ghaemiyeh.com
سرشناسه : اراکی، محسن، ۱۳۳۴ -
عنوان و نام پديدآور : صلحالامامالحسن علیهالسلام و ثورةالامامالحسین علیهالسلام من منظورالسننالتاریخیة فیالقرآنالکریم/ محسن الاراکی.
مشخصات نشر : قم: المجمعالعالمی لاهلالبیت (ع)، ۱۴۳۵ ق.= ۱۳۹۳.
مشخصات ظاهری : ۱۱۲ ص.؛ ۵/۱۴×۵/۲۱ سم.
شابک : 978-964-529-247-6
وضعیت فهرست نویسی : فاپا (چاپ سوم)
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ اول: ۱۳۸۶ (فیپا).
يادداشت : چاپ سوم.
يادداشت : عنوان روی جلد: صلحالحسن و ثورةالحسين من منظورالسننالتاریخیة فیالقرآنالکریم.
يادداشت : عنوان عطف: صلحالحسن علیهالسلام و ثورةالحسين علیهالسلام من منظورالسننالتاریخیة فیالقرآنالکریم.
یادداشت : کتابنامه: ص. (۱۰۹) - ۱۱۰؛ همچنین به صورت زیرنویس.
عنوان روی جلد : صلحالحسن و ثورةالحسين من منظورالسننالتاریخیة فیالقرآنالکریم.
عنوان عطف : صلحالحسن علیهالسلام و ثورةالحسين علیهالسلام من منظورالسننالتاریخیة فیالقرآنالکریم.
موضوع : حسنبن علی (ع)، امام دوم، ۳ - ۵۰ق -- صلح با معاویه
موضوع : حسینبن علی (ع)، امام سوم، ۴ - ۶۱ق.
موضوع : واقعه کربلا، ۶۱ق.
شناسه افزوده : مجمع جهانی اهل بیت (ع)
رده بندی کنگره : DS۳۸/۵/الف۴ص۸ ۱۳۹۳
رده بندی دیویی : ۹۰۹/۰۹۷۶۷
شماره کتابشناسی ملی : ۱۰۵۸۰۲۳
محرر الرقمي: میثم الحیدري
بسم الله الرحمن الرحيم
صلح الحسن علیهالسلام
و
ثورةالحسين علیهالسلام
من منظور السنن التاریخیة فی القرآن الکریم
محسن الاراکی
اهل البیت فی القرآن الکریم
إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهيرًا
سورة الاحزاب - آیة : 33
اهل البیت فی السنة النبویة
انّی تارِکٌ فیکُمُ الثَّقَلَینِ: کِتابَ اللِّٰهِ وَ عِترَتی اَهلَ بَیتی ما اِن تَمَسَّکتُم بِهِما لَن تَضِلّوا بعدی اَبَدًا
إنّ تراث أهل البيت عليهم السلام الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للأُمّة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت عليهم السلام الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية.
وقد بادر المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام - منطلقاً من مسؤولياته التي أخذها على عاتقه - للدفاع عن حريم الرسالة وحقائقها التي ضبّب عليها أرباب الفرق والمذاهب وأصحاب الاتجاهات المناوئة للإسلام، مقتفياً خطى أهل البيت عليهم السلام وأتباع مدرستهم الرشيدة التي حرصت في الرد على التحديات المستمرة، وحاولت أن تبقى على الدوام في خطّ المواجهة وبالمستوى المطلوب في كلّ عصر.
إنّ التجارب التي تختزنها كتب علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في هذا المضمار فريدة في نوعها؛ لأنّها ذات رصيد علمي يحتكم إلىٰ العقل والبرهان ويتجنّب الهوى والتعصب المذموم، ويخاطب العلماء والمفكرين من ذوي الاختصاص خطاباً يستسيغه العقل
وتتقبله الفطرة السليمة.
وقد حاول المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام أن يقدم لطلّاب الحقيقة مرحلة جديدة من هذه التجارب الغنيّة من خلال مجموعة من البحوث والمؤلفات التي يقوم بتصنيفها مؤلفون معاصرون من المنتمين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، أو من الذين أنعم اللّٰه عليهم بالالتحاق بهذه المدرسة الشريفة، فضلاً عن قيام المجمع بنشر وتحقيق ما يتوخى فيه الفائدة من مؤلفات علماء الشيعة الأعلام من القدامى أيضاً لتكون هذه المؤلفات منهلاً عذباً للنفوس الطالبة للحق، لتنفتح على الحقائق التي تقدّمها مدرسة أهل البيت عليهم السلام الرسالية للعالم أجمع، في عصر تتكامل فيه العقول وتتواصل النفوس والأرواح بشكل سريع وفريد.
والكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، طُبع للمرّة الأُولى في لندن سنة (1421 ه - 200 م)، وهذه هي الطبعة الثانية، باصلاحات واضافات المؤلّف (دام عزّه).
ونتقدم بالشكر الجزيل لسماحة آية اللّٰه الشيخ محسن الأراكي لتأليفه هذا الكتاب ولكلّ الإخوة الذين ساهموا في إخراجه.
وكلّنا أمل ورجاء بأن نكون قد قدّمنا ما استطعنا من جهد أداءً لبعض ما علينا تجاه رسالة ربّنا العظيم الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه وكفى باللّٰه شهيداً.
المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام
المعاونية الثقافية
قال اللّٰه عزّ من قال:
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ
سورة ق: 37
«ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي، ودواء دائكم ونظم ما بينكم»(1)
أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
1) نهج البلاغة الخطبة: 158.
إنّ مفهوم سُنن التاريخ يعدّ من المفاهيم القرآنية الأساسية، ويعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم، لأنّنا في حدود ما نعلم إنّ القرآن أوّل كتاب عرفه الإنسان أكَّد على هذا المفهوم، وكشف عنه وأصرَّ عليه وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية في تفسير الأحداث.
الإنسان الاعتيادي كان يفسِّر التاريخ بوصفه كومة متراكمة من الأحداث، يفسّره على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر اللّٰه سبحانه وتعالى تارة أُخرىٰ. ولكن القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية الاستسلامية ونبَّه العقل البشري إلى أنّ هذه الساحة لها سُنن ولها قوانين ولكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلاً مؤثراً لابدَّ لك أن تكتشف هذه السُنن وتتعرف على تلك القوانين، لكي تستطيع أن تتحكّم فيها، وإلّا تحكّمت هي فيك وأنت مغمض العينين؛ إفتح عينيك على هذه القوانين لكي تكون أنت المتحكّم فيها وليس العكس.
هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهَّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون إلى أن تجري محاولات لفهم التأريخ فهماً علميّاً، بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سُننه وقوانينه، ثمّ بعد ذلك بأربعة قرون (على أقلّ تقدير)، اتّجه الفكر الأُوربي في بدايات ما يُسمى بعصر النهضة، نحو تجسيد هذا المفهوم الذي ضيّعه المسلمون، حيث لم يتوغّلوا إلىٰ أعماقه. وبدأت لدىٰ الغربيين أبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سُننه، ونشأت على هذا الأساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة ومدارس متعدّدة، كلّ واحدة منها تحاول أن تحدّد هذه السُنن التاريخية.
وقد تكون المادية التاريخية أشهر هذه المدارس وأوسعها تغلغلاً وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه، إذن، كلّ هذا الجهد البشري في الحقيقة هو استمرار لهذا التنبيه القرآني، ويبقى للقرآن الكريم مجده في أنّه طرح هذه الفكرة لأوّل مرّة على ساحة المعرفة البشرية.
عن كتاب السُنن التاريخية في القرآن الكريم
للإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(1)قدس سره
1) السُّنن التّاريخية في القرآن الكريم: 62 طبع دار التعارف - لبنان.
يَحُزُّ في نفس الباحث المسلم وهو يقلّب طرفه في المكتبة الإسلامية ألّايجد إلّا النزر اليسير من المصادر التي تُعنى بعلم الاجتماع الإسلامي، ويزداد المرء ألماً وحسرة حينما يجد مصنّفات غربية وبمختلف اللغات لا عدّ لها ولا حصر في هذا المضمار الحيوي الهام، قد نسج على منوالهم جُلّ من كتبوا في هذا الحقل في العالمين العربي والإسلامي.
حينها يطلُ سؤال أشدُّ إيلاماً من وخز الضمير:
تُرى أين هو تراث الفكر الاجتماعي لأُمّة قال عنها القرآن كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ(1).
أين هو - على أقلّ تقدير - الموروث الفكري الاجتماعي لأُمّة استطاعت من خلال اعتناقها للإسلام إزاحة قطبي قيادة عالم يومذاك وهما الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية، أُمّة
1) آل عمران: 110.
حكمت العالم لقرون متطاولة من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً؟
أليس من خلل التوازن بمكان ألّايكافئ نتاج الفكر الاجتماعي للحضارة الإسلامية برمّتها، ولو بعضاً من عطاء النبوّة الذي استمرّ لثلاثة وعشرين عاماً، وعطاء القرآن العظيم الذي ما زال بين ظهرانيها حتّى هذا اليوم.
ولأنّ رسالة الإسلام هي الرسالة السماوية الخاتمة التي لم تحدّد بزمان ومكان نزلت على رسول اللّٰه للناس كافّة وهم مادة التغيير، فقد اختصّ القرآن العظيم بالكثير من السُنن والضوابط، التي تحكم وتنظّم المجتمع الإسلامي والإنساني عموماً، وأكَّد على السُنن والضوابط في الساحة التاريخية وإمكانية استنطاقها لاستجلاء الدروس والعِبر، صيانةً للمجتمع الإنساني والإسلامي من التفكك والانهيار.
قال تعالى: «وَ لَقَدْ ضَرَبْنٰا لِلنّٰاسِ فِي هٰذَا اَلْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»(1).
أنزل اللّٰه تعالى قرآنه العظيم على الرسول الأمين محمّد صلى الله عليه و آله كتاب هداية ومنهج حياة ليخرج الناس كافّة من الظلمات إلى النور.
يقول عزّ من قائل في مطلع سورة إبراهيم عليه السلام:
1) الزمر: 27.
كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنّٰاسَ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ (1).
ونجد خوارق الإعجاز والبلاغة تتجلّى في الآية آنفة الذكر، إذ جمعت عناصر التحوّل التاريخي الثلاثة: وهي الرسالة والرسول والناس، وكذلك الهدف والغاية من نزول الهداية الإلهيّة إلى بني البشر، ألا وهي انتشال الناس من وهدات الضياع والذلّ والاستعباد إلى سموّ المجتمع العابد للّٰه تعالى:
لِتُخْرِجَ اَلنّٰاسَ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ.
وعلى مدىٰ التاريخ كله كانت العلاقة بين الإمامة والأُمّة طاعةً أو معصيةً، هي التي رسمت مسيرة حركة التاريخ، وبالتالي شُيّدت عليها كلّ صروح الحضارة الإنسانية التي عرفها البشر.
ومن أسفٍ أن لا تحظى مآسي أُمّة الإسلام التي عصفت بها منذ قرون طويلة، بدراسة تحليلية وفق السُنن التاريخية التي أكَّد القرآن الكريم على استنطاقها واستخلاص الدروس منها، وصولاً إلىٰ يوم الخلاص لاستنقاذ أُمّة الإسلام ممّا هي فيه.
1) إبراهيم: 1.
في مصنَّفه هذا «صلح الحسن وثورة الحسين عليهما السلام من منظور السُنن التاريخية في القرآن الكريم» ينهج العلامة الشيخ محسن الأراكي كما في مصنّفات له أُخرى أُسلوب اخضاع ظواهر اجتماعية عصفت بأُمّة الإسلام منذ وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله للتحليل والاستقراء، وبعد تشخيصها ينطلق إلى القرآن الكريم وهو كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليبدأ معه عملية حوار واستنطاق سُننه التاريخية التي أقرّها اللَّه عزّو جلّ وصمّمها ووضعها كونياً لا تشريعياً، فهو كتاب هداية ومنهج حياة، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وما زال القرآن يصدح هاتفاً بالبشرية متسائلًا: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها(1).
وكما يقول عنه سيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام:
«ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي، وداوء دائكم ونظم ما بينكم»(2).
إنّه منهج عقلي وأُسلوب رصين بديع ابتكره وصنف وتألّق فيه رائد الفكر الإسلامي المعاصر الإمام الشهيد محمّد باقر الصدر رضى الله عنه، الذي تتلمذ عليه العلّامة الشيخ الأراكي في الفقه والأُصول والفلسفة.
يلاحظ المصنّف المشكلة الاجتماعية المعاصرة، بل ربّما استحضرها من رفوف التاريخ إذا ما كانت قائمة ليبدأ عملية التحليل والتشخيص، ومن ثمّ العودة إلىٰ القرآن العظيم لاستنطاقه وتحكيمه، لأنّه يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(1)وبالتالي تحديد الموقف القرآني للمعضلة القائمة.
ينطلق العلّامة الأراكي من واقع الحياة ومشاكلها المعاصرة من المأساة والمأزق المحيط بأُمّة الإسلام، مُلتجِئاً إلى القرآن الكريم مستنطقاً إيّاه الحلّ الناجع:
«ذلك القرآن فاستنطقوه، ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم».
ولعلّ سؤالاً يطرح نفسه هنا وهو:
لماذا يعود العلّامة الأراكي إلىٰ فتح ملف صلح الإمام الحسن وثورة الإمام الحسين عليهما السلام وهما مقطعان تاريخيان حصلا قبل أكثر
1) الإسراء: 9.
من ثلاثة عشر قرناً من الزمان؟
الجواب: بغضّ النظر عن حقّ الباحث كأي باحثٍ في الكتابة عن أية قضية وحول أي مقطع زمني في التاريخ، إنّ السبّب الرئيس في وقوع هذين الحدثين الهامّين وهما من أهم مفاصل التاريخ والمسيرة الإسلامية هو نمط العلاقة بين الإمامة والأُمة، بين القيادة الإسلامية والمسلمين أنفسهم.
فحينما أطاعت أُمّة الإسلام الإمامة الإلهيّة ممثّلة بالرسول الأعظم صلى الله عليه و آله في المدينة المنوّرة، منحها اللّٰه النصر المؤزر وأُقيمت دولة الإسلام الكبرى لأوّل مرّة في تاريخ البشرية، جرت عليها سُنّة إلهية، هي سُنّة «الاستخلاف»، وحينما نكصت الأُمّة وتولّت عن نصرة الإمامة ممثلّة بالإمام الحسن الزكي ومن بعده عن نصرة الحسين، جرت عليها سُنّة الاستبدال وفق سُنن التأريخ، التي قنًّنها الحقّ تعالى فتسلّط عليهم خُلفاء ووُلاة أمثال يزيد بن معاوية والحجّاج وغيرهم.
والعلّامة الأراكي مَثَله مَثل أي مسلم غيور يعيش اليوم مأساة الأُمة الإسلامية تشتتاً وتمزّقاً ونهباً للثروات واحتلالاً للأرض وإستباحةً للأعراض والمقدّسات، في معظم بقاع عالم الإسلام من قِبل الكافرين، فقد عايش كذلك أعظم نصرين تحققّا للمسلمين
خلال العقدين الأخيرين وكانا بفضل طاعة الأُمّة ونصرتها للقيادة الإسلامية، كما حصل في إيران إثر بيعة الأُمّة لقائدها وإمامها الخميني الراحل، فسقط أعتى نظام - في المنطقة برمّتها - كان مدعوماً من قبل القوّتين الأعظم يومذاك، وانتصرت الفئة المؤمنة القلية كذلك في جنوب لبنان على الكيان الصهيوني الذي لم يُهزم في أية حرب مع جيرانه منذ ما يزيد عن نصف قرن.
لقد انتصرت الفئة المؤمنة في لبنان بفضل طاعتها للقيادة الإسلامية، وثباتها ونصرتها للإمامة، فكان النصر المؤزّر في مطلع هذا العام.
إنّ مفاهيم من قبيل «ميثاق الطاعة والنصرة» للإمامة - القيادة «والاستخلاف والاستبدال» و «سُنّة الغيبة» في الإمامة - القيادة و «الإمامة المستخلفة» و «الأُمّة المُستخلفة» و «وسُنّة الحضور والتصدّي» وغيرها من المفاهيم، ذات العلاقة بالقيادة والأُمّة يؤصلها المصنّف قرآنياً أوّلاً، ثمّ يستنطق كتاب اللّٰه عنها فيأتي بالأمثلة والشواهد القرآنية وبالتالي يحاول استخلاص العِبر والدروس ومن ثمّ حلولاً ناجعة لمشاكل الأُمّة المعاصرة، ومنها بالتأكيد قضية القيادة وطاعة الأُمّة لها وما وعد اللّٰه تعالى الصابرين من النصر والقاعدين عن نصرة دين اللّٰه من الخذلان والذّل:
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(1).
صلح الحسن وثورة الحسين عليهما السلام قراءة
يبدأ العلّامة الأراكي بحثه بموضوعين هما سُنّة القيادة الإلهيّة في التاريخ، وسُنّة المرحلية في غيبة القيادة الإلهيّة.
إذ تتجلّى رعاية اللَّه تعالى للمجتمع الإنساني من خلال القيادة العادلة، وهذه هي سُنّة الإمامة المستمرة: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ...(2).
والسُنّة الثانية هيأنّ الخلافةالإلهيّة تبدأ فردية لتنتهي جماعية، إذ أنّ الغاية هي الاستخلاف الجماعي، حيث يقول عزّ من قائل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ...(3).
وتتحقّق من خلال الجهد التربوي للقيادة الإلهيّة، لتنشأة أُمّة تُقيم العدل والمعروف وعمارة الأرض، حينما تفي الأُمّة بمثياق5.
نصرتها وطاعتها للقائد: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ ...(1).
أمّا السُنَّة الثالثة فهي سُنّة الحضور والتصدّي وطرفها الأوّل: حضول القائد الإلهي، أيتصدّيه لقيادة الأُمّة مباشرة إثر استجابتها لنصرة الحقّ وإقامة العدل في الأرض جهاداً بالنفس وبذلًا للنفيس.
وطرفها الثاني: هو حضور الأُمّة، أيتواجدها الفعلي والمباشر في طاعة القائد الإلهي، وعندها ستستمر النعمة الإلهيّة التامّة على هذه الأُمّة.
أمّا السُنَّة الرابعة من سنن القيادة الإلهيّة، فهي سُنّة الغَيْبَة، وهذه تجري إذا ما نكصت الأُمّة عن نصرة القيادة الإلهيّة، عندها سَتَنحسِر النعمة الإلهيّة لتجري سُنّة الغيبة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ(2).
ويُسهب المصنّف في إيضاح مفهوم النعمة الكبرى وهي8.
الإمامة الإلهيّة التي تمنّ بها السّماء على إنسان الأرض وأنّ استمرارها رهين بطاعتها ونصرتها وحمايتها، وهذا هو الشكر لهذه النعمة، أما الكفر بها، فهو الإعراض والخروج عن طاعتها والنكوص عن نصرتها، ويرى المصنّف أنّ نظام الخلق الإلهي لا يتسع للمجتمع الإنساني إلّا في حالتين:
الأُولىٰ: إقامة نظام العدل الإلهي وطاعة القيادة الإلهيّة، عندها ينسجم مع وحدة نظام الخلق الذي يحكم الكون كلّه.
والثانية: أن يكون ممهّداً لقيام المجتمع العادل وإن خرج عن طاعة القيادة الإلهيّة، إلّا أنّه لم يفقد أهليته وقابليته للتمهيد بقيام المجتمع العادل، ولو في الأجيال اللاحقة عندها تجري سُنّة الإمهال.
في الموضوع الثاني يطرق العلّامة الأراكي إلىٰ سُنّة المرحلية في غيبة القيادة الإلهيّة:
المرحلة الأُولىٰ: غيبة التجميد، حيث يجمّد القائد الإلهي نشاطه القيادي ويعتزل ساحة العمل القيادي علناً وذلك بسبب إعراض الأُمّة عن طاعة القائد الإلهي، وبقاء فرصة محدودة للعمل في أوساط الأُمّة.
المرحلة الثانية: غيبة الهجرة وتحصل بانتقال القائد من بيئته
الأُولىٰ إلىٰ بيئة أكثر تجاوباً وحرية للدعوة إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى.
المرحلة الثالثة: غيبة الاستتار، وتحصل إثر انعدام فرصة عمل القيادة الإلهيّة كاملاً وضمن مرحلة زمنية محدّدة، وهذه الغيبة تلازمها عادة سُنّة الاستبدال التي تجري بحق الأُمّة، ومثالها ما جرى على بني إسرائيل إثر رفع اللّٰه تعالى لعيسىٰ بن مريم عليه السلام.
ثمّ يعرض المؤلّف لصلح الإمام الحسن عليه السلام على ضوء سُنن القيادة الإلهيّة، فينصّ على أنّ سُنّة إنحسار القيادة الإلهيّة وغيبتها كما نفذت في الأنبياء السابقين وأوصيائهم، فقد نفذت بشأن الرسول الأمين وأوصيائه المعصومين، وقد جَرَت سُنّة الهجرة بعدما همَّت قريش بقتله (صلوات اللّٰه عليه)، واستمر تنفيذ السُنن الإلهيّة في الأئمة عليهم السلام بدءً من أميرالمؤمنين عليه السلام وحتّى خاتمهم الحجّة المنتظر، فيما جاء صلح الإمام الحسن عليه السلام وفقاً لهذه السُنن.
ويشير المصنّف إلىٰ كيفية تنفيذ سُنّة التجميد في القيادة الإلهيّة بعد وفاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، ومقتطفات من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام.
ومع عودة الأُمّة إلىٰ طاعة الرسول صلى الله عليه و آله واجتماعها حول أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان جرت سُنّة الحضور والتصدّي للقيادة، إلّا أنّ ذلك لم يدم طويلاً فبدأت الأُمّة بالنكوص عن طاعة القيادة مرّة أُخرىٰ، ثمّ استشهد
أمير المؤمنين عليه السلام ليجد الإمام الحسن عليه السلام أنّ الأُمّة قد نُخرت إرادتها، وتحوّل واقعها إلىٰ أمرِّ واقع على صعيدي الطاعة والنصرة، فجرت سُنّة التجميد مرة أُخرىٰ. وفي موضوعه عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام من منظور السُنن التاريخية في القرآن الكريم، يتعرّض العلّامة الأراكي إلىٰ سنّتين تاريخيّتين مهمّتين جدّاً، هما سُنّة الاستخلاف وسُنّة الاستبدال.
هاتان السُنّتان تجريان على الأُمّة تبعاً لطاعتها أو معصيتها للقائد الإلهي على التوالي.
فالأُمّة الخليفة، يستخلفها الحقّ تعالى متى ما وفت ببيعتها والتزمت نصرة القائد الإلهي، بينما تجري على الأُمّة سُنّة الاستبدال إذا ما نكصت الأُمّة وخذلت القائد الإلهي.
ويعرض المؤلّف بأنّ مفهومي الاستبدال والاستخلاف مختصّان بمفهومي السلطة والحكم، ويأصل لتعريف ومعنى السلطة والحكم دائماً.
ويوضّح كذلك العلاقة بين مفهوم الخلافة والشهادة وأنّ العلاقة بينهما علاقة تلازمية، فالخلافة تُنسب للّٰه عزّ وجلّ، أما الشهادة فتكون على الآخرين أي على الناس فالإمام خليفة عن ربّه وهو شاهد على أُمّته:
وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً... (1).
ويورد المصنّف شواهد قرآنية على أنّ مفهوم العزّ يقترن دائماً بطاعة الأُمّة للقائد الإلهي، فيما يقترن مفهوم الذلّ بمعصية الأُمّة للقائد الإلهي.
ويتحدّث عن الإمامة المستخلفة؛ الإمام الحسين عليه السلام وكيف وفت بميثاقها مع اللّٰه سبحانه وتعالى ونزلت إلى ساحة المواجهة مع الظالمين، إلّا أنّ الأُمّة نكصت وتخلّت عن نصرة الإمامة الإلهيّة، فصُرع سلام اللّٰه عليه شهيداً، وحينها جرت سُنّة الاستبدال على الأُمّة، فتسلّط عليها وُلاة الجور والظلم أمثال يزيد وبني مروان والحجّاج وجرت سُنّة الغيبة بمراحلها على الإمامة الإلهيّة من بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام حتّى يومنا هذا، والفرصة قد تسنح من جديد لجريان سُنّة الحضور والتصدّي فيما لو وفت الأُمّة ببيعتها وعادت لنصرة القيادة.
ختاماً يبقى للإمام الشهيد محمّد باقر الصدر مجده بأنّه كان السبّاق لتنبيه العقل المسلم إلى استيعاب مفهوم سُنن التأريخ في القرآن، والتي عبّر عنها (رضوان اللّٰه عليه) ب «الفتح القرآني الجليل»،
1) البقرة 143.
كما أنّ «أسفار» تلميذه العلّامة الشيخ الأراكي واستنطاقه للقرآن العظيم وتحكيمه في قضايا إسلامية مصيرية كالقيادة والأُمّة والعلاقات بينهما، تُعدُّ جهداً ثرّاً متميزاً ومشكوراً وبأمل اللقاء بنتاجاته المتسلسلة قريباً عن «المجتمع الإسلامي من منظور قرآني».
إلّا أنّ شؤون أُمّة الإسلام آلامها كبيرة وكثيرة، وما زالت جراحها نازفة ما يلزم تخصّصاً قرآنياً عميقاً في علم الاجتماع على مستوى الحوزات والجامعات العلمية المتخصّصة من جهة. وأن يشمّر العلماء والمفكّرون عن سواعد الجدّ لاكتشاف كنوز «هذا الفتح القرآني الجليل» من الجهة الأُخرىٰ خدمة للإنسانية جمعاء.
مؤسسة بوك اكسترا العالمية
للنشر والتوزيع
1 - سُنن القيادة الإلهيّة في التّاريخ
سُنّة الإمامة المستمرة
الخلافة الإلهيّة تبدأ فردية ثمّ تنتهي جماعية
سُنّة الحضور والتصدّي في القيادة
سُنّة الغيبة في القيادة
مراتب انحسار النعمة الإلهيّة التامة (القيادة)
نظام الخلق الإلهي والمجتمع الإنساني
نماذج قرآنية من تنفيذ سُنّة الغيبة في القائد الإلهي
2 - سُنّة المرحلية في غيبة القيادة الإلٰهية
غيبة التّجميد
غيبة الهجرة
غيبة الاستتار
سنّة الاستبدال
3 - صلح الإمام الحسن عليه السلام على ضوء سنن القيادة الإلهيّة
تنفيذ سُنّة التجميد بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله
عودة الأُمّة إلىٰ طاعة الرسول بعد مقتل عثمان
واقع المجتمع الإسلامي إثر ابتعاده عن سُنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله
واقع المجتمع في خلافة الإمام الحسن عليه السلام
صلح الإمام الحسن عليه السلام وسُنّة التّجميد
يمكن القول: إنّ أهم المصادر التي ينبغي مراجعتها لفهم سيرة المعصومين عليهم السلام هو القرآن الكريم، لأنّ الصلة بين القرآن الكريم وسيرة المعصومين هي صلة النظرية والتطبيق، وكما يمكن التعرّف على تفاصيل النظرية من خلال التطبيق كذلك العكس، فإنّ تفسير التطبيق تفسيراً واقعياً شاملاً لا يمكن إلّا من خلال النظرية، وعلى ضوئها.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، سوف نقوم بدراسة موجزة لمقطع تاريخي مهم من سيرة المعصومين عليهم السلام، وهي صلح الإمام الحسن (صلوات اللّٰه عليه) والذي يُعدُّ بحقّ من أهم المقاطع التاريخية بعد وفاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، وسوف نحاول إلقاء الضوء على هذا الحدث التاريخي الخطير من منظور سُنن التاريخ في القرآن الكريم ومفاهيمه التي فسّر بها الكون والمجتمع والتاريخ.
من السُنن التاريخية الي تحكم المجتمع الإنساني حسب
الرؤية القرآنية هي السُنن التي تحكم العلاقة بين القيادة الإلهيّة والمجتمع الإنساني على مرّ التاريخ، وهي سُنن متعدّدة، سوف نتعرّض لأربع منها باختصار ثمّ نلقي الضوء من خلالها على صلح الإمام الحسن عليه السلام لنفهم هذا الحدث التاريخي العظيم على ضوئها.
أوّلًا: سُنّة الإمامة المستمرة
من السُنن الإلهيّة في المجتمع الإنساني رعاية اللَّه المستمرة من خلال القيادة العادلة التي تمثّل خلافة اللَّه في الأرض.
قال سبحانه: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ...(1)
ومن الواضح عموم هذا الجعل لكلّ زمن، فإنّ الآية تحكي قراراً إلهيّاً عاماً بأن يكون له خليفة في الأرض ولم يكن آدم عليه السلام إلّا النموذج الأوّل لهذه الخلافة الإلهيّة، وتعدّدت بعده الخلافة الإلهيّة متتالية في كلّ عصر وهذا ما أكَّدته الآيات الكريمة الأُخرى فقد قال سبحانه: وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ0.
1) - البقرة: 30.
لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1).
وقال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ...(2). وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...(3).
وقال سبحانه: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ...(4).
وقال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...(5).
وقال سبحانه: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ...»(6).
وخلافة اللَّه تعني أن يقوم الخليفة بمهمّة إدارة الأرض وإعمارها وفقاً لشريعة اللَّه ونهجه، فإن خلافه كلّ صاحب أمر إنّما تعني أن يقوم الخليفة بتنفيذ أمره والقيام مقامه في تحقيق أغراضه3.
وتنفيذ مقاصده، وهذه هي المسؤولية التي اضطلع بها الأنبياء على مرّ الزمن باعتبارهم خُلفاء اللَّه في أرضه، وعندما ختمت النبوّة بنبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله، استمرّت الخلافة الإلهيّة- حسب القرار الإلهي بجعل الخليفة في الأرض- في الأئمّة الطاهرين من أهل بيته صلوات اللَّه عليهم اجمعين.
ثانياً: الخلافة الإلهيّة تبدأ فردية ثمّ تنتهي جماعية
إنّ الخلافة الإلهيّة تبدأ فردية، وتنتهي جماعيّة، فالغاية التي أرادها اللَّه سبحانه هي الاستخلاف الجماعي كما قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ...(1)
غير أنّ هذه الخلافة الجماعية إنّما تبدأ بخلافة القائد الإلهي المعصوم، الذي يعيّنه اللَّه سبحانه إماماً على الناس، ومن خلال الجهد التربوي والقيادي الذي يقوم به الإمام، تنشأ أُمّة بشرية تُقيم العدل وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ...(2).
وعبر هذه المسيرة التربوية التكاملية تنبثق خلافة جماعية0.
تكون الأُمّة فيها بقائدها ومقودها، برئيسها ومرؤوسها، بإمامها ومأمومها شهداء على العدل والحقّ وخُلفاء للَّهعلى أرضه: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ...(1).
ثمّ إنّ الخلافة الجماعية لا تجد سبيلها إلى الواقع إلّا من خلال الإرادة الجماعية للأُمّة على النصرة والطاعة للقيادة الإلهيّة وعندئذٍ تتحقّق الغاية الكبرى من خلافة الإنسان على الأرض من عمارة الأرض والرفاه العام والسعادة القصوى قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ ...(2).
أما إذا أعرضت الأُمة عن القيادة الإلهيّة وامتنعت عن طاعتها والخضوع لها، فهي التي تتحمّل مسؤولية النتائج المرّة التي سوف تجنيها من هذا الإهمال والإعراض، وهذا ما جاء في ذيل الآية الآنفة الذكر: وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
وليست هذه النهاية الأليمة إلّا حصيلة الإعراض عن هداية اللَّه تعالى وترك طاعة القيادة الإلهيّة، وبهذا فإنّ الإنسان هو المسؤول6.
عن النتائج المرّة التي تنجم عن سوء اختياره، قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ(1).
وقال سبحانه: وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ* ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَ السَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ(2).
وفي هاتين الآيتين نجد أنّ السُنّة الإلهيّة ترعى المجتمع الإنساني وتهتم بتربيته واعداده لقبول مسؤولية الخلافة الإلهيّة، واطاعة القائد الإلهي الخليفة لإقرار العدل والتّقوى على أرض اللَّه، فتحكي لنا ما يبتلي به اللَّه سبحانه أُمم الأنبياء توعيةً لهم وتذكيراً وتربيةً وإعداداً، عسى أن يتحمّلوا مسؤلياتهم الكبرى في طاعة الأنبياء ونصرتهم في سبيل إقامة المجتمع الإلهي العادل على وجه الأرض.
وقد اعتبر القرآن الكريم القيادة الإلهيّة التي يمنّ اللَّه بها على5.
المجتمع البشري إتماماً للنعمة الإلهيّة على الإنسان فجاء التأكيد على كونها هي النعمة التامّة، كما قال سبحانه وتعالى تعبيراً عن لسان نبيّه يعقوب وهو يخاطب ولده يوسف عليه السلام: وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ(1).
وقال تعالى بعد اعلان النبيّ صلى الله عليه و آله عن إمامة عليّ عليه السلام: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً(2).
وقال سبحانه وتعالى: وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا(3).
وتمام النعمة على القائد هي الرعاية الإلهيّة والتسديد الربّاني الذي يؤهله للقيادة، ويبوؤه منزلة الإمامة، وتمام النعمة على المجتمع البشري هو تأهيله للاضطلاع بمهمّة الخلافة الإلهيّة على وجه الأرض، وذلك بتعيين القائد الإلهي الذي يتولّى قيادته في هذا السبيل وتمكينه من طاعته ونصرته.1.
وسُنّة الحضور في القرآن الكريم تعني تصدّي القيادة الإلهيّة لقيادة الأُمّة تصدّياً فعلياً مباشراً، عندما تستجيب الأُمّة لدعوة القائد الإلهي إيّاها إلى نصرة الحقّ وإقامة العدل على وجه الأرض، وتلبّي دعوته للحضور في ساحات الجهاد والنصرة، وتتفاعل معه بالطاعة لأمره والانقياد إلى قيادته.
وسُنّة الحضور هذه مفردة من مفردات القانون الإلهي الذي عبّرت عنه الآية الشريفة: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ(1).
جاءت هذه الآية بعد آيات تشير إلى سُنّة حضور القيادة الإلهيّة في مصداقها المتمثل في موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، قال تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ* وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ
1) - إبراهيم 7.
أَبْنٰاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسٰاءَكُمْ وَ فِي ذٰلِكُمْ بَلاٰءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (1).
فسُنّة الحضور القيادي تبدأ انطلاقاً من سُنّة الرّحمة الإلهيّة التي أشار إليها ربّنا بقوله: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ(2)ولكنّ استمرارية هذه الرحمة ودوامها تجري وفق سُنّة أُخرىٰ عبّرت عنها الآية الكريمة، لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ(3)ومعناها أنّ اللّٰه سبحانه وتعالى جرت سنّته على الرّحمة الواسعة، التي بموجبها يبتدي عباده بالنعم، فيبتدي بإرسال القائد الإلهي باعتباره النعمة الكبرىٰ، التي يُنال الناس بشكرها قمّة السعادة والكمال، فإن شكر الناس هذه النعمة استمرّت لهم وزادها اللّٰه بإنزال المزيد من النصر والفتح والتأييد والتسديد، وإن كفر الناس هذه النعمة جرت عليهم السُنّة الأُخرىٰ التي سوف نتعرّض لها قريباً وهي سُنّة الغيبة.
ثمّ إنّ سُنّة الحضور لها طرفان:
الطرف الأوّل: هو القائد الإلهي الذي يبتدئ الحضور بين الأُمّة بدعوتها إلى نصرته وتربيتها وتوجيهها بما يؤهلها للاضطلاع بمهمّة الخلافة الإلهيّة على وجه الأرض من إقامة العدل فيها
وإعمارها وتنميتها.
والطرف الثاني: هي الأُمّة المرشّحة لخلافة اللَّه في الأرض، فإذا حضر القائد الإلهي في ساحة الدعوة إلى اللَّه ودعا الناس إلى طاعة اللَّه وإقامة العدل الإلهي على وجه الأرض، ثمّ استجابت الأُمّة لهذه الدعوة، فحضرت بدورها في ساحة النصرة للقائد الإلهي ولبّت دعوته إلى إقامة العدل، ونصرة الدين الإلهي، اكتملت بذلك مقوّمات النصر الإلهي لهذه الأُمّة واستحقّت وسام الخلافة الإلهيّة، ونزل عليها الإمداد الإلهي بالنصر والتأييد وتبوّأت مكانها اللائق بها وهو الشهادة على سائر الأُمم كما قال سبحانه وتعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(1).
فإن استمرت الأُمّة في حضورها هذا استمرت النعمة الإلهيّة التامّة لها، وإن نكصت وتراجعت، تقلّصت النعمة الإلهيّة وانكمشت، بقدر تراجعها وانكماشها عن الحضور في ساحة النصرة للقائد الإلهي وتلبية دعوته.
ووفقاً لسُنّة الحضور هذه نجد أميرالمؤمنين عليه السلام يقول:
«أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر3.
1) - البقرة: 143.
وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يُقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز»(1).
فالحضور الجماهيري للأُمة وإعلان استعدادها لطاعة القائد الإلهي ونصرته بعد نكوصها وانكماشها، استوجب عودة القائد إلى الحضور الفعلي على الصعيد السياسي، ومباشرته لقيادة الأُمة قيادة فعلية، تطبيقاً لسُنّة الحضور التي بموجبها يتوجّب على القائد الإلهي أن يُلبّي دعوة الجماهير المسحوقة، التي تعلن عن حضورها هي بدورها في ساحة النصرة للقائد وعن طاعتها وولائها له كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام:
«لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، لالقيت حبلها على غاربها».
رابعاً: سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة
أسلفنا أنّ القيادة الإلهيّة بحسب المنطق القرآني هي النعمة الكبرى التي يمنّ اللَّه بها على عباده في الأرض، وقد أشرنا بإيجازت.
1) - الخطبة رقم 4 من نهج البلاغة، ص 56 من طبعة الاعلمي، بيروت.
إلى أنّ النعمة الإلهيّة التامّة المتمثّلة بالقيادة الإلهيّة، تحكمها بعد حلولها بين الناس سُنّة إلهية أشارت إليه الآية الكريمة: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ(1).
وهنا ينبغي- تمهيداً لتوضيح سُنّة الغيبة- أن نقدّم مزيداً من التوضيح لهذه السُنّة الإلهيّة على أساس من بيّنات القرآن العظيم فقد تعرّض القرآن إلى هذه السُنّة في مواضع عديدة نشير إلى بعضها:
منها قوله سبحانه وتعالى في أواسط سورة إبراهيم التي بدأها سبحانه بالإشارة إلى نعمة القيادة الإلهيّة على بني إسرائيل المتمثّلة في إمامة موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، قال سبحانه مؤكّداً على السُنّة الإلهيّة التي تحكم هذه النعمة التامّة: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ(2).
تقرير واضح للسُنّة الإلهيّة التي أُشير إليها في بدايات السورة:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ.
وهي في كلمة موجزة: إنّ القيادة الإلهيّة وهي النعمة الكبرى، التي تَمُنُّ بها السماء على إنسان الأرض، إنّما تستمر في مباشرتها9.
لقيادة الأُمّة ومدّها بالعطاء الإلهي المتمثّل في إدارتها وتوجيهها وهدايتها نحو السعادة الكبرى، عندما تشكر الأُمّة هذه النعمة، فتواصل طاعتها للقيادة الإلهيّة ونصرتها وحمايتها، أما إذا كفرت الأُمة بهذه النعمة، فأعرضت عنها وخرجت عن طاعتها، وتولَّت عن نصرتها، وتركت القائد الإلهي وحيداً في ساحة المواجهة مع الطاغوت، فإنّ ذلك سوف يسبّب انحسار النعمة وانكماشها، ثمّ حرمان الأُمّة عنها، وهي في أشد الحاجة إليها.
وانحسار النعمة الإلهيّة التامّة أيالقيادة الإلهيّة بسبب كفرانها، له درجات من أهمها سُنّة الغيبة أيغيبة القائد الإلهي، وأخطرها سُنّة الإبادة والاستئصال الذي أشارت إليه آيات متعددة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا(1).
وقد فسّر الاستفزاز في الآية بالقتل(2)فيكون المعنى حينئذٍ أنّ مشركي قريش همّوا بقتل الرسول صلى الله عليه و آله، ولو فعلوا ذلك لنزل عليهم العذاب ولاستئصلوا عن آخرهم، وذلك لأنّ الذي نفهمه من سُنن اللَّه7.
التي بيّنها في كتابه، أنّ سنّة اللَّه في خلقه تأبى على المجتمع الإنساني باعتباره جزءاً من المجموعة الكونيّة خرق النظام الإلهي العادل، الذي قامت به السماوات والأرض ولا يتّسع نطام الخلق الإلهي لمجتمع الإنسان إلّا في صورتين:
الأُولى: أن يُقيم نظام العدل الإلهي أيأن يعمل بما أمر اللَّه ويطيع القيادة الإلهيّة، وحينئذ يتناغم مع نظام الخلق الذي يحكم الكون بأسره وتخدمه كلّ عناصر الوجود وتفوّض له السلطة على الكون ليقوم بدور الخلافة الإلهيّة.
الثانية: أن يكون تمهيداً لقيام المجتمع العادل وذلك عندما يخرق نظام العدل الإلهي ويخرج عن طاعة القيادة الإلهيّة، ولكنه رغم ذلك لم يفقد قابليّة التمهيد لقيام المجتمع العادل، وهنا تأتي سُنّة الإمهال لكن بشرط إمكانية التمهيد للمجتمع الصالح، بأن لا يفقد المجتمع البشري أهليته للتغيير والإصلاح، وأن تظلّ الفرصة فيه باقية لكي يرجع إلى الصواب، ولو في أجياله اللاحقة، أمّا إذا فقد المجتمع هذه الأهلية فسوف يفقد المبرّر الذي يؤهّله لكي يتنّعم في هذا الكون بنعمة الوجود وغيرها من نعم اللَّه التي لا يمكن أن تتجاوز حدود الحكمة والعدل، التي تأبى الظلم والفساد في الأرض.
وهذه هي السُنَّة التي نفّذتها الإرادة الإلهيّة بشأن قوم نوح حين
رفضوا نظام العدل وخرجوا عن طاعة الرسول، وتجذّرت فيهم حالة الطغيان حتّى فقدوا صلاحية التمهيد لقيام المجتمع العادل وإنعدمت فيهم كلّ القابليات التي تؤهّلهم حتّى على المدى البعيد للرجوع إلى نطام العدل والعودة إلى حظيرة الطاعة والنصرة للقيادة الإلهيّة، وهذا ما نجده بوضوح في ما صرّح به القرآن الكريم من تاريخ قوم نوح إذ قال سبحانه وتعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً* وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً* .... إلى أن يقول سبحانه وتعالى- وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً(1).
وحاشا نوحاً وهو العبد الصالح الرؤوف بعباد اللَّه أن يكون دعاؤه هذا للتشفّي من الكافر، بل إنّما جاء دعاؤه هذا انسجاماً مع السُنّة الإلهيّة بإبادة المجتمع المتمرّد عن طاعة اللَّه، ذلك المجتمع7.
1) - نوح: 5- 27.
الذي يفقد كلّ مؤهلات الاستمرار في الوجود ضمن النظام الكوني العام القائم على أساس الحقّ والعدل، بسبب إنعدام العدل فيه وفقدان صلاحيّة التمهيد لقيام المجتمع الصالح على وجه الأرض.
وهذه السُنّة هي نفسها التي أشارت إليها الآية التي أسلفناها من سورة الإسراء: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا(1).
إذ أنّ قتل الرسول الخاتم وهو القائد الفريد الذي رشّحته الإرادة الإلهيّة لتأسيس مجتمع الخلافة الإلهيّة الدائمة، كان يعني إنعدام الفرصة الأخيرة في المجتمع البشري لإقامة النظام العادل.
هذا إذا فقدت المجموعة البشريّة الطاغية أهليّة التمهيد لقيام المجتمع الصالح، أمّا إذا احتفظت بهذه الأهلية لكنّها لم تخضع بالفعل لطاعة القائد الإلهي، وتخلّت عن نصرته وحمايته والاهتداء بهديه والاقتداء به، فسوف تجري عليها سُنّة أُخرى، هي سُنّة انحسار نعمة القيادة الإلهيّة، وذلك بأن يُغيّب القائد عن الأُمّة التي كفرت بنعمته، وأعرضت عن قيادته.7.
1) - الإسراء: 76- 77.
وهذا التغييب، قد يكون مكانيّاً، بأن يُنقل القائد الإلهي إلى مكان آخر، ريّثما تتهيّأ الأُمّة للتفاعل مع قيادته، وتحمّلها لمسؤوليتها تجاه القيادة الإلهيّة، المتمثّلة في النصرة والطاعة، وقد يكون زمانياً، بأن يختفي القائد عن أعين الناس لفترة قصيرة أو طويلة من الزمن منتظراً تهيّؤ الظروف الزمنية واستعدادها لظهوره والقيام بمهمّته الكبرى وهي إقامة المجتمع الصالح على وجه الأرض.
ونجد في القرآن الكريم نماذج من تنفيذ سُنّة انحسار النعمة الإلهيّة وتغييب القائد الإلهي في كبار القيادات الإلهيّة على مرّ التاريخ.
فمن ذلك تنفيذ سُنّة الانحسار بشأن إبراهيم، القائد الإلهي المؤسس إذ يقول سبحانه وتعالى: وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* إلى قوله تعالى- فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إلى أن قال سبحانه: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ(1).
وقال سبحانه أيضاً في عرض آخر للقصّة نفسها: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ* إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ* أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ*- إلى قوله تعالى-: قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ* فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ* وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ(2).
هذه الآية تحكي قصة هجرة إبراهيم من وطنه الذي نشأ فيه وبدأ فيه دعوته الأُولى، إثر المحاولة التي قام بها قومه من التآمر على قتله وإحراقه وإقدامهم على ذلك، لكن شاءت العناية الإلهيّة أن تحبط خطّتهم وتفشل مؤامرتهم، وأن تحرس يد القدرة الإلهيّة القيادة الصالحة، وأن تحافظ على نعمة اللَّه الكبرى.
لكنّ الموقف الذي اتّخذه قوم إبراهيم من القيادة الإلهيّة المتمثّلة في إبراهيم، كان كفراً صريحاً بالنعمة الإلهيّة وإهداراً لحرمتها، فكان أن جرت في حقّهم سُنّة انحسار النعمة الإلهيّة، فجاء الأمر الإلهي بضرورة مغادرة إبراهيم لأرضه وقومه إلى حيث يشاء اللَّه، وبذلك نفّذت سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة في لون من9.
ألوانها- وهي الهجرة أو الغيبة المكانيّة.
ومن نماذج تنفيذ سُنّة الغيبة في القائد الإلهي ما يحكيه القرآن الكريم بشأن موسى عليه السلام حين عصاه قومه وأصرّوا على مخالفته وعصيانه قال: سبحانه: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ* يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ- إلى قوله تعالى-: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ* قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ* قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ(1).
وقد ذكر الطبرسي في تفسيره مجمع البيان عن بعض المفسّرين قوله إنّهما- أى موسى وهارون- لم يكونا في التيه، لأنّ التيه عذاب، وعُذّبوا- أيبنو إسرائيل- عن كلّ يوم عبدوا فيه العجل6.
1) - المائدة: 20- 26.
سنة، والأنبياء لا يعذبون»(1).
فقد حصلت الفرقة بين بني إسرائيل وقيادتهم الإلهيّة المتمثّلة في موسى وهارون بعد إصرارهم على معصية القائد والخروج عن طاعته، ولم يكن دعاء موسى وسؤاله أن يفرق اللَّه بينهما وبين قومه الفاسقين، إلّا جرياً على سُنّة اللَّه سبحانه وتعالى ولم يكن ذلك منه ضجراً منهم أو عن ضيق ذرع بهم، فقد ارتكبوا أعظم من ذلك عندما عبدوا العجل فلم يضق بهم موسى ذرعاً ولا سأل ربّه عند ذاك أن يفرق بينهم وبينه، لأنّه لم يكن بينهم آنذاك، وقد طلبوا من هارون حينما نهاهم عن عبادة العجل الانتظار ريثما يأتي موسى وقد حكى اللَّه ذلك بقوله تعالى: وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي* قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى(2).
وقد وافقهم هارون على هذا الطلب، ولهذا إعترض عليه موسى بعد رجوعه كما حكى اللَّه ذلك إذ قال تعالى: قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي* قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي1.
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي(1).
وقد تلقّى موسى المعذرة التي تقدّم بها هارون بالقبول وانتهى الأمر إلى أن تاب بنو إسرائيل فتاب اللَّه عليهم، لكنّ موقف بني إسرائيل عن قضية الدخول في الأرض المقدّسة كانت تختلف عن موقفهم من عبادة العجل اختلافاً أساسياً، وذلك بإصرارهم على مخالفة أمر القيادة الإلهيّة بالدخول في الأرض المقدّسة، ومصارحتها بالعصيان ورفضهم الرجوع إلى طاعتها، بالرغم من تأكيدها ودعوتها المكرّرة لهم بالانقياد لأمرها، وبالرغم من تشجيع الرجلين اللّذين أنعم اللَّه عليهما لهم ودعوتهما لهم إلى طاعة القيادة الإلهيّة. كما قال تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ* يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ4.
1) - طه: 92- 94.
فَإِذٰا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غٰالِبُونَ وَ عَلَى اَللّٰهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ * قٰالَ رَبِّ إِنِّي لاٰ أَمْلِكُ إِلاّٰ نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ * قٰالَ فَإِنَّهٰا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاٰ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفٰاسِقِينَ (1).
إنّ الإصرار على معصية القائد الإلهي يفقد القائد الإلهي دوره القيادي بين الأُمّة ويؤدي لا محالة إلى إنفصام العروة التي تجمع بينها وبين قاعدتها الشعبية، ويحول دون تمكّن القائد الإلهي من ممارسة دوره القيادي بين قومه ومجتمعه، وهذا هو الذي يستوجب منطقياً - وعلى أساس من أُصول العقل وقواعد الحكمة - أن تنكمش النعمة وتنحسر القيادة الإلهيّة حتّى تبدّل الظروف الموضوعية للأُمّة، وتجدّد الفرصة التي تتمكن فيها القيادة الإلهيّة من أداء دورها الرسالي المطلوب بين الأُمّة.
ومن نماذج تنفيذ سُنّة الغيبة في القائد الإلهي ما حدث بشأن عيسى عليه السلام، فقد تظاهر عليه قومه وهمّوا بقتله فرفعه اللّٰه إليه قال تعالى:
«فَبِمٰا نَقْضِهِمْ مِيثٰاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيٰاءَ
1) المائدة: 20-26.
بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا* وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً* وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً»(1).
ففي هذه الآيات حكاية أُخرى عن سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة، إذ أنّ اللَّه غيَّب حجّته عن الناس ورفعه إليه بعدما امتنع عليه أن يمارس مهمّته القياديّة بين قومه الذين أُرسل إليهم، بعد أن همّوا بقتله.
وقد استمرت سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة بعد عيسى عليه السلام حتّى مبعث نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله، كما يحكي اللَّه تعالى ذلك بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2).
(1) - النساء: 155- 159.
(2) - المائدة: 19.
وقد وردت روايات مستفيضة تؤكّد على أنّ زمن الفترة بين عيسى ونبيّنا لم يكن خلواً من الحجج والأنبياء، بل تواصلت مسيرة القيادة الإلهيّة باستمرار وكان هناك أنبياء وأوصياء متعدّدون خلال هذه الفترة لكنّهم كانوا مستورين غير ظاهرين، قال الشيخ الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة - بعد ذكره لأحاديث عن النبيّ والأئمّة المعصومين تدلّ على تواصل خطّ القيادة الإلهيّة في زمن الفترة - قال:
«تعني الفترة أنّه لم يكن بينهما رسول ولا نبيّ ولا وصيّ ظاهر مشهور كمن كان قبله، وعلى ذلك دلّ الكتاب المنزل: أنّ اللّٰه عزّوجلّ بعث محمّداً صلى الله عليه و آله على حين فترة من الرسل والأنبياء والأوصياء، ولكن قد كان بينه وبين عيسى أنبياء وأئمة مستورين خائفين، منهم خالد بن سنان العبسي نبيّ لا يدفعه دافع، ولا ينكره منكر، لتواطؤ الأخبار بذلك عن الخاص والعام، وشهرته عندهم، وكان بين مبعثه و مبعث نبيّنا صلى الله عليه و آله خمسين سنة».
غيبة القائد الإلهي لها مراحل تتنوّع بحسب الظروف التي تحيط بالقيادة الإلهيّة واختلاف الفرص المتاحة لعملها، وهي بحسب ما نجده في القرآن الكريم وسُنّة المعصومين كالتالي:
المرحلة الأُولى،
غيبة التجميد: وذلك بأن يجمّد القائد الإلهي نشاطه القيادي ويعتزل ساحة العمل القيادي المُعلن الصريح، ويلجأ إلى العزلة الظاهرية وتنحسر نشاطاته القيادية ضمن دوائر محدودة خاصة، وذلك عندما تستسلم الأُمّة لقوى سياسيّة معادية لخطّ القيادة الإلهيّة، وتعرض بذلك عن طاعة القائد الإلهي، وتُؤثِر معصيته ومشاقّته، وتصرّ على مخالفته، ولكن لم تنعدم كلّ فرص العمل للقيادة الإلهيّة بصورة كاملة بل تبقى للقيادة الإلهيّة بعض الفرص المحدودة، التي يتمكّن من استثمارها لتربية الكوادر المؤمنة وتأهيلها للقيام بواجبها الرسالي في الظرف المناسب، وهذه السنّة هي التي جرت بشأن موسى بعد أن تاه قومه في الأرض، وهي المرحلة الأُولى من مراحل سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة ..
المرحلة الثانية، غيبة الهجرة:
وذلك بأن يترك القائد الإلهي البيئة الاجتماعيّة التي بدأ فيها نشاطه القيادي، وينتقل إلى بيئة أُخرى ومكان آخر، عندما تنعدم في البيئة الأُولى فرص العمل والتحرّك للقائد الإلهي بصورة كاملة، وتزمع القوى المعادية للقيادة الإلهيّة والمسيطرة على مقاليد السلطة والقوة على قتل القائد الإلهي، واستئصال القيادة الإلهيّة أو فرض الحصار الكامل عليها بما يفصلها تماماً عن قاعدتها الشعبية، ويحول بينها وبين القيادة الإلهيّة بشكل كامل، وهذا ما جرى لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله كما تحكي
الآية الكريمة: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ»(1).
وهذه السُنّة نفسها جرت قبل ذلك في إبراهيم كما أشرنا إليها سلفاً، كما جرى ذلك لموسى عليه السلام في أوّل أمره إذ يقول سبحانه وتعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(2).
المرحلة الثالثة، غيبة الاستتار:
وذلك عندما تنعدم فرصة العمل للقيادة الإلهيّة في مرحلة زمنيّة معيّنة بصورة كاملة، بحيث لا يجدي معها تنفيذ سُنّة الهجرة لسيطرة القوى المعادية على كلّ المناطق المرشحة لاحتضان القيادة الإلهيّة، يأتي دور غيبة الاستتار، فتسحب السّماء نعمتها الكبرى إلى حيث يشاء اللَّه، وتحتفظ بها ريثما تتجدّد في الأُمّة فرصة احتضان القيادة الإلهيّة والتفاعل معها، من أجل إقامة المجتمع العادل وتنفيذ السُنّة الإلهيّة1.
بخلافة الصالحين في الأرض.
المرحلة الرابعة سُنّة الاستبدال:
ويبدو أنّ تنفيذ سُنّة استتار القيادة الإلهيّة تلازم تنفيذ سُنّة أُخرى في الأُمّة التي تنبعث القيادة فيها، وهي سُنّة الاستبدال، وسوف نوضّح في حديثنا عن (ثورة الحسين عليه السلام من منظور السُنن التأريخية في القرآن الكريم) بعض القواعد التي تجري على أساسها سُنّة الاستبدال، ومن أهمّها نقض الأُمّة المُستخلفة لميثاقها مع القيادة الإلهيّة وفقدانها- عندئذ- صلاحيّة الخلافة الإلهيّة وزوال استعدادها للقيام بدور النصرة والطاعة للقيادة الإلهيّة.
وعلى هذا الأساس نُفِّذّت سُنَّة الاستبدال على بني إسرائيل وسُنّة استتار القيادة الإلهيّة التي كانت متمثّلة في عيسى عليه السلام في وقت واحد، وهذا ما تحكيه لنا الآيات الكريمة إذ تقول: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ- إلى قوله تعالى-: وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً* وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ
عَلَيْهِمْ شَهِيداً(1).
فقد كانت بنو إسرائيل الأُمّة التى استخلفها اللَّه سبحانه لإقامة العدل في الأرض بقيادة القائد الإلهي موسى عليه السلام، وقد حكت آيات كثيرة من القرآن تفضيلها بهذا الاستخلاف إذ يقول تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ(2).
وأيضاً يقول سبحانه: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ(3).
ولكنّها بنقضها للميثاق وقتلها الأنبياء بغير حقّ وبإقدامها على قتل القيادة الإلهيّة المتمثّلة بعيسى عليه السلام وهي الفرصة الأخيرة التي أتاحتها السماء لبني إسرائيل للرجوع إلى رشدها والوفاء بعهدها مع اللَّه سبحانه فوّتت على نفسها فرصة الاستخلاف الإلهي بشكل كامل وبرهنت عمليّاً على زوال آخر ما تبقّى فيها من صلاحيات القيام بمسؤولية الخلافة الإلهيّة على الأرض، وبذلك استحقّت0.
تنفيذ سُنّة الاستبدل بشأنها وهذا ما كان.
فقد استبدلت يد الحكمة الإلهيّة شريحة أُخرى من بني إبراهيم وهم العرب أبناء إسماعيل، لكي يقوموا بمسؤولية الخلافة الإلهيّة، وإقامة العدل على وجه الأرض، فقاموا بهذه المهمّة الكبرى- في أوّل الأمر- خير قيام، حتّى أقاموا العدل في الجزيرة العربية، وشيئاً من مناطق أُخرى، وأضحوا خير أُمّة أُخرجت للناس، غير أنّهم- كما يحكي لنا تاريخنا المؤسف- سلكوا آخر الأمر مسلك بني إسرائيل في نقضهم للميثاق مع اللَّه، والخروج عن طاعة القيادة الإلهيّة إلى أن ارتكبت فيهم أشنع جريمة عرفها التاريخ الإنساني عندما ذبحت القيادة الإلهيّة المتمثّلة في سبط رسول اللَّه الإمام الحسين عليه السلام وأُبيد الصالحون من أهل بيته وأصحابه.
وعلى أثر ذلك نفّذت السماء سُنّة الاستبدال على هذه الشريحة كسابقتها واقترنت سُنّة الاستبدال هذه، بسُنّة تجميد القيادة الإلهيّة عملها أوّلًا تمهيداً لتنفيذ سنّة الاستتار الكامل، وهذا ما تمّ بعد أن أعدّت القيادة الإلهيّة في عصر تجميدها الأخير- بدءً من الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين حتّى الإمام الحسن العسكري عليهم السلام- الأُمّة لتنفيد سنّة استتار القيادة الإلهيّة، وذلك عندما فوّتت هذه الأُمّة على نفسها- كسابقتها- فرصة الاستخلاف الإلهي، فغابت القيادة الإلهيّة غيبة كاملة ريثما تعود الأُمّة إلى رشدها وتحيا فيها
من جديد صلاحيات الاستخلاف الإلهي، وتنفيذ وعد اللَّه القائل: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ(1).
كما قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ...(2).
3- صلح الإمام الحسن عليه السلام على ضوء سنن القيادة الإلهيّة
لقد وضّحنا فيما سبق بعض سُنن القيادة الإلهيّة في القرآن الكريم، وأشرنا إلى سُنّة انحسار القيادة الإلهيّة وغيبتها بمراحلها الثلاث من التجميد والهجرة والاستتار كلّ ذلك وفقاً لظروف استجابة الأُمّة ومدى صلاحيتها للقيام بدور الخلافة الإلهيّة على وجه الأرض.
وكما نُفّذت سُنن القيادة الإلهيّة في الأنبياء السابقين وأوصيائهم نُفّذت بشأن الرسول القائد وأوصيائه المعصومين من5.
بعده، وقد أشرنا إلىٰ تنفيذ سُنّة الهجرة في عصر القيادة النبويّة، بعدما همّت قريش بقتله صلى الله عليه و آله.
وقد استمر تنفيذ السُنن الإلهيّة المتمثّلة في أوصياء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ابتداءً من أمير المؤمنين حتّى خاتمهم الحجّة المنتظر صلوات اللّٰه عليهم أجمعين، وجاء صلح الإمام الحسن وفقاً لهذه السُنن، وبوجه خاص تنفيذاً لسنّة التجميد في القيادة الإلهيّة في مقطع مهم من مقاطع تاريخ هذه الأُمّة.
لقد نفّذت سُنّة التجميد في القيادة الإلهيّة بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله، عندما عصي الرسول وهُجرت وصيّته، ولم يثبت على ميثاق الطاعة والنصرة للقيادة الإلهيّة المُستخلفة بعد رسول اللّٰه، إلّا الأقلّون من صحابة الرسول الأوفياء، فنفّذت سُنّة التجميد واعتزلت القيادة الإلهيّة ساحة التصدّي السياسي، وانحسر نشاطها ضمن دائرة الممكن من النشاط التربوي والتعليمي والتوجيه الثقافي، وأحياناً - وبحدود ما كان يتيسّر لها - تسديد السلطة السياسية بما يعينها على أمرها ضمن دائرة المصالح الإسلامية العامّة.
هذا هو الدور الأوّل من تنفيذ سُنّة التجميد في القيادة الإلهيّة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وقد أشار أميرالمؤمنين إلىٰ ذلك بقوله:
«فنظرت فإذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن
الموت، واغضيت على القذىٰ وشربت على الشجىٰ، وصبرت على أخذ الكَظَم، وعلى أمرّ من طعم العلقم»(1).
وقال عليه السلام:
«أما واللّٰه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وأنّه ليعلم أنّ محلّي منها محل القطب من الرّحىٰ، ينحدر عني السَّيل، ولا يرقىٰ إليَّ الطير، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً. وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقىٰ ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىٰ وفي الحلق شجىٰ أرى تراثي نهباً...»(2).
وحينما رجعت الأُمّة إلىٰ طاعة الرسول بعد مقتل عثمان واجتمعت حول عليّ عليه السلام تعلن له الولاء والطاعة جاء دور سُنّة الحضور والتصدّي للقيادة، فعاد القائد الإلهي ليمارس مهمّته
1) نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، الخطبة 26، ص 89، ط الأعلمي - بيروت.
2) نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، الخطبة 3، ص 51. وقد روى هذه الخطبة كثير من أعلام الحديث والتاريخ مثل ابن عبد ربّه في العقد الفريد، والسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص وغيرهما، راجع للإطلاع على مصادر هذا النّصّ والذي قبله - من غير نهج البلاغة - من كتب الحديث والتاريخ، كتاب مصادر نهج البلاغة وأسانيده، تأليف السيّد عبدالزهراء الخطيب.
القياديّة بعد إعلان الأُمّة طاعتها له واستعدادها لنصرته بالرغم ممّا أصابها من التشويه الثقافي والتربوي والابتعاد عن سنّة العدل التي أقامها الرسول صلى الله عليه و آله ممّا جعلها تضعف عن القيام بواجب النصرة والطاعة وتتخلّف مرّة أُخرىٰ عن القيادة الإلهيّة بعد زمن يسير وقد أشار (صلوات اللّٰه عليه) إلىٰ حضور الأُمّة في ساحة النصرة بعد غيبتها، وما نتج من ذلك من ضرورة استجابة القيادة الإلهيّة لهذا الحضور الجماهيري بقوله:
«أما والذي فَلَق الحبّة وبرأَ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّٰه على العلماء ألّايقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولأسقيت آخرها بكأس أوّلها»(1).
ولكنّ هذا الحضور الجماهيري لم يدم طويلاً، فقد أنتجت البذور المسمومة التي زُرعت بين الأُمّة ثمارها المُرّة، وبدأت القوىٰ المعادية لرسول اللّٰه ولخط القيادة الإلهيّة تتآمر عليها، وحالفها الحظّ في تآمرها هذا حتّى نالت كثيراً من التوفيق، وقد وصف أميرالمؤمنين واقع المجتمع الإسلامي بعد ابتعاده عن سُنّة رسول اللّٰه، وتمكن القوىٰ المعادية للإسلام ولرسوله على احتلال
1) نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، الخطبة 3، ص 56.
كثير من مواقع النفوذ والتأثير فيه، قائلاً:
«أيّها الناس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن كنود، يُعدّ فيه المُحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتواً، لا ننتفع بما علِمنا ولا نسأل عمّا جهلنا ولا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم مَن لا يمنعه الفساد، إلّا مهانة نفسه وكلالة حدّه ونضيض وفره(1)ومنهم المُصلِت لسيفه والمُعلن بشرّه والمُجلب بخيله ورجله، قد أشرط نفسه وأوبق دينة لحطام ينتهزه، او مقنبٍ يقوده أو منبر يفرعه(2)ولبئس المتجر أن ترىٰ الدنيا لنفسك ثمناً، ومما لك عند اللّٰه عوضاً، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولايطلب الآخرة بعمل الدنيا. إليٰأن قال عليه السلام: ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلّىٰ باسم القناعة، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى».
هذه هي الطبيعة العامّة للمجتمع الذي عاصر خلافة أميرالمؤمنين عليه السلام، ثمّ قال صلوات اللّٰه عليه وهو يصف الأقلّية المؤمنة الثابتة على الإيمان:
«وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريدٍ نادٍّ، وخائفٍ مقموع، وساكت مكعوم، وداعٍ مخلص وثكلانٍ موجع»(1).
وقال صلوات اللّٰه عليه في خطبة له أُخرىٰ يصف الناس في عهده:
«أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصُّمَّ الصلاب وفعلكم يُطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، - إلىٰ أن قال صلوات اللّٰه عليه: أصبحت واللّٰه لا أُصدّق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدوّ بكم، ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبّكم؟»(2).
ويمكن معرفة أوضاع المجتمع أيضاً من إحدىٰ خُطب أميرالمؤمنين عليه السلام البليغة وهو يقول:
«فَيا عَجباً! واللّٰه يُميتُ القلب ويجلبُ الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرُّقكم عن حقّكم فقبحاً لكم
وترحاً، حين صِرتم غرضاً يُرمىٰ، يُغارُ عليكم ولا تُغيرون وتُغزَون ولا تَغزُون، ويُعصىٰ اللّٰه وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحرّ، قُلتم: هذه حمّارةُ القيظ أمهلنا يُسبخ عنّا الحرُّ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قُلتم: هذه صَبّارة القُرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كلّ هذا فِراراً من الحرّ والقُرِّ، فإذا كنتم من الحرِّ والقُرِّ تفرُّون فأنتم واللّٰه من السيف أفرُّ، يا أشباه الرّجال ولا رجال! حُلُومُ الأطفال، وعقول ربَّاتِ الحِجال، لوددتُ أنّي لم أرَكم ولم أعرفكم معرفة، واللّٰهِ، جرّت ندماً، وأعقبت سَدَماً. قاتلكم اللّٰه لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتُموني نُغَبَ التَّهمامِ أنفاساً، وأفسدتُم عليَّ رأيي بالعصيانِ والخذلانِ حتّى لقد قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجل شُجاع ولكن لا عِلمَ لَهُ بالحربِ.
للّٰهِ أُبوهُم وهل أحدٌ منهم أشدُّ لها مِراساً وأقدمُ فيها مقاماً منّي؟ لقد نهضتُ فيها وما بلغتُ العشرين، وها أنا ذا قد ذَرَّفتُ على السِّتين ولكن لا رأي لمن لا يُطاعُ»(1)
وقد ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين ج 1 ص 17 والدينوري في الأخبار الطوال ص 211 والبلاذري في أنساب الأشراف ص 442 وغيرهم.
.1) الخطبة 27 من نهج البلاغة شرح الإمام الأكبر الشيخ محمّد عبده، ص 89 منشورات الأعلمي - بيروت.
هذا هو الواقع المرّ الذي كان عليه المجتمع الذي وليه أميرالمؤمنين عليه السلام، ولكن بالرغم من كلّ عوامل الشرّ والفساد التي كانت تخرم جسم ذلك المجتمع، فإنّ القيادة الإلهيّة المتمثّلة بأميرالمؤمنين ظلّت تحافظ على تماسكه النسبي، ودفعه - وإن عسر - نحو القيام بمسؤولياته الكبرىٰ في الدفاع عن العدل، ومواجهة الطُغاة والمجرمين الحاقدين على دين اللّٰه ورسوله.
غير أنّ استشهاد أميرالمؤمنين عليه السلام كانت الضربة القاضية التي تلقتها المجموعة المؤمنة في المجتمع الإسلامي الثابتة على عهدها مع القيادة الإلهيّة حتّى ذلك الحين، كما رفع في نفس الوقت من معنويات الجبهة المعادية لها، وأزاح عن طريقها أعظم ما كانت تواجهه من الموانع التي تحول دون تحقيق طموحها في النزوِ على السلطة والاستيلاء التام على مقاليد الحكم والإمارة في المجتمع الإسلامي آنذاك.
خلت ساحة الصراع عمّن به كانت ترجّح كفّة المؤمنين، الأمير الذي باشر رسول اللّٰه إعداده للقيام بمهمّة القيادة بعده ونصبه بأمر من اللّٰه إماماً على الناس، ذلك الذي عرفه الناس أعظم شريك ومؤازر لرسول اللّٰه في بناء الأُمّة وإقامة الدين، ذلك الصرح الشامخ
الذي لم يسع لأحد من الناس بعد رسول اللّٰه أن يدانيه في سابقة، ولا يضاهيه في مكرمة ولا يماثله في فضيلة من فضائله الجمّة التي عجز عن وصفها المادحون، عند ذلك وهن ما تبقّىٰ من العزيمة في نفوس الأكثرين ممّن زحفوا إلىٰ نصرة القيادة الإلهيّة بعد مقتل عثمان مجدّدين لها البيعة ومعلنين لها الوفاء بالطاعة والنصرة فعادوا معرضين عن نصرة القيادة الإلهيّة المتمثّلة آنذاك في سبط رسول اللّٰه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام خارجين عن طاعتها مؤثرين معصيتها ومخالفتها، وقد جاء في رواية أبي مخنف في وصف حال الناس الذين كانوا مع الإمام الحسن بعد استشهاد أبيه (صلوات اللّٰه عليه):
وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلمّا بلغ جسر منبج تحرّك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدي، يأمر العمّال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثمّ خفّوا ومعه أخلاط الناس بعضهم شيعة له ولأبيه وبعضهم محكّمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلىٰ دين فسار حتّى أتى حمام عمر، ثمّ أخذ إلىٰ دير كعب، فنزل ساباط، دون القنطرة وبات هناك، فلمّا أصبح أراد أن يمتحن أصحابه وليستبرئ أحوالهم في الطاعة له، ليتميّز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على
بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر بهم أن يُنادى بالصلاة جامعة فاجتعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال:
«الحمدللّٰه كلّما حمده حامد وأشهد أن لا إلٰه إلّا اللّٰه كلّما شهد له شاهد، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ وائتمنه على الوحي صلّى اللّٰه عليه وآله.
أما بعد، فوا للّٰه أنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّٰه ومنّه وأنا أنصح خلق اللّٰه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، ألا وأن ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة ألا وأنّي ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردّوا عليّ رأيي غفر اللّٰه لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبّة والرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلىٰ بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال: قالوا: نظنّه واللّٰه يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر واللّٰه الرجل، ثمّ شدّوا على فسطاطه وانتهبوه حتّى أخذوا مصلّاه من تحته، ثمّ شدّ عليه عبدالرحمن بن عبداللّٰه بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقىٰ جالساً متقلّداً السيف بغير رداء ثمّ دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته، ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليَّ ربيعة وهمدان، فدعوا فأطافوا
به ودفعوا الناس عنه عليه السلام وسار ومعه شوب من غيرهم، فلمّا مرّ في مظلم ساباط بَدَرَ إليه رجل من بني أسد يُقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول، وقال: اللّٰه أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثمّ طعنه في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم - إلىٰ أن يقول -: واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلىٰ معاوية بالسمع والطاعة له في السرّ واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوّهم من عسكره أو الفتك به»(1).
يحكي لنا هذ النصّ صورة واضحة عن حالة التمرّد التي عمّت معسكر الإمام، حتّى وجد إمام المسلمين نفسه غريباً بين أهله، قليل النّاصر، غير مطاع، وهي الحالة التي ظهرت بوادرها منذ خلافة أبيه سلام اللّٰه عليهما.
في حالة كهذه لا متسع لمواصلة القيادة الإلهيّة، دورها القيادي فتجري لا محالة سنّة التجميد التي سبق الحديث عنها، ويتحتّم عندئذٍ على القيادة الإلهيّة، اعتزال ساحة التصدّي ريثما تتجدّد في الأُمّة الظروف التي يتمكّن فيها القائد الإلهي من تعبئة الجماهير والقيام بدوره القيادي في مواجهة الطواغيت وعوامل الشرّ والفساد، وإقامة العدل على وجه الأرض.
1) الإرشاد، للمفيد، ص 189-190، ونفس الخبر تجده في تاريخ الطبري.
تقول الرواية: «فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام: بخذلان القوم له، وفساد نيّة المحكّمة فيه بما أظهروه له من السبّ والتكفير له، واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن من غوائله إلّا خاصّته من شيعة أبيه وشيعته وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلىٰ صلحه شروطاً كثيرةً، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم باحتياله بذلك واغتياله غير أنّه لم يجد بدّاً من إجابته إلىٰ ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه ممّا وصفناه من ضعف البصائر في حقّه، والفساد عليه والخلف منهم، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه، وتسليمه إلىٰ خصمه»(1).
وهكذا جرت - مرة أُخرىٰ - سنّة التجميد في القيادة الإلهيّة المتمثّلة في سبط النبيّ الأكبر الإمام الحسن عليه السلام وكانت ثورة الحسين عليه السلام بعد موت معاوية تنفيذاً لسُنّة الحضور من جديد - بعدما أعلنت الجماهير ولاءَها له واستعدادها لطاعته ونصرته، وأقدمت على بيعة سفيره الذي أنفذه إليهم وهو مسلم بن عقيل (رضوان اللّٰه عليه).
1) الإرشاد، للمفيد، ص 191.
سُنّة الاستخلاف
ميثاق النصرة
سُنّة الاستبدال
مواصفات أُمّة الاستبدال
السلطة والحكم
مفهوما السلطة والحكم
خلافة الأُمّة
الخلافة والشهادة
مفهوما العزّ والذلّ - شواهد قرآنية
ثورة الإمام الحسين عليه السلام من منظور سنن القرآن
الأُمّة المستخلفة
الحسين عليه السلام الإمامة المستخلفة
وفاء الإمامة بالعهد
نحن والشعائر الحسينيّة
تحتل السُنن التاريخية موقعاً متميزاً ومساحة واسعة في القرآن الكريم، واختصّت القوانين الاجتماعية التي تحكم تطوّر المجتمع البشري بحصّة كبيرة من آيات الذكر الحكيم.
ونودّ أن نتجنّب التعبير عن هذه الحقائق القرآنية بالنظرية فمصطلح النظرية يُفهم منه أحياناً الحالة الفكرية والاجتماعية التي تعبّر عن رأي إنساني يصيب ويخطئ، وليس الأمر في حقائق القرآن العظيم من هذا القبيل، إلّا أنّ للقرآن الكريم نظرته الشمولية للنظام الاجتماعي، فهناك تفسيرٌ قرآني للمجتمع ولتطوّر التاريخ والأحداث الاجتماعية وبنسقٍ وتكامل فريدين حقّاً. إذ يمكن تفسير كلّ حدث تاريخي على ضوء الموازين والمعايير التي يقدّمها القرآن الكريم.
من السُنن التاريخية التي يؤكّد القرآن الكريم عليها في مواضع عديدة من آياته الشريفة سنّتان تاريخيتان هما:
سُنّة الاستخلاف، وسُنّة الاستبدال، ونُريد في هذه العُجالة تسليط الضوء على ثورة الإمام الحسين عليه السلام من خلال هاتين السُنّتين:
ذكرت آيات القرآن الكريم أنّ اللَّه سبحانه وتعالى جعل آدم خليفة على الأرض، قال تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ(1).
وهنا سؤال لابدّ منه وهو أنّ آدم عليه السلام إذ استحقّ هذه الخلافة هل استحقّها لكونه بشراً، أم لكونه إنساناً صالحاً عادلًا مطيعاً للَّهسبحانه وتعالى؟!
وهذه نقطة جوهرية بالغة الأهمية في تفسير هذه الآية الكريمة فهل أنّ الخلافة الإلهية أُعطيت لآدم لكونه فرداً من البشر، أم أنها أُعطيت له لكونه إنساناً يحمل مواصفات متميزة أهمّها الصلاح والطّاعة للَّهسبحانه. ومن خلال استعراض الآيات القرآنية نفهم أنّ الخلافة أُعطيت لآدم بوصفه إنساناً صالحاً عاملًا بأمر اللَّه ونهيه. يقول عزّ اسمه: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها
1) - البقرة: 30.
عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ (1).
ومن هنا نعرف أنّ سُنّة الاستخلاف تقتضي أن ينتهي الأمر إلىٰ وراثة الصالحين.
وسُنّة الاستخلاف تعني أنه (جلّ وعلا) جعل لنفسه خلفاء يخلفونه على الأرض، يطبّقون أوامره ويجتنبون نواهيه، وهذه بالذات هي فلسفة الخلافة، فحينما يُقال إنّ فلاناً يَخلف فلاناً في أهله، فالخلافة هنا تعني تنفيذ مقاصده فيما يخصّ الأهل، ومعنىٰ أن يخلف اللّٰه سبحانه وتعالى أحدٌ في أرضه.. يعني تنفيذ المقاصد الإلهيّة وتطبيق أوامره سبحانه وتعالى في الأرض.
وليس معنى الخلافة الإلهيّة على الأرض مجرد وجود إنسان عاقل مريد ومختار يريد ويفعل. وبالتأكيد ليست هذه الميزة هي التي جعلت من الإنسان خليفة للّٰه سبحانه وتعالى.
إنّ الميزة التي جعلت من الإنسان خليفة للّٰه سبحانه وتعالى زائداً على كونه إنساناً مختاراً يريد فيفعل، إنّه يريد ما يريده اللّٰه سبحانه وتعالى، تلك الميزة التي أهّلت آدم وجعلته خليفة للّٰه على الأرض.
ومن هنا نفهم أنّ الخلافة الإلهيّة تتضمّن إدارة الأرض والمجتمع وفق ما يريده اللّٰه سبحانه وهذا معناه السلطة والحكم
1) الأنبياء: 105.
والقيادة السياسية. فخليفة اللَّه (سبحانه وتعالى) على الأرض من تُعطى له السلطة، لأنّ السلطة للَّهتعالى وحده وليست لغيره أبداً، فيعطيها لمن ينفّذ إرادته في الأرض، هذه هي الخلافة كما نفهمها من القرآن الكريم.
والخلافة كما- نجد في القرآن الكريم- نوعان: خلافة فردية، وأُخرى جماعية. وهي تبدأ بالفرد الأصلح، وتنتهي بالمجتمع الصالح، أو المجموعة الصالحة، لتصبح المجموعة التي استخلفها اللَّه سبحانه وتعالى على وجه الأرض. فالقائد المزكّى المنصوب من قبل اللَّه والذي يقيم حكم اللَّه سبحانه يُربّي أُمّة، فإذا وُجد المجتمع الذي تربّى على يد القائد الأصلح وجد المجتمع الخليفة الذي يكون خليفة للَّهتعالى أيالمجتمع الذي يطبّق أوامر اللَّه ونواهيه يقول الحقّ تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(1).
سُنّة الاستبدال
وإلى جانب سُنّة الاستخلاف في القرآن الكريم تعرض الآيات5.
1) - الأنعام: 165.
القرآنية الكريمة مفهوماً قرآنياً آخر وهو مفهوم سُنّة الاستبدال.
إنّ للَّهتعالى مع عباده مواثيق عديدة؛ منها ميثاق النصرة وهو ميثاق اللَّه سبحانه وتعالى مع المؤمنين وهم من يمكن التعبير عنهم بالأُمّة الخليفة فلقد أخذ اللَّه سبحانه وتعالى من الأُمّة الخليفة الميثاق والعهد على النصرة يقول عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ- الى قوله تعالى فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(1).
وقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(2).
وميثاق النصرة هو ميثاق اللَّه مع المؤمنين، أن يبذلوا أموالهم وأنفسهم لنصرة دين اللَّه. إنّه ميثاق وعهد بين اللَّه سبحانه وتعالى وبين من يؤمن: أن يبذل المؤمن في سبيل اللَّه كلّ ما يملك بازاء أن يمكّنه اللَّه في الدنيا وأن يعطيه جنّته ورضاه في الآخرة، أن ينصر المؤمن دين اللَّه بماله ونفسه وبكل ما أُوتي وأن ينصره اللَّه ويعطيه جنّته ورضاه، هذا هو ميثاق نصرة الجماعة المؤمنة، أو الأُمّة3.
الخليفة، الأُمّة التي أوكل إليها تطبيق حكم اللَّه على الأرض، فلو وفت الأُمّة الخليفة بميثاقها مع اللَّه فنصرت دين اللَّه وفى اللَّه لها بوعده، يقول تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ(1)
ومكّنها اللَّه في الأرض، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ...(2).
ويجعل اللَّه الجماعة المؤمنة قادة وملوكاً وأعزّة بعزّ اللَّه سبحانه وهو الذي جرى مع الأُمّم السابقة كبني إسرائيل حسبما يقصّ لنا القرآن الكريم من تاريخهم وأحوالهم فقد نصرهم اللَّه إذ نصروه وأهلك عدوّهم وجعلهم ملوكاً وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين.
ثم يُبيّن اللَّه تعالى في قرآنه الكريم كيف أنّ الأُمّة الخليفة إذا نقضت ميثاق النصرة وخانت بعهدها مع اللَّه سبحانه ينفّذ بحقّها قانون آخر، وهو سُنّة الاستبدال، قال تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ(3).8.
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ...(1).
وسُنّة الاستبدال إنّما تجري حينما تنقض الامّة الخليفة ميثاق النصرة مع اللَّه سبحانه وتعالى وقد حكى لنا القرآن الكريم مصير الأُمّة التي نقضت عهدها مع اللَّه كيف استبدل اللَّه عنها بقوم آخرين وكيف أنه سلبها عزّها وسلطانها وكيف تحوّلت الى أُمّة ذليلة مستكينة، قال سبحانه وتعالى حكاية لأحوال بني إسرائيل بعد نقضهم للميثاق: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ...(2).
وقال سبحانه وتعالى: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ(3).1.
ثمّ إنّ الأُمّة المصابة بسُنّة الاستبدال لها مواصفات يحكيها القرآن الكريم منها:
1 - قسوة القلب: وَ جَعَلْنٰا قُلُوبَهُمْ قٰاسِيَةً(1).
2 - تحريف الحقائق الإلهيّة: يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ(2).
3 - الذّلّ: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ(3).
4 - تكذيب الأنبياء والسفراء الإلهيّين: أَ فَكُلَّمٰا جٰاءَكُمْ رَسُولٌ بِمٰا لاٰ تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ(4).
5 - قتل الأنبياء والصالحين: ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كٰانُوا يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلْأَنْبِيٰاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ(5).
6 - أكل المال الحرام: وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ...(6)وقد نهوا عنه.
وغير ذلك من مواصفات الأُمّة المصابة بقانون الاستبدال. ويبدو أن من أهم هذه المواصفات وأشدّها وضوحاً في أحوال الأُمّم المصابة بالاستبدال هي صفتان: صفة قتل الأنبياء والصالحين، وصفة الذّلّ والمسكنة والهوان.
مفهوما السلطة والحكم
يكشف القرآن الكريم حتمية التلازم بين مفهومي الاستخلاف والاستبدال واختصاصهما بالسلطة والحكم، وهنا لابدّ من التوقّف عند مفهومي السلطة والحكم، فماذا تعني السلطة وماذا يعني الحكم، سواءً أكان هذا الحكم إسلامياً، أم ديمقراطياً، أو ديكتاتورياً، أو أيلون آخر من ألوان الحكم؟
حقيقة الحكم هي خضوع إرادة الناس لإرادة عُليا، فهناك إرادة عُليا تخضع لها إرادة الآخرين، والإرادة العُليا هذه هي التي تحدّد إرادة الآخرين وتحدّ من حرياتهم وتوجه إراداتهم. والإرادة العُليا هذه تأمرهم وتنهاهم وتلزم عليهم أُموراً وتمنعهم من أُمور أُخرى، وهذا هو معنى السلطة.
وتأسيساً على التعريف السابق فصاحب السلطة هو ذلك الذي يكون له الحقّ في الأمر والنهي وتوجيه إرادة الآخرين.
خلق اللَّه سبحانه وتعالى بني الإنسان كلّهم سواسية في أنهم
بشر، وهم موجودات لهم إرادة واختيار، فكما ليس لأحد أن يأمرنا وينهانا ليس لنا أن نأمر أو ننهى أحداً، فبنو الإنسان كلّهم سواء ليس لأحد على آخر أيّة ميزة، إنّما الذي له مطلق الحقّ في الأمر والنهي هو اللَّه سبحانه وتعالى وليس غيره إلّا من كان طريقاً الى أمر اللَّه ونهيه وهو من نصبه اللَّه للحكم، ممّن توفّرت فيه شروط الطاعة المطلقة للَّه والخضوع لأمر اللَّه ونهيه، وهذا مفهوم عقيدي جوهري يتجلّى في القرآن الكريم بأأكد بيان وأبلغ تعبير يقول عزّ مَن قائل: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ* وَ رَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ* وَ هُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(1).
والحكم في القرآن يعني السلطة، وحقّ الأمر والنهي كما هو معناه في اللغة من دون حاجة الى التوجيه والتأويل.
ومعنى السلطة هذا نجده في القرآن الكريم وهو يحكي لنا دعاء إبراهيم عليه السلام إذ قال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(2).
كما يحكي لنا القرآن الكريم استجابة الحقّ جلّ وعلا لرسوله3.
إبراهيم قائلًا: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً(1).
لقد بعث اللَّه الرسل لإقامة حكم اللَّه في الأرض. وليس لتبليغ حكم اللَّه فقط، بل لإقامة الحكم الإلهي أيضاً، لتبليغ حكم اللَّه وتنفيذه وحيث إن السلطة المطلقة هي للَّهسبحانه وليست لغيره فهو عزّ شأنه الذي يعيّن في الأرض مَن يمثل سلطته وينفّذها، كما أنه ليس لأيإنسان أن يطيع إنساناً في أمر أو نهي إلّا إذا كان هذا الأمر والنهي متّصلًا باللَّه سبحانه وتعالى عبر إنسان مأذون منه جلّ وعلا لتكون الطاعة للَّهسبحانه وتعالى وهذا مفهوم أساسي وجوهري في القرآن، وهذه هي نظرية الإسلام في الإمامة.
فالسلطة تحتاج الى إذن من الحقّ (عزّ اسمه) وليس لأحد على أحد أية سلطة إلّا إذا كانت هذه السلطة مشتقّة من سلطة اللَّه سبحانه وتعالى مخوّلة من قِبله وهذا ما يحكيه القرآن نصّاً إذ يقول عزّ من قائل: وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ(2).
وهذا هو المعنى اللغوي الدقيق للمُلك الذي تفسّره لنا الآية الأُخرى:7.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ(1).
فالمُلك يعني السلطة واللَّه هو مالك المُلك وهو الذي يؤتيه من يشاء وهو تعالى ينزعه ممّن يشاء.
والخليفة الإلهي هو ذلك الإنسان الصالح الذي يُؤتى المُلك من قِبل اللَّه سبحانه وتعالى، ولذا فآدم عليه السلام هو أوّل من خُلق على وجه الأرض! استخلفه اللَّه ليكون حاكماً على خلقه وهو قائد سياسي خلقه اللَّه ومنحه حقّ التصرّف في هذا الكون، تصرّف الحاكم والملك ليكون صاحب سلطة سياسية على هذه الأرض ولذلك فالذي يفهم من القرآن الكريم أن الحكومة والسياسة ولدتا بولادة الإنسان على هذه الأرض، يقول الحقّ تعالى مشيراً الى هذه النقطة الجوهرية: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ(2).0.
خلافة الأُمّة
إنّ المسيرة التكاملية للخلافة- كما تُفهم من القرآن الكريم- تبدأ بالفرد الأصلح لتنتهي بالمجتمع الصالح أي المجتمع الذي استخلفه اللَّه سبحانه وتعالى على الأرض وهي الأُمّة التي تطبّق حكم اللَّه في الأرض، إنّها الأُمّة الخليفة والمجتمع الخليفة قال تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ...(1).
وقال تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ...(2).
وقال تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ(3).
والخطاب القرآني هنا موجّه الى الأُمّة الخليفة، الى المجتمع الخليفة الذي تربّى على يد القائد المنصوب من قِبل اللَّه تعالى، الى المسلمين الخاضعين لقيادة الرسول صلى الله عليه و آله المطبقين لأمر اللَّه جلّ8.
وعلا، جعلهم الحقّ تعالى شهداء على الناس وخلائف الأرض، أيخلفاء للَّهسبحانه في الأرض، والمجتمع الخليفة، هو ذات المجتمع الصالح التابع لخليفة اللَّه (الإمام الصالح).
الخلافة والشهادة
يقول الحقّ جلّ وعلا: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ...(1).
تُرى ماهي العلاقة بين مفهوم الخلافة ومفهوم الشهادة؟
إنّ العلاقة بين الخلافة والشهادة علاقة تلازمية، فالخلافة تلازم الشهادة على طول الخط، ولكنّ الخلافة تُنسبُ الى اللَّه جلّ وعلا بمعنى الخلافة عن اللَّه، إلّا أن الشهادة تكون على الآخرين، على الناس؛ فالخليفة الصالح هو الإمام، والإمام شاهد على أُمّته وخليفة عن ربّه والأُمّة التي يربّيها هذا الإمام الصالح، أيالأُمّة التابعة للإمام، هذه الأُمّة خليفة عنه سبحانه وتعالى وشاهدة على سائر الأُمم. قال تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ....3.
1) - البقرة 143.
وقال عزّ من قائل: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ...(1).
لقد بيّن اللَّه سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم أنه نفّذ سُنّة الاستخلاف على وجه الأرض على أُمم عديدة منها بنو إسرائيل الذين رشّحهم الحقّ تعالى لخلافته في الأرض، وبتعبير آخر رشّح اللَّه تعالى بني إسرائيل ليكونوا الأُمّة الصالحة التي تطبّق حكم اللَّه أمراً ونهياً باتّباع القائد الإلهي الذي نصبه لهم وهو موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام.
لقد كان موسى القائد الإلهي الأصلح الذي نُصب من قبل اللَّه سبحانه وتعالى، فيما كانت أُمّة موسى عليه السلام بنو إسرائيل، هي الأُمّة التي رشّحت لتطيع القائد وتطبّق حكم اللَّه في الأرض. قال تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ(2).
وهذا التفضيل الذي يشير إليه القرآن الكريم إنّما هو تفضيل بالسلطة، فالقرآن الكريم في آية شريفة أُخرى يحكي كلام7.
موسى عليه السلام لقومه بني إسرائيل قائلًا لهم: يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ(1).
أي جَعَلهم ملوكاً إلهيّين، مُنحوا السلطة الإلهيّة، فأصبحت القيادة والإمامة الإلهيّة في بني إسرائيل استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام قال تعالى: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(2).
فاستجاب اللَّه تعالى لدعاء إبراهيم إذ قال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(3).
فالخلافة والإمامة الإلهيّة أُعطيت لبني إبراهيم ومنهم بنو إسرائيل أيبنو يعقوب ولكن شريطة أن لا يكونوا ظالمين.
والخلافة خلافتان: خلافة الأُمّة، وخلافة الإمام، وهذه هي سُنّة الاستخلاف (التي أُشير إليها بإيجاز) لقد شاءت إرادة الحقّ جلّ وعلا أن تنصب خليفة في الأرض أيإماماً قائداً يحكم، وأن يربّي هذا الإمام القائد الحاكم أُمّة قائدة لغيرها من الأُمم حيث تطبق أمر اللَّه تعالى ونهيه وهذه هي الأُمّة الخليفة. ثم إنّه جلّ وعلا رشّح4.
وعلى مدى التاريخ أُمماً لهذه المسؤولية الكبرى منهم أُمّة بني إسرائيل فمكّنهم من تطبيق الحكم الإلهي تحت لواء القيادة الإلهيّة الكفوءة المتمثّلة في موسى عليه السلام وأخذ من بني إسرائيل العهد والميثاق على أن يطيعوه وينصروه ولا يخذلوه، وهذا هو ميثاق النصرة، وميثاق النصرة هذا هو الذي يبرمه المؤمنون مع اللَّه سبحانه وتعالى بإيمانهم حيث يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ- الى قوله تعالى-: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ(1).
ويقول تعالى: وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(2).
ميثاق النصرة هذا ميثاق اللَّه تعالى مع المؤمنين، أيأنّ هناك تعاملًا وعهداً بين الحقّ تعالى وبين مَن يؤمن به يستلزم أن يبذل المؤمن ماله ونفسه في سبيل اللَّه، أيلنصرة دين اللَّه بماله ونفسه وبكل ما أُوتي وبما يملك، هذا هو ميثاق نصرة الجماعة المؤمنة، أيالأُمّة الخليفة، الأُمّة التي أوكل لها تطبيق حكم اللَّه تعالى في الأرض، يقول أميرالمؤمنين (سلام اللَّه عليه):
«أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر4.
وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يُقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دُنْياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز»(1).
فهو يشير عليه السلام هنا الى ميثاق النصرة من قِبل الناس الذين أعلنوا نصرتهم (وقيام الحجّة بوجود الناصر) فكان من الواجب عليه، الاستجابة لهم وتلبية طلبهم لتقبّل القيام بأعباء هذه المسؤولية الخطيرة وهي الإمامة.
ثم يصوّر لنا القرآن الكريم أروع تصوير عن تخاذل بني إسرائيل وتململهم في نصرة الحقّ واعراضهم عن الانقياد الى القائد السياسي المنصوب من قِبل اللَّه تعالى وهو موسى عليه السلام، يصوّر لنا القرآن العظيم كيف نقض بنو إسرائيل ميثاق النصرة مع اللَّه سبحانه وتعالى حاكياً قول موسى عليه السلام لهم: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا يا0.
1) - نهج البلاغة: الخطبة الثالثة، ص 50.
مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ* قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ(1).
مسلسل التداعي هذا والتخاذل من قِبل بنيإسرائيل وعصيانهم للقائد الإلهي موسى عليه السلام يطلق القرآن الكريم عليه مصطلح نقض الميثاق إذ يقول: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(2).
والقرآن الكريم في سُننه التاريخية يبيّن لنا أنّ الأُمّة الخليفة، والأُمّة القائدة متى ما نقضت ميثاق النصرة مع اللَّه سبحانه وتعالى، نُصرة القائد الأصلح المنصوب من قِبل اللَّه تعالى، فإنّه ينفّذ في حقّها قانون آخر أنّه سُنّة الاستبدال، هذه السُنّة التاريخية الخطيرة التي تحكيها آيات عديدة شريفة من القرآن العظيم منها قوله عزّ من قائل: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ(3).8.
وقوله عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ(1).
لقد نقض بنو إسرائيل ميثاق النصرة مع اللَّه سبحانه وتعالى فحاقت بهم سُنّة الاستبدال وكان الذّلّ والهوان من نصيبهم. فالذّلّ من نتائج سُنّة الاستبدال يقول اللَّه جلّ وعلا حاكياً عن بني إسرائيل: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ(2).
وقال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ(3).
والعزّ والذلّ مفهومان أساسيّان يمكن اعتبارهما من المفاهيم الأساسية التي يبنى عليها تفسير حركة التاريخ والتطور الاجتماعي في تاريخ الإنسان، فبمقدار ما يكون العز من أمارات سلامة2.
الشخصية الاجتماعية واستقامتها يكون الذّلّ دليلًا على فسادها وانحراف صحتها وخوائها. وقد اهتمّ القرآن الكريم بهذين المفهومين كثيراً فأكّد على أنّ من مواصفات المؤمن هو العزّ ولا يمكن للمؤمن أن يكون ذليلًا، قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ(1).
فالشخصية المؤمنة يستحيل أن تصاب بالمرض الذي يفرغها من محتواها ويبدلها الى خواء فارغ، ولا تصاب الشخصية الإنسانية فرداً أو مجتمعاً بالذّلّ إلّا إذا أُفرغت من إيمانها ومليء جوفها نفاقاً وهذا ما تؤكّده الآيات الكريمة في القرآن العظيم إذ يقول تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً(2).
وهكذا أكّد القرآن الكريم على أنّ المنافقين فقدوا العزّ وأُصيبوا بالذّلّ فراحوا يبحثون عن سندٍ لعزٍّ يعتمدونه فلجأوا الى ولاية الكافرين، وخضعوا لهم فلم يزدهم ذلك إلّا ذلًا على ذلهّم.
أما المؤمنون فإنّهم أعزّة لا يذلّون:9.
يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ(1).
أعلون لا يُغلبون يقول تعالى:
«وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(2).
يَغلبون ولا يُغلبون، قال تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ(3).
لا يهنون، ولا يستكينون، ولا يجبنون، ولا يضعفون، ويصمدون في مواقع النزال مع الكفّار، ولا ينهزمون. قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(4).
وقال تعالى: وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلَّا6.
إِيماناً وَ تَسْلِيماً(1).
وهذا هو الذي كان يؤكّد عليه الإمام الحسين عليه السلام كثيراً حيث كان يقول:
موت في عزّ خير من حياة في ذلّ»(2).
وصرّح به يوم عاشوراء (صلوات اللَّه عليه) إذ قال:
«ألا وأن الدّعيّابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منا الذلّة يأبى اللَّه لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأُنوف حميّة ونفوس أبِيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»(3).
الأُمّة المُستخلفة
لقد بشّر الحقّ تعالى الأُمّة (الخليفة)، ووعدها بالعزّ والسؤدد .. فالأُمّة المُستخلفة التي وفت بعهدها مع اللَّه سبحانه وتعالى في النصرة والطاعة للإمام الإلهي ستنال العزّ والغلبة ولا ترى الذّلّ والهوان أبداً. وهذا ما حكاه لنا القرآن الكريم وأكّدته الآيات الكثيرة كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ(4).8.
وقوله عزّ من قائل: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ(1).
ثمّ يؤكد الحقّ تعالى حقيقة الترابط بين الإمامة الإلهية والمُلك الإلهي وبين العزّ في الآية الشريفة: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ(2).
فالمجتمع الصالح الذي استخلفه اللَّه تعالى على الأرض وهو المجتمع الممتثل لأمر اللَّه سبحانه ونهيه، موعود بالمُلك الإلهي المقرون بالعزّ.
أمّا الذلّ فهو قرين الاستبدال، وهو مصير الأُمة الناقضة لميثاق النصرة مع اللَّه سبحانه وتعالى، والناكثة لعهد الطاعة مع الإمام الإلهي، فإنّ اللَّه سبحانه ينزع عنها لباس المُلك والسيادة والعزّ ويحيق بها الهوان والذلّ، وهاتان السُنّتان الإلهيّتان، مستمرّتان على مدى الزمن. فقد استبدل اللَّه تعالى عن بني اسرائيل بأُمّة أُخرى وهي الأُمة الإسلامية وحاق ببني إسرائيل الاستبدال حين نقضوا عهدهم مع اللَّه تعالى، يقول عزّ من قائل:6.
«وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ» (1).
واستبدل اللّٰه عنهم قوماً آخرين، وهم المسلمون، فكانت الأُمّة الإسلامية خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ فأضحت الأُمة الإسلامية الأُمّة المستخلفة بجهادها ووفاءها الأوّل لميثاق النصرة مع اللّٰه سبحانه ورسوله واطاعتها للقائد الإلهي الذي هو خليفة اللّٰه سبحانه وهو الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله.
لقد مَنَّ اللّٰه سبحانه وتعالىٰ على المسلمين وعلى المجتمع الإسلامي بالقيادة الإلهية وهي قيادة الرسول العظيم محمّد صلى الله عليه و آله وكان من أمر الأُمة الإسلامية في عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن وفت في بدء أمرها بالميثاق مع اللّٰه ورسوله وقد وفىٰ اللّٰه لها بوعده فجعلها خير أُمّة أُخرجت للناس فانتصرت على المشركين وكُبِت أعداء الإسلام من اليهود والمشركين الذين كانوا يكيدون للإسلام في أطراف المدينة وأرجاء الجزيرة العربية وأرسل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله رسائل الى ملوك دول المنطقة وحكّامها وبدأت القبائل العربية ترسل وفودها الى رسول صلى الله عليه و آله معلنة إسلامها وأُقيمت دولة الإسلام عزيزة غالبة.
1) البقرة: 61.
غير أنّ هذه الأُمة افتتنت بعد رسول صلى الله عليه و آله كما وعد اللّٰه سبحانه بذلك إذ قال:
«أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ» (1).
وقال تعالى:
«مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلىٰ مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ» (2).
وقد كانت الفتن مريرة وكثيرة نجا منها أُناس قليلون ثبتوا على الحقّ ووفوا للّٰه ورسوله بالعهد والميثاق وهم الذين ثبتوا على طاعة الإمامة الإلهيّة والوفاء لها في كلّ الظروف والأحوال وكان من أبرز مصاديق هذه القلّة الوفية بالعهد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام فقد ثبتوا على العهد حتّى النفس الأخير فقضوا نحبهم مضمّخين بالدّماء أعزّاء قاهرين غير مقهورين. أمّا الأكثرية من الأُمّة فقد قعدت عن نصرة اللّٰه ورسوله ونقضت مثياقها مع اللّٰه سبحانه ولم تستمر في وفائها بعهدها مع اللّٰه سبحانه وتعالى ورسوله وقد تمثّل أوج هذا النقض في قعودها عن نصرة الحسين عليه السلام عندما استنفر الأُمّة بكلّ طاقاتها وإمكاناتها لنصرة دين اللّٰه وتطبيق أحكام اللّٰه سبحانه
وتعالى فتقاعست عن أداء واجب النصرة والوفاء بهذا الميثاق العظيم. فكان أن حلّ بالأُمّة الإسلامية ما حلّ بها حتى استولى على أمرها الظالمون فاستباحوا حريمها وأذاقوها من الذّلّ والهوان ما قلّ نظيره في تاريخ الإنسان حتّى بلغ الأمر بالأُمّة التي كانت في يومها الأوّل عزيزة بطاعتها للقائد الإلهي، أن يستولي على أمرها الفاسقون والطُغاة من أمثال الحجّاج بن يوسف الثقفي وبني مروان ونظرائهم، وآلَ بها الأمر الى أن أصبحت عرضة لنهب الناهبين وسطوة الظالمين وقتل الجبّارين فهجمت عليها أقوام من الشرق تارة فاستباحوا منها كلّ حرمة وهجمت عليها أقوام من الغرب أُخرى فمزّقتها كلّ تمزيق واستمر هذا الإذلال حتّى يومنا هذا حتى أصبحنا - كمسلمين - من أذلّ أقوام الأرض وأهونهم على اللّٰه لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ندفع عنها ضرّاً.
يحكمنا شرارنا ويبالغون في ظلمنا واستباحة أموالنا وهتك أعراضنا ولا نملك أن ندفع عن أنفسنا بشيء ولا نقدر أن نجلب لأنفسنا نفعاً بأن نستثمر طاقاتنا وإمكاناتنا وأموالنا ونحن من أغنى الأُمم في الأرض ثروةً وأكثرها عدداً.
كانت ثورة الحسين عليه السلام تعني فيما تعني، إنّ الإمامة قد وفت
بعهدها مع الحقّ تعالى وأنها نزلت الى ساحة المواجهة بكلّ زخمها وثقلها وما آتاها اللّٰه من إمكانات، وبقي على الأُمة أن تفي بالتزاماتها تجاه اللّٰه سبحانه وتعالى والإمامة الإلهية ممثّلة في الإمام الحسين عليه السلام، إلّا أنّ الأُمّة تقاعست عن أداء واجبها وخذلت إمامها ونقضت العهد والميثاق مع اللّٰه سبحانه فخذلت قائدها الإلهي وهو الحسين عليه السلام، بل واصطفّت الى جانب أعداء اللّٰه سبحانه وأعانتهم على قتل الصالحين وعلى رأسهم سيّدهم وسيّد المؤمنين الحسين بن عليّ عليه السلام، فاستشهد عليه السلام مع أهل بيته وثلّة من أصحابه المخلصين، الذين ثبتوا على العهد ولم ينقضوا ميثاق النصرة مع اللّٰه سبحانه وتعالى.
وبذلك حلّت سُنّة الاستبدال بأُمّة الإسلام واقترن بها الذّلّ والهوان والشقاق والنفاق حتى يومنا الذي نحن فيه.
وما أصابنا نحن المسلمين - والحديث هنا عن الأُمّة ككل وليس الحديث عن الأقليّة فإنّ هناك أقلية وفيّة في كلّ زمن كما كان في عصر الحسين عليه السلام - ما أصاب المسلمين إنّما هو نتيجة قانون الاستبدال الذي يلازمه الذّلّ على مدىٰ الزمن وإذا أردنا أن نعود الى ذلك العزّ لابدّ لنا أن نعود الى الوفاء بالميثاق للّٰه سبحانه وتعالى:
«إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ
حَقًّا فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ وَ اَلْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللّٰهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ» (1).
ليس لنا خيار آخر فلابد أن نعود الى ميثاق نُصرة الإمام، ميثاق نصرة الإسلام، علينا أن ننصر دين اللّٰه فإذا نصرناه أصبحنا حسيّنيين. ثم أن الشعائر التي نُقيمها في عزاء الحسين جيّدة ولكنّها ليست كافية، لماذا نكرّر ياليتنا كنّا معكم أليس في عصرنا اليوم حسين.. إمام مفترض الطاعة؟ بلىٰ انّه صاحب الأمر فلنكن معه.. لنقف عند مسؤولية كلمتنا لقد تكرّر فرعون في يزيد وتكرّر في الحجاج وتكرّر في كلّ أدوار الإسلام، فقد ورث محمّد موسى وورث الحسين محمّداً وورث صاحب الأمر حسيناً، لقد رشّح اللّٰه أُمة موسى لتكون الأُمة الخليفة ورشّح اللّٰه أُمّة الإسلام لتكون الأُمة المُستخلفة. فلو كان هذا الحماس الذي عندنا يصل الى درجة النُصرة كان هو المطلوب، فالحسين عليه السلام كان يحتاج إلىٰ ناصر، ولهذا نجد الحسين عليه السلام ينادي في صحراء كربلاء «هل من ناصر ينصرنا» وهو يعلم أنّه ليس هناك من مُجيب، إنّها الإشارة الى ميثاق النُصرة. لقد أعلن الحسين عليه السلام أنّه يحتاج الى أنصار وما زال يعلن: «هل من ناصر ينصرنا، هل من ذاب يذبّ عن حرم اللّٰه، هل من
1) التوبة: 111.
مغيث يغيثنا..» إنّ هذه هي مشكلة الأُمة، فمشكلة الأُمّة أنّ الإمامة ليس لها ناصر يفي بميثاق النصرة مع اللّٰه سبحانه وتعالى. فانّ بين اللّٰه تعالى وبين المؤمنين ميثاق النصرة كما تؤكّد ذلك الآيات القرآنية الكريمة التي تصف المؤمنين، يقول تعالى:
«فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» (1).
نصروه بميثاق النصرة، فعلينا أن لا ننسى هذا الميثاق.
إنّ بيننا وبين إمام زماننا وولي أمرنا سلام اللّٰه عليه الذي هو حسين العصر ميثاق النصرة، فلو بلغنا الى درجة الوفاء بميثاق النصرة فليس هناك ما يستوجب أن يبقى الإمام سلام اللّٰه عليه غائباً، فلم يخلق اللّٰه سبحانه الإمام ولم ينصبه لكي يغيب عنها، وانّما غيّبه نقضنا لميثاق النصرة، فلو وفينا بميثاق النصرة لانتفىٰ سبب غيبته ولظهر بيننا ومارس قيادته السياسية الظّاهرة. وهذه هي النقطة الأساس في ما علينا بالنسبة للثورة الحسينيّة، وهو أن نَفِيَ للحسين ولرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قبل الحسين عليه السلام ولأمير المؤمنين عليه السلام ولأئمتنا سلام اللّٰه عليهم. أن نَفِيَ لهم جميعاً بميثاق النصرة.
جعلنا اللّٰه سبحانه وتعالى من أنصار أئمتنا ومن أنصار الحسين سلام اللّٰه عليه ومن أنصار ولي أمرنا وصاحب عصرنا إنّه سميع مجيب وصلّى اللّٰه على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
والحمد للّٰه ربّ العالمين.
1) الأعراف: 157.
1 - الأخبار الطوال، أبو حنيفة أحمد بن داوود الدينوري المتوفىٰ (282 ه).
2 - الإرشاد في معرفة حجج اللّٰه على العباد، أبو عبداللّٰه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (المفيد) المتوفى (413 ه).
3 - أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري المتوفىٰ (255 ه).
4 - البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى (279 ه).
5 - تاريخ الأُمم والملوك (تاريخ الطبري)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري المتوفى (310 ه).
6 - تذكرة الخواص، أبو المظفر يوسف بن قزاوغلي بن عبداللّٰه سبط بن الجوزي المتوفى (654 ه).
7 - تفسير مجمع البيان، أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي المتوفى (548 ه) ط. دار المعرفة بيروت.
8 - السنن التاريخية في القرآن، الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر قدس سره، المتوفى (1400 ه).
9 - العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي، المتوفى (328 ه).
10 - الملهوف على قتلى الطفوف، عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس المتوفى (664 ه)، تحقيق الشيخ فارس الحسون الطبعة الأُولى مطبعة أُسوة سنة (1417 ه).
11 - مصادر نهج البلاغة، عبدالزهراء الخطيب (معاصر).
12 - مناقب آل أبي طالب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن عليّ بن شهرآشوب السروي المتوفى (588 ه)، ط في المطبعة الحيدرية (1317 ه) النجف الأشرف.
13 - نهج البلاغة، الإمام عليّ عليه السلام، المستشهد (40 ه) جمعه ورتّبه أبو الحسن محمّد بن موسى الموسوي (الشريف الرضي) المتوفى (406 ه)، شرح محمّد عبده المتوفى (1353 ه)، منشورات الأعلمي، بيروت.
كلمة المجمع 7
سُنن التّاريخ في القرآن 13
مقدّمة النّاشر 15
صلح الحسن وثورة الحسين عليهما السلام قراءة في المنهج 18
صلح الحسن وثورة الحسين عليهما السلام قراءة 22
من سُنن التّاريخ في القرآن 31
1 - سُنن القيادة الإلهيّة في التّاريخ 31
2 - سُنّة المرحلية في غيبة القائد 31
3 - صلح الإمام الحسن عليه السلام على ضوء سنن القيادة الإلهيّة 31
تمهيد 33
1 - سُنن القيادة الإلهية في التّاريخ 33
أوّلاً: سُنّة الإمامة المستمرة 34
ثانياً: الخلافة الإلهيّة تبدأ فردية ثمّ تنتهي جماعية 36
ثالثاً: سُنّة الحضور والتصدّي في القيادة الإلهيّة 40
رابعاً: سُنّة الغيبة في القيادة الإلهيّة 43
2 - سُنّة المرحلية في غيبة القيادة الإلهيّة 56
المرحلة الأُولى: غيبة التجميد 57
المرحلة الثانية: غيبة الهجرة 57
المرحلة الثالثة: غيبة الاستتار 58
المرحلة الرابعة: سنّة الاستبدال 59
3 - صلح الإمام الحسن عليه السلام على ضوء سنن القيادة الإلهيّة 62
من سُنن التاريخ في القرآن الكريم 77
السلطة والحكم 77
ثورة الإمام الحسين عليه السلام من منظور سنن القرآن 77
تمهيد 79
سنّتان تاريخيتان 79
سُنّة الاستخلاف 80
سُنّة الاستبدال 82
مفهوما السلطة والحكم 87
خلافة الأُمّة 91
الخلافة والشهادة 92
الأُمّة المُستخلفة 101
الحسين عليه السلام، الإمامة المُستخلفة 103
وفاء الإمامة بالعهد 105
مصادر الكتاب 109
الفهرس 111