ghaemiyeh.com
سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلیمحمد، 1313 -
عنوان قراردادی : شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام .برگزیده .شرح
عنوان و نام پديدآور : الهادی الی احکامالرهن و ما یلیه فیالشرایع: المفلس والحجر والصلح ...: شرح شرایعالاسلام للمحققالحلی رحمهالله المجلدالثانی والعشرون/ مولف سیدعلیمحمد دستغیبالحسینیالشیرازی.
مشخصات نشر : قم: موسسة الفلاح للنشر، 1437 ق.= 1395.
مشخصات ظاهری : 464 ص.
شابک : 200000 ریال978-600-5645-56-9 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : این کتاب شرحی بر جلد بيست و دوم از کتاب "شرائعالاسلام فیالمسائلالحلال والحرام" تالیف محقق حلی است.
یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس.
عنوان دیگر : شرح شرایعالاسلام للمحققالحلی رحمهالله المجلدالثانی والعشرون.
موضوع : محقق حلی، جعفربن حسن، 602 - 676ق . شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 7ق.
*Islamic law, Ja'fari -- 13th century
رهن (فقه)
Mortgages (Islamic law)
شناسه افزوده : محقق حلی، جعفربنحسن، 602 - 676ق. شرایعالاسلام فی مسائلالحلال والحرام. برگزیده. شرح
رده بندی کنگره : BP182/م3ش402336 1395
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : 4816502
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الهادي
الى أحكام الرهن و ما يليه في الشرائع
المفلّس و الحجر و الصلح و الوديعة و العارية و الوكالة و الهبات
و السبق و الرماية و الاقرار و الجعالة
في شرح شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي قدسسره
المجلّد الثاني و العشرون
المقدّمة ... 23
كتاب الرهن / 25
الفصل الأوّل في الرهن / 25
في اشتراط الايجاب و القبول و القبض ... 27
الفصل الثاني في شرائط الرهن / 33
الفصل الثالث في الحقّ / 37
فرع في عدم جواز الرهن على العين ... 39
الفصل الرابع في الراهن / 41
الفصل الخامس في المرتهن / 43
فيما اذا شرط المرتهن الوكالة في العقد لنفسه أو لغيره ... 44
في أنّ الرهن أمانة في يد المرتهن ... 46
الفرع الأوّل في أنّ الرهن أمانة في يد المرتهن ... 47
الفرع الثاني في تصرّف المرتهن فى المال المرهونة ... 49
الفرع الثالث في استيفاء الدين من الرهن اذا مات الراهن ... 51
فيما اذا وضعا الرهن على يد عدل ... 52
الفرع الأوّل فيما اذا وضعاه على يد عدل ... 53
الفرع الثاني فيما لو باع المرتهن أو العدل الرهن ... 55
الفرع الثالث فيما اذا مات المرتهن ... 56
الفصل السادس في اللواحق / 57
المقصد الأوّل في أحكام متعلّقة بالراهن/ 57
الفرع الأوّل في التصرّف في الرهن ... 58
الفرع الثاني فيما لو وطئ الراهن أمته المرهونة ... 59
الفرع الثالث فيما اذا أذن الراهن للمرتهن في البيع ... 60
المقصد الثاني في أحكام متعلّقة بالرهن / 61
الفرع الأوّل في لزوم الرهن ... 61
الفرع الثاني في أنّه لو انفسخ الرهن يبقى في يد المرتهن أمانة ... 62
فيما لو شرط ان لميؤدّ أنيكون الرهن مبيعا ... 62
الفرع الأوّل في اشتراط كون الرهن مبيعا ان لميؤدّ الدين ... 62
الفرع الثاني فيما لو غصب المال ثمّ رهن المالك من الغاصب ... 63
في ملكيّة ما يحصل من الرهن من فائدة ... 65
فيما لو كان في يده رهنان بدينين متغايرين ... 66
فيما اذا رهن مال غيره باذنه ... 66
فيما اذا رهن النخل ... 67
فيما اذا جنى المرهون ... 68
فيما لو أتلف الرهن متلف ... 70
فيما لو رهن عصيرا فصار خمرا ... 70
فيما لو رهنه بيضة ... 71
المقصد الثالث في النزاع الواقع فيه / 73
فيما اذا رهن مشاعا ... 73
فيما اذا مات المرتهن ... 73
فيما اذا فرّط في الرهن و تلف ... 74
فيما لو اختلفا فيما على الرهن ... 75
فيما لو اختلفا في كونه وديعة أو رهنا ... 77
فيما اذا أذن المرتهن للراهن في البيع و رجع ثمّ اختلفا ... 78
فيما اذا اختلفا فيما يباع به الرهن ... 80
فيما اذا ادّعى رهانة شيء فأنكر الراهن ... 80
فيما لو كان له دينان أحدهما برهن ... 81
كتاب المفلّس / 83
في تعريف المفلس و شروط الحجر ... 83
الفرع الأوّل في تعريف المفلس ... 84
الفرع الثاني في شروط الحجر ... 85
القول في منع التصرّف ... 88
الفرع الأوّل في تصرّفاته بعد الحجر ... 88
الفرع الثاني في الاقرار بعد الحجر ... 90
الفرع الثالث فيما لو اشترى بخيار و فلّس و الخيار باق ... 91
الفرع الرابع فيما لو أقرضه انسان مالاً بعد الحجر أو باعه بثمن فيذمّته ... 91
الفرع الخامس فيما لو أقرّ بمال و جهل السبب ... 92
الفرع السادس في أنّه لاتحلّ الديون المؤجّلة بالحجر و تحلّ بالموت ... 93
القول في اختصاص الغريم بعين ماله ... 95
الفرع الأوّل فيما لو وجد الغريم متاعه بعينه و المفلّس حيّ ... 95
الفرع الثاني فيما اذا مات المديون و وجد الغريم متاعه بعينه ... 96
الفرع الثالث فيما لو وجد بعض المبيع سليما ... 98
فيما لو حصل منه نماء منفصل ... 99
الفرع الأوّل فيما لو حصل للمبيع نماء ... 99
الفرع الثاني فيما لو اشترى حبّا فزرعه أو بيضا فأحضنه و نحو ذلك ... 101
الفرع الثالث فيما لو باع شقصا و فلّس المشتري ... 101
فيمالو فلّس المستأجر ... 102
الفرع الأوّل فيما لو فلّس المستأجر ... 103
الفرع الثاني فيما لو اشترى أرضا فغرس فيها أو بنى ثمّ فلّس ... 104
الفرع الثالث فيما لو اشترى زيتا فخلطه بمثله ... 105
فيما لو عمل عملاً في المبيع و في أحكام السلم ... 106
الفرع الأوّل فيما اذا عمل المفلّس في المتاع عملاً ... 106
الفرع الثاني فيما لو أسلم في متاع ثمّ أفلس المسلم اليه ... 107
في بعض الأحكام المتعلّقة بالمفلس ... 108
الفرع الأوّل فيما لو جني على المفلّس ... 109
الفرع الثاني فيما اذا شهد شاهد للمفلّس بمال ... 110
الفرع الثالث فيما لو مات المفلّس ... 111
الفرع الرابع في انظار المعسر ... 112
القول في قسمة ماله ... 114
الفرع الأوّل في بعض ما يستحبّ عند بيع مال المفلّس ... 115
الفرع الثاني في عدم اجبار المفلّس على بيع داره و ما يحتاج اليه ... 116
الفرع الثالث فيما لو باع الحاكم أو أمينه مال المفلّس ثمّ طلب بزيادة ... 118
فيما اذا قسّم الحاكم مال المفلس ثمّ ظهر غريم ... 118
فيما اذا كان عليه ديون حالّة و مؤجّلة ... 119
فيما اذا جنى عبد المفلس ... 119
في حبس المفلس ... 120
الفرع الأوّل في عدم جواز حبس المديون المعسر ... 121
الفرع الثاني فيما اذا شهدت البيّنة بتلف أمواله أو بالاعسار ... 122
الفرع الثالث فيما اذا لميعلم له أصل مال و ادّعى الاعسار ... 123
كتاب الحجر / 125
الفصل الأوّل في موجباته / 127
في حجر الصغير ... 128
في اعتبار الرشد ... 135
في حجر السفيه ... 138
فرع فيما اذا وكّله أجنبي في معاملة أو أذن له الولي في النكاح ... 140
في تصرّفات المملوك ... 141
الفصل الثاني في أحكام الحجر / 143
في عدم ثبوت حجر المفلس و السفيه الاّ بحكم الحاكم ... 143
فيما اذا حجر عليه فبايعه انسان ... 144
فيما لو فكّ حجره ثمّ عاد مبذّرا ... 146
فيمن له الولاية على مال الطفل و المجنون ... 147
فيما اذا أحرم المحجور بحجّة واجبة ... 147
في انعقاد يمينه اذا حلف ... 148
في جواز عفوه عن القصاص ... 149
في اختبار الصبي قبل بلوغه ... 149
كتاب الصلح / 151
الفرع الأوّل في أنّ عقد الصلح ليس فرعا على غيره ... 152
الفرع الثاني في الصلح مع الاقرار و الانكار ... 153
الفرع الثالث في الصلح اذا أحلّ حراما أو حرّم حلالاً ... 155
الفرع الرابع في الصلح مع علمهما بما وقعت المنازعة فيه و جهلهما ... 156
الفرع الخامس في الايجاب و القبول ... 157
فيما اذا اصطلح الشريكان على أنيكون الربح و الخسران على أحدهما ... 158
في بعض فروع الصلح ... 160
الفرع الأوّل فيما لو كان معهما درهمان فادّعاهما أحدهما و الآخر أحدهما ... 160
الفرع الثاني في اشتباه الثوبين مع اختلاف قيمتهما ... 161
الفرع الثالث فيما اذا بان أحد العوضين مستحقّا ... 163
في صحّة الصلح على عين بعين أو منفعة، و على منفعة بعين أو منفعة ... 164
في بعض الفروع المتعلّقة بالدعوى ... 164
الفرع الأوّل فيما لو ادّعى دارا فأنكر الآخر فصالحه ... 165
الفرع الثاني فيما لو ادّعى اثنان دارا في يد ثالث ... 166
الفرع الثالث فيما لو صالح المدّعى عليه على سقي زرع المدّعي ... 167
الفرع الرابع فيما لو قال المدّعى عليه: صالحني أو بعني ... 168
في أحكام النزاع في الأملاك ... 169
«الأولى»: يجوز اخراج الرواشن و الأجنحة ... 169
«الثانية»: اذا التمس وضع جذوعه على حائط جاره ... 172
«الثالثة»: فيما اذا تداعيا جدارا ... 175
«الرابعة»: لايجوز للشريك في الحائط التصرّف فيه ... 177
«الخامسة»: اذا تنازع صاحب السفل و العلوّ في جدران البيت ... 180
«السادسة»: اذا خرجت أغصان شجرة الى ملك الجار ... 182
«السابعة»: اذا كان لانسان بيوت الخان السفلى و لآخر بيوته العليا ... 183
فيما اذا تنازع راكب الدابّة و قابض لجامها ... 184
كتاب الوديعة / 187
النظر الأوّل في العقد / 187
فرع فيما لو طرح مالاً عنده ... 188
فيما يجب على المستودع ... 190
الفرع الأوّل في وجوب حفظ الوديعة ... 190
الفرع الثاني فيما لو تلفت من غير تعدٍّ أو تفريط أو أخذت منه قهرا ... 191
الفرع الثالث فيما لو كان هو الساعي في أخذها منه قهرا ... 193
الفرع الرابع فيما لو تمكّن من الدفع ... 193
الفرع الخامس فيما لو توقّف دفع الظالم عن الوديعة الى انكارها كاذبا ... 195
في أنّ الوديعة من العقود الجائزة ... 196
في كيفيّة حفظ الوديعة ... 197
الفرع الأوّل في وجوب حفظ الوديعة بما جرت العادة ... 197
الفرع الثاني في حفظ الدابّة المودعة ... 198
الفرع الثالث فيما لو نهى مالك الدابّة عن سقيها و علفها ... 199
فيما لو عيّن له موضع الاحتفاظ ... 200
في وديعة الطفل و المجنون ... 201
فيما اذا ظهر للمودع أمارة الموت ... 203
في وجوب اعادة الوديعة على المودع مع المطالبة ... 204
الفرع الأوّل في وجوب ردّ الوديعة عند المطالبة ... 206
الفرع الثاني فيما اذا كان المودع غاصبا ... 206
الفرع الثالث فيما لو كان الغاصب مزجها بماله ثمّ أودع الجميع ... 207
النظر الثاني في موجبات الضمان / 209
القسم الأوّل في التفريط ... 209
القسم الثاني في التعدّي ... 211
النظرالثالث في اللواحق / 215
في السفر بالوديعة ... 215
في أنّه لايبرأ المودع الاّ بردّها الى المالك أو وكيله ... 216
فيما لو قدر على الحاكم فدفعها الى الثقة ... 216
فيما اذا أراد السفر فدفنها ... 216
فيما اذا أعاد الوديعة بعد التفريط الى الحرز ... 217
في انكار الوديعة أو دعوى تلفها أو ردّها ... 218
فرع فيما لو أمر المودع المستودع بدفع الوديعة الى غير المالك ... 219
فيما اذا ادّعى التلف بعد ما أقام المالك البيّنة على الوديعة ... 220
فيما اذا عيّن له حرزا بعيدا عنه ... 222
فيما اذا اعترف بالوديعة ثمّ مات و جهلت عينها ... 222
فيما اذا كان في يده وديعة فادّعاها اثنان ... 224
فيما اذا فرّط و اختلفا في القيمة ... 225
فيما اذا مات المودع ... 226
في ذكر بعض المسائل المتعلّقة بالوديعة ... 226
كتاب العارية / 229
الفصل الأوّل في المعير / 231
الفصل الثاني في المستعير / 233
الفرع الأوّل في أنّ المستعير أمين ... 233
الفرع الثاني في كيفيّة انتفاع المستعير من المعار به ... 234
في استعارة المحرم الصيد ... 235
فيما لو استعاره من الغاصب و هو لايعلم ... 237
الفصل الثالث في العين المعارة / 239
في صحّة الاعارة مطلقا و مدّة معيّنة ... 241
فيما لو أعاره أرضا للدفن ... 242
في دخول الأرض للمعير و المستعير ... 242
فيما لو أعاره حائطا لطرح خشبة فطالبه بازالتها ... 243
فيما لو أذن له في غرس شجرة فانقلعت ... 244
في اعارة العين المستعارة ... 245
الفصل الرابع في الأحكام المتعلّقة بها / 247
في أنّ العارية أمانة ... 247
في براءة الذمّة بردّ العارية الى المالك أو وكيله ... 248
في جواز بيع المستعير غروسه و أبنيته ... 249
فيما اذا حملت الأهوية أو السيول حبّا الى ملك انسان فنبت ... 249
فيما لو نقصت بالاستعمال ثمّ تلفت ... 252
فيما اذا قال الراكب: «أعرتنيها»: و قال المالك: «آجرتكها» ... 253
فيما اذا استعار شيئا لينتفع به في شيء فانتفع به في غيره ... 254
فيما اذا جحد العارية ... 254
فيما اذا ادّعى التلف ... 255
فيما لو فرّط في العارية ... 255
كتاب الوكالة /257
الفصل الأوّل في العقد / 259
فرع في اشتراط تنجيز عقد الوكالة ... 261
في أنّها من العقود الجائزة ... 262
في بطلان الوكالة بالموت و الجنون و الاغماء ... 264
في ذكر بعض مسائل الوكالة ... 266
الفرع الأوّل فيما يقتضيه اطلاق الوكالة ... 267
الفرع الثاني في اختلاف الوكيل و المالك في الثمن ... 268
الفرع الثالث فيما لو تصادق الوكيل و المشتري على الثمن فتلفتالعين ... 269
في أنّ اطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع ... 269
فرع في أنّ للوكيل أنيردّ بالعيب ... 271
الفصل الثاني في ما لاتصحّ فيه النيابة و ما تصحّ فيه / 273
فيما لو وكّل على كلّ قليل و كثير ... 276
الفصل الثالث في الموكّل / 279
الفرع الأوّل فيما يشترط في الوكيل و الموكّل ... 280
الفرع الثاني في التوكيل في الطلاق ... 282
الفرع الثالث فيما لو قال الموكّل: «اصنع ما شئت» ... 283
الفرع الرابع فيما يستحبّ و يكره في الوكالة ... 284
الفصل الرابع في الوكيل / 285
في صور وكالة الذمّي عن المسلم و بالعكس ... 287
في اقتصار الوكيل على ما أذن له فيه ... 288
في وقوع الشراء عن الموكّل اذا ابتاع الوكيل ... 290
في حكم كلّ موضع يبطل الشراء للموكّل ... 291
فيما لو وكّل اثنين ... 294
فيما لو وكّل زوجته ثمّ طلّقها ... 294
فيما اذا وكّل انسانا في الحكومة ... 295
فيما لو قال: «وكّلتك في قبض حقّي من فلان» فمات ... 296
الفصل الخامس في ما به تثبت الوكالة / 299
الفرع الأوّل فيما تثبت به الوكالة ... 300
الفرع الثاني فيما لو اختلف الشاهدان على الوكالة ... 301
الفرع الثالث فيما لو اختلفا في لفظ العقد ... 302
فيما لو ادّعى الوكالة عن غائب في قبض ماله ... 302
الفرع الأوّل فيما لو ادّعى الوكالة عن غائب في قبض ماله و كان عينا ... 303
الفرع الثاني فيما لو ادّعى الوكالة عن غائب في قبض ماله و كان دينا ... 304
الفصل السادس في اللواحق / 307
في أنّ الوكيل أمين ... 307
فيما لو أذن لوكيله أنيوكّل ... 308
في أنّ على الوكيل تسليم ما في يده الى الموكّل مع المطالبة ... 308
في جواز الامتناع عن التسليم حتّى يشهد صاحب الحقّ ... 309
فيما اذا لميشهد الوكيل في الايداع على الودعي ... 310
فيما اذا تعدّى الوكيل في مال الموكّل ... 312
فيما اذا أذن الموكّل لوكيله في بيع ماله من نفسه ... 313
الفصل السابع في التنازع / 317
فيما اذا اختلفا في الوكالة ... 317
فيما اذا اختلفا في دفع المال ... 318
الفرع الأوّل فيما اذا اختلفا في دفع المال الى الموكّل ... 319
الفرع الثاني فيما اذا اختلف الوصي و الموصى له، أو الأولياء و المولّىعليهم ... 319
فيما اذا ادّعى الوكيل التصرّف و أنكر الموكّل ... 320
فيما اذا اشترى انسان سلعة و ادّعى الوكالة لانسان فأنكر ... 321
فيما اذا زوّجه امرأة فأنكر الوكالة ... 322
فيما اذا وكّله في ابتياع عبد فاختلفا في الثمن ... 323
في أنّ البائع بالخيار في مطالبة الوكيل و الموكّل ... 323
فيما اذا طالب الوكيل فقال الذي عليه الحقّ: «لاتستحقّ المطالبة» ... 324
في قبول شهادة الوكيل لموكّله فيما لا ولاية له فيه ... 235
فيما لو وكّله بقبض دينه من غريم و ما لو أمره ببيع سلعة ... 326
الفرع الأوّل فيما لو وكّله بقبض دينه من غريم ... 326
الفرع الثاني فيما لو أمره ببيع سلعة و تسليمها و قبض ثمنها ... 327
كتاب الهبات / 329
النظر الأوّل في الحقيقة / 329
الفرع الأوّل في تعريف الهبة ... 330
الفرع الثاني في التعبير عن الهبة بالنحلة و العطيّة ... 330
الفرع الثالث في احتياج الهبة الى الايجاب و القبول ... 331
فيما يعتبر في العاقد ... 332
فيما لو وهب ما في الذمّة ... 333
في أنّه لا حكم للهبة ما لمتقبض ... 334
الفرع الأوّل في شرطيّة القبض في الهبة ... 335
الفرع الثاني فيما لو مات الواهب أو الموهوب له ... 337
الفرع الثالث فيما لو أقرّ الواهب بالهبة و الاقباض ... 338
في اشتراط اذن الواهب في صحّة القبض ... 338
في جواز هبة المشاع ... 340
فيما لو وهب لاثنين شيئا ... 342
الفرع الأوّل فيما لو وهب شيئين أو شيئا واحدا لاثنين ... 342
الفرع الثاني في جواز تفضيل بعض الولد على بعض ... 342
في حكم الهبة اذا كانت لذي رحم ... 344
الفرع الأوّل في الرجوع في الهبة اذا كانت لذي رحم ... 344
الفرع الثاني في الرجوع في الهبة اذا كانت للزوج أوالزوجة ... 346
الفرع الثالث في الرجوع في الهبة اذا كان الموهوب له أجنبيّا ... 347
الفرع الرابع في أنّ التصرّف الناقل أو المغيّر للعين ملحق بالتلف ... 348
في استحباب العطيّة لذوي الرحم ... 349
النظر الثاني في حكم الهبات / 353
فيما اذا تراخى القبض عن العقد ثمّ أقبض ... 355
فيما لو قال: «وهبت و لمأقبضه» ... 356
فيما اذا رجع في الهبة و قد عابت ... 357
فيما اذا وهب و أطلق ... 357
فيما اذا صبغ الموهوب له الثوب ... 360
فيما اذا وهب في مرضه المخوف و برأ ... 361
كتاب السبق و الرماية / 363
الفصل الأوّل في الألفاظ المستعملة فيه / 367
في أنواع السهم ... 369
الفصل الثاني فيما يسابق به / 371
الفصل الثالث في عقد المسابقة و الرماية / 373
الفرع الأوّل في أنّ السبق عقد برأسه ... 373
الفرع الثاني في جواز كون العوض عينا أو دينا ... 375
الفرع الثالث في جواز بذل السبق من غير المتسابقين ... 376
في شروط المسابقة ... 377
الفصل الرابع في أحكام النضال / 379
فيما لو قال أجنبي لخمسة: «من سبق فله خمسة» فتساووا ... 379
فيما لو كانا اثنين و أخرج كلّ واحد منهما سبقا و أدخلا محلّلاً ... 380
فيما اذا شرطا المبادرة و الرشق عشرين و الاصابة خمسة ... 381
في ملك الناضل العوض اذا تمّ النضال ... 384
فيما اذا فسد عقد السبق ... 384
فيما اذا فضل أحدهما الآخر في الاصابة ... 385
كتاب الاقرار / 387
النظر الأوّل في الصيغة / 387
المقصد الأوّل في الصيغة الصريحة / 387
الفرع الأوّل في تعريف الاقرار ... 388
الفرع الثاني في دليل شرعيّة الاقرار ... 389
الفرع الثالث في صيغة الاقرار ... 390
الفرع الرابع فيما لو قال: «ان شهد لك شاهدان فهما صادقان» ... 391
في انصراف اطلاق الاقرار بالموزون الى ميزان البلد ... 392
فيما لو أقرّ لميّت بمال ... 396
في ذكر بعض الفروع ممّا يختلف فيه ... 396
الفرع الأوّل فيما لو قال: له عليّ ألف اذا جاء رأس الشهر ... 397
الفرع الثاني فيما لو قال المالك: بعتك أباك ... 397
الفرع الثالث فيما لو قال: ملكت هذه الدار من فلان ... 398
الفرع الرابع فيما لو قال: كان لفلان عليّ ألف ... 398
المقصد الثاني في المبهمة / 399
المقصد الثالث في الاقرار المستفاد من الجواب / 410
المقصد الرابع في صيغ الاستثناء / 412
النظر الثاني في المقرّ / 417
النظر الثالث في المقرّ له / 421
النظر الرابع في اللواحق / 425
المقصد الأوّل في تعقيب الاقرار بالاقرار / 425
المقصد الثاني في تعقيب الاقرار بما يقتضي ظاهره الابطال / 429
المقصد الثالث في الاقرار بالنسب / 433
فيما اذا أقرّ بولد صغير ... 435
فيما اذا أقرّ ولد الميّت بولد له آخر ... 436
فيما لو كان للميّت اخوة و زوجة فأقرّت له بولد ... 437
فيما اذا مات صبي مجهول النسب فأقرّ انسان ببنوّته ... 437
في عدم ثبوت النسب الاّ بشهادة رجلين عدلين ... 441
فيما لو أقرّ بوارثين أولى منه ... 442
فيما لو أقرّ بزوج للميّتة ... 443
كتاب الجعالة / 445
النظر الأوّل في الايجاب / 449
فيما يعتبر في الجاعل ... 451
في أنّ الجعالة لازمة أو جائزة؟ ... 453
النظر الثاني في الأحكام / 455
في عدم استحقاق الأجرة قبل بذل الجاعل ... 455
في حكم الجعل مع التعيين و عدمه ... 456
فيما اذا قال: «من ردّ عبدي فله دينار» ... 457
فيما لو جعل لكلّ واحد جعلاً ... 457
فيما لو جعل لواحد جعل على الردّ فشاركه آخر ... 459
فيمالو جعل معيّنا على ردّه من مسافة معيّنة فردّه من بعضها ... 459
النظر الثالث في اللواحق / 461
في مسائل التنازع ... 461
مقدّمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين
أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلىاللهعليهوآله و أوصيائه عليهمالسلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.
و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهمالسلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أنتكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلىاللهعليهوآله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيهاللّه العظمى الامام الخميني قدسسره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ
للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهمالسلام أنيصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.
و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان اشتغلت قبل حوالي خمس و عشرين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و لمّا لميشتمل كتاب العروة على جميع أبواب الفقه واصلنا دراستنا في بيان الأبواب التي لاتوجد في العروة بشرحها من سائر الكتب لعلمائنا الأعلام.
و الذي بين يديك هو الهادي الى أحكام الرهن و ما يليه في شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي قدسسرهو يشتمل على شرح كتاب الرهن و المفلّس و الحجر و الصلح و الوديعة و العارية و الوكالة و الهبات و السبق و الرماية و الاقرار و الجعالة.
فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيهاللّه العظمى الشيخ حسنعلي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ربيع الثاني 1437
و النظر فيه يستدعي فصولاً:
و هو وثيقة لدين المرتهن.
قال في المسالك: «الرهن - لغة - الثبوت و الدوام، يقال: «رهن الشيء»، اذا ثبت و دام، و منه نعمة راهنة. و يطلق على الحبس بأيّ سبب كان، قال اللّه تعالى: «كلّ نفس بما كسبت رهينة»(1)أي محبوسة بما كسبته من خير و شرّ. و أخذ الرهن الشرعي من هذا المعنى أنسب، ان افتقر الى المناسبة؛ من حيث انّ الرهن يقتضي حبس العين عن مالكها ليستوفي الدين.
و عرّفه المصنّف - شرعا - بأنّه وثيقة لدين المرتهن، و الوثيقة فعيلة قد يكونبمعنى الفاعل و المفعول. و الأنسب هنا الثاني؛ لأنّ الرهن موثوق به. و اللام في
1) - المدّثّر 74: 38.
«لدين» تعليليّة، أي لأجله. و يمكن كونها للتعدية.
هذا، و في التعريف نظر من وجوه».(1)
و في الجواهر - بعد ذكر كلام المسالك و الاشارة الى مناقشاته في تعريف المصنّف و الجواب عنها بالاختصار - قال: «فلاينبغي الالتفات الى هذه المناقشات بعد أنكان الرهن باقيا على معناه اللغوي، و انّما اعتبر الشارع فيه شرائط للصحيح منه، فهو حينئذ هنا حبس العين باللفظ المخصوص، أو الانحباس، أو اللفظ الدالّ على ذلك على حسب ما سمعته في البيع، لا نفس الوثيقة التي هي معنى اسمي له، خارج عمّا نحن فيه من البحث عن العقود.
و لا اشكال في ثبوت الرهن في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعلّه من ضروريّات المذهب أو الدين».(2)
و في مجمع البحرين: «قوله تعالى: «فرهان مقبوضة»(3)هي جمع رهن كسهم و سهام، و هي في اللغة الثبات و الدوام و منه «نعمة راهنة»، و في عرف الفقهاء وثيقة لدين المرتهن. يقال: «رهنت الشيء عنده رهنا و رهنته الشيء و أرهنته الشيء بمعنى، و أنكر الأصمعي الثاني.
قوله تعالى: «كلّ امرئ بما كسب رهين»(4)أي محبوس بعمله. و في الحديث: «و أنفسكم مرهونة بأعمالكم».».
فالرهن كما عرفت في الجواهر هو بمعناه اللغوي و انّما اعتبر الشارع فيهشرائط للرهن الشرعي.
و يفتقر الى الايجاب و القبول. و الايجاب كلّ لفظ دلّ على الارتهان، كقوله: «رهنتك»، أو «هذه وثيقة عندك»، أو ما أدّى هذا المعنى. و لو عجز عن النطق كفت الاشارة. و لو كتب بيده و الحال هذه و عرف ذلك من قصده جاز. و القبول هو الرضا بذلك الايجاب. و يصحّ الارتهان سفرا و حضرا.
يفتقر الرهن كسائر العقود الى الايجاب و القبول و الايجاب كلّ لفظ دلّ على الارتهان كقوله: «رهنتك»، و لايلزم أنيكون باللغة العربيّة، بل يصحّ بكلّ لغة ممّا يؤدّي الارتهان. و لو عجز عن النطق كفت الاشارة و يجوز أنيكتب بيده بعنوان الاشارة اذا عرف من قصده. و القبول هو الرضا بذلك الايجاب.
و الظاهر أنّ المعاطاة جارية في هذا العقد كما تجري في مثل عقد البيع. و يصحّ الارتهان سفرا و حضرا.
و في الجواهر: «يمكن دعوى السيرة بجريان المعاطاة هنا أيضا كالبيع».(1)و ان كان قد أشكل فيه بعد ذلك.
ثمّ انّ الرهن لازم من قبل الراهن؛ لأنّه يتعلّق بحقّ غيره فيجوز أنيعتبر في حقّه ما لايعتبر في حقّ المرتهن من حيث انّه من قبله جائز؛ لأنّه يتعلّق بحقّه فيكفي فيه ما يكفي في العقود الجائزة المحضة.
و هل القبض شرط فيه؟ قيل: «لا»، و قيل: «نعم»، و هو الأصحّ. و لو قبضه من غير اذن الراهن لمينعقد، و كذا لو أذن في قبضه ثمّ رجع قبل قبضه، و كذالو نطق بالعقد ثمّ جنّ أو أغمي عليه أو مات قبل القبض.
1) - جواهر الكلام 25: 95.
و ليس استدامة القبض شرطا فلو عاد الى الراهن أو تصرّف فيه لميخرج عن الرهانة. و لو رهن ما هو في يد المرتهن لزم و لو كان غصبا؛ لتحقّق القبض. و لو رهن ما هو غائب لميصر رهنا حتّى يحضر المرتهن أو القائم مقامه عند الرهن و يقبضه. و لو أقرّ الراهن بالاقباض قضي عليه اذا لميعلم كذبه. و لو رجع لميقبل رجوعه. و تسمع دعواه لو ادّعى المواطاة على الاشهاد و يتوجّه اليمين على المرتهن على الأشبه. و لايجوز تسليم المشاع الاّ برضا شريكه سواء كان ممّا ينقل أو لاينقل على الأشبه.
يشترط القبض في الرهن؛ لقوله تعالى: «فرهان مقبوضة»(1)، و موثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لا رهن الاّ مقبوضا».(2)
و مرسلة محمّد بن عيسى عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«لا رهن الاّ مقبوض».(3)
و في الجواهر: «انّ الأقوال في المسألة ثلاثة: الأوّل: عدم مدخليّة القبض في الصحّة و اللزوم، و هو خيرة الخلاف و السرائر و غيرهما.
الثاني: توقّف الصحّة عليه و هو ظاهر المقنعة و النهاية و الوسيلة و غيرهم، بل هو صريح المحكي عن الطبرسي.
و الثالث: توقّف اللزوم عليه دون الصحّة، و هو خيرة المقنعة».(4)
و ذهب المحقّق الهمداني في كتاب مصباح الفقيه الى أنّ القبض شرط في صحّة الرهن و استشهد بموثّقة محمّد بن قيس المتقدّمة فقال: «ظهورها في اعتبار القبض في ماهيّة الرهن غير قابل للانكار، و بعد تعذّر ارادة معناه الحقيقي ان قلنا: «انّ القبض ليس شرطا في تحقّق المفهوم عرفا»، فليحمل على نفي الصحّة و عدم ترتّب الأثر؛ لكونه أقرب المجازات من غيره، كنفي الكمال و نفي اللزوم مثلاً».(1)
و في المهذّب: «قد أشكل على دلالة الآية أوّلاً بأنّها ارشاد الى ما هو واقع في الخارج لا أنتكون في مقام التشريع. و ثانيا: انّ ذلك في سياق الشهادة فهي قرينة على أنّه من المندوبات لا من الوضعيّات. و فيه: انّ المنساق من الآيات الواردة في بيان الأحكام أنتكون تشريعيّة لا ارشاديّة الاّ مع قرينة معتبرة عليه، و على فرض أنتكون ارشاديّا فهي ارشاد الى الصحيح عند الناس في رهونهم و وثائقهم، و مقتضى مرتكزاتهم اعتبار القبض و تسلّط المرتهن عليها».(2)
و لو قبضه من غير اذن الراهن لمينعقد الرهن و لميصحّ؛ لكونه قبضا غير مأذون فيه أو منهيّا عنه. و كذا لو أذن في قبضه ثمّ رجع باذنه قبل قبضه؛ اذ هو كغير المأذون فيه. و كذا لايصحّ الرهن لو نطق بالعقد ثمّ جنّ أو أغمي عليه أو مات قبل القبض.
و لو كان في يده شيء وديعة أو عارية أو غصبا فأوقعا عقد الرهن عليه كفى و لايحتاج الى قبض جديد؛ لأنّ كلّ ذلك قبض عرفا فيشمله اطلاق أدلّة اعتبار القبض؛ لوجود المقتضي و فقد المانع. و هكذا يكون الحكم بالنسبة الى الغصب
فيصدق القبض بعد العقد فيه أيضا؛ لتبديل اتّصافه بالغصبيّة الى الاتّصافبالرهنيّة.
ثمّ انّه يعتبر القبض في الابتداء و لايعتبر استدامته بناءً على استفادة كفاية صرف وجود القبض من العمومات و الاطلاقات، و الظاهر عدم الخلاف فيه و عليه فلو قبضه المرتهن ثمّ صار في يد الراهن و غيره باذن الراهن أو بدونه لميضرّ و لميطرأه البطلان. نعم، للمرتهن استحقاق ادامة القبض و كونه تحت يده؛ لأنّه وثيقة للدين و لا معنى له الاّ هذا الذي ذكر، فلايجوز انتزاعه منه الاّ اذا شرط في العقد كونه بيد الراهن أو يد ثالث.
و لو رهن ما هو غائب لميصر رهنا حتّى يحضر المرتهن أو القائم مقامه عند الرهن و يقبضه. و اعتبار حضور المرتهن عنده أو من يقوم مقامه ظاهر ان كان الرهن منقولاً؛ لأنّ المعتبر في قبضه نقله أو اعتباره بالكيل أو الوزن ان كان ممّا يدخله ذلك. و أمّا لو كان غير منقول فانّه يكفي فيه التخلية، ثمّ ان لميطلق عليه اسم القبض بها فلا بدّ من وصول المرتهن أو وكيله الى موضع الرهن ليتصوّر قبضه عادة؛ لأنّ المعتبر كونه تحت يده و مع البعد عادة قد يمتنع ذلك.
و لو أقرّ الراهن بالاقباض قضي عليه اذا لميعلم كذبه. فلو قال ما هو محال عادة لايلتفت اليه.
و لو رجع الراهن عن اقراره بالاقباض حيث يمكن لميقبل رجوعه و يحكم عليه به و لاتسمع دعواه بحيث يتوجّه له على المرتهن اليمين. نعم، لو ادّعى الغلط في اقراره و أظهر تأويلاً ممكنا في حقّه سمعت دعواه بمعنى توجّه اليمين على المرتهن بأنّ القبض حقيقي، أو على نفي ما يدّعيه الراهن؛ لأنّ الأصل صحّة الاقرار و مطابقته للواقع. و لايخفى أنّ سماع دعواه انّما يتمّ لو شهد الشاهدان على
اقراره، أمّا لو شهدا على نفس الاقباض و فعله لمتسمع دعواه و لميثبت على المرتهن اليمين. و كذا لو شهدا على اقراره به فأنكر الاقرار لميلتفت اليه؛ لأنّهتكذيب للشهود.
ثمّ انّه لايجوز تسليم المشاع الاّ برضا شريكه و هذا بالنسبة الى المنقول لا خلاف فيه؛ لاستلزامه التصرّف في مال الغير فلايصحّ الاّ باذنه. و أمّا فيما لاينقل
فالظاهر أيضا كذلك و ان كان فيه خلاف.
ثمّ على تقدير عدم الجواز في الصورتين لو قبضه بدون اذن الشريك و فعل محرّما فالأصحّ أنّه لايتمّ القبض؛ للنهي عنه كما لو قبضه المرتهن بدون اذن الراهن. و خالف فيه الشهيد الثاني(1)بأنّ النهي انّما هو لحقّ الشريك فقط؛ للاذن في قبض حقّ الراهن.
1) - مسالك الأفهام 4: 19.
و من شرائطه أنيكون عينا مملوكا يمكن قبضه و يصحّ بيعه، سواء كان مشاعا أو منفردا. فلو رهن دينا لمينعقد. و كذا لو رهن منفعة كسكنى الدار و خدمة العبد. و في رهن المدبّر تردّد و الوجه أنّ رهن رقبته ابطال لتدبيره، أمّا لو صرّح برهن خدمته مع بقاء التدبير، قيل: «يصحّ؛ التفاتا الى الرواية المتضمّنة جواز بيع خدمته»، و قيل: «لا؛ لتعذّر بيع المنفعة منفردة»، و هو أشبه. و لو رهن ما لايملك لميمض و وقف على اجازة المالك. و كذا لو رهن ما يملك و ما لايملك مضى في ملكه و وقف في حصّة شريكه على اجازته. و لو رهن المسلم خمرا لميصحّ و لو كان عند ذمّي، و لو رهنها الذمّي عند مسلم لميصحّ أيضا و لو وضعها على يد ذمّي على الأشبه.
و لو رهن أرض الخراج لميصحّ؛ لأنّها لمتتعيّن لواحد. نعم، يصحّ رهن ما بها من أبنية و آلات و شجر. و لو رهن ما لايصحّ اقباضه كالطير في الهواء و السمك في الماء لميصحّ رهنه، و كذا لو كان ممّا يصحّ اقباضه و لميسلّمه. و كذا لو رهن عند الكافر عبدا مسلما أو مصحفا، و قيل: «يصحّ و يوضع
على يد مسلم»، و هو أولى، و لو رهن وقفا لميصحّ.
و يصحّ الرهن في زمان الخيار سواء كان للبائع أو للمشتري أو لهما؛ لانتقال المبيع بنفس العقد على الأشبه. و يصحّ رهن العبد المرتدّ و لو كان عن فطرة و الجاني خطأ، و في العمد تردّد و الأشبه الجواز.
و لو رهن ما يسرع اليه الفساد قبل الأجل فان شرط بيعه جاز و الاّ بطل، و قيل: «يصحّ و يجبر مالكه على بيعه».
يشترط في الرهن أمور:
الأوّل: أنيكون عينا مملوكا؛ لأنّ الرهن كما تقدّم يكون وثيقة للدين ليكون مفيدا للدائن ان امتنع المديون عن الأداء، فلو رهن دينا لمينعقد؛ لعدم استفادته للدائن.
و لايصحّ رهن منفعة الدار و خدمة العبد لعدم امكان القبض في المنفعة و هو شرط، و عدم امكان المطلوب منهما؛ فانّ المطلوب من الرهن أنّه متى تعذّر استيفاء الدين استوفى من الرهن.
و في رهن المدبّر تردّد فان قلنا بأنّ رهنه ابطال لتدبيره فيصحّ الرهن كما ذهب اليه المصنّف. و لو صرّح برهن خدمته مع بقاء التدبير فالأشبه عدم الصحّة لما تقدّم من عدم صحّة رهن المنفعة.
و يشترط أنيكون ملكا للراهن فلو رهن ملك الغير يتوقّف صحّته على اجازة المالك بحيث لو امتنع المديون يكون للمرتهن بيعه و أخذ دينه و يصير الراهن مديونا لقيمة الملك المذكور.
و كذا لو رهن ما يملك و ما لايملك مضى في ملكه و وقف في حصّة الشريك على اجازته.
الثاني: قابليّته للملكيّة فحينئذ لو رهن المسلم خمرا أو خنزيرا أو نحوهما ممّا لايملكه المسلم لميصحّ و لو كان عند ذمّي؛ لعدم ملكيّة الراهن لها و عدم سلطنته على بيعها و وفاء دينه منها بلاخلاف - كما في الجواهر(1)- و كذا لو رهن الخمر أو الخنزير عند المسلم لميصحّ أيضا و ان وضعها على يد ذمّي.
و أمّا لو رهن أرض الخراج - أي الأراضي المفتوحة عنوة و التي صالح الامام أهلها على أنتكون ملكا للمسلمين و ضرب عليهم الخراج - لميصحّ نعم، يجوز رهنها تبعا لآثار المتصرّف فيها من شجر و بناء و نحوهما لا منفردة.
الثالث: أنيمكن قبضه و يصحّ بيعه، فلو رهن ما لايصحّ اقباضه كالطير في الهواء و السمك في الماء لميصحّ رهنه الاّ أنيكون الطير يعود عادة و السمك في ماء محصور بحيث لايتعذّر قبضه عادة فيكون رهنه صحيحا.
و كذا لايصحّ لو كان ممّا يصحّ اقباضه و لميسلّمه. و كذا لو رهن عند الكافر عبدا مسلما أو مصحفا لنفي السبيل(2). و قيل: يصحّ و يوضع تحت يد مسلم. و فيه اشكال من جهة بيع المصحف الاّ أنيقال بجواز بيعه من مسلم لمسلم و هو الأصحّ.
الرابع: أنيكون استيفاء الدين منه ممكنا، فلايصحّ رهن الوقف؛ اذ لايجوز بيعه، و على تقدير جوازه على بعض الوجوه يجب أنيشترى بثمنه ملكا ليكون وقفا فلايتّجه الاستيفاء منه مطلقا. نعم، لو لميتمكّن من اقامة بدله حيث يجوز بيعه أو يجب يصحّ رهنه؛ لعدم المانع حينئذ، بشرط كون الوقف على الراهن فقط.
و أمّا الرهن في زمان الخيار فتارة: يكون الخيار للراهن سواء كان المشتري أو
البائع ان كان ثمن المبيع من غير النقود ففي هذه الصورة يصحّ الرهن و يكونبمعنى اسقاط الخيار. و أخرى: يكون الخيار لغير الراهن فالظاهر أيضا صحّته اذا رضي المرتهن؛ لأنّه في معرض الابطال لو فسخ من له الخيار.
و يصحّ رهن العبد المرتدّ في غير الفطري؛ لقبول توبته فماليّته باقية فيه و هكذا في الأمة مطلقا. أمّا الفطري فمن حيث انّه في معرض التلف لعدم قبول توبته و وجوب اتلافه فتنتفي غاية الرهن و التوثّق الاّ أنّه يمكن أنيقال بجواز ماليّته حالة الرهن و تعرّضه للاتلاف لايصلح للمنع كرهن العبد المريض المدنف، و فيهما اشكال.
و كذا يصحّ رهن العبد الجاني خطأ، و أمّا الجاني عمدا فحيث انّه في حكم التالف فلايجوز كما في العبد المرتدّ الفطري، و من حيث بقاء الماليّة بالفعل و كذا جواز العفو فيجوز، و فيه اشكال لمنافاته لاقتضاء الرهن الذي هو وثيقة للدين.
و لو رهن ما يسرع اليه الفساد قبل الأجل فان شرط بيعه جاز، و لو شرط عدم البيع بطل؛ لمنافاته لغاية الرهن. و أمّا مع الاطلاق فيمكن فيه الصحّة؛ لأنّه حين الرهن مال مملوك يمكن بيعه فلا مانع من رهنه فاذا خيف فساده باعه المالك و جعل ثمنه رهنا، فان امتنع أجبره الحاكم؛ جمعا بين الحقّين.
ثمّ انّه لايخفى أنّ المراد بما يسرع اليه الفساد ما لايمكن اصلاحه بعلاج كتجفيفه مثلاً كالعنب و الرطب و الاّ صحّ رهنه قولاً واحدا، و وجب على الراهن تجفيفه و اصلاحه؛ لأنّ ذلك من مؤونة حفظه كنفقة الحيوان المرهون.
و هو كلّ دين ثابت في الذمّة كالقرض و ثمن المبيع. و لايصحّ فيما لميحصل سبب وجوبه كالرهن على ما يستدينه و على ثمن ما يشتريه. و لا على ما حصل سبب وجوبه و لميثبت كالدية قبل استقرار الجناية، و يجوز على قسط كلّ حول بعد حلوله. و كذا الجعالة قبل الردّ و يجوز بعده. و كذا مال الكتابة، و لو قيل بالجواز فيه كان أشبه. و يبطل الرهن عند فسخ الكتابة المشروطة. و لايصحّ على ما لايمكن استيفاؤه من الرهن كالاجارة المتعلّقة بعين المؤجر مثل خدمته، و يصحّ فيما هو ثابت في الذمّة كالعمل المطلق. و لو رهن على مال رهنا ثمّ استدان آخر و جعل ذلك الرهن عليهما جاز.
يشترط في ما يرهن عليه أنيكون دينا ثابتا في الذمّة لتحقّق موجبه كالقرض و ثمن المبيع و الأجرة و غيرها. و يتفرّع على ذلك أنّه لايصحّ الرهن على ما لميحصل سبب وجوبه كالرهن على ما يستدينه و على ثمن ما يشتريه بلا خلاف بل في التذكرة و جامع المقاصد الاجماع عليه بل و لا اشكال - كما في
الجواهر(1)- ؛ ضرورة ظهور أدلّة المقام في كون الرهن وثيقة على مال المرتهن و لايتصوّر الاستيثاق قبل حصول مال له عنده فلايشمله عموم الوفاء بالعقود بعد فرض عدم صدق الرهن عليه.
و لايصحّ الرهن أيضا على الدية قبل استقرارها بتحقّق الموت و ان علم أنّ الجناية تؤدّي اليه. و لايصحّ على مال الجعالة قبل تمام العمل؛ لفقد شرط الصحّة و هو الدين الثابت في الذمّة. و أمّا مال الكتابة فالمشهور جواز الرهن عليه مطلقا كما في المسالك.(2)
قال المحقّق الهمداني: «قد يتأمّل في أصل مال الكتابة هل هو حقّ ثابت في ذمّة العبد، فكأنّ العبد اشترى نفسه بالعوض المعيّن الذي في ذمّته، فيكون من قبيل المعاوضات (فيصحّ الرهن عليها)، أم لا ذمّة للعبد و لا تعهّد أصلاً، بل هو الزام من المولى، فتكون الكتابة التزاما بحرّيّته بأداء ما ألزمه به و قد أمضاه الشارع، فعلى هذا ليس في ذمّة العبد حقّ ثابت حتّى يجوز أخذ الرهن عليه، سواء كانت الكتابة مطلقة أو مشروطة. و لعلّ المصنّف رحمهالله لذا أطلق المنع أوّلاً».(3)
و لايصحّ على ما لايمكن استيفاؤه من الرهن كالاجارة المتعلّقة بعين المؤجر مثل خدمته، و يصحّ فيما هو ثابت في الذمّة كالعمل المطلق.
قال في المسالك: «لمّا كان الغرض من الرهن استيفاء الدين منه مع تعذّر الوفاء أو لا معه لميصحّ الرهن على الحقّ المتعلّق بعين مخصوصة كما لو آجره نفسه شهرا معيّنا أو داره كذلك أو دابّته المعيّنة لحمل معيّن و نحو ذلك؛ لأنّ تلك المنفعة لايمكن استيفاؤها الاّ من العين المخصوصة حتّى لو تعذّر الاستيفاء منها
لموت أو خراب و نحوهما بطلت الاجارة بخلاف الاجارة المتعلّقة بالذمّة كما لو استأجره على تحصيل المنفعة على أيّ وجه اتّفق و من أيّ عين كان، فيصحّ الرهن عليها لامكان استيفائها منه».(1)
و لو رهن على دينه رهنا ثمّ استدان مالاً آخر من المرتهن جاز جعل ذلك الرهن رهنا على الثاني أيضا، و كان رهنا عليهما سواء كان الثاني مساويا للأوّل في الجنس و القدر أو مخالفا، و كذا له أنيجعله لدين ثالث و رابع الى ما شاء. و كذا اذا رهن شيئا على دين جاز أنيرهن شيئا آخر على ذلك الدين و كان كلاهما رهنا عليه؛ لاطلاق أدلّة الرهن الشاملة لجميع الصور المفروضة في هذه المسألة، فالمقتضي للصحّة في جميعها موجود و المانع عنها مفقود بعد رضا المرتهن بذلك.
و كذا لو رهن شيئا عند زيد ثمّ رهنه عند آخر أيضا باتّفاق من المرتهنين كان رهنا على الحقّين، الاّ اذا قصدا بذلك فسخ الرهن الأوّل و صيرورته رهنا على خصوص الثاني فيتعيّن رهنا للثاني؛ لزوال الأوّل بالفسخ.
العين امّا أمانة في يد أمين فلايصحّ الرهن عليها كالوديعة و العارية غير المضمونة، فانّ عدم جواز الرهن على هذه موضع وفاق و ان احتمل طروّ الضمان بالتعدّي.
و امّا مضمونة كالمغصوبة و المقبوضة بالسوم و المستعارة مع الضمان فقد
1) - مسالك الأفهام 4: 31.
أطلق المصنّف و جماعة المنع؛ استنادا الى أنّ مقتضى الرهن استيفاء المرهون به من الرهن و في الأعيان يمتنع ذلك؛ لامتناع استيفاء العين الموجودة من شيء آخر.
و استشكل في المسالك و قال: «بأنّ الأمر ليس منحصرا في الاستيفاء عند وجود العين، بل يمكن التوثّق بالرهن بأخذ عوضها عند تلفها. و لايرد مثله في الأعيان التي ليست مضمونة، حيث يحتمل تجدّد سبب الضمان؛ لعدم كونها عند الرهن مضمونة، فانّ الرهن انّما يصحّ عند وجود سبب الضمان، امّا بدين أو ما في حكمه كالعين المضمونة. و اطلاق الأدلّة الدالّة على جواز الرهن على الحقوق يتناول محلّ النزاع. نعم، الآية الشريفة المنبّهة على الرهن متعلّقها الدّين، الاّ أنّها لاتمنع من غيره الاّ من باب المفهوم الضعيف. و هذا قوي».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف و جماعة من المنع و عدم صحّة الرهن على الأعيان المضمونة أقرب؛ و ذلك لأنّ العين المضمونة نفسها تردّ الى صاحبها و مادامت موجودة لا اقتضاء للرهن عليها فيكون من قبيل ضمان ما لميجب.
1) - مسالك الأفهام 4: 28.
و يشترط فيه كمال العقل و جواز التصرّف و لاينعقد مع الاكراه، و يجوز لولي الطفل رهن ماله اذا افتقر الى الاستدانة مع مراعاة المصلحة كأنيستهدم عقاره فيروم رمّه(1)أو يكون له أموال يحتاج الى الانفاق لحفظها من التلف أو الانتقاص فيرهن بذلك ما يراه من أمواله اذا كان استبقاؤها أعود.
يشترط في الراهن بالنسبة الى صحّة الرهن له و لغيره كمال العقل فلايصحّ من الصبي و لا المجنون الاّ مع الاجازة من الولي بالنسبة الى الصبي. و لاينعقد مع الاكراه الذي يخرجه عن قصد اللفظ و المعنى، و أمّا اذا كان الاكراه بحدّ لميخرجه عن ذلك فانّه اذا تعقّبه الرضا ففي الجواهر: «لزم على الأقوى»، و الظاهر أنّه يكون كعقد الفضولي أو معاطاته. و يعتبر فيه أيضا أنيكون مالكا أو بحكم المالك
1) - يروم رمّه: أراد اصلاحه.
كالمستعير اذا كان الرهن لنفسه.
و يجوز لولي الطفل رهن ماله اذا افتقر الى ذلك للاستدانة مع مراعاة المصلحة كأنيكون له أموال يحتاج الى الانفاق لحفظها من التلف أو الانتقاص، فيرهن بذلك ما يراه من أمواله اذا كان أنفع للطفل من بيعها.
و يشترط فيه كمال العقل و جواز التصرّف، و يجوز لولي اليتيم أخذ الرهن له و لايجوز أنيسلف ماله الاّ مع ظهور الغبطة له كأنيبيع بزيادة عن الثمن الى أجل و لايجوز له اقراض ماله؛ اذ لا غبطة. نعم، لو خشي على المال من غرق أو حرق أو نهب و ما شاكله جاز اقراضه و أخذ الرهن. و لو تعذّر اقتصر على اقراضه من الثقة غالبا.
يشترط في المرتهن كمال العقل و جواز التصرّف. و يجوز لولي الطفل - مثلاً - أخذ الرهن له كما يقبل الاتّهاب و الوقف له، بل قد يجب عليه ذلك فيما لو توقّف القرب الأحسن - المأمور به في قوله تعالى: «و لاتقربوا مال اليتيم الاّ بالتي هي أحسن»(1)للتصرّف في ماله - على ذلك كما لو باع مال الطفل نسيئة لغير ذيالملاءة فيأخذ عنه الرهن. و لايجوز لولي اليتيم أنيسلف ماله الاّ مع ظهور الغبطة كأنيبيع سلفا بزيادة عن الثمن. و ربّما توقّف الغبطة على كونه من ثقة مليّ برهن أو كفيل.
1) - الأنعام 6: 152.
و لايجوز له اقراض مال اليتيم؛ اذ لا غبطة في ذلك. نعم، لو خشي على المال من غرق أو حرق أو نهب أو ما شاكله جاز اقراضه و أخذ الرهن.
و من مسوّغاته خوف تلفه بتسويس الحنطة و شبهها فيقرضها من الثقة الملئ بالرهن مع الامكان؛ لامكان جحوده و تعذّر الايفاء. و لو تعذّر الرهن اقتصر على اقراضه من الثقة.
اذا شرط المرتهن الوكالة في العقد لنفسه أو لغيره أو وضع الرهن في يد عدل معيّن لزم و لميكن للراهن فسخ الوكالة على تردّد، و تبطل مع موته دون الرهانة. و لو مات المرتهن لمتنقل الى الوارث الاّ أنيشترطه، و كذا لو كان الوكيل غيره. و لو مات المرتهن و لميعلم الرهن كان كسبيل ماله حتّى يعلم بعينه.
و يجوز للمرتهن ابتياع الرهن و المرتهن أحقّ باستيفاء دينه من غيره من الغرماء سواء كان الراهن حيّا أو ميّتا على الأشهر، و لو أعوز ضرب مع الغرماء بالفاضل.
اذا ارتهن زيد مالاً من عمرو في مقابلة دينه فانّ هذا الرهن حيث يكون مطلقا من غير شرط لايقتضي أنيكون المرتهن وكيلاً في بيع المال المرهون لكن يجوز اشتراط كونه وكيلاً في عقد الرهن؛ لأنّه من الشروط السائغة. و كذا يجوز اشتراطها لوارثه من بعده و الوصيّة اليهما بذلك بعد الموت. و كذا يجوز اشتراطها لغيره و لغير وارثه.
و أمّا اذا اشترط ذلك فهل للراهن فسخ الوكالة بعد عقد الرهن؟ قولان
فالمشهور - كما في الجواهر(1)- بل عن السرائر نسبة الخلاف فيه الى أهلالخلاف هو عدم جواز فسخ الوكالة من الراهن. و لو مات الراهن فتبطل الوكالة دون الرهن بلا اشكال و لا خلاف.
و أمّا لو مات المرتهن المشروط وكالته فتبطل أيضا و لاتنتقل وكالته الى الوارث الاّ أنيشترط انتقالها في عقد الرهن، و كذا لو كان الوكيل غير المرتهن، فمات الوكيل.
و لو مات المرتهن و لميعلم أنّ الرهن في تركته لميحكم به في ذمّته؛ لأصالة البراءة ولعلّه تلف منه بغير تفريط، و لا في ماله؛ لأصالة عدمه فيه أيضا بمقتضى ظاهر يده المحكوم شرعا بأنّه لورثته بمقتضى عموم قاعدة: «ما تركه الميّت فلوارثه»، فحينئذ لو كان الرهن فيها في الواقع فهو كسبيل ماله في الظاهر حتّى يعلم بعينه بقيام بيّنة و نحوها. و ان اشتبه بنظائره فيها فانّ المرجع فيه حينئذالى الصلح و نحوه.
و يجوز للمرتهن ابتياع الرهن من نفسه لو كان وكيلاً في البيع، و يتولّى طرفي العقد؛ لأنّ الغرض و هو البيع بثمن المثل حاصل و خصوصيّة المشترى ملغاة حيث لميتعرّض لها.
و في المسالك: «ربّما قيل بالمنع؛ لأنّ ظاهر الوكالة لايتناوله. و الأقوى الجواز كما في كلّ وكالة. و كذا يجوز أنيبيع على ولده بطريق أولى».(2)
و المرتهن أحقّ باستيفاء دينه من الرهن من غيره من باقي الغرماء سواء كان الراهن حيّا و قد حجر عليه للفلس أو ميّتا على الأشهر بل المشهور بل لا خلاف
فيه كما في الجواهر و أمّا و خبر عبداللّه بن الحكم قال: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أفلس و عليه دين لقوم و عند بعضهم رهون و ليس عند بعضهم فمات ولايحيط ماله بما عليه من الدين؟ قال: يقسّم جميع ما خلّف من الرهون و غيرها على أرباب الدين بالحصص».(1)
فمحمول على الرهانة بعد الفلس أو مطرح كما في الجواهر(2)كمكاتبة سليمان بن حفص المروزي قال: «كتبت الى أبي الحسن عليهالسلام في رجل مات و عليه دين و لميخلّف شيئا الاّ رهنا في يد بعضهم فلايبلغ ثمنه أكثر من مال المرتهن أيأخذ بماله أو هو و سائر الديّان فيه شركاء؟ فكتب عليهالسلام: جميع الديّان في ذلك سواء يتوزّعونه بينهم بالحصص. الحديث».(3)
و أمّا لو أعوز الرهن عن وفاء الدين و قصر ضرب صاحب الدين مع الغرماء بالفاضل بلا خلاف و لا اشكال؛ لأنّ دينه في الذمّة لا محصور بالرهن.
و الرهن أمانة في يده لايضمنه و لو تلف، و لايسقط به شيء من حقّه ما لميتلف بتفريطه، و لو تصرّف فيه بركوب أو سكنى أو اجارة ضمن و لزمته الأجرة، و ان كان للرهن مؤونة كالدابّة أنفق عليها و تقاصّا، و قيل: «اذا أنفق عليها كان له ركوبها أو يرجع على الراهن بما أنفق». و يجوز للمرتهن أنيستوفي دينه ممّا في يده ان خاف جحود الوارث مع اعترافه. أمّا لو اعترف بالرهن و ادّعى دينا لميحكم له و كلّف البيّنة، و له احلاف الوارث ان ادّعى عليه العلم. و لو وطئ المرتهن الأمة مكرها كان عليه عشر قيمتها أو نصف
العشر، و قيل: «عليه مهر أمثالها»، و لو طاوعته لميكن عليه شيء.
فروع:
الرهن أمانة في يد المرتهن لايضمنه لو تلف بغير تفريط و لايسقط شيء من حقّه بالتلف؛ يدلّ على ذلك عدّة روايات:
منها صحيحة جميل بن درّاج قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام: في رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن، قال: هو من مال الراهن و يرجع المرتهن عليه بماله».(1)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليهالسلام قال:
«قلت: الرجل يرتهن العبد فيصيبه عور أو ينقص من جسده شيء، على من يكون نقصان ذلك؟ قال: على مولاه، قلت: انّ الناس يقولون: ان رهنت العبد فمرض أو انفقأت عينه فأصابه نقصان من جسدهينقص من مال الرجل بقدر ما ينقص من العبد! قال: أرأيت لو أنّ العبد قتل على من تكون جنايته؟ قال: جنايته في عنقه».(2)
و منها غيرهما.
قال في الجواهر: «الرهن أمانة في يد المرتهن لايضمنه لو تلف عنده بغير تفريط بلا خلاف أجده فيه بيننا بل ظاهر كشف الحقّ و غيره الاجماع عليه بل عن
الخلاف و الغنية و السرائر و التذكرة و المفاتيح دعواه صريحا، فمن الغريب نسبته في الدروس الى الأشهر مشعرا بوجود الخلاف فيه بيننا. نعم، هو معروف بين العامّة. فمن الغريب وسوسة بعض متأخّري المتأخّرين فى الحكم المزبور لأخبارمعلومة الطرح بين الأصحاب، و انّما خرّجت مخرج التقيّة أو محمولة على التفريط أو نحو ذلك».(1)
أقول:
مراده رحمهالله من تلك الروايات صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«قضى أميرالمؤمنين عليهالسلام في الرهن اذا كان أكثر من مال المرتهن فهلك أنيؤدّي الفضل الى صاحب الرهن، و ان كان الرهن أقلّ من ماله فهلك الرهن أدّى الى صاحبه فضل ماله و ان كان الرهن يسوّي ما رهنه فليس عليه شيء».(2)
و رواية عبداللّه بن الحكم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل رهن عند رجل رهنا على ألف درهم و الرهن يساوي ألفين و ضاع، قال: يرجع عليه بفضل ما رهنه وان كان أنقص ممّا رهنه عليه رجع على الراهن بالفضل، و ان كان الرّهن يسوّي ما رهنه عليه فالرهن بما فيه».(3)
و موثّقة ابن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام في الرهن، فقال: ان كان أكثر من مال المرتهن
فهلك، أنيؤدّي الفضل الى صاحب الرهن، و ان كان أقلّ من ماله فهلك الرهن أدّى اليه صاحبه فضل ماله و ان كان الرهن سواءً فليس عليه شيء».(1).
فانّها تحمل على ما اذا فرّط في حفظ الرهن فهلك أو ضاع؛ جمعا بينها و بين ما تقدّمها و لعلّه تشهد على هذا الجمع موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا ابراهيم عليهالسلام عن الرجل يرهن الرهن بمائة درهم و هو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلك، أ على الرجل أنيردّ على صاحبه مائتي درهم؟ قال: نعم؛ لأنّه أخذ رهنا فيه فضل و ضيّعه. قلت: فهلك نصف الرهن؟ قال: حساب ذلك. قلت: فيترادّان الفضل؟ قال: نعم».(2)
فانّ الظاهر من لفظة «ضيّعه» هو التفريط في الحفظ.
لايجوز للمرتهن التصرّف في الرهن من دون اذن الراهن، فلو تصرّف المرتهن حينئذ في الرهن بركوب أو سكنى أو اجارة مثلاً من دون اذن الراهن أثم و ضمن العين لو تلفت و لزمه أجرة المثل في مثل ركوب الدابّة أو سكنى الدار؛ لأنّه انتفاع بمال الغير بغير اذنه؛ تدلّ على ذلك - مضافا الى أنّه المشهور بل ربّما
يظهر من بعضهم الاجماع عليه كما في الجواهر(1)- صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليهالسلام :
«انّ أميرالمؤمنين عليهالسلام قال في الأرض البور يرتهنها الرجل ليس فيهاثمرة فزرعها و أنفق عليها ماله: انّه يحتسب له نفقته و عمله خالصا ثمّ ينظر نصيب الأرض فيحسبه من ماله الذي ارتهن به الأرض حتّى يستوفي ماله فاذا استوفى ماله فليدفع الأرض الى صاحبها».(2)
و أمّا في مثل اجارة الدار المرهونة بدون اذن الراهن فاذا مضت مدّة تقابلها أجرة عادة أو مضت مدّة الاجارة فانّ الراهن يتخيّر بين فسخ الاجارة و الرجوع الى المرتهن بأجرة المثل و بين الاجازة و الرجوع بأجرة المسمّى.
ثمّ انّه لو كان للرهن مؤونة كالدابّة أنفق عليها مع الاذن أو بنيّة الرجوع مع عدم امكان الاذن أو امتناعه و عدم الحاكم، ثمّ تهاتر مع الراهن فيما أنفق كما في الجواهر و هو المحكي عن جماعة من الأصحاب.
قال في المسالك: «ان أمره الراهن بالنفقة على المال المرهونة ينفق و يرجع بما غرم، و الاّ استأذنه، فان امتنع أو غاب رفع أمره الى الحاكم فان تعذّر أنفق هو بنيّة الرجوع و أشهد عليه ليثبت استحقاقه».(3)
و أمّا الشيخ في النهاية و الحلبي و ابنا حمزة و سعيد ذهبوا الى أنّه اذا أنفق عليها كان له ركوبها أو يرجع على الراهن بما أنفق - فذهبوا الى عدم لزوم اذن الراهن في تصرّف المرتهن في الرهن - و مستندهم في ذلك صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يأخذ الدابّة و البعير رهنا بماله أ له أنيركبه؟ قال: فقال: ان كان يعلفه فله أنيركبه و ان كان الذي رهنه عنده يعلفه فليس له أنيركبه».(1)
و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهالسلام قال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: الظهر يركب اذا كان مرهونا و على الذي يركبه نفقته، و الدرّ يشرب اذا كان مرهونا و على الذي يشرب نفقته».(2)
ولكنّهما تحملان على مساواة الحقّين و الاذن و لو للعادة أو لأنّ رهنه مع عدم الانفاق قرينة على ذلك و لا سيّما اذا كان عدم الركوب و الحلب ممّا يفسده أو على غير ذلك من الوجوه.
قال في الجواهر: «لا بأس بطرحهما بعد اعراض معظم الأصحاب عنهما. و فى التذكرة: «ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن بدون اذن الراهن بلا خلاف»، و كذا في السرائر».(3)
و أنت خبير بأنّه مع امكان الجمع بما ذكرنا لا وجه للطرح.
لو مات الراهن و خاف المرتهن جحود الوارث بالظنّ الغالب يجوز له أنيبيع الرهن بنفسه و يستوفي دينه منه، و كذا لو خاف جحود الراهن و لميكن وكيلاً؛
هذا اذا لميكن له بيّنة مقبولة عند الحاكم فيكفيه الاذن العامّ الوارد من المعصوم عليهالسلام في الرواية و لايحتاج الى اذن خاصّ من الحاكم و الاّ لميجز له ذلك و عليه الاستئذان من الحاكم في البيع؛ تدلّ على ذلك مكاتبة سليمان بن حفص المروزي:
«انّه كتب الى أبي الحسن عليهالسلام في رجل مات و له ورثة فجاء رجل فادّعى عليه مالاً و أنّ عنده رهنا، فكتب عليهالسلام : ان كان له على الميّت مال و لا بيّنة له فليأخذ ماله بما في يده و ليردّ الباقي على ورثته و متى أقرّ بما عنده أخذ به و طولب بالبيّنة على دعواه و أوفى حقّه بعد اليمين و متى لميقم البيّنة والورثة ينكرون فله عليهم يمين علم يحلفون باللّه مايعلمون أنّ له على ميّتهم حقّا».(1)
هذا مضافا الى دعوى الاجماع في الجواهر و غيره.
و أمّا لو اعترف بالرهن و ادّعى دينا لميحكم له بمجرّد وجوده تحت يده بعد اعترافه بأنّ يده يد أمانة و كلّف البيّنة، و له احلاف الوارث ان ادّعى علمه.
و لو وطئ المرتهن الأمة مكرها لها على ذلك من دون اذن الراهن له بنكاح أو تحليل كان عليه عشر قيمتها ان كانت بكرا أو نصف العشر ان كانت ثيّبا، و قيل: «عليه مهر أمثالها»، و لو طاوعته لميكن عليه شيء.
و اذا وضعاه على يد عدل فللعدل ردّه عليهما أو تسليمه الى من يرتضيانه، و لايجوز له تسليمه مع وجودهما الى الحاكم و لا الى أمين غيرهما من غير اذنهما، و لو سلّمه ضمن و لو استترا أقبضه الحاكم.
1) - وسائل الشيعة 18: 406 / الباب 20 من كتاب الرهن / الحديث 1.
و لو كانا غائبين و أراد تسليمه الى الحاكم أو عدل آخر من غير ضرورة لميجز و يضمن لو سلّم، و كذا لو كان أحدهما غائبا. و ان كان هناك عذر سلّمه الى الحاكم و لو دفعه الى غيره من غير اذن الحاكم ضمن، و لو وضعه على يد عدلين لمينفرد به أحدهما و لو أذن له الآخر.
و لو باع المرتهن أو العدل الرهن و دفع الثمن الى المرتهن ثمّ ظهر فيه عيب لميكن للمشتري الرجوع على المرتهن. أمّا لو استحقّ الرهن استعاد المشتري الثمن منه، و اذا مات المرتهن كان للراهن الامتناع من تسليمه الى الوارث فان اتّفقا على أمين و الاّ سلّمه الحاكم الى من يرتضيه، و لو خان العدل نقله الحاكم الى أمين غيره ان اختلف المرتهن و المالك.
فروع:
اذا وضع الراهن و المرتهن الرهن على يد عدل فقبله تطوّعا فيجوز له ردّه عليهما بعد مدّة ؛ لعدم لزوم ذلك عليه، أو تسليمه الى من يرتضيانه؛ لأنّ الحقّ لهما. و لايجوز له تسليمه الى الحاكم مع وجودهما و عدم معلوميّة امتناعهما، و لا الى أمين من غير اذنهما؛ لعدم جواز الايداع للودعي من غير اذن صاحبه، فلو سلّمه الى من لايجوز تسليمه ضمن هو و من تسلّمه.
و لو استترا عن قبضه من العدل بعد أنطلب منهما أقبضه الحاكم الذي هو ولي الممتنع. و لو كانا غائبين لميجز تسليمه الى الحاكم أو عدل آخر من غير ضرورة، و لو سلّمه ضمن هو و من تسلّمه. و كذا لو كان أحدهما غائبا؛ لوجوب الصبر عليه الى الحضور من الغيبة التي لا تقصير معها.
نعم، لو كان هناك عذر كسفر و مرض و نحوهما سلّمه الى الحاكم أو من يأذن له؛ لثبوت ولايته حينئذ، و لو دفعه الى غيره من غير اذن الحاكم ضمن و لو كان ثقة. أمّا لو تعذّر الحاكم و افتقر الى الايداع أودع من ثقة و أشهد و لا ضمان، والظاهر جواز دفعه من أحدهما في هذا الحال اذا كان ثقة بل لعلّه أولى.
و لو وضعه على يد عدلين جاز اجماعا - كما في الجواهر(1)- لكن لمينفرد به أحد العدلين عن الآخر و لو أذن له الآخر؛ لأنّ الراهن لميرض بأمانة أحدهما منفردا. و متى سلّمه أحدهما الى صاحبه ضمن كلّ منهما في الجملة، لكن هل يضمن الجميع بناءً على أنّ كلاًّ منهما يجب عليه حفظه أجمع و قد حصل منه سبب الضمان للجميع فيتخيّر المالك في تضمين أيّهما شاء، أم يضمن النصف؛ لأنّهما بمنزلة أمين واحد و الواجب عوض واحد و هما متساويان في ثبوت سبب الضمان: أحدهما بالتفريط و الآخر بالعدوان؟ أجودهما الأوّل؛ لما ذكر، و عليه الشهيد الثاني في المسالك.(2)
نعم، اذا شرط أنيضمن كلّ واحد نصف الرهن و لايضمن الجميع فالظاهر نفوذ الشرط.
لو باع المرتهن الرهن حيث يجوز له ذلك أو العدل كذلك و دفع الثمن الى المرتهن وفاءً أو وثيقة اذا كان له ذلك ثمّ ظهر في المبيع عيب لميكن للمشتري
الرجوع على المرتهن الذي قبض الثمن المملوك للراهن وفاءً لدينه أو وثيقة عليه؛ اذ الفسخ بالعيب لايبطل البيع من أصله و انّما يبطل بفسخ المشتري من حين الفسخ و هو مسبوق بقبض المرتهن الثمن و تعلّق حقّ الوثيقة به، سواء كانقد أخذه وفاءً لدينه أو أبقاه وثيقة، فبمجرّد البيع نقل الثمن الى الراهن و تعلّق الوثيقة به للمرتهن فلايبطله الفسخ الطارئ من المشتري و يرجع على الراهن بعوض الثمن.
و أمّا لو ظهر استحقاق الرهن لغصب و نحوه استعاد المشتري الثمن من المرتهن؛ لأنّه يبطل البيع من أصله فلايدخل الثمن في ملك الراهن و لايصحّ قبض المرتهن له و حينئذ فيطالب به من هو في يده من العدل أو المرتهن.
و لو وجده تالفا فان تلف في يد العدل و المشتري كان عالما بأنّه وكيل فيرجع على الراهن، و ان لميعلم رجع على العدل؛ لأنّ المعاملة بينهما و الثمن مملوك للمشتري فيكون مضمونا على من هو في يده ظاهرا، و يرجع العدل على الراهن، ان كان جاهلاً بالغصبيّة.
و ان تلف في يد المرتهن رجع عليه بالعوض أيضا، و هل يرجع هو على الراهن؟ مقتضى قواعد الغصب رجوعه الى الراهن مع جهله؛ لغروره، و أمّا الراهن فان كان عالما بالاستحقاق فلايرجع الى غيره و الاّ فيرجع الى من غرّه.
و هكذا يكون الحكم لو تلف الرهن في يد المرتهن ثمّ ظهر مستحقّا.
اذا مات المرتهن كان للراهن الامتناع من تسليمه الى الوارث فانّه قد يستأمن
المورّث و لايستأمن الوارث، و كذا يجوز للوارث الامتناع من تسليم الرهن له، فحينئذ ان اتّفقا على أحد ممّن يجوز توكيله جاز و ان لميكن عدلاً، و الاّ تسلّمه الحاكم أو سلّمه الى العدل ليقبضه لهما.
و في المسالك: «و هكذا يكون الحكم لو مات الراهن فلورثته الامتناع من ابقائه في يد المرتهن و العدل؛ لأنّهما في القبض بمنزلة الوكيل تبطل وكالته بموت الموكّل، و ان كانت مشروطة في عقد الرهن الاّ أنيشترط استمرار الوضع بعد موته فيكون بمنزلة الوصي في الحفظ».(1)
و كيف كان فلو خان العدل نقله الحاكم الى أمين غيره ان اختلف المرتهن و المالك.
1) - مسالك الأفهام 4: 45.
و فيه مقاصد:
لايجوز للراهن التصرّف في الرهن باستخدام و لا سكنى و لا اجارة، و لو باع أو وهب وقف على اجازة المرتهن. و في صحّة العتق مع الاجازة تردّد و الوجه الجواز، و كذا المرتهن. و في عتقه مع اجازة الراهن تردّد و الوجه المنع؛ لعدم الملك ما لميسبق الاذن.
و لو وطئ الراهن فأحبلها صارت أمّ ولده و لايبطل الرهن. و هل تباع؟ قيل: «لا مادام الولد حيّا»، و قيل: «نعم؛ لأنّ حقّ المرتهن أسبق»، و الأوّل أشبه. و لو وطأها الراهن باذن المرتهن لميخرج عن الرهن بالوطء، و لو أذن له في بيعها فباع بطل الرهن و لايجب جعل الثمن رهنا، و لو أذن الراهن للمرتهن في البيع قبل الأجل لميجز للمرتهن التصرّف في الثمن الاّ بعد
حلوله و لو كان بعد حلوله صحّ. و اذا حلّ الأجل و تعذّر الأداء كان للمرتهن البيع ان كان وكيلاً، و الاّ رفع أمره الى الحاكم ليلزمه بالبيع، فان امتنع كان له حبسه و له أنيبيع عليه.
فروع:
لايجوز للراهن التصرّف في الرهن؛ لأنّ الرهن وثيقة منه للمرتهن ليلزمه الى الأداء، فانّه محجور من التصرّف في الرهن من هذه الجهة و الاّ يخرج عن كونه وثيقة سواء كان تصرّفه بالبيع أو الاجارة أو التزويج اذا كانت أمة أو رهنه الى غيره. نعم، لايمنع من تصرّف يعود نفعه الى الرهن كمداواة المرض و رعي الحيوان و نحوهما. فلو تصرّف بما لايجوز له كالبيع و الهبة و نحوهما وقف على اجازة المرتهن فان أجاز و الاّ بطل.
و كذا لايجوز للمرتهن التصرّف في الرهن بانتفاع و نحوه لحرمة التصرّف في مال الغير و لايمضي تصرّفه فيه ببيع و نحوه الاّ باذن الراهن أو اجازته؛ اذ هو فضولي فيجري فيه حكمه.
و الظاهر صحّة عتق العبد المرهون به مع اجازة المرتهن؛ لأنّ المانع حقّ المرتهن و قد زال باجازته. و أمّا صحّة عتق المرتهن مع اجازة الراهن ففيه اشكال؛ لأنّه «لا عتق الاّ بعد ملك»(1)، الاّ أنيكون وكيلاً في ذلك.
1) - وسائل الشيعة 23: 15 / الباب 5 من كتاب العتق / الحديث 2.
اذا وطئ الراهن أمته المرهونة فأحبلها صارت أمّ ولد سواء وطئ باذن المرتهن أم لا، و ان لزمه الاثم و التعزير في الثاني. و على التقديرين لايبطل الرهن؛
لعدم المنافاة بينه و بين الاستيلاد؛ لجواز موت الولد.
و هل يجوز بيعها مع حياة الولد لأجل الدين؟ اختار المصنّف رحمهالله عدم الجواز؛ للنهي عن بيع أمّ الولد و لتشبّثها بالحرّيّة و بناء العتق على التغليب. كلّ ذلك مادام ولدها حيّا زمن الرهن. ولكن الشهيد في المسالك(1)اختار الجواز لاطلاق الأوامر ببيع الرهن في الدين و سبق حقّ المرتهن على الاستيلاد.
و لو قيل ببقاء الرهن و اذا حلّ الأجل يلزم أداؤه من غير بيع الرهن كان أجود. و أمّا لو وطئها الراهن باذن المرتهن لميخرج عن الرهن بالوطء؛ اذ لا منافاة بينهما
بل لاتخرج بالحبل أيضا.
و لو أذن له في بيعها فباع بطل الرهن و لايجب جعل الثمن رهنا كما هو المشهور. نعم، لو شرط جعل الثمن رهنا عند الاذن في البيع لزم لقوله صلىاللهعليهوآله: «المؤمنون عند شروطهم»، سواء كان الدين حالاًّ أو مؤجّلاً. فلو أذن المرتهن للراهن في بيعها بشرط أنيعجّل حقّه من ثمنه يلزم الشرط؛ لأنّه شرط سائغ تدعو الحاجة اليه.
1) - مسالك الأفهام 4: 49.
لو أذن الراهن للمرتهن في البيع قبل الأجل لميجز للمرتهن التصرّف في الثمن قبل حلوله؛ لعدم استحقاقه، و الاذن في البيع لايقتضي الاذن في تعجيل الاستيفاء، و لو حلّ الأجل فان كان حقّ المرتهن موافقا للثمن جنسا و وصفا صحّ تصرّفه و أخذ حقّه باذن الراهن؛ لأنّ الثمن رهن أيضا.
ثمّ انّه اذا حلّ الأجل و أراد المرتهن استيفاء حقّه، طالب الراهن بالوفاء و لو ببيع الرهن منه أو التوكيل في بيعه. و لو تعذّر الأداء لامتناع الراهن مثلاً كان للمرتهن البيع و الاستيفاء ان كان وكيلاً مع اطلاق وكالته. و ان لميكن وكيلاً و لميتمكّن من اجباره رفع أمره الى الحاكم اذا كانت له بيّنة يثبت بها حقّه ليلزمه للاستيفاء و لو بالبيع و ليس للمرتهن البيع قبل ذلك. و لو امتنع من أمر الحاكم يبيعه عليه بنفسه. و لو لميتمكّن المرتهن من اثبات حقّه عند الحاكم أو تعذّر وصوله الى الحاكم لعدمه أو لبعده فيجوز حينئذ استقلاله بالبيع بنفسه و استيفاء حقّه كما لو ظفر بغير جنس حقّه من مال المديون و هو جاحد و لا بيّنة.
الرهن لازم من جهة الراهن ليس له انتزاعه الاّ مع اقباض الدين أو الابراء منه أو تصريح المرتهن باسقاط حقّه من الارتهان. و بعد ذلك يبقى الرهن أمانة في يد المرتهن لايجب تسليمه الاّ مع المطالبة.
فرعان:
الرهن لازم من جهة الراهن و جائز من جهة المرتهن بلا خلاف بل ادّعي عليه الاجماع - كما في الجواهر(1)- بعد تحقّق القبض. و الظاهر عدم صحّة اشتراط الخيار للراهن؛ لمنافاته للاستيثاق و الحبس الذي هو مقتضى عقد الرهن، فليس له انتزاعه من المرتهن بدون رضاه الاّ مع سقوط الارتهان ببراءة ذمّته من الدين الذي قد رهن به أو بتصريح المرتهن باسقاط حقّه من الارتهان أو ما هو كالتصريح بلا خلاف في شيء من ذلك و لا اشكال.
و لو برئت ذمّته من بعض الحقّ فالظاهر بقاء الجميع رهنا على ما يبقى من الدين و ان قلّ اذا لميكن قد اشترط التوزيع أو كونه رهنا على المجموع المنتفي صدقه بذهاب البعض.
1) - جواهر الكلام 25: 221.
لو انفسخ الرهن يبقى في يد المرتهن أمانة مالكيّة لا شرعيّة، و من لوازمها عدم وجوب تسليمها الى مالكها الاّ بمطالبته بخلاف الشرعيّة. و انّما كان كذلك لأنّه مقبوض باذن المالك و قد كان وثيقة و أمانة فاذا سقطت الوثيقة بقيت الأمانة فتصير بمنزلة الوديعة لا بمنزلة ما لو أطار الريح ثوبا الى دار انسان حيث يلزمه ردّه على مالكه ابتداءً أو اعلامه به. و هذا و نحوه هو المعبّر عنه بالأمانة الشرعيّة؛ حيث انّ الشارع جعله أمينا عليه دون المالك، فتجب المبادرة الى أحد الأمرين؛ لأنّ المالك لميرض بكونه في يده.
و لو شرط ان لميؤدّ أنيكون الرهن مبيعا لميصحّ. و لو غصبه ثمّ رهنه صحّ و لميزل الضمان، و كذا لو كان في يده ببيع فاسد. و لو أسقط عنه الضمان صحّ.
فرعان:
اذا كان الرهن على دين مؤجّل و شرط أنيكون الرهن مبيعا للمرتهن بالدين أو بالقدر المخصوص ان لميؤدّ الدين في ذلك الأجل فانّه لايصحّ الرهن ولا البيع؛ أمّا الرهن فلأنّه لايؤقّت الاّ بالوفاء و أمّا البيع فلأنّه لايعلّق بلا خلاف فيه
كما في الجواهر.(1)
قال في المسالك: «و خالف في ذلك بعض العامّة فصحّح الرهن و أفسد البيع؛ لأنّ الراهن اذا رضي بالرهن مع هذا الشرط كان أولى أنيرضى به مع بطلانه، و فساده ظاهر؛ لأنّ مجرّد الرضا غير كافٍ مع اختلال شرائط العقد.
و عليه فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل لا قبله؛ لأنّه في مدّة الأجل رهن فاسد و بعده مبيع فاسد و فاسد كلّ عقد يتبع صحيحه في الضمان و عدمه فحيث كان صحيح الرهن غير مضمون كان فاسده كذلك و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشتري ففاسده كذلك».(2)
لو غصب زيد مال عمرو و كان عمرو مديونا لزيد فرهن عمرو ذلك المال من زيد صحّ الارتهان، ثمّ هل يزول الضمان أم لا؟ ذهب المصنّف رحمهالله الى أنّه لميزل الضمان؛ للاستصحاب، و كذا لو كان في يده بسوم أو ببيع فاسد أو استعارة مضمونة.
و في المسالك: «قد عرفت في أوّل بحث الرهن أنّه يجوز رهن العين المغصوبة عند الغاصب و الخلاف في أنّ قبضه هل يتحقّق بمجرّد العقد أو لا بدّ فيه من اذن جديد؟ و أنّ المصنّف اختار تحقّقه بمجرّد العقد؛ اكتفاءً بالقبضالسابق. و بقي الكلام هنا في أنّ الضمان الذي كان قد حصل بالغصب هل يزول
بالرهن أم لا؟ و المصنّف رحمهالله جزم ببقاء الضمان؛ لأنّه كان حاصلاً من قبل و لميحصل ما يزيله فيستصحب - الى أنقال: - و استقرب العلاّمة في القواعد زوال الضمان بمجرّد العقد؛ لزوال السبب المقتضي للضمان؛ لأنّه لميبق غاصبا، و الأوّل أقوى.
و الوجهان آتيان فيما لو لميكتف بالقبض السابق و جدّد له المالك الاذن في القبض بتقريب الدليل الاّ أنّ زوال الضمان هنا أقوى؛ لأنّ اذن المالك له في قبضه بمنزلة قبضه ايّاه ثمّ دفعه اليه؛ لأنّه حينئذ كوكيله بخلاف السابق. و هذا البحث آتٍ في كلّ قبض مضمون كالمقبوض بالبيع الفاسد و السوم على القول به و المستعير المفرّط و المشروط عليه الضمان؛ لاشتراك الجميع في المعنى. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
تارة قبضه منه ثمّ أقبضه بعد عقد الرهن فحينئذ يزول الضمان بلا اشكال.و أخرى أذن له في استمرار القبض فالظاهر - كما في الجواهر - زوال الضمان أيضا.
و ثالثة أسقط عنه الضمان و هو أيضا موجب لسقوط الضمان، و لايقال بأنّه اسقاط لما لميجب؛ فانّه يقال بأنّ الاسقاط يكون للحقّ الذي تحقّق فعلاً و هو تهيّؤ ذمّته للضمان بالتلف فليس حينئذ اسقاط لما لميجب بل هو اسقاط لما وجب و تحقّق كما في الجواهر.
و أمّا اذا لميكن أحد من هذه بل رهنه فقط، فان كان هناك قرينة على كون رهنه أحدا من هذه الثلاثة فيزول الضمان أيضا بل يمكن أنيقال بأنّ الرهن يخرج القبض عن كونه غصبا فيتغيّر الموضوع و لا مجال حينئذ للاستصحاب.
1) - مسالك الأفهام 4: 57 و 58.
و ما يحصل من الرهن من فائدة فهي للراهن، و لو حملت الشجرة أو الدابّة أو المملوكة بعد الارتهان كان الحمل رهنا كالأصل على الأظهر.
ما يحصل من الرهن من فائدة متّصلة كانت أم منفصلة متولّدة كالثمرة أم لا ككسب العبد فانّ جميعها للراهن تبعا للأصل، فانّ حبسه لحقّ المرتهن لايخرجه عن حقيقة الملك. و يبقى أنّه هل يدخل معه في الرهن أم لا؟
فنقول: انّ فوائد الرهن و زوائده المتجدّدة بعد الارتهان ان كانت متّصلة اتّصالاً لايقبل الانفصال كالسمن و الطول دخلت اجماعا. و ان كانت منفصلة كالثمرة و الولد أو يقبل الانفصال كالشعر و الثمرة قبل الجذاذ ففي دخولها قولان. فالمشهور و منهم المصنّف دخولها فيه، و وجهه أنّ النماء من شأنه تبعيّة الأصل في الحكم. و الثاني عدم الدخول، ذهب اليه الشيخ و تبعه العلاّمة و ولده و المحقّق الكركي؛ لأصالة عدمه و لأنّ الأصل في الملك أنيتصرّف فيه مالكه كيف شاء، خرج منه الأصل بوقوع الرهن عليه فيبقى الباقي.
و في المسالك: «و لعلّ قول الثاني أقوى، و ما استدلّ به المشهور من أنّ النماء من شأنه تبعيّته في الملك فهو مسلّم الاّ أنّ الكلام في الحكم و لانسلّم ذلك. نعم، لو شرط المرتهن دخولها أو شرط الراهن خروجها ارتفع الاشكال و لزم الشرط».(1)
و كذلك قول صاحب الجواهر، و هو الوجه.
1) - مسالك الأفهام 4: 60.
و لو كان في يده رهنان بدينين متغايرين ثمّ أدّى أحدهما لميجز امساك الرهن الذي يخصّه بالدين الآخر، و كذا لو كان له دينان و بأحدهما رهن لميجز له أنيجعله رهنا بهما و لا أنينقله الى دين مستأنف.
لو كان في يده رهنان بدينين متغايرين أو متوافقين ثمّ أدّى الراهن أحدهما لايجوز للمرتهن امساك الرهن الذي يخصّه الدين المؤدّى بالدين الآخر من غير تراضٍ مع الراهن، بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- و كذا لو كان له دينان بأحدهما رهن لميجز له أنيجعله رهنا بهما من غير تراض معه أيضا و لا أنينقله الى دين مستأنف، أمّا مع الرضا من الراهن فيجوز قطعا.
كلّ ذلك لأنّ كلّ عقد فيه دين و رهن مع تراضٍ من الطرفين، فاذا أراد أحدهما أنيبدّل ما تراضيا عليه فلا بدّ من عقد جديد مع تراضٍ آخر.
و اذا رهن مال غيره باذنه ضمنه بقيمته ان تلف أو تعذّر اعادته، و لو بيع بأكثر من ثمن مثله كان له المطالبة بما بيع به.
اذا رهن مال غيره باذنه جاز باجماع العلماء - كما في المسالك - و سمّوه استعارة للرهن و جعلوها مضمونة على الراهن و ان تلفت بغير تفريط من المرتهن، على خلاف القاعدة فانّ العارية غير مضمونة الاّ مع الشرط أو في الذهب و الفضّة، و جعل العارية هنا مضمونة خلاف القاعدة و الدليل عليه هوالاجماع ظاهرا.
1) - جواهر الكلام 25: 231.
و هي لازمة لايجوز للمعير الرجوع فيها بحيث يفسخ الرهن و ان جاز له مطالبة الراهن بالفكّ عند الحلول. و ان تلف في يد المرتهن بغير تفريط لميضمن و ضمن الراهن. و في حكم التلف تعذّر ردّه بالغصب و نحوه.
و اذا أراد المرتهن استيفاء دينه من الرهن المستعار، بالبيع حيث يجوز بيعه فحكمه حكم غيره من جواز بيعه ان كان وكيلاً و الاّ استأذن المالك و الاّ فالحاكم. فاذا باعه على وجه يصحّ فليكن بثمن المثل فصاعدا، فان باع بأكثر فالأكثر للمالك؛ لأنّه ثمن ملكه.
و اذا رهن النخل لمتدخل الثمرة و ان لمتؤبر و كذا ان رهن الأرض لميدخل الزرع و لا الشجر و لا النخل، و لو قال بحقوقها دخل و فيه تردّد ما لميصرّح، و كذا ما ينبت في الأرض بعد رهنها، سواء أنبته اللّه سبحانه أو الراهن أو أجنبي اذا لميكن الغرس من الشجر المرهون.
و هل يجبر الراهن على ازالته؟ قيل: «لا»، و قيل: «نعم»، و هو الأشبه.
و لو رهن لقطة ممّا يلقط كالخيار فان كان الحقّ يحلّ قبل تجدّد الثانية صحّ، و ان كان متأخّرا تأخّرا يلزم منه اختلاط الرهن بحيث لايتميّز قيل: «يبطل»، و الوجه أنّه لايبطل.
و كذا البحث في رهن الخرطة ممّا يخرط و الجزة مما يجز.
اذا رهن النخل لمتدخل الثمرة و ان لمتؤبّر؛ لعدم تناول اللفظ لها، و الدخول في البيع لدليل مخصوص لايقتضي الدخول هنا بعد حرمة القياس عندنا، فلا فرق حينئذ بين ثمرة النخل و غيره. و كذا اذا رهن الأرض لميدخل الزرع و لا الشجر ولا النخل الواقع فيها لعدم تناول اللفظ. و كذا لايدخل ما ينبت في الأرض بعد
رهنها سواء أنبته اللّه سبحانه أو الراهن أو الأجنبي اذا لميكن الغرس من الشجر المرهون.
و هل يجبر الراهن على ازالة ما نبت بعد الرهن؟ اختار المصنّف جواز اجبار الراهن بازالته، و فيه اشكال. و في المسالك اختار جواز الاجبار لو كان ذلك بفعل الراهن، و في اطلاقه اشكال، فانّ الأرض لمتكن ملكا للمرتهن و انّما كانت وثيقة لدين الراهن فالمهمّ عدم مزاحمة ما نبت لكون الأرض وثيقة، فانّ تصرّف الراهن و ان كان محرّما الاّ أنّ الأرض ملكه و لايجبر على ازالة ما نبت فيه الاّ أنيزاحم حقّ المرتهن من كون الأرض وثيقة.
و لو رهن لقطة ممّا يلقط كالخيار فان كان الحقّ يحلّ قبل تجدّد الثانية صحّ بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- لوجود المقتضي و عدم المانع. و ان كان متأخّرا تأخّرا يلزم منه اختلاط الرهن بحيث لايتميّز قيل كما عن المبسوط و موضع من التذكرة يبطل؛ لتعذّر الاستيفاء بسبب عدم التميّز و لعدم صحّة البيع عند الأجل للجهل. و الوجه أنّه لايبطل؛ لامكان الاستيفاء مع المضايقة من الراهن بالقسمة معه و لو بالصلح قهرا كما ذهب اليه العلاّمة و ولده و الشهيدان و المحقّق الثاني و غيرهم على ما حكي عن بعضهم كما في الجواهر.
و هكذا يكون البحث في رهن الخرطة ممّا يخرط و الجزّة ممّا يجزّ.
و اذا جنى المرهون عمدا تعلّقت الجناية برقبته و كان حقّ المجني عليه أولى به، و ان جنى خطأ فان افتكّه المولى بقي رهنا، و ان سلّمه كان للمجنيعليه منه بقدر أرش الجناية و الباقي رهن، و ان استوعبت الجناية قيمته كان
1) - جواهر الكلام 25: 241.
المجني عليه أولى به من المرتهن. و لو جنى على مولاه عمدا اقتصّ منه و لايخرج عن الرهانة. و لو كانت الجناية نفسا جاز قتله، أمّا لو كانت خطأ لميكن لمولاه عليه شيء و بقي رهنا. و لو كانت الجناية على من يرثه المالك ثبت للمالك ما ثبت للموروث من القصاص أو انتزاعه في الخطأ ان استوعبت الجناية قيمته أو اطلاق ما قابل الجناية ان لمتستوعب.
اذا جنى العبد المرهون عمدا تعلّقت الجناية برقبته و لذا كان حقّ المجني عليه أولى من حقّ المرتهن؛ و ذلك لأنّه قد ثبت في المواضع المختلفة من الفقه أنّه اذا تزاحم ما له بدل مع ما ليس له بدل، فما ليس له بدل أولى و أهمّ و له التقدّم على ما له بدل، فانّ حقّ المرتهن متعلّق بالرقبة و بذمّة الراهن فلايفوت حقّه بفوات الرهن مع أنّ حقّ المجني عليه ليس له بدل.
ثمّ انّ جناية العبد المرهون ان كانت نفسا و أوجبت قصاصا فأمره الى وارث المجني عليه فان اقتصّ بطل الرهن و كذا ان استرقّه. و ان عفى عنه بقي رهنا؛ اذ لميبطل الرهن بصرف الجناية و انّما يبطل اذا تزاحمت الحقوق. و ان رضي الوارث بالدية فان بذله المولى بقي رهنا أيضا و الاّ بيع العبد و بطل الرهن و ان عاد الى ملك الراهن كما لو اشتراه. و ان أوجبت قصاصا في الطرف اقتصّ منه و بقي رهنا، و ان رضي المجني عليه بالدية فكالسابق.
و أمّا جنايته على مولاه فتارة تكون في نفسه و أخرى في طرفه و عليهما فتارة تكون عمدا و أخرى تكون خطأ، فان كانت الجناية عمدا في نفس مولاه فأمره الى وارثه كما تقدّم، و ان كانت عمدا في طرف مولاه فأمره الى مولاه.
و أمّا ان كانت الجناية خطأ في نفس مولاه أو طرفه فلايكون لوارثه في الأوّل ولا لمولاه في الثاني عليه شيء؛ لأنّ العبد ماله و لايثبت له على ماله مال.
و أمّا اذا جنى على من يرثه المالك، فان كانت في غير النفس فأمره الى المجني عليه كما تقدّم. و ان كانت نفسا و أوجبت قصاصا فله قتله أو استرقاقه و فكّه من الرهن، فانّ الحقّ هنا ابتداءً للمجني عليه و انّما ينتقل الحقّ الى المالك من مورّثه، و لذا كان للمالك فكّه من الرهن هنا و لميكن له ذلك اذا جنى العبد عليه، كما هو واضح
و لو أتلف الرهن متلف ألزم بقيمته و تكون رهنا و لو أتلفه المرتهن، لكن لو كان وكيلاً في الأصل لميكن وكيلاً في القيمة؛ لأنّ العقد لميتناولها.
لو أتلف الرهن متلف كلاًّ ألزم بقيمته و لو أتلف بعضه ألزم الأرش و يكونان رهنا بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - لأنّ حقّ الرهانة متعلّق بالعين و قد جعل لها الشارع بالتلف بدلاً فيتعلّق به كما هو مقتضى البدليّة و ان أتلفه المرتهن؛ لعدم دلالة اتلافه على اسقاط حقّ رهانته كما أنّ عدم ضمان المالك لماله لايسقط حقّ المرتهن لو كان المتلف هو المالك. لكن لو كان المرتهن وكيلاً في الأصل على بيع أو غيره لميكن وكيلاً في القيمة؛ لأنّ العقد لميتناولها.
و لو رهن عصيرا فصار خمرا بطل الرهن فلو عاد خلاًّ عاد اليه ملك الراهن. و لو رهن من مسلم خمرا لميصحّ فلو انقلب في يده خلاًّ فهو له على تردّد، و كذا لو جمع خمرا مراقا، و ليس كذلك لو غصب عصيرا.
لو رهن عصيرا جاز بلا خلاف؛ لأنّه عين مملوكة يجوز بيعها و احتمالصيرورته خمرا قبل حلول الحقّ غير قادح كرهن المريض. و على كلّ حال فلو
صار خمرا في يد المرتهن بطل الرهن عندنا؛ لخروجه عن الملكيّة التي هي شرط صحّته. نعم، لو عاد خلاًّ عاد الى ملك الراهن و عاد الرهن أيضا، فانّ الرهن أمانة في يد المرتهن كما تقدّم و لذا كان حكمه حكم ملك الراهن اذا كان في يده و تحت استيلائه، فاذا صار العصير في يده خمرا ثمّ عاد خلاًّ عاد الى ملكه، فكذا اذا كان رهنا و لايكون تحت استيلائه.
و أمّا لو رهن مسلم من مسلم خمرا لميصحّ بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - لعدم الملكيّة التي تشترط في الرهن، و عدم جواز بيع المسلم ايّاها، فلو انقلب في يد المرتهن خلاًّ فهل هو له؛ لاستيلاء يده عليه أو كان للراهن؟ فيه اشكال، أظهره أنّه للراهن و ذلك لأنّ الاستيلاء على الرهن أوّلاً و بالذات للراهن و استيلاء المرتهن فرع استيلاء الراهن و هو الذي صيّره ذا اليد، فكان للراهن.
و بذلك يظهر الفرق بين هذا الفرع و بين ما اذا جمع جامع خمرا مراقا فتخلّلت في يده فانّه يكون ملكا للثاني بلا خلاف دون الأوّل؛ لاسقاط حقّ أولويّته منها بالاراقة الظاهرة في الاعراض كما في الجواهر.(1)فانّ حقّ الأولويّة هنا للراهن ظاهرا، لعدم صدق الاعراض.
و لو غصب عصيرا فصار خمرا في يده ثمّ تخلّل كذلك فانّه لا خلاف في عدم ملكيّة الغاصب له بل هو ملك للمغصوب منه فيرجعه اليه.
و لو رهنه بيضة فأحضنها فصارت في يده فرخا كان الملك و الرهن باقيين، و كذا لو رهنه حبّا فزرعه. و اذا رهن اثنان عبدا بينهما بدين عليهماكانت حصّة كلّ واحد منهما رهنا بدينه فاذا أدّاه صارت حصّته طلقا و ان
1) - جواهر الكلام 25: 253.
بقيت حصّة الآخر.
لو رهن بيضة فأحضنها المرتهن فصارت في يده فرخا كان الملك و الرهن باقيين و كذا لو رهنه حبّا فزرعه؛ لأنّ هذه الأشياء نتيجة ماله و مادّتها له فلمتخرج عن ملكه بالتغيير فالرهن تابع للعين كيفما تغيّرت أو نقلت، و ليس معلّقا على اسم البيضة و الحبّ حتّى يزول بزوال الاسم.
ثمّ انّه اذا رهن اثنان عبدا بينهما بدين عليهما كانت حصّة كلّ واحد منهما رهنا بدينه مع الاطلاق، فاذا أدّاه واحد منهما صارت حصّته طلقا و بقيت حصّة الآخر رهنا.
و فيه مسائل:
«الأولى»: اذا رهن مشاعا و تشاحّ الشريك و المرتهن في امساكه انتزعه الحاكم و آجره ان كان له أجرة ثمّ قسّمها بينهما بموجب الشركة و الاّ استأمن عليه من شاء؛ قطعا للمنازعة.
اذا رهن مشاعا و أذن للمرتهن في قبضه و استدامة يده عليه و تشاحّ الشريك و المرتهن في امساكه - سواء كان نزاعهما في الامساك لأجل القبض المشروط في الرهن أو لأجل الاستئمان الى أنيحلّ الأجل - انتزعه الحاكم و قبضه لهما بنفسه أو نصب عدلاً يكون في يده لهما.
و اذا انتزعه منهما فان كان له أجرة و طلبوا استئجاره آجره مدّة لاتزيد عن أخذ الحقّ الاّ برضا المرتهن و اجازته ثمّ قسّمها بينهما بموجب الشركة. و ان لمتكن له أجرة أو لميريدوا استئجاره بقي عنده أمانة أو استأمن عليه من شاء قطعا للمنازعة المنصوب لحسمها و ما شابهها.
«الثانية»: اذا مات المرتهن انتقل حقّ الرهانة الى الوارث فان امتنع الراهن من استئمانه كان له ذلك، فان اتّفقا على أمين و الاّ استأمن عليه الحاكم.
قد تقدّم الكلام في هذه المسألة عينا و قلنا بأنّه اذا مات المرتهن فانّه و ان
انتقل حقّ الرهانة الى الوارث بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - الاّ أنّ للراهن الامتناع من تسليمه الى الوارث كما يجوز للوارث الامتناع من تسليم الرهن له، و قلنا بأنّهما امّا أنيتّفقا على أمين، أو تسلّمه الحاكم، و هكذا يكون الحكم لو مات الراهن، فراجع.
«الثالثة»: اذا فرّط في الرهن و تلف لزمته قيمته يوم قبضه، و قيل: «يوم هلاكه»، و قيل: «أعلى القيم»، فلو اختلفا في القيمة كان القول قول الراهن و قيل: «القول قول المرتهن»، و هو الأشبه.
اذا فرّط في الرهن و تلف لزمته قيمته يوم الأداء سواء كان مثليّا أو قيميّا، أمّا في المثلي فلأنّه ان وجد ضمن بمثله و الاّ فقيمة المثل عند الأداء؛ لأنّ الواجب قبله انّما كان المثل و انّما انتقل الى القيمة حين الأداء لتعذّر المثل، و أمّا في القيمي فالأقوال فيها و ان كانت كثيرة - و كان المهمّ منها خمسة قيمة يوم القبض و قيمة يوم التلف و أعلى القيم و يوم العدوان و يوم الأداء - الاّ أنّ الأقوى فيها أيضا قيمة يوم الأداء كما استدللنا عليه في المواضع المختلفة ككتاب البيع و الغصب و مباحثنا في القواعد الفقهيّة في قاعدة ضمان اليد، و الدليل عليه أنّ يوم الأداء هو وقت انقلاب العين التي في ذمّته الى القيمة لعدم امكان ردّ العين، فانّه مطابق للعرف، فانّ من غُصب ماله يقول للغاصب: رُدّ متاعي فأين هو؟ فاذا قال: تلف، يقول: أدّ قيمته، فالعرف يرى أنّ انتقال الضمان من العين الى القيمة يكون يوم الأداء.
فان قيل بأنّ قيمة يوم الأداء كانت أزيد فيلزم الضرر، فيقال: انّه لو كان موجودا لكانت قيمته الفعليّة هذا المقدار.
و في المسالك: «القول بضمانه يوم هلاكه للأكثر، و منهم المصنّف في النافع؛ لأنّه وقت الحكم بضمان القيمة، لأنّ الحقّ قبله كان منحصرا في العين».(1)
ولكنّ الظاهر أنّ عليه أداء العين الى صاحبه الى حين الأداء، فانّه ضامن للعين قبله فاذا تعذّر انتقل الى القيمة يوم الأداء.
و لو اختلفا في القيمة المضمونة بالتفريط فالقول قول المرتهن؛ لأنّه منكر للزائد و الأصل عدمه و براءته منه.
و في المسالك: «و القول قول الراهن للأكثر؛ نظرا الى كون المرتهن صار خائنا، فلايقبل قوله. و يضعّف بأنّا لمنقبل قوله من هذه الحيثيّة، بل لما ذكرناه».
«الرابعة»: لو اختلفا فيما على الرهن كان القول قول الراهن، و قيل: «القول قول المرتهن ما لمتستغرق دعواه ثمن الرهن»، و الأوّل أشهر.
اذا اختلفا فيما على الرهن و لا بيّنة فالقول قول الراهن مع يمينه؛ و ذلك - مضافا الى أنّه المنكر للزيادة فعليه اليمين طبقا لقواعد القضاء و فصل الخصومة - لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام :
«في رجل يرهن عند صاحبه رهنا لا بيّنة بينهما فيه فادّعى الذي عنده الرهن أنّه بألف، فقال صاحب الرهن: انّه بمائة، قال: البيّنة على الذي عنده الرهن أنّه بألف و ان لميكن له بيّنة فعلى الراهن اليمين».(2)
و موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا اختلفا في الرهن فقال أحدهما: رهنته بألف، و قال الآخر: بمائة
درهم، فقال: يسأل صاحب الألف البيّنة فان لميكن بيّنة حلف صاحب المائة. الحديث».(1)
و موثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في رجل رهن عند صاحبه رهنا لا بيّنة بينهما فادّعى الذي عنده الرهن أنّه بألف و قال صاحب الرهن: هو بمائة، فقال: البيّنة على الذي عنده الرهن أنّه بألف، فان لميكن له بيّنة فعلى الذي له الرهن اليمين أنّه بمائة».(2)
و لاتعارضها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام:
«في رهن اختلف فيه الراهن و المرتهن، فقال الراهن: هو بكذا و كذا، و قال المرتهن: هو بأكثر، قال علي عليهالسلام : يصدّق المرتهن حتّى يحيط بالثمن؛ لأنّه أمينه».(3)
لأنّها ضعيفة سندا و موافقة لأحد قولي العامّة و المحتملة - كما عن الشيخ - على أنّ الأولى للراهن أنيصدّق المرتهن، و يحتمل أيضا أنيكون قوله عليهالسلام : «حتّى يحيط بالثمن»، أي حتّى يتيقّن بمقدار ما هو مديون بالمرتهن و كان الرهن في مقابله.
«الخامسة»: لو اختلفا في متاع فقال أحدهما: «هو وديعة»، و قال الممسك: «هو رهن»، فالقول قول المالك. و قيل: «قول الممسك»، و الأوّل أشبه.
لو اختلفا في متاع فقال المالك: «هو وديعة»، و قال القابض: «هو رهن»، فالقول قول المالك الاّ أنيقيم القابض البيّنة على أنّه رهن؛ و ذلك - مضافا الى أنّ الأصل عدم وجود الدين فقول المالك مطابق له و هو منكر و عليه اليمين وفقا لقواعد القضاء - لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه قال:
«في رجل رهن عند صاحبه رهنا فقال الذي عنده الرهن: ارتهنته عندي بكذا و كذا، و قال الآخر: انّما هو عندك وديعة، فقال: البيّنة على الذي عنده الرهن أنّه بكذا و كذا، فان لميكن له بيّنة فعلى الذي له الرهن اليمين».(1)
و لاتعارضها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا اختلفا فقال أحدهما: أرهنته بألف و قال الآخر: بمائة درهم، قال: يسأل صاحب الألف البيّنة، فان لميكن له بيّنة حلف صاحب المائة، و ان كان الرهن أقلّ ممّا رهن به أو أكثر و اختلفا فقال أحدهما: هو رهن، و قال الآخر: هو وديعة، قال: على صاحب الوديعة البيّنة فان لميكن بيّنة حلف صاحب الرهن».(2)
و صحيحة عبّاد بن صهيب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن متاع في يد رجلين أحدهما يقول:استودعتكه، و الآخر يقول: هو رهن، قال: فقال: القول قول الذي يقول: انّه رهن الاّ أنيأتي الذي ادّعى أنّه أودعه بشهود».(1)
لأنّهما - كما في الجواهر(2)- مخالفتان للمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل ربّما استظهر من نافع المصنّف الاجماع عليه، و الشيخ و الصدوق ذهبا الى القول الثاني، و الأوّل أشبه بأصول المذهب و قواعده؛ لأنّ المالك منكر باعتبار موافقة قوله لأصالة عدم وجود الدين كما تقدّم آنفا.
و أمّا ما ذكره صاحب الجواهر من موافقة قول المالك لأصالة عدم الارتهان فمخدوش ظاهرا بأنّ أصالة عدم الارتهان معارضة بأصالة عدم الايداع، فتساقطا و نرجع الى أصالة عدم وجود الدين.
«السادسة»: اذا أذن المرتهن للراهن في البيع و رجع ثمّ اختلفا فقال المرتهن: «رجعت قبل البيع»، و قال الراهن: «بعده»، كان القول قول المرتهن؛ ترجيحا لجانب الوثيقة؛ اذ الدعويان متكافئتان.
انّ الصور المتصوّرة في هذه المسألة كأمثالها ثلاث:
لأنّه تارة لميتّفقا على زمان أحدهما فالدعويان متكافئتان كما ذكره المصنّف رحمهاللهو ذلك لتكافؤ الأصلين فانّ الراهن يدّعي تقدّم البيع على الرجوع، و
الأصل عدمه، و المرتهن يدّعي تقدّم الرجوع على البيع، و الأصل عدم تقدّمه أيضا، فيتكافأ الأصلان فيتساقطان كما أوضحناه في مباحث الأصول، و يكون
حكم الرهن على العين باقيا، و هو ترجيح جانب الوثيقة.
و أخرى اتّفقا على وقت واحد، فيتحقّق تعارض الأصول المذكورة، و الحكم فيها كما في سابقتها.
و ثالثة اتّفقا على زمان أحدهما و اختلفا في تقدّم الآخر، فانّ الأصل مع مدّعي التأخّر؛ و وجه ذلك ما أوضحناه مرارا في الموارد المختلفة من أنّ استصحاب عدم تقدّم الحادث المجهول التاريخ على الحادث المعلوم التاريخ يستلزم الحكم بتأخّر مجهول التاريخ عن المعلوم التاريخ، و هو المسمّى في الأصول بأصالة تأخّر الحادث و قد أثبتناه في الاستصحاب و قلنا به و استدللنا هناك على أنّه ليس من الأصل المثبت في شيء، خلافا لبعض الفقهاء كصاحب الجواهر حيث قال في المواضع المختلفة بأنّ أصالة عدم التقدّم لايستلزم التأخّر الاّ بناءً على القول بالأصل المثبت.
و عليه فلو اتّفقا مثلاً على وقوع البيع يوم الجمعة، و اختلفا في زمان الرجوع فقال المرتهن بأنّ الرجوع يوم الخميس و قال الراهن بأنّه يوم السبت، فالأصل يقتضي تأخّره؛ فيقدّم قول الراهن، فانّ الأصل يقتضي عدم تحقّق الرجوع الى يوم الجمعة و هو يستلزم وقوعه يوم السبت.
لو انعكس بأناتّفقا على وقوع الرجوع يوم الجمعة، و اختلفا في زمان البيع فادّعى الراهن وقوع البيع يوم الخميس و قال المرتهن بوقوع البيع يوم السبت، فالأصل يقتضي تأخّر البيع عن يوم الجمعة بتقرير الذي سمعته، فيقدّم قول المرتهن.
«السابعة»: اذا اختلفا فيما يباع به الرهن بيع بالنقد الغالب في البلد و يجبرالممتنع، و لو طلب كلّ واحد منهما نقدا غير النقد الغالب و تعاسرا ردّهما الحاكم الى الغالب؛ لأنّه الذي يقتضيه الاطلاق، و لو كان للبلد نقدان غالبان بيع بأشبههما بالحقّ.
الظاهر أنّه ليس للمرتهن الزام الراهن بالوفاء بعين الرهن و ان كان مجانسا للحقّ؛ للأصل. نعم، للراهن الزام المرتهن بالقبول مع المجانسة و ليس له طلب البيع. و لو اتّفقا على بيعه بالموافق أو المخالف كان لهما ذلك؛ لأنّ الحقّ لهما.
و أمّا اذا اتّفقا على البيع و اختلفا فيما يباع به الرهن بمعنى أنّه أراد أحدهما بيعه بالنقد الغالب و الآخر بغيره، بيع بالنقد الغالب في البلد من غير فرق في طالب الغالب بين كونه الراهن أو المرتهن؛ لأنّ لكلّ منهما حقّا في العين، و لو امتنع الآخر أجبره الحاكم. و كذا لو طلب كلّ واحد منهما نقدا غير النقد الغالب و تعاسرا ردّهما الحاكم الى الغالب؛ لأنّه الذي يقتضيه الاطلاق.
و لو كان للبلد نقدان غالبان بيع بأشبههما بالحقّ بمعنى أنّه يباع بما يناسب الحقّ المرهون عليه و هو ما يكون من جنسه ان اتّفق موافقة أحدهما له فان بايناه عيّن الحاكم ان امتنعا من التعيين.
«الثامنة»: اذا ادّعى رهانة شيء فأنكر الراهن و ذكر أنّ الرهن غيره و ليس هناك بيّنة بطلت رهانة ما ينكره المرتهن و حلف الراهن على الآخر و خرجا عن الرهن.
اذا ادّعى المرتهن رهانة شيء مخصوص فأنكر الراهن و ذكر أنّ الرهن غيره و
ليس هناك بيّنة بطلت رهانة ما ينكره المرتهن؛ لكونه جائزا من قبله، فيكفي في فسخه انكاره، و تبقى اليمين على الراهن لنفي ما يدّعيه؛ لرجوع النزاع الى أنّ مايدّعيه المرتهن هل هو رهن أم لا؟ و القول قول المالك في عدمه كما تقدّم في المسألة الخامسة. فلو قال الراهن: رهنت العبد و قال المرتهن: بل الجارية، فاذا حلف الراهن خرجا معا عن الرهن بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر و المسالك.
«التاسعة»: لو كان له دينان أحدهما برهن فدفع اليه مالاً و اختلفا فالقول قول الدافع؛ لأنّه أبصر بنيّته، و ان اختلفا في ردّ الرهن فالقول قول الراهن مع يمينه اذا لميكن بيّنة.
لو كان له دينان أحدهما برهن و الآخر بلا رهن فدفع الراهن اليه مالاً و اختلفا في أنّه عن ذيالرهن أو عن فاقده فالقول قول الدافع؛ لأنّه أبصر بنيّته التي لاتعلم الاّ من قبله. و هل يلزمه مع ذلك يمين؟
قال في المسالك: يحتمل العدم؛ لأنّ دعوى المرتهن غير معقولة؛ اذ لا اطّلاع له على نفس الراهن. و الحقّ ثبوت اليمين؛ لامكان اطّلاعه على نيّته باقراره قبل ذلك».(1)
و ان اختلفا في ردّ الرهن فعلى المرتهن البيّنة على الردّ؛ لأنّه المدّعي، و ان لمتكن بيّنة فعلى الراهن المنكر للردّ اليمين؛ لأنّ الأصل عدم الردّ فيلزم المرتهن بالمثل أو القيمة لا بالعين؛ لأنّه يمكن أنلايكون في يده فيلزم تكليفه بما لايطاق.
1) - مسالك الأفهام 4: 81.
و الفرق بين المرتهن و المستودع حيث يقبل قوله في الردّ أنّ المستودع قبضلمصلحة المالك فهو محسن محض و «ما على المحسنين من سبيل»(1)بخلاف المرتهن فانّه قبض لمصلحة نفسه. و مثله المستعير و المقارض و الوكيل بجعل.
هذا تمام الكلام في شرح كتاب الرهن
من شرائع الاسلام
و يتلوه شرح كتاب المفلّس
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
1) - التوبة 9: 91.
انّ المحقّق صاحب الشرائع قدسسره قد عقد للمفلس كتابا على حده مع أنّه من جملة من حجر عليه في أمواله و جاء بسائر من حجر عليه كالسفيه و المجنون و الصبي و غيرها في كتاب سيأتي شرحه، ولكنّ الشهيد و غيره ذكروا أحكام المفلس أيضا في باب الحجر.
و لمّا ذكرنا الأبواب الفقهيّة مطابقا للشرائع ذكرنا أحكام المفلس هنا في كتاب تبعا للمحقّق قدسسره.
المفلس هو الفقير الذي ذهب خيار ماله و بقيت فلوسه. و المفلّس هو الذي جعل مفلسا أي منع من التصرّف في أمواله و لايتحقّق الحجر عليه الاّ بشروط أربعة: «الأوّل»: أنتكون ديونه ثابتة عند الحاكم. «الثاني»: أنتكون أمواله قاصرة عن ديونه، و يحتسب من جملة أمواله معوّضات الديون.
«الثالث»: أنتكون حالّة. «الرابع»: أنيلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، و لو ظهرت أمارات الفلس لميتبرّع الحاكم بالحجر، و كذا لو سأل هو
الحجر. و اذا حجر عليه تعلّق به منع التصرّف لتعلّق حقّ الغرماء و اختصاص كلّ غريم بعين ماله و قسمة أمواله بين غرمائه.
فرعان:
المفلس لغة هو الذي صار ذا فلوس بعد أنكان ذا دراهم كما في العين و لسان العرب و مجمع البحرين و غيرها من كتب اللغة، و بتعبير المصنّف هو الذي ذهب خيار ماله و بقي فلوسه.
فانّه يقال: أفلس الرجل، اذا صار مفلسا كما يقال: «أذلّ الرجل»، اذا صار ذا ذلّ، و «أسهل و أحزن» اذا صار الى السهل و الحزن.
و أمّا بحسب الشرع فقد اختلف كلمات الفقهاء في تعريفه فانّ منهم من جعل التفليس هو حجر الحاكم و جعل الرجل مفلّسا، و هو الممنوع من التصرّف في أمواله كما صنع المصنّف، فقبل الحجر لايسمّى المديون مفلّسا و ان استغرقت ديونه أمواله و زادت عليها، بل على هذا التعريف يكون التفليس مساوقا للحجر عليه.
و هذا ليس على وجه التعريف الحقيقي، بل على وجه الايضاح لمعناه الشرعي، و الاّ فالممنوع من التصرّف في ماله أعمّ من المفلّس، بل من الستّة التي عقد لها كتاب الحجر، كما سيأتي.
و لكن الحقّ ما عليه الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: «انّ الفلس سابق على الحجر و مغاير له، و هو أحد أسبابه كما ذكروه، لا عينه، و لا الحجر جزءمفهومه. نعم، قد يطلق التفليس على حجر الحاكم على المفلّس، كما يقال: فلّسه
القاضي، لكنّه من باب اطلاق اسم السبب على المسبّب.
و على هذا فبين المعنى اللغوي و الشرعي عموم و خصوص من وجه، يجتمعان في من عليه الديون و لا مال له، و ينفرد اللغوي بمن ذهب ماله و ليس عليه دين، و ينفرد الشرعي بمن له مال كثير ولكن عليه دين يزيد عن ماله. و على ما يظهر من تعريف المصنّف و بعضهم فهما متباينان».(1)
لايتحقّق الحجر على المفلّس الاّ بشروط أربعة:
الأوّل: أنتكون ديونه ثابتة عند الحاكم الذي أراد الحجر عليه؛ ضرورة بقاء سلطنته على أمواله مع عدم ثبوت الدين عليه فلو حكم بدون ذلك لميكن مفلّسا شرعا.
الثاني: أنتكون أمواله قاصرة عن ديونه، فان لمتكن قاصرة فلا حجر عليه بل طالبه أرباب الديون فان قضى و الاّ رفعوا أمرهم الى الحاكم حتّى يجبره على القضاء أو يبيع عليه و يقضي عنه؛ لأنّه ولي الممتنع.
و في الجواهر: «و لايمنع في هذا الحال عن التصرّف في أمواله، فلو تصرّف فيها بحيث أخرجها عن ملكه قبل وفاء الحاكم بها نفذ تصرّفه، و انتقل حكمه الى من لميكن عنده مال لديونه».(2)
و هو حقّ؛ لأنّه لميمنع من التصرّف في أمواله بعد. نعم، لو علم الحاكم أو
الغرماء بأنّ المفلس يريد أنيستعمل مكيدة ليمنع الغرماء من الوصول الى ماله كأنيخرج أمواله من ملكه في الظاهر بهبته لبعض أقاربه كولده أو زوجته أو غيرهما لئلاّتصل اليها يد الغرماء، فللحاكم أنيمنعه من التصرّف في أمواله و ان كان مليّا.
و تحتسب من جملة أمواله معوّضات الديون و هي الأموال التي ملكها بعوض ثابت في ذمّته كالأعيان التي اشتراها و استدانها، و انّما تحتسب من جملة أمواله لأنّها ملكه حينئذ و ان كان أربابها بالخيار بين أنيرجعوا فيها و بين أنلايرجعوا و يطالبوا بالعوض، و كما تحتسب من أمواله تحتسب أعواضها من جملة ديونه.
الثالث: أنتكون حالّة، فلو كانت مؤجّلة لميحجر عليه و ان لميف ماله بها لو حلّت؛ اذ ليس لهم المطالبة في الحال و ربّما يجد الوفاء عند توجّه المطالبة. و لو كان بعضها حالاًّ اعتبر قصور ماله عنه خاصّة، فلو وفى به لميحجر عليه و ان لميبق للمؤجّل شيء حتّى أعواضها و لايدام الحجر عليه لها كما لايحجر بها ابتداءً.
الرابع: أنيلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه؛ لأنّ الحقّ لهم فلايحجر عليه مع عدم التماس أحدهم؛ للأصل، الاّ أنيكون الدين لمن للحاكم عليه ولاية كالطفل اليتيم و المجنون و السفيه فحينئذ كان له الحجر. و أمّا لو كانت الديون للغائب ليس للحاكم الحجر عليه؛ لأنّه لايستوفي ما للغائب في الذمم بل يحفظ أعيان أمواله.
و انّما يحجر عليه مع التماس البعض اذا كانت ديونهم بقدر يجوز الحجر به عليه، و هو فيما اذا كان ديون هذا البعض أكثر من أمواله ثمّ يعمّ الحجر الجميع؛لثبوت الديون كلّها و استحقاق أربابها المطالبة بها بخلاف المؤجّلة.
و لو سأل المديون الحجر على نفسه من دون التماس الغرماء لميتبرّع الحاكم بذلك؛ للأصل السالم عن المعارض، و في المسالك: «و استقرب في التذكرة جواز
اجابته محتجّا بأنّ في الحجر مصلحة للمفلّس، كما فيه مصلحة للغرماء، فكما يجاب الغرماء الى ملتمسهم حفظا لحقوقهم فكذا المفلّس ليسلم من حقّ الغرماء و من الاثم بترك وفاء الدين، و قد روي أنّ النبي صلىاللهعليهوآله حجر على معاذ بالتماسه خاصّة».(1)
و فيه - كما في الجواهر(2)- : انّ الخبر لميثبت من طرقنا فليس حجّة، سيّما مع كون المشهور على خلافه. و الأوّل استحسان لايصلح مدركا لحكم شرعي.
ثمّ انّه اذا حجر عليه تعلّق به منع التصرّف؛ لتعلّق حقّ الغرماء و اختصاص كلّ غريم بعين ماله و قسمة أمواله بين غرمائه.
و في الجواهر: «استحبّ له اظهار ذلك بحيث لايتضرّر معاملوه».
القول في المنع من التصرّف:
و يمنع من التصرّف احتياطا للغرماء فلو تصرّف كان باطلاً سواء كان بعوض كالبيع و الاجارة أو بغير عوض كالعتق و الهبة. أمّا لو أقرّ بدين سابق صحّ و شارك المقرّ له الغرماء، و كذا لو أقرّ بعين دفعت الى المقرّ له، و فيه تردّد؛ لتعلّق حقّ الغرماء بأعيان ماله. و لو قال: «هذا المال مضاربة لغائب»، قيل: «يقبل قوله مع يمينه و يقرّ في يده»، و ان قال: «لحاضر» و صدّقه دفع اليه و ان كذّبه قسّم بين الغرماء. و لو اشترى بخيار و فلّس و الخيار باق كان له اجازة البيع و فسخه؛ لأنّه ليس بابتداء تصرّف، و لو كان له حقّ فقبض دونه كان للغرماء منعه. و لو أقرضه انسان مالاً بعد الحجر أو باعه بثمن في ذمّته لميشارك الغرماء و كان ثابتا في ذمّته. و لو أتلف مالاً بعد الحجر ضمن و ضرب صاحب المال مع الغرماء. و لو أقرّ بمال مطلقا و جهل السبب لميشارك المقرّ له الغرماء؛ لاحتماله ما لايستحقّ به المشاركة، و لاتحلّ الديون المؤجّلة بالحجر و تحلّ بالموت.
فروع:
بعد تحقّق الشروط المذكورة آنفا يمنع من التصرّف ابتداءً في الأموال الموجودة حال الحجر سواء كان بعوض أو غيره؛ احتياطا لحفظ الأموال للغرماء و لايتمّ الاّ بذلك، و لا خلاف فيه بين الأصحاب - كما في الجواهر - و لايمنع ممّاليس تصرّفا فيها كالنكاح و الطلاق و القصاص و العفو عنه و الاقرار بالنسب و
نحو ذلك، كما لايمنع من التصرّف المحصّل للمال كالاحتطاب و الاصطياد، و أولى منهما قبول الوصيّة و الاتّهاب ممّا هو مصلحة للغرماء.
و لو تصرّف فيما يمنع من التصرّف فيه فقد قال المصنّف رحمهالله ببطلان التصرّف، و هل هو من رأس؛ لمنعه منه شرعا فلاتصحّ و ان لحقته الاجازة، أو يكون معلّقا فان أجازه الغرماء أو فضل ما يسعه كما لو ارتفع قيمة ماله أو أبرأه بعض الغرماء نفذ، وجهان بل قولان:
و وجه الأوّل أنّه المناسب للحجر فانّ معنى قول الحاكم: «حجرت عليك»، منعتك من التصرّفات و معناه تعذّر وقوعها منه، فيكون مسلوب العبارة كالصبي غير المميّز.
و وجه الثاني أنّه لايقصر عن التصرّف في مال الغير بغير اذنه، فانّ ذلك متوقّف على اذن المالك و معلّق عليه و لايكون باطلاً من رأسه و هو المسمّى بالفضولي، و هنا أولى فانّ المفلّس لايتصرّف الاّ في ماله و قد تعلّق حقّ الغرماء به و لايتصرّف في مال الغرماء فانّ الحجر لايوجب صيرورة أمواله مال الغرماء، و عليه فلايكون مسلوب العبارة فانّ من سلبت عبارته في الشريعة هو الذي لايقصد معنى اللفظ الذي تكلّم به أصلاً كالصبي غير المميّز و المجنون. و هذا الوجه هو الأرجح.
و لا فرق في ذلك بين أنيكون تصرّفه بعوض كالبيع و الاجارة أو بغير عوض كالهبة.
لو أقرّ بدين سابق لا اشكال في صحّة اقراره في الجملة؛ لعموم: «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(1)، فانّه اخبار عن حقّ سابق لميبطل بالحجر فاذا تعلّق غرض المفلّس ببراءة ذمّته بالاقرار وجب قبوله منه.
ثمّ انّه هل يشارك المقرّ له الغرماء؟ فالمصنّف رحمهالله قطع بمشاركته؛ لأنّه عاقل فينفذ؛ للخبر المذكور اذا لميكن هناك تهمة، ولكن الظاهر من الخبر قبول قوله بمعنى أنّه مديون، و أمّا مشاركته مع الغرماء ففيه اشكال؛ لأنّه اقرار في حقّ الغير و لايمكن الحكم بنفي التهمة على الاطلاق فالوجه عدم المشاركة.
و لو أسند الدين الى ما بعد الحجر فلاينفذ في حقّ الغرماء أيضا و ان صحّ الاقرار في نفسه لو كان مثل اتلاف مال أو جناية كما مرّ. و أمّا لو كانت لمعاملة أوقعها بعد الحجر فتكون موقوفة كما تقدّم.
و هكذا الحكم لو أقرّ بعين فان كان سببه بعد الحجر فلايعبأ به، و ان كان قبله فلايسمع بالنسبة الى حقّ الغرماء، و أمّا بالنسبة الى نفسه فهو مديون بمثلها أو قيمتها ان لميكذّبه المقرّ له.
و هكذا يكون الحال لو قال: «هذا المال مضاربة»، بلا فرق بين الغائب و الحاضر.
1) - وسائل الشيعة 23: 184 / الباب 3 من كتاب الاقرار / الحديث 2.
لو اشترى بخيار قبل الحجر عليه و بقيت مدّة خياره الى بعد الحجر فله فسخ البيع؛ للأصل فانّ التصرّف الممنوع منه هو ابتداء التصرّف في المال، و هذا التصرّف ليس بابتداء تصرّف في المال بل هو أثر ثابت قبل الحجر.
و لو خرج المال عن ملك المفلّس بعقد متزلزل كالهبة و نحوها قبل التفليس لميستحقّ الغرماء الزامه بالرجوع. نعم، لو كان له حقّ مالي على الغير كما لو أتلف ماله أو جنى عليه يطلب منه الدية فان قبض بعضه و أعرض عن بعض فلايبعد أنيقال بأنّ للغرماء منعه منه و ان كان فيه اشكال؛ لأنّه ليس تصرّفا في ماله حتّى يكون موضوعا للحجر عليه بل هو شبه كسب، و اللّه العالم.
لو أقرضه انسان مالاً بعد الحجر عليه أو باعه بثمن في ذمّته لميشارك المقرض و لا البائع مع الغرماء مع العلم باعساره، و كان هذا ثابتا في ذمّته.
و في المسالك: «هذا في العالم بحاله موضع وفاق، و لاقدامه على دينه حيث علم اعساره و تعلّق حقّ الغرماء بأمواله. أمّا لو كان جاهلاً بحاله فقد جزم المصنّفبأنّه كذلك؛ لتعلّق حقّ الغرماء الموجودين عند الحجر بأمواله و ان كانت متجدّدة، بناءً على تعلّق الحجر بالمتجدّد من ماله، فلايتوجّه له الضرب معهم، و لا أخذ
عين ماله. - الى أنقال: - و ما اختاره المصنّف لايخلو من قوّة».(1)
أقول:
لو قيل بمشاركته مع الغرماء و لو بحكم الحاكم أو اختيار رجوعه بماله يكون أقرب الى الاحتياط.
و أمّا لو أتلف مالاً بعد الحجر ضمن و ذهب المصنّف الى أنّه شارك صاحب المال مع الغرماء، و قال في المسالك: «انّما يضرب صاحب المال المتلف - مع كون السبب متأخّرا عن الحجر - لانتفاء رضاه، و انّما ثبت حقّه بوجه قهري فيثبت له استحقاق الضرب. و من ثمّ قيل في الجاهل بالمعاملة ذلك. و في حكم اتلافه المال جنايته على نفس آدمي محترمة أو طرفه. انتهى ملخّصا».(2)
أقول: ان قلنا بأنّ الغرماء يملكون أموال المفلّس بمجرّد حجر الحاكم فلايشاركهم صاحب المال أو المجني عليه ولكن الظاهر عدم ملكهم لماله بمجرّد الحجر، و عليه فالمقتضي لاشراكهم موجود و المانع مفقود.
لو أقرّ المفلس بمال في ذمّته بعد الحجر أو ثبت شغل ذمّته بمال بعده مطلقا وبأيّ سبب كان ولكن لميعلم السبب فلايعلم أنّه ممّا يشارك به الغرماء كالاتلاف و الجناية أو لا كما اذا كان برضا المستحقّ و علمه كما تقدّم في بعض الفروع السابقة
فحينئذ لميشارك المقرّ له الغرماء؛ لاحتمال كونه ممّا لايستحقّ به المشاركة، و الأصل في مثل ذلك عدمها.
قال في المسالك: «قد علم ممّا تقدّم أنّ ثبوت المال في ذمّة المحجور عليه قد يكون ممّا يضرب به، كالذي سبق سببه، و الواقع قهرا بعده كالاتلاف و الجناية، و قد لايكون كذلك، كالمتجدّد باختيار الغريم. فاذا أقرّ بمال مطلقا احتمل كونه ممّا يضرب به مع الغرماء و عدمه، و متى احتمل الأمرين يضعف عن مقاومة ما علم تعلّقه شرعا بماله، و هو حقّ الغرماء السابقين على الحجر، فيختصّون به؛ لأصالة عدم استحقاق المقرّ له المشاركة.
و ربّما قيل بوجوب استفصاله ليعلم أ يستحقّ المقرّ له الضرب أم لا؟ و لا شبهة في جوازه و أولويّته، أمّا وجوبه فيمكن دفعه بأنّ تعلّق حقّ الغرماء بعين ماله لمّا كان معلوما، و تعلّق حقّ المقرّ له غير معلوم - لما ذكرناه - فيبقى على أصالة عدم المشاركة الى أنيثبت خلافها».(1)
لاتحلّ الديون المؤجّلة بالحجر؛ للأصل، و تحلّ بالموت؛ لرواية أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام : اذا مات الرجل حلّ ما له و ما عليه من الدين».(2)
و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّه قال:
«اذا كان على الرجل دين الى أجل و مات الرجل حلّ الدين».(1)
و مرسلة الصدوق:
«قال الصادق عليهالسلام : اذا مات الميّت حلّ ما له و ما عليه».(2)
و مضمرة الحسين بن سعيد قال:
«سألته عن رجل أقرض رجلاً دراهم الى أجل مسمّى ثمّ مات المستقرض أ يحلّ مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الأجل مثل ما للمستقرض في حياته؟ فقال: اذا مات فقد حلّ مال القارض».(3)
قال في الجواهر: «و لاتحلّ الديون المؤجّلة بالحجر بلا خلاف أجده من غير الاسكافي، و تحلّ بالموت؛ للاجماع و الأخبار من غير فرق بين مال السلم و الجناية المؤجّلة. انتهى ملخّصا».(4)
القول في اختصاص الغريم بعين ماله:
و من وجد منهم عين ماله كان له أخذها و لو لميكن سواها. و له أنيضرب مع الغرماء بدينه سواء كان وفاءً أو لميكن على الأظهر. أمّا الميّت فغرماؤه سواء في التركة الاّ أنيترك نحوا ممّا عليه فيجوز حينئذ لصاحب العين أخذها، و هل الخيار في ذلك على الفور؟ قيل: «نعم»، و لو قيل بالتراخي جاز. و لو وجد بعض المبيع سليما أخذ الموجود بحصّته من الثمن و ضرب بالباقي مع الغرماء، و كذا ان وجده معيبا بعيب قد استحقّ أرشه ضرب مع الغرماء بأرش النقصان. أمّا لو عاب بشيء من قبل اللّه سبحانه أو جناية من المالك كان مخيّرا بين أخذه بالثمن و تركه.
فروع:
لو وجد غريم المفلس متاعه بعينه كان أحقّ به من سائر الغرماء فيأخذها و لو لميكن سواها؛ و ذلك لصحيحة عمر بن يزيد عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه؟ قال: لايحاصّه الغرماء».(1)
و له أنيضرب مع الغرماء بدينه سواء كان وفاءً أو لميكن؛ لظاهر الصحيحة المذكورة و غيرها.
1) - وسائل الشيعة 18: 415 / الباب 5 من كتاب الحجر / الحديث 2.
قال في الجواهر: «على الأظهر الأشهر بل المشهور، بل لا أجد فيه خلافا معتدّا به اذا كان وفاءً، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لا أجد خلافا فيما اذا لميكن، الاّ من المحكي عن الشيخ في التهذيب و الاستبصار و النهاية و المبسوط، فخصّ الاختصاص بما اذا كان وفاءً.
و لا ريب في ضعفه؛ للنبوي المروي في كتب فروع الأصحاب: «اذا أفلس الرجل و وجد سلعته فهو أحقّ بها»، و نحوه غيره، و اطلاق صحيح عمر بن يزيد المراد منه - و لو بضميمة كلام الأصحاب - فسخ العقد لا عدم المحاصّة في الوفاء، و الاّ لوجب التعرّض لزيادته على دينه و نقيصته. انتهى ملخّصا».(1)
لو مات المديون فغرماؤه سواء في التركة و عليه فصاحب العين و غيره شريك الاّ أنيكون تركته بقدر ما عليه فصاعدا بحيث لايحصل على باقي الغرماء قصور؛ و الدليل على ذلك صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل باع من رجل متاعا الى سنة فمات المشتري قبل أنيحلّ ماله و أصاب البائع متاعه بعينه، له أنيأخذه اذا خفي له؟ قال: فقال: ان كان عليه دين و ترك نحوا ممّا عليه فليأخذه ان أخفي له، فانّ ذلك حلال له، و لو لميترك نحوا من دينه فانّ صاحب المتاع كواحد ممّن له عليه شيء يأخذ بحصّته و لا سبيل له
1) - جواهر الكلام 25: 296.
على المتاع».(1)
قال الشيخ: «انّما يجب أنيردّ المتاع بعينه على صاحبه اذا خلّف الميّت ما يقضى به دين الباقين من غير ذلك و الاّ فصاحبه أسوة الغرماء يقسّم بينهم بالسويّة».(2)
و لاتعارضها مرسلة جميل عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في رجل باع متاعا من رجل فقبض المشتري المتاع و لميدفع الثمن ثمّ مات المشتري و المتاع قائم بعينه، فقال: اذا كان المتاع قائما بعينه ردّ الى صاحب المتاع، و قال: ليس للغرماء أنيحاصّوه(3)».(4)
و ذلك لأنّها تقيّد بالصحيحة كما فسّرها الشيخ رحمهالله؛ جمعا بين الروايتين.
و لا فرق بين أنيموت المديون محجورا عليه أو لا؛ لأنّ الموت بمنزلة الحجر مضافا الى اطلاق الصحيحة.
قال في المسالك: «و الحكمة في شرط الوفاء في مال الميّت دون الحيّ واضحة؛ لأنّ الميّت لايبقى له ذمّة، فلايناسب الاختصاص الاّ مع الوفاء لئلاّيتضرّر الغرماء، بخلاف الحيّ، فانّ ما يتخلّف من الدين يتعلّق بذمّته، فربّما لايضيع. و القول بذلك هو المشهور بين الأصحاب. و خالف فيه ابن الجنيد فحكم بالاختصاص هنا. و ان لميكن وفاء كالحيّ. و هو ضعيف».(5)
ثمّ انّ الظاهر أنّ الخيار لواجد العين - حيث يجوز له أخذها - يكون علىالتراخي؛ و ذلك لاطلاق الدليل و ان كان مراعاة الفوريّة أولى. نعم، لو اقتضى الضرورة الفور وجب.
لو وجد البائع أو المقرض بعض العين المبيعة أو المقرضة فيتصوّر فيه صور:
و ذلك لأنّه تارة يكون البعض الفائت ممّا يتقسّط عليه الثمن، بمعنى بسطه عليه و على الباقي بالنسبة، و هو الذي يصحّ افراده بالبيع، كعبد من عبدين و نصف ثوب، فحينئذ كان له الرجوع الى الموجود بحصّته من الثمن؛ لاطلاق الدليل المتقدّم و الضرب بالباقي مع الغرماء؛ لتحقّق الدين بالنسبة الى الباقي، كما أنّ له الضرب بتمام الثمن معهم.
و الظاهر أنّه لا خلاف في حكم هذه الصورة عندنا مطلقا؛ و لأنّ الموجود يصدق عليه أنّه عين ماله، فله أخذها. و انّما خالف فيه بعض العامّة فزعم أنّه ليس له الرجوع بالباقي؛ لأنّه لميجد المبيع بعينه، كما في المسالك.
و أخرى لايكون للفائت جزء من الثمن أو وجد المبيع معيبا بعيب، فان كان العيب الحاصل بآفة سماويّة أو بفعل المشتري فذهب أكثر الأصحاب الى أنّه ليس للبائع الاّ الرضا به على تلك الحال، أو الضرب بالثمن مع الغرماء، حتّى أنّ المصنّف لمينقل فيه هنا خلافا، و الظاهر أنّ ما ذهب اليه الأكثر هو الحقّ، ولكن ذهب الشهيد الثاني رحمهالله الى أنّ الأحسن أنيقال: ان أخذه يستحقّ أرشه و الضرب مع الغرماء بأرش النقصان.
و أمّا ان كان بفعل الأجنبي استحقّ أرشه و تخيّر بين أخذه و الضرب بجزء منالثمن على نسبة نقصان القيمة، و بين الضرب بجميع الثمن.
و في وسيلة النجاة بحث فيما اذا كان النقص حصل بفعل الأجنبي و مع ذلك قال في الأخير: «و المسألة محلّ اشكال فالأحوط للبائع أنيقتصر على أقلّ الأمرين ... »، و المحشّي ذهب الى الاحتياط في التخلّص بالتصالح و التراضي.
و لو حصل منه نماء منفصل كالولد و اللبن كان النماء للمشتري و كان له أخذ الأصل بالثمن، و لو كان النماء متّصلاً كالسمن أو الطول فزادت لذلك قيمته قيل: «له أخذه؛ لأنّ هذا النماء يتبع الأصل»، و فيه تردّد، و كذا لو باعه نخلاً و ثمرتها قبل بلوغها و بلغت بعد التفليس.
أمّا لو اشترى حبّا فزرعه و أحصد أو بيضة فأحضنها و صار منها فرخ لميكن له أخذه؛ لأنّه ليس عين ماله، و لو باعه نخلاً حائلاً فأطلع أو أخذ النخل قبل تأبيره لميتبعها الطلع. و كذا لو باع أمة حائلاً فحملت ثمّ فلّس و أخذها البائع لميتبعها الحمل، و لو باع شقصا و فلّس المشتري كان للشريك المطالبة بالشفعة و يكون البائع أسوة مع الغرماء في الثمن.
فروع:
لو وجد البائع متاعه عند المفلّس و قد حصل منه نماء منفصل كالولد و اللبن كان النماء للمشتري و كان له أخذ الأصل بالثمن؛ و ذلك لأنّه حصل في ملك المفلّس فليس للبائع الرجوع فيه؛ لأنّه ليس عين ماله.
و لا فرق في الولد بين الحمل و المنفصل، و لا في اللبن بين المحلوب و غيره، و مثله الثمرة المتجدّدة و ان لمتقطف. و في المسالك: «هذا موضع وفاق لميخالف فيه الاّ بعض العامّة»، و في الجواهر: «بلا خلاف بيننا و لا اشكال».(1)
و أمّا لو كان النماء متّصلاً ففي المسالك: «القول بتبعيّة الزيادة المتّصلة للشيخ رحمهالله و جماعة منهم العلاّمة في القواعد، محتجّين بأنّ هذه الزيادة محض صفة و ليست من فعل المفلّس، فلاتعدّ مالاً له، و لأنّه يصدق أنّه وجد عين ماله فيرجع به. و وجه تردّد المصنّف ممّا ذكر، و من كون الزيادة ملكا للمفلّس و ان لمتكن بفعله؛ لأنّها نماء ملكه، و أنّ الرجوع في العين على خلاف الأصل فيقتصر فيه على ما لايستلزم فوات مال للمفلّس. و لانسلّم أنّها بقيت عين ماله، بل هي مع شيء آخر. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الأقوى أنّها تعرض على العرف فان كان يحكم فيها بالتبعيّة المحضة كالسمن اليسير الذي لايلحظ مستقلاًّ فتكون الزيادة للبائع، و ان كان العرف يلحظها مستقلّة بحيث تغيّر حالته الأولى بالكلّيّة من حيث القيمة و سائر الجهات فلا وجه للتبعيّة لكونها كالمباين بالنسبة الى الأصل عرفا، و لو شكّ العرف فيلحق بالأوّل؛ لأصالة التبعيّة الاّ ما يحرز استقلاله.
و يلحق به ما لو باعه نخلاً و ثمرتها قبل بلوغها و بلغت بعد التفليس.
و هكذا يكون الحال بالنسبة الى المقرض و المقترض.
لو اشترى حبّا فزرعه و أحصد أو بيضة فأحضنها و صار منها فرخ لميكن له أخذه؛ لأنّه ليس عين ماله و ان كان أصله من ماله. و بهذا فارق الغاصب؛ لأنّ التغيّر في الغصب كان في ملك المغصوب منه فكان الموجود له كيف كان، فالمرجع هنا الى وجود العين لا الى مجرّد الملك، و كذا القول في العصير اذا تخمّر في يد المشتري ثمّ تخلّل.
و لو باعه نخلاً حائلاً فأطلع أو أخذ النخل قبل تأبيره فأبّره لميتبعها الطلع؛ لأنّ الطلع ثمرة متجدّدة في حكم المنفصلة فلايتّبع. و كذا القول في باقي الأثمار بعد الظهور. و حيث تكون الثمرة للمشتري و أخذ البائع الشجرة يجب عليه ابقاؤها الى أوان قطعها عادة بغير أجرة.
و يلحق به ما لو باع أمة حائلاً فحملت ثمّ فلّس و أخذها البائع فلايتبعها الحمل. و حيث حكم بكون الحمل للمشتري يجب على البائع ابقاؤها الى الوضع بغير أجرة و يعتبر شربه اللباء أيضا كما في نظائره حيث انّ الولد لايعيش بدونه.
اذا باع شقصا و فلّس المشتري كان للشريك المطالبة بالشفعة و يكون البائع أسوة مع الغرماء في الثمن؛ و ذلك لأنّ حقّ الشفيع مقدّم على حقّ البائع فاذا أخذ الشفيع الشقص و دفعه الثمن فالبائع يكون شريكا لثمن المبيع مع الغرماء؛ لأنّهلايكون عين ماله.
قال في المسالك: « قد اشتملت هذه المسألة على حكمين:
«أحدهما»: تقديم حقّ الشفيع على البائع، و وجهه أنّ حقّه أسبق من حقّه؛ لأنّ الشفيع استحقّ العين بالبيع، و حقّ البائع انّما تعلّق بها بالحجر، و هو متأخّر عن البيع. و لأنّ حقّ الشفيع لاحق للبيع لذاته و حقّ البائع لاحق له بواسطة الحجر، و ما بالذات أولى ممّا بالعرض. و لأنّ حقّه أقوى؛ لأنّه يأخذ من المشتري و ممّن نقله اليه و ان تعدّد، و تبطل جميع العقود، و البائع انّما يتعلّق بالعين مادامت باقية على ملك المشتري، و لأنّه يأخذها و ان زادت، و البائع لايأخذها مع الزيادة على ما تقدّم.
و «الثاني»: انّ الثمن لايختصّ به البائع، بل يكون فيه أسوة الغرماء؛ و ذلك لأنّه انّما يثبت للمشتري بالأخذ بالشفعة، و في تلك الحال يكون مالاً للمشتري، فيتساوى فيه الغرماء. و لايقدّم به البائع؛ لأنّه ليس عين ماله بل عوضه، و هو لايقدّم بالعوض».(1)
و لو فلّس المستأجر كان للمؤجر فسخ الاجارة و لايجب عليه امضاؤها و لو بذل الغرماء الأجرة. و لو اشترى أرضا فغرس المشتري فيها أو بنى ثمّ فلّس كان صاحب الأرض أحقّ بها، و ليس له ازالة الغروس و لا الأبنية. و هل له ذلك مع بذل الأرش؟ قيل: «نعم»، و الوجه المنع، ثمّ يباعان فيكون له ما قابل الأرض، و ان امتنع بقيت له الأرض و بيعت الغروس و الأبنية منفردة.
و لو اشترى زيتا فخلطه بمثله لميبطل حقّ البائع من العين، و كذا لوخلطه بدونه؛ لأنّه رضي بما دون حقّه، و ان خلطه بما هو أجود قيل: «يبطل
1) - مسالك الأفهام 4: 107.
حقّه من العين و يضرب بالقيمة مع الغرماء».
فروع:
لو فلّس المستأجر و لميكن قد دفع الأجرة جاز للمؤجر فسخ الاجارة و أخذ العين المؤجرة؛ تنزيلاً للمنافع منزلة الأعيان، و لأنّه قد وجد عين ماله فتشمله الرواية، و له امضاء الاجارة و الضرب مع الغرماء بالأجرة.
و في المسالك: «تفصيل المسألة أنّ الحجر عليه لايخلو: امّا أنيكون قبل مضي شيء من المدّة أو بعده. و على الثاني امّا أنتكون العين المؤجرة فارغة من حقّ المفلّس كالدار، أو مشغولة كالأرض يزرعها أو يغرسها، و الدابّة قد حمل عليها و هو في أثناء المسافة، ثمّ امّا أن تكون الاجارة واردة على عين أو ذمّة».(1)
أقول:
ان كان قبل مضي شيء من المدّة و أراد المؤجر الفسخ فيفسخ و يأخذ العين، و ان كان بعده و تكون العين المؤجرة فارغة من حقّ المفلّس كالدار فيفسخ الاجارة و يضرب مع الغرماء في الأجرة ان كانت في الذمّة و ان كانت على عين فيأخذها، و أمّا ان كانت العين المؤجرة مشغولة كالأرض يزرعها أو يغرسها فسيأتي الكلام فيه في الفرع الآتي.
1) - مسالك الأفهام 4: 108.
لو اشترى أرضا فغرس المشتري فيها أو بنى ثمّ فلّس كان صاحب الأرض أحقّ بها؛ لأنّها عين ماله و هي متميّزة عن مال المفلّس و لايستلزم الرجوع فيها أخذا لمال المفلّس؛ لأنّه ليس له ازالة الغروس و الأبنية بدون الأرش فيشمله صحيحة عمر بن يزيد عن أبي الحسن عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه؟ قال: لايحاصّه الغرماء».(1)
و هل لصاحب الأرض ازالة الغروس و الأبنية مع بذل الأرش؟ قال الشيخ في المبسوط: «نعم؛ لظهور ما دلّ على أنّ له الرجوع في العين في استحقاق منافعها، و حيث وضع الغرس أو البناء بحقّ جمع بين الحقّين ببذل الأرش».(2)
و على هذا ينبغي أنيجوز ابقاؤه بأجرة لا مجّانا؛ لأنّ ذلك هو مقتضى تعليل الشيخ رحمهالله. ولكن لميذكر أحد استحقاقه الأجرة لو أبقاها كما في المسالك.(3)
و الظاهر أنّه ليس لصاحب الأرض ازالة الغرس أو البناء؛ لأنّها وضعت بحقّ و في ملك الواضع فتكون محترمة و لايجوز ازالتها و لو مع الأرش، فطريق وصوله الى حقّه ابتداءً هو التراضي و التصالح بنحو من الأنحاء كما اذا اشترى صاحبالأرض البناء أو الغرس من المفلّس أو غير ذلك، فان لميتصالحا على شيء فطريق وصوله الى حقّه أنتباع الأرض بما فيها من البناء و الغرس فله من الثمن ما
قابل الأرض. و طريق معرفته هو أنيقوّم الغرس أو البناء ثمّ تقوّم الأرض مشغولة بهما ما بقيا مجّانا، و تنسب قيمتها كذلك الى قيمة المجموع و يؤخذ من الثمن لها بنسبة ذلك و الباقي للمفلّس.
لو اشترى زيتا فخلطه بمثله لميبطل حقّ البائع من العين؛ لوجود عين ماله في جملة الموجود غايته أنّها غير متميّزة و ذلك لايستلزم عدمها؛ اذ يمكن التوصّل الى حقّه بالقسمة؛ لأنّ الزيت كلّه سواء على الفرض فيأخذ حقّه بالكيل أو الوزن. و هكذا يكون الحكم لو خلطه بالأردئ؛ لأنّه رضي بما دون حقّه.
و أمّا لو خلطه بالأجود فللشيخ رحمهالله قول ببطلان حقّه من العين؛ لأنّ العين تصير بمنزلة التالفة للاختلاط و عدم امكان رجوعه الى عينه بالقسمة و أخذ المقدار الممتزج؛ للاضرار بصاحب الأجود.
ولكنّ الشهيد في المسالك(1)ذهب الى امكان التوصّل الى حقّه و هو قيمتها بأنيباعا و يكون له بنسبة ما يخصّه من القيمة و هو مختار العلاّمة في المختلف و التحرير. فعلى هذا لو كانت قيمة زيته درهما و الممزوج به درهمين بيعا و أخذ ثلث الثمن. و هو حسن و ان كانت المصالحة أحوط.
1) - مسالك الأفهام 4: 112.
و لو نسج الغزل أو قصر الثوب أو خبز الدقيق لميبطل حقّ البائع من العين و كان للغرماء ما زاد بالعمل. و لو صبغ الثوب كان شريكا للبائع بقيمة الصبغ اذا لمينقص قيمة الثوب به، و كذا لو عمل المفلس فيه عملاً بنفسه كان شريكا للبائع بقدر العمل.
و لو أسلم في متاع ثمّ فلّس المسلم اليه قيل: «ان وجد رأس ماله أخذه و الاّ ضرب مع الغرماء بالقيمة»، و قيل: «له الخيار بين الضرب بالثمن أو بقيمة المتاع»، و هو أقوى.
و لو أولد الجارية ثمّ فلّس جاز لصاحبها انتزاعها و بيعها، و لو طالب بثمنها جاز بيعها في ثمن رقبتها دون ولدها.
فرعان:
اذا اشترى عينا و عمل فيها عملاً يزيد في صفتها لا في ذاتها كأنيطحن الحنطة أو يخبز الدقيق أو يقصر الثوب أو يخيطه بخيوط منه أو ينسج الغزل أو ينشر الخشب ألواحا أو يعملها بابا و نحو ذلك لميسقط حقّ رجوعه بالعين عندنا - كما في المسالك - و قطعا - كما في الجواهر - ؛ لأنّ العين لمتخرج عن حقيقتها بتوارد هذه الصفات عليها فكان واجدا للعين.
و هكذا الحكم فيما لو صبغ المفلّس الثوب المشترى، فانّ الثوب للبائع بلا خلاف ظاهرا.
و أمّا أجرة عمل المفلّس أو ثمن ماله كالخيوط أو الصبغ أو غير ذلك فتارة لمتزد قيمة المبيع بهذه الصفات فلا شيء للمفلّس سواء غرم المفلّس عليه شيئا أم
لا بلا خلاف - كما في الجواهر - و قولاً واحدا - كما في المسالك - فيختصّ البائع حينئذ بالعين؛ لكونها قائمة بخلاف عين مال المفلّس فانّها ذاهبة و الفرض أنّ الصفة بدون ازدياد القيمة لا أثر لها.
و أخرى نقصت قيمته فلا شيء للبائع معه لو اختار أخذ العين.
و ثالثة زادت القيمة بسببه و حينئذ فالمفلّس شريك فيها كزيادة العين فتباع العين و يكون للمفلّس من الثمن بنسبة ما زاد فلو كانت قيمة الثوب مائة خاما و مائة و عشرين مقصورا كان للمفلّس سدس الثمن.
و هكذا لو فرض قيمة الثوب غير المصبوغ أربعة و الصبغ درهمين و المصبوغ ستّة فللمفلّس ثلث الثمن.
لو أسلف زيد متاعا من عمرو الى ستّة أشهر مثلاً و أخذ ثمنه ثمّ أفلس زيد فقال الشيخ رحمهالله: «فينظر ان وجد عمرو عين ماله و هو رأس المال أخذه و كان أحقّ به من سائر الغرماء و ان لميجد عين ماله فانّه يضارب مع الغرماء بقدر ماله عليه».(1)و وجهه - مع وجدان عين ماله - دخوله في عموم الرواية المتقدّمة، و مععدمه يضرب بدينه كما في كلّ غريم، و دينه هو المسلم فيه فيضرب به و هو الأقوى كما في الجواهر.(2)
و الأقوى عند المصنّف الخيار بين الضرب بالثمن أو بقيمة المتاع؛ و ذلك لأنّه
متى تعذّر المسلم فيه في وقته تخيّر المسلم بين الفسخ و الصبر فيكون هنا كذلك، الاّ أنّه مع الفسخ يضرب بالثمن و مع عدمه يضرب بقيمة المسلم فيه؛ اذ لا صبر هنا لأحد من الغرماء. و هو اختيار أكثر الفقهاء و الشهيد في المسالك و قال فيه:
«يجب تقييده بما لو لميكن مال المفلّس من جنس المسلم فيه، أو يشتمل عليه بحيث يمكن وفاؤه منه، فلو فرض ذلك لميكن له الفسخ؛ اذ لا انقطاع للمسلم فيه و لا تعذّر. و من الممكن أنيصل الى جميع حقّه، بأنيفرض عدم قصور المال حين القسمة. و على تقدير وصول البعض فلا وجه للفسخ فيه أيضا».(1)
ولكن صاحب الجواهر لميرتض بهذا التقييد؛ لأنّ محلّ الكلام عدم وفاء تمام المسلم فيه للاعسار لا للانقطاع كما أنّه لا معنى لفرض وفاء جميع حقّه؛ لمعلوميّة خروجه عن محلّ النزاع - الى أنقال: - فالتحقيق في المقام ما سمعته عن الشيخ.
فذلكة: لو باع زيد جارية من عمرو فأولدها و لميؤدّ ثمنها و أفلس جاز لصاحب الجارية انتزاعها؛ لأنّها عين ماله و الاستيلاد غير مانع. و أمّا الولد فهو حرّ على كلّ حال؛ لأنّه ولد من سيّدها حالة ملكه لها فلا سبيل لأحد عليه.
و اذا جني عليه خطأ تعلّق حقّ الغرماء بالدية، و ان كان عمدا كان بالخياربين القصاص و أخذ الدية ان بذلت له و لايتعيّن عليه قبول الدية؛ لأنّها اكتساب و هو غير واجب. نعم، لو كان له دار أو دابّة وجب أنيؤاجرها، و كذا لو كانت مملوكة له و لو كانت أمّ ولد.
و اذا شهد للمفلس شاهد بمال فان حلف استحقّ، و ان امتنع هل يحلف
1) - مسالك الأفهام 4: 116.
الغرماء؟ قيل: «لا»، و هو الوجه، و ربّما قيل بالجواز؛ لأنّ في اليمين اثبات حقّ للغرماء. و اذا مات المفلس حلّ ما عليه و لايحلّ ما له و فيه رواية أخرى مهجورة، و ينظر المعسر و لايجوز الزامه و لا مؤاجرته و فيه رواية أخرى مطرحة.
فروع:
لو جني على المفلس أو على عبده أو على مورّثه خطأ تعلّق حقّ الغرماء بالدية؛ لأنّها مال متجدّد للمفلّس و لايصحّ العفو عنه هنا لمنعه من التصرّف في المال.
و أمّا ان كانت الجناية عمدا فذهب المصنّف رحمهالله الى تخيير المجني عليه بين القصاص فانّه الأصل و بين الدية لو رضي مع بذل الجاني للمال. و لايتعيّن عليه أخذ المال لو بذل له؛ عملاً بالأصل و لأنّه اكتساب للمال و هو غير لازم له الآن كما لايلزمه قبول الهبة مثلاً. و عليه فان اقتصّ فلا كلام و ان رضي بالمال و بذله الجاني تعلّق به حقّ الغرماء و الظاهر ممّا ذهب اليه أنّه ان عفا مطلقا جاز له و سقط حقّه منها كما في المسالك و الجواهر.
أقول: لايجوز للمديون المماطلة في أداء دينه، فان كان موسرا أدّى دينه و الاّ فعليه أنيشتغل بما هو شأنه و بما يليق بحاله كما سيأتي، فانّ ذلك مذكور في كتاب الدين ذكره صاحب الجواهر(1)و غيره و عن الامام الخميني رحمهالله: «يجب على
1) - جواهر الكلام 25: 326.
المديون عند حلول الدين و مطالبة الدائن السعي في أدائه بكلّ وسيلة و لو ببيع سلعته و متاعه و عقاره أو مطالبة غريم له أو اجارة أملاكه و غير ذلك، و هل يجب عليه التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف و القدرة؟ وجهان بل قولان، أحوطهما ذلك خصوصا فيما لايحتاج الى تكلّف و فيمن شغله التكسّب، بل وجوبه حينئذ قوي».(1)
و حينئذ فنقول: انّ حقّ من جني عليه عمدا تخييري فانّه مخيّر بين القصاص و أخذ الدية لو رضي الجاني ببذلها، مع أنّ حقّ الغرماء تعييني و عليه فالمجني عليه ان أخذ الدية لايفوت حقّه و لميتجاوز عن حقّه و عليه فكيف يجوز له القصاص مع رضى الجاني ببذل الدية و أيّ فرق بين أخذ الدية و بين التكسّب اللائق بحاله؟ و عليه فيمكن أنيقال بأنّه لايجوز له القصاص في هذا الفرض فضلاً عن العفو مطلقا عن القصاص و أخذ الدية معا.
ثمّ اعلم أنّ دار المفلّس و دابّته و مملوكه المحتاج اليه منها تكون من مستثنيات الديون لاتباع و لاتؤجر، و أمّا لو كانت هذه الأشياء له على وجه لايمكن بيعه بأنتكون موقوفة مثلاً و هي زائدة على ما يستثنى فيجب عليه أنيؤاجرها و صرف الأجرة في دينه.
قال الشيخ في المبسوط: «اذا ادّعى المفلس على غيره مالاً و أقام شاهدا واحدا فانّه يحلف معه؛ لأنّ بيّنة المال تثبت بالشاهد و اليمين، فان حلف استحقّ
1) - تحرير الوسيلة 1: 650 / المسألة 10 من كتاب الدين.
المال، و ان نكل عن اليمين فهل يردّ على الغرماء فيحلفون و يستحقّون المال أم لا؟ الصحيح أنّه لايردّ عليهم؛ لأنّه لا دليل على ذلك، و قيل: «انّه يردّ عليهم»، و كذلك الحكم اذا لميكن معه شاهد أصلاً و ردّ المدّعى عليه اليمين فنكل فلايردّ على الغرماء، و من خالف في الأولى خالف في هذه».(1)
أقول:
ما ذهب اليه الشيخ في أصل المسألة لا خلاف و لا اشكال فيه؛ لأنّ بيّنة المال تثبت بشاهد و يمين، و أمّا ان نكل عن اليمين فالحقّ أنّه لايردّ على الغرماء و هو قول الأكثر - كما في المسالك - ؛ لأنّ المال للمفلّس الى أنيقتسمه الغرماء و ان تعلّق حقّهم به و الحلف لاثبات مال الغير ممتنع.
و أمّا شهادة الغرماء فغير مقبولة هنا لمكان التهمة.
لو مات المفلس حلّ ما عليه؛ لرواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّه قال:
«اذا كان على الرجل دين الى أجل و مات الرجل حلّ الدين».(2)
و هذا لا خلاف و لا اشكال فيه كما في الجواهر و موضع وفاق كما في المسالك.
و لايحلّ ما له من الديون عند المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة بل عن
الغنية نفي الخلاف فيه، بل عن الخلاف: «لا خلاف فيه بين المسلمين» - كما في الجواهر - ؛ و ذلك أوّلاً لأصالة البقاء و انتفاء ما يدلّ على خلافها بعد حرمة القياس و ثانيا للفرق بتحقّق الضرر في الأوّل على المالك ان تصرّف الوارث، و على الوارث ان منع منه الى أنيحلّ، بخلاف موت من له الدين.
و أمّا ما في المرسل عن أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام : اذا مات الرجل حلّ ما له و ما عليه من الدين».(1)
مهجور عند معظم الأصحاب و لميعمل به الاّ الشيخ في النهاية(2)و تبعه جماعة.
ينظر المعسر الى الميسرة و ذلك لقوله تعالى: «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة».(3)
و رواية غياث عن أبيه:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يحبس في الدين فاذا تبيّن له حاجة و افلاس خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً».(4)
و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام:
«انّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لاينفق عليها و كان زوجها معسرا فأبى أنيحبسه و قال: «انّ مع العسر يسرا»».(1)
الى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الخامس و العشرين من أبواب الدين من الوسائل في المجلّد الثامنعشر الدالّة على أنّه يجب على الدائن انظار المعسر و عدم جواز معاسرته كقوله صلىاللهعليهوآله في رواية عبداللّه بن سنان:
«و كما لايحلّ لغريمك أنيمطلك و هو موسر فكذلك لايحلّ لك أنتعسره اذا علمت أنّه معسر».(2)
ثمّ انّه أطلق جماعة من الأصحاب أنّه لايجب عليه الاكتساب أيضا و لا قبول الهبة و لا الصدقة و لا الوصيّة و نحوها. و لو قيل بوجوب ما يليق بحاله كان حسنا كما في المسالك و اختاره الشهيد في الدروس و قد ورد في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه:
«انّ عليّا عليهالسلام كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء و ان لميكن له مال دفعه الى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم ان شئتم آجروه و ان شئتم استعملوه».(3)
فعليه الاكتساب بما يليق بحاله حتّى انّه يلزم عليه قبول الاستئجار والاستعمال ان لميكن منافيا لشأنه و هتكا لحرمته.
القول في قسمة ماله:
يستحبّ احضار كلّ متاع في سوقه ليتوفّر الرغبة، و حضور الغرماء تعرّضا للزيادة، و أنيبدأ ببيع ما يخشى تلفه و بعده بالرهن؛ لانفراد المرتهن به و أنيعوّل على منادٍ يرتضي به الغرماء و المفلّس؛ دفعا للتهمة فان تعاسروا عيّن الحاكم.
و اذا لميوجد من يتبرّع بالبيع و لا بذلت الأجرة من بيت المال وجب أخذها من مال المفلّس؛ لأنّ البيع واجب عليه. و لايجوز تسليم مال المفلس الاّ مع قبض الثمن، و ان تعاسرا تقابضا معا.
و لو اقتضت المصلحة تأخير القسمة، قيل: «يجعل في ذمّة مليّ احتياطا و الاّ جعل وديعة؛ لأنّه موضع ضرورة».
و لايجبر المفلّس على بيع داره التي يسكنها و يباع منها ما يفضل عن حاجته و كذا أمته التي تخدمه.
و لو باع الحاكم أو أمينه مال المفلّس ثمّ طلب بزيادة لميفسخ العقد، و لو التمس من المشتري الفسخ لميجب عليه الاجابة لكن تستحبّ. و يجري عليه نفقته و نفقة من يجب عليه نفقته و كسوته، و يتبع في ذلك عادة أمثاله الى يوم قسمة ماله فيعطى هو و عياله نفقة ذلك اليوم.
و لو مات قدّم كفنه على حقوق الغرماء و يقتصر على الواجب منه.
فروع:
يستحبّ احضار كلّ متاع في سوقه ليتوفّر الرغبة، كذلك أطلق الأصحاب ولكن الأولى - كما في المسالك(1)- وجوب ذلك؛ لأنّ بيعه فيه آثر لطلاّبه و أضبط لقيمته.
و كذا يستحبّ حضور الغرماء تعرّضا للزيادة و يمكن وجوبه مع رجاء الزيادة بحضورهم - كما في المسالك - و أضاف اليه استحباب حضور المفلّس أو وكيله؛ لأنّه أخبر بقيمة متاعه و أعرف بجيّده من غيره، فيتكلّم عليه و يخبر بقدره و يعرف المعيب من غيره و ربّما كان أكثر للرغبة فيه و أبعد عن التهمة و أطيب لنفس المفلّس.
و قال المصنّف: «يستحبّ أنيبدأ ببيع ما يخشى تلفه» ولكنّ - كما في المسالك - الأجود وجوبه لئلاّيضيع على المفلّس و على الغرماء، و لوجوب الاحتياط على الأمناء و الوكلاء في أموال مستأمنيهم فهنا أولى، فيبدأ بما يخاف عليه الفساد عاجلاً كالفاكهة ثمّ بالحيوان ثمّ بسائر المنقولات ثمّ بالعقارات.
و يستحبّ أنيبدأ بعده بالرهن؛ لانفراد المرتهن به و لأنّه ربّما زادت قيمته عن الدين فيضمّ الباقي الى مال المفلّس و ربّما نقصت فيضرب المرتهن بباقي دينه مع الغرماء.
و يستحبّ أيضا أنيعوّل على منادٍ يرتضي به الغرماء و المفلّس؛ دفعا للتهمة عنه و لايجب؛ للأصل و ان تعاسروا عيّن الحاكم.
1) - مسالك الأفهام 4: 120.
ثمّ انّه يتفحّص عمّن يتبرّع ببيع الأمتعة للقسمة بين الغرماء و الاّ بذلت الأجرة من بيت المال، و ان لميوجد المتبرّع و لا بذلت الأجرة من بيت المال وجب أخذها من مال المفلّس؛ لأنّ البيع واجب عليه.
و لايجوز تسليم مال المفلّس الاّ مع قبض الثمن؛ لأنّ مال الغير يجب الاحتياط فيه كذلك و ان تعاسرا تقابضا معا.
و لو اقتضت المصلحة تأخير القسمة فيجعلها الحاكم وديعة عند من يوثق به كما هو في أموال اليتامى و غيرهم ممّن أمره أحوط من مال المفلّس. و قيل: «يجعل في ذمّة ملي احتياطا»، و لا بأس به.
ثمّ اعلم أنّ كلّما قلنا من المستحبّات في هذا الفرع ليس تعبّديّا بل هو ارشاد الى أصلحيّة هذه الموارد من غيرها، فان اتّفق أنّ رعاية غيرها أو خلافها أصلح و آثر و أضبط فيستحبّ رعاية ذلك.
لايجبر المفلّس و من عليه الدين ببيع ما لا بدّ منه من مسكن و خادم، و يلزمه بيع ما يزيد عن كفايته من ذلك؛ تدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لاتباع الدار و لا الجارية في الدين؛ و ذلك أنّه لا بدّ للرجل من ظلّ يسكنه و خادم يخدمه».(1)
و صحيحة ذريح المحاربي عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
1) - وسائل الشيعة 18: 339 / الباب 11 من أبواب الدين و القرض / الحديث 1.
«لايخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين».(1)
و في الجواهر: «اجماعا محكيّا عن المبسوط و في الغنية و التذكرة».(2)
و لو فرض كون الدار زائدة عمّا يحتاج اليه يسكن في ما يحتاج اليه و يباع منها ما يفضل عن حاجته لوفاء دينه الواجب عليه، و يرشد اليه التعليل الوارد في صحيحة الحلبي و الظاهر أنّه لا خلاف فيه كما في الجواهر.
و في المسالك: «يعتبر في الدار كونها لائقة بحاله كمّا و كيفا، فلو زادت في أحدهما وجب الاستبدال بما يليق به، أو بيع الفاضل ان أمكن افراده بالبيع، و في الأمة الحاجة الى خدمتها أو الأهليّة لها بحسب حاله، و مثلها العبد. و في حكمها دابّة ركوبه. و لو احتاج الى المتعدّد استثني كالمتّحد. و كذا يستثنى له دست ثوب يليق بحاله شتاءً و صيفا. قال في التذكرة: «و الأولى اعتبار ما يليق بحاله في افلاسه، لا في حال ثروته. و يترك لعياله من الثياب ما يترك له». قال: «و لايترك له الفرش و البسط، بل يسامح باللبد و الحصير القليل القيمة». و لا فرق في المستثنيات بين كونها عين مال بعض الغرماء و عدمه عندنا».(3)
أقول: ما أتى به من الأمثلة و حكمها حسن، الاّ ما ذكره أخيرا نقلاً عن العلاّمة في التذكرة من أنّ الأولى اعتبار ما يليق بحاله في افلاسه، فانّ الظاهر لزوم مراعاة حال له بين شرفه و افلاسه، لا حال شرفه مطلقا و لا حال افلاسه في جميع الموارد، بل حال متوسّط بينهما.
لو باع الحاكم أو أمينه مال المفلّس بثمن مثله ثمّ جاء به زيادة بعد لزوم البيع و انقطاع الخيار سئل المشتري الاقالة أو بذل الزيادة، و يستحبّ للمشتري الاجابة؛ لأنّ فيه مصلحة المفلّس و ان لميجبه الى ذلك لميجبر عليه؛ لأنّ البيع الأوّل قد لزم.
و المفلّس يجب أنينفق عليه و على من يلزمه نفقته من أقاربه و زوجته و مماليكه من المال الذي في يده، و لايسقط عنه نفقتهم؛ لأنّه غني بماله و لا دليل على سقوط ذلك عنه و لا خلاف أيضا في ذلك.
و يجب أيضا أنيكسى جميع من يجب عليه كسوته من زوجته و أقاربه اجماعا و هكذا يكون الحكم فيمن يموت. كلّ ذلك الى يوم قسمة ماله فيعطى هو و عياله نفقة ذلك اليوم. و لو مات قدّم كفنه على حقوق الغرماء و يقتصر على الواجب منه.
مسائل ثلاث:
«الأولى»: اذا قسّم الحاكم مال المفلس ثمّ ظهر غريم نقضها و شاركهم الغريم.
اذا قسّم الحاكم مال المفلّس على غرمائه ثمّ ظهر غريم لميكن يعلم به و ليس له عين مال قد اختار الفسخ فيها، نقضها و شاركهم الغريم؛ و ذلك لأنّه كاشف عنأنّ التقسيم لميكن على واقعها.
قال في الجواهر: «بل هي انتقضت في نفسها و شاركهم الغريم كما في الارشاد
و التحرير و المسالك و محكي المبسوط و التذكرة؛ لعدم صدق القسمة التي كان يأمر بها أميرالمؤمنين عليهالسلام ؛ ضرورة أنّها اخراج الحصص المشاعة الى التعيين، و مع فرض ظهور الغريم المشارك لهم بسبب سبق دينه على الحجر مثلاً لمتخرج من الاشاعة الى التعيين، فتبطل القسمة التي من مقوّماتها وصول نصيب كلّ الى صاحبه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول: الظاهر أنّ ما ذكره الأكثر من أنّه نقض الحكم أحسن ممّا ذكره صاحب الجواهر من انتقاض الحكم بنفسه، احتراما لحكم الحاكم.
«الثانية»: اذا كان عليه ديون حالّة و مؤجّلة قسّمت أمواله في الحالّة خاصّة.
اذا كان عليه ديون حالّة و ديون مؤجّلة و قد فلّس لقصور ما عنده عن الديون الحالّة قسّمت أمواله على الحالّة خاصّة و لايدّخر منها شيء للمؤجّلة بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - لعدم استحقاقها قبل الأجل. أمّا لو كانت مؤجّلة عند الحجر و حلّت عند القسمة شاركت و ان كان الحجر في ابتدائه لأجل الحالّة. و لو حلّ بعد قسمة البعض شارك في الباقي، و ضرب مع باقي الغرماء ببقيّة ديونهم.
«الثالثة»: اذا جنى عبد المفلس كان المجني عليه أولى به و لو أراد مولاه فكّه كان للغرماء منعه.
اذا جنى عبد المفلّس كان المجني عليه أولى به، و قد تقدّم في كتاب الرهن أنّ
1) - جواهر الكلام 25: 326.
المجني عليه أحقّ بالعبد الجاني من الغرماء و من المرتهن أيضا؛ لانحصار حقّه في العين بخلافهم. و انّما يكون أحقّ به مع استيعاب الجناية لقيمته و الاّ استرقّ منه بقدرها و صرف الباقي الى الغرماء.
و لو أراد مولاه فكّه بما تعلّق به الحقّ من الأموال كان للغرماء منعه؛ لأنّه تصرّف مالي و قد حجر عليه في ذلك. نعم، لو كان في فكّه مصلحة كما لو كان كسوبا مثلاً يثمر مالاً الى حين القسمة و قيمته باقية فله فكّه للمصلحة.
و يلحق بذلك النظر في حبسه:
لايجوز حبس المعسر مع ظهور اعساره. و يثبت ذلك بموافقة الغريم أو قيام البيّنة، فان تناكرا و كان له مال ظاهر أمر بالتسليم فان امتنع فالحاكم بالخيار بين حبسه حتّى يوفي و بيع أمواله و قسمتها بين غرمائه. و ان لميكن له مال ظاهر و ادّعى الاعسار فان وجد البيّنة قضى بها، و ان عدمها و كان له أصل مال أو كان أصل الدعوى مالاً حبس حتّى يثبت اعساره.
و اذا شهدت البيّنة بتلف أمواله قضي بها و لميكلّف اليمين و لو لمتكن البيّنة مطّلعة على باطن أمره. أمّا لو شهدت بالاعسار مطلقا لمتقبل حتّى تكون مطّلعة على أموره بالصحبة المؤكّدة، و للغرماء احلافه؛ دفعا للاحتمال الخفي. و ان لميعلم له أصل مال و ادّعى الاعسار قبلت دعواه و لايكلّف البيّنة، و للغرماء مطالبته باليمين، و اذا قسّم المال بين الغرماء وجب اطلاقه.
و هل يزول الحجر عنه بمجرّد الأداء أم يفتقر الى حكم الحاكم؟ الأولى أنّه يزول بالأداء؛ لزوال سببه.
فروع:
لايجوز حبس المعسر مع ظهور اعساره سواء كان مفلّسا أي منعه الحاكم من التصرّف فيما يتجدّد من الأموال أو لا؛ للانظار المأمور به في الكتاب و السنّة و الفتوى من غير خلاف في ذلك كما في الجواهر.(1)
و يثبت اعساره بموافقة جميع الغرماء و الاّ ففي حقّ الموافق، و لو فرض تعدّده و جمعه لشرائط الشهادة ثبت حينئذ.
و لو تناكر الغريم و المديون في الاعسار، بأنادّعاه المديون و أنكره الغريم و كان للمديون مال ظاهر غير المستثنيات لمتقبل دعواه و أمره الحاكم بالتسليم انكان المال من جنس الحقّ أو تراضيا به، و الاّ صرف اليه ببيع و نحوه.
و يحلّ لصاحب الدين الاغلاظ له في القول، بأنيقول له: «يا ظالم»، و نحوه؛ لقوله صلىاللهعليهوآله: «ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه». و في المسالك: «و الليّ: المطلّ. و العقوبة: الحبس. و العرض: الاغلاظ له في القول. فان أصرّ على ذلك جاز للحاكم ضربه».(2)
و التحبيس و نحوه أيضا يكون من وظائف الحاكم؛ لأنّه كالتعزير الملحقبالحدود. و بالجملة فان امتنع الغريم من البيع يأمر الحاكم ببيع أمواله و ان امتنع باع الحاكم بنفسه و ان تعذّر يحبسه الحاكم، و حفظ المراتب في ذلك موافق للاحتياط.
و ان كان له قبل الحجر عليه مال و ادّعى تلفه بأنباع زيد من عمرو متاعا و يطالب بثمنها أو أقرضه مالاً و نحو ذلك و المديون يدّعي تلفه أو ينكر وصوله اليه مع قيام البيّنة فانّه حينئذ يحبس حتّى يثبت اعساره؛ لأنّ الأصل بقاء ذلك المال في يده.
قال في المسالك: «ظاهر العبارة - ككثير - أنّه مع ذلك يحبس بمجرّد ثبوت الدين و امتناعه من ايفائه. و في التذكرة: «انّه اذا لميكن له بيّنة بذلك يحلف الغرماء على عدم التلف، فاذا حلفوا حبس».».(1)
اذا شهدت البيّنة للمديون بالاعسار فامّا أنيكون مستند شهادتها علمها بتلف ماله أو اطّلاعها على حاله، فان كان الأوّل بأنشهد الشاهدان على تلف أمواله قبلت و ان لمتكن مطّلعة على باطن أمره؛ لأنّ الشهادة بذلك تكون على الاثبات المحض و بثبوت تلف ماله يحصل الغرض من فقره.
و أمّا ان شهدا باعساره مطلقا أي من غير تعرّض لتلف أمواله فلا بدّ في ذلك من الصحبة المؤكّدة مع المشهود له و المعاشرة الكثيرة بحيث يطّلعان على باطنأمره غالبا؛ فانّ الأموال قد تخفى. و لايعرف تفصيلها الاّ بأمثال ذلك. و ان لمتكن مطّلعة على الوجه المذكور جاز أنيستندا في اعساره الى ظاهر حاله، و مع ذلك فللغرماء احلافه؛ لأنّ الاحتمال لايزول معها رأسا و لا صراحة فيها بتلف الأموال فيجبر باليمين بخلاف بيّنة الاثبات فانّها لاتكلّف باليمين.
1) - مسالك الأفهام 4: 129.
اذا لميعرف للمديون أصل مال و لا كان أصل الدعوى مالاً - بأنكان مآلها أجرة عمل أو عوض اتلاف أو أرش جناية و نحو ذلك - قبل قول المديون في عدم المال بغير بيّنة؛ لأنّه منكر له و للغرماء مطالبته باليمين.
ثمّ انّه اذا قسّم المال بين الغرماء وجب اطلاقه من الحبس ان كان محبوسا و لايختصّ ذلك بالمفلّس. و هل يزول الحجر عن المفلّس بمجرّد الأداء أم يفتقر الى حكم الحاكم؟ الأولى بل الأقوى أنّه يزول بالأداء؛ لزوال سببه؛ لأنّ الحجر عليه انّما كان لحقّ الغرماء ليقتسموا أمواله الموجودة و قد حصل.
قال في المسالك: «و وجه توقّفه على حكم الحاكم، أنّه لميثبت الاّ باثباته، فلايرفع الاّ برفعه كالسفيه، و لأنّه حجر يحتاج الى نظر و اجتهاد كحجر السفيه. و الملازمة ممنوعة؛ لما بيّنّاه من زوال المعنى المقتضي له، بخلاف السفيه، فانّه لايعلم زواله الاّ بالاختيار المستند الى الحاكم».(1)
هذا تمام الكلام في شرح
كتاب المفلّس من شرائع الاسلام
و يتلوه شرح كتاب الحجر
و الحمدللّه أوّلاً و آخرا
1) - مسالك الأفهام 4: 135.
الحجر هو المنع و المحجور شرعا هو الممنوع من التصرّف في ماله.
مقدّمة:
الحجر - مثلّثا - لغة هو المنع و التضييق، و منه سمّي الحرام حجرا؛ لما فيه من المنع، قال اللّه تعالى: «و يقولون حجرا محجورا»(1)أي حراما محرّما.
و قد ورد بمعنى المنع في قوله تعالى: «و قالوا هذه أنعام و حرث حجر»(2)و قوله سبحانه: «و هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات و هذا ملح أجاج و جعل بينهما برزخا و حجرا محجورا»(3)
و سمّي العقل حجرا؛ لأنّه يمنع صاحبه من ارتكاب القبيح و ما تضرّ عاقبته،
قال اللّه تعالى: «هل في ذلك قسم لذي حجر».(1)
و حيث انّ الحجر هو المنع فالمحجور شرعا - كما عرّفه المصنّف - هو الممنوع من التصرّف في ماله. و المراد مطلق التصرّف أعمّ من كونه في جميع المال أو بعضه، فيشمل الحجر على الصبي و نحوه ممّن يمنع من الجميع، و الحجر على المريض الذي يمنع من التصرّف في بعض المال.
و النظر في هذا الباب يستدعي فصلين:
الفصل الأوّل في موجباته
الفصل الثاني في أحكامه.
1) - الفجر 89: 5.
و هي ستّة: الصغر و الجنون و الرقّ و المرض و الفلس و السفه.
قال في المسالك: «حصر أسبابه في الستّة المذكورة جعلي، لا استقرائي و لا ما سواه. و قد جرت عادة الفقهاء بالبحث عن هذه الستّة، و عقد الباب لها. و بقي أقسام كثيرة سواها يتناولها التعريف و لاتذكر هنا، كالحجر على الراهن، و على المشتري فيما اشتراه قبل دفع الثمن، و على البائع في الثمن المعيّن، و على المكاتب في كسبه لغير الأداء و النفقة، و على المرتدّ الذي يسوغ عوده، و غير ذلك ممّا هو مذكور في تضاعيف الفقه.
و مرجع الصور الى قسمين: من يحجر عليه لحقّ نفسه، و من يحجر عليه لحقّ غيره. فالأوّل الصبي و المجنون و السفيه، و الثاني الباقي. ثمّ الحجر امّا عامّ
في سائر التصرّفات، أو خاصّ ببعضها. و الأوّل امّا أنيكون ذا غاية يزول سببه فيها أو لا، و الأوّل الصغر، و الثاني الجنون. و الخاصّ امّا أنيكون الحجر فيهمقصورا على مصلحة المحجور أو لا. و الأوّل السفه. و الثاني امّا أنيكون موقوفا
على حكم الحاكم، أو لا. و الأوّل الفلس، و الثاني المرض. و باقي الأسباب تعرف بالمقايسة».(1)
أمّا الصغير فمحجور عليه ما لميحصل له وصفان البلوغ و الرشد.
«الوصف الأوّل»: البلوغ و يعلم بلوغه بانبات الشعر الخشن على العانة سواء كان مسلما أو مشركا، و خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد كيف كان و يشترك في هذين الذكور و الاناث.
و بالسنّ و هو بلوغ خمسعشرة سنة للذكر و في أخرى اذا بلغ عشرا و كان بصيرا، أو بلغ خمسة أشبار، جازت وصيّته و اقتصّ منه و أقيمت عليه الحدود الكاملة. و الأنثى بتسع.
أمّا الحمل و الحيض فليسا بلوغا في حقّ النساء بل قد يكونان دليلاً على سبق البلوغ.
تفريع: الخنثى المشكل ان خرج منيّه من الفرجين حكم ببلوغه و ان خرج من أحدهما لميحكم به، و لو حاض من فرج الاناث و أمنى من فرج الذكور حكم ببلوغه.
الصغير محجور عليه ما لميحصل له وصفان البلوغ و الرشد.
و يعلم بلوغه بأحد من الأمور الثلاثة الآتية:
الأمر الأوّل: انبات الشعر الخشن على العانة التي هي حول الذكر و القبل سواء كان مسلما أو مشركا. قال الشيخ في الخلاف: «الانبات دلالة على بلوغ المسلمين
1) - مسالك الأفهام 4: 140 و 141.
و المشركين باجماع الفرقة»(1)، و في التذكرة: «نبات هذا الشعر دليل على البلوغ في حقّ المسلمين و الكفّار عند علمائنا».(2)
و يدلّ عليه - مضافا الى الاجماع المؤيّد بالعادة - عدّة روايات:
منها رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه قال:
«قال: انّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله عرضهم يومئذ على العانات فمن وجده أنبت قتله و من لميجده أنبت ألحقه بالذراري».(3)
و منها رواية حمران قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام قلت له: متى يجب على الغلام أنيؤخذ بالحدود التامّة و تقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: اذا خرج عنه اليتم و أدرك، قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: اذا احتلم أو بلغ خمسعشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك أقيمت عليه الحدود التامّة و أخذ بها و أخذت له. الحديث».(4)
و منها ما في رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام :
«انّ الغلام اذا زوّجه أبوه و لميدرك كان بالخيار اذا أدرك و بلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته».(5)
و قد قيّد الأصحاب الشعر بالخشن ليخرج الشعر الضعيف الذي ينبت قبل الخشن ثمّ يزول و يعبّر عنه بالزغب.
و أيضا قيّدوه بالعانة ليخرج غيره كشعر الابط و الشارب و اللحية، فلا عبرة بهاعند الأصحاب؛ اذ لميثبت كون ذلك دليلاً شرعا خلافا لبعض العامّة - كما في المسالك - و حكى الشهيد عن التحرير أنّه استقرب كون نبات اللحية دليلاً دون غيره من الشعور و قال: «العادة قاضية به»، و لو ثبت أنّ العادة تقضي بذلك فلا كلام و قد عرفت أنّ بعض روايات الباب خالية عن ذكر العانة كرواية حمران المتقدّمة آنفا و بعض الروايات ذكرت الوجه مع العانة كرواية يزيد الكناسي.
و الحاصل أنّه لا شبهة في كون شعر العانة علامة على البلوغ، انّما الكلام في كونه نفسه بلوغا أو دليلاً على سبق البلوغ. و المشهور - كما في المسالك - الثاني؛ لتعليق الأحكام في الكتاب و السنّة على الحلم و الاحتلام، فلو كان الانبات بلوغا بنفسه لميخصّ غيره بذلك، و ان كان يمكن أنيقال بأنّه ورد في الروايات أنّ الانبات علامة للبلوغ أيضا كما في الوسائل، و هي بيان للكتاب و العمل بها جابر لضعفها، الاّ أنّ الظاهر أنّ الاحتلام و الانبات كليهما لايكونان علامة على البلوغ حينهما بل هما دليلان على سبق البلوغ، فانّ الصبي لايبنت و لايحتلم الاّ اذا بلغ قبله فما ذهب اليه المشهور مطابق للاعتبار و الاحتياط.
ثمّ انّ النصوص الواردة في هذه العلامة مختصّة بالذكر الاّ أنّه قام الاجماع على عدم الفرق فيها بين الذكر و الأنثى، و عليه فالدليل في الأنثى هو الاجماع.
الأمر الثاني: خروج المني من الموضع المعتاد كيف خرج ليلاً أو نهارا؛ يدلّ على ذلك الكتاب و السنّة:
أمّا الكتاب فقوله تعالى: «و اذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا»(1)، و الحلم خروج المني من الذكر أو قبل المرأة، و قوله تعالى: «و لاتقربوا مال اليتيم
1) - النور 24: 59.
الاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه»(1)بضميمة ما ورد في تفسيره من السنّةالآتية.
و أمّا السنّة فمنها موثّقة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سأله أبي و أنا حاضر عن قول اللّه عزّوجلّ: «حتّى اذا بلغ أشدّه»، قال: الاحتلام».(2)
و منها رواية هشام عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشدّه».(3)
و منها الحديث المعروف برفع القلم المروي عن النبي صلىاللهعليهوآله و قد رواه المخالف و المؤالف في ضمن روايات مختلفة بل حكي عن ابن ادريس أنّه مجمع على روايته و من جملة ما ورد هذا الكلام فيه رواية ابن ظبيان قال:
«أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليهالسلام : أ ماعلمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ».(4)
و منها رواية حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام:
«في وصيّة النبي صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام قال: يا علي لا يتم بعد احتلام».(5)
و منها رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ أولاد المسلمين موسومون عند اللّه شافع و مشفّع، فاذا بلغوا اثنتيعشرة سنة كتبت لهم الحسنات فاذا بلغوا الحلم كتبت عليهمالسيّئات».(1)
الى غير ذلك من الروايات، مضافا الى أنّه لا خلاف فيه بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين بل الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر.(2)و هو الجابر لضعف سند الروايات مضافا الى مطابقتها للقرآن الكريم.
و قيّد المصنّف المني بكونه ما يكون منه الولد ولكنّ الظاهر أنّ المعتبر في البلوغ خروج المني مطلقا، سواء صلح لتخلّق الولد بحسب شخصه أو لا؛ لاطلاق النصوص المتقدّمة الدالّة على ذلك.
و بالجملة فان كان غرضه رحمهالله من التقييد تقسيم المني الى ما يتكوّن منه الولد و غيره ليكون القيد احترازيّا فالتقييد في غير محلّه، و أمّا ان كان القيد توضيحيّا فلا كلام.
نعم، يعتبر كونه من الموضع المعتاد و ان كانت الأدلّة مطلقة؛ و ذلك لوجوب حمل كلام الشارع على ما هو المعهود المتعارف، خصوصا و في بعضها بلوغ النكاح الذي يكون من المعتاد، فلو خرج من جرح و نحوه لميعتدّ به. و منه ما لو خرج من أحد فرجي الخنثى؛ لعدم معلوميّتها.
و لايختصّ خروجه بحالة، بل كيف خرج، ليلاً أو نهارا، يقظة أو نوما، بجماع أو غيره، حكم به؛ لقوله تعالى: «و اذا بلغ الأطفال منكم الحلم». و الحلم هو خروج المني من الذكر، أو قبل المرأة. نعم، لا بدّ من كونه في وقت يحتمل البلوغ
فيه فلا عبرة بما ينفصل بصفته قبل ذلك، و حدّه - كما في المسالك(1)- في جانب القلّة في الأنثى تسع سنين. و أمّا في جانب الذكر فلايبعد أنيكون ما بعد العاشرة.
و يشترك في هذين الأمرين الدالّين على البلوغ الذكور و الاناث بلا خلاف و لا اشكال.
الأمر الثالث: السنّ و هو بلوغ خمسعشرة سنة للذكر و هو المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون اجماعا كما في الجواهر. و المعتبر من السنين القمريّة دون الشمسيّة؛ لأنّ ذلك هو المعهود في شرعنا؛ و يدلّ عليه قوله عليهالسلام في رواية حمران المتقدّمة: « ... أو بلغ خمسعشرة سنة»، و لاتعارضه رواية عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: اذا أتى عليه ثلاثعشرة سنة».(2)
لأنّها تحمل على حصول الاحتلام أو الانبات للغلام في السنّ المذكورة أو غير ذلك من المحامل؛ جمعا بين الروايات.
و بلوغ الأنثى يكون بتسع كما هو المشهور و عليه العمل و قد دلّ عليه ذيل رواية حمران:
« ... قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: انّ الجارية ليست مثل الغلام انّ الجارية اذا تزوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع اليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع و أقيمت عليها الحدود التامّة و أخذ لها بها.
قال: و الغلام لايجوز أمره في الشراء و البيع و لايخرج من اليتم حتّى يبلغ خمسعشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».(1)
و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«الجارية اذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم و زوّجت و أقيمت عليها الحدود التامّة لها و عليها. الحديث».(2)
أمّا الحمل فهو علامة على سبق البلوغ و ليس بلوغا في حقّ النساء، كما أنّ الحيض يكون غالبا علامة على سبق البلوغ و ربّما يكون بلوغا بنفسه.
و في المسالك: «لا خلاف في كون الحمل و الحيض دليلين على سبق البلوغ، كما لا خلاف في كونهما بلوغا بأنفسهما. أمّا الحيض فقد علّق الشارع أحكام المكلّف عليه في عدّة أخبار، كقوله صلىاللهعليهوآله: «لاتقبل صلاة حائض الاّ بخمار»، و قوله صلىاللهعليهوآله: «اذا بلغت المحيض لايصلح أنيرى منها الاّ هذا»، و أشار الى الوجه و الكفّين. و أمّا الحمل فهو مسبوق بالانزال؛ لأنّ الولد لايخلق الاّ من ماء الرجل و ماء المرأة، كما نبّه عليه تعالى بقوله: «من نطفة أمشاج» أي مختلطة ماء الرجل بماء المرأة، فهو دليل على سبق البلوغ، اذا علم أنّه آدمي أو مبدأ نشوه كالعلقة.
فقول المصنّف: «بل قد يكونان دليلاً» ليس لتردّده في دلالتهما؛ لأنّها اجماعيّة. و انّما أتى ب-«قد» التقليليّة؛ لأنّهما مسبوقان غالبا بغيرهما من العلامات، خصوصا السنّ. انتهى ملخّصا».(3)
و قد عرفت أنّ الحيض أيضا يكون علامة على سبق البلوغ غالبا.
هذا حكم الذكر و الأنثى، أمّا الخنثى المشكل لمّا كان منحصرا في الذكوريّة أو
الأنوثيّة و انّما اشتبه حكمه في الالحاق بأحدهما فمتى حصل له وصف من أوصاف بلوغ يتحقّق فيهما - امّا لاشتراكه بينهما كالانبات أو لالحاق الآخر بطريق أولى كبلوغ خمسعشرة أو لكونه جامعا للوصفين على التقديرين كما لو أمنى من الفرجين - يحكم ببلوغه؛ لأنّه ان كان ذكرا فقد أمنى من فرجه المعتاد و ان كانأنثى فكذلك، و أمّا حيضه من فرج الاناث و امناؤه من فرج الذكور فدلالته على البلوغ واضحة؛ لأنّه ان كان ذكرا فقد أمنى و ان كان أنثى فقد حاضت.
ثمّ انّه قد ذكرنا في كتاب المكاسب(1)أنّ الصبي اذا كان رشيدا - و سيأتي معناه - فيصحّ منه المعاملات الصغيرة اللائقة بحاله التي يراه العرف عارفا بها متمكّنا من ايقاعها، دون المعاملات الكبيرة.
«الوصف الثاني»: الرشد، و هو أنيكون مصلحا لماله، و هل تعتبر العدالة؟ فيه تردّد، و اذا لميجتمع الوصفان كان الحجر باقيا، و كذا لو لميحصل الرشد و لو طعن في السنّ. و يعلم رشده باختباره بما يلائمه من التصرّفات ليعلم قوّته على المكايسة في المبايعات و تحفّظه من الانخداع.
و كذا تختبر الصبيّة و رشدها أنتتحفّظ من التبذير و أنتعتني بالاستغزال مثلاً و الاستنتاج ان كانت من أهل ذلك أو بما يضاهيه من الحركات المناسبة لها. و يثبت الرشد بشهادة الرجال في الرجال و بشهادة الرجال و النساء في النساء؛ دفعا لمشقّة الاقتصار.
قد تقدّم أنّ الصغير محجور عليه و ممنوع من التصرّف في ماله ما لميحصل له وصفان البلوغ و الرشد.
1) -الهادي 36 (الجزء الأوّل من كتاب البيع): الكلام في شروط المتعاقدين.
أمّا البلوغ فقد اتّضح علاماته و ما يدلّ عليه من الكتاب و السنّة.
و أمّا الرشد فقد دلّ على اعتباره الكتاب و السنّة:
أمّا الكتاب فقوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم».(1)
و أمّا السنّة فعدّة روايات كصحيحة هشام عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشدّه و ان احتلم و لميؤنس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليّه ماله».(2)
و قد عرّفه المصنّف بأنيكون مصلحا لماله و قد أشكل عليه الشهيد رحمهالله في المسالك(3)بأنّه ليس مطلق الاصلاح موجبا للرشد، بل الحقّ أنّ الرشد ملكة نفسانيّة تقتضي اصلاح المال، و تمنع من افساده و صرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء.
و قد احترز رحمهالله ب-«الملكة» عن مطلق الكيفيّة، فانّها ليست كافية، بل لا بدّ فيها من أنتصير ملكة يعسر زوالها.
أمّا صاحب الجواهر فقال: «الوصف الثاني الذي يتوقّف عليه رفع الحجر، الرشد في المال بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل الكتاب و السنّة دالّة عليه أيضا و المرجع فيه العرف كما في غيره من الألفاظ التي لا حقيقة شرعيّة لها و لا لغويّة مخالفة للعرف. - ثمّ انّه رحمهالله بعد ذكر كلمات اللغويّين و تفسيره عن بعض الفقهاء قال: - و جميع ذلك عند التأمّل فضول؛ لوفاء العرف في مصداقه فليس من وظائف الفقيه البحث فيه فضلاً عن الاطناب.
و الظاهر أنّ تعاريفهم كلّها يرجع الى مفهوم واحد و هو الذي لايقال له: أنت صغير لمتكن لك قوّة تشخيص الضرر و النفع في معاملاتك و معاشرتك بحسب سنّك، فاذا كان رشده مشكوكا يمتحن بما يتداول في زمانه و مكانه من الصبي و الصبيّة.
ثمّ انّه - كما قال المصنّف - يثبت الرشد في الرجال بشهادة رجلين و في النساء بشهادة أربع نساء؛ لأنّ رشد المرأة ممّا لايطّلع عليه الرجال غالبا فلو اقتصر في ثبوت رشدهنّ على شهادة الرجال لزم الحرج و الضيق و لذا قال المصنّف: «دفعا لمشقّة الاقتصار». و كذا يثبت رشدها بشهادة رجل و امرأتين بطريق أولى و بشهادة أربع خناثى.
و هل تعتبر العدالة في الرشد؟ الأقوى عدم اعتبارها لعدم دليل صالح عليه. و عن المصنّف التردّد و قال في الجواهر: «فعن الشيخ و الراوندي و أبي المكارم و فخر الاسلام اعتبارها بل عن الغنية الاجماع عليه و المشهور نقلاً و تحصيلاً - بل في المسالك و محكي التذكرة نسبته الى أكثر أهل العلم - العدم؛ اذ لا ريب في صدق العرف بدونها، و لو كانت معتبرة في الابتداء لاعتبرت في الاستدامة و هو
1) - جواهر الكلام 26: 48 و 49.
معلوم الفساد بالسيرة القطعيّة في معاملة المخالفين و أهل الذمّة و الفسقة و غيرهم. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا السفيه فهو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة فلو باعو الحال هذه لميمض بيعه، و كذا لو وهب أو أقرّ بمال. نعم، يصحّ طلاقه و ظهاره و خلعه و اقراره بالنسب و بما يوجب القصاص؛ اذ المقتضي للحجر صيانة المال عن الاتلاف، و لايجوز تسليم عوض الخلع اليه. و لو وكّله أجنبي في بيع أو هبة جاز؛ لأنّ السفه لميسلبه أهليّة التصرّف، و لو أذن له الولي في النكاح جاز، و لو باع فأجاز الولي فالوجه الجواز؛ للأمن من الانخداع.
السفيه من جملة المحجورين. و هو الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة عند العقلاء؛ لما عرفت من أنّ الرشد اصلاح المال و لايتحقّق الاّ بعدم الصرف في غير الأغراض الصحيحة كما عرفت فيما تقدّم فمرجع معرفة السفيه عن الرشيد هو العرف و لا شكّ في أنّ العرف لايتحقّق عنده السفه و لايحكم به بمجرّد الصرف في مطلق المعاصي.
و على كلّ حال فلو باع ماله - مع تحقّق سفهه - لميمض بيعه، و كذا لو اشترى شيئا لميمض شراؤه و لا غير ذلك من عقوده و معاملاته اذا حجر عليه الحاكم، و كذا لو وهب مالاً أو أقرّ بمال. و الضابط المنع من التصرّفات الماليّة كما دلّ عليه
الكتاب و هو قوله تعالى: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل اللّه لكم
1) - جواهر الكلام 26: 50.
قياما»(1)و السنّة و هي عدّة روايات كصحيحة هشام المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشدّه و ان احتلم و لميؤنس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليّه ماله».
و لا خلاف فيه بل يمكن تحصيل الاجماع عليه بل عن مجمع البرهان دعواهكما في الجواهر.(2)
و لايخفى أنّ على الولي أنيمسك عنه أمواله و لا ربط لهذا الامساك بحكم الحاكم بحجر السفيه و عدم تصرّفه في أمواله.
ثمّ انّه يصحّ طلاقه؛ لأنّ الطلاق فوات الاستمتاع لا تضييع المال، و كذا الظهار و لو رجع المظاهر كفّر بالصوم. و يصحّ خلعه؛ لأنّه كسب للمال فيكون أولى بعدم المنع الاّ أنّه لايجوز تسليم عوض الخلع اليه بل يسلم الى وليّه.
و أمّا الاقرار بالنسب فان لميوجب النفقة فقبوله واضح كما اذا أقرّ بأخوّة غني. و أمّا ان أوجب النفقة فقد يشكل من حيث استلزامه لوجوب النفقة فينبغي أنلاينفذ؛ لأنّه تصرّف في المال.
و يدفعه في المسالك(3)بأنّ الاقرار حينئذ يتضمّن شيئين: «أحدهما»: الحاق النسب، و هو ليس بمال، فيجب أنيثبت. و «الثاني»: الانفاق عليه، و هو تصرّف مالي فلايثبت، و ان كان أحدهما لاينفكّ عن الآخر غالبا، الاّ أنّ تلازمهما غير معلوم.
أقول: انّ الاقرار أوّلاً و بالذات قد تعلّق بالنسب و هو ليس تصرّفا ماليّا فيجب
أنيثبت لشمول أدلّة قبول الاقرار له، و اذا ثبت النسب فيجب النفقة تبعا، و عليه فالظاهر أنّ الاقرار مسموع بالنسبة الى النسب، و النفقة ثابتة بعد ثبوت النسب تبعا.
و أمّا اقراره بما يوجب القصاص ففي المسالك: فان لميستلزم فوات النفس ألزم به؛ لأنّه مكلّف عاقل، و لا خلاف فيه. و كذا ان كان في نفس و طلب المقرّ له القصاص. أمّا لو طلب المال ففي اجابته اليه نظر، من وجوب حفظ النفس التي هي أولى من حفظ المال، و من أنّه مفوّت للغرض من الحجر؛ لامكان أنيتواطأمع المقرّ له على ذلك ليفوت المال. و الأقوى وجوب المال».(1)
أقول: أمّا ما يتعلّق بالنفس فالأقوى وجوب المال؛ لأنّ حفظ المال لحفظ النفس و الغرض من الحجر هو عدم تضييعه المنجرّ الى تضييع النفس غالبا، و احتمال التواطئ مع المقرّ له على ذلك ليفوت المال لا معنى له فيما يحتمل فيه القصاص.
و أمّا ما يتعلّق بغير النفس فالظاهر فيه أيضا وجوب المال ان رضي المجني عليه بالمال، فانّ حفظ أطرافه و أعضاء بدنه أيضا أولى من حفظ ماله مع ما عرفت من انتفاء احتمال التواطئ فيما يحتمل فيه القصاص.
لو وكّله أجنبي في اجراء صيغة البيع أو الهبة جاز؛ لأنّ السفه لميسلبه أهليّة التصرّف مطلقا و انّما سلبه أهليّته في المال خاصّة و ايقاع العقد ليس منه فيبقى
1) - مسالك الأفهام 4: 154.
مندرجا فيما دلّ على الصحّة خلافا لبعض العامّة كما في الجواهر.(1)
و لو أذن له الولي في النكاح الذي فيه مصلحته التي سوّغت للولي الاذن فيه جاز ان عيّن له المهر و نحو ذلك بحيث يؤمن معه من اتلاف المال بلا خلاف و لا اشكال بل و ان أطلق المهر؛ لأنّه ينصرف حينئذ الى مهر المثل.
و أمّا تعيين الزوج و الزوجة فقد تكلّمنا عنه في كتاب النكاح و قلنا هناك بأنّ الاختيار في تعيين الزوج أو الزوجة بيد نفس السفيه أو السفيهة لا بيد وليّهما، فاناختار السفيه زوجة أو السفيهة زوجا و أجاز الولي صحّ العقد.
و المملوك ممنوع من التصرّفات الاّ باذن المولى. و المريض ممنوع من الوصيّة بما زاد عن الثلث اجماعا ما لميجز الورثة. و في منعه من التبرّعات المنجّزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا، و الوجه المنع.
المملوك ممنوع من التصرّفات الاّ باذن المولى سواء قلنا بملكه أم لا، و يستثنى من المنع من تصرّفه طلاقه فيجوز بدون اذن مولاه بل و ان كره؛ لأنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق.
قال في المسالك: «و استثنى في التذكرة أيضا ضمانه؛ لأنّه تصرّف في الذمّة لا في العين. ثمّ ان علم المضمون له بعبوديّته قبل الضمان فلا رجوع له، و الاّ فله الرجوع؛ لاعساره».(2)
و الظاهر عدم صحّة ضمان المملوك الاّ باذن مولاه؛ لأنّ العبد لايقدر على شيء كما وصفه اللّه بذلك في كتابه و ذمّته مملوكة للمولى فلايملك اثبات شيء
فيها الاّ باذنه و لأنّ الضمان يستلزم اثبات مال في الذمّة فيمنع منه بدون اذن المولى كما يمنع من النكاح لذلك. و ما يضمنه من الاتلاف و الغصب و الجناية فيثبت في ذمّته فهو حكم شرعي قهري. و من ثمّ لزم ذلك الصبي و المجنون أيضا مع عدم صحّة ضمانهما اجماعا.
أمّا المريض فقد فصّلنا البحث عنه في كتاب الوصيّة(1)و قلنا هناك بأنّه كغيره ممنوع من الوصيّة بما زاد عن الثلث اجماعا ما لميجز الورثة بمعنى أنّ وصيّته بمازاد تكون موقوفة على اجازتهم فان أجازوها و الاّ بطلت فيما زاد.
و أنّه يجوز له التصرّف في ماله بالاستيفاء و الانتفاع منه و كذا يجوز له كلّ معاملة معاوضيّة، و أمّا منجّزاته كهبته و وقفه و غير ذلك من التصرّفات غير المعاوضيّة فلايجوز له فيما زاد عن الثلث الاّ باجازة الوارث و عليه فمنجّزاته كوصيّة غيره.
1) - الهادي 26: 145.
و فيه مسائل:
«الأولى»: لايثبت حجر المفلس الاّ بحكم الحاكم، و هل يثبت في السفيه بظهور سفهه؟ فيه تردّد و الوجه أنّه لايثبت و كذا لايزول الاّ بحكمه.
لا خلاف في توقّف حجر المفلس على حكم الحاكم، و في توقّف رفعه على حكمه خلاف، و قد سبق أنّ الأقوى رفعه بمجرّد الأداء؛ لزوال سببه. و أمّا السفيه ففي توقّف حجره على حكم الحاكم أو الاكتفاء بظهور سفهه قولان. و كذا اختلف في ارتفاع حجره بزوال سفهه أو توقّفه على حكم الحاكم، و قد ذهب المصنّف الى أنّه لايثبت السفاهة الاّ بحكم الحاكم و لايزول الاّ بحكمه؛ و ذلك لأنّ الحجر حكم شرعي لايثبت و لايزول الاّ بدليل شرعي، و لأنّ السفه أمر خفي و الأنظار فيه مختلفة فناسب كونه منوطا بنظر الحاكم.
و قد ذهب في الجواهر و المسالك الى أنّ الأقوى عدم توقّفه على حكم الحاكم ثبوتا و زوالاً؛ و ذلك لأنّ المقتضي للحجر هو السفه، فيجب تحقّقه، و اذاارتفع زال المقتضي، فيجب أنيزول، و لظاهر قوله تعالى: «فان آنستم منهم
رشدا فادفعوا اليهم أموالهم»(1)حيث علّق الأمر بالدفع على ايناس الرشد، فلو توقّف معه على أمر آخر لميكن الشرط صحيحا، و لظاهر قوله تعالى: «فان كان الذي عليه الحقّ سفيها ... »(2)أثبت عليه الولاية بمجرّد السفه، فتوقّفها على أمر آخر يحتاج الى دليل، و الآية الأخرى تساق لرفعه.
أقول:
الظاهر أنّ السفاهة ان كان ظاهرا منه و لميشكّ فيها العرف بالأخصّ وليّه فهو محجور عن ماله و أمره يكون بيد وليّه. و ان لميكن ظاهرا و اختلف فيه فينجرّ الى النزاع فيرجع الى الحاكم.
«الثانية»: اذا حجر عليه فبايعه انسان كان البيع باطلاً، فان كان المبيع موجودا استعاده البائع، و ان تلف و قبضه باذن صاحبه كان تالفا و ان فكّ حجره، و لو أودعه وديعة فأتلفها ففيه تردّد و الوجه أنّه لايضمن.
اذا حجر الحاكم على السفيه فبايعه انسان كان البيع باطلاً مع عدم اجازة الولي لا معها بلا خلاف في ذلك، و حينئذ فان كان المبيع موجودا استعاده البائع، عالما كان أو جاهلاً بالحكم أو الموضوع؛ ضرورة بقاء المال على ملكه فله انتزاعه.
و أمّا اذا تلف فلايخلو امّا أنيكون قد قبضه باذن صاحبه أو بغير اذنه، و على التقديرين امّا أنيكون البائع عالما أو جاهلاً، فان كان قبضه باذن صاحبه كان تالفا عليه؛ لأنّه سلّطه على اتلافه مع كونه سفيها هذا واضح مع كون البائع عالما. و أمّا
ان كان جاهلاً فيشكل مع عدم اعلام الحاكم أو الولي بما يتعارف بالنسبة الى زمانه و مكانه.
و لو أودعه وديعة فأتلفها ففي ضمانه قولان: الأوّل عدم الضمان كما أشار اليه المصنّف، و عن ارشاد الفاضل؛ للأصل و لتفريطه بالايداع بعد نهي اللّه تعالى عنه بقوله: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم»(1)فيكون بمنزلة من ألقى ماله في البحر، فهو حينئذ سبب أقوى من المباشر؛ و يدلّ عليه صحيحة حريز قال:
«كانت لاسماعيل بن أبي عبداللّه عليهالسلام دنانير و أراد رجل من قريش أنيخرج الى اليمن، فقال اسماعيل: يا أبه انّ فلانا يريد الخروج الى اليمن و عندي كذا و كذا دينار أ فترى أنأدفعها اليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبداللّه عليهالسلام : يا بنيّ أ مابلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال اسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بنيّ لاتفعل، فعصى اسماعيل أباه و دفع اليه دنانيره فاستهلكها و لميأته بشيء منها، فخرج اسماعيل و قضي أنّ أبا عبداللّه عليهالسلام حجّ و حجّ اسماعيل تلك السنة فجعل يطوف بالبيت و يقول: اللّهمّ أجرني و أخلف عليّ، فلحقه أبو عبداللّه عليهالسلام فهمزه بيده من خلفه و قال له: مه يا بنيّ فلا و اللّه ما لك على اللّه هذا و لا لك أنيأجرك و لايخلف عليك و قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال اسماعيل: يا أبه انّي لمأره يشرب الخمر انّما سمعت الناس يقولون، فقال: يا بنيّ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين» يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين، فاذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم.
1) - النساء 4: 5.
و لاتأتمن شارب الخمر انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم» فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؛ انّ شارب الخمر لايزوّج اذا خطب و لايشفّع اذا شفع و لايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لميكن للذي ائتمنه على اللّه أنيأجره و لايخلف عليه».(1)
و القول الثاني هو الضمان كما عن الجواهر و المسالك و التذكرة و جامع المقاصد؛ و ذلك لأنّه كالغصب الذي لميكن خلاف في ضمانه بل هو منه؛ ضرورة كون السفيه بالغا عاقلاً. و الجواب عن الوجه الأوّل أنّ الأصل مقطوع بأدلّة الضمان كعموم من أتلف و نحوه، و الايداع من مكلّف بعد أنلميكن فيه اذنا بالاتلاف ليس تفريطا ليسقط معه حرمة المال و يخرج به عن عمومات الضمان، و دعوى قوّة السبب على المباشر واضحة المنع، و الصحيحة المزبورة ليست في مقام حكم عدم الضمان كما يظهر بالتأمّل و هو الأقوى.
«الثالثة»: لو فكّ حجره ثمّ عاد مبذّرا حجر عليه، و لو زال فكّ حجره، و لو عاد عاد الحجر هكذا دائما.
لو فكّ حجره، ثمّ عاد مبذّرا حجر عليه. و لو زال فكّ حجره. و لو عاد عاد الحجر. و هكذا دائما؛ و ذلك لأنّ السفه علّة الحكم بالحجر، امّا بنفسه أو بحكم الحاكم على ما مرّ، فاذا ظهرت العلّة ظهر المعلول و اذا ارتفعت رفع من غير فرق بين المرّة و المرّات. و هذا ممّا لا خلاف فيه كما في المسالك.(2)
«الرابعة»: الولاية في مال الطفل و المجنون للأب و الجدّ للأب، فان لميكونا فللوصي فان لميكن فللحاكم، أمّا السفيه و المفلس فالولاية في مالهما للحاكم لا غير.
لا خلاف في أنّ الولاية في مال الطفل للأب و الجدّ و ان علا - كما في المسالك و الجواهر - و قد دلّ عليه النصوص الواردة في النكاح(1)و عقد البيع(2). فان لميكونا فللوصي فان لميكن فللحاكم، و المراد بالحاكم حيث يطلق في أبواب الفقه، هو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى اجماعا كما في المسالك و الجواهر.
أمّا المفلّس فالولاية في ماله للحاكم كما مرّ، و أمّا السفيه و المجنون فالأجود هو ان بلغ سفيها أو مجنونا فالولاية للأب و الجدّ ثمّ وصيّ أحدهما ثمّ الحاكم كالصبي؛ استصحابا لحكم ولايتهما. و ان بلغ عاقلاً رشيدا ثمّ تجدّد جنونه أو سفهه فأمره الى الحاكم دونهما؛ لارتفاع ولايتهما بعد البلوغ فيحتاج عودها الى الدليل، و أمّا الحاكم فهو ولي عامّ لايحتاج فيه الى دليل خاصّ.
«الخامسة»: اذا أحرم بحجّة واجبة لميمنع ممّا يحتاج اليه في الاتيان بالفرض، و ان أحرم تطوّعا فان استوت نفقته سفرا و حضرا لميمنع، و كذا ان أمكنه تكسّب ما يحتاج اليه، و لو لميكن كذلك حلّله الولي.
لا خلاف في أنّ السفيه كالرشيد بالنسبة الى العبادات فاذا أحرم بحجّة و عمرة واجبة و لو بالنذر قبل الحجر أو سببه، فلميمنع ممّا يحتاج اليه في الاتيان بالفرض و ان زاد على نفقة الحضر، لكن لايمكّن من الانفاق بل ينفق عليه وليّه أو وكيله.
و أمّا اذا كان الحجّ مندوبا فان استوت نفقته سفرا و حضرا لميمنع؛ لعدم الضرر. و أمّا اذا احتاج الى زيادة فان كان يكتسبها في السفر فكذلك؛ لانتفاء الضرر من ماله المحجور عليه فيه، و لو لميكن كذلك فذهب المصنّف رحمهالله الى أنّه حلّله الولي.
فان كان هناك اجماع على لزوم تحليل الولي فهو و الاّ فلا دليل على جوازه فانّ الاحرام لمّا انعقد فلايجوز نقضه بلا دليل و عليه فعلى الولي أنيعينه على اتمام الحجّ أو العمرة و لو ببذل النفقة من كيسه.
«السادسة»: اذا حلف انعقدت يمينه و لو حنث كفّر بالصوم، و فيه تردّد.
اذا حلف السفيه على فعل شيء أو تركه تنعقد يمينه؛ لأنّه لايتعلّق بالمال، و مثله لو نذر أو عهد ذلك. أمّا لو كان متعلّق النذر نفس المال بأننذر أنيتصدّق بمال مثلاً فان كان معيّنا بطل النذر و ان كان في الذمّة صحّ و روعي في انفاذه الرشد.
و اذا حلف على شيء - مثلاً - و حنث وجبت عليه الكفّارة قطعا؛ لأنّه بالغ عاقل.
و قد يقال بأنّه يكفّر بالصوم لا بالمال؛ لأنّه ممنوع من التصرّف المالي، و ما قيل من أنّ الكفّارة تصير حينئذ واجبة عليه و هو مالك للمال فتخرج من المال كما تخرج الواجبات من الزكاة و الخمس و مؤونة الحجّ الواجب و الكفّارة المسبوقة وجوبها الحجر، مدفوع بأنّ هذه الواجبات تثبت عليه بغير اختياره فلا تصرّف له في المال و انّما الحاكم به اللّه تعالى، بخلاف الكفّارة المذكورة فانّ سببها مستند الى اختياره في مخالفة مقتضى اليمين.
ولكنّ الظاهر أنّه ان رأى الولي المصلحة في تكفيره بالمال فيجوز له، فانّه ربّما يكون المصلحة في ذلك.
«السابعة»: لو وجب له القصاص جاز أنيعفو، و لو وجب له دية لميجز.
لو وجب له القصاص جاز أنيعفو؛ لأنّ موجب العمد القصاص خاصّة و هو ليس بمال و يجوز له أنيبدّل قصاصه بالمال، و أمّا لو وجب له دية أوّلاً فقد يقال بأنّه لايجوز له العفو؛ لأنّه تصرّف مالي فيمنع منه.
ولكن الظاهر في هذا و أمثاله لزوم مراعاة المصلحة من طرف الولي، فان رأى الولي المصلحة في العفو أو غير ذلك من التصرّفات الماليّة فالظاهر جوازه له.
«الثامنة»: يختبر الصبي قبل بلوغه، و هل يصحّ بيعه؟ الأشبه أنّه لايصحّ.
يختبر الصبي قبل بلوغه؛ لأنّ الرشد لايعلم الاّ باختباره بما يلائمه من التصرّفات و الأعمال و لقوله تعالى: «و ابتلوا اليتامى حتّى اذا بلغوا النكاح فان
آنستم منه رشدا فادفعوا اليهم أموالهم »(1)، و لا خلاف في ذلك عند الأصحاب.
ثمّ انّه اذا كان الاختبار بمثل البيع لمن هو أهله فظهر رشده و أوقعه فالظاهر صحّة بيعه؛ لأمره تعالى بالابتلاء و هو يقتضي كون الفعل الصادر من الصبي معتبرا خصوصا على مختارنا من شرعيّة أفعاله، و مع ذلك قد انضمّ الى اذن الولي له؛ لأنّ اعطاء المال و أمره به اذن فيجب أنيكون صحيحا.
1) - النساء 4: 6.
و قال في المسالك: «الأقوى عدم صحّة بيعه؛ لمنع دلالة الأمر بالابتلاء على الصحّة، بل غايته استفادة الرشد بما به الابتلاء، أمّا كونه صحيحا أم لا فهو خارج عن مقتضاه».(1)
و الظاهر صحّته كما تقدّم؛ لأنّ الصحّة تلازم الاختبار الذي دلّ على رشده.
هذا تمام الكلام
في بيان أحكام الحجر
و يتلوه شرح كتاب الصلح
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
1) - مسالك الأفهام 4: 167.
الصلح و هو عقد شرّع لقطع التجاذب، و ليس فرعا على غيره و لو أفاد فائدته. و يصحّ مع الاقرار و الانكار الاّ ما أحلّ حراما أو حرّم حلالاً، و كذا يصحّ مع علم المصطلحين بما وقعت المنازعة فيه و مع جهالتهما به دينا كان أو عينا. و هو لازم من الطرفين مع استكمال شرائطه الاّ أنيتّفقا على فسخه.
يدلّ على شرعيّة الصلح قوله تعالى: «و ان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أنيصلحا بينهما صلحا و الصلح خير»(1)، و قوله تعالى: «و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما»(2)و قوله سبحانه: «و أصلحوا ذات بينكم»(3)
و في صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الصلح جائز بين الناس».(4)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: اذا كان بطيبة نفس من صاحبه فلا بأس».(1)
ثمّ انّ عقد الصلح و ان كان شرّع في الأصل لقطع التجاذب و التنازع بين المتخاصمين الاّ أنّ ذلك من الحكمة لا العلّة التي يدور الحكم مدارها، مثل المشقّة في حكمة القصر في السفر و نقصان القيمة في الردّ بالعيب و استبراء الرحم للعدّة و غيرها من الحكم التي لاتقتضي تخصيصا أو تقييدا لعموم الدليل أو اطلاقه المقتضي لثبوت الحكم في غير محلّها مضافا الى خصوص الأدلّة من السنّة و الاجماع، و عليه فالصلح جارٍ و جائز في غير مقام التجاذب و التنازع أيضا.
فروع:
عقد الصلح ليس عندنا فرعا على غيره من العقود و ان أفاد فائدته كما هو مقتضى اطلاق أدلّته، و عليه فله أحكام تختصّ به و لايجري فيه أحكام العقود التي أفاد فائدتها، خلافا للشيخ في المبسوط حيث قال: «الصلح ليس بأصل في نفسه و انّما هو فرع لغيره و هو على خمسة أضرب: أحدها: فرع البيع. و ثانيها: فرع الابراء. و ثالثها: فرع الاجارة. و رابعها: فرع العارية. و خامسها: فرع الهبة».(2)
و في المسالك: «قال الشيخ في المبسوط: انّه فرع على عقود خمسة و هو مذهب الشافعي، فجعله فرع البيع اذا أفاد نقل الملك بعوض معلوم، و فرع الاجارة اذا وقع على منفعة مقدّرة بمدّة معلومة بعوض معلوم، و فرع الهبة اذا تضمّن ملك العين بغير عوض، و فرع العارية اذا تضمّن اباحة منفعة بغير عوض، و فرع الابراء اذا تضمّن اسقاط دين أو بعضه. و يلحقه حكم ما ألحق به من العقود في ذلك الفرد الذي ألحق به فيه».(1)
و فيه: انّه مع افادة فائدة عقد آخر لاتقتضي كونه من أفراده مع دلالة الدليل على استقلاله بنفسه كغيره من العقود، و عليه فلايجري فيه أحكام البيع فيما اذا أفاد فائدة البيع كلزوم التقابض في المجلس في بيع الصرف أو قبض الثمن في بيع السلم و غير ذلك و كذا سائر العقود.
صحّة الصلح مع الاقرار - و هو ما اذا أقرّ المدّعى عليه بما يدّعي المدّعي - واضحة و لا خلاف فيه، و كذا يصحّ مع الانكار و هو ما اذا أنكر المدّعى عليه ما يدّعي المدّعي.
قال في المسالك: «و هو موضع خلاف بيننا و بين الشافعي حيث منعه مع الانكار؛ نظرا الى أنّه عاوض على ما لميثبت له، فلمتصحّ المعاوضة، كما لو باع مال غيره. و نحن نمنع بطلان المعاوضة - على ما لميثبت - بالصلح، فانّه عينالمتنازع، و الفرق بينه و بين البيع ظاهر؛ فانّ ذلك تصرّف في مال الغير بغير اذنه،
1) - مسالك الأفهام 4: 261.
بخلافه هنا، و لأنّ مبنى شرعيّته عندنا و عنده على قطع التنازع، و هو شامل للحالين.
و صورة الصلح مع الاقرار ظاهرة، و أمّا مع الانكار فبأنيدّعي شخص على غيره دينا أو عينا، فينكر المدّعى عليه، فيصالحه على مال آخر، أو على بعض المدّعى به، أو على غير ذلك من منفعة و غيرها.
و المراد بصحّة الصلح مع الانكار صحّته بحسب الظاهر، و أمّا بحسب نفس الأمر فلايستبيح كلّ منهما ما وصل اليه بالصلح، و هو غير محقّ».(1)
و بالجملة يجوز للمتداعيين في دين أو عين أو منفعة أنيتصالحا بشيء من المدّعى به أو بشيء آخر حتّى مع انكار المدّعى عليه، و يسقط بهذا الصلح حقّ الدعوى، و كذا حقّ اليمين الذي كان للمدّعي على المنكر، و ليس للمدّعي بعد ذلك تجديد المرافعة لكن هذا فصل ظاهري ينقطع به الدعوى في ظاهر الشرع، و لايحلّ به ما أخذه غير المحقّ منهما، فاذا ادّعى شخص على شخص بدين فأنكره ثمّ تصالحا على النصف فهذا الصلح و ان أثّر في سقوط الدعوى لكن ان كان المدّعي محقّا بحسب الواقع فقد وصل اليه نصف حقّه و بقي الباقي على ذمّة المنكر و لو كان محقّا بحسب اعتقاده، الاّ اذا فرض رضا المدّعي باطنا بالصلح عن جميع ماله في الواقع. و كذا العكس أي لو كان المدّعى عليه محقّا و دعوى المدّعي باطلة يحرم عليه ما أخذه من المنكر الاّ مع فرض طيب نفسه واقعا بأنيكون للمدّعي ما صالح به لا أنّه رضي به تخلّصا من دعواه الكاذبة.
حتّى لو فرض أنّه قد صالح المحقّ واقعا مع غير المحقّ عن العين بمال آخرفهي بأجمعها في يده مغصوبة و لايستثنى له منها مقدار ما دفع؛ لعدم صحّة
1) - مسالك الأفهام 4: 261.
المعاوضة في نفس الأمر و انّ هذا كلّه أكل مال بالباطل والمحقّ انّما صالح غير المحقّ دفعا لدعواه الكاذبة كما تقدّم أو استدفع بالصلح ضررا عن نفسه أو ماله، و مثل هذا لايعدّ تراضيا يبيح أكل مال الغير؛ و الدليل على ذلك كلّه - مضافا الى الاجماع - صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا كان لرجل على رجل دين فمطله حتّى مات ثمّ صالح ورثته على شيء فالذي أخذ الورثة لهم، و ما بقي فللميّت حتّى يستوفيه منه في الآخرة، و ان هو لميصالحهم على شيء حتّى مات و لميقض عنه فهو كلّه للميّت يأخذه به».(1)
و رواية علي بن أبي حمزة قال:
«قلت لأبي الحسن عليهالسلام : رجل يهودي أو نصراني كانت له عندي أربعة آلاف درهم مات، أ لي أنأصالح ورثته و لاأعلمهم كم كان؟ قال: لايجوز حتّى تخبرهم».(2)
الصلح جائز بين المسلمين الاّ ما أحلّ حراما أو حرّم حلالاً كما في مرسلة الصدوق قال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، و
الصلح جائز بين المسلمين الاّ صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالاً».(1)
قال في المسالك: «و فسّر تحليل الحرام بالصلح على استرقاق حرّ أو استباحة بضع لا سبب لاباحته غيره أو ليشربا أو أحدهما الخمر و نحو ذلك، و تحريم الحلال بأنلايطأ أحدهما حليلته أو لاينتفع بماله و نحو ذلك».(2)
يصحّ الصلح مع علم المصطلحين بما وقعت المنازعة فيه، و أمّا مع جهلهما بمقداره بحيث تعذّر للمتصالحين معرفة المصالح عنه فلا اشكال فيه أيضا كما اذا اختلط مال أحدهما بالآخر و لميعلما مقدار كلّ منهما فاصطلحا على أنيشتركا فيه بالتساوي أو الاختلاف، أو صالح أحدهما ماله مع الآخر بمال معيّن؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه قال:
«في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه و لايدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي؟ فقال: لا بأس بذلك اذا تراضيا و طابت أنفسهما».(3)
و لأنّ الحاجة قد تمسّ الى تحصيل البراءة مع الجهل و لا وجه له الاّ الصلح، دينا كان أو عينا بل هو جارٍ في غير ما وقعت المنازعة فيه أيضا.
و أمّا مع امكان معرفتهما بمقداره في الحال ففيه اشكال الاّ اذا تراضيا بما صالحا عليه بطيب أنفسهما.
و لو كان أحدهما عالما به دون الآخر فان كان الجاهل المستحقّ لميصحّ الصلح في نفس الأمر الاّ أنيعلمه بالقدر أو يكون المصالح به قدر حقّه مع كونه غير متعيّن فالعبرة بوصول الحقّ لا بالصلح، و قد تقدّم في الفرع الثاني رواية علي بن أبي حمزة و كذا صحيحة عمر بن يزيد و ما يدلّ على ما نحن فيه.
قد تقدّم أنّ الصلح عقد مستقلّ بنفسه و عنوان برأسه و ليس - كما قيل - راجعا الى سائر العقود و ان أفاد فائدتها فيفيد فائدة البيع اذا كان عن عين بعوض و فائدة الهبة اذا كان عن عين بلا عوض، و فائدة الاجارة اذا كان عن منفعة بعوض و هكذا، فلايلحقه أحكام سائر العقود و لايجري فيه شروطها، فما أفاد فائدة البيع لايلحقه أحكامه و شروطه فلايجري فيه الخيارات المختصّة بالبيع كخياري المجلس و الحيوان و لا الشفعة، و لايشترط فيه قبض العوضين اذا تعلّق بمعاوضة النقدين، و ما أفاد فائدة الهبة من تمليك عين بلا عوض لايعتبر فيه قبض العين كما يعتبر في الهبة و هكذا.
و لمّا كان الصلح عقدا من العقود يحتاج الى الايجاب و القبول مطلقا حتّى فيما أفاد فائدة الابراء و اسقاط الحقّ، فابراء المديون من الدين و اسقاط الحقّ عمّن عليه الحقّ و ان لميتوقّفا على قبول من عليه الدين أو الحقّ لكن اذا أوقعاه بعنوان الصلح توقّف على القبول.
و لايعتبر في الصلح صيغة خاصّة بل يقع بكلّ لفظ أفاد في متفاهم العرف التسالم و التراضي على أمر من نقل عين أو منفعة أو قرار مشروع بين المتصالحين. نعم، اللفظ الدائر في الألسنة الذي هو كالصريح في افادة هذا المعنى من طرف الايجاب هو «صالحت» و هو يتعدّى الى المفعول الأوّل بنفسه و الي المفعول الثاني ب-«عن» أو «على» فيقول مثلاً: صالحتك عن الدار أو منفعتها بكذا، فيقول المتصالح: قبلت المصالحة أو اصطلحتها بكذا.
ثمّ انّ عقد الصلح لازم من الطرفين؛ و ذلك - مضافا الى استفادة اللزوم من خصوص أدلّة الصلح - لما ثبت في محلّه من أنّ الأصل في كلّ عقد لزومه الاّ ما خرج بالدليل و قد أقمنا عليه براهين في مواضع مختلفة، و من جملة ما يدلّ عليه عموم قوله تعالى: «أوفوا بالعقود»(1)و غيره.
فالصلح لازم مع استكمال شرائطه و لايفسخ الاّ باقالة المتصالحين أو بوجود خيار في البين حتّى فيما أفاد فائدة الهبة الجائزة.
و اذا اصطلح الشريكان على أنيكون الربح و الخسران على أحدهما و للآخر رأس ماله صحّ.
يجوز أنيصطلح الشريكان على أنيكون لأحدهما رأس المال و الربح للآخر و الخسران عليه؛ تدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه و كان من المال دين و عليهما دين، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال و لك الربح و عليك
1) - المائدة 5: 1.
التوى(1)، فقال: لا بأس اذا اشترطا، فاذا كان شرط يخالف كتاب اللّه فهو ردّ الى كتاب اللّه عزّوجلّ».(2)
قال في المسالك: «هذا اذا كان عند انتهاء الشركة و ارادة فسخها، لتكون الزيادة مع من هي معه بمنزلة الهبة، و الخسران على من هو عليه بمنزلة الابراء، أمّا قبله فلا؛ لمنافاته وضع الشركة شرعا. - الى أنقال: - و هذا الخبر (صحيحة الحلبي) مشعر بما شرطناه من كون الشرط عند الانتهاء لا كما أطلق المصنّف».(3)
و قال في الروضة: «(و لو اصطلح الشريكان على أخذ أحدهما رأس المال و الباقي للآخر ربح أو خسر صحّ عند انقضاء الشركة) و ارادة فسخها لتكون الزيادة مع من هي معه بمنزلة الهبة، و الخسران على من هو عليه بمنزلة الابراء.
(و لو شرطا بقاءهما على ذلك) بحيث يكون ما يتجدّد من الربح و الخسران لأحدهما دون الآخر (ففيه نظر) من مخالفته لوضع الشركة حيث انّها تقتضي كونهما على حسب رأس المال، و من اطلاق الرواية بجوازه بعد ظهور الربح من غير تقييد بارادة القسمة صريحا فيجوز مع ظهوره، أو ظهور الخسارة مطلقا.
و يمكن أنيكون نظره في جواز الشرط مطلقا و ان كان في ابتداء الشركة، كما ذهب اليه الشيخ و جماعة زاعمين أنّ اطلاق الرواية يدلّ عليه ، و لعموم «المسلمون عند شروطهم». و الأقوى المنع، و هو مختاره في الدروس».(4)
و لو كان معهما درهمان فادّعاهما أحدهما و ادّعى الآخر أحدهما كان لمدّعيهما درهم و نصف و للآخر ما بقي، و كذا لو أودعه انسان درهمين و آخر درهما و امتزج الجميع ثمّ تلف درهم.
و لو كان لواحد ثوب بعشرين درهما و لآخر ثوب بثلاثين درهما ثمّ اشتبها فان خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه، و ان تعاسرا بيعا و قسّم ثمنها بينهما فأعطي صاحب العشرين سهمين من خمسة و للآخر ثلاثة.
و اذا بان أحد العوضين مستحقّا بطل الصلح.
هنا فروع:
لو كان معهما درهمان فادّعاهما أحدهما و ادّعى الآخر أحدهما كان لمدّعيهما درهم و نصف و للآخر ما بقي؛ تدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، و قال الآخر: هما بيني و بينك، فقال: أمّا الذي قال: هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له و أنّه لصاحبه، و يقسّم الآخر بينهما».(1)
و المراد بكونهما معهما كونهما تحت يدهما ليتساويا في الدعوى؛ اذ لو كان
1) - وسائل الشيعة 18: 450 / الباب 9 من كتاب الصلح / الحديث 1.
في يد مدّعي الدرهمين قدّم قوله فيهما بيمينه، و كذا لو كانا في يد مدّعي الدرهم لقدّم فيه بيمينه أيضا.
و هكذا يكون الحكم لو أودعه انسان درهمين و الآخر درهما و امتزج الجميع ثمّ تلف درهم بغير تفريط؛ و الدليل على ذلك - مضافا الى امكان استفادة حكمه من الصحيحة المتقدّمة - رواية السكوني عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام:
«في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها، قال: يعطي صاحب الدينارين دينارا و يقسّم الآخر بينهما نصفين».(1)
قال في المسالك: «و لو كان بدل الدراهم مال تمتزج أجزاؤه بحيث لاتتميّز، و هو متساويها، كالحنطة و الشعير، و كان لأحدهما قفيزان مثلاً و للآخر قفيز، و تلف قفيز بعد امتزاجهما بغير اختياره، فالتالف على نسبة المالين، و كذا الباقي، فيكون لصاحب القفيزين قفيز و ثلث، و للآخر ثلثا قفيز. و الفرق أنّ الذاهب هنا عليهما معا بخلاف الدرهم؛ لأنّه حقّ لأحدهما خاصّة قطعا».(2)
اذا كان لواحد ثوب بعشرين درهما - مثلاً - و لآخر ثوب بثلاثين درهما ثمّ اشتبها و لميميّز كلّ منهما ماله عن مال صاحبه فان خيّر أحدهما صاحبه فقد أنصفه، فأيّهما اختاره يحلّ له و يحلّ الآخر لصاحبه، و ان تضايقا فان كان المنظور
و المقصود لكلّ منهما الماليّة - كما اذا اشترياهما للمساومة و التجارة - بيعا و قسّم الثمن بينهما بنسبة مالهما فيعطى صاحب العشرين في المثال سهمين من خمسة و للآخر ثلاثة أسهم منها؛ تدلّ على ذلك رواية اسحاق بن عمّار قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام : في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب و آخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثوبين و لميعرف هذا ثوبه و لا هذا ثوبه، قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن و الآخر خمسي الثمن، قلت: فانّ صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: اختر أيّهما شئت، قال: قد أنصفه».(1)
و في الجواهر - بعد نقل الرواية المذكورة - قال: «المنجبر بالشهرة مع احتمال صحّة سندها في طريق الصدوق، بل و الشيخ. فما عن ابن ادريس من القرعة و مال اليه في المسالك في غير محلّه؛ ضرورة عدم الاشكال بعد ما عرفت، معتضدا بالاعتبار الذي يقتضي بكون مثل هذا الاشتباه كالاشتراك.
أقول: كلامه رحمهالله متين، فانّ الفقيه اذا أفتى - طبقا للرواية المذكورة - بالطريقة
التي ذكرها الامام عليهالسلام ، فليعمل على طبق فتواه، و ليس المقام مقام المرافعة والدعوى.
نعم، لو لميعمل الطرفان على طبق الفتوى أو لميرتض أحدهما بفتواه فوقعت المرافعة بينهما فليرجعا الى الحاكم ليحكم بينهما على طبق قواعد القضاء.
اذا بان أحد العوضين المعيّنين في العقد مستحقّا للغير أو غير قابل للعوضيّة كالخمر و الخنزير بطل الصلح بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - ؛ ضرورة كونهما من أركان هذا الصلح الذي قد وقعا فيه و ان لمنقل أنّه يعتبر في الصلح العوض؛ لقيامه مقام الهبة و العارية؛ و ذلك لأنّ الذي قصد لميصحّ بالفرض و الذي فرض صحّته لميقصد.
و لايقاس ما نحن فيه على المهر في النكاح الذي فساده فيه لايقتضي فساد العقد؛ لأنّه ليس من الأركان فيه و لذا يرجع الى مهر المثل. هذا اذا كانا معيّنين و أمّا لو كانا أو أحدهما مطلقا ثمّ بان مستحقّا رجع ببدله.
و لو ظهر فيه عيب فله الفسخ؛ لقاعدة نفي الضرر و يثبت فيه أيضا كلّ خيار يجري في البيع ممّا كان دليله نفي الضرر كخيار الغبن - على خلاف فيه - بخلاف ما اختصّ دليله بالبيع كخيار المجلس و الحيوان و نحوهما.
و يصحّ الصلح على عين بعين أو منفعة، و على منفعة بعين أو منفعة، و لوصالحه على دراهم بدنانير أو بدراهم صحّ و لميكن فرعا للبيع. و لايعتبر فيه ما يعتبر في الصرف على الأشبه.
و لو أتلف على رجل ثوبا قيمته درهم فصالحه عنه على درهمين صحّ على الأشبه؛ لأنّ الصلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم.
يصحّ الصلح على عين بعين أو منفعة، و على منفعة بعين أو منفعة؛ للعمومات المقتضية لما ذكر، و يصحّ الصلح أيضا عن الحقّ اسقاطا أو نقلاً كحقّ الخيار و حقّ التحجير و حقّ الشفعة بحقّ مثله أو عين أو منفعة.
ثمّ انّه لو صالحه على دراهم بدنانير أو بدراهم صحّ و ان لميكن قبض و اقباض في المجلس؛ لما تقدّم من عدم كون الصلح فرعا للبيع، و انّه لايعتبر في الصلح ما يعتبر في بيع الصرف. و كذا لو قام مقام بيع السلم لايعتبر فيه قبض العوض في المجلس.
و لو أتلف على رجل ثوبا قيمته درهم - مثلاً - فصالحه عنه على درهمين أو أقلّ من الدرهم صحّ؛ لأنّ الصلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم الذي لميثبت في الذمّة.
و لو ادّعى دارا فأنكر من هي في يده ثمّ صالحه المنكر على سكنى سنة صحّ و لميكن لأحدهما الرجوع، و كذا لو أقرّ له بالدار ثمّ صالح، و قيل: «له الرجوع؛ لأنّه هنا فرع العارية»، و الأوّل أشبه، و لو ادّعى اثنان دارا في يد ثالث بسبب موجب للشركة كالميراث فصدّق المدّعى عليه أحدهما و صالحه على ذلك النصف بعوض فان كان باذن صاحبه صحّ الصلح في
النصف أجمع و كان العوض بينهما، و ان كان بغير اذنه صحّ في حقّه و هوالربع و بطل في حصّة الشريك و هو الربع الآخر. أمّا لو ادّعى كلّ واحد منهما النصف من غير سبب موجب للشركة لميشتركا فيما يقرّ به لأحدهما. و لو ادّعى عليه فأنكر فصالحه المدّعى عليه على سقي زرعه أو شجره بمائه، قيل: «لايجوز؛ لأنّ العوض هو الماء و هو مجهول» و فيه وجه آخر مأخذه جواز بيع ماء الشرب.
أمّا لو صالحه على اجراء الماء على سطحه أو ساحته صحّ بعد العلم بالموضع الذي يجري الماء منه. و اذا قال المدّعى عليه: «صالحني عليه» لميكن اقرارا؛ لأنّه قد يصحّ مع الانكار، أمّا لو قال: «بعني أو ملّكني» كان اقرارا.
هنا فروع:
لو ادّعى دارا فأنكر من هي في يده ثمّ صالحه المنكر عن اسقاط دعواه على أنيسكن فيها سنة و تكون الدار للمنكر صحّ؛ للأصل أي أصالة صحّة العقود و يكون هنا مفيدا فائدة العارية. و كذا لو أقرّ بأنّ الدار للمدّعي ثمّ تصالحا على سكنى المقرّ مدّة معلومة صحّ أيضا و لا رجوع في الصورتين؛ لما تقدّم من أنّه عقد لازم و ليس فرع العارية حتّى يقال بجواز الرجوع فيها.
و أمّا على القول بفرعيّة الصلح في هذا للعارية - كما ذهب اليه الشيخ - فللمصالح الرجوع في الصورتين؛ لأنّ متعلّق الصلح المنفعة بغير عوض فيهما. و العين الخارجة من يد المقرّ ليست عوضا عن المنفعة الراجعة اليه؛ لثبوتها للمقرّ له
بالاقرار قبل أنيقع الصلح فلايكون في مقابلة المنفعة عوض فيكون ما في يده بعنوان العارية يلزمه حكمها من جواز الرجوع فيه عند الشيخ القائل بأنّ حكمها حكم العارية كما في الروضة.(1)
ثمّ اعلم أنّه في صورة اقرار من هي في يده بأنّ الدار للمدّعي فهي ثابتة للمدّعي، و اذا تصالحا على أنيكون الدار للمقرّ بازاء سكنى المدّعي سنة فترجع الدار اليه و الاّ فلاتزول ملكيّته.
و أمّا لو أنكر دعوى المدّعي في ملكيّة الدار و لمتكن للمدّعي بيّنة و لميحصل من المنكر يمين فتصالحا على أنيسكن المدّعي في الدار سنة و ينصرف عن دعواه فملكيّة الدار للمنكر. و كيف كان لميكن لهما بعد الصلح رجوع.
قال في المبسوط: «اذا ادّعى رجلان ملك الدار أو أضافا ملكها الى سبب واحد يتضمّن اشتراكهما في كلّ جزء منها مثل أنيضيفاها الى ميراث أو شراء صفقة واحدة فاذا أقرّ لأحدهما بشيء كان بمنزلة الاقرار به لهما فاشتركا فيه، فان صالح المقرّ المقرّ له من النصف الذي أقرّ له به على مال يدفعه اليه فانّه ينظر فان كان قد صالحه باذن صاحبه كان الصلح صحيحا و كان المال الذي حصل معه بينهما نصفين، و ان كان قد صالحه بغير اذن صاحبه فانّ الصلح باطل في حقّ صاحبه وهو نصف النصف، و يكون بمنزلة من باع حقّا له و حقّا لغيره فانّه يبطل البيع في
1) - الروضة البهيّة 4: 182.
حقّ ملك الغير و يصحّ في حقّ نفسه فيكون الصلح جائزا فيما يخصّه».(1)
اذا ادّعى رجلان دارا في يد ثالث و اتّفقا على كون سبب ملكهما مقتضيا للشركة كالميراث فاقرار من في يده الدار لأحدهما مقتضٍ لتشاركهما فيما أقرّ به و ان لميصدّق المتشبّث ايّاهما على السبب الذي ادّعيا به؛ و ذلك لاتّفاقهما على أنّ البعض كالكلّ يستوي ملكهما فيه، فلايؤثّر فيه تخصيص المقرّ أحدهما بالملك.
و حينئذ فاذا صالح المقرّ المقرّ له على النصف المقرّ به فان كان الصلح باذن شريكه صحّ الصلح في النصف أجمع و كان العوض بينهما - أي بين المالكين - و ان كان بغير اذنه صحّ في حقّه - أي حقّ أحد الشريكين - و هو الربع و بطل في حصّة الشريك و هو الربع الآخر.
أمّا لو ادّعى أحدهما النصف بسبب الارث مثلاً و الآخر بالشراء فانّ ملك أحدهما لايستلزم ملك الآخر فلايقتضي الاقرار لأحدهما بما يدّعيه مشاركة الآخر ايّاه و مثله ما لو ادّعى كلّ منهما أنّه اشترى النصف من غير تقييد بالمعيّة.
لو ادّعى رجل على آخر بشيء فأنكر ثمّ صالحه المدّعى عليه عمّا ادّعى به على أنيسقي زرع المدّعي أو شجره بمائه فلو كان في الجملة معلوما صحّ.
قال في الروضة: «يجوز جعل السقي بالماء عوضا للصلح بأنيكون موردهأمرا آخر من عين أو منفعة، و كذا يجوز كونه موردا له و عوضه أمرا آخر كذلك، و كذا لو كان أحدهما عوضا و الآخر موردا، كلّ ذلك مع ضبطه بمدّة معلومة. و
1) - المبسوط 2: 293.
خالف الشيخ رحمهالله في الجميع محتجّا بجهالة الماء. و كذا يصحّ الصلح على اجراء الماء على سطحه، أو ساحته جاعلاً للماء عوضا و موردا بعد العلم بالموضع الذي يجري منه الماء بأنيقدر مجراه طولاً و عرضا؛ لترتفع الجهالة عن المحلّ المصالح عليه. انتهى ملخّصا».(1)
اذا قال المدّعى عليه: «صالحني عليه» لميكن اقرارا؛ لأنّه قد يصحّ الصلح مع الاقرار و الانكار كما تقدّم. و أمّا لو قال: «بعني أو ملّكني»، كان اقرارا؛ لأنّه صريح في التماس التمليك و هو ينافي كونه ملكا له؛ لاشتماله تحصيل الحاصل. و لا شبهة في كونه اقرارا بعدم ملك المقرّ و كونه ملكا لغيره في الجملة، أمّا كونه ملكا لمن طلب منه البيع و التمليك ففيه نظر - كما في المسالك(2)- من كونه أعمّ من ملكه؛ اذ قد يكون وكيلاً.
و يلحق بذلك أحكام النزاع في الأملاك، و هي مسائل:
«الأولى»: يجوز اخراج الرواشن و الأجنحة الى الطرق النافذة اذا كانت عالية لاتضرّ بالمارّة و لو عارض فيها مسلم على الأصحّ، و لو كانت مضرّة وجب ازالتها، و لو أظلم بها الطريق قيل: «لايجب ازالتها». و يجوز فتح الأبواب المستجدّة فيها. أمّا الطرق المرفوعة فلايجوز احداث باب فيها و لا جناح و لا غيره الاّ باذن أربابها، سواء كان مضرّا أو لميكن؛ لأنّه مختصّ بهم و كذا لو أراد فتح باب لايستطرق فيه؛ دفعا للشبهة، و يجوز فتح الروازن و الشبابيك، و مع اذنهم فلا اعتراض لغيرهم، و لو صالحهم على احداث روشن قيل:«لايجوز؛ لأنّه لايصحّ افراد الهواء بالبيع» و فيه تردّد.
و لو كان لانسان داران باب كلّ واحد الى زقاق(1)غير نافذ جاز أنيفتح بينهما بابا، و لو أحدث في الطريق المرفوع حدثا جاز ازالته لكلّ من له عليه استطراق، و لو كان في زقاق بابان أحدهما أدخل من الآخر فصاحب الأوّل يشارك الآخر في مجازه و ينفرد الأدخل بما بين البابين، و لو كان في الزقاق فاضل الى صدرها و تداعياه فهما فيه سواء.
و يجوز للداخل أنيقدّم بابه و كذا الخارج و لايجوز للخارج أنيدخل ببابه و كذا الداخل، و لو أخرج بعض أهل الدرب النافذ روشنا لميكن لمقابله معارضته و لو استوعب عرض الدرب، و لو سقط ذلك الروشن فسبق جاره الى عمل روشن لميكن للأوّل منعه؛ لأنّهما فيه شرع كالسبق الى القعود في المسجد.
1) - زقاق يقال له بالفارسيّة: كوچه، راه تنگ.
يجوز اخراج الرواشن و الأجنحة و نحوهما الى الطرق النافذة و الشوارع العامّة اذا كانت عالية بحيث لاتضرّ بالمارّة؛ للسيرة المستمرّة في الأعصار و الأمصار من زمن النبي صلىاللهعليهوآله الى يومنا هذا بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر.(1)
قال في المسالك: «الروشن و الجناح يشتركان في اخراج خشب من حائط المالك الى الطريق بحيث لايصل الى الجدار المقابل و يبنى عليها، و لو وصلت فهو الساباط. و ربّما فرّق بينهما بأنّ الأجنحة ينضمّ اليها مع ما ذكر أنتوضع لها أعمدة من الطريق. و المرجع في التضرّر و عدمه الى العرف.
و يعتبر في المارّة ما يليق بتلك الطريق عادة، فان كانت ممّا يمرّ عليها الفرسان اعتبر ارتفاع ذلك بقدر لايصدم الرمح على وضعه مائلاً عادة. و ان كانت ممّا يمرّ فيها الابل اعتبر فيها مروره محمّلاً و مركوبا. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الظاهر أنّ التضرّر ليس منحصرا بالمارّة بل لو تضرّر جاره بالاشراف عليه لايجوز كما في التذكرة. فلو كانت الرواشن و الأجنحة و ما شاكلها مضرّة وجب ازالتها و ان كان ضررها بمثل أنأظلم بها الطريق على وجه ذهب الضياء منه.
و كما يجوز احداث الروشن على الجادّة يجوز فتح الأبواب المستجدّة فيها سواء كان له باب آخر أو لا. و كذا يجوز فتح الشبّاك و الروازن على الجادّة و نصب الميزاب فيها و كذا بناء ساباط(3)عليها اذا لميكن معتمدا على حائط غيره مع عدم
اذنه و لميكن مضرّا بالمارّة و لو من جهة الظلمة.
أمّا الطرق المرفوعة أي المسدودة التي لاتنتهي الى طريق آخر و لا مباح بل الى ملك الغير فلايجوز احداث باب فيها و لا جناح و لا غيره الاّ باذن أربابها، سواء كان مضرّا أو لميكن؛ لأنّه مختصّ بهم. و كما لايجوز احداث شيء من ذلك لغير أربابها الاّ باذنهم لايجوز لبعضهم الاّ باذن شركائه فيها. و لو صالح غيرهم معهم أو بعضهم مع الباقين على احداث شيء من ذلك صحّ و لزم، سواء كان مع العوض أو بلا عوض.
و يجوز نقب سرداب تحت الجادّة مع احكام أساسه و بنيانه و سقفه بحيث يؤمن من الثقب و الخسف و الانهدام. و كذا يجوز احداث البالوعة للأمطار فيها مع التحفّظ عن كونها مضرّة بالمارّة، و ان كان تركها أحوط بل لايترك، من جهة ما قيل من أنّه لايحدث هذه الاّ و فيها مضرّة.
و لو كان لانسان داران باب كلّ واحد الى زقاق غير نافذ جاز أنيفتح بينهما بابا؛ لأنّ له حقّ السلوك في كلّ واحدة و رفع الجدار الحائل بين الدارين و جعلهما واحدة، ففتح باب من احداهما الى الأخرى أولى.
و لو أحدث في الطريق المرفوع - أي المسدود الذي لا حقّ له فيه - حدثا جاز ازالته لكلّ من له عليه استطراق فيه.
و لو كان في زقاق بابان أحدهما أدخل من الآخر فصاحب الأوّل يشارك الآخر في مجازه، و ينفرد الأدخل بما بين البابين. قال في المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب؛ و وجهه أنّ المقتضي لاستحقاق كلّ واحد هو الاستطراق، و نهايته بابه فلايشارك في الداخل».(1)
1) - مسالك الأفهام 4: 281.
و لو كان في الزقاق فاضل الى صدرها و تداعياه فهما فيه سواء؛ لاستوائهم فيالارتفاق بها فلا أولويّة لواحد على غيره بخلاف ما بين البابين؛ لأنّ أدخليّة الباب تقتضي الاستطراق و هو مختصّ بالمستطرق فيتحقّق الترجيح.
و يجوز للداخل أنيقدّم بابه الى الخارج و كذا الخارج يجوز أنيقدّم بابه ولكن لايجوز له أنيدخل بابه الى أسفل و كذا الداخل بالنسبة الى الأدخل؛ و ذلك لاختصاص كلّ داخل عن الخارج بما دخل عنه و مشاركته فيما خرج، فيجوز للداخل اخراج بابه؛ لثبوت حقّ الاستطراق في جميع الطريق الى بابه، فكلّ ما خرج عنه له فيه حقّ. و لايجوز للخارج أنيدخل ببابه و كذا الداخل، بالنسبة الى الأدخل.
و لو أخرج بعض أهل الدرب النافذ روشنا لميكن لمقابله معارضته، و لو استوعب عرض الدرب اذا لميكن مضرّا بالمارّة. و لو سقط ذلك الروشن فسبق جاره الى عمل روشن لميكن للأوّل منعه؛ لأنّهما فيه شرع كالسبق الى القعود في المسجد؛ لأنّ الأوّل لميملك الموضع بوضع الروشن فيه، و انّما اكتسب أولويّة، فاذا زال زالت كالقعود في المسجد و السوق.
«الثانية»: اذا التمس وضع جذوعه على حائط جاره لميجب على الجار اجابته و لو كان خشبة واحدة لكن يستحبّ، و لو أذن جاز الرجوع قبل الوضع اجماعا، و بعد الوضع لايجوز؛ لأنّ المراد به التأبيد، و الجواز حسن مع الضمان. أمّا لو انهدم لميعد الطرح الاّ باذن مستأنف، و فيه قول آخر. و لو صالحه على الوضع ابتداءً جاز بعد أنيذكر عدد الخشب و وزنها و طولها.
اذا التمس وضع جذوعه على حائط جاره لميجب على الجار اجابته و لو كانخشبة واحدة؛
و ذلك لتسلّط الناس على أموالهم و عدم وجوب اجابة أحد و لو كان هو الجار، على الاستمتاع من ماله.
و اذا لميجبه و لميأذن له فلايجوز للجار أنيضع جذوعه على جداره يدلّ عليه موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث):
«انّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله قال: من كانت عندهأمانة فليؤدّها الى من ائتمنه عليها؛ فانّه لايحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله الاّ بطيبة نفسه».(1)
و رواية الحسن بن علي بن شعبة - في تحف العقول - عن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أنّه قال في خطبة الوداع:
«أيّها الناس انّما المؤمنون اخوة و لايحلّ لمؤمن مال أخيه الاّ عن طيب نفس منه».(2)
قال في المسالك: «هذا عندنا موضع وفاق، و للرواية (المذكورة آنفا)، و لقضاء العقل بقبح التصرّف في مال الغير.
نعم، يستحبّ استحبابا مؤكّدا؛ لما روى (العامّة) عنه صلىاللهعليهوآله: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلايمنعنّ جاره من وضع خشبة على جداره». و هو على تقدير ثبوته منزّل على الاستحباب المؤكّد. و ذهب بعض العامّة الى جوازه بغير اذنه، عملاً بالحديث. انتهى ملخّصا».(3)
و فيما ورد في أحاديثنا من التأكيد و الحثّ الأكيد في قضاء حوائج الاخوان و
لا سيّما الجيران ما يرشد الى استحباب اجابته استحبابا مؤكّدا.
و على كلّ حال فلو بنى أو وضع الجذوع باذنه و رضاه فان كان ذلك بعنوان ملزم كالشرط في ضمن عقد لازم أو بالاجارة أو بالصلح عليه لميجز له الرجوع، و أمّا اذا كان مجرّد الاذن و الرخصة جاز له الرجوع قبل البناء و الوضع قطعا، و أمّا بعد ذلك فهل يجوز له الرجوع مع الأرش و عدمه أم لا مع استحقاق الأجرة و عدمه؟ وجوه بل أقوال فلايترك الاحتياط بالتصالح و التراضي بينهما و لو بالابقاء مع الأجرة أو الهدم مع الأرش.
قال في المهذّب: «يمكن أنيقال بجواز الرجوع؛ لقاعدة السلطنة الجارية في أصل الحدوث و في البقاء. و الأرش فلقاعدة من أتلف فانّ البناء وقع بعد اذنه صحيحا فهو مال محترم يجب تدارك اتلافه. و أمّا وجه عدم الأرش فلأنّ الاتلاف انّما حصل بحكم الشارع بوجوب تفريغ مال الغير و ردّه اليه فالاتلاف مستند الى صاحب الجذوع الذي يكون هو الباني لا الى الجار حتّى يوجب ضمانه فلا منشأ لضمانه حتّى يتعلّق به الأرش.
أمّا عدم جواز الرجوع فلأنّ الاذن في وضع الجذع مع الالتفات الى أنّه يبنى عليه و البناء يبقى مدّة بحسب العادة اسقاط لحقّ الرجوع مادام البناء فيستحقّ الأجرة؛ لأنّه جمع بين الحقّين. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا القول بالاحتياط - بما ذكرناه من التصالح و التراضي بينهما و لو بالابقاء مع الأجرة أو الهدم مع الأرش - فلأنّه ليس فيها نصّ خاصّ و لا اجماع معتبر و الأقوال المذكورة هنا لاتخلو من المناقشة.
و المراد من الأرش هنا دفع تفاوت قيمته عامرا و في حال الهدم بعد كسر
1) - مهذّب الأحكام 18: 191 و 192.
قيمة آلات الأبنية كالأخشاب و نحوها ان كان لها قيمة.
أمّا لو انهدم فلايعود الطرح الاّ باذن مستأنف؛ لأنّ المأذون فيه و هو الوضع قد حصل و الاعادة تحتاج الى اذن جديد، و فيه قول آخر للشيخ في المبسوط(1)و هو أنّه لو انهدم الحائط فان أعاده بآلته الأولى لميكن له منعه من ردّ الخشب و السقف عليه، و ان أعاده بغيرها كان له منعه.
و قال في المسالك: «و كثير من الأصحاب لميذكروا هنا خلافا، و يمكن أنيكون سببه أنّ الشيخ كان ذكر أوّلاً في الكتاب أنّه لو انهدم الحائط أو هدمه المستعير لميكن له الاعادة الاّ باذن مستأنف، و لميتردّد في ذلك، فأطرحوا قوله الآخر، و هو قول لبعض الشافعيّة».(2)
و لو صالحه على الوضع ابتداءً جاز بعد أنيذكر عدد الخشب و وزنها و طولها؛ لأنّ عدم ذكره يوجب الغرر و الضرر و النزاع غالبا.
«الثالثة»: اذا تداعيا جدارا مطلقا و لا بيّنة فمن حلف عليه مع نكول صاحبه قضي له، و ان حلفا أو نكلا قضي به بينهما، و لو كان متّصلاً ببناء أحدهما كان القول قوله مع يمينه، و ان كان لأحدهما عليه جذع أو جذوع قيل: «لايقضى بها»، و قيل: «يقضى مع اليمين»، و هو الأشبه.
و لايرجّح دعوى أحدهما بالخوارج التي في الحيطان و لا الروازن، و لو اختلفا في خصّ قضي لمن اليه معاقد القمط؛ عملاً بالرواية.
اذا تداعيا جدارا مطلقا و هو ما لميكن متّصلاً ببناء أحدهما أو في أرض
أحدهما و لميكن مقيّدا بوجه يوجب كونه لأحدهما بحيث لميثبت لأحدهماعليه يد أو يكون اليد لهما كما اذا كان بين ملكيهما من دون مرجّح فحينئذ فمن أقام البيّنة منهما حكم له به و ان لميكن بيّنة حلف كلّ واحد لصاحبه و كان بينهما نصفين و كذا لو نكلا عن اليمين، و لو حلف أحدهما و نكل الآخر ثبت للحالف.
و لو كان متّصلاً ببناء أحدهما اتّصال ترصيف و هو تداخل الأحجار و اللبن على وجه يبعد كونه محدثا و على وجه دالّ على أنّه جدار واحد أو كان لأحدهما عليه قبّة أو سترة على وجه يكون من الجدار نفسه أو نحو ذلك دون الآخر و لميكن هناك بيّنة كان القول قوله مع يمينه؛ لصيرورته بذلك صاحب اليد.
و لو اتّصل بهما كذلك أو كان البناء لهما أو اختصّ أحدهما بصفة و الآخر بأخرى فاليد لهما، و كذا لو كان لأحدهما واحدة و الباقي مع الآخر؛ اذ لا أثر لزيادة اليد في الترجيح فيحلفان و يقسّم بينهما، و كذلك الحكم لو نكلا.
و لو كان لأحدهما عليه جذع أو جذوع يقضى بها لذيها مع اليمين خلافا للشيخ حيث قال: «لايقضى بها محتجّا بأنّ في كون الجدار بين الدارين دلالة ظاهرة على أنّه في أيديهما، و وضع الجذوع اختصاص بمزيد انتفاع كاختصاص أحد الساكنين بزيادة الأمتعة».(1)
و فيه - كما في المسالك - منع دلالة كونه بينهما على اليد اذا لمينضمّ اليه تصرّف بوجه من الوجوه السابقة، و حينئذ فوضع الجذع يفيد اليد للواضع و يبقى الآخر خاليا و يكون حكم الجذع حكم ما سلف من المرجّحات.
و لاترجّح دعوى أحدهما بالخوارج التي في الحيطان من نقش و وتد و رفّ و نحو ذلك؛ فانّه لايفيد الترجيح لمالكه؛ لامكان احداثه له من جهته من غير شعور
1) - المبسوط 2: 296.
صاحب الجدار، و مثله الدواخل فيه كالطاقات غير النافذة و الروازن النافذة؛ لماذكر.
و لو اختلفا في خصّ(1)قضي لمن اليه معاقد القمط(2)يدلّ عليه صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن خصّ بين دارين فزعم: انّ عليّا عليهالسلام قضى به لصاحب الدار الذي من قبله وجه القماط».(3)
و رواية جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليهمالسلام:
«انّه قضى في رجلين اختصما اليه في خصّ، فقال: انّ الخصّ للّذي اليه القماط».(4)
قال في الجواهر: «و في النبوي: «انّ قوما اختصموا الى رسولاللّه صلىاللهعليهوآله في خصّ، فبعث حذيفة بن اليمان ليحكم بينهم فحكم به لمن اليه معاقد القمط، ثمّ رجع الى النبي صلىاللهعليهوآله فأخبره، فقال: أصبت و أحسنت»، و بفتوى المعظم من الأصحاب بل في التذكرة نسبته الى علمائنا».(5)
«الرابعة»: لايجوز للشريك في الحائط التصرّف فيه ببناء و لا تسقيف و لا ادخال خشبة الاّ باذن شريكه، و لو انهدم لميجبر شريكه على المشاركة في عمارته، و كذا لو كانت الشركة في دولاب أو بئر أو نهر. و كذا لايجبر
صاحب السفل و لا العلوّ على بناء الجدار الذي يحمل العلوّ، و لو هدمه بغير اذن شريكه وجب عليه اعادته، و كذا لو هدمه باذنه و شرط اعادته.
لايجوز للشريك في الحائط التصرّف فيه ببناء و لا تسقيف و لا ادخال خشبة الاّ باذن شريكه، كغيره من الأموال المشتركة؛ لحرمة التصرّف في مال الغير بغير اذنه عقلاً و شرعا من غير فرق بين المضرّ و غيره. و استثني له و لغيره الاستناد اليه و كذا اسناد المتاع و نحوه مع فرض عدم الضرر و كذا الجدار المختصّ؛ عملاً بشاهد الحال و لأنّه بمنزلة استضاءته بسراج الغير و الاستظلال بجداره. نعم، لو منع من الاسناد عليه و نحوه ففيه اشكال - دون الاستظلال و نحوه و الاستضاءة بالسراج لثبوت الاذن الشرعي بالسيرة المستمرّة - و لكن الظاهر أنّ الاسناد و نحوه ان كان ضرريّا فهو، و الاّ فلايعدّ في العرف تصرّفا و لا أقلّ من الشكّ في كون ذلك من التصرّف في الأموال.
و لايجوز له حكّ شيء من آلاته حجرا كانت أو آجرّا أو لبنا.
و أمّا الكتابة على الجدار، فان حكم العرف بأنّ للشريك أنيكتب أو يصبغ أو ينقش على طرف الجدار المشترك الذي من جانبه فلا اشكال فيه فانّ هذه و أمثالها في زماننا هذا لايعدّ عند العرف تصرّفا في مال الغير و لايتوقّفون عند هذه التصرّفات حتّى يأذن لهم الجار الذي هو شريك في الجدار، و عليه فالظاهر أنّ المدار على الصدق العرفي من التصرّف في مال الغير فاطلاق المنع من الكتابة محلّ اشكال.
و لو بنى الشريك في ملكه جدارا متّصلاً بالجدار المشترك أو المختصّ بالجار بحيث لايقع ثقله عليه جاز و لميكن للآخر الاعتراض، و أمّا لو ألقى ثقله عليه لميجز بدون اذنه.
و لو انهدم الجدار لميجبر شريكه على المشاركة في عمارته؛ اذ لايجب على أحد عمارة جداره المنهدم ففي المشترك أولى، الاّ اذا كان في عدم العمارة ضررعلى أحدهما أو اضطرّ الى عمارته، فان امتنع يرفع أمره الى الحاكم ليجبره على المساعدة أو الاذن فان امتنع أذن الحاكم.
و لو عمّره الشريك بالآلة المشتركة فالظاهر عدم اشتراط رضاه؛ لأنّه يبقى شريكا كما كان و حينئذ لو نقضه الشريك فعليه الاثم و الارش. و في غير ذلك فجعل في المسالك و الجواهر الأقوى توقّف العمارة على الاذن.
و ممّا ذكرنا يعلم الحال فيما لو كانت الشركة في دولاب أو بئر أو نهر أو قناة أو ناعورة أو نحو ذلك بمعنى أنّه لايجبر الشريك على المشاركة في عمارتها من غير فرق بين كون المشترك ذا غلّة تفي بعمارتها و غيرها، و بين القابلة للقسمة و عدمها.
و كذا لايجبر صاحب السفل و لا العلوّ في الساباط و غيره على بناء الجدار الذي يحمل العلوّ و لا على جدار البيت؛ لأصالة براءة الذمّة من وجوب عمارة ملك الانسان لنفسه فضلاً عن الغير الاّ أنيكون ذلك لازما بعقد فيجب حينئذ، الاّ في صورة الاضطرار و الاحتياج أو الضرر فتقدّم أنّ له الرجوع الى الحاكم مع امتناع الشريك.
و لو هدمه بغير اذن شريكه وجب عليه اعادته، و كذا لو هدمه باذنه و شرط اعادته.
قال في الوسيلة: «لو انهدم الجدار المشترك و أراد أحد الشريكين تعميره لميجبر شريكه على المشاركة في عمارته، و هل له التعمير من ماله مجّانا بدون اذن شريكه؟ لا اشكال في أنّ له ذلك اذا كان الأساس مختصّا به و بناه بآلات مختصّة به، كما أنّه لا اشكال في عدم الجواز اذا كان الأساس مختصّا بشريكه.
و أمّا اذا كان الأساس مشتركا فان كان قابلاً للقسمة ليس له التعمير بدون اذنه. نعم، له المطالبة بالقسمة، فيبني على حصّته المفروزة. و ان لميكن قابلاً للقسمة ولميوافقه الشريك في شيء يرفع أمره الى الحاكم ليخيّره بين عدّة أمور من بيع أو اجارة أو المشاركة معه في العمارة أو الرخصة في تعميره و بنائه من ماله مجّانا.
و كذا الحال لو كانت الشركة في بئر أو نهر أو قناة أو ناعور و نحو ذلك، فلايجبر الشريك على المشاركة في التعمير و التنقية. و لو أراد الشريك تعميرها و تنقيتها من ماله تبرّعا و مجّانا له ذلك على الظاهر(1)و ليس للشريك منعه، خصوصا اذا لميمكن القسمة، كما أنّه لو أنفق في تعميرها، فنبع الماء أو زاد ليس له أنيمنع شريكه الغير المنفق من نصيبه من الماء؛ لأنّه من فوائد ملكهما المشترك».(2)
«الخامسة»: اذا تنازع صاحب السفل و العلوّ في جدران البيت فالقول قول صاحب البيت مع يمينه. و لو كان في جدران الغرفة فالقول قول صاحبها مع يمينه، و لو تنازعا في السقف، قيل: «ان حلفا قضي به لهما»، و قيل: «لصاحب العلوّ»، و قيل: «يقرع بينهما»، و هو حسن.
لو تنازع صاحب السفل و العلوّ في جدار البيت - أي جدار الغرفة التحتيّة - فالقول قول صاحب السفل مع يمينه؛ لأنّ جدران البيت كالجزء منه فيحكم به لصاحب البيت خلافا لبعض. و لو تنازعا في جدران الغرفة الفوقيّة فالقول قول صاحبها مع يمينه؛ لما ذكر من الجزئيّة، و لا اشكال هنا.
قال في المسالك: «المشهور ما ذهب اليه المصنّف، و قال ابن الجنيد: «انّ جدران البيت بينهما؛ لأنّ حاجتهما اليه واحدة، بخلاف جدار الغرفة؛ اذ لا تعلّقلصاحب البيت به الاّ كونه موضوعا على ملكه». و ارتضاه في المختلف. و هو قول جيّد، لكنّ الأوّل أجود».(1)
و لو تنازعا في سقف البيت المتوسّط بينهما الحامل للغرفة فذهب الشهيد الأوّل رحمهالله في اللمعة(2)الى أنّه يقرع بينهما و علّله في الروضة باستوائهما في الحاجة اليه، و الانتفاع به، و القرعة لكلّ أمر مشتبه. و استحسنه المحقّق في الشرائع كما عرفت في المتن، ولكن الشهيد الثاني في الروضة لميرتض به و قال: «يشكل بأنّ مورد القرعة المحلّ الذي لايحتمل اشتراكه بين المتنازعين بل هو حقّ لأحدهما مشتبه، و هنا ليس كذلك؛ لأنّه كما يجوز كونه لأحدهما يجوز كونه لهما معا؛ لاستوائهما فيه؛ لأنّه سقف لصاحب البيت، و أرض لصاحب الغرفة فكان كالجزء من كلّ منهما. و في الدروس قوّى اشتراكهما فيه مع حلفهما، أو نكولهما، و الاّ اختصّ بالحالف؛ لما ذكر من الوجه - أي استوائهما في الحاجة اليه و الانتفاع به -.
و قيل: «يقضى به لصاحب الغرفة؛ لأنّها لاتتحقّق بدونه؛ لكونه أرضها، و البيت يتحقّق بدون السقف و هما متصادقان على أنّ هنا غرفة فلا بدّ من تحقّقها، و لأنّ تصرّفه فيه أغلب من تصرّف الآخر». و ليس ببعيد».(3)
أقول:
الظاهر أنّ القول بأنّ السقف مشترك بينهما أقرب من سائر الأقوال.
ثمّ اعلم أنّ موضع الخلاف في السقف الذي يمكن احداثه بعد بناء البيتكالسقوف التي تبنى بالأخشاب و الحديد حيث يمكن بعد اكمال الجدران بناء السقوف عليها بهذه الموادّ. و أمّا ما لايمكن احداثه بعد بناء الجدار الأسفل بل يحتاج الى اخراج بعض الأجزاء عن سمت وجه الجدار قبل انتهائه كالسقوف المقوّسة التي يقال بها آزاج - جمع الأزج وزان سبب - ليكون حاملاً للعقد فيضمّ بعض الحجارة الى بعض في البناء فهذه لصاحب السفل بيمينه؛ لدلالة ذلك على جزئيّته.
«السادسة»: اذا خرجت أغصان شجرة الى ملك الجار وجب عطفها ان أمكن و الاّ قطعت من حدّ ملكه، و ان امتنع صاحبها قطعها الجار و لايتوقّف على اذن الحاكم، و لو صالحه على ابقائه في الهواء لميصحّ على تردّد، أمّا لو صالحه على طرحه على الحائط جاز مع تقدير الزيادة أو انتهائها.
اذا خرجت أغصان شجرة الى فضاء ملك الجار من غير استحقاق له أنيطالب مالك الشجرة بعطف الأغصان أو قطعها من حدّ ملكه. و ان امتنع صاحبها يجوز للجار عطفها، و ان لميمكن قطعها.
و لو صالحه على طرحه على الحائط جاز بلا خلاف مع تقدير المدّة و الزيادة أو انتهائها. و في الجواهر: «بل قد عرفت جوازه مع عدم تقدير بالزيادة و لا انتهائها؛ لتحمّل الصلح من الجهالة ما لايتحمّله غيره».(1)
و فيه تأمّل من جهة أنّ الصلح لايقبل الجهل المطلق.
1) - جواهر الكلام 26: 279.
«السابعة»: اذا كان لانسان بيوت الخان السفلى و لآخر بيوته العليا وتداعيا الدرجة قضي بها لصاحب العلوّ مع يمينه، و لو كان تحت الدرجة خزانة كانا في دعواها سواءً، و لو تداعيا الصحن قضي منه بما يسلك فيه الى العلوّ بينهما و ما خرج عنه لصاحب السفل.
اذا كان لانسان بيوت الخان السفلى و لآخر بيوته العليا و تنازعا في الدرجة قضي بها لصاحب العلوّ مع يمينه؛ لاختصاصه بالتصرّف فيها بالسلوك و ان كانت موضوعة في أرض صاحب السفلى، و كما يحكم بها للعليا يحكم له بمحلّها - أي الأرض التي بنيت الدرجة فوقها - مع يمينه.
و لو كان تحت الدرجة خزانة فيمكن أنيقال - كما في اللمعة(1)- بأنّه يقرع بينهما؛ لاستوائهما فيها بكونها متّصلة بملك الأسفل، بل من جملة بيوته، و كونها هواءً لملك الأعلى و هو كالقرار فيقرع.
ولكن الظاهر أنّه ان كان التصرّف و اليد من كليهما فتنازعا في ملكها، فطبقا لقواعد القضاء يحلفان و يحكم بكونها مشتركة بينهما.
و لو تنازعا في الصحن قضي منه بما يسلك فيه الى العلوّ بينهما و ما خرج عنه لصاحب السفل مع يمينهما؛ أمّا الحكم للأعلى بقدر المسلك فلكونه من انتفاعه بالغرف بالضرورة و له عليه يد في جملة الصحن، و أمّا الزائد عنه فاختصاص صاحب السفل به أقوى؛ لأنّه صحن لبيوته فيقدّم قول كلّ منهما فيما يظهر اختصاصه به.
1) - اللمعة الدمشقيّة: 142.
تتمة: اذا تنازع راكب الدابّة و قابض لجامها قضي للراكب مع يمينه، وقيل: «هما سواء في الدعوى»، و الأوّل أقوى. أمّا لو تنازعا ثوبا و في يد أحدهما أكثره فهما سواء، و كذا لو تنازعا عبدا و لأحدهما عليه ثياب.
أمّا لو تداعيا جملاً و لأحدهما عليه حمل كان الترجيح لدعواه، و لو تداعيا غرفة على بيت أحدهما و بابها الى غرفة الآخر كان الرجحان لدعوى صاحب البيت.
اذا تنازع راكب الدابّة و قابض لجامها قضي للراكب مع يمينه؛ لقوّة يده و شدّة تصرّفه بالنسبة الى القابض، و قيل - و القائل الشيخ في محكي الخلاف و ابن ادريس في محكي السرائر - : «هما سواء في الدعوى؛ لثبوت يد كلّ منهما عليهما، و زيادة تصرّف الراكب لميثبت شرعا كونه مرجّحا، و تعريف المدّعي و المنكر منطبق عليهما فيحلف كلّ منهما لصاحبه ان لميكن بيّنة فيحكم لهما»، ولكنّ الظاهر أنّ الأوّل أقوى لأنّ الظاهر عند العرف كون يد الاختصاص للراكب خصوصا مع ملاحظة نظائره باعتراف الخصم كتنازع لابس الثوب و ممسكه.
و لو تنازعا ثوبا و في يد أحدهما أكثره فهما سواء؛ لاشتراكهما في اليد و لا ترجيح لقوّتها و التصرّف هنا و ان اختلف كثرة و قلّة لكنّه من واد واحد بخلاف الركوب و قبض اللجام.
و لو تنازعا عبدا و لأحدهما عليه ثياب و يدهما عليه فلايرجّح صاحب الثياب كما يرجّح راكب الدابّة على قابض لجامها؛ اذ لا دخل للّبس في الملك بخلاف الركوب؛ فانّ العبد قد يلبس الثياب بغير اذن مالكها و لايرد مثله في الركوب؛ لأنّ الراكب ذو يد بخلاف العبد فانّ اليد للمدّعي لا للعبد.
و لو تداعيا جملاً و لأحدهما عليه حمل كان الترجيح لدعواه قطعا لو لميكن للآخر عليه يد؛ ضرورة أنّ الحمل عليه ظاهر في يد الاستقلال.
و في الجواهر: «بل قد يقال بكونه كذلك لو فرض أنّ للآخر يدا عليه، بقبض الزمام باعتبار ظهور يد الاختصاص في الحمل كالراكب و القابض فضلاً عمّا لو كانا معا قابضين، و لأحدهما خاصّة الحمل، و عن الدروس أنّه جعل حكم الراكب و لابس الثوب و ذي الحمل سواء، و في المسالك: «هو كذلك»، أي في اتّحاد الحكم فيها أجمع».(1)
و لو تداعيا غرفة على بيت أحدهما و ان كان بابها مفتوحا الى غرفة الآخر كان الرجحان لصاحب البيت؛ لأنّها موضوعة في ملكه و هو هواء بيته، و مجرّد فتح الباب الى الغير لايفيد له يدا. هذا اذا لميكن من اليه الباب متصرّفا فيها بسكنى و غيرها و الاّ قدّم؛ لأنّ يده عليها تكون بالذات؛ لاقتضاء التصرّف له و يد مالك الهواء تكون بالتبعيّة و الذاتيّة أقوى.
و في الروضة: «يحتمل التساوي؛ لثبوت اليد من الجانبين في الجملة، و عدم تأثير قوّة اليد».(2)
هذا تمام الكلام
في بيان أحكام الصلح
و يتلوه شرح كتاب الوديعة
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
و النظر في أمور ثلاثة:
و هو استنابة في الحفظ، و يفتقر الى ايجاب و قبول، و يقع بكلّ عبارة دلّت على معناه و يكفي الفعل الدالّ على القبول.
و لو طرح الوديعة عنده لميلزمه حفظها اذا لميقبلها، و كذا لو أكره على قبضها لمتصر وديعة و لايضمنها لو أهمل.
الوديعة عقد معروف عند الناس يكون مركّبا من الايجاب و القبول و الأحسن أنيقال في تعريفها: هي استنابة في الحفظ من المودع و القبول من المستودع، أو فقل: الوديعة هي الاستنابة و قبولها، كما تقول: البيع مبادلة مال بمال، و بعبارة أخرى هي وضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه و قبول الغير منه، و يقال لصاحب المال: «المودع» و لذلك الغير: «الودعي» و «المستودع».
ثمّ ليعلم أنّ الوديعة عقد فيحتاج الى الايجاب و القبول. أمّا الايجاب فهو كلّ لفظ دلّ على تلك الاستنابة كأنيقول: «أودعتك هذا المال» أو «احفظه» أو «هو وديعة عندك» و نحو ذلك؛ لعدم ورود تحديد شرعي في هذا العقد. و القبول هو كلّ ما يدلّ على الرضا بالنيابة في الحفظ، و لايعتبر فيها العربيّة بل تقع بكلّ لغة.
و يجوز أنيكون الايجاب باللفظ و القبول بالفعل - كما قال المصنّف و غيره - لتحقّق الوديعة عرفا فيشمله الاطلاقات، بل يصحّ وقوعها بالمعاطاة بأنيسلّم مالاً الى أحد بقصد أنيكون محفوظا عنده فيتسلّمه و يحفظه، و قد قلنا في البيع بأنّ المعاطاة جائزة فيه و يكون عقدا كما في كلّ عقد يصحّ انشاؤه بالمعاطاة؛ للعمومات و الاطلاقات الاّ ما خرج بالدليل.
لو طرح ثوبا - مثلاً - عند أحد و قال: «هذا وديعة عندك»، فان قبلها بالقول أو الفعل الدالّ عليه صار وديعة و ترتّبت عليه أحكامها، بخلاف ما اذا لميقبلها حتّى فيما اذا طرحه المالك عنده بهذا القصد و ذهب عنه، فان ذهب المطروح اليه بعد طرح المالك ثيابه فلا ضمان، و أمّا اذا وقف و لميذهب و لميقل شيئا يدلّ على انكاره فالظاهر أنّه قبول منه و لا أقلّ من الاحتياط.
و قد صوّر في المسالك(1)هنا صورا:
«الأولى»: أنيضع المال عنده و لايحصل منه ما يدلّ على الاستنابة في حفظه،فيقبله قولاً.
1) - مسالك الأفهام 5: 80.
و قال بأنّه لا أثر للقبول في هذه الصورة في الضمان و لا في وجوب الحفظ.
أقول: و فيما ذكره تأمّل، فلا أقلّ من وجوب الحفظ كما أشار اليه في ذيل الصورة الرابعة، فيما اذا لميقبل الموضوع عنده قولاً و لا فعلاً.
«الثانية»: أنيقبله فعلاً بأنيقبضه الموضوع عنده، فقال بضمانه و وجوب حفظه عليه الى أنيردّه على مالكه؛ لقوله عليهالسلام : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».(1)
و هو في محلّه اذ لايصدق عليه عنوان الوديعة و الأمانة المالكيّة.
«الثالثة»: أنيتلفّظ المالك مع الطرح بما يدلّ على الايداع، فيقبل قبولاً قوليّا، فقال رحمهالله بأنّه يجب عليه في هذه الصورة الحفظ باعتبار الوديعة، و لا ضمان الاّ مع التقصير.
و الحكم كما ذكره قدسسره.
«الرابعة»: أنيقبله قبولاً فعليّا، فيتمّ الوديعة أيضا كما مرّ. و أمّا لو طرحها عنده متلفّظا بالوديعة أم لا، و لميحصل من الموضوع عنده ما يدلّ على الرضا قولاً و لا فعلاً، لميجب عليه حفظها، حتّى لو ذهب و تركها فلا ضمان عليه، لكن يأثم ان كان ذهابه بعد ما غاب المالك؛ لوجوب الحفظ حينئذ من باب المعاونة على البرّ و اعانة المحتاج، فيكون واجبا على الكفاية.
و ما ذكره رحمهالله في هذه الصورة جارٍ في الصورة الأولى ظاهرا.
و لو انعكس الفرض بأنتمّت الوديعة ولكن غاب المستودع و تركها و المالك حاضر عندها فقال في حكمه: «هو ردّ للوديعة، و لو كان المالك غائبا ضمن. كذا جزم في التذكرة. و يشكل تحقّق الردّ بمجرّد الذهاب عنها مع حضور المالك؛لأصالة بقاء العقد، و كون الذهاب أعمّ منه ما لمينضمّ اليه قرائن تدلّ عليه».
1) - مستدرك الوسائل 14: 8 / الباب 1 من كتاب الوديعة / الحديث 12
ثمّ انّه لو أكره على قبضها لمتصر وديعة و لايضمنها لو أهمل بمعنى أنّه غير واجب عليه بسبب الاكراه لكن يجب تقييده بما اذا لميضع يده عليها اختيارا بعد زوال الاكراه فانّه يجب عليه الحفظ باليد المتجدّدة و ان لميجب بالاكراه.
و اذا استودع وجب عليه الحفظ، و لايلزمه دركها لو تلفت من غير تفريط أو أخذت منه قهرا. نعم، لو تمكّن من الدفع وجب، و لو لميفعل ضمن. و لايجب تحمّل الضرر الكثير بالدفع كالجرح و أخذ المال. و لو أنكرها فطولب باليمين ظلما جاز الحلف مورّيا بما يخرج به عن الكذب.
فروع:
قبل التكلّم في وجوب حفظ الوديعة لابأس أننشير الى ما ذكره في المسالك من أنّ قبول الوديعة قد يكون واجبا و قد يكون حراما و قد يكون مستحبّا حيث قال: «و اعلم أنّ قبول الوديعة الذي يتفرّع عليه حكم الحفظ قد يكون واجبا، كما اذا كان المودع مضطرّا الى الاستيداع، فانّه يجب على كلّ قادر عليها واثق بالحفظ قبولها منه كفاية، و لو لميوجد غير واحد تعيّن عليه الوجوب. و في هذين الفردين وجوب الحفظ واضح.
و قد يكون مستحبّا مع قدرته و ثقته بنفسه بالأمانة و كون المودع غير مضطرّ؛ لما فيه من المعاونة على البرّ الذي أقلّ مراتب الأمر به الاستحباب، و قضاء حوائجالاخوان.
و قد يكون محرّما كما اذا كان عاجزا عن الحفظ أو غير واثق بنفسه بالأمانة؛
لما فيه من التعرّض للتفريط في مال الغير، و هو محرّم. و مثله ما لو تضمّن القبول ضررا على المستودع في نفسه أو ماله أو بعض المؤمنين، و نحو ذلك».(1)
ثمّ انّه متى قبل المستودع الوديعة في أيّ صورة من هذه الصور فيجب عليه حفظها؛ لأنّ الوديعة أمانة و عدم حفظها مستلزم لتلفها و هو خيانة محرّمة بالكتاب و السنّة و لاينافي ذلك كون الوديعة عقدا جائزا فمادام مستودعا يجب حفظها أو ردّها الى مالكها فهو مخيّر بين الردّ و الحفظ.
لو تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعدّ منه أو تفريط لميضمنها؛ و ذلك لقوله عليهالسلام في صحيحة الحلبي:
«صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان. الحديث».(2)
و غيرها من الروايات الآتية في مطاوي مباحث الكتاب ان شاء اللّه.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى الأصل، و قاعدة الايتمان المعلوم من الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل عدم استتباعها الضمان».(3)
و كذا لايضمن المستودع الوديعة لو أخذها منه ظالم قهرا سواء انتزعها من يده أو أمره بدفعها اليه بنفسه فدفعها كرها؛ و ذلك لعدم صدق التفريط و الخيانة
مضافا ما ورد من رفع الأثر عن الفعل الواقع اكراها كقوله صلىاللهعليهوآله:
«وضع عن أمّتى الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه».(1)
الشامل للوضعيّات أيضا على ما أوضحناه في مباحثنا في الأصول.(2)
نعم، لو أمكن له دفع الظالم و لو ببذل شيء من ماله فسيأتي حكمه في الفرع الرابع.
قال في الجواهر: «ثمّ لا فرق في الأخذ قهرا بين أنيتولّى أخذها من يده، و بين أنيأمره بدفعها اليه بنفسه، فيدفعها له كرها؛ لصدق الاكراه و عدم التفريط فيهما، و لا ضمان عليه فيهما، و انّما ضمان المال على الظالم، فليس للمالك حينئذ مطالبته بوجه، وفاقا للأشهر بل المشهور، و خلافا للمحكي عن أبي الصلاح، و أبي المكارم، و الفاضل في التذكرة، و محكي التحرير من جواز رجوع المالك عليه مع مباشرته الدفع بنفسه الى من أمره الظالم؛ لأنّه باشر تسليم مال الغير بيده، فيشمله عموم «على اليد» و ان كان قرار الضمان على الظالم.
الاّ أنّه كماترى منافٍ لاطلاق ما دلّ على عدم ضمانه ممّا عرفت، بل و قاعدة الاحسان و غيرها التي قد عرفت تحكيمها على قاعدة اليد».(3)
و الأقوى عدم جواز مطالبة المستودع؛ لعدم تفريطه و لأنّ الاكراه صيّر فعله منسوبا الى المكره و لأنّه محسن فلا سبيل عليه، و التسليم يكون باذن الشارع فلايستعقب الضمان.
لو كان هو الساعي في أخذها منه قهرا توجّه الضمان حينئذ لصدق الخيانة و التفريط بخلاف ما لو كانت السعاية من غيره أو علم الظالم بها من غير سعاية. و مثله ما لو أخبر اللصّ بها فسرقها.
انّما الكلام فيما لو أخبر الظالم بالوديعة بدون قصد أخذها منه، أو أظهر محلّ حفظه الذي كان مظنّة الوصول الى الظالم فوصل اليه ففي هذين الموردين و نحوهما هل يصير ضامنا لو أخذها منه الظالم أو السارق قهرا أو كرها؟
الظاهر أنّه يرجع الكلام الى تحقّق عنوان الخيانة في الوديعة عند العرف أو بشهادة أهل الخبرة فمع الشكّ فالمرجع اطلاقات عدم الضمان في الأمانة.
قال في الجواهر: «التحقيق الحكم ببراءة ذمّة الأمين، و خصوصا الودعي مع الشكّ في تحقّق سبب الضمان، و لو للشكّ في الاندراج تحت ما جعلوه عنوانا له من التعدّي و التفريط؛ لأنّ عموم «على اليد» و نحوه مخصّص بقاعدة الايتمان».(1)
لو تمكّن من الدفع اللائق به وجب؛ لأنّه مقدّمة للحفظ المأمور به على جهة
1) - جواهر الكلام 27: 103.
اطلاق الروايات، و لو لميفعل ذلك مع قدرته عليه ضمن؛ لأنّه تفريط. و كذا يجب الدفع لحفظ بعضها لو أمكن.
و لو توقّف الدفع على بذل شيء من ماله فلا اشكال في جوازه و ان كان في وجوبه اشكال و ذلك لما بيّنّاه في البحث عن قاعدة «لا ضرر» من أنّه اذا توجّه الضرر ابتداءً الى الغير لايجب على الشخص تحمّل ضرر لئلاّيتحمّله الغير.
فبناءً عليه لو فرض الضرر على المستودع في الدفع و حفظ الوديعة، لميجب عليه خصوصا اذا كان الضرر كثيرا؛ لقاعدة نفي الضرر الاّ أنيعلم بأنّ المودع يتحمّل ضرره فحينئذ لايبعد القول بتحمّله؛ لعدم الضرر حينئذ. و كذا لايجب الدفع لو كان موجبا للحرج عليه أو أقربائه و أصدقائه.
قال في المسالك: «المرجع في كثرة الضرر و قلّته الى حال المكره، فمنهم من يعدّ الكلمة اليسيرة من الأذى كثيرا في حقّه؛ لكونه شريفا لايليق بحاله ذلك، و منهم من لايعتدّ بأمثال ذلك. و هكذا القول في الضرب و أخذ المال.
ثمّ ان كان المطلوب الذي لايندفع عنها بدونه بقدرها لميجب بذله قطعا؛ لانتفاء الفائدة. لكن لو بذله بنيّة الرجوع به هل يرجع؟ يحتمله؛ لأنّ الوديعة لولاه
ذاهبة فيكون بذل قدرها كبذلها، و عدمه؛ لأنّ القدر المأذون فيه شرعا ما يترتّب عليه مصلحة المالك، و هو هنا منتف، فلايكون شرعيّا. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر - بعد نقل كلام الشهيد رحمهالله - قال: « قد يقال: انّ الوديعة ان كانت عينا كفرس و كتاب و نحوهما يمكن تعلّق غرض المودع بها عينا، فلا ريب فيأنّ المتّجه جواز الرجوع، و ان بذل تمام القيمة. أمّا اذا لمتكن كذلك فلعلّ المدار على عدم المفسدة على المودع، لا اعتبار المصلحة، فيرجع حينئذ على التقديرين
1) - مسالك الأفهام 5: 83.
بتمام ما بذل و ان كان مستوعبا».(1)
لو توقّف دفع الظالم عن الوديعة على انكارها كاذبا بل على الحلف على ذلك جاز مورّيا بما يخرج به عن الكذب ان أمكن بل وجب؛ لأنّ حفظ الوديعة لمّا كان واجبا و توقّف على اليمين وجبت من باب المقدّمة؛ فانّ اليمين الكاذبة و ان كانت قبيحة الاّ أنّ اذهاب حقّ الآدمي أشدّ قبحا من حقّ اللّه تعالى و لأنّ اليمين الكاذبة عند الضرورة مأذون فيها شرعا بخلاف مال الغير فانّه لايباح اذهابه بغير اذنه مع امكان حفظه بوجه، و متى ترك الحلف - حيث يتوقّف حفظ المال عليه - فأخذه الظالم ضمنه؛ للتفريط؛ تدلّ عليه رواية علاء بيّاع السابري قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة أودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: انّ المال الذي دفعته اليك لفلانة، و ماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل، فقالوا: كان لصاحبتنا مال لانراه الاّ عندك فأحلف لنا ما لنا قبلك شيء، أ يحلف لهم؟ قال: ان كانت مأمونة عنده فليحلف و ان كانت متّهمة عنده فلايحلف، و يضع الأمر على ما كان فانّما لها من مالها ثلثه».(2)
و في هذا المقام روايات كثيرة دالّة على جواز الحلف باليمين الكاذبة للتقيّة كدفع الظالم عن نفسه أو ماله أو نفس مؤمن أو ماله.
و هي عقد جائز من طرفيه يبطل بموت كلّ واحد منهما و بجنونه و تكون أمانة.
الوديعة عقد جائز من طرفيه بلا خلاف و لا اشكال - كما في المسالك و الجواهر - بل الاجماع بقسميه عليه - كما في الجواهر - فتبطل بما يبطل به العقود الجائزة من فسخها و خروج كلّ منهما عن أهليّة التكليف بموت أو جنون أو اغماء. و حينئذ تكون العين في يد الودعي أو في يد من وضع يده عليها حسبة أمانة شرعيّة و يلحقها حكم غيرها من الأمانات الشرعيّة من وجوب ردّها الى مالكها أو وكيله أو ولي أمره فورا، فان أخّر ذلك مع قدرته ضمن. و لو تعذّر الوصول الى المالك أو وكيله أو وليّه سلّمها الى الحاكم؛ لأنّه ولي للغائب.
قال في الوسيلة: «تبطل الوديعة بموت كلّ واحد من المودع و المستودع أو جنونه، فان كان هو المودع تكون في يد الودعي أمانة شرعيّة، فيجب عليه فورا ردّها الى وارث المودع أو وليّه أو اعلامهما بها، فان أهمل لا لعذر شرعي ضمن. نعم، لو كان ذلك لعدم العلم بكون من يدّعي الارث وارثا، أو انحصار الوارث فيمن علم كونه وارثا فأخّر الردّ و الاعلام لأجل التروّي و الفحص عن الواقع لميكن عليه ضمان على الأقوى. و ان كان الوارث متعدّدا سلّمها الى الكلّ أو الى من يقوم مقامهم. و لو سلّمها الى البعض من غير اذن ضمن حصص الباقين. و ان كان هو المستودع تكون أمانة شرعيّة في يد وارثه أو وليّه يجب عليهما ما ذكر منالردّ الى المودع أو اعلامه فورا».(1)
1) - وسيلة النجاة: 422.
و تحفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها كالثوب و الكتب في الصندوق و الدابّة في الاصطبل و الشاة في المراح أو ما يجري مجرى ذلك. و يلزمه سقي الدابّة و علفها أمره بذلك أو لميأمره، و يجوز أنيسقيها بنفسه و بغلامه اتّباعا للعادة. و لايجوز اخراجها من منزله لذلك الاّ مع الضرورة كعدم التمكّن من سقيها أو علفها في منزله أو شبه ذلك من الأعذار.
و لو قال المالك: «لاتعلفها أو لاتسقها»، لميجز القبول بل يجب عليه سقيها و علفها. نعم، لو أخلّ بذلك و الحال هذه أثم و لميضمن؛ لأنّ المالك أسقط الضمان بنهيه كما لو أمره بالقاء ماله في البحر.
فروع:
يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به و وضعها في الحرز الذي يناسبها كالصندوق المقفّل للثوب و الدراهم و الحلي و نحوها و الاصطبل المضبوط بالغلق للدابّة و المراح كذلك للشاة. و لو لميكن قبل الاستيداع حاصلاً يجب عليه تحصيله بعد قبولها مقدّمة للحفظ الواجب عليه.
و كذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في صيانتها من التعيّب أو التلف كنشر الثوب في الصيف اذا كان من الصوف أو الابريسم، و علف الدابّة و وقايتهامن الحرّ و البرد، فلو أهمل ذلك ضمنها.
قال في المسالك: «لمّا لميكن لحفظ الوديعة كيفيّة مخصوصة من قبل الشارع كان المرجع فيه الى العرف، فما عدّ فيه حفظا لمثل تلك الوديعة كان هو الواجب، و لميتعقّبه ضمان لو فرض تلفها معه. و ما ذكره المصنّف من الأمثلة يدلّ عليه
العرف. و لا فرق في وجوب الحفظ بما جرت به العادة بين علم المودع بأنّ المستودع قادر على تحصيل الحرز المعتبر و عدمه، فلو أودعه دابّة مع علمه أنّه لا اصطبل له، أو مالاً مع علمه أنّه لا صندوق له و نحو ذلك، لميكن عذرا، بل يجب على المستودع بعد قبوله تحصيله. انتهى ملخّصا».(1)
لو كانت الوديعة دابّة يجب عليه سقيها و علفها و غيرهما ممّا يحتاج اليه و لو لميأمر به المالك؛ لأنّها مقدّمة لحفظ الوديعة الذي يجب شرعا. و لايجب أنيكون ذلك بمباشرته و أنيكون ذلك في موضعها فيجوز أنيسقيها بواسطة غلامه مثلاً و كذا يجوز اخراجها من منزله للسقي و ان أمكن سقيها في موضعها بعد جريان العادة بذلك. نعم، لو كان الطريق مخوفا لميجز اخراجها كما أنّه لايجوز أنيولّي غيره لذلك اذا كان غير مأمون الاّ مع مصاحبة أمين معه.
قال في المسالك: «اذا أودعه الحيوان المفتقر الى النفقة فلايخلو امّا أنيأمره بالانفاق عليه أو ينهاه أو يطلق. فان أمره أنفق و رجع عليه بما غرم. و الأمر فيهواضح.
و ان أطلق توصّل الى اذنه أو اذن وكيله فيه، فان تعذّر رفع أمره الى الحاكم ليأمره به ان شاء، أو يستدين عليه، أو يبيع بعضه للنفقة، أو ينصب أمينا عليه، فان تعذّر الحاكم أنفق هو و أشهد عليه و رجع مع نيّته. و لو تعذّر الاشهاد اقتصر على نيّة الرجوع.
1) - مسالك الأفهام 5: 86.
و في حكم الحيوان، الشجر الذي يفتقر الى السقي و غيره من الخدمة. و في حكم النفقة على الحيوان ما يفتقر اليه من الدواء لمرض. و حيث ينفق مع عدم الاشهاد، امّا لتعذّره أو لعدم اشتراطه، و اختلفا في قدره فالقول قوله مع يمينه. و لو اختلفا في مدّة الانفاق فالقول قول المودع؛ عملاً بالأصل في الموضعين».(1)
لو قال المالك: «لاتعلفها و لاتسقها» لميجز القبول بل يجب عليه سقيها و علفها؛ لحرمة تضييع المال مطلقا. نعم، لو أخلّ بذلك و الحال هذه أثم و قيل: «لايضمن؛ لأنّ المالك أسقط الضمان بنهيه كما لو أمره بالقاء ماله في البحر»، و فيه تأمّل يظهر وجهه ممّا ذكره صاحب الجواهر و سيأتي.
قال في المسالك: «انّما لميجز ترك العلف و السقي مع النهي عنهما لأنّه حقّ للّه تعالى كما أنّه حقّ للمالك، فلايسقط حقّ اللّه تعالى باسقاط المالك حقّه، و لأنّ اتلاف المال منهي عنه.
و لا اشكال في وجوبهما مع النهي. و لو تركهما أثم و لميضمن؛ أمّا الاثم فلتركه حقّ اللّه تعالى، و ايجابه عليه ذلك. و أمّا عدم الضمان فلأنّ الماليّة حقّ للمالك و قد أسقط عنه الضمان بنهيه، و كان في ذلك كالاذن في اتلاف ماله فلايتعقّبه الضمان. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الجواهر - و نعم ما قال - : «يبقى اشكال في أصل صحّة الوديعة على
هذا الوجه المقتضي سفاهة المالك، فيصير المال حينئذ في يده أمانة شرعيّة يجب ردّها الى المالك أو وليّه، اللّهمّ الاّ أنيفرض في وجه لا سفه فيه، أو يقال: انّ السفه لايؤثّر فسادا بدون تحجير الحاكم. نعم قد يقال: انّ الاشكال في صحّة الوديعة المأذون فيها بالتفريط مطلقا، أو في شيء خاصّ كما أنّه قد يقال بوجوب الحفظ على من في يده المال، و ان أذن المالك باتلافه».(1)
و لو عيّن له موضع الاحتفاظ اقتصر عليه فلو نقلها ضمن الاّ الى أحرز أو مثله على قول، و لايجوز نقلها الى ما دونه و لو كان حرزا الاّ مع الخوف مع ابقائها فيه. و لو قال: «لاتنقلها من هذا الحرز»، ضمن بالنقل كيف كان الاّ أنيخاف تلفها فيه، و لو قال: «و ان تلفت».
لو عيّن المودع موضعا خاصّا لحفظ الوديعة اقتصر عليه، و لايجوز نقلها الى غيره بعد وضعها فيه و ان كان أحفظ؛ لعدم جواز التصرّف في مال الغير الاّ باذنه. نعم، لو كان حفظها في ذلك المحلّ معرّضا للتلف جاز نقلها الى مكان آخر أحفظ.
قال في المسالك: «اذا نهاه عن نقلها عن المعيّن لميجز نقلها الى غيره و ان كانأحرز اجماعا، الاّ أنيخاف عليها في المعيّن، فانّه حينئذ يجوز نقلها الى المساوي و الأحرز مع الامكان، و الاّ الى الأدون، بل يجب؛ لأنّ الحفظ عليه واجب و لايتمّ الاّ بالنقل، و للنهي عن اضاعة المال، فلايسقط هذا الحكم بنهي المالك، و ان صرّح بقوله: «و ان تلفت»، لكن هنا لو ترك نقلها أثم و لا ضمان؛ لاسقاط المالك له عنه».(2)
أقول:
و في عدم الضمان اشكال كما تقدّم، فانّا اذا قلنا بوجوب الحفظ فلو أهمل و فرّط فيبعد القول بعدم الضمان و ان نهاه المالك، فانّ المستودع في هذا الفرض غير مأذون شرعا في الاتلاف كما أنّه غير مأذون في اتلاف الدابّة فيما تقدّم من الفرع الثالث.
ثمّ انّه لو نقلها الى غير المعيّن و توقّف النقل على أجرة فان لميتبرّع بذلك بل كان من نيّته الرجوع فيرجع بها الى المالك.
و لاتصحّ وديعة الطفل و لا المجنون و يضمن القابض و لايبرأ بردّها اليهما. و كذا لايصحّ أنيستودعا، و لو أودعا لميضمنا بالاهمال؛ لأنّ المودع لهما متلف ماله.
يعتبر في كلّ من المستودع و المودع البلوغ و العقل فلايصحّ استيداع الصبي و لا المجنون و كذا ايداعهما من غير فرق بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين، بل لايجوز لأحد وضع اليد على ما أودعاه، و لو أخذ منهما أحد ضمنه ولايبرأ بردّها اليهما و انّما يبرأ بايصاله الى وليّهما.
نعم، لا بأس بأخذه منهما اذا خيف هلاكه و تلفه في أيديهما فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ ولكن لايصير بذلك وديعة و أمانة مالكيّة، بل تكون أمانة شرعيّة يجب عليه حفظها و المبادرة الى ايصالها الى وليّهما و اعلامه بكونها عنده و ليس عليه ضمان لو تلف في يده.
قال في المسالك: «لا شبهة في عدم جواز قبول الوديعة منهما؛ لعدم أهليّتهما للاذن، فيكون وضع يد المستودع على المال بغير حقّ، فيضمن. و لا فرق في ذلك
بين أنيكون المال لهما و لغيرهما، و ان ادّعيا اذن المالك لهما في الايداع. - الى أنقال: - و لو استودعا لميضمنا بالاهمال؛ لأنّ المودع لهما متلف ماله؛ حيث أودعه من لايكلّف بحفظه؛ لأنّ وجوب الحفظ من خطاب الشرع و هو مختصّ بالمكلّفين. و لايعارضه قوله صلىاللهعليهوآله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»؛ لأنّ «على» ظاهرة في وجوب الدفع و التكليف بالردّ، فيكون مختصّا بالمكلّف. نعم، لو تلفت الوديعة بغير الاهمال بأنتعدّيا فيها فتلفت فهما يضمنان؛ لأنّ الاتلاف لمال الغير سبب في الضمان اذا وقع بغير اذنه، و الأسباب من باب خطاب الوضع يشترك فيها الصغير و الكبير. و مثله القول في كلّ ما يتلفانه من مال الغير و يأكلانه منه، فانّهما يضمنانه و ان لميكن لهما مال حين الاتلاف؛ لأنّ تعلّق الحقّ بالذمّة لايتوقّف عليه. نعم، ايجاب التخلّص من الحقّ عليهما يتوقّف على التكليف كما مرّ، فقبله يكون المخاطب بالدفع من مالهما الولي ان كان لهما مال، و الاّ كان دينا عليهما يجب عليهما قضاؤه بعد التكليف. و لو فرض موتهما قبله و لا مال لهما، أو لهما مال و لميعلم الولي بالحال، لميؤاخذ به في الآخرة، بخلاف المكلّف. و لا فرق بين المميّز و غيره؛ لأنّ المقتضي للضمان و هو الاتلاف موجود، و المانع و هو كون غير المميّز غير قاصد ضعيف؛ لأنّ القصد لا مدخل له في الضمان وعدمه، كما يعلم من نظائره. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
لو أودع عند الصبي و المجنون مال لميضمناه بالتلف. نعم، يضمنان بالاتلاف اذا كانا مميّزين، و التمييز في الصبي معلوم، و أمّا المجنون فبأنيكون له قدرة درك في الجملة.
1) - مسالك الأفهام 5: 93 و 94.
و أمّا لو لميكونا مميّزين فالظاهر عدم ضمانهما؛ و ذلك لأنّ السبب و هو المودع يكون أقوى من المباشر فهو ضامن، كما في غير المقام ممّا يكون الاتلاف فيه مستندا الى سبب و مباشر، مضافا الى أنّ العرف و العقلاء لايعتبرون لغير المميّز و المجنون ذمّة.
و في غير المقام ممّا يتّحد فيه السبب و المباشر اذا أتلف الصبي أو المجنون شيئا، فالضمان ثابت بقاعدة الاتلاف.
و اذا ظهر للمودع أمارة الموت وجب الاشهاد بها، و لو لميشهد و أنكر الورثة كان القول قولهم و لا يمين عليهم الاّ أنيدّعى عليهم العلم.
اذا ظهر للمستودع أمارة الموت بسبب المرض المخوف أو غيره يجب عليه ردّها الى مالكها أو وكيله مع الامكان و الاّ فالى الحاكم، و مع فقده يوصي و يشهد بها، فلو أهمل عن ذلك أيضا ضمن. وليكن الايصاء و الاشهاد بنحو يترتّب عليهما حفظ الوديعة و عدم ذهابها على مالكها فلا بدّ من ذكر الجنس و الوصف و تعيين المكان و المالك، فلايكفي قوله: «عندي وديعة لبعض الناس»؛ فانّ مثل هذالايجدي في ايصالها الى مالكها.
قال في الجواهر: «اذا ظهر للمودع أمارة الموت فالأقوى وجوب الردّ على المالك مع الامكان و الاّ فالحاكم، و الاّ فعدول المؤمنين، و مع فرض التعذّر يشهد عليها حينئذ و يوصي بردّها؛ و ذلك لاطلاق وجوب ردّ الأمانة الى أهلها، و الخطابات المطلقة فتضيّق بظنّ الوفاة؛ لعدم الوثوق حينئذ بزمان غيره لامتثال الخطاب بردّ الأمانة.
و لو لميشهد و أنكر الورثة، كان القول قولهم، و لا يمين عليهم الاّ أنيدّعى
عليهم العلم كما هو الضابط في الحلف على نفي فعل الغير، سواء كان المراد انكار أصل الوديعة، أو التفريط بترك الاشهاد؛ لاحتمال تلفها بغير تفريط. انتهى ملخّصا».(1)
و تجب اعادة الوديعة على المودع مع المطالبة و لو كان كافرا الاّ أنيكون المودع غاصبا لها فيمنع منها، و لو مات فطلبها وارثه وجب الانكار و يجب اعادتها على المغصوب منه ان عرف، و ان جهل عرّفت سنة ثمّ جاز التصدّق بها عن المالك، و يضمن المتصدّق ان كره صاحبها، و لو كان الغاصب مزجها بماله ثمّ أودع الجميع فان أمكن المستودع تمييز المالين ردّ عليه ماله و منع الآخر، و ان لميمكن تمييزهما وجب اعادتهما على الغاصب.
فروع:
يجب ردّ الوديعة عند المطالبة في أوّل وقت الامكان و ان كان المودع كافرا محترم المال، بل و ان كان حربيّا مباح المال على الأحوط؛ و الدليل على وجوب ردّ الوديعة من الكتاب هو قوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أنتؤدّوا الامانات الى أهلها»(2)و من السنّة صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«انّ اللّه عزّوجلّ لميبعث نبيّا الاّ بصدق الحديث و أداء الأمانة الى
البرّ و الفاجر».(1)
و رواية الحسين بن مصعب الهمداني قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: ثلاث لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة الى البرّ و الفاجر، و الوفاء بالعهد للبرّ و الفاجر، و برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين».(2)
و حيث انّ من روى عن الحسين بن مصعب الهمداني الذي لميرد فيه توثيق، هو ابن أبي عمير فالرواية معتبرة.
و رواية الحسين الشيباني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«قلت له: رجل من مواليك يستحلّ مال بني أميّة و دماءهم و انّه وقع لهم عنده وديعة، فقال: أدّوا الأمانة الى أهلها وان كانوا مجوسا، فانّ ذلك لايكون حتّى يقوم قائمنا فيحلّ و يحرّم».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار و غيره عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:«لاتغترّوا بكثرة صلاتهم و لابصيامهم فانّ الرجل ربّما لهج بالصلاة و الصوم حتّى لو تركه استوحش ولكن اختبروهم عند صدق الحديث و أداء الأمانة».(4)
و رواية ابراهيم بن محمّد الهمداني عن محمّد بن علي الجواد عليهماالسلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليهمالسلام قال:
«لاتنظروا الى كثرة صلاتهم و صومهم و كثرة الحجّ و المعروف و
طنطنتهم بالليل، انظروا الى صدق الحديث و أداء الأمانة».(1)
و صحيحة أبي ولاّد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«كان أبي يقول: أربع من كنّ فيه كمل ايمانه و لو كان ما بين قرنه الى قدمه ذنوبا لمينقصه ذلك. قال: هي الصدق و أداء الأمانة و الحياء و حسن الخلق».(2)
و رواية أبي حمزة الثمالي قال:
«سمعت سيّد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام يقول لشيعته: عليكم بأداء الأمانة فوالذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا لو أنّ قاتل أبي الحسين بن علي عليهماالسلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته اليه».(3)
لو أودع اللصّ ما سرقه عند أحد لايجوز له ردّه عليه مع الامكان بل يكون أمانة شرعيّة في يده فيجب عليه ايصاله الى صاحبه ان عرفه و الاّ عرّفه سنة، فان لميجد صاحبه تصدّق به عنه كما في اللقطة، فان جاء بعد ذلك خيّره بين الأجر و الغرم، فان اختار أجر الصدقة كان له و ان اختار الغرامة غرّم له و كان الأجر له؛ يدلّ على ذلك رواية حفص بن غياث قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللصّ مسلم هل يردّ عليه؟ فقال: لايردّه فان أمكنه أنيردّه على أصحابه فعل و الاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرّفها حولاً فان أصاب صاحبها ردّها عليه و الاّ تصدّق بها، فان جاء طالبها بعد ذلك خيّره بينالأجر و الغرم فان اختار الأجر فله الأجر و ان اختار الغرم غرّم له و كان الأجر له».(1)
قال في المسالك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب. و مستنده رواية حفص بن غياث عن الصادق عليهالسلام . و الطريق ضعيف، ولكنّه عندهم مجبور بالشهرة».(2)
لو كان الغاصب مزجها بماله ثمّ أودع الجميع فان أمكن للمستودع تمييزالمالين ردّ عليه ماله و منع الآخر بلا خلاف و لا اشكال، و ان لميمكن تمييزها و لو بالقسمة الاجباريّة فذهب المصنّف الى وجوب اعادتها على الغاصب و نسبه في الجواهر الى الأصحاب و قال: «بل عن الغنية و السرائر الاجماع عليه؛ تقديما لاحترام المال المعلوم مالكه، على غيره الذي لايمكن معرفته ليردّ على صاحبه. لكن في المسالك و تبعه عليه غيره: «انّ الأوفق بالقواعد ردّه على الحاكم مع امكانه، ليقسّمه و يردّ على الغاصب ماله»، و المتّجه قيام عدول المؤمنين مقام
الحاكم مع تعذّره و وكيله».(1)
أقول: الظاهر صحّة ما ذهب اليه في المسالك و تبعه عليه صاحب الجواهر من لزوم الرجوع الى الحاكم و مع تعذّره الى عدول المؤمنين، و ذلك لأنّ في المقام أمر و نهي، أمّا الأمر فبأداء مال الغاصب اليه، و أمّا النهي فعن ردّ الوديعة الى الغاصب، و لا مجال لامتثالهما معا فعليه الرجوع الى الحاكم.
1) - جواهر الكلام 27: 127.
و ينظمها قسمان التفريط و التعدّي
أمّا التفريط فكأنيطرحهما فيما ليس بحرز أو يترك سقي الدابّة أو علفها أو نشر الثوب الذي يفتقر الى النشر أو يودعها من غير ضرورة و لا اذن، أو يسافر بها كذلك مع خوف الطريق و مع أمنه و طرح الأقمشة في المواضع التي تعفنها، و كذا لو ترك سقي الدابّة أو علفها مدّة لاتصبر عليها في العادة فماتت به.
المستودع أمين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة أو تعيّبت؛ يدلّ على ذلك الاجماع بل الضرورة و نصوص كثيرة:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان. الحديث».(1)
و منها رواية مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام:
«انّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله قال: ليس لك أنتتّهم من ائتمنته، و لاتأتمن الخائن و قد جرّبته».(2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«سئل الصادق عليهالسلام عن المودع اذا كان غير ثقة، هل يقبل قوله؟ قال: نعم، و لا يمين عليه».(3)
و أمّا لو فرّط المستودع أو تعدّى فهو ضامن كما يدلّ عليه صحيحة محمّد بن الحسن قال:
«كتبت الى أبي محمّد عليهالسلام : رجل دفع الى رجل وديعة فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه اذا خالف أمره و أخرجها عن ملكه؟ فوقّع عليهالسلام : هو ضامن لها ان شاء اللّه».(4)
أمّا التفريط فهو الاهمال في محافظتها و ترك ما يوجب حفظها على مجرى العادات بحيث يعدّ معه عند العرف مضيّعا و مسامحا كما اذا طرحها في محلّ ليس بحرز و ذهب عنها غير مراقب لها أو ترك سقي الدابّة و علفها أو ترك نشر ثوب الصوف و الابريسم في الصيف أو أودعها أو سافر بها من غير ضرورة أو ترك التحفّظ من الندى فيما تفسده النداوة كالكتب و بعض الأقمشة و غير ذلك.
قال في المسالك: «و اشترط المصنّف في الضمان بالايداع شرطين:
«أحدهما»: عدم الضرورة، فلو حصل ضرورة الى الايداع بأنخاف عليها من حرق أو سرق أو نهب، أو أراد سفرا و تعذّر ردّها الى المالك أو وكيله، دفعها الى الحاكم، و لايسمّى ذلك ايداعا، فان تعذّر أودعها العدل. و هذا هو الخارج بالقيد، فلايجوز ايداعها للضرورة ابتداءً، بل على الوجه الذي فصّلناه.
و «الثاني»: اذن المالك في الايداع، فيجوز حينئذ على حسب ما يأذن رتبة و وصفا، فلا ضمان مع الايداع كما نصّ، لا اذا خالف المعيّن مطلقا أو الوصف في غيره الى ما دونه.
و من جملة أسباب التفريط السفر بالوديعة من غير ضرورة و لا اذن المالك، سواء كان الطريق آمنا أم مخوفا، فاذا أراد السفر وجب عليه ردّها الى المالك أو وكيله كما مرّ، فان تعذّر فعلى الحاكم، فان تعذّر أودعها العدل. انتهى ملخّصا».(1)
مثل أنيلبس الثوب أو يركب الدابّة أو يخرجها من حرزها لينتفع بها. نعم، لو نوى الانتفاع لميضمن بمجرّد النيّة. و لو طلبت منه فامتنع من الردّ مع القدرة ضمن، و كذا لو جحدها ثمّ قامت عليه بيّنة أو اعترف بها.
و يضمن لو خلطها بماله بحيث لايتميّز، و كذا لو أودعه مالاً في كيس مختوم ففتح ختمه و كذا لو أودعه كيسين فمزجهما. و كذا لو أمره باجارتهالحمل أخفّ فآجرها لأثقل أو لأسهل فآجرها لأشقّ كالقطن و الحديد.
و لو جعلها المالك في حرز مقفّل ثمّ أودعها ففتح المودع الحرز و أخذ
1) - مسالك الأفهام 5: 102 و 103.
بعضها ضمن الجميع، و لو لمتكن مودعة في حرز أو كانت مودعة في حرز المودَع فأخذ بعضها ضمن ما أخذ، و لو أعاد بدله لميبرأ، و لو أعاده و مزجه بالباقي ضمن ما أخذه، و لو أعاد بدله و مزجه ببقيّة الوديعة مزجا لايتميّز ضمن الجميع.
أمّا التعدّي وهو أنيتصرّف في الوديعة بما لميأذن له المالك مثل أنيلبس الثوب أو يفرش الفراش أو يركب الدابّة اذا لميتوقّف حفظها على التصرّف كما اذا توقّف حفظ الثوب و الفراش من الدود على اللبس و الافتراش.
و كذا لو أودعه دراهم مثلاً في كيس مختوم أو مخيط أو مشدود فكسر ختمه أو حلّ خيطه و شدّه من دون ضرورة و مصلحة. و من التعدّي خلط الوديعة بماله سواء كان بالجنس أو بغيره، و سواء كان بالمساوي أو بالأجود أو بالأردئ، بلا خلاف؛ للتصرّف غير المأذون فيه. و لو مزجه بالجنس من مال المودع كما اذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين و لا مشدودين فجعلهما كيسا واحدا ففيه اشكال.
و كذا يضمن الأمين على الدابّة مثلاً لو أمره باجارتها لحمل أخفّ فآجرها لأثقل أو أمره باجارتها لأسهل كحمل القطن فآجرها لأشقّ كحمل الحديد بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - ؛ لصدق التعدّي و الخيانة.
و لو جعلها المالك في حرز مقفّل ثمّ أودعها ففتح المودع الحرز و أخذ بعضها ضمن الجميع؛ لصدق التعدّي و الخيانة بذلك. و لو لمتكن مودعة في حرز أو كانت مودعة في حرز المستودع فأخذ بعضها ضمن ما أخذ؛ لصدق التعدّي والخيانة فيه دون غيره، و لو أعاد بدله لميبرأ الاّ مع اجازة المالك؛ لعدم صيرورته بدلاً بدون قبض المالك.
و لو طلبت منه فامتنع من الردّ مع القدرة عقلاً و شرعا و عرفا ضمن؛ لانقطاع الاذن بالاستنابة في حفظها و تغيير يد الايتمان حينئذ بيد العدوان. و كذا يضمنها لو جحدها بعد طلبه منها ثمّ قامت عليه بيّنة أو اعترف بها؛ لانقطاع الاذن ببقائها بالطلب فهي حينئذ في يده مضمونة عليه مضافا الى خيانته بجحوده.
و فيه مسائل:
«الأولى»: يجوز السفر بالوديعة اذا خاف تلفها مع الاقامة ثمّ لايضمن، و لايجوز السفر بها مع ظهور أمارة الخوف، و لو سافر و الحال هذه ضمن.
انّما يجوز السفر بالوديعة مع الخوف عليها اذا تعذّر ردّها على المالك أو وكيله أو الحاكم أو الثقة حيث لايكون في ايداعها خطر عليه، فلو قدر على أحدهم لميكن له السفر بها ان خاف عليها. نعم، لو خاف عليها على تقدير ايداعها سقط وجوبه و جاز السفر بها حينئذ بل يجب أخذها معه؛ لأنّ حفظها واجب فاذا لميحصل الاّ بالسفر وجب من باب المقدّمة.
ثمّ انّه حيث يجوز السفر بالوديعة لضرورته أو ضرورتها انّما يجوز مع أمن الطريق ، فلو سافر مع عدمه ضمن؛ لأنّه تغرير حتّى لو فرض الخوف عليها في الحضر فيكون من باب تعارض الخطرين فيرجّح اقامته.
«الثانية»: لايبرأ المودع الاّ بردّها الى المالك أو وكيله، فان فقدهما فالى الحاكم مع العذر و مع عدم العذر يضمن، و لو فقد الحاكم و خشي تلفها جاز ايداعها من ثقة و لو تلفت لميضمن.
لمّا كانت الوديعة من العقود الجائزة جاز للمستودع ردّها في كلّ وقت الى المالك أو وكيله، و لايبرأ الاّ بذلك و مع وجودهما لايجوز له الردّ الى الحاكم؛ لأنّه لا ولاية له على الحاضر الرشيد حتّى لو فقد المالك أو وكيله. نعم، لو اضطرّ الى الردّ و فقد المالك أو وكيله جاز دفعها الى الحاكم؛ لأنّ له ولاية على الغائب على هذا الوجه، فان تعذّر أودعها الثقة و لا ضمان عليه؛ لمكان الحاجة.
«الثالثة»: لو قدر على الحاكم فدفعها الى الثقة ضمن.
اذا اضطرّ الى ردّ الوديعة و لميجد المالك أو وكيله و قدر على الحاكم فيجب عليه دفعها اليه، و لايجوز دفعها الى الثقة؛ لأنّ الحاكم ولي الغائب فكان أولى فيضمن لو خالف الترتيب، كما يضمن لو دفعها الى الحاكم مع امكان دفعها الى المالك أو وكيله.
«الرابعة»: اذا أراد السفر فدفنها ضمن الاّ أنيخشى المعاجلة.
قد عرفت أنّه مع ارادة السفر مع ضرورته يجب عليه ردّ الوديعة الى المالك أو وكيله ثمّ الى الحاكم ثمّ يودعها الثقة، فاذا ترك ذلك و اقتصر على دفنها فان كان مع وجود المالك أو وكيله فالضمان ظاهر؛ لعدم الوثوق بذلك؛ لأنّه قد يتّفق موته فلايصل مالكها اليها، و كما مضى أنّ الترتيب لازم في ذلك.
هذا اذا لميخش المعاجلة قبل ايصالها الى من ذكر من المالك و من يترتّب عليه، و الاّ جاز الدفن في موضع أمن. و المراد بالمعاجلة امّا معاجلة السرّاق قبل الردّ الى من ذكر أو معاجلة الرفقة اذا أراد السفر و كان ضروريّا و التخلّف عنها مضرّا ففي هاتين الصورتين يدفنها في حرز و لا ضمان عليه؛ لمكان الحاجة.
«الخامسة»: اذا أعاد الوديعة بعد التفريط الى الحرز لميبرأ، و لو جدّد المالك له الاستئمان برئ، و كذا لو أبرأه من الضمان، و لو أكره على دفعها الى غير المالك دفعها و لا ضمان.
اذا فرّط في حفظ الوديعة ثمّ رجع عن تفريطه بأنجعلها في الحرز المضبوط و قام بما يوجب حفظها أو تعدّى ثمّ رجع كما اذا لبس الثوب ثمّ نزعه لميبرأ من الضمان؛ لأنّ يده صار حينئذ من الأمانة الى الخيانة؛ لسقوط اذن المالك بالتفريط و التعدّي. نعم، لو جدّد له المالك الاستئمان ارتفع الضمان؛ لحصول اذن جديد من المالك فهو مثل ما اذا كان مال بيد الغاصب فجعله بيده أمانة؛ فانّ الظاهر أنّه بذلك يرتفع الضمان؛ لتبدّل عنوان يده من العدوان الى الاستئمان.
قال في المسالك: «انّما لميبرأ بالردّ؛ لأنّه قد صار بمنزلة الغاصب بتعدّيه، فيستصحب الحكم بالضمان الى أنيحصل من المالك ما يقتضي زواله. و يتحقّق ذلك بأمور:
منها: أنيردّه عليه ثمّ يجدّد له الوديعة. و هذا لا شبهة فيه؛ لأنّه وديعة مستأنفة يترتّب عليها حكمها.
و منها: أنيجدّده له من غير أنيدفعها اليه، بأنيقول له: أذنت لك في حفظها، و فيه اشكال.
و منها: أنيبرئه من الضمان فانّ الضمان كان لحقّ المالك و قد أسقطه بالبراءة. و يشكل: بأنّ معنى الضمان أنّ العين لو تلفت وجب عليه بدلها، و الحال أنّها الآن لمتتلف، فيكون الابراء من الضمان ابراءً ممّا لميجب».(1)
أقول: الظاهر أنّ ما استشكل به الشهيد رحمهالله في الموردين الأخيرين، غير وارد فانّ الضمان يزول و يرفع بهما.
و لو أكره على دفعها الى غير المالك فدفعها فلا ضمان؛ لضعف المباشر و قوّة السبب فيختصّ به الضمان.
ان قلت: انّ عدم الضمان فيما اذا أخذها المكره من الحرز بنفسه، و أمّا اذا سلّمها بيده فهو ضامن و ان خاف التلف؛ لأنّه حينئذ متلف بالتسليم فكان ضامنا.
قلنا: انّ القهر و الاذن الشرعي أسقطا الضمان، و لأنّ الاكراه صيّر فعله منسوبا الى المكره و لأنّه محسن فلا سبيل عليه. و على تقدير ضمانه فقراره على المكره، فلو طالبه المالك حينئذ بالعين أو البدل فيرجع المكره - بالفتح - الى المكره.
«السادسة»: اذا أنكر الوديعة أو اعترف و ادّعى التلف أو ادّعى الردّ و لا بيّنة فالقول قوله و للمالك احلافه على الأشبه. أمّا لو دفعها الى غير المالك و ادّعى الاذن فأنكر فالقول قول المالك مع يمينه، و لو صدّقه على الاذن لميضمن و ان ترك الاشهاد على الأشبه.
لو أنكر الوديعة أو اعترف بها و ادّعى التلف أو الردّ و لا بيّنة فالقول قوله، و للمالك احلافه لو لميرفع النزاع بقوله. و كذلك لو تسالما على التلف ولكن ادّعى عليه المودع التفريط أو التعدّي؛ فانّ المستودع مؤتمن الاّ أنّه اذا لميرتفع النزاع الاّ
1) - مسالك الأفهام 5: 115 و 116.
باليمين مع عدم البيّنة فعليه اليمين. و لو دفعها الى غير المالك و ادّعى الاذن من المالك فأنكر المالك فعلى المدّعي و هو المستودع البيّنة و ان لمتكن فعلى المنكر أي المالك اليمين؛ فانّ قوله مطابق للأصل و هو عدم الاذن.
و أمّا لو صدّقه على الاذن لكن أنكر التسليم الى من أذن له فهو كدعواه الردّ الى المالك مع انكار المالك و قد تقدّم حيث انّ المستودع أمين فالقول قوله و للمالك احلافه لرفع الخصومة و النزاع.
قال في المسالك: «اختلف الأصحاب في أنّ من أمر غيره بدفع الوديعة الى غير المالك أو بقضاء دينه ففعل و لميشهد فأنكر المدفوع اليه، هل يضمن الدافع أم لا؟ فقيل: يضمن فيهما؛ لأنّ اطلاق الاذن يقتضي دفعا ثابتا يمكن الرجوع اليه عند الحاجة، فاذا ترك الاشهاد فقد قصّر، خصوصا الدين، فانّ الغرض منه براءة الذمّة و لاتظهر الاّ بالاشهاد؛ لأنّ الغريم اذا أنكر فالقول قوله.
و قيل: لا يجب الاشهاد فيهما و لا ضمان بتركه؛ لأنّ المأمور به هو الدفع و قد امتثله، و التوثّق عليه أمر آخر لايدلّ عليه اطلاق الأمر، و انّما هو مطلوب من الآمر. و الى هذا القول مال في المختلف.
و قيل: يجب الاشهاد في قضاء الدين دون الوديعة، أمّا الدين فلما ذكر، و أمّا الوديعة فلأنّها أمانة، و قول المستودع مقبول في الردّ و التلف، فلا معنى للاشهاد، و لأنّ الودائع حقّها الاخفاء، بخلاف قضاء الدين. و اختار هذا القول في التذكرة و كثير من كتبه. و المصنّف رحمهالله اختار هنا عدم وجوب الاشهاد على أداء الوديعة. و
في الوكالة اختار التفصيل على تردّد فيه. و التفصيل حسن».(1)
أقول:
قد تكلّمنا عن هذا الفرع في كتاب الوكالة و قلنا هناك بأنّ عدم الضمان في الوديعة واضح لا اشكال فيه بل و لا خلاف و ذلك لأنّ الوديعة مبنيّة على الاخفاء غالبا و لأنّ المستودع قوله مقبول في الردّ و التلف فلايؤثّر الاشهاد في تغريمه.
و أمّا الحكم في الوكالة في أداء الدين فقد اختلف فيما اذا لميشهد الوكيل على الدائن فأنكر الدائن أداء الدين اليه، فهل يكون الوكيل ضامنا أو لا؟
و قد اخترنا في كتاب الوكالة عدم ضمانه لعدم دلالة مطلق الأمر بأداء الدين على لزوم الاشهاد أوّلاً و لأنّ صدق التفريط على فعل الوكيل هنا غير معلوم ثانيا.
«السابعة»: اذا أقام المالك البيّنة على الوديعة بعد الانكار فصدّقها ثمّ ادّعى التلف قبل الانكار لمتسمع دعواه؛ لاشتغال ذمّته بالضمان، و لو قيل: «تسمع دعواه و تقبل بيّنته»، كان حسنا.
اذا أنكر المستودع الوديعة فلمّا أقام المالك البيّنة على الوديعة صدّقها ولكن ادّعى أنّ الوديعة قد تلفت قبل أنأنكرها و قبل أنيقيم المالك البيّنة ففي الوسيلة: «لاتسمع دعواه فلايقبل منه اليمين و لا البيّنة على اشكال».(2)
قال في المسالك - في تفسير قول المصنّف - : «وجه عدم السماع أنّه بانكاره السابق مكذّب لدعواه اللاحقة، فلاتسمع؛ لتناقض كلاميه، فلايتوجّه بها يمين
عليه و لا على المدّعى عليه، و كذا لاتسمع بيّنته بطريق أولى؛ لأنّه مكذّب لها.
و وجه ما حسّنه المصنّف من سماعها عموم قوله عليهالسلام : «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر»، و جواز استناد جحوده الى النسيان فيعذر. و هو خيرة التذكرة. و في المختلف منع من قبول بيّنته و سماع دعواه، بمعنى قبول قوله بيمينه، لكن قال: «انّ له احلاف الغريم، و هو نوع من سماع دعواه». و في القواعد منعهما معا، فصار للعلاّمة في المسألة ثلاثة أقوال.
و في المسألة قول رابع و هو أنّه ان أظهر لانكاره تأويلاً كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها أو ضمانها» و نحو ذلك، قبلت دعواه و سمعت بيّنته، و ان لميظهر له تأويلاً لمتقبل. و اختاره الشهيد رحمهالله. و هو حسن. انتهى ملخّصا».(1)قال في الروضة: «(و لو أنكر الوديعة حلف)؛ لأصالة البراءة، (و لو أقام) المالك (بها بيّنة قبل حلفه ضمن)؛ لأنّه متعدّ بجحوده لها (الاّ أنيكون جوابه: لاتستحقّ عندي شيئا و شبهه) كقوله: ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها و لا عوضها، فلايضمن بالانكار، بل يكون كمدّعي التلف يقبل قوله بيمينه أيضا، و لامكان تلفها بغير تفريط فلاتكون مستحقّة عنده، و لايناقض قوله البيّنة، و لو أظهر لانكاره الأوّل تأويلاً كقوله: ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها أو ضمانها، و نحو ذلك فالأقوى القبول أيضا، و اختاره المصنّف رحمهالله في بعض تحقيقاته».(2)
أقول:
اذا أنكر المستودع الوديعة فلمّا أقام المالك البيّنة على الوديعة صدّقها ولكن ادّعى أنّ الوديعة قد تلفت قبل أنأنكرها و قبل أنيقيم المالك البيّنة، فان أقام البيّنة
على دعواه أي التلف فتقبل، و ذلك لأنّه يمكن أنيكون في انكاره الأوّل معذورابعذر فاذا اعتذر عنه يقبل قوله بالبيّنة، و لو لمتكن له البيّنة فيعمل على طبق بيّنة المالك.
«الثامنة»: اذا عيّن له حرزا بعيدا عنه وجب المبادرة اليه بما جرت العادة، فان أخّر مع التمكّن ضمن، و لو سلّمها الى زوجته لتحرزها ضمن.
اذا أودع و لميعيّن له حرزا مخصوصا وجبت المبادرة الى حرزها المعتاد المتعارف، و اذا عيّن له حرزا بعيدا عنه وجبت المبادرة اليه بما جرت العادة في المسارعة للوصول اليه، فمع فرض عدم الاذن في وضعها في غيره فان أخّر عن ذلك مع التمكّن - بمعنى عدم مراعاة المبادرة اليه عادة على نحو ما سمعته في فوريّة أدائها عند طلب المالك لها - ضمن؛ للتعدّي بالوضع في غير ما عيّن له المالك. و لو سلّمها الى زوجته لتحرزها و لو في ذلك المكان ضمن؛ لعدم الاذن له في ذلك الاّ أنيكون هناك قرائن حاليّة أو مقاليّة تدلّ على ذلك.
«التاسعة»: اذا اعترف بالوديعة ثمّ مات و جهلت عينها، قيل: «تخرج من أصل تركته و لو كان له غرماء و ضاقت التركة حاصّهم المستودع»، و فيه تردّد.
اذا أقرّ بالوديعة ثمّ مات فان عيّنها في عين شخصيّة معيّنة موجودة حال موته أخرجت من التركة؛ لكونها عين مال الغير باعتراف المورّث. و ان لميعيّن عينها أخرجت من أصل تركته.
و ان علم تلفها بتفريط فهو ضامن و المودع أسوة الغرماء، و ان تلفت و
لميعلم التفريط فالميّت المستودع غير ضامن؛ لأصالة براءة ذمّته.
قال في المسالك: «اذا اعترف بالوديعة ثمّ مات و جهلت عينها فالمشهور بين الأصحاب أنّها تخرج من أصل تركته. و لو كان له غرماء فضاقت التركة حاصّهم المستودع. و وجهه أنّ اعترافه بالوديعة في حياته أوجب ثبوت يده عليها و التزامه بها الى أنيردّها الى مالكها، فاذا لمتعلم كان ضامنا لها؛ لعموم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» و لأنّه بترك تعيينها مفرّط فيها فيضمن، و لأنّ الأصل بقاؤها في يده الى الموت، و بعده تكون في جملة التركة، فاذا تعذّر الوصول الى عينها وجب البدل، فيكون بمنزلة الدين فيحاصّ الغرماء.
و المصنّف تردّد في هذا الحكم. و تردّده يحتمل أمرين:
أحدهما: أنيكون في أصل الضمان، فانّ اعترافه بها في حياته انّما يقتضي وجوب الحفظ، و الا فذمّته بريئة من ضمانها، فاذا مات و لميعلم احتمل تلفها قبل الموت بغير تفريط أو ردّها الى المالك، و الأصل براءة ذمّته من الضمان. و كون التلف على خلاف الأصل معارض بهذا الأصل. و ليسا متنافيين حتّى يتساقطا؛ اذ لايلزم من بقائها تعلّقها بالذمّة.
و الثاني: أنيكون التردّد في كيفيّة الضمان، فانّ أصالة بقائها اقتضى كونها في جملة التركة، غايته أنّ عينها مجهولة، فيكون مالكها بمنزلة الشريك، و كون الشركة قهريّة لايقدح في الحكم، كمن امتزج ماله بمال غيره بغير اختياره ثمّ مات أحدهما، فانّ الشركة تتحقّق و يقدّم الشريك بالحصّة على غيره من الغرماء. و الانتقال الى البدل اذا تعذّرت العين انّما يكون مع عدم العلم بوجودها في جملة المال، و الاّ منعنا البدل، و أصالة البقاء قد أوجبت ذلك.
و الأقوى أنّه ان علم بقاء عينها الى بعد الموت و لميتميّز قدّم مالكها على الغرماء، و كان بمنزلة الشريك، و ان علم تلفها بتفريط فهو أسوة الغرماء، و الاّ
فلا ضمان أصلاً؛ لأصالة براءة الذمّة. و أصالة بقائها الى الآن لو سلّمت لايقتضيتعلّقها بالذمّة. و قد سبق مثل هذا البحث في الرهن و القراض».(1)
«العاشرة»: اذا كان في يده وديعة فادّعاها اثنان فان صدّق أحدهما قبل و ان أكذبهما فكذلك، و ان قال: «لا أدري» أقرّت في يده حتّى يثبت لها مالك، و ان ادّعيا أو أحدهما علمه بصحّة الدعوى كان عليه اليمين.
اذا كان في يده وديعة فادّعاها اثنان فان صدّق أحدهما قبل و أحلف للآخر على البتّ؛ لأنّه منكر له كما أنّه يحلف المقرّ له أيضا؛ لأنّه منكر للمدّعي الآخر أيضا فيستقرّ حينئذٍ ملكه على العين. و ان نكل الودعي عن اليمين أحلف المدّعي و أغرم له المثل أو القيمة وقت الحلف.
و ان أكذبهما معا فتنتفي دعواهما؛ لأنّ اليد له الاّ أنّه لكلّ منهما احلافه على البتّ أيضا فان نكل عن اليمين ردتّ عليهما و صارا في الدعوى سواءً، فان حلفا أو نكلا قسّمت بينهما و ان حلف أحدهما خاصّة اختصّ بها.
و ان قال: «هي لأحدهما و لا أدري من هو على التعيين» فان صدّقاه في نفي العلم فلا خصومة لهما معه و تبقى الخصومة بينهما و الحكم كما سبق آنفا. و ان كذّباه في عدم العلم فادّعى كلّ منهما علمه بالمالك فالقول قوله مع يمينه و الحلف هنا على عدم العلم، فاذا حلف لهما بقيت المنازعة بينهما فيحلف كلّ منهما على ما ادّعاه فيقسّم بينهما؛ لتكافؤ الدعويين و تساويهما في الحجّة و هو يقتضي القسمة كذلك.
و هكذا الحكم لو قال: «لاأدري مالكها» مطلقا.
1) - مسالك الأفهام 5: 123.
«الحاديهعشرة»: اذا فرّط و اختلفا في القيمة فالقول قول المالك مع يمينه، و قيل: «القول قول الغارم مع يمينه»، و هو أشبه.
اذا فرّط أو تعدّى و تلف المال و اختلفا في القيمة فالقول قول الغارم مع يمينه؛ لأنّه منكر. و قيل - و القائل هو الشيخ رحمهالله في النهاية - : «القول قول المالك مع يمينه»؛ لأنّ المستودع خرج عن الأمانة بالتفريط فلايكون قوله مسموعا، و لما في مرسلة الصدوق قال:
«سئل الصادق عليهالسلام عن المودع اذا كان غير ثقة، هل يقبل قوله؟ قال: نعم، و لا يمين عليه».(1)
و فيه: انّا لانقبل قوله من جهة كونه أمينا بل من حيث انّه منكر للزائد فيكون القول قوله كما أنّ المالك مدّعٍ فيكون عليه البيّنة لقوله عليهالسلام :
«البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه».(2)
و هذا الحكم لايختصّ بالأمين بل هو ثابت لكلّ منكر في مقابلة المدّعي و ان كان المنكر غاصبا، و الرواية ضعيفة سندا لارسالها، و دلالة لاحتمال أنيكون المودع بالفتح فيكون بمعنى المستودع و يدلّ على خلاف ما ذهب اليه الشيخ رحمهالله.
و قال في المسالك: «فما اختاره المصنّف أقوى، و هو اختيار الأكثر».(3)
و كذا في الجواهر(4)رجّح قول المصنّف بأنّه أشبه بأصول المذهب و قواعده.
«الثانيهعشرة»: اذا مات المودع سلّمت الوديعة الى الوارث، فان كانواجماعة سلّمت الى الكلّ أو الى من يقوم مقامهم، و لو سلّمها الى البعض من غير اذن ضمن حصص الباقين.
اذا مات المودع سلّمت الوديعة الى الوارث، فان كانوا جماعة سلّمت الى الكلّ أو الى من يقوم مقامهم، كوكيلهم أجمع أو وليّهم أو وصي مورّثهم لو كانوا أطفالاً أو الحاكم مع غيبتهم أو عدم وجود ولي خاصّ لهم. و لو سلّمها الى البعض من غير اذن ضمن حصص الباقين بلا خلاف و لا اشكال في ذلك كلّه كما في الجواهر.
و تجب المبادرة الى التسليم المذكور؛ لأنّها بموت المودع صارت أمانة شرعيّة. و لا فرق في وجوبها بين علم الورثة بها و عدمه عندنا كما في المسالك.
هنا مسائل:
انّ هنا مسائل لميذكرها المحقّق رحمهالله و ذكرها بعض، لابأس بذكرها تتميما للبحث في الوديعة:
الأولى: لو اشترط اللزوم في الوديعة فهل لزم الشرط فلزمت الوديعة أو فسد الشرط و لايلزم الوفاء به و صحّت الوديعة جائزة أو فسد الشرط و أفسد العقد؟ وجوه، و الظاهر أنّ هذا الشرط امّا مخالف لمقتضى العقد فيرجّح الوجه الثالث أو لميكن لازم الوفاء لكونه في ضمن عقد جائز و قد قرّر في محلّه أنّ الشرط لايجب الوفاء به الاّ اذا كان في ضمن عقد لازم فيرجّح الوجه الثاني، و الاحتياط بالتراضي حسن.
الثانية: الظاهر جواز استيداع مال الطفل أو المجنون مع المصلحة في ذلك اذا
وقع الاستيداع من الولي الى الثقة الأمين؛ للاطلاقات و العمومات و اقتضاء ولايته ذلك.
الثالثة: الظاهر أنّ اشتراط الضمان في الوديعة حتّى مع عدم التعدّي أو التفريط مخالف للكتاب و السنّة، فيفسد الشرط و تصحّ الوديعة و ليس على المستودع ضمان الاّ مع التعدّي أو التفريط.
نعم، لو كان الضمان بعنوان تعهّد جديد من ماله و عقد جديد لا بعنوان الشرط في الوديعة فلايبعد صحّته.
الرابعة: نماء العين المودعة للمودع و ذلك لتبعيّة النماء للأصل في الملكيّة. نعم، يصحّ اشتراط كونها للمستودع، فوجوب الوفاء به معلّق على القول بوجوب الوفاء بالشروط في ضمن العقود الجائزة.
الخامسة: انّ اطلاقات و عمومات الوديعة كما تشمل المنقول، تشمل غير المنقول أيضا فتصحّ الوديعة في غير المنقول كالعقارات و الأراضي و نحوها.
الى هنا تمّ ما أردنا
بيانه من مسائل كتاب الوديعة
و يتلوه شرح كتاب العارية
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
العارية و هي عقد ثمرته التبرّع بالمنفعة و يقع بكلّ لفظ يشتمل على الاذن في الانتفاع و ليس بلازم لاحد المتعاقدين.
قال في المسالك: «العارية - بتشديد الياء - كأنّها منسوبة الى العار؛ لأن طلبها عار و عيب. ذكره الجوهري و ابن الأثير في نهايته. و قيل: «منسوبة الى العارة»، و هي مصدر من قولك: «أعرته اعارة» كما يقال: «أجاب يجيب اجابة و جابة، و أطاق اطاقة و طاقة».
و قيل: «مأخوذة من «عار يعير» اذا جاء و ذهب، و منه قيل للبطّال عيّار؛ لتردّده في بطالته، فسمّيت عاريّة؛ لتحوّلها من يد الى يد». و قيل: «مأخوذة من «التعاور و الاعتوار»، و هو أنيتداول القوم الشيء بينهم». و قال الخطّابي في غريبه: «انّ اللغة العالية العارية، و قد تخفّف».(1)
و على كلّ حال العارية عقد يحتاج الى ايجاب من المعير و قبول من
1) - مسالك الأفهام 5: 131.
المستعير، فالايجاب كلّ لفظ يشتمل على الاذن في الانتفاع كقوله: «أعرتك» أو «أذنت لك في الانتفاع به» أو «خذه لتنتفع به» و نحو ذلك، و القبول هو كلّ ما أفاد الرضا بذلك؛ لأنّه لميرد لفظ خاصّ من الشارع فتنعقد بكلّ لفظ يظهر منه العارية عرفا. و ثمرتها انتفاع المستعير من المعار به مجّانا و لها أحكام يشير اليها.
ثمّ انّه تقع العارية بالمعاطاة أيضا؛ لصدق العارية عليها عرفا، و لظهور السيرة المستمرّة خلفا عن سلف فتشملها الأدلّة، فعليه تحصل العارية بما اذا دفع اليه قميصا - مثلاً - ليلبسه فأخذه للّبس أو دفع اليه اناءا أو بساطا ليستعمله فأخذه و استعمله.
ثمّ انّ هذا العقد ليس بلازم لأحد المتعاقدين بلا خلاف معتدّ به بل الاجماع بقسميه عليه - كما في الجواهر(1)- نعم قد استثني منه مواضع سيشير اليها المصنّف.
و الكلام في فصول أربعة:
الفصل الأوّل في المعير
الفصل الثاني في المستعير
الفصل الثالث في العين المعارة
الفصل الرابع في الأحكام المتعلّقة بها
1) - جواهر الكلام 27: 159.
و لا بدّ أنيكون مكلّفا جائز التصرّف. فلاتصحّ اعارة الصبي و لا المجنون و لو أذن الولي جاز للصبي مع مراعاة المصلحة و كما لايليها عن نفسه كذا لاتصحّ ولايته عن غيره.
يعتبر في المعير أنيكون جائز التصرّف فلاتصحّ اعارة الصبي و المجنون الاّ باذن الولي مع المصلحة؛ لأنّها تصرّف مالي، و هكذا يكون الحكم بالنسبة الى المحجور عليه لسفه أو فلس.
قال في الروضة: «و يشترط كون المعير كاملاً جائز التصرّف، و يجوز اعارة الصبي باذن الولي لمال نفسه، و وليّه؛ لأنّ المعتبر اذن الولي و هو كافٍ في تحقّق هذا العقد. هذا اذا علم المستعير باذن الولي، و الاّ لميقبل قول الصبي في حقّه، الاّ أنتنضمّ اليه قرائن تفيد الظنّ المتآخم للعلم به، كما اذا طلبها من الولي فجاء به الصبي و أخبر أنّه أرسله بها، و نحو ذلك، كما يقبل قوله في الهديّة، و الاذن فيدخول الدار بالقرائن.
و لا بدّ مع اذن الولي له في اعارة ماله من وجود المصلحة بها بأنتكون يد المستعير أحفظ من يد الولي في ذلك الوقت، أو لانتفاع الصبي بالمستعير بما يزيد عن منفعة ماله، أو تكون العين ينفعها الاستعمال و يضرّها الاهمال، و نحو ذلك».(1)
هذا بالنسبة الى اعارة ماله باذن وليّه و اعارة مال وليّه باذنه. و الظاهر أيضا أنّه يجوز اعارة مال غيره و غير وليّه باذن صاحب المال، و هل يحتاج الى اذن وليّه؟ فنقول: ان كان صرف واسطة فلايحتاج.
1) - الروضة البهيّة 4: 256 و 257.
و له الانتفاع بما جرت العادة به في الانتفاع بالمعار و لو نقص من العين شيء أو تلفت بالاستعمال من غير تعدٍّ لميضمن الاّ أنيشترط ذلك في العارية.
هنا فرعان:
المستعير أمين، فلو نقص من العين شيء أو تلفت بالاستعمال من غير تعدٍّ لميضمن؛ يدلّ على ذلك عدّة روايات:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن العارية، فقال: لا غرم على مستعير عاريّة اذا
هلكت اذا كان مأمونا».(1)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان، و قال: ليس على مستعير عاريّة ضمان و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن العارية يستعيرها الانسان فتهلك أو تسرق، فقال: ان كان أمينا فلا غرم عليه».(3)
و الظاهر بقرينة سائر الروايات أنّ المراد بقيد «ان كان أمينا» هو عدم اشتراط الضمان. نعم لو اشترط الضمان في العارية فيلزم الشرط فيضمن المستعير؛ و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«اذا هلكت العارية عند المستعير لميضمنه الاّ أنيكون اشترط
عليه».(4)
يجوز للمستعير الانتفاع بالمعار به بما جرت العادة به. و المرجع في العادة الى نوع الانتفاع و قدره و صفته، فلو أعاره بساطا اقتضى الاطلاق فرشه و نحوه من
الوجوه المعتادة، أو لحافا اقتضى جعله غطاءً فلايجوز فرشه؛ لعدم جريان العادة بذلك، أو حيوانا للحمل اقتضى تحميله قدرا جرت العادة بكونه يحمله فلايجوز الزيادة، أو فرسا من شأنها الركوب فلايجوز تحميلها، و على هذا القياس.
و لو تعدّدت منفعة العين فان عيّن نوعا تعيّن، و ان عمّم جاز الانتفاع بجميع وجوهها، و ان أطلق فالأقوى - كما في المسالك(1)- أنّه كذلك.
و لايجوز للمحرم أنيستعير من محلّ صيدا؛ لانّه ليس له امساكه، و لو أمسكه ضمنه و ان لميشترط عليه، و لو كان الصيد في يد محرم فاستعاره المحلّ جاز؛ لأنّ ملك المحرم زال عنه بالاحرام كما يأخذ من الصيد ما ليس بملك.
لايجوز للمحرم أنيستعير الصيد من محلّ و لا من محرم؛ لأنّ تسلّط المحرم على الصيد حرام و كذا تسليطه، فلو استعاره بعقد العارية فهل يقع العقد فاسدا؟ وجهان، نعم؛ للنهي عن الامساك، و لا؛ لأنّ النهي في المعاملات لايدلّ على الفساد الاّ بالقرينة.
ثمّ انّه على تقدير قبضه له ان ردّه على المالك برئ من حقّه، و أمّا الفداء للّه تعالى فمبني على القول بأنّ الفداء مترتّب على مجرّد الامساك، الاّ أنّ الحقّ - كما أوضحناه في كتاب المناسك(2)- هو اختصاص الفداء بصورة التلف، و أنّه ان أرسله قبل التلف لميجب عليه فداء.
و ان تلف في يده فلا شبهة في ضمانه الفداء للّه تعالى؛ لأنّه ثابت عليه بمجرّدالتلف في يده و يضمنه للمالك أيضا بالقيمة و ان لميشترط فيها الضمان.
قال المصنّف: «و لو كان الصيد في يد محرم فاستعاره المحلّ جاز؛ لأنّ ملك المحرم زال عنه بالاحرام كما يأخذ من الصيد ما ليس بملك».
و أشكل عليه في المسالك و قال: «اذا حكم بزوال ملك المحرم عن الصيد صار فيه بمنزلة الأجنبي، فاطلاق الجواز على اعارته يشكل من ثلاثة أوجه:
الأوّل: انّ الاعارة شرطها كون المعار ملكا للمعير، و هو هنا منتفٍ؛ لما ذكروه من زوال ملكه عنه.
الثاني: انّ تسليمه للمحلّ اعانة على الصيد و اثبات سلطنة للغير عليه، و هو محرّم على المحرم فلايناسبه اثبات الجواز.
الثالث: انّ تسليمه اذا كان محرّما على المحرم يحرم قبوله من المحلّ؛ لاعانته له على الاثم و العدوان المنهي عنه في القرآن، و ان كان للمحلّ تناول الصيد لولا ذلك.
و الأقوى الحكم بتحريم الاعارة المذكورة، أعني اثبات صورتها و ان كان الملك غير متحقّق، و تحريم أخذ المحلّ له من يده للاعانة على المحرّم، لكن لو فعل ذلك لميلزم المحلّ سوى الاثم، و لا شيء للمحرم عليه؛ لزوال ملكه، و على المحرم الفداء لو تلف في يد المحلّ؛ لتعدّيه بالاعارة، فانّه كان يجب عليه الارسال».(1)
و أمّا صاحب الجواهر رحمهالله ففي شرحه على عبارة المصنّف قال: «و لو كان الصيد في يد محرم فاستعاره المحلّ أي أخذه بصورة العارية جاز أخذه للمحلّ؛
1) - مسالك الأفهام 5: 140 و 141.
للأصل و لأنّ ملك المحرم زال عنه بالاحرام فأخذه حينئذ منه كما يأخذ من الصيدما ليس بملك فيملكه حينئذ بالاستيلاء أو مع نيّة الملك على الوجهين في تملّك المباح، و حرمة الدفع الى المحلّ على المحرم لتعيّن الارسال عليه لاينافي جواز الأخذ للمحلّ، و ليس هو من الاعانة على المحرم قطعا، و ان وجب الفداء على المحرم مع التلف في يد المحلّ».(1)
أقول:
فانّه رحمهالله قد قبل عدم ملكيّة المحرم للصيد و لميكن هناك اعارة قهرا، ولكن لميقبل كون أخذ المحلّ منه من الاعانة على الاثم و أنّ تسليمه عليه حرام و كذا حرمة أخذ المحلّ.
و على كلّ حال لو قلنا بوجوب ارسال المحرم الصيد فجواز اعطائه للمحلّ مشكل بل غير جائز، كما أنّ صدق الاعانة على الاثم هنا مشكل الاّ أنّ الاحتياط ترك الأخذ
و لو استعاره من الغاصب و هو لايعلم كان الضمان على الغاصب و للمالك الزام المستعير بما استوفاه من المنفعة و يرجع على الغاصب؛ لأنّه أذن له في استيفائها بغير عوض، و الوجه تعلّق الضمان بالغاصب حسب. و كذا لو تلفت العين في يد المستعير. أمّا لو كان عالما كان ضامنا و لميرجع على الغاصب، و لو أغرم الغاصب رجع على المستعير.
اذا استعار عينا من الغاصب فان لميعلم بغصبه كان قرار الضمان على
1) - جواهر الكلام 27: 165.
الغاصب؛ لقاعدة الغرور بعد فرض كون المستعير جاهلاً بالغصب، فان تلفت فييد المستعير فللمالك الرجوع بعوض ماله على كلّ من الغاصب و المستعير؛ لقاعدة ضمان اليد بعد فرض جريان يد كلّ من الغاصب و المستعير على مال المالك. فان رجع على المستعير يرجع هو على الغاصب؛ لكونه غارّا، و ان رجع على الغاصب لميرجع هو على المستعير.
و هكذا يكون الحكم بالنسبة الى بدل المنافع المستوفاة في يد المستعير فانّه اذا رجع به على المستعير يرجع هو على الغاصب دون العكس.
و أمّا لو كان عالما بالغصب لميرجع المستعير على الغاصب لو رجع المالك عليه؛ لقاعدة ضمان اليد و لعدم غروره لعلمه بالغصب فهو بنفسه أقدم على الضمان، بل لو رجع المالك على الغاصب يرجع هو على المستعير لأنّ التلف وقع في يده فيكون قرار الضمان عليه.
ثمّ انّه لايجوز للمستعير أنيردّ العين الى الغاصب بعد علمه بالغصبيّة بل يجب أنيردّها الى مالكها؛ لقوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أنتؤدّوا الأمانات الى
أهلها».(1)
1) - النساء 4: 58.
و هي كلّ ما يصحّ الانتفاع به مع بقاء عينه كالثوب و الدابّة، و تصحّ استعارة الارض للزراعة و الغرس و البناء، و يقتصر المستعير على القدر المأذون فيه، و قيل: «يجوز أنيستبيح ما دونه في الضرر كأنيستعير أرضا للغرس فيزرع» و الأوّل أشبه.
و كذا يجوز استعارة كلّ حيوان له منفعة كفحل الضراب و الكلب و السنّور و العبد للخدمة و المملوكة، و لو كان المستعير أجنبيّا منها، و يجوز استعارة الشاة للحلب و هي المنحة.
و لايستباح وطء الامة بالعاريّة، و في استباحتها بلفظ الاباحة تردّد و الأشبه الجواز.
انّه قد استفيد الضابط في العارية - مضافا الى الاجماع - من اطلاق الروايات بعد ما تبيّن أنّ معنى العارية في العرف هو الانتفاع من الشيء المعار به مع حفظ عينه، الاّ ما خرج بالدليل مثل المنحة، و دليل خروجها هو السيرة، و عليه فالمعيارهو العرف بعد ما كانت الروايات مطلقة.
فما ذكره الأعلام من الأمثلة يرجع الى ما ذكرنا من العرف و السيرة.
ففي الجواهر: «و ضابطها المستفاد من الفتوى و معقد الاجماع و نفي الخلاف و الاقتصار على المتيقّن من اطلاق النصّ، عدا ما خرج من المنحة بدليله هي كلّ ما يصحّ الانتفاع به شرعا مع بقاء عينه منفعة معتدّا بها عند العقلاء، و لو غير معتادة من تلك العين كالثوب و الدابّة و الدار و الدراهم للتزيّن بها، أو لارهانها و نحوها، لا مثل الأطعمة و الأشربة و نحوهما لارادة الانتفاع بها بالأكل و الشرب و نحوهما، ممّا يكون منفعة باتلاف عينه، و لا مثل أواني الذهب و الفضّة للأكل و الشرب، و كلب الصيد للهو و الطرب، و الجواري للاستمتاع بهنّ، بلا خلاف و لا اشكال في شيء من ذلك.
فلا اشكال في أنّه تصحّ استعارة الأرض للزراعة و الغرس و البناء ولكن يقتصر المستعير على القدر المأذون فيه كما هو صريح المسالك و الروضة و غيرهما، و ظاهر الدروس و اللمعة؛ لأصالة حرمة التصرّف في مال الغير بغير اذنه فلايجوز التعدّي الى الأدنى فضلاً عن المساوي.
و كذا يجوز استعارة كلّ حيوان له منفعة كفحل الضراب و ان استلزم اتلاف عين مائه، الاّ أنّه من التوابع للنزو و ادخال الفرج و نحوهما التي لاتقدح، أو علم بالسيرة جوازها، و العبد للخدمة، و كذا المملوكة. و لا خلاف ظاهرا كما اعترف به بعضهم في أنّه يجوز استعارة الشاة للحلب و هي المسمّاة بالمنحة. و لايستباح وطى الأمة بالعاريّة. انتهى ملخّصا».(1)
1) - جواهر الكلام 27: 169 - 174.
و تصحّ الاعارة مطلقا و مدّة معيّنة و للمالك الرجوع.
و لو أذن له في البناء أو الغرس ثمّ أمره بالازالة وجبت الاجابة، و كذا في الزرع و لو قبل ادراكه على الأشبه، و على الاذن الارش و ليس له المطالبة بالازالة من دون الأرش.
و تصحّ الاعارة مطلقا و مدّة معيّنة؛ لاطلاق الأدلّة مع عدم الخلاف في ذلك - كما في الجواهر(1)- و المراد بصحّتها مدّة معيّنة عدم الاذن فيما بعدها لا لزومها اليها، و حينئذٍ فللمالك في الحالين الرجوع بها؛ لأنّها عقد جائز.
و لو أذن له في البناء أو الغرس ثمّ أمره بازالة وجبت الاجابة، و كذا في الزرع و لو قبل ادراكه؛ و ذلك لأنّ بناء العارية على الجواز الاّ ما أخرجه الدليل و هو منتف هنا، و حديث الضرر و الاضرار مشترك بين المعير و المستعير، فيسقط اعتباره للتعارض و يرجع الى الأصل - كما في المسالك(2)- مع أنّه يمكن الجمع بين المصلحتين و اندفاع الضررين بدفع المعير الأرش.
و لو رجع المالك عن اذنه بعد بناء المستعير أو غرسه أو زرعه في الأرض فليس له المطالبة بالازالة من دون الارش، و هو تفاوت ما بين كونه منزوعا من الأرض و ثابتا فلاتجب اجابته الى القلع قبل دفعه؛ لاحتمال تعذّر الرجوع عليه بافلاس أو غيبة و نحوهما فيضيع حقّ المستعير و يلزم عليه الضرر.
ثمّ انّ المعير لو بذل قيمة الغرس و الزرع و البناء لايجب على المستعير اجابته كما لايجب اجابة المستعير لو بذل قيمة الأرض أو الأجرة؛ لأنّ تملّك مال الغير واستحقاق منفعة ماله موقوف على رضاه.
و لو أعاره أرضا للدفن لميكن له اجباره على قلع الميّت.
لو أعاره أرضا لدفن الميّت المسلم أو من في حكمه كولده الصغير و المجنون و اللقيط بشرطه، فان رجع قبل الطمّ و مواراة الميّت جاز و ان كان الميّت قد وضع؛ للأصل أي استصحاب جواز الرجوع في المستعار. و لايجوز الرجوع بعد الطمّ و مواراته؛ لتحريم نبشه و هتك حرمته الى أنتندرس عظامه. و لو اتّفق نبشه بأيّ وجه فانّ اعارته حينئذٍ تحتاج الى اذن جديد.
و للمستعير أنيدخل الى الأرض و يستظلّ بشجرها.
اذا استعار الأرض للغرس فغرسها جاز لكلّ من المعير و المستعير دخول الأرض، أمّا المعير فلأنّ الأرض ملكه فله الدخول فيها في كلّ وقت، و له أنيستظلّ شجرها و ان كان ملكا لغيره؛ لأنّه جالس في ملكه كما لو جلس في غيره من أملاكه و اتّفق له التظلّل بشجر غيره أو في المباح كذلك. و الضابط أنّه يجوز له الانتفاع منها بكلّ ما لايستلزم التصرّف في الغرس أو البناء.
و أمّا جواز دخول المستعير فلأنّ الشجر ملكه فله الدخول لأجله بأنيسقيه و يحرسه و يهذّبه و نحو ذلك، و في المسالك: «و ليس له أنيدخل لغرض آخر غير ما يتعلّق بمصلحة الشجر و الثمر كالتفرّج؛ لأنّ الاستعارة وقعت لمنفعة معيّنة»(1)،ولكنّ الظاهر جواز التفرّج و ما يشبهه؛ لأنّه من لواحق اذن الغرس.
1) - مسالك الأفهام 5: 149.
و لو أعاره حائطا لطرح خشبة فطالبه بازالتها كان له ذلك الاّ أنتكون أطرافها الأخر مثبتة في بناء المستعير فيؤدّي الى خرابه و اجباره على ازالة جذوعه عن ملكه، و فيه تردّد.
قال الشيخ في المبسوط: «اذا أعاره حائطا ليضع عليه جذوعه فوضعها عليه لميكن له أنيطالبه بقلعها على أنيضمن له أرش النقصان؛ لأنّها موضوعة على حائط نفسه، فأحد الطرفين على أحدهما، و الطرف الآخر على الآخر، فلو أجبرناه على القلع على هذا الوجه كان ذلك اجبارا على قلع جذوعه من ملكه، و ليس كذلك الغرس؛ لأنّها في ملك غيره».(1)
و في المسالك: «وجه ما ذكره الشيخ هو ما أشار اليه المصنّف من أنّ رجوع المستعير مستلزم للتصرّف في ملك الغير و تخريب بنائه الواقع في ملكه فيمنع منه؛ لأنّ الثابت له شرعا انّما هو تفريغ ملكه عن ملك الغير لا تخريب ملك الغير.
و وجه تردّد المصنّف فيه ممّا ذكر و من أنّه عاريّة من لوازمها جواز الرجوع فيها، و ما ذكر لايصلح للمنع؛ لأنّ تفريغ مال المستعير مع المطالبة واجب فاذا توقّف على تخريب ملكه كان من باب المقدّمة التي لايتمّ الواجب الاّ بها، فيجب من هذه الحيثيّة، و المستعير أدخل الضرر على نفسه ببنائه في ملكه بناءا معرّضا للزوال بالرجوع في العارية التي هي مبنيّة على الجواز.
و الأقوى الجواز مع الأرش و هو جائز لضرر المستعير».(2)
أقول:
الظاهر أنّ الجواز مع الأرش مطابق للقواعد في الطرفين.
و لو أذن له في غرس شجرة فانقلعت جاز أنيغرس غيرها؛ استصحابا للاذن الأوّل، و قيل: «يفتقر الى اذن مستأنف»، و هو أشبه.
قال الشيخ: «اذا أذن له في غرس شجرة في أرضه فغرسها ثمّ قلعها فهل يعيد أخرى أم لا؟ فالصحيح أنّه ليس له، و قيل: «انّ له ذلك؛ لأنّ الاذن قائم ما لميرجع، و كذلك اذا أعاده حائطا ليضع عليه جذوعا ثمّ انكسر الجذع فهل له اعادة آخر بدله؟ على هذين الوجهين».(1)
و المصنّف رحمهالله قال: «جاز أنيغرس غيرها؛ استصحابا للاذن الأوّل، و قيل: «يفتقر الى اذن مستأنف»، و هو أشبه»
و في المسالك: « وجه الأوّل أنّ الاذن قائم ما لميرجع. و يضعّف بأنّه قائم فيما دلّ عليه لا في غيره، فعدم الجواز - كما اختاره المصنّف - الاّ باذن جديد أقوى. و مثله الزرع و البناء و وضع الجذع. قال في التذكرة: «أمّا لو انقلع الفسيل المأذون له في زرعه في غير وقته المعتاد، أو سقط الجذع كذلك و قصر الزمان جدّا، فالأولى أنّ له أنيعيده بغير تجديد الاذن».».(2)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشيخ و المصنّف و الشهيد هو الأقوى، و ما فرّع عليه العلاّمة في التذكرة فلايبعد صحّته الاّ أنّ الاحتياط الاذن؛ لما ذكر في المسالك.
و لايجوز اعارة العين المستعارة الاّ باذن المالك و لا اجارتها؛ لأنّ المنافع ليست مملوكة للمستعير و ان كان له استيفاؤها.
لايجوز اعارة العين المستعارة و لا اجارتها الاّ باذن المالك؛ لأنّه يشترط في المعير أنيكون مالكا للمنفعة، و لأنّ الأصل عصمة مال الغير و صيانته عن التصرّف فيه. نعم، يجوز للمستعير أنيستوفي المنفعة بنفسه و بوكيله، و لايعدّ ذلك اعارة؛ لأنّ المنفعة عائدة الى المستعير لا الى الوكيل، و هذا موضع وفاق.
قال في المسالك: «و حيث يعير المستعير فللمالك الرجوع بأجرة المثل عن مدّة الاعارة الثانية على من شاء منهما، و ببدل العين لو تلفت، فان رجع على المعير لميرجع على المستعير الجاهل بالحال، الاّ أنتكون العارية مضمونة فيرجع عليه ببدل العين خاصّة. و لو كان عالما استقرّ الضمان عليه كالغاصب. و ان رجع على المستعير رجع على المعير ان كان جاهلاً».(1)
أقول:
و قد تقدّم نظيره في السابق.
1) - مسالك الأفهام 5: 152.
و فيه مسائل:
«الأولى»: العارية أمانة لاتضمن الاّ بالتفريط في الحفظ أو التعدّي أو اشتراط الضمان، و تضمن اذا كانت ذهبا أو فضّة و ان لميشترط الاّ أنيشترط سقوط الضمان.
العارية أمانة بيد المستعير لايضمنها لو تلفت الاّ بالتعدّي أو التفريط كما تقدّم في البحث عن المستعير و قد تقدّم ما يدلّ على ذلك من الروايات. نعم، لو شرط الضمان ضمنها و ان لميكن تعدٍّ أو تفريط.
ولكن تضمن اذا كانت العارية ذهبا أو فضّة و ان لميشترط كما في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام : لاتضمن العارية الاّ أنيكون قد اشترط فيها ضمان الاّ الدنانير فانّها مضمونة و ان لميشترط فيها ضمانا».(1)
1) - وسائل الشيعة 19: 96 / الباب 3 من كتاب العارية / الحديث 1.
الاّ أنيشترط عدم الضمان كما في صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : العارية مضمونة؟ فقال: جميع ما استعرته فتوي فلايلزمك تواه الاّ الذهب و الفضّة فانّهما يلزمان، الاّ أنتشترط عليه أنّه متى توي لميلزمك تواه، و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لزمك، و الذهب و الفضّة لازم لك و ان لميشترط عليك».(1)
ثمّ انّه لا فرق في ذلك بين كون الذهب و الفضّة مصوغتين بالدرهم و الدينار أو لميكن كذلك، و ان كان بعض الفقهاء ذهب الى أنّ المراد بالذهب و الفضّة في صحيحة زرارة هو الدينار و الدرهم الاّ أنّ ذلك جمع لايرضى به صاحبه كما أجاب عنه في الجواهر تفصيلاً فراجع.
«الثانية»: اذا ردّ العارية الى المالك أو وكيله برئ و لو ردّها الى الحرز لميبرأ، و لو استعار الدابّة الى مسافة فجاوزها ضمن و لو أعادها الى الأولى لميبرأ.
اذا ردّ العارية الى المالك أو وكيله برئ و لو ردّها الى حرز المالك من غير أنيصلها الى يده أو ما في حكمها لميبرأ؛ و ذلك لأنّه لميسلّمها الى المالك، و «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»، بل لو لمتكن العارية مضمونة صارت مضمونة بذلك لو تلفت؛ لتفريطه بوضعها في موضع لميأذن المالك بالردّ اليه، كما لو ردّ الوديعة في دار صاحبها أو الدابّة المودعة في الاصطبل فتلفت قبل أنيتسلّمها
1) - وسائل الشيعة 19: 96 / الباب 3 من كتاب العارية / الحديث 2.
المالك. و هذا لا خلاف فيه عندنا كما في المسالك.(1)
و لو استعار الدابّة الى مسافة فجاوزها ضمن من حين الأخذ في التجاوز عن المأذون و يستمرّ الى أنيردّها الى المالك. و أمّا ضمان المنفعة - أي الأجرة - فيثبت في المسافة المتجاوزة ذهابا و عودا الى الموضع المأذون فيه خاصّة؛ لأنّه فيها غاصب. و لاتبطل الاعارة بذلك فيكون استعمالها بعد عوده الى المأذون فيه جائزا و ان كان الأصل مضمونا بالتعدّي السابق.
«الثالثة»: يجوز للمستعير بيع غروسه و أبنيته في الأرض المستعارة للمعير و لغيره على الأشبه.
لا خلاف في أنّه يجوز للمستعير بيع غروسه و أبنيته في الأرض المستعارة للمعير و انّما الخلاف في جواز بيعه لغير المعير و وجه المنع هو أنّه في معرض الهدم و النقص و أنّ ملكه عليه غير مستقرّ.
و الأقوى الجواز - كما في المسالك و الجواهر - لأنّه مملوك له في حال بيعه غير ممنوع من التصرّف فيه، و كونه متزلزلاً لايمنع من جواز بيعه كما يجوز بيع الحيوان المشرف على التلف و هو في معرض الهلاك أو العبد المستحقّ للقتل قصاصا. ثمّ ان كان المشتري جاهلاً بالحال فله الفسخ؛ لأنّ ذلك عيب.
«الرابعة»: اذا حملت الأهوية أو السيول حبّا الى ملك انسان فنبت كان لصاحب الأرض ازالته و لايضمن الأرش كما في أغصان الشجرة البارزة الى ملكه.
1) - مسالك الأفهام 5: 159.
اذا حملت الأهوية أو السيول حبّا مثلاً الى ملك انسان فنبت كان لصاحب الأرض ازالته بعد فرض امتناع المالك عنها من غير مراجعة الحاكم فيها و لايضمن له الأرش بل ربّما استحقّ عليه الأجرة كما في مسألة أغصان الشجرة البارزة الى ملكه.
قال في الجواهر: «انّ هذا الحبّ لايخلو امّا أنيكون معرضا عنه، أو لا، و على التقديرين امّا أنيعلم المالك أو يجهل، في منحصر أو غيره. و على كلّ حال فامّا أنيكون متموّلاً، أو قليلاً غير متموّل. فمع فرض الاعراض فلمالك الأرض و غيره تملّكه، و له طرحه من أرضه كغيره من المال المعرض عنه و ان كان كثيرا».(1)
أقول:
هنا صور:
الأولى: ما اذا أعرض المالك عنها و طرحها - و ان كانت كثيرة - فلصاحب الأرض تملّكها، و له طرحها من أرضه، كما يجوز تناول ما أعرض مالكه عنه من الثمار و السنبل و نحوها. و يجوز للمالك الرجوع فيها مادامت عينها باقية؛ لأنّ ذلك بمنزلة الاباحة - كما في المسالك - و هو كذلك الاّ أنيتصرّف فيها صاحب الأرض تصرّفا مالكيّا لازما بحيث لايمكن الرجوع فيه.
الثانية: ما اذا لميعرض عنها و كان مالكها معلوما فهي باقية على ملكه.
ثمّ انّه اذا طالبه صاحب الأرض بالازالة فيجب عليه الازالة؛ لأنّ ملكه قد شغل أرض غيره بغير حقّ، فيجب تخليصه منها فاذا قلعه وجب عليه تسوية الأرض و طمّ الحفر؛ لأنّها حدثت بفعله لتخليص ملكه منها، فان امتنع أجبر عليه، و جاز
1) - جواهر الكلام 27: 191.
لصاحب الأرض نزعه منها، كما لو سرت أغصان شجرة الى ملكه كما فيالمسالك.
الثالثة: ما اذا لميعرض عنها و لميعلم المالك بعينه ولكن اشتبه في قوم منحصرين فذهب الشهيد الثاني رحمهالله طبقا للصورة السابقة الى وجوب التخلّص عليهم أجمع بالصلح أو التمليك و نحوه. و أنّه يجب على مالك الأرض أيضا مراجعتهم فيما يراجع فيه المالك المعيّن.
و قد استشكل فيه في الجواهر و قال: «و فيه: انّ هذا الوجوب لا وجه له؛ لتمسّك كلّ منهم بأصل البراءة السالم عن معارضة باب المقدّمة في الفرض المعلوم عدمها فيه، فالمتّجه حينئذ ازالته نفسه عن ملكه بعد مراجعة الحاكم، أو بدونه، ولكن يسلّم المال للحاكم».
و الظاهر أنّ ما ذهب اليه صاحب الجواهر في هذه الصورة أقرب الى الصواب، و أنّه لايجب مالك الأرض مراجعتهم أجمع كما لايجب عليهم اجابته لو راجعهم، و ان كان الأحسن مراجعتهم و طلب الحلّيّة منهم أجمع ان أمكن.
الرابعة: ما اذا لميعلم المالك و لمينحصر في قوم فهل هي بمنزلة اللقطة - فيجوز تملّكه ان كان دون الدرهم حين التملّك، فلو تركه من غير نيّة التملّك حتّى بلغه وجب تعريفه كاللقطة - أو هي كمجهول المالك فيجوز التصدّق به عنه من غير تعريف؟
الظاهر هو الثاني - كما في الجواهر - لعدم تحقّق كونه مالاً ضائعا، و لو بقرينة، بل هو كالثوب الذي أطارته الريح.
ثمّ اعلم أنّ ما تقدّم من الأحكام في الصور المختلفة جارٍ و لو كان الحبّ قليلاً لايتموّل كنواة واحدة و حبّة واحدة فنبتت فلايجوز تملّكه مطلقا، فيكون حكمه كما تقدّم فانّ أصول المذهب و قواعده مقتضية لوجوب ردّه الى صاحبه على
حسب ما تقدّم كما في الجواهر و المسالك.
فلا وجه لما احتمله في المسالك من كونه لمالك الأرض ان قلنا لايجب ردّ مثله على مالكه؛ لانتفاء حقيقة الماليّة فيه، و التقويم انّما حصل في أرضه.
ثمّ قال في الجواهر: «نعم، بقي شيء و هو أنّه لمأجد أحدا احتمل هنا وجوب الانتظار في الزرع الذي له أمد، و لا دفع الأرش فيه أو في الشجر كما ذكروه في العارية و نحوها، بل صريح بعضهم عدمه، مع أنّك قد سمعت أنّ بناء ذلك في العارية على تزاحم الحقوق و عدم كونه ظالما في عرقه، و الاّ فالاذن له يجوز له الرجوع فيها؛ لأنّها حصلت في ضمن عقد جائز. و اجراء قاعدة تزاحم الحقوق، و مراعاة الأكثر ضررا، و القرعة و نحوها في المقام ان لميكن أولى من ذلك المقام، فهو مساوٍ له مثل دابّة وضعت رأسها في قدر شخص أو دخلت دار الغير فاحتاج اخراجها الى خراب الباب مثلاً و نحو ذلك. فلا بدّ من ملاحظة الفرق بين المقامين، و لعلّه قاعدة أخرى و هي وجوب تخليص ملك الغير عمّا اشتغل فيه من ملك آخر، و اللّه العالم».(1)
«الخامسة»: لو نقصت بالاستعمال ثمّ تلفت و قد شرط ضمانها ضمن قيمتها يوم تلفها؛ لأنّ النقصان المذكور غير مضمون.
لو نقصت العين المستعارة بسبب الاستعمال المأذون فيه فلا ضمان بالنسبة الى المستعير؛ لأنّه أمين و النقص لميحصل بالتعدّي و التفريط الاّ اذا شرط ضمان النقص و لو حصل بالاستعمال. و أمّا لو نقصت ثمّ تلفت بسبب الاستعمال فان شرط ضمانها ضمن فان كان مثليّا فبالمثل و الاّ فبالقيمة و لا ضمان بالنسبة الى ما
1) - جواهر الكلام 27: 193.
نقص؛ لما قلنا. و الظاهرأنّ عليه قيمتها يوم الأداء كما تقدّم في كتاب الغصب وغيره.
«السادسة»: اذا قال الراكب: «أعرتنيها»: و قال المالك: «آجرتكها»، فالقول قول الراكب؛ لأنّ المالك مدّعي للأجرة، و قيل: «القول قول المالك في عدم العارية فاذا حلف سقطت دعوى الراكب و يثبت عليه أجرة المثل لا المسمّى»، و هو أشبه. و لو كان الاختلاف عقيب العقد من غير انتفاع كان القول قول الراكب؛ لأنّ المالك يدّعي عقدا و هذا ينكره.
قال في الروضة: «(و لو قال الراكب: «أعرتنيها»، و قال المالك: «آجرتكها» حلف الراكب)؛ لاتّفاقهما على أنّ تلف المنافع وقع على ملك المستعير، و انّما يختلفان في الأجرة، و الأصل براءة ذمّته منها.
(و قيل:) يحلف (المالك)؛ لأنّ المنافع أموال كالأعيان فهي بالأصالة لمالك العين فادّعاء الراكب ملكيّتها بغير عوض على خلاف الأصل و أصالة براءة ذمّته انّما تصحّ من خصوص ما ادّعاه المالك، لا من مطلق الحقّ بعد استيفائه منفعة ملك غيره (و هو أقوى).
ولكن لايقبل قوله فيما يدّعيه من الأجرة؛ لأنّه فيها مدّع، كما أنّ الراكب بالنسبة الى العارية مدّع، بل يحلف على نفي العارية، (و يثبت له أجرة المثل)؛ لثبوت أنّ الراكب تصرّف في ملك غيره بغير تبرّع منه، (الاّ أنتزيد) أجرة المثل (على ما ادّعاه) المالك (من المسمّى) فيثبت المسمّى؛ لاعترافه بعدم استحقاقه سواه. - الى أنقال: -
فالأقوى حينئذ أنّهما يتحالفان؛ لأنّ كلاًّ منهما مدّع و مدّعى عليه فيحلف
المالك على نفي الاعارة، و الراكب على نفي الاجارة و يثبت أقلّ الأمرين؛ لانتفاءالزائد من المسمّى بيمين المستعير، و الزائد عن أجرة المثل باعتراف المالك. و هذا هو الذي اختاره المصنّف في بعض تحقيقاته. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في المتن وجيه، و ما تذيّل به الشارح بالنسبة الى أقلّ الأمرين من المسمّى و أجرة المثل أوجه.
و لو كان الاختلاف عقيب العقد من غير انتفاع كان القول قول الراكب؛ لأنّ المالك يدّعي عقدا و هذا ينكره.
«السابعة»: اذا استعار شيئا لينتفع به في شيء فانتفع به في غيره ضمن، و ان كان له أجرة لزمته أجرة مثله
اذا استعار شيئا لينتفع به في شيء معيّن فانتفع به في غيره أو تجاوز عنه ضمن، و ان كان له أجرة لزمته أجرة مثله، فلو أذن له المالك في تحميل الدابّة - مثلاً - قدرا معيّنا فتجاوزه أو في ركوبها بنفسه فأردف غيره تعيّن اسقاط قدر المأذون؛ لأنّه بعض ما استوفي من المنفعة، و ان ضمن الدابّة أجمع.
«الثامنة»: اذا جحد العارية بطل استيمانه و لزمه الضمان مع ثبوت الاعارة.
اذا جحد العارية بعد طلب المالك لها بطل استيمانه و لزمه الضمان؛ لأنّه مقتضى قاعدة اليد بعد بطلان استيمانه.
1) - الروضة البهيّة 4: 269 - 272.
«التاسعة»: اذا ادّعى التلف فالقول قوله مع يمينه، و لو ادّعى الردّ فالقول قول المالك مع يمينه.
اذا ادّعى التلف فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّ ذلك مقتضى ايتمانه، و أمّا لو ادّعى الردّ فالقول قول المالك مع يمينه؛ لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر»، و الايتمان لايقتضي تصديقه في الردّ و قبول قوله في الوديعة للنصّ المفقود هنا.
«العاشرة»: لو فرّط في العارية كان عليه قيمتها عند التلف اذا لميكن لها مثل، و قيل: «أعلى القيم من حين التفريط الى وقت التلف»، و الأوّل أشبه، و لو اختلفا في القيمة كان القول قول المستعير، و قيل: «القول قول المالك»، و الأوّل أشبه.
لو فرّط أو تعدّى في العارية و تلفت فان كانت مثليّا فعليه المثل و ان كانت قيميّا قيل: «كان عليه قيمتها عند التلف؛ لأنّه وقت اشتغال الذمّة بالعوض الذي هو بدل العين و ردّه قائم مقام ردّها»، ولكنّ الأشبه أنّ عليه قيمته يوم الأداء و قد فصّلنا ذلك في موارد متعدّدة عند البحث عن الغصب و غيره.
و لو اختلفا في القيمة كان القول قول المستعير مع يمينه في نفي الزائد الموافق لأصالة البراءة، و قيل: «القول قول المالك؛ أخذا له بأشقّ الأحوال و تحصيلاً للبراءة اليقينيّة»، ولكنّ الأوّل أشبه بأصول المذهب و قواعده؛ لعدم الدليل على أخذه بأشقّ الأحوال.
هذا تمام الكلام في شرح كتاب العارية
و يتلوه شرح كتاب الوكالة و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
و هو يستدعي بيان فصول:
الفصل الأوّل في العقد
الفصل الثاني فيما لاتصحّ فيه النيابة و ما تصحّ فيه
الفصل الثالث في الموكّل
الفصل الرابع في الوكيل
الفصل الخامس فيما به تثبت الوكالة
الفصل السادس في اللواحق
الفصل السابع في التنازع
و هو استنابة في التصرّف و لا بدّ في تحقّقه من ايجاب دالّ على القصد كقوله: «وكّلتك»، أو «استنبتك» أو ما شاكل ذلك. و لو قال: «وكّلتني؟» فقال: «نعم» أو أشار بما يدلّ على الاجابة كفى في الايجاب.
و أمّا القبول فيقع باللفظ كقوله: «قبلت» أو «رضيت» أو ما شابهه، و قد يكون بالفعل كما اذا قال: «وكّلتك في البيع» فباع. و لو تأخّر القبول عن الايجاب لميقدح في الصحّة؛ لأنّ الغائب يوكّل و القبول يتأخّر.
و من شرطها أنتقع منجّزة، فلو علّقت بشرط متوقّع أو وقت متجدّد لمتصحّ. نعم، لو نجّز الوكالة و شرط تأخير التصرّف جاز.
و لو وكّله في شراء عبد افتقر الى وصفه لينتفي الغرر، و لو وكّله مطلقا لميصحّ على قول، و الوجه الجواز.الوكالة - بفتح الواو و كسرها - لغة بمعنى التفويض، و شرعا الاستنابة
المخصوصة، و لا ريب في مشروعيّتها بل لعلّه من ضروريّات الدين كما في الجواهر(1).
و في المسالك: «الوكالة استنابة في التصرّف بالذات. فخرج بقيد التصرّف الوديعة، فانّها استنابة في الحفظ خاصّة. و الوصيّة احداث ولاية لا استنابة، فهي خارجة من أوّل الأمر. و بقي نحو القراض و المزارعة و المساقاة مندرجا في التعريف. و بقيد التصرّف بالذات تخرج المذكورات؛ لأنّ الاستنابة فيها ضمنيّة أو التزاميّة، و المقصود بالذات غيرها. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّ الوكالة على الأصحّ من العقود الجائزة و لمّا لميعيّن الشارع له لفظا خاصّا، صحّ بكلّ لفظ يدلّ على الاستنابة في التصرّف، و ان لميكن على نهج الألفاظ المعتبرة في العقود، كقول المالك: «بع و اشتر و أعتق، و أذنت لك في كذا»، و «نعم» عقيب قوله: «وكّلتني في كذا؟»؛ لأنّها نائبة مناب «وكّلتك». و كذا الاشارة الدالّة على المراد الواقعة جوابا.
و أمّا القبول فيقع باللفظ كقوله: «قبلت» أو «رضيت» أو ما شابهه، و قد يكون بالفعل كما اذا قال: «وكّلتك في البيع» فباع. و لو تأخّر القبول عن الايجاب لميقدح في الصحّة.
و تقع الوكالة بالمعاطاة أيضا؛ لما قلنا من صحّتها في البيع، و طريقها بأنسلّم اليه متاعا ليبيعه فتسلّمه لذلك، فيحصل الفعل من الطرفين: من أحدهما التسليم و من الآخر التسلّم، و هما فعلان في قبال الايجاب و القبول القوليّين.
و يصحّ عقد الوكالة بالكتابة من طرف الموكّل و الرضا بما فيها من طرف
الوكيل؛ لأنّ الطرفين قصدا الوكالة بهذا العنوان المبرز عنها في الخارج و لميرد تحديد خاصّ شرعي للعنوان المبرز للوكالة فيصحّ بكلّ ما حصل ما لمينه الشارع عنه كما هو المفروض. و يمكن أنيقال بأنّه نوع من المعاطاة، و لذا لايعتبر في عقدها الموالاة بين ايجابها و قبولها سواء كان باللفظ أو الفعل أو الكتابة.
يشترط في عقد الوكالة التنجيز بمعنى عدم تعليق أصل الوكالة على شيء كأنيقول مثلاً: «اذا قدم زيد، أو جاء رأس الشهر وكّلتك في أمر كذا». نعم، لا بأس بتعليق متعلّق الوكالة أي التصرّف الذي استنابه فيه كما لو قال: «أنت وكيلي في أنتبيع داري اذا قدم زيد» أو «وكّلتك في شراء شيء كذا في وقت كذا».
قال في المسالك: «من شرط الوكالة وقوعها منجّزة عند علمائنا، فلو علّقها على شرط متوقّع و هو ما يمكن وقوعه و عدمه، أو صفة و هي ما كان وجوده في المستقبل محقّقا كطلوع الشمس لايصحّ.
و لو قرنها بشرط لايقتضي التعليق ك- «وكّلتك في كذا، و شرطت عليك كذا»، ممّا لا مانع منه، فانّه جائز».(1)
و لو نجّز الوكالة و شرط تأخير التصرّف جاز كأنيقول: «وكّلتك في كذا و لاتتصرّف الاّ بعد شهر مثلاً»، فانّه يجوز بلا خلاف - كما في المسالك - لأنّه شرط زائد على أصل الوكالة المنجّزة.
و لو وكّله في شراء عبد افتقر الى وصفه لينتفي الغرر، كذا قال المصنّف، و
1) - مسالك الأفهام 5: 239.
يمكن أنيقال - كما في المسالك - بأنّ الغرر يندفع بمراعاة الوكيل المصلحة في شرائه؛ فانّ الاطلاق محمول شرعا على الاستنابة في شراء عبد يكون شراؤه مشتملاً على مصلحة للموكّل، فيتخيّر الوكيل حيث توجد المصلحة في متعدّد».
و لعلّه لذلك قال المصنّف في انتهاء البحث: «و لو وكّله مطلقا لميصحّ على قول، و الوجه الجواز».
و هي عقد جائز من طرفيه فللوكيل أنيعزل نفسه مع حضور الموكّل و مع غيبته و للموكّل أنيعزله بشرط أنيعلمه العزل. و لو لميعلمه لمينعزل بالعزل، و قيل: «ان تعذّر اعلامه فأشهد انعزل بالعزل و الاشهاد» و الأوّل أظهر. و لو تصرّف الوكيل قبل الاعلام مضى تصرّفه على الموكّل، فلو وكّله في استيفاء القصاص ثمّ عزله فاقتصّ قبل العلم بالعزل وقع الاقتصاص موقعه.
الوكالة عقد جائز من الطرفين فللوكيل أنيعزل نفسه مع حضور الموكّل و مع غيبته، و كذا للموكّل أنيعزله لكن انعزاله بعزله مشروط ببلوغه ايّاه، فلو أنشأ عزله
ولكن لميطّلع عليه الوكيل لمينعزل و على هذا فلو أمضى أمرا قبل أنيبلغه العزل كان ماضيا نافذا؛ تدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن وهب و جابر بن يزيد جميعا عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«من وكّل رجلاً على امضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتّى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها».(1)
و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليهالسلام في رجل وكّل آخر على وكالةفي أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لامضاء الأمر،
1) - وسائل الشيعة 19: 161 / الباب 1 من كتاب الوكالة / الحديث 1.
فقال: اشهدوا أنّي قد عزلت فلانا عن الوكالة، فقال:
«ان كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبل العزل فانّ الأمر واقع ماضٍ على ما أمضاه الوكيل كره الموكّل أم رضي، قلت: فانّ الوكيل أمضى الأمر قبل أنيعلم العزل أو يبلغه أنّه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال: نعم، قلت له: فانبلغه العزل قبل أنيمضي الأمر ثمّ ذهب حتّى أمضاه لميكن ذلك بشيء؟ قال: نعم، انّ الوكيل اذا وكّل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماضٍ أبدا و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه أو يشافه بالعزل عنالوكالة».(1)
و رواية العلاء بن سيّابة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن امرأة وكّلت رجلاً بأنيزوّجها من رجل فقبل الوكالة فأشهدت له بذلك فذهب الوكيل فزوّجها ثمّ انّها أنكرت ذلك الوكيل و زعمت أنّها عزلته عن الوكالة فأقامت شاهدين أنّها عزلته، فقال: ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قال: قلت: يقولون: ينظر في ذلك فان كانت عزلته قبل أنيزوّج فالوكالة باطلة و التزويج باطل، و ان عزلته و قد زوّجها فالتزويج ثابت على ما زوّج الوكيل و على ما اتّفق معها من الوكالة اذا لميتعدّ شيئا ممّا أمرت به و اشترطت عليه في الوكالة. قال: ثمّ قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها و لمتعلمه بالعزل؟ قلت: نعم، يزعمون أنّها لو وكّلت رجلاً و أشهدت في الملأ، و قالت في الخلأ: اشهدوا أنّي قد عزلته، أبطلت وكالته بلا أنيعلم في العزل و ينقضون جميع ما فعلالوكيل في النكاح خاصّة، و في غيره لايبطلون الوكالة الاّ أنيعلم الوكيل
1) - وسائل الشيعة 19: 162 / الباب 2 من كتاب الوكالة / الحديث 1.
بالعزل و يقولون: المال منه عوض لصاحبه و الفرج ليس منه عوض اذا وقع منه ولد، فقال عليهالسلام : سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم و أفسده؛ انّ النكاح أحرى، و أحرى أنيحتاط فيه و هو فرج و منه يكون الولد. انّ عليّا عليهالسلام أتته امرأة تستعديه على أخيها، فقالت: يا أميرالمؤمنين انّي وكّلت أخي هذا بأنيزوّجني رجلاً و أشهدت له ثمّ عزلته من ساعته تلك فذهب فزوّجني و لي بيّنة أنّي قد عزلته قبل أنيزوّجني فأقامت البيّنة، فقال الأخ: يا أميرالمؤمنين انّها وكّلتني و لمتعلمني أنّها عزلتني عن الوكالة حتّى زوّجتها كما أمرتني، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: قد أعلمته يا أميرالمؤمنين، فقال لها: أ لك بيّنة بذلك؟ فقالت: هؤلاء شهودي يشهدون، قال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نشهد أنّها قالت: اشهدوا أنّي قد عزلت أخي فلانا عن الوكالة بتزويجي فلانا و أنّي مالكة لأمري قبل أنيزوّجني، فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم منه و محضر؟ فقالوا: لا، فقال: تشهدون أنّها أعلمته بالعزل كما أعلمته الوكالة؟ قالوا: لا، قال: أرى الوكالة ثابتة و النكاح واقعا، أين الزوج؟ فجاء فقال: خذ بيدها بارك اللّه لك فيها، فقالت: يا أميرالمؤمنين أحلفه أنّي لمأعلمه العزل و لميعلم بعزلي ايّاه قبل النكاح، قال: و تحلف؟ قال: نعم يا أميرالمؤمنين، فحلف فأثبت وكالته و أجاز النكاح».(1)
و تبطل الوكالة بالموت و الجنون و الاغماء من كلّ واحد منهما، و تبطلوكالة الوكيل بالحجر على الموكّل فيما يمنع الحجر من التصرّف فيه، و
1) - وسائل الشيعة 19: 162 / الباب 1 من كتاب الوكالة / الحديث 2.
لاتبطل الوكالة بالنوم و ان تطاول. و تبطل الوكالة بتلف ما تعلّقت الوكالة به كموت العبد الموكّل في بيعه و بموت المرأة الموكّل بطلاقها، و كذا لو فعل الموكّل ما تعلّقت الوكالة به.
و العبارة عن العزل أنيقول: «عزلتك» أو «أزلت نيابتك» أو «فسخت» أو «أبطلت» أو «نقضت» و ما جرى مجرى ذلك.
تبطل الوكالة بموت الوكيل و كذا بموت الموكّل و ان لميعلم الوكيل بموته؛ لزوال موضوعها بموت أحدهما و عدم اعتبار علم الوكيل بالنسبة الى موت الموكّل، و كذا تبطل بعروض الجنون و الاغماء على كلّ منهما.
و أمّا الحجر على الموكّل فتبطل الوكالة أيضا ان كان موردها التصرّفات الماليّة في مال الموكّل. و كذا تبطل الوكالة بتلف ما تعلّقت به الوكالة كتوكيله في تزويج امرأة فماتت أو عتق عبد فمات.
و كذا تبطل بفعل الموكّل ما تعلّقت به الوكالة كما لو وكّله في بيع سلعة ثمّ باعها أو فعل ما ينافيه كما لو وكّله في بيع عبد ثمّ أعتقه؛ كلّ ذلك لانتفاء الموضوع.
و في المسالك: «و تبطل الوكالة بالموت أي موت كلّ من الوكيل و الموكّل؛ أمّا موت الوكيل فظاهر، و أمّا موت الموكّل فتبطل به وكالة الوكيل، فيكون تصرّفه بعد الموت باطلاً و ان لميعلم بموته؛ لأنّ ذلك هو الأصل، و انّما خرجت مسألة العزل بالنصّ. و لاتبطل الأمانة ببطلان الوكالة هنا، فلو تلفت العين الموكّل فيها في يده بغير تفريط لميضمن. و كذا لو كان وكيلاً في قبض حقّ فقبضه بعد موت الموكّل قبل العلم به و تلف في يده بغير تفريط، لكن يجب عليه المبادرة الى ايصال العين الى الوارث، فان أخّر ضمن كالوديعة.
و تبطل وكالة الوكيل بالجنون و الاغماء من كلّ واحد منهما، هذا موضع وفاق،
و لأنّه من أحكام العقود الجائزة. و لا فرق عندنا بين طول زمان الاغماء و قصره، و لا بين الجنون المطبق و الأدوار. و كذا لا فرق بين أنيعلم الموكّل بعروض المبطل و عدمه. و تبطل وكالة الوكيل بالحجر على الموكّل فيما يمنع الحجر من التصرّف فيه؛ لأنّه اذا منع من مباشرته فمن التوكيل فيه أولى، و لسلب الحجر للسفه و الفلس أهليّة التصرّف المالي مطلقا. انتهى ملخّصا».(1)
و لاتبطل الوكالة بالنوم؛ لبقاء أهليّة التصرّف، و من ثمّ لاتثبت عليه به ولاية. و مثله السكر الاّ أنيشترط في الوكيل العدالة، كوكيل ولي اليتيم و ولي الوقف العامّ و وكيل الوكيل مطلقا، فتبطل وكالته بالسكر الاختياري.
و العبارة عن العزل أنيقول: «عزلتك» أو «أزلت نيابتك» أو «فسخت» أو «أبطلت» أو «نقضت» أو ما جرى مجرى ذلك. هذا في العزل القولي، أمّا الفعلي فقد تقدّم ما يدلّ عليه.
و اطلاق الوكالة يقتضي الابتياع بثمن المثل بنقد البلد حالاًّ، و أنيبتاع الصحيح دون المعيب، و لو خالف لميصحّ و وقف على اجازة المالك.
و لو باع الوكيل بثمن فأنكر المالك الاذن في ذلك القدر كان القول قوله مع يمينه ثمّ تستعاد العين ان كانت باقية و مثلها أو قيمتها ان كانت تالفة، و قيل: «يلزم الدلاّل اتمام ما حلف عليه المالك»، و هو بعيد.
فان تصادق الوكيل و المشتري على الثمن و دفع الوكيل الى المشتري السلعة فتلفت في يده كان للموكّل الرجوع على أيّهما شاء بقيمته، لكن انرجع على المشتري لايرجع المشتري على الوكيل؛ لتصديقه له في الاذن، و
1) - مسالك الأفهام 5: 246 و 247.
ان رجع على الوكيل رجع الوكيل على المشتري بأقلّ الأمرين من ثمنه و ما اغترمه.
فروع:
اطلاق الوكالة في البيع يقتضي أن لايبيع بأقلّ من ثمن المثل، و في الشراء أن لايشتري بأكثر من ثمن المثل، بنقد البلد حالاًّ، و أنيبتاع الصحيح دون المعيب، و لو خالف في شيء من ذلك وقف على اجازة المالك.
و في الجواهر: «لا أجد فيه خلافا، و كلّ تصرّف من الوكيل يقع على خلاف مصلحة الموكّل كالبيع بدون ثمن المثل أو به مع وجود الباذل أو شراء المعيب يكون فضوليّا».(1)
و في المسالك: «لا خلاف عندنا في أنّ اطلاق الوكالة بالشراء يقتضي شراء الصحيح دون المعيب، و لأنّه المعهود عرفا، فاذا خالف الوكيل فاشترى المعيب عالما كان فضوليّا. ثمّ انّ العيب و الغبن ان كانا ممّا يخفى غالبا وقع الشراء عن الموكّل مع الجهل بهما، و الاّ وقف على الاجازة. انتهى ملخّصا».(2)
اذا وكّله في شراء شيء و اختلفا في قدر الثمن فقال الوكيل: «اشتريته بكذا» و قال الموكّل: «اشتريته بأقلّ منه» يقدّم قول الوكيل؛ لأنّه أمين و أعرف بما فعله الاّ أنيثبت المدّعي خلافه بالبيّنة، و لا وجه لاجراء أصالة عدم الزيادة مع ما دلّ على عدم تضمين الأمين.
و أمّا لو اتّفقا في أصل الوكالة و اختلفا فيما هو راجع الى صفة الوكالة، كما لو اختلفا في ما هو دائر بين المتباينين أو بين الأقلّ و الأكثر أو بين المطلق و المقيّد يقدّم قول الموكّل؛ لأصالة عدم تعلّق الوكالة بما يدّعيه الوكيل الاّ بعد اتيانه بالبيّنة، و لأنّ الموكّل أعرف بمورد الوكالة من غيره.
و من هذا الباب ما قاله المصنّف: « و لو باع الوكيل بثمن فأنكر المالك الاذن في ذلك القدر كان القول قوله مع يمينه».
و في الجواهر: «سواء كان بقدر ثمن المثل أو أزيد أو أنقص، و سواء كان مستند دعواه الاذن بالخصوص أو الاطلاق المنصرف الى ثمن المثل فما فوق؛ لأنّه اختلاف في صفة الوكالة التي يقبل قوله في أصلها فكذا صفتها؛ لأنّها فعله، و هو أعرف به، و لأنّ الأصل عدم صدور التوكيل على الوجه الذي يدّعيه الوكيل.
1) - جواهر الكلام 27: 368 و 369.
ثمّ انّه بعد حلف المالك تستعاد العين من المشتري بعد فرض اعترافه بالوكالة أو حلف المالك له اليمين المردودة اذا ادّعى عليه العلم. هذا اذا كانت العين باقية، و ان كانت تالفة يستعاد مثلها أو قيمتها.
ثمّ انّه بعد حلف المالك في الفرع السابق ففرّع عليه المصنّف و لقد أجاد في شرحه في الجواهر و قال: «اذا كان قد تصادق الوكيل و المشتري على الثمن الذي قد ادّعى الوكيل الاذن فيه، و كان قد دفع الوكيل الى المشتري السلعة فتلفت في يده كان للموكّل الرجوع على أيّهما شاء بمثلها ان كانت مثليّة و بقيمتها ان كانت قيميّة؛ لثبوت عدوانهما معا بظاهر الشرع، لكن ان رجع على المشتري لايرجع المشتري على الوكيل اذا لميكن قد دفع اليه الثمن؛ لتصديقه له في الاذن و في أنّ الموكّل ظالم له برجوعه عليه.
و ان رجع المالك على الوكيل بقيمة ماله رجع الوكيل على المشتري بأقلّ الأمرين من ثمنه و ما اغترمه؛ لأن الثمن ان كان أقلّ فهو يزعم أنّ الموكّل لايستحقّ سواه، و أنّه ظالم بأخذ الزائد من القيمة، فلايرجع به على المشتري، و ان كانت القيمة أقلّ لميغرم سواها. انتهى ملخّصا».(1)
و اطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع؛ لأنّه من واجباته، و كذااطلاق الوكالة في الشراء يقتضي الاذن في تسليم الثمن، لكن لايقتضي الاذن
1) - جواهر الكلام 27: 369 - 371.
في البيع قبض الثمن؛ لأنّه قد لايؤمن على القبض، و للوكيل أنيردّ بالعيب؛ لأنّه من مصلحة العقد مع حضور الموكّل و غيبته، و لو منعه الموكّل لميكن له مخالفته.
اطلاق الوكالة في البيع يقتضي الاذن في تسليم المبيع، لميكن في ذلك خلاف - كما في الجواهر(1)- كما أنّ اطلاق الوكالة في الشراء يقتضي الاذن في تسليم الثمن.
هذا و الظاهر أنّ اطلاق الاذن في البيع يقتضي الاذن في قبض الثمن كما أنّ اطلاق الاذن في الشراء يقتضي الاذن في قبض المبيع الاّ اذا قامت قرائن حاليّة أو مقاليّة على عدم الرضا بالقبض.
و عليه فما ذكره المصنّف خلاف المتفاهم العرفي من الوكالة في البيع و الشراء.
قال في المسالك: «اطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع؛ لأنّه من واجباته؛ و ذلك لأنّ البيع يقتضي ازالة ملك البائع عن المبيع و دخوله في ملك المشتري، فيجب على مدخل الملك التسليم؛ لأنّه من حقوقه، لكن لايسلّمه حتّى يقبض الثمن؛ رعاية لمصلحة الموكّل، فلو سلّم المبيع قبله فتعذّر أخذه من المشتري ضمن؛ لتضييعه ايّاه بالتسليم قبله. و هكذا يكون الحال في الشراء. و قبض المبيع فيه كقبض الثمن. انتهى ملخّصا».(2)
الوكيل في الابتياع مثلاً له أنيردّ بالعيب؛ لأنّه من مصلحة العقد الموكّل فيه، سواء في ذلك حضور الموكّل و غيبته، ولكن لو منعه الموكّل لميكن له مخالفته؛ لأنّ الحقّ له و انّما كان ثبوت الردّ بالعيب للوكيل باطلاق الوكالة في الابتياع. و لا بدّ في المسألة من فرض صحّة العقد عليه باعتبار خفاء العيب.
قال في المسالك: «و للوكيل أنيردّ بالعيب؛ لأنّ الموكّل قد أقامه مقام نفسه في هذا العقد، و الردّ بالعيب من لوازمه، و لأنّ التوكيل لمّا لمينزّل الاّ على شراء الصحيح، فاذا ظهر العيب كان له الردّ و شراء الصحيح. - الى أنقال: - و لو منعه الموكّل لميكن له مخالفته؛ لأنّه ابطال للوكالة فيما تضمّنته و عزل له فيه، و اذا جاز عزله عن الوكالة فعن بعض مقتضياتها أولى. و في حكمه اظهاره الرضا بالمعيب؛ فانّه في معنى النهي عن الردّ».(1)
1) - مسالك الأفهام 5: 254.
أمّا ما لاتدخله النيابة، فضابطه ما تعلّق قصد الشارع بايقاعه من المكلّف مباشرة كالطهارة مع القدرة و ان جازت النيابة في غسل الأعضاء عند الضرورة، و الصلاة الواجبة مادام حيّا، و كذا الصوم و الاعتكاف و الحجّ الواجب مع القدرة، و الأيمان و النذور و الغصب و القسم بين الزوجات؛ لأنّه يتضمّن استمتاعا، و الظهار و اللعان و قضاء العدّة و الجناية و الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش و اقامة الشهادة الاّ على وجه الشهادة على الشهادة.
يشترط في الموكّل فيه أنيكون قابلاً للنيابة بأنلميعتبر في مشروعيّة وقوعه عن الانسان ايقاعه مباشرة كالعبادات البدنيّة من الطهارات الثلاث مع القدرة - و ان جازت النيابة في الاستعانة فيها عند الضرورة - و الصلاة و الصيام - فرضها و نفلها - دون الماليّة منها كالزكاة و الخمس و الكفّارات؛ فانّها لاتعتبر فيها المباشرة فيصحّ التوكيل و النيابة فيها اخراجا و ايصالاً الى مستحقّيها.
و أمّا ما تدخله النيابة فضابطه ما جعل ذريعة الى غرض لايختصّ بالمباشرة كالبيع و قبض الثمن و الرهن و الصلح و الحوالة و الضمان و الشركة و الوكالة و العارية، و في الأخذ بالشفعة و الابراء و الوديعة و قسم الصدقات و عقد النكاح و فرض الصداق و الخلع و الطلاق و استيفاء القصاص و قبض الديات، و في الجهاد على وجه، و في استيفاء الحدود مطلقا، و في اثبات حدود الآدميّين، أمّا حدود اللّه سبحانه فلا، و في عقد السبق و الرماية و العتق و الكتابة و التدبير، و في الدعوى، و في اثبات الحجج و الحقوق.
يصحّ التوكيل في جميع العقود - فانّ الأصل جواز الوكالة في كلّ شيء الاّ ما دلّ دليل على عدمها كما مرّ - كالبيع و الصلح و الاجارة و الهبة و العارية و الوديعة و المضاربة و المزارعة و المساقاة و القرض و الرهن و الشركة و الضمان و الحوالة و الكفالة و الوكالة و النكاح ايجابا و قبولاً في الجميع. و كذا في الوصيّة و الوقف و في الطلاق و العتق و الابراء و الأخذ بالشفعة و اسقاطها، و فسخ العقد في موارد ثبوت الخيار و اسقاطه.
و يصحّ التوكيل أيضا في القبض و الاقباض في موارد لزومهما - كما في الرهن و القرض و الصرف بالنسبة الى العوضين و السلم بالنسبة الى الثمن - و في ابقاء الديون و استيفائها و غيرها.
و يجوز التوكيل في الطلاق غائبا كان الزوج أم حاضرا بل يجوز توكيل الزوجة في أنتطلّق نفسها أو توكّل الغير فيه.
و يجوز أيضا في استيفاء القصاص و قبض الديات و في الجهاد ان لميتعيّنعليه و في استيفاء الحدود سواء كانت حدود الآدميّين كحدّ السرقة و القذف أم
حدود اللّه تعالى كحدّ الزنا بعد ثبوتها عند الحاكم.
و يجوز التوكيل في اثبات حدود الآدميّين و في الدعوى و هو التوكيل في الخصومة و المرافعة فيجوز لكلّ من المدّعي و المدّعى عليه أنيوكّل شخصا عن نفسه، فمن كان وكيلاً عن المدّعي فوظيفته بثّ الدعوى على المدّعى عليه عند الحاكم و اقامة البيّنة و تعديلها و تحليف المنكر و طلب الحكم على الخصم و القضاء عليه. و بالجملة فوظيفته اقامة كلّ ما يقع وسيلة الى الاثبات. أمّا الوكيل عن المدّعى عليه فوظيفته الانكار و الطعن على الشهود و اقامة بيّنة الجرح و مطالبة الحاكم بسماعها و الحكم بها و عليه السعي في الدفع ما أمكنه ما لميخرج عن الحقّ بحسب الشرع.
و كذا تجوز النيابة في الحجّ المندوب مطلقا، و الواجب عند العجز عنه على ما تقدّم تفصيله في كتاب الحجّ.(1)
و تجوز النيابة في صلاة الزيارة و ركعتي الطواف حيث يجوز استنابة الحيّ في الحجّ الواجب.
و في المسالك: «و ممّا يجوز فيه الوكالة تولية الامام غيره في القضاء. و كذا تولية منصوبه الخاصّ لغيره مع الاذن له في ذلك. و انّما قيّدنا تولية القضاء بالامام أو نائبه الخاصّ لعدم امكان تولية منصوبه العامّ - و هو الفقيه في زمان الغيبة - لغيره فيه؛ لما اتّفق عليه الأصحاب من اشتراط جمع القاضي لشرائط الفتوى».(2)
و قد فصّلنا البحث عن ذلك في كتاب القضاء فراجع.(3)
و لو وكّل على كلّ قليل و كثير، قيل: «لايصحّ؛ لما يتطرّق من احتمال الضرر»، و قيل: «يجوز و يندفع الحال باعتبار المصلحة»، و هو بعيد عن موضع الفرض. نعم، لو وكّله على كلّ ما يملكه صحّ؛ لأنّه يناط بالمصلحة.
قال في المسالك: «القولان للشيخ رحمهالله. و الجواز مذهب الأكثر؛ لانتفاء الغرر، و اندفاع الضرر بمراعاة المصلحة في فعل الوكيل مطلقا. و المصنّف رحمهاللهردّ هذا القيد بأنّه بعيد عن موضع الفرض؛ فانّ الفرض كونه وكيلاً في كلّ شيء فيدخل فيه عتق عبيده و تطليق نسائه و هبة أملاكه و نحو ذلك ممّا يوجب الضرر، و التقييد خروج عن الكليّة. و جوابه أنّ القيد معتبر و ان لميصرّح بهذا العموم، حتّى لو خصّص بفرد واحد تقيّد بالمصلحة، فكيف بمثل هذا العامّ المنتشر؟!
و فرّق المصنف بين هذا العامّ و بين ما لو خصّصه بوجه كقوله: «وكّلتك على ما أملك»، و نحوه؛ لاندفاع معظم الغرر نظرا الى أنّ رعاية المصلحة في الأمور المنتشرة أمر خفي جدّا، فاذا خصّص متعلّقها سهلت. و هو غير واضح؛ لأنّ رعاية المصلحة تضبط الأمرين، و انتشار الأمور لايمنع من ذلك؛ فانّ مرجع المصلحة الى نظر الوكيل، فما علم فيه المصلحة يفعله و ما اشتبه يمتنع فعله، و لأنّه لو فصّل ذلك العامّ المنتشر فقال: «وكّلتك في عتق عبدي و تطليق زوجاتي و بيع أملاكي»، صحّ؛ لأن كلّ واحد منها منضبط برعاية المصلحة على ما اعترفوا به، و ذلك مشترك بين الأمرين. و الأقوى الجواز مطلقا».(1)
أقول:
1) - مسالك الأفهام 5: 259.
الوكالة امّا خاصّة و امّا عامّة و امّا مطلقة:
أمّا الوكالة الخاصّة فهي - كما ذكره في الوسيلة(1)- ما تعلّقت بتصرّف معيّن في شخص معيّن، كما اذا وكّله في شراء عبد شخصي معيّن، و هذا ممّا لا اشكال و لا خلاف في صحّته، بل جعلها في المهذّب من ضرورة المذهب ان لميكن من ضرورة الدين.
و أمّا الوكالة العامّة فتارة تكون عامّة من جهة التصرّف و خاصّة من جهة متعلّقه، كما اذا وكّله في جميع التصرّفات الممكنة في داره المعيّنة من بيعها و هبتها و اجارتها و غيرها.
و أخرى تكون بالعكس كما اذا وكّله في بيع جميع ما يملكه.
و ثالثة تكون عامّة من كلتا الجهتين، كما اذا وكّله في جميع التصرّفات الممكنة في جميع ما يملكه، أو في ايقاع جميع ما كان له فيما يتعلّق به؛ بحيث يشمل التزويج له و طلاق زوجته.
و هكذا تكون تقسيمات الوكالة المطلقة فانّها قد تكون مطلقة من جهة التصرّف خاصّة من جهة متعلّقه، كما إذا وكّله في أنّه امّا يبيع داره المعيّنة بيعاً لازماً أو خياريّاً أو يرهنها أو يؤرها، و أوكل التعيين الى نظره، و قد تكون بالعكس كما اذا احتاج الى بيع أحد أملاكه من داره أو عقاره أو دوابّه أو غيرها، فوكّل شخصاً في أنيبيع أحدها و فوّض الأمر في تعيينه بنظره و مصلحته، و قد تكون مطلقة من كلتا الجهتين، كما اذا وكّله في ايقاع أحد العقود المعاوضيّة من البيع أو الصلح أو الاجارة مثلاً على أحد أملاكه؛ من داره أو دكّانه أو خانه مثلاً و أوكل التعيين من الجهتين الى نظره.
1) - وسيلة النجاة: 510 / المسألة 15 من كتاب الوكالة.
هذا ما مثّل به السيّد الاصفهاني رحمهالله في وسيلة النجاة للوكالة العامّة و المطلقة، و قد يناقش في بعض أمثلته الامام الخميني رحمهالله و مثّل للوكالة المطلقة بالتوكيل في بيع داره بلا قيد في مقابل المقيّدة بثمن معيّن أو شخص معيّن، و قال بأنّ بعض ما مثّل به السيّد الاصفهاني رحمهالله من الوكالة المخيّرة، الاّ أنّ الأمر سهل و ذلك لأنّ الأقوى - كما ذهب اليه السيّد الاصفهاني و الامام الخميني و السيّد السبزواري - هو صحّة الجميع، سواء كانت الوكالة عامّة أو مطلقة أو مخيّرة، كلّ ذلك لما تقدّم في أوّل هذا الفصل من أنّ الأصل صحّة الوكالة في كلّ شيء الاّ ما خرج بالدليل و لا دليل على الخروج هنا.
ثمّ انّ السيّد الاصفهاني قال في آخر كلامه: «و الظاهر صحّة الجميع و ان كان بعضها لايخلو من مناقشة لكنّها مندفعة».
و قد أوضح المناقشة و دفعها في المهذّب حيث قال: «أمّا المناقشة فهي احتمال الجهالة في صورة الترديد و احتمال الضرر في صورة الاطلاق، و الأولى مندفعة بتحمّل الوكالة للجهالة بما لايتحمّله سائر العقود، و أمّا الأخيرة فاطمئنان الموكّل بالوكيل و أنّه لايفعل له الاّ ما فيه المصلحة يدفع هذا الاحتمال».(1)
1) - مهذّب الأحكام 21: 210.
يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و أنيكون جائز التصرّف فيما وكّل فيه ممّا تصحّ فيه النيابة. فلاتصحّ وكالة الصبي مميّزا كان أو لميكن، و لو بلغ عشرا جاز أنيوكّل فيما له التصرّف فيه كالوصيّة و الصدقة و الطلاق على رواية، و كذا يجوز أنيتوكّل فيه. و كذا لاتصحّ وكالة المجنون و لو عرض ذلك بعد التوكيل أبطل الوكالة.
و للمكاتب أنيوكّل؛ لأنّه يملك التصرّف في الاكتساب. و ليس للعبد القنّ أنيوكّل الاّ باذن مولاه، و لو وكّله انسان في شراء نفسه من مولاه صحّ.
و ليس للوكيل أنيوكّل الاّ باذن من الموكّل. و لو كان المملوك مأذونا له في التجارة جاز أنيوكّل فيما جرت العادة بالتوكيل فيه؛ لأنّه كالمأذون فيه، و لايجوز أنيوكّل في غير ذلك؛ لأنّه يتوقّف على صريح الاذن من مولاه، و له أنيوكّل فيما يجوز أنيتصرّف فيه من غير اذن مولاه ممّا تصحّ فيه النيابة كالطلاق. و للمحجور عليه أنيوكّل فيما له التصرّف فيه من طلاق و خلع و ما
شابهه. و لايوكّل المحرم في عقد النكاح و لا ابتياع الصيد.
و للأب و الجدّ أنيوكّلا عن الولد الصغير. و تصحّ الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا و للحاضر على الأظهر. و لو قال الموكّل: «اصنع ما شئت»، كان دالاًّ على الاذن في التوكيل؛ لأنّه تسليط على ما يتعلّق به المشيئة.
و يستحبّ أنيكون الوكيل تامّ البصيرة فيما وكّل فيه عارفا باللغة التي يحاور بها. و ينبغي للحاكم أنيوكّل عن السفهاء من يتولّى الحكومة عنهم. و يكره لذوي المروءات أنيتولّوا المنازعة بنفوسهم.
انّ المصنّف رحمهالله قد ذكر هنا البحث عن الموكّل و عقد الفصل الآتي للبحث عن شرائط الوكيل، و لمّا كان البحثان متداخلين شرحنا بعض شرائط الوكيل في هذا الفصل أيضا.
فروع:
قال في الروضة: «(و لا بدّ من كمال المتعاقدين) بالبلوغ، و العقل. فلايوكّل و لايتوكّل الصبي، و المجنون مطلقا».(1)
و مراده من قوله: «مطلقا» أي باذن من الولي أم لا، بلغ الصبي عشر سنين أم لا، كان جنونه أدواريّا أم لا.
أقول:
1) - الروضة البهيّة 4: 373.
الظاهر أنّه ليست عبارات الصبي المميّز ملغاة كما قلنا ذلك في البيع؛ و لذلك صحّ وكالته في اجراء صيغ العقود في المعاملات و غيرها و كذا اجراء صيغة الايقاعات، و الاحتياط أنيكون قد بلغ عشرا و كذا يجوز أنيوكّل غيره فيما يجوز له التصرّف فيه كالعتق و الوصيّة و الصدقة.
و أمّا الطلاق فقد اختلف في صحّة ايقاعه من الصبي الذي بلغ عشرا - بعد الاتّفاق على عدم جواز الصبي قبل عشر سنين - و قد فصّلنا البحث عن طلاق الصبي في كتاب الطلاق و قلنا هناك بعدم جواز طلاقه و ان بلغ عشر سنين ترجيحا لروايات المنع و وفقا لمتأخّري الأصحاب بل لأكثر الأمّة كما في المسالك، فلمّا لميجز طلاقه بنفسه لايجوز له توكيل غيره في الطلاق كما لايخفى.
نعم، على قول من جوّز طلاقه فيجوز له التوكيل.
قال في الجواهر: «و في جامع المقاصد نسبة القول بجواز وكالة الصبي اذا بلغ عشرا في الوصيّة و الصدقة و العتق الى الشيخ و جماعة، بل فيه: «انّ القول به و ان كان مشهورا الاّ أنّ مستنده غير واضح». قلت: ستعرف في كتاب الوصيّة أنّ الأقوى جوازها فيه، اذا كانت بالمعروف لأرحامه و غيرهم، وفاقا للمشهور».(1)
و كذا لايصحّ توكيل المجنون غيره مطبقا و أدوارا بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - و قد عرفت فيما تقدّم أنّه لو عرض ذلك بعد التوكيل يبطل الوكالة. و كذا لايجوز وكالته عن غيره كما لايخفى.
و ليس للوكيل أنيوكّل الاّ باذن من الموكّل كما سيأتي.
و يشترط في الموكّل أنلايكون محجورا فلايصحّ توكيل المحجور عليه لسفه أو فلس فيما حجر عليه فيه دون ما لميحجر عليه فيه كالطلاق و الخلع و ما شابهه.
1) - جواهر الكلام 27: 387.
و تصحّ وكالة المحجور عليه لسفه أو فلس عن غيرهما ممّن لا حجر عليه.
و يشترط في الموكّل أنيكون متمكّنا عقلاً و شرعا من مباشرة ما يوكّل فيه فلاتصحّ وكالة المحرم فيما لايجوز له كابتياع الصيد و امساكه و ايقاع عقد النكاح، و الظاهر عدم الخلاف في ذلك كما في الجواهر، و ذلك لعدم جواز أصل الفعل من الموكّل فلاتجوز وكالته فيه.
يجوز التوكيل في الطلاق غائبا كان الزوج أم حاضرا، بل يجوز توكيل الزوجة في أنتطلّق نفسها بنفسها، أو بأنتوكّل الغير عن الزوج أو عن نفسها.
تدلّ على جواز التوكيل في الطلاق غائبا كان الزوج أم حاضرا صحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجل جعل أمر امرأته الى رجل، فقال: اشهدوا أنّي قد جعلت أمر فلانة الى فلان، أ يجوز ذلك للرجل؟ فقال: نعم».(1)
و حيث انّ الامام عليهالسلام لميستفصل فتدلّ على العموم.
و أمّا رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لاتجوز الوكالة في الطلاق».(2)
فانّها و ان استدلّ بها الشيخ و جماعة - على ما في المسالك - الاّ أنّها ضعيفة سندا و دلالة على ما سيأتي من الجواهر.
و في الجواهر: «تصحّ الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا أو ضرورة؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، و للحاضر على الأظهر الأشهر بل المشهور، بل عن ابن ادريس نفي الخلاف فيه بين المسلمين؛ لعموم الوكالة و خصوص ترك الاستفصال في صحيح الأعرج و غيره. خلافا للمحكي عن الشيخ و القاضي و التقي فمنعوها في الثاني؛ لقوله عليهالسلام : «الطلاق بيد من أخذ بالساق» المراد منه بقرينة معلوميّة جواز الوكالة في الغائب أنّ أمره اليه مباشرة أو وكالة، و اطلاق خبر زرارة عنه عليهالسلام : «لاتجوز الوكالة في الطلاق» المقتصر في تقييده على الغائب عن البلد؛ جمعا بينه و بين النصوص المذكورة في الباب.
الاّ أنّه كماترى - مع قصور سنده و منافاة اطلاقه الاجماع و ان حكي عن ابن سماعة من الخلاف في ذلك و لاينبغي الالتفات اليه - لايقاوم ما سمعت من الأدلّة من وجوه، خصوصا مع عدم التعرّض في شيء من النصوص لغيبة و لا حضور، و ان صرّح بعضها بالجواز في الأوّل، الاّ أنّ اثباته لاينفي ما عداه».(1)
لو قال الموكّل: «اصنع ما شئت» كان دالاًّ على الاذن في التوكيل؛ لأنّه تسليط على ما يتعلّق به المشيئة.
قال في المسالك: «تقرير الاستدلال على جواز توكيل الوكيل بذلك: أنّ «ما» من صيغ العموم و قد أذن له في أنيفعل كلّ ما شاء، فاذا شاء أنيوكّل فقد دخلفي عموم الاذن. و هو جيّد في موضعه. و خالف في ذلك العلاّمة في التذكرة
1) - جواهر الكلام 27: 390 و 391.
محتجّا بأنّه انّما يستلزم التعميم فيما يفعله بنفسه، فلايتناول التوكيل. و جوابه يعلم من التقرير؛ فانّ العموم تناول فعله بنفسه و بنائبه حيث يشاء النيابة، و في الحقيقة مدلول العامّ كمدلول الخاصّ في الحجّيّة و ان اختلفا في القوّة و الضعف، فهذا اذن له في التوكيل من حيث العموم فيدخل فيما تقدّم ( حيث قلنا: و كذا لو دلّ اللفظ باطلاقه أو عمومه على ذلك كاصنع ما شئت)».(1)
يستحبّ أنيكون للوكيل بصيرة تامّة و معرفة باللغة التي تتعلّق بعين ما وكّل فيه؛ ليكون مليّا بتحقيق مراد الموكّل. و أوجبه بعض.
و ينبغي للحاكم أنيوكّل عن السفهاء من يتولّى الحكومة عنهم، و كذا يوكّل من يباشر عنهم جميع ما يقتضيه الحال من التصرّف الذي يمنعون منه، و كذا غير السفهاء ممّن للحاكم عليه ولاية كالصبيان و المجانين. و كذا الحكم في الوصي الاّ أنينصّ له الموصي على عدم التوكيل.
و يكره لذوي المروّات أنيتولّوا المنازعة بنفوسهم، قال في المسالك: «و هم أهل الشرف و المناصب الجليلة الذين لايليق بهم الامتهان. و روي أنّ عليّا عليهالسلام وكّل عقيلاً في خصومة و قال: «انّ للخصومة قحما و انّ الشيطان ليحضرها، و انّي لأكره أنأحضرها». قال في الصحاح: «القحمة - بالضمّ - المهلكة، و للخصومة قحمأي أنّها تقحم بصاحبها على ما لايريده».».(2)
الوكيل يعتبر فيه البلوغ و كمال العقل و لو كان فاسقا أو كافرا أو مرتدّا. و لو ارتدّ المسلم لمتبطل وكالته؛ لأنّ الارتداد لايمنع الوكالة ابتداءً و كذلك استدامة. و كلّ ما له أنيليه بنفسه و تصحّ النيابة فيه صحّ أنيكون فيه وكيلاً فتصحّ وكالة المحجور عليه لتبذير أو فلس، و لاتصحّ نيابة المحرم فيما ليس للمحرم أنيفعله كابتياع الصيد و امساكه و عقد النكاح.
و يجوز أنتتوكّل المرأة في طلاق غيرها، و هل تصحّ في طلاق نفسها؟ قيل: «لا»، و فيه تردّد. و تصحّ وكالتها في عقد النكاح؛ لأنّ عبارتها فيه معتبرة عندنا. و تجوز وكالة العبد اذا أذن مولاه و يجوز أنيوكّله مولاه في اعتاق نفسه، و لاتشترط عدالة الولي و لا الوكيل في عقد النكاح.
و حيث قد شرحنا شرائط الوكيل المذكورة هنا في ضمن شرح الفصل السابق لمكان المناسبة، نكتفي هنا بنقل ما ذكره صاحب الجواهر ملخّصا حيث قال: «يعتبر في الوكيل البلوغ و كمال العقل بلا خلاف و لا اشكال، فلاتصحّ وكالة
الصبي الاّ فيما عرفت، و المجنون بعد سلب عبارتهما.
فتجوز وكالة البالغ العاقل و لو كان فاسقا أو كافرا أو مرتدّا للعموم، و الامتناع في بعض الأفراد لأمر آخر لاينافي صحّتها في الجملة. و حينئذ فلو ارتدّ المسلم لمتبطل الوكالة لما عرفت من أنّ الارتداد لايمنع الوكالة ابتداء، فكذا استدامة بل هي أولى للأصل. نعم، قد تبطل وكالة الكافر من حيث كونها على مسلم، كما ستعرف، و هو شيء غير ما نحن فيه من صحّة أصل وكالته، و ظاهرهم كما اعترف به في جامع المقاصد و المسالك عدم الفرق بين المرتدّ الفطري و الملّي في ذلك، و دعوى خروج الأوّل عن القابليّة ممنوعة، و المسلّم منها بالنسبة الى نفسه.
و كيف كان فالضابط في الوكيل هو أنّ كلّ ما له أنيليه بنفسه بمعنى جواز أصل الفعل له، و لو لعدم دليل الحرمة و تصحّ النيابة فيه، صحّ أنيكون وكيلاً فيه فتخرج العبادات و ما شابهها و ان جاز أنيليها بنفسه الاّ أنّه لاتصحّ النيابة فيها. و تصحّ وكالة المحجور عليه لتبذير أو فلس - لا لأنّهما كما في المسالك «يجوز أنيليا لأنفسهما بعض الأفعال، فتصحّ وكالتهما فيها بل في غيرها» اذ هو كما ترى، خصوصا اضرابه، بل - لأنّ لهما مباشرة ذلك بأنفسهما، ضرورة معلوميّة عدم حرمة ذلك عليهما، و انّما هما ممنوعان من التصرّف في مالهما.
و لا تصحّ نيابة المحرم فيما ليس للمحرم أنيفعله، كابتياع الصيد و امساكه و عقد النكاح لما عرفت في الضابط من «كلّ ما له أنيليه بنفسه» اذ هو ضابط للوكيل نفيا و اثباتا.
و على كلّ حال فلا اشكال و لا خلاف في أنّه يجوز وكالة العبد اذا أذن له مولاه للعمومات، فهو مندرج في الضابط المزبور، فيجوز أنيوكّله مولاه في اعتاق نفسه كما جاز وكالته في بيعها و شرائها، و ليس في الأدلّة ما يقتضي أزيد من المغايرة الاعتباريّة بين المعتق و البائع و المشتري و محلّ الصيغة كما عرفته سابقا و اللّه
العالم. و لا يشترط عدالة الولي و لا الوكيل في عقد النكاح بلا خلاف فيه بيننا، بل و لا اشكال، فيجوز للأب و الجدّ ذلك و ان كانا فاسقين، كما يجوز الوكالة للفاسق فيه ايجابا و قبولاً، للعمومات. انتهى ملخّصا».(1)
و قد شرحنا بعض ما ذكره في الفصل السابق و فصّلنا بعضها في موضعه ككتاب النكاح و الحجّ و غيرهما فراجع.
و لايتوكّل الذمّي على المسلم للذمّي و لا للمسلم على القول المشهور، و هل يتوكّل المسلم للذمّي على المسلم؟ فيه تردّد، و الوجه الجواز على كراهية. و يجوز أنيتوكّل الذمّي على الذمّي.
لايتوكّل الكافر - ذمّيّا كان أم غيره - على المسلم للكافر و لا للمسلم، و وجهه كما لايخفى، استلزام السبيل للكافر على المسلم، المنفي بقوله تعالى: «و لنيجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً».
و أمّا وكالة المسلم للكافر على المسلم ففيه خلاف أظهره الكراهة.
قال في المسالك: «مدار الوكالة بالنسبة الى اسلام الوكيل و الموكّل و الموكّل عليه و كفرهم، و التفريق ثمانية؛ فانّ الموكّل امّا مسلم أو كافر. و على التقديرين فالوكيل امّا مسلم أو كافر. و على التقادير الأربعة فالموكّل عليه امّا مسلم أو كافر.
فمنها صورتان لاتصحّ الوكالة فيهما عندنا، و هما ما نسب المصنّف الحكم فيهما الى المشهور، و في التذكرة ادّعى الاجماع عليهما، و هما وكالة الكافر على المسلم لكافر أو مسلم؛ لاستلزامه السبيل للكافر على المسلم المنفي بالآية.
و باقي الصور تصحّ الوكالة فيها من غير كراهة الاّ في صورة واحدة، و هي
1) - جواهر الكلام 27: 393 - 396.
وكالة المسلم للكافر على المسلم؛ فانّ المشهور فيها الكراهة، بل ادّعى في التذكرة الاجماع عليها. و المصنّف تردّد فيها ثمّ حكم بها. و يظهر من الشيخ في النهاية عدم الجواز. و اعلم أنّ المصنّف و الجماعة عبّروا عن الكافر بالذمّي، و لا فرق من حيث الحكم، بل اذا ثبت المنع في الذمّي ثبت في غيره بطريق أولى، و كذا الكراهة. و صور الجواز مشتركة من غير أولويّة، فلذلك عدلنا الى التعبير بالعامّ».(1)
و يقتصر الوكيل من التصرّف على ما أذن له فيه و ما تشهد العادة بالاذن فيه فلو أمره ببيع السلعة بدينار نسيئة فباعها بدينارين نقدا صحّ، و كذا لو باعها بدينار نقدا الاّ أنيكون هناك غرض صحيح يتعلّق بالتأجيل. أمّا لو أمره ببيعه حالاًّ فباع مؤجّلاً لميصحّ و لو كان بأكثر ممّا عيّن؛ لأنّ الأغراض تتعلّق بالتعجيل، و لو أمره ببيعه في سوق مخصوصة فباع في غيرها بالثمن الذي عيّن له أو مع الاطلاق بثمن المثل صحّ؛ اذ الغرض تحصيل الثمن.
أمّا لو قال: «بعه من فلان»، فباعه من غيره لميصحّ و لو تضاعف الثمن؛ لأنّ الأغراض في الغرماء تتفاوت، و كذا لو أمره أنيشتري بعين المال فاشترى في الذمّة، أو في الذمّة فاشترى بالعين؛ لأنّه تصرّف لميؤذن فيه و هو ممّا تتفاوت فيه المقاصد.
لو خالف الوكيل عمّا عيّن له و أتى بالعمل على نحو لميشمله عقد الوكالة فان كان ممّا يجري فيه الفضوليّة كالعقود توقّفت صحّته على اجازة الموكّل؛ لأنّ التصرّف وقع بغير اذن من له الاذن فصحّته تحتاج الى اجازته و الاّ بطل تصرّفه
1) - مسالك الأفهام 5: 269 و 270.
فيما يتعلّق بالغير بدون اذنه.
و لا فرق في ذلك بين أنيكون التخالف بالمباينة كما اذا وكّله في بيع داره فاستأجرها، أو ببعض الخصوصيّات كما اذا وكّله في أنيبيع نقدا فباع نسيئة أو يبيع بخيار فباع بدونه أو يبيعه من فلان فباعه من غيره و هكذا.
نعم، لو علم شمول التوكيل لفاقد الخصوصيّة أيضا صحّ كما اذا وكّله في أنيبيع السلعة بدينار فباعها بدينارين من حيث انّ الظاهر عرفا بل المعلوم أنّ تحديد الثمن بالدينار انّما هو من طرف النقيصة فقط لا من طرف النقيصة و الزيادة معا فكأنّه قال: لاتبعها بأقلّ من دينار. و هذا هو ما قال المصنّف رحمهالله: «و يقتصر الوكيل من التصرّف على ما أذن له فيه و ما تشهد العادة بالاذن فيه».
نعم، لو فرض وجود غرض صحيح في التحديد به زيادة و نقيصة كان بيعها بالزيادة كبيعها بالنقيصة فضوليّا يحتاج الى الاجازة. و من هذا القبيل ما اذا وكّله في أنيبيعها في سوق مخصوص بثمن معيّن فباعها في غيرها بذلك الثمن فربّما يفهم عرفا أنّه ليس الغرض الاّ تحصيل الثمن فيكون ذكر السوق المخصوص من باب المثال، و لو فرض وجود غرض عقلائي في تعيينها احتمالاً معتدّا به لميجز التعدّي عنه.
قال في المسالك: «أمّا اقتصاره على ما أذن فيه فلا شبهة فيه. و أمّا تجاوزه الى ما تشهد العادة بالاذن فيه فهو جائز مع اطّرادها أو دلالة القرائن على ما دلّت عليه. و يجب تقييد ذلك كلّه بعدم الغرض فيما عيّن، و الاّ لميجز التعدّي و ان لميصرّح بالنهي؛ فانّ الأغراض تختلف و المصالح لاتنضبط. أمّا لو قال: «بعه من فلان» فباعه من غيره، لميصحّ و لو تضاعف الثمن؛ لأنّ الأغراض في الغرماء تتفاوت. فلايجوز التخطّي مع الاطلاق قطعا، سواء علم الغرض أم جهل الحال أم علم انتفاء الغرض على ما يظهر من اطلاقهم؛ لندور الفرض و وقوفا مع الاذن. و كذا لو
أمره أنيشتري بعين المال فاشترى في الذمّة، أو في الذمّة فاشترى بالعين؛ لأنّه تصرّف لميؤذن فيه، و هو ممّا تتفاوت فيه المقاصد، فلايصحّ التعدّي مطلقا. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
اذا علم انتفاء الغرض و أنّ غرض الموكّل بيع هذا الشيء و أنّ ذكر المشتري الخاصّ من باب المثال فيجوز. و كذا بالنسبة الى الاشتراء بعين المال فيجوز المخالفة الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.
و في هذا الفرض لو باع من غير المشتري الذي ذكره أو بغير المال الذي ذكره، فادّعى الموكّل بعد ذلك أنّ غرضه قد تعلّق بذلك المشتري الخاصّ أو الاشتراء بذلك المال الفلاني، فالقول قول الموكّل كما لايخفى.
و اذا ابتاع الوكيل وقع الشراء عن الموكّل و لايدخل في ملك الوكيل؛ لأنّه لو دخل في ملكه لزم أنينعتق عليه أبوه و ولده لو اشتراهما كما ينعتق أبو الموكّل و ولده. و لو وكّل مسلم ذمّيّا في ابتياع خمر لميصحّ.
اذا ابتاع الوكيل وقع الشراء عن الموكّل الذي قصد الوكيل الشراء له و لايدخل في ملك الوكيل خصوصا اذا كان الشراء بعين مال الموكّل؛ لعدم القصد و لعدم ملكه العوض.
قال في المسالك: «اذا ابتاع الوكيل وقع الشراء عن الموكّل، و لايدخل في ملك الوكيل، فانّ هذا موضع وفاق، و وجهه مع ما ذكره المصنّف أنّ الوكيل انّما قبل
1) - مسالك الأفهام 5: 270 - 272.
لغيره فوجب أنينتقل الملك الى ذلك الغير دونه؛ عملاً بالقصد، كما لو اشترى الأب و الوصي للمولّى عليه. و نبّه بذلك على خلاف أبي حنيفة حيث حكم بأنّه ينتقل أوّلاً الى الوكيل ثمّ ينتقل الى الموكّل، محتجّا بأنّ حقوق العقد تتعلّق به. و يضعّف بأنّ قصد الوكيل في شرائه هو الموكّل و أنّه نائب عنه. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّه لو وكّل مسلم ذمّيّا في ابتياع خمر لميصحّ؛ و ذلك لأنّه كما يشترط كون الوكيل قادرا على أنيلي الفعل لنفسه يشترط كون الموكّل كذلك، فلايكفي جواز تصرّف أحدهما دون الآخر. و حينئذ فلايصحّ توكيل المسلم الذمّي في بيع الخمر و ابتياعه و ان كان الذمّي يملك ذلك لنفسه.
و كلّ موضع يبطل الشراء للموكّل فان كان سمّاه عند العقد لميقع عن أحدهما و ان لميكن سمّاه قضي به على الوكيل في الظاهر، و كذا لو أنكر الموكّل الوكالة لكن ان كان الوكيل مبطلاً فالملك له ظاهرا و باطنا، و ان كان محقّا كان الشراء للموكّل باطنا. و طريق التخلّص أنيقول الموكّل: «ان كان لي فقد بعته من الوكيل» فيصحّ البيع، و لايكون هذا تعليقا للبيع على الشرط، و يتقاصّان. و ان امتنع الموكّل من البيع جاز أنيستوفي عوض ما أدّاه الى البائع عن موكّله من هذه السلعة و يردّ ما يفضل عليه أو يرجع بما يفضل له.
كلّ موضع يبطل فيه الشراء للموكّل للمخالفة أو لغيرها فان كان سمّاه عند العقد لفظا و نيّة لميقع عن أحدهما، أمّا عن الوكيل فلأنّ المفروض قصد غيره و أمّا عن الموكّل فلفرض مخالفته فلميكن وكيلاً عنه. و يكون العقد حينئذٍ فضوليّا. و ان لميكن سمّاه لفظا ولكن قصده في نيّته قضي به على الوكيل في الظاهر
1) - مسالك الأفهام 5: 273.
لمقتضى مباشرة الشراء له باعتبار كون الخطاب معه، و أمّا في نفس الأمر فمع عدم اجازة الموكّل تخلّص بتجديد العقد مع البائع فان لميتمكّن أخذ المبيع مقاصّة، فلو فرض زيادته توصّل لايصال الزائد الى البائع، و ذلك لأنّ المعاملة باطلة في نفس الأمر و الوكيل أخذ المبيع مقاصّة لا بالبيع فلايجوز له أخذ أكثر من حقّه و يجب عليه ردّ الزائد على البائع.
هذا اذا لميكن الشراء بعين مال الموكّل، و الاّ بطل العقد مع عدم اجازته و ان لميذكره؛ لأنّه يصير كظهور استحقاق أحد العوضين المعيّنين. هذا بالنسبة الى نفس الأمر، و أمّا بحسب الظاهر فان صدّق البائع أنّ المال مال الموكّل و قد تخلّف الوكيل و لميجز الموكّل هذا العقد أو قامت البيّنة بهذا، ثبت البطلان ظاهرا و باطنا و وجب على البائع ردّ ما أخذه. و ان لميصدّقه البائع و لمتقم بيّنة على ذلك ثبت البطلان ظاهرا بالنسبة الى الوكيل و وجب عليه ردّ عوض المدفوع الى الموكّل؛ لتعذّر تحصيله شرعا؛ لاعترافه بالتفريط بسبب المخالفة. و ان ادّعى الوكيل على البائع العلم بالحال حلف على نفي العلم و الاّ فلا.
هذه خلاصة الكلام هنا بالنسبة الى حكم الوكيل و الموكّل و البائع و قد فصّل الشهيد الثاني في بيان هذه المسألة و شقوقها و نحن نذكر كلامه رحمهالله و ان كان لايخلو من مناقشة في ذكر حكم بعض الأقسام.
قال في المسالك: «هذه المسألة قد تقدّمت في مواضع جزئيّة كثيرا، و هنا أتى فيها بضابط كلّي: و تفصيل المسألة: أنّ الوكيل اذا اشترى و لمتثبت وكالته في ذلك امّا لدعوى المخالفة، أو لانكار أصل الوكالة فلايخلو: امّا أنيكون قد اشترى بعين مال الموكّل و لو بحسب الدعوى، أو في الذمّة. و على الأوّل: امّا أنيكون البائع عالما بكون الثمن لمالكه، أو تقوم البيّنة بذلك، أو لا. و على التقادير: فامّا أنيصرّح بكون الشراء للموكّل، أو ينوي ذلك خاصّة. ثمّ امّا أنيكون الوكيل
صادقا بحسب الواقع أو كاذبا.
و حكمها: أنّه متى كان الشراء بالعين فهو فضولي، سواء ذكر الموكّل أم لا، و سواء نوى الشراء للموكّل أم لا. فان لميجز المالك و قد ذكره صريحا أو كان له بيّنة أنّ العين له أو البائع عالما بذلك، فان كان الوكيل صادقا فالعقد صحيح باطنا فاسد ظاهرا. فان رجع المالك في العين و أخذها من البائع رجع اليه مبيعه، و ان رجع بالعين على الوكيل لتعذّر أخذها من البائع أخذ الوكيل المبيع قصاصا، و توصّل الى ردّ ما فضل منه عن حقّه ان كان هناك فضل. و ان تلفت تخيّر في الرجوع، فان رجع على البائع رجع على الوكيل، و ان رجع على الوكيل لميرجع على البائع؛ لاعترافه بظلم الموكّل في الرجوع. و لو لميعلم البائع بالحال و لميحصل الوصفان الآخران لميجب عليه الدفع، بل يحلف على نفي العلم ان ادّعي عليه، ثمّ يغرم الوكيل و يأخذ العين قصاصا كما مرّ. و ان كان الوكيل كاذبا بحسب الواقع بطل الشراء بالعين مطلقا، و أتى فيه التفصيل، لكن ان كانت العين قد تلفت عند البائع وجب على الوكيل ردّ المبيع اليه، و ان كانت باقية عنده فخلاص الوكيل أنيصالح الموكّل عليها بما دفعه من المثل أو القيمة ثمّ يصالح البائع على العين ان أمكن. و ان كان الشراء في الذمّة و ذكر الموكّل وقع له باطنا ان كان محقّا و بطل ظاهرا فيأخذه قصاصا. و ان لميذكره لفظا و لا نيّة فالشراء للوكيل ظاهرا و باطنا. و ان كان مبطلاً و ذكر الموكّل بطل البيع مطلقا. و ان نواه خاصّة فالسلعة للبائع باطنا، فيشتريها منه بالثمن ان كان باقيا، و الاّ دفعها اليه و لا شيء عليه. و ان لمينوه وقع الشراء للوكيل».(1)
1) - مسالك الأفهام 5: 275.
و لو وكّل اثنين فان شرط الاجتماع لميجز لأحدهما أنينفرد بشيء من التصرّف و كذا لو أطلق. و لو مات أحدهما بطلت الوكالة و ليس للحاكم أنيضمّ اليه أمينا. أمّا لو شرط الانفراد جاز لكلّ منهما أنيتصرّف غير مستصحب رأي صاحبه.
يجوز للانسان أنيوكّل اثنين فصاعدا في أمر واحد؛ للأصل و اطلاق الروايات، فان صرّح بانفرادهما جاز لكلّ منهما الاستقلال في التصرّف من دون مراجعة الآخر و الاّ لميجز الانفراد لأحدهما و لو مع غيبة صاحبه أو عجزه، سواء صرّح بالانضمام و الاجتماع أو أطلق - بأن قال: وكّلتكما، أو أنتما وكيلاي و نحو ذلك - ؛ للانصراف الاّ مع وجود القرينة الواضحة على الاذن.
و عليه فلو مات أحدهما بطلت الوكالة رأسا مع شرط الاجتماع أو الاطلاق المنزّل منزلته، أمّا لو صرّح بالانفراد بقي وكالة الباقي كما هو واضح. و ليس للحاكم في صورة لزوم الاجتماع و موت أحدهما أنينضمّ اليه أمينا؛ لعدم الولاية له هنا على الموكّل بخلاف ضمّ الوصي فيما لو كانا اثنين و مات أحدهما.
و لو وكّل زوجته أو عبد غيره ثمّ طلّق الزوجة و أعتق العبد لمتبطل الوكالة، أمّا لو أذن لعبده في التصرّف في ماله ثمّ أعتقه بطل الاذن؛ لأنّه ليس على حدّ الوكالة بل هو اذن تابع للملك.
لو وكّل زوجته أو عبد غيره ثمّ طلّق الزوجة و أعتق العبد لمتبطل الوكالة؛ اذ لا مدخل للزوجيّة و العبوديّة في صحّة الوكالة. نعم، لو باع مالك العبد عبده، توقّف بقاء وكالته على اذن المشتري كما لو وكّل عبد غيره ابتداءً، حتّى لو ردّ الوكالة بطلت.
أمّا لو أذن لعبده في التصرّف في ماله ثمّ أعتقه قال المصنّف: «بطل الاذن؛ لأنّه ليس على حدّ الوكالة بل هو اذن تابع للملك». و في المسالك: «بناءً على أنّ صيغة الوكالة لاتنحصر في لفظ، بل تصحّ بكلّ ما دلّ على الاذن في التصرّف، فحينئذ يشكل الفرق بين توكيل العبد و الاذن له في التصرّف حيث لاتبطل الوكالة بعتقه و تبطل الاذن، الاّ أنيستفاد ذلك من القرائن الخارجيّة الدالّة على أنّ مراده من الاذن مادام في رقّه و مراده من الوكالة كونه مأذونا مطلقا. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ مراد المصنّف هو ما ذهب اليه الشهيد الثاني و على كلّ حال فكلام الشهيد وجيه، و اللّه العالم.
و اذا وكّل انسانا في الحكومة لميكن اذنا في قبض الحقّ؛ اذ قد يوكّل من لايستأمن على المال. و كذا لو وكّله في قبض المال فأنكر الغريم لميكن ذلك اذنا في محاكمته؛ لأنّه قد لايرتضي للخصومة.
اذا وكّل انسانا في الحكومة لميكن اذنا في قبض الحقّ؛ اذ قد يوكّل من لايستأمن على المال. و كذا لو وكّله في قبض المال فأنكر الغريم، لميكن ذلك اذنا في محاكمته؛ لأنّه قد لايرتضي للخصومة.
قال في المسالك: «لمّا كان اطلاق الاذن مقتضيا لفعل ما دلّ عليه من غير أنيتجاوز الاّ مع دلالة خارجيّة على التجاوز كما مرّ كان اطلاق الاذن في كلّ من الخصومة و الاستيفاء غير متناول للآخر؛ اذ لايدلّ الاذن في أحدهما على الآخر
1) - مسالك الأفهام 5: 278.
باحدى الدلالات، أمّا المطابقة و التضمّن فظاهر، و أمّا الالتزام فلما ذكره المصنّف من التعليل، فانّه لايلزم من الاذن في الخصومة الاذن في القبض؛ لجواز أنيكون المأذون عارفا بأحكام الخصومة و دقائقها و ليس بأمين على المال، كما هو واقع في كثير، و لا بالعكس؛ لجواز كونه أمينا و ليس بعارف في أحكام المنازعات، كما هو الأغلب في كثير من الصالحين الذين يستأمنون على المال و لايصلحون للحكومة».(1)
فرع: لو قال: «وكّلتك في قبض حقّي من فلان» فمات لميكن له مطالبة الورثة، أمّا لو قال: «وكّلتك في قبض حقّي الذي على فلان» كان له ذلك. و لو وكّله في بيع فاسد لميملك الصحيح و كذا لو وكّله في ابتياع معيب. و اذا كان لانسان على غيره دين فوكّله أنيبتاع له به متاعا جاز و يبرأ بالتسليم الى البائع.
هنا أمور:
الأوّل: لو قال: «وكّلتك في قبض حقّي من فلان»، فمات لميكن له مطالبة الورثة؛ لعدم اندراجه في عبارة الوكالة، أمّا لو قال: «وكّلتك في قبض حقّي الذي على فلان» كان له ذلك؛ لعدم تعيين المقبوض منه فيدخل الوارث بل المتبرّع بخلاف الأوّل.
الثاني: لو وكّله في بيع فاسد لميملك الصحيح، كما لو قال: «اشتر لي كذا الى ادراك الغلاّت أو مقدم الحاجّ أو بعد ذلك»، أو ما شاكله. و لا فرق في ذلك بين أنيكونا عالمين بالفساد أو جاهلين و بالتفريق؛ و انّما لميملك الصحيح لعدم
1) - مسالك الأفهام 5: 279.
التوكيل فيه فيقع فضوليّا. و كما لايملك الصحيح لايملك الفاسد أيضا؛ لأنّ اللّه تعالى لميأذن فيه و الموكّل لميملكه فالوكيل أولى، فلو اشترى به و سلّم الثمن أو باع كذلك و سلّم المبيع ضمن.
الثالث: لو وكّله في ابتياع معيب لايملك ابتياع الصحيح؛ وقوفا على الاذن، لكن هنا يفارق الأمر الثاني في أنّ له أنيشتري المعيب؛ لأنّه أمر مشروع و الأغراض تتعلّق به كما تتعلّق بالصحيح.
ثمّ ان عيّن المعيب لميجز التخطّي الى غيره سواء ساواه أو قصر أو زاد عليه، و ان أطلق صحّ شراء ما يطلق عليه اسم المعيب.
الرابع: اذا كان لانسان على غيره دين فوكّل الدائن المديون في أنيبتاع له بالدين متاعا جاز بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- ولكن لايبرأ ذمّة المديون الاّ بتسليم دين الموكّل الى البائع بعنوان ثمن المتاع؛ ضرورة عدم تشخّص الدين الاّ بقبض من هو له أو من يقوم مقامه و ليس هنا الاّ قبض البائع؛ لأنّ مالكه لميعيّنه الاّ على تقدير جعله ثمنا؛ لأنّ الباء تقتضي المقابلة، و لايصير ثمنا مع كونه في الذمّة فيبرأ ذمّته بالتسليم الى البائع.
1) - جواهر الكلام 27: 411.
و لايحكم بالوكالة بدعوى الوكيل و لا بموافقة الغريم ما لميقم بذلك بيّنة و هي شاهدان و لاتثبت بشهادة النساء و لا بشاهد واحد و امرأتين و لا بشاهد و يمين على قول مشهور، و لو شهد أحدهما بالوكالة في تاريخ و الآخر في تاريخ آخر قبلت شهادتهما؛ نظرا الى العادة في الاشهاد؛ اذ جمع الشهود لذلك في الموضع الواحد قد يعسر، و كذا لو شهد أحدهما أنّه وكّله بالعجميّة و الآخر بالعربيّة؛ لأنّ ذلك يكون اشارة الى المعنى الواحد. و لو اختلفا في لفظ العقد بأنيشهد أحدهما أنّ الموكّل قال: «وكّلتك» و يشهد الآخر أنّه قال: «استنبتك» لمتقبل لأنّها شهادة على عقدين؛ اذ صيغة كلّ واحد منهما مخالفة للأخرى، و فيه تردّد؛ اذ مرجعه الى أنّهما شهدا في وقتين. أمّا لو عدلا عن حكاية لفظ الموكّل و اقتصرا على ايراد المعنى جاز و ان اختلفت عبارتهما، و اذا علم الحاكم بالوكالة حكم فيها بعلمه.
فروع:
لايحكم بثبوت الوكالة بدعوى الوكيل - و ان جاز الأخذ من يده مع عدم المعارض - و لا بموافقة الغريم - و ان ألزم باقراره الاّ أنّه ليس اثباتا شرعيّا على الموكّل لو أنكر - ما لميقم بذلك بيّنة، و هي شاهدان جامعان للشرائط و عليه فلاتثبت بشهادة النساء و لا بشاهد واحد و امرأتين و لا بشاهد و يمين على قول مشهور.
قال في المسالك - عند قول المصنّف: «و لا بشاهد واحد و امرأتين، و لا بشاهد و يمين» - : «هذا هو المذهب و لانعلم فيه مخالفا، و لأنّ متعلّق الشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين الحقوق الماليّة، و الغرض من الوكالة الولاية على التصرّف، و المال قد يترتّب عليها لكنّه غير مقصود بالذات من ماهيّتها. و يشكل الحكم فيما لو اشتملت الدعوى على الجهتين، كما لو ادّعى شخص على آخر وكالة بجعل و أقام شاهدا و امرأتين أو شاهدا و حلف معه. و الظاهر حينئذ أنّه يثبت المال لا الوكالة، و لايقدح في ذلك تبعّض الشهادة. و مثله ما لو أقام ذلك بالسرقة، فانّه يثبت المال لا القطع. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مسالك الأفهام 5: 282.
قال في المسالك: «المشهور في عبارات الأصحاب و غيرهم أنّ الشاهدين بالوكالة اذا اختلف تاريخ ما شهدا به لميثبت الوكالة بذلك؛ لأنّ كلّ صيغة واقعة في وقت منهما لميقم بها شاهدان، و احداهما غير الأخرى. أمّا لو شهدا باقراره بها في وقتين قبلت. و المصنّف رحمهالله لميفرّق في اطلاق كلامه بينهما، بل ظاهره في الأوّل أنّ شهادتهما بنفس الوكالة في تاريخين. ولكن تعليله بعسر جمع الشهود في الوقت الواحد قد يستفاد منه أنّ المتأخّر وقع على جهة الاقرار؛ لأنّ الصيغة اذا وقعت مرّة بقي ما بعدها اقرارا بها. و على هذا فيكفي شهادة أحدهما بالانشاء و الآخر بالاقرار في وقتين، كما يقبل لو شهدا معا بالاقرار في الوقتين. و يبقى قوله: «و لو اختلفا في لفظ العقد» صريحا في انشاء الوكالة. و مع ذلك اختلاف العبارة يقتضي تعدّد الانشاء كما لو تعدّد الوقت و ان اتّفقت العبارة».(1)
أقول:
ما ذهب اليه الشهيد رحمهالله في المسالك صحيح و هو أنّ ما يظهر من عبارات المشهور من الأصحاب و غيرهم أنّ الشاهدين بالوكالة اذا اختلف تاريخ ما شهدا به لمتثبت الوكالة بذلك؛ لأنّ كلّ صيغة في وقت منهما لميقم بها شاهدان و احداهما غير الأخرى. أمّا لو شهدا باقراره بها في وقتين قبلت.
و لو شهد احداهما بانشاء الوكالة و الأخرى بالاقرار بها، فثبوت الوكالة مشكل، و ذلك لأنّ كلاًّ من انشاء الوكالة و الاقرار بها يحتاج في الثبوت الى
1) - مسالك الأفهام 5: 283.
شاهدين.
ثمّ اعلم أنّ صاحب الجواهر رحمهالله استشكل على الشهيد بأنّ ايراده على عبارة المصنّف في غير محلّه؛ اذ عبارته بعد التأمّل موافق للمشهور فراجع.(1)
لو اختلفا في لفظ العقد بأنيشهد أحدهما أنّ الموكّل قال في عقده: «وكّلتك» و يشهد الآخر أنّه قال: «استنبتك» لمتقبل في المشهور؛ لأنّهما شهادتان على عقدين؛ اذ صيغة كلّ واحد منهما مخالفة للأخرى و الفرض عدم ثبوت كلّ منهما.
أمّا لو عدلا عن حكاية لفظ الموكّل و اقتصرا على ايراد المعنى الذي هو كونه وكيلاً جاز و ان اختلفت عبارتهما بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(2)- و كذا لا خلاف و لا اشكال في أنّه اذا علم الحاكم بالوكالة حكم فيها بعلمه.
قال في الجواهر: «كغيرها من حقوق الناس و حقوق اللّه تعالى بل عن الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر الاجماع عليه».
تفريع: لو ادّعى الوكالة عن غائب في قبض ماله من غريم فان أنكر الغريم فلا يمين عليه، و ان صدّقه فان كانت عينا لميؤمر بالتسليم و لو دفع اليه كان للمالك استعادتها، فان تلفت كان له الزام أيّهما شاء مع انكاره الوكالة و لايرجع أحدهما على الآخر. و كذا لو كان الحقّ دينا و فيه تردّد لكن في
هذا لو دفع لميكن للمالك مطالبة الوكيل؛ لأنّه لمينزع عين ماله؛ اذ لايتعيّن الاّ بقبضه أو قبض وكيله و هو ينفي كلّ واحد من القسمين. و للغريم أنيعود على الوكيل ان كانت العين باقية أو تلفت بتفريط منه و لا درك عليه لو تلفت بغير تفريط. و كلّ موضع يلزم الغريم التسليم لو أقرّ به يلزمه اليمين اذا أنكر.
فرعان:
اذا ادّعى الوكالة عن غائب في قبض ماله فان صدّقه الغريم في ادّعائه الوكالة و كان الحقّ عينا لميؤمر بالتسليم اليه قطعا؛ لأنّ اقرار الغريم متعلّق بحقّ المالك فلايلزم به. نعم، يجوز له حينئذٍ تسليمها؛ اذ لا منازع غيرهما الآن و يبقى المالك على حجّته فاذا حضر و صدّق الوكيل برئ الدافع، و ان كذّبه فالقول قوله مع يمينه فحينئذ فان كانت العين موجودة أخذها و له مطالبة من شاء منهما بردّها؛ لترتّب أيديهما على ماله، و للدافع مطالبة الوكيل باحضارها لو طلب المالك منه دون العكس أي لو رجع المالك على الوكيل لميرجع هو على الدافع.
و ان تعذّر ردّها لتلف أو غيره تخيّر في الرجوع على من شاء منهما فان رجع على الوكيل لميرجع على الغريم مطلقا سواء تلفت بتفريط أو بغيره؛ لاعترافه ببراءته بدفعها اليه و ان رجع على الغريم لميرجع على الوكيل ان تلفت في يده بغير تفريط؛ لأنّه أمين بتصديقه له، و ان تلفت بتفريط رجع الغريم عليه.
قال في المسالك: «و ان كان الحقّ دينا ففي وجوب التسليم اليه مع تصديقه وجهان: أحدهما مساواته للعين، لأنّ تسليمه انّما يكون عن الموكّل، و لايثبت باقرار الغريم عليه استحقاق غيره لقبض حقّه، و لأنّ التسليم لايؤمر به الاّ اذا كان مبرئا للذمّة، و من ثمّ يجوز لمن عليه الحقّ الامتناع من تسليمه لمالكه حتّى يشهد عليه، و ليس هنا كذلك؛ لأنّ الغائب يبقى على حجّته، و له مطالبة الغريم بالحقّ لو أنكر الوكالة.
و الثاني وجوب الدفع هنا؛ لأنّ هذا التصديق انّما اقتضى وجوب التسليم من مال نفسه و انكار الغائب لايؤثّر في ذلك، فلا مانع من نفوذه؛ لعموم: «اقرار العقلاء
على أنفسهم جائز»، و توقّف وجوب التسليم على كونه مبرئا مطلقا ممنوع، و البراءة بزعمه هنا حاصلة. و الاحتجاج بجواز الامتناع للاشهاد انّما يقتضيه على المدفوع اليه و هو ممكن بالنسبة الى مدّعي الوكالة، فوجوب الدفع هنا أوجه.
ثمّ اذا حضر المالك و أنكر، طالب الغريم لا الوكيل و ان كانت العين باقية؛ لأنّه لميقبض ماله؛ اذ لايتعيّن الدين الاّ بتعيين مستحقّه أو من يقوم مقامه، و قد انتفى ذلك هنا. نعم، للغريم العود على الوكيل مع بقاء العين أو تلفها بتفريط لا بدونهما؛ لبراءة القابض من عهدتها بزعم الغريم؛ لمصادقته على كونه وكيلاً فيكون أمينا.
و قد ظهر من ذلك أنّ الغريم اذا أنكر وكالة المدّعي لها و كان الحقّ دينا يتوجّه عليه اليمين على نفي العلم مع ادّعائه عليه؛ لأنّه لو أقرّ لزمه التسليم، بخلاف ما لو كان عينا؛ عملاً بمقتضى القاعدة المشهورة: «انّ كلّ من لو أقرّ بشيء يلزمه لو
أنكره يتوجّه عليه اليمين».».(1)
و في الجواهر: «الأقوى هنا - أي لو كان الحقّ الذي ادّعى الوكالة عليه دينا - أنّه يؤمر بالتسليم وفاقا للمحقّق الثاني و الشهيد الثاني و الخراساني و عن الحلّي، و خلافا للمحكي عن الشيخ و يحيى بن سعيد، و الفاضل في الارشاد و والده و الكاشاني، من مساواته للعين. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
عمدة ما استدلّ به لوجوب التسليم في المقام هو قاعدة «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فانّ الغريم مقرّ بالدين من جهة و بوكالة الوكيل من جهة أخرى، فينتج وجوب التسليم.
هذا، ولكن الظاهر جريان ما ذكر في العين هنا أيضا، فانّ الدائن اذا جاء كان على حجّته و له مطالبة الغريم بالدين و على الغريم التدارك له اذا أنكر الوكالة.
فانّ ما استدلّ به في المسالك و الجواهر لوجوب التسليم في الدين غير واضح الدلالة، و الظاهر أنّه لا فرق في الدين و العين الاّ أنّ أداء الدين موافق للاحتياط.
و فيه مسائل:
«الأولى»: الوكيل أمين لايضمن ما تلف في يده الاّ مع التفريط أو التعدّي.
الوكيل أمين لايضمن ما تلف في يده الاّ مع التفريط أو التعدّي.
و الذي يدلّ على عدم ضمان الأمين هو الروايات الواردة في الأبواب المختلفة كالوديعة و العارية و غيرهما، و هي شاملة لكلّ أمين.
قال في الجواهر: «لا خلاف بين المسلمين و لا اشكال في أنّ الوكيل - سواء كان بجعل أو غيره كما هو صريح بعض و ظاهر الباقين - أمين بالنسبة الى أنّه لايضمن ما تلف في يده الاّ مع التفريط أو التعدّي كغيره من الأمناء الذين قد عرفت الدليل على عدم ضمانهم من النصّ و الاجماع فيما مضى من الكتب السابقة، و كذا بالنسبة الى تصديقه بدعوى التلف».(1)
1) - جواهر الكلام 27: 421.
«الثانية»: اذا كان أذن لوكيله أنيوكّل فان وكّل عن موكّله كانا وكيلين له تبطل وكالتهما بموته، و لاتبطل بموت أحدهما و لا بعزل أحدهما صاحبه، و ان وكّله عن نفسه كان له عزله، فان مات الموكّل بطلت وكالتهما، و كذا ان مات وكيل الأوّل.
لايجوز للوكيل أنيوكّل غيره في ايقاع ما توكّل فيه لا عن نفسه و لا عن الموكّل الاّ باذن الموكّل كما تقدّم. و يجوز باذنه بكلا النحوين، فلو أذن له في أنيوكّل غيره عن الموكّل فهو المتّبع فلايجوز أنيوكّله عن نفسه، و لو أذن له في أنيوكّل غيره عن الموكّل أو عن نفسه فهو مختار.
ثمّ انّه لو كان الوكيل الثاني وكيلاً عن الموكّل كان في عرض الوكيل الأوّل فليس له أنيعزله و لاينعزل بانعزاله بل لو مات الوكيل الأوّل يبقى الثاني على وكالته، و أمّا لو كان وكيلاً عن الوكيل كان له أنيعزله و كانت وكالته تبعا لوكالته فينعزل بانعزاله أو موته، و هل للموكّل أنيعزله حتّى من دون أنيعزل الوكيل الأوّل؟ الظاهر ذلك؛ لأنّه الأصل في ذلك.
«الثالثة»: يجب على الوكيل تسليم ما في يده الى الموكّل مع المطالبة و عدم العذر، فان امتنع من غير عذر ضمن، و ان كان هناك عذر لميضمن، و لو زال العذر فأخّر التسليم ضمن، و لو ادّعى بعد ذلك أنّ تلف المال قبل الامتناع أو ادّعى الردّ قبل المطالبة، قيل: «لاتقبل دعواه و لو أقام بيّنة»، و الوجه أنّها تقبل.
يجب على الوكيل تسليم ما في يده الى الموكّل أو وكيله مع المطالبة و عدم
العذر بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- فان امتنع حينئذٍ من غير عذر ضمن؛ لانقطاع الاذن في ذلك بالمطالبة و صارت يده يد عدوان. نعم، لو كان هناك عذر شرعا كما في ضيق وقت الصلاة، أو عرفا كما في وقت نزول المطر و غيره فلايضرّ التأخير، فاذا زال العذر فلو أخّر التسليم ضمن بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر.
و لو امتنع من الردّ بعد المطالبة به مع الاعتراف بوجود المال ثمّ ادّعى بعد ذلك أنّ المال قد تلف قبل الامتناع أو ادّعى الردّ قبل المطالبة قيل: «لاتقبل دعواه و ان أقام بيّنة؛ لتكذيبه لها بالاقرار المفروض سابقا» و اختاره جماعة - كما في الجواهر - و الوجه أنّها تقبل؛ لعموم البيّنة على المدّعي اذا أظهر لاقراره الأوّل وجها ممكنا كنسيان أو اعتماد على كتابة و نحوها.
و في الجواهر: «عموم البيّنة على المدّعي معارض بما دلّ على حجّيّة الاقرار. نعم، اذا لميكن حال امتناعه من الردّ معترفا بوجود المال و كان ذلك مماطلة اتّجه سماع بيّنته، بل قد يقال حينئذٍ بسماع قوله في التلف أو الردّ بناءً على القول به، و المطلّ المزبور يمكن أنيكون حياءً من المالك أو لغير ذلك من الوجوه الصحيحة، لكن في القواعد و محكي التذكرة و السرائر التصريح بعدم قبول غير البيّنة منه في الفرض المزبور و اللّه العالم. انتهى ملخّصا».(2)
«الرابعة»: كلّ من في يده مال لغيره أو في ذمّته فله أنيمتنع من التسليمحتّى يشهد صاحب الحقّ بالقبض، و يستوي في ذلك ما يقبل قوله في ردّه و
بين ما لايقبل الاّ ببيّنة؛ هربا من الجحود المفضي الى الدرك أو اليمين. و فصّل آخرون بين ما يقبل قوله في ردّه و ما لايقبل فأوجبوا التسليم في الأوّل و أجازوا الامتناع في الثاني الاّ مع الاشهاد و الأوّل أشبه.
قال في الجواهر: «كلّ من في يده مال لغيره ممّن تتوجّه له الدعوى به و لو غصبا لا مثل الزكاة و الخمس أو في ذمّته كذلك فله أنيمتنع من التسليم حتّى يشهد صاحب الحقّ بالقبض حال وقوعه و يستوي في ذلك ما يقبل قوله في ردّه كالوديعة، و مالا يقبل الاّ ببيّنة كالعاريّة؛ هربا من الجحود المفضي الى الدرك أو اليمين. و فصّل آخرون بين ما يقبل قوله في ردّه فأوجبوا فيه التسليم و ان لميشهد و بين ما لايقبل فأجازوا الامتناع الاّ مع الاشهاد. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
انّ الاشهاد من جانب من عليه الحقّ على الاقباض لا بأس به مطلقا اذا لميكن في تأخيره ضرر على المحقّ و الاّ يجب ردّ مال الغير اذا كان ممّا يقبل قوله في ردّه كالوديعة، و فيما لايقبل الاّ ببيّنته فان كان في تأخير الاقباض الى احضار الشهود عند القبض ضرر فاحش على المحقّ فعليه الدفع و يتشبّث بعد ذلك في صورة انكار المحقّ القبض الى الأمور الأخر كانكار أصل المال عنده مثلاً ان لميكن للمحقّ بيّنة على ذلك.
«الخامسة»: الوكيل في الايداع اذا لميشهد على الودعي لميضمن، و لوكان وكيلاً في قضاء الدين فلميشهد بالقبض ضمن، و فيه تردّد.
1) - جواهر الكلام 27: 426.
الوكيل في أنيودع مال الموكّل عند آخر اذا لميشهد على الودعي لميضمن اذا أنكر الودعي بلا خلاف - كما في الجواهر(1)- و ذلك أوّلاً لأنّ الوديعة مبنيّة على الاخفاء غالبا و هو منافٍ للاشهاد فلايكون الوكيل مفرّطا.
و ثانيا لأنّ الودعي قوله مقبول في الردّ و التلف فلايؤثّر الاشهاد في تغريمه، كما عن الشهيد الثاني.
و لو أنكر المالك الدفع الى الودعي فالقول قول الوكيل الذي هو أمين على ذلك، و في صورة النزاع فليس على الأمين الاّ اليمين لرفع الخصومة.
و أمّا لو كان وكيلاً في قضاء الدين فلميشهد بالقبض فحكم المصنّف ابتداءً بالضمان ثمّ تردّد فيه.
و في الجواهر: «كما عن الشيخ و الفاضل في جملة من كتبه، و ولده و الشهيدين و المحقّق الثاني؛ للتفريط. و لكن في المتن: «فيه تردّد» و كذا القواعد، بل كأنّه قال به في محكي المختلف، بل عن الأردبيلي الجزم بذلك؛ و لعلّه لعدم صدق التفريط عرفا، لا أقلّ من الشكّ، و الأصل عدم الضمان، مضافا الى السيرة. و اللّه العالم».
و في المسالك: «وجه التردّد في الحكم هو ما ذكر من أنّ الوكيل في الايداع اذا لميشهد على الودعي لميضمن؛ لأنّ الايداع مبني على الاخفاء و هو فيها أمر مطلوب، بخلاف قضاء الدين، و لأنّ الودعي قوله مقبول في الردّ و التلف فلايؤثّر الاشهاد في تغريمه، بخلاف المديون. و من جهة أخرى عدم دلالة مطلق الأمر بأداء الدين على الاشهاد، فيحصل الامتثال بدونه، فلايحتاج الى الاشهاد و
1) - جواهر الكلام 27: 427.
لايضمن الوكيل لو أنكر الدائن. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ عدم ضمان الوكيل في قضاء الدين موافق للقاعدة؛ و ذلك أوّلاً لما ذكره الشهيد من عدم دلالة مطلق الأمر بأداء الدين على الاشهاد، و ثانيا لأنّ ضمان الوكيل يكون فيما لو ثبت أنّه في عدم الاشهاد مفرّط و صدقه غير معلوم و لا أقلّ من الشكّ فالأصل عدمه.
«السادسة»: اذا تعدّى الوكيل في مال الموكّل ضمنه و لاتبطل وكالته؛ لعدم التنافي، و لو باع الوكيل ما تعدّى فيه و سلّمه الى المشتري برئ من ضمانه؛ لأنّه تسليم مأذون فيه فجرى مجرى قبض المالك.
اذا تعدّى الوكيل في مال الموكّل بلبس و نحوه ضمنه قطعا كما تقدّم ولكن لاتبطل وكالته على بيعه مثلاً بلا خلاف - كما في الجواهر(2)- ؛ لعدم التنافي بين الضمان بسببه الشرعي و بقاء الوكالة المستصحب المحتاج رفعه الى فاسخ شرعي أو انشاء عزل المالك كما هو كذلك في الرهن و مال القراض و العارية و الوديعة، و حينئذٍ فلو باع الوكيل ما تعدّى فيه و سلّمه الى المشتري برئ من ضمانه بلا خلاف - كما في الجواهر - ؛ لأنّه تسليم مأذون فيه فجرى مجرى قبض المالك المعلوم انقطاع الضمان به، و لايكون الثمن مضمونا لعدم التعدّي فيه بعد.
«السابعة»: اذا أذن الموكّل لوكيله في بيع ماله من نفسه فباع جاز، و فيه تردّد، و كذا في النكاح.
اذا أذن الموكّل لوكيله في بيع ماله من نفسه فباع جاز؛ و ذلك لوجود المقتضي للصحّة و عدم المانع عنها.
و القول بالجواز للأكثر، و ذهب الشيخ و جماعة الى المنع منه للتهمة، و لأنّه يصير موجبا و قابلاً، كما في المسالك.
و استشكل فيه في المسالك بأنّه نمنع التهمة مع الاذن و يجوز تولّي الواحد الطرفين عندنا.
ثمّ قال في المسالك: «و لو أطلق له الاذن ففي جواز بيعه من نفسه قولان، و المنع أرجح؛ لأنّ المفهوم من الاستنابة في البيع البيع على غيره، فلايتناوله الاطلاق. و لورود روايات تدلّ على المنع من شراء الوكيل من نفسه».(1)
و الروايات هي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا قال لك الرجل: اشتر لي، فلاتعطه من عندك و ان كان الذي عندك خيرا منه».(2)
و موثّقة اسحاق قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يبعث الى الرجل، يقول له: ابتع لي ثوبا، فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده؟ فقال: لايقربنّ هذا و لايدنّس نفسه؛ انّ اللّه
عزّوجلّ يقول: «انّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض والجبال فأبين أنيحملنها و أشفقن منها و حملها الانسان انّه كان ظلوما جهولاً»(1)و ان كان عنده خير ممّا يجد له في السوق فلايعطيه من عنده».(2)
و لايعارضها رواية اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليهالسلام : يجيء الرجل بدينار يريد منّي دراهم، فأعطيه أرخص ممّا أبيع؟ فقال: أعطه أرخص ممّا تجد له».(3)
لأنّها تحمل على اعلامه أو عدم التهمة؛ لصحيحة ميسّر قال:
«قلت له: يجيئني الرجل فيقول: تشتري لي؟ و يكون ما عندي خيرا من متاع السوق، قال: ان أمنت أن لايتّهمك فأعطه من عندك و ان خفت أنيتّهمك فاشتر له من السوق».(4)
هذا في البيع و و أمّا في النكاح فقد تكلّمنا فيه في كتاب النكاح و قلنا هناك بأنّه تارة أذنت بأنينكحها و ان كان لنفسه بأنتصرّح بأنّه مأذون في النكاح حتّى لنفسه ففي هذه الصورة لا اشكال في جواز نكاحها لنفسه.
و أخرى تطلق الاذن بمعنى أنّها لمتصرّح بشيء من العموم أو التعيين، كما لو قالت: «أنت وكيلي في تزويجي أو في تزويجي لرجل أو لكفؤ».
و الظاهر أنّه ان لميكن هناك قرينة على أنّ الزوج غيره فيجوز له التزويج من نفسه، الاّ أنّ الاحتياط في الاجازة منها لايترك؛ لاحتمال وجود الانصراف بنظر
العرف، و ان استشكل بعض في الجواز هنا.
و ثالثة تعمّم الاذن كما لو قالت: «زوّجني ممّن شئت» و قد تنظّر فيه بعض و الظاهر أنّ الاشكال هنا أضعف و احتمال الانصراف بعيد و عليه فالقول بالجواز قريب الاّ أنيكون هناك قرينة على غيره.
و فيه مسائل:
«الأولى»: اذا اختلفا في الوكالة فالقول قول المنكر؛ لأنّه الأصل. و لو اختلفا في التلف فالقول قول الوكيل؛ لأنّه أمين، و قد يتعذّر اقامة البيّنة بالتلف غالبا فاقتنع بقوله؛ دفعا لالتزام ما تعذّر غالبا، و لو اختلفا في التفريط فالقول قول منكره؛ لقوله عليهالسلام : «و اليمين على من أنكر».
لو اختلفا في الوكالة فالقول قول منكرها؛ للأصل. و لو اختلفا في التلف أو في تفريط الوكيل فالقول قول الوكيل؛ لأنّه أمين مع أصالة الصحّة في عمل المسلم.
قال في الجواهر: «اذا اختلفا في الوكالة، فالقول قول المنكر؛ لأنّه الموافق للأصل المقتضي لاندراجه في قوله عليهالسلام : «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر»، سواء كان المنكر الموكّل، أو الوكيل الذي قد يدّعي غيره وكالته لغرض منالأغراض كما لو كان قد اشترى شيئا ادّعى الموكّل أنّه اشترى له بالوكالة عنه،
فأنكر المشتري أصل الوكالة،
و لو اختلفا في التلف و عدمه فالقول قول الوكيل و ان كان مخالفا للأصل؛ لأنّه أمين بالنسبة الى ذلك، بمعنى كونه مقبول القول فيه، بلا خلاف أجده بل لعلّه كذلك بين المسلمين، فضلاً عن صريح الاجماع في المبسوط و السرائر و جامع المقاصد و المسالك على ما حكي عن بعضها، و لأنّه قد يتعذّر اقامة البيّنة بالتلف غالبا. فاقتنع بقوله: «دفعا لالتزام الأمين المحسن و غيره» بما تعذّر غالبا؛ لقاعدة العسر و الحرج و الاحسان و الأمانة.
و لعلّه يمكن أنيقال: انّ ذلك قاعدة كلّيّة من «أنّ كلّ أمر يتعذّر اقامة البيّنة عليه غالبا أو يتعسّر، يقبل قول مدّعيه بيمينه». و لعلّه لذلك ذكره المصنّف من أنّه: «و لو اختلفا في التفريط فالقول قول منكره».».(1)
«الثانية»: اذا اختلفا في دفع المال الى الموكّل فان كان بجعل كلّف البيّنة؛ لأنّه مدّعٍ، و ان كان بغير جعل قيل: «القول قوله كالوديعة» و هو قول مشهور، و قيل: «القول قول المالك» و هو الأشبه. أمّا الوصي فالقول قوله في الانفاق؛ لتعذّر البيّنة فيه دون تسليم المال الى الموصى له، و كذا القول في الأب و الجدّ و الحاكم و أمينه مع اليتيم اذا أنكر القبض عند بلوغه و رشده، و كذا الشريك و المضارب و من حصل في يده ضالّة.
فرعان:
1) - جواهر الكلام 27: 431 و 432.
اذا اختلفا في دفع المال الى الموكّل فالظاهر أنّ القول قول الموكّل؛ لأصالة عدم الدفع خصوصا اذا كانت بجعل؛ لأنّه في هذه الحالة قد أخذ لمصلحة نفسه.
قال في الجواهر: «اذا اختلفا في دفع المال الذي هو في يد الوكيل من حيث وكالته الى الموكّل فان كانت الوكالة بجعل كلّف البيّنة؛ لأنّه مدّعٍ و قابض لمصلحة نفسه، فلايساوي الوديعة و ان كانت بغير جعل، قيل: «القول قوله كالوديعة في الاحسان» و هو قول مشهور. و قيل: «القول قول المالك» و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها «البيّنة على المدّعى و اليمين على من أنكر»، و منها أصالة عدم الردّ و غيرها. انتهى ملخّصا».(1)
اذا اختلف الوصي و الموصى له في دفع المال الموصى به اليه فانّ القول قول المنكر؛ لما ذكر و لأصالة عدم الدفع. و كذا لو اختلف الأولياء حتّى الأب و الجدّ اذا اختلفوا مع المولّى عليه بعد زوال الولاية عليه في دفع ماله اليه فانّ القول قول المنكر؛ لما تقدّم.
نعم، لو اختلف الأولياء مع المولّى عليهم في الانفاق عليهم أو على ما يتعلّقبهم في زمان ولايتهم فالظاهر أنّ القول قول الأولياء بيمينهم؛ لظاهر الحال و لأنّهم
1) - جواهر الكلام 27: 432 و 433.
مؤتمنون من اللّه تعالى، و هكذا الحال في قبول قول الوصي.
قال في الجواهر: «أمّا الوصي فالقول قوله في الانفاق على الطفل أو على دوابّه أو على عقاره فضلاً عن دعوى التلف من غير تعدّ و لا تفريط بلا خلاف أجده فيه؛ لأنّه أمين بالنسبة الى ذلك و لتعذّر البيّنة فيه، بل و البيع للمصلحة و القرض لها و نحو ذلك ممّا ادّعاه حال أمانته دون دعوى تسليم المال الى الموصى له بعد بلوغه و رشده الذي هو كدعوى الردّ في المسألة السابقة. و كذا القول في الأب و الجدّ و من حصل في يده ضالّة أو لقطة؛ لاتّحاد المدرك في الجميع و هو عموم قوله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» بعد عدم اقتضاء الأمانة و قاعدة الاحسان القبول في ذلك و بعد حرمة القياس على الوديعة. انتهى ملخّصا».(1)
«الثالثة»: اذا ادّعى الوكيل التصرّف و أنكر الموكّل مثل أنيقول: «بعت أو قبضت» قيل: «القول قول الوكيل؛ لأنّه أقرّ بما له أنيفعله»، و لو قيل: «القول قول الموكّل»، أمكن لكنّ الأوّل أشبه.
اذا ادّعى الوكيل وقوع التصرّف الذي وكّل فيه و أنكر ذلك الموكّل مثل أنيقول: «بعت المتاع و تلف الثمن» أو قال: «قبضت المبيع لك و تلف في يدي» و أنكر ذلك الموكّل ليترتّب على الأوّل غرامة الوكيل المبيع عينا أو قيمة، و في الثاني عدم غرامة الثمن من الموكّل لكون المبيع قد تلف قبل قبضه فلا ثمن عليه فانّ القول قول الوكيل؛ لأنّه أقرّ بما له أنيفعله و لأنّه أمين و محسن.
قال في المسالك: «وجه الأشبه في كلام المصنّف هو أنّه أمين، و قادر علىالانشاء و التصرّف اليه، و مرجع الاختلاف الى فعله و هو أعلم به. و وجه تقديم
1) - جواهر الكلام 27: 433 و 434.
قول الموكّل ظاهر؛ لأصالة عدم الفعل. و قد اختلف كلام العلاّمة رحمهالله في هذه المسألة، فجزم في الارشاد بتقديم قول الوكيل، و قرّبه في القواعد، و جزم في التذكرة بتقديم قول الموكّل ان كان النزاع بعد عزل الوكيل، و استقرب كون الحكم قبل العزل مثله؛ لأصالة عدم التصرّف، و أصالة بقاء الملك على مالكه، و توقّف في التحرير، و الأجود الأوّل (أي تقديم قول الوكيل)».(1)
«الرابعة»: اذا اشترى انسان سلعة و ادّعى أنّه وكيل لانسان فأنكر كان القول قوله مع يمينه و يقضى على المشتري بالثمن، سواء اشترى بعين أو في الذمّة الاّ أنيكون ذكر أنّه يبتاع له في حالة العقد. و لو قال الوكيل: «ابتعت لك» فأنكر الموكّل أو قال: «ابتعت لنفسي» فقال الموكّل: «بل لي» فالقول قول الوكيل لأنّه أبصر بنيّته.
اذا اشترى انسان سلعة و ادّعى بعد ذلك أنّه وكيل لآخر كزيد - مثلاً - فأنكر زيد وكالته كان القول قول زيد مع يمينه؛ لأنّ الأصل عدم الوكالة و يقضى بالثمن على المشتري؛ لأنّ مباشرته للعقد يقتضي أنّ الشراء له، سواء اشترى بعين أو في الذمّة. و لو قال الوكيل: «انّي ابتعت لك» فأنكر الموكّل فالقول قول الوكيل بيمينه؛ لأنّه أبصر بنيّته، و كذا لو قال: «ابتعت لنفسي» و قال الموكّل: «بل ابتعت لي» فالقول قول الوكيل مع يمينه.
و في الجواهر: «بلا خلاف و لا اشكال، مع فرض كون الاختلاف في النيّة التي لاتعلم الاّ من قبله».(2)
«الخامسة»: اذا زوّجه امرأة فأنكر الوكالة و لا بيّنة كان القول قول الموكّل مع يمينه و يلزم الوكيل مهرها، و روي نصف مهرها، و قيل: «يحكم ببطلان العقد في الظاهر و يجب على الموكّل أنيطلّقها ان كان يعلم صدق الوكيل و أنيسوق لها نصف المهر»، و هذا قوي.
اذا أمر رجل رجلاً أنيزوّجه امرأة بعنوان الوكيل أو مطلقا و بعد التزويج أنكر الوكالة و لا بيّنة هناك كان القول قول الموكّل مع يمينه؛ لأنّه منكر و يلزم الوكيل
مهرها؛ و الدليل على ذلك روايات فمن جملتها صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبداللّه عليهالسلام :
«في رجل أمر رجلاً أنيزوّجه امرأة من أهل البصرة من بني تميم فزوّجه امرأة من أهل الكوفة من بني تميم، قال: خالف أمره و على المأمور نصف الصداق لأهل المرأة و لا عدّة عليها و لا ميراث بينهما. فقال بعض من حضر: فان أمره أنيزوّجه امرأة و لميسمّ أرضا و لا قبيلة ثمّ جحد الآمر أنيكون أمره بذلك بعد ما زوّجه؟ فقال: ان كان للمأمور بيّنة أنّه كان أمره أنيزوّجه كان الصداق على الآمر وان لميكن له بيّنة كان الصداق على المأمور لأهل المرأة و لا ميراث بينهما و لا عدّة عليها، و لها نصف الصداق ان كان فرض لها صداقا».(1)
و الظاهر أنّ على الوكيل نصف المهر.
نعم، يجب على الموكّل أنيطلّقها فيما بينه و بين اللّه تعالى ان كان يعلم صدقالوكيل و أنيسوق اليها نصف المهر ان لميرسله الوكيل اليها و الاّ فيعطيه الوكيل.
1) - وسائل الشيعة 20: 302 / الباب 26 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد / الحديث 1.
قال في الجواهر: «انّ وجوب الطلاق عليه فيما بينه و بين اللّه تعالى اذا علم صدق الوكيل ممّا لا خلاف فيه، و أمّا بالنسبة الى سوق المهر اليها فمال اليه جماعة منهم الفاضل و ولده و ثاني الشهيدين، بل جزم ثاني المحقّقين بأنّه أصحّ. انتهى ملخّصا».(1)
«السادسة»: اذا وكّله في ابتياع عبد فاشتراه بمائة فقال الموكّل: «اشتريته بثمانين» فالقول قول الوكيل؛ لأنّه مؤتمن، و لو قيل: «القول قول الموكّل» كان أشبه؛ لأنّه غارم.
اذا وكّله في ابتياع عبد فاشتراه بمائة فقال الموكّل: «اشتريته بثمانين» فالقول قول الوكيل؛ لأنّه مؤتمن.
قال في الجواهر: «انّ التداعي ان كان بين الموكّل و الوكيل كان القول قول الوكيل؛ لأنّه مؤتمن و الفعل فعله من غير فرق بين كون الثمن من مال الموكّل أو في ذمّته، و ان كان التداعي بين الموكّل و البائع فالقول قول الموكّل كما ستسمع في المسألة العاشرة.
«السابعة»: اذا اشترى لموكّله كان البائع بالخيار ان شاء طالب الوكيل و ان شاء طالب الموكّل، و الوجه اختصاص المطالبة بالموكّل مع العلم بالوكالة و اختصاص مطالبة الوكيل مع الجهل بذلك.
الحقّ في المسألة هو ما قاله في المسالك من التفصيل و التفريع فانّه قال: «متى
1) - جواهر الكلام 27: 438.
كان الثمن معيّنا فالمطالب به من هو في يده، سواء في ذلك الوكيل و الموكّل. و ان كان في الذمّة و دفعه الموكّل الى الوكيل تخيّر البائع في مطالبة أيّهما شاء مع علمه بالوكالة، أمّا الوكيل فلأنّ الثمن في يده، و أمّا الموكّل فلأنّ الشراء له، و ما دفع لمينحصر في الثمن بعد. و ان لميكن دفعه الى الوكيل فله مطالبة الوكيل مع جهله بكونه وكيلاً و عدم البيّنة عليها، و الموكّل مع علمه».(1)
«الثامنة»: اذا طالب الوكيل فقال الذي عليه الحقّ: «لاتستحقّ المطالبة» لميلتفت الى قوله؛ لأنّه مكذّب لبيّنة الوكالة، و لو قال: «عزلك الموكّل» لميتوجّه على الوكيل اليمين الاّ أنيدّعي عليه العلم، و كذا لو ادّعى أنّ الموكّل أبرأه.
قال في الجواهر: «اذا طالب الوكيل الثابتة وكالته بما وكّل عليه فقال الذي عليه الحق: «لاتستحقّ المطالبة لي» و لميذكر أزيد من ذلك لميلتفت الى قوله كما عن المبسوط و غيره؛ لأنّه مكذّب لبيّنة الوكالة. لكن في القواعد: «على اشكال»؛ و لعلّه ممّا عرفت، و من أعمّيّة ذلك من التكذيب؛ ضرورة امكان كونه لابراء أو لطروّ عزل أو أداء الى الموكّل أو نحو ذلك.
أقول:
الظاهر أنّ الاشكال في الفرع الأوّل قوي و الكلام في الفرع الثاني كما قال هو، و لا بأس به.
«التاسعة»: تقبل شهادة الوكيل لموكّله فيما لا ولاية له فيه، و لو عزل قبلت في الجميع ما لميكن أقام بها أو شرع في المنازعة.
شهادة الوكيل فيما ليس فيه وكيلاً و لا ولاية له عليه، مقبول لعموم أدلّة قبول شهادة العدل، و أمّا فيما هو فيه وكيل و له عليه ولاية فالظاهر عدم قبول شهادته لمكان التهمة التي تكلّمنا عن مانعيّتها عن قبول الشهادة في كتاب الشهادات فراجع.
قال في الجواهر: «لا خلاف بيننا بل و بين كافّة المسلمين و لا اشكال في أنّه تقبل شهادة الوكيل لموكّله فيما لا ولاية له (أي الوكيل) فيه كما تقبل شهادته على الموكّل؛ لعموم ما دلّ على قبول خبر العدل بخلاف ما هو وكيل فيه، فانّها لاتقبل فيه؛ للتهمة كما عن الشيخ و الحلّي و الفاضل و غيرهم التصريح به بل هو المشهور بل لمأجد فيه خلافا لها. و كذا صرّحوا أيضا بعدم قبول شهادته في جرح شهود المدّعي على الموكّل. نعم، لو عزل قبلت عندنا في الجميع. انتهى ملخّصا».(1)
قال في المبسوط: «اذا شهد الوكيل لموكّله بمال نظر، فان لميكن وكيلاً في ذلك المال قبلت شهادته؛ لأنّ هذا المال اذا ثبت بشهادته لميثبت له فيه تصرّففلايجرّ بها نفعا و لايدفع بها مضرّة. و ان كان وكيلاً في ذلك المال لاتقبل شهادته؛
1) - جواهر الكلام 27: 442.
لأنّه يثبت له التصرّف فيه اذا ثبت لموكّله فهو متّهم في تلك الشهادة. و ان شهد بعد العزل بذلك المال لموكّله نظر، فان كان قد شرع في الخصومة عليه لميقبل شهادته؛ لأنّه كان خصما في ذلك لموكّله و هو يشهد لموكّله به فلميقبل؛ لأنّ شهادة الخصم لاتقبل، و ان كان لميشرع الخصومة فيه فتقبل؛ لأنّه لميكن خصما في ذلك و لايثبت له التصرّف فيه ان ثبت للمدّعي؛ لأنّه معزول. انتهى ملخّصا».(1)
«العاشرة»: لو وكّله بقبض دينه من غريم له فأقرّ الوكيل بالقبض و صدّقه الغريم و أنكر الموكّل فالقول قول الموكّل و فيه تردّد. أمّا لو أمره ببيع سلعة و تسليمها و قبض ثمنها فتلف من غير تفريط فأقرّ الوكيل بالقبض و صدّقه المشتري و أنكر الموكّل فالقول قول الوكيل؛ لأنّ الدعوى هنا على الوكيل من حيث انّه سلّم المبيع و لميتسلّم الثمن فكأنّه يدّعي ما يوجب الضمان و هناك الدعوى على الغريم، و في الفرق نظر. و لو ظهر في المبيع عيب ردّه على الوكيل دون الموكّل؛ لأنّه لميثبت وصول الثمن اليه، و لو قيل بردّ المبيع على الموكّل كان أشبه.
فرعان:
لو وكّل الموكّل الوكيل بقبض دينه من غريم له فأقرّ الوكيل بالقبض و صدّقهالغريم و أنّه تلف في يده و أنكر الموكّل القبض منه فقال في الجواهر: «القول قول
1) - المبسوط 2: 402.
الموكّل وفاقا للمبسوط و التذكرة و القواعد و غيرها، بل في شرح الصيمري نسبته الى فتوى الأصحاب الاّ الفخر؛ لأنّ الدعوى انّما هي بين المالك و الغريم، و لا نزاع بينه و بين الوكيل، و ليس في الأدلّة ما يقتضي الزام الموكّل باقرار الوكيل فيما وكّل فيه مع عدم الخصومة معه، و ما تقدّم في المسألة الثالثة من تقديم قول الوكيل انّما هو مع كون التداعي معه».(1)
ولكن المصنّف رحمهالله تردّد في المسألة، و منشؤ التردّد - كما في المسالك(2)- من الاختلاف في فعل الوكيل فيقدّم قوله فيه، و لأنّه أمين، و من أصالة بقاء حقّ الموكّل عند الغريم. و الظاهر تقديم قول الوكيل؛ لأنّ الدعوى في الحقيقة ترجع الى فعل الوكيل فيقدّم قوله.
لو أمر الموكّل الوكيل ببيع سلعة و تسليمها و قبض ثمنها فتلف الثمن من غير تفريط - على دعوى الوكيل - فأقرّ الوكيل بالقبض و صدّقه المشتري و أنكر الموكّل فالقول قول الوكيل هنا بلا خلاف - كما في الجواهر - لأنّ الدعوى هنا على الوكيل و كأنّه يدّعي الموكّل ما يوجب الضمان على الوكيل من حيث انّه سلّم المبيع و لميتسلّم الثمن فيكون مفرّطا و الأصل براءة ذمّته مع أنّه أمين بالنسبة اليه و قوله مقبول فيما اؤتمن عليه.
قال المصنّف رحمهالله: «و لو ظهر في المبيع عيب ردّه على الوكيل دون الموكّل؛ لأنّه
لميثبت وصول الثمن اليه، و لو قيل بردّ المبيع على الموكّل كان أشبه».
و قال في المسالك: «القول الأوّل للشيخ رحمهالله معلّلاً بما ذكر. و موضع الخلاف ما اذا علم كونه وكيلاً كما يرشد اليه التعليل. و الأقوى ما اختاره المصنّف رحمهالله؛ لأنّ الملك له و الوكيل نائب عنه، و البائع في الحقيقة هو الموكّل، و وصول الثمن اليه و عدمه لا مدخل له في هذا الحكم أصلاً، بل لايجوز ردّه على الوكيل؛ لأنّه ينعزل بالبيع ان لميكن وكيلاً في قبض المبيع على تقدير ردّه بالعيب. و كيف كان فقول الشيخ ضعيف، و كذا تعليله».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الأشبه هو الردّ الى الموكّل؛ لما ذكره في المسالك، و أمّا اذا لميعلم المشتري بأنّ البائع وكيل فالظاهر أنّه يجوز الردّ الى الوكيل.
الى هنا تمّ ما أردنا
بيانه من مسائل الوكالة
و يتلوه شرح كتاب الهبات
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
1) - مسالك الأفهام 5: 306.
و النظر في الحقيقة و الحكم:
الهبة هي العقد المقتضي لتمليك العين من غير عوض تمليكا منجّزا مجرّدا عن القربة و قد يعبّر عنها بالنحلة و العطيّة.
و هي تفتقر الى الايجاب و القبول و القبض. فالايجاب كلّ لفظ قصد به التمليك المذكور كقوله مثلاً: «وهبتك و ملّكتك».
قال في المسالك: «جمعها (المصنّف) باعتبار أفرادها المختلفة في الحكم، كالهبة المقبوضة و غيرها، و المعوّض عنها و غيرها، و المتصرّف فيها و غيرها، و الواقعة للرحم و غيره، و نحو ذلك، و الاّ فهي حقيقة واحدة و ان اختلفت خواصّها، و من ثمّ عبّر الأكثر بها موحّدة».(1)
1) - مسالك الأفهام 6: 7.
فروع:
الهبة هي العقد المقتضي لتمليك العين من غير عوض، تمليكا منجّزا مجرّدا عن القربة. فالعقد بمنزلة الجنس يشمل سائر العقود و خرج به الفعل الدالّ على ذلك كنثار العرس و احضار الطعام بين يدي الضيف؛ فانّه لايسمّى هبة بل اباحة، و الموت المقتضي لتملّك الأعيان بالارث، و حيازة المباحات كالاحتطاب و الاحتشاش. و بقيد «المقتضي لتمليك العين» خرج نحو العارية و الاجارة. و بقيد «من غير عوض» يخرج نحو البيع و الصلح الواقع على الأعيان بعوض، و بقيد «منجّزا» تخرج الوصيّة بالأعيان؛ فانّ ملكها يتوقّف على الموت، و بقيد «مجرّدا عن القربة» يخرج الصدقة.
قد يعبّر عن الهبة بالنحلة و العطيّة، و قال في المسالك: «النحلة - بالكسر - اسم للعطيّة، و المصدر النحل بالضمّ، تقول: نحلته أنحله نحلاً. و العطيّة تطلق على مطلق الاعطاء المتبرّع به، فيشمل الوقف و الصدقة و الهبة و الهديّة و السكنى، و من ثمّ أطلق بعض الفقهاء عليها اسم العطايا و عنونها بكتاب، فتكون أعمّ منالهبة. و النحلة في معناها، فيكون اطلاقها على الهبة كاطلاق الجنس على النوع. و قد عرفت أنّ الهبة أعمّ من الصدقة؛ لاشتراطها بالقربة دونها.
و أمّا الهديّة فهي أخصّ من الهبة أيضا؛ لأنّها تفتقر الى قيد آخر مضافا الى ما
ذكر في تعريف الهبة، و هو أنيحمل الموهوب من مكان الى مكان الموهوب منه اعظاما له و توقيرا، فامتازت عن مطلق الهبة بذلك، و لهذا لايطلق لفظها على العقارات الممتنع نقلها، فلايقال: «أهدى اليه دارا و لا أرضا»، و يقال: «وهبه ذلك»، فصارت الهبة أعمّ منها أيضا.
و على هذا يتفرّع أنّه لو نذر الهبة برئ بالهديّة و الصدقة، دون العكس مطلقا.
و لو حلف لايهب، فتصدّق أو أهدى حنث، دون العكس بتقدير فعله فردا منها خارجا عنهما. و قال الشيخ في المبسوط: «الهبة و الهديّة و الصدقة بمعنى واحد»، ثمّ علّله بمسألة الحلف، و هي لاتدلّ على مطلوبه كما لايخفى، بل التحقيق ما ذكرناه».(1)
الهبة عقد تفتقر الى الايجاب و القبول و القبض بالنسبة الى صحّتها و ترتّب الأثر عليها، فالايجاب كلّ لفظ - أو ما قام مقامه نحو اشارة الأخرس - قصد به التمليك المذكور و كان صالحا للدلالة عليه كقوله مثلاً: «وهبتك أو ملّكتك» و نحوهما من غير فرق بين صيغة الماضي و غيره. و لايعتبر فيه العربيّة؛ لاطلاقالأدلّة الشامل لغير العربيّة من غير ما يصلح لتقييدها من نصّ أو اجماع معتبر.
و الأقوى وقوعها بالمعاطاة أيضا؛ لما ذكر في أوّل البيع في شرح المكاسب من أنّها موافقة للقاعدة و هي تحصل بتسليم العين و تسلّمها بعنوان التمليك و التملّك. و الهديّة أيضا عقد مثل الهبة و تقع بالمعاطاة أيضا.
1) - مسالك الأفهام 6: 8 و 9.
قال في الجواهر - نقلاً عن التذكرة - : «البعث من المهدي كالايجاب، و القبض من المهدى اليه كالقبول؛ لأنّ الهدايا كانت تحمل الى رسولاللّه صلىاللهعليهوآله من كسرى و قيصر و سائر الملوك فيقبلها، و لا لفظ هناك و تصرّف فيها تصرّف المالك، و استمرّ الحال من عهده الى هذا الوقت من سائر الأصقاع، و لهذا كانوا يبعثون على أيدي الصبيان الذين لايعتدّ بعباراتهم. انتهى ملخّصا».(1)
و لايصحّ العقد الاّ من بالغ كامل العقل جائز التصرّف.
يعتبر في كلّ من الواهب و الموهوب له البلوغ و العقل و القصد و الاختيار؛ فانّ هذه القيود من الشرائط العامّة لكلّ عقد بل لكلّ انشاء عقدا كان أو ايقاعا.
نعم، قد ذكرنا غير مرّة في خلال مباحث المعاملات أنّ معاملات الصبي في الأمور غير الخطيرة، صحيحة باذن الولي و هكذا الكلام في هبته فانّ هبة ماله باذن وليّه صحيحة.
و يشترط في الواهب مضافا الى ما مرّ عدم الحجر عليه بسفه أو فلس؛ لأنّ الهبة تصرّف مالي و هما ممنوعان عن التصرّفات الماليّة، و تصحّ في المفلّس باذن الغرماء أو اجازتهم كما تصحّ باذن الولي في السفيه.
و قال في المسالك: «اطلاق العقد شامل لمتولّي الايجاب و القبول، فكمالايصحّ ايجاب الهبة من الصبي و المجنون و العبد و المحجور عليه لايصحّ قبولها منهم، لكن تولّي الايجاب منتف منهم و من الولي؛ اذ لا غبطة لهم في هبة مالهم الاّ على وجه نادر، و أمّا القبول فيمكن من الولي. و لا فرق في الصبي بين من بلغ
1) - جواهر الكلام 28: 161.
عشرا و غيره خلافا لبعض الأصحاب حيث جوّز هبة و صدقة من بلغ عشرا».(1)
و لو وهب ما في الذمّة فان كانت لغير من عليه الحقّ لميصحّ على الأشبه؛ لأنّها مشروطة بالقبض، و ان كانت له صحّ و صرفت الى الابراء. و لايشترط في الابراء القبول على الأصحّ.
لو وهب الدين فان كانت لمن عليه الحقّ صحّت و أفادت فائدة الابراء و يعتبر فيها القبول و ان لميعتبر في الابراء. و الفرق بين هذه الهبة و الابراء أنّ الثاني اسقاط لما في ذمّة المديون و هذه تمليك له و ان كان يترتّب عليه السقوط أيضا. و أمّا ان كانت لغير من عليه الحقّ ففيه اشكال.
قال في المسالك: «ان وهب الدين لمن هو عليه فقد قطع المصنّف و غيره بصحّته في الجملة و نزّل الهبة منزلة الابراء؛ فانّه اسقاط لما في الذمّة فلايفتقر الى قبض، و لايجري فيه الشبهة. - الى أنقال: -
و يدلّ على وقوع الابراء هنا بلفظ الهبة صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: «سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له أ له أنيرجع فيها؟ قال: لا»؛ فانّه لو لميجعل ابراءً بل هبة لما أمكن اطلاق القول بعدم جواز الرجوع».(2)
و اعلم أنّ ظاهر كلام المصنّف رحمهالله أنّه لايشترط هنا القبول كما لايشترط فى الابراء القبول على الأصحّ و ذهب ابن زهرة(3)و ابن ادريس(4)الى اشتراط القبول
و اختلف كلام الشيخ في المبسوط(1)، و في المسالك: «انّ عدم الاشتراط أقوى»(2)، و في الجواهر: «المقام من العقود التي لا بدّ فيها من القبول و ان هي بعد تمامها تفيد مفاد الابراء».(3)
أقول:
الظاهر أنّه يشترط فيها القبول؛ لأنّها كما تقدّم تمليك له و ان كان يترتّب عليها السقوط.
و أمّا ان وهب الدين لغير من هو عليه، ففي المسالك: «و في صحّته قولان:
«أحدهما» - و عليه المعظم - العدم؛ لأنّ القبض شرط في صحّة الهبة، و ما في الذمّة يمتنع قبضه؛ لأنّه ماهيّة كليّة لا وجود لها في الخارج.
و «الثاني»: الصحّة، ذهب اليه الشيخ و ابن ادريس و العلاّمة في المختلف؛ لأنّه يصحّ بيعه و المعاوضة عليه فصحّت هبته للغير».(4)
و لا حكم للهبة ما لمتقبض، و لو أقرّ بالهبة و الاقباض حكم عليه باقراره و لو كانت في يد الواهب. و لو أنكر بعد ذلك لميقبل، و لو مات الواهب بعدالعقد و قبل القبض كانت ميراثا.
فروع:
يشترط في لزوم الهبة قبض الموهوب له و على هذا فلو مات الواهب قبل القبض كانت ميراثا.
قال في المسالك: «لا خلاف بين الأصحاب في أنّ القبض شرط في الهبة في الجملة، ولكن اختلفوا في أنّه هل هو شرط لصحّتها أو للزومها؟
فمعظم المتأخّرين على الأوّل و هو مقتضى كلام المصنّف؛ فانّ الحكم المنفي للهبة بدونه يقتضي رفع جميع الأحكام؛ لأنّه وقع نكرة منفيّة و ذلك يقتضي عدم انعقادها بدونه أصلاً.
و ذهب جماعة - منهم أبو الصلاح و العلاّمة في المختلف، و نقله ابن ادريس عن المعظم مع اختياره الأوّل - الى الثاني. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
فلنذكر الروايات الواردة في الباب:
منها موثّقة داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الهبة و النحلة ما لمتقبض حتّى يموت صاحبها؟ قال: هي ميراث.الحديث».(2)
و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الهبة لاتكون أبدا هبة حتّى يقبضها و الصدقة جائزة عليه. الحديث».(1)
و منها مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«النحل و الهبة ما لمتقبض حتّى يموت صاحبها، قال: هي بمنزلة الميراث، و ان كان لصبي في حجره و أشهد عليه فهو جائز».(2)
و بازائها روايات:
منها صحيحة عبدالرحمن بن سيّابة عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا تصدّق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أو لميقبضها علمت أو لمتعلم فهي جائزة».(3)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليهالسلام : الهبة جائزة قبضت أو لمتقبض، قسمت أو لمتقسم، و النحل لايجوز حتّى تقبض، و انّما أراد الناس ذلك فأخطأوا».(4)
و منها رواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«أنت بالخيار في الهبة مادامت في يدك فاذا خرجت الى صاحبها فليس لك أنترجع فيها. الحديث».(5)
و منها صحيحة محمّد بن عيسى بن عبيد قال:
1) - وسائل الشيعة 19: 234 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 19: 232 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 19: 233 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 19: 233 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 19: 233 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 6.
«كتبت الى علي بن محمّد عليهماالسلام: رجل جعل لك شيئا من ماله ثمّ احتاج اليه أ يأخذه لنفسه أم يبعث به اليك؟ فقال: هو بالخيار في ذلك ما لميخرجه عن يده و لو وصل الينا لرأينا أننواسيه و قد احتاج اليه».(1)
فانّ الظاهر من الروايات في الطائفة الثانية أنّ القبض في الهبة شرط في لزومها، و قوله عليهالسلام في رواية أبي بصير في الطائفة الأولى: «الهبة لاتكون أبدا هبة حتّى يقبضها»، يؤوّل الى أنّ الهبة لاتكون هبة لازمة، هذا مع أنّ الروايات الواردة في الطائفة الثانية مقدّمة على الأولى من حيث اعتبار السند و عددها. و من المعلوم أنّ كلاًّ من الفريقين من الفقهاء قد ادّعى الاجماع لما ذهب اليه، و الظاهر أنّ الصحيح هو القول بعدم اللزوم فيما لميقبضها.
لو مات الواهب أو الموهوب له بعد العقد و قبل القبض كان ميراثا كما دلّ عليه موثّقة داود بن الحصين و مرسلة أبان المتقدّمتان.
قال في الجواهر: «و لو مات الواهب أو الموهوب بعد العقد و قبل القبض كانت ميراثا على المشهور بل في محكي التذكرة نسبته الى علمائنا؛ لعدم اجتماع شرائط الصحّة، مضافا الى ما سمعته من الخبرين السابقين (داود بن الحصين وأبان) المحكوم فيهما بكونها ميراثا الاّ أنّه مع ذلك كلّه حكي عن الشيخ و ابن
1) - وسائل الشيعة 19: 235 / الباب 4 من كتاب الهبات / الحديث 8.
البرّاج القول بعدم بطلانها بموت الواهب و كأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ».(1)
لو أقرّ الواهب بالهبة و الاقباض، حكم عليه باقراره؛ لعموم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(2)، و ان كانت في يد الواهب؛ لعدم المنافاة بعد جواز اقباضه ايّاها ثمّ ردّها اليه.
و لو أنكر بعد ذلك لميقبل.
قال في الجواهر: «بلا اشكال و لا خلاف بل ليس له اليمين على الموهوب له، لأنّ الغرض ثبوت الهبة و الاقباض شرعا. نعم، لو ادّعى المواطاة على الاقرار، و أنّ ما أخبر به لميكن واقعا توجّه له اليمين عليه على المتّهب على حصول القبض. انتهى ملخّصا».(3)
و يشترط في صحّة القبض اذن الواهب، فلو قبض الموهوب من غير اذنه لمينتقل الى الموهوب له، و لو وهب ما هو في يد الموهوب له صحّ و لميفتقر الى اذن الواهب في القبض و لا أنيمضي زمان يمكن فيه القبض و ربّما صار الى ذلك بعض الأصحاب. و كذا اذا وهب الأب أو الجدّ للولدالصغير لزم بالعقد؛ لأنّ قبض الولي قبض عنه. و لو وهبه غير الأب أو الجدّ
لميكن له بدّ من القبض عنه سواء كان له ولاية أو لمتكن و يتولّى ذلك الولي أو الحاكم.
يشترط في صحّة القبض اذن الواهب، فلو قبض الموهوب من غير اذنه لمينتقل الى الموهوب له؛ لعدم حصول الشرط الاّ مع الاذن من الواهب. و لو وهب ما في يد الموهوب له صحّ و لميفتقر الى اذن الواهب في القبض.
قال في الجواهر: «يشترط في صحّة القبض الذي هو شرط في صحّة الهبة على ما عرفت، اذن الواهب كما في غيره ممّا اعتبر فيه القبض بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا الى أنّه مقتضى أصل عدم ترتّب الأثر، و أصل عدم الانتقال مع عدم اطلاق يوثق به في تناوله مثله.
و حينئذ فلو قبض الموهوب من غير اذنه لمينتقل الى الموهوب له؛ لعدم حصول الشرط الاّ مع الاجازة بناءً على جريانها في مثله، و لا فرق في ذلك عندنا بين المجلس و غيره.
و لو وهب ما هو في يد الموهوب له صحّ، و لميفتقر الى اذن الواهب في القبض، و لا أنيمضي زمان يمكن فيه القبض بلا خلاف أجده بين من تأخّر عن المصنّف و لا اشكال.
و كذا الحال لو وهب الأب أو الجدّ للولد الصغير و لو أنثى ما هو في يده لزم بالعقد بلا خلاف أجده فيه كما في موثّقة داود بن الحصين المتقدّمة: «فان كانت لصبي في حجره و أشهد عليه فهو جائز». انتهى ملخّصا».(1)
و الحاصل أنّه لو كان الواهب وليّا على الموهوب له كالأب و الجدّ للولدالصغير و قد وهبه ما في يده صحّ بمجرّد العقد؛ لأنّ قبض الولي قبض عن المولّى
1) - جواهر الكلام 28: 170 - 173.
عليه. و أمّا لو وهبه غير الولي فلا بدّ من القبض و يتولاّه الولي. نعم، يصحّ أنيكون الصغير آلة للايصال الى الولي و وقع ذلك باذن الولي أيضا. و المراد بالولي الأب و الجدّ و ان لميكونا فالحاكم.
و هبة المشاع جائزة و قبضه كقبضه في البيع.
قال في المسالك: «لا اشكال في جواز هبة المشاع كغيره؛ لامكان قبضه بتسليم الجميع».(1)
و في الجواهر: «و هبة المشاع جائزة عندنا بل عن الغنية و نهج الحقّ الاجماع عليه، بل في جامع المقاصد: «لا خلاف بين أصحابنا في صحّة هبة كلّ ما صحّ بيعه من الأعيان سواء كان مشاعا أو مقسوما من الشريك و غيره»، و عن التذكرة: «تصحّ هبة المشاع كما يصحّ بيعه على الحدّ الذي يجوز بيعه عند علمائنا أجمع»، و هو الحجّة مضافا الى العمومات، و فحوى ما دلّ عليه من النصوص الكثيرة التي يمكن دعوى تواترها في الصدقة».
ثمّ ذكر موثّقة أحمد بن عمر الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن دار لمتقسم فتصدّق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار، قال: يجوز، قلت: أ رأيت ان كان هبة؟ قال: يجوز».(2)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الهبة جائزة قبضت أو لمتقبض، قسّمت أو لمتقسم، و النحل
لاتجوز حتّى تقبض و انّما أراد الناس ذلك فأخطأوا».(1)
ثمّ قال رحمهالله: «و أمّا قبضه فهو كقبضه في البيع فيجري فيه حينئذ القولان، و هما الاكتفاء بالتخلية مطلقا كما هو المختار، و التفصيل بالتخلية في غير المنقول، و بالنقل و ما في معناه فيه بلا خلاف أجده فيه. ثمّ انّه حينئذ لا بحث على المختار من تحقّق القبض بالتخلية مطلقا، أمّا على التفصيل فيتحقّق في المنقول بتسليم الموهوب الجميع، كما اذا كان الباقي من الحصّة للواهب أو لغيره و قد أذن، فان امتنع وكّله الموهوب له على القبض عنه، فان امتنع مثلاً رفع الأمر الى الحاكم ليقبضه بنفسه أو نائبه. انتهى ملخّصا».(2)
قال في الوسيلة: «يجوز هبة المشاع؛ لامكان قبضه، و لو بقبض المجموع باذن الشريك أو بتوكيل المتّهب ايّاه في قبض الحصّة الموهوبة عنه، بل الظاهر تحقّق القبض الذي هو شرط للصحّة في المشاع باستيلاء المتّهب عليه من دون اذن الشريك أيضا، و ترتّب الأثر عليه و ان كان تعدّيا بالنسبة اليه».(3)
أقول:
القبض في هبة المشاع كالقبض في البيع، و هو في غير المنقول كالدار و البستان يكون بالتخلية برفع يده عنه و رفع المنافيات و الاذن للموهوب له في التصرّف بحيث صار تحت استيلائه، و في المنقول يكون بالاستقلال و الاستيلاء باليد عليه أو ما هو بمنزلتها باذن الشريك، و لو لميأذن و لو بتوكيل الموهوب لهايّاه رفع الأمر الى الحاكم ليقبضه بنفسه أو بنائبه.
و لو وهب لاثنين شيئا فقبلا و قبضا ملك كلّ واحد منهما ما وهب له فان قبل أحدهما و قبض و امتنع الآخر صحّت الهبة للقابض. و يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطيّة على كراهية.
فرعان:
لو وهب شيئين لشخصين فقبلا و قبضا كان لكلّ واحد منهما أحدهما، و كذا لو وهب لاثنين شيئا واحدا فقبلا و قبضا صحّ على سبيل الاشاعة؛ لوجود المقتضي من العمومات و ارتفاع المانع. و أمّا ان قبل أحدهما و قبض و امتنع الآخر صحّت الهبة للقابض منهما في النصف؛ لاجتماع شرائط صحّتها فيه دون الآخر.
قال في الجواهر: «و ليس ذا من تبعيض العقد؛ فانّه باعتبار تعدّد القابل كان بمنزلة عقدين كما لو اشتريا دفعة، فانّ لكلّ منهما حكم نفسه في الخيار و نحوه كما في المسالك و غيرها. و عليه يجوز للواهب الرجوع بهبة أحدهما دون الآخر، و كذا الحال فيما لو تعدّد الواهب، و اتّحد القابل».(1)
يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطيّة؛ يدلّ على ذلك روايات
1) - جواهر الكلام 28: 181.
كصحيحة محمّد بن قيس قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الرجل يفضّل بعض ولده على بعض؟ فقال: نعم و نساءه».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له الولد من غير أمّ يفضّل بعضهم على بعض؟ قال: لا بأس».(2)
و صحيحة اسماعيل بن عبدالخالق قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول في الرجل يخصّ بعض ولده ببعض ماله، فقال: لا بأس بذلك».(3)
ولكنّه يكره ذلك لرواية السكوني قال:
«نظر رسولاللّه صلىاللهعليهوآله الى رجل له ابنان فقبّل أحدهما و ترك الآخر، فقال له النبي صلىاللهعليهوآله: فهلاّ واسيت بينهما».(4)
و ربّما يحرم تفضيل بعض الولد على بعض في العطيّة اذا كان سببا لاثارة الفتنة و الشحناء و البغضاء المؤدّية الى الفساد كما أنّه ربّما يستحبّ التفضيل فيما اذا يؤمن من الفساد و يكون لبعضهم خصوصيّة موجبة لأولويّة رعايته.
و اذا قبضت الهبة فان كانت للأبوين لميكن للواهب الرجوع اجماعا، و كذا ان كان ذا رحم غيرهما، و فيه خلاف. و ان كان أجنبيّا فله الرجوع مادامت العين باقية فان تلفت فلا رجوع، و كذا ان عوّض عنها و لو كان العوض يسيرا. و هل يلزم بالتصرّف؟ قيل: «نعم»، و قيل: «لايلزم» و هو الأشبه.
فروع:
لايجوز رجوع الواهب في الهبة فيما اذا كانت لذي رحم و قد تمّت الهبة بالقبض أبا كان أو أمّا أو ولدا أو غيرهم من ذي رحم و ان حلّ نكاحه؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام (في حديث) قال:
«الهبة و النحلة يرجع فيها صاحبها ان شاء، حيّزت أو لمتحز الاّ لذي رحم فانّه لايرجع فيها».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و عبداللّه بن سليمان جميعا قالا:
«سألنا أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يهب الهبة، أ يرجع فيها ان شاء أم لا؟ فقال: تجوز الهبة لذوي القرابة و الذي يثاب عن هبته و يرجع في غير ذلك ان شاء».(2)
و لايعارضها موثّقة داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته هل لأحد أنيرجع في صدقة أو هبة؟ قال: أمّا ما تصدّق به للّه فلا، و أمّا الهبة و النحلة فانّه يرجع فيها حازها أو لميحزها و ان كانت لذي قرابة».(1)
لأنّها تحمل على ما احتملها صاحب الوسائل رحمهالله جمعا فانّه قال: «و يمكن كون قوله عليهالسلام : «و ان كانت» قيدا لقوله عليهالسلام : «أو لميحزها» خاصّة لا للقسمين، يعني مع عدم القبض يجوز الرجوع في الهبة و ان كانت لذي قرابة».(2)
و في الجواهر: «عن التذكرة: «لا فرق بين الولد و ولد الولد و ان نزل، الذكور و الاناث عند علمائنا»؛ لأصالة اللزوم، و اطلاق ما دلّ من النصوص على عدم جواز الرجوع في الهبة بعد القبض المقتصر في تقييدها على غير المقام و خصوص ما مرّ من النصوص في الأولاد الصغار هنا و في الصدقة و غير ذلك.
و أمّا باقي الأرحام فالمشهور نقلاً و تحصيلاً أنّهم كذلك أيضا، بل في الرياض: «عليه عامّة من تأخّر»، بل قيل: «قد يظهر من التحرير الاجماع عليه، بل عن الغنية دعواه صريحا».
و المراد بالرحم في هذا الباب و في الصلة و غيرهما مطلق القريب المعروف بالنسب و ان بعدت لحمته و جاز نكاحه، و في المسالك: «انّه موضع نصّ و وفاق»، مضافا الى آية أولي الأرحام و الصدق العرفي و غير ذلك، فما عن بعضهم من اختصاصه بمن يحرم نكاحه شاذّ. انتهى ملخّصا».(3)
لايجوز الرجوع في الهبة بعد القبض اذا كانت للزوج أو الزوجة؛ تدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليهالسلام (في حديث) قال:
«و لايرجع الرجل فيما يهب لامرأته و لا المرأة فيما تهب لزوجها حيّز أو لميحز؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «و لايحلّ لكم أنتأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا»، و قال: «فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا» و هذا يدخل في الصداق و الهبة».(1)
و لاتعارضها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام:
«انّه سئل عن رجل كانت له جارية فآذته امرأته فيها، فقال: هي عليك صدقة، فقال: ان كان قال ذلك للّه فليمضها، و ان لميقل فله أنيرجع ان شاء فيها».(2)
لأنّها في بيان حكم الصدقة و أنّه اذا قال «للّه» يتحقّق موضوع الصدقة و ان لميقل ذلك فلايتحقّق موضوعها و لا صلة له بالهبة.
و أمّا اشتمال صحيحة زرارة على ما لايقول به أحد و هو قوله عليهالسلام : «أو لميحز»؛ اذ لايقول أحد بعدم جواز الرجوع فيما لميقبض، ففيه أنّه يؤوّل بأنّ المقصود منقوله عليهالسلام : «أو لميحز» هو هبة المشاع.
و بناءً على هذا القول لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة.
ان كانت الهبة لأجنبي غير الزوج و الزوجة و قد قبضها كان للواهب الرجوع فيها مادامت العين باقية، فان تلفت كلاًّ أو بعضا فلا رجوع. و كذا لا رجوع ان عوّض المتّهب عنها و لو كان يسيرا؛ يدلّ على جواز الرجوع في الهبة مادامت العين قائمة و عدم جوازه اذا تلفت صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أنيرجع و الاّ فليس له».(1)
و يدلّ أيضا على عدم جواز الرجوع في الهبة بعد التعويض صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«اذا عوّض صاحب الهبة فليس له أنيرجع».(2)
قال في المسالك: «تلف العين الموجب للزوم الهبة أعمّ من كونه من قبل اللّه تعالى و غيره حتّى من المتّهب، فليس الخلاف في هذه الصورة الاّ من المرتضى رحمهالله.
و في حكم تلفها أجمع تلف بعضها و ان قلّ؛ لدلالة الرواية (صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفا) عليه، فانّ العين مع تلف جزء منها لاتعدّ قائمة.
و كذا ان عوّض عنها و لو كان العوض يسيرا. و هذا أيضا من المواضعالموجبة للزومها من الأجنبي، و هو موضع وفاق من جميع الأصحاب حتّى من المرتضى رحمهالله. و لا فرق في العوض بين القليل و الكثير مع تراضيهما عليه؛ لاطلاق
النصّ و الفتوى، و لأنّها تصير بالتعويض معاوضة محضة فيلزم؛ للعموم.
و لا فرق في العوض بين كونه من بعض الموهوب و غيره، عملاً بالاطلاق، و لأنّه بالقبض بعد العقد مملوك للمتّهب فيصحّ بذله عوضا عن الجملة. انتهى ملخّصا».(1)
يلحق بالتلف التصرّف الناقل كالبيع و الهبة أو المغيّر للعين بحيث يصدق معه عدم قيام العين بعينها كالحنطة يطحنها و الدقيق يخبزه و الثوب يفصله أو يصبغه و نحو ذلك ؛ و الدليل على ذلك قوله عليهالسلام في صحيحة الحلبي المتقدّمة: «اذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أنيرجع و الاّ فليس له»، و أمّا التصرّف الغير المغيّر للعين فلايمنع الواهب من الرجوع كالثوب يلبسه و الفراش يفرشه و الدابّة يركبها أو يعلفها أو يسقيها و نحوها.
ثمّ اعلم أنّ الشهيد رحمهالله قد بحث في المسألة بحثا طويلاً نذكر ملخّصه فقال في المسالك: «اذا تمّت الهبة بالعقد و القبض، و لميكن لذي رحم و لا زوج و لا زوجة، و لميعوّض المتّهب عنها، و لميتلف في يده، ولكن تصرّف فيها تصرّفا لايسوغ له قبل التملّك، فهل يلزم الهبة بذلك، و يكون التصرّف من جملةالأسباب الموجبة للزومها، أم تبقى جائزة على ما كانت قبل التصرّف؟ فيه أقوال:
«أحدها» - و هو الذي اختاره المصنّف في الكتاب و مختصره، و قبله سلاّر و أبو الصلاح، و هو ظاهر ابن الجنيد - : عدم تأثير التصرّف مطلقا في لزومها، بل
1) - مسالك الأفهام 6: 31 و 32.
للواهب فسخها كما كان له قبله.
و «ثانيها»: انّها تلزم بالتصرّف مطلقا، ذهب اليه الشيخان و ابن البرّاج و ابن ادريس و أكثر المتأخّرين كالعلاّمة و الشهيد رحمهالله في اللمعة، و غيرهما.
و «ثالثها»: التفصيل بلزومها مع خروجه عن ملكه، أو تغيّر صورته كقصارة الثوب و نجارة الخشب، أو كون التصرّف بالوطي، و عدمه بدون ذلك كالركوب و السكنى و اللبن و نحوها من الاستعمال. و هو قول ابن حمزة، و الشهيد في الدروس، و جماعة من المتأخّرين.
حجّة القول الثالث - و هو التفصيل بتغيّر العين و زوالها عن الملك و عدمه - حسنة الحلبي المتقدّمة عن الصادق عليهالسلام : «اذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أنيرجع فيها و الاّ فليس له».
ولكنّ الظاهر أنّ أمتن الأقوال و أوضحها دلالة القول الثالث و هو اللزوم بتغيّر العين أو زوالها عن الملك كما تقدّم.
و تستحبّ العطيّة لذوي الرحم و تتأكّد في الولد و الوالد، و التسوية بين الأولاد في العطيّة. و يكره الرجوع فيما تهبه الزوجة لزوجها و الزوج لزوجته، و قيل: «يجريان مجرى ذوي الرحم»، و الأوّل أشبه.
1) - مسالك الأفهام 6: 32 - 45.
تستحبّ العطيّة لذي الرحم و ان كان فقيرا، و تتأكّد في الولد و الوالد الذين هم أولى من غيرهم من الأرحام؛ لأنّها من صلة الرحم المعلوم ندبها كتابا و سنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و آتى المال على حبّه ذوي القربى»(1)و كذا قوله: «و آت ذا القربى حقّه و المسكين و ابن السبيل»(2)، و قوله: «و بالوالدين احسانا و بذي القربى»(3).
و من الثاني رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أيّ الصدقة أفضل؟ قال: على ذي الرحم الكاشح(4)».(5)
و في رواية أخرى عن السكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن رسولاللّه صلىاللهعليهوآلهقال:
«الصدقة بعشرة و القرض بثمانيهعشر، و صلة الاخوان بعشرين و صلة الرحم بأربعة و عشرين».(6)
و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سئل عن الصدقة على من يسأل على الأبواب، أو يمسك ذلك عنهم و يعطيه ذوي قرابته، قال: لا بل يبعث بها الى من بينه و بينهقرابة، فهذا أعظم للأجر».(7)
و يجوز تفضيل بعض الأولاد و النساء على بعض في العطيّة؛ ففي صحيحة محمّد بن قيس قال:
«سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الرجل يفضّل بعض ولده على بعض، فقال: نعم و نساءه».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له الولد من غير أمّ يفضّل بعضهم على بعض؟ قال: لا بأس».(2)
و هي مسائل:
«الأولى»: لو وهب فأقبض ثمّ باع من آخر فان كان الموهوب له رحما لميصحّ البيع، و كذا ان كان أجنبيّا و قد عوّض، أمّا لو كان أجنبيّا و لميعوّض قيل: «يبطل؛ لأنّه باع ما لايملك»، و قيل: «يصحّ؛ لأنّ له الرجوع»، و الأوّل أشبه. و لو كانت الهبة فاسدة صحّ البيع على الأحوال، و كذا القول فيمن باع مال مورّثه و هو يعتقد بقاءه، و كذا اذا أوصى برقبة معتقه و ظهر فساد عتقه.
لو باع الواهب العين الموهوبة فان كانت الهبة لازمة بأنكانت لذي رحم أو معوّضة يقع البيع فضوليّا فان أجاز المتّهب صحّ و الاّ بطل؛ و ذلك لصيرورة الموهوب ملك الغير بالهبة اللازمة فالواهب تصرّف في ملك الغير بدون اذنه فيصير البيع فضوليّا قهرا و تتوقّف على اجازة من له حقّ الاجازة، و أمّا ان كانت الهبة غير لازمة فالظاهر صحّة البيع و وقوعه من الواهب و كان رجوعا فى الهبة.
قال في الجواهر: «لو وهب فأقبض ثمّ باع مثلاً من آخر فان كان الموهوب له رحما، لميصحّ البيع على وجه يترقّب عليه أثره، بل يكون فضولاً، و كذا ان كان أجنبيّا و قد عوّض أو نحو ذلك ممّا تكون الهبة به لازمة؛ ضرورة وقوع البيع حينئذ على مال الغير. أمّا لو كان أجنبيّا و لميعوّض فلا اشكال في زوال ملك المتّهب، بل في المسالك و عن ظاهر المحكي عن التذكرة الاتّفاق عليه.
و انّما الكلام في صحّة البيع و فساده، و اليه أشار المصنّف بقوله: «قيل:» - و القائل الشيخ و القاضي و يحيى بن سعيد على ما حكي عنهم - «يبطل البيع؛ لأنّه باع ما لايملك» و لأنّ الشيء الواحد لايحصل به الفسخ و العقد، و لأنّ البيع موقوف على الملك الموقوف على الفسخ، المتأخّر عن البيع، باعتبار كونه سببا فيه، و السبب متقدّم على المسبّب، فلو كان الفسخ سببا في صحّته لزم الدور.
و قيل: «يصحّ؛ لأنّ له الرجوع» ولكن لمأعرف القائل به ممّن تقدّم على المصنّف. نعم، هو خيرة الفاضل في جملة من كتبه و ولده و الشهيد في الحواشي و المحقّق الثاني و الشهيد الثاني و الخراساني على ما حكى عن بعضهم؛ لعموم «أوفوا بالعقود» و لأنّ العقد يدلّ على تحقّق ارادة الفسخ قبل العقد، فيكشف العقد عن حصول الفسخ بالقصد اليه قبل البيع. انتهى ملخّصا».(1)
و في المهذّب: «لصدق الرجوع في الهبة عليه عرفا اذا كان مع العمد و الالتفات كما هو المفروض.
و دعوى أنّ صحّة البيع متوقّفة على الرجوع؛ اذ «لا بيع الاّ في ملك» ، فاذا توقّف الرجوع على البيع يكون ذلك دورا باطلاً.
مدفوعة؛ أوّلاً أنّه ليس المراد بقوله صلىاللهعليهوآله: «لا بيع الاّ في ما يملك» ، ملكيّة المبيع
1) - جواهر الكلام 28: 193 و 194.
بل المراد به مالكيّة البيع و صحّة صدوره منه سواء كان مالكا للمبيع أم لا، و لا ريب في أنّ للواهب حقّ بيع الموهوب و سلطنته عليه.
و ثانيا أنّه لا اثنينيّة في المقام حتّى يتحقّق الدور الذي هو متقوّم بذلك بل لايصدر من الواهب الاّ البيع فقط، و حيث انّه مناف لبقاء الهبة فينتزع عنه الرجوع عند المتعارف فلا وجه للدور حينئذ».(1)
و لو كانت الهبة فاسدة صحّ البيع مطلقا سواء كانت الهبة لرحم أو غيره، عوّض عنها أو لميعوّض؛ لوقوع العقد من مالك جائز التصرّف فيكون صحيحا.
و كذا القول فيمن باع مال مورّثه و هو يعتقد بقاءه؛ لأنّ البائع باع ما هو ملكه؛ لحصول الشرط المعتبر في اللزوم و هو صدور البيع عن مالك لأمره - كما فى المسالك(2)- و كذا لو أوصى برقبة معتقه و ظهر فساد عتقه بأنكان قد أعتقها قبل الوصيّة ثمّ ظهر فساد عتقه لها و أنّ الوصيّة صادفت ملكا فتقع صحيحة و ان كانت بحسب الظاهر غير صحيحة حال الوصيّة؛ لمصادفة الشرط و هو الملك في نفس الأمر حال الوصيّة.
«الثانية»: اذا تراخى القبض عن العقد ثمّ أقبض حكم بانتقال الملك من حين القبض لا من حين العقد و ليس كذلك الوصيّة فانّه يحكم بانتقالها بالموت مع القبول و ان تأخّر.
لايعتبر الفوريّة في القبض و لا كونه في مجلس العقد فيجوز فيه التراخي عن العقد و لو بزمان كثير. و لو تراخى يحصل الانتقال الى الموهوب له من حينه فما
كان له من النماء سابقا على القبض يكون للواهب؛ يدلّ على ذلك مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«النحل و الهبة ما لمتقبض حتّى يموت صاحبها، قال: هي بمنزلة الميراث. الحديث».(1)
و موثّقة داود بن الحصين عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«الهبة و النحلة ما لمتقبض حتّى يموت صاحبها، قال: هي ميراث. الحديث».(2)
و في الجواهر: «اذا تراخى القبض عن العقد ثمّ أقبض، حكم بانتقال الملك؛ لعدم اعتبار الفوريّة فيه، بلا خلاف أجده؛ لاطلاق ما دلّ على شرطيّته».(3)
و ليست الوصيّة كذلك؛ فانّه يحكم بانتقالها بالموت مع القبول و ان تأخّر القبض عنهما؛ لعدم مدخليّته في الملك بها؛ لاطلاق الأدلّة.
«الثالثة»: لو قال: «وهبت و لمأقبضه» كان القول قوله، و للمقرّ له احلافه ان ادّعى الاقباض، و كذا لو قال: «وهبته و ملّكته» ثمّ أنكر القبض؛ لأنّه يمكن أنيخبر عن وهمه.
لو قال الواهب: «وهبت هذا الشيء لزيد - مثلاً - ولكنّه لمأقبضه» كان القول قوله؛ لأنّه منكر له؛ اذ الأصل عدم وقوع القبض، و لو ادّعى المقرّ له الاقباض و لميكن له بيّنة فيجوز له احلافه.
و أمّا لو قال: «وهبته و ملّكته» ثمّ أنكر القبض فان كان ممّا يحتمل فيه السهو والاخبار عن وهمه أو امكان ارادته التأكيد بصيغة التمليك فيقبل قوله؛ لأنّه منكر و الأصل عدم وقوع القبض.
«الرابعة»: اذا رجع في الهبة و قد عابت لميرجع بالأرش، و ان زادت زيادة متّصلة فللواهب، و ان كانت منفصلة كالثمرة و الولد فان كانت متجدّدة كانت للموهوب له، و ان كانت حاصلة وقت العقد كانت للواهب.
اذا رجع الواهب في الهبة - حيث يجوز له الرجوع - و قد عابت لميرجع بالأرش؛ لأنّه حدث في عين مملوكة للمتّهب و قد سلّطه مالكها على اتلافها مجّانا فلمتكن مضمونة عليه، سواء كان العيب بفعله أم لا. و ان زادت زيادة متّصلة كالسمن و تعلّم الصنعة فهي للواهب؛ لأنّها ثابتة للعين بل داخلة في مسمّاها أو جزء لها لغة و عرفا فالرجوع في العين يستتبعها. و ان كانت منفصلة كالولد و اللبن المحلوب و الثمرة المقطوعة فهي للمتّهب؛ لأنّها نماء حدث في ملكه و من ملكه فيختصّ به، و أمّا لو حدثت قبل العقد و القبض فهي كالموجودة قبل الهبة فيرجع فيها.
«الخامسة»: اذا وهب و أطلق لمتكن الهبة مشروطة بالثواب، فان أثاب لميكن للواهب الرجوع، و ان شرط الثواب صحّ أطلق أو عيّن، و له الرجوع ما لميدفع اليه ما شرط، و مع الاشتراط من غير تقدير يدفع ما شاء و لو كان يسيرا، و لميكن للواهب مع قبضه الرجوع و لايجبر الموهوب له على دفع المشترط بل يكون بالخيار. و لو تلفت و الحال هذه أو عابت لميضمن
الموهوب له؛ لأنّ ذلك حدث في ملكه، و فيه تردّد.
ان عوّض الموهوب له عن الهبة و لو كان يسيرا لايرجع الواهب اليها من غير فرق بين ما كان اعطاء العوض لأجل اشتراط له في الهبة و ما لميكن كذلك بأن أطلق في العقد لكنّ المتّهب أثاب الواهب و أعطاه العوض.
و على كلّ حال فاذا وهب و أطلق لميلزم على المتّهب اعطاء الثواب و العوض، و لو أعطى العوض لميجب على الواهب قبوله، ولكن ان قبل و أخذه لزمت الهبة و لميكن له الرجوع فيما وهبه و لميكن للمتّهب أيضا الرجوع في ثوابه.
و ان شرط الواهب الثواب صحّ، أطلق أو عيّن، و له الرجوع ما لميدفع اليه ما شرط، و لايجبر الموهوب له على دفع المشترط و ان كان يجب عليه الوفاء بالشرط.
و لو تلفت بعد ما شرط و لميدفع اليه ما شرط أو عابت، قيل: «لميضمن الموهوب له؛ لأنّه حدث في ملكه»، و الوجه الضمان.
قال في المسالك: «اذا وهب شيئا فلايخلو: امّا أنيشترط الواهب على المتّهب الثواب - أي التعويض عن الهبة - أو يشترط عدمه، أو يطلق. و على تقدير اشتراط الثواب لايخلو: امّا أنيعيّنه بقدر مخصوص، أو يطلق. و على التقادير الأربعة: امّا أنيكون المتّهب أعلى من الواهب، أو مساويا، أو أدنى. فهذه اثنتا عشرة صورة.
و تفصيل حكمها أنّه مع اشتراط عدم الثواب لايلزم قطعا مطلقا، و مع اشتراطه يلزم ما شرطه مطلقا. ثمّ ان عيّنه لزم ما عيّن، بمعنى أنّ المتّهب ان دفع المشروط و
الاّ تسلّط الواهب على الفسخ، و ان أطلق اشتراط الثواب لزم أيضا الوفاء به، لكن ان اتّفقا على قدر فذاك، و الاّ وجب أثابه مقدار الموهوب مثلاً أو قيمة، و لايلزمه
الأزيد و ان طلبه الواهب، كما لايجبر الواهب على قبول الأقلّ. و المعتبر قيمةالموهوب عند القبض اذا وقع بعد العقد، و يحتمل عند دفع الثواب.
و ان أطلق الهبة و لميشترط أحد الأمرين فالهبة جائزة من قبل الواهب الاّ أنيثيبه المتّهب بما يتّفقان عليه، و مع الاختلاف يرجع الى مثل الموهوب أو قيمته، كما مرّ. و لا فرق في ذلك بين هبة الأعلى و المساوي و الأدنى على أصحّ الأقوال. انتهى ملخّصا».(1)
و قال أيضا: «انّ العين الموهوبة المشروط فيها الثواب لو تلفت في يد المتّهب أو عابت قبل دفع العوض المشترط و قبل الرجوع - سواء كان ذلك بفعله كلبس الثوب أم لا - فهل يضمن المتّهب الأرش أو الأصل، أم لا؟ قولان:
«أحدهما»: عدم الضمان، جزم به العلاّمة في التذكرة و ولده في الشرح؛ لأنّ ذلك النقص حدث في ملك المتّهب فلميلزمه ضمانه.
«الثاني»: الضمان، جزم به ابن الجنيد من المتقدّمين و بعض المتأخّرين؛ لعموم «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»، و لأنّه لميقبضها مجّانا بل ليؤدّي عوضها فلميفعل، و لأنّ الواجب أحد الأمرين ردّها أو دفع العوض، فاذا تعذّر الأوّل وجب الثاني.
و أجيب عن الأوّل بأنّه لميدخل في ملكه مجّانا بل بشرط العوض، و ذلك معنى الضمان. و هذا هو الوجه. انتهى ملخّصا».(2)
«السادسة»: اذا صبغ الموهوب له الثوب فان قلنا: «التصرّف يمنع من الرجوع» فلا رجوع للواهب، و ان قلنا: «لايمنع اذا كان الموهوب له أجنبيّا»كان شريكا بقيمة الصبغ.
قد تقدّم أنّ بيع الموهوب أو التصرّف الذي لميصدق معه بقاء العين موجب لعدم جواز رجوع الواهب الى الموهوب له و قد قلنا بأنّ الصبغ موجب لتغيّر العين، و أمّا المصنّف فقد ذهب الى أنّ التصرّف لميمنع من الرجوع و لذلك قال هنا: «و ان قلنا: «انّ التصرّف لايمنع من الرجوع اذا كان الموهوب له أجنبيّا» كان شريكا بقيمة الصبغ».
قال في المسالك: «اذا رجع الواهب في هبته فوجد المتّهب قد عمل فيها عملاً، و جوّزناه مع التصرّف مطلقا كما ذهب اليه المصنّف، فلايخلو: امّا أنيكون صفة محضة كقصارة الثوب و طحن الحنطة، أو عينا محضة كغرس الأرض، أو متردّدا بينهما كصبغ الثوب.
ثمّ امّا أنتزيد قيمة العين بمقدار قيمة الصنعة، أو يزيد عنها، أو ينقص مع زيادتها عن قيمة العين خاصّة، أو تنقص.
فان زادت بمقدار القيمتين أو زادت عنهما كان المتّهب شريكا بنسبة قيمة عمله الى قيمة العين. فلو كان الثوب يساوي مائة فصبغه بعشرين، فصار يساوي مائة و عشرين أو أزيد، صار شريكا بالسدس؛ لأنّ النسبة بين العشرين و المائة و العشرين هو السدس.
و مراد المصنّف من قوله: «كان شريكا بقيمة الصبغ»، هو بنسبة قيمته الى قيمة الثوب كما قلنا. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مسالك الأفهام 6: 64 و 65.
«السابعة»: اذا وهب في مرضه المخوف و برأ صحّت الهبة، و ان مات فيمرضه و لمتجز الورثة اعتبرت من الثلث على الأظهر.
قال في المسالك: «لا خلاف في أنّ المريض اذا برئ من مرضه ينفذ تصرّفه مطلقا. و أمّا اذا اتّفق موته في مرضه، فان كان المرض مخوفا بمعنى غلبة الهلاك معه فالأظهر أنّ منجّزاته من الثلث حيث لايجيز الوارث. و قيل: يكون من الأصل».(1)
قد فصّلنا البحث عن منجّزات المريض في كتاب الوصيّة(2)فراجع.
الى هنا تمّ ما أردنا
بيانه في شرح مسائل الهبات
و يتلوه شرح كتاب السبق و الرماية
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
و فائدتهما بعث العزم على الاستعداد للقتال، و الهداية لممارسة النضال، و هي معاملة صحيحة مستندها قوله عليهالسلام : «لا سبق الاّ في نصل أو خفّ أو حافر»، و قوله عليهالسلام : «انّ الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل».
قال في المسالك: «لا خلاف بين جميع المسلمين في شرعيّة هذا العقد، بل أمر النبي صلىاللهعليهوآله به في عدّة مواطن؛ لما فيه من الفائدة المذكورة (في المتن)، و هي من أهمّ الفوائد الدينيّة؛ لما يحصل بها من غلبة العدوّ في الجهاد لأعداء اللّه تعالى الذي هو أعظم أركان الاسلام. و بهذه الفائدة يخرج عن اللهو و اللعب المنهي عن المعاملة عليهما، و من ثمّ كان مقصورا على ما ورد النصّ بتسويغه.
ثمّ انّ الرواية المذكورة في المتن رواها العامّة في الصحيح عن النبي صلىاللهعليهوآله، و رواها أصحابنا في الحسن عن الصادق عليهالسلام . و المشهور في الرواية فتح الباء من «سبق» و هو العوض المبذول للعمل كما سيأتي.
و ماهيّته المنفيّة غير مرادة بل المراد نفي حكم من أحكامها أو مجموعها
بطريق المجاز كنظائره، و أقرب المجازات اليه نفي الصحّة. و المراد أنّه لايصحّ بذل العوض في هذه المعاملة الاّ في هذه الثلاثة، و على هذا لاينفى جواز غيرها بغير تعويض. و ربّما رواه بعضهم بسكون الباء و هو المصدر، أي لايقع هذا الفعل الاّ في الثلاثة فيكون ماعداها غير جائز. و من ثمّ اختلف المسابقة بنحو الأقدام و رمي الحجر و رفعه و المصارعة و بالآلات التي تشتمل على نصل بغير عوض هل يجوز أم لا؟ فعلى رواية الفتح يجوز و على السكون لا. و في الجواز مع شهرة روايته بين المحدّثين موافقة للأصل، خصوصا مع ترتّب غرض صحيح على تلك الأعمال».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه في المسالك - من شهرة رواية الفتح بين المحدّثين و موافقتها للأصل - هو الصحيح خصوصا مع ترتّب غرض صحيح على تلك الأعمال.
فلنذكر الروايات التي أشار اليها في المتن:
ففي صحيحة حفص عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«لا سبق الاّ في خفّ أو حافر أو نصل يعني النضال».(2)
و رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سمعته يقول: لا سبق الاّ في خفّ أو حافر أو نصل يعني النضال».(3)
و رواية الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال رسولاللّه صلىاللهعليهوآله: لا سبق الاّ في حافر أو نصل أو خفّ».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليهالسلام : انّ الملائكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر و الخفّ و الريش و النصل، و قد سابق رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أسامة بن زيد و أجرى الخيل».(2)
و تحقيق هذا الباب يستدعي فصولاً:
الفصل الأوّل في الألفاظ المستعملة فيه
الفصل الثاني في ما يسابق به
الفصل الثالث في عقد المسابقة و الرماية
الفصل الرابع في أحكام النضال
فالسابق هو الذي يتقدّم بالعنق و الكتد، و قيل: «بأذنه»، و الأوّل أكثر. و المصلّي الذي يحاذي رأسه صلوي السابق. و الصلوان ما عن يمين الذنب و شماله. و السبق - بسكون الباء - المصدر و بالتحريك العوض و هو الخطر. و المحلّل الذي يدخل بين المتراهنين ان سَبق أخذ و ان سُبق لميغرم. و الغاية مدي السباق. و المناضلة المسابقة و المراماة، و يقال: سبّق - بتشديد الباء - اذا أخرج السبق و اذا أحرزه أيضا. و الرشق - بكسر الراء - عدد الرمي و بالفتح الرمي، و يقال رشق وجه و يد و يراد به الرمي على ولاء حتّى يفرغ الرشق.
قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب و غيرهم أنّ السابق هو المتقدّم بعنق دابّته و كتدها - بفتح التاء و كسرها - و هو العالي بين أصل العنق و الظهر، و يعبّر عنه بالكاهل.
فائدة الاحتياج الى السابق ظاهرة؛ لأنّ العوض في الأغلب يبذل له وحده، و قد يشرك معه غيره، بأنيجعل للسابق شيئا و للمصلّي شيئا آخر دونه و هكذا، فيحتاج الى معرفة أسماء المتسابقين اذا ترتّبوا في الحلبة، و قد جرت العادة بتسمية عشرة من خيل الحلبة، و هي المجتمعة للسباق، و ليس لما بعد العاشر منها اسم الاّ الذي يجيء آخر الخيل كلّها، فيقال له: «الفسكل» بكسر الفاء و الكاف أو بضمّهما.
فأوّل العشرة: المجلّي، و هو السابق؛ لأنّه جلّى همّه حيث سبق.
و الثاني: هو المصلّي؛ لأنّه يحاذي رأسه صلوي السابق، و هما العظمان النابتان عن يمين الذنب و شماله.
و التالي للمصلّي هو الثالث. و يليه البارع؛ لأنّه برع المتأخّر عنه، أي: فاقه.
و المرتاح هو الخامس؛ سمّي به لأنّ الارتياح النشاط، فكأنّه نشط فلحق بالسوابق. و السادس: الحظيّ؛ لأنّه صار ذا حظوة و نصيب.
و السابع: العاطف؛ لأنّه عطف الى السوابق، و الثامن: المؤمّل، و التاسع: اللطيم، و العاشرة: السكيت مصغّرا مخفّفا؛ لانقطاع العدد عنده.
و السبق - بالسكون - مصدر سبق - بالتحريك - غيره سبقا و مسابقة.
و أمّا «السبق» بالتحريك فهو العوض المبذول للسابق و ما في معناه، و يقال له «الخطر» و «الندب» و «الرهن».
و المحلّل هو الذي يدخل بين المتراهنين و لايبذل معهما عوضا، بل يجري فرسه بينهما أو على أحد الجانبين على وجه يتناوله العقد. و حكمه أنّه ان سَبق أخذ العوض المبذول للسابق، و ان سُبق لميغرم شيئا.
و الغاية بمعنى منتهاه. و المراد بمدي السباق هنا منتهاه لا مجموع مسافته، و المناضلة مفاعلة من النضل، و هو الرمي.
و يقال: سبّق - بتشديد الباء - اذا أخرج السبق - بالتحريك - و هو العوض، بمعنى ميّزه و أوقع العقد عليه.
الرشق - بكسر الراء - عدد ما يرمى به من السهام، يقال: «رمى رشقا» أي رمى بسهامه التي يريد رميها كلّها. و اذا حصل الاتّفاق على رمي خمسة خمسة فكلّ خمسة يقال لها: «رشق»، و يقال: «رشق وجه و يد»، و يراد به الرمي على ولاء حتّى يفرغ الرشق، و «رشق وجه و رشق يد» اذا كانت جهة الرمي واحدة. انتهى ملخّصا».(1)
و يوصف السهم بالحابي و الخاصر و الخازق و الخاسق و المارق و الخارم، فالحابي ما زلج على الأرض ثمّ أصاب الغرض، و الخاصر ما أصاب أحد جانبيه، و الخازق ما خدشه، و الخاسق ما فتحه و ثبت فيه، و المارق الذي يخرج من الغرض نافذا، و الخارم الذي يخرم حاشيته، و يقال: المزدلف الذي يضرب الأرض ثمّ يثب الى الغرض. و الغرض ما يقصد اصابته و هو الرقعة. و الهدف ما يجعل فيه الغرض من تراب أو غيره. و المبادرة هي أنيبادر أحدهما الى الاصابة مع التساوي في الرشق. و المحاطة هي اسقاط ما تساويا فيه من الاصابة.
قال في المسالك: «ذكر المصنّف من أوصاف السهم عند الاصابة ستّة أوصاف و أردفها بسابع.
الحابي - باثبات الياء - من صفات السهم المصيب، و هو أنيقع دون الهدف ثمّ يحبو الى الغرض فيصيبه، مأخوذ من حبو الصبي على الأرض، و جمعه حوابي.
1) - مسالك الأفهام 6: 72 - 76.
و معنى قول المصنّف: «زلج على الأرض» أي زلق.
و الخاصر - بالخاء المعجمة ثمّ الصاد المهملة - مأخوذ من الخاصرة؛ لأنّها في أحد جانبي الانسان؛ سمّي به لاصابته أحد جانبي الغرض، و هو في معنى خاصرته. و يسمّى أيضا جائزا.
و الخازق - بالخاء و الزاي المعجمتين - و ضمير «خدشه» يعود الى الغرض، و ظاهره أنّه لميثقبه و لميثبت فيه، و بهذا صرّح في القواعد فقال: «الخازق ما خدشه ثمّ وقع بين يديه».
و المارق - بالميم، و هو الصواب الموافق لكلام أهل اللغة - هو الذي يخرج من الغرض نافذا.
و الخارم الذي يخرم حاشية الغرض، بأنيصيب طرفه فلايثقبه ولكن يخرمه.
و الغرض ما يقصد اصابته، و الهدف ما يجعل فيه الغرض من تراب أو غيره؛ فانّهم يرتّبون ترابا أو حائطا ينصب فيه الغرض فيسمّون التراب و الحائط هدفا، و ما ينصبون فيه من جلد أو قرطاس يسمّونه الغرض.
أمّا المبادرة و المحاطّة، فالمراماة قسمان مبادرة و محاطّة. و المراد من الأوّل أنيتّفقا على رمي عدد معيّن كعشرين سهما مثلاً، فمن بدر الى اصابة عدد معيّن منها - كخمسة - فهو ناضل لمن لميصب أو أصاب ما دونها. و المراد من المحاطّة - بتشديد الطاء - أنيقابل اصاباتهما من العدد المشترط و يطرح المشترك من الاصابات، فمن زاد فيها بعدد معيّن كخمسة مثلاً فناضل للآخر، فيستحقّ المال المشروط في العقد. و ما ذكره المصنّف من تعريفهما غير سديد. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مسالك الأفهام 6: 76 - 81.
و يقتصر في الجواز على النصل و الخفّ و الحافر؛ وقوفا على مورد الشرع، و يدخل تحت النصل السهم و النشّاب و الحراب و السيف. و يتناول الخفّ الابل و الفيلة؛ اعتبارا باللفظ. و كذا يدلّ الحافر على الفرس و الحمار و البغل. و لايجوز المسابقة بالطيور و لا على القدم و لا بالسفن و لا بالمصارعة.
قال في المسالك: «يظهر من تعليل المصنّف بقوله: «وقوفا على مورد الشرع» أنّ هذا العقد مخالف للأصل فيقتصر في جوازه على مورد الشرع الآذن فيه، و هو الثلاثة المذكورة؛ و انّما كان مخالفا للأصل لاشتماله على اللهو و اللعب و القمار على بعض الوجوه، فالأصل أن لايصحّ منه الاّ ما ورد الشرع بالاذن فيه، و هو الثلاثة المذكورة.
و يمكن أنيقال: انّ عموم الأمر بالوفاء بالعقود و اجماع الأمّة على جوازه فيالجملة - كما نقله جماعة من الفقهاء - و وجود الغاية الصحيحة بل ما هو أفضل
الغايات و هو الاستعداد للجهاد و الاستظهار في الجلاد لأعداء الدين و قطّاع الطريق و غيرهم من المفسدين يقتضي جوازه مطلقا، لكن قوله صلىاللهعليهوآله: «لا سبق الاّ في نصل أو خفّ ... الى آخره» يقتضي النهي عمّا عدا الثلاثة، فتبقى هي على أصل الجواز؛ نظرا الى الأدلّة العامّة، و هذا أجود. و أيضا فانّ الغرض الأقصى منه لمّا كان هو الاستعداد للجهاد، و هو منحصر غالبا في هذه الثلاثة، اقتصر عليها و ألغي النادر. و التعليل الوسط أوسط. و المعروف أنّ السهم هو النشّاب، فالظاهر أنّهما مترادفان، و الحراب جمع الحربة بمعنى الرمح.
و اعلم أنّ حصر النصل فيما ذكر هو المعروف لغة و عرفا، فلايدخل فيه مطلق المحدّد كالدبّوس و عصا المداقق اذا جعل في رأسها حديدة و نحو ذلك؛ عملاً بالأصل السابق. و لا خلاف في جواز المسابقة على الابل؛ لمشاركتها الخيل في المعنى المطلوب منها حالة الحرب من الانعطاف و سرعة الاقدام، و لأنّ العرب تقاتل عليها أشدّ القتال، و هي داخلة في الخفّ. و أمّا الفيلة فهي كذلك عندنا و عند أكثر العامّة؛ لدخولها تحت اسم الخفّ أيضا، و يقاتل عليها كالابل. و لا خلاف عندنا في جواز المسابقة على الثلاثة؛ لدخولها تحت الحافر و صلاحيّتها للمسابقة عليها في الجملة. و لايجوز المسابقة بالطيور و لا على القدم و لا بالسفن و لا بالمصارعة؛ لنفي مشروعيّة ما عدا الثلاثة. و المنع منها مع العوض موضع وفاق عندنا. و لو خلت هذه الأمور و نحوها من العوض ففي جوازها قولان. و المشهور في الرواية فتح الباء من «سبق» فيفيد نفي مشروعيّة بذل العوض، و لا تعرّض فيها لما عداه فيبقى على أصالة الجواز. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مسالك الأفهام 6: 84 - 87.
عقد المسابقة: و هو يفتقر الى ايجاب و قبول، و قيل: «هي جعالة فلاتفتقر الى قبول و يكفي البذل». و على الأوّل فهو لازم كالاجارة. و على الثاني هو جائز شرع فيه أو لميشرع. و يصحّ أنيكون العوض عينا أو دينا.
و اذا بذل السبق غير المتسابقين صحّ اجماعا، و لو بذله أحدهما أو هما صحّ عندنا و لو لميدخل بينهما محلّل، و لو بذله الامام من بيت المال جاز؛ لأنّ فيه مصلحة. و لو جعلا السبق للمحلّ بانفراده جاز أيضا: و كذا لو قيل: «من سبق منّا فله السبق»؛ عملاً باطلاق الاذن في الرهان.
فروع:
قال في المسالك: «اختلف الأصحاب و غيرهم في لزوم عقد المسابقة و جوازه، فذهب المصنّف و قبله ابن ادريس و جماعة الى لزومه؛ لعموم «أوفوا
بالعقود»، و «المؤمنون عند شروطهم». و ذهب الشيخ و العلاّمة في المختلف الى جوازه؛ لأصالة عدم اللزوم.
و منشؤ الخلاف أنّها عقد يتضمّن عوضا على عمل، و هو مشترك بين الاجارة و الجعالة. ثمّ انّها مشتملة على اشتراط العمل في العوض و كونه معلوما و هو من خواصّ الاجارة، و على جواز ابهام العامل في السبق، و على ما لايعلم حصوله من العامل، و على جواز بذل الأجنبي و هو من خواصّ الجعالة. فوقع الاختلاف بسبب ذلك. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «التحقيق أنّ المسابقة عقد برأسه؛ ضرورة انتفاء جملة من خواصّ كلّ من الاجارة و الجعالة فيه: منها العوض؛ فانّ الظاهر عدم اعتباره فيه؛ لاطلاق الأدلّة و عمومها، و منها عدم معلوميّة السابق. و منها عدم رجوع العمل للجاعل، الى غير ذلك ممّا يظهر بأدنى تأمّل، على وجه يقطع بخروج هذا العقد عنهما، و كونه عقدا برأسه.
و ثاني الشهيدين جزم بخروجه عنهما، كالمحقّق الثاني، بل لعلّ الأصحاب أجمع كذلك، و ان وقع من بعضهم كونه اجارة أو جعالة، الاّ أنّ مرادهم غير ذلك.
ثمّ انّه لا اشكال في اللزوم على تقدير عقديّته الذي قد عرفت ثبوتها من التسالم المزبور. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
اذا فرض الشكّ في كونه اجارة أو جعالة أو عقدا مستقلاًّ فالظاهر أنّ الأصل حاكم بكونه عقدا مستقلاًّ فيشمله عموم «أوفوا بالعقود»، و يكون لازما يحتاج الى
ايجاب و قبول. و بعد أنقلنا بجواز المعاطاة في المعاملات بمعنى الأخصّ فيجرى هنا المعاطاة أيضا.
يصحّ أنيكون العوض عينا أو دينا على حسب غيره من المعاملات؛ لاطلاق الأدلّة و عمومها، و خصوص صحيحة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علي بن الحسين عليهمالسلام:
«انّ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أجرى الخيل و جعل سبقها أواقي من فضّة».(1)
و في المسالك: «قد عرفت أنّ عقد المسابقة لايفتقر الى العوض، بل دائرة جوازه بدونه أوسع، لكن على تقدير ذكر العوض يجوز كونه عينا و دينا، كما في غيره من الأعواض الواقعة في المعاملات. و يعتبر على التقديرين كونه مضبوطا بالمقدار و الجنس و النوع.
و يتفرّع على كلّ من العين و الدين أحكامه اللاحقة له شرعا من الضمان و الرهن عليه و غير ذلك؛ فانّه على تقدير كونه عينا لايصحّ الرهن عليه؛ لتعذّر أخذها من الرهن، و لا ضمانها الاّ اذا جوّزنا ضمان الأعيان المضمونة مطلقا. و على تقدير كونه دينا يصحّ الرهن عليه حيث يكون لازما، و ضمانه بشرطه. وكذلك يجوز كونه حالاًّ و مؤجّلاً، منهما و من أحدهما و بالتفريق».(2)
اذا تضمّن عقد المسابقة مالاً فامّا أنيخرجه المتسابقان معا، أو أحدهما، أو ثالث هو الامام، أو غيره، فالأقسام - كما في المسالك(1)- أربعة:
الأوّل: أنيخرج المال الامام، و هو جائز اجماعا منّا و من غيرنا، سواء كان من ماله أو من بيت المال؛ لأنّ النبي صلىاللهعليهوآله سابق بين الخيل و جعل بينها سبقا، و لأنّ ذلك يتضمّن حثّا على تعلّم الجهاد و الفروسيّة، و اعداد أسباب القتال، و فيه مصلحة للمسلمين و طاعة و قربة، فكان سائغا.
الثاني: أنيكون المخرج غير الامام، و هو جائز أيضا عندنا و عند أكثر العامّة؛ لأنّه بذل مال في طاعة و قربة، و طريق مصلحة للمسلمين، فكان جائزا بل يثاب عليه مع نيّته.
الثالث: أنيخرج المال أحد المتسابقين، بأنيقول أحدهما لصاحبه: «ان سبقت فلك عليّ عشرة، و ان سبقت أنا فلا شيء لي عليك». و هو جائز عندنا أيضا؛ للأصل و انتفاء المانع.
الرابع: أنيخرجه المتسابقان معا، بأنيخرج كلّ منهما عشرة مثلاً على أنيحوزهما السابق. و هو جائز أيضا مطلقا على الأشهر.
و لو جعلا السبق للمحلّل بانفراده جاز، فان سبقهما اختصّ به، و ان سبق أحدهما لميستحقّ شيئا. و كذا لو سبق أحدهما و المحلّل، الاّ أنيشترطا ما يشمل ذلك فيستحقّ بحسب الشرط.
1) - مسالك الأفهام 6: 91.
و يفتقر في المسابقة الى شروط خمسة: «الأوّل»: تقدير المسافة ابتداءً و انتهاءً. «الثاني»: و تقدير الخطر. «الثالث»: و تعيين ما يسابق عليه. «الرابع»: و تساوي ما به السباق في احتمال السبق، فلو كان أحدهما ضعيفا تيقّن قصوره عن الآخر لميجز. «الخامس»: أنيجعل السبق لأحدهما أو للمحلّل و لو جعل لغيرهما لميجز. و هل يشترط التساوي في الموقف؟ قيل: «نعم»، و الأظهر لا؛ لأنّه مبني على التراضي.
عقد الرمي. و أمّا الرمي فيفتقر الى العلم بأمور ستّة: الرشق و عدد الاصابة و صفتها و قدر المسافة و الغرض و السبق و تماثل جنس الآلة. و في اشتراط المبادرة و المحاطّة تردّد، الظاهر أنّه لايشترط. و كذا لايشترط تعيين القوس و السهم.
قال في الجواهر: «تفتقر المسابقة الى شروط خمسة: «الأوّل»: تقدير المسافة ابتداءً و انتهاءً؛ لأنّ في عدم تعيينه غرر و هو منهي عنه.
«الثاني»: تقدير الخطر أى العوض بعد معرفة جنسه؛ للغرر في المجهول.
«الثالث»: تعيين ما يسابق عليه بالمشاهدة.
«الرابع»: أنيحتمل لكلّ منهما السبق فلو كان أحدهما ضعيفا تيقّن قصوره عن الآخر لميجز.
«الخامس»: أنيجعل السبق لأحدهما أو للمحلّل فلو جعل لغيرهما لميجز.و أمّا الرمي فيفتقر الى العلم بأمور ستّة:
«الأوّل»: الرشق بكسر الراء و هو عدد الرمي.
«الثاني»: عدد الاصابة كخمس من عشرين رمية.
«الثالث»: صفتها من خزق أو خرق و غيرهما من الصفات؛ للغرر مع عدمه.
«الرابع»: معرفة قدر المسافة التي يرميان منها بالمشاهدة، أو ذكر المساحة.
«الخامس»: الغرض الذي هو المقصود بالاصابة، فلا بدّ من العلم بموضعه من الهدف ارتفاعا، و انخفاضا، و قدره بالنسبة الى الضيق و السعة.
«السادس»: السبق؛ حذرا من الغرر و الجهالة المفضية الى النزاع.
و كذا يفتقر الرمي الى العلم بتماثل جنس الآلة من كون القوس مثلاً عربيّا أو فارسيّا؛ لاختلاف الرمي باختلاف ذلك.
و في اشتراط تعيين أحد القسمين أي المبادرة و المحاطّة في عقد الرماية تردّد بل و خلاف ولكنّ الظاهر أنّه لايشترط؛ لانصراف اطلاق العقد الى المحاطّة على الأشهر. و كذا لايشترط تعيين شخص القوس و السهم؛ لاطلاق الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)
1) - جواهر الكلام 28: 227 - 232.
و فيه مسائل:
«الأولى»: اذا قال أجنبي لخمسة: «من سبق فله خمسة» فتساووا في بلوغ الغاية فلا شيء لأحدهم؛ لأنّه لا سبق. و لو سبق أحدهم كانت الخمسة له، و ان سبق اثنان منهم كانت لهما دون الباقين، و كذا لو سبق ثلاثة أو أربعة. و لو قال: «من سبق فله درهمان و من صلّى فله درهم»، فلو سبق واحد أو اثنان أو أربعة فلهم الدرهمان، و لو سبق واحد و صلّى ثلاثة و تأخّر واحد كان للسابق درهمان و للثلاثة درهم و لا شيء للمتأخّر.
قال في المسالك: «اذا قال لجماعة: «أيّكم سبق فله خمسة»، فلايخلو: امّا أنيسبق واحد منهم خاصّة، أو يستوي الجميع بأنجاؤوا جميعا، أو يسبق أكثر من واحد. ففي الأوّل لا اشكال في استحقاق السابق المال؛ لاختصاصه بالوصف الموجب للاستحقاق، كما لا اشكال في عدم استحقاق أحدهم شيئا منه في الثاني؛ لانتفاء الوصف عن الجميع؛ اذ لا سابق منهم. و لو سبق ما فوق واحد فقد حكم
المصنّف و جماعة باشتراك السابقين في المال المبذول، فيوزّع عليهم على الرؤوس؛ لأنّ «من» يحتمل كلّ فرد فرد من السابقين، و مجموع من سبق أعمّ من الواحد و المتعدّد، و مع الاحتمال فالأصل براءة ذمّة الباذل ممّا زاد على القدر المبذول، فيقتسمه السابقون بالسويّة. و قيل: «يستحقّ كلّ واحد منهم المال المبذول؛ لأنّ «من» لمّا كانت من ألفاظ العموم فهي بمعنى كلّ فرد فرد كما في نظائره من القضايا الكلّيّة، و لأنّ العوض في مقابلة السبق و قد تحقّق من كلّ واحد منهم، فيستحقّ كمال العوض». و هذا أقوى. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الأصحّ أنّ المقدّم هو ما قصده الباذل و هو واحد منهم و يؤيّده العرف، فان سبق اثنان أو ثلاثة أو أربعة فليس لهم شيء. نعم، لو أخبر عن قصده فهو، و ان لميعلم قصده فالاحتياط ما ذكره المصنّف من التقسيم.
و لو قال: «من سبق فله درهمان و من صلّى فله درهم» فلو سبق واحد أو اثنان أو أربعة فلهم الدرهمان. و لو سبق واحد و صلّى ثلاثة و تأخّر واحد كان للسابق درهمان و للثلاثة درهم و لا شيء للمتأخّر.
«الثانية»: لو كانا اثنين و أخرج كلّ واحد منهما سبقا و أدخلا محلّلاً و قالا: «أيّ الثلاثة سبق فله السبقان»، فان سبق أحد المستبقين كان السبقان له على ما اخترناه، و كذا لو سبق المحلّل. و لو سبق المستبقان كان لكلّ واحد منهما مال نفسه و لا شيء للمحلّل، و لو سبق أحدهما و المحلّل كان للمستبق مال نفسه و نصف مال المسبوق و نصفه الآخر للمحلّل، و لو سبق أحدهما و
1) - مسالك الأفهام 6: 101 و 102.
صلّى المحلّل كان الكلّ للسابق؛ عملاً بالشرط. و كذا لو سبق أحد المستبقين و تأخّر الآخر و المحلّل، و كذا لو سبق أحدهما و صلّى الآخر و تأخّر المحلّل.
لو كان المتراهنان اثنين مثلاً و أخرج كلّ واحد منهما سبقا و أدخلا محلّلاً، و قالا: «أيّ الثلاثة سبق فله السبقان»، فان سبق أحد المستبقين كان السبقان له بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- و كذا لو سبق المحلّل؛ لحصول الوصف فيه و لو سبق المستبقان كان لكلّ واحد منهما مال نفسه، و لا شيء للمحلّل.
و كذا الحال فيما لو سبق أحدهما و المحلّل، كان للسابق مال نفسه - لأنّه لميسبقه أحد - و نصف مال المسبوق، و أمّا نصفه الآخر فللمحلّل؛ لاشتراكه في صفة السبق.
و لو سبق أحدهما و صلّى المحلّل كان الكلّ للسابق؛ عملاً بالشرط. و كذا لو سبق أحد المستبقين، و تأخّر الآخر و المحلّل، و كذا لو سبق أحدهما و صلّى الآخر و تأخّر المحلّل.
«الثالثة»: اذا شرطا المبادرة و الرشق عشرين و الاصابة خمسة، فرمى كلّ واحد منهما عشرة فأصاب خمسة فقد تساويا في الاصابة و الرمي فلايجب اكمال الرشق؛ لأنّه يخرج عن المبادرة. و لو رمى كلّ واحد منهما عشرة فأصاب أحدهما خمسة و الآخر أربعة فقد نضله صاحب الخمسة، و لو سئل اكمال الرشق لميجب، أمّا لو شرطا المحاطّة فرمى كلّ واحد منهما عشرة
1) - جواهر الكلام 28: 234.
فأصاب خمسة تحاطّا خمسة بخمسة و أكملا الرشق. و لو أصاب أحدهما من العشرة تسعة و أصاب الآخر خمسة تحاطّا خمسة بخمسة و أكملا الرشق. و لو تحاطّا فبادر أحدهما الى اكمال العدد، فان كان مع انتهاء الرشق فقد نضل صاحبه و ان كان قبل انتهائه فأراد صاحب الأقلّ اكمال الرشق نظر فان كان له في ذلك فائدة مثل أنيرجو أنيرجّح عليه أو يساويه أو يمنعه أنينفرد بالاصابة بأنيقصر بعد المحاطّة عن عدد الاصابة أجبر صاحب الأكثر، و ان لميكن له فائدة لميجبر كما اذا رمى أحدهما خمسهعشر فأصابها و رمى الآخر فأصاب منها خمسة فيتحاطّان خمسة بخمسة فاذا أكملا فأبلغ ما يصيب صاحب الخمسة ما تخلّف، و هي خمسة و يخطئها صاحب الأكثر فيجتمع لصاحب الخمسة عشرة فيتحاطّان عشرة بعشرة، و يفضل لصاحب الأكثر خمسة فلايظهر للاكمال فائدة.
اذا شرطا المبادرة، و الرشق عشرين، و الاصابة خمسة مثلاً فرمى كلّ واحد منهما عشرة، فأصاب كلّ واحد خمسة، فقد تساويا في الاصابة و الرمي فلايجب اكمال الرشق؛ لأنّه يخرج عن المبادرة التي قد عرفت أنّها اشتراط العوض، لمن بدر الى اصابة عدد معيّن، من مقدار رشق معيّن، مع تساويهما فيه، و حينئذ فاذا رميا رشقا و تساويا في اصابته لميتحقّق السبق، و لو وجب الاكمال لرجاء السبق في الباقي، خرج عن موضوع المبادرة الى المحاطّة، و هو خلاف المفروض.
و كذا لايجب الاكمال فيما لو رمى كلّ واحد منهما عشرة، فأصاب أحدهما خمسة، و الآخر أربعة، فقد نضله صاحب الخمسة و حينئذ فلو سأل صاحب الأربعة اكمال الرشق لميجب؛ لحصول المبادرة، و الاّ خرج عن موضوعها.
أمّا لو شرطا المحاطّة، فرمى كلّ واحد منهما عشرة و أصاب خمسة، تحاطّا
خمسة بخمسة، و أكملا الرشق رجاءً لحصول السبق؛ لأنّ مقتضى المحاطّة ذلك.
و كذا لو أصاب أحدهما من العشرة تسعة و أصاب الآخر خمسة تحاطّا خمسة بخمسة، و أكملا الرشق رجاءً لحصول السبق فيما بقي.
و لو تحاطّا، فبادر أحدهما الى اكمال العدد الذي اشترط الاصابة فيه فان كان مع انتهاء الرشق منهما فقد نضل صاحبه؛ لحصول الفراغ من العقد، و ان كان قبل انتهائه، فأراد صاحب الأقلّ اكمال الرشق نظر:
فان كان له في ذلك فائدة، مثل أنيرجو أنيرجّح عليه كما لو رمى كلّ منهما عشرة، فأصابها أحدهما و أصاب الآخر منها خمسة فانّ صاحب الأقلّ يرجو اصابة العشرة أجمع، و خطأ صاحبه له، فينضله حينئذ و يكون الخطر له؛ لأنّه بعد التحاطّ يحصل له اصابة الخمسة المفروض اشتراطها في عدد العشرين أو يساويه كما لو فرض في المثال خطأ أحدهما للعشرة، فانّه يرجو بالاكمال اصابة العشرة الباقية، و خطأ الآخر له، فيساويه و يتحاطّان و لايستحقّ أحدهما على الآخر شيئا، أو يمنعه أنينفرد بالاصابة، بأنيقصّر بعد المحاطّة عن عدد الاصابة كما لو فرض اصابة الاثنين من العشرة التي أصابها أجمع صاحبه، فيرجو بالاكمال اصابة العشرة الباقية له، و خطأ الآخر فيتحاطّان عشرة بعشرة و يبقى اثنان له و لايستحقّ أحدهما على الآخر شيئا فمتى كان كذلك أجبر صاحب الأكثر على الاكمال.
و ان لميكن له فائدة؛ لأنّه مغلوب على كلّ حال لميجبر صاحب الأكثر على الاكمال كما اذا رمى أحدهما خمسهعشر فأصابها و رمى الآخر فأصاب منها خمسة، فيتحاطّان خمسة بخمسة و يبقى لأحدهما عشرة فاذا أكملا فأبلغ ما يفرض أنيصيبها صاحب الخمسة و يخطئها صاحب الأكثر خمسة، فيجتمع لصاحبه الخمسة حينئذ عشرة فيتحاطّان عشرة بعشرة، و يفضل لصاحب الأكثر خمسة فلاتظهر للاكمال فائدة.
«الرابعة»: اذا تمّ النضال ملك الناضل العوض و له التصرّف فيه كيف شاء و له أنيختصّ به و أنيطعمه أصحابه، و لو شرط في العقد اطعامه لحزبه لمأستبعد صحّته.
اذا تمّ النضال ملك الناضل العوض بلا خلاف و لا اشكال - كما فى الجواهر(1)- لأنّه مقتضى العقد المحكوم بصحّته شرعا، فله التصرّف فيه كيف شاء و له أنيختصّ به و له أنيطعمه أصحابه؛ لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» و غيره.
و لو شرط في العقد اطعامه لحزبه فالظاهر صحّته؛ لعموم «أوفوا بالعقود» و «المؤمنون عند شروطهم»، و الظاهر أنّ المراد بالشرط التزام صرف ما هو ملكه بالعقد في مصرف خاصّ.
«الخامسة»: اذا فسد عقد السبق لميجب بالعمل أجرة المثل و يسقط المسمّى لا الى بدل، و لو كان السبق مستحقّا وجب على الباذل مثله أو قيمته.
اذا فسد عقد السبق بسبب كون العوض خمرا مثلاً أو مجهولاً أو نحو ذلك بفقد شرط من شرائط صحّته فذهب المصنّف الى أنّه لايجب بالعمل أجرة المثل وفاقا للمحكي عن الشيخ و يسقط المسمّى لا الى بدل؛ لظهور فساد العقد الذي تضمّنه؛ لأنّه لميعمل له شيئا و لا استوفى منفعة عمله؛ اذ نفع سبقه راجع اليه.
و قال في الجواهر: «ولكن في القواعد و جامع المقاصد و محكي التذكرة أنّ له
1) - جواهر الكلام 28: 338.
أجرة المثل، بل يجب أجرة مثل عمله، و هو مجموع ركضة لا قدر ما سبق به، لأنّه سبق بمجموع عمله، لا بذلك القدر؛ لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و لاينافيه عدم حصول النفع له، فانّ القراض الفاسد يجب فيه أجرة المثل، و ان لميحصل نفع بالعمل للمالك».(1)
و في المسالك: «ان كان فساد المعاملة ابتداءً بمعنى أنّه لمينعقد العقد أصلاً، سواء كان بسبب العوض بأنكان خمرا أو مجهولاً، أم من جهة ركن من أركان العقد بأناختلّ بعض شروطه السابقة أو غيرها فالظاهر أنّه لا شيء للسابق؛ لأنّ الالتزام لميقع الاّ على تقدير العقد الصحيح، و الأصل براءة الذمّة من وجوب شيء آخر غير ما وقع عليه العقد. و قاعدة أنّ كلّ ما كان صحيحه موجبا للمسمّى ففاسده موجب لأجرة المثل لا دليل عليها كلّية.
و ان كان فساد العقد من جهة خروج العوض مستحقّا فقد جزم المصنّف بأنّه يجب على الباذل مثله أو قيمته، و وافقه عليه جماعة من المتأخّرين؛ و وجهه ما عرفت من صحّة العقد ابتداءً بالعوض المعيّن، و انّما اتّفق متزلزلاً موقوفا على اجازة المالك، فاذا لميجز المالك فوجب مثله أو قيمته. انتهى ملخّصا».(2)
«السادسة»: اذا فضل أحدهما الآخر في الاصابة فقال له: «اطرح الفضل بكذا»، قيل: «لايجوز؛ لأنّ المقصود بالنضال ابانة حذق الرامي و ظهور اجتهاده فلو طرح الفضل بعوض كان تركا للمقصود بالنضال» فتبطل المعاوضة و يردّ ما أخذ.
هذا الذي ذكره المصنّف هو المشهور - كما في المسالك(1)- بل كثير منهم لميذكروا فيه خلافا. و وجه المنع ما ذكره المصنّف من منافاة ذلك للغرض و الحكمة المسوّغة لهذا العقد. و نسبته الى القيل مشعر بالتوقّف فيه؛ و وجهه أنّه جعل على عمل محلّل، و منع كون المقصود بالنضال منحصرا فيما ذكر؛ لجواز أنيقصد به كسب المال، فاذا حصل بالسبق أمكن تحصيله بمقدّماته، مضافا الى أصالة الصحّة، و عموم الأمر بالوفاء بالعقد، و الكون مع الشرط، و منافاته للمشروع غير متحقّقة.
هذا تمام الكلام فيما أردنا
بيانه من أحكام السبق و الرماية
و يتلوه شرح كتاب الاقرار
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
1) - مسالك الأفهام 6: 111.
و النظر في الأركان و اللواحق.
و أركانه أربعة:
و فيها مقاصد:
و هي اللفظ المتضمّن للاخبار عن حقّ واجب كقوله: «لك عليّ أو عندي أو في ذمّتي» أو ما أشبهه. و يصحّ الاقرار بغير العربيّة اضطرارا و اختيارا.
و لو قال: «لك عليّ كذا ان شئت أو ان شئت»، لميكن اقرارا، و كذا لوقال: «ان قدم زيد»، و كذا «ان رضي فلان أو ان شهد». و لو قال: «ان شهد لك
فلان فهو صادق»، لزمه الاقرار في الحال؛ لأنّه اذا صدق وجب الحقّ و ان لميشهد.
فروع:
قال في الجواهر: «الاقرار بمعنى الاعتراف كما في الصحاح و مجمع البحرين، و الاذعان للحقّ كما عن القاموس، و في المسالك و الاسعاد لبعض الشافعيّة: الاثبات، من قولك: قرّ الشيء يقرّ اذا ثبت، و أقررته اذا أفدته القرار.
ثمّ ان الاقرار ليس من العقود و الايقاعات؛ لأنّه ليس بانشاء، الاّ أنّه كان مشابها للايقاع في الجملة.
و قد عرّفها الفقهاء بتعاريف مختلفة و مع ذلك متقاربة، و لعلّ الأولى من ذلك ايكاله الى العرف الكافي في مفهومه و مصداقه، و في الفرق بينه و بين الشهادة و الدعوى و الرواية و الترجمة.
و لا فرق فيه بين الاثبات و النفي كالاقرار بالابراء و نحوه، بل و لا بين الأعيان و المنافع و الحقوق كحقّ الخيار و الشفعة و نحوهما، بل و لا بين حقوق الناس المستلزمة للمقرّ له و بين حقوق اللّه تعالى كالاقرار بشرب الخمر و نحوه».(1)
أقول:
ما ذهب اليه من أنّ الأولى ايكال تعريف الاقرار و ماهيّته الى العرف حسن.
1) - جواهر الكلام 35: 2.
يدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى: «ءأقررتم و أخذتم على ذلكم اصري قالوا أقررنا»(1)، و كذا قوله: «و آخرون اعترفوا بذنوبهم»(2)، وقوله: «ألست بربّكم قالوا بلى»(3)، و قوله: «كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه و لو على أنفسكم»(4).
و من السنّة روايات:
منها رواية جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال:
«لا أقبل شهادة الفاسق الاّ على نفسه».(5)
و منها مرسلة العطّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه».(6)
و منها رواية عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال:
«اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».(7)
و غيرها ممّا يأتي في محلّه.
و في الجواهر: «يدلّ على صحّته الاجماع من المسلمين بل الضرورة».(1)
صيغة الاقرار هي اللفظ المتضمّن للاخبار عن حقّ واجب للمخبر أو ما هو في قوّة الاخبار.
قال في المسالك: «قوله: «اللفظ» بمنزلة الجنس يتناول المفيد و غيره، كما أنّ المفيد يتناول الاخبار و الانشاء. و «المتضمّن للاخبار» بمنزلة الفصل يخرج به سائر العقود و الايقاعات المتضمّنة للانشاء، كما يخرج باقي الألفاظ التي لاتتضمّن اخبارا. و دخل في «الحقّ» المال، عينا و منفعة، و توابعها من الشفعة و الخيار و أولويّة التحجير و النفس و الحدود و التعزيرات، للّه تعالى و للآدمي.
و المراد بالواجب معناه اللغوي و هو الثابت، فيخرج به الاخبار عن حقّ مستقبل، فانّه ليس باقرار و انّما هو وعد أو ما في معناه. و بقيد «للمخبر» يخرج الشهادة، فانّها اخبار عن حقّ واجب على غير المخبر».(2)
و بقيد «ما هو في قوّة الاخبار»، يدخل مثل: «نعم»، في جواب من قال: «لي عليك كذا؟»، و ان كان هو نفسه متضمّن للاخبار كالمركّب الاّ أنّه من تمام التعريف.
ثمّ انّه يصحّ الاقرار بالعربيّة و بغيرها؛ لأنّه لميرد من الشارع لفظ خاصّ في ذلك و انّ المراد الاخبار عمّا وقع من نفسه و هو مكنون في باطنه مضافا الى أنّه
لا خلاف فيه - كما في الجواهر(1)- نعم، يعتبر العلم بالوضع، فلو لقّنه أحد بالعربيّة و ادّعى عدم العلم و كان ذلك ممكنا في حقّه قبل؛ عملاً بالظاهر و أصالة عدم تجدّد علمه بغير لغته، و عليه اليمين. و ان علم أنّ المقرّ عارف بمعنى ما أقرّ به لمتقبل دعواه بخلافه.
و يشترط فيه التنجيز؛ لما فيه من كونه اخبارا عن حقّ ثابت و التعليق مناف لذلك، فلو قال: «لك عليّ كذا ان شئت - بالضمّ - أو ان شئت - بالفتح -»، لميكن اقرارا بلا خلاف - كما في الجواهر - و كذا لو قال: «ان قدم زيد أو ان رضي فلان، أو شهد» و ما في معناه من التعليق المنافي للاخبار.
قال الشيخ في المبسوط: « لو قال: «ان شهد لك عليّ شاهدان بألف فهما صادقان»، لزمه الاقرار بالألف في الحال؛ لأنّ الشاهدين اذا صدقا في شهادتهما عليه بالألف اذا شهدا فانّ الحقّ واجب عليه شهدا أو لميشهدا».(2)
و تبعه عليه جماعة - كما في المسالك - منهم المصنّف.
ولكن فيه: انّ العرف لايفهم من هذا الكلام الاقرار و الظاهر أنّ المفهوم منه أنّ الشاهدين لايشهدان عليّ باشتغال ذمّتي بألف و لاطمئنانه يقول: «ان شهد لكعليّ شاهدان بألف فهما صادقان».
قال في المسالك: «و في الدليل نظر من وجهين:
أحدهما: انّه لميحكم بصدقه مطلقا و انّما حكم به على تقدير الشهادة، و جاز أنيريد أنّه لاتصدر منه الشهادة؛ لكونه ليس في ذمّته له شيء.
و الثاني: انّه لايخرج بذلك عن التعليق، بل هو أدنى مرتبة منه؛ فانّه اذا قال: «له عليّ كذا ان شهد به فلان»، لايكون اقرارا اتّفاقا مع أنّه صريح في الاعتراف بالحقّ على تقدير الشهادة. انتهى ملخّصا».(1)
و اطلاق الاقرار بالموزون ينصرف الى ميزان البلد و كذا المكيل، و كذا اطلاق الذهب أو الفضّة ينصرف الى النقد الغالب في بلد الاقرار.
و لو كان نقدان غالبان أو وزنان مختلفان و هما في الاستعمال سواء رجع في التعيين الى المقرّ.
قال في الروضة: « (و اطلاق الكيل و الوزن) في الاقرار كأنّه قال: «له عندي كيل حنطة، أو رطل سمن» (يحمل على) الكيل و الوزن (المتعارف في البلد) أي بلد المقرّ و ان خالف بلد المقرّ له (فان تعدّد) المكيال و الميزان في بلده (عيّن المقرّ) ما شاء منها، (ما لميغلب أحدهما) في الاستعمال على الباقي (فيحمل على الغالب) و لو تعذّر استفساره فالمتيقّن هو الأقلّ و كذا القول في النقد».(2)
الظاهر أنّ انصراف اطلاق الاقرار بالموزون الى ميزان البلد و كذا المكيل ممّا يعتبره العرف و العقلاء فيما بينهم و يجري هذا في الأبواب المختلفة منالمعاملات. و لو كان وزنان مختلفان و هما في الاستعمال سواء يرجع في التعيين الى المقرّ، و لو لميتمكّن من الرجوع اليه يرجع بأقلّها؛ للأصل.
و أمّا اطلاق الذهب و الفضّة فان كان مراده الدرهم و الدينار و هما مختلفان في بلده و بلد المقرّ له فينصرف الى بلد المقرّ كما أنّه لو اختلف فيه أيضا فينصرف الى الغالب، و أمّا لو كان مراده عين الذهب و الفضّة فيرجع في مقداره و تعيينه اليه.
قال في الجواهر: « و كذا اطلاق النقدين من الذهب و الفضّة فينصرف الى النقد الغالب من المسكوك في بلد الاقرار اذا كان المقرّ من أهله، من غير فرق بين المغشوش و غيره و الناقص و غيره. و أمّا لو قال: «له عندي وزن درهم فضّة» أو «مثقال ذهب» فلايجب حمله على النقد الغالب، و هو المسكوك، بل يعتبر فيه مصداقهما و لو من غير المضروب».(1)
و لو قال: «له عليّ درهم و درهم»، لزمه اثنان، و كذا: «ثمّ درهم»، أو قال: «درهم فدرهم». أمّا لو قال: «فوق درهم أو مع درهم أو قبل درهم أو بعده»، لزمه درهم واحد؛ لاحتمال أنيكون أراد مع درهم لي فيقتصر على المتيقّن، و كذا لو قال: «درهم في عشرة» و لميرد الضرب.
لو قال: «له عليّ درهم و درهم»، لزمه اثنان؛ لظاهر العطف، و كذا لو قال: «له عليّ درهم ثمّ درهم»، أو قال: «درهم فدرهم»، فكلّ ذلك اقرار باثنين؛ لمكان العطف. و هكذا يكون الحكم لو عطف النقود أو الأشياء فالمتفاهم عرفا بل لغة هو الاقرار بالجميع.
أمّا لو قال: «له عليّ درهم فوق درهم» و نحوه ممّا مثّل به في المتن لزمه درهم واحد؛ لأنّه كما يحتمل أنيكون مراده فوق درهم للمقرّ له و معه و قبله و بعده
1) - جواهر الكلام 35: 13.
يحتمل أنيريد فوق درهم لي أو معه أو قبله أو بعده، فكلّ لفظ أو جملة يحتمل فيه الأمران اقتصر على المتيقّن.
و لو قال: «غصبته ثوبا في منديل أو حنطة في سفينة أو ثيابا في عيبة»، لميدخل الظرف في الاقرار.
ما قاله المصنّف رحمهالله أيضا يكون من المتفاهم العرفي لهذا الكلام؛ فانّ الاقرار بالمظروف في الجملة المذكورة في المتن لايكون اقرارا بتّا بالظرف أيضا عند العرف، و كذا الاقرار بالظرف لايكون اقرارا بالمظروف و لا أقلّ من الشكّ؛ لاحتمال أنيكون مراده من المنديل و السفينة و العيبة - بفتح العين و هو شيء يحفظ فيه الثياب - هو في منديل و سفينة لي. و على هذا القياس تكون الأمثلة المذكورة في المسالك فراجع.(1)
و لو قال: «له عندي عبد عليه عمامة»، كان اقرارا بهما؛ لأنّ له أهليّة الامساك، و ليس كذلك لو قال: «دابّة عليها سرج».
لو قال: «له عندي عبد عليه عمامة» ففي المتن و غيره: «كان اقرارا بهما؛ لأنّ للعبد أهليّة الامساك» فتكون له يد على ملبوسه مثلاً و ليس كذلك لو قال: «له عندي دابّة عليها سرج»؛ لعدم اليد للدابّة على ما عليها. و عليه لو قال: «هذا العبدلزيد» مع كونه عليه عمامة كانت العمامة له أيضا و أمّا لو جاء بدابّة عليها سرج و قال: «هذه الدابّة لزيد» لايكون السرج له.
1) - مسالك الأفهام 11: 17.
و قد أحسن صاحب الجواهر في أمثال هذه الأقارير حيث قال: «لعلّ جعل المدار على العرف في جميع ما تقدّم أولى من الاطناب حتّى فيما حكوا الاتّفاق عليه؛ ضرورة معلوميّة عدم التعبّد في أمثال هذه المسائل، و هو مختلف باختلاف الأمكنة و الأزمنة و الأحوال».(1)
و لو قال: «له قفيز حنطة بل قفيز شعير» لزمه القفيزان، و كذا لو قال: «له هذا الثوب بل هذا الثوب». أمّا لو قال: «له قفيز بل قفيزان»، لزمه القفيزان حسب، و لو قال: «له درهم بل درهم» لزمه درهم واحد.
لو قال: «له قفيز حنطة بل قفيز شعير» لزمه القفيزان؛ لأنّ الأوّل اقرار صحيح فيستقرّ حكمه بالاضراب عنه و ثبت ما بعده أيضا. و كذا لو قال: «له هذا الثوب بل هذا الثوب». نعم، لو كان هناك قرينة تدلّ على اشتباهه و أنّه أراد أنيقرّ بالشعير أو بالثوب الآخر فاشتبه فحينئذ يكون الأوّل متروكا و يثبت الثاني. و أمّا لو قال: «له قفيز بل قفيزان» لزمه القفيزان؛ للزومه الأكثر و دخول الأقلّ فيه. و لو قال: «له درهم بل درهم» لزمه درهم واحد كما عليه العرف.
1) - جواهر الكلام 35: 20.
و لو أقرّ لميّت بمال و قال: «لا وارث له غير هذا»، ألزم التسليم اليه.
لو أقرّ لميّت بمال و قال أيضا: «لا وارث له غير زيد - مثلاً -» فان لميحتمل له وارث سواه فيؤدّيه اليه، و أمّا ان احتمل له وارث غيره فان كان ما أقرّ به من المال دينا فلا اشكال في أدائه الى زيد فان ظهر للميّت وارث سواه أولى منه أو شريك معه في الطبقة فعليه ردّ الدين أو سهمه اليه، و ان كان عينا و احتمل له وارث غيره فالمال الذي أقرّ به للميّت و ان كان عليه الاّ أنّه لايسلّم الى من أقرّ بأنّه وارث الميّت فقط؛ لأنّه اقرار في حقّ الغير فلايقبل منه فاللازم الرجوع الى الحاكم ليبحث عن وارث آخر للميّت.
و الفرق بين العين و الدين أنّ الدين لايتعيّن الاّ مع الدفع الى الدائن، فاذا دفعه الى غيره الذي أقرّ بأنّه وارث ثمّ انكشف عدم كونه وارثا أو كان له شريك في الارث، انكشف أنّه لميؤدّ دينه و كان عليه أنيؤدّيه الى من كان وارثا في الواقع، بخلاف العين فانّه عين مال المديون و لايجوز له أنيدفعه الى المقرّ له اذا احتمل لها مالك غيره.
و لو قال: «له عليّ ألف اذا جاء رأس الشهر»، لزمه الألف و كذا لو قال: «اذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألف»، و منهم من فرّق و ليس شيئا.
و لو قال المالك: «بعتك أباك»، فاذا حلف الولد انعتق المملوك و لميلزمه الثمن. و لو قال: «ملكت هذه الدار من فلان أو غصبتها منه أو قبضتها منه»، كان اقرارا له بالدار، و ليس كذلك لو قال: «تملّكتها على يده»؛ لأنّه يحتمل المعونة. و لو قال: «كان لفلان عليّ ألف»، لزمه الاقرار؛ لأنّه اخبار عن تقدّم الاستحقاق فلاتقبل دعواه في السقوط.
فروع:
لو قال: «له عليّ ألف اذا جاء رأس الشهر» فان كان هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة بأنّ مراده التأجيل أو كان مراده التعليق فيلزمه أداء الألف رأس الشهر في الأوّل و البطلان في الثاني؛ لما تقدّم من أنّ الاقرار لايقبل التعليق. و ان احتمل الأمرين فيرجع اليه في مراده. و ان قال بأنّ مراده التعليق فان ادّعى عليه المقرّ له فعليه اليمين و ان لميدّع فيقبل منه.
و في المسالك: «كما أنّ حمله على التأجيل يفيد حكما شرعيّا فكذا حمله على التعليق؛ لأنّ البطلان أيضا حكم شرعي، و الأصل براءة الذمّة من التزام شيء بدون اليقين أو الظهور، و هو منتفٍ هنا؛ لاشتراك اللفظ بين المعنيين».(1)
لو قال مالك عبد لولده: «بعتك أباك»، فان أقرّ بالبيع و الشراء فينعتق العبد؛ لأنه أقرّ بشراء أبيه و يلزمه الثمن. و أمّا ان أنكر شراءه منه فالعبد ينعتق في هذه الصورة أيضا؛ لأنّ اقرار مولاه ببيعه على ولده يستلزم انعتاقه فيؤخذ باقراره. و أمّا الولد فلايلزمه الثمن؛ لأنّه منكر فينتفي عنه الثمن كما ينتفي عنه أصل الشراء.
1) - مسالك الأفهام 11: 23.
لو قال: «ملكت هذه الدار من فلان»، فهو اقرار له بالدار فبحسب ما يدّعيه صاحبها يختلف الحكم. و كذا لو قال: «غصبت هذه الدار من فلان» فيأخذه باقراره و يحكم عليه بأحكام الغصب. و لو قال: «قبضتها منه» فهو أيضا اقرار له بالدار فيأخذه بحسب اقراره و يحكم عليه. و أمّا لو قال: «تملّكتها على يده» فانّه لايقتضي الاّ جريان سبب الملك على يده و هو أعمّ من صدوره منه فلايدلّ على كونه مالكا؛ لجواز كونه وكيلاً أو دلاّلاً أو نحو ذلك.
لو قال: «كان لفلان عليّ ألف» يقتضي ثبوته في الزمن الماضي و لا دليل على الزوال فيستصحب و لو صرّح بعده بدعوى سقوطه لميسمع؛ لأنّها دعوى منافية للاقرار السابق فيحتاج الى الاثبات و لأصالة البقاء.
قال في الجواهر: «و لو قال: «كان لفلان عليّ ألف» لزمه الاقرار بها بلا خلاف أجده بين من تعرّض له، كالشيخ و الفاضل و الكركي و ثاني الشهيدين و الأردبيلي، الاّ ما يحكى عن يحيى بن سعيد، فلميجعله اقرارا و الشافعي في أحد قوليه، و لا ريب في ضعفه؛ لأنّه اخبار عن تقدّم الاستحقاق، فلاتقبل دعواه في السقوط. انتهى ملخّصا».(1)
1) - جواهر الكلام 35: 31.
و فيها مسائل:
قال في المسالك: «المقرّ به قد يكون معيّنا مفصّلاً، و قد يكون مبهما مجهول الحال. و انّما احتمل فيه الابهام لأنّه اخبار عن سابق، و الشيء يخبر عنه مفصّلاً تارة و مجملاً أخرى، و ربّما كان في ذمّة الانسان شيء لايعلم قدره فلا بدّ له من الاخبار عنه، فيتواطأ هو و صاحبه على الصلح بما يتّفقان عليه، فدعت الحاجة و اقتضت الحكمة الى سماع الاقرار المجمل كما يسمع المفصّل. و يخالف الانشاءات حيث لاتحتمل الجهالة و الاجمال غالبا، احتياطا لابتداء الثبوت، و تحرّزا عن الغرر، و هذا لايجري في الاخبار.
و لا فرق في الأقارير المجملة بين أنتقع ابتداءً أو في جواب دعوى معلومة، كما اذا ادّعى عليه ألف درهم فقال: «لك عليّ شيء». و الألفاظ التي تقع فيها الجهالة و الاجمال لا حصر لها، فذكر المصنّف رحمهالله و غيره من الفقهاء ما هو أكثر استعمالاً و دورانا على الألسنة ليعرف حكمها و يقاس عليها غيرها».(1)
«الأولى»: اذا قال: «له عليّ مال»، ألزم التفسير فان فسّر بما يتموّل قبل و لو كان قليلاً، و لو فسّر بما لمتجر العادة بتموّله كقشر اللوزة و الجوزة لميقبل، و كذا لو فسّر المسلم بما لايملكه و لاينتفع به كالخمر و الخنزير و
1) - مسالك الأفهام 11: 28.
جلد الميتة؛ لأنّه لايعدّ مالاً، و كذا لو فسّره بما ينتفع به و لايملك كالسرجين النجس و الكلب العقور. أمّا لو فسّره بكلب الصيد أو الماشية أو كلب الزرع قبل. و لو فسّره بردّ السلام لميقبل؛ لأنّه لمتجر العادة بالاخبار عن ثبوت مثله في الذمّة.
اذا قال: «له عليّ مال» فعليه التفسير فان فسّر بما يتموّل قبل و لو كان قليلاً بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- الاّ أنيدّعي المقرّ له أنّ المال الذي في ذمّته كان أكثر فيلزمه البيّنة و ان لمتكن فعلى المقرّ المنكر للزيادة اليمين.
و لو لميفسّر ألزم التفسير فان أبى و طلب منه المدّعي حبس حتّى يقرّ بما عليه ممّا يتموّل و كذا لو فسّر بما لايتموّل.
ولكن ليعلم أنّه لايدام في الحبس ان لميفسّر، بل على القاضي أنيستفسر المقرّ له ان علم بالحال فان فسّر هو و ادّعى أمرا فان أنكره المقرّ يطالب المقرّ له
بالبيّنة و ان لمتكن له بيّنة فعلى المقرّ اليمين على نفي ما يدّعيه.
و لو فسّر المسلم بما لايملكه و لاينتفع به كالخمر و الخنزير و جلد الميتة لميقبل منه؛ لعدم ماليّتها عند المسلم، و كذا التفسير بمثل السرجين النجس و الكلب العقور. و أمّا ان فسّره بكلب الصيد أو الماشية أو كلب الزرع قبل.
و لو فسّر قوله: «له عليّ مال» بردّ السلام لميقبل منه؛ لأنّه ليس بمال بل هو كان عليه ردّه في زمان عرض السلام و ليس له قضاء و ليس في ذمّته و ان تركه عمدا فقد أثم. و لو فسّره بوديعة قبل؛ لأنّها مال يجب عليه ردّه عند الطلب. و في الجواهر ادّعى عدم الخلاف و الاشكال في الزامه بالتفسير و حبسه ان أبى منه وفاقا للمشهور.
1) - جواهر الكلام 35: 34.
«الثانية»: اذا قال: «له عليّ شيء»، ففسّره بجلد الميتة أو السرجين النجس قيل: «يقبل؛ لأنّه شيء»، و لو قيل: «لايقبل؛ لأنّه لايثبت في الذمّة»، كان حسنا.
قال في الجواهر: «لو قال: «له عليّ شيء» ففسّره المسلم بجلد الميتة أو السرجين النجس لايقبل؛ لأنّه لايثبت شيء منهما في الذمّة و جزم به غير واحد، بل لمأجد القول بالقبول في الجلد من المسلم العارف لأحد من أصحابنا. بل عن ظاهر المبسوط و التذكرة الاجماع عليه.
نعم في مجمع البرهان: «لايبعد القبول فيه و في الخنزير و الكلب الذي لا منفعة له أصلاً اذا كان القائل ممّن يعتقد جواز الانتفاع بها، سواء كان كافرا أو
مسلما مخالفا أو موافقا».».(1)
أقول:
قد فصّلنا البحث عن جواز بيع النجاسات و ملكيّتها اذا كان لها منفعة محلّلة في مواضع من شرحنا على مكاسب الشيخ الأعظم، و اذا ثبت ملكيّتها لكونها ذات منفعة محلّلة، فيصحّ تفسير الاقرار بها كما لايخفى.
و لو قال: «مال جليل أو عظيم أو خطير أو نفيس» قبل تفسيره و لو بالقليل، و لو قال: «كثير»، قال الشيخ: «يكون ثمانين»؛ رجوعا في تفسير الكثرة الى رواية النذر، و ربّما خصّها بعض الأصحاب بموضع الورود و هو حسن. و كذا لو قال: «عظيم جدّا»، كان كقوله: «عظيم»، و فيه تردّد. و لو قال:
1) - جواهر الكلام 35: 37.
«أكثر من مال فلان»، ألزم بقدره و زيادة و يرجع في تلك الزيادة الى المقرّ، و لو قال: «كنت أظنّ ماله عشرة»، قبل ما بنى عليه اقراره و لو ثبت أنّ مال فلان يزيد عن ذلك؛ لأنّ الانسان يخبر عن وهمه و المال قد يخفى على غير صاحبه. و لو قال: «غصبتك شيئا»، و قال: «أردت نفسك»، لميقبل.
قال في الروضة: «(و لو أقرّ بلفظ مبهم صحّ) اقراره (و ألزم تفسيره)، و اللفظ المبهم (كالمال، و الشيء، و الجزيل، و العظيم، و الحقير)، و النفيس، و مال أيّ مال، و يقبل تفسيره بما قلّ؛ لأنّ كل مال عظيم خطره شرعا».
و قال أيضا: «(و لا فرق) في الابهام و الرجوع اليه في التفسير (بين قوله: عظيم، أو كثير)؛ لاشتراكهما في الاحتمال. (و قيل) و القائل الشيخ و جماعة بالفرق، و أنّ (الكثير ثمانون) كالنذر؛ للرواية الواردة به فيه، و الاستشهاد بقوله تعالى: «لقد نصركم اللّه في مواطن كثيرة». و يضعّف مع تسليمه ببطلان القياس، و لاستعمال الكثير في القرآن لغير ذلك مثل «فئة كثيرة». و «ذكرا كثيرا». و دعوى أنّه عرف شرعي فلا قياس، خلاف الظاهر، و الحاق العظيم به غريب».
و قال أيضا: «(و لو قال: له عليّ أكثر من مال فلان) لزمه بقدره و زيادة. (و) لو (فسّره بدونه و ادّعى ظنّ القلّة حلف)؛ لأصالة عدم علمه به مع ظهور أنّ المال من شأنه أنيخفى».(1)
أقول:
أمّا قبول تفسير اللفظ المبهم بالقليل فالظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه كما في
1) - الروضة البهيّة 6: 388 - 391.
الجواهر، و ان كان اللفظ المقرّ به هو العظيم و الجزيل و غيرهما.
و أمّا ما ذهب اليه الشيخ رحمهالله من تفسير الكثير بثمانين فما استدلّ به الشهيد الثاني على ضعفه، وجيه لا بأس به.
و الأقوى أنّ الكثير كغيره من الألفاظ المبهمة المحتاجة الى التفسير من المقرّ.
و أمّا ما ذكره من لزوم الحلف اذا قال بأنّي أظنّ أنّ مال فلان أقلّ من هذا، فمعلوم أنّ المراد منه ما اذا لميقبل المقرّ له كلامه و أنكره، و الاّ فلايحتاج الى اليمين.
و لو قال: «غصبتك شيئا» و قال: «أردت نفسك» لميقبل؛ لأنّ ما عليه المشهور هو تعريف الغصب بأنّه الاستيلاء على مال الغير عدوانا و نفس الحرّ ليست مالاً و لأنّ المتبادر من اللفظ كون المغصوب غير المغصوب منه.
«الثالثة»: الجمع المنكّر يحمل على الثلاثة كقوله: «له عليّ دراهم أو دنانير»، و لو قال: «له ثلاثة آلاف»، و اقتصر كان بيان الجنس اليه اذا فسّر بما يصحّ تملّكه.
الجمع المنكّر يحمل على الثلاثة كقوله: «له عليّ دراهم أو دنانير»، هذا مع تعذّر التفسير و الاّ ألزم به؛ ضرورة عدم الفرق بينه و بين غيره في الابهام. نعم، لو
فسّره بالثلاثة قبل؛ لأنّه أقلّ الجمع. و لو قال: «له ثلاثة آلاف»، و اقتصر كان بيان الجنس اليه اذا فسّره بما يصحّ تملّكه.
«الرابعة»: اذا قال: «له ألف و درهم» ثبت الدرهم و يرجع في تفسير الألف اليه، و كذا لو قال: «ألف و درهمان»، و كذا لو قال: «مائة و درهم أو
عشرة و درهم»، أمّا لو قال: «مائة و خمسون درهما»، كان الجميع دراهم بخلاف «مائة و درهم»، و كذا لو قال: «ألف و ثلاثة دراهم»، و كذا لو قال: «ألف و مائة درهم أو ألف و ثلاثة و ثلاثون درهما». و لو قال: «عليّ درهم و ألف» كانت الألف مجهولة.
اذا قال: «له ألف و درهم» ثبت الدرهم و يرجع في تفسير الألف اليه؛ لابهامه باعتبار عدم ما يدلّ في اللفظ على تمييزه، و كذا لو قال: «ألف و درهمان»، بل و كذا لو قال: «مائة و درهم أو عشرة و درهم» و الظاهر عدم الخلاف فيها - كما في الجواهر(1)- لأنّ الدرهم وقع معطوفا لا مميّزا.
أمّا لو قال: «مائة و خمسون درهما» مثلاً، كان الجميع دراهم؛ للعرف، بخلاف قوله: «مائة و درهم»، الذي بالعطف الظاهر منه عدم التمييز به. و كذا يراد من الجميع الدراهم لو قال: «ألف و ثلاثة دراهم» بل و كذا لو قال: «ألف و مائة درهم» أو «ألف و ثلاثة و ثلاثون درهما»؛ لأنّ العرف يقضي بأنّ التمييز المتأخّر للجميع. و أمّا لو قال: «عليّ درهم و ألف» كانت الألف مجهولة؛ لعدم تمييز له.
«الخامسة»: اذا قال: «له عليّ كذا» كان اليه التفسير، كما لو قال: «شيء»، و لو فسّره بالدرهم نصبا أو رفعا كان اقرارا بدرهم، و قيل: «ان نصب كان له عشرون» و قد يمكن هذا مع الاطّلاع على القصد و ان خفض احتمل بعض الدرهم و اليه تفسير البعضيّة، و قيل: «يلزمه مائة درهم؛ مراعاة لتجنّب الكسر»، و لست أدري من أين نشأ هذا الشرط. و لو قال: «كذا كذا»، فان اقتصر فاليه التفسير، و ان أتبعه بالدرهم نصبا أو رفعا لزمه درهم، و قيل: «ان
1) - جواهر الكلام 35: 48.
نصب لزمه أحدعشر درهما»، و لو قال: «كذا و كذا درهما» نصبا أو رفعا لزمه درهم، و قيل: «ان نصبه لزمه أحد و عشرون»؛ و الوجه الاقتصار على اليقين الاّ مع العلم بالقصد.
اذا قال: «لفلان كذا» فهو كما لو قال: «شيء» فيقبل تفسيره بما يقبل به تفسير الشيء، هذا اذا لميفسّره، أمّا اذا فسّره بالدرهم فامّا أنيجعل الدرهم منصوبا أو مرفوعا أو مجرورا، ففي الأوّلين يلزمه درهم و يجعل درهما منصوبا على التمييز كما لو قال: «شيء درهما»، و مرفوعا بدلاً من الشيء فكأنّه قال: «له درهم». و في الثالث يلزمه جزء درهم، و اليه يرجع في تفسير الجزء. و ان وقف احتمل الرفع و الجرّ فيلزمه أقلّهما؛ لأصالة البراءة من الزائد.
و اعلم أنّ هذه الألفاظ و الجملات المذكورة في هذه المسألة و غيرها تحمل على ما ذكر من المعاني اذا صدر ممّن كانت لغته عربيّة أو كان عارفا بها و أمّا من كان لسانه غير العربي فيحمل اقراره بحساب لغته و لسانه. و باقي الجملات التي ذكرها المصنّف فهي كما قال ان كان المقرّ عارفا باللغات، و في الألفاظ المبهمة ترجع في تفسيرها الى المقرّ كما تقدّم، فراجع الجواهر و المسالك.
«السادسة»: اذا قال: «هذه الدار لأحد هذين» ألزم البيان، فان عيّن قبل و لو ادّعاها الآخر كانا خصمين، و لو ادّعى على المقرّ العلم كان له احلافه، و لو أقرّ للآخر لزمه الضمان، و ان قال: «لا أعلم»، دفعها اليهما و كانا خصمين، و لو ادّعيا أو أحدهما علمه كان القول قوله مع يمينه.
اذا قال: «هذه الدار لأحد هذين» ألزم البيان كما يلزم في الاقرار بالمجهول، فان عيّن أحدهما قبل منه، ثمّ لو ادّعى الآخر حينئذٍ أنّ هذه الدار له كانا خصمين، و
عليه البيّنة؛ لأنّه خارج و غير ذياليد و ان لمتكن له بيّنة فيجوز له احلاف المقرّ على عدم العلم بكونها له.
و أمّا ان رجع بعد الاقرار للأوّل و قال: «انّ هذه الدار للثاني»، فلاينتزع الدار من الأوّل و أغرم للثاني: لعموم «اقرار العقلاء علي أنفسهم جائز». نعم، لو صدّقه الأوّل دفعت الى الثاني و لا غرم.
و ان قال: «لا أعلم»، فالظاهر وجوب الرجوع الى الحاكم ليسلّمها الى من ثبت أنّها له. و المصنّف يقول بدفعها اليهما و كونهما خصمين و استشكل فيه الشهيد الثاني بأنّ الدفع اليهما دفع الى غير المالك؛ لاعتراف المقرّ بأنّها كانت لأحدهما خاصّة. ولكن الظاهر أنّ الدفع اليهما موجب لكونهما خصمين فمن أقام منهما البيّنة فله و الاّ فيكون كالمتداعيين الخارجين عن العين فيكون المال بينهما نصفين. و لو ادّعيا أو أحدهما علم المقرّ كان القول قول المقرّ مع يمينه على نفي العلم.
«السابعة»: اذا قال: «هذا الثوب أو هذا العبد لزيد» فان عيّن قبل منه، و ان أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه، و للحاكم انتزاع ما أقرّ به و له اقراره في يده.
اذا قال: «هذا الثوب أو هذا العبد لزيد» فألزم التعيين، فان عيّن قبل منه فاذا عيّن الثوب مثلاً فان قبل المقرّ له فهو، و ان أنكره و قال: «بل العبد لي» فالقول قول المقرّ مع يمينه بأنّ الآخر ليس للمقرّ له، فاذا حلف خلص من دعواه و بقيت العين المقرّ بها مجهولة المالك فيحفظها الحاكم أو يجوّز للمقرّ حفظها حتّى يظهر مالكها أو يرجع المقرّ له عن انكاره. و لو أصرّ المقرّ على عدم التعيين و ادّعى
الجهل بالحال أو نسيانه سمع منه و يقرع بين العينين؛ لأنّ القرعة لكلّ أمر مشكل، الاّ اذا ادّعى المقرّ له علمه بالتعيين، فان عيّنه و ادّعى مثلاً أنّ الثوب له فالظاهر قبول قوله من غير حاجة الى بيّنة، اذ هو بمنزلة المدّعي بلا منازع، و قد قرّر في محلّه أنّ المدّعي اذا كان بلا منازع يقبل قوله بلا بيّنة.
«الثامنة»: اذا قال: «لفلان عليّ ألف» ثمّ دفع اليه و قال: «هذه التي كنت أقررت بها كانت وديعة» فان أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه، و كذا لو قال: «لك في ذمّتي ألف» و جاء بها و قال: «هي وديعة و هذه بدلها»، أمّا لو قال: «لك في ذمّتي ألف و هذه هي التي أقررت بها كانت وديعة» لميقبل؛ لأنّ ما في الذمّة لايكون وديعة و ليست كالأولى و لا كالوسطى. و لو قال: «له عليّ ألف» و دفعها و قال: «كانت وديعة و كنت أظنّها باقية فبانت تالفة» لميقبل؛ لأنّه مكذّب اقراره، أمّا لو ادّعى تلفها بعد الاقرار قبل.
الظاهر أنّ الوجه في الفروع الثلاثة الأولى هو أنّ الاقرار في الأوّل بأنّ لفلان عليّ ألفا ثمّ دفعه اليه لاينافي قوله بعد ذلك: «هذه التي كنت أقررت بها كانت وديعة»؛ لامكان أنيكون مراده من قوله: «لفلان عليّ ألف» هو «وجب عليّ» و كذا الثاني؛ فانّ البدل من الوديعة الفائتة التي فرّط في حفظها هو الذي يكون في ذمّته.
و أمّا الثالث فليس كالأوّلين فانّ قوله: «لك في ذمّتي ألف» ينافي قوله: «هذه هي التي أقررت بها كانت وديعة» فلايقبل منه فعليه مضافا الى دفع الوديعة ألف أخرى بعد أنيفسّر الألف كما تقدّم.
و أمّا الرابع فان قال: «له عليّ ألف» و دفعها ثمّ قال: «كانت عندي وديعة و كنت أظنّها باقية فبانت تالفة» فقد ذهب المصنّف الى أنّه لايقبل منه؛ لأنّه مكذّب
لاقراره؛ و ذلك لأنّ الظاهر من اقراره الأوّل و دفعها أنّه هو عين الوديعة فعليه الأخرى ممّا في ذمّته. و أمّا لو قال: «له عليّ ألف و قد تلف و هذا بدل ما كانت عندي وديعة و قد تلفت» فيقبل منه.
هذا ما ذهبوا اليه في هذه الفروع، ولكن ليعلم أنّ ذلك صحيح اذا كان لكلامه ظهور عرفي قد التفت اليه المقرّ و غيره، بحيث لايقبل العرف انكار ذلك الظهور منه.
و أمّا لو لميكن كذلك - كما في هذه الفروع - فالظاهر الزامه بالتفسير و بيان مراده واضحا بحيث لا ستر عليه و لايحتاج الى التفسير و التأويل، ففي الفرع الثالث اذا أوضح الجملة الثانية و فسّرها و قال بأنّ ما أقررت به هو ما أودعه المقرّ له عندي و قد تلف في يدي بتفريط، فالظاهر قبوله منه و لا حاجة الى دفع ألفين و هكذا في الفرع الرابع.
«التاسعة»: اذا قال: «له في هذه الدار مائة» قبل و رجع في تفسير الكيفيّة اليه، فان أنكر المقرّ له شيئا من تفسيره كان القول قول المقرّ مع يمينه.
اذا قال: «له في هذه الدار مائة» قبل و حيث انّ المائة و كيفيّتهامع الدار مبهمة رجع في تفسيرها اليه، فان فسّرها بجزء منها قيمته مائة دينار قبل و صار المقرّ له شريكا بذلك الجزء و كذا لو فسّرها بغير ذلك من الموارد المذكورة في المسالك.
ثمّ انّه لو خالفه المقرّ له و أنكر شيئا من تفسيره كان القول قول المقرّ مع يمينه حيث يكون التفسير محتملاً من اللفظ؛ لأنّه أعلم بما أراد و لأصالة براءة ذمّته من سوى ذلك.
«العاشرة»: اذا قال: «له في ميراث أبي أو من ميراث أبي مائة» كان اقرارا، و لو قال: «في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي» لميكن اقرارا و كان كالوعد بالهبة، و كذا لو قال: «له من هذه الدار» صحّ، و لو قال: «من داري» لميقبل، و لو قال: «له في مالي ألف» لميقبل، و من الناس من فرّق بين «له في مالي» و بين «له في داري» بأنّ بعض الدار لايسمّى دارا و بعض المال يسمّى مالاً. و لو قال في هذه المسائل بحقّ واجب أو بسبب صحيح أو ما جرى مجراه صحّ في الجميع.
اذا قال: «له في ميراث أبي أو من ميراث أبي مائة» كان اقرارا؛ لأنّ المراد تركة أبيه و قد يكون استحقّ ذلك بوصيّة أو دين أو نحوهما من المتعلّقات التي تكون في التركة. و أمّا لو قال: «في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي» لميكن اقرارا و كان كالوعد بالهبة على المشهور بين الأصحاب في القولين كما في الجواهر.(1)
و كذا لو قال: «له ألف من هذه الدار» صحّ اقرارا بلا تناقض. و أمّا لو قال: «له ألف من داري» أو قال: «له في مالي ألف» و نحو ذلك لميقبل؛ للتناقض بين ظهور اضافته اليه المقتضية لملكه له حال الاقرار و بين كونه ملكا سابقا للغير متّصلاً الى حين الاقرار، و من المعلوم عدم كون الشيء الواحد مملوكا لشخصين في زمان واحد.
1) - جواهر الكلام 35: 76.
المقصد الثالث : في الاقرار المستفاد من الجواب
فلو قال: «لي عليك ألف» فقال: «رددتها أو قضيتها» كان اقرارا، و لو قال: «زنها» لميكن اقرارا، و لو قال: «نعم أو أجل أو بلى» كان اقرارا، و لو قال: «أنا مقرّ به» لزم. و لو قال: «أنا مقرّ» و اقتصر لميلزمه؛ لتطرّق الاحتمال، و لو قال: «اشتريت منّي أو استوهبت؟» فقال: «نعم» فهو اقرار، و لو قال: «أ ليس لي عليك كذا؟» فقال: «بلى» كان اقرارا، و لو قال: «نعم» لميكن اقرارا و فيه تردّد من حيث يستعمل الأمران استعمالاً ظاهرا.
لو قال: «لي عليك ألف» فقال: «رددتها أو قضيتها» فقد اعترف بأنّ ذمّته كانت مشغولة بألف فيقبل منه و أمّا ما ادّعاه من ردّها فعليه الاثبات. نعم، لو كانت هناك قرائن لفظيّة أو حاليّة على كونه مستهزءا في الجواب فلايكون اقرارا. و هكذا لو قال - في جواب من قال: «لي عليك ألف» - : «زنها».
و لو قال: «لي عليك ألف»، فقال: «نعم أو أجل أو بلى» و نحو ذلك من الأجوبة التي تستعمل في كلّ لغة للتصديق و الموافقة من غير تفصيل كان اقرارا، سواء كان ذلك في جواب السؤال أو في جواب الاخبار.
و لو قال: «لي عليك ألف» فقال: «أنا مقرّ به» لزم؛ لأنّه اقرار كما هو ظاهر، و أمّا لو قال: «أنا مقرّ»، و اقتصر و لميضف اليه «به» فالمصنّف استشكل في كونه اقرارا؛ لاحتمال أنيكون اقرارا بأمر آخر كما لو كان يريد الاقرار بأنّ اللّه تعالى واحد مثلاً، مضافا الى أصالة البراءة.
و الظاهر أنّ الايكال الى العرف في كلّ لغة أوجه فان احتمل في حقّه غير
الاقرار بما قال: «لي عليك ألف» فهو.
و لو قال: «اشتريت منّي؟» فقال: «نعم» فهو اقرار بالاشتراء منه، فان ادّعى الثمن ففي ذمّته فلو ادّعى المشتري أداءه فعليه البيّنة، و هكذا يكون الحال لو قال: «استوهبت؟» فقال: «نعم» فهو اقرار بالهبة فلو كانت العين باقية و كان هو غير ذيالقربى فيجوز للواهب الرجوع اليه.
و لو قال: «أ ليس لي عليك كذا؟» فقال: «بلى» أو غير ذلك ممّا هو مثله في اللغات الأخرى كان اقرارا، و أمّا لو قال في جوابه: «نعم» فالمصنّف تردّد فيه من حيث احتمال عدم كونه كبلى، و الأوجه ردّ مثل ذلك الى العرف.
و قواعده ثلاث:
«الأولى»: الاستثناء من الاثبات نفي و من النفي اثبات. «الثانية»: الاستثناء من الجنس جائز و من غير الجنس على تردّد. «الثالثة»: يكفي في صحّة الاستثناء أنيبقى بعد الاستثناء بقيّة سواء كانت أقلّ أو أكثر.
قال في المسالك: «الاستثناء من الاثبات نفي فهو موضع وفاق بين العلماء، و أمّا الاستثناء من النفي اثبات فهو أوضح القولين للأصوليّين. و المشهور بين العلماء جواز الاستثناء من الجنس و غيره؛ لوقوعه في القرآن و فصيح اللغة.
ثمّ انّه يكفي في صحّة الاستثناء أنيبقى بعد الاستثناء بقيّة سواء كانت أقلّ أو أكثر، و هو مذهب المحقّقين من الأصوليّين و الأكثر؛ لورود ذلك كلّه لغة. انتهى ملخّصا».(1)
التفريع على القاعدة الأولى: اذا قال: «له عليّ عشرة الاّ درهما» كان اقرارا بتسعة و نفيا للدرهم. و لو قال: «الاّ درهم» كان اقرارا بالعشرة. و لو قال: «ما له عندي شيء الاّ درهم» كان اقرارا بدرهم، و كذا لو قال: «ما له عندي عشرة الاّ درهم»، كان اقرارا بدرهم. و لو قال: «الاّ درهما»، لميكن اقرارا بشيء.
و لو قال: «له خمسة الاّ اثنين و الاّ واحدا» كان اقرارا باثنين. و لو قال:
1) - مسالك الأفهام 11: 67 - 69.
«عشرة الاّ خمسة الاّ ثلاثة» كان اقرارا بثمانية.
و لو كان الاستثناء الأخير بقدر الأوّل رجعا جميعا الى المستثنى منه كقوله: «له عشرة الاّ واحدا الاّ واحدا» فيسقطان من الجملة الأولى.
و لو قال: «لفلان هذا الثوب الاّ ثلثه أو هذه الدار الاّ هذا البيت أو الخاتم الاّ هذا الفصّ صحّ» و كان كالاستثناء بل أظهر، و كذا لو قال: «هذه الدار لفلان و البيت لي أو الخاتم و الفصّ لي» اذا اتّصل الكلام.
و لو قال: «هذه العبيد لزيد الاّ واحدا» كلّف البيان فان عيّن صحّ. و لو أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه، و كذا لو مات أحدهم و عيّن الميّت قبل منه، و مع المنازعة فالقول قول المقرّ مع يمينه.
اذا قال: «له عليّ عشرة الاّ درهما» كان اقرارا بتسعة؛ لأنّ الاستثناء اخراج و هو من الاثبات نفي فقد أثبت العشرة ثم نفى منها الدرهم فبقي المقرّ به تسعة.
و لو قال: «له عليّ عشرة الاّ درهم» كان اقرارا بالعشرة؛ و ذلك لأنّه مع الرفع ليست للاستثناء و الاّ لانتصب ما بعدها، و انّما هي بمعنى «غير» يوصف بها و بما بعدها، ما قبلها و هي العشرة، و لمّا كانت العشرة مرفوعة بالابتداء كان الدرهم الذي يكون صفة للعشرة مرفوعة.
و لو قال: «ما له عندي شيء الاّ درهم» كان اقرارا بدرهم؛ لأنّ الاستثناء من النفي اثبات فانّه لمّا قال: «ما له عندي شيء» اقتضى عدم ثبوت شيء عنده و لمّا قال بعده: «الاّ درهم» فقد أقرّ بالدرهم، و كذا لو قال: «ما له عندي عشرة الاّ درهم»، كان اقرارا بدرهم لأنّه اذا رفعه دلّ على أنّ العشرة منفيّة و الدرهم مستثنى منه مثبتا. و أمّا لو قال: «ما له عندي عشرة الاّ درهما»، لميكن اقرارا بشيء فكأنّه قال: «المقدار الذي هو عشرة الاّ درهما ليس له علي» و المراد أنّه ليس له على تسعة.
و لو قال: «له خمسة الاّ اثنين و الاّ واحدا» كان اقرارا باثنين؛ و ذلك لأنّ الواحد يضاف الى اثنين لمكان العطف و يستثنى من الخمسة فيبقى اثنان.
و لو قال: «له عليّ عشرة الاّ خمسة الاّ ثلاثة» كان اقرارا بثمانية؛ و ذلك لأنّ الخمسة يستثنى من العشرة لأنّ العشرة منفي و الخمسة مثبت فيبقى خمسة و «الاّ ثلاثة» أيضا مثبت فيضاف الى الخمسة فيصير ثمانية. و لو كان الاستثناء الأخير بقدر الأوّل رجعا جميعا الى المستثنى منه و عليه فلو قال: «له عشرة الاّ واحدا الاّ واحدا» فيسقطان من الجملة الأولى.
و لو قال: «لفلان هذا الثوب الاّ ثلثه أو هذه الدار الاّ هذا البيت أو الخاتم الاّ هذا الفصّ صحّ» و كان كالاستثناء؛ و ذلك لوجود المقتضي و لأنّ الكلام كالجملة الواحدة لايتمّ الاّ بآخره، و هكذا يكون الحكم لو قال: «هذه الدار لفلان و البيت لي أو الخاتم و الفصّ لي» اذا اتّصل الكلام.
و لو قال: «هذه العبيد لزيد الاّ واحدا» كلّف البيان بالنسبة الى المستثنى، فان عيّن صحّ و يقبل منه، و لو أنكر المقرّ له كان القول قول المقرّ مع يمينه. و هكذا يكون الحكم لو مات أحد العبيد و عيّن الميّت في المستثنى منه قبل منه، و لو نازعه المقرّ له بأنّ هذا المعيّن ليس في مراده من الاقرار بقوله: «هذه العبيد لزيد الاّ واحدا» فالقول قول المقرّ مع يمينه؛ لأصالة البراءة عن غيره.
هكذا قالوا في هذا المبحث، الاّ أنّه لا بدّ أنيعلم أنّ ذلك فيما اذا كان المقرّ عارفا بقواعد العربيّة و الصرف و النحو، و الاّ فيؤمر بالتفسير أو يوكل الى العرف في تعيين المعنى.
التفريع على الثانية: اذا قال: «له ألف الاّ درهما» فان منعنا الاستثناء من غير الجنس فهو اقرار بتسع مائة و تسعة و تسعين درهما، و ان أجزناه كان تفسير الألف اليه فان فسّرها بشيء يصحّ وضع قيمة الدرهم منه صحّ، و ان كان يستوعبه قيل: «يبطل الاستثناء؛ لأنّه عقّب الاقرار بما يبطله فيصحّ الاقرار و يبطل المبطل»، و قيل: «لايبطل و يكلّف تفسيره بما يبقى منه بقيّة بعد اخراج قيمة الدرهم».
و لو قال: «ألف درهم الاّ ثوبا» فان اعتبرنا الجنس بطل الاستثناء و ان لمنعتبره كلّفنا المقرّ بيان قيمة الثوب فان بقي بعد قيمته شيء من الألف صحّ و الاّ كان فيه الوجهان، و لو كانا مجهولين كقوله: «له ألف الاّ شيئا» كلّف تفسيرهما و كان النظر فيهما كما قلناه.
اذا قال: «له ألف الاّ درهما» فان منعنا الاستثناء من غير الجنس وجب حمل الألف على الدرهم؛ لأنّ اخراج الدرهم منها دالّ على كونها من جنسه فهو اقرار بتسع مائة و تسعة و تسعين درهما، و ان أجزنا الاستثناء من غير الجنس فيقبل منه استثناء الدرهم و ألزم تفسير الألف.
ثمّ انّه لو استوعب الدرهم ما فسّره من الألف كان الاستثناء مستغرقا فلايقبل منه و هل يبطل الاستثناء؟ قيل: «نعم» و هو الأظهر و يرجع اليه في تفسير الألف.
و لو قال: «له ألف درهم الاّ ثوبا» فحيث انّ الاستثناء المنقطع صحيح رجع اليه في بيان قيمة الثوب و المعتبر فيها عدم الاستغراق للمستثنى منه على قاعدة الاستثناء فان بقي منها شيء صحّ و الاّ ففي بطلان الاستثناء أو التفسير للقيمة الوجهان.
و لو كانا مجهولين كقوله: «له ألف الاّ شيئا» كلّف تفسيرهما فان فسّرهما بجنس واحد بأنادّعى كون الألف دراهم و الشيء عشرة منها مثلاً فلا اشكال في القبول؛ لأنّ كلاًّ منهما مجمل يرجع اليه في بيانه و قد أقرّ المقرّ بما يقتضي كون الاستثناء متّصلاً.
و هكذا الكلام في الاقرار بغير الجنس.
التفريع على الثالثة: لو قال: «له درهم الاّ درهما» لميقبل الاستثناء. و لو قال: «درهم و درهم الاّ درهما»، فان قلنا: الاستثناء يرجع الى الجملتين، كان اقرارا بدرهم، و ان قلنا يرجع الى الجملة الأخيرة و هو الصحيح كان اقرارا بدرهمين و بطل الاستثناء.
لو قال: «له درهم الاّ درهما» لميقبل الاستثناء؛ لأنّه مستغرق فيثبت الدرهم و يبطل الاستثناء، و لو ادّعى الغلط و أراد استثناء غيره لميسمع منه.
و لو قال: «درهم و درهم الاّ درهما»، فان قلنا: الاستثناء يرجع الى الجملتين، كان اقرارا بدرهم؛ لأنّه في قوّة قوله: «له درهمان الاّ درهما»، و ان قلنا انّه يرجع الى الجملة الأخيرة - كما هو الصحيح عند المصنّف و عدّة من الأصحاب - كان اقرارا بدرهمين؛ لبطلان الاستثناء بالاستغراق و لزمه درهمان.
و لا بدّ أنيكون مكلّفا حرّا مختارا جائز التصرّف و لاتعتبر عدالته. فالصبي لايقبل اقراره و لو كان باذن وليّه، أمّا لو أقرّ بما له أنيفعله كالوصيّة صحّ. و لو أقرّ المجنون لميصحّ و كذا المكره و السكران. و أمّا المحجور عليه للسفه فان أقرّ بمال لميقبل و يقبل فيما عداه كالخلع و الطلاق، و لو أقرّ بسرقة قبل في الحدّ لا في المال.
و لايقبل اقرار المملوك بمال و لا حدّ و لا جناية توجب أرشا أو قصاصا، و لو أقرّ بمال تبع به اذا أعتق، و لو كان مأذونا في التجارة فأقرّ بما يتعلّق بها قبل؛ لأنّه يملك التصرّف فيملك الاقرار، و يؤخذ ما أقرّ به ممّا في يده، و ان كان أكثر لميضمنه مولاه و يتبع به اذا أعتق.
و يقبل اقرار المفلس. و هل يشارك المقرّ له الغرماء أو يأخذ حقّه من الفاضل؟ فيه تردّد. و تقبل وصيّة المريض في الثلث و ان لميجز الورثة، و كذا اقراره للوارث و للأجنبي مع التهمة على أظهر القولين.
و يقبل الاقرار بالمبهم و يلزم المقرّ بيانه فان امتنع حبس و ضيّق عليه حتّى يبيّن. و قال الشيخ رحمهالله: «يقال له: ان لمتفسّر جعلت ناكلاً، فان أصرّ أحلف المقرّ له»، و لايقبل اقرار الصبي بالبلوغ حتّى يبلغ الحدّ الذي يحتمل البلوغ.
لا بدّ أنيكون المقرّ مكلّفا حرّا مختارا جائز التصرّف بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- و لاتعتبر عدالته عندنا، و عليه فلا خلاف و لا اشكال في أنّ الصبي لايقبل اقراره و لو كان باذن وليّه. و أمّا لو أقرّ بما له أنيفعله كالوصيّة بالمعروف التي قد عرفت في محلّه جوازها منه صحّ؛ لقاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به. و كذا لو أقرّ المجنون مطبقا أو أدوارا حال دوره لميصحّ بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر.
و كذا المكره فلايصحّ اقراره بالاكراه عليه. نعم، لو أكره على الاقرار بشيء فعدل عنه الى الاقرار بغيره صحّ؛ لعدم الاكراه فيما أقرّ به كما لو أكره على الاقرار بمائة فأقرّ بمائتين ألزم به. و كذا لايصحّ الاقرار من السكران و النائم و المغمى عليه و الساهي و الغافل و غيرهم من غير المكلّفين.
أمّا المحجور عليه للسفه فان أقرّ بمال لميقبل بلا خلاف، هذا بحسب الظاهر، و أمّا فيما بينه و بين اللّه تعالى شأنه فيلزمه التخلّص عمّا لزمه منه. و أمّا فيما عدا المال فيقبل اقراره فيه بلا خلاف كالخلع و الطلاق و نحوهما ممّا هو ليس تصرّفا ماليّا. و لو أقرّ حال الحجر بأمر مشتمل على أمرين أي مال و غيره كالسرقة فانّها مال و عليه الحدّ، قبل في الحدّ خاصّة؛ لعدم كونه تصرّفا ماليّا و لايقبل في المال؛ للحجر عليه فيه. و لا ضرر في التبعيض؛ لعدم الملازمة بين الحدّ و بينه.
و أمّا المملوك فلايقبل اقراره عند الأصحاب و ان كان بالغا عاقلاً لا بمال و
1) - جواهر الكلام 35: 103.
لا حدّ و لا جناية توجب أرشا أو قصاصا؛ لأنّه لا مال له و بدنه مملوك لغيره فاقراره انّما هو في حقّ الغير بل لو قلنا بملكه مطلقا أو على بعض الوجوه فهو محجور عليه بالتصرّف فيه الذي منه الاقرار.
و أمّا لو أقرّ و صدّقه المولى قبل بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- من غير فرق بين المال و الجناية؛ لأنّ الحقّ لايعدوهما، و المنع انّما كان لحقّ السيّد و قد انتفى، فالمال ان كانت عينه موجودة دفع الى المقرّ له و ان كانت تالفة تعلّق بذمّته و يتبع به اذا أعتق.
و لو كان العبد مأذونا في التجارة فأقرّ بما يتعلّق بها من دين و نحوه قبل على المشهور؛ لأنّه يملك التصرّف فيملك الاقرار، و يؤخذ ما أقرّ به ممّا في يده و ان كان أكثر لميضمنه المولى و يتبع به اذا أعتق.
و أمّا المفلّس فيقبل اقراره بدين سابق، ولكن هل يشارك المقرّ له الغرماء؛ لعموم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» أو يأخذ حقّه من الفاضل؛ لأنّه اقرار في حقّ الغير؟ فالمصنّف رحمهالله تردّد فيه و قال في المسالك: «الوجه عدم النفوذ في حقّ الغرماء مطلقا»(2)و هو الوجه.
و أمّا اقرار المريض فان لميكن متّهما فمن الأصل و الاّ فمن الثلث؛ و هذا للجمع بين الروايات و قد فصّلناه في كتاب الوصيّة و هنا نذكر منها روايتين:
احداهما صحيحة منصور بن حازم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ عليه دينا؟ فقال: ان كان الميّت مريضا فأعطه الذي أوصى له».(3)
و ثانيتهما كتابته عليهالسلام في صحيحة محمّد بن عبدالجبّار:
«ان كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال ان شاء اللّه، و ان لميكن الدين حقّا أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لميكف».(1)
و قد تقدّم حكم الاقرار بالمبهم و أنّه يقبل و يلزم المقرّ بيانه.
و أمّا اقرار الصبي بالبلوغ فان ادّعاه و فسّره بخروج المني فان بلغ عشر سنين يقبل اقراره بلا خلاف و لا اشكال - كما في الجواهر - و أمّا اذا فسّره بالانبات لميقبل؛ لامكان العلم به بالمشاهدة؛ لأنّ محلّه ليس من العورة، و ان فسّره بالسنّ فالأظهر أنّه لايقبل بدون البيّنة؛ لامكان اقامتها عليه.
و هكذا يكون دعوى الصبيّة البلوغ بالحيض كدعوى الصبي بالاحتلام فيقبل ان كانت في الحدّ الذي يمكن فيه البلوغ، و كذا يستويان في دعواهما بالسنّ و الانبات أيضا.
1) - وسائل الشيعة 19: 294 / الباب 16 من كتاب الوصايا / الحديث 10.
و هو أنيكون له أهليّة التملّك فلو أقرّ لبهيمة لميقبل، و لو قال بسببها صحّ و يكون الاقرار للمالك، و فيه اشكال؛ اذ قد يجب بسببها ما لايستحقّه المالك كأروش الجنايات على سائقها أو راكبها. و لو أقرّ لعبد صحّ و يكون المقرّ به لمولاه؛ لأنّ للعبد أهليّة التصرّف، و لو أقرّ لحمل صحّ سواء أطلق أو بيّن سببا محتملاً كالارث أو الوصيّة.
و لو نسب الاقرار الى السبب الباطل كالجناية عليه فالوجه الصحّة؛ نظرا الى مبدأ الاقرار و الغاءً لما يبطله. و يملك الحمل ما أقرّ به بعد وجوده حيّا، و لو سقط ميّتا فان فسّره بالميراث رجع الى باقي الورثة، و ان قال: «هو وصيّة» رجع الى ورثة الموصي، و ان أجمل طولب ببيانه.
و يحكم بالمال للحمل بعد سقوطه حيّا لدون ستّة أشهر من حين الاقرار، و يبطل استحقاقه لو ولد لأكثر من مدّة الحمل، و لو وضع فيما بين الأقلّ و الأكثر و لميكن للمرأة زوج و لا مالك حكم له به؛ لتحقّقه حملاً وقت
الاقرار، و لو كان لها زوج أو مولى قيل: «لايحكم له؛ لعدم اليقين بوجوده»، و لو قيل: «يكون له بناء على غالب العوائد» كان حسنا. و لو كان الحمل ذكرين تساويا فيما أقرّ به، و لو وضع أحدهما ميّتا كان ما أقرّ به للآخر؛ لأنّ الميّت كالمعدوم، و اذا أقرّ بولد لميكن اقرارا بزوجيّة أمّه و لو كانت مشهورة بالحرّيّة.
يشترط في المقرّ له أنيكون له أهليّة التملّك و لهذا الشرط يتفرّع عليه أمور نذكرها في ضمن أحكام:
منها لو أقرّ بالملك لبهيمة - مثلاً - لميقبل. نعم، لو قال: «عليّ كذا لمالك البهيمة بسبب جناية منّي عليها أو استيفاء منفعة» أو نحو ذلك ممّا يرجع الى مالكها، فلو لميبيّن له السبب فعليه التفسير و لايرد الاشكال.
و منها لو أقرّ لعبد صحّ و يكون المقرّ له لمولاه، و الفرق بينه و بين البهيمة واضح؛ لأنّ للعبد أهليّة التصرّف.
منها لو أقرّ لحمل فلانة فتارة: ينسب اقراره الى سبب يفيد له الملك كما لو قال: «له عندي كذا بسبب وصية أوصي له بها أو ارث ورثه» فهذا الاقرار صحيح؛ لصحّة الوصيّة و الارث و ان كان استقرار ملكه للارث مشروطا بسقوطه حيّا. و أخرى: يعقّب الاقرار بسبب لايفيده له شرعا كما لو قال: «له عندي كذا؛ للجناية عليه أو المعاملة له» ففيه قولان، الأظهر الأشهر الصحّة و يلغو المنافي و يلزم تفسير آخر. و ثالثة: يطلق و لايذكر السبب فينزّل على وجه صحيح و يلزم التفسير.
و يملك الحمل ما أقرّ به له بعد وجوده حيّا سواء مات بعد ذلك فينتقل الى وارثه أم بقي. و ان سقط بعد الاقرار ميّتا يحتاج الى تفسير المقرّ، فان فسّره بالارث
تعيّن بطلانه و رجع الى سائر الورثة، و ان فسّر بالوصيّة له بطل أيضا و يرجع الى
ورثة الموصي؛ للحكم ببطلان الوصيّة من رأس فكان كما لو لميوص. و المتولّي لتكليفه بالتفسير حيث يمتنع الحاكم ليوصل الحقّ الى مستحقّه.
ثمّ انّه يجب أنيكون الحمل حين الاقرار موجودا فعليه لو تعقّب الاقرار بعد الوطء و لو بمدّة قليلة و سقط حيّا بعد ستّة أشهر من حين الوطء يحكم بالمال للحمل، و لو ولد لأكثر من مدّة الحمل بعد الوطء يبطل استحقاقه.
و ان وضع فيما بين الأقلّ و الأكثر و لميكن للمرأة زوج يمكن تجدّده منه و لا مالك كذلك حكم بوجود الحمل؛ لقوّة الظاهر الدالّ على وجوده حالة الاقرار. و ان كان لها زوج أو مولى فهنا يتعارض الأصل و هو عدم وجود الحمل حين الاقرار أو عدم استحقاق الحمل ما يقرّ به المقرّ، و الظاهر؛ نظرا الى الغالب في عادات النساء أنلايكون تامّا الاّ في تسعة أشهر، و الترجيح بالظاهر.
و لو كان الحمل ذكرين أو أنثيين تساويا فيما أقرّ به اذا كان الاقرار مطلقا و لميفصّل. و لو وضع أحدهما ميّتا ينزّل الميّت كأنلميكن، و يرجع الى المقرّ ليذكر جهة الاستحقاق ليعلم مقدار استحقاق الحي.
ثمّ انّه اذا أقرّ بولد لميكن اقرارا بزوجيّة أمّه لأنّ الزوجيّة و النسب أمران متغايران غير متلازمين فلايدلّ أحدهما على الآخر باحدى الدلالات.
و فيه مقاصد:
اذا كان في يده دار على ظاهر التملّك فقال: «هذه لفلان بل لفلان» قضي بها للأوّل و غرّم قيمتها للثاني؛ لأنّه حال بينه و بينها فهو كالمتلف، و كذا لو قال: «غصبتها من فلان بل من فلان». أمّا لو قال: «غصبتها من فلان و هي لفلان» لزمه تسليمها الى المغصوب منه ثمّ لايضمن. و لايحكم للمقرّ له بالملك كما لو كانت دار في يد فلان و أقرّ بها الخارج لآخر و كذا لو قال:«هذه لزيد غصبتها من عمرو».
و لو أقرّ بعبد لانسان فأنكر المقرّ له قال الشيخ: «يعتق؛ لأنّ كلّ واحد منهما أنكر ملكيّته فبقي لغير مالك» و لو قيل: «يبقى على الرقّيّة المجهولة المالك» كان حسنا.
و لو أقرّ أنّ المولى أعتق عبده ثمّ اشتراه قال الشيخ: «صحّ الشراء»، و لو قيل: «يكون ذلك استنقاذا لا شراءً» كان حسنا، و ينعتق؛ لأنّ بالشراء سقط عنه لواحق ملك الأوّل. و لو مات هذا العبد كان للمشتري من تركته قدر الثمن مقاصّة؛ لأنّ المشتري ان كان صادقا فالولاء للمولى ان لميكن وارث سواه و ان كان كاذبا فما ترك للمشتري، فهو مستحقّ على هذا التقدير قدر الثمن على اليقين و ما فضل يكون موقوفا.
اذا كان في يده دار على ظاهر التملّك فقال: «هذه لفلان بل لفلان» قضي بها للأوّل؛ لعموم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»، و غرّم قيمتها للثاني؛ لأنّه حال بينه و بين الدار بالاقرار الأوّل مع اعترافه بأنّه المستحقّ فيغرم له القيمة؛ لتعذّر الوصول الى العين كما لو أتلف عليه مالاً ثمّ أقرّ له به. هذا اذا لميصادق المقرّ له الأوّل على ملكيّة الثاني و الاّ دفعت الى الثاني. و كذا لو قال: «غصبتها من فلان بل من فلان»؛ لأنّ الاقرار بالغصب من الشخص يستلزم الاقرار له باليد الدالّة على الملكيّة.
أمّا لو قال: «غصبتها من فلان و هي لفلان» لزمه تسليمها الى المغصوب منه؛ لاعترافه بالغصب منه المقتضي لوجوب الردّ اليه؛ لاستلزامه كون اليد شرعيّة، ثمّ
لايضمن لمن أقرّ بملكها كما عن الشيخ و الفاضل و ولده كما في الجواهر.(1)
و حينئذٍ فلايحكم لمن أقرّ أنّه له بالملك؛ لأنّ بالاقرار الأوّل قد أثبت له الملك و الاقرار الثاني يكون اقرارا للثاني بما في يد الأوّل، و هذا كما لو كانت دار في يد فلان و أقرّ شخص آخر بأنّ هذه الدار التي في يد زيد كانت لعمرو فلايسمع منه؛ لأنّه اقرار على مال الغير، و كذا لو قال: «هذه لزيد غصبتها من عمرو» و ان وجب دفع الدار الى زيد باعتبار سبق الاقرار بالملك له، و لايغرم حينئذٍ لعمرو عكس الأولى.
و لو أقرّ بعبد لانسان فأنكر المقرّ له قال الشيخ: «يعتق؛ لأنّ كلّ واحد منهما - أي المقرّ و المقرّ له - أنكر ملكيّته فبقي لغير مالك» فالأصل الحرّيّة.
و فيه: انّ الفرض أنّ رقّيّة العبد أمر متحقّق و بطلان الثاني بالتكذيب لايقتضي بطلان الأوّل و بعبارة أخرى أنّ تكذيب المقرّ له لايقتضي بطلان اقرار المقرّ بالملكيّة الذي يقتضي كونه عبدا. و لذا كان الوجه ما ذهب اليه المصنّف من أنّه: «يبقى على الرقّيّة المجهولة المالك».
و لو أقرّ زيد أنّ عمروا أعتق عبده ثمّ اشتراه قال الشيخ: «صحّ الشراء»، و قال المصنّف: «و لو قيل: «يكون ذلك استنقاذا لا شراءً» كان حسنا»، و هو الوجه؛ لأنّه و ان كان اقراره بأنّ عمروا أعتق عبده لميكن له وجه شرعي؛ لعدم استقرار يده عليه الاّ أنّه اذا استقرّ يده عليه يعامل معه معاملة المقرّ فالعبد يكون حرّا. و المال الذي أعطاه عمروا يكون فداءً للعبد الذي كان حرّا بمقتضى اقراره.
1) - جواهر الكلام 35: 133.
و لو مات هذا العبد كان للمشتري من تركته قدر الثمن مقاصّة؛ لأن المشتري ان كان صادقا في اقراره بأنّ مولاه أعتقه فحيث أنّ الولاء للمولى ان لميكن وارث سواه فيأخذ الثمن الذي اشترى به و يردّ ما بقي الى مولاه، و ان كان كاذبا فالمشتري مولاه، فهو مستحقّ قدر الثمن على اليقين و ما فضل يكون موقوفا على هذا التقدير؛ لاحتمال رجوع البائع الى تصديق المشتري فيكون فضل ماله له؛ لأنّ الولاء له.
و فيه مسائل:
«الأولى»: اذا قال: «له عندي وديعة و قد هلكت»، لميقبل، أمّا لو قال: «كان له عندي»؛ فانّه يقبل، و لو قال: «له عليّ مال من ثمن خمر أو خنزير» لزمه المال.
اذا قال: «له عندي وديعة و قد هلكت»، فأوّل قوله: «له عندي وديعة» يقتضي بقاءها فقوله بعد ذلك: «و قد هلكت» ينافيه فلايقبل و لايسمع، أمّا لو قال في أوّل الأمر: «كان له عندي وديعة» فلايدلّ على البقاء و لاينافي الهلاك و غايته أنّه اقرار بالوديعة و قول الودعي مقبول في التلف بيمينه فيكون هنا كذلك.
«الثانية»: اذا قال: «له عليّ ألف» و قطع ثمّ قال: «من ثمن مبيع لمأقبضه» لزمه الألف. و لو وصل فقال: «له عليّ ألف من ثمن مبيع» و قطع ثمّ قال: «لمأقبضه» قبل سواء عيّن المبيع أو لميعيّنه، و فيه احتمال للتسوية بين الصورتين و لعلّه أشبه.
في هذه المسألة ثلاثة أمور:
الأوّل: اذا قال: «له عليّ ألف» و قطع كلامه ثمّ قال: «انّ الألف ثمن لمبيع
لمأقبضه» لزمه الألف؛ لاقراره به و يلغو المنافي؛ لأنّه دعوى محضة تقتضي اثبات مال عند المقرّ له - و هو المبيع - فيسمع الاقرار دون الدعوى، الاّ بالبيّنة.
الثاني: لو قال: «له عليّ ألف من ثمن مبيع» و قطع ثمّ قال: «لمأقبضه»، فالظاهر هنا مساواته للأوّل؛ لاقراره بالألف، و لاينافيه ما وصله بقوله: «من ثمن مبيع»؛ لأنّ الغرض ثبوت الألف، و أمّا تعيين سببها فلا حاجة اليها، و في مقابله قول الشيخ بقبول دعواه الأخير.
الثالث: ان أتى بمجموع الكلام متّصلاً فقال: «له عليّ ألف من ثمن مبيع لمأقبضه» فالظاهر قبول قوله؛ لأنّ الكلام جملة واحدة و لامكان صدقه فيما أخبر به و أراد التخلّص بالاقرار به.
«الثالثة»: لو قال: «ابتعت بخيار أو كفلت بخيار أو ضمنت بخيار» قبل اقراره بالعقد و لميثبت الخيار.
الظاهر قبول قوله في الأوّل أي ما لو قال: «ابتعت بخيار» و ذلك لأنّ وجود الخيار في البيع لايبطله و هو اقرار بالبيع الصحيح فيقبل.
و أمّا بالنسبة الى وصف الخيار في الكفالة و الضمان فقد قيل بقبول قوله بالنسبة الى الكفالة و الضمان و أمّا الخيار فلايقبل؛ و هذا القول مبني على عدم صحّة اشتراطه فيهما فيكون من التعقيب للاقرار بالمفسد، و فيه بحث، ان شئت
فراجع الجواهر،(1)الاّ أنّه قد أثبتنا في كتاب الكفالة و الضمان جواز اشتراط الخيارفيهما بعموم أدلّة الشروط و «المؤمنون عند شروطهم»، و عليه فالصحيح قبول الاقرار بالضمان و كذا الكفالة بالخيار.
«الرابعة»: اذا قال: «له عليّ دراهم ناقصة» صحّ اذا اتّصل بالاقرار كالاستثناء، و يرجع في قدر النقيصة اليه، و كذا لو قال: «دراهم زيّف» لكن يقبل تفسيره بما فيه فضّة، و لو فسّره بما لا فضّة فيه لميقبل.
اذا قال: «له عليّ دراهم ناقصة» صحّ اذا اتّصل بالاقرار كالاستثناء، و يرجع في قدر النقيصة اليه؛ لأنّه من الممكن أنيكون عنده دراهم بهذا الوصف فلو لميقبل الاقرار بها نافى قوله عليهالسلام : «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»، و كذا لو قال: «دراهم زيّف» أي المغشوش، فيرجع اليه في قدر الغشّ بشرط أنيبقى معه فضّة يصدق معها اسم الدراهم؛ اذ لو خلت منها كانت فلوسا لا دراهم مغشوشة.
«الخامسة»: اذا قال: «له عليّ عشرة لا بل تسعة» لزمه عشرة و ليس كذلك لو قال: «عشرة الاّ واحدا».
اذا قال: «له عليّ عشرة لا بل تسعة» لزمه عشرة؛ لأنّه بالاقرار الأوّل يثبت في ذمّته عشرة و قوله بعد ذلك: «بل تسعة» اضراب من الاقرار بالعشرة بعد الايجاب
1) - جواهر الكلام 35: 145 و 146.
و قد تقدّم أنّ «بل» يجعل ما قبله كالمسكوت عنه فكأنّه أقرّ بغيره و رجع عنالاقرار الأوّل، و لايقبل رجوعه.
و أمّا لو قال: «له عليّ عشرة الاّ واحدا» فانّه استثناء فمعناه أنّ له تسعة و كأنّ للتسعة اسمين أحدهما «عشرة الاّ واحدا» فليس هنا اقرار بالعشرة و لا رجوع عنها.
«السادسة»: اذا أشهد بالبيع و قبض الثمن ثمّ أنكر فيما بعد و ادّعى أنّه أشهد تبعا للعادة و لميقبض: قيل؛ «لايقبل دعواه؛ لأنّه مكذّب لاقراره» و قيل: «يقبل؛ لأنّه ادّعى ما هو معتاد» و هو أشبه؛ اذ ليس هو مكذّبا للاقرار بل هو مدّعيا شيئا آخر فيكون على المشتري اليمين، و ليس كذلك لو شهد الشاهدان بايقاع البيع و مشاهدة القبض فانّه لايقبل انكاره و لايتوجّه اليمين؛ لأنّه اكذاب للبيّنة.
اذا أشهد على نفسه بالاقرار بالبيع و قبض الثمن ثمّ أنكر القبض فيما بعد و ادّعى أنّه أشهد تبعا للعادة و لميقبض فانّه تقبل دعواه و يتوجّه له على المقرّ له
اليمين على نفي ما يدّعيه من عدم القبض؛ فانّ المقرّ يدّعي عدم القبض و المقرّ له ينكره فاذا لمتكن هناك بيّنة على الفرض فيتوجّه اليمين على المنكر، فليس هو مكذّبا لاقراره بل هو مدّع لشيء آخر معه و هو عدم قبض الثمن، فيكون على المشتري المنكر له اليمين. نعم، لو شهد الشاهدان بايقاع البيع و مشاهدة القبض ففي هذا الحال لو أنكر البائع قبض الثمن فلايقبل انكاره؛ لأنّه اكذاب للبيّنة.
و فيه مسائل:
«الأولى»: لايثبت الاقرار بنسب الولد الصغير حتّى تكون البنوّة ممكنة و يكون المقرّ به مجهولاً و لاينازعه فيه منازع، فهذه قيود ثلاثة فلو انتفى امكان الولادة لميقبل كالاقرار ببنوّة من هو أكبر منه أو مثله في السنّ أو أصغر منه بما لمتجر العادة بولادته لمثله، أو أقرّ ببنوّة ولد امرأة له و بينهما مسافة لايمكن الوصول اليها في مثل عمره، و كذا لو كان الطفل معلوم النسب لميقبل اقراره، و كذا لو نازعه منازع في بنوّته لميقبل الا ببيّنة، و لايعتبر تصديق الصغير، و هل يعتبر تصديق الكبير؟ ظاهر كلامه في النهاية: «لا» و في المبسوط: «يعتبر»، و هو الأشبه، فلو أنكر الكبير لميثبت النسب و لايثبت النسب في غير الولد الاّ بتصديق المقرّ به، و اذا أقرّ بغير الولد للصلب و لا ورثة له و صدّقه المقرّ به توارثا بينهما و لايتعدّى التوارث الى غيرهما، و لو كان له ورثة مشهورون لميقبل اقراره في النسب.
لايثبت الاقرار بنسب الولد الصغير و لو أنثى حتّى تكون البنوّة ممكنة و يكون المقرّ به مجهولاً و لاينازعه فيه منازع، فهذه قيود ثلاثة لا خلاف في اعتبارها في
الاقرار بنسب الولد و ان اختلف التعبير عنها كما في الجواهر.(1)
فلو انتفى امكان الولادة لميقبل كالاقرار ببنوّة من هو أكبر منه سنّا أو مثله في السنّ أو أصغر منه بما لمتجر العادة بولادته لمثله، أو أقرّ ببنوّة ولد امرأة له و بينهما مسافة لايمكن الوصول اليها في مثل عمره عادة بلا خلاف في شيء من ذلك و لا اشكال كما في الجواهر.
و كذا لو كان الطفل معلوم النسب شرعا لغيره لميقبل اقراره أيضا كذلك، و كذا لو نازعه منازع في بنوّته لميقبل الاّ ببيّنة، و لايعتبر تصديق الصغير سواء كان مراهقا أو لا بلا خلاف.
و هل يعتبر تصديق الكبير؟ الظاهر اعتباره؛ للأصل، و حينئذٍ فلو أنكر الكبير لميثبت النسب بينهما و ان كان يؤخذ المقرّ باقراره بل لايحتاج الى الانكار فيكفي سكوته في عدم الثبوت و هو ظاهر كلماتهم كما في الجواهر.
و لايثبت النسب بين المقرّ و المقرّ به في غير الولد الاّ بتصديق المقرّ به فاذا أقرّ بغير الولد للصلب و لا ورثة له و صدّقه المقرّ به توارثا بينهما؛ و ذلك لصحيحة
عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الحميل؟ فقال: و أيّ شيء الحميل؟ قال: قلت: المرأة تسبى من أرضها و معها الولد الصغير فتقول: هو ابني، و الرجل يسبى فيلقى أخاه فيقول: هو أخي و ليس لهم بيّنة الاّ قولهم. قال: فقال: ما يقول الناس فيهم عندكم؟ قلت: لايورّثونهم؛ لأنّه
1) - جواهر الكلام 35: 154.
لميكن لهم على ولادتهم بيّنة و انّما هي ولادة الشرك، فقال: سبحاناللّه اذا جاءت بابنها أو بابنتها و لم تزل مقرّة به و اذا عرف أخاه و كان ذلك في صحّة منهما و لميزالا مقرّين بذلك ورث بعضهم من بعض».(1)
و صحيحة سعيد الأعرج عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن رجلين حميلين جيء بهما من أرض الشرك؟ فقال أحدهما لصاحبه: أنت أخي فعرفا بذلك ثمّ أعتقا و مكثا مقرّين بالاخاء ثمّ انّ أحدهما مات، قال: الميراث للأخ يصدّقان».(2)
هذا اذا لميكن لهما وارث غيرهما؛ لما عرفته من النصّ و أمّا لو كان للمقرّ ورثة مشهورون فأقرّ بغيرهم لميقبل اقراره في النسب الموجب للتوارث؛ لكونه حينئذٍ اقرارا في حقّ الغير؛ ضرورة كون الارث حقّا لغيره فاقراره بوارث آخر يقتضي منعهم من الارث أو مشاركتهم فيه فلايقبل بمجرّده و ان صادقه الآخر بل يفتقر الى البيّنة.
«الثانية»: اذا أقرّ بولد صغير ثبت نسبه ثمّ بلغ فأنكر لميلتفت الى انكاره؛ لتحقّق النسب سابقا على الانكار.
قال في المسالك: «نبّه المصنّف بذلك على خلاف بعض العامّة حيث ذهب الى انتفاء النسب بانكاره بعد بلوغه؛ لأنّا حكمنا به حيث لميكن انكار و
لا صلاحية له فاذا تحقّق صار كالكبير ابتداءً.
و يضعّف بأنّ هذا لو أثّر لزم أنلايثبت قبل البلوغ أيضا؛ لفقد الشرط، و حيث اعترف ببنوّته وجب استصحابه و حيث نقول بعدم الالتفات الى انكاره لو أراد المقرّ به تحليف المقرّ لميكن له ذلك؛ لأنّه لو رجع لميقبل فلا معنى لتحليفه».(1)
«الثالثة»: اذا أقرّ ولد الميّت بولد له آخر فأقرّا بثالث ثبت نسب الثالث ان كانا عدلين، و لو أنكر الثالث الثاني لميثبت نسب الثاني لكن يأخذ الثالث نصف التركة و يأخذ الأوّل ثلث التركة و الثاني السدس و هو تكملة نصيب الأوّل، و لو كان الاثنان معلومي النسب فأقرّا بثالث ثبت نسبه ان كانا عدلين، و لو أنكر الثالث أحدهما لميلتفت اليه و كانت التركة بينهم أثلاثا.
اذا أقرّ ولد الميّت بولد آخر له فأقرّا بثالث فان كانا عدلين ثبت نسب الثالث؛ لحصول البيّنة، و لو أنكر الثالث الثاني لميثبت نسب الثاني الذي كانت ولديّته باقرار الأوّل لكن يأخذ الثالث نصف التركة؛ لأنّ المشارك له الأوّل خاصّة، و يأخذ الأوّل ثلث التركة؛ لأنّ نصيبه ذلك بمقتضى اقراره، و أمّا الثاني الذي أقرّ به الأوّل و نفاه الثالث يأخذ السدس من الأصل و هو تكملة نصيب الأوّل؛ اذ ليس له الاّ زيادة نصيب ما في يد الأوّل المقرّ.
و لو كان الاثنان معلومي النسب فأقرّا بثالث ثبت نسبه ان كانا عدلين؛ لحصول
1) - مسالك الأفهام 11: 129 و 130.
البيّنة التي يثبت بها مثل ذلك و كونهما مقرّين لاينافي كونهما شاهدين أيضا. و لوأنكر الثالث أحدهما لميلتفت اليه و كانت التركة بينهم أثلاثا؛ لثبوت نسب الأوّلين و اعترافهما بالثالث سواء كانا عدلين أو لا، لكن مع عدالتهما يثبت نسبه معهما و بدونها تثبت شركته معهما في الارث خاصّة؛ لما عرفت من أنّ الاقرار في غير البنوّة لايثبت النسب و انّما يثبت التوارث بين المتصادقين.
«الرابعة»: لو كان للميّت اخوة و زوجة فأقرّت له بولد كان لها الثمن، فان صدّقها الاخوة كان الباقي للولد دون الاخوة، و كذا كلّ وارث في الظاهر أقرّ بمن هو أقرب منه دفع اليه جميع ما في يده، و لو كان مثله دفع اليه من نصيبه بنسبة نصيبه، و ان أنكر الاخوة كان لهم ثلاثة الأرباع و للزوجة الثمن و باقي حصّتها للولد.
لو كان للميّت ورثة في الظاهر اخوة و زوجة فأقرّت زوجة الميّت بولد صغير أو كبير كان لها الثمن بمقتضى اقرارها و هو نصف نصيبها لولا اقرارها، ثمّ ينظر فان صدّقها الاخوة على ذلك كان الباقي و هو سبعة أثمان التركة للولد بل ان كان فيهم عدلان ثبت نسبه أيضا. و هكذا يكون الحكم في كلّ من يكون وارثا في الظاهر فأقرّ بمن هو أقرب منه كالعمّ المقرّ بأخ للميّت، فيدفع الى المقرّ له جميع ما في يد المقرّ من الارث؛ لعموم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».
و أمّا لو أنكر الاخوة الولد كان لهم ثلاثة أرباع التركة و كان للزوجة ثمنها و باقي حصّتها لولا الاقرار و هو الثمن يكون للولد.
و لو كان الوارث قد أقرّ بمساوٍ له في طبقة الارث كما لو كان للميّت أخوانفأقرّ أحدهما بأخت فيدفع اليها خمس نصيبه لولا الاقرار و هو نصف نصيبها و يبقى من نصيبها على زعم المقرّ خمس آخر؛ و ذلك لأنّ نصيب الأخت من الارث مع الأخوين هو الخمس.
فالضابط أنّ المقرّ يدفع الى المقرّ له ما زاد من نصيبه لولا الاقرار على تقدير وجود المقرّ له، فالزوجة تدفع الثمن؛ لأنّه الفاضل من نصيبها لولا اقرارها بالولد، و الأخ يدفع خمس نصيبه؛ لأنّه الفاضل من نصيبه لولا الاقرار بالأخت، و هكذا.
قال في المسالك: «و احترز المصنّف بقوله: «وارث في الظاهر» عن أمرين:
أحدهما: الوارث في نفس الأمر فانّ ارثه كذلك منافٍ لصحّة اقراره فيمتنع اعتباره. و الثاني: عمّا لو لميكن وارث أصلاً فانّ اقراره لايعتبر؛ لأنّه اقرار على الغير و انّما ينفذ اقرار الوارث ظاهرا؛ لكونه اقرارا على ما في يده».(1)
«الخامسة»: اذا مات صبي مجهول النسب فأقرّ انسان ببنوّته ثبت نسبه صغيرا كان أو كبيرا، سواء كان له مال أو لميكن، و كان ميراثه للمقرّ. و لايقدح في ذلك احتمال التهمة كما لو كان حيّا و له مال، و يسقط اعتبار التصديق في طرف الميّت و لو كان كبيرا؛ لأنّه في معنى الصغير، و كذا لو أقرّ ببنوّة مجنون فانّه يسقط اعتبار تصديقه؛ لأنّه لا حكم لكلامه.
1) - مسالك الأفهام 11: 133.
اذا مات صبي مجهول النسب فأقرّ انسان ببنوّته ثبت نسبه بلا خلاف فيه بللعلّه لا خلاف بين المسلمين اذا كان صغيرا، سواء كان له مال أو لميكن. و حينئذٍ فاذا ثبت نسبه كذلك كان جميع ميراثه للمقرّ مع عدم وارث غيره؛ لأنّه أبوه شرعا بالاقرار المزبور كالفراش، و لايقدح في ذلك احتمال التهمة كما لو كان حيّا و له مال. و كذا لو أقرّ ببنوّة مجنون فانّه يسقط اعتبار تصديقه؛ لأنّه لا حكم لكلامه كالصبي بلا خلاف كما في الجواهر.(1)
و أمّا لو كان كبيرا فذهب المحقّق الى تسويته مع الصغير و أيّده في الجواهر و قال بأنّه يسقط اعتبار التصديق في طرف الميّت و لو كان كبيرا؛ لأنّه في معنى الصغير، الاّ أنّ فيه اشكالاً من جهة كون ثبوت النسب بصرف الدعوى و الاقرار خلاف الأصل و لا بدّ من الاقتصار على موضع الوفاق و هو الصغير، الاّ اذا ثبت صدقه من طريق آخر غير الاقرار.
و قال في المسالك: «أمّا على تقدير كونه كبيرا فوجّهوه بأنّ الميّت في حكم الصغير حيث لايمكن في حقّه التصديق فيسقط اعتباره كما سقط في حقّ الصغير. و لايخلو من اشكال؛ لأصالة عدم النسب و كون الحاقه بمجرّد الدعوى على خلاف الأصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق و هو الصغير، و اطلاق اشتراط تصديق الكبير و هو منتفٍ هنا و لا نصّ في المسألة و لا اجماع. و توقّف في التذكرة لذلك و عذره واضح».(2)
«السادسة»: اذا ولدت أمته ولدا فأقرّ ببنوّته لحق به و حكم بحرّيّته بشرطأن لايكون لها زوج، و لو أقرّ بابن احدى أمتيه و عيّنه لحق به، و لو ادّعت الأخرى أنّ ولدها هو الذي أقرّ به فالقول قول المقرّ مع يمينه، و لو لميعيّن و مات قال الشيخ: «يعيّن الوارث فان امتنع أقرع بينهما» و لو قيل باستعمال القرعة بعد الوفاة مطلقا كان حسنا.
اذا ولدت أمته ولدا فأقرّ ببنوّته لحق به و حكم بحرّيّته بشرط امكان تولّده منه و أن لايكون لها زوج و لا محلّل بحيث تكون فراشا له يلحق به ولدها، بلا خلاف في شيء من ذلك و لا اشكال - كما في الجواهر(1)- ؛ اذ لاينقص عن الطفل المجهول.
و لو أقرّ بابن احدى أمتيه و عيّنه لحق به، و لو ادّعت الأخرى أنّ ولدها هو الذي أقرّ به فالقول قول المقرّ مع يمينه؛ لأنّه منكر و لو نكل حلفت هي و ثبت حقّها على مقتضى الدعاوي.
و لو لميعيّن و مات المولى لايعرض على القافة؛ لعدم الاعتداد بها عندنا، و قال الشيخ: «يعيّن الوارث فان امتنع من التعيين لعدم علمه أو لغيره أقرع بينهما»، و المشهور على استعمال القرعة بعد الوفاة؛ لعدم دليل على قبول اخبار الوارث؛ لأنّه اقرار في حقّ الغير.
1) - جواهر الكلام 35: 170.
«السابعة»: لو كان له أولاد ثلاثة من أمة فأقرّ ببنوّة أحدهم فأيّهم عيّنه كانحرّا و الآخران رقّا، و لو اشتبه المعيّن و مات أو لميعيّن استخرج بالقرعة.
لو كان له أولاد ثلاثة من أمة فأقرّ ببنوّة أحدهم فأيّهم عيّنه كان حرّا و الآخران رقّان، و لا فرق بين كون المعيّن الأكبر من الأولاد أو الأصغر أو الأوسط ان لمنقل بصيرورة الأمة فراشا بالوطء كما هو المشهور و لايلحق ولدها بالمولى الاّ باقراره.
و لو اشتبه المعيّن و مات أو لميعيّن استخرج بالقرعة.
«الثامنة»: لايثبت النسب الاّ بشهادة رجلين عدلين، و لايثبت بشهادة رجل و امرأتين على الأظهر و لا بشهادة رجل و يمين و لا بشهادة فاسقين و لو كانا وارثين.
لايثبت النسب الاّ بشهادة رجلين عدلين أو الاستفاضة، و لايثبت بشهادة رجل و امرأتين على الأظهر الأشهر بل المشهور، و لا بشهادة رجل و يمين و لا خلاف عندنا في أنّه لايثبت بشهادة فاسقين و لو كانا وارثين و ان كانا يؤخذان بما يقتضيه اقرارهما، كما مرّ في التوارث.
«التاسعة»: لو شهد الأخوان و كانا عدلين بابن للميّت ثبت نسبه و ميراثه و لايكون ذلك دورا، و لو كانا فاسقين لميثبت النسب ولكن يستحقّ دونهما الارث.
لو شهد الأخوان و كانا عدلين بابن للميّت ثبت نسبه و ميراثه و لايرثان منالميّت و لايكون ذلك دورا؛ لأنّ النسب يثبت من حيث شهادتهما لا من حيث اقرارهما. و لو كانا فاسقين لميثبت النسب ولكن يستحقّ المقرّ له الارث دونهما؛ لاقرارهما.
«العاشرة»: لو أقرّ بوارثين أولى منه فصدّقه كلّ واحد منهما عن نفسه لميثبت النسب، و يثبت الميراث و دفع اليهما ما في يده، و لو تناكرا بينهما لميلتفت الى انكارهما، و لو أقرّ بوارث أولى منه ثمّ أقرّ بآخر أولى منهما فان صدّقه المقرّ له الأوّل دفع المال الى الثاني، و ان كذّبه دفع المقرّ الى الأوّل المال و غرّمه للثاني، و لو كان الثاني مساويا للمقرّ له أوّلاً و لميصدّقه الأوّل دفع المقرّ الى الثاني مثل نصف ما حصل للأوّل.
لو أقرّ الأخ - مثلاً - بوارثين أولى منه دفعة بأنقال: هما الوارثان و لا شريك لهما، فصدّقه كلّ واحد منهما عن نفسه لميثبت النسب، ولكن يثبت الميراث المقرّ به و دفع اليهما معا ما في يده، و لو تناكرا بينهما لميلتفت الى انكارهما؛ لأنّ استحقاقهما للارث ثبت في حالة واحدة و هي الاقرار بهما دفعة فلميكن أحدهما أولى من الآخر.
و لو أقرّ الوارث ظاهرا الذي هو العمّ مثلاً بوارث آخر أولى منه كالأخ فقال: وارث الميّت زيد أخوه، ثم أقرّ بآخر أولى منهما كالولد فقال: وارث الميّت عمرو ولده، فان صدّقه المقرّ له الأوّل دفع المال الى الثاني، و ان كذّبه أحلف و دفع المقرّ
الى الأوّل المال و غرّمه للثاني؛ الزاما باقراره في الموردين. و لو كان الثاني - المقرّله بعد الاقرار للأوّل - مساويا للمقرّ له أوّلاً كما لو قال: هذا أخ الميّت وارث مع الأوّل و لميصدّقه الأوّل دفع المقرّ الى الثاني مثل نصف ما حصل للأوّل؛ لأنّ ذلك هو الذي أتلفه عليه.
«الحادية عشرة»: لو أقرّ بزوج للميّتة و لها ولد أعطاه ربع نصيبه و ان لميكن ولد أعطاه نصفه، و لو أقرّ بزوج آخر لميقبل، و لو أكذب اقراره للأوّل أغرم للثاني مثل ما حصل للأوّل، و لو أقرّ بزوجة و له ولد أعطاها ثمن ما في يده و ان لميكن ولد أعطاها الربع، و ان أقرّ بأخرى غرّم لها مثل نصف نصيب الأولى اذا لمتصدّقه الأولى، و لو أقرّ بثالثة أعطاها ثلث النصيب، و لو أقرّ برابعة أعطاها الربع من نصيب الزوجيّة، و لو أقرّ بخامسة و أنكر احدى الأوّل لميلتفت اليه و غرّم لها مثل نصيب واحدة منهنّ.
لو أقرّ الوارث كأخ الميّت مثلاً بزوج للميّت أعطاه النصف ان كان الوارث أخذ الكلّ أي نصف ما في يده؛ لأنّ نصيب الزوج مع عدم الولد هو النصف و ان كان المقرّ ولدها فالربع؛ لأنّه نصيب الزوج معه.
و لو أقرّ بزوج آخر لميقبل، و أمّا لو أكذب اقراره في الزوج الأوّل بعد الاقرار للثاني أغرم له مثل ما حصل للأوّل؛ لاتلافه نصيبه باقراره الأوّل.
و لو أقرّ بزوجة للميّت فالربع ان كان المقرّ غير الولد و الثمن ان كان المقرّ الولد. و ان أقرّ بزوجة أخرى للميّت و صدّقته الأولى اقتسما الربع على تقدير عدم
الولد و الثمن على تقدير الولد. و لو أكذبته غرّم المقرّ لها نصيبها و هو مثل نصفنصيب الأولى، و لو أقرّ بثالثة أعطاها ثلث النصيب، و لو أقرّ برابعة أعطاها الربع من نصيب الزوجيّة، و لو أقرّ بخامسة و أنكر احدى الأوّل لميلتفت اليه بالنسبة الى ذلك و غرّم لها مثل نصيب واحدة منهنّ أي ربع الثمن أو ربع الربع.
الى هنا تمّ ما أردنا
بيانه من مسائل الاقرار
و يتلوه شرح كتاب الجعالة
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا
مقدّمة:
قبل الشروع في شرح ما ذكره المحقّق رحمهالله في هذا الكتاب، لابأس بذكر مقدّمة لاتخلو من فائدة و هي مشتملة على أمور:
الأوّل: انّ الجعل - بضمّ الجيم - اسم مصدر بمعنى العوض المجعول في الجعالة.
و الجعالة هي تعيين عوض لفعل ما يريده و يحتاج اليه من عمل مقصود محلّل كما سيأتي.
الثاني: هل الجعالة من العقود أو الايقاعات؟ ظاهر كثير أنّها من الايقاعات اذ لميذكروا لها قبولاً كما في ظاهر عبارة المصنّف رحمهالله في بداية هذا الكتاب حيث ذكر أنّ النظر في الايجاب و الأحكام و اللواحق و لميذكر القبول.
و من جعلها من العقود قد وسّع دائرة العقود بحيث تشمل الجعالة و الاّ فالعقدبما له من الأحكام و الحدود لايشمل الجعالة بما لها من التوسّع في الأحكام، و ان كانت تشبه العقود في بعض أحكامها.
الثالث: الفرق بينها و بين الاجارة أنّه لا بدّ في الاجارة من تعيين الأجير و العمل و العوض، و الجعالة لايعتبر فيها شيء من هذه الأمور، فانّ الجاعل لايعيّن العامل و لايجب عليه أنيعيّن مقدار العوض و لا أنيعيّن العمل على نحو ما لزم تعيينه في الاجارة كما سيأتي.
الرابع: في مشروعيّتها:
قال في الجواهر: «الجعالة بتثليث الجيم و ان كان كسرها أشهر كما في المسالك، و هي على ما صرّح به غير واحد لغة ما يجعل للانسان على شيء بفعله، و شرعا انشاء الالتزام بعوض على عمل محلّل مقصود بصيغة دالّة على ذلك، و المراد ما يعتبر فيها شرعا كما في غيرها من العقود و الايقاعات؛ اذ لا حقيقة لها في الشرع غير ما في اللغة كما ذكرناه. فلا خلاف بين المسلمين في مشروعيّتها، بل الاجماع بقسميه على ذلك. مضافا الى قوله تعالى: «و لمن جاء به حمل بعير». انتهى ملخّصا».(1)
و يدلّ على مشروعيّتها عدّة من الروايات أيضا:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليهالسلام قال:
1) - جواهر الكلام 35: 187.
«سألته عن جعل الآبق و الضالّة، قال: لا بأس به».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سمعت أبي يسأل أبا عبداللّه عليهالسلام و أنا أسمع، فقال: ربّما أمرنا الرجل فيشتري لنا الأرض و الدار و الغلام و الجارية، و نجعل له جعلاً،قال: لا بأس».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس فيأخذ عليه جعلاً، فقال: لا بأس به».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أنيتحوّل من منزله فيسكنه، قال: لا بأس به».(4)
و الظاهر أنّ المراد من المنزل هو المشترك بين المسلمين كالأرض المفتوحة عنوة أو الموقوفة على قبيل.
و منها رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال:
«سألته عن الرجل يريد أنيشتري دارا أو أرضا أو خادما و يجعل له
جعلاً، قال: لا بأس به».(1)
هذا كلّه مضافا الى أنّ الحاجة تدعو الى مشروعيّتها فانّ العمل قديكون مجهولاً كردّ الآبق و الضالّة و نحو ذلك ممّا لايقوم به عقد الاجارة كما في الجواهر.
الخامس: انّ الجعالة - سواء كانت من العقود أو الايقاعات - جائزة غير لازمة كما يظهر ذلك من بيان أحكامها ان شاء اللّه.
بعد ما عرفت ما تلونا عليك في المقدّمة فاعلم أنّ المحقّق رحمهالله قد ذكر مباحثكتاب الجعالة في فصول ثلاثة و قال:
و النظر في الايجاب و الأحكام و اللواحق.
1) - وسائل الشيعة 17: 278 / الباب 85 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.
أمّا الايجاب فهو أنيقول: «من ردّ عبدي أو ضالّتي أو فعل كذا فله كذا»، و لايفتقر الى قبول.
انّ ايجابها هو كما قال المصنّف رحمهالله و هو أنيقول مثلاً: «من ردّ عبدي أو ضالّتي، أو فعل كذا فله كذا»، و لايفتقر الى قبول لفظي بل القبول هو العمل فمن تفحّص عن العبد أو الضالّة أو اشتغل بالعمل الذي طلبه الجاعل فقد قبل، فهو جائز غير لازم سواء قلنا بكونها من العقود أو الايقاعات.
و يصحّ على كلّ عمل مقصود محلّل، و يجوز أنيكون العمل مجهولاً؛ لأنّه عقد جائز كالمضاربة. أمّا العوض فلا بدّ أنيكون معلوما بالكيل أو الوزن أو العدد ان كان ممّا جرت العادة بعدّه. و لو كان مجهولاً ثبت بالردّ أجرة المثل كأنيقول: «من ردّ عبدي فله ثوب أو دابّة».
تصحّ الجعالة على كلّ عمل مقصود للعقلاء على وجه يخرج عن كونه سفها كالاجارة، و يشترط كونه محلّلاً غير محرّم سواء كان مباحا أو مندوبا أو مكروها.
و أمّا الواجب ففي الجواهر: «صرّح غير واحد بأنّه لايصحّ الجعالة على الواجب، حتّى أنّهم قالوا: لو قال: «من دلّني على مالي فله كذا» فدلّه من كان المال في يده لميستحقّ الجعل؛ لأنّ ذلك واجب عليه بالشرع، فلايجوز أخذ العوض عليه، و قد استشكل فيه في الجملة. انتهى ملخّصا».(1)
و اشكاله صحيح فانّه كما يجوز الاجارة في الواجبات كالصلاة و الصوم للميّت و الحجّ كذلك يجوز فيها الجعالة أيضا، فانّا قد فصّلنا الكلام عن أخذ الأجرة على الواجبات في محلّه و قلنا بأنّ ما يحرم أخذ الأجرة عليه هو الواجبات العينيّة و بعض الواجبات الكفائيّة.
و يجوز أنيكون العمل مجهولاً في الجعالة؛ لأنّه عقد جائز كالمضاربة التي بناء مشروعيّتها على جهالة العمل كما أنّ الغرض من شرعيّة الجعالة تحصيل الأعمال المجهولة غالبا كردّ الآبق و الضالّة و نحوهما، و الاّ فالأعمال التي لاتكون مجهولة لاتحتاج الى مشروعيّة الجعالة؛ اذ يتأتّى لطالبها تحصيلها بالاجارة و نحوها.
و ليعلم أنّ الجهالة التي لابأس بها في الجعالة ليست مطلق الجهالة بل المعنى أنّه لايعتبر فيه معلوميّة العمل على نحو ما يعتبر في الاجارة مثلاً، و الاّ فمن المعلوم أنّه لايمكن أنيكون العمل مجهولاً مطلقا حتّى في الجعالة.
1) - جواهر الكلام 35: 192.
أمّا العوض - فكما قال المصنّف و هو المشهور بين الأصحاب كما في المسالك - فلا بدّ أنيكون معلوما بالكيل أو الوزن أو العدد ان كان ممّا جرت العادةبعدّه. و لو كان مجهولاً ثبت بالردّ أجرة المثل كأنيقول: «من ردّ عبدي فله ثوب أو دابّة». و لو قال: «من ردّ عبدي الآبق فله نصفه» فهو في حكم المعلوم؛ لأنّ ذلك معيّن في حدّ ذاته لايفضي الى التنازع بخلاف جعل العوض ثوبا و دابّة و نحو ذلك ممّا يختلف كثيرا و تتفاوت أفراده قيمة تفاوتا عظيما يؤدّي الى التنازع.
و عليه ففي موارد الجهل بالعوض لا بدّ من الرجوع الى العرف فيما يتعارف بينهم من العوض على ذلك العمل.
و يعتبر في الجاعل أهليّة الاستئجار و في العامل امكان تحصيل العمل، و لو عيّن الجعالة لواحد فردّ غيره كان عمله ضائعا. و لو تبرّع أجنبي بالجعل وجب عليه الجعل مع الردّ. و يستحقّ الجعل بالتسليم فلو جاء به الى البلد ففرّ لميستحقّ الجعل.
يعتبر في الجاعل أهليّة الاستئجار فلاينفذ جعل الصبي و المجنون و السفيه و المحجور عليه لفلس، و المكره و غير القاصد؛ لأنّها كالعقود و الايقاعات التي لاتصحّ من هؤلاء. و في الجواهر: «بلاخلاف كما اعترف به الفاضل في التذكرة بل و لا اشكال».(1)
1) - جواهر الكلام 35: 196.
و أمّا ما يعتبر في العامل فهو امكان تحصيل العمل، و المراد بالامكان ما يشمل العقلي و الشرعي.
و المراد باعتبار هذا الشرط هو أن لايخاطب الجاعل من لايقدر على ايجادالعمل عقلاً أو شرعا.
و قد مثّلوا للامكان الشرعي بما اذا كان العامل المخاطب للجعالة هو الكافر لو كان العمل المجعول عليه استيفاء الدين من المسلم؛ لاقتضائه اثبات يده عليه الموجب للسبيل المنفي كما في المسالك.(1)
و في المثال مناقشة حيث لايصدق السبيل و التسلّط على استيفاء الدين ظاهرا، و لعلّ المثال بالأمر بدخول الجنب في المسجد و جعل عمل عليه يلزم دخوله في المسجد جنبا، أولى من ذلك المثال.
و لو عيّن الجعالة لواحد فردّ غيره كان عمله ضائعا؛ لأنّه متبرّع حيث لميجعل له أجرة و لا لمن يشمله. و لو تبرّع أجنبي بالجعل وجب عليه الجعل مع الردّ، و ان لميدفع اليه و لايلزم المالك بشيء للعامل و للباذل و لعلّ منه قوله تعالى: «و لمن جاء به حمل بعير».
و يستحقّ العامل الجعل بالتسليم الى يد المالك مع التصريح بالجعل على ذلك أو اطلاق الردّ بناءً على أنّ المتبادر فيه القبض و حينئذ فلو جاء به الى البلد
ففرّ لميستحقّ الجعل.
1) - مسالك الأفهام 11: 155.
و الجعالة جائزة قبل التلبّس، فان تلبّس فالجواز باقٍ في طرف العامل و لازم من طرف الجاعل الاّ أنيدفع أجرة ما عمل للعامل. و لو عقّب الجعالة على عمل معيّن بأخرى و زاد في العوض أو نقص عمل بالأخيرة.
قد تقدّم القول في ذلك و أنّ الجعالة جائزة من الطرفين و معنى ذلك جواز الفسخ من العامل و الجاعل.
أمّا العامل فله فسخها سواء تلبّس بالعمل أو لا.
و أمّا الجاعل فيجوز له فسخ الجعالة قبل تلبّس العامل بالعمل و لا شيء عليه. و كذا يجوز له الفسخ بعد التلبّس بالعمل الاّ أنّ للعامل على الجاعل عوض ما عمل.
قال في المسالك: «لا خلاف في أنّ الجعالة من الأمور الجائزة من الطرفين، بمعنى تسلّط كلّ من المالك و العامل على فسخها قبل التلبّس بالعمل و بعده. ثمّ ان كان الفسخ قبل التلبّس فلا شيء للعامل؛ اذ ليس هناك عمل يقابل بعوض، سواء كان الفسخ من قبله أم من قبل المالك. و ان كان الفسخ بعد التلبّس و كان الفسخ من العامل فلا شيء له؛ لأنّ المالك لميجعل له العوض الاّ في مقابلة مجموع العمل من حيث هو مجموع، فلايستحقّ على أبعاضه.
و ان كان الفسخ من المالك فعليه للعامل عوض ما عمل؛ لأنّه انّما عمل بعوض لميسلم له، و لا تقصير من قبله، و الأصل في العمل المحترم الواقع بأمر
المالك أنيقابل بالعوض. انتهى ملخّصا».(1)
و لو عقّب الجعالة على عمل معيّن بأخرى و زاد في العوض أو نقص أو غيّر بعض ما ذكر كما اذا قال: «من ردّ عبدي فله مائة درهم» ثمّ قال: «من ردّه فلهخمسون أو فله دينار»، فقد فسخ الجعالة الأولى و جعل بدلها أخرى، بشرط عدم التلبّس من العامل بالجعالة الأولى.
1) - مسالك الأفهام 11: 156.
و أمّا الأحكام فمسائل:
«الأولى»: لايستحقّ العامل الأجرة الاّ اذا بذلها الجاعل أوّلاً، و لو حصلت الضالّة في يد انسان قبل الجعل لزمه التسليم و لا أجرة، و كذا لو سعى في التحصيل تبرّعا.
اذا حصلت الضالّة في يد انسان قبل الجعل لزمه التسليم و لو بالاعلام و التخلية و لا أجرة له على ذلك؛ لوجوبه عليه، و كذا لو سعى في التحصيل تبرّعا. نعم، عن التذكرة: «لو قال: من ردّ عليّ مالي فله كذا» فردّه من كان المال في يده نظر فان كان في ردّ من في يده مزيد كلفة و مؤونة كالعبد الآبق استحقّ الجعل و ان لميكن كالدراهم و الدنانير فلا؛ لأنّ ما لا كلفة فيه لايقابل بالعوض».(1)
1) - تذكرة الفقهاء الطبعة القديمة: 287.
ولكن لو قال «من ردّ عليّ مالي فله كذا و ان كان المال في يده» فردّه من كان المال في يده، استحقّ الجعل.
«الثانية»: اذا بذل جعلاً فان عيّنه فعليه تسليمه مع الردّ، و ان لميعيّنه لزم مع الردّ أجرة المثل الاّ في ردّ الآبق على رواية أبي سيّار عن أبي عبداللّه عليهالسلام : «انّ النبي صلىاللهعليهوآله جعل في الآبق دينارا اذا أخذ في مصره و ان أخذ في غير مصره فأربعة دنانير»، و قال الشيخ في المبسوط: «هذا على الأفضل لا الوجوب» و العمل على الرواية و لو نقصت قيمة العبد، و قيل: «الحكم في البعير كذلك»، و لمأظفر فيه بمستند. أمّا لو استدعى الردّ و لميبذل أجرة لميكن للرادّ شيء؛ لأنّه متبرّع بالعمل.
المالك امّا أنيعيّن الجعل و يصفه بما يرفع الجهالة كقوله: «من ردّ عبدي فله دينار» أو يطلق العوض مع التعرّض لذكره كقوله: «فله عليّ أجرة» أو يستدعي الردّ من غير تعرّض للأجرة أو لايستدعي أصلاً و يعمل له العامل مطلوبه بأنيردّ ضالّته أو يخيط ثوبه ابتداءً، ففي الأوّل يلزم ما عيّن بتمام العمل اذا لميفعله العامل بنيّة التبرّع و هذا لا اشكال فيه. و في الثاني يلزم أجرة المثل، و أمّا في الرابع فالظاهر أنّه تبرّعي.
و أمّا العمل بالرواية المذكورة في المتن في الصورة الثانية فعلى الأفضل لا الوجوب؛ لضعف السند و عمل المشهور بعنوان الوجوب غير معلوم.
أمّا في الثالث و هو ما لو استدعى الردّ فان كان ظاهر كلامه استدعاء الردّ تبرّعا
و من دون أجرة فلا أجرة للعامل و الاّ فله أجرة المثل الاّ أنيكون الرادّ من قصد التبرّع.
«الثالثة»: اذا قال: «من ردّ عبدي فله دينار» فردّه جماعة كان الدينار لهم جميعا بالسويّة؛ لأنّ ردّ العمل حصل من الجميع لا من كلّ واحد، أمّا لو قال: «من دخل داري فله دينار» فدخلها جماعة كان لكلّ واحد دينار؛ لأنّ العمل حصل من كلّ واحد.
انّ الحكم في هذه المسألة كما قال المصنّف و ادّعى عليه في الجواهر عدم الخلاف و الاشكال.(1)
فروع:
«الأول»: لو جعل لكلّ واحد من ثلاثة جعلاً أزيد من الآخر فجاءوا به جميعا كان لكلّ واحد ثلث ما جعل له، و لو كانوا أربعة كان له الربع أو خمسة فله الخمس و كذا لو ساوى بينهم بالجعل.
لقد أجاد في المسالك في توضيح هذا الفرع حيث قال: «اذا جعل لكلّ واحد جعالة منفردة على عمل، فامّا أنيساوي بينهم في الجعل، أو يخالفه بالزيادة والنقصان و الجنس، أو يعيّن لبعض و يطلق لبعض. و الفعل امّا أنيقبل الاختلاف
1) - جواهر الكلام 35: 209.
في العمل كخياطة الثوب، أو لايقبل كردّ العبد. فاذا اشتركوا في العمل، و كان ممّا لايختلف، فلكلّ واحد منهم بنسبة ما جعل له من مجموع العاملين. و ان اختلف فلكلّ واحد بنسبة عمله من المجموع، و لمن لميعيّن له من أجرة المثل بنسبة ذلك.
فلو قال لواحد: «ان رددت عبدي فلك دينار»، و قال لآخر: «ان رددته فلك ديناران»، و قال للثالث: «ان رددته فلك ثلاثة دنانير»، و لرابع: «ردّ عبدي و عليّ العوض»، فان ردّه واحد فله ما عيّن له خاصّة، و لمن لميعيّن له أجرة المثل. و لو ردّه اثنان فلكلّ واحد منهما نصف ما جعل له. و لو كان أحدهما غير المعيّن فله نصف أجرة المثل، و للمعيّن نصف ما عيّن له. و ان ردّه ثلاثة فلكلّ واحد ثلث ما جعل له، أو أربعة فلكلّ واحد الربع. و لو كان الجعل على خياطة الثوب فخاطه الأربعة، فلكلّ واحد منهم بنسبة ما عمل الى مجموع العمل ممّا عيّن له، و لمن لميعيّن له من أجرة المثل بنسبة ما عمل الى المجموع، و لا نظر هنا الى العدد».(1)
«الثاني»: لو جعل لبعض الثلاثة جعلاً معلوما و لبعضهم مجهولاً فجاءوا به جميعا كان لصاحب المعلوم ثلث ما جعل له و للمجهول ثلث أجرة مثله.
يعلم هذا الفرع ممّا علم من التقسيمات في الفرع السابق.
1) - مسالك الأفهام 11: 169 و 170.
«الثالث»: لو جعل لواحد جعل على الردّ فشاركه آخر في الردّ كان للمجعول له نصف الأجرة؛ لأنّه عمل نصف العمل و ليس للآخر شيء؛ لأنّه تبرّع، و قال الشيخ: «يستحقّ نصف أجرة المثل» و هو بعيد.
لو جعل لواحد جعل على الردّ فشاركه آخر في الردّ كان للمجعول له نصف الأجرة؛ لأنّه عمل نصف العمل و ليس للآخر شيء؛ لأنّه تبرّع.
قال في المسالك: «و أمّا قول الشيخ باستحقاق المشارك نصف أجرة المثل مع عدم دخوله في الجعالة فضعفه واضح؛ لأنّه لو استقلّ بالفعل لميستحقّ شيئا اجماعا؛ لتبرّعه بالعمل، فكيف يستحقّ مع المشاركة؟ و للعلاّمة قول باستحقاق العامل الجميع؛ لحصول غرض المالك. و يضعّف أيضا بأنّ مطلق حصول غرض المالك لايوجب استحقاق العامل الجميع».(1)
أقول: نعم، لو كان هناك قرينة على أنّ مراد الجاعل أنّه يعطي المجعول له تمام الجعل و لو عمل العمل باستعانة غيره فيعضده غيره، كان قول العلاّمة باستحقاق العامل جميع الأجرة وجيها.
«الرابع»: لو جعل معيّنا على ردّه من مسافة معيّنة فردّه من بعضها كان له من الجعل بنسبة المسافة.
لو جعل معيّنا على ردّه من مسافة معيّنة فردّه من بعضها كان له من الجعل
1) - مسالك الأفهام 11: 170.
بنسبة المسافة؛ و ذلك لأنّه لميعمل جميع العمل المشروط فكان له من الجعل مقابلة عمله و سقط الباقي.
قال في المسالك: «هكذا ذكره الأصحاب و غيرهم من غير نقل خلاف فيه. و لايخلو من نظر على قاعدة الجعالة».
و قد فصّل فيه في الجواهر فراجع.(1)
أقول: تارة يكون غرض الجاعل ردّ الشيء نفسه و لايكون قطع المسافة داخلاً في غرضه أصلاً و انّما ذكر المسافة المعيّنة لزعمه أنّ ذلك الشيء يحصل عليه العامل في تلك المسافة، و عليه فاذا ردّه العامل و لو من بعض تلك المسافة يجب على الجاعل أنيعطيه تمام الأجرة.
و أخرى يكون قطع المسافة داخلاً في غرضه و في هذه الصورة كان لما ذكره المصنّف رحمهالله و كذا الأصحاب وجه.
ولكنّ الغالب في مثل هذه الجعالة هو الأوّل.
و لو ردّه من أزيد من المسافة فان دخل المعيّن استحقّ الجعل المعيّن أو أجرة المثل و لا شيء له للزائد؛ لأنّ المالك لميلتزمه فيكون العامل فيه متبرّعا فلا عوض له عنه، و هذا يصحّ على ما ذكرناه في الصورة الأولى من كون قصده من الجعالة ردّ الشيء فقط، ولكن الاحتياط في هذا الفرض هو التصالح.
1) - جواهر الكلام 35: 213.
و يلحق بذلك مسائل التنازع و هي ثلاث:
«الأولى»: لو قال: «شارطتني» فقال المالك: «لمأشارطك» فالقول قول المالك مع يمينه، و كذا القول قوله لو جاء بأحد الآبقين فقال المالك: «لمأقصد هذا».
لو قال: «شارطتني» أي أمرتني بالعمل و جعلت لي جعلاً معيّنا أو أستحقّ به أجرة المثل، فقال المالك: «لمأشارطك و لمآمرك» فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأنّه منكر؛ اذ الأصل عدم الأمر و الشرط.
و كذا القول قول المالك لو جاء بأحد الآبقين فقال المالك: «لمأقصد هذا»؛ لأنّ مرجع دعوى العامل على المالك الشرط على هذا الآبق الذي ردّه و هو ينكره فالقول قول المالك؛ لأصالة عدم الشرط.
«الثانية»: لو اختلفا في قدر الجعل أو جنسه فالقول قول الجاعل مع يمينه، قال الشيخ: «و يثبت للعامل أجرة المثل»، و لو قيل: «يثبت أقلّ الأمرين من الأجرة و القدر المدّعى» كان حسنا، و كان بعض من عاصرناه يثبت مع اليمين ما ادّعاه الجاعل و هو خطأ؛ لأنّ فائدة يمينه اسقاط دعوى العامل لا ثبوت ما يدّعيه الحالف.
قال في المسالك: «البحث هنا يقع في موضعين:
«أحدهما»: أنيختلفا في قدر الجعل، بأنقال المالك: «بذلك خمسين»، فقال العامل: «بل مائة»، مع اتّفاقهما على الجنس و الوصف.
و فيه أقوال: «الأوّل»: انّ القول قول المالك، فاذا حلف ثبت أجرة المثل. و هو قول الشيخ و جماعة؛ أمّا تقديم قوله فلأنّ الاختلاف في فعله فيقدّم فيه كما يقدّم في أصل الجعل، و لأنّه ينكر ما يدّعيه العامل من الزائد، فيكون معه أصل عدم بذله و براءة ذمّته منه. و أمّا ثبوت أجرة المثل فلأنّ يمينه على نفي ما يدّعيه العامل لا على اثبات ما يدّعيه، فاذا انتفى ما يدّعيه العامل و لميثبت ما يدّعيه هو ثبت أجرة المثل؛ للاتّفاق على وقوع العمل بعوض، و أجرة المثل عوض ما لايثبت فيه مقدّر.
«الثاني»: انّ القول قول المالك؛ لما ذكر، لكن يثبت أقلّ الأمرين من أجرة المثل و ما يدّعيه العامل؛ لأنّ أجرة المثل ان كانت أقلّ فقد انتفى ما يدّعيه العامل بيمين المالك فيثبت أجرة المثل؛ لما ذكر في القول الأوّل، و ان كان ما يدّعيه أقلّ من الأجرة فلاعترافه بعدم استحقاق الزيادة و ببراءة المالك منها فكيف تثبت له؟
و من هنا يظهر ضعف اطلاق القول الأوّل. و هذا هو الذي اختاره المصنّف رحمهالله و العلاّمة في التذكرة و التحرير. انتهى ملخّصا».(1)
«الثالثة»: لو اختلفا في السعي بأنقال: «حصل في يدك قبل الجعل فلا جعل لك» فالقول قول المالك؛ تمسّكا بالأصل.
لو اختلفا في السعي بأنقال المالك: «حصل في يدك قبل الجعل فلا جعل لك» و قال الآخر: «حصل في يدي بعد الجعل» فالقول قول المالك؛ تمسّكا بالأصل الذي يقتضي براءة ذمّة المالك؛ لأنّ الشكّ في الشرط شكّ في المشروط، و هذا الحكم لا اشكال فيه بشرط الجهل بتاريخ الحصول في اليد و الجعل معا، و كذا في صورة الجهل بتاريخ الجعل مع العلم بتاريخ الحصول في اليد.
و أمّا مع العلم بتاريخ الجعل و الجهل بتاريخ الحصول في اليد فالظاهر أنّ القول قول العامل و ذلك لأنّ استصحاب عدم الحصول في اليد الى حين الجهل كافٍ في اثبات كون الحصول في اليد بعد الجعل من غير أنيكون من الأصل المثبت الذي ليس بحجّة على ما قد أثبتناه في الأصول.(2)
هذا تمام الكلام في شرح كتاب الجعالة
تمّ بعون اللّه الملك العلاّم ما أردنا شرحه
في هذا المجلّد من بعض الكتب الذي لميذكر في العروة الوثقى
و قد شرحناه من كتاب شرائع الاسلام للمحقّق الحلّي قدسسره و قد اشتمل
هذا المجلّد على شرح كتاب الرهن و المفلّس و الحجر و الصلح و الوديعة و العارية و الوكالة و الهبات و السبق و الرماية و الاقرار و الجعالة
و قد تمّ استئناف النظر فيه في شهر ربيع الثاني سنة 1437
و الحمدللّه أوّلاً و آخرا و ظاهرا و باطنا
و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين
سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني
ابن سيّد على أكبر