعَقْلُ تَابِعُهُ».(10)


1) . غرر الحكم، ح441.

2) . غرر الحكم، ح439.

3) . غرر الحكم، ح447.

4) . غرر الحكم، ح519.

5) . الكافي، ج1، ص17 ح12.

6) . بحارالأنوار، ج1، ص138، ذيل ح29.

7) . الكافي، ج5، ص148، ح2.

8) . سورة العنكبوت (29)، الآية 43.

9) . تحف العقول، ص383 _ 401.

10) . الأمالي (للصدوق)، ص615 _ 616، ح1.

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْعَقْلُ مَرْكَبُ الْعِلْمِ».(1)

وفي نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «...فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ، مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، ومِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، ومَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ...».(2)

وقال (علیه السلام): «إِنَّكَ مَوْزُونٌ بِعَقْلِكَ، فَزَكِّهِ بِالْعِلْمِ».(3)

وعنه (علیه السلام) قال: «أَعْوَنُ الْأَشْيَاءِ عَلَى تَزْكِيَةِ الْعَقْلِ التَّعْلِيمُ».(4)

وقال (علیه السلام): «الْعِلْمُ مُحْيِي النَّفْسِ ومُنِيرُ الْعَقْلِ ومُمِيتُالْجَهْلِ».(5)

وجاء في الدعوات عنه (علیه السلام): «كَثْرَةُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ يَفْتَحُ الْعَقْل».(6)

أقول: مرّ ما يتعلّق بذلك.

و: الارتباط بذوي العقول

في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا».(7)

في كنز الفوائد، عنه (علیه السلام) أيضاً: «مَنْ شَاوَرَ ذَوِي الْأَلْبَابِ دُلَّ عَلَى الصَّوَاب».(8)

في غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «مَنْ شَاوَرَ ذَوِي الْعُقُولِ اسْتَضَاءَ بِأَنْوَارِ الْعُقُول».(9)


1) . غرر الحكم، ح437.

2) . نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

3) . غرر الحكم، ح3812.

4) . غرر الحكم، ح3246.

5) . غرر الحكم، ح1764.

6) . الدعوات (للراوندي)، ص221.

7) . نهج البلاغة، الحكمة 161.

8) . كنز الفوائد، ج1، ص367.

9) . غرر الحكم، ح8634.

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام) أيضاً: «جَالِسِ الْحُكَمَاءَ يَكْمُلْ عَقْلُكَ وتَشْرُفْ نَفْسُكَ ويَنْتَفِ عَنْكَ جَهْلُكَ».(1)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «أَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ أَطَاعَ الْعُقَلَاءَ».(2)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «إِذَا أَنْكَرْتَ مِنْ عَقْلِكَ شَيْئاً فَاقْتَدِ بِرَأْيِ عَاقِلٍ يُزِيلُ مَا أَنْكَرْتَهُ».(3)

إنّ أعقل العقلاء هم خلفاء الله تعالى، فمن أعظم أبواب زيادة العقل الرجوع إلى حِكَمهم وأفعالهم. ولا يستنكف من ذلك إلا الجهلة.

ففي المحاسن، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): خَلَقَ الله الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ قَالَ:فَأَعْطَى الله مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءاً ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ جُزْءاً وَاحِداً».(4)

ثمّ كما يكشف العقل أهميّة الارتباط بالعقلاء من جهة، يكشف لزوم الحذر من التأثّر بالجاهل أيضاً.

في تحف العقول، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) في وصيّته لابنه الإمام الحسن (علیه السلام): «...وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ...».(5)

لأنّ من يرتبط بالجاهل أخذ من جهله، فقطيعته سبب من أسباب بقاء العقل وحفظه.

ز: اتّباع الحقّ وطاعة الناصح

في تحف العقول، ورد في جواب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأسئلة شمعون بن لاوي: «وأَمَّا طَاعَةُ


1) . غرر الحكم، ح4787.

2) . غرر الحكم، ح385.

3) . غرر الحكم، ح497.

4) . المحاسن، ج1، ص192، ح8.

5) . تحف العقول، ص85.

النَّاصِحِ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْعَقْلِ وكَمَالُ اللُّبِّ...».(1)

وفي أعلام الدين، وتَذَاكَرُوا الْعَقْلَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ (علیه السلام): «لَا يَكْمُلُ الْعَقْلُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا فِي صُدُورِكُمْ إِلَّا شَيْءٌ وَاحِد».(2)

في الكافي، في وصيّة الإمام الكاظم (علیه السلام) لهشام: «إنَّ لُقْمَانَ قَال لابْنِهِ: تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ».(3)

ح: الزهد في الدنيا

غرر الحكم، أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ سَخَتْ نَفْسُهُ عَنْ مَوَاهِبِ الدُّنْيَا فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْعَقْل».(4)

في الكافي، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): «كَتَبَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ:أُوصِيكَ ونَفْسِي بِتَقْوَى، مَنْ لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ ولَا يُرْجَى غَيْرُهُ ولَا الْغِنَى إِلَّا بِهِ، فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ وقَوِيَ وشَبِعَ ورَوِيَ ورُفِعَ عَقْلُهُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَبَدَنُهُ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا وقَلْبُهُ وعَقْلُهُ مُعَايِنُ الْآخِرَةِ، فَأَطْفَأَ بِضَوْءِ قَلْبِهِ مَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا، فَقَذِرَ حَرَامَهَا وجَانَبَ شُبُهَاتِهَا وأَضَرَّ واللَّهِ بِالْحَلَالِ الصَّافِي، إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كِسْرَةٍ مِنْهُ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ وثَوْبٍ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ أَغْلَظِ مَا يَجِدُ وأَخْشَنِهِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثِقَةٌ ولَا رَجَاءٌ، فَوَقَعَتْ ثِقَتُهُ ورَجَاؤُهُ عَلَى خَالِقِ الْأَشْيَاءِ، فَجَدَّ واجْتَهَدَ وأَتْعَبَ بَدَنَهُ، حَتَّى بَدَتِ الْأَضْلَاعُ وغَارَتِ الْعَيْنَانِ، فَأَبْدَلَ الله لَهُ مِنْ ذَلِكَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وشِدَّةً فِي عَقْلِهِ، ومَا ذُخِرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ، فَارْفُضِ الدُّنْيَا فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي ويُصِمُّ ويُبْكِمُ ويُذِلُّ الرِّقَابَ، فَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ، ولَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَمَانِيِّ والتَّسْوِيفِ حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ الله بَغْتَةً وهُمْ غَافِلُونَ، فَنُقِلُوا عَلَى


1) . تحف العقول، ص18.

2) . أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص298.

3) . الكافي، ج1، ص16، ح12.

4) . غرر الحكم، ح8904.

أَعْوَادِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ وقَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلَادُ والْأَهْلُونَ، فَانْقَطِعْ إِلَى الله بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا وعَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسَارٌ ولَا انْخِزَالٌ، أَعَانَنَا الله وإِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ، ووَفَّقَنَا الله وإِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ».(1)

ط: التجربة

مطالب السؤول، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعَقْلُ عَقْلَانِ؛ عَقْلُ الطَّبْعِ وعَقْلُ التَّجْرِبَةِ، وكِلَاهُمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَنْفَعَةِ».(2)

أعلام الدين، عن الإمام الحسين (علیه السلام): «طُولُ التَّجَارِبِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ».(3)

غرر الحكم، أميرالمؤمنين (علیه السلام): «التَّجَارِبُ لَا تَنْقَضِي،والْعَاقِلُ مِنْهَا فِي زِيَادَة».(4)

غرر الحكم، أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ تَزِيدُ بِالْعِلْمِ والتَّجَارِبِ».(5)

5. نقصان العقل وزواله

أ: تمهيد في مسألة الغفلة وأهميّة معرفة الحجب

إنّ أوضح الحقائق التي يعرفها البشر لم تكن ليتيسّر التنبّه لها لولا إرسال الله تعالى من يذكّرهم بها، ولا نريد بذلك الأمور المحسوسة بالحواسّ أو الأمور المسمّاة بالغرائز مثل الحاجة إلى الأكل والشرب، فإنّها أمور يتّبع فيها الإنسان جبلّته، بل الهداية والمعرفة والتذكّر حتى للبديهيّات العقليّة، فلم يكونوا يلتفتون إليها إلّا بعد تذكير الأنبياء.

الأصول الستة عشر، عن زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في حديث قال: «(كَانَ الناسُ أمَّةً وَاحِدَةً) لَا مُؤْمِنِينَ ولَا مُشْرِكِينَ (فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ) فَثَمَّ وَقَعَ التَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ».(6)


1) . الكافي، ج2، ص136، ح23.

2) . مطالب السؤول، ص49.

3) . أعلام الدين، ص298.

4) . غرر الحكم، ح10138.

5) . غرر الحكم، ح443 .

6) . الأصول الستة عشر، ص161

وتفسير العياشي، عن مسعدة عن أبي عبد الله (علیه السلام) في قول الله: (كَانَ النَاسُ أمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبِيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ) فَقَالَ: «كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُوحٍ». قِيلَ: فَعَلَى هُدًى كَانُوا؟ قَالَ (علیه السلام): «بَلْ كانُوا ضُلَّالًا، وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَرَضَ آدَم وصَالح ذُرِّيَّتِهِ بَقِيَ شَيْث وَصِيُّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِينُ الله الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ آدَم وصَالِح ذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ أَنَّ قَابِيل تَوَاعَدَهُ بِالْقَتْلِ كَمَا قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، فَسَارَ فِيهِمْ بِالتَّقِيَّةِ والْكِتْمَانِ، فَازْدَادُوا كُلّ يَوْمٍ ضَلَالًا حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى الْأَرْضِ مَعَهُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ سَلَف، ولَحِقَ الْوَصِيُّ بجزيرة فِي الْبَحْرِ يَعْبُدُ اللَّهَ فَبَدَا لِلهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَنْ يَبْعَثَ الرُّسُل». قُلْتُ: أَ فضُلّالاً كَانُوا قَبْلَ النَّبِيِّينَ أَمْ عَلَى هُدًى؟ قَالَ (علیه السلام): «لَمْ يَكُونُوا عَلَى هُدًى، كَانُوا عَلَى فِطْرَت الله الَّتِيفَطَرَهُمْ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله، ولَمْ يَكُونُوا لِيَهتَدُوا حَتَّى يَهْدِيهمُ اللَّه، أَ مَا تَسْمَع يَقُولُ إِبْرَاهِيم: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكونَنَّ مِنَ القَومِ الضَالّينَ) أي نَاسِياً للميثاقِ».(1)

والغفلة تارة تكون هي أو مقدّماتها بيد العبد وأخرى لا تكون كذلك، فما كان بيده ممّا لا يسع الغفلة عنه لابدّ بضرورة العقل من السعي في النجاة والتخلّص منه. ولا ينجو إلا بعون الله لأنّه بعد وجدان نور العلم وزوال حجاب الجهل يبقى معرَّضاً للحرمان من نور العلم والغفلة عمّا انكشف له، وهنا تكمن ضرورة المجاهدة في التيقّظ، كما في وصيّة الإمام الباقر (علیه السلام) لجابر:

تحف العقول، عنه (علیه السلام): «وادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ حَاضِرَ الشَّرِّ بِحَاضِرِ الْعِلْمِ، واسْتَعْمِلْ حَاضِرَ الْعِلْمِ بِخَالِصِ الْعَمَلِ، وتَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ، واسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْف».(2)

وبالجملة، من لم يكن في قرارته ذكر الله ومداومة التوجّه إليه أخذت به الأسباب يميناً وشمالاً.


1) . تفسير العياشي، ص104.

2) . تحف العقول، ص285.

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ طَالَتْ غَفْلَتُهُ تَعَجَّلْتْ هَلَكَتُهُ».(1)

وفي البحار، عن التحف، قال (علیه السلام) في خطبة له: «ومَنْ غَمَرَتْهُ الْغَفْلَةُ وشَغَلَتْهُ الْمِحْنَةُ عَشِيَ بَصَرُ قَلْبِهِ عَنْ إِدْرَاكِهِ».(2)

فالغفلة قد تقع حتّى على أوضح الحقائق التي لا يجهلها أحد، وقد تصيب العلماء، فهي داء عام ومستمرّ لا یزول إلا بعناية الربّ تعالی.

غرر الحكم، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْيَحْتَرِسَ مِنْ سُكْرِ الْمَالِ وسُكْرِ الْقُدْرَةِ وسُكْرِ الْعِلْمِ وسُكْرِ الْمَدْحِ وسُكْرِ الشَّبَابِ، فَإِنَّ لِكُلِّ ذَلِكَ رِيحاً خَبِيثَةً، تَسْلُبُ الْعَقْلَ وتَسْتَخِفُّ الْوَقَارَ».(3)

ب: شدّة الحاجة إلى التذكير

هذا الخطر محدق بالعبد وممسك بظلّه، فالحاجة إلى المذكّر حاجة مستمرّة، ولأجله كان التعبير عن النبيّ والأئمّة بأهل الذكر إلى جنب وصفهم بالمعلّمين، فهم معدن الذكر كما أنّهم معدن العلم، بل كلّ مَن يذكّر إلى الحقّ إنّما فعل ذلك بفضل تذكّره بهم، وهذا من أسباب كثرة التكرار في النصوص للحقائق التاريخيّة والمسائل الاخلاقيّة وقضايا الوعظ والوعد والوعيد والجنّة والنار وعلى الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكذا قصص الأنبياء في القرآن والسنّة.(4)

بل وحتّى الحديث عن الأصول الاعتقاديّة إنّما هو لهذا السبب، فلا يقال أنّه لا‌يجوز النظر في الآيات والروايات بذريعة عدم جواز التقليد، فإنّه لأجل رفع الغفلة، قال تعالى: (فَذَكِّر إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ).(5)


1) . غرر الحكم، ح662.

2) . بحارالأنوار، ج74، ص300، ح6.

3) . غرر الحكم، ح875.

4) . لاحظ سورة البقرة (2)، الآيات 43و 83و 110؛ سورة النساء (4)، الآية 77؛ سورة الأنعام (6)، الآية 72؛ سورة يونس (10)، الآية 78؛ سورة النور (24)، الآية 56؛ سورة الروم (30)، الآية 31؛ سورة المزمل (73)، الآية 20.

5) . سورة الغاشية (88)، الآية 21.

ج: بين الحجاب وبين العمى

شؤون الدنيا تُعمي الإنسان عما يجب عليه رؤيته بنور العلم والعقل، لأنّ الدنيا محلّ الغفلة، وأهلها غافلون، إذ تدفعهم إلى الهوى بدل الهدى.

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ».(1)

وفي مجموعة ورّام، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «تَبّاً لِهَذَا الذَّهَبِوالْفِضَّةِ، فَمَا أَخْدَعَهُمَا لِعَقْلِ الرَّجُل».(2)

وفيه، عن الإمام زين العابدين (علیه السلام): «الدُّنْيَا سِنَةٌ والْآخِرَةُ يَقَظَةٌ، ونَحْنُ بَيْنَهُمَا أَضْغَاثُ أَحْلَام».(3)

وفي الكافي، عن أبي جعفر (علیه السلام) في حديث: «...وَ لَكِنْ أَهْلُ الدُّنْيَا أَهْلُ غَفْلَةٍ، وكَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْفُقَهَاءُ، أَهْلُ فِكْرَةٍ وعِبْرَةٍ، لَمْ يُصِمَّهُمْ عَنْ ذِكْرِ الله جَلَّ اسْمُهُ مَا سَمِعُوا بِآذَانِهِمْ ولَمْ يُعْمِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الله مَا رَأَوْا مِنَ الزِّينَةِ بِأَعْيُنِهِمْ، فَفَازُوا بِثَوَابِ الْآخِرَةِ كَمَا فَازُوا بِذَلِكَ الْعِلْمِ».(4)

كلّ ما في الدنيا من مال وبنين وزينة وغيرها يدعو إلى التوجّه إليه بدل التوجه إلى الخالق، فاحتاج العبد إلى التمسّك بأسباب الذكر كالعبرة والتفكّر والصلاة والنظر في القرآن وأحاديث أولي الذكر والدعاء، كي لا يخلد إلى الأرض ويضلّ ويهلك، ويأتي الكلام في أسباب الذكر. فمن توجّه إلى الدنيا غفل عن ربّه وعن الآخرة والاستعداد لها، كما في وصيّة أمير المؤمنين (علیه السلام): «...فَارْفُضِ الدُّنْيَا فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي ويُصِمُّ ويُبْكِمُ ويُذِلُّ الرِّقَاب».(5)

ويناسب المقام ذكر الخبر التالي في التذكّر إلى أهميّة الحذر من الغفلة عند


1) . نهج البلاغة، الحكمة 282؛ والغرّة: الغفلة.

2) . مجموعة ورّام، ج2، ص119.

3) . مجموعة ورام، ج2، ص24.

4) . الكافي، ج2، ص133، ح16.

5) . الكافي، ج2، ص136، ح23.

عروض المنعطفات وتقلّب الأحوال:

في البحار: «رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ عَالِمٌ مُجْتَهِدٌ، وكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وكَانَ بِهَا مُعْجَباً فَمَاتَتْ، فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْداً شَدِيداً حَتَّى خَلَا فِي بَيْتٍ وأَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ واحْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ فَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَمِعَتْ بِهِ فَجَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ أَسْتَفْتِيهِ فِيهَا، لَيْسَ يُجْزِئُنِي إِلَّا أَنْ أُشَافِهَهُ بِهَا، فَذَهَبَ النَّاسُ ولَزِمَتِ الْبَابَ، فَأُخْبِرَ فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَتْ: أَسْتَفْتِيكَ فِي أَمْرٍ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَتْ: إِنِّي اسْتَعَرْتُ مِنْجَارَةٍ لِي حُلِيّاً فَكُنْتُ أَلْبَسُهُ زَمَاناً، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيَّ أَ فَأَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ واللَّهِ قَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ مَكَثَ عِنْدِي زَمَاناً. قَالَ: ذَاكِ أَحَقُّ بِرَدِّكِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ الله أَ فَتَأْسَفُ عَلَى مَا أَعَارَكَ الله(عزّ و جّل) ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ وهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ؟ فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهِ ونَفَعَهُ الله بِقَوْلِهَا».(1)

أقول: كانت غفلة هذا العابد لأجل المصيبة، فاحتاج إلى التذكير بهذه الحقيقة الواضحة. لذلك لا يستغني أحد وإن كان عالما عابداً عن التذكير، وهذا التذكير حاجة تشمل حتى المسائل البديهية، والحاجة في البديهيّات من جهتين: التذكير بقبح الظلم عموماً، وهو أمرٌ كلّيّ، والتذكير بأنّ هذا الفعل قبيح كونه من مصاديقه، وهو جزئيّ.

وممّا يشهد على أنّ عروض الغفلة يشمل مصاديق الظلم، ما جرى بين إبراهيم وقومه عندما كسّر أصنامهم، فإنهم نسبوا فعله إلى الظلم، ثمّ ذكّرهم _ بواسطة تذكيره لهم أنّ الأصنام لا تنطق ولا تفعل شيئاً _ أنّهم هم الظالمون. قال تعالى: (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهيمُ قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا


1) . بحارالأنوار، ج79، ص154.

يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ).(1)

وأمّا غير البديهيّات فيحتاج الناس إلى المذكّرين من جهة الكليّات وجهة المصاديق، للجهل وللغفلة.

د: علاج العمى والغفلة

لكي يرجع العبد بصيرا سميعا بعد العمى والغفلة يحتاج إلى موجبات الذكر كما عرفت، والقرآن وترجمانه وهم النبي وأوصياؤه هم علاج تلك الغفلة بإزاحة الحجب.

قال تعالى: (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِيَفَعَلَيْها وما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفيظ).(2)

وقال تعالى: (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون).(3)

وقال تعالى: (هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُون).(4)

فكلّما تلى العبد آية تدبّر فيما بيّنته من المثلات والعواقب والعبر والأحكام والتذكير بالحساب والكتاب والقيامة والجنة والنار وزوال الدنيا ونعيمها وغير ذلك، استيقظت النفس ورجعت سليمة بعدما كانت سقيمة وعليلة، وخرجت من الظلمة إلى النور، فرغبت عن الدنيا وملذاتها الفانية والتفتت إلى عيوبها وصارت بصيرة تجاه حقيقتها خلافا لابناءها الذين لا يبصرون.

الكافي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ الله الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا، دَاءَهَا ودَوَاءَهَا، وأَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا، سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ».(5)

فحاجة الانسان بعد حاجته إلى إعطاء نور العلم من عند الله تعالى، بواسطته كتابه


1) . سورة الأنبياء (21)، الآيتان 58 _ 64.

2) . سورة الأنعام (6)، الآية 104.

3) . سورة الأعراف (7)، الآية 204.

4) . سورة الجاثية (45)، الآية 20.

5) . الكافي، ج2، ص128، ح1.

وخليفته، هو إلى موجبات التذكير بما غفل عنه ورفع موجبات العمى. وهنا يكون للقرآن والخليفة دور آخر هو التذكير، ومن جالس القرآن والمعصومين نقص من عماه.

القرآن من أعظم أسباب الذكر، قال تعالى: (ص * وَالقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ)(1)فمن يتلوه مستشفياً به من غفلته ومستنطقاً لأدواءه وجالسه نفعه. قال تعالى: (إنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَخذَ إلى رِبِّه سَبِيلاً).(2)

وكذلك النبيّ، قال تعالى: (أنْزَلَ اللهُ إلَيْكُمْ ذِكْرَاً رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْآياتِ الله مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ).(3)

وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور).(4)

وكذلك الأوصياء، قال تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون).(5)

ه: المحافظة على نور العقل
اشارة

من المسائل المبيّنة في النصوص الشريفة مسألة المحافظة على العقل كونه نعمة أودعها الله عند عبده، فعليه أن لا يفعل ما يستوجب سلبه والحرمان منه.

غرر الحكم، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «اعْقَلْ عَقْلَكَ وامْلِكْ أَمْرَكَ وجَاهِدْ نَفْسَكَ واعْمَلْ لِلْآخِرَةِ جُهْدَك».(6)

أي: تمسّك بعقلك لئلا يزول بما يوجب زواله.

وعنه (علیه السلام): «مَنْ مَلَكَ عَقْلَهُ كَانَ حَكِيماً».(7)


1) . سورة ص (38)، الآية 1.

2) . سورة الإنسان (76)، الآية 29؛ وسورة المزّمل (73)، الآية 19.

3) . سورة الطلاق (65)، الآيتان 10 _ 11.

4) . سورة إبراهيم (14)، الآية 5.

5) . سورة النحل (16)، الآية 43؛ وسورة الأنبياء (21)، الآية 7.

6) . غرر الحكم، ح 325.

7) . غرر الحكم، ح528.

وفي تحف العقول، عن الصادق (علیه السلام): «مَنْ رَعَى قَلْبَهُ عَنِ الْغَفْلَةِ ونَفْسَهُ عَنِ الشَّهْوَةِ وعَقْلَهُ عَنِ الْجَهْلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي دِيوَانِ الْمُتَنَبِّهِين».(1)

وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ لَمْ يَمْلِكْ شَهْوَتَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ».(2)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «مَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ».(3)

فكما أنّ هناك أفعالاً وأسباب تحفظه من الزوال، كذلك يوجدما يزيله.

وفي الفقيه: «أَنَّ مَنْ تَطَيَّبَ بِطِيبٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وهُوَ صَائِمٌ لَمْ يَكَدْ يَفْقِدُ عَقْلَهُ».(4)

وبما أنّ العقل نعمة إلهيّة ينبغي استدامة الدعاء لبقاء عقله وحفظه، فالله تعالى هو الحافظ، وإبليس يسعى جهده لإزالة عقل العبد لأنّه بذلك يهوي إلى أسفل السافلين.

مهج الدعوات، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في دعاء يُدعى به في الصباح والمساء: «...بِسْمِ الله عَلَى دِينِي وعَقْلِي...».(5)

ثمّ كما في مسألة زيادة العقل، كذلك توجد عبارات مختلفة في النصوص حول الحرمان وعدم التمكّن من الاستفادة منه، كالتعبير ب«نقصان» العقل و«قلّته» و«موته» و«ذهابه» و«هدمه» و«زواله» و«فقدانه» و«فساده» و«التباسه»، ولكلّ مفردة عناية، كما أنّ بعضها يتعلّق بالدماغ وبدن الإنسان لأنّ موضع العقل الدماغ كما تنبّهت، وفي الحديث:

الاختصاص، عن الصادق (علیه السلام): «يَزِيدُ عَقْلُ الرَّجُلِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ إِلَى خَمْسِينَ وسِتِّينَ ثُمَّ يَنْقُصُ عَقْلُهُ بَعْدَ ذَلِك».(6)


1) . تحف العقول، 408

2) . غرر الحكم، ح6950.

3) . غرر الحكم، ح6950.

4) . من لا يحضره الفقيه، ج2، ص114، ح1881.

5) . مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص75.

6) . الإختصاص، ص244.

والظاهر أنّ المراد من العقل هنا عقل الطبع. والعقل مثل سائر النعم من حيث أنّ كفرانها وعدم الاستفادة منها واستعمالها موجب لزوالها.

وفي الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «تَرْكُ التِّجَارَةِ يَنْقُصُ الْعَقْلَ».(1)

وفي الكافي أيضا، عَنْ فُضَيْلٍ الْأَعْوَرِ قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاذَ بْنَ كَثِيرٍ وقَالَ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام): إِنِّي قَدْ أَيْسَرْتُ فَأَدَعُ التِّجَارَةَ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ عَقْلُكَ أَوْ نَحْوَهُ».(2)وفي غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «ضَلَالُ الْعَقْلِ يُبْعِدُ مِنَ الرَّشَادِ ويُفْسِدُ الْمَعَاد».(3)

إنّ عصيان هذه الحجّة الإلهيّة وهي العقل موجب للخذلان والوقوع في الظلمات.

وفي عدّة الداعي، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَنْسَى بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي كَانَ قَدْ عَلِمَه».(4)

وفي الجعفريّات، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) قَالَ: «لَا أَحْسَبُ أَحَدَكُمْ يَنْسَى شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِ إِلَّا لِخَطِيئَةٍ أَخْطَأَهَا».(5)

ثمّ من العلوم النبويّة النفيسة بيان أسباب الحرمان من نور العقل والعلم، ولولا ذلك لم يتّضح للبشر الفرق بين جنود العقل وجنود الجهل ووقع الخلط بينهما، كما نجده عند من لم يأخذ عن أهل الذكر، وذلك لما يخالط الإنسان من الوهم والجهل والهوى، وربما يتوهّم أنّ هذا العمل في غاية الصحّة وهو في غاية الخطأ والفساد، لوجود مختلف الموانع من معرفة الصواب.


1) . الكافي، ج5، ص148، ح1.

2) . الكافي، ج5، ص148، ح4.

3) . غرر الحكم، ح12 (الفصل 45).

4) . عدّة الداعي، ص197.

5) . الجعفريّات، ص172.

وعند النظر في أحاديث الباب يظهر أنّ العبد قد يكون بعد تعلّمه ومعرفته للعلم في حالة تستوجب أن يُسلب منه النور، وتلك الحالة هي الإدبار والإعراض عن الأنوار الإلهية، واستحباب العمى، كالتعصّب للرأي أو التقليد للآباء والقوميّة والعنصريّة، والحميّة والعصبيّة في مقابل الحقّ، أو اتّباع شهوة هائجة أو غريزة نفسيّة أو إنفعال بحادثة معيّنة مع عدم مراعاة الحقّ وغير ذلك مما يُتّبع فيه الهوى وحبّ الدنيا والنفس، فإنّها تجعل الإنسان لا يفقه ولا يعقل.

ومن المسائل المهمّة مسألة الحفاظ على نور العقل، فذلك من الجهل الذي على الإنسان أن يعرف سبيل الخلاص منه.وهذا سبب تأكيد العترة الطاهرة على مسألة الحُجب، وكفاك منها حديث جنود الجهل، وهو من مفاتيح العلم، فإنّ توهّم كون حجاب ما علماً هو حجاب عن الحجب، فيتوهّم أنّ الغناء مثلاً موجب لكمال الإنسان.

فينبغي دوام التأمّل في خطورة الحجب والتحرّز منها قبل عروضها وحصولها، فيتفكّر مثلا فيما يفعله الغاضب، فإنّه ربما فعل فعلاً قبيحاً ورآه في تلك الحال حَسنا، لأن غضبه حال بينه وبين معرفة القُبح.

الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام): «الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ لِقَلْبِ الْحَكِيمِ، ومَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ».(1)

فإنّ العبد قبل أن يغضب يدرك قُبح التعدّي، أمّا عندما استولى عليه منعه من رؤية القبح ولذلك تعدّى، أي لم يعقل نفسه للحرمان من العقل، وربّما قتل، فإنّ قابيل الذي قتل أخاه أغشت بصره حُجب الغضب والحسد والجهل والكبر وغيرها، وحجبته عن عقله، فضلّ وهوى، وبعد زوال تلك الحجب عاد والتفت، و(أصْبَحَ مِنَ النَادِمِينَ) وتحسّر على إهماله لحجة الله العقل.

وقد يغفل الغضبان إلى درجة أنّه يرى فعله فعلا واجبا وليس مباحا فقط، وهذا من


1) . الكافي، ج2، ص305، ح13.

حجاب الغضب الذي يتخيّل _ بمساعدة النفس الأمّارة بالسوء والتسويلات والوساوس الشيطانيّة _ أنّ فعله حَسَن. وكلّ الغرائز والتمايلات النفسانيّة موانع الاستضاءة، فالغضب والحسد والعجب والشهوة والكبر ونظائرها تستوجب نقصان العقل.

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِير».(1)

فعندما تتحّكم الأهواء لا يُلتفت إلى القبائح، ولذلك جاء التعبير بالاستضاءة من نور العقل. والعاقل إذا اتبع نور عقلهوأطاع الله تعالى قوي عقله وزاد في إدراكه لما لم يكن يدرك حسنه أو قبحه سابقا، وإذا لم يأتمر بأمر العقل وعصى حجّة الله تعالى واتبع هواه خرج من النور إلى الظلمات. ونشير إلى بعض الأحاديث التي تعرّضت لبعض المفردات على نحو الاستقلال لأهميّتها وخطورتها، وعلى العاقل أن يمعن النظر فيها ويحذّر نفسه منها.

1. الجهل وترك الاستماع عن ذوي العقول

كنز الفوائد، قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ تَرَكَ الِاسْتِمَاعَ عَنْ ذَوِي الْعُقُولِ مَاتَ عَقْلُهُ».(2)

أقول: المسائل العلميّة ترفد الإنسان بمادّة العقل فتزيده عقلاً، وكلّما كان العلم أهمّ كانت الحاجة فيه لتحصيل العقل أكثر، وفقدانها يكون سبباً رئيسياً من أسباب نقصان العقل.

إليك المثال التالي: مَن جهل بمسألة القيامة، وهي من الحقائق ذات أهميّة قصوى بيّنها الربّ سبحانه في كتابه المجيد، وأكّد عليها سفراؤه تأكيداً بالغاً، فالجهل بها يدفع بالإنسان إلى ترك الاهتمام بأهمّ الأمور، وهو التزوّد للحياة الباقية بعد الموت، والانشغال باللهو واللعب والدنيا الزائلة، فهذا من خفّة العقل حيث ترك الاستعداد لجهله بما ينتظره عند أجله، وراجع مسألة رابطة العقل والعلم.


1) . نهج البلاغة، الحكمة 211.

2) . كنز الفوائد، ج1، ص199.

2. مصاحبة الجاهل

كنز الفوائد، أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ صَحِبَ جَاهِلًا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ».(1)

3. التشكيك

الكافي، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث دعائم الكفر وشُعبه: «...وَ الشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْمِرْيَةِ والْهَوَى والتَّرَدُّدِ والِاسْتِسْلَامِ، وهُوَ قَوْلُ الله(عزّ و جّل): (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَتَتَمارى)».

وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «عَلَى الْمِرْيَةِ والْهَوْلِ مِنَ الْحَقِّ والتَّرَدُّدِ والِاسْتِسْلَامِ لِلْجَهْلِ وأَهْلِهِ فَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ومَنِ امْتَرَى فِي الدِّينِ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وسَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وأَدْرَكَهُ الْآخِرُونَ ووَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيْطَانِ ومَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ هَلَكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، ومَنْ نَجَا مِنْ ذَلِكَ فَمِنْ فَضْلِ الْيَقِينِ ولَمْ يَخْلُقِ الله خَلْقاً أَقَلَّ مِنَ الْيَقِينِ...».(2)

4. العُجب

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْمُعْجَبُ لَا عَقْلَ لَهُ».(3)

نهج البلاغة، عنه (علیه السلام): «عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِه».(4)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْعُجْبُ يُفْسِدُ الْعَقْل».(5)

نهج البلاغة، عنه (علیه السلام): «أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وآفَةُ الْأَلْبَابِ».(6)

الكافي، عن الصادق (علیه السلام): «الْعُجْبُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَرَاهُ حَسَناً فَيُعْجِبَهُ ويَحْسَبَ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً».(7)


1) . كنز الفوائد، ج1، ص199.

2) . الكافي، ج2، ص392 _ 393، ح1؛ ولاحظ: الحكمة 31.

3) . غرر الحكم، ح1051.

4) . نهج البلاغة، الحكمة 212.

5) . غرر الحكم، ص726.

6) . نهج البلاغة، الكتاب 31.

7) . الكافي، ج2، ص313.

الاختصاص، عنه (علیه السلام): قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «مَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ هَلَكَ، ومَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وإِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عليه السلام قَالَ: دَاوَيْتُ الْمَرْضَى فَشَفَيْتُهُمْ بِإِذْنِ الله، وأَبْرَأْتُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ بِإِذْنِ الله، وعَالَجْتُ الْمَوْتَى فَأَحْيَيْتُهُمْ بِإِذْنِ الله، وعَالَجْتُ الْأَحْمَقَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى إِصْلَاحِهِ. فَقِيلَ: يَا رُوحَ الله، ومَا الْأَحْمَقُ؟ قَالَ: الْمُعْجَبُ بِرَأْيِهِ ونَفْسِهِ، الَّذِي يَرَى الْفَضْلَ كُلَّهُ لَهُ لَا عَلَيْهِ، ويُوجِبُالْحَقَّ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ، ولَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حَقّاً، فَذَاكَ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا حِيلَةَ فِي مُدَاوَاتِه».(1)

البحار، عن أبي الحسين الثالث (علیه السلام) قال في حديث: «...الْعُجْبُ صَارِفٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، دَاعٍ إِلَى الغَمْطِ والْجَهْل».(2)

في الخصال، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهم السلام) قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى جَمَاعَةٍ فَقَالَ: عَلَى مَا اجْتَمَعْتُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَذَا مَجْنُونٌ يُصْرَعُ. فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): لَيْسَ هَذَا بِمَجْنُونٍ، ولَكِنَّهُ الْمُبْتَلَى. ثُمَّ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمَجْنُونِ حَقِّ الْمَجْنُونِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ الْمَجْنُونَ حَقَّ الْمَجْنُونِ الْمُتَبَخْتِرُ فِي مِشْيَتِهِ، النَّاظِرُ فِي عِطْفَيْهِ، الْمُحَرِّكُ جَنْبَيْهِ بِمَنْكِبَيْهِ، يَتَمَنَّى عَلَى الله جَنَّتَهُ وهُوَ يَعْصِيهِ، الَّذِي لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ، ولَا يُرْجَى خَيْرُهُ، فَذَلِكَ الْمَجْنُونُ، وهَذَا الْمُبْتَلَى».(3)

5. الهوى

نهج البلاغة، في وصيّة أمير المؤمنين (علیه السلام): «والْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى».(4)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «إِنَّكَ إِنْ أَطَعْتَ هَوَاكَ أَصَمَّكَ وأَعْمَاكَ وأَفْسَدَ مُنْقَلَبَكَ وأَرْدَاكَ».(5)


1) . الاختصاص، ص221.

2) . بحارالأنوار، ج69، ص199، ضمن ح27.

3) . الخصال، ص322 _ 323.

4) . نهج البلاغة، الكتاب 31.

5) . غرر الحكم، ح3807.

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَعْمَاهُ وأَصَمَّهُ وأَذَلَّهُ وأَضَلَّه».(1)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «سَبَبُ فَسَادِ الْعَقْلِ الْهَوَى».(2)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «إِنَّكُمْ إِنْ أَمَّرْتُمْ عَلَيْكُمُ الْهَوَى أَصَمَّكُمْوأَعْمَاكُمْ وأَرْدَاكُمْ».(3)

وفي الغرر عنه (علیه السلام) في وصيّته: «...وَأُوصِيكُمْ بِمُجَانَبَةِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْهَوَى يَدْعُو إِلَى الْعَمَى، وهُوَ الضَّلَالُ فِي الْآخِرَةِ والدُّنْيَا».(4)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى (أعمی) بَصَرَهُ، وأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، ويَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، ووَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا ولِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وحَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا».(5)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْهُدَى مَنْ يَغْلِبُهُ الْهَوَى؟».(6)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِير».(7)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «حَرَامٌ عَلَى كُلِّ عَقْلٍ مَغْلُولٍ بِالشَّهْوَةِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْحِكْمَةِ».(8)

وفي الغرر عنه (علیه السلام): «حِفْظُ الْعَقْلِ بِمُخَالَفَةِ الْهَوَى والْعُزُوفِ عَنِ الدُّنْيَا».(9)

6. الشهوة

غرر الحكم، أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ لَمْ يَمْلِكْ شَهْوَتَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ».(10)


1) . غرر الحكم، ح9168.

2) . غرر الحكم، ح5066.

3) . غرر الحكم، ح3849.

4) . دعائم الإسلام، ج2، ص350، ح1297.

5) . نهج البلاغة، الخطبة 109.

6) . غرر الحكم، ح7001.

7) . نهج البلاغة، الحكمة 211؛ غرر الحكم، ح6923.

8) . غرر الحكم، ح4902.

9) . عيون الحكم والمواعظ، ح4479.

10) غرر الحكم، ح6950.

وفي الغرر، عنه (علیه السلام): «لَا عَقْلَ مَعَ شَهْوَةٍ».(1)

وفي الغرر، عنه (علیه السلام): «ذَهَابُ الْعَقْلِ بَيْنَ الْهَوَى والشَّهْوَةِ».(2)المستدرك، عنه (علیه السلام): «زَوَالُ الْعَقْلِ بَيْنَ دَوَاعِي الشَّهْوَة».(3)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْهَوَى ضِدُّ الْعَقْلِ».(4)

7. التعلّق بالدنيا

غرر الحكم، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «مَنْ غَلَبَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ عَمِيَ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ».(5)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «مَنْ قَصَّرَ نَظَرَهُ عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا عَمِيَ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى».(6)

نهج البلاغة، وعنه (علیه السلام) قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَام... مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً».(7)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «لِحُبِّ الدُّنْيَا صُمَّتِ الْأَسْمَاعُ عَنْ سَمَاعِ الْحِكْمَةِ، وعَمِيَتِ الْقُلُوبُ عَنْ نُورِ الْبَصِيرَةِ».(8)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «حُبُّ الدُّنْيَا يُفْسِدُ الْعَقْلَ، ويُصِمُّ الْقَلْبَ عَنْ سَمَاعِ الْحِكْمَةِ، ويُوجِبُ أَلِيمَ الْعِقَابِ».(9)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «إِنَّ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا بِمُحَالِ الْآمَالِ وخَدَعَتْهُ بِزُورِ الْأَمَانِيِّ، أَوْرَثَتْهُ كَمَهاً وأَكْسَبَتْهُ عَمَهاً، وقَطَعَتْهُ عَنِ الْأُخْرَى وأَوْرَدَتْهُ مَوَارِدَ الرَّدَى».(10)


1) . غرر الحكم، ح843.

2) . غرر الحكم، ح124.

3) . مستدرك الوسائل، ج11، ص211، ح12769 عن الغرر.

4) . غرر الحكم، ح1071.

5) . غرر الحكم، ح8856.

6) . غرر الحكم، ح8870.

7) . نهج البلاغة، الحكمة 367.

8) . غرر الحكم، ح7363.

9) . غرر الحكم، ح4878.

10) . غرر الحكم، ح3532.

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «سَبَبُ فَسَادِ الْعَقْلِ حُبُّ الدُّنْيَا».(1)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «زَخَارِفُ الدُّنْيَا تُفْسِدُ الْعُقُولَ الضَّعِيفَةَ».(2)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «اهْرُبُوا مِنَ الدُّنْيَا واصْرِفُوا قُلُوبَكُمْعَنْهَا، فَإِنَّهَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، حَظُّهُ فِيهَا قَلِيلٌ، وعَقْلُهُ بِهَا عَلِيلٌ، ونَاظِرُهُ فِيهَا كَلِيلٌ».(3)

غرر الحكم، وعنه (علیه السلام): «الدُّنْيَا مَصْرَعُ الْعُقُولِ».(4)

نهج البلاغة، وعنه (علیه السلام) في وصيّته للإمام المجتبى (علیه السلام): «... وإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا وتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ الله عَنْهَا، وَنَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا، وتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ويَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، ويَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا، نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ورَكِبَتْ مَجْهُولَهَا».(5)

8. الأمل

تحف العقول، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «مَنْ يَرْغَبْ فِي الدُّنْيَا فَطَالَ فِيهَا أَمَلُهُ أَعْمَى الله قَلْبَهُ عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِ فِيهَا».(6)

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «...وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ويُنْسِي الذِّكْرَ، فَأَكْذِبُوا الْأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ وصَاحِبُهُ مَغْرُور».(7)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «مَا عَقَلَ مَنْ أَطَالَ أَمَلَه».(8)


1) . غرر الحكم، ح5543.

2) . غرر الحكم، ح5459.

3) . غرر الحكم، ح2551

4) . غرر الحكم، ح921.

5) . نهج البلاغة، الكتاب 31.

6) . تحف العقول، ص60.

7) . نهج البلاغة، الخطبة 86.

8) . غرر الحكم، ح9513.

نهج البلاغة، عنه (علیه السلام): «الْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِر».(1)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «يَسِيرُ الْأَمَلِ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَمَل».(2)

9. الكبر

حلية الأولياء، عن الإمام الباقر (علیه السلام): «مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ بِقَدْرِ مَا دَخَلَ مِنْذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ».(3)

10. الغرور

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «فَسَادُ الْعَقْلِ الِاغْتِرَارُ بِالْخُدَعِ».(4)

نهج البلاغة، عنه (علیه السلام): «...ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، ومُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّه».(5)

11. الطمع

نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِع».(6)

تحف العقول، عن موسى بن جعفر (علیهما السلام): «...الطَّمَعَ مِفْتَاحٌ لِلذُّلِّ واخْتِلَاسُ الْعَقْلِ».(7)

12. الغضب

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِم».(8)


1) . نهج البلاغة، الحكمة 275.

2) . غرر الحكم، ح10145.

3) . حلية الأولياء، ج3، ص180.

4) . غرر الحكم، ح6552.

5) . نهج البلاغة، الخطبة 1.

6) . نهج البلاغة، الحكمة 219.

7) . تحف العقول، ص399.

8) . نهج البلاغة، الحكمة 255.

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْأَلْبَابَ ويُبَعِّدُ الصَّوَابَ».(1)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِالْحِكْمَةِ عَقْلٌ مَعْلُولٌ بِالْغَضَبِ والشَّهْوَة».(2)الكافي، عنه (علیه السلام): «الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ لِقَلْبِ الْحَكِيمِ».(3)

الكافي، عنه (علیه السلام): «مَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ».(4)

13. اللهو

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ كَثُرَ لَهْوُهُ قَلَّ عَقْلُهُ».(5)

والغرر عنه (علیه السلام): «لَمْ يَعْقِلْ مَنْ وَلَهُ بِاللَّعْبِ واسْتَهْتَرَ بِاللَّهْوِ والطَّرَبِ».(6)

والغرر عنه (علیه السلام): «لَا يَثُوبُ الْعَقْل مَعَ اللَّعِبِ».(7)

والغرر عنه (علیه السلام): «ضِيَاعُ الْعُقُولِ فِي طَلَبِ الْفُضُولِ».(8)

14. طلب الباطل والمراء والجدل

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ كَانَ غَرَضُهُ الْبَاطِلَ لَمْ يُدْرِكِ الْحَقَّ ولَوْ كَانَ أَشْهَرَ مِنَ الشَّمْسُ».(9)

والغرر عنه (علیه السلام): «مَنْ كَثُرَ مِرَاؤُهُ بِالْبَاطِلِ دَامَ عَمَاهُ عَنْ الْحَقِّ».(10)

والغرر عنه (علیه السلام): «إِيَّاكُمْ والْجِدَالَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّك».(11)


1) . غرر الحكم، ح1356.

2) . غرر الحكم، ح6397.

3) . الكافي، ج2، ص305، ح13.

4) . الكافي، ج2، ص305، ح13.

5) . غرر الحكم، ح8426.

6) . غرر الحكم، ح7568.

7) . غرر الحكم، ح10544، أي: لا يجتمعان. قال في الصحاح: ثاب الناس: اجتمعوا وجاؤوا.

8) . غرر الحكم، ح10932.

9) . غرر الحكم، ح9023.

10) . غرر الحكم، ح8853.

11) . الخصال، ص615، ح10.

15. شرب الخمر وكلّ مسكر

الفقيه، وصيّة النبي (علیه السلام) لأمير المؤمنين (علیه السلام): «يَا عَلِيُّ جُعِلَتِ الذُّنُوبُ كُلُّهَا فِي بَيْتٍ وجُعِلَ مِفْتَاحُهَا شُرْبَ الْخَمْرِ، يَا عَلِيُّ، يَأْتِي عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ سَاعَةٌ لَا يَعْرِفُ فِيهَا رَبَّهُ(عزّ و جّل)...».(1)

نهج البلاغة، أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «فَرَضَ الله الْإِيمَانَتَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ... وتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْل...».(2)

الاحتجاج، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي حَدِيثٍ أَنَّ زِنْدِيقاً قَالَ لَهُ: لِمَ حَرَّمَ الله الْخَمْرَ ولَا لَذَّةَ أَفْضَلُ مِنْهَا؟ قَالَ: «حَرَّمَهَا لِأَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ ورَأْسُ كُلِّ شَرٍّ، يَأْتِي عَلَى شَارِبِهَا سَاعَةٌ يَسْلُبُ لُبَّهُ، فَلَا يَعْرِفُ رَبَّهُ، ولَا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً إِلَّا رَكِبَهَا ولَا يَتْرُكُ حُرْمَةً إِلَّا انْتَهَكَهَا ولَا رَحِماً مَاسَّةً إِلَّا قَطَعَهَا ولَا فَاحِشَةً إِلَّا أَتَاهَا، والسَّكْرَانُ زِمَامُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ، إِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلْأَوْثَانِ سَجَدَ ويَنْقَادُ حَيْثُمَا قَادَهُ».(3)

علل الشرائع، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: «حَرَّمَ الله الْخَمْرَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ ومِنْ تَغْيِيرِهَا عُقُولَ شَارِبِيهَا وحَمْلِهَا إِيَّاهُمْ عَلَى إِنْكَارِ الله(عزّ و جّل) والْفِرْيَةِ عَلَيْهِ وعَلَى رُسُلِهِ وسَائِرِ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْفَسَادِ والْقَتْلِ والْقَذْفِ والزِّنَا وقِلَّةِ الِاحْتِجَازِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَرَامِ، فَبِذَلِكَ قَضَيْنَا عَلَى كُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ عَاقِبَتِهَا مَا يَأْتِي مِنْ عَاقِبَةِ الْخَمْرِ فَلْيَجْتَنِبْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ ويَتَوَلَّانَا ويَنْتَحِلُ مَوَدَّتَنَا كُلَّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ، فَإِنَّهُ لَا عِصْمَةَ بَيْنَنَا وبَيْنَ شَارِبِيهَا».(4)

16. كثرة الأكل

روضة الواعظين، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «نُورُ الْحِكْمَةِ والْمَعْرِفَةِ الْجُوعُ والتَّبَاعُدُ مِنَ الله الشِّبَع... لَا تَشْبَعُوا فَيُطْفَى نُورُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ قُلُوبِكُم...».(5)


1) . من لا يحضره الفقيه، ج4، ص354، ح5762.

2) . نهج البلاغة، الخطبة 252.

3) . الاحتجاج، ص346.

4) . علل الشرائع، ص475، ح1.

5) . روضة الواعظين، ج2، ص457.

عوالي اللئالي، عنه (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَا تَدْخُلُ الْحِكْمَةُ جَوْفاً مُلِئَ طَعَاما».(1)

غرر الحكم، عنه أمير المؤمنين (علیه السلام): «التُّخَمَةُ تُفْسِدُالْحِكْمَة».(2)

والغرر عنه (علیه السلام): «الْبِطْنَةُ تَحْجُبُ الْفِطْنَةَ».(3)

والغرر عنه (علیه السلام): «إِذَا مُلِئَ الْبَطْنُ مِنَ الْمُبَاحِ عَمِيَ الْقَلْبُ عَنِ الصَّلَاحِ».(4)

والغرر عنه (علیه السلام): «لَا فِطْنَةَ مَعَ بِطْنَةٍ».(5)

والغرر عنه (علیه السلام): «مَنْ زَادَ شِبَعُهُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ، مَنْ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ حَجَبَتْهُ عَنِ الْفِطْنَة».(6)

6. الوصيّة الجامعة للإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام)

نظراً لأهميّة هذه الوصيّة المباركة وكونها جامعة لهذا الموضوع، وتحتوي على فوائد وتنبيهات جمّة في العقل وتعريف العقلاء نوردها كاملة، والمرجوّ أن يتأمّل القارئ في جملها فهي باب من أبواب المعرفة والخير والفلاح.

تحف العقول: روي عن الإمام الكاظم الأمين (علیه السلام) وصيّته لهشام وصفته للعقل: «يَا هِشَامُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى بَشَّرَ أهْلَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: (فَبَشِّر عِبَادِ الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ الله وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْباب).(7)

يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ، إِنَّ اللَّهَ(عزّ و جّل) أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ(8)وأَفْضَى إِلَيْهِمْ بِالْبَيَانِ، ودَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّة فَقَالَ: (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ


1) . عوالي اللئالي، ج1، ص425، ح111.

2) . غرر الحكم، ح651.

3) . غرر الحكم، ح652.

4) . غرر الحكم، ح4139.

5) . غرر الحكم، ح10528. وفي حديث آخر: «لا تُجمع الفطنة والبطنة» غرر الحكم، ح10572.

6) . غرر الحكم، ح8458 و8459.

7) . سورة الزمر (39)، الآية 17.

8) . المراد بالحجج البراهين أو الأنبياء والأوصياء (البحار).

الرَّحيم إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهار... لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون).(1)

يَا هِشَامُ، قَدْ جَعَلَ الله عزّ وجل ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِبِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً فَقَالَ: (وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون)(2)وقَالَ: (وَ مِنْ آياتِهِ يُريكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وطَمَعاً ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون).(3)

يَا هِشَامُ، ثُمَّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ ورَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ: (وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُون)(4)وقَالَ: (وَما أُوتيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وزينَتُها وما عِنْدَ الله خَيْرٌ وأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُون).(5)

يَا هِشَامُ، ثُمَّ خَوَّفَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَذَابَهُ فَقَالَ(عزّ و جّل): (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرين وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحين وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُون).(6)

يَا هِشَامُ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ فَقَالَ: (وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُون).(7)

يَا هِشَامُ، ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ فَقَالَ: (وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ الله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ ولَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ولا يَهْتَدُون)(8)وقَالَ: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُون)(9)وقَالَ: (وَلَئِنْ


1) . سورة البقرة (2)، الآيتان 162 _ 163.

2) . سورة الزخرف (43)، الآيات 1 _ 3.

3) . سورة الروم (30)، الآية 23.

4) . سورة الأنعام (6)، الآية 32.

5) . سورة القصص (28)، الآية 60.

6) . سورة الصافات (37)، الآيتان 137 _ 138.

7) . سورة العنكبوت (29)، الآية 43.

8) . سورة البقرة (2)، الآية 170.

9) . سورة الأنفال (8)، الآية 22.

سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون)(1)ثُمَّ ذَمَّ الكَثرةَ فَقَالَ: (وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ اللَّه)(2)وقَالَ: (وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون)(3)وأَكْثَرُهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.يَا هِشَامُ، ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ فَقَالَ: (وَ قَليلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُور)(4)وقَالَ: (وَ قَليلٌ ما هُمْ)(5)وقَالَ: (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَليل).(6)

يَا هِشَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ وحَلَّاهُمْ بِأَحْسَنِ الْحِلْيَةِ فَقَالَ: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثيراً وما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْباب).(7)

يَا هِشَامُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ)(8)يَعْنِي الْعَقْلَ وقَالَ: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ)(9)قَالَ الْفَهْمَ والْعَقْل.

يَا هِشَامُ، إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ، یَا بُنَيَّ، إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى الله، وحَشْوُهَا الْإِيمَانَ، وشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ، وقَيِّمُهَا الْعَقْلَ، ودَلِيلُهَا الْعِلْمَ، وسُكَّانُهَا الصَّبْرَ.

يَا هِشَامُ، لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ، ودَلِيلُ الْعَاقِلِ التَّفَكُّرُ، ودَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ، ولِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةٌ ومَطِيَّةُ الْعَاقِلِ التَّوَاضُعُ، وكَفَى بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ.


1) . سورة لقمان (31)، الآية 23.

2) . سورة الأنعام (6)، الآية 116.

3) . سورة الأنعام (6)، الآية 37؛ سورة الأعراف (7)، الآية 131؛ سورة الأنفال (8)، الآية 34؛ سورة يونس (10)، الآية 55؛ سورة القصص (28)، الآيتان 13 و57؛ سورة الزمر (39)، الآية 49؛ سورة الدخان (44)، الآية 39؛ سورة الطور (52)، الآية 47.

4) . سورة سبأ (34)، الآية 13.

5) . سورة ص (38)، الآية 23.

6) . سورة هود (11)، الآية 42.

7) . سورة البقرة (2)، الآية 269.

8) . سورة ق (50)، الآية 36.

9) . سورة لقمان (31)، الآية 13.

يَا هِشَامُ، لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وقَالَ النَّاسُ: فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ، مَا كَانَ يَنْفَعُكَ وأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ، ولَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وقَالَ النَّاسُ: إِنَّهَا جَوْزَةٌ، مَا ضَرَّكَ وأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ.

يَا هِشَامُ، مَا بَعَثَ الله أَنْبِيَاءَهُ ورُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ الله، فَأَحْسَنُهُمْ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً لِلهِ، وأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ الله أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا، وأَعْقَلُهُمْ أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ. يَا هِشَامُ، مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا ومَلَكٌ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، فَلَا يَتَوَاضَعُ إِلَّا رَفَعَهُ الله ولَا يَتَعَاظَمُ إِلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ.يَا هِشَامُ، إِنَّ لِلهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ؛ حُجَّةً ظَاهِرَةً وحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ والْأَنْبِيَاءُ والْأَئِمَّةُ، وأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ ولَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ.

يَا هِشَامُ، مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ؛ مَنْ أَظْلَمَ نُورَ فِكْرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ، ومَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ، وأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَات نَفْسِهِ، فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ، ومَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ ودُنْيَاهُ.

يَا هِشَامُ، كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ الله عَمَلُكَ، وأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ عَقْلَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ، وأَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ؟

يَا هِشَامُ، الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا والرَّاغِبِينَ فِيهَا ورَغِبَ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِ وكَانَ الله آنِسَهُ فِي الْوَحْشَةِ وصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ وغِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ ومُعِزَّهُ فِي غَيْرِ عَشِيرَةٍ.

يَا هِشَامُ، نُصِبَ الْخَلْقُ لِطَاعَةِ الله، ولَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، والطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ، والْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، والتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ، ولَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ، ومَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْلِ.

يَا هِشَامُ، قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَاقِلِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ، وكَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى والْجَهْلِ مَرْدُودٌ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ، ولَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ.

يَا هِشَامُ، إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَأَدْنَى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيكَ، وإِنْ كَانَ لَا يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا يُغْنِيكَ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا فَكَيْفَ الذُّنُوبُ، وتَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ وتَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا ورَغِبُوا فِي الْآخِرَةِلِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ ومَطْلُوبَةٌ والْآخِرَةَ طَالِبَةٌ ومَطْلُوبَةٌ، فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ، ومَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وآخِرَتَهُ.

يَا هِشَامُ، مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ، ورَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ، والسَّلَامَةَ فِي الدِّينِ، فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى الله فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ، فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ، ومَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى، ومَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً.

يَا هِشَامُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(1)حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وتَعُودُ إِلَى عَمَاهَا ورَدَاهَا. إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ الله، ومَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ الله لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا ويَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ، ولَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً وسِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاً، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ ونَاطِقٍ عَنْهُ.

يَا هِشَامُ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ عُبِدَ الله بِهِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ، ومَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى: الْكُفْرُ والشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ، والرُّشْدُ والْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ، وفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ، وفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ، نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ، ولَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ الله مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ،


1) . سورة آل عمران (3)، الآية 7.

والتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ، يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ، ويَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ، ويَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ، وأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ، وهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ.

يَا هِشَامُ، مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَا عَمَلُهُ، ومَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ، ومَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِإِخْوَانِهِ وأَهْلِهِ مُدَّ فِي عُمُرِهِ.

يَا هِشَامُ، لَا تَمْنَحُوا الْجُهَّالَ الْحِكْمَةَ فَتَظْلِمُوهَا، ولَاتَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ.

يَا هِشَامُ، كَمَا تَرَكُوا لَكُمُ الْحِكْمَةَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا.

يَا هُشَامُ، إنَّ العَاقِلَ لَا يَكذِبُ وإنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ.(1)

يَا هِشَامُ، لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ، ولَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ(2)، وإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً، أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا.

يَا هِشَامُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) كَانَ يَقُولُ: لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ، ويَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ، ويُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ.

وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (علیهما السلام): إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا. قِيلَ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله ومَنْ أَهْلُهَا؟ قَالَ: الَّذِينَ قَصَّ الله فِي كِتَابِهِ وذَكَرَهُمْ فَقَالَ: {إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ} قَالَ: هُمْ أُولُو الْعُقُولِ.

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیهما السلام): مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَىالصَّلَاحِ، وأَدَبُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ، وطَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ، واسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوَّةِ، وإِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ، وكَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ، وفِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وآجِلًا.


1) . من الكافي.

2) . المروءة كمال المرء، كما أنّ الرّجوليّة كمال الرّجل (مفردات ألفاظ القرآن، ج1، ص766) فليس من المروءة قول الشخص: أنني أعتقد بالله ثمّ لا يطيعه في أوامره، فمن لا مروءة له يشهد على أنّه لا عقل له.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ، ولَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ، ولَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ، ولَا يَتَقَدَّمُ عَلَى مَا يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ.

وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) يُوصِي أَصْحَابَهُ يَقُولُ: أُوصِيكُمْ بِالْخَشْيَةِ مِنَ الله فِي السِّرِّ والْعَلَانِيَةِ، والْعَدْلِ فِي الرِّضَاوالْغَضَبِ، والِاكْتِسَابِ فِي الْفَقْرِ والْغِنَى، وأَنْ تَصِلُوا مَنْ قَطَعَكُمْ، وتَعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَكُمْ، وتَعْطِفُوا عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ، ولْيَكُنْ نَظَرُكُمْ عِبَراً وصَمْتُكُمْ فِكْراً وقَوْلُكُمْ ذِكْراً وطَبِيعَتُكُمُ السَّخَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيلٌ ولَا يَدْخُلُ النَّارَ سَخِيٌّ.

يَا هِشَامُ، رَحِمَ الله مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ الله حَقَّ الْحَيَاءِ، فَحَفِظَ الرَّأْسَ ومَا حَوَى، والْبَطْنَ ومَا وَعَى، وذَكَرَ الْمَوْتَ والْبِلَى، وعَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ والنَّارَ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ.

يَا هِشَامُ، مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ أَقَالَ الله عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسِ كَفَّ الله عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ.

يَا هِشَامُ، وُجِدَ فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى الله مَنْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ وقَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، ومَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً ولَا عَدْلًا.

يَا هِشَامُ، أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى الله بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ الصَّلَاةُ وبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وتَرْكُ الْحَسَدِ والْعُجْبِ والْفَخْرِ.

يَا هِشَامُ، أَصْلَحُ أَيَّامِكَ الَّذِي هُوَ أَمَامَكَ فَانْظُرْ أَيُّ يَوْمٍ هُوَ وأَعِدَّ لَهُ الْجَوَابَ، فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ ومَسْئُولٌ، وخُذْ مَوْعِظَتَكَ مِنَ الدَّهْرِ وأَهْلِهِ، فَإِنَّ الدَّهْرَ طَوِيلَةٌ قَصِيرَةٌ، فَاعْمَلْ كَأَنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لِتَكُونَ أَطْمَعَ فِي ذَلِكَ، واعْقِلْ عَنِ الله وانْظُرْ فِي

تَصَرُّفِ الدَّهْرِ وأَحْوَالِهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا وَلَّى مِنْهَا فَاعْتَبِرْ بِهَا.

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیهما السلام): إِنَّ جَمِيعَ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ ومَغَارِبِهَا بَحْرِهَا وبَرِّهَا وسَهْلِهَا وجَبَلِهَا عِنْدَ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ الله وأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِّ الله كَفَيْءِ الظِّلَالِ، ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): أَ ولَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِاللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا، يَعْنِي الدُّنْيَا، فَلَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بِالدُّنْيَا فَقَدْ رَضِيَ بِالْخَسِيسِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ كُلَّ النَّاسِ يُبْصِرُ النُّجُومَ، ولَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَجَارِيَهَا ومَنَازِلَهَا، وكَذَلِكَ أَنْتُمْ تَدْرُسُونَ الْحِكْمَةَ، ولَكِنْ لَا يَهْتَدِي بِهَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِهَا.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْمَسِيحَ (علیه السلام) قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ: يَا عَبِيدَ السَّوْءِ! يَهُولُكُمْ طُولُ النَّخْلَةِ وتَذْكُرُونَ شَوْكَهَا ومَئُونَةَ مَرَاقِيهَا، وتَنْسَوْنَ طِيبَ ثَمَرِهَا ومَرَافِقَهَا، كَذَلِكَ تَذْكُرُونَ مَئُونَةَ عَمَلِ الْآخِرَةِ فَيَطُولُ عَلَيْكُمْ أَمَدُهُ وتَنْسَوْنَ مَا تُفْضُونَ إِلَيْهِ مِنْ نَعِيمِهَا ونَوْرِهَا وثَمَرِهَا، يَا عَبِيدَ السَّوْءِ، نَقُّوا الْقَمْحَ وطَيِّبُوهُ وأَدِقُّوا طَحْنَهُ تَجِدُوا طَعْمَهُ ويَهْنِئْكُمْ أَكْلُهُ، كَذَلِكَ فَأَخْلِصُوا الْإِيمَانَ وأَكْمِلُوهُ تَجِدُوا حَلَاوَتَهُ ويَنْفَعْكُمْ غِبُّهُ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ؛ لَوْ وَجَدْتُمْ سِرَاجاً يَتَوَقَّدُ بِالْقَطِرَانِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ لَاسْتَضَأْتُمْ بِهِ ولَمْ يَمْنَعْكُمْ مِنْهُ رِيحُ نَتْنِهِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الْحِكْمَةَ مِمَّنْ وَجَدْتُمُوهَا مَعَهُ ولَا يَمْنَعْكُمْ مِنْهُ سُوءُ رَغْبَتِهِ فِيهَا، يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، لَا تُدْرِكُونَ شَرَفَ الْآخِرَةِ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تُحِبُّونَ، فَلَا تُنْظَرُوا بِالتَّوْبَةِ غَداً، فَإِنَّ دُونَ غَدٍ يَوْماً ولَيْلَةً وقَضَاءَ الله فِيهِمَا يَغْدُو ويَرُوحُ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنَ النَّاسِ أَرْوَحُ وأَقَلُّ هَمّاً مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وإِنْ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ، وكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْمَلِ الْخَطِيئَةَ أَرْوَحُ هَمّاً مِمَّنْ عَمِلَ الْخَطِيئَةَ وإِنْ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ وأَنَابَ، وإِنَّ صِغَارَ الذُّنُوبِ ومُحَقَّرَاتِهَا مِنْ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ يُحَقِّرُهَا لَكُمْ ويُصَغِّرُهَا فِي أَعْيُنِكُمْ، فَتَجْتَمِعُ وتَكْثُرُ فَتُحِيطُ بِكُمْ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ النَّاسَ فِي الْحِكْمَةِ رَجُلَانِ: فَرَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وصَدَّقَهَا بِفِعْلِهِ ورَجُلٌ أَتْقَنَهَا بِقَوْلِهِ وضَيَّعَهَا بِسُوءِ فِعْلِهِ، فَشَتَّانَ بَيْنَهُمَا، فَطُوبَى لِلْعُلَمَاءِ

بِالْفِعْلِ ووَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ بِالْقَوْلِ. يَا عَبِيدَ السَّوْءِ، اتَّخِذُوا مَسَاجِدَ رَبِّكُمْ سُجُوناً لِأَجْسَادِكُمْ وجِبَاهِكُمْ، واجْعَلُواقُلُوبَكُمْ بُيُوتاً لِلتَّقْوَى ولَا تَجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ مَأْوىً لِلشَّهَوَاتِ، إِنَّ أَجْزَعَكُمْ عِنْدَ الْبَلَاءِ لَأَشَدُّكُمْ حُبّاً لِلدُّنْيَا، وإِنَّ أَصْبَرَكُمْ عَلَى الْبَلَاءِ لَأَزْهَدُكُمْ فِي الدُّنْيَا، يَا عَبِيدَ السَّوْءِ لَا تَكُونُوا شَبِيهاً بِالْحِدَاءِ الْخَاطِفَةِ ولَا بِالثَّعَالِبِ الْخَادِعَةِ ولَا بِالذِّئَابِ الْغَادِرَةِ ولَا بِالْأُسُدِ الْعَاتِيَةِ كَمَا تَفْعَلُ بِالْفَرَائِسِ، كَذَلِكَ تَفْعَلُونَ بِالنَّاسِ، فَرِيقاً تَخْطَفُونَ وفَرِيقاً تَخْدَعُونَ وفَرِيقاً تَغْدِرُونَ بِهِمْ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ، لَا يُغْنِي عَنِ الْجَسَدِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ صَحِيحاً وبَاطِنُهُ فَاسِداً، كَذَلِكَ لَا تُغْنِي أَجْسَادُكُمُ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَتْكُمْ وقَدْ فَسَدَتْ قُلُوبُكُمْ، ومَا يُغْنِي عَنْكُمْ أَنْ تُنَقُّوا جُلُودَكُمْ وقُلُوبُكُمْ دَنِسَةٌ، لَا تَكُونُوا كَالْمُنْخُلِ يُخْرِجُ مِنْهُ الدَّقِيقَ الطَّيِّبَ ويُمْسِكُ النُّخَالَةَ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ تُخْرِجُونَ الْحِكْمَةَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ ويَبْقَى الْغِلُّ فِي صُدُورِكُمْ، يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ مَثَلُ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ ويُحْرِقُ نَفْسَهُ، يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ زَاحِمُوا الْعُلَمَاءَ فِي مَجَالِسِهِمْ ولَوْ جُثُواً عَلَى الرُّكَبِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ.

يَا هِشَامُ، مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ: طُوبَى لِلْمُتَرَاحِمِينَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمَرْحُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، طُوبَى لِلْمُصْلِحِينَ بَيْنَ النَّاسِ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، طُوبَى لِلْمُطَهَّرَةِ قُلُوبُهُمْ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، طُوبَى لِلْمُتَوَاضِعِينَ فِي الدُّنْيَا، أُولَئِكَ يَرْتَقُونَ مَنَابِرَ الْمُلْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

يَا هِشَامُ، قِلَّةُ الْمَنْطِقِ حُكْمٌ عَظِيمٌ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ فَإِنَّهُ دَعَةٌ حَسَنَةٌ وقِلَّةُ وِزْرٍ وخِفَّةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، فَحَصِّنُوا بَابَ الْحِلْمِ فَإِنَّ بَابَهُ الصَّبْرُ، وإِنَّ اللَّهَ عزّ وجل يُبْغِضُ الضَّحَّاكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، والْمَشَّاءَ إِلَى غَيْرِ أَرَبٍ، ويَجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَكُونَ كَالرَّاعِي لَا يَغْفُلُ عَنْ رَعِيَّتِهِ ولَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَحْيُوا مِنَ الله فِي سَرَائِرِكُمْ كَمَا تَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ فِي عَلَانِيَتِكُمْ، واعْلَمُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُالْمُؤْمِنِ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، ورَفْعُهُ غَيْبَةُ عَالِمِكُمْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.

يَا هِشَامُ، تَعَلَّمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا جَهِلْتَ، وعَلِّمِ الْجَاهِلَ مِمَّا عُلِّمْتَ، عَظِّمِ الْعَالِمَ لِعِلْمِهِ، ودَعْ مُنَازَعَتَهُ، وصَغِّرِ الْجَاهِلَ لِجَهْلِهِ ولَا تَطْرُدْهُ، ولَكِنْ قَرِّبْهُ وعَلِّمْهُ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَجَزْتَ عَنْ شُكْرِهَا بِمَنْزِلَةِ سَيِّئَةٍ تُؤَاخَذُ بِهَا، وقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): إِنَّ لِلهِ عِبَاداً كَسَرَتْ قُلُوبَهُمْ خَشْيَتُهُ، فَأَسْكَتَتْهُمْ عَنِ الْمَنْطِقِ، وإِنَّهُمْ لَفُصَحَاءُ عُقَلَاءُ، يَسْتَبِقُونَ إِلَى الله بِالْأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ، ولَا يَرْضَوْنَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْقَلِيلِ، يَرَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَشْرَارٌ، وإِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ وأَبْرَارٌ.

يَا هِشَامُ، الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، والْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، والْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، والْجَفَاءُ فِي النَّارِ.

يَا هِشَامُ، الْمُتَكَلِّمُونَ ثَلَاثَةٌ: فَرَابِحٌ وسَالِمٌ وشَاجِبٌ، فَأَمَّا الرَّابِحُ فَالذَّاكِرُ لِلهِ، وأَمَّا السَّالِمُ فَالسَّاكِتُ، وأَمَّا الشَّاجِبُ فَالَّذِي يَخُوضُ فِي الْبَاطِلِ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ بَذِيءٍ قَلِيلِ الْحَيَاءِ، لَا يُبَالِي مَا قَالَ ولَا مَا قِيلَ فِيهِ، وكَانَ أَبُو ذَر رضوان الله تعالى عليه يَقُولُ: يَا مُبْتَغِيَ الْعِلْمِ، إِنَّ هَذَا اللِّسَانَ مِفْتَاحُ خَيْرٍ ومِفْتَاحُ شَرٍّ، فَاخْتِمْ عَلَى فِيكَ كَمَا تَخْتِمُ عَلَى ذَهَبِكَ ووَرِقِكَ.

يَا هِشَامُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وذَا لِسَانَيْنِ؛ يُطْرِي أَخَاهُ إِذَا شَاهَدَهُ، ويَأْكُلُهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ، إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ، وإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ.

إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ، وأَسْرَعَ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ، وإِنَّ شَرَّ عِبَادِ الله مَنْ تُكْرَهُ مُجَالَسَتُهُ لِفُحْشِهِ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ ومِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُ مَا لَا يَعْنِيهِ.

يَا هِشَامُ، لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً، ولَا يَكُونُ خَائِفاً رَاجِياً حَتَّى يَكُونَ عَامِلًا لِمَا يَخَافُ ويَرْجُو.يَا هِشَامُ، قَالَ الله جَلَّ وعَزَّ: وعِزَّتِي وجَلَالِي وعَظَمَتِي وقُدْرَتِي وبَهَائِي وعُلُوِّي فِي مَكَانِي، لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلَّا جَعَلْتُ الْغِنَى فِي نَفْسِهِ، وهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ، وكَفَفْتُ عَلَيْهِ فِي ضَيْعَتِهِ، وضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ رِزْقَهُ، وكُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ

تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ.

يَا هِشَامُ، الْغَضَبُ مِفْتَاحُ الشَّرِّ، وأَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وإِنْ خَالَطْتَ النَّاسَ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُخَالِطَ أَحَداً مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَتْ يَدُكَ عَلَيْهِ الْعُلْيَا فَافْعَلْ.

يَا هِشَامُ، عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ، فَإِنَّ الرِّفْقَ يُمْنٌ، والْخُرْقَ شُؤْمٌ، إِنَّ الرِّفْقَ والْبِرَّ وحُسْنَ الْخُلُقِ يَعْمُرُ الدِّيَارَ ويَزِيدُ فِي الرِّزْقِ.

يَا هِشَامُ، قَوْلُ الله (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ)(1)جَرَتْ فِي الْمُؤْمِنِ والْكَافِرِ والْبَرِّ والْفَاجِرِ، مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ، ولَيْسَتِ الْمُكَافَأَةُ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ حَتَّى تَرَى فَضْلَكَ، فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صَنَعَ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِالابْتِدَاءِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ مَثَلَ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ؛ مَسُّهَا لَيِّنٌ، وفِي جَوْفِهَا السَّمُّ الْقَاتِلُ، يَحْذَرُهَا الرِّجَالُ ذَوُو الْعُقُولِ، ويَهْوِي إِلَيْهَا الصِّبْيَانُ بِأَيْدِيهِمْ.

يَا هِشَامُ، اصْبِرْ عَلَى طَاعَةِ الله واصْبِرْ عَنْ مَعَاصِي الله فَإِنَّمَا الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَمَا مَضَى مِنْهَا فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُرُوراً ولَا حُزْناً ومَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ.

يَا هِشَامُ، مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ مَاءِ الْبَحْرِ؛ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ.

يَا هِشَامُ، إِيَّاكَ والْكِبْرَ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، الْكِبْرُ رِدَاءُ الله، فَمَنْ نَازَعَهُ رِدَاءَهُ أَكَبَّهُ الله فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ.

يَا هِشَامُ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْعَمِلَ حَسَناً اسْتَزَادَ مِنْهُ، وإِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ وتَابَ إِلَيْهِ.

يَا هِشَامُ، تَمَثَّلَتِ الدُّنْيَا لِلْمَسِيحِ (علیه السلام) فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ زَرْقَاءَ فَقَالَ لَهَا: كَمْ تَزَوَّجْتِ؟ فَقَالَتْ: كَثِيراً. قَالَ: فَكُلٌّ طَلَّقَكِ؟ قَالَتْ: لَا، بَلْ كُلًّا قَتَلْتُ. قَالَ الْمَسِيحُ عليه


1) . سورة الرحمن (55)، الآية 60.

السلام: فَوَيْحُ لِأَزْوَاجِكِ الْبَاقِينَ، كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِالْمَاضِينَ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ ضَوْءَ الْجَسَدِ فِي عَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَصَرُ مُضِيئاً اسْتَضَاءَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِنَّ ضَوْءَ الرُّوحِ الْعَقْلُ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَاقِلًا كَانَ عَالِماً بِرَبِّهِ، وإِذَا كَانَ عَالِماً بِرَبِّهِ أَبْصَرَ دِينَهُ، وإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِرَبِّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ دِينٌ، وكَمَا لَا يَقُومُ الْجَسَدُ إِلَّا بِالنَّفْسِ الْحَيَّةِ فَكَذَلِكَ لَا يَقُومُ الدِّينُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ، ولَا تَثْبُتُ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ إِلَّا بِالْعَقْلِ.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الزَّرْعَ يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ ولَا يَنْبُتُ فِي الصَّفَا، فَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ تَعْمُرُ فِي قَلْبِ الْمُتَوَاضِعِ ولَا تَعْمُرُ فِي قَلْبِ الْمُتَكَبِّرِ الْجَبَّارِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّوَاضُعَ آلَةَ الْعَقْلِ وجَعَلَ التَّكَبُّرَ مِنْ آلَةِ الْجَهْلِ، أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَمَخَ إِلَى السَّقْفِ بِرَأْسِه شَجَّهُ، ومَنْ خَفَضَ رَأْسَهُ اسْتَظَلَّ تَحْتَهُ وأَكَنَّهُ؟ وكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَتَوَاضَعْ لِلهِ خَفَضَهُ الله، ومَنْ تَوَاضَعَ لِلهِ رَفَعَهُ.

يَا هِشَامُ، مَا أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى، وأَقْبَحَ الْخَطِيئَةَ بَعْدَ النُّسُكِ، وأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الْعَابِدُ لِلهِ ثُمَّ يَتْرُكُ عِبَادَتَهُ.

يَا هِشَامُ، لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ؛ لِمُسْتَمِعٍ وَاعٍ، وعَالِمٍ نَاطِقٍ.

يَا هِشَامُ، مَا قُسِمَ بَيْنَ الْعِبَادِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ؛ نَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ، ومَا بَعَثَ الله نَبِيّاً إِلَّا عَاقِلًا حَتَّى يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ جَهْدِ الْمُجْتَهِدِينَ، ومَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ.

يَا هِشَامُ، قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ، والْمُؤْمِنُ قَلِيلُ الْكَلَامِ كَثِيرُالْعَمَلِ، والْمُنَافِقُ كَثِيرُ الْكَلَامِ قَلِيلُ الْعَمَلِ.

يَا هِشَامُ، أَوْحَى الله تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ (علیه السلام) قُلْ لِعِبَادِي: لَا يَجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَهُمْ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّهُمْ عَنْ ذِكْرِي وعَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي ومُنَاجَاتِي، أُولَئِكَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ عِبَادِي إِنَّ أَدْنَى مَا أَنَا صَانِعٌ بِهِمْ أَنْ أَنْزِعَ حَلَاوَةَ مَحَبَّتِي ومُنَاجَاتِي مِنْ قُلُوبِهِمْ.

يَا هِشَامُ، مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ ومَلَائِكَةُ الْأَرْضِ، ومَنْ تَكَبَّرَ

عَلَى إِخْوَانِهِ واسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ، ومَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ أَعْنَى لِغَيْرِ رُشْدِهِ.

يَا هِشَامُ، أَوْحَى الله تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ (علیه السلام): يَا دَاوُدُ، حَذِّرْ وأَنْذِرْ أَصْحَابَكَ عَنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَةَ قُلُوبُهُمْ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا قُلُوبُهُمْ مَحْجُوبَةٌ عَنِّي.

يَا هِشَامُ، إِيَّاكَ والْكِبْرَ عَلَى أَوْلِيَائِي، والِاسْتِطَالَةَ بِعِلْمِكَ، فَيَمْقُتُكَ الله، فَلَا تَنْفَعُك بَعْدَ مَقْتِهِ دُنْيَاكَ ولَا آخِرَتُكَ، وكُنْ فِي الدُّنْيَا كَسَاكِنِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ، إِنَّمَا يَنْتَظِرُ الرَّحِيلَ.

يَا هِشَامُ، مُجَالَسَةُ أَهْلِ الدِّينِ شَرَفُ الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، ومُشَاوَرَةُ الْعَاقِلِ النَّاصِحِ يُمْنٌ وبَرَكَةٌ ورُشْدٌ وتَوْفِيقٌ مِنَ الله، فَإِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ الْعَاقِلُ النَّاصِحُ فَإِيَّاكَ والْخِلَافَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْعَطَبَ.

يَا هِشَامُ، إِيَّاكَ ومُخَالَطَةَ النَّاسِ والْأُنْسَ بِهِمْ إِلَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ عَاقِلًا ومَأْمُوناً فَآنِسْ بِهِ واهْرُبْ مِنْ سَائِرِهِمْ كَهَرَبِكَ مِنَ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ، ويَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ الله، وإِذَا تَفَرَّدَ لَهُ بِالنِّعَمِ أَنْ يُشَارِكَ فِي عَمَلِهِ أَحَداً غَيْرَهُ، وإِذَا مَرَّ بِكَ أَمْرَانِ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا خَيْرٌ وأَصْوَبُ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى هَوَاكَ فَخَالِفْهُ فَإِنَّ كَثِيرَ الصَّوَابِ فِي مُخَالَفَةِ هَوَاكَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَغْلِبَ الْحِكْمَةَ وتَضَعَهَا فِي أَهْلِ الْجَهَالَةِ».

قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ وَجَدْتُ رَجُلًا طَالِباً لَهُ غَيْرَ أَنَّعَقْلَهُ لَا يَتَّسِعُ لِضَبْطِ مَا أُلْقِي إِلَيْهِ؟ قَالَ (علیه السلام): «فَتَلَطَّفْ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ، فَإِنْ ضَاقَ قَلْبُهُ فَلَا تَعْرِضَنَّ نَفْسَكَ لِلْفِتْنَةِ، واحْذَرْ رَدَّ الْمُتَكَبِّرِينَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَدِلُّ عَلَى أَنْ يُمْلَى عَلَى مَنْ لَا يُفِيقُ».

قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَجِد مَنْ يَعْقِلُ السُّؤَالَ عَنْهَا؟ قَالَ (علیه السلام): «فَاغْتَنِمْ جَهْلَهُ عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى تَسْلَمَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَوْلِ وعَظِيمِ فِتْنَةِ الرَّدِّ. وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْفَعِ الْمُتَوَاضِعِينَ بِقَدْرِ تَوَاضُعِهِمْ، ولَكِنْ رَفَعَهُمْ بِقَدْرِ عَظَمَتِهِ ومَجْدِهِ، ولَمْ يُؤْمِنِ الْخَائِفِينَ بِقَدْرِ خَوْفِهِمْ، ولَكِنْ آمَنَهُمْ بِقَدْرِ كَرَمِهِ وجُودِهِ، ولَمْ يُفَرِّجِ الْمَحْزُونِينَ بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ، ولَكِنْ بِقَدْرِ رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَى مَنْ يُؤْذِيهِ بِأَوْلِيَائِهِ

فَكَيْفَ بِمَنْ يُؤْذَى فِيهِ، ومَا ظَنُّكَ بِالتَّوَّابِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَتُوبُ عَلَى مَنْ يُعَادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَرَضَّاهُ ويَخْتَارُ عَدَاوَةَ الْخَلْقِ فِيهِ؟».

يَا هِشَامُ، مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ، ومَا أُوتِيَ عَبْدٌ عِلْماً فَازْدَادَ لِلدُّنْيَا حُبّاً إِلَّا ازْدَادَ مِنَ الله بُعْداً، وازْدَادَ الله عَلَيْهِ غَضَباً.

يَا هِشَامُ، إِنَّ الْعَاقِلَ اللَّبِيبَ مَنْ تَرَكَ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، وأَكْثَرُ الصَّوَابِ فِي خِلَافِ الْهَوَى، ومَنْ طَالَ أَمَلُهُ سَاءَ عَمَلُهُ.

يَا هِشَامُ، لَوْ رَأَيْتَ مَسِيرَ الْأَجَلِ لَأَلْهَاكَ عَنِ الْأَمَلِ.

يَا هِشَامُ، إِيَّاكَ والطَّمَعَ، وعَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وأَمِتِ الطَّمَعَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ الطَّمَعَ مِفْتَاحٌ لِلذُّلِّ واخْتِلَاسُ الْعَقْلِ واخْتِلَاقُ الْمُرُوَّاتِ وتَدْنِيسُ الْعِرْضِ والذَّهَابُ بِالْعِلْمِ، وعَلَيْكَ بِالاعْتِصَامِ بِرَبِّكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وجَاهِدْ نَفْسَكَ لِتَرُدَّهَا عَنْ هَوَاهَا، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْكَ كَجِهَادِ عَدُوِّكَ.

قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيُّ الْأَعْدَاءِ أَوْجَبُهُمْ مُجَاهَدَةً؟ قَالَ عليه السلام: «أَقْرَبُهُمْ إِلَيْكَ وأَعْدَاهُمْ لَكَ وأَضَرُّهُمْ بِكَوأَعْظَمُهُمْ لَكَ عَدَاوَةً وأَخْفَاهُمْ لَكَ شَخْصاً مَعَ دُنُوِّهِ مِنْكَ، ومَنْ يُحَرِّضُ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ، وهُوَ إِبْلِيسُ الْمُوَكَّلُ بِوَسْوَاسٍ مِنَ الْقُلُوبِ، فَلَهُ فَلْتَشْتَدَّ عَدَاوَتُكَ، ولَا يَكُونَنَّ أَصْبَرَ عَلَى مُجَاهَدَتِهِ لِهَلَكَتِكَ مِنْكَ عَلَى صَبْرِكَ لِمُجَاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْكَ رُكْناً فِي قُوَّتِهِ، وأَقَلُّ مِنْكَ ضَرَراً فِي كَثْرَةِ شَرِّهِ، إِذَا أَنْتَ اعْتَصَمْتَ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيتَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».

يَا هِشَامُ، مَنْ أَكْرَمَهُ الله بِثَلَاثٍ فَقَدْ لَطُفَ لَهُ؛ عَقْلٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ هَوَاهُ، وعِلْمٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ جَهْلِهِ، وغِنًى يَكْفِيهِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ.

يَا هِشَامُ، احْذَرْ هَذِهِ الدُّنْيَا واحْذَرْ أَهْلَهَا، فَإِنَّ النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ؛ رَجُلٍ مُتَرَدٍّ مُعَانِقٍ لِهَوَاهُ، ومُتَعَلِّمٍ مُقْرِئٍ، كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْماً ازْدَادَ كِبْراً، يَسْتَعْلِي بِقِرَاءَتِهِ وعِلْمِهِ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وعَابِدٍ جَاهِلٍ يَسْتَصْغِرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي عِبَادَتِهِ، يُحِبُّ أَنْ يُعَظَّمَ ويُوَقَّرَ، وذِي بَصِيرَةٍ، عَالِمٍ عَارِفٍ بِطَرِيقِ الْحَقِّ، يُحِبُّ الْقِيَامَ بِهِ، فَهُوَ

عَاجِزٌ أَوْ مَغْلُوبٌ، ولَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَعْرِفُه، فَهُوَ مَحْزُونٌ مَغْمُومٌ بِذَلِكَ، فَهُوَ أَمْثَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ وأَوْجَهُهُمْ عَقْلًا.

يَا هِشَامُ، اعْرِفْ الْعَقْلَ وجُنْدَهُ والْجَهْلَ وجُنْدَهُ تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.

قَالَ هِشَامٌ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاك، لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا. فَقَالَ (علیه السلام): «يَا هِشَامُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ، وهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ خَلَقَهُ الله مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ، عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ الله جَلَّ وعَزَّ: خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً، وكَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي. ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ الظُّلْمَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَلَمْ يُقْبِلْ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَكْبَرْتَ، فَلَعَنَهُ. ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وسَبْعِينَ جُنْداً، فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا كَرَّمَ الله بِهِ الْعَقْلَ ومَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ فَقَالَ الْجَهْلُ: يَارَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وكَرَّمْتَهُ وقَوَّيْتَهُ وأَنَا ضِدُّهُ، ولَا قُوَّةَ لِي بِهِ، أَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: نَعَمْ، فَإِنْ عَصَيْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وجُنْدَكَ مِنْ جِوَارِي ومِنْ رَحْمَتِي. فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ. فَأَعْطَاهُ الله خَمْسَةً وسَبْعِينَ جُنْداً.

فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الْخَمْسَةِ والسَّبْعِينَ جُنْداً: الْخَيْرُ، وهُوَ وَزِيرُ الْعَقْلِ(1)وجَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ وهُوَ وَزِيرُ الْجَهْلِ، الْإِيمَانُ، الْكُفْرُ، التَّصْدِيقُ، التَّكْذِيبُ، الْإِخْلَاصُ، النِّفَاقُ، الرَّجَاءُ، الْقُنُوطُ، الْعَدْلُ، الْجَوْرُ، الرِّضَا، السُّخْطُ، الشُّكْرُ، الْكُفْرَان، الْيَأْسُ الطَّمَع، التَّوَكُّلُ الْحِرْصُ، الرَّأْفَةُ الْغِلْظَةُ، الْعِلْمُ، الْجَهْل، الْعِفَّةُ، التَّهَتُّك، الزُّهْدُ الرَّغْبَة، الرِّفْقُ، الْخُرْقُ، الرَّهْبَةُ، الْجُرْأَةُ، التَّوَاضُعُ، الْكِبْرُ، التُّؤَدَةُ، الْعَجَلَةُ، الْحِلْمُ، السَّفَهُ، الصَّمْتُ، الْهَذَرُ، الِاسْتِسْلَامُ، الِاسْتِكْبَارُ، التَّسْلِيمُ، التَّجَبُّرُ، الْعَفْوُ، الْحِقْدُ، الرَّحْمَةُ، الْقَسْوَة، الْيَقِينُ، الشَّكُّ، الصَّبْرُ، الْجَزَعُ، الصَّفْحُ، الِانْتِقَام، الْغِنَى، الْفَقْر، التَّفَكُّرُ،


1) . الخير بمثابة الوزير الذي يشير إلى العاقل، فإذا احتار في فعل معيّن رآى إن كان خيرا فعله. ثمّ إنّ الوزر هو الحِمل، ووزير الدولة يحمل أعباءها عن السلطان، من إجراء القوانين وإدارة المملكة. وكون الخير وزيراً للعقل أنّ العقل يحمّل العاقل المسؤولية وهو حمل ثقيل، وبما أنّها من الخير تخفّف عليه الثقل، فالخير وزير العقل.

السَّهْوُ، الْحِفْظُ، النِّسْيَانُ، التَّوَاصُلُ، الْقَطِيعَةُ، الْقَنَاعَةُ، الشَّرَه، الْمُوَاسَاةُ، الْمَنْع، الْمَوَدَّةُ، الْعَدَاوَة، الْوَفَاءُ، الْغَدْرُ، الطَّاعَةُ، الْمَعْصِيَةُ، الْخُضُوعُ، التَّطَاوُلُ، السَّلَامَةُ، الْبَلَاءُ، الْفَهْمُ، الْغَبَاوَةُ، الْمَعْرِفَةُ، الْإِنْكَارُ، الْمُدَارَاةُ، الْمُكَاشَفَةُ، سَلَامَةُ الْغَيْبِ، الْمُمَاكَرَة، الْكِتْمَانُ، الْإِفْشَاءُ، الْبِرُّ، الْعُقُوقُ، الْحَقِيقَةُ، التَّسْوِيف، الْمَعْرُوفُ، الْمُنْكَرُ، التَّقِيَّةُ، الْإِذَاعَةُ، الْإِنْصَافُ، الظُّلْم، التُّقَى، الْحَسَد، النَّظَافَةُ، الْقَذَرُ، الْحَيَاءُ، الْقِحَة، الْقَصْدُ، الْإِسْرَاف، الرَّاحَةُ، التَّعَبُ، السُّهُولَةُ، الصُّعُوبَةُ، الْعَافِيَةُ، الْبَلْوَى، الْقَوَامُ، الْمُكَاثَرَة، الْحِكْمَةُ، الْهَوَى، الْوَقَارُ، الْخِفَّةُ، السَّعَادَةُ، الشَّقَاءُ،التَّوْبَةُ، الْإِصْرَارُ، الْمُحَافَظَةُ، التَّهَاوُنُ، الدُّعَاءُ، الِاسْتِنْكَافُ، النَّشَاطُ، الْكَسَلُ، الْفَرَحُ، الْحَزَنُ، الْأُلْفَةُ، الْفُرْقَةُ، السَّخَاءُ، الْبُخْلُ، الْخُشُوعُ، الْعُجْبُ، صَوْنُ الْحَدِيثِ(1)،

النَّمِيمَةُ، الِاسْتِغْفَارُ، الِاغْتِرَارُ، الْكِيَاسَةُ، الْحُمْقُ.

يَا هِشَامُ، لَا تُجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالُ إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُؤْمِنٍ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الْجُنُودِ مِنَ أَجْنَادِ الْعَقْلِ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ ويَتَخَلَّصَ مِنْ جُنُودِ الْجَهْلِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ والْأَوْصِيَاءِ (علیهم السلام)، وَفَّقَنَا الله وإِيَّاكُمْ لِطَاعَتِهِ».(2)

7. العقل وسعة كشف أصول العقائد

اشارة

بعدما توجهتَ إلى أنّ العقل نور كاشف عن الواقع، وبرهان عليه، وأنّه حجّة الله الباطنة، ورسول الحقّ، وموهبة إلهيّة، وصاحب جيش الرحمن، وأن الوحي مذكّر بأحكام العقل الذي يقع مغفولا عنه لمختلف الحجب، نوقفك على هذه المسألة التي تحتل أهميّة بالغة؛ وهي سعة إدراك العقل للأصول المقوّمة للدين. وهنا تظهر جملة من أهمّ ثمار العقل الذي ذكّر به الوحي وموضعه من الاعتقادات.


1) . في بعض النسخ: صدق الحديث.

2) . تحف العقول، ص383 _ 401؛ ولاحظ: الكافي، ج1، ص13، ح12.

مستدرك الوسائل، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي».(1)

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «الدِّينُ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْعَقْلُ».(2)

سوف تتذكّر إلى أنّ مقوّمات الإيمان هي أمور واضحة يستغنى فيها عن تشكيل البراهين الفلسفيّة، لكن قبل التعرّض لموضع العقل من تلك المسائل لابد من التذكير بموضع النصوص وموضع الفطرة.

أ: موضع الدليل النقليّ من الأدلّة العقليّة

مرّ مراراً أنّ العقل يبقى بدون تذكير أهل الذكر معرّضاً للاحتجاب، مع ذلك فأيّ تعارض بين حاجة الإنسان إلى التذكير بالحقائق وبين كونها عقلية، فإنّ الاستفادة من العقل تتوقّف على استعماله وعدم الخلط بينه وبين الأوهام، وما أكثر الذين لا يعقلون لأنّهم لا يتفكّرون، فكانت الحاجة إلى إرشاد الناس إلى عقولهم وهدايتهم إلى حقائقه وأحكامه، فالقرآن والسنّة أسباب هداية للذين يعقلون، وإنما يستطيعون ذلك بعد دعوتهم إياهم للتعقل، وأما من لا يستعمل عقله فلا.

هذا بنفسه من معاجز الأنبياء حيث أنّهم يذكّرون البشر بالربّ الذي لا يخفى عليهم ولكنّهم عنه غافلون.

ب: موضع الفطرة من الأدلّة العقليّة

الأصول الإيمانيّة التي يستوجب على العاقل الإقرار والاعتقاد بها هي حقائق موجودة مغروزة في فطرته ووجدانه، فالمولود يولد على المعرفة بربّه سبحانه. فكما یعرف العبد مثلاً بأنّ الظلم قبیح یعرف أیضاً أنّ له خالقاً. ولا یحتاج في ذلك إلی إثبات كما یثبت الأمر النظريّ المجهول. وهذه المعرفة قد فطر علیها وولّد معها، ولكنّه یحتاج إلی تذكير بها.

الفقيه، عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ


1) . المستدرك على الوسائل، ج11، ص173، ح12672 _ 8 عن العوالي.

2) . غرر الحكم، ح1389.

اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ ويُمَجِّسَانِه».(1)

وفي الكافي، عن زرارة قال: سَأَلْتُهُ _ أي الباقر (علیه السلام)_ عَنْ قَوْلِ الله(عزّ و جّل): (وَ إذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ ألسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) الْآيَةَ قَالَ: «أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَعَرَّفَهُمْ وأَرَاهُمْ نَفْسَهُ ولَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ وقَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ(عزّ و جّل) خَالِقُهُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَ لَئِنْ سَألتَهُمْ مَنْخَلَقَ السَمَاوَاتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ الله)».(2)

وفي تفسير القمّي، عن أبي عبد الله (علیه السلام): (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) قُلْتُ: مُعَايَنَةً كَانَ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَثَبَتَتِ الْمَعْرِفَةُ ونَسُوا الْمَوْقِفَ، وسَيَذْكُرُونَهُ، ولَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ ورَازِقُهُ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ فِي الذَّرِّ ولَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، فَقَالَ اللَّهُ: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْل)».(3)

أقول، يولد الإنسان محمّلاً بالمعرفة، ولكنّه في غفلة منها، ولذلك يحتاج إلى التذكير بالآيات، وحيث أنّه لم يمكن أن يخاطبه المذكّر المبعوث من عند الله إلا مع وجود العقل، فاحتاجه ليصحّ التكليف بعد التنبيه، فالاستدلال بتلك الآيات يتمّ مع العقل، لأنّ الرسول يخاطب العقلاء بما لديهم من عقول، وقد قال الله تعالى للعقل كما في الحديث القدسيّ: «أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وإِيَّاكَ أَنْهَى».(4)

وإذا استعمل العبد عقله ولم يطفئه لَتذكّر بعد التذكير، فبه يستطيع أن يعقل عن الله أوامره ويتفكّر في آياته وينظر في عجائب الخلقة ليزداد معرفة وتسبيحا وولها إليه سبحانه.


1) . من لا يحضره الفقيه، ج2، ص49، ح1668.

2) . الكافي، ج2، ص13، ح4.

3) . تفسير القمي، ج1، ص248؛ والآية: سورة يونس (10)، الآية 74.

4) . الكافي، ج1، ص10، ح1.

ومع وجود تلك الفطرة يستفيق إلى معرفة ربّه الذي عرفه بتعريفه نفسه له، فعقله يذكره من خلال النظر إلى الآيات إلى كمالات ربّه، فلا يصفه بالمفاهيم، بل إن تلك الأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه هي تذكير له بالله الذي عرفه بتعريفه سبحانه وفطره عليه، فيتجلى له ربّه تعالى فيعرفه من دون توصيف لذلك تبقى حيرته ويتوله فيه، فيسبحه ويقدّسه ويخرجه من الحدّين، وفي عين الحال يناجيه ويخاطبه ويراه بقلبه ويحظى على شرف لقاءه سبحانه ويصل إلى غاية مراد المريدين، وهذه الفطرة موجودة فيه، ولكنّه غافل عنها. وفي الحديث الشريف: «مَعْرُوفٌ عِنْدَ كُلِّجَاهِلٍ».(1)

فيبقى الإنسان بدون تذكير أهل الذكر في غفلة من معرفته بالله، فإثارتها لا يتيسّر إلّا عبر الطريق الذي عيّنه الله والحبل بينه وبين خلقه، ومن لزمه أمِن، ومن تركه هلك، والسفينة التي من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى، وهم رسل الله إلى خلقه وسفراؤه عنه والهداة إليه والقادة إلى سبيله، فهم بُعثوا حتى يزيلوا الغشاوات والحُجب من أعين الناس ليروا أولئك البشر ربّهم ظاهراً في كلّ شيء ولا يجهلوه في شيء، ولكي يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتتجلى الفطرة التي فطرهم الله عليها(2)ويروه بعد التذكّر بآياته فتظهر (صِبْغَةَ اللَّهِ)(3)وصنع الله(4)والحنيفيّة(5)التي وُلدوا عليها(6)قبل أن يتهوّدوا ويتنصّروا ويضلّوا وينحرفوا.

وهذه كانت إشارة إلى أنّ معرفة الله ليست من قبيل الأمور النظرية فإن الاستدلال مشفوع بمعرفة باطنة، ونحيل تفصيل موضوع الفطرة والآيات والنصوص الدالّة علیه، والحدیث عن عالم المیثاق وتعریف الله نفسه إلى موضعه.


1) . الكافي، ج1، ص91، ح2.

2) . لاحظ: سورة الروم (30)، الآية 30.

3) . لاحظ: سورة البقرة (2)، الآية 138.

4) . الكافي، ج2، ص163، ح1.

5) . لاحظ: سورة الحج (22)، الآية 31.

6) . لاحظ: الكافي، ج2، ص13، ح4.

ج: الإشارة إلى خلاصة أصول العقائد المكشوفة بنور العقل

نستخلص ما يمكن أن يظهر لكلّ عاقل عند تنبيهه، ثم ندخل في التفصيل:

1.

ظهور حقّانيّة الربّ الصانع لهذا الكون.

2.

ظهور كمالاته سبحانه، من علمه وقدرته وحكمته وحياته وقيّوميّته، فبآثار الحياة والعلم والقدرة والحكمة وغيرها يتنبّه العاقل إلى استحقاقه لتلك الصفات. ويظهر أيضاً في المخلوقات _ في سعتها وإتقان صنعتها _ وجود الغرضالمحكم والمهمّ وراءها.

3.

ظهور توحيد الصانع ونفي الشريك عنه.

4.

ظهور الوجوب الذاتيّ لطاعة الصانع تعالى، والحرمة الذاتيّة لمعصيته، على أساس أنّ الإنسان عبد مملوك لا يملك شيئاً من نفسه، وتصرّف المملوك في ملك الغير بدون إذنه قبيح ذاتاً وحرام عقلاً.

5.

ظهور حاجة العباد إلى الرسل لتعليمهم وهدايتهم إلى الغرض الأصليّ من الخلقة، ولتعريفهم وتذكيرهم بمصالحهم ومفاسدهم ولتزكيتهم ورفع الاختلاف عنهم بالهداية والتعليم.

6.

ظهور عصمة الرُسل والهداة ومصونيّتهم من الخطايا.

7.

الحاجة إلى المعجزة والآية البيّنة لمعرفة الرسل، حتى تشهد بصدق دعواهم وإبطال دعوى المفترين.

8.

لزوم التسليم في مقابل الرسل والهداة الربّانيّين ولزوم إتّباعهم.

9.

ظهور لزوم عدم التساوي بين مصير من آمن وصدّق بالرسل وبیّن كذّب وعصى.

10.

توقّف التكليف على الاختيار، وظهور نفي الجبر فيما يؤاخذ ويُحاسب الإنسان عليه.

11.

ضرورة وجود نشأة غير هذه النشأة للمجازاة وتحكيم الغرض الذي خُلق الإنسان من أجله.

تفصيل الكلام في الدليل العقليّ على العقائد الأصليّة

الأمر الأوّل: دلالة المصنوع على الصانع وإثبات المصنوعيّة

أ: دلالة المصنوع على الصانع

افترض إنسانا عاقلا منصفاً لم يقع تحت تأثير تربية معيّنة أو أيّ نوع من غسيل للدماغ، وهو صادق في نفسه بحيث لو ظهر له الحقّ لقبله وتواضع له ثمّ عُرضت عليه التساؤلات التالية:

هل من الممكن وجود مصنوع دقيق منظّم بلا صانع؟ وهل من المعقول وجود بناء مشيّد ومجهّز بمختلف التجهيزات بلابانٍ؟ وهل من الصحيح وجود كتاب علميّ رفيع المستوى من دون كاتب؟

المنصف لا يجيب بغير النفي، لذلك بمجرّد الإلتفات إلى أيّ مصنوع مثير للتوجّه والإعجاب يكون أوّل تساؤله عن صانعه وفاعله، ومع سماع أيّة مسألة علميّة تطرح في أيّ محفل، أو نظريّة جديدة أو إختراع جديد، يبادر بالسؤال عن صاحبه.

نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «...وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَان».(1)

هذه الدلالة واضحة لكلّ من له أدنى ما يمكن أن يوصف به الإنسان عاقلا، بل حتّى الصبيّ إذا أثار انتباهه شيء يطلب السبب فيقول: بم صار هكذا؟ كيف حدث؟ من جاء به؟ من قاله؟ مَن فعله؟ مما يشهد على وجدان الجميع لمسألة دلالة الأثر إلى المؤثر، بحيث لا يحتاج إلى إقامة البرهان المصطلح، لأنّ العقل بنفسه كاشف أنّ كلّ فعل يقتضي فاعلاً، وكلّ مصنوع صانعاً، وكلّ أثر على مؤثّر، هذا في دلالة المصنوع على الصانع.

ثمّ إنّ كل ذرة من ذرات هذا العالَم السحيق تصرخ بمصنوعيّتها ومخلوقيّتها، وذلك لوجود آثار المصنوعيّة فيها، فإنّ الشيء الّذي لم يكن ثمّ كان _ أي مسبوقيّته


1) . نهج البلاغة، الخطبة 185.

بالعدم _ والمعرَّض دوماً للتغيّر والتبدّل، والّذي لا يملك كمالاته من السمع والبصر والقوّة والإدراك، حيث كان فاقداً لها عند ابتداء خلقه ثمّ صار واجداً لها مدة من الزمان، ثمّ تُسلب عند كبر سنّه وعند كهولته، بل في حالات مختلفة من حياته، إنّ هذه الصفات هي صفات المصنوع المدَبَّر، وآثار المملوك للغير.

مَن يتدبّر في المخلوق يرى بوضوح أنّ تدبيره بيد غيره، ومن يلتفت إلى آثار المصنوعيّة وخصوصيّات المخلوقيّة في الظواهر التي يشاهدها أمامه لا محالة تستيقن نفسه بحقّانيّة الصانع وإن جحده باللسان.

وبيد أن الغفلة في مسألة مصنوعيّة المصنوعات أكثر منهافي أصل مسألة دلالة المصنوع على الصانع، إلا أنّ أدنى تذكير يكفي لتنبيهه ما لم يتكبّر ويُعرض.

قال تعالى: (أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ وإلى السَماءِ كَيفَ رُفِعَتْ وَإلى الجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ وإلى الأرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرْ).(1)

وقال تعالى: (أفَرَأيتُمْ مَا تُمْنُونَ أأنْتُم تَخْلقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ).(2)

وقال تعالى: (أفَرَأيتُمْ مَا تَحرثُونَ أأنْتُم تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ).(3)

وقال تعالى: (أفَرَأيتُم الماءَ الّذِي تَشْرَبُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ).(4)

وفي الاحتجاج، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ عَلَى الصَّادِقِ (علیه السلام) فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ: «يَا ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ أَمَصْنُوعٌ أَنْتَ أَمْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ؟»، قَالَ: لَسْتُ بِمَصْنُوعٍ، فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ (علیه السلام): «فَلَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ؟»، فَلَمْ يُحِرِ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ جَوَاباً وقَامَ وخَرَجَ.(5)

وفي جامع الأخبار، سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) عَنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَقَالَ: «الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، والرَّوْثَةُ تَدُلُّ عَلَى الْحَمِيرِ، وآثَارُ الْقَدَمِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَهَيْكَلٌ عُلْوِيٌّ


1) . سورة الغاشية (88)، الآيات 17 _ 21.

2) . سورة الواقعة (56)، الآيتان: 58 _ 59.

3) . سورة الواقعة (56)، الآيتان 63 _ 64.

4) . سورة الواقعة (56)، الآيتان 68 _ 69.

5) . الاحتجاج، ج2، ص333.

بِهَذِهِ اللَّطَافَةِ، ومَرْكَزٌ سُفْلِيٌّ بِهَذِهِ الْكَثَافَةِ، كَيْفَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟».(1)وفي الكافي، عن هشام بن الحكم، في أسألة الزنديق من الإمام الصادق (علیه السلام) قال: وكان من سؤال الزنديق أن قال: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ دَلَّتْ عَلى أَنَّ صَانِعاً صَنَعَهَا، أَلَا تَرى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلى بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ، عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وإِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَولَمْ تُشَاهِدْهُ؟...».(2)

ب: من آيات المصنوعيّة
اشارة

إليك حقائق ثلاثة واضحة يستدلّ العاقل من خلالها على صانعه المتعال بهداية نور عقله:

أوّلاً: المسبوقيّة بالعدم

تبيين هذه الحقيقة يكون تارة بالنظر إلى بدء جملة الكون، حيث أطبق علماء الفلك والفيزياء اليوم على أن الكون بسعته وعظمته لم يكن ثمّ كان، وواضح لغير من أغشت بصره العصبية توقف إيجاده من بعد العدم على موجِد.

وتارة أخرى بالتوجّه إلى كلّ فرد من أفراد هذا العالم، وحدوثه بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، فهب ان العالم أزلي ولكن أليس وجود من لم يكن ثم كان كهؤلاء الاحياء، دليل على من خلقهم وأوجدهم؟

ثانياً: دوام التغيّر

التغيّر المستمرّ من حال إلى حال هو من صفات المخلوق الذي أنيط كل أمره بإرادة غيره، وهذا التغيّر مساوق للحدوث والمسبوقيّة بالعدم، والدالّ على قدرة قادر فوق قدرته يحوّل أحواله؛ يرفعه تارة ويضعه أخرى، يعطيه مرّة ويمنعه مرة، ولا ينكر هذا ذو بصر.

نطقة، فعلقة، فمضغة، فعظام، فلحم..علم بعد جهل، وجهل بعد علم، طول بعد


1) . جامع الأخبار، ص4.

2) . الكافي، ج1، ص86، ح5.

قصر، وقصر بعد طول، قدرة بعد ضعف، وضعف بعد قدرة... هذا التغيّر الدائم في جسد الشخص الواحد والتبدّل المستمر في صفاته برهان على حقّانيّة المدبّر القيّوم.

يجد الإنسان نفسه مقهوراً ومضطرّاً أمام تلك التغيّرات، كي يرى قدرة ربّه فيه ولا يستطيع إنكاره في نفسه.

نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وجَحَدَ الْمُدَبِّرَ، زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ ولَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْاولَا تَحْقِيقٍ لِمَا (دَعَوْا)...».(1)

وفي الكافي، في مناظرة الإمام الصادق (علیه السلام) مع ابن أبي العوجاء التي رواها ابن أبي العوجاء لأصحابه، قال: فقلت له _ أي للإمام (علیه السلام)_: مَا مَنَعَهُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ ويَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ مِنْهُمُ اثْنَانِ ولِمَ احْتَجَبَ عَنْهُمْ وأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، ولَوْ بَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ. فَقَالَ (علیه السلام) لِي: «وَيْلَكَ، وكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ؛ نُشُوءَكَ ولَمْ تَكُنْ، وكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ، وقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ، وضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ، وسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ، وصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ، ورِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ، وغَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ، وحُزْنَك بَعْدَ فَرَحِكَ، وفَرَحَكَ بَعْدَ حُزْنِكَ، وحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ، وبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ، وعَزْمَكَ بَعْدَ أَنَاتِكَ، وأَنَاتَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ، وشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ، وكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ، ورَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ، ورَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ، ورَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ، ويَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ، وخَاطِرَكَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ، وعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ؟»، وَمَا زَالَ (علیه السلام) يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدْرَتَهُ الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِي الَّتِي لَا أَدْفَعُهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَه.(2)

ثالثاً: فقدان الكمالات

الكمالات التي للإنسان كالبصر والسمع والفهم والإدراك والقدرة والذكاء


1) . نهج البلاغة، الخطبة 185.

2) . الكافي، ج1، ص76، ح2.

والنشاط والشباب والعافية وغيرها إذا كانت عين ذاته فكيف كان فاقداً لها في بعض الأزمنة، وكيف حصل عليها لاحقا بلا اختيار أو قرار منه، ثمّ ما بالها تُسلب منه في النهاية؟

إنّ من فوائد النوم الذي هو أخو الموت(1)هو وجدان الضعفالذاتيّ لهذا الإنسان المغرور، فالنائم في حال نومه يُسلب منه ما عنده من الشعور والعقل والرؤية والسمع والعلم والفهم.

قال تعالى: (وَ مِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُون).(2)

ولمّا لم تكن كمالات الإنسان مملوكة له بالذات يتذكّر مالكه الذي هو أملك منه لما ملّكه، ويلتفت إلى الحاجة المستمرّة إليه ومدى فاقته في كل آن إلى جوده وكرمه، ودوام هذا التذّكر يكون مفتاحاً إلى عروج العبد نحو كماله وهو العبودية، وطريقاً عظيما إلى تحصيل اليقين.

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ».(3)

التفات العبد إلى ضعفه وعجزه وجهله وفقره يدلّه على ربّه الحيّ الغنيّ القادر العالم، وعندئذ لا يصیبه ما يصيب الغافلين من العجب والغرور والحسد والكبر ونظائرها من الآفات، حيث يكون صادقا في التضرّع إلى الله، مفتقرا بكلّه إليه، لا يطلب ما عند ربّه من سواه، إذ يرى الناس كلّهم مثله عبيدا ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فيخلص التذلّل والتواضع أمام الله تعالى ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا.

هذا العبد العارف يرى نفسه أشدّ من مريض وضع الأطباء في فمه انبوب الهواء


1) . عوالي اللآلي، ج4، ص73، ح47؛ عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم). وكان من دعاءه إذا استيقظ: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَ مَا أَمَاتَنِي وإِلَيْهِ النُّشُورُ»؛ الكافي، ج2، ص539، ح16.

2) . سورة الروم (30)، الآية 23.

3) . غرر الحكم، ح301.

الصناعيّ، الذي لو انقطع عنه النفس دقيقة هلك ومات، وكيف يجد اضطراره إلى الجهاز، وكم يوجل من قطع الإرتباط؟!

هنا تلتفت إلى شيء من بديع دعاء الإمام (علیه السلام): «وَ بِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي»(1)فيا إلهي إن انقطع اتصالي وتعلّقي بحبلك بمن ألوذ وأنت الحيّ القيّوم، وكلّ شيء قائم بك فقير إليك.اللّهم لا تكلنا إلى غيرك طرفة عين أبدا ولا أقل من ذلك ولا أكثر، بمحمد وآله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.

الأمر الثاني: دلالة المصنوعات على كمال الصانع

بديهي أنّ مَن يؤلّف كتابا علميّاً دقيقا أو يخترع شيئا متقنا يكون ذا وذاك من آثار علمه وقدرته، والبناء المشيَّد وفق نظام مستحكم على أصول هندسيّة صحيحة دليل على علم من يقف وراءه وعلى قدرته وحكمته، لذلك تجد المخترعين موضع تقدير العقلاء لأنّها تدلهم على كمالاتهم.

من يتفكّر في عجائب الخلقة لا محالة يجدها تهتف بعلم خالقها سبحانه وقدرته، وآية بيّنة على حكمته وسائر صفاته.

عند النظر في صنوف المصنوعات ومختلف أنواعها، والنظم الموجود ولطافة المصنوعات والدقة التي تبهر العقول يستدلّ العاقل بنور عقله على أنّ خالقها وصانعها غير فاقد للعلم والحياة والقدرة والحكمة والغنى..

وفي هذا المجال يلتفت إلى فقر المخلوق وحاجته وضعفه فينتبه إلى خالقها الحميد المجيد، وكلما تعرف على نفسه وغيره تذكّر بربّه.

إذا تنبّه إلى نقصه وفاقته وضعفه وجهله يفيقه إلى التذكر بربه؛ يمرض فيتوجه إلى ربه الشافي، ويضلّ فيتوجه إلى ربه الهادي، يضعف فيتوجه إلى ربه القوي، ويخطأ فيتوجه إلى الغفور الرحيم... فهو يرى بأنّ الرب هو الرافع عن ضعفه،


1) . مصباح المتهجّد، ص590.

فالحمد كلّه لله وحده.

مهج الدعوات، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في الدعاء المعروف باليستشير: «...أَنْتَ الْخَالِقُ وأَنَا الْمَخْلُوقُ، وأَنْتَ الْمَالِكُ وأَنَا الْمَمْلُوكُ، وأَنْتَ الرَّبُّ وأَنَا الْعَبْدُ، وأَنْتَ الرَّازِقُ وأَنَا الْمَرْزُوقُ، وأَنْتَ الْمُعْطِي وأَنَا السَّائِلُ، وأَنْتَ الْجَوَادُ وأَنَا الْبَخِيلُ، وأَنْتَ الْقَوِيُّ وأَنَا الضَّعِيفُ، وأَنْتَ الْعَزِيزُ وأَنَا الذَّلِيلُ، وأَنْتَ الْغَنِيُّ وأَنَا الْفَقِيرُ، وأَنْتَ السَّيِّدُ وأَنَا الْعَبْدُ، وأَنْتَ الْغَافِرُ وأَنَا الْمُسِيءُ، وأَنْتَ الْعَالِمُ وأَنَاالْجَاهِلُ، وأَنْتَ الْحَلِيمُ وأَنَا الْعَجُولُ، وأَنْتَ الرَّحْمَنُ وأَنَا الْمَرْحُومُ، وأَنْتَ الْمُعَافِي وأَنَا الْمُبْتَلَى، وأَنْتَ الْمُجِيبُ وأَنَا الْمُضْطَر...».(1)

ويستدلّ العاقل هنا على سبّوحيّة الله تعالى في كمالاته، فلا يقع تحت البلاغ ولا يوصف، ولا يُكتنه، ولا يمكن معرفة حقيقة علمه وقدرته، وهذا هو الإخراج عن الحدّين: حدّ التعطيل وحدّ التشبيه.

إنّ الآية إنّما ترشد إلى نفي التعطيل، أي عدم جهله سبحانه وعدم عجزه، وأمّا حقيقة علمه فلا يحيط المخلوق ولا يهمن على الخالق، وأنّا له بذلك، فيسبّحهه بحمده، ويقول: الله أكبر من أن يوصف، وسبحانه وبحمده.

كشف الغمّة، عن مولانا الهادي (علیه السلام) في حديث: «وكُلُّ جِسْمٍ مَغْذُوٌّ بِهَذَا إِلَّا الْخَالِقَ الرَّازِقَ، لِأَنَّهُ جَسَّمَ الْأَجْسَامَ وهُوَ لَمْ يُجَسَّمْ ولَمْ يَجُزْ ابْتِنَاؤُهُ ولَمْ يَتَزَايَدْ ولَمْ يَتَنَاقَصْ، مُبَرَّأً مِنْ ذَاتِهِ مَا رُكِّبَ فِي ذَاتِ مَنْ جَسَّمَهُ، الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي (لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) مُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ، وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ، تَبَارَكَ وتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، لَوْ كَانَ كَمَا وَصَفَ لَمْ يُعْرَفِ الرَّبُّ مِنَ الْمَرْبُوبِ ولَا الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ ولَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَأِ، ولَكِنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ، وشَيَّأَ الْأَشْيَاءَ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ يُرَى ولَا يُشْبِهُ شَيْئاً».(2)


1) . مهج الدعوات، ص125.

2) . كشف الغمّة، ج2، ص388.

فالعبد يجد إنّ الصانع تعالى ليس من سنخ المصنوع، وكلّ ما جاز فيها لم يجز فيه، وليس محدوداً بحدّ أو محتاجاً إلى أحد، وهو مبرأ من كلّ نقص وجهل وعجز وحدّ، ولا يقع معلوماً أو مقدوراً أو محاطاً أو محكوماً عليه، فإنّ كل هذه من خصائص المصنوع.

الأمر الثالث: توحيد الصانع

اشارة

إنّ آيات التوحيد في الكون والاستدلال بها على وحدانيّة الصانع لا تحدّ ولا تحصر، فكلّ شيء له آيةٌ تدلّ أنّه واحد، والبراهين على وحدانيته عديدة، نشير إلى بعض منها لترى شدة وضوحها لكل شخص:

أوّلاً: تذكير العقلاء بفطرتهم

قال تعالى: (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى).(1)

وقال تعالى: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُون).(2)

الكافي، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله(عزّ و جّل): (فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) مَا تِلْكَ الْفِطْرَةُ؟ قَالَ: «هِيَ الْإِسْلَامُ، فَطَرَهُمُ الله حِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ قَالَ: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وفِيهِ الْمُؤْمِنُ والْكَافِرُ».(3)

وفي الكافي أيضا، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي قَوْلِ الله(عزّ و جّل): (فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) قَالَ: «فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيد»(4).

لما كانت المعرفة ثابتة في قلب العاقل لا يحتاج إلا إلى التذكير بتلك المعرفة.


1) . سورة إبراهيم (14)، الآية 10.

2) . سورة العنكبوت (29)، الآية 61.

3) . الكافي، ج2، ص12، ح2.

4) . الكافي، ج2، ص13، ح1.

التوحيد، عن الرضا (علیه السلام): «...بِصُنْعِ الله يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وبِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ، وبِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُه...».(1)

وهذه المعرفة تتجلّى في أزمنة مختلفة من حياة الإنسان، منها انقطاع الأسباب والسبل، كما قال تعالى: (فَإِذا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُون).(2)

وقال تعالى: (وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُور).(3)

وفي التوحيد، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) فِي قَوْلِ الله(عزّ و جّل): (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فَقَالَ: «اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَأَلَّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَوَائِجِ والشَّدَائِدِ كُلُّ مَخْلُوقٍ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ مِنْ كُلِّ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وتَقَطُّعِ الْأَسْبَابِ مِنْ جَمِيعِ مَا سِوَاهُ يَقُولُ: بِسْمِ الله، أَيْ أَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِي كُلِّهَا بِاللَّهِ الَّذِي لَا تَحِقُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، الْمُغِيثِ إِذَا اسْتُغِيثَ، والْمُجِيبِ إِذَا دُعِيَ، وهُوَ مَا قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ (علیه السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ الله، دُلَّنِي عَلَى الله مَا هُوَ، فَقَدْ أَكْثَرَ عَلَيَّ الْمُجَادِلُونَ وحَيَّرُونِي. فَقَالَ (علیه السلام) لَهُ: يَا عَبْدَ الله، هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (علیه السلام): فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لَا سَفِينَةَ تُنْجِيكَ ولَا سِبَاحَةَ تُغْنِيكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (علیه السلام): فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَالِكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ الله، الْقَادِرُ عَلَى الْإِنْجَاءِ حَيْثُ لَا مُنْجِيَ، وعَلَى الْإِغَاثَةِ حَيْثُ لَا مُغِيثَ».(4)

والنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأوصياؤه يخاطبون الفطرة، ويسوقون الناس إلى تلك المعرفة


1) . التوحيد، ص35، ح2.

2) . سورة العنكبوت (29)، الآية 65.

3) . سورة لقمان (31)، الآية 32.

4) . التوحيد، ص230 _ 231، ح5.

الموجودة في مكنونهم لتصدّقهم فطرتهم ويشهد الربّ على صدق خليفته كما قال تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدَاً بَينِي وَبَيْنَكم وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ)، ويرى العبد ما لم يكابر ربه بقلبه، فهذا التذكير كاف لكي يتنبه إلى ربّه الواحد الاحد الذي يعرفه بتعريف نفسه إيّاه فلا يجهله، ويستأنس به ويطلب قربه ولقاءه ومناجاته.وفي كنز الكراجكي، عن أبي تميمة قال: وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَوَجَدْتُهُ قَاعِداً فِي حَلْقَةٍ فَقُلْتُ: أَيُّكُمْ رَسُولُ الله؟ فَلَا أَدْرِي أَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ الله»، أَوْ أَشَارَ إِلَيَّ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ الله، وإِذَا عَلَيْهِ بُرْدَةٌ حَمْرَاءُ تَتَنَاثَرُ هَدَبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ. فَقُلْتُ: إِلَى مَا تَدْعُو يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَدْعُوكَ إِلَى الَّذِي إِذَا كُنْتَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَأَضْلَلْتَ رَاحِلَتَكَ فَدَعَوْتَهُ أَجَابَكَ، وأَدْعُوكَ إِلَى الَّذِي إِذَا اسْتَنَّتْ أَرْضُكَ أَوْ أَجْدَبَتْ فَدَعَوْتَهُ أَجَابَكَ». قَالَ: فَقُلْتُ: وأَبِيكَ لَنِعْمَ الرَّبُّ هَذَا! فَأَسْلَمْتُ.(1)

ثانيا: انتظام الخلق وتأليف أجزاء العالم

كلّما تأمّل العاقل في اتساق الأشياء ونظم أجزاء هذا العالم كلّما ازداد يقيناً بالله وبوحدانيّته، وهذا لا يحتاج إلى أكثر من النظر في الآيات الكونيّة والتذكّر إليها بواسطة كلام الله تعالى والسفراء الناطقين عنه الذين يوجّهون الناس إلى تلك الآيات.

توحيد المفضّل، عن الإمام الصادق (علیه السلام): «يَا مُفَضَّلُ، أَوَّلُ الْعِبَرِ والدَّلَالَةِ عَلَى الْبَارِي جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ ونَظْمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وخَبَرْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ، والْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ، والنُّجُومُ مُضِيئَةٌ كَالْمَصَابِيحِ، والْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ، وكُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ، والْإِنْسَانُ كَالْمُملَّكِ ذَلِكَ الْبَيْتِ، والْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ، وصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ ومَنَافِعِهِ، فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ


1) . كنز الفوائد، ص212.

وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وحِكْمَةٍ ونِظَامٍ ومُلَائَمَةٍ، وأَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ، وهُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ ونَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ، جَلَّ قُدْسُهُ وتَعَالَى جَدُّهُ وكَرُمَ وَجْهُهُ ولَا إِلَهَ غَيْرُهُ، تَعَالَى عَمَّايَقُولُ الْجَاحِدُونَ، وجَلَّ وعَظُمَ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ الْمُلْحِدُون».(1)

وفي الكافي، عن الصادق (علیه السلام) في جواب أسألة الزنديق: «...فَلَمَّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً والْفَلَكَ جَارِياً والتَّدْبِيرَ وَاحِداً واللَّيْلَ والنَّهَارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ، دَلَّ صِحَّةُ الْأَمْرِ والتَّدْبِيرِ وائْتِلَافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ وَاحِدٌ...».(2)

وفي التوحيد للصدوق، عن هشام بن الحكم قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ (علیه السلام): مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: «اتِّصَالُ التَّدْبِيرِ وتَمَامُ الصُّنْعِ، كَمَا قَالَ(عزّ و جّل): (لَو كَانَ فِيهمَا آلِهَةٌ إلّا الله لَفَسَدَتَا)».(3)

ثالثا: الشراكة تساوق النقص

وجود الشريك في أيّ عمل من الأعمال مشير إلى نقصٍ يريد سدّه بالشراكة، كالإحساس بالضعف والعجز والخوف والجبن والجهل، ولو استغنى عن العون لاستغنى عن الشريك.

تدبّر الآن في شدّة اتقان صنع المصنوعات، ونطقها من غير لسان بعلم خالقها وقدرته وعظمته علماً وقدرة وعظمة فوق وصف الواصفين، فلا يبقى شكّ أنّ الصانع القيوم غنيّ عمّن سواه، وأنّه العزيز الجبّار، ولا يجري عليه ما اجراه على خلقه، ولا طريق للعجز والضعف والنقص والجهل فيه أبداً، ولا يحتاج إلى أحد، فأيّ وجه لوجود الشريك الذي لو كان لدلّ على خلاف ما دلت عليه آثار صنعته من ربوبيّته وعظمته وقدرته وعلمه وغناه.

رابعا: إحاطة القدرة لا تقبل التعدّد

يستدلّ العاقل بما يرى من آثار القدرة في المصنوعات واختلاف ألوانها وأجناسها


1) . توحيد المفضّل، ص46 _ 47؛ وراجع بقيّة الكتاب للمزيد.

2) . الكافي، ج1، ص81، ح5.

3) . التوحيد، ص250، ح2.

وتعدّد أشكالها وإتقان مختلف أصنافها أنّ ربّها وخالقها قادر على كلّ شيء، وكيف يكون له مثل من كان هكذا، وكيف غيره مثله وهو الذي لا يكون مقدورا عليه.

إنّ الله تعالى له «الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، والْغَلَبَةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ،والْقُوَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، والْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»(1)وهذا لا يجتمع مع غلبة غيره كذلك لأن معناه عجزه عن غلبة المثل، وهو عين التناقض، ولا تجتمع الألوهية مع النقص.

خامسا: التسبيح ونفي الشريك

يظهر من خلال التأمل في النقطة السابقة أنّ القول بالشريك ينافي التسبيح، فإنه لابدّ بدلالة العقل من تنزيه الخالق عن كل ما يمكن ان يتصف به المخلوق، والمخلوق عددي يجوز فيه التكثّر والتعدّد، فيمتنع ذلك في الخالق كونه بخلافه، وهو سبحانه واحد لا بعدد، والتسبيح الذي هو تنزيهه عن كلّ نقص، يشمل احتياج غيره إلى غني غيره، فذلك _ لو كان _ فهو نقص فيه.

فمضافاً على استلزام ذلك القول التشبيه _ لأنّ وجود الشريك يعني أنّه شبيهه في الألوهيّة والربوبيّة أو الصانعيّة والخالقيّة، وهو منافٍ لعدم شباهته بالمخلوق مع أنّ إمكان الشباهة من خصائص المخلوق _ فهو منافٍ لألوهيّته وحاجة المخلوق إليه. والإله هو الذي يأله إليه غيره، ويحتاج إليه ما سواه.

ثمّ انظر هل في هذه البراهين الواضحة التي لا تحتاج سوى التنبيه شباهة للقياس المنطقيّ، أمّ أنّها استدلال على ما هو ظاهر للعاقل عند رفع أسباب الغفلة عنه والتذكّر بالفطرة التي فطره الله عليها.

الأمر الرابع: الوجوب العقليّ للطاعة والحرمة العقليّة للمعصية

يعلم جميع العقلاء أن التصرّف في ملك الغير من دون إذن حرام، وكلّ مَن تعدّى وتجاوز على مال أحد كان مستحقّاً للمؤاخذة والذمّ، الحقيقة التي لا تخفى على الطفل المميّز فضلا عن العاقل.


1) . الاحتجاج، ج1، ص58 (احتجاج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يوم الغدير).

ثم بعد التذكر بأنّ جميع ما عند الإنسان من الأشياء الماديةوالمعنوية هي نعم الله انعم بها على عبده، هذه لم تكن عنده ثمّ كانت وهي مسبوقة بالعدم من جهة، وسوف تُقبض منه من جهة أخرى، كحصول الهرم من بعد الشباب والمرض بعد العافية والفقر بعد الغنى والنسيان بعد الحفظ، فيتذكّر أنّ مالك تلك النعم يمنحه إيّاها متى شاء، ويسلبها متى شاء بعد ذلك ينتبه إلى حرمة التصرف في نعمه إلّا إذا أذن له، ومتى أمره بفعل شيء وجب الإمتثال عقلاً وعدم التقصير في ذلك، هذا.

ومن الحقائق الجليّة التي يكشف العقل وجوبها هي مسألة شكر المنعم، فلو أحسن إنسان لآخر لزمه الذمام له، هذا فيما يقدّمه المخلوق الفقير الضعيف، فكيف بالمنعم الحقيقيّ لكلّ النعم.

يظهر بهذا أنّ طاعة الله تعالى وهو المالك المنعِم المنّان على خلقه، واجبة عقلاً، ومعصيته حرام عقلاً، ويستحق العبد عليها العقاب الأليم، فأمره تعالى عباده بطاعته مثل قوله تعالى: {أطِيعُوا اللهَ}(1)

هو تذكير للعباد بهذا الواجب العظيم وإرشاد إلى الحكم الذي تكشفه العقول عند التذكّر.

الأمر الخامس: الحاجة إلى الأنبياء والهداة

يمكن التنبيه على ضرورة المعلّم الإلهيّ من جهات عديدة نذكر بعضها.

ألف: الإنسان مدنيٌّ بالطبع، حياته حياة إجتماعيّة، ولا يمكن الاعتزال والعيش بالوحدة المطلقة، مثل حياة النحل والنمل التي لا تستقيم عموما إلّا بالتجمع وإنْ كان صغيراً، وخلافاً للكثير من الحيوانات التي تقضي عمرها بمفردها. وفي الانسان غريزة حسّ الاستخدام، وتحصيل الأشياء البسيطة من الطعام والشراب إنما يتيسّر بمساهمة ومشاركة الجميع.

ثمّ هذا المجتمع أمر معرّض لمخاطر عديدة منها التفكك ونشوب نيران


1) . سورة آل عمران (3)، الآيتان 32،132؛ سورة محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) (47)، الآية 33؛ سورة التغابن (64)، الآية 12؛ سورة المائدة (5)، الآية 92؛ سورة الأنفال (8)، الآيات 1،20، 46؛ سورة النساء (4)، الآية 59؛ سورة النور (24)، الآية 54؛ سورة المجادلة (58)، الآية 13.

الخلاف وحصول الفوضي والصراع على السلطة والظلم... وسلامته مرهونة بوجود قانون تُضبط به الحدود بين الأفراد وتحفظ لدى رعايته الحقوق ويُدرأ به الفساد.

وأنت ترى أنّه لا يوجد مجتمع صغيراً كان أو كبيراً إلا حكمته القوانين، وما من مؤسّسة أو شركة منتظمة إلا وفيها قانون تسير وفقه الأمور.

هذا في أصل الحاجة للقانون، ثمّ إنّ أكمل القوانين وأتمّها هو الذي يتناغم مع الخِلقة ونظام تكوين البشر، ويتطابق مع فطرتهم وطبيعتهم، حتى يوفّر ويوفي بحاجاتهم المادّيّة والمعنويّة ويعطي كلّ ذي حقّ حقّه.

هذا الأمر لا يتيسّر للبشر، وإنما لرب البشر، فلا أحد أعرف بشؤونهم وما يتعلق به من المسائل التي لا سبيل لهم بإحصاءه من خالقهم والمنعم عليهم والمدبّر لهم؛ (ألَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَطِيفُ الخَبِيرُ).(1)

فهو أعرف بهم من أنفسهم فيما يصلحهم ويفسدهم ومقتضيات طبيعتهم الجسميّة والروحيّة وما يجب عليهم من الأفعال الجوارحية والجوانحيّة، أو يحرم عليهم منها، وهم يعجزون مهما سعوا عن الإلمام بكل أبعاد ما يحتاجون من معرفته، بل يمكن القول أنّهم لم يدركوا الأوليات، ويجهلون مصالحهم ومفاسدهم سواء المادية او المعنويّة، ولذلك تراهم يمشون على أساس التجربة والخطأ؛ يرغّبون في شيء يوما ويحذّرون منه يوما آخر، تُكتب القوانين ثم تنتقض ليكتب غيرها وهكذا.

من هنا كان من الضروري وجود نظام تشريعي متكامل يتجانس ووضع البشر يلاحظ أحوالهم الفرديّة والإجتماعيّة، ولا يسدّ هذه الحاجة إلا الله تعالى، وحيث لم يكن الناس ليوحى إليهم توقّف الأمر على إرسال رسول يوحى إليه يأتيهم بالنظام المتكامل ليسعدوا بتطبيقه في دنياهم وآخرتهم.

ويرشدك إلى ما ذكرنا من ضرورة انسجام الشرع والقانونمع الخِلقة قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرِ النَاسَ عَلَيهَا لَا َتبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ)(2)والفطرة


1) . سورة الملك (67)، الآية 14.

2) . سورة الروم (30)، الآية 30.

أسلوب الخلقة، وهي لا تتغيّر، قال تعالى: (ذَلِكَ الدِينُ) فإنّه لابدّ من تجانس بين الدين وبين خلقة الانسان.(1)

باء: الجهل في الإنسان حقيقة لا ينكرها أحد، ومهما كثر العلم يبقى قليلا في مقابل المجهول، وهناك الكثير من الحقائق التي لا يعرفها أحد من البشر ويأسِوا من معرفتها من عند أنفسهم، فسبيلهم إلى ذلك هو خالقهم فقط.

وبعد توجه الانسان إلى حقّانيّة الخالق الصانع وأقرّ بحكمته وعلمه، وأذعن أنّه خلق الخلق لغرض حكيم، وبعد أن أبصر وجوب إطاعته والارتداع عن نواهيه، وجد نفسه جاهلاً بالغرض الذي خُلق من أجله وكيفيّة تحصيل العلم بذلك الغرض، وبأوامر الصانع ونواهيه ومواضع رضاه وسخطه، ولا يهتدي إلى ذلك إلا برسول من الله يتلو عليه آياته ويعلّمه ويهديه.

جيم: إنّ الناس وإن ولدوا على الفطرة ويحملون معهم المعرفة بالله تعالى بما عرّفهم نفسه، ولكنّهم غافلون عنها وغير متنبهين حتى يأتي رسول عصمه الله مما ابتلى به الخلقمن الغفلة ولم يصبه ما اصابهم ليكون هو الذي يذكّرهم بعد الغفلة ويهديهم بعد الضلالة. أما العقل وحده فإن الدنيا حجبتهم عن استعماله حتى يُبعث الرسول ويثير لهم دفائنه.


1) . من الشبهات التي تلوكها بعض ألسنة المنحرفين أنّ هذا الدين ربما انتفع به عرب شبه الجزيرة العربيّة قبل ألف عام، أمّا هذا الزمن، زمن الطفرة الحضاريّة وتطوّر العلم فكلّ شيء قد تغيّر، من أفكار الناس ونمط حياتهم وطبيعة تعاملهم مع الواقع وغير ذلك. ولهذا أصبحت تعاليم الدين قديمة. هذه الشبهة، والجواب عنها واضح جدّاً، فمهما تغيّر محيط الإنسان، فالإنسان نفسه لم يتغيّر، لا شيء من غرائزه وميولاته وأخلاقيّاته قد زال أو تغيّر، فلا الحسد ولا الغرور ولا الكبر ولا العجب ولا المساوئ الأخلاقيّة قد تحرّر منها أحدٌ من الناس. هذا من جانب، ومن جانب آخر بقاء الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء والدواء والمأوى، وهي على حالها. نعم، الفرق بين الماضي والحاظر هو في الطريقة الّتي تؤمّن تلك الحاجات، فإذا كان الناس يركبون البغال والحمير كوسائل للنقل، فهم اليوم يركبون السيّارة والقطار والطائرة، وإذا كانوا يسكنون الكهوف، فهم اليوم يسكنون ناطحات السحب، فالحاجات نفسها والاختلاف في الوسائل. وهكذا عوامل انحراف الناس وانحطاطهم في الماضي هي ذاتها عوامل الفساد اليوم. فبقيت الحاجة إلى القانون الإلهيّ الذي يهديهم وينظم حياتهم الفرديّة والإجتماعيّة.

دال: الاختلاف بين البشر في مختلف العلوم والمسائل قائم على قدم وساق، خصوصاً في مسألة الاعتقاد، وأنّا لهم برفعه والتخلص منه، بل هو في تزايد مستمر.

وإذا لم يكن بين هذه الآراء ما يرفع الاختلاف كان الويل مصيرهم جمیعاً. هنا يأتي دور النبي الذي يختلف امره عن أمر البشر، فإنه يأتي بالعلم والمصباح في ظلماتهم حتى يخلّصهم وينجيهم منها، فلا يوجد دواء لهذه المخمصة إلّا الوحي، لأنّ علوم الأنبياء ليست بشريّة وإنّما إلهية، فهم الذين يستطيعون توحيد الناس على الحقّ، كما قال تعالى: (لِيُبَيّنَ لَهُم الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ).(1)

وقال تعالى: (إنَّ هَذَا القُرآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسْرَائيلَ أكثَرَ الّذِي هُمْ فِيهِ يَختَلِفُونَ).(2)

وقال تعالى: (كَانَ النَاسُ أمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ).(3)

وقال تعالى: (وَمَا أنْزَلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهمُ الّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَىً وَرَحْمَةً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ).(4)

نعم قد يكون الاختلاف في مقام العمل، ولكنّه اختلاف على علم، واختيار الجحود، واتباع الهوى. أو قل: إنّ منشأ الاختلاف تارة هو الجهل وأخرى سوء الاختيار والإعراض عن الحقّ، وهذا الاختلاف الثاني موضع الامتحان ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، فهو يرتبط باختيار العباد، بعد أن عرفوا الحق ولزوم التواضح له، أمّا الاختلاف الأوّل فالبشر في حيرة وعجز عن رفعه، ولولا بعثة الأنبياء يبقى على تلك الحالإلى يوم القيامة.

قال تعالى: (وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً


1) . سورة النحل (16)، الآية 39.

2) . سورة النمل (27)، الآية 76.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 213.

4) . سورة النحل (16)، الآية 64.

بَيْنَهُم).(1)

وقال تعالى: (وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيهِ ومَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلاَّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُم).(2)

علل الشرائع، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ الرُّسُلَ والْأَنْبِيَاءَ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقاً صَانِعاً مُتَعَالِياً عَنَّا وعَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ، وكَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيماً مُتَعَالِياً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ ويُلَامِسُوهُ ويُبَاشِرَهُمْ ويُبَاشِرُوهُ ويُحَاجَّهُمْ ويُحَاجُّوهُ، ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وعِبَادِهِ، ويَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ ومَنَافِعِهِمْ ومَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وفِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ، فَثَبَتَ الْآمِرُونَ والنَّاهُونَ عَنِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ والْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ عزّ وجل وهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، حُكَمَاءُ مُؤَدَّبُونَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثُونَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، مُؤَيَّدِينَ مِنْ عِنْدِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وزَمَانٍ مَا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ والْأَنْبِيَاءُ مِنَ الدَّلَائِلِ والْبَرَاهِينِ لِكَيْلَا تَخْلُوَ أَرْضُ الله مِنْ حُجَّةٍ، يَكُونُ مَعَهُ عِلْمٌ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وجَوَازِ عَدَالَتِه».(3)

الأمر السادس: عصمة الأنبياء

بعد التوجّه إلى حقانية الربّ وإلى علمه وحكمته، وإلى ضرورة إرسال الرسل، وأنّه سبحانه هو الذي يبعث للناس من يعلّمهم ويهديهم ويمنحهم ما يحتاجون من التعليم والتربية وإزالة الغفلة، بسوقهم إلى المعرفة، وإرشادهم إلى المعارف الإلهية،وتوجيههم إلى القانون الربّانيّ لتنظيم معيشتهم وحياتهم..في نفس هذا الإطار يكشف العقل ضرورة أن يكون الهداة والرسل أوّلاً عالمين بما جاؤوا به ثمّ عاملين بما يقولون، وأن يكونوا أفضل نموذج في تطبيق تلك التعاليم السامية، وخلاف ذلك


1) . سورة آل عمران (3)، الآية 19.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 213.

3) . علل الشرائع، ج1، ص146، ح3.

يذهب بثقة العقلاء فيما دعوهم إليه، وحينئذ يمتنعون من اتباعهم والانقياد لهم فينتفي الغرض من إرسال الرسل، وهذا غير معقول لمن عرف الحكمة والتدبير وتعرّف على تنزّه الرب عن العبثيّة والسفه.

فهل يمكن الاعتماد على مشرِّعٍ غير ملتزم بما جاء به، وهل يمكن ان يطهّر الناس من الرذائل من لم يتطهر منها، وهل للغافل أن يخلص الناس من غفلتهم؟ ثم الأمر آكد في التربية والتأديب، إذ العمل هنالك أكثر تأثيرا من القول.

لذلك فإنّ الطاعة إنّما تصحّ إذا كان المعلّم عاملاً بما يعمل ومعصوماً من الخطأ والخطئية.

الخصال، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «وإِنَّمَا أَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ، لَا يَأْمُرُونَ بِمَعْصِيَةِ الله».(1)

الأمر السابع: الحاجة إلى البيّنات

سيرة العقلاء قائمة على أنّ تعيين الأفراد لمناصب معيّنة يقتضي الإتيان بدلالة واضحة يُستدلّ بها. وهذه العلامة تحقّق الحقّ لصاحبه من جانب، وتبطل افتراء المدّعي الكاذب من جانب آخر. ولهذا كان ولا يزال ديدن العقلاء في الدعاوي على طلب البيّنة، وهو أصل عقليّ، هو ضرورة البرهان لمن يدّعي مقاماً.

والأمر كما لا يخفى أشدّ فيما يتعلّق بالنبوة، لأنّها مقام خطير جداً، فاحتاج النبي إلى ما يُستدلّ به على صدقه ويمتازعلى من يدّعيها زوراً، وحتى لا يلقي من يريد اتباع المدّعي في مخاطر الضلالة.

ولا يخفى على العاقل أنّ إمكان إجراء المعجزة وإعطاءها بيد إنسان كاذب ممّا لا يصدر من الحكيم، وظلم عقلا، فالربّ مبرّأ منه، لأنّه يستلزم الإغراء بالجهل ومعه يمتنع التمييز بين المدّعي الكاذب والنبيّ الصادق ولا تكون المعجزة شاهد صدق لنبوة النبيّ وإمامة الوصيّ، وحينئذ لم يمكن بلوغ الغرض الذي خُلق


1) . الخصال، ج1، ص139، ح158.

الإنسان من أجله وبطلت حكمة الخلق.

و التعبير في النصوص عن دلالة النبوّة ب«المعجزة» وإن كان موجودا لكنّه قليل بالنسبة إلى التعبير ب«البيّنة» و«الآية» وذلك لأنّ الناس يطلبون ما يبيّن لهم صدق النبي في دعواه، والمعاجز بيّنات تبيّن الحقّ ولذا تكون الإشارة إلى المعجزة بالبيّنة والآية.

الأمر الثامن: وجوب التسليم للأنبياء

عندما يمرض العاقل بما لا يعرف دواءه يرجع إلى طبيب حاذق أمين، وعندما يجده يسلّم إليه أمره، فهو لا يتجرّع دواءاً بناءاً على هواه وإنّما حسب إرشاد ذلك الطبيب العالِم.

على هذا الأساس، بعد أن ظهر للعبد حكمة الربّ المتعال بدلالة آثار الحكمة في الخلق، وظهور الحاجة إلى الأنبياء، وبعد التعرّف عليهم بواسطة الآيات والبيّنات، بعد ذلك يكشف العقل وجوب التسليم والطاعة لأوامر النبيّ، لأنّ طاعة الرسول هي طاعة المرسِل، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ}(1)لأنّه نصبه وأرسله خليفة عنه، وقد تبيّن لك الوجوب الذاتيّ لطاعة المولى.

في الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «لَوْ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وأَقَامُوا الصَّلَاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ وحَجُّوا الْبَيْتَ وصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ الله تَعَالَى أَوْ صَنَعَهُ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ، أَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ». ثُمَّ تَلَا (علیه السلام) هَذِهِ الْآيَةَ: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَبَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليما)(2). ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «وعَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ».(3)


1) . سورة النساء (4)، الآية 80. وفي الزيارة الجامعة: «مَنْ أَطَاعَكُمْ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، ومَنْ عَصَاكُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّه» من لا يحضره الفقيه، ج2، ص615، ح3212.

2) . سورة النساء (4)، الآية 65.

3) . الكافي، ج1، ص390، ح2؛ ولاحظ: ج2، ص398، ح5.

الأمر التاسع: ضرورة التمييز بين المؤمن والجاحد

إذا كانت بعثة الأنبياء والرسل من قبل الله سبحانه على أساس هداية البشر وإنقاذهم من الجهالة وحيرة الضلالة ولإيقاظهم مما هم فيه من سنة الغفلة، فضلاً منه ورحمة، ولإيصالهم إلى كمالهم بواسطة العبوديّة له تعالى وتحصيل الفضائل، وتحريرهم من عبوديّة غيره ومن جميع الرذائل، وليعرفوا محالّ رضاه وسخطه وأوامره ونواهيه، فإنّه لابدّ حينئذٍ ألاّ تكون نهاية أمر المطيع والعاصي سواء، وإلا كان خلق السماوت والأرض وإرسال الرسل وكلّ أتعابهم وجهودهم عبثاً في عبث، ولغواً، وهذا لا يتناسب مع ما ظهر للعاقل من آثار حكمة الباري المتعال عزّ اسمه.

كلّنا نعلم أنّه لا سواء بين نهاية أمر الطالب المجتهد المجدّ والكسول المتقاعس المقصّر في مسير طلب العلم، وبين العليل الّذي تداوى بإرشاد الطبيب العالم الأمين، والمريض المستنكف المتسهين بالعلاج، وهذه أمثلة ملموسة تدل على أنّ نهاية المحسنين والمسيئين ليست واحدة، وأنّ اتباع الأنبياء الربّانيين والتسليم إليهم في كلّ ما قالوا وفعلوا لابدّ أن يختلف عمّن أخذ سبيل الطغيان والتعدّي على الرسل والاستهزاء والإهمال لما بذلوا مهجهم في تبيينه وأرسلوا من أجله.

هل يصحّ أن یجعل الله المسلمين كالمجرمين، والمؤمنين كالجاحدين؟ هذه النتيجة لا تصدر من تلك المقدّمات التي نبّهنا الله علیها، قال تعالى: (أفَمَنْ كَانَ مُؤمِنَاً كَمَنْ كَانَ فَاسِقَاً لَا يَسْتَوونَ).(1)

الأمر العاشر: الاختيار ونفي الجبر

مَن يحكّم الوجدان لا يشكّ أنّ الله تعالی أقدره وأملكه أفعالاً اختياريّة وأعطاه سلطنة حقيقيّة، لا ظاهريّة فحسب، على الفعل والترك، وهذا من أبده الأمور التي لا تحتاج إلى إقامة دليل غير نفس الوجدان. وتبقى القدرة مع وجود مختلف المتقضيات والدوافع أو الموانع ما لم يصدر الفعل من الفاعل المختار. نشير هاهنا


1) . سورة السجدة (32)، الآية 18.

إلى بعض النقاط تذكيراً لمن أثّرت فيه بعض شبهات الفلاسفة والأشاعرة:

أوّلاً: لو كان العبد مجبوراً في أفعاله الاختيارية، لم يصحّ ما يفعله جميع العقلاء من إسناد تلك الأفعال إلى أنفسهم، كقولك: رأيتُ وسمعتُ وقلتُ وذهبتُ وجئتُ وأكلتُ، فإنّ هذه الأفعال ليست كالأفعال غير الاختياريّة، التي لا ينسبها العاقل إلى فعله، كالولادة مثلا. فمن الفوارق بين الفعلين صحّة الإسناد وعدم صحّته.

ثانياً: لو لم يكن الانسان مختاراً لم يصحّ تكليفه، فلا معنى للأمر والنهي، كأمر الطبيب للمريض أو الأستاذ للطالب، لأن التكليف بغير المقدور قبيحٌ بل سفه، ولا يصدر مثله من عاقل، فهل رأيت والداً يطالب ولده أن يرقى في السماء بإعجاز أو يخرق الأرض كذلك؟

ثالثاً: لو لم تكن هناك قدرة حقيقية لم تصحّ المؤاخذة والمعاقبة على فعل القبيح واللوم عند ترك الامر، وكذا لم يصحّ الشكر والثواب للفعل الحسن.

فإن وجود الفرق بين معاقبة الرجل على طوله او لونه وبين معاقبته على خيانته وظلمه أمر لا يشك فيه عاقل بل لا يخفى على صبيّ. لذلك فالتشكيك في وجود القدرة الحقيقية على الفعل الاختياريّ لأجل بعض الشبهات الفلسفيّة تشكيك في المسلّمات وأن أقاموا علیها ألف برهان وبرهان فلسفيّ.

الأمر الحادي عشر: ضرورة عدم انتهاء الخلق بهذه الدنيا

حياة البشر مشوبة بالمشاكل والشدائد التي لا يكاد ينجو منهاأحد، والغنيّ والفقير، والرجل والمرأة، والقويّ والضعيف، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والرئيس والرعيّة كلّهم معرّضون للمصاعب، وإن اختلفوا شدّةً وضعفاً وقلّة وكثرة، وإذا كانت الحياة تنتهي بالموت فهذا يستلزم محذورين:

الأوّل: يبيت خلق هذا العالم برحبه، ومجيء الانسان إلى الدنيا وتنعّمه بالنعم وإرسال الرسل إليه وإنزال الكتب وبيان التكاليف، وكذا الابتلاءات والامتحانات المختلفة، كلّها تكون خلافاً للحكمة، بل لغوا، غير أنّ العاقل الواقف على آثار

حكمة الله تعالى وتنزّهه عن الظلم والسفه يكشف عقله امتناع ذلك.

الثاني: يكون المؤمن المطيع والكافر العاصي سواسي في النتيجة، ولكن مع ملاحظة حكمته تعالى وعدله لا يمكن ذلك أبدا.

وليس المراد من امتناع المساواة بين المؤمن والفاسق، أنّه إذا لم يدخل الظالم في النار، ولم يُثب الصالح على صلاحه فهو ظلم، بل المقصود أنّ من الظلم مجازاتهما بالمساواة والحكم على كليهما بحكم واحد، كما إذا انعدما بعد إحسان المحسن وطاعته وعصيان العاصي وجحوده، لاسيّما مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ الدنيا ليست محلّ الجزاء.

فإنّه تعالى إذا عفى عن الظالم فبفضله، ويداه مبسطوتان، إنْ عذّب فبعدله، وإنْ عفى فبفضله، وإذا لم يُعط للمحسن لم يظلمه لأنه لا يكون له حقّ على مولاه بأداء الواجب.

أمّا ما وراء هذه الحقائق

اشارة

يبلغ العقل بصاحبه إلى باب بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ، يكشف له وجوب الإصغاء والتعلّم والتسليم له، إن أمره لزمه الطاعة بحكم العقل، وإن لم يدرك معناه وحكمته، كوجوب الصوم والصلاة والحجّ بالكيفية المأمور بها، فهي أمور لا تبلغها العقول بنفسها، ولكن العقل يأمر بالقبول والتسليم،وهذا هو الإيمان.

قال تعالى: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليما).(1)

الاعتقاد وصريح كشف العقول

انظر هل تجد فيما مرّ عليك شيئا من الغموض، أو هل توقفت تلك الحقائق البيّنة على الأقيسة المنطقة أو البراهين الاصطلاحية؟ وإن قلت: إنّ الأقيسة موجودة فيها، فالجواب ما مرّ أن وضع الحقيقة المنكشفة بنور العقل في إطار القياس المنطقي لا


1) . سورة النساء (4)، الآية 65.

يجعله متوقفا عليه كما لو وضعه في لغة معيّنة، فالبرهان هنا هو العقل الصريح الكاشف، وهو ما يوضح الأمر، فمن يرى عجائب الخلقة يتذكّر بصانعها، ولم يقم برهاناً ولم يتوقف عليه أبدا، وأما القياس المنطقي فقوالب وضعوها لأنفسهم.

هذا ما جعلهم یزعمون أن أكثر احتجاجات القرآن والنبي إما جدلية أو خطابية وكلاهما لا يوجب اليقين لأنها غير برهانية، ما ذلك إلّا لغفلتهم عن معنى البرهان، ومن عرف القرآن وعرف نور العقل وعرف النفس، وفوق ذلك عرف الربّ وعرف المعرفة الفطريّة يعلم أن كلام الله أعظم البرهان وأكبر شاهد على صدق الرسول صلى الله عليه وآله وحقانيّة الرسالة، و أنّ كلَ شيء في هذا الوجود هو دليل على صانعه، بلا توقّف على تشكيل قياس كما عرفت.

فالأصول الاعتقاديّة مؤسَّسة على العقل الذي هو نور يكشف الواقع، ويملكه جميع عقلاء العالم ويستفيدونه في تمشية أمورهم وهو أصل الدين الذي لا ينتفع من لا يعرفه ولا يحسن استعماله، وهذا من امتيازات مدرسة القرآن وأهل البيت عليهم السلام حيث أنّها مؤسّسة على الحقائق البيّنة الظاهرة لكلّ عاقل، ولهذا كانت سهلة الوصول لكل الناس حتى تتم الحجة ويصح التكليف والامتحان، قال سبحانه: (قُلْ ماأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفين)(1). وكيف لا تكون كذلك وجميع الناس مكلّفون بالواقع وليس خصوص النوابغ، لذلك لزم أن تكون واضحة لجميعهم حتى يتيسّر الالتزام والاعتقاد، أما إذا كان الوصول إلى الحقيقة مرهونا بالإحاطة بحكمة الملّا صدرا أو فلسفة بن سينا أو إشراقات السهروردي أو آراء أفلاطون أو قياسات أرسطو لم يكن ليبلغها إلا هم وحزبهم علی ما عندهم من إختلافات.

وأنّ الدين الّذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله من عند ربّه تعالى ليس شيئاً يُحمّل كما هو شأن النظريات في الفلسفة ولا یحتاج إلی مؤونة في الوصول إلى أصوله كما هو حال مكاشفات الصوفيّة، وقد تنبهت إلى سهولة الوصول إليها


1) . سورة ص (38)، الآية 86.

وفي ذات الوقت إلى شدّة استحكامها، ولهذا لا يحتاج النبيّ صلى الله عليه وآله أيضا إلى منّة من أحد في قبولهم لرسالته حتّى يعدّوه أجراً لتكلّفه، فإذا لم يكن الدين فطريّاً لكان يتكلّف فيكون اتباعهم له تنزّلاً وإن لم يدركوا حقانيته.

إن قلت: إذا كان وجود الصانع الخالق من أبده البديهيّات، كيف لا يلتزم به المادّي والدهريّ؟

قلت: إنّ المتمادي يعترف بحقيقة توقّف المصنوع على صانعه، بدليل أنّك إذا قلت له: أن بناءاً معيّناً قد بُني من دون وجود الباني فسوف يسخر منك ویستهزأ بك، وهو لا يلتفت أنّه يقول الشيء نفسه عن خالق السماوات، فإذا قلت له ذلك رجع إلى إنكاره.

والمراد من كونها من أبده البديهيّات إدراك جميع العقلاء لها، وليس بالضرورة إقرارهم جميعا، فما أكثر ما يفهمه الناس وينكرونه لسبب ما. قال تعالى: (وَ جَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا).(1)وقال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ).(2)

الآيات القرآنيّة والتنبيه على المعارف الاعتقاديّة

ولهذه الجهة كانت إحدى أساليب القرآن الراقية إلى إيصال العباد إلى الحقائق السامية التي يجدها العبد بنور عقله هو التذكير الموجود في جمیع سوره، وكثيرا ما على نحو الاستفهام الإنكاريّ، كما قال بالنسبة إلى شأن العلم: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ والَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْباب)(3)وإلى امتياز مَن يعرف الحقيقة عمّن يجهلها: (أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْباب).(4)

ومضافة إلى أنّ الإستفهام الإنكاريّ يدلّ على وضوح الحقيقة وعدم خفاءها،


1) . سورة النمل (27)، الآية 14.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 89.

3) . سورة الزمر (39)، الآية 9.

4) . سورة الرعد (13)، الآية 19.

فهو أيضا يمتاز عن إيقاع المعنى المباشر أنّ له أثراً خاصّا في النفس، لأنّ الانسان قد تنتابه العزّة فيعمد إلى المواجهة فلا يتذكّر، فإذا قيل للغافل: لا تشكّ في الله، لربّما منعته نفسه من الإفاقة، أمّا الغافل لكلام الله فيتسائل في نفسه عند تلاوة هذه الآيات ليجد الحقيقة عياناً ليس فيها خفاء.

قال سبحانه في مسألة إثبات الصانع: (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والْأَرْض)(1)وقال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُون)(2)وقال: (أفرأيتُم مَا تُمنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُون)(3)وقال: (هَلْ مِنْ خَالقٍ غَيرُ الله).(4)

وقال في مسألة كمالات الصانع: (أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطيفُ الْخَبير)(5)وقال: (أ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت وإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَت وإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَت وإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرْ).(6)وقال في مسألة التوحيد: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون أَمَّنْ يُجيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ الله قَليلاً ما تَذَكَّرُون أَمَّنْ يَهْديكُمْ في ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ ومَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ الله تَعالَى الله عَمَّا يُشْرِكُون أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ الله قُلْ


1) . سورة إبراهيم (14)، الآية 10.

2) . سورة الطور (52)، الآية 35.

3) . سورة الواقعة (56)، 59 _ 58.

4) . سورة فاطر (35)، الآية 3.

5) . سورة الملك (67)، الآية 14.

6) . سورة الغاشية (88)، الآيات17 _ 21؛ قوله تعالى: {فذكّر} شاهد على معرفة الله لا تحتاج إلى أكثر من التذكير، وهذه الآيات في مقام بيان طريقة خلقة المخلوقات التي فيها آثار الصنع وكمالات الصانع لمن تدبّر.

هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين).(1)

وقال: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ والْأَرْضِ قُلِ الله قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى والْبَصيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّار).(2)

وقال: (ضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون).(3)

وقال: (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْواحِدُ الْقَهَّار).(4)

ثمّ بالنسبة إلى مسألة لزوم الإطاعة وحرمة المعصية على أساس كون النعم من الله تعالى مالك الملك يذكّر الربّ تعالى بذلك وقال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ والَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً والسَّماءَ بِناءً وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْداداً وأَنْتُمْ تَعْلَمُون).(5)

وقال: (أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُون أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون إِنَّا لَمُغْرَمُون بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون * أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذي تَشْرَبُون أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُون لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُون أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتي تُورُون أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُننَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعاً لِلْمُقْوين فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ).(6)


1) . سورة النمل (27)، الآيات 60 _ 64.

2) . سورة الرعد (13)، الآية 16.

3) . سورة الزمر (39)، الآية 29.

4) . سورة يوسف (12)، الآية 39.

5) . سورة البقرة (2)، الآيتان 21 _ 22.

6) . سورة الواقعة (56)، الآيات 63 _ 74.

وفي مسألة هداية الخلق وبعثة الأنبياء (علیهم السلام) ونصب الحجج والهداة: (ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ وَلِسَانَاً وَشَفَتَينِ وَهَدَينَاهُ النَجْدَينَ).(1)

وقال: (إنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى وَإنّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى فَأنْذَرْتُكُم نَارَاً تَلَظَّى).(2)

وقال: (قُل هَلْ يَسْتَوي الأعْمَى وَالبَصِيرِ أمْ هَلْ تَسْتَوي الظُلُمَاتُ وَالنُور).(3)

وقال: (ألر كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إلَيكَ لِتُخْرِجَ النَاسَ مِنَ الظُلُمَاتِ إلى النُورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العَزيزِ الحَمِيدِ).(4)

وقال: (وَمَا اخْتَلَفْتُم فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ ذَلِكُم اللهُ رَبِّي عَلَيهِ تَوَكّلتُ وَإليهِ أنِيبُ).(5)

وقال: (وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحقِّ لِيَحْكُمَ بَين الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ).(6)

وقال: (وَمَا أنْزَلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ إلّا لِتُبيّنَ لَهم الّذي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَىً وَرَحْمَةً لِقومٍ يُؤمِنُونَ).(7)

وقال: (وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم).(8)

وقال: (وَ إِنَّكَ لَتَهْدي إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم).(9)

وقال: (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر).(10)

وقال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعيدِ).(11)


1) . سورة البلد (90)، الآيات 8 _ 10.

2) . سورة الليل (92)، الآيات 12 _ 14.

3) . سورة الرعد (13)، الآية 16.

4) . سورة إبراهيم (14)، الآية 1.

5) . سورة الشورى (42)، الآية 10.

6) . سورة البقرة (2)، الآية 213.

7) . سورة النحل (16)، الآية 64.

8) . سورة المؤمنون (23)، الآية 73.

9) . سورة الشورى (42)، الآية 52.

10) . سورة الغاشية (88)، الآية 21.

11) . سورة ق (50)، الآية 45.

وفي مسألة علم القائد الربّانيّ: (أَ فَمَنْ يَهْدي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون).(1)

وقال: (وَ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ ومَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وهُوَ عَلىصِراطٍ مُسْتَقيم).(2)

وفي لزوم المعاجز للحجج وعدم إمكان جريانها على يد الكاذب: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْميزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط).(3)

وقال: (وَ آتَيْنا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ).(4)

وقال: (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ الله لَكُمْ آيَة).(5)

وقال: (قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِه).(6)

وقال تعالى في ضرورة التسليم للحجّة: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).(7)

وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ).(8)

وقال: (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(9)

وقال: (وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).(10)


1) . سورة يونس (10)، الآية 35.

2) . سورة النحل (16)، الآية 76.

3) . سورة الحديد (57)، الآية 25.

4) . سورة البقرة (2)، الآية 87.

5) . سورة الأعراف (7)، الآية 73.

6) . سورة الأنعام (6)، الآية 57؛ ولاحظ «بيّنة» و«آية» واشتقاقاتها في القرآن الكريم.

7) . سورة آل عمران (3)، الآية 31.

8) . سورة النساء (4)، الآية 80.

9) . سورة الحشر (59)، الآية 7.

10) . سورة النجم (53)، الآيتان 3 _ 4.

وقال: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليما).(1)

وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْليما).(2)

وقال: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللَّهَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم).(3)

وقال: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ).(4)وفي مسألة عدم تساوي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي: (وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى والْبَصيرُ والَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ولاَ الْمُسيءُ قَليلاً ما تَتَذَكَّرُون).(5)

وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُون).(6)

وقال: (الَّذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ الله ويَبْغُونَها عِوَجاً وهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُون أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزينَ فِي الْأَرْضِ وما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ أُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُون لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فيها خالِدُون مَثَلُ الْفَريقَيْنِ كَالْأَعْمى والْأَصَمِّ والْبَصيرِ والسَّميعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ).(7)

وقال: (أَ فَمَنْ يَمْشي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقيم).(8)

وفي مسألة الإختيار والقدرة في الأفعال الصادرة من الانسان: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ


1) . سورة النساء (4)، الآية 65.

2) . سورة الأحزاب (33)، الآية 56.

3) . سورة النساء (4)، الآية 59.

4) . سورة البقرة (2)، الآية 143.

5) . سورة غافر (40)، الآية 58.

6) . سورة الجاثية (45)، الآية 21.

7) . سورة هود (11)، الآيات 19 _ 24.

8) . سورة الملك (67)، الآية 22.

عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).(1)

وقال: (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلا).(2)

وقال: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقيم).(3)

وقال: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُورا).(4)

وفي رجوع حقّانيّة المعاد إلى الحكمة: (أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُون).(5)

وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُواالصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُون).(6)

وفي عدم تساوي عبادة المؤمنين وغيرهم، والمطيعين وغيرهم: (وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار أَمْ نَجْعَلُ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجَّار).(7)

وقال: (إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعيم أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ).(8)

وينبغي الإلتفات أنّه سبحانه ذكّر بضرورة المعاد في كتابه العزيز في جهتين: الحكمة والعدل. فأمّا العدل، فلقبح التساوي في الحكم بين المحسن والمسيء، وأما الحكمة لأن خلافه عبث، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنَّكُمْ


1) . سورة الأنفال (8)، الآية 42.

2) . سورة الإنسان (76)، الآية 29؛ سورة المزمل (73)، الآية 19.

3) . سورة التكوير (81)، الآية 28.

4) . سورة الإنسان (76)، الآية 3.

5) . سورة المؤمنون (23)، الآية 115.

6) . سورة الجاثية (45)، الآية 21.

7) . سورة ص (38)، الآية 28.

8) . سورة القلم (68)، الآية 34 _ 36.

إِلَيْنا لا تُرْجَعُون).(1)

وقال تعالى: (أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدى).(2)

فإنّ الحكمة تقتضي أن لا يُهمل المخلوق الّذي خُلق لغرض حكيم، وإذا مات وانتهى انتفت الحكمة أيضاً. ثمّ إذا لزم المعاد لم يجز أن يتساوى المؤمن والكافر.

ولتقريب المعنى لاقتضاء الحكمة للمعاد نقول: لو بُنيت مدرسة بُذلت فيها الأموال ونُقّحت موادّه الدراسيّة ثمّ ترك الطالب وشأنه ليعبث ويلهو ويلعب، ألّا يكون ذلك منافياً للهدف المنشود؟

إنّ الله تعالى خلق الكون بما فيه من عجائب لا تُحصى ودقائق لا تُحصر ولا تُحدّ، هل فعل كلّ ذلك حتّى يأكل الانسان ويشرب كالبهيمة المربوطة همّها علفها وشغلها تقمّمها؟ لا يمكن المصير إلى ذلك أبدا.

نشير بعد هذا إلى أمرين:

الأمر الأوّل: تقتصر الاستضاءة بنور العقل في باب الاعتقادات على الأصول الاعتقاديّة، وأمّا التفاصيلوخصوصيّات المسائل فلا يمكن جعل العقل طريقاً لها بدون تعليم العلماء الإلهيين، إذ ليس له فيها نصيب إلا بواسطة التعلّم من الوحي. فحينئذٍ تكون الحاجة إلى الحجج الطاهرين من الأنبياء وأوصيائهم في مسألة الاعتقادات من جهتين:

الجهة الأولى: بالنسبة إلى المسائل المكشوفة بالعقل يحتاجون إليهم للتذكير.

والجهة الثانية: بالنسبة إلى المسائل غير المكشوفة بنور العقل فيحتاجون إليهم للتعليم والتذكير معاً.

بالإضافة إلى أنّ كثيراً من مصاديق القسم الأوّل (مثل: مصداق الظلم والعدل) لا تنكشف بنور العقل فاحتيج فيه أيضاً إلى التعليم.

وبكلّ هذا يُعلم شدّة الحاجة إلى الحجج الظاهرة في باب الاعتقاد.


1) . سورة المؤمنون (23)، الآية 115.

2) . سورة القيامة (75)، الآية 36.

الأمر الثاني: أكثر الناس لا يفهمون المباحث الفلسفيّة الغامضة، بدءاً من مبحث الوجود، وأنّه هل هو وجود واحد والكثرات ظلاله، أو هي وجودات متباينة، أو وحدة الوجود والموجود، والكلام في أصالة أيّ من المفاهيم المذكورة عندهم...

وسوف تطّلع على ما قاله بعض فقهاء أصحاب الأئمّة (علیهم السلام) عند عرضهم دينهم، ولم يتعرّض أحدهم إلى المسائل الفلسفيّة، فهل يقال مثلا أنّ ابن سينا كان أعلم من السيّد عبد العظيم الحسنيّ الّذي تتلمذ على يد أربعة من الأئمّة وقال عنه الإمام المعصوم (علیه السلام): «أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقّاً»(1)وقال له أيضاً بعد أن عرض عليه دينه: «هَذَا واللَّهِ دِينُ الله الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَاثْبُتْ عَلَيْهِ، ثَبَّتَكَ الله بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرَةِ».(2)

العقيدة حسب تقرير المعصومين صلوات الله عليهم

اشارة

فيما يلي بعض كلمات كبار رجال التشيّع وتلامذة مدرسة أهلالبيت (علیهم السلام) في عرضهم لمعتقداتهم على الأئمّة المعصومين (علیهم السلام)، والغرض من نقلها التذكير بأنّ ملاك الإيمان عند اتباع مدرسة اهل البيت (علیهم السلام) هو تلك الحقائق المنكشفة للعقلاء ببركة كشف العقل والتي لا تتوقف على تكلّف الرأي وتشكيل النظريّات والأقيسة، أمّا الحقائق غير العقلية التي يجب الاعتقاد بها فهي مترتّبة على معرفة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ومعرفة لزوم الانقياد لأوامره كالاعتقاد بالصراط والميزان التي ليست حقائق يكشفها العقل.

حديث منصور بن حازم

الكافي، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام): إِنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وأَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ بِخَلْقِهِ بَلِ الْخَلْقُ يُعْرَفُونَ بِاللَّهِ. قَالَ (علیه السلام): «صَدَقْتَ». قُلْتُ: إِنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّ لَهُ رَبّاً فَيَنْبَغِي لَه أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ لِذَلِكَ الرَّبِّ رِضًا وسَخَطاً، وأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ رِضَاهُ


1) . التوحيد، ص81، ح37.

2) . التوحيد، ص82.

وسَخَطُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ أَوْ رَسُولٍ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ الْوَحْيُ فَقَدْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الرُّسُلَ، فَإِذَا لَقِيَهُمْ عَرَفَ أَنَّهُمُ الْحُجَّةُ وأَنَّ لَهُمُ الطَّاعَةَ الْمُفْتَرَضَةَ. وقُلْتُ لِلنَّاسِ: تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كَانَ هُوَ الْحُجَّةَ مِنَ الله عَلَى خَلْقِهِ؟ قَالُوا: بَلَى. قُلْتُ: فَحِينَ مَضَى رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مَنْ كَانَ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ؟ فَقَالُوا: الْقُرْآنُ. فَنَظَرْتُ فِي الْقُرْآنِ فَإِذَا هُوَ يُخَاصِمُ بِهِ الْمُرْجِئُ والْقَدَرِيُّ والزِّنْدِيقُ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى يَغْلِبَ الرِّجَالَ بِخُصُومَتِهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا بِقَيِّمٍ، فَمَا قَالَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ كَانَ حَقّاً، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ قَيِّمُ الْقُرْآنِ؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَسْعُودٍ، قَدْ كَانَ يَعْلَمُ، وعُمَرُ يَعْلَمُ، وحُذَيْفَةُ يَعْلَمُ. قُلْتُ: كُلَّهُ؟ قَالُوا: لَا. فَلَمْ أَجِدْ أَحَداً يُقَالُ إِنَّهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا عَلِيّاً (علیه السلام) وإِذَا كَانَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَقَالَ هَذَا: لَا أَدْرِي، وقَالَ هَذَا: لَا أَدْرِي، وقَالَ هَذَا: لَا أَدْرِي، وقَالَ هَذَا (علیه السلام): أَنَا أَدْرِي. فَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً (علیه السلام) كَانَ قَيِّمَ الْقُرْآنِ، وكَانَتْ طَاعَتُهُ مُفْتَرَضَةً، وكَانَ الْحُجَّةَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأَنَّ مَا قَالَ فِيالْقُرْآنِ فَهُوَ حَقٌّ. فَقَالَ (علیه السلام): «رَحِمَكَ اللَّهُ».(1)

حديث عبد العظيم الحسني

التوحيد، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ الله الْحَسَنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) فَلَمَّا بَصُرَ بِي قَالَ لِي: «مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقّاً»، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي، فَإِنْ كَانَ مَرْضِيّاً أَثْبُتُ عَلَيْهِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ(عزّ و جّل) فَقَالَ (علیه السلام): «هَاتِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ». فَقُلْتُ: إِنِّي أَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَارِجٌ عَنِ الْحَدَّيْنِ؛ حَدِّ الْإِبْطَالِ وحَدِّ التَّشْبِيهِ، وإِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولَا صُورَةٍ ولَا عَرَضٍ ولَا جَوْهَرٍ، بَلْ هُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ ومُصَوِّرُ الصُّوَرِ وخَالِقُ الْأَعْرَاضِ والْجَوَاهِرِ، ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَالِكُهُ وجَاعِلُهُ ومُحْدِثُهُ، وإِنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وأَقُولُ إِنَّ


1) . الكافي، ج1، ص168 _ 169، ح2.

الْإِمَامَ والْخَلِيفَةَ ووَلِيَّ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ الْحَسَنُ ثُمَّ الْحُسَيْنُ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ؛ فَقَال (علیه السلام): «ومِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ ابْنِي، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ؟»، قَالَ: فَقُلْتُ: وكَيْفَ ذَاكَ يَا مَوْلَايَ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ لَا يُرَى شَخْصُهُ ولَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ، حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأَ الْأَرْضَ قِسْطاً وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً». قَالَ: فَقُلْتُ: أَقْرَرْتُ. وأَقُولُ: إِنَّ وَلِيَّهُمْ وَلِيُّ الله وعَدُوَّهُمْ عَدُوُّ الله وطَاعَتَهُمْ طَاعَةُ الله ومَعْصِيَتَهُمْ مَعْصِيَةُ الله، وأَقُولُ: إِنَّ الْمِعْرَاجَ حَقٌّ، والْمُسَاءَلَةَ فِي الْقَبْرِ حَقٌّ، وإِنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وإِنَّ النَّارَ حَقٌّ، والصِّرَاطَ حَقٌّ، والْمِيزَانَ حَقٌّ، وأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وأَقُولُ: إِنَّالْفَرَائِضَ الْوَاجِبَةَ بَعْدَ الْوَلَايَةِ الصَّلَاةُ والزَّكَاةُ والصَّوْمُ والْحَجُّ والْجِهَادُ والْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام): «يَا أَبَا الْقَاسِمِ، هَذَا واللَّهِ دِينُ الله الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَاثْبُتْ عَلَيْهِ، ثَبَّتَكَ الله بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرَةِ».(1)

حديث حمران بن أعين

معاني الأخبار، ٍ عَنْ حَمْزَةَ ومُحَمَّدٍ ابْنَيْ حُمْرَانَ قَالا: اجْتَمَعْنَا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَجِلَّةِ مَوَالِيهِ، وفِينَا حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ، فَخُضْنَا فِي الْمُنَاظَرَةِ وحُمْرَانُ سَاكِتٌ. فَقَالَ لَه أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ يَا حُمْرَانُ؟»، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ تَكُونُ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي الْكَلَامِ فَتَكَلَّمْ». فَقَالَ حُمْرَانُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً ولَا وَلَداً، خَارِجٌ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وحَدِّ التَّشْبِيهِ، وأَنَّ الْحَقَّ الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَا جَبْرَ ولَا تَفْوِيضَ، وأَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وأَشْهَدُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ، وأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً (علیه السلام) حُجَّةُ الله عَلَى خَلْقِهِ، لَا


1) . التوحيد، ص81 _ 82، ح37.

يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ، وأَنَّ حَسَناً (علیه السلام) بَعْدَهُ، وأَنَّ الْحُسَيْنَ عليه السلام مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (علیهما السلام)، ثُمَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عليه السلام ، ثُمَّ أَنْتَ يَا سَيِّدِي مِنْ بَعْدِهِمْ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «التُّرُّ تُرُّ حُمْرَانَ». ثُمَّ قَالَ: «يَا حُمْرَانُ، مُدَّ الْمِطْمَرَ بَيْنَكَ وبَيْنَ الْعَالِمِ». قُلْتُ: يَا سَيِّدِي، ومَا الْمِطْمَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ خَيْطَ الْبَنَّاءِ، فَمَنْ خَالَفَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ». فَقَالَ حُمْرَانُ: وإِنْ كَانَ عَلَوِيّاً فَاطِمِيّاً؟ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ الله (علیه السلام): «وإِنْ كَانَ مُحَمَّدِيّاً عَلَوِيّاً فَاطِمِيّاً».(1)

حديث عمرو بن حريث

الكافي، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) وهُوَ فِي مَنْزِلِ أَخِيهِ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا حَوَّلَكَ إِلَى هَذَا الْمَنْزِلِ؟ قَالَ: «طَلَبُ النُّزْهَةِ». فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَلاَ أَقُصُّ عَلَيْكَ دِينِي؟ فَقَالَ: «بَلَى». قُلْتُ: أَدِينُ اللَّهَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وحِجِّ الْبَيْتِ، والْوَلَايَةِ لِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والْوَلَايَةِ لِلْحَسَنِ والْحُسَيْنِ والْوَلَايَةِ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ والْوَلَايَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ولَكَ مِنْ بَعْدِهِ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وأَنَّكُمْ أَئِمَّتِي، عَلَيْهِ أَحْيَا وعَلَيْهِ أَمُوتُ، وأَدِينُ اللَّهَ بِهِ. فَقَالَ (علیه السلام): «يَا عَمْرُو، هَذَا واللَّهِ دِينُ الله ودِينُ آبَائِيَ الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ فِي السِّرِّ والْعَلَانِيَةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ وكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، ولَا تَقُلْ: إِنِّي هَدَيْتُ نَفْسِي، بَلِ الله هَدَاكَ، فَأَدِّ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ الله(عزّ و جّل) بِهِ عَلَيْكَ، ولَا تَكُنْ مِمَّنْ إِذَا أَقْبَلَ طُعِنَ فِي عَيْنِهِ وإِذَا أَدْبَرَ طُعِنَ فِي قَفَاهُ، ولَا تَحْمِلِ النَّاسَ عَلَى كَاهِلِكَ، فَإِنَّكَ أَوْشَكَ إِنْ حَمَلْتَ النَّاسَ عَلَى كَاهِلِكَ أَنْ يُصَدِّعُوا شَعَبَ كَاهِلِكَ».(2)


1) . معاني الأخبار، ص212 _ 213، ح1.

2) . الكافي، ج2، ص23، ح14؛ قال المجلسيّ: في القاموس: الكاهل _ كصاحب _ الحارك أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى وفيه ست فقر، أو ما بين الكتفين أو موصل العنق في الصلب. وقال: «الصدع» الشقّ في شيء صلب وقال: «الشَعَب» بالتحريك: بعد ما بين المنكبين.

حديث خالد البجليّ

رجال الكشّي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْجَمَّالِ، قَالَ: دَخَلَ خَالِدٌ الْبَجَلِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) وأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَصِفَ لَكَ دِينِيَ الَّذِيأَدِينُ اللَّهَ بِهِ! وقَدْ قَالَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ فَقَالَ (علیه السلام) لَهُ: «سَلْنِي، فَوَ الله لَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا حَدَّثْتُكَ بِهِ عَلَى حَدِّهِ لَا أَكْتُمُكَ». قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أَبْدَأُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، لَيْسَ إِلَهٌ غَيْرَهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «كَذَلِكَ رَبُّنَا، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ»، ثُمَّ قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «كَذَلِكَ مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُ الله، مُقِرٌّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ورَسُولُهُ إِلَى خَلْقِهِ». ثُمَّ قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً (علیه السلام) كَانَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْعِبَادِ مِثْلُ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى النَّاسِ. قَالَ (علیه السلام): «كَذَلِكَ كَانَ (علیه السلام)». قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ عَلِيٍّ (علیهما السلام) مِنَ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْخَلْقِ مِثْلُ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ وعَلِيٍّ (علیهما السلام). فَقَالَ: «كَذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ». قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ لِلْحُسَيْنِ مِنَ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْخَلْقِ بَعْدَ الْحَسَنِ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ وعَلِيٍّ والْحَسَنِ (علیه السلام) قَالَ: «فَكَذَلِكَ كَانَ الْحُسَيْنُ». قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كَمَا كَانَ لِلْحُسَيْنِ (علیه السلام)، قَالَ: فَقَالَ: «كَذَلِكَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ». قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْخَلْقِ مِثْلُ مَا كَانَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. قَالَ: فَقَالَ: «كَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ». قَالَ: وأَشْهَدُ أَنَّكَ أَوْرَثَكَ الله ذَلِكَ كُلَّهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «حَسْبُكَ، اسْكُتِ الْآنَ، فَقَدْ قُلْتَ حَقّاً». فَسَكَتَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): «مَا بَعَثَ الله نَبِيّاً لَهُ عَقِبٌ وذُرِّيَّةٌ إِلَّا أَجْرَى لِآخِرِهِمْ مِثْلَ مَا أَجْرَى لِأَوَّلِهِمْ، وإِنَّا لحق نَحْنُ ذُرِّيَّةُ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَجْرَى لِآخِرِنَا مِثْلَ مَا أَجْرَى لِأَوَّلِنَا، ونَحْنُ عَلَى مِنْهَاجِ نَبِيِّنَا (صلی الله علیه و آله و سلم) لَنَا مِثْلُ مَا لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ».(1)


1) . رجال الكشي، ص422.

حديث يوسف بن ثابت

رجال الكشّي، عَنْ يُوسُفَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام): أَصِفُ لَكَ دِينِيَ الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ، فَإِنْ أَكُنْ عَلَى حَقٍّ فَثَبِّتْنِي وإِنْ كُنْتُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَرُدَّنِي إِلَى الْحَقِّ، قَالَ (علیه السلام): «هَاتِ». قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأَنَّ عَلِيّاً كَانَ إِمَامِي، وأَنَّ الْحَسَنَ كَانَ إِمَامِي، وأَنَّ الْحُسَيْنَ كَانَ إِمَامِي، وأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ إِمَامِي، وأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ إِمَامِي، وأَنْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ عَلَى مِنْهَاجِ آبَائِكَ. قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ مِرَاراً: «رَحِمَكَ اللَّهُ». ثُمَّ قَالَ: «هَذَا واللَّهِ دِينُ الله ودِينُ مَلَائِكَتِهِ ودِينِي ودِينُ آبَائِيَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الله غَيْرَهُ».(1)

حديث الحسن بن زياد

رجال الكشّي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ دِينِي، وإِنْ كُنْتُ فِي حَسَنَاتِي مِمَّنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ هَذَا(2). قَالَ (علیه السلام): «فَآتِهِ». قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَقَالَ (علیه السلام): «لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ، وأَنَّ عَلِيّاً إِمَامِي، فَرَضَ الله طَاعَتَهُ، مَنْ عَرَفَهُ كَانَ مُؤْمِناً ومَنْ جَهِلَهُ كَانَ ضَالّاً، ومَنْ رَدَّ عَلَيْهِ كَانَ كَافِراً»، ثُمَّ وَصَفْتُ الْأَئِمَّةَ (علیهم السلام) حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ (علیه السلام)، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تُرِيدُ؟ أَتُرِيدُ أَنْ أَتَوَلَّاكَ عَلَى هَذَا؟ فَإِنِّي أَتَوَلَّاكَ عَلَى هَذَا».(3)


1) . رجال الكشي، ص423، ح797.

2) . قال في بحارالأنوار: «وإن كنت في حسناتي» أي: بسبب أفعالي الحسنة ومتابعتي إياكم فيها، واطمئناني بها محسوباً ممن فرغ من تصحيح أصول عقائده وفرغ منها، والظاهر أنّه كان «حُسباني» أي: ظنّي. انتهى. أقول: وفي المصدر المطبوع: «حسابي».

3) رجال الكشي، ص424، ح798.

حديث أبي الجارود

الكافي، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ الله، هَلْ تَعْرِفُ مَوَدَّتِي لَكُمْ وانْقِطَاعِي إِلَيْكُمْ ومُوَالاتِي إِيَّاكُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ (علیه السلام): «نَعَمْ»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةً تُجِيبُنِي فِيهَا، فَإِنِّي مَكْفُوفُ الْبَصَرِ، قَلِيلُ الْمَشْيِ ولَا أَسْتَطِيعُ زِيَارَتَكُمْ كُلَّ حِينٍ. قَالَ (علیه السلام): «هَاتِ حَاجَتَكَ». قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِدِينِكَ الَّذِي تَدِينُ اللَّهَ(عزّ و جّل) بِهِ أَنْتَ وأَهْلُ بَيْتِكَ لِأَدِينَ اللَّهَ(عزّ و جّل) بِهِ. قَالَ (علیه السلام): «إِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ فَقَدْ أَعْظَمْتَ الْمَسْأَلَةَ، واللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ دِينِي ودِينَ آبَائِيَ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ(عزّ و جّل) بِهِ؛ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) رَسُولُ الله، والْإِقْرَارَ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله، والْوَلَايَةَ لِوَلِيِّنَا، والْبَرَاءَةَ مِنْ عَدُوِّنَا، والتَّسْلِيمَ لِأَمْرِنَا، وانْتِظَارَ قَائِمِنَا، والِاجْتِهَادَ والْوَرَعَ».(1)

وقفة مع الملاّ صدرا

مرّ أنّ من المآخذ على المنهج الفلسفيّ في العقل ذهابه إلى التكامل الذاتيّ حيث هو من شؤون النفس، وتسير من الاستعداد إلى الفعليّة، حتى يتحد العقل مع العقل الفعّال، أمّا العقل الذي أرشد إليه الوحي فهو مستصبح بالعلم ولا يستغني عن تعاليم الوحي، وهو خلاف حقيقة الروح الإنسانيّة.

في ذيل خبر مولانا الرضا (علیه السلام) مع ابن السكيت وسؤال الأخير:

قَالَ لَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ مَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «الْعَقْلُ يَعْرِفُ بِهِ الصَّادِقَ عَلَى الله فَيُصَدِّقُهُ والْكَاذِبَ عَلَى الله فَيُكَذِّبُهُ».(2)

قال الملّا صدرا:

لمّا ظهر من كلامه (علیه السلام) أنّ الحجّة على الخلق في زمان كلّنبيّ من الانبياء (علیهم السلام) كانت معجزة ذلك النبيّ... فما كان الحجّة عليهم عندما غابت


1) . الكافي، ج2، ص1 _ 2، ح10. أقول: للمزيد راجع الجزء 66 من بحار الأنوار، باب (الدين الّذي لا يقبل الله أعمال العباد إلّا به).

2) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص79 _ 80، ح12.

عنهم الأنبياء المؤيّدون بالمعجزات، والدليلُ النقليّ غير كافٍ في حصول الإيمان واليقين، والقرآن وإنْ كان باقياً إلى الآن لكن ليس الغالب على الخلق اليوم غريزة الفصاحة حتّى يعرفوا حجيّته، فأجاب (علیه السلام) بأنّ الحجّة عليهم في هذا الزمان العقل فقط، به يعرف الحقّ من الباطل والصدق من الكذب، فيقع به إذعان الصادق على الله ورسوله وتكذيب المفتري عليه وعلى رسوله، تنبيهاً على ترقّي الإستعدادات ولطافة القرايح في هذه الأمّة المسلمة حتّى استغنوا بعقولهم عن مشاهدة المعجزات المحسوسة، فإنّ حصول الإيمان بالله واليوم الآخر من جهة المعجزة الحسّية دين اللئام ومنهج العوام، وأهل البصيرة لا يقنعون بها اذ لا يحصل بها الّا العقيدة بالقلب دون الإنكشاف على البصيرة، والإذعان في الظاهر دون انشراح الصدر بنور اليقين في القلب، أفمَن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه، وذلك لتطرّق الشبهة في المعجزات الحسيّة، ولا شبهة في اليقينيّات العقليّة، ولذلك مَن آمن بموسى (علیه السلام) بصيرورة العصا ثعباناً كفر به وأذعن للسامريّ، يجعل عليهم عجلاً جسداً له خوار، فأفاد (علیه السلام) أنّ العقل هو الحجّة على الناس في هذا الزمان لا غير... .(1)

وفي شرح حديث الباقر (علیه السلام): «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ الله بِهِ عُقُولَهُمْ وأَكْمَلَ بِهِ أَحْلَامَهُم».(2)قال الملا صدرا:

ولما ثبت وتقرّر أنّ النفوس الانسانيّة مِن زمن أنبياء آدم (علیه السلام) الى وقت بعثة الرسول الخاتم (صلی الله علیه و آله و سلم) كانت متدرّجة في التلطّف والتصفّي، مترقيةً في حسن القبول والإستعدادت... ثمّ مِن بعثة الرسول الى آخر الزمان، كانتالإستعدادت في الترقّي والنفوس في التلطّف والتزكّي، ولهذا لم يحتاجوا الى رسول آخر يكون حجّة من الله عليهم وإنّما الحجّة منه عليهم هو العقل


1) . شرح أصول الكافي، ص109.

2) . الكافي، ج1، ص25، ح21.

الّذي هو الرسول الداخليّ كما دلّ عليه الحديث السابق والحديث اللاحق أيضاً. ففي آخر الزمان يترقّى الإستعدادات من النفوس إلى حدّ لا يحتاجون به إلى معلّمٍ من خارج على الرسم المعهود بين الناس الآن بل يكتفون بالإلهام الغيبيّ عن التأدّب الوضعيّ، وبالمسدِّد الداخليّ عن المؤدِّب الخارجيّ وبالمكمّل العقليّ عن المعلّم الحسّيّ كما لسائر الأولياء فملك روحانيّ هو يد الله يجمع عقولهم ويكمل أحلامهم... .(1)

وبالنسبة لحديث الإمام (علیه السلام): «حُجَّةُ الله عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ والْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وبَيْنَ الله الْعَقْلُ».(2)قال ملا صدرا:

لأنّ النفوس لما بعثت عليهم الانبياء وجائت لهم الشرائع وأنزلت عليهم الكتب غاية ما يمكن أن يكون عليه شيء من الحجج الخارجيّة من النبيّ والكتاب والشريعة، فليست الحجّة بعد ذلك فيما بين الخلق والحقّ الا الحجّة الباطنة، وما هي إلا العقل، والحاصل أنّ الحجّة حجّتان؛ خارجيّة وداخليّة، والناس إمّا أهل بصيرة عقليّة، أم أهل حجاب، فالحجّة على غير أهل البصيرة هي الخارجيّة لأنّ الأعمى يحتاج في قطع السبيل إلى قايد خارجيّ يتبعه تقليداً في كلّ قدم، والحجّة على أهل البصيرة المستفادة من اتّباع الحجّة الخارجيّة هي نور البصيرة الداخليّة، فهم لنور بصيرتهم يسلكون سبيل الله بعقولهم المقتبسة من مشكوة النبوّة المستنيرة بأنوار الكتاب والسنّة، فلا حاجة لهم في سلوك السبيل في كلّ قدم إلى هادٍ خارجيّ، بل حجّة الله عليهم بصيرتُهم ونور عقلهم وهداهم.(3)

أقول: يرد علی كلامه أمور تتضح بما يلي:

1. حركة النفس نحو الكمال ومسيرها من الاستعداد إلى الفعليّة، وبلوغها

1) . شرح أصول الكافي، ص112.

2) . الكافي، ج1، ص25، ح22.

3) . شرح أصول الكافي، ص112.

المراحل العالية من العقل وما شابه، نظريات مأخوذة من أفكار الفلسفة اليونانيّة، وكلّها أجنبيّة عن تعاليم الدين الإلهيّ، وليس له مستند عقليّ ولا نقليّ، بل صريح العقل ونصوص النقل على خلافه، وما يكسبه العبد من كمالات لا يغيّر من ذاته الفاقدة بنفسها لكلّ كمال.

2.

صريح قول الإمام (علیه السلام): «وَضَعَ الله يَدَهُ عَلى رُؤُوسِ الْعِبَاد» أنّ الله سبحانه وتعالى يُكمل العقول بواسطة الإمام وببركة ظهوره، لا أنّهم يصبحون عين العقل، واليد هنا سواء كانت يد الملك كما زعم الملا صدرا أو شخص الإمام كما هو الظاهر المستفاد من السياق وتشهد له سائر الاخبار، فإنّه يدلّ دلالة واضحة على أنّ الكمال إنّما هو بالغير، ولا معنى للاستغناء الذاتيّ بالغير، فإذا كان بالغير فهو الفقر إليه، وفي الجملة الشرطيّة قرينة؛ «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَع..».

3.

المسائل التي لا يدركها العقل كثيرة، والطريق إليها هو الوحي، ولذلك تبقى الحاجة إلى الحجّة على حالها، فكيف يستغني الناس عنها؟

4.

وحتّى في القضايا المعقولة أي ما ينكشف بواسطة العقل، فالحاجة إلى المذكّر أيضا على حالها.

5.

كمال العقل في خبر وضع اليد ونظائره ليس بمعنى صيرورة العقول بمنزلة عقل الحجّة أو فوقه، وإنّما المعنى عقال الناس لأنفسهم من القبائح والذنوب ببركة ظهور حجّة الله (علیه السلام) وإشراق نوره المبارك عليهم، فيزول الظلم والجور، وهذا العقال ببركة العلم الذي يأتيهم به الإمام (علیه السلام).

6.

إنّ المحدوديّة من ذاتيّات المخلوق، فمهما ترقّت الإستعدادات فيه تبقى استضاءته من نور العقل محدودة حتّى في الأنبياء، الذين إدراكهم فوق إدراك الآخرين، فإنّ كمال الإنسان نسبيّ وفوق كل ذي علم عليم.

7.

مستند التفريق بين ثبوت نبوّة الأنبياء بالمعجزة وثبوتهابالعقل هو المباني الفلسفيّة، وأمّا العقل الفطريّ فهو يقضي بالحاجة إلى المعجزة، فهو يطالب من

يدّعي النبوة بإقامة الدليل، حتّى يصدَّق الصادق ويكذَّب الكاذب، وإذا أظهر النبي المعجزة فالكاشف عن صدقه هو العقل، كما قال الإمام (علیه السلام): «الْعَقْلُ تَعْرِفُ بِهِ الصَّادِقَ عَلَى الله فَتُصَدِّقُهُ والْكَاذِبَ عَلَى الله فَتُكَذِّبُه».

8.

والغريب قوله أنّ دين اللئام هو دين من ثبتت لهم النبوّة بواسطة إقامة المعجزة، أليس كلّ الانبياء جاؤوا أممهم بالمعاجز، وهل كلّ مَن طلب المعجزة أو أظهرها الأنبياء لهم وتعرّف عليهم من خلالها هم اللئام والعوامّ؟! وكيف خفي عليه أنّ المعجزة ليست لها دلالة من نفسها وإنّما الكاشف عنها والكاشف عن دليليّتها هو العقل.

9.

ومع جواز تطرّق الشبهة في المعاجز الإلهيّة فأيّ فرق يبقى بين المعجزة التي هي من الله وبين السحر الذي هو للسحرة، وعلى القول بجواز تطرّق الشبهة فلا يلام من كفر بالمعاجز، كما كان يزعم الجاحدون ويقولون أن الأنبياء هم سحرة! قال تعالى: (أفَسِحْرٌ هَذَا أمْ أنْتُم لَا تُبْصِرُونَ)(1)وقال تعالى: (مَا جِئتُمْ بِهِ السِحْر إنَّ الله سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المفْسِدِينَ).(2)

10.

صريح كلام الملّا صدرا أنّ الحجّة في زمن الإمام هي العقل فقط، فبالعقل يمكن التمييز بين الحقّ والباطل وبين الصدق والكذب، ومن ثم معرفة النبيّ والصادق على الله، وتمييزه عن الكاذب، فهل أنّ إدراك العقل لمكان الصدق والكذب وحقّانية كلام المدّعي أو بطلان كلامه، أو أن العقل يدرك نبوة النبي الصادق والمدّعي الكاذب؟ فإن كان الأوّل، بمعنى أنّ مدّعي النبوّة يقول مثلاً: أنّ الظلم قبيح والعدل حسن، فيدرك العاقل صدق كلامه، أو العكس إذا قال بقبح العدل، فأدرك العاقل بعقله كذبه، بناءاً على ذلك فإنّ العقل لم يكشف سوى كون الأول صادقاً والثاني كاذباً، لا أنّه عرفبأنّ الصادق نبيّ والكاذب غير نبيّ.

وإنْ كان الثانيّ، أي أنّ شخصاً أدّعى النبوّة وكان كذلك، وآخر أدّعاها وكان


1) . سورة الطور (52)، الآية 15.

2) . سورة يونس (10)، الآية 81.

كاذبا، فيميّزهما العقل، وعليه نسأله: بماذا أدرك العقل ذلك مع صِرف الإدّعاء، وهل ثمّة طريق آخر غير طريق المعجزة والبيّنة يثبت ذلك؟

لا تنافي بين تحكيم العقل وحجّيته وبين معجزة القرآن، أي أن العقل يكشف صدق القرآن وإعجازه، والّذي يكشف صدق النبيّ في نبوّته، فالمعجزة إنّما يكشفها العقل ويميّز بينها وبين السحر، ويكشف أنّ من له معجزة مؤيّدٌ بالوحي.

جعل العقل في مقابل القرآن كما عرفت سابقاً هو ديدن الفلسفة وهو فاسد، وإنّ الحديث ليس في مقام نفي حجّيّة القرآن أصلاً، فالصادق لا يُعرف إلّا بالبيّنة والآية والدلالة، وبذلك يعرف العقل صدقه، وليس صدق الصادق وكذب الكاذب مكتوباً بين عينيهما بحيث يقرأه العاقل حتى يستغني عن الدليل!

فقل إنّ المعجزة هي في طول كشف العقل وحجّيته لا عرضه، إلّا ان الفلسفة تسعى للتفريق بين العقل وبين الوحي.

11. أمّا ما ذكره من أنّ مَن آمن بموسى بعد رؤية صيرورة العصى ثعباناً كفروا به وأذعنوا للسامريّ، قلت: لا أدري كيف نسبهم إلى الردة بعد الإيمان وهم الذين تابوا وحسنت عاقبتهم ولم يرضخوا لفرعون فقتلهم وقطّع أيدهم وأرجلهم من خلاف، وقالوا لفرعون: (لَا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، إنَّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أنْ كُنَّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ)(1)وقال تعالى: (قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلّا أنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أفْرِغْ عَلَينَا صَبْرَاً وَتَوَفّنَا مُسْلِمِينَ)(2)فإنّ إيمانهم العميق وشدّة يقينهم بموسى (علیه السلام) وصدقه لم يكن إلّا بسبب مشاهدتهم لآيات ربهم وهي المعجزات التي آتاها الله كليمه، وكانت حسيّة!

ولنا أن نسأل الملا صدرا: هل أن البراهين الفلسفيّة تضمنالسلامة والوصول إلى الحقيقة وعدم الإرتداد أبداً، بإعتبار أنّها برهانية غير حسيّة؟ فلم لم يسلم أصحابها من المشاجرات والاختلافات وكیف أقامها بعض لإثبات الشرك وبعضهم للإلحاد


1) . سورة الشعراء (26)، الآيتان 50 _ 51.

2) . سورة الأعراف (7)، الآيتان 125 _ 126.

وبعضهم لإنكار وجود ما سوی الله..؟ وكيف لم يسلموا من تبّدل الآراء التي تترتّب عليها الآثار الطويلة والعريضة، ناهيك عن سائر آفات فلسفتهم. ألم يكن صاحبنا يغدو ويروح على مذهب أصالة الماهيّة ثمّ انقلب عليها كما مرّ من كلامه؟ وهل من الإنصاف دعوى دفع الفلسفة للشبهات، وهل قامت الفلسفة إلّا على الشبهات وأقامت إلا الشبهات؟!

قال المحدّث النوريّ في المستدرك بعد تعرضه لشرح الملا صدرا على بعض الأخبار:

وعدد مواقع الأوهام في هذه الكلمات غير خفيّ على الناظر. وله في شرح حال مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه عند قوله عليه السلام: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا، وَضَعَ الله يَدَهُ عَلى رُؤُوسِ الْعِبَادِ، فَجَمَع بِهَا عُقُولَهُم» كلام ينبئ عن اعتقاد له فيه عليه السلام غير ما عليه معاشر الإمامية، فراجع وتأمّل.(1)

12. ظاهر عباراته أنّ وجه إعجاز القرآن منحصر بفصاحته، وهو فاسد، فالإعجاز من جهة الفصاحة سطحيّ، والمخاطب بالتحدّي هم كافة الناس لا خصوص العرب ناهيك عن الفصحاء الشعراء منهم، فهو «الْحُجَّةَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ».(2)

ولمّا كان القرآن الكريم معجزة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) الخالدة، حيث أنّه سبحانه «لَمْ يُنْزِلْهُ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، ولَا لِنَاسٍ دُونَ نَاس»(3)وجب ألّا يكون إعجازه منحصراً في فصاحته فإن ذلك الفنّ لا يعرفه سوى مجموعة من الناس، فهو معجزة من نواحي أخرى كالإخبار بالحوادث المستقبليّة والمغيّبات الماضية والإخبار عنأفعال المنافقين والكفّار سرّاً، وعلى اشتماله للنظم الغريب والأسلوب العجيب المخالف لنظم العرب ونثرهم في مطالعه ومقاطعه وفواصله وعدم اختلافه وتناقضه مع ما فيه من الطول والإمتداد، وإنّ أهمّ تلك النواحي الّذي كان به تحدّيه هو ناحية حياة القرآن وجريانه مجرى الليل والنهار، وكونه علماً وحكماً وحكمة وكونه حديثاً لا يخلق


1) . خاتمة المستدرك، ج2، ص247.

2) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص130، ح9.

3) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص87، ح32.

بتعاقب الأزمان ولا بتكرار التلاوة والاستماع، ف«إِنَّ الْقُرْآنَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ والْآيَةَ حَيَّةٌ لَا تَمُوت»(1)وكلّما جالسه ازداد انجذاباً إليه وقام عنه بنور جديد، فهو ريّ لعطش العلماء، وينبوع الحكمة، قال تعالى: (وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون).(2)

عيون أخبار الرضا (علیه السلام): عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) عن أبيه قال: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) مَا بَالُ الْقُرْآنِ لَا يَزْدَادُ عَلَى النَّشْرِ والدَّرْسِ إِلَّا غَضَاضَةً؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ولِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ فَهُوَ فِي كُلِّ زَمَانٍ جَدِيدٌ وعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ غَضٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».(3)

وفي العيون أيضا عنه (علیه السلام): «لَا يَخْلُقُ عَلَى الْأَزْمِنَةِ، ولَا يَغِثُّ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، بَلْ جُعِلَ دَلِيلَ الْبُرْهَانِ والْحُجَّةَ عَلَى كُلِّ إِنْسَان، (لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميد)».(4)

وفي تفسير العياشي، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ ولَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ (فِيهِ) مَصَابِيحُ الْهُدَى ومَنَارُ الْحِكْمَةِ ودَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ لِمَنْ عَرَف».(5)

وفي نهج البلاغة، قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في خطبة له (علیه السلام): «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وسِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وبَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ومِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُوشُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ وفُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وتِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وشِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وعِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وحَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ، فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وبُحْبُوحَتُهُ، ويَنَابِيعُ الْعِلْمِ وبُحُورُهُ، ورِيَاضُ الْعَدْلِ وغُدْرَانُهُ، وأَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وبُنْيَانُهُ، وأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وغِيطَانُهُ، وبَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ، وعُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ، ومَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ، ومَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ، وأَعْلَامٌ لَا يَعْمَى


1) . تفسیر العیاشي، ج2، ص203 عن الباقر (علیه السلام).

2) . سورة الأعراف (7)، الآية 52.

3) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص87، ح32.

4) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص130، ح9؛ والآية: سورة فصّلت (41)، الآية 42.

5) . تفسير العياشي، ج1، ص2، ح1.

عَنْهَا السَّائِرُونَ، وآكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ، جَعَلَهُ الله رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ، ورَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، ومَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ، ودَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، ونُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وحَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، ومَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وعِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ، وسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ، وعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وفَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وحَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ، ومَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وجُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ، وعِلْماً لِمَنْ وَعَى، وحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وحُكْماً لِمَنْ قَضَى».(1)

إنّ القرآن العظيم الذي تجلّى الله به لخلقه، لا يليق بأن يكون الوجه في تحدّيه إلّا بما يناسب شأنه، فمع إعجازه من الجهات الكثيرة، لكن التحدّي في أنّه فصل الخطاب والفرقان الذي يفرّق بين الحق والباطل والمبين للناس ما اختلفوا فيه إلى يوم القيامة، وهذه الحقيقة يستطيع أن ينالها أهل كلّ زمان في الجملة. أمّا إذا كان وجه الإعجاز فصاحته لم يكن له قيمة عند غير الفصحاء، ولا كان معجزة لأغلب البشر، ولا حجة عليهم، بل لم يكن يهمّهم ويعنيهم، ولم يكن وجه في قوله: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه)(2)و(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ).(3)

13. ثمّ مع أنّ أهل البصائر بحسب كلام الملّا صدرا لا یحتاجون إلی حجّة هادیة سوی العقل، وبذلك یستغنون عنالحجج الأخری، لكنّه بالنسبة إلی ما لا یستطیع إثباته ببراهینه یقول أنّ ذلك ممّا یحتاج إلی فطرة ثانیة وهي وراء طور العقل.

قال في الأسفار:

وإذ سينكشف لك بنحو من البرهان أنّ موجوديّة الممكن ليست إلّا باتحاده مع حقيقة الوجود كما أشير إليه، وأنّ مناط إمكان وجوده ليس إلّا كون ذلك الوجود متعلّقاً بالغير مفتقراً إليه، ومناط الواجبيّة ليس إلّا الوجود الغنيّ عمّا سواه. فإمكان الماهيّات الخارجة عن مفهومها الوجود عبارة عن لا ضرورة وجودها


1) . نهج البلاغة، الخطبة 198.

2) . سورة يونس (10)، الآية 38.

3) . سورة هود (11)، الآية 13.

وعدمها بالقياس إلى ذاتها من حيث هي هي وإمكان نفس الوجودات هو كونها بذاتها مرتبطة ومتعلّقة وبحقائقها روابط وتعلّقات إلى غيرها، فحقائقها حقائق تعلّقية وذواتها ذوات لمعانيّة، لا إستقلال لها ذاتاً ووجوداً، بخلاف الماهيّات الكلّيّة فإنّها وإن لم يكن لها ثبوت قبل الوجود إلا أنّها أعيان متصوّرة بكنهها ما دام وجوداتها ولو في العقل، فإنّها ما لم يتنوّر بنور الوجود لا يمكن الإشارة العقلية إليها بأنّها ليست موجودة ولا معدومة في وقت من الأوقات بل هي باقية على احتجابها الذاتيّ وبطونها الأصليّ أزلاً وأبداً، وليست حقائقها حقائق تعلّقيّة فيمكن الإشارة إليها والحكم بأنّها هي هي وأنّها ليست إلا هي وأنّها لا موجودة ولا معدومة ولا متقدّمة ولا متأخّرة ولا مصدر ولا صادر ولا متعلّق ولا جاعل ولا مجعول. وبالجملة ليست محكوماً عليها بحسب ذواتها، ولو في وقت وجودها المنسوب إليها مجازاً عند العرفاء بنعت من النعوت إلا بأنّها هي هي لا غير، بخلاف الوجودات فإنّ حقايقها تعلّقية لا يمكن للعقل الإشارة إليها مع فرض إنفصالها عن القيّوم الجاعل بأنّها هي هي، إذ ليست لها هويّات انفصاليّة استقلاليّة، ومع هذا فإنّها عينيّات صرفة بلا إبهام، ووجودات محضة بلا ماهيّات، وأنوار ساذجة بلا ظلمة. وهذا ممّا يحتاج تصوّرها إلى ذهن لطيف ذكيّ في غاية الذكاء والدقّة واللطافة، ولهذا قيل: أنّ هذا طور وراء طورالعقل، لأنّ إدراكها يحتاج إلى فطرة مستأنفة وقريحة ثانية... .(1)

أقول: العقل بناءاً علی ما عرفت أوّلاً من كلامه یغني حتّی عن المعلّم الخارجيّ، بینما العقل فیما قرأته أخیراً لا يغني في معرفة الوجود، وأنّ إدراك هذا الأمر یستلزم قریحة مستأنفة وراء طور العقل.

وما عساني أن أقول بعد اعترافه أنّ الفطرة لا ترتضي مقالته، ولا يمكن قبولها إلا بالإعراض عنها وإلقاء العقل.


1) . الأسفار، ج1، ص86 _ 87. أقول: وتجد عبارة: «المكاشفة طور وراء طور العقل» في شرح الفصوص (للقيصري)، ص304؛ ولاحظ أيضا: الفتوحات، ج1، ص261؛ الطبقات الصغرى (للشعراني)، ص38.

فإذن تارة يرى التوسيع من دائرة كشف العقل إلى حدّ يستغني عن الإمام، وتارة ينكر كشفه. وهذا هو الذي قالوا فيه بسقوط التكليف في (فناء العارف) في (عالم القدس).

قال ابن سينا في الإشارات:

تنبيه: والعارف ربما ذهل فيما يصار به اليد فغفل عن كلّ شيء، فهو في حُكم مَن لا يكلّف، وكيف والتكليف لمن يعقل التكليف حال ما يعقله ولمن اجترح بخطيئته إن لم يعقل التكليف.

وقال الخواجه في شرح العبارة:

أقول: «اجترح» أي كسب. والمراد أنّ العارف ربما ذهل في حال اتصاله بعالم القدس عن هذا العالَم فغفل عن كلّ ما في هذا العالم، وصدر عنه إخلال بالتكاليف الشرعيّة، فهو لا يصير بذلك متأثّماً لأنّه في حُكم مَن لا يكلّف، لأنّ التكليف لا يتعلّق إلا بمن يعقل التكليف في وقت تعلّقه ذلك، أو بمن يتأثّم بترك التكليف إنْ لم يكن يعقل التكليف، كالنائمين والغافلين والصبيان الّذين هم في حكم المكلّفين.(1)

أقول: إنّ العقل الذي هو أحبّ الخلق إلى الله كما دلّت النصوص، ويعطيه الله من أحبّ، وقوله(عزّ و جّل): مَا خَلَقْتُ خَلْقَاًهُوَ أحَبُّ إليَّ مِنْكَ، وَلَا أكْمَلْتُكَ إلّا فِيمَنْ أُحِبُّ(2)، ولا يكمله إلا في الأنبياء والصدّيقين، ما باله يُسلب من العارف عند اتصاله بعالم القدس؟ وما بال الأنبياء لا يحظون على مرتبة ترك الصلاة ، فإمّا أنّ العارف أقرب إلى الله من رسله حتى أعطاه الله ما لم يعطهم، أو يصير هذا العارف مبغوضاً له سبحانه حتّى يسلبه أحبّ مواهبه.

ثمّ كيف يجمع بين كون العقل يبلغ مرتبة يستغني فيها حتّى عن الرسول، وبين وصول العارف مرتبة يفقد عقله؟


1) . الإشارات، ج3، ص394: النمط التاسع في مقامات العارفين.

2) . الكافي، ج1، ص10، ح1.

8. حدود العقل

اشارة

أحد أهمّ أسباب الإنحراف هو الغفلة عن حدّ العقل، فقد يضع العبد قدمه في مواضع هي أبعد غوراً من إدراكه، فيتكلّم ويخوض في الممنوع. وهو على قسمين:

قسم لا يمكن أن يُعلم أصلا، مثلا حقيقة كنهه سبحانه وتعالى وامتناع توصيفه إلا بما وصف به نفسه لأن العقول لا تناله فكيف تصفه، وقسم لا يُعلم إلا عبر الوحي، وبدونه يكون العقل قاصرا عن الإحاطة به، مثل تفاصيل الأحكام أو معرفة تفسير القرآن.

وتنبّهت أنّ واحدة من أثمن عنايات مدرسة الوحي لا سيّما في تعاليم خاتم النبيّين وأهل بيته المعصومين سلام الله عليهم وأفضالهم النفيسة تجاه الأمّة هو بيانهم لمسألة محدوديّة كشف العقل؛ تارة عبر تذكيرهم بتلك المحدوديّة، وأخرى بالإشارة إلى المسائل التي لا تنالها العقول، أي بيان حدود كشف العقل، فقد ذكّروا بحرمة محاولة تعقّل تلك الأمور خصوصا الربّ سبحانه، وأنّه يقود إلى الزندقة والإلحاد، لامتناع الإحاطة، ومنه حقيقة القدر، الذي ورد أميرالمؤمنين عليه السلام وقد سُئل عن القدر: «طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وسِرُّ الله تَعَالَى فَلَا تَتَكَلَّفُوه»(1)مهما سمتالعقول فإنها لا تحيط بالرب ولا بأفعاله.

فيما يلي إشارة إلى بعض الأحاديث حول ما لا يجوز للإنسان أن يخوض فيها ومحالة تعقّلها.

1. اكتناه الله سبحانه وتعالى

الكافي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: الله أَكْبَرُ، فَقَالَ (علیه السلام): «اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟» فَقَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «حَدَّدْتَهُ». فَقَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ (علیه السلام): قُلْ: «اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ».(2)

الكافي، عن هشام الجواليقي قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) عَنْ قَوْلِ الله(عزّ و جّل) «سُبْحانَ


1) . نهج البلاغة، الحكمة 287.

2) . الكافي، ج1، ص117، ح8.

الله» مَا يُعْنَى بِهِ؟ قَالَ (علیه السلام): «تَنْزِيهُهُ».(1)

الكافي، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ اللَّهِ: هَلْ يُوصَفُ؟ قَالَ (علیه السلام): «أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟»، قُلْتُ: بَلى، قَالَ: «أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ)؟»، قُلْتُ: بَلى، قَالَ: «فَتَعْرِفُونَ الْأَبْصَارَ؟»، قُلْتُ: بَلى، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: أَبْصَارُ الْعُيُونِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَوْهَامَ الْقُلُوبِ أَكْبَرُ مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ، فَهُوَ لَاتُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَوْهَامَ».(2)

مصباح الكفعمي، في أدعية ليلة الجمعة: «إِلَهِي طُمُوحُ الْآمَالِ قَدْ خَابَتْ إِلَّا لَدَيْك... وَمَذَاهِبُ الْعُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ».(3)

تحف العقول: أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: «ومَنْ فَكَّرَ فِي ذَاتِ الله تَزَنْدَقَ».(4)

غرر الحكم، أمير المؤمنين (علیه السلام) أيضاً أنّه قال: «مَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَاتِ الله أَلْحَدَ».(5)التوحيد للصدوق، عن علي بن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي (علیهم السلام) قال: «خطب أمير المؤمنين (علیه السلام) الناس في مسجد الكوفة فقال:... لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّةٍ، ولَا لَهُ شَبَحُ مِثَالٍ فَيُوصَفَ بِكَيْفِيَّةٍ، ولَمْ يَغِبْ عَنْ شَيْءٍ فَيُعْلَمَ بِحَيْثِيَّةٍ، مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ مَا أَحْدَثَ فِي الصِّفَاتِ، ومُمْتَنِعٌ عَنِ الْإِدْرَاكِ بِمَا ابْتَدَعَ مِنْ تَصْرِيفِ الذَّوَاتِ، وخَارِجٌ بِالْكِبْرِيَاءِ والْعَظَمَةِ مِنْ جَمِيعِ تَصَرُّفِ الْحَالاتِ، مُحَرَّمٌ عَلَى بَوَارِعِ نَاقِبَاتِ الْفِطَنِ تَحْدِيدُهُ، وعَلَى عَوَامِقِ ثَاقِبَاتِ الْفِكَرِ تَكْيِيفُهُ، وعَلَى غَوَائِصِ سَابِحَاتِ النَّظَرِ تَصْوِيرُهُ، لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ لِعَظَمَتِهِ ولَا تَذْرَعُهُ الْمَقَادِيرُ لِجَلَالِهِ ولَا تَقْطَعُهُ الْمَقَايِيسُ لِكِبْرِيَائِهِ، مُمْتَنِعٌ عَنِ الْأَوْهَامِ أَنْ تَكْتَنِهَهُ، وعَنِ الْأَفْهَامِ أَنْ تَسْتَغْرِقَهُ، وعَنِ الْأَذْهَانِ أَنْ تَمْتَثِلَهُ، قَدْ يَئِسَتْ مِنِ اسْتِنْبَاطِ


1) . الكافي، ج1، ص118، ح11.

2) . الكافي، ج1، ص98 _ 99، ح10.

3) . المصباح (للكفعمي)، ص53 وص95.

4) . تحف العقول، ص96.

5) . غرر الحكم، ص86.

الْإِحَاطَةِ بِهِ طَوَامِحُ الْعُقُولِ، ونَضَبَتْ عَنِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بِالاكْتِنَاهِ بِحَارُ الْعُلُومِ، ورَجَعَتْ بِالصِّغَرِ عَنِ السُّمُوِّ إِلَى وَصْفِ قُدْرَتِهِ لَطَائِفُ الْخُصُومِ..الخطبة».(1)

نهج البلاغة، عن الصادق جعفر بن محمد (علیهما السلام) أنّه قال: «خَطَبَ أميرُ المؤمِنينَ (علیه السلام) بِهذِهِ الخطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلاً أتَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِيَاناً لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وبِهِ مَعْرِفَةً. فَغَضِبَ (علیه السلام) ونَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وهُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ وصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم)... وقال: فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ، فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ، واسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، ومَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ ولَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى الله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ الله عَلَيْكَ. واعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِيالْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ (فَلَزمُوا) الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ الله تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً. فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، ولَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ الله سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ، وتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا وهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، ولَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه، الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ، ولَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ واعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ


1) . التوحيد، ص69، ح26.

يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ودَلِيلًا عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ ودَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ. فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وتَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، ولَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ، وكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ:(تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ ونَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وجَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ. وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَبِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، والْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ ونَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ، وإِنَّكَ أَنْتَ الله الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً، ولَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفا».(1)

زاد المعاد، الإمام زين العابدين (علیه السلام) في مناجاة العارفين: «إِلَهِي قَصُرَتِ الْأَلْسُنُ عَنْ بُلُوغِ ثَنَائِكَ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِكَ، وعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ جَمَالِكَ، وانْحَسَرَتِ الْأَبْصَارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَى سُبُحَاتِ وَجْهِكَ، ولَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إِلَى مَعْرِفَتِكَ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ».(2)

توحيد الصدوق، ضمن حديث لأمير المؤمنين (علیه السلام)، في قوله تعالى (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمَا) قال: «لَا يُحِيطُ الْخَلَائِقُ بِاللَّهِ(عزّ و جّل) عِلْماً إِذْ هُوَ تَبَارَكَ وتَعَالَى جَعَلَ عَلَى أَبْصَارِ الْقُلُوبِ الْغِطَاءَ فَلَا فَهْمَ يَنَالُهُ بِالْكَيْفِ ولَا قَلْبَ يُثْبِتُهُ بِالْحُدُودِ، فَلَا يَصِفُهُ إِلَّا كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ، الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ خَلَقَ الْأَشْيَاء، فَلَيْسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ شَيْءٌ مِثْلَهُ


1) . نهج البلاغة، الخطبة 91.

2) . زاد المعاد، ص414.

تَبَارَكَ وتَعَالَى».(1)

الكافي، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام): (لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) فَقَالَ: «يَا أَبَا هَاشِمٍ، أَوْهَامُ الْقُلُوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصَارِ الْعُيُونِ، أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ والْهِنْدَ والْبُلْدَانَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْهَا ولَا تُدْرِكُهَا بِبَصَرِكَ، وأَوْهَامُ الْقُلُوبِ لَا تُدْرِكُهُ فَكَيْفَ أَبْصَارُ الْعُيُونِ؟».(2)

الكافي، عن مولانا الباقر (علیه السلام) في حديث: «إِنَّمَا يُعْقَلُ مَاكَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ، ولَيْسَ الله كَذَلِكَ».(3)

وحيث امتنع توصيف المخلوق للخالق تعالى وجب الاقتصار على ما وصف به تعالى نفسه في كتابه، ومن سعى إلى تعقّله وتوصيفه ضلّ ضلالاً مبينا.

2. القضاء والقدر

التوحيد للصدوق، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ. قَالَ (علیه السلام): «بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجْهُ». قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ. قَالَ (علیه السلام): «طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكْهُ». قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ. قَالَ (علیه السلام): «سِرُّ الله فَلَا تَكَلَّفْهُ...».(4)

3. تفسير القرآن

المحاسن، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي رِسَالَةٍ: «وأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنَ الْقُرْآنِ فَذَلِكَ أَيْضاً مِنْ خَطَرَاتِكَ الْمُتَفَاوِتَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، وكُلُّ مَا سَمِعْتَ فَمَعْنَاهُ غَيْرُ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وإِنَّمَا الْقُرْآنُ أَمْثَالٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ولِقَوْمٍ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ وهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَعْرِفُونَهُ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَمَا أَشَدَّ إِشْكَالَهُ


1) . التوحيد، ص264، ح5.

2) . الكافي، ج1، ص99، ح11.

3) . الكافي، ج1، ص108، ح1.

4) . التوحيد، ص365، ح3.

عَلَيْهِمْ وأَبْعَدَهُ مِنْ مَذَاهِبِ قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): لَيْسَ شَيْءٌ بِأَبْعَدَ مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ. وفِي ذَلِكَ تَحَيَّرَ الْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ. وإِنَّمَا أَرَادَ الله بِتَعْمِيَتِهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى بَابِهِ وصِرَاطِهِ، وأَنْ يَعْبُدُوهُ ويَنْتَهُوا فِي قَوْلِهِ إِلَى طَاعَةِ الْقُوَّامِ بِكِتَابِهِ والنَّاطِقِينَ عَنْ أَمْرِهِ، وأَنْ يَسْتَنْطِقُوا مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَال: (وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَيْسَ يُعْلَمُ ذَلِكَ أَبَداًولَا يُوجَدُ، وقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ وُلَاةَ الْأَمْرِ إِذْ لَا يَجِدُونَ مَنْ يَأْتَمِرُونَ عَلَيْهِ ولَا مَنْ يُبَلِّغُونَهُ أَمْرَ الله ونَهْيَهُ، فَجَعَلَ الله الْوُلَاةَ خَوَاصَّ لِيَقْتَدِي بِهِمْ مَنْ لَمْ يَخْصُصْهُمْ بِذَلِكَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِيَّاكَ وإِيَّاكَ وتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ غَيْرُ مُشْتَرِكِينَ فِي عِلْمِهِ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأُمُورِ، ولَا قَادِرِينَ عَلَيْهِ ولَا عَلَى تَأْوِيلِهِ إِلَّا مِنْ حَدِّهِ وبَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ الله لَهُ، فَافْهَمْ إِنْ شَاءَ الله، واطْلُبِ الْأَمْرَ مِنْ مَكَانِهِ تَجِدْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».(1)

بصائر الدرجات، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعِجْلِيِّ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): «فَرَسُولُ الله أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَدْ عَلَّمَهُ الله جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ والتَّأْوِيلِ، ومَا كَانَ الله لِيُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْهُ تَأْوِيلَهُ، وأَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ والَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ إِذَا قَالَ الْعَالِمُ فِيهِ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) والْقُرْآنُ خَاصٌّ وعَامٌّ ومُحْكَمٌ ومُتَشَابِهٌ ونَاسِخٌ ومَنْسُوخٌ، والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ».(2)

البحار، عن تفسير النعمانيّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ (علیهما السلام) يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) فَخَتَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً فَخَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ فَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ، أَحَلَّ فِيهِ


1) . المحاسن، ج1، ص268، ح356.

2) . بصائر الدرجات، ج1، ص204، ح8.

حَلَالًا وحَرَّمَ حَرَاماً، فَحَلَالُهُ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وحَرَامُهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فِيهِ شَرْعُكُمْ وخَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وبَعْدَكُمْ. وَجَعَلَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله عَلَماً بَاقِياً فِي أَوْصِيَائِهِ فَتَرَكَهُمُ النَّاسُ وهُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ وعَدَلُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُمْ واتَّبَعُوا غَيْرِهِمْ وأَخْلصُوا لَهُمُ الطَّاعَةَ، حَتَّى عَانَدُوا مَنْ أَظْهَرَ وِلَايَةَ وُلَاةِ الْأَمْرِ وطَلَبَ عُلُومَهُمْ، قَالَ الله سُبْحَانَهُ: (فَنَسُوا حَظَّاً مِمّاذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ)(1)وذَلِكَ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا بَعْضَ الْقُرْآنِ بِبَعْضٍ واحْتَجُّوا بِالْمَنْسُوخِ وهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ النَّاسِخ، واحْتَجُّوا بالمتشابه وهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمُحْكَم، واحْتَجُّوا بِالْخَاصِّ وهُمْ يقدرونَ أَنَّهُ الْعَامُّ، واحْتَجُّوا بِأَوَّلِ الْآيَةِ وتَرَكُوا السَّبَبَ فِي تَأْوِيلِهَا، ولَمْ يَنْظُرُوا إِلَى مَا يَفْتَحُ الْكَلَامَ وإِلَى مَا يَخْتِمُهُ، ولَمْ يَعْرِفُوا مَوَارِدَهُ ومَصَادِرَهُ إِذْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ أَهْلِهِ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا. واعْلَمُوا رَحِمَكُمُ الله أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ كِتَابِ الله(عزّ و جّل) النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ والْخَاصّ مِنَ الْعَامِّ والْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ والرُّخَصَ مِنَ الْعَزَائِمِ والْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ وأَسْبَابِ التَّنْزِيلِ والْمُبْهَم مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَلْفَاظُهُ المنقطعة والْمُؤَلَّفَة ومَا فِيهِ مِن علمِ الْقَضَاءِ والْقَدَرِ والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والْمُبينُ والْعَمِيقِ والظَّاهِر والْبَاطِن والِابْتِدَاءِ والِانْتِهَاءِ والسُّؤَالِ والْجَوَابِ والْقَطْعِ والْوَصْلِ والْمُسْتَثْنَى مِنْهُ والْجَارِي فِيهِ والصِّفَةِ لما قبل مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا بَعْدُ والْمُؤَكَّدُ مِنْهُ والْمُفَصَّل وعَزَائِمُهُ ورُخَصَهُ ومَوَاضِعَ فَرَائِضِهِ وأَحْكَامِهِ ومَعْنَى حَلَالِهِ وحَرَامِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ الْمُلْحِدُونَ والموصول مِنَ الْأَلْفَاظِ والْمَحْمُولُ عَلَى مَا قَبْلَهُ وعَلَى مَا بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِالْقُرْآنِ، ولَا هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، ومَتَى مَا ادَّعَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مُدَّعٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَهُوَ كَاذِبٌ مُرْتابٌ مُفْتَرٌ عَلَى الله الْكَذِبَ ورَسُولَهُ (وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِير)».(2)

التوحيد للصدوق، أمير المؤمنين (علیه السلام): «...فَإِيَّاكَ أَنْ تُفَسِّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِكَ حَتَّى تَفْقَهَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ رُبَّ تَنْزِيلٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ وهُوَ كَلَامُ الله وتَأْوِيلُهُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ، كَمَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ يُشْبِهُهُ، كَذَلِكَ لَا يُشْبِهُ فِعْلُهُ، تَبَارَكَ


1) . سورة المائدة (5)، الآية 13.

2) . بحارالأنوار، ج90، ص3.

وتَعَالَى شَيْئاً مِنْ أَفْعَالِ الْبَشَرِ ولَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ كَلَامَ الْبِشْرِ، فَكَلَامُ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى صِفَتُهُ، وكَلَامُ الْبَشَرِأَفْعَالُهُمْ، فَلَا تُشَبِّهْ كَلَامَ الله بِكَلَامِ الْبَشَرِ فَتَهْلِكَ وتَضِل».(1)

لهذا يحتاج من يريد فهم القرآن إلى بيان النبيّ وأهل البيت (علیهم السلام) كما قال تعالى: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(2)

وقال تعالى: (وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ).(3)

فالمخاطب بالقرآن هو النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما قال تعالى: (ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الّذينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا).

وقال تعالى: (لَا يَعْلُم تَأويلَهُ إلّا اللهُ وَالرَاسِخُونَ فِي العِلْم).

وقال تعالى: )لَعَلِمَهُ الّذينَ يَسْتَنْبطُونَه مِنْهُم).

وهذا لا يناسب ما قيل من أنّ القرآن لمّا كان نوراً فهو يفسّر بعضه بعضاً ولا يحتاج إلى بيان أحد حتى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).

4. ملاكات الأحكام

لا تحيط العقول علماً بملاكات الأحكام، ولذلك لا يجوز فيها استعمال الرأي والقياس.

الكافي، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام): مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَطَعَ إِصْبَعاً مِنْ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ كَمْ فِيهَا؟ قَالَ (علیه السلام): «عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ». قُلْتُ: قَطَعَ اثْنَيْنِ؟ قَالَ (علیه السلام): «عِشْرُونَ». قُلْتُ: قَطَعَ ثَلَاثاً؟ قَالَ (علیه السلام): «ثَلَاثُونَ». قُلْتُ: قَطَعَ أَرْبَعاً؟ قَالَ عليه السلام: «عِشْرُونَ». قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَقْطَعُ ثَلَاثاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ، ويَقْطَعُ أَرْبَعاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ عِشْرُونَ؟! إِنَّ هَذَا كَانَ يَبْلُغُنَا ونَحْنُ بِالْعِرَاقِ فَنَبْرَأُ مِمَّنْ


1) . التوحيد، ص265، ح5.

2) . سورة النحل (16)، الآية 44.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 129؛ سورة آل عمران (3)، الآية 164؛ سورة الجمعة (62)، الآية 2.

قَالَهُ، ونَقُولُ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَيْطَانٌ. فَقَالَ (علیه السلام): «مَهْلًا يَا أَبَانُ، هَكَذَا حَكَمَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقَابِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ رَجَعَتْ إِلَى النِّصْفِ. يَا أَبَانُ، إِنَّكَ أَخَذْتَنِي بِالْقِيَاسِ، والسُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ».(1)كمال الدين، عن مولانا عليّ بن الحسين (علیهما السلام) قال: «إِنَّ دِينَ الله عزّ وجل لَا يُصَابُ بِالْعُقُولِ النَّاقِصَةِ والْآرَاءِ الْبَاطِلَةِ والْمَقَايِيسِ الْفَاسِدَةِ، ولَا يُصَابُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ، فَمَنْ سَلَّمَ لَنَا سَلِمَ، ومَنِ اقْتَدَى بِنَا هُدِيَ، ومَنْ كَانَ يَعْمَلُ بِالْقِيَاسِ والرَّأْيِ هَلَكَ، ومَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً مِمَّا نَقُولُهُ أَوْ نَقْضِي بِهِ حَرَجاً كَفَرَ بِالَّذِي أَنْزَلَ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وهُوَ لَا يَعْلَمُ».(2)

تفسير الإمام العسكري (علیه السلام): «عن أمير المؤمنين (علیه السلام): يَا مَعْشَرَ شِيعَتِنَا والْمُنْتَحِلِينَ (مَوَدَّتَنَا) إِيَّاكُمْ وأَصْحَابَ الرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، تَفَلَّتَتْ مِنْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا وأَعْيَتْهُمُ السُّنَّةُ أَنْ يَعُوهَا، فَاتَّخَذُوا عِبَادَ الله خَوَلًا، ومَالَهُ دُوَلًا، فَذَلَّتْ لَهُمُ الرِّقَابُ وأَطَاعَهُمُ الْخَلْقُ أَشْبَاهُ الْكِلَابِ، ونَازَعُوا الْحَقَّ أَهْلَهُ، وتَمَثَّلُوا بِالْأَئِمَّةِ الصَّادِقِينَ وهُمْ مِنَ الْجُهَّالِ والْكُفَّارِ والْمَلاعِينِ، فَسُئِلُوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ، فَأَنِفُوا أَنْ يَعْتَرِفُوا بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَعَارَضُوا الدِّينَ بِآرَائِهِمْ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا. أَمَّا لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ بَاطِنُ الرِّجْلَيْنِ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا».(3)

نهج البلاغة، أمير المؤمنين (علیه السلام) في الخطبة المعروفة بالقاصعة: «ولَوْ أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ ويَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ وطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ، ولَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً ولَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْيِيزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ ونَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ وإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُم».(4)


1) . الكافي، ج7، ص300، ح6.

2) . كمال الدين، ج1، ص324، ح9.

3) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (علیه السلام)، ص52.

4) . نهج البلاغة، الخطبة 192.

5. الإحاطة بأسرار الخلق واستقصاء الحقائق
اشارة

نهج البلاغة، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «...وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْخَلْقِكَ ونَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ ونَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ ومَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ وحَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ أَعْظَمُ، فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وأَعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ وكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ وكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً وعَقْلُهُ مَبْهُوراً وسَمْعُهُ وَالِهاً وفِكْرُهُ حَائِرا».(1)

إنّ أحوال العوالم وأخبار الماضي والمستقبل ليس في متناول البشر ولا يمكن الوصول إلى تلك الحقائق بالفكر، ولا طريق لها إلا إخبار الوحي.

قال تعالى: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون).(2)

وقال تعالى: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وهُمْ يَمْكُرُون).(3)

وقال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقين).(4)

فائدة: في اعتراف طلائع العلم البشريّ بالقصور والعجز

يقف على هذه الحقيقة، حقيقة جهل البشر وعجزهم عن الإحاطة بالخلق، والعجز عن معرفة حقيقة الأشياء، كلّ عاقل متنبّه، ونذكر بعض كلمات جملة من أكابر العلم البشري المعترفين بأنّ العلم بحقائق الأشياء غير ميسّر للبشر:


1) . نهج البلاغة، الخطبة 160.

2) . سورة آل عمران (3)، الآية 44.

3) . سورة يوسف (12)، الآية 102.

4) . سورة هود (11)، الآية 49.

1. ابن سينا(1)،

قال في التعليقات:

إنّ الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر، ونحنلا نعرف من الأشياء إلّا الخواصّ واللوازم والأعراض، ولا نعرف الفصول المقوّمة لكلّ واحد منها الداخلة على حقيقة، بل نعرف أنّها أشياء لها خواصّ وأعراض، فإنّا لا نعرف حقيقة الأوّل ولا العقل ولا النفس ولا الفلك ولا النار والهواء والماء والأرض، ولا نعرف أيضاً حقائق الأعراض. ومثال ذلك أنّا لا نعرف حقيقة الجوهر بل إنّما عرفنا شيئاً له هذه الخاصّة، وهو أنّه «الموجود لا في موضوع» وهذا ليس حقيقته. ولا نعرف حقيقة الجسم، بل نعرف شيئاً له هذه الخواصّ وهي الطول والعرض والعمق. ولا نعرف حقيقة الحيوان، بل إنّما نعرف شيئاً له خاصيّة الإدراك والعقل فإنّ المدرك الفعّال ليس هو حقيقة الحيوان بل خاصيّته ولازم له، والفصل الحقيقي لا ندركه ولذلك يقع الخلاف في مهيّات الأشياء (2)لأنّ كلّ واحد يدرك غير ما يدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم... .(3)

2. إبن الفناريّ(4)،

قال في كتابه (مصباح الأنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود _ تأليف صدر الدين القونوي _ ):

الفصل الثالث، في تبيين منتهى الأفكار وتعيين ما يسلكه أهل الإستبصار. معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم الله تعالى بالأدلّة النظريّة متعذّرة لوجوه مستنبطة من كلام الشيخ _ أي صدر الدين القونويّ _ .

ثمّ ذكر تسعة وجوه بالتفصيل لدعوى التعذّر المذكور، وذكر من جملتها:


1) . فيلسوف وطبيب من بخارى (370 _ 427ه- ، 980 _ 1037م)، وكان يرى أنّ عمر أعقل من أميرالمؤمنين؛ الشفاء، ص451.

2) . يعني ما هو الجنس والفصل لكلّ شيء.

3) . التعليقات، ص34 _ 35؛ وذكره في الأسفار، ج1، ص391، ولاحظ عبارته في: ج7، ص118.

4) . محمّد بن حمزة الرومي الفناري الحنفي (751 _ 834ه- 1350 _ 1430م) .

ألف: اختلاف الآراء المتناقضة مع عدم قدرة أحدها على إبطال دليل الآخر، دليلٌ (على) أن لا تعويل على نظره أيضاً مع أنّ أحدها باطل قطعاً فحصل الإحتمال في كلّ دليل.ب: الناظر كثيراً ما يعوّل على نظره برهة مديدة ثمّ يطلّع هو أو مَن بعده على خلله فيرجع، فهذا الإحتمال يتحقّق في كلّ نظر كان سبب التعويل أو سبب الرجوع، فلا اتكال على شيء منهما.

ج: إنّ أقرب الحقائق إلى الانسان نفسه ولا يدرك كنهها، فكيف بغيرها؟

د: اعترف أهل الميزان بأسرهم أنّ البسائط لا تُحدّ، والرَسم لا يعرّف كنهَ الحقيقة، ومعرفة المركّب فرع معرفة بسائطه، إذ كلّ مركّب ينحلّ إليها في الوجودين الذهنيّ والخارجيّ بحسب التركيب، وإذ لا موقوف عليه فلا موقوف، فلا علم بالحقائق أصلا..

وقال في ذيل بعض الوجوه: فالعلم بالحقائق متعذّر إلا من الوجه الخاصّ بارتفاع حكم النسب والقيود الكونيّة من العراف حال تحقّقه بمقام كنت سمعه وبصره _ مراده حال كشف الفناء العرفانيّ ، إلى أن قال: _ وقد قال الشيخ _ أي القونويّ _: لمّا اتضح لأهل البصائر أنّ لتحصيل المعرفة الصحيحة طريقين: طريق البرهان بالنظر، وطريق العيان بالكشف، وحال المرتبة النظريّة قد استبان أنّها لا تصفو عن خلل وعلى تسليمه لا تعمّ، فتعيّن الطريق الآخر.

وقال المحشّي على الكتاب في شرح عبارة «لا تعمّ» التي أوردها القونويّ: قال: بحيث يشتمل جميع الموارد والأمور كالحقائق البسيطة ونحوها ممّا يرجع إلى معرفة المبدء والمعاد.(1)

3. الفيلسوف الغربي كانْت(2)، قال ما خلاصته:

إنّ فهمنا تجاه الموجودات بوسيلة الحسّ والتجربة لا يدرك إلّا الظواهر


1) . مصباح الأنس، ص36.

2) . ايمانويل كانت فيلسوف ألماني (1804 _ 1724) .

والعوارض والقضايا الحادثة. أيدينا قاصرة عن فهم معرفة ذوات الموجودات وحقائقها، وإدراكنا بالنسبة إلى العوارض إنّما هو بقدر ما تقتضيه أذهاننا، ولا نعرفالواقع وحقيقة نفس الأمر فيها. وبعبارة أخرى: إنّ علمنا بالحوادث والعوارض ليس بمعنى إنطباق إدراكنا عليها، بل هي التي تنطبق على إدراكنا، ومعلوماتنا هي القسم الّذي يقتضيه الذهن، فالانسان يدرك ما يصنعه ذهنه والقسم الآخر ليس ميسّرا له.

وقال:

لستُ سوفسطائياً ولا أقول بأصالة التصوّر، ولا أنفي الموجودات ولا أنكر الحقائق. أنا أقيّم ميزان العقل وأعيّن حدوده حتّى يُعلم أين تبلغ يد العقل وأن لا تبلغ. إنّ الأغلاط التي وقع فيها الفلاسفة الجزميّون في تحقيق الذوات إلى قوّة العقل يمكن أن تشبّه بأغلاط الأطفال عند نظرهم إلى أطراف الأفق حيث يتصوّرون أنّها آخر سطح الأرض، ويتوهّمون أنّ الأرض تتصل في آخرها بالسماء وترتبطان معاً، وكلّما حاولوا أن يبلغوا ذلك ما ازدادوا إلّا بُعداً، وهذا اشتباه لا يصان منه أحد إلا إذا جاء منتقدٌ ورفع الاشتباه.

لا يستطيع الانسان بذهنه أن يدرك أموراً أعلى من الحسّ والتجربة، وإنّ فهمه وعقله ليس له إلا انتزاع الكلّيات ممّا يجده الحسّ والتجربة، أمّا أكثر من ذلك فلا.

وإن مَثَل صناعة الانسان للفلسفة بهذا القدر المحدود من المعلومات في مسألة حقائق الذوات والمجرّدات هو مَثَل الطير الّذي يسعى للطيران خارج الهواء، ومثل رجل يريد أن يبني قصرا يبلغ سطحه السحاب وليس له إلا ما يكفي لبناء بيت، ومثل رجل يريد التسلّق إلى السماء عبر السُلّم، أو هو بمنزلة من يريد الإمساك بظلّه. إنّ من يبتلي بهذه الاشتباهات إنّما يبتلي بها لتوهمّه أنّ قوانين ومقتضيات عقله هي قوانين حقائق الأمور... .(1)


1) . لاحظ كتاب: عارف وصوفي چه مي گويند، ص178 _ 181 (فارسي).

ومن علماء العصر الحديث:

4. قال كوريسي موريسن(1)،

في كتابه (سرّ خلقة الانسان):عندما ننظر إلى الكون اللامتناهيّ أو الطاقة العجيبة التي تكتنف نواة الذرّة، أو إلى العوالم التي تسبح في منظوماتها الشمسيّة من الكواكب السيارة والثابتة ممّا لا يُعدّ ولا يحصى، أو إلى قدرة أشعّة الأفلاك، أو إلى قوّة الجاذبيّة في الأرض والقوانين الأخرى التي يتقوّم عليها نظام الكون، عنده نعلم بحقارة وجود أنفسنا ونلتفت إلى ضحالة علمنا ومعرفتنا.

5. قال: وليام جيمس(2)،

فيما اشتهر عنه:

إنّ علمنا كالقطرة، لكنّ جهلنا كالبحر.

6. قال كاميل فلاماريون(3)

في كتابه «الموت وغموضه»:

يمكنني أن أسألك عن المجهولات عشر سنين ولا تتمكّن من الإجابة على أحدها.

7. قال ألكسس كارل (4)في كتابه: «الانسان ذلك المجهول» الصفحة 5:

من الواضح جدّاً أنّ مساعي جميع العلوم التي سعت إلى الإطلاع إلى حقيقة الانسان باتت في خيبة من أمرها ولم تبلغ أيّ نتيجة، ومعرفتنا لأنفسنا لا تزال تحمل في مطاويها الكثير من النقائص.(5)

وكثيرة هي الحقائق التي ربما يتوهّم الانسان في بادئ نظره وضوحها وبداهتها،


1) . ابراهام كورسي موريسون (1884 _ 1951) بروفوسور في الكيمياء ورئيس سابق لأكاديمية نيويورك للعلوم.

2) . وليام هنري جيمز (1842 _ 1910) فيلسوف وعالم انساني أمريكي، مؤسّس البراجماتية الفلسفية أو المذهب العمليّ.

3) . عالم فلك فرنسي (1842 _ 1925) ، وقد ترجم كتابه الكاتب المصري محمد فريد وجدي وأدرجه في كتابه: على أطلال المذهب المادي، ص138.

4) . عالم طبّ فرنسيّ (1874 _ 1944) حاز على جائزة نوبل في الطبّ.

5) . لاحظ كتاب: رهبران بزرگ ومسؤوليت های بزرگ تر، ص20 (فارسي).

وعند توقّفه وتأمّله لا يجد جهله فحسب، بل وجهل جميع نوابغ البشر وعجزهم عن إدراكه، والخلافات تشهد على ذلك، مثل حقيقة الانسان والروح والإرادة وو.

بل حتّى في الأمور المحسوسة، مع وفور أنواع الأدواتووسائل التحقيق، فأنت ترى الكثير منها من شتّى العلوم ومختلف الأبواب، ليس للبشر تجاهها إلا لائحة ضخمة من علامات الإستفهام والتساؤلات.

المسائل التي كانت تعدّ من البديهيّات عند فطاحلهم، وكانوا يقيمون البراهين العقليّة _ الاصطلاحيّة _ لإثباتها ولم يكن أحد يجيز لنفسه التشكيك فيها، صارت اليوم من الهباء المنثور والأساطير، وكذا في المسائل التي يكشف العقل كلّياتها كانوا عند تشخيص الجزئيّات والمصاديق يقعون في أغلاط فاحشة، وبين ذلك كلّه يبنون المباني ويفرّعون التفريعات، بعد مُضيّ قرون من التفكّر لم يجاوزوا فَهم الأوليّات من المحسوس فضلا عن غيرها، أليس هذا دليلا على حاجة البشر إلى المعلّم الربّانيّ؟

تحف العقول، عن أبي جعفر (علیه السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال لولده الحسن (علیه السلام) في وصيّته إليه: «...ثُمَّ فَزَّعْتُكَ بِأَنْوَاعِ الْجَهَالاتِ، لِئَلَّا تَعُدَّ نَفْسَكَ عَالِماً، فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَا يَعْلَمُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ قَلِيلٌ، فَعَدَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ جَاهِلاً، وازْدَادَ بِمَا عَرَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اجْتِهَاداً، فَمَا يَزَالُ لِلْعِلْمِ طَالِباً وفِيهِ رَاغِباً ولَهُ مُسْتَفِيداً ولِأَهْلِهِ خَاشِعاً ولِرَأْيِهِ مُتَّهِماً ولِلصَّمْتِ لَازِماً...».(1)

قال تعالى: (قَالُوا سبحَانَكَ لا علمَ لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم).(2)

وقال عزّ وجل: (عَلَّمَ الانْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم).(3)

وقال عزّ وجل: (وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُنْ تَعْلَم).(4)


1) . تحف العقول، ص73.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 32.

3) . سورة العلق (96)، الآية 5.

4) . سورة النساء (4)، الآية 113.

وقال عزّ وجل: (فَوَجَدَا عَبْدَاً مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً).(1)وقال عزّ وجل: (وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَاسِ لَا يَعْلَمُونَ).(2)

وقال عزّ وجل: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ).(3)

وقال عزّ وجل: (وَيُعَلِّمَكَ مِنْ تَأويلِ الأحَادِيثِ).(4)

وقال عزّ وجل: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأويلِ الأحَادِيثِ).(5)

وقال عزّ وجل: (رَبِّ قَدْ آتَيتَنِي مِن المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحَادِيثِ).(6)

وقال عزّ وجل: (وَاللهُ خَلَقَكُم ثُمَّ يَتَوفَّاكُمْ وَمِنْكُم مَنْ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَي لَا يَعلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيئاً إنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).(7)

9. في الفكر والتفكّر

اشارة

موضوع التفكّر من أساسيّات مسألة الاستفادة من نور العقل، وقد أُدرج هو الآخر في العلوم الاصطلاحيّة وتمّ الخلط بينه وبين مدلوله اللغويّ ومن ثمّ الابتعاد عن التفكّر الصحيح وعن محلّه، وبالنتيجة عدم فهم ما دعت إليه التعاليم الربّانيّة.

فنقول؛ لا يخفى مدى تأكيد الشرع على ضرورة التفكّر ، وقد بلغ الحثّ عليه حتّى ورد في الروايات المتواترة والمستفيضة منها ما يلي:

ورد في أمالي الشيخ، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ فِي صَنْعَةِ اللَّه».(8)

مجموعة ورّام، عن الإمام المجتبى (علیه السلام): «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وإِدَامَةِ التَّفَكُّرِ فَإِنَّ


1) . سورة الكهف (18)، الآية 65.

2) . سورة يوسف (12)، الآية 68.

3) . سورة الأنبياء (21)، الآية 80.

4) . سورة يوسف (12)، الآية 6.

5) . سورة يوسف (12)، الآية 21.

6) . سورة يوسف (12)، الآية 101.

7) . سورة النحل (16)، الآية 70.

8) . الأمالي (للطوسی)، ص146، ح240 _ 53.

التَّفَكُّرَ أَبُو كُلِّ خَيْرٍ وأُمُّه».(1)

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «افْكِرْ تَفُقْ»،(2)و: «افْكِرْتَسْتَبْصِرْ».(3)

لهذا يلزم معرفة المعنى الصحيح للتفكّر كي تتيسّر الاستفادة الصحيحة منه.

المقام الأوّل: التفكّر في اللّغة والنصوص
التفكّر في اللغة

لسان العرب:

الفَكر والفِكر: إعمال الخاطر في الشيء.

مصباح المنير:

الفِكر بالكسر تردّد القلب بالنظر والتدبّر لطلب المعاني.

المنجد:

فكر... وفكّر وأفكَر وتفكّر في الأمر: أعمَلَ الخاطر فيه وتأمّله..الفكر (ج أفكار): تردّد الخاطر بالتأمّل والتدبّر بطلب المعاني، ما يخطر بالقلب من المعاني، يقال: (لي في الأمر فكر) أي: نظر ورؤية، ويقال: (ما لي في الأمر فَكر أو فِكر) أي: حاجة.

مجمع البحرين بعد نقله عن الفخر الرازيّ أنّ الفكر عملُ القلب، والطاعة عمل الجوارح:

التفكّر:

التأمّل. والفِكر _ بالكسر _ اسم منه، وهو لمعنيين: أحدهما: القوّة المودعة في مقدّمة الدماغ. ثانيهما: أثرها، أعني: ترتّب أمور في الذهن يتوصّل بها إلى مطلوب يكون علماً أو ظنّاً...وفي الحديث: «مَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَاتِ الله تَزَنْدَقَ» أي: مَن تأمّل في معرفة الذات تزندق، لأنّه طَلَبَ ما لم


1) . مجموعة ورّام، ج1، ص52.

2) . غرر الحكم، ح6.

3) . غرر الحكم، ح15.

يَطلب ولم يصل إليه نبيّ ولا وصيّ ولا وليّ... وقولهم: «ليس في هذا الأمر فكر» أي: ليس لي فيه حاجة.

الدرّ النظيم في لغات القرآن العظيم:

التفكّر: التأمل.

مصباح الفيّوميّ:الفكر: تردّد القلب بالنظر، والتردّد لطلب المعاني.

أقرب الموارد:

فكر في الشيء..أعمَلَ النظر فيه وتأمّله..«الفكر» تردّد القلب بالنظر والتدبّر بطلب المعاني. ج أفكار. «لي في الأمر فكر» أي: نظر ورؤية. «ما لي فيه فَكر وفِكر» أي: حاجة.

مفردات الراغب:

الفكرة قوّة مطرِقة للعلم إلى المعلوم، والتفكّر جَوَلان تلك القوّة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ الله ولَا تَفَكَّرُوا فِي الله، إِذْ كَانَ الله منزّهاً أَنْ يُوصَفَ بِصُورَةِ..» قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يُستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلباً للوصول إلى حقيقتها.

فالتفكّر إذن إعمال النظر والتدبّر للحصول على الواقع والعبرة وما إلى ذلك، وفي القاموس:

الفكر: إعمال النظر في الشيء.

ما يقابل التفكّر

أطلق التفكّر في الأخبار تارة على ما يقابل «الغفلة» وأخرى مقابل «السهو».

وفي تحف العقول، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) في خطبة الوسيلة: الْفِكْرَةُ تُورِثُ نُوراً، والْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ.(1)

وفيه عنه عليه السلام في وصيّته لولده الحسين (علیه السلام): أَيْ بُنَيَّ الْفِكْرَةُ تُورِثُ نُوراً، والْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ.(2)

وفي المناقب، عنه (علیه السلام): وأَنْ جَعَلَنِي مُتَفَكِّراً وَاعِياً، لَا أَبْلَهَ سَاهِياً.(3)

وفي الأمالي، عن الصادق (علیه السلام): وكُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ فِيهِفِكْرَةٌ فَهُوَ غَفْلَة.(4)

وفي الخصال، عنه (علیه السلام) في حديث العقل وجنوده: التَّفَكُّرُ وضِدَّهُ السَّهْو.(5)

السهو في اللغة

وأمّا «السهو» في كلمات اللغوييّن، ففي المنجد:

سها..في الأمر وعن الأمر: غَفَل عنه ونسيه وذهب قلبُه إلى غيره، فهو ساه..السهو ج سهاء (مص) السكون واللين..السُّهى والسّها: (فك) كوكب خفيّ من بنات نعش الصغرى.

كتاب العين:

السهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه..

مفردات الراغب:

السهو خطاءٌ عن غفلة، وذلك ضربان: أحدهما أن لا يكون من الانسان جوالبه ومولّداته كمجنون سَبَّ إنسانا. والثاني: أن يكون منه مولّداتُه كمن


1) . تحف العقول، ص100.

2) . تحف العقول، ص88.

3) . المناقب، ج2، ص355.

4) . الأمالي (للصدوق)، ص27، ح2.

5) . الخصال، ج2، ص589، ح13؛ وأيضا حديث موسى بن جعفر (علیهما السلام) في تحف العقول، ص401.

شرب خمراً ثمّ ظهر منه منكر لا عن قصد إلى فعله. والأوّل معفوّ عنه، الثاني مأخوذ به..

أقرب الموارد:

سها في الأمر وعنه، يسهو سَهواً وسُهوّاً: نسيه وغفل عنه وذهب قلبه إلى غيره... وقيل: إذا عدّي (سها) ب(في) كان معناه الترك مِن علم، وإذا عدّي ب(عن) كان معناه الترك عن علم. ويقال: عمل لا يسهى ولا ينهى، أي: لا تبلغ غايته لكثرته..(ساهاه) في العشرة مساهاة: ترك الإستقصاء أي: خالقه وساهله.

مجمع البحرين:

قوله تعالى: (الّذِينَ هُم عَنْ صلاتِهِمْ ساهون)(1)قيل: السهو فيالشيء تركه عن غير علم، والسهو عنه تركه مع العلم..وفي الحديث عن يونس بن عمّار، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن قوله: (وَالّذِينَ هُم عَنْ صلاتِهِمْ ساهون) أهي وسوسة الشيطان؟ فقال (علیه السلام): «لَا، كُلُّ أَحَدٍ يُصِيبُهُ هَذَا، ولَكِنْ أَنْ يَغْفُلَهَا ويَدَعَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا».(2)وعن أبي أسامة زيد الشحّام قال: سألتُ أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله: (وَالّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) قال (علیه السلام): «هُوَ التَّرْكُ لَهَا والتَّوَانِي عَنْهَا».(3)وعن محمّد بن فضيل، عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: «هُوَ التَّضْيِيعُ لَهَا».(4)وفُسّر السهو بزوال المعنى عن الذاكرة فقط وبقاؤه مرتسماً في الحافظة بحيث يكون كالشيء المستور. والنسيان زواله عن القوّتين الذاكرة والحافظة. وفي الصحاح: السهو: الغفلة. وقد سها عن الشيء فهو ساه، والنسيان خلاف الذكر والحفظ.


1) . سورة الماعون (107)، الآية 5.

2) . بحارالأنوار، ج80، ص6، عن العياشيّ.

3) . بحارالأنوار، ج80، ص6، عن العياشيّ.

4) . بحارالأنوار، ج80، ص6، عن العياشيّ.

موضع التفكير

بَعد إمعان النظر في كلماتهم وموارد إطلاق مادّة الفكر ومشتقّاتها، لابدّ في هذا المقام من التوجّه إلى أنّ الحقائق التي تواجه الإنسان على أقسام؛

· فمنها الحقائق الجليّة والواضحة والتي يكون العبد ملتفتاً إليها.

· ومنها الحقائق التي لا يوجد سبيل إلى إدراكها مهما سعى اليها ومهما تأمّل وتردّد فيها بذهنه، لكونها فوق حيطة الفهم والإدراك.

· ومنها الحقائق الجليّة التي يعلم بها لكنّه غير متوجّه إليها.

· ومنها الحقائق التي يجهلها ولا استحالة في معرفتها.

أمّا القسم الأوّل فالإنسان العاقل يعترف بما يعلم بالتصديقوالإذعان.

وأمّا الثانيّ فإنّ السعي للإحاطة بما فوق حدّ العقل لا يجني إلا إرباك الروح والتكلّف، ومَن يغور في ذلك يضلّ ويشقى.

وأمّا الثالث فينبغي الإلفتات إلى عوامل الغفلة وموجبات زوالها، فإذا تخلّص منها استنار قلبه.

وأمّا الرابع فيطلب العاقل العلم النافع بالأخذ من أهل العلم حتّى ينجو من مخاطر الجهل ويتمكّن من عقال النفس ومجانبة السيئات والمساوئ.

والناس أمام القسمين الأخيرين على صنفين:

صنف يتخذ موقف اللامبالاة وترك النظر وذهاب القلب، ولا يعير اهتماما ولا ينظر في حاله وما يمكن أن يعالج به جهله، فيمرّ بتسامح وتساهل، ومصيره الانحراف.

وصنف يتأمّل للحصول على هدى، فيجلو الخاطر فيما يرفع به موانع المعرفة، وينبّه بالفكر قلبه، ليكون على بصيرة وهدى بما يحتاجه، ويلتفت إلى جهله وخطورته فيستعمل عقله ويعقل به نفسه بالالتزام، ولذلك لا يأخذ العلم إلا ممن يضمن به نجاته، ثمّ يكثر النظر في العلم، ويحذر مزالق الغفلة، فيشكر نعمة العقل والعلم ليستحق الزيادة.

وأيضاً يستفيد مما تدركه الحواسّ حوله، فتكون له عبرة وهي تعني العبور مما يراه ويسمعه إلى أخذ الدرس والموعظة، ويفكّر بالموت بعد الحياة، ويتأمّل في فجائع الدنيا، وزوال النعم، وفي خلق السماوت والأرض وفي عجائب المصنوعات، وينظر في آثار رحمة الله وقدرته وحكمته، ويصغي إلى العلم ويعطيه مسامعه ويتوجّه بقلبه ويسعى إلى تعقله عقل دراية، فيزداد بصيرة وعقلاً وعلما وعملا.

الكافي، عن الحسن الصيقل قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) عَمَّا يَرْوِي النَّاسُ أَنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ يَتَفَكَّرُ؟ قَالَ (علیه السلام): «يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ أَوْ بِالدَّارِ فَيَقُولُ: أَيْنَ سَاكِنُوكِ؟ أَيْنَ بَانُوكِ؟ مَا بَالُكِ لَا تَتَكَلَّمِين»؟.(1)وفي الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ إِدْمَانُ التَّفَكُّرِ فِي الله وفِي قُدْرَتِهِ».(2)

وفي الكافي، عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) يَقُولُ: «لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ والصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ الله(عزّ و جّل)».(3)

الخصال، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ عِبَادَةِ أَبِي ذَرٍّ رضوان الله تعالى عليه خَصْلَتَيْنِ؛ التَّفَكُّرَ والِاعْتِبَارَ».(4)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْمُؤْمِنُ مَغْمُومُ بِفِكْرَتِهِ».(5)

ومن أهمّ ما يجب على العبد إجالة الفكر فيه وأكثر الأشياء فائدة وأثراً على روحه وسعادته هو التفكّر في كلام الله تعالى، فيقرأ آياته سبحانه ويقف عندها، فيتفكّر في أمره سبحانه وفي صنعته، وما أخبر عن الأمم السالفة والأزمنة الخالية، هذا يحيي القلب الميّت، ويشفي القلب المريض، ويكسو القلب المظلم بالأنوار، وما أعجبه من أثر! قال تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(6)


1) . الكافي، ج2، ص54، ح2.

2) . الكافي، ج2، ص55، ح3.

3) . الكافي، ج2، ص55، ح4.

4) . الخصال، ج1، ص42، ح33.

5) . غرر الحكم، ح1415.

6) . سورة الأعراف (7)، الآية 176.

وقال تعالى: (إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون).(1)

وقال تعالى: (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون).(2)

وقال تعالى: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(3)

وقال تعالى: (وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(4)

وأيضا النظر فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته (علیهم السلام) وفي أحوالهم وحكمهم وتعالیمهم.ثمّ إنّ التفكر وهو الجولان القلبيّ والتوجّه والنظر في الحقائق والتأمّل فيها هو عمل من أعمال القلب، وكذا السهو الذي هو ذهاب القلب وعدم الإعتناء واللامبالاة، فكثیراً ما هما تحت سلطنة الانسان وقدرته، وحالهما حال التصديق والجحود، والفكر هو من جنود العقل ولا يمكن إلا مع وجود العقل.

كنز الفوائد، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام): «الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ، والْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ، والْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الْحَوَاسِّ، والْحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاء».(5)

التفكّر الممدوح والتفكّر المذموم

قد يقع التفكّر على ما لا يجوز الخوض فيه، فهو ممنوع، من قبيل التفكّر في ذات الله تعالى أو في حقيقة القضاء والقدر، أو التفكّر في الشرّ كالتخطيط لجريمة وتحصيل معصية، وقد يكون للوصول إلى الأحكام المولوية التي ليس للعقل فيها نصيب إلا بالعلم.

وقد يكون الفكر أسيراً للأوهام، أو لا يريد صاحبه التفكّر خارجاً عن قناعاته، كأن يفكر في سبب نشوء الكون وقد رفض مسبقا مسألة وجود الخالق، فهو يغلق


1) . سورة الرعد (13)، الآية 3؛ سورة الروم (30)، الآية 21؛ سورة الزمر (39)، الآية 42؛ سورة الجاثية (45)، الآية 13.

2) . سورة يونس (10)، الآية 24.

3) . سورة النحل (16)، الآية 44.

4) . سورة الحشر (59)، الآية 21.

5) . كنز الفوائد، ج1، ص200.

باب التفكر في مصنوعية المصنوعات، أو يقبل بالخالق ولكن يعتقد بشباهته بمخلوقاته ولا يرضى بغير ذلك، أو يفكّر في جواب الخصم للفرار من الحقّ، قال تعالى: (إنَّه فَكَّرَ وَقدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَر ثُمَّ أدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إنْ هَذَا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذَا إلاّ قَولُ البَشَرِ).(1)

هذا النمط من التفكر لا ينتفع به الإنسان، بل يزيده ضلالا، فكما أنّ التفكّر السليم يرشد ويهدي إلى النور والمعرفة، فالتفكّر غير السليم يبعد من النور ويسوق إلى الظلمات، ومن هذا القبيل التفكّر المستند إلى جنود الجهل التي هي شيطنة ووساوس.غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «فِكْرُ الْجَاهِلِ غَوَايَةٌ».(2)

إذن الفحص في مواضيع لا يمكن تحصيلها والتفكر في أمور مضلّلة والمقاصد القبيحة ومحاولة استكشافها، كل ذلك تفكّر محرّم عقلا ولا يجوز إجالة القلب فيما يسخط الله تعالى شرعاً.

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «مَنْ تَفَكَّرْ فِي ذَاتِ الله سُبْحَانَهُ أَلْحَدَ».(3)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «مَنْ تَفَكَّرَ فِي عَظَمَةِ الله أَبْلَس».(4)

الكافي، عنه (علیه السلام) في خطبة الوسيلة: «ومَنْ أَفْكَرَ فِي ذَاتِ الله تَزَنْدَق».(5)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ فِي غَيْرِ الْحِكْمَةِ هَوَس».(6)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «صِيَامُ الْقَلْبِ عَنِ الْفِكْرِ فِي الْآثَامِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ الْبَطْنِ عَنِ الطَّعَامِ».(7)


1) . سورة المدّثر (74)، الآيات 18 _ 25.

2) . غرر الحكم، ح6531.

3) . غرر الحكم، ح835.

4) . غرر الحكم، ح1554.

5) . الكافي، ج15، ص68، ح4.

6) . غرر الحكم، ح1278؛ قال في لسان العرب: الهَوَس بالتحريك: طرف من الجنون.

7) . غرر الحكم، ح5873.

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «فِكْرُكَ فِي الْمَعْصِيَةِ يَحْدُوكَ عَلَى الْوُقُوعِ فِيهَا».(1)

وأمّا جولان القلب الممدوح فهو التفكّر الذي أساسه العقل لا الجهل، وهو التفكّر في الخير، وفي آلاء الله، وفي ملكوت السماوات والأرض، ولإصلاح المعاد، واستدراك فساد الأمور، والإعتبار، وفي كلّ ما يزيد العبد عبودية، وسواء هو إجالة الفكر فيما يعلم كالتفكر في أخطاء نفسه وفي ضعفه وجهله، وفي وعد الله ووعيده والتأمل في الحكمة، أو فيما لا يعلم مما لا يمتنع، كالتفكر في الأمر قبل ملابسته، والعواقب، وما يمكن أن يرفع به غفلته.غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «فِكْرُ الْعَاقِلِ هِدَايَةٌ». (2)

فيما يلي إشارة إلى بعض النصوص الشريفة، وينبغي للعاقل أن لا يهمل ما حثّت ودعت إليه من التفكّر.

قال تعالى: (الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار).(3)

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «التَّفَكُّرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ عِبَادَةُ الْمُخْلَصِينَ».(4)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ فِي الْخَيْرِ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِه».(5)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «مَنْ تَفَكَّرَ فِي آلَاءِ الله وُفِّقَ».(6)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ فِي الْعَوَاقِبِ يُنْجِي مِنَ الْمَعَاطِبِ».(7)


1) . غرر الحكم، ح6567.

2) . غرر الحكم، ح6530.

3) . سورة آل عمران (3)، الآية 191.

4) . غرر الحكم، ح1817.

5) . غرر الحكم، ح1437.

6) . غرر الحكم، ح850.

7) . غرر الحكم، ح1498.

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ فِي الْأَمْرِ قَبْلَ مُلَابِسَتِهِ يُؤْمِنُ الزَّلَلَ».(1)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ يُوجِبُ الِاعْتِبَارَ ويُؤْمِنُ الْعِثَارَ ويُثْمِرُ الِاسْتِظْهَارَ».(2)

جامع الأخبار، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «وأَفْضَلُ التَّفَكُّرِ ذِكْرُ الْمَوْتِ».(3)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «مَنْ أَكْثَرَ الْفِكْرَ فِيمَا تَعْلَمُ أَتْقَنَ عِلْمَهُ وتَفَهَّمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَفْهَمُ».(4)غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «طُولُ الْفِكْرِ يَحْمَدُ الْعَوَاقِبَ ويَسْتَدْرِكُ فَسَادَ الْأُمُور».(5)

غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «فِكْرُكَ فِي الطَّاعَةِ يَدْعُوكَ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا».(6)

دعوات الراوندي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَا رَبِيعَةُ، خَدَمْتَنِي سَبْعَ سِنِينَ، أَفَلَا تَسْأَلُنِي حَاجَةً؟»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَمْهِلْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ودَخَلْتُ عَلَيْهِ، قَالَ لِي: «يَا رَبِيعَةُ، هَاتِ حَاجَتَكَ». فَقُلْتُ: تَسْأَلُ اللَّهَ(عزّ و جّل) أَنْ يُدْخِلَنِي مَعَكَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِي: «مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا؟»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا عَلَّمَنِي أَحَدٌ، لَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي وقُلْتُ: إِنْ سَأَلْتُهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) مَالًا كَانَ إِلَى نَفَادٍ، وإِنْ سَأَلْتُهُ عُمُراً طَوِيلًا وأَوْلَاداً كَانَ عَاقِبَتُهُمْ الْمَوْتَ، قَالَ رَبِيعَةُ: فَنَكَسَ (صلی الله علیه و آله و سلم) رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُود».(7)

ثمّ هناك مجموعة أمور تدور في فلك واحد، هي؛ التعقّل والتذكّر والتعلّم والتدبّر والمعرفة والتواضع.

فأمّا التعقّل فهو الاستفادة من العقل وهو ممدوح لأنّه يوجب عقال النفس بكشف الحَسن والقبيح، وهو «ما عُبِدَ به الرحمن، واكتُسِبَ به الجِنان».(8)


1) . غرر الحكم، ح1894.

2) . غرر الحكم، ح2145.

3) . جامع الأخبار، ص165.

4) . غرر الحكم، ح573.

5) . غرر الحكم، ح6002.

6) . غرر الحكم، ح6566.

7) . الدعوات (للراوندي)، ص39، ح95.

8) . الكافي، ج1، ص11، ح3.

وأما التذكّر فهو إزالة حجب الغفلة عن الحقائق المكشوفة، وأمّا التعلّم فهو طلب العلم بما يجهله مما يكتسب بالتعلّم.

وأمّا التدبّر فهو من «دَبَر» الذي هو النظر في عاقبة الأمر. في الحديث: «التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ».(1)

وأمّا المعرفة، فهي العلم المعتضد بالقبول، ولهذا كان خلافها الإنكار كما في حديث جنود العقل.

وأمّا التواضع فهو تصغير النفس وإخضاعها أمام الحقّ إذاظهر.

مع ملاحظة هذه المفردات يظهر أنّ التفكر هو القدم الأوّل في مسير كشف الحقائق وإصابتها، كما أنّه يواكب سائر المراحل وبعدها أيضا.

غرر الحكم، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «أَصْلُ الْعَقْلِ الْفِكْرُ وثَمَرَتُهُ السَّلَامَةُ».(2)

وفي الكافي، عنه (علیه السلام): «إِنَّ التَّفَكُّرَ يَدْعُو إِلَى الْبِرِّ والْعَمَلِ بِهِ».(3)

وفي غرر الحكم، عنه (علیه السلام): «الْفِكْرُ إِحْدَى الْهِدَايَتَيْن». (4)

المقام الثاني: التفكّر في الفلسفة
اشارة

فَهم الحقائق المجهولة في ظلّ إمعان النظر في الحقائق المعلومة ليس من قبيل ما ذُكر في المنطق من ضمّ مجهول إلى معلوم كما ستعرف، ولا هو لأجل كون الفكر بمعنى استخراج النظريّ من الضروريّ كما هو المرسوم في التعريف الاصطلاحيّ، بل لأنّ التذكّر إلى الحقائق المنكشفة والتوجّه والإعتناء بها، والّذي يُعدّ من الشكر لنعمة العلم كما عرفت، يوجب ازدياد العبد وإعطاء الفهم والمعرفة والعلم فيما لم يكن يعلم من قبل، كلّ ذلك بإرادة الله ومنّته.


1) . الأمالي (للصدوق)، ص446، ح9.

2) . غرر الحكم، ح404.

3) . الكافي، ج2، ص55، ح5؛ للمزيد راجع معجم آيات القرآن، مادّة «فكر» وبحارالأنوار، ج71، ص314، باب80؛ ومستدرك السفينة، ج8، ص284 «لغة: فكر».

4) . غرر الحكم، ح39.

ومضى تصريح اللغويين بأنّ التفكر هو «إعمال النظر» أو «تردّد القلب» أو «جولان القلب» أو «التردّد لطلب المعانيّ» الذي هو مصداق التفكّر، وبعض منهم ذكر معناه الاصطلاحيّ لا اللغوي، فلابد من التوضيح.

قال العلامة المجلسيّ (قدس سره) بعد ذكره للخبر الشريف عن الكافي: «نَبِّهْ بِالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ وجَافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ واتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ».(1)قال (رحمه الله):

بيان ..التفكّر إعمال النظر فيما يفيد العلم به قوّة الإيمان واليقين والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

قال الغزاليّ:

حقيقة التفكّر طلب علم غير بديهيّ من مقدّمات موصلة إليه، كما إذا تفكّر أنّ الآخرة باقية والدنيا فانية، فإنّه يحصل له العلم بأنّ الآخرة خيرٌ من الدنيا، وهو يبعثه على العمل للآخرة. فالتفكّر سبب لهذا العلم، وهذا العمل حالة نفسانيّة، وهو التوجّه إلى الآخرة، وهذه الحالة تقتضي العمل لها، وقِس على هذا. فالتفكّر موجب لتنوّر القلب وخروجه من الغفلة وأصل لجميع الخيرات.

وقال المحقّق الطوسيّ (قدس سره):

التفكّر سير الباطن من المبادي إلى المقاصد، وهو قريبٌ من النظر، ولا يرتقي أحد من النقص إلى الكمال إلا بهذا السير، ومباديه الآفاق والأنفس، بأن يتفكّر في أجزاء العالَم وذرّاته، وفي الأجرام العلويّة، من الأفلاك والكواكب، وحركاتها وأوضاعها ومقاديرها واختلافاتها ومقارناتها ومفارقاتها وتأثيراتها وتغييراتها، وفي الأجرام السفليّة وترتيبها وتفاعلها وكيفياتها ومركّباتها ومعدنيّاتها وحيواناتها، وفي أجزاء الانسان وأعضائه من العظام والعضلات والعصبات والعروق، وغيرها ممّا لا يحصى كثرة. ويستدلّ بها وبما فيها من


1) . الكافي، ج2، ص54، ح1.

المصالح والمنافع والحكم والتغيير على كمال الصانع وعظمته وعلمه وقدرته، وعدم ثبات ما سواه.

وبالجملة، التفكّر فيما ذكر ونحوه من حيث الخلق والحكمة والمصالح أثره العلم بوجود الصانع وقدرته وحكمته، ومن حيث تغيّره وانقلابه وفنائه بعد وجوده أثره الإنقطاع منه، والتوجّه بالكلّيّة إلى الخالق الحقّ.

ومن هذا القبيل التفكّر في أحوال الماضين، وانقطاع أيديهم عن الدنيا وما فيها، ورجوعهم إلى دار الآخرة، فإنّه يوجبقطع المحبّة عن غير الله والإنقطاع إليه بالتقوى والطاعة، ولذا أمر بهما بعد الأمر بالتفكّر، ويمكن تعميم التفكّر بحيث يشمل التفكّر في معاني الآيات القرآنيّة والأخبار النبويّة والآثار المرويّة عن الأئمة الأطهار والمسائل الدينيّة والأحكام الشرعيّة. وبالجملة، كلّ ما أمر به الشارع الصادع بالخوض فيه والعلم به.(1)

اقول: كلامه (قدس سره) يسترعي الانتباه من جهات:

الجهة الأولى: بيانه في معنى التفكّر أنّه: «إعمال النظر فيما يفيد العلم به قوّة الإيمان واليقين والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة». هذا التفسير ليس بيانا لمطلق معنى الفكر، وإنّما خصوص الممدوح منه في الشرع، وشرح لقول الإمام (علیه السلام): «نَبِّهْ بِالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ» وما ذكره لاحقاً تعقيب في التوضيح، وأردف بعد ذلك في نقل كلمات الآخرين.

الجهة الثانية: المراد من إعمال الفكر هو إعمال النظر، صرّح بذلك في غير موضع من البحار(2)وهذا هو المعنى اللغويّ للتفكّر، وكثيراً ما يستعمل الفكر والنظر أحدهما في موضع الآخر.

الجهة الثالثة: إنّ التفكّر عند الفلاسفة عبارة عن حركة النفس من أمر مجهول، تتوجه إليه النفس ابتداءاً نحو المبادي والمقدّمات المعلومة، ثمّ حركتها من


1) . بحارالأنوار، ج68، ص318 _ 320.

2) . لاحظ: بحارالأنوار، ج54، ص137؛ ج61، ص40؛ ج64، ص305.

المبادي نحو المراد وهو أمر مجهول، فتعريف الغزاليّ والمحقّق الطوسيّ تعريف على الاصطلاح، وهو مذكور على ألسنة آخرين.

قال السبزواريّ:

والفكر حركة إلى المبادي *** ومن المبادي إلى المراد(1)

وقال الفارابيّ:الفكر تطرّق الذهن لمعرفة مجهول من معلوم.(2)

وقال شيخ الإشراق:

الفكر حركة النفس إلى تحصيل المبادي لينتقل إلى المطالب.(3)

وقال الملّا صدرا:

المنطق قسطاس إدراكيّ يوزَن به الأفكار ليُعلم صحيحُها من فاسدها. والفكر انتقال الذهن فيما حضر عنده من صور الأشياء _ وهو المسمّى بالعلم _ لينتقل إذا كان على ترتيب خاص إلى ما لا يحضر من جهة ما لا يحضر _ وهو الجهل _ . والمراد منه مجموع الانتقالين لا الّذي بإزاء الحدس، وقد لا يكون الترتيب على نحو التأدية أو فيما يتأدّى عنه وهو الخطأ فاحتيج إلى العاصم.(4)

المتحصّل من هذه العبارات أنّ الفكر عبارة عن حركتين للذهن، فإنّ الذهن يقوم لأجل تحصيل علم جديد (كشف المجهولات) بفعّاليتين؛ الأولى انتخاب المادّة (المعلومات المسبقة) والثانية: الصناعة الفكرية (ربط الموادّ مع بعض وتشكيل هيئة صورية).

فهما حركتان؛ واحدة لدى توجّه الذهن إلى أحد مجهولاته ورجوعه إلى معلوماته السابقة لانتخاب ما يناسب مجهوله الفعلي، وهذه الحركة هي من المطلوب نحو


1) . شرح المنظومة، قسم المنطق، ص9؛ (غوص في تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق).

2) . المنطقيّات، ج3، ص25.

3) . مجموعة مصنفات شيخ إشراق، ج4، ص207.

4) . اللمعات المشرقيّة، ص3.

المبادي (المقدّمات).

والحركة الثانية رجوع الذهن من المعلوم السابق إلى المجهول الفعليّ. ومع توسّط مجموع هاتين الحركتين ينكشف المجهول في الذهن.

وهذا مرادهم من ضمّ المجهولات إلى المعلومات وكشف المجهولات بتلك العمليّة، أو إنضمام الصغرى إلى الكبرى وتولّد النتيجة.

الجواب

هذه التعريفات ونظائرها مخدوشة من جهات، أوّلها أنّها لغة الاصطلاح لا اللغة التي وضعت لها تلك الألفاظ في كلام العرب، فالتفكير الفلسفي أجنبيّ عن التفكير اللغوي، ومع الإغضاء عن ذلك نقول:

أوّلا: الفكر بمعناه الفلسفيّ مترتب على ما عرّفوا به العلم من حصول صورة الشيء عند النفس أو حضور المعلوم عند العالم، وأنّه من الحالات والكيفيات النفسانيّة، وقد عرفت أنّ نور العلم حقيقة وراء النفس وخارج عن حقيقتها، فإنّه يُعطى لروح العبد بإعطاء الله سبحانه تارة ويُسلب تارة اخرى، فالعلم غير النفس.

ثانياً: مع التوجه والالتفات إلى الأحاديث السابقة وغيرها في موضوع التفكّر يظهر بأنّ التفكر يوجب استنارة النفس، وأحيانا بيان أنّه من آثار وبركات العقل، وأيضا هو مقدمة للاستضاءة بنور العقل، والخلاصة أنّه فعل من أفعال القلب والموجب للنورانية والحكمة في النفس. بينما الفكر بحسب الفلسفة هو حالة من حالات النفس، لأنه بناءا على نظرياتهم فإن النفس هي التي تصل من القوة والاستعداد إلى الفعلية.

ثالثا: بناءا على ما قالوا يكون ضم مجهول إلى معلوم يوجب حصول علم جديد، وقد وضّحنا سابقا أن حقيقة العلم هي غير المعلومات، وأن كل معلوم إنما يصير منوّراً معلوما ببركة العلم، فظهر أنّ المعلوم في الحقيقة وبحسب ذاته شيء مجهول ومظلم، فكيف يصير ضم شيئين هما في حقيقتهما مظلمين موجباً للنورانية

والعلم؟ أو: ان التفكر الفلسفيّ یوجب حصول الصور الذهنيّة، والصور كما تنبهت لا یمكن أن تسمی علماً لإنّها لا تكشف عن واقع ولا یمكن إثبات مطابقتها معه.

رابعا: الغفلة تقابل التفكّر كما تنبهت، فالإنسان عندما يكون غافلا عن حقيقة معينة كانت معلومة عنده، ثم التفت إليها فيما بعد، سواء ببركة المذكّر الخارجي كالمعصوم أو بلاواسطة، ومع الالتفات إلى ذلك الأمر البديهي والواضح توجّه إلى أمر بديهي آخر كان غافلا عنه أيضا، فإن هذا الالتفات والتذكر بالنسبة للأمر البديهي الأول تُطلق عليه كلمة التفكر، وعليه فتعريفه بانتقال النفس من أمر بديهي ومعلوم إلى مجهول غير صحيح.

في جامع الأخبار، في النبويّ الّذي مرّ ذكره: «وأَفْضَلُ التَّفَكُّرِ ذِكْرُ الْمَوْتِ».(1)

فالتوجّه إلى الموت الّذي هو من أشدّ الحقائق بداهة ووضوحاً قد أطلق عليه التفكّر.

وفي البحار، عن مولانا الصادق (علیه السلام) في حديث الإهليلجة: «...وذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ يُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ الَّذِي فِيهِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الرِّيحَ لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ تِلْقَائِهَا، وأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُتَحَرِّكَةَ لَمْ تَكْفُفْ عَنِ التَّحَرُّكِ ولَمْ تَهْدِمْ طَائِفَةً وتُعْفِي أُخْرَى ولَمْ تَقْلَعْ شَجَرَةً وتَدَعُ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا ولَمْ تَصُبَّ أَرْضاً وتَنْصَرِفُ عَنْ أُخْرَى، فَلَمَّا تَفَكَّرَ الْقَلْبُ فِي أَمْرِ الرِّيحِ عَلِمَ أَنَّ لَهَا مُحَرِّكاً هُوَ الَّذِي يَسُوقُهَا حَيْثُ يَشَاءُ ويُسَكِّنُهَا إِذَا شَاءَ ويُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ويَصْرِفُهَا عَمَّنْ يَشَاءُ...».(2)

أشار (علیه السلام) إلى أنّ التوجّه والتفكّر في أمر واضح مغفول عنه _ وهو عدم دوام حركة الريح _ يجعل الإنسان يلتفت إلى أمر واضح آخر مغفول عنه هو عدم ذاتيّة الحركة للريح، ونتيجة التوجّه لهاتين الحقيقتين يلتفت إلى حقيقة ثالثة واضحة أيضا كان قد غفل عنها هي أنّ للريح مَن يحرّكها ويسوقها؛ لأنّ الأثر لا يكون إلا بمؤثّر ولا مصنوع بلا صانع.

هذه العمليّة تسمّى بالتفكّر وليس في تضاعيفها شيء مجهول، فلاحظ.


1) . جامع الأخبار، ص165.

2) . بحارالأنوار، ج3، ص162، ح1.

المقصد الثالث: في القطع وفي حجّيّته
اشارة

بعد أن تنبّهتَ إلى ضرورة وجود العلم الذي يتكفّل بكشفالواقع في أصول الحقائق، وأنّه الحجّة التي حجّيته ذاتيّة لكشفه الذاتيّ، ووجوب تحصيله في العقائد الأساسيّة بحكم العقل الذي هو من العلم، نعطف الكلام إلى مسألة القطع والحديث عن سعة حجيّته، وذلك لما تعرف من ذهاب جملة من الأعلام قدّس سرهم إلى القول بحجّيته الذاتيّة.

فاعلم أنّ القطع _ بناءا على المشهور _ هو حالة الجزم في النفس لا يحتمل الإنسان لدى حصوله الخلاف، وأنت حيث عرفت أنّ الكشف الذاتيّ هو أساس الحجّة الذاتيّة بحيث تدور مداره، فلا يمكن المصير إلى هذا المعنى من الحجّية للقطع الذي يجوز فيه الخطاء.

أمّا إرادة المعذريّة من الحجيّة الذاتيّة بمعنى أنّ كلّ قاطع فهو معذور بما يعمله بقطعه، بل يجب عليه ذلك متى حصل له من أيّ سبب كان إذ لا معنى لنهيه عن قطعه، فهنا ينبغي ملاحظة الفطرة العقلائيّة وسعة دائرة إعذار القاطع عند العقلاء، فهل هو كذلك حتى فيما لم يكن سببه سبباً عقلائياً أو لا؟ ثمّ يلزم النظر في حجّيته الشرعيّة وما أمضاه الشارع منه، أو ما تصرّف في حجّيته تضييقا وتحديدا أو بالردع من جعله طريقاً إلى معارفه، وسيأتي بعض الكلام فيه.

التنبيه على امتياز العلم عن القطع

ليس المقصود من سلب الكاشفية عن القاطع إنكار ما يتوهّمه القاطع من كشف الواقع، فإنّه في تلك الحال لا يشك بذلك، وهو قاطع به بالبداهة، إنّما المقصود التنبيه على المفارقة الحقيقية بين هذا القطع وبين حالة حصول العلم الذي يستحيل أن يقع فيه الخطأ، فإنّ القاطع قد يكون مخطئا، ولا يشك في إمكانه اثنان، والتنبيه على أنّ مرتبة كشف الواقع فوق مرتبة الجزم بالواقع، وإن كان العالِم جازما بعلمه، فالعلم ليس هو مطلق الجزم بل ولا الجزم المصيب، وإنّما هو نور يظهر به

الواقع كما هو، ويوجب إصابة الواقع عند حصوله، وحقيقته الهداية والكاشفيّة، وقد مرّ التنبيه عليه.وأمّا القطع فلا مصونيّة فيه أو تمييز للإصابة عن عدمها، وهو مجرّد نفي الخلاف في النفس. ومن هنا يجب أن يُسأل القائل بالحجّة الذاتيّة للقطع؛ هل أنّ هذا القائل ملتفت إلى تمايز نور العلم عن القطع، وأنّه ليس من سنخ القطع بل هو حقيقة فوق القطع رتبةً؟ ثمّ هل القول بحجّية القطع هي بعد الإقرار بوجود حقيقة فوقه هي حقيقة العلم، ولكن يتعذّر حصول العلم عند البشر، أو لا يوجد فرق بينهما لعدم إمكان التمييز، أو لأنّ العلم هو القطع وليس فوق ما يراه القاطع من الإصابة فهذا هو الذي يسمّى بالعلم؟ فالعلم والقطع حقيقة واحدة، وتجد هذا في مثل قول بعضهم أنّ محاولة إثبات عدم حجيّة القطع يتوقّف في نفسه على دليل مفيد للقطع، وأنّه كلّ دليل قائم بالغير لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات وهو ليس شيء سوى القطع، فجميع الأدلة والبراهين ومن جملتها نبّوة النبي وعصمته لا ترجع إلّا إليه.

قلت: يقع مثل هذا الكلام لدى الغفلة عن نور العلم، وأنّه هو الحجّة التي ترجع إليها الحجج لا القطع الذي يجوز فيه الخطأ، فإنّ الفرق بين القطع والعلم يكشفه العلم، وقد يكون مغفولا عنه، فمن تنبّه أنّ وراء القطع حقيقة كاشفة هان عليه أمر القطع، وتجد من خلال استدلالات بعضهم أنّهم إنّما يتحرّزون من إنكار ذاتيّة الحجّيّة للقطع لأجل الفرار من الوقوع في السفسطة.

ويمكن تنبيه الغافل على ما ذكّر به الكتاب والسنّة من نورانية العلم وهدايته وكاشفيّته، وأن مصبّ الحديث لم يكن أبدا عن القطع والجزم بالواقع وإنّما عن استكشاف الحقّ والوصول إلى الواقع والاستنارة بالنور.

ومن لم يعرف العلم كيف يميّز بينه وبين القطع؟ وحينئذ يضطّر إلى حبس الإدراك بما يحصل للنفس من حالات، وهو في الواقع إغلاق لباب العلم بالواقع، لأنّ القطع بالتطابق كما تنبهت ليس سوى الجزم وهذا هو مذهب السفسطة الذين

يعرف جميع عقلاء العالم _ ومن جملتهم القائلين بالحجية الذاتية للقطع _ ضلالتهم. فلا محيص من الإذعان بوجود حقيقة هي فوق قطع القاطع، يكشف الواقع واقعا.

إنّ إنكار حقيقة العلم _ بالمعنى الصحيح للعلم _ يبطل حجّة الله العظمى والشرع الباطن وأساس الشريعة، وأيّ معنى يبقى لذلك لو كان القطع منتهى علم العالِم؟

ولو كانت طريقة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) في إثبات نبوتّه والقرآن في إحقاق حقّانيّته عبر القطع ونفي الخلاف، لم تكن له ميزة يمتاز بها عن الطريقة البشريّة التي تحدّاها القرآن بآياته، وقوله انّه المهيمن وفصل الخطاب، وما وجه رمي قطع البشر في مختلف مذاهبهم ونحلهم بالضلالة والجهل؟! فإنّ كلّ أمّة تقطع بآراءها وتنفي ضدّه.

لقد تحدّى القرآن الكريم العالَمين إلى يوم الدين بعلمه وبنورانيّته وفرقانيّته، ذلك أن العلم الّذي ندب وأرشد إليه هو الرافع للاختلاف والهادي إلى الحقّ. ومرّ أنّ في العلم الحقيقيّ الذي نبّهت عليه الشريعة، ليس الكلام حتى عن مجرد التطابق مع الواقع، وإنّما عيان الواقع.

فما يقال في مقام إنكار الفرق بين العلم والقطع من عدم إمكان تمييز القطع الحاصل من الجهل المركّب عن القطع الحاصل بالعلم، فالجواب عنه أوّلاً: ما تنبّهت من أنّ من ليس له علم فهو في ظنّ أو شكّ، وهذا الظان أو الشاك إما يعترف بحالته أو يطغى وينكر خلافه.

فلا نسلّم أنّ من في الظلمة قد يقطع بأنه في النور، إلا إذا كان في مثل حالة النوم، وإلا فهو فقط إنما يتوهّم ذلك بواسطة ظنّه.

وثانیاً: لو وقع القطع خلاف الواقع غفلةً فإنّه لا يقول عاقل بعدم وجود الفرق بين الظلمة والنور لمكان قطعه! وهل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور؟ وكيف يصحّ أن يكون هذا دليلا على عدم وجود النور الذييعرفه المستنير؟ فإن من يرى النور يعرف ذلك بما عنده.

وكيف يوجب الخلط الحاصل للقاطع بين العلم وبين القطع أن يكونا حقيقة واحدة، وكيف جاز تسميته كشفا تاما بسبب القطع المخالف والمخطي؟.

وقد عرفت فيما مضى مقالة المنطقيين من جعل الجهل المركب من أقسام العلم عند تعريفهم إيّاه بالصورة الذهنيّة، وهو عبارة أخرى عمّا نحن فيه، بل صرّح بعضهم أن العلم هو الجزم ليس إلا، فإنّ القطع لا مائز له عن الإصابة وعدمها كما الصورة الذهنيّة، ومن الجهل جعلها هي العلم. ومرّ عدم جدوائية تخصيص العلم بالصورة المطابقة لخروج التطابق وعدمه عن إدراك المتصوِّر، وكذلك الحال في توهم كون العلم هو خصوص القطع المصيب، وهو أيضا جهل بالعلم، إذ العلم فوقه، فأيّ سنخيّة بين النور والظلمة؟ وإلا يمتنع التمييز بين المخطئ والمصيب، على أن الإصابة ربما وقعت من جاهل.

وقد عرفت أيضا أنّ الحكمة البشريّة المصطلحة تسعى عبر تلك الظلمة التي لا كشف لها ولا عصمة فيها أنّ تتكلّف العلم ثم تصف جهلها بالبرهان وتنظّر للمسائل، بعد أن حُرموا من العلم الحقيقي بسبب إعراضهم عن العلماء الإلهيّين.

سعة حجّيّة القطع عند العقلاء

بعد هذا يكون الكلام حول سعة معذّريّة القطع. والطريقة العقلائيّة جارية على إعذار من يعمل وفق قطعه إذا كان سبب حصول القطع سبباً عقلائياً، فلا يلام لو أخطأ(1)، حاله حال المريض الذي يقع في المحذور بعد تحرّي الطبيب الأمين والإصغاء والعمل بما يأمره، وهو من رجوع الجاهل لأهل الخبرة الذي هو طريق عقلائي.

أمّا لو لم يكن السبب عقلائياً، فالإنصاف أنّ العقلاء يتركون مجالا في أنفسهم لاحتمال الخلاف، فلا يقطعون، ومن قطعمن سبب غير عقلائي يسمّونه قطّاعاً ووسواساً، إلا إذا كان في غفلة من قطعه، فحاله حال النائم، ولكن العقلاء بشكل


1) . الحقّ أنّ الطريق العقلائيّ لا يوجب القطع، وإنّما مجرد الاطمئنان، ولا محذور في الجري عليه لدى العقلاء.

عام ليس هذا حالهم، لأنّهم يتهمون آراءهم وعقولهم ولا يقطعون بالأمر المهم إلا مع الإيقان، فلو حدث أن قطع قاطع على أثر السبب غير العقلائي فالفطرة العقلائيّة تقتضي مذمّة ترتيبه الأثر على قطعه الذي قطعه، فمن يقطع بأن الحجر خالقه يستحق المذمة على ترتيب الأثر على هذا القطع بلا شك.

فإذن، من الناحية العقلائيّة ليس القطع طريقاً مطلقاً إلى الواقع، والسرّ فيه أنّ المعيار عندهم هو الواقع لا القطع، والقطع قيمته لكونه طريقا أي ليست قيمته ذاتية، فيكون معذّراً إذا كان منشأه عقلائياً، ولم يحكم العقل بحرمة الجري على طبقه، ولم يوجد محذور من الوقوع في خلاف الواقع، وإلا فلا حجة له ولم يجز الجري عليه عقلا ولا عقلائياً.

بما ذكرنا يظهر أنّ العقلاء لا يعيرون قيمة لقطع القطّاع ولا یعذرونه بل يذمّونه على قطعه كما يذمّونه على الجري وفقه، وكذلك الوسواس. وكلّما كانت القضايا أهمّ كان إحراز الواقع عندهم آكد، والدقّة في الوصول إليها أكثر، أي يسعون جهدهم في الوصول إلى الواقع حقيقةً، فلا يرخون زمام القطع.

ولو سُلّم إمكان حصول القطع في المسائل المهمّة عن غفلة وجهل فيجب التفريق بين القاصر المعذور والمقصّر الذي يستحق المؤاخذة.

ثمّ مضافا إلى أنّ العقلاء لا يقطعون بما لا يكون سببه عقلائيّاً، فقد نبّهت بصائر الوحي على أنّ المنحرف في أصول العقائد ليس له سوى ظنّ وإن نفى خلاف معتقده من نفسه، وقد تنبهت أن القطع فعلٌ نفسي قد يجتمع مع الظنّ والشك، لأنّه نفی الخلاف في النفس فإنّ من يعبد الأصنام إنما يفعل ذلك لأنّه وجد آباءه على ذلك وتعصّب للآباء وعاند خلافهم، وأعرض عن دعوة النبيّ، وأيّ قطع _ بمعناه المشهور _ يوجبه سيرة الآباء إذا كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟ وأيّ يقين يحصل لهم؟قال تعالى: (وَ قالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وما

لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون).(1)

قال تعالى: (وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئا).(2)

وقال تعالى: (وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ الله إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون).(3)

وقال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ الله ما أَشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُون).(4)

وقال تعالى: (أَلا إِنَّ لِلهِ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُون).(5)

وقال تعالى: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدي مَنْ أَضَلَّ الله وما لَهُمْ مِنْ ناصِرين).(6)

وقال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لا يُوقِنُون).(7)

وقال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ الله بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى).(8)

وقال تعالى: (وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئا).(9)


1) . سورة الجاثية (45)، الآية 24.

2) . سورة يونس (10)، الآية 36.

3) . سورة الأنعام (6)، الآية 116.

4) . سورة الأنعام (6)، الآية 148.

5) . سورة يونس (10)، الآية 66.

6) . سورة الروم (30)، الآية 29.

7) . سورة الروم (30)، الآية 60.

8) . سورة النجم (53)، الآية 23.

9) . سورة النجم (53)، الآية 28.

وقال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ومَنْأَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ الله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمين).(1)

وفي تفسير العياشي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فِي قَوْلِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وقَلْبِهِ)(2)فَقَالَ: «يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَاطِلَ حَقٌّ».(3)

وفي المحاسن، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «أَبَى الله أَنْ يُعَرِّفَ بَاطِلًا حَقّاً، أَبَى الله أَنْ يَجْعَلَ الْحَقَّ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بَاطِلًا لَا شَكَّ فِيهِ، وأَبَى الله أَنْ يَجْعَلَ الْبَاطِلَ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ الْمُخَالِفِ حَقّاً لَا شَكَّ فِيهِ، ولَوْ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا هَكَذَا مَا عُرِفَ حَقٌّ مِنْ بَاطِلٍ».(4)

فلا يقال أنّ الأمم المنحرفة قاطعة بما عندها، إلّا بالمعنی الذي عرفت، فإنّما هو ظنّ في القلب وإن نفوا عن أنفسهم خلاف ما يعتقدونه تكبّراً في أنفسهم.

وفي الكافي، عن أبي عمرو الزبيري عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ وُجُوهِ الْكُفْرِ فِي كِتَابِ الله(عزّ و جّل). قَالَ (علیه السلام): «الْكُفْرُ فِي كِتَابِ الله عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:

فَمِنْهَا كُفْرُ الْجُحُودِ، والْجُحُودُ عَلَى وَجْهَيْنِ، والْكُفْرُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ الله، وكُفْرُ الْبَرَاءَةِ، وكُفْرُ النِّعَمِ. فَأَمَّا كُفْرُ الْجُحُودِ فَهُوَ الْجُحُودُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا رَبَّ ولَا جَنَّةَ ولَا نَارَ، وهُوَ قَوْلُ صِنْفَيْنِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الدَّهْرِيَّةُ وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (وَ مَا يُهْلِكُنَا إلّا الدَّهْر) وهُوَ دِينٌ وَضَعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِالاسْتِحْسَانِ عَلَى غَيْرِ تَثَبُّتٍ مِنْهُمْ ولَا تَحْقِيقٍ لِشَيْءٍ مِمَّا يَقُولُونَ، قَالَ الله(عزّ و جّل): (إنْ هُمْ إلّا يَظُنّونَ) أَنَّ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ، وقَالَ: (إنّ الذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أ أنْذَرْتَهُم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤمِنُونَ) يَعْنِي بِتَوْحِيدِ الله تَعَالَى فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْكُفْرِ.

وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ مِنَ الْجُحُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ وهُوَ أَنْ يَجْحَدَالْجَاحِدُ وهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وقَدْ قَالَ الله(عزّ و جّل): (وَ جَحَدُوا بِهَا واسْتَيقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً


1) . سورة القصص (28)، الآية 50.

2) . سورة الأنفال (8)، الآية 24.

3) . تفسير العياشي، ج2، ص52، ح36.

4) . المحاسن، ج1، ص277، ح394.

وعُلُوّاً) وقَالَ الله(عزّ و جّل): (وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ) فَهَذَا تَفْسِيرُ وَجْهَيِ الْجُحُودِ...».(1)

وفي كنز الفوائد، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «لَوْ سَكَتَ مَنْ لَا يَعْلَمُ سَقَطَ الِاخْتِلَاف».(2)

فإذا كان القاطع عند نفسه عالما ثم تكلّم حسب قطعه لا يسقط الاختلاف بالضرورة، بل كيف يسكت إذا كان موقناً أنّه عالم وإن لم يكن كذلك؟ وهذا شاهد على أنّ القاطع إن لم يكن قطعه عن علم فإنّه ظانّ بما عنده وليس له يقين ولا قطع بمعناه المشهور، فهو يعلم بظنّه.

ظهر بما ذكرنا أنّ العاقل الملتفت إلى حالته يعلم بأنّه يحمل العلم أو لا، فيقطع إذا كان عالماً، ولا يقطع إذا لم يكن.

سلّمنا، فلو حدث أن حصل القطع من طريق عقلائيّ فإنّ حجّيته تتوقّف على الإمضاء، ولو حصر الحجج بما كان مستنداً إلى الكتاب والسنّة فكل ما خالفهما لا يكون حجّة. وإذا حظر إعمال القياس في الأصول والفروع كما سيأتي وحرّمه وحذّر من استعماله فإنّ القطع الحاصل به ليس بحجّة بالبداهة، ولن يعذر ويبرئ العمل به ذمّة صاحبه.

وقد تواترت السنّة على المنع من القياس في الدين، رغم أنّ التصريح بذلك من الأوصياء صلوات الله عليهم كان يعرّضهم للمخاطر كما لا يخفى، لأنّ جلّ اعتماد خلفاء الجور على القياس فيما لم يكن لهم به علم لكي يستغنوا عن أئمة الحق، ومع ذلك عُرف عن الأئمة وشيعتهم منعه بحيث لا يشكّ أحدٌ من سائر الفرق حكمه عندهم، بل كونه من ضرويّات مدرستهم الدينية.


1) . الكافي، ج4، ص149، ح2865.

2) . كنز الفوائد (للكراجكيّ)، ج1، ص319؛ وذكره في أعلام الدين، ص84 وفي أوّله: «وَ تَحَزَّمْ، فَإِذَا اسْتَوْضَحْتَ فَاعْزِمْ، ولَوْ سَكَتَ مَنْ لَا يَعْلَمُ سَقَطَ الِاخْتِلَافُ».

في إكمال الدين، عن علي بن الحسين (علیهما السلام): «مَنْ دَانَ بِالْقِيَاسِ والرَّأْيِ هَلَكَ».(1)

وفي الكافي، عن أبي عبد الله (علیه السلام): «السُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ».(2)

وفي الكافي، عن الصادق (علیه السلام) عن أبيه أن عليّا (علیه السلام) قال: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَاسِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ، ومَنْ دَانَ اللَّهَ بِالرَّأْيِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِمَاس».(3)

وغير ذلك من الأحاديث الشريفة المتظافرة التي تمنع وتحذّر من استعمال القياس في الدين وأنّه يوجب فساده ومحقه والهلاك الأبديّ.

ولا وجه للقول بأنّ المؤاخذة إنّما هي على خصوص القياس لا على ترتيب الأثر على ما قطع به بسببه من الإفتاء والعمل المحرّم على وفق قطعه، وكذا عدم عقاب المشرك إلّا على مقدمّات قطعه، فلا يعاقب على عبادة غير الله لحجّيّة قطعه وإنّما على خصوص المقدمّات، فإنّ استحقاق العقاب كما يشهد عليه الفطرة العقلائيّة هو على نفس الشرك والمعصية المقطوع بها، ولا ضير في المؤاخذة على المقدّمات أيضا، على أنّ القياس لا يوجب القطع لدى العقلاء.

ثمّ إنّ لسان جملة من أحاديث الباب عام يأبى التخصيص بالفروع والأحكام، فيشمل العقائد أيضا، بل حظر القياس فيها أولى بالبداهة، مضافا إلى وجود نصوص في خصوص المنع من قياس الخالق بالمخلوق.

تفسير الإمام العسكري (علیه السلام)، «قال الرضا (علیه السلام): إِنَّهُ مَنْ يَصِفُ رَبَّهُ بِالْقِيَاسِ لَا يَزَالُ الدَّهْرَ فِي الِالْتِبَاسِ، مَائِلًا عَنِ الْمِنْهَاجِ، ظَاعِناً فِي الِاعْوِجَاجِ، ضَالًّا عَنِ السَّبِيلِ، قَائِلًا غَيْرَ الْجَمِيلِ، أُعَرِّفُهُ بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وأَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ صُورَةٍ، لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، ولَايُقَاسُ بِالنَّاس...».(4)

هذا القياس ملموس بوضوح في كتب الفلسفة، فإنّ مثل الماهيّة والوجود مفاهيم لا


1) . إكمال الدين، ج1، ص323، ح9.

2) . الكافي، ج1، ص57، ح15.

3) . الكافي، ج1، ص57، ح17.

4) . تفسير الإمام الحسن العسكري (علیه السلام)، ص51.

تجري على خالق مدركات العقل التي من جملتها الوجود والماهيّة، ومنه القياس بين فعل الربّ سبحانه وفعل المخلوق، والقول بعليّة فاعليّته ومن ثمّ الذهاب إلى السنخيّة، وكون المخلوق من تجليّاته وتطوّراته وأنّ حقيقة الوجود واحدة وما شابه، فهذه من تبعات القياس وتشبيه صفات الربّ بصفات المخلوق، وأفعاله بأفعالهم.

في أمالي الطوسيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الصَّادِقَ (علیه السلام)، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ (علیه السلام): «تَوْحِيدُكَ لِرَبِّكَ». قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ الذُّنُوبِ؟ قَالَ (علیه السلام): «تَشْبِيهُكَ لِخَالِقِكَ».(1)

وفي التوحيد، فيما كتبه الإمام الصادق (علیه السلام) لعبد الرحيم القصير: «...وَسَأَلْتَ رَحِمَكَ الله عَنِ التَّوْحِيدِ ومَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قِبَلَكَ، فَتَعَالَى الله الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، تَعَالَى الله عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى الله(عزّ و جّل) فَاعْلَمْ رَحِمَكَ الله أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ الله(عزّ و جّل) فَانْفِ عَنِ الله الْبُطْلَانَ والتَّشْبِيهَ فَلَا نَفْيَ ولَا تَشْبِيهَ، وهُوَ الله الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ، تَعَالَى الله عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، ولَا تَعْدُ الْقُرْآنَ فَتَضِلَّ بَعْدَ الْبَيَانِ...».(2)

ظهر بما مرّ أنه لا حجّية أصلا للقطع في الأصول المقوّمة للدين، لأنّ العلم والعقل الذي هو كشف حقيقيّ للواقع هو الحجّة والبرهان، فالأمر أعظم من مجرّد تحصيل للقطع الذي يصيب ويخطأ. ولمّا كان الوقوع في الخطأ في المباحث الفلسفيّة ممكناً، لأنّه يوجب القطع بالنتيجة، وهو غير عاصم،منع العقل من محاولة التعلّم من خلال هذا الطريق فضلا عن الاعتقاد بنتائجه.(3)


1) . الأمالي (للطوسيّ)، ص687، ح1458 _ 1.

2) . التوحيد، ص226، ح7.

3) . قال بعض الاعاظم: لو كان الأساس على ما توهّموه عقلاً لانهدم جميع الشرايع ولزم إفحام جميع الأنبياء، وذلك لما عرفتَ من أن نتيجة البراهين هو العلم الحصوليّ واليقين، وحيث إنّه لا ميزان عندهم لإحراز صوابه عن خطائه فلا مؤمّن عن الخطاء في تحصيل اليقين، ولهذا لا يكون هذا الذي سمّوه عقلاً معصوماً من الخطأ في إصابة الواقع، فلو كان الأصل والأساس ذلك يكون الحجّة على الله لا على الناس، لأنّ لهم أن يقولوا أن لا نستمع البراهين لعدم المؤمّن لنا من الخطأ، فيلزم لغويّة البعثة وامتناع الحجّة على الله وعلى الرسالة والأحكام. والبراهين التي توهّموها عقلاً قائمة على إيجاب الحقّ، وعليّة علمه، وثبوت المشية والإرادة الأزليّة، وانتهاء جميع الأفعال إلى الإرادة الأزليّة، وثبوت الجبر فيها، وامتناع العقوبة، وعدم جواز غير الفضل له تعالى، وامتناع الحبّ والبغض ونهيه عن الكفر وإبلاغه الأحكام، ولا طائل تحت الوعد والتخويف والترهيب. فلو كان الإنسان عالماً بها كان له الاحتجاج في مقابل الأنبياء وتكذيبه إيّاهم رأساً، ولو كان جاهلاً بها حيث إنّ الحسن والقبح نظريّ، ويحتمل فاعليّة الحقّ تعالى لجميع الأفعال فلا يتمكّن النبيّ من إثبات نبوّته بالمعجزات، لأنّ إجراء المعجزة بناء على ذلك بيد الكاذب ليس بقبيح، فإنّه وجود، وهو خير محض وهو الفاعل له كما هو الفاعل لكلّ شيء. والأمر الأدهش هو احتمال تطور الحقّ تعالى شأنه، فإنّ ذلك في نظر ذلك الذي توهّموه أنّه عقل نظريّ بل هو ثابت به، وهذا يوجب رفع الأمان عن كلّ شيء، فإذا كان الأساس على العقل الذي لا يكون مانعاً عن ذلك ينهدم جميع الأديان والملل ويلزم الهرج والمرج بالكليّة، فإنّ كلّ ما يظهر في العالم يكون على ذلك طوراً من أطوار الوجود، وهذا كما ترى عين إمكان حقيقة الدهريّة، فضلاً عن عبادة الأوثان وعبادة كلّ شيء وحقيّة الشيطان. فبهذا يظهر أنّ العقل الذي يكون حجّة من الله تعالى ليس هو ذلك فإنّ ذلك حجّة الشيطان لا حجّة الرحمن، ومن أشعّة ضلاله وجهله، وهذا عين السفسطة كما لا يخفى. وأيضاً قد أشرنا أنّ البراهين إنّما هي مادّة للخلاف بين البشر كما هو مشهود في سيرتهم، فلو كان بناء الشرع عليها لا يكون رافعاً للاختلاف، مع أنّه من مناصب النبوّة كما قال عزّ من قائل: (كَانَ النَاسُ أمّة وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ). معارف القرآن (للميرزا مهدي الإصفهاني) (مخطوط)، ص26.

فائدتان
الأولى: سبب الخلط من قِبل بعض المحقّقين

يتّضح محلّ الإشكال وسبب ذهاب بعض المحققين إلى القول بحجية القطع الذاتية بعد ملاحظة مجموعة أمور:

الأوّل: أنّه لا خلاف في ضرورة وجود حجّة ذاتيّة تُردّ وتنتهي إليها سائر الحجج.

الثاني: أنّ كلّ إنسان عاقل متوجّه بالفطرة إلى حجّة الله الباطنة وهو نور العقل، وبه يحتجّ في مختلف شؤون حياته وأموره، وربما لا يلتفت إليه بصفة الحجّيّة إلا أنّه يدرك أنّه ما به التمييز بين الجيّد والردي والحَسن والقبيح، ويعرفه ب- «العقل».

الثالث: أنّ الآيات والاخبار الكثيرة الواردة في بيان حجّيّة العلم والعقل هي مورد إجماع وقبول وتصديق جميع الفقهاء، حتّى الأخباريّين الّذين نُسب إليهم إنكار حجّيّة ظواهر الكتاب، ومن يقرّ بالنصوص لا يسعه إنكار حجّيّة العقل.

الرابع: أنّ القطع الحاصل للعقلاء من الأسباب العقلائيّة في الأمور العاديّة مصيب في الغالب، وهو أقوى من الأمارة الظنيّة.

الخامس: أيّة حقيقة منكشفة للعبد بنور العلم والعقل يحصل تجاهها القطع أيضا، وأيّة حقيقة لا تنكشف بذلك النور فعموماً لا يحصل سوى الظنّ أو الشكّ والتردّد، فإنّ العلم يورث القطع (باليقين أقطع).(1)

السادس: أنّ العلم ظاهر بنفسه ومعروف بذاته، ومعرفة الأشياء المعروفة ليس بنفسها بل بالعلم ، وسبيل معرفة حقيقة نور العلم لا يكون بغيره.

إذا توجهت لهذه الأمور يظهر أن منشأ الخلط بين القطع والعلم الأمور الثلاثة الأخيرة، من مطابقة القطع للواقع في الأمور العاديّة في الغالب، وحصول القطع لدى حصول العلم، وأيضا عدم التوجّه الموضوعيّ إلى نور العلم والعقل لأن التوجّه منصبّ عموما على المعقولات المنكشفة بذلك العلم والعقل.

قال المرحوم المظفّر في مبحث الدليل العقليّ:

وجه حجّيّة العقل... فنقول: لقد انتهى الأمر بنا في البحثالسابق إلى أنّ الدليل العقليّ ما أوجب القطع بحكم الشارع، وإذا كان الأمر كذلك فليس ما وراء القطع حجّة، فإنّه تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة لأنّه كما تقدّم هو حجّة بذاته ولا يعقل سلخ الحجّيّة عنه. وهل تثبت الشريعة إلّا بالعقل؟ وهل يثبت التوحيد والنبوّة إلّا بالعقل؟ وإذا سلخنا أنفسنا عن حكم العقل، فكيف نصدّق برسالة؟ وكيف نؤمن بشريعة؟ بل كيف نؤمن بأنفسنا واعتقادنا؟ وهل العقل إلا ما عُبد به الرحمن؟ وهل يُعبَد الديّان إلّا به؟(2)


1) . الإقبال، ص708.

2) . أصول الفقه، ج2، ص129.

وقال في مبحث حجيّة القطع:

حجّيّة العلم ذاتيّة... قد ظهر ممّا سبق معنى كون الشيء حجيّته ذاتيّة، فإنّ معناه أنّ حجيّته منبعثة من نفس طبيعة ذاته، فليست مستفادة من الغير ولا تحتاج إلى جعلٍ من الشارع ولا إلى صدور أمر منه باتباعه. بل العقل هو الّذي يكون حاكماً بوجوب اتباع ذلك الشيء، وما هذا شأنه ليس هو إلّا العلم. ولقد أحسن الشيخ العظيم الانصاريّ قدّس سره مُجلّي هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع فإنّه بعد أن ذكر أنّه: (لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجوداً) علّل ذلك بقوله: (لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، وليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتاً ونفياً... .(1)

وفي ذيل جملة «وجوب متابعة القطع» التي وردت في عبارة الفرائد، فسّر القطع في الهامش بالعلم:

ممّا يجب التنبيه عليه أنّ المراد من العلم هنا هو القطع، أي الجزم الّذي لا يحتمل الخلاف، ولا يعتبَر فيه أن يكون مطابقاً للواقع في نفسه، وإن كان في نظر القاطع لا يراه إلا مطابقاً للواقع فالقطع الّذي هو الحجّة تجب متابعته أعمّ من اليقين والجهل المركّب، يعني أن المبحوث عنه هوالعلم من جهة أنّه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع.(2)

أقول: يُلاحظ الخلط أوّلاً بما ظهر من الفرق بين مطابقة الواقع اعتقاداً، ومطابقته حقيقة وواقعاً، وضرورة كون الحجّة الذاتيّة كاشفة للواقع واقعاً وحقيقةً وليس فقط اعتقاداً وبنظر صاحب القطع، وإلا امتنع العلم بشيء ولم تستقم الحجّة، لا بمعنى أن العلم هو القطع المطابق حتى يُجعل أحد قسمي القطع، وإنما هو فوقه، كما عرفت.

وثانياً: الخلط بين وجوب المتابعة وبين الحجّة الذاتيّة، فإنّ الأمارة مما يجب


1) . أصول الفقه، ج2، ص21.

2) . أصول الفقه، ج2، هامش ص21.

متابعته وحجّة لكنّها غير ذاتيّة، وقد تنبّهت إلى أنّه ليس كلّ قطع معذّر.

الثانية: إشكاليّة إمضاء القطع

ربّما يطّرد الإشكال في إمضاء حجّيّة القطع مع كون الحجّة الذاتيّة غيره ولا يقع دائماً مطابقاً للواقع.

ولا يخفى أنّ هذا لا يرد فقط على من أنكر الحجّة الذاتيّة للقطع، بل حتى على إمضاء الأمارات في زمن الإنفتاح، والإشكال على القائل بالحجّيّة الذاتيّة للقطع آكد، وتحصيل القطع أهون من معرفة الحقائق بالعلم.

وقبل التعرّض للإجابة يلزم التنبيه على مسألتين:

الأولى: يقع الإشكال في صورة إمكان تحصيل العلم عبر التفكّر والوسائل المتاحة للإنسان، وأمّا فيما لا سبيل للعقل إلى كشفه وليس بقليل، فمن الواضح امتناع العلم إلا عبر أخذه من العلماء الإلهيّين، فيلزم الاختلاف إليهم لحلّ الاختلافات، وما يلقى فيها على عاتق العقل بدون الاستدلال عليه من كلامهم جهلٌ وتكلّف.

الثانية: لا إشكال في جواز الرجوع إلى الأمارات في حال عدم انكشاف الواقع بالعلم، وإلا فلا معنى لها عند إمكان تحصيله، فليس ما أمضاه الشارع من الأمارات في عرض ما ينكشف بالعقل، نعم يجوز في هذه الصورة الرجوع إليها للتذكّر، كمايُرجع إلى الآيات والنصوص في المسائل العقليّة لأجل إثارة دفائن العقول، كالرجوع إلى الثقة في مقام معرفة نبوّة النبيّ، فإنه يعرف بعقله الذي نبّهه عليه الثقة.

نقول بعد أن عرفت هذا؛ إنّ الله سبحانه وتعالى بفضله ورحمته وكرمه قد أعطى كمال العقل لأكمل عباده وهو خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وأوصياءه (علیهم السلام)، وأرسلهم إلى الناس وأمرهم بطاعتهم واتّباعهم والإصغاء والإمتثال لأوامرهم ونواهيهم والتسليم لهم، حتّى تكمل عقولهم ويحوزوا كمال العلم والحظ الأوفر من النور.

قال تعالى: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ

إِلى صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميد).(1)

وكان هذا هو غرض بعثة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو هداية الناس بإخراجهم من الظلمات، إلّا أنّ الناس أعرضوا واستكبروا وشكّوا ولم يتحمّلوا العلم.

قال تعالى: (أَ فَكُلَّما جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَريقاً كَذَّبْتُمْ وفَريقاً تَقْتُلُون).(2)

فمُنيت الأمّة بتقصيرها وتفريطها بأعظم الخسارة حيث جعلت وصيّ نبيّها _ الّذي كان الطريق الوحيد إلى ذلك العلم الإلهيّ بعد النبيّ _ جليس البيت، ومنعوه من نشر العلم وبثّه وإقامة الأمت والعوج ولمّ الشعث وتجميع الفرقة، وعلى أثر هذه المعصية الكبرى وعدم الطاعة لله ورسوله حرّموا على أنفسهم العلم واستبدلوه بالعمى..

قال تعالى: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والْأَرْضِ ولكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون).(3)

وقال تعالى: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتيكُمْ بِماءٍ مَعين).(4)وقال تعالى: (وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْديكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثير).(5)

وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ).(6)

وقال تعالى: (وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّريقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقا).(7)

وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً).(8)


1) . سورة إبراهيم (14)، الآية 1.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 87.

3) . سورة الأعراف (7)، الآية 96.

4) . سورة الملك (67)، الآية 30، وعن مولانا الرضا (علیه السلام) أنّه قال في ذيل الآية: «يعني يأتيكم بعلم الإمام» تفسير القمّيّ، ج2، ص379.

5) . سورة الشورى (42)، الآية 30.

6) . سورة الروم (30)، الآية 41.

7) . سورة الجن (72)، الآية 16.

8) . سورة الأنفال (8)، الآية 29.

ولهذا كان العلم حتى في عصور الأئمّة (علیهم السلام) مسدوداً في الجملة، لأنّهم (علیهم السلام) كانوا مغلولي الأيدي ولم يتمّكنوا من تثبيت المعارف والبصائر، ومن جملتها أيّام الخلافة الظاهريّة لمولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي كان من أشدّ الأزمنة التي مرّت عليهم، حتّى خرج عليه المارقون والناكثون والقاسطون، فلم يكن يعمد إلى بسط العدل وإقامة الدين إلّا ألبوا عليه وناجزوه وحاربوه حتّى قتلوه في بيت من بيوت الله تعالى.

الغيبة للنعماني، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «...وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ(عزّ و جّل) ولَكِنَّ اللَّهَ سَيُعْمِي خَلْقَهُ عَنْهَا بِظُلْمِهِمْ وجَوْرِهِمْ وإِسْرَافِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ولَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا، ولَكِنَّ الْحُجَّةَ يَعْرِفُ النَّاسَ ولَا يَعْرِفُونَهُ،كَمَا كَانَ يُوسُفُ يَعْرِفُ النَّاسَ (وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)» ثُمَّ تَلَا: (يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ).(1)

هذا حال البشر الذين شأنهم اتّباع الظنّ والقطع به بعد زهدهم في الهداة السفراء الإلهيين، ولم يطلبوا العلم منهم إلا القليل ممّن وفى لرعاية الحقّ فيهم وتواضع لمقامهم ولم يستكبر، وتعلّم منهم كما أمر الله، ولم يتقدّم عليهم بتقديم رأيه ورأي غيره على كلامهم، ولم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هوخير، وكل من كان كذلك أعطي العلم بقدر تواضعه أمامهم وتحمّله لعلومهم وأداءه لحقّ ذلك العلم ووفاءه بشروطه.(2)


1) . الغيبة، ص141 _ 142، ح2؛ والآية: سورة يس (36)، الآية 30.

2) . في الاختصاص للشيخ المفيد، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام) سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثاً لَمْ أُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً قَطُّ ولَا أُحَدِّثُ بِهَا أَحَداً أَبَدا. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّكَ حَمَّلْتَنِي وِقْراً عَظِيماً بِمَا حَدَّثْتَنِي بِهِ مِنْ سِرِّكُمُ الَّذِي لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً ورُبَّمَا جَاشَ فِي صَدْرِي حَتَّى يَأْخُذَنِي مِنْهُ شِبْهُ الْجُنُونِ. قَالَ (علیه السلام): يَا جَابِرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاخْرُجْ إِلَى الْجَبَّانِ فَاحْفِرْ حَفِيرَةً ودَلِّ رَأْسَكَ فِيهَا ثُمَّ قُلْ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَذَا وكَذَا». الاختصاص، ص66 _ 67. أقول: إنّ حمل هذه العلوم وحفظها مما لا يتحمّله أكثر الخلق، ثمّ مع كلّ ما أُعطي جابر لم يزل طالباً للعلم، ففي أمالي الطوسيّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: خَدَمْتُ سَيِّدَ الْأَنَامِ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (علیهما السلام) ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ وَدَّعْتُهُ فَقُلْتُ لَه: أَفِدْنِي. فَقَالَ (علیه السلام): بَعْدَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، إِنَّكُمْ بَحْرٌ لَا يُنْزَفُ ولَا يُبْلَغُ قَعْرُه. الأمالي (للطوسيّ)، ص296، ح582 _ 29.

والسرّ فيما ذكرنا أنّ مفتاح الوصول إلى الكمال والهدى هو اختيار العبد، وفي الدعاء المأثور:

مصباح المتهجّد: «...وقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ زَادَ الرَّاحِلِ إِلَيْكَ عَزْمُ إِرَادَةٍ يَخْتَارُكَ بِهَا ويَصِيرُ بِهَا إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَيْك».(1)

وقال تعالى: (لِمَن شَاءَ مِنْكُم أنْ يَتَقَدَّم أوْ يَتَأخَّرَ).(2)

وقال تعالى: (لمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ).(3)

لقد جعل الله سبحانه أساس هداية العبد على توطين النفس لقبول الحقّ والطلب الخالص في القلب، والعمل بالعلم من أهمّ أسباب الزيادة.

من هنا فباب العلم وإن كان منسدّاً عموماً، إلا أنّ المرتبطين بمنبع العلم والمتسمكين بذلك الحبل يرتوون من نميره.

الاحتجاج، في كتاب مولانا الحجّة المهدي (علیه السلام) إلى الشيخ المفيد: «فَمَا يَحْبِسُنَا عَنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَّصِلُ بِنَا مِمَّا نَكْرَهُهُ ولَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُمْ».(4)فلو كسب العبد قلب خليفة الله بمواصلة الأعمال الصالحة والإجتهاد في طاعة الله واجتناب معصيته، لا يحجب عنه عنايته وهدايته.

في بصائر الدرجات، عَنْ أَبِي الصَّامِتِ قَالَ: أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ شَرِيفٌ كَرِيمٌ ذَكْوَانُ ذَكِيٌّ وَعْرٌ لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَا مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ». قُلْتُ: فَمَنْ يَحْتَمِلُهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ (علیه السلام): «مَنْ شِئْنَا يَا أَبَا الصَّامِت».(5)


1) . مصباح المتهجّد، ص162.

2) . سورة المدّثر (74)، الآية 37.

3) . سورة التكوير (81)، الآية 28.

4) . الاحتجاج، ج2، ص498.

5) . بصائر الدرجات، ص42، ح10.

سلمان نموذجاً

من استقام على الطريقة وسلك الصراط المستقيم الّذي أراده الله اُعطي النور من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وربما كَشف الله له الخفايا والأسرار، كما كان من حال سلمان(رضوان الله تعالی علیه). فلقد أخذ بحجزة النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ووصيّه (علیه السلام) واستمسك بعروة أولياء الله، فأخذوا بيديه ورفعوا شأنه وعلّموه. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها:

الاختصاص، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (علیهما السلام) عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ(رضوان الله تعالی علیه) وقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِيهِ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ خُلِقَ مِنْ طِينَتِنَا ورُوحُهُ مَقْرُونَةٌ بِرُوحِنَا، خَصَّهُ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى مِنَ الْعُلُومِ بِأَوَّلِهَا وآخِرِهَا وظَاهِرِهَا وبَاطِنِهَا وسِرِّهَا وعَلَانِيَتِهَا...» _ إلى أن قال (علیه السلام): _ فَقَالَ (أي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)): «...فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُطْلِعَهُ عَلَى عِلْمِ الْمَنَايَا والْبَلَايَا والْأَنْسَابِ وفَصْلِ الْخِطَابِ...».(1)

وعن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنّه قال: «سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ كَلُقْمَانَ الْحَكِيمِ».(2)

وعن أمير المؤمنين (علیه السلام): «عُلِّمَ عِلْمَ الْأَوَّلِ والْعِلْمَ الْآخِرَ،ذَلِكَ بَحْرٌ لَا يُنْزَفُ هُوَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ».(3)

رجال الكشي،عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «أَدْرَكَ سَلْمَانُ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ والْعِلْمَ الْآخِرَ وهُوَ بَحْرٌ لَا يُنْزَحُ وهُوَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ بَلَغَ مِنْ عِلْمِهِ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي رَهْطٍ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ الله تُبْ إِلَى الله مِنَ الَّذِي عَمِلْتَ فِي بَطْنِ بَيْتِكَ الْبَارِحَةَ واتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إِلَيْهِ قَالَ ثُمَّ مَضَى وقَالَ لَهُ الْقَوْمُ لَقَدْ رَمَاكَ بِأَمْرٍ ومَا دَفَعْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ إِنَّهُ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا الله رَبُّ الْعَالَمِينَ وأَنَا».(4)


1) . الإختصاص، ص221 _ 222.

2) . بحارالأنوار، ج22، ص391، ذيل ح29.

3) . بحارالأنوار، ج22، ص391، ذيل ح29.

4) . رجال الكشي، ص12.

الأمالي،عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ (علیه السلام) مُحَدَّثاً وكَانَ سَلْمَانُ مُحَدَّثاً». قَالَ: قُلْتُ: فَمَا آيَةُ الْمُحَدَّثِ؟ قَالَ (علیه السلام): «يَأْتِيهِ مَلَكٌ فَيَنْكُتُ فِي قَلْبِهِ كَيْتَ وكَيْتَ».(1)

رجال الكشي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ: «كَانَ سَلْمَانُ مِنَ الْمُتَوَسِّمِينَ».(2)

الاختصاص، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ سَلْمَانَ عَلِمَ الِاسْمَ الْأَعْظَم».(3)

وكذلك بعض خواصّ الأئمة (علیهم السلام) كجابر الجعفيّ، حيث حُمّل بعض الأسرار(4)

وعُلّم منطق الحيوانات، وبحسب رواية بصائر الدرجات فإنّ الإمام الصادق (علیه السلام) أراه ملكوت السماوات والأرض.(5)

ومثل أبي حمزة الّذي ورد عن الرضا (علیه السلام) قوله فيه: «أَبُو حَمْزَةَ فِي زَمَانِهِ كلقمان فِي زَمَانِهِ».(6)والحقّ أنّ كوكبة قليلة من بين البشر بلغت تلك الدرجات وحضيت بتلك المراتب السامية حتى اغترفت من تلك العلوم النبويّة، وكلٌّ بحسب تحمّله وبمقدار ما يوفقه الله للاستقامة والتضحية.

ومع ذلك فإنّ الله بلطفه ومنّه من جهة التسهيل أمضى في المرحلة التالية الطرق العقلائيّة المتعارفة _ مثل القطع العقلائي وخبر الثقة والظواهر _ ليس أكثر مما يجعله العقلاء طريقاً للواقع، لتكون طريقاً لأحكامه.


1) . الأمالي (للطوسي)، ص307، ح914 _ 62.

2) . رجال الكشي، ص12، ح28 والمتوسّم الّذي يعرف السمت، فالمعنى أنّ سلمان كان يعرف الناس على حقيقتهم، ويعرف أحوالهم وأفعالهم.

3) . الإختصاص، ص11.

4) . لاحظ: الإختصاص، ص66.

5) . بصائر الدرجات، ص404 _ 405، ح4.

6) . لاحظ: الكافي، ج8، ص157، ح149؛ وفي رجال الكشيّ عن جابر في خبر: ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ (يعني أبو جعفر (علیه السلام)) كِتَاباً آخَرَ ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): وهَاكَ هَذَا، فَإِنْ حَدَّثْتَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَعَلَيْكَ لَعْنَتِي ولَعْنَةُ آبَائِي. رجال الكشي، ح339.

ولو أنّه تعالى منع الناس من العمل بالأمارات في شرعه لم يكن بأس، لأنّهم خذلوا الهداة، وأعرضوا عنهم، فأغلقوا على أنفسهم باب العلم، وهذا الامتناع بالاختيار.(1)

العلم في زمن الظهور

وأمّا زمن ظهور خاتم الاوصياء عجل الله تعالى فرجه الشريف فهو زمن شروق شمس الإمامة العظمى وحكومة الخلافة الإلهيّة الكبرى بوليّ الله الأعظم الإمام المنتظر المهديّ (أرواحنا له الفداء) وهو زمن بسط اليد ونشر العلم في العالم، وشروق النور، فباب العلم النبويّ يومئذ منبسط ومنفتح، وتشرق الأرض بنور ربّها، وتظهر الحقائق في الشريعة والأحكاموالموضوعات، ويظهر التحقّق الخارجيّ لقوله تعالى: (لِتُخْرِجَ النَاسَ مِنَ الظُلُمَاتِ إلى النُورِ).(2)

وهذا هو السبب في تسمية الإمام الثانيّ عشر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بنور آل محمّد (علیهم السلام)، إذ بواسطته يظهر نورهم لأهل العالم، وهو تأويل قوله تعالى: (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء).(3)

قال صاحب الكفاية في مبحث الواجب المطلق والمشروط في مرحلة فعليّة الأحكام:

إنّ المنع عن فعليّة تلك الأحكام غير عزيز، كما في موارد الأصول والأمارات على خلافها وفي بعض الأحكام في أوّل البعثة بل إلى يوم قيام القائم عجّل


1) . قال بعض الأعاظم: وحيث أنّ أساس الشريعة المقدّسة على تحميل العلم الإلهيّ، وقد عصى البشر في بدء البعثة ولم يطيعوا ولم يتحمّلوا العلم الإلهيّ، سهّل الله تعالى أمر الشريعة، فأمضى الطرق والحجج العقلائيّة التي يحرزون بها الواقع في مقام أعزّ الأشياء عندهم وهي النفوس والأولاد والأموال، فجعلها حجّة وطريقاً بالنسبة إلى أحكام دينهم، فهذه الشريعة السمحة السهلة. وبعد ما كان فوت الواقعيّات ناشئاً عن سوء اختيارهم وعدم تحملّهم العلم الإلهيّ الّذي هو معصوم بالذات، فالشارع أحيى أحكامه وأوصلها إليهم بهذه الطرق. فخطأ الطريق ليس ناشئاً عن جعله حجّة بل حجّيّة هذه الطرق أحياءٌ لأحكامه التي لا تصل إليهم لتقصيرهم في تحصيل العلم الّذي لا خطأ له. تقريرات الأصول _ الوسيط _ ، الميرزا مهدي الإصفهاني، ص138 (مخطوط).

2) . سورة إبراهيم (14)، الآية 1.

3) . سورة النور (24)، الآية 35.

الله تعالى فرجه الشريف مع أنّ حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ومع ذلك ربما يكون المانع عن فعليّة بعض الأحكان باقياً مَرَّ الليالي والأيام إلى أن تطلع شمس الهداية ويرتفع الظلام، كما يظهر من الأخبار المرويّة عن الأئمة (علیهم السلام).(1)

بعض الأخبار في هذا المعنى

فيما يلي أشارة إلى مجموعة من النصوص الشريفة التي تصرّح باستفادة الناس من العلم الإلهيّ بشكل واسع وحدّ وافر في زمانه، أراناه الله بمنّه أيّامه.

مختصر البصائر، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «...وَيُقْذَفُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِلْمَ، فَلَا يَحْتَاجُ مُؤْمِنٌ إِلَى مَا عِنْدَ أَخِيهِ مِنَ الْعِلْمِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ (يُغْنِ اللهُ كُلّاً مِنْ سعَتِهِ)».(2)

الغيبة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیه السلام) عَنْ أَبِيهِ (علیه السلام) قَالَ: «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ (علیه السلام) بَعَثَ فِي أَقَالِيمِ الْأَرْضِ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ رَجُلًا يَقُولُ: عَهْدُكَ فِي كَفِّكَ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ أَمْرٌ لَا تَفْهَمُهُولَا تَعْرِفُ الْقَضَاءَ فِيهِ فَانْظُرْ إِلَى كَفِّكَ واعْمَلْ بِمَا فِيهَا».(3)

الغيبة، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كَأَنَّنِي بِدِينِكُمْ هَذَا لَا يَزَالُ مُوَلِّياً يَفْحَصُ بِدَمِهِ ثُمَّ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَيُعْطِيكُمْ فِي السَّنَةِ عَطَاءَيْنِ ويَرْزُقُكُمْ فِي الشَّهْرِ رِزْقَيْنِ، وتُؤْتَوْنَ الْحِكْمَةَ فِي زَمَانِهِ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَقْضِي فِي بَيْتِهَا بِكِتَابِ الله تَعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)».(4)

الكافي، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا (علیه السلام) وَضَعَ الله يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وكَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ».(5)


1) . كفاية الأصول، ص98.

2) . مختصر البصائر، ص474؛ والآية: سورة النساء (4)، الآية 130.

3) . الغيبة (للنعمانيّ)، ص 319، ح8.

4) . الغيبة (للنعمانيّ)، ص239، ح30.

5) . الكافي، ج1، ص25، ح21.

الكافي، سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ مَدَّ الله(عزّ و جّل) لِشِيعَتِنَا فِي أَسْمَاعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقَائِمِ بَرِيدٌ، يُكَلِّمُهُمُ فَيَسْمَعُونَ ويَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وهُوَ فِي مَكَانِهِ».(1)

الخرائج، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «الْعِلْمُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفاً، فَجَمِيعُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ حَرْفَانِ، فَلَمْ يَعْرِفِ النَّاسُ حَتَّى الْيَوْمِ غَيْرَ الْحَرْفَيْنِ، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ (عجل الله تعالی فرجه الشریف) أَخْرَجَ الْخَمْسَةَ والْعِشْرِينَ حَرْفاً فَبَثَّهَا فِي النَّاسِ، وضَمَّ إِلَيْهَا الْحَرْفَيْنِ حَتَّى يَبُثَّهَا سَبْعَةً وعِشْرِينَ حَرْفاً».(2)

البحار، عن كتاب الغيبة لعلي بن عبد الحميد، عن ابن مسكان قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ فِي زَمَانِ الْقَائِمِ عليه السلام وهُوَ بِالْمَشْرِقِ لَيَرَى أَخَاهُ الَّذِي فِي الْمَغْرِبِ، وكَذَا الَّذِي فِي الْمَغْرِبِ يَرَى أَخَاهُ الَّذِي فِي الْمَشْرِقِ».(3)

الخرائج، في حديث سيّد الشهداء (علیه السلام) حول الرجعة: «...ثُمَّإِنَّ اللَّهَ لَيَهَبُ لِشِيعَتِنَا كَرَامَةً لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ ومَا كَانَ فِيهَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيُخْبِرَهُمْ بِعِلْمِ مَا يَعْلَمُونَ».(4)

تحف العقول، قال أمير المؤمنين (علیه السلام) لكميل: «...يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وأَنَا أَفْتَحُهُ، ومَا مِنَ سِرٍّ إِلَّا والْقَائِمُ (علیه السلام) يَخْتِمُهُ».(5)

أمالي الصدوق، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث الله تعالى في المعراج: «وبِالْقَائِمِ مِنْكُمْ أَعْمُرُ أَرْضِي بِتَسْبِيحِي وتَقْدِيسِي وتَهْلِيلِي وتَكْبِيرِي وتَمْجِيدِي، وبِهِ أُطَهِّرُ الْأَرْضَ مِنْ أَعْدَائِي وأُورِثُهَا أَوْلِيَائِي وبِهِ أَجْعَلُ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِيَ السُّفْلَى وكَلِمَتِيَ الْعُلْيَا، وبِهِ أُحْيِي عِبَادِي وبِلَادِي بِعِلْمِي، ولَهُ أُظْهِرُ الْكُنُوزَ والذَّخَائِرَ بِمَشِيَّتِي وإِيَّاهُ أُظْهِرُ


1) . الكافي، ج8، ص241، ح329.

2) . الخرائج والجرائح، ج2، ص841، ح59.

3) . بحارالأنوار، ج52، ص391، ح213؛ عن كتاب الغيبة لعليّ بن عبد الحميد.

4) . الخرائج، ج2، ص849.

5) . تحف العقول، ص171.

عَلَى الْأَسْرَارِ والضَّمَائِرِ بِإِرَادَتِي، وأُمِدُّهُ بِمَلَائِكَتِي لِتُؤَيِّدَهُ عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِي وإِعْلَانِ دِينِي، وذَلِكَ وَلِيِّي حَقّاً ومَهْدِيُّ عِبَادِي صِدْقا».(1)

فلولا تضييع البشر لمشكاة النور واستحبابهم الظلمات لم يكن حالهم على ما هم عليه، ولقد قالت مولاتنا فاطمة (سلام الله علیها) في خطبتها لنساء المهاجرين والأنصار:

«...وتَاللَّهِ لَوْ تَكَافُّوا عَلَيْهِ عَنْ زِمَامٍ نَبَذَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لَاعْتَلَقَهُ، ثُمَّ لَسَارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً، فَإِنَّهُ قَوَاعِدُ الرِّسَالَةِ، ورَوَاسِي النُّبُوَّةِ، ومَهْبِطُ الرُّوحِ الْأَمِينِ والْبَطِينُ بِأَمْرِ الدِّينِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ «أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.

وَاللَّهِ لَا يَكْتَلِمُ خِشَاشُهُ، ولَا يُتَعْتَعُ رَاكِبُهُ، ولَأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلًا رَوِيّاً فَضْفَاضاً، تَطْفَحُ ضِفَّتُهُ، ولَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً قَدْ خَثَرَ بِهِمُ الرَّيُّ غَيْرَ مُتَحَلٍّ بِطَائِلٍ إِلَّا بِغَمْرِ النَّاهِلِ ورَدْعِ سَوْرَةِالسَّاغِبِ، ولَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٌ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ وسَيَأْخُذُهُمْ الله بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.

فَهَلُمَّ فَاسْمَعْ، فَمَا عِشْتَ أَرَاكَ الدَّهْرُ الْعَجَبَ، وإِنْ تَعْجَبْ بَعْدَ الْحَادِثِ، فَمَا بِالْهَمِّ بِأَيِّ سَنَدٍ اسْتَنَدُوا، أَمْ بِأَيَّةِ عُرْوَةٍ تَمَسَّكُوا «لَبِئْسَ الْمَوْلى ولَبِئْسَ الْعَشِيرُ» وبِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا.

اسْتَبْدَلُوا الذُّنَابَى بِالْقَوَادِمِ، والْحَرُونَ بِالْقَاحِمِ، والْعَجُزَ بِالْكَاهِلِ، فَتَعْساً لِقَوْمٍ (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)، (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولكِنْ لا يَشْعُرُونَ)، (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) لَقِحَتْ فَنَظِرَةٌ رَيْثَمَا تُنْتِجُ، ثُمَّ احْتَلَبُوا طِلَاعَ الْقَعْبِ دَماً عَبِيطاً وذُعَافاً مُمِضّاً، هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ويَعْرِفُ التَّالُونَ غِبَّ مَا أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ لِفِتْنَتِهَا، ثُمَّ اطْمَئَنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأشاً، وأَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ وهَرْجٍ دَائِمٍ شَامِلٍ واسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ، يَدَعُ فَيْئَكُمْ زَهِيداً، وجَمْعَكُمْ حَصِيداً، فَيَا حَسْرَةً لَهُمْ وقَدْ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ (أَنُلْزِمُكُمُوها


1) . الأماليّ (للصدوق)، ص375.

وأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ)».(1)

ولكن الله سبحانه أبى إلا أن يظهر دينه على الدين كلّه، وسوف تشرق الأرض بنور ربّها، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، ويرث الأرض عباده الصالحون (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ).(2)

اللهم عجّل فرج وليّك، وارزقنا رؤيتَه وصُحبَته، وأرنا أيّامه، واجعلنا من أنصاره وأشياعه والذابّين عنه، والمستشهدين بين يديه، طائعين غير مكرَهين في الصفّ الّذي نعتَّ أهله في كتابك فقلتَ: (صَفَّاً كَأنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(3)على طاعتك وطاعة رسولك وآله (علیهم السلام)، بحقّ محمد وأهل بيته الأطهار، صلواتكوبركاتك ورضوانك عليهم أجمعين.


1) . بلاغات النساء، ص33؛ ولاحظ أيضا: الأمالي (للطوسي)، ج1، ص384.

2) . سورة الصف (61)، الآية 8.

3) سورة الصف (61)، الآية 4.

الباب الثالث مسألة تعارض العقل والنقل

اشارة

مسألة تعارض العقل والنقل

اشارة

لا شبهة في توقّف تحرير هذه المسألة على معرفة العقل، لاسيّما بعد إطلاق العقل في ألسنة القوم على المصطلحات. وبعدما تنبّهت أنّ العقل الحقيقيّ المحكّم على العبد كاشف للواقع وأنّ حقيقته من حقيقة العلم، وهو حجّة فيما يكشفه، وقد ذكّر به المعصومون عليهم السلام، وأنّه لا يغشّ من استنتصحه، فيمتنع وقوع خلافه منهم. وأمّا النقل الذي يصلح دليلاً فهو ما له مقوّمات الحجّيّة، وهذه الحجّيّة مستقاة من العقل، لأنّه لم يثبت للعاقل إلا ببركة عقله، وإن لم يكن مدلول الكلام إرشاداً لحكم عقليّ، فإنّه قد يكون تعبّدياً مع بقاء حجّيته على حالها هذا.

إلّا إنّه قد يقع التوهّم بوقوع التعارض بين الحجّتين الظاهرة والباطنة، ونشیر هنا إلی ما يعنينا من ذلك في سیاق معرفة العقل وتشخيص حدود إدراكه، وأيضاً ما وقعت فیه الفلسفة في هذا المجال.

فمن موارد توهّم وقوع التعارض؛ عند التفكّر واستعمال العقل قد تحصل للعاقل ظنون ليست علماً لكن سببها هو وجود العلم في أطراف ظنّه، وكثيراً ما تصيب إلّا أنّها تبقى ظنون وربما قطع غفلة، والعقلاء عموما يسيرون وفق الأمارات في أمورهم العاديّة طلباً للواقع مع التفاتهم بكونها ظنيّة. وقد يختلط الأمر على شخص فيتوّهم أنّ مظنونه علم لأنّه تفكّر وأعمل عقله ليحصّل الواقع، والحال أنّه قد تجاوز شعاع نور العقل عند الحكم، كما لو ظنّ عن الشبح القادم بعد التفكّر والنظر في الأمارات أنّه زيد، وقد يخطئ هذا الحكم منهوقد يصيب، إلا أنّه ما دام لم ينكشف له الأمر

عيانا يبقى رأيه ظنّاً. ومثله لو وقع حكمه على شيء ثم عارض حكمه الدليل النقليّ المعتبر.

ومنها: إدخال العقل في دائرة الأحكام التعبديّة، وهو يقضي بامتناع استعمال الرأي وضرورة حرمة القياس، فإنّ ملاكات الأحكام خافية على البشر، وإذا ظنّ العاقل بحكم معيّن لم يغنه الظنّ شيئا. وكذا في جميع مرادات الربّ تبارك وتعالى، فلا يُدرى بدون تعليم خلفاءه ما إذا كان المعاد روحانيّاً أو جسمانياًّ مثلاً، لأنّ ذلك يرجع إلى حكمه وقضاءه، فأيّ عقل يعرف ما يريده الربّ؟ وحينئذ لم يجز إعمال العقل والحكم على المسألة وفق معلوماته، بل لا معنى أصلا لمداخلة العقل فيه كما في الأحكام التعبّدية، ولا يقع التعارض هنا، لأنّ ضرورة العقل تقتضي التوقّف والتسليم فحسب.

تفسير الإمام العسكري، عنه (علیه السلام): «...وَاعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ طَاعَةِ الله سُبْحَانَهُ التَّسْلِيمُ لِمَا عَقَلْنَاهُ ولِمَا لَمْ نَعْقِلْهُ، فَإِنَّ رَأْسَ الْمَعَاصِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، وإِنَّمَا امْتَحَنَ الله(عزّ و جّل) النَّاسَ بِطَاعَتِهِ لِمَا عَقَلُوهُ ومَا لَمْ يَعْقِلُوهُ، إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ وقَطْعاً لِلشُّبْهَةِ...».(1)

وبالنسبة لمثل اعتراض موسى على الخضر على نبيّنا وآله وعليهما السلام في قتل الغلام فالسبب إنما كان غياب الحكمة، ولما أخبره بما خفي عليه من طغيان الغلام وكفره أقرّ على نفسه في عدم صحّة اعتراضه، وذلك لأنّه كان على علم مسبق أنّ حكم الله فوق عقله، فإذا أمر بقتل الغلام فلحكمة، وهو الحكيم الخبير، ولا يظلم مثقال ذرّة، وقد كان موسى مأموراً بالصبر، وكذا في خرق السفينة وبناء الجدار. ونظير هذا في اعتراض الملائكة على جعل الخليفة، فالعقل يكشف كون أمر الله فوق العقول لأنّه يعلم ولا نعلم، ويلزم كل عاقل التسليم وعدم الحرج في النفس مما قضى الله ورسوله.

ومنها: تحكيم مختلف حجب العقل التي توهم للإنسان بأنّها من العقل، ومن


1) . تفسير الإمام العسكري (علیه السلام)، ص339.

يسلّط شهوته وهواه على نفسه تدفعانه إلى توهم القبيح حسنا، وهذه الشهوة والهوى من أقفال القلب التي هي حجب على العقل، فإنّها تشبّه على صاحبها العقل، كما مرّ من كلام الإمام بالذي كان في معاوية وأنّها «شبيهة بالعقل» وهي «شيطنة» و«نكراء». وكما ترى لا يدخل هذا في التعارض.

ومنها: وجود المتشابهات التي يمكن توهّم التعارض بينها وبين ضرورات العقل. ومن المعلوم أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب وهي مرجع المتشابهات، وهي الفرقان الذي يجب العمل به. وهكذا الحال في الأخبار المتشابهة.(1)

فكلمتا «اليد» و«العين» مثلا، واللتان اسندتا في كتاب الله إليه تعالى، كما قال سبحانه: (يَدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهِمْ).(2)وقوله تعالى: (فَإنَّك بِأعْيُنِنَا).(3)

فبعد الالتفات إلى النصوص المرشدة إلى نور العقل من بطلان التجسيم واستحالة اتّصاف الخالق بصفة المخلوق وثبوت حقّانيّة القرآن بنور العقل، ومن تلك النصوص الصريحة المحكمة قوله سبحانه: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)(4)و(لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(5)و(فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَالَ)(6)و(لَنْ تَرَانِي)(7)التأبيديّة وغيرها من الآيات المباركات، فيُعلم عدم إرادة توصيفه تعالى بوصف المخلوق، ومع الرجوع إلى بيانات أهل الذكر (علیه السلام) يظهر المراد منكلمتي اليد(8)والعين.(9)


1) . عيون أخبار الرضا (علیه السلام): عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) أنّه قال: «مَنْ رَدَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحْكَمِهِ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): إِنَّ فِي أَخْبَارِنَا مُتَشَابِهاً كَمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، ومُحْكَماً كَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، فَرُدُّوا مُتَشَابِهَهَا إِلَى مُحْكَمِهَا، ولَا تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهَا دُونَ مُحْكَمِهَا فَتَضِلُّوا». لاحظ: عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج1، ص290، ح39.

2) . سورة الفتح (48)، الآية 10.

3) . سورة الطور (52)، الآية 48.

4) . سورة الأنعام (6)، الآية 103.

5) . سورة الشورى (42)، الآية 11.

6) . سورة النحل (16)، الآية 74.

7) . سورة الأعراف (7)، الآية 143.

8) . لاحظ الكافي، ج1، ص144، ح6.

9) . لاحظ تفسير القمّي، ج2، ص332.

وبهذا يتبيّن أنّ الحقائق الوحيانية منها ما هو إرشاد لحكم العقل ومنها الأمور التعبديّة، والذي لا يخفى أنّ ما ينكشف للعقل فيما يتعلّق بالاعتقاديّات إنّما هي أمورٌ واضحة معدودة، ولا ينبغي الشكّ بعد النظر الدقيق في النصوص في الكتب المعتبرة والمراجعة والتتبع فيها أنه لا يوجد ما يخالفها أو يعارضها. وأمّا فيما لا يبلغه العقل فكيف يمكن فرض تعارضه مع النقليّ؟ بل العقل يحكم بحرمة ردّه.

في علل الشرائع، عن أبي عبد الله (علیه السلام): «...إِنَّ الْعُقُولَ لَا تَحْكُمُ عَلَى أَمْرِ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ بَلْ أَمْرُ الله يَحْكُمُ عَلَيْهَا».(1)

والخلاصة أنّ بعض الحقائق يكشفها العقل ويذكّر بها الوحي، وبعض الحقائق لا يبلغها العقل، فيتوقف الأمر على التعلّم، وبعضها لا تُدرَك أبدا، مثل حقيقة القضاء والقدر، فكيف يُفرض مخالفة العقل للوحي الذي يرجع إلى حجية العقل، فالعقل دالٌّ على الوحي ويصدّق بأحكامه.

التعارض بين النقل والعقل الاصطلاحيّ

اشارة

المورد الأخير الذي يمكن أن يقع فيه التوهّم بتعارض العقل والنقل، هو في العقل الاصطلاحيّ، فإنّ ما سمّوه في الفلسفة بالعقل وهو عبارة عن الأقيسة التي تثمر القطع بالنتيجة، هذا لم يكن سوى ظنيّات من حيث المادّة، لا تصلح أن تقع في عرض النقل المعتبر، ولا علاقة لها بالعقل الحقيقي وقد مرّ الكلام فيه.

فما يمكن فرض تعارضه مع الدليل النقليّ، بل هو محقّق وثابت إنما هو العقل الفلسفيّ، ومنها القياسات التي أقامتها مدرسة الحكمة المتعالية وفق مكاشفات الصوفيّة.

بل لمّا كان معنى التكافؤ _ الّذي هو قوام التعارض _ هوكون كلّ من الطرفين حجّة لولا المعارض، فلو كان أحدهما حجّة والآخر غير حجّة يكون فرض التعارض غلطاً بداهة عدم جواز الاعتماد على غير الحجّة حتّى في صورة عدم وجود


1) . علل الشرائع، ج1، ص61، ح1.

المعارض، فأيّ دليل دلّ على حجّيّة التوهّمات التي وصفوها بالعقليّة؟ وأمّا الدليل النقليّ فهو حجّة وبرهان دلّ على حجيّته العقل الفطريّ.

وإليك في هذا الصدد إشارة إلى نماذج أربع من وقوع التعارض بين العقل الاصطلاحيّ والدليل النقليّ المعتبر..

نماذج أربعة من التعارض
الأوّل: التوحيد أو الوحدة؟

من جملة المفارقات بين ضروريّ النصوص الدينيّة وبين المنهج الصوفيّ، بل هو أهمّها وأخطرها أنّ مدرسة الوحي تذكّر بالربّ المغاير والمباين مع مخلوقاته، والثاني يرى أنّ «واجب الوجود تمام الأشياء وكلّ الموجودات»(1)وما يتعلّق بذلك من قبيل أنّ المخلوق طور من أطوار الخالق، ولا وجود لغيره وليس في الدار غيره، والكثرات اعتباريّة بل توهّمات، فالتوحيد هو الوحدة، وربّما قال الملّا صدرا أنّه استطاع إثباته بالبرهان القطعي.(2)وقال إبن عربي:

فسبحان الّذي خلق الأشياء وهو عينها.(3)

وقال:

اعلم أنّ وصف الحقّ تعالى نفسه بالغنى عن العالمين إنّما هو لمن توهّم أنّ الله تعالى ليس عين العالَم.(4)

وقال:

فأخبر أنّه تعالى خلق آدم على صورته، والإنسان مجموع العالَم، ولم يكن علمه بالعالَم إلّا علمه بنفسه، إذ لم يكنفي الوجود إلّا هو، فلا بدّ أن يكون


1) . الأسفار، ج6، ص110؛ عقد فصلاً بهذا العنوان.

2) . الأسفار، ج1، ص71.

3) . فصوص الحكم، ص25.

4) . كتاب المعرفة، ص29 _ 30.

على صورته، فلمّا أظهره في عينه كان مجلاه، فما رآى فيه إلّا جماله.(1)

وقال في قصّة موسى وهارون في مقام تبيين علّة عتاب موسى (علیه السلام) لأخيه:

إنّ موسى كان أعلم بالأمر من هارون، لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأنّ الله قد قضى ألّا يعبد إلّا إيّاه، وما حَكم الله بشيء إلّا وقع، فكان عتاب موسى أخباه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإنّ العارف يرى الحقّ في كلّ شيء، بل يراه عين كلّ شيء، فكان يربّي هارون تربية علم وإنْ كان أصغر منه في السنّ.(2)

وأمّا الملّا صدرا، فهو وإن كان في بداية أمره ينكر الوحدة الشخصيّة ويقول ببطلانها وكذب نسبتها إلى كبار العرفاء ولكنّه ينتهي إلى القول بها لاحقا(3)وظهر له بطلان الكثرات، والاعتراف أنّ هذا هو عين عقيدة الأولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين. وقال:

ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحقّ، واضمحلّت الكثرة الوهميّة، وارتفعت أغاليط الأوهام، والآن حصص الحقّ، وسطع نوره النافذ في هياكل الممكنات... قد انكشف أنّ كلّ ما يقع اسم الوجود عليه ولو بنحو من الأنحاء، فليس إلّا شأناً من شؤون الواحد القيّوم، ونعتاً من نعوت ذاته، ولمعة منلمعات صفاته.

فما وضعناه أوّلاً أنّ في الوجود علّة ومعلولا بحسب النظر الجليل قد ىل آخر الأمر بحسب السلوك العرفانيّإلى كون العلّة منهما امراً حقيقياً والمعلول جهة من جهاته، ورجعت عليه المسمّى بالعلّة وتأثره للمعلول إلى تطوّره وتحيّثه لا انفصال شيء مباين عنه.(4)


1) . الفتوحات المكيّة، ج2، ص345.

2) . فصوص الحكم، الفصّ الهارونيّ.

3) . لاحظ: رحيق مختوم، ج1، ص560.

4) . الأسفار، ج2، ص301 _ 302.

وقال:

توحيد عرشيّ: اعلم أنّ ذاته تعالى حقيقة الوجود بلا حدّ، وحقيقة الوجود لا يشوبه عدم، فلابدّ أن يكون بها وجود كلّ الأشياء وأن يكون هو وجود الأشياء كلّها، إذ لو كانت تلك الذات وجود الشيء بعينه أو الأشياء بأعيانها ولم تكن وجوداً لشيء آخر أو لأشياء أخرى لم تكن حقيقة الوجود، فإذن لمّا كان واجب الوجود حقيقة الوجود الصرف الّذي لا أتمّ منه، فلا خارج عنه إلّا النقائص العدميّة والأعدام، فهو كلّ الذوات ولا يشذّ عنه شيء من الموجودات من حيث كونه موجوداً بل من حيث كونه ناقصاً أو معدوماً.(1)

وقال:

فالعالَم كلّه صار بهذا الترتيب كشخص واحد، أوّله حقّ، وآخره حقّ، وصورته الحقّ، بل تمامه حقّ، كدائرة واحدة، أوّلها النقطة، وآخرها النقطة، بل كلّها النقطة السيالة.(2)

وقال في المشاعر:

إنّ كلّ ما يقع عليه اسم الوجود ليس إلاّ شأناً من شؤون الواحد القيّوم(3).

وقال:

كلّ ما ندركه فهو وجود الحقّ في أعيان الممكنات، فالعالَم متوهّم ماله وجود حقيقي.(4)

وقال:

هذا المذهب... لا بدّ وأنْ يكون له وجه صحيح غامض يحتاج تحقيقه إلى


1) . شرح أصول الكافي، الحديث الأول من باب جوامع التوحيد.

2) . الأسفار، ج7، ص107.

3) . المشاعر، المشعر الثامن، ص53.

4) . الأسفار، ج2، ص294.

بحث شديد وتفحّص بالغ مع تصفية للذهن وتهذيب للخاطر وتضرّع الى الله _ تعالى _ وسؤال التوفيق والعون منه. وقد كنّا ابتهلنا إليه بعقولنا، ورفعنا إليه أيدناالباطنة لا أيدينا الداثرة فقط،وبسطنا أنفسنا بين يديه، وتضرّعنا إليه طلباً لكشف هذه المسألة وأمثالها طلب الملتجئ ملجأً غير متكاسل، حتّى أنار عقولنا بنوره الساطع وكشف عنّا بعض الحجب والموانع، فرأينا العالم العقليّ موجوداً واحداً يتّصل به جميع الموجودات التي في هذا العالم، ومنه بدؤها وإليه معادها، وهو أصل المعقولات وكلّ الماهيّات من غير أن يتكثّر ويتجزّى، ولا أن ينقص بفيضان شيء منه، ولا أن يزداد باتصال شيء إليه.(1)

قال السبزواريّ في حاشية الشواهد:

القائل بالتوحيد: إمّا يقول بكثرة الوجود وكثرة الموجود جميعا، ومعه هذا يُعدّ من الموحّدين لكونه متفوّهاً بكلمة التوحيد، وهذا توحيد العوام.

وإمّا يقول بوحدة الوجود وكثرة الموجود، بمعنى المنسوب إلى الوجود، فإنّ حقيقة الوجود عنده ليس لها أنواع ولا أفراد ولا مراتب ولا أجزاء عقلية وخارجيّة ولا قيام ولا عروض لها بالنسبة إلى المهيّة، بل واحدة بسيطة قائمة بذاتها؛ إنّما المهيّات منتسِبات إلى هذه الحضرة والكثرة فيها لا فيه، وهذا قول منسوب إلى ذوق التألّه، وهو توحيد الخواصّ، وعكسه لم يقل به أحد بل لا يصحّ.

وإمّا يقول بوحدتهما جميعا وهو قول الصوفيّة، حيث يقولون: ليس في الواقع إلّا وجود وموجود واحد تقيّد بقيود اعتباريّة يُترائى منها كثرة وهميّة؛ وهذا يُعد عندهم توحيدا خاصّياً بل أخصّياً، وليس كذلك بل التوحيد الأخصّي ما سيجيء، لكن يمكن إرجاعه إليه.


1) . الأسفار، ج3، ص336.

وإمّا يقول بوحدتهما جميعا في عين كثرتهما؛ أما وحدة الوجود فلأنّه كما مرّ لا نوع تحته ولا أفراد، وأمّا كثرته فلأنّ له مراتب ودرجات متفاوتة بالكمال والنقص والتقدّم والتأخّر ونحو ذلك.وأمّا وحدة الموجود في عين كثرته، فلأنّ الوجودلمّا كان أصيلاً كان الموجود الحقيقيّ هو الوجود، فوحدته وحدته، ومراتبه مراتبه وهذا هو التوحيد الأخصّي.(1)

وقال الملا صدرا في بدايات أسفاره:

وممّا يجب أن يعلم أنّ إثباتنا لمراتب الوجودات المتكثّرة ومواضعتنا في يمراتب البحث والتعليم على تعدّدها وتكثّرها لا ينافي ما نحن بصدده من ذي قبل إن شاء الله من إثبات وحدة الوجود والموجودات ذاتاً وحقيقةً كما هو مذهب الأولياء والعرفاء وعظماء أهل الكشف واليقين، وسنقيم البرهان القطعي على أن الوجودات وإن تكثرت وتمايزت إلاّ أنّها من مراتب تعيّنات الحقّ الأوّل وظهورات نوره وشئونات ذاته لا أنّها أمور مستقلّة وذوات منفصلة، وليكن عندك حكاية هذا المطلب إلى أن يرد عليك برهانه.(2)

وقال لاحقاً:

لكن البرهان قائم على أنّ كلّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة إلّا ما يتعلّق بالنقائص والأعدام والواجب تعالى بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجوه، فهو كلّ الوجود كما أنّ كلّه الوجود.

أمّا بيان الكبرى فهو أنّ الهويّة البسيطة الإلهيّة لو لم يكن كلّ الأشياء لكانت ذاته متحصلة القوام من كون شيء ولا كون شيء آخر، فيتركب ذاته ولو بحسب اعتبار العقل وتحليله من حيثيتين مختلفتين وقد فرض وثبت أنّه


1) . حاشية الشواهد الربوبيّة، ص36؛ وقال نظير هذا الكلام في الحاشية على الأسفار مع فارق كون توحيد ذوق التألّه هو التوحيد الخاصّي، وتوحيد الصوفيّة هو توحيد خاصّ الخاصّ، والوحدة في عين الكثرة هو توحيد أخصّ الخواصّ، وذكر أنّ هذا القسم هو مذهب صدر المتألّهين والعرفاء الشامخين.

2) . الأسفار، ج1، ص71.

بسيط الحقيقة هذا خلف فالمفروض أنّه بسيط إذا كان شيئاً دون شيء آخر كأن يكون «ألفاً» دون «ب»؛ فحيثية كونه ألفاً ليست بعينها حيثية ليس «ب» وإلّا لكان مفهوم «ألف» ومفهوم ليس «ب» شيئاً واحداً واللازم باطل، لاستحالة كونالوجود والعدم أمراً واحداً فالملزوم مثله، فثبت أنّ البسيط كلّ الأشياء.(1)

وقال فيما بعد أيضاً:

أنظر أيّها السالك طريق الحقّ ماذا ترى من الوحدة والكثرة جمعا وفرادى؟ فإنْ كنت ترى جهة الوحدة فقط فأنت مع الحق وحده، لارتفاع الكثرة اللازمة عن الخلق، وإن كنت ترى الكثرة فقط فأنت مع الخلق وحده، وإن كنت ترى الوحدة في الكثرة محتجبة والكثرة في الوحدة مستهلكة فقد جمعت بين الكمالين، وفزت بمقام الحسنيين.(2)

وقال:

فكما وَفَّقَني الله تعالى بفضله ورحمته الإطّلاع على الهَلاك السرمدي والبطلان الأزلي للماهيّات الإمكانيّة والأعيان الجوازيّة، فكذلك هداني ربّي بالبرهان النيِّر العرشي إلى صراط مستقيم مِن كونِ الموجود والوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصيّة لا شريك له في الموجوديّة الحقيقيّة ولا ثاني له في العين وليس في دار الوجود غيره ديّار وكلّما يَتَرائى في عالَم الوجود أنّه غير الواجب المعبود فإنّما هو من ظهورات ذاته وتجليّات صفاته الّتي هي في الحقيقة عين ذاته. كماصَرَّحَ به لسانُ بعض العرفاء... فكلّ ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات فمن حيث هوية الحق هو وجوده ومن حيث اختلاف المعاني والأحوال المفهومة منها المنتزعة عنها


1) . الاسفار، ج6، ص110 _ 112.

2) . الأسفار، ج7، ص367.

بحسب العقل الفكري والقوة الحسية فهو أعيان الممكنات الباطلة الذوات. فكما لا يزول عنه باختلاف الصور والمعاني اسم الظلّ كذلك لا يزول عنه اسم العالم وما سوى الحقّ. وإذا كان الأمر على ما ذكرت لك، فالعالم متوهّم ما له وجود حقيقي، فهذا حكاية ما ذهب إليه العرفاء الإلهيّون والأولياء المحققون، وسيأتيكالبرهان الموعود لك على هذا المطلب العالي الشريف إن شاء الله تعالى.(1)

أقول: كيف خفي هذا المطلب العالي الشريف على النبيّ المبعوث من عند الله تعالى، والذي كانت مهمّته التي أرسل لأجلها تعليم البشر(2)

وهدايتهم إلى أسمى المعارف وتبيين أهمّ الحقائق، ممتثلاً أمر ربّه القائل: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور)(3)(وَ إِنَّكَ لَتَهْدي إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم)(4)كذا أوصياءه وحملة علمه، حتّى لم يذكروا شيئاً ممّا ذكره الملا صدرا فاسنتجد بتصريح (بعض العرفاء) بدل الإرجاع إلى الأنبياء والأوصياء، أم هل أنّ الأنبياء والأوصياء عجزوا عن توضيحها أو آثروا بيانها إلى أولئك، أو أنّهم بيّنوها لأهلها بالأسرار، فكيف قام المذكور وملهمه بفكّ الشفرة والإفصاح عن السرّ؟

الحقّ أنّنا لا نعرف مطلباً عالياً شريفاً إلا عند حجج الله المعصومين، الذين صرّحوا بالبينونة الصفتيّة بين الخالق والخلق.

ففي التوحيد، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): «...الَّذِي بَانَ مِنَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ كَمِثْلِه».(5)

وفيه أيضا، عنه (علیه السلام): «...حَدَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عِنْدَ خَلْقِهِ إِيَّاهَا إِبَانَةً لَهَا مِنْ شِبْهِهِ».(6)


1) . الأسفار، ج7، ص291.

2) . منية المريد، ص106.

3) . سورة إبراهيم (14)، الآية 1.

4) . سورة الشورى (42)، الآية 52.

5) . التوحيد، ص32، ح1.

6) . التوحيد، ص42، ح3.

وفيه أيضاً، عنه (علیه السلام): «...لِأَنَّهُ خِلَافُ خَلْقِهِ، فَلَا شِبْهَ لَهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ».(1)

وفي الاحتجاج، عنه (علیه السلام): «...دَلِيلُهُ آيَاتُهُ، ووُجُودُهُ إِثْبَاتُهُ، ومَعْرِفَتُهُ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَمْيِيزُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وحُكْمُ التَّمْيِيزِبَيْنُونَةُ صِفَةٍ لَا بَيْنُونَةُ عُزْلَةٍ، إِنَّهُ رَبٌّ خَالِقٌ غَيْرُ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٍ، كُلُّ مَا تُصُوِّرَ فَهُوَ بِخِلَافِه».(2)

وفي التوحيد، عن الصادق (علیه السلام): «...وَ لَا تُدْرَكُ مَعْرِفَةُ الله إِلَّا بِالله، واللَّهُ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وخَلْقُهُ خِلْوٌ مِنْهُ».(3)

وفيه أيضاً، عن الرضا (علیه السلام): «...وَ مُبَايَنَتُهُ إِيَّاهُمْ مُفَارَقَتُهُ إِنِّيَّتَهُمْ».(4)

وفيه أيضاً، عنه (علیه السلام): «...فَكُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ، وكُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ».(5)

وفيه أيضاً، عنه (علیه السلام): «...لِامْتِنَاعِهِ مِمَّا يُمْكِنُ فِي ذَوَاتِهِمْ ولِإِمْكَانِ ذَوَاتِهِمْ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ذَاتُهُ، ولِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ والْمَصْنُوعِ والرَّبِّ والْمَرْبُوبِ والْحَادِّ والْمَحْدُودِ».(6)

فانظر بعين سليمة، هل في شيء من هذه المصابيح إلا إبطال لتلك الظلمات؟ (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ)(7)(فَأَيُّ الْفَريقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).(8)

قال العلاّمة الحلّي رحمه الله في بطلان القول بوحدة الخالق والخلق:

وخالف في ذلك جماعة من الصوفيّة من الجمهور، فحكموا بأنّه تعالى يتّحد مع أبدان العارفين، حتّى أنّ بعضهم قال: إنّه تعالى نفس الوجود وكلّ


1) . التوحيد، ص52، ح13.

2) . الاحتجاج، ج1، ص198.

3) . التوحيد، ص143، ح7.

4) . التوحيد، ص36، ح2.

5) . التوحيد، ص40، ح2.

6) . التوحيد، ص56، ح14.

7) . سورة فاطر (35)، الآية 12.

8) . سورة الأنعام (6)، الآية 81.

موجود هو الله تعالى. وهذا عين الكفر والإلحاد، والحمد لله الّذي فضّلنا باتّباع أهل البيت دون أهل الأهواء الباطلة.(1)

الثاني: المعاد الجسمانيّ أو المعاد المثاليّ؟

إحدى المسائل التي دلّت عليها النصوص الجمّة من الآيات والأخبار، حتى عُدّت من الضروريّات، وأنكرتها الحكمة البشريّة ولم يمكنها التسليم لها إلا بعد الإعراض عن القواعد التي أسّستها بإسم العقل، هي مسألة معاد الأجساد العنصريّة ورجوعها يوم البعث والنشر.

وهذه المسألة عموماً كانت ولا تزال من أصعب الامتحانات للبشر، وينكرها أو يحرّفها كلّ من لم يطمئن قلبه بالإيمان.

قال تعالى: (وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفي خَلْقٍ جَديد).(2)

وقال تعالى: (وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَميم قُلْ يُحْييهَا الَّذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليم).(3)

وقال تعالى: (أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَه بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَه).(4)

وقال تعالى: (وَ إِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ ولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَكَ سَعْياً واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيم).(5)

وقال تعالى: (أَوْ كَالَّذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيي


1) . نهج الحقّ وكشف الصدق، ص57.

2) . سورة سبأ (34)، الآية 7.

3) . سورة يس (36)، الآيتان 78 _ 79.

4) . سورة القيامة (75)، الآيتان 3 _ 4.

5) . سورة البقرة (2)، الآية 260.

هذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ الله مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدير).(1)

وقال تعالى: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُون قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وصَدَقَالْمُرْسَلُون).(2)

وقال تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُون).(3)

وغيرها من الآيات الكثيرة.

قال العلاّمة المجلسيّ في البحار، باب إثبات الحشر وكيفيّته وكفر من أنكره بعد سرده للآيات المباركات:

اعلم أنّ القول بالمعاد الجسمانيّ ممّا اتفق عليه جميع الملّيّين، وهو من ضروريّات الدين ومنكره خارج عن عداد المسلمين، والآيات الكريمة في ذلك ناصّة لا يُعقل تأويلها، والأخبار فيه متواترة لا يمكن ردّها ولا الطعن فيها، وقد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسّكاً بامتناع إعادة المعدوم ولم يقيموا دليلاً عليه، بل تمسّكوا تارة بادّعاء البداهة وأخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على مَن نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين... .(4)

وقال:

قال العلاّمة (رحمه الله) في شرح الياقوت: اتفق المسلمون على إعادة الأجساد، خلافاً للفلاسفة. واعلم أنّ الإعادة تقال بمعنيين: أحدهما جمع الأجزاء


1) . سورة البقرة (2)، الآية 259.

2) . سورة يس (36)، الآيتان 51 _ 52.

3) . سورة المعارج (70)، الآية 43.

4) . بحارالأنوار، ج7، ص47.

وتأليفها بعد تفرّقها وانفصالها، والثاني إيجادها بعد إعدامها. وأمّا الثاني فقد اختلف الناس فيه واختار المصنّف جوازه أيضاً.(1)

وقال المحقّق الخوئيّ (رحمه الله) _ على ما في تقريرات درسه _:

أصول الإسلام أربعة..الرابع: الإيمان بالمعاد الجسمانيّ، والإقرار بيوم القيامة، والحشر والنشر، وجمع العظام البالية، وإرجاع الأرواح فيها، فمَن أنكر المعاد أو أنكر كونه جسمانيّاً فهو كافر بالضرورة..إنكار أيّ واحد منها في حدّ نفسه موجب للكفر سواء أكان مستنداً إلى العناد واللجاج أو كان مستنداًإلى الغفلة وعدم الإلفتات الناشئ عن التقصير أو القصور.(2)

أقول: جنحت الحكمة البشريّة وعلى أثر بعض مبانيها مثل التكامل والقول بامتناع الرجوع إلى القوّة من الفعليّة، والفناء في الله وغیر ذلك من الشبهات، إلى أنّ المعاد لا يجوز أن يكون للأجساد. قال الرازي:

اختلفت أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه: أنّ المعاد ليس إلا للنفس، وهو مذهب الجمهور من الفلاسفة.(3)

أنّ ظواهر الأدلة النقليّة في إعادة الأبدان تخالف البرهان ولزم تأويلها بالأبدان المثاليّة، والإعراض عمّا هو نصّ في المعنى وتجاهله بالمرّة.

قال في الأسفار:

أمّا الطلوع إلى عالم السماء وجنّة الأرواح والسعداء والمنزل الأعلى، فلا يمكننا أن نرتقي إلى هناك بهذه الجثّة الكثيفة بل ببدن نوريّ جنس تلك الدار إذا تخلّصت من هذه البنية المظلمة، كما أنّ الطلوع إلى جنّة المقرّبين وصقع الكاملين من الصور المفارقة العقليّة ومُثل الأفلاطونيّة النوريّة لا يتيسّر


1) . بحارالأنوار، ج7، ص48.

2) . مصباح الفقاهة، ج1، ص382 _ 383.

3) . نهاية العقول في دراية الأصول، نقله في بحارالأنوار، ج7، ص48.

لها إلّا إذا انفصلت عن علوق الأبعاد والأجرام وانقطعت عن الأمثال والأشباح وتجرّدت عن الكونين ورفضت العالمَين.(1)

فلمّا كان الجسم الدنيويّ كثيفاً لم تكن له قابليّة الإرتقاء إلى العقبى، وإذا ارتقت النفس إلى عالم العقول المفارقة والمُثل تجرّدت عن الأبعاد والأجرام، فيكون جسماً عقليّاً منسلخاً عن المادّة والمدّة. وقال أيضاً:

فكلّ جوهر نفسانيّ مفارق يلزم شبحاً مثاليّاً ينشأ منه بحسب ملكاته وأخلاقه وهيئاته النفسانيّة بلا مدخليّة الاستعدادات وحركات الموادّ كما في هذا العالم شيئاً فشيئاً_ إلى أن قال _: فإن قلت: النصوص القرآنيّة دالّة على أنّ البدن الأخرويّ لكلّ إنسان هو بعينه هذا البدن الدنياويّ له. قلنا: نعم ولكن من حيث الصورة لا من حيث المادّة، وتمام كلّ شيء بصورته لا بمادّته.(2)

وقال أيضاً:

وأنزل من هذه المرتبة من الإعتقاد في باب المعاد وحشر الأجساد اعتقاد علماء الكلام، كالإمام الرازيّ ونظرائه، بناء على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرّقات أجزاء ماديّة لأعضاء أصليّة باقية عندهم... ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، وأنّ الموت والبعث ابتداء حركة الوجود إلى الله أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادّيّة والبدن الترابيّ الكثيف الظلمانيّ.(3)

وقد اعترف بعض كبار الفلسفة بامتناع المعاد الجسماني عبر طريق الفلسفة. قال ابن سينا:

وبالحريّ أن نحقّق هاهنا أحوال الأنفس الانسانيّة إذا فارقت أبدانها، وأنّها


1) . الأسفار، ج9، ص48.

2) . الأسفار، ج8، ص153.

3) . الأسفار، ج8، ص153.

إلى أيّة حال ستصير، فنقول: يجب أن يُعلم أنّ المعاد منه ما هو منقول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوّة، وهو الّذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة لا يحتاج إلى أن تُعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا وسيّدنا ومولانا محمّد صلّى الله عليه وعلى آله حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن. ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهانيّ وقد صدّقته النبوّة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام هاهنا تقصر عن تصوّرهما الآن لما نوضّح منالعلل.(1)

وقد التفت إلى التضاد بين المنهجين الشيخ محمد تقي الآمليّ، قال في تعليقته على شرح المنظومة:

ولكنّ الإنصاف أنّه عين انحصار المعاد بالروحانيّ لكن بعبارة أخفى، فإنّه بعد فرض كون شيئيّة الشيء بصورته وإنّ صورة ذات النفس هو نفسه، وإنّ المادّة الدنيويّة لمكان عدم مدخليّتها في قوام الشيء لا يحشر، وإنّ المحشور هو النفس غاية الأمر إمّا مع انشائها لبدن مثاليّ قائم بها قياماً صدوريّاً مجرّداً عن المادّة ولوازمها إلّا المقدار كما في نفوس المتوسّطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين، وإمّا بدون ذلك أيضاً كما في المقرّبين. ولعمري! إنّ هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدّس على صادعه السلام والتحيّة، وأنا أُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أنّي أعتقد في هذه الساعة، وهي ساعة الثلاث من يوم الأحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368، في أمر المعاد الجسمانيّ بما نطق به القرآن الكريم، واعتقد به محمّد والائمّة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) وعليه أطبقت الأمّة الإسلاميّة.(2)


1) . الشفاء، ص460.

2) . درر الفوائد، ج2، ص460؛ أقول: وقد نقل الميرزا البجنورديّ عن الشيخ النائيني قوله في صاحب الأسفار: «لولا شبهة حصلت له لحكمنا بتكفيره» لاحظ: معاد جسماني در حكمت متعالية (للحكيمي)، ص 234.

الثالث: الجبر

أ: الجبر في الخالق

ذهبت الفلسفة إلى أنّ واجب الوجود هو واجب من جميع الجهات والحيثيّات، وأفعاله واجبة الصدور ويمتنع خلافه، لذلك فالممكنات وإن كانت ممكنة بالنظر إلى ذاتها لكنّها واجبة الوجود بالغير، موجودة أزلاً بوجوده، مع حدوثها الذاتيّ لا الزماني. فيمتنع وقوع خلاف هذا النظام القائم الذي سمّوه بالنظام الأتمّ، ووجود الواجب تمام العلة لفعله، فتوجّب وجودالممكنات، ولا يمكن أن يشاء واجب الوجود خلافه، ولا معنى لأن يشاء غيره، لأنّه أثر ذاتي ومن خواص ولوازم وجوده، والقدرة لا تتعلّق بالمحال. قال الملا صدرا منتصرا لمن وصفهم بالحكماء الإلهيين:(1)

جميع ما له من الصفات الحقيقية ترجع الى ذاته، وان علمه كذاته واجب الوجود بالذات وكذا قدرته وارادته وسائر صفاته الكمالية ونعوته الجمالية كذاته واجبة الوجود لذاتها، وهذا ما قاله الإلهيّون: واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات، فالصادر عنه تعالى من الافعال صادر عن حاق ذاته الاحدية لا بسبب قوة زائدة او بتوسط حالة اخرى.(2)

وقال الفارابي:

إنه تعالى وجود كلّه، وجوب كلّه، علم كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، إرادة كلّه.(3)

فرجعت الإرادة إلى العلم، حيث أنّ العلم بالنظام الأصلح هو العلة لفيضان النظام الأصلح.(4)وتبطل بناءا على ذلك القدرة بمعناها الحقيقي، حتى مع علمه بأفعاله الواجبة الفعل، إذ لا تلازم بين الجبر والجهل، فقد يكون الشخص مسلوب


1) . شرح أصول الكافي (للملّا صدرا)، ج4، ص78.

2) . شرح أصول الكافي، ج3، ص59؛ ولاحظ: العدل الإلهي، ص316.

3) . لاحظ: الأسفار، ج6، ص121.

4) . راجع توحيد الإماميّة في الردّ على شبهتهم حول مسالة العلم، والنظام الأتم الأصلح؛ توحيد الإماميّة، ص322.

القدرة على ما يعلم بتحققه منه كما لو ألجأ على فعل معيّن.

ولمّا كان واجب الوجود مجبوراً فأيّ معنى يبقى للحمد، فلا تُحمد النار على حرارتها، ولا تُشكر على ضياءها، فإنّ الحمد ليس للواجب الذي يجب عليه صدور الفعل منه، وليس له أن لا يشاء ذلك، ولكن نصوص الدين المتواترة تؤكد أنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ویرحم أو یعذّب من یشاء بما يشاء كيف يشاء،(1)وله الحمد، وليس له ذلك بحسب الفلسفة، ولا أن يُذهببالناس ويستبدل قوماً غيرهم،(2)ولا أن يخلق خلقاً غير هذا ويأتي بخلق جديد،(3)والكثير من الحقائق التي بيّنتها المعارف الدينية بالنص الذي لا يقبل التأويل، بل إن أصغر شيء في الوجود لا يمكن تغييره وتبديله من خالق الكون، ولا يمكن هداية الضالين أو نجاة الكافرين أبدا، فهذه كلها واجبة الوجود، فانظر إلى إبطال الربوبيّة، وإنكار قدرة الله وتحريف المشيئة والإرادة واستلزامه القول بالعجز عن تغيير ذرّة في الأرض أو في السماء، ويده تكون مغلولة، بل غلّت أيديهم!

ويقول الفلاسفة: إن هذا النظام إمكانيّ، يعني العالم وكيفيّته متطابق مع النظام الربّاني، وهو نظام موجود في ذات الخالق ومن ثمّ شاء الله ان يكون في الخارج.

وعليه فالنظام جزء من ذات البارئ وبالتالي فهو تام وهو أفضل نظام وغير قابل للتغيير على نحو لا يؤثّر اللقاء في هذا النظام.(4)

إنّ مشيئته إذن واجبة الحصول، فلا مشيئة حقيقيّة، ولا فَعلها بقدرة حقيقية، فلا قدرة على عدم المشيئة والاختيار، ويداه كما ترى ليستا مبسوطتين ولا ينفق كيف يشاء، لأن حكم المسمى بواجب الوجود من جميع الجهات كإثبات قهرية صدور الحرارة من النار التي من خواصها ولا تستطيع خلافه.


1) . لاحظ: المصباح، ص591.

2) . لاحظ: سورة محمّد (47)، الآية 38.

3) . لاحظ: سورة إبراهیم (14)، الآية 19؛ سورة فاطر (35)، الآية 16.

4) . العدل الإلهي، ص102 و126؛ الميزان، ج18، ص108؛ شرح أصول الكافي (للملّا صدرا)، ص283 و406.

في الكافي، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: قُلْتُ: لَمْ يَزَلِ الله مُرِيداً؟ قَالَ (علیه السلام): «إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ، لَمْ يَزَلِ الله عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ».

قال الملّا صدرا في شرح الخبر:

و التحقيق: إنّ الإرادة تطلق بالاشتراك الصناعي على معنيين: أحدهما ما يفهمه الجمهور وهو الذي ضده الكراهة،وهي التي قد تحصل فينا عقيب تصور الشيء الملائم وعقيب التردد حتّى يترجح عندنا الامر الداعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدهما منا، وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية، وهي والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا وفي الحيوان ولا يجوز على الله، بل ارادته نفس صدور الافعال الحسنة من جهة علمه بوجه الخير وكراهته عدم صدور الفعل القبيح عنه لعلمه بقبحه.

و ثانيهما كون ذاته بحيث يصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، لا كاتباع الضوء للمضيء والسخونة للمسخن ولا كفعل الطبائع لا عن علم وشعور ولا كفعل المجبورين والمسخرين ولا كفعل المختارين بقصد زائد او إرادة ظنية يحتمل الطرف المقابل. وقد تحققت ان قيوم الكل انما يفعل الكل عن علم هو نفس ذاته العليم الذي هو اتم العلوم، فاذن هو سبحانه فاعل للاشياء كلها بإرادة ترجع الى علمه بذاته، المستتبع لعلمه بغيره المقتضي لوجود غيره في الخارج، لا لغرض زائد وجلب منفعة او طلب محمدة او ثناء او التخلص من مذمة، بل غاية فعله محبة ذاته.

فهذه الأشياء الصادرة عنه كلّها مرادة لاجل ذاته، لأنّها من توابع ذاته وعلمه بذاته، فلو كنت تعشق شيئا لكان جميع ما يصدر عنه معشوقا لك لأجل ذلك الشيء، وقد ذكرنا سابقا انا نحن نريد الشيء لأجل الشهوة واللذة لا لأجل ذات الشيء المراد، ولو كانت الشهوة واللذة أو غيرهما شاعرة بذاتها مصدرا لافعال عن ذاتها لكانت مريدة لتلك الاشياء لذاتها، لانها صادرة عن ذاتها،

وإليه الاشارة بما ورد في الحديث الالهي عن نفسه تعالى: كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لأعرف.

و الحاصل ان كل ما يصدر عن فاعل فانه اما ان يكون بالذات او بالعرض، وما يكون بالذات يكون اما طبيعيا أواراديا، وكل فعل يصدر عن علم فانه لا يكون بالعرض ولا بالطبع، فاذن يكون بالارادة، وكل فعل يصدر عن فاعل والفاعل يعرف صدوره عنه ويعرف انه فاعله، فان ذلك الفعل صدر عن عمله، وكل فعل صدر عن إرادة فمبدأ تلك اما ان يكون علما جازما أو ظنا أو تخيلا، ولا يجوز ان يكون فعل واجب الوجود بحسب الظن او التخيل، فان ذلك يكون لغرض زائد ويكون معه انفعال، فان الغرض يؤثر في ذي الغرض وهو ينفعل عنه. وقد مر ان واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع جهاته، فاذن يجب ان يكون ارادته للاشياء علمه بها لا غير، فهذه هي الإرادة الخالية عن الشين والانفعال ولا مقابل لها الا النفي المحض. ولما كان فهم الجمهور لا يصل الى الإرادة بهذا المعنى بل إلى النحو الذي في الحيوان وضده الكراهة ويكون حادثا عند حدوث المراد، جعلها عليه السلام من صفات الافعال ومن الصفات الاضافية المتجدّدة كخالقية زيد ورازقيته، حذرا عن كونه تعالى محلا للحوادث لو كانت الإرادة الحادثة من صفات الذات، وهي كالعلم الحادث الذي هو اضافة عالميته تعالى بالحوادث الكونية وهي أخيرة مراتب علمه تعالى.(1)

أقول: التوجيه الذي ذكره فاسد جدّاً، والنفي الصريح في حديث الإمام (علیه السلام) لأزليّة الإرادة وأنّها ليست كالعلم والقدرة يقف في طرف نقيض لما وصف الفارابيّ الربّ أنّه «إرادة كلّه». وليس العجب من الفارابي الذي لم يهتد إلى سماع هذا النصّ، بل العجب كلّ العجب من الملّا صدرا حيث يسعى إلى إخضاع النصّ


1) . شرح أصول الكافي،ج3، ص224.

لآراء معلّمه الأوّل. إنّ الفلسفة ترى أنّ «علمه تعالى بالنظام الأتمّ مبدأ له»(1)

و«الإرادة... في الواجب... نفس علمه الذي هو عين ذاته بنظام الخير..». وأما مدرسة الوحيفتصرّح أنّ «العلم ليس هو المشيئة».(2)

وفي التوحيد للصدوق، عن أبي عبد الله (علیه السلام): «كَانَ الله عزّ وجل ولَا شَيْءَ غَيْرَ الله مَعْرُوفٌ ولَا مَجْهُولٌ، كَانَ عزّ وجل ولَا مُتَكَلِّمَ ولَا مُرِيدَ ولَا مُتَحَرِّكَ ولَا فَاعِلَ، جَلَّ وعَزَّ رَبُّنَا، فَجَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْدَثَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مِنْه».(3)

وفي الكافي عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام): عِلْمُ الله ومَشِيئَتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيئَةَ، أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ الله، ولَا تَقُولُ: سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ الله، فَقَوْلُكَ: إِنْ شَاءَ الله، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ، فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ، وعِلْمُ الله السَّابِقُ لِلْمَشِيئَةِ».(4)

وفي التوحيد، عن أبي عبد الله (علیه السلام): «إِنَّ الْقَضَاءَ والْقَدَرَ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ الله، واللَّهُ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ».(5)

وللمزيد لاحظ حديث الإمام الرضا (علیه السلام) مع سليمان المروزي متكلّم خراسان في مسألة الإرادة.(6)

ب: الجبر في المخلوق

إنّ الحكمة البشرية ذهبت وبإسم الدليل العقليّ إلى أن المخلوقات مجبورة


1) . الشفاء، الإلهيّات، 538؛ شرح الإشارات، ج3، ص 318؛ القبسات، ص416.

2) . الكافي، ج1، ص109، ح2؛ وعقد الكليني باباً بعنوان: باب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل.

3) . التوحيد، ص227، ح7.

4) . الكافي، ج1، ص109.

5) . التوحيد، ص364.

6) . التوحيد (للصدوق)، ص441، ح1.

ومضطّرة على أفعالها (1)وذلك لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، والنظام الموجود متسلسل على أساس العليّة ويشمل كلّ شيء حتى الفواعل الإراديّة، وأنّ الاستعدادات ذاتيّة، والسعادة والشقاوة ذاتيّان، فالاختيار المرئي هو الظاهر، بينما الحقّ هو الجبر والاضطرار إلى صدور جميع الأفعال. قال ابن سينا:فكلّ إرادة لنا فلها علّة، وعلّة تلك الإرادة لیست إرادة متسلسلة في ذلك إلی غیر النهایة، بل أمور تعرض من خارج أرضیّة وسماویة والأرضیّة تنتهي إلی سماویّة وإجتماع ذلك كلّه یوجب الإرادة.(2)

وقال الملا صدرا:

إنّ نسبة إرادة الإنسان إلى مشيئة اللّه كنسبة إدراك الحواسّ إلى إدراك العقل.... ونسبة مصادر أفاعيلها من الأبدان والأعضاء كنسبة الجوارح إلى القلب الذي هو أمير الجوارح.(3)

ومرّ عليك إرجاعه الإرادة الإلهية إلى العلم، فعلمه تعالى علّة لإرادة الإنسان، وقال:

إنّ النفس فينا وفي سائر الحيوانات مضطرّة في أفاعيلها وحركاتها، لأنّ أفاعيلها وحركاتها تسخيريّة كفعل الطبيعة وحركاتها، لأنّها لا تتحقّق ولا توجد إلا بحسب أغراض ودواعٍ خارجيّة، فالنفس منّا كالطبيعة مسخرّة في الأفاعيل والحركات، لكن الفرق بينهما أنّ النفس شاعرة بأغراضها ودواعيها، والطبيعة لا تشعر بالدواعي، والفعل الإختياريّ لا يتحقق ولا يصحّ بالحقيقة إلا في واجب الوجود وحده، وغيره من المختارين لا يكونون إلّا مضطّرين في صورة المختارين، فإن نفوس الأفلاك تفعل حركاتها من جهة دواع ومعشوقات قاهرة عليها كما ستعلم. وحركات الأفلاك والكواكب تسخيرية إلّا


1) . الأسفار، ج9، ص353.

2) . الشفاء (الإلهیّات)، ص439.

3) . تفسیر القرآن الكریم، ج2، ص232.

أنه ليست بطبيعية، فإن الحركات الطبيعية تكون على اللزوم من غير إرادة وشعور ورضى وما يلزم شيئا كذلك ليس يلزم نقيضه أيضا في حالة واحدة. والمحرك الفلكي يحرك من وضع إلى ذلك الوضع بعينه فالنفس فيها قاصدة لوضع تتركه بعينه، ولهذه بيان واضح سيأتيك في مقامه، وكذا نفوس الحيوانات الأرضية إنما تفعل ما تفعل وتتحرك فيما تتحرك لا بمجرد القدرة بل لأجل الأغراضوالدواعي، فكلّ مختار غير الواجب الأوّل مضطر في اختياره، مجبور في أفعاله، فالقدرة في نفوسنا عين القوة على الفعل والاستعداد والتهيؤ له فلا فعل بالاختيار إلّا من الحق تعالى.(1)

وقال:

وستعلم أنّ ما سوى الله من المختارين مضطرّ في اختياره، مجبور في إرادته.(2)

وقال:

قد قام الدليل العقليّ على أنّ الباري سبحانه لا ينفعه الطاعات ولا يضرّه المخالفات، وأنّ كلّ شيء جار بقضائه وقدره، وأنّ الخلق مجبورون في اختيارهم، فكيف تسرمد العذاب عليهم.(3)

وقال:

فإذن كما أنّه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلا وهو فعله..فهو مع غاية عظمته ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها.(4)

هذا الذي وصفوه بالتوحيد الأفعالي، فالفعل فعل الله وهو فعلنا، وليس فعل الإنسان إلا كالمنشار في يد النجّار!


1) . الأسفار، ج6، ص312.

2) . الأسفار، ج6، ص320.

3) . الأسفار، ج9، ص353.

4) . الأسفار، ج6، ص373.

وقال صاحب الميزان:

إنّ جميع الحوادث الخارجة، ومنه أفعالنا الإختياريّة، واجبة الحصول في الخارج، واقعة فيها على صفة الضرورة..كانت الحوادث سلسلة منتظمة يستوعبها الوجوب لا يتعدّى حلقة من حلقاتها موضعها ولا تتبدّل من غيرها، وكان الجميع واجباً من أوّل يوم، سواء في ذلك ما وقع في الماضي ومالم يقع بعد.(1)

أقول، هذا محصّل العقل الفلسفيّ في هذه المسألة، وهو صريح في إثبات الجبر ووجوب صدور الأفعال الصادرة من العباد.

ولكي تقف على التعارض بين هذا وبين النصوص الدینيّة المعتبرة ولتعلم الوزان العلمي لما دعوا إليه، إليك اليسير من أحاديث الباب..

بعض النصوص في نفي الجبر وذمّ القائلين به

من أوضح ما يلمسه كلّ عاقل وجدانه لتأثير إرادة نفسه في أفعاله التي تحت اختياره، وقدرته على اتّخاذ القرار بالفعل أو الترك، ولولا ذلك لم ينسب العقلاء أفعالهم إلى أنفسهم، وهذا الإسناد أدلّ دليل على وجدان جميع العقلاء لهذه الحقيقة، وكذا ملامة المرتكبين للقبائح، أو تحسين أفعالهم الحسنة، هذه كلّها شاهدة على عدم الجبر. وفي القرآن آيات كثيرة تذكّر بهذا الأمر الواضح، وهي تسند الفعل إلى فاعله، وتدلّ على أنّ جزاء الخير والشرّ يعود إلى صدور الأفعال الاختياريّة. وقال تعالى: (اعْمَلُوا)(2)(ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ)(3)(بِمَا كُنْتُمْ تكْسِبُونَ)(4)


1) . الميزان، ج18، ص192.

2) . سورة الأنعام (6)، الآية 135؛ سورة التوبة (9)، الآية 105؛ سورة هود (11)، الآيتان 93 _ 121؛ سورة المؤمنون (23)، الآية 51؛ سورة سبأ (34)، الآيتان 11 _ 13؛ سورة الزمر (39)، الآية 39؛ سورة فُصّلت (41)، الآية 40.

3) . سورة الحج (22)، الآية 77.

4) . سورة الأعراف (7)، الآية 39؛ سورة يونس (10)، الآية 52.

(بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1)(كَانُوا يَعْمَلُونَ).(2)

وغيرها من الآيات.وفيما يلي بعض الاحاديث الصريحة في نفي الجبر وبطلان القول به.

عيون أخبار الرضا (علیه السلام)، عن عبد العظيم الحسني عن إبراهيم بن أبي محمود قال: وسَأَلْتُهُ (علیه السلام) عَنِ الله عَزَّ وجَلَّ، هَلْ يُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَى الْمَعَاصِي؟ فَقَالَ (علیه السلام): «بَلْ يُخَيِّرُهُمْ ويُمْهِلُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا». قُلْتُ: فَهَلْ يُكَلِّفُ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهُوَ يَقُولُ: (وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)».(3)

وفي العيون أيضاً، قال (علیه السلام): حدّثني أبي موسى بن جعفر (علیهما السلام) عن أبيه جعفر بن محمّد (علیهما السلام) أنّه قال: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَى الْمَعَاصِي ويُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَلَا تَأْكُلُوا ذَبِيحَتَهُ ولَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ ولَا تُصَلُّوا وَرَاءَهُ ولَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئا».(4)

التوحيد، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وأَبِي عَبْدِ الله (علیهم السلام) قَالا: «إِنَّ اللَّهَ عزّ وجل أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا، واللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُون». قَالَ: فسُئلا (علیهما السلام): هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ والْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟ قَالا: «نَعَمْ، أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ


1) . سورة المرسلات (77)، الآية 43؛ سورة الطور (52)، الآية 19؛ سورة الزخرف (43)، الآية 72؛ سورة السجدة (32)، الآية 14؛ سورة النحل (16)، الآيتان 28، 32؛ سورة الجمعة (62)، الآية 8؛ سورة التوبة (9)، الآية 94، 105؛ سورة المائدة (5)، الآية 105؛ سورة العنكبوت (29)، الآية 8؛ سورة الأنعام(6)، الآية 60؛ سورة يونس (10)، الآية 23؛ سورة لقمان (31)، الآية 15؛ سورة الزمر (39)، الآية 7؛ سورة الأعراف (7)، الآية 43.

2) . سورة البقرة (2)، الآيتان 134، 141؛ سورة المائدة (5)، الآية 62؛ سورة الأنعام (6) الآيات 43، 88، 108، 122، 127؛ سورة الأعراف (7)، الآيات 118، 139، 147، 180؛ سورة التوبة (9)، الآية 9، 121؛ سورة يونس (10)، الآية 12؛ سورة هود (11)، الآيتان 16، 78؛ سورة يوسف (12)، الآية 69؛ سورة الحجر (15)، الآيات 93، 96، 97؛ سورة النور (24)، الآية 23؛ سورة الشعراء(26)، الآية 112؛ سورة القصص (28)، الآية 84؛ سورة العنكبوت (29)، الآية 7؛ سورة السجدة (32)، الآيات 17، 19؛ سورة سبأ (34)، الآية 33؛ سورة الزمر (39)، الآية 35؛ سورة فصلت (41)، الآيتان 20، 27؛ سورة الأحقاف (46)، الآية 14؛ سورة الواقعة (56)، الآية 24؛ سورة المجادلة (58)، الآية 15؛ سورة المنافقون (63)، الآية 2.

3) . سورة فصلت (41)، الآية 46.

4) . عیون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج1، ص124، ح16.

السَّمَاءِ والْأَرْضِ».(1)

التوحيد، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ فِي الْقَدَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عزّ وجل أَجْبَرَ النَّاسَ عَلَى الْمَعَاصِي فَهَذَا قَدْ ظَلَمَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ فَهُوَ كَافِرٌ،ورَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِمْ فَهَذَا قَدْ أَوْهَن اللَّهَ فِي سُلْطَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، ورَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا يُطِيقُونَ ولَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، فَهَذَا مُسْلِمٌ بَالِغٌ».(2)

التوحيد، عن المفضّل بن عمر، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) قَالَ: «لَا جَبْرَ ولَا تَفْوِيضَ ولَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ». قَالَ: قُلْتُ: ومَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؟ قَالَ (علیه السلام): «مَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ رَأَيْتَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ، فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ».(3)

التوحيد، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) يَقُولُ: «مَنْ قَالَ بِالْجَبْرِ فَلَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ ولَا تَقْبَلُوا لَهُ شَهَادَةً، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولَا يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا (وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)».(4)

التوحيد، عن الحسن بن علي الوشاء، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: الله فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ (علیه السلام): «اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ». قُلْتُ: فَجَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي؟ قَالَ (علیه السلام): «اللَّهُ أَعْدَلُ وأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ». قَالَ: ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي، عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ».(5)


1) . التوحيد، ص360، ح3.

2) . التوحيد، ص360 _ 361، ح5.

3) . التوحيد، ص362، ح8.

4) . التوحيد، ص362، ح9.

5) . التوحيد، ص362 _ 363، ح10.

التوحيد، عن الحسین بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام) قال: «مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ والْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ ونَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، يَا ابْنَ خَالِدٍ، إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّافِي التَّشْبِيهِ والْجَبْرِ الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ الله، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا، ومَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا، ومَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا، ومَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا، ومَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا، ومَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا، ومَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا، ومَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا، ومَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا، ومَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا، ومَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا، ومَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا، ومَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، ومَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، ومَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا، ومَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا، ومَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا، ومَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا. يَا ابْنَ خَالِدٍ، مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا فَلَا يَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ وَلِيّاً ولَا نَصِيراً».(1)

كنز الفوائد، عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ (علیهم السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): خَمْسَةٌ لَا تطْفَأُ نِيرَانُهُمْ ولَا تَمُوتُ أَبْدَانُهُمْ؛ رَجُلٌ أَشْرَكَ، ورَجُلٌ عَقَّ وَالِدَيْهِ، ورَجُلٌ سَعَى بِأَخِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُ، ورَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، ورَجُلٌ أَذْنَبَ وحَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى الله(عزّ و جّل)».(2)

الطرائف، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: «لُعِنَتِ الْقَدَرِيَّةُ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّاً». قِيلَ: ومَنِ الْقَدَرِيَّةُ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): «قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ عَلَيْهِمُ الْمَعَاصِيَ وعَذَّبَهُمْ عَلَيْهَا».(3)

الطرائف، روي إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْماً يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وبَنَاتِهِمْ وأَخَوَاتِهِمْ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: قَضَاهُ الله تَعَالَى عَلَيْنَا وقَدَّرُهُ». فَقَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَقُولُونَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ، أُولَئِكَ مَجُوسُ أُمَّتِي».(4)


1) . التوحيد، ص364، ح12.

2) . كنز الفوائد، ج2، ص47.

3) . الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ج2، ص344.

4) . الطرائف، ج2، ص344.

الرابع: العذاب أو العذب؟

ذهبت الحكمة البشريّة إلى أنّ القسر لا يدوم، ولابدّ لمن يطلب الجمع بينها وبين الحكمة الإلهيّة من تأويل نصوص الدين، قال ابن عربيّ:

وأمّا أهل النار، فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيها، وهذا نعيمهم. فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنّه (علیه السلام) تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرّر من أنّها صورة تؤلم مَن جاورها من الحيوان وما علم مراد الله فيها، ومنها في حقّه.(1)

وفي تفسيره لقوله تعالى: (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقيم)(2)قال:

فكلّ ماشٍ فعلى صراطٍ الربّ المستقيم، فهم غير مغضوب عليهم ولا ضالّون، فكما الضلال عارض كذلك الغضب الإلهيّ عارض، والمآل إلى الرحمة التي وسعت كلّ شيء.(3)

فينبغي على ذلك تصحيح ما في فاتحة الكتاب لعدم الحاجة إلى طلب الهداية، لأنّ الكلّ هم على الصراط المستقيم، فهو صراط الجميع، لا مغضوب عليهم ولا ضالّون!

(وَ لكِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِب) (وَ غَرَّهُمْ في دينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُون).

قال صاحب الأسفار:

أمّا النصّ والقول بانتهاء مدّة التعذيب للكفّار، وإنْ كان باطلاً عند جمهور الفقهاء والمتكلّمين وبدعة وضلالة، لادّعائهم تحقّق النصوص الجليّة في خلود العذاب،


1) . فصوص الحكم، ص154.

2) . سورة هود (11)، الآية 56.

3) . فصوص الحكم، ص84.

ووقوع الإجماع من الأمّة في هذا الباب، إلّا أنّ كلّاً منها غير قطعيّ الدلالة، بحيث تعارض الكشف الصريح أو البرهان النيّر الصحيح. أمّا النصّ، فما مِن لفظ إلا ويمكن حمله على معنى آخر غير ماهو الموضوع له بأحد الدلالات وإن كان الأصل والمعتبر هو المعنى المطابقيّ، لكنّ الكلام هنا ليس بالأصل والترجيح كما في الفروعات الظنّيّة التي يكتفى للعمل بها مجرّد الأصل، بل في اليقينيّات إلتي لا ينجع فيها إلّا العلم بالبرهان والشهود بالعيان.(1)

أقول: ولنا على كلامه: أمّا قوله: «إجماع الأمّة»، فلو أنصف لقال: «ضروريّ الدين».

وأمّا قوله: «ادّعاء» الفقهاء والمتكلّمين في تحقيق النصّ، ثمّ قوله بإمكان حمل الكلام على معنى أخر، فلا يخفى عليك أنّ «النَّص» هو الراجح المانع من النقيض و«الظاهر» هو الراجح الغير المانع من النقيض(2)

فما يقبل الحمل على معنى آخر ليس نصّاً، ثمّ ما الذي دعاه إلى هذا الخلط، وما الذي أوعزه إلى عدّ النصوص الكثيرة المتواترة تواترا معنويّاً، وكأنّها خبر واحد يمكن حمله على غير المطابقيّ؟

ومع التنزّل، أليس أوّل قانون المحاورات العقلائيّة حمل الظاهر على معناه ما لم ترد قرينة صارفة، ليس من باب الأصل والترجيح بل لفطرة العقلاء التي يجري عليها أهل العالم.

ناهيك عن كلّ ذلك، فهل أنّ موضوع الخلود أو عدمه ممّا يمكن نيله بالعقل والبرهان، أم أنّه مما يجب فيه الرجوع إلى القرآن والسنّة؟ فلاحظ مصداق مسألة تعارض العقل الاصطلاحي مع النقل بأجلى صوره.

ولا ينقضي العجب كيف قَلَبَ هذا الموضوع الغيبيّ الذي لا يُنال إلّا بالتعلم من أهل بيت الوحي، فجعله أمراً لا يُنال إلّا ب«البرهان والشهود بالعيان» حتّى أنكر النصوص المتواترة وما عليه الأمّة!

وعلى أنّ القياس المنطقيّ ليس برهاناً حقيقةً كما عرفت، فإنّه بالبداهة مما لا


1) . تفسير القرآن، ج5، ص300.

2) . لاحظ: مجمع البحرين، ج6، ص44.

يمكن إقامته على ما لا يدركه العقل،كيف مع هذا له قدرة الوقوف في وجه النصّ؟ ثمّ كيف يقاوم الكشف الذي لا يُدرى عند حصوله إن كان وحياً من شيطان أو تسويلاً من نفس أو غيرهما، إجماعَ الفقهاء بكونه بدعة وضلالة بحسب اعترافه، وكيف يقاوم الكشف المريب ما لا ريب فيه من النصوص المتواترة؟ قال:

إنّ إجماع علماء الظاهر _ أي الفقهاء _ في أمر يخالف مقتضى الكشف الصحيح الموافق للكشف الصريح النبويّ والفتح الصحيح المصطفويّ (على الصادع به وآله أفضل الصلوات والتسليمات) لا يكون حجّة عليهم، فلو خالف من له هذه المشاهدة والكشف إجماع من ليس له ذلك لا يكون ملاماً في المخالفة، ولا خارجاً عن قانون الشريعة لأخذه ذلك عن باطن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).

وقد علمت بما سبق أنّ الكشف الذي يكون معتبراً عنده هو الذي يوافق مكاشفات ابن عربيّ، وهو الذي لا يقاومه شيء لأخذه عن (باطن رسول الله) فلم يتخط كلامه حتى في مثل إيمان فرعون، خلافا للأدلّة النقليّة، فإّن ذلك من الكشف والبرهان والعيان، وهذا من النقل والظنّ!. قال:

اعلم إنّه للعلماء خلاف في أنّ ايمان فرعون حين موته مقبول أم لا؟ فذهب بعض المحقّقين على الأوّل، والأكثر على الثاني، كما هو المشهور. وقال الشيخ العربي في الباب السابع والستّون ومائة من الفتوحات(1):

لمّا حال الغرق بينه وبين أطماعه، لجأ إلى ما كان مستترا في باطنه من الذلّة والافتقار... فقال: آمنت بالّذى آمنت به بنو إسرائيل (و أنا من المسلمين) كما قالت السحرة (آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وهارُونَ). وقوله: (وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) خطاب منه للحقّ، لعلمه إنّه تعالى يسمعه ويراه، فخاطبه الحقّ بلسان العتب، وأسمعه آلْآنَ أظهرت ما كنت تعلمه وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ في اتّباعك. وما قال: وأنت من المفسدين فهي كلمة بشرى له عرّفنا بها لنرجورحمته مع إسرافنا وإجرامنا، ثمّ قال: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ


1) . الفتوحات المكيّة، ج2، ص267.

بِبَدَنِكَ) فبشّره قبل قبض روحه لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يعني: لتكون النجاة لمن يأتي بعدك انّه علامة.

و ليس في الآية إنّ بأس الآخرة لا يرتفع، ولا انّ إيمانه لم يقبل وإنّما في الآية انّ بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذ آمن في حال رؤيته إلّا قوم يونس. فقوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) إذ العذاب لا يتعلّق بظاهرك وقد أريت الخلق نجاته من العذاب، فكان ابتداء الغرق عذابا، فصار الموت فيه شهادة خالصة بربّه لم تتخلّلها معصية، فقبضت على أفضل عمل، وهو التلّفظ بالايمان _ كلّ ذلك _ حتّى لا يقنط أحد من رحمة اللّه. والأعمال بالخواتيم. فلم يزل الايمان باللّه يجول في باطنه، وقد حال الطابع الإلهي الذاتيّ في الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانيّة، فلم يدخلها قطّ كبرياء.

و أمّا قوله تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) فكلام محقّق في غاية الوضوح، فإنّ النافع هو اللّه، فما نفعهم إلا اللّه. وقوله: (سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) يعني الايمان عند رؤية البأس الغير المعتاد. وقد قال تعالى: (وَ لِلهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً) فغاية هذا ايمان أن يكون كرها، وقد أضافه الحقّ إليه. والكراهة محلّها القلب، والايمان محلّه القلب. واللّه لا يأخذ العباد بالأعمال الشاقّة عليه من حيث ما يجده من المشقّة فيها، بل يضاعف له فيها الأجر. وأمّا في هذا الموطن، فالمشقّة فيه بعيدة، بل جاء طوعا في إيمانه، وما عاش بعد ذلك كما قال في راكب البحر عند ارتجاجه (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) فنجّاهم، فلو قبضهم عند نجاتهم لماتوا موحّدين وقد حصلت لهم النجاة، فقبض فرعون ولم يؤخّر في أجله في حال إيمانه لئلّا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى وأمّا قوله تعالى: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) فما فيه نصّ انّه يدخلها معهم، بل قال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) ولم يقل: «أدخلوا فرعون وآله» ورحمة اللّه أوسع من أن لا يقبل

ايمان المضطرّ إذا دعاه. وأيّ اضطرار أعظممن اضطرار فرعون حال الغرق، واللّه يقول: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ) وهذا آمن باللّه خالصا، وما دعاه في البقاء في الحيوة الدنيا خوفا من العوارض، أو يحال بينه وبين هذا الإخلاص، فرجّح جانب لقاء اللّه على البقاء بالتلفّظ بالايمان، وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة والاولى فلم يكن عذابه أكثر من غمّ الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة. بهذا يعطى ظاهر اللفظ. وهذا معنى قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) يعني في أخذه نكال الآخرة والاولى. وقدّم ذكر الآخرة ليعلم إنّ ذلك العذاب _ أي _ الغرق نكال الآخرة، وهذا هو الفضل العظيم ..انتهى كلامه.

وبعد نقل هذا الكلام عن ابن عربي، قال:

و يفوح من هذا الكلام رائحة الصدق، وقد صدر من مشكوة التحقيق وموضع القرب والولاية.(1)

أمّا ما نعتقده في مشكوة التحقيق وموضع القرب والولاية فهو ليس إلّا كلام الله وكلام أئمّة الحقّ وأهل بيت الوحي (علیهم السلام)، وقد كذّبوا شامّة الملّا صدرا عند شمّه رائحة الصدق في مكاشفات ابن عربي.

حيث قال تعالى: (وَ جاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْياً وعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمين آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدين).(2)

وفي علل الشرايع، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (علیهما السلام): لِأَيِّ عِلَّةٍ أَغْرَقَ الله(عزّ و جّل) فِرْعَوْنَ وقَدْ آمَنَ بِهِ وأَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ؟ قَالَ (علیه السلام): «إِنَّهُ آمَنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ وهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وذَلِكَ حُكْمُ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ


1) . تفسير القرآن الكريم (للملّا صدرا)، ج3، ص363.

2) . سورة يونس (10)، الآيتان 90 _ 91.

فِي السَّلَفِ والْخَلَفِ، قَالَ الله تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُيَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) وقَالَ عزّ وجل: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) وهَكَذَا فِرْعَوْنُ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فَقِيلَ لَهُ: (آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)...».(1)

ولعلّ تلك الرائحة التي جذبته هي التي دعته لتوجيه النظريّة بقوله أنّ ضروريّ الدين إنّما هو على الخلود في النار من حيث الموضع والمكان، لا من حيث الاحتراق والألم والعذاب، وذلك لتبدّل العذاب عذباً في نهاية المطاف. فاسمع واستمتع:

وآخر مَن بقي هم الّذين ما عملوا خيراً قط لا مِن جهة الإيمان ولا بإتيان مكارم الأخلاق... وبقي أهل هذه الدار الأخرى فيها، فغُلقت الأبواب واُطبقت النار ووقع اليأس من الخروج، فحينئذٍ تعمّ الراحةُ أهلها لأنّهم قد يئسوا من الخروج منها، فإنّهم كانوا يخافون الخروج منها لما رأوا إخراج أرحم الراحمين. وهم الّذين قد جعلهم الله على مزاج يصلح ساكن تلك الدار وتتضرّر بالخروج منها _ كما بيّنا _ فلّما يئسوا فرحوا، فنعيمهم هذا القدر وهو أوّل نعيم يجدونه. وحالهم فيها كما قدّمناه بعد فراغ مدّة الشقاء، فيستعذبون العذاب، فتزول الآلام، ويبقى العذاب، ولهذا سُمّي عذاباً لأنّ المآل استعذابه لمن قام به.(2)

وقال في موضع آخر:

اعلم أنّ الأصول الحكميّة دالّة على أنّ القسر لا يدوم على طبيعة، ولكلّ


1) . علل الشرائع، ج1، ص59، ح2.

2) . الأسفار، ج9، ص358.

موجود من الموجودات غاية ينتهي إليها وقتاً وهي خيره وكماله... فلأجل ذلك يكون لكلّ منها عشق للوجود وشوق إلى كمال الوجود وهو غايته الذاتيّة التي يطلبها ويتحرّك إليها بالذات، وهكذا الكلام في غايته وغايةغايته، حتّى ينتهي إلى غاية الغايات وخير الخيرات، إلا أن يعوق عن ذلك عائق ويقسر قاسر، لكنّ العوائق ليست أكثريّة ولا دائمة كما سبق ذكره... فعُلم من ذلك: الأشياء كلّها طالبة لذاتها للحقّ، مشتاقة إلى لقائه بالذات، وأنّ العداوة والكراهة طارئة بالعَرَض، فمَن أحبّ لقاء الله بالذات أحبّ الله لقاءه بالذات، ومَن كره لقاء الله بالعرض لأجل مرض طارٍ على نفسه كره الله لقاءه بالعرض، فيعذّبه مدّة حتّى يبرأ من مرضه ويعود إلى فطرته الأولى أو يعتاد بهذه الكيفيّة المرضيّة زال ألمه وعذابه لحصول اليأس، ويحصل له فطرة أخرى ثانية.(1)

أقول: مثل هذه الدعوى العظيمة تحتاج إلى حجّة قاطعة، وأيّ حجّة أقوى من كلمات ابن عربي بحسب نظر ملا صدرا حيث يراه ينطق عن باطن الرسول، لذلك قال:

وقال الشيخ الأعرابيّ في الفتوحات: ..فإذا فرغ الأمد جُعل لهم نعيم في الدار التي يخلدون فيها بحيث أنّهم لو دخلوا الجنّة تألّموا لعدم موافقة الطبع الّذي جُبلوا عليه، فهم يتلذّذون بما هم فيه من نار وزمهرير وما فيها من لدغ الحيّات والعقارب كما يلتذّ أهل الجنّة بالظِلال والنور ولثم الحسان من الحور، لأنّ طبائعهم تقتضي ذلك، ألا ترى الجُعَل في الطبيعة يتضرّر بريح الورد ويتلذّذ بالنتن، والمحرور من الانسان يتألّم بريح المسك؟... .(2)

ويستنجد أيضا بشخص آخر أوحي إليه هذا السرّ المستسرّ، قال:


1) . الأسفار، ج1، ص347.

2) . الأسفار، ج1، ص349؛ الفتوحات، ج2، ص648.

وقال القيصريّ: ..وبالنسبة إلى المنافقين الّذين لهم استعداد الكمال واستعداد النقص وإن كان أليماً لإدراكهم الكمال وعدم إمكان الوصول إليه لهم، ولكن لمّا كان استعداد نقصهم أغلب رضوا بنقصانهم وزال عنهم تألّمهمبعد انتقام المنتقم منهم بتعذيبهم، وانقلب العذاب عذباً كما يشاهد ممّن لا يرضى بأمر خسيس أوّلاً ثمّ إذا وقع فيه وابتلي وتكرّر صدوره منه تألف به واعتاد، فصار يفتخر به بعد أن كان يستقبحه. وبالنسبة إلى المشركين الّذين يعبدون غير الله من الموجودات فينتقم منهم لكونهم حصروا الحقّ فيما عبدوه وجعلوا الإله المطلق مقيّداً، وأمّا من حيث إنّ معبودهم عين الوجود الحقّ الظاهر في تلك الصور فما يعبدون إلّا الله فرضي الله منهم مِن هذا الوجه، فينقلب عذابهم عذباً في حقّهم.(1)

يكفي الإشارة إلى بعض الآيات القرآنيّة في مقام الجواب لمن ألقى السمع وهو شهيد، فانظر ماذا تری..

قال الله تعالی: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْصَرُون).(2)

وقال تعالی: (خالِدينَ فيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ).(3)

وقال تعالی: (خالِدينَ فيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ).(4)

وقال تعالی: (وَ إِذا رَأَى الَّذينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ).(5)

وقال تعالی: (وَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزي كُلَّ كَفُورٍ).(6)

ومن هنا قال غوّاص بحار أهل البيت (علیهم السلام) العلامة المجلسيّ (أعلى الله مقامه)،


1) . الأسفار، ج9، ص361 _ 362؛ شرح الفصوص (للقيصري)، ص663.

2) . سورة البقرة (2)، الآية 86.

3) . سورة البقرة (2)، الآية 162.

4) . سورة آل عمران (3)، الآية 88.

5) . سورة النحل (16)، الآية 85.

6) . سورة فاطر (35)، الآية 36.

في باب الجنّة بعد سرد النصوص الشريفة في الباب:

اعلم أنّ الإيمان بالجنّة والنار على ما وردتا في الآيات والاخبار من غير تأويل من ضروريّات الدين، ومنكرهما أو مؤوّلهما بما أوّلت به الفلاسفة خارج من الدين.(1)ومن مجموع ما مرّ يظهر وجه النظر فيما قاله المرحوم الخواجه الطوسيّ في التجريد:

وقد يفيد اللفظيّ القطع ويجب تأويله عن التعارض.

قال العلاّمة (قدس سره) في شرح العبارة:

أقول، إذا تعارض دليلان نقليّان أو دليل عقليّ ونقليّ، وجب تأويل النقل، أمّا مع تعارض النقلين فظاهر لإمتناع تناقض الأدلّة، وأمّا مع تعارض العقليّ والنقليّ فكذلك أيضاً. وإنّما خصّصنا النقليّ بالتأويل لإمتناع العمل بهما وإلغائهما والعمل بالنقليّ وإبطال العقليّ، لأنّ العقليّ أصل للنقليّ فلو أبطلنا الأصل لزم إبطال الفرع أيضاً، فوجب العدول إلى تأويل النقليّ وإبقاء الدليل العقليّ على مقتضاه.(2)

فإنّ أحد مقوّمات موضوع التعارض هو العقل الحقيقيّ لا الاصطلاحيّ، وإلا لا تصل نوبة الحكم والقول بتقديم العقليّ وتأويل النقليّ أو إبطاله. وفي جانب الدليل النقليّ إذا كان الحكم تعبّديّاً فلا يبلغه العقل حتى يقاومه، ولا موضوع للتعارض، وهكذا جميع التعاليم التي هي فوق حكم العقل مما مضى بيانه. وأمّا القطع فأيضاً لا يقاوم الدليل النقليّ المعتبر، حيث لا صلاحية فيه عند العقلاء لطرح الأدلّة. وبالجملة فالعقل الحقيقيّ الّذي هو نور لا يخطئ، فلا يقع كلام الله وخلفاءه مخالفاً له، بل هما مقرونان في قرن لا يختلفان ولا يتباينان.


1) . بحارالأنوار، ج8، ص205.

2) . كشف المراد، المسألة 22 من بحث الكيف: 243 _ 244.

كلمة الختام

قال الله تعالى: (كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ إلَيكَ لِتُخْرِجَ النَاسَ مِنَ الظُلُمَاتِ إلى النُورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ).(1)

وقال تعالى: (وَ أَنَّ هذا صِراطي مُسْتَقيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(2)بعث الله سبحانه الرسل الهداة ليعلّموا الناس دينهم ويثيروا عقولهم ويستنهضوا فطرتهم، في فرصة حقيقيّة لكي يستطيعوا التمييز بين نداء العقل ونداء الجهل، بدل الوصول إلى مجموعة من المعلومات، وإنما إلى معدن العلم وبحبوته، فبزغت شمس الهداية على الأرض، ولم يكن على الناس إلا أن يعترفوا بعجزهم وضعفهم ثمّ يرجعوا إلى الرسول ويسلّموا إليه أمرهم حتّى يتولّى الأمر في هدايتهم وتزكيتهم وتعليمهم.

ففي الكافي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) عَنْ آبَائِهِ (علیهم السلام) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْعِلْمُ؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْإِنْصَاتُ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): الِاسْتِمَاعُ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْحِفْظُ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْعَمَلُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): نَشْرُهُ.(3)

إلا أنّ الناس اختلفوا بعد ذلك وانقسموا إلى قسمين؛

فمنهم من أخذ بحجزة الرسول واعتصم بحبله، فخرج من الظلمات إلى النور...

ومنهم _ وهم أكثر الناس _ مَن فرح بما عنده، واستمسك بالجهل، وخرج من النور إلى الظلمات..

(وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا).(4)

وابتلى الرسول بكثرة من يطلبون كلّ علم إلا علومه الربّانيّه، ويأخذون بمثل


1) . سورة إبراهيم (14)، الآية 1.

2) . سورة الأنعام (6)، الآية 153.

3) . الكافي، ج1، ص48، ح4.

4) . سورة الفرقان (25)، الآية 30.

معارف الفلاسفة ويتركون معارف الوحي.

فمن أكبر معاناة الرسل مع أممهم أنّهم لا يريدون الانقياد وإنْ كان فيه نجاتهم، ودواء دائهم، فيا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون، يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويطلبون كلّ قثّاء وفوم وعدس وبصل، ويزهدون في المنّ والسلوى، ویخلدون إلی الأرض بدل الأخذ من وحي السماء، ويشربون كلّ آسن وآجن عوض ماء الحياة، وازدادوا شكّاً إلى شكّهم وحيرة إلى حيرتهم.وازدادت البليّة بعد خاتم الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) عند عدم تسليم الأمر إلى ولاة الأمر (علیهم السلام) فظهرت الآراء وابتُدعت المناهج، وحورب العلم، وغُصب منصب التعليم، ومُزج الحقّ بالباطل، واختلط الصلاح بالفساد، وأُخذ مِن هذا ضغث ومن هذا ضغث، فهنالك استولى الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى.

في الفقيه، عن الصَّادِقِ (علیه السلام) يَقُولُ: بَلِيَّةُ النَّاسِ عَلَيْنَا عَظِيمَةٌ، إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يُجِيبُونَا، وإِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا.(1)

وفي بصائر الدرجات، عن أمير المؤمنين (علیه السلام): ذَهَبَ النَّاسُ إِلَى عُيُونٍ كَدِرَةٍ يُفْرَغُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْنَا إِلَى عُيُونٍ صَافِيَةٍ تَجْرِي بِأَمْرِ رَبِّهَا لَا نَفَادَ لَهَا ولَا انْقِطَاعَ.(2)

فيا طالب العلم والهدى، والهارب من ظلمات الردى، والمشفق على نفسه من الوقوع في الضلال وشقاء الأبد، إنّ النِحَل الفكريّة البشريّة لم تأل جهداً في سوق منتحليها إلى المتاهات والشكوك، ولا يخرجهم من تلك اللجج سوى سفينة النبوّة، تجري بهم في موج كالجبال، ولا يتخلّف عنها أحدٌ إلاّ حاق به الغرق وكان من المبعَدين.

الفقيه، عن النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أنّه قال: قَالَ الله (جلّ جلاله): عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، وكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ، وكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَصَمْتُهُ.(3)


1) . من لا يحضره الفقيه، ج4، ص405، ح5875.

2) . بصائر الدرجات، ج1، ص497، ح8.

3) . مَن لا يحضره الفقيه، ج4، ص397، ح5848.

إنّ الأنبياء بُعثوا لإحياء الموتى؛ إحياءهم بالعلم بعد أن أماتهم الجهل، فقاموا بالمهمّة على أتمّ وجه، كي لا يكون للناس على الله حجّة، ولا يُعذر أحد إذا تقدّم بمعوله الفكريّ وحفر صراطاً لنفسه ولغيره، وتكلّف رسم مسير العقل بالجهل، ثمّ سمّاه بالحِكمة، والعرفان، والعلم، والقسطاس المستقيم.فإنّ هذا المقام الشامخ، مقامَ الدعوة إلى الله، وهداية البشر، هو مختصّ بسفراء الله، فمن أرخى عنان قلمه وسوّغ لنفسه إبداء رأيه في تلك المعارف فقد شهر السيف في وجوههم، وأرصَدَ لمناجزتهم من حيث يشعر أو لا يشعر، بل من يحاربهم بالسيف أهون حالاً ممّن رام إلى فتح باب للهداية أمام بابهم، لأنّه ممن سعى في إطفاء نور الله ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خراب بيت الوحي والتنزيل.

قال تعالى: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليما).(1)

في الفقيه، قال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): يا عمّار... إِنْ سَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِياً فَسَلَكَ عَلِيٌّ (علیه السلام) وَادِياً، فَاسْلُكْ وَادِيَ عَلِيٍّ (علیه السلام) وخَلِّ عَنِ النَّاس.(2)

وفي العيون: عن ابن أبي محمود، عن الرضا (علیه السلام) في حديث: ..يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ، إِذَا أَخَذَ النَّاسُ يَمِيناً وشِمَالًا فَالْزَمْ طَرِيقَتَنَا، فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ ومَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ... .(3)

تمّ الفراغ من تحريره يوم الثلاثاء في العشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1440 ق، المصادف لذكرى ولادة سيّدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وعلى أبيها وأمّها وبعلها وبنيها، والحمد لله ربّ العالمين.


1) سورة النساء (4)، الآية 65.

2) . الأربعون حديثا (للرازيّ)، ص60.

3) . عيون اخبار الرضا (علیه السلام) ، ج1، ص304، ح63.

المصادر

· القرآن الكريم.

· نهج البلاغة.

· الصحیفة السجّاديّة.

· التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (علیه السلام).

· فقه الرضا (علیه السلام). قم: مؤسّسة آل البيت (علیهم السلام). الطبعة:1406ق.

1.

أبواب الهدى. الاصفهانی، میرزا مهدي(ت 1325ق). طهران: منشورات منیر. الطبعة الأولی: 1387ش.

2.

إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. الحرّ العاملي، محمّد بن حسن (ت1104ق). بيروت: الأعلميّ. الطبعة الأولی: 1425ق.

3.

الإثناعشريّة في الرّدّ على الصّوفيّة. الشيخ حرّ العامليّ، محمّد بن حسن (ت1104ق). قم: نشر دار الكتب العلميّة.

4.

الإحتجاج علی أهل اللجاج. الطبرسيّ، أحمد بن عليّ (ت 588 ق). تحقيق: محمّد باقر الخرسان. المشهد المقدسة: منشورات مرتضی. الطبعة الأولی: 1403ق.

5.

إحياء علوم الدين. الغزالي، محمد أبو حامد(ت505 ق). بیروت: منشورات دارالكتب العربی.

6.

الاختصاص. المفيد، محمّد بن محمّد (ت412ق). المحقق: الغفاريّ، علي اكبر والمحرمي الزرندي، محمود. قم: المؤتمر العالمي لالفيّة الشيخ المفيد. الطبعة الأولی: 1413ق.

7.

اختیار معرفة الرجال. الكشّيّ، محمّد بن عمر(ت460ق). المحقق: محمّد بن حسن الطوسيّ / حسن المصطفوي. المشهد المقدسة: مطبعة الجامعة. الطبعة الأولی: 1409ق.

8.

إرشاد القلوب. الديلمى، حسن بن محمّد(ت841ق). قم: مكتبة الرضيّ. الطبعة الأولی: 1412ق.

9.

الإشارات والتنبیهات. ابن سینا، حسین بن عبدالله.(ت428ق). قم: نشر البلاغه. الطبعة الأولی: 1375ش.

10.

الأصول الستة عشر. جمع من العلماء (القرن الثالث). قم:دار الشبستري للمطبوعات. الطبعة الأولی: 1363ش.

11.

أصول الفقه. المظفر، محمد رضا(ت 1383ق). قم: منشورات الاسماعلیان، الطبعة الثالث عشر:1425ق.

12.

أصول الفلسفة والمذهب الواقعي. الطباطبائي، السيد محمد حسين (ت1402ق). بيروت: منشورات دار جواد الأئمة (علیه السلام). الطبعه:1432ق.

13.

أعلام الدين في صفات المؤمنين. الديلمي، حسن بن محمّد (ت 841ق). قم: مؤسّسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث. الطبعة الأولی: 1408ق.

14.

الأعمال الفلسفیة. الفارابي، أبو النصر(ت339ق). بیروت: دارالمناهل. الطبعة: 1413ق.

15.

اعيان الشيعة. الأمين، السید محسن (ت1371ق). المحقق: حسن الأمین. بیروت: دار التعارف.

16.

إقبال الأعمال. ابن طاووس، السیّد عليّ بن موسى (ت664ق). طهران: دار الكتب الإسلاميّة. الطبعة الثانیة: 1409 ق.

17.

إكمال الدين وإتمام النعمة. الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه (ت381ق). قم: موسسة النشرالاسلام . الطبعة: 1395ق .

18.

الأمالي. الصدوق، محمّد بن علي ابن بابويه(ت381ق). طهران: نشر كتابجي. الطبعة السادسة: 1376ش.

19.

الأمالي. الطوسيّ، محمّد بن الحسن(ت460ق). قم المقدّسة: دار الثقافة. الطبعة الأولی: 1414ه.ق .

20.

إنسان كامل. المطهري، مرتضی(ت1399ق). قم: منشورات صدرا، الطبعة 23: 1379 ه.ش

21.

إنشاء الدوائر. ابن عربي، محيي الدين (ت 638ق).

22.

الآثار الباقیة. البيروني، محمدبن‌احمد ابوریحان(ت427ش). تعریب: اكبر دانا سرشت. طهران: منشورات: امیركبیر. الطبعة السادسة: 1390ش.

23.

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها. الفارابي، أبو نصر، محمّد (ت339ق).24. آشنائي با علوم إسلامي. المطهّري، مرتضی(ت 1399 ش). قم: منشورات صدرا.

24.

آموزش فلسفة. مصباح اليزدي، محمدتقی. قم: شركت چاپ ونشر بین الملل.

25.

بحارالأنوار الجامعة لدرر الأخبار الأئمّة الأطهار (علیهم السلام). العلاّمة المجلسیّ، محمّد باقر(ت1110ق). بيروت: دار إحياء التراث العربي. الطبعة الثانیة: 1403ق.

26.

بداية الحكمة. الطباطبائي، السيد محمّد حسين(ت1402ق). تحقیق: علی الشیروانی، قم: مؤسّسة النّشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1418ق.

27.

البرهان في تفسير القرآن. البحرانيّ، السيّد هاشم بن سليمان(ت 1107 ق). قم: مؤسسة البعثة. الطبعة الأولی: 1374ش.

28.

بشارة المصطفى لشيعة المرتضى. الطبرى الآملى، محمد بن أبي القاسم (ت553 ق). نجف: منشورات المكتبة الحيدرية، الطبعة: 1383ق.

29.

بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (علیهم السلام). الصفّار، محمّد بن حسن (ت290ق). قم: مكتبة آیت الله المرعشيّ النجفيّ. الطبعة الثانية: 1404ق.

30.

بلاغات النساء. أحمد ابن أبي طاهر(ت280ق). قم: منشورات: الشریف الرضی.

31.

بیان الفرقان في توحید القرآن. القزوینیّ، مجتبی (ت1386ق). قزوین: حدیث امروز. الطبعة الأولی: 1387ش.

32.

تاریخ الفلسفة والتصوّف. النمازيّ الشاهروديّ، عليّ بن‌محمّد(ت1405ق).

تحقيق: الشیخ مرتضی الأعداديّ. بیروت: دارالمحجّة البیضاء. الطبعة الأولی: 1433ق.

34.

تاريخ ابن خلدون. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت 808 ق). تحقيق: خليل شحادة. بيروت: انتشارات دارالفكر. الطبعة الثانية: 1408 ق.

35.

تاريخ اليعقوبيّ. يعقوبی، أحمد (ت 292 ق). بيروت: انتشارات دارالصادق.

36.

تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة. الاسترآبادى، علي(ت940ق). قم، مؤسسة النشر الاسلامي. الطبعة الأولی: 1409ق.

37.

تجريد المنطق. الطوسي، الخواجة نصير الدين(ت672ق) بیروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

38.

تحف العقول عن آل الرسول صلی الله علیهم. الحراني، ابن شعبة، حسن بن علي (القرن الرابع). قم المقدّسة: جامعة المدرّسين. الطبعة الثانية: 1404ق.

39.

التحقيق في كلمات القرآن. المصطفوي، حسن (ت1426ق). طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. الطبعة الأولی: 1368ش.

40.

تصنيف غررالحكم ودررالكلم. التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد(ت550ق). تحقیق: مصطفى الدرايتيّ. قم: مؤسسة النشر الاسلامي. الطبعة الأولی:1366ش.

41.

التعريفات. الجرجانيّ، السیّد الشریف، علی بن محمّد (ت816ق). طهران: ناصر خسرو. الطبعة الرابعة: 1370ش.

42.

التعليقات. ابن سينا، حسین بن عبد الله(ت428ق). تحقیق: عبدالرحمن بدويّ. بیروت: مكتبه الأعلام الإسلامی، الطبعة: 1404ق.

43.

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم. الآلوسي، شهاب الدين، محمود (ت1270ق). بيروت: دار احياء التراث العربي.

44.

تفسير البحر المحيط. الاندلسي. ابو حیان، محمد بن يوسف (745ق) تحقیق: عادل احمد عبدالموجود _ علی محمد معوض. بیروت: دار الكتب العلمیة، الطبعة الأولى: 1422ق.

45.

التفسیر الكبیر (مفاتیح الغیب). الرازي، فخر الدین، محمّد بن عمر(ت604ق). بیروت: دار إحیاء التراث العربيّ. الطبعة الثالثة: 1420ق.

46.

تفسير العياشيّ. العياشيّ، محمّد بن مسعود (ت320ق). التحقیق: هاشم الرسوليّ المحلاتيّ. طهران: المطبعةالعلميّة. الطبعة الأولی: 1380ق.

47.

تفسير القميّ. القمي، علي بن ابراهيم (ت329ق). قم المقدّسة: مؤسسة دارالكتاب. الطبعة الثالثة: 1404ق.

48.

تفسیر القرآن الكریم. ملّا صدرا، محمد بن ابراهیم (ت1050ق)؛ قم: انتشارات بیدار .الطبعة: 1364ش.

49.

مدارك التنزيل وحقائق التأويل. النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود، المحقق: يوسف علي بديوي _ محي الدين ديب مستو، الناشر: دار الكلم الطيب. الطبعة: 1419ق.

50.

تفسير مجمع البيان. الطبرسي، الفضل بن الحسن(ت848ق). بيروت: انتشارات موسسة الأعلمی. الطبعة: 1415ق.

51.

تنبیهات حول المبدأ والمعاد. مروارید، حسن علي(ت1425ق). مشهد المقدّسة: مؤسسة الطبع والنشر. الطبعة الأولی: 1416ق.

52.

نزهة الناظر وتنبيه الخاطر. الحلواني، حسين بن محمد(القرن الخامس). قم: منشورات: مدرسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف). الطبعة الأولی: 1408ق.

53.

توحید الإمامیة. الملكيّ الميانجي، محمّد باقر(ت1377ش). النجف: دارالبذرة. الطبعة الأولی: 1435ق.

54.

التوحید. الصدوق، محمّد بن عليّ(ت381ق). التحقیق: هاشم الحسينيّ. قم: مؤسسة النشرالإسلامی . الطبعة الأولی: 1398ق.

55.

توحيد المفضّل. الجعفيّ، مفضّل بن عمر(ت 148ق). قم: منشورات الداوريّ. الطبعة الثالثة.

56.

تهذيب الأحكام. الطوسيّ، محمّد بن الحسن (ت460ق). طهران: دار الكتب الإسلاميّة. الطبعة الرابعة: 1407ق.

57.

ثواب الأعمال وعقاب الأعمال. الصدوق، محمّد بن عليّ (ت381ق). قم: دار الشریف الرضی. الطبعة الثانية: 1406ق.

58.

جامع الأخبار. الشعيريّ، محمّد بن محمّد (القرن السادس). النجف الأشرف: مكتبة الرضيّ. الطبعة الثانیة:1363ش.

59.

الجعفريّات. ابن الاشعث، محمّد بن محمّد(القرن الرابع).طهران: مكتبة نینوی الحدیثیّة. الطبعة الأولی.

60.

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع. ابن طاووس، علي بن موسى (ت664ق). قم: دار الرضي. الطبعة الأولی: 1330ق.

61.

تفسیر جوامع الجامع. الطبرسي، فضل بن الحسن(ت548ق). طهران، جامعة طهران: الطبعة: 1409 ق.

62.

الجوهر النضيد (فی شرح منطق التجريد _ للخواجة نصير الدين الطوسي) الحلي، حسن بن یوسف بن المطهر(ت728ق) تصحیح: محسن بیدارفر. قم: انتشارات بیدار. الطبعة الخامسة: 1371ش.

63.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. الدرازي البحرانى، يوسف بن أحمد(ت1186ق). قم: النشر الاسلامى. الطبعة الأولی: 1410ق.

64.

حدیقة الشیعة. الأردبيليّ، احمد بن محمّد(ت993ق). قم: منشورات أنصاريان. الطبعة الثالثة: 1383ش.

65.

حكمة الإشراق. السهروردي، شهاب الدین یحیی بن حبش(ت1191ق). التصحیح: هانریی كربن، طهران: مؤسسة المطالعات الثقافیة. الطبعة الثانیة:1373ش.

66.

الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة. صدرا، محمّد بن ابراهيم (ت 1050ق). بیروت: دار إحیاء التراث. الطبعة الثالثة: 1981م.

67.

حلية الأولياء وطبقات الأصفیاء. الاصفهاني، ابونعیم، احمدبن عبدالله(ت430ق).

68.

خاتمة مستدرك الوسائل. النوري، الميرزا حسين(ت1320ق). قم: مؤسّسه آل البیت (علیهم السلام) لإحیاء التراث. الطبعة الأولی: 1415ق.

69.

الخرائج والجرائح. الراوندي، قطب الدين، سعيد بن هبة الله(ت573ق). قم: مؤسسة الإمام المهديّ (عجل الله تعالی فرجه الشریف). الطبعة الأولی: 1409ق.

70.

الخصال. الصدوق، محمّد بن علي(ت381ق). قم: مؤسسةالنشرالإسلامي. الطبعة الأولی: 1362ش.

71.

درر الفوائد. الحائرى اليزدى، عبدالكريم (ت1355ق). قم: مؤسسة النشرالإسلامی. الطبعة الخامسة: 1408ق.

72.

دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والاحكام. ابن‌حیون، نعمان‌بن‌محمد(ت363ق). قم: مؤسسة آل البیت (علیهم السلام) لإحیاء التراث. الطبعة الثانية: 1385ق.

73.

الدعوات. الراوندي، سعيد بن هبة الله(ت573ق). قم المقدّسة: منشورات مدرسة الإمام المهديّ (عجل الله تعالی فرجه الشریف). الطبعة الأولی: 1407ق.

74.

ديوان الإمام علي (علیه السلام). الميبدى، حسين بن معين الدين(ت911ق) قم: دار نداء الإسلام للنشر. الطبعة الأولی: 1411ق.

75.

الذريعة إلى تصانيف الشيعة. الطهراني، آقابزرگ(ت1389ق). بیروت: نشر دارالأضواء. الطبعه الأولی:1403ق.

76.

رحيق مختوم (شرح حكمت متعالیه). الآملي، عبدالله جوادی، تحقیق: حمید پارسانیا. منشورات: اسراء. الطبعة الأولی: 1395ش.

77.

رسائل. ابن سينا. حسين بن عبد الله(ت428ق) قم: منشورات: بيدار. الطبعة: 1400ق .

78.

روضة الواعظین وبصیرة المتعظین. الفتّال النيشابوريّ، محمّد بن احمد (ت508ق). قم: منشورات الرضی. الطبعة الأولی: 1375ش .

79.

رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين. المدني الشیرازی، السيّد علي خان بن احمد(ت1120ق). تحقیق: محسن حسین الامینی. قم: موسسة النشر الإسلامی. الطبعة الأولی: 1409ق.

80.

زاد المعاد. العلاّمة المجلسيّ، محمّد باقر(ت1110ق). بیروت: مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات. الطبعة الأولى: 1423ق.

81.

السلسبيل. الاصطهباناتی، میرزا أبوالحسن. بمبئي: مطبعة ناصری، نسخة حجریة ،: 1312ق.82. السياسة المدنية. الفارابي، ابونصر(ت339ق). تحقیق: موفق فوزی الجبر.

82.

شرح أصول الكافي. صدرا، محمّد بن ابراهيم (ت1050ق). التحقیق: محمّد الخواجويّ. طهران: مؤسسة المطالعات والتحقیقات الثقافیّة. الطبعة الأولی:1383ش.

84.

شرح الإشارات والتنبيهات. الطوسي، خواجه نصير الدين، محمدبن محمد الحسن(ت672ق) قم: نشر البلاغة. الطبعة:1375ش.

85.

شرح الشمسية. الشافعي، ابوعمر بن علي(ت 6،5 ق).

86.

شرح الفصوص. القیصري الرومي، محمد داوود بن محمود(ت 751ق). طهران: المنشورات العلميّة والثقافیة. الطبعة الأولی: 1375ش.

87.

شرح المطالع. الرازي، قطب الدين(ت1365ق) تعليق: سيد شريف، الجرجاني، الناشر: منشورات ذوى القربى، الطبعة: الاولى.

88.

شرح المنظومة. السبزواريّ، ملاهادي(ت1288ق). طهران: نشر ناب ، الطبعة الأولى.

89.

شرح كلمات الصوفيّة والرد على ابن تيميّة من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. الغراب، محمود محمود.

90.

شرح نهج البلاغه. المعتزلي، ابن‌ابي‌الحديد، عبد الحميد‌بن‌هبه الله(ت 655 ق). تحقيق: محمد ابوالفضل ابراهيم. بيروت:منشورات: دار إحياء التراث العربي. الطبعة الثانية: 1385ق.

91.

الشفاء(الإلهیّات). ابن سينا، حسين (ت428ق) تحقيق: حسن زاده آملي. قم: بوستان كتاب. الطبعة: 1376.

92.

الشواهد الربوبيّة في المناهج السلوكیّه. ملا صدرا. محمّد بن ابراهیم قوام الشیرازی(ت1050ق). التصحیح: السید جلال الدین الآشتیانی. مشهد: المركز الجامعی للنشر. الطبعه الثانیه:1360ش.

93.

صد كلمة در معرفت نفس. الآملي، حسن زاده. قم: منشورات: الف لام میم. الطبعة:1386ق.

94.

طبّ الأئمّة (علیهم السلام). ابنا بسطام، عبدالله وحسين(القرن الرابع). قم: دار الشريف الرضي. الطبعة الثاني: 1411ق.

95.

طبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم). المستغفری، جعفر بن محمّد (ت432ق). نجف: مكتبة الحیدریة. الطبعة الأولی: 1385ق.

96.

الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف. ابن طاووس، علي بن موسى (ت664ق). تحقيق: علي عاشور. قم: منشورات خيام. الطبعة الأولی: 1400 ق.

97.

عارف وصوفي چه مي‌گويند؟. الطهرانيّ، المیرزا جواد(ت1410ق). طهران: نشر آفاق. الطبعة الأولی: 1390ش.

98.

عدّة الداعي ونجاح الساعي. ابن فهدالحلى، احمد بن محمّد (ت841ق). منشورات: دار الكتب الإسلامي. الطبعة الأولی: 1407ق.

99.

العدد القويّة لدفع المخاوف اليومية. الحلي، على بن يوسف بن المطهر (ت703ق). تحقیق: السيد محمود المرعشي، قم: منشورات: مكتبة آية الله المرعشي النجفى. الطبعة الأولی1408 ق.

100.

العدل الإلهي. المطهري، مرتضى. (ت1399ق).

101.

العرشيّة. ملا صدرا، محمّد بن ابراهيم(ت 1050ق). التصحیح: غلام حسین الآهنی. طهران: منشورات مولی . الطبعة:1361ش.

102.

عقل در حكمت مشّا (از ارسطو تا ابن سینا). الداودی، علی مراد: الطبعة الأولی: 1349ش.

103.

علل الشرائع. الصدوق، محمّد بن عليّ(ت381ق). قم: منشورات مكتبة الداوريّ. الطبعة الأولی: 1385ق.

104.

على أطلال المذهب المادّي. وجدي، محمد فريد، (ت1373ق).

105.

عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية. ابن أبي جمهور، محمد‌بن‌زين الدين (ت940ق). قم: دار سيد الشهداء للنشر. الطبعة الأولی: 1405ق.

106.

عيون أخبار الرضا (علیه السلام). الصدوق،محمّد بن علي(ت381ق). طهران: منشورات جهان. الطبعة الأولی: 1378ق.

107.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء. ابن ابي اصيبعة، أحمدبن القاسم (ت668ق). تحقيق: نزار رضا، بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة.

108.

عيون الحكم والمواعظ. الليثي الواسطي، علي بن محمّد(القرن السادس). قم:منشورات دارالحدیث. الطبعة الأولی: 1376ش.

109.

عيون المعجزات. ابن عبدالوهّاب،حسین (القرن الخامس). تحقیق: السیّد فلّاح الشریفیّ. قم: منشورات بنت الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم). الطبعة: 1422ق.

110.

الغيبة. ابن أبي زينب، محمّد بن ابراهيم (ت360ق). طهران: منشورات الصدوق. الطبعة الأولی: 1397ق.

111.

الفتوحات المكیة فی معرفة أسرار المالكیة والملكیة. ابن عربی، محيي الدین (ت638ق). التحقیق: عثمان یحیی، بيروت _ لبنان. ناشر الكتاب: دار المعرفة. الطبعة الثانیة: 1405ق.

112.

فرائد الأصول. الأنصاري، مرتضی (ت1281ق). قم: مجمع الفكر الاسلامي. الطبعة الأولی: 1419ق.

113.

فرهنگ معارف اسلامی. السجادى، سيد جعفر.طهران: انتشارات طهورى. الطبعة السادسة: 1381ش.

114.

ممد الهمم در شرح فصوص الحكم. الآملی، حسن زاده. طهران، وزارة الثقافة والإرشاد، الطبعة: 1378ش.

115.

الفصول المنتزعة. الفارابي، ابونصر محمد(ت339ق). التحقیق: علی ایوجبی. طهران: انجمن آثار ومفاخر فرهنگیی، الطبعة الأولی: 1381ش.

116.

فضائح الصوفية. اليوسف، عبد الرحمن بن عبد الخالق.الكويت: منشورات مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الأولى:1984م.

117.

فلاح السائل ونجاح المسائل. ابن طاووس، عليّ بن موسى(ت664ق). قم: بوستان كتاب. الطعبة الأولی: 1406 ق.

118.

الفلسفة. المطهري، مرتضى(ت1399ق). منشورات صدرا.

119.

الفلسفة العلیا. خسروشاهی، باقر، الصدر، سیدرضا (ت1415ق) قم: ناشر: بوستان كتاب، الطبعة الأولى: 1378

120.

الفلسفة والعرفان في ضوء الإسلام. صدر زاده، محمد. تعريب: كمال السيد.قم:موسسة انصاریان للطباعه والنشر.الطبعه الأولی:1436ق.

121.

فلسفه وعرفان. یثربی، سید یحیی. قم: بوستان كتاب، الطبعة: 1382ش.

122.

الفهرست. البغداديّ، ابن ندیم(ت438ق). تحقيق: رضا تجدّد.

123.

القبسات. المیرداماد، محمد باقر(ت1041ق) انتشارات جامعة طهران، الطبعة الثانیة: 1367ش.

124.

القرآن في الإسلام. الطباطبائي، السيد محمد حسين. (ت1402ق)

125.

قرب الإسناد. الحميريّ، عبد اللّه بن جعفر(القرن الرابع). قم: مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحیاء التراث. الطبعة الأولى: 1413ق.

126.

قصص العلماء. التنكابني، میرزا محمّد(ت1302ق). طهران: المنشورات العلمیّة الإسلامیّة. الطبعة الثانیة: 1364ش.

127.

قوانين الاصول. الميرزا القمى، ابوالقاسم بن حسن(ت1815ق) طهران، المكتبةالعلميةالاسلامية. الطبعة: 1378ق.

128.

القوّة والمادّة. بوخنر، لودڤيگ (ت1899م) .

129.

الكافي. الكلینيّ، محمّد بن یعقوب(ت329ق). التحقیق: علی أكبر الغفاريّ. طهران: منشورات دارالكتب الإسلامیّة. الطبعة الرابعة: 1407ق.

130.

الكشاف عن الحقایق غوامض التنزیل. الزمخشريّ، محمود بن عمر (ت538ق). قم: نشر: ادب حوزه. الطبعة:1366.

131.

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر. التلمساني، عبد الوهاب بن أحمد بن علي (ت972ق). تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر. بيروت: دار الكتب العلمية . الطبعة الأولى: 1418ق.

132.

كتاب التعريفات. الجرجاني، سيد الشريف (ت816ق). تحقيق:جماعة من العلماء. بيروت _ لبنان. منشورات: دار الكتب العلمية. الطبعة الأولى: 1403ق.

133.

كتاب العين. الفراهیديّ، خلیل بن احمد(ت175ق). قم: منشورات هجرت. الطبعة الثانية: 1409ق.

134.

كتاب المثنوي. البلخي البكري الرومي، جلال الدین، محمد(ت672ق) تحقیق: سروش، طهران: انتشارات علمی فرهنگی.

135.

كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (علیهم السلام). الإربليّ، عليّ بن عيسى (ت692ق). تبریز: منشورات بني هاشميّ. الطبعة الأولى: 1381ق.

136.

كشف المحجة لثمرة المهجة. ابن طاووس، السيد على بن موسى (ت664ق). قم: بوستان كتاب. الطبعة الثانية: 1375ش.

137.

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد. الحلي، يوسف بن حسن المطهر (ت726ق). قم: مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام). الطبعة الثانية: 1382ش.

138.

كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الإثنی عشر (علیهم السلام). خزاز الرازى، على بن محمد(القرن الرابع). قم: منشورات: بیدار. الطبعة: 1401ق.

139.

كمال الدين وتمام النعمة. الصدوق، محمّد بن عليّ (ت381ق). طهران: منشورات الإسلاميّة. الطبعة الثانية: 1395ق.

140.

كنز الفوائد. الكراجكي، محمّد بن علي (ت449ق). قم: منشورات دارالذخائر. الطبعة الأولی: 1410ق.

141.

گلشن راز. الشبستري، محمود بن عبدالكریم (ت720ق). نشر اشراقیه.

142.

گوهر مراد. فیاض لاهیجی، عبدالرزاق، علي بن الحسين (ت1051ق) تحقیق: زین العابدین قربانی لاهیجی، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد، الطبعة: 1372ش.

143.

لسان العرب. ابن منظور، محمد بن مكرم(ت711ق). بیروت: دار الفكر للطباعة، الطبعة الثالثة: 1414ق.

144.

اللمعات المشرقية (منطق نوين). ملا صدرا، محمد بن ابراهيم الشيرازى (ت1050ق). تحقیق: عبدالمحسن مشكوةالدينى، طهران: منشورات آگاه، الطبعة: 1362ش.

145.

میزان الحكمة. الریشهری، محمّد(ت1325ق). قم: منشورات دارالحدیث، الطبعة الأولی:1422ق.

146.

المبدأ والمعاد. ملا صدرا، محمد بن إبراهيم(ت 1050ق). طهران: انجمن حكمت وفلسفه ایران، الطبعة: 1354ش.

147.

مجمع البحرين. الطريحيّ، فخر الدين بن محمّد(ت1085ق). التحقیق: أحمد الحسينيّ الاشكوريّ. طهران: منشورات مرتضويّ. الطبعة الثالثة: 1375ش.

148.

مجموعة رسائل. ابن عربي، محيي الدين (ت638ق). دمشق: نشر الحكمة. الطبعة: 1421ق.

149.

مجموعة مصنفات شيخ الإشراق. السهروردي، یحیی بن حبش(ت1191ق). تصحیح هانری كربن، طهران: مؤسسة المطالعات الثقافیة. الطبعة الثانیة:1373ش.

150.

المحاسن. البرقى، احمد بن محمد(ت280ق). قم: دار الكتب الإسلامية. الطبعة الثانية: 1371ق.

151.

محبوب القلوب (یا شمسه وقهقهه). فراهي، برخوردار بن محمود تركمان. طهران: 1337 ش.

152.

مختصر البصائر. الحلي، حسن بن سليمان بن محمد (القرن الثامن). قم: مؤسسة النشر الإسلامي. الطبعة الأولی: 1421ق.

153.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (علیهم السلام). العلامة المجلسى، محمد باقر(ت1110ق). طهران: دار الكتب الإسلامية. الطبعة الثانية: 1404ق.

154.

مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها. العريضي، علي بن جعفر(ت220ق). قم:منشورات آل البيت (علیهم السلام). الطبعة الأولی: 1409ق.

155.

مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. النورى، حسين بنمحمّد تقي(ت1320ق). قم: منشورات آل البيت (علیهم السلام). الطبعة الأولی: 1408ق.

156.

مستدرك سفينة البحار. النمازيّ الشاهروديّ، عليّ بن محمد(ت1405ق). قم: منشورات النشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی: 1418ق.

157.

مستدركات علم رجال الحدیث. النمازي الشاهرودي، علی بن محمد (ت1405ق). طهران: مطبعة الحیدري. الطبعة الأولی: 1415ق.

158.

مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد. الشهيد ثانى، زين الدين بن علي(ت966ق). قم: منشورات بصیرتي. الطبعة الأولی.

159.

المشاعر. ملا صدرا، محمد ابراهیم(ت1050ق). طهران: منشورات مكتبه الطهوری. الطبعة الثالثه: 1404ق.

160.

مشكاة الأنوار في غرر الأخبار. الطبرسى، على بن حسن(ت600ق). النجف: المكتبة الحيدريّة. الطبعة الثانية: 1385ق.

161.

المصباح. الكفعمي، ابراهيم بن علي العاملي(ت905ق). قم:منشورات دار الرضي. الطبعة الثانية: 1405ق.

162.

مصباح الأنس بين المعقول والمشهود. الفنّاري، محمد بن الحمزة (ت751ق). التصحیح: محمد الخواجویّ. طهران: منشورات مولی. الطبعة: 1374ش.

163.

مصباح الشريعة. المنسوب إلی الإمام جعفر بن محمّد (علیهما السلام). بیروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. الطبعة الأولی: 1400ق.

164.

مصباح الفقاهة. الخوئی، السید ابوالقاسم(ت1413ق) النجف: المطبعة الحيدرية، الطبعة الأولی: 1374ق.

165.

مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد. الطوسيّ، محمّد بن الحسن(ت460ق). بیروت: مؤسّسة فقه الشیعة. الطبعة الأولی: 1411ق.

166.

مطالب السؤول في مناقب آل الرسول. الشافعي، محمّد بنطلحة(ت652ق). بیروت: موسسة أم القری، للتحقیق والنشر. الطبعه الأولی: 1420ق.

167.

معارف القرآن. الإصفهانيّ، میرزا مهدي(ت1365ق) قم: مؤسسة معارف أهل‌البیت (علیهم السلام).

168.

معالم الدين وملاذ المجتهدين. العاملي، حسن بن زين الدين (ت1011ق) ناشر: قدس.

169.

معاني الأخبار. الصدوق، محمّد بن علي (ت381ق). تحقیق: علي اكبر الغفاري. قم: مؤسّسة النشر الاسلاميّ. الطبعة الأولی: 1403ق.

170.

معجم أعلام المورد. البعلبكي، منير (ت1999م) الناشر: دار العلم للملايين.

171.

المعجم الفلسفيّ. صليبا، جميل(ت1976م). بیروت: الشركة العالمیّة للكتاب. الطبعة: 1414ق.

172.

معدن الجواهر ورياضة الخواطر. الكراجكيّ، محمّد بن علي(ت449ق). طهران: المكتبة المرتضوية. الطبعة الثانية: 1394ق.

173.

مفاتیح الإعجاز فی شرح گلشن راز. لاهیجی، محمد. طهران: انتشارات محمودي.

174.

مفاتيح الغیب. ملا صدرا، محمّد بن إبراهیم الشیرازيّ(ت1050ق) تصحیح: محمّدالخواجوی. طهران: موسسة التحقیقات الثقافیة. الطبعة:1363ش.

175.

مكارم الأخلاق. الطبرسي، حسن بن فضل(القرن السادس). قم: منشورات شريف الرضي. الطبعة الرابعة: 1412ق.

176.

ممدّ الهمم في شرح فصوص الحكم. الآملی، حسن زاده، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد، الطبعةالاولی: 1378ش.

177.

من لا يحضره الفقيه. الصدوق، محمد بن على(ت381ق). قم: منشورات الاسلامى . الطبعة الثانية: 1413ق.

178.

منازل السائرين إلی الحق المبین. الأنصاري الهروي، الخواجه عبد الله بن محمّد، إعدادوتقدیم: علی شیروانی،طهران: دارالعلم،الطبعة: 1417ق.

179.

مناقب آل أبي طالب (علیهم السلام). ابن شهر آشوب المازندراني، محمّد بن علي (ت588ق). قم: منشورات علّامة. الطبعة الأولی: 1379.

180.

المنطق. المظفّر، محمد رضا(ت1964ق). تحقیق: السید علی الحسینی، قم: منشورات واریان، الطبعة الأولی:1380.

181.

المنطقيّات. الفارابى، ابو نصر(ت339ق). ناشر: مكتبة آية اللّه المرعشي.

182.

المنهج الجديد لتعليم الفلسفة. مصباح اليزدي، محمد تقي. دار التعارف للمطبوعات، 1428ق

183.

منية المريد في أدب المفيد والمستفيد. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي(ت966ق). قم: مكتب الإعلام الإسلامي. الطبعة الأولی: 1409ق.

184.

مهج الدعوات ومنهج العبادات. ابن طاووس، السيد عليّ بن موسى (ت664ق). قم:منشورات دار الذخائر. الطعبة الأولی: 1411ق.

185.

ميزان المطالب. الطهراني، ميرزا جواد آقا(ت1410ق). قم: انتشارات در راه حق. الطبعة الرابعه: 1374ش.

186.

الميزان في تفسير القرآن. الطباطبائي، السیّد محمّد حسين(ت1360ش). قم: منشورات اسماعیلیان، الطبعة الثانیة: 1394ق.

187.

النجاة من الغرق في بحرالضلالات. ابن سینا، حسین بن عبدالله (ت428) تصحیح: محمّدتقی دانش پژوه، منشورات جامعة طهران، الطبعة: 1379ش.

188.

نظريّة المعرفة في القرآن. جوادي الآملي، عبد الله. ترجمة دار الإسراء للتحقيق والنشر. طباعة: دار الصفوة، بيروت: الطبعة الأولى: 1417ق.

189.

النور من كلمات أبي طيفور. السلهجي. مخطوط.

190.

نهاية الحكمة. الطباطبائي، السيد محمد حسين (ت1402ق).مؤسسة النشر الإسلامي.

191.

نهاية العقول في دراية الأصول. الرازي، فخر الدين، محمد بن عمر (ت606ق).

192.

نهج الحقّ وكشف الصدق. الحلّي، حسن بن يوسف(ت726ق). بیروت: دار الكتاب اللبناني. الطبعة الأولی: 1982م.

193.

نهج الحكمة. الطباطبائي، السيد محمّد حسين(1364). قم: مؤسّسة النّشر الإسلاميّ. الطبعة الأولی:1418ق.

194.

هزار ويك كلمه. الآملی ، حسن زاده. قم: منشورات بوستان كتاب ، الطبعة: 1375.

195.

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر. الشعراني، عبد الوهاب الشعراني. (ت973ق).

مقدمه‌ای بر علم عقائد

مؤلف: سید حسین مدرسی

انتشارات ولایت

1403 _ 1446

چکیده

مقدمه‌ای بر علم عقائد

این کتاب تحلیلی ​​در مبانی چهار مکتب برجسته کلامی یعنی دین الهی، فلسفه ارسطویی، عرفان صوفی و ماتریالیسم است. کتاب به موضوع معرفت‌شناسی یا نظریه معرفت و آنچه در آن است می‌پردازد. همچنین به گروهی از عناوین مرتبط، از جمله: نقش عقل در شناخت ونتيجه‌ی مبانی فلسفی وعرفانی در عقايد.


انتشارات ولايت

ایران _ مشهد مقدس _ بازار بزرگ

تلفن: 00989151162907 _ 00989151576003

BOOK SUMMARY

A PREFACE TO THEOLOGY

This book is a comparative analysis in the foundations of the four prominent theological schools, i.e. Divine religion, Aristotelian Philosophy, Sufi Mysticism (Irfan) and Materialistim.

The book touches on the subject of Epistemology or The Theory of Knowledge, and what therein.

It also addresses a group of related titles, including: The role of the intellect in understanding divine laws, and the dangerous results of the philosophical and Irfani beliefs system.


The publisher

Velayat publishers

Address: Iran, Mashhad, central bazaar, Velayat publisher.

Tel:00989151576003 _ 00989151162907

THE POSITION OF SCHOLARS REGARDING PHILOSOPHY AND MYSTICISM

Hossein Hadi Almodarresi

Velayat Publishers

1403-2024

بیان المؤسّسة

بسم اللّه الرحمن الرحیم

(اُدعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَة)

علم و معرفت بزرگترین و بهترین نعمت الهی است که خداوند متعال آن را به بندگان صالح خویش عطا می‌فرماید و آن‌ها را در مسیر عبودیت و کمال بندگی به سوی خود با آن یاری می‌کند. بزرگ‌ترین افتخار بندگان خدا برخورداری آن‌ها از این نعمت گران‌سنگ است. عالمان ربانی و عارفان حقیقی کسانی هستند که در راه بندگی خدا همواره پیامبران الهی و امامان معصوم (علیهم السلام) را چراغ راه خویش قرار داده واز سلوک طریق علمی و عملی آن‌ها هیچ وقت احساس خستگی به خود راه نداده و از هر طریق دیگری غیر از راه امامان معصوم (علیهم السلام) دوری و بیزاری می‌جویند.

این بنیاد با هدف احیای آثار چنین بزرگانی که در طول تاریخ تشیع همواره مدافع و پشتیبان معارف اصیل وحیانی و علوم راستین اهل‌بیت (علیهم السلام) بوده‌اند تشکل می‌یابد.

امید است با توجهات خاص حضرات معصومین (علیهم السلام) در این راه توفیق یارشان باشد تا بتوانند قدم‌های مثبت مهمی در احیای آثار ارزشمند آن بزرگان با شرایط روز بردارند.

بسم الله الرحمن الرحیم

(اُدعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَة)

Call on to the way of your lord with wisdom and good preaching

Knowledge is arguably God's most precious blessing given to humanity, with which they can understand, worship, and submit to the Almighty's commandments. It is indeed the greatest of His gifts for both in this life and the afterlife.

And those with divine understanding are the true inheritors of the prophets and their successors. Those are the people of wisdom who stop at nithing in carrying on their endeavor in seeking knowledge from its one and only source; The messengers of Allah.

This institution, was founded on the revival and republishing the canons and original works of the scholars who gave their life in supporting the foundations of the religion and the teachings of the holy prophet and his immaculate household. We ask Allah to guide us in this holy path.